شرح تبصره المتعلمین جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : عراقی، ضیاءالدین، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.

عنوان قراردادی : تبصره‌المتعلمین‌فی‌احکام‌الدین. شرح

عنوان و نام پديدآور : شرح تبصره المتعلمین/ تالیف ضیاءالدین العراقی.؛ تحقیق محمد‌الحسون.

مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشر‌الاسلامی، ۱۴۱۴ = [-۱۳۷۲]

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه؛ ۵۹۱ ، ۵۹۲، ۵۹۳، ۵۹۴.

شابک : ۲۸۰۰ ریال (ج. ۵)

يادداشت : عربی.

يادداشت : این کتاب شرحی است بر "تبصره المتعلمین فی احکام الدین" علامه حلی.

يادداشت : ج.۲ (چاپ اول: ۱۴۱۴ق.[=۱۳۷۷]).

يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ ق. = ۱۳۷۱).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : علامه‌حلی، حسن‌بن‌یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین‌فی احکام‌الدین -- نقد و تفسیر.

موضوع : فقه جعفری -- قرن ۷ق.

شناسه افزوده : حسون، محمد، ۱۳۳۸ - ، مصحح

شناسه افزوده : علامه حلی، حسن‌بن یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین فی احکام الدین. شرح

شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی

رده بندی کنگره : BP۱۸۲/۳/ع۸ت۲۰۲۱۶۵ ۱۳۷۰ی

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲

شماره کتابشناسی ملی : م‌۷۳-۱۷۰۲

اشارة

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[تتمة كتاب الصلاة]

الباب الثاني في أفعال الصلاة

اشارة

و هي واجبة و مندوبة، فهاهنا فصول:

الأول: الواجبات ثمانية:

الأول: النية

و في جعلها في عداد الأفعال نظر، لخروجها عن حقيقتها جزما، و إلّا لدار، نعم هي من قوام العبادة و روحها، كما لا يخفى.

و لا بد أن تكون مقارنة لتكبيرة الإحرام باحداثها حينها، أو بإبقائها إلى الحين المزبور، كما هو الشأن، بناء على كونها عبارة عن الداعي لا الاخطار.

و يجب في النية القربة و التعيين عند اختلاف الحقيقة، و إلّا فيشكل أمر وجوبه، بعد الجزم بإتيانه بداعي شخص أمره بلا عنوان، المستلزم لإسقاط واحد من الوجودين عن عهدته، لو لا آكدية أحدهما، فيسقط الآكد وجدانا و برهانا.

و في اعتبار التعيين، بمعنى عدم عدوله من التقرب بشخص أمره إلى التقرب بغيره، كلام آخر، أشرنا إليه في بحث العدول.

و لو لا تسالم الكلمات بإضراره لكان مقتضى البراءة عدمه، لانتهاء الأمر إلى الشك في دخل القربة الخاصة في العبادة.

نعم بناء على أصالة التعبدية يشكل أمره، لأنه مجرى قاعدة الاشتغال كما توهم.

و في اعتبار قصد الوجه زائدا على القربة، من قصد الوجوب أو الندب)، بل و الأداء أو القضاء) نظر، خصوصا في الأخيرين، بعد عدم كون اختلافهما قصديا، و عدم اعتبار أزيد من التقرب بشخص أمره المتوجه إلى شخص هذا الوجود فعلا.

نعم لو كان الاهتمام بمصلحة الوقت أزيد يقع قهرا أداء، و لو قصد القضاء، ما لم يكن ذلك بنحو وحدة المطلوب، و إلّا فيشكل أمره، لعدم تقربه بشخص أمره المعتبر فيه جزما، كما لا يخفى.

و يجب استدامتها حكما إلى الفراغ عند المصنف، بل المشهور القائلين بالإخطار في النية، و إلّا فعلى الداعي فلا بد أن تكون الأفعال مأتية عن داع قربى، و في لزوم الاستدامة المستتبعة لبقائه على داعيه حتى في خلال أفعالها نظر، و عليه فلا يضر تخلل العدم، إذا عاد حين الشروع في الفعل التالي إلى الداعي المزبور، كما أشرنا إليه، و حكينا عن الجواهر أيضا التزامه به (1)، و الأصل أيضا لا يقتضي أزيد من ذلك، لو لا الإطلاقات و لو المقامية، كما لا يخفى.

الثاني: الذي ينبغي أن يكون أولا تكبيرة الإحرام،

بلا اشكال نصا (2)و فتوى، و يكفي من النص قوله: «لا صلاة بلا افتتاح» (3)، أو «تحريمها التكبير» (4)، و ما دل على فسادها بنسيان تكبيرة الإحرام (5)، و عدم


1) جواهر الكلام 9: 150.

2) وسائل الشيعة 4: 713 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام.

3) وسائل الشيعة 4: 716 باب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 7.

4) وسائل الشيعة 4: 715 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 10.

5) وسائل الشيعة 4: 715 باب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 1.

الاكتفاء تكبيرة الركوع (1).

و لازمه كونه ركنا و قصديا، و إلّا لما كان وجه لعدم الاكتفاء بتكبير الركوع بعد رجوعه إلى نسيان الفاتحة، الذي لا يضر بالصلاة بحكم «لا تعاد»، و عليه أيضا فتوى الأصحاب.

و حينئذ فما في قباله من الاكتفاء بتكبيرة الركوع (2)، مطروح بإعراض الأصحاب.

و مع الغض عن ضعف السند كانت النسبة بين الروايتين متباينتين، لعدم مجال الجمع بحمل الأول على الفضيلة، لأنه من جهة لازمة- من جواز قطع هذه الصلاة- كان أصرح من الثانية، الدالة بلازمها على حرمة قطعها.

و في مثل ذلك لا مجال لمعاملة الظاهر و النص، بل كان ظهور من جهة و نص من جهة أخرى، بنحو غير قابل أيضا لرفع اليد عن ظهور كل واحد بنص الآخر، للجزم بأنّ الحاصل من الجمعين على خلاف الواقع، فلا محيص في مثليهما من إعمال التباين بينهما.

و بعد ذلك فنقول: مقتضى القاعدة هو التخيير، بعد ما لم يكن في البين عموم سنة أو كتاب و لا مخالفة عامة، و المفروض أنه ليس في البين على المختار مرجّح آخر في قبال الإطلاقات، و لكن أنى لنا بعد إعراض الأصحاب للوصول إلى هذه الرتبة.

ثم انّ لازم بطلان الصلاة بتركها نسيانا بطلانها بزيادتها أيضا، للجزم بهذه الملازمة في باب الصلاة الفريضة باستقراء أبوابها.

و لو افتتح بقصد صلاة أخرى في هذه الصلاة نسيانا لا ضير فيه جزما


1) وسائل الشيعة 4: 718 باب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 718 باب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 2.

لعدم صدق الزيادة، ما لم يرجع الى قصد الجزئية لهذه الصلاة، بل لا دليل على مبطليتها عمدا أيضا، بعد ما لم يكن ذلك بكلام آدمي، و لا مخل بالموالاة، و لذا نقول بأنه لو لا «السلام» الذي هو من كلام الآدميين، لكنا نقول بمقتضى القاعدة بجواز الصلاة في الصلاة، فكون السلام كلاما آدميا أوجبت زيادتها عمدا البطلان على خلاف القاعدة.

ثم انّ ظاهر جملة من الأخبار اختلاف مراتب الافتتاح من الواحد إلى السبعة (1)، و في بعض آخر بطلان الصلاة بأول التكبيرات سهوا (2)، و ذلك يقتضي قصديته، و لازم قصدية الافتتاح أيضا انحصار الافتتاح بالأول، و أنّ البقية أبدال تكبيرات الركوع، كما يومئ إليه أيضا بعض النصوص (3).

و عليه فربما تقع المعارضة بين هذه الرواية، بضم رواية قصدية الافتتاح، و بين الطائفة السابقة، الظاهرة في اختلاف مراتبه الظاهرة في أنّ السبعة بأجمعها افتتاح.

و الذي يسهّل الخطب: أنه لا دليل على قصدية الافتتاح، إذ غاية ما يقتضي خبر نسيان الافتتاح و لو مع وجود تكبيرة الركوع، قصدية الافتتاح في الجملة، و ذلك قابل للحمل على أول الوجودات، بقرينة الرواية السابقة، ثم يجمع بينها و بين الأولى بجعل البقية أيضا افتتاحا قهريا لا قصديا، و اللّٰه العالم.

و صورتها: اللّٰه أكبر، لقوله عليه السلام: «اللّٰه أكبر كلمة أعلى


1) وسائل الشيعة 4: 721 باب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام.

2) وسائل الشيعة 4: 715 باب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

3) وسائل الشيعة 4: 721 باب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام.

الكلمات، لا يفتتح الصلاة إلّا بها» (1).

و كون الهمزة في خصوص المقام همزة قطع على خلاف القاعدة يحتاج الى دليل، فإن تم إجماع فهو، و إلّا فالقواعد محكمة، لأصالة عدم الردع عن الطريقة العرفية، بل مع الشبهة ينتهي إلى البراءة.

و لا تكفي الترجمة مع القدرة، لظهور الحصر في النص السابق في الكلمة في دخل خصوصها، و مع العجز عن مقدار منه، على وجه يصدق معه ميسور التكبيرة، يقتصر عليه، لقاعدة الميسور، و إلّا ففي الانتقال إلى الترجمة أو الإشارة كالأخرس، وجهان: أولهما مبني على شمول قاعدة الميسور له، و مع التشكيك فيه- كما هو الظاهر- يتعين الثاني، لأصالة عدم بدلية غيره، و مع التشكيك في بدلية الإيماء في مثل المقام أيضا، لا بدّ من الجمع بينهما بقصد ما في الذمة، بلا شبهة زيادة افتتاح حينئذ جزما، كما لا يخفى.

و يجب التعلّم مقدمة عقلا و شرعا، بلا اشكال مهما أمكن.

و الأخرس و أمثاله يشير بها بألفاظها مع سبقة بها، و إلّا إلى معناها و لو إجمالا مع عقد قلبه، بل و تحريك لسانه إن أمكن، لما في خبر السكوني في تلبيته و تشهده و قرائته (2)، المتعدّي منها إلى تكبيراته جزما، و فيه تحريك لسانه و إشارته بإصبعه، الملازم عادة في تفهّم مقاصده للأقران بعقد قلبه لمعناه، الجاري في المقام بالمناط جزما، كما لا يخفى.

و شرطها القيام مع القدرة لدى المصنف، و ظاهره عدم ارتباط هذا القيام بأفعال الصلاة في عرض التكبيرة، بل ظاهر قوله: «الصحيح يصلّي


1) وسائل الشيعة 4: 718 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 12.

2) وسائل الشيعة 4: 801 باب 59 من أبواب القراءة حديث 1.

قائما» (1)أيضا كون صلاته حال قيامه، فالقيام حال الأفعال خارجة عن الصلاة، بل الصلاة هي الأفعال في تلك الحالة، من تكبيرة و قراءة و غير ذلك.

و لكن ظاهر جملة من الكلمات جزئية القيام لها، لكن لا مطلقا، بل خصوص ما كان في حال الأفعال، من حين التكبيرة إلى آخر القراءة إلى أن يركع عنه، و ترتيب أثر العبادية على القيام المزبور- بحيث يبطل لو كان في مكان مغصوب بلا غصب في فضائه، كي يضر بقراءته- يؤيد الجزئية، إذ ليس وجه لقربيته إلّا قربية الصلاة، لا قربية شي‌ء زائد خارج عنها علاوة على الأمر بالقيام بعد الركوع، المعلوم كونه بسياق الركوع، نظير قوله: رجل شك في السجدة بعد ما قام (2)، فإنها ظاهرة أيضا في الجزئية بالسياق المزبور.

الثالث: بل الثاني من أجزاء الصلاة القيام

حال التكبيرة و غيرها من القراءة و الذكر: للصحيح السابق.

بل و ظاهر كون القيام تبع ما يقع حاله من الأفعال من حيث الوجوب و الاستحباب، لأنّ الصحيحة مسوقة لبيان انّ ما هو صلاة لا بدّ أن يكون في حالة القيام، فبعد كون نظرها في ذلك إلى جميع مراتب الصلاة، من الملازمة و الراجحة، فمرجع دخله فيها إلى كون القيام المبني على وجودها لا بدّ من الوجود، و هذا المعنى يقتضي حفظ وجوده مهما يجب وجود البقية و عدمه فيما لا يوجد من أفعاله.

فمرجع استحباب القيام حال الأفعال إلى عدم وجوب حفظه، و لو بعدم حفظ الفعل المستحب في حاله، لا عدم وجوبه حتى مع إتيان المستحب،


1) جواهر الكلام 10: 83.

2) وسائل الشيعة 4: 739 باب 6 من أبواب القراءة.

كيف و هو ينافي ظهور الصحيح القائل: «يصلّي قائما».

و لعل نظر من قال باختلاف حكمه باختلاف حال الأفعال الواقعة في حال وجوده، إلى هذا المعنى، لا إلى كون القيام جائز الترك في حال الأفعال المستحبة، إذ لا دليل على هذا المعنى، بل لو قيل بانصراف الصحيح المزبور إلى الصلاة بمقدارها الواجب، فلا دليل على اعتبار القيام في حال الأفعال المستحبة، فاستفادتهم ذلك من الصحيحة شاهد كون غرضهم من اختلاف حكمه هو المعنى الذي ذكرناه، لا التوهم المزبور.

ثم انّ مرجع جزئية القيام حال الأفعال إلى جزئية حصة منه مقارنا لها، لا مقيدا به و لا مطلقا، كما هو الشأن في جميع الأجزاء بالقياس إلى البعض، فتأمل.

و هو أي القيام ركن في حال التكبيرة، و خصوص المتصل بالركوع.

أما الأول فبالنص (1)، و أما الثاني فللإجماع.

و ما في النص في نسيان الركوع إلى أن دخل في السجدة، من الأمر بالقيام و الركوع (2)، فغير دال على الركنية، بل لأنّ المحل باق فيجب تداركه، و إن لم يكن ركنا، فالعمدة فيه الإجماع المزبور.

و أما القيام حال القراءة أو الذكر، واجبا أم مستحبا، فلا يكون ركنا، لعدم دليل عليه يصلح معارضا لعموم «لا تعاد».

و يجب أيضا القيام بعد الركوع، كما سيأتي في كلام المصنف في بحث الركوع إن شاء اللّٰه.


1) التهذيب 2: 353 حديث 1466.

2) وسائل الشيعة 4: 935 باب 12 من أبواب الركوع حديث 1 و 2.

ثم ان وجوب القيام ثابت مع القدرة، كما أنه حينئذ تجب فيه الطمأنينة المعتبرة في أفعال الصلاة كلها.

و في النص: «ثم افعل ذلك»، أي الطمأنينة «في صلاتك كلها» (1)، و لا ركنية له حتى في القيام الركني، لعموم لا تعاد (2).

نعم في إقامة الصلب يمكن المصير إلى كون حكمه من حيث الركنية حكم القيام، بناء على كون اقامة الصلب مرتبة خاصة من القيام، فقوله:

«لا صلاة لمن لم يقم صلبه» (3)، ناظر إلى وجوب المرتبة الكاملة منه، بضميمة انّ النص في ركنيته حال التكبيرة، أو الإجماع على ركنية المتصل بالركوع، ناظران الى هذه المرتبة المعتبرة في الصلاة، لا إلى ذاته، و إلّا فيشكل إثبات ركنيته بعد عموم «لا تعاد» فيه كالطمأنينة أيضا.

و يعتبر مع القدرة أيضا استقلاله في القيام، لانصراف الإطلاق إليه، علاوة على النصوص المستفيضة (4)، بعد طرح ما يقابلها باعراض المشهور.

و كذلك القيام على القدمين بعين الوجه المزبور، من الانصراف.

و لو عجز اعتمد بلا اشكال، مع بقاء عجزه الى آخر الوقت، لقاعدة الاضطرار، مع حفظ القيام مهما أمكن.

و لو علم بطروء التمكن من الاستقلال آخر الوقت، فقبل الدخول فيها يجب انتظاره، لعدم شمول دليل البدلية لمثله، و لذا قلنا بعدم جواز البدار بهذا المعنى لأولي الأعذار.

و أما حال دخوله فيها، فظاهر الأصحاب جواز الاقتصار بهذه الصلاة،


1) انظر جواهر الكلام 10: 83.

2) وسائل الشيعة 4: 738 باب 6 من أبواب القراءة حديث 5.

3) وسائل الشيعة 4: 694 باب 2 من أبواب القيام حديث 3.

4) وسائل الشيعة 4: 694 باب 2 من أبواب القيام.

حيث التزموا بوجوب الانتقال إلى المرتبة اللاحقة، كحكمهم بوجوب الانتقال إلى المرتبة العالية بطروء التمكن حالها، و تشبثوا بإطلاق الصحيح: «يصلّي قائما، و المريض يصلّي جالسا» (1).

و لا يخفى ما فيه، من أنّ إطلاقه على فرضه يشمل قبل دخولها أيضا، و لا أظن التزامهم به، بل المنصرف منه- نظير أدلة الاضطرار- صورة بقائه إلى آخر الوقت.

نعم لا بأس بشمول «قاعدة الميسور» في باب الصلاة لمثل هذا الفرد،. لأنه المأمور بإتمامه لو لا الاضطرار المزبور، فالآن يجب، و به يحرز مصداقيته للمأمور به.

و توهم انّ وجوب إتمامه إنما هو من جهة انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، فمع الاضطرار المزبور لا يكاد ينطبق عنوان الفردية- الذي هو موضوع وجوب الإتمام- على ما بيده من العمل، فكيف تشمله حينئذ «قاعدة الميسور»؟

مدفوع بأن شأن «قاعدة الميسور» إحراز عنوان الواجب المحفوظ وجوده من غير جهة الاضطرار المزبور، و هذا المعنى صادق في المقام، و بمثله يوسّع دائرة الأمر بالطبيعة بنحو يشمل مثل هذه الحالة.

ثم انه مما ذكرنا ظهر حال العجز عن أصل القيام أيضا بصورة المختلفة، نعم في صورة طروء العجز أو التمكن في حال الصلاة، قد يقع الكلام في قرائته، من انه يجب الانتظار فيها إلى حالة يستقر فيها مطلقا، أم يجب الإتيان بها حالة انتقاله إلى بقية المراتب، عالية أم دانية كذلك، أم يفصل بين الانتقال الى المراتب الدانية فتجب، أو العالية فلا تجب القراءة حاله، بل يجب الصبر الى زمان الاستقرار.


1) وسائل الشيعة 4: 689 باب 1 من أبواب القيام حديث 1.

و لا يبعد الأخير، لأنّ في ظرف الانتقال إلى الأعلى، يجب مهما أمكن تحصيل أعلى المراتب، و بالصبر يحصّله، و في ظرف الانتقال إلى الأدنى، بعين هذا المناط يجب إتيان القراءة تحصيلا للأعلى فالأعلى.

نعم مع عدم التمكن من الوقوف في مرتبة من المراتب، إلى أن يستقر على مرتبة دانية، ففي جواز القراءة حين الانتقال و الاضطراب، نظر من لزوم حفظ الاستقرار مهما أمكن فيجب الصبر الى أن يستقر، و من وجوب تقديم كل مرتبة عالية من قيامه على الدانية فتجب القراءة حين انتقاله.

و لا يبعد في المقام تفصيل آخر: من وجوب الصبر إلى أن يستقر على مرتبة من مراتب القيام، و أنّ المراتب العالية بالنسبة إليه لا تحسب عند العرف ميسور قيامه، بل الميسور بأنظارهم هو المرتبة الأخيرة المستقرة.

و من وجوب القراءة في صورة عدم استقراره الى أن يصل إلى مرحلة القعود، لأنّ القيام المضطر إليه بالانتقال إليها ميسور قيامه بالإضافة إلى قعوده، فيجب تحصيل وظائفه، و لئن شك حينئذ في ترجيح احدى الجهتين، فمرجع الأمر إلى الشك في بقاء وجوب مبادرته إلى القراءة فيستصحب، و اللّٰه العالم.

و كيف كان فإن تعذر عليه القيام بجميع أنحائه صلّى قاعدا بلا اشكال فتوى و نصا، و كافيك من النص قوله: «المريض يصلّي جالسا» (1)، إذ يتعدّى منه إلى كل عذر، و ظاهره بدلية القعود للقيام، فيجري عليه أحكامه، من الطمأنينة و اقامة الصلب، و الاستقلال، لإطلاق أدلتها من الانصراف أو غيره، بل و في ركنيته في حال التكبيرة، و في المتصل بركوعه،


1) وسائل الشيعة 4: 689 باب 1 من أبواب القيام حديث 1.

لفحوى النصوص المزبورة، علاوة على دعوى الإجماع في المقام أيضا.

و لو عجز عن القعود التام، ففيه التفصيل السابق في القيام، لعين الوجوه السابقة، و إن عجز عن القعود رأسا صلّى مضطجعا على الجانب الأيمن، و إلّا فعلى الأيسر بالإيماء برأسه، مع التمكن مع أخفضية بدل سجوده عن بدل ركوعه، و إلّا فيومئ بعينيه، و في اعتبار الأخفضية وجه سنشير إليه إن شاء اللّٰه.

و لو عجز عن الاضطجاع مطلقا صلّى مستلقيا، بلا إشكال في هذه المراتب أيضا فتوى و نصا.

و في النص: «المريض يصلّي قائما، فإن لم يستطع صلّى جالسا، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع استلقى و أومأ إيماء، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه (1).

و به يقيّد ما دل على التنزل الى الاستلقاء بمحض عدم التمكن من القعود (2)، بل يقيّد إطلاق إتمامه أيضا بالإيماء بالرأس، بقرينة نص آخر مشتمل على قوله «فليوم برأسه» (3).

و يقيّد أيضا ما دل على الإيماء بالعين بصورة عدم التمكن من الإيماء بالرأس (4)، لمساعدة الاعتبار عليه أيضا.

و ظاهر إطلاق الجلوس في النص (5)على الناقص منه إدخال الاتكاء


1) وسائل الشيعة 4: 690 باب 1 من أبواب القيام حديث 5.

2) وسائل الشيعة 4: 691 باب 1 من أبواب القيام حديث 13 و 18.

3) وسائل الشيعة 4: 691 باب 1 من أبواب القيام حديث 11 و 16.

4) وسائل الشيعة 4: 691 باب 1 من أبواب القيام حديث 13.

5) وسائل الشيعة 4: 692 باب 1 من أبواب القيام حديث 15.

فيه، المقدّم على الجانبين، فإطلاقه حينئذ يقتضي عدم ترجيح جانب على جانب.

نعم لو قيل بانصراف القعود إلى القعود التام، أشكل استفادة ترتب الاضطجاع على الاتكاء إلّا بفحوى الرواية، علاوة على قاعدة الميسور فالميسور، و عليه يجري حكم ترتّب الجانبين على الاتكاء أيضا، و من هذا البيان اتضح مبنى الحكم في الطرفين.

نعم في المقام شي‌ء آخر، و هو انّ إطلاق المرسلة (1)و غيرها في التنزل إلى الإيماء، إنما ينزّل على الغالب، من أنّ المضطجع أو المستلقي غير قابلين للسجود حقيقة، نعم مع تمكنهما من وضع التراب أو غيره على جبهتهما بلا انحناء إلى هيئة الساجد أو مع الانحناء في الجملة، غير البالغ إلى درجة الساجد، لا يبعد الأخذ فيه بإطلاق الرواية، و كشف انحصار البدلية للإيماء، علاوة على عدم مساعدة قاعدة الميسور للوضع المزبور، فأصالة عدم البدلية محكمة.

و لو دار أمره بين القيام موميا، أو القعود راكعا و ساجدا، ففي تقديم أي واحد اشكال، و مقتضى القاعدة جمعهما، و لو في صلاة واحدة، بقصد ما في الذمة، و إلّا فمع قصد الجزئية ربما لا يحصل الفراغ إلّا بصلاتين، و اللّٰه العالم.

الرابع: من واجبات الصلاة القراءة
اشارة

بلا اشكال فيه فتوى و نصا (2).

و يجب الحمد و السورة في الثنائية و الأوليين من غيرها، أما الحمد فظاهر، لعموم: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (3)، و في آخر: «إنما جعل


1) وسائل الشيعة 4: 692 باب 1 من أبواب القيام حديث 15.

2) وسائل الشيعة 4: 732 باب 1 من أبواب القراءة.

3) صحيح مسلم 2: 9.

القراءة في الأوليين، و التسبيح في الأخيرتين» إلخ (1)، و إطلاقهما يشمل الفريضة و النافلة.

و أما السورة فوجوبها في الفريضة مشهور بين الأصحاب، و يدل عليه النص المشتمل على الأمر بقراءة أم الكتاب و السورة في الأوليين (2)، و في بعض الأخبار: الأمر بإعادة البسملة في السورة على رغم أنف العباسي (3)، و بمفهوم ما دل على ترخيص السورة بخصوص المريض و المستعجل (4).

و في قبال هذه الأخبار ما دل تارة على نفي وجوبها مطلقا، مثل صحيحة ابن رئاب (5)، و اخرى على الترخيص بالاقتصار على بعض السورة (6).

و مقتضى الجمع هو الحمل على مراتب الفضيلة.

و لكن اعراضهم عن المرخصة يوهن أمرها، و لو جهة، فيحمل على التقية، كما يومئ إليه «رغم أنف العباسي».

نعم لا إشكال في نفي الوجوب في المستعجل و المريض، للمستفيضة المنصرفة في المريض أيضا الى صورة احتباسه و حرجه بطول صلاته (7)، و إلّا فلا وجه لنفي وجوبه، و إطلاق الكلمات أيضا منصرفة إلى ذلك، كما لا يخفى.

و كذا لا تجب السورة في النافلة، لما في نص ابن سنان من الاقتصار في قضاء النوافل بالفاتحة (8)، بعد التعدّي من قضاها إلى أداها بفحوى النص،


1) وسائل الشيعة 4: 733 باب 1 من أبواب القراءة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 4: 733 باب 1 من أبواب القراءة حديث 4.

3) وسائل الشيعة 4: 746 باب 11 من أبواب القراءة حديث 6.

4) وسائل الشيعة 4: 734 باب 2 من أبواب القراءة حديث 2 و 4.

5) وسائل الشيعة 4: 734 باب 2 من أبواب القراءة حديث 1.

6) وسائل الشيعة 4: 736 باب 4 من أبواب القراءة.

7) وسائل الشيعة 4: 734 باب 2 من أبواب القراءة حديث 4.

8) وسائل الشيعة 4: 734 باب 2 من أبواب القراءة حديث 5.

فضلا عن عدم الفصل.

و يؤيده ما في النص في صلاة الاحتياط من الاقتصار على الفاتحة (1)، و لعله لمحض كونه في معرض النفل، ففي النافلة المتيقنة أولى.

و الظاهر من أدلة سقوط السورة في النافلة أنه لدفع توهم الحظر، فلا تقتضي نفي المشروعية، علاوة عما ورد من الأمر بها فيها.

و يجب تقديم الحمد على السورة، لقوله: «لا قراءة حتى يبدأ بها» (2)، أي بالفاتحة.

و لو قدم السورة حينئذ نسيانا أعادها، و لا تبطل صلاته.

و لو أعادها عمدا تبطل الصلاة، بناء على اعتبار السورة جزء مستقلا في الصلاة، قبال الفاتحة، و عليه فيجب سجدتا السهو في فرض النسيان.

و أما لو قلنا- بمقتضى النصوص المشتملة على الأمر بالقراءة قبال الذكر و سائر الأفعال-: إنّ ما هو جزء للصلاة هو القراءة الشاملة لمجموع الحمد و السورة، فلا تبطل الصلاة في الفرض الثاني، و لا تجب سجدة السهو في الفرض الأول، لأن أدلة الزيادة منصرفة إلى زيادة ما اعتبر جزء في الصلاة مستقلا، و السورة ليست كذلك، كما لا يخفى.

و كيف كان لا يجزئ في الصلاة الترجمة أي ترجمة القرآن، لعدم صدق القراءة التي هي عبارة عن ذكر ألفاظ القرآن بقصد حكاية كلامه تعالى، كما هو الشأن في قراءة عبارة شخص أو شعر أو غيره.

و من هذه الجهة تمتاز القراءة عن الدعاء و الذكر عن قبل نفسه، و لو


1) وسائل الشيعة 5: 322 باب 11 من أبواب الخلل حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 732 باب 1 من أبواب القراءة حديث 2.

بصورة كلام الغير، و من هذه الجهة لا يصح قصد الدعاء في «اهدنا».

و لو كان في عرض قصد القرآنية، بأن يؤتى بداعيين، أو في طول قصد القرآنية، ففي إبطاله نظر، لو لا دعوى الانصراف عنه خصوصا في الفرض الأول.

و من هنا يجب أيضا قصد سورة خاصة، و لو بنحو الأجمل، على نحو يكون المشار إليه متعينا واقعا، حفظا للحكاية عن شخص البسملة النازلة جزءا للسورة الخاصة.

و أيضا يجب التعلم مقدّمة لإيجاد القراءة الصحيحة، و إطلاق وجوب مقدماته من غير ناحية الوقت، يوجب تحصيل العلم بها، و لو قبل الوقت، كي لا ينتهي إلى التقصير في تفويته بعده، كمن ألقى نفسه عن شاهق.

و صحة القراءة باشتمالها على القواعد العربية.

و في وجوب اعمال قواعد التجويد مما يرجع الى تمييز الحروف الصادرة عن مخارجها المخصوصة، و مراعاة المد و الإدغام المرسوم عند أهل الفن نظر جدا، لعدم مساعدة دليل على الزائد عن صدق القراءة بلسان عربي مبين.

نعم ربما وقع الخلاف بين القراء من الصدر الأول في بعض الكلمات، من جهة مواد الكلمة كسراط و صراط، و ملك و مالك، و كفوا و كفؤا، أو هيئتها.

و في مثلها لا بأس بالأخذ بكل واحد، لصدق «اقرءوا كما يقرأ الناس» (1)على كل واحد، و على فرض انصرافه عن مورد الخلاف، و عدم


1) وسائل الشيعة 4: 786 باب 47 من أبواب القراءة حديث 1.

إجماع على جواز التخيير بين القراءات السبع لا بدّ من الجمع بين النحوين، بقصد ما في الذمة، حكاية عما هو قرآن.

نعم، لو لا شبهة كونه كلام الآدميين، و إلّا فيشكل ذلك، و حينئذ فيجب اختيار سورة ليس فيها هذا الاختلاف، و في سورة الحمد يجب تكرار الصلاة.

ثم انّ وجوب التعلم إنما هو مع عدم التمكن من الايتمام، و إلّا فلا مقتضى لوجوبه فيما يتحمل عنه الامام، و مع الشك في التمكن المزبورة فأصالة عدم المسقطية يوجب عليه التعلم أيضا.

و لو لم يحسن القراءة و لا يتمكن من تعلمها أيضا، فإن كان مع المكنة من الايتمام ففي وجوب الايتمام كلام، مبني على أن الواجب عليه الجامع بين قراءته أو قراءة إمامه، كي يكون الايتمام محققا لأحد فردي الواجب تخييرا، فلا تجري حينئذ قاعدة الميسور، لعدم معسورية الطبيعة الجامعة حسب الفرض، فمع انحصار الجامع بالفرد الخاص يتعيّن ذاك الفرد.

و من أنّ الواجب أولا قراءة نفسه و أنّ الائتمام مسقط لها لا فرد واجب، فلا قصور حينئذ لجريان قاعدة الميسور و الاضطرار في حقه، فيوسع بهما دائرة الفرد، و معه لا مقتضى لاختيار المسقط بالايتمام فلا يجب، و التحقيق هو الثاني.

و يؤيده إطلاق استحباب الجماعة (1)حتى في حقه، هذا مضافا إلى ما ورد من صحة قراءة الأعجمي (2)، بل و يشمله مناط رواية «سين بدل شين» (3)، لإلغاء العرف في مثله استناد عدم التمكن إلى الخلقة الأصلية.


1) وسائل الشيعة 5: 370 باب 1 من أبواب الجماعة.

2) وسائل الشيعة 4: 866 باب 30 من أبواب قراءة القرآن حديث 4.

3) مستدرك الوسائل 4: 278 باب 23 من أبواب قراءة القرآن حديث 3.

و في اقتضاء مثل هذه الأدلة جواز تفويت القدرة إشكال، و لذا يقتضي إطلاق الأمر (1)بتحصيل القراءة الصحيحة وجوب تعلمها.

و عليه ربما يحكم العقل في ظرف التفويت اختيارا اختيار الايتمام، فرارا عن العقوبة المترتبة على تقصيره في ترك تعلّمه.

و في شمول قاعدة الميسور بعد التفويت أيضا وجه، و لذا لا يتوهم قصوره عن الشمول عند عدم التمكن من الاقتداء جزما، و لازمة حينئذ صحة العبادة أيضا و عدم وجوب إعادتها، لكونه مفوتا للمزية الزائدة، لكن ذلك المقدار لا يرفع وجوب الاقتداء تكليفا، حفظا لتلك المزية.

و بهذه الجهة ربما تكون المسألة من صغريات مسألة الضد العبادي، الصالح لجريان قاعدة الترتب فيه، كما لا يخفى.

هذا و من التأمل فيما ذكرنا ظهر صورة مزاحمة تحصيل العلم لضيق الوقت، بنحو لا يتمكن معه من إدراك ركعة منها أيضا، فمقتضى أهمية تحصيل الوقت بعموم: «لا تترك الصلاة بحال» (2)صيرورة تحصيل العلم مضطرا الى تركه، فيجي‌ء فيه ما ذكرناه من فرضي قصوره و تقصيره حرفا بحرف.

نعم مع التمكن بعد التحصيل من إدراك الركعة، ففي احتمال أهمية حفظ الوقت أيضا، كي لا ينتهي إلى عموم «من أدرك» (3)، لو لا دعوى استلزام هذا الاحتمال انتهاء الأمر إلى وجوب صلاة الغرقى، لأنّ أهمية حفظ الوقت مهما أمكن ربما يوجب سقوط جميع الواجبات، إلى أن ينتهي إلى أربع إشارات، كي بها يحفظ تمام وقت صلاته.

و ليس كذلك، لما عرفت سابقا انّ عموم «من أدرك» إنما هو ناظر إلى


1) وسائل الشيعة 4: 865 باب 30 من أبواب قراءة القرآن.

2) وسائل الشيعة 2: 605 باب 1 من أبواب المستحاضة حديث 5.

3) وسائل الشيعة 3: 158 باب 30 من أبواب المواقيت حديث 4.

من اضطر إلى فوت الصلاة الثابت في حقه من غير جهة أهمية الوقت.

و في المقام مثل هذا المعنى صادق بلا ريب، فلا موجب لرفع اليد عن العموم المزبور، فيدرك ركعة من الوقت بعد تحصيل تعلمه، كما لا يخفى.

و مع العجز عن تحصيل التعلّم المزبور، فإن تمكن من تمام القراءة ملحونة، أو من تعلّم بعضها صحيحة، ففي اختيار التمام الملحون، أو يصلّي بما يحسن بعد تعلمه، وجهان، لا يبعد ترجيح الأول، لأقربية حفظ الذات عن حفظ الكيفية عرفا.

و لو لم يتمكن إلّا من البعض، ففي وجوب تكراره بمقدار القراءة، أو تبديله بقرآن آخر، أو الاقتصار بما يحسن، وجوه، أوفقها بالقواعد هو الأخير.

و النص الوارد بأنه «إن كان معك شي‌ء من القرآن فاقرأ» (1)هو الثاني، و هو الأحوط. و اردأ الوجوه هو الأول، لعدم مساعدة دليل عليه.

و لو لم يحسن شيئا من القراءة حتى ملحونة، فمقتضى النص الآمر بالقراءة بما معه من القرآن (2): إتيان شي‌ء منه بمقدار بدله، و إلا كبّر اللّٰه و هلّله، للنص: بأن «من لا يحسن القرآن يكبّر و يسبّح» (3)، بناء على إطلاق القرآن لغير الحمد و السورة، و إلّا فعلى انصرافه إلى المعهود منه من الحمد و السورة، فربما يعارض إطلاق هذه الرواية (4)إطلاق بدلية قراءة القرآن.

و مقتضى الجمع رفع اليد عن تعيين كلتيهما، فيتخير.


1) سنن البيهقي 2: 380.

2) سنن البيهقي 2: 380.

3) وسائل الشيعة 4: 735 باب 3 من أبواب القراءة حديث 1.

4) سنن البيهقي 2: 380.

و أما الأخرس و أمثاله غير المتمكنين من جميع المراتب المسطورة، فيأتي بوظيفته حسب ما تقدّم في التكبيرة، بمعنى انه يحرّك لسانه و يعقد بها قلبه، و يشير إلى ألفاظها المسوقة، و إلّا فإلى معانيها و لو بنحو الإجمال، على ما تقدّم في وجه الجمع من النص (1)المشار إليه في التكبير.

فرع: هل تجب القراءة عن حفظ،

أو يكتفي منها و لو على المصحف، أو تبعية القارئ مع التمكن من حفظه و لو لم يحفظ فعلا؟ ففي خبر الصيقل: نفي البأس عن التبعية و لو اختيارا (2)، و في قباله نص آخر بعدم الاعتداد بصلاته (3).

و الجمع بينهما بالحمل على الحزازة في التبعية أولى، و ربما يتعدّى منه إلى القراءة على المصحف أيضا، و اللّٰه العالم.

و يتخير المصلي في الركعة الثالثة و الرابعة بينها أي القراءة و بين التسبيح أربعا مطلقا على المشهور، و في قبال ذلك تفصيلات تستفاد من مضامين أخبار الباب (4)، لأنها بين طوائف:

فتارة: بلسان التخيير بينهما على السوية مطلقا (5).

و اخرى: التخيير مع أفضلية الفاتحة (6).


1) وسائل الشيعة 4: 801 باب 59 من أبواب القراءة.

2) وسائل الشيعة 4: 780 باب 41 من أبواب القراءة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 780 باب 41 من أبواب القراءة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 791 باب 51 من أبواب القراءة.

5) وسائل الشيعة 4: 781 باب 42 من أبواب القراءة حديث 3.

6) وسائل الشيعة 4: 794 باب 51 من أبواب القراءة حديث 10.

و ثالثة: بأفضلية التسبيح (1).

و رابعة: بالأمر بالتسبيح و النهي عن الفاتحة (2).

و خامسة: بالتخيير على المنفرد و تعيّن الفاتحة على الإمام، و التسبيح على المأموم (3).

و سادسة: بإيجاب الفاتحة على غير المأموم و لو منفردا، و التسبيح على المأموم (4).

و سابعة: بالأمر بالفاتحة على الناسي لها، و التسبيح على غيره (5).

هذا ما ظفرنا عليه من أخبار الباب.

و لا يخفى انّ مقتضى الجمع بين الأوامر بأي طرف، مع أخبار التخيير في قبالها، هو حمل الأمر على الأفضلية في طرف التخيير، كما أنّ النهي فيها أيضا محمول على دفع توهم الإيجاب، فلا ينافي التخيير أيضا.

نعم يبقى الإشكال في الجمع بين ما اشتمل على الأمر بالتسبيح، الكاشف عن أفضليته على غيره، و ما اشتمل على الأمر بالفاتحة الكاشف عن عكسه، كما انّ هذه المعارضة حاصلة في الخبرين، المعيّن كل منهما لأفضلية طرف.

و يجمع بينهما أيضا باختلاف التشريع أولا، و ثانيا بحمل أفضلية الحمد على الأول و التسبيح على الثاني، كما يشهد به بعض النصوص المشتملة على أنّ النبي لما رأى عظمة اللّٰه اندهش و قال: «سبحان اللّٰه .. الى آخره» (6)، فصار


1) وسائل الشيعة 4: 792 باب 51 من أبواب القراءة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 4: 793 باب 51 من أبواب القراءة حديث 7.

3) وسائل الشيعة 4: 780 باب 41 من أبواب القراءة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 782 باب 42 من أبواب القراءة حديث 4.

5) وسائل الشيعة 4: 771 باب 30 من أبواب القراءة حديث 6.

6) وسائل الشيعة 4: 792 باب 51 من أبواب القراءة حديث 3.

سنة فيما استوجبها اللّٰه من الركعتين الأخيرتين ليلة المعراج.

و يجمع بينهما و بين ما دل على التسوية، بحمل التسوية على تساوي الأجزاء، و لازمة حينئذ هو ما ذهب إليه المشهور من التخيير، و أفضلية التسبيح، خصوصا للناسي و المأموم.

و نظر المفضلين في المسألة إلى الجمع بين الأخبار المزبورة، برفع اليد عن الإطلاق بالتقييد في الآخر، غاية الأمر نظر كل طائفة إلى تقييد المطلقات بنحو من التقييد، بعد طرح ما يقابله من المقيد الآخر، أو تأويله بنحو يلائم مذهبه.

و يظهر ما ذكرناه جليا بالمراجعة إلى المطولات، و حيث إنّ مثل هذه الجموع خلاف المختار طوينا عن ذكرها.

ثم انّ الظاهر انّ طرف التخيير للذكر في الأخبار هو الفاتحة فقط، فلا يتعدّى إلى السورة، و لا دليل على وجوبها مع الفاتحة حتى في الأخيرتين، و حينئذ يجزئ فيها- و لو للأصل- فاتحة الكتاب محضا.

و ظاهر الأخبار- بإطلاقها- بقاء التخيير حتى بعد الشروع بكل واحد، و لو أغمض عن الإطلاق يكفيه الأصل.

و توهم شمول عمومات الزيادة (1)المانعة عن رفع اليد عما أتى به، مدفوع بما ذكرنا سابقا، من انصراف عموماتها عن مثل هذه الزيادة، كما لا يخفى.

و صورته أي صورة التسبيح: سبحان اللّٰه، و الحمد للّٰه، و لا إله إلّا اللّٰه، و اللّٰه أكبر كما هو المشهور، و به جملة من النصوص (2).


1) وسائل الشيعة 5: 332 باب 19 من أبواب الخلل حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 791 باب 51 من أبواب القراءة.

و في جملة منها إسقاط التكبيرة (1)، و في بعضها الاجتزاء بمطلق الذكر (2)، و في ثالث ثلاث تسبيحات (3).

و هذا الاختلاف منشأ خلافهم في تعيين صورة الذكر، بل في لزوم تكرارها ثلاثة و عدمه اختلاف آخر، ففي بعضها: التصريح بالثلاثة في التسبيحات الأربع (4)، و في آخر: تكرار الثلاثة، بإسقاط التكبير ثلاث مرات (5)، و في جملة أخرى: إطلاق الأمر بها (6).

و لا يخفى انّ أمر الجمع في المقام أيضا يدور بين رفع اليد عن المقيد في كل جهة بالقيد في الآخر، أو الأخذ بإطلاق الذكر أو التسبيح، و حمل البقية على مرتبة الفضيلة، فيجزئ مطلق الذكر، و مع التشكيك في إطلاقه يجتزئ بإطلاق التسبيحات الأربع.

و لا يبعد مع كثرة هذا الاختلاف ترجيح الجمع الثاني على الأول، و اللّٰه العالم.

ثم ان من لم يحسن الذكر و يحسن الفاتحة يجب عليه الفاتحة كالعكس، و من لم يحسنهما جميعا يأتي بما يحسن منهما، و في تتميمه من بقية القرآن بدلا وجه، لو لم نقل بانصرافه الى من وظيفته الفاتحة محضا، و فيه تأمل ظاهر، كتوهم الاجتزاء به لمن قصد الفاتحة لا غيرها، لأنه بدل الفاتحة لا الذكر.


1) وسائل الشيعة 4: 791 باب 51 من أبواب القراءة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 782 باب 42 من أبواب القراءة حديث 4.

3) وسائل الشيعة 4: 793 باب 51 من أبواب القراءة حديث 7.

4) وسائل الشيعة 4: 782 باب 42 من أبواب القراءة حديث 8.

5) وسائل الشيعة 4: 791 باب 51 من أبواب القراءة حديث 1.

6) وسائل الشيعة 4: 782 باب 42 من أبواب القراءة حديث 5 و 6.

و من لم يحسن شيئا منهما يشير و يعقد في قلبه، على ما مر.

و يجب الجهر في الصبح، و في أوليي المغرب و العشاء، و الإخفات في البواقي.

و إطلاقه يشمل الفاتحة، أو الذكر في الأخيرتين من هذه الصلوات أيضا فضلا عن غيرها.

و يدل على حكم الأوليين جهرا و إخفاتا: الأخبار المستفيضة المشتملة على الأمر بالإخفات في صلاة النهار و الجهر في صلاة الليل (1)، بعد تخصيص النهارية في الظهرين، بقرينة ما في بعض النصوص: «و الصلاتان اللتان لا تجهر فيهما إنما هما في النهار» (2)، المعلوم ظهوره في حصر الإخفات في الظهرين.

هذا كله بضميمة ما دل على أنه لو جهر فيما ينبغي الإخفات فيه أو العكس، فقد نقض صلاته (3).

و في قبالها تارة ما دل على التصريح بأنه إن شاء في صلاته الجهرية جهر، و إن شاء لم يجهر (4)، و اخرى «لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ» (5)، بحمل النهيين على دفع توهم إيجاب شي‌ء منهما، و يتعدّى منه إلى الإخفاتية أيضا، كما لا يخفى.

و الجمع بين هذه الطوائف باستحباب كل من الجهر و الإخفات في


1) وسائل الشيعة 4: 759 و 763 باب 22 و 25 من أبواب القراءة.

2) وسائل الشيعة 4: 763 باب 25 من أبواب القراءة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 766 باب 26 من أبواب القراءة حديث 1.

4) وسائل الشيعة 4: 765 باب 25 من أبواب القراءة حديث 6.

5) وسائل الشيعة 4: 760 باب 23 من أبواب القراءة حديث 3.

النهارية و الليلية واضح، و لكن يوهن المرخصة إعراض المشهور عنها، فيتعيّن ما أفاده المصنف من التفصيل.

و يستحب الجهر في يوم الجمعة في الظهر و في صلاة الجمعة، أما الظهر، فلقوله: «و القراءة فيها جهر» (1).

و به يخصص ما دل على الإخفات في مطلق صلاة النهار (2).

نعم في البين نواه مخصوصة بالجهر بها (3)، و يمكن حملها على نفي تأكد استحبابه فيها بالمقايسة إلى صلاة الجمعة.

و أما الجمعة، و قد حكى بعض الأعاظم الإجماع عليه، و لكن شيخنا العلّامة احتاط بالإخفات فيهما (4)، و عن بعض النسخ تخصيصه بالظهر، و لعله للمعارضة و ترجيح الناهية بالعمومات، و ذلك- لو لا الجمع المزبور عرفا- في غاية المتانة.

و على أي حال لو فعل كلا من الجهر و الإخفات في موضع الآخر عمدا بطلت صلاته.

و لو كان عن جهل أو نسيان، و لو تقصيرا بالحكم أو بالموضوع فلا تبطل، للنص المشتمل على قوله: «تمت صلاته و لا يعيد» (5)، و لازمة كشف البدلية الوافية بمقدار من المصلحة، مع عدم قابلية الزائد للتدارك.


1) وسائل الشيعة 4: 820 باب 73 من أبواب القراءة حديث 7.

2) وسائل الشيعة 4: 763 باب 25 من أبواب القراءة.

3) وسائل الشيعة 4: 820 باب 73 من أبواب القراءة حديث 8 و 9.

4) كتاب الصلاة: 146.

5) وسائل الشيعة 4: 766 باب 26 من أبواب القراءة حديث 1.

و بذلك يجمع بين الصحة و بين الإطلاقات الواقعية غير القابلة للتقييد بغير حال الجهل بها، و لذلك نقول باستحقاق المقصّر للعقوبة أيضا بلا ضير في ذلك لصحة المأتي به، بناء على ملازمته للفوت لا كونه مقدمة له، من دون احتياج في ذلك الى مسألة الترتب.

بل بناء على المقدمية أيضا يجري فيه ما قررنا وجها لتصحيح العبادة، بناء على مقدمية ترك الضد للعبادة، بتقريب أن ما هو مقدمة هو تركه، الملازم لوجود المأمور به، لا الترك الملازم لغيره من سائر الأضداد، و لا جرم يقتضي محبوبية الترك الخاص بغض الوجود الطارد لجميع الأعدام.

بل غاية الأمر يقتضي بغض حفظ وجوده من ناحية تفويت المأمور به، فبقي حفظه من قبيل سائر الأضداد على محبوبيته، فيقرب في إيجاده بكونه حافظا، من قبيل سائر الأضداد غير المأمور بها. و توضيحه بأزيد من ذلك موكول الى محله.

و بالجملة فإنّ مقتضى إطلاق نفي الإعادة حتى مع التذكر في أثنائها (1)، يكشف عن وقوع القراءة على صفة الجزئية، فلا وجه لإعادتها، بل لو فرض ترك الجهر عمدا في الجهرية في بعض القراءة و إن لم يكشف عن عدم وقوع القراءة على صفة الجزئية، لكن لا يوجب ذلك المقدار بطلان الصلاة، فيعيد جهرا، بناء على ما عرفت من التشكيك في اندراج ذلك في أدلة الزيادة المانعة (2)، و اللّٰه العالم.

ثم انّ المرأة، بناء على كون صوتها عورة، يجب إخفاتها مع وجود الأجنبي،


1) وسائل الشيعة 4: 934 باب 10 من أبواب الركوع حديث 5.

2) وسائل الشيعة 5: 332 باب 19 من أبواب الخلل حديث 2.

و في اقتضاء هذا النهي بطلان صلاتها مطلقا نظر، إذ هو فرع شمول أدلة الإخفات لمثلهن، و هو أول الكلام، لو لا قاعدة الاشتراك بين الرجال و النساء في التكاليف إلّا ما خرج.

و أما في الجهرية فلا دليل على وجوب اخفاتهن عدا ما ذكر، و هو لا يوجب تخصيصا في أدلة الجهر، غاية الأمر يقدم على أمره بمناط الأهمية في باب المزاحمة، و مثل هذا النهي للتوجه إلى المرتبة الخاصة من الصوت مع الأمر بمرتبة أخرى لا تسلم مزاحمته فيهما في مرحلة الرجحان، بل غاية الأمر مزاحمتهما في مرحلة الفعلية، فهو نظير باب الضد، لا باب اجتماع الأمر و النهي، كما لا يخفى.

و لئن قلنا بعدم حرمة أصواتهن فالأمر فيهن أوضح، و حينئذ ففي وجوب الجهر عليهن أيضا لو لا قاعدة الاشتراك المزبور نظر، و الأصل البراءة عن الالتزام بمثله.

ثم انّ الظاهر من بعض النصوص، من قوله: «عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام» (1)، كون وجوب الإنصات في الأخيرتين مرتكزا في ذهنه، حيث انه يرى وظيفته ذلك، و مقتضى غلبة الذكر فيهما ربما ينصرف مثل هذا الإطلاق أيضا إليه.

و حينئذ يستفاد من هذا التقرير وجوب الإخفات في ذكر الأخيرتين، و بضم تقرير الإمام أيضا يثبت المطلوب.

و في التعدّي عن الذكر إلى الفاتحة التي بدله نظر، نعم لو أغمض عن هذا التقرير، و لو بدعوى عدم استفادة أزيد من مداومته على الإخفات، و لو


1) وسائل الشيعة 5: 424 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 13.

لفضيلته لا لزومه، لا يبقى دليل على لزوم الإخفات في الأخيرتين حتى في الإخفاتية فضلا عن الجهرية، لانصراف أدلة الطرفين بالأولتين، كما لا يخفى.

ثم انّ مفهوم الجهر و الإخفات عرفيان، و ربما يشك في صدقهما كسائر المفاهيم العرفية غير الخالية عن الشك في الصدق، فالمرجع فيه البراءة عن المشكوك، لكون الشبهة مفهومية.

نعم يعتبر عدم خروجهما عن المعتاد، لانصراف الإطلاق عن مثله، كما انه في الشبهة المصداقية على فرض تصورها حين العمل، فلا بدّ من الجمع بين فحوى القراءة بقصد ما في الذمة، و إلّا فلا بدّ من تكرار الصلاة أو تحصيل الجزم بموضوع تكليفه.

و لا تجوز قراءة العزائم في الفرائض عمدا، على المشهور، لقوله «و لا تقرءوا في المكتوبة بشي‌ء من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة» (1)، و ظاهره النهي عن غير آية السجدة أيضا، لو لا دعوى نظر عموم «شي‌ء» إلى السورة، فإنه حينئذ لا يقتضي إلّا النهي عن مجموعها لا جميعها، و يؤيده التعليل المناسب لخصوص كلمة السجدة.

نعم ربما يتعدّى من العلة إلى بقية نفس آية السجدة، و لئن أهملت الرواية من تلك الجهة يكفي الأصل في عدم مانعية بقية الآيات، و إن لم يثبت جزئيتها أيضا، لعدم كونها سورة تامة، فأدلة وجوب سورة كاملة (2)منصرفة عن هذه.


1) وسائل الشيعة 4: 779 باب 40 من أبواب القراءة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 736 باب 4 من أبواب القراءة.

ثم انّ المستفاد من العلة (1)كون السجدة للآية- بلا قصد الجزئية بها- زيادة، مع انه ليس كذلك، لأنّ العناوين القصدية لا تكاد تنطبق على شي‌ء بلا قصد كونه منها، و هو المراد من قصد الجزئية، و حينئذ فلا بدّ أن يكون ذلك الإطلاق في المقام بنحو من العناية، و لذا لا يتعدّى منها الى غيرها من سائر السجدات لشكر أو غيره.

و أيضا الظاهر من التعليل المزبور كون حكمة النهي عدم ابتلائه بالسجدة المبطلة، و لازمة أمران:

الأول: عدم استناد البطلان الى نفس السورة أو الآية، بل إنما هو مستند إلى سجدتها التي هي لازمتها.

ثانيها: استلزام قراءة الآية فورية السجدة، و لو في الصلاة بلا جواز التراخي الى بعد الصلاة.

و حينئذ فمرجع النهي المزبور إلى الإرشاد إلى عدم جعل النفس في معرض إبطال العمل بإتيان ضده أو مانعة، و حينئذ لازمة عدم قصور في جزئية نفس السورة و وفائها بالغرض في عرض سائر السور، إلّا أنها ملازمة للمحذور، لا أنها بنفسها محذور.

و حينئذ فلو عصى بترك السجدة في صلاته، يلزمه صحة صلاته مع قرائتها أجمع.

و يتفرع على هذا البيان: عدم بطلان الصلاة أيضا في صورة الجهل بوجوب السجدة أو فوريته، و عدم البأس بإتيانها في صلاته أيضا، بل مقتضاه عند تذكره بعد آية السجدة وجوب السجدة فورا و إبطال صلاته، لا قراءة سورة أخرى، و تأخير السجدة إلى بعد الصلاة، إذ لو جاز التأخير المذكور لما تم


1) وسائل الشيعة 4: 779 باب 40 من أبواب القراءة حديث 1.

التعليل المزبور.

هذا، و لكن الإنصاف انّ ما ذكرنا من المعنى لا يساعد ظواهر كلماتهم، من جهة إطلاق الكلمات في عدم جواز قراءة سور العزائم، و كأنهم فهموا من الأول كون هذا البيان، الوارد بصورة التعليل، حكمة لجعل مانعية السور المزبورة، أو عدم جزئيتها، على اشكال في مثل هذه النواهي، في كونها إرشادا إلى المانعية، أو لدفع توهم الجزئية.

و يؤيده أيضا ما في بعض نصوص أخر من النهي عنها في المكتوبة و الأمر بها في النافلة (1)، بلا اشتمال على علة، إذ ظاهره المانعية أو عدم الجزئية، التي لازمة عدم صلاحيتها للوفاء بالمصلحة واقعا، سواء علم بحكمها أم جهل، بل لو صدرت نسيانا ثم تذكّر بها قبل الركوع، يلزمه إتيان سورة أخرى، لو لا وجوب قطعها بفورية السجدة، كما أنه على المانعية تبطل.

و على أي حال، لا وجه لتأخير السجدة مع فوريتها و لو عند تذكّر حكمها، إذ لا قصور في دلالة العلّة المزبورة على الفورية و لو قلنا بأنها حكمة، لعدم الجزئية أو المانعية، بل في بعض الأخبار نفي البأس به و يسجد إذا ذكرها (2)، و إطلاقه يشمل حال التذكر في الصلاة أيضا.

و ظاهره عدم مانعية هذه السجدة و لا هذه السورة لصلاته، لأن الظاهر من نفي البأس في كلام الإمام انصرافه الى ما هو المركوز في ذهن السائل من البأس تكليفا أو وضعا، و لا يمكن أن يكون المركوز في ذهن السائل هنا جهة تكليفه كي يساعد مع ما ذكرنا سابقا.

كيف و لا يناسب هذا مع أمره بالسجدة متى ذكر، إذ هو عين المحذور،


1) وسائل الشيعة 4: 736 باب 4 من أبواب القراءة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 778 باب 39 من أبواب القراءة.

فالرواية صريحة في نفي البأس وضعا، و المفروض أنّ مورد الرواية أيضا مخصوص بصورة لا تصلح صلاته لتدارك الجزء، لكون تذكره بعد ركوعه فيسجد حينئذ و يتم صلاته.

بل و ذلك أيضا يشهد بأنّ السجدة المزبورة ليست زيادة حقيقية مبطلة، و لا تنزيلية بلحاظ هذا الأمر، بل إنما هو بلحاظ حفظ الصلاة من صورة الزيادة، بإخراج سببها عن مقام الجزئية، إلّا في صورة النسيان بفوت محلّه فيسجد و لو حين صلاته و لو تذكّر فيها، بلا مبطلية مثل هذه السجدة أصلا، و لا كونها على خلاف قاعدة، كما لا يخفى.

نعم ربما يستفاد من بعض النصوص (1)وجوب السجدة إيماء لو استمع إلى آية السجدة حين صلاته، فعلى فرض عدم شمول مثل هذه النصوص لمثل المقام و لو بدعوى انصرافها إلى الاستماع من قارئ آخر غير نفسه، فلا اشكال، و على فرض الشمول فيمكن تخصيص إطلاق الإيماء بمثل النص السابق في القارئ و المستمع من نفسه فيسجد فيها مثله.

و يمكن رفع اليد عن هيئة كل واحد في التعيين في هذا الفرض، فيتخيّر بينهما، كما لا يخفى.

ثم أنّ صريح الرواية السابقة كون التذكّر بعد ركوعه، فلو تذكّر قبل ركوعه فإن كان قبل وصوله إلى آية السجدة فلا إشكال في عدم مانعية المأتي به نسيانا على المانعية و لا جزئيته، لشمول الإطلاقات في توجه النهي عنها فعلا، فيجب تجديد سورة أخرى، فيتم صلاته بلا سجدة أصلا، لعدم المقتضي لها.

و إن كان التذكّر بعد آية السجدة، فعن الجواهر تجديد السورة و تأخير


1) وسائل الشيعة 4: 882 باب 43 من أبواب قراءة القرآن.

السجدة بعد الصلاة (1)، و لا وجه للأخير، لظهور العلّة المزبورة في فورية السجدة، علاوة على قوله: «يسجد متى ذكرها» الشامل للمقام، لمناسبة ارتكازية بين الحكم و موضوعه بنحو يتعدّى عن مورد النص إلى المقام مناطا.

و أما الحكم الأول فهو أيضا على وفق القاعدة، سواء قلنا بالمانعية، لذهابها بالنسيان لمناط الرواية الشاملة للمقام أيضا من تلك الجهة، علاوة على عموم «لا تعاد» في مثله. أم قلنا بعدم الجزئية، إذ حينئذ لا يبقى مجال للاكتفاء به حينئذ، و في تلك الجهة لا يبقى مجال توهم الأخذ بمناط الرواية، الظاهرة بالاكتفاء بالمأتي به، بلا إعادة شي‌ء، إذ مورد الرواية بعد الركوع و فوت محلّه، فكيف يشمل قبله الذي كان المحل باقيا، كما لا يخفى.

ثم انّ في بعض النصوص المتقدمة التصريح بعدم البأس بقراءتها في النافلة (2)، و لازمة وقوعها على صفة الجزئية فيها، غاية الأمر مقتضى التعليل، و عموم مناط «متى ذكرها يسجد» (3)، وجوب السجود في النافلة أيضا بلا إيماء، كما لا يخفى.

و لا تجوز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته، لوجوب حفظ الصلاة بجميع أجزائها و شرائطها مهما أمكن، فيقتصر بسورة لم تكن كذلك، و لو لم يتمكن إلّا منها فلا إشكال في أهمية حفظ الوقت عند فوته بقراءتها أجمع، لأن الصلاة لا تترك بحال.

و في اقتضاء قاعدة الميسور وجوب مقدار متمكن من حفظ الوقت، و لو


1) جواهر الكلام 9: 351.

2) وسائل الشيعة 4: 779 باب 40 من أبواب القراءة.

3) وسائل الشيعة 4: 778 باب 39 من أبواب القراءة حديث 1.

بمقدار درك الركعة، وجه.

و لو تمكن من درك الركعة فلا اشكال ظاهرا أيضا من وجوب الإتيان، لأنّ الظاهر من تخصيص وجوب الإتيان بمدرك الركعة هو تمامها بحسب حاله، مع قطع النظر عن أهمية الوقت، نعم لازمة عدم الوجوب لغيره و لو كان متمكنا من تمام الوقت بإسقاط بعض الشرائط أو الأجزاء المتمكنة منها فعلا إلى أن ينتهي إلى صلاة الغرقى، فضلا عمن لم يتمكن مع ذلك من درك ركعة، و لقد أشرنا إلى نظير ذلك في بعض الفروع السابقة فراجع.

و لا يجوز في الفرائض أيضا قراءة سورتين بعد الحمد، المعبّر عنه بالقران بينهما في صلاته، على الأشهر، خلافا لمن قال بكراهته، و منشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب:

ففي بعضها: النهي عنه في المكتوبة، و نفي البأس في النافلة (1).

و في آخر: إنما يكره في الفريضة (2).

و في ثالث: النهي عنه، و تعليله بأنه أفضل (3).

و في رابع: التصريح بنفي البأس في المكتوبة (4).

و في خامس: إطلاق النهي عنه، بلا تفصيل بين النافلة و الفريضة (5).

و مقتضى الجمع هو: الحمل على مراتب الكراهة، غاية الأمر في النافلة أخف من غيرها، و لو لا الإجماع على نفي الكراهة في النافلة أصلا لم يكن مجال


1) وسائل الشيعة 4: 742 باب 8 من أبواب القراءة حديث 13.

2) وسائل الشيعة 4: 741 باب 8 من أبواب القراءة حديث 2 و 6.

3) وسائل الشيعة 4: 742 باب 8 من أبواب القراءة حديث 11.

4) وسائل الشيعة 4: 742 باب 8 من أبواب القراءة حديث 9.

5) وسائل الشيعة 4: 740 باب 8 من أبواب القراءة حديث 1.

للمصير إلى تخصيص المطلقات رأسا بالنافلة، بل يؤخذ بها و يخصص مرتبة شدتها بها، كما لا يخفى.

ثم انّ سورة النمل المشتملة على البسملة في خلالها لا تعد سورتين، فلا تكون قراءتها قرآنا، بل يجب قراءتها بكاملتها، و الاشكال في ذلك سخيف غايته، فراجع المطولات.

و يستحب الجهر بالبسملة في الإخفات، للنصوص المستفيضة، و انه من صفات المؤمن (1).

و يستحب أيضا قراءة الجمعة و المنافقين في صلاة الجمعة و ظهريها، لصحيحة الحلبي: «اقرأ بسورة الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة» (2)، و إطلاقها يشمل ظهريها أيضا بلا اختصاص بصلاتها.

و في بعض النصوص استحباب الجمعة في الأولى من الجمعة، و المنافقين في الثانية (3). و يمكن الحمل على مراتب الفضيلة، و هو أولى من التقييد في الإطلاق السابق و لو بالنسبة إلى الركعتين منها.

و في التعدّي في هذه الفضيلة التفصيلية الى الظهرين نظر، فيبقى الإطلاق، و لو باتيانهما في ركعة واحدة، باقيا بحاله.

بقي في المقام فرع، و هو انّ مقتضى القاعدة جواز العدول من سورة إلى سورة، بعد فرض انصراف الزيادة عن مثل ذلك، كما أشرنا، و يؤيدها الاستصحاب أيضا.


1) وسائل الشيعة 4: 757 باب 21 من أبواب القراءة.

2) وسائل الشيعة 4: 815 باب 70 من أبواب القراءة حديث 4.

3) وسائل الشيعة 4: 816 باب 70 من أبواب القراءة حديث 6 و 8.

و لكن قد ورد بعض النصوص على تحديد جواز العدول بالنصف (1)، و في آخر الى الثلثين (2)، و في الفقه الرضوي التحديد بأقل من النصف أيضا (3)و لو لا اعراض المشهور عن نص الثلثين، كان مقتضى القاعدة الجمع بينها بالجواز الى الثلثين مع كراهة شديدة، و الى النصف مع أصل الكراهة، و بلا كراهة في الأقل، كما في الفقه الرضوي.

و لكن الاعراض المزبور يوجب قصور رواية الثلثين عن الاعتبار، كقصور الفقه الرضوي عن إثبات مؤداه، فيبقى نص التحديد بالنصف باقيا بحاله.

ثم انّ في بعض النصوص: عدم جواز العدول عن التوحيد و الجحد (4).

و في آخر: إلحاق الجمعة و المنافقين (5)، و إطلاقه يشمل غير صلاة الجمعة أيضا، فلا يجوز العدول منهما أيضا مطلقا.

نعم في نص ثالث: جواز العدول في الجمعة من التوحيد إلى الجمعة و المنافقين (6).

و في رابع: تخصيص الحكم بصلاة الجمعة (7).

و في خامس: تخصيص ذلك بحال النسيان (8).

و مقتضى الجمع بين نصوص الباب هو: جواز العدول من التوحيد الى


1) وسائل الشيعة 4: 776 باب 36 من أبواب القراءة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 4: 776 باب 36 من أبواب القراءة حديث 2.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 113.

4) وسائل الشيعة 4: 775 باب 35 من أبواب القراءة.

5) مستدرك الوسائل 4: 221 باب 51 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 1.

6) وسائل الشيعة 4: 814 باب 69 من أبواب القراءة حديث 2.

7) وسائل الشيعة 4: 814 باب 69 من أبواب القراءة حديث 3.

8) وسائل الشيعة 4: 814 باب 69 من أبواب القراءة حديث 1.

الجمعة و المنافقين في صلاة يوم الجمعة مطلقا، غاية الأمر في صلاة الجمعة العدول أرجح، كأرجحيته حال النسيان، بعدم إتيانهما من الأول. و في غير الجمعة لا يجوز العدول من كل واحدة من الأربع، و في غير الأربع يجوز العدول إلى النصف، إلّا أن ينكشف ضيق الوقت، فلا محيص من العدول حينئذ، حفظا للوقت، كما لا يخفى.

و يحرم قول آمين آخر الحمد و بعد فراغه، و تبطل الصلاة بذلك، على المشهور بين الأصحاب.

و قيل بكراهته، و قيل بالتفصيل بين الحرمة فنعم، و البطلان فلا.

و للمشهور نصوص مستفيضة ناهية عن قول آمين بعد قوله:

«وَ لَا الضّٰالِّينَ» (1)، و في بعض النصوص: «ما أحسنها» (2)، الظاهر في رجحانه، فيعارض ما دل على رجحان فعله.

و لا مجال للجمع في المقام، فلا بدّ من الترجيح بعمومات نفي البأس عن الدعاء في الصلاة (3)، لو لا قصور في سندها أو جهتها ذاتا.

و مع اعراض المشهور عنها لا يبقى مجال الترجيح المزبور أيضا، كما لا مجال للجمع بينهما أيضا بحمل النواهي لدفع توهم شدة الرجحان، إذ هو ينافي أيضا قوله: «ما أحسنها»، فلو لا الاعراض كانت قواعد الترجيح محكمة.

ثم المنصرف من النواهي هي القول المرسوم من ديدنهم بعنوان الدعاء، و إلّا فيكفي له كونه من كلام الآدمي، كما لا يخفى. نعم لا بأس به نسيانا، لعموم «لا تعاد»، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 4: 752 باب 17 من أبواب القراءة.

2) وسائل الشيعة 4: 753 باب 17 من أبواب القراءة حديث 5.

3) وسائل الشيعة 4: 1262 باب 13 من أبواب القواطع.

الخامس: الركوع

و هو الانحناء مطلقا، بلا اعتبار القصد فيه، بشهادة «شيخ راكع» و إنما يعتبر ذلك في جزئيتها.

و يجب في كل ركعة مرة، إلّا الكسوف و الآيات، بلا إشكال في الحكمين نصا (1)و فتوى.

و هو ركن في الصلاة، لكونه من الخمسة المستثناة في عموم «لا تعاد»، الشاملة للزيادة أيضا، و لا أقل من إجماله، الساري إلى المستثنى منه، فيبقى إطلاق دليل الزيادة (2)على مانعيته، بلا معارضته بعموم: «يسجد لكل زيادة» (3)، لأنه في مقام إثبات وظيفة السجدة في ظرف الفراغ عن إبطال الزيادة، بلا نظر إلى نفي مبطليتها.

و يجب أن ينحني بقدر أن يصل كفاه إلى ركبتيه على الأشهر، خلافا للحدائق القائل بكفاية وصول رءوس الأصابع (4)، و يشهد له ما في النص من التصريح بكفايته و ان تمكين الكف أحب (5)، و هو صالح لرفع اليد عن ظهور ما في نص آخر من قوله: «و تمكن راحتيك من ركبتيك» (6)، بالحمل على الفضيلة. و من جهة وحدة المطلوب يقيّد بالنص السابق إطلاق البقية، فلا يجتزئ بمطلقه، كما أنّ الانصراف إلى المستوي خلقة توجب ملاحظته.

و لو عجز أتى بالممكن ما دام صدق الركوع محفوظا، مقدّما الأقرب فالأقرب، لقاعدة الميسور و الاضطرار.


1) وسائل الشيعة 4: 946 باب 24 من أبواب الركوع.

2) وسائل الشيعة 5: 332 باب 19 من أبواب الخلل.

3) وسائل الشيعة 5: 346 باب 32 من أبواب الخلل حديث 3.

4) الحدائق الناضرة 8: 237.

5) وسائل الشيعة 4: 674 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة.

6) وسائل الشيعة 4: 674 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة.

و إلّا أومأ لو لم يتمكن من الانحناء جالسا أيضا، و إلّا ففي تقديم أي واحد، تقدّم الاشكال فيه، و إن أمكن أيضا دعوى تقديم الركوع جالسا على الإيماء، لأنه أقرب إلى ركوعه.

و الأحوط الجمع بينهما في صلاة واحدة بقصد ما في الذمة، و يكفي في ركوعه جالسا أيضا انحناؤه بمقدار يساوي وجهه ركبتيه لصدق به.

نعم مع عدم التمكن من الانحناء رأسا، فوظيفته الإيماء بلا اشكال، مقدما الإيماء بالرأس على الإيماء بالعين، لجريان مناط الأدلة السابقة في المقام.

و لو كان راكعا خلقة أو لعارض، فإن لم يكن بمقدار الانحناء الصلاتي، فلا شبهة في وجوب تحصيله، و إن كان بمقداره مع التمكن من تحصيل مرتبة اخرى البالغ الى آخر حده، ففي وجوب تحصيل هذه المرتبة وجه، لظهور الأمر في إحداثه عن قصد، و لو أغمض عن هذا الظهور لا يجزئ إرادته في لزوم تحصيل الزائد، بل يكفي فيه قدرته على بقائه على حاله، فيقصد بقائه ركوعا صلاتيا للّٰه تعالى.

و لو بلغ في الانحناء غايته، ففي وجوب تحصيل الزائد، و إن جاوز حد الركوع الاختياري، حفظا لظهور الاحداث، و الاكتفاء بإبقائه إراديا، حفظا لماهية الانحناء الصلاتي، أو الانتقال إلى إحداث الركوع الجلوسي، أو الانتقال إلى الإيماء، لثبوت بدليته في الجملة، فأصالة عدم بدلية مرتبة اخرى توجب انتهاءه الى هذا البدل، وجوه، مبنى الأخير: عدم جريان قاعدة الميسور في واحد من المراتب السابقة على الإيماء، و حيث انها جارية في واحد منها جزما، لا يبقى مجال انتهاء الأمر إلى الإيماء.

و عليه يبقى الكلام في اقتضاء القاعدة أي واحد؟ كي يتعيّن ذلك، لكن حفظ هيئة الركوع القيامي مقدّم على الجميع، فيقصد ببقائه ركوع صلاته، و اللّٰه العالم.

و مع عدم تمكنه من رفع رأسه أيضا، يقصد في بقائه ركوعه، بلا احتياج الى بقاء مقدار آخر بدل رفعه، لعدم دليل على بدلية شي‌ء له، فمع عجزه عنه يسقط جزئيته رأسا.

نعم مع التمكن من مقدار منه، يجب بقاعدة الميسور، و هل الواجب جزء جميع مراتب انحنائه إلى أن بلغ الى حد الركوع الكافي فيها، أو خصوص مثل هذا الحد جزء و الباقي مقدمة الجزء؟ وجهان، أقربهما: الثاني، لظهور كون الواجب هو الذي أمر به من المرتبة الخاصة.

و تظهر الثمرة في قصده الجزئية، فلو انحنى بخيال السجود فبلغ إلى حد الراكع فتذكّر، يجزيه على المختار، بخلافه على الأوّل، بل يجب تحصيل جميع المراتب بقصد الجزئية، فيرجع و يركع. و الأصل أيضا موافق للمختار، إلّا على أصالة التعبدية في مشكوك العبادية.

و يجب في ركوعه أن يطمئن بقدر التسبيح بلا اشكال، لكون الركوع في حال التسبيحة كالقيام حال القراءة، من واجبات الصلاة، و أنّ التسبيحة واجب في واجب.

نعم ليس هذه المرتبة ركنا، لانحصار دليل الركنية بصرف وجوده إجماعا، فيجب فيه الطمأنينة، لعموم قوله: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (1)، و ظاهره كون الطمأنينة أيضا واجبة في الصلاة في واجب آخر، و لازمة فوت محله بنسيانه إلى أن يرفع رأسه من الركوع، لعدم إمكان تداركه بعود ركوعه، للزوم محذور زيادة الركن، كما هو الشأن في نسيان تسبيحة أيضا.

و بذلك يمتاز اعتبارهما في الصلاة أو في ركوعه، إذ على الثاني أمكن


1) راجع الجواهر 10: 83.

دعوى إمكان التدارك، لعدم المأتي به ركوعا صلاتيا، فلا زيادة لو أعيد، لما عرفت من انصراف دليل الزيادة (1)الى ما اعتبر جزء.

و أما لو تذكّر بها حال الركوع، فيجب تحصيلها بتكرار التسبيحة أيضا، لعدم صدق الزيادة بإبقاء هذا الركوع الشخصي، فيصدق ما دام بقاؤه بكونه فرد الواجب، فيبقى محل الطمأنينة و التسبيح حال ركوعه الواجب.

و توهم وقوع التسبيحة على صفة الجزئية فرع إسقاط الطمأنينة عن الاعتبار، و إلّا فليس لدليل كل جزء إطلاق يشمل حال فقد غيره من الشرائط أو الأجزاء، فإطلاق شرطية الطمأنينة بعد ما لم يكن فيه قصور الشمول للمورد فيشمله، و يصير حاكما على وقوع التسبيحة السابقة على صفة الجزئية.

لا يقال: إنّ إطلاق دليل كل شرط أو جزء آخر فرع إحراز قابلية محله، و بدونه ليس له إطلاق صالح الشمول للمورد، و ليس شأن هذا الإطلاق أيضا إحراز قابلية محلّه، لعدم نظر دليل كل حكم إلى إحراز قابلية المحل من ناحيته، فلا بدّ من إحراز هذه الجهة من الخارج، و مع احتمال وقوع التسبيحة على صفة الجزئية، يشك في هذه القابلية، فلا يجدي فيه إطلاق دليل شرطية الطمأنينة.

قلت: ما أفيد في غاية المتانة لو فرض خروج الركوع الزائد عن مقدار الذكر عن صفة الجزئية، و إلّا فبعد كون الركوع الشخصي ما دام موجودا يصدق عليه انه مصداق الواجب، فلا قصور في دليل الطمأنينة لشموله، فيجب تحصيله و لازمة تكرار التسبيحة، لكشف هذا الإطلاق عن عدم وقوعها على صفة الجزئية، كما هو ظاهر.


1) وسائل الشيعة 5: 332 باب 19 من أبواب الخلل.

و من التأمل في هذا البيان ظهر لك تأسيس قاعدة و ميزان، في وجوب تدارك ما فات من الواجبات في الصلاة، في واجب أم لا، و اللّٰه العالم.

و يجب في الركوع أيضا أن يسبّح مرة واحدة تسبيحة كبرى، و صورتها سبحان ربّي العظيم و بحمده، أو ثلاث مرات «سبحان اللّٰه» الذي هو تسبيحة صغرى، و ذلك للأمر بالواحدة (1)، المحمولة على الكبرى، و بالأمر بالثلاث الصغرى (2)، فيجمع بينهما بعد وحدة المطلوب، برفع اليد عن ظهور كل واحد في التعيين، فيتخيّر كما قلنا.

نعم قد يبقى الإشكال في صورة الكبرى، ففي الأخبار المستفيضة ما ذكر (3)، و في آخر إسقاط قوله: «و بحمده» (4). و يمكن حمل الأخير على مجرد الإشارة إلى الأولى، بذكر بعضها، و يحتمل حمل الأمر في الأول على الفضيلة، و الأحوط هو الأول.

ثم انّ في المقام بعض نصوص تشتمل على كفاية ثلاث تهليلات، بل و في ذيله التعليل بأنه من الذكر (5)، فيتعدّى منه الى كل ذكر، و لو لا اعراض المشهور عنها لكان الحمل على مراتب الفضيلة و الاجزاء متعيّنا، كما لا يخفى.

ثم انّ مقتضى بعض النصوص انّ الواجب في التسبيحة الكبرى واحدة و السنة الثلاث، و الفضل في السبع (6)، و لازمة بملاحظة وحدة الحقيقة التي في


1) وسائل الشيعة 4: 923 باب 4 من أبواب الركوع.

2) وسائل الشيعة 4: 924 باب 4 من أبواب الركوع حديث 5.

3) وسائل الشيعة 4: 923 باب 4 من أبواب الركوع.

4) وسائل الشيعة 4: 923 باب 4 من أبواب الركوع حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 929 باب 7 من أبواب الركوع حديث 1.

6) وسائل الشيعة 4: 923 باب 4 من أبواب الركوع حديث 1.

التسبيحة، الاجزاء بأول الوجودات، و لو قصد به الندب، ما لم يكن بنحو وحدة المطلوب، و إلّا فيجب ثانيا، كما هو الشأن في كل مورد اجتمع واجب و ندب مع وحدة الحقيقة. نعم في المختلفات بالقصد يتبع قصدها كما هو ظاهر فتدبّر، ثم الكلام في نسيان الذكر هو الكلام في نسيان الطمأنينة حرفا بحرف.

و يجب أن ينتصب قائما بعد الفراغ من ذكر الركوع قبل أن يسجد كي يكون سجوده عن قيام، بلا اشكال فتوى و نصا، و كافيك فيه رواية الأعرابي (1)، كما انه لا بدّ فيه من اقامة الصلب لقوله: «لا صلاة لمن لم يقم صلبه» (2).

و أن يكون في قيامه أيضا مطمئنا، للعموم السابق، فراجع.

و لو نسي القيام الى أن دخل في السجدة رجع لبقاء محله، من جهة دليل الترتيب و سيأتي الكلام في نسيان الركوع أيضا. نعم لو تذكّر في السجدة الثانية مضى، لعموم: «لا تعاد»، و سيأتي شرحه في الخلل أيضا.

و يستحب التكبير له أي للركوع، للنص (3)، و بضميمة الرواية الحاصرة التكبيرة الواجبة بالواحدة (4)يتم الاستحباب.

و رفع اليدين به، لنص عبد الحميد (5).


1) الذكرى: 198.

2) وسائل الشيعة 4: 939 باب 16 من أبواب الركوع حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 921 باب 2 من أبواب الركوع.

4) وسائل الشيعة 4: 714 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 5.

5) وسائل الشيعة 4: 726 باب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 6.

و وضع يديه على ركبتيه مفرجات الأصابع، الرواية حماد (1)، و ردها الى خلفه كما في ذيل الرواية المزبورة.

و تسوية ظهره، و مد عنقه، للرواية المزبورة أيضا.

و الدعاء، لأنه حسن على كل حال، و خصوص نص زرارة (2).

و زيادة التسبيح، لرواية حمزة بن حمران (3)، و أن يقول بعد رفع رأسه: سمع اللّٰه لمن حمده، و الحمد للّٰه رب العالمين، للنص المشتمل على كليهما (4)، و في بعض النصوص تخصيص الثاني بمن كان خلف الامام (5)، فيحمل على مراتب الفضيلة.

و يكره أن يركع و يداه تحت ثيابه أجمع، و في النص: «إن كان عليه ثوب آخر فلا بأس، و إلّا فلا يجوز» (6)، و لكنه بقرينة نص ابن مسلم المصرّح بنفي البأس (7)، محمول على الكراهة.

السادس: السجود
اشارة

و هو الانحناء المخصوص، الملازم لوضع موضع من مواضع وجهه على الأرض، بلا خصوصية لجبهته، كما يشهد آية «للأذقان سجدا» (8)، و لا يكون أيضا قصديا، فهو مما به الخضوع لا نفسه كالقيام، مثل


1) وسائل الشيعة 4: 673 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 781 باب 42 من أبواب القراءة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 927 باب 6 من أبواب الركوع حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 940 باب 17 من أبواب الركوع حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 940 باب 17 من أبواب الركوع حديث 1.

6) وسائل الشيعة 3: 314 باب 40 من أبواب لباس المصلي حديث 4.

7) وسائل الشيعة 3: 313 باب 40 من أبواب لباس المصلي حديث 1.

8) الاسراء: 109.

ما ذكرناه في الركوع.

نعم قد يقصد بسجدته كونه لزيد، فنفس هذا القصد يجعلها خضوعا له، و بهذا المعنى جعل السجدة للّٰه تعالى، الملازم لحرمتها لغيره، بلا نظر إلى قصد ترتب شي‌ء على مثلها.

بل اللام في المقام لما كان لأم الصلة لا الغاية فلا تقتضي المحبوبية له، و بهذه المعنى يتصور حرمة العبادات ذاتا، بمعنى حرمة ما هو من وظائف العبودية، لا حرمة ما يقع بوجه قربى، إذ مثل هذا الوجه لا ينفك عن محبوبية العمل لدى المولى، فلا يناسب حرمته، فدائرة العبادة التي هي عبارة عن إتيان ما هو من وظائف العبودية أوسع من القربات الإلهية، كما لا يخفى.

و بالجملة ما هو حرام كون سجدته لغير اللّٰه بنحو الصلة و لو لم يقصد بها الخضوع، لإمكان دعوى أنّ نفس هذه الصلة تجعل سجوده خضوعا له بذاته.

و يقصد بسجوده خضوعا له، بحيث يكون ظرف الصلة خضوعه لا سجوده، فيكون مشمول دليل الحرمة أيضا بالفحوى.

و لو لم يقصد بسجوده خضوعا، و لا كونها لأحد، بل يأتي بهذه الهيئة لغرض آخر، فلا يكاد يكون مشمول دليل الحرمة، لانصرافه إلى كونها على وجه يعد خضوعا لغيره تعالى.

و نظيره أيضا ما لو أتى به لا بقصد خضوع زيد بهذه السجدة، بل بما يقارنها من تقبيل عتبة، فإن هذا أيضا غير مشمول لدليل الحرمة.

بل و لو فرض اعتبار وضع موضع من الوجه على الأرض أو بما بحكمه، و لا يكفي في مسمّاه مجرد الاتصال و لو بنحو التقبيل، فأمر الجواز أوضح، فإشكال بعض الوسواسيين في تقبيل الأعتاب المطهّرة، المورث لإحداث هيئة الساجد إنما نشأ عن الخلط في الجهات.

و يجب في كل ركعة سجدتان بلا اشكال نصا و فتوى.

و هما ركن في الصلاة، بمعنى بطلان الصلاة بتركهما في ركعة جمعا و زيادتهما فيها مجموعا، فمرجع ركنيتهما إلى إضرار بعض أنحاء تركهما، و بعض أنحاء الزيادة عليهما، و لا ضير في الالتزام به بعد قيام الدليل عليه، لأنه أمر ممكن.

و عموم: «لا تعاد» بالنسبة إلى أنحاء زيادة السجدة أو نقصه- على فرضه- مقيّد بما ورد من النص على عدم إعادة الصلاة من سجدة، و إعادتها من ركعة بعد شموله طرفي زيادة السجدة و نقصها، حيث طبقه الإمام عليه السلام في خبر منصور (1)، على نفي الإعادة بزيادة السجدة، علاوة عما ورد في طرف نقصها (2).

و بمثل هذا البيان يرتفع الاشكال المشهور.

نعم يرد مثل هذا الكلام لو كان ركنية السجدتين على حد سائر الأركان، و الأمر فيه سهل بعد وضوح المراد دليلا، بل من الممكن إرجاع ركنية البقية أيضا إلى هذا المعنى، غاية الأمر لا يتصور لسائرها نحوان من النقص و الزيادة، كما لا يخفى.

و يجب في كل سجدة السجود على سبعة أعضاء: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و إبهامي الرجلين، مع عدم دخل مثل هذه الخصوصيات في حقيقة السجدة حتى الجبهة.

و لا إشكال في وجوبها في سجدة الصلاة إجمالا فتوى و نصا (3)، و يكفيك


1) وسائل الشيعة 4: 938 باب 14 من أبواب الركوع حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 938 باب 14 من أبواب الركوع حديث 3.

3) وسائل الشيعة 4: 954 باب 4 من أبواب السجود.

ما في المستفيضة من أنّ السجود على سبعة أعظم (1)، و في بعضها انّ هذه السبعة فرض و إرغام الأنف فسنة من النبي صلّى اللّٰه عليه و آله (2).

ثم انّ المراد من وضع الجبهة مسمّاه عرفا، و ما ورد من النص على تحديده بالدرهم أو غيره (3)، فلعله للإشارة إلى المصاديق العرفية، و إلّا فلا بأس باستحبابه جمعا بينه و بين المطلقات. و أما اليدان ففي جملة من الأخبار: جعل وضعهما من السبعة (4)، و في آخر: التصريح بالكفين (5).

و ظاهرهم في المقام حمل المطلق على المقيد، لا الحمل على أفضلية الكفين، و لا يبعد التقييد في خصوص المقام، من جهة ضعف الإطلاق بالنسبة إلى غير الكفين و لو من جهة وضعهما عند الابتلاء به غالبا، بل المنصرف منهما باطنهما، فلا يكتفي حينئذ بوضع رءوس الأصابع جزما.

و في الاكتفاء بوضع باطن الأصابع، أو يحتاج إلى وضع باطن الراحة، وجهان، لا يخلو ثانيهما عن قوة، و إن كان الأصل مع الأول، لو لا كونه من باب التعيين و التخيير، لا الأقل و الأكثر، فتدبّر.

ثم مع الاضطرار ينتقل إلى باطن الأصابع، و مع عجزه عنه أيضا ينتقل الى الظاهر، كما هو الشأن في حفظ مراتب الأقرب فالأقرب في سائر المقامات أيضا، كما تقدّم شطر منها.

و يكفي في الركبتين أيضا مسماهما، للإطلاق.

و أما إبهاما الرجلين، فظاهر المطلقات وضع الإبهام بأي جانب كان، كما


1) وسائل الشيعة 4: 954 باب 4 من أبواب السجود.

2) وسائل الشيعة 4: 954 باب 4 من أبواب السجود حديث 2.

3) وسائل الشيعة 4: 963 باب 9 من أبواب السجود حديث 5.

4) وسائل الشيعة 4: 955 باب 4 من أبواب السجود حديث 2 و 8.

5) وسائل الشيعة 4: 955 باب 4 من أبواب السجود حديث 6.

انّ الظاهر من تخصيص أحد السبعة بالإبهام وجوب خصوصه.

نعم في بعض النصوص: «أطراف الأصابع»، و يمكن الجمع بينهما بالفضيلة، أو يحمل الجمع بلحاظ أفراد المكلّفين مثل الرءوس و الأرجل في الآية الشريفة، بل على الاحتمال الثاني ربما يحتمل وضع طرف معيّن من الإبهام، و لكن ليس بحد يصلح لرفع اليد عن إطلاق الإبهام الشامل لأي طرف معه.

و على فرض التقييد لا بدّ من الجمع بين جميع الأطراف بطول السجدة، و تكرار الذكر مع كل طرف بقصد ما في الذمة.

و أما احتمال كفاية كل طرف من أطراف الأصابع فمستدرك جدا، كوجوب كل طرف بطول السجدة، كما لا يخفى.

ثم انّ مع قطع الإبهام يكتفي بما بقي منه للميسور، و مع عدمه ففي تعيين محله أو الانتقال إلى بقية الأصابع، وجهان. لا يبعد الأول، و الأحوط الجمع بينهما، و مع العجز عن وضع محل الإبهام يتعيّن وضع أحد الأصابع الأقرب إلى الإبهام فالأقرب، و مع العجز عن الأصابع أجمع فيكفي بمحلها، مقدما محل الإبهام على غيره الأقرب ثم الأقرب، على اشكال في ملاحظة العرف حينئذ مثل هذه الخصوصيات من القاعدة المعروفة، و اللّٰه العالم.

و المتبادر من وضع المواضع: كون ثقلها على الأرض، فلا يكفي مجرد الاتصال و المماسة، نعم ينتقل إليه مع عدم التمكن من وضعها.

و يجب في السجود أيضا عدم علو موضع السجود على موضع القيام بأزيد من اللبنة على المشهور، و في خبر ابن سنان: «إن كان موضع جبهتك مرتفعا من موضع يديك قدر لبنة فلا بأس» (1)، و في موثقة ابن بكير


1) وسائل الشيعة 4: 964 باب 11 من أبواب السجود حديث 1.

التصريح بعدم علو موضع القيام عن موضع السجدة- عكس السابق- من آجرة (1). و بهما يرفع اليد عن إطلاق التسوية (2)بحملها على مرتبة لا تنافي هذا المقدار.

و الظاهر انّ اعتبار عدم العلو المزبور في خصوص موضع الجبهة و القيام، لا بقية المواضع السبعة، فيها لا بدّ أن يلاحظ مقدار لا يخرج به عن الهيئة المخصوصة المعهودة في أذهان المتشرعة.

و لو وضع جبهته في موضع مرتفع نسيانا، فمع عدم صدق السجود عليه عرفا فلا اشكال، و هكذا مع الشك به في وجوب رفع رأسه و تحصيل سجدة جديدة.

و مع صدقه، ففي وجوب الجر الى السافل، أو جواز تجديد السجدة برفع الرأس، وجهان، مبنيان- بمقتضى القواعد- على أنّ عدم العلو المزبور من واجبات الصلاة في واجب، فمع التمكن من تحصيله في شخص هذه السجدة و لو بجرة بنحو لا ينافي مع بقاء شخصها فيجب، و إلّا فيجتزئ بمثلها مع رفع مانعية العلو المزبور بعموم: «لا تعاد»، كما هو الشأن في سائر واجبات الصلاة في واجب، و أن ذلك من شرائط السجدة في الصلاة، فلا بأس برفعه، لعدم صدق الزيادة، لما عرفت من انصراف دليل الزيادة الى ما كان معتبرا في الصلاة لا مطلقا.

و حينئذ فربما يشكل استفادة كل واحد من الجهتين من دليل اعتباره، لأنه المناسب مع كل من الاحتمالين، نعم في بعض النصوص الواردة بلسان:

أسجد فيقع جبهتي على مكان مرتفع، الأمر بجر الرأس تارة (3)، و برفعه


1) وسائل الشيعة 4: 964 باب 11 من أبواب السجود حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 963 باب 10 من أبواب السجود حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 960 باب 8 من أبواب السجود حديث 1 و 3.

اخرى (1).

و الأول مناسب مع كون عدم العلو واجبا في الواجب، و الثاني مناسب مع كونه شرط الواجب من السجدة.

و يمكن الجمع بين الروايتين بحمل أمر كل واحد على دفع توهم تعيين غيره، فيتخيّر بينهما، و لازمة كشف دخل عدم العلو من قيود جزئية السجدة، فيصير ذلك مثل أصل وضع الجبهة من قوام جزئيتها، و به يمتاز عن سائر القيود المأخوذة في الصلاة، و كان محل مثلها واجبا آخر.

و ربما يؤيد ذلك كون عدم العلو- بانظارهم- من قبيل المرتبة الخاصة من الانحناء، المأخوذ في ركوع الصلاة، كما لا يخفى.

ثم انّ ذلك كله في فرض وقوع الجبهة على المرتفع، و أما صورة وضع بقية الأعضاء عليه، فحيث أنّه لا يعتبر إلّا مع إضراره بصدق الهيئة المعهودة في مرتكزات المتشرعة، فلا شبهة أيضا في أنّما وقع منه لا يكون سجدة صلاة، فلا بأس بتحصيلها في سجدته، بناء على كونها من قيود الصلاة، فلا يجوز تجديد السجدة حينئذ، و إنما يجب فيها تحصيل هذا الواجب فيها، كما لا يخفى.

ثم انّ من التأمل فيما ذكرنا ظهر انّ اعتبار التساوي، و عدم علو موضع السجدة بالمقدار المعتبر في الجبهة، من مقومات سجدة الصلاة، لا من شروط الصلاة المعتبرة في السجدة الواجبة بذاتها، كما انّ أصل وضع الوجه في الجملة أيضا من مقومات حقيقتها رأسا.

و أما وضع خصوص الجبهة فهو أيضا مأخوذ في سجدة الصلاة، لا واجب آخر في عرض السجدة، بخلافه في غير الجبهة.

و ربما يدل عليه تعيين موضع الجبهة في النص في جواب السؤال عن حد


1) وسائل الشيعة 4: 961 باب 8 من أبواب السجود حديث 4 و 5.

السجدة (1)، فيكشف أن وضع الجبهة من حدود السجدة و قيودها الداخلية، نظير عدم علوه، و مثل هذا التعبير غير موجود في وضع سائر المواضع السبعة، فكمال المناسبة يقتضي كونها معتبرة في نفس الصلاة، بلا دخل لها في جزئية السجدة، و لا أقل من الشك، فيرجع إلى إطلاق دليل جزئيتها، و مثل هذا البيان نكتة بنائهم في باب الصلاة على أنّ مدار الركنية في باب السجدة على الجبهة دون غيرها، و وجه التفصيل ليس إلّا ما بينا، كما هو ظاهر.

و لو تعذّر عليه السجود التام، من جهة عدم تمكنه من وضع جبهته، فينتقل إلى مجرد إيصاله إلى الأرض، و إن لم يتمكن منه انحنى بمقدار هيئة السجدة، كل ذلك لقاعدة الميسور.

و إن لم يتمكن من احداث هذه الهيئة، ففي وجوب الانحناء بالمقدار الميسور، بضميمة رفع ما يسجد عليه و وضع جبهته عليه، أو وضعه على جبهته بمقتضى القاعدة إشكال، لا يبعد الالتزام به.

نعم لو لم يتمكن من الانحناء أصلا أو بمقدار لا يعتد به، أو لا يتمكن من وضع ما يسجد به على الجبهة، ففي شمول القاعدة لمثلها اشكال، و من هنا لا ينتهي الأمر أيضا الى الدوران بينهما.

و عليه فلا اشكال بمقتضى القاعدة في انتقال الأمر إلى الإيماء، للجزم ببدليته في ظرف لم يجعل لها بدل آخر، فأصالة عدم الجعل يدخل المورد في موضوع الإيماء جزما.

هذا كله بمقتضى القواعد، و أما بالنظر الى النصوص الخاصة فيقع الكلام تارة في اقتضاء دليل الإيماء تأخره عن جميع الأبدال، و اخرى في جواز


1) وسائل الشيعة 4: 962 باب 9 من أبواب السجود حديث 2.

الاكتفاء بالإيماء، بلا وضع شي‌ء على الجبهة، أو جواز الاكتفاء بالوضع المزبور أيضا بلا إيماء، أو وجوب الجمع بينهما، أو تقديم الوضع- علاوة عن جوازه- على الإيماء أيضا على خلاف الأصل و القاعدة.

و تحقيق المقام متوقف على الإشارة الى أخبار الباب، فنقول: إنّ في صحيح الكرخي: و لا يمكنه الركوع و السجود، فقال: «يومئ برأسه إيماء»، و في ذيله الأمر بوضع ما يسجد عليه على جبهته حين إيمائه (1).

و في آخر: تعيين وضعه بلا إيماء (2).

و في ثالث: التخيير بينهما، و أنّ الوضع أفضل (3).

و في رابع: الأمر بالإيماء، و الوضع أحب (4).

و لا يخفى أنّ ظاهر قوله: و لا يمكنه الركوع و السجدة بدوا: عدم التمكن من السجدة المعهودة، و لازمة كون بدلية الإيماء في عرض السجود الناقص بمقتضى قاعدة الميسور، إذ مقتضى الجمع بين إطلاقهما هو التخيير بينهما.

و لكن ظاهر كلماتهم: عدم الالتزام به، فكأنهم فهموا من عدم التمكن عدم تمكنه عما أمر به، و لو من جهة كونه ميسور واجبه من السجدة، فلا جرم يصير مجاري قاعدة الميسور خارجة عن موضوع الإيماء.

و في مثل هذا البيان، مع عدم صدق حقيقة السجدة على المأتي به، نظر، فلو لا الإجماع في البين لكان مقتضى القاعدة التخيير بين البدلين.

نعم مع الشك في استفادة ذلك كان مقتضى القاعدة الحكم بتعيين ما هو الميسور، لدورانه بين التعيين و التخيير، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 4: 976 باب 20 من أبواب السجود حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 690 باب 1 من أبواب القيام حديث 5.

3) وسائل الشيعة 4: 691 باب 1 من أبواب القيام حديث 11.

4) وسائل الشيعة 4: 689 باب 1 من أبواب القيام حديث 2.

ثم بعد انتهاء الوظيفة إلى الإيماء، فمقتضى الجمع بين مجموع الأخبار التخيير بين الإيماء و الوضع المزبور، و لو من جهة رفع اليد عن إطلاق الأمر بكل واحد بدليل الآخر، غاية الأمر الجمع بينهما أفضل.

و لكن رواية التخيير و الأمر بالوضع محضا مطروحان بإعراض الأصحاب، فتعين الأخذ بخصوص الإيماء، و أن الوضع أحب، كما في النص الرابع.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما ذهب إليه المصنف من قوله- عند تعذر السجود-: أومأ أو رفع شيئا و سجد عليه، و نظره إلى الجمع بين الأمر بهما على التخيير، بشهادة نص التخيير، و لكن قد عرفت ما فيه، من عدم الوثوق بذلك سندا، و إلّا فهو في غاية المتانة.

ثم لو كانت في جبهته قرحة، فيجب أن يحفر بمقدار يتمكن من السجود بأطرافها و إن لم يتمكن من ذلك ففي النص وضع الجبينين، و في ذيله تقديم الأيمن (1)، و ذلك غير معمول به، و الفقه الرضوي (2)الدال عليه أيضا غير حجة، فيطرح من الرواية السابقة هذه الفقرة، و عليه فإطلاقه يقتضي التخيير بين الطرفين، و لو بأصالة عدم القرينة، لو لا دعوى عدم جريان الأصل مع وصول ما بأيدينا مما يصلح للقرينية سندا، كما هو الشأن فيه دلالته، و حينئذ ينتهي الأمر إلى التعيين و التخيير.

ثم لو لم يتمكن من الجبينين أيضا، ينتهي الأمر إلى الذقن، لما في النص الحاكم به مع العجز عن الجبهة (3)، و ظاهره تعارض رواية الجبينين (4)، و لا يبعد ترجيح إطلاق الأمر بالجبينين، و لو بارتكاز الأقربية.


1) وسائل الشيعة 4: 966 باب 12 من أبواب السجود حديث 3.

2) فقه الامام الرضا (ع): 114.

3) وسائل الشيعة 4: 964 باب 10 من أبواب السجود حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 966 باب 12 من أبواب السجود حديث 3.

و لكن الانصاف- لو لا وجود الإجماع في البين- التخيير بينهما، للجمع بين إطلاق أمريهما، و ربما يساعده الاعتبار أيضا من جهة أنّ أعضاء الوجه في أصل السجدة سواء، بل ربما يوهم تقديمه على الجبينين.

و فيه نظر، لأنه أيضا مما به قوام السجدة عرفا، و على أي حال لا مجال لاحتمال تقديم الإيماء على هذه المراتب، للجزم بعدم صدق عدم التمكن من السجدة، لو لا توهم انصرافه إلى السجدة التامة، و فيه نظر.

و يجب أن يطمئن بقدر التسبيح، لما تقدّم من وجوب الطمأنينة في جميع أفعال الصلاة، و أنّ يسبّح بالتسبيحة الكبرى مرة، و صورتها:

سبحان ربي الأعلى و بحمده، لما تقدّم في ذكر الركوع المشترك بينهما دليلا، و تقدّم أيضا الاجتزاء بثلاث صغريات تامة.

و يجب أيضا بعد الذكر رفع رأسه، و أن يجلس بينهما مطمئنا، لنص أبي بصير (1)، و ظاهره- كبعض نصوص اخرى (2)- وجوب الجلسة بعد الثانية، المسماة بجلسة الاستراحة أيضا، و لكن في قبالها ما هو صريح في عدم وجوب هذه الجلسة، و انه توقير للصلاة (3)، و لذا ذهب المشهور إلى عدم الوجوب، خلافا لجماعة أخرى، و اللّٰه العالم.

و يجب أيضا أن يضع جبهته على ما يصح السجود عليه، كما تقدّم تفصيله في بحث المكان.


1) وسائل الشيعة 4: 956 باب 5 من أبواب السجود حديث 3.

2) وسائل الشيعة 4: 956 باب 5 من أبواب السجود حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 956 باب 5 من أبواب السجود حديث 5.

و يستحب التكبير له عند الهوي إليه، و عند رفع الرأس عنه، لخبر حماد (1)المحمول على الاستحباب، بقرينة نص أبي بصير (2)بحصر الواجب في الصلاة بتكبيرة واحدة.

و السبق بيده إلى الأرض، لصحيح زرارة (3).

و الإرغام بالأنف، لنصوص مستفيضة (4).

و الدعاء، للنص من قوله «ادع للدنيا و الآخرة» (5).

و التسبيح الزائد، لما تقدّم في أخبار الركوع، و منها الطمأنينة عقيب رفع رأسه، الملازمة للجلوس المعهود، كما تقدّم آنفا على المشهور.

و الدعاء بينهما، للنص (6)، و نسبه في المعتبر أيضا إلى فتاوى الأصحاب (7)و القيام معتمدا على يديه سابقا برفع ركبتيه.

و يدل على السبق المزبور صحيح ابن مسلم (8)، و على الاعتماد المسطور خبر عامي (9)، و في الاتكال في كثير من هذه الاسناد نظر، لعدم تمامية التسامح عندنا، كما أنّ عمل المشهور باحتمال اتكالهم على القاعدة لا يجدي وثوقا في الباب، فيشكل الفتوى بالاستحباب في غالب الموارد، لضعف أخبارها، نعم لا بأس بها رجاء، و اللّٰه العالم.


1) وسائل الشيعة 4: 673 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة.

2) وسائل الشيعة 4: 714 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث 5.

3) وسائل الشيعة 4: 675 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 3.

4) وسائل الشيعة 4: 954 باب 4 من أبواب السجود.

5) وسائل الشيعة 4: 973 باب 17 من أبواب السجود حديث 2.

6) وسائل الشيعة 4: 951 باب 2 من أبواب السجود.

7) المعتبر 2: 213.

8) وسائل الشيعة 4: 950 باب 1 من أبواب السجود حديث 2.

9) مستدرك الوسائل 4: 465 باب 16 من أبواب السجود حديث 2.

و يكره الإقعاء، و إطلاقه- عرفا- يشمل بين السجدتين من التشهد و غيره.

و لعله عن إطلاق جملة من النصوص (1)، بل في بعضها التصريح بأنه «لا ينبغي الإقعاء في التشهد» (2)، و حينئذ لا وجه لتخصيص الكراهة بخصوص بين السجدتين، كما لا يخفى.

يجب السجود في مواضع:

منها: للسهو، و سيأتي في بحث الخلل.

و منها: لتلاوة آية السجدة.

و الأصل فيه خبر ابن سنان، و في ذيله «و ما عداها في جميع القرآن مسنون و ليس بمفروض» (3).

و ظاهر قوله: «يقرأ الرجل السجدة» (4)قراءة آيتها، و في شمول قراءة كلمتها فقط وجه.

و ظاهر كلمة «فاء» كون وجوبه فوريا على اشكال فيه، من كونه قيدا للهيئة أو للمادة، و إن لم يفعل ففي وجوبه فورا اشكال، فتبقى الإطلاقات على بقاء صرف وجوبها.

و منها: لاستماعها، لقوله: «لا يسجد إلّا مستمعا» (5)، و في ذيله التصريح بعدم الوجوب لمن سمع، و بذلك يرفع اليد عن إطلاقات الوجوب


1) وسائل الشيعة 4: 957 باب 6 من أبواب السجود.

2) وسائل الشيعة 4: 987 باب 1 من أبواب التشهد حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 881 باب 42 من أبواب قراءة القرآن حديث 9.

4) وسائل الشيعة 4: 881 باب 42 من أبواب قراءة القرآن حديث 6.

5) وسائل الشيعة 4: 882 باب 43 من أبواب قراءة القرآن حديث 1.

للسماع، و قاعدة عدم تداخل الأسباب تقتضي تكررها بتكرار الاستماع أو القراءة.

و تستحب هذه السجدة في غير الأربعة من الآيات المعهودة، للنص السابق (1).

و مقتضى الإطلاقات الاكتفاء بمسماها، و توهم الانصراف إلى سجدة الصلاة، أو أنّ قوله: «السجود على الأعظم السبعة» (2)شرح لمطلق الواجب، كلاهما مدفوع، بمنعهما، بل الأول مطلق، و الثاني منصرف إلى سجدة الصلاة.

و لا يجب فيها التكبير و لا التشهد، للنص المصرّح به (3)، و في خبر الساباطي: «إذا سجدت قلت ما تقول في السجدة» (4)، و ظاهره يقتضي وجوب الذكر، و لكن خبر الدعائم النافي لوجوب شي‌ء من التكبيرة و غيرها (5)قرينة تأويله باستحبابه.

و في النص أيضا التصريح بنفي شرطية الطهارة الحدثية (6)، و بفحواها، و بقية المطلقات (7)تنفي شرطية غيرها أيضا.

نعم في النص: «اسجد متوجها الى القبلة»، و لا بأس بأخذه، لو لا إعراض الأصحاب، و يمكن حمله- بقرينة المطلقات- على الاستحباب أيضا.

نعم لا يجوز السجود في المكان المغصوب حسب ما تقدّم في بحث المكان، و اللّٰه العالم.


1) وسائل الشيعة 4: 880 باب 42 من أبواب قراءة القرآن.

2) وسائل الشيعة 4: 880 باب 42 من أبواب قراءة القرآن.

3) وسائل الشيعة 4: 880 باب 42 من أبواب قراءة القرآن.

4) وسائل الشيعة 4: 954 باب 4 من أبواب قراءة القرآن حديث 2 و 8.

5) وسائل الشيعة 4: 884 باب 46 من أبواب قراءة القرآن حديث 3.

6) دعائم الإسلام 1: 215.

7) وسائل الشيعة 4: 880 باب 42 من أبواب قراءة القرآن حديث 2.

السابع: من واجبات الصلاة التشهد،

و يجب في كل ثنائية مرة، و في الثلاثية و الرباعية مرتين بلا اشكال فتوى و نصا، و ما ورد مما ينافيه (1)مطروح، أو محمول على التقية.

و يجب الجلوس بقدر الشهادتين، للنصوص المستفيضة (2)، بل ظاهره كون هذا المقدار جزءا مستقلا، لا أنه تبع للتشهد، فلو نسي يجب مع بقاء المحل إعادته، و إطلاق دليله يوجب الاجزاء بهذا المقدار بأي نحو من الجلوس كان، ما لم يخرج عن الهيئة المتعارفة، التي هي منصرف الإطلاقات، و قد سمعت أيضا النص الدال على جواز الجلوس الاقعائي فيه على كراهة.

و يجب في جلوسه هذا الشهادتان، و الصلاة على النبي و آله، بلا اشكال فيه أيضا في الجملة نصا (3)و فتوى.

و إنما الكلام في جواز الاجتزاء بمطلق الشهادتين و الصلاة، أو يعتبر فيه أن يكون أقله أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، و أشهد أنّ محمدا رسول اللّٰه، اللهم صل على محمد و آل محمد، أو يعتبر ضم «وحده لا شريك له» أيضا بالأول، و «عبده و رسوله» بالثاني، وجوه بل أقوال، و منشأها: اختلاف أخبار الباب (4).

و حيث انّ المطلقات موهونة الظهور، بقوة كونها في مقام أصل التشريع، فلا بدّ من المصير الى المفصلات، و هذه أيضا بعد اختلافها في المضمون أمرها يدور بين الأخذ بإطلاق الأقل و حمل الزائد على الفضيلة، أو يقيّد إطلاقه


1) وسائل الشيعة 4: 1001 باب 13 من أبواب التشهد حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 991 باب 4 من أبواب التشهد.

3) وسائل الشيعة 4: 999 باب 10 من أبواب التشهد.

4) وسائل الشيعة 4: 989 باب 3 من أبواب التشهد.

و الأخذ بما اشتمل على الزائد.

و لا يبعد ترجيح الأول من فحوى الجمع، لقوة مثل هذه المطلقات في مقام البيان. و إليه نظر المصنف أيضا، و مع تباين الخصوصيات من مثل «رسول اللّٰه»، أو «رسوله»، يحمل على التخيير.

و على أي حال لا يجزئ ترجمته، لظهور الأمر بالألفاظ الخاصة في دخل خصوصها، و مع العجز عن الكل يأتي بميسورها، و الأخرس تجزيه الإشارة بالنحو المتقدّم، و في التعدّي إلى مطلق الذكر مع تمكنه منه وجه، مبني على حمل ما ورد باجزاء «بسم اللّٰه و باللّه» (1)على صورة العجز، و إلّا فمع طرحه سندا أو دلالة لا دليل على بدلية شي‌ء لهما.

و يستحب أن يجلس فيه متوركا، لصحيح زرارة (2)، و أن يدعو بعد الواجب من التشهد بقوله: «و امنن عليّ بالجنة، و عافني من النار»، على ما في نص أبي بصير (3).

الثامن: من واجبات الصلاة التسليم،
اشارة

و في وجوبه خلاف بين الأصحاب بنحو لا مجال لنسبة الشهرة إلى طرف، كالخلاف بين القائلين بالوجوب من كونه نفسيا أم جزءا للواجب، و في هذا المقام ذهب المشهور إلى الأول، و بين القائلين بالجزئية أيضا خلاف في ركنيته و عدمها، و الأكثر على العدم.

و منشأ الخلاف: اختلاف أخبار الباب (4)، و اختلاف أنظارهم في جميعها.


1) وسائل الشيعة 4: 996 باب 7 من أبواب التشهد حديث 7 و 8.

2) وسائل الشيعة 4: 673 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة.

3) وسائل الشيعة 4: 989 باب 3 من أبواب التشهد حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم.

و حينئذ فنقول: إنّ من جملة أخبار الباب ما هو المروي في العلل عن الرضا عليه السلام: «إنما جعل التسليم تحليل الصلاة، و لم يجعل بدلها تكبير أو تسبيح أو حرف آخر، لأنه لما كان الدخول في الصلاة تحريم كلام المخلوقين و التوجه الى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين و الانتقال عنها، و إنما يبدأ المخلوق في الكلام أو بالتسليم» (1).

و لا يخفى انّ ظاهر هذه الرواية: وجوب التحليل بالتسليم، و أنه من باب الانتقال عن الصلاة التي هي التوجه إلى الخالق بالتوجه الى المخلوق بالسلام عليهم، فيستفاد من الرواية انّ للصلاة مرتبتين، فمرتبة كانت معراج المؤمن و توجها الى خالقه، و هذه المرتبة مشتملة على تهليل و تكبير و تسبيح و ركوع و سجود و قراءة و شهادة و صلاة على النبي. و مرتبة اخرى كان مقام نزوله عن مقام المعراج، و توجها الى المخلوقين بالسلام الذي هو تحليل.

و عليه فربما يكون مثل هذه الرواية شاهد حمل الفراغ عن الصلاة بالتشهد (2)، أو الانصراف منه (3)، في جملة من النصوص على الفراغ عن المرتبة الأولى، كما انّ ما دل على أن السلام آخرها (4)، أو تحليلها (5)أو حصول الانصراف بالتسليم (6)، أو الخروج منها به (7)، أو الانقطاع به (8)


1) علل الشرائع: 97.

2) وسائل الشيعة 4: 1001 باب 13 من أبواب التشهد.

3) وسائل الشيعة 4: 992 باب 4 من أبواب التشهد حديث 4.

4) وسائل الشيعة 4: 1004 باب 1 من أبواب التسليم حديث 4.

5) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 1 و 8 و 11.

6) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 1 و 2.

7) وسائل الشيعة 4: 1004 باب 1 من أبواب التسليم حديث 3.

8) وسائل الشيعة 4: 1008 باب 2 من أبواب التسليم حديث 8.

بالحمل على المرتبة الأخرى، بشهادة النص المزبور أيضا.

نعم في المقام أخبار أخرى صريحة في نفي وجوب السلام، مثل ما اشتمل على عدم إضرار الحدث قبله (1).

و لكن في قبالها (2)تعليل بطلان صلاة المسافر بأنه زاد في فرض اللّٰه، فإن ذلك أيضا صريح في عدم انقطاع الصلاة بالتشهد، و إلّا فلا مجال لزيادته، كما لا يصدق ذلك بزيادتها بعد السلام جزما، إذ غاية ما يصدق انه زاد عليه لا أنه زاد فيه، فهذا المعني فرع كونه حين الإتيان بالركعة فيها، و هو ملازم لجزئية السلام جزما.

و حينئذ فبعد عدم مساعدة العرف- على ما قيل- في الجمع بينهما، لا محيص من الرجوع إلى المرجحات السندية، و حينئذ يكون الترجيح مع الثانية بمخالفتها للعامة، و ذلك أيضا لو لا و هن جهتها رأسا، و اعراض المشهور، و إلّا فيطرح و لو أمكن الجمع بينهما، كما لا يخفى.

ثم انه بعد ما ثبت وجوبها بالبيان المزبور، فمع زيادتها عمدا لا يضر، كزيادة الركعة بعده، و سهوا فالأمر أظهر.

و أما نقصها، فمع التذكّر قبل صدور المنافي سهوا أيضا، فلا إشكال في إثباته، و تتميم صلاته، و أما بعده قهرا فيقع المنافي في صلاته، لأنه وقع في رتبة سابقة عن فوت محل السلام، فوقوعها في ظرف عدم سقوطه عن الجزئية، فلازمه وقوع المنافي في صلاته، و هو الوجه في تعليل زيادة الركعة في فرض اللّٰه، فيصير البطلان حينئذ مستندا إليه، لا إلى نقص السلام، فلا محيص حينئذ لتوهم ركنيته.


1) وسائل الشيعة 4: 1011 باب 3 من أبواب التسليم حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 532 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 8.

نعم في بعض النصوص «و لو نسي أن يسلّم خلف الإمام أجزأه تسليم الامام» (1)، فهو محمول على كون تسليم الإمام حينئذ فراغه، فلا ينافي ما ذكرنا.

ثم انه يستفاد من النص السابق- المستفاد منه أنّ السلام كلام المخلوقين- كون السلام في صلاة أخرى مبطلا، بإطلاق مبطلية كلام المخلوقين.

و حينئذ لا مجال للمصير إلى صحة الصلاة في الصلاة عمدا، و لا بأس به سهوا، ما لم نقل بفوت الموالاة بمثلها، و حينئذ فالأصل بطلان الصلاة في الصلاة من جهة السلام العمدي، إلّا ما خرج، و ستأتي الإشارة إلى مورد خروجه إن شاء اللّٰه.

و صورته: السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين، و السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته

على خلاف بين الأصحاب، إذ هم بين من قال مثل المصنف من وجوبهما.

و بين من قال: إنّ كلا منهما واجبان تخييرا.

و من قال: بأن الواجب هو الأول و الثاني مندوب.

و من قال: بالعكس.

و من قال: بأنّ الأول جزء، و الثاني واجب نفسي.

و في قبال الجميع من قال بندبهما و وجوب السلام على النبي، و الباقون على ندبيته.

و منشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب: ففي بعضها: «أقل ما يجزئ السلام على النبي الى آخره» (2).


1) وسائل الشيعة 3: 1013 باب 4 من أبواب التسليم حديث 3.

2) وسائل الشيعة 4: 1005 باب 1 من أبواب التسليم حديث 9.

و في آخر: انه ليس انصرافا، و أنّ الانصراف السلام علينا .. إلى آخره (1).

و في ثالث: «الواجب ليس إلّا تسليمة واحدة» (2).

و في رابع: الأمر بكليهما تعيينا (3).

و في خامس: الأمر بالسلام علينا (4).

و في سادس: الأمر بالسلام عليكم (5).

و لو لا الإجماعات و صريح الخبر الثاني لكنا نكتفي بالسلام على النبي، و بعد ذلك الأمر يدور بين الأخيرين، و من المعلوم انّ ظاهر الأمر هو الاكتفاء بكل واحد، و هو حاكم على ظهور ما دل على وجوبهما، فلا يجب الجمع، فيبقى حينئذ في تعيين كل واحد من الأخيرتين، و الجمع بين أمريهما. برفع اليد عن إطلاق كل واحد، و استكشاف التخيير في غاية القرب، فنتيجته التخيير بينهما، و الجمع أفضل.

و يشهد له أيضا ما دل من أنّ الواجب ليس إلّا تسليمة واحدة (6)، غاية الأمر مخيرا بين الأخيرين.

هذا ما تقتضيه قواعد الجمع في أمثال المقام، كما لا يخفى.

ثم انّ في صورة السلام الأخير أيضا اختلاف آخر، حيث اشتمل بعض النصوص على قوله: «و رحمة اللّٰه و بركاته» (7). و بعض النصوص (8)خال عنه.


1) وسائل الشيعة 4: 1012 باب 4 من أبواب التسليم حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 1007 باب 2 من أبواب التسليم.

3) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم.

4) وسائل الشيعة 4: 1010 باب 3 من أبواب التسليم حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 1009 باب 2 من أبواب التسليم حديث 11.

6) وسائل الشيعة 4: 1007 باب 2 من أبواب التسليم.

7) وسائل الشيعة 4: 1008 باب 2 من أبواب التسليم حديث 9 و 11.

8) وسائل الشيعة 4: 1008 باب 2 من أبواب التسليم حديث 9.

و الأمر أيضا يدور بين حمل الأخير على الإهمال من تلك الجهة فيتعيّن الأخذ بالأول، أو إطلاقه و حمل الأول على الاستحباب، فيؤخذ بالأخير.

و الوجه الأول، لقوة الإهمال من تلك الجهة، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ ظاهر الأمر بألفاظ مخصوصا عدم كفاية ترجمتها، و المعسور منه بحكم الميسور، و مع العجز عن الجميع لا مجال لاحتمال بدلية مطلق الذكر في المقام، فينتقل الأمر إلى الإشارة بالترتيب السابق كالأخرس، للنص السابق، كما لا يخفى.

و يستحب أنّ يسلّم المنفرد إلى القبلة، و يومئ بمؤخر عينه إلى يمينه، و الامام بصفحة وجهه، و المأموم عن يمينه و يساره إن كان على يساره أحد.

و عمدة الوجه في ذلك هو ما ورد في الأول من قوله: «فسلم تسليمة واحدة عن يمينك» (1).

و في الثاني: «إذا كنت تؤم قوما أجزأتك تسليمة واحدة عن يمينك» (2).

و في الثالث: «إن كنت مع امام فتسليمتين» (3)في ذيل رواية الامام.

و ظاهره- بقرينة التقابل مع الامام- كون كل تسليمة الى جانب غير الجانب الآخر من اليمين و اليسار.

و في رواية اخرى: «إن لم يكن على يسارك أحد فسلم واحدة» (4).


1) وسائل الشيعة 4: 1009 باب 2 من أبواب التسليم حديث 12.

2) وسائل الشيعة 4: 1007 باب 2 من أبواب التسليم حديث 3.

3) وسائل الشيعة 4: 1007 باب 2 من أبواب التسليم حديث 3.

4) وسائل الشيعة 4: 1007 باب 2 من أبواب التسليم حديث 4.

هذا و لا يخفى أنّ لسان مثل هذه الروايات في كيفية التوجه الى اليمين و اليسار واحد، فغاية ما يجب من حفظ الاستقبال و عدم الالتفات كون توجيهه الى اليمين بنحو لا ينافي الاستقبال المزبور، و ذلك لا يقتضي الاقتصار بمؤخر عينيه، كما هو الشأن في الإمام و المأموم.

و حينئذ فما وجه التفصيل بينهما، و لو لا اشتهاره بين الأصحاب كان لمنع التفصيل المزبور وجه.

و الذي يسهّل الخطب عدم البأس بأحد التفاصيل في كلماتهم رجاء.

ثم انّ الظاهر منهم انّ موضوع هذا الحكم التسليمة الأخيرة، لما يستفاد من علل فضله اختصاص الحكم به على تعيين المخاطب بالسلام، المعلوم انحصاره به، و حينئذ فتكرار المأموم أيضا يحمل عليه.

نعم قد يستظهر من رواية تعيين المخاطب (1)كونه السلام المزبور تحية لهم، و حينئذ يجي‌ء الإشكال بأنه كيف يجمع التحية مع قصد الجزئية؟

لاستلزامه اجتماع النظرين، نظير الإشكال في قصد الدعائية و القرآنية.

و الحل في الجميع هو عدم ضير في صدور العمل عن داعيين، أحدهما في عرض الآخر، فضلا عن كونهما طوليين.

و عليه فلا وجه لرفع اليد عن ظاهر النص السابق في قصد التحية، و حمله على كونه من الأسرار، بلا قصد تحية بمثل هذا السلام.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال فرع آخر، و هو انه لو وجب عليه سلام الصلاة و التحية، فقضية عدم التداخل وجوب سلامين، فلو أتى بواحد بقصد كل واحد، فلا محيص من أجزاء واحد منهما. ففي سقوط أيهما إشكال، بل


1) وسائل الشيعة 4: 1009 باب 2 من أبواب التسليم حديث 14.

يستحيل أن يكون للساقط تعيين واقعي، لعدم إمكان الترجيح بلا مرجح، لو لا أهمية أحد الأمرين.

نعم لازمة حينئذ عدم الإتيان بقواطع الصلاة بعده، لعدم انطباق الفراغ عن الصلاة عليه واقعا، لأن الساقط أحد الأمرين بلا عنوان. فخصوص الأمر الصلاتي المحصّل للفراغ عنها غير معلوم الانطباق، فيصدق على القواطع وجودها في ظرف عدم سقوط خصوص أمرها، و ليس المقام من الشك في أمر معلوم واقعي، كي يبقى مجال للأصل العملي، من استصحاب حرمة القواطع، أو البراءة عنها، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

ثم انّ من واجبات الصلاة الترتيب

بلا اشكال نصا و فتوى، و يكفي له من النص قوله: «يستقبل حتى يضع كل شي‌ء في محله». مضافا إلى قاعدة التجاوز المضروبة في الصلاة جزما، فإنّ المستفاد منها أن لكل جزء محل مخصوص، و لا نعني من الترتيب إلّا ذلك.

و حينئذ فلو خالف الترتيب فيما اعتبر جزءا عمدا فلا إشكال في بطلان صلاته، لإخلاله به زيادة على أنّ أمره يدور بين النقص و الزيادة العمديين المبطلين للصلاة.

نعم لا يضر الإخلال به سهوا في غير الأركان. فإنّ نقصها و زيادتها و لو سهوا مضر بالصلاة.

نعم لو خالف الترتيب في أجزاء جزء واحد كالقراءة لا بأس باستقباله، لانصراف أدلة الزيادة (1)عن مثله، كما أشرنا إليه غير مرة.

و في هذه الجهة تمتاز الصلاة عن غيرها، حيث إنه لا مانع من استقبال


1) وسائل الشيعة 5: 332 باب 19 من أبواب الخلل.

العمل في غيرها، لعدم مانعية الزيادة فيها كما لا يخفى.

و من الواجبات فيها أيضا الموالاة،

و لا اشكال فيه ظاهرا في الجملة، و إنما الكلام في مراتبه، و وجه اعتباره.

فنقول: إنّ فهم مراتب الموالاة إنما هو بفهم مراتب الفصل بين الأفعال أو الأقوال الحاصلة بسكوت متخلل بينها أو غيره.

و عليه فالفصل تارة بمثابة لا يضاد مع الحقيقة الصلاتية في ارتكاز أذهان المتشرعة، بل لا يأبى العرف مع كونه بعد في العمل المزبور، كما هو الشأن في سائر الأمور المركبة العرفية. و لكن أدلة الاجزاء في مثل هذا العمل منصرفة إلى إيجادها، بنحو لا يكون بينها مثل هذه المرتبة من الفصل و لازمة ظهورها في تعيين المأمور به من مثل هذه الطبيعة الصادقة على الواجد لهذه المرتبة من الفصل، و فاقده بخصوص الفاقد لها، و ذلك أيضا ربما يختلف أيضا مرتبة باختلاف الاجزاء، فالفصل المنصرف عنه الإطلاق بين الركوع و السجود مرتبة، و بين آية و آية أخرى مرتبة اخرى، و بين الكلمات مرتبة اخرى، و بين حروف كلمة واحدة مرتبة اخرى.

فالفصل المزبور بمراتبه لا يضر بحقيقة الصلاة المرتكزة في أذهانهم، و لو من جهة قياس مثل هذه الحقيقة في عالم الجعل بسائر الأمور الجعلية العرفية، و المخترعات العقلائية، من دون ملازمة بين مرحلة اختراع و عالم الأمر.

فربما يكون الشي‌ء في عالم حقيقة الاختراعية أوسع من دائرة غرضه و مطلوبه، كما هو الظاهر.

و تارة يكون الفصل بمثابة تضاد في مرتكزات أذهانهم أصل هذه الحقيقة المخترعة و لو بقياسها أيضا بمخترعاتهم العرفية، مع إيكال الشارع في تعيين مثل هذه الخصوصيات إلى ما هو المرتكز عندهم، الناشئ عن ملاحظتهم نظائر

تلك المركبات في مركباتهم و الحقائق المخترعة لديهم.

و في هذه المرتبة ربما لا يرون فرقا في مضاديته للماهية المخترعة بين حالات المكلف من نسيان أو عمد، بل ما يرونه مضادا معها يرونه كذلك مطلقا، و إن أمكن اختلاف مراتب الماهية المخترعة عندهم باختلاف الحالات أيضا، بحيث يرون الفصل المزبور مضرا بالمخترعة لحال الالتفات، و غير مضر بالمخترعة لحال العذر و النسيان.

و لكن ظاهر أن الماهيات المخترعة لديهم في أصل حقيقتها و مرحلة اختراعها ليس لها إلّا مرتبة واحدة، غاية الأمر تختلف مراتب هذه الحقيقة في مرحلة وفائها بغرض المولى و عدمه، و هذه المرحلة غير مرحلة اختراعها.

و لئن أبيت عن ذلك، و التزمت باختلاف المراتب في مقام أصل الجعل و الاختراع، فلا ضير لنا فيه، غاية الأمر زائدا عن مراتب أمره يتصور مراتب أخرى في جعله و اختراعه أيضا، و عرضنا فعلا إمكان تفكيك هذه المراتب بنحو يضر به الفصل في مرتبة، و لو بلحاظ حال، و لا يضر به الفصل في أخرى.

و حيث اتضح لك هذه فنقول: إنّ منشأ إضرار الفصل في المرتبة الاولى، ليس إلّا انصراف أدلة الاجزاء، و ذلك أيضا على اختلاف المقامات في مقدار الفصل، المنصرف إليه الدليل عرفا.

و في هذا المقام لا مجال للرجوع الى المرتكزات العرفية في عالم الجعل و الاختراع، بل هو مستند إلى انصراف الخطاب بكل عنوان، الى أن يكون فاقدا للفصل بهذه المرتبة، مع فرض عدم إضراره بأصل الماهية المخترعة، و أن يضر بعنوان الجزء المأخوذ فيها كالقراءة مثلا.

و هذا بخلاف الفصل في المرتبة الأخرى، فإنّ المرجع في مثلها ما هو المرتكز لديهم، و ذلك أيضا تابع مقدار مرتكزهم في إضراره بجميع مراتب

الحقيقة، أو بعض مراتبها المخترعة في حق العامد دون الناسي.

و مع الشك في كيفية إضراره ينتهي بالآخرة إلى الجهل بأصل الحقيقة، و في مثله لا مجال لتطبيق «لا تعاد» على نسيانه، لأنه في ظرف ينطبق عليه العنوان و المقام كان أصل العنوان غير محرز، بل و مع العهد بالفرق عند العرف بين الحالات أيضا، لا تبقى مجال إثبات عدم الإضرار بالنسيان من عموم «لا تعاد»، بل يكفي فيه إحراز الطريقة العرفية بإضرار الأمر المزبور بحال دون حال.

بل لنا مطلب آخر و هو انّ في مرحلة الإضرار بالحقيقة عرفا ربما لا يختص بباب الفصل بين الأفعال بفعل كثير، بل ربما يرون فعلا جزئيا مباينا مع هذه الحقيقة، كما يرون الوثبة و الرقص مباينا مع خضوعاتهم المخترعة، المساوي مثل هذه الجهة- بارتكاز أذهانهم- في الصلاة المناسبة مع الخضوع دون غيرها من سائر المركبات الشرعية أو العرفية.

فالمدار في تشخيص أمثال هذه المباينات بنحو الإطلاق أو غيره هو أنظارهم، و مع الشك فيه- و لو من جهة الجهل بمقدار تشخيصهم- كان المرجع أصالة الشغل لا البراءة، لاحتمال كون المأتي به مباينا مع المأمور به، لا من باب الأقل و الأكثر. و هذا بخلاف الشك في دخل الموالاة بالمرتبة الأولى، فإنه من باب الشك بين الأقل و الأكثر و الأصل فيه البراءة.

و كل واحد من الجهتين أيضا غير مرتبط بباب القاطع الكاشف عن هيئة اتصالية معنوية غير مرتبط بعالم الاتصال الخارجي، و في مثل ذلك لو شك في قاطعيته لا يكون المرجع إلّا استصحاب البراءة لا الاشتغال، و اللّٰه العالم بحقيقة الحال.

الفصل الثاني: في مندوبات الصلاة

اشارة

و هي خمسة:

الأول: التوجه بسبع تكبيرات، بينها ثلاثة أدعية،

واحدة منها تكبيرة الإحرام.

أما استحباب التكبيرات السبع و كون واحدة منها تكبيرة الإحرام، فقد تقدّم شرحه.

و أما الدعاء المزبور، فلما ورد في نص الحلبي (1).

الثاني: القنوت

بلا إشكال في فعله، لما ورد بأن «من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له» (2)، و لذلك ذهب جمع إلى وجوبه كالفاتحة، و لكن في النص أيضا: «إن شئت فاقنت، و إن شئت فلا تقنت» (3)و هذه النصوص أصرح في ترخيص الترك من السابقة، فيحمل النفي فيه على نفي الكمال، ك «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (4).

و هو في كل ثنائية مرة قبل الركوع و بعد القراءة في غير الجمعة على المشهور، خلافا لمن ذهب إلى الخيار قبله أو بعده.

و مستند المشهور قوله «لا أعرف قنوتا إلّا قبل الركوع» (5)، و في قبالها رواية معمر المشتملة على قوله: «و إن شئت بعد الركوع» (6)، و الترجيح دلالة مع الأول، إنما الإشكال في سنده مع اعراض المشهور.

نعم مع بنائهم على الجمع، بحمله على مرتبة اخرى من الطلب، مع اختصاص قبل الركوع بمرتبة أخرى وجه وجيه.

و ربما يومئ إليه التزامهم بأنه يقضيه لو نسيه بعد الركوع، و لعل


1) وسائل الشيعة 4: 723 باب 8 من أبواب التكبير حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 898 باب 2 من أبواب القنوت حديث 2.

3) وسائل الشيعة 4: 901 باب 4 من أبواب القنوت حديث 1.

4) وسائل الشيعة 3: 478 باب 2 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 901 باب 3 من أبواب القنوت حديث 6.

6) وسائل الشيعة 4: 900 باب 3 من أبواب القنوت حديث 4.

غرض القائل بالتخيير ليس بأزيد من ذلك فتأمل.

و على أي حال لا يعتبر فيه دعاء مخصوص، و في النص: «و لا أعلم فيه شيئا موقتا» (1)، مضافا إلى «كلما ناجيت» (2)و لا قصور إطلاقهما من الشمول للدعاء بغير العربي من سائر الألسن.

و توهم أنّ التأسي في الأذكار يناسب العربية، و العبادة توقيفية مدفوع بأن أصالة البراءة لا ينافي التوقيفية، لو لا دعوى انصراف أدلة الذكر و الدعاء عن مبطلية مطلق الكلام إلى العربي منه، فإنه حينئذ يكفي في بطلانها بها إطلاق مبطلية مطلق الكلام، لو لا انصرافه أيضا الى غير مثل هذا الكلام، و إلّا فالمرجع الأصل المتقدّم. و لكن كلها فرض في فرض باطل.

و أما التأسي فإن ثبوته في العاديات أول الكلام، و اللّٰه العالم.

الثالث: من المندوبات: كون نظره في حال قيامه إلى موضع سجوده،

لصحيح زرارة (3)، المنصرف- بقرينة صدره- الى حال قيامه.

و في حال قنوته الى باطن كفيه، لأنه أقرب الى خضوعه، بعد كراهة غمض عينه، و إلّا فلا نص فيه خصوصا، باعتراف صاحب الجواهر (4).

و في ركوعه الى بين رجليه، لصحيح زرارة (5)، و في نص آخر: الأمر بتغميض العين في هذه الحالة (6)، و يرفع بمثله عن إطلاق النهي عن التغميض


1) وسائل الشيعة 4: 908 باب 9 من أبواب القنوت حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 917 باب 19 من أبواب القنوت حديث 4.

3) وسائل الشيعة 4: 675 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 3.

4) جواهر الكلام 9: 282.

5) وسائل الشيعة 4: 782 باب 42 من أبواب القراءة حديث 5.

6) وسائل الشيعة 4: 675 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 2.

في حالات الصلاة (1)، على فرض صحة سنده، و عمدة الإشكال فيه.

و في سجوده إلى طرف أنفه و مستنده الفقه الرضوي (2)، مضافا الى قربه بعد كراهة غمض العين الى الخشوع، و في الاستناد إلى مثل هذه الوجوه في إثبات الاستحباب الشرعي نظر.

و في جلوسه إلى حجره، لعين المستند السابق (3)، مع ما فيه، كما لا يخفى.

الرابع: وضع اليدين قائما على فخذيه بحذاء ركبتيه،

لصحيح زرارة (4).

و قانتا بلقاء وجهه، لما دل من رفع يديه فيه تلقاء وجهه (5).

و راكعا على ركبتيه، لما عرفت من النص (6)على تمكين الكف على الركبة.

و ساجدا بحذاء أذنيه، لما في صحيح حماد (7)، الملازم لكونه حذاء الأذنين.

و جالسا على فخذيه، لما حكي انه فعل رسول اللّٰه حين يدعو (8)، فيتعدّى الى حال الصلاة، فتأمل.


1) وسائل الشيعة 4: 1252 باب 6 من أبواب قواطع الصلاة.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 106.

3) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 106.

4) وسائل الشيعة 4: 675 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 3.

5) وسائل الشيعة 4: 911 باب 12 من أبواب القنوت.

6) وسائل الشيعة 4: 949 باب 28 من أبواب الركوع.

7) وسائل الشيعة 4: 675 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 2.

8) انظر مستمسك العروة 6: 395.

و في المرأة أيضا رواية طويلة من زرارة مشتملة على آدابها حال صلاتها (1). و في كل مورد لم يرد نص على مخالفتهما في الأفعال و الآداب أصالة الاشتراك أيضا محكمة.

الخامس من السنن: التعقيب،

و أقله تسبيح الزهراء، و لا حصر لأكثره، و يستحب أن يأتي بالمنقول مما ورد من الأدعية المأثورة في كتب الأدعية.

و الظاهر انّ عنوان التعقيب إما بإيصال اشتغاله بالمأثورة عقيبها و لو ماشيا، أو بجلوسه بعدها و لو ساكتا، لأنه نحو إحرام لصلاته، و في النصوص تفسيره بالدعاء عقيبها و أنت جالس (2)، و لعله أكملهما. و الأمر فيه سهل.

الفصل الثالث: في قواطع الصلاة

اشارة

و مثل هذا العنوان الوارد في النصوص في بعض الأمور، يكشف عن اعتبار هيئة اتصالية معنونة، لا يضر بها شي‌ء إلّا مثل هذه الأمور، و في الحقيقة ما هو مأخوذ في الصلاة هو هذه الهيئة، و أنّ القواطع رافعة لها، و بذلك تمتاز عن الجزء و الشرط أو المانع، الذي كان لوجوده أو لعدمه دخل فيها، و كل ذلك في قبال ضد الحقيقة غير المعتبر فيها، و لو بنحو الشرطية لا عقلا و لا شرعا، بل هما من قبيل المتضادين اللذين كانا في رتبة واحدة، و لو لملازمة عدم كل واحد مع وجود الآخر.

و لقد عرفت اختلاف كل واحد من هذه الاعتبارات في مجاري الأصول،


1) وسائل الشيعة 4: 676 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 4: 1015 باب 1 من أبواب التعقيب حديث 7.

و إلّا فلا مجال للفرق بين القاطع و الشرط بأنّ في الشرط و المانع يعتبر حال الأفعال لا خلالها، بخلافه في القاطع، إذ ظاهرهم في شرطية شي‌ء أو مانعيته اعتبارهم إياها في جميع حالات الصلاة، بعموم: «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (1).

و لا للفرق أيضا بحال الشروع و البقاء، كما في الجواهر (2)، بشهادة كلام المقنعة (3)، حيث التزم بإضرار الالتفات إلى اليمين و اليسار حين شروعه، و عدم اضرارهما في أثنائها، و ذلك لأن كلماتهم كظواهر الأدلة مشحونة في شرطية الأمور المعهودة من القبلة و أمثالها في تمام الصلاة شروعا و بقاء، و ما في كلمات المقنعة على فرضه غير حجة قبال ظواهر الكلمات و الأدلة.

ثم انّ مدار القاطعية على إطلاقها على شي‌ء في لسان الدليل، و إلّا فمجرد النهي عنه لا يقتضي أزيد من مانعيته.

و حيث اتضح ذلك فنقول:

و يبطلها أي الصلاة كل نواقض الطهارة و إن كان سهوا

على المشهور، خلافا للشيخ (4)و السيد في الحدث الأصغر (5)، و العماني في صورة دخوله فيها بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها بعد الحدث (6)، المحمول على صورة النسيان. و الأصل في الإبطال عموم الطهور في «لا تعاد»، علاوة على عموم قوله: «لا يقطع الصلاة إلّا أربعة: الخلاء،


1) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 1.

2) جواهر الكلام 11: 25.

3) المقنعة: 23.

4) المبسوط 1: 118.

5) الناصريات (الجوامع الفقهية) 235.

6) نقله عنه العلّامة في المختلف: 100.

و البول، و الريح، و الصوت» (1)، و الحصر إضافي بالنسبة إلى حدثه من الجنابة أو غيره إجماعا.

و في قبالها تارة أخبار مصرحة بمذهب الشيخ (2)، و اخرى ما يستفاد منها مذهب العماني (3). و هما لإعراض الأصحاب عنهما موهونتان سندا أو جهة، فبالطرح أحرى. نعم خرج عن كلية القاطعية، أو عموم الناقضية باب المسلوس و المبطون و المستحاضة، فراجع إلى محالها.

و يبطلها أيضا تعمّد الالتفات إلى ما ورائه

بلا اشكال فيه نصا (4)و فتوى، عدا ما عن المقنعة (5)، بناء على شمول كلامه لهذا الالتفات أيضا، و لكن عرفت ما فيه.

و يدل عليه نواه متعددة (6)عن الالتفات فيها، و في بعضها التقييد بكونه فاحشا (7)، و في آخر التقييد بكله (8). و هو أيضا راجع إلى الأول، و لازمة عدم الإضرار بغير الفاحش.

و بذلك أيضا يقيد ما دل على نفي البأس عن الالتفات مطلقا (9)، كما


1) وسائل الشيعة 4: 1240 باب 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 1240 باب 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث 9 و 10.

3) وسائل الشيعة 4: 1242 باب 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث 10.

4) وسائل الشيعة 4: 1248 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة.

5) المقنعة: 24.

6) وسائل الشيعة 4: 1248 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة.

7) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 1.

8) وسائل الشيعة 4: 1004 باب 1 من أبواب التسليم حديث 4.

9) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 2.

يقيد مطلقات النواهي أيضا (1)، فيصير شاهد جمع بين الطائفتين، فيستفاد منه مبطلية الالتفات إلى ما ورائه جزما.

و في اقتضائه مبطلية الالتفات في أزيد من ذلك كلام، مبني على كون المراد من الفاحش الذي هو المناط في البطلان أي مقدار و لا يبعد شموله للالتفات الى المشرق و المغرب أيضا، بل و بينهما بمقدار خارج عن صدق المسامحة العرفية في الاستقبال.

فيكون الفاحش عبارة عن كونه منحرفا عن القبلة، على وجه لا يصدق عليه الاستقبال، و لو بالمسامحة العرفية، و مفهومه الاكتفاء بهذا المقدار من الاستقبال المسامحي العرفي. و لازمة حينئذ تقييد دليل شرطية الاستقبال، خصوصا على المختار من التضييق فيه، بحال الشروع في الصلاة، و إلّا ففي خلالها يكفي فيه مسمّى الاستقبال المسامحي العرفي، و بعد ذلك لا يضر بالصلاة الالتفات غير الفاحش و لو عمدا.

و أما في الفاحش فيضر به و لو سهوا، لكونه داخلا في استثناء في عموم «لا تعاد»، الحاكم ببطلان الصلاة بالإخلال بالقبلة و لو سهوا.

ثم انّ في جملة من النصوص النهي عن الالتفات بالوجه (2)، و في آخر نفي البأس عن الالتفات به (3).

و يمكن حمل الوجه في هذه الأخبار على وجه البدن، كي يكون كناية عن الالتفات بتمامه.

و يؤيده قوله في بعض أخبار الوجه:


1) وسائل الشيعة 4: 1005 باب 1 من أبواب التسليم حديث 9 و 11.

2) وسائل الشيعة 4: 1248 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة حديث 1- 4.

3) وسائل الشيعة 4: 1249 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة حديث 5.

«فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» (1)، الظاهر في مقاديم البدن.

و حينئذ فيصير هذه أيضا داخل في زمرة الأخبار الناهية المطلقة، و المرخصة المطلقة، فتصير أخبار الفاحش أيضا شاهد جمع بينهما.

و أما لو كان المراد من الوجه العضو المخصوص، فلازمه عدم الإضرار به- و لو كان فاحشا- الى حد المشرق و المغرب، و في شموله إلى ما ورائه فلقلة وجوده يمكن منع انتقال الذهن منها إليه.

و على أي حال لا بدّ من تخصيص ما دل على وجوب الاستقبال بتمام أجزاء البدن حتى قلامة ظفر (2)بحال الشروع.

و لكن مع قرب الاحتمال الأول، لا مجال للمصير الى نفي البأس عن الالتفات غير الفاحش في الوجه أيضا.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ما في كلام المصنف من الاشكال من جهتين:

إحداهما: تخصيص المبطل من الالتفات بخصوص ما وراءه، و الحال انّ دائرة الفاحش أوسع من هذا المقدار جدا.

و ثانيتهما: تخصيص بطلان هذا الالتفات بحال العمد، و الحال انّ القبلة داخلة في الخمسة المعادة لها الصلاة، بعد «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (3)بضميمة: «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (4)، فتكون القبلة شرطا في جميع حالات الصلاة، لا بخصوص حال الشروع فيها.

و توهم أنّ مثل هذا الاستثناء ناظر الى حيث شرطية القبلة لا قاطعية


1) وسائل الشيعة 3: 214 باب 1 من أبواب القبلة.

2) وسائل الشيعة 3: 214 باب 1 من أبواب القبلة.

3) وسائل الشيعة 3: 217 باب 2 من أبواب القبلة حديث 9.

4) وسائل الشيعة 4: 1003 باب 1 من أبواب التسليم حديث 1.

الالتفات، كلام ظاهري، إذ العرف لا يفرّق بين الجهتين، كما هو الشأن في شرطية الطهور و قاطعية الحدث.

و يبطلها أيضا تعمد الكلام بحرفين فصاعدا،

بل بحرف واحد مع صدق الكلام عليه مثل «ف» و أمثاله، مما يكون أمرا حاضرا. و في غيره من المهملات اشكال، أقربه البطلان، لعدم الفرق عند العرف في صدقه بين أن يكون له معنى أم لا.

و كيف كان فالأصل فيما ذكرنا ما في النص: «من تكلّم نسيانا كبّر تكبيرات، و من تكلّم متعمدا فعليه إعادة الصلاة» (1)، و في آخر: «في نسيانه يسجد سجدتي السهو» (2).

و لو اضطر في شخص هذه الصلاة فلا يبعد وجوب إتمامها، فيجزئ، كما هو الشأن في كلية الصلاة الاضطرارية، مع مساعدة القواعد عليه إنصافا، كما أشرنا إليه غير مرة.

ثم انّ الكلام المبطل يعتبر فيه أن يكون مما ليس بدعاء و مناجاة مع الرب، بلا اشكال، لما في النص من قوله: «كلما ذكرت اللّٰه عز و جل و النبي فهو من الصلاة» (3)، و في آخر: «كلما ناجيت ربك في الصلاة فليس بكلام» (4)، و هما حاكمان على مانعية الكلام.

و يعتبر أيضا أن لا يكون من قرآن، لقوله: «و تردد من القرآن ما شاء» (5).


1) وسائل الشيعة 4: 1275 باب 25 من أبواب قواطع الصلاة.

2) وسائل الشيعة 4: 1275 باب 25 من أبواب قواطع الصلاة.

3) وسائل الشيعة 4: 1262 باب 13 من أبواب قواطع الصلاة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 1262 باب 13 من أبواب قواطع الصلاة حديث 3.

5) وسائل الشيعة 4: 813 باب 68 من أبواب القراءة حديث 3.

و ظاهره كون المأتي به بقصد الحكاية، فلو قصد من قبل نفسه ففيه اشكال، نعم لو قصد تفهيم مقصوده بحكاية القرآن لا ضير فيه، كما أنّ عموم الذكر ربما يشمل «صبحك اللّٰه» و «مساك اللّٰه». و في شمول الدعاء على الغير ظلما اشكال، لانصراف سوق الإطلاقات عن مثله، لأنها من قبيل الأحكام الامتنانية غير الشاملة لصورة الظلم على الغير.

و من المبطلات أيضا: القهقهة

بلا اشكال نصا و فتوى، و يكفي من النص قوله: «أما التبسم فلا يقطع الصلاة، و أما القهقهة فتقطع» (1)، و في آخر: «ينقض» (2).

و لو اضطر إليه في أثنائها فلا يضر بها، كما هو الشأن في غيره، كما أنه لو صدر سهوا، و لو بخيال أنه ليس في صلاته، فلا يضر، لعموم «لا تعاد».

و منها الفعل الكثير

على اختلاف مراتبه، المانعة بعضها عن الصلاة سهوا، و بعضها مطلقا، و يلحق به ما ليس بكثير خارجا و لكن كان بحكم الكثير في أنظارهم، من حيث مضادته مع كونه في طي الخضوع لربه الكريم.

و يلحق به أيضا السكوت الطويل.

و قد تقدم تفصيل المرام مستقصى سابقا، و سيأتي الكلام أيضا في جملة من الأفعال التي ورد النص بترخيصها في الصلاة، على وجه ربما يكون ميزانا إجماليا في الأفعال المرخصة فيها، و في غيرها يرجع الى البراءة ما لم ينته إلى


1) وسائل الشيعة 4: 1253 باب 7 من أبواب قواطع الصلاة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 1252 باب 7 من أبواب قواطع الصلاة حديث 1.

احتمال المباينة و المضادة، كما أشرنا.

و المصنف قيّد الفعل الكثير بكونه الخارج عنها، و لعله نظر إلى ما هو المضاد مع أصل الماهية المخترعة.

و فيه: انه لا اختصاص للمبطلية بحال العمد، كما هو ظاهر العبارة من العطف على الالتفات، لا تعمده كما هو الشأن في البقية، و يمكن إرجاع الضمير إلى المأمور به، و لو من جهة انصراف دليل الخطاب، فيختص إبطاله حينئذ بتعمده، كما لا يخفى.

و منها البكاء لأمور الدنيا

فلا اشكال، للنص المفصل بكونه لأمر ديني فهو أفضل الأعمال، و كونه على ذكر ميت فصلاته فاسدة (1). و ظاهر صدره عدم إضرار البكاء لأمر أخروي.

و في كونه مناطا للجواز كي لا يشمل مثل البكاء للحسين عليه السلام الذي نفس بكائه لثواب أخروي، أو أنّ المناط في الحرمة ما يصدق عليه أمثاله من البكاء على الأمور الدنيوية المحضة، كي لا يشمل مثل البكاء على الحسين عليه السلام و أمثاله، وجهان، لا يبعد المصير إلى الأول، لأنّ بناءهم في أمثال المقام على الأخذ بالفقرة الاولى، و جعل الذيل تبعا لها، كما هو الشأن في موثقة ابن بكير (2)المعروف.

و في شموله لغير ذات الصوت نظر، لاحتمال البكاء بالمد، و أنّ الأصل عدم الزيادة، فيبطل مطلقا، فتأمل.

و حكم السهو و اضطراره في أثناء الصلاة حكمه أقرانه.


1) وسائل الشيعة 4: 1251 باب 5 من أبواب قواطع الصلاة حديث 5.

2) وسائل الشيعة 4: 1250 باب 5 من أبواب قواطع الصلاة.

و منها التكفير

على المشهور، للأخبار الناهية (1)، و في بعض النصوص نفي البأس عنه تارة، و نفي الصلاحية المناسبة للكراهية أخرى (2).

و لو لا اعراضهم عن المجوزة، و لو لوهن الجهة فيها، كان للجمع المزبور مجال.

و في بعض المجوزة قوله: «و لا يعودن» (3)، فطرحه موجب لطرحه، فلا طريق إلى حرمتها نفسيا.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ مثل هذه الرواية لا قصور في جهتها، لأنه على خلاف مذهبهم فلا بأس بأخذها، و به يشرح نواحيه (4)بالحرمة النفسية.

و لكن الإنصاف إعراضهم عن مثلها أيضا يوهن سندها، فلا محيص إلّا عن المصير الى المذهب المشهور.

ثم انّ المنصرف من النواهي هو التكتف بالعنوان المرسوم من فعل المجوس من كون قصدهم به التأدب، لا جهة أخرى. و في شموله لجميع حالات الصلاة وجه، لو لا نظرها إلى ما هو المرسوم عند العامة، من التكتف حال قيامهم.

و في بعض نصوصه التعليل بأنه عمل، و لا عمل في الصلاة (5).

و يمكن دعوى انصرافه إلى الأعمال المناسبة لخضوعه للصلاة، كما هو الشأن في التكتف، فيتعدّى منه إلى كل ما كان من هذا القبيل، بضم كونه بانيا بعنوان كونه من الصلاة.

و حينئذ لا مجال للحكم بإجمال العلة من جهة كثرة التخصيص، بورود


1) وسائل الشيعة 4: 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة.

2) وسائل الشيعة 4: 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة.

3) وسائل الشيعة 4: 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة حديث 5.

4) وسائل الشيعة 4: 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة حديث 2 و 3.

5) وسائل الشيعة 4: 1264 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة حديث 4.

الترخيص باعمال كثيرة في باب الصلاة، من مثل المشي بالخطوات، و حمل الصبي و ضمه و إرضاعه، و عدّ الركعات بالحصى، و رمي الكلب، و تقريب نعله بيده و رجله، و تصفيق اليد للاعلام، و ضرب الحائط لإيقاظ النائم، و مسح التراب عن الجبهة، و تصفية الحصى في موضع الجبهة، و حك النخامة في المسجد، حتى مع الاحتياط إلى المشي إليه، و الرجوع إلى صلاته، و غير ذلك مما هو منصوص في الأخبار (1)أو الكلمات.

ثم انّ المصنف لم يتعرّض لقاطعية الأكل و الشرب، و لعله أدخله في الفعل الكثير المنافي لصورة الصلاة، و لكن ظاهر رواية الترخيص في الشرب في النافلة (2)ارتكاز مانعية الصلاة، فقرره الامام على مرتكزه، إلّا أنه رخّصه في النافلة لمحض اضطراره، و لولاه لأشكل استفادة مبطلية مطلقة، بمناط إخلاله بالتوالي، و حيث انّ نفي البأس على خلاف تقرير مرتكز السائل، فيقتصر على مورده.

و في التعدّي عن مورده اشكال، لو لا إلغاء العرف بعض الخصوصيات جزما، مثل كونه في حال الدعاء مثلا، أو مثل هذه الخصوصية، فتدبّر.

و يكره الالتفات يمينا و شمالا

و لو للجمع بين المطلقات الناهية (3)، و المجوزة للالتفات غير الفاحش (4)، بالحمل على الكراهة، و حمل الفاحشة المحرمة على الالتفات إلى الوراء، و تقدّم ما فيه.


1) انظر: جواهر الكلام 11: 55.

2) وسائل الشيعة 4: 1273 باب 23 من أبواب قواطع الصلاة.

3) وسائل الشيعة 4: 1248 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة حديث 1.

4) وسائل الشيعة 4: 1248 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة حديث 2.

و يكره أيضا التثاؤب و التمطي، لما في النص: من أنهما من الشيطان (1).

و الفرقعة، لنص أبي بصير (2).

و العبث، لمرفوعة أحمد (3).

و الإقعاء، لما تقدّم.

و التنخم و البصاق، لخبر سهل (4).

و نفخ موضع السجود، لصحيح ليث المرادي (5).

و التأوه بحرف على اشكال فيه تقدّم، نعم يشكل في صدق الحرف في المقام، و فيما يخرج من الأنين من صورة الحرف لا نفسه.

و مدافعة الأخبثين، للنبوي (6).

ثم انّ ذلك ما لم يصل الى حد الضرورة، و إلّا فيحرم دفعا للضرر.

و يحرم قطع الصلاة

بلا إشكال في الفريضة الذاتية الفعلية، للإجماعات المدعاة في طي الكلمات، و يمكن استفادتها أيضا من فحوى النصوص الواردة على الترخيص فيه لحاجات خاصة، من حرز دابة أو خوف مال أو ضرر (7)، كما في مرسلة حريز: «إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت


1) وسائل الشيعة 4: 1259 باب 11 من أبواب قواطع الصلاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 678 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 9.

3) وسائل الشيعة 4: 1261 باب 12 من أبواب قواطع الصلاة حديث 7.

4) وسائل الشيعة 4: 1263 باب 14 من أبواب قواطع الصلاة.

5) وسائل الشيعة 4: 959 باب 7 من أبواب السجود حديث 6.

6) وسائل الشيعة 4: 1255 باب 8 من أبواب القواطع حديث 8.

7) وسائل الشيعة 4: 1271 باب 21 من أبواب القواطع.

غلامك قد أبق، أو غريما لك عليه مال، أو حيّة تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة» (1)، و في خبر سماعة جواز القطع لإحراز المتاع و الدابة (2).

إذ المستفاد من أمثال ذلك انّ الترخيص فيه لجهة خارجة، فالقطع بنفسه مما فيه مقتضى الحرمة.

و لكن الانصاف منع تمامية الدلالة على مثله، بل غاية الأمر فيه اقتضاء المنع، و لو تنزيها لا تحريما.

و أضعف منه التمسك ب «لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ»، إذ هو مثل: لا تبطلوا صدقاتكم، في مقام النهي عن حبط أثره بالعجب و أمثاله، لا حرمة القطع، و لا أقل من كونه المتيقن كي لا يلزم في مثله كثرة الترخيص، كما لا يخفى.

ثم انّ مقتضى بعض النصوص السابقة و جملة من الكلمات تخصيص النهي بالفريضة، فلا يشمل النافلة أو يكفي في جوازه فيها عدم مساعدة دليل عليه، كما انّ الظاهر من الفريضة أيضا الفريضة الذاتية.

نعم ما كان من الفرضية من الفوريات، التي يحرم قطعها من جهة تنافي الجواز مع فوريتها، لا أنّ دخول العمل كان موجبا لحرمة عنوان قطعه، فذلك غير مرتبط أيضا بمقامنا.

كما انّ من النصوص المزبورة ظهر اختصاص حرمة القطع لغير ضرورة، من دفع ضرر مالي أو غيره، و في كفاية مطلق الحاجة في جواز قطعه نظر.

نعم قد يجوز القطع لتدارك الإقامة على ما تقدّم، و لا بدّ أن يكون بمناط


1) وسائل الشيعة 4: 1271 باب 21 من أبواب القواطع حديث 1.

2) وسائل الشيعة 4: 1272 باب 21 من أبواب القواطع حديث 2.

التخصيص، لعدم مزاحمة المستحب للحرام و الواجب.

قلت: قد يتصور في فرض كون مفسدة الحرام أو مصلحة الواجب على آخر درجة من الضعف، إذ يصلح مثل هذه المصلحة الضعيفة للمزاحمة مع القوية و لو بإلقائه عن شدته، الموجب للتنزل عن مرتبة الالتزام إلى المرتبة الذاتية، فيكون تركه جائزا إن كان واجبا، و فعله كذلك إن كان حراما.

و لكن ليس نتيجته إلّا رجحان الواجب، أو مرجوحية الحرام بمرجوحية غير مانعة عن النقيض. و حينئذ فربما يتصور مزاحمة استحباب الترك أو الفعل مع وجوب الشي‌ء، و لكن ذلك إنما يتصور في باب تزاحم المقتضيين في أصل التأثير في مرحلة الرجحان، كما في باب اجتماع الأمر و النهي التعينيين مثلا.

و أما مثل باب الضد، فلا شبهة في عدم مزاحمتهما في مرحلة الرجحان، و إنما المزاحم بينهما في التزام العقل بأي واحد في عالم الاختيار، و في هذه المرحلة أدنى المزية في أحد الطرفين كاف في حكم العقل باختيار ذي المزية، فلا موجب حينئذ لرفع المفسدة عن تأثيره في شدة الكراهة في مورده، و حسب الفرض كانت مرجوحية ذي المفسدة الملتزمة أغلب عن رجحان ضده، فلا يعقل في مثل هذا المقام رفع اليد عن تأثير المفسدة في حرمته الفعلية بمحض رجحان ضده برجحان غير مانع عن النقيض.

و من المعلوم أنّ باب الإقامة من هذا القبيل و مقتضاه قهرا كشف التخصيص بدليل ترجيح الإقامة على حرمة القطع، لا أنه نظير سائر المضار من باب التزاحم، كما لا يخفى.

و في عقص الشعر للرجل قولان:

من مصير الشيخ (1)و جماعة إلى


1) المبسوط 1: 119، النهاية: 95.

حرمته، خلافا للمشهور القائلين بالكراهة.

و الأصل في هذا المقام ما في النص الوارد من ابن محبوب بالأمر بإعادة الصلاة (1)، و في قباله خبر الدعائم (2)، و قد ذكره في عداد أمور علم من الخارج كراهتها.

و المشهور أخذوا بخبر الدعائم، و حملوا رواية ابن محبوب على الكراهة، و استحباب الإعادة لتحصيل المزية الفائتة غير اللازمة.

أقول: لو كان بناء المشهور على طرح دلالة الخبر السابق، ففيه انّ خبر الدعائم غير صالح للقرينية، إذ- مضافا إلى أنّ مجرد ذكره في عداد أمور علمت كراهتها من الخارج لا يوجب ظهوره في الكراهة، لأنّ القرائن المنفصلة غير صالحة لصرف الظهور- انّ خبر الدعائم في جهة دلالته على الكراهة و إن كان نصا في جواز العقص في الصلاة، قبال ظهور النهي عن حرمته، و لكنه من جهة ملازمته مع صحة صلاته ظاهرة في حرمة قطع صلاته، و من تلك الجهة يكون الخبر السابق نصا، و في مثله لا يبقى مجال لإعمال النص مع دليل الكراهة، بل لا محيص من اعمال التباين بينهما، كما لا يخفى.

و حينئذ يثبت انّ نظر المشهور إلى طرح سند رواية ابن محبوب، فتصبح حجيته موهونة، فلا مقتضى لإثبات الوجوب، و إلّا فمع كونه من أصحاب الإجماع، و احتمال كون نظرهم في المصير إلى الكراهة إلى الجمع المسطور، فللتأمل في كراهته مجال، فالأحوط إعادة الصلاة حينئذ، و اللّٰه العالم.

ثم انّ من المحرمات قول «آمين» بعد تمام الفاتحة، كما هو متعارف بين أبناء العامة، للنهي عنه في النص المستفيض (3)، المعمول به لدى جمع من


1) وسائل الشيعة 3: 308 باب 36 من أبواب لباس المصلّي.

2) مستدرك الوسائل. لباس المصلي باب 27.

3) وسائل الشيعة 4: 752 باب 17 من أبواب القراءة.

الأساطين، بل مشهورهم.

و ما دل من النص على جوازه (1)مطروح سندا أو جهة، لقوة شبهة التقية فيه على وجه تكون أصالة الجهة فيه موهونة في نفسها، كما هو الشأن في سائر الأمور التي كانت بناؤهم الإصرار فيه و اتخذوه شعارا لهم.

و الظاهر انّ مورد النهي هو هذا اللفظ بقصد الدعاء بالاستجابة كما جرت به سيرتهم، و لازمة خروج هذا الذكر في هذا المورد عن عموم الذكر الجائز في الصلاة.

و في التعدّي عن مورده الخاص بهذا اللفظ إلى غير مورده اشكال، و في التعدّي عن هذه اللفظة الى ما يفيد معناه، من مثل استجب في مورده مثلا وجه، إذ ربما يفهم العرف خصوصية المورد، و لو من جهة كون مثل هذه الألفاظ تبع لدعاء آخر و مسبوق به، و في الفاتحة لا دعاء في مثله، بعد لزوم كونه بقصد القرآنية، و لا أقل من عدم تمحضه في الدعائية، بحيث لم يبق مجال لمثل هذا الدعاء بألفاظه، بخلافه في سائر المقامات خصوصا في قنوته.

و لكن مع ذلك- بناء على جواز الإتيان بقصد القرآنية و الدعاء عرضا أم طولا كما أشرنا إليه سابقا- لا يخلو التعدّي عن مورد النص من اللفظ المخصوص من اشكال، و اللّٰه العالم.

و يجوز تسميت العاطس بقوله: يرحمك اللّٰه، الظاهر في الدعائية و إن قصد به التحية أيضا، و عليه يشمله عمومات مطلق الذكر.

و على أي حال، لا يشمل النص موردا قصد به مجرد التحية، كي يصير دليله مخصصا إياه من عموم مبطلية كلام الآدميين، و عليه فما ورد في حق


1) وسائل الشيعة 4: 753 باب 17 من أبواب القراءة حديث 5.

المسمت للعاطس بأنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شي‌ء من كلام الآدميين، لا بدّ أن يحمل على صورة لم يقصد به الدعاء رأسا، و إلّا فلا مجال لمثل هذا البيان، مع الجزم بخروج الدعاء عنه، لو لم نقل بانصراف كلام الآدميين عن مثله.

و أضعف منه التمسك بما في نص آخر: من أنّ رجلا عطس فسمّته رجل، قال: «فسدت صلاته» (1)، بناء على حمله على مورد الكلام جزما، لا ما يوهمه ظاهره من عكسه، لبعده عن المرتكز في ذهن المتشرعة، إذ بعد تسليمه قابل للحمل على الفساد بمرتبة غير مقتضية لوجوب الإعادة، و لو بقرينة المستفيضة (2)، فتأمل. علاوة عن اعراض المشهور عنها الموهن للسند، كما لا يخفى.

و يجوز أيضا رد السلام بلا اشكال فيه في الجملة، بل يجب على الفورية، نظرا إلى أنه بعد ما جاز مثل هذا الكلام، فيشمله عمومات رد التحية (3)فيجب، و لعل نظر الأصحاب، مثل المصنف و أمثاله المعتبرين في المقام بالجواز، هو الجواز بالمعنى الأعم، قبال توهم الحرمة، فلا ينافي وجوبه بمقتضى القاعدة.

ثم انّ في جملة من الأخبار: جواز رد المماثل (4)، و في بعضها: التصريح بسلام عليكم (5)، و في آخر: السلام عليك (6)، و في ثالث: النهي عن عليكم


1) وسائل الشيعة 4: 1268 باب 18 من أبواب القواطع حديث 5.

2) وسائل الشيعة 4: 1268 باب 18 من أبواب القواطع.

3) وسائل الشيعة 8: 449 باب 45 من أبواب أحكام العشرة.

4) وسائل الشيعة 4: 1265 باب 16 من أبواب القواطع حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 1265 باب 16 من أبواب القواطع حديث 2.

6) وسائل الشيعة 4: 1266 باب 16 من أبواب القواطع حديث 5.

السلام (1).

و لا يبعد حمل المماثلة- بقرينة إطلاق البقية- على المماثلة من حيث كونه تحية بدوية كالأولين، لا ما تعارف رده به كالأخيرة. و هذا أولى من الأخذ بإطلاق المماثلة، و الحمل على المماثلة في شخص الصيغة، و تقييد ما قيل من الصيغ الجائزة بصورة وقوع مثلها عن المسلم.

و أضعف منه حمل المماثلة على المماثلة على الإطلاق حتى في التعريف و التنكير و أمثالهما، و إن كان الاحتياط يقتضي مراعاتها، لأنه المتيقن من الخارج عن عمومات مبطلية كلام الآدمي.

ثم وجوب رد التحية من الصبيان فرع كونهم مميزين، و إلّا فلا يصدق على الصادر منهم تحية، كما لا يصدق عن المستهزئ.

و في وجوب رد الجماعة بأجمعهم سلام المسلم عليهم فرع قصده تحية كل واحد بنحو الاستغراق، و إلّا فلا يجب إلّا على واحد منهم كفاية.

و رد تحية النسوان فرع عدم كون صوتهنّ عورة، و إلّا فهو خارج عن السلام المشروع، اللهم إلّا أن يقال: إنّ حرمته لا تنافي كونه تحية يجب ردها، فمثل هذا النهي لا يقتضي فساد السلام المزبور، كي يخرج عن ما يجب رده شرعا، فتدبر.

و لا يجوز رد غير التحية بالسلام، للأخبار المفسرة (2)، مضافا الى انصراف الإطلاقات إلى جواز رد ما يجب رده في غير الصلاة، فلا يجوز رد مساك اللّٰه أو صبّحك اللّٰه، إلّا بقصد الذكر و الدعاء المباح، و إلّا فلو قصد به رد التحية محضا فلا يجوز، لعموم مبطلية الكلام، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 4: 1265 باب 16 من أبواب القواطع حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 2275 باب 25 من أبواب القواطع.

الباب الثالث في بقية الصلوات الواجبة

اشارة

و فيه فصول:

الأول: في الجمعة،

اشارة

و هي بكلمة واحدة ركعتان عوض صلاة الظهر، للأخبار المستفيضة (1).

و وقتها من زوال الشمس، فلا يجوز قبله مطلقا، للمستفيضة أيضا (2).

و ما يوهم خلافها مطروح أو مؤول، بل من خصوصيتها عدم مزاحمة النافلة لها، بخلاف غيرها فيختص أول الزوال بها.

و في التعدّي عنها إلى الظهر في يوم الجمعة وجه، لأنه بدلها، فيجري عليه حكم المبدل. و يؤيده ما ورد من أنّ وقت العصر في يوم الجمعة وقت الظهر في غيره (3)، و في آخر: «ليس للجمعة إلّا وقت واحد حين يزول الشمس» (4).


1) وسائل الشيعة 5: 14 باب 6 من أبواب الجمعة.

2) وسائل الشيعة 5: 17 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

3) وسائل الشيعة 5: 17 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

4) وسائل الشيعة 5: 21 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة حديث 21.

و ظاهر الخبر الأول امتداد وقتها إلى أن يصير ظل كل شي‌ء مثله، الذي هو وقت الظهر في سائر الأيام.

و هو المشهور، بل الظاهر من الخبر الأول- بقرينة المقايسة بوقت الظهر في سائر الأيام- هو وقت فضيلة، و لا أقل من الشك، فيستصحب وقت أجزائه إلى الغروب.

و لكن في حسنة الحلبي انه «إذا فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا» (1)، و الظاهر من الأربع هو الظهر الذي بدل الجمعة، و لازمة اعتبار ضيق الوقت في وقت الجمعة ليس ذلك في ظهرها، فيبقى أخبار تضييق وقت الجمعة بحالها (2). فلا مجال حينئذ للاستصحاب المسطور و لا غيره، خصوصا بملاحظة ما في الخبر الأخير من أنه ليس الجمعة إلّا وقت واحد هذا.

و شروطها الموجبة لانعقادها- أعم من أن يكون شرط وجوبها أيضا أم لا- أمور:

منها: التمكن من السلطان العادل، و هذا الشرط من شرائط وجوبه أيضا، و هو مذهب جمع من الأعاظم.

و في قبالهم من قال بأنه شرط وجوبه تعينيا، و إلّا فيجب تخييرا، و من قال بأنه ليس بشرط أصلا بل في زمان الغيبة يجب تعينيا عينا.

ثم انّ القائلين بالشرطية في أصل الوجوب بين من قال بحرمته، و بين من التزم برجحانه و استحبابه. و منشأ الاختلاف في المقام اختلاف أخبار الباب، لأنها على طوائف:


1) وسائل الشيعة 5: 41 باب 25 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 17 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

منها: ما اشتمل على أنها لإمام المسلمين أو من نصبه (1).

و في بعضها قرينة صريحة على أنّ المراد من الامام: الأئمة عليهم السلام، لا إمام الجماعة، حيث جعل الجماعة في قبال الصلاة مع الإمام (2).

و منها: المتضمنة على وجوبها مطلقا لكل أحد (3).

و منها: ما اشتملت على تحريض زرارة المتوهم عدم مشروعية الصلاة المزبورة، بملاحظة عدم بسط إمامته، فسئل بعد التحريض انّا نغدو إليك، فقال عليه السلام: «إنما عنيت عندكم» (4).

و في آخر بعد قوله كيف أصنع؟ قال: «صلاة جماعة» (5).

و لا يخفى انّ مقتضى مجموع الأخبار: انّ الصلاة الجمعة مرتبتين:

إحداهما: لا يجب إلّا مع الامام العادل أو من نصبه، و هو الواجب تعينيا في زمان الحضور و بسط يده عليه السلام.

و ثانيتهما: ما هو راجح لا واجب، لكن لا بدّ أن يكون مع إمام الجماعة، و كونه أحد الخمسة أو السبعة على الخلاف الآتي، تحكيما للطائفة الأولى على الثانية، و منزلا وجوبها مختصا بزمان الحضور، فيبقى الخبر الأخير دالا- مع عدم تمكن الامام و بسط يده- على الرجحان بلا وجوب.

و بضم ما دل على ترتب وجوب الظهر على فوت الجمعة، كما في الصحيح السابق، يستفاد مسقطية الجمعة للواجب، و لا يقتضي ذلك كون الجمعة طرف واجب تخييري، و لا ضير فيه بعد إمكان اناطة مصلحة الواجب بفوت


1) وسائل الشيعة 5: 12 باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

2) وسائل الشيعة 5: 14 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

3) وسائل الشيعة 5: 2 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

4) وسائل الشيعة 5: 12 باب 5 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

5) وسائل الشيعة 5: 12 باب 26 من أبواب صلاة الجمعة حديث 2.

مستحب، كما لا يخفى.

و بمثل هذا البيان ظهر وجه فساد بقية الأقوال، كما لا يخفى.

هذا، ثم لا يتوهم قيام الفقيه في زمان الغيبة مقام الإمام في مثل هذا المنصب، إذ هو فرع تمامية أدلة النصب لإثبات ولايته العامة أو في خصوصه، و أمثاله من الأمور النوعية، أو إثبات كونه من الحسبيات، و هذه المراتب ممنوعة، عدا توهم كونها من وظائف قضاة الجور، الثابت لقضاتنا بفحوى المقبولة.

و فيه: انّ المسلّم منه كون الجمعة من وظيفة السلطان، و انّ قضاتهم منصوبين من قبله أحيانا، فليس ذلك من وظائف القاضي بما هو قاض، كي يكفيه مجرد جعله قاضيا في ترتيب هذه الوظيفة، و فحوى المقبولة لا تقتضي إلّا إثبات ما هو من شئون مثل القضاء بما هم قضاة، لا مثل صلاة الجمعة التي هي بنفسها ليست من شئون القضاء و إن كانوا منصوبين لها أيضا أحيانا، و اللّٰه العالم.

و من شرائط الوجوب و الانعقاد أيضا العدد،

و هو خمسة نفر أحدهم الامام، و قيل سبعة، و الأخبار فيه مختلفة، ففي بعضها اناطة الوجوب باجتماع الخمسة (1)، و في آخر على اجتماع السبعة (2).

و يمكن الحمل أيضا على مراتب الرجحان، و أنّ السبعة يلزمها، و عليه أيضا يحمل الترديد بينهما في نص آخر (3).


1) وسائل الشيعة 5: 7 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة حديث 2- 6.

2) وسائل الشيعة 5: 9 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة حديث 9.

3) وسائل الشيعة 5: 8 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.

و يحتمل جمع آخر، من حمل الخمسة على اجزائه عن الواجب، و السبعة على فضيلته، و لا يبعد الترجيح، لأنّ الأمر يدور بين حمل أمر الخمسة على الوجوب و رفع اليد عن مفهوم السبعة بتقييده بالخمسة، أو تقييد رجحانه بمرتبة خاصة من فضله، أو الأخذ بظهور الأمر بالسبعة و رفع اليد عن أمر الخمسة بالحمل على أصل رجحانه، و الثاني أولى، لأنّ التصرف في الإيجاب بحمله على الاستحباب أولى من التقييد، كما لا يخفى.

و من شرائط الانعقاد لا الوجوب الخطبتان،

و في النص: «إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (1). و في بعض النصوص و الكلمات التعبير بالخطبة، فيحمل بقرينة السابقة على بيان الجنس.

و هما حمد اللّٰه تعالى بلا اشكال نصا (2)و فتوى.

و في دخل الصلاة على النبي و آله، و الوعظ، و قراءة سورة خفيفة من القرآن، بل و الاستغفار، و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات، و الصلاة على الأئمة عليهم السلام بأساميهم، و الدعاء لجيوش المسلمين، و قراءة آية العدل و الإحسان، إشكال: من اشتمال بعض النصوص على بعضها (3)، و خلوه عن بعضها الآخر في الخطبة الثانية، و كذلك في الخطبة الاولى، مع اشتمال الجميع- بعد الحمد- على الوعظ و سورة خفيفة.

و مقتضى الجمع بين هذه الطوائف: الالتزام بالثلاثة في الاولى، ثم رفع اليد عن الفاقد بالأخذ بالواجد، تقييدا لإطلاق فاقده. أو الأخذ بالفاقد، و رفع اليد عن الواجد. بالحمل على الفضيلة، و لازمة في الثانية عدم وجوب


1) وسائل الشيعة 5: 16 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة حديث 9.

2) وسائل الشيعة 5: 38 باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

3) وسائل الشيعة 5: 38 باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

أزيد من الحمد، وجهان.

و يحتمل وجه آخر، من الأخذ بمطلقات الخطبة و الاجزاء بمسماها عرفا، و حمل الأخبار المزبورة على تعيين أحد مصاديق المسمّى، بلا خصوصية فيها.

و لا يبعد الأخير و رجحانه على الأولين، لقوة مطلقات الخطبة في إطلاقها و أظهريتها من ظهور الأوامر المخصوصة في تعيين خصوصها بالحمل على بيان أحد المصاديق.

و بذلك ربما يجمع بين الكلمات الظاهرة بعدم جواز الاقتصار على الحمد حتى في الثانية، و بعدم وجوب جميع ما ذكرنا، و بين الأخبار، بحمل كلماتهم أيضا على كفاية ما يسمّى خطبة عرفا و أن الخصوصيات لبيان أحد المصاديق.

ثم انّ ظاهر قوله: لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين، على أقل من خمسة، اعتبار العدد في الصلاة المزبورة. و لا إشكال في دلالته على دخل وجوده في حال شروعه، و في دلالتها على الدخل في الوجوب الى آخر الصلاة نظر.

نعم لا بأس بدعوى ظهوره في كون الصلاة بتمامها مشتملة على العدد المزبور.

و حينئذ نقول: غاية ما يستفاد من انصراف الصلاة إلى ما كان مع العدد دخله في صحته، و أما في وجوبه فلا، بل قيد وجوبها ليس إلّا مجرد حدوثها إلى حين الشروع في الصلاة، ففي الزائد يكون العدد بقرينة الانصراف المزبور قيدا للواجب، جمعا بين إطلاق الهيئة و انصراف المادة.

و هو المشهور أيضا، و لازمة عند اجتماعهم وجوب بقائهم إلى آخر الصلاة، كما لا يخفى.

و من شروط الانعقاد محضا الجماعة،

لما في النص من قوله:

«صلاة واحدة فرضه اللّٰه في جماعة» (1)، و في آخر: «فليصلوا جماعة» (2).

و الظاهر منها دخل الجماعة في المقام في أصل المصلحة بنحو دخلها في درك الفضيلة في غيرها، و لازمة أجزاء حكمها في المقام من جواز الائتمام بدرك ركعة و وجوبه.

و في جواز الانفراد اشكال، مبني على كون الانفراد المزبور غير مضر بفضيلتها أم مضر بها، غاية الأمر يدرك بصلاته المصلحة الملزمة بلا دركها الفضيلة المزبورة، و لا يبعد الأخير، أما من جهة ظهور مطلقاتها في دخل بقاء الجماعة إلى آخر الصلاة في وفائها بالمصلحة الملزمة، أو من جهة خبر محمد بن مسلم من الأمر باستخلاف امام آخر، و انه لا صلاة لهم بدونه، بحمله على بيان انّ ما يحصل بالجماعة فضيلة أم وجوبا لا يحصل إلّا بالاستخلاف.

و هذا المقدار لا ينافي عدم الوجوب في غير المقام و لو من جهة صحة صلاته منفردا، و تمام الكلام من تلك الجهة ربما يجي‌ء إن شاء اللّٰه في بحث الجماعة.

ثم انّ في كل مورد لا يجوز إتمام الجمعة لفقد شرطها، ففي العدول منها الى الظهر مبني على اختلاف حقيقتها قصدا كالظهر و العصر كي لا يجوز، لانه خلاف القاعدة أو اتحادهما و أنهما من قبيل القصر و الإتمام، غاية الأمر يعتبر في شخص هذا القصر أمور مخصوصة كي يجوز.

و لا يبعد الأخير، للإطلاقات الوافية بنفي مثل هذا القصد في حقيقة العبادة، فتدبّر.

و من الشرائط المزبورة: أن لا يكون هناك جمعة

اخرى بينهما أقل


1) وسائل الشيعة 5: 2 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 9 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة حديث 10.

من ثلاثة أميال بلا اشكال نصا (1)و فتوى، و إطلاقهما يقتضي عدم الفرق بين البلاد أو غيرها، و بين زمان الغيبة و الحضور، و بين فصل النهر و عدمه، بل الظاهر اعتبار الفصل بين تمام الجماعة و لو بطول صفها، لأنه المتبادر من بين الجماعتين في النص.

و على أي حال ظاهر النص المزبور، عدم الجمعتين في المسافة المزبورة في تمام الوقت، أعم من أن تكونا متقاربتين أو متعاقبتين، فلا جمعة بعد الجمعة في مكان أقل من المسافة المزبورة، فضلا عن المكان الواحد.

و في إلحاق مدرك الركوع بمدرك التمام وجه، فلازمه جواز ترامي الجماعات بهذه الكيفية، إذ جمعها مع تعاقبها حينئذ بمنزلة جماعة واحدة.

و توهم انّ غاية ما يقتضيه قاعدة «من أدرك» إلحاق الثانية بالأولى بالنسبة إلى المصلين بها لا غيرهم، فتكون صلاة الطائفة الثالثة أجنبية عن الاولى.

مدفوع بأنّ «من أدرك» إن ألحق الثالثة بالثانية كذلك يلحق الثانية بالأولى، و هكذا هلم جرا.

و عليه فلا مجال حينئذ للحكم بفساد البعض و ترجيح الأسبق، كيف و على فرض الفساد يجي‌ء ما ذكرناه في باب محاذاة النساء مع الرجال فراجع، كي ترى عدم مرجح للأسبق في المقام أيضا.

و تجب مع الشرائط السابقة

على كل مكلّف حر ذكر سليم من المرض و العمى و العرج، و لا يكون همّا و لا مسافرا بلا إشكال في هذه، عدا السلامة من العرج، لأن صحيحة زرارة (2)غير مشتملة على السلامة من


1) وسائل الشيعة 5: 160 باب 7 من أبواب صلاة الجمعة.

2) وسائل الشيعة 5: 2 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

العرج، و في آخر الاقتصار بأقل من ذلك (1). و لا يبعد تقييده، لضعف دلالته.

نعم في العرج تشبثوا بقاعدة الحرج، و لكنه لا يرفع المصلحة المنافية للصحة، نظير سائر القيود العقلية، بخلاف الشرعيات الظاهرة في دخلها في عالم المصلحة، كما لا يخفى.

و عليه ففي إلحاق القيد المزبور بسائر القيود، خصوصا مع إطلاقها لصورة عدم الحرج أيضا إشكال، فإن تم الإجماع فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال. نعم لا بأس بنفي وجوبها الفعلي بالقاعدة المزبورة، كما هو الشأن في غير الموارد المنصوص عليها كما لا يخفى.

ثم انّ الظاهر من المسافر من هو كذلك شرعا، إذ هو المعهود في لسان أهله، و في كونه تابعا لوجوب القصر اشكال، بل الظاهر انّ المسافر لا يصلّي و إن كان في أماكن التخيير، كما لا يخفى.

و أيضا ظاهر جواز الترك على المرأة، مع عموم الوجوب لكل أحد حتى الخنثى- بناء على الطبيعة الثالثة- و إلّا فيشكل، فالأصل البراءة، كما لا يخفى.

و لو كان بينه و بين الجمعة أزيد من فرسخين لم يجب الحضور، بل مع تحقق الشرائط تنعقد جمعة اخرى، و إلّا فلا جمعة عليه، و تسلّم هذه الجمعة يقتضي كون المسافة المزبورة شرط وجوبه، و إلّا فلو كان ممحضا في شرطية الانعقاد، لكان يلزم مع وجود الشرائط في رأس المسافة التخيير بين ذهابه إلى الجمعة المنعقدة أو عقدها هناك، و مع عدمها يتعيّن ذهابه، إلّا أنه تسقط الجمعة.

و في تكملة أستاذنا العلّامة جعل ذلك في عداد شرائط الانعقاد، قبال


1) وسائل الشيعة 5: 2 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة حديث 2.

وجود السلطان و غيره الذي هو من شرائط الوجوب. و مع ذلك التزم في المقام عدم وجوب الحضور، و إطلاقه يشمل صورة عدم تحقق شرائط عقد الجمعة على رأس المسافة، و مثل ذلك- كما ذكرنا يناسب كونه شرط الوجوب أيضا.

ثم انّ المدارك في كون المسافة المسقطة على الفرسخين أو أزيد وجهان، لاختلاف الأخبار فيه:

ففي بعضها: وجوبها على رأس الفرسخين (1).

و في آخر: سقوطها على هذا الحد (2).

و الأخير نص في العدم، فيحمل الثبوت على الفضيلة و المشروعية.

و في بعض النصوص: انّ الجمعة واجبة على انّ من صلّى الغداة في منزله أدرك الجمعة (3).

و مقتضاه ازدياد المسافة على أربع فراسخ أيضا.

و الظاهر انه مطروح لدى الأصحاب، و إن عمل به بعض.

ثم انه لا إشكال في انّ مرجع شرطية المسافة إلى سقوط وجوب السعي ما دام على المسافة، و إلّا فلو سعى فحضر الجمعة فلا إشكال في وجوبها عليه حينئذ.

و هل بقية الموانع، مثل السفر و الأنوثية و العبودية و أمثالها غير الصغر و الجنون من هذا القبيل؟ بمعنى كونها شرط وجوب السعي، و إلّا فلو حضروا فيجب إقامتها عليهم، كما هو مشروع في حقهم إجماعا، وجهان:

من ظهور المانعية عن وجوب الصلاة مطلقا.


1) وسائل الشيعة 5: 12 باب 4 من أبواب صلاة الجمعة حديث 6.

2) وسائل الشيعة 5: 2 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1 و 6.

3) وسائل الشيعة 5: 11 باب 4 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

و من شرح رواية حفص (1)لكيفية مانعيتها، بأنها مانعة عن وجوب السعي، و إلّا فبعد الحضور يجب عليهم، كما هو صريح قوله: «فلما حضروها سقطت الرخصة و لزمهم الفرض».

و النص المزبور و إن اختص بالمسافر و العبد و المرأة، إلّا أنه يمكن التعدّي عنه الى غيره، القابل لوضع التكليف عليه.

نعم لا يتعدّى الى غير المكلّف، من الصغير و المجنون، حتى بناء على شرعية عبادتهما، لفقد شرط الوجوب في حقهما جزما.

و ضعف سند الرواية منجبر بعمل جل الأعاظم بها، فلا بأس بأخذه و الحكم على وفقه.

نعم الذي يسهّل الخطب عدم وجوب الصلاة في زمان الغيبة، بل كان مشروعا في حق كل واحد حتى المسافر و المرأة و العبد إجماعا، و في الصبي أيضا على المختار، و في المجنون تأمل، و تفصيل، كما لا يخفى.

ثم انّ مدار انعقاد العدد الموجب للصلاة على وجوبها على من حضر، بلا قصور في مثل الأصناف المزبورة، بعد وجوب الصلاة عليهم في عقد العدد منهم أيضا.

و توهم انصراف دليل العدد عنهم منظور فيه.

نعم من لم تجب الصلاة عليه مثل الصبي و لو كان مشروعا في حقه، لا بعد في دعوى انصراف دليل العدد عنه كما هو ظاهر.

و لو فاتت الجمعة و سقطت مشروعيتها وجبت الظهر،

للنص (2)


1) وسائل الشيعة 5: 34 باب 18 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 41 باب 26 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.

و الفتوى، مضافا الى إطلاق دليله، الخارج عنه صورة مشروعية الجمعة و إيجادها، بقي الباقي تحت وجوبها.

و يجب إيقاع الخطبتين بعد الزوال قبلها، أي قبل الجمعة عند المصنف، و هو الأشهر، لظهور دليل بدلية الخطبتين عن الركعتين (1)في ذلك.

مضافا الى نفي حريز (2)الدال على أنّ الخطبة بعد الأذان، بضم ما دل على عدم مشروعية الأذان قبل الوقت، إلّا في الفجر (3).

و لكن في قبال ذلك صحيحة أخرى نص في انّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان يصلّي الجمعة حين تزول الشمس، و يخطب في الظل الأول (4)، المعلوم عدم بلوغ الزوال.

و إليه ذهب جل الأعاظم، و لا يبعد الأخير بالصحيحة، لأنها في دلالتها على المشروعية أظهر من السابقة، كما لا يخفى.

و يجب قيام الخطيب مع القدرة

بلا اشكال نصا (5)و فتوى، و في النص: «يخطب قائما» (6)، و ظاهره كونه شرط صحتها، فمع العجز في الانتقال الى الجلوس، أو استخلاف من يقوم في الخطبة، وجهان، مبنيان على انّ مقتضى قاعدة الميسور سقوط قيد المباشرة فيستخلف قائما، أو قيد القيام فيخطب جالسا.


1) وسائل الشيعة 5: 15 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 15 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة حديث 7.

3) وسائل الشيعة 4: 625 باب 8 من أبواب الأذان و الإقامة.

4) وسائل الشيعة 5: 18 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة حديث 4.

5) وسائل الشيعة 5: 31 باب 16 من أبواب صلاة الجمعة.

6) وسائل الشيعة 5: 32 باب 16 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.

و لا يبعد الأخير، كما هو المرتكز في سائر التكاليف خصوصا مع معهودية كون الخطبة بدل الركعة، فلا مجال حينئذ للاستخلاف، إلّا دعوى منع شرطية المباشرة رأسا.

و ادعى العلّامة عدم وقوفه على نص دال على وجوب مباشرتها من الامام (1)، بل هو ظاهر إطلاق كلماته في هذا المتن أيضا.

اللهم إلّا أن يمنع إطلاق النصوص من تلك الجهة، و حينئذ فلا محيص من الجمع بين الأمرين تحصيلا للفراغ في المردد بين المتباينين، كما لا يخفى.

و يستحب فيهما الطهارة من الحدث و الخبث

عند المصنف، و عند آخر يجب، نظرا الى عموم البدلية من الركعة، و من منع هذا المقدار فيها، فالمرجع فيه البراءة عن الشرطية.

و في وجوب إسماعها و لو في الجملة، نظر، من أنّ ذلك مأخوذ في مفهومها عرفا، و انّ الواجب بظهور الأوامر هو ذكر الألفاظ المعهودة بلا دليل على وجوب إسماعها، فالأصل البراءة.

و لا يبعد ترجيح الأول حفظا لظهور العنوان، و ذلك لا يقتضي إلّا إسماع غيره و لو واحدا. و وجوب إسماع العدد المعهود منظور فيه، لعدم مساعدة دليل عليه.

و يستحب أيضا أن يكون الخطيب بليغا،

لوجه استحساني، غير صالح لإثبات حكم شرعي، نعم لا بدّ أن يكون أداؤها صحيحا بمقتضى


1) التذكرة 1: 151.

القواعد العربية، و لا يكون ملحونا فيه، لانصرافه عنه.

و أن يكون مواظبا على الصلاة، بل و مطلق الطاعات، لتكون خطبته أبلغ في القلوب، فتأمل.

و أن يكون مرتديا، معتمدا على شي‌ء، للنص (1)المصرّح بهما.

و الإصغاء إليه، المستفاد من استحباب الاسماع.

و حيث اخترنا سابقا وجوب الإسماع في الجملة، فيجب الإصغاء على مقابله، فلا يبعد حينئذ كون وجوبه حينئذ كفائيا، تبعا لوجوب إسماعه.

و لا يبعد استفادة الاستحباب في الجميع، لمناسبته لوضع الخطبة و تشريعها.

مسائل
الأولى: الأذان الثاني بدعة

بلا اشكال نصا و فتوى، للمستفيضة (2)، و تقدّم شرحه في بحث الأذان و الإقامة. و لازمة عدم مشروعيته، فلا يحرم إلّا تشريعا، الذي هو من المحرمات القصدية، فلا تسري الحرمة إلى العمل خارجا، كما هو الشأن في التجري، و ذلك واضح ظاهر.

الثانية: يحرم البيع و غيره من سائر أضداد السعي

بعد النداء، بناء على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده، و إلّا فلا يحرم البيع المزبور و أمثاله إلّا عرضا و مجازا، و ذلك أيضا لو صرف وجه النهي في الآية الشريفة (3)بقرينة سبقه بالأمر بالسعي إلى النهي عنه بمناط الضدية، و إلّا


1) وسائل الشيعة 5: 37 باب 24 من أبواب صلاة الجمعة.

2) وسائل الشيعة 5: 81 باب 49 من أبواب صلاة الجمعة.

3) الجمعة: 1.

فيحرم حقيقة. و لا يتعدّى حينئذ من المنع الى غيره من سائر الأضداد، و لكنه بمعزل عن التحقيق، كما لا يخفى.

و ينعقد البيع، لعدم اقتضائه فساده، إلّا على التوهم الأخير، و ذلك كذلك لو جعل النهي إرشاديا، و إلّا فلا موجب لفساده جزما، كما لا يخفى.

الثالثة: لو أمكن الاجتماع حال الغيبة مع إمام جماعة يستحب الجمعة،

لما تقدم شرحه مفصلا فراجع، و قلنا بعدم كونه مع مسقطيته للظهر طرف وجوب يجزئ أيضا، فضلا عن أن يكون واجبا تعينيا، فما في تكملة أستاذنا العلّامة من جعله أفضل فردي الواجب تخييرا منظور فيه.

الرابعة: يستحب التنفل بعشرين ركعة،

حسب ما أشرنا إليه في أول الكتاب.

و حلق الرأس في يوم الجمعة على المشهور، و لعله مستفاد من الأمر بغسله بالخطمي (1)، المقصود منه التنظيف الذي من شئونه حلق رأسه، فتأمل.

و يستحب فيه أيضا قص الأظفار و أخذ الشارب، و في الجواهر إشارة إلى نص مشتمل بهما (2).

و المشي بسكينة و وقار، للنص من قوله: «و عليكم السكينة» (3)، و في خبر هشام: «و ليكن في ذلك اليوم مع السكينة و الوقار» (4)، و ظاهره عدم


1) وسائل الشيعة 5: 47 باب 32 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

2) جواهر الكلام 11: 327.

3) وسائل الشيعة 5: 78 باب 47 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.

4) وسائل الشيعة 5: 78 باب 47 من أبواب صلاة الجمعة حديث 2.

خصوصية للمشي إلى الصلاة.

و تنظيف البدن، لما يستفاد من الأمر بغسله بالخطمي (1)و غيره المناسب للتنظيف.

و تطييب الجسد، للنص الوارد بذلك (2).

و الدعاء، لخبر أبي حمزة الثمالي (3).

و الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، لقوله: «و اجهر فيها» (4)، بعد حمل الأمر على دفع توهم الحظر.

و حينئذ فيشكل استفادة الاستحباب منه أيضا، فالمستند هي الإجماعات المحكية الكافية لعمومات «من بلغ» (5)على المختار من استفادة ما يساوق حكم العقل بالانقياد.

و توهم انّ وعد الثواب في بعضها على العنوان الأولي يجعل البلوغ من الجهات التعليلية، و مثله نظير قوله: «من سرّح لحيته» في استفادة رجحان العمل بعنوانه الأولي لا الثانوي مثل الانقياد و أمثاله.

مدفوع بأنّ الثواب في كل مورد لا يكاد يترتب إلّا على العنوان الثانوي، فليس وجه استفادة الاستحباب من قوله: «سرّح لحيته» محض ترتب الثواب في النص على العنوان الأولي، كي يتعدّى إلى من بلغ، على التعليلية، بل وجه الاستفادة إطلاق التسريح حتى لصورة الجزم بعدم الأمر، من غير ناحية جعل الثواب، إذ حينئذ لا محيص عن كشف هذا الجعل عن الأمر.


1) وسائل الشيعة 5: 47 باب 32 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 78 باب 47 من أبواب صلاة الجمعة حديث 2.

3) التهذيب 3: 142 حديث 316.

4) وسائل الشيعة 5: 819 باب 73 من أبواب القراءة حديث 5.

5) وسائل الشيعة 1: 59 باب 18 من أبواب مقدمة العبادات.

و من المعلوم انّ هذا البيان غير جار في المقام الذي يكون العمل مترتبا على البلوغ، إذ في مثله- لو لا الجعل- احتمال الأمر موجود، و معه يحكم العقل بترتب الثواب، فلا طريق فيه لكشف الأمر الشرعي في مثله، فلا يستفاد منه حينئذ إلّا ما يساوق حكم العقل بالانقياد، كما لا يخفى.

الفصل الثاني: في صلاة العيدين

اشارة

و هي واجبة جماعة و عينا، بلا اشكال فيه في الجملة نصا (1)و فتوى.

و فصّل في الحدائق في ذكر ما ورد في تفسير «وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» (2).

و ليكن ذلك أيضا بشروط الجمعة من التمكن من الامام، و العدد، و الجماعة، في صحته فرضا بلا إشكال في هذه الثلاثة.

و يكفي للأخير ما في النص المستفيض المشتمل على نفي الصلاة بدون الامام (3).

و لسابقه أيضا ما في النص: «ان كان القوم خمسة أو سبعة يجمعون في الصلاة كما يجمعون في يوم الجمعة» (4).

و الكلام في تعيين الخمسة أو السبعة شرطا للوجوب، نظير ما تقدّم في صلاة الجمعة فراجع.

و للأول أيضا الأخبار المستفيضة الدالة على أنها منصب الإمام أو المأذون منه (5)عليه السلام، و نظيرها ما في دعاء الصحيفة (6)، و ما اشتمل على تجديد


1) وسائل الشيعة 5: 94 باب 1 من أبواب صلاة العيد.

2) الأعلى: 15، الحدائق الناضرة 10: 199.

3) وسائل الشيعة 5: 95 و 96 باب 2 من أبواب صلاة العيد.

4) وسائل الشيعة 5: 142 باب 39 من أبواب صلاة العيد.

5) وسائل الشيعة 5: 95 و 96 باب 2 من أبواب صلاة العيد.

6) الصحيفة السجادية: 277 رقم الدعاء 48.

حزن آل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في كل عيد الأضحى و الفطر (1).

و لازم ذلك- بعد تقييد المطلقات بها- عدم المشروعية في زمان الغيبة.

و لكن في رواية ابن سنان التحريض بإتيانها في بيته وحده كما يصلّي في جماعة (2)، و ظاهره تشريع الصلاة المزبورة مع عدم التمكن من الامام، الساري إلى زمان الغيبة أيضا.

بل ربما يستفاد منها عدم شرطية الجماعة في مشروعيتها في غير زمان تجب الصلاتان، كما أنّ كون الأمر به في مقام دفع توهم الحظر، يمنع ظهوره في الإيجاب، فلا يستفاد منه إلّا الاستحباب.

و حينئذ فلصلاة العيدين أيضا مثل صلاة الجمعة مراتب من الوجود، بمرتبة منها لا تجب إلّا مع الشرائط الخاصة، و بمرتبة أخرى لا تكون إلّا مستحبة لا واجبة.

بل قد يستشكل حينئذ في تشريع الجماعة فيها، نظرا إلى عموم قاعدة «عدم تشريع الجماعة في النافلة»، و لا أقل من الأصل بعد عدم إطلاق لدليل الجماعة على وجه يشمل المقام.

اللهم إلّا أن يقال: انّ عمومات «وجوب الجماعة فيها» (3)سارية في المقام، غاية الأمر رواية ابن سنان خصّت مثلها في حال عدم بسط يد الامام بجواز الانفراد فيها، و ذلك إنما يقتضي نفي وجوبها لا نفي مشروعيتها رأسا.

و يؤيده ما في رواية ابن سنان من قوله: «كما يصلى جماعة»، بناء على حمله على بيان الوظيفة الفعلية، لا بيان وظيفته على تقدير المشروعية، مضافا


1) وسائل الشيعة 5: 98 باب 3 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 98 باب 3 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 95 باب 2 من أبواب صلاة العيد.

إلى ما في المروي (1)عن الإقبال (2)، و مرسلة ابن المغيرة (3)، المصرحتين بإتيانها جماعة و غير جماعة، و بذلك تمتاز صلاة العيدين عن صلاة الجمعة حيث لا ترخيص بالانفراد فيها، حتى في زمان الغيبة و أمثاله.

بل ربما تفارقان في اعتبار المسافة في الوجوب، إذ في الجملة كانت النصوص وافية، بخلافها في المقام، حتى التجأ صاحب الجواهر الى توجيه بعيد، في تسرية هذا الحكم في المقام (4).

و عليه فالمرجع إطلاقات وجوب صلاتهما على فرض تكفلهما لمثل تلك الجهة، و إلّا فالمرجع أصالة عدم وجوب السعي، مع الجزم بوجوبه بعده كالجمعة.

كما أنه على المختار من عدم الوجوب و المشروعية بعد السعي جدا لا جدوى لمثل هذا الشرط نفيا و إثباتا، كما لا يخفى.

ثم انّ ذلك كلّه حال شرائط نفس الصلاة أو وجوبها، و أما الشرائط الراجعة إلى المكلف، من عدم كونه مسافرا، و لا امرأة، و لا عبدا، و غير ذلك من القيود السابقة، فربما يستفاد جميعها من الفقه الرضوي (5).

و حيث انه لا حجية فيه، فلا بدّ من المصير إلى غيره من سائر الأخبار، و إن لم يكن له جدوى في زمان الغيبة، بعد الجزم بمشروعيتها، كصلاة الجمعة في حقهم، للإجماع.


1) وسائل الشيعة 5: 98 باب 3 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) الإقبال: 285.

3) وسائل الشيعة 5: 99 باب 5 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

4) جواهر الكلام 11: 345.

5) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 132.

و بالجملة يكفي دليلا لنفي الوجوب على المسافر ما في النص «ليس في السفر جمعة و لا فطر و لا أضحى» (1)، و ظاهره كونه في مقام دفع توهم الوجوب، فلا ينافي النص الدال على إثباته في المسافر (2).

و في النساء أيضا نص بعدم الخروج عليهن (3)، و في آخر: «لا تحبسوا النساء عن الخروج في العيد» (4)، فيجمع بينهما بنفي الوجوب و ثبوت المشروعية.

و في المريض بعد السؤال عن انه يصلّي في بيته؟ قال: «لا» (5)، بناء على حمله على دفع توهم الوجوب لا المشروعية، فيكفي لمشروعيتها المطلقات.

و أما العبد فلم نظفر على نص دال على السقوط، فلا وجه فيه لرفع اليد عن إطلاق قوله: «صلاة العيدين فريضة» (6)، فإن تم في البين إجماع فهو، و إلّا فللنظر في سقوط الحكم عن العبيد مجال.

نعم الذي يسهّل الخطب عدم شبهة في أصل المشروعية في حقهم في زمان الغيبة، كما هو الشأن في صلاة الجمعة، لظهور كلماتهم في التساوي بينهما في زمان الغيبة، و عرفت أيضا دعوى المشروعية في حق من فقدت فيه عناوين الفريضة، فكذلك في المقام.

و إلى ذلك أشار المصنف أيضا بأنه مع فقدها إلى فقد الشرائط الراجعة إلى الوجوب أو الموضوع تستحب جماعة و فرادى.


1) وسائل الشيعة 5: 103 باب 8 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 104 باب 8 من أبواب صلاة العيد حديث 4.

3) وسائل الشيعة 5: 134 باب 28 من أبواب صلاة العيد حديث 2.

4) وسائل الشيعة 5: 134 باب 28 من أبواب صلاة العيد حديث 5.

5) وسائل الشيعة 5: 97 باب 2 من أبواب صلاة العيد حديث 8.

6) وسائل الشيعة 5: 94 باب 1 من أبواب صلاة العيد.

و وقتها بعد طلوع الشمس بدوا، و إلى الزوال نهاية، على المشهور.

و يكفي الأول ما في حسنة زرارة من قوله: «إذا طلعت خرجوا» (1)، و في الموثقة التصريح بذلك (2).

و للثاني ما في بعض النصوص من أمر الإمام بإفطار اليوم إذا شهدا قبل زوال الشمس، و إن شهدا بعد الزوال أمر بالإفطار و تأخير الصلاة إلى الغد (3)، إذ مثل هذه الرواية صريحة في عدم وجوب الصلاة في اليوم.

نعم ظاهره وجوبها في الغد على وجه لا ينافي عدم وجوبها في الغد أيضا.

و على أي حال لا يضر هذا المقدار بالمدعى، من دلالته على فوت وقته بتحقق الزوال.

و لا تقضى لو فاتت في وقتها على المشهور، و يستدل عليه بصحيح زرارة: «من لم يصل مع الإمام في جماعة فلا صلاة له» (4)، و في دلالته نظر، لإمكان حمله على عدم تمكنه من الجماعة الدخيلة في صحة فريضته، من غير ارتباط ذلك بباب فوته في وقته، و بباب النافلة المشروع في حقه الفرادى أيضا.

نعم العمدة في البين عدم دليل على مشروعية القضاء حتى في مثل هذه النافلة.

و توهم كونها من الفرائض الذاتية المشمولة لعموم «اقض ما فات»،


1) وسائل الشيعة 5: 135 باب 29 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 135 باب 29 من أبواب صلاة العيد حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 104 باب 9 من أبواب صلاة العيد.

4) وسائل الشيعة 5: 96 باب 2 من أبواب صلاة العيد حديث 3.

مدفوع بمنع كون هذه المرتبة من الصلاة من الأول فريضة، و إنما الفريضة مرتبة اخرى منه.

نعم لو تم ذيل النص (1)السابق من الأمر بتأخير الصلاة إلى الغد، أمكن استفادة وجوبها منه، و أنّ الأمر بالتأخير إنما هو لدفع توهم وجوب الفورية، فلا ينافي أصل المشروعية الملازم للوجوب في حق من وجب، و الاستحباب في حق من استحب له.

و لكن عمدة الكلام في تمامية النص المزبور، مع اعراض المشهور عن مثله.

و حينئذ يكفي في نفي الوجوب البراءة، بناء على كون الطريق لإثبات القضاء الأمر الجديد، و إن كان على فرض الثبوت كاشفا عن تعدد المطلوب جدا، و لو بمقتضى برهان عدم وفاء المتباينات بتمام الذات لأثر واحد، فوفاء القضاء بمقدار من الأمر يكشف عن وجود جامع بينهما، و هو المطلوب أيضا، و لو في ضمن الطلب بالخصوصية، كما لا يخفى.

فرع:

لو اجتمع العيد و الجمعة، و لا يمكنه الجمع بينهما، فمقتضى إطلاق دليلهما، و احتمال الأهمية في كل منهما هو التخيير.

و في بعض النصوص ترخيص ترك الجمعة أو فعلها بقوله: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأت، و من قعد فلا يضره» (2)، و في آخر: «من أحب أن يجمع معنا فليفعل، و من لم يفعل فإن له رخصة» (3).

و ظاهر الأخير الترخيص في تركهما، و لكن لم يعمل به أحد، فلا بدّ من


1) وسائل الشيعة 5: 104 باب 9 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 115 باب 15 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 116 باب 15 من أبواب صلاة العيد حديث 2.

الحمل على الترخيص في ترك الجمعة، و هذا المقدار يقتضي التخيير لا تعيين العيدين.

و لكن المحكي عن المشهور ذهابهم الى تعيين العيدين، فإن تم ذلك إجماعا، و إلّا فللنظر فيه مجال.

نعم لو قيل بعدم حجية الأخبار المزبورة من جهة إعراضهم عن مضامينها، و آل الأمر إلى الأصول، فبعد العلم الإجمالي بالوجوب، المردد بين تعيين العيدين أو التخيير بينهما و بين الجمعة، أصالة التعيين تقتضي المصير إلى الثاني، و ذلك أيضا لو لا مرجعية الإطلاقات من الطرفين، الموجبة لإثبات التسوية و نفي الأهمية في كل واحد منهما، فيتخير بحكم العقل، كما لا يخفى.

و هي ركعتان على المشهور، لإطلاق النصوص الواردة في شرحهما (1)، خلافا لابن بابويه عند اختلال الشرائط، فإنه قال: فأربع بتسليمة للمنفرد (2).

و عمدة مستندهم المرسلة المشتملة على من لم يدرك الصلاة جماعة، قال:

«صلّى أربعا» (3)، على اختلاف أنظارهم في كون الأربعة بتسليمة، أو تسليمتين، أو التخيير بينهما، و من المحتمل تشريع صلاة أخرى في حقه.

و لكن عمدة الكلام في إثبات سندها، فإن تم فتستفاد منها مشروعية هذه الصلاة أيضا، و إما كونها صلاة العيد المعهود فلا.

و يجب أن يقرأ في الركعة الأولى الحمد، بلا اشكال فيه فتوى


1) وسائل الشيعة 5: 105 باب 10 من أبواب صلاة العيد.

2) المقنع: 46.

3) مستدرك الوسائل 6: 122 باب 2 من أبواب صلاة العيد.

و نصا، و يقرأ الأعلى عند المصنف، و ظاهره تعيينه فيها كظهور كلامه في تعيين «الشمس» في الثانية.

و لكن في النص خصوصا في ما حكاه ثقة الإسلام الكليني التصريح بقراءة «و الشمس» في الركعة الاولى (1).

و في نص جميل: إطلاق قراءة «و الشمس» و «هل أتى» (2).

و لو لا ظهور ارتكاز ذهن الراوي في أسألته من وجوب سورة زائدة على الحمد، لأشكل استفادة الوجوب من مثل هذه الأوامر، المتعلّقة بالسور الخاصة، بعد الجزم بعدم وجوبها بخصوصها، إذ العرف حينئذ لا ينتقل الى وجوب جامع منها، كما أشرنا إلى نظير هذا الإشكال في الأدعية الواردة في صلاة الميت.

هذا مضافا إلى كشف كثرة الاختلاف فيها عن استحبابها، نظير كثرة الاختلاف في منزوحات البئر.

هذا و أقول: يمكن في المقام دعوى اخرى، و هو أنّ الأوامر المتعددة المتعلقة بأمور عديدة إذا كانت ظاهرة في وجوب كل واحد تعيينا، فمع اتفاق الجميع في الظهور على نفي الزائد، يجزم بعدم وجوب أزيد من الواحد. و لازمة حينئذ ليس إلّا رفع اليد عن إطلاق هيئة كل واحد في التعيين، فيكشف عن أنّ كل من الخصوصيات طرف للوجوب تخييرا.

و في هذا الجمع لا نحتاج إلى كشف جامع كي يشكل بعدم استكشافه من الأوامر المتعلقة بالعناوين الخاصة البسيطة، كما لا يخفى.

و بهذا الوجه أيضا ربما يلتزم بوجوب أحد الأدعية المنصوصة في صلاة


1) الكافي 3: 460 حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 106 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 4.

الميت، فراجع.

و ربما يؤيد ما ذكرنا ما في نص جميل المتقدمة من تعيين «الشمس»، و «هل أتى»، و أشباهها.

و حينئذ يمكن التشكيك في استفادة الفضل في سورة «الشمس» أو غيره من مثله، بل الظاهر كونه أحد الأفراد المجزية.

نعم لا بأس باستفادة الفضل من الروايات المعينة لها، أو للأعلى ما به ربما يستفاد الأفضلية عن غير المنصوصات بالخصوص أيضا بنحو التعيين.

نعم ربما تقع المعارضة بين هذه المنصوصات أيضا في تعيين الأفضل، و يمكن استفادة التخيير بين هذه المنصوصات أيضا، فتتساويان في الفضيلة.

و إلى مثل ما ذكرنا أيضا نظر أستاذنا العلّامة في تكملته، حيث أفاد بوجوب سورة أخرى، و أفضلها «الشمس» و «الأعلى» مطلقا، من دون تفصيل بين الركعتين.

و لكن يمكن المصير في الثانية إلى فضيلة «الغاشية» أيضا، و الأمر سهل بعد الجزم بعدم خصوصية لسورة في الاجزاء، و كفاية الإتيان برجاء الفضيلة في الوصول إلى أجرها.

ثم يكبّر خمسا و يقنت بينها كما هو المشهور، من وجوب القنوت بين التكبيرات الخمس، و لعله للأمر به في نص ابن يقطين (1)، و رواية الجعفي (2).

و لكن في ما حكاه ثقة الإسلام (3)السكوت عن القنوت، مع قوة كونها في مقام البيان، فيصلح حينئذ دليلا لرفع اليد عن ظهور هذه الأوامر في


1) وسائل الشيعة 5: 107 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 8.

2) وسائل الشيعة 5: 107 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 10.

3) الكافي 3: 460 حديث 3.

الوجوب بالحمل على الاستحباب، مؤيدا ذلك برواية سماعة من قوله «و ينبغي» (1)، الظاهر في الاستحباب.

ثم إنّ ظاهر جملة من هذه النصوص أجزاء التكبيرات الخمسة عن القراءة (2).

و في بعض النصوص تقديمها عليها (3)، و لكنها مطروحة، مع مخالفة السابقة للعامة، فترجّح على الأخيرة.

ثم انّ ظاهر الأمر بالتكبيرات الخمس وجوبها، و في بعض النصوص ما يدل على خلافها (4)، و هو مطروح باعراض المشهور، و إلّا فالجمع بينهما بحمل الأمر على الاستحباب في غاية الوضوح.

ثم يكبّر السادسة للركوع وجوبا، للأمر به في رواية ثقة الإسلام، كالأمر بالركوع و القيام منه المستفاد من فحواه، نظرا إلى كونه من تلك الجهة نظير ركوع سائر الصلوات.

و يسجد عن قيام سجدتين بينهما قعود بعين الوجه السابق، و لو من جهة معهودية مثل هذه المعاني في الأذهان، بحيث كان غنيا عن البيان.

ثم يقوم و يقرأ الحمد بلا اشكال، و الشمس على اشكال في تعيينه كما تقدّم.

ثم يكبّر أربعا و يقنت بينها، بمعنى إتيانه بعد كل تكبير، للأمر به في الروايات (5)، مع سكوت رواية ثقة الإسلام (6)عنه، فتصلح- لقوة بيانه- للقرينة على الاستحباب.


1) وسائل الشيعة 5: 102 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 19.

2) وسائل الشيعة 5: 105 باب 10 من أبواب صلاة العيد.

3) وسائل الشيعة 5: 106 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 5.

4) وسائل الشيعة 5: 106 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 5.

5) وسائل الشيعة 5: 106 باب 10 من أبواب صلاة العيد حديث 5.

6) الكافي 3: 460 حديث 3.

و لا يعتبر في القنوت ذكر مخصوص، و إن كان المأثور أفضل من غيره.

ثم يكبّر الخامسة للركوع و يسجد سجدتين، كما في النص (1)، و عدم تعرض رواية ثقة الإسلام لذلك غير مضر بعد معهودية كون السجدة بعد الركوع، فلا يقاس ذلك بالقنوت المعهود استحبابه في سائر الصلوات، فعدم ذكره في مقام البيان مضر بوجوبه، نظير عدم ذكر التكبير للركوع، فإنه أيضا لمعهودية استحبابه يحتاج إلى البيان، فعدم تعرضه يكشف عن عدم وجوبه.

فلا يرد النقض في سكوت الرواية المزبورة عن القنوت، و تكبيرة الركوع بسكوته في الركعة الثانية عن أصل الركوع، لما عرفت من وضوح الفرق بينهما من حيث معهودية الوجوب و عدمه.

و يسجد سجدتين، لنص ثقة الإسلام و غيره، تم يتشهّد و يسلم، للنص المزبور، و عدم تعرض المصنف إياه، لمعهوديته.

ثم لا إشكال في أنّ سائر الأحكام من حيث الركنية و غيرها، بل و حرمة القطع عند كونها فريضة، تجري في هذه الصلاة أيضا، كجريان أحكام القواطع و غيرها، لإطلاق أدلتها، كما لا يخفى، كما انّ في مندوبها يجري أحكام الصلاة المندوبة للإطلاقات أيضا.

و يستحب الإصحار بها إلّا في مكة، لمرفوعة محمد بن يحيى المشتملة على الأمور المذكورة أيضا (2).

و الخروج حافيا بسكينة و وقار، لما حكاه في الجواهر عن فعل الرضا عليه السلام (3).


1) وسائل الشيعة 5: 105 باب 10 من أبواب صلاة العيد.

2) وسائل الشيعة 5: 118 باب 17 من أبواب صلاة العيد حديث 8.

3) جواهر الكلام 11: 375.

و أن يطعم قبل خروجه في الفطر، و بعد عوده في الأضحى مما يضحّي به، كل ذلك لما في صحيح زرارة (1)، و في استفادة الاستحباب المزبور منه اشكال، بل غايته كراهة الخروج قبل الإطعام في الأول، و كراهة الإطعام من غير الأضحية في الثاني، فلا يبقى مدرك الاستحباب المزبور إلّا الفتاوى، و هو كما ترى.

و التكبير عقيب أربع صلوات أولاها المغرب، و اخراها العيد في الفطر، لما في النص: التصريح بالمغرب الى العيد (2).

و في بعض النصوص: عقيب ست بضم الظهر و العصر من يوم العيد (3).

و في ثالث: دبر خمس صلوات تبدأ بالمغرب (4)، و يحمل على مراتب الفضيلة بقرينة قوله في بعض النصوص «و لكنه مسنون» (5).

و في الأضحى عقيب خمس عشرة الثابتة في أيام التشريق، أولها الظهر يوم العيد لمن كان بمنى، و في غيرها عقيب عشرة.

و يدل عليه ما في صحيحة علي بن جعفر (6)، و رواية ثقة الإسلام (7)المشتملة على التفصيل بين من كان بمنى و غيره.

و في بعض النصوص ما يستفاد سبع عشرة (8)، و لكنه معرض عنه.


1) وسائل الشيعة 5: 113 باب 12 من أبواب صلاة العيد حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 122 باب 20 من أبواب صلاة العيدين حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 122 باب 20 من أبواب صلاة العيدين حديث 3.

4) وسائل الشيعة 5: 122 باب 20 من أبواب صلاة العيدين حديث 6.

5) وسائل الشيعة 5: 122 باب 20 من أبواب صلاة العيدين حديث 2.

6) وسائل الشيعة 5: 121 باب 20 و 21 من أبواب صلاة العيدين.

7) وسائل الشيعة 5: 121 باب 20 و 21 من أبواب صلاة العيدين.

8) وسائل الشيعة 5: 124 باب 21 من أبواب صلاة العيدين حديث 4.

مسائل
الأولى: يكره التنفل قبلها و بعدها،

إلّا في مسجد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قبل خروجه.

أما المستثنى فلا اشكال فيه، لنص محمد بن الفضل (1).

و أما المستثنى منه، فقد ورد فيه انه لم يكن قبلها و بعدها شي‌ء (2)، و هو ما يناسب عدم المشروعية، لو لا قرينة فتاوى الأصحاب على الحمل على نفي تأكد الرجحان، مؤيدا ذلك بإطلاق أدلة النوافل.

و يمكن دعوى كونه في مقام نفي مشروعية النوافل الخاصة لصلاتهما، لا مطلق النوافل المبتدأة، فكأنها في قبال سائر الصلوات اليومية المشتملة كلها- خصوصا الجمعة- على نوافل مخصوصة، فنفي مثلها في صلاة العيدين، فلا وجه لاستفادة النهي في غيرها أصلا، و اللّٰه العالم.

الثانية: قيل التكبير الزائد واجب، و كذا القنوت،

و قد تقدّم ما فيه، و انه المشهور.

و ظاهر نسبته الى القيل تضعيف وجوبه عنده، و قد تقدّم الكلام في الجهتين، فراجع.

الثالثة: الخطبتان بعدها،

لما في جملة من النصوص من تعيين محل الخطبة بعد الصلاة (3)، و عدم تعرضها لوجوبها غير ضائر به، بعد انصراف الذهن من مثل هذه الروايات إلى أن الخطبة المجعولة في صلاة الجمعة قبلها،


1) وسائل الشيعة 5: 102 باب 7 من أبواب صلاة العيدين حديث 10.

2) وسائل الشيعة 5: 102 باب 7 من أبواب صلاة العيدين حديث 7.

3) وسائل الشيعة 5: 110 باب 11 من أبواب صلاة العيدين حديث 1.

بما لها من كيفية خاصة.

و ظاهر الأمر بإيجادها بعدها كون الخطبة من لوازم الطبيعة، و إن لم تكن واجبة. و في شمولها للمنفرد اشكال، من احتياج الخطبة إلى مخاطب، و من أن المقصود ذكر هذه الألفاظ المخصوصة و إن لم يفهم معانيها.

و نظير هذا الاشكال قد تقدّم في لزوم إسماعها، و لكن الإنصاف إمكان دعوى انصرافه إلى الجماعة، و أما الى خصوصية الفريضة منه ففيه إشكال.

الرابعة: يحرم السفر بعد طلوع الشمس قبل الصلاة،

بلا اشكال فيه فتوى.

و استدل عليه بحرمة تفويت المقدمة، و هو فرع كون عدم السفر من شرائط الصحة لا الوجوب، و هو خلاف ما أطبقوا عليه من عدم الوجوب على المسافر، كما هو الشأن في صلاة الجمعة، بل و هو أيضا ظاهر قوله: «ليس في السفر جمعة و لا عيد»، إذ الظاهر منه نفي مشروعيتهما، و لو وجوبا في السفر، و بمثله يقيّد بقية الإطلاقات.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ مثل هذا اللسان لا يقتضي إناطة الوجوب باحضر، بل غاية الأمر من كان في يوم العيد مسافرا لا يجب عليه الحضور إجماعا، بقي غيره تحت إطلاق دليل الوجوب، فيحرم حينئذ تفويته في السفر.

نعم هنا كلام آخر، و هو أنّ السفر المأخوذ قيدا إن كان مطلق السفر، فلا اشكال.

و لكن الانصاف بعد إطلاقه لغير السفر المعهود شرعا، بل المنصرف منه هو السفر الشرعي الموجب للقصر.

و حينئذ يجي‌ء اشكال: انّ حرمة مثل هذا السفر يجعله معصية، فيخرج عن الشرعي، فيلزم من وجود حرمته عدمها و هو محال.

و حينئذ لا محيص: إما من الالتزام بإطلاق قيدية السفر و لو لم يكن

شرعيا، أو بجعل السفر الموجب للتمام ما كان مقدمة لحرام لا ضدا، و في المقام ضد الإقامة و الحضر الذي هو شرط الصحة فلا يوجب مثل هذا السفر تماما و لا يكون أيضا حراما، كما لا يخفى.

الفصل الثالث: في صلاة الكسوف و غيرها من سائر الآيات.

و تجب الصلاة المخصوصة عند كسوف الشمس و خسوف القمر، بلا اشكال نصا (1)و فتوى.

و مقتضى إطلاق نصوصها: عدم اناطة الوجوب بحصول الخوف.

و يكفي في الوجوب صدق طبيعة الانكساف و الانخساف، نعم لو لم يصل من ضعفه إلى حد يدركه حس البصر، ففيه اشكال.

و مع العلم به- و لو من كلام المنجمين- فلا اشكال، و مع عدمه، فمع تحقق شرائط الشهادة في الخبر فكذلك، و مع عدمه ففيه اشكال.

و تجب الصلاة المزبورة في الزلزلة و لو لم تكن مخوفة أيضا، لإطلاق خبر عمارة و غيره (2).

و في الرياح المخوفة، و غيرها من أخاويف السماء، لما في صحيحة زرارة: «كل أخاويف السماء من ظلمة، أو فزع، أو ريح فصلّ صلاة الكسوف حتى يسكن» (3)، و في خبر الدعائم: «لكل آية مخوفة» (4)، و إطلاقه


1) وسائل الشيعة 5: 142 باب 1 من أبواب صلاة الكسوف.

2) وسائل الشيعة 5: 145 باب 2 من أبواب صلاة الكسوف حديث 4.

3) وسائل الشيعة 5: 114 باب 2 من أبواب صلاة الكسوف حديث 1.

4) دعائم الإسلام 1: 200.

يشمل الأرضية أيضا، ما لم تكن من الأسباب العادية، لانصرافها.

و في كون المدار على خوف النوع، أو الشخص، أو أحدهما، أو كلاهما وجوه، ظاهر قوله: «آية مخوفة كسيف قاطع» (1)كون الآية بمثابة يكون فيها اقتضاء الخوف و إن لم يحصل أحيانا لمانع.

و لا عبرة بخسوف بقية الكواكب ما لم يورث خوفا، و معه يصدق عليه الآية المخوفة.

و توهم التعدّي من خسوف النيرين إلى غيرهما فاسد، لعدم الدليل.

و هي ركعتان، تشمل كل ركعة على خمس ركوعات و سجدتين.

و كيفيتهما: أن ينوي بلا اشكال فيها، و يكبّر، و يقرأ الحمد و سورة أو بعضها، ثم يركع و ينتصب، فإن كان أتم السورة قرأ الحمد ثانيا و سورة أو بعضها، ثم يركع و ينتصب، فإن كان أتم السورة قرأ الحمد ثانيا و سورة أو بعضها، و هكذا إلى أن يركع خمسا، و إن لم يكن أتمها أي السورة اكتفى بتمامها عن الفاتحة، فإذا ركع خمسا كبّر و سجد سجدتين، ثم قام و صنع ثانيا كما صنع أولا، و تشهد و سلم.

كل ذلك لما في صحيحة عمر بن أذينة (2)عن رهط، و هم: الفضيل، و زرارة، و بريد، و ابن مسلم، من تفصيل الصلاة بالكيفية المزبورة، حتى جواز تبعيض سورة واحدة على الركوعات، و انه إن أتم السورة تجب عليه قراءة الفاتحة، و لازمة: جواز الاقتصار ببقية السورة في الدورة الثانية إلى أن تكمل، فيقرأ الحمد جديدا.


1) دعائم الإسلام 1: 200.

2) وسائل الشيعة 5: 149 باب 7 من أبواب صلاة الكسوف حديث 1.

و قيل بإشعار الصحيحة بوجوب إتمام السورة في الركعة الاولى، بل يجب إتمام السورة في كل دورة.

و في الدلالة نظر.

و الأصل في جزئية تمامها في كل ركعة، بل في الركعتين إلزامه، لو لا إجماع على خلافه، خصوصا في الأخير، إذ المنساق من كلماتهم تبعيض سورة واحدة في مجموع ركوعات، ذلك يوجب إتمامها و لو فيهما.

و في وجوب الاقتصار على الآية في التبعيض نظر، بل الظاهر جوازه ما لم يخرج عن صدق القرآنية، كما لا يخفى.

ثم انّ ظاهر تعليق وجوب الفاتحة على إتمام السورة عدم الاحتياج عند عدم إتمامه، و حينئذ فلو اتى بقصد الجزئية، ففي بطلان الصلاة به اشكال من جهتين:

أحدهما: منع شمول دليل الزيادة لمثل الفاتحة فقط، لاحتمال عدم كونها جزءا تاما.

ثانيهما: من جهة أنّ مجرد تعليق الوجوب لا يقتضي عدم الجزئية الاستحبابية.

هذا لو لا دعوى منع إطلاق في جزئيته أي فاتحة، و عليه فيشكل أمر زيادته من تلك الجهة، لأصالة عدم اتصافه بالجزئية، فيصير قصد جزئيته زيادة، لكونه من سنخ أجزائها غير المعتبر فيها، كما لا يخفى.

و يستحب أن يقرأ فيها السور الطوال، لقراءة أمير المؤمنين عليه السلام سورة الكهف و الأنبياء (1)، و في النص أيضا: «يصلّي بهم حتى


1) وسائل الشيعة 5: 154 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف.

أنّ الرجل قد ابتلّت قدمه من عرقه» (1)، و ظاهره كون المقصود من طول السورة طول صلاته، و يمكن أن تكون فيها جهتان مطلوبتان.

و مساواة الركوع للقيام في الطول.

و في النص: إلحاق السجود بالركوع، و الأمر بالتطويل ما قدرت (2).

و في آخر: حكاية طول ركوعه بمقدار سال العرق على أقدامهم (3).

و الجماعة، و في النص «تصلّى جماعة و فرادى» (4)و أسلم صور الاقتداء هي قبل الركوع الأول أو حينه، أو قبل ركوع السادسة أو حينه، و أما في غير هذه فلا يخلو عن محذور زيادة سجود أو بعض ركوع، أو ترك متابعة الإمام في فعله.

و الذي يسهّل الخطب هو أنّ المطلقات الحاكمة بجواز الاقتداء في جميع حالات الصلاة بضم إطلاق دليل المتابعة، يقتضي اغتفار وقوع مثل هذه الزيادة اللازمة للإطلاقين، و لو فرض- في فرض المتابعة- قصد جزئية ما يأتي به، فضلا عما لو لم يلتزم إلّا المتابعة الصورية، فإنه يأتي به حينئذ بلا قصد الجزئية، فلا يكون تخصيص لعمومات الزيادة أيضا، و لا محذور في هذا المقدار.

و تفصيل البحث سيأتي في بحث الجماعة السارية بأحكامها في المقام.

و تستحب الإعادة مع بقاء الوقت، لقوله «إذا فرغت قبل أن تنجلي فأعد و ادع اللّٰه حتى ينجلي» (5)، و في نص آخر: انصراف علي


1) وسائل الشيعة 5: 154 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 154 باب 8 من أبواب صلاة الكسوف.

3) وسائل الشيعة 5: 154 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف حديث 3.

4) وسائل الشيعة 5: 157 باب 12 من أبواب صلاة الكسوف.

5) وسائل الشيعة 5: 153 باب 8 من أبواب صلاة الكسوف حديث 1.

عليه السلام قبل الانجلاء، و جلوسه في مصلّاه (1)، و هو شاهد حمل الأوامر على الاستحباب، و انّ اختيار الجلوس من باب اختيار احدى الفضيلتين.

و في نص آخر التصريح بجواز ترك الإعادة بلا بدل (2)، فلا يتوهم كونها طرف الواجب تخييرا.

و التكبير عند الانتصاب من الركوع إلّا في الخامس و العاشر، فإنه يقول: سمع اللّٰه لمن حمده، أو الحمد للّٰه ربّ العالمين، كل ذلك لصحيحة ابن مسلم (3)بضميمة ما في الترخيص المتقدّم.

و ربما يشعر ذلك بكون الصلاة المزبورة ثنائية، و أنّ الركوعات إجزاء ركعة واحدة، لمعهودية «سمع اللّٰه» في ركوع كل ركعة ينتهي منه الى السجود.

و عليه فربما يترتب عليه أحكام الثنائية، من مبطلية الشك في الركعة.

نعم الشك في ركوعات كل ركعة يرجع إلى الشك في أفعالها لا الشك في الركعات، فتجري فيه قاعدة البناء على الوجود، لا قاعدة البناء على الأكثر في الركعات.

هذا و لكن يعارض الاشعار السابق الأمر بالقنوت في الركوع الثاني، و غيره من الأزواج، لمعهودية تشريع القنوت أيضا في الركعة الثانية في بقية الصلوات.

و يؤيده إطلاق الركعة على الركوعات في النص (4).

و لا يعارضها قوله: «قام فأضاف إليها أخرى» (5)، إذ ظاهره عدم دخول


1) وسائل الشيعة 5: 153 باب 8 من أبواب صلاة الكسوف.

2) وسائل الشيعة 5: 153 باب 8 من أبواب صلاة الكسوف حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 150 باب 7 من أبواب صلاة الكسوف حديث 6.

4) وسائل الشيعة 5: 150 باب 7 من أبواب صلاة الكسوف حديث 4 و 6.

5) وسائل الشيعة 5: 151 باب 7 من أبواب صلاة الكسوف حديث 7.

السجدة في الركعة الأخرى، لا كونه من مقوّمات الركعة السابقة.

و لكن لا مجال للالتزام بخروجهما عن الركعة أيضا، فلا محيص في مقام الجمع بين جميع هذه الجهات، من دعوى كون الركعة ذات مراتب تشكيكية بمرتبة منه تحصل بنفس الركوع، و بمرتبة اخرى تكمل بضم السجودين أيضا.

و عليه فالمشتمل على السجدتين مرتبة كاملة من الركعة، و لا ينافي عدم تقوم الطبيعة منها بالسجدة أصلا.

و عليه فربما يكون أدلة الآثار المترتبة على عنوان الركعة منصرفة إلى الركعة الكاملة، و لازمة دخول الشك في الركوع في كل دورة في قاعدة التجاوز لا البناء على الأكثر، كما لا يخفى.

و عليك بجعل ما ذكرناه مقياسا لتطبيق أحكام عنوان الركعة أو غيرها من أفعال الصلاة و إن كانت ركعة دقة، و لكن مع انصراف أدلة أحكام الركعة عن مثله لا ثمرة في ذلك، كما لا يخفى.

و يستحب القنوت خمس مرات في كل زوج من ركوعاته بلا إشكال، لصحيحة ابن مسلم و زرارة (1).

و روي أيضا جواز الاقتصار في الخامسة و العاشرة (2)، و به أفتى بعض الأعاظم.

و حكي أيضا جواز الاقتصار على العاشر، كما في منظومة بحر العلوم (3)، و على أي حال لا إشكال في نفي وجوبه رأسا إجماعا.


1) وسائل الشيعة 5: 150 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف حديث 6.

2) وسائل الشيعة 5: 151 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف حديث 7.

3) وسائل الشيعة 5: 151 باب 9 من أبواب صلاة الكسوف حديث 7.

و وقت الكسوف و الخسوف من حين ابتدائه بلا اشكال، لشمول الإطلاقات بمجرد صدق العنوانين، و إنما الكلام في انتهائه من انه يمتد الى تمام انجلائه أو الى الشروع فيه، وجهان مبنيان على انّ المراد من ذهاب الكسوف طبيعة الذهاب أو ذهاب الطبيعة.

و يؤيد الأول ما في بعض النصوص في المخوّفات من قوله: «حتى سكنت» (1)، الجاري مناطه في المقام، بناء على كون المراد من سكونه- كسكون المرض- سكونه عن فورانه، فيكون ذلك بأول الشروع في الانجلاء، و مع الاحتمال يستصحب حكم الوقت إلى آخر الانجلاء، لا نفسه، لعدم جريان الاستصحاب فيه، لكون الشبهة مفهومية، كما لا يخفى.

و في غير هما مدته بناء على إدخال ما اتسع وقته لتمام العمل في الوقتيات، كما يومئ إليه قوله في المخوّفات السماوية «حتى سكنت» فإنه ظاهر في سقوط الأمر بالطبيعة في هذا الوقت.

و لكن التحقيق انه في مثل هذه الصورة- و إن اقتضى السكون ذهاب وجوبه- لا يلازم ذلك كونه موقتا، بل حكم الموقت جار عليه، من عدم الوجوب ما دام العمر، و إلّا ففي شمول دليل القضاء لمثله بناء على كون المراد من الفوت الفوت في وقته اشكال.

اللهم إلّا أن يدّعى عدم قصور صدق الفوت عليه و إن لم يكن موقتا، فلا تبقى حينئذ ثمرة عملية في جعله موقتا إلّا شمول دليل «من أدرك»، إذ هو ناظر إلى الموقتات فلا يشمل غيرها، و عليه يشكل جريان قاعدة درك الركعة لمثلها.

و أما لو لم يتسع زمان السبب للصلاة، فلا شبهة في كون مثل هذه الصلاة


1) وسائل الشيعة 5: 160 باب 14 من أبواب صلاة الكسوف حديث 1.

حتى في الكسوفين، في ذوات الأسباب في الموقتات، إذ دليل الغاية بالسكون غير جار في المقام جزما، و توهم انصراف دليل الوجوب عن مثله منظور فيه.

و في الزلزلة زمانه مدة العمر، لعدم شمول دليل الغاية لمثلها أيضا، فإطلاق دليلها يدخلها في ذوات الأسباب المطلقة، و اللّٰه العالم.

و لو فاتته عمدا أو نسيانا في الموقتات أو ما بحكمها من غير الكسوفين، فلا إشكال في وجهه، من عموم «اقض ما فات».

و لازمة الشمول حال النوم و الجهل و الغفلة من الأول أيضا، بعد عدم شمول نفي القضاء (1)، و لا الأخبار المفصلة لحال الجهل لغير الكسوفين (2)، لأنّ موردها الكسوفين.

و أما في الكسوفين، فمقتضى عمومات نفي القضاء فيهما قلب القاعدة الأولى بقاعدة ثانية.

و في قبال هذه القاعدة ما دل على وجوب القضاء للنوم في موثقة عمار (3)و لو لم يحترق القرص. و وجوبه أيضا كذلك في النسيان في المرسلة (4)المنجبرة بالعمل.

و وجوبه عند احتراق القرص كله في صورة الجهل.

و يلحق بهما صورة العمل و التفريط بالفحوى و لو لم يحترق، و بقي الباقي تحت دليل عدم وجوب القضاء.


1) وسائل الشيعة 5: 154 باب 10 من أبواب صلاة الكسوف.

2) وسائل الشيعة 5: 154 باب 10 من أبواب صلاة الكسوف.

3) وسائل الشيعة 5: 156 باب 10 من أبواب صلاة الكسوف حديث 10.

4) وسائل الشيعة 5: 155 باب 10 من أبواب صلاة الكسوف حديث 3.

و من هذا قد ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و لو كان جاهلا، إن كان قد احترق القرص كله قضى، و إلّا فلا من جهة ما أشرنا إليه من النصوص المستفيضة المفصلة بين الصورتين في فرض الجهل.

و لو اتفقت وقت فريضة حاضرة تخيّر ما لم يتضيّق وقت إحداهما، لإطلاق دليلهما من دون مقتض للترجيح، بعد سعة الوقت لهما، و عدم المزاحم، و مع الضيق في إحداهما يجب تقديم المضيق جمعا بين الفرضين مهما أمكن بحكم العقل.

و لو دخل في الآيات جهلا و التفت ضيق وقت اليومية، يرفع اليد عن الآيات و يشتغل باليومية، ثم يبني على ما فعل من صلاة الآية، فيتمها، للنص (1)المعمول به.

و حيث إنه خلاف قاعدة مبطلية السلام في صلاة أخرى لا بدّ أن يقتصر على مورده، فلا يتعدّى الى ضيق وقت الفضيلة، و كذا لا يتعدى إلى صورة دخوله في الآية بالاستصحاب.

نعم لا فرق بين أسباب الآية من كسوف أو غيره، لظهور صحيح ابن مسلم (2)في التعميم.

و لا يتعدّى أيضا إلى صورة العكس، لاختصاص الدليل بالأصل دون العكس، و حينئذ يقطع اليومية لكشف ضيق وقت الآية.

و توهم مزاحمته مع حرمة القطع، لا أقل من احتمال الأهمية في كلتيهما


1) وسائل الشيعة 5: 147 باب 5 من أبواب صلاة الكسوف.

2) وسائل الشيعة 5: 147 باب 5 من أبواب صلاة الكسوف حديث 1.

فيتخيّر، مدفوع بأنّ القدر المتيقن من حرمة القطع هو صورة عدم الاضطرار، من جهة قصور مستنده عن هذه الصورة، و لا أقل من احتماله، و لازمة حينئذ تحكيم إطلاق دليل الآية، لأنه حينئذ من باب الدوران بين التخصيص و التخصص.

نعم لو علم بانّ نظر المجمعين في عدم حرمة القطع إلى قاعدة رفع ما اضطروا إليه، مع تمامية المستند أشكل الالتزام بالتقديم في المقام.

و لكن يكفينا احتمال قصور المستند عن حال الاضطرار، و لازمة تقديم كل تكليف إلزامي على حرمة القطع، بإطلاق دليله، و عليه أيضا بناء الأصحاب، فراجع.

و لو تضيّق الوقتان قدّمت الحاضرة، لأهمية اليومية إجماعا، خصوصا لو قلنا بانصراف: «لا تترك الصلاة بحال» باليومية، إذ مثله في مقام دفع المزاحمات لحفظ الوقت، لا لمجرد بيان وجوب إيجاد الموقت في وقته، كيف و المنساق منه أزيد من ذلك، كما لا يخفى.

و لا قضاء في الكسوفين مع عدم التفريط، لعمومات نفي القضاء في الزائد عما خرج (1)، و قد أشرنا سابقا الى موارد خروجه، فراجع.


1) وسائل الشيعة 5: 155 باب 10 من أبواب صلاة الكسوف.

الباب الرابع في الصلوات المندوبة

فمنها: صلاة الاستسقاء،

و هي مؤكدة مع قلّة المياه، للنصوص المستفيضة (1).

و لا يعتنى معها الى خرافات العامة المستغنين عن المعصومين بآرائهم الكاسدة.

و كيفيتها مثل صلاة العيد، لما في النص من «انّ صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيدين» (2)، و ما ورد من تقديم الخطبة على الصلاة (3)مطروح، كطرح أمثال هذه الأخبار في باب صلاة العيد أيضا.

و في اقتضاء المماثلة المزبورة تحديد وقتها إلى الزوال إشكال، لأنّ الظاهر كون وجه الشبه أفعالها، لا شرائطها الخارجية، و لا بأس بعموم المماثلة للأفعال.


1) وسائل الشيعة 5: 162 باب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء.

2) وسائل الشيعة 5: 162 باب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 162 باب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء حديث 2.

إلّا أنه يقنت سؤال توفير المياه الذي هو مناسب لتشريع هذه الصلاة و كونها الاستعطاف به، و يستحب الدعاء في قنوته بالمأثور المنصوص، و أن يصوم الناس ثلاثا، للنص المشتمل على الأمر بالأمر (1)، المعلوم في المقام التوصل به الى الصوم حقيقة لا مجرد صورة العمل، و لذا نقول بأنّ الأمر بالأمر كأنه أمر، و على فرض التشكيك فيه في سائر المقامات لا مجال له في المقام، الذي كان الغرض بالمناسبة معلوما، خصوصا مع ملاحظة ذيل الرواية من قوله: «و هم صيام».

و الخروج يوم الجمعة أو الاثنين أما الجمعة، فلعمومات سؤال الحاجة فيه، و إلّا فالنص المخصوص بالباب لم نظفر به، كما اعترف به في الجواهر (2)، نعم في الاثنين فيه نص (3).

و التفريق بين الأطفال و أمهاتهم بشهادة فعل يونس فكشف اللّٰه عنهم العذاب، فيستصحب حكم الشريعة السابقة.

و تحويل الرداء، للنصوص المستفيضة (4)، و المراد منه جعل ما على اليمين على اليسار، و أما بغيره فلعله لصدق مسمّاه بلا خصوصية فيه، بعد حمل ما في النص المزبور أيضا على بيان أحد مصاديقه، لا حصره به.

و ظاهر جملة من النصوص تخصيص ذلك بالإمام، و عن الشيخ دعوى الإجماع في غيره أيضا (5).


1) وسائل الشيعة 5: 164 باب 2 من أبواب صلاة الاستسقاء حديث 1.

2) جواهر الكلام 12: 140.

3) وسائل الشيعة 5: 164 باب 2 من أبواب صلاة الاستسقاء حديث 2.

4) وسائل الشيعة 5: 165 باب 3 من أبواب صلاة الاستسقاء.

5) المبسوط 1: 135.

و تكبير الامام، ثم يستقبل القبلة فيكبّر بعدها مائة مرة مستقبل القبلة و التسبيح كذلك أي مائة مرة يمينا، و التهليل يسارا، و التحميد تلقاء الناس، كل ذلك لما روى المحقق في المعتبر (1)المشتمل على الخصوصيات المزبورة.

و يستحب متابعتهم له، و لا بأس به بعنوان مطلق الذكر و كونه حسنا، و لم نظفر بنص في خصوصه.

و تستحب المعاودة مع تأخر الإجابة، و لو من جهة أن بقاء الغرض موجب لبقاء أمره.

و منها: نافلة رمضان،

و هي ألف ركعة، في كل ليلة عشرين، و في الليالي الأفراد، الثلاثة المعروفة بليالي الاحياء زيادة مائة، و في العشر الأواخر زيادة عشر، كل ذلك لرواية مسعدة (2)المشتملة على تمام الخصوصيات، غير أنه لم يتعرض ليلة التاسع عشر، و لكن يلحق بهما جزما، لعدم الفصل، خصوصا مع ملاحظة تتميم الألف، كما لا يخفى، و في خبر سماعة (3)تعرضه لخصوصه أيضا، فراجع.

و منها: صلاة ليلة الفطر،

لرواية السياري المحكية في الجواهر، و فيها:

«انها ركعتان، يقرأ في الأولى بعد الحمد ألف مرة قل هو اللّٰه أحد، و في الثانية بعد الحمد التوحيد مرة واحدة» (4).


1) المعتبر 2: 361.

2) وسائل الشيعة 5: 179 باب 1 من أبواب نافلة شهر رمضان حديث 2 و 3.

3) وسائل الشيعة 5: 179 باب 1 من أبواب نافلة شهر رمضان حديث 2 و 3.

4) وسائل الشيعة 5: 221 باب 1 من أبواب بقية الصلوات حديث 1.

و صلاة يوم الغدير

كما في خبر العبدي من أنه يقرأ بعد الحمد عشر مرات: سورة التوحيد، و عشر مرات: آية الكرسي، و عشر مرات: إنا أنزلنا (1).

و صلاة ليلة النصف من شعبان

على ما حكاه في المصباح عن ثقات عديدة، و هي أربع ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و الإخلاص مائة مرة، و في الجواهر تعيين التسليمتين، لأنه الأصل في النوافل (2)، و إلّا فلا يستفاد ذلك من النص.

و ليلة المبعث و يومه،

و حكي أنه اثني عشر ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد و ياسين، و في نص آخر المعوذتين و التوحيد أربع مرات (3)، و في ثالث الاقتصار بأي سورة (4)، و يجمع بينها بالحمل على مراتب الفضيلة.

و صلاة علي عليه السلام

و كيفيته: أن يصلّي أربع ركعات بتسليمتين، كما هو الأصل، و في كل ركعة الحمد مرة، و الإخلاص خمسين (5).

و صلاة فاطمة عليها السلام،

و هي على ما في رواية الفضل «ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد القدر مائة مرة، و في الثانية بعد الحمد سورة التوحيد مائة مرة» (6).


1) وسائل الشيعة 5: 224 باب 3 من أبواب بقية الصلوات حديث 1.

2) جواهر الكلام 12: 217.

3) وسائل الشيعة 5: 241 باب 9 من أبواب بقية الصلوات حديث 1.

4) وسائل الشيعة 5: 241 باب 9 من أبواب بقية الصلوات حديث 3.

5) وسائل الشيعة 5: 245 باب 13 من أبواب بقية الصلوات.

6) وسائل الشيعة 5: 243 باب 10 من أبواب بقية الصلوات.

و عن الدروس و غيره المعاكسة بين صلاة علي و فاطمة في الكيفية (1)، و الأمر سهل مع قصده ما في الذمة.

و صلاة جعفر عليه السلام

كما هو المشهور كيفية و عملا، بلا احتياج إلى شرحها.

نعم قد وردت الأخبار المختلفة في تعيين السورة فيها، و يحمل المنصوصات على الفضيلة بالنسبة إلى مطلق السورة، و على التخيير بالإضافة إلى أنفسها، كما لا يخفى.

بل و الأصل في النافلة أيضا يقتضي أن يكون ذلك بتسليمتين، و في دخل كل من الصلاتين في صحة الأخرى نظر، و الأصل البراءة من قبيل تبعات مخالفة الأمر بهاتين الركعتين و إن كان لا يعاقب على مخالفة بهما جزما، و قد عرفت نظيره في نوافل اليومية، و حينئذ فالأصل في كل نافلة جواز الاقتصار على الاثنين منها، و اللّٰه العالم.


1) الدروس: 53.

الباب الخامس في أحكام الخلل

اشارة

الوارد في الصلاة من جهة السهو تارة، و من جهة الشك اخرى، و عن العلم و العمد ثالثة.

فليعلم أولا: انّ من ترك شيئا من واجبات الصلاة عمدا بطلت صلاته

اشارة

و إن كان جاهلا بحكمه أو موضوعه المأمور بإتيانه، بلا اشكال فتوى و نصا من اقتضاء إطلاق أدلة وجوب اعتبارها في جميع مراتب الصلاة، السارية في حالتي العلم و الجهل بلا صلاحية عموم «لا تعاد» للشمول للحالتين.

لا من جهة توهم المناقضة بين نفي الإعادة و دليل الجزئية و الشرطية، كيف و هذا العموم ناظر إلى إطلاق دليل الاعتبار و تخصيصه بمرتبة من الصلاة دون مرتبة، كما هو الشأن في نسبة ذلك مع إطلاق الجزئية لحالتي الغفلة و النسيان. بل من جهة فهم الأصحاب- من التعليل في ذيله من قوله: «لأنّ الركوع فريضة و القراءة سنة، و لا تترك السنة بالفريضة»، بضم نص آخر بأنّ من ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة (1)-، اختصاص نفي الإعادة بغير المتعمد، فيتعدّى إلى بقية ما ليس بركن كما لا يخفى هذا.


1) انظر وسائل الشيعة 4: 1242 باب 1 من أبواب قواطع الصلاة.

و هذا الحكم سار في جميع ما يعتبر في الصلاة عدا الجهر و الإخفات، فقد عذر لو جهلهما ففعلهما في مكان الآخر و لو تقصيرا، و كذا لو تركهما نسيانا أو سهوا، لما في صحيح زرارة المشار إليه في بحث القراءة.

و قد عرفت أيضا بيان عدم منافاة ذلك مع الالتزام باستحقاق العقوبة على مقصره في تحصيل العلم بحكمه.

و كذا تجب الإعادة لو فعل ما يجب تركه عمدا عكس السابق بعين ما تقدّم من الوجه.

و أما الناسي فمقتضى الأصل عدم جزئيته

عند إهمال دليله.

و توهم استحالة تخصيص الناسي بخطاب مستقل، فلا محيص عن سراية جزئية شي‌ء في الجملة إلى حالتي العمد و النسيان، غاية الأمر يمكن جعل بدل للتكليف بالنسبة إلى الناسي أم غيره، فمع الشك تكون أصالة عدم الجعل محكمة.

مدفوع أولا بمنع استحالته إذا كان الخطاب بعنوان عام شامل له و لغيره، و لو مع غفلته عن كونه من أي المصداقين.

مضافا إلى إمكان كون المكلف به في الجميع معنى واحدا، و إنما الاختلاف بين الناسي و غيره في مصاديق المكلّف به في هذه المرحلة لا يلزم إلّا قصوره عن الالتفات إلى ما يصدر منه من المصاديق، بعد الجزم بدعوة الأمر بالجامع إلى نحو ما يأتي به من المصداق، كما هو ظاهر.

فإن كان ترك الناسي المزبور ركنا أتى به إن كان في محله الذكري، بمعنى عدم دخوله في ركن آخر، لإطلاق دليله، و عدم الإضرار بزيادة المأتي به أولا، لكونه عن نسيان فيشمله «لا تعاد»، فيأتي به بعده بما

يترتب عليه من الأفعال، لوجوب تحصيل الترتيب من قوله: «يستقبل حتى يضع كل شي‌ء موضعه» (1).

و إلّا أي و إن لم يكن في محله أعاد صلاته، و ذلك بأن يكون داخلا في عمل لا يمكن استدراكه ثانيا بتدارك المنسي، للزوم محذور الزيادة المبطلة و لو سهوا، و ذلك كأن أخل بالسجدتين و لم يتذكر إلى أن دخل في الركوع، إذ حينئذ يدور أمره بين أمور كل منها مبطل للصلاة، فلا يقدر حينئذ على إتمام الصلاة، فلا بد أن ترفع اليد عنها، و يأتي بصلاة مستأنفة.

و توضيحه: أنه بعد فرض إخلاله بالسجدتين، و تذكره بعد الركوع، فإما أن لا يأتي بهما، ففيه محذور نقص السجدتين، أو يأتي بهما بعد الركوع فقط فيكون مخلا بالترتيب، الذي هو في هذا الحال شرط واقعي، أو يأتي بالسجدتين و الركوع بعدهما أيضا، فيكون آتيا بزيادة الركن.

ثم انّ من مصاديق ترك الركن فرض فوت الركوع و عدم تذكره إلى أن يدخل في السجدة الثانية، بلا اشكال فيه عند الأصحاب، للمحذورات السابقة.

و إنما الخلاف و الاشكال في فرض تذكره بعد الدخول في السجدة، حيث نسب إلى جمع من الأعاظم بطلان الصلاة به، متشبثا بجملة من النصوص الدالة على الإعادة تارة بلسان: رجل نسي أن يركع حتى يسجد و يقوم، قال:

«يستقبل» (2)و اخرى مثله معللا بقوله: «حتى يضع كل شي‌ء من ذلك مواضعه» (3)، و ثالثة بلسان: «من ترك الركوع استأنف الصلاة» (4)،


1) وسائل الشيعة 4: 933 باب 10 من أبواب الركوع حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 933 باب 10 من أبواب الركوع حديث 1.

3) وسائل الشيعة 4: 932 باب 10 من أبواب الركوع حديث 2.

4) وسائل الشيعة 4: 933 باب 10 من أبواب الركوع حديث 3.

و رابعة: ينسى أن يركع قال: «عليه الإعادة» (1)بضم عموم «لا تعاد الصلاة» الصادق على ترك الركوع في محله الصادق في المقام.

هذا، و لكن لا يخفى ما فيه، من أن نسيان الطبيعة المأمور بها و تركها أو فوتها لا يكاد يصدق إلّا بترك تمام أفرادها، و هذا المعنى فرع كون الإتيان بها مستلزما لمحذور زيادة ركن، و حسب الفرض هذا المعنى غير لازم، إذ لا يلزم من تداركه إلّا زيادة سجدة واحدة.

و في النص في مورد الزيادة: «لا تعاد الصلاة من سجدة» (2)، و عليه فلا مانع من الإتيان بفرد الطبيعة المأمور بها.

و مع هذا المعنى لا تصدق العناوين المزبورة من ترك الركوع، أو فوته، أو نسيانه.

و حينئذ فالنصوص الثلاثة الأخيرة المشتملة على هذه العناوين، لا تكاد تنطبق إلّا على صورة الدخول في الثانية.

نعم بقي الكلام في الكلام في الخبرين الأولين، من إطلاق قوله: «حتى يسجد» (3)الشامل للدخول في الأولى أيضا.

و لا يخفى أنّ دلالة ذلك على مدعاه إنما يتم على فرض كون المراد من الاستقبال إعادة الصلاة رأسا، و إلّا فلو كان المراد استدراك الفائت حتى يضع كل شي‌ء موضعه، فهو عين مدعانا على خلاف مدعاه، و لا أقل من الاحتمال المزبور فيسقط الاستدلال.

و عليه فالقواعد المقررة محكمة في المقام، فحكم نسيان الركوع بالدخول في السجدة الأولى، حكم نسيان السجدتين بالدخول في التشهد، لوحدة المناط.


1) وسائل الشيعة 4: 934 باب 11 من أبواب الركوع حديث 2.

2) وسائل الشيعة 4: 938 باب 14 من أبواب الركوع حديث 2.

3) وسائل الشيعة 4: 933 باب 10 من أبواب الركوع حديث 1 و 2.

فلا محيص حينئذ عن إدخال هذا الفرض في الفرض السابق، من مسألة بقاء محل الركن، فيأتي به بلا محذور، كما لا يخفى.

و لو زاد ركوعا أو سجدتين، أو تكبيرة افتتاح عمدا أو سهوا أعاد الصلاة، أما البطلان بعمدها، فلعموم: «من زاد» (1). و أما السهو، فقد تشبث ببعض النصوص الدالة على الإعادة بزيادة الركعة سهوا، مثل قوله في مورد الزيادة المزبورة: «لا تعاد الصلاة من سجدة، و تعاد من ركعة» (2)، بحمل الركعة- و لو بقرينة التقابل بالسجود- على الركوع، مؤيدا بإطلاقها على الركوعات في صلاة الآيات، على ما في النص من قوله: «فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما» (3).

هذا، و لكن نقول أولا: إنّ مجرد الإطلاق لا يدل على الحقيقة كي يؤخذ بها عند عدم القرينة، و على فرض كونه حقيقة فلا شبهة في عدم كونه تمام مراتبها، كيف و يلزمه خروج السجدتين عنها، و ليس كذلك، فلا محيص عن جعله من مراتبها الناقصة، و معلوم انّ الأحكام المترتبة على عنوان الركعة منصرفة إلى المرتبة الكاملة.

و أضعف من التشبث المزبور، التمسك بعموم «لا تعاد» المشتمل على الركوع و السجود، للمستثنى الشامل لمطلق الخلل، الناشئ من ناحية الزيادة و النقيصة.

وجه الضعف: منع الإطلاق، بعد كون النقيصة- بقرينة بقية الجواب- قدرا متيقنا في مقام التخاطب، المضر به على المختار.


1) الكافي 3: 355 حديث 5.

2) وسائل الشيعة 4: 938 باب 14 من أبواب الركوع حديث 2.

3) وسائل الشيعة 4: 934 باب 11 من أبواب الركوع حديث 2.

نعم الأولى في المقام أن يدّعى ان القدر المتيقن المزبور لا يجدي في الظهور في النقص، فتبقى القضية من تلك الجهة بحكم المجمل الساري إلى المستثنى منه، و لازمة عدم حجية المستثنى منه في مورد زيادتهما، فبقيت الزيادة بحسب عموماتها المانعة عن الصلاة.

لا يقال: سلّمنا ذلك، لكن يكفينا للصحة في الزيادة السهوية عموم:

«تسجد سجدتي السهو» (1).

لأنه يقال: ذلك كذلك لو كان العموم في مقام إثبات عدم إضرار كل خلل سهوي، و ليس كذلك ادعاء ما يستفاد منه كونه في مقام إثبات أمر السهو، المفروغ عدم إضراره بالصلاة، و لم يكن في مقام بيان ما لا يضر بها.

و يؤيد ذلك استلزام المعنى الأول تخصيص العام في كثير من الموارد، بخلاف الثاني.

و بالجملة نقول: إنّ كل مورد يكون لسان الدليل إثبات حكم لموضوع ملازم لجهة أخرى، لا يكون شأن هذا الدليل إلّا جعل الحكم لموضوعه، فارغا عن تحققه بلوازمه، و ليس شأنه إحراز هذا الموضع مع اللوازم.

و عليه أمكن إثبات مبطلية الزيادة السهوية في الركوع و السجود بهذا، و يتعدّى منهما إلى التكبيرة، لإمكان دعوى الملازمة في باب الصلاة، بين ما يكون نسيان فوته مضرا، مع إضرار زيادته كذلك، كما تقدّم ذلك أيضا في محله، كما لا يخفى.

و لو نقص من الصلاة ركعة أو ركعتين سهوا و لم يذكر حتى تكلم أو استدبر القبلة أعاد بلا اشكال فيه مع استدبار القبلة، لأنه من القواطع


1) وسائل الشيعة 5: 396 باب 32 من أبواب الخلل حديث 3.

المانعة عن تدارك الركعة في محله، فيستند البطلان حينئذ إلى حصول القاطع، لا نسيان الركعة، لأنّ وجوده مفوّت لمحل تداركها، ففي الرتبة السابقة وقع القاطع المستلزم لاستناد البطلان إلى أسبق العلل، و في حكمه سائر القواطع، من الحدث و أمثاله المضر بالصلاة و لو سهوا.

نعم قد يرد على المصنف، بأنّ ظاهر تقييده القاطع سابقا بتعمد الاستدبار يوهم عدم الإضرار به سهوا، و حينئذ يصير حاله حال التكلم في عدم وجه للالتزام ببطلان الصلاة، لعدم صدق نسيان الطبيعة مع التمكن من إتيانه.

و هذه الجهة من الاشكال مشترك الورود بينهما على مختاره، و إن كان المختار تخصيصه بالتكلم و عدم تمامية ما أفاده في باب القواطع فراجع.

ثم إنّ الخلاف في نقصان الركعة من جهة وجود القاطع المبطل و لو سهويا، مستند إلى بعض الأعاظم، متشبثا ببعض نصوص مطروحة عند الأصحاب.

و لكنه بملاحظة بنائه على التصحيحات الرجالية بلا التفاته إلى عمل الأصحاب في صحته و لا اعتنائه باعراضهم في وهنه، التزم بالصحة من جهة النص المزبور.

و لكن لا يخفى أنّ مثل هذا المشي في الفقه يورث فقها جديدا، يعرض عنه المخالف و المؤالف، فتمام النظر في زماننا هذا إلى كيفية مشيهم، في الأخذ بما عملوا به و طرح ما طرحوا، إذ لا يوجب مجرّد التصحيح قوة السند، مع بنائهم على الطرح، كما لا يضر به ضعفه مع بنائهم على الأخذ.

و لو صلّى على مكان مغصوب، أو في ثوب مغصوب، أو نجس، أو سجد عليه مع العلم أعاد بلا إشكال في الجميع على ما تقدّم الكلام في

جميعها في محالها أجمع، فراجع.

و لو صلّى بغير طهارة حديثة أعاد مطلقا في الوقت أو خارجه، كان عن عمد أو جهل أو نسيان أو غفلة، لكون الطهور المزبور من أحد الخمسة المستثناة من عموم «لا تعاد»، فلازم شرطيتها من قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» فساد المشروط بانتفاء شرطه.

و إن كان بغير طهارة خبثية، فإن كان عن عمد و علم فيعيد مطلقا بلا اشكال، و إن كان عن غفلة عن النجاسة أو جهل من الأول فلا يعيد أيضا إجماعا و نصا.

و إن كان عن نسيان، ففيه الخلاف المعروف بين العلّامة و الأصحاب، حيث ذهب العلّامة في بعض كتبه إلى الصحة مستندا إلى جملة من النصوص المستفيضة الناطقة بالصحة، خلافا للمشهور المعرضين عنها و الآخذين بما دل على الفساد، و قد تقدّم تفصيل المسألة في كتاب الطهارة، فراجع.

أو صلّى قبل الوقت مع عدم درك الوقت في أثنائه و لو في سلامه في فرض اعتقاد دخوله أو صلى مستدبر القبلة أعاد أيضا، لإطلاق أدلة شرطية الوقت و القبلة، الشاملتين لجميع الحالات، بعد كون القبلة و الوقت أيضا من الخمسة المستثناة من عموم «لا تعاد».

و إن كان المنسي غير ركن فله ثلاثة أقسام، و قد جعل القسم الثالث في حكم الشك في عدد الركعات، و هو لا يخلو عن شي‌ء، بل الأولى تقسيم المحقق من جعل الأول في ما لا حكم له، و الثاني: فيما يمكن التلافي بلا سجدة، و الثالث: فيما لا تلافي له و له السجدة.

و بالجملة من القسم الأول هو من نسي القراءة حتى ركع، لعموم «لا تعاد»، و خصوص قوله: «من ترك القراءة متعمدا فعليه الإعادة، و من نسي فلا شي‌ء عليه» (1).

و ظاهر إطلاقه نفي الإعادة و التدارك و السجدة، و بمثله يخصص عموم:

«يسجد سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة».

و إليه نظر المشهور في تخصيصهم السجدة السهوية في موارد مخصوصة منصوصة، كالكلام و السلام و السجدة و التشهد، و في الشك بين الأربع و الخمس.

و لكن الانصاف منع الإطلاق في «لا شي‌ء» بعد سبقه بالإعادة في سابقه، بل القدر المتيقن في مقام التخاطب هو نفي الإعادة، و إن بقي التدارك فيها أيضا إتماما للأصل، لكونه بأمر جديد، فيبقى عموم وجوب سجدتي السهو بالنسبة إليه بلا مزاحم، و لذا ذهب جمع من الأعلام إلى وجوبها في أمثال المقام أيضا و اللّٰه العالم.

نعم لا شي‌ء عليه حتى السجدة في الجهر و الإخفات، و ذلك أيضا لا من جهة نفي شي‌ء عنهما في النص، لمجي‌ء ما ذكرنا في السابق هنا أيضا، بل من جهة انصراف عموم «يسجد» إلى الأفعال المتصور فيها الزيادة و النقص، لا مثل هذه الكيفيات التي لا يتصور فيها إلّا النقص، بل لا تصور زيادة فيها، فالأصل حينئذ يقتضي البراءة حتى عن السجدة.

و كذا لا اعادة في تسبيح الركوع و طمأنينته، حتى ينتصب عن ركوعه، لما عرفت من أنها من واجبات الصلاة في واجب، فبعد وقوع الركوع جزءا لا يبقى محل لتداركها، فيصدق حينئذ فوتها الشمول لعموم «لا تعاد» من


1) وسائل الشيعة 4: 766 باب 27 من أبواب القراءة.

غير الخمسة، مضافا إلى النص المخصوص في نسيان التسبيح بقوله: «تمت صلاته».

و أما نفي قضائها أيضا فبالأصل، و أما نفي السجدة ففيه الكلام السابق.

و ما في النص من تمامية الصلاة، لا يقتضي أزيد من نفي الإعادة جزما، فعموم «تسجد سجدتي السهو» غير قاصر الشمول للمورد أيضا، لو لا و هن العموم بمصير المشهور في أمثال المقام على خلافه، و أن نظرهم في إثبات السجدة في المواقع المخصوصة بنصوصها الخاصة، لا بمثل هذا العام، كما لا يخفى، و سيأتي لذلك تتمة في محله.

أو رفع الرأس أو طمأنينته حتى يدخل في السجدة الأولى أو الثانية على الخلاف السابق، لما تقدّم من الوجه حرفا بحرف، بناء على اجراء حكم الركن على السجدة الأولى، حتى بالإضافة إلى غير نسيان الركوع، و إلّا فيشكل أمر السجدة الأولى، حتى على المشهور في نسيان الركوع، كما لا يخفى.

أو تسبيح السجود، أو طمأنينته، أو أحد الأعضاء السبعة، كل ذلك واضح مدركا، عدا وضع الجبهة التي قد عرفت سابقا بأن بناء الأصحاب بمقتضى جعلها من حدود السجدة، لا من واجبات الصلاة فيها، على عدم ضير في تداركه، فبقي محله، لأن المفروض حينئذ عدم وقوع السجدة على صفة الجزئية، كي لا يبقى مجال لتداركها، بل حينئذ لا بأس بتدارك التسبيحة و الطمأنينة فيها مع هذا الخلل في السجدة.

نعم بالنسبة إلى غير الجبهة من الأعضاء الستة حيث انها من واجبات الصلاة في السجدة الواجبة، كان حكمها حكم سائر الواجب في الواجب، و قد تقدّم منا الميزان الكلي لوجوب التدارك و عدمه، في طي أفعال الصلاة، فراجع.

أو رفع الرأس منه بحد الانتصاب، أو طمأنينته في الرفع منها، أو

طمأنينته في الجلوس في التشهد، بل عن نفس الجلوس فيه، فإنّ جميع ذلك من واجبات الصلاة في الواجب، فمع وقوع الواجب الآخر على صفة الجزئية لا يبقى مجال لتدارك الواجب.

نعم هنا توهم آخر، و هو أنّه فيما لم يكن محل هذا الواجب من الأركان، أن ما أفيد من وقوع المأتي به على صفة الجزئية فرع تطبيق «لا تعاد» على المتروك، فلم لا ينطبق عموم «لا تعاد» على زيادته؟ فيأتي به جديدا، فيأتي معه الواجب الآخر و يستكشف أيضا عدم وقوع الأول على الجزئية.

و بعبارة أخرى نقول: إنّ أمر المقام يدور بين تطبيق عموم «لا تعاد» على زيادة الظرف، فيبقى محل المظروف باقيا، أو على نقص المظروف كي يتصف المأتي به على جزئيته الفعلية.

و دفع هذا التوهم، بأنّ محل الواجب المزبور إنما هو أول وجود من الفعل الصالح للجزئية، من غير جهة فقد هذا الجزء، و هذا المعنى منحصر بالمأتي به، و لا يكاد ينطبق على المأتي به ثانيا، و حيث إنه بوجوده غير صالح لوقوع المظروف فيه، فيصدق على المظروف فوته، فينحصر تطبيق عموم لا تعاد عليه، لا على زيادة الظرف، إذ الوجود الثاني لا يصلح للظرفية كي به ينطبق الزيادة على المأتي به أولا.

و بعبارة أخرى نقول: إنّ عموم «لا تعاد» إنما ينطبق على مفروغ الزيادة من غير ناحية هذا العام، إذ ليس شأن هذا العام، بل كلية الخطابات إحراز الموضوع، فلا بد أن يكون موضوعه مفروغ الثبوت من الخارج.

و حيث كان الأمر كذلك فنقول: إنّ عنوان الزيادة إنما تنطبق على المأتي به أولا في فرض صلاحية وقوع الفعل الثاني على صفة الجزئية، و هذا المعنى يستحيل إلّا بإلغاء الأول عن الجزئية، و ذلك لا يكون إلّا بتطبيق الزيادة عليه، و هو غير صالح الثبوت من عموم «لا تعاد» غير المتكفل لإحراز

موضوعه.

و عليه فيبقى المأتي به على صلاحيته للجزئية في نفسه باقية، و المفروض انّ محل المظروف أيضا أول وجود لما يصلح، و هذا المعنى ينحصر انطباقه على المأتي به، و بعد ذلك يصدق فوت المحل على الواجب الثاني، فينحصر مجرى «لا تعاد» في حقه، كما لا يخفى هذا.

الثاني: ما يوجب التلافي إما لبقاء محله، أو لوجوب قضائه في خارج الصلاة.

أما القسم الأول فقد أشار إليه المصنف بقوله: فمن ذكر أنه لم يقرأ الحمد و هو في السورة بل في القنوت، بل في هوي الركوع ما لم يبلغ حد الواجب منه، رجع و قرأ الحمد و أعاد السورة و ما بعدها، لبقاء محلها، بملاحظة وقوع المأتي به- بمقتضى دليل الترتيب- زيادة سهوية غير مبطلة، بعموم «لا تعاد»، بل و في المقام أمكن منع أصل شمول أدلة الزيادة لمثله، فلا بأس بإتيانها و إعادتها بقصد الجزئية عمدا، فضلا عن كونه سهوا.

و من ذكر ترك الركوع قبل الدخول في السجود، بل و بعده بل و بعد رفع الرأس عنها، بل و بعد الانحناء للثانية قبل الوصول إلى هيئة الساجد، بل و بعدها قبل وضع الجبهة على المحل، ركع على المختار، خلافا للمشهور بعد الدخول في السجدة الاولى.

و من ذكر بعد القيام، بل و بعد القراءة، أو الذكر، بل و بعد الهوي إلى الركوع إذا لم يصل إلى حد الواجب ترك سجدة، قعد و سجد و يسجد سجدتي السهو.

أما وجوب السجدة فلبقاء محله حسب ما عرفت، و أما وجوب سجدتي السهو مع فرض التدارك ففيه إشكال، إذ غاية ما يدل عليه فحوى خبر

المعلّى (1)المشتملة على سجدة السهو، لإتيان السجدتين في محلهما، بقرينة ذيله.

و لكن في قباله رواية أبي بصير (2)النافي للسهو في المورد.

و مقتضى الجمع حمل الأول على الاستحباب.

و لكن يوهن الثاني ظهوره في نفي السهو مطلقا، حتى لو لم يتذكره في محله، و هو خلاف المشهور، فلا بد من طرحه، إذ لا يصلح للحمل على الفرض الأول، لأنه بقرينة ذيله نص في الفرض الثاني، فيبقى خبر المعلّى بلا معارض.

هذا مع انه على المختار من عموم «تسجد»، لا محيص من انطباقه على الزيادة السهوية كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

و كذا لو ذكر- بعد التسليم- ترك التشهد أو الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله قضاه، و لعله كما في الجواهر (3)من جهة إطلاق خبر حكم بن حكيم، المشتمل على قوله: رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشي‌ء منها، ثم تذكر بعد ذلك، فقال: «يقتضي ذلك بعينه» (4).

و يمكن أن يتشبث أيضا بإطلاق صحيح آخر: في الرجل يفرغ عن صلاته و قد نسي التشهد حتى ينصرف من صلاته، فقال: «إن كان فيها من مكانه رجع الى مكانه فتشهد، و إلّا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه» (5).

أقول لا يخفى أنّ مقتضى القاعدة، من جهة أدلة الترتيب بعد عدم وقوع السلام في محله، فلا جرم كان مقتضى القواعد، دوران الأمر في التشهد


1) وسائل الشيعة 4: 970 باب 14 من أبواب السجود حديث 5.

2) وسائل الشيعة 4: 970 باب 14 من أبواب السجود حديث 6.

3) جواهر الكلام 12: 289.

4) وسائل الشيعة 4: 934 باب 11 من أبواب الركوع حديث 1.

5) وسائل الشيعة 4: 995 باب 7 من أبواب التشهد حديث 2.

الأخير بين وجوب أدائه أو إعادة الصلاة، لأنه إن تذكره قبل صدور المنافي سهوا فيجب الأداء لبقاء محله، و إن كان بعده فيكشف ذلك عن وقوع المنافي في الصلاة فتبطل، بالتقريب المتقدّم في زيادة الركعة قبل السلام.

و على أي حال لا مجال لوصول النوبة في ذلك الى القضاء المصطلح.

و يؤيد ذلك التزامهم بلزوم تدارك السجدتين لو تذكرهما بعد السلام قبل صدور المنافي المطلق.

و بعد هذا البيان نقول: إنّ النصوص المزبورة غير صالحة لرفع اليد بها عن هذه القاعدة، إذ القضاء في الرواية الأولى محمول على التدارك و لو في محله، كيف و بمعناه المصطلح لا يناسب نسيان الركعة، لأنّ وقوع السلام في محله مستلزم لفوت الركن في صلاته، و هو مبطل لها إجماعا، مضافا إلى أنه لا يناسب إطلاق الشي‌ء، لعدم وجوب القضاء المصطلح في غير السجدة و التشهد من أجزاء الصلاة أو الركعة. و أما الصحيح الأخير، ففيه انّ موضوعه نسيان التشهد حتى ينصرف، و دليل الترتيب نخصصه بالتشهد الأول، و إلّا فبالنسبة إلى التشهد الأخير نرفع عنوان الانصراف عن سالمة، فكان لعموم دليل الترتيب نحو حكومة أو ورود على إطلاق هذه الرواية، فلا محيص عن حمله على مورد يصدق عليه عنوان النسيان الى أن ينصرف، و هذا المصداق بمقتضى دليل الترتيب بين أجزاء الصلاة منحصر بالتشهد الأول، فلا يكاد يشمل الأخير إلّا بالحمل على صورة الانصراف، و هو كما ترى.

خصوصا مع قوة إطلاقه لصورة صدور الفعل المنافي سهوياً أيضاً و لو بمثل الفصل الطويل، أو الفعل الكثير.

و كيف كان نقول: أنّ مقتضى التحقيق في باب التشهد المزبور دوران أمره بين وجوب تداركه في محله، أو بطلان الصلاة رأساً. و بين هذا البيان

نقول في نسيان السجدة الواحدة أو السجدتين في الأخيرة.

نعم يجب قضاؤهما بعد الصلاة لو كان في غير الأخيرة إلى أن يدخل في الركن بعده.

أما وجوب القضاء في التشهد، للنص المتقدم آنفاً.

و أما قضاء السجدة فلنصوص مستفيضة أيضاً، ففي خبر أبي بصير: «فإذا انصرف قضاها»، إلى غير ذلك من النصوص المصرّحة بالقضاء فيها (1)، كما لا يخفى على من راجع المطولات.

هذا كله حكم تلافيهما في المحل أو في خارجه.

و أما حكم سجدتي السهو لهما فسيأتي عند كلام المصنف في المسألة الثالثة، فانتظر هناك.

(الثالث: الشك إن كان في عدد الثنائية أو الثلاثية أو الأوليين من الرباعية أعاد الصلاة

بلا اشكال فيه نصاً و فتوى، و في بعض النصوص: عدم مضيه في صلاته بعد شكه (2)، و في آخر: الأمر بالإعادة بمحض حصول الشك (3)، و في ثالث: الأمر بوجوب حفظهما (4).

و ظاهر الأمر كون البطلان مستنداً الى السكوت الطويل، الماحي لصورة الصلاة، و إلّا فمجرد عدم المضي في الصلاة لا يوجب بطلانها فعلًا، فلا جرم يستند البطلان إلى جهة أخرى من سكوته أو زيادة ما يأتي به في حال شكه


1) وسائل الشيعة 5: 307 باب 3 من أبواب الخلل.

2) وسائل الشيعة 5: 299 باب 1 من أبواب الخلل حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 300 باب 1 من أبواب الخلل حديث 6 و 11 و 14.

4) وسائل الشيعة 5: 299 باب 1 من أبواب الخلل حديث 1.

عمدا؛ لأن عدم مضيه كاشف عن وقوع ما يأتي به لا على صفة الجزئية، فتكون زيادته مبطلة.

و ظاهر الأخيرين ترتب الإعادة على شكه، أو عدم حفظه، و في ذلك لا نحتاج في رفع اليد عن الصلاة المصير الى أن يحصل الماحي، بخلافه على الأول، فإن حرمة قطع صلاته فعلا مع احتمال تذكره في الأثناء، و لو بمناط الشك في قدرته على إتمام صلاته، يوجب صبره إلى أن تبطل.

و توهم انّ استصحاب عدم التذكر إلى زمان كذا، كعلمه بذلك، كاف في جواز رفع اليد عن الصلاة فعلا، من جهة أن دليل حرمة القطع مختص بصلاة تصح للتمامية، و أما ما يقطع بعدم صلاحها له، فلا يشمله دليل حرمة قطعها.

مدفوع في فرض الشك المزبور؛ لأنّ منشأ البطلان بعد ما كان سكوت طويل مضاد مع الحقيقة الصلاتية، فالاستصحاب لا يثبت مثل هذه الأضداد.

و كيف كان نقول: أنه يكفي اختلاف المضمونين ترتب مثل هذه الثمرة، و عليه فنقول: أنّ غاية ما يستفاد من الرواية الأولى معنى لا يقتضي البطلان، لا أنّه يقتضي عدمه، فلا تنافي بين مثل هذا اللسان، و بين ما دل على وجوب الإعادة بمحض الشك المستقر، و لو في مقدار من الزمان، فلا جرم يؤخذ بظهور الأخير، وفاقا للجواهر (1)، خلافا لبعض تقريرات شيخنا العلامة.

و توهم انّ الأمر بالإعادة بمحض الشك، لعله من جهة احتمال طرو البطلان في الأثناء، الموجب للشك في موضوع حرمة القطع، فيكون مثل هذه الرواية في مقام الترخيص الظاهري على رفع اليد عن هذه الصلاة تسهيلا،


1) جواهر الكلام 12: 314.

على خلاف حكم العقل بحرمته، بمناط حكمه بالاحتياط في كلية الشك في القدرة.

مدفوع بمنع ظهور دليل الإعادة بالشك في الحكم الظاهري، كي يناسب لسان الرواية الاولى، بل الظاهر منه كونه في مقام ترتب الإعادة على نفس الشك واقعا، و مثل ذلك يكون حكما في مرتبة الحكم بعدم المضي، لا في طوله كي يضر نسبته بالنسبة إلى دليل المضي، كنسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي، كما لا يخفى.

هذا، ثم انّ ظاهرهم كون الشك أو الحفظ المأخوذ في موضوع الصحة أو البطلان في المقام، كان من باب الموضوعية للحكم الواقعي، لا أنه من باب الطريقية إلى عدم إحراز مقدار الركعة في صلاته، بعد فرض عدم جعل علاج في مثل هذا الشك.

و لازمة بطلان الصلاة به، و لو فرض كونه في الواقع تاما، بلا زيادة ركعة أم نقيصة، بخلافه على الطريقية، فإنّ لازمها صحة صلاته واقعا، على فرض عدم الزيادة و النقص، غاية الأمر ما لم ينكشف الخلاف لا يجتزئ بهذه الصلاة ظاهرا، للشك في فراغه عما اشتغلت ذمته به.

أقول: ذلك كذلك لو كان للأمر بالإعادة إطلاق يشمل حال انكشاف التمامية، و إلّا فلو كان الظاهر من أمثال هذه القضايا كون الحكم المعلّق على عنوان منوطا بوجوده حدوثا و بقاء كما هو الشأن في سائر أدلة الأصول، لا وجه لصرف مثل هذا اللسان المجعول في طول الواقع عن ظهوره في الظاهرية، و جعله في مرتبة الواقعيات.

فلو لا قيام إجماع في البين، لكنا نقول بأن لسان كل دليل أخذ في موضوعه الشك في موضوع الخطاب الواقعي أو حكمه، ظاهر لبيان الأحكام

الظاهرية، لا الواقعية، كيف و لا يصلح لأدلة الواقعيات موضوعا و حكما ليشمل مرتبتي العلم بها و الجهل. فلو ثبت حكم في مرتبة متأخرة عن الجهل، و لو بموضوع الخطاب، يستحيل صلاحيته لتقييد إطلاق موضوعه، بل يجتمعان في رتبتهما، فلا مضادة بينهما.

نعم قد يكون الحكم بلسان تقييد الذات بحال العلم به، لا بلسان جعل الحكم في رتبة متأخّرة عن العلم به، فمثل هذا اللسان صالح لتقييد موضوع خطاب آخر شامل لحالتي العلم به و جهله.

و لكن أين ذلك، و الدليل الدال على خلاف الواقعيات في مرتبة متأخرة عن الشك بموضوعها، أو العلم به.

إذ لا محيص عن أخذ ذلك العلم أو الشك من باب الطريقية، لا الموضوعية.

نعم الأمر في ظرف الأحكام أضيق، إذ يستحيل أخذ حالتي العلم و الجهل في موضوع حكم مضاد له، لاستحالة تقييد الخطاب بحال العلم بحالها؛ للدور.

و بالجملة نقول: إنّ لسان الشك في مقامنا من قبيل لسان أدلة الأصول غير الصالحة للواقعية، لو لا فهم المجمعين ذلك منها، فيصير فهم الأعاظم و إطباقهم عليه قرينة على صرف ظاهر الأدلة عما عليه، بجعل المقام من باب جعل الإعادة للركعة الواقعة المقيّدة بحال الشك بها، لا منوطا بها كي يصر في رتبة متأخرة عن شكه.

فإنّ الأول صالح لتقييد الواقعيات دون الأخير، فتأمل فإنه دقيق.

ثم انه على مشي الطريقية، فلا شبهة في قيام الأمارة مقامه، و حينئذ فلو تم دليل حجية الظن في الأوليين أيضا، تقدّم على دليل الإعادة بمناط الحكومة، لا بمناط المعارضة و التخصيص.

و أما لو كان البناء على مشي الموضوعية، فعلى المختار من قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي أيضا، فكذلك لو كان أخذ الشك في الموضوع، لا من باب الصفتية، و إلّا فلا يقوم، لانصراف الدليل عن هذه الصورة.

نعم على غير المختار فينتهي- بعد شمول دليل مرجعية الظن للركعات- إلى المعارضة و التخصيص.

و عليه فيشك أمر اتكاله بالبينة أيضا، كما لا يخفى.

(و) كذا يعيد (لو لم يعلم كم صلّى)، للنصوص المستفيضة (1)، و في بعضها: «إذا لم يدر كم صلّى و لم يقع وهمه» (2)، و مقتضى إطلاقه شمول مفهومه لصورة وقوع و همه في الأوليين أيضا، فيتم في غيره أيضا بعدم القول بالفصل، و بذلك نحكم على ما دل على وجوب الإعادة بمحض عدم الحفظ، و الشك في الأولتين و المغرب.

نعم بناء على ملاحظة التعارض و التخصيص يشكل، لأخصية البقية من وجه، فغاية الأمر يتساقطان، و لازمة أول الأمر إلى الشك في مانعية مثل هذا الشك عن الصلاة واقعا، و ان يحرم عليه الاقتصار بهذا المشكوك تحصيلا للجزم بالفراغ، كما لا يخفى.

ثم إنّ في التعدي من الظن بالركعات إلى الظن بالأفعال وجه، و لو من جهة أنّ الركعات ليست إلّا مجموع أفعالها، فاعتبار المصنف بمجموعها دون بعضها بعيد عن الافهام العرفية، و عليه فيحكم ذلك أيضا على قاعدة الفراغ مفهوما و منطوقا.


1) وسائل الشيعة 5: 327 باب 15 من أبواب الخلل.

2) وسائل الشيعة 5: 327 باب 15 من أبواب الخلل حديث 1.

و إن كان الشك في فعل من أفعالها و قد انتقل عنه لم يلتفت، و إلّا أي و إن لم ينتقل عن محله الحاصل بالدخول في فعل من أفعال الصلاة أتى به، بلا اشكال فيه فتوى و نصا (1).

و في ذيل النص- بعد تعداد الصغريات- إعطاء قاعدة كلية من قوله: «إذا شككت في شي‌ء و خرجت منه فشكك ليس بشي‌ء»، و في إجرائها في غير باب الصلاة إشكال، لو لا عموم: «إنما الشك في شي‌ء لم تجزه» (2)، الوارد في باب الوضوء.

غاية الأمر تقييد القاعدة في مورده بمرتبة خاصة من الخروج عن تمام العمل بالإجماع، و ذلك غير تخصيص المورد المستهجن كما لا يخفى.

و بهذا البيان يرتفع الاشكال المشهور عن الرواية نهائيا.

ثم انّ هذه القاعدة مصروفة في الشك في الوجود بنحو مفاد «كان» التامة، و غير مرتبطة بقاعدة مضروبة في الشك في صحة الموجود، بنحو مفاد «كان» الناقصة.

و ربما يدل على هذه القاعدة أيضا عموم قوله: «كل شي‌ء شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو»، إذ الظاهر من إمضائه كما هو البناء على وقوعه كما ينبغي، و هو عبارة أخرى عن البناء على صحة الموجود، الجاري حتى في الشك فيها من جهة الشك في الترتيب و الموالاة، و في مثلهما لا مجرى لقاعدة التجاوز السابقة، لانصرافها عنهما.

و عليه فلا داعي لإرجاع الجميع الى معنى واحد، ثم الوقوع في حيص و بيص في بعض المقامات، و قد أشرنا إلى هذه الجهات أيضا في كتاب


1) وسائل الشيعة 5: 336 باب 23 من أبواب الخلل.

2) وسائل الشيعة 1: 330 باب 42 من أبواب الوضوء حديث 2.

الطهارة، فراجع.

ثم انّ كون الحكم بالمضي في الأفعال من باب الرخصة، و كون الأمر به كالأمر به في قاعدة الفراغ لدفع توهم الحظر وجه، فلا يستفاد منه إلّا الترخيص، و إلّا فله أن يأتي به بعد أصالة عدم الزيادة، و حينئذ يجري على زيادته أيضا حكم الزيادة السهوية كنقصه.

نعم لو كان الأمر بالمضي لمحض الإلزام، ليس له الإتيان، بل لو أتى به لا يستند إتيانه إلى سهوه، فلا يشمله دليل السهو، كما لا يخفى.

هذا، ثم انّ الغير المعتبر دخوله فيه في قاعدة التجاوز، هو الذي يصلح أن يقع جزءا للصلاة لا مطلق الغير، و حينئذ فالهوي للسجود و النهوض للقيام خارجان عن الغير المحقق لقاعدة التجاوز.

و ما ورد في الفتاوى من الفرق بين النهوض و الهوي في الاعتناء و عدمه، فإنما هو للنص المخصوص، كما لا يخفى.

ثم انّ ذلك كله حكم عدم الالتفات عند التجاوز، و من التعليل المزبور منطوقا يستفاد حكم وجوب الاعتناء و الإتيان بالمشكوك مع عدم التجاوز، مؤيدا ذلك بقاعدة الاشتغال و استصحابه، كما لا يخفى.

بل في النص: عن الرجل يشك و هو قائم لا يدري ركع أم لم يركع؟ قال:

«يركع و يسجد» (1)، و اللّٰه العالم.

ثم انه بعد البناء على إتيانه في محله فإذا ذكر انه كان قد فعله استأنف إن كان ركنا و إلّا فلا.


1) وسائل الشيعة 4: 935 باب 12 من أبواب الركوع حديث 2.

أما الأول، فلزيادة الركن غير المغتفر نسيانه و سهوه، كما تقدّم وجهه.

و أما الثاني، فلأنه داخل في مصداق الزيادة السهوية غير الركنية.

و توهم كون هذا العمل في حال الشك كان عن عمد و التفات فلا وجه لإدخاله في السهويات، مدفوع بأن الغرض من الأفعال السهوية في باب الصلاة، كون المنشأ في إتيانه، و لو بالواسطة، هو السهو و الغفلة، إذ هو الذي صار سببا للشك الموضوع لحكم العقل و الشرع بالالتزام بإتيانه، فكان الالتزام المزبور من تبعات سهوه، فلا يصدق مثل هذا الاختيار، «التعمد» المنصرف إلى صورة لا ينتهي أمرها في الإيجاد إلى السهو، كما لا يخفى.

بل يكفي فيه مجرد صيرورة سهوه موضوع حكم الشرع بترخيصه، بأنّ مثل هذه الرخصة ينتهي بالأخرة إلى سهوه و غفلته الموجب لشكه، و لذا نقول بعين التفصيل المزبور في عكس الفرض، لانتهائه إلى النقيصة السهوية، كما لا يخفى.

و لو شك فيما زاد على الأولتين في الرباعية فإن كان ظنه قائما بطرف، فلا إشكال في أتباعه نصا (1)و فتوى ما لم يقم بطرف الفساد، إذ مثل هذه الأحكام مجعولة، لتصحيح الصلاة لا لافسادها، و لذا لا يوجد بالأكثر المفسد، لانصراف الأدلة عن مثله، لا من جهة مخصص خارجي، كما لا يخفى.

و أن لا يكون في البين ظن، بنى على الزائد و احتاط، لعموم «إذا شككت فابن على الأكثر» (2)، و حينئذ فمن شك بين الاثنتين


1) وسائل الشيعة 5: 316 باب 7 من أبواب الخلل.

2) وسائل الشيعة 5: 317 باب 8 من أبواب الخلل.

و الثلاث، أو بين الثلاث و الأربع بنى على الأكثر من الثلاث في الأول، و الأربع في الثاني، فإذا سلّم صلّى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس في الثاني، للجمع بين العمومات و بين النص (1)المخصص بالجلوس المحمول على التخيير.

و في التعدّي عنه في التخيير المزبور إلى الفرض الأول إشكال، فالأحوط فيه تعيين القيام، للعمومات.

نعم لو تم ما ادعى فيه من الإجماع على عدم الفصل بينهما فيما ذكر، كان لما أفيد وجه، و لكن أنى لنا بإثباته.

ثم انّ في الفرض الأول ورد نص (2)مخصوص لا يخلو عن إجمال و اختلال، مع إمكان توجيهه بجعل الدخول في الثالثة بمعنى الاشراف عليها، و حمل نفي الشي‌ء عليه على نفي الإعادة لا نفي صلاة الاحتياط، و لكنه لمكان العمومات لا يبقى مجال تشكيك في المسألة.

كما انّ ما في بعض النصوص من الأمر بالإعادة فيه أيضا مطروح، بإعراض الأصحاب، عدا ما عن المقنعة من المصير إليه، و فيه ما فيه.

و من شك بين الاثنتين و الأربع بنى على الأربع و يصلّي ركعتين عن قيام، بلا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا (3)، للعمومات، و خصوص صحيحة ابن أبي يعفور (4)و غيرها، و عليه أيضا يترك ما في خبر أبي بصير من


1) وسائل الشيعة 5: 320 باب 10 من أبواب الخلل.

2) وسائل الشيعة 5: 319 باب 9 من أبواب الخلل.

3) وسائل الشيعة 5: 322 باب 11 من أبواب الخلل.

4) وسائل الشيعة 5: 322 باب 11 من أبواب الخلل حديث 2.

قوله: «قم و اركع ركعتين و سلّم» (1)، و هو أولى من الحمل على التخيير بين البناء على الأكثر بمقتضى الاولى، و الأقل بمقتضى الثانية، جمعا بين الأمرين في النصين كما هو مذهب الصدوق، كما انّ الروايات الدالة على بطلان الصلاة بهذا الشك (2)مطروحة لشذوذها.

و من شك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بنى على الأربع، فإذا سلّم صلّى ركعتين من قيام و ركعتين من جلوس على المشهور، بعد حمل قوله: «يقوم و يصلّي» (3)على صلاة مستقلة، بقرينة المعهودية عند الخاصة، بل ظاهر المرسلة (4)الترتيب بين ركعتي قيام على ركعتي جلوس، إذ هو الظاهر من التعبير بثم.

كما انّ بقرينة مقابلة مع ركعتي القيام كون الأمر بالجلوس تعينيا، و في الجمع بينه و بين عمومات البناء على الأكثر (5)- من حيث الأمر بالقيام فيها، بالنسبة إلى الركعة الجائزة للمحتمل، بالحمل على التخيير، كالجمع بينهما في الشك بين الثلاث و الأربع مجال، كما هو أيضا مذهب المفيد (6).

و ما في الجواهر من استغرابه في المقام (7)غير وجيه.

و أيضا ظاهر المرسلة عدم جواز الاقتصار بركعة عن قيام و ركعتين عن جلوس، مع مساعدة الاعتبار له، بعد صلاحية المنفصلة لجبر الركعات المتصلة،


1) وسائل الشيعة 5: 322 باب 11 من أبواب الخلل حديث 8.

2) وسائل الشيعة 5: 322 باب 11 من أبواب الخلل حديث 8.

3) وسائل الشيعة 5: 326 باب 13 من أبواب الخلل حديث 4.

4) وسائل الشيعة 5: 325 باب 13 من أبواب الخلل حديث 3.

5) وسائل الشيعة 5: 317 باب 8 من أبواب الخلل.

6) المقنعة: 22.

7) جواهر الكلام 12: 342.

علاوة عن نص آخر (1)صريح في ذلك.

لكن النص المزبور مختل المتن، باختلاف النسخ، و لا اعتبار للاعتبار في قبال النص، كما لا يخفى.

بقي في المقام شك آخر منصوص عليه، و هو الشك بين الأربع و الخمس بعد إكمال السجدتين، و سيأتي الكلام فيه في ذيل المسألة الثالثة الآتية.

ثم انه قد يبقى الكلام في بعض الشكوك غير المنصوص عليها القابلة للإرجاع الى المنصوصات بالهدم، فإن الظاهر هو بناءهم على الهدم، و إجراء أحكام النصوص.

و عن الجواهر نفي الدليل على الهدم مقدمة لتحصيل الموضوع (2)، إذ الظاهر عن أدلة الشكوك كون المدار على حدوثه بدوا لا انقلابه إليه بعلاج، و شأن الهدم المزبور ليس إلّا ذلك.

و فيه: انّ الشك في الركعة في أي موطن حصل يكون ملازما لحدوث الشك في البقية، و حينئذ فمهما أمكن تصحيح الصلاة بالبناء على الأكثر و لو بالهدم الموجب للزيادة سهويا يجب تحصيله مقدمة لا تمام صلاته، و انّ ذلك من الحيل التي يحتال الفقيه في تصحيح صلاته.

و حينئذ فلا إشكال في هذه الصور، و إنما الإشكال في الصورة غير القابلة للهدم و الإرجاع إلى المنصوصات، في أن مقتضى القواعد هو الحكم بالصحة و البناء على الأقل، بعد الجزم بعدم البناء على الأكثر فيها، لأنّ طرف مثل هذه الشبهة لا بد أن يكون الزائد على الأربع المحكوم بالبطلان جزما.


1) وسائل الشيعة 5: 325 باب 13 من أبواب الخلل حديث 1.

2) جواهر الكلام 12: 342.

قد يقال: انّ المستفاد من النصوص الخاصة في باب الشكوك إلغاء سائر الأصول في كلية الركعات، و لازمة انتهاء النوبة إلى الشك بالفراغ، فيحكم بالبطلان في جميع غير المنصوصات.

و فيه منع مثل هذه الاستفادة، بل غاية الأمر إلغاؤها عن مجاريها لا مطلقا.

و أضعف من ذلك إثبات أصالة الصحة بما في الحسن من قوله: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص فليسجد سجدتي السهو» (1)، إذ الظاهر منه إتمام صلاته في هذه الحالة، مع بنائه على عدم نقصه و عدم زيادته، و يجبر احتماله بسجدتي السهو، غاية الأمر خرج عنه المنصوصات بالخصوص، و بقي الباقي تحته.

و فيه: انّ هذا المعنى المستتبع لسجدتي السهو غير معمول به لدى الأصحاب، بل ظاهرهم اجراء حكم البطلان على غير المنصوصة، غير القابلة لإرجاعها الى المنصوصات، فلا محيص عن طرح الرواية أو تأويلها، بحملها إما على خصوص الشك بين الأربع و الخمس بعد الإكمال، خصوصا مع مناسبته لما في نص آخر من التعبير المزبور، أو الحمل على احتمال زيادة الأفعال أو بعضها، و أن الأمر بالسهو لمحض الاحتياط بمراعاة الواقع.

و أضعف من الجميع التشبث بالاستصحاب و البناء على الأقل، إذ من المعلوم انّ شأن مثل هذا الأصل ليس إلّا نفي الزائد، بنحو مفاد «كان التامة»، و ليس شأنه إثبات كون ما بيده رابعة.

و من المعلوم أنه ما لم يثبت مثل هذا المعنى لا يبقى مجال للأمر بالتشهد و التسليم، إذ الظاهر من الدليل وجوب التشهد و السلام في الركعة الرابعة،


1) وسائل الشيعة 5: 326 باب 14 من أبواب الخلل حديث 2.

و ظاهره اقتضاء إحراز كون الركعة متصفا بالرابعية، و شأن الاستصحاب المزبور ليس إثبات هذا المعنى، فكان ما نحن فيه من قبيل استصحاب وجود الكر غير المثبت لكرية الموجود، حتى مع الجزم بالملازمة.

و بمثل هذا البيان تخلصنا عن شبهة جريان قاعدة التجاوز في الركعة عند الشك في الثلاث و الأربع، بعد الدخول في التشهد بناء على خروجه عن الركعة.

و توضيحه أيضا: انّ قاعدة التجاوز أيضا لا يقتضي إلّا البناء على الوجود، بنحو مفاد «كان التامة»، و مثله لا يقتضي إحراز كونه ما بيده رابعة كي يتوجه إليه الخطاب بالتشهد و التسليم. و حينئذ فلا طريق لتصحيح مثل هذه الصلاة، فيجري عليها الحكم بالبطلان كما لا يخفى.

و من جهة ذلك نقول: إنّ الأصل في الشكوك غير المنصوصة المزبورة هو البطلان، كما هو ظاهر الأصحاب، و اللّٰه العالم.

مسائل

الاولى: لا سهو على من كثر سهوه و تواتر،

و الأصل في ذلك ما في صحيحة ابن سنان: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك» (1)، و نظيرها في نص آخر بزيادة: «و لا تعد» (2)و في آخر: «و لا تعود الخبيث» (3).

و لا يخفى انّ ظاهر المضي هو البناء على تمامية الصلاة و عدم نقصها، و لازمة البناء على الأكثر، إلّا إذا استلزم بطلانا، فيبني على الأقل الذي هو


1) وسائل الشيعة 5: 329 باب 16 من أبواب الخلل حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 329 باب 16 من أبواب الخلل حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 330 باب 16 من أبواب الخلل حديث 6.

محتمل الصحة.

و ظاهر المضي المزبور، و قوله: «و لا تعد» هو البناء على نفي الأمر المشكوك فيه، من حيث الإعادة و عدم الصحة، و لا نفي آثار السهو أو الشك، بل و لازم التمامية عدم الاحتياج إلى صلاة الاحتياط.

و الظاهر انّ الغرض من السهو في الرواية- بقرينة فهم الأصحاب و ورود أمثال هذا التعبير في سائر الأخبار، و بقية التعبيرات المراد منها الشك بقرائن مخصوصة فيها، كما سيأتي- ما يكون الأمر بالآخرة منتهيا إليه، فلا محيص عن حمله على من كثر شكه لكثرة سهوه في منشئه.

و من هنا نقول: انّ مثل هذا اللسان لا يشمل نفي سجدتي السهو الذي هو من آثار نفس السهو، إذ مثله لا يناسب نفي الإعادة، التي هي من آثار المشكوك، بعد عدم إمكان الجمع بين الجهتين أيضا، لاستحالة اجتماع النظرين، كما لا يخفى. ثم انه قد يستشكل في حد الكثرة، ففي بعض الأخبار: «إذا كان الرجل يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر سهوه (1).

و يحتمل أن يكون المراد في كل ثلاثة أعمال مرة، أو في كل عمل ثلاث مرات، أو في كل ثلاثة أعمال في كل عمل مرة.

و حيث انّ الظاهر كونه في مقام بيان المصداق العرفي، أمكن ترجيح المعنى الأخير، لمساعدة العرف عليه.

و مع الشك أي يؤخذ بالمتقن، لازمة الأخذ بالوسط، لأنه أقل خروجا


1) وسائل الشيعة 5: 330 باب 16 من أبواب الخلل حديث 7.

من العمومات.

ثم انّ إطلاقها يشمل الأفعال و الركعات، و لازمة الحكم بالمضي و لو في محالها، فيخصص به مفهوم قاعدة التجاوز، بل و لازم إطلاقها عدم لزوم حفظ المشكوك بالرمل و الحصى.

و لكن ورد في النص نفي البأس به (1)، فلا بأس به.

(و لا سهو أيضا على الإمام و المأموم إذا حفظ عليه الآخر) بلا اشكال فيه أيضا في الجملة نصف و فتوى، و في النص: «ليس على الامام سهو إذا حفظه من خلفه باتفاق منهم» (2)، و في نسخة اخرى: «باثنان منهم»، و ليس على من خلف الإمام سهو إذا نسيه الامام، و لا سهو في سهو، و ليس في المغرب و الفجر سهو، و لا في الركعتين الأولتين سهو من كل صلاة، و لا في النافلة .. إلخ.

و لا يخفى انّ المراد من السهو في جمع فقرأت الرواية هو الشك بالعناية السابقة، بقرينة صدر الرواية، بأن الامام معتدل الوهم، فلا مجال لحمل أمثال هذه الفقرات على السهو المصطلح، و ان يعتبر بلحاظ أمره من السجدة، لعدم مناسبته مع الصدر، و لا مع التفصيل بين المغرب و الفجر و بين غيرهما، إذ لم يقل أحد به كما لا يخفى.

و حينئذ نقول: انّ ظاهر نفي الشك إنما هو بلحاظ أمر نفسه، لا أمر مشكوكة و ما عرفت من الفقرة السابقة من حمل نفي السهو في كثير السهو على المشكوك بلحاظ نفي أمره، إنما هو بقرينة نفي الإعادة التي هي من آثار


1) وسائل الشيعة 5: 343 باب 28 من أبواب الخلل حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 338 باب 24 من أبواب الخلل حديث 3.

المشكوك، و إلّا فظاهر نفي الشك إنما هو بلحاظ أمر نفسه لا مشكوكه، فمع عدم القرينة يحمل على ظاهره.

و حينئذ فنفي الشك بلحاظ نفي أمره من الاحتياط، و إن حفظ المأموم طريق للإمام المتمم لكشفه، الرافع للشك تنزيلا، فيكون لمثل هذا اللسان نحو حكومة على أدلة الشكوك، كما هو الشأن في عكسه أيضا، بعين هذه التقريب.

و في إطلاق مرجعية الحفظ المزبور للشاك، حتى في جهة البطلان نظر، لما عرفت من أنّ أمثال هذه القواعد العلاجية إنما ضربت للتصحيح لا للتسقيم، فلا إطلاق لها يقتضي ذلك أيضاً في قيام الظن مقام حفظه، بغير إشكال، إذ غاية ما يستفاد من دليل كفاية الظن: كونه طريقاً للظان بلحاظ آثار نفسه، لا بالإضافة إلى عمل غيره.

نعم مهما تحقق للمأموم- مثلا- ظن، كان متبعاً لديه، و به يرتفع تحيره، و بعد ذلك ففي مرجعية امامه أيضا، حتى مع مخالفته لظنه اشكال.

نعم في رواية ابن هاشم (1)، و المرسلة (2): مرجعية العالم من الامام أو المأموم للظان منهما أيضاً، فلا بأس به لو لا قيام إجماع على خلافه.

ثم انّ إطلاق مرجعية المأموم يقتضي التسوية بين العادل و الفاسق.

و في شموله للصبي المميز- بناءً على شرعية عباداته- تأمل، ربما يتوهم انصراف الإطلاق إلى من كانت وظيفته حفظ الصلاة مهما أمكن و لو بعلاج، و الصبي غير مكلّف بذلك، و إن كان للتأمل فيه مجال، و أيضاً ظاهر إطلاق مرجعية الحافظ عدم اشتراطه بالظن به.


1) وسائل الشيعة 5: 340 باب 24 من أبواب الخلل حديث 8.

2) وسائل الشيعة 5: 340 باب 24 من أبواب الخلل حديث 9.

ثم انّ ظاهر بعض نصوص تحمل الإمام أوهام من خلفه، إطلاق مرجعية الإمام حتى في الأفعال غير التكبير، و بعدم القول بالفصل يتعدّى الى عكس الفرض، و الى ذلك نظر المستند، و جمع آخر في مصيرهم إلى العموم، خلافاً للجواهر.

ثم انّ في كون المراد من الحفظ هل الحفظ للحدين، أو الحفظ في الجملة و لو بالإضافة إلى الأقل من الأكثر وجهان، لا يبعد دعوى انصرافه إلى الصورة الاولى، و لا أقل من منع الإطلاق؛ لوجود المتيقن، فلا يكون حينئذٍ علم المأموم بأنّ ما بيده لا يكون أقل من ثلاثة، و علم الإمام بأنّ ما بيده أكثر منها مرجعاً لغير هما، و اللّٰه العالم.

(و لا سهو في سهو)، كما في ذيل الرواية السابقة.

و ظاهر السهو المنفي ما هو المنفي في الفقرة السابقة من الشك، بالعناية المتقدمة.

و أيضاً المراد من السهو الثاني: موجب السهو، بقرينة رواية أخرى من قوله: «و لا على الإعادة إعادة و لا على السهو سهو»، إذ السهو المظروف في هذه الفقرة هو موجب السهو و أثره، بقرينة صدره، فكذلك السهو في هذه الرواية لكونهما في سياق واحد.

نعم المنفي في رواية الإعادة أيضاً هو نفس الموجب، بقرينة الإعادة المنفية، بخلاف المنفي فيما نحن فيه، فإنه بقرينة الفقرة الأخرى هو نفس الشك، المنتهي الى نفي الموجب، فكل واحد من المضمونين راجعان إلى مقصود واحد، غاية الأمر كل بلسان غير لسان الآخر، حفظاً للسياق و الخصوصيات المحفوظة بها، كما لا يخفى.

ثم الظاهر من نفي الشك مطلقاً هو نفي آثاره من الاحتياط أو إيجاد ركعة

متصلة، بارتكاز الاستصحاب، و لازمة معنى يساوق البناء على وجود المشكوك، و هو عين البناء على الأكثر، فلا احتياط.

و توهم انّ نفي الشك كما يناسب إلغاء احتمال العدم المستتبع لما ذكرت، كذلك يناسب إلغاء احتمال الوجود المستلزم للإتيان بركعة متصلة.

مدفوع بأن الظاهر من قوله: «و لا على الإعادة إعادة» هو إلغاء احتمال العدم، و هو المناسب للتوسعة و الامتنان، فكذلك الأمر في مقامنا، الذي كان بسياقه من هذه الجهات.

و من هذا البيان ظهرت النكتة الفارقة بين هذه الفقرة و بين فقرة اخرى من قوله: «و ليس في المغرب و الفجر سهو»، و المراد منه بقرينة أخبار أخر:

نفي الشك بلحاظ أثره، من إتمام الصلاة، بضم ركعة الاحتياط، لا نفي أحد احتماليه، الملازم للبناء على وجود المشكوك، كما فيما نحن فيه.

و لا ضير في الالتزام بهذا المقدار من الاختلاف بين الفقرتين، بعد قيام القرينة على كل منهما.

نعم قد يشكل الأمر من تلك الجهة في نفي الشك في النافلة، بأنه بسياق قوله: «و لا في الركعتين الأولتين»، و لازمة البناء على البطلان، فهنا أيضاً كما في الأولتين، مع بناء الأصحاب فيها على التخيير بين البناء على الأقل و الأكثر.

و يمكن دفع هذا المحذور بأنّ الظاهر من مثل هذه الفقرات طراً، بملاحظة كونها في مقام العلاج لتصحيح الصلاة، هو نفي الاحتمال المفسد، خرجنا في الفقرات المزبورة بقرينة خارجية بقي الباقي على ظهوره، و حيث انّ القرائن المنفصلة لا توجب قلب الظهور، فلا يظن اختلاف المراد من هذه الفقرات بوحدة سياقها.

و لذا نقول: إنّه لو لا القرينة الخارجية في الأوليين و المغرب و الفجر، لكنا نقول فيهما أيضاً بإلغاء احتمال العدم، و الأخذ باحتمال الوجوب المساوق

للبناء على الأكثر بلا احتياط، فأوقفنا عن هذا المعنى للأخبار الأخر، الواردة على مبطلية الشك فيها بأحد التقريبين السابقين، ثم بضم هذه الفقرة في النافلة إلى المرسلة الدالة على البناء على الأقل، يستفاد التخيير في البناء على الأقل و الأكثر، و لو بالجمع بينهما برفع اليد عن تعيين كل منهما بالحمل على التخيير، كما هو المشهور، و اللّٰه العالم.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف قدّس سرّه في المسألة

(الثانية: من سها في النافلة و بنى على الأكثر جاز).

و يمكن أن يكون وجه التخيير في المقام أيضاً هو الجمع بين عموم «إذا شككت فابن على الأكثر» و بين المرسلة بذلك، بضميمة «لا سهو في النافلة» بحمله على نفي الشك، بلحاظ نفي أثره من الاحتياط، بلا نظر فيه إلى البناء على الوجود أو العدم.

بل و المراد من مثل هذه القضية في سائر الفقرات أيضاً، هو نفي الشك بهذا المعنى، غاية الأمر يستفاد سائر الجهات من البناء على الصحة في بعضها، و الفساد في بعضها الآخر، بقرينة خارجية، بلا لزوم اختلاف سياق في المتن.

و هذا البيان أمتن من البيان السابق، فتدبّر، و اللّٰه العالم.

الثالثة: من تكلّم ساهياً، أو قام في حال قعود، أو قعد في حال القيام، أو سلّم قبل الإكمال وجب عليه سجدتان).

أما في التكلم؛ فلصحيحة ابن أبي يعفور: «و إن تكلّم فليسجد سجدتي السهو» (1)، و ما اشتمل على نفي شي‌ء عليه (2)محمول على نفي الإعادة؛ لأنه


1) وسائل الشيعة 5: 323 باب 11 من أبواب الخلل حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 308 باب 3 من أبواب الخلل حديث 5.

المتيقن، فلا إطلاق.

و نظر الصدوقان في نفي وجوبهما له إلى إطلاق الشي‌ء (1)، و هو ممنوع.

و أما في القيام حال القعود ففي موثقة عمار، في مورد نسيان القعود، نفي السجدتين حتى يتكلم (2)، بل و ظاهرها: عموم النفي لكل زيادة و نقيصة من أجزاء الصلاة.

و بمثله يرفع اليد عن ظهور: «و يسجد لكل زيادة و نقيصة» (3)بالحمل على الاستحباب.

و لعل إلى ذلك نظر المشهور في تخصيصهم السجدة المزبورة في موارد خاصة، من الكلام و السلام و السجدة و التشهد، و في الشك بين الأربع و الخمس بعد الإكمال، من جهة وجود نصوص خاصة مثبتة لهما في هذه المقامات، القابلة لتخصيص عموم موثقة عمار.

و ذلك أيضاً على اشكال في السجدة المنسية؛ لعدم الظفر على نص مثبت لها، بل في النص من المضمرتين (4)التصريح بنفي سجدتي السهو في فوت السجدة، فلا دليل عليه إلّا الشهرة، فإن تم إجماعاً فهو، و إلّا فالنصوص النافية، و لا أقل من الأصل يكفي في نفيهما فيها.

بل و لو لا قرينة فهم الأصحاب، و إطباقهم على الجمع بين عموم موثقة عمار النافية مع المثبتات الخاصة، بارتكاب التخصيص، لكنا نقول بحمل بقية الأوامر في النصوص الخاصة أيضاً على الفضيلة، غاية الأمر على اختلاف مراتبها، مع مطلق الزيادة و النقيصة، و اللّٰه العالم.


1) المقنع: 31.

2) وسائل الشيعة 5: 346 باب 32 من أبواب الخلل حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 346 باب 32 من أبواب الخلل حديث 3.

4) وسائل الشيعة 4: 969 باب 4 من أبواب السجود حديث 4.

(و كذا تجبان على من شك بين الأربع و الخمس، فإنه يبني على الأربع و يسجد هما) على المشهور، خلافاً للمحكي عن الشيخ من مصيره الى البطلان (1)، و للمفيد من مصيره الى عدم وجوب السجدتين (2).

و ما عن الصدوق من مصيره الى وجوب الاحتياط بركعتين و تداركهما (3)، ضعيف لا يعبأ به، كما لا يخفى على من راجع المطولات.

و مستند المشهور ما في الصحيح: «إن لم تدر أربعاً صليت أم خمساً، أم نقصت أم زدت، تشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة، فتشهد فيهما تشهداً خفيفاً» (4).

و نظيره في بيان المدّعى خبر ابن سنان (5).

و ظاهر هما- بقرينة قوله: «تشهد»- كون شكه بعد رفع رأسه عن السجدتين، و لا يشمل مثل هذا النص بقية الصور من حال السجدة أو رفع الرأس عن الأولى، أو حال الركوع أو رفع رأسه عنه.

بل و قبل الركوع حال قيامه، فجميع هذه من الصور غير منصوص عليها.

غاية الأمر صور الشك قبل الركوع مما يقبل إرجاعها إلى المنصوصة بالهدم، بخلاف البقية.

و قد عرفت أيضا أنّ مقتضى القاعدة في غير المنصوص بالخصوص هو البطلان.

و توهم التعدّي عن مورد النص في خصوص الشك بين الأربع و الخمس


1) المبسوط 1: 123.

2) المقنعة: 22.

3) المقنع: 30.

4) وسائل الشيعة 5: 327 باب 14 من أبواب الخلل حديث 4.

5) وسائل الشيعة 5: 325 باب 14 من أبواب الخلل حديث 1.

إلى البقية، مدفوع بمنع العلم بوحدة المناط في الجميع، كما لا يخفى.

(الرابعة: سجدتا السهو بعد الصلاة)
اشارة

بتسليمها، و قيل: قبل التسليم، و قيل: بالتفصيل بين السجدة للزيادة فبعده، و للنقيصة فقبله.

و على طبقها الأخبار الناطقة بعضها ببعد التسليم (1)، و بعضها بقبله (2)، و في ثالث التفصيل المزبور (3).

و لو لا اعراض المشهور عن الأخيرتين لكان خبر المفصل شاهد جمع، مع إمكان جمع آخر، من التخيير و فضيلة التفصيل.

و لكن اعراضهم، مع صحة سند بعضها، يوهن أمرها في الحجية، فيتعين ما عليه المشهور؛ للرواية الاولى.

ثم انّ مقتضى رواية علي بن أبي حمزة في باب نسيان التشهد، تقديم السجدتين على قضائه، حيث قال بعد الأمر بهما، «ثم تشهد التشهد الذي فاتك» (4).

و في قباله ظهور قوله في صحيحة إسماعيل، في قضاء السجدة: «فليمض على صلاته حتى يسلّم، ثم يسجدها فإنها قضاء» (5)، في اتصال السجدة بالسلام، و لازمة جواز تقديم القضاء على غيره.

و في معارضتها للسابقة بعد اتحاد هما في الحكم نظر، لأصرحية الأولى من هذا الإطلاق فيقيد بها.


1) وسائل الشيعة 5: 314 باب 5 من أبواب الخلل حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 314 باب 5 من أبواب الخلل حديث 5.

3) وسائل الشيعة 5: 314 باب 5 من أبواب الخلل حديث 4 و 6.

4) وسائل الشيعة 5: 341 باب 26 من أبواب الخلل حديث 2.

5) وسائل الشيعة 4: 968 باب 14 من أبواب السجود حديث 1.

و أضعف من ذلك التشبث بأهمية القضاء، إذ لا طريق لنا إلى ذلك، خصوصاً مع قيام النص على خلافه.

و من هنا نقول بعدم وجه لتقديم الأسبق سبباً على غيره؛ لعدم الدليل- بعد وحدة حقيقة السجدتين- على قصد تعيين كل واحد بسببه، ففي جميع ذلك تجري البراءة عقلها و نقلها، كالبراءة عن وجوب تقديم صلاة الاحتياط عليه لو لا دلالة النص- في وجوب السجدة على من تكلّم بين الصلاتين سهواً- على مبطلية التكلم بينهما عمداً، إذ حينئذٍ لا محيص عن تقديم الاحتياط عليهما؛ لاشتمالهما على السلام، الذي هو كلام الآدميين.

و في استفادة الإضرار بتخلل سائر القواطع بين الصلاتين وجه؛ لاستفادة العرف ذلك من مبطلية التكلم.

و عليه يجري في الاحتياط حكم الجزئية، و إن لم يكن كذلك حقيقة، بقرينة اشتمالها على التحليل و التحريم مستقلًا.

و لعله إلى ذلك أيضاً نظر جمع من الأعاظم في إجرائهم أحكام الجزء عليه.

نعم قد يقع الإشكال في استفادة مبطلية التكلم عمداً، من الحكم باستلزامه السجدة سهواً، إذ من الممكن كونه جبراً لمفسدته النفسية، فتحرم نفسياً، لا بمناط المانعية. و لازمة حينئذٍ عدم التعدّي منه الى غيره؛ لعدم مساعدة العرف على التعدّي في هذا المقام.

و لكن الإنصاف يقتضي المصير إلى أن ما يوجب وجوده سهواً سجدتيه، بحسب الارتكاز في باب الصلاة يوجب إبطاله لها عمداً، لو لا دعوى اختصاص الارتكاز المزبور، بما وقع في الصلاة، لا في خلال الصلاتين.

و للنفس بعد دغدغة في ذلك، و الاحتياط- بترك المبطلات بينهما- لا يترك جداً.

(و يقول فيهما: بسم اللّٰه و باللّه، اللهم صلِّ على محمد و آل محمد، أو السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته).

و عمدة دليله ما في الصحيح المضطرب متناً، ففي بعض نسخ الفقيه و الكافي قوله: «السلام عليك»، و في نسخة اخرى للفقيه ابدال الصلاة المزبورة بقوله: «و صلى اللّٰه على محمد و آل محمد» أو «و على آل محمد»، قال الراوي: و سمعته مرة أخرى: «بسم اللّٰه و باللَّه السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته» (1).

و بملاحظة اختلاف متنه و العلم الإجمالي بوجوب احدى الفقرتين المشكوكتين، جمع المصنف بين جميع الفقرات، و إن كان ظاهر كلامه كونه من باب الفتوى.

و لا وجه له انصافاً، بل التحقيق هو الأخير بسماعه مرة أخرى، إذ مثل ذلك محسوب رواية أخرى غير مرتبطة بباب اختلال المتن.

و ذلك أيضا مع الإغماض عما في الموثقة المذكورة في الجواهر، المشتملة على قوله: هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: «إنما هما سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الامام، كبّر إذا سجد و إذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه انه سها، و انه ليس عليه أن يسبّح فيهما، و لا فيهما تشهد بعد السجدتين» (2).

إذ الظاهر من قوله: «سجدتان فقط» عدم وجوب الذكر المزبور فيهما أصلا.

و دعوى: انّ المراد من نفي التسبيح الصغرى و الكبرى الثابتتين في باب الصلاة، و أن الغرض من قوله: «فقط» عراء السجدة فيهما، فلا ينافي ذلك


1) الكافي 3: 356 حديث 5، الفقيه 1: 226 حديث 997.

2) جواهر الكلام 12: 447، وسائل الشيعة 5: 334 باب 20 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 3.

حينئذٍ وجوب الذكر المذكور، في غاية البعد. لو لا قرينة فهم المشهور عليه، أو اعراضهم عنه، الموهن لسندها، و إلّا فالجمع المسطور المنصور متعين جداً.

كما انّ لازم الأخذ بمضمون هذه الرواية: عدم وجوب سائر الواجبات، في سجدة الصلاة، لو لا دعوى انصرافها من تلك الجهة الى ما هو المعهود في الصلاة، و ليس ببعيد، فتدبّر.

بل و ظاهر قوله: «ليس فيهما تشهد» نفي أصل التشهد و حينئذٍ يدور الأمر بين تقييد هذا الإطلاق بإثبات التشهد الخفيف، الأقل من التشهد الصلاتي، بقرينة نصوص اخرى المثبتة للتشهد الخفيف و التسليم، أو الأخذ بإطلاقه، و رفع اليد عن الآخر بالحمل على الفضيلة.

و لا يبعد الأول؛ لقوة انصرافه إلى التشهد المعهود في الصلاة، كما لا يخفى.

هذا، و من هذا البيان ظهر أيضاً وجه ما أفاده المصنف بقوله: (ثم يتشهد تشهداً خفيفاً و يسلم)، خلافاً للمحكي عن المختلف (1).

و عن تعليق الإرشاد: خلو عبارات الأصحاب عن ذلك.

و ربما تدل عليه الموثقة السابقة، و قد عرفت أن في قبالها نصين مشتملين على التشهد الخفيف، و التسليم.

و لازم الجمع السابق الأخذ بهما في وجوب التسليم أيضاً، كما هو ظاهر المشهور المنصور؛ لظهور اتكالهم لبيان التسليم على كونه من تبعات التشهد، فلا يقتضي خلو عباراتهم عنه عدم التزامهم به.

بقي في المقام أمران:
اشارة

1) المختلف: 143.

أحدهما: انّ مقتضى نصوص البناء على الأكثر الأمر بالاحتياط مستقلًا، بتكبيرة و تسليم.

و ظاهره- خصوصاً بقرينة نفس البناء على الأكثر في الصلاة- كونها صلاة مستقلة، على وجه لو لم يحتج الى الجبر بها تكون نافلة مستقلة.

و حينئذٍ ربما روعيت فيها الجهتان، فتجب فيها الفاتحة، بلا اجتزاء التسبيحة فيها، و في وجوب السورة و جواز الائتمام فيها إشكال؛ لشبهة كونها نافلة فلا تشمل أدلتها لمثلها.

نعم يجري عليها جميع أحكام الصلاة، عدا حرمة قطعها؛ للاحتمال المزبور، فيكون مشكوك الاندراج في معاقد الإجماعات.

هذا كله مراعاة لجهة استقلالها و أما جهة جزئيتها فيجب عدم تخلل فصل طويل بينهما، بل و بناءً على الوجه السابق ربما يمنع هاهنا بقية القواطع بينهما.

و أيضاً لا دليل على تشريع الأذان و الإقامة و لا القنوت بملاحظة احتمال كونها بمنزلة الركعتين الأخيرتين، فكان ذلك مشكوك الاندراج في إطلاق أدلتهما.

و هل بناء على إضرار تخلل القواطع، خصوصاً الفصل الطويل، المنساق من الإطلاقات جزماً، يبطل تمام الصلاة المأتي بها، المستلزم لوجوب إعادتها، أو انه مانع عن انعقاد صلاة الاحتياط، و إلّا فالصلاة السابقة في الوفاء لمصلحتها تامة.

لا يبعد المصير إلى الثانية؛ لعدم اقتضاء مبطلية المأتي صحيحاً، و لا أقل من الشك في مانعيته عنها، فالأصل البراءة.

و حينئذٍ هل يجتزأ بها مع عدم التمكن من الاحتياط، لفرض وجود القاطع، أو يجب تحصيل صلاة مستقلة؟

قد يقال: إنّ مقتضى الاستصحاب بقاء الأمر بإتيان صلاة تامة غير محتاجة إلى الجابر.

و فيه: إنّ هذا الأصل ينتقض بظهور الأمر التعييني في ظرف التمكن من الاحتياط بإيجاده، إذ هذا المعنى ملازم لعدم تمكنه من استيفاء الفائت من المصلحة إلّا بالاحتياط، فيستصحب حينئذٍ سقوط الأمر بتحصيل صلاة مستقلة بعد المأتي به، و لازمة الاجتزاء بالمأتي به بلا احتياط، مع عدم التمكن منه.

نعم لو كان الأمر بالاحتياط في زمان تمكنه رخصة، على وجه يتخيّر بصلاة مستقلة أخرى بلا احتياط، كان لوجوبها في المقام وجه، و لكنه خلاف الظاهر.

و حينئذٍ لو كان في البين إجماع على خلافه فيؤخذ به فيعيد صلاة تامة، و إلّا فلا محيص من الاجتزاء بالمأتي به، و اللّٰه العالم.

و لو اشتغلت ذمته بصلاة الاحتياط فمات، فلا يبعد وجوب قضاء الاحتياط، لو لم نقل بجريان حكم القاطعية على الموت، فبقي التكليف في عهدة الميت، فيجب نيابة وليه عنه فيها، لا في أصل صلاته.

نعم لو قلنا ببطلان تمام الصلاة بحدوث الموت، كان على الولي ذلك، و لكن أنى لنا بإثباته.

و من هنا ظهر حكم بقية ما يجب تداركه على الميت من القضاء و السجدات، إذ ظاهر تشريع النيابة في الصلاة تشريعها في جميع ما يحسب منها عرفا، كما لا يخفى.

ثم انّ المنساق من أدلة الجابر الاحتياطي الاجتزاء به لو أتى به في

زمان بقاء شكه، و إلّا فلو علم قبل الدخول في الاحتياط ببعض الركعة قبل إتيان المنافي، لا يبقى مجال تداركه بالاحتياط، بل يأتي مع فرض عدم تخلل ما ينافي سهواً بركعة متصلة.

كما انه لو تذكر بعد تمام الاحتياط بالنقص على وفق الجابر، لا شبهة بالاجتزاء به بلا إعادة شي‌ء، إذ هو المنساق من أدلته جزماً.

و لو تذكر النقص على خلاف الجابر، فإن كان الجابر أقل، فيتمه بركعة متصلة، و لو بعد سلامه، ما لم يحصل أحد القواطع السهوية، و إلّا فيعيد.

و إن كان الجابر أزيد، فيأتي بجديد على وفق نقصه، بلا وجه للاكتفاء بالمأتي به بضم سجدة سهوية لسلامة السهوي في جميع صور الإعادة؛ لأنه من الكلام السهوي.

و لو تذكر النقص في أثناء الاحتياط، ففي الاكتفاء به مع التمكن من إتمام صلاته إشكال، إذ المنساق من دليل الجبر هو صورة انحصار طريقه في جبر هذه الصلاة به، فيرفع اليد عنه قبل سلامه و يتم صلاته بركعة متصلة.

نعم لو قلنا بإطلاقه لهذه الصورة فلا بد من إتمامه مع الوفاق، أو تتميمه بالهدم، أو بالضم بزيادة مع الخلاف.

و مع عدم إمكان تحصيل الموافقة فلا بد من رفع يده عنه حذراً عن سلامة الذي هو كلام آدمي، و تحصيل احتياط موافق جديداً.

هذا كله على فرض التذكر قبل حصول أحد القواطع سهوياً، و إن تذكر بعده، فبناءً على إضرار القاطع بتمام صلاته فيعيد صلاته، و لكنه بمعزل عن التحقيق، و إن قلنا بإضراره بالاحتياط، ففي الاكتفاء بالصلاة المزبورة بلا احتياط، أو إعادته، وجهان، تقدّم الكلام فيه.

و إن قلنا بعدم إضرار القاطع المزبور حتى بصلاة الاحتياط، ففي وجوب الاحتياط حتى مع التذكر قبل الدخول فضلًا عن إتيانه أو وجوب إعادة الصلاة، وجهان مبنيان على أنّ وجه انصراف أدلة الجابر عن فرض العلم المزبور من جهة تمكنه من الجبر بغير الاحتياط، فلا يجي‌ء مثل هذا المعنى في المقام، أو وجهه مجرد كونه تذكراً قبل الدخول، فلا مجال لمجي‌ء الجابر حينئذٍ، فتجب إعادة الصلاة.

و يمكن دعوى إلحاق هذه الصورة أيضاً بصورة عدم التمكن من إتمام الصلاة، و تحصيل الجابر، فبناءً على الاكتفاء بالمأتي به بلا احتياط هناك، يجي‌ء في المقام هذا الوجه أيضاً.

و لكن لا أظن التزامهم بذلك.

و يلحق بهذه الصورة صورة تذكره في حال الدخول في الاحتياط، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

الأمر الثاني: قد يحصل للمكلّف علم إجمالي بوجود أحد الخللين في صلاته نقصاً أو زيادة،

مع كونهما منشأ أثر، من قضاء أو سجدة سهو، أو لا يكون واحد منهما كذلك، أو هما مختلفان في ذلك، و كون الخلل مردداً بين الركنين أو مختلفين، كل منهما بعد محلهما الذكري، أو قبله، أو بعد محلهما الشكي، أو قبل المحل الشكي في أحدهما و بعده في الآخر. و يلحق بالركن صور كون الطرف ركعة.

ثم الخلل المعلوم تارة في صلاة واحدة، و اخرى في صلاتين، مع اعتبار ترتيب بينهما و عدمه، و حصول التذكر تارة في أثناء الصلاة، و اخرى في خارجها.

هذه صور لا بأس بالإشارة إلى حكمها بنحو الإجمال، فنقول و عليه

التكلان:

أما صور العلم بحصول أحد الخللين في صلاة واحدة، فإن كان الطرفان ركنين، فإن حصل العلم بعد التجاوز عن محلهما الذكري، فلا إشكال في بطلان الصلاة؛ للعلم بنقص الركن فيها.

و إن كان قبل تجاوز واحد منهما عن محله الذكري، فلا شبهة في جريان قاعدة التجاوز عما مضى محله، مع العلم تفصيلًا بعدم إتيان الباقي على وفق أمره، فيأتي به و يتم صلاته، من دون فرق في ذلك بين تجاوز محله الشكي و عدمه، إذ مع العلم المزبور لا يبقى مجال لمعارضة الأصلين، كما لا يخفى.

و توهم عدم تأثير هذا العلم بعد نشئه عن العلم الإجمالي الحاصل أولًا، مدفوع بأنّ المعتبر في ذلك هو العلم بفوت أحد الجزءين الفعليين، و هذا المعنى يستحيل تحققه بين المترتبات، أو في الأركان أو غيرها؛ لأنّ شأن العلم الإجمالي انحلاله إلى قضيتين تعليقيتين، فإنه أن لم يكن ذلك فذاك، و هذا المعنى مستحيل التحقق في المقام؛ لأنه لا يصدق فوت الركن على تقدير وجود غيره، و هكذا السابق بالنسبة إلى لاحقه.

بل فوتهما ملازم لفوتهما، بلا ترتب في فوتهما أيضاً.

و لئن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي بفوت أحد العملين لا أثر له إلّا من جهة اشتباهه بفوت أحد التكليفين، و من المعلوم انه بالنسبة إلى التكليفين يدور أمره بين فوتهما أو فوت أحدهما، و لا نعني من الأقل و الأكثر الموجب للجزم بأحدهما و الشك في الآخر إلّا هذا.

و بهذا البيان قلنا في كلية الأقل و الأكثر، بناءً على عدم مقدمية الأجزاء للكل، بانحلال علمه.

نعم بناءً على المقدمية لا يتوجه الانحلال المزبور؛ لأن العلم التفصيلي بتكليف الأقل، نشأ عن الإجمالي بالتكليف المردد بين المتباينين، و في مثله

لا يصلح العلم المتأخر لرفع تأثير العلم الإجمالي السابق، و أين ذلك و مقامنا.

و إن كان أحد الطرفين ركناً و الآخر غير ركن له أثر، من سجدة أو قضاء، فإن كان العلم بعد فوت محلهما الذكري فلا شبهة في أنّ قاعدة التجاوز جارية في الركن مقدماً كان أو مؤخراً، للجزم بعدم إتيان الآخر على وفق أمره.

و حينئذٍ لا يكون احتمال عدم وجوب القضاء مستنداً الى احتمال وجود الفعل على وفق طلبه، لفرض الجزم بعدمه، فلا جرم يستند الى فساد الصلاة من جهة احتمال فوت الركن، فقاعدة التجاوز عن الركن تثبت الصحة، و ترفع احتمال فسادها، المستتبع لعدم وجوب قضاء السجدة، فتجب السجدة أو القضاء؛ لأنّ شأن الأصل قلب نقيض الأثر بنقيض موضوعه الثابت بمثله.

و ان كان قبل فوت محله الذكري في أحدهما، فإن كان ذلك هو الجزء غير الركني، فلا شبهة أيضاً في أن العلم التفصيلي بعدم إتيانه على وفق أمره يوجب إتيانه، فتجري قاعدة التجاوز فيما مضى محله الذكري.

و بعين التقريب السابق نحكم بوجوب إتيان الجزء غير الركني في محله، و يتم الصلاة.

و إن كان محتمل الفوت قبل مضي محله الذكري هو الركن، و الفائت محله الذكري غيره، فإن كان قبل محله الشكي أيضاً فلا شبهة في أنّ قاعدة التجاوز تجري فيما مضى محله، و يأتي الآخر في محله؛ لمفهوم قاعدة التجاوز.

و إن كان محتمل الركن بعد محله الشكي، فتقع المعارضة بين قاعدتي التجاوز فيهما، فيجب الجمع بين إتيان الركن في محله و قضاء الفائت محله أو سيحدثه بعد الصلاة.

و إن كان طرف الركن ما لا أثر له، فلا أثر له إلّا في صورة كون أحدهما في محله الشكي، أو كليهما في محلهما الذكري مع فوت محلهما الشكي.

فعلى الأول تجري القاعدة فيما مضى محله.

و على الأخير تتعارض القاعدتان، فيجب الإتيان بهما.

و مع فرض فوت محل الركن أيضاً يحصل العلم بعدم إتيان الآخر على وفق أمره، فمع بقاء محله الذكري يجب إتيانه دون غيره.

و ان كان الطرفان غير ركن، فإن كان كل منهما ذا أثر، فلو كانا مما مضى محلهما الذكري، فإن كان أثرهما من سنخ واحد، فلا تجب بعد تتميم صلاته إلّا قضاءا واحداً، أو سجدة كذلك.

و إن كانا مختلفين أثراً، فيجب الجمع بينهما بعد صلاته.

و إن كان أحدهما بعد محله الذكري و الآخر قبله، فإن كان قبل محله الشكي فلا شبهة في إجراء القاعدة فيما مضى محله، و وجوب إتيان الآخر في محله.

و إن كان بعد محله الشكي، فتتعارض القاعدتان فتتساقطان، فيجب الجمع بين إتيان الأخير في محله، و بين أثر غيره من قضاء أو سجدة بعد الصلاة.

و إن كان أحد المحتملين بلا أثر، فلا أثر له أيضاً، إلّا في صورة كون كليهما في محله الذكري، فإنه يأتي بهما في محله.

و هكذا لو كان ذو الأثر مضى محله الذكري دون غيره، فإنه حينئذٍ يأتي به في محله، و يأتي بأثر الآخر بعد الصلاة؛ لتعارض القاعدتين فيهما، و إن كان الفعلان كلاهما بلا أثر، فلا أثر له إلّا في صورة كونهما في المحل الذكري فيأتي بهما، أو كان الأخير في محله الشكي فيأتي به فقط، و إلّا فلو كان بعد محله الشكي فلا يعتنى بشكه، إذ القاعدة جارية في الأخير بلا معارض؛ لعدم أثر عملي فيما مضى محله، كما لا يخفى.

ثم لا يخفى انّ في جميع الصور المزبورة لو كان طرف العلم الفعل المتعلق بالركعة الأخيرة بعد ركوعها، فإن كان التذكر الإجمالي حصل قبل صدور

المنافي سهوياً، فيجب أن يأتي به لبقاء محله، و إن حصل بعد صدور المنافي سهوياً، فلا محيص من الحكم ببطلان الصلاة؛ لوقوع المنافي في صلاته بعد عدم المجرى لقاعدة التجاوز، إما لعدم التجاوز، أو للمعارضة، فالاستصحاب حينئذ يقتضي وقوع المنافي في محله، كما هو الشأن في كونه مشكوكاً بدوياً مع بقاء محله، فضلًا عن كونه طرف العلم الإجمالي، من دون فرق فيه أيضاً بين كون طرفه ركناً أم غير ركن، ذا أثر أم لا، مع بقاء محله الشكي.

هذا كله حكم الخلل في صلاة واحدة و عليك بتطبيق هذه الكبريات على صغريات عديدة، ربما تبلغ إلى نيف و أربعين فرعاً.

و لا بأس بالتعرض لبعض هذه الفروع، الذي صار مورد تعرضهم و معركة لأرائهم.

و هو: انه لو ترك سجدتين من ركعة أو ركعتين، و تذكر بعد محلهما الشكي، فنقول:

لا شبهة في عدم جريان القاعدة في السجدة الثانية من الثانية؛ للجزم بعدم وقوعها على وفق أمرها.

كما انه يجري بالنسبة إلى الاولى من الأولى، بلا معارض؛ لأنه منقح لموضوع القاعدة في البقية، و بعد ذلك يبقى طرف المعارضة، الثانية من الاولى، و الأولى من الثانية، فيتساقطان في مورد الفرض، فيأتي بالسجدتين الأخيرتين مع بقاء محلهما الذكري، و بقضاء الثانية في الاولى، و لا ضير بالعلم بمخالفة أحد الأصول؛ لعدم مخالفة عملية في مثل هذا العلم، كما لا يخفى.

و مع فوتهما فيأتي بالقضائين و أربع سجدات، مع كون محتملات الفوت ظاهراً ثلاثة، للجزم بعدم أثر أزيد من ذلك، كما لا يخفى.

ثم انّ ذلك أيضاً في صورة لم تكن السجدة المحتملة من الركعة الأخيرة،

و إلّا فيجي‌ء فيه التفصيل السابق، و اللّٰه العالم.

و إن كان طرفا العلم في صلاتين مترتبتين، فإن كان طرفا العلم مما لا أثر لهما فلا أثر لهما، إلّا إذا فرض أحد الطرفين مما بقي محله، خصوصاً لو كان من قبيل السلام، أو أجزاء التشهد الأخير، بناءً على عدم وجوب قضائها، و لا وجوب السجدة لها، فإنه حينئذٍ يدور أمره بين وجوب الإتيان أو اعادة الصلاة.

و لكن ليس ذلك من لوازم العلم به، بل ليست شبهة بدواً موجبة لهذا المعنى.

و إن كان لأحدهما أثر فلا أثر له أيضاً إلّا إذا فرض لما لا أثر له بقاء محله الذكرى، إذ حينئذٍ يجب الإتيان به و بأثر الفائت الآخر في الصلاة السابقة عند تعارض القاعدتين، و بالاقتصار به مع عدم التعارض بفرضه في محله الشكي.

و إن كان كلاهما ذا أثر و لم يكن من الأركان، فلا جرم يقع التعارض بينهما، ما لم يكن الآخر في محله الشكي، و لازمة مع بقاء محله الذكري إتيانه في محله، و إتيان الأثر الآخر، و إلّا فيجب الجمع بين الأثرين، إن كانا مختلفين، و إلّا فيأتي بأثر واحد؛ لعدم اشتغاله بأزيد من ذلك، كما لا يخفى.

و إن كان أحد الطرفين من الأركان، فإن كان المحتمل الركني الصلاة السابقة، فإن كان التذكر في أثناء الصلاة الثانية المترتبة على الاولى، فلا شبهة في أن الطرف الآخر مقطوع عدم إتيانه على وفق أمره، فإن كان له أمر فيأتي به مع بقاء محله، و إلّا فبأثره، و تجري القاعدة في الأولى بلا معارض.

و إن كان التذكر بعد الفراغ من الثانية، فمع عدم الأثر للمحتمل الأخير فلا اشكال، و مع وجوده يقع التعارض بين القاعدتين، فيجب الإتيان بالأولى

و إتيان أثر الآخر، إلّا إذا فرض من الركعة الأخيرة، فإنه يجب فيه أيضاً التفصيل السابق من الإتيان بالمحتمل أو اعادة الصلاة، و إجراء القاعدة في الصلاة الأولى بلا معارض؛ لوجود الأصل المثبت للتكليف في أحد الطرفين.

و إن كان الطرفان ركنين، فلا شبهة أيضاً في جريان التفصيل السابق، بين كون تذكره في أثناء الصلاة الثانية أو بعد فراغه، و كون المحتمل الآخر في الركعة الأخيرة بعد ركوعه، أو في غيره، فتمام الكلام في الفرض السابق يجي‌ء في المقام.

إلّا أن الفارق في المقام في التكليف بإتيان الأثر في السابق، و اعادة الصلاة في الثاني.

و لو كان المحتمل الثاني ركعة، فحكمه حكم الركن في الركعة الأخيرة غير الفائت محله إلّا بالقواطع.

و إن كان المحتملان ركعة، فمع عدم صدور القاطع سهوياً، فيجب الإتيان بالأخيرة، فتجري القاعدة في الأولى بلا معارض، و إلّا فيأتي بركعة واحدة بلا قصده للأولى أو الثانية.

هذه نماذج من فروع شبهة الخلل الناشئ في الصلاة من الشبهة الموضوعية.

و هنا فروع أخر جارية في فرض كون الطرف من الشكوك المنصوصة في الركعات، إذ مع وجود العلم المنجز قبل الدخول في الاحتياط لا يبقى مجال لجريان أدلة البناء على الأكثر، كما أنّ مجراها أيضاً إنما هو في صورة الجزم بعدم خلل في الصلاة، من غير ناحية نقص الركعة، و إلّا فمع احتمال هذا الخلل غير المندفع بأصل من الأصول، لا يبقى مجال لجريان قاعدة البناء على الأكثر.

و عليه فلو كان شاكاً بين الثلاث و الأربع، و علم أنه على فرض الثلاث فات ركن منه، لا مجال لإجراء مثل هذه القاعدة في المورد، كما لا يخفى،

و عليك باستخراج فروع كثيرة مما تلوناه عليك و كن من الشاكرين.

(الخامسة: المكلّف إذا أخل بالصلاة الواجبة عمداً أو سهواً، أو فاتته بنوم أو سكر، و كان مسلماً)

حين فوتها، أو مرتداً ملياً، أو فطرياً (قضى) وجوباً بعد إسلام المرتدين بلا إشكال فيما ذكر كله فتوى و نصاً، و يكفيك من النص قوله: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلّها، أو في وقت فوتها انك لم تصلّها صلّيتها، و إن شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك» (1).

و لا يخفى انّ مقتضى هذا الخبر الشريف: كون القضاء مترتباً على عنوان «عدم الصلاة في الوقت»، و بذلك يشرح عنوان «الفوت» الواقع في رواية أخرى منجبرة بعمل الأصحاب، من قوله: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» (2).

كما انّ من عموم «من فاتته» أيضاً يستفاد عدم تخصيص الخطاب بخصوص المخاطب في الخبر السابق، أو من كان مثله ممن لا يكون مرتداً من الأول، فبكل رواية نشرح ما في الأخرى من الخصوصيات.

و إطلاق الفوت يشمل أي سبب، نعم في تخصيص الحكم بعنوان «الفريضة» يخرج الصغير و المجنون، المرفوع عنهما قلم التكليف، و أما غير هم المجعول في حقهم التكليف، و لو بمرتبة الإنشاء غير البالغ حد التحريك فعلًا، لنوم أو نسيان أو سكر، فلا قصور لشمول الخطاب لمثلهم، و لو بمرتبة إنشائه.

بل و لو لم يكن في البين النص الخاص في الإغماء، لكنا نقول بشمول


1) وسائل الشيعة 3: 205 باب 60 من أبواب المواقيت حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 359 باب 6 من أبواب قضاء الفوائت حديث 1.

الخطاب له أيضا؛ لقصوره عن فعلية الخطاب في حقه، و إلّا فهو أيضاً داخل فيمن عليه قلم التكليف، المقوّم لصدق جعل الفريضة في حقه، و لذا نقول بأن شمول نصه لصورة تقصيره اشكال، فلا بأس بشمول القضاء في حقه مع تقصيره في إغمائه، كما سنشير إليه أيضاً في محله، كما لا يخفى.

نعم لو كان التارك كافراً أصلياً فأسلم، فلا قضاء عليه؛ لجب الإسلام، غير الشامل للمرتدين، على ما شرحنا في كتاب الطهارة، فراجع.

و إلى ما ذكرنا أيضاً أشار المصنف بقوله: (و إن كان مغمى عليه جميع الوقت)، بل بمقدار لا يتمكن من تحصيل صلاته مع طهارة، بحيث يصدق استناد فوته كذلك إلى إغمائه، و إن لم يستوعب تمام وقته، أو كان كافراً كذلك، و لو من إدراك ركعة، أو كانت حائضاً كذلك (فلا قضاء).

أما الأخير، فقد تقدم في باب الحيض.

و أما الثاني؛ فلقاعدة الجب المتقدّم شرحها في كتاب الطهارة.

أما الأول، فللنص الخاص المعلل بعموم: «ما غلب اللّٰه على العباد» (1)، المنصرف إلى ما كان بغير اختياره، فمع تقصيره يجب القضاء في حقه؛ للعمومات، كما أشرنا.

و أيضاً ينصرف العموم المزبور عن العوارض العادية، كالنوم و النسيان.

و في التعدّي عن العلة إلى مطلق العوارض غير العادية، حتى مثل النوم و النسيان، بل و السكر الحاصل بغير اختياره وجه.

و لكن ظاهر إطلاق الكلمات عدمه، اللهم إلّا أن يدّعى انصرافه عن غير العاديات من الأمور غير الاختيارية، فتدبّر.


1) وسائل الشيعة 5: 352 باب 3 من أبواب قضاء الفوائت حديث 3.

(و) حيث شرحنا في ذيل قاعدة الجب وجه عدم شموله للمرتد، ظهر أنّ (المرتد) مطلقاً (يقضي) ما فات منه (زمان ردته، و لو لم يجد ما يتطهر به من الماء و التراب سقطت) الصلاة عنه (أداءً و قضاء)، و ذلك لما تقدّم في باب الحيض من أن مدار وجوب الصلاة أداءً و قضاءا على التمكن من تحصيلها مع طهورها، و لو بمقدار ركعة من آخر وقتها، و يتعدّى منه إلى غير الحيض من إغماء، أو كفر، أو غير هما، فراجع المسألة في كتاب الطهارة، و أشرنا إليه أيضاً في بعض المسائل المتقدّمة في كتاب الصلاة. ثم انّ ممن يسقط عنه القضاء: المخالف الآتي بوظيفته على وفق مذهبه و إن كان باطلًا؛ لعدم الولاية التي هو أهم الأمور في العبادات إجماعاً، علاوة على بطلان طهورهم و بنائهم على التكتف في صلاتهم.

و عمدة الوجه في السقوط: الأخبار المستفيضة (1)الصريحة فيه.

و في سقوط قضاء صومه أيضاً بالشرط المزبور، غير زكاته و إن صرفها في فقرائهم، بل مطلقا؛ لعدم قربية عمله حين ضلاله، و اما مع الترك لها في وقتها بغير إغماء و أمثاله، فقد يظهر عن خبر سليمان (2)سقوطه باستبصاره.

و لكنه غير معمول به، و انعقاد الشهرة على خلافه، فالعموم يقتضي وجوبه في حقه، كما لا يخفى.

السادسة: إذا دخل وقت الفريضة و عليه فائتة تخيّر بينهما)

على المشهور، من عدم فورية القضاء، و عدم ترتب الحاضرة في سعة وقتها على


1) وسائل الشيعة 1: 97 باب 31 من أبواب مقدمات العبادات.

2) وسائل الشيعة 1: 98 باب 31 من أبواب مقدمات العبادات حديث 4.

الفائتة، تكليفاً أو وضعاً، من دون فرق بين الوقت الاختياري و الاضطراري، و لا الفائتة الواحدة، أو أزيد، و لا فائتة يومه أو غيره، و لا بين ما فاته عمداً أو سهواً.

خلافاً لكثير من القدماء، حيث ذهبوا إلى وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة مطلقاً.

و في المقام تفصيلات بين الوجوه التي أشرنا إليها في شرح إطلاق المصنف.

و عمدة نظر القائلين بالوجوب مطلقاً أمران:

أحدهما: ما اشتمل على قوله: «يقضيها إذا ذكرها»، أو «حين ذكرها»، أو «حين يذكر» (1)، و أمثال هذه التعبيرات.

و ربما يورد عليها بأن القيد المزبور إن كان راجعاً إلى المادة، فيلزم كون المادة موقتاً بالحين المزبور، و هو خلاف مرام القائلين بوجوب التقديم، إذ عمدة نظرهم إما الى فورية القضاء، أو ترتب الحاضرة على الفائتة، و شي‌ء من ذلك لا يناسب التوقيت المزبور، فبقيد المادة يخرج الظاهر عن مورد العمل.

و إن كان راجعاً إلى الهيئة، فيلزم كون الطلب في زمان التذكر، و ذلك لا يقتضي لا بدية وقوع العمل زمان التذكر، بل إطلاق المادة يقتضي جواز التراخي جزماً.

هذا، مع انّ الظاهر من هذه الأخبار كونها في سياق خبر آخر صريح في أنّ الغرض من التوقيت المزبور دفع توهم الكراهة المرتكزة في الأذهان، و ذلك مثل ما في رواية حماد من قوله: سألت أبا عبد اللّٰه عن رجل فاته شي‌ء من الصلاة، و ذكرها عند طلوع الشمس أو عند غروبها، قال: «فليصل حين يذكر» (2)، و عليه فلا يتم ما ذكر دليلًا على مدعاه.


1) وسائل الشيعة 5: 348 باب 1 من أبواب قضاء الفوائت.

2) وسائل الشيعة 3: 174 باب 39 من أبواب المواقيت حديث 2.

و ثانيهما: ما اشتمل على الأمر بالبدأة بالفائتة تارة (1)، و بأن يصليها قبلها اخرى (2)، و بالعدول من الحاضرة إلى الفائتة ما لم يخف فوت وقت الفريضة ثالثة (3).

و لا يخفى انها معارضة بنصوص اخرى صريحة في جواز تأخير الفائتة مع سعة الوقت، مثل رواية جميل إلّا بتقديم الحاضرة، معللًا بعدم الأمن من الموت (4)، و في أخرى: الأمر بإتمام ما بيده من الحاضرة مع تذكره بالفائتة (5)، و ذلك يكشف عن عدم وجوب العدول أيضاً.

و في ثالثة: الأمر بصلاة الفجر بعد الفجر، ثم بقضاء المغرب و العشاء (6).

و عليه فلا محيص عن حمل البدأة في السابقة أو العدول على الفضيلة.

و أولى منه حمل الأمر فيها على دفع توهم الحظر، من جهة توهم الاهتمام بذي الوقت، كي يناسب مع العلة في الرواية السابقة أيضاً.

و من التأمل فيما ذكرنا، خصوصاً بملاحظة عموم العلة في الرواية السابقة، لا يبقى مجال بقية التفصيلات في المسألة، فراجع المطولات، و عليه فلا يبقى في البين إلّا أصالة البراءة عن وجوب التقديم.

ثم انّ مقتضى وجوب التقديم، بمناط الفورية، لا يكون فساد الحاضرة، إلّا بناءً على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده، و إلّا فلا مقتضى لفساده، خصوصاً مع الغفلة عن الفائتة، فإنه لا وجه للفساد حتى على اقتضاء


1) وسائل الشيعة 5: 350 باب 2 من أبواب قضاء الفوائت حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 350 باب 2 من أبواب قضاء الفوائت حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 350 باب 2 من أبواب قضاء الفوائت حديث 3.

4) وسائل الشيعة 5: 351 باب 2 من أبواب قضاء الفوائت حديث 5.

5) وسائل الشيعة 5: 351 باب 2 من أبواب الخلل حديث 5.

6) وسائل الشيعة 5: 351 باب 2 من أبواب الخلل حديث 6.

الأمر النهي عن ضده، إذ معلوم انّ ذلك بمناط المزاحمة لا تخصيص المناط واقعاً، و شأن باب التزاحم ليس إلّا الفساد العلمي لا الواقعي، كما لا يخفى.

هذا، و كيف كان لا اشكال و لو بمقتضى ذيل الأخبار المتقدمة، (و) عموم «الصلاة لا تترك بحال»: أنه (إذا تضيّقت الحاضرة تعيّنت).

(السابعة: الفوائت اليومية تترتب كالحواضر)

على المشهور، بمعنى وجوب تقديم ما هو أقدم فوتاً على غيره؛ لما في الصحيحة: «فابدأ بأولهن» (1)، و في أخرى: «يقضى ما فاته الأولى فالأولى» (2).

و مثل هذه الروايات مختصة باليومية، و لا تشمل غيرها.

نعم في عموم «فليقضها كما فاتته» إيماء إلى الترتيب، لو لا دعوى ظهوره في المماثلة في الخصوصيات الراجعة إلى نفس الفائت، مثل القصر و التمام و الترتيب بين الظهرين من يوم واحد، بل و الجهر و الإخفات من الرجال، و أما الخصوصيات الناشئة عن قبل الفوت، فلا نظر في الرواية المزبورة إليها.

و لعل ذلك هو النكتة في عدم ذهابهم إلى لزوم الترتيب المذكور في غير اليومية، مع بنائهم على وجوب قضاء مطلق الفرائض بمثل هذا العام، و مجرد كونها عامية غير مضر، بعد جبر سندها بعملهم بها كما أشرنا، مؤيداً ذلك ببعض التعليلات الواردة في بعض نصوص الصوم (3)، الموجب للتعدّي عنه الى كل فريضة فراجع.

ثم انّ ذلك في صورة العلم بكيفية الفوت واضح، و أما مع الجهل بها، ففي سقوط الترتيب مطلقاً، أو عدمه كذلك إلى أن ينتهي الأمر إلى ما لا يطاق أو


1) وسائل الشيعة 5: 348 باب 1 من أبواب الخلل حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 351 باب 2 من أبواب الخلل حديث 5.

3) وسائل الشيعة 7: 244 باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.

إلى الحرج، وجوه.

و التحقيق في المقام: أنّ ظاهر أدلة الترتيب بعد ما كان اعتباره في الفائتة من الشرائط الواقعية، فلا مجال لتوهم الاختصاص بحال العلم به تفصيلًا، بل لازمة العلم الإجمالي بوجوب صلاة مرددة بين المحتملات.

و من قواعد العلم الإجمالي: وجوب تحصيل الجزم بالفراغ الى أن ينتهي إلى الحرج، فيتبعض الاحتياط بمقدار لا يلزم منه ذلك، و من المعلوم أنّ شأن العقل أيضاً صرف الحرج إلى أبعد المحتملات، و مع التساوي يتخيّر كما هو الشأن في كلية موارد الاضطرار إلى أحد الأطراف بلا تعيين.

و إلى مثل هذا البيان نظر صاحب نهاية الإحكام (1)، و غيره، حيث التزموا بلزوم الاحتياط بمقدار يظن بالترتيب.

و عليه فلو فاتته صلاتان من صنف واحد، يأتي بهما و لو لم يقصد كون الأول للأول.

و إن كان مردداً بين صنفين، فلا بد أن يكرر إحداهما أولًا و آخراً.

و لو كان مردداً بين ثلاثة مختلفة كماً، يضم إلى الثلاثة السابقة صلاتين أخريين في الأول و الآخر.

و لو كان الفائت مردداً بين متفقي الكم، يكتفي بصلاة واحدة مخيرة بين الجهر و الإخفات، كما هو المستفاد من مرفوعة الحسين بن سعيد (2)حيث اكتفى في القضاء المردد بين الرباعيات الثلاثة برباعية، و عدم تعرضه للجهر و الإخفات و ذلك يكشف عن تخييره، و أما توهم اختصاص موردها بصورة ضم احتمال فوت البقية ففي غاية السقوط؛ إذ العرف يلقي أمثال هذه


1) نهاية الإحكام. 1: 544.

2) وسائل الشيعة 5: 365 باب 11 من أبواب قضاء الصلوات حديث 2.

الخصوصيات عن موضوع الحكم.

و لو فاتته خمس من الفرائض، ففي النجاة: كررها خمس مرات، البالغ الى خمس و عشرين صلاة.

و يمكن الاقتصار بتسع صلوات، بأن يصلّي مغرباً و صبحاً، ثم يصلّي أربع ركعات بقصد ما في الذمة، ثم يكرر السابقة، ثم يصلّي أربع ركعات اخرى كذلك، ثم يكرر الاثنتين الأولتين، و بمثله يحصل الترتيب إن شاء اللّٰه.

(الثامنة: من فاتته فريضة مجهولة و لم يعلم ما هي، صلّى ثلاثاً و أربعاً)

بقصد ما في الذمة، مخيراً بين الجهر و الإخفات، (و اثنتين) على المشهور بين الأصحاب، الجابر لسند المرسل (1)، و مرفوع الحسين المشار إليه، المشتملين على قوله: «صلّي ركعتين و ثلاثاً و أربعاً»، و في ذيلها قوله: «فإن كانت الظهر و العصر و العشاء كان قد صلّى».

و ظاهر الذيل أن المأتي به بقصده الإجمالي- الظهر أو العصر أو العشاء- إنما كان عليه واقعاً، لا أنه بدلها، و لازمة الاكتفاء بقصد الظهرية و العصرية و غيرهما، بالقصد المتوجه الى ما في ذمته من العنوان، و لو بنحو الإجمال، بلا احتياط الى القصد التفصيلي.

كما انّ سكوته عن كيفية قراءته يكشف عن التخيير بين الجهر و الإخفات.

ثم انّ في التعدّي إلى صلاة القصر بالاكتفاء بالركعتين و الثلاثة بدل الثلاثة وجه، و إن كان الأحوط خلافه، بتوهم الاقتصار في خلاف القاعدة على مورد النص.


1) وسائل الشيعة 5: 365 باب 11 من أبواب قضاء الصلوات حديث 1.

(التاسعة: الحاضر يقضي ما فاته في السفر قصراً، و المسافر يقضي ما فاته في الحضر تماماً)

بلا اشكال فيه نصاً و فتوى؛ لعموم: «يقضي ما فاته كما فاته» (1)، مضافاً الى التصريح به في بعض النصوص (2)الكاشف عن أن القصر و الإتمام من الخصوصيات الراجعة إلى نفس الصلاة، و أما الخصوصيات الراجعة الى المصلّي من الجهر و الإخفات في الرجال و النساء، أو الراجعة إلى حالات المصلّي من الصحة و المرض و وجدان الماء و فقدانه، فهي مانع حال أدائه، و ذلك أيضاً في فرض العلم ببقاء العذر الى آخر العمر و لو بالاستصحاب، و إلّا فلا يجوز لاولي الأعذار البدار في مثل هذه الصور، كما لا يخفى.

(العاشرة: يستحب) مؤكداً (قضاء النوافل المرتبة) اليومية

بلا اشكال؛ للنصوص المستفيضة التي منها قوله: «اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، و ما فاتك من صلاة الليل بالليل» (3)، مضافا الى ما هو أصرح من ذلك، تقدّم في أوقات النوافل.

و ربما تكون في الرواية السابقة أيضاً إهمال من حيث تعيين ما يقضى من النوافل، و انه بصدد بيان وقت قضائه، و تسويته ليلًا و نهاراً مع الفائت، فالمتيقن منه النوافل المرتبة المفروغ ثبوت القضاء فيها، فلا يبقى مجال الأخذ بإطلاقه، و إثبات القضاء في كل نافلة ليلية و نهارية، و ذلك هو النكتة في عدم تعدّي الأصحاب عن الموارد المنصوص عليها بالخصوص إلى مثل هذا العموم.


1) وسائل الشيعة 5: 359 باب 6 من أبواب قضاء الصلوات حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 359 باب 6 من أبواب قضاء الصلوات حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 350 باب 2 من أبواب قضاء الصلوات.

(و لو فاتت بمرض) لا يتأكد في حقه القضاء؛ لما في النص من قوله للمريض: «ليس عليك قضاء، انّ المريض ليس كالصحيح، كلما غلب اللّٰه على العباد .. إلخ» (1)، و ذيله يشهد بسقوطه عنه رأساً، بقرينة تمسك الامام بذلك في باب الإغماء.

و لكن في قبال ذلك ما دل على تشريعه من قوله: «ليس بفريضة، إن قضاها خير، و إن لم يفعل فلا شي‌ء عليه» (2).

و على أي حال (استحب في حقه أن يتصدّق عن ركعتين بمد، و إن لم يتمكن فعن كل يوم بمد)، لم أر بهذا المضمون نصاً، و إنما النص الوارد عن عبد اللّٰه بن سنان المشتمل على قوله: «يتصدق بقدر طوله» إلى أن قال:

«لكل ركعتين من صلاة النهار مد، و لكل ركعتين من صلاة الليل مد، فإن لا يقدر فلكل أربع ركعات من صلاة النهار مد، و إن لا يقدر فمد لصلاة الليل و مد لصلاة النهار، و الصلاة أفضل إلخ» (3).

و قد عدل العلّامة الأستاد أيضاً في تكملته، و عبر بما يوافق مضمون النص المزبور، و اللّٰه العالم.

الحادية عشرة: انه لا إشكال في مشروعية نيابة العبادات

و إن كانت على خلاف القاعدة؛ لعدم طريق لإحراز قابلية المحل للتسبب بفعل النائب، نعم مع ثبوت هذه القابلية يكفي أدلة النيابة و الوكالة؛ لرفع اليد عن ظهور التكليف في قيد المباشرة، كما هو الشأن في غالب عناوين المعاملات العرفية الممضاة عند شرعنا، و لو بمقدمات عدم الردع.


1) وسائل الشيعة 5: 350 باب 2 من أبواب قضاء الصلوات.

2) وسائل الشيعة 3: 55- 56 باب 18 من أبواب أعداد الفرائض.

3) الذكرى: 74.

و حينئذٍ فلا بد أن يقتصر بمقدار دليل الرخصة، فنقول حينئذٍ: انه يكفي في باب الحج و سائر العبادات عموم: «دين اللّٰه أحق أن يقضى» (1)، مضافاً إلى ما في الصلاة و الصوم من المستفيضة بأنه «يقضي عنه أولى الناس به» (2)، و في أخرى: لو كان الأولى امرأة؟ قال: «لا، إلّا الرجال» (3)، و صريح الرواية عدم الوجوب على المرأة.

و ما توهم خلافه، فيئول باستحباب البر في حق الميت، خصوصاً الوالدين.

كما أنّ الظاهر من الأولى على الإطلاق من كان مستحقاً للحبوة من قبله، و بذلك يختص القاضي بالولد الأكبر، و من المقضي عنه بالأب، فلا يتعدّى الى الأم و لا إلى غير الولد الأكبر، و إن كان من طبقته في الإرث.

و أيضاً المدار على الأولوية الذاتية، فلا يمنع موانع الإرث عنه.

و مع تعذر الأكبر، فيجب عليهم الاقدام كفاية؛ لاقتضاء الطبيعة ذلك.

و في اشتراط عنوان الأكبرية، أو كفاية عدم أكبر منه في موضوع الحكم، وجهان، و الأصحاب فهموا الثاني؛ لبنائهم على التمسك بالأصل عند الشك فيه.

و يمكن أن يكون من جهة ما اشتهر عنهم من حجية الأصل المثبت، و إلّا فالنص يأبى عن هذه الجهة.

لكن الذي يسهّل الخطب أنّ بناءهم أيضاً على إجراء أصالة عدم الوارث الآخر؛ لإثبات انتقال تمام المال إلى الموجود، و هو أيضاً لا يخلو عن المثبتية،


1) صحيح مسلم 3: 156.

2) وسائل الشيعة 5: 366 باب 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث 6.

3) وسائل الشيعة 7: 241 باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 5.

فمدرك الأصل هناك مدرك الأصل هنا أيضاً.

و يمكن كشف القناع في أمثال المقام بأن جهة الأكبرية أو الولدية مقتضية لانتقال تمام المال أو الحبوة إليه، غاية الأمر مع وجود هذا العنوان بنحو أتم و أكمل في غيره يزاحم ذلك في الإرث و الحبوة، فيكون اختصاص الغير بالحبوة أو بالإرث- بملاحظة سبق الطبيعة- إنما هو بمناط المزاحمة و الحاجبية، لا بمناط التخصيص.

و من المعلوم أنّ شأن كلية باب المزاحمات- سواء في التكاليف أو الوضعيات- الحكم وفق المقتضي إلى أن ينكشف المزاحم، و لذا لا مجال لجريان البراءة عن التكليف بمحض الشك في وجود المزاحم.

و لعله إلى مثل هذا البيان نظرهم في إجراء حكم الوارثية و الأكبرية على الموجود، مع الشك في غيره، لا إلى الأصل المثبت، و لا إلى كون موضوع الحكم من لم يكن أكبر منه، إذ قلب العنوان الوجودي في لسان الدليل إلى عنوان عدمي يحتاج إلى قرينة متيقنة، و لا أظن وصولهم إلى قرينة على خلاف هذا الظاهر لم يصل إلينا، خصوصاً مع جريان نظير هذا الإشكال في أصالة عدم الوارث، إذ لم يتوهم أحد أنّ موضوع الإرث أيضاً من العناوين السلبية، كما هو واضح، فتدبّر تعرف.

ثم انّ صحة النيابة غير مختصة بالولي و إن كان هو مورد الوجوب.

و عمدة الوجه فيه هو: انّ اعتبار الدين فيه يقتضي صلاحية كل أحد للوفاء عن المديون كالديون المالية المختصة، و قد أشار إليه النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في قضية الخثعمية (1)، بل الأخبار على استحباب التبرع عن الميت


1) صحيح مسلم 3: 156.

مستفيضة (1)، و في خبر حماد، «يقضي عنه من شاء من أهله» (2)فيتعدّى إلى غير أهله؛ لعدم الفصل.

و مرجع النيابة عن الميت في العمل إلى إتيانه العمل بنحو يكون مقرباً للميت، و لذا لا يبقى مجال جعل الأمر التبرعي أو الإجارة مناط عباديته، كيف و الفعل بداعي الأمرين المزبورين مقرب للعامل لا للمنوب عنه.

و أضعف منه توهم اقتضاء التنزيل في النيابة توجه أمر الميت إليه، إذ لازمة أيضاً كون العمل مقرّباً للنائب.

و لعله من هذه الجهة التزم بعض الأعاظم بأنّ النيابة جارية في ذات العمل لا في قربيته، و ان القربية من الأمور غير القابلة للتسبيب، ففي الحقيقة الميت برضاه بعمل الغير يتقرّب إلى مولاه.

و لا يرد عليه بأنّ لازم ذلك صحة عمل النائب و إن كان بداعي الاستهزاء، و لا أظن التزامه من أحد.

لأنه يقال: بأنّ الداعي المزبور يخرج العمل عن صلاحية المقربية و لو بقصد غيره.

و لكن الذي يوهنه ظهور كلمات الأصحاب كون العمل بما هو صادر عن النائب مقرب للميت، و لو لم يلتفت المنوب عنه، كما هو الشأن في النيابة في الزيارات عن الأحياء، المعلوم كثيراً ما غفلة المنوب عنه عن أصل النيابة و العمل، كي برضاه بالعمل يتقرب إلى مولاه، بل حال رضاه بهذا العمل كرضاه بالعمل الصادر من نفسه، و من البديهي أن رضاه بعمله لا يوجب قرباً


1) وسائل الشيعة 7: 240 باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان.

2) وسائل الشيعة 7: 240 باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 1.

في حقه ما لم يأت بداعي أمره، فكذلك رضاه بعمل من كان بمنزلة نفسه في صدور ذات العمل منه.

هذا كله مضافاً إلى كلماتهم في باب تولية الوضوء مطبقة بأنه على التولية يقصد المريض المتقرب بخلافه على النيابة، فإنّ النائب لا بد أن يقصد التقرب. بالعمل لغيره.

و عليه فحل هذه الشبهة منحصر بأحد تقريبين:

أحد هما: دعوى كفاية قصد النائب مقربية العمل للغير في مقربيته، بلا احتياج إلى إتيانه بداعي أمره، فتكون المقربية مثل التعظيم من الجهات القصدية تارة، و الذاتية أخرى، مثل إتيان العمل على وجه الامتثال، فإن مقربيته ذاتية لا قصدية.

ثانيهما: بدعوى ان بعض الأفعال لما كان من وظائف التذلل و العبودية، يكفي في التقرّب بها مجرد قصد كون العمل للّٰه، كما أشرنا إلى نظيره في السجود، فإنه من مجرد مثل هذا القصد ينتزع العرف التذلل لمولاه الموجب لقربه، و نظيره في العرفيات تقبيل اليد بعنوان التذلل، فإن ذلك بنفسه لو لا مانع آخر موجب للتقرب، و لو لم يكن من قبل مولاه أمر بذلك كي يأتيه بداعي أمره.

و من المعلوم انّ مثل هذا المعنى من الاعتباريات القابلة للنيابة عرفاً، فيقصد النائب حينئذٍ تقريب الميت بقصد إيجاد ما هو من وظائف العبودية لمولاه عن قبل الميت، و لا ضير في هذا المقدار في تصوير النيابة في العبادة، فبعد قيام الدليل يلتزم بكون العمل من وظائف العبودية القابلة لقصد التذلل بها لنفسه أو عن قبل غيره، و بعد ذلك لا يحتاج إلى صرف الأدلة و الكلمات في مشروعية النيابة إلى إهداء الثواب الذي هو باب آخر، كما لا يخفى هذا.

الثانية عشرة: يستحب على الولي تمرين الأطفال المميزين على العبادة،

لما ورد من الأمر بأمرهم بها.

و ظاهر الأمر كون الغرض من الأمر التوصل إلى وجود العمل.

و بهذا التقريب نستفيد مشروعية عباداتهم، غاية الأمر عن مصلحة غير ملزمة بشهادة استحباب أمره من الولي، المقدمة لغرض مولاه.

و هذا المقدار من الشرعية لا يصلح للاجتزاء به في مقام الوفاء عن المصلحة الملزمة، فلو بلغ الصبي بعد عمله هذا يجب عليه تكرار العمل، لتحصيل المصلحة الجديدة الحاصلة ببلوغه.

نعم لو قلنا بإطلاق مواد الخطابات، الكاشفة عن المصالح الملزمة في حق الصبيان، غاية الأمر رفع عنهم قلم الإلزام الفعلي، كان للاجتزاء بعملهم بعد بلوغهم وجه.

و لكن أنى لنا بإثبات مثل هذا الإطلاق في مواد الخطابات، إذ غالبها من تلك الجهة في مقام الإهمال، أو منصرفة إلى المكلفين.

و حينئذٍ فلا طريق لنا إلى شرعية عبادات الصبي بهذا المقدار.

و أيضاً يجب على الولي منعهم عن كل ما هو مبغوض الوجود في الشرع، بلا خصوصية صدوره عن شخص خاص.

و كبرى المسألة واضحة سنداً، و إنما الكلام في تشخيص صغراها.

و يمكن دعوى انّ كلما كان له دخل في نظام النوع و لو عرفاً، بحيث يجعل أنظارهم طريقاً إليها بنظر الشرع كان مما يطلب وجوده من كل أحد، غاية الأمر مباشرة من بعض، و تسبيباً من آخر.

و كلما شك كونه من هذا القبيل فالأصل عدم وجوب تسبيبه من الغير، بعد فرض اختصاص خطابه المباشري بالغير.

و حينئذٍ فيمكن إدخال ما يضر بالنوع، بل بالشخص في الأمور التي يكون تسبيب حفظه مطلوباً من كل أحد.

و منه أيضاً: آلات اللهو المكلف كل أحد بإتلافها.

و منه أيضاً: هتك الأعراض و النواميس الإلهية.

و منه: الغناء الملحق بآلات اللهو، إلى غير ذلك من الأمور النوعية أو الشخصية المقصود منها حفظ النظام.

و ما شك كونه منها فالأصل يقتضي إلحاقها بغيرها، كما لا يخفى هذا.

(الباب السادس) (في صلاة الجماعة)

اشارة

(و هي واجبة في الجمعة، و العيدين باجتماع الشرائط) على ما تقدّم في محلهما فراجع.

و مستحبة في الفرائض الباقية) بلا اشكال فتوى و نصاً، و يكفي له من النص قوله: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: «الصلاة فريضة، و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، و لكنها سنة، من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علة، فلا صلاة له» (1).

و ذيله يشهد بكون المراد من السنة: الاستحباب، لا المأخوذ من السنة، و ظاهره الاستحباب في كل فريضة.

و حينئذٍ فالأصل في الفرائض مشروعية الجماعة مطلقاً، بل استحبابها إلّا ما خرج.

كما انّ الأصل في النوافل عدم المشروعية إلّا ما خرج، و يكفي له من النص أيضا قوله: «انّ صلاة التطوع في جماعة بدعة» (2)، علاوة عن نهي


1) وسائل الشيعة 5: 371 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 191 باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان حديث 1.

رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم عن الجماعة في نافلة رمضان بقوله: «انّ هذه الصلاة نافلة، و لن يجمع للنافلة» (1).

(و) قد خرج عن هذا الأصل صلاة (العيدين) و الجمعة أيضاً؛ لمشروعية الجماعة فيهما كما تقدّم (مع اختلال شرائطها) الموجبة لاستحبابها.

بل (و) خرج عن الأصل المزبور الجماعة (في) صلاة (الاستسقاء)؛ للنصوص المستفيضة (2).

بل و تشرع في صلاة الغدير، و لكن نسب إلى المشهور خلافه، مع أنّ المحكي انه صلّى المفيد هذه الصلاة في ميدان بغداد بألوف من الناس.

و لا يقتدى في هذه النوافل عند اختلاف صلاتيها؛ لعدم الدليل على المشروعية إلّا عند اتحاد الوظيفة.

و هكذا الحكم في غير الفرائض اليومية؛ لعدم مساعدة دليل عليه.

نعم لا بأس بالاقتداء في مختلفي الفرض في اليومية؛ للنصوص المستفيضة المصرحة بالجواز (3)، بعد طرح ما يقابلها، باعراض المشهور أو تؤول بقلة الفضيلة.

(و تنعقد الجماعة باثنين فصاعداً) في غير الجمعة و العيدين، و في النص «ينعقد بهما، و إن كان أحدهما امرأة» (4).

بقي الكلام في جملة من موانع الصلاة جماعة، أو شروطها.


1) وسائل الشيعة 5: 192 باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 162 باب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء.

3) وسائل الشيعة 5: 453 باب 53 من أبواب صلاة الجماعة.

4) وسائل الشيعة 5: 379 باب 4 من أبواب صلاة الجماعة.

و قبل الخوض فيها ينبغي شرح مطلب، و هو: انّ حقيقة الجماعة تكون من الحقائق القصدية الطارئة على الصلاة، الموجبة لفضلها على غيرها من سائر الأفراد، كما سيأتي شرحه في ذيل كلام المصنف ان شاء اللّٰه تعالى.

و ربما يختلف مثل هذا الفرد مع الفرادى في بعض الخصوصيات الخارجية أيضاً، و لكن ليس اختلافهما من قبيل سائر الحقائق المختلفة القصدية على وجه يتقوّم كل منهما بقصد مخصوص، كيف و الفرادى ليست محتاجة إلى قصد عنوان الانفراد بلا إشكال؛ للسيرة القطعية، كنفي الإشكال أيضاً في عدم تقوم الجماعة من طرف الإمام إلى قصدها، غاية الأمر لا يترتب عليه الثواب ما لم يلتفت الى إمامته، المنوطة بقصد التقرب في جماعته.

و لازم هذا المقدار عدم بطلان الصلاة ببطلان الجماعة، مع عدم الإخلال بوظيفة المنفرد، كما هو أيضاً مقتضى الأصل و الإطلاقات، إذ مرجعها إلى الشك في دخل فساد الجماعة في فساد الصلاة، و لو من جهة كون شرائط الجماعة من شرائط أصل الصلاة، المقرون بقصد الجماعة، و من المعلوم انّ البراءة تمنع عن دخل مثل هذه في أصل صلاته.

و إلى ذلك نظر من التزم بعدم فساد الصلاة ما لم يخل بوظيفة المنفرد، بمحض فساد جماعته، بل تنقلب صلاته قهراً من الجماعة إلى الفرادى.

هذا، و لكن لازم هذا المسلك الالتزام بصحة صلاة الطرفين مع قصد كل منهما مأموميته للآخر، و هكذا عند وجود الحائل، أو العلو، أو تباعد المأموم عن الإمام، أو تقدّمه عليه في الركعتين الأخيرتين، المعلوم غالباً عدم اختلال وظائف المنفرد في حقه، لأنّ ترك الفاتحة كان من التروك السهوية غير المضرة، الى غير ذلك من موارد فساد الجماعة.

و مثل هذا المعنى خلاف إطلاق النصوص الواردة في الموارد المزبورة من التصريح بفساد صلاتهم، بل و الأمر بإعادة من كبّر قبل تكبير الامام،

الشامل لصورة عدم فوت الفاتحة أيضاً.

و من هذه الموارد ربما تستفاد الملازمة الكلية في فساد صلاته بفساد الجماعة، فيكون ذلك هو الأصل في المسألة.

و لعل وجه الملازمة أحد أمرين: إما دعوى إضرار قصد الخلاف في الانفراد، أو شرطية الأمور المزبورة في الجماعة في الصلاة المقيّدة بالجماعة، لا في جماعتها محضاً.

و عليه فلو شك في دخل قيد من القيود في تحقق الصلاة و لو من جهة الشك في أصل الجماعة، كان مقتضى البراءة عدم دخلها، بل مقتضى عموم: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» كون المشكوك جماعة من الصلاة الفرادى غير الدخيل فيها زائداً عما يعتبر في أصل الصلاة.

و لكن ذلك بناءً على جعل الجماعة عبارة عن الهيئة الخارجية المقيّدة بقيود مخصوصة، و إلّا فلو جعلت من الأمور البسيطة و الروابط المعنوية المتحصلة عن الأمور المزبورة أشكل أمر التمسك بالعام المزبور في المقام؛ لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و إن كان منشؤه الشبهة الحكمية.

و توهم انّ أصالة العموم ترفع مثل هذا الشبهة و تعيّن المصداق، و إنّما لا يتمسك بها في الشبهات الموضوعية؛ لأن شأن المولى ليس رفع الشك في مثلها.

مدفوع بأنه كذلك لو لم يوجب التخصيص المزبور كسر حجيّة ظهور العام بالنسبة إلى مصاديق مخصصة، المفروض كونه من المفاهيم المبينة، و إلّا فمع كسرها لا يبقى مجال للتمسك به كي به يرفع الشك عن المصداق.

نعم الذي يسهّل الخطب في المقام عدم وفاء دليل على كيفية الجماعة، فيكفي في جواز التمسك بالعام احتمال كونه من قبيل الأول؛ لأنه يمنع عن الجزم بوجود كاسر لحجية العام، فأصالة العموم محكمة.

و حينئذٍ فمهما شك في دخل قيد من القيود في الصلاة جماعة، كان مقتضى الأصل و العموم عدم مانعيتها عن الصلاة، و عدم سقوط الفاتحة أيضاً، المستلزم لإجراء حكم الانفراد عليه.

نعم مع كون الشبهة مصداقية، ففي المانع يرجع إلى أصالة البراءة، و في الشروط إلى أصالة الاشتغال في صلاته.

و لا مجال حينئذٍ للتمسك بأصالة العموم المزبور حينئذٍ جزماً.

و لا يعارض الأصول المزبورة بأصالة البراءة عن الفاتحة في شخص هذه الصلاة؛ للجزم بعدم اعتبارها؛ لأنه يدور أمرها بين الفساد رأساً، أو كونها جماعة تسقط عنها الفاتحة.

و بعد ما اتضح لك هذه المقدمات فلنرجع إلى بيان موانع الجماعة:

فمنها: ما أفاده المصنف بقوله: (فلا تصح) أي الجماعة (مع حائل بين الامام و المأموم) على وجه (يمنع المشاهدة)، و الأصل في ذلك ما في صحيح زرارة: «إن صلّى قوم بينهم و بين الإمام سترة أو جدار، فليس تلك لهم بصلاة، إلّا من كان حيال الباب»، قال: و قال: «و هذه المقاصير إنما أحدثها الجبارون، و ليس من صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها» (1).

أقول: دلالته في عدم الستر في الجملة في غاية الوضوح، كما انّ ظاهر صدر الخبر و ذيله كون الحائل مانعاً، و إن كان ارتكاز الذهن في اعتبار نحو اتصال في هيئة الجماعة يقتضي شرطيته، ففي مثل الشبهة المصداقية يرجع الى قاعدة الاشتغال.


1) وسائل الشيعة 5: 460 باب 59 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

ثم انّ المعمول به من المقاصير- على المحكي- كونها مشتملة على الشبابيك المانعة عن تمام المشاهدة، و لازمة كفاية الستر في الجملة، بلا احتياج إلى الستر لتمام البدن.

كما انّ الظاهر من قوله: «سترة أو جدار» كفاية الستر في الجملة و لو في بعض الحالات، بلا احتياج إلى الستر في جميعها.

و أيضاً ظاهر قوله: «إلّا من كان حيال الباب» فساد صلاة من كان في جنبيه، على وجه لا يشاهدون الامام، و إن كانوا يشاهدون الصف الواقع بحيال الباب.

و لا يقاس المقام بكفاية مشاهدة الصفوف المتأخرة من قدمهم من المأمومين و إن لم يشاهدوا الامام؛ لإمكان دعوى أنّ المستفاد من النص عدم وجود حائل بين المأموم و الامام، و لا أقل من احتماله، فتدخل المسألة في صغريات الشك في مانعية هذا المقدار من الستر، أو شرطية هذه المرتبة من المشاهدة، و الأصل يقتضي الاشتغال، علاوة على قاعدة عدم سقوط الفاتحة إلّا بالمتيقن.

نعم قد يستفاد من إطلاق النص الوارد على نفي البأس عن الصلاة بين الأسطوانات صحة صلاة من كان بين الأسطوانات الواقعة في طول الامام، المانع من مشاهدة المأموم لإمامه من جهة مانعية الصفوف، و ذلك يكشف عن قيام مشاهدة المأمومين مقام مشاهدة الإمام، و ذلك أيضاً لو لا دعوى معارضة إطلاق ذلك من تلك الجهة، مع إطلاق النص السابق من حيث مشاهدة من نظر في الباب ممن كان في حياله من المأمومين، و مع التساقط يرجع إلى أصالة البراءة عن مانعيته للصلاة، و اللّٰه العالم.

و لا فرق في الحائل المانع بين وجوده حين الشروع في الصلاة، أو في أثنائها.

و لا فرق بين أنحائه حتى أنه يشمل الإنسان الأجنبي عن جماعتهم.

نعم أهل الجماعة كلهم بمنزلة شخص واحد، لا يمنع بعضهم بعضاً.

و في كفاية أشرافهم للاقتداء في عدم إضرار سترهم اشكال، لو لا دعوى السيرة على عدم اعتناء المتأخر بشكه في تكبير الصفوف المتقدمة.

و في شمول الحيلولة المستطرقين بين الصفوف تأمل، لو لم يكونوا متصلين بنحو يرى جداراً متحركاً، فإنه يضر بالائتمام جزماً.

ثم انّ عموم مانعية الحائل شامل لكل أحد إلّا النساء؛ لموثق عمار (1).

و في التعدّي عن مورده إلى صورة كون الإمام أيضاً من النساء تأمل، لكمال مناسبة وضع الحيلولة بين الرجال و النساء غير الجاري ذلك عند امامة النساء، فقاعدة الاشتراك تقتضي مانعيتها في جماعتهن أيضاً.

(و لا تصح) الجماعة أيضاً (مع علو الإمام في المكان بما يعتد به) إذا كان دفعياً، شبه دكة أو ما يشبهها، و إلّا فإن كان في أرض منبسطة انحدارية فلا يضر علو الامام، و إن كان لو فرض دفعياً كان علواً معتداً به.

و الأصل في ذلك ما في النص من قوله: «إن كان الامام على شبه دكان، أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، و إن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فإن كان أرضاً مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع، فقام الإمام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلّا أنهم في موضع منحدر، قال:

«لا بأس». قال: «و إن كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكاناً كان أو


1) وسائل الشيعة 5: 461 باب 60 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

غيره، و كان الامام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه، و يقتدي بصلاته، و إن كان أرفع منه بشي‌ء كثير» (1).

و لا يخفى انّ الرواية بصدرها و ذيلها مشتملة على فقرأت:

إحداها: انّ الارتفاع كشبه دكان أو غيره، بنحو يكون ارتفاعاً معتداً به، و لو انحدارياً في غير المتسعة، مضر بالصلاة.

و ثانيتها: انّ ما لا يكون معتداً به بنحو إصبع أو أكثر، و لو بلغ إلى قريب الشبر بمقدار يساعد العرف في نفي العلو و لو مسامحة، لا يضر بالصلاة.

كما لا يضر به انحدار الأراضي المتسعة بمقدار لو فرض دفعياً كان علواً معتداً به، و هو ثالث الفقرات.

و رابعها: انّ العلو المزبور و لو دفعياً شبه الدكان و غيره في طرف المأموم، مع أسفلية الإمام، غير مضر و إن كان كثيراً.

و في شمول إطلاقه صور تباعد المأموم عن الامام، بمقدار خارج عن المتعارف كأن كان المأموم على منار طويل اشكال، لإباء انصراف أذهان المتشرعة لغير صور حفظ الهيئة الاجتماعية، كما لا يخفى.

هذا، و إلى الفقرة الرابعة نظر المصنف بقوله: (و يجوز العكس). هذا، و قد يعارض النص المزبور في مانعية العلو، الثابت من الفقرة الأولى ما في مرسلة سهل المشتملة على صلاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم على المنبر، و تكبير الناس وراءه، ثم نزل لسجوده، فصعد بعدها أيضاً (2)ليكون في مرأى الناس، فيرون كيفية أفعاله.


1) وسائل الشيعة 5: 463 باب 63 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

2) سنن البيهقي 3: 108.

و ظاهرها أيضاً: أنه صلّى بهم كذلك حقيقة، لا أنه كان بصورة صلاة.

و من المعلوم انّ مقتضى الجمع بين الخبرين حمل الأول على الكراهة، لو لا دعوى أصرحية السابقة في جواز القطع، عن هذه المرسلة، الظاهرة في حرمته، فلكل حينئذٍ جهة أظهرية لا يمكن الأخذ بكل منهما و طرح ظهور غيره؛ لقيام الإجماع على خلافه، فلا محيص في مثله عن اعمال قواعد التعارض، و الترجيح مع السابقة لعموم: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب».

هذا مضافاً الى الإشكال في أصل سند المرسلة، مع اعراض المشهور عنها و عليه فما هو المشهور هو المنصور، و اللّٰه العالم.

(و) أيضاً (لا يتباعد المأموم بالخارج عن العادة من دون) توسيط (الصفوف) المتصلة بالإمام بلا اشكال فيه في الجملة ظاهراً، فتوى و نصاً (1)، لارتكاز أذهان المتشرعة من هيئة الجماعة مرتبة من الاتصال، المانع عنه البعد الخارج عن المتعارف.

و في النص أيضاً تحديد أكثره بمربض الفرس (2).

و ظاهر إطلاقه: شموله لحالة السجود أيضاً، و من المعلوم انّ ذلك ينتهي إلى حد من الاتصال المرتكز في الأذهان، فليس ذلك أيضاً تحديداً تعبدياً، كما هو ظاهر.

و لا يقاس المقام بالبعد من طرف علو المأموم، بجعل ذلك معياراً في تحديد الاتصال بأي نحو كان، إذ من البديهي أنّ مرحلة اتصال الصفوف غير مرتبط باتصال الأبدان، و في فرض العلو كان جهة اتصال الصف محفوظاً و إن كان


1) وسائل الشيعة 5: 462 باب 62 من أبواب الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 462 باب 62 من أبواب الجماعة حديث 3.

البدنان متباعدين، و ما نحن فيه هي الجهة الاولى، فلا مجال لجعل أحدهما مقياساً للآخر.

ثم انّ في جملة من النصوص جواز الاقتداء من مكانه ثم المشي حال ركوعه، أو بعد قيامه عن سجدته إلى أن يلتحق بالصف (1).

و في شمول إطلاقه حال فقد سائر الشرائط، من القبلة أو البعد المضر بتواصله العرفي، أو عدم الطمأنينة من جهة المشي المزبور اشكال، بل المتفق منه كون النظر منه الى مجرد الترخيص في المشي، تحصيلًا لتواصل الصف المرغوب فيه، و غير مضر فقده بها، لا أن نظره إلى إلغاء ما هو شرط فيها، و لو من جهة البعد المفرط فقط، فضلًا عن سائر الجهات، و لا أقل من الشك.

و المرجع فيه الأصل، و القاعدة الجارية في أمثال المقام من الشبهات الحكمية، لإجراء حكم الانفراد عليها.

نعم مع كون الشبهة موضوعية لا تجري القاعدة المزبورة، و جريان البراءة بالنسبة إلى الصلاة فرع إحراز مانعية البعد، و إلّا فمع شرطية الاتصال- كما يناسبه الهيئة المركوزة في الأذهان- لا بد من المصير إلى قاعدة الاشتغال.

ثم انه يظهر من الجواهر في المقام اختيار مانعية البعد المزبور في حدوث الجماعة لإبقائها، مع انه التزام أيضاً في العلو و الحائل مانعيتهما مطلقاً (2)، و لا يعلم بينهما وجه فرق بعد اتحاد لسان أدلتهما من تلك الجهة، عدا ما يتخيل من إطلاق أدلة الجماعة (3)أيضاً للحاضرين من الصفوف المتأخرة عن السابقة المسافرين، إذ لازم هذا الإطلاق صيرورتهم بعيدين عن الإمام في


1) وسائل الشيعة 5: 443 باب 46 من أبواب الجماعة.

2) جواهر الكلام 13: 177.

3) وسائل الشيعة 5: 454 باب 53 من أبواب صلاة الجماعة.

الركعتين الأخيرتين، فيتعارضان فيرجع إلى استصحاب بقائهم على جماعتهم و قدوتهم.

و لا يخفى ما فيه من منع، نظراً لعدم إطلاق لتلك الأدلة بالنسبة إلى مثل هذه الحالة، بل هي ناظرة إلى عقدها، فارغة عن وجدان الشرائط، فالاستصحاب حينئذٍ محكوم بظهور النص السابق، كغيره من نصوص الحائل و العلو في المانعية عنها حتى في تمام الصلاة، لا في خصوص حال الشروع فيها.

و كيف كان، لا إشكال في عدم الإضرار في البعد مهما كان، مع اتصال الصفوف الى أن ينتهي الى الامام، لكون الصفوف المتواصلة بمنزلة مأموم واحد، لا يضر حيلولة بعضهم عن بعض، و لا بعدهم عنه مع اتصاله بصفة السابق، للسيرة القطعية، بلا شبهة، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

و أيضاً يعتبر في الجماعة عدم تقدّم المأموم على الامام موقفاً، ففي بعض النصوص: «إنّ الامام لا يتقدم عليه» (1)، و في جملة أخرى الأمر بتقدم الامام (2)، و ظاهر الأخير لزوم تأخير المأموم، و الرواية السابقة ظاهرة في كفاية عدم تقدّمهم عليه.

و حينئذٍ يدور الأمر بين حمل الأمر بالتقدّم على الفضيلة، أو يقيد إطلاق السابقة بغير صورة التساوي أيضاً، فلا يبعد الأخير، لوهن الإطلاق المزبور من جهة تعارف التعبير بمثله، و لا أقل من الشك، و القاعدة و الأصل يقضيان بعدم سقوط الفاتحة.


1) وسائل الشيعة 5: 454 أبواب مكان المصلّي باب 26 حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 413 أبواب صلاة الجماعة باب 23 حديث 7.

(و لو أدرك الإمام راكعاً أدرك الركعة، و إلّا فلا) بلا اشكال، فتوى و نصاً (1)، و يكفي من النص خبر سليمان (2)، و صحيحة الحلبي، و فيها:

«و إن رفع الإمام رأسه قبل أن يركع فقد فاتتك الركعة» (3)، و ظاهرها الاجتزاء بمجرد ركوعه قبل رفع الإمام رأسه، و لو لم يلحق بتسبيحة.

و ما في أخرى من اعتبار اللحوق بتسبيحة الإمام أو تكبير الركوع (4)، محمولة على الفضيلة.

كما انّ الظاهر من النص المزبور أيضاً كفاية رفع الرأس عن الحد المعتبر في الصلاة، و إن كان بعد في الركوع حقيقة فلا يجوز الالتحاق.

و في كفاية مجرد رفع الرأس عن مرتبة مختارة من مراتب الركوع الصلاتي، و إن لم يخرج عنها اشكال، بل الظاهر عدمه، لانصراف النص إلى الرفع عن الركوع الصلاتي.

و لو شك في رفع رأس الإمام حال ركوعه، ففي الاكتفاء اشكال، من جهة أنّ الموضوع عنوان الدرك غير الثابت بالاستصحاب.

نعم لو جعل كناية عن كون ركوعه في حال ركوع الامام، لا بأس باستصحابه المحرز للقيد بالأصل، مع إحراز المقيّد وجداناً كسائر المقامات، و اللّٰه العالم.

ثم انّ في درك أصل فضيلة الجماعة لا يحتاج إلى درك الركوع أيضاً، بل له الدخول في القدوة في أي حالة من حالات الجماعة.


1) وسائل الشيعة 5: 441 باب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 441 باب 45 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 441 باب 45 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 5: 442 باب 45 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

و قد ورد النص به في حال السجود (1)، و في الركعة الأخيرة (2)الشاملة لجميع حالاتها، فيتعدّى منها إلى سائر الركعات.

إذ الظاهر من تخصيص النص بالركعة الأخيرة بيان قصوى مرتبة محصلة للفضيلة، فكان مجال فهم العرف من مثله عدم اختصاصها بحكمه.

و في بعض نصوصها الأمر بالسجدة مع الامام (3)، و لا يعتد بها، أي ركعة، للأخبار السابقة الشارحة لدرك الركعة بدرك الركوع.

و ظاهر الأمر بالسجود المزبور إتيانها بعنوان كونها من الصلاة، لمحض حفظ متابعة الإمام حتى في قصده.

و في صيرورتها حينئذٍ من أجزاء صلاته، و لو من جهة كونها مشخصات فردها، بحيث لو لم يأت بها أثم، و إن لم تبطل جماعته و لا صلاته، أم لا يكون جزء بل غاية كونها زيادة غير مبطلة، أم هي في هذه الحالة من أجزاء صلاتها، الموجب الإخلال بها فساد أصل الصلاة، وجوه سارية في كلية باب المتابعة.

و إن كان في خصوص المقام ورد نص آخر على عدم السجدة فقال:

«أثبت في مكانك حتى يرفع الإمام رأسه، فإن كان قاعداً قعدت، و إن كان قائماً قمت» (4)و إن كان النهي فيه محمول على دفع توهم الوجوب من جهة شبهة التبعية.

كما أنّ الأمر بها أيضاً يمكن أن يكون لدفع توهم الحظر، الناشئ عن شبهة الزيادة.


1) وسائل الشيعة 5: 448 باب 49 من أبواب الجماعة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 449 باب 49 من أبواب الجماعة حديث 3.

3) وسائل الشيعة 5: 449 باب 49 من أبواب الجماعة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 5: 449 باب 49 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

و عليه فلا يستفاد منه في خصوص المورد وجوب متابعة الإمام في خصوص السجدة، لا نفي المتابعة مطلقاً، كيف و ظاهر قوله: «إذا قعد فاقعد، و إذا قام فقم» وجوب متابعته في القيام و القعود، بل و سائر الأفعال على وجه كما لا يخفى. و سيأتي تتمة الكلام في ذيل فرع وجوب متابعة الإمام في الأفعال إن شاء اللّٰه تعالى.

ثم انّ الظاهر من أخبار الاقتداء لدرك الفضيلة الاكتفاء في إتمام صلاته بافتتاحيته السابقة، غاية الأمر لا يحسب المأتي به ركعة من صلاته، و هو المراد من عدم الاعتداد بسجدته كما في النص، لا أنّ الغرض عدم وقوعها جزءاً للصلاة رأساً، فيكون زيادة غير مبطلة، كما لا يخفى.

(و) بعد انعقاد الجماعة (لا يقرأ المأموم مع المرضي)، و ظاهر إطلاقه حرمة قراءته و لو تشريعاً مع الإمام المرضي، سواء في الأولتين أو الأخيرتين، إخفاتية كانت الصلاة أم جهرية، مسبوقاً كان المأموم أم غير مسبوق.

و لعل نظره في هذا الإطلاق إلى قوله: «من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة» (1)، بتقريب أنّ الرواية- بقرينة ذيلها- شاهدة على مرجوحية القراءة، الملازمة لعدم وقوعها على صفة الجزئية.

و حينئذٍ فلو أتى بها على هذه الصفة يلزم زيادة مبطلة، و لا نعني من الحرمة التشريعية إلّا هذا.

نعم لا يستفاد من أمثال هذه النواهي المعلّلة بمثل هذه التعليلات المناسبة للكراهة المصطلحة أيضاً الحرمة الذاتية، و لعل نظر المصنف أيضاً ليس إلى


1) وسائل الشيعة 5: 422 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 4.

حرمتها ذاتاً.

كما أنه لا مجال لحمل النهي المعلّل بمثل هذه العلة أيضاً على دفع توهم الإيجاب، مع إبقاء جهة رجحانها و جزئيتها، كي لا تكون زيادة، بل يكون من باب الكراهة في العبادة، إذ التعليل المزبور غير مناسب مع رجحانه رأساً، كما لا يخفى.

و يؤيده ما ورد في الجهرية (1)من الأمر بالإنصات مستشهداً بالآية الشريفة (2)، فإنه أيضا لا يناسب الحرمة الذاتية، و لا الكراهة المصطلحة في العبادات.

بل ظاهر مرجوحية فعل القراءة إنما هي من جهة رجحان الإنصات إليها، و نتيجته عدم وقوعها على صفة الجزئية، المستلزم للمحذورين من الحرمة التشريعية، للآتي بقصد الجزئية، و مبطلية العبادة بمناط الزيادة.

و ما ورد في الإخفاتية أيضاً من قوله: «و أما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة، فإنّ ذلك جعل إليه فلا يقرأ خلفه» (3)، و مرجع الضمير في «إليه» هو الإمام.

و ظاهر هذا التعليل شاهد وضع القراءة عن المأموم، و أنّ عهدة قراءته على إمامه.

و مثل هذا البيان ظاهر في عدم جزئية قراءة المأموم، المستتبع للمحذورين السابقين و إن كان في استفادة المرجوحية من ذلك أيضاً نظر، إذ النهي المسبوق بهذا البيان ظاهر في الحرمة، بعنوان الجزئية و الرجحان، و مثله لا يدل على المرجوحية جزماً.


1) وسائل الشيعة 5: 424 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 15.

2) الأعراف: 204.

3) وسائل الشيعة 5: 422 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 5.

كما أنه لا يشمل الأخيرتين؛ لأنّ قرائتهما لم تجعل على الامام، نعم يشمل المسبوق و غيره.

و عليه فلا يكون على وفق مدعى المصنف من تعميم الحرمة إلّا الخبر الأول، غاية الأمر البقية الواردة في الموارد المخصوصة مؤيدات للعموم المزبور.

هذا، و لكن لا يخفى عليك انّ في قبال العام السابق ما في نص عمر و بن الربيع: «إن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت» (1)، و ظاهره الصلاة الإخفاتية، و في إطلاقه للمسبوق بركعة كلام سيأتي.

نعم يشمل الأولتين و الأخيرتين من غيره، و ضعف سند الرواية منجبر بالعمل من جمع من الأعاظم.

كما أنّ ظاهره أيضاً عدم وجوبه، بل المنصرف منه القراءة بعنوان الجزئية المرسومة في غير الجماعة، فلا محيص حينئذٍ من تقييد النهي السابق بالإخفاتية مطلقاً في غير المسبوق.

و يؤيده أيضاً ما في نص آخر قوله: في الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام: «إن قرأت فلا بأس و إن سكت فلا بأس» (2)، بناءً على كونه كناية عن إخفاته و لو في الأولتين، و إلّا فيشهد للجواز في الأخيرتين، فلا محيص عن إخراج الأخيرتين من الإخفاتية جزماً عن الخبر الأول، من حمل النهي في السابقة على دفع توهم الحظر، إذ مثل اللسان المزبور آب عن هذا الحمل.

و حينئذٍ لا محيص من إخراج الإخفاتية غير المسبوقة مطلقاً عنه.

كما ان في صورة عدم سماع الهمهمة أيضاً في الجهرية ورد مخصوصاً النص بجواز القراءة، المنصرفة إلى القراءة بوصف الجزئية، و ذلك مثل قوله: «و إن لم


1) وسائل الشيعة 5: 424 باب 31 من أبواب صلاة الجماعة حديث 15.

2) وسائل الشيعة 5: 424 باب 31 من أبواب صلاة الجماعة حديث 13.

تسمع فاقرأ، و إن تسمع فأنصت» (1).

و أيضاً ورد النص بالقراءة في المسبوق بركعتين لنفسه (2)، الظاهر في وجوب إخفاته و لو ببسملته، لو لا دعوى انصرافه إلى نفسها، فيبقى استحباب الجهر فيها باقياً بحاله.

و أما المسبوق بركعة، ففي تلك الركعة المقارنة لقراءة الإمام حكمها حكم المقارن مطلقاً في الإخفاتية و الجهرية؛ لشمول الإطلاقات لمثل هذه الركعة أيضاً.

نعم في الركعة الأخرى يجري حكم المسبوق بركعتيه، كما في النص المذكور.

ثم انّ ظاهر الأمر في فرض عدم سماع القراءة و لو همهمة، و في المسبوق بركعتين، وجوب القراءة، مؤيداً بعموم نفي الصلاة بلا فاتحة.

و توهم إمكان حملها على نفي توهم عدم المشروعية، فلا يقتضي الوجوب.

مدفوع بأنّ مجرد ذلك أيضاً لا يقتضي عدمه، إذ المانع عن الجزئية هي النواهي السابقة، و بعد فرض تخصيصها بمثل هذه المجوّزة، كان عمومات جزئية الحمد و السورة كافية لإثبات الوجوب حينئذٍ.

نعم في الإخفاتية ورد التصريح بنفي البأس، و إطلاقه ربما يتوهم شموله للمسبوق و غيره.

و لكن يمكن أن يدعى بقرينة التقابل بالجهر، و بقوله في آخر في مقام تعليل النهي «بأن ذلك جعل إليه» انصراف المرخصية لتركها عن المسبوق،


1) وسائل الشيعة 5: 423 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 7.

2) وسائل الشيعة 5: 422 باب 31 من أبواب الجماعة حديث 2.

فيبقى المسبوق تحت أوامر القراءة.

و حينئذٍ يصير المستفاد من مجموع أخبار الباب حرمة القراءة تشريعاً في الجهرية من الأولتين لغير المسبوق، و ذلك أيضاً لمن سمع و لو همهمة.

و جواز القراءة و لو بعنوان الجزئية للإخفاتية غير المسبوق أعم من الأولتين و الأخيرتين، و في الأخيرتين في الجهرية أيضاً على وجه، من جعل «يصمت» عبارة عما كان شأنه كذلك دائماً، و إلّا فلو جعل كناية عن الصلاة الإخفاتية فلا يشمل الأخيرتين من الجهرية.

و حينئذٍ فلا مجوّز فيهما فيشمله العموم الناهي من النص السابق، فتلحق الأخيرتان من الجهرية بالأولتين منها.

و أما فيمن لم يسمع القراءة في الجهرية و لو همهمة، و كذلك المسبوق، فيجب فيهما القراءة، بل في الأخير يجب إخفاتاً حتى في الجهرية، بخلاف الأول فإنه يجب في الجهرية وجوب الجهر أيضاً.

هذا ما يقتضيه الجمع بين مجموع أخبار الباب.

نعم يبقى في البين اشكال على مثل هذا الجمع، و هو انّ لازم ذلك- خصوصاً لو قلنا بعدم إلحاق الأخيرتين من الجهرية بالأولتين منها- تخصيص العام الناهي، بموارد متعددة أكثر من الباقي تحته، و هو مستهجن جداً.

و تقييده بمورد الجهرية مستلزم لإلقاء عنوان الائتمام عن الدخل في السقوط، لأنّ ظاهر التعليل في الجهرية بوجوب الإنصات كون المقتضي للسقوط رجحان إنصاته عند استماعه الملحق به الهمهمة أيضاً، فلا جرم يتعارض العام المزبور مع مجموع المجوزات المزبورة.

فلا بد حينئذٍ إما من طرح العام رأساً، أو طرح أحد المجوزات.

هذا، و لكن الانصاف اقتضاء التقييد- في مثل المقام- إلغاء عنوان العام، خصوصاً في مثل الهمهمة، بل و في الأخيرتين من الجهرية، بناءً على الإلحاق بالأولتين، غاية الأمر، في الجهرية، يستفاد المقتضيان للسقوط، و لا ضير فيه، فلا قصور حينئذٍ في الجمع المسطور، كما لا يخفى، و بمثل ذلك يشكل إطلاق المصنف أيضاً.

هذا كله في الإمام المرضي، و أما في غيره فلا شبهة في انصراف الأخبار الناهية عنه؛ لعدم كونه ممن يؤتم به، فصلاته حقيقة فرادى، غير الساقط عنها القراءة في نفسه، إلّا لتقية أو اضطرار بقرينة تمسك الإمام في نفي الجزئية بقيام المضطجع بمثلها في نفي جزئية الفاتحة بشأنه، مع صدق عنوان الاضطرار في حقه، بحيث لا تؤدي التقية إلّا بتركه رأساً، و إلّا فيسقط عنه كيفية جهرة فيخفت في صلاته و إن كانت جهرية.

و في مثل هذه التقية لما ورد في موردها نص مخصوص، إما بترك القراءة رأسا، المستفاد من فحوى قطعها، بل و من خبر إسحاق أيضاً الأمر بترك القراءة و الركوع معهم، أو بترك جهرة و القراءة لنفسه، كما في جملة من النصوص أيضاً، كان حاله كرد الشعر، و المسح على الخفين، لا يعتبر عدم المندوحة و لو بعدم تمكنه عن تغيير مورد ابتلائه، إذ بعد تنزيل إطلاقاتها على فرض عدم التمكن من تغيير موضوع الابتلاء، يدل على الجواز حتى مع التمكن المزبور.

نعم ليس له احداث مورد الابتلاء حفظاً للتكليف مهما أمكن عن وجود المزاحم، و بذلك يحمل الأمر- بصلاته في بيته و اتخاذ صورتها معهم- على الاستحباب.

بل و يمكن أن يدّعى انّ ظاهر إطلاق قوله: «التقية في كل شي‌ء» مشروعيتها في تمام الشرعيات، و بعد تنزيل مثل هذا الإطلاق أيضا على صورة عدم التمكن من تفويت الابتلاء، إما بعدم احداثه من الأول، أو بتغيير موضوعه عند وجوده، فيمنع عن اشتراط عدم المندوحة مطلقاً حتى في غير المنصوصات بالخصوص.

و بذلك يشرح الاضطرار الوارد في باب التقية من قوله في ذيله: «و كل شي‌ء اضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّٰه»، بلا حمل على الاضطرار في ظرف وجود الابتلاء، لا الاضطرار بقول مطلق، المستلزم لعدم التمكن من المندوحة رأسا.

و عليه فيكون في التقية من بين الأعذار نحو توسعة ليست في غيرها.

و توهم جعل إطلاق الاضطرار مناطاً و شارحاً لموضوع التقية المجعولة، المستلزم لعدم التمكن من المندوحة مطلقاً في مشروعية التقية.

مدفوع بأنّ جعل المناط ذلك مستتبع لرفع اليد عن مناطية عنوان التقية بالمرة، بخلافه في طرف العكس، فإنه مستلزم لرفع اليد عن إطلاق الاضطرار، و الأخذ به في الجملة و لو في ظرف الابتلاء، و من المعلوم انّ الترجيح مع الأخير، لأنه مع الدوران بين رفع اليد عن ظهور العنوان في أصل الدخل، أو رفع اليد عن إطلاق العنوان الأخير كان الثاني متعيناً.

هذا، و لكن مقتضى الإنصاف أن يقال: إنّ ما أفيد إنما يتم إذا كان العنوانان في كلامين، و إلّا فمع كونهما في كلام واحد، مع فرض ظهور القضية في جعل عنوان الاضطرار بمنزلة العلة، يستفاد منه كون المناط في الحكم المسطور هو ما يصدق عليه عنوان العلة، لا عنوان موضوعه.

و عليه يصير الموضوع في الإطلاق و التقيد تابعاً لإطلاق العلة و تقييده، و لا يصلح إطلاق الموضوع المزبور لتقييد العلة، بل لا بد من المصير الى

العكس.

و حينئذٍ لازمة تقييد موضوع التقية المشروعة بمورد صدق الاضطرار على الإطلاق، و هو مستتبع لاعتبار عدم التمكن من المندوحة رأساً.

و من جهة ذلك فرقنا بين عمومات التقية، و بين الموارد المنصوصة بالخصوص، فراجع كتاب الطهارة فقد تعرّضنا إلى شطر منها أيضاً هناك.

و على أي حال فمع فرض سقوط القراءة رأساً للتقيّة، ففي وجوب حديث النفس لصور الألفاظ وجه، مبني على شمول قاعدة الميسور له.

و فيه: انّ ذلك كذلك لو كان ذلك عند وجوب القراءة من مراتب وجود الواجب، لا من لوازمه القهرية.

نعم قد يستظهر من المرسلة المشتملة على قوله: «يجزيك مثل حديث النفس» (1)وجوب حفظه.

و لكن يمكن تنزيله الى منتهى درجة الإخفات، مع حفظ عنوان القراءة، كما في نص آخر من قوله، «اقرأ لنفسك و إن لم تسمع نفسك» (2).

و يؤيده جعل مورد الاجتزاء مثل حديث النفس لا عينه، فلا شهادة فيه لوجوب حديث النفس مع صدق القراءة رأساً.

ثم إنّ في صحيح أبي بصير: «فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة و اركع معه» (3)، و ظاهره جواز قطع القراءة في أي محل كان، في فاتحة الكتاب أو في سورة بلغ نصفها أو لم يبلغ.

و يؤيده أيضاً عموم الاضطرار في شخص هذه الصلاة، للتقية المقتضية


1) وسائل الشيعة 5: 428 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 427 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 430 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

لسقوط تتميم القراءة المزبورة عن الجزئية.

نعم قد يعارض إطلاق الرواية المزبورة ما في المرسلة من قوله: «إن كان قرأ أم الكتاب أجيز أن يقطع» (1).

و لكن لا يصلح مثل هذه المرسلة في موردنا؛ لتقييد الإطلاقات السابقة لحكومة أدلة الاضطرار عليها، مع إمكان حملها على الغالب من تمامية الفاتحة قبل الوصول الى الركوع.

و يؤيده أيضاً ما في خبر إسحاق من الأمر بالركوع معهم بلا قراءة (2).

و في شمول هذه الإطلاقات لصورة التمكّن من القراءة خلفهم، ثم إلحاقه في الركوع أو في غيره معهم، بنحو لا يضر هذا المقدار من التخلّف في حقه، اشكال، فإطلاق: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» حينئذٍ باقٍ بحاله، كما لا يخفى هذا.

نعم قد يشكل الأمر في المأموم المسبوق من حيث اقتضاء متابعته للإمام في ركوعه سقوط قراءته كلا أو بعضاً، إذ لا مجال للتشبث بعموم الاضطرار في سقوط القراءة كلا أو بعضاً عن الجزئية، إذ هو فرع أهمية المتابعة من عموم:

«لا صلاة إلّا بالقراءة»، و هو أول الكلام.

نعم الذي يسهّل الخطب اقتضاء عموم: «من أدرك» كفاية مجرد درك الركوع بلا قراءة في الاجتزاء به عن الركعة، و لازمة استفادة جواز تقديم الركوع في ظرف حصول الائتمام على القراءة، و إلّا فلا يبقى مجال لعنوان درك الركوع أصلًا.

إذ مع مزاحمة الفاتحة فلا يكون ذلك مصداق: «من أدرك»، لأن


1) وسائل الشيعة 5: 431 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 431 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

المنساق منه، كمن أدرك في باب الوقت: من لا يدرك إلّا الركوع في المقام، و لا الركعة في باب الوقت.

و مع مزاحمته و تقديم الفاتحة فلا يدرك الركوع أبداً، فلا يبقى لمثل هذا العام مورد، فلازمه ليس إلّا عدم مزاحمة الفاتحة للركوع عند ضيق الوقت.

و في هذا المورد إذا كان مدركاً للركعة، يلزمه سقوط الفاتحة أو غيرها عن الجزئية.

و يؤيد ذلك الأمر بالمتابعة حتى مع استلزامه زيادة الركن، فيستكشف عن تقديمها على مانعية الزيادة، فيتعدّى إلى نقص مثل الفاتحة، أو غيرها أيضاً بالفحوى.

و من ذلك قامت السيرة على المتابعة في الركوع بلا قراءة، بمحض عدم مجال لها بعد ائتمامه، فيتعدّى عنه بمن اقتدى من الأول ما ينتهي أمره إلى مزاحمة تتميم قراءته لفوت ركوعه.

و توهم خصوصية الاقتداء بالإمام وقت ركوع الإمام أو قبله في مزاحمة القراءة له في الثاني دون الأول، كلام ظاهري؛ إذ لا يفهم العرف خصوصية لسقوط القراءة في الفرض الأول.

و أضعف منه توهم آخر، و هو: انّ كفاية درك الركوع من ركعة لا يقتضي وجوب ركوعه؛ لأنه بعد اقتضائه عدم وجوب القراءة جزماً، يبقى وجوب المتابعة بحاله.

نعم لنا كلام آخر في أصل وجوب المتابعة حتى في الأفعال، و لكن مثل هذه المرحلة أجنبية عن مرحلة سقوط القراءة عن الجزئية باختيار الركوع، إذ مثل هذا المعنى يناسب استحباب المتابعة أو وجوبها، فالبحث عن وجوب المتابعة أجنبية عن هذه المسألة.

نعم لو قلنا بوجوب المتابعة يجب- بالعرض- ترك الفاتحة، و لا يبقى في هذا

المقام مجال لملاحظة مزاحمة وجوب القراءة لوجوب المتابعة، إذ لا شبهة- بمقتضى ما تقدم- في جواز ترك القراءة باختيار الركوع، فكيف يزاحم وجوبها لوجوب الركوع.

بقي الكلام في أحكام المسبوق عن غير جهة القراءة فنقول: إنه لو ائتم في ثانية الإمام، فيتحمل قراءته الامام كما أشرنا إليه سابقاً.

و في جواز متابعة الإمام في قنوته قد وردت صحيحة أبان (1).

و في وجوب التجافي وقت تشهد الامام و قعوده إقعاءً، أو تشهده مع الامام استحباباً، أو جواز القعود مع الامام بالعقود الصلاتي و التشهد معه، وجوه.

ففي جملة من الأخبار: وجوب التجافي واقعي إقعاءً (2)، و في آخر: الأمر بالتشهد و كونه بركة (3)، و ظاهره استحبابه.

و في بعض آخر: «يقعد، و إذا سلّم الامام قام» (4)، بناءً على ظهوره، بل و ظهور الأمر بالتشهد في القعود الصلاة.

و لكن الإنصاف انّ الخبر الأخير يشرح القعود بالاقعائي.

نعم يبقى الأمر بالتشهد في مثل هذا القعود بلا مزاحم، فيشهد في إقعائه، فيقوم حين تسليم الامام.

و لو دخل في الائتمام مع الشك بسبق الإمام بركعة، فمقتضى تخصيص نواهي القراءة بمثله كون موضوع السقوط مقيّداً بقيد سلبي، و هو من لم يكن


1) وسائل الشيعة 4: 915 باب 17 من أبواب القنوت.

2) وسائل الشيعة 5: 468 باب 67 من أبواب صلاة الجماعة.

3) وسائل الشيعة 5: 467 باب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

4) وسائل الشيعة 5: 498 باب 67 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

مسبوقاً، أو من لم يدرك إلّا أخيرتي الإمام، كما هو ظاهر قوله: «إذا سبقك بركعة قرأت في الثالثة» (1)، و قوله في آخر: «الذي يدرك الركعتين- إلى قوله- اقرأ فيهما» (2).

و من المعلوم انّ مقتضى الاستصحاب بنحو سلب الاتصاف يثبت الموضوع المزبور.

نعم لو قلت بانصراف العمومات الناهية كعمومات ضمان الإمام إلى غير المسبوق، و انّ خروج المسبوق من باب التخصيص، كان موضوع السقوط المدرك للأولتين، فمن لم يكن كذلك فتجب عليه القراءة، فالأصل المزبور يدخل المكلف فيمن وجبت عليه القراءة.

و لكن مثل هذا التقريب على فرض تمامية أدلة ضمان الإمام لا يتم في العموم الناهي بلسان: «انه مبعوث على غير الفطرة» (3).

و حينئذٍ فالأقرب هو التقريب السابق، المستتبع لجريان أصالة سقوط القراءة الى أن ينكشف الحال، فيجزئ حينئذٍ أيضاً بعموم: «لا تعاد»، و اللّٰه العالم. (و لا يتقدم) المأموم على الإمام (في الأفعال) على المشهور بين الأصحاب، خلافاً لبعض حيث ذهب الى انّ المتابعة أفضل.

كما انّ القائلين بالوجوب بين من قال بالنفسية، و بين من قال بالشرطية للصلاة لا للجماعة فقط المستتبع لصحتها فرادى.

و يدل على مذهب المشهور في الجملة رواية جامع الأخبار المشتملة على نفي


1) وسائل الشيعة 5: 445 باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 445 باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

3) وسائل الشيعة 5: 423 باب 31 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

الصلاة لمن يرفع رأسه قبل الامام.

و ذيلها أيضاً صريحة في صحة صلاته لو رفع رأسه مع الامام، فراجع.

و لازمة رفع اليد عن ظهور قوله: «إذا ركع فاركع» و أمثاله، الظاهر في تأخير ركوعه.

و الحمل على الفضيلة- بشهادة فقرة اخرى- من الرواية السابقة، كما لا يخفى.

و لكن ربما يعارض الرواية المزبورة ما ورد من نفي السجدة و الثبوت في مكانه حتى يقوم الإمام في فرض الاقتداء بالإمام بعد الركوع، و قبل السجدة في الركعة الأخيرة لدرك فضيلة الجماعة (1).

إذ مثل ذلك شاهد عدم وجوب المتابعة في ظرف انعقاد الجماعة، فيتعدّى عن ذلك الى غيره بعدم الفصل.

و في رواية أخرى: النهي عن الركوع بعد رفع رأسه عن ركوعه (2)، إذ له الشهادة من جهتين: إحداهما: ترخيصه في ترك المتابعة في الركوع.

و الأخرى: عدم ردعه عن رفع رأسه قبله.

و توهم منع إطلاقه لصورة العمد، يدفعه ترك استفصال الامام، مع أنّ قوله: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به» جعل التبعية في الأفعال من غايات الائتمام، الذي هو مستحب، و معلوم أنّ غاية المستحب مستحبة.

علاوة عن أنّ الظاهر من التكبير المترتب على الائتمام هو تكبير الركوع لا تكبيرة الافتتاح، إذ بها قوام الائتمام لا مترتبة عليه.

و معلوم انّ المتابعة في الأقوال غير واجبة إجماعاً، خصوصاً و قد ورد النص


1) وسائل الشيعة 5: 449 باب 49 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

2) وسائل الشيعة 5: 449 باب 49 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

على عدم اعتبار تأخير التكبير حتى في الافتتاح، إذ في رواية قرب الاسناد الأمر بإعادة الصلاة بالتكبير قبل تكبير الإمام (1)، فإطلاق مفهومه يقتضي عدم الإضرار بالمقارنة، فيلزم أن يكون التأخير مستحباً.

و حينئذٍ فلم يبق في قبال مثل هذه الروايات الدالة على عدم وجوب المتابعة إلّا خبر الجامع (2)، فلا محيص من حمل نفي الصلاة فيه على نقصها عما تقتضيه الطبيعة بمقدار لا يضر بامتثال أمرها.

و حينئذٍ فلا دليل على الوجوب إلّا الشهرة، فإن تم مثلها إجماعاً فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر القول في المتابعة في الأقوال، و أنّ التحقيق عدم وجوبها حتى في السلام؛ للنص الوارد في خصوص السلام، بجوازه قبل سلام الامام (3)، الشامل بإطلاقه السلام المحلّل أيضاً، و يتعدّى الى غيره بعدم الفصل جزماً و اللّٰه العالم.

ثم انه على القول بوجوب المتابعة أو استحبابها، فظاهر الأمر بالمتابعة إتيان العمل بعنوان تابعية إمامه، و لازمة قصد الجزئية بما يأتي به لصلاته، و لازمة صيرورة المأتي به جزءاً لهذه الصلاة الشخصية، مستحباً أم واجباً على الخلاف المتقدّم.

و على أي حال ليس من الزيادة المبطلة، كي نحتاج الى تخصيص دليل الزيادة، نعم في كونه جزءاً مستقلًا أو متمماً للجزء السابق، و أن الركوعين اعتبرا ركوعاً واحداً، إلّا في فرض عدم تكرر في العمل فعلًا، كالسجدة عند


1) قرب الاسناد: 95.

2) جامع الأخبار.

3) وسائل الشيعة 5: 464 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

الاقتداء في حالها، فإنه لا محيص عن كونها جزءاً مستقلًا، وجهان.

ربما تظهر الثمرة في وجوب الذكر المنسي في الأولى، فإنه على التتميم يجب؛ لبقاء محله، بخلافه على غيره وجهان، لا يبعد- بمساعدة اعتبار المتابعة للإمام- المصير الى الوجه الثاني.

لو لا دعوى عدم اعتبار لهذا الاعتبار، فينتهي إلى الشك؛ لعدم مساعدة الدليل على الجزئية المستقلة أيضاً؛ لعدم ظهور مثل هذا الأمر مع الاقتران بما يصلح للقرينية في الجزئية المستقلة.

و معلوم انّ مقتضى الأصل عدم وجوب الذكر فيه، لو لا استصحاب بقاء المحل، و ذلك أيضاً لو لا عدم إثباته لمحليّة الموجود، و وجوب الذكر فيه من آثار الجهة الثانية لا الاولى، و اللّٰه العالم.

(و لا بد) في تحقق الجماعة (من نية الائتمام) بلا إشكال؛ للإجماعات المتكررة في الكلمات، و السيرة.

و قد أشرنا إليه أيضاً سابقاً، و إلى عدم الاحتياج إليها في طرف الإمام، إلّا في ترتب فضيلته و ثوابه.

و لكن ذلك أيضاً بشخص معين، و لا يجزئ الاقتداء بأحد الشخصين بنحو الكلي في المعيّن؛ لعدم مساعدة الكلمات على كفايته، فيكفي الشك فيه في عدم سقوط الفاتحة، نظير ما أسلفناه من سائر الشبهات الحكمية.

و يكفي تعيينه بنحو الإجمال، بعد إحراز شروط الإمامة فيه.

و في تقديم الإشارة على الوصف وجه.

و مع التعيين بالعنوان، فإن اقتدى باعتبار كونه ذاك، فبان خلافه، تبطل صلاته على ما أسسناه من الكلية في استلزام بطلان الجماعة بطلان أصل الصلاة.

نعم لو لم يكن مقتدياً إلّا بالشخص، بجعل عنوانه داعياً على اقتدائه به، لا يضر بصلاته، بل و بجماعته.

و لو قصد كل منهما الإمامة لا ضر فيه، و لو قصد كل منهما المأمومية فمقتضى ما عرفت من القاعدة السابقة بطلان الصلاة أيضاً.

و يشهد له المرسلة المجبورة بالعمل، المفصّلة بين قصد هما الإمامة أو المأمومية (1)، و ذكرناها أيضاً في عداد ما يقتضي بطلان الصلاة ببطلان الجماعة لا انقلابه بالفرادى، مع عدم الاختلال بوظيفة المنفرد، كما اخترناه سابقاً في غير هذا الكتاب فراجع.

ثم انّ في جواز الاقتداء في الأثناء وجه، إما للاستصحاب، لو لا دعوى أنّ القضية المتيقنة جواز إتمام صلاته جماعة و تبديل هذه الفرادى بها، فالقضية المشكوكة غير المتيقنة.

أو لرواية استخلاف الامام عند الحادثة (2)بدعوى انفرادهم، و لو في زمان تقديمهم غيره- خصوصاً مع كونه مؤخراً- آناً ما، لو لا دعوى كونه من باب تبديل إمام بإمام، على بعد فيه.

و بذلك ربما يتعدّى إلى غير صورة الحادثة أيضاً، فيكون الأصل جواز التبديل.

نعم على فرض عدم التعدّي عن مورد حدوث الحادثة يشكل أمره أيضاً؛ لعدم أصل يقتضيه؛ لعدم أصل يقتضي صحة جماعته، فينتهي إلى البراءة عن موانع الصلاة مع عدم سقوط الفاتحة، فتدبّر.


1) وسائل الشيعة 5: 420 باب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 440 باب 43 من أبواب صلاة الجماعة.

و أما قصد الانفراد في الصلاة عن حاجة فلا اشكال؛ لنصوص مقتضية (1).

و بدون الحاجة، فإن كان لانتهاء صلاة إمام فهو أيضاً مستفاد من فحاوي جواز الاقتداء بالإمام في الركعة الأخيرة.

و إن كان عن اختيار؛ فظاهر المشهور جوازه.

و قد يتمسك بالاستصحاب أيضاً.

و فيه: ما سبق من الاشكال.

و بإطلاق استحباب الجماعة، و جواز تركها في جميع حالات الصلاة.

و ذلك صحيح لو لم يناف فساد الجماعة بالانفراد المزبور من الأول، فإنه حينئذٍ يدخل في القاعدة الكلية، من أنّ فساد الجماعة ملازم لفساد الصلاة، و أنّ مع الشك يحكم بصحتها.

و عليه فلا دليل على جوازه، عدا ما يستفاد من ذيل رواية استخلاف الإمام عند الحادثة، من قوله في الصحيحة من «أنّ لهم إتمامها جماعة بتقديمهم إماماً، أو تقديم الإمام لهم، أو بعضهم فرادى و بعضهم جماعة» (2)، إذ مثل هذه الفقرة كالصريح في اختيار المأموم بين الجماعة و الفرادى.

و به يرفع اليد عما ورد في هذا الفرع من نفي الصلاة لهم إلّا بإمام، بحمله على نفي الكمال.

ثم انه من جواز الانفراد في الأثناء يتعدّى الى جوازه من الأول، بأن يقصد الائتمام في بعض الصلاة، و إن كان لا يخلو عن نحو اشكال، فلا تترك


1) وسائل الشيعة 5: 474 باب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 474 باب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

الفاتحة، بل الأحوط الإتمام بالفاتحة و الإعادة، و اللّٰه العالم.

ثم انه في فرض صحة قصد الانفراد فمع ائتمامه في حال قراءة الإمام لا يبعد السقوط؛ لأدلة ضمان الامام ما دامت الجماعة موجودة.

و دعوى انصرافه إلى صورة بقاء قدوته الى أن يفوت محل القراءة إشكال.

و مع عدم قراءة الإمام فلا شبهة في وجوبها عليه؛ لعدم الصلاة بلا فاتحة.

ثم انّ ذلك كله في مقام لا تكون الجماعة من شرائط الصحة، و إلّا فلا مجال للعدول المزبور، كما لا يخفى.

(و يجوز اختلافهما) أي المأموم و الامام (في الفرض)، بلا إشكال في اليومية؛ للنصوص المستفيضة (1).

نعم في التعدّي لسائر الفرائض اشكال، كالإشكال في مختلفي المندوبات المشروع فيها الجماعة، و اللّٰه العالم، و قد أشرنا إلى ذلك سابقاً أيضاً فراجع.

(و إذا كان المأموم واحدا استحب أن يقف) المأموم (عن يمينه، و إن كانوا جماعة) أو اثنين (فخلفه)؛ للصحيح المشتمل على قوله:

«الرجلان يؤم أحدهما صاحبه، يقوم عن يمينه، و إن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (2).

و هذه السنة جارية (إلّا) في الإمام (العاري) مع كون المأمومين عراة (فإنه يجلس وسطهم)، لرواية عبد اللّٰه بن سنان المشتملة على قوله:


1) وسائل الشيعة 5: 453 باب 53 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 411 باب 23 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

«يتقدمهم امامهم بركبتيه، و يصلّي بهم جلوساً و هم جالسون» (1)، و في استفادة الوسطية نظر، فتدبّر.

(و كذلك المرأة) مع كون المأمومين نساء، فإنها أيضاً تقف أيضاً وسطهن؛ لما في المعتبر من أنه روى بعض أصحابنا و حكاه بهذا المضمون (2).

(و لو صلين مع الرجال تأخّرن) عنهم؛ لما في رواية أبي العباس (3).

(و يعتبر في الإمام التكليف) على الأشهر، خلافاً لجمع من الأعاظم، فجوّز إمامة غير البالغ.

و منشؤ الخلاف: اختلاف أخبار الباب، ففي جملة من النصوص التصريح بالجواز (4)، و في بعضها التحديد بعشر سنين (5)، و في رواية إسحاق: نفي إمامته حتى يحتلم، و إن أم جازت صلاته، و فسدت صلاة من خلفه (6).

و مثل هذه الرواية كالصريح في عدم الجواز، بل ظاهرة أيضاً في شرعية عبادته، مؤيداً لعموم الأمر بأمرهم، على المختار من استفادة الشرعية، و هكذا أمر أذانه، فيتعدّى منهما إلى سائر عباداته.

و بالجملة الأمر يدور بين حمل الفساد على مرتبة غير مضرّة بالوفاء بالمصلحة الملزمة، على وجه قابل للتدارك بإعادة جديدة بقرينة السابقة، أو حمل الجواز في السابقة على الإمامة في بعض الصلوات المندوبة، المشروع فيها الجماعة.


1) وسائل الشيعة 3: 328 باب 51 من أبواب لباس المصلي حديث 1.

2) المعتبر 2: 427.

3) وسائل الشيعة 5: 405 باب 19 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

4) وسائل الشيعة 5: 397 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3.

5) وسائل الشيعة 5: 397 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

6) وسائل الشيعة 5: 398 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 7.

و لا يخفى بعد الأخير، و مع الدوران كان الأول مقدّماً.

و لكن الانصاف دعوى حكم العرف في مثل المقام بأنهما من المتعادلين غير القابل للجمع بينهما، و عليه فلا محيص من الرجوع الى المرجحات السندية.

و يكفي لترجيح سند رواية إسحاق عموم: «لا صلاة إلّا بالفاتحة»، و هو المذهب المشهور المنصور، مؤيداً ذلك بعدم صلاحية الصبي لضمان الفاتحة بما فيه من المصلحة الملزمة، حتى على شرعية عبادته على المختار، فتدبّر.

و أيضاً يلحق بالصبي المجنون في دورة جنونه دون غيرها، و على القول بالجواز، ففي إلحاق المجنون المتمكن من الصلاة- لأن الجنون فنون- بالصبي إشكال، و مقتضى القواعد عدم صحة الاقتداء، كما لا يخفى.

(و) يشترط في الإمام أيضاً (العدالة) بلا اشكال فيه نصاً (1)و فتوى.

و يكفي من النص تعليق جواز الاقتداء بالعدالة، و ظاهرها كون العدالة أيضاً شرطاً واقعياً.

و في نص آخر: «صلّ خلف من تثق بدينه» (2)، و ظاهره كون موضوع الحكم مجرد الوثوق بدينه، و العلم العادي بعدالته، مؤيداً ذلك بما ورد من امامة اليهودي لأهل خراسان إلى بغداد، و أمر الإمام أيضاً بعدم اعادة صلاتهم (3).

و ذلك أيضاً- بضم القاعدة المؤسسة في ملازمة فساد الجماعة لفساد الصلاة، لا الانقلاب الى الفرادى- يتم المدعى من موضوعية الوثوق قبال العدالة الواقعية، فيصير الشرط أعم من الواقعية.


1) وسائل الشيعة 5: 392 باب 11 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 393 باب 11 من أبواب صلاة الجماعة حديث 8.

3) وسائل الشيعة 5: 435 باب 37 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

و توهم أنّ حكم الإمام بصحة صلاة أهل خراسان، من جهة كون صلاتهم فرادى، مع فرض عدم الإخلال بوظيفة المنفرد، خلاف ما أسسناه من القاعدة السابقة، مع أنّ طول مدة صلاتهم مع الخبيث يقتضي استفصال الإمام لزيادة ركن في صلاتهم من جهة حفظ المتابعة، و مع عدم استفصاله فقد حكم بالصحة، و ذلك يقوي الصحة جماعة لا فرادى، كما هو ظاهر.

و من هذه الرواية أيضاً يستفاد علمية الشرطية في كل ما كان اليهودي الخبيث فاقداً له من مثل الطهارة الحدثية، و الخبثية، و الايمان.

نعم حيث انّ لكل قوم نكاحاً، لا يستفاد أنّ من ذلك طهارة المولد.

و في التعدّي عن هذه الأمور إلى غير هذه الشرائط، من سائر الأمور التي بظاهر أدلتها من الشرائط الواقعية نظر، و اللّٰه العالم.

ثم انّ الشروط الراجعة إلى الموضع أو الحكم، لما كان ظرف التقييدات و الإضافات المحددة لهما حدوداً قياسية، و ليست بمؤثرات حقيقة- و بهذا الوجه أيضاً التزمنا بصحة الشروط المتأخرة- فلا يلزم عند تعدد الشرط من الواقعية و العلمية، الالتزام برجوع الشرط الى الجامع، كي يشكل قيام الاستصحاب مقام العدالة الواقعية أو العلمية، بدعوى أنّ استصحاب العدالة فرع ترتب الأثر عليها بخصوصها، و أمر الجامع بينها و بين ما يباينها لا يصحح استصحاب سنخها، فيكف يقوم الاستصحاب أو الطرق مقامها.

و بمثل هذا البيان أيضاً أجبنا عن استصحاب الطهارة، مع أنّ الشرط فيها أيضاً أعم من الواقعية و العلمية، فراجع الاستصحاب في مقالتنا و تدبّر فيه.

و على أي حال، يستفاد من أخذ الوثوق- في جواز الائتمام- عدم جواز الاقتداء خلف مجهول الحال، إلّا إذا انكشف كونه عادلًا واقعاً، إذ يكفيه ما دل على جواز الاقتداء خلف العادل، و لا يصلح دليل موضوعية الوثوق لتقييد

العدالة بكونها موثوقاً بها، لعدم المعارضة بعد عدم المفهوم، و لذلك صححنا استصحاب العدالة أيضاً، كما لا يخفى.

ثم انهم اختلفوا في شرح العدالة، بأنها عبارة عن نفس حسن الظاهر، أو أنّ هذه طريق إليها و أنها هي الملكة النفسانية الرادعة عن المعاصي، و أنّ الطريق مجرد الإسلام و عدم ظهور الفسق، أو أنّ العدالة هو نفس هذا المعنى، وجوه و احتمالات بل أقوال.

و ربما يشهد للأخيرين ما دل من النص على جواز شهادة المسلمين بمحض عدم معروفيتهم بشهادة الزور، و في آخر «لا بأس به إذا لم يعرف بفسق» (1)، أو «إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق» (2).

و اختلاف النظر في أن الحكم بجواز الشهادة في هذه الروايات حكماً واقعياً، كي يستفاد- بضميمة شرطية العدالة إجماعاً و نصاً- كون ذلك المقدار هو العدالة، أو حكماً ظاهرياً لمحض التعبّد بعدالته بمحض هذه المعروفية بعدم الفسق، صار منشأ لاختلاف القولين الأخيرين.

و نظر الطائفة الأخرى أيضاً إلى جملة من النصوص المشتملة على تعليق الشهادة و الأمانة بالمعروفية بالصلاح و التقوى (3).

و في النص: «إن كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته» (4)، و في آخر: «يعرف منه خير» (5)، و في ثالث: «إذا كان عفيفاً صائناً» (6)، و في


1) وسائل الشيعة 18: 291 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 6.

2) وسائل الشيعة 18: 294 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 18.

3) وسائل الشيعة 18: 294 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 21.

4) وسائل الشيعة 18: 288 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 1.

5) وسائل الشيعة 18: 291 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 8 و 10.

6) وسائل الشيعة 18: 291 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 8 و 10.

رابع: «إذا كانوا صلحاء» (1)، الى غير ذلك.

و اختلاف أنظارهم أيضاً في أنّ الحكم بجواز الشهادة في هذه أيضاً من الأحكام الواقعية، أو التعبدية من باب الطريقية إلى العدالة و أنها هي الملكة المزبورة الواقعية، صار منشأ اختلافهم في أنّ الحسن المزبور عين العدالة أو طريق إليها.

و ربما تقع المعارضة بين هاتين الطائفتين.

و على أي تقدير فلا بد من رفعها بحمل الطائفة الاولى، و لو بحمل إطلاقه، و تقييدها بالثانية، و أنّ المدار في جواز الشهادة- إما واقعاً أو تعبداً- على الحسن المزبور.

نعم يبقى الكلام في ترجيح أحد الاحتمالين.

و يمكن ترجيح الطريقية، كما هو المعروف، بما ورد في صحيحة ابن أبي يعفور من قوله: متى يعرف عدالة الرجل حتى جازت شهادته لهم و عليهم؟ فقال: «أن يعرفوا بالستر و العفاف، و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه النار عليها، من شرب الخمر، و الربا، و الزنا و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و غير ذلك» (2)، و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه.

وجه الدلالة على ما ذكرنا هو: انّ الظاهر من قوله: «أن يعرفوه» كونه بياناً لما يعرف به العدالة، و مرجعه إلى صيرورة ستره و عفافه و غير هما بمثابة يصير معروفاً عند الناس، ففي هذه الصورة يكون معرفاً للعدالة، لا أنّ مجرد ستره طريق إليها، لا مجرد معروفيته عندهم، و لو لم يكن في الواقع ستيراً.


1) وسائل الشيعة 18: 294 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 21.

2) وسائل الشيعة 18: 288 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 1.

غاية الأمر المعروفية المزبورة طريق إلى الطريق من المرتبة الخاصة، من الستر، و من المعلوم أنّ مثل هذا المعنى ملازم لوجود ملكة الستر و غيره.

و لا يتوهم منها كون العدالة هو نفس السترية، و أنّ المعروفية عندهم طريق إليها.

إذ ذلك إنما يتم على فرض جعل المعروفية المزبورة طريقاً بلا واسطة، و هو خلاف المنساق من العبارة عرفاً، إذ المنساق منها كونها مأخوذة في مقام بيان المعروفية طريقاً إليها، لا بنحو الموضوعية، كما هو الشأن في غالب موارد أخذ المعرفة بالشي‌ء في لسان الدليل، كما لا يخفى.

نعم حيث انّ المعروفية المزبورة ملازمة مع المرتبة الخاصة من الستر، فلا يستفاد منها طريقية مطلقة أيضاً.

و يؤيد ما ذكرنا جعل الدليل على هذه المعروفية، كونه ساتراً لجميع عيوبه، و معنى دليليته كونه من باب الآن بكشف المعلول- و هو الاشتهار بالصفة- عن العلة، التي هي عبارة عن كونه ساتراً لجميع العيوب.

و معلوم انّ العلة الكاشفة ليست مطلق طبيعة الستر و العفاف.

و من هذا البيان أيضاً ظهر معنى الفقرة الأخرى من قوله: «تعرف باجتناب الكبائر» بناءً على قرائته بصيغة الغائب المذكر المجهول، فيكون ضميره راجعاً إلى الرجل، و الغرض منه بيان اعتبار المعروفية باجتناب الكبائر أيضاً زائداً عن الستيرة و العفة عن المقبحات العرفية، و كونه مجتنباً للكبائر الشرعية أيضاً.

أو أن الغرض منه شرح الستر و العفاف عن المعاصي بخصوص الكبائر لا مطلقاً، و لازم ما ذكرنا أيضاً كون تكرر اجتنابه سبباً لمعروفيته كذلك.

و يحتمل كون «تعرف» بصيغة المؤنث الراجع ضميرها إلى العدالة، و يكون الغرض من ذلك اعتبار الاجتناب الفعلي، الملازم لجعلها عبارة عن

الملكة الرادعة الفعلية، و إلّا فمجرد وجود الملكة المغلوبة للشهوات غير كافية فيها.

و لا يخفى أنّ مثل هذه الخصوصية لا تستفاد من المعنى الأول، إذ غايته كونه مجتنباً بحد، كأن تكرر اجتنابه لمعروفية عند الناس، و هذا المقدار لا ينافي مغلوبيته لشهوته أحياناً، فيكون حينئذٍ عادلًا و لو في حال ارتكاب المعصية.

و حيث انهم غير ملتزمين بذلك، ربما يصير فهمهم مثل هذا المعنى من الرواية شاهد ما ذكرنا من القراءة الثانية.

و إلّا فلا بد لهم من التشبث بدليل خارجي على دخل الاجتناب المزبور في العدالة، و لا أظن التزامه منهم.

و عليه نقول: إنّ لمثل هذه الرواية نحو حكومة على الأخبار السابقة، بجعل حسن الظاهر طريقاً إلى ملكة مخصوصة هي العدالة لا غيرها.

ثم انّ في الرواية شرح الكبائر بما أوعد اللّٰه عليه النار، و مثّل بأمثال.

و ربما يتعدّى عنها الى ما يوجب عنواناً آخر توعّد عليه النار، نظير بيان معصية بأنّه موجب لكفر عاصية، أو بمثابة شارب الخمر و أمثاله.

و يلحق بذلك أيضاً ما ورد في نص بأنه كبيرة، و إن لم توعد عليه النار، لو لا توهم تخصيص الكبيرة المضرة بالعدالة بالكبيرة الكذائية لا مطلقاً.

و لكن ذلك أيضاً لو لا حمل التوصيف بتوعيد النار على الغالب، و إلّا فالمدار على ما تسمّى في الشرع كبيرة.

بل ربما يتعدّى إلى ما ثبت أشدية معصيته عن الكبائر المعروفة، لو لا احتمال العفو عنه، كالظهار مثلًا، المنصرف عنه الكبائر المستتبعة للنار.

و إذا انتهى الأمر إلى الشك فتصير العدالة بالنسبة إليه مشتبهة المفهوم،

فالمرجع في مثله إطلاق دليل حكمه تكليفياً أم وضعياً.

بقي في المقام أمران آخران:

أحد هما: انّ المكلف بعد خروجه عن العدالة بمجرد الارتكاب، يحتاج في عوده إليها إلى الاستغفار،

و لا يجديه مجرد الندم عن معصيته بلا استغفار.

بل و في كفاية هذا المقدار في رفع استحقاقه عقلًا نظر أيضاً، كيف و هو من تبعات الملكية على إطاعة ربه الجليل، و من الأمور القهرية غير القابلة لتعلق الإلزام بها عقلًا و شرعاً.

و حينئذٍ فالتوبة التي بها يرفع الاستحقاق، و موضوع حكم العقل بحسنه، هو الندم المزبور، مع توجهه و رجوعه إلى ربه الجليل في استغفاره و انابته عما صدر منه.

و مثل هذا المعنى من المستحسنات العقلية غير القابلة لتوجه الأمر المولوي الشرعي نحوها.

و إليه أيضاً يشير بقوله: «لا كبيرة مع الاستغفار» (1)، و انّ الغرض منه نفي الآثار دنيوياً و أخروياً، من نفي العقوبة و رفع صفة الفاسقية عن مرتكب المعصية.

و بمثل ذلك تشرح العدالة بخصوصها، من كونها ذات ملكة رادعة فعلية، مع فرض عدم بقائه على استحقاقه، و إلّا فمع غمض العين عن ذلك لا معنى لدخل الاستغفار في عود العدالة؛ لأن المدار إن كان على الملكة الرادعة، و لو بمحض رادعيتها الفعلية، بعد ارتكابه المعصية السابقة، كان ذلك كافياً في فعلية العدالة، بلا احتياج الى الاستغفار، كما أنّه لو كان على ملكة غير


1) وسائل الشيعة 11: 268 باب 48 من أبواب جهاد النفس حديث 11.

مغلوبة رأساً، و رادعة فعلية من الأول، فيستحيل عودها بعد الارتكاب بمحض الاستغفار.

و حل ذلك لا يكون إلّا بما ذكر، و إلّا فلا بد من جعل «نفي الكبيرة مع الاستغفار» كناية عن نفي فسقه أيضاً تنزيلًا لا حقيقة، و هو خلاف الظاهر.

ثم انّ في النص: «لا صغيرة مع الإصرار» (1)، و ظاهره كونه في مقام النظر الى كون إصراره مضراً بالعدالة بعناية كونها كبيرة.

نعم مع عدم إصراره لا يضر بالعدالة، لفحوى النص المزبور، مضافاً الى تخصيص الستر و العفة في الرواية، أو المتمم للمعرف، باجتناب الكبائر دون غيرها.

و على فرض الشك أيضاً كان المقام من الشبهات المفهومية، المرجع فيها عنوانات ما يقابلها.

ثانيهما: انّ اعتبار الاجتناب عن منافيات المروة،

قد يستظهر من إطلاق الستر و العفاف (2)، بملاحظة اقتضاء إطلاقها الستر عن جميع العيوب العرفية و الشرعية، و خلاف المروات من المقبحات العرفية، المختلفة بحسب حال الأشخاص و الأمكنة و الأوقات.

هذا لو لا احتمال كون قوله: «و تعرف باجتناب الكبائر» في مقام شرح الستر بخصوص الكبائر الشرعية، و لا أقل من إجمال الكلام بمحض اتصاله بما يصلح للقرينية.

و حينئذٍ يشكل التمسك بالرواية المزبورة، لاعتبار عدم منافيات المروة.


1) وسائل الشيعة 11: 268 باب 48 من أبواب جهاد النفس حديث 3.

2) وسائل الشيعة 18: 288 باب 41 من أبواب الشهادات.

و أضعف منه التشبث ببعض نصوص أخر مشتملة تارة على: «انّ من صار كذا و كذا، حرمت غيبته، و كملت مروته، و ظهرت عدالته» (1)و اخرى بقوله: «لا دين لمن لا مروة له» (2)، إذ لا دلالة فيها على دخلها في العدالة المصطلحة، كما لا يخفى.

و عليه فتصير العدالة بالنسبة إلى تلك الجهة أيضاً من الشبهات المفهومية، التي عرفت الوظيفة فيها، و اللّٰه العالم.

(و) أيضاً يعتبر في الإمام: (طهارة المولد)، للنهي عن الصلاة خلفه تارة (3)، و عن الائتمام به اخرى (4)، و المجهول الحال يلحق بغيره بأصالة صحة النسب الجاري عليها السيرة القطعية.

(و لا يؤم القاعد القائم)، للنبوي (5)، علاوة عن قوله: «و لا المقيد المطلقين، و لا يؤم صاحب الفلج الأصحاء، و لا صاحب التيمم المتوضئين» (6).

و لكن في الأخير ورد النص على خلافه، معلّلًا بأنه طهور (7).

و لكن لما كانت من القرائن المنفصلة لا يوهن ظهور القضية في الحرمة.


1) وسائل الشيعة 18: 293 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 15.

2) وسائل الشيعة 5: 393 باب 11 من أبواب صلاة الجماعة.

3) وسائل الشيعة 5: 397 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 5: 397 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

5) وسائل الشيعة 5: 415 باب 25 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

6) وسائل الشيعة 5: 397 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

7) وسائل الشيعة 5: 401 باب 17 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

و ظاهر الفقرة الأولى أيضاً عدم جواز اقتداء كل صحيح في فعل من الصلاة، أو قول، بالعاجز عنه، أعم مما يجب متابعته أو غيره، و من ضمان الإمام إياه و عدمه.

نعم قد يتوهم عدم البأس بالاقتداء في الموارد التي ورد النص المخصوص بتنزيله منزلة الصحيح، مثل قوله: «سين بلال شين» (1).

و يدفع بمنع نظر التنزيل إلى فعل الغير، بل غاية الأمر نظره إلى فعل نفسه، فيشمله العموم السابق، فتدبّر.

و مما ذكرنا ظهر حال (إمامة الأمي، و المئوف اللسان بصحيحه).

(و لا) تؤم (المرأة رجلًا و لا الخنثى).

أما الأول؛ فللنبوي المنجبر ضعفه بالعمل (2)، و في آخر: «و تصلّي بالنساء» (3).

و أما الثاني، فللأصل، بعد عدم إطلاق لجواز اقتداء كل أحد بغيره، كي يصير الخارج عنه اقتداء الرجل بالمرأة، فبأصالة عدم الاتصاف ثبت عدم كونه منه، فيرجع الى عموم «لا صلاة إلّا بالفاتحة».

أو أصالة عدم تحقق الجماعة المقتضية لفساد صلاته رأساً حسب الملازمة السابقة، و لو لم يخل بوظائف المنفرد، فتدبّر.

(و) لو تشاح الإمامان لغرض شرعي غير مضر بعدالتهما، كان الهاشمي و صاحب المسجد) و المنزل (أولى)، أما الأخيران فظاهر مع


1) عدة الداعي: 21.

2) سنن البيهقي 3: 90.

3) مستدرك الوسائل 6: 468 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

عدم رضاهما، و مع رضاهما بامامة غيره، ففي استحباب اختيار هما بإطلاق الأحقية الواردة فيهما في قوله: «صاحب الفراش أحق بفراشه، و صاحب المسجد بمسجده» (1)حتى بالإضافة إلى اختيار الغير، لا منع نفسه عنه، وجه لو لا دعوى انصرافه إلى الأول، فتدبّر. (و يقدّم الأقرأ، فالأفقه، فالأقدم هجرة، فالأسن، فالأصبح) وجهاً، أما الأخير؛ فللرضوي (2)، و لا بأس به رجاءً، و مع فرض التساوي من سائر الجهات المزبورة.

و أما البقية؛ فلما في خبر أبي عبيدة (3)المشتملة على ما في المتن.

(و يكره أن يأتم الحاضرة بالمسافر)، للنص المحمول على الكراهة؛ لصحيحة ابن مسلم (4).

(و المتطهر بالمتيمم)، لما عرفت من الجمع بين النصين السابقين.

(و السليم بالأجذم و الأبرص)، للنهي عنه في المستفيضة (5)المحمولة على الكراهة بالنص المجوّز (6).

و مع بروزه في وجهه فيه نص (7)مخصوص بالنهي عنه قابل لتقييد المجوز.


1) وسائل الشيعة 5: 419 باب 28 من أبواب صلاة الجماعة.

2) وسائل الشيعة 5: 419 باب 28 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 419 باب 28 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

4) وسائل الشيعة 5: 402 باب 18 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

5) وسائل الشيعة 5: 399 باب 15 من أبواب صلاة الجماعة.

6) وسائل الشيعة 5: 399 باب 15 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

7) وسائل الشيعة 5: 399 باب 15 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

و لعله لذلك ذهب بعضهم هنا إلى عدم الجواز، و لكن الحمل على مراتب الكراهة أولى من التخصيص.

(و المحدود بعد توبته، و الأغلف) للنهي عنهما في خبر ابن طلحة (1)، المحمول على الكراهة، لقوله: «لا ينبغي» (2)في نص آخر بالنسبة إلى الأغلف و غيره.

(و يكره امامة من يكرهه المأمومون)، للنص المشتمل على قوله:

«كانت قلوبهم واحدة» (3)، و في آخر: «و هم به راضون» (4).

(و الأعرابي بالمهاجر)، للخبر المشتمل على قوله: «لا ينبغي امامة سبعة أو خمسة» (5)فراجع.

مسائل

(الأولى: لو أحدث الإمام استناب)،

لصحيحة زرارة المشتملة على إخبار الإمام بأنه على غير وضوء، قال: «يتمون صلاتهم» (6)و انّ لهم إتمامها جماعة بتقديمهم إماماً، أو تقديم الامام لهم، أو بعضهم جماعة و بعضهم فرادى.

و في آخر: «فليقدم بعضهم» (7)، الشامل لصور عدم اختيار هم إياه، أو


1) مستدرك الوسائل 6: 464 باب 13 من أبواب الجماعة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 396 باب 13 من أبواب صلاة الجماعة.

3) وسائل الشيعة 5: 418 باب 27 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4.

4) وسائل الشيعة 5: 417 باب 27 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

5) وسائل الشيعة 5: 399 باب 5 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3.

6) وسائل الشيعة 5: 433 باب 36 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

7) وسائل الشيعة 5: 437 باب 40 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.

اختيار امامهم.

و ربما يستفاد من مثل هذه النصوص صحة صلاتهم جماعة إلى الحين، و من الحين ينتقل إلى إمام آخر.

و من ذلك أيضاً يستفاد ما استفدناه من امامة اليهودي لأهل خراسان، كون الطهارة الحدثية للإمام من الشرائط العلمية في صلاة المأمومين، لا أنه من باب تبدل الجماعة بالفرادى، مع عدم الإخلال بوظيفته، كي ينافي مع ما أسسناه سابقاً.

بل لو قلنا بأن المستفاد منه بطلان الجماعة، و لو آناً ما، قبل الانتقال الى الامام الآخر، كما يشعر الأمر به بالتقديم، خصوصاً لو كان المختار مؤخراً عنهم صفاً، لا ينافي ما ذكرنا، إذ المقام من مصاديق قصدهم الانفراد، لا من مصاديق بطلان جماعتهم في حال قصدهم الجماعة.

و الذي تقتضيه القاعدة السابقة هو في الصورة الأخيرة، و حينئذٍ تصير الرواية من تلك الجهة شاهدة على عدم اعتبار بقاء القصد الى آخر الصلاة في صحة الجماعة.

بل و شاهدة على جواز الانتقال إلى الجماعة في أثناء الانفراد، كما شرحناه سابقاً، فتدبّر.

ثم انّ في النص جواز الاستخلاف في الرعاف، و الأذى في البطن (1)، بل (و لو مات) أيضاً فربما يستفاد من المجموع، علاوة على عموم عنوان احداث الحادثة الواردة في النص ضابطة كلية من جواز الاستخلاف عند طروء أي جهة من الاضطرار (2).


1) وسائل الشيعة 5: 438 باب 40 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

2) وسائل الشيعة 5: 438 باب 40 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3.

و لذا يتعدّى إلى ما لو جن الإمام، (أو أغمي عليه)، أو غير ذلك، فإن لهم في جميع هذه المقامات أن (قدموا إماماً).

(الثانية: لو خاف الداخل فوات الركعة، ركع و مشى و لحق بهم)

على ما تقدّم وجهه، فراجع.

(الثالثة: إذا دخل الامام، و هو في نافلة، قطعها،

و لو كان في فريضة أتمها نافلة) إن تمكن، و إلّا قطع نافلته.

و الأصل في ذلك ما ورد من النص في باب العدول: انّ من موارده العدول من الفريضة إلى النافلة لدرك الجماعة (1). إذ مثل ذلك شاهد على غاية الاهتمام بالجماعة، و لازمة استحباب قطعها عرضاً، للتوصل إلى الجماعة.

بل و إتمامها نافلة فرع التمكن من درك الجماعة به، و إلّا قطع نافلته كما ذكرنا.

و كذلك يستفاد من فحوى مثل هذا النص عرفاً، بلا احتياج الى التشبث بالرضوي (2)مع ما فيه.

(و) ظاهر المصنف تعيين قطع النافلة المعدول إليها (لو كان) الإمام (إمام الأصل) حيث قال: (قطعها و تابعه).

و إطلاقه يقتضي قطعها حتى مع التمكن من إتمامها و درك الجماعة، و له وجه لشدة الاهتمام في درك حضوره و الائتمام به مهما أمكن من صلاته.


1) وسائل الشيعة 5: 458 باب 56 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 145.

نعم في غيره، ففي اقتضاء النص جواز العدول لمحض درك تمام الصلاة جماعة إشكال، إذ المنساق منه صورة عدم درك الجماعة بغير العدول، كالإشكال في العدول لدرك فضيلة الجماعة، و إن لم يدرك ركعة، للشك في اندراجه في النص أيضاً، فالأصل عدم جواز العدول في غير المتيقن، كما لا يخفى.

(الرابعة: لو فاته بعض الصلاة دخل مع الامام و جعل ما يدركه) من الركعة

(أول صلاته، فإذا سلّم الإمام أتم الصلاة) بلا إشكال في ذلك.

و في النص: «يجعل الرجل ما أدرك مع الإمام أول صلاته» (1)، و في نص آخر: التصريح بوجوب قراءة المسبوق بركعة في الركعة الثانية، معللًا بأنه لم يجعل أول صلاته آخرها (2)، و قد تقدّم تفصيل المطلب في المسبوق المزبور و غيره، في بحث القراءة خلف الامام، فراجع و تدبّر.

(الخامسة: يستحب عمارة المساجد مكشوفة)،

و لا إشكال في استحباب بناء أصل المساجد.

و أما استحباب كونها مكشوفة، ففي استفادته من النصوص اشكال.

نعم يستفاد من خبر ابن سنان (3)كراهة تسقيفه بالطين و الجذوع، لا مطلق تظليله.

نعم ربما يستفاد كراهة التظليل من نص آخر مشتمل على كراهة المقام في


1) وسائل الشيعة 5: 446 باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 6.

2) وسائل الشيعة 5: 446 باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 7.

3) وسائل الشيعة 3: 487 باب 9 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

المساجد المظللة (1)، لو لا حمله- بقرينة السابقة- على تسقيفه.

(و يستحب كون الميضاة على أبوابها)، لرواية أبي إبراهيم: «و اجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم» (2).

(و المنارة مع حائطها)، و الظاهر من المفيد عدم علوها عن سطح المسجد (3)للنص بأنه لا يرفع المنارة إلّا مع سطح المسجد (4).

(و الإسراج فيها)، لاستغفار الملائكة و حملة العرش له ما دام في المسجد ضوء، كما في النص (5).

(و اعادة المستهدم)، للإطلاقات في رجحان تعميره.

(و يجوز استعمال آلته في غيره منها) بلا خلاف مع استغنائه عنها، أو تعذّر صرفها فيه.

بل ربما يكون ذلك أقرب بغرض الواقف أيضاً، و إنما الكلام في فرض أحوجية الغير إليها، مع إمكان صرفها في هذا المسجد، فإنّ الشهيدين التزما بالجواز (6)، و أنكر عليهما في الذخيرة (7)و المدارك (8).

و في النص الأمر بإعادة الحصى إلى مسجده أو غيره (9)، و في دلالته على مورد الكلام نظر.


1) وسائل الشيعة 3: 488 باب 9 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

2) وسائل الشيعة 3: 505 باب 25 من أبواب أحكام المساجد حديث 3.

3) المقنعة: 18.

4) وسائل الشيعة 3: 505 باب 25 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

5) وسائل الشيعة 3: 513 باب 34 من أبواب أحكام المساجد.

6) الذخيرة: 249.

7) المسالك 1: 47.

8) مدارك الأحكام 4: 396.

9) وسائل الشيعة 3: 506 باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

و الأولى التشبث بإثبات غرض الواقف بالأحوج فالأحوج، فإن تم فهو، و إلّا فالوقوف على حسب ما يقفها أهلها.

و من هنا ظهر الحال في إبقاء آلات المشاهد أو صرفها في غير هذا المشهد، من سائر المشاهد، و إلّا ففي المساجد، و إلّا ففي الرباطات و القناطر حسب أقربيته إلى غرض الواقف فالأقرب، و اللّٰه العالم.

(و يحرم زخرفتها و نقشها بالصور)،

للنهي عنهما في بعض النصوص (1)، مع ذهاب المشهور إليه أيضاً، الصالح لجبرها، قيل: مؤيداً بحرمة الإسراف أيضاً، و فيه نظر واضح.

(و يحرم) أيضاً (أخذها أو بعضها في ملك، أو طريق) على وجه يخرج عن عنوان المسجدية؛ لأنّ الوقوف لا بدّ من بقائها على ما أوقفها أهلها.

و أما مع عدم الخروج عن عنوان المسجدية غاية الأمر واقعة في وسط الطريق أو وسط ملك الغير، و لو بأن يشترى أطرافه و جوانبه، بحيث لا يبقى لأحد الاستطراق إليه، مع فرض عدم طريق مخصوص، أو مشترك له من الأول، فإنه لا وجه لحرمة الأخذ بهذا المعنى.

نعم مع احتياج تسويته مع ملكه، أو الطريق الى هدمه، يحرم هدمه و التصرف فيه بتغيير صورته.

بل و مع الهدم يجب عليه إعادته على صورته؛ لضمانه له بإتلافه.

كل ذلك من الواضحات بحسب القواعد.

و مع كونه مخروباً على وجه وقع فيه آلاته، فلا بدّ من إبقائها بحالها، إلّا مع احتياج مسجد آخر إليها، و عدم وجود من يعمّر هذا المسجد بحيث ينتهي


1) وسائل الشيعة 3: 493 باب 15 من أبواب أحكام المساجد.

الأمر بالآخرة إلى تلف الآلات، فيجوز صرفها في مسجد آخر كما أشرنا سابقاً.

و قد فعل ذلك بعض الأعاظم من أعلام أصفهان، و إن أنكر عليه بعض من ليس شأنه إنكار عمله.

(و) يحرم أيضاً (إدخال النجاسة إليها) مع التلويث أو مطلقاً، مع استلزامه هتكها إجماعاً.

بل و يجب إزالة النجاسة عنها فوراً، و في اقتضائه بطلان العبادة المستلزمة لترك الإزالة و عدمه، وجهان، مبنيان على النزاع المعروف، من اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده، المحرر في محله.

و ذلك أيضاً بناءً على التقرب بوجود العبادة بقول مطلق، لا التقرب و لو بحفظها من الجهة.

و لا فرق في حرمة التنجيس ظاهر المسجد أو باطنه، و لو بحفر بالوعة بعد المسجدية.

و في جواز جعل الكنيف مسجدا وردت نصوص مجوزة، و فيها «إذا طم بالتراب الطاهر» (1)، و في بعضها التعليل بمطهرية التراب إياه. (2). و الظاهر انّ المراد تنظيفه صورة لا التطهير الشرعي، و إطلاقها يقتضي عدم لزوم تطهير أرضها بمطهّر خارجي قبل طمه بالتراب فيتعدّى الى ما كان مثله، و لا يتعدّى منه الى جواز تنجيس الباطن جديداً جزماً، فمعاقد الإجماعات باقية على إطلاق حرمة تنجيسها و لو باطناً، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 3: 490 باب 11 من أبواب أحكام المساجد.

2) وسائل الشيعة 3: 490 باب 11 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

(و) يحرم أيضاً (إخراج الحصى منها)، لخبر وهب: «إذا أخرج أحد كم الحصاة عن المسجد فليردها الى مكانها، أو في مسجد آخر» (1).

و لا بد من تقييد ذيله بصورة عدم احتياجه كما هو الغالب.

و ظاهر الأمر بالرد ملازم عرفاً مع حرمة الأخذ منه من الأول، مع انه على وفق قواعد الوقف، لو لا دعوى بلوغ قلته إلى حد لا يحسب جزءاً منها، ككف من ترابها، فإن دليل حرمة التصرف في الوقف على خلاف ما يوقفها، منصرفة عن ذلك، فأصالة الجواز محكمة، لو لا إطلاق النصوص الخاصة، كالنص المزبور آنفاً، و ذلك أيضاً لو لا ظهور «لا ينبغي» في بعضها في الكراهة المصطلحة.

(و) على أي حال (يجب أن تعاد لو أخرج)، لدليل الضمان و النصوص السابقة في وجه.

(و يكره تعليتها)، للنهي عن رفع البناء أزيد من سبعة أذرع أو ستة (2).

و علو حائط مسجد الكوفة لم يعلم كونه بإمضاء معصوم، و إن كان المشهور في لسان العوام انّ سمت القبلة من بناء الامام المجتبى صلوات اللّٰه عليه، و على فرض كونه كذلك، فلعله لمصلحة يراه أهم من مفسدة التعلية، و لا يصلح فعلهم عليهم السلام لمعارضة النصوص، لوقوعه على وجوه شتى، على وجه لا ينافي النصوص الحاكية للحكم بحسب العناوين الأولية.

(و) يكره أيضاً (الشرف) فيها؛ لما في إرشاد المفيد من هدم القائم بعد قيامه صلوات اللّٰه عليه إياها (3)، و في النص أيضا «ان المساجد


1) وسائل الشيعة 3: 506 باب 26 من أبواب أحكام المساجد حديث 4.

2) وسائل الشيعة 3: 565 باب 5 من أبواب أحكام المساكن.

3) الإرشاد: 392.

لا تشرف» (1)، بعد حمل الأصحاب إياه على الكراهة و بعد احتمال كونه من جهة ضعف سند النص، و بنائهم على التسامح في الكراهة أشكل أمر الكراهة الشرعية، نعم لا بأس بتركها رجاءً.

(و) يكره أيضاً (المحاريب في حائطها) لما حكي من «أنّ علياً كان يكسر المحاريب» (2)و لو بكسر حائطه، فلا داعي للحمل على المقاصير المحدثة من الجبارين، فتدبّر.

(و جعلها طريقاً)؛ للنص بأنه لا يجعل المساجد طرقاً حتى تصلوا فيها ركعتين (3).

و مقتضاه: رفع الكراهة بالصلاة.

و يمكن جعل الصلاة مانعاً عن صيرورته طريقاً محضاً، و ما هو مكروه هو ذلك.

(و البيع و الشراء)، و في النص: «لا يشتري فيها و لا يباع» (4).

(و التعريف) و في النص التعليل بأنها لغير هذا بنيت (5)، و يحمل النهي على الكراهة بنص الترخيص (6).

ثم انّ في الرواية قوله: «تنشد»، و في كون ذلك بمعنى الإنشاد أو النشدان بمعنى الطلب كلام، و مع احتمال الأخير يشكل استفادة كراهة التعريف فراجع.


1) وسائل الشيعة 3: 494 باب 15 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

2) وسائل الشيعة 3: 510 باب 31 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

3) وسائل الشيعة 3: 553 باب 67 من أبواب أحكام المساجد.

4) وسائل الشيعة 3: 507 باب 27 من أبواب أحكام المساجد حديث 3.

5) وسائل الشيعة 3: 508 باب 28 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

6) وسائل الشيعة 3: 508 باب 28 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

(و اقامة الحدود)، لما في المرسل (1)، و ذلك أيضاً ما لم يوجب القتل و إلّا فيحرم؛ لعدم نظر دليل الجواز إلى هذه الحيثية.

(و إنشاد الشعر)، لما في مرسل المناهي عن العلل (2).

و صحيح ابن يقطين: «ما كان من الشعر فلا بأس» (3)، و لعله ناظر إلى ما يتعلق بمراثي الأئمة و مدحهم، المعلوم أمرهم بها كراراً، قبال مطلق الإنشاد المكروه لديهم، كما لا يخفى.

(و عمل الصنائع)، و ربما يستفاد من التعليل السابق، من أنّ بناء المسجد لغير ذلك، إذ ربما يحمل على كل ما لم يكن من العبادة المعهود وقوعها فيها.

(و النوم فيها)، لشمول التعليل السابق له، و في بعض النصوص تخصيص النوم بالمسجدين، و نفي البأس في غيرهما (4)، و في آخر: نفي البأس فيهما أيضاً (5)، و يحمل على مراتب الكراهة.

(و البصاق فيها)، للنصوص المستفيضة الناهية، و فيها: «إنّ كفارته دفنه» (6).

(و تمكين المجانين) و الصبيان مع عدم تلوثهم، و إلّا ففي تحريمه وجه، خصوصاً في غير المميز منهما، فإنه يحرم جزماً، لصدق تنجيسه تسبيباً.

(و إنفاذ الأحكام) للنص الظاهر في كراهة نفس الحكم (7)، و لكن


1) وسائل الشيعة 3: 508 باب 27 من أبواب أحكام المساجد حديث 4.

2) وسائل الشيعة 3: 492 باب 14 من أبواب أحكام المساجد حديث 3.

3) وسائل الشيعة 3: 492 باب 14 من أبواب أحكام المساجد.

4) وسائل الشيعة 3: 496 باب 18 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

5) وسائل الشيعة 3: 496 باب 18 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

6) وسائل الشيعة 3: 498 باب 19 من أبواب أحكام المساجد حديث 4.

7) وسائل الشيعة 3: 507 باب 27 من أبواب أحكام المساجد.

بقرينة كونه ديدنهم محمول على كراهة إنفاذه.

(و يستحب تقديم الرجل اليمنى دخولًا، و اليسرى خروجاً)، لنص يونس (1).

(و الدعاء فيها)، للنصوص المستفيضة (2).

(و كنسها)، لما في محاسن البرقي (3)، و يوم الخميس و ليلة الجمعة أفضل؛ للنص (4)فيها، المحمول على مراتب الفضيلة.

السادسة: يستحب اعادة المنفرد ما صلّى جماعة، ليختار اللّٰه أفضلهما، كما في النص (5).

و ظاهر هذه الفقرة صلاحية وقوع الثانية- لو كان أفضل- امتثالًا لأمره الوجوبي الأول، و لازمة جواز إتيانه بداعي أمره الإيجابي، و لازمة الالتزام بعدم كون الاولى مسقطاً قهرياً، بل لإعمال الاختيار دخل فيه، و إن لم يكن بعد على محركيته فيحتاج إلى أمر آخر فيه لو لا دعوى كفاية الأول بعد عدم سقوطه للمحركية أيضاً، نحو ما هو موضوع الاختيار، و إن كان له الاقتصار على الأول؛ لعدم حكم العقل إلّا بحرمة تفويت الغرض، لا وجوب تحصيل موضوع الاختيار من الأفضل و ان كان تحصيله من المحسنات العقلية، و لكن ذلك أيضاً مع العلم بكيفية غرضه، و إلّا فلا بد من اعمال التعبد فيه.


1) وسائل الشيعة 3: 517 باب 40 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.

2) وسائل الشيعة 3: 503 باب 23 من أبواب أحكام المساجد.

3) المحاسن: 56.

4) وسائل الشيعة 3: 511 باب 32 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.

5) وسائل الشيعة 5: 456 باب 54 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1.

كيف و ظاهر الإطلاق وفاء المأتي به بالغرض، بلا دخل شي‌ء آخر فيه، و لذا صار الأصل عدم مشروعية المعادة، إلّا فيما تثبت، كما لا يخفى.

و في بعض النصوص: استحباب المعادة أيضاً جماعة لمن صلّى جماعة إماماً أم مأموماً، و حملها شيخنا العلّامة على إمام من لم يصل (1)، لدعوى انصراف الإطلاق إليه، و في النجاة: جوازه مطلقاً لمنع الانصراف، و فيه نظر.


1) كتاب الصلاة: 376.

(الباب السابع) (في صلاة الخوف)

اشارة

فليعلم انّ تشريع الصلاة أولًا على الركعتين، و ان الزيادة من إضافة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ليلة المعراج في حق الحاضر دون الخائف و المسافر (1)، فصلاة التمام و القصر حينئذٍ بقرينة قوله: «زاد في فرض اللّٰه» من باب التنويع بحسب المشروعية الثانوية، و لا إشكال في ذلك، إنما الكلام في تأسيس الأصل بأنه يقتضي القصرية أو التمامية، فنقول:

ربما يستفاد من ذيل بعض النصوص- «لا يجوز تركهن إلّا في سفر» (2)الملحق به الخوف أيضاً، بدليل تنظير الخائف بالمسافر في نصه- عموم وجوب التمام في حق كل أحد إلّا ما خرج، و انّ العنوان المخصوص أخذ في طرف الخارج.

و حينئذٍ فمهما لم يثبت من الدليل ثبوت القصر، فمع الشبهة فيه مصداقاً فالمرجع التمام؛ لأصالة عدم الاتصاف بالمسافرية.

نعم مع كون الشبهة حكمية لا مجرى لهذا الأصل؛ لجريان مناط الفرد


1) وسائل الشيعة 3: 7 باب 2 من أبواب أعداد الفرائض حديث 5.

2) وسائل الشيعة 3: 6 باب 2 من أبواب أعداد الفرائض حديث 1.

المردد فيه، كما لا مجال للتشبث بالعالم أيضاً، لفرض اتصال شكه بما يصلح للقرينية، كما لا يخفى.

و عليه فلا يكون المرجع في الشبهات الحكمية استصحاب الحكم، بعد المسامحة من جهة الموضوع، و مع الجهل بالحالة السابقة، فلا محيص من الجمع بين الوظيفتين، جرياً على وفق قواعد العلم الإجمالي في البين، كما لا يخفى.

(و هي) أي صلاة الخوف (مقصورة سفراً و حضراً، جماعة) بلا خلاف، (و فرادى) على الأشهر، بل المشهور، لإطلاق الصحيح: في صلاة الخوف و السفر تقصران جميعاً؟ قال: «نعم» (1)، و صلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه.

بل و ظاهره كون التقصير فيه أيضاً عزيمة لا رخصة، فلا مجال لإجراء البراءة عن الأكثر عند شكه أيضاً.

كما انّ المنساق منه تشريع قصره في موضوع قصر المسافر، فلا قصر في الثلاثية و الثنائية.

فما في نص آخر من تشريعه في الثنائية بنقص ركعة واحدة (2)، معرض عنه، فلا يعبأ به.

و أيضاً إطلاقه يشمل الرجال و النساء، مضافاً إلى قاعدة الاشتراك في كل حكم يصلح للشركة إلّا ما خرج.

(و شروطها ثلاثة):

اشارة

1) وسائل الشيعة 5: 478 باب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 479 باب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 2.

أحدها: (أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم الافتراق إلى قسمين،

يقاوم كل قسم منهم العدو).

(و) ثانيها: (أن يكون في العدو كثرة يحصل معها الخوف)،

كل ذلك يستفاد من منطوق النص و فحواه الوارد في كيفيتها على طبق المتن (1).

(و) ثالثها: (أن يكون العدو في خلاف جهة القبلة)،

و استفادة هذا الشرط من نصوص الباب في غاية الإشكال، كيف و خوف الهجوم قائم في كل جانب، فعلى فرض اشتمال هذه الصلاة على أمور خلاف ما يقتضيه القواعد، لا يضر بالتمسك بإطلاق مشروعيتها في كل جانب، كما أشرنا.

و حينئذٍ فلا وجه لتخصيص غير صلاة عسفان بصورة كون العدو بغير جهة القبلة، إذ ذلك خلاف إطلاق النص المشتمل على السؤال عن صلاة الخوف، و تفسير الإمام أيضاً بما فسره بلا تعرضه لكون العدو بجهة دون جهة، كما لا يخفى.

نعم في صلاة عسفان لما لم يرد به إطلاق نص، يقتصر على مورده من فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، في صورة كون العدو بجهة القبلة، فتدبّر.

(و كيفيتها)

كما في النص المشار إليه آنفاً (أن يصلّي الإمام بالأولى ركعة، و يقف في الثانية حتى يسلموا فيجي‌ء الباقون فيصلّي بهم الثانية) إلى أن قال في ذيل النص: «ثم يجلس فيقومون هم فيصلون ركعة أخرى، ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمه» (2).

(و) ظاهر هذه الفقرة: أنه (يقف) الإمام (في التشهد حتى يلحقوه


1) وسائل الشيعة 5: 480 باب 2 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة.

2) وسائل الشيعة 5: 480 باب 2 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 1.

فيسلم بهم)، و في بعض النصوص عدم انتظار الإمام للثانية في التشهد و التسليم (1)، و يجمع بينهما بالحمل على الفضيلة.

هذا إذا كانت الصلاة ثنائية، (و إن كانت ثلاثية) فهل (يصلّي بالأولى ركعة و بالأخرى ركعتين، أو بالعكس)؟ وجهان منشأهما نصان متعارضان (2).

و مقتضى الجمع بينهما برفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين هو التخيير.

و على فرض البيان، فالمرجع- بعد عدم مرجح في المتن- هو التخيير في الأخذ بأي واحد من باب التسليم.

مع انه لا يبقى مجال لأصل الاشكال، بناءً على جواز قصد الانفراد لكل طائفة اختياراً.

(و يجب أخذ السلاح) للحارسين و المصلين؛ للآية الشريفة (3).

و في تفسير ابن عباس: تخصيص ذلك بالحارسين، لكنه خلاف المشهور.

و في كون الوجوب مناسباً للمقدمية لحفظ النفس يمنع عن ظهوره في شرطيته في الصلاة.

و حينئذٍ فمع خوف العدو يزاحم أخذه كل فعل من أفعالها، فينتقل إلى الميسور منه، و إلّا فإلى بدله المنصوص و إلّا فيسقط رأساً.


1) وسائل الشيعة 5: 480 باب 2 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 480 باب 2 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 2 و 3.

3) النساء: 101.

نعم مع عدم خوفه لا وجه لوجوبه إلّا لمحض سد باب احتمال ضعيف موهون.

و في مثله، ففي مزاحمته مع الأفعال إشكال، لو لا دعوى اقتضاء إطلاق الدليل في الطرفين التخيير بينهما.

و لكن الانصاف منع شمول الإطلاقات لمثل هذه الصورة، لتنزيلها لمواردها الغالبة من الخوف، فلا وجه لأصل الوجوب في غير فرضه.

بل عمومات مانعية أخذ السلاح تقتضي مانعيته في المقام أيضاً.

و يظهر من المصنف الأخذ بإطلاق الدليل حيث قال: (ما لم يمنع شيئاً من الواجبات، فيؤخذ مع الضرورة).

و فيه: ما عرفت، مع أنه على فرض إطلاق دليل الوجوب لا وجه لتقديم دليل اجتزاء هذه الصلاة، إذ لا وجه لاستفادة أهميتها إلّا إطلاق أدلتها المشتركة بين الطرفين.

(و صلاة شدة الخوف) المسمّاة بصلاة المطاردة،

فهي مع شركتها مع الأولى في قصر الكم، تمتاز عنها بقصر الكيفية أيضاً، فلا بدّ فيها من مراعاة الأفعال (بحسب الإمكان، واقفاً أو ماشياً أو راكباً، و يسجد على قربوس سرجه) إن لم يتمكن من السجدة على الأرض، (و إلّا أومأ) بالرأس إن أمكن، و إلّا فبالعينين.

(و يستقبل القبلة ما أمكن) كما هو الشأن في سائر المقامات من حفظ الميسور مهما أمكن فالميسور.

و ما في النص: انه «يصلّي بالإيماء»، ينزل إطلاقه على صورة عدم التمكن من المراتب السابقة، كما هو المرتكز في الأذهان، فلا مجال للتشبث بتوهم إطلاقه.

كما انّ إطلاق الإيماء فيه أيضاً مشترك على مراتبه المرتكزة المتقدم بعضها، كالايماء بالرأس على الإيماء بالعين، فلا ينافي في مثله كونهما بالنظر البدوي من المتباينين كما لا يخفى.

هذا، (و لو لم يتمكن) من كثرة الدهشة (من الإيماء مطلقاً صلّى بالتسبيح، عوض كل ركعة: سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر)؛ لصحيحة الفضلاء (1)المنزل إطلاقها على صورة عدم التمكن من المراتب السابقة، كما هو الغالب في فرض شدة الخوف المزبور.

و في النص المزبور: التكبير و التهليل و التسبيح و التحميد، و حمله المشهور على الذكر المزبور؛ نظراً إلى ظهور كلمة و أو الجمع بينها.

و مع عدم التمكن يكتفى أيضاً بميسورها.

و في مشروعية الجماعة حتى في هذه المرتبة، فرع إطلاق دليلها، و إلّا فأصالة عدم المشروعية محكمة.

و إليه نظر الإرشاد أيضاً في إنكار المشروعية.

اللهم إلّا أن يقال: ليس بناؤهم على تخصيص الجماعة في غير صلاة الخوف بمرتبة دون مرتبة، فهذه المعهودية سيالة في مثل المقام، كما لا يخفى.

ثم بعد جريان الجماعة في المقام أيضاً، لا بدّ من مراعاة شرائطها أيضاً مهما أمكن، و مع عدم التمكن فرفع المانعية أو الشرطية بقاعدة الميسور، و دليل الاضطرار في تحقق الفرد، إلّا إذا بلغ الأمر جداً يمنع عن انعقاد حقيقة الجماعة، نظير بلوغ الفعل الكثير بحد يضاد- بحسب ارتكاز أذهان المتشرعة- لحقيقة الصلاة، و لا يبعد أن يكون البعد المفرط من هذا القبيل، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 5: 483 باب 3 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة.

(و المتحول و الغريق يصليان إيماءً) مع بلوغ ميسورهما إليه، فيقتصر بمقدار ميسور هما، (و لا يقصران إلّا مع الخوف و السفر).

و في شمول خوفهما للخوف من غير العدو بأي وجه وجه؛ للتعدّي من النص الوارد في خوف اللص و السبع (1).

و لكن في التعدّي مع ذلك اشكال، خصوصاً لو احتمل في نص اللص و السبع أيضاً انّ صلاتهما مثل صلاة المطاردة كيفاً لا كماً.

و لعله لذا أنكر بعضهم القصر فيهما أيضاً، فضلًا عن غيرهما، و المسألة غير نقية من الاشكال، و الاحتياط لا يترك.


1) وسائل الشيعة 5: 483 باب 3 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 1.

(الباب الثامن) (في صلاة المسافر)

(يسقط) بلا إشكال (في السفر من كل رباعية ركعتان بشروط خاصة):

(أحدها: قصد المسافة)،

بلا اشكال فيه في الجملة.

و توهم مطلق الضرب في الأرض للآية (1)، مدفوع موهون بالتواتر على خلافه.

(و هي) أي المسافة (ثمانية فراسخ، أو أربعة مع قصد العود في يومه).

و ذلك للجمع بين المستفيضة على التحديد بالثمانية، أو بريدين، أو مسير يوم، أو بياضه. و في خبر الفضل: «إنما وجب القصر في ثمانية لا أقل من ذلك و لا أكثر؛ لأنّ الثمانية مسير يوم» (2)، و بين ما دل على كفاية أربعة بشرط الرجوع (3).

و في بعضها: «إذا ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه»، و ظاهر هذه


1) النساء: 101.

2) وسائل الشيعة 5: 490 باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

3) وسائل الشيعة 5: 496 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

الرواية الرجوع ليومه، حفظاً لظهور شغل يومه.

كما أنها حاكمة على المستفيضة السابقة التي جعل مناط القصر بشغل اليوم.

و في قبال ذلك أخبار عرفات الصريحة في عدم اعتبار الرجوع ليومه في قصره (1).

و حينئذٍ لا بدّ من حمل أخبار الرجوع على عدم قطع سفره بقواطعه، لا الرجوع في خصوص يومه بعدم قطع سيره بمبيت ليلة.

و حينئذٍ فإطلاق بقية أخبار التحديد بالأربعة لا بد أن يقيّد بصورة اتصال سفره.

و توهم أنَّ أخبار عرفات بعد عدم صلاحيتها للتقييد برجوع اليوم، فلم لا يؤخذ بإطلاقها، حتى لصورة قطع سفره مدفوع بأن أخبار الرجوع ليومه ظاهرة في عدم قطع سفره و سيره، فبمقدار تعارضها لأخبار عرفات يرفع اليد عنها.

كما أنه يرفع اليد عن إطلاق أخبار عرفات بمقدار حجية أخبار الطائفة الأخرى، فبأظهرية كل طائفة ترفع اليد عن ظهور الأخرى، و ذلك مورد جمع من الأساطين الذاهبين إلى كفاية أربعة مع عدم قطع السفر بالإقامة و أمثالها.

ثم انّ الظاهر من الأربعة هي الامتدادية، فلا يجدي ما كان بشكل الدائرة ما لم يبلغ قطرها الأربعة.

نعم لا بأس باعوجاج الطريق مقداراً لا يخرج بنظر العرف عن صدق الامتداد، كما هو المتعارف في غالبها، خصوصاً في الشطوط التي هي طرق السفن.


1) وسائل الشيعة 5: 499 باب 3 من أبواب صلاة المسافر.

و توهم أنّ تطبيق الإمام الأربعة على الثمانية كاشف عن اكتفائه بالثمانية التلفيقية، و لو كان ذهابه أقل من الأربعة الامتدادية.

مدفوع بان مجرد التطبيق المزبور لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأربعة الذهابية عن الامتدادية، فمنهما يستفاد الاكتفاء بتلفيق خاص لا مطلقه، مع أنّ أخبار الثمانية ظاهرة في امتداد تمامها، فرفع اليد عن بعضها بقرينة منفصلة لا يقتضي منع ظهورها في امتداد البقية، كما لا يخفى.

ثم انّ مبدأ السير المزبور نفس داره مع الانفراد، أو قريته مع اجتماع داره بدور اخرى، يسمّى مجموعها قرية أو محلته عند اتساع البلد بمقدار يحسب عند العرف بلاداً متعددة متصلة.

و عمدة النكتة في التفصيل المزبور، هو انّ الإطلاقات لما كانت في مقام تحديد السفر، فمنزلة على تحديد خروجه من وطنه و مسكنه الذي لا يرى نفسه غريباً فيه، و من المعلوم انّ ذلك يختلف باختلاف السائر، إذ ربما يرى الإنسان في نفسه ذلة الغربة بمحض خروجه من بيته، و ربما لا يراه إلّا بخروجه عن تمام المحلة، كما في البلاد المتسعة، و ربما لا يراه إلّا بالخروج عن تمام القرية أو البلد كما في البلاد المتعارفة.

و حينئذٍ فما ورد من إطلاقات السفر، بل و ما ورد في تحديد مبدئه تارة بالخروج عن الدور، و اخرى بالخروج عن مجموع البيوت، منزلة على ما ذكرنا.

و إلى ما ذكرنا من الارتكاز الموجب لتنزيل الإطلاقات على المراتب المختلفة نظر الأصحاب أيضاً في مصيرهم إلى تفصيل أشرنا إليه.

ثم انّ هذه الجهة أيضاً غير مرتبطة بمقام حد التقصير و تحديده بحد الترخص الآتي شرحه أيضاً، إذ لحد السفر الذي هو موضوع قصده مقام، و لحد التقصير مقام آخر، نعم لا بد من جعل المدار في حد الترخص أيضاً ما يقاس بمبدإ

سفره من الدار أو القرية، أو المحلة، و سيجي‌ء توضيحه في محله إن شاء اللّٰه تعالى.

ثم لا إشكال في انّ مناط القصر ليس على طي المسافة واقعاً، و لا عدمه بعدمه، و يشهد للجهة الأولى ما في رواية صفوان: «لا يقصّر و لا يفطر؛ لأنه خرج من منزله، و ليس يريد السفر» (1)، و نظيره رواية أخرى صريحة في ذلك (2).

و يشهد للثانية ما في النص فيمن تردد في أثناء السفر، من عدم اعادة صلاته السابقة التي صلاها عن تقصير، معللًا بأنه لم يشك في مسيره (3).

فجعل المدار في المقصر على ذلك لا على السير واقعاً، كما لا يخفى.

و حينئذٍ فما ورد من الأمر بالقضاء لما أتى تقصيراً، معللًا بعدم طي المسافة واقعاً، مطروح أو مؤول بالفضيلة.

ثم انّ المدار في قصدية المسافة تعلّق الإرادة بعنوانها تفصيلياً، بمعنى الالتفات إلى نفس العنوان المزبور تفصيلًا، و توجه القصد إليه بنفسه، لا بتوسيط عنوان إجمالي، مع عدم الالتفات إلى نفس العنوان تفصيلًا.

و حينئذٍ فقصد التابع بالمسافة الواقعية، بنحو الإجمال بلا التفاته فعلًا إلى توجه قصده إليه تفصيلًا، من جهة الجهل بكيفية قصد متبوعه، غير مجد. إذ لا يصدق عليه أنه قصد المسافة تفصيلًا.

و إن كان قصده إليها بتوسيط عنوان إجمالي، مثل ما تعلق به قصد متبوعه،


1) وسائل الشيعة 5: 503 باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 504 باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

3) وسائل الشيعة 5: 504 باب 5 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

مع فرض تعلّق قصده بها، و جهل التابع بذلك، ففي هذا المورد لا يصدق تعلّق قصده إلى المسافة بتوسيط عنوانه الملتفت إليه تفصيلًا، و إنّما تعلّق قصده بواقعها بتوسيط عنوان آخر إجمالي، فالمتبوع في الفرض غير خال عن القصد إلى واقع المسافة، بل إنما هو خال عن القصد إليه بعنوانه تفصيلًا، و لذا لا يجدي القصد المزبور في تقصيره، بل يجري عليه حكم المتحيّر الذي لا قصد له فعلًا، بتزاحم الدواعي إلى طرفي الوجود و العدم.

نعم لو تحقق القصد إلى نفس العنوان الملتفت إليه تفصيلًا، لا يحتاج إلى الجزم بوجود المقصود تفصيلًا، بل يكفي فيه مجرد رجاء وجوده، و بذلك يمتاز القاصد للمسافة مع احتمال وجود مزاحم في سيره فعلًا أو مآلًا.

ففي حال اشتغاله بالسير يصدق على سيره هذا قصد بلوغه إلى المسافة، و لكن لا جزماً بل رجاءً، و هذا المقدار لا ينافي تعلّق قصده بعنوان المسافة تفصيلًا، و إن لم يعلم بوجود مقصوده في الخارج.

و حينئذٍ فالغرض من القصد التفصيلي الموضوع كون القصد في تعلّقه بالعنوان تفصيلًا، لا أنّ المقصود مما علم وجوده تفصيلًا، فلا تنافي حينئذٍ بين القصد التفصيلي المزبور في قبال القصد الإجمالي الحاصل في المتبوع في فرض عدم العلم التفصيلي بوجود مقصوده التفصيلي في الخارج.

فالأصحاب المعبرون عن القصد في المقام بالتفصيلي، يريدون ما ذكرنا، لا أن غرضهم كون وجود المقصود أيضاً معلوماً تفصيلًا.

كيف و بناؤهم في فرض الشك في طروء المانع عن السير المقصود به المسافة في أثناء الطريق، على وجوب القصر.

و توهم أنّ بالأصول العقلائية يحكم بكونه معلوماً، كلام ظاهري، إذ الأصول العقلائية إنما تثبت العلم في مورد كان لمؤداه أثر شرعي، و فيما نحن فيه ليس للسير الواقعي أثر حقيقة إذا لم يتعلّق به القصد المذكور.

هذا كله إذا لم يكن التابع عالماً تفصيلًا بقطع المسافة، و أما إذا كان عالماً بذلك، فيتحقق القصد المذكور منه لا محالة، فيجب عليه القصر و الإفطار، كما لا يخفى.

(الثاني: أن لا ينقطع ببلد له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً)

كما هو المشهور، بل عن بعضهم الإجماع عليه، مضافاً إلى النصوص المستفيضة الدالة على وجوب التمام إذا مر بقرية أو ضيعة له (1)، بعد تقييدها بغيرها من النصوص التي اعتبرت في الإتمام كون الضيعة و القرية مما استوطنه ستة أشهر (2).

أما استفادة الملك فمن ظهور اللام في قوله: «تكون للرجل بمصر أو الضيعة»، أو قوله: «إلّا أن يكون له فيها منزل».

فمن مجموع نصوص الباب يستفاد وجوب الإتمام بحصول الشرطين:

الملكية، و الاستيطان ستة أشهر.

ثم الظاهر من إطلاق النصوص: عدم اعتبار التوالي في الستة أشهر، كما هو ظاهر إطلاق المصنف أيضاً.

و المراد بالوطن الشرعي: كل مكان يتخذه الإنسان مقراً لنفسه على الدوام، أو مدة غير محدودة بنظر العرف، كمن يريد البقاء في بلد للتجارة و اتخاذه مقراً لكسبه و عمله لأمد غير معلوم.

و في النص: ما الاستيطان؟ فقال: «أن يكون فيه منزل يقيم فيه ستة


1) وسائل الشيعة 5: 520 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 1- 5.

2) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 11.

أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها» (1). و قد تقدّم عدم ظهوره في اعتبار التوالي، و منه يظهر انّ كل بلد أراد الإنسان أن يبقى فيه في حدود هذه المدة أو أكثر فإنه يصير وطنه شرعاً.

أما اعتبار الملكية، فالظاهر ارادة الاستقرار من ذلك، لا نفس التملك حقيقة. فكل بلد أراد الإنسان أن يستقر فيه- و هذا هو المراد من الملكية في النص- و قد استقر فيه فعلًا مدة أكثر من ستة أشهر، فيكون وطنه، هذا مع إشكال في هذا الحكم تقدّم.

نعم، بناءً على مذهبنا في حكم القصر- و قد تقدّم في صلاة الخوف- و انه لم يعتبر في النصوص عنوان الحضرية أو الوطنية في ثبوت حكم التمام، و إنما تعلّق حكم القصر بعنوان المسافرية، فما لم يصدق عنوان «المسافر» يجب عليه التمام.

و عليه فالمسألة عندنا واضحة، و يتفرّع عليها فروع كثيرة، منها: انّ مريد البقاء في محل مدة طويلة لكسب أو طلب علم، فإنه لا يصدق عليه أنه مسافر هناك، ما دام باقياً و مشغولًا بالكسب أو طلب العلم، و عليه فيجب عليه التمام، و لا يحتاج في ذلك الى صدق عنوان «الحضر» أو «الوطن» أو غير ذلك، ما لم يصدق عليه انه مسافر، و هذه نكتة مهمة، ينحل بها كثير من المشاكل التي احتار فيها الفقهاء المتأخرون، لحدوث مسائل جديدة في هذا العصر.

و مما ينقطع به السفر أيضاً: قصد إقامة عشرة أيام في مكان، كما نبّه عليه المصنف: (أو عزم على مقام عشرة أيام) كاملة و لو بالتلفيق، بلا خلاف


1) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 11.

في المسألة فتوى و نصاً (1).

لكن مع بقائه على عزم الإقامة، أما لو عدل عنها قبل أن يصلّي صلاة رباعية تامة، فإنه يقصّر كل ذلك لنصوص مستفيضة في الباب (2).

بقي هنا شي‌ء، و هو: انّ محل الإقامة هل هو كالوطن الحقيقي، بمعنى انه لو خرج إلى ما دون المسافة يخرج عن صدق الإقامة، أو هو باق على إقامته ما لم ينشئ سفراً شرعياً بقصد مسافة جديدة؟ ففي الصحيح: «وجب عليه التمام، و هو بمنزلة أهل مكة» (3)، فيستفاد منه انّ حكم المقيم حكم أهل البلد، فبالتالي يكون محل الإقامة كالوطن في جميع الأحكام، فتدبّر، و المسألة لا تخلو عن اشكال، و الاحتياط لا يترك.

(و لو قصد المسافة) ثمانية فراسخ (و له على رأسها)، أي عند بلوغ ثمانية فراسخ، (منزل) قد استوطنه ستة أشهر (قصّر في طريقه خاصة)، لأنه ما لم يبلغ منزله يكون مسافراً فيجب عليه القصر، أما إذا بلغ منزله فهو في وطنه الشرعي يجب عليه الإتمام.

(الثالث: إباحة السفر،

فلو كان عاصياً بسفره لم يقصر) إجماعاً نصاً و فتوى، و يدل من النص ما ورد في السفر للصيد اللهوي (4)، و منه يتعدّى إلى مطلق السفر المقصود به معصية اللّٰه تعالى، سواء كان بنفسه معصية كالفرار عن الزحف، و السفر مع نهي الوالدين و ايذائهما بذلك، أو كانت الغاية هي


1) وسائل الشيعة 5: 524 باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 524 باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

3) وسائل الشيعة 5: 524 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 10.

4) وسائل الشيعة 5: 511 باب 9 من أبواب صلاة المسافر.

المعصية، كالسفر للصيد اللهوي، أو السعي في الظلم و سائر المحرّمات. و لو كان ذلك ضمناً مع سائر الغايات المحللة أيضاً، و في صحيحة ابن مروان (1)الشارحة لذلك كله، كفاية لإثبات المطلب.

ثم لا فرق في سفر المعصية بين الابتداء و الاستدامة، فلو كان ابتداء سفره طاعة، فقصد به المعصية في الأثناء، انقطع ترخصه قطعاً و إن كان قد قطع مسافات.

كما انه يترخص لو عدل عن سفر المعصية في الأثناء إلى قصد الطاعة، لكن يعتبر في هذا بقاء مسافة، إذ لا عبرة بما قطعه في حال العصيان، نعم صرّح بعضهم هنا بكفاية التلفيق، مما بقي من الذهاب الى المقصد بعد العدول إلى الطاعة و من العود، بل ففي الخلاف عنه آخرون.

و على ذلك تحمل مرسلة السياري (2)، فراجع.

(الرابع: أن لا يكون سفره أكثر من حضره

كالمكاري، و الراعي، و البدوي) الذي يطلب القطر، (و الذي يدور في تجارته)، هذه أمثلة ذكرها المصنف قدّس سرّه لكثير السفر، ثم ذكر الضابط الكلي في ذلك، فقال: (و الضابط: من لا يقم في بلده عشرة أيام). لا إشكال في أصل المسألة فتوى و نصاً (3)، إنما الكلام في أن المدار على عنوان «كثرة السفر»، أو عنوان «عمله السفر»، أو عنوان «عمله في السفر»، و قد كثر الكلام في ذلك، و منشؤه اختلاف تعبير النصوص، لكن العمدة إمكان إرجاع بعضها إلى بعض، و جعل الملاك هو جعل السفر نفسه


1) وسائل الشيعة 5: 509 باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 512 باب 9 من أبواب صلاة المسافر حديث 6.

3) وسائل الشيعة 5: 515 باب 11 من أبواب صلاة المسافر.

من مقومات عمله، كالأمثلة المذكورة، بناءً على إرجاع الضمير في «لأنه عملهم» (1)إلى السفر، أي السفر جزء مقوم لعملهم.

أما لو أرجعنا الضمير الى نفس الأمثلة، فيصير المناط: من كان عمله في السفر، غير أنّ الأرجح هو الأول، فيكون المناط: من كان عمله السفر، أي كان السفر من لوازم ماهية عمله.

و عليه فالتاجر الذي يجلب المتاع من البلاد البعيدة، إن صادف استلزام ذلك سفره إلى تلك البلاد، و تكرره في ذلك، فإنه بحكم المسافر و يجب عليه القصر؛ لأن السفر ليس من لوازم عمله ذاتاً، و إنما صادف ذلك اتفاقاً بحق هذا الشخص.

ثم الذين يتمّون في السفر، إنما يتمون ما داموا على شغلهم، و كان سفرهم لذلك. أما لو عدلوا عن ذلك و لو أحياناً، و أنشأوا سفراً للزيارة أو غير ذلك مما لا يرتبط مع عملهم، فإنهم يقصّرون، كما لا يخفى.

ثم انّ ما ذكره المصنف رحمه اللّٰه من الضابط، و انه ما لم يقم في بلده عشرة أيام، إنما نظر إلى ما في مرسلة يونس (2)، لكنه ينافي اعتبار صدق العناوين المذكورة؛ لعدم منافاة الإقامة عشرة أيام لها، فلا تسلب تلك العناوين بمجرد الإقامة المذكورة.

نعم ما ذكره المصنف لعله مجمع عليه، و ربما يكون مشهوراً شهرة غالبية قطعاً. و تؤيده صحيحة عبد اللّٰه بن سنان أيضاً (3)، و بذلك يخصص إطلاق ما تقدّم من الروايات، و لا بأس به، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 5: 515 باب 11 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 518 باب 12 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 518 باب 12 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

و من ثم قال المصنف قدّس سرّه: (و لو أقام أحد هؤلاء) المذكورين في الأمثلة المتقدمة (في بلده أو بلد غير بلده عشرة، قصّر إذا خرج) ما لم يصدق عليه العناوين المذكورة من جديد، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

(الخامس:) أن يصل إلى حد الترخص،

و هو (أن) يبلغ حداً (يتوارى عنه جدران بلده، أو يخفى عليه أذان بلده) كما جاء في نصوص مستفيضة (1). و لكن يبقى الكلام في الجمع بين هذين التحديدين، فإنّ خفاء جدران البلد ربما يستدعي مسافات بعيدة، بينما خفاء الأذان لا يستدعي سوى مسافة قصيرة جداً.

و هذا الاشكال إنما يتوجه لو أريد من الحدين الجمع بينهما، و لكن لو حملنا هما على التخيير بالأخذ بأحدهما بناءً على عدم كونهما تحديدين واقعيين، فيرتفع الاشكال. و لكن لا يخفى انّ معنى التخيير هنا هو الأخذ بأول العلامتين، لا تخيير المكلف في الأخذ بأي منهما شاء. كيف و ذلك يستدعي التصويب، كما جاء في كلام بعض الأعاظم، فأي العلامتين حصلت قبل يجب الأخذ بها، و هذا هو معنى التخيير هنا، لا كما سبق الى بعض الأوهام، فتدبّر جيداً، فإنه مشكل جداً.

و كيف كان (فلا ترخيص) في التقصير، و كذا في الإفطار (قبل) البلوغ إلى (ذلك) الحد المذكور.

(و مع حصول الشرائط) المذكورة (يجب التقصير)، لأنّ التقصير في السفر عزيمة لا رخصة كما في نصوص كثيرة (2).


1) وسائل الشيعة 5: 505 باب 6 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 538 باب 22 من أبواب صلاة المسافر.

نعم (إلّا في) الأماكن الأربعة: (حرم اللّٰه، و حرم رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله، و مسجد الكوفة، و الحائر) الحسيني (على ساكنه السلام، فإنه يتخيّر) و لو لم ينو الإقامة فيها عشرة أيام.

و الأصل في ذلك هي النصوص المستفيضة (1)، و انه من مخزون علم اللّٰه.

و جاء في النص: «حرم الهّٰل، و حرم رسوله، و حرم أمير المؤمنين، و حرم الحسين» (2).

و الكلام هنا في جهات:

الاولى: انّ هذه المسألة مع كونها مشهورة و بها وردت أخبار مستفيضة، فإن فيها مخالفاً،

كما عن العلّامة الطباطبائي (3)و غيره، لكن لا يعبأ بخلافهم مع كثرة الروايات الواردة في هذا الباب، حتى قيل انها تتجاوز الخمسة و عشرين رواية، ما بين صحيح و موثق.

الثانية: هل المسافر في هذه المواطن الأربعة مخيّر و لو يوماً واحداً أو صلاة واحدة، أم يستحب أن ينوي الإقامة فيها؟

ففي صحيح ابن بزيع: قال: سألت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكة و المدينة، تقصير أو إتمام؟ فقال: «قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام» (4).

لكن يعارضها صحيح ابن مهزيار (5)و غيره، و الرجحان مع الطائفة الثانية؛ لكثرتها و عمل الأصحاب بها، حتى عد ذلك من ضروريات مذهب


1) وسائل الشيعة 5: 543 باب 25 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 543 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

3) الرياض 1: 259.

4) وسائل الشيعة 5: 550 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 32.

5) وسائل الشيعة 5: 544 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

الشيعة.

الثالثة: في تحديد هذه الأماكن الأربعة،

لاختلاف النصوص في ذلك، إذ هي بين مشتمل على لفظ الحرم كما سبق، و بين مشتمل على لفظ المسجد في الثلاثة و حرم الحسين، و بين مبدّل للحرم فيه بالقبر، و آخر بالحائر، و تبديل الحرمين بمكة و المدينة، و مسجد الكوفة بالكوفة.

لا شك انّ مقتضى القواعد هو الأخذ بالأوسع دلالة من هذه الألفاظ، ضرورة عدم منافاة الأخص مع الأعم إذا كانا ثبوتيين، كما لا يخفى.

لكن بعد تأسيسنا الأصل المتقدّم، إذا شك في شي‌ء من ذلك، يجب الأخذ بالمتيقن، و هو الأضيق دلالة من هذه الألفاظ.

و بما أنّ أكثر هذه النصوص إنما يعمل بها لأجل انجبارها بعمل الأصحاب، فلا بدّ من الأخذ بما اشتهر بينهم و عليه عملهم، و هو نفس المسجدين بمكة و المدينة، بل المقدار الأصل فيهما. و نفس مسجد الكوفة و الحائر المقدّس الذي لا يتجاوز داخل حرم الحسين عليه السلام، و لا يشمل الرواق المحيط بالحرم فضلًا عن المسجد الموجود هناك، و كذا الصحن الشريف.

هذا هو القدر المتيقّن من الرخصة في الإتمام في السفر، و هو مقتضى الاحتياط في المسألة بعد أن كانت رخصة في عزيمة، كما لا يخفى.

(و لو أتم) المسافر (في غيرها) أي في غير أماكن التخيير (عمداً أعاد)، لعدم مجوّز شرعي له في الإتمام، بعد أن كان التقصير عزيمة كما تقدّم.

(و) أما (الجاهل) بالحكم فإنه (لا يعيد) و إن كان الوقت باقياً، لإطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم: «إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعاً أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا اعادة

عليه» (1).

و هذا الحكم- كما ترى- مختص بالجاهل بالحكم، أما الجاهل بالموضوع، و كذا المقصّر في مقام التمام و لو جاهلًا بالحكم، فإنه باق تحت الأصل المزبور، فيجب الإعادة داخل الوقت و خارجه؛ لأنه لم يأت بوظيفته و لا ما بحكمها.

(و) أما (الناسي) للحكم فإنه (يعيد في الوقت لا خارجه) كما هو المشهور، و ربما اتفقت عليه كلمة المتأخرين، و لخبر أبي بصير (2)المشتمل على التفصيل المذكور، و حمل عليه إطلاق صحيح العيص (3)، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

(و لو نوى المسافر إقامة عشرة أيام أتم) و قد تقدّم ذلك، (و لو لم ينو قصّر)، و هذا الحكم مستمر (الى ثلاثين يوماً ثم يتم) و لو يوماً واحداً، إجماعاً فتوى و نصاً. و في قباله خبر حنان (4)باعتبار عشرة أيام، لكنه مطروح بعد عدم مقاومته للصحاح و إجماع الأصحاب.

و الاعتبار بالشهر الهلالي إذا كان مبدأ البقاء أول الشهر، و إلّا فالاعتبار بثلاثين يوماً.

و للمسألة و كذا المسائل السابقة فروع أخر طوينا عنها الكلام؛ لوضوحها، و لعلنا نتعرض لها فيما سيأتي من كتاب الصوم إن شاء اللّٰه تعالى.

هذا. و قد تم كتاب الصلاة على يد الأقل الأحقر ضياء الدين بن محمد العراقي عفي عنه و عن والديه في الربيع الأول سنة 1336 و الحمد للّٰه و له المنة


1) وسائل الشيعة 5: 531 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

2) وسائل الشيعة 5: 530 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 530 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

4) وسائل الشيعة 5: 527 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 14.

رسالة مفردة في صلاة المسافر

اشارة

بقلم عّلامة العلماء و شيخ الفقهاء أستاذ المتأخرين و واعية العلم الشيخ ضياء الدين العراقي قدّس سرّه الشريف عثرنا عليها في مخطوطاته القيمة، فكان من المناسب إلحاقها بكتاب الصلاة تتميماً لما نقص منه، و لا سيما بعد أن لمسنا نقصاً كثيراً في فروع أحكام المسافر من شرح التبصرة، و كانت هذه الرسالة وافية بتمامها، فكان جديراً أن تطبع معه، خدمة للفقاهة التحقيقية السائرة إلى الامام بخطوات واسعة، و له الحمد.

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه و سلام على عباده الذين اصطفى محمد و آله الطاهرين، و بعد. قال العلم العلَّامة شيخ الفقهاء المتأخرين الشيخ ضياء الدين العراقي قدّس سرّه الشريف:

مقدمة

لا إشكال في أنّ ما وجب من الصلاة أولًا و بالذات هما الركعتان الأوليان، و أنّ البقية هي من إضافة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ليلة المعراج، في حق الحاضر دون المسافر، من باب التشريع و العزيمة في القصر و الإتمام، كما هو الشأن أيضاً في صلاة الخوف، على ما يظهر من تنظيرها بصلاة المسافر.

و إنما الكلام في أنّ الأصل و القاعدة يقتضي التمام إلّا ما ثبت كونه قصراً، أو العكس، أم لا يقتضي شيئاً؟

أقول: ربما يستفاد- مما جاء في ذيل رواية مشتملة على كون الأخيرتين من استيهاب النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ليلة المعراج، و لا يجوز تركهن إلّا في سفر- (1)عموم وجوب التمام في حق كل أحد إلّا ما خرج، و انّ في طرف


1) وسائل الشيعة 5: 490 باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

الخارج أخذ عنوان السفر و الخوف دون من وجب عليه التمام.

و عليه فمهما لم يثبت من الأدلة ثبوت القصر؛ لإجمال دليل أو غيره، فالمرجع وجوب التمام، لهذا العموم، فتأمل.

هذا، و حيث اتضح ذلك فنقول: انّ مما شرعت فيه صلاة القصر الخوف في معركة الجدال؛ للنصوص المستفيضة، و احتمال اختصاصه بالنبي صلّى اللّٰه عليه و آله مدفوع بالنصوص في حق غيره.

و في اختصاص تشريع القصر بخصوص الخوف في معركة الجدال؛ لاختصاص بعض أخبارها به، أو التعدّي منه الى خوف السبع و اللص، كما في بعض النصوص (1)بل و التعدّي منهما إلى كل خوف، من جهة من الجهات، على وجه يكون للفراغ من الصلاة دخل في دفع موجبه، وجه، خلافاً لكثير من الأعاظم، من حيث عدم تعديهم من خوف معركة القتال إلى غيره.

و شرع القصر في الخوف جماعة و فرادى؛ لإطلاق الصحيح المروي عن الباقر عليه السلام: صلاة الخوف و صلاة السفر تقصران جميعاً؟ قال: «نعم، و صلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر؛ لأن فيها خوفاً» (2).

و احتمال بعض عدم التشريع في الفرادى، نظراً الى اختصاص بعض أخبارها بالجماعة. مدفوع بإطلاق الرواية السابقة و غيرها.

و بقية تفاصيلها واضحة بالمراجعة إلى المطولات، و تعرضنا في شرح التبصرة أيضاً فراجع.

و المهم مجرد الإشارة إليها، و إلّا فأصل الاهتمام إنما هو بصلاة المسافر؛


1) وسائل الشيعة 5: 482 باب 3 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة.

2) وسائل الشيعة 5: 478 باب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث 1.

لكثرة الابتلاء بها.

فنقول: من الصلاة القصرية صلاة المسافر بلا اشكال نصاً و فتوى، و إنما الكلام فيها في مقامات:

منها: في تحديد السفر و المسافة المقصودة، التي هي شرط القصر، فنقول:

لا اشكال ظاهراً في تحديد السفر الموضوع لوجوب القصر بحد مخصوص.

و توهم بعض العامة كفاية مطلق الضرب في الأرض من الخرافات.

إنما الكلام في مقدار التحديد، ففي جملة من الأخبار: التحديد بالثمانية، أو بريدين، أو مسير يوم، أو بياضه (1).

ففي خبر الفضل بن شاذان: «إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر؛ لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل» (2).

و حينئذٍ فروايات مسير يوم (3)أو بياضه، طراً محمولة على الثمانية.

و ظهور هذه الروايات أيضاً في الامتدادية العرفية مما لا اشكال فيه، فلا يجدي شكل الدائرة، حتى لو كان مركز الخروج مقابل القصد فضلًا عما لو كان عينه، فلا محيص في مثل هذا المسير من ملاحظة قطر الدائرة و بلوغها ثمانية.

و في قبالها ما دل على كفاية الأربعة مطلقاً، و ذلك مثل ما ورد بأن التقصير في بريد (4)، و في آخر: التقصير في مسير اثني عشر ميلًا (5)، و في ثالث:


1) وسائل الشيعة 5: 490 باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 490 باب 1 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 490 باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

4) وسائل الشيعة 5: 494 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و 2 و 3.

5) وسائل الشيعة 5: 494 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و 2 و 3.

في أربع فراسخ (1).

و في قبالها ما دل على التقصير في أربعة، بشرط الرجوع، ففي بعضها:

«بريد ذاهباً و بريد جائياً» (2)، و في آخر: «إذا ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه» (3).

و مثل هذه الروايات صريحة في شرح الثمانية، المعللة بأنها مسيرة يوم، على وجه لا يبقى مجال لإعمال قواعد التنافي بينهما.

كما انّ الظاهر اعتبار الرجوع ليومه حفظاً لظهور «شغل اليوم» في اتصال سيره فيه عرفاً بلا فصل ليلة بينهما.

نعم لا خصوصية في سيره نهاراً، بل الظاهر من الروايات تحديد السير في أي وقت صدر بهذا المقدار، غاية الأمر لا بدّ من اتصال سيره بعدم فصله بمبيت ليلة إن كان يوماً، أو توقف يوم إن كان سيره ليلًا.

و في قبال هذه الروايات أخبار «عرفات» (4)، و أن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفات كان عليهم التقصير.

و لا يخفى صراحتها في عدم الاحتياج إلى الرجوع ليومه.

و حينئذٍ فلا بد من حمل أخبار الرجوع على عدم قطع سفره بقواطعه و اتصاله، و انّ الغرض من مسيرة يوم: بلوغ مجموع سفره ذهاباً و إياباً مسيرة يوم.

و أما احتمال كون الغرض من التحديد بالأربعة ذهاباً و إياباً هو بيان


1) وسائل الشيعة 5: 495 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

2) وسائل الشيعة 5: 494 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 496 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

4) وسائل الشيعة 5: 500 باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

بلوغ المجموع من حدي الذهاب و الإياب ثمانية، في قبال احتمال كفاية الأربعة ذهاباً، و إن كان إيابه أقل من ثلاثة أو أقل.

و بعبارة أخرى: هذه الروايات في مقام تحديد المسافة بالأربعة على وجه لا يكون إيابه أقل من الأربعة أيضاً، من دون نظر فيها الى اتصال السير أو السفر أصلًا، فيكون حينئذٍ مؤيداً لأخبار الأربعة المطلقة، و شارحاً للثمانية بشرحها بأعم من الامتدادية و التلفيقية، بلا اعتبار اتصال سيرة أو سفره أصلًا.

ففي غاية البعد، إذ الظاهر من قوله: «ثمانية فراسخ مسيرة يوم» هو اتصال السير، غاية الأمر أخبار «عرفات» تقتضي رفع اليد عن ظهورها في السير الفعلي، فيبقى ظهورها في اتصال سفره، المستفاد منها بالفحوى على حاله، فيؤخذ بها. و لازمة حينئذٍ عدم قطع سفره في مثل هذه الثمانية التلفيقية بقواطع السفر.

و إلى مثل هذا البيان نظر جمع من المحققين من أعاظم أساطين العصر.

نعم ظاهر هذه الروايات: كون الأربعة الذهابية امتدادية، فلا يجدي مطلق التلفيق و لو بذهاب ثلاثة و رجوع خمسة، كما لا يجدي كفاية الأربعة في شكل الدائرة المستلزم بلوغ قطرها فرسخين أو أزيد منهما بقليل.

نعم ليس المدار أيضاً على عدم اعوجاج الطريق دقة، بل المدار على صدق الامتداد عرفاً غير المنافي مع وجود مقدار من الاعوجاج فيها، كما هو الشأن في غالب السكك، خصوصاً مثل الشطوط و الأنهار التي هي طريق للسير بالسفن.

و توهم أنّ أخبار الأربعة- و إن كانت ظاهرة في الامتداد- لكن بعد تطبيق الامام إياها على الثمانية، بقوله: «لأنه إذا رجع كان سفره ثمانية» على ما في

الصحيحة، يستفاد منها انه من أحد مصاديق الثمانية التلفيقية، فيكون تمام المدار على صدق الثمانية الملفقة، بلا خصوصية للأربعة الذهابية. و لذا قوى بعض الأعاظم كفاية مطلق التلفيق، لو لا قيام إجماع على خلافه.

مدفوع بأنّ غرض الامام من البيان المزبور نفي الامتداد في الثمانية، لا الاكتفاء بمطلق التلفيق. فظهور الأربعة في الامتدادية باقية بحاله، مع أنَّ الظاهر من نفس أخبار الثمانية امتدادها بجميع المراتب المندكة فيها، و إنما رفع اليد عن ذلك بمقدار الأربعة منه، فيبقى ظهورها في امتداد البقية بحالها، و لا ضير في مثل هذا التفكيك في ظهور واحد، إذا كان بقرينة منفصلة مانعة عن الحجية، فإنه حينئذٍ يرفع اليد عن الظهور المستقر بمقدار المانع، و يؤخذ به في البقية.

و من هذا البيان ظهرت نكتة اخرى؛ لعدم اعتبار الرجوع ليومه، و هي:

انّ من البديهي انّ أخبار الثمانية غير متكفلة لبيان أزيد من حد المسافة في السفر، بلا نظر فيها إلى اتصال السير فيها، كيف و لازمة إضرار المبيت بليلة في أثناء الطريق لقاصد الثمانية الامتدادية، و هو مما لا يلتزم به أحد، و لازمة كون المراد من مسير اليوم، الذي طبق عليه الثمانية في السفر، حد سيره لا السير الفعلي. و بعد ذلك، فإذا شرح مثل هذه الثمانية و المسيرة يوماً بالثمانية التلفيقية، من أربعة ذاهباً و جائياً يراد أيضاً الحد المزبور، بلا تعرض لاتصال السير أصلًا.

نعم لا بدّ من اتصال سفره؛ لأنّ ظاهر الجميع كون مثل هذا الحد- تلفيقية كانت أم امتدادية- حداً لسفره، بلا مروره بوطنه، بمعنى كونه في تمام هذا الحد مسافراً لا متوطناً و لو في نقطة منها.

و عليه فلا محيص إلّا من الأخذ بهذا المقدار من الظهور، كما ذهب إليه جمع من الأساطين الفحول، من دون اعتبار بظاهر الفقه الرضوي المشتمل على

اعتبار الرجوع ليومه (1)، في قبال أخبار (عرفات)؛ لعدم ثبوت خبريته.

ثم انّ لازم اتصال السفر المزبور عدم تقطيعه بقواطع السفر، من المرور على الوطن أو ما هو بمنزلة الوطن، من اقامة العشرة في أثنائه، أو مضي الثلاثين مترددا، و سيأتي وجه قاطعيتها للسفر، و بيان الفارق بين قصد الإقامة و مضي الثلاثين مترددا، و بين عروض التردد و قصد المعصية في أثناء المسافة، من عدم إضرار الأخيرين بالتقصير قبله و بعده في الجملة، و لو لم يكن الباقي من السفر بمقدار المسافة مستقلا، و إضرار الأولين به على وجه لو قصد هما من أول الأمر يتم في جميع سيره، و لو قصده في أثنائه من باب الاتفاق يحتاج في التقصير فيما بعد إلى قصد مسافة جديدة، و بذلك امتاز الأولان بعنوان قاطعية السفر بخلاف الأخيرين.

ثم انّ في مبدأ السير من اعتبار كونه نفس داره أو محلته أو قريته، أو التفصيل بين المتسعة فمن المحلة، و غيرها فمن البلد، اشكال آخر.

ظاهر الإطلاقات بدواً كون مبدأ السير هو منزله، و يؤيده ما في المرسل من قوله: «إذا خرج عن البيوت» (2).

و لكن يمكن التشكيك في الإطلاقات بدعوى ظهورها في كونها في مقام بيان حد سفره، على وجه يكون مسافراً في تمام هذا الحد، و هو لا يكون إلّا بالخروج عن حدود وطنه و مسكنه، الذي هو مأنوس فيه، فلا يرى نفسه غريباً فيه.


1) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 159.

2) وسائل الشيعة 5: 506 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

بل و يؤيده أنّ ظاهر المرسل هو خروجه من مجموع البيوت المحسوبة وطناً له، و ربما يختلف ذلك باختلاف القرى و البلدان، من حيث السعة و الضيق، على وجه ربما لا يرى الإنسان نفسه غريباً في تمام البلد، كالبلاد غير المتسعة و القرى الصغيرة، و ربما يرى في نفسه ذل الغربة بمجرد خروجه عن محلته إلى محلة اخرى منه، و لو كان بعد في البلد و سائراً فيه بأيام. و إلى الصورة الأولى أيضاً ينزّل ما في خبر عمار (1)من تحديد المسافة من منزله أو قريته؛ لانصراف القرية بنفسها عن البلاد المتسعة، المحسوبة كونها قرى متعددة متصلة، بل و اقترانه بالمنزل أيضاً كاشف عن قرية يصدق عليها أنها منزله و مسكنه عرفاً، على وجه يرى في نفسه قراراً و سكوناً فيها، المعبّر عنه بكونه وطناً له.

و بمثل هذا البيان ربما يلتزم بأنّ مدار بدء السير في بعض الموارد نفس داره أو خيمته، إذا كان منفرداً في البر.

بل ربما يكون المدار على خصوص ما يسمّى قرية عند اتصالها بقرية أخرى، على وجه لا يكون مجموع القريتين بمقدار بلد متعارف، بحيث لو كان المجموع بلداً واحداً لكان مدار بدء سيره بالخروج من تمام القرى. و ذلك نظير القرى المتصلة بأصفهان المسماة ب «سه ده» (2)، و كذا نظيرها في عراقنا «أراك» حوالي سلطان‌آباد.

ثم انّ هذه الجهة من التحديد غير مرتبطة بمقام حد التقصير و الترخص، المعيّن بخفاء الأذان و الجدران، إذ لتحديد بدء السير المحسوب من الثمانية مقام


1) وسائل الشيعة 5: 504 باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

2) أي ثلاث قرى، و هي: «ورنوسفادران»، و «فروشان»، و «خوزان» و قد اتصلت الآن اتصالًا حقيقياً، و غير اسم مجموعها إلى «همايونشهر».

و لحد الترخص في التقصير مقام آخر.

و على أي حال نقول: انّ مبدأ السير معتبر في جميع المقامات بالنسبة إلى أول حد يخرج الإنسان عن موطنه و مقره و مسكنه، على اختلاف في ذلك، بالنسبة إلى القرى الصغيرة و الكبيرة، المتسعة المحسوبة- بنفسها أو بكثرة اتساعها- بلاداً متعددة و مواطن مختلفة متصلة.

و هكذا بالنسبة إلى حد الترخص، فإنه معتبر في الزائد عن الخروج عن حدود الوطن مطلقاً، محلة كان أو بلداً.

و توهم انصرافها إلى البلد الذي يعد جميعه وطناً له، و يختص اعتباره في مثلها، بلا سراية منها إلى البلاد المتسعة، التي لا يعد الوطن منها إلّا المحلة التي فيها مقره و مسكنه.

مدفوع؛ للإطلاق.

و من هذه الجهة أيضاً نلتزم- في مثل القرى الثلاثة المتصلة بأصفهان و العراق- باعتبار حد الترخص بالنسبة إلى شخص القرية الخارج منها الشخص، إذ هي موطنه، و لا يلاحظ المجموع.

كما أنه لا يعتبر مثل هذا الحد في غير ما يصدق على مجموع البلد، انه موطنه من سائر البلاد، فلا يعتبر مثل هذا الحد بالنسبة إلى نفس البلاد المتسعة، بل يجب التقصير على المكلف بمجرد الخروج عن حد ترخص محلته، و سيتضح المقال فيه في محلّه عند التعرض لحد الترخص إن شاء اللّٰه.

و من هذا المعيار اتضح لك: انّ مورد اعتبار حد الترخص عن البلد هو صورة استقلال مقره و موطنه، بعنوان بلد أو قرية مخصوصة و عدمه. فمع الاستقلال المزبور يعتبر حد السير و الترخيص من خصوص قريته، و مع عدم الاستقلال في الجهة المزبورة، فبين ما لا يعتبر فيه حد الترخص إلّا من المحلة،

و ذلك كما في البلاد المتسعة، و بين ما يعتبر فيه الحد من الخارج عن تمام الدور المتصلة، المسماة كل قطعة منها بمحلة دون محلة.

ثم انه لا إشكال في انّ مناط القصر ليس على طي المسافة المزبورة واقعاً، و لا عدمه على عدمه.

و يشهد للجهة الأولى قوله في رواية صفوان: «لا يقصر و لا يفطر؛ لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه- الى أن قال- و لو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً و جائياً ..» (1)الى آخره.

و يؤيده أيضاً ما في الموثقة: عن الرجل يسير في حاجته خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية و ينزل فيها، ثم يخرج منها خمسة فراسخ أو ستة- إلى أن قال-: «لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (2).

إذ الظاهر من ذيله- بقرينة الصدر-: ارادة الثمانية لا نفسها.

و يشهد للجهة الثانية ما في ظاهر رواية عمار: في منتظر الرفقة، من الأمر بالتمام لصورة إقامتهم و انصرافهم عما دون المسافة (3)، فعدم تعرضها لحال تقصيره السابق ظاهر في إمضاء عمله من التقصير فيه.

و يؤيده ما في العلل من تعليل عدم اعادة ما قصروا سابقاً في ما دون المسافة، بأنه لم يشكوا في مسيرهم (4)، فيستفاد منه: إن تمام المدار على قطعه بالسير، الملازم غالباً مع الإرادة و ان لم يسر واقعاً.


1) وسائل الشيعة 5: 503 باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 504 باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

3) وسائل الشيعة 5: 501 باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 10.

4) وسائل الشيعة 5: 502 باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 11.

و بمثل ذلك يرفع اليد عمّا دلّ على وجوب قضاء ما أتى تقصيراً فيما دون المسافة معللًا بعدم طي المسافة منه واقعاً بالحمل على الاستحباب، كما صنعه شيخنا العلّامة في صلاته (1).

و من الممكن طرح الذيل؛ لاعراضهم عنه، فلا يوثق بسنده.

و الظاهر انّ المسألة من تلك الجهة أيضاً مما لا اشكال فيها، و إنما الكلام في بعض أمور راجعة إلى الجهة الأولى أو الجهة الثانية.

أما الراجعة إلى الأولى فنقول: انّ ظاهر رواية صفوان جعل تمام مدار التقصير على القصد و ارادة السفر، و الحال انه ليس كذلك، كيف و لو فرض ارادة السفر برجاء الواقع في مثل التابع لا يجدي ذلك المقدار في تقصيره، كما لا يجدي مجرد إرادة الإقامة مع الشك بها برجائها.

و توهم انّ الإرادة الرجائية ترجع إلى إرادة السفر على تقدير دون تقدير، كما هو الشأن في التابع، و ما هو دخيل في التقصير هو ارادة السفر بقول مطلق، و هو لا يمكن إلّا مع الجزم به، و إليه أيضاً يرجع مفاد التعليل بقوله:

«فإنهم لم يشكوا»، و هذا أيضاً هو الوجه في كلماتهم بدخل الجزم في أصل الإرادة المطلقة.

مدفوع غاية الدفع، و وجهه: انّ قضية إطلاق الإرادة بشي‌ء عدم اناطة إرادته بوجود شي‌ء في لحاظه، و إلّا فبالنسبة إلى الوجودات الخارجية لا تكون الإرادة منوطة بها أصلًا، بشهادة عدم دخل وجودها في الواقع و عدمه في تحقق الإرادة و عدمها.

و لذا نرى بالوجدان انه على فرض عدم حصول التقدير الذي تعلقت الإرادة الرجائية به، انّ الإرادة أيضاً و المحركية نحوه حاصلة إلى أن ينكشف


1) كتاب الصلاة: 405.

الحال، و ذلك برهان قاطع على عدم دخل ما هو أمر واقعي في وجود الإرادة أبداً، بل تمام مناط الإرادة بإحراز المصلحة في متعلقها، و توجه الاستباق نحوه بوجوده اللحاظي، الحاكي عن وجود خارجي، على وجه لا يلتفت الى خارجيته، غاية الأمر مثل هذه الإرادة لا تحرك إلّا نحو شي‌ء يجزم بانطباق مرامه على مورده أو احتماله.

و على أي حال- بعد فرض إحراز المصلحة في وجوده اللحاظي بقول مطلق- تتوجه إليه الإرادة كذلك، غاية الأمر مع الجزم بالتطبيق تكون الإرادة محركة جزماً، و مع احتماله يكون محركة رجائية، فالارادة الرجائية لا تقصر عن الجزمية في أصل إطلاق المصلحة، لتبعيتها لإحراز المصلحة المطلقة في المتعلق، و إنما قصورها عن الجزمية في محض تزلزل المريد في انطباق مرامه على المأتي به، بخلافه في الجزمية. و مثل هذه الجهة أمر خارج عن شئون الإرادة إطلاقاً و تقييداً، و إنما هو شي‌ء أجنبي عن مقارنات الإرادة.

نعم ربما يصير الترديد منشأ لتزاحم الأغراض القائمة بأحد طرفي نقيضه، فيوجب مثل ذلك عدم حصول العزم نحو أحد الطرفين، و في مثله لا ارادة في البين.

و أين هذا مع فرض تمامية المصلحة في محتمل الوجود، بلا وجود مزاحم في طرفه. فإنه حينئذٍ يتوجه الشوق نحوه فيريده و يتحرك نحو محتمله، برجاء انه هو. و في مثله تكون الإرادة متوجهة نحو هذا المحتمل بقول مطلق، حسب إطلاق مصلحته، و عدم مزاحمته بمفسدة اخرى.

و عليه فلو كنا نحن في المقام و ارادة السفر على الإطلاق، لكان يكفي تعلقها به و لو رجاءً، بلا مانعية الشك فيه عن إطلاق إرادته، و لازم هذا البيان عدم إرجاع مفاد التعليل بقوله: «لم يشكوا» إلى بيان كيفية الإرادة

الدخيلة في السفر، بل لا بد أن يجعل مثل ذلك إما قيداً للإرادة بجعل الدخيل في السفر الإرادة الناشئة عن الجزم و عدم الشك، أو بدعوى كونه قيداً آخر في وجوب التقصير قبال الإرادة، بأن يكون موضوع القصر قصد السفر، و كونه عن جزم.

و ربما يقتضي الجمع بين مجموع الأدلة دخل كل واحد في الحكم بلا قيدية أحد هما للآخر، إذ ذلك مقتضى إطلاق دليل واحد في مقام بيان ما له الدخل في الحكم على معنى دخل انتفائه في انتفائه، لا كون وجوده تمام المناط في الوجود، كما هو الشأن في غالب ألسنة القيود، و لو بلسان الحصر في وجوده بوجوده، نظير «لا صلاة إلّا بالفاتحة» أو «الطهور»، فإن سوقها في مقام نفي الصلاة بغير هما، لا في مقام كون كل منهما تمام المناط في الصحة.

و يؤيد ذلك انّ ظاهر كلماتهم عدم ضير الشك في السفر، من جهة احتمال طروء بعض موانع السفر في أثناء الطريق، و لو من جهة وجود أصل عقلائي. أو لا أقل من الاستصحاب المثبت لليقين، بمعنى الأمر بأن يعامل مع الشك معاملة اليقين بلحاظ آثاره، التي منها وجود قيد التقصير، من نفي الشك فيه.

و لكن ذلك مبني على جعل قوله: «لم يشكوا» كناية عن دخل اليقين في السفر في قبال الإقامة القاطعة له، المعتبر فيها مجرد اليقين بها، بظاهر قوله:

«أيقنت انّ لك بها مقاماً».

و أما لو قلنا بأنّ المراد من قوله: «لم يشكوا» نفي الشك و انّ المانع من التقصير هو الشك، لا أن الشرط هو اليقين، أمكن دعوى كون مقتضى إطلاقه مانعية مطلق الشك فيه.

و حينئذٍ لا يصلح الاستصحاب لدفعه؛ لفرض أخذ الشك في موضوعه، فلا يصلح مثله لنفي طرفه.

و من هذه الجهة قلنا في كتاب القضاء و الشهادات باختلاف الموارد من حيث اختصاص قيام الاستصحاب مقام الامارة، بكل مورد أخذ في لسان دليله اليقين بشي‌ء، فشأن الاستصحاب إثباته، و كل مورد يكون المأخوذ في لسان الدليل مانعية الشك فيه، ليس شأن الاستصحاب قيامه مقامه.

و لكن الذي يسهّل الخطب في المقام فهم الأصحاب من قوله: «لم يشكوا» كونه كناية عن شرطية اليقين، نظير باب الإمامة، لا مانعية الشك، فكأنّ البابان من تلك الجهة بمساق واحد.

و عليه يمكن إرجاع التعبير في البابين إلى معنى واحد، من دخل اليقين في التقصير، و لذا لم يعتنوا باحتمال طروء الموانع المزبورة في أثناء السفر و المسافة، و التزموا بأنّ الأصل عدمها.

و بذلك ربما يفترق بين المقام و بين الشك الحاصل في كيفية إرادة المتبوع، إذ لا أصل في البين يحرز به خصوصيتها. و مجرد استصحاب عدم انقطاع سيره إلى حد المسافة، لا يجدي في إثبات متعلّق قصد متبوعه، المفروض تبعية قصده لقصد متبوعه. و مع الشك في تعلق قصد المتبوع بالمسافة لا مجال لدعوى قصد التابع له، و مثل هذه التبعية موجب لقصور قصد التابع للمسافة، و الاستصحاب المزبور غير مجدٍ في المقام.

نعم إنما يجدي في صورة الجزم بقصد المتبوع بأصل المسافة، و إنما يشك المتبوع في حصول بداء له في أثناء الطريق، فإنَّ هذه الصورة نظير صورة الشك في حصول بدائه بنفسه في أثناء الطريق مع قصده المسافة فعلًا، ففي مثل هذه الموارد نلتزم بأنّ الأصل المزبور يجدي في الحكم بوجوب التقصير.

بل و لو فرض كون التابع قاصداً للسفر برجاء الواقع، و لكن احتمل رجوع قصده تبعاً لإرادة متبوعه، و لو بالكشف عن عدم تعلقها من الأول بالسفر،

فإنّ الأصل في مثل هذه الصورة يجدي في الحكم بإبقائه على سفره، على وجه يكون متيقناً جعلياً بسفره، مع فرض كونه قاصراً إياه أيضاً، كما هو واضح.

و مصب كلمات الأصحاب- في حكمهم بعدم قاصدية المتبوع عند جهله بكيفية قصد التابع- منصرف إلى الصورة السابقة، و لا يكاد يشمل مثل هذه الصورة جزماً.

و عليه فالميزان في التقصير كلية كونه مريداً للمسافة و قاطعاً، حقيقة أو جعلًا من دون فرق بين كونه ظاناً به أم محتملًا باحتمال ضعيف؛ إذ المدار التام على ما ذكرنا، لا على مثل هذه الصفات الوجدانية.

فما في بعض الكلمات من الاقتصار بصورة الظن الوجداني بطي المسافة دون شكه، منظور فيه، خصوصاً لو كان نظره فيه إلى عدم إضرار الظن بها بعزمه لها دون الشك بها.

و لعمري إنّ كلماتهم في المقام في غاية التشويش فراجع المطولات، خصوصاً الجواهر حيث صرّح تارة بعدم إضرار مجرد الشك بطي المسافة بقصده إياها (1)، و مع ذلك التزم في مقام آخر بأنّ التابع لما كان شاكاً في طي المسافة لا يتمشى منه القصد (2).

و لو علل في هذا المقام بأن تبعية قصده لقصد متبوعه مع الشك في كيفية قصد متبوعه أوجب عدم قصده المسافة، لكان أمتن، إذ مرجع هذا الكلام إلى أنّ الشك في متعلق قصد متبوعه أوجب الشك في متعلق قصده، و في مثله لا يصدق فعلًا انه قاصد للمسافة و لو رجاءً، بل في مثله كان من المتحيرين في طي المسافة و عدمه، لا أنه قاصد له رجاء على وجه يدعوه نحو الحركة


1) جواهر الكلام 14: 235.

2) جواهر الكلام 12: 238.

احتمال انطباق مطلوبه و مقصوده عليه.

و من هذا الباب أيضاً طالب الغريم أو الآبق غير القاصد للمسافة، لا جزماً و لا رجاءً أصلًا، من جهة قصور في داعوية السفر في حقه، لا من جهة مانعية مجرد الشك عن أصل توجه قصده عقلًا.

و قد أطلنا الكلام في المقام دفعاً لبعض الشبهات العارضة على أذهان بعض أفاضل أهل البحث؛ لحسن ظنهم بكلمات السابقين، مع ما فيها من التشويش، على وجه لا يمكن جعلها تحت جامع سارٍ في جميع الموارد، فتأمل في المقام فإنه من مزال الأقدام.

ثم انّ الظاهر من دليل القصد ليس إلّا كون نشوء سفره عنه، من دون فرق بين كون قصده بها مطلقاً أم منوطاً بأمر حاصل. و حينئذٍ فلو قصد السفر مبنياً على وجود الرفيق في أثناء الطريق، فقبل وجود الرفيق لم يتنجز قصده، فهذه الحركة حينئذٍ ليست ناشئة عن قصد المسافة، في فرض كون اناطة قصده به بنحو الشرط المتقدّم، بل لا بدَّ أن تكون حركته هذه بداعٍ آخر، لا بداعي طي المسافة.

نعم لو جزم بوجود المنوط به في موطنه، كانت إرادته لهذه الحركة عن قبل ارادة السفر في ظرف وجود كذا، و لو من جهة كون طي هذه المسافة من مقدمات وجوده، المتعلّق للإرادة الناشئة عن ارادة السفر، كما هو الشأن في جميع المقدمات المقومة للواجبات المشروطة في ظرف العلم بحصول الشرط في موطنه.

و حينئذٍ فإن قلنا بأن الظاهر من اعتبار قصد السفر مجرد كون الحركة المزبورة عن قبله، مع الجزم بأن هذا المقدار من المحل بمقدار المسافة، فيجب في

المقام القصر، ما دام يصدق نشوء طي هذه المسافة عن ارادة السفر.

و أما لو قيل بأنّ المنصرف من دليل شرطية قصد المسافة وجوب القصر في خصوص ما تعلّق به قصده، و المتحرك من قبل قصدها بلا واسطة، حتى مع الجزم بأن هذا الطي طي مسافة، و لو لم يكن عين المقصود مسافة، فلا يجب القصر حينئذٍ، بل كان حال هذه المسافة حال العود من أقل المسافة إلى محل الإقامة، مع قصدها بعد دخوله فيه، و عدم قصد جديد فيها، بل بالنية الاولى لا بقصد احداث سفر جديد، فإنّ ظاهر بعضهم وجوب التمام فيه، مع جزمه بأن هذا الطي جزء طي المسافة، كما هو ظاهر.

و عليه فالعمدة في المقام دعوى كون المناط مجرد كون الحركة ناشئة عن قصد السفر و لو بالواسطة، أو دعوى كون الجزم بأنّ حركته هذه بمقدار المسافة- و لو لم يكن عن ارادتها أيضاً- تمام المناط في وجوب التقصير. فإن تم ذلك فهو، و إلّا فللنظر في وجوبه حينئذٍ إلى هذه القطعة الخارجة عن مقصوده الأصلي مجال.

و المسألة من هذه الجهة غير محررة في كلماتهم، غير انّ إطلاقات كلماتهم في كفاية كون الحركة عن قصد السفر، ربما يدعي شمولها للمقام، لو لا دعوى انصرافها إلى كون الحركة هي المقصودة بالأصالة من السفر لا مطلقاً، و في المقام ليست الحركة من تلك الجهة مقصودة كذلك.

و أما توهم كون العلم بنفسه مناطاً تاماً، فهو خلاف ظاهر بقية النصوص و الكلمات.

و حينئذٍ فالمسألة غير خالية عن الاشكال؛ لعدم اطمئنان النفس بأحد طرفي المسألة، فالاحتياط بالجمع في مثله لا يخلو عن وجه، و إن كان الاستصحاب يقتضي خلافه و الاقتصار بالتمام.

ثم انّ في قبال هذه الصورة ما لو أراد السفر فعلًا مطلقاً، و أراد الرجوع منوطاً بحصول شي‌ء في أثنائه، فإنه مع الشك فيه لا شبهة في أنّ القاعدة تقتضي التقصير، نظير الشك في حدوث موانع السفر من جهات اخرى، مع أنّ الأصل في أمثال هذه المقامات يقوم مقام القطع، مع فرض كون حركته هذه عن ارادة السفر بلا واسطة.

و أما مع الجزم به فيستحيل تحقق الإرادة الفعلية بالسفر، فلا جرم لو صدرت منه الحركة لا يكون ذلك عن ارادة السفر جزماً، فلا مقتضى للقصر حينئذٍ بلا اشكال.

و لو كانت إرادته للسفر منوطة بحصول شي‌ء في أثناء الطريق، بنحو الشرط المتأخر، فإذا شك في حصوله لا يكون مريداً للسفر من الأول، فطي هذه المسافة الفعلية لا يكون عن جزم، و لو كان برجاء الواقع، فضلًا عما لا يكون بهذا الداعي أصلًا.

و إن كان قاطعاً بحصوله في موطنه، فلا شبهة في كونه مريداً فعلًا بحركته طي المسافة، فيجب القصر بلا شبهة.

ثم انّ مدار قصد المسافة على قصد واقعها بحدها المعلوم له تفصيلًا، و إن لم يعلم بأنه معنون بهذا العنوان.

و لو قصدها باحتمال كون مقدار سيره إلى الحد المعلوم يبلغها، كمن قصد السير من النجف الى كربلاء مع علمه بامتداد المسافة الخاصة، و لكن لا يعلم انه بالغ للمسافة أم لا، فلا يضر شكه هذا في وجوب القصر عليه واقعاً، و إن لم يكن تكليفه الفعلي قصراً، لجريان استصحاب التمام في حقه، لكن مع كشف الخلاف يجب عليه الرجوع إلى وظيفته الواقعية.

و أما لو علم انّ المسافة من النجف الى كربلاء بمقدار المسافة، و لكن لا يدري أ تنتهي حركته الى كربلاء أم لا، بل أقل منه بمقدار لا تبلغ المسافة، فمثل هذا الشك مضر بوجوب تقصيره واقعاً، كما يظهر من التأمل في بعض الفروض المتقدمة، و اللّٰه العالم.

هذا تمام الكلام في الجهة الاولى من تحرير البحث سابقاً، الذي هو راجع إلى شرطية قصد المسافة في أصل وجوب القصر.

بقي الكلام في الجهة الثانية، من عدم كون القصد الواقعي من أول الأمر منوطاً ببقاء القصد المزبور، فقد عرفت استفادة هذه الجهة من رواية «منتظر الرفقة»، و تعليلها لعدم اعادة ما قصروا في حال قصدهم بأنهم «لم يشكوا في مسيرهم»، الملازمة مع قصدهم أيضاً.

و ظاهره بل صريحه وجوب الإتمام حال ترددهم، و ظاهر إطلاق ذيله «فإذا مضوا فليقصروا» وجوب التقصير بمجرد مضيه، الظاهر في كونه عن قصد إتمام المسافة و إن لم يكن الباقي بمقدار مسافة مستقلة.

بل و يمكن استفادة المناط منه بكونه مجرد عود قصده، بلا دخل للمضي فيه أبدا، فلو عاد قصده في محله بإتمام سفره يجب التقصير، و إن كان ذلك قبل مضيه و خروجه عن محله.

كما انّ لازم هذا المناط وجوب التقصير، و إن كان ذلك قبل مضيه و خروجه عن محله.

كما انّ لازم هذا المناط وجوب التقصير حتى و لو لم يكن الباقي مع ما صدر منه عن قصد بمقدار المسافة، باحتساب زمان سيره عن ترديد من المسافة، و إن كان لفظ الرواية آبياً عن شمول مثله، بل و عن الفروع السابق.

نعم لو لم نقل باستفادة مثل هذا المناط- الساري في غير مورد الرواية- منها

فالمرجع هي القواعد.

و عليه نقول: إنّ إطلاقات دخل المسافة القصدية في وجوب القصر، إن قلنا بأنها في مقام بيان إثبات حكم شخصي- هو وجوب القصر- دائراً من حيث الطول و القصر مدار طول قصده و قصره، فلا شبهة في انه بانقطاع القصد المزبور ينقطع الحكم المزبور، و بعد ذلك لا يبقى مجال للتمسك بمثل هذه الإطلاقات لإثبات وجوب القصر، بل لا بد من وفاء دليل آخر بذلك. و حينئذٍ فالمرجع ظهور لفظ هذه الرواية، و من المعلوم انّ ظهوره آب عن الشمول لصورة عود القصد في محل إقامته عن ترديد، بل و آب عن الشمول لصورة عدم كون الباقي مع مقدار سيره سابقاً عن قصد بمقدار المسافة، كيف و مورد الرواية- من كون ترديدهم في حال توقفهم في المحل- كون مقدار سيرهم عن قصد بمقدار المسافة، على وجه يكون لازمة عدم دلالته على احتساب سيره مع الترديد منها.

فالمرجع في مثل ذلك حينئذٍ استصحاب حكم التمام، نظير ما قيل في استصحاب حكم الجواز في الخيارات، الثابتة بين زماني اللزوم، فإن المرجع فيها أيضاً استصحاب حكم المخصص، كما قيل، لا العمل بالعام.

و أما لو قلنا بأنّ الظاهر من تعليق الحكم على مريد السفر- بطبع إطلاقه- كون الحكم المزبور من قبيل سائر الأحكام المتوجهة إلى الطبيعة السارية، ما دام وجودها، بحيث يكون حدوث عنوان الموضوع مناط حدوثه، و بقاؤه في كل آن مناط بقائه، على وجه ينحل الحكم بحسب انحلال قصده الشخصي إلى قصود بحسب الآنات، نظير انحلال حرمة شرب الخمر، القائمة بالشرب الشخصي الطويل بحسب الزمان، و هكذا حرمة الغصب و غير ذلك.

فيمكن أن يقال: إنّ مقتضى مثل هذه الإطلاقات- بنفسها- كون الحكم دائراً مدار قصد طي المسافة المزبورة تماماً أم إتماماً. إذ من المعلوم، انّ

الغرض من ارادة السفر المأخوذ في الدليل أعم من ارادة التمام و الإتمام، و إلّا فيستحيل بقاء ارادة التمام بمجرد التلبس بالسفر، فالمتمشى منه بعده إرادة الإتمام لا التمام.

و حينئذٍ فطبع الإطلاق- في هذه الأدلة- يقتضي دوران الحكم مدار طبيعة قصد المسافة و لو بإتمامه، و لازمة الرجوع إلى وجوب القصر، حتى في محل الإقامة.

بل و لو لم يكن المقدار الباقي- بضم ما سار عن قصد- بمقدار المسافة، الذي لازمة احتساب زمان ترديده من سيره في المسافة.

هذا، اللهم إلّا أن يقال: إنّ الظاهر من أدلة إرادة السفر دوران الحكم مدار ارادة تمامه بطبعه بقاءً أم حدوثاً، فلا نظر فيه الى إرادة الإتمام. غاية الأمر إذا حدثت هذه الإرادة، فما دام لم يتخلل عدم فيها، يصدق عليها بقاء تلك الإرادة، و إن انقلب متعلقها من التمام إلى الإتمام.

لكن مثل هذه الإرادة المتعلقة بالإتمام محسوبة من الإرادة بالتمام، لاتحاد وجودهما، فيدخل في مضمون الرواية.

و أما لو انقطعت الإرادة و تخلل بينها عدم، فعاد إلى إرادة الإتمام مستقلًا، فلا يكاد يحسب مثل هذه من الإرادة الاولى، فلا يشمله طبيعة ارادة التمام، بل يحتاج الى عود ارادة التمام ثانياً، فيحتاج إلى قصد مسافة جديدة. و لازمة عدم اقتضاء الإطلاقات- في هذه الصورة- شيئاً، بل يحتاج إلى الرجوع الى دليل آخر، مثل رواية (منتظر الرفقة).

و بعد التشكيك في استفادة المناط السابق منها فلا بد من الاقتصار على مقدار ما تقتضيه اللفظة، و هو الذي ذكرناه، بناءً على استفادة الحكم الشخصي.

فنتيجة هذا المشرب نتيجة القول بشخصية الحكم في خصوص المقام،

و إن اقترنا في صورة بقاء شخص القصد و انقطاع الحكم في مثل فرض الإقامة في الأثناء و أمثال ذلك، كما لا يخفى.

اللهم إلّا أن يقال: انه مع فرض بقاء مقتضى ارادة تتميم السفر، يحسب مثل هذه الإرادة في نظر العرف من عود الإرادة السابقة، المستتبعة لعود القصر.

نعم لو كانت إرادة الإتمام بمقتضٍ آخر كانت غيرها، فلا تكون محكومة بعود سابقتها، فلا يشملها العموم السابق.

و عليه فلا وجه لإخراج زمان الترديد من سيره عن المسافة الموجبة للقصر، غاية الأمر خرج عنها زمان الترديد، و بقي الباقي تحتها. و لازمة حينئذٍ الحكم في زمان الشك في الخروج بدخوله في عموم وجوب التقصير، و إن لم تقتضه الرواية الخاصة.

و لكن للنفس في مثل هذا التقريب دغدغة، لا ينبغي ترك الاحتياط في مثل هذا الفرض بالجمع بين الوظيفتين.

ثم انّ ظاهر قوله: «إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم» (1)كفاية المسافة النوعية؛ لأن أمره مردد بين إتمام المسافة الأولى أو رجوعه، كي تكون مسافة جديدة، فما هو جازم فيه هي المسافة المرددة بين الذهاب و الرجوع، فلا يجزم إلّا بنوع المسافة، لا بشخصها.

فحكم الإمام بالتقصير في هذا الموضوع شاهد كفاية قصد طبيعة المسافة، و إن لم يعلم بشخصها، أو علم بها و بدا له أن يبدلها بمسافة أخرى، فإن مناط الرواية يشمل ذلك أيضاً. و لا أظن التزامهم بالتفرقة بين الصورتين، فيكفي


1) وسائل الشيعة 5: 501 باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 10.

مجرد عدم الفصل بينهما أيضاً في كلماتهم، كما لا يخفى.

و حينئذٍ يمكن نفي الاشكال في هذه المسألة، كنفي الإشكال في عدم الإضرار في الترديد، بعد صدور المسافة عنه مع قصدها الجزمي، بشهادة أخبار المتردد الى ثلاثين.

مع أنّ مثل هذا الترديد ليس ترديداً في إتمام المسافة، و ما هو مضر بالقصر هو ذلك، و عبروا عنه باستمرار قصد المسافة، على وجه يكون ترديده مضراً بهذا الاستمرار، و لا يكون ذلك إلّا قبل طي المسافة عن قصد، و إلّا فلا يضر الترديد باستمرار قصد المسافة جداً، و ذلك ظاهر واضح.

ثم انّ الظاهر من أدلة تحديد المسافة بثمانية فراسخ- امتدادية أم تلفيقية من الذهاب و الإياب- كون الشخص في تمام هذه المسافة مسافراً، و لازمة عدم مروره في أثنائها على وطنه، و إلّا فلا يكون في تمام المسافة مسافراً.

و بهذا الوجه نقول بأنّ المرور بالوطن الحقيقي من القواطع للسفر جداً.

ثم لا إشكال في الوطن الأصلي الذي هو محط نشوه و نمائه أباً عن جد، فإنه لا يعتبر في مثله قصد الوطن عرفاً، بل هو وطن بذاته و أصله، و ربما لا يكون المحل كذلك، بل كان من الأول دار غربة. ففي مثله لا بد لتحقق الوطن العرفي من قصد التوطن فيه، بجعله محط قراره في تمام السنة أبداً، و في بعضها مع قصد التوطن بهذا المعنى في بقية السنة في مكان آخر كذلك.

و هذا المقدار أيضاً مما لا اشكال فيه، كعدم الإشكال في عدم مساعدة العرف على صدق الوطن بدون مثل هذا القصد، من دون فرق بين ما كان له ملك في المحل مع إقامة ستة أشهر فيه مطلقاً، أو مع قصده كونه مقراً دائمياً بالنسبة الى ما بعد زوال قصده ذلك، أو بمجرد كونه مقره مؤقتاً، بمقدار يكون

وقوفه ستة أشهر و لو منفصلًا، أو مع وقوفه الستة متصلًا.

و حينئذٍ ففي إجراء حكم الوطن العرفي في مثلها بتسميتها وطناً شرعياً، خلاف مشهور بين الأعلام، فإنهم بين من لا يلتزم بالوطن الشرعي أصلًا، و بين من التزم به و التزم باشتراط اقامة الستة، مقروناً بقصد التوطن دائماً و لو زال بعد ذلك.

و بين من لم يلتزم بمثل هذا القصد، و ذلك أيضاً بين احتمال اعتبار قصده كونه مقراً له و لو موقتاً، أو كفاية قصد توقفه فيه مطلقاً، فإنهم أيضاً بين من التزم باشتراط ملك قابل للسكنى فيه، و بين من التزم بمطلق الملك و لو نخلة.

فهذه المسألة من المسائل التي هي معركة الآراء بين الأصحاب رضوان اللّٰه عليهم، فحري بأن ينقح المقام، فنقول و عليه التكلان:

إنَّ في المقام أخباراً مختلفة المضمون، ففي جملة منها: الاقتصار على نزوله قراه و ضيعته (1).

و في أخرى: دخوله في مصر له دار فيه، أو ضيعة فيه مما قد سكنه (2).

و في ثالثة: «كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل» (3)، أو «فعليك فيه التقصير» (4).

و في خبر ابن بزيع عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: «لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام، إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه». فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان


1) وسائل الشيعة 5: 520 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

3) وسائل الشيعة 5: 521 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 6.

4) وسائل الشيعة 5: 520 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

كذلك يتم فيها متى دخلها» (1).

هذا ما ظفرنا عليه من أخبار الباب، و لا يخفى أن خبر ابن بزيع الوارد في شرح الاستيطان، حاكم على ما اشتمل على أنّ ما لم يستوطنه فليس بمنزل، كما انه مقيّد لمطلقات الضيعة و الدار.

و يمكن شرح السكنى في الرواية الثانية بمضمون هذه الرواية، لو جعلناه كناية عن الاستيطان فيه، و إلّا فيقيّد إطلاقه أيضاً بمضمونه. علاوة على قابلية تقييد بعضها بجملة من الروايات المقيّدة بإقامة عشرة أيام.

و ربما تبقى المعارضة بين مطلقات الضيعة- بل و هذه الرواية المشتملة على الضيعة الظاهرة في اعتبار ملك قابل للسكنى فيه- و بين رواية النخلة (2)الظاهرة في كفاية مطلق الملك.

و مع الغض عن سندها لا بد من المصير إليها؛ لعدم مفهوم في بقية الأخبار، على وجه ناظر إلى نفي مطلق الملك، إلَّا ظهور قوله: «فإذا كان كذلك يتم فيها»، الممكن حمله على بيان الترتب الوجودي، بلا إطلاق فيه ناظر إلى ترتب العدم على العدم.

و على فرضه فرواية النخلة صالحة لتقييد هذا المفهوم، و لكن عمدة الكلام فيها في سندها؛ لإعراض المشهور عن مثلها.

فحينئذٍ يختص الملك- الذي هو شرط في هذا الوطن- بالملك القابل للسكنى فيه، من دار أو ضيعة، بشهادة الرواية السابقة: عن الدار تكون للرجل بمصر و الضيعة فيمر بها، بناءً على ظهور عطف الضيعة على الدار، لا على مصر. و بواسطته أمكن منع اشتراط ملكية المنزل، علاوة على ملكية


1) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 11.

2) وسائل الشيعة 5: 521 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

الضيعة، و لا شرطية خصوص ملكية الضيعة.

و بالجملة نقول: انّ عمدة ما في الباب هو رواية ابن بزيع، و محط الكلام فيها أيضاً ما ورد في شرح الاستيطان من قوله: يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، حيث إنّ كلماتهم في شرح هذه الفقرة مضطربة، على وجه لا ينتهي إلى جامع.

فقد ذهب بعضهم إلى استفادة الوطن الشرعي، في قبال العرفي.

و ذهب آخر إلى استفادة معنى يجامع المصداق العرفي، بلا استفادة معنى آخر.

و الذي يقتضيه التحقيق في شرح العبارة أن يقال:

أولًا: أنّ من المعلوم أنّ صيغة المضارع الواقعة قيداً لموضوع، فهي بمقتضى طبيعتها الأولية، تكون الهيئة فيها دالة على الجامع بين الحال و الاستقبال، بلحاظ ظرف نسبة الحكم إليه. و لازمة كون القيد أعم من وجوده الحالي و الاستقبالي.

و لكن مثل هذا المعنى- في خصوص المقام- خلاف ما هو المرتكز في أذهان المتشرعة، من كون الوطن- كالسفر- من القيود المقارنة لوجوب الإتمام و القصر، بلا احتمال كونه من الشرائط المتأخرة بوجه من الوجوه أصلًا.

فالهيئة في قوله: يكون له منزل، لا بد أن يكون بلحاظ حال النسبة لا متأخراً.

و حينئذٍ فالمعنى: كونه واجداً للمنزل في حال وجوب تمامه، و مرجعه الى كون هذا الوجدان شرطاً مقارناً لوجوبه حدوثاً و بقاءً، كما هو الشأن في كلية القيود، القابلة للدوام، المأخوذة في عنوان موضوع الحكم، فإن الظاهر من جميعها كون الحكم دائراً مدارها حدوثاً و بقاءً.

نعم لو لم يكن القيد قابلًا للاستمرار، فلا محيص في مقام أخذه قيداً في

موضوع الحكم بنحو الشرط المقارن، أن يتحقق حدوثه في زمان حدوث الحكم، سواءً كان حدوثه آنياً أم تدريجياً، غاية الأمر في صدق هذا المعنى في الثاني لا محيص من مقارنة زمان تمامه لزمان حدوث الحكم، و لا يجدي مقارنة جزء آخر منه؛ لعدم تحقق حدوثه إلّا بمجي‌ء آخر جزء منه.

فمقارنة حدوث القيد للحكم يقتضي مقارنة حدوثه لتحقق آخر جزء من الأمر التدريجي، المصحح لحدوثه.

و لئن قلت بأنّ في مثل هذه الأمور التدريجية، يكون الاعتبار بحسب حدوثها من حين الاشتغال بأول جزء منها، و بقاؤها بتلاحق بقية أجزائها.

قلت: يمكن دعوى عدم أصل لهذا المعنى، بل غاية الأمر حكم العرف عند حدوث جزء منه باشتغاله بحدوثه، لا أنه حادث فعلًا، و الفرض أنّ القيد المقارن هو حدوثه فعلًا، لا الاشتغال به. فلا محيص حينئذٍ من الالتزام بمقارنة حدوث الحكم لآخر جزء من الأمور التدريجية الحدوث.

و من هذه الجهة نقول: هيئة «يقيم فيه ستة أشهر» أيضاً مثل هيئة «تكون» تقتضي مقارنة وجوب الإتمام بتحقق هذا المعنى، و حيث إنّ الإقامة بعد تحديدها بستة أشهر من الحادثات غير القابلة للبقاء، غاية الأمر كان حدوثها تدريجياً، فقضية مقارنة مثل هذا القيد الحدوثي التدريجي، مع وجوب التمام، لا يكاد يتحقق إلّا بتحقق آخر جزء من ستة أشهر. و في مثله لا بقاء له، كي يدور بقاء الحكم مدار بقائه.

و بذلك ربما يفرّق هذا القيد عن القيد السابق، إذ الواجدية للمنزل أمر قابل للبقاء، و في أمثال ذلك يكون الحكم دائراً حدوثاً مدار حدوثه، و بقاءً مدار بقائه.

و هذا بخلاف الإقامة المحدودة بستة أشهر، فإنه أمر حدوثي غير قابل

للبقاء، غاية الأمر يكون حدوثه تدريجيا. ففي مثله لا تقتضي الهيئة في المضارع، المسوقة بلحاظ حال النسبة، إلّا حدوث وجوب التمام في زمان حدوث هذا العنوان، الملازم لمضي تمام الستة، و لازمة ترتب وجوب التمام في حال تحقق الإقامة الخاصة، و هو ليس إلّا بمضي تمام الستة من إقامته.

و إلى مثل هذا المعنى نظر المشهور المكتفون في الوطن الموجب للتمام، بأن يكون له ملك مضى منه إقامة ستة أشهر فيه، و أن الحكم المزبور يدور مدار هذا الملك، و ذلك أيضاً بناءً على التحقيق من اقتضاء اللام الداخل على الأوصاف اختصاص الذات الموجه بوجه مبدئه به، و انّ الاختصاص المطلق يقتضي الملكية، كما هو الشأن في قوله «له دار أو ضيعة في المصر» (1)كما في الرواية الأخرى.

و توهم كون طرف الاختصاص في مثل «له منزل» جهة نزوله، كلام ظاهري، إذ ذلك إنما يصح في صورة كون الأوصاف الاشتقاقية الواقعة في حيز مثل هذه النسب، بعد كونها عين المبادئ القائمة بالذات، بنفسها موضوعة، و كذا أطراف نسبها، و إلّا فبناءً على كونها عناوين للذوات التي هي موضوعة و أطراف نسبها، فلا يكون طرف الاختصاص إلّا نفس الذات لا وجهها و ما هو من شئونها من مبدأ اشتقاقها. و ذلك ظاهر.

و لئن قيل بأخذ الذات في مفاهيمها، فالأمر أظهر، إذ الاختصاص المطلق المضاف الى الذات لا يكون إلّا عبارة عن الملكية، و حينئذٍ فالرواية بعلاوة ما ذكرنا من الجهة الاولى، لها جهة أخرى دالة على أنّ الوطن المشروح في هذه الرواية غير الوطن العرفي، لبداهة عدم دخل ملكية المنزل أو الضيعة في الأوطان العرفية، و الحال انّ للرواية كمال ظهور في دخلها.


1) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

و حينئذٍ فحمل الرواية على بيان الوطن العرفي مستتبع لإلغاء هذه الجهة من الظهور، بل لا بد حينئذٍ من إلغاء قوله «له منزل» عن القيدية، و لو بمعنى الاختصاص بنزوله فيه، إذ مثل هذا المعنى حينئذٍ ليس جهة زائدة عما يقتضيه الاستيطان العرفي، فيلزم استدراك مثل هذا القيد رأساً، إلّا بحمله على التوطئة للاستيطان أو الإقامة، و بياناً لما هو من لوازمه العادية.

و لعمري انه في غاية البعد جداً.

و أبعد منه توهم آخر من استفادة التكرار و الاستمرار من هيئة المضارع، كي يكون مفاد «يقيم ستة أشهر» تكرر إقامته بحسب تكرار السنوات، إذ مثل هذا المعنى، مضافاً الى عدم صدقه كما يشهد من المراجعة إلى مفادها في سائر الموارد، مثل «أهن من يضربك» و «أكرم من يكرمك»، و هكذا ان مثل هذا المعنى من التكرار غير مأخوذ في حقيقة الوطن العرفي، إذ غاية مداره على البناء عليه على الدوام، غاية الأمر إن بقي على بنائه هذا و لم يحصل له بداء من باب الاتفاق، يلازم ذلك مع تكرار الإقامة المخصوصة، لا أنّ التكرار المزبور مأخوذ في حقيقة الوطن العرفي.

و حينئذ فلا مجال لنسبة استفادة التكرار من هيئة المضارع إلى أحد، حتى من ذهب الى استفادة الوطن العرفي من الرواية.

نعم يمكن له تقريب آخر أمتن من ذلك، و هو دعوى انّ في هيئة المضارع كهيئة الأوصاف نحو توسعة في تلبس الذات بالمبدإ، على نحو يصدق مع بنائه على تكرر المبدأ، و إن لم يكن أحياناً مشتغلًا به فعلًا، كما يشهد به عنوان «التاجر»، أو «يتجر فلان»، أو «المحصل»، أو «يحصل فلان»، و أمثال ذلك، فلازمه دلالة هيئة «يقيم» هنا أيضاً على تلبسه بمبدئه بنحو يكون في بنائه تكرار كل سنة.

و لكن الانصاف منع اقتضاء الهيئة ذلك المعنى في فعل المضارع.

نعم ربما يكون المبدأ بتكرره يتراءى في النظر أمراً واحداً مستمراً، فيستفاد من هيئة المضارع اشتغاله بها.

و ربما يكون من هذا الباب قولك: «فلان متحير»، أو «يحصل العلم» مثلًا، أو «يدرس»، و جريان مثل هذا المعنى في الإقامة المزبورة، مع تخلل مثل هذا الفصل الطويل، ممنوع جداً.

مع انّ إطلاق مثل هذه العناوين إنما هو في ظرف بنائه على تكرار المبدأ في الخارج، و إلّا فمع عدم ذلك لا يكاد يصدق إلّا على المشتغل بالمبدإ فعلًا.

و عليه فاستعمال «يقيم» في المعنى المزبور بلحاظ تكرار المبدأ المذكور فرع إحراز كون ذلك من بنائه خارجاً، و كيف يمكن إحراز هذا المعنى من مجرد هذه الهيئة، كما هو ظاهر.

و أضعف منه توهم آخر من أنّ المستفاد من المضارع بنفسه و إن لم يكن جهة تكرار المبدأ، لكن عند جعله في حيز لفظ «كان» أو «يكون»، كأن يقال: كان زيد يصلّي، أو يكون يعطي الفقراء، و أمثاله، يستفاد منه كون ذلك شغله و ديدنه، و في المقام أيضاً ربما يستفاد ذلك من قوله: «يكون له منزل يقيم».

و فيه: انّ ما أفيد إنما يتم في صورة نسبة كان إلى ما ينسب إليه المضارع، و في المقام ليس الأمر كذلك، كما هو واضح.

و أضعف من الجميع استفادة البناء بنحو الدوام من كلمة «الاستيطان»، إذ هو بمعنى اتخاذ الوطنية، و هو لا يكون إلّا ببنائه عليه دائماً، و لازمة كون «يقيم» بمناسبة كونه شارحاً للاستيطان أيضاً من مقولة البناء

على الإقامة المزبورة دائماً.

و فيه: انّ هيئة الاستيطان- من باب الاستفعال- عبارة عن طلب المادة، و هذا الطلب خارج عن القصد الذي هو مقوّم للأوطان العرفية، بل الوطن بنفسه عارٍ عن هذا الطلب، فإذا شرح الوطن بإقامة ستة أشهر في منزله، فطلبه عبارة عن طلب هذا المعنى، و هو غير البناء على الإقامة على الدوام المأخوذ في حقيقة الوطن العرفي.

و أضعف منه دعوى ظهور سوق كلام الإمام في قوله، «إلّا أن يكون له منزل يستوطنه» في انه لو لا سؤال السائل لسكت و اكتفى به في شرح موضوع وجوب التمام، و لا معنى له إلّا أن يكون مراده من قوله: «يستوطنه» ما هو استيطان عرفي، و إلّا فلو أريد غيره يلزم احالته على المجهول، و هو باطل جداً.

و حينئذٍ فلا بد في شرحه أيضاً أن يراد ما هو المناسب لمرتكزاتهم، لا معنى غريباً عن أذهانهم، و هو ليس إلّا بإرادة البناء على الإقامة الخاصة في كل سنة، كما هو شأن غالب ذوي الوطنين، المسمّى عندهم ب «ييلاق» و «قشلاق».

و أن نكتة التحديد بالسنة، لأنه الغالب منهم، من حيث اختلاف مقرهم شتاءً و صيفاً.

توضيح الضعف: انّ مجرد سكوت الامام على قوله، المستلزم لتقريرهم ما في أذهانهم، لا يقتضي حصر حقيقة الوطن به، و لا إرادته من الوطن ما فهموا منه، بل من الممكن كونه لمصلحة تقتضي إخفاء الواقعيات عليهم، كما هو الشأن في مقام إعطائهم الحجة على خلاف مرامهم الواقعي، حتى في صورة ابتلاء السائل بمحل سؤاله عملًا، و لو من جهة مصلحة التسهيل، المقتضية لذلك.

غاية الأمر إحراز السائل بسؤاله ربما يصير داعياً على كشف الواقعيات،

كما هو الشأن في قوله تعالى (صَفْرٰاءُ فٰاقِعٌ لَوْنُهٰا تَسُرُّ النّٰاظِرِينَ) (1)، فلم لا يكون ما نحن فيه من هذا القبيل؟

مع أنَّ صدر الرواية منزّل على ما هو المتعارف من خروج المالك من وطنه إلى ضيعته الخارج عن وطنه بالمرة، و لذا أجاب الإمام أولًا باشتراط إقامة العشرة فيها في وجوب تمامه، و في هذا الظرف أيضاً استثنى بقوله «إلّا أن يكون له منزل يستوطنه». و مثل ذلك لما لم يكن يناسب الوطن العرفي، دعا السائل على السؤال عن شرح الاستيطان في هذا المقام، و لو فهم منه الاستيطان العرفي لما كان مجال لسؤال الراوي عن شرح الاستيطان. و مجرد عدم كون المورد من قسم الوطن الأصلي، بقرينة صدر الرواية، لا يوجب سؤاله بعد التفاتهم منه الى قسم آخر، خصوصاً مع انّ تداوله عندهم ليس على وجه يكون لمثله خفاء قابل لصيرورته بصدد السؤال عنه، خصوصاً مع كون الاستيطان في الضيعة من هذا القبيل، على وجه يتبادر الذهن منه إليه.

فليس ذلك إلّا من جهة شبهة السائل من جهة خصوصية المورد، في إرادته من الوطن في المقام معنى آخر، غير ما هو مرتكزهم، فصار بصدد السؤال، فأجابه عليه السلام بما أجابه.

و بالجملة نقول: إنه بعد التأمل التام لا وجه- انصافاً- قابلًا لأن يتكل عليه في رفع اليد عما هو مقتضى طبع ظهور الكلام، من الاكتفاء بالإقامة ستة أشهر و لو في سنة واحدة في ملكه، ما دام بقاء الملك، كما هو ظاهر.

ثم انّ المشهور- على وفق طبع ظهور الكلام- اكتفوا بمجرد الإقامة في ملكه


1) البقرة: 69.

ستة أشهر، بلا التزام كونه في هذه السنة بانياً على مقريته دائماً، فما أفاده في النجاة- مضافاً إلى عدم مساعدة ظهور الرواية- لا تساعده الكلمات أيضاً.

نعم في إطلاق الرواية للستة، و لو منفصلة، وجه لو لا دعوى انصرافه إلى الستة المستمرة المتصلة، كما هو الشأن في سائر التحديدات.

ثم لا يتوهم من قوله: «له منزل» ملكية المنزل زائداً عن ملكية الضيعة، بل مثل هذا البيان لمحض الإشارة إلى كفاية ملكية المنزل في الضيعة، و لو لم تكن الضيعة ملكاً له، لا على اعتبار ملكيته زائداً عن ملكيتها.

و يشهد للمعنى الأول ما في رواية مشتملة على ملكية دار بمصر أو ضيعة فيه (1).

و بمثله يكتفي عن ملكية المنزل بخصوصه، نعم لا بد في تلك الضيعة أن تكون قابلة للسكنى لا مطلق الملك فيها؛ لظهور قوله: «أن يكون له فيها منزل».

فيما ذكروا من الجهة الزائدة عن الملكية- من إعداده للنزول فعلًا، على وجه يكون بقاء الوطنية يدور، مثل الملكية مداره أيضاً- فلا يكاد يستفاد من الرواية، و لم يلتزم المشهور به أيضاً. و اللّٰه العالم.

ثم لا يذهب عليك انّ اختلاف العرف و الشرع هنا ليس في المفهوم و لا في حدوده واقعاً، و إنما الشارع يبيّن خطأ العرف في فهم حد المفهوم، على وجه لا يشمل هذا المصداق. و مثل ذلك ليس من جهة اختلافهم في الموضوع له، إذ اختلاف الشارع مع العرف في الصدق و المصداق غير موجب لاختلافهما مفهوماً.


1) وسائل الشيعة 5: 522 باب 14 من أبواب صلاة المسافر حديث 7 و 9.

و توهم انّ مرجع اختلافهم في الصدق إلى خلفهم في حد المفهوم، و مثل ذلك يوجب المغايرة بينهما في الموضوع له جزماً.

مدفوع بأن ما أفيد كذلك لو كان التحديد الملحوظ بنظر العرف ملحوظاً بخصوصه في وضعه، و إلَّا فلو كان نظرهم في وضع اللفظ تعيين اللفظ لسنخ هذا المعنى، بما له من الحد الواقعي، غاية الأمر يتخيل انّ حده الواقعي هو الذي جاء بنظرهم، فلا يكون مثل ذلك منافياً لتخطئة الشارع إياهم في فهم الحد.

و كثيراً ما يكون الواضع بنفسه حين وضعه غير ملتفت إلى حدود المعنى، بحيث ينتهي أمره إلى الشك في المصداق، فذلك شاهد إنّ الغفلة عن حد المعنى لا يقتضي تضييقاً في دائرة المعنى، فلا بأس حينئذٍ بأن ينبههم العالم بالواقعيات على خطئهم في فهم حد المفهوم، و اللّٰه العالم.

ثم انّ من جملة ما جعلوه من قواطع السفر إقامة عشرة أيام في أثناء سفره، أعم من أن يكون في أثناء المسافة أم بعدها.

و عمدة نظرهم في قاطعيته ما اشتمل على «انّ المقيم بمكة بمنزلة أهلها» (1).

و ذلك أيضاً لا من جهة عموم المنزلة فيها كما يتوهم، كيف و هو أول شي‌ء ينكر؛ لانصراف العموم الى مجرد إثبات وجوب التمام و نفي وجوب القصر ما دام في المحل.

و لقد أجاد في الجواهر حيث أنكر عموم المنزلة في مثله (2).

و لا من جهة كون الحكم بوجوب القصر في شخص كل سفر شخصي،


1) وسائل الشيعة 5: 499 باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

2) جواهر الكلام 14: 240.

فمع انقطاعه في أثنائه يكون شأنه- لا يكون بشأن البقية- مثل هذا العام مرجعاً، بل المرجع استصحاب حكم المخصص إلى أن يحدث مسافة أخرى يشمله دليله.

و ذلك لإمكان دعوى انّ الحكم المتعلّق بعنوان المسافر- المفسر بقاصد المسافة إلى أن ينتهي إلى الوطن- حكم كلّي متعلّق بعنوان طبيعة القاصد أو طبيعة السفر عن قصد المسافة، السارية في كل قطعة قطعة منها، على وجه ينحل الى قطعات متعددة بحسب الحدود، حيث تعدد أفراده، أو قطعات فرد واحد، نظير الحكم بوجوب شرب كأس من الماء، على وجه ينحل إلى شرب كل قطرة قطرة تحليلية، أعم من أن يكون ذلك في ضمن شرب واحد مستمر أو في ضمن وجودات من الشرب.

و مثل هذا المعنى من الطبيعي حكمه حكم العام الزماني في القابلية للتقطيع، بلا دخل للزمان فيه أيضاً.

و حينئذٍ- فمجرد عدم نظر الدليل الى العموم الزماني، لا يقتضي خروج الحكم عما هو طبع إطلاقه، من الكلية إلى الشخصية.

و لازمة حينئذ- عند ورود مخصص لقطعة من السفر عن حكمه- إبقاء بقية القطعات تحت حكمه، و لازمة حينئذٍ الالتزام ببقاء بقية السفر تحت هذا المطلق، بعد خروج الإقامة، و لو لم يكن بنفسه بمقدار المسافة، من دون فرق فيه بين حدوثه في أثناء المسافة أم في خارجها.

و لعله من جهة هذه الشبهة التزم بعض بوجوب القصر بمجرد الخروج عن محل الإقامة، و لو لم يكن ما قصده بمقدار مسافة جديدة.

نعم لا بد من كون الباقي بضم ما أتى به أولًا بمقدار قصد المسافة؛ ليصدق عليه انه بعد على قصده، و إلّا فلو بدا له من سفره الأول، و أتى بقصد آخر لا يكون بضم ما أتى به بمقدارها، لا يكون في سفره هذا قاصداً لها، و لا يلتزم

أحد فيها بالقصر؛ لعدم صدق الطبيعة المزبورة عليه جزماً.

و بالجملة نقول: إنه لا مجال لإثبات قاطعية الإقامة على وجه كان موجباً لإحداث سفر جديد بمثل هذه الوجوه.

نعم الذي يقتضيه النظر في المقام أن يقال: إنّ دليل وجوب القصر على المسافر، ناظر إلى إثبات الحكم لكل سفر شخصي، بضميمة سريان الطبيعة الى كل قطعة من قطعات كل شخص أيضاً، غاية الأمر بشرط صدور مقدار المسافة عن قصد، و ليس ناظراً إلى إثبات الكم لطبيعة السفر، السارية في ضمن كل قطعة، حتى مما لم ينشأ عن قبل هذا القصد.

كيف و لازمة عدم قاطعية الوطن الحقيقي أيضاً، فذلك شاهد على أنّ الغرض من سريان طبيعة السفر، سريانه إلى قطعات هذا الشخص الناشئ عن قصد المسافة.

و حينئذٍ فدليل نفي السفر، إذا كان ناظراً إلى نفي شخص هذا السفر، الناشئ عن القصد السابق فيقتضي- بهذا اللسان- نفي الحكم القائم بهذا الشخص بقول مطلق، فيخرج ببركته مثل هذا الشخص عن تحت وجوب القصر الكلي القائم بالطبيعة السارية في جميع قطعات هذا الشخص.

نعم لو كان لسان دليل الإقامة ناظراً إلى نفي سريان الطبيعة بالنسبة إلى القطعات المتحققة في زمان الإقامة، كان لما أفيد وجه، إذ حينئذٍ غاية ما يستفاد من دليل الإقامة نفي الحكم عن القطعات الموجودة حال الإقامة، لا عن سائر القطعات.

و لكن الأمر ليس كذلك، إذ المستفاد من نفي السفر الشخصي رأساً، نفي أصل السفر بجميع قطعاته، لا بشخص قطعة دون قطعة، و لازمة نفي الحكم الساري في قطعات هذا الشخص رأساً، لا نفي خصوص قطعة دون قطعة.

و إن شئت قلت: انّ لدليل وجوب القصر على المسافر نظرين:

أحدهما: النظر الى شخص مقيّد حدوثه عن قصد المسافة.

و ثانيهما: النظر الى كل قطعة موجودة في ضمن كل شخص، بلحاظ سراية طبيعة السفر، الموجودة في شخصه في ضمن القطعات المتحققة في هذا الفرد.

فالقضية بالنسبة إلى الجهة الأولى كلية مطلقة، ناظرة إلى أفراد السفر، مع تقيّد كل فرد بكون حدوثه بقصد المسافة، بالنسبة إلى الجهة الثانية، من قبيل القضية الطبيعية السارية في القطعات الموجودة في ضمن كل فرد معيّن، و لازمة كونه من قبيل الكلي في المعيّن، نظير الصاع الساري من الصبرة.

و بهذه الملاحظة لا يخرج الحكم بوجوب القصر عن الكلية إلى الشخصية، مع أنّ كل فرد أيضاً موضوع لشخص حكم بالنسبة إلى العام الأول، لكن شخصية الحكم- بالإضافة إلى الكلية الأولى- غير منافٍ مع كليته بالقياس إلى القطعات المتحققة في ضمن كل فرد فرد.

و بذلك يلتزم بفساد شخصية الحكم على الإطلاق، على وجه لو فرض خروج قطعة من هذا الفرد، لم يبق مجال لشمول الدليل للبقية لفرض انعدام ما تكفله من الحكم، بل الحكم بالنسبة إلى الجهة الثانية باقٍ على إطلاقه، بحيث لو فرض خروج قطعة من الفرد عن تحت الدليل، يبقى على إطلاقه بالنسبة إلى غيرها.

و حيث كان الأمر كذلك فنقول: انّ في المقام بعد هذا التشريح جهتان:

أحدهما: شخص السفر الناشئ عن قصد المسافة.

ثانيهما: الطبيعة السارية في ضمن قطعات هذا الشخص.

و من المعلوم أنّ نسبة الطبيعة السارية المزبورة بالقياس إلى هذا الشخص و أمثاله، نسبة طبيعة الصاع إلى الصبرة.

و بعد ذلك نقول: إنَّ نظر دليل الإقامة في لسانه الناطق بنفي السفر، إن كان ناظراً إلى نفي الشخص الذي هو ظرف الطبيعة السارية فيه، فلازمه رفع

ظرف الحكم القائم بالطبيعة السارية، و لازمة خروج جميع قطعاته عن حيز الحكم. و كان لسان مثل هذا الدليل كلسان دليل دل على نفي أصل الصبرة، المحكومة بكون طبيعة صاعه محكوماً بكذا.

و إن كان نظر اللسان المزبور الى نفي نفس الطبيعة السارية في هذا الشخص، بلا نظر إلى نفي ظرفها، فلا شبهة في أنّ مقتضى نفي هذه الطبيعة- ما دام الإقامة- نفي الحكم عن الطبيعة، بلحاظ سريانها بالنسبة إلى القطعات الموجودة في حال الإقامة، و لازمة بقاء الطبيعة على حالها بالنسبة إلى غيرها.

و في هذه الصورة لا يبقى توهم كون دليل الإقامة ناظراً إلى نفي الطبيعة المطلقة، حتى بالنسبة إلى ما بعد الخروج عن محل الإقامة و بعد انقضاء زمانها، لبداهة عدم نظر لدليل الإقامة إلّا إلى نفي الطبيعة في زمانها، و حال مثل هذا اللسان كحال ما دل على نفي الحكم عن بعض صيعان الصبرة دون بعض، فإن الإطلاق حينئذٍ محكم بالنسبة إلى بقية الصيعان.

و حيث ظهر لك روح المقالة و حقيقتها، فلنرجع إلى مرحلة الاستظهار من الدليل، فنقول:

يمكن أن يقال: إنّ لسان «كونه بمنزلة الأهل و الواصل إلى الوطن» ليس إلّا انقطاع شخص هذا السفر، و هو عين اللسان بأنّ هذا الشخص غير باق، لا أنّ في ظرف بقاء الشخص أنت لست بمسافر، كي يدعى بأن النفي متوجه إلى نفي الكلي في المعيّن في خصوص حال الإقامة دون غيرها.

فتمام مركز المغالطة هنا، لو راجعت وجدانك ترى ما ذكرناه حقيقاً بالقبول، فإنه الغاية المأمول.

بل و لئن دقّقت النظر ترى أنّ لمثل هذا البيان و اللسان خصوصية في كون لسان الدليل ناظراً إلى نفي شخص السفر، بما له من الحكم.

و إلّا فلو كان بلسان آخر، لربما يشك في رجوع القيد إلى أي واحدة من الجهتين.

و حينئذٍ تبقى أصالة الإطلاق- من جهة الافراد- باقية بحالها؛ للجزم بعدم بقاء الإطلاق- من حيث قطعات شخص واحد- على حالها، للعلم الإجمالي:

إما بعدم تحقق ظرف هذا الإطلاق رأساً، أو تقييده. فيجري الأصل الأول بلا معارض، و يستكشف منه تقييد الإطلاق من الجهة الثانية، و لازمة الاقتصار في المقيد بالنسبة إلى المقدار المتيقن منه، كما هو ظاهر.

ثم انّ مقتضى لسان نفي شخص السفر في لسان الإقامة نفي حدوثه إن وقع في أثناء المسافة، و نفي بقائه إن وقع بعدها. و من المعلوم انّ نفي الحدوث المزبور أيضاً يقتضي تقييد المسافة الواقعة حداً للمسافر، بعدم كونه متخللًا بها.

و حينئذٍ لازم كون المدار في القصر على قصد السفر المزبور الجزم بعدم كونه متخللًا بالإقامة، فإذا انكشف الخلاف، فمن حين الانكشاف ينقلب الحكم من القصر الى التمام، و لازمة أيضاً عدم وجوب القصر إلّا بقصد مسافة جديدة.

نعم لو كان مركز القيد نفس قصد المسافة بلا تقييد فيها، كان لازمة وجوب القصر أيضاً، بمجرد فقدان المانع، و إن لم يكن خصوص مفقود المانع- و لو مع تلفيقه بسابقه الخالي عن المانع- بمقدار المسافة، و لازمة احتساب زمان وجدان المانع أيضاً من المسافة المقصودة؛ لأنّ المفروض عدم ورود تقييد في متعلق هذا القصد.

كما أنه لو كان مركز القيد هو السفر بقاءً و حدوثاً، أمكن إرجاعه إلى القضية الطبيعية الثانية، و هو الكلي في المعيّن، و في مثل هذه الصورة يقيّد

وجوب القصر بمسافة عارية عن هذا المانع، و لو كان متخللًا بها. و لازمة عدم احتساب زمان المانع من المسافة، بل لا بد أن يلاحظ بلوغ زمان فقده- و لو ملفقاً مع ما مضى منه سابقاً- بمقدار المسافة.

نعم لو كان القيد في مثله راجعاً إلى الإطلاق من الجهة الأولى، و المستلزم لإخراج شخص الفرد من تحت الإطلاق، كان لازمة في المقام أيضاً هو القاطعية، و لا يجدي في مثله التلفيق المزبور أبداً.

لكن هنا احتمال آخر، من جعل مرجع القيود و مركزها خصوص المسافة. و لازمة خلو المسافة عنها فقط، بلا ضير في وجود المانع بعدها.

و إلى ذلك نظر شيخنا العلّامة في حاشيته بالنسبة إلى قيد المعصية، حيث التزم بعدم اضرارها بالقصر، إذ كان سفره بمقدار المسافة مباحاً.

لكن الانصاف منع اختصاص المسافة بذلك، خصوصاً في لسان العلّة بالسير الباطل و بغير حق، كما فهمه المشهور، كما هو الشأن في نظر دليل الإقامة، من نفي شخص السفر بقاءً و حدوثاً، كما لا يخفى. و عليك بالتأمل في تعيين مركز القيد، و في خصوصية لسان دليله، كي لا يشتبه عليك.

و ربما يكون ما ذكرنا من خصوصية لسان التنزيل في المقام و امتيازه عن لسان دليل المعصية في مرجع القيد و مركزه، من فحوى الإطلاق، منشأ افتراق المقام مع باب المعصية، حيث فهموا في المقام القاطعية دونها، مع كون مركز القيد في الموردين هو السفر و المسافة، و سيتضح بيان المرام أيضاً في مسألة «معصية السفر».

و لعمري انّ بمثل هذا البيان ينبغي تنقيح المقام، و لقد وقعوا من جهة الخلط في مركز القيد في حيص و بيص، و استفادوا القاطعية في المقام من جهات بعيدة، خصوصاً من جهة تخيّل كون الحكمة شخصاً منقطعاً، بحيث يحتاج فيما بعد زوال المانع إلى استصحاب حكم المخصص، و الحال انّ مثل

هذه الجهة مشتركة بين المقام و بين باب المعصية، و الحال انّ المشهور غير ملتزمين بالقاطعية في باب المعصية، فراجع و تدبّر.

ثم انه بعد أن اتضح لك وجه قاطعية الإقامة، لا بد أن يلتزم ببقاء المقيم على التمام، إلى أن يحدث في قصده مسافة جديدة، و لو ملفقة من أربعة ذاهباً و جائياً. فلو قصد ما دونه يتم في الطريق و المقصد و الرجوع إلى محل الإقامة، إن كان عوده إليها بالنية الأولى لا بنية جديدة، و إلّا فلو نوى في المقصد المسافة على وجه يكون في بقائها جعل المحل المزبور من جزء سفره الجديد، كان عليه القصر من حين الرجوع.

و أوضح منه ما لو قصد في رجوعه المرور من حوالي محل الإقامة، لا نفسها.

بل في النجاة في هذا الفرع الفتوى بوجوب القصر من حين الخروج عن محل الإقامة، بانياً على الاكتفاء في الثمانية بمطلق التلفيق، و انّ عدم الاكتفاء به في الخروج عن الوطن إنما هو للإجماع غير الجاري في المقام.

و لكن لا يخفى ما فيه، من أنّ نظر المجمعين في أمثال هذه الفروع إلى كونها على القواعد، و ظهور الأدلة في الأربعة الامتدادية عند التلفيق لا مطلقاً، على ما استظهرناه في صدر المبحث فراجع.

و حينئذٍ فذاك الوجه جارٍ هنا بعينه، بعد الالتزام بالقاطعية بالتقريب المتقدم.

ثم انه يعتبر في الإقامة الموجبة للتمام كونها من نية و تعيين؛ لما في النص من قوله: «ما لم تنو مقام عشرة أيام» (1)، و في آخر: «فأيقنت أنّ لك بها


1) وسائل الشيعة 5: 526 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 8.

مقام عشرة أيام» (1).

و لا يخفى أنّ الحكم في الإقامة- من حيث كيفية دخل النية و اليقين، و من حيث قيام الأصل مقام يقينها، و من حيث كيفية دخل النية المنوطة بشي‌ء، بنحو الشرط المتقدّم أو المتأخر، أو المطلقة-: ما ذكرناه في قصد المسافة، حرفاً بحرف، فلا نعيد.

نعم هنا جهة زائدة، من كون الترديد غير مضر بالتمام إذا صلّى صلاة تامة، كما في صحيحة أبي ولاد من قوله عليه السلام: «إن كنت دخلت المدينة و حين صليت بها فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، و إن كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام، حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام عشراً و أتم، و إن لم تنو المقام فقصّر ما بينك و بين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة» (2).

و لا يعارضها ما في خبر الجعفري المتضمن للعود إلى التقصير بعد البداء و لو بعد الصلاة تماماً (3)، لأنها مما أعرض عنها الأصحاب، فتطرح سنداً أو دلالة.

و على أي حال ظاهر الصحيحة دخل فعلية الصلاة تماماً، لا مجرد الدخول فيها، و إن تجاوز عن محل تقصيرها، و لا مجرد مضي الوقت لفريضة فيه، و لا غير الفريضة من النوافل، و لا غير الصلاة من سائر وظائف المقيم.

و توهم التعدّي من الرواية إلى مثل هذه الجهات منظور فيه.

و في شمول الإطلاق قضاء ما فات منه في المحل وجه، لو لا دعوى


1) وسائل الشيعة 5: 526 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 9.

2) وسائل الشيعة 5: 532 باب 18 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

3) وسائل الشيعة 5: 532 باب 18 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

انصرافها إلى الأدائية.

و على أي حال الظاهر من إقامته في المدينة- كما في الصحيحة- كفاية قصدها فيها بما لها من الحدود، بمقدار يحسب من المدينة، بخلاف ما لا يحسب منها و إن لم يبلغ حد الترخص.

كما انّ الظاهر أيضاً اتصال زمان إقامته، بمعنى عدم خروجه و لو يسيراً، حتى إلى ما دون المسافة.

و توهم عدم إضرار هذا المقدار بصدق الإقامة عشراً، مدفوع بأنّ لازمة صدقه حتى مع فرض بلوغه إلى المسافة أيضاً.

و توهم الفرق بنصف دقيقة بانظار العرف، مدفوع جداً.

كما أنّ مجرد شمول إطلاق القصر له أيضاً لا يجدي في الحكم بالتمام بعد عوده؛ لانتهاء الأمر حينئذٍ إلى تعارض الإطلاقين.

اللهم إلّا أن يدعى انتهاء الأمر بعده الى استصحاب القصر.

لكن من المعلوم انّ نظرهم في وجوب القصر في هذا الفرع ليس إلى الاستصحاب، بل تمام نظرهم إلى جريان إطلاقات اتصالها بنحو الدقة، و إن تسامحوا في الصدق المزبور من جهة المسامحة في تطبيق المفهوم، الذي ليس في مثل المقام بمدار، كما هو الشأن في الأوزان و المقادير من الكر و أمثالها.

و حينئذٍ فما في النجاة من عدم الإضرار في الخروج إلى دون المسافة في زمان قليل، منظور فيه.

و في كفاية التلفيق في العشرة من بياض اليوم وجه.

و عليه فربما يختلف جداً، لا ما يقصدها من أول الليل و أول النهار، كما لا يخفى.

ثم أنه يشترط في وجوب القصر أيضاً عدم كون السفر معصية؛ لكونه ساعياً للظالم، أو قصد به المعصية لكونها لسعاية بلا حق على أخيه المؤمن؛ للأخبار المستفيضة، خصوصاً مثل صحيحة عمار المشتملة على السفر إلى صيد، أو في معصية اللّٰه، أو رسولًا لمن يعصي اللّٰه، أو في طلب عدو أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم مسلمين (1).

و في أخرى: التعليل في سفر الصيد بأنه «ليس بمسير حق» (2).

و لا يخفى ظهور استفادة حكم الصورتين من عموم العلّة، و التصريح بهما في الصحيحة.

و أما غير هما مما كان مقارناً للمعصية، لا مقدمة لها على وجه يتوصل به إليها، ففي استفادة حكمها من الروايات نظر.

نعم قد يستشكل في بعض الموضوعات من أنها سفر معصية، أم كان مقارناً معها، كالمشي في الأرض المغصوبة، أو الركوب على دابة أو سفينة مغصوبة.

و منشأ الاشكال هو: انّ حقيقة السفر غير ما هو الكون في حال الانتقال من محل إلى محل، أو نفس الانتقال المزبور؟ فعلى الأول يكون السفر بنفسه معصية دون الآخر، و المسألة غير خالية عن الاشكال، فيحتاط بالجمع، كما صنعه سيد الأساطين في حاشية النجاة.

ثم انّ ظاهر قوله في التعليل بأنّ مسيره ليس بحق، ظاهر في كون السفر مسيراً حقاً، و مرجعه حينئذٍ إلى كون الإباحة من شرائط نفس السفر لا من


1) وسائل الشيعة 5: 509 باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 511 باب 9 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

قيود قاصد المسافة، و لا مانعاً عن شمول حكم القصر لحالها، من جهة عليّة المعصية للتمام، الذي هو ضده، بلا أن يكون القيد وارداً على المسافة أو السفر.

فلا يتوهم حينئذٍ احتساب زمان المعصية من السفر جداً، إذ قضية تقييد السفر و المسافة بأن لا يكون مسير باطل، خروج مثل هذا السير عما هو موضوع وجوب القصر، لا مجرد خروجه من حكمه.

نعم لو كان مثل هذا القيد قيداً للمقاصد للمسافة، أمكن التمسك بإطلاق قاصدها بالنسبة إلى زمان طاعته، و لو لم يكن يضم ما سبق منه بلا معصية أيضاً بمقدار المسافة، و لازمة احتساب زمان المعصية أيضاً، كما هو الشأن لو كانت المعصية قيداً للحكم بوجوب التمام، المانع عن شمول وجوب القصر له، من جهة وجود ضده لا فقد موضوعه.

و لكن لم يلتزم بمثله أحد، بل كلماتهم مطبقة في عدم احتساب زمان المعصية من المسافة جداً.

و عمدة النكتة فيه فهمهم من مثل التعليل المزبور، كون الإباحة من قيود السير و المسافة. ثم بعد ذلك نقول: إنّ الظاهر من التعليل عدم اختصاص القيد بخصوص مقدار المسافة، بل هو ناظر إلى كون مسيره مطلقاً، و لو في الزائد عن حد المسافة مسيراً حقاً لا باطلًا، فما عن شيخنا العلّامة في حاشية النجاة من مصيره الى رجوع القيد الى خصوص المسافة، منظور فيه.

و أيضاً نقول: انّ قضية رجوع القيد إلى المسافة، كما تصلح لتخصيص إطلاقات السفر بالنسبة إلى شخص هذا الفرد و إخراجها عن تحت الحكم بالقصر فيها، كذلك يصلح لتقييد إطلاق وجوب القصر بالنسبة إلى القطعات المندرجة تحتها، المستلزم للاقتصار في الخارج على مقدار المعصية، و الأخذ ببقية

المسافة إذا كان تلفيقها مع السابق المباح بمقدار المسافة، بلا احتساب زمان العصيان.

و في مثله يكون مقتضى الأصل- كما أشرنا في بحث الإقامة- هو الأخير؛ لجريان أصالة العموم في الافراد بلا معارض، و لازمة عدم استكشاف القاطعية لمثل هذا القيد، على وجه يحتاج في وجوب القصر إلى قصد مسافة جديدة، بلا اعتناء فيه بالتلفيق مطلقاً.

و ربما يفترق مثل هذا اللسان في قيد الموضوع، مع اللسان السابق في الإقامة، التي قلنا بظهور نظيرها، إلى إخراج شخص الفرد عن العام الأول، فراجع و تدبّر.

ثم انّ الظاهر من أخبار الباب وجوب الإتمام في السفر إذا كان نفس سفره معصية، من دون فرق فيه بين كون طروء هذا العنوان عليه في صورة كونه في أحد المنازل، أو كان في زمان طي المسافة.

نعم لو كان في حال إقامة، و كان من قصده التوصل بسفره الآتي إلى المعصية، فالظاهر حينئذٍ اختصاص وجوب التمام بحال الاشتغال بما قصد به التوصل به إليه.

و حينئذٍ فلو قصد في المنزل التوصل بسيرة الآتي إلى المعصية، بل دخل لبقائه في هذا المنزل، فما لم يتلبس بسفره و سيره المتوصل به إليها، لما وجب عليه التمام.

و إلى هذا الفرض نظر في النجاة، حيث قوّى وجوب القصر حينئذ قبل ضربه في الأرض، كما لا يخفى.

ثم انّ في حكم سفر المعصية: السفر للصيد اللهوي، كما هو ديدن أبناء

الدنيا، كما في خبر إسماعيل: «و الرجل يطلب الصيد، يريد به لهو الدنيا» (1)، و بمفهومه يقيّد ما في رواية عمار (2)من إطلاق الصيد فيه.

و حينئذٍ فلا يشمل مثل الصيد لقوته و قوت عياله، كما لا يشمل الصيد للتجارة.

و لازم الإطلاقات حينئذٍ وجوب القصر.

نعم قد وردت مرسلة بالتفكيك بين صومه و صلاته بالإفطار و التمام (3)، و على طبقه الرضوي (4)، و نسب الفتوى إلى شهرة القدماء.

و في صلاحية ذلك المقدار- مع استقرار شهرة المتأخرين على خلافه- لجبر السند نظر، خصوصاً مع احتمال كون مرادهم من المرسلة ما أخذ من مضمون الرضوي بخيال كونه رواية معتبرة، و أنّ ذلك وجه مخالفة المتأخرين معهم، من تشكيكهم في كونها رواية، و مع هذا الاحتمال- كما هو الشأن في غالب المرسلات- لا مجال للأخذ بمثلها، بعد ما لا يكون المأخوذ منه تام الدلالة أو السند.

و لكن مع ذلك كله فالمسألة- مع استقرار الشهرة من القدماء على طبق مضمون المرسلة- لا تخلو عن اشكال، و لذا صرنا إلى عدم ترك الاحتياط في حاشية النجاة أيضاً (5).

ثم لا فرق في سفر الصيد الموجب للتمام بين صيد البر و البحر، و لا بين


1) وسائل الشيعة 5: 510 باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

2) وسائل الشيعة 5: 509 باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

3) جواهر الكلام 14: 265.

4) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 162.

5) و هي حاشية المصنّف رحمه اللّٰه على نجاة العباد لصاحب الجواهر.

كون مركز سيره حول البلد- بمقدار خارج عن حد الترخص في كل طرف- أم في غيره.

نعم في السير حول البلد الموجب للقصر، لا بد أن يكون سيره على نحو تصدق عليه الأربعة الامتدادية و لو عرفاً، و إلّا فنحو الدورية لا يثمر، إلّا إذا كان بين المحل و المقصد بحسب قطر الدائرة أربعاً لا مطلقاً.

و لا فرق أيضاً بين استمرار سفره ثلاثة أيام أم لا، و ما في بعض الروايات (1)من التحديد غير معمول به إلّا شاذاً، غير موجب للوثوق بنحو تطرح الإطلاقات في قباله.

ثم في أعوان الظلمة يجب التمام في كل سفر يكون مثل هذا السفر اعانة لهم، و يحسب من شئونهم، و يوجب تقوية لشوكتهم و ظلمهم.

و أما في غيره ففي الاكتفاء بمجرد كون سفره بداعي أمرهم، بلا لزوم تقوية شوكتهم من قبله، ففيه اشكال.

و ما في الرواية من إتمام رسولهم (2)، فإنما هو منصرف إلى كون رسالته هذه تقوية و اعانة لهم بما هم ظلمة.

و من هنا ظهر انه لو كان في سفره مكرهاً مع كونه مكرهاً في أصل إعانتهم، أو كان غرضه من ذلك السفر، أو الالتحاق بهم دفع مظلمة عن العباد، فلا بأس به، و يقصر في سفره جزماً.


1) وسائل الشيعة 5: 511 باب 9 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

2) وسائل الشيعة 5: 509 باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

ثم انّ مما يجب فيه التمام تردده في الزائد عن المسافة بعد ثلاثين يوماً، و في الاكتفاء بالشهر الهلالي أيضاً وجه.

و الأصل فيه ما في جملة من النصوص المستفيضة، المشتملة جملة منها على الشهر (1)، و بعضها على ثلاثين يوماً (2)، بعد حفظ الظاهرين، بحمل الأول على ما بين الهلالين، و الأخير على غيره، بلا وجه لرفع اليد عن أحد العنوانين.

ثم انّ في بعض روايات الباب: عن أهل مكة إذا زاروا عليهم إتمام الصلاة؟ قال «نعم، و المقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم» (3).

و إطلاقه يشمل المتردد من الأول أيضاً، خصوصاً مع معهودية مثل هذا العنوان بالنسبة إلى المتردد في سائر الأخبار (4).

و لازمة كونه لسان دليل التمام في المتردد أيضاً كلسان دليل الإقامة، ناظراً إلى نفي شخص السفر، و إخراج هذا الفرد عن عموم وجوب التقصير، و لازمة القاطعية، بحيث يحتاج في تقصيره إلى مسافة جديدة.

نعم لو أغمض عن هذه الرواية، و كنا و بقية الروايات، أمكن استفادة كونه قيداً للحكم بوجوب التمام، المستتبع لوجوب القصر بمجرد الخروج عن محل الإقامة، و إن لم يبلغ بنفسه مسافة، و لا يكاد استفادة قيديته للسفر.

و إن كان ذلك أيضاً لا يثمر في المقام شيئاً، بعد احتمال رجوع القيد إلى إطلاق السفر، بلحاظ قطعات شخص السفر، لا تخصيص هذا الفرد رأساً.

إذ نتيجة هذا القيد أيضاً وجوب القصر في المقام بمجرد الخروج، و لو لم يبلغ


1) وسائل الشيعة 5: 525 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 527 باب 15 من أبواب صلاة المسافر حديث 12.

3) وسائل الشيعة 5: 506 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 6.

4) وسائل الشيعة 5: 524 باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

حد الترخص، مع فرض خروجه عن حدود البلد عرفاً و إن لم يكن المقصد بمقدار المسافة الجديدة.

و هذان التصويران لا يكاد يفترقان في النتيجة في خصوص المقام، الذي يكون الخارج عن البلد بمجموع طرقه زائداً عن المسافة.

نعم في فرع المعصية، ربما تختلف نتيجة التقييدين في احتساب زمان العصيان من المسافة و عدمها، كما عرفت سابقاً.

و كيف كان فلا يبقى مجال للتأمل في المقام من تلك الجهات، إذا كان في البين مثل لسان التنزيل السابق، المستلزم للقاطعية، كقصد الإقامة، فيجري فيه من تلك الجهة ما يجري في الإقامة من الفروع السابقة، من قصده إلى ما دون المسافة من حيث الذهاب و الإياب، و أمثالها فراجع.

ثم الظاهر المنساق من الروايات دخل الإقامة في محل واحد في هذا الحكم، فلو كان متردداً في حال سيره فلا بد من قصره و إن بقي على ترديده في شهور عديدة.

و منه حال ما لو كان في أثناء الثلاثين مكانين أو بلدين، لا فرق- بمقتضى الإطلاق في بعض الروايات- بين كون محل الإقامة بلداً أم غيره، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

و ممن خرج عن حكم القصر من كان السفر عملًا له، كالملّاح، و المكاري، و البريد، و أمثالهم، كما هو ظاهر جملة من النصوص المشتملة على التعليل: بأن السفر عمل لهم (1).


1) وسائل الشيعة 5: 515 باب 11 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

و في بعضها: تقييد الجمّال بأنه يختلف (1).

و هو المناسب لظاهر كلماتهم في عنوان البحث، من كثرة السفر تارةً، و كون سفره أكثر من حضره اخرى.

و الظاهر انصراف إطلاقها أيضاً الى كون السفر- علاوةً من تكرره- عملًا. كما انّ المعبرين بعنوان العمل أيضاً ظاهر كلماتهم اعتبار التكرر أيضاً، و لذا لا يلتزمون بالتمام في الدورة الاولى، و إنما الخلاف بينهم في اعتبار الدورة الثانية أو الثالثة، و ذلك كلّه شاهد عدم التزامهم بعموم العلة في قوله:

«لأنه عملهم»، كيف و بمجرد البناء عليه و اشتغاله به، يصدق على أول دورته أيضاً أنه عمله.

و حينئذٍ فربما يشكل الجمع بين ظاهر الكلمات و بين ما يستفاد من الروايات، إذ المستفاد من الروايات اعتبار مجرد العملية؛ لإمكان حمل الاختلاف في رواية الجمّال على بيان الغالب، و كون قيده وارداً مورده، فلا يصلح مثله لتقييد عموم العلة.

و مثل هذا المعنى مما لا يساعده ظواهر الكلمات.

اللهم إلّا أن يستفاد اعتبار التكرر مما دلّ على قاطعية الإقامة لوجوب التمام، فإنّ لازمة عدم القصر في أول دورته من عمله، و بتنقيح المناط يتعدّى إلى أول عمله منه، و أنّ المدار على العمل و التكرار، كما لا يخفى.

و حينئذٍ لا مجال لرفع اليد عن ظواهر الكلمات، خصوصاً ممن كان قريب العهد لزمان الأئمة عليهم السلام، فإنهم أعرف بمذاقهم عليهم السلام منا.

ثم انّ المراد من كثرة السفر أو أكثريته، ليس مجرد طول السفر و لو في سنة


1) وسائل الشيعة 5: 515 باب 11 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

واحدة مرة، بل المراد منه كثرته بلحاظ تكرر وجوده. و مثل هذا التكرر ربما يختلف ظرفه، فإن كان موجبا لاشتغال نوع سنته بكل سفر منها، فظرف التكرر يلاحظ في طول عمره، و إن لم يكن كذلك فظرف التكرر يلاحظ في سنته.

و من ذلك ربما يفرّق فيمن يبتني على تكرر سفره في كل سنته مرة، بين كون سفره قصراً غير موجب لاشتغال نوع سنته به، فيحكم بعدم كونه ممن يتكرر منه السفر، و لا يدخل في من كان سفره كثيراً أو أكثر؛ لعدم صدق التكرر في مثله، الملحوظ ظرفه في دورة سنته.

و بين من يبتني على تكرر السفر في كل سنة على وجه موجب لاشتغال نوع سنته، فإن ظرف تكرر مثل هذا السفر لما كان دورة عمره، فيصدق فيه كثير السفر.

و إلى ذلك نظر النجاة في تفرقته بين الفرضين.

و أيضاً نقول: انّ المدار في صدق التكرار ليس بخصوص التردد الى وطنه و منزله، بل لو فرض خروجه من المنزل على وجه يكون بنظره المقاصد من الأمكنة في عرض واحد، و كان ينتقل من مقصد الى مقصد آخر، نظير التاجر و الأشتقان (1)الذي يدور من محل إلى محل آخر لإنجاز مقصده، فهو أيضاً في نظر العرف يحسب من المترددين و ممن كثر سفره و إن كان مثل هذا السفر في كل سنة مرة، حتى مع اشتغال بعض سنته في سفره هذا، بلا احتياج إلى البناء في كل سنة مرة، و بلا احتياج الى اشتغال نوع سنته بسفره، بل هو


1) في مجمع البحرين 6: 272 «شقن»: الأشتقان: قيل هو الأمير الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، و قيل الأشتقان: البريد، و في الذكرىٰ: أمير البيدر. و البيدر: الموضع الذي يداس فيه الطعام.

بمنزلة من يتردد في الصيف فقط في أسفار متعددة من وطنه، فإنه ما دام مشغولًا بمثل هذا التردد يجب عليه إتمام صلاته و أن يصوم.

غاية الأمر لا بد عند من يقول باعتبار السفر الثاني أو الثالث، اعتبار اشتغاله بالانتقال الثاني من مقصده الأول، أو الانتقال الثالث من مقصده الثاني، و هكذا.

ثم انّ في كفاية اتخاذ السفر و التردد الى ما دون المسافة عملًا له- كالحطّاب، أو الحشّاش المحتاج الى السفر الى ما دون المسافة، أو المكاري المعد للسفر المزبور- في تحقق موضوع التمام، المستلزم لوجوب إتمامه لو اتفق سفره الى المسافة، بعنوان كونه مكارياً أو حطّاباً أو حشّاشاً، لا بعنوان آخر مستلزم لاعراضه من عمله و اختياره سفراً جديداً، لا بقصد كونه عمله، وجهان مبنيان على إطلاق العلة بالنسبة إلى كل سفر عرفي، أو انصرافه إلى سفر لو لا عمله له كان تكليفه فيه القصر.

و لعل الثاني أقوى، و لا أقل من التشكيك في الإطلاق، و لو لكونه قدراً متيقناً في مقام التخاطب، فيستصحب حكم قصره في سفره.

و أشكل منه ما لو اتخذ الحشَّاش السفر الجديد عملًا بعنوان آخر، ككونه مكارياً لا حشَّاشاً، كما لو آجر الحشاش دابته وقت زيارة الحسين عليه السلام من النجف إلى كربلاء، و كذلك الحطّاب أو السقاء المشتغل في طريق الكوفة، إذ في وجوب التمام في السفر الأول إشكال تقدّمت الإشارة إلى وجهه.

و على أي حال لا يجب التمام على الأصناف المزبورة إذا اتخذوا سفراً جديداً، لا بعنوان كونه عملًا لهم و لو بعنوان آخر، بل يجب عليهم القصر كسائر المسافرين؛ لانصراف الأدلة المزبورة إلى سفر كان عمله، و لا يجب في

غيره من بقية أسفاره.

و أيضاً يعتبر في وجوب التمام على الأصناف المزبورة عدم إقامة عشرة أيام بلياليها المتوسطة في وطنه و لو بلا قصد، كما هو ظاهر النص، و فيه عطف إقامة العشرة في غير منزله به (1).

و مقتضى الجمود على ظاهر لفظ الرواية، كفاية الإقامة بلا قصد في غير وطنه أيضاً.

و لكن لنظر الدقيق ربما يستنبط من مثل هذا البيان عشرة قاطعة للقصر، و مثله ربما يختلف باعتبار محله، من كونه في وطنه، أو بعد تردده ثلاثين يوماً في سفره فلا يحتاج الى قصد. و أما في غير هما فيحتاج إلى إقامة العشرة الواقعة مع قصدها؛ لأنّ القاطع للسفر البالغ حدّه إلى هذه المرتبة هو ذلك.

و إلى ذلك أيضاً إشارة في النجاة، كما لا يخفى على من راجع.

ثم في إلحاق الخمسة به ورد النص (2)، و لكنه معرض عنه لدى الأصحاب.

و على أي حال مهما تحقق منه مثل هذا القاطع، يجب عليه القصر في الدورة الاولى، و إن كان هذا السفر أيضاً عملًا له.

و في وجوب القصر في الثاني أو الثالث وجهان، أقواهما الثاني؛ لصدق الاختلاف و العمل، و إن كان الأحوط في الثاني الجمع، و اللّٰه العالم.

ثم في اعتبار عدم جدّه بسيرة في وجوب التمام، بأن لا يجعل المنزلين منزلًا،


1) وسائل الشيعة 5: 517 باب 12 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 519 باب 12 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

بحيث لو جدّ به لا يجب عليه التمام بل عليه القصر، أو لا يعتبر ذلك، وجهان.

منشأ عدم الاعتبار: الإطلاقات، بلا اعتناء بما ورد من النص (1)على مثل هذا القيد، و لو لإعراض المشهور.

و منشأ الاعتبار: الاعتناء بالنص المذكور، من جهة عمل جمع به.

و الاحتياط في مثله لا يترك، و قد تأملنا فيه أيضاً في حاشية النجاة فراجع.

و ممن يجب عليه التمام في سفره: أهل البادية الذين يكون بيوتهم معهم، كما في لسان النص التعليل بذلك (2)، و مرجعه الى عدم كونهم مسافرين؛ لأنَّ في المسافرية- علاوة عن الضرب في الأرض- اعتبر معنى آخر، من غربة عن موطن أهله و عياله، فمع كون دوره معه لا تكون له مثل هذه الغربة عن الدور و العيال. و لذا شرع في حقه التمام بملاحظة كونه في وطنه و مع أهله و عياله.

و في حكمهم السيّاح الذين لم يختاروا مقراً من أول عمرهم، فإنه لا يتصور في حقهم البعد عن الوطن؛ لفرض عدم تحقق وطن لهم، اللهم إلّا أن يمنع اعتبار هذه الجهة في حقيقة السفر، بل تمام المناط فيه هو الضرب في الأرض في غير وطنه، و لو بنحو السالبة بانتفاع الموضوع.

و مثلهم من كان دائم السفر، اللهم إلّا أن يدخل دائم السفر فيمن كثر سفره، لو لا دعوى انصرافه عنه، خصوصاً مع عدم كون سفره عمله.

اللهم إلّا أن يدّعى جريان المناط بشأنه، و هو أيضاً لا يخلو عن تأمل.

و من جهة هذه التشكيكات بنينا على عدم ترك الاحتياط في مثله في


1) وسائل الشيعة 5: 519 باب 13 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 516 باب 12 من أبواب صلاة المسافر حديث 6.

حاشية النجاة (1).

و من هذا القبيل من أعرض عن وطنه و لم يتخذ مقراً آخر، فإنّ حكمه حكم السيّاح المزبور مع جريان التشكيكات المزبورة فيه أيضاً. حرفاً بحرف.

و على أي حال فإن كل واحد من هؤلاء الأصناف لو اعرض عن شغله و اختار سفراً جديداً، على وجه يصدق عليه حدود السفر، يجب في حقه القصر، بلا اشكال.

نعم لو مضى البدوي لاختيار منزل مخصوص، و كان يبلغ المسافة، ففي كونه بالنسبة إليه سفراً، بملاحظة تغرّبه من دوره أم ليس كذلك، و لو من جهة كونه محسوباً أيضاً بكونه مع دوره، و لو بملاحظة تعقبه لمجي‌ء دوره، وجهان.

و في النجاة تقوية القصر، و استشكل شيخنا العلّامة في حاشيته، و لكن في إطلاقه تأمل، من جهة أنه ربما لا يجب كونه مع دوره، و لو بتخلل فصل عرفي بين ذهابه و تعقيب دوره له، و لذا أرجعنا الإشكال إلى إطلاق النجاة لا مطلقه، فراجع.

و لو كان في أرض وسيعة مثل العراق و قد اتخذه مقراً له، فتارة لا يختار مواضع معينة منها وطنه، و اخرى يتخذ أمكنة متعددة معينة وطناً له.

فعلى الأخير فلا شبهة في كونه ذات أوطان، يتم في كل منها، بل و في طريقها إذا لم يكن مقدار المسافة.

و أما على الأول، ففي صدق المتوطن على مثله اشكال، بل هو داخل فيمن أعرض عن وطنه، و ما اختار بعد وطناً له، و إنما بنى على المسافرة في محال


1) مخطوط.

العراق، غاية الأمر مع بنائه على إقامة السنة في كل محل يتم في محل إقامته، و يقصّر في الطريق إذا كان بمقدار المسافة.

و أيضاً الراعي الذي ليس له مكان مخصوص، حاله حال التجار المتخذين للسفر عملًا.

ثم اعلم انّ من شرائط التقصير في السفر: أن يضرب في الأرض حتى يصل إلى محل الترخص، فلا يقصر قبله على المشهور.

خلافاً لوالد الصدوق من مصيره إلى وجوب التقصير بمجرد الخروج من المنزل (1)، للمرسل «إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه» (2).

إلّا أن فيه- مضافاً إلى ضعف سنده، مع اعراضهم عنه أيضاً- تأملًا؛ لعدم إمكان الجمع بين مثله و بقية الروايات، التي منها الصحيح المحدد بتواري البيوت (3)، و في آخر: «في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان، و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (4)، فيجب رفع اليد عن إطلاق المرسلة.

بل لو قيل بأنّ مثل هذا المعنى في الحقيقة راجع إلى تحديد الشارع دائرة البلد على خلاف فهم العرف، بتخطئته لهم في فهم الأقل منه، فكان أمر الجمع أوضح، إذ لمثل هذه حينئذ نحو حكومة على المرسلة.

و على أي حال، هنا كلام آخر في الجمع بين الصحيحتين، بملاحظة تعارضهما مفهوماً و منطوقاً.


1) نقله عنه العلامة في المختلف: 163.

2) وسائل الشيعة 5: 508 باب 7 من أبواب صلاة المسافر حديث 5.

3) أخذ مضمون الرواية على مذاق المشهور. و الصحيح: تواريه من البيوت، انظر: وسائل الشيعة 5: 505 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

4) وسائل الشيعة 5: 506 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

و قد يجمع تارةً برفع اليد عن إطلاق مفهوم كل منهما، و اخرى عن إطلاق منطوقها، و ثالثة عن إطلاق العلية المقيّدة للحصر فيهما.

و لازم الأخير و الأول: الاكتفاء بكل منهما، كما هو مختار الجواهر في نجاته، و لازم الوسط لزوم الجمع بينهما مع التمكن، و إلّا فيقصر. و إليه ذهب شيخنا العلّامة، و احتاط سيد الأعاظم في حاشية النجاة فراجع، و ما في متن النجاة أقوى، من جهة قوة الجمع الأول، و اللّٰه العالم.

ثم انّ المدار في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت بصورها و إشكالها، لا شبحها.

كما انّ المدار في سماع الأذان على المعتاد من الصوت، و المعتاد من السمع، في معتاد الأوقات، من حيث وجود الموانع الغالبية و عدمها، و من حيث صفاء الهواء كبين الطلوعين و غيره، فليس المدار على خصوص الأول.

كل ذلك لانصراف الإطلاق إلى المتعارف منها. كما أنه لا بد من التقدير عند وجود الموانع عن رؤية الجدران أو سماع الأذان، بل و مع فرض كون البلد في مكان منخفض أو في مكان مرتفع، و إن كان الأحوط في جميع هذه الصور مراعاة أكثر المقدرين، و لا اعتبار بالإعلام و المنارات و القباب، بل و سور البلد إذا كان خارقاً عن معتاد جدران الدور؛ لعدم اندراجها في النصوص.

و في كون المدار في خفاء الأذان خفاء خصوصه لا مطلق الصوت، أو انه كناية عن الأصوات العالية، و أن تخصيصها بالذكر لكون الغالب من أفراده في البلدان ذلك، وجهان، و الاحتياط لا يترك عند التخلف بين الصوت و الأذان.

ثم على فرض كون المدار على الأذان، فهل المدار حقاً على نفس صوته، أم

يكفي مجرد خفاء عنوان كونه أذاناً، أو يكفي مجرد خفاء فصوله مع عدم خفاء عنوان الأذانية، وجوه.

يمكن المصير إلى الأول؛ للأصل، و الأقوى الأوسط للإطلاقات، و أما الأخير ففي غاية الضعف، و إن قواه في الجواهر (1)، و لو لصدق أول مرتبة من طبيعة الخفاء.

و لكن لا يخفى انّ عنوان الدليل عدم سماعه؛ لاخفائه. و صدق السلب لا يكون إلّا بسلب جميع مراتبه، إلّا إذا ادعى الانصراف إلى المرتبة الكاملة، و هو منظور فيه.

و أيضاً قضية سلب سماع طبيعة الأذان سلب جميعها، المستلزم بعدم سماع الأذان الواقع في أول البلد، الذي هو أقرب الأماكن بالنسبة إليه.

و يعتبر في متسع البلدان خفاء أذان محلته، بل و خفاء جدران محلته، و لو بالتقدير؛ لوجود الحائل.

كما انّ المدار في منازل أهل البادية المنتشرة في البر على خفاء كل جماعة، لا جميعها، إلّا أن يحسب المجموع جماعة واحدة.

و مجرد وحدة الاسم في الجميع، مع تفرق جماعتهم، كجماعة «بني حسن» و «إيل قشقاء» مثلًا لا يجدي، مع تفرق جماعاتهم، كما هو واضح من جهة انصراف البيوت الى بيوت كل جماعة جماعة بنفسها، لا بمجموعها.

و في اختصاص اعتبار الترخص المزبور بالوطن، دون محل الإقامة و محل ثلاثين متردداً، وجهان مبنيان على كون أدلة التحديد ناظرة إلى تحديد حدود البلد، البلد تخطئة للعرف في فهم الأقل، فيجري في الأخيرين أيضاً؛ لحكومة


1) جواهر الكلام 14: 295.

هذه الأدلة بالنسبة إلى دليل وجوب التمام في محلهما.

أو كون لسانها لسان تخصيص السفر، الموجب للقصر بالبلوغ إلى هذا الحد، فيختص بالوطن؛ لاختصاص دليله به، لانصراف عنوان أذان مصرهم إلى وطنه.

و نظيره في الانصراف قوله: الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: «إذا توارى البيوت» (1)، إذ هو أيضاً ظاهر في فرض إنشائه حقيقة السفر، الملازم لخروجه عن وطنه.

و توهم الإطلاق ممنوع جداً، و لكن فهم تحديد البلد من مثل هذه الأخبار مشكل و إن كان قريباً، و لكن لا يكون ظهورها بمثابة يصلح للحكومة.

و عليه فمقتضى الإطلاقات وجوب القصر لو لم نقل بعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهة، و لكنه فاسد جداً، و لذا قوّى في النجاة عدم جريانه في غير الوطن، و استشكله شيخنا العلّامة في حاشيته، و نحن أيضاً قوينا ما في المتن فراجع.

ثم انّ ظاهر قوله في الصحيحة السابقة: «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (2)، وجوب التمام للمسافر القادم إلى وطنه، حين بلوغه الى حد سماعه الأذان أو رؤية الجدران.

و كيف كان إذا اجتمعت الشرائط المزبورة للقصر أو التمام، وجب الإتيان بوظيفة كل منهما، و لو تخلّف بإتيان القصر في موضع التمام أو العكس


1) نقل الرواية هكذا على مذاق القوم، و الصحيح: توارى من البيوت. وسائل الشيعة 5: 505 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 506 باب 6 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

عالماً يجب الإعادة.

نعم لو كان جاهلًا بحكم القصر، و أتى المسافر تماماً، لا يجب الإعادة مطلقاً؛ لقوله في النص: «إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له ..» (1)

الى آخره، و به يخصص ما في المروي عن الخصال من قوله: «و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته؛ لأنه قد زاد في فرض اللّٰه» (2).

نعم لو جهل عكس ذلك، و أتى بغير وظيفته، فالمشهور وجوب الإعادة؛ لاختصاص الأخبار الثانية بالصورة الأولى، خلافاً لجماعة أخرى فذهبوا الى عدمه؛ للنص الوارد في صحيح منصور (3)، و كذلك في خبر آخر، و اختاره سيد الفقهاء في عروته (4)على المحكي.

و لكن الحمل على طبق النص المخالف للمشهور، خصوصاً مع قوة سنده و كونه بمرئي منهم و مسمعهم، مشكل جداً. و لذا استشكلنا في حاشية النجاة، على خلاف تقوية المتن عدم المعذورية.

ثم في شمول نصوص الجاهل الجاهل ببعض الخصوصيات، مع علمه بأصل الحكم بأن المسافر لا بدّ أن يقصر، فيه اشكال، و لقد تعرض فروعها في النجاة، و استشكل فيها و احتاط فيها بالجمع، كما لا يخفى على من لاحظها.

و أما لو كان المسافر ناسياً للموضوع، فصلّى تماماً، فالمشهور على وجوب الإعادة في الوقت، و عدمه في خارجه.

و العمدة فيه ما في صحيح العيص: عن رجل صلّى و هو مسافر فأتم


1) وسائل الشيعة 5: 531 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 531 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 8.

3) وسائل الشيعة 5: 530 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

4) العروة الوثقى 2: 161.

الصلاة، قال: «إن كان في وقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى فلا» (1).

و في خبر أبي بصير: عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات، قال: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، و إن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا اعادة عليه» (2).

و يمكن حمل الإطلاق الأول على التقيد بالنسيان في الثاني بجعله شارحاً له، لما انه يمكن جعل التفصيل بين الوقت و خارجه شارحاً لليوم بجعله كناية عن وقته، فيتوافق حينئذٍ مضمون الروايتين.

و لكن الإشكال في إطلاقهما من حيث نسيان الحكم و الموضوع، مع أنّ الأصحاب غير ملتزمين بالمعذورية أصلًا في نسيان الحكم، مضافاً الى إطلاق الصحيحة للجاهل بالموضوع أيضاً، و هو أيضاً مما لم يلتزم به أحد بمعذوريته.

و عليه فلا بدّ من طرح إطلاق النصوص المزبورة، لو هن دلالتها بمخالفتها بفتوى الأصحاب، فيقتصر في مقدار تساعده الكلمات، للجزم بعدم إرادة إطلاقهما جزماً.

و مما ذكرنا ظهر حال الجهل بالموضوع و نسيان الحكم أيضاً، حيث إنّ المرجع بعد عدم تمامية حجية الإطلاق فيهما هو القاعدة، المقتضية لعدم الاجتزاء بما هو مخالف للوظيفة الواقعية، و اللّٰه العالم.

ثم انّ إطلاق أخبار الجاهل بالحكم يشمل الجاهل المقصر أيضاً، بل هو صريح قوله: «و لم يعلمها» (3)، فيكون معذوراً من حيث الوضع و إن لم يكن معذوراً من جهة التكليف، كما هو الشأن في الجاهل في الجهر و الإخفات.


1) وسائل الشيعة 5: 530 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

2) وسائل الشيعة 5: 530 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 531 باب 17 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

و يرفع التهافت بين العذرين بكون المأتي به وافياً بمقدار من الغرض، و مفوتاً لمقدار لازم التحصيل على وجه لا يمكن تداركه مطلقاً، فيعاقب على تفويت الزائد، و لا يعاد بعد العلم حتى في الوقت. و ذلك ظاهر واضح، و نظيره في العرفيات أيضاً كثير لا يحصى.

ثم انّ حقيقة القصرية و الإتمامية ليستا من الأمور القصدية، بل هما نظير الجماعة و الفرادى، عبارتان عن حدين للصلاة يحصلان بالسلام على الركعتين أو الرابعة، للأصل و الإطلاقات، غاية الأمر في المقام أخذ الأقل بشرط لا.

و حينئذٍ فمهما أتى المسافر بوظيفة القصر و لو بلا التفات إلى جهة قصريته أجزأ عن تكليفه ما لم يخل بقصد القربة، بل و يجزئ ذلك أيضاً لو قصد خلاف وظيفته جهلًا أو تشريعاً؛ إذا كان من باب التشريع في التطبيق لا في الأمر.

بل و لو كان في الأمر أيضاً، إذا لم يكن داعيه الإتيان بأمره التشريعي المتوجه إليه فعلًا من قصر أو إتمام. و في النجاة مصيره في أمثال المقام الى البطلان، و نحن اخترنا الصحة في الحاشية ما لم يخل بقصد القربة.

و إذا دخل الوقت و هو حاضر متمكن من فعل الصلاة، ثم سافر حتى تجاوز عن محل الترخص و الوقت باقٍ، ففي النجاة الأحوط الإتمام، كما أنّ الأمر بالعكس في صورة العكس، و المشهور على القصر في الأول و الإتمام في الثاني، خلافاً لجمع آخر حيث جعلوا المدار على حال دخول الوقت بخيال تنجز التكليف به قصراً أو إتماماً، فيجب إتيانه و لو في سفره تماماً، أو في حضره قصراً.

و لكن لا يخفى ما فيه، من أنّ ظاهر الإطلاق كون الحكم بقاءً أو حدوثاً

دائراً مدار بقاء العنوان و حدوثه، و عليه فلا يكون- بمقتضى القواعد سوى ملاحظة حاله الفعلي في وظيفته الفعلية، مضافاً إلى صريح النص (1)في عقدي المسألة، حتى أنّ في ذيله: «فان لم تفعل فقد خالفت و اللّٰه رسول اللّٰه» (2)، و نظيره صحيحة أخرى في طرف الخارج من وطنه إلى السفر (3).

و المسألة مع كثرة الأقوال فيها ظاهراً خالية عن الاشكال؛ لوضوح المدرك.

نعم قد يستشكل في صورة فوت مثل هذه الصلاة عن المصلّي المدرك للحالتين في وقت صلاته، بأنّ المدار في قضائها على زمان دخول فوتها، أو زمان دخول وقتها، أو مخير بينهما، وجوه بل أقوال.

و الذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال: إنّ اختلاف المكلفين في الوظائف من حيث القصرية و التمامية و غير هما من الأفراد المختلفة، بحسب اختلاف الحالات، إن كان في مجرد خصوصية مصاديق الصلاة، مع اشتراك الجميع في الأمر بذات الطبيعة، غاية الأمر من كل طائفة تنحصر الطبيعة المطلوبة في مصداق خاص، على وجه لا يكون الملزم بهذا المصداق في الحال المخصوص، إلَّا حكم العقل بوجوب الخروج عن عهدة الطبيعة، بلا سراية الطلب إلى خصوصية هذا النوع من الصلاة من قبل الشارع، فلا شبهة في أنّ فيما نحن فيه لا بدّ أن يلتزم بالتخيير؛ لأنّ الفائت في الوقت هو المكلف به من الجامع بين القصر و الإتمام، و لا يجب في خارجه إلّا ما فات في وقته من الجامع المزبور، فلا يجب في حقه حينئذٍ إلّا نفس هذا الجامع.


1) وسائل الشيعة 5: 534 باب 21 من أبواب صلاة المسافر.

2) وسائل الشيعة 5: 534 باب 21 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 538 باب 22 من أبواب صلاة المسافر حديث 2.

و إليه ذهب سيد الفقهاء في عروته، حيث أفتى في قضائه بالتخيير بين القصر و الإتمام (1).

و ان كان اختلاف بينهم في أصل الوظيفة الشرعية، على وجه يكون المأمور به من كل طائفة نوع من الصلاة بخصوصها دون نوع آخر، بلا اشتراكهما في التكليف بالجامع اللابشرط و المطلق.

فتارة يقال: إنّ كل حال بمجرد تحققه في وقت الصلاة كان بحدوثه علّة لحدوث التكليف بنوعها المخصوص، و بقائه إلى أن يأتي به، فلازمه كون مدار القضاء حينئذٍ على زمان حدوث الوقت في الحالة المخصوصة، بلا اعتبار لحاله حين فوته فيه.

و إن قلنا: بانّ كل حال بحدوثه موجب لحدوث التكليف بوظيفته، و بقاؤه موجب لبقائه، فلا شبهة في أنّ لازم هذا البيان كون المكلف، كما انه قبل دخول الوقت مخيّر بين اختيار أي الحالتين، كي بحدوثه في زمان حدوث الوقت صار موجباً لحدوث التكليف بوظيفته، كذلك بعد دخول الوقت أيضاً مخيّر في إبقاء تكليفه الحادث أو تبديله بتكليف آخر، و لو من جهة تبديل موضوعه.

و في هذه الصورة لو انقلبت حالة السفر بالحضر لا يكون تكليفه القصري فائتاً منه، كيف و هو فرع تنجّز تكليفه بالخصوصية، و هو مع فرض اشتراط بقائه ببقاء الموضوع يستحيل تنجزه إلّا بإبقاء موضوع تكليفه إلى آخر الوقت.

و إلّا فمع تبديله بتكليف أو موضوع آخر لم تفت منه مصلحة الاولى، بل يكشف التبديل المزبور عن عدم استقراره من الأول على عهدته، فلا يستقر التكليف حينئذٍ على وجه يصدق عليه فوت مصلحة، إلّا بالنسبة إلى ما فات


1) العروة الوثقى 2: 162.

الوقت في حاله.

فإن قلت: بعد فرض دخول الوقت في الحالة الأولى قد استقر الوجوب على وظيفته المخصوصة، غاية الأمر لك منعه عن إبقائه لا عن حدوثه، فهو بنفس حدوثه استقر التكليف، فيصدق فوته أيضاً في وقته.

قلت: إنما يستقر التكليف بحدوثه في الآن الأول، لو كان التكليف بخصوص الفرد في هذا الآن تكليفاً تعيينياً، و أما لو كان تخييرياً فلا شبهة في أن مرجع مثل هذا التكليف إلى المنع عن تركه في حال ترك الفرد الآخر في الآن الثاني.

و حيث انه في الآن الثاني أيضاً مخيّر بين إبقاء تكليفه بهذا النوع أو بنوع آخر، فيرجع مآل التخييرين إلى التخيير في الآن الأول في الفرد القصري مثلًا، مشروطاً بقاء هذا التخيير بعدم اختيار تكليف آخر، و إلّا فمع اختياره موضوعاً آخر ينقلب هذا التخيير بتخيير آخر.

و لئن شئت قلت: إنّ التكليف بالجامع بين أفراد القصر في تمام الوقت من الأول مشروط بعدم انقلاب موضوعه، و إلّا فيكشف عن عدم تعلّق التكليف من الأول بهذا الجامع بين أفراد تمام الوقت، بل غاية الأمر تعلّق بالجامع بين بعضها، و هذا الجامع بخصوصه لا يكون مكلفاً به.

و مرجع هذا الكلام إلى كشف الانقلاب عن عدم حدوث التكليف بالجامع بين خصوصية القصرية من الأول، بل ينحصر التكليف بخصوص الجامع بين أفراد الواجب الفائت في الموضوع الجديد، و لازمة انحصار صدق الفوت بخصوص هذا الواجب حين فوت الوقت لا حين شروعه.

و بعبارة ثالثة نقول: إنّ التكليف الأول إنما يتعلّق بالجامع بين أفراده في تمام وقته، و حيث انه مبني على بقائه في موضوعه إلى آخر الوقت، فإذا انقلب هذا الموضوع في إبقائه، يكشف مثله عن عدم حدوث التكليف من الأول

بالنسبة إلى الجامع المزبور، و هذا بخلافه بالنسبة إلى الموضوع الآخر، فإنه من حين دخوله فيه يكون تكليفه متعلقاً بالجامع من حدوثه الى آخر الوقت، فتمام الوقت في هذا الحال عن استقرار هذا الوجوب دون غيره، و لازمة كون مدار القضاء عليه.

و إلى ذلك نظر صاحب الجواهر في نجاته.

و حيث اتضحت المباني فنقول: انّ ظاهر اشتراك جميع المكلفين بالخطاب بطبيعة الصلاة يقتضي الأول.

و لكن يمكن منع إطلاقه، و كونه في مقام الإهمال، فيبقى حينئذٍ ظهور قوله:

«زاد في فرض اللّٰه»، الظاهر في كون القصر بخصوصه فريضة، و لازمة المصير الى الثاني.

و لكن مع ذلك في النفس من هذا الاستظهار دغدغة؛ لاشتهار تطبيق الفريضة على الفرد عرفاً، فلا يبقى له أيضاً إلّا مجرد اشعار، و لذا تأملنا في حاشية النجاة من جهة التأمل في اختيار أي واحد من المباني، الأول أو الآخر، و أما الوسط ففي غاية الضعف. و اللّٰه العالم.

ثم انّ المشهور التخيير للمسافر في الأماكن الأربعة المعروفة، من مسجد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و المسجد الحرام، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسيني عليه السلام.

و فيه قولان آخران: من تعيين التمام، أو تعيين القصر.

و منشأ الاختلاف أخبار الباب، ففي بعضها: الأمر بالتمام (1)، و في آخر:

الأمر بالقصر (2)، و في ثالثة: الأمر بالتخيير بينهما (3).


1) وسائل الشيعة 5: 543 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و حديث 2.

2) وسائل الشيعة 5: 543 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و حديث 2.

3) وسائل الشيعة 5: 545 باب 25 من أبواب صلاة المسافر حديث 10.

و قد يجمع بين هذه الأخبار بالحمل على التخيير: بين أن يقصد الإقامة فيتم، و بين أن لا يقصد فيقصر.

و لعمري انّ مثل هذا الجمع في غاية الشناعة، و ما أدري ما وجه رفع اليد عن ظاهر الجمع الواضح بين الأخبار من التخيير بين الفريضتين بنفسهما؟! ثم انَّ ظاهر بعض الأخبار عنوان «الكوفة» و «المدينة» و «مكة» و «عند قبر الحسين» (1)الصادق- بوجه- على تمام البلد، و حينئذٍ ما في غيرها من «المسجد» و «الحائر» (2)لا يوجب التقييد، إلّا من جهة دعوى وحدة المطلوب، و هو غير بعيد انصافاً، كما لا يخفى.

و الظاهر أيضاً كون الشخص بتمام الحالات، و بتمام أجزائه في صلاته فيها، فلو صلّى في محراب داخلًا في جداره، ففيه اشكال، بل الأقوى بطلان صلاته كما لا يخفى.

ثم المدار في الحائر من جهة الاقتصار على المتيقن خصوص حول الضريح المطهّر، و في إلحاق المسجد المتصل بخلف الضريح اشكال، و اللّٰه العالم.

حرره ضياء الدين بن محمد العراقي في النجف الأشرف في الثاني من ذي الحجة 1337 ه.


1) وسائل الشيعة 5: 552 باب 26 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و 2.

2) وسائل الشيعة 5: 552 باب 26 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

كتاب الزكاة

اشارة

(كتاب الزكاة و هي قسمان: زكاة المال، و زكاة الفطرة) بلا إشكال في وجوب القسمين في الجملة؛ للأدلّة الثلاثة، خلافاً في الأخير من العامة، و سيأتي الكلام فيه في محلّه.

و العمدة في المقام جري الكلام في القسم الأول:

و يكفي له من الكتاب قوله تعالى «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً» (1)، و قوله:

«آتُوا الزَّكٰاةَ» (2).

و من السنة: النصوص المستفيضة الواردة تارة بلسان: «إنّ اللّٰه فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة» (3)، و اخرى بلسان التوعيد على من منع زكاة ماله (4)، و ثالثة بلسان الخطاب بالمسلمين بقوله: «أيها المسلمون زكّوا أموالكم» (5).


1) التوبة: 103.

2) البقرة: 43.

3) وسائل الشيعة 6: 3 باب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 1.

4) وسائل الشيعة 6: 10 باب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

5) وسائل الشيعة 6: 3 باب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 3.

و في استفادة الكلية من مثل هذه الإطلاقات، على وجه يشمل جميع الحالات نظر. فلا مجال لتأسيس قاعدة لوجوب الزكاة، بلحاظ بعض الحالات الطارئة لأفراد المسلمين، كي يحتاج في نفي وجوبها إلى دليل مخرج.

و لقد أجاد الفريد البهبهاني حيث قال- في مقام نفي وجوب الزكاة على المجنون-: انه يحتاج في قبال البراءة إلى مقتضى الإثبات، فلا يجدي مجرد عدم المانع.

و لكن في قباله بناؤهم على وجوب الزكاة على المغمى عليه و السكران، و انّ مثلهما لا يصلحان لقطع الحول، و لا يكون ذلك إلّا بفرض تمامية الإطلاقات المزبورة، و لا أقل من أن يدّعى بأن العمومات المزبورة لا قصور في شمولها لأفراد المسلمين.

و حينئذٍ إذا فرضنا وجود الفرد في حال نجزم بعدم قصوره في شمول الخطاب له، و لو للعلم الإجمالي بوجدانه جميع ما يصلح للشرطية، و فقدانه جميع ما يصلح للمانعية، فلا قصور حينئذٍ في إثبات التكليف في ظرف طروء الحالات المشكوكة عليه بالاستصحاب، و لو وضعاً تعليقياً.

و عليه فلا يبقى تحت الإهمال إلّا صور اتصال الحالات المزبورة بصغره، و بلوغه. فإن الأصل حينئذٍ بقاء البراءة السابقة. و لا ضير في التفكيك بينهما أيضاً في الحكم الظاهري، حتى مع عدم الفصل بينهما، إذ الملازمات الواقعية لا تكاد تثبت بالاستصحاب.

و حينئذٍ يحتاج في الأمور الطارئة، من الجنون أو الإغماء، إلى دليل وافٍ بمانعيتها عن الزكاة.

و ستأتي الإشارة إلى ما يصلح للمنع، كما سيجي‌ء أيضاً وجه انحصار الزكاة الواجبة في الأمور التسعة: من الأنعام الثلاثة، و الغلات الأربعة، و النقدين.

(و هنا) أي في كتاب الزكاة (أبواب):

(الباب الأول). (في شرائط الوجوب و وقته)

أما شرائطه فأمور
اشارة

أشار إليها بقوله: (إنما تجب على البالغ، العاقل، الحر، المالك للنصاب، المتمكن من التصرف فيه)، فلا تجب على الصبي بلا اشكال فيه؛ لعموم رفع قلم الوضع و التكليف، ما لم يكن خلاف امتنان في حق الغير، فلا يقاس الباب حينئذٍ بباب ضمان الصبي لجناياته و إتلافاته، فإنّ نفي الضمان في حقهم خلاف الامتنان في حقهم (1)لذهاب ما لهم المحترم، و دمهم كذلك.

و هذا بخلاف المقام الذي لا مال للفقير إلّا بجعله في مال الصغير، فهو على خلاف الامتنان في حقه محضاً، كسائر تكاليفه. فمقتضى حديث «رفع القلم» الوارد في مقام المنة لهم، رفع مثل هذه الكلفة عنهم وضعاً و تكليفاً.

مضافاً الى المستفيضة الدالة على انه «ليس في مال اليتيم زكاة» (2)، الشامل بإطلاقه لمطلق ماله، و لو مال تجارته.

و في قبالها ثبوتها «فيما أتجر به» كما في رواية (3)، أو «فيما يعمل به» كما في أخرى (4). فيدور الأمر بين رفع اليد عن الإطلاقات النافية بتخصيصها بمال التجارة، أو رفع اليد عن ظهور وجوبها في التكليف بالحمل على الاستحباب، أو بالحمل على مجرد ثبوت وضعه بمرتبة يستحب أداؤها. و لا أقل من الإجمال،


1) أي حق المضمون لهم و المتلف عنهم.

2) وسائل الشيعة 6: 54 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة 1.

3) وسائل الشيعة 6: 55 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 5.

4) وسائل الشيعة 6: 56 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 10.

فأصالة عدم التعلّق محكمة، مؤيداً ذلك بفحوى ما دل على استحباب الزكاة في مال تجارة البالغ (1)، إذ من البعيد جداً اختصاص وجوبه بالصبي.

ثم انّ مال التجارة لما كان غالباً من النقدين، فلا إشكال في استحبابها فيهما بهذا الوصف، و مع عدم انطباق هذا العنوان عليه، ففي ثبوتها فيهما نظر جداً؛ لعدم النص، بل النص المشتمل على نفيها عن الصامت (2)دليل على خلافه، فتدبر.

و أما في غير هما (3)من غلاته، فمع كونها مال تجارته، فظاهرهم ثبوتها فيها، بإطلاق «مال التجارة».

و في إطلاقها- لو لا دعوى كون الغلبة الوجودية غير موجبة للانصراف- نظر.

و لو لا قيام إجماع على عدم الفصل (4)و لا النص الآتي، لكان للتشكيك فيه مجال.

و أما مع عدم كونه مال تجارة، ففيه نصان، مصرّح بالوجوب في أحدهما، و نافٍ له في آخر (5)، و الجمع بينهما أيضاً بالحمل على الثبوت استحباباً متعيّن، لو لا ما سيأتيه من الشبهة في إطلاقه.

و أما في المواشي فلم أقف على نص مثبت فيها، و غاية ما يدعى استفادة


1) وسائل الشيعة 6: 45 باب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

2) وسائل الشيعة 6: 33 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

3) أي في غير النقدين من مال التجارة.

4) أي عدم القول بالفصل في مال التجارة بين كونها من النقدين أو من غيرهما.

5) وسائل الشيعة 6: 33- 45 باب 8 و 9 و 11 و 13 من أبواب ما يجب فيه الزكاة.

الإلحاق بالغلات بتقابلها بالصامت، بضم ظهور النص في مقام بيان تمام أموال اليتيم. فإنّ الظاهر من الصامت في قبال مطلق الغلات هما النقدان، فلازمه إلحاق المواشي بالغلات.

و لعله إلى ذلك أيضاً نظرهم في الإلحاق المزبور.

و لكن احتمال كون المراد من الصامت: مقابل ما يتجر به و يعمل به، يمنع الأخذ بإطلاق الغلات أيضاً، فضلًا عن إلحاق المواشي بها.

و عليه، فالعمدة في البين الإجماعات المنقولة، فإن تم فهو، و إلّا فللنظر في كلتا الجهتين مجال.

و في المقام بعض كلمات تتعلّق بتصرفات الولي في مال الطفل، ربما يجي‌ء الكلام فيه في البيع أيضاً، فلا مجال لتكرار المسائل في مثل هذا الكتاب، كما هو الشأن في المطولات.

ثم إنّ في شمول الحكم- بعد الأصل- لمال الحمل نظراً؛ لعدم شمول عنوان «اليتيم» له. و كذا في توهم شمول إطلاقات الوضع في مال الأغنياء أو غيره لمثل الحمل اشكال؛ لعدم النظر فيها إلى أمثال هذه الحالات.

و لقد أجاد في الجواهر في تشكيكه في اندراج مثله في أدلة الثبوت (1).

ثم انّ قضية «لا يجوز أمر الصبي» عدم جواز تصدّيه لأمر الأداء، من مال التجارة أو غيره، مما ثبتت فيه الزكاة، فلا جرم يكون المخاطب بالأداء وليّه.

و مع امتناعه ليس للحاكم إجباره؛ لعدم سلطنة الغير على استيفاء مثل هذا الحق، كي يبقى مجال إجبار الحاكم، نعم مع غيابه أمكن قيام الحاكم مقامه و لو بمقدمات الحسبة.


1) جواهر الكلام 15: 27.

و أيضاً لا تجب الزكاة على المجنون؛ لحديث رفع القلم عنه أيضاً، بالتقريب المتقدّم الشامل للوضع في مثل المقام. مضافاً الى الأصل في المتصل ببلوغه.

نعم قد ورد النص في ثبوت الزكاة فيما يعمل من المال في الأمر به، المختلطة تارة (1)، و المصابة أخرى (2).

و الظاهر كونهما- بسياق ما دل على مال التجارة في الطفل (3)و غيره- في مقام إثبات أصل الوضع، بلا نظر إلى التكليف.

و على فرضه، فلا محيص عن التصرف فيه بالحمل على الاستحباب، المتوجه إلى وليه، بقرينة حديث «نفي القلم» الشامل للوضع أيضاً، لقوة إطلاقه الوارد في مقام المنة.

و توهم أنّ مثل هذا الجمع مستلزم لتخصيص نفي قلم الوضع أيضاً، مدفوع بأنّ حديث «نفي القلم» إنما ينظر إلى نفي الوضع، الموجب لسلطنة الغير على أحد؛ لأنه المنافي للامتنان، و إلّا فلا نظر له إلى مثل هذا الوضع المنتهي تمام الاختيار لولي الصغير، الذي هو بمنزلة نفسه.

و على فرض كون العموم ناظراً إلى نفي مثل هذه المرتبة من الوضع أيضاً لا بأس برفع اليد عنه بنص أخبار الوضع، و حينئذٍ فيرفع اليد عن ذلك الظهور- على فرض تسليمه- بسبب وجود النص على خلافه، و لا ضير فيه بعد مساعدة العرف على مثله في هذه المقامات كما لا يخفى.

هذا، ثم انّ المقدار الذي يساعد عليه الدليل في المجنون، هو ثبوت الزكاة في مال تجارته، و أما في غيره من الغلّات و المواشي ففيه اشكال؛ لعدم دليل


1) وسائل الشيعة 6: 59 باب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 59 باب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 2.

3) وسائل الشيعة 6: 55 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 5.

واف به، بل قد عرفت التشكيك في غير مال التجارة في الطفل أيضاً لو لا الإجماعات المنقولة.

و حينئذٍ فإجراء حكم الصبي- بجميع خصوصياته- في المجنون، منظور فيه، و لعل من أجراه فيه استفاد الملازمة الكلية من إلحاق المجنون بالصبي في أبواب الفقه، نفياً و إثباتاً، و في الاستفادة نظر واضح.

ثم انّ الحكم المزبور في المجنون- نفياً و إثباتاً- يجري في الأدواري أيضاً دورة جنونه، فلو انعقد الحب، أو اصفر ثمر النخل في حال جنونه، لا تجب عليه الزكاة. و كذا لو حال عليه الحول- فيما اعتبر فيه الحول- في غير دورة عقله، لا يتوجه إليه خطاب الزكاة؛ لإطلاق دليل مانعية الجنون أي نحو كان.

و ربما يرجع الى ما ذكرنا أيضاً ما في المدارك من ثبوته بمجرد التكليف في الأدواري دورة إفاقته (1)لا أنّ الغرض ثبوته بمجرد الإفاقة، و لو حصل جنونه في خلال الحول. كما انّ العامل بإطلاق مانعية الجنون، حتى الأدواري منه، ما أظن إرادته المانعية حتى دورة الإفاقة.

نعم يظهر من الذخيرة (2)و الكفاية (3)، وجود الخلاف في الأدواري.

و ظاهر إطلاقه احتمال عدم مانعيته حتى دورة جنونه، نظير النوم و الغفلة، و يؤيده جعل خلافه كالخلاف في الإغماء.

و حينئذٍ لا يتوهم موافقة المدارك لهم في هذا التشكيك، كما انه يكفي في ردهم إطلاق أدلة مانعية الجنون، كما لا يخفى.

و أيضاً فمقتضى إطلاق عبارة المصنف عدم وجوب الزكاة على المملوك،


1) مدارك الأحكام 5: 23.

2) ذخيرة المعاد: 420.

3) الكفاية: 34.

و إن قلنا بملكه مطلقاً، أو فيما ملّكه مولاه، على المشهور، حيث اشترطوا عنوان «الحرية» زائداً على «الملكية».

و يدل عليه ما في الصحيح: «ليس في مال المملوك شي‌ء، و لو كان له ألف ألف» (1). و في الموثق أيضاً: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليه الحول؟

قال: «لا» (2)، الواردة هذه الموثقة في ذيل ما وهبه مولاه، و نفي حلية مثله لمولاه، شارحاً بأنّ هذا ليس من المال المتوهم «انه و نفسه لمولاه»، إذ مثل هذه الموثقة- بقرينة هذا الصدر- في كمال الدلالة على نفي الزكاة على العبد، و إن كان مالكاً لما وهبه مولاه.

و لكن في قبالها ما في موثقة ابن سنان المشتملة على نفي الزكاة عما في يد العبد، لا عليه و لا على سيده، معلّلًا بعدم ملكية العبد، و عدم الوصول الى السيد (3)، بتقريب أن التعليل بعدم الملكية مشعر بعدم قصور في العبد، لا عدم ملكيته، لا أنّ المملوكية جهة قصور في الزكاة.

و يؤيده ما في نص آخر من أنه «ليس على المملوك زكاة إلّا بإذن سيده» (4)، الرافع لحجره، الشاهد على حمله على نفي أدائه؛ لأنَّه لا يقدر على شي‌ء.

و هذا هو الذي التزم به القائلون بثبوت الزكاة في مال العبد بناءً على الملكية، و انّ الحرية ليست شرطاً زائداً على المالكية، بداهة عدم التزامهم باستقلال العبد حينئذٍ في أداء زكاته، بل عموم «لا يقدر» يقتضي عدم نفوذ معاملاته و تعييناته المالية بدون اذن سيده.


1) وسائل الشيعة 6: 59 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

2) التهذيب 8: 225 حديث 808.

3) وسائل الشيعة 6: 60 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 4.

4) وسائل الشيعة 6: 60 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 2.

و لا مجال حينئذٍ لإدخال ذلك في سائر واجباته، الخارجة عن حيطة سلطنة المولى، إذ ما هو كذلك هو خصوص أعماله، و أما ما يرجع إلى التصرف المالي، و لو بتعيين حق الفقير في مال معين، فهو من التصرفات المالية التي يشملها إطلاق كلماتهم في حجره، كما هو الشأن في الصبي، مع ثبوت الزكاة المستحبة في ماله، و يؤيده أيضاً ما في ذيل خبر الدعائم الآتي.

و حينئذٍ لا تخلو الأخبار المزبورة من تهافت بينها من جهتين:

إحداهما: في كون الحرية شرطاً مستقلا، قبال المالكية.

و ثانيتهما: في أصل ملكية العبد، حيث انّ الظاهر من الخبرين الأولين:

ملكية العبد، و مع ذلك تجب عليه الزكاة. و الظاهر من الأخيرين: عدم قصور في العبد من حيث العبدية، و إنما قصوره: عدم مالكيته مطلقا، أو عدم سلطته على التصرف في مقام أدائه، بلا نظر فيه إلى نفي ثبوت الزكاة في ماله.

و حينئذٍ يدور الأمر في الجمع بينهما بأحد وجهين:

1- إما بدعوى حمل اللام في الرواية على مجرد الاختصاص، و لو بكونه في حيطة استيلائه خارجاً، و لو لكونه مضارباً لمولاه. و حمل الشرح في الثانية بقوله: «ليس هذا من ذاك» على عدم تصرّف السيد فيما وهبه، لكون رجوعه كالرجوع إلى قيئه، و كمنع الضيف فيما بذل له، الكاشف عن خلاف المروّة و خسة الطبع.

و حينئذٍ يبقى إطلاق نفي الملك في الآخر بحاله، و انّ منشأ نفي الزكاة فيه من جهة قصوره في المالكية، كقصوره في مقام الأداء عن التصرف فيما بيده من المال، بدون اذن سيده.

2- أو حمل الأخيرين على نفي الملكية من باب الاتفاق، و انّ التعليل به من جهة تقدّم التعليل بعدم المقتضي على وجود المانع، فلا نظر فيه إلى نفي الملكية مطلقاً، و لا إلى نفي شرطية الحرية مستقلًا في قبال المالكية. و ان تعليل

النفي عن السيد بعدم الوصول إليه، محمول على عدم تمكنه من التصرف فعلًا؛ لغياب العبد أو جهة أخرى. كما انّ نفي الزكاة بدون اذن السيد أيضاً يناسب مع عدم مالكيته أيضاً من باب الاتفاق، فلا يكون دليلًا على شرطية الحرية، لا أنه دليل على نفي الشرطية رأساً.

و من المعلوم أنه مع الدوران بين أحد الجمعين كان الثاني أولى عرفاً، و حينئذٍ فالمشهور من كون الحرية شرطاً مستقلًا هو المنصور، خصوصاً مع ظهور أخذ عنوان «العبد» موضوعاً لنفي الوجوب، في كون نفس هذا العنوان مانعاً، لا لازمة، كما هو الشأن في كل عنوان مأخوذ في طي خطاب سلبي أو إيجابي.

و لتنقيح الكلام في ملكية العبد مطلقاً، أو عدمه مطلقاً، أو التفصيل محل آخر.

و إن كان للرواية السابقة الشارحة نحو حكومة على ما استدلوا به لنفي الملكية المطلقة، مؤيدة أيضاً بما في خبر دعائم الإسلام من قوله: «لا يملك العبد إلّا ما ملّكه مولاه، و انه لا يتصرّف فيه إلّا ما أباح له» (1).

ثم انه لا فرق- بمقتضى الإطلاقات- بين القن و المدبر و أم الولد و المكاتب المطلق في مقدار رقيته، فضلًا عن مشروطه، قبل أداء مال الكتابة؛ لشمول عنوان «المملوكية» قبال «الحرية» للجميع، كما لا يخفى.

ثم انه لا إشكال أيضاً في عدم وجوب الزكاة على السيد في فرض ملكية العبد؛ لعدم كونه مالكاً. و أما مع عدم مالكية عبده، فوجوبها عليه منوط بتمكنه من التصرّف، كما هو الشأن في سائر أمواله. و اليه أومأ ما في النص السابق، من تعليل نفي الزكاة عن السيد بعدم وصوله إليه.


1) دعائم الإسلام 1: 230.

و أيضاً في ذيل الموثقة المشتملة على هبة العبد إثبات الزكاة فيما يعمل به، و ظاهره وجوبه في مال تجارته.

و لكن الأصحاب غير ملتزمين به، حسب إطلاقهم شرطية الحرية في الوجوب مطلقاً، و يمكن أن يكون نظرهم إلى تحكيم نفي الزكاة مطلقاً، على ظهور هذه الفقرة في الوجوب، خصوصاً مع معهودية استحباب زكاة مال التجارة في سائر المقامات، إذ نفس هذه المعهودية توهن ظهور مثل هذه الفقرة في وجوبه، كما لا يخفى.

و أيضاً لا تجب الزكاة على من لم يكن في تمام الحول، أو وقت انعقاد الحب و غيره مالكاً للنصاب.

أما شرطية النصاب، فسيأتي الكلام في وجهها.

و أما شرطية أصل الملكية، فمضافاً إلى انصراف الخطاب في باب الزكاة إلى الملاك، النصوص الخاصة المشتملة على قوله: «و إنما الزكاة على صاحب المال» (1)تارة، «و لا تجب إلّا في ملك» (2)اخرى.

و حينئذٍ فلا تجب الزكاة في المباحات الأصلية، و لا في مفاد العقود المشروطة بالقبض أو الإجازة قبلهما، و قد ورد التصريح في الدين بأنّ الزكاة مع القبض على المقرض و بدونه على من بيده المال (3).

و في زمان الخيار مبني على الخلاف المعروف بين الشيخ (4)و المشهور.

و كذلك لا زكاة في الوصية قبل الموت، أو قبل القبول، بناءً على شرطيته


1) وسائل الشيعة 6: 61 باب 5 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

2) وسائل الشيعة 6: 61 باب 5 أبواب ما تجب فيه الزكاة.

3) وسائل الشيعة 6: 64 باب 6 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 6.

4) المبسوط 1: 191.

في الانتقال، و ذلك ظاهر.

و أيضاً لا زكاة على من لم يتمكن من التصرف الخارجي؛ لقصور في المال، لا لقصور في الشخص، كالمغصوب و الضالة و غير ذلك. و يدل عليه أيضاً النصوص المستفيضة، المنصرفة الى ما ذكرنا. و ذلك مثل ما دل تارة على نفي الزكاة على المال الغائب عنك، و على الدين حتى يقع في يدك (1)، و اخرى على الوديعة التي لا يقدر على أخذها (2)، و ثالثة في تعليل الزكاة على الغائب بالقدرة على أخذه (3).

و لا يخفى انه لا يستفاد من مجموع هذه الأخبار أزيد من كون المال قاصراً عن التصرف فيه خارجاً، بلا قصور أو نقص في ملكيتها.

و في التعدّي منها إلى ما يكون نقص في الملكية؛ لتعلق حق الغير به، أو لجهة أخرى، مما يوجب عدم تمكن نقلها شرعاً، و إن كان متمكناً من سائر التصرفات خارجاً، كالوقف و الرهن، و منذور الصدقة أو مشروطها، و لو بنحو السبب، بناءً على افادتها قصور السلطنة إشكال.

و أشكل منه التعدّي من مورد الروايات إلى مطلق ما يحرم التصرف فيه، من جهة نهي الوالدين غير الموجب لقصوره عن السلطنة الوضيعة، و ظاهر كلمات الأصحاب أيضاً عدم تعديهم منها إليه.

نعم ربما يتراءى من تسلمهم عدم الزكاة في منذور الصدقة و الوقف و الرهن و غيرها، مما فيه قصور وضعي، و عدم السلطنة على التصرّف فيها من


1) وسائل الشيعة 6: 61 باب 5 و 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

2) وسائل الشيعة 6: 69 باب 8 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

3) وسائل الشيعة 6: 61 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

هذه الجهة، تعديهم من مورد النصوص إليها.

و يؤيده تفريعهم عدم الزكاة فيها من عنوان «عدم التمكن في التصرف»، و ربما يكون ذلك أيضاً ظاهر المصنف قدّس سرّه، حيث اقتصر في الشرط، على المالكية و التمكن من التصرف محضاً.

و لكن ظاهر بعض الأعاظم جعل شرط ثالث، و هو تمامية الملك، و فرّع عليه الأمور المذكورة.

و ربما يظهر من الفريد البهبهاني قدس سره تفريع هذه الأمور على شرطية الملكية، بزعم انصرافها الى الملك التام.

و ربما يكون ذلك محتمل المصنف أيضاً، إذ لا يظن به التزامه بوجوب الزكاة في الأمور المزبورة؛ لمجرد وجدان الشرطين الأولين؛ لأنه خلاف ما أجمعوا عليه، من عدم الزكاة في أمثالها، فلا محيص إلّا من جهة فقد أحد الشرطين فيها (1).

و على أي حال لا شبهة بحسب أطباق الكلمات في أن مثل هذه الأمور التي يعوزها سلطنة المالك، خارجة عن موضوع الزكاة. و إنما الكلام في أنّ ذلك هل من جهة كبرى (عدم الملك) المنصرف الى الملك التام، أو من جهة كبرى (التمكن من التصرف)، أو من جهة كبرى ثالثة و هو (عدم تمام الملك)؟

و ربما تظهر الثمرة في انه لو كان مثل هذه الأمور من صغريات الأخبار السابقة، فربما يكفي فيها القدرة على تحصيل السلطنة، و لو بإسقاط حق الغير بأسبابه؛ لتصريحها في كفاية القدرة على تحصيل القدرة.


1) أي و لو بتأويل الشرط الثاني، كما جاء في تفريع الفريد البهبهاني قدّس سرّه.

و أما لو كان مثل هذه تحت كبرى عدم تمام الملك، ففي كفاية القدرة على تحصيل تمامه في الوجوب اشكال، بل طبع الواجب المشروط بعنوان اختياري عدم لزوم تحصيل الشرط من قبل هذا الوجوب، و ليس في البين حينئذٍ عنوان التمكن من التصرف، كي تكون القدرة على تحصيل التمكن عين التمكن من التصرف بوجه.

و عليه فنقول: إنّ الكلمات- على اختلافها في وجه عدم الزكاة في الصغريات المزبورة- لا تكاد تطمئن بها النفس في تعيين كون الكبرى هو التمكن المزبور، و حينئذٍ فلا دليل على وجوب تحصيل الشرط مع الشك فيه، بل الأصل عدمه.

اللهم إلّا أن يقال: قبل عروض هذه العناوين كانت الزكاة واجبة فيها- عند حصول بقية الشرائط جزماً- و إنما الشك في سقوط الوجوب التعليقي ببقية الشرائط بمحض عروضها، حتى مع القدرة على تحصيل تمام الملك فيها، أم لا؟ و الاستصحاب التعليقي على بقية الشرائط مقتض لوجوب تحصيلها.

اللهم إلّا أن يدّعي انّ الشك في تعليق الوجوب على عدمه، موجب لكون الشك في بقاء الوجوب المنتهي إلى الفعلية ببقية الشرائط سارياً، فلا استصحاب و عليه فلا مقتضى للوجوب حينئذٍ إلّا بناءً على تمامية العمومات السابقة، أو إطلاق قوله: «فيما سقته السماء العشر» (1).

لكن الانصاف عدم تكفّل مثل العمومات المتقدّمة، و لا مثل هذه الإطلاقات لبيان أمثال هذه الجهات. و حينئذٍ لا وجه للوجوب، حتى مع القدرة المزبورة، لمحض الشك المزبور، كما هو الظاهر.

هذا، لو لا استفادة المقتضي للوجوب- لو لا الموانع الخاصة- من مصب بناء


1) وسائل الشيعة 6: 124 باب 4 من أبواب زكاة الغلّات.

الأصحاب على عدم تشكيكهم في وجوب الزكاة، إلّا من جهة التشكيك في اندراج المورد تحت أحد الموانع، و إلّا أمكن جعل مثل البناء المذكور منهم قرينة فهمهم من العمومات السابقة أصلًا في المسألة، كما لا يخفى.

ثم لا إشكال في منذور الصدقة بنحو النتيجة، أو السبب بنحو التنجيز، أو التعليق بأمر حاصل. إذ الأول واضح، بناءً على صحته. و كذا على الأخير، و لو من جهة اقتضاء لام الصلة جعل عمله للّٰه، المستتبع لكونه في حيطة سلطنته (1)الوضعية، المستتبع لخروج الناذر عن السلطنة على ضده و نقيضه، كما هو الشأن أيضاً في باب الشرط، و إن لم يفد ذلك حقاً للمشروط له الأجنبي عن طرف العقد، و لا للمنذور له.

و لكن مجرد ذلك لا ينافي قصور السلطنة الوضعية للناذر و الشارط بوجه ذكرناه.

فتوهم كون باب النذر و الشرط من المحرمات التكليفية محضاً، كباب حرمة مخالفة الوالدين. في مورد تأذيهما، في غاية الضعف و السقوط، كما لا يخفى.

و أما لو كان معلقاً على أمر غير حاصل وقت وجوب الزكاة، ففي منع مثل هذا الشرط أو النذر اشكال، ما لم يرجع التعليق إلى المنذور دون النذر. إذ قصور السلطنة حينئذٍ منوط بتحقق الأمر الكذائي، بنحو الشرط المتقدّم، ففعلًا لا قصور في المال في تعلّق الزكاة به، فيبطل الشرط بمقدار الزكاة جزماً، و في بطلان النذر في البقية نظر، مبني على أنّ باب النذر هل يكون من قبيل تعدد المطلوب، مثل سائر أبواب المعاملات، فيجب إبقاؤه في البقية عند حصول


1) أي سلطنة اللّٰه تعالى شأنه

شرط؟ أو من قبيل وحدة المطلوب، فيبطل النذر حينئذ رأساً؟ و لا يبعد المصير إلى الأول مثل الشرط، و اللّٰه العالم. ثم اعلم انّ المصنف قدّس سرّه اقتصر في الشروط المعتبرة في وجوب الزكاة على ما ذكر، و هو الظاهر من كلمات الأصحاب أيضاً، حسب اقتصار هم في الشروط على المذكورات.

و عليه فقد يشكل عليهم بأنّ بناءهم في بقية أبواب العبادات جعل الإغماء من موانع الوجوب، بل في دليله في باب قضاء الصلاة التعليل ب «ما غلب اللّٰه على العباد فاللَّه أولى بالعذر» (1)الجاري في جميع التكاليف، حتى مقامنا هذا.

بل التعليل سار في سائر الأعذار المانعة عن أداء التكليف، إذا لم تكن ناشئة من اختياره، فيشمل السكر الحاصل بغير الاختيار، و كذلك الجنون أو النوم الخارق للعادة، و النسيان كذلك. مع انه ليس بناؤهم على التعدّي عن العلّة المزبورة إلى مثل هذه الأعذار في سائر التكاليف، فضلًا عن المقام.

و قد أشرنا إلى الجهة الثانية في باب قضاء الصلاة و بنينا على التعدّي، لو لا استفادة الإجماع من إطلاق كلماتهم على العدم، و لو باحتمال انصرافها الى كون الغالب من المذكورات إما من العاديات، أو حاصلة من الأسباب الاختيارية، كالسكر و أمثاله الخارجة عن مصب العلّة.

و أما الجهة الأولى فمن الممكن دعوى انصراف قوله: «فاللَّه أولى بالعذر» إلى حقوق اللّٰه المحضة، التي يكون أمر عفوها و الإغماض عنها- حتى بعد


1) وسائل الشيعة 5: 352 باب 3 من أبواب قضاء الصلوات حديث 3.

الجعل- إليه تعالى؛ لا ما كان فيه جهة حق الناس أيضاً، فإن في مثلها ليس للأولوية بالعذر و العفو اختصاص به تعالى، بل للغير أيضاً حق عذر و عفو.

و لعل خصوصية مثل هذه العلة في حقوق اللّٰه الخاصة به، صارت منشأ لعدم تعدّي الأصحاب من مثل هذه العلة إلى مثل باب الخمس و الزكاة، بل و سائر الديون المالية، أو المشوبة بها.

و لقد أجاد في الجواهر حيث التزم بمقتضى كلمات الأصحاب من عدم مانعية الإغماء عن الوجوب، و لا قاطعيته للحول، فضلًا عن غيره، كالنوم غير العادي أو السكر، أو الغفلة و النسيان الخارجين عن العادة، فضلًا عن العاديات منها (1)، كما لا يخفى.

ثم انّ بناء الأصحاب في اعتبار ما اعتبروه شرطاً في وجوب الزكاة، هو بقاؤها طول الحول. و وجه ذلك- بمقتضى القواعد- لا يتم إلّا بجعل شرطية الحول ناظرة إلى مثل هذه الشرائط بجعلها من قيود المكلف المخاطب بالخطاب التعليقي بالوجوب بعد مضي الحول على مثل هذا المكلف، بما له من الشرائط، من مالكيته للنصاب، و بلوغه و عقله و حريته و تمكنه من التصرف، و إلّا فلو فرض جعل مثل هذه الشروط أجمع بسياق واحد وارداً على المكلف أو التكليف بالزكاة في عرض واحد، فإثبات ما بنوا عليه- من لزوم البقاء على الشرائط طول الحول- من الأدلة محل اشكال، بل يحتاج إلى إقامة دليل آخر، من إجماع أو غيره.

نعم الذي يسهّل الخطب تسلّم هذا المعنى على وجه لا مجال للتشكيك فيه، و إنما الكلام في صناعة استفادته من الأدلة، و لا يبعد ما ذكرناه وجهاً


1) جواهر الكلام 15: 29.

له، خصوصاً بقرينة فهم الأصحاب اختلاف سياق الشروط، بجعل مثل الحول راجعاً الى التكليف، و البقية راجعة إلى المكلّف بهذا التكليف المشروط بمضي الحول على مثله، بما له من قيوده. و اللّٰه العالم.

(و) كيف كان (يستحب لمن أتجر من مال الطفل من أوليائه إخراجها عنه)، فيما إذا أتجر لليتيم في مورد يصح له مثل هذا التصرف؛ لغبطة أو لعدم فساد، على الخلاف الآتي في باب تصرف الأولياء.

و وجه الاستحباب قد تقدّم تفصيله؛ و مر أيضاً انّ المخاطب بالأداء هو الولي، و إلّا فلا يجوز أمر الصبي في تصرفاته المالية. و لا ينافي ذلك شرعية عباداته من قبل الأمر بالأمر، إذ يستلزم ذلك أمر وليه؛ لعدم استقلاله في تصرفه المالي بدونه، فلا محيص عن كونه بإذن وليه.

و أما لو ضمنه على نفسه و أتجر به لنفسه، فلا إشكال في صحته إذا كان ملياً، و عن غبطة فيه لليتيم، فيستحب عليه إخراج الزكاة حينئذٍ من قبل نفسه، كسائر أموال تجارته.

و لو كان غير ملي فلا يصح تضمينه، بل الربح لليتيم، للنص (1)، فيرجع أمر زكاته أيضاً إليه، كما في الفرض السابق.

و أما صحة تجارته ففرع الغبطة فيه لليتيم أو كفاية عدم المفسدة، على الخلاف الآتي في محله، و ستأتي تتمة المسألة في محله من كتاب البيع إن شاء اللّٰه تعالى.

(و المال الغائب إذا لم يتمكن صاحبه منه لا تجب فيه) الزكاة،


1) وسائل الشيعة 6: 57 باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 2.

(و لو مضت عليه أحوال كذلك) فلم يمكنه التصرف فيه خلالها، بل في مطلق ما لا يتمكن من التصرف فيه و لو لغير غيبة؛ لتعدّي الأصحاب عنها بتنقيح المناط (يستحب إخراج الزكاة حولًا واحداً عنه بعد وجوده).

و الأصل في ذلك ما في صحيحة رفاعة من قوله: عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين- إلى قوله- كم يزكيه؟ قال: «سنة واحدة» (1).

و في حسنة سدير: تعليل نفي الزكاة عن الزائد عن السنة، بأنه كان غائباً (2).

هذا، و ظاهر هما و إن كان يقتضي الوجوب لسنة واحدة، على اشكال في دلالة الثانية؛ لاشتمالها على التعليل الشامل للسنة الأخيرة أيضاً، و لكن مثل هذا التعليل يناسب كون الفرض منه نفي اللزوم في الجميع، حتى الأخيرة، غاية الأمر فيه نحو تفضل لا الاستحقاق.

و حينئذٍ أمكن جعل ذلك قرينة على الرواية الأولى أيضاً، مضافاً إلى قوة إطلاق صحيح ابن سنان من قوله: «لا صدقة في الدين و الغائب حتى يقع في يدك» (3)بنحو الشرط المتقدم.

و في آخر: «و إن كان غائباً فليس عليه زكاة» (4)، إذ التصرف في هيئة الخبرين الأولين بإرادة نفي الوجوب، أولى من التصرف في تقييد إطلاق البقية النافية، كما لا يخفى، و لعل ذلك صار منشأ إطباقهم على استحبابها.

(و) من النصوص السابقة ظهر انه (لا زكاة في الدين حتى يقبض)


1) وسائل الشيعة 6: 62 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 4.

2) وسائل الشيعة 6: 61 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 6: 62 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 6.

4) وسائل الشيعة 6: 62 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

مع وجدانه شرائطها، و مقتضى إطلاق جملة من النصوص عدم الفرق بين أن يكون عدم قبضه بتأخير منه أو غيره.

و في بعض الروايات: «إلّا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخرها» (1).

و يؤيد ذلك ما ورد في المال الغائب مع قدرته على تحصيله: «انه تجب فيه الزكاة» (2)، مع كونه في بعض نصوصه قد ذكره في سياق الدين المزبور، بل حكى في الجواهر عن جم غفير وجوب الزكاة في العين المرهونة، مع التمكن من فكها، و ان اختار هو خلافهم (3)، و لكن مع ذلك نسب عدم الوجوب إلى الشهرة العظيمة، بل نسب الوجوب إلى جماعة قليلة غير هؤلاء.

و الذي يسهّل الخطب في الجمع بين هذه الكلمات هو: انّ مثل الدين الراجع إلى الكليات الذمية، بنفسها خارجة عن مصب أدلة الزكاة، إذ موردها أجمع هي الأعيان الخارجية.

و حينئذٍ فكم فرق بين الديون و بين المال الغائب الذي فيه مقتضى الزكاة موجود، و إنما الغياب مانع فيه.

و حينئذٍ فلو ورد في نص ثبوت الزكاة فيه مع القدرة على تحصيله، أمكن التعدّي عنه بوجه إلى مثل الرهن المقدور على فكه، و ذلك أيضاً على اشكال فيه قد تقدّم.

و لكن ذلك لا يقتضي التعدّي إلى باب الديون التي لا مقتضى فيها ما دامت باقية على الذمم، و إنما القدرة على تحصيلها موجبة للقدرة على تحصيل موضوع الزكاة، لا القدرة على دفع مانعة، و لا دليل أيضاً- بمقتضى القواعد-


1) وسائل الشيعة 6: 64 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 7.

2) وسائل الشيعة 6: 63 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 7.

3) جواهر الكلام 15: 54.

على لزوم الزكاة فيه بمحض القدرة المزبورة. و مجرد ذكر هما في سياق واحد في نفي الزكاة لا يقتضي الاتحاد في مناط هذا الحكم، مع الجزم باختلافهما فيه، كما لا يخفى.

و عليه فلا يبقى وجه لإثبات الوجوب في الدين، مع القدرة على الأخذ، إلَّا الرواية السابقة المشار إليها، و هي- مع قيام الشهرة العظيمة على خلافها- موهونة السند، مضافاً إلى إمكان الجمع بينها و بين بقية المطلقات النافية بالحمل على الفضيلة، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

(و زكاة القرض على المقترض) بعد قبضه (إن ترك حولًا بحاله) في الأنعام الثلاثة و النقدين، و إلّا ففي الغلَّات- على فرض صحة قرضها- مع كونها حشيشاً على وجه ينعقد الحب في ملكه، فلا يحتاج إلى حولان الحول، و إن كان الاشكال فيه من جهة عدم طريق الى تعيين قدره غالباً. و لعلّه إليه نظر كلمات الفقهاء في غمض العين عن فرض القرض في الغلَّات التي لا يعتبر فيها الحول، و جعلوا محل الكلام كالنصوص (1)في القرض في غير الغلّات، المعلوم اعتبار الحول فيها.

و الأصل في هذا الحكم- مضافاً إلى العمومات و القواعد، بناءً على استفادة الكلية منها- رواية زرارة: في رجل دفع الى رجل مالًا قرضاً، على من زكاته، على المقرض أو على المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولًا على المقترض» (2).

و في ذيلها التعليل لنفي الزكاة على الدافع، بأنه «ليس في يده شي‌ء».


1) وسائل الشيعة 6: 67 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

2) وسائل الشيعة 6: 67 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

و مثل هذا التعليل يقتضي نفي الزكاة حتى مع تمكنه على إرجاعه من المقترض.

و لا يقاس المقام (1)أيضاً بباب القدرة على تحصيل الغائب أو فك الرهن بوجه؛ لأن المقام أيضاً نظير باب الدين من قبيل قدرته على تحصيل موضوع الزكاة، لا صرف القدرة على دفع مانعة. فدليل كفاية القدرة فيه لا يقتضي الدلالة على كفايتها في المقام، بل و لو فرض التشبث بدليل الوجوب على القادر على تحصيل الدين، لا يقتضي التعدي منه أيضاً إلى هنا؛ لأن أصل الملكية في باب الدين محفوظة (2)، فكان أقرب إلى موضوع الزكاة من مقامنا الذي لا مساس له بشخصه بموضوع الزكاة أصلًا، كما لا يخفى.

ثم انه لو شرط في ضمن عقد القرض بأن زكاته على المقرض، فتارة يرجع شرطه إلى كون ثبوتها شرعاً عليه، فذلك باطل جزماً؛ لأنه شرط حكم شرعي خارج عن حيز قدرته.

و اخرى يؤول شرطه إلى شرط أداء عين الزكاة من المال الموجود، بنحو يرجع أمر تعيينه إليه، ففي بطلانه كلام، إذ لا مقتضى له بعد أن كان للمالك (3)تفويض أمر التعيين الى الغير.

و لا ينافي ذلك ما دل على نفي الزكاة على المقرض، إذ هو راجع الى نفي ثبوته شرعاً، لا نفي أدائه بتعيين منه، من قبل تفويض المالك أمر التعيين إليه.


1) و هو عدم وجوب زكاة مال القرض على المقرض بل على المقترض، و إن كان المقرض متمكناً من استرجاع القرض.

2) بناءً على ملكية القرض للمقترض بعد الاقتراض و القبض أو بعد التصرف أيضاً، فحينئذٍ يكون المقرض أجنبياً عن المال رأساً.

3) أي المقترض الذي هو مالك للزكاة حينئذ.

و لا يحتاج في هذا المقدار لأجل التشبث بثبوت مشروعية هذا الشرط إلى دليل خاص، من ورود النص على صحته في ضمن البيع، فيلحق به القرض الذي هو من العقود اللازمة من الطرفين تحقيقاً، بل القواعد وافية بذلك. بل لو بنينا على جواز عقد القرض من طرف المقترض، لا بأس بمثل هذا الشرط في طرف المقرض اللازم جزماً، مع أنّ هذا الكلام فيه إشكال سيأتي توضيحه في محله.

و نظير ذلك ما لو كان الغرض الأداء من كيسه بدلًا عما في العين، إذ بعد فرض ولاية المالك على مثل هذا النحو من الوفاء، فله أن يوفي بمال غيره بدلًا عنه، و لو بالتزام الغير به في ضمن عقد لازم.

و عليه فيمكن التوافق بين من التزم بعدم صحة هذا الشرط و صحته في أمثال هذه الفروض، بحمل الأول على الأول، و حمل الأخير على الأخيرين، و اللّٰه العالم.

ثم انّ المراد من الحول المعتبر في المقام- كسائر مقامات شرطية حلول الحول في باب الزكاة- هو مضي أحد عشر شهراً، (و) لازمة أنّ الزكاة (مع هلال الثاني عشر تجب).

و عمدة الوجه فيه- مضافاً الى دعوى الإجماع بقسميه- حسنة زرارة، المشتملة على قوله: «إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليه الحول» (1). و سياق مثل هذا البيان بمنزلة الشرح لمطلق حلول الحول، بلا نظر فيه إلى خصوصية مورده، كما هو ظاهر.

و لا إشكال في هذا المقدار، و إنما الكلام في انه هل يعتبر أن يكون ذلك (مع بقاء الشرائط في كمال الحول) المستلزم لعدم استقرار الوجوب إلّا


1) الكافي 3: 526 حديث 4.

بمضي تمامه واجداً للشرائط، بنحو الشرط المتأخر، أو لا يعتبر في استقراره ذلك، بل يستقر بمجرد الدخول في الثاني عشر؟

وجهان، مبنيان على كيفية الجمع بين حسنة زرارة، مع ظهور أدلة الحول في سائر النصوص، من رفع اليد عن ظهور أصل الحول في التمام، أو ظهور شرطيته في هذه القطعة في الشرطية المتأخرة لا المتقدمة، كما في سائر قطعاته.

و من المعلوم أنّ لسان الحسنة ناطق ببيان الشرح لأصل الحول، لا شارح لكيفية شرطيته في هذه القطعة.

فالجمع الأول منصور وفق جم غفير، بل قيل: انه ظاهر الأصحاب، حسب إطلاق كلماتهم، الظاهرة في عدم دخل شي‌ء آخر، حتى بنحو الشرط المتأخر.

و لا يخفى أنّ قوله: «إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليه الحول» ظاهر في اكتمال حوله و مضي سنته، فلا بدّ من احتساب الثاني عشر من السنة الآتية، لا أنه غير محسوب لا من الاولى و لا من الثانية.

و وجهه الجمع بين هذا النص و بين ما دل على أنّ الزكاة في كل سنة مرة، إذ ذلك إنما يصح لو لم يكن النص بلسان حولان الحول.

(و لا يجوز التأخير مع المكنة) مطلقاً، خلافاً لجمع آخر، من مصيرهم إلى الجواز، و هم أيضاً بين أقوال متشتتة، بالغة أربعة أو خمسة، مذكورة في المطولات خصوصاً الجواهر (1).

و منشأ الخلاف اختلاف أنظارهم في كيفية الجمع بين أخبار الباب، إذ


1) جواهر الكلام 15: 48.

هي بين ما دل على وجوب التعجيل بلسان: «متى حلت أخرجها» (1)، أو بلسان: «ليس لك أن تؤخرها بعد حلها» (2)، و بين ما دل على الجواز مطلقاً عند ثبتها و كتبها (3)، و بين ما دل على جوازه بشهرين أو ثلاثة، أو من رمضان الى محرم (4).

و لا يخفى أن ليس في النصوص المجوّزة تجويز التأخير بقول مطلق، كما في سائر الموسعات، بل هي بين ما اشتمل على قيد «الثبت و الكتابة» الكاشفة عن اهتمامه به، أو التحديد بما أكثره أربعة، أو التقييد بالتماس الموضع و لو في أكثر من شهرين، و يحمل تحديده بالشهرين على الغالب من وجدانه فيهما.

و لا شبهة في أنّ الأمر يدور بين الأخذ بإطلاقات التحديد إلى أربعة أشهر، و لو بلا اهتمام به من كتابة و ثبت و لا التماس الموضع، و بين الأخذ بالاهتمام المزبور، و لو لم يكن في البين تحديد بالأربعة و لا طلب موضع، و بين الأخذ بالتماس الموضع، بلا اعتناء بالجهتين الأخيرتين، وجوه.

و لا يبعد التخيير بين جهتي الاهتمام و التماس الموضع، و تحكيم الجواز في إحدى الصورتين على التحديدات المذكورة، بل و على إطلاق دليل نفي الجواز أيضاً، و اللّٰه العالم.

و في المقام جموع أخرى ضعيفة بالقياس إلى ما اخترناه من الجمع، و عليك بمراجعة المطولات، ترى ما ذكرنا حقيقاً بالقبول، فإنه الغاية المأمول.

و عليه فلا وجه لما أفاده المصنف رحمه اللّٰه و بعض آخر من عدم جواز التأخير مطلقاً مع المكنة، نعم لا بأس به مع عدم التمكن قولًا واحداً.


1) وسائل الشيعة 6: 213 باب 52 من أبواب المستحقين حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 214 باب 52 من أبواب المستحقين حديث 4.

3) وسائل الشيعة 6: 213 باب 52 من أبواب المستحقين حديث 2.

4) وسائل الشيعة 6: 214 باب 53 من أبواب المستحقين.

و في وجوب العزل على القول بالتعجيل وجه؛ لأنه ميسوره.

و على أي حال، إن أخر مع التمكن، فقد أفاد المصنف بقوله: (فيضمن). و الوجه فيه ما في النص بقوله: «إن عرف لها أهلًا فعطبت أو فسدت، فهو لها ضامن» (1)، بعد التصريح بنفي الضمان لمن لم يجد لها أهلًا، و نظيره ما في نص ابن مسلم (2).

و لا ينافيهما ما دل على نفي البأس بإخراجها عن البلد الشامل بإطلاقه صورة وجود المستحق أيضاً، إذ جوازه تكليفاً لا ينافي جانب وضعه، و حينئذٍ يستفاد جواز النقل أيضاً- علاوة على جواز التأخير- من مثل هذه الطائفة.

و ربما توهم معارضتها بما حكي من فعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله تقسيم صدقة أهل البوادي على البوادي و أهل الحضر على الحضر (3)، و في الصحيح أيضاً: «لا تحل صدقة المهاجرين للأعراب و بالعكس» (4).

و هذا التوهم فاسد جداً، إذ لا دلالة فيهما على حرمة النقل، غاية الأمر في الأول حكاية فعل مناسب للرجحان، و في الثاني تحريم صدقة صنف على صنف و لو كانا حاضرين.

و إرجاع ذلك الى الكناية عن حرمة النقل، إلّا مع عدم وجود المستحق في البلد، في غاية البعد. و ليس ذلك بأولى من حمل مثل هذا النحو من التقسيم على ضرب من الفضيلة، و لو بلحاظ اعتبار العرف نحو اختصاص لكل طائفة بزكاتهم، ليكون ذلك منشأ ترحمهم، استحباباً لا لزوماً.


1) وسائل الشيعة 6: 198 باب 39 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 198 باب 39 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 6: 197 باب 38 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 2.

4) وسائل الشيعة 6: 197 باب 38 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1.

و لئن لم تساعد الكلمات على هذا المقدار من التفصيل أيضاً، فلا محيص عن طرح الرواية؛ لعدم عامل بظاهرها.

و مع الغض عن جميع الجهات لا تكاد تصلح للمقاومة مع الروايات السابقة، فتحمل هذه على كراهة النقل، مع وجود المستحق، إذ التصرّف في الهيئة أولى من رفع اليد عن الإطلاق في أمثال المقام.

هذا، (و لا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب) خلافاً لابن عقيل (1)و سلّار (2)حيث ذهبا إلى مجرد نفي وجوب التقديم، لا نفي الجواز، و لكن المشهور على عدم الجواز.

و منشأ الاختلاف اختلاف أخبار الباب، ففي المستفيضة من الصحاح و غيرها التصريح بالجواز (3)، و في أخرى التصريح بالمنع، تشبيهاً له بالصلاة قبل الوقت (4).

و بمثل هذا البيان ربما تقاوم هذه مع الطائفة الأولى على وجه غير قابل لحملها- بقرينة السابقة- على الكراهية في العبادة، حيث لا تقبل أيضاً المجوزة الحمل على الإعطاء قرضاً ثم احتسابه في وقته، إذ مثل هذا الحمل مما يأباه ما جعل فيه التعجيل قبال التأخير.

و عليه فلا محيص عن إعمال قواعد التعارض بينهما، و بعد ذلك لا بدّ من ترجيح النافية بموافقتها للسنة الموقتة بمضي الحول أو انعقاد الحب و أمثالهما، بل بمخالفتها أيضاً للعامة؛ لموافقة المجوزة لهم. و مثل ذلك وجّه ذهاب المشهور الى


1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 173.

2) المراسم: 128.

3) وسائل الشيعة 6: 211 باب 50 من أبواب المستحقين للزكاة.

4) وسائل الشيعة 6: 109 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 5.

عدم الجواز، قبال ابن عقيل و غيره مما يوهم كلامهم جواز التقديم.

و حينئذٍ (فإن دفع كان قرضاً) لو كان بعنوانه، و إلّا فلا يصح قرضاً و لا زكاة؛ لأنّ ما وقع لم يقصد أن يكون قرضاً، و المفروض عدم جواز تقديم الزكاة.

و حينئذٍ فلو علم القابض بالحال لم يجز له التصرّف فيه؛ لكونه مقبوضاً بعنوان فاسد. و لو جهل، فإن كان جهلًا بالحكم فكالعامد في الضمان و إن كان قاصراً، و إن كان جاهلًا بالموضوع فيمكن نفي الضمان بقاعدة «الغرور».

و عليه فلا مجال لإعادته أو احتسابه زكاة مع تلفه.

و أما مع بقائه في يده ف (له استعادته أو احتسابه منها) أي من الزكاة، كل ذلك واضح بمقتضى القواعد الجارية في المقبوض بالعقود و الإيقاعات الفاسدة، التي من مصاديقها ما نحن فيه، كما أنّ له الاحتساب أو استعادة البدل في صورة التلف مع الضمان (مع بقائه) أي المستحق (على الاستحقاق، و تحقق) شرائط (الوجوب في المال).

و قد تقدّم الكلام أيضاً في جواز نقلها حتى مع وجود المستحق في البلد، (و) لكن عن المصنف: انه (لا يجوز نقلها عن بلدها) أي بلد الزكاة (مع وجود المستحق فيه و يضمن) مع نقله في حال وجود المستحق؛ لما عرفت من النص الدال على التضمين بمجرد التأخير و لو لم ينقل، فضلًا عما لو نقل.

(و لو عدم) المستحق في البلد (نقل) بلا اشكال، كما لا اشكال (و) لا خلاف في أنه (لا ضمان) عليه حينئذٍ، لاختصاص أخبار الضمان بصورة وجود المستحق، بل و في بعضها التصريح بنفي الضمان مع عدمه. هذا

مضافاً الى قاعدة «الإحسان» و «الأمانة» مع عدم تفريطه، للأمر به من قبل الشرع بإيصالها إلى مستحقه و لو في خارج البلد.

(و لا بد) في الزكاة من جهة عباديته إجماعاً (من النية عند الإخراج)

عن ماله، و لو بعزله؛ لأنه وقت امتثال عباديته، و إلّا فوجوب أداء المال المتشخص في الزكوية ليس إلّا توصلياً، من باب أداء عين المال المعيّن للغير إليه. فما هو عبادة في باب الزكاة ليس إلّا تعيين مال الفقير الغائب في ذمة المالك أو في عين المال، بنحو الشركة أو الكلي في المعين، على الخلاف الآتي في كيفية تعلّق الزكاة بالذمة أو العين في شخص الفرد.

و ذلك بعد ولاية المالك على العزل ربما يتحقق بالعزل، بلا احتياج إلى إيصاله خارجاً إلى الفقراء أو الساعي أو وكلائهم، و الاحتياج اليه إنما هو في ظرف عدم العزل؛ لأنّ التعيين المزبورة- الذي هو حقيقة امتثال أمر الزكاة الراجع الى تخليص ماله من مال الفقير- لا يتحقق إلّا بذلك.

و لئن شئت قلت: انّ التخليص المزبور لا يتحقق إلّا بالإيصال إلى المالك أو وليه، و أنّ باب العزل من جهة ولاية المالك على قبض المال من قبل الفقير، كولاية المتولي على قبض الوقف، فيكون المعزول زكاة حينئذٍ أمانة في يد ولي الفقير.

و على هذا لا يحتاج في باب الزكاة- بناءً على الكلي في الذمة أو في العين- من تخصيص قاعدة الوفاء في الكليات المحتاج إلى قبض المستحق، بجعل الوفاء في المقام بمحض تعيين المالك بلا قبض من الطرف المقابل.

نعم لو بنينا على الشركة أمكن دعوى عدم احتياج الافراز الى وصوله في يد الشريك أو وليه، بل يكفي مجرد ولاية المالك عن الفقير في أصل الإفراز،

من دون ولايته عنه في التصرف في نفس المال، بل غاية الأمر كونه مأذوناً من قبل الشارع الولي له. و مجرد اقتضاء الإذن الشرعي عنوان الولاية منظور فيه، و إلّا فيلزم كون كل مأذون من قبل ولي المالك، أو المالك نفسه ولياً من قبله، و هو كما ترى.

و عليه فظاهر تعبيرهم في باب العزل بكونه من جهة صرف ولاية المالك على التعيين، بلا ولاية له على المالك في قبض المال، ربما يناسب ما اشتهر عندهم من كون الزكاة في العين بنحو الشركة، و إلّا فبناءً على الكلية لا بدّ من إثبات الولاية على القبض أيضاً، كي لا تنثلم قاعدة دخل القبض من الطرف في تعيين الكليات مطلقاً، كما لا يخفى.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر عدم التعيين بصرف إعطاء المالك إلى وكيله، ما لم يقصد به العزل المعتبر في الزكاة في موضع يصح العزل؛ لأنه لا يكاد يتعيّن ذلك بصرف الإعطاء إلى وكيله بعنوان الزكاة.

نعم ربما يشكل بناءً على المشهور من الشركة، فإنه مع فرض كون المالك ولياً على الافراز، لم لا يتعين ذلك زكاة.

و يمكن أن يقال: إنّ المقدار الثابت من دليل العزل ولايته في مورد صحته، و في هذا المورد يصح الإعطاء إلى وكيله بعنوان عزله و لو كان كلياً.

و في غير مورد صحة العزل لا يصح، حتى على الشركة؛ لعدم ولايته على الافراز أيضاً.

و على أي حال، مورد الشبهة في الإعطاء إلى الوكيل أيضاً إنما هو في صورة إعطائه إلى وكيل نفسه بعنوان كون المال بهذا الإعطاء زكاة، و إلّا فلو أعطاه بعنوان كونه وكيلًا عنه في تعيين المال في الزكاتية، فلا إشكال في عدم خروجه بذلك عن ماله، فلا يكون هنا أيضاً محل نيته، بل محل النية وقت

إخراج وكيله.

و يمكن أن يدَّعى حينئذٍ أنّ المتكفل للنية هو الوكيل، بناءً على صحة تمشي القربة من النائب، و لو بقصده مقربية عمله لغيره، أو قصده الإتيان بما هو من وظائف العبودية، و لو بجعل مولاه هذا المغيّى في جميع عباداته عن قبل غيره، على ما صححناه في وجه تمشي العمل القربي، بما هو قربى عن النائب، في بحث نيابة العبادات.

نعم بناءً على عدم تمامية الوجهين، لا يكاد يتوهم قربية العمل للمنوب عنه بإتيان النائب من الوكيل أو غيره العمل بداعي الأمر المتوجه إليه، عن التبرعي أو الإجاري؛ لأنه لا يصلح أن يكون العمل بمثله مقرب غيره.

فلا محيص من الالتزام بكون النائب نائباً في ذات العمل لا في التقرب به، بل التقرب به و قصده من الأفعال المباشرية غير القابلة للتسبيب.

و حينئذٍ يجب على المنوب عنه التقرب بعمل غيره بمقدار ميسوره، من قصده امتثال أمر مولاه بعمل نائبه، كما في الأحياء عند الالتفات إلى فعل النائب، و إلّا فيكفي مجرد رضاه- و لو تقديراً- بعمل الغير، كما في العامل عن الغير من زيارة أو غيرها، أو الموتى حين عمل النائب؛ لأنه الميسور منه، و لذا لا يكتفي بذلك المقدار في صورة الالتفات و الحياة، كما لا يخفى.

و من هذا البيان أيضاً ظهر حال الأجنبي المتبرع في أداء زكاة الغير من مال نفسه، فإن مقتضى القواعد و إن كان عدم مسقطية العمل الصادر من قبل الأجنبي في إسقاط الزكاة المتعلّقة بذمة المالك أو بعين ماله، لأنه لا بدّ أن يكون صادراً منه أو نائبه، و الأصل عدم كفاية الأجنبي في إيتاء الزكاة.

و لا يقاس ذلك حينئذٍ بأداء الأجنبي دين غيره، إذ هو- مع أنه مبني على كون الزكاة من التوصليات- إنما يصح في صورة عدم تعلق حقهم بعين المال.

غاية الأمر، للمالك ولاية إسقاطه من غيره، و لم يثبت هذا الشأن لكل أحد.

هذا، فضلًا عن كون المقام من العباديات المعتبر فيها المباشرة أو التسبيب من قبل المكلف، و لا يصلح صدوره من الأجنبي المحض، و لو للأصل.

إلّا أنه قد ورد النص المعتبر- و لو بالعمل- على الاجتزاء بفعل الأجنبي، بلا جهة استنابته من قبل المالك. و ذلك مثل ما في صحيحة منصور من قوله:

«إن كان الذي أقرضه يؤدي فلا زكاة» (1)، فإن إطلاقه يشمل صورة عدم التسبيب من قبل المالك المقرض أيضاً. و عليه فقاصد التقرب- على المختار- هو الأجنبي المؤدي للزكاة، بخلاف المشرب الآخر، فإنّ المتصرّف هو المالك بقصد امتثاله بفعل غيره مع التفاته، و بصرف رضاه بعمله و لو تقديراً مع غفلته، كما شرحناه.

نعم لو كان الأجنبي متبرعاً في أداء عين الزكاة من مال المالك، ففي صحته اشكال؛ لعدم دليل وافٍ بتعيين الغير في تشخيص الكلي أو إفراز المشاع، ما لم تصدق عليه النيابة أو الوكالة كما لا يخفى.

و استفادته من فحوى النص المزبور في غاية الإشكال، خصوصاً لو قيل بأنّ الزكاة من الذميات، لإمكان جريان مناط صحة وفاء الأجنبي عن الذمة، بعد إسقاط المباشرة بالنص، و إمكان تمشي القربة منه.

و أين ذلك و صلاحية فعل الأجنبي لتشخيص ذمة المالك بماله لا بمال الأجنبي، إذ مثل ذلك يحتاج إلى دليل آخر متيقن، و اللّٰه العالم.

هذا كله في بيان ظرف النية و وقتها في الزكاة.


1) وسائل الشيعة 6: 67 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 2.

ثم إنه لا إشكال في تصدّي نفسه لإعطاء الزكاة؛ لظهور الخطاب الموجه إلى المكلفين فيه كسائر التكاليف. و توهم دخل بعض القيود الخفية في دخلها في أمثالها، من مثل كونه بإذن الإمام أو الرئيس القائم مقامه، مدفوع بالإطلاق المقامي، و لو لم يكن في البين إطلاق لفظي من جهة شبهة إهمال الخطابات من هذه الجهات، و لا أقل من أصل البراءة عن قيديتها في المكلف به، فتأمل.

و أما في التكليف فلا يكون مورد توهم أحد، كما لا يخفى.

كما انه لا إشكال في السيرة و ارتكاز أذهان المتشرعة في قابلية مثل هذه العبادات المالية المقصود منها بالأصالة إيصال المال إلى الغير بوجه قربي، للنيابة و التسبيب.

بل قد ورد النص على نحوي إعطائه مباشرة و تسبيباً، و هي نصوص خاصة مستفيضة:

ففي رواية أبي بصير: «لو أنّ رجلًا حمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان حسناً جميلًا» (1)، الظاهر كونه في مقام بيان الوظيفة الشرعية، لا أنه من باب الاذن في إعطائه. كيف و ظاهره ترتب الحسن على ذات فعله مع قطع النظر عن الاذن فيه من رئيس أو غيره.

و في نص صالح: «أدفعها إلى من أثق به يقسمها»؟ قال: «نعم» (2)، و بمضمونهما نصوص اخرى (3).

كما انه في ظرف مباشرة الفقير و أخذه بنفسه من المالك ربما يستفاد إجزاؤه من مثل هذه النصوص، مضافاً إلى أصالة البراءة، لو لا دعوى انّ


1) وسائل الشيعة 6: 215 باب 54 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 194 باب 35 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 4.

3) وسائل الشيعة 6: 193 باب 35 من أبواب المستحقين للزكاة.

المكلف به بعد ما كان إخراج الزكاة و تعيينها في عين شخصية كان من المفاهيم البسيطة المبينة، بنحو يكون الشك في دخل شي‌ء فيه من باب الشك في المحقق، الذي هو مجرى قاعدة الاشتغال لا البراءة.

و أما كفاية أخذ الإمام فلا إشكال، لأنهم أولياء الفقراء. و لو طالب وجب ردها إليه؛ لعدم الخيرة مع أمرهم. و لو خالف، ففساد زكاته فرع اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده.

و يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من نفي الخيار مع إرادة الإمام، قصور المكلّف عن السلطنة على ضده أيضاً، كما هو الشأن في الشرط و النذر، فيبطل عمله حينئذٍ و لو لم نقل بحرمة الضد.

و في ولاية الفقيه في مثله تأمل؛ لعدم تمامية مقدمات الحسبة بعد التمكن من إيصالها إليهم، و مع عدمه فلا يبعد انتهاؤها إلى الفقيه بمناط «أولياء الغيّب» فيما ثبتت مطلوبية وجوده، بل مطلقاً بناءً على كونها من وظائف قضاة الجور، الثابتة في المقبولة بإطلاقها و فحواها لقضاتنا جزماً.

و أما الساعي عن قبلهم فلا شبهة فيه، لكونه ديدن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام، و يومئ إليه أيضاً ما في الصحيح من أنه بعد نزول آية الصدقة وجّه عمال الصدقة. و من هذا يستكشف قابلية العمل للتسبيب، فيجري في مورد الفقير و الفقيه عند انتهاء الأمر إليه، و كذا عدول المؤمنين في ظرف ولايتهم.

و لا إشكال في أمثال هذه المقامات في عدم كون الساعي وكيل الفقراء، بل الوكلاء هم النواب و الأولياء. و بهذه الجهة يكون وقت النية وقت الإعطاء لهم، لا وقت تقسيمهم على الفقراء، فلا مجال حينئذٍ لنية الساعي في تقسيمه

أو الامام و الفقيه كذلك.

نعم لو أوكلهم المالك في أصل الإخراج من ماله، أو كان ممتنعاً من أداء الزكاة، على وجه ينتهي الأمر إلى ولي الممتنع كان قصد التقرب من وظائفهما.

و حينئذٍ ربما يشكل أمر النية و التقرب مع عدم رضى المالك الممتنع، إذ لا تصلح مقربية العمل له حتى على مشربنا، فضلًا عن المشرب الآخر، كما هو الشأن في المأخوذ من الكافر؛ لعدم صلاحيته للتقرب و إن قصده.

فلا محيص حينئذٍ عن الالتزام بسقوط النية و العبادية، و الأخذ بحيثية ماليتها و معامليتها، بعد الجزم بعدم تضييع حقوق الفقراء بمحض امتناعهم و بنائهم على الأخذ منهم جبراً.

نعم لا بأس بالاجتزاء بالنية المزبورة لو كان الإجبار المزبور داعياً إلى الداعي في المسلمين، نظير إجبارهم بمناط الأمر بالمعروف في سائر عباداتهم، إذ لا محيص عن الاكتفاء بالداعي القربي و لو عن داعوية إجبار الغير، بلا التزامهم هناك أيضاً بصرف صورة الصلاة مثلًا.

و بذلك قلنا بكفاية القربة في كلية العبادات، و لو بنحو الداعي إلى الداعي، لو لا توهم كون اكتفائهم المزبور إنما هو من جهة لابدية وجودها في المراتب النازلة، و لو من جهة كون ميسور الأمر في مقام تحصيله.

و أين هذا مع فرض عدم امتناعه عن التقرب الكامل، فلا يكتفي عنه في مثله. فالمرتبة الدانية مع كونها ميسور الأمر بتحصيله، خصوصاً لو قلنا بأنّ المرجع عند الشك في دخل القربة بمراتبها، هي قاعدة الاشتغال.

و إلى ذلك نظر شيخنا العلّامة أيضاً في عدم اكتفائه بالامتثال الإجمالي مع التمكن من التفصيلي (1). و لكن بناءً على المختار من مرجعية البراءة في


1) كتاب الزكاة: الفصل الأول.

الشك المزبور، لا يبقى مجال للتشكيك من هذه الجهة في سائر العبادات.

نعم في خصوص المقام بملاحظة كون المطلوب تعيين المال في الشخص، الناشئ عن أمور معهودة، التي منها القربة، فمع الشك في دخل مرتبة خاصة، يكون المرجع قاعدة الاشتغال لا البراءة، كما عرفت.

و عليه فيشكل الاكتفاء بالداعي على الداعي في غير صورة الامتناع المذكور في مثل المقام، و إن اكتفينا به في سائر العبادات، و اللّٰه العالم.

و كيف كان لا خصوصية لحقيقة النية في المقام أيضاً، فيعتبر فيها هنا ما يعتبر في سائر العبادات، من قصد شخص أمره و لو بنحو الإجمال، و لازمة- مع فرض وحدة الحقيقة- كفاية إعطاء شخص زكاة المال بعنوان الزكاتية بداعي شخص الأمر المتوجه بهذا الأداء، من دون احتياج إلى قصد كونها زكاة غلة أو إنعام أو غير هما، كما انه لا يحتاج إلى قصد هذه السنة أو السنة السابقة.

و مع إعطاء القيمة يكفي قصد القيمة لأحد زكواته، بلا عنوان، من دون احتياج إلى تعيين المبدل، فتسقط الزكاة من أحد الأجناس بلا عنوان. كما هو الشأن في الوفاء بالقيمة عما في الذمة من الأموال المخصوصة، فيسقط عن الذمة أيضاً واحد منها.

لو لا دعوى انتهاء ذلك إلى الإبهام في الملكية الباقية، و العقلاء لا يعتبرون ذلك، كما يفصح عنه تعليلاتهم في عدم تعلّق العقود بالمبهمات الخارجية.

و لعل هذه النكتة دعتهم في مقام دفع القيمة عن أحد الحقوق الى التوزيع، لا سقوط الواحد المبهم، خلافاً لبعض آخر فالتزم بالسقوط فيهما.

و على أي حال لا اشكال عندهم في عدم لزوم تعيين شخص الحق عند اختيار القيمة. و النكتة فيه أن مرجع اختيار القيمة إلى إلغاء الخصوصية،

و كفاية إعطاء جهتها بالنية في مثل القيم.

و من المعلوم انّ مثل هذه الجهة هي من متحدات الحقيقة، غير المحتاج في أدائها إلى تعيين شخص دون شخص. و إنما التزم من التزم بالتوزيع لا من جهة تعيين القيمة المزبورة، بل من جهة انتهاء الأمر في بقاء ملكية الزائد إلى الإبهام بين الخصوصيات المختلفة، و ذلك- بضميمة الترجيح بلا مرجح- يقتضي التوزيع.

فعمدة مبنى التوزيع هو الالتزام بعدم اعتبار ملكية المبهم في ظرف بقاء الباقي. فإن تم ذلك عند العرف الممضي أو الشرع فهو، و إلّا فمع إمكان سقوط الواحد لا ينتهي الدور إلى برهان عدم المرجح، كي يتعيّن التوزيع.

و مع الشك في فحوى الاعتبار ينتهي الأمر إلى المصالحة، لأول الشك إلى سقوط واحد بتمامه أو عن الجميع بمقداره. فأصالة البقاء لتمام الجميع معارضة بالعلم الإجمالي بسقوط أحدهما، و حيث لا مجال للاحتياط في أمثال المقام ينتهي الأمر إلى المصالحة، فتدبر.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال ما لو كان في البين زكاة المال و زكاة الفطرة مع اختيار البدل، و أما مع اختيار العين فلا إشكال في سقوط خصوص ما اختار، كما انه- بناءً على سقوط المبهم في فرض القيمة- ربما لا يكفي ذلك لسقوط آثار الشخص، إذ هو فرع سقوط شخصه، فاستصحاب بقائها محكم.

و مما يتفرع على ما ذكرنا أنه لو كان نصابان متفقين في الفريضة، مثل خمس من الإبل و أربعين من الشاة، فتلف أحدهما قبل التمكن من الأداء، بنحو لا يكون في تلفه ضمان على المالك، فإن كان التلف قبل أداء إحدى الشاتين، فلا شبهة في وجوب الشاة للنصاب الباقي من شاة أو إبل.

و إن كان التلف بعد أداء إحدى الشاتين أو بدلها بلا عنوان، فلا شبهة حينئذٍ في عدم تعيين المؤدى مع فرض عدم قصده لأحد الفرضين، فيدور الأمر بين التوزيع، فلا يجب في الباقي إلّا نصف الشاة، و بين كون الساقط أحد هما بلا عنوان.

و على الأخير فتجب الشاة الباقية أيضاً لبقاء خصوصيتها لفرض عدم ورود السقوط بالأداء عليها، فيجب أداء شاة جديدة للباقي.

فما في الجواهر من انّ وجوب الشاتين فرع بقاء التمكن منهما إلى زمان الإخراج، فمع تلف إحداهما سقطت عن الأداء فلا تجب عليه الشاة الأخرى (1)، منظور فيه، فإنّ ذلك فرع احتساب المؤدى عن الباقي، كي يسقط الآخر بتلف نصابه، و هو أول الدعوى.

بل مقتضى عدم ورود السقوط بالأداء على خصوصية الموجود، فيصدق عدم سقوط الخصوصية. و هذا المقدار مستتبع لبقاء الأمر المرتب على الخصوصية، فتجب شاة أخرى عن الباقي، و اللّٰه العالم.

ثم انّ ما ذكرنا كله في شرائط صحة الزكاة (و أما الضمان فشرطه اثنان: الإسلام، و إمكان الأداء).

أما الأول فظاهره نفي ضمانه حال كفره، و إن كان التلف بتفريط منه قبال ضمانه المنتهي إلى إجباره على الأداء قيمة. فمقتضى القواعد- بعد الجزم بتكليفهم بالفروع أجمع- ضمانهم مع القدرة على الأداء، و لو بالقدرة على الإسلام الذي هو شرط صحة عبادتهم. و لا ضير في صلاحية التقرب بمثل هذا العمل، لإمكان دعوى سقوط القربة كما في الممتنع عن أداء زكاته، غير


1) جواهر الكلام 15: 63.

الراضي بعمل الساعي في تقسيمه أو إخراجه عن ماله، كي يكفي قصد مقربية فعله للممتنع، كما أشرنا إليه فيما سبق. و من جهة ذلك استشكل في المدارك، لعدم وضوح مأخذه (1).

و قد يقال: الكافر إن كان ذمياً فالظاهر- بمقتضى السيرة- ثبوت إمضاء أملاكهم، كثمن الخمر وارث العصبة، و منه ما نحن فيه.

و من هذا الباب خمس أرباح مكاسبهم، إذ بناؤهم على التصرف في أموالهم المعلوم فيها أرباح المكاسب و سائر أصناف الخمس و الزكاة، فلا يفتش أحد في ذلك من أمثال هذه الجهات.

و يؤيد ذلك- أيضاً- إطلاق كلماتهم في انتقال مال الكافر إلى وارثه المسلم، فلا تعرض فيه لأداء حقوق الفقراء و السادات المتعلقة بأعيان أموالهم.

و مثل هذه السيرة ربما تكون كاشفة قطعية عن الإمضاء المذكور، كامضائهم في باب النكاح.

و حينئذٍ من أين يبقى مجال إجبارهم على أخذ الأعيان الموجودة، فضلًا عن التالفة و لو بتفريطهم.

و ربما يكون في كلمات العلّامة الباني في هذا الكتاب كسائر كتبه على نفي الضمان حال الكفر، الشامل بإطلاقه، بل المنصرف، لصورة تفريطه الموجب للضمان في المسلم، و كذلك في كلمات الشهيد و غيره، كما في المحكي في الجواهر إيماء الى ما ذكرنا، من عدم الإجبار، حتى مع وجود العين، و إلّا فلا خصوصية لحال تلفه (2). و إن شرط في المسالك في الإجبار بقاء النصاب (3)، و رده في الجواهر بعدم الشرطية بمقتضى القواعد، فيجبر على


1) مدارك الأحكام 5: 41.

2) جواهر الكلام 15: 63.

3) مسالك الافهام 1: 40.

العوض حتى مع التلف، وفاقاً للمدارك (1).

و لكن ذلك كلّه بمقتضى القواعد الأولية، و إلّا فلو نظرنا إلى إمضاء أملاكهم بمقتضى السيرة، لا وجه لاجبارهم حتى مع بقاء العين، نعم ما أفيد من الإجبار إنما يتم في الحربي الذي لم يثبت الإمضاء المذكور بالنسبة إليه، و ذلك أيضاً لو لا دعوى إطلاق جعله، فبناء المسلمين على عدم التعرض لهم في مثل هذه الوجوه الثابتة في أموالهم، المعلوم كون مصرفها أموراً خاصة، أيضاً شاهد إمضاء ما يرونه ملكاً لهم بأنه حكم ملكهم في كونه مباحاً لمن اتخذه من المسلمين.

و حينئذ يكون الحربي كالذمي في الإمضاء المزبور، إلّا أنّ نتيجة الإمضاء في الذمي احترامه و عدم جواز تصرف أحد في ماله، و نتيجته في الحربي كونه موضوعاً لإباحته لمن قهرهم، بلا اجراء حكم ملك السادات أو الفقراء في أموالهم التي كانت مورد الخمس أو الزكاة، خصوصاً أرباح مكاسبهم.

و كيف كان، فالعمدة في وجه نفي ضمان الكافر- حال كفره مع التفريط- هو تمامية السيرة المذكورة المقتضية لعدم إجبارهم حتى مع بقاء النصاب أيضاً. و إلّا فمقتضى القواعد الأولية ضمانهم. و على أي حال لا نعرف وجه تفصيل المسالك بين الإجبار حال وجود العين، و بين حال تلفها.

هذا كله في شرطية الإسلام قبل تعلّق الضمان، و أما وجه شرطية إمكان الأداء من جهة وجود المستحق أو غيره، فقد تقدّم سابقاً استفادة هذا المعنى من الحسنة المشتملة على الضمان بالتأخير مع وجود المستحق و عدمه مع عدمه،


1) جواهر الكلام 15: 63، مدارك الأحكام 5: 42.

المعلوم كون تمام المناط في طرفي النفي و الإثبات هو التمكن من الأداء من أي جهة كان و عدمه مع عدم التمكن، كما هو ظاهر الحسنة عرفاً بلا اقتصار نظر هم فيه الى الخصوصية، و اللّٰه العالم. (و) من المنن على الكافر ببركات الإسلام: انه (تسقط عنه) الزكاة (بعد إسلامه) كما هو المشهور، الكاشف عن كون الوضع في المقام تبع تكليفه، كي بذلك يصح تمسكهم عليه بقاعدة «الجب» التي تنفي بعد الإسلام ما كان ثبت على الكافر حال كفره، و إلّا فلو فرض كون التكليف في المقام كسائر المقامات، من الديون المالية تبعاً للوضع، أشكل شمول قاعدة «الجب» لمثل المورد، كما لا تشمل موارد ديونهم المالية، بملاحظة انّ في أمثال هذه الديون كان وجوب أدائها من آثار بقاء الدين إلى حال الإسلام، لا من آثار حدوثه حال الكفر، و مصب قاعدة (الجب) هو الثاني دون الأول.

و يؤيد ذلك- أيضاً- عدم تعرضهم لمثل هذه الجهة في الخمس، مع أنّ نحو تعلّقه بالأموال أيضاً نحو تعلّق الزكاة، كما يشهد له ما في النصوص من كون الخمس بدل الزكاة مجعول للسادة، مع اشتراك لسان الدليل في كيفية الجعل، و ذلك يشهد أنّ الوضع في أمثال المقام أيضاً مستتبع للتكليف لا العكس، و عليه فلا بدّ أن يكون نفي الزكاة و سقوطه بالإسلام مستنداً إلى جهة أخرى غير قاعدة الجب.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ مجرد عدم تعرضهم لمثل هذه الجهة في الخمس ليس شاهداً على المغايرة، لإمكان اتكالهم على وضوح اشتراكهما في كثير من أمثال هذه الأحكام، و لذلك تراهم غير متعرضين للنية في باب الخمس مع تعرضهم لها في باب الزكاة. فمن الممكن كون ما نحن فيه من هذا القبيل، خصوصاً استدلالهم على سقوط الزكاة بوجه آخر غير القاعدة المزبورة، الجاري

في الخمس أيضاً جزماً، و هو استشهادهم بسيرة السلف في صدر الإسلام في عدم التعرض لأموالهم، إذ مثل هذا المعنى على فرض ثبوته يقتضي نفي الخمس أيضاً.

و مع هذا الاستشهاد كيف يشهد سكوتهم عن ذلك في باب الخمس للفرق بينه و بين الزكاة في السقوط بالإسلام و عدمه؟! و كيف كان لا أظن ممن تمسك في المقام لنفي الزكاة بقاعدة «الجب» أن يفرّق بين الزكاة و الخمس، بشهادة وحدة لسان الدليل في المقامين.

و عليه فيبقى الكلام معهم في جريان قاعدة «الجب» في أمثال المقام، الناشئ عن الشبهة السابقة.

و ربما يشهد أيضاً لعدم الجريان، كيفية لسان الوضع، الثابت في هذه الأموال أولًا و بالذات، الظاهرة في عدم انتزاعها من التكليف، كلسان الوضع في سائر المقامات، و عليه فما وجه الفرق بين المقام و سائر الديون، التي لا يجري فيها قاعدة الجب جزماً، مستشهداً فيها بما أشرنا إليه من الوجه الجاري في المقام أيضاً.

و الذي يقتضيه التحقيق في ذلك هو أن يقال: أولًا- أنّ التكليف بأداء الدين الحاصل بالضمان أو غيره، حيث انه من توابع بقاء الدين، لا من توابع حدوثه حال الكفر و إن كان غير صالح للرفع بالإسلام بمقتضى القاعدة كما أفيد، لكن لا قصور في شمول القاعدة بنفسها بقاء أصل الدين، لأنه مستند الى سبب حاصل في حال الإسلام، و لا خصوصية في مرفوعيته بقاعدة (الجب) بالأحكام التكليفية.

بل مفادها عام لكل حكم يكون حدوثه مستنداً إلى سبب حادث حال الإسلام، و كان في رفعه امتنان على الكافر، بمعنى عدم كون وضعه عليه

خلاف امتنان عليه، فتصلح القاعدة لشمولها مثل هذا الحكم تكليفياً كان أم وضعياً، من غير فرق في ذلك بين المقام و سائر الديون.

إلّا أنّ الذي هو الفارق بين البابين هو أنّ رفع مثل هذا الوضع و إن كان فيه امتنان على الكافر إلّا أنه خلاف الامتنان في حق غيره باستلزامه ذهاب حرمة أموالهم و حقوقهم.

و من المعلوم أنّ أمثال قاعدة «الجب» الواردة في مقام الامتنان قاصرة الشمول لما فيه خلاف الامتنان في حق الغير.

و هذا بخلاف نفي بقاء الوضع في باب الزكاة، فإنه لا يوجب رفع مثله- كعدم جعله من الأول- خلاف امتنان في حق الفقراء، إذ ليس فيه جهة إضرار و تنقيص و هتك حرمة مال أو دم لهم، بل غاية الأمر: انّ رفع مثله هو بمعنى عدم جعله منشأً لوصول نفع إليهم، و ليس فيه خلاف منّة في حقهم.

و حينئذٍ يبقى رفعها مع كمال الامتنان في حق الكافر، الحاصل ببركة الإسلام.

و إن شئت قلت: إنّ في وضع الزكاة يلزم أحد محذورين: إما الضرر على الكافر، أو عدم سلطنة الفقير على أخذ ماله بما هو ماله. و في كل واحد محذور، فيرفع بقاعدة «الجب» الواردة في مقام الامتنان عن مثله.

و بذلك أيضاً ظهر الفرق بين المقام و بين الجناية الحادثة بسببيتها حال الكفر، فإنّ في وضع الجناية عليه لا يكون خلاف منّة في حق الكافر و لا في حق غيره، فلا يكون مشمول القاعدة كما لا يخفى.

و عليه فالنكتة الفارقة بين البابين هي هذه الجهة، لا ما أفيد من كون الوضع فيه تبعاً للتكليف، كي يكون ذلك تحت أشد الإنكار.

و حينئذٍ فلا قصور في شمول القاعدة المزبورة لأمثال المقام الجاري في الخمس أيضاً، لو لا إجماع على خلافه فيه.

و أما إشكال المدارك- في ثبوت التكليف أما بأصل القضاء فيتنافى مع القاعدة، أو بإعطاء الزكاة في زمان الكفر فبكونه مستلزماً لآمر الأمر مع علمه بانتفاء شرطه- فهو كلام صحيح لو كان الشرط خصوص الإسلام الحاصل بعد التكليف المزبور، و إلّا فلو كان الشرط الإسلام الأعم من الحاصل قبله أو بعده، فلا يرد عليه إشكال أصلًا، عدا اشكال الابتلاء بمسألة الترتب في باب القضاء، كما لا يخفى، و هو أيضاً سهل عند مجوزيه و اللّٰه العالم.

(و) قد ظهر بمقتضى النص و فحاوي الكلمات: أنّ (من لم يتمكن من إخراجها مع الوجوب إذا تلفت لم يضمنها)، مسلماً كان أم كافراً.

(الباب الثاني) (فيما تجب فيه الزكاة)

اشارة

(و هي: تسعة أصناف لا غير) بلا إشكال في ذلك فتوى و نصاً، و يكفي لعقدي السلب و الإيجاب ما في صحيحة الفضلاء: «و سنها رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في تسعة أشياء، و عفى عما سواهن» (1)، و عدد الأصناف التسعة في ذيلها.

و في قبالها نصوص مستفيضة، بل كادت تكون متواترة إجمالًا، مصرّحة بثبوتها في غير الأجناس التسعة، من كل ما يكال من الحبوب. بل في بعضها:

كيف لا يكون فيه- أي في الأرز- و عامة خراج العراق منه (2)، و فيه كمال الشهادة على فعلية الوجوب، كما هو ديدن السلاطين في أخذ الخراج منه.

فلا مجال حينئذٍ للجمع بينهما بالحمل على الثبوت اقتضاءً و العفو عن فعليته، و لا لحمل الأخيرة على الاستحباب؛ لأنه خلاف بناء السلاطين في أخذهم خراج الأرز، ففي هذه الرواية كمال المقاومة مع الرواية الاولى.

فلا محيص عن الرجوع إلى المرجحات السندية، و عليه فالترجيح مع الاولى، بمخالفتها للعامة.


1) وسائل الشيعة 6: 33 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 6: 41 باب 9 من أبواب ما تجب عليه الزكاة حديث 11.

و لئن أبيت من التفكيك المزبور من الجمع أو الترجيح، فلا محيص عن و هن الجهة في الثانية، الموجب للحمل على التقية، لا بمناط الترجيح و طرح السند بالمعارضة، كي يستشكل بعدم صلاحيتها للطرح سنداً، كما لا يخفى.

(و ينظمها ثلاثة فصول):
(الفصل الأول: في النعم)
اشارة

تجب الزكاة في النعم الثلاثة كما في الصحيحة المتقدّمة، و هي: (الإبل، و البقر، و الغنم، بشروط أربعة) مضافةً إلى الشروط السابقة:

أحدها: (النصاب)، بلا إشكال في شرطيته، لما سيأتي من الدليل على تحديد كل واحد، و اناطة وجوب الزكاة بالبلوغ إليه.

(و) ثانيها: (الملك)، و قد تقدم البحث فيه في طي الشرائط العامة في الزكاة أجمع، بلا خصوصية للأنعام في ذلك. و عليه فلا يضم مال إنسان إلى غيره و إن بلغ مجموعهما نصاباً. إذ الظاهر اجتماع شرطي المالكية و النصاب إلى كون مملوك كل مكلف نصاباً، و لو تباعد الاملاك بعضها عن بعض؛ لعدم اعتبار الاجتماع في مكان واحد، كما لا يخفى وجهه الواضح. و المخالف في الجهتين العامة، و لا يعتنى بمذهبهم.

(و) ثالثها: (السوم)، فلا تجب الزكاة في المعلوفة.

(و) رابعها: (الحول)، و سيأتي الكلام فيهما مفصلًا، بعد ذكر نصب الأنعام عند التعرض لكلام المصنف.

و نشير هنا إلى شرط خامس للبقر و الإبل (و) هو: (أن تكون عوامل)، فانتظر لتمام الكلام في هذه الأمور هناك.

و الكلام حالياً في شرح نصب الانعام و بيان مقدارها في كل واحد:

(فنصاب الإبل اثنا عشر: خمس و فيها شاة)

بلا خلاف فيه، إلّا ما حكي عن القديمين، حيث أوجبا في الخامس (1)بنت مخاض، ثم أسقطا النصاب السادس إلى الست و ثلاثين، و نسب هذا القول الى جمهور العامة.

و عمدة مستند المشهور روايات مستفيضة وفق المتن تماماً (2)، مع اشتمال جملة منها لبقية النصب إلى أن تبلغ النصاب الكلي، من قوله: «فإن زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كل خمسين حقة، و في كل أربعين ابنة لبون».

و في قبال هذه النصوص رواية الفضلاء (3)- و هم خمسة: زرارة، و محمد بن مسلم، و أبو بصير، و بريد العجلي، و فضيل- المشتملة على مضمون هذه النصوص، إلّا انها أسقطت ذكر «فإذا زادت واحدة» في جميع الفقرات، على رواية الشيخ (4)و الكليني (5).

و لا يمكن جعل هذه الرواية مدرك القديمين، إذ لم يقولا بمضمونها في بقية النصب.

و لا يصلح أيضاً ما في نسخة اخرى بزيادة «واحدة» في جميع الفقرات، فإنّ لازمة إلغاء النصاب الخامس، فحينئذٍ لا محيص عن الالتزام بالمعارضة مع البقية.

و لا يصلح اعراضهم لو هن سند مثل هذه الرواية؛ لشدة الوثوق بصدورها.

و حينئذٍ فلا محيص إلّا من دعوى حمل قوله: «إذا بلغ خمساً و عشرين» على


1) خلط غريب، و حقه أن يذكر هذا الخلاف عند النصاب الخامس الذي فيه خمس شياه، لا هنا.راجع الجواهر في هذه المسألة ج 15 ص 76- 77.

2) وسائل الشيعة 6: 72 باب 2 من أبواب زكاة الأنعام.

3) وسائل الشيعة 6: 74 باب 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث 6.

4) التهذيب 4: 22 حديث 55.

5) الكافي 3: 531 حديث 1.

كون الغاية داخلة في المغيّىٰ، و لازمة ثبوت بنت مخاض في الزائد عنه، و المتيقن منه واحدة، و هكذا في بقية الفقرات و عليه يتفق مع مذهب المشهور المنصور.

و لا ضير في مثل هذا الارتكاب أيضاً في بقية الفقرات، لأنها بعد ما كانت في الظهور في المراد أو غيره تبعاً لظهور الغاية- في صدر الحديث- في الدخول في المغيّى أو خروجها، كان أمر إبقائها على ظهورها بتبع بقاء ظهور الصدر و عدمه، بمنزلة إبقاء ظهور واحد و عدمه.

فلا يتوهم حينئذٍ في مثل هذا التوجيه ارتكاب خلاف الظهور في فقرأت متعددة، و هو موهون جداً، على وجه لا يصلح ذلك وجهاً مقبولًا في مقام الجمع بين روايتين متعارضتين.

و بالجملة نقول: إنه لو عرض مثل هاتين الروايتين على إفهام العرف، لكان يساعد على ما ذكرنا من الجمع، خصوصاً إذا كانت الرواية في غاية القوة سنداً، و لا تكون بتمام مضمونها على ظهورها مفتى بها عند أحد. إذ في مثل هذه الصورة ربما يساعد في الجمع بين المتعارضتين على توجيه ربما يكون أبعد مما ذكرنا، فضلا، عن مثله الذي في الأصول معركة الآراء، حتى ذهب بعضهم الى طبع يقتضي دخول الغاية في المغيّى، و إن كنا نحن قد اخترنا خلافه.

هذا، و ليس كل تعبّد جائز الارتكاب صالحاً لدفع المعارضة مع النصوص الواضحة الصريحة المعمول بها لدى المشهور، و اللّٰه العالم.

ثم انّ من التأمل في الروايات المشتملة على جميع النصب- على ما جاءت في وسائل الشيعة- (1)ظهر لك وجه ما أفاده المصنف وفاقاً للمشهور بين


1) وسائل الشيعة 6: 72 باب 2 من أبواب زكاة الأنعام.

الأصحاب من كون النصاب الأول في الإبل خمس (ثم عشرة و فيها شاتان، ثم خمس عشرة و فيها ثلاث شياه، ثم عشرون و فيها أربع شياه، ثم خمس و عشرون و فيها خمس شياه، ثم ست و عشرون و فيها بنت مخاض، ثم ست و ثلاثون و فيها بنت لبون، ثم ست و أربعون و فيها حقة، ثم احدى و ستون و فيها جذعة، ثم ست و سبعون و فيها بنتا لبون، ثم احدى و تسعون و فيها حقتان، ثم مائة و واحدة و عشرون، ففي كل خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون، بالغاً ما بلغ).

نعم حكي عن الصدوقين الخلاف في النصاب العاشر، فجعلاه ثمانين و فيها ثني (1)، استناداً الى الفقه الرضوي (2)، المعلوم عدم صلاحيته للحجية و لا للمقاومة مع النصوص السابقة.

و أيضاً حكي الخلاف عن السيد في النصاب الثاني عشر، حيث جعله مائة و ثلاثين، و قال: انه مما انفردت به الإمامية (3)، و هذه النسبة كما ترى، بل ادعى في الناصريات الإجماع على خلافه (4)، مع عدم شاهد عليه (5)أيضاً.

و بالجملة لا إشكال في هذا المقدار، إنما الكلام في انّ ظاهر كلام المصنف كون النصب الخمسة نصباً شخصية، و هو خلاف تسالمهم فيما لو تملّك في أثناء الحول خمساً من الإبل أنه يحسب لكل واحد حول مستقل، إذ


1) المقنع: 50، الفقيه 2: 14.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 196.

3) الانتصار: 81.

4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

5) أي على دعواه الأولى المحكية عن الانتصار.

مثل ذلك يناسب النصاب الكلي لا الشخصي، و إلّا فتجي‌ء فيه مسألة الشبهة في تتميم النصاب الثاني في أثناء الحول، و سيجي‌ء تفصيله.

و أيضاً يبقى الكلام في النصاب الكلي الوارد في ذيل النصوص السابقة، من أنه بنحو التخيير مطلقاً، أو يجب الاعتبار بما يوجب أكثر استيعاباً و أنّ التخيير إنما هو مع التوافق لا مطلقاً، أو يفصل بين ما لو طابق أحد هما فيتعين المطابق و إلّا فيتخير بلا ملاحظة الأكثر استيعاباً.

و منشأ الخلاف اختلاف أنظارهم في فهم المراد من ذيل الروايات المزبورة، و نظر الأولتين تارة إلى تطبيق الامام الكليتين على المائة و واحدة و عشرين، إذ مع كون ذلك مورد تطبيق الأربعين؛ لأنه أقل عفواً من الخمسين، طبّق الامام الكلية على الخمسين أيضاً. و لازمة قهراً الالتزام بالتخيير بينهما، و لو برفع اليد عن ظهور الهيئة في التعيين، مع عدم إمكان الجمع بينهما من جهة «لا تثني في الصدقة» (1)، بلا احتياج إلى حمل «الواو» على معنى «أو».

مع إمكان كون المقام- بعد نفي التثنية في الصدقة- من قبيل تزاحم المقتضيين، المحكوم بالتخيير في تطبيق أحدهما مع العمل، بلا احتياج إلى التصرف في الهيئة، الكاشف عن قصور المقتضي أيضاً عن التعيين رأساً، بل المقتضي فيها- بظهور الهيئة فيهما- باق على التعيينية، و إنما يحكم العقل- بمناط تزاحم المقتضيين- بتخيير التطبيق في مرحلة الفعلية.

و على أي حال، ظاهر القضية تطبيق الكبريين على المورد، مع أنّ إحداهما أكثر استيعاباً من الأخرى.

و توهم انّ ظهور القضية في التزاحم- كما اعترفنا به أخيراً- يقتضي ترجيح


1) وسائل الشيعة 6: 67 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

ما فيه أقل عفواً، بملاحظة استكشاف وجود مقتضيه في المقدار الزائد، بلا مزاحمة الآخر فيه؛ لعدم اقتضائه شيئاً، لا أنه يقتضي عدمه.

مدفوع بأنّ اقتضاء الزائد للزكاة إنما هو باقتضاء ضمني حاصل من ضمه إلى الباقي المتمم لعدده، و من المعلوم انّ في هذا المتمم نسبة تطبيق الآخر أو ما هو الأقل عفواً على السوية، فتبقى مزاحمتهما على حالها في هذا المقدار، بلا وجه لمرجحية الزيادة بضم الباقي إليها، كما هو ظاهر.

و من هنا ظهر أيضاً عدم وجه للأخذ بأقل عفواً، و لو بتطبيقهما معاً و لو تبعيضاً، كما هو مختار الجواهر (1).

و بالجملة- بناءً على ظهور القضية في تطبيق الكبريين- لا محيص إلّا عما ذكر، نعم لو منع ظهور القضية في تطبيقهما على المورد- الموجب للتخيير بينهما بأحد التقريبات، بل قيل بأنّ القضية في مقام بيان أنه بوصول العدد إلى هذه المرتبة ينقلب النصاب عن الشخصية إلى الكلية، بلا نظر إلى تطبيق أيهما في المقام- أمكن دعوى احتمال وجود المقتضي لأقل عفواً في المقام دون غيره، و معه يرجع الأمر إلى الدوران بين التعيين و التخيير، و الحكم لدى العقل- مع احتمال التعيين- هو تعيينه لا التخيير.

بل مع فرض كون المقام من باب التزاحم أيضاً، ربما يجري الإهمال في ناحية فعلية التكليف، و مع احتمال الأهمية فيما هو أقل عفواً لا محيص عن الرجوع فيه الى «قاعدة الاشتغال» في تطبيقه بالخصوص دون غيره.

و عليه فلا يرفع هذه الغائلة إلّا دعوى كون القضية من جهة المنطبق في مقام البيان، إذ حينئذٍ كان ظهور الإطلاق في كل منهما مانعاً من احتمال


1) جواهر الكلام 15: 80.

التعيين في أحد هما دون الآخر، فلا جرم كان العقل مستقلًا في حكمه بالتخيير، كما لا يخفى.

هذا، و لكن الانصاف منع صحة إنكار القضية في تطبيق كلتا الكبريين على المورد، فلا محيص إلّا عن المصير إلى التخيير مطلقاً، و إن كانت إحداهما أقل عفواً عن الأخرى، كما لا يخفى.

و توهم انّ مناط نصاب البقر جار في المقام، و مثله صالح للقرينية على ترجيح الأقل عفواً في جميع المقامات، بعد إلغاء العرف خصوصية البقرية عن موردها، و به يرفع اليد عن ظهور القضية في إطلاق تطبيق الخمسين أيضاً على المورد.

مدفوع بمنع وجود مناط منقح عرفاً على وجه تستفاد منه الكلية، بل على فرضه لم لا يكون ظهور مثل هذه القضية شاهد تخصيصه بالبقر. نعم مع تعادل الظهورين يرجع الأمر أيضاً الى التعيين و التخيير المقتضي للتعيين، و لكن انى و انتهاء الدور إلى هذه المرحلة، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم بأحكامه.

(و أما البقر فلها نصابان: أحدهما: ثلاثون و فيه تبيع أو تبيعة. و الثاني: أربعون و فيه مسنة)

بلا إشكال في ذلك فتوى و نصاً في الجملة.

و يكفي له من النص ما في صحيح الفضلاء، حيث قالا عليهما السلام:

«في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي، ليس في أقل من ذلك شي‌ء. و في أربعين بقرة مسنة، و ليس فيما بين الأربعين و الستين شي‌ء. و أما إذا بلغت الستين ففيها تبيعان، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنة، إلى الثمانين ففي كل أربعين مسنة، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات، فإذا بلغت عشرين و مائة ففي كل أربعين مسنة» (1).


1) وسائل الشيعة 6: 77 باب 4 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

و لا يخفى أنّ الظاهر من صدر الرواية و ذيلها كون النصاب في البقر منحصراً بالنصابين الكليين، و أن ذكر بقية الفقرات إنما هو لبيان كيفية التطبيق، و انه بنحو يتعيّن فيه تطبيق خصوص المستوعب، دفعاً لتوهم التخيير الحاصل في نصاب الإبل كما أشرنا.

و لذا صار ذلك منشأ توهم ترجيح الأقل عفواً في مرحلة التطبيق هناك أيضاً بتنقيح المناط الكلي من المقام، على اشكال فيه تقدّم.

و لا يتوهم حينئذٍ كون مثل هذه الفقرات في الرواية بياناً للنصب الشخصية، و انه لا يكون في البقر نصاب كلّي أصلًا.

ثم انّ ظاهر المصنف- كغيره- تخيير الفريضة في الثلاثين بين تبيع و تبيعة؛ لصحيحة زرارة و ابن مسلم و أبي بصير، المشتملة على قوله: «تبيع أو تبيعة» (1). و مثله يشرح ظهور الصحيح السابق في خصوص «تبيع».

و حينئذٍ لا مجال للمصير الى مختار الحدائق و غيره في تعيين «تبيع» (2)نظراً للصحيح السابق، نعم في المسنة أمكن دعوى الإجماع على تعيينها، خصوصاً مع عدم قرينة على خلاف ظاهر الصحيح السابق.

ثم لا ضير في فرض التخيير بالالتزام باستحقاق الفقير في العين مقداراً منطبقاً على أحدهما المبهم، كما هو الشأن في المقدار المنطبق على طبيعة الشاة أو التبيع القابل للانطباق على السمين و غيره من الأفراد المختلفة مالية و قيمة؛ لأنّ الملكية بعد ما كانت تابعة لاعتبار المعتبر، لا بأس باعتبارها كذلك من قبل الجاعل المذكور، كما لا يخفى.

و أيضاً لا ضير في تسمية المنصوصات عين الفريضة لا بدلها حتى في فرض


1) وسائل الشيعة 6: 77 باب 4 من أبواب زكاة الأنعام حديث 4.

2) الحدائق الناضرة 12: 55.

تعلق الزكاة بالعين، إذ يكفي في كونها فريضة كونها بنفسها مقدّرة لملكية العين أولًا و بالذات، و أنّ ما يعطي أحياناً بدلها فإنما هو بملاحظة كونه وفاءً لمالية الفريضة الأولية بمثلها، لا أنه من المقدّرات لمالية العين أولًا و بالذات، كما لا يخفى.

(و أما) نصاب (الغنم ففيها خمسة نصب:)

أحدها: (أربعون و فيها:

شاة، ثم مائة و إحدى و عشرون و فيها شاتان ثم مائتان و واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم أربعمائة، ففي كل مائة شاة بالغاً ما بلغ)، لحسنة الفضلاء المشتملة على جميع النصب الخمسة (1)على طبق المتن و المشهور.

و ما في الفقه الرضوي من اشتماله على زيادة واحدة في النصاب الأول (2)، و ما في نص آخر بعد البلوغ إلى الثلاثمائة: «فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة»، غير صالح للمعارضة مع الصحيحة السابقة.

أما الفقه الرضوي؛ فلعدم حجيته عندنا، و أما الصحيح الأخير فلإمكان تقييد إطلاقه بالصحيحة السابقة، الصالحة لتعيين المرتبة الكثيرة بما ذكر، و عليه فقول المخالف في المسألة قبال المشهور ضعيف جداً.

(و ما لا تتعلق به الزكاة- و هو ما بين النصابين- يسمّى في الإبل «شنقاً»، و في البقر «و قصاً»، و في الغنم «عفواً»)، و الأمر في ذلك هيّن بعد رجوع كل واحد إلى مقصود واحد، و هو- على ما أفاده في الجواهر- (3): نفي مجعول زائد في الزائد، بل الزائد مشترك مع أصل النصاب في جعل الفريضة


1) وسائل الشيعة 6: 77 باب 4 من أبواب زكاة الأنعام حديث 4.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 196.

3) جواهر الكلام 15: 132.

نصاب الإبل و الغنم شرط للنصاب أو جزء، و تترتب الثمرة على فرض التلف بعد الحول بلا تفريط، و إلّا فعلى الإشاعة بذلك المعنى لا تتصور شرطية الواحدة على وجه تترتب النتيجة المزبورة، هذا كله في بيان شرطية النصاب و عدده و مقداره في الأنعام الثلاثة.

(و أما السوم فهو شرط في الجميع) أيضاً

(طول الحول)، بلا اشكال فيه في الجملة؛ لصحيحة الفضلاء في الإبل: «و ليس على العوامل شي‌ء، إنما ذلك على السائمة الراعية» (1)، و في نص آخر في البقر مثل ذلك (2). و عن بعض الأعاظم تقييد الغنم في صحيحة زرارة بالسائمة، و يكفيه أيضاً عدم القول بالفصل بين الأنعام في ذلك.

ثم انّ المدار في السوم هل هو على الرعي من العلف المباح له، في قبال المعلوفة بعلف مملوك له و لو بتبع ملكية الأرض، و يلحق به أيضاً التغذي بكل ما لا يكون مملوكاً له و لو بإذن مالك الأرض بالرعي في أرضه مجاناً بلا تمليك، أو إعطاء علفه في الدار كذلك.

أو أن المدار على كون التغذية من علف مباح لكل أحد، أو غيره من مثل لبن الغزال في الصحراء غير المملوكة لأحد. و في قباله ما كان مملوكاً لأحد، و لو مع إباحته له.

أو أنّ المدار على التغذي بما لا يكون على المالك مئونة تحصيله، و إن كان مملوكاً له فعلًا، كالعلف في أرضه المملوكة له، بل و لئن كان مملوكه الحاصل


1) وسائل الشيعة 6: 80 باب 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 80 باب 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث 2.

عليه، و عمدة نظره إلى أنّ إشاعة النصاب تقتضي الإشاعة في تمام العين.

أقول: ما أفيد إنما يصح لو قلنا بأن مرجع الإشاعة إلى تجزئة المال خارجاً في مقام تعلّق الملكية على وجه تكون الاجزاء المزبورة سارية في المال المتعين خارجاً، و هذا المعنى- في فرض كون مقدار النصاب الذي هو موضوع الشركة على هذا الفرض كلياً مبهماً- غير متصور، إذ لا تعيين في موضوع الشركة خارجاً كي يدّعى بأن أجزاءه الخارجية السارية منقسمة بين شريكين.

و أما على التحقيق في تصوير الملك المشاع- باعتبار اضافة المال الى شخصين، مع كون مثل هذه الإضافة المشتركة قائمة بتمام المال- لا بأس بتصوير حصر الإشاعة في خصوص مقدار النصاب، مع فرض النصاب كلياً مبهماً في تمام المال، و إخراج الزائد عن محط تعلق حق الفقراء رأساً. و لازمة عدم اقتضاء تلف الزائد عن النصاب نقصاً على الفقراء، و إنما يرد النقص عليهم في فرض ورود التلف على النصاب أيضاً.

و هذا هو الظاهر عن جماعة، بل عن المحقق أيضاً في شرائعه (1)، بلا احتياج الى توجيه كلامه، بفرضه قبل تعلق الوجوب، إذ لا خصوصية لذلك بالزائد، كما أنه لا مجال لمناقشة الذخيرة (2)أيضاً في عدم ورود النقص على الفريضة في صورة تلف الزائد؛ لأنه بمقتضى ظاهر النص لا وجه للمناقشة فيه، إلّا على فرض إرجاع الإشاعة إلى تجزئة المال المعيّن الخارجي، كما أشرنا. و إلّا فعلى المختار لا وجه للمناقشة أصلًا، كما انه لا مجال لها بناءً على جعل الزكاة من الكلي في المعيّن، كما لا يخفى.

ثم انه على تصوّر هذا المعنى من الإشاعة يجي‌ء النزاع في أنّ الواحدة في


1) شرائع الإسلام 1: 143- 144.

2) ذخيرة المعاد: 437.

«برعيه» و لو في أرضه على نحو لا يكون عليه في تحصيل هذا المملوك مئونة أصلًا، وجوه:

مقتضى انصراف الذهن- بحسب المناسبة الارتكازية في ملاحظة التسهيل على المكلفين- هو المعنى الوسط، إذ في الأول أيضاً نحو مئونة، كتحمل المنة عن الغير في إباحته.

كما انّ في الأخير أيضاً نحو خسارة و لو بإتلاف ملكه، المانع عن الانتفاع به، من غير هذه الجهة مما لا مئونة فيه رأساً، و هو التغذي بالمباحات، علفاً كانت أو لبناً أو غير هما، و لا أقل من الإجمال. فمقتضى الإطلاقات ثبوت الزكاة فيها، و ذلك لو لا ما أشرنا إليه من التشكيك في إطلاقات العلف، المقتضي في مثل المقام للرجوع إلى البراءة، بعد عدم جريان الاستصحابات الموضوعية في الشبهات الحكمية، حتى في المعلوم حاله سابقاً، فضلًا عن مجهولها.

و لكن الإنصاف انّ مثل هذا المشي خلاف ديدن الأصحاب في أمثال هذه القيود، إذ بناؤهم مع التشكيك في صدقها على اجراء حكم الزكاة لا نفيها، فربما يكون مثل ذلك نحو قرينة على ظفرهم بخصوصيات كاشفة عن كون المطلقات في مقام البيان من تلك الجهات. و لكن مع ذلك في النفس دغدغة من ذلك، فمع أول الأمر إلى الشك، لا محيص لنا إلّا الاحتياط، كما لا يخفى.

ثم انّ قضية قوله عليه السلام: «المرسلة في مرجها عامها» (1)اعتبار بقاء السوم طول الحول، و هو ظاهر ديدن الأصحاب أيضاً في سائر الشروط، و لعل


1) وسائل الشيعة 6: 80 باب 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث 3.

نظرهم الى جعل شرطية الحول ناظرة إلى الموضوع و المكلّف بما لهما من قيود هما.

و لكنا استشكلنا فيه سابقاً باحتمال ورود القيود- نظراً الى وجوب الزكاة- في رتبة واحدة، إذ هذا المعنى لا يقتضي إلّا كون موضوع الواجب واحداً لجميع شرائط الوجوب من الحول و غيره.

و أما كون الحول ممتداً مع وجود الشرائط فلا، بل فيه مئونة زائدة منوطة بلسان شرطية الحول بالنسبة إلى سائر الشرائط، و لا يستفاد مثل هذه الجهة إلّا في بعض الموارد الخاصة، و ذلك مثل المقام الذي هو مورد النص، بل و في مال القرض من قوله: «إن كانت موضوعة طول الحول» (1)، بل و ما ورد في زكاة النقدين من قوله: «لا، حتى يحول الحول و هي مائتا درهم» (2)، فيتعدّى إلى غير ذلك أيضاً بعدم القول بالفصل، و إلّا فاستفادة ذلك من لسان بقية أدلة الشرائط في غاية الاشكال.

و بالجملة فالذي يسهّل الخطب تسلّم هذا المعنى في عباراتهم كلمة واحدة. و عليه (فلو اعتلفت أثناء الحول من نفسها، أو أعلفها مالكها، استأنف الحول بعد العود إلى السوم).

و في كفاية ذلك بمجرد صدقه دقة، المانع عن بقاء سومه في عامه كذلك، أو اعتبار وجوده بمقدار يصدق عليه عرفاً، و إن كانوا يتسامحون في حكمهم بانتفاء سومه، أو اعتباره بمقدار لا يبقى مجال تسامحهم كذلك، أو اعتباره بمقدار لا يزيد عليه عن زمان سومه؟ وجوه بل أقوال.

اختار الحدائق الإضرار و لو بلحظة (3)، و في قباله اختيار المبسوط- على


1) وسائل الشيعة 6: 67 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 103 باب 6 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 1.

3) الحدائق الناضرة 12: 79.

المحكي عنه- من عدم الإضرار و لو كان علفه مساوياً لسومه (1).

و لعمري انّ هذين القولين على طرفي إفراط و تفريط.

و لا يبعد الالتزام بثاني الاحتمالات، من جهة انّ الظاهر من كونها في مرجها عامها صدق بقاءها كذلك بنحو لا يضر بصدقه عرفاً، مع انّ تنزيل مثل هذا الإطلاق على ما لا تكون معلوفة في آن من الآنات، تنزيل على الفرد النادر، إذ قل في أهل القرى و البوادي أن لا تعلف كذلك.

بل يمكن أن يدّعى انّ في مفهومه نحو توسعة لا يضر بصدقه مقداراً يتسامح فيه العرف، و لا يكون معتداً به مجتمعاً أو متفرقاً.

و على ذلك فأقوى الاحتمالات هو الاحتمال الثالث ثم الثاني، و أردأ الوجوه الأول و الأخير، و اللّٰه العالم.

و مع أول الأمر إلى الشك، فلا بد أن يراعى جانب الاحتياط، كما أسلفنا في الفرع السابق، كما لا يخفى.

(و أما الحول فهو شرط) ثالث (في الجميع)

أيضاً، أي جميع الانعام حتى في صغارها، بل و في النقدين أيضاً.

و يدل على اعتباره في الأنعام ما في خبر أبي نجران في الوسائل: «لا يزكى من الإبل و البقر و الغنم إلّا ما حال عليه الحول، و ما لم يحل عليه الحول فكأنه لم يكن» (2). و في نص آخر: «ليس في صغار الإبل و البقر و الغنم شي‌ء إلَّا ما حال عليه الحول عند الرجل، و ليس في أولادها شي‌ء حتى يحول عليها الحول» (3).


1) المبسوط 1: 191.

2) وسائل الشيعة 6: 82 باب 8 من أبواب زكاة الأنعام حديث 2.

3) وسائل الشيعة 6: 83 باب 9 من أبواب زكاة الأنعام حديث 5.

و في ثالث: «حتى يحول عليها الحول منذ يوم تنتج» (1).

و أما في النقدين فلما في خبر زرارة من قوله عليه السلام في ذيله: «لا، حتى يحول عليه الحول و هي مائتا درهم» (2)، فيستفاد منه أيضاً اعتبار بقاء النصاب طول الحول، الجاري في الدينار أيضاً بعدم القول بالفصل جزماً.

و كذلك شرط الحول في زكاة مال التجارة و الخيل مما يستحب إجماعاً، و ربما تأتي الإشارة إلى ذلك في موضعهما.

(و) لا شبهة في أنّ الحول الحقيقي (هو اثنا عشر شهراً، و) أما في المقام في جميع موارد اعتبار الحول فقد حدد (بدخول الثاني عشر)، و (تجب) بذلك (الزكاة) وجوباً مستقراً كما أسلفنا وجهه مفصلًا فراجع.

(و لو ثلم النصاب قبل الحول) و لو بجزء منه (سقط الوجوب)؛ لما عرفت من شرطية بقاءه طول الحول.

و في اعتبار الدقة في المقام وجه، إذ الظاهر من حولان الحول على مائتي درهم- كما في النص- ما يصدق عليه دقة، إذ المدار في أمثال المقام على التطبيقات العقلية بلا اعتناء بالمسامحات العرفية.

و لا يقاس المقام بما عرفت من لسان كونها في مرجها عامها، إذ لخصوص لسانه دخل في استفادة توسعة في مفهومه، ليس مثل هذا المناط في لسان المقام موجوداً. و لذا لم يلتزم- من قال هناك بكفاية عدم ازدياد المعلوفية عن السوم في السنة في وجوب الزكاة- بمثله في المقام، و لا بالمقدار الذي يتسامح فيه


1) وسائل الشيعة 6: 82 باب 9 من أبواب زكاة الأنعام حديث 4.

2) وسائل الشيعة 6: 102 باب 6 من أبواب زكاة النقدين حديث 2.

عرفاً، بل و لا بمقدار لا يتسامحون فيه، و لكنهم يرونه خطأً في التطبيق؛ لقصور النظر.

و عمدة النكتة فيه هو الذي أشرنا إليه من اختلاف كيفية لسان الدليل، كما هو ظاهر.

هذا، ثم انّ الانثلام المزبور مضر بوجوب الزكاة (و لو قصد به الفرار) كما هو المشهور، خلافاً لبعضهم.

و منشأ الاختلاف اختلاف أخبار الباب، ففي بعضها- علاوة على المطلقات- التصريح بنفي الوجوب في المسألة، مثل نص علي بن يقطين (1)و حسنة أخرى (2).

و في قبالهما ما ورد في موثقة ابن مسلم من قوله: «إن كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة» (3)، و نظيرها ما في نص آخر في الدراهم (4)بعد التعدّي عنها الى غيرها بعدم القول بالفصل.

و مقتضى الجمع حمل الطائفة الأخيرة على الاستحباب، و لا ينافي ذلك ما في ذيل الحسنة من قوله- بعد نقل كلام أبيه-: بأنه «صدق أبي، عليه أن يؤدي ما وجب، و ليس عليه ما لا يجب». إذ النفي فيه ناظر الى الفريضة اللازمة، لا إلى نفي الزكاة مطلقاً، فلا ينافي الاستحباب، كما لا يخفى.

(و لو كان) الانثلام بقصد الفرار (بعده)، أي بعد دخول الشهر الثاني عشر، (لم تسقط) الزكاة المفروضة، لتنجز الحق للفقير، كما هو ظاهر.


1) وسائل الشيعة 6: 109 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 109 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 3.

3) وسائل الشيعة 6: 110 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 6.

4) وسائل الشيعة 6: 109 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 2.

بقي في المقام أمر مهم لم يتعرّض له المصنف، و هو: انّ المشهور وجوب الزكاة بحول مستقل للسخال إذا كانت نصاباً مستقلًا مطلقاً، لا مكمّلًا و لا مشروطاً بالانفراد، كما إذا ولدت خمس من الإبل خمساً.

و نظير التولّد ما لو تملك جديداً، إذ لا خصوصية للتولّد في هذا الحكم، بل الغرض صورة حصول ملك جديد- بتولد أو غيره- في أثناء الحول.

و عمدة الوجه في ذلك عموم دليل شرطية الحول في كل نصاب، من دون فرق بين النصاب اللاحق و المقارن. و لا يعارضه ما في بعض النصوص، من إطلاق عد الغنم صغيرها و كبيرها (1)، إذ الغرض عد كل واحد منهما بحلول حوله.

أقول: ما أفيد من تطبيق العنوان على المال المزبور فرع جعل كل خمس من الإبل من قبيل النصاب الكلي، الملازم لكون كل خمس و لو في ضمن العشر موضوعاً لوجوب الزكاة، و إلّا فلو كان مثل هذا العنوان مرآةً الى النصب الشخصية، المستلزمة لكون الخمس في ضمن العشر، لم يكن موضوع الوجوب، بل الموضوع حينئذٍ تمام العشر للشاتين، نظير مائة و عشرين في زكاة الغنم، و ان موضوعية الخمس للشاة كانت مشروطة بعدم البلوغ الى العشر.

هذا و ربما يجي‌ء فيه الإشكال في الزائد الحادث في أثناء الحول، المكمل للنصاب الثاني، و لا يبقى حينئذٍ مجال للأخذ بإطلاق الخمس الساري في كل خمس في ضمن العشر، لأنّ مثل هذا الإطلاق ممنوع في النصب.

و من هذا البيان ظهر كمال الفرق بين النصاب الكلّي و الشخصي، و يترتب عليهما مثل هذه الثمرة.


1) وسائل الشيعة 6: 83 باب 9 من أبواب زكاة الأنعام.

نعم الذي يسهّل الخطب في المقام إجراء الأصحاب حكم النصاب الكلّي على مثل هذه الخمسات الخمسة، كما لا يخفى، فتدبّر فيه تعرف حقيقة الحال في أمثال المقام.

و أما لو لم يكن كذلك، بل كان نصاباً مستقلًا في حال الانفراد، كما لو تولّد من أربعين شاة أربعون، فالمشهور فيه عدم وجوب الزكاة، خلافاً لمحكي المعتبر (1)و الدروس (2)، حيث جعلاه وجهاً، من جهة إطلاق: «في كل أربعين شاة شاة»، غاية الأمر لا بد أن يلاحظ فيه- كالسابق أيضاً- حول مستقل، لإطلاق دليل شرطية الحول، كما هو ظاهر.

و قد يقال بمعارضة ذلك الإطلاق بإطلاق ما دل على نفي شي‌ء عن الزائد الى أن يبلغ النصاب الثاني، فيتساقطان فيرجع الى البراءة.

و أورد عليه بأن المنصرف من القضية السالبة هو الزائد الموجود حال وجود الأربعين، و لا يشمل ما يتجدد في أثناء الحول، كيف و ظاهره نفي الشي‌ء في الزائد بعد الفراغ عن وجدانه للشرائط من سائر الجهات، و هو لا يكون إلّا بمضي حول عليه، و إلّا فلا يكون مفروغاً عن قبل هذا الشرط، فيكون السلب فيه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، و هو خلاف ظاهر القضية. و مثل هذا المعنى منحصر في الزائد الموجود حال وجود الأربعين، كما لا يخفى.

هذا، و أقول: لا يخفى انّ الظاهر من قوله: «في الأربعين شاة الى أن يبلغ مائة و عشرين ففيه شاتان» بقرينة التقابل أن في مطلق غير البالغ الى كذا عدم وجوب الشاتين، فنفي الزائد عن الشاة الواحدة يستفاد من تقابل ما على


1) المعتبر 2: 518.

2) الدروس: 58.

النصاب الأول، بالإضافة إلى النصاب الثاني، و لو لم يكن في البين قضية سالبة أصلًا.

و حينئذٍ نقول: مقتضى إطلاق عدم وجوب الشاتين في غير البالغ و إن كان في ضمن ثمانين، كون الأربعينين في ضمن الثمانين بمنزلة أربعين واحد، و إلّا فلو كان كل واحد موضوعاً مستقلًا، كان يلزم وجوب الشاتين في غير البالغ إلى النصاب الثاني، و هو باطل جداً.

فظهور تقابل النصابين في الشاة و الشاتين، كون الشاة الواحدة مترتبة على صرف وجود الأربعين غير البالغ، و لو في ضمن وجودين، لا على وجوده الساري في ضمن وجودات، كي ينتهي إلى وجوب الشاتين في الأقل من النصاب الثاني، فإذا كان ذلك ظاهر إطلاق القضية الإيجابية، فنقول: إن مقتضى تقييد هذا المعنى بالحول ليس إلّا عدم اقتضاء مثل هذا الأربعين غير البالغ، من قبل هذا الحول أزيد من شاة واحدة.

فإطلاق قيد «بلوغ الحول» يقتضي نفي شي‌ء عن الزائد في هذه القطعة من الحول، و لو لم يكن في البين قضية سالبة، كي يبقى فيها مجال دعوى الانصراف إلى الزائد الموجود حاله أو عدمه.

و عليه فلا مجال لتوهم أصل الإطلاق السابق، كي يبقى مجال الاشكال بالمعارضة مع القضية السالبة، المشتملة على نفي الشي‌ء في الزائد، كي تدفع المعارضة بانصراف القضية السالبة إلى الزائد الموجود حال وجود الأربعين، بالتقريب المتقدم. و عليه فمذهب المشهور- من نفي شي‌ء عن الزائد، و لو كان بمقدار النصاب في حال انفراده- هو المنصور، كما لا يخفى.

و أما لو لم يبلغ الزائد حد النصاب المستقل لو فرض انفراده، فإن لم يكن مكمّلًا للنصاب الثاني فلا اشكال. و إن كان مكمّلًا ففي سقوط ما مضى من

الحول و استينافه من حين الكمال، أو الجمع بين الحولين، فيخرج عند انتهاء الأول شاة، و عند انتهاء الثاني شاتين. أو ملاحظة الحول الأول و إسقاط الزائد إلى حين مضي الحول الأول، و ابتداء الحول للتمام من حين انقضاء الحول السابق، وجوه و أقوال.

و الذي يقتضيه التحقيق هو: إنّ مقتضى إطلاق مضي الحول على كل نصاب ملاحظة الحول لكل واحد من النصابين مستقلًا، و لازمة الجمع بين الحولين، كما هو المحتمل الثاني.

و لكن لازم ذلك احتساب مقدار من العدد في قطعة من الحول جزء للنصاب الثاني و موضوعًا للنصاب الأول، فيلزم حينئذٍ في هذه القطعة وجوب ترتب زكاتين في قطعة من عام واحد، و هو منافٍ مع إطلاق «لا يزكي في عام واحد بتمام اجزاءه» من وجهين، فقهراً تقع المعارضة في إطلاق دليل احتساب الحول بالنسبة الى كل نصاب، و لازمة طرح كليهما، و لا وجه له حينئذٍ أيضاً لترجيح النصاب الأول لاحتساب الحول له لمحض سبق وجوده، إذ مجرد الأسبقية في الوجود لا يكون مرجحاً، بعد كون نسبة الإطلاق إلى الأمرين التدريجيين على السوية، كما حققنا ذلك في عدم مرجحية السبق في قاعدتي الإمكان و الصفات في باب الحيض.

و مقتضاه حينئذٍ كما قلنا في تعارض النصابين الكليين، من حكم العقل بتطبيق أحد الحولين، بناءً على جعل المقام من باب التزاحم، أو رفع اليد عن ظهور كل واحد في التعيين، جمعاً بين الأدلة، لو جعلناه من باب التكاذب في أصل الاقتضاء.

فتصير النتيجة تخييراً شرعياً، أو اعمال التعارض و التساقط، بناءً على عدم مساعدة العرف على أحد الجمعين، و بعد ذلك ينتهي الأمر إلى وجوب الجمع بين الفريضتين بمضي الحولين لو كانتا متباينتين، و إلّا فيؤخذ بالأقل

للبراءة عن الأكثر كما هو ظاهر.

و لا نتوحش من اختيار التخيير المزبور لو ساعدنا العرف على الجمع بأحد الوجهين، أو اختيار الجمع بين الوضعين بمقتضى الأصل في فرض، و اختيار الأقل في فرض آخر، و إن خالف جميع الأقوال في مثل هذه المسألة، المعلوم مشيهم فيها على مقتضى تطبيق القواعد، و اعمال كل ذي صنعة صنعته، بلا نظر منهم إلى تعبد مخصوص، كي تجي‌ء في البين شبهة خرق الإجماع المركب، و اللّٰه العالم.

بقي في البين أمر آخر أشار إليه المصنف أيضاً سابقاً، و هو: انّ من شرائط وجوب الزكاة في الإبل و البقر، أن لا تكون عوامل،

و ربما يكون ذلك أيضاً شرطاً في الجميع، غاية الأمر أنّ ذلك في الغنم حاصل دائماً، بخلافه في الإبل و البقر.

و يمكن منع أصل الاشتراط في الغنم؛ لتخصيص دليله بغير الغنم، فلا وجه لتسريته إليها و جعلها واجدة للشرط كذلك.

و كيف كان يكفي في الإبل و البقر وجود النص بهذا الاشتراط فيهما، و هو مثل ما في صحيحة الفضلاء المتقدمة في الإبل: «و ليس على العوامل شي‌ء»، و في نص آخر في البقر: «و لا على العوامل السائمة شي‌ء» (1).

و ما ورد في قبالهما من الموثقتين من أن فيهما زكاة (2)، محمول على الاستحباب جمعاً.

و في اقتران مثل هذا العنوان بالسوم، يقتضي اعتبار ثبوت العاملية مقداراً


1) وسائل الشيعة 6: 80 باب 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 81 باب 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث 7 و 8.

معتداً به في قطع الحول، كما هو الشأن في معلوفيته.

اللهم إلّا أن يدّعي أنّ قلة عدم المعلوفية دقة في تمام الحول أوجبت تنزيل الإطلاق على المتعارف، و هذا المعنى غير موجود في المقام، فيكون عدم العاملية كسائر القواطع على الدقة.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ في باب السوم عنوان «في مرجها عامها»، و في مفهومه نحو توسعة موجبة للصدق على مورده، بنحو لا تضره المعلوفية بمقدار يتسامح فيه عرفاً، لا من جهة مجرد تنزيل إطلاقه على المتعارف.

و بعد فإن اقتران عنوان السوم بمقامنا ربما يوهم أن يكون المأخوذ منه في المقام أيضاً مثل هذا العنوان، فلا يضرّه العمل بمقدار لا يضر بعنوان «ترك العمل» في المسامحة العرفية، و لا أقل من الشك، فيرجع الأمر إلى عمومات وجوب الزكاة على اشكال فيه تقدّم، و إن قلنا بأنه ديدن الأصحاب، كما يستفاد من فحاوي كلماتهم، و اللّٰه العالم.

ثم ان مقتضى إطلاق كلمات الأصحاب عدم اعتبار شرط آخر في وجوب زكاة الانعام، و لكن المحكي عن سلار اعتبار الأنوثية (1)، و هو متروك، لعدم شاهد عليه قبال الإطلاقات.

(مسائل)
(الأولى: الشاة المأخوذة في الزكاة) فريضة أو بدلًا (أقلها الجذع من الضأن و الثني من المعز)

على المشهور، خلافاً لمن اجتزأ بمسمّى الشاة، و قيل بالتفصيل بين المأخوذ في الإبل و الغنم، فيؤخذ في الأول بالأول، و بواحدة من نفس النصاب في الثاني. و قيل بالعكس، من الاكتفاء بالمسمّى في الإبل،


1) المراسم: 129.

و بما ذكر في الغنم.

و يدل على المشهور ما في النص من النهي عن أخذ المراضع، و الأمر بأخذ الجذع و الثنية (1)، و في مرسل عوالي اللئالي، من أمره عليه السلام عامله أن يأخذ الجذع من الضأن و الثني من المعز (2).

و هذه المرسلة شارحة لإجمال السابقة من تلك الجهة، و ضعفها منجبر بالعمل.

و إطلاقهما يشمل البقر و الإبل، و الفريضة و البدل. و توهم الانصراف إلى الإبل، بزعم أكثريتها في أموال العرب حينذاك، مدفوع جداً، و حينئذٍ ترفع اليد بذلك عن إطلاق الشاة فيهما.

كما لا مجال لتوهم أنّ السخال غير محسوبة من النصاب إلّا بعد الاستغناء عن الأمهات، و معلوم انّ الفريضة جزء من النصاب، فلا بد أن يكون في الغنم جذع و ثني، بخلافه في الإبل، فيؤخذ بإطلاق الشاة طرحاً للنصين بضعفهما. إذ هو مدفوع أيضاً بمنع عدم الاحتساب في النصاب إلّا بعد الاستغناء، بل تحسب من حين نتاجها، كما هو صريح النص.

و يمنع اقتضاء جزئيته للنصاب ذلك، بل الظاهر- بقرينة وحدة السياق بين أصناف الزكاة- كون الشاة في الغنم كالشاة في الإبل، لا من قبيل دخول الآحاد في العشرات، و منع طرح النصين بضعف السند، بعد انجبار هما بالعمل. و عليه فإطلاق النصين محكم، فلا مجال للمصير إلى سائر الأقوال، على ما عرفت من وجوهها، كما لا يخفى.


1) سنن أبي داود 2: 138، سنن النسائي 5: 30.

2) انظر: جواهر الكلام 15: 130.

ثم انّ في تعيين سني الجذع و الثني- بعد الجزم بأنّ الثاني أكثر سناً من الأول- خلاف بين كلمات الأصحاب، كاللغويين، على وجه لا ينتهي إلى حجة مأخوذة، فقصارى ما في البين الخبر الوارد في باب الهدي، بعد دعوى وحدة الموضوع في المقامين، إذ في النص الأمر فيه بالجذع من الضأن، لا من المعز، معللًا بأنه يلقح، و من المعز لا يلقح. و ظاهره كون المناط لقاحه، الساري في الثني أيضاً، لا مجرد سنه الموجب لصدق اسمه، و انه من أسامي الأسنان.

اللهم إلّا أن يجعل ذلك حكمة للحكم، و انّ تمام المدار على سنهما، فالمرجع مع الشك المردد بين الأقل و الأكثر هو إطلاق الشاة، و إلّا فأصالة البراءة عن تعلّق الحق الزائد بالمال محكّمة، كما لا يخفى.

ثم انه يتفرع على ما ذكرنا- من ظهور «يلقح» في العلية، أو ظهور «الجذع» في كونه من أسامي الأسنان، كما هو المستفاد من قوله: «و الجذع من المعز لا يلقح»- أنه على الأخير يؤخذ بإطلاق الجذع (و يجزئ الذكر و الأنثى) كما هو الشأن لو قيل بإجمال النص من تلك الجهة، فيؤخذ بإطلاق الشاة.

و أما على الأول فلا يشمل الأنثى، فلا يجتزأ بها بعد تقييد الشاة بالجذع بمعناه الوصفي المستفاد من تعليله، و ذلك ظاهر. هذا كله في الشاة المأخوذة فريضة.

(و) أما سن بقية الفرائض فمنها: (بنت المخاض و التبيع) و هو (الذي كمل حولًا)، و يدل على الثاني ما في صحيح ابن حمران (1)، و على الأول ما


1) وسائل الشيعة 10: 104 باب 11 من أبواب الذبح حديث 7.

حكي عن أهل اللغة، و يناسبه اسمه.

(و) منها: (بنت اللبون و المسنة)، و هما (ما كمل) سنهما (حولين)؛ لاشتهار هذا التحديد في عرفهم.

(و) منها: (الحقة) و هي (ما كملت ثلاثاً و دخلت في الرابعة) بلا اشكال فيه أيضاً، لمعروفيتها به، و إطلاقه يشمل الذكر و الأنثى، و تفسيرها بمطروقة الفحل لا يقتضي تخصيصها بالأنثى؛ لأنّ الظاهر أنّ الغرض منه بلوغها بمرتبة تصلح للطروقة مطلقاً، إما الطروقة عليه أو الطروقة على الأنثى.

(و) منها: (الجذعة) و هي (ما دخلت في الخامسة) بكمال الرابعة، حكاه جمع من أعاظم القدماء، المعلوم أخذهم ذلك من أسنان العرب و اللغة في زمانهم.

(الثانية: لا تؤخذ المريضة و لا الهرمة)

بلا خلاف، على ما حكي عن الأصحاب؛ لما في الصحيح: «و لا تؤخذ هرمة و لا ذات عوار إلّا أن يشاء المصدق» (1)يعني آخذ الصدقة. و الظاهر دخول المريضة في ذات عوار، و إلّا فيلحق بها بعدم القول بالفصل، كما في الجواهر (2).

و ربما يستفاد من ذيل النص من الاستثناء، كون الفريضة في المقام ذات مراتب بنحو تعدد المطلوب، الموكول اختياره ولايةً إلى المصدق، فلا إشكال في البين إلّا من باب الاجتهاد في مقابلة النص، و اللّٰه العالم.

(و لا) تؤخذ أيضاً (الوالدة) على المشهور؛ لموثق سماعة: «لا تؤخذ


1) وسائل الشيعة 6: 85 باب 10 من أبواب زكاة الأنعام حديث 3.

2) جواهر الكلام 15: 157.

الأكولة و لا والدة و لا الكبش الفحل» (1)، و هو المراد من شاة اللبن أو الربى في نص آخر (2).

و الظاهر من نفي الصدقة في الأخيرة- بقرينة الاولى- نفي أخذها، لا نفي عدها من النصاب، و إن كان الظاهر نفي عدها بنفي الصدقة، لا نفي جعلها صدقة- كما أفاده في المستند- فلا وجه لجعل الاولى قرينة على ذلك، لعدم التنافي، و في الجواهر دعوى الإجماع على خلافه (3).

و الظاهر من «الوالدة» هي الواضعة حديثاً، و هو المناسب لكونها ربياً يحتاج إليها الولد. و المدار في ذلك على مقدار يساعد عليه العرف في التسمية كذلك. و مع الشك و التردد بين الأقل و الأكثر، تكون مطلقات الشاة محكمة.

نعم من جهة الترديد بين كونها من الضأن أو المعز، و لو من جهة اختلافهم في الربى، المحتمل كون المراد منه ذلك، فلازمه الجمع بينهما احتياطاً، كما هو ظاهر. (و لا) تؤخذ أيضاً (ذات العوار)، للنص المتقدم. و الظاهر شموله لمطلق ما كان عيباً عرفياً، و في شموله ما لا يكون كذلك، بل الشارع جعله في باب البيع عيباً اشكال: من انّ مقتضى الإطلاق المقامي- بضم إطلاق الشاة- الاجتزاء بخصوص العيوب العرفية، و يقتصر في إلحاق غيرها بخصوص مورده. و من أن الظاهر هنا كونه في مقام تخطئة نظرهم في عدم عدّ ذلك من العيوب، فأدخله الشارع فيها بلحاظ جميع الأحكام.

و لكن فرض انّ الشارع في مقام تخطئتهم في فهم موضوع الحكم حتى في


1) وسائل الشيعة 6: 84 باب 10 من أبواب زكاة الأنعام حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 84 باب 10 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

3) جواهر الكلام 15: 166.

المقام، أول الكلام، فالاطلاقات محكمة، كما لا يخفى.

(و) ظاهر المصنف و جماعة انه (لا تعد الأكولة و لا فحل الضراب) من النصاب خلافاً للمشهور، من عدهم إياهما في النصب؛ للإطلاقات.

و استدل للمصنف و الجماعة بما أرسله في السرائر، من أنه لا يعد فحل الضراب في شي‌ء من الانعام (1). و في صحيح عبد الرحمن السابقة، المشتملة على نفي الصدقة في الأكيلة و الربّي و شاة اللبن و فحل الضراب، بناءً على أنّ الظاهر من نفي الصدقة عدم العد من النصاب، حسب استظهار المستند على ما أشرنا، و لازمة إلحاق الوالدة بذلك أيضاً في عدم العد.

و لا يمكن التفكيك بينهما في ذلك، إذ مرجع نفي الصدقة- في مقام نفي أخذها زكاة- إلى نفي اتصافها صدقة. و مرجع نفي عدها من النصاب إلى نفي جعل الصدقة بعد الفراغ عن الاتصاف. و هما مفهومان متباينان، لا يمكن ارادة كليهما من نفي الصدقة، و لو بنحو تعدد الدال و المدلول؛ لعدم وجود جامع بينهما يصلح إرادته منه. و عليه فلا يمكن التفكيك بين هذه الفقرات، فلا بد إما من ارادة نفي العد في الجميع بمعنى نفي الجعل، أو إرادة نفي الأخذ بمعنى نفي الاتصاف.

و حيث كان الأمر كذلك فنقول: لو لا دعوى إجماع الجواهر في عد الوالدة (2)- بل حكى عن بعضهم نفي الشك فيه؛ لأنّ الغرض الأهم من الغنم إنما هي الولادة و اللبن، فلو لم تجب فيها الزكاة لشاع و ذاع، بل خرج ذلك من الغنم، خصوصاً مع ضم فحل الضراب و الأكيلة، و لما بقي للزكاة إلّا الأقل


1) السرائر: 101.

2) جواهر الكلام 15: 166.

القليل من الغنم، و هو كما ترى- لكان استظهار المستند موجباً للتشكيك في مفهوم الفقرات المذكورة.

و حينئذٍ ان تم الإجماع المذكور، فلا محيص عن حمل نفي الصدقة في فحل الضراب أيضاً على نفي الأخذ، و تخرج الصحيحة عن مورد الاستدلال، و إلّا فلا محيص عن الأخذ بظاهرها، و إخراج الوالدة أيضاً عن العد في النصاب، كما لا يخفى.

لكن الإنصاف انه مع مخالفة صاحب المستند للإجماع المزبور، لا يبقى وثوق به، فلا قصور حينئذٍ في دلالة الصحيحة على المدعى، خصوصاً مع ظهورها في نفسها في نفي أصل الجعل، الملازم لعدم العد من النصاب. و حمل ذلك على نفي الأخذ يحتاج إلى قرينة منتفية في المقام، و عليه فأصالة الظهور محكمة.

ثم بعد عدم عد مثل هذه المذكورات من النصاب، فإن قلنا بأن دخول الفريضة في النصاب كدخول الآحاد في العشرات، فلا إشكال في عدم أخذها صدقة و إن بذلها المالك، كما مال إليه صاحب الجواهر (1)حتى في الأكيلة و فحل الضراب، فضلًا عن شاة اللبن و الربّي التي قامت الشهرة بل و صريح النص- المتقدم في الوالدة المحمول على الربّي في وجه- على نفي أخذها مطلقاً.

و أما إن قلنا بأنّ دخولها في النصاب كدخول الشاة في الخمس من الإبل، بناء على التعلق بالعين، ففي عدم الاجتزاء بها صدقة، بمقتضى إطلاقات الشاة في الفريضة، إشكال.


1) جواهر الكلام 15: 162- 163.

و عليه فلا بد من التماس دليل من الخارج على العدم، و لقد تقدّم أن النص وافٍ بعدم إخراج الوالدة و كذا فحل الضراب؛ لما في النص أيضاً من قوله: «لا تخرج في الصدقة هرمة و لا ذات عوار و لا تيس» (1)، و أما الأكولة ففيها أيضاً دعوى الاتفاق، و في موثق سماعة: «لا تؤخذ الأكولة و لا والدة و لا الكبش الفحل» (2).

و إطلاقهما يشمل حتى مع بذل المالك، إلّا أن يحمل النفي فيه على دفع توهم إلزام المالك بغيره في قبال المريضة و ذات العوار، كما هو الشأن في فحل الضراب أيضاً، و لو للمناسبة الارتكازية من حكمة النهي في أمثال هذه الأمور، من حيث انه تارة لدفع الضرر عن الفقير، و اخرى لدفع الضرر عن المالك.

و حينئذٍ فلا ضير في جعل الجميع بسياق واحد تحت النهي عن الإخراج، مع اختلاف الغرض بالنسبة إلى ذات العوار، و بالنسبة إلى الأكولة مثلًا بحمل الاولى على عدم إلزام المصدق على أخذها، و الثانية على العكس، و اللّٰه العالم.

(و لو كانت إبله) بل مطلق نصابه من الغنم و البقر (مراضاً)، أو هرمى، أو ذوات عوار (أخذ منها)، و ادعى في الجواهر نفي الخلاف في المريضة (3). و يمكن إلحاق غيرها- من الهرمة و ذات العوار- بها؛ لوحدة المناط، بل لو قلنا بعدم أخذ فحل الضراب مطلقاً، و الأكولة كذلك، و الوالدة مع عدها من النصاب، فكذلك تؤخذ هذه أيضاً عند كون النصاب بأجمعه


1) سنن البيهقي 4: 87، و راجع الوسائل ج 6 ص 84- 85.

2) وسائل الشيعة 6: 84 باب 10 من أبواب زكاة الأنعام حديث 2.

3) جواهر الكلام 15: 155.

كذلك، لجريان ما أفادوا من الوجه فيها.

نعم لو قيل بعدم العد من النصاب، لا يبقى مجال لجريان هذا الوجه، كما أنه لو قلنا بأن النهي في فحل الضراب و الأكولة لدفع الإلزام بغيره، فأمر جواز الأخذ باختيار المالك هنا أولى.

نعم ربما يقتضي ما أفادوا من وجه الأخذ في غيرها، جواز إلزام الفقير للمالك بإعطاء ذلك، إذ لا يبقى مجال دفع التوهم المزبور في مثله، بل هو مزاحم بتوهم دفع ضرر الفقير، المحمول عليه النهي عن إخراج المريضة و الهرمة، فيشمل فحواهما صورة إخراج المالك غير فحل الضراب و الأكولة من النصاب الذي جميعه من الصنفين، بعين المناسبة الارتكازية المغروسة في الأذهان.

و بالجملة نقول: انّ عمدة ما ذكروه في وجه أخذ المريضة حينئذٍ اشتراك الفقير مع المالك في النصاب، فلا يستحق أزيد مما فيه، فإن كان تمامه صحيحاً فيستحق الصحيح منها، و إن كان مريضاً فيستحق المريض، و لا يكلّف بشراء صحيح من الخارج.

أقول: ما أفيد تمام، لو كان دخول الفريضة في النصاب كدخول الآحاد في العشرات، و أما لو قلنا- بمقتضى السياق مع سائر الفرائض- من أنها من قبيل دخول الشاة في خمس من الإبل، فلا وجه لملاحظة النصاب في ذلك من حيث الصحة و المرض، بل المدار على ملاحظة دليل الفريضة المجعولة في النصاب، فإن كان ظاهراً في الجامع بين الصحيح و المريض فليؤخذ المريض حتى في النصاب الصحيح، و إن كان الدليل منصرفاً إلى خصوص الصحيح فليؤخذ الصحيح و إن كان النصاب كله مريضاً.

و عليه فلا محيص عن المصير في وجه الاجتزاء بالمريض في النصاب المريض الى تقريب آخر، و هو الذي أشرنا إليه من اقتضاء المناسبة المغروسة

ذلك في مثل النهي عن أخذ المريض في النصاب الصحيح، و انه لدفع توهم الإضرار على الفقير، الذي لا يجري مثل هذه الجهة عند كون النصاب بأجمعه مريضاً، فيرجع في مثل ذلك إلى مطلقات الشاة، التي يكفي فيها صرف الطبيعة، إلّا أن يكون مريضاً بمرض أدون مما في النصاب، فيشمله أيضاً فحوى النواهي السابقة.

فإن تم مثل هذا التقريب- كما قربناه في مسألة النهي عن إخراج فحل الضراب، و لو للمناسبة المغروسة في الأذهان- فهو، و إلّا فللنظر فيه مع إطلاق النهي عن أخذ المريض مطلقاً، الملحق به غيره، مجال واسع كما لا يخفى.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال ما لو اختلف النصاب، إذ مقتضى التقريب الأول هو التوزيع من حيث ملاحظة نسبة الصحيح مع المريض، و هكذا على تقريبنا، من دفع التوهم المذكور، فإن مقتضاه أيضاً هو التوزيع.

و أما لو بنينا على إطلاق نفي أخذ المريضة و أمثالها مطلقاً، فمقتضى القاعدة عدم الاجتزاء بأخذها إلّا في صورة كون النصاب بأجمعه كذلك، بناءً على إخراج هذه الصورة عن تحت الإطلاقات بالإجماع، فيبقى الباقي تحت الإطلاق حينئذٍ. و لعله الى ذلك نظر صاحب المدارك (1)و صاحب الرياض (2)، و إلّا فمقتضى مشي الجواهر في كيفية الشركة أن يقسط المخرج حسب النسبة الموجودة (3)، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.

(الثالثة: من وجبت عليه بنت مخاض و عنده بنت لبون، دفعها و أخذ شاتين أو عشرين درهماً.

و لو كان بالعكس دفع بنت مخاض و دفع معها


1) مدارك الأحكام 5: 83.

2) رياض المسائل 1: 268.

3) جواهر الكلام 15: 118.

شاتين أو عشرين درهماً، و كذا الحقة و الجذعة).

و الأصل في ذلك- أصلًا و عكساً في جميع ما ذكر في المتن- ما في صحيح زرارة (1)، و المحكي عن مولانا أمير المؤمنين (2)عليه السلام المشتملين على ما ذكر أجمع، فراجع الجواهر حكاهما بطولهما (3).

و إطلاقهما يشمل صورة نقصان القيمة السوقية و تساويها، و في شمولهما صورة تساوي قيمة الجبر المأخوذ مع المدفوع إلى الساعي اشكال، لكونه خلاف المتعارف المنساق من الرواية، فيشك في اندراجها فيها.

و حيث انّ هذا البدل الشرعي- بإطلاقه- خلاف القاعدة، فلا بد أن يقتصر فيه على القدر المتيقن، فلا يتعدّى من الإبل إلى غيره. و لا من التفاوت بدرجة إلى التفاوت بدرجتين، و لا إلى الشاة و غير الدراهم، و لا من المصدق- المنصرف إلى الساعي- إلى غيره من الفقير أو الفقيه. و إن كان لا يبعد إلغاء الخصوصية في الفرض الأخير، خصوصاً بعد اشتمال صدر النص على لفظة «الدفع» الشامل بإطلاقه لكل من كان شأنه الأخذ.

بل في الجواهر: التعدّي إلى شاة و عشرة دراهم (4).

و عن التذكرة: التعدّي من درجة واحدة إلى درجتين (5)، إلغاء للخصوصيات التي جاءت في الرواية، و لازمهم التعدّي من الإبل إلى غيره أيضاً، و لا أظن التزامهم بذلك. و حينئذٍ فسائر القيود- مثل خصوصية الابلية- غير قابلة للإلغاء، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 6: 86 باب 13 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 87 باب 13 من أبواب زكاة الأنعام حديث 2.

3) جواهر الكلام 15: 118.

4) جواهر الكلام 15: 119.

5) تذكرة الفقهاء 1: 211.

(و) لا اشكال عند الأصحاب في انّ (ابن اللبون يساوي بنت المخاض) بلا احتياج الى الجبر بشاة أو غيرها؛ لما في الصحيح السابق المشتمل على قوله: «و ليس معه شي‌ء». فما عن بعض من الجبر بشاة أو عشرة دراهم، منظور فيه، و إطلاقه يشمل صورة النقص عنها بحسب القيمة السوقية، و من ذلك كان مثل هذا التبديل أيضاً على خلاف القاعدة.

و حينئذٍ يقتصر على مورد النص، من فرض الاضطرار، و إلّا فمع الاختيار لا يجزئ الناقص في القيمة، نعم لا بأس مع التساوي، إذ ذلك يدخل في كلية موارد اختيار البدل، و انه بيد المالك، كما سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّٰه.

و لو فقدا معاً، ففي تخيير المالك بينهما عيناً أو قيمة كلام آخر، مبني على التعدّي عن مورد النص الذي كان مع عدم وجود بنت مخاض و وجود ابن لبون، و هنا لا يصدق ذلك. أو انّ الغرض من النص جعل البدلية مطلقاً، و الاقتصار في مثل هذه الخصوصية غير الملتفت إليها غالباً على المقدار المتيقن، يكون مقتضى قاعدة الاشتغال، لأنّ في مثل هذه الموارد لا تجري البراءة، كما لا يخفى.

(الرابعة: لا يجب إخراج العين، بل يجوز دفع القيمة)

السوقية.

و ظاهر إطلاق المصنف إطلاق الحكم في جميع الزكوات، و لا اشكال فيه في النقدين و الغلات؛ للنص المصرّح بجواز إعطاء القيمة في الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير (1)، الملحق بهما غير هما بعدم الفصل. و إنما الإشكال في


1) وسائل الشيعة 6: 114 باب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة و 131 باب 9 من أبواب زكاة الغلات.

الانعام، و لكن نصوص احتساب الدين (1)الجاري في زكاة الأنعام بترك استفصال الامام عليه السلام شاهدة جريان الحكم في الأنعام أيضاً، فيتعدّى الى غير الاحتساب من أداء سائر القيم، بعدم الفصل.

كما ان احتساب الدين، لا فرق- بمقتضى الإطلاق- بين الديون، بلا التفات العرف في مثل ذلك الى خصوصية النقدين. و حينئذٍ يتعدّى في التقويم إلى كل ما يختاره المالك، و لو لم يكن من النقدين بل ربما يتعدّى إلى المنافع، إذ هي ليست بأقل اعتباراً من اختيار الدين، بل يشملها عموم قوله:

«أيما تيسر يخرج». و توهم انصرافه الى ما هو قابل للإعطاء و الأخذ، منظور فيه، بل عام لكل ما يصلح للتمليك و الإخراج، كما لا يخفى.

و هل المدار على القيمة وقت الإخراج، أو على القيمة وقت الوجوب؟

الثاني أظهر و لو قلنا بتعلق الزكاة بالذمة، إذ بمجرد حلول زمان الوجوب يستحق الفقير في عين مال أو ذمة الضامن عين الفريضة، و هذا المعنى مستقر عليه، فيجب في كل آن أداء ذلك. غاية الأمر قضية ولايته على وفاء القيمة ليست إلّا بسلطنته على أداء مالية العين الموجودة فيها في ضمن احدى القيم، و هذه المالية في كل آن موجودة، فله اختيارها بحسب هذا الزمان لا الزمان السابق أو اللاحق، فيجب عليه حينئذٍ في كل آن عين الفريضة أو ماليتها المحفوظة فيها في هذا الآن.

فلا محيص حينئذٍ إلّا عن الالتزام بماليتها وقت الأداء، كما هو الشأن في المثلي المتعدد في باب الضمان أو في إرث الزوجة من العقار؛ لان المستحق- بالفتح- هي المالية المحفوظة في العين، المعلوم كونها في كل زمان في مرتبة


1) وسائل الشيعة 6: 208 باب 49 من أبواب المستحقين.

مخصوصة. فالزوجة في كل زمان لا تستحق سوى المالية الموجودة في العين.

و هذا المعنى يستلزم كون المدار على المالية في زمان الأداء، و إن لم ينتقل إلى الزوجة في زمان موت الزوج سوى المالية، لكن ليس ذلك لخصوصية زمان الفوت، بل إنما هو من جهة انّ المالية الموجودة في العين- في هذا الزمان- هو ذاك، كما انّ لها في زمان آخر مرتبة اخرى، و هكذا فيما نحن فيه.

نعم لو كان المالك ولياً على التقويم فقوّم العين في بدء زمان الوجوب على نفسه، كان استحقاق الفقير إلى الأبد هو هذا المقدار الذي استقر في ذمة المالك بتقويمه، فلا يستحق غير ذلك أبداً، كما هو الشأن في الضمان بالإتلاف على مذهب المشهور، من استقرار القيمة زمان التلف.

هذا، نعم يبقى الكلام في ثبوت ولاية المالك على تبديل المال و لو بالتقويم على نفسه، بمصالحة أو تضمين، بولايته على إلغاء خصوصية العين و إبقاء ماليتها في ضمن القيمة في ذمته.

و يمكن استفادة ذلك مما دل على جواز الاحتساب، كما عرفت، إذ مرجعه إلى إلغاء الخصوصية العينية عن تحت ملكية الفقير، و حصر ملكيته في المالية المحفوظة في ذمة المالك، إذ العرف لا يفرّق في مثل هذا المعنى بين الذمتين كما هو ظاهر، مع انّ في الصحيحة (1)الترخيص في شراء المالك من الزكاة لعيال المسلمين ثياباً و طعاماً و غير ذلك مما فيه خير لهم. و ذلك دليل على ولاية المالك على التبديل الموجب ولايته على التقويم أيضاً بالفحوى.

و توهم انّ ذلك ربما يكون بمناط الحسبة، و لا ربط لها بولاية المالك على التبديل بما هو مالك، مدفوع بأنّ قضية الحسبة تحتاج إلى إذن الحاكم،


1) وسائل الشيعة 6: 115 باب 14 من أبواب زكاة النقدين حديث 4.

و مقتضى ترك الاستفصال في الصحيحة يكشف عن خصوصية المالكية، و إلّا فلا ينتهي الأمر إليه إلّا مع فقدان الحاكم أو عدم التمكن منه، أو العدول، مع فرض عدم استفصال الامام عليه السلام بين فسقه و عدالته، كما أفاد عليه السلام ذلك في قوله: «إن كان مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس».

نعم لا يتعدّى من مورد هذه الصحيحة إلى غير صور وجود المصلحة في التبديل؛ لقوله: «و كان ذلك خيراً لهم» فلا بد من ملاحظة الغبطة للفقير في ذلك، فيتعدّى في ذلك الى مسألة التقويم- أيضاً- فتتقيد بصورة المصلحة لا مطلقاً، لو لا إطلاق نص الاحتساب، الشامل للدين المؤجل، الذي ربما لا تكون في احتسابه مصلحة لهم، و مع ذلك رخّص الامام عليه السلام في الاحتساب، و حينئذٍ ربما يختلف باب التقويم عن باب التبديل.

لكن الإنصاف أنّ العرف لا يساعد على التفكيك المزبور بعد ملاحظة مجموع الروايات، بل الإجماع على عدم الفصل متحقق. و حينئذٍ لا يبعد تحكيم مطلقات الاحتساب على التقييد بكونه خيراً في كلام الراوي، و لازمة ثبوت الولاية المطلقة للمالك على تبديل الزكاة.

و ربما يومئ إليه أيضاً ما ورد من التقاص من مال الفقير الذي بيده (1)، إذ هو أيضاً بضميمة ترك الاستفصال بين وجود المصلحة و عدمها- بل بين جهة امتناع المديون على أداء دينه و عدمه- يكشف عن أنّ له ولاية على أخذ مال الفقير عوض ماله، و هو نحو تصرف في ماله و نحو تبديل فيه، كما لا يخفى.

و لا يعارض هذه النصوص ما في صحيح آخر، من اشتماله على أخذ مقدار الزكاة من المشتري و رجوع المشتري الى البائع (2)، إذ هو محمول على


1) وسائل الشيعة 6: 206 باب 46 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 3.

2) وسائل الشيعة 6: 86 باب 12 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

صورة بيع المالك عن نفسه لا عن قبل الفقير، و هو نحو خيانة بالنسبة إلى الفقير، فلا ينفذ عمله، فيكون فضولياً قهراً.

و بذلك جمعنا بين الكلمات أيضاً، ففي نجاة العباد- المسألة التاسعة من باب زكاة الغلات-: أن بيع المال بعد بدو صلاحه فضولي يحتاج إلى إجازة الحاكم من قبل الفقراء (1). و مع ذلك ذكر- في المسألة الرابعة من الفصل العاشر في اللواحق-: أن المالك بعد عزله الزكاة، لو اتجر بها كان الربح له و الوضيعة عليه، فراجع و تدبر، و اللّٰه العالم.

الخامسة: هل تثبت الزكاة في العين خارجاً مطلقاً، أم في الذمة مطلقاً، أو يفصل

بين ما كانت الفريضة من جنس النصاب أو من غيره، فتتعلق بالعين في الأول و بالذمة في الثاني؟

ثم على فرض تعلقها بالعين، هل هو بنحو الشركة و الإشاعة الخارجية، أم بنحو الكلي في المعيّن؟ و على فرض تعلقها بالذمة فهل العين تقع متعلّق حق الفقراء لأداء ما في الذمة أم لا؟ وجوه بل أقوال.

و الذي يقتضيه التحقيق أن يقال: إنّ كثيراً من التعبيرات ظاهرة في الشركة الخارجية، مثل التعبير بهذا اللفظ في عمومات ثبوت الزكاة في مال الأغنياء. و التعبير بالعشر فيما سقته السماء، الظاهر في الكسر الخارجي، و ما ورد من بيع الساعي العين فيما إذا باعها المالك، و ما ورد من تلف الزكاة بتلف المال من غير تفريط، و ما ورد من تقديم الزكاة على سائر الديون لو كانت العين الزكوية باقية.

و لا ينافيها ما ورد من انه ليس على النيف شي‌ء، و لو أخذناه بإطلاقه،


1) مخطوط.

كما عرفت سابقاً من أنّ ذلك لا ينافي الإشاعة في خصوص النصاب الموجود في المال بنحو الكلية، بلا احتياج الى توجيهه بنفي شي‌ء زائد على الفريضة في تمام المال، و قد تقدّم تفصيله فراجع.

و يبقى الكلام في دلالة أمثال التعبيرات المذكورة على الشركة في العين، فتقول: انّ هكذا تعبيرات تنافي الذمية المحضة بحيث لا تعلق لحق الفقير بالعين أصلًا. كما انه بمثل هذه التعابير- خصوصاً في مثل بيع الساعي للزكاة مع بقاء عينها، و كذلك مسألة التلف على الفقير- يدفع احتمال كون الزكاة من قبيل الكلي في المعين، مع كون المالك مالكاً لخصوصيات العين، كما هو الشأن في بيع صاع من صبرة.

و حينئذٍ يبقى احتمال الشركة الحقيقية، أو الكلية الذمية، مع فرق تعلق الحق بالعين الخارجية في أدائها، أو الكلية الخارجية من الطرفين، كي يجري- ببرهان عدم المرجح- حكم الشركة عليهما، من كون التلف منهما و المنافع لهما.

بل و يترتب عليه بيع الساعي، لتساوي نسبتهما إلى الموجود و التالف، فللساعي حينئذٍ بيع حقه.

و هذا المعنى- الأخير- و إن أمكن الالتزام به في زكاة الغلات، إذ المال قبل وجوده لم يكن لواحد منهما، و بعده كانت نسبتهما إليه على السوية، و لو بنحو الكلية. و أما فيما يحول عليه الحول لا وجه للالتزام به، لأنّ المفروض انّ المال الموجود- بجميع خصوصياته- للمالك، فلم يرد عليه إلّا حق الفقير، فلو كان كلياً فلا يخرج من مال المالك إلّا صرف الطبيعة، كبيع صاع من صبرة، فيبقى المال بخصوصياته متعلّق حق المالك، فلا معنى لصيرورته أيضاً مالكاً كلياً، كي يجي‌ء فيه البرهان السابق.

و حينئذٍ، بعد الجزم بكيفية تعلق الزكاة و انه بنحو واحد في جميع

المقامات، يكشف نحو تعلق الزكاة فيما يحول عليه الحول، عن نحو تعلقها بغيره أيضاً، و حيث عرفت أنّ بيع الساعي و تقديم الزكاة على الديون ينافي الكلية من طرف واحد، فلا محيص عن رفع اليد عن مثل هذا الاحتمال في جميع المقامات، كرفع اليد عن الكلية من الطرفين بعدم التفكيك بين الموارد، بضم عدم وجه للالتزام به في ما يحول عليه الحول بمقتضى القواعد، فلا يبقى في البين إلّا احتمال الذمة و تعلق الحق بالعين.

و من المعلوم انّ مثل هذا الاحتمال في جنب ظهور الأدلة في العين، في غاية الضعف، فلم يبق في البين إلّا جهة الشركة الخارجية، و هو المشهور المنصور.

و توهم انّ ذلك لا يناسب كون سلطنة اختيار الأداء بيد المالك، مدفوع بأن حال اختياره فيه كحال اختياره في تقويمه على نفسه أو الاحتساب في الدين، المنافي كل ذلك مع جميع الفروض. فكما أنها تثبت بالنصوص الخاصة، الواردة بولايته على مثل هذه التصرفات، كذلك بنفس الوجه تثبت ولايته فيما نحن فيه، بما لا يتنافى مع الشركة العينية الخارجية.

و توهم أنّ أمثال هذه التصرفات طراً خلاف سلطنة المالك (1)، الثابتة بالدليل المخصص، سوى سلطنته على التعيين، فأمره يدور بين كون المقام من باب الشركة، كي توجب تخصيص عموم «الناس مسلطون على أموالهم» أيضاً، أو من قبيل الكلي في المعيّن، الذي لا يوجب تخصيصاً في العموم المذكور، فأصالة عدم التخصيص الزائد تثبت الثاني.

مدفوع- مضافاً الى معارضة ذلك مع اقتضاء القواعد في باب بيع الساعي أو الشركة في الخسارة، حتى مع فرض بقاء مقدار الفريضة من النصاب،


1) هو الفقير الذي له حصة مشاعة في النصاب.

خلاف الكلية بهذا المعنى- بأنّ التمسك بالعمومات في أمثال المقام يرجع الى التمسك بها لإثبات مشكوك الفردية، مع الجزم بخروجه، و ليس ذلك شأن أصالة العموم، و إنما شأنها إثبات دخول معلوم الفردية مع الشك في حكمه.

و عليه فبقيت سائر الأدلة ظاهرة في الشركة لو لم نقل بظهور الكسور فيها أيضاً، و إلّا فالأمر أظهر، إذ مثل ذلك يرفع احتمال الكلية من الجانبين في الغلّات أيضاً، هذا و اللّٰه العالم.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال بقية الأقوال في المسألة، خصوصاً القول بالتفصيل بين كون الفريضة من جنس النصاب أو من غيره، إذ مثل الشاة في الأربعين شاة مثل شاة في الخمس من الإبل، من مقدرات المال لا نفسها، فحق الشريك في أربعين شاة بنحو الإشاعة ليس إلّا حصة من الشياه سارية في جميعها، و هذه الحصة السارية لا تسمّى شاة واحدة أو شاتين، فلا محيص عن كونهما فيهما من المقدّرات لمالية الفريضة، فتدبّر بعين الدقة.

السادسة: إذا أمهر امرأته نصاباً، فلا إشكال في صيرورتها مالكة بنفس العقد،

و حينئذٍ فلو حال الحول و هو في يدها وجبت عليها الزكاة.

و لو طلقها حينئذٍ قبل الدخول و قبل إخراج الزكاة، ففي الجواهر: انه يتعلّق حق الزوج بالنصف المشاع في تمام المال، مع فرض تعلّق حق الفقير به أيضاً بنحو الإشاعة. و إن تعلق الحقين بمثل هذا المال، نظير تعلق حقوق الوارث به، مع فرض تحمل المال لهما، فلا معارضة و لا مزاحمة، فيرد النقص على الزوجة لا على الفقير و لا على الزوج؛ لأن الزوجة حينئذٍ لا تستحق من المال إلّا ما زاد عن الحقين (1).


1) جواهر الكلام 15: 147.

أقول: ما أفيد إنما يتم لو كان التشطير واردا على عين المهر، و لو فرض خروج شي‌ء منه إلى الغير، و إلّا فمع فرض أنّ خروجه يستلزم خروجه عن موضوع التشطير، فلا يبقى مجال لورود حق الزوج على تمام العين، بل لا يرد إلّا على ما بقي على ملك الزوجة بعد إخراج حق الفقير، من دون فرق بين كون الطلاق قبل أداء الفريضة من العين أو بعده، إذ الأداء لا يقتضي إلّا جمع الملكية المنتشرة- في تمام المال- في شخص معين. فكما انه في فرض الاجتماع لا يستحق الزوج بالتشطير من عين الشاة الخارجة عن ملك الزوجة معيناً، فكذلك في فرض الانتشار أيضاً لا يستحق الزوج من المال بمقدار الشاة الخارجة و لو منتشراً؛ و ذلك لأن موضوع التشطير هو ملك الزوجة بما هو مالها، لا العين الخارجية و لو بما هي ملك لغيرها.

و قياس المقام بباب الإرث واضح المنع؛ لأنّ الفروض المتعددة في ذاك الباب إنما ترد على المال في رتبة واحدة، فقبل ورودها يصدق «تركة الميت» على جميع المال، فموضوع الفروض كلها محفوظ، فيرد الجميع عليه في عرض واحد. و هذا على خلاف المقام الذي كان التشطير وارداً على مال خرج منه حق الغير بسبب سابق مفن لموضوع التشطير بمقداره، فكيف يرد التشطير على جميع المال لمحض تحمل المال ذلك بما هو عين خارجي.

و حينئذٍ فما أفاده بعنوان المناقشة في غاية المتانة، فكأنّ تمام نظره- طاب ثراه- فيما أفاده إلى تحمل المال لورود الفروض عليه نظير تحمل التركة لجميع الفروض الواردة عليها.

و عمدة الإشكال عليه: انّ مجرد هذا التحمل غير كاف في التعلق المذكور، بل لا بد أن يكون موضوع الملكية لتمام المال محفوظاً حال تعلق الحقين، و هذا لا يمكن إلّا إذا تعلقا في عرض واحد، كما لو فرض وقوع

الطلاق و حلول الحول في آن واحد، و أما مع تقدّم أحد هما سبباً فلا يبقى للآخر موضوع بالنسبة إلى المقدار الخارج سابقاً.

و لذا لو فرض وقوع الطلاق قبل حلول الحول، فهل يتوهم أحد تعلّق الزكاة بما في يد الزوجة، لمحض ملكها للنصاب قبل ذلك سابقاً؟ فكما انّ بقاء ملكية النصاب الى حين تعلق الزكاة شرط في ذلك، فكذلك الأمر في باب التشطير في الطلاق.

فإن قيل: انّ موضوع التشطير هي العين الممهورة، و لو لم تكن بتمامها حين الطلاق ملكاً للزوجة، و ذلك يستلزم تعلق حق الزوج بالعين، و لو بعد إخراج الزكاة منها أو نقلها إلى الغير، و لا يمكن الالتزام بسقوط حق الزوج بمجرد خروج المهر عن ملك الزوجة جزءاً أو كلا، و لم يلتزم به صاحب الجواهر أيضاً (1).

و من هذا البيان يتولد اشكال آخر، في صورة وقوع الطلاق بعد أداء قيمة الزكاة و بقاء العين بكاملها على ملك الزوجة.

قلت: انّ هذه الملكية ملكية مستأنفة، و موضوع التشطير هي الملكية التي كانت حاصلة بالعقد السابق، و قد زالت بحلول الحول، و قد ردّ في الجواهر هذا الوجه- على مبناه المذكور آنفاً- بعدم تزاحم ورود حقوق متعددة على مال واحد يتحملها أجمع (2)، و الجواب الجواب.

نعم لو بنينا على انّ تعلق حق الفقير بالمال مراعى بعدم أداء القيمة، كان لما أفيد وجه، و لكن ذلك خلاف الإطلاقات، بل أداء القيمة مسقط لحق الفقير لا مانع من تعلّقه من الأول.

و كيف كان فإنّ مثل هذه الكلمات إنما تتم بناءً على تعلّق حق الفقير


1) جواهر الكلام 15: 148.

2) جواهر الكلام 15: 148.

بالذمة محضاً، و إلّا فعلى فرض تعلقه بالعين- و لو بنحو الكلي في المعين- لما كان مجال لوروده على تمام المال؛ لعدم حفظ ملكية الزوجة حين تعلق التشطير، و اللّٰه العالم.

و عليه فلا محيص عن ورود النقص على الزوج أيضاً، غاية الأمر تضمينه الزوجة بأداء عوضه من غير المهر، كما في صورة تلفه في يدها و لو من غير تفريط، و تمام الكلام في محله.

السابعة: لو كان له نصاب فحالت عليه أحوال، فإن أخرج زكاته في رأس كل سنة من غير المال فلا إشكال في تعلّق الزكاة به كل سنة،

لحفظ النصاب فيها كاملًا. و إن اخرج من نفس المال، فإن كان زائداً بمقدار لا ينثلم به النصاب فكذلك، أما لو انثلم النصاب فلا تجب الزكاة بعد عام الانثلام.

الثامنة: المدار في زكاة الانعام على صدق العنوان

و لو من غير الصنف، فالضأن و المعز من الغنم جنس واحد، و كذا العراب و البخاتي من الإبل.

و البقر و الجاموس. فإذا بلغ عدد كل جنس نصابه المقدر و لو من صنفين منه وجبت الزكاة، و يتخيّر المالك في إخراج الزكاة من أي الصنفين شاء، نظراً الى اتحاد الجنس المعتبر في حفظ العنوان الواجب في الزكاة.

و لا يختلف الحال باختلاف قيم الأصناف من جنس واحد، و لا تجب مراعاة مصلحة الفقير في هذا الاختيار بعد اتحاد الجنس؛ لإطلاق عنوان الشاة الواجب إخراجها في الزكاة مثلًا.

التاسعة: لو قال رب المال: لا زكاة عليّ، قبل قوله، بلا حاجة الى يمين.

و لا إشكال في ذلك في الجملة، و الأصل في ذلك ما في الحسنة المشتملة على

الأمر بسؤال الساعي: «فإن قال لك: لا، فلا تراجعه» (1).

و في نص آخر: «فإن ولى عنك فلا تراجعه» (2).

و الظاهر من عدم المراجعة هو قبول قوله، لا احتمال عدم التعلق الموافق للأصل، لأنّ هذا الاحتمال حاصل قبل السؤال أيضاً، فالوجه في الحكم بعدم مراجعته هو طريقية قول المالك لنفي الوجوب واقعاً.

و حينئذٍ أمكن دعوى جريان هذا المناط في صورة ادعائه الأداء، بل ربما يؤيده إطلاق الأمر بعدم مراجعته، بعد إلغاء جهة انصراف كلامه إلى صورة الجهل بأصل الجعل، إذ مثل هذا الجهل لا يكون مناطاً لطريقية قوله بعدم الوجوب واقعاً؛ لأنّ مناطية الجهل المزبور تنافي الطريقية.

نعم لو كان كلامه ظاهراً في نفي الجعل أمكن أن يكون مخصصاً لطريقية قوله في هذه الجهة دون اخرى، و أما بعد فرض عدم ظهور كلامه في جهة خاصة، غاية الأمر يكون الساعي- في هذه المقامات- جاهلًا بأصل الجعل، فمثل هذا الجهل إذا ألغى عن الاعتبار، بقرينة حصوله و لو قبل السؤال، يكشف عن أنّ الشارع يكون في مقام تحصيل انكشاف الواقع بقوله.

و بعد ذا فإذا فرض أنّ وجه كلامه لم يكن منصرفاً إلى جهة دون أخرى، فإطلاق الأمر بعدم المراجعة حينئذٍ يوجب طريقية دعواه مطلقاً، الجاري حتى في مورد ادعائه الوفاء أو التلف بلا تفريط. و حينئذٍ فتوهم عدم شمول الرواية لمورد كون دعواه على خلاف الأصل، منظور فيه.

كما انّ إطلاق الرواية، يقتضي سماع قوله بلا يمين، حتى في مثل هذا المورد، فتوهم التفصيل- بالسماع بلا يمين أو بيمين، بين كون الدعوى على


1) وسائل الشيعة 6: 88 باب 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 91 باب 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث 7.

خلاف الأصل أو وفقه، منظور فيه أيضاً كما لا يخفى.

نعم في شمول حجية دعواه، حتى صورة قيام البينة على خلافه اشكال، من إطلاق النص، و انّ الأمر بقبول هذا القول كالأمر بقبول قولهن فيما يتعلّق بالأرحام، أو فيما لا معارض له. و من عدم إطلاقها لصورة قيام حجة أقوى على خلافها. و لئن انتهى الأمر إلى المعارضة، و لو بإطلاق دليليهما، فالمرجع الأصل المختلف نتيجة، كما لا يخفى.

لكن الانصاف عدم وصول الدور إلى هذه المرتبة، إذ المقدار المستفاد من الرواية، حجية قوله في مورد كان له السؤال لكشف الواقع، و ذلك إنما هو في صورة لم يحرز الواقع و لو بالبينة.

و من هذا البيان ظهر وجه عدم شمول النص لصورة العلم بالواقع من غير جهة قوله، بحيث يصير قوله معلوم المخالف عند الساعي، فإن طريقته حينئذٍ غير معقول.

و لا يقاس المقام بباب زكاة مال التجارة- حيث انّ في النص: لو قالوا إنا نزكيه، و الرجل يعلم أنهم لا يزكونه؟ قال عليه السلام: «فإذا هم أقروا بأنهم يزكونه فليس عليه غير ذلك» (1)، حيث انّ المستفاد منه سماع قولهم، حتى مع العلم بالخلاف- لأنّ في الصدقات المستحبة لا تكون للساعي سلطنة على إلزامهم بها، و أين هذا و باب الصدقات الواجبة، التي تكون للساعي سلطنة على المطالبة.

العاشرة: اختلاف الأماكن لا يضر بوحدة النصاب،

فمع بلوغ المتفرقات نصاباً تجب الزكاة فيها بلا اشكال نصاً (2)و فتوى.


1) وسائل الشيعة 6: 50 باب 15 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 1.

2) وسائل الشيعة 6: 85 باب 11 من أبواب زكاة الأنعام.

(الفصل الثاني: في زكاة الذهب و الفضة)
اشارة

(تجب الزكاة فيهما بشروط):

أحدها: (الحول

و قد مضى) الكلام فيه.

(و) ثانيهما: (النصاب)

على ما سيمر عليك من النصوص (1)في طي البحث عن مقداره، و هي وافية بإثبات شرطيته في وجوب الزكاة هنا.

(و) ثالثها: (كونهما مضروبين بسكة المعاملة)

بلا اشكال فيه نصاً و فتوى، ففي رواية ابن يقطين: «كلما لم يكن ركازاً فليس عليك فيه شي‌ء».

قلت: و ما الركاز؟ قال عليه السلام: «الصامت المنقوش» (2).

و في المرسلة: «ليس في التبر زكاة، إنما هي على الدراهم و الدنانير» (3)، مضافاً الى ما ورد من نفي الشي‌ء عن السبائك و الحلي و التبر (4).

و المنصرف من المنقوش ما كان بسكة المعاملة، و في اعتبار كون السكة رائجة فعلًا وجه، ربما يستفاد ذلك من سكوتهم عن الكنوز القديمة و عدم تعرضهم فيها لسوى الخمس. و لكن صرف كلماتهم إلى ثبوت الخمس من حيث الكنزية، غير الملازمة لكونها دراهم و دنانير، لا ينافي وجوب الزكاة فيها أيضاً، بهذا العنوان الشامل- بإطلاقه- للسكة الرائجة فعلًا و عدمها. مع انّ الاستصحاب جار فيها، فحلول الحول عليها حتى بعد زوال رواجها يثبت فيها الزكاة. نعم لو علم كون الكنز المزبور كان ملك كافر، أمكن دعوى سقوط


1) وسائل الشيعة 6: 92 باب 1- 4 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

2) وسائل الشيعة 6: 105 باب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 2.

3) وسائل الشيعة 6: 105 باب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 3.

4) وسائل الشيعة 6: 105 باب 8 و 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

الزكاة عنه، بإمضاء ملكه حتى الحربي فضلًا عن الكتابي كما أسلفنا سابقاً.

و لكن مع احتمال جريان يد مسلم عليه، لا دليل لإسقاط الزكاة في مثله، بل لو لا النصوص الواردة في باب الخمس بتملكه بعد التخميس- المنزل على الغالب، من عدم جريان يد محترمة عليه، بل و مع العلم بكونه ملك مسلم في وقت، و لكنه لا يعرف فعلًا صاحبه، بقرينة الأمر بالسؤال عن صاحب الدار- لما كانت القواعد تساعد على إباحة تملكه.

و توهم أصالة عدم جريان يد محترمة عليه، مدفوع بأنّ عموم عدم جواز التصرف في مال الغير يثبت احترام كل يد إلّا ما خرج بالدليل، و من المعلوم انّ عنوان الحربي مخصوص بالخروج، فكل مال لم يكن لحربي فهو محترم بالأصل.

ثم في اعتبار بقاء السكة فعلًا، أو كفاية كونه مسكوكاً سابقاً، و إن ذهبت سكته بكثرة الاستعمال، مع كونه رائجاً في السوق فعلًا، وجهان، أوجههما الثاني؛ للاستصحاب.

و في كفاية السكة المضروبة لمحض الاحترام، لا بمناط كونه رائجاً من عند السلطان، كالسكة المعمولة في زماننا باسم ثامن الأئمة عليه السلام اشكال؛ لانصراف عنوان الدرهم عن مثلها، بل هو نحو زينة و احترام، نعم مع صدق الدرهم و لو بنفس الصورة يشمله الإطلاق بلا احتياج الى كتابة.

(و نصاب الذهب عشرون ديناراً، ففيه نصف دينار)

على الأشهر، خلافاً لمن زعم أنّ النصاب الأول أربعون و فيه دينار. (ثم) ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ (أربعة دنانير، و فيها قيراطان، و هكذا دائماً). و الخلاف في

المقام منسوب الى ابن بابويه (1).

و عمدة وجه الاختلاف اختلاف أخبار الباب، ففي صحيحة الفضلاء و رواية زرارة: التحديد بأربعين مثقالًا، و انه ليس في الذهب أو الدنانير شي‌ء حتى يبلغ هذا المبلغ، و في الورق أو الدراهم حتى تبلغ المائتين (2).

و في المستفيضة: إثبات الزكاة في عشرين ثم في أربعة (3).

و من المعلوم انّ الأمر في الجمع يدور بين تخصيص الأولى، أو التصرف في الثانية بالحمل على الاستحباب، و لو لا مناسبة نصاب الدنانير من الدراهم، و لا ما في نص آخر من قوله: «نصاب الفضة عدل نصاب الذهب» (4)لكان الترجيح مع الجمع الثاني، و لا أقل من تساويهما، فيجري بشأنهما حكم المجمل، فيرجع الى أصالة عدم التعلق.

و لكن مثل هذه الجهات- خصوصاً بضم فهم المشهور- صارت منشأ ترجيح الجمع الأول، و هذا المقدار كافٍ في الفقه إن شاء اللّٰه.

(و) لا إشكال في انه (لا يجب فيما نقص عن عشرين ديناراً و لا عن أربعة شي‌ء.

كما لا إشكال أيضاً، بل (و) لا خلاف في أنّ نصاب الفضة مائتا درهم، ففيها خمسة دراهم، ثم أربعون ففيها درهم)؛ لما عرفت من النصوص المستفيضة، بل المستفاد من صحيحة الفضلاء و صحيحة زرارة أيضاً ذلك.


1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 178.

2) وسائل الشيعة 6: 95 باب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 13 و 14.

3) وسائل الشيعة 6: 92- 94 باب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 1- 12.

4) وسائل الشيعة 6: 92 باب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 1.

و بالجملة فإنّ الظاهر من قوله: «في كل مائتي درهم خمسة»، أو «في كل عشرين ديناراً نصف دينار»، و ثم على حساب ذلك في كل أربعة دنانير قيراطان، و في كل أربعين درهماً درهم، إنّ الزكاة في النصاب الأول مترتبة على عنوان المائتين و لو في ضمن مائتين و أربعين، و كذلك على العشرين و لو في ضمن أربعة و عشرين، كما انّ النصاب الثاني أيضاً مترتب على عنوان الأربعة في الدينار، و على عنوان الأربعين في الدرهم، المسبوقين بالعشرين و بالمائتين، و لازم ذلك حساب الحول على كل واحد مستقلًا، كسائر النصب الكلية.

و لا تجي‌ء فيه شبهة المكملية للنصاب في الأربعة الحاصلة في أثناء الحول الأول، كي تجي‌ء فيه شبهة التخيير السابقة، إذ تلك إنما تجي‌ء لو كان النصابان شخصيين، بأن يكون النصاب الأول مأخوذاً في موضوع الفريضة بشرط لا عن النصاب الثاني، و ان الفريضة في النصاب الثاني كانت مترتبة على عنوان مجموع الأربعة و عشرين، لا على العشرين و الأربعة، كما هو الشأن في النصب الشخصية، فإنه بضميمة «لا يزكى في عام واحد مرتين» يقع التزاحم بين النصابين في هذه القطعة من الحول، و يتبعها ما ذكرناه من مقتضى الصناعة، كما لا يخفى.

ثم انّ الظاهر من قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (1)، بضميمة قوله: «الزكاة في الدرهم عدلها في الدينار» (2)كون المدار في الدنانير و الدراهم على الوزن لا العدد، فلا محيص عن موازنة مائتي درهم على خمسة أوسق،


1) وسائل الشيعة 6: 119 باب 1 من أبواب زكاة الغلات.

2) وسائل الشيعة 6: 92 باب 1 من أبواب زكاة النقدين حديث 1.

و هكذا يجعل ذلك مقياسا لعشرين ديناراً.

و عليه فليس في الناقص عن هذا الوزن- و إن كمل عدداً- شي‌ء بخلاف ما لو كان المدار على العدد، كما هو واضح انه لا بد من المصير إلى عكسه.

و أيضاً المدار في مثل هذه المقدرات- كتقدير الكر- على التحقيق، فلا يجدي فيها المسامحة، كما هو واضح في كلية التطبيقات إلّا في موارد تمامية مقدمات الإطلاق المقامي، التي منها كون التطبيقات الحقيقية معقولة عند العرف غالباً، فإنه لا بد في مثلها من جعل المدار على التطبيقات العرفية، إلّا أن يتم البيان في مورد على خلافها.

(و) قد ظهر مما ذكرنا (أنه لا شي‌ء فيما نقص عن المائتين و لا عن الأربعين)، و ذلك هو المنصوص عليه في أخبار الباب، و عليه استقرت الفتوى أيضاً.

كما أنه ظهر- بمقتضى العمومات الحاصرة، بل (و) النصوص الخاصة (1)المصرحة بأنه (لا) شي‌ء (في السبائك و لا) في (الحلي) إلّا إذا كانت مسكوكة على وجه يصدق عليها الدراهم و الدنانير، للإطلاقات (و إن) كان (قصد) من جعلها سبائك (الفرار) عن الزكاة (قبل الحول) على المشهور بين المتأخرين، جمعاً بين الأخبار النافية و المثبتة، بالحمل على الاستحباب، كما يومئ إليه ما في النص أيضاً بقوله: «و ما منع نفسه من فضله أكثر مما منع من حق اللّٰه» (2).


1) وسائل الشيعة 6: 105 باب 8 و 9 من أبواب زكاة النقدين.

2) وسائل الشيعة 6: 108 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 1.

(و) أما لو كان ذلك (بعده) أي بعد حلول الحول، فلا يوجب سقوط الزكاة عنه بل (تجب) للإطلاقات، علاوة على ما في نص زرارة من قوله عليه السلام: «صدق أبي، إنّ عليه أن يؤدي ما وجب عليه» (1)ثم مثّل الإمام في ذيل الرواية بما مثله لجواز تفويت شرط الوجوب، فراجع الرواية تجد فيها لوائح الصدق.

ثم انّ المدار- في المقام من حيث النصاب و الفريضة- على مسمّى الدينار من الذهب و الدرهم من الفضة، فلا يلاحظ الجودة و الرداءة فيهما. ففي الجميع يكفي أيضاً في الفريضة مسمّى نصف الدينار أو خمسة دراهم؛ للإطلاقات، بعد عدم وجود نهي في المقام عن الردي، كي تحمل على دفع توهم إضرار الفقير أو المالك، كي يلزم المصير إلى التفصيل الذي تعرضنا له في نصاب الأنعام في مسألة الصحاح و المرضى.

و لو كانت الدراهم أو الدنانير مغشوشة، على وجه لا يصدق عليهما الذهب و الفضة الخالصان، فلا إشكال في وجوب الزكاة، إذا بلغ خالصة خمسة أوسق؛ لرواية زيد الصائغ المنجبر ضعفها بالشهرة، و في ذيلها: و إن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة، إلّا أني أعلم انّ فيها ما تجب فيه الزكاة، قال عليه السلام: «فاسبكها حتى تخلص الفضة و يحترق الخبيث، ثم تزكّي ما خلص من الفضة لسنة واحدة» (2).

و ظاهر هذه الفقرة وجوب الفحص في صورة العلم ببلوغ النصاب إجمالًا،


1) وسائل الشيعة 6: 109 باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث 5.

2) وسائل الشيعة 6: 104 باب 7 من أبواب زكاة النقدين حديث 1.

مع الشك في مقدار نصابه. و حكى الفتوى على وفقها عن الأكثر، مع نسبة بعض الأعاظم القول بالبراءة- في أصل الشك في بلوغ النصاب رأساً- أيضاً الى الشهرة، و لعله من جهة كون الاحتياط في مثل هذه الشبهة- الراجعة في الفرض الأول إلى الأقل و الأكثر الاستقلالي، فضلًا عن الأخير- على خلاف القاعدة، فيقتصر على مورد النص.

و ذلك أيضاً لو كان المراد من علمه بما تجب فيه الزكاة- في الرواية- ما تجب فيه فعلًا، و إلّا فلو أريد علمه بسنخ ما تجب فيه الزكاة، و لو بشرائطها المشكوكة فعلًا، فتشمل الرواية الفرض الأخير أيضاً. و لا بد حينئذٍ من استبراء الوجوب فيه، مع أنه من التعبّد عدم التعدّي عن موردها إلى الصورة الأخيرة، بعد اشتراكهما في كون كلتيهما بدوية.

و حينئذٍ إن تم ما أفيد من التفكيك في كلماتهم بين الفرضين، فلا بد أن يجعل فهمهم قرينة على عدم التعدّي، و الاقتصار في الاحتياط على خصوص فرض العلم ببلوغ النصاب في الجملة.

و حينئذٍ فالتعدّي عن نصاب النقدين إلى غير هما من سائر الأجناس الزكوية أشكل، لو لا دعوى الجزم بالمناط في وجوب العلم الإجمالي ببلوغ النصاب، بلا خصوصية للنقدين في ذلك، خصوصاً مع كون الفرض متبايناً مع غيره، فإنه بعد عدم أصل موضوعي يحرز به مقتضى العلم الإجمالي، المنجز للجمع بين الوظيفتين أو الفحص لرفع الشبهة.

نعم لو اختار القيمة يرجع أمره إلى الأقل و الأكثر، كما هو الشأن لو قلنا بأنّ الفرائض مقدّرات للعين من جهة ماليتها، فإنه يرجع موضوع التكليف أيضاً إلى الأقل و الأكثر، و لكن ذلك بمقتضى القواعد، و إلّا فقضية التعدّي عن زكاة النقدين إلى غير هما يوجب الأخذ بالأكثر أو الفحص لرفع الشبهة.

و على أي حال لا مجرى للبراءة حينئذٍ أصلًا، كما لا يخفى.

(الفصل الثالث: في زكاة الغلّات)
اشارة

لا اشكال نصاً و فتوى في انه (تجب الزكاة في أربعة أجناس منها و هي: الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب. و) قد أشبعنا الكلام سابقاً في أنه (لا تجب فيما عداها).

(و إنما تجب) الزكاة (فيها) أي في الأجناس الأربعة (بشرطين)
اشارة

زيادة على الشرائط العامة لمطلق وجوب الزكاة:

أحدهما: (النصاب، و هو في كل واحد منها خمسة أوسق)

بلا اشكال فيه فتوى و نصاً (1)، و ما ورد من التحديد بالوسق أو الوسقين أو من كل عشر واحد، قليلًا كان أو كثيراً، بلا نصاب معيّن (2)فمحمول على الاستحباب؛ للنصوص الباقية المصرّحة بعدم وجوب الزكاة في الأقل من خمسة أوسق.

و توهم التخصيص هنا كزكاة النقدين، منظور فيه، لقوة هذا الحمل على التخصيص، غاية الأمر انا التزمنا به هناك لخصوصية مفقودة في المقام.

و (كل وسق ستون صاعاً)؛ لنص أبي بصير (3)، و حمل صدره على الاستحباب غير مضرّ بحجية ظهور ذيله.

و (كل صاع أربعة أمداد) بإجماع الغنية (4)، و كذلك النصوص المستفيضة (5)، و في بعض آخر: تفسيره بخمسة أمداد في باب الغسل (6)لكنه


1) وسائل الشيعة 6: 119 باب 1 من أبواب زكاة الغلات.

2) وسائل الشيعة 6: 123 باب 3 من أبواب زكاة الغلات.

3) وسائل الشيعة 6: 123 باب 1 من أبواب زكاة الغلات حديث 1 و 3.

4) الغنية (الجوامع الفقهية): 241.

5) وسائل الشيعة 1: 338 باب 50 من أبواب الوضوء.

6) وسائل الشيعة 1: 339 باب 50 من أبواب الوضوء حديث 4.

مطروح عند الأصحاب.

و (كل مد رطلان و ربع بالعراقي)، و يشهد له ما في جملة نصوص من تفسير الصاع- في الفطرة- بتسعة أرطال بالعراقي (1)، و لازم تطبيق الأمداد الأربعة عليه هو ما أفاده في المتن.

و على أي حال اختلفوا في انّ وقت تعلّق الوجوب بهذه الأجناس، هل هو حال اشتداد الحب في الحنطة و الشعير، و الاحمرار أو الاصفرار في التمر، و انعقاد الحصرم في العنب. أو انّ مدار الوجوب على صدق العناوين الأربعة، من صدق الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب؟ على قولين.

و عمدة سند الأخير الاستصحاب، بضميمة عدم شمول العناوين الأربعة، المنصوص عليها للصور المذكورة. و في قبال ذلك ما في النص. من إثبات الزكاة على العنب وقت الخرص، و انه إذا خرصه أخرج زكاته (2)، بضم جريان مناط وجوبه من الخرص في غيره.

و من المعلوم انّ وقت الخرص وقت كمال الثمرة حجماً بحيث لا مزيد عليه، و هذا منطبق على القول الأول، مؤيداً بما في قوله- في جميع الأجناس الأربعة-: «إذا صرم و إذا خرص» (3). و مؤيداً أيضاً بإطلاق قوله: «لا يكون في الحب و لا في النخل و لا في العنب زكاة حتى تبلغ وسقين»، بعد عدم إضرار حمل ذيله على الاستحباب؛ لعدم الفصل بين وقتيهما.

و لكن لا يخفى ما في الأخير من منع الإطلاق، و في سابقه من إجماله باقترانه بصرمه، المعلوم كون وقته وقت صدق العناوين السابقة، و لذا حمله


1) وسائل الشيعة 6: 236 باب 7 من أبواب زكاة الفطرة.

2) وسائل الشيعة 6: 121 باب 1 من أبواب زكاة الغلات حديث 11.

3) وسائل الشيعة 6: 133 باب 12 من أبواب زكاة الغلات حديث 1.

بعضهم على الحاء المهملة، و مع هذا الإجمال كيف يصح الاستدلال به.

و أما في الأول فهو بالنسبة إلى العنب في غاية المتانة، إلّا أنّ التعدي عنه الى غيره في غاية الاشكال.

و لقد أجاد في المدارك حيث فصّل بين العنب و التمر (1).

نعم لا بأس بالالتزام بكفاية انعقاد الحب أيضاً لصدق عنواني الحنطة و الشعير عليه، بمجرد ذلك، لو لا دعوى انصرافهما إلى غير هذه الحالة.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ كون المتعارف في تعيين مقدار الزكاة في وقت الخرص، و جعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله عبد اللّٰه بن رواحة خارصاً على النخل، و أنّ الظاهر من حكمة الخرص تعيين مقدار النصاب، مقدمة لإخراج الزكاة، و لو شيئاً فشيئاً، تسهيلًا على المالك، لا لمحض عدم سماع دعواه النقصان عن النصاب أو التلف، خصوصاً مع كون الغرض منه تضمين حصة الفقير، حيث التزموا بأنّ الخرص متضمن لنحو عقد مصالحة أو تضمين، كل ذلك ربما يشهد بكون زمان التعلّق في التمر أيضاً مثل العنب زمان خرصه.

و حينئذٍ ربما يتعدّى من العنب الى زمان صيرورته حصرماً، بالغاً حده في الحجم، لا مطلق ما يصدق عليه الحصرم، كما لا يخفى.

هذا، و عليه فلا بد من حمل ما في الصحيح السابق أيضاً على نفي ضمانه، لا نفي أصل وجوبه، خصوصاً بعد اعراض المشهور عنها. و حينئذٍ فمذهب المشهور هو المنصور، و يمكن جعل ما ذكرنا أيضاً شاهد قوله: «إذا خرص» بالخاء المعجمة، و انّ اقترانه بالصرم كان بلحاظ بيان عدم ضمانه أيضاً قبله.

و إذا بلغت الأجناس المزبورة حد نصابها المقرر في الأوقات المذكورة


1) مدارك الأحكام 5: 138.

(فيجب العشر إن سقي سيحاً أو بعلًا أو عذياً، و إن سقي بالغرب و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر، ثم كل ما زاد بالحساب. و إن قل) بلا إشكال في صدق الكليتين عند صدق العناوين بقول مطلق.

و الأصل فيه ما في صحيح زرارة: «ما كان يعالج بالرشاء و الدوالي و النضح ففيه نصف العشر، و إن كان يسقى من غير علاج، بنهر أو عين أو بعل أو سماء، ففيه العشر كاملًا» (1)، المعلوم كون تمام المدار على السقي بعلاج أو غير علاج، بلا خصوصية في الأمور المذكورة في الطرفين.

و ظاهره كون تحصيل سقيه بلا علاج، فلا ينافي تهيئة مقدماته بمؤنة كثيرة، من حفر قناة أو نهر و نحو ذلك.

و لو بنى حوضاً كبيراً تجتمع فيه المياه من مطر أو غيره شيئاً فشيئاً، فهو من السقي سيحاً. و لو جمع فيه المياه بالدوالي و أمثالها من الآلات، فسقاه بها في مدة مديدة، فهو من السقي بعلاج إذ المدار على كون وجود أصل الماء المسقى به بعلاج أو بغيره كما لا يخفى.

نعم ربما يعد تهيئة مقدمات السيح المزبور مئونة، فلا بد أن تستثنى من خصوص السنة التي صرف فيها تلك المؤن، أو تحتسب على السنوات الآتية أيضاً بمقدار يتعلق بالصرف عليها، على الكلام الآتي في المئونة إن شاء اللّٰه.

و مقتضى إطلاق النص المزبور، وجوب ما وجب بعد بلوغ النصاب، بالغاً ما بلغ، قليلًا أو كثيراً، كما أشار إليه المصنف بقوله (كلما زاد ..).

و لا إشكال في هذا المقدار، و إنما الكلام في أنّ وجوب العشر أو نصفه هل يثبت (بعد إخراج المؤن كلها من بذر و غيره)، سواء كانت المؤن بعد


1) وسائل الشيعة 6: 125 باب 4 من أبواب زكاة الغلات حديث 5.

زمان الوجوب أم قبله، أو لا تستثنى المؤن مطلقاً، أو يفصل بين السابقة و اللاحقة، فتستثنى الاولى دون الأخيرة؟ وجوه.

و عمدة محط النزاع هما الوجهان الأولان، و عمدة سند القائلين بعدم الاستثناء مطلقاً هو إطلاق قوله: «فيما سقت السماء العشر»، الظاهر في ثبوت العشر في تمام ما سقته السماء، لا في المقدار الباقي بعد إخراج المؤن.

و توهم عدم كون مثل هذا الإطلاق في مقام البيان، منظور فيه، إذ قوة بيانه من حيث محل العشر في غاية الظهور، و إن كان مهملًا من حيث سائر شرائط العامل و المزكي. بل يمكن دعوى انّ دليل النصاب أيضاً يكون معارضاً لهذا الإطلاق، فيقيد به، بحيث لولاه لكنا نأخذ بإطلاقه أيضاً في نفي اعتبار النصاب فيما سقته السماء، كما لا يخفى.

و يؤيد ذلك ما في بعض النصوص: في رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر مما يزكى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كراً، و بقي في يده ستون كراً، ما الذي يجب لك من ذلك؟ و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شي‌ء؟ فوقع عليه السلام: «لي منه الخمس مما يفضل من مئونته» (1).

و وجه دلالته ظاهر، حيث إنه لم يحسب مئونة العمارة على الزكاة، و إنما استثناها من الخمس، مع انّ استيفاء المئونة من الزكاة أيضاً يقتضي عدم تعلّق الخمس بالستين، كما هو ظاهر.

و احتمال عدم رجوع مئونة عمارة الضيعة إلى مئونة الزرع مطلقاً، منظور فيه.

فترك استفصال الامام شاهد على عدم احتسابها- بتقريره فعل السائل- حتى فيما يحسب من مئونة الزرع أيضاً، كما انّ حمل ذلك على التقية من فعل أهل


1) وسائل الشيعة 6: 127 باب 5 من أبواب زكاة الغلات حديث 2.

الجور، خلاف الأصل.

و عليه فالرواية- من حيث إطلاقها و ترك الاستفصال فيها بين المؤن السابقة و اللاحقة- خير شاهدة على عدم الاستثناء.

نعم في قبالها ما دل على وضع اجرة الحارس من العذق و العذقين لحفظه (1)، و تعليله بالحفظ يقتضي وضع كل ماله دخل في حفظ الزرع من المؤن، و لو سابقاً على زمان الوجوب، بل يتعدّى الى كل ماله دخل في أصل وجوده من بذر و غيره.

هذا، و يؤيد ذلك أيضاً ما ورد من تقسيمه عليه السلام الزكاة و تفريقها بعد أخذ أجرة القوام و الوكلاء و الرجال، و في الصحيح أيضاً: «إنما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك» (2)، بضميمة كون المؤن غالباً قبل إخراج حصة السلطان. و إطلاقه أيضاً يشمل المؤن مطلقاً، لو لا احتمال كون المراد مما حصل في يدك، بالإضافة إلى حصة السلطان لا مطلقاً، حتى يشمل وجود ما بيده فعلًا و لو بعد إخراج المئونة، و لكن هذا احتمال ضعيف لا يعبأ به. و عليه فربما تقدّم مثل هذه الرواية على ما في الصحيح السابق من قضية الأكرار، فتتقيّد بها، و تحمل على الحاصل بيده بعد حصة السلطان و سائر المؤن، و انّ العمارة فيها- أيضاً- محمولة على غير جهة راجعة إلى الزرع، خصوصاً مع ما فيها من قوله: من الحنطة مائة كر مما يزكى، إذ بعد عنوان الحنطة ذكر قوله: مما يزكى ظاهر في بيان ما اجتمع فيه شرائط الوجوب، و حينئذٍ شمولها لما يقابل المؤن أول الكلام.


1) وسائل الشيعة 6: 131 باب 8 من أبواب زكاة الغلات حديث 3.

2) وسائل الشيعة 6: 129 باب 7 من أبواب زكاة الغلات حديث 1.

بل يمكن سراية هذا الإجمال- بملاحظة اتصاله بالكلام- إلى ذيل الرواية، و لازمها سقوط وجوه دلالة الرواية على المدّعى طراً، كما لا يخفى.

و عليه فلا يبقى في البين إلّا الإطلاقات السابقة، القابلة للتقييد بمثل ذلك. و اذن فالتحقيق هو المصير إلى مذهب المشهور مؤيداً بإجماع الغنية (1)و الفقه الرضوي (2).

ثم انه بعد استثناء المؤن يبقى الكلام في أنها مستثناة من الفريضة أو من النصاب، فيه وجهان، و تظهر الثمرة عند نقص النصاب بالاستثناء، فإنه لا تجب الزكاة رأساً حينئذٍ.

فنقول: لا يخفى انّ مقتضى إطلاق قوله: «فيما سقته السماء العشر» وجوب العشر في تمام ذلك بلا استثناء شي‌ء. و في قبال هذا الإطلاق ورد إطلاق آخر في استثناء ما قل عن النصاب، و في قبالهما ورد دليل استثناء المؤن. و من المعلوم انّ الأمر في هذا الدليل دائر بين كونه ناظراً إلى إطلاق دليل الوجوب أيضاً في عرض الإطلاق السابق، و بين أن يكون ناظراً إلى إطلاق دليل النصاب الوارد على دليل الوجوب، بلا نظر منه- بعد ذلك- إلى إطلاق دليل الوجوب بعد النصاب.

و من المعلوم أنه مع الدوران المزبور، كان الترجيح مع النظر إلى إطلاق دليل الوجوب، لا إطلاق دليل النصاب، إذ في ذلك لا يلزم تخصيص زائد في دليل الوجوب بالنسبة إلى صورة قلّة النصاب، لو لا المئونة، بخلاف إرجاع النظر إلى إطلاق دليل النصاب.


1) الغنية (الجوامع الفقهية): 241.

2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 197.

و بعبارة أخرى: مقتضى إطلاق دليل وجوب الزكاة ثبوت وجوبها مطلقاً، خرج عنه صورة عدم بلوغ النصاب بلا مئونة و بقي الباقي تحته. و حينئذٍ فالشك في رجوع الإطلاق إلى دليل النصاب كافٍ في إثبات الوجوب في الزائد عن المئونة، بلا احتياج إلى إثبات بقاء إطلاق النصاب بحاله، و إرجاع قيد المئونة الى خصوص دليل الوجوب، كي يشكل ذلك بالدوران المزبور.

و إن شئت قلت أيضاً: انه مع الدوران المزبور يقطع بتخصيص دليل الوجوب جزماً، فيشك في تخصيص دليل النصاب، فأصالة الإطلاق باقية بلا معارض، و لازمة ليس إلّا كون القيدين واردين على دليل الوجوب في عرض واحد، بلا نظر لأحد هما إلى الآخر، كما لا يخفى.

هذا، ثم انّ الظاهر من قوله: «ما بقي بيدك» هو ما يبقى من حاصل هذه السنة بعد وضع المؤن المحسوبة من هذه السنة عرفاً، لا المؤن المرتبطة بها دقة و عقلًا مما صرفت في السنوات السابقة، و لا أقل من الشك، فأصالة الإطلاق في دليل الوجوب محكمة بلا معارض.

اللهم إلّا أن يقال: انّ لازم احتساب كل ماله دخل في حفظ الزكاة في سنوات عديدة، و إن كان سقوط مقدار من الزكاة عما يزرع بعد حفر القناة في سنين متمادية، و هو خلاف الإطلاق، إلّا أنّ لازمة أيضاً بقاء مقدار من الزكاة للسنة الاولى.

و من المعلوم انّ أصالة الإطلاق في السنة الأولى أيضاً تقتضي تقسيط مثل هذه المئونة على جميع السنوات، لا خصوص السنة الأولى، أو بضم غيرها أيضاً بمقدار يفي بمصارف القناة المزبورة.

اذن ينتهي الأمر إلى تعارض الإطلاقين، بل تعارض الأصلين أيضاً مع فرض العلم الإجمالي بتوجه التكليف إليه بأحد النحوين، فلا محيص حينئذٍ

عن انتهاء الأمر في المقام كسائر الماليات المرددة بين شخصين إلى القرعة أو التنصيف.

نعم الذي يسهّل الخطب هو انّ العرف لا يساعد على مثل هذا التقسيط في جميع السنوات، مع إمكان دعوى كونه على خلاف السيرة، بل الذي يساعد عليه هو احتسابه بمقدار يكون من مئونة الزرع في تلك السنة لا مطلقاً، كما لا يخفى.

ثم انّ ما يأخذه السلطان بعنوان المقاسمة من نفس الزرع، عيناً كان أم قيمة، لا إشكال في استثنائه، حسب ما ورد في نصوص مستفيضة (1)خاصة بالأراضي التي كان أمرها راجعاً الى السلطان، مثل الأراضي الخراجية، و ما صولح عليها على أن تكون للمسلمين، و الموات التي لا رب لها، و غيرها مما يكون أمرها إلى الامام، و انّ بناء السلاطين على تصرفهم فيها بعنوان كونهم خلفاء على المسلمين.

و أما غير هذه الأراضي، أو الخراج المضروب على أرض زيادة على حصة مثلها، ففي قيام الدليل على إخراجها إشكال، إذ غاية ما يستدل به لذلك تارة ما دل على وضع الزكاة في الزائد عن خراج السلطان المشتمل ذيله على مقاسمته، و اخرى ما اشتمل على وضع الزكاة في الزائد عما قبلهم الامام، الشامل بإطلاقه تقبيل مطلق الخراج، و لو بغير الحصة من الثمرة.

و الأول- بسبب اشتمال ذيله على المقاسمة- بحكم المجمل، و الثاني راجع إلى الأراضي التي من شأن الإمام تقبيلها بحصة من الثمرة أو قيمتها، و ليس فيها جهة خراج زائد عن حصة السلطان. و لا أقل من كون مطلق الخراج


1) وسائل الشيعة 6: 132 باب 10 من أبواب زكاة الغلات.

الزائد عن الحصة المعهودة مشكوك الاندراج في هذه الرواية.

و عليه فلا يفي بإخراج مطلق الخراج نص مخصوص، بل ربما ورد في بعض النصوص عدم الاجتزاء بما يأخذه السلطان، و إنما يأخذه غصباً (1). نعم في قباله ما دل على سقوط الزكاة رأساً بما أخذه السلطان، مثل ما ورد في رجل له ضيعة فيؤدي خراجها، فهل عليه فيه العشر؟ قال: «لا» (2). و لا يخفى و هن السند في الأخير، باعراض المشهور عن العمل بمضمونه، فلا بد أن يحمل على إسقاط الإمام عنه الولاية تسهيلًا.

و أما النصوص الاولى فلا بأس بالأخذ بها، لو لا صدق احتسابها عرفاً من مئونة الزرع، و إلّا فلا قصور في شمول أدلة المئونة لمثله.

نعم ما يؤخذ منه غصباً، بلا دخل في هذا الأخذ لأصل الزرع، لا دليل على استثنائه جزماً، إلّا أن يكون المأخوذ من عين النصاب، فإنه حينئذٍ بحكم التلف من غير تفريط الذي لا يضمنه المالك، فيكون التلف حينئذٍ محسوباً من الطرفين، حسب قواعد الشركة، كما لا يخفى.

بقي في المقام فرع يتعلّق بأصل المسألة، (و) هو انه (لو سقي بهما) أي بالسقي سيحاً و دلاء (اعتبر بالأغلب)، و إطلاق المصنف يومئ إلى كفاية مجرد غلبة أحد هما، و لو لم يصدق أحد العنوانين عليه بقول مطلق.

و الأصل في ذلك حسنة معاوية المشتملة على أرض تسقى بالدوالي، ثم يزيد الماء فتسقى سيحاً. قال عليه السلام: «إنّ ذا ليكون عند كم كذلك»؟

قلت: نعم. قال: «النصف و النصف، نصف بنصف العشر، و نصف


1) وسائل الشيعة 6: 132 باب 10 من أبواب زكاة الغلات حديث 3.

2) وسائل الشيعة 6: 132 باب 10 من أبواب زكاة الغلات حديث 2.

بالعشر». فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحاً. قال: «و كم تسقى السقية و السقيتين سيحاً»؟ قلت: في ثلاثين ليلة أو أربعين ليلة، و قد مكث قبل ذلك في الأرض ستة أشهر سبعة أشهر. قال:

«نصف العشر» (1).

بتقريب انّ مناط الحكم بتنصيف العشر- في الذيل- مجرد غلبة الدوالي على السيح، و بذلك ينزّل الصدر بالتقسيط على صورة التساوي بينهما عرفاً.

هذا، و لكن ذلك إنما يتم لو كان ما في الذيل مما يحكم العرف بكون السقي منهما، غاية الأمر كان أحد هما أغلب، و إلّا فلو كان مورده من الموارد النادر سقيها بالسيح على وجه يحكم العرف بانّ تمام السقي بالدوالي- و لو مسامحة- فإطلاق الصدر في قباله يقتضي التنصيف، حتى مع الغلبة الخارجة عن المسامحة المزبورة.

و إلى مثل هذه الشبهة نظر العلّامة الأستاذ في تكملته، بإجراء حكم التنصيف و التقسيط على مطلق الغلبة، ما لم يصدق أحد هما مطلقاً، بندرة الآخر.

لكن الانصاف عدم كون السقيتين في ضمن أربعين ليلة- بالإضافة إلى ستة أشهر- من الموارد الملحقة عند العرف بالمعدوم، و عليه فربما يستفاد منه المناط على ترجيح مطلق الغالب على غيره.

نعم لو شك في ذلك، و لم يكن في البين مثل هذه الرواية، أمكن دعوى اقتضاء إطلاق العنوان في كل طرف سببية الفريضة بالمقدار الناشئ من قبله. و لازم ذلك هو التقسيط، ما لم يصح سلب النشو من قبل غيره. و لازمة أيضاً عدم التنصيف إلّا في مورد تساوي النشو، و إلّا فلا بد أن يقسط بالنسبة


1) وسائل الشيعة 6: 128 باب 6 من أبواب زكاة الغلات حديث 1.

إليهما، إلى أن يصدق السيح محضاً أو الدوالي محضاً.

و لكن هذا المقدار مرفوع بالرواية صدراً و ذيلًا، إذ أمره دائر بين الأخذ بإطلاق الصدر فيحكم بالتنصيف- و لو بلا تساو بينهما مع صدقهما. و نحمل الذيل على فرض الندرة التي لا تضر بصدق الانتساب الى أحد هما- أو الأخذ بمطلق الأغلب، و يختص التنصيف بصورة التساوي.

فالحكم بالتقسيط مع الغلبة غير النادرة مرفوع بظهور الرواية، بإطلاق صدرها في قبال ذيلها.

و عليه فلا مجال للمصير إلى مقتضى القواعد، بل لا بد- مع إجمال الرواية صدراً و ذيلًا، و لو من جهة الشبهة السابقة- من الرجوع إلى أصالة عدم تعلق الحق بالمقدار الزائد عن المعلوم، كما لا يخفى.

الشرط الثاني: (أن تنمو في ملكه)

وقت انعقاد الحب، و غير ذلك مما هو المدار لتعلق الوجوب. كما أنه على غير المشهور، تمام المدار على حصول الملك وقت صدق العناوين المزبورة، و إن لم تنمو في ملكه، بل اشتراها قبل ذلك بيسير.

و عمدة الوجه في ذلك، حصر تعلّق خطاب وجوب الزكاة بالمالك، المعلوم اعتبار المبدأ فيه وقت الوجوب عليه، مضافاً الى مكاتبة ابن مهزيار (1)، و رواية الكناني (2)، المتقدمتين في طي شرط المالكية، المعلوم اعتبارها في المقام وقت تعلق الوجوب، على الاختلاف فيه.

و حيث إنّ نمو الأجناس المزبورة في ملكه ليس إلّا مرة واحدة، فلا يتصور


1) وسائل الشيعة 6: 69 باب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 69 باب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث 1.

في مثل ذلك إلّا زكاة واحدة، حاصلة في الملك حال كذا. و هذا على خلاف ما اعتبر فيه حلول الحول في ملكه، فإنّ له قابلية التكرر ما دامت الأجناس المزبورة على نصابها، فتتكرر الزكاة بتكرر الحول، كما هو ظاهر.

و حينئذ (فلو انتقلت إليه بالبيع أو الهبة أو غير هما لم تجب الزكاة، إن كان نقلها بعد بدو الصلاح)، و حينئذٍ لا بد أن يلاحظ أنّ البيع المزبور إن كان بعد أداء البائع زكاته، فلا يبقى في مثل هذا المال حق للفقراء. و إن كان بعد تقويمه على نفسه أيضاً فكذلك، بناءً على ما عرفت من ولايته على التقويم. و إلّا فإن كان بيعه هذا لمصلحة الفقير و عن قبله، فالمسألة مبتنية على ثبوت الولاية المزبورة، فعلى الثبوت- كما عرفت- لا إشكال في انتقال حق الفقير من العين الى البدل.

و على فرض عدم الولاية، أو كان بيعه عن قبل نفسه، بنحو يعد ذلك خيانة على الفقير، فإن قلنا بأنّ الزكاة تتعلق بالعين فلا شبهة في عدم صحة البيع في مقدار حق الفقير، بل يحتاج إلى إجازة ولي الفقير، فإن تمت الإجازة فلا إشكال أيضاً في انتقال تمام المال، و إلّا فتنتقل العين مشتملة على حق الفقير إلى المشتري.

و حينئذٍ لا شبهة في انّ المخاطب بإخراج هذا المال- بإفرازه و تعيينه- ليس إلّا المشتري. و عليه فلا يتوجه الخطاب بالأداء حينئذٍ إلى المالك البائع، بل كان من حين الشراء متوجهاً الى المشتري، بعد أن كان قبله متوجهاً الى البائع.

نعم ليست له الولاية على إعطاء القيمة أو غيرها، لأنّ ذلك من شئون من يتوجه إليه الخطاب ابتداء؛ لاختصاص أدلته به، و ليس يشمل كل من كان مسلطاً على الافراز و التعيين.

و عليه فغرض المصنف و غيره المعبرين في المقام بعدم الوجوب بالبيع

و الهبة، لا بد إما من الحمل على صورة صحة البيع في تمام المال، بأحد الوجوه السابقة، أو الحمل على عدم ثبوت الزكاة غير الزكاة التي تعلّقت بالمال سابقاً عند ما كان في يد المالك البائع، و إلّا فلا شبهة في أن القادر على التعيين و إخراج الزكاة ليس في الفرض الأخير إلّا المشتري، فيتوجه الخطاب بإخراجها إليه، كما لا يخفى.

(و إن كان قبله) أي قبل بدو الصلاح أو انعقاد الحب، على المشهور في وقت تعلق الوجوب، (وجبت) الزكاة بنموها في ملك المشتري. و قد تقدّم الكلام مستقصى في تعيين وقت تعلّق الوجوب في الغلات، (و) بنينا- وفق المشهور- على انه (تتعلق الزكاة بالغلات إذا) انعقدت الحبوب و (اشتدت، و في الثمار إذا بدا صلاحها) و أخذ مأخذها من حيث الحجم، و هو وقت الاصفرار أو الاحمرار في التمر، و بلوغ الحصرم غايته في العنب؛ لأنه وقت خرصه الذي هو وقت تعلّق الخطاب به كما تقدّم.

ثم انه بعد تعلّق الوجوب في الأوقات المزبورة، كان له الإخراج فيها بلا اشكال مع علمه بتعلقها بالعين، إذ ذاك من نتائج وجوبها، من دون قيام دليل على تعيين وقت الإخراج بغيره. بل الدليل على خلافه موجود من قوله:

«إذا خرص اخرج»، بعد ما عرفت انّ زمان الخرص هي الأزمنة المزبورة.

بل ربما تكون فائدة الخرص هو ذلك، حيث به يستعلم مقدار النصاب.

بل ربما تترتب عليه فائدة تضمينه على نفسه بتقويمه، الذي هو أيضاً نحو إخراج.

و حينئذ لازم كون وقت الوجوب هو وقت الإخراج، شمول إطلاق قوله:

«إن وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها» (1)، فيضمن بالتقصير في أدائها. بل مقتضى عموم «اليد على مال الغير» بمقتضى تعلق الزكاة بالعين، ضمانه لها بالتفريط، كما هو الشأن في كلية الأيادي على أموال الغير.

و حينئذٍ فمقتضى القواعد اتحاد وقت الوجوب مع وقت الإخراج، بمعنى وقت ضمان المالك بالتأخير، مع التمكن من الأداء، و إن قلنا بجوازه تكليفياً.

هذا، (و) لكن ظاهر المصنف- وفق الأصحاب حسب دعوى الإجماعات على ذلك- اختلاف زمان الوجوب مع زمان الإخراج، بالمعنى المذكور، حيث جعل (وقت الإخراج عند التصفية و جذ الثمرة). بل ظاهر كلماتهم من سلطنة الساعي على المطالبة عند التصفية، عدم جواز تأخيره عنه عند المطالبة؛ لأنه فائدة سلطنته.

لكنه مناف لما اخترناه من جواز التأخير لغرض صحيح، بل جواز النقل من البلد مع وجود المستحق فيه، إذ مع التوسعة المزبورة للمالك، لا معنى لسلطنة الساعي على المطالبة في مورد يكون على خلاف غرض المالك. نعم له ذلك مع امتناع المالك عن الأداء رأساً، بل له إجباره على الأداء حينئذٍ، حفظاً لحقوق الفقراء. فربما ينتهي الأمر إلى عدم ولاية المالك على تعيين حصة الفقير، بل للساعي حينئذٍ الولاية على تعيينها.

و على أي حال فما أفادوه من اختلاف الوقتين، على خلاف القاعدة، فيحتاج إلى دليل متيقن. و العمدة هي الإجماعات المزبورة، فإن تمت فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.


1) وسائل الشيعة 6: 198 باب 39 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1.

لو لا دعوى السيرة القطعية على عدم التزامهم بالضمان، من وقت الانعقاد و الاصفرار، بل بناؤهم على التصرفات فيها بأكل و إتلاف و إعطاء إلى زمان التصفية، بلا ملاحظة حق الفقير فيها، كما يشهد لذلك ما فعله أبو عبد اللّٰه عليه السلام في غلّة عين زياد، من اذنه للجيران و غيرهم في الأكل من ثمرة البستان (1)، بلا ملاحظة فقرهم و غناهم، الشاهد على أنّ ذلك لم يكن بعنوان إعطاء الزكاة و إيصالها إلى الفقراء. و من المعلوم انّ ذلك كله يشهد باختلاف الزمانين، و إلى مثل هذه الجهات نظر الأصحاب أيضاً في تفكيكهم بين الزمانين.

مع إمكان أن يقال: انّ مقتضى أدلة تعليق وجوب الزكاة على العناوين المزبورة، هو نفي وجوبها قبل ذلك، و لازمة نفي آثار الوجوب كالضمان و غيره.

غاية الأمر- بمقتضى قوله: «إذا خرصه أخرج زكاته»- كون وقت الخرص وقت تعلّق الحق، القابل للإخراج. و هذا المعنى أعم من إثبات الضمان بالتفريط، فيبقى دليل النفي- و لو بمدلوله الالتزامي- باقياً على حاله، فينفي الضمان بمثله.

و بمثل ذلك يخصص أيضاً عموم «على اليد»، بل و إطلاق ما دل على الضمان بوجود المستحق (2)، لو لا دعوى كون نسبتهما عموماً من وجه، فيتساقطان، فيبقى عموم اليد كافياً لإثبات الضمان بالتفريط. مع انّ العرف لا يساعد على هذا التفكيك في المقام، بل يرى أخبار الخرص شارحة للعمومات المزبورة في تعيين وقت التعلق و لوازمه. و عليه فلو لا السيرة المزبورة أو النص المذكور، لما تم وجه التفكيك بين الزمانين، كما لا يخفى.


1) وسائل الشيعة 6: 140 باب 18 من أبواب زكاة الغلات حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 198 باب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

ثم انّ في المقام فروعاً:
منها: انه لا بد من بلوغ كل واحد من الأجناس باستقلاله حد النصاب،

و عليه (فإذا اجتمعت أجناس مختلفة) بحيث (ينقص كل جنس عن النصاب لم يضم بعضها الى بعض)، و وجهه واضح.

كما انه لو فرض اختلاف زمان الثمرة، فيلحظ ما انعقد في ملكه أو اصفر مثلًا في ملكه، فإن بلغ النصاب و لو بمجموع الثمرتين، بشرط بقاء الثمرة الاولى إلى زمان حدوث الثانية. و أما لو تلفت قبلها، أمكن دعوى عدم كونه مالكاً للنصاب في الزمانين، فلا تجب عليه الزكاة. فإطلاق كلماتهم في بلوغ الثانية في ملكه نصاباً، منصرف إلى صورة كونها في زمان ملكه بالغة حد النصاب، لا في مجموع الزمانين.

نعم لا اعتبار بوحدة المكان جزماً، كما أشرنا إليه سابقاً أيضاً، كما لا يخفى وجهه من الإطلاقات، فتدبّر.

و منها: انه لو مات المالك و عليه دين يحيط بالتركة،

فظهرت الثمرة بعد موته، فإن قلنا بانّ الدين المزبور مانع عن الانتقال الى الوارث، فلا إشكال في عدم توجه خطاب وجوب الزكاة إليه جزما؛ لعدم الملك.

و في تعلقها بمال الميت، مع تكليف الولي بالإخراج فرع أمرين: أحدهما:

بقاء التركة على ملكيتها للميت حقيقة، و ثانيهما: وفاء العمومات لإثبات الزكاة في كل مال.

و إلّا فلو قلنا بعدم بقائها على ملك الميت حقيقة، و إنما هو بحكم الملكية لأداء ديونه. أو قلنا بعدم وفاء العمومات لإثبات الزكاة في كل مال، حتى في مثل أملاك الموتى، ففي عدم ثبوت الزكاة مجال.

و لا يبعد ترجيح الوجه الأخير؛ لمنع اقتضاء الإطلاق لإثبات الزكاة بهذه

المثابة، و إن قلنا ببقاء التركة على ملك الميت حقيقة، كما لا يخفى.

هذا، و إن قلنا بالانتقال إلى الورثة، فإن قلنا بتعلق حق الديان بالتركة على وجه يمنع من تصرفهم، فلا إشكال أيضاً في عدم الوجوب؛ لسقوط الزكاة حينئذٍ بكبرى عدم التمكن، أو بكبرى عدم تمامية الملك.

و إن قلنا بأنّ حقهم غير مانع عن تصرف الورثة، غاية الأمر، يكون لهم حق الاسترداد، نظير حق الجناية، فمنع هذا المقدار عن تعلق الوجوب، لملازمته لعدم تمامية الملك أيضاً بوجه، إنما يصح على فرض كون الكبرى في أمثال نذر الصدقة و الرهن و غيرهما، هو نقص الملكية، و إلّا فلو كانت الكبرى عدم التمكن من التصرف، أمكن دعوى عدم شموله للمقام، و ذلك أيضاً من احدى الثمرات في تطبيق احدى الكبريين في موارد تعلّق الحقوق المزبورة، على ما أسلفنا من الخلاف فيه.

و مع الشك في تطبيق أي واحدة من الكبريين، يكون المرجع هو تمامية الإطلاقات في إثبات الزكاة، كي مع الشك في المخرج يرجع إليها، أو عدمه كي يكون المرجع هي أصالة عدم تعلّق الحق، إلى أن يثبت فيه الحق بدليل مثبت. و قد عرفت في أول الكتاب الإشارة إلى مخالفة البهبهاني مع مذاق الأصحاب في ذلك فراجع.

و عليه فلا محيص- في أمثال المقام- عن الاحتياط من الطرفين، بإعطاء الفقير مقدار الحق المفروض، بعنوان أعم من الزكاة و غيرها، كي يجوز للفقير أيضاً التصرف فيه، كما هو الشأن في كلية الاحتياطات في أمثال المقام من الماليات.

و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال الدين غير المستوعب، بالنسية إلى مقدار الدين، و تمام الكلام في هذه المسألة موكول إلى محله.

و منها: انّ مقتضى إطلاق ثبوت العشر في الأجناس كونه- كسائر الكسور- ساريا في جميع المال،

و لازمة استحقاق الفقير في النصاب- المشتمل على الجيد و الردي‌ء- العشر من كل منهما. و لا اختصاص له بخصوص الجيد، و لا الجامع. و ليس مثل هذا العنوان- بنظر العرف- نظير عنوان «شاة في خمس من الإبل» الظاهرة في الطبيعة الصادقة على أي فرد.

بل الظاهر كونه- كسائر الكسور- منصرفا إلى الحصة السارية في تمام العين، من كل نوع بحسبه، فكأن مثل هذه العناوين الكسرية لها مرآتية إلى نفس ما في النصاب، من الأنواع و الأصناف، مختلفة كانت أم متفقة. و ليس لها عنوان مستقل- كالشاة و أمثالها- كي يكون له ظهور في الطبيعة المنصرفة إلى الصحيح أو غيره، بلا ملاحظة اختلاف ما في النصاب جيدا أو رديئا، حتى على الإشاعة، كما لا يخفى.

و ما ورد من عدم احتساب معافارة و أم جعرور (1)محمول- بقرينة النهي عن خرصهما- على عدم احتسابهما من النصاب، لا عدم الاجتزاء بهما في الزكاة، كي يستفاد منه وجوب احتساب العشر من القسم الجيد لا الردي‌ء، لا يقتضي التعدّي عنهما الى مطلق الردي‌ء، و عدم احتساب العشر منه و إن كان من غيرهما، كما لا يخفى.

و منها: انه يجوز للساعي الخرص

في الأجناس المزبورة؛ للسيرة و النصوص المشار إليها سابقا في العنب، من جعل عبد اللّٰه بن رواحة خارصا على النخل، الجاري ذلك في الحبوب أيضا مناطا، و إن استشكل فيه بعض الأعاظم.


1) وسائل الشيعة 6: 141 باب 19 من أبواب زكاة الغلات.

و الظاهر عدم الإشكال في ذلك، و عمدة الكلام انّ ثمرة الخرص هل هي التضمين أو مجرد استعلام الكمية، ببلوغها حد النصاب أم لا؟

و تظهر الثمرة في انه على الأول يعتبر تراضي الساعي و المالك معا؛ لأنّ الخرص نوع معاملة محتاجة إلى التراضي من الطرفين، بخلافه على الثاني، فإنه متمحض في الطريقية، و لا يعتبر فيها التراضي.

أقول: لا يخفى أنّ طبع الخرص و التخمين لا يقتضي أزيد من استكشاف حال الواقع، بلا اقتضائه بنفسه تضمين شي‌ء أبدا، و لذا لا يكون- في مثل هذا الخرص- اعتبار الرضى في طرف، لبعد هذا الاعتبار في طريقيه الشي‌ء، بحسب مرتكزات الأذهان.

و لعله إلى ذلك نظر بعض أعاظم مشايخنا، في استشكاله في دخل الرضى في صحة الخرص.

و لكن يمكن دعوى انّ المتعارف من الخرّاصين هو تعيين حق من له الحق فيما خرص، زاد أم نقص، و هو لا يخلو عن نحو معاملة منوطة بتراضي الطرفين، و لو لم يكن في البين تضمين، بمقتضى ما عرفت من السيرة في تصرفاتهم الاتلافية قبل بلوغ الأجناس إلى حد الكمال.

اللهم إلّا أن يقال بالمنع عن صورة الإتلاف بلا ضمان، بعد التعيين المزبور من قبل الخارص، فمقتضى القواعد حينئذ هو الحكم بالضمان بالإتلاف، مع كونه مرخصا فيه.

و حينئذ فيمكن حمل كلماتهم في الاحتياج إلى التراضي، على ملاحظة ما يتضمنه فعل الخراصين عند خرصهم، من تعيين حقوق المستحقين واقعا، لا ملاحظة ما يقتضيه طبع الخرص أولا و بالذات، كما لا يخفى.

و منها انّ حكم بقية الأجناس- من الحبوب المستحب فيها الزكاة

من

حيث النصاب، و النمو في الملك، و مقدار الفريضة، سيحا أو دلاء- حكم الأجناس الواجب فيها الزكاة؛ لما في النصوص المستفيضة، من أنّ في الحبوب مثل ما في الحنطة و الشعير (1)، بل في بعضها التصريح بين ما سقت السماء و غيره بالعشر و نصفه. فضلا عما قيل من قاعدة اشتراك النوافل و الفرائض في الحكم، على تأمل في ذلك، بل و في إطلاق اعتبار المماثلة في الزائد عن مقدار تعيين الواجب تأمل واضح.

(الفصل الرابع: فيما تستحب فيه الزكاة)
(تستحب الزكاة في مال التجارة بشروط):
أحدها: (الحول)

بلا إشكال في أصل الاستحباب، خلافا لمن توهّم الوجوب.

و يشهد للمشهور ما ورد من تصديق النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لأبي ذر، عند ما نفي الوجوب قبال عثمان الذي كان يزعم الوجوب (2).

و بمثله ترفع اليد عن ظواهر ما دل على الوجوب فيما يعمل به، أو فيما أمسكه لالتماس الفضل (3).

و المراد من مال التجارة هو المملوك بعقد معاوضة لالتماس الفضل، فما لم يقصد به ذلك، أو قصد و لكن لم يعمل به لا يصدق عليه مال التجارة، المنصرفة إلى ما اتجر به فعلا، لا مجرد إعدادها للتجارة و لو لم يشتغل بها.

و ما في بعض النصوص من كفاية ابتغاء التجارة بالرقيق كما في


1) وسائل الشيعة 6: 39 باب 9 من أبواب ما وجبت فيه الزكاة.

2) وسائل الشيعة 6: 48 باب 14 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 6: 45 باب 13 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة.

الموثقة (1)، غير دال على كفاية مجرد القصد في تعلّق الزكاة، و محمول على ابتغائه حين التجارة؛ للجزم بوحدة الموضوع في أخبار الباب، فظهور البقية فيما يعمل به فعلا، قرينة على حمل الموثقة أيضا على صورة التلبس.

و أما اشتراط الحول فيدل عليه- بعد الإجماع- ما ورد في النص: «الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها، قال عليه السلام: «إذا حال عليها الحول فليزكها» (2)، و نظيرها غيرها، و ظاهر الجميع كون بدء الحول من حين وضع المال ليعمل به. و ظاهرها أيضاً تعلّق الزكاة بتمام المال بمضي الحول، بلا احتياج للأرباح التدريجية إلى الحول لكل ربح بانفراده.

فليس الربح هنا كالنتاج في الأنعام التي كان لها حول برأسها؛ لأنّ الربح في مال التجارة معدود من مراتب وجود المال، كالسمن و الهزال، فبحصول هذه الزيادة في أثناء الحول لا يتجدد لها الحول من رأس، بل تتعلق الزكاة بتمام المال- من رأس المال و الربح الحاصل في أثناء الحول- جميعاً، لا بخصوص رأس المال أو الربح فقط؛ لأنه خلاف ظواهر الأدلة المثبتة للزكاة فيما يعمل به أو فيما أمسكه لالتماس الفضل.

كما انّ الظاهر من ضرب الحول لما يتجر به و يعمل، ضربه بلحاظ المالية السارية في ضمن الأعيان الشخصية، و بذلك يمتاز عن ضرب الحول على الأعيان الأخر، إذ ظاهرها مضي الحول عليها ليستحقها، و النكتة الفارقة بين المقامين واضحة.


1) وسائل الشيعة 6: 52 باب 17 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 2.

2) وسائل الشيعة 6: 46 باب 13 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 3.

و الى هذا المعنى الذي ذكرنا يرجع قوله في الشرط الثاني: (و ان يطلب برأس المال أو بزيادة في الحول كله)، بمعنى بقاء المالية من غير نقص فيها طول الحول، و هو شأن كل ما اعتبر فيه الحول، فإنّ مرجعه إلى حفظ المشروط بقاؤه طول الحول، و لو بماليته السارية في ضمن الأبدال.

و لكن في بعض النصوص: «ما لو مكث عنده ما نقص من رأس ماله سنة أو سنتين، فعليه زكاة سنة واحدة» (1)، و بمثله ورد غيره أيضاً، و لا بأس بالأخذ بها، و الالتزام بمراتب الفضيلة، كما هو الشأن في كلية المستحبات.

(و) الشرط الثالث: (بلوغ قيمته النصاب،

و يقوّم بالنقدين) و عمدة الوجه في ذلك هو انّ نظرهم إلى عدم التعرض في الأخبار لكيفية نصاب مال التجارة الذي فيه الزكاة استحباباً، فما هو إلّا من جهة الاتكال على ما ذكروه من نصاب النقدين. و قد أشرنا سابقاً إلى ما قيل من قاعدة الملازمة بين المستحبات و الواجبات في أمثال هذه الشروط و الأحكام.

لكن الإنصاف أنه لو لا تمامية الإجماعات على شرطية النصاب المذكور هنا، لكان للتأمل فيما ذكروه مجال، نظراً إلى إطلاق الأدلة فيما نحن فيه، و اللّٰه العالم.

ثم انّ ظاهر دليل إثبات الزكاة فيما حال عليه الحول، كون ما مضى عليه الحول من المالية السارية في ضمن الأبدال، هو موضوع الزكاة لا غير، فلا مجال لتوهم تعلق الزكاة في هذا الباب بالعين الشخصية.

بل من الممكن دعوى اخرى بمنع تعلّق الزكاة في المقام بالعين؛ لعدم كون


1) وسائل الشيعة 6: 46 باب 13 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 1 و 2.

لسان دليله كلسان دليل الفريضة، بل الغالب فيها: «عليك الزكاة»، نعم في بعض نصوصها: «عليك فيه الزكاة». و يمكن جعل اقتران كلمة «في» بقوله:

«عليك» مانعاً من انعقاد ظهورها في ظرفية العين للزكاة، بل ربما اعتبر فيها نحو توسعة تتناسب مع كون الزكاة متعلقة بالذمة.

نعم ربما ورد مثل هذا التعبير في الزكاة الواجبة، في زكاة مال التجارة للطفل، المعلوم اتحاد المقام معه. و حينئذٍ أمكن ترجيح ظهور كلمة «في» في الرواية السابقة على ظهور «عليك» بجعلها في الذمة، و انّ ما عليه هي عهدة إخراج المال الثابت في العين. فيكون متعلق هذه الزكاة هي المالية الخارجية، لا العين الخارجية، و لا المالية في الذمة، و اللّٰه العالم.

ثم انه لو تعلّق الحق الواجب بالعين، و تحققت مقتضيات زكاة مال التجارة أيضاً، ففي الشرائع: انه تسقط زكاة مال التجارة؛ لعدم الثنيا في الصدقة (1).

و هذا الذي ذكره إنما يتم بناءً على استفادة التزاحم بين المقتضيين في التأثير، من الجمع بين إطلاق دليلي الطرفين، بضميمة لا تثني صدقة، بالحمل على نفي الفعلية، بعد إحراز المقتضيين. إذ من المعلوم انّ مقتضى الاستحباب لا يزاحم- في مرحلة التأثير- مقتضى الوجوب.

و أما لو كان المقام من باب التكاذب في المقتضي، و لو من جهة تحكيم ظهور «لا ثنيا» في نفي الاقتضاء، على ظهور الإطلاقين في إثبات الاقتضاء، ففي الحكم بالسقوط اشكال. بل مقتضى القاعدة حينئذٍ رجوع الأمر إلى التعارض و التساقط، و الرجوع إلى العلم الإجمالي غير المؤثر في المقام شيئاً، بل


1) شرائع الإسلام 1: 157.

الأصل هي البراءة عن الوجوب بعد الجزم بثبوت حق فيه، المقتضي لرجحان اقدامه على الإخراج، لو لا كونهما من المتباينين غير المعلوم فيهما نحو تعلّق الوجوب، إلّا أن يتخلّص عنه بالقيمة، بعد الجزم بولاية المالك على دفع القيمة.

لكن الانصاف منع مقاومة ظهور «لا ثنيا» في قبال الإطلاقين في الدلالة على أصل الاقتضاء، فتدبّر.

ثم انّ الدين إن كان بمقدار المال الخارجي، لا يمنع من تعلق الزكاة بالعين. و حينئذٍ فإنّ الزكاة إن كانت واجبة فلا شبهة في خروج مقدارها عن موضوع وجوب وفاء الدين من المال، بناءً على المختار من تعلّق الزكاة بالعين.

و أما إن كانت مستحبة، ففي اقتضاء خروجها عن موضوع الوفاء إشكال، إذ يكفي لتعلق الوجوب به كون المال تحت سلطنته في أداء الدين منه.

و المفروض ان الزكاة المستحبة لا تخرج المال عن حيطته، و إن قلنا بتعلقها بالعين، و حينئذٍ فيجب أداء الدين مع المطالبة. نعم مع عدم المطالبة، له إخراج الزكاة، فلا يبقى بعدئذٍ موضوع الوجوب ان طالب بعد الإخراج المذكور.

هذا كله على فرض تعلّق الزكاة مطلقاً بالعين، و أما إن قلنا بتعلقها- حتى الواجبة- بالذمة، فمع عدم مطالبة الديان، تقدّم الزكاة بمطالبة الساعي، أو قلنا بعدم جواز التأخير مع وجود المستحق، و إلّا فيتخيّر، كما هو الشأن عند مطالبتهما؛ لعدم وجه للترجيح، إلّا دعوى ترجيح حقوق الناس محضاً على مثل هذا الحق الذي فيه شائبة إضافته إلى اللّٰه تعالى، و لا أقل من احتمالها، فينتهي الأمر حينئذٍ إلى التعيين و التخيير، و قاعدة الاشتغال تقتضي الأول، كما لا يخفى.

هذا في الحقوق الواجبة، أما المستحبة فإن الواجب يقدّم عليها عند المطالبة بلا اشكال، كما هو ظاهر.

(و تستحب) الزكاة أيضاً (في الخيل بشروط) ثلاثة: (الحول، و السوم، و الأنوثة)، و شرط رابع ضمه المحقق الثاني هو: عدم كونها عوامل (1).

أما أصل الاستحباب؛ فللجمع بين المثبتات من النصوص و النافيات، بالحمل على الفضيلة.

و أما شرطية الحول و السوم فلما في نص محمد بن مسلم و زرارة، من وضع أمير المؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، و جعل على البراذين ديناراً (2).

و أما الأنوثة فلما في نص آخر: «و ليس على الخيل الذكور شي‌ء» (3)، بعد إثباته على الإناث المنتجة.

و أما كونها غير عوامل، فلما في ذيل هذه الصحيحة من قوله: «إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك فليس فيه شي‌ء»، بناءً على عموم «ما سوى» للعوامل التي لا تكون مرسلة في مرجها عامها. و لو لا ذلك لأشكل ذلك بالتعدّي عن الواجبة إلى المستحبة، و لو لقاعدة الملازمة، لما استشكلنا بعدم تماميتها بنحو تكون حجة في قبال الإطلاقات.

(فيخرج) بمقتضى النص الآنف (عن العتيق ديناران، و عن


1) جامع المقاصد 3: 29.

2) وسائل الشيعة 6: 51 باب 16 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 1.

3) وسائل الشيعة 6: 51 باب 16 من أبواب ما تجب و ما تستحب فيه الزكاة حديث 3.

البرذون دينار واحد).

(و يستحب) أيضاً (فيما يخرج من الأرض- عدا الأجناس الأربعة- من الحبوب بشرط حصول شرائط الوجوب في الغلات، و تخرج كما تخرج منها) باختلاف ما يسقى سيحاً و ما يسقى دلاء، على ما تقدّم تفصيله، مع الاستشكال في الكلية المزبورة، لو لا أطباق الكلمات على ذلك، و اللّٰه العالم.