ghaemiyeh.com
نام كتاب: الاجتهاد و التقليد( الفوائد الحائرية) موضوع: فقه استدلالى نويسنده: بهبهانى، محمد باقر بن محمد اكمل تاريخ وفات مؤلف: 1205 و يا 1206 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: مجمع الفكر الإسلامي تاريخ نشر: 1415 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران ملاحظات: مباحث اجتهاد و تقليد كتاب در برنامه قرار گرفته است
شماره بازيابي:۵-۴۶۵۹
شماره كتابشناسي ملي:ع۴۶۵۹/۴
سرشناسه:بهبهاني، محمدباقربن محمد اكمل، ۱۱۱۸؟ - ۱۲۰۵؟ق
عنوان و نام پديدآور:الاجتهاد و التقليد[نسخه خطي]محمدباقربن محمد اكمل وحيد بهبهاني
وضعيت استنساخ:ق۱۲۲۰
آغاز ، انجام ، انجامه:آغاز نسخه: "بسمله، اعلم انالله لم يخلق الخلق عبثا و لا اهملهم سدي بل خلقهم بقدرته"
انجام نسخه: "و يمكنه استعلام الحال في كل واحد منها بعد ملاحظة ما ذكرنا ولو يسرالله و وفق لنتوجه الي كل في رسالة عليحدة بما يوفقني و يهديني من التوضيح و التنقيح"
: معرفي كتاب: رسالهاي است در هفت فصل در بيان مقدمات اجتهاد و كيفيت و اقسام آن. گاهي همين رساله با عنوان الاجتهاد و الاخبار با اندكي تغيير در آغاز آن نيز معرفي شده است. نيز رجوع گردد به شماره "۳۲۰۸/۱/ع" ج. ۱۵ ملي
مشخصات ظاهري:برگ: ۱۷۷-۱۲۳، سطر ۲۲، اندازه سطور ۹۰x۱۵۰، قطع ۲۳۰x۱۵۵
يادداشت مشخصات ظاهري:نوع كاغذ: فرنگي نخودي
خط: نسخ
تزئينات جلد: تيماج قهوهاي روشن، مقوايي، ضربي، جداول، ترنج و سرترنج، اندرون جلد آستري كاغذي
فرسودگي، ناقص بودن صفحات: وصالي لبههاي اوراق
توضيحات نسخه:نسخه بررسي شده .
صحافي شده با ::الفوائد الحائرية القديمة/ محمدباقربن محمد اكمل وحيد بهبهاني812020
عنوانهاي ديگر:الاجتهاد و الاخبار
موضوع:اصول فقه شيعه -- قرن ق۱۲
اكتسب علم الأصول في عصر الشيخ حسن بن زيد الدين الشهيد الثاني (صاحب المعالم) (المتوفّى 1011 ه) (1)حدّا كبيرا من النضج و المنهجيّة في كتاب (معالم الأصول) لهذا الفقيه الجليل. و قد استمرّ هذا الكتاب إلى اليوم الحاضر محورا للتدريس في المراحل الأوّليّة من دراسة هذا العلم، و محورا للتحقيق و من أهمّ التحقيقات التي كتبت حول هذا الكتاب حاشية الشيخ محمّد تقي رحمه اللّه و هي من أفضل ما كتب في هذا العلم.
و قد سئل الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه اللّه بعد أن شاع كتاب فرائد الأصول لم لم يشفع المباحث العقليّة التي دوّنها في كتابه الجليل (فرائد الأصول) بكتاب آخر في مباحث الألفاظ لتكتمل عنده دورة كاملة في
1) الذريعة 21: 198.
الأصول فقال رحمه اللّه إنّ الشيخ محمّد تقي الأصفهاني أغنانا عن ذلك بما كتبه من التعليقة على المعالم.
إلاّ أنّ حدثا جديدا طرأ على هذا العلم، فقد ظهر في هذه الفترة اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيخ على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (المتوفّى 1036 ه) (1)مؤلّف كتاب (الفوائد المدنيّة) في الاستغناء عن القواعد العقليّة. و عرف هذا الاتّجاه الجديد ب (الأخباريّة) في مقابل المدرسة الأصوليّة السائدة في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة.
و رغم أنّ الأمين الأسترآبادي يحاول أن يبرز لهذا الاتّجاه عمقا تاريخيّا يمتدّ إلى عصر الصدوقين و الفقهاء الأوائل و لكن من الواضح أنّ هذا الاتّجاه بأبعاده و خصائصه و قواعده- الّذي يذكره الأمين الأسترآبادي في (الفوائد المدنيّة)- اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.
و قد كاد هذا الاتّجاه الجديد أن يحدث صدعا في الاجتهاد عند الشيعة لو لا أنّ الفقهاء و الأصوليّين وقفوا أمام هذا التوجّه و دافعوا عن الطابع العقليّ للأصول ممّا أدّى إلى تقلّصه و تراجعه بالتدريج و ضعفه عن مواصلة التحرّك و التأثير على الوسط الفقهي في المدارس الشيعيّة.
و يبدو أنّ الخلفيّة التي كانت من وراء ظهور هذه المدرسة هي التخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، و الابتعاد عن النصّ الشرعي، كما حدث ذلك لمدرسة الرّأي عند أهل السنّة، حيث
1) رياض العلماء 5: 36. و في الذريعة 16: 358، توفّي سنة 1033.
استدرجهم اعتماد الرّأي إلى القياس و الاستحسان و محاولة استنباط أحكام اللّه تعالى بمثل هذه المصادر الظنّيّة التي لا تغني عن الحقّ شيئا.
غير أنّ الأمين الأسترآبادي و من جاء بعده من أعلام الأخباريّين غالوا في هذا التحفّظ و التخوّف حتّى أدّى بهم ذلك إلى موقف سلبي من العقل و الملازمات العقليّة و التشكيك في حجيّة الأحكام العقليّة إلاّ ما كان له مبدأ حسّي أو قريب من الحسّ كالرياضيّات.
و قد وجدت أنّ كلمات الأخباريّين مضطربة و مختلفة في أمر اعتماد العنصر العقليّ في الاجتهاد حتّى أنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه استقرب في كتابه (كفاية الأصول) أن يكون مقصود الأخباريّين واحدا من اثنين أحدهما كبروي و الآخر صغروي، أمّا الأمر الكبروي فهو منع الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي (بين ما يجب بالعقل و ما يجب بالشرع)، و أمّا الأمر الصغروي فهو التشكيك في إمكان الوصول إلى نتائج قطعيّة من المقدّمات العقليّة و أنّ نتائج المقدّمات العقليّة لا تزيد على أن تكون أحكاما ظنيّة.
و يعتقد المحقّق الخراسانيّ أنّ كلمات الأخباريّين و لا سيّما في كتاب (الفوائد المدنيّة) لا تفقد الدليل على وجود مثل هذا الاتّجاه السلبي تجاه العقل (1).
و لو أنّ علماء الأخباريّين كانوا يستوعبون الموقف السائد في المدرسة
1) راجع كفاية الأصول ص 311.
الأصوليّة في التفريق بين الظنّ و الرّأي الّذي لا يغني عن الحقّ من جانب و بين حكم العقل القطعي من جانب آخر لما سلكوا هذا المسلك العسير من الرّأي.
فإنّ الحجّة عند الأصوليّين هو الدليل الّذي يثبت متعلّقه ثبوتا قطعيّا سواء كانت حجيّته ذاتيّة و هو القطع (العلم) أو كانت حجّيّته عرضيّة و هي الطرق و الأمارات التي تثبت حجّيّتها بدليل قطعي و حجّيّة القطع ذاتيّة لا يمكن أن تناله يد التشريع لا سلبا و لا إيجابا فإنّ القطع هو انكشاف المقطوع به للقاطع، و ما كان كذلك كانت الحجّيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لتحصيل ما هو حاصل بالذات، كما لا معنى لسلبها، و أمّا الأمارات و الطرق الظنّيّة فإنّ حجّيّتها تؤول أخيرا إلى ما يكون حجّة بالذات أخذا بالقاعدة العقليّة المعروفة القائلة (إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).
و من لوازم الحجّيّة العقليّة: المنجزيّة و المعذريّة، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة إذا أصابت الحجّة الواقع، كما يحكم بقبح عقابه و إعذاره على تقدير موافقة الحجّة أصابت الحجّة الواقع أم لا. و هذه القضايا من بديهيّات علم الأصول.
و لا سبيل للنقاش في شيء من ذلك و الأدلّة العقليّة قائمة على هذه البديهيّة.
و أمّا الرّأي الّذي يستند الظنّ و لا يستند حجّة ذاتيّة أو حجّة مجعولة من قبل الشارع قطعا فلا شأن له في الاستنباط.
و لو أنّ الأخباريّين كانوا يستوعبون هذه البديهيّة في الحجّيّة لما حدث هذا الصدع في الاجتهاد، و لما تجاوز الخلاف بينهم و بين الأصوليّين الخلاف الصغروي في قيام الحجّة و عدمها، لا التشكيك في أصل حجّيّة
الأحكام العقليّة و ملازمتها في الشرع في فرض وقوعها و حصولها.
و هذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريّين و الأصوليّين.
و أهمّ المسائل التي اختلفت فيها هاتان المدرستان بعد مسألة حجّيّة العقل و التلازم بين الحكم العقلي و الشرعي هي:
أوّلا: قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثيّة الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل و الإحتجاج بها و عليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة و يصحّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث و هذا هو رأي المدرسة الأخباريّة.
أمّا الأصوليّون فلهم رأي آخر في ما ورد في الكتب الأربعة و يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة: الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف و يأخذون بالأوّلين أو بالثلاثة الأول دون الأخير.
ثانيا: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة و هو رأي للأخباريّين، أمّا الأصوليّون فيذهبون إلى صحّة جريان البراءة في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة و التحريميّة بالعقل و الأدلّة النقليّة.
ثالثا: نفي حجّيّة الإجماع و هو رأي معروف للأخباريّين أمّا الأصوليّين فيتمسّكون بالإجماع إذا كان من الإجماع المحصّل.
رابعا: نفي الإحتجاج بالكتاب العزيز. و قد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث و ذلك لطروّ مخصّصات و مقيّدات من السنّة لعموماته و مطلقاته، و لما ورد من الأحاديث الناهية عن
تفسير القرآن بالرأي.
و مهما يكن من أمر فقد توسّعت هذه الحركة العلميّة و شقّت طريقها إلى الأوساط العلميّة الشيعيّة و فرضت طريقتها على العقليّة الفقهيّة الشيعيّة بفضل الجهود التي بذلها مؤسّس هذه الطريقة الأمين الأسترآبادي رحمه اللّه فقد كان الأمين الأسترآبادي شخصيّة قويّة من الناحية العلميّة، و يبدو على مناقشاته و أبحاثه في كتابه (الفوائد المدنيّة) القدرة على البحث العلمي و الدقّة العلميّة.
و قد أشغلت هذه المعارضة العلميّة التي قادها الأمين الأسترآبادي فقهاء الشيعة فترة من الزمان، و أدخلتهم في صراع لم يكن لهم به عهد من قبل.
و قد يكون الّذي حدث خيرا لهذا العلم فإنّ هذا الصراع قد فتح لهذا العلم فرصا جيّدة للنمو و التكامل و التلاقح ... لم يتمّ لو لا ظروف هذا الصراع.
و ظهر في هذه الفترة نفر من كبار علماء الأصول جاءوا من بعد هذه المعركة الفكريّة التي أثارها الأمين الأسترآبادي ... حاولوا أن يثروا هذا العلم بتحقيقات جديدة و أن يحكّموا بناء هذا العلم و يقنّنوه و يحدثوا في مناهج البحث الأصولي تغييرات جوهريّة.
و هذه الحركة العلميّة التي قام بها هذا النفر من العلماء كان لها دور كبير في إعادة الحيويّة إلى البحث الأصولي و إن لم يكن لها دور حاسم في أضعاف الاتّجاه الأخباري و تطويقه، فقد بقيت المدرسة الأخباريّة رغم ظهور علماء كبار في أصول الفقه في هذه الفترة تتحرّك بقوّة في أوساط الفقه
و الاجتهاد. و لم يتمّ عزل هذه المدرسة إلاّ على يد الفقيه محمّد باقر البهبهاني المعروف على لسان تلاميذه بالوحيد البهبهاني، كما سوف نرى إن شاء اللّه تعالى في هذا البحث.
إلاّ أنّ من الحقّ أنّ العلماء الذين جاءوا في هذه الفترة و ألّفوا و حقّقوا في الأصول كان لهم دور كبير في إنضاج مدرسة الوحيد البهبهاني و الشيخ الأنصاري.
و التحقيقات التي تمّت في هذه الفترة من ظهور مدرسة الأمين إلى ظهور مدرسة الوحيد كان لها تأثير مباشر و قويّ في تنقيح و بلورة و تقنين الفكر الأصولي لدى كلّ من المدرستين اللّتين ظهرتا بعد المدرسة الأخباريّة و هما مدرسة «الوحيد البهبهاني» و مدرسة «الشيخ الأنصاري» و هاتان المدرستان تدينان لهما.
و أبرز العلماء الذين ظهورا في هذه الفترة هم:
الحسين بن رفيع الدين محمّد الحسيني (المتوفّى سنة 1064 ه) (1):
و يعرف ب (سلطان العلماء) لأنّ الشاه عبّاس الصفوي استوزره فترة من الزمان و زوّجه ابنته، كما استوزره الشاه صفي و الشاه عبّاس الثاني، كتب على كتاب (المعالم) تعليقة معروفة فيها كثير من التحقيقات النقديّة لنظريّات صاحب المعالم.
الفاضل التوني (المتوفّى سنة 1071 ه) (2):
ألّف مجموعة من الكتب في الفقه و الأصول، و لكن لم يبق لنا من هذه
المجموعة إلاّ (الوافية) الّذي هو من خير ما ألّف في هذا العلم على ما فيه من إيجاز و قد طبع الكتاب قبل زمن طويل في الهند و نفذ في حينه، و لم يعد لهذا الكتاب وجود و أثر في الأوساط العلميّة حتّى أقدم أخيرا مجمع الفكر الإسلامي بإعادة طبعه و إخراجه بصورة جيّدة، و قد تمّ تحقيق هذه الطبعة بجهود أخينا الجليل السيّد محمّد حسين الكشميري حفظه اللّه و جزاه اللّه خيرا.
و للشيخ الأنصاري في (فرائد الأصول) اهتمام بليغ بهذا الكتاب فهو يذكره و يشيد بآرائه و ينتقده باحترام خاصّ.
و قد سبق الفاضل التوني معاصريه في تنظيم أبواب الأصول و نقد المنهج الأصولي المعمول به لدى العلماء في عصره و من قبلهم. فهو يرى أنّ علم الأصول ينقسم إلى شطرين، مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة و هو التقسيم المعمول به إلى حدّ ما حتّى اليوم. و يرى أنّ مباحث مقدّمة الواجب و الضدّ و المفاهيم يجب أن تندرج في المباحث العقليّة دون مباحث الألفاظ في الوقت الّذي كان العلماء المعاصرون له و من قبلهم يدرجون هذه المباحث في بحث الألفاظ.
و حتّى اليوم، فإنّ المنهج المعمول به و المتعارف في الكتب الأصوليّة و دروس الأصول هو درج هذه الأبحاث في مباحث الألفاظ، فالمحقّق الخراسانيّ مثلا وضع هذه المباحث في المجلّد الأوّل من كتابه (كفاية الأصول) و هو المجلّد الخاصّ بمباحث الألفاظ ... و في (الوافية) يضع الفاضل التوني هذه المباحث ضمن الأبحاث العقليّة تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) و قد وجدنا من المتأخّرين المحقّق الشيخ محمّد الحسين الأصفهانيّ يلتزم بهذا النظم إلى حدّ مّا في كتابه القيّم الّذي وضعه في أصول الفقه و هو: (الأصول
على النهج الحديث).
و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.
و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشيء الكثير.
و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين رحمه اللّه و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.
المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه) (1):
خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت عليهم السلام طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.
و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...
و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين
1) رياض العلماء 2: 58.
أدخلوا الدقّة العقليّة في أبحاث هذا العلم و التي استمرّت فيما بعد، و كانت صفة متميّزة للدراسات الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة.
و لا تزال كلمات هذا العالم المحقّق موضع عناية و اهتمام المحقّقين من علماء الأصول حتّى اليوم.
المحقّق الشيرواني (المتوفّى سنة 1099 ه) (1):
لديه تعليقة معروفة على المعالم، أكمل دراساته في النجف و طلب منه الملك سليمان الصفوي أن ينتقل إلى أصفهان فانتقل إليها و تخرّج على يده جمع من العلماء، منهم مؤلّف (الرياض).
و تحقيقات هذا العالم الجليل حول محور كتاب (المعالم) تدلّ على عمق و دقّة و استيعاب.
رغم ظهور علماء كبار في هذه الفترة في العراق و إيران (في النجف و كربلاء و أصفهان) من أمثال الفاضل التوني و المحقّق الخوانساري فإنّ الاتّجاه الأخباري بقي قويّا و نافذا و متحرّكا في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة في (العراق) و (البحرين) و (إيران) و (جبل عامل) و هي الأوساط الفقهيّة الشيعيّة الأربعة المعروفة في ذلك الوقت.
و نحن نجد في هذه الفترة دعوة قويّة إلى هذا الاتّجاه من قبل علماء معروفين في هذه الحواضر الأربعة درسوا و ألّفوا و حقّقوا على الطريقة الأخباريّة و منحوا هذه الطريقة قوّة و عمقا. و كان من أبرزهم و أفقههم الفقيه
1) أعيان الشيعة 9: 142.
الجليل المحقّق صاحب (الحدائق الناضرة) رحمه اللّه.
و قد استمرّ هذا الصراع قائما خلال هذه الفترة في حواضر الفقه الإمامي.
و لا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع و توسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يوم ذاك يحكمون إيران و العراق. و هما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت عليهم السلام، و كانوا يتقرّبون إلى الفقهاء، و يقرّبونهم، و يضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة. و يدعمون حكمهم بتأييد و دعم الفقهاء، و قد استضافوا خلال هذه الفترة جمعا غفيرا من العلماء من جبل عامل و العراق و البحرين.
و لكنّ الّذي يتتبّع سير الأمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، و رغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة ملكهم كانوا يراقبون اتّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم و فيما بين الناس بقلق ... و قد كان ذلك يؤدّي بهم أحيانا إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من أصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقّق الكركي رحمه اللّه. فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم و سلطانهم و شعبيّتهم. و لنا أدلّة و شواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها و دراستها.
و على ذلك فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دور في اتّساع رقعة الخلاف و تعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخباريّة و الأصوليّة).
و مهما يكن من أمر فقد اتّسعت دائرة هذا الصراع، و اكتسب عمقا أكثر ممّا يستحقّ، و كاد أن يكون له دور سلبي في نموّ و تكامل هذا العلم الشريف الّذي لا بدّ منه في الاجتهاد.
و شاء اللّه أن يحتدم هذا الصراع الفكري في كربلاء بين اثنين من أبرز فقهاء هاتين المدرستين، و أكثرهما عمقا و إنصافا و دينا و ورعا و هما صاحب الحدائق رحمه اللّه و الوحيد البهبهاني رحمه اللّه.
و لنقرأ قصّة هذا الصراع في كربلاء.
انتقل الشيخ يوسف صاحب الحدائق رحمه اللّه إلى كربلاء، و ازدهرت به هذه الحاضرة العلميّة و انتعشت المدرسة الأخباريّة، و كانت هي الاتّجاه السائد للاجتهاد في هذه المدينة المقدّسة يوم ذاك، و كانت الدروس و التحقيقات العلميّة تجري على هذا المنوال.
كان الوحيد البهبهاني (المتوفّى سنة 1206 ه) (1)يوم ذاك في مدينة بهبهان، تعز له هذه المدينة المنزوية عن المشاركة الفعّالة في الصراع الدائر بين هاتين المدرستين، و كان يشعر بفداحة الخسارة لو أنّ الفكر الأصولي انزوى عن الساحة، و فقد دوره في إدارة الاجتهاد و الاستنباط ... فهاجر إلى كربلاء، و انتقل إلى هذا الجوّ العلمي الحافل بالصراع و الأخذ و الردّ، و حضر
1) أعيان الشيعة 9: 182، نقلا عن أمل الآمل.
درس الشيخ يوسف صاحب الحدائق بعض الأيّام. و يومئذ لا يعرفه أحد ممّن حضر درس الشيخ، و لا يعرف ما قدّر اللّه له من دور كبير في هذا الصراع. فقام في بعض الدروس- بعد أن انفضّ الدرس- على قدميه و نادى بجماهير الطلبة الذين كانوا يحضرون دروس الشيخ يوم ذاك بصوت عال:
(أنا حجّة اللّه عليكم) و شرح لهم الأخطار التي تحيق بالاجتهاد بعزل علم الأصول عن الحوزات العلميّة ...
و تحوّلت مدرسة (كربلاء) يومئذ- بعد قدوم هذين العلمين- إلى ساحة لصراع فكري عنيف من أعنف ما يكون الصراع و في نفس الوقت من أنزه ما يكون الصراع بين هاتين المدرستين، و بشكل خاص بين هذين الشيخين الجليلين صاحب الحدائق و الوحيد البهبهاني رحمهما اللّه.
حدّث الشيخ عبّاس القمّي في (الفوائد الرضويّة) عن صاحب (التكملة) عن الحاج كريم «فرّاش الحرم الحسيني الشريف» أنّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه، و ذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم الحسيني الشريف و هما واقفان يتحاوران، و طال حوارهما حتّى حان وقت إغلاق أبواب الحرم فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم و استمرّا في حوارهما و هما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن و هما يتحاوران، فلمّا حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الّذي ينفتح على القبلة، و استمرّا في حوارهما و هما واقفان فتركهما و ذهب إلى بيته و نام، فلمّا حلّ الفجر و رجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرّان في الحوار و النقاش، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى
الحرم ليقيم الصلاة جماعة و رجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن و افترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، و أذّن و أقام و صلّى صلاة الصبح.
و في أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه الفكريّين و يدحض شبهاتهم و يكرّس الاتّجاه الأصولي و يعمّقه.
و لا بدّ أن نقول مرّة أخرى اعترافا بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف (الحدائق): إنّ تقوى الشيخ و خلوصه و صدقه و ابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الّذي جرى على يد الوحيد في كربلاء، و لو كان الشيخ يوسف يبتغي الجدل العلمي في حواره مع الوحيد البهبهاني لطالب محنة هذه المدرسة الفقهيّة، و اتّسعت مساحة الخلاف فيها، و تعمّق فيها الخلاف، و لكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا اللّه و الحقّ على أيّ شيء آخر، و مكّن الوحيد البهبهاني في حركته الإصلاحيّة العلميّة.
و من غرائب ما يروى عن هذا العبد الصالح، أنّ الوحيد كان يحظر على تلاميذه حضور دروس الشيخ يوسف، و لكنّ الشيخ في المقابل كان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الوحيد، و كان يقول كلّ يعمل بموجب تكليفه، و يعذر الوحيد في ذلك، و هو نموذج رائع من نماذج سعة الصدر و التقوي في فقهائنا الأعلام.
و نشط الوحيد البهبهاني يومئذ في التدريس و حفل درسه بفضلاء الطلبة و علماء كربلاء، و برز في مجلس درسه عدد كبير من العلماء و المحقّقين و المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه.
و لو تحرّينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر وجدنا أنّهم جميعا يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني و لذلك يطلق عليه (أستاذ الكلّ)
أو (الأستاذ الأكبر) و هو لقب يختصّ به هذا المحقّق الجليل.
خلف الوحيد البهبهاني من بعده كتبا قيّمة من آثاره و أفكاره، يقول تلميذه الشيخ أبو علي في (منتهى المقال): إنّ تآليف الأستاذ يقرب من ستّين كتابا، و قد خصّص الوحيد البهبهاني جملة من كتبه في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة، و دحض شبهات الأخباريّين، و نظريّاتهم من قبيل رسالة (الاجتهاد و الأخبار) و رسالة (حجّيّة الإجماع) و رسالة (الفوائد الحائريّة) القديمة و رسالة (الفوائد الجديدة) و غير ذلك من التآليف.
و كتب الوحيد متينة و مشحونة بالأفكار الفقهيّة و الأصوليّة، و تعتبر جملة من أفكاره التي دوّنها و التي درّسها لتلاميذه أسسا لعلم الأصول الحديث.
و بعد الوحيد البهبهاني تولّى تلاميذه التدريس و التحقيق في هذا العلم و مارسوا نشاطا واسعا في التحقيق و الإبداع فيه و أثروا الأصول بكثير من الأفكار الجديدة و التحقيقات النقديّة نذكر منهم:
1- المحقّق الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن القمّي (1151 1231 ه) (1)صاحب (القوانين) و هو من أفضل ما كتب في الأصول، في مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة.
1) الكرام البررة 1: 52.
و قد توسّع المحقّق القمّي في بحث حجّيّة الدليل العقلي و في بحث الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي بما لا نجد له نظيرا في أبحاث المتقدّمين عليه و ما يقلّ نظيره في أبحاث المتأخّرين.
2- و من هؤلاء الشيخ أسد اللّه بن إسماعيل الكاظمي (1186- 1234 ه) (1)مؤلّف كتاب (كشف القناع عن حجّيّة الإجماع) و هو كتاب قيّم في البحث عن حجّيّة الإجماع.
3- و الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهانيّ (1248 ه) (2)صاحب الحاشية المعروفة على معالم الأصول باسم (هداية المسترشدين) و هذا الكتاب هو واحد من أبرز و أفضل ما كتب في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، و قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ الأنصاري رحمه اللّه كان يقول: إنّه اكتفي بما كتبه الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ على المعالم عن الكتابة في مباحث الألفاظ و اقتصر فقط في كتابه الفرائد على مباحث القطع و الظنّ و الشكّ.
و لا تزال الآراء التي طرحها الشيخ محمّد تقي في هذا الكتاب تعدّ مادّة للتحقيق و النقد عند المتأخّرين و خاصّة الشيخ الأنصاري رحمه اللّه.
4- و منهم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (1250 ه) (3)صاحب كتاب (الفصول) و هو من الكتب القيّمة في علم الأصول، و كان هذا الكتاب و كتاب (القوانين) من الكتب الدراسيّة في علم الأصول إلى وقت قريب.
5- و محمّد شريف بن حسن علي الآملي المعروف ب (شريف العلماء
توفّي في 1245 ه) (1)و هو من أساتذة الشيخ الأنصاري و تخرّج عليه جمع من كبار العلماء في الأصول، و الشيخ الأنصاري يذكر آراء أستاذه الشريف باحترام و إكبار.
6- و الشيخ ملاّ أحمد النراقي (المتوفّى في 1245 ه) (2)من أساتذة الشيخ الأنصاري، له كتاب (مستند الشيعة) في الفقه و كتاب (عوائد الأيّام) في جملة من القواعد الفقهيّة و الأصوليّة.
7- و السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفّى سنة 1227 ه) (3)تتلمذ على الوحيد البهبهاني و ألّف في الأصول (المحصول في علم الأصول) و (الوافي في شرح الوافية).
و هؤلاء هم من أبرز رجال هذه المرحلة من تاريخ علم الأصول، و قد ساهموا بدور فعّال في إيضاح الفكر الأصولي و تعميقه و نقده و تنميته ...
و لا شكّ أنّ الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام كان له تأثير فعليّ في ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري بعد مدرسة الوحيد البهبهاني.
و الّذي يقرأ كتاب (الفوائد الحائريّة) للوحيد و (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري يلمس بوضوح أثر الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام قبل و بعد الوحيد في تكوين هذه المدرسة و تلك و بلورة الأفكار و التحقيقات الفكريّة التي جاء بها الوحيد و الشيخ الأنصاري رحمهما اللّه.
و فيما يلي سوف نحاول إن شاء اللّه إبراز أهمّ النظريّات الأصوليّة التي ابتكرها هذا الفقيه المجدّد في علم الأصول في كتابه القيّم (الفوائد الحائريّة) لنعرف القيمة العلميّة الرائدة لهذا الأثر العلمي الجليل.
فإنّ هذا الكتاب الجليل يعتبر في الحقيقة فتحا من أهمّ الفتوحات العلميّة المعاصرة في هذا العلم الشريف.
و تقويم هذا الكتاب و دراسته و معرفة موقعه من علم الأصول الحديث يحتاج إلى استقراء سريع للنظريّات التي أبدعها هذا الفقيه الجليل و ربطها بالتطوّرات التي ألحقها الفقهاء من بعده بهذه النظريّات للتمكّن من معرفة الدور الرائد لنظريّات الوحيد رحمه اللّه في علم الأصول.
و إليك عرضا و شرحا موجزا لأهمّ هذه النظريّات:
1- التفريق بين الأمارات و الأصول:
يبدو أنّ الجذور الأولى لفكرة التفريق بين الأمارات و الأصول تعود إلى الوحيد البهبهاني رحمه اللّه و من قبل الوحيد لم يكن الفقهاء يفرّقون بين هذين النوعين من الحجج و الأدلّة. كما إنّ فقهاء المذاهب الأربعة لا يميّزون لحدّ اليوم بين الأمارات و الأصول و يدرجون الأمارات و الأصول كلّها في سياق البحث عن الأدلّة و الحجج.
و لأوّل مرّة نلتقي بدايات هذا التمييز عند الوحيد البهبهاني.
فقد ذكر الشيخ الأنصاري رحمه اللّه في بداية المقصد الثالث (من فرائد الأصول) أنّ التمييز بين الأمارات و الأصول و تسمية الأمارات بالأدلّة الاجتهاديّة و الأصول بالأدلّة الفقاهتيّة كان من الوحيد البهبهاني.
و قد استعرضت كتابي الفوائد الحائريّة للوحيد رحمه اللّه القديم و الحديث فلم أظفر بهذا المصطلح الّذي نقله الشيخ عن الوحيد و يمكن أن يكون ذلك في غير هذين الكتابين من مصنّفات الوحيد.
و لعلّ المناسبة التي اقتضت تسمية الأمارات و الطرق نحو خبر الواحد و الإجماع و الشهرة بالأدلّة الاجتهاديّة، و الأصول من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب بالأدلّة الفقاهتيّة، هو ما ورد في تعريف الاجتهاد بأنّه تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي و ما ورد في تعريف الفقه بأنّه العلم بالحكم الشرعي.
و مهما يكن من أمر فإنّ فكرة الأصول و التفريق بينها و بين الأمارات اختمرت كما يظهر لأوّل مرّة لدى الوحيد البهبهاني حيث وجد أنّ الأدلّة الشرعيّة الموصلة إلى الحكم الشرعي (الأعمّ من الواقعي و الظاهري) على نحوين و ليست على نحو واحد.
فهناك طائفة من الأدلّة يوظّفها المجتهد للوصول إلى الأحكام الإلهيّة الواقعيّة و الكشف عنها، كالسنّة و الإجماع و الشهرة مثلا.
و هذه الأدلّة هي مجموعة الطرق و الأمارات التي يستخدمها المجتهد أو مطلق المكلّف للوصول إلى الأحكام الشرعيّة الواقعيّة غير أنّها قد تصيب و قد لا تصيب الأحكام الواقعيّة، و تكون حالة الإصابة فيها ظنّيّة، و هي الأدلّة التي اصطلح الوحيد البهبهاني رحمه اللّه على تسميتها ب (الأدلّة الاجتهاديّة) و طائفة أخرى من الأدلّة تقع في امتداد هذه الأدلّة في طولها و ليس في عرضها يوظّفها المكلّف للوصول إلى الوظائف الشرعيّة المقرّرة للجاهل في ظرف الجهل بالحكم الشرعي، كالبراءة بالنسبة إلى المكلّف في ظرف الشكّ في التكليف و الاحتياط المقرّر في ظرف الشكّ في المكلّف به،
فإنّ كلاّ من البراءة و الاحتياط وظائف للمكلّف في ظرف الشكّ في التكليف بالنسبة إلى البراءة و في المكلّف به بالنسبة إلى الاحتياط فلا ينهض دليل البراءة و الاحتياط بأكثر من تحديد الوظيفة المقرّرة للجاهل عند الشّك في التكليف و المكلّف به، و لا يدّعي المكلّف خلو الواقعة من التكليف في مورد الشكّ في التكليف و لا يدّعي ثبوت الحكم الشرعي في مورد الشكّ في المكلّف به و إنّما هما وظيفة عمليّة مقرّرة للمكلّف تخرجه عن الحيرة في ظرف الجهل و الشكّ بالحكم الشرعي.
و هذه الطائفة من الأدلّة هي التي اصطلح الوحيد البهبهاني رحمه اللّه على تسميتها ب (الأدلّة الفقاهتيّة).
و واضح أنّ علاقة هاتين الطائفتين من الأدلّة بعضها ببعض علاقة طوليّة، تقع بموجبها الطائفة الثانية في طول الطائفة الأولى و يحقّ للمكلّف الفقيه استخدامها عند ما يعجز عن استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة، و لا مجال لها عند إمكان استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة.
فتتقدّم إذن الطائفة الأولى من الأدلّة على الطائفة الثانية غير أنّي لم أجد في كلمات الوحيد رحمه اللّه في الفوائد القديمة و الجديدة توضيحا دقيقا لتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة.
و قد يكون الشيخ الأنصاري رحمه اللّه هو أوّل من مكّنه اللّه تعالى من التفريق بين موارد استعمال الأدلّة الاجتهاديّة و الفقاهيّة و تقنين العلاقة بينهما بتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة، و تقديم الأدلّة الفقاهيّة بعضها على بعض، و تنظيم علم الأصول بموجب ذلك على أساس جديد و منهجيّة جديدة ثبتت إلى اليوم الحاضر.
التنظير و التقسيم للشكّ:
يغطّي مباحث الشكّ في علم الأصول الحديث مساحة واسعة من هذا العلم، إن لم يغطّ معظم مسائل و مباحث هذا العلم، و ذلك لأنّ الأصول العمليّة جميعا تندرج في مباحث الشكّ، و مباحث الأصول العمليّة من أوسع و أهمّ مباحث هذا العلم.
و لم يكن للشكّ في دراسات القدماء، للأصول عنوان خاصّ و باب معيّن، فضلا من أن يغطّي هذا العنوان مساحة واسعة كالمساحة التي يستوعبها هذا العنوان من علم الأصول في كتاب (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري و ما صدر بعد هذا الكتاب من الدراسات الأصوليّة.
و الشيخ الأنصاري رحمه اللّه هو رائد أوّل تنظيم منهجيّ لمباحث الشكّ في علم الأصول من دون شكّ، كما هو رائد التنظيم المنهجي الحديث للمباحث العقليّة عموما، و التي تشمل مباحث القطع و الظنّ و الشكّ، و لكنّ الوحيد البهبهاني هو مؤسّس التنظير الحديث للشك، و تقسيم الشكّ إلى الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، و هذا الفتح في هذا العلم ممّا يسّره اللّه تعالى لهذا العبد الصالح الّذي آثره اللّه بفتوحات جمّة في هذا العلم و ليس من شكّ أنّ علم الأصول الحديث مدين في هذا التنظير و التقسيم للشكّ للوحيد البهبهاني رحمه اللّه.
و ما استنبطه الوحيد رحمه اللّه من الوظيفة لكلّ من حالتي الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، بحكم العقل، ممّا لا نجد له ذكرا واضحا بصورة منهجيّة و منظّمة في آثار المحقّقين من علماء الأصول ممّن سبقوا الوحيد رحمه اللّه و نحن فيما يلي نستعرض كلمات الوحيد رحمه اللّه تعالى في أقسام الشكّ.
يقسّم الوحيد البهبهاني رحمه اللّه الشكّ إلى قسمين:
1- الشكّ في التكليف.
2- الشكّ في المكلّف به.
و الوظيفة العمليّة العقليّة التي استنبطها الوحيد رحمه اللّه لكلّ من هذين القسمين هي:
1- البراءة العقليّة في موضع الشكّ في التكليف بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقليّة.
2- الاشتغال و الاحتياط في موضع الشكّ في المكلّف به بموجب القاعدة العقليّة (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و فيما يلي سوف نتحدّث عن آراء الوحيد رحمه اللّه في هذه النقاط، و نتوسّع في ذكر هذه النقاط و الإشارة إلى الآراء المتأخّرة عن الوحيد البهبهاني رحمه اللّه بقدر ما نستطيع أن نوصل الحاضر بالماضي، و نتعرّف على الدور الرائد لهذا العالم المحقّق في علم الأصول الحديث.
أقسام الشكّ:
انتبه الوحيد البهبهاني رحمه اللّه إلى أنّ شكّ المكلّف من حيث المتعلّق على نوعين و ليس نوعا واحدا، أحدهما يتعلّق بالتكليف و الآخر يتعلّق بالمكلّف به و الاشتباه بينهما يؤدّي إلى أخطاء منهجية كبيرة.
و للعقل في كلّ منهما حكم يختلف عن حكمه في الآخر و هو البراءة العقليّة في مورد الشكّ في التكليف، و اشتغال الذمّة و الاحتياط في مورد الشكّ في المكلّف به.
و قد يكون السبب في تمسّك الأخباريّين بالاحتياط في مورد الشبهة
الحكميّة التحريميّة هو عدم التمييز الدّقيق بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به.
و قد استنبط الوحيد لحكم العقل في مورد الشكّ في التكليف قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) و استند إلى هذه القاعدة في كلّ مورد من موارد الشكّ في التكليف، كما استنبط لحكم العقل في مورد الشكّ في المكلّف به قاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني).
و قد نهج من جاء بعد الوحيد رحمه اللّه هذا النهج في الأصول العمليّة، و وضعوا هذا التمييز بين الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به أساسا للتمييز بين موارد البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي، كما تمسّكوا بهاتين القاعدتين، عدا الفقيه الشهيد الصدر رحمه اللّه الّذي خالف المشهور من الأصوليّين في التشكيك في القيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و لكن إذا كان الوحيد رحمه اللّه قد وضع مفتاح هذه المسألة الأصوليّة بيد علماء الأصول، فإنّ من الحقّ أن نقول: أنّ الشيخ الأنصاري رحمه اللّه كان أوّل من وضع هذين الأصلين، على أسس علميّة متينة و قنّنهما و قعدهما على قواعد علميّة محكمة، و بحثهما بحثا علميّا مستوفيا ضمن منهجيّة علميّة متينة لا تزال قائمة حتّى اليوم.
و نحن فيما يلي نتحدّث إن شاء اللّه حول كلمات الوحيد البهبهاني في التمييز بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به. و جريان البراءة في الأوّل و الاحتياط في الثاني و التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في المورد الأوّل و بقاعدة الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني في المورد الثاني.
الشكّ في التكليف و المكلّف به:
يقول الوحيد رحمه اللّه في الفوائد القديمة في التفريق بين الشكّ في أصل التكليف و الشّكّ في المكلّف به (أي الشّكّ في الخروج عن عهدة التكليف الثابت بالقطع):
«فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة حتّى يثبت التكليف، و يتمّ الحجّة، و أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو الترك مطلقا.
و أمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة، فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع و الأخبار، و تثبت أيضا من العقل و النقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع، و معلوم أنّ معناها هو الإتيان لما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان.
و ممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحد بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة و لم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة، يجب عليه أن يأتي جميعا حتّى يتحقّق الامتثال» (1).
و فيما يلي إيضاح و شرح لهذا الإجمال:
1) الفوائد الحائريّة القديمة: 319 322.
التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به:
التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به يسير في مقام المفهوم و عسير و صعب في موضع تشخيص و فرز مصاديق و مفردات الشّكّ في التكليف عن الشّكّ في المكلّف به.
أمّا من حيث التمييز في المفهوم فإنّ الشّكّ قد يكون في أصل التكليف كما لو شككنا في التكليف بزكاة مال التجارة مثلا. و قد يكون الشّكّ في المكلّف به و هو أمر آخر يختلف عن الشّكّ في التكليف اختلافا واضحا و يكون فيه التكليف واضحا عند المكلّف إلاّ أنّه يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف بامتثال ما يشكّ في كونه مصداقا للمكلّف به بهذا التكليف، كما إذا شككنا في أنّ الصلاة المكلّف بها ظهر يوم الجمعة هو الجمعة أم الظهر؟
أو الصلاة المكلّف بها على نقطة رأس أربع فراسخ هي القصر أم التمام؟
فليس يشكّ المكلّف أنّ عليه تكليفا من اللّه تعالى بالصلاة ظهر يوم الجمعة و لا يشكّ أنّ عليه تكليفا بالصلاة على رأس أربع فراسخ، و لكنّه يشكّ في أنّ الّذي كلّفه اللّه تعالى (المكلّف به) هو صلاة الجمعة أو الظهر في المورد الأوّل و القصر أو التمام في المورد الثاني.
و خلاصة الكلام في هذا التمييز أنّ الشّكّ في المكلّف به لا يكون إلاّ بعد العلم بالتكليف بينهما يشكّ المكلّف في أصل التكليف في حالة الشّكّ في التكليف، و هو أمر واضح.
إلاّ أنّ هذا التوضيح وحده لا يكفي في التمييز بين موارد الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به في المصاديق التي يشتبه أمرها بين هذين الشكّين و لا بدّ أن يستخدم الفقيه المقاييس بدقّة ليتمكّن من فرز موارد البراءة عن موارد الاحتياط.
أقسام الشّكّ الأربعة:
و لكي نلقي بعض الضوء على هذه الموارد نقول:
إنّ للشكّ أربع حالات:
1- الشّكّ في أصل التكليف و هو الإلزام و الحكم بالإيجاب أو التحريم.
2- الشّكّ في متعلّق التكليف، كالصلاة و الزكاة و شرب الخمر الّذي يتعلّق به حكم إلزامي بالإيجاب أو التحريم.
3- الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) كالخمر في الحكم بتحريم شرب الخمر و النقدين و الغلاّت و الأنعام في وجوب الزكاة فيها.
4- الشّكّ في شروط التكليف العامّة، كالبلوغ و العقل، و الخاصّة، كالاستطاعة الماليّة في الحجّ.
تشخيص مواضع الشّكّ في التكليف:
و ضابط الشّكّ في التكليف:
1- هو ما كان الشّكّ في أصل التكليف الإلزاميّ و هو الأمر الأوّل كما لو شككنا في وجوب زكاة مال التجارة أو حرمة شرب التبغ.
2- و ما كان الشّكّ في الموضوع (متعلّق المتعلّق) و هو الأمر الثالث، فإنّ الموضوع يدخل لا محالة في فعليّة التكليف سلبا أو إيجابا، فلا يكون الحكم بحرمة شرب الخمر فعليّا في حقّ المكلّف إلاّ بتشخيص الخمر و ما لم يشخص الخمر و يعلم بأنّ المائع الّذي بين يديه من الخمر المسكر لا ينجز عليه الحكم بحرمة شربه و لا يكون الحكم في حقّه فعليّا.
و كذلك حكم الزكاة لا يكون فعليّا ما لم يحرز المكلّف ملكيّته للنقدين
و الغلاّت و الأنعام.
3- و ما كان الشكّ في شروط و قيود التكليف العامّة و الخاصّة (و هو الرابع) كالشكّ في البلوغ أو الشّكّ في الاستطاعة أو الشّكّ في حلول الوقت فإنّ الشّكّ فيها من الشّكّ في أصل التكليف بالضرورة.
الشّكّ في هذه الموارد جميعا يكون من الشّكّ في أصل التكليف و يكون المورد موردا للبراءة بلا كلام.
تشخيص مواضع الشّكّ في المكلّف به:
و أمّا ضابط الشّكّ في المكلّف به فهو:
1- أن يكون الشّكّ في المكلّف به (متعلّق التكليف) رأسا (و هو الأمر الثاني) كما لو شكّ أنّه قد صلّى الظهر أو لم يصلّ و هو من الشّكّ في الامتثال.
2- أو كان الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) (و هو الأمر الثالث) إذا كان يعلم بوجوده في الخارج و في دائرة ابتلائه و متناوله، و لكنّه كان يتردّد في تشخيصه بين مجموعة من المصاديق كما لو علم بوجود الخمر في مجموعة من السوائل بين يديه، إلاّ أنّ الخمر كان مشتبها بين هذه السوائل فلا يكاد يميّزه عن غيره من السوائل، فإنّ حرمة الشرب لا محالة فعليّة لوجود الخمر بين يديه، و اشتباهه بين مجموعة محدودة من السوائل لا يرفع فعليّة حرمة شرب الخمر و لا يجوز له تناوله، كما كان يجوز له ذلك في الشبهة البدويّة الموضوعيّة إذا اشتبه في سائل أنّه خمر أم لا، فيكون المورد من موارد الشّكّ في المكلّف به.
و كذا لو اشتبه أمر القبلة عليه، فإنّ وجوب التوجّه إلى القبلة في الصلاة يبقى فعليّا و لا يسقط فعليّة وجوب التوجّه إلى القبلة باشتباه القبلة
بين الأطراف الأربعة و على المكلّف أن يحتاط حتّى يحرز القبلة بحسب القواعد، لو لا وجود النصوص الخاصّة في البين. و هذا المورد كذلك من موارد الشّكّ في المكلّف به، و هو مجرى الاحتياط كما علمنا.
و الخلاصة أنّ الشّكّ في التكليف و الشّكّ في الموضوعات و القيود و الشروط التي لها دخل في فعليّة التكليف، و الشّكّ في كلّ ما من شأنه أن يستتبع الشّكّ في التكليف يعتبر من الشّكّ في التكليف و ما عدا ذلك يعتبر من الشّكّ في المكلّف به.
أقسام الشّكّ في التكليف:
و الشّكّ في التكليف على أقسام متعدّدة:
لأنّ الشّكّ في التكليف قد يكون في الشبهة الحكميّة (كالشكّ في حلّيّة لحم الأرنب)، و قد يكون في الشبهة الموضوعيّة (كالشكّ في طهارة الكحول، فإنّ منشأ هذا الشّكّ هو الشّكّ في مصداقيّة الكحول للمسكرات، و ليس من الشّكّ في نجاسة المسكر، و إنّما الشّكّ في أنّ الكحول من مصاديق المسكر أم لا).
و على كلّ حال فإنّ الشبهة قد تكون وجوبيّة كالشكّ في وجوب جهاد الكفّار ابتداء، و قد تكون تحريميّة كالأمثلة المقدّمة في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة.
و هذه أربعة أقسام رئيسيّة للشكّ في التكليف، و منشأ الشبهة الحكميّة (بقسميها الوجوبيّة و التحريميّة) قد يكون فقدان النصّ، و قد يكون إجمال النصّ، و قد يكون تعارض النصّين.
و الحكم في جميع هذه الأقسام واحد و هو البراءة عدا بعض الأقسام
منها.
و قد أفرد الشيخ الأنصاري رحمه اللّه و من تبعه من الأصوليّين هذه الأقسام بشروح مستقلّة، إلاّ أنّ الخلاف المعروف بين الأصوليّين و الأخباريّين هو في خصوص الشبهة الحكميّة التحريميّة فقط، حيث ذهب الأخباريّون في موردها إلى التوقّف أو الحرمة و ذهب الأصوليّون فيها إلى البراءة قولا واحدا.
و لا خلاف يذكر بين هاتين المدرستين في غير هذا المورد.
أقسام الشّكّ في المكلّف به:
و من التوضيح السابق نستطيع أن نصنّف الشّكّ في المكلّف به إلى قسمين رئيسيّين: ما لا يقترن الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي، و ما يقترن فيه بالعلم الإجمالي.
و القسم الأوّل و هو ما لا يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي يكون مرجعه لا محالة إلى الشّكّ في امتثال المتعلّق (المكلّف به) كما لو شكّ في الإتيان بصلاة الظهر، و هو من أظهر مصاديق الشّكّ في امتثال المكلّف به بعد العلم بالتكليف و هو مجرى الاحتياط قطعا.
و القسم الثاني و هو ما يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي و في هذا القسم قد يكون متعلّق العلم الإجمالي هو متعلّق التكليف، كما لو تردّد في التكليف يوم الجمعة بين صلاة الظهر و صلاة الجمعة. و قد يكون متعلّق العلم الإجمالي و الترديد هو موضوع الحكم (متعلّق المتعلّق) كالخمر في المثال السابق، كما لو علم بوجود الخمر في إناء مردّد بين مجموعة من الأواني، إلاّ أنّه لم يكن يشخّص إناء الخمر بخصوصه، فإن التكليف باجتناب
تناول الخمر يكون تكليفا فعليّا ناجزا لا محالة، و فعليّة التكليف و تنجّزه بالاجتناب عن إناء الخمر يتطلّب الاحتياط باجتناب كلّ الأواني، و اشتباه إناء الخمر بغيره من الأواني لا يضرّ بفعليّة التكليف و تنجّزه على المكلّف، ما دام المكلّف عالما بأصل التكليف، حتّى و إن كان العلم على نحو الإجمال و ليس على نحو التفصيل.
تنجيز العلم الإجمالي في كلمات الوحيد:
و يبحث الوحيد رحمه اللّه في الفوائد عن تنجيز العلم الإجمالي في بحثين:
فيما إذا كانت أطراف العلم الإجمالي محصورة في دائرة صغيرة و محدودة، و فيما إذا كانت أطراف العلم غير محصورة و في دائرة واسعة فيذهب إلى تنجيز العلم الإجمالي في القسم الأوّل و ينفي اقتضاء العلم الإجمالي في القسم الثاني للتنجيز.
و يرى في القسم الأوّل إنّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعيّة كما هي علّة أو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، و يجري في هذا البحث العميق على أسس علميّة عقليّة متينة.
يقول رحمه اللّه: «ثمّ اعلم أنّ جمعا من المجتهدين فرّقوا في اشتباه موضوع الحكم بين المحصور و غير المحصور، و حكموا بالمنع في الأوّل، بناء على أنّ الحكم بحلّيّة المجموع يستلزم الحكم بحلّيّة ما هو حرام علينا قطعا، و طهارة ما هو نجس جزما كالإناءين المشتبهين و الثوبين.
و إن حكمنا أنّ أحدهما نجس أو حرام فهو ترجيح من غير مرجّح شرعيّ.
و الفرق بين المحصور و غير المحصور أنّ في المحصور: يتأتّى التنزّه عن
الكلّ بحيث لا يلزم الحرج المنفي بخلافه، و ذلك لأنّ الحرمة و النجاسة تكليفان يحب امتثالهما، فحيث يمكن الامتثال بترك المحتملات من باب المقدّمة الواجبة، و حيث لا يمكن لعدم تأتّي ترك الجميع و عدم الترجيح الشرعي لا يكون مكلّفا» (1).
و الوحيد البهبهاني رحمه اللّه يدخل- كما يرى القاريء- هذا البحث العميق من مباحث الأصول، و يتحدّث عنه و يقسّمه إلى أقسامه و يبحث عن حكم كلّ قسم بصورة علميّة و على نهج علميّ دقيق، و هو أمر مثير للإعجاب و لو لا موقع الشيخ الأنصاري من مدرسة الأصول الحديثة لقلنا بأبوّة الوحيد البهبهاني لمدرسة الأصول الحديثة.
و لكن إذا كانت هذه الأبوّة موضع نقاش بسبب موقع الشيخ الأنصاري من هذه المدرسة فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الوحيد البهبهاني من أكبر روّاد هذه المدرسة و دوره الرائد في المدرسة الأصوليّة الحديثة قبل الشيخ الأنصاري رحمه اللّه و أسبق منه.
دوران الأمر بين الأطراف المتباينة أو الأقلّ و الأكثر:
و هذا القسم من الشكّ في المكلّف به الّذي يقترن بالعلم الإجمالي ينقسم إلى قسمين أساسيّين:
القسم الأوّل: ما يكون الترديد فيه بين الأطراف المتباينة، كالمثال السابق في الخمر المشتبه بين الأواني المتعدّدة المختلفة.
و القسم الثاني: ما يكون الترديد فيه بين الأقلّ و الأكثر، كما لو علم
1) الفوائد القديمة: 136.
المكلّف بالتكليف بالزكاة و شكّ في أنّ الواجب المكلّف به خمسة دنانير أو عشرة دنانير، و هذا هو الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّان، و لا إشكال في أنّ العلم الإجماليّ ينحلّ في هذا المورد و يتنجّز فيه وجوب الأقلّ للعلم التفصيليّ به و يكون الزائد عليه مشكوكا شكّا بدويّا و تجري فيه البراءة.
و القسم الآخر من الأقلّ و الأكثر هو الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان، كما لو شكّ في أنّ الصيام الواجب إلى غروب الشمس أو إلى زوال الحمرة المشرقيّة بعد غروب الشمس، و هو موضع خلاف معروف بين المحقّقين من الأصوليّين، و منشأ الخلاف أنّ هذا القسم من التردّد بين الأقلّ و الأكثر هل هو من قبيل التردّد بين الأقلّ و الأكثر المستقلّين فينحلّ العلم الإجمالي بتنجيز الأقلّ، أو أنّه من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فينجز فيه الأكثر و هو الاستمرار في الصيام إلى غياب الحمرة المشرقيّة؟.
و لا بدّ من التنبيه إلى أنّ دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر كما يجري في موضوعات الواجبات (متعلّق المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه للأقلّ و الأكثر المستقلّين كذلك يجري في نفس الواجب (المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه لدوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.
الوظيفة العقليّة لدى الشكّ في التكليف:
لا شكّ في أنّ وظيفة المكلّف عند الشكّ في التكليف هو الأخذ بالبراءة و الخلاف بين الأصوليّين في مصدر هذه الوظيفة. هل هو الشرع أم الشرع و العقل. و الوحيد البهبهاني رحمه اللّه يذهب إلى الرّأي الثاني.
و ما يهمّنا هنا في هذا البحث هو الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في التكليف و رأي الوحيد البهبهاني رحمه اللّه في ذلك.
و البراءة التي تجري بحكم العقل في هذا القسم من الشكّ هو ما يصطلح عليه علماء الأصول ب (البراءة العقليّة) في مقابل (البراءة الشرعيّة) التي تجري في نفس المورد بموجب الأدلّة الشرعيّة التي تحكم بالبراءة عند الشكّ في التكليف.
و قد اشتهر بين علماء الأصول التمسّك بالدليل العقلي على البراءة إلى جنب التمسّك بالأدلّة الشرعيّة على البراءة إلاّ أنّنا لا نجد قبل المحقّق الحلّي رحمه اللّه (676 ه) صياغة علميّة دقيقة للبراءة العقليّة أو البراءة الأصليّة على مصطلح القدماء بموجب حكم العقل.
تاريخ البراءة العقليّة عند القدماء:
و نجد أوّل محاولة فنّيّة لصياغة البراءة العقليّة عند المحقّق الحلّي رحمه اللّه حيث يقول:
«لو كان الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق» (1).
و هذا الكلام لا يخلو من مناقشة لأنّ التكليف بالمشكوك يمكن بالاحتياط و ليس ممّا لا يطاق، إلاّ أن يكون المقصود به بالمجهول المطلق، و هو أمر آخر و ليس موضوع البحث.
و استقرّ القول بالبراءة العقليّة لدى الفقهاء بعد المحقّق الحلّي ضمن هذه الصياغات أو صياغات أخرى قريبة منها حتّى عصر الوحيد البهبهاني الّذي
1) المعارج للمحقّق 212 213، طبع آل البيت عليهم السلام، قم.
توفّق إلى صياغة فنيّة متينة لهذه القاعدة اتّبعه عليها الأصوليّون الذين جاءوا من بعده بما فيهم مدرسة الشيخ الأنصاري و من تخرّج من هذه المدرسة.
قاعدة قبح العقاب بلا بيان:
و هذه القاعدة هي القاعدة المعروفة ب (قبح العقاب بلا بيان) و لعلّ المعركة الفكريّة التي دخلها الوحيد ضدّ المدرسة الأخباريّة كان من وراء هذه الصياغة العقليّة لأصالة البراءة.
يقول الوحيد رحمه اللّه في كتابه (الفوائد الحائريّة):
«اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه و الشبهة في موضوع الحكم الأصلي فيهما البراءة. و المقصود بالأوّل الشبهة الحكميّة و بالثاني الشبهة الموضوعيّة».
ثمّ يقول: «دليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف و المؤاخذة ما لم يكن بيان» (1).
و قد عدّل صياغته من بعده سبطه السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ابن السيّد علي صاحب (رياض المسائل) في موسوعته الأصوليّة الكبيرة (مفاتيح الأصول) فقال في الاستدلال للبراءة العقليّة: و منها ما أشار إليه جدّي (الوحيد البهبهاني) فقال: «إنّ دليل المعظم إنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم فالعقاب قبيح، ثمّ قال: فالصواب أن يجعل الدليل هكذا:
1) الفوائد الحائريّة مع تعاليق الفريد الگلپايگاني: 133، مكتبة الصدر.
إذا لم يصل الحكم لم يكن عقابا لقبح التكليف و العقاب حينئذ» (1).
و قد اعتبر الشيخ الأنصاري هذه القاعدة من القضايا البديهيّة التي لا يشكّ فيها أحد من العقلاء و لم يتعرّض الشيخ للاستدلال لهذه القاعدة اعتمادا على وضوحها و بداهتها.
تقرير المحقّق النائيني للبراءة العقليّة:
و ذهب المحقّق النائيني في توجيه هذه القاعدة و الاستدلال لها إلى أنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محرّكا له و وجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سببا في تحريك المكلّف، كما لا تصلح الأمور التكوينيّة المثيرة للرغبة و الحركة في الإنسان لإثارة الإنسان و تحريكه بوجودها الواقعي بل بوجودها الواصل إلى المكلّف (2).
تقرير المحقّق الأصفهانيّ للبراءة العقليّة:
و يقرّر المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه البراءة العقليّة بطريقة أخرى فيرى أنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل و قبح الظلم بالضرورة و لا شكّ أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى و نواهيه إذا أقام عليها الحجّة من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة و هو من أقبح الأمور و يستحقّ العبد عليه العقاب.
أمّا ما لم تقم عليه الحجّة، و لم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى و نواهيه فلا يعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة، فلا يستحقّ بذلك العقاب و لا يصحّ عقابه من قبل المولى، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم، لأنّه لم يرتكب ظلما في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته (1).
مناقشة الشهيد الصدر للبراءة العقليّة:
و للمحقّق الشهيد الصدر رحمه اللّه رأي معروف في نفي البراءة العقليّة و التشكيك في القيمة العقليّة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و خلاصة رأي هذا المحقّق الجليل أنّ من غير الجائز قياس حقّ الطاعة للّه سبحانه و تعالى على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفيّة على من يتولون أمرهم و ذلك لأنّ مولويّة اللّه تعالى ذاتيّة، و مولويّة الموالي العرفيّة مجعولة، و لا تقاس أحكام المولويّة الذاتيّة في حقّ الطاعة بالمولويّة العرفيّة.
و بناء عليه فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين فيما وصلهم من التكاليف فقط حقّ إلاّ أنّه يختصّ بالموالي العرفيّة، أمّا حقّ طاعة اللّه تعالى على عباده فلا يقاس بما سبق بل يشمل التكاليف المحتملة أيضا.
يقول رحمه اللّه: «و نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للّه سبحانه و تعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا و هذا من مدركات العقل العمليّ، و هي غير مبرهنة.
فكما إنّ أصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أوّليّ للعقل العملي
1) نهاية الدراية 2: 190.
غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا، و عليه فالقاعدة العمليّة الأوّليّة هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع» (1).
و لكن أصالة الاشتغال العقليّة، على رأي الشهيد الصدر رحمه اللّه لمّا كانت مقيّدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في موارد الشكّ في التكليف كانت أدلّة البراءة الشرعيّة واردة بطبيعة الحال على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال.
مناقشة الشهيد الصدر لرأي العلمين النائيني و الأصفهانيّ:
و بهذا الصدد يناقش رحمه اللّه تقرير كلّ من العلمين المحقّقين النائيني و الأصفهانيّ رحمهما اللّه الّذي سبق و أن شرحناه.
فيقول في مناقشة تقرير المحقّق النائيني: «إنّ هذا الكلام مصادرة لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة» (2).
و يقول في مناقشة تقرير المحقّق الأصفهانيّ:
«و التحقيق أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و أنّها كلّها تطبيقات له و إن كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلاّ إنّه لا محصّل له،
لأنّنا إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن الاعتداء و سلب الغير حقّه، و هذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي. فلو لا أن للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شيء ظلما و بالتالي قبيحا مترتّب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة، و هو في المقام حقّ الطاعة فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي، بعد الفراغ من عدم شموله للتكليف بمجرّد ثبوته واقعا و لو لم يصل بوجه» (1).
مناقشة رأي المحقّق الشهيد الصدر رحمه اللّه:
و يبدو لي ان التقرير التالي لنظرية (قبح العقاب بلا بيان) يرفع الملاحظات العلمية التي أوردها المحقّق الشهيد قدّس اللّه نفسه الطاهرة على هذه النظريّة التي اعتبرها الشيخ الأعظم قدّس اللّه سرّه من البديهيّات.
و هذا التقرير يتألّف من ثلاث نقاط:
النقطة الأولى:
ليس من ريب في أنّ للمولى على المكلّف حقّ الطاعة، و هذا الحقّ من الحقوق الثابتة بالقطع و لا مجال للتشكيك فيه، على خلاف في مصدر هذا الحقّ.
فإنّ الرّأي الرسمي في علم الكلام هو شكر المنعم. و الّذي يتبنّاه
1) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30.
علماء الأصول هو المولوية اللازمة للخلق و الملك و كلّ منهما حقّ و لكن ضمن الصيغة التي يعرضها القرآن و هي الميثاق.
و الولاية و الإنعام بغير هذه الصيغة لا ينهضان بحق الطاعة. و قد شرحت النظرية القرآنية بصورة مستوفاة في كتاب (الميثاق).
و مهما يكن من أمر فإنّ حق الطاعة للمولى على المكلّف من المسلّمات التي لا مجال فيها للمناقشة. و لا يختلف العقلاء أيضا في أنّ حقّ الطاعة إنّما يثبت للمولى على من يتولاّه- في غير حقّ اللّه تعالى على عباده- في حال وصول التكليف إلى المكلّف وصولا قطعيّا.
و ليس للمولى حق الطاعة على المكلّف ما لم يبلغه التكليف- بصورة قطعية- إذا تحرّى المكلّف عن التكليف في مظانّه، و لا يكفي احتمال التكليف في إثبات حقّ الطاعة للمولى على المكلّف.
و هذا الشرط (الوصول القطعي للتكليف) من أهم شروط (حق الطاعة) عند العقلاء عامّة.
و إذا توقّفنا عند ملاحظة المحقّق الشهيد الصدر رحمه اللّه في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، فلا يتوقّف أحد في هذا الشرط في حقّ الطاعة لغيره تعالى من الموالي على المكلفين.
و لا يختلف في ذلك مولى عن مولى، و لا يفرق الناس بين درجات الموالي في هذا الشرط.
و على هذا يتطابق العقلاء جميعا، و المناقشة في ذلك مناقشة في البديهيات، و المحقّق الشهيد رحمه اللّه نفسه لا ينفي ذلك، و لا يشك فيه.
يبقى أن نعرف قيمة هذا التطابق بين العقلاء من الناحية العلمية.
لا شك أنّ هذا التطابق قائم على حكم العقل العملي بنفي حق
الطاعة في حال عدم الوصول القطعي للتكليف، مع التحرّي عنه في مظانّه، و ثبوت حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند الوصول القطعي للتكليف.
و هذا الحكم العقلي من مدركات العقل العملي و مثله في ذلك مثل حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم، و هو حكم عقلي قطعي، و إمارة ذلك تطابق العقلاء على ذلك.
و لا تتوقف حجية مثل هذه الأحكام العقلية على إمضاء الشارع لها ليصح كلام المحقق الشهيد رحمه اللّه في ردّه حيث يقول رحمه اللّه: «و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحقّ فلا بأس به، و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية» (1).
فإنّ المورد ليس من موارد السيرة العقلائية قطعا، و إنّما هو من موارد حكم العقل العملي، شأنه في ذلك شأن حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم و إمارة ذلك جزم العقل و حكمه بثبوت و نفي حق الطاعة عند وجود هذا الشرط و عدمه، و السيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء، و المرتكزات العقلائية و هي عبارة أخرى عن عرف العقلاء في شئون الحياة، كما يقول تعالى في الطلاق: ... فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ ... (2).
فإنّ الإمساك بالمعروف هو الإمساك بما يتعارف عليه العقلاء في مثل هذه الموارد من الرفق و الإنفاق و الإحسان.
و أين ذلك من حكم العقلاء جميعا على إثبات أو نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند وجود أو عدم هذا الشرط.
و إذا ثبت أنّ هذا الحكم حكم عقلي من أحكام العقل العملي فلا نحتاج في حجيته إلى إمضاء الشارع و إنما يلازمه الحكم الشرعي بموجب حكم العقل النظريّ، من باب الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.
و شتان بين إمضاء الشارع للسيرة العقلائية- الذين يؤول أمره كما يقول المحقّق الشهيد رحمه اللّه إلى البراءة الشرعية- و بين الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي الّذي قررناه في هذا التقرير.
نعم، لا شك انّ للمولى، إذا وجد أهمية متميزة لبعض أحكامه أن يأمر المكلف بالاحتياط فيما لم يصله الحكم على نحو القطع و اليقين، كما في موارد الدماء و الأموال و الفروج مثلا لاهتمام الحاكم و المولى به أكثر من غيره، و لكن بشرط تبليغ الأمر بالاحتياط، و من دون التكليف بالاحتياط، لا تحق له الطاعة من دون وصول التكليف.
و لا إشكال عند القائلين بالبراءة العقلية بوجوب الاحتياط عند ما يأمر المولى بالاحتياط فيكون المورد من موارد الاحتياط الشرعي.
النقطة الثانية:
و يحكم العقل كذلك حكما قطعيا بقبح العقاب على المولى الحكيم للمكلفين إذا خالفوه في أمر أو نهي في كل مورد ليس له حق الطاعة عليهم، لأنّ العقاب و المؤاخذة فيما لا يكون للمولى على المكلف (حق الطاعة) قبيح و مخالف للعدل و الحكمة.
و بهذا النهج من البحث نصل بالدقة إلى ما يريده قدّس اللّه نفسه من ابتناء مسألة (قبح العقاب بلا بيان) علميا على عدم وجود (حق الطاعة) للمولى على المكلف في مرحلة سابقة فيما لم يصل التكليف إلى المكلف بصورة قطعية.
يقول رحمه اللّه في كلام سابق له نقلناه في مناقشته لتقرير المحقق الأصفهاني: «فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حق الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي» (1).
و هو كلام دقيق وجيه، لا ريب فيه.
و قد حرصنا نحن أن نسلك هذا النهج فنثبت أوّلا، في النقطة الأولى من البحث نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف فيما لم يصله التكليف بصورة قطعية بعد التحرّي و البحث عنه في مظانّه.
و إذا ثبت لنا ذلك بموجب حكم العقل العملي، كما أسلفنا، رتّبنا على ذلك حكم العقل القطعي بقبح عقاب المولى للمكلّف عند مخالفته للتكليف إذا لم يصله التكليف وصولا قطعيا، و هو معنى القاعدة المعروفة لدى المشهور من الأصوليين ب (قبح العقاب بلا بيان).
و هذه القاعدة- كما نرى- مزج بين حكمين عقليين، و ليس حكما عقليا واحدا.
و نقطة الارتكاز في نقد المحقق الشهيد رحمه اللّه لكلمات المحققين من الأصوليين هي اعتبار القاعدة منطلقة من حكم عقلي واحد، و ليست تركيبا من حكمين عقليين بالطريقة التي شرحناها.
1) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30، 31.
النقطة الثالثة:
و تبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة في هذا البحث، و هي أنّ غاية الجهد الّذي قدّمه هذا التقرير إثبات القاعدة إثباتا عقليّا بديهيّا كما يقول الشيخ رحمه اللّه للموالي على المكلفين، و لكن في غير حق الطاعة للّه تعالى، و لا يقاس حق الطاعة للّه تعالى على عباده بحق الطاعة الثابتة للموالي العرفية العقلائية و لا يلازم ثبوت هذه القاعدة العقلية في الموالي العقلائية العرفية المجعولة ثبوتها في المولوية الذاتيّة المطلقة للّه تعالى يقول المحقّق الشهيد رحمه اللّه:
«فلا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء عن دائرة مولوية المولى و أنّها بأيّ مقدار و هنا فرضان:
1- ان تكون مولوية المولى أمرا واقعيا موضوعها واقع التكليف بقطع النّظر عن الانكشاف و درجته، و هذا باطل جزما لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و مخالفته عصيانا، و هو خلف القطع و واضح البطلان.
2- أن يكون حق الطاعة في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلفين من المولى و هذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول و موارد الشك، و لكنا نرى بطلان هذه الفريضة أيضا لأنا نرى أن مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، و حقه في الطاعة على العباد أكبر حق لأنّه ناشئ من المملوكية و العبودية الحقيقية.
3- المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، و هذه هي التي ندّعيها و على أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي
لا تثبت في غير موارد وصول التكليف» (1).
و بناء على ذلك تبقى لدينا مهمة واحدة ليتم بها تقرير هذه القاعدة العقلية و شمولها ل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده و هي تعميم هذه القاعدة العقلية لتشمل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده.
و هذا التعميم يثبت بصورة قطعية بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية، أو وحدة حق الطاعة. فليس لدينا حقان و مصدران للطاعة، حق الطاعة للّه و حقّ الطاعة لغير اللّه تعالى من الموالي، و إنما هو حق واحد و مصدر واحد.
و توضيح ذلك: ان الطاعة لا تزيد على حالتين: اما أن تكون طاعة شرعية أو تكون طاعة غير شرعية.
و الطاعة الشرعية هي طاعة اللّه تعالى و طاعة كل من يأمر اللّه تعالى بطاعته من أنبيائه و رسله عليهم السلام و أوصيائهم عليهم السلام و من يؤمّرونهم على الناس من الأمراء و من الدرجة الثانية و الثالثة ... و تدخل في هذا الحقل من الطاعة، طاعة الزوج، و طاعة الوالدين، و طاعة الأجير فان كل ذلك يتم بأمر من اللّه تعالى. و في الحقيقة هي مصاديق لطاعة اللّه تعالى، و في امتداد طاعة اللّه و تحمل نفس قيمة و قوّة طاعة اللّه، و إن كانت تختلف عن طاعة اللّه في مساحة الطاعة فانّ حق طاعة الزوج محدود في مساحة معيّنة، بعكس مساحة حق الطاعة للّه فانّها مساحة مطلقة و غير محدودة.
و هذه المساحة هي التي تتحدد بالجعل من قبل اللّه تعالى فمهما أمر اللّه
1) بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية 1: 30، للسيّد محمود الهاشمي.
تعالى بطاعة لأحد في مساحة يحددها للطاعة وجبت تلك الطاعة في تلك المساحة، من دون أن تختلف قيمة هذه الطاعة.
فإنّ قيمة حق الطاعة في كل طاعة مشروعة واحدة، لأنها جميعا تصدر عن حق طاعة اللّه تعالى على عباده.
و ليس من شك أنّ العقلاء يتطابقون على أن حقّ الطاعة مشروط بوصول التكليف إلى المكلّف و ما لم يصل التكليف إلى المكلف وصولا قطعيا لم يكن للمولى حق للطاعة على المكلف.
و إذا عرفنا بوحدة حق و مصدر الطاعة الشرعية أمكننا أن نعمّم الحكم العقلي السابق في مورد حق اللّه تعالى على عباده بالطاعة.
و ليس من شك أنّ للّه تعالى أن يطلب الطاعة من عباده بالاحتياط في حال احتمال التكليف و الشك بل الوهم أيضا، و لكن بشرط التبليغ، و من دون التبليغ يبقى الحكم العقلي الثابت في موارد الطاعة المشروعة نافذا في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، من دون فرق، لوحدة حق الطاعة و مصدرها. فما يشترط من شرط في حق الطاعة هناك يشترط في حق الطاعة للّه و ما لا يشترط هناك لا يشترط في حق الطاعة للّه، و ذلك لأنّ هذه النماذج من الطاعة واحدة. و حق الطاعة لها و للّه تعالى من المتواطئ الّذي لا تختلف أفراده من حيث الزيادة و النقيصة و ليس من مقولة المشكك، و إن اختلفت في مساحة الطاعة.
و لا فرق فيها بين وجوب و وجوب، و طاعة و طاعة، فإنّ وجوب طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وجوب طاعة أوصيائه و خلفاء أوصيائه و الحكام و المسئولين الشرعيين من وجوب طاعة اللّه.
و لدى التزاحم بين هذه الواجبات نرجح الأهم من حيث متعلق الأمر
و الوجوب لا الأهم من حيث مصدر الأمر و الوجوب، كما هو مقتضى باب التزاحم. فإن ردّ السلام- مثلا- واجب بصريح القرآن فلو تزاحم ردّ السلام مع تكليف الوالد لولده بمهمة خطيرة قدّم الولد أمر الأب على ردّ السلام و ذلك لأنّ طاعة الأب هي من طاعة اللّه تعالى و لا فرق بين طاعة و طاعة إلاّ من حيث أهمية متعلّق الأمر.
فإذا كان متعلّق الأمر في تكليف الوالد أهم من ردّ السلام قدّمه عليه لدى التزاحم على قاعدة تقديم الأهم على المهم.
فإن طاعة الوالد من الطاعة للّه تعالى و وجود الوسائط لا يغير جوهر الطاعة. فيتم تقديم طاعة على طاعة بموجب أهميّة متعلّق الأمر لا بموجب أهمية مصدر الأمر، فإن مصدر الأمر في كلّ هذه النماذج هو اللّه تعالى.
و هذه حقيقة مهمّة تعيننا في درك عمومية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في مورد طاعة اللّه تعالى و عدم وجود استثناء في البين.
و الفرق بين الولايتين بأنّ إحداهما ذاتية و الأخرى مجعولة و بالعرض غير فارق فيما هو المهم من هذه المسألة في اشتراط حق الطاعة للمولى بوصول التكليف أو عدم الاشتراط.
و ذلك لأنّ المولويات العرضية المشروعة التي هي من النحو الثاني تتم بجعل من اللّه تعالى. و ليست لها طاعة و معصية مستقلّة عن طاعة اللّه و معصيته.
و إلى ذلك تشير النصوص الواردة عن أولياء أمور المسلمين في أنّ طاعتهم من طاعة اللّه و معصيتهم من معصية اللّه و من أطاعهم فقد أطاع اللّه و من عصاهم فقد عصى اللّه.
فليس لهؤلاء حق في الطاعة غير حق اللّه تعالى.
و لا وجود لحقوق متعدّدة في الطاعة حتّى يمكن أن يكون حق الطاعة في الموالي المجعولة مشروطا بوصول التكاليف و حق الطاعة من اللّه تعالى غير مشروط بوصول التكليف.
فإذا ثبت بالدليل العقلي اشتراط حق الطاعة المشروعة لأحد (غير اللّه تعالى) بالوصول و البلوغ، فإن معنى ذلك اشتراط حق الطاعة للّه تعالى على عباده بالوصول و البلوغ بالضرورة، لأنّ ذلك الحق من هذا الحق بل لا حق إلاّ هذا الحق. و كلّ حقّ آخر للطاعة موهوم بالنظرة العقلية الدقيقة.
و يدلّ على ذلك دلالة قطعيّة ما سبق أن أشرنا إليه من تقديم الأهم على المهم من متعلق الأمر و النهي فيما إذا تزاحم أمران مولويّان على المكلّف أحدهما من جانب اللّه تعالى و الآخر ممّن له طاعة مشروعة على المكلّف، و لا يلحظ في تقديم أحدهما على الآخر ملاحظة مصدر الطاعة و لا يلاحظ تقديم أمر اللّه على الأمر الآخر.
نعم يصح كلام هذا المحقّق الشهيد رحمه اللّه فيما إذا كان مصدر حقّ للطاعة غير اللّه تعالى كما في حق طاعة أولياء الأمور في المجتمعات الديمقراطية، فإنّ مصدر الطاعة في النظرية الديمقراطية هو الشعب، و ليس هو اللّه تعالى، فإذا صلح و ثبت شرط عقلي في الطاعة في النظام الديمقراطي فليس يجب أن يثبت بالضرورة نفس الشرط في طاعة اللّه تعالى، للاختلاف العظيم بين الولاية الذاتيّة الثابتة للّه تعالى و الولاية الموهومة للشعب.
و هذا حقّ، لا نناقش فيه، و لكنّا وجدنا أن شرط وصول التكليف إلى المكلف يعم كل حالات الطاعة المشروعة عقلا، فإذا ثبت هذا الشرط العقلي في مورد من موارد الطاعة المشروعة عقلا كان لا بدّ أن يثبت في حق
اللّه تعالى على عباده بالطاعة بالضرورة.
و بناء عليه فإنّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية تعمّ كل موارد الطاعة، و لا يحتمل خروج حق طاعة اللّه تعالى عن هذه القاعدة العقلية، و هو الّذي قرّره الوحيد البهبهاني رحمه اللّه تعالى.
الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في المكلّف به:
و وظيفة المكلّف لدى الشكّ في المكلّف به هي الاحتياط بعكس حالة الشكّ في التكليف، و هذه الوظيفة عقليّة و هي موضوع اتّفاق الأصوليّين و الأخباريّين و تثبت بالقاعدة العقليّة المعروفة: (اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و هي قاعدة عقليّة محكمة لا مجال للتشكيك فيها، و قد اعتمدها علماء الأصول أساسا عقليّا لأصالة الاحتياط كلّما كان المورد من موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به أو في متعلّقه و هذه القاعدة العقليّة نجدها لأوّل مرّة واضحة في كلمات الوحيد البهبهاني و قد طوّر علماء الأصول و خاصّة الشيخ الأنصاري هذه القاعدة و مجالات استخدامها فيما بعد و لكن تبقى كلمات الوحيد البهبهاني في (الفوائد) هي المصدر الأوّل الّذي استوحى منها علماء الأصول تفاصيل البحث في هذه القاعدة العقليّة.
قاعدة «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» في كلمات الوحيد:
يقول رحمه اللّه في تقرير هذه القاعدة العقليّة:
«التكليف بالمجمل صحيح إذا تيسّر الامتثال بإتيان المحتملات التي بإتيانها يتحقّق المكلّف به يقينا أو عرفا، كوجوب التنزّه عن الإناءين المشتبهين و قضاء الفريضة المنسيّة من الخمس و غيرها. فتعيّن الإتيان بها
حينئذ من باب المقدّمة. و لأنّ شغل الذمّة بها يقيني، و البراءة اليقينيّة تتوقّف على الإتيان بها حينئذ. و لأنّه مخاطب بالإطاعة و الامتثال، و لا يعدّ ممتثلا إلاّ أن يأتي بها إذ بغير الإتيان يكون البراءة على سبيل الاحتمال و هو غير مجز عندهم قطعا» (1).
تفصيل القاعدة:
و تتألّف هذه القاعدة من شطرين:
1- إنّ العلم بالتكليف علّة لاشتغال الذمّة اليقيني.
2- و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
و لا بدّ من إيضاح لكلّ من هاتين النقطتين و إيضاح مجالات استخدام هذه القاعدة.
1- اشتغال الذمّة اليقيني:
و قد أدرج علماء الأصول تفصيل البحث عن هذا الشطر من القاعدة في مباحث حجّيّة القطع حيث اعتبروا الحجّيّة من لوازم القطع الذاتيّة التي لا يمكن إضافتها إليه و جعلها له كما لا يمكن سلبها عنه، لأنّها من ذاتيّات القطع التي لا يوجد القطع من دونها.
و لازم الحجّيّة صحّة الإحتجاج بها من قبل اللّه تعالى على عبده إذا تخلّف المكلّف من امتثال الحكم الّذي قطع به، و أصاب قطعه الواقع، و لم يخطئ فيصحّ أن يؤاخذه اللّه تعالى بقطعه و يعاقبه على تخلّفه، بدليل حجّيّة
1) الفوائد الحائريّة القديمة: 234- 236.
القطع، و هذا هو معنى تنجيز الحكم الشرعي الثابت بالقطع على المكلّف، و هو أحد لازمي الحجّيّة.
و اللازم الآخر للحجّيّة هو صحّة احتجاج العبد بعلمه عند مولاه إذا قطع بانتفاء الحكم الإلزاميّ من جانب اللّه فأخطأ قطعه الواقع، فانّه يحقّ له أن يعتذر عن تخلّفه عن الحكم الإلزاميّ بقطعه بانتفاء الإلزام من جانب اللّه، و هذا هو معنى المعذريّة و هو اللازم الثاني للحجّيّة.
و قد جعل علماء الأصول المنجزيّة و المعذريّة من لوازم القطع.
و هما في الحقيقة من لوازم قطع المكلّف بالحكم الشرعي من جانب اللّه و وصوله إليه لا من لوازم القطع.
المنجزيّة:
و الّذي يهمّنا هنا هو المنجزيّة بالخصوص و معنى المنجزيّة هو وصول التكليف إلى المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به بصورة قطعيّة.
و المنجزيّة تتألّف من كبرى و صغرى أمّا الكبرى فهي حقّ المولويّة و الطاعة من اللّه تعالى على عبده في كلّ تكليف واصل إلى العبد.
و أمّا الصغرى فهي وصول التكليف إلى العبد بالقطع.
و النتيجة التي نستنتجها من ضمّ هاتين الجملتين إلى بعض هي تنجّز التكليف على المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به يقينا.
و عندئذ تشتغل ذمّة المكلّف بالتكليف الشرعي بصورة قطعيّة.
و هذا هو معنى اشتغال الذمّة
2- الفراغ اليقيني:
و هذا هو الشطر الثاني من القاعدة القاضية بأنّ اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لذمّة المكلّف.
و هو من أحكام العقل العملي (1)حيث يحكم العقل بوجوب الامتثال حتّى الفراغ عن عهدة التكليف اليقيني و يحكم بقبح المخالفة و التهاون في الامتثال قبل اليقين من فراغ الذمّة من التكليف القطعي.
و ذلك إنّ الطاعة حق من حقوق اللّه على عبده و أداء هذا الحقّ من مصاديق العدل و رفض الأداء من المصاديق الظلم، و العقل العملي يحكم بحسن العدل و قبح الظلم فإذا قطع المكلّف بالتكليف و اشتغلت به ذمّته وجب عليه القيام بامتثال التكليف حتّى يقطع بفراغ ذمّته منه، و قبح عليه التهاون في الامتثال قبل القطع بفراغ الذمّة.
تطبيقات القاعدة:
و مجال استخدام هذه القاعدة العقليّة في الأصول هو موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به و لها تطبيقان اثنان:
فقد يكون الشكّ في المكلّف به ناشئا من الشكّ في الامتثال، و قد يكون ناشئا من الشكّ في التطبيق.
و التطبيق الأوّل كما لو علم بالتكليف بصلاة العصر و شكّ في امتثاله لها، و لا ريب في تطبيق القاعدة عليه لاشتغال الذمّة بالتكليف بصلاة العصر و شكّه في امتثال المكلّف به.
1) و قد يقال إنّه من القضايا العقلائيّة التي تنتظم بها الحياة الاجتماعيّة للإنسان.
و التطبيق الثاني ما إذا كان الشكّ في المكلّف به ناشئا من تردّد المكلّف به أو متعلّقه بين مجموعة من الموارد. كما لو شكّ المكلّف من أنّ الصلاة المكلّف بها ظهر يوم الجمعة هل هي صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، أو علم بوجود إناء للخمر بين مجموعة من الأواني، و علم بوجوب الاجتناب عنه، إلاّ أنّه تردّد في تمييز إناء الخمر عن غيره، و لم يتمكّن من تشخيصه و فرزه عن غيره من الأواني.
تنجيز العلم الإجمالي:
و ليس من شكّ أنّ العلم الإجمالي بالمكلّف به أو بمتعلّقه ينجّز التكليف على المكلّف كما كان العلم التفصيليّ ينجّز ذلك، و لا فرق بين العلم التفصيليّ و الإجمالي في ذلك فإنّ التنجيز كما ذكرنا من لوازم القطع بالحكم الشرعي سواء كان علم المكلّف بالحكم الشرعي و متعلّقه تفصيليّا أو إجماليّا، فإنّ القطع بالحكم الشرعي لا ينفكّ عن الحجّيّة و الحجّيّة لا تنفكّ عن المنجزيّة و المعذريّة. و لكن هل التنجيز هنا على نحو العليّة أو الاقتضاء، و إذا كان التنجيز على نحو العليّة فهل يختصّ ذلك بمورد حرمة المخالفة القطعيّة أو تعمّ مورد حرمة المخالفة القطعيّة و الموافقة القطعيّة أبحاث معمّقة أفاض فيها علماء الأصول. و الّذي يهمّنا نحن من ذلك كلّه إنّ هذه القاعدة العقليّة تجري بصورة قطعيّة في كلّ صور الشكّ في المكلّف به سواء كان الشكّ في المكلّف به من ناحية الامتثال أو من ناحية تردّد المكلّف به أو متعلّقاته بين أفراد متباينة أو تردّده بين الأقلّ و الأكثر (فيما إذا كان مصداقا للشكّ في المكلّف به لا الشكّ في التكليف).
محمد مهدي الآصفي
و هي معرفة العلوم اللّغويّة، لأنّه إن لم يعرفها فربّما يزلّ، فيضلّ و يضلّ، و خطؤه ليس مثل خطأ المجتهد، لما عرفت من الدّليل على عدم ضرورة (1)، و أنّ خطأ غير المجتهد ليس بمعذور.
و أثبتنا شرطيّة هذه العلوم في رسالتنا في الاجتهاد مشروحا، و كذا دفع الشّكوك الّتي أوردوها (2)لنفي الحاجة إليها، و أظهرنا شناعتها.
و من الشّرائط معرفة العرف العامّ و الخاصّ الّذي هو حجّة في الفقه، و ربّما يدخل في ذهن المجتهد بعض الشبهات فيصير ذهنه مئوفا (1)في معرفة العرف، مع أنّه من جملة العرف، و لا يفهم مثلهم لتطرّق الشّبهة، فاللازم عليه أن يرجع في ذلك إلى غيره من الجماعة الذين لم يتطرّق إلى (2)أذهانهم شبهة، و من لم يتفطّن بما ذكرناه يخرّب كثيرا في الفقه.
و من الشرائط الكلام، لتوقّفه على معرفة أصول الدّين، و أنّ الحكيم لا يفعل القبيح، و لا يكلّف ما لا يطاق، و أمثال ذلك بالدّليل، و إلاّ لكان مقلّدا.
و من الشرائط المنطق، لشدّة الاحتياج إلى الاستدلال في الفقه، و في العلوم التي هي شرط في الاجتهاد لأنّ الجميع نظريّات، و كلّ واحد منها مجمع شكوك و شبهات لا تحصى، و لا يتمّ الاستدلال في أمثال هذه إلاّ بالمنطق.
و من الشرائط أصول الفقه، و الحاجة إليه من البديهيّات كما صرّح به المحقّقون و كلّ واحدة واحدة من الفوائد الّتي ذكرناها تنادي بأعلى صوتها بالاحتياج إليه من وجوه متعدّدة، و تنادي أيضا بخطر الجهل فيه، و ضرر الغفلة، بل شدّة الخطر و عظم الضّرر. بل و إنّه الميزان في الفقه، و المعيار لمعرفة مفاسده، و أعظم الشرائط، و أهمّها كما صرّح به المحقّقون الماهرون الفطنون الّذين ليسوا بجاهلين و لا غافلين و لا مقلّدين من حيث لا يشعرون. و بسطنا الكلام في الرّسالة في إظهار شنائع الشكوك المخالفة للبديهة، بل بيّنا أنّ هذا
العلم ليس بحادث، بل كان في زمان المعصوم عليه السلام و من أراد الاطّلاع فليرجع إلى الرسالة. و من الشّرائط العلم بالأحاديث المتعلّقة بالفقه. و من الشّرائط العلم بالتّفسير. و من الشرائط معرفة فقه الفقهاء و كتب استدلالهم:
و كونه شرطا غير خفيّ على من له أدنى فطانة، إذ لو لم يطّلع عليها رأسا لا يمكن الاجتهاد و الفتوى، و إن كان ما ذكرنا ربّما يخفى على الغافل المطّلع على كتب فقه الفقهاء و استدلالهم الّذي لا يدري من أين حصل له.
و من الشّرائط معرفة الرّجال، للوثوق بالسّند من حيث العدالة أو الانجبار، أو لأجل الترجيح، فظهر وجه الحاجة ممّا أسلفناه و بيّنّاه مشروحا في الرّسالة.
و من الشّرائط، القوّة القدسيّة، و الملكة القوية و هو أصل الشّرائط، لو وجد ينفع باقي الشّرائط و ينتفع من الأدلّة و الأمارات و التنبيهات، بل و بأدنى إشارة يتفطّن بالاختلالات و علاجها، بل بأدنى توجّه من النّفس يتفطّن بالاحتياج إلى الشّرائط، و يدري أنّها لعلاج الاختلالات، و أنّ العلاج لا بدّ منه، و أنّه منحصر في الشّرائط، و لو لم يوجد لم ينفع تنبيه للبديهيّات، و لا دليل للنّظريّات، كما نشاهد الآن. و اعلم أنّ هذا الشرط يتضمّن أمورا:
الأوّل: أن لا يكون معوج السّليقة، فإنّه آفة للحاسّة الباطنة، كما أنّ الحاسّة الظّاهرة ربّما تصير مئوفة مثل: أن يكون بالعين آفة تدرك الأشياء بغير ما هي عليه، أو بالذّائقة أو غيرهما كذلك. و الاعوجاج: ذاتيّ- كما ذكر- و كسبيّ، باعتبار العوارض مثل: سبق تقليد، أو شبهة أعجبته غفلة، فإنّ الحاسّة تصير حينئذ مئوفة كالأوّل. و نظيره نظير عين لاحظت الخضرة أو الصّفرة إلى أن تأثّرت، فبعد هذا كلّ شيء تراه أصفر أو أخضر مثلا، و الذائقة ربّما صارت مرّا بالعوارض، و كلّ شيء تذوق تجده مرّا، و قس
عليهما سائر الحواسّ.
و طريق معرفة الاعوجاج: العرض على أفهام الفقهاء و اجتهاداتهم فإن وجد فهمه و اجتهاده وافق طريقة الفقهاء، فليحمد اللّه، و يشكره، و إن وجده مخالفا فليتّهم نفسه، كما أنّ من رأي الأشياء خضرا- فيقول له أولو الأبصار السّليمة: ليس فيها خضرة- يجزم بأنّ عينه مئوفة مغشوشة.
لكن ربّما يلقي الشّيطان في قلوبهم: أنّ موافقة الفقهاء تقليد لهم، و هو حرام و نقص فضيلة، فلا بدّ من المخالفة حتّى يصير الإنسان مجتهدا فاضلا.
و لا يدري أنّ هذا غرور من الشيطان، و أنّ حاله حينئذ حال ذي العين المئوفة، أو الذّائقة المئوفة، أو غير ذلك حين ما قالوا له: ليس هاهنا خضرة أو مرارة أو غير ذلك، فيقول لهم: أنا أرى خضرة و لا أقلّدكم فأفعل الحرام، و تكونون أفضل منّي.
الثّاني: أن لا يكون رجلا بحّاثا، في قلبه محبّة البحث و الاعتراض و الميل إليه، متى ما سمع شيئا يشتهي أن يعترض: إمّا حبّا لإظهار الفضيلة، أو انّه مرض قلبي كالكلب العقور، كما نشاهد الحالين في كثير من النّاس، و مثل هذا القلب لا يكاد يهتدي، و لا يعرف الحقّ من الباطل بل ربّما رأينا بعض الفضلاء الزاهدين البالغين أعلى درجة الفضل و الزهد فسد عليه بعض أصول دينه، فضلا عن الفروع بسبب هذه الخصلة الذّميمة.
الثالث: أن لا يكون لجوجا عنودا، فإنّا نرى كثيرا من النّاس- إذا حكموا بحكم في بادي نظرهم، أو تكلّموا بكلام غفلة أو تقليدا، أو من شبهة سبقت إليهم- أنّهم يلجّون، و يكابرون، و من قبيل الغريق يتشبّثون بكلّ حشيش، للتتميم و التّصحيح، و ليس همّتهم متابعة الحقّ، بل جعلوا الحقّ تابع قولهم.
و هذا أيضا كسابقيه لا يهتدي، بل ربّما ينكرون البديهيّ، و يدّعون خلاف البديهيّ.
هذا حالهم في البديهيّات فما ظنّك بالنّظريّات القطعيّة، فضلا عن الظّنيّة، فانّ الظنّ قريب من الشكّ و الوهم و بأدنى قصور أو تقصير يخرّب، سيّما الظنّيّات الّتي وقع فيها اختلالات من وجوه متعدّدة، يحتاج رفعها و علاجها إلى شرائط كثيرة.
الرّابع: أن لا يكون في حال قصوره مستبدّا برأيه، فإنّا نرى كثيرا من طلاّب العلم في أوّل أمرهم في نهاية قصور الباع و فقدان الاطّلاع، و مع ذلك يستبدّون بهذا الرّأي القاصر الجاهل الغافل، فإذا رأوا كلام المجتهدين و لم يفهموا مرامهم- لقصورهم و فقد اطّلاعهم- يشرعون في الطّعن عليهم:
بأنّ ما ذكرتم من أين؟ و كلّما لا يفهمون، ينكرون، بل و يشنّعون عليهم، و لا يتأمّلون أن الإنسان في أوّل أمره قاصر عن كلّ علم، و كذا عن كلّ صنعة، و كذا عن كلّ أمر جزئيّ سهل، فضلا عن الأمور الكلّيّة العظام المشكلة، و أنّه ما لم يكدّ و يجدّ في الطّلب و التّعب في تحصيل ذلك الجزئي لم يحصل له، فكيف يتوقّع درك الأمور المشكلة العظيمة، و الوصول إلى مرتبة المحقّقين المجتهدين؟! مع أنّه لم يتّهم بعد رأيه القاصر، و لم يهتمّ (1)بتحصيل ما يخالف فهمه القاصر، و لم يدر «أنّ من طلب شيئا و جدّ وجد» (2)، و «من قرع بابا و لجّ ولج» (3)، و لا ينظر إلى أنّه في حال تعلّم الصنعة السهلة، أو الأمر
الجزئيّ، إذا لم يعتقد بإسناده، و لم يسلّم بأمره و قوله، و يستبدّ برأيه لا يحصل له ذلك الجزئي أبدا، و يكون في مرتبة قصوره باقيا دائما. هذا حال الطلبة، و أمّا المجتهد فهو أيضا لا بدّ من أن لا يستبدّ برأيه بمجرّد أوّل نظرة، بل يتردّد، و يتأمّل.
الخامس: أن لا يكون له حدّة ذهن زائدة، بحيث لا يقف و لا يجزم بشيء مثل أصحاب الجربزة (1).
السّادس: أن لا يكون بليدا لا يتفطّن بالمشكلات و الدّقائق، و يقبل كلّما يسمع، و يميل مع كلّ قائل، بل لا بدّ فيه من حذاقة و فطنة، يعرف الحقّ من الباطل، و يردّ الفروع إلى الأصول، و يدري في كلّ فرع يوجد و يبتلى به أنّه من أيّ أصل يؤخذ و يجري مسائل أصول الفقه في الآيات و الأخبار و غيرهما، و يدري موضع الجريان و قدره و كيفيّته.
السّابع: أن لا يكون مدّة عمره متوغّلا في الكلام، أو الرّياضي، أو النّحو، أو غير ذلك ممّا هو طريقته غير طريقة الفقه، ثمّ يشرع بعد ذلك في
1) الجربز و القربز معربان عن (كربز) الفارسية كما في القاموس و شرحه و هما بمعنى واحد هو: الخبّ- ضد الغرّ- و هو الخدّاع المفسد- لسان العرب مادة: جربز و خبب- هذا أصل الجربزة في اللغة، و لكن لها في اصطلاح علماء الأخلاق معنى آخر- له صلة بالمعنى اللغوي- و هو: صفة من رذائل القوة العاقلة في جانب الإفراط موجبة لخروج الذهن عن الاستقامة و الاستقرار على شيء، بل لا يزال يستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع، و يتجاوز عن الحق، و لا يستقر عليه، و ربما أدّى في العقليات إلى الإلحاد و فساد الاعتقاد بل إلى نفي حقائق الأشياء كما في السوفسطائية و في الشرعيات إلى الوسواس. (جامع السعادات للنراقي رحمه اللّه ج 1 ص 100، بتصرف).
الفقه، فأنّه يخرّب الفقه بسبب أنس ذهنه بغير طريقته، و ألف فهمه بطريقة الكلام و أمثاله، كما شاهدنا كثيرا من الماهرين في العلوم من أصحاب الأذهان الدّقيقة السّليمة أنّهم خرّبوا الفقه من الجهة الّتي ذكرناها.
الثّامن: أن لا يأنس بالتوجيه و التأويل في الآية و الحديث إلى حد يصيّر المعاني المؤوّلة من جملة المحتملة المساوية للظاهر المانعة عن الاطمئنان به، كما شاهدنا من بعض، و لا يعوّد نفسه بتكثير الاحتمالات في التوجيه، فإنّه أيضا ربّما يفسد الذّهن.
التاسع: أن لا يكون جريئا غاية الجرأة في الفتوى، كبعض الأطبّاء الذين هم في غاية الجرأة، فإنّهم يقتلون كثيرا بخلاف المحتاطين منهم.
العاشر: أن لا يكون مفرطا في الاحتياط، فإنّه أيضا ربّما يخرّب الفقه، كما شاهدنا كثيرا ممّن أفرط في الاحتياط، بل كلّ من أفرط فيه لم نر له فقها، لا في مقام العمل لنفسه، و لا في مقام الفتوى لغيره.
و اعلم أيضا أنّ علم المعاني و البيان و البديع، و الحساب، و الهيئة، و الهندسة و الطّبّ من مكمّلات الاجتهاد. و جعل جمع علم المعاني و البيان من شروط الاجتهاد مثل: السيّد المرتضى (1)و الشهيد الثّاني (2)و الشّيخ أحمد بن المتوّج البحراني (3)، بل الأخيران عدّا علم البديع أيضا من الشّرائط. و قد أشرنا إلى أنّه ربّما يحصل العلم من جهة الفصاحة و البلاغة بكون الكلام عن
الإمام عليه السلام، فمن هذه الجهة ربّما يكون لهما مدخليّة في الاشتراط، بل البديع أيضا.
و أمّا الهيئة فبعض مسائله ربّما يكون شرطا، أيضا مثل: ما يتعلّق بالقبلة، و كون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنّسبة إلى بعض الأشخاص (1)و القدر الّذي هو شرط من جميع العلوم المذكورة هو الّذي يندفع به الضّرورة، و إن كان لا يحصل إلاّ بعد الاطّلاع على الجميع من كلّ واحد واحد منها، لكن اطّلاع في الجملة من دون حاجة إلى المبالغة و الإكثار و صرف العمر الكثير في تحصيل المهارة التّامّة كما لا يخفى.
1) ورد في «ف» بعد هذا: (و واحدة و ثلاثين بالنسبة إلى بعض) كنسخة بدل.
قد عرفت ضرر عدم معرفة شرائط الاجتهاد، و عدم مراعاتها، و الخطر الشّديد الّذي فيها، لكن في معرفة تلك الشّرائط خطر أيضا لا بدّ من عدم الغفلة عنه، و حفظ النّفس عنه، و ذلك الخطر من وجوه:
الأوّل: أنّه- من شدّة الأنس بها، و الاستناد إليها و الاعتماد عليها- ربّما يغفل عن قرائن الحديث غافل، و لا تنجلي له (1)سيّما إذا كانت خفيّة.
مثلا: حقّق في أصول الفقه أنّ مفهوم الوصف ليس بحجّة، و في كثير من الأخبار يظهر اعتبار ذلك المفهوم باعتبار خصوصيّة المقام، فالغافل يعترض عليه: بأنّه مفهوم الوصف، و هو ليس بحجّة- على ما هو محقّق في
1) في الأصل: و لا ينجلي عليه.
الأصول- سيّما إذا كانت القرينة لم تكن بذلك الجلاء، إذ قد عرفت أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة، و الإشعار موجود على أيّ حال، فإذا تقوّى ذلك الإشعار بخصوصية مقام يحصل القدر المعتبر من الظّهور، و إن كان الإشعار لا يكفي لو لم يكن القوّة. و بالعكس إلاّ أنّه بانضمامهما معا حصل الكفاية، بل ربّما يجد القرينة في غاية الظّهور، و مع ذلك يعترض ذلك الاعتراض.
مثل: ما ورد في صحيحة الفضيل في غاية خيار الحيوان، فإنّه قال له:
قلت: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: «ثلاثة أيّام للمشتري»، فقلت:
ما الشّرط في غير الحيوان؟ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1).
و هذا كالصّريح في تخصيصه بالمشتري، و مع ذلك يعترض: بأنّ دلالته بمفهوم الوصف، و هو ليس بحجّة.
و قس على ذلك سائر القواعد الأصوليّة، و كذا القواعد النّحويّة، أو الصّرفيّة، أو غيرهما.
الثّاني: انّه بعد ما عرف علما من تلك العلوم، ربّما يعجبه التكرار و الإكثار في المعاودة، و المباحثة، و تحصيل المهارة الكاملة، و ربّما يتوهّم لزوم ذلك إلى أن يصرف عمره فيه، و لذا ترى غالب الطّلبة لا يبلغون درجة الاجتهاد بل يموتون، و غاية ما يصل إليه آحادهم أنّه نحويّ، أو صرفيّ، أو منطقيّ، أو كلاميّ، إلى غير ذلك، فيصرف تمام عمره في تحصيل مقدّمة من مقدّمات ذي المقدّمة.
مع أنّ الفقه أيضا مقدّمة للعبادة الّتي خلق لأجلها فيضيّع عمره،
1) الكافي 5: 170، الحديث 6. و في ذيله «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما».
و يصرفه في غير مصرفه.
و أعجب من هذا أنّهم يصرفون عمرهم في الرّياضي و الحساب، و أمثال ذلك، و يعتذرون أنّه ربّما يكون له نفع للفقه. و ربّما يشرعون في الفقه في أواخر عمرهم، و بحسب العادة يصعب حصول معرفة صنعة، أو علم في أواخر العمر، و سيّما إذا تشوّش الذّهن بسبب أنسه بالاحتمالات و الاعتراضات الحكميّة و الكلاميّة و غيرها، و لذا ربّما يتكلّمون بكلمات يشمئز منها الفقيه غاية الاشمئزاز. و لعدم أنسهم بطريقة الفقاهة يعترضون على أدلّة الفقه بأيّ احتمال يكون، فلا يكاد يثبت عندهم مسألة فقهيّة، و مدارهم في عملهم، و فتواهم لغيرهم على قول الفقهاء، و عدم الخروج عنه.
و أيضا لا بدّ من صرف مدّة من العمر في تهذيب الأخلاق، لما عرفت من اشتراط القوّة القدسيّة. و لأنّ «العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» (1)، سيّما الفقه، و النّور لا يقذف في قلب رديّ، مع أنّه لو قذف فنعوذ باللّٰه من العالم الرّديّ، فإنّه شرّ النّاس بعد «فرعون» و «شدّاد» و فلان و فلان، و إنّه من الصّادّين عن سبيل اللّه، و قطّاعي الطّريق إليه تعالى.
و صرف العمر فيما ذكر من العلوم يمنع عن التّهذيب، بل و ربّما يورث القساوة كما ورد في الحديث في معرفة النحو، و نشاهد في غيرها، مع أنّ تهذيب الأخلاق من أوجب الأشياء كما لا يخفى.
1) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ في الجوامع الحديثيّة حسب فحصنا و الّذي ظفرنا عليه ما هو لفظه: ليس العلم بالتعلم انما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى ان يهديه راجع البحار 1: 225، ذيل الحديث 17. و كذا نقل في كنز العمّال بهذا النص «علم الباطن سر من أسرار اللّه عزّ و جلّ و حكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده» راجع كنز العمال 10: 159 حديث 28820.
و اللّه الهادي إلى طريقه، و لا يحصل الهداية إلاّ بالإرشاد و توفيقه و إليه حسن المآب.
تمّ هذا الكتاب المستطاب من تأليفات المحقّق المدقّق مولانا آغا محمّد باقر المسمّى ب (الفوائد الحائريّة) في يوم الاثنين، العشرين من شهر ربيع الأوّل، سنة الف و مائتين و اثنتين و أربعين سنة 1242.
و صلّى اللّه على أشرف الأنبياء و المرسلين و آله المعصومين، و الحمد للّه ربّ العالمين.
تقليد المجتهد إنّما يصحّ في الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة، و موضوعاتها الّتي هي العبادات التوقيفيّة، لا موضوعاتها التي ليست بتوقيفية، للأدلّة الكثيرة الدالّة على منع العمل بالظن و التّقليد، خرج الحكم الشّرعيّ الفرعيّ و موضوعاته التي هي وظائف الشرع بالدّليل الّذي ذكرنا في الفوائد، بل بأدلّة متعدّدة، و يبقى الباقي تحت المنع، و أدلّة المنع أيضا ذكرناها في الفوائد.
بل ذكرنا أيضا- في مسألة عدم معذوريّة الجاهل من الفوائد- عدم جواز التّقليد في أصول الدّين.
مع أنّ الآيات و الأخبار واردة في المنع عن التّقليد فيها (1)بالخصوص.
1) في الأصل: فيه.
و الإجماع واقع أيضا على (1)ذلك من الشّيعة، كما نقلوه، و الخلاف من أهل السنّة، بل معظم أهل السنّة على جواز التّقليد، و وافقهم شاذّ من متأخّري الشّيعة.
مع أنّ الخطأ غير مأمون على الظنون، فكيف يصحّ الابتناء عليها فيها؟! مع أنّ الخطأ فيها يوجب الخلود في النّار و القتل و الأسر و البيع و التملّك و أمثال ذلك في هذه الدّار. مع أنّ الكفّار حصل لهم الظّنّ، بل ربّما يكون أقوى ممّا حصل للمسلمين.
و اشتراط مطابقة ظنّهم للواقع غلط واضح، لأنّه إن أريد أنّه لا بدّ من أن يحصل لهم العلم بالمطابقة، فهذا ينافي كونه ظنّا، و إن أريد الظنّ بذلك، فالظنّ كان حاصلا لهم، و إن أريد بحسب نفس الأمر، لا أنّه يحصل لهم العلم أو الظنّ بذلك، فهذا تكليف بما لا يطاق، و إن أراد أنّ المعتبر في تحقّق الإيمان هو تحقّق المطابقة، فإن تحقّقت يكن مؤمنا، و إلاّ لا يمكن مؤمنا، فهذا تصريح بعدم جواز الاكتفاء بالتّقليد، و عدم اعتبار التّقليد، و أنّ اللازم تحصيل الجزم بالمطابقة.
و بالجملة عدم جواز التّقليد دليله في غاية المتانة و الوضوح، كما عرفت ممّا ذكر هنا، و ما ذكرنا في الفوائد.
و من هذا يظهر عدم جواز الاعتماد على الظنّ في أصول الدّين من غير جهة التّقليد أيضا. فما يعرف من بعض العلماء- من أنّ الاعتماد على أخبار الآحاد أو ظواهر الآيات، و من جماعة من الصّوفية من الاستناد إلى التخمينيّات و الخيالات و الشّعريّات- ظاهر الفساد، بل غالب المفاسد في
1) في الأصل: عن ذلك.، و الصحيح ما أثبتناه.
أصول الدّين من الاتّكال على الظنّ و التخمين و متابعتهما كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.
حجّة المجوّز للتّقليد أنّ الّذي يظهر من الأخبار أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يكتفي بمجرّد القول بالشّهادتين و غيرهما ممّا يعتبر في أصول الدين من غير مطالبة ببيان الدّليل.
و هذه الحجّة- مع قطع النّظر عن عدم ارتباطها بالمقام، لأنّ مجرّد القول غير حصول الظنّ- سخيفة من وجوه:
الأوّل: إنّ الأدلّة الدّالّة على عدم الجواز منهما يقيني عقليّ، و منها نقليّ يقينيّ كما عرفت. و الظاهر لا يقاوم اليقين، و النّقل لا يقاوم العقل.
و الثاني: إنّها لو تمّت لزم عدم اعتبار الظنّ أيضا، و لم يقل به أحد، بل يلزم كون الإسلام و الإيمان هو الإظهار فقط، و إن كان المظهر شاكّا، بل و إن كان ظانّا حقّيّة خلاف ما يظهر، بل و إن كان جازما أيضا، و لذا كان الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يكتفي من المنافقين أيضا بإظهارهم من دون تفاوت بينهم و بين غيرهم في الاكتفاء الّذي ذكرت.
فان أردت من الإسلام: هو الإسلام الظاهريّ، فلا تأمّل لأحد في أنّه يكفي مجرّد الإظهار، و إن كان معتقدا بعنوان الجزم ببطلان ما أظهر، فضلا عن الشكّ، فضلا عن الظنّ بالحقيقة، فلا يدلّ على اعتبار الظنّ و التّقليد أصلا.
و إن أردت أنّه بمجرّد الإظهار كان يحكم بالإسلام الواقعي، و الإيمان الباطنيّ.
فلا نسلّم ذلك. بل الّذي يظهر هو خلاف ذلك كما هو ظاهر.
و لئن تنزّلنا عن ذلك فظهور الخلاف من أين؟! و لئن تنزّلنا فظهور ذلك من الأخبار المتواترة من أين؟! و الثالث: غاية ما يحصل على تقدير التنزّل هو الظنّ و الظّهور،
و الاستناد إلى ذلك يوجب الدّور أو التّسلسل، إذ الكلام في الاكتفاء بالظنّ.
و على تقدير التنزّل و تسليم دعوى العلم ممّا ذكرتم، فلا شكّ في معارضته لما ذكرناه من الأدلّة، فعلى تقدير تسليم التّقاوم فالرجحان من أين؟! و لو سلّمنا الرّجحان فكونه بحيث يورث اليقين من أين؟! و الظّنّ قد عرفت حاله، و إن سلّمنا كونه متاخما للعلم.
الرّابع: إنّ دليل النبوّة هو المعجزة، و اطّلاع الحاضرين عليها في غاية السّهولة، بل كانوا أعلم بها منّا البتّة. و القدر الّذي كانوا مكلّفين به من أصول الدّين كان علمهم به من قول الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا كذلك، و هذا يكفي لكونه دليلا قطعيّا، و تقليد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد ثبوت رسالته، برهان لا تقليد.
لا يقال: يتوقّف ثبوت النبوّة منها على العلم بوجود اللّه تعالى و عموم علمه و قدرته و حكمته.
لأنّا نقول: من العلماء من يقول: بعدم التوقّف. و على تقدير التوقّف نقول: لا شكّ في أنّهم كانوا عالمين بالأمور المذكورة غير متأمّلين فيها أصلا، و لذا بمجرّد ثبوت المعجزة كانوا يجزمون و ما كانوا يناقشون، و لا نقاش أحد منهم و أحدا من الأنبياء في شيء منها أصلا: إمّا لكونها من الفطريّات على ما قاله جمع من العلماء، و هو الأظهر، كما لا يخفى على المتدبّر، و يظهر أيضا (1)من الخبر الوارد عن الصّادق عليه السلام: «هل ركبت البحر» (2).. إلخ.
أو لكون مقدّماتها في غاية السّهولة كما قال آخرون.
أو لأنّ ذلك حصل لهم بالدّليل كما هو المحتمل، فتأمّل.
فظهر حقّيّة ما عليه الشّيعة، و بطلان ما هو المعروف عند أهل السنّة من جواز التقليد.
نعم الشيخ رحمه اللّه يقول: بأنّ المقلّد و إن كان آثما في تقليده إلاّ أنّه مؤمن واقعا إذا طابق اعتقاده الواقع، محتجّا بالحجّة المذكورة عن أهل السنّة في جواز التقليد.
و فيه أنّه إن تمّت فظاهرها الجواز و عدم الإثم أيضا، و إن بنى على أنّ الدّليل اليقينيّ يصرف عن الظّاهر فيمكن أن يقال: لعلّ الإسلام المقبول منهم هو الإسلام الظاهري، لا الواقعي، من جهة كونهم آثمين قطعا.
و بالجملة لا ثمرة للنّزاع بالنسبة إلى المجتهد، لأنّ معاملة أحكام الإسلام شأن المجتهد، و المعاملة متحقّقة، و إن لم يكونوا مؤمنين في الواقع.
و أمّا الثواب و العقاب، و الجنّة و النّار، فهي أمر من اللّه تعالى، و الرّجاء بالنسبة إليهم موجود متحقّق يقينا، إذ غاية ما يكون أنّهم مرجون لأمر اللّه تعالى، و ليسوا بالمشركين قطعا و إجماعا، و لا كافرين جزما و اتّفاقا، بل هم من المسلمين يقينا و وفاقا، و يعاملون معاملة المؤمنين بلا تأمّل، فتأمّل جدّاً.
و ممّا ذكرنا ظهر وجه عدم تجويز المجتهدين تقليد المجتهد مجتهدا آخر. نعم يجوز له في مقام تعويله على الظّنون و الأمارات بعد بذل جهده في التحرّي و تحصيل الأقوى، لأنّه نوع ظنّ و أمارة، فهذا التّقليد في الحقيقة اجتهاد.
و يظهر أيضا وجه عدم جواز التّقليد في الموضوعات فيما فعله بعض من يدّعي الاجتهاد من الأمر بتقليده في الموضوعات أيضا غفلة منه أو
قصور، مثلا يقول: فلان عندي عادل، فصلّوا خلفه، و اقبلوا قوله أو شهادته، أو يقول: فلان مات، فاقتسموا إرثه، و تزوّجوا زوجته. إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر.
نعم إن كان عادلا، و يخبر بعنوان العلم و اليقين يكون شاهدا واحدا تعتبر شهادته في مقام اعتبار الشّهادة بعد استجماع جميع شرائط القبول، و منها أن يكون مستند علمه الحسّ، لا الحدس، كما هو المشهور عند الفقهاء.
نعم يعتبر تقليده في مقام اعتبار الظنّ و التخمين، و لذا يجوّزون التّقليد في معرفة القبلة بعد العجز من العلم و الأمارات القويّة فيجوز حينئذ أن يقلّد المجتهد العاميّ، فضلا عن المجتهد.
بل ربّما يجوز تقليد العامي دون المجتهد إذا كان العامي أبصر، و الظنّ الحاصل من قوله أقوى، فهذا التقليد أيضا يرجع إلى الاجتهاد لا أنّه تقليد اصطلاحيّ كسابقه.
قد ورد في الأخبار: أنّ الشّيعة كانوا يقولون في الحديث الّذي وافق التقيّة: (أعطاك من جراب النّورة).
قيل: مرادهم تشبيه المعصوم عليه السلام بالعطّار، و كانوا يبيعون أجناس العطّارين بالجربان (1)، و كان النّورة أيضا يبيعونها في جرابها، فإذا أعطى التقيّة قالوا: أعطاك من جرابها- أي ما لا يؤكل، و لو أكل لقتل- و الفائدة فيه دفع القاذورات و أمثالها.
1) ف: (بجربان)، لكن الصحيح في جمع جراب- الّذي هو نوع وعاء من جلد- أجربة و جرب و جرب، أما جربان فجمع جريب- الّذي هو مقدار معلوم. اللسان، مادة (جرب).
و قيل: إنّ النقباء لمّا خرجوا في أواخر زمن بني أميّة في خراسان، و أظهروا الدّعوة لبني العباس بعثوا إلى إبراهيم الإمام منهم بقبول الخلافة، فقبل، و هو في المدينة، و كانت هي و سائر البلدان تحت سلطنة (1)بني أميّة و حكمهم، سوى خراسان إذ ظهر فيها النقباء، و كانوا يقاتلون و يحاربون، و لما اطّلع بنو أميّة قبول (2)إبراهيم الخلافة أخذوه، و حبسوه، و قتلوه خفية، و وضعوا جراب النّورة في (3)حلقه، فخنقوه، فصار ضرب المثل بالنسبة إلى (4)ترك التقيّة و تاركها، و كان هذا الكلام من الشيعة إشارة إلى هذه الحكاية، و مثلا مأخوذا منها.
ربّما يقول: المعصوم عليه السلام أنّ الأمر كذا، و نرى في الخارج أنّه ليس كذا. و الظاهر أنّ المراد في الغالب كذا،- يعني و إذا كان واقعا يكون في الغالب كذا-، لأنّه الموافق لطريقة المحاورات العرفيّة، لأنّهم عليهم السلام منزّهون عن الخطأ و الكذب، فمرادهم ما هو المتعارف، بل بناء الفقه على ذلك.
مثلا قالوا: دم الحيض أسود (1)، و دم الاستحاضة أصفر (2)، و المنيّ دافق
و مع الشّهوة (1)، و الوجه من قصاص شعر الرّأس إلى الذقن (2)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
و إذا لم يكن في الغالب كذلك فالظّاهر أنّه مجاز أو تشبيه، مثل:
«الطّواف بالبيت صلاة» (3)، «و الفقاع خمر» (4)، و «تارك الصّلاة كافر» (5)، و «النّاصب من نصب لكم العداوة» (6)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى. و المراد المشابهة في الحكم الشّرعيّ إمّا في الجملة فمجمل، أو عموما فعامّ، أو في الأحكام الشّائعة إن كان له أحكام شائعة، و إلاّ فعامّ أو مجمل على الأقوال التي أشرنا [إليها] (7)في الفوائد الحائريّة.
و وجهه ما ذكرنا: من أنّ المطلق ينصرف إلى الأفراد الشّائعة و الغالبة.
و من أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة- كما حقّق في محلّه-، و أهل العرف يحاورون كذلك.
مع أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و الأصل عدم النقل.
مع أنّه لو كان منقولا لشاع و ذاع، لأنّ النّقل لغرض التّفاهم، و لم يشع
1) الوسائل 1: 477- 478 الباب 8 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 3 و 5.
2) الوسائل 1: 284 الباب 17 من أبواب الوضوء الحديث 1.
3) مستدرك الوسائل 9: 410 كتاب الحجّ الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 2.
4) الوسائل 2: 1055- 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 5.
5) الوافي 1: 175. و التهذيب 2: 8، الحديث 13.
6) الاحتجاج 2: 288 عن سليم بن قيس عن الحسن عليه السلام: «انّ الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقّنا .. إلى أن قال: و ناصب لنا العداوة .. فهذا كافر مشرك».
7) الزيادة منّا اقتضاها السياق.
أصلا، بل الفقهاء طريقتهم البناء على المجازات الشائعة، فالشائع خلاف ذلك.
مع أنّ في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة خلافا، مع أنّ القائل بالثبوت إنّما يقول به فيما هو عند اصطلاح المتشرّعة حقيقة في المعنى الشّرعيّ، و منقول عن اللّغة البتّة، قائلا: بأنّ النقل و الحقيقة من الشّرع، لا فيما ليس كذلك، بل عند المتشرّعة خلاف ذلك.
فعلى فرض أن يكون الشارع نقل، لكن لم يطّلع عليه أصحابه أو أغلب أصحابه، لا ينفع أصلا، لأنّ غير المطّلع يبني على اللغة و العرف جزما، فيكون مراد الشارع منه هو الّذي يفهمه بلا شكّ، و من أين يدري أنّ الرّاوي اطّلع عليه أم لا؟! مع أنّ الأصل عدم اطّلاعه و بقاء ما كان على ما كان.
ثمّ إنّه ربّما يكون المراد ممّا ذكره المعصوم عليه السلام: أنه كذا شرعا، و لا يجري هذا إلاّ فيما هو وظيفة الشارع، مثل الأحكام الشّرعيّة التكليفيّة، و الوضعيّة، و موضوع الأحكام إذا كان عبادة لكونها توقيفيّة، و لا يجري في غير ذلك قطعا، لاستلزامه الكذب، إلاّ أن يكون المراد الغالب و المجاز، على حسب ما عرفت. و صاحب المدارك توهّم اتّحاد ما يكون المراد منه الغالب مع ما هو المراد منه شرعا، (و وقع منه الاشتباه و عدم الفرق بينهما في خصوص الحيض و الاستحاضة. و اعترض على الفقهاء أيضا من جهة الاشتباه المذكور، و غيّر الطّريقة من أوّل بحث الحيض و الاستحاضة إلى آخرهما عن طريقة الفقهاء) (1)و تبعه غيره من المحقّقين أيضا غفلة، و إن كان
1) بما ان النسختين لا تخلوان عن تشويش في العبارة فما أثبتناه بين القوسين تلفيق منهما.
في بحث المنيّ وافق القوم كما لا يخفى على المطّلع المتأمّل.
ثمّ لا يخفى أنّه ربّما كان المراد منه شرعا مخالفا للقاعدة الشّرعيّة فلا عبرة به إلاّ أن يكون ثابتا ظاهرا مقاوما للقاعدة، فيكون قاعدة شرعيّة مستثناة من القاعدة الشرعيّة، على حسب ما عرفت سابقا.
فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التّكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له بعد استفراغ وسع المجتهد في الاجتهاد، و المقلّد في التقليد، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذّمّة حتّى يثبت التكليف و يتمّ الحجّة، و انّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو التّرك مطلقا.
نعم الاحتمال معتبر في مقام ترك الاستفصال عند السؤال كما عرفت، لكن في الحقيقة ليس المثبت للتكليف هو الاحتمال، بل العموم الحاصل من ترك الاستفصال حينئذ، و عرفت أنّ من ليس بمجتهد و لا مقلّد ليس بمعذور، لعدم معذوريّة الجاهل، بل عليه تقليد المجتهد إن أمكن، و إلاّ فعليه الاحتياط مهما تيسّر، و إن أمكنه التقليد، و لم يقلّد يكون مقصّرا، و مع ذلك
يكون عليه الاحتياط مهما أمكنه، و قد عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يكونان في نظريّات الدّين و المذهب لا ضروريّاتهما، و أنّ الضروريّات لا فرق فيها بين المجتهد و المقلّد.
و أمّا مقام الخروج عن عهدة التّكليف، فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها، للإجماع و الأخبار، مثل قولهم: «و لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله» و غيره، و لما يظهر من تتبّع تضاعيف الأخبار الواردة في مقام تحقّق الامتثال و الخروج عن العهدة أنّه بمجرّد الشكّ في الفعل لا يكون ممتثلا، بل بالظنّ أيضا إلاّ في مواضع مخصوصة.
و أيضا ثبت- من العقل و النّقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين بل الملّيين- وجوب إطاعة الشارع، بل كلّ أمر و نهي منه يقتضي وجوب إطاعته، و معلوم أنّ الإطاعة من جملة موضوعات الأحكام الّتي مرجعها إلى العرف، و اللّغة. و معلوم أنّ معناها هو الإتيان بما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان، و الإتيان هو الإيجاد واقعا، فعلى هذا لا يكفي الشكّ بالبراءة و لا الظنّ، إلاّ أن يكون الشارع يرضى بهما، و يثبت منه ذلك.
و ممّا ذكرنا علم أنّه إن استيقن بأنّ عليه فريضة فاتته، فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظّهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة، و لم يعلم أنّها فائتة، أو حاضرة، مثل: أنّه لا يدري أنّها الظّهر أو صلاة الزلزلة، يجب عليه أن يأتي بهما جميعا حتّى يتحقّق الامتثال.
و لا يتوهّم أحد أنّ الإتيان بالثانية زيادة في الدّين، لأنّ الواجب عليه كان واحدا لا غير، فيكون تشريعا. لأنّ التّشريع هو: إدخال ما ليس في
الدّين فيه عمدا و تقصيرا، لا من جهة تحصيل البراءة الشّرعيّة، و لا من جهة الاحتياط، إذ لو كان يعلم أنّه في الدّين، فلا معنى لكونه احتياطا، بل يكون واجبا بالأصالة و لو لم يعلم، فلا يتأتّى الاحتياط على ما توهّم، مع أنّ الاحتياط ثابت عقلا و نقلا و إجماعا. و كذا الحال في مقدّمة الواجب.
على أنّا نقول في هذا المقام: إنّ الثانية داخلة في الدّين على الجزم و اليقين، لما عرفت من البراهين، و لما في كتب الأصول في مقدّمة الواجب و في الاحتياط و ممّا ذكرنا علم أيضا أنّ المكلّف في يوم الجمعة مثلا يعلم يقينا أنّه لم يخرج عن التكليف، و لم يصر مثل الأطفال و المجانين، بل عليه إمّا الظهر أو الجمعة عند استجماع جميع الشّرائط سوى المنصوب من قبل الإمام عليه السلام. و علمه بذلك من جهة ضروري الدين، لا من جهة الاجتهاد أو التّقليد، أو غيرهما من الظّنون أو العلم النّظريّ. نعم تعيين كونها الظّهر أو الجمعة من نظريّات الدّين، بل من معضلاته عند المطّلعين الخبيرين، و إن كان عند الجاهلين الغافلين أنّها ليست كذلك.
و كيف كان، لا شكّ في كونها من النّظريّات، لا الضّروريّات، فالمجتهد إن لم يرجّح إحداهما، و يكون متوقّفا متحيّرا لا جرم يكون عليه الإتيان بهما جميعا بإجماع جميع العلماء، لما عرفت من البراهين. و كذا الحال في مقلّده، و كذا الحال فيمن لم يجتهد و لم يقلّد.
بل عرفت أنّه إن حصل له ظنّ بتعيّن إحداهما لا ينفعه أصلا، لعدم حجّية ظنّه، بل و حرمة العمل به، لما عرفت من أنّ العمل بالظنّ حرام إجماعا، للأدلّة الكثيرة الواضحة، إلاّ الظنّ الّذي رخّص الشارع العمل به، و ليس ظنّه من جملته قطعا، فلا شبهة في حرمته، و إن كان عنده في غاية القوّة، بل و إن ادّعى الجزم، كما يدّعيه بعض الجاهلين الغافلين المنغمرين في
بحار الغفلة، التّائهين في براري الجهالة، إذ لا شكّ و لا شبهة في كونه جهلا مركّبا يعرف ذلك من له أدنى اطّلاع بحقيقة الحال.
فإذا كان ظنّه بل جزمه أيضا غير معتبر في نفسه شرعا، فكيف يمكنه الاكتفاء به في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة، سيّما بعد ملاحظة قولهم:
«لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله»، إذ أين اليقين الحاصل بالضّرورة من الدّين من هذا الجزم الّذي يدّعي حصوله بالنّظر؟! سيّما مع ما يرى من اختلاف الفقهاء الخبيرين المطّلعين المتّقين العادلين المقدّسين، أرباب القوى القدسيّة و الملكة التّامة في الفقه مع نهاية كثرتهم و شهرتهم و قرب عهد قدمائهم إلى المعصوم عليه السلام بل و متأخّروهم أيضا أقرب عهدا منه بمراتب، و مع ذلك اتّفقوا على خلاف ما فهم، أو كاد أن يتّفقوا، بل اتّفقوا على عدم اليقين، و كونه من المسائل الاجتهاديّة.
و أمّا المجتهد الّذي رجّح إحداهما (1)فالظاهر من طريقة بعض فقهائنا أنّه أيضا في مثل هذه المسألة لا يجوز له الاكتفاء بظنّه، لما عرفت من البراهين، و أنّ اليقين بشغل الذّمّة يستدعي اليقين بالبراءة، و أنّ ظنّ المجتهد حجّة فيما لم يتأتّ له اليقين، إلاّ فيما يثبت من الشّرع تجويز التعويل عليه، و لم يثبت في مثل المقام، و أيضا من المسلّمات عند المجتهدين أنّه مع تيسّر العلم لا يجوز التعويل على الظنّ، و مع تيسّر الأقوى لا يجوز التعويل على الأضعف.
لكن الظّاهر من طريقة الباقين تجويز التّعويل على ظنّه حينئذ، لما دلّ على كون ظنّه حجّة، و تيسّر اليقين ليس مخصوصا بالمقام، بل غالب مقامات
1) في الأصل: أحدهما.
الفقه يتيسّر حصول اليقين بالنسبة إلى آحاده، إلاّ أنّه بالنّسبة إلى المجموع لا يتيسّر، بل لا يمكن، و ترجيح خصوص مقام على آخر من غير مرجّح شرعي ممّا لا يمكن، و التزام تحصيل اليقين مهما تيسّر بعنوان الوجوب ربّما يوجب العسر و الحرج أيضا، بل لعلّه لا يمكن، لعدم إمكان معرفة خصوص حدّ الواجب الّذي على تركه العقاب بحيث لا يحتمل الزّيادة و النقيصة أصلا و رأسا، حتّى يراعى في العمل، و في المقام تحصيل امتثال الواجب، فلا يدري عادة أنّه أيّه يختار، و أيّه لا يختار، و أيّ حدّ منه صار حرجا منفيّا و أيّ حدّ لم يصر، و التزام المقدّمات لحصول ذلك الحدّ يوجب العسر و الحرج بلا شبهة.
و بالجملة: ذلك أيضا ربّما ينافي الملّة السمحة السّهلة. لكن مع هذا يأمرون بالاحتياط استحبابا، و يبالغون، و لذا طريقتهم في الفقه أنّهم يقولون: الأقرب كذا، و الأحوط كذا، و أمثال هذه العبارة.
فإن قلت: الاحتياط كيف يتحقّق هنا؟ لأنّ جمعا منهم يقولون بحرمة الجهة، و دليلهم يقتضيها.
قلت: يقولون بحرمتها على من وافقهم رأيه، و إلاّ فهم متّفقون على أنّ كلّ مجتهد مكلّف بما ادّعى إليه اجتهاده، و كذا مقلّده، و متّفقون على أنّ المجتهد المتحيّر يجب عليه و على مقلّده الجمع بينهما كما عرفت، و كذا من لم يجتهد و لم يقلّد بمقتضى ما عرفت من البراهين، و متّفقون على حسن الاحتياط على المجتهد المعوّل على ظنّه مهما أمكنه.
و ما ذكرت من أنّ دليلهم يقتضيها.
ففيه: أنّ احتمال الحرمة إنّما هو من المقام الأوّل و هو مقام ثبوت التكليف، و الثّاني: مقام الخروج عن العهدة كما ذكرت في أوّل الفائدة.
و جميع الفقهاء متّفقون، على أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يحرم شيء، و لم يكن
في ارتكابه قبح أصلا، و أنّ الأصل براءة ذمّتنا حتّى يثبت التكليف و القبح.
و أمّا فعل الجمعة في مقام تحصيل البراءة اليقينية فقد عرفت أنّه مقتضى البراهين و متّفق عليه. غاية ما في الباب أن يكون المجتهد المرجّح لإحداهما يجوز له التعويل على ترجيحه، من باب أنّ الضّرورات تبيح المحظورات، لما عرفت من أنّ التعويل على الظنّ محظور، سيّما في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة المأمور به و لأجله، و هذا لا يمنع حسن الاحتياط، و فرق واضح بين الشيء الّذي لم يثبت حرمته و الشيء الحرام الّذي أبيح لنا من جهة أنّ عدم إباحته يوجب الحرج علينا، فإنّا لو تركناه، و ضيّقنا على أنفسنا فلا شكّ في حسنه، كما إذا اشتغلنا في جميع أوقاتنا بالصّلاة النّافلة أو غيرها من العبادات، إذ لا شكّ في حسنه مع أنّه حرج، على أنّ الجمع بينهما ليس بحرج جزما، و إنّما الحرج لو حصلنا اليقين بعنوان الوجوب في جميع ما يمكننا تحصيل اليقين فيه كما عرفت، و أين هذا من ذاك؟
هذا كلّه مع قطع النّظر عمّا ذكرنا في الفوائد من أنّ الصلاة الفريضة إذا احتملت الوجوب و الحرمة يقدّم جانب الوجوب فيها عند علمائنا، لأنّه ليس شيء بعد معرفة اللّه تعالى و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإمام عليه السلام أوجب من الصّلاة (1).
و لأنّها «إذا قبلت قبل ما سواها» (2).
و لأنّها «مثل عمود الفسطاط» (3)إلى غير ذلك من التأكيدات. و منها
«أنّ المتهاون بها كافر» (1)، إلى غير ذلك.
ثمّ لا يخفى أنّ عند الجمع بعنوان الوجوب، يفعلان بقصد الوجوب على القول بوجوب قصد الوجه، لأنّ إحداهما واجبة بالأصالة، و الثّانية من باب المقدّمة على ما هو المشهور، و مقدّمة الواجب المطلق واجبة شرعا على المشهور، مع أنّ من لم يقل بوجوبها شرعا يقول بوجوبها عقلا في مثل المقام، لما عرفت من الأدلّة على وجوب خصوص المقدّمة أيضا، و تعلّق خطاب الشرع به على حدة. و النّزاع إنّما هو فيما لم يتعلّق به خطاب الشارع على حدة، على أنّ من الفقهاء من يقول بوجوب الصّلاتين معا بالأصالة بالنّسبة إلى تلك الجماعة، للأدلّة المذكورة فتأمّل.
1) الوسائل 3: 29، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 6 مع اختلاف في اللفظ.
اعلم أنّه ربّما يقول بعض الفقهاء في العبادات و المعاملات في مقام التّعريف: إنّه لغة كذا، و شرعا كذا.
و لعلّ المراد (1): معنى اللّفظ المذكور لتلك العبادة أو المعاملة أعمّ من أن يكون حقيقيّا أو مجازيّا، لنزاعهم في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة.
أو يكون مراده أعمّ من الشرع و المتشرّعة. أو يكون المراد من المعنى: المعنى الصّحيح شرعا، و المعتبر عند الشارع، و المثمر بحسب الشرع.
و هذا هو الأقرب، فيندفع الإشكال الأخير: و هو أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات. فلو كان المعنى في المعاملات بحسب الشّرع مغايرا للمعنى
1) أي المراد من قولهم «شرعا».
العرفيّ و اللّغويّ لكانت المعاملات أيضا توقيفيّة و وظيفة للشّرع، لعدم إمكان الاطّلاع على المعنى الاصطلاحيّ إلاّ من جهة صاحب الاصطلاح و تعريفه، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات، كما لا يخفى على من لاحظ طريقتهم.
مع أنّهم يصرّحون في المعاملات- في مقام الاستدلال على محلّ النّزاع و الجدال:- أنّ المعتبر هو المعنى العرفيّ أو اللّغوي. مثلا يقولون في البيع:
ما يعدّ في العرف بيعا، و في الصلح ما يعدّ فيه و في اللّغة صلحا، إلى غير ذلك، و يجعلون ما ورد من الأمور المعتبرة من الشرع شرطا للصحّة.
صرّح الأصوليّون و الفقهاء بأنّ اللّغة لا تثبت بالدّليل، بل مقصورة على السّماع، و نصّ الواضع، أو فهم منه بالتّرديد بالقرائن، هذا في الحقائق.
و أمّا المجازات فتجويز نوعها، و أمّا إفادتها فبالقرينة الصّارفة، عن الحقيقي، و المعيّنة للمجازي.
و من جملة اللّغات ألفاظ العبادات، و المعاجين و الأدوية المركّبة و البسيطة.
و لذا صرّح في الأصول المبسوطة بأنّ أصل العدم لا يجري في بيان ماهيّة العبادات.
و في كتب الفقه و الاستدلال بأنّ العبادات توقيفيّة موقوفة على نصّ الشّارع، أو يقولون كيفيّة متلقّاة من الشرع و وظيفة الشرع و موقوفة على
بيان الشارع، أو على قوله أو فعله، إلى غير ذلك من التّصريحات، حتّى أنّهم ربّما لا يكتفون بالإطلاقات الكثيرة الصّادرة منه مثل: قوله عليه السلام: «كبّر للإحرام» أو «للافتتاح»، أو «سبع تكبيرات» إلى غير ذلك. و مع ذلك يقولون: لا بدّ من الاقتصار على قول «اللّه أكبر» بهمزة «اللّه» المفتوحة، و لا تقطع، و لا تغيّر هذه الهيئة مطلقا، لأنّها القدر الّذي ثبت لنا من فعل الشّارع.
و تمسّكهم بأصل العدم في بعض المقامات إنّما هو بالنّسبة إلى الشرط الخارج، بناء على ترجيحهم كون اللّفظ اسما للأعمّ من الصحيحة، و كون الأعمّ معلوما بالنّصّ و الإجماع، لا في ماهيّة العبادات، و لذا منعهم الّذين يقولون بأنّ اللّفظ اسم لخصوص الصّحيحة، و هذا واضح في أنّهم متّفقون على عدم الجريان في الماهيّة.
و أيضا ضبطوا أمارات الحقيقة و المجاز و ما به يعرفان، و هي: نصّ الواضع فيها، و التبادر و عدم صحّة السّلب و ما ماثلهما في معرفة الحقيقة، و عدم التّبادر، و صحّة السّلب، و ما ماثلهما في معرفة المجاز.
و ليس شيء من ذلك دليلا، بل خاصّة لهما غير منفكّ عنهما، فحاله حال القرائن المعيّنة لأحد معنيي المشترك، و لا فرق بين كون المعنيين حقيقيّين، أو أحدهما حقيقة و الآخر مجازا.
و المراد من الدّليل الأدلّة العقليّة. و إن كانت معتبرة شرعا في غير المقام مثل أصل العدم و غيره على أنّك عرفت أنّ كلماتهم صريحة في انحصار معرّفات المعنى و ما اعتبر فيه في الأمور الّتي أشرنا إليها. و أصل العدم و ما ماثله ليس داخلا في تلك الأمور قطعا.
و تمسّكهم بالأصل في عدم تعدّد المعنى، أو عدم تغيّره بعد معلوميّة
المعنى و ثبوته- كما ذكرنا في الفوائد- ليس تمسّكا في بيان ماهيّة المعنى أو ما هو داخل فيها، بل في أمر آخر، و لا مانع من هذا التمسّك كما ستعرف.
على أنّهم كثيرا ما لا يجدون معرّفاتهم للحقيقة أو المجاز فيتوقّفون و لا يتمسّكون بالأصل، مع وضوح جريانه لو صحّ، و لم يكن له مانع.
و بالجملة: طريقة الفقهاء و الأصوليّين فيما ذكرنا في غاية الوضوح، إلاّ أن يكون جاهلا بطريقتهم، أو غافلا عنها يحتاج إلى ما نبّهنا، و أشرنا إليها.
و أمّا عدم إمكان معرفة اللّغة بالدّليل فهو من أجلى البديهيّات، إذ يعرف كلّ طفل أنّه لا يمكنه معرفة لغة أهل الفرنج، أو الهند، أو الخزر، أو الصقالبة (1)، أو اللّغة اليونانيّة، أو السّريانية (2)، أو العبرانية (3)، أو غيرها بدليل من الأدلّة، و لا بمجموع الأدلّة، و يعرف أنّهما مقصورة على السّماع، أو التّرديد بالقرائن ليس إلاّ. و كذا الحال في مجازات تلك اللّغات على حسب ما أشرنا.
و كذا الحال في معرفة حقائق اصطلاحه عن مجازاته من غير جهة خواصّهما الّتي أشرنا إلى بعضها، و ضبطوها في كتبهم.
مع أنّهم تأمّلوا في المعرفة ببعض ما ذكروه، فكيف الحال في الأدلّة مع
1) في (ف): (الصعالبة)، و في (م): (الصقالبة) و الظاهر أنهما تصحيف من الصقالبة و الصقالبة هم الشعوب السلافية القاطنة بين جبال أورال و البحر الأدرياتيكي في أوربا الشرقية و الوسطى. (المنجد- في الأعلام-) بتصرف.
2) السريانية لغة سامية لا يزال السّريان و الموارنة و الكلدان يستعملونها في طقوسهم الدينية. (المنجد- ملحق- مادة سري).
3) العبرانية: لغة اليهود، كما تطلق على الديانة اليهودية. (المنجد مادة- عبر-) و المراد هنا المعنى الأوّل.
اتّفاقهم على عدم المعرفة بها (1).
على أنّه ربّما نطّلع على شيء من هذه المعاني بعنوان اللا بشرط بسبب الشّياع أو القرائن، فلا يمكننا أن نقول: المعنى هو الّذي اطّلعنا عليه لأصالة عدم الزّيادة، فعلمنا هذه اللّغات، و عرفناها.
مثلا: اطّلعنا بالشياع أنّ «الأيارج»- باللّغة اليونانيّة- دواء، و لم نعرفه أنّه مطلق الدّواء أو دواء خاصّ، فلا يمكننا أن نقول: هو مطلق الدّواء، للأصل.
أو اطّلعنا أنّه دواء الصبر، و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا؟
فنقول: هو مطلق الصّبر يداوى به من غير اعتبار شيء في كيفيّة المداواة به أصلا، لأصالة العدم.
أو علمنا أنّه فيه جزء آخر هو الإهليلج (2)و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا، و لم نعرف أيضا أنّه تعتبر في هذين الجزءين كميّة أو كيفيّة في التّركيب و الترتيب، أو كونهما مسحوقين أو غير مسحوقين، أو منقوعين أم لا، أو مطبوخين أم لا، أو أحدهما كذلك دون الآخر بالنسبة إلى الكلّ أو البعض، إلى غير ذلك. فنقول: الأصل عدم اعتبار جميع ذلك ف «الأيارج» هو الجزءان لا غير، كيف كانا و لو قلنا ذلك و داوينا المرض بالجزءين كيف كانا لألحقنا بالمجانين في حكمنا بأنّه «الأرياج». و كنّا مؤاخذين على اليقين في المداواة.
بل لغتنا لا يمكن ذلك فيها، فكيف لغة الغير؟! مثلا: إذا سمعنا المداوى بماء الشّعير فلا يمكننا أن نقول هو الماء و الشعير كيف كانا، أو الممزوج منه كيف كان، و كذا الحال في المفرّح الياقوتي، و أمثال ذلك من الأدوية المركّبة، بل المفردة أيضا مثل: ماء الجبن، و غير ذلك.
فإذا كان لغتنا لا يمكن ذلك، فكيف الحال في تلك اللّغات؟! فإذا كانت اللّغات العامّة لا يمكن ذلك فيها، فما ظنّك بالاصطلاحات الخاصّة، و المجازات المستعملة؟! إذ كلّما كان الشيء أخصّ كان توغّله في الإبهام أزيد، و عدم معرفته أشدّ.
و إذا كانت الاصطلاحات الخاصّة كذلك فما ظنّك بالعبارات التوقيفية على خصوص الشرع ليس إلاّ. و المراد من التوقيفيّ: ما أحدثه الشرع خاصّة، و لو كان غير العبادة أيضا كذلك كان أيضا كذلك، إلاّ أنّه لم يوجد منه كما مرّ.
و جزء العبادة ربّما يكون توقيفيّا كالرّكوع، و السّجود، و ربّما لم يكن كالقيام، و القعود، في الصّلاة، و كذا شرطها: كالطّهارة من الحدث، و غسل الخبث. و أصل العدم يجري في غير العبادات، و إن كان جزء العبادة أو شرطها، إن لم يحتمل كون المنفيّ بهذا الأصل جزءا على حدة في نفس العبادة، و معتبرا في تحقّق ماهيّتها بملاحظة وفاق أو غيره من الأدلّة.
و يدلّ أيضا على عدم جريان أصل العدم في اللّغات- لغات العبادة و غيرها- (أنّ الأصل عدم كلّ شيء)، فكيف يستدلّ به على ثبوت كون شيء معنى اللفظ؟! مع أنّ ذلك الشيء يكون الأصل عدم كونه أيضا معناه، إذ لم يكن قبل الوضع معناه قطعا، و بعد الوضع لم يكن فرق بينه و بين ما تنفيه بالأصل، بل إذا كان المنفيّ جزءا واحدا، و المثبت أجزاء متعدّدة،
فكيف يغلب الأصل الواحد أصولا متعدّدة؟! لأنّ كلّ جزء يكون الأصل عدمه.
فإن قلت: ما تقول في جريانه في الموضع الّذي ثبت- من إجماع أو غيره- دخول تلك الأجزاء في المعنى و اعتبارها فيه فيكون النّزاع في خصوص جزء أو أزيد؟ مثلا بالإجماع ندري تسعة أجزاء فيه، و النزاع في جزء واحد، و أنّ المعنى عشرة أو تسعة، فنقول: التّسعة ثبتت بالإجماع، و الواحد ينفيه الأصل، فيكون تسعة.
قلت: (الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد) بالبديهة، و مسلّم ذلك عند الكلّ، فما لم يوجد يكن (1)باقيا على العدم الأصليّ و لم يثبت خلاف العدم فيه، فالمعنى ما لم يتعيّن لم يكن موضوعا له و لا مستعملا فيه بالبديهة، بل يكن باقيا على الحالة السّابقة على الوضع و الاستعمال.
فإن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء- أعمّ من أن يكون الجزء العاشر جزءا من ذلك المعنى، بحيث لو لم يكن لم يكن المعنى تامّا، و أن لا يكون جزءا أصلا، بل يكون خارجا عن المعنى، و تمام المعنى بتلك التسعة من الأجزاء- فغلط واضح و تناقض محال.
و إن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء بحيث لا يكون للعاشر مدخليّة فيه أصلا، و لم يكن تمام المعنى به، بل بتلك التسعة، و إن كنّا قبل ملاحظة الأصل نجوّز الأوّل أيضا، إلاّ أنّه ظهر لنا من الأصل أنّه الثّاني.
ففيه أنّه كما كان قبل الوضع لم يكن العاشر معتبرا في معناه من جهة أنّه لم يكن وضع أصلا، لكن بعد الوضع بقي العاشر على العدم الأصليّ،
1) في الأصل:. يكون باقيا.، و ما أثبتناه هو الصحيح.
و كذلك التسعة بالنّحو الّذي ذكرت لم يكن قبل الوضع معناه قطعا، فكذا بعد الوضع بعين ما ذكرت، و ثبوت القدر المشترك بينها و بين العشرة لا يعيّن ما ذكرت، لأنّ العامّ لا يدلّ على الخاصّ، و تحقّق القدر المشترك لا يقتضي تحقّق خصوص فرد إذ التسعة التي ذكرت فرد من القدر المشترك الثابت، قسم التسعة التي تكون مع العاشرة. و الأصل كما يقتضي عدم خصوص فرد يقتضي عدم الآخر الّذي هو قسيمه.
على أنّ كلّ قسيم يتضمّن فصلا أو قيدا يتقوّم به و يتميّز به و بسببه عن قسيميه، يكون الأصل عدم ذلك الفصل و القيد، و إن كان مثل السّاذجيّة في التصوّر السّاذج الّذي هو قسيم التصوّر مع الحكم.
على أنّ الحادث الثابت من الإجماع مثلا: هو الوضع، أو تجويز النّوع، أو الإرادة في الاستعمال، و كلّ واحد منها شخص واحد من الحادث لا تعدّد فيه، سواء تعلّق ببسيط أو مركّب، قليل الأجزاء أو كثيرة. و التّركيب و زيادة الجزء في المتعلّق لا يصير منشأ لتعدّد الوضع و الإرادة كلفظ تسعة و لفظ عشرة، و ليس الوضع في لفظ العشرة متعدّدا: وضعا للتّسعة، و وضعا للواحد، إذ لو كان كذلك لزم أن يكون وضع لفظ العشرة عشرة أوضاع، بل عشرين، لأنّ نصف الواحد جزؤه، فيكون جزء الموضوع له، بل ثلاثة أيضا جزؤه، فيكون ثلاثين وضعا، و ربعه أيضا جزؤه، فيكون أربعين وضعا، و هكذا فيكون آلاف ألف وضع، بل لا نهاية للوضع، لعدم انتهاء الجزء و استحالة الجزء الّذي لا يتجزأ، و هو بديهيّ البطلان.
فظهر أنّ زيادة جزء الموضوع له لا يصير سببا للزّيادة في الوضع، فلا يكون الأصل عدم كون الوضع للمركّب بالقياس إلى الوضع للبسيط، و هكذا، بل لو صارت منشأ لزيادة الوضع كمّا أو كيفا- مع كون الوضع
حادثا- لا نسلّم أن يكون الأصل عدمه بالقياس إلى غير الواحد كذلك.
مثلا: إذا سمعنا صوت رجل في دار علمنا وجود رجل أمّا أن يكون أصغر ما يكون من الرّجال و أقصر- لأنّه أقلّ ما يكون من الرّجال، و الأصل عدم زيادة الجثّة أو الطّول أو غيرهما- فلا، و هو ظاهر. و حقّقناه في رسالتنا في الاستصحاب ردّا على من يقول: الأصل عدم البلوغ كرّا في الماء الموجود دفعة.
نعم فيما يوجد قليلا قليلا على سبيل التدريج يكون الأصل كما قال:
لأنّه موجودات متعاقبة و حوادث متعدّدة.
ثمّ اعلم أنّ توقيفيّة العبادات إنّما هي إذا ثبتت المطلوبيّة بألفاظ لا يعرف معناها إلاّ من الشّرع، لأنّها إمّا اصطلاح منه خاصّة: و كلّ لفظ في اصطلاح إنّما يرجع في معرفة معناه و ماهيّة ذلك المعنى إلى صاحب ذلك الاصطلاح. و إمّا مجاز: و قد عرفت أنّ معناه لا يعرف إلاّ من قرينة معيّنة نصبها المستعمل تدلّ على ما هو في قلبه و ذهنه، سيّما و أن يكون المجاز من المجازات الغريبة التي لم تتحقّق أصلا و رأسا في عصر أو مصر، و لا عند قوم أو جماعة و لا عند آحاد أيضا إلاّ عند الشارع و منه.
فلو قال الشّارع- من أوّل تكليفه بالغسل- مثل: اغسل رأسك و عنقك، ثمّ اغسل يمينك ثمّ شمالك من أوّلهما إلى آخرهما بقصد الطّاعة للّه لما كان هناك توقيف أصلا لفهمنا جميع ذلك من أوّل الأمر كالمعاملات.
و كذا إذا كان المثبت للتكليف هو الإجماع كما عرفت.
و كذا إذا كان هناك عموم أو إطلاق بحيث يصلح أن يكون نصّا و بيانا.
و كذا إذا فعل (1)فعلا ابتداء و اطّلعنا على ذلك الفعل، و أنّه عبادة، فالأصل براءة الذمّة عن الوجوب، فهو مستحبّ كما عرفت.
و ممّا ذكر ظهر أنّ ما صدر من البعض (2)من التمسّك بالأصل- فيما هو داخل في العبادة عند الخصم المنازع و إبطال مذهبه به، مجرّد توهّم- مع تصريحه (3)بأنّ العبادة توقيفيّة موقوفة على نصّ الشارع، و أمثاله من العبادات.
بل مع بنائه على عدم الفتوى من أوّل الفقه إلى آخره إلاّ من نصّ الشارع، حتّى مع ورود المطلقات منه، مثل: الاقتصار على هيئة أفعل في «اللّه أكبر» كما قلناه إلى غير ذلك.
و أعجب منه، عدم كون الاستصحاب حجّة عنده، مع أنّ أصل العدم استصحاب (4)حال العدم، يجري فيه ما ذكره عند منعه حجّيّة الاستصحاب.
لكنّ الظاهر أنّ هذا البعض لا يتمسّك به إلاّ للتأييد حيث يكون له مستند يعتمد عليه، كما يتمسّك بالخبر الضّعيف و الاعتبار و غيرهما من المؤيّدات الّتي ليست بحجّة عنده جزما، كما هو طريقة سائر الفقهاء، حتّى أنّهم يذكرون القياس- في مقام التأييد- و الاستحسان أيضا، مع تصريحهم بحرمة الاحتجاج بهما كما لا يخفى.
اتّفق المتقدّمون و المتأخّرون من القائلين بحجّية خبر الواحد على أنّ الخبر الضّعيف المنجبر بالشّهرة و أمثالها حجّة، بل استنادهم إلى الضّعاف أضعاف استنادهم إلى الصّحاح، بل الضّعيف المنجبر صحيح عند القدماء من دون تفاوت بينه و بين الصحيح، و لا مشاحّة في الاصطلاح، إلاّ أنّ اصطلاح المتأخّرين أزيد فائدة، إذ يظهر منه ثمر قواعد:
و هي أنّ كلّ خبر العدل حجّة إلاّ أن يمنع مانع، و خبر غير العدول بخلافه و عكسه. و خبر الموثّقين عند من يقول بأنّه مثل الصّحاح مثل الصحاح و عند من يقول بأنّه الضّعاف مثل الضّعاف، و كذا الحال في الحسان.
لكن كلّهم اتّفقوا على كون المنجبر حجّة، بل معظم الفقه من الأخبار الغير الصّحيحة بلا شبهة، بل الطّريقة فيه: أنّه عند معارضة الضعيف المنجبر
مع الصّحيح الغير المنجبر يرجّح ذلك الضّعيف على ذلك الصّحيح، كما ستعرف، و ستعرف وجهه أيضا.
و المحقّق في (المعتبر) (1)بالغ في التشنيع على من اقتصر على الصّحيح.
و العلاّمة في (الخلاصة) بنى على حجّيّة الخبر الغير الصحيح، و بنى خلاصته على القسمين في القسم الأوّل من أوّله إلى آخره.
و جميع تأليفات جميع الفقهاء مبنية على ذلك، بل ضعافهم أضعاف الصّحاح إلاّ النّادر من المتأخّرين، بل النّادر أيضا في كثير من المواضع عمل بالمنجبر، مصرّحا بأنّه و إن كان ضعيفا إلاّ أنّه عمل به الأصحاب، مثل:
حكم من أدرك ركعة من وقت الصّلاة و غيره، و إن كان في بعض المواضع يناقش: بأنّ العدالة شرط في حجّية الخبر الواحد، و المشروط عدم عند عدم شرطه.
و لا شكّ في فساد المناقشة، لاقتضائها سدّ باب إثبات الفقه بالمرّة، إذ لا شبهة في أنّ عشر معشار الفقه لم يرد فيه حديث صحيح، و القدر الّذي ورد فيه الصّحيح لا يخلو ذلك الصّحيح من اختلالات كثيرة بحسب السّند، و بحسب المتن، و بحسب الدّلالة، و من جهة التعارض بينه و بين الصّحيح الآخر، أو القرآن، أو الإجماع، أو غيرهما- كما أشرنا إليه في الفوائد و ظهر لك من التأمّل فيها، و في الملحقات أيضا إلى هنا- و بدون العلاج كيف يجوز الاحتجاج به؟! و كذا إذا لم يكن العلاج حجّة.
و كون العلاج هو الخبر الصّحيح أو مختصّا به بديهيّ البطلان، إذ لا شكّ في أنّ العلاج هو ظنّ المجتهد و لا خصوصيّة له بالصّحيح، بل ظنّه من الخبر
1) المعتبر: 29.
المنجبر بالشّهرة أقوى من الصّحيح الغير المنجبر بمراتب شتّى، كما ستعرف.
و كون العدالة شرطا: إن كان من قول الأصحاب فقد عرفت الاتّفاق على العمل بغير الصّحيح أيضا، بل ضعيفهم أضعاف صحيحهم، إلى غير ذلك ممّا أشرت. و إن كان من ظاهر إطلاق كلام البعض في كتب الأصول، فالظّاهر لا يقاوم المحسوس بالبديهة.
و التّوجيه أنّ مرادهم بحسب الأصل و من دون حاجة إلى التبيّن، إذ بعد التبيّن خبر الفاسق أيضا حجّة عندهم بلا شبهة، و يظهر من كلامهم في الأصول أيضا.
و البناء على أنّ التبيّن لا بدّ أن ينتهي إلى اليقين، دون العدالة الّتي هي شرط- إذ يكفي فيها أيّ ظنّ يكون من المجتهد- فتحكّم، لأنّه تعالى اعتبر في قبول الخبر أحد الشيئين: إمّا العدالة أو التبيّن، و لم يثبت من الأدلّة، و لا أقوال العلماء أزيد من هذا، فالاكتفاء في أحدهما بأيّ ظنّ يكون دون الآخر فيه ما فيه. و المدار في التعديل على ظنون المجتهد- كما عرفت-، لأنّ التّعديل المعتبر من القدماء- إلاّ ما شذّ- و لم يظهر مذهبهم في العدالة أنّها الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق، مع أنّ الأوّل خلاف ما يظهر من القدماء، و كذا لم يظهر أنّهم أيّ شيء اعتبروا في العدالة، و أنّ عدد الكبائر عندهم أيّ قدر، إلى غير ذلك ممّا وقع فيه الخلاف.
مع أنّهم يوثّقون الإماميّ بمثل ما يوثّقون غيره، حتّى أنّهم يوثّقون الغالي و أمثاله كتوثيق الإماميّ، و كثيرا ما لا يتعرّضون لرداءة مذهب الرّواة اتكالا على الظهور أو غيره، بل هذه طريقتهم في الغالب، مع أنّه قلّما يسلم جليل عن قدح، أو خبر يدلّ على ذمّه، فلا بدّ من التّرجيح أو الجمع، و لا يتأتيان إلاّ بظنون المجتهد.
و كذا الحال في تعيين المشترك، إلى غير ذلك، مثل: أنّه ربّما يقع في الطّريق سقط أو تبديل أو تصحيف و أمثال ذلك، و العلاج غالبا بالظّنون، بل ربّما كانت ضعيفة كما لا يخفى على المطّلع، بل لا نسبة بين هذه الظّنون و بين ما هو مثل الشّهرة بين الأصحاب كما سنشير إليه.
و الحاصل أنّ معاصري الأئمّة عليهم السلام و قريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثقات مطلقا و غيرهم بالقرائن، و كانوا يردّون بعض الأخبار أيضا لما ثبت بالتواتر من أنّ الكذّابة كانوا يكذبون عليهم عليهم السلام، لكن خفي علينا الأقسام الثلاثة، و لا يمكننا العلم بها كما مرّ في الفوائد، كما أنّ نفس أحكامهم أيضا خفيت علينا كذلك، و انسدّ طريق العلم، فالبناء على الظنّ في تميّز الأقسام، كما أنّ البناء في نفس أحكامهم أيضا عليه، و الدّليل في الكلّ واحد كما مرّ هناك.
و ممّا ذكر ظهر فساد ما قيل: من أنّ الشّرط في حجّيّة المنجبر أن يظهر كون عمل المشهور على نفس ذلك الخبر لا ما يطابقه، لأنّ المدار إذا كان على حصول الظنّ بصدق ذلك الخبر من جهة التبيّن، فلا جرم يكون الحجّية دائرة مع تلك المظنّة، و لا شكّ في حصولها من الموافقة لما اشتهر بين الأصحاب، لظهور كونه حقّا، و الموافق للحقّ حقّ. نعم لو تضمّن ما زاد على ذلك لحصل الإشكال في الزّائد.
ثمّ إنّه ظهر من جميع ما ذكر فساد ما ذكره في المدارك: من أنّ الشّهرة إن بلغت حدّ الإجماع فهو الحجّة، لا الخبر، و إلاّ فأيّ فائدة فيها؟! مضافا إلى أنّ الإيمان و الإسلام و العدالة و غيرها شرط في كون الخبر حجّة عنده، مع أنّ شيئا منها ليس بحجّة وحده، و ليس الخبر حجّة بدونها، لكونها شرطا فيها. و كذا الحال في جميع الظنون الاجتهاديّة المتعلّقة سند
الخبر و متنه و دلالته و رفع تعارضه و غير ذلك، إذ ليست حجّة ما لم تتعلّق بالأدلّة الخمسة، و الأدلّة لا تكون حجّة بدون تلك الظّنون، و قس على ذلك شرائط سائر الأدلّة مع تلك الأدلّة.
و ممّا ذكر ظهر أيضا أنّه إذا وقع التّعارض بين الضّعيف المنجبر بالشّهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضّعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخّرين- كما لا يخفى على المطّلع و التنبيه على مواضع تقديمهم إيّاه عليه يوجب بسطا طويلا غاية الطّول- خصوصا بعد ملاحظة أنّ العدالة عندهم شرط في قبول الخبر، فمع وجود الشّرط في الصّحيح، و عدمه في الضّعيف لا يعدلون منه إليه إلاّ لداع عظيم، بعد ملاحظة كونهم من أهل الخبرة و المهارة و قرب العهد بالأئمّة عليهم السلام، و كونهم مشايخ الإجازة، و مؤسّسي مذهب الشيعة، و متكفّلي أيتام الأئمّة عليهم السلام بعد الغيبة، و فقهاء الشيعة في الحضور و الغيبة، و مجدّدي دين الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كلّ قرن و رأس كلّ مائة، و حجج اللّه على العباد بالنّصّ من الأئمّة عليهم السلام، و الحكّام عليهم بنصّهم عليهم السلام في مقبولة ابن حنظلة و رواية أبي خديجة، إلى غير ذلك ممّا ورد في شأنهم أو ظهر من حالتهم، و خصوصا بعد ملاحظة تحريمهم التّقليد على المجتهد، و إيجابهم استفراغ الوسع و أمرهم بالاحتياط و مبالغتهم فيه و في الاهتمام به و عدم المسامحة.
هذا مع نهاية كثرتهم و موافقة كلّ منهم الآخر، مع غاية الاختلاف بينهم في تأسيس الأصول، و تفريعهم الفروع، بل الواحد منهم كثر اختلافه في الفقه فكيف المجموع؟! إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في حجّيّة إجماعهم في (الفوائد) و (الرّسالة)، فلاحظ و تأمّل جدّاً.
الاجتهاد و التّقليد إنّما يتمشّيان في الأمور التّكليفية، و التي وقع الحاجة إلى معرفتها، و مع ذلك يكون باب العلم إلى معرفته مسدودا، و يكون الطّريق منحصرا في الظنّ، و لو لم يكن أحد هذين الشّرطين لم يجز فيه الاجتهاد و التّقليد عند المجتهدين.
أمّا جريانهما فيما اجتمع فيه الشرطان فواضح، و عرفت أيضا. و إذا انتفى الشرط الأوّل فعدم الجريان واضح أيضا، لعدم داع إلى اعتبار الظنّ، مع كون الأصل فيه عدم الاعتبار، و كونه مذموما شرعا، و منهيّا عن العمل به، كما عرفت في الفائدة الأولى.
و أمّا إذا انتفى الشرط الثاني: بأن يكون باب العلم غير مسدود فيه:
كأصول الدّين، و موضوعات الأحكام الّتي ليست من قبيل الألفاظ و القرائن
و المرجّحات الاجتهاديّة الّتي يعرف بها الأحكام من الكتاب و السنّة و ما يتوقّف عليها.
أمّا أصول الدّين فلا شكّ في عدم انسداد باب العلم فيها كما بيّن في الكلام، و ظهر منه، مع أنّه مع الانسداد كيف يكون الخاطئ فيه غير معذور، مع أنّ الخطأ غير مأمون على الظنون، و لا معنى للظنّ إلاّ بأن يجوز خلافه، مع أنّه لو كان ظنّيّا فلا وجه لجعله من أصول الدّين و سائر الظنيّات فروعه.
و لما ذكرنا اجتماع الشيعة على عدم جواز التّقليد في أصول الدّين الخمسة.
و ما صدر من البعض غفلة قد عرفت حاله.
و أمّا تلك الموضوعات، مثل: صيرورة شيء نجسا بملاقاة النّجاسة، أو طاهرا بالمطهّر الشرعي، أو حراما بعروض المحرّم، أو حلالا بطروّ المحلّل، أو كون الرّجل عادلا ليصلّى خلفه، إلى غير ذلك من أمثال ذلك ممّا يكن العلم به بالمشاهدة، أو الخبر المحفوف بالقرينة، أو التّواتر، فلا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد.
و ربّما جوّز الشارع ثبوتها بالظنون الشرعيّة أيضا مثل: شهادة العدلين، أو كونه في اليد، أو القسم، أو الإقرار، أو الظنّ بدخول وقت الصلاة مثلا مع عدم إمكان العلم، و أمثال ذلك، و هذه ليست بظنون اجتهادية و تقليديّة، بل أمور خاصّة صدرت من الشرع بخصوصها إمّا للقاضي من حيث هو قاض، أو للكلّ مثل: الظنّ بدخول الوقت و أمثاله.
و بالجملة هذه الموضوعات لا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد لما عرفت من أنّ المجوّز لهما، و المبيح إيّاهما، ليس إلاّ اجتماع الشرطين جميعا لما عرفت وجهه، و عرفت من الأدلّة و من كلام المجتهدين في موضوعه، و أشرنا إليه في الجملة.
فظهر أنّ ما قال بعض: من أنّ نجاسة المتنجّس- يعني انفعاله بملاقاة النّجاسة- يكفي فيها المظنّة- اشتباه منه لأنّ مقتضى الأدلّة اشتراط العلم، مثل قولهم عليهم السلام: «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (1)، و قولهم عليهم السلام:
«كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (2)إلى غير ذلك، و كون ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمرة العلم إنّما هو بدلائل عرفتها، و كون موردهما ما اجتمع فيه الشرطان أيضا قد عرفت. و ليس فيما (3)نحن فيه منه قطعا، بل التّقليد إنّما هو في نفس الأحكام الشرعيّة، و الاجتهاد فيها و في الموضوعات و المرجّحات الّتي يتوقّف عليها تلك الأحكام، لا مثل ما نحن فيه و التّقليد لا يجري في الموضوعات مطلقا، و قد عرفت الوجه.
مع أنّ ما نحن فيه من ظنون المكلّفين من حيث أنّهم مكلّفون مثل:
الظنّ بدخول الوقت، لأنّ المجتهد لا يبذل جهده لتحصيل ظنّه بملاقاة
1) الوسائل 1: 99 كتاب الطهارة الباب 1، الحديث 2: «كل ماء طاهر إلاّ ما علمت انه قذر» و في ص 100 حديث 5: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر» و في ص 106 الباب 4 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة حديث 2 لكن ورد فيه «حتى تعلم» و ذكر الفيض رحمه اللّه في الوافي 1: كتاب الطهارة و التزين من باب الطهارة الماء و طهوريته الحديث 2 ب يعلم و تعلم عن الكافي بإسنادين و عن الفقيه بإسناد واحد و عن التهذيب بإسنادين كما ذكره الميرزا النوري رحمه اللّه في مستدركه 1: كتاب الطهارة الماء المطلق الباب 1، أنّه طاهر مطهر الحديث 7 عن الصدوق في الهداية و في الباب 4 عن القطب الراوندي رحمه اللّه في فقه القرآن و ورد فيها ب تعلم و هذا هو أقرب نصّ إلى ما في المتن و في الجميع الماء كلّه.. و ليس في واحد منها: كل ماء كما في المتن.
2) الوسائل 2: 1054، كتاب الطهارة الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
3) كذا في الأصل لكن الظاهر أنّ الصحيح هو و ليس ما نحن فيه منه قطعا.
النّجاسة، فيعمل به، و يفتي مقلّده، و يأخذ بقوله من دون اطّلاع منه أصلا، أو من غير اعتماد منه إلاّ على ظنّ مجتهده.
على أنّه لو اتّفق أنّ مجتهدا فعل كذلك، و قلّده مقلّده بالنّحو الّذي ذكر فلا نسلّم جريان الاجتهاد و التقليد و صحّتهما في المقام، لعدم الدّليل، بل لدليل العدم. فما لم يثبت من الشّرع فيه جواز التعويل على الظنّ لا يجوز التعويل عليه، و إن ثبت جاز، كما هو الحال في الظنّ بدخول الوقت.
و أمثاله.
و ممّا ذكر ظهر فساد توهّم بعض آخر حيث لم يجوّز ثبوت نجاسة شيء أو ماء بالظنون الاجتهاديّة معلّلا بأنّها ظنون، و الوارد في الأخبار اشتراط العلم بالنّجاسة، مثل: نجاسة الماء القليل بملاقاة النّجاسة، لأنّ ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمر العلم، لما عرفت من الأدلّة. مع أنّ مقتضى الآيات و الأخبار و غيرهما عدم جواز التّعويل على غير العلم- كما مرّ في إثبات أصل البراءة في الفائدة الأولى- فلو لم يثمر ثمر العلم لم يثبت تكليف أصلا، و لا حكم مطلقا في غير ضروريّات الدّين أو الإجماع اليقينيّ أو اليقين العقليّ.
و أمّا الموضوعات الّتي يتوقّف عليها معرفة الأحكام فحالها حال الأحكام- إلاّ أنّه لم يجر فيها التّقليد- بل انسداد باب العلم فيها مع شدّة الحاجة إليها أظهر.
و لذا وافق الأخباريّون المجتهدين في جريان الاجتهاد فيها مع مخالفتهم إيّاهم في نفس الأحكام. نعم منعوا الحاجة إلى علم الرّجال، بل و إلى العلوم اللّغويّة أيضا، و كذا إلى أصول الفقه و غيرهما، و هذا غير الحاجة إلى معرفة الموضوعات عندهم، و إن كانوا خاطئين في ذلك خطأ عظيما
واضحا غاية الوضوح، و أشبعنا الكلام في رسالتنا في «الاجتهاد» و «الأخبار».
المجتهد و الفقيه و المفتي و القاضي و حاكم الشّرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد، لأنّه بالقياس إلى الأحكام الشّرعية الواقعيّة يسمّى مجتهدا، لما عرفت من انسداد باب العلم.
و بالقياس إلى الأحكام الظاهريّة يسمّى فقيها، لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين.
و بالقياس إلى أنّه يفتي يسمّى مفتيا.
و بالقياس إلى أنّه يرفع خصومة المترافعين إليه يسمّى قاضيا.
و مع قطع النّظر عن الترافع إليه يسمّى حاكم الشّرع بالنسبة إلى مثل:
ولاية الأيتام، و الغائبين، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، و مذكورة في الفقه.
و بالقياس إلى شرائط الاجتهاد يسمّى محدّثا متكلّما أصوليّا رجاليّا إلى
غير ذلك.
ثمّ اعلم أنّ أحواله بالنّسبة إلى الأسامي ربّما تتفاوت تفاوتا ظاهرا، فإنّ المجتهد منصبه العمل بالأدلّة الشّرعيّة لنفس الأحكام، و كذا موضوعاتها الّتي يتوقّف عليها ثبوت الأحكام، و يجوز للعامّي تقليده في الأوّل دون الثاني.
و عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يجريان فيما يجب العمل به، و يحتاج إليه و ينسدّ باب العلم بمعرفته.
و أيضا لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد، نعم ربّما يستند إلى قوله من باب التأييد و المرجّحات الاجتهاديّة، فلا يكون مقلّدا.
و كذا استناده إلى قول علماء الرّجال و اللّغة و أمثالهما ليس تقليدا، لأنّه لا يستند بمجرّد قولهم حتّى يكون تقليدا، بل يبذل الجهد في أنّه هل له معارض أم لا؟ فإذا وجد المعارض يبذل جهده في التّرجيح و الجمع، و يبذل جهده في معرفة كون التّرجيح أو الجمع حجّة أم لا، و بعد معرفة الحجّة يبني عليها، و إذ لم يجد المعارض بنى على أصل العدم، و الظاهر كونهما حجّة، و كذا كون الاستناد إلى كون أقوال هؤلاء حجّة، فإذا علم حجّية الكلّ يعمل، فهذا ليس بتقليد.
و أيضا قد عرفت أنّ الشّيعة بحسب الظّاهر متّفقون على عدم جواز تقليد الميّت من المجتهد، عكس العامّة، فإنّ المشهور و المعروف بينهم جوازه.
هذه (1)أحوال المجتهد من حيث هو مجتهد، و ليست منحصرة فيما ذكر، بل ربّما يوجد غيره، فتتبّع مظانّه تجد منها أنّ كلامه حجّة على من قلّده،
1) في الأصل: (هذا).
و يجب على مقلّده العمل بقوله خاصّة، دون مجتهد آخر لا يعتقد به، فلا يقلّده، و مع وجود الأعلم الأفقه يتعيّن تقليده، و مع التّساوي يتخيّر. إلى غير ذلك.
و أمّا القاضي فشأنه القضاء في موضوعات الأحكام، فيكون عمله على الشّاهد و اليمين و النّكول و الإقرار و اليد و أمثالها، لا الأدلّة الخمسة الّتي هي مستند الفقيه.
و يجوز للمجتهد الترافع إليه، بل قد يجب، مع أنّه يجز له تقليد المجتهد، كما عرفت. و كذا الحال في غير المجتهد سواء كان مقلّده أم لا، فحكمه ماض على المجتهد و العاميّ المقلّد له، و غير المقلّد له، لأنّ من بلغ رتبة القضاء فهو منصوب من قبل المعصوم عليه السلام على سبيل العموم، فلا يوجد في هذه الأزمنة قاضي التحكيم. فتأمّل جدّاً.
و لأنّه لا يستقيم حكمه، و لا يصحّ إلاّ أن يكون كذلك، فإنّه لا بدّ من البيع و الشراء أو الانتقالات الأخر أو التصرّفات الأخر إلى غير ذلك.
و لأنّه نائب المعصوم عليه السلام.
و أيضا بعد ما حكم به القاضي حكمه ثابت دائما، و إن مات، و حاله بعد موته كحاله في حياته بالنسبة إلى ما حكم به، و لا يموت حكمه بموته، و لا يجوز الترافع إلى الميّت، و لا يمكن، و لو قيل بجواز تقليد الميّت. هذا و غيره من الأحكام المختصّة بالقاضي المذكورة في موضعها.
و أمّا حاكم الشرع فقد أشرنا إلى أشغاله و مناصبه، و هي ممّا ينتظم به أمر المعاد و المعاش للعباد، و الظاهر أنّ حكمه مثل حكم القاضي ماض على العباد: مجتهدين أم مقلّدين: مقلّدين له أم لغيره. أم لا يكونون قلّدوا أحدا لاشتراك العلّة و هي كونه منصوبا من المعصوم عليه السلام و لأن حصول النظام
لا يكون إلاّ بذلك، و لأنّه نائب المعصوم عليه السلام.
و المعروف من المتأخّرين: أنّ ثبوت الهلال من مناصبه فيثبت (1)عنده فيحكم بالصوم أو الفطر أو غيرهما.
و ربّما قيل: إنّ بعد الثبوت عنده يصحّ الصّوم أو الفطر أو غيرهما قبل تحقّق حكمه بذلك، و لا يتوقّف عليه.
و الدّليل على كونه من مناصبه: أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يفعلون كذلك، يثبت عندهم فيأمرون المكلّفين بالصّوم و غيره.
و لأنّ الثبوت على كلّ مكلّف بشهادة العدلين عنده يوجب الحرج، سيّما مع عدم معرفته حكم الشّهادة و العدالة و غيرهما.
مع أنّ الفقهاء صرّحوا في كتاب القضاء: بأنّ الحكم بشيء من الشهادة، و العمل بالشهادة منصب الفقيه.
و لأنّه نائب المعصوم عليه السلام، و لو فعل المعصوم عليه السلام لكان صحيحا البتّة، فكذا نائبه.
و ربّما سمعنا من بعض العلماء، أو اطّلعنا على قوله: بعدم جواز التّقليد في ثبوت الهلال في الأمور المذكورة، لأنّه متعلّق بفعل المكلّف من حيث أنّه مكلّف، كالعلم بدخول الوقت، و أمثاله.
و لأنّه ربّما كان الظّاهر من الأخبار كون الحجّة هي الشّهادة خاصّة لا فتوى (2)الحاكم أيضا، و كون الاعتماد على خصوص الشّهادة لا على حكمه أيضا فتأمّل جدّاً.
و لأنّ التقليد خلاف الأصل، و حرام حتّى يثبت المخرج، سيّما تقليد من لم يقلّده.
و يمكن الجواب عن الكلّ بما مرّ من الأدلّة، مضافا إلى أنّه بعيد غاية البعد أن يكون المشهور في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السلام و من بعدهم من الفقهاء الخبيرين الماهرين القريبين للعهد منهم يدرون (1)في المحلاّت و البيوت ليشهدوا عند كلّ واحد من المكلّفين، أو يطّلع على شهادتهم، بحيث يعرفهم بالعدالة و استجماع الشرائط المعتبرة لقبول الشهادة، سيّما و أكثرهم النّساء و السّفهاء و غيرهم ممّن لا يتيسّر ذلك الاطّلاع بالحيثية المذكورة منهم البتّة، لو لم نقل كلّهم إلاّ الفقهاء.
بل لا يخفى على المتأمّل كون ما ذكر من القطعيّات، يعنى قطع أنّه لم يكن كذلك، سيّما بملاحظة أنه أمر يعمّ به البلوى، و يشتدّ به الحاجة، و يكثر وقوعه في الأزمنة بحسب العادة، فلو كان الشّهود يدارون (2)، أو يطّلع على شهادتهم بالحيثيّة المذكورة، لكون ذلك لازما، لاشتهر اشتهار الشّمس، مع أنّ الأمر بالعكس- كما ظهر لك- و فتوى المتأخّرين و عملهم أيضا في الأعصار و الأمصار على ما عرفت. و اللّه يعلم.
شبهة أوردها المانعون عن وجوب الاجتهاد: بأنّ استفراغ الوسع إن أريد الوسع في جميع أوقات العمر، فلا يتحقّق رتبة الاجتهاد إلاّ عند الوفاة، و إنّ أريد في وقت التكليف و الحاجة إلى المسألة، فربّما كان في ذلك الوقت ما حصل شرائط الاجتهاد كلاّ أو بعضا، أو حصل على سبيل التّقليد، و أنتم لا ترضون به، لأنّه مركّب من الاجتهاد و التقليد الّذي تتحاشون عنه.
و إن حصل على سبيل الاجتهاد فالاجتهاد متفاوت، لأنّه يحتمل عند المحصّل أنّه لو استفرغ وسعه أزيد ممّا فعله لربّما ظهر له خلاف ما ظهر أوّلا، و أنتم أوجبتم شرائط الاجتهاد فرارا من هذا، و قلتم كيف يعتمد على ظنّه مع هذا؟! فمع كونه موجودا هنا فكيف اكتفيتم؟ و إن لم تكتفوا إلاّ باستفراغ ثان، فننقل الكلام إليه، و هكذا لعدم الانتهاء إلى العلم.
و إن بنيتم في الاكتفاء على الاعتماد على تصديق مجتهد و تجويزه فهو تركّب الاجتهاد و التقليد، مع أنّا ننقل الكلام إلى المجتهد المجوّز.
و الجواب أوّلا: بالنّقض: بأنّكم إن جوّزتم أنّ كلّ إنسان- سواء كان ذكرا أو أنثى، سفيها أو عاميّا أو أعجميّا قحّا، إذا فهم من الأحاديث شيئا بأيّ نحو فهم من غير جهة قاعدة و ضابطة بل بخلاف القاعدة، و إن فهم ضدّ المطلوب أو نقيضه، بل ربّما لم يكن رابطة لفهمه، بل رجما بالغيب- يكون فهمه حجّة يجب عليه العمل به، و لا يمكنه تقليد غيره- و لو في حكمه. بأنّ فهمه غلط فاسد جزما- فوا فضيحتاه، و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلين (1)للجواب.
و إن قلت: إنّه لا بدّ للفهم من اطّلاع على أمر و تتبّع و معرفة، ننقل الكلام إليه و نورده عليك حرفا بحرف، إلاّ أن تجوّز التركّب، و هو في الحقيقة تقليد لا اجتهاد، و الكلام فيه. مع أنّه لا يصدّقه مجتهد، و لا يجوّزه فقيه، لأنّ الشيعة بأجمعهم، بل أهل السّنة أيضا لا يجوّزونه، و بيّنّا بطلانه في رسالتنا في الاجتهاد. هذا مع أنّكم لا تجوّزون تقليد غير المعصوم عليه السلام، و التركّب ليس تقليد المعصوم عليه السلام، كما هو ظاهر.
هذا مع أنّ الّذي أورد الشبهة يعتبر في الفقاهة و فهم الحديث معرفة العلوم العربيّة و اللغويّة و التتبّع التامّ في الأحاديث و أمثال ذلك، فالنّقض عليه في غاية الشدّة.
و أيضا جميع العلوم و الحرف و الصّنائع- التي [هي] واجبة كفاية أو
1) م: و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و متأهّلا للجواب. ف: و ليس حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلا للجواب. و ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.
عينا، لنظم أمر المعاد و المعاش- هذه الشبهة واردة فيها: بأنّه إن لم يحتج إلى مهارة و خبرة و اطّلاع على ما تبتني عليه و تتوقّف عليه (1)فباطل بالبديهة، و لا يتحقّق نظم المعاد و المعاش، بل به يصير الفساد أزيد بلا شبهة. و معلوم أنّ علم الفقه أيضا من جملة تلك العلوم واجب عينا أو كفاية لنظم المعاد و المعاش، بل أشدّ مدخليّة فيه بمراتب شتّى، بل جميع تلك العلوم و الصنائع من شعبات الفقه و مسائله: أرى فسادها من فساد الفقه، كما مرّ في أوّل الفوائد.
و مع ذلك انّ جميع ما هو علم أو صنعة أو حرفة باقية على حالها من القول بلزوم المهارة و الخبرة، و الاطّلاع على ما تتوقّف عليه، أو عسى أن تتوقّف عليه. و كذا مراعاة الأساتيذ و احترامهم، و قبول قولهم، و كون الحقّ معهم، لأنّ الأساتيذ و أهل الخبرة و المهارة يسمعون فيها البتّة، و إن كان في نظر التلامذة أنّ ما قالوا ليس كذلك، إلاّ أنّهم يقولون: إنّهم أساتيذ هذا الفنّ، فالخطأ منّا، و من هذه يسمعون قولهم و يطيعونهم و يخدمونهم إلى أن يبلغوا مرتبة الأستاذيّة، و مع ذلك أستاذهم أسنادهم ما داموا في الحياة، و مع ذلك يعظّمونهم غاية التّعظيم، و إذا وقع كسر في خطّهم، أو غيره من صنائعهم لا يجبرونه، و يجعلون التصرّف في صنعهم، و إن كان خبيرا لكسرها دليلا على سلب التوفيق، و سوء الأدب، و موجبا لنكال شديد، من حيث كونهم أساتيذ، مع كون العلماء و الأساتيذ في الغالب كفّارا أو ضلاّلا أو فسّاقا، بل ربّما كان كفرهم أشدّ كفر، و فسقهم أعظم فسق، يعظّمونه من حيث الأستاذيّة، و يقبلون
1) في الأصل: (به).
قولهم بسبب الخبريّة، كما قال عزّ و جلّ وَ لٰا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (1).
بخلاف الفقيه، فإنّ الشيطان- لغاية عظم رتبته، و نهاية شدة ضرر الغلط فيه- ألقى في قلوب القاصرين: أنّه لو وافق أحد فهمه و فقهه فهم الفقهاء و فقههم يكون مقلّدا لهم، فلا بدّ من مخالفة الفقهاء، و عدم الموافقة لهم، و تخريب فهمهم و فقههم، حتّى يصير فقيها، و ربّما يطعنون عليهم و يسيئون الأدب معهم، مع أنّهم يرونهم أئمّة هذا الفنّ، و المؤسّسين له، و الماهرين الخبيرين القريبين لعهد الأئمّة عليهم السلام أو أقرب عهدا منهم بمراتب، و أعرف بجميع ما له دخل، و أزيد تتبّعا للأدلّة، أصحاب الكمالات النفسيّة، و أرباب القوى القدسيّة في حال صغر سنّهم فضلا عن الكبر، مع نهاية تقواهم و ورعهم و عدالتهم و قربهم إلى اللّه تعالى، إلى غير ذلك، مع نهاية كثرتهم، و زيادة حقوقهم، بحيث لولاهم لما كنّا نعرف الدّين و المذهب و الفروع و الأصول.
مع كونهم المجدّدين لدين الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في رأس كلّ مائة، و المروّجين له في كلّ قرن، و المتكفّلين لأيتام الأئمّة عليهم السلام في زمان الغيبة، المستنقذين لهم من أيدي الأباليس و المنتحلين و المبطلين و الغالين، و الحجج على الخلق و الأئمّة عليهم السلام حجج عليهم، إلى غير ذلك ممّا ورد في الأخبار و الآثار، و شهد له الاعتبار، و لا يفي لجمعها الدّفاتر، و كلّ قلم و لسان عن الذّكر قاصر، بل لو لم نطّلع على أقوالهم، أو لم نلاحظ كتبهم لم يمكننا فهم حكم و استنباط مسألة من الحديث، و لا يخفى ذلك على المنصف الفطن.
و ثانيا بالحلّ: بأنّ من سمع مقالة أئمّة هذا الفنّ: و هي أنّه لا يتأتّى
1) فاطر: 14.
الاجتهاد إلاّ بعد استجماع شرائطه، و لا يجوز العمل بالظّنّ الّذي ورد في القرآن و الأخبار المنع عن العمل به، و جعله حكم اللّه، مضافا إلى أنّه خلاف الأصل و العقل، فإنّ حكم اللّه حقّ و من اللّه، و ظننا ظنّ و منّا، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟! إلاّ أن نعلم علما يقينا أنّ اللّه تعالى يرضى به عوض حكمه، و لا يكفي الظنّ به، لأنّه أيضا ظنّ، فيدور أو يتسلسل، إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في أوّل الفوائد و غيره، و لا يتحقّق العلم و اليقين إلاّ لمن استجمع الشرائط ..
و بالجملة من سمع مقالتهم، و يكون قلبه خاليا من الشّوائب، سالما عن المعايب، ليبادر بالقول البتّة، و لا يجعلهم أسوأ حالا من أرباب العلوم و الصنائع الّذين هم في الغالب يعلم عدم عدالتهم، بل و فسقهم و كفرهم أيضا، و مع ما عرفت قولهم بأنّ ما ذكروه حقّ يقينا- كما لا يخفى على من له أدنى فهم- مضافا إلى أدلّتهم على لزوم كلّ شرط شرط على حدة- كما بيّنّا في رسالتنا في الاجتهاد- بحيث لا يبقى للجاهل تأمّل أصلا، فضلا عن العالم، فيشرع في تحصيل الشرائط: من العلوم، و القوّة القدسيّة.
أمّا القوة القدسيّة فبجهاد النّفس، و السّؤال من اللّه تعالى، و التضرّع إليه، و الإلحاح عليه، و الاستمداد من الأرواح القدسيّة المعصومة، و بعدهم من الفقهاء رضوان اللّٰه عليهم، و يبالغ في تعظيمهم و أدبهم و محبّتهم و الرّكون إليهم، «فإنّ القلب يهدي إلى القلب» (1)، فإذا استحكم الرّوابط بين القلوب أو بين القلب و الأرواح الّذين هم أحياء عند ربّهم يفتتح أبواب الفيوض و الكمالات،
1) الظاهر هذا مثل و ليس بحديث و لم نعثر عليه بهذه الصورة حسب فحصنا، و ما وجدناه ما هو لفظه: من القلب إلى القلب، راجع المنجد، باب فرائد الأدب.
و ينشرح بأنوار المعرفة و العلم، «فإنّه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» (1).
يا أخي قد حصل التّجربة لي، فعليك بما ذكرت، ثمّ عليك بما ذكرت، و إيّاك، ثمّ إيّاك من تنفّر قلبك من فقهائنا، و ميله عنهم إلى نفسك، فإنّ فيه المحرومية عن نيل درجة الفقه البتّة أصلا و رأسا، و الوقوع في وادي التّيه و الحيرة و الضّلالة و الجهل و الحمق الشّديد، كما شاهدت عيانا باللّٰه من ذلك.
و أمّا تحصيل العلوم فبالشّروع في المذاكرة و المطالعة، مع الاستمداد من اللّه تعالى و التضرّع إليه و التّوسّل و التشفّع بالنّفوس المقدّسة، و تخلية القلب عن الميل و النّفرة، فما وجد من المسائل المسلّمة غير المشكلة أخذها، و أمّا المشكلة و الخلافيّة فيجتهد فيها بحسب وسعه كما ذكرنا.
فبعد تحصيل الكلّ يشرع في الفقه، و يجعل تحصيله من مقدّمتين:
الأولى: هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و الثانية: كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه يقينا في حقّي، و لا بدّ أن يكون في المقدّمة الأولى صادقا، و بالثانية عالما متيقّنا حتّى تصير النتيجة صادقة يقينيّة.
و أمّا أجزاء الشّرائط على سبيل الإجمال: فبأن يعرف أنّ أدلّة الفقه منحصرة في الخمسة المعروفة، و يتأمّل في كلّ دليل دليل هل هو دليل أم لا؟
و كونه دليلا بشرط أو بغير شرط؟ و على الأوّل الشّرط ما ذا؟
مثلا يتأمّل في أنّ خبر الواحد حجّة أم لا، و على الأوّل مشروط
1) لم نعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ في الجوامع الحديثيّة حسب فحصنا و الّذي ظفرنا عليه ما هو لفظه: «ليس العلم بالتعلّم إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه»، راجع البحار 1: 225 ذيل الحديث 17، و قد نقله صاحب كنز العمّال بهذه النصّ «علم الباطن سرّ من أسرار اللّه عزّ و جلّ و حكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده» كنز العمّال 10: 159 الحديث 28820.
بالعدالة أو الموثقيّة أيضا أو الحسن أيضا أو القوّة أيضا، أم لا و أنّ الضعيف ينجبر أم لا؟ و الجوابر ما هي؟ إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في الفوائد. مثل: أنّ العدالة هل هي الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق؟ و أنّ ثبوتها من باب الشّهادة أو الخبر أو الظنّ الاجتهادي؟ و يتجسّس عن الثبوت، و في الثّبوت يحتاج غالبا إلى الاجتهاد، بل كلّيّا- كما ذكرنا- إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بالسّند، أو المتن، أو الدّلالة، أو رفع التعارض، أو علاجه، إلى غير ذلك ممّا ذكرناه في الفوائد و الملحقات، فإنّ جميعها معالجات للاحتمالات و الاختلافات الّتي لا بدّ من علاجها، حتّى يتمكّن من الاستدلال بعنوان الاجتهاد لا بالتقليد، فجميع الشرائط إنّما هي علاجات الاستدلال بالاجتهاد و لا يمكن إلاّ بها- اللّهمّ إلاّ أن يكون مقلّدا.
فإذا حصل المسألة بالنحو الّذي ذكرناه فهو مجتهد.
و مع ذلك، الأحوط أن يعرض اجتهاده على اجتهاد المجتهدين: فإن وجده في الغالب يوافق طريقتهم، فليحمد اللّه تعالى على هذه النّعمة العظمى حمدا كثيرا كثيرا، و يشكره شكرا كثيرا كثيرا، فيظهر أنّه نال هذه الرّتبة الهنيّة السنيّة، و يتضرّع إليه في حفظه عن الخلاف في البقيّة.
و إن وجده بخلاف ذلك فليتّهم البتّة نفسه نهاية التّهمة، و ليسرع في إصلاحها بالمجاهدات و التضرّعات و الاستمدادات و غيرها، و تخليتها عن الشوائب، و تخليصها عن المعايب، حتّى يهب اللّه تعالى له هذه الرّتبة.
و هذا القدر يكفي، يعني أيّ مسألة تحتاج إلى الاجتهاد،- سواء كان مقدّمة الفقه أو نفسه- حين ما أراد الاجتهاد فيها استفرغ وسعه ذلك الحين، فأيّ شيء أدّاه إليه اجتهاده يكفي، و إن كان يحتمل عنده أنّه بعد ما زاد مهارته أو ممارسته ربّما يتغيّر ظنّه، إلاّ أنّ الظّاهر عنده أنّه ليس كذلك، و مع
ذلك هذا الحين هذا القدر وسعه، و هذا الّذي أدّى إليه اجتهاده، و هو مكلّف، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1).
و لأنّه لو لم يكفه لم ينفعه اجتهاده ما دام حيّا، فلا بدّ له من التّقليد، و ربّما لم يوجد له فتوى فقيه حتّى يقلّده، و التزام الاحتياط بالنّسبة إلى جميع المسائل حرج، بل تكليف بما لا يطاق، و ترجيح البعض من غير مرجّح فاسد على حسب ما عرفت سابقا.
مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، و يريدون من المجتهد هذا الّذي ذكرناه، لأنّه بعد اطّلاعه على جميع ما له دخل في الفهم و بذل جهده فيه يظهر عنده أنّ حكم اللّه كما فهمه، و غيره ليس حكم اللّه، فإن كان فتواه موافقا لفتوى الكلّ فنعم الوفاق، و يتعيّن عليه العمل به، و كذا إن كان موافقا لفتوى المشهور أو الأكثر لغاية قوّة فتواه.
و أمّا إذا وافق البعض دون البعض فكذلك لما عرفت، سيّما و أنّ المجتهد في مثله يبذل جهده في تعريف دليل المخالف و صحّته و سقمه، و يبالغ، و مع ذلك يجد أنّ الحقّ معه و مع من وافقه، و كذا لو خالف البعض و لم يجد موافقا، لأنّ الظاهر عنده أنّ حكم اللّه كذا، و أنّ ما عليه البعض ليس حكم اللّه، فكيف يصحّ التمسّك به، و يدع فتواه؟! مع أنّه في هذا المقام يبالغ أزيد ممّا تقدّم.
و أمّا إذا خالف فتوى الكلّ فيجب عليه ترك فتواه، لأنّه خطأ البتّة، و كذلك لو خالف المشهور بين القدماء و المتأخّرين إلاّ النادر، و ذلك النّادر أيضا كان رجع عن فتواه، و وافق القوم، و يظهر ذلك مع أنّه في كتابه المتأخّر
1) البقرة: 286.
وافقهم، و غير ذلك، و هذا يرجع إلى الأوّل، فما تعارف الآن- من اعتداد فقهائنا بقول النّادر الّذي يرجع عنه القائل- ظاهر الفساد، إذا لا فرق بينه و بين أن لا يكون نادرا من القول. و مع الوفاق لا يخالفون إلاّ نادرا غفلة، أو بناء على أنّه ليس وفاق الكلّ عنده.
و مثل الصّورتين السّابقتين أن تكون المسألة ممّا يعمّ به البلوى، و يشتدّ إليه الحاجة، و مع هذا صار المشهور عند قدمائنا و المتأخّرين إلاّ النّادر كذا، فإن خالفه يكون معلوم الفساد كما لا يخفى على المتأمّل.
و أمّا المشهور بين خصوص القدماء فليس بتلك المثابة، يمكن الفتوى بخلافه، إذا كان الدّاعي عظيما، و كذلك المشهور بين المتأخّرين خاصّة، إلاّ أنّ الأحوط مراعاة المشهور في العمل كيف كان، كما هو دأب المحقّقين.
بل الأحوط مراعاة كلّ فقيه مهما أمكن كما هو دأبهم في مقام الاحتياط، لكن ليس بمثابة المشهور، إذا تراكم أفواج الأفهام السّديدة من أصحاب القوى القدسيّة و المهارة التّامّة عليه إلى أن اعتقد الفحول كونه حجّة كما مرّ، و مرّ الكلام.
و إنّي تتبّعت فوجدت: أنّ كلّما هو المشهور يكون دليله أقوى و أمتن البتّة، إلاّ ما شذّ، و لعلّ ما شذّ يكون بسبب قصوري ما علمت كون دليله أمتن.
فإن قلت: ربّما كان مخالف هذا المجتهد أزيد مهارة، أو متعدّدا و جماعة، و فيهما مظنّة الأصوبية.
قلت: لا شكّ في أنّ الأحوط مراعاتهم في العمل- كما عرفت-، و أمّا الفتوى فهذا المجتهد مطّلع على ما ذكرت، و يلاحظه في مقام اجتهاده، بأن يبالغ في الاجتهاد عند ملاحظة الأدلّة، و يزيد التأمّل و التدبّر، و يكثر إلى أن
يحصل له ما يقابل ما ذكرت من المظنّة، و يغلب عليه، و ربّما يظهر أنّ الحقّ معهم، فيرجع هذا.
مع أنّهم إن كانوا أمواتا فلا يجوز تقليدهم مطلقا، و إن كانوا أحياء فيتمكّن من المناظرة معهم لتعرّف الحال، و لو لم يتمكّن فيزيد التأمّل في الأدلّة.
و مع ذلك قد عرفت أنّهم متّفقون على أنّ المجتهد لا يجوز له التّقليد، للأدلّة الدالّة على حرمته، خرج عنها العاميّ للإجماع و غيره، و هما لا يشملان المجتهد، فلاحظ.
ثمّ اعلم أنّ المجتهد إذا تجدّد له الحاجة إلى ما اجتهد فيه يجب عليه تجدّد الاجتهاد و النّظر لأنّه في وسعه، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1)، فلعلّه بتجدّد الاجتهاد يظهر له خطاؤه سابقا، نعم إن لم يكن في وسعه تجدّده يجز له العمل باجتهاده السّابق، و على ما ذكرناه غير واحد من المحقّقين، و قد حقّقناه في رسالتنا في الاجتهاد تحقيقا تامّا أيضا أتمّ ممّا حقّقناه هنا، فليلاحظ.
فإن قلت: لم لم يصر قوله تعالى لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (2)و أمثاله عذر غير المجتهد أيضا إذا أمكنه فهم الأدلّة بوجه من الوجوه؟
قلت: لما عرفت من الأدلّة، مع أنّه لو كان قلبه سالما من العيب و الشّوب كيف يطمئن بفهمه و ترجيحه؟، مع أنّه لا يعرف أسبابهما و شروطهما.
فإن قلت: إذا كان العالم الّذي ما بلغ رتبة الاجتهاد عنده (1)أن مجتهده أخطأ في اجتهاده في مقدّمة من المقدّمات أو غيرها، فكيف يجوز له تقليده، فضلا عن أن يجب عليه؟
قلت: إن كان المجتهد ميّتا فلا يجوز له تقليده على حال- كما عرفت- و إن كان حيّا فليناظره ليعرف الحقّ، فإن ظهر أنّ الحقّ مع المجتهد فلا كلام، و إن ظهر للمجتهد أنّ الحقّ كما قال العالم فكذلك، و إن كان بعد المناظرة يكون المجتهد على رأيه و العالم على اعتقاده يكون الحقّ مع المجتهد، لأنّه غير غافل، و هو الأستاذ الماهر، و إمام الفنّ، إلاّ أن يكون العالم أيضا إماما في هذا الفنّ خاصّة، و ماهرا فيه، لكن الماهر في جميع الفنون يمكن أن يكون أقوى، مع أنّ فرض من لا يعرف الرجوع إلى من يعرف كما مرّ سابقا، و هذا العالم ممّن لا يعرف البتّة كما عرفت، و هذا المجتهد ممّن يعرف البتّة، لأنّه مكلّف بما أدّى إليه اجتهاده كما عرفت، و مع ذلك غاية ما في الباب أن يكون العالم في خصوص هذه المسألة يحتاط، و لا يجوز له العمل باجتهاده لما عرفت، فتأمّل جدّاً.
1) أي: إذا كان العالم .. معتقدا أنّ ..