رساله فی العداله بضمیمه قاعده مایضمن و حمل فعل المسلم علی الصحه

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : قزوینی، علی‌بن اسماعیل، - ق‌۱۲۹۸

عنوان و نام پديدآور : رساله فی العداله، بضمیمه قاعده "مایضمن" و "حمل فعل المسلم علی الصحه"/ تالیف علی الموسوی القزوینی

مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشر الاسلامی، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.

مشخصات ظاهری : ص ۳۰۴

فروست : (موسسه النشر الاسلامی، التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه‌۹۷)

شابک : 964-470-234-4۶۰۰۰ریال

يادداشت : عربی

يادداشت : عنوان دیگر: رساله فی العداله، بضمیمه قاعده ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده، و قاعده وجوب حمل فعل المسلم علی الصحه.

مندرجات : رساله فی العداله ص. [۱۷] - ۱۷۷ .-- رساله فی قاعده ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده ص. [۱۸۱] - ۲۳۴ .-- رساله فی اصاله و جواب حمل فعل المسلم علی الصحه ص. [۲۳۷] - ۳۰۱

عنوان دیگر : رساله فی العداله، بضمیمه قاعده ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده، و قاعده وجوب حمل فعل المسلم علی الصحه.

عنوان دیگر : قاعده ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده

عنوان دیگر : قاعده وجوب حمل فعل المسلم علی الصحه

عنوان دیگر : رساله فی قاعده ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده

عنوان دیگر : رساله فی اصاله وجوب حمل فعل المسلم علی الصحه

موضوع : عدالت (اسلام)

موضوع : برائت (اصول فقه)

موضوع : قاعده ما یضمن

شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفتر انتشارات اسلامی

رده بندی کنگره : BP۲۳۰/۱۲/ق۴ر۵ ۱۳۷۷

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۴۸۳

شماره کتابشناسی ملی : م‌۷۷-۱۶۶۷۸

اشارة

[مقدمة التحقيق]

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله الطيّبين الطاهرين.

نبذة من حياة المؤلف قدّس سرّه:

اشارة

و هو العالم الجليل و الأستاذ النبيل، قدوة المحقّقين، الأورع الأتقى، سيّد الفقهاء و المجتهدين، جامع العلوم العقليّة و النقليّة، حاوي الفضائل العلمية و العمليّة، السيد على الموسوي القزويني ابن السيد إسماعيل الموسوي الخوئيني.

مولده و موطنه و هجرته:

ولد قدّس سرّه في شهر ربيع الأوّل سنة (1237 ه. ق) في مدينة قزوين (1)في أسره كريمة من والد صالح و والدة صالحة تقيّة التي كانت من بيت رفيع السيد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب ضوابط الأصول (2)

و قد صرّح نفسه قدّس سرّه بذلك أيضا في المجلد الثاني من تعليقته على معالم الأصول- في الأوامر- في انّه هل يعتبر كون الأمر مستفادا من القول أو أعمّ منه و ممّا يستفاد من الفعل حيث قال:

«. فيه وجهان بل قولان، اختار أوّلهما العلّامة في التهذيب و النهاية. و صار إلى ثانيهما جمع من متأخري الاعلام، منهم ابن عمّنا السيّد قدّس اللّه روحه. و علّله السيّد في ضوابطه بأن المتبادر عند الإطلاق و ان كان هو الأوّل و لكنّه إطلاقي لعدم صحّة السلب عن طلب الأخرس بالإشارة أو الكتابة.».

.

1) كما صرّح قدّس سرّه بذلك في ختام المجلد الأوّل من تعليقته على القوانين بقوله: قد تمَّ بيد مؤلفه الفقير الى اللّه الغني على بن إسماعيل الموسوي القزويني مولدا و مسكنا في العشر الأوّل من ربيع الأولى سنة اثني و تسعين و مائتين بعد الألف 1292 من الهجرة النبوية.

2) و يظهر ذلك ممّا قاله العلّامة الطهراني في ترجمة السيّد رضي الدّين القزويني خال سيّدنا المترجم له، بقوله:. و هو خال السيد علي القزويني صاحب حاشية (القوانين). ان اسم والد المترجم له السيّد على أكبر و انّه كان ابن عمّ السيد إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي القزويني صاحب (الضوابط).» (الكرام البررة ج 2 ص 576).

و من المظنون أنّ مسقط رأس والده كان في قرية خوئين من قرى زنجان.

هذا ما استفدناه من سنة بلوغه الّذي أرّخه في وصيته المكتوبة، حيث قال بالفارسية: «براى من از قيمت آنها (ثلث اموال) از اوّل زمان تكليف من كه ربيع المولود سنة 1252، هزار و دويست و پنجاه و دو باشد، الى يوم وفات، استيجار صوم و صلاة نمايند».

و مات أبوه و هو لم يبلغ الحلم، و تربّى في حضانة خاله العالم الفقيه، الحاجّ السيّد رضي الدين القزويني في مدينة قزوين، معزّزا و مكرّما و مشتغلا بدراسة مقدمات العلوم و تكميل مباني الفقاهة و الاجتهاد.

ثمَّ هاجر إلى حائر الحسين عليه السّلام و ورد فيها في شهر شعبان المعظّم سنة مائتين و اثنين و ستّين بعد الألف من الهجرة النبويّة (1262 ه ق) و منها إلى عاصمة العلم و التقى البلدة المباركة العلوية، لائذا بمنبع العلم و الفضيلة، مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه آلاف التحية و الثناء.

سجّل سيّدنا المترجم له قدّس سرّه، بدء قدومه بكربلاء المشرفة، في ظهر حاشية السيّد الشريف، على رسالة الوضعية العضدية بقوله:

«هو المالك بالاستحقاق، كيف أقول هذا ملكي و أنا مملوك ربّي، بل هو من عواري الدّهر عندي، استعرتها بالمبايعة الشرعية، تحت قبّة سيّدي الحسين عليه و على أولاده المعصومين ألف تحية و سلام. و كان ذلك في شهر رمضان المبارك من شهور سنة مائتين و اثنين و ستين بعد الألف من الهجرة النبوية، على هاجرها ألف تحية و سلام. و لقد كان الشهر المزبور الثاني من السنة الاولى من ورودي في هذا الأرض الأقدس، و انّي أقل الخليقة بل ليس موجودا في الحقيقة، عبده العاصي علي الموسوي. محلّ خاتمه الشريف»

مكانته العلميّة و زهده و أخلاقه و مرجعيته:

امّا منزلته العلمية فغير خفيّ على الأعاظم و الأكابر الذين أمعنوا النظر في تحقيقاته الرشيقة و بعض مؤلفاته القيّمة المطبوعة، و هذا يجعلنا في غنى و كفاية عن بيان موقفه العلمي.

و بالإجمال نبغ سيّدنا قدّس سرّه في جملة من الفحول و الأعاظم و قلّده كثير من الخواص و غيرهم، و هو كما استكملت قوته النظريّة، استحكمت في أعماق نفسه ملكات التقوى و الورع، و قد نقل من عجائب أحواله أمور لا يناسب ذكرها مقام الاختصار.

ثمَّ إنّه قدّس سرّه رجع إلى قزوين بعد أن صار من أعاظم المجتهدين و استفاد كلّ ما يمكن استفادته من الرؤساء و الأساتذة العظام، و لكن لم يظهر لنا حتى الآن سنة عوده.

و كان فيها مرجعا للخواص و العوام، و كان يراجع إليه من أقطار البلاد و مع ذلك ما فتر يوما عن الاشتغال بالتدريس و التأليف حتّى برز منه مؤلّفات كثيرة يأتي أساميها إنشاء اللّه.

مشايخه:

كان سيدنا قدّس سرّه قد ترعرع في إحضان أساتذة عظام، و تلمذ عند أساطين العلم و كبار المدرسين في عصره منهم:

1- خاله العلّامة العالم الفقيه الحاج سيّد رضي الدين القزويني (1).

قال العلّامة الطهراني في «الكرام البررة» في ترجمته:

«كان من العلماء الاعلام و المراجع في التدريس و نشر الاحكام، و كان زاهدا مرتاضا و هو خال السيّد على القزويني، صاحب حاشية القوانين، و قد قرء عليه


1) قال في المأثر و الآثار (ص 152) في ترجمته:

ابن أخته المذكور في الأوائل قليلا.» (1).

2- شيخ المشايخ أستاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ محمّد حسن النجفي (صاحب الجواهر) قدّس سرّه كما أشار إليه في موارد مختلفة من كتاب الطهارة من كتابه الكبير في الفقه الموسوم ب «ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام»، حيث عبّر عنه قدّس سرّه ب «شيخنا في جواهره» أو «شيخنا في الجواهر»، و من ذلك قوله قدّس سرّه في مبحث «استحباب مسح الرأس بمقدار ثلاث أصابع» من كتاب المياه من ينابيعه:

حيث قال بعد ما نقل مقالة الشهيد قدّس سرّه في المسالك عند قول المحقّق: «و المندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا»-: «و قد تبعه على ذلك شيخنا في الجواهر، حيث قال:

و الظاهر أنّ المراد من المستحب مقدار عرض ثلاث أصابع لأنّه المتبادر من التقدير.».

3- قدوة المحقّقين و فخر المجتهدين، وحيد عصره و فريد دهره، الشيخ مرتضى الأنصاري قدّس سرّه و هذا يبدو من مختلف مجالات تعليقته على المعالم، إذ عبّر عنه ب «شيخنا» أو «شيخنا الأستاذ» كما حكى في المجلّد الخامس من تعليقته على معالم الأصول عند ختام البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب عن فرائد الشيخ قدّس سرّه بقوله: «ثمَّ إنّه ينبغي ختم المسألة بذكر أمور، أوّلها: ما حكاه شيخنا قدّس سرّه من أنّه ربّما يتوهّم أن الخلاف في اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى إذ.».

و قد صرّح بتلمّذه عنده في المجلّد الخامس من التعليقة، في مقام الاستدلال بالإجماع، على حرمة العمل بالظن، حيث قال- بعد ما نقل عن المحقّق البهبهاني قدّس سرّه بداهة عدم جواز العمل بالظن عند العوام، فضلا عن العلماء-:

«و نقل الضرورة ربّما يكون أقوى من نقل الإجماع، كما نبّه عليه شيخنا الأستاذ، عند تلمّذنا عنده».

تلامذته:

قد استفاد منه رحمه اللّه، كثير من العلماء و المحققين، و جدير بالذكر:

1- العلّامة الهمام، فخر المحقّقين، الحاج الشيخ جواد بن المولى محرّم علي


1) الكرام البررة ج 2 ص 576.

الطارمي (1263- 1325) صاحب الحاشية على القوانين (1).

2- العلّامة الحكيم، الحاج مولى محمّد، المدعو بالهيدجي، ابن الحاج معصوم علي.

3- العلّامة المحقّق و الفقيه الأصولي، الشيخ عبد اللّه المازندراني (1259- 1331) (2).

4- العالم الفقيه، و الفاضل الجليل، السيد حسين الاشكوري (المتوفى سنة 1349 ه. ق) (3).

5- العلّامة المحقّق، الشيخ شعبان الگيلاني النجفي (1275- 1348)، الذي كان من الفقهاء الاعلام و مراجع التقليد في عصره (4).

6- الفقيه الزاهد، السيّد حسين الزرآبادي (المتوفى بعد سنة 1300 ه. ق) (5).

7- العالم الفقيه، و المصنف الجليل، السيّد أسد اللّه الاشكوري (المتوفى 1333 ه. ق) (6).

8- العالم الفقيه، السيّد مهدي بن حسن ابن السيّد أحمد القزويني النجفي الحلّي (المتوفى 1300) (7).

و غيرهم ممّن لم نعثر على أساميهم و لعلّ هناك كثيرين قد أهملت أسماؤهم، و لا يضبط أحوالهم في كتب التراجم، فلم نقف عليها.

آثاره العلمية:

قد برز منه قدّس سرّه، تأليفات كثيرة، نذكر أسامي بعضها التي ظفرنا بها، و كلّها موجودة بخطه الشريف في مكتبتنا بقزوين.

1- الحاشية على القوانين: طبعت في سنة (1299) في بلدة طهران، في مجلّدين.


1) نقباء البشر: ج 1 ص 339، أعيان الشيعة: ج 4 ص 279.

2) ذيل سياحت شرق ص 366.

3) نقباء البشر: ج 2 ص 590.

4) نقباء البشر: ج 2 ص 838.

5) نقباء البشر: ج 2 ص 501.

6) نقباء البشر: ج 1 ص 138.

7) أعيان الشيعة: ج 1 ص 145.

2- التعليقة على معالم الأصول (1): في مجلّدات ستة، مشتملة على مباحث الألفاظ و الأدلّة العقلية، و قد ألّفه على أحسن أسلوب. فالموجود منها من مباحث الألفاظ هو الجزء الثاني من أوّل الأوامر إلى مبحث المطلق و المقيّد، لكنّه قد سقط و فقد منه أوراق من مباحث مختلفة.

و يشتمل الجزء الثالث من التعليقة على مباحث المطلق و المقيّد، و المنطوق و المفهوم، و العام و الخاص.

و الجزء الرابع منها، على مباحث القطع و الظّن.

و الجزء الخامس منها، على مباحث البراءة و الاستصحاب.

و الجزء السادس منها، متضمّن لمبحث الاجتهاد و التقليد و التعادل و التراجيح.

و مع الأسف، قد فقد الجزء الأوّل من التعليقة، و أنا مع كثرة الاهتمام بجمع التعليقة في طي سنوات، لم يساعدني التوفيق الى الآن بجمع مباحث الألفاظ بتمامه، و أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لهذا المهمّ عن قريب ان شاء اللّه تعالى.

و جدير بالذكر أنّ نسخة منها موجودة بصورة (ميكروفيلم) في المكتبة الرضوية، بالمشهد المقدّس على ثاويها ألف تحية و سلام.

3- رسالة في تحقيق حقيقة المفرد المحلّى باللّام، بخطّه الشريف.

4- رسالة في أقسام الواجب و أحكامها.

5- رسالة في تداخل الأسباب و المسببات.

6- ينابيع الاحكام في معرفة الحلال و الحرام (2)المشتمل على خمس مجلّدات:

المجلّد الأوّل: في المياه.

و المجلّد الثاني و الثالث: في الطهارات الثلاث و توابعها الى غسل الجنابة.

و المجلّد الثالث: في كتاب الصلاة.


1) الذريعة: ج 6 ص 177.

2) الذريعة: ج 25 ص 886.

و المجلّد الرابع: في كتاب الزكاة.

و المجلّد الخامس: في كتاب التجارة. و قد أحال إليه في مبحث اجتماع الأمر و النهي من حاشيته على القوانين.

7- شرح شرائع الإسلام، من أوّل كتاب التجارة إلى الأجرة على الأذان و من أوّل الفصل الثاني في عقد البيع الى بيع السمك في الإجام.

8- شرح على كتاب الصيد و الذباحة من أوّله إلى مسألة المبانة من الحيّ.

9- شرح على كتاب الصوم من أوّله إلى مسألة إيصال الغبار و الدخان الى الحلق و يلحق به البحث عن شرائط المتعاقدين في النكاح.

10- كتاب البيع من أوّله الى آخره و يشتمل على البحث عن جملة من المشتركات بين المسلمين كالمساجد و المدارس و الربط و المعادن.

11- رسالة في قاعدة نفي الضرر و الضرار. و قد أحال إليها في مبحث البراءة من حاشيته على القوانين.

12- رسالة في الولاية، و لقد أشار إليها في تعليقته على القوانين في مبحث الاجتهاد و التقليد.

13- رسالة في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

14- رسالة في العدالة، و قد فرغ من تأليفها في شهر محرم سنة (1286 ه. ق).

15- رسالة في قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، قد فرغ منها في احدى و عشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة (1288 ه. ق).

16- رسالة في أنّ الأصل في المعاملات الصحّة أو الفساد.

17- رسالة فارسية في الاجتهاد و التقليد و الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الرضاع و الصوم طبعت في سنة (1290 ه. ق).

18- رسالة فارسية في أنواع التكسب و البيع و الخيارات و القرض.

19- رسالة فارسية مسماة ب «أصول الدين و شرح أفعال الصلاة» طبعت في سنة (1331) في شهر ذي القعدة الحرام في مطبعة (باقرزاده) بطهران، بعد ارتحال المؤلف قدّس سرّه.

20- رسالة سؤال و جواب بالفارسية: المشتملة على أجوبة الاستفتاءات عن

المسائل الفقهية و غيرها و فيها بيان لمعاني بعض الروايات الغامضة و المسائل المشكلة.

21- تعليقة على كتاب الرضاع للشيخ مرتضى الأنصاري.

22- كتاب الرضاع بالفارسية: قال قدّس سرّه في مفتتح كتابه:

«بدانكه چون أقلّ عباد اللّه، سابق بر اين رساله رضاعيّه منسوب به شيخ استاد طاب ثراه را ملاحظة كرده و بر بعض مواضع آن حاشيه نوشته بودم و مقلدين را اذن در رجوع به آن و عمل كردن بر مسائل آن داده بودم و مسائل آن نيز در ميان مردم كثير الحاجه و عام البلوى است، خواستم آنرا هم جزء اين رساله قرار داده باشم، حواشى آن را داخل در متن نموده مجموع را جزء اين رساله قرار دادم كه مردم در مسائل رضاع نيز كه محتاج به آنها ميشوند معطّل نباشند».

23- تعليقة على تفسير البيضاوي.

أولاده:

و قد أنجب قدّس سرّه ابنا و أربع بنات، و امّا ابنه فهو:

العالم الفقيه الأصولي، السيّد محمّد باقر الموسوي رحمه اللّه الّذي كان من أجلّاء عصره، و مشاهير دهره، ولد في عام (1255 ه ق) في أرض الغري و قرأ المقدمات و السطوح على لفيف من الأفاضل، و حضر في الفقه و الأصول على الميرزا حبيب اللّه الرشتي و الشيخ محمّد حسن بن عبد اللّه المامقاني، و كانت عمدة تلمّذه و تخرّجه على الميرزا الرشتي قدّس سرّه.

و له اجازات من أعلام عصره كالفاضل الشربياني و السيد المجدّد الميرزا محمّد حسن الشيرازي و غيرهما من الاعلام و رؤساء المذهب قدّس سرّهم.

و برز منه تأليفات كثيرة، نذكر أسامي بعضها على سبيل الاختصار:

1- شرح على فرائد الأصول، للشيخ الأنصاري في مجلّدين.

2- طرائق الوصول في شرح معالم الأصول.

3- خزائن الأصول في شرح قوانين الأصول.

4- التحفة الرضيّة في شرح الروضة البهية.

5- حاشية المكاسب- في البيع و الخيارات- تقريرات شيخه الميرزا حبيب اللّه الرشتي.

6- كتاب الوقف و الرهن و الزكاة تقريرات شيخه الميرزا حبيب اللّه الرشتي.

7- مجمع المسائل: و فيها مطالب عالية و فوائد غالية من الفقه و الأصول و الفلسفة و العرفان و تفسير لبعض الروايات المشكلة و الأحاديث الغريبة.

8- الكشكول: المشتملة على بعض الرسائل الثمينة في الكلام و الفلسفة و العرفان في ثلاث مجلدات.

9- حاشية على رسالة إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك، لميرزا محمد حسن الآشتياني.

10- الحواشي المبسوطة على بشرى الوصول إلى أسرار علم الأصول للشيخ محمد حسن المامقاني.

و توفّي قدّس سرّه يوم الأربعين سنة 1338 ه. ق و دفن في جوار مولانا الحسين عليه السّلام بكربلاء المشرفة.

قال العلّامة الطهراني في «نقباء البشر» ج 1 ص 214 في ذيل ترجمته:

«هو السيد محمّد باقر بن السيد على القزويني، مؤلف حاشية «القوانين» المشهورة، عالم فاضل، كان في قزوين قائما مقام والده العلّامة المتوفى (1298) الذي ترجمناه في «الكرام» بإمامة الجماعة في مسجده بقزوين و التدريس هناك، زار العتبات في (1338) فتوفي بها في كربلاء».

و أيضا قال في المجلّد الثاني من «نقباء البشر» ص 602 في ترجمة السيد حسين القزويني ما هذا لفظه:

«هو السيّد حسين بن السيد على القزويني صاحب حاشية القوانين المشهورة عالم جليل و فاضل بارع.

كان والده من اعلام العلماء و مشاهيرهم في عصره، و ولده المترجم له من الأجلّاء أيضا هاجر الى النجف الأشرف بعد تكميل المقدمات في بلاده، فحضر

على الميرزا حبيب اللّه الرشتي و غيره من المدرسين المبرزين يومذاك، حتّى حاز قسطا وافرا من الفقه و الأصول و غيرهما، فعاد الى قزوين للقيام بالتكاليف الشرعية، فصار من الرؤساء و المراجع في سائر الأمور إلى أن توفي بها رحمه اللّه».

و أنت خبير بعد ما أحطناك آنفا بما في كلامه الأخير من الزلل، لأنّ قوله:

السيّد حسين بن السيد على القزويني، سهو من قلمه الشريف، إذ لم نعرف له من الذكور غير السيد محمّد باقر، و أهل البيت أدرى بما في البيت.

و الصحيح هو ما أورده في المجلّد الأوّل من «نقباء البشر» كما مرّ.

و كذا قوله: فتوفي بها، سهو أيضا لأنّه قدّس سرّه توفي بكربلاء و دفن فيها لا بقزوين، كما أخبرنا به- في سالف الأيّام- خادمه الذي كان ملازما له في سفره الأخير إلى العتبات العاليات.

و هذا قد مرّ منّا سابقا و منه أيضا في الجزء الأوّل من «نقباء البشر» ص 214.

فراجع.

و امّا بناته:

1- زوجة العالم الورع الميرزا حسين بن المولى آغا القزويني (الخوئيني) قدّس سرّه، كما نبّه عليه العلّامة الطهراني في الكرام البررة ج 2 ص 577.

2- زوجة العالم الفقيه السيد أبو القاسم الحسيني القزويني و هي أمّ العالم الأورع و الفقيه الزاهد، السيد محمّد الحسيني المدعوّ ب «جزمۀ‌اى» قدّس سرّه.

3- زوجة السيد زين العابدين التنكابني، و هي أمّ العالم الفقيه، السيد أبو الحسن التنكابني قدّس سرّه.

4- حليلة العالم الجليل السيد خليل ابن السيد رفيع القزويني، و هي أمّ الحكيم المتأله و الفقيه المتضلّع، السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني قدّس سرّه.

وفاته:

قد جرى عليه قضاء اللّه، و لبّى نداء ربّه في يوم الثلاثاء أربع مضين من شهر محرم الحرام سنة مائتين و ثمان و تسعين بعد الألف من الهجرة النبوية (1298) بعد ساعتين من النهار في بلدة قزوين، و حمل جثمانه الشريف إلى حائر

الحسين عليه السّلام و دفن في بقعة فيها مرقد السيّد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الأصول و خالية الحاجّ السيد تقي و الحاج السيد رضي الدين القزويني قدّس سرّه.

و رثاه و أرّخ وفاته أحد الشعراء فقال بالفارسية:

بر پيغمبريه (1)آسمان گفت چنين يا ليتني كنت ترابا

پى تاريخ ديدم بر مزارى بود سيد على رضوان مئابا

الثناء عليه:

و في هذا المجال لا بأس بالإشارة إلى كلمات بعض أصحاب الفهارس و التراجم، في شأن سيدنا قدّس سرّه.

1- قال المحقّق الطهراني في الذريعة: ج 6 ص 177:

الحاشية على القوانين: الآقا السيد علي بن السيد إسماعيل الموسوي القزويني، ابن أخت السيد الرضي القزويني فرغ منها في (1297) و توفي (1298) و طبعت في (1299) و المجلّد الأوّل بخط يده ظاهرا و فرغ منه في (1292) و هو موجود في المكتبة التسترية و تمامها بخطه في قزوين كان عند ولده السيد باقر.

2- قال في المآثر و الآثار (ص 143):

«آقا سيد علي قزويني: از أعاظم مجتهدين و أجلّه حفظۀ شريعت و دين بود و در علم فقه مقام تحقيق او را از معاصرين احدى انكار نداشت ولى در اصول مسلّم‌تر مينمود، غالب اوقات قوانين محقق قمّى را عنوان افادت قرار ميداد و بآن كتاب كريم اعتقادى عظيم داشت و هم بر قوانين حاشيه نگاشته كه بطبع رسيده و نيز بر معالم الأصول تعليقۀ مبسوطى پرداخته است، بزهد و تقوى و قدس او كمتر كسى ديده شده و آن علامه عهد و زاهد عصر، همشيره زاده حاج سيد رضى الدين مجتهد قزوينى است رضوان اللّه عليهما».

3- و عنونه الميرزا محمّد علي المدرّس الخياباني في ريحانة الأدب (ج 4


1) پيغمبرية: مقبرة معروفة بقزوين يقال: دفن فيها أربعة أنبياء من بني إسرائيل.

ص 454) بقوله: قزوينى- سيد على بن اسماعيل موسوى عالمى است فاضل، عابد، زاهد، فقيه، اصولى، محدّث، رجالى، مفسّر معقولى منقولى از فحول علماى اواخر قرن سيزدهم هجرت كه اغلب اوقات قوانين الأصول ميرزاى قمى را تدريس ميكرده و از تأليفات اوست:

1- حاشيه قوانين مذكور كه بسيار مرغوب و بين العلماء محلّ توجه و مطلوب و از تبحّر و رشاقت بيان مؤلف خود حاكى است و در تهران چاپ شده.

2- حاشية معالم الأصول.

3- قاعدة لا ضرر، و در سال هزار و دويست و نود و هشت هجرت وفات يافته.

و في الختام، يجب علينا أن نشكر، سماحة العلّامة الحجّة آية اللّه السيّد موسى الشبيري الزنجاني (مدّ ظله العالي) الذي أولى هذه الرسالة عنايته الخاصة و أمر بالتسرع إلى إخراجها، و لو لا عنايته الخاصة و اهتمامه الأكيد لكان هذا الأثر العلمي مطمورا في زوايا الخمول و النسيان، يعلوه التراب، كآلاف من تراثنا الذي لا نعرف عنه إلّا الأقل من القليل، نسأل اللّه تعالى طول عمره الشريف و علوّ مجده.

هذا آخر ما أردنا إيراده في ترجمة سيدنا الجدّ قدس اللّه نفسه الزكية، و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين.

حفيد المؤلف السيّد جواد الموسوي العلوي

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.

و بعد، فهذه رسالة في العدالة و هي من الموضوعات الشرعيّة التي تعمّ بها البلوى و يحتاج إليها في موارد كثيرة، كإمام الجماعة، و المفتي، و القاضي، و الحاكم في ولايته على الغيّب و المجانين و الأيتام، و القيّم الشرعي على هؤلاء، و الشاهد، و الراوي، و من يعتبر حضوره في مجلس الطلاق، و النائب في الحجّ، و غيره من العبادات، و الوصيّ، و مستحقّ الزكاة، على القول باشتراط العدالة فيهما.

فينبغي التكلّم في تحقيق معناها، و الطرق المثبتة لها، و قوادحها، فتمام الكلام فيها يقع في مقامات:

المقام الأوّل في بيان معنى العدالة لغة و شرعا

اشارة

و اعلم: أنّها في العرف الكاشف عن اللغة يطلق على وصف يعبّر عنه بالفارسية ب «راست بودن»، و إليه ينظر ما في كلام جماعة من الفقهاء، كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد (1)و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة (2)و غيرهما من تفسيرها لغة بالاستقامة.


1) جامع المقاصد 2: 372.

2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 351.

و من موارد إطلاقها على هذا المعنى قولهم في وصف الطريق و قبلة المصلّي:

أنّه عدل، أي لا انحراف فيه إلى يمين و لا إلى يسار، و نحوه لحوقه على النخلة و الشجر و العصا و الخشبة، يقال: إنّها عدل، أي لا اعوجاج فيها.

و يطلق أيضا على وصف يعبّر عنه في الفارسية ب «برابر بودن»، و إليه ينظر ما في كلام جماعة آخرين، كالشيخ و الحلّي في المبسوط (1)و السرائر (2)و غيرهما في غيرهما من تفسيرها بالاستواء.

و من موارد إطلاقها عليه قولهم عند تقدير الشي‌ء بالوزن: إنّه عدل أي مساو للعيار و لا يميل إلى زيادة و لا نقصان.

و قد ذكر له أئمّة اللغة في كتبهم و لا سيّما صاحب القاموس معاني أخر كالمثل، و النظير، و الفدية، و الجزاء، و القيمة، و الفريضة، و غيرها، و الظاهر أنّها إطلاقات مجازيّة ترد في الاستعمال لمناسبة هذين المعنيين، و حقيقته منحصرة فيهما بشهادة التبادر، و غيره من أمارات الوضع.

و هل هو فيهما على الاشتراك أو على التواطؤ؟

احتمل الأوّل بملاحظة كونهما مفهومين متغايرين يردان على موردين متغايرين، فالأوّل يلحق الشي‌ء باعتبار المقدار الخطّي كما في الطريق، و الثاني يلحق الشي‌ء باعتبار المقدار الوزني و شبهه، كما احتمل الثاني أيضا بملاحظة جهة جامعة بين هذين، و هي الحالة المتوسّطة في الشي‌ء باعتبار عدم انحراف و لا ميل، فلحوقه الطريق إنّما هو باعتبار توسّط حالته من حيث عدم انحراف فيه، كما أن لحوقه الشي‌ء الموزون و شبهه إنّما هو باعتبار توسط حالته من حيث عدم الميل إلى طرفي الزيادة و النقيصة.

و قضيّة الأصل المقرّر في محلّه- في مسألة دوران الأمر بين الاشتراك لفظا و الاشتراك معنى من جهة الغلبة و أصالة عدم تعدّد الوضع- رجحان الاحتمال الثاني، لو لا الإشكال من جهة عدم ثبوت استعمال هذا اللفظ في الجهة الجامعة.


1) المبسوط 8: 217.

2) السرائر 2: 117.

و لكنّ الذي يسهّل الخطب هنا عدم ترتّب فائدة مهمّة على تحقيق هذا المطلب.

و كيف كان فقد شاع إطلاق العدالة على الإنسان باعتبار هذا المعنى في لسان المتشرّعة و الشارع، و منه قوله عزّ من قال وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1)و المراد به فيه الحالة المتوسّطة و الطريقة المستقيمة في أفعاله و أحواله و أخلاقه، باعتبار عدم انحرافه عن الطاعة إلى المعصية، أو عن المحاسن إلى المساوي، و عن المحامد إلى القبائح. و يمكن أن يراد منها الطريقة المستوية بالقياس إلى حدود اللّه سبحانه التي هي بمنزلة العيار، و هي فرائضه و محارمه، باعتبار عدم تجاوزه إيّاها بالإخلال بالفرائض و ارتكاب المحارم.

و بهذا البيان ظهر أنّ المعنى اللغوي للعدالة اللاحق للإنسان لا يغاير ما ستعرف من معناها الشرعي المعرّف بالملكة الباعثة على ملازمة التقوى و المروّة بالذّات، بل هو عينه، غاية الأمر أنّهما يتغايران بالاعتبار من حيث الاجمال و التفصيل، نظير تغاير الإنسان و الحيوان الناطق، و نسبته إلى الشرع كما في كلام غير واحد لعلّها لكون التعرّض لبيان تعريفه التفصيلي من أهل الشرع، لا لأنّ الشارع تصرّف في هذا اللفظ بنقل أو تجوّز ثمَّ شاع و اشتهر في زمانه في المعنى المجازي إلى حدّ الحقيقة، لأنّه مع مخالفته الأصل غير متصوّر مع اتحاد المعنى، غاية الأمر أنّه لاحظه كسائر الموضوعات العرفيّة اللغوية، و رتّب عليه أحكاما أشرنا إليها في مفتتح المسألة.

فبهذا كلّه سقط البحث عن كونه في المعنى الشرعي المختلف فيه حقيقة شرعيّة، أو حقيقة متشرّعيّة، أو حقيقة فقهائيّة، كما ضعف به القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه، كما جزم به شيخ الجواهر قدّس سرّه (2)و نسبه في مفتاح الكرامة إلى صريح جماعة (3).

و لكن ربّما يشكل الحال فيما ذكرناه من وجهين:


1) الطلاق: 2.

2) الجواهر 13: 280.

3) مفتاح الكرامة 3: 80.

أحدهما: أنّ الاتحاد المذكور على فرض تسليمه إنّما يتّجه على القول بالملكة في العدالة، و أمّا على القولين الآخرين- من أنّها ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق، أو أنّها حسن الظاهر و ظهور الصلاح- فلا، لوضوح تغاير المعنى الشرعي حينئذ للمعنى اللغوي، إلّا أن يدفع ذلك بمنع كون الخلاف المذكور خلافا في معنى العدالة و إن كان هو المشهور في كلامهم، بل العدالة عند الكلّ عبارة عن الملكة المخصوصة، و الخلاف المشهور خلاف في الطريق الكاشف عنها، كما جزم به بعض مشايخنا (1).

و ثانيهما: ظهور الاستقامة و الاستواء في معنى العدالة على ما ذكره الأصحاب في الحسّيين منهما، و ليس شي‌ء منهما في الإنسان حسيّا، فلا بدّ حينئذ من التزام النقل، و لا يكون إلّا شرعيّا، لكون المعنى المنقول إليه المغاير للمعنى اللغوي، ما من شأنه أن يؤخذ من الشارع، و قد أخذ منه أيضا، كما يرشد إليه الروايات الواردة لبيانه، و عليه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه لا تخلو عن قوّة، لكون تمام حقيقة المعنى الشرعي لا يستعلم إلّا من جهة الأخبار و لا يهتدي إليه أكثر المتشرّعة و لا سيّما العوام و النسوان إلّا من جهة تقليدهم لعلمائهم، و العلماء أيضا لم يعرفوه إلّا من جهة الأخبار، و ما هذا شأنه لا يكون حقيقة متشرّعية، و لا حقيقة فقهائيّة.

و كيف كان فاختلف الأصحاب في معناها الشرعي على أقوال:

أحدها: ما هو المشهور بينهم من أنّها كيفيّة نفسانيّة ملازمة للتقوى فقط

أو هي مع المروّة على الخلاف الآتي في ذلك أيضا، و المراد بملازمة التقوى عدم ارتكاب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و لذا قد يعرّف بملكة نفسانيّة تبعث على ترك فعل الكبائر و الإصرار على الصغائر. و قد يعبّر عن الكيفيّة و الملكة بالهيئة، و قد يعبّر بالحالة، و الكلّ بمعنى.


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 8- 10.

و عن الشيخ نجيب الدين العاملي أنّه نسبه إلى العلماء (1)و عن كنز العرفان نسبته إلى الفقهاء (2)و في كلام بعض أنّه المشهور بين المتأخّرين (3)و عن مصابيح الظلام: أنّه المشهور بين الأصحاب (4)و عن موضعين من مجمع البرهان: أنّه مشهور بين العامّة و الخاصّة في الأصول و الفروع (5)و صدّقه عليه صاحب مفتاح الكرامة قائلا: و الأمر كما ذكر، فإنّي وجدت جملة من كتب الجمهور كالمحصول و غيره و كتب الخاصّة كالمصنّف و من تأخّر عنه إلّا من قلّ، دون من تقدّم عليه، قد سطّر فيها هذا التعريف في الأصول و الفروع مع زيادة و نقصان يأتي التنبيه عليهما (6)انتهى.

و في نفيه القول به ممّن تقدّم نظر كما ستعرف.

ثمَّ إنّ البعث في التعريف المذكور و ما بمعناه ظاهر في البعث الفعلي، فيفيد اعتبار كون ملكة الاجتناب مستلزمة للاجتناب.

و أظهر منه في إفادة هذا المعنى ما في تعريف القوانين: بأنّها ملكة في النفس تمنعها من فعل الكبائر و الإصرار على الصغائر و منافيات المروّة (7)لتبادر المنع الفعلي، و نحوه الردع فيما عبّر بالملكة الرادعة.

و أظهر من الجميع تعريف الشهيد- في باب الزكاة من نكت الإرشاد-: بأنّها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى بحيث لا يقع منه الكبيرة و لا الإصرار على الصغيرة (8)بناء على أنّ الحيثية بيان لقوله: «تبعث» كما هو الظاهر، لا قيد توضيحي للملازمة.

فما يقال: من أنّ ملكة الاجتناب في كلام القائلين بالملكة لا تستلزم


1) حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 80.

2) كنز العرفان 2: 384.

3) مستند الشيعة 2: 619 (طبعة حجرية).

4) مصابيح الظلام 1: 93 (مخطوط).

5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 351 و 12: 311.

6) مفتاح الكرامة 3: 80.

7) القوانين 1: 459.

8) غاية المراد و نكت الإرشاد: 42.

الاجتناب، ليس بجيّد، و لكنّها ليست بحيث لم يتخلّف عنها البعث، بل ربّما يتخلّف لغلبة هوى النفس و تسويل الشيطان، نعم إنّما تكون عدالة حيث لم يتخلّف.

و قد يقال: إنّ ترك الكبيرة لا يستلزم الملكة، و عليه ينزّل ما عن الحلّي في السرائر: من أنّ حدّ العدل في الدين هو الذي لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا (1)و ما عن المجلسي و المحقّق السبزواري: من أنّ الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر (2)حتى أنّه عدّه بعض مشايخنا قولا برأسه مقابلا للقول بالملكة و القولين الآخرين، قال: و ظاهر هذا القول أنّها عبارة عن الاستقامة الفعليّة في أفعاله و تروكه من دون اعتبار لكون ذلك عن ملكة (3).

و فيه: أنّ ترك الكبيرة بقول مطلق و إن كان لا يستلزم الملكة غير أنّ الاستمرار على تركها يستلزمها، و قوله: «لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا» و كذا قوله: «لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر» باعتبار وقوعه في التعريف منسلخ عن الزمان، فيفيد الاستمرار، و لا ريب أنّ الاستمرار في عدم الإخلال بواجب و عدم ارتكاب القبيح أو الكبائر عدم الإصرار على الصغائر لا يكون إلّا عن ملكة.

فالعبارة المذكورة في إفادة هذا المعنى نظير كلام والد الصدوق المحكي عن رسالته إليه: لا تصلّ إلّا خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه و ورعه، و ثانيهما من تتّقي سيفه و سوطه (4).

و كلام المفيد المحكي عن المقنعة: من أنّ العدل من كان معروفا بالدين و الورع و الكفّ عن محارم اللّه (5)بناء على أنّ الورع و الكفّ المقابل لمطلق الترك لا يكونان إلّا عن ملكة نفسانيّة.


1) السرائر 2: 117.

2) البحار 88: 25، كفاية الأحكام: 28.

3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 7.

4) الفقيه 1: 380 ذيل ح 1117 و فيه: «و سطوته» بدل «و سوطه».

5) المقنعة: 725.

نعم ربّما أمكن منع هذه الإفادة فيما حكي عن موضع من الوسيلة: من أنّ العدالة في الدين الاجتناب عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر (1). و ما حكي عن أبي الصلاح: من أنّ العدالة شرط في قبول الشهادة، و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الإيمان و اجتناب القبائح أجمع (2).

و لكن يمكن منع منافاتها لما تقدّم أيضا، بأنّه لم يقصد من نحو هذه العبائر عدم مدخليّة الملكة في العدالة، بل إنّما قصد بها إفادة أنّ العدالة عبارة عن اجتناب القبائح و عدم الإصرار على الصغائر الناشئ عن الملكة، لا عن الملكة الموجبة لاجتناب القبائح و عدم الإصرار على الصغائر.

و بعبارة اخرى: أنّ العدالة هو اللازم من حيث لزومه من الملكة، لا الملزوم و هو الملكة المستلزمة للاجتناب و عدم الإصرار، كما هو ظاهر ما عرفته من الحلّي و والد الصدوق و المفيد و المجلسي و السبزواري.

و أظهر ما يفيد هذا المعنى عبارة الشيخ في النهاية، حيث عبّر عن العدالة بما يقرب من مضمون صحيحة ابن أبي يعفور الآتية. و قال: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثمَّ يعرف بالستر و الصلاح و العفاف و الكفاف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النّار، من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، الساتر لجميع عيوبه، و يكون متعاهدا للصلوات الخمس، مواظبا عليهنّ، حافظا لمواقيتهنّ، متوفّرا على حضور جماعة المسلمين، غير متخلّف عنهم إلّا لمرض أو علّة أو عذر (3)إلى آخر ما ذكره.

خلافا لمن يظهر منه كونها عبارة عن الملزوم من حيث استلزامه، و هو الملكة الموجبة للاجتناب، ممّن يعبّر في تعريفها بالملكة و مرادفاتها المتقدّمة. و كثير من النصوص الواردة في الباب- و لا سيّما صحيحة ابن أبي يعفور- ربما يساعد على


1) الوسيلة: 230.

2) الكافي في الفقه: 435.

3) النهاية: 325.

الثاني، و لكن الاعتبارين ممّا لم يترتّب على الفرق بينهما ثمرة في الفروع.

و قد ظهر ممّا بيّناه وقوع خلاف من هذه الجهة بين أصحاب القول بالملكة، و مرجع هذا الخلاف إلى كون الملكة جنسا في مفهوم العدالة أو فصلا فيه، و الفرق بينهما اعتباري، مع اشتراكهما في إفادة مدخلية كلّ من الملكة و الاجتناب و عدم الإصرار، اللازمين منها في العدالة المعتبرة في الشريعة.

و ثانيها: أنّها الإسلام

اشارة

، بمعنى الإيمان و عدم ظهور الفسق، نسب القول به إلى جماعة من القدماء، كابن الجنيد و المفيد في كتاب الإشراف و الشيخ في الخلاف.

فقال الأوّل- على ما عن المختلف-: كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ما يزيلها (1).

و قال الثاني- على ما نقل-: أنّه يكفي في قبول الشهادة ظاهر الإسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة (2).

و قال الثالث- على ما حكي-: إن شهد شاهدان يعرف إسلامهما و لا يعرف فيهما قدح حكم بشهادتهما- إلى أن قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم (3)و نسب ذلك إلى ظاهره أيضا في الاستبصار (4)في كتاب الشهادات، و يظهر اختياره من الصدوق في الهداية حيث قال: المسلمون كلّهم عدول تقبل شهادتهم (5).

و في كون ذلك قولا في معنى العدالة مقابلا للقول بكونها الملكة الرادعة عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، نظر بل منع واضح، لأنّ ظاهر هؤلاء ادعاء كون الأصل في المسلم ما لم يظهر منه ما يوجب الفسق هو العدالة، و مرجعه إلى أنّ الإسلام أمارة على العدالة إلى أن يظهر منه ما يقدح فيها من موجبات


1) المختلف 3: 88.

2) لم نعثر عليه في الاشراف و نقله في مفتاح الكرامة 3: 80.

3) الخلاف 6: 217- 216 المسألة 10

4) الاستبصار 3: 13- 14 ذيل ح 35.

5) الهداية: 75.

الفسق، نظير أصالة الصحّة في فعل المسلم، فكما أنّ الصحّة و الفساد وصفان متقابلان يطرأ ان لفعل المسلم، و الأصل في محلّ الاشتباه هو الصحّة إلى أن يعلم الفساد، و مرجعه إلى أنّ الصحّة في الفعل الصادر من المسلم تحرّز بإسلامه مع عدم ظهور ما يقتضي فساده، فصار الإسلام مع القيد العدميّ أمارة على صحّة فعله لا أنّه نفس الصحّة، فكذلك العدالة و الفسق وصفان متقابلان يطرأ ان نفس المسلم.

و الأصل في محلّ الاشتباه و هو مجهول الحال هو العدالة إلى أن يعلم الفسق، و مرجعه إلى أنّ العدالة فيه تحرّز بإسلامه مع عدم ظهور ما يوجب فسقه، فصار الإسلام مع القيد العدميّ المذكور أمارة على عدالته، لا أنّه بنفسه هو العدالة.

و الذي يدلّ على أنّهم يريدون ذلك أمور:
الأوّل: ما في عبائرهم المتقدمة من قول ابن الجنيد:

«كلّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ما يزيلها» و قول المفيد: «مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة» و قول الشيخ: «يعرف إسلامهما و لا يعرف فيهما قدح» فإنّ التعبير بهذه القيود العدميّة يعطي كون الإسلام شيئا و العدالة شيئا آخر، و المزيل إنّما يزيل العدالة، و القادح يقدح فيها مع بقاء الإسلام، فلو كان هو نفس العدالة لزم أن يكون المزيل لها مزيلا له و القادح فيها قادحا فيه، و هو في وضوح الفساد بحيث لا يظنّ بأحد القول به، فتأمّل.

الثاني: ما عن ابن الجنيد «1» من الاستدلال على الأصل الذي ادعاه

، من أنّ إسلام المسلم يقتضي عدم الإخلال بواجب و لا الإقدام على محرّم إلى أن يصرفه صارف، فإنّه كالصريح في أنّ العدالة وصف يلحق المسلم باعتبار عدم الإخلال بالواجبات و عدم ارتكاب المحرّمات، لا أنها نفس الإسلام.

الثالث: عبارة الشيخ في الخلاف عند الاستدلال على ما ادعاه

، فإنّه بعد ما استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم، زاد عليه علاوة بقوله: و أيضا الأصل في الإسلام

العدالة و الفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، و أيضا نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا أيّام الصحابة و التابعين، و إنّما هو شي‌ء أحدثه شريك بن عبد اللّه القاضي، فلو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه (1)انتهى.

فإنّ أوّل هذين الوجهين صريح في كون العدالة أصلا في المسلم، لا أنّ الإسلام نفس العدالة. و ثانيهما يعطي كون أصالة العدالة في المسلم أصلا فائدته سقوط البحث و الفحص عن عدالته، كما أنّ أصالة الصحّة في فعله أصل فائدته سقوط البحث و الفحص عن صحّته.

و أصرح ممّا ذكر في إفادة ذلك عبارته المحكيّة عن الاستبصار، فإنّه بعد ما روى خبر عبد اللّه بن أبي يعفور و ذكر بعده مرسلة يونس المخالفة له المصرّحة بعدم وجوب المسألة عن باطن الشاهد، تصدّى لعلاج التّعارض بينها و بينه، فقال:

إنّه لا ينافي الخبر الأوّل من وجهين:

أحدها: أنّه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس، و إنّما يجوز له أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام و الأمانة، و أن لا يعرفهم بما يقدح فيهم و يوجب تفسيقهم، فمن تكلّف التفتيش عن أحوالهم يحتاج إلى أن يعلم أنّ جميع الصفات المذكورة في الخبر الأوّل منتفية عنهم، لأنّ جميعها يوجب القدح في قبول الشهادة.

الثاني: أن يكون المقصود بالصفات المذكورة في الخبر الأوّل الإخبار عن كونها قادحة في الشهادة و إن لم يلزم التفتيش عنها و المسألة و البحث عن حصولها و انتفائها، و تكون الفائدة في ذكرها أنّه ينبغي قبول شهادة من كان ظاهره الإسلام و لا يعرف منه شي‌ء من هذه الأشياء، فإنّه متى عرف فيه أحدها قدح ذلك في شهادته (2)انتهى.

فهذا كلّه آية أنّ مراد هؤلاء من كفاية ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق في العدالة، كفايته في مقابلة الفحص و التفتيش و السؤال عن وجود صفة العدالة


1) الخلاف 3: 313 المسألة 10

2) الاستبصار 1: 13- 14 ح 34 و 35 و ذيله.

أو ضدّها، لا في مقابلة أصل العدالة على أن يكون هو العدالة لا غير، و لذا ترى أنّ الشهيد الثاني في المسالك و غيره أورد الخلاف بين القدماء و المتأخّرين في العدالة بعنوان وجوب البحث و عدمه.

قال في المسالك في باب القضاء: و إن عرف إسلامهم و لم يعرف أمرا آخر غيره من جرح و لا تعديل فهذا ممّا اختلف فيه الأصحاب، فالمشهور بينهم خصوصا المتأخّرين منهم أنّه يجب البحث عن عدالتهم، و لا يكفي الاعتماد على ظاهر الإسلام (1)انتهى.

و مقابل هذا القول قول القدماء بكفاية الاعتماد على ظاهر الإسلام في الحكم بعدالة الشهود و ترتيب الآثار عليها، و عدم وجوب البحث عن عدالتهم.

فوجه اعتبار الإسلام بالقياس إلى العدالة عندهم وجه الطريقيّة لا وجه العينيّة، فلا خلاف لهم في أنّ العدالة في المسلم صفة أخرى زائدة على إسلامه، كيف و أنّ القدماء بعضهم لسان بعض، و قد عرفت سابقا عبارة الشيخ في النهاية.

و قال القاضي ابن البرّاج فيما حكي عنه: إنّ العدالة تثبت في الإنسان بشروط و هي: البلوغ، و كمال العقل، و الحصول على ظاهر الإيمان، و الستر و العفاف، و اجتناب القبائح، و نفي التهمة و المظنّة، و الحسد و العداوة (2)انتهى.

و عن التقي أبي الصلاح الحلبي: أنّه يثبت حكمها بالبلوغ، و كمال العقل و الإيمان، و اجتناب القبائح أجمع (3)إلى آخر ما ذكره.

و على هذا كلّه فما في المبسوط في تعريف العدل في الدين بقوله: «إنّ العدل في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحول متساويا، و في الشريعة من كان عدلا في دينه عدلا في مروّته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شي‌ء من أسباب الفسوق، و في المروّة أن يكون مجتنبا للأمور التي


1) المسالك 2: 290.

2) المهذّب 2: 556 و فيه: «و الظنة» بدل «و المظنّة».

3) الكافي في الفقه: 435.

تسقط المروّة مثل الأكل في الطرقات، و مدّ الرجل بين الناس، و لبس الثياب المصبغة و ثياب النساء و ما أشبه ذلك، و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا» (1)إلى آخر ما ذكره، لا بدّ من حمله على كونه تعريفا للإنسان العدل بما هو طريق إلى العدالة لا تعريفا لنفس العدالة و لذا عدل الحلّي في السرائر عن هذا التعبير، و قال:

إنّ العدل في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروّته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحا، ثمَّ جعل ما عرفته عن الشيخ قريبا من ذلك بقوله: و قيل: أن لا يعرف منه شي‌ء من أسباب الفسق و هذا قريب أيضا (2).

و ثالثها: أنّها حسن الظاهر

، المعبّر عنه بظهور الصلاح، نسب ذلك إلى جماعة، بل أكثر القدماء. و في كون ذلك أيضا قولا في معنى العدالة نظر، بل منع، بل هذا أيضا كسابقه يراد به جعل الأمارة المسقطة لوجوب البحث و المسألة عن العدالة، لا اعتباره نفس العدالة، كما جزم به بعض مشايخنا أيضا قائلا- بعد نقل القولين-:

و لا ريب أنّهما ليسا قولين في العدالة و إنّما هما طريقان للعدالة، ذهب إلى كلّ منهما جماعة، و لذا ذكر جماعة من الأصحاب- كالشهيد في الذكرى و الدروس و المحقّق في الجعفرية و غيرهما- هذين القولين في عنوان ما به يعرف العدالة (3).

أقول: و من ذلك أيضا كلام السبزواري في الكفاية حيث قال: لا أعرف خلافا بين الأصحاب في اعتبار عدالة الشاهد، لكنّ الخلاف فيما يتعلّق بهذا المقام في أمور، إلى أن قال:- بعد ذكر الأوّل و الثاني من الأمور-: الثالث: الحكم بالعدالة هل يحتاج إلى التفتيش و الخبرة و البحث عن البواطن، أم يكفي الإسلام و حسن الظاهر ما لم يثبت خلافه؟ و الأقوى الثاني (4)انتهى.

ثمَّ إنّ شيخنا المتقدّم قدّس سرّه احتجّ لنفي كونهما قولين في العدالة، بأنّه لا يعقل


1) المبسوط 8: 217.

2) السرائر 2: 117.

3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 8.

4) الكفاية: 279.

كون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس العدالة، لأنّ ذلك يقتضي كون العدالة من الأمور التي يكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و هذا لا يجامع كون ضدّها- أعني الفسق- أمرا واقعيّا لا دخل للذهن فيه، و حينئذ فمن كان في علم اللّه مرتكبا للكبائر مع عدم ظهور ذلك لأحد يلزم أن يكون عادلا في الواقع فاسقا في الواقع، لأنّ المفروض أنّ وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و أمّا بطلان اللازم فغنيّ عن البيان، و لذا لو اطّلع على أنّ شخصا كان في الزمان السابق مع اتصافه بحسن الظاهر لكلّ أحد مصرّا على الكبائر يقال: كان فاسقا و لم نطّلع، و لا يقال: كان عادلا فصار فاسقا عند اطّلاعنا (1).

أقول: هذا ينهض ردّا على القولين، على تقدير كونهما قولين في معنى العدالة، و لا ينهض شاهدا بكون مراد القائلين بهما اعتبار عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر طريقين إلى العدالة، و مع هذا فأمكن المناقشة فيه، بأنّ جعل مذهب ابن الجنيد و الشيخين عدم ظهور الفسق مبني على الأخذ بأحد محتملات كلام بعضهم، و هو كون العدالة عندهم مجرّد عدم ظهور الفسق لا ظهور الإسلام و لا المجموع منه و من عدم ظهور الفسق.

و يدفعه: أنّ الأظهر من أكثر كلماتهم المصرّح به في كلام أكثر نقلة هذا القول، كون العدالة عندهم هو المجموع من الإسلام و عدم ظهور الفسق، بل هو صريح ما تقدّم من عبارة الشيخ في المبسوط، من قوله: العدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شي‌ء من أسباب الفسوق.

و عليه، فيرد على الوجه المذكور منع نهوضه لردّ هذا القول، لعدم منافاته كون العدالة المفسّرة بذلك عندهم- كالفسق- أمرا واقعيّا لا دخل للذهن فيه، لإمكان توجيهه بأنّ العدالة عندهم وصف مركّب عن أمر وجوديّ و هو الإسلام بمعنى الإيمان، و أمر عدميّ و هو عدم ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، بناء على أن ليس المراد من الظهور في قولهم: «عدم ظهور الفسق» ما يقابل الخفاء، بل أريد


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 9.

به ما يرادف الوجود، على معنى خروج الفسق من القوّة إلى الفعل بارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر، و عليه فيكون العدالة و الفسق معا أمران واقعيّان لا دخل للذهن فيهما، فلا يلزم في شي‌ء من الموارد أن يكون الشخص عادلا واقعيّا فاسقا واقعيّا، بل هو على وجه الانفصال الحقيقي إمّا عادل واقعيّ أو فاسق واقعيّ.

نعم له وجه على القول بكون العدالة حسن الظاهر على معنى ظهور الصلاح، بناء على عدم اعتبار مصادفته لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و حينئذ يلزم أن يكون وجودها الواقعيّ عين وجودها الذهني، على معنى أن يكون للذهن و الاعتقاد مدخليّة في واقعيّته.

و مرجعه إلى كون العدالة عبارة عن أمر ذهنيّ يدخل فيه الاعتقاد، و من حكمه أن يختلف باختلاف الأذهان و الاعتقادات، و يلزم من ذلك باعتبار قرينة المقابلة أن يكون الفسق أيضا أمرا ذهنيا يدخل فيه الاعتقاد، فيلزم كون شخص عادلا عند من ظهر صلاحه، فاسقا عند من ظهر فسقه، على معنى ارتكابه الكبائر أو إصراره على الصغائر و هو واضح الفساد، باعتبار أنّ العدالة و الفسق عندهم وصفان متضادّان، و من حكم المتضادّين أن لا يجامع أحدهما ضدّه، و لذا يقال فيمن كان في الواقع مرتكبا للكبائر أو مصرّا على الصغائر في الزمان السابق، مع اتّصافه بحسن الظاهر ثمّة عند كلّ أحد ثمَّ بان الخلاف: إنّه كان فاسقا و لم نطّلع عليه، و لا يقال: إنّه كان عادلا و صار فاسقا عند اطّلاعنا.

هذا مع إمكان منع وروده على هذا القول و سابقة معا، بتقريب أن يقال: إنّ الأصحاب بعد إطباقهم على أنّ العدالة لا تتحقّق إلّا باجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر و أنّ هذا القدر ممّا لا بدّ منه في معنى العدالة، اختلفوا في اعتبار أمر آخر معه.

فذهب جماعة إلى أنّه يعتبر فيها مع ذلك وجود الملكة على معنى كون الاجتناب المذكور عن كيفيّة نفسانيّة راسخة في النفس.

و ذهب آخرون إلى أنّه لا يعتبر فيها وجود الملكة و لكن يعتبر مع ما ذكر حسن الظاهر، فالعدالة حينئذ هو حسن الظاهر المصادف لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر.

و زعم آخرون أنّه لا يعتبر فيها ملكة و لا حسن ظاهر، بل يكفي فيها مع ما ذكر الإسلام، فالعدالة حينئذ هو الإسلام مع عدم ظهور الفسق على معنى عدم خروجه من القوّة إلى الفعل، و هو عبارة أخرى لاجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر.

و الأوّل أخصّ من الأخيرين، لأنّ وجود الملكة بعد الإسلام يستلزم حسن الظاهر، و حسن الظاهر لا يستلزم الملكة، و مجرّد الإسلام لا يستلزمهما معا.

و يظهر الثمرة بين الأوّل و الأخيرين في وجوب الفحص و التفتيش و المسألة للاطّلاع على الباطن، فإنّ الملكة لكونها صفة نفسانيّة- و هي أمر وجودي معتبر في معنى العدالة- لا بدّ في إحرازها من العلم بوجودها، و لا يمكن إحرازها بالأصل، و لا يحصل العلم إلّا بالصحبة المؤكّدة و المعاشرة التامة، و أمّا الاجتناب و عدم الإصرار فيمكن إحرازهما بالأصل على جميع الأقوال، لأنّ الأصل عدم ارتكاب المعصية كبيرة أو صغيرة فضلا عن الإصرار عليها.

و منشأ هذا الاحتمال في توجيه الخلاف و الجمع بين الأقوال على الوجه المذكور كلام السيد صدر الدين في شرحه للوافية، فإنّه في جملة كلام له عند المناقشة في القول بالملكة قال: إنّ من لا يقول بالملكة يقول باشتراط حسن الظاهر و اجتناب الكبائر و الصغائر إلّا القليل ممّن يكتفي بالإسلام (1)انتهى.

و قوله: «إلّا القليل. إلخ» استثناء من اشتراط حسن الظاهر، فلا ينفي ما ذكرناه من أنّ أهل القول بكفاية الإسلام أيضا يعتبرون اجتناب الكبائر و الصغائر.

و قضيّة هذا كلّه كون العدالة على جميع الأقوال أمرا واقعيّا لا دخل للذهن و الاعتقاد فيها، هذا.


1) شرح الوافية: الورقة 79.

و لكنّ الإنصاف أنّ كلمات أهل القول بكفاية الإسلام مع عدم ظهور الفسق على ما بيّناه بين ظاهرة و صريحة في نفي اعتبار الفحص و التفتيش لإحراز العدالة من دون تعرّض لبيان أنّه يدخل فيها الملكة أو لا. فكلامهم محتمل لكلّ من القولين باشتراط وجود الملكة و عدمه. و كلمات أهل القول بحسن الظاهر أيضا بين محتملة و ظاهرة، بل صريحة أيضا في نفي وجوب الفحص و التفتيش، بناء منهم على أنّ الشارع جعل حسن الظاهر طريقا لإحراز العدالة من دون تعرّض فيها لبيان اعتبار وجود الملكة في العدالة أيضا و عدمه. نعم لا نضائق اتّفاق من قال في العلماء بأنّ العدالة هو نفس حسن الظاهر، لكن كونه قولا ممّن يعتنى بشأنه من أصحابنا كالفاضلين و الشهيدين و أضرابهما غير واضح.

و بالجملة كلمات الأصحاب في المسألة- ككلمات المتعرّضين منهم لنقل قولهم فيها و خلافهم و وفاقهم في معنى العدالة، أو في الطرق المثبتة لها الكاشفة عنها- في غاية التشويش و الاضطراب.

فالأنسب التكلّم تارة فيما يعتبر شرعا في معنى العدالة و ما لا يعتبر من الاجتناب عن الكبائر و الصغائر أو الإصرار عليها و منافيات المروّة و وجود الملكة و غير ذلك، و اخرى فيما يحرز به العدالة من الطرق و ما توهّم كونه طريقا من الأصل و الإسلام مع عدم ظهور الفسق و حسن الظاهر و غير ذلك.

المقام الثاني فيما يعتبر و ما لا يعتبر شرعا في معنى العدالة

اشارة

و فيه مراحل:

المرحلة الاولى:

في أنّ الظاهر أنّه لا خلاف في اعتبار الاجتناب عن الكبائر بحسب الواقع في العدالة الشرعية، و عباراتهم المشعرة بانعقاد الإجماع عليه كثيرة:

منها: عبارة السيّد الشارح للوافية و قد سمعتها. و من ذلك أيضا إجماعهم المحصّل و المنقول على كون ارتكاب الكبائر قادحا فيها، موجبا للفسق المضادّ لها.

و الأصل في ذلك من جهة الأخبار صحيحة عبد اللّه ابن أبي يعفور المرويّة في الفقيه و التهذيب مع اختلاف يسير بين الكتابين في بعض ألفاظها، و هي على ما في الفقيه، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار، من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف، و غير ذلك.

و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين

ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة، فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس، و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه، فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيّع، و لو لا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم همّ بأن يحرق قوما في منازلهم، لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان منهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه بالحرق في جوف بيته بالنار؟! و قد كان يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة (1).

و موضع الدلالة من الرواية على ما نحن فيه قوله عليه السّلام: «و أن يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار» في جواب السؤال عن العدالة بقوله:

بما تعرف عدالة الرجل؟ فإنّ السؤال «بما» الشارحة ما يطلب به معرّف ذلك الشي‌ء، و لا ينافيه التعبير بقوله: «يعرف» مضافا إلى العدالة، لأنّ كلّ معرّف بالكسر ما يعرف به المعرّف بالفتح، و لا فرق في ذلك بين كون العدالة في اعتقاد السائل مبقاة في لسان الشارع على معناها اللغوي، و حيثما ورد في لسان الشارع و تابعيه على المعنى الشرعي فقد ورد على وجه الحقيقة من باب إطلاق الكلّي على الفرد،


1) الفقيه 3: 38 ح 3280، التهذيب 6: 241 ح 596.

بناء على أنّها لغة عبارة عن الاستقامة المطلقة على الجادّة المطلقة، و عدم الميل و الانحراف عنها، سواء كانت حسّية أو معنويّة، متعلّقة بالعادة أو بالشريعة، فالفرد من هذا المفهوم العامّ الذي أطلق عليه اللفظ هو الاستقامة على جادّة الشريعة، أو منقولة في الشرع إلى هذه الجادّة الخاصّة من باب النقل من العامّ إلى الخاصّ، أو من المباين إلى مثله، بناء على كونها لغة لاستقامة خاصّة و هي الاستقامة على الجادّة الحسّية كما قوّيناه سابقا. و على جميع التقادير فقد طلب السائل «بما» الشارحة تمام الحقيقة الاستقامة الشرعيّة التي أطلق عليها، أو نقل إليها لفظ العدالة، و قد ورد على طبقه الجواب مشتملا على مراتب ثلاث من التعريف الإجمالي، و تفصيلي غير مانع و لا جامع، و تفصيلي مانع و جامع.

أمّا الأوّل فقوله: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» أي يعرفوه متّصفا بالستر و العفاف، و الستر بالكسر- على ما عن القاموس- هو الخوف و الحياء و العمل، و الظاهر إرادة الحياء هنا، و هو تغيّر و انكسار يعتري الإنسان ممّا يخاف أن يعاب به و يذمّ عليه، أو يعاقب و يعذّب عليه من فعل أو ترك دعاه هوى نفسه إلى الركوب عليه، و محصّله هنا الاستحياء من اللّه تعالى عند تهيّؤ أسباب معصيته تعالى بترك واجب أو فعل محرّم، الرادع له عن الإقدام عليها، و لذا ورد في الحديث: «أنّ الحياء من الإيمان» (1)و في آخر: «الحياء من شعب الإيمان» (2)و علّل بأنّ المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي.

و القرينة على تعيّن حمل الستر في الرواية عليه قوله عليه السّلام فيما بعد: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» فإنّ الستر هنا عبارة عن الاستحياء من الناس في ركوب القبائح و المعاصي، و ينهض ذلك قرينة على ارادة الاستحياء من اللّه من الأوّل حذرا عن اتّحاد الدليل و المدلول.

و ربّما حمل على ارادة العفاف تمسّكا بما عن الصحاح من مجيئه لهذا


1) الكافي 2: 106 ح 1.

2) عوالي اللئالي 1: 59 ح 90، و فيه: «الحياء شعبة من الإيمان».

المعنى، يقال: رجل ستير، أي عفيف، و منه جارية ستيرة، فالمراد به في الرواية إمّا ما يرادف العفاف أو ما يلازمه و هو الاستحياء من اللّه، و العفاف: عبارة عن كفّ النفس عن محارمه تعالى خوفا و استحياء منه، فهذا تعريف إجمالي للعدالة.

و أمّا الثاني فقوله: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» أي كفّ هذه الجوارح عن المعاصي الصادرة منها، فإنّ ذلك عطف تفسير للأوّل، قصد به نوع بيان تفصيلي له، غير أنّه في مقام التعريف غير مانع و لا جامع، لأنّ المعاصي الصادرة من الجوارح الأربع مع عدم تناولها لسائر الكبائر المعتبر اجتنابها في العدالة فتخرج عن التعريف، تعمّ الكبائر و الصغائر الصادرة من هذه الجوارح، و ستعرف أنّ الاجتناب عن الصغيرة ما لم يلحقه الإصرار ليس معتبرا في العدالة بحسب الشرع، و أنّ ارتكابها من غير إصرار غير قادح فيها.

و أمّا الثالث فقوله عليه السّلام: «و أن يعرف باجتناب الكبائر. إلخ» فإنّ الكبائر باعتبار المادة و هي الكبيرة لا تعمّ الصغائر، فيخرج بها فعل الصغيرة، و باعتبار الهيئة و هي الجمع المحلّى تعمّ سائر الكبائر ممّا ذكر في المرتبة السابقة و ما لم يذكر. و بالجملة فهي تتضمّن تخصيصا و تعميما بالاعتبارين، و به يحصل المنع و الجمع، و يتمّ تعريف العدالة باجتناب الكبائر مطّردا و منعكسا.

و أمّا ما يقال في المناقشة في الدلالة المذكورة: من أنّ قوله عليه السّلام: «أن يعرفوه بالستر و العفاف. إلخ» ليس بيانا لمعنى العدالة بل هو بيان لعلاماتها و أماراتها الكاشفة عنها، لمكان قول الراوي: «بم تعرف عدالة الرجل؟» فإنّه باعتبار أنّه سؤال عمّا يعرف به العدالة ليس سؤالا عن معناها، فهو يدلّ على معلوميّة أصل المعنى عند السائل، و إنّما سئل عمّا يعرف به حصول ذلك المعنى و تحقّقه في الرجل.

فيدفعه: ما بيّناه في تقرير وجه الدلالة من أنّ المعرّف ما يعرف به المعرّف، فيصحّ كون العبارة المذكورة سؤالا عن المعرّف، غاية الأمر صحّة ورودها أيضا سؤالا عن الأمارة، و لكن يتعيّن حملها على طلب المعرّف بقرينة قوله عليه السّلام

«و الدلالة على ذلك كلّه. إلخ» فإنّ قضيّة ما ذكر كون ما ذكره عليه السّلام فيما بعد من باب الدليل على الدليل، و هو بعيد عن لفظ الرواية.

و أبعد منه كونه عين الدليل الأوّل، للزومه التكرار في ذكر الدليل على العدالة، مع أنّه لو حمل الستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع و اجتناب الكبائر على دليل العدالة لم يبق وراء هذه ما يكون معنى العدالة مدلولا عليه بذلك الدليل، عدا عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر مع الإسلام، و هذا كما ترى خروج عن ضابطة الدليل و المدلول، لوجوب كون الدليل أجلى و أعرف من المدلول، و هو ها هنا بمقتضى الفرض أخفى، مع أنّ الدليل لا مانع من كونه أعمّ، و كونه أخصّ ضائر في دليليته، و لا ريب أنّ كلّا من الأمرين أعمّ من الاتصاف بالصفات المذكورة.

المرحلة الثانية: في أنّه هل يعتبر فيها مع اجتناب الكبائر اجتناب الصغائر

أيضا مطلقا، فارتكاب الصغيرة أيضا قادح فيها و لو مع عدم الإصرار أو لا؟ كما هو المشهور شهرة كادت تبلغ الإجماع، حيث يعتبرون الإصرار مع الصغيرة، بل لم نقف على مصرّح بالأوّل في القدماء و المتأخّرين.

نعم ربّما يظهر القول به من إطلاق عبائر جماعة من القدماء كالقاضي و أبي الصلاح و ابن إدريس و المفيد (1)لتعبيرهم باجتناب القبائح و عدم ارتكاب القبيح و الورع عن محارم اللّه، المتناول بإطلاق هذه الألفاظ لكلّ ذنب كبيرة أو صغيرة، و قد سمعت عبارات من عدا المفيد، و أمّا هو فعبارته على ما حكي: أنّ العدل من كان معروفا بالدين و الورع عن محارم اللّه.

و لعلّه لأجل ظهور هذه العبارات قد يجعل المسألة ذات قولين، و نسب القول الأوّل إلى هؤلاء المذكورين و إلى الشيخ الطبرسي في مجمع البيان (2)و إلى الشيخ في العدّة (3)حيث ذكر فيها- على ما نقل- أنّ العدل من لم يذنب أو يذنب و يتوب.

و فيه نظر، إذ ليس فيه إلّا الدلالة من حيث المفهوم على أنّ من يذنب و لا


1) المهذّب 2: 556، الكافي في الفقه: 435، السرائر 2: 117، المقنعة: 725.

2) مجمع البيان 3: 38

3) لم نعثر عليه في العدة.

يتوب ليس عدلا، و هذا ليس بصريح و لا ظاهر في اختيار القول المذكور، لجواز ابتنائه على القول بكون فعل الصغيرة مع عدم التوبة عنها إصرارا على الصغيرة.

و هاهنا نظر آخر في نسبة القول المذكور إلى الجماعة، لجواز ابتنائه منهم على أمر موضوعيّ، و هو كون كلّ ذنب كبيرة و عدم انقسام الذنوب إليها و إلى الصغيرة كما نسب القول بذلك إليهم، و ستعرف التصريح به في كلام ابن إدريس و محكي الطبرسي فيؤول كلامهم حينئذ إلى قدح الكبيرة في العدالة، و هذا ينفي الخلاف في الكبرى، و النزاع في الصغرى أمر آخر لا دخل له فيما نحن فيه، إلّا أن يدّعى القول بعدم الفرق بينهما حكما من بعض القائلين بالفرق بينهما موضوعا، أو يخرج من الخلاف في الصغرى نزاع كبروي، بإسقاط عنواني الكبيرة و الصغيرة، و يعبّر عن عنوان المسألة بأنّه هل يقدح كلّ ذنب في العدالة و لو مع عدم الإصرار أو لا، بل يفرّق بين الذنوب بكون بعضها قادحا و هو المسمّى بالكبيرة و بعضها غير قادح و هو المسمّى بالصغيرة على المشهور قولان.

احتجّ للأوّل منهما بوجوه:

الأوّل: الأولويّة المدّعى كونها قطعيّة بالقياس إلى فعل منافيات المروّة، فإنّه إذا كان قادحا في العدالة مع كونه مباحا، فلأن يكون فعل الصغيرة قادحا طريق الأولويّة لكونه معصية.

و بعبارة اخرى أنّ الاجتناب عمّا ينافي المروّة إذا اعتبر في معنى العدالة شرعا مع عدم كونه معصية، فلا بد و ان يعتبر الاجتناب عن الصغيرة فيها بطريق اولى لكونها معصية.

الثاني: منطوق آية النبإ (1)القاضي بعدم قبول نبأ الفاسق الا بعد التبين لشرعا مع عدم كونه معصية، فلا بد و ان يعتبر الاجتناب عن الصغيرة فيها بطريق اولى لكونها معصية و لا ريب أنّ الشهادة نبأ، و فاعل الصغيرة فاسق، فإنّ الفاسق لغة و عرفا من خرج عن طاعة اللّه عزّ و جلّ، و كما أنّ فعل الكبيرة خروج عن طاعة اللّه فكذلك فعل الصغيرة، لتساويهما في مخالفة النهي.


1) الحجرات: 6.

الثالث: عموم قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1)فإنّ الركون هو الميل القليل إلى الشي‌ء، و الظلم وضع الشي‌ء على غير مستحقّه، و فاعل الصغيرة ظالم لنفسه فلا يجوز الركون إليه.

الرابع: قوله في رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة: «أن تعرفوه بالستر و العفاف» و قوله أيضا: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» و فاعل الصغيرة ليس متستّرا و لا ساترا لجميع عيوبه.

الخامس: ما في رواية صالح بن علقمة الآتية من قوله: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه الشاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا.

فإنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فتعمّ الصغائر و كلّ ذنب، أو أنّه بالمفهوم يدلّ على أنّ من تره بعينك يرتكب ذنبا فليس من أهل العدالة، و إطلاق الذنب يعمّ الصغيرة أيضا.

و في الكلّ ما ترى.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون المروّة معتبرة في العدالة أوّل المسألة، و على القول بالاعتبار فالأظهر- على ما ستعرفه- كونها معتبرة في صحّة عدالة الشاهد، على معنى ترتّب الآثار الشرعية عليها لا في مفهوم العدالة، بل لا يبعد القول بكونها معتبرة في طريق العدالة، و هو حسن الظاهر- على ما ستعرفه- سواء قلنا بطريقيّته من باب الظنّ الشخصي أو الظنّ النوعي أو من باب التعبّد، لأنّ العمدة من دليل اعتبارها قوله: «أن يكون ساترا لجميع عيوبها» بناء على حمل العيوب على ما يعمّ العيوب الشرعيّة و العيوب العرفيّة، و هذا على ما أشرنا إليه و ستعرف مفصّلا طريق للعدالة، و معنى اعتبارها في الطّريق أنّه بدونها لا يفيد الظنّ الشخصي بوجود الملكة الرادعة، و لا أنّه بحيث لو خلّي و طبعه يفيده، و لا أنّه ممّا يتعبّد به شرعا في


1) هود: 115.

الحكم بوجودها و ترتيب آثارها على من جهل حاله من حيث وجودها و العدم.

و أمّا الثاني: فلأنّ آية النبإ (1)تفيد حكما للفاسق، و من المستحيل إحراز ذلك الموضوع بنفس تلك الآية، فلا فائدة في توسيط الاستدلال بها، بل العادل و الفاسق موضوعان متقابلان رتّب عليهما الشارع أحكاما متقابلة، فإذا شكّ في اعتبار قيد في مفهوم الأوّل شرعا أوجب ذلك وقوع الشكّ في اعتبار خلافه في مفهوم الثاني، فإذا استدل على دخول اجتناب الصغائر أيضا في مفهوم العدالة بما اشتهر من أنّ الفاسق من خرج عن طاعة اللّه لم يكن للآية دخل في ذلك الاستدلال أصلا، و مع هذا فيتطرّق المنع إلى كون الفاسق لمطلق من خرج عن طاعة اللّه و لو بارتكاب صغيرة، كيف! و هو مبني على كون العدالة بحسب الشرع هي الاستقامة على جادّة الشريعة و عدم الانحراف منها على وجه عام و هو مجانبة كلّ ذنب، لا على وجه خاصّ و هو مجانبة خصوص الكبائر، و الشكّ في كون العادل لأيّ المفهومين يسري إلى الشكّ في كون الفاسق لأيّ المفهومين، من الخروج عن طاعة اللّه على وجه عام أو الخروج عنها على وجه خاصّ.

و أمّا الثالث: فلأنّ المتبادر من الظلم في قوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (2)هو الظلم على الغير، فالآية في شأن سلاطين الجور، و لذا روي عن الكافي عن الصادق عليه السّلام: هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده كيسه فيعطيه (3).

و لو سلّم كون المراد منه الظالم على نفسه فالمتبادر منه أهل الكفر و الشرك أو الخوض في الكبائر، فعن ابن عباس وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تميلوا إلى المشركين في شي‌ء من دينكم (4)، و عن السدي: أي لا تداهنوا الظلمة (5)، و المداهنة المساهلة و ترك المناصحة. و من ذلك حديث الباقر عليه السّلام حيث قال:

أوحى اللّه تعالى إلى شعيب النبي أنّي معذّب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من


1) الحجرات: 6.

2) هود: 113.

3) الكافي 5: 108 ح 12.

4) مجمع البيان 5: 200.

5) مجمع البيان 5: 200.

شرارهم، و ستّين ألفا من خيارهم، فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار، فأوحى اللّه إليه داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي (1).

و عن القاضي: إمّا الركون إلى الظالمين المنهيّ عنه هو الدخول معهم في ظلمهم و إظهار الرضاء بفعلهم و إظهار موالاتهم، فأمّا الدخول عليهم و مخالطتهم و معاشرتهم فجائز (2).

و أمّا الرابع: فلأنّ الستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع و إن كانا بإطلاقهما يعمّان جميع الذّنوب، غير أنّ وصف الكبيرة في قوله: و أن يعرف باجتناب الكبائر- الذي هو ثالث المعرّفات بقرينة ما ستعرفه من انقسام الذنوب إلى الكبائر و الصغائر- وصف احترازيّ، فينهض ذلك لتقييدهما بالكبائر.

و يشكل بأنّ الاحتراز إن كان لمفهوم الوصف فهو غير حجّة، و إن كان لمفهوم الحدّ فيعارضه مفهوم الحدّ في قوله: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» إذ كما أنّ تعريف العدالة باجتناب الكبائر يدلّ مفهوما على عدم اعتبار اجتناب الصغائر فيها مطلقا، سواء كانت ناشئة من الجوارح الأربع أو من غيرها، فتعريفها بكفّ الجوارح الأربع عن المعاصي الناشئة منها يدلّ مفهوما على عدم اعتبار المعاصي الأخر فيها، كبيرة كانت أو صغيرة، و مفهوم كلّ يعارض منطوق الآخر، فيتعارض التعريفان منطوقا و مفهوما في الصغائر الناشئة من الجوارح الأربع و في الكبائر الناشئة من غيرها، و لو لا اعتبار المفهومين لم يكن بين منطوقيهما تعارض كما هو واضح، فلا بدّ في علاج التعارض، إمّا من إلغاء المفهومين المستلزم للأخذ بعموم المنطوقين، أو من إعمال المفهومين المستلزم لتخصيص المنطوقين، أو من إعمال مفهوم كفّ الجوارح الأربع و إلغاء مفهوم اجتناب الكبائر المستلزمين لتخصيص منطوق الثاني و الأخذ بعموم منطوق الأوّل، أو من إعمال مفهوم الثاني و إلغاء مفهوم الأوّل المستلزمين لتخصيص منطوق الأوّل و الأخذ بعموم منطوق الثاني، و لعدم رجحان أحد هذه الوجوه على الآخر يسقط دلالة قوله: «و أن يعرف باجتناب


1) الكافي 5: 56 ح 1

2) مجمع البيان 5: 200.

الكبائر» على عدم مدخليّة اجتناب الصغائر في العدالة.

و يمكن الذبّ عنه مضافا إلى أنّ ذلك يقضي أيضا بسقوط دلالة قوله: «أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن. إلخ» على مدخليّة اجتناب الصغائر في العدالة، بترجيح الوجه الأخير، لسلامته عن مخالفة الإجماع على عدم الفرق في الاعتبار، أو عدم الاعتبار بسيطا أو مركّبا.

إذ قضيّة الوجه الأوّل كون العدالة عبارة عن اجتناب المعاصي الناشئة من الجوارح الأربع كبيرة و صغيرة و اجتناب الكبائر الناشئة من غيرها، و هو يخالف الإجماع على عدم الفرق في الصغائر بين ما ينشأ من الجوارح الأربع و ما ينشأ من غيرها، فكلّ من قال بعدم اعتبار ما ينشأ من غيرها في العدالة قال بعدم اعتبار ما ينشأ منها أيضا.

و قضيّة الوجه الثاني كونها عبارة عن اجتناب الكبائر الناشئة من الجوارح الأربع خاصّة، و هو يخالف الإجماع البسيط في الاعتبار بين الكبائر.

و قضيّة الوجه الثالث كونها عبارة عن اجتناب المعاصي الناشئة من الجوارح الأربع خاصّة كبيرة و صغيرة، و هو يخالف الإجماع على عدم الفرق بين الكبائر في الاعتبار و الإجماع على عدم الفرق بين الصغائر في عدم الاعتبار، غير أنّ الإجماع الأوّل بسيط و الإجماع الثاني مركّب.

و قضيّة الوجه الرابع كونها عبارة عن اجتناب الكبائر خاصّة، و لا مخالفة فيه لإجماع لا بسيطا و لا مركبا من حيث عدم الفرق بين الكبائر في الاعتبار، و لا بين الصغائر في عدم الاعتبار، فتعيّن الحمل عليه. هذا مع قيام مرجّح آخر للوجه الأخير و هو ظهور العطف في قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» في التفسير، و هو يقضي بكون التعريف باجتناب الكبائر بيانا لتعريفها بكفّ الجوارح الأربع، و قضيّة بيانية ذلك تطرق التصرّف في المبيّن بتخصيص منطوقه و إلغاء مفهومه، فليتأمّل.

نعم يبقى الكلام في الاستدلال بقوله: و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا

لجميع عيوبه.

و يشكل دفعه بالتزام تخصيصه أيضا بالمفهوم المستفاد من قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» لعدم التعارض بينهما، لتعدّد موضوعيهما، لكون أحدهما متعرّضا لبيان نفس العدالة و الآخر متعرّضا لبيان دليلها، و إعمالهما معا يوجب التفكيك بين الدليل و المدلول، بكون الأوّل ما أخذ فيه كونه ساترا للصغائر أيضا و الثاني ما لم يؤخذ فيه اجتناب الصغائر.

و يمكن الذبّ عن هذا الإشكال أيضا بأنّ التفكيك المذكور ممّا لا ضير فيه، لأنّ اللازم من ذلك عدم قدح صدور الصغيرة من دون ظهور في العدالة الواقعيّة، و قدح ظهور صدورها في الطريق المجعول لها، على معنى عدم كشف كونه ساترا للكبائر فقط عن وجود صفة العدالة في الواقع، لا كشفه عن عدم وجودها في الواقع، أو على معنى أنّه مع عدم كونه ساترا للصغائر لا طريق يتعبّد به شرعا لإجراء أحكام العدالة، لأنّ الطريق المجعول- بناء على التعبّد- هو المجموع من ستر الكبائر و ستر الصغائر، و يظهر الثمرة فيما لو ظهر وجود صفة العدالة في الواقع بطريق آخر علميّ أو غير علميّ، فلا يلزم من عدم انعقاد الطريق المذكور سقوط اعتبار ذي الطريق إذا استكشف بطريق آخر.

و لو كان هناك إجماع مركّب بين الطريق و ذيه- بأن يقال: كلّ من قال بعدم قدح صدور الصغيرة في العدالة في الواقع قال بعدم قدح ظهورها أيضا في طريقها، و كلّ من قال بقدح ظهورها في الطريق قال بقدح صدورها في العدالة في الواقع أيضا- اتّجه تخصيص قوله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه بستر الكبائر، فلا إشكال أيضا، إلّا أنّ حصول هذا الإجماع غير واضح.

و أمّا الخامس: فمع عدم وضوح حال سند الرواية أنّ مفهوم قوله عليه السّلام: «من لم تره بعينك. إلخ» قابل للتخصيص بما عرفت من مفهوم الحدّ في رواية ابن أبي يعفور.

و بجميع ما قرّرناه من أجوبة الوجوه المذكورة ظهر أنّ الأقوى ما هو المشهور

المنصور من عدم كون ترك الصغيرة من غير إصرار معتبرا في مفهوم العدالة و عدم كون فعلها قادحا فيها، و العمدة في دليله ما عرفت من قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» بتقريب ما عرفت من دلالته باعتبار المفهوم على نفي مدخليّة ما عدا الكبائر.

و قد يتمسّك له بالأصل الاستصحابي الموضوعيّ و الحكميّ معا في العدل المجتنب للكبائر و الصغائر بأسرها، الجاري عليه أحكام العدالة بأجمعها إذا صدر منه صغيرة، فإنّه يوجب الشكّ في بقاء عدالته كما يوجب الشك في بقاء أحكامه المترتّبة عليها، فيستصحب كلّ منهما، و الأوّل استصحاب موضوعيّ و الثّاني استصحاب حكميّ فيتعارضان.

و فيه- مع معارضته باستصحابي الفسق و أحكامه في عكس الفرض، و عدم تعرّض الاستصحاب للواقع موضوعا و حكما كسائر الأصول العلميّة التي لا تعرّض فيها للواقع لدخول الشكّ في موضوعاتها، و الكلام إنّما هو في تشخيص مفهوم العدالة حسبما هو عند الشارع في الواقع- ما لا يخفى، من فساد الوضع و عدم كون الاستصحاب ها هنا في مجراه، لعدم شكّ في البقاء و الارتفاع من جهة الشكّ في المقتضي أو المانع، بل هو من الشكّ في صدق لفظ لإجماله المفهومي باعتبار تردّده في ظاهر النظر بين أمرين، يلازم أحدهما صدقه على وجه و الآخر عدم صدقه كذلك، و هذا ممّا لا يندرج في أدلّة الاستصحاب بوجه فلا يكون المقام من مجاريه. هذا بالنسبة إلى نفس العدالة، و أمّا بالنسبة إلى أحكامها فيفسد استصحابها بامتناعه فيما لم يكن موضوع المستصحب محرزا، فإنّ العدالة التي هي موضوع الأحكام المترتّبة عليها حال صدور الصغيرة غير محرزة، و إلّا لم يحتج إلى استصحاب.

و قد يتمسّك أيضا باختلال النظم، بلزوم انسداد باب الشهادات و الحكومات، من كون فعل الصغيرة قادحا في العدالة، و كون ترك كلّ ذنب معتبرا فيها، للعلم الضروري بأنّه لم يسلم أحد من الذنب الغالب فيه فعل الصغيرة.

و هذا أيضا ضعيف، و إن كان لا يخلو عن تأييد، لإمكان منع الملازمة بعد مشروعيّة التوبة أو إمكان الواسطة، باختيار تفصيل ارتضاه الشيخ في المبسوط بقوله: فأمّا إن كان مجتنبا للكبائر مواقعا للصغائر فإنّه يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبة المعاصي و كان يواقع ذلك نادرا قبلت شهادته، و إن كان الأغلب مواقعة المعاصي و اجتنابه لذلك نادرا لم تقبل شهادته، قال: و إنّما اعتبرنا الأغلب في الصغائر، لأنّه لو قلنا: إنّه لا تقبل شهادة من واقع اليسير من الصغائر أدّى ذلك إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفكّ من مواقعة بعض المعاصي، هكذا نقله في السرائر (1)إلّا أنّ مرجعه في وجه إلى القول بقدح الإصرار على الصغيرة دون فعلها بلا إصرار.

فالوجه في منع الملازمة هو توسيط التوبة، و لذا طعن في السرائر على الشيخ فيما نقل عنه، فقال: و هذا القول لم يذهب إليه رحمه اللّه إلّا في هذا الكتاب- أعني المبسوط- و لا ذهب إليه أحد من أصحابنا، لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلّا بالإضافة إلى غيرها، و ما خرّجه و استدلّ به من أنّه يؤدّي ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفكّ من مواقعة بعض المعاصي فغير واضح، لأنّه قادر على التوبة من تلك الصغيرة، فإذا تاب قبلت شهادته، و ليست التوبة ممّا يتعذّر على إنسان دون إنسان (2)انتهى ما أردنا نقله.

المرحلة الثالثة:

اشارة

في أنّ التتبّع في كلمات الأصحاب يعطي إجماعهم على كون الإصرار على الصغيرة قادحا في العدالة و كون تركه معتبرا في مفهومها، من غير فرق فيه بين القائلين بانقسام المعاصي إلى الكبائر و الصغائر، و أهل القول بانحصارها في الكبائر كما لا يخفى، و لا ينافيه خلوّ كلام بعضهم عن ذكر الإصرار و الاقتصار فيه على ذكر الكبائر، لجواز كونه بناء منه على اندراجه في الكبيرة كما احتمله صاحب مفتاح الكرامة في كلام العلّامة في نهاية الأصول و كلام صاحب المحصول، حيث لم يذكرا عند شرح العدالة الاجتناب عن الإصرار، قال: و لعلّهما


1) المبسوط 8: 217، السرائر 2: 117

2) السرائر 2: 118.

أدرجاه في الكبائر (1)و في تحرير العلّامة الإجماع على قدحه فيها (2)و في الذخيرة نفي الخلاف فيه (3)و يظهر الجزم بكونه إجماعيّا من صاحب مفتاح الكرامة (4).

و لا بأس بنقل عبارة التحرير مراعاة لبعض الفوائد، فإنّه قال: العدالة شرط في قبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الفاسق إجماعا- إلى أن قال:- و العدالة كيفيّة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروّة، و يحصل بالامتناع عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها، و المراد بالكبائر كلّما توعد اللّه تعالى عليه النار كالزنا و القتل و اللواط و غصب الأموال المعصومة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الربا و قذف المحصنات المؤمنات، و أمّا الصغائر فإن داوم عليها أو وقعت منه في أكثر الأحوال ردّت شهادته إجماعا، و لو وقعت منه ندرة قال الشيخ رحمه اللّه: لا يقدح في العدالة لعدم الانفكاك منها- إلى أن قال:- و منع ابن إدريس ذلك و التجأ في التخلّص عن الإلزام إلى التوبة التي يمكن فعلها لكلّ أحد في كلّ وقت (5)انتهى.

و أشار بالتخلّص و الإلزام إلى ما سمعت من عبارة السرائر في دفع احتجاج الشيخ.

ثمَّ إنّ إثبات الحكم المذكور و هو قدح الإصرار- من جهة الإجماع محصّلا و منقولا المعتضد بالشهرة المحكيّة- واضح، و أمّا إثباته من جهة الأخبار ففي غاية الإشكال، لخلوّها صراحة بل ظهورا عن ذكره و بيان اعتبار ترك الإصرار في العدالة، إلّا بتوسيط مقدّمة أخرى و هي إثبات كون الإصرار على الصغيرة كبيرة، فيندرج في كلّما دلّ على اعتبار اجتناب الكبائر فيها من الإجماع و النص، و منه ما مرّ في صحيحة ابن أبي يعفور من تعريفها باجتناب الكبائر، و لا ينافيه وصف الكبائر فيها بالتي أوعد اللّه عليها النار، لجواز كون الإصرار على الصغيرة أيضا


1) مفتاح الكرامة 3: 87

2) التحرير 2: 208.

3) الذخيرة: 304

4) مفتاح الكرامة 3: 94.

5) التحرير 2: 208.

ممّا أوعد اللّه عليه النار و لو في السنّة بلسان الرسول و إن لم يبلغ ذلك إلينا، و الذي لم يوعد عليه النار و لم يترتّب عليه عذاب لكونه مكفّرا و لو باجتناب الكبائر، إنّما هو فعل الصغيرة من دون إصرار كما هو محتمل قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (1).

و إنّما الشأن بعد هذا البناء في إثبات هذه المقدّمة- أعني كون الإصرار على الصغيرة من الكبائر- فإنّ من مشايخنا من نفى الإشكال في ذلك (2)و منهم أيضا من حكى عن مفتاح الكرامة و تحرير العلّامة نقل الإجماع عليه و عن الذخيرة نفي الخلاف فيه و إن كان للتأمّل فيه بل منعه مجال واضح، لكون ما في كلامهم من نقل الإجماع و نفي الخلاف على ما عثرنا عليه و قد سمعته إنّما هو في مسألة قدح الإصرار في العدالة، و هي غير مسألة كون الإصرار من الكبائر، إلّا أن يدّعى الإجماع على أنّ قدح الإصرار فيها لا جهة له إلّا كونه كبيرة و هو غير واضح، و ربّما يومئ إلى خلافه ما في كلام الأكثر في تفسيراتهم العدالة من عطف الإصرار على الصغائر على الاجتناب عن الكبائر، فإنّه ينبئ بالمغايرة و إلّا لوجب الاقتصار على الاجتناب عن الكبائر فقط، و لكنّه ليس نصّا فيها لقوّة احتمال كونه من عطف الخاصّ على العامّ، لخفاء فرديته له، فذكر عقيبه منعا لانصراف العامّ و هو الكبائر إلى ما عداه، و كيف كان فقد يجعل المسألة خلافيّة ذات قولين:

أحدهما: كونه من الكبائر و ثانيهما: منعه، و قيل: نسبه الشهيد في القواعد إلى المشهور (3)و لم يحضرنا القواعد لنلاحظ عبارته تحقيقا لصدق النسبة و كذبها، إلّا أنّ الأقوى على تقدير الخلاف هو القول الأوّل أخذا بظاهر عدّة من الروايات:

منها: ما اشتهر مرسلا من أنّه: لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار (4)


1) النساء: 31

2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 48.

3) لم نعثر عليه.

4) بحار الأنوار 88: 30.

و في حسنة ابن أبي عمير الآتية و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار (1)و في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار (2)و عن ابن بابويه بإسناد ضعيف عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: لا تصغّروا شيئا من الشر و إن صغر في أعينكم، و لا تكثروا شيئا من الخير و إن كثر في أعينكم، فإنّه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار (3)بناء على رجوع النفي في الصغيرة إلى وصف الصغيريّة و إن كان في الكبيرة راجعا إلى الذات حكما فإنّها بعد الاستغفار الرافع لها الموجب للعفو عنها تصير كما لو لم توجد في الخارج، كما فهمه بعض مشايخنا في رسالته في العدالة (4)، و يمكن رجوعه فيهما إلى الحكم، فيكون لنفي الصفة لا لنفي الذات، فإنّ من حكم الصغيرة أنها تكفّر باجتناب الكبائر، و من حكم الكبيرة أنّها يعاقب عليها. و هذان الحكمان يرتفعان بالإصرار و الاستغفار، فإنّ الأوّل يعاقب عليه بالإصرار كالكبيرة بلا استغفار، و الثاني يعفى عنه بالاستغفار كالصغيرة بلا إصرار.

و ربّما يصعب في الأنظار فهم معنى الحديث الأخير حيث أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن استصغار الذنب و استحقاره، ثمَّ علّله بأنّه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، فإنّ هذه العلّة في ظاهر النظر و لا سيّما جزئها الأوّل لا ترتبط بالنهي المعلّل بها.

و يمكن توجيهه، بأنّ استصغار الذنب و لو كان صغيرا في النظر من لوازمه الغالبة أنّه يدعو صاحبه إلى الإصرار عليه ثمَّ بعد الإصرار إلى عدم الاستغفار عنه، و الأوّل يوجب صيرورته كبيرة، و الثاني يوجب العقاب عليه، فنهيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حثّ على الامتناع عن الاستصغار، و هو يتأتّى تارة بمجانبة الإصرار و اخرى بملازمة


1) الوسائل 15: 335 ب 47 من أبواب جهاد النفس ح 11.

2) الوسائل 15: 337 ب 48 من أبواب جهاد النفس ح 3.

3) الفقيه 4: 18، مع اختلاف.

4) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 48.

الاستغفار على تقدير بعث النفس الأمّارة على الإصرار، و الحث المستفاد من النهي ينحلّ إلى طلب الأمرين و الإرشاد إليهما معا، تعليلا لأوّلهما بأنّه لا صغيرة مع الإصرار، و ثانيهما بأنّه لا كبيرة مع الاستغفار على طريقة اللّف و النشر المشوّش، مع كون الثاني علّة لترك الإصرار و الأوّل علّة لفعل الاستغفار، و لعلّ النكتة في تقديمه مع كون معلوله مؤخّرا في الرتبة كون التائب عن الكبيرة أفضل من فاعل الصغيرة بلا توبة و إن اشتركا في العفو.

و منها: ما عن البحار عن تحف العقول عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث: من أنّ الإصرار على الذنب أمن من مكر اللّه، و لا يأمن من مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون (1)بضميمة ما ورد في غير واحد من الروايات: من عدّ الأمن من مكر اللّه كاليأس من روح اللّه من الكبائر (2)كما ستسمع بعضها.

و منها: ما في ذيل رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام (3)الآتية المتكفّلة لتعداد الكبائر من عدّه الإصرار على الذنوب منها.

في بيان معنى الإصرار:

ثمَّ ينبغي التعرّض لبيان معنى الإصرار و الظاهر إطباق أئمة اللغة على كونه بمعنى اللزوم و المداومة، فعن الجوهري: أصررت على الشي‌ء أدمت و قمت، و عن ابن الأثير: أصرّ على الشي‌ء يصرّ إصرارا إذا لزمه و داومه، و عن الفيروزآبادي:

أصرّ على الأمر لزم، و عن ابن فارس في المجمل قريب من ذلك، و ذكر الهروي في الغريبين ما يقرب منه مع معنى آخر حيث قال: و قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا الإصرار الإقامة، ثمَّ قال: و يقال: هو المضي على العزم. كما أنّ الظاهر بقاؤه في العرف على معناه اللغوي، و عليه يحمل إطلاقاته الواردة في كلام الشارع كتابا و سنة. و منه قوله تعالى وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا (4)


1) البحار 6: 30 ح 36

2) الكافي 2: 280 ح 10.

3) عيون أخبار الرضا عليه السّلام 2: 127

4) نوح: 7.

وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا (1)وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (2).

و عليه فينبغي القطع بأنّه لو أذنب ثمَّ أتبعه بالتوبة و الاستغفار ثمَّ أوقعه ثانيا لم يكن مصرّا و إن فعل ذلك مرارا كما نصّ عليه جماعة، و هذا هو معنى الخبر النبوي العامّي: «ما أصرّ من استغفر» (3).

و يؤيّده فحوى قوله: «لا كبيرة مع الاستغفار» فإنّ الاستغفار إذا كان رافعا للكبيرة فلأن يكون رافعا للصغيرة طريق الأولويّة، و يلزم من رفعها عدم صدق الإصرار معه و إن فعلها ثانيا، و كذا ما لو أذنب و أتبعه بقصد عدم العود و إن لم يكن على وجه التوبة و الاستغفار، و كذا ما لو أذنب و ذهل عن الاستغفار و قصد العود و عدمه و لم يعد، إذ لا يصدق الإصرار مع شي‌ء من ذلك عرفا و لا لغة، و إن كان قد يشكل ذلك بالنظر إلى إطلاق بعض الأخبار كإطلاق مفهوم ما تقدّم من قوله عليه السّلام:

«ما أصرّ من استغفر» و هو قولنا: أصرّ من لم يستغفر، و منطوق قول أبي جعفر عليه السّلام في رواية جابر في قول اللّه تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ قال:

الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار (4).

و مقابلة الإصرار التوبة في حديث جنود العقل و الجهل (5)حيث جعل التوبة من جنود العقل و الإصرار من جنود الجهل. و ذيل حسنة ابن أبي عمير عن أبي الحسن الكاظم عليه السّلام قال: لا يخلّد اللّه في النار إلّا أهل الكفر و الجحود و الضلال و الشرك، و من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّه تعالى:

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (6)قلت: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالشفاعة لمن تجب من المؤمنين (7)؟ قال: حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر، و أمّا


1) آل عمران: 135.

2) الواقعة: 46.

3) البحار 93: 282

4) الكافي 2: 288 ح 2.

5) الكافي 1: 22 ح 14

6) النساء: 31.

7) في المصدر: «المذنبين».

المحسنون فما عليهم من سبيل، قال ابن أبي عمير: قلت: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكيف يكون الشفاعة لأهل الكبائر و اللّه تعالى يقول وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ (1)و من ارتكب الكبائر فليس بمرتضى؟ قال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كفى بالندم توبة، و قال عليه السّلام: من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن فلم يجب له الشفاعة و كان ظالما، و اللّه تعالى يقول مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لٰا شَفِيعٍ يُطٰاعُ (2). قلت: فكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه، فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا و المصرّ لا يغفر له لأنّه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم، و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، و أمّا قوله وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ اللّه دِينَه، و الدين الإقرار بالحسنات و السيّئات فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفة معاقبته في القيامة (3)الخبر.

فإنّ مورده و إن كان هو الكبائر إلّا أنّ ظاهره عدم الفرق بينها و بين الصغائر في تحقّق الإصرار بعدم الندم و التوبة، فالقول بعدم تحقّق الإصرار في الصورتين المذكورتين لانتفاء اللزوم و المداومة فيهما مشكل من جهة إطلاق هذه الأخبار، و لكنّ القول بهذا الإطلاق أشكل، لما عرفت من أنّ الظاهر بقاء الإصرار على معناه العرفي اللغوي و عدم تطرّق تصرّف فيه من الشارع، مع مخالفة الإطلاق المذكور المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع، لأنّ القائلين منهم بانحصار الذنوب في الكبائر لا يعتبرون في قدح الصغيرة في العدالة إصرارا فضلا عن قولهم بتحقّق الإصرار بمجرّد عدم الاستغفار، و القائلين منهم بانقسامها


1) الأنبياء: 28

2) غافر: 18.

3) التوحيد: 407- 408 ح 6.

لم يقولوا بتحقّق الإصرار الموجب للفسق بصدور الصغيرة مع عدم تكفيره بالاستغفار، و لا مكفّر آخر إلّا شاذّ منهم، فإنّه قد يقال: بناء على وجوب التوبة مطلقا على الفور أنّ المعصية مع ترك التوبة بل تأخيرها أيضا لا تنفكّ عن الإصرار، بناء على تفسيره بمداومة جنس المعصية و لزومه، لأنّ ترك التوبة أو تأخيرها إخلال بواجب آخر فوري، فيكون معصية أخرى بعد المعصية الاولى.

و لكن يزيّفه أنّ أوامر التوبة كأوامر الإطاعة إرشاديّة يقصد بها علاج مفسدة المعصية الواقعة و التخلّص من العقوبة المعدّة لها، فلا يترتّب على مخالفتها سوى بقاء تلك المفسدة، كما لا يترتّب على موافقتها سوى زوال تلك المفسدة، لا لأجل أنّهما من آثار المخالفة و الموافقة، بل لأجل أنّهما من خواصّ نفس المأمور به تركا و فعلا المترتّبة عليهما و لو مع عدم ورود هذه الأوامر، كما في أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء استعلاجا لمرضه، فلا يترتّب على ترك التوبة حينئذ عقاب آخر زائد على العقاب المترتّب على المعصية السابقة، فلا يندرج في المعاصي المنقسمة إلى الكبيرة و الصغيرة ليتحقّق بصدوره الإصرار على الصغيرة الموجب للفسق.

و قد يدفع هذا القول أيضا بمنع وجوب التوبة عن المعاصي مطلقا، بل هو مختصّ بالكبائر، و أمّا الصغائر فهي مكفّرة عنه باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة فلا حاجة لتكفيرها- و هو ستر الإثم و تغطيته- حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، و الظاهر بناؤه في دعوى التكفير باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة على قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (1)و إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (2)و ما بمعناهما من الآيات و الروايات.

و من مشايخنا (3)من تنظّر فيه بما ملخّصه: أنّ أدلّة وجوب التوبة عامّة للكبائر و الصغائر كما سنذكرها، فتكون التوبة عن الصغيرة أيضا واجبة على الفور،


1) النساء: 31

2) هود: 114.

3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 52 و 53 نقلا بالمضمون.

و لا ينافيه كونها مكفّرة باجتناب الكبائر إذا حصل خالصا لوجه اللّه الكريم و طلبا لمرضاته أو بالأعمال الصالحة، لأنّ ذلك من باب سقوط الوجوب بحصول المصلحة المقصودة من الواجب- و هو تكفير المعصية و سترها بحصول المسقط- لا من عدم الوجوب رأسا، فاشتبه على الوهم سقوط وجوبها بعد توجّهه و استقراره بعدم وجوبها رأسا.

ثمَّ قال: و الحاصل أنّ عدم وجوب التوبة إمّا لعدم الدليل عليه و عدم المقتضي له و إن بقي الذنب غير مكفّر، و إمّا لأنّ غيرها قد يقوم مقامها في التكفير، و الأوّل مردود بعموم الأدلّة، و الثاني- مع أنّه خلاف إطلاق المشهور من عدم كون الصغيرة مفضية إلى الكبيرة و إن لم يتب عنها و لم يعمل مكفّرا آخر- لا ينافي وجوب التوبة ما لم يكفّر الذنب بمكفّر آخر غيرها، و لا يجوز أن يكون الوجوب تخييريّا بين التوبة و اجتناب الكبائر و الأعمال المكفّرة كما لا يخفى (1)انتهى.

و الظاهر أنّ الوجه في عدم جواز التخيير ظهور أدلّة التوبة في التعيين مع انتفاء حكم فردي الواجب التخييري، و هو سقوط كلّ منهما بفعل معادله عمّا بينهما، لعدم سقوط اجتناب الكبائر و لا الأعمال الصالحة بالتوبة عن الصغيرة.

و بما بيّناه في دفع القول المذكور ظهر عدم جواز كون الوجه فيما يقتضيه الأخبار المذكورة من كون ترك الندم و الاستغفار عن الذنب محقّقا لموضوع الإصرار، هو كونه إخلالا بالواجب الفوري و هو التوبة، و كذا لا يجوز كون الوجه فيه لزوم ترك الاستغفار و التوبة معصية أخرى، و هو استصغار المعصية الأولى المنهيّ عنه في الروايات المستفيضة المتقدّم بعضها.

و منها: المرويّ عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: قال رسول اللّه: اتّقوا المحقّرات من الذنوب فإنّها لا تغفر، قيل: و ما المحقّرات؟ قال: الرجل يذنب فيقول: طوبى لي لو لم يكن غير ذلك (2). و عنه عليه السّلام أنّه قال: إنّ اللّه يحبّ العبد أن يتوب إليه في الجرم


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 53.

2) الكافي 2: 287 ح 1 و فيه: «لم يكن لي غير ذلك».

العظيم و يبغض العبد أن يستخفّ بالجرم اليسير (1). و عن الكاظم عليه السّلام: لا تستكثروا كثير الخير و لا تستقلّوا قليل الذنوب، فإنّ الذنوب تجتمع حتى تكون كثيرا، و خافوا اللّه في السوء حتى تعطوا من أنفسكم النصف (2).

لكون هذا النهي أيضا كأوامر التوبة للإرشاد المحض، فلا يكون مخالفته معصية أخرى يترتّب عليها العقاب زائدا على ما يترتّب على أصل المعصية.

و ربّما يحتمل كون الوجه فيه ما أومأ إليه ذيل حسنة ابن أبي عمير المتقدّمة من استلزام ترك الندم و التوبة للإخلال بالإيمان الواجب على كلّ مكلّف، و هو الإذعان و الإقرار بجميع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي منه العقاب على المعصية، فيكون معنى قوله عليه السّلام: «من لم يندم عليها كان مصرّا» أنّه كان مصرّا لعدم إيمانه لعقوبة ما ارتكب من المعصية لا لمجرّد عدم ندمه.

و هذا أيضا ضعيف، لأنّه إن تمَّ و اطّرد كان مخصوصا بالكبائر، و أمّا الصغائر فالغالب فيها كون عدم الندم على الذنب بعد وقوعه ناشئا عن استصغاره أو المسامحة فيه لصغره أو الغفلة عن الندم عليه أو غير ذلك ممّا لا ينافي الإيمان، لاستحقاق العقوبة عليه بحسبه لو لا مكفّر آخر، و الآية على ذلك أنّ المذنب كثيرا ما يتشاغل بالذنب و هو يرى نفسه في حاله مستحقّا للعقوبة متعرّضا لسخط الرب، و مع ذلك لا ينصرف عنه تسامحا أو رجاء للعفو أو مغلوبا عقله لهوى النفس أو غير ذلك، فرجع ذلك إلى دعوى خروج الصغائر عن حسنة ابن أبي عمير موردا و لفظا و بقيت مندرجة تحت الروايات الأخر، و لا يبعد حملها على الغير المستغفر الملتفت العازم على العود، فخرجت عنها الصورتان المتقدّمتان، فآل الأمر إلى القول بأنّ اتباع فعل الصغيرة بالعزم على العود إصرار عليها عرفا و لغة، لأنّه بعزمه العود إليها لزمها و داومها و إن لم يعد بالفعل، كما


1) الكافي 2: 427 ح 6 و فيه: «أن يطلب إليه في الجرم».

2) الكافي 2: 287 ح 2 و فيه: «فإن قليل الذنوب يجتمع».

استظهره بعض مشايخنا (1)و لا يأباه كلام غيره، لكن ربّما أطلق عليه الإصرار الحكمي كما حكاه في الذخيرة ناسبا له إلى جماعة من المتأخّرين، حيث قال:

قسّم بعض علمائنا الأعلام الإصرار إلى فعليّ و حكميّ، فالفعليّ هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة، أو الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة، و الحكميّ هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، و هذا ممّا ارتضاه جماعة من المتأخّرين و النص خال عن بيان ذلك (2)انتهى.

و قد يعمّم الإصرار الحكميّ بالقياس إلى كون المعزوم عليه من نوع المفعول أولا و غيره، كما نقله في المجمع، بقوله: و قيل: المراد بالإصرار على الصغيرة العزم على فعلها بعد الفراغ منها، سواء كان المعزوم عليه من جنس المفعول أم لا، هذا هو الإصرار الحكميّ، و أمّا المداومة على واحدة من الصغائر بلا توبة و الإكثار منها فيعرف بالإصرار الفعليّ انتهى.

و هل التقسيم المذكور حقيقي، على معنى أنّ الإصرار بالمعنى الحقيقي ينقسم إليهما باعتبار أنّه قد يحقّقه الفعل و قد يحقّقه القصد، فالحكميّ ما كان محقّقه القصد، و مرجعه إلى انقسام الإصرار إلى الفعليّ و القصديّ، و هذا خلاف اصطلاحهم في الحكميّ، حيث يراد به ما خرج عن اسم الشي‌ء و دخل في حكمه. أو لفظي على معنى انقسام القدر المشترك بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي إليهما، بناء على أنّ الإصرار حقيقة فيما يحقّقه الفعل، فقيد الفعليّ في أحد القسمين قيد توضيحيّ بالقياس إلى الإصرار الحقيقي، و أطلق مجازا على ما يحقّقه القصد لكونه بحيث يجري عليه حكم الإصرار الحقيقي، إمّا باعتبار أنّ الصغيرة مع قصد العود تصير كبيرة كما أنّها مع الإصرار تصير كبيرة، أو باعتبار أنّها مع قصد العود توجب من استحقاق العقوبة ما لا يزيله إلّا التوبة و الاستغفار كما أنّها مع الإصرار توجب ذلك، أو باعتبار أنّها مع هذا القصد تقدح في العدالة كما أنّها مع الإصرار كذلك.


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 51.

2) الذخيرة: 305.

و عليه كان المراد من الإصرار على الصغائر في تعريف العدالة هو القدر المشترك المذكور من باب عموم المجاز احتمالان، أظهرهما الثاني بالنظر إلى العرف، فإنّ الظاهر المتبادر منه في العرف إنّما هو التكرار، و لذا فسّر لغة بالدّوام، و هو المتبادر من اللزوم أيضا، و هو لا يتحقّق بمجرّد قصد العود إلى الشي‌ء بعد الفراغ منه.

و ما تقدّم من أنّه بعزمه على العود لزمه و داومه مدفوع، بأنّه يقال: كأنّه لزمه و داومه و هذا آية عدم كون إطلاقه عليه على وجه الحقيقة. فما في مفتاح الكرامة- من أنّ الفاعل للشي‌ء العازم على المعاودة إليه مقيم، إذ لا معنى للإقامة على الذنب إلّا ذلك إذ ليس المراد الملازمة الفعليّة (1)- ممّا لا ينبغي الإصغاء إليه.

و بالجملة قصد العود إلى المعصية بعد الفراغ منها ما لم يتحقّق العود ليس من الإصرار على المعصية عرفا و لا لغة و إن قلنا بكون قصد المعصية معصية، لأنّه معصية معفوّ عنها كما حقّق في محلّه، و مثله ما لو قصد صغيرة من غير فعل لها و استمرّ على هذا القصد فإنّه أيضا ليس من الإصرار على الصغيرة حتى على القول بكونه معصية، و أمّا كونهما في حكم الإصرار باعتبار قدحهما في العدالة و دخول تركهما كترك الإصرار في مفهومها فغير واضح أيضا، لعدم وضوح دليل عليه من النص و الإجماع، و إن قلنا بكشفهما عن خبث الباطن و سوء السريرة اللذين هما من العيوب الباطنية إلّا إذا كانا بمثابة لم يجامعهما الملكة الباعثة على ملازمة التقوى، فيقدحان في العدالة حينئذ على القول بدخول الملكة المذكورة في مفهومها لا مطلقا.

و أمّا ما تقدّم من الروايات القاضية بكون ترك الندم و الاستغفار من الإصرار المحمولة على صورة العزم على العود فليست صريحة و لا ظاهرة في كونه بمنزلة الإصرار في القدح في العدالة، و المسألة بعد محلّ إشكال ممّا في مفتاح الكرامة من قوله: و أمّا الإصرار فالمشهور كما في مجمع البرهان أنّه يحصل بالمرّة


1) مفتاح الكرامة 3: 88.

الواحدة مع العزم على العود و بتكرّر فعل الصغيرة في الغالب (1)و من عدم مساعدة العرف بل اللغة عليه، لقضائهما بكونه عبارة عن فعل الصغيرة مرّة أخرى و كرّة بعد أولى، و لذا تأمّل فيه صاحب الذخيرة قائلا: و أمّا العزم عليها بعد الفراغ ففي كونه قادحا تأمّل إن لم يكن وفاقيا (2)انتهى.

و هل يعتبر في صدقه تعدّد الواقعة أو يكفي فيه تعدد آيات واقعة واحدة يسع كلّ آن واقعة مستقلة؟ وجهان، من ظهور التكرار في تعدّد المرّات، و من ظهور الدوام في اتّصال آنات ما يقع فيها من الفعل أو الترك على وجه يكون كلّ آن واقعة مستقلة، و يظهر الثمرة فيما لو نظر إلى أجنبية و ألحّ في النظر إلى مدّة طويلة، ففي كونه من الإصرار القادح في العدالة الوجهان المذكوران، و لا يبعد دعوى كون المعتبر فيه أحد الأمرين من تعدّد الواقعة و استمرار واقعة واحدة في آنات متعدّدة، فليتأمّل.

و هل يعتبر فيه كثرة المرّات في صورة تعدّد الواقعة أو لا، بل يكفي فيه المرّة الثانية؟ إشكال، من عدم اعتبار كثرة في التكرار، و من ظهور الدوام و اللزوم في كثرة الآنات.

و ربّما يلوح من عبارة الشيخ في المبسوط اعتبار الكثرة بل الغلبة قائلا: فأمّا إن كان مجتنبا للكبائر مواقعا للصغائر فإنّه يعتبر الأغلب من حاله (3)إلى آخر ما نقلناه سابقا من كلامه، بناء على كونه بيانا للإصرار و إن لم يصرّح بلفظة في العبارة.

و لكنّ الأظهر هاهنا بالنظر إلى العرف عدم اعتبار الكثرة لصدق الإصرار و صحّة إطلاقه بمجرّد المرّة الثانية، و لو قلنا بأنّه إن يتكرّر المعصية تكرارا يشعر بقلّة مبالاته في الدين كان أضبط بالنظر إلى مفهوم العدالة، لأنّها إذا كانت عبارة عن الاستقامة في الدين فالقادح فيها ما أشعر بقلّة مبالاته بالدّين، و يختلف ذلك


1) مفتاح الكرامة 3: 87

2) الذخيرة: 305.

3) المبسوط 8: 217.

بحسب الأشخاص و المقامات، إلّا أنّه بيان لضابط الإصرار على الصغيرة باعتبار وصف القادحيّة في العدالة، لا أنّه تفسير لمعنى عرفي أو لغويّ ينزّل عليه النص و معقد الإجماع ليتفرّع عليه وصف القادحيّة في الموارد المشتبهة، و المقصود بالبحث هو الثاني، و لعلّ مراد الأصحاب هو الأوّل و إن كان ربّما يأباه تعرّضهم لبيان معناه لغة.

و بالجملة ما ذكر بيان لموضوع حكم شرعيّ استنبط من الأدلّة، لا أنّه بيان لأمر لغوي يحرز به موضوع الحكم الشرعي، و على هذا البيان يسقط تجشّم البحث عن شي‌ء آخر أيضا، و هو أنّه هل يعتبر في مفهوم الإصرار كون الواقعتين أو الوقائع من نوع واحد أو يكفي مشاركتهما في جنس الصغيرة أو المعصية؟ فإنّ فيه خلافا بين الأصحاب، فقيل: إنّه الإصرار على نوع واحد، و قيل: إنّه الإكثار و لو من أنواع شتّى.

و يظهر من محكي الشهيدين في القواعد و الروضة و المقدّس الأردبيلي (1)اختيار القول الثاني، لما عزى إليهم من تقسيم الإصرار إلى فعليّ و حكميّ، و تفسير الفعليّ بالدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الإكثار من جنسها بلا توبة.

و ظاهر الفاضلين في التحرير و المختلف و الشرائع اختيار القول الأوّل، لما عرفت من عبارته في مفتتح بحث الإصرار من قوله: و يحصل بالامتناع عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها (2). و عن الشرائع: لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر كالقتل و الزنا و اللواط و غصب الأموال المعصومة، و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار و في الأغلب (3)و نحوه عن المختلف (4)بناء على ظهور العطف في المغايرة، فإنّ ضبط القادح بمواقعة الصغائر في أغلب الأحوال


1) القواعد و الفوائد 1: 227، الروضة 3: 130، مجمع الفائدة و البرهان 12: 320.

2) التحرير 2: 208

3) الشرائع: 4: 126- 127.

4) المختلف: 718.

إنّما يناسب كون النظر إلى الأنواع المختلفة، و إلّا كان ضبطه أوّلا بمواقعتها مع الإصرار مغنيا عن الضبط بالأغلبية، فتأمّل.

و لعلّ هذا القول أقوى بملاحظة ظاهر الإصرار في متفاهم العرف، إلّا أنّه لا يجدي الإطناب في تحقيقه كثير فائدة، بعد وضوح كون الإكثار من جنس الصغيرة أيضا قادحا بالإجماع، مضافا إلى الضابط المذكور فإنّه أيضا كالإصرار ممّا يشعر بقلّة المبالاة بالدين و إن لم يكن من الإصرار. و لقد نفى الخلاف فيه صاحب الذخيرة حيث قال: و أمّا الإكثار من الذنوب و إن لم يكن من نوع واحد بحيث يكون ارتكابه للذنب أغلب من اجتنابه عنه، فالظاهر أنّه قادح في العدالة بلا خلاف في ذلك بينهم، نقل الإجماع عليه المصنّف في التحرير، فلا فائدة في تحقيق كونه داخلا في مفهوم الإصرار (1)انتهى.

في اعتبار المروءة في العدالة و عدمها:

المرحلة الرابعة: في المروءة

، و اعلم أنّ المشهور فيما بين الأصحاب و لا سيّما المتأخّرين كما في الذخيرة (2)و غيرها اعتبار المروءة في عدالة الإمام و الشاهد، و عن بعضهم حكاية نقل الإجماع عليه، و عن مجمع البرهان احتمال الإجماع على اعتبارها في غير مستحقّ الزكاة و الخمس (3)و من القدماء اعتبرها الشيخ في المبسوط (4)و ابن إدريس في السرائر (5)و ابن حمزة في الوسيلة و قد سمعت عبارة المبسوط و السرائر.

و أمّا عبارة الوسيلة فقوله: المسلم الحرّ تقبل شهادته إذا كان عدلا في ثلاثة أشياء: الدين و المروّة و الحكم، فالعدالة في الدين الاجتناب عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر، و في المروّة الاجتناب عمّا يسقط المروءة من ترك صيانة النفس و فقد المبالاة، و في الحكم البلوغ و كمال العقل (6).


1) الذخيرة: 305.

2) الذخيرة: 305.

3) مجمع الفائدة و البرهان: 2: 352.

4) المبسوط 8: 217

5) السرائر 2: 117.

6) الوسيلة: 230.

خلافا لجماعة من المتأخّرين كالمحقّق في الشرائع و العلّامة في الإرشاد و المختلف و ولده في موضع من الإيضاح و الشهيد في زكاة الدروس فلم يعتبروها (1)و في الكفاية (2)كما عن مجمع البرهان (3)أنّه لم أعرف دليلا على اعتبارها بل عن شهادات مجمع البرهان: أنّه لم يثبت اعتبارها شرعا و لا لغة و لا عرفا (4).

و من مشايخنا من نفى البعد عن كونه المشهور بين القدماء (5)و ربّما قيل:

باعتبارها في الشاهد على أنّها كالعدالة و طهارة المولد و غيرهما شرط لقبول شهادته لا في مفهوم العدالة.

و عن العلّامة في شهادات القواعد جعلها شطرا و شرطا لأنّه أخذها في تعريف العدالة، ثمَّ قال: الخامس في شرائط قبول الشهادة، و عدّ منها المروءة (6).

و يظهر اختيار هذا القول من القدماء من الكاتب، لأنّه قال: إذا كان الشاهد حرّا بالغا مؤمنا بصيرا معروف النسب مرضيا غير مشهور بكذب في شهادة و لا بارتكاب كبيرة و لا مقام على صغيرة، حسن التيقّظ عالما بمعاني الأقوال عارفا بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل، و لا تهاون بواجب من علم أو عمل، و لا معروف بمباشرة أهل الباطل و الدخول في جملتهم، و لا بالحرص على الدنيا، و لا بساقط المروءة، بريئا من أهواء أهل البدع التي توجب على المؤمن البراءة من أهلها، فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم (7).

و يمكن إرجاع ما سمعت عن الشيخ و ابني إدريس و حمزة إلى اختيار هذا القول بقرينة أخذهم العدالة في الأحكام المفسّرة في كلامهم بالبلوغ و كمال العقل


1) انظر الشرائع 4: 127، الإرشاد 2: 156، المختلف: 718، الإيضاح 1: 149، الدروس 1:

2) الكفاية: 279.

3) نقله عنه في الجواهر 12: 294

4) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

5) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 19.

6) القواعد 2: 236- 237

7) نقله عنه في المختلف: 717.

في عدالة الشاهد، و هو بالمعنى المذكور ليس معتبرا في مفهوم العدالة إجماعا، بل من شروط قبول الشهادة، و يحتمل كون المروءة كذلك في نظرهم.

و ربّما ذكر في دليل هذا القول وجه اعتباري غير ناهض، و هو أنّ الوجه في عدم قبول شهادة من لا مروءة له، لأنّ طرح المروءة إمّا أن يكون لخبل (1)و نقصان أو قلّة مبالاة و حياء، و على التقديرين يبطل الثقة و الاعتماد على قوله، أمّا الخبل فظاهر، و أمّا قليل الحياء فلأنّ من لا حياء له يصنع ما شاء كما ورد في الخبر، و الظاهر أنّ المراد ممّا ورد في الخبر ما ورد في الروايات من أنّ «الحياء من الإيمان» (2)و «لا إيمان لمن لا حياء له» (3).

و فيه: أنّ اعتبار انتفاء الخبل و النقصان إنّما يعلم من دليل اعتبار كمال العقل، و هو شرط آخر لا دخل له في المروءة، و قلّة المبالاة في الأمور العادية، و عدم الاستحياء من الناس في ركوب ما يخالف العادة لا يستلزم قلّة المبالاة في الأمور الشرعيّة، و لا عدم الاستحياء من اللّه بركوب ما يخالف الشريعة، و خلاف المروءة إنّما ينشأ من الأوّل، و كون انتفائه معتبرا في الوثوق و الاعتماد على قول الشاهد أوّل المسألة، خصوصا مع ملاحظة كون بناء قبول الشهادة على التعبّد لا الظنّ و الاطمئنان، و الحياء و الإيمان الواردان في الخبر يراد بهما الحياء من اللّه و كمال الإيمان، فيكون موردهما الخائض في المعاصي بركوب المحرّمات و ترك الواجبات، فاعتبار الحياء بهذا المعنى يرجع إلى اعتبار العدالة بمعنى الحالة الملازمة للتقوى لا المروءة الزائدة عليها، و ليس للقول باعتبارها في معنى العدالة إلّا عدّة روايات غير واضحة الدلالات.

منها: الخبر: من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (4)دلّت الرواية على جواز غيبة من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا يكون عادلا، لأنّ العادل ممّن لا يجوز غيبته بلا موجب.


1) خبل فساد العقل (منه)

2) الكافي 2: 106 ح 1.

3) الكافي 2: 106 ح 5

4) البحار 75: 233.

و فيه: أنّ إلقاء جلباب الحياء كناية عن التجاهر بالفسق، لأنّه المجوّز للغيبة نصّا و فتوى لا غير، و كون مخالفة المروءة موجبة للفسق ليكون إعلانه تجاهرا به أوّل المسألة، بل موضع منع، لوضوح الفرق بين مخالفة التقوى و مخالفة المروءة في كون الأوّل موجبا للفسق و الثاني موجبا لزوال العدالة دون الفسق، و اللازم من ذلك كون فاقد المروءة إذا كانت له ملكة اجتناب الكبائر واسطة بين العادل و الفاسق لا أنّه فاسق، لأنّ الفسق خروج عن طاعة اللّه و ليس في مخالفة المروءة من حيث هي خروج عن طاعة اللّه.

و منها: قول الكاظم عليه السّلام في حديث هشام: لا دين لمن لا مروءة له و لا مروءة لمن لا عقل له (1)دلّت الرواية على نفي الدين عمّن لا مروءة له، و لا يسوغ كونه لنفي الذات للإجماع على عدم كفر من لا مروءة له فيكون لنفي الصفة و هو الكمال، و انتفاء كمال الدين عند انتفاء المروءة يلازم انتفاء العدالة، و هو المطلوب.

و فيه: أنّ مخالفة المروءة لتعلّقها بالأمور العاديّة بمجرّدها مع المحافظة على الأمور الدينيّة باجتناب الكبائر و الصغائر على وجه الإصرار لا توجب نقصانا في الدين، بل الموجب له إنّما هو الإخلال بالأمور الدينية من ترك واجب أو فعل محرّم، فلا بدّ من تصرّف إمّا في المروءة بحملها على إرادة الحالة الملازمة للتقوى، أو كمال الدين المنفي بكلمة، لا بحمله على ما لا ينافي انتفائه العدالة.

و ممّا يرجّح الوجه الأوّل قوله: «لا مروّة لمن لا عقل له» إذ لا ينبغي أن يراد بالعقل ما يقابل الجنون، لعدم تعلّق فائدة ببيان عدم المروءة للمجنون، بل هو من باب توضيح الواضحات حينئذ، فلا بدّ و أن يراد به ما ورد في الأخبار المعتبرة (2)المستفيضة من تفسير العقل بما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان، و انتفاء العقل بهذا المعنى عبارة عن الإخلال بعبادة الرحمن و اكتساب الجنان، و هو عبارة عن انتفاء العدالة بمعنى الحالة الباعثة على ملازمة التقوى.


1) الكافي 1: 19 ح 12

2) الكافي 1: 11 ح 3.

و منها: خبر ابن أبي يعفور (1)و موضع الدلالة على ما توهّم ثلاثة:

الأوّل: قوله عليه السّلام: «بالستر و العفاف» فإنّ إطلاق الستر باعتبار حذف المتعلّق يعمّ العيوب الشرعيّة و العرفيّة.

الثاني: قوله عليه السّلام: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» فإنّ منافيات المروءة غالبا من مشتهيات الجوارح الأربع، فإطلاق كفّها عن مشتهياتها يتناول منافيات المروءة أيضا.

الثالث: قوله عليه السّلام: «و الدلالة على ذلك كلّه» أن يكون ساترا لعيوبه، بناء على تعميم العيوب للعيوب العرفيّة.

و في الجميع من المنع و الضعف ما لا يخفى.

أمّا الموضع الأوّل: فلما بيّناه سابقا من أنّ الستر هو الحياء من اللّه عزّ شأنه، لئلّا يتّحد المدلول مع دليله، المأخوذ فيه الاستحياء من الخلق، فيختصّ بالعيوب الشرعيّة، و المتبادر من العفاف أيضا هو الامتناع من المحرّمات.

و أمّا ما قد يقال في توجيه هذه الفقرة لتتميم الدلالة، من أنّ المراد من الستر هو العفّة، استنادا إلى ما تقدّم عن صاحب الصحاح من نقل وروده عليه في قولهم:

رجل ستير، أي عفيف، فيكون المراد به ما يقابل التبرّج الوارد في باب جنود العقل و الجهل من أصول الكافي (2)المفسّر في كلام بعض محقّقي شرّاح أصول الكافي (3)بالتظاهر بما يقبح و يستهجن في الشرع أو العرف، و لا ريب أنّ منافيات المروءة ممّا يستهجن في العرف، فهي منافية للستر و العفاف الراجعين إلى معنى واحد، و قد ذكر بعضهم في عدالة القوّة الشهوية- المسمّاة بالعفّة- أنّ ما يحصل من عدم تعديلها عدم المروءة، و ظاهره أنّ المروءة لازمة للعفاف.

ففيه: تطرّق المنع إلى تفسير التبرّج بما ذكر، لعدم وضوح مدركه من اللغة


1) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

2) الكافي 1: 22 ح 14.

3) شرح أصول الكافي لصدر المتألهين: 97 ذيل الحديث 14.

و العرف و الشرع، بل في كلام بعض أهل اللغة أنّه الزينة، و منه قوله تعالى:

وَ لٰا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجٰاهِلِيَّةِ (1)كانت المرأة في الجاهليّة القديمة تلبس الدرع من اللؤلؤ و تمشي وسط الطريق و تعرض نفسها على الرجال.

و لو سلّم فكون المراد بالستر فيما نحن فيه هو العفّة المقابلة للتبرّج بهذا المعنى ممنوع، غاية الأمر كونه في حديث العقل و الجهل كذلك، و لا ملازمة، كيف و قد عرفت عن القاموس و غيره تفسير الستر بالحياء و الخوف و العمل لا بالعفّة؟

و أمّا التأييد بما ذكره بعض علماء الأخلاق من تسمية عدالة القوّة الشهوية عفّة، و جعل ما يحصل من عدم تعديلها عدم المروءة، فيدفعه: أنّه لشبهة الاصطلاح الخاصّ لا يعبأ به في استكشاف الأمور العرفيّة أو اللغويّة.

و أمّا الموضع الثاني: فلأنّ المتبادر من كفّ الجوارح الأربع كفّها عن العيوب الشرعية و هي المعاصي الناشئة منها، لا مطلق ما تشتهيها حتى ما كان من منافيات المروّة.

و أمّا الموضع الثالث: فلظهور العيوب أيضا في العيوب الشرعيّة و لو بقرينة ما سبق، لا ما يتناول العيوب العرفيّة، و لو سلّم فغايته كون سترها معتبرا في دليل العدالة لا في مفهومها، و لا ملازمة، فيلزم من ارتكاب منافيات المروءة الذي هو عبارة عن عدم ستر العيوب العرفيّة عدم تمامية الدليل، لانتفاء جزئه، لا انتفاء المدلول في الواقع كما أومأنا إلى ذلك سابقا.

فالإنصاف أنّ هذه الرواية أيضا غير تامّ الدلالة على كون المروءة مأخوذة بحسب الشرع في معنى العدالة، لتكون عبارة عن الاستقامة على جادّة الشرع و العادة بعدم الانحراف عن شي‌ء منهما، بل الظاهر دلالة قوله: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» على العدم لوجوب كون التعريف مطّردا و منعكسا، و لا يصير مطّردا إلّا بانحصارها في الاجتناب عن الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، لا بشرط ترك منافي المروءة و فعله.


1) الأحزاب: 33.

و أمّا ما أحدثه بعض متأخّري المتأخّرين (1)من توهّم التفصيل، بأنّه لو كشف فعل منافي المروءة عن قلّة المبالاة في الدين بحيث لا يوثق معه بالتحرز عن الكبائر و الإصرار على الصغائر كانت المروّة معتبرة، و إلّا فلا.

ففيه: أنّه ليس تفصيلا في كون المروءة معتبرة في معنى العدالة، بل هو إنكار لاعتبارها مطلقا حتى في الصورة الأولى، لوضوح الفرق بين كون وجود شي‌ء مأخوذا في مفهوم العدالة ليكون ماهيّة مركبة من جزءين أو أكثر، و بين كون عدمه علامة لعدم انعقادها، باعتبار انتفاء سائر أجزائها أو عدم الوثوق بوجود سائر الأجزاء، لعدم كون ذلك من اعتبار وجوده معها في شي‌ء، فليتدبّر.

و قد يتمسّك لاعتبار المروّة- بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ العدالة- بكونه القدر المتيقّن ممّا أخذ في المسمّى الشرعي، المفروض كونه مجملا، فوجب الأخذ به و الاقتصار عليه في ترتيب الأحكام و الآثار المعلّقة على العدالة.

و يزيّفه، مع أنّه ليس إثباتا لحقيقة المعنى الشرعي في الواقع، بل هو احتياط في العمل تحصيلا لليقين بإحراز موضوع الأحكام المعلّقة على العدالة، منع كون المرجع على تقدير الإجمال في المسمّى الشرعي هو الاحتياط على إطلاقه، بل قد يكون هو الأصل النافي لاعتبار ما زاد على اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و هو على تقدير التعويل عليه وارد على الاحتياط، مع وضوح المنع من دعوى الاجمال بعد ملاحظة ما بيّناه من دلالة قوله عليه السّلام: «و أن يعرف باجتناب الكبائر» على عدم اعتبار المروءة، محافظة على اطّراد التعريف.

هذا مع إمكان استظهار عدم الاعتبار أيضا من قوله: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه الشاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة» في رواية صالح بن علقمة (2)لقضائه بكون المدار في العدالة ثبوتا و انتفاء


1) راجع رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 22 حيث نقل نص العبارة عن بعض متأخّري المتأخّرين.

2) الوسائل 27: 395 ب 41 من أبواب الشهادات ح 13.

على ارتكاب الذنب و عدمه، و هذا كما ينفي اعتبارها شطرا في معنى العدالة كذلك ينفي اعتبارها شرطا في الشهادة.

ثمَّ على القول بالاعتبار ربّما يتكلّم في أنّ منافيات المروءة هل توجب الفسق بمجرّدها كالكبائر، أو بشرط الإصرار و الإكثار كالصغائر، أو يفصّل بين ما كان أشنع في نظر العرف كتقبيل الزوجة في المحاضر و ما دونه كالأكل في الأسواق، فعن بعض سادة المشايخ (1)ذكر هذه الوجوه و اختيار أخيرها، مستشهدا بكلام جماعة قيّدوا الأكل في السوق بالغلبة و الدوام.

و من مشايخنا من يظهر منه اعتبار صيرورة ارتكابها خلقا له، حيث قال: ثمَّ إنّ الظاهر ارادة الخلق في منافيات المروءة القادحة في العدالة كما يشير إليه كلام ثاني الشهيدين، لا أنّ اتفاق وقوع النادر قادح، و ليس هو أعظم من الصغيرة (2)انتهى.

و الظاهر أنّه أراد بالخلق ما هو مصطلح علماء الأخلاق المعرّف بالهيئة الراسخة في النفس التي تصدر منها الأفعال بسهولة و يسر من غير حاجة إلى فكر و رويّة، فإن كانت الهيئة بحيث يصدر منها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا أو شرعا أو عرفا سمّيت الهيئة خلقا حسنا، و إن كانت بحيث تصدر منها الأفعال القبيحة المذمومة عقلا أو شرعا أو عرفا سمّيت خلقا سيّئا، و إنّما اعتبر كونه هيئة لا فعلا إذ ربّ شخص خلقه السخاء مثلا و لا يبذل لفقد مال أو لمانع آخر، و ربّما يكون خلقه البخل و هو يبذل لباعث الشهرة أو رياء، و إنّما شرط الرسوخ لأنّ من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال: خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ، و إنّما شرط السهولة و عدم الروية لأنّ من تكلّف بذل المال لا يقال: خلقه السخاء.

و تحقيق المقام: أنّ اعتبار المروءة في مفهوم العدالة إن كان من حيث نفسها


1) و هو السيّد الشفتي في مطالع الأنوار 4: 22.

2) هو الشيخ محمد حسن في الجواهر 13: 305.

فالمتّجه عدم اعتبار الإصرار في قدح ما ينافيها قضية لإطلاق الأكثر، و مقايسته بالصغيرة بدعوى أنّه ليس بأعظم من الصغيرة باطلة، لوضوح الفرق بأنّ قدح الإصرار على الصغيرة إنّما هو لرجوعه إلى الكبيرة لا من حيث هو، إلّا على أحد الوجهين المتقدّمين.

و إن كان من حيث كشفه عن قلّة مبالاة في أمر الدين بحيث لم يوثق معه بالتحرّز عن الكبائر و الإصرار على الصغائر فالمتّجه هو اعتبار الإصرار في فعل ما ينافيها بل اعتبار الغلبة، على معنى كون الغالب من أحواله ارتكاب المنافيات و الإكثار فيها، لأنّ الكاشف عن قلّة المبالاة هو ذلك لا غير، بل قضيّة اطّراد إناطة القدح في العدالة بانكشاف قلّة المبالاة هو اعتبار صيرورة ارتكابها خلقا كما استظهره بعض مشايخنا (1)، و يساعد عليه أيضا التمسك لاعتبار المروءة بقوله عليه السّلام: «أن يكون ساترا لعيوبه» لأنّ ارتكاب منافيات المروءة إنّما يصير عيبا إذا صار خلقا لا لمجرّد صدوره فعلا على الندرة.

و حيث إنّ هذا العيب وصف نفساني فالكاشف عن وجوده تكرّر صدور ارتكابها على وجه الدوام أو الغلبة، و لعلّه سرّ ما سمعت نسبته إلى جماعة من تقييدهم الأكل في الأسواق بالغلبة و الدوام، و لو اعتبرنا في العدالة كونها ملكة تبعث على ملازمة التقوى و المروءة لزم منه اعتبار كون المروءة أيضا من قبيل الخلق، و عليه ينطبق معناها لغة على ما عن القاموس: من كونها مأخوذة عن مرؤ ككرم، و قرب مروءة فهو مري‌ء أي ذو مروءة و إنسانيّة و تمرّأ تكلّفها. و عزّى نحوه إلى الصحاح، و زاد قوله: و قد تشد فيقال: مروّة.

و عرّفت اصطلاحا بآداب نفسانيّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق و جميل العادات، و قد تحقّق بمجانبة ما يؤذن بخسّة النفس من المباحات، كالأكل في الأسواق حيث يمتهن فاعله.

و في معناه ما عن الدروس: من أنّ المروّة تنزيه النفس عن الدناءة التي


1) الجواهر 13: 305.

لا تليق بأمثاله كالسخرية، و كشف العورة التي يتأكّد استحباب سترها في الصلاة، و الأكل في الأسواق غالبا، و لبس الفقيه لباس الجنديّ بحيث يسخر منه (1).

و في معناها ما في الروضة: من أنّها التخلّق بخلق أمثاله في زمانه و مكانه، فالأكل في السوق و الشرب فيها لغير سوقي إلّا إذا غلبه العطش و المشي مكشوف الرأس بين الناس و كثرة السخرية و الحكايات المضحكة و لبس الفقيه لباس الجنديّ و غيره ممّا لا يعتاد لمثله بحيث يسخر منه و بالعكس، و نحو ذلك يسقطها، و يختلف الأمر باختلاف الأحوال و الأشخاص و الأماكن، و لا يقدح فعل السنن و إن استهجنها العامّة و هجرها الناس كالكحل و الحناء و الحنك في بعض البلاد، و إنّما العبرة بغير الراجح شرعا (2)انتهى.

و كأنّه أراد بقوله: «و لا يقدح فعل السنن و إن استهجنها العامّة» خروج فعل السنن الذي يعاب عليه عند العامّة عن قاعدة فعل منافيات المروءة خروجا موضوعيّا، بناء على أنّ العيوب العرفيّة التي يعتبر مجانبتها في العدالة، و ينبغي للمؤمن صيانة نفسه و عرضه عنها، بأن لا يفعل في شهود الناس ما يعاب عليه إنّما هي العيوب التي كانت عيوبا في نظر الشارع، فما لم يكن عيبا في نظر الشارع لم يقدح ارتكابه فيها و إن استعابه جهلة العامّة في بعض الأزمان أو في بعض الأماكن، و مرجعه إلى أنّه ليس بعيب واقعي، و مواظبة السنن ليست من العيوب في نظر الشارع و إن كانت يعاب عليها في بعض الأحيان عند جهلة الناس.

و يمكن ارادة خروجها عن حكم منافيات المروءة، بناء على احتمال اتصال الاستثناء، بدعوى تحكيم أدلّة استحباب السنن على دليل المروءة، القاضي بأنّه لا يليق بذوي المروءات أن يرتكبوا الأمور الخسيسة بأنفسهم عند مشاهدة الناس و إن جاز لهم في الخلوات، و يختلف ذلك باختلاف الأزمنة و البلاد و الأشخاص.

و يشكل كلّ من التوجيهين بما روي عن الصادق عليه السّلام أنّه نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا و هو يحمله فلمّا رآه الرجل أستحيي منه،


1) الدروس 2: 125

2) الروضة 3: 130.

فقال عليه السّلام: اشتريته لعيالك و حملته إليهم، أما و اللّٰه لو لا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشي‌ء ثمَّ أحمله إليهم (1). و قد أراد عليه السّلام لو لا مخافة أن يعيبوني على ذلك لفعلته.

مع ما فيه من الفضل و المدح في روايات مستفيضة، و قد تركه الإمام عليه السّلام مخافة أن يعيبه أهل المدينة، و لذا كان جدّه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يفعل مثله، و كان يشتغل شغل الحمّال و غيرهم من العمّال، و ليس ذلك إلّا لأجل أنّه كان في زمانه لا يعاب عليه بمثله، فجاز له أن يرتكبه، و كان منقبة له و تعظيما سنيا و خلقا كريما.

المرحلة الخامسة: ينبغي القطع بأنّ العدالة لا يعتبر فيها الإتيان بالمندوبات

و لا الاجتناب عن المكروهات بعد اجتناب الكبائر و ترك الإصرار على الصغائر، فليس ترك الأولى كلّا أو بعضا و لا ارتكاب الثانية كلّا أم بعضا بقادح فيها، ضرورة انحصار القادح فيها- بمقتضى ما تقدّم- في ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، و ليس ترك المندوبات من حيث هو و لا فعل المكروه كذلك معصية، فضلا عن كونه كبيرة أو صغيرة مع الإصرار.

و في مفتاح الكرامة: المشهور على أنّه لا يعتبر في العدالة الإتيان بالمندوبات إلّا أن يؤدّي الترك إلى التهاون كما في مصابيح الظلام، لقولهم: من عمل بما افترض عليه فهو من أعبد الناس، و نحو ذلك من الأخبار (2).

نعم على القول بحرمة ترك جميع المندوبات، و وجوب فعل شي‌ء منها في الجملة كما عن بعضهم، و على القول الآخر بأنّه لو اعتاد ترك صنف منها فكترك الجميع في كونه معصية، كما عن بعض آخر، ربّما اتجه القول بالقدح لو كان الترك و الاعتياد المذكوران كبيرتين أو على فرض الإصرار، الّا أنّ هذا القول بمكان من الضعف لشذوذه و عدم حجّة تشهد به، و بنائه على التهاون و عدم الاعتناء بشرع المندوبات غير تامّ لعدم اطّراده.

نعم حيث كان ترك الجميع أو الاعتياد على ترك الصنف على وجه التهاون و عدم الاعتناء لزمه القدح في العدالة، لكن لا من حيث ترك المندوب الذي ليس


1) الكافي 2: 123 ح 10

2) مفتاح الكرامة 3: 87.

بنفسه معصية، بل لما جامعه من التهاون الذي هو بنفسه من الكبائر بل من موجبات الكفر و الارتداد، لرجوعه إلى تكذيب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما جاء به من شرع المندوبات.

المرحلة السادسة: في اعتبار الملكة في مفهوم العدالة و عدمه

فأكثر المتأخّرين على الأوّل، حيث عرّفوها بملكة نفسانيّة تبعث على ملازمة التقوى، و قد عرفت سابقا أنّ كلام أكثر القدماء لا يأباه بل يرجع إليه، و لذا قيل: إنّه المشهور بين الأصحاب كما عن مصابيح الظلام (1)و عن موضع من مجمع البرهان:

أنّه مشهور بين العامّة و الخاصّة في الأصول و الفروع (2)و عنه في موضع آخر ما يؤذن بالإجماع حيث قال: و قد عرفت في الأصول و الفروع من الموافق و المخالف بالملكة التي يقتدر بها على ترك الكبائر و الإصرار على الصغائر و المروءات (3).

و أظهر منه في الإيذان بدعوى الإجماع ما عن الفاضل المقداد في كنز العرفان (4)من نسبته إلى الفقهاء، و في معناه ما عن الرسالة النجيبيّة للشيخ نجيب الدين العاملي من نسبته إلى العلماء (5)و لأجل ذا كلّه ادّعى فيه السيد في الرياض الشهرة العظيمة، و في موضع آخر قبيل ذلك جعله المشهور القريب من الإجماع (6)بل المجمع عليه كما يستفاد من كنز العرفان (7)و في موضع ثالث قال: و لعلّه لذا لم ينقلوا في تعريف العدالة بالملكة خلافا (8).

و ما أبعد بين هذا كلّه و ما ذكره صاحب الذخيرة من عدم عثوره على هذا التعريف في كلام غير المصنّف، ثمَّ قال: «و ليس في الأخبار له اثر و لا شاهد عليه» (9)إلّا أن يكون مراده غير المصنّف ممّن تقدّم عليه لا مطلقا حتى من تأخّر


1) مصابيح الظلام: 93 (مخطوط)

2) مجمع الفائدة و البرهان: 2: 351.

3) مجمع الفائدة و البرهان: 12: 311

4) كنز العرفان 2: 384.

5) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 80.

6) الرياض 2: 391 (ط الحجرية).

7) الرياض 2: 391 (ط الحجرية).

8) الرياض 2: 392

9) الذخيرة: 305.

عنه، و قد عرفت أنّه أيضا على إطلاقه غير مستقيم.

و كيف كان، فالعمدة هو صرف عنان النظر إلى مستند هذا القول و هو وجوه:

الأوّل: الأصل المعتضد بالشهرة العظيمة، و ظهور الإجماع ممّن سمعت، و لعلّ الأصل يراد به هنا أصالة عدم تحقّق العدالة بالمعنى المعتبر شرعا فيمن اجتنب الكبائر و الإصرار على الصغائر من دون أن يحصل له ملكة نفسانيّة، و أصالة عدم ترتّب الأحكام المعلّقة عليها من جواز القدوة و قبول الشهادة و صحّة الطلاق و غيرها في فاقد الملكة المجتنب عمّا ذكر، و أصالة الاشتغال بالقياس إلى صلاة المأموم المستدعية ليقين البراءة الغير الحاصل، إلّا من الائتمام بذي الملكة الراسخة، و قد أشار إلى هذه الأصول كلّها في الرياض، حيث جعل القول بالملكة أوفق بالأصول (1).

و لكن يرد على التمسك بها أنّ الأصل طريق للعمل عند جهالة الموضوع، فلا تعرّض فيه لبيانه على ما هو في الواقع، فلم يثبت به كون الملكة مأخوذة في معنى العدالة بحسب الواقع عند الشارع، و هو المطلوب بالبحث.

الثاني: أنّ العدالة اسم للمعنى الواقعيّ و هو الاستقامة و عدم الميل، لا ما ثبت شرعا أو ظهر عرفا، لأنّ ذلك خارج عن معنى اللفظ جزما و هي شرط، و لا بدّ من ثبوتها و العلم بها، لأنّ الشك في الشرط يقتضي الشكّ في المشروط، و لا يحصل العلم بها إلّا بالمعاشرة الباطنيّة المتكرّرة المطّلعة الموجبة للوثوق بالاستقامة و عدم الميل، و لا يحصل ذلك إلّا بوجدان الملكة و الهيئة الراسخة، و كذا الحال في لفظ الفاسق، فإنّ الأدلّة من الكتاب و الأخبار و الإجماع دلّت على عدم قبول شهادة الفاسق و عدم جواز إمامته، و الفسق اسم للخروج عن الطاعة في نفس الأمر و الواقع، فلا بدّ من عدمه بحسب نفس الأمر و الواقع على قياس ما قلناه في العدالة، و لا يحصل الوثوق بالعدم إلّا بالهيئة الراسخة، كما نشاهد بالعيان أنّ كلّ الناس لهم


1) الرياض 2: 391.

ملكة في ترك بعض المعاصي كالزنا بالأمّ و البنت، و نجزم أنّ كثيرا من الناس له ملكة في ترك اللواط و الزنا و شرب الخمر. و الحاصل أنّهم يتفاوتون على تفاوت مراتبهم، فلا بدّ من الجزم، بالعدالة و عدم الفسق بالقياس إلى كلّ المعاصي، هكذا نقله في مفتاح الكرامة (1).

و يرد عليه: أنّه على تقدير تماميته يعطي اعتبار الملكة و الهيئة الراسخة على وجه الطريقيّة، فهي بمقتضى الدليل طريق إلى إحراز العدالة بمعنى الاستقامة و عدم الميل في الواقع، كما أنّ حسن الظاهر طريق إلى إحرازها، غاية الأمر أنّه طريق ظاهري- على ما سنبيّنه- و هي طريق واقعيّ، و المقصود بالبحث المتنازع اعتبارها معها على وجه الموضوعيّة، على معنى دخولها فيها دخول جزء الشي‌ء فيه كما هو ظاهر الأكثر المنساق من تعريفاتهم إيّاها بالملكة، و يظهر فائدة الفرق فيما لو علم وجود صفة الاستقامة و عدم الميل بإخبار مخبر صادق أو طريق آخر علمي غير عاديّ، فعلى الموضوعيّة لم تكن عدالة و على الطريقيّة عدالة.

الثالث: صحيحة ابن أبي يعفور التي هي الأصل من روايات الباب، فإنّ قوله:

«بم يعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟» إلخ، و إن كان يحتمل كونه طلبا لمعرّف مفهوم العدالة الذي يقال له: الحدّ و الرسم، كذلك يحتمل كونه طلبا لمعرّف مصداق العدالة الذي هو أمارة التحقّق، و هذا إنّما يحسن بعد معرفة المفهوم.

و لا يبعد دعوى ظهور صوغ نحو هذه العبارة في ذلك كما يرشد إليه مراجعة النظائر، فلو قيل: بم تعرف القبلة؟ أو بم يعرف الزوال؟ أو بم يعرف الغروب؟ كان ظاهرا في متفاهم العرف في أنّ السائل إنّما طلب أمارة تكشف عن تحقّق القبلة أو الزوال أو الغروب في مواضع الحاجة إلى إحراز تحقّقها بعد معرفتها بحسب مفاهيمها، و هي كون قبلة البعيد جهة الكعبة، و الزوال ميل الشمس عن وسط السماء، و الغروب هو غيبوبة الشمس في الأفق، و لذا يصحّ الجواب في الأوّل بأنّ القبلة تعرف بجعل الجدي على المنكب الأيمن مثلا، و في الثاني بأنّ الزوال يعرف


1) مفتاح الكرامة 3: 83- 84.

بزيد ظلّ الشاخص بعد انتهاء نقصانه و بحدوثه بعد انعدامه أو بميل الشمس عمّا بين العينين إلى الحاجب الأيمن مثلا، و في الثالث بأنّ الغروب يعرف بذهاب الحمرة المشرقيّة.

فيدلّ السؤال بناء على هذا الاحتمال و ظهوره على أنّ العدالة كانت معلومة لدى السائل بحسب مفهومها، و إنّما غرضه معرفة أمارة يرجع إليها لإحراز تحقّق هذا المفهوم المعلوم في رجل يشكّ تحقّقه فيه. و قول الإمام عليه السّلام في الجواب: «أن يعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان و أن يعرف باجتناب الكبائر» إلخ، بيان لهذه الأمارة الكاشفة عن تحقّق مفهوم العدالة كشف الأثر عن تحقّق مؤثّرة و المعلول عن تحقّق علّته.

و قد جعل الأمارة عدّة من الأمور العدميّة التي بعضها تفسير بعض، فإنّ الستر و إن كان عبارة عن الحياء من اللّه إلّا أنّ محصّله ترك المعصية استحياء منه تعالى عند تهيؤ أسبابها. و العفاف عبارة عن الكفّ عن محارم اللّه، فلا بدّ أن يكون العدالة بحسب المفهوم غير هذه الأمور العدميّة ليصحّ كونها أمارة كاشفة عنها، و لا يتأتّى هذه المغايرة إلّا بكون العدالة بحسب المفهوم صفة نفسانيّة ينشأ منها هذه الأمور العدميّة و ليست، إلّا الملكة و الحالة الراسخة في النفس التي تبعث على ملازمة التقوى المنحلّة إلى هذه الأمور.

و لكن يشكل الحال في هذا التوجيه بالنسبة إلى قوله عليه السّلام: «و الدلالة على ذلك كلّه» إلخ، الذي هو صريح في كونه بيانا للأمارة و الدليل، لاستلزامه كون ذلك دليلا على الدليل، فهناك أمور ثلاث: العدالة، و الأمارة عليها، و الأمارة على تلك الأمارة، و هو حسن الظاهر المعبّر عنه بستر جميع العيوب، و هو بعيد، لأنّ حسن الظاهر بنفسه يصلح أمارة للعدالة و إن جعلناها بمعنى الملكة، فيلغو اعتبار الواسطة و لو وجّهنا الدلالة على ذلك كلّه بما يرجع إلى الأمارة الأولى، بأن يكون المراد بيان الضابط الكلّي للأمور العدميّة المجعولة أمارة كاشفة عن وجود الملكة، بناء على عدم كون المراد من ستر جميع العيوب تغطية العيوب الشرعية و إخفائها على

الأنظار مع وجودها و التلبس بها في الواقع، لا للعيوب على العيوب الفعليّة الخارجة من القوّة إلى الفعل، بل المراد بها العيوب الشأنيّة، و المراد من سترها المنع من خروجها من القوّة إلى الفعل. فحاصل معنى العبارة حينئذ أنّ الضابط الكلّي في ذلك أن يكون مانعا لجميع العيوب الشرعية الشأنيّة من خروجها من القوّة إلى الفعل، كان أبعد لكونه خروجا عن ظاهر لفظ الدلالة على ذلك.

و الأولى العدول عن التقرير المذكور لوجه الدلالة إلى تقرير آخر سليم عن نحو الحزازات المذكورة، و هو أن يقال: إنّ قوله: «بم يعرف عدالة الرجل؟» و إن كان طلبا لمعرّف المصداق و أمارة التحقّق، إلّا أنّ الإمام عليه السّلام استظهر من حال السائل جهله بمفهوم العدالة أيضا، فتعرّض أوّلا لتعريفها بحسب المفهوم بقوله: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» إلخ، ثمَّ أتبعه ببيان أمارة التحقّق بقوله: «و الدلالة على ذلك كلّه» إلخ.

و إذ قد عرفت في أوائل الباب أنّ العدالة يعتبر فيها الملكة و الاستقامة الفعليّة، و محصّلها الملكة الباعثة على ملازمة التقوى، و قد أشار عليه السّلام أوّلا إلى الجزء الأوّل الذي هو بمنزلة الجنس، بأخذ الستر في التعريف، فإنّه عبارة عن الملكة المطلوبة في المقام الباعثة على ملازمة التقوى، سواء أخذناه بمعنى الخوف أو بمعنى الحياء، إذ لا يراد بالملكة هاهنا ما يكون جبلّة في الإنسان بحسب الخلقة الإلهيّة، بل الهيئة الراسخة في النفس التي ترسخ فيها بنحو من الكسب، و ليست الهيئة الراسخة فيها الباعثة على ملازمة التقوى إلّا الخوف أو الحياء.

أمّا الأوّل: فلأنّ الخوف من اللّه اضطراب قلب يعتري الإنسان لعلمه بعذابه تعالى و عقابه، و أنّهما يستحقّ بهما لمعصيته و الخروج عن طاعته، و مقابله سكون القلب و اطمئنانه، و أصل الخوف الإيمان باللّه و وعده و وعيده و بكونه صادق الوعد و بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بالجنّة و النار و كونهما جزاءين على الطاعة و المعصية، و فرعه الحذر من الاقتحام في المعاصي و الآثام، و من شروط تأثيره في حصول الحذر تذكّر وعيده و عذابه، و من موانعه الغفلة و غلبة الشهوة و هوى

النفس، و له مراتب متكثّرة متحدة الذات و مختلفة الصفات في الشدة و الضعف و الأشدّية و الأضعفيّة، و أوّل مراتبه خوف من يغلب عليه الشهوة و هو النفس غالبا فيكثر وقوعه في الإثم، و آخر مراتبه مرتبة العصمة التي لا يعتري صاحبها غفلة و لا غلبة شهوة و لا متابعة هوى طرفة عين أبدا و بينهما متوسّطات، و منشأ هذا الاختلاف اختلاف مراتب الإيمان قوّة و ضعفا، و لذا قيل: أخوف الناس لربّه أعرفهم بربّه و بنفسه، و منه قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنا أخوفكم للّه» (1)و قال الصادق عليه السّلام:

«من عرف اللّه خاف اللّه» (2)الحديث.

و النكتة في الحصر المستفاد من قوله عزّ من قائل إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (3)هي كمال معرفتهم و في الدعاء المنسوب إلى السيد السجاد عليه السّلام «عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك» (4).

فكلّما ضعف الإيمان ضعف الخوف، و كلّما قوى الإيمان قوي الخوف، فالمرء بقدر كمال معرفته يرسخ الخوف و الاضطراب و الحرقة في قلبه حتى يظهر أثره على البدن و الجوارح بكفّها عن المعاصي و بعثها على الطاعات إلى أن يبلغ بصاحبه بسببه تزايده، إلى أن يسدّ الشهوات على نفسه، و ينزّل اللذات على مذاقه منزلة السم المهلك، ثمَّ يفرّغ القلب بتصاعده عن المحظورات و المهلكات التي محلّها القلب من الكبر و الحقد و الحسد، و يقرّ فيه مكانها الذبول و الخشوع و الذلّة و الاستكانة، فهو الهيئة الراسخة الباعثة على ملازمة التقوى التي هي عبارة عن اجتناب الكبائر بل مطلق المعاصي.

و أمّا الثاني: فلأنّ الحياء تغيّر و انفعال يعتري الإنسان عند حضور ذي شأن مطّلع عليه و على ما يخاف أنّه لو وقع منه يعاقب عليه و يذمّ، و لا يكون إلّا فيما يستقبحه طبعه، سواء كان في الواقع قبيحا أولا، و أصله فيما بين العبد و الرب الإيمان باللّه و بقدرته و علمه به و بفعله، و أنّه لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في


1) لم نعثر عليه

2) الكافي 2: 68 ح 4.

3) فاطر: 28

4) البحار 86: 227.

السماء و لا في الأرض، و أثره الامتناع و الانزواء عمّا هو متهيّئا لفعله استقباحا له و مخافة أن يعيبه و يذمّه اللّه عليه.

و من ذلك ما ورد في الحديث من أنّ «الحياء من الإيمان» (1)و في آخر «إنّ الحياء من شعب الإيمان» (2)فإنّ المستحيي بحيائه الذي أصله المعرفة ينزجر و ينقطع عن المعاصي و القبائح، و هذا أيضا يختلف درجاته باختلاف درجات الإيمان، و يتفاوت آثاره قلّة و كثرة بتفاوت مراتب الحياء قوّة و ضعفا.

و من شروط تأثيره كالخوف التذكّر لحضوره تعالى و علمه بما هو متهيّئا له.

و من موانعه الغفلة ثمَّ غلبة الشهوة و هوى النفس بحيث لا يملك من نفسه ترك متابعته، فهو أيضا كالخوف إذا رسخ في القلب بسبب قوّة الإيمان و استقراره كان من الهيئة الراسخة في النفس، الرادعة عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، فالستر بأحد المعنيين هو الملكة التي ذكرنا أنّ الإمام عليه السّلام أشار إليها أوّلا ثمَّ أشار ثانيا إلى الجزء الثاني ممّا اعتبر في مفهوم العدالة، من الاستقامة الفعليّة بقوله: «و العفاف بمعنى الكفّ عن المحرّمات» و قوله: «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» و قوله: «أن يعرف باجتناب الكبائر» إلخ.

و في الحقيقة الستر و العفاف تعريف تامّ للعدالة و لكن إجمالا، لأنّ الستر على ما شرحناه إشارة إلى الملكة، و العفاف إشارة إلى الاستقامة الفعليّة الناشئة من الملكة، و ما بعده حسبما بيّناه سابقا تفصيل لهذا الاجمال، و لا يخفى لطف هذا التعريف و في معناه ما في موثّقة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أخيه عبد الكريم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج (3)إلى الرجال في أنديتهم (4).


1) الكافي 2: 106 ح 1.

2) عوالي اللئالي 1: 59 ح 90 و فيه: «الحياء شعبة من الإيمان».

3) التبرّج من البروج الظهور (منه).

4) الوسائل 27: 398 ب 41 من أبواب الشهادات ح 20.

و يمكن تأييد المختار من دخول الملكة في مفهوم العدالة بالاشارات و الاشعارات الموجودة في عدّة من الروايات الواردة في إمام الجماعة و الشهادة و غيرها.

مثل قول أبي جعفر عليه السّلام في خبر أبي علي بن راشد: لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته (1).

و قول الصادق عليه السّلام في خبر عمرو بن الربيع البصري، حيث سأله عن القراءة خلف الإمام إذا كنت خلف الإمام، تولّاه و تثق به فإنّه يجزيك قراءته- إلى أن قال:- فقيل له: فان لم أكن أثق به فأصلّي خلفه فاقرأ؟ قال صلّ قبله أو بعده (2).

و المرويّ عن الفقه الرضوي: لا تصلّ إلّا خلف رجلين أحدهما من تثق بدينه و ورعه و ثانيهما من تتقي سيفه و سوطه (3)إذ الوثوق بالدين و الامانة و الورع لا يحصل غالبا في غير ذوي الملكات.

و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المرسل المرويّ عن المقنع: إنّ سرّكم أن تزكّوا صلاتكم فقدموا خياركم (4).

و قول الرضا في خبر عبد اللّه بن المغيرة: من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته (5).

و قول أبي الحسن في حسنة البزنطي: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير (6).

و قول الصادق عليه السّلام في خبر أبي بصير: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا (7).


1) الوسائل 8: 309 ب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

2) التهذيب 3: 33 ح 120

3) فقه الرضا: 144.

4) المقنع: 118.

5) الوسائل 27: 398 ب 41 من أبواب الشهادات ح 21.

6) الوسائل 22: 26- 27 ب 10 من أبواب مقدمات الطلاق ح 4.

7) الوسائل 27: 372 ب 29 من أبواب الشهادات ح 3.

و قوله عليه السّلام أيضا في رواية العلاء بن سيابة حيث سئل عن الملّاح و المكاري و الجمّال: لا بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء (1).

و في الخبر: الرجل يشهد لابنه و الابن يشهد لأبيه و الرجل لامرأته، قال:

لا بأس بذلك إذا كان خيرا (2).

و عن العسكري عليه السّلام في تفسيره في قوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (3)من ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفّته و تيقظه فيما يشهد به و تحصيله و تميّزه، فما كل صالح مميّز، و لا كل محصل و مميّز صالح، و أنّ عباد اللّه لمن هو أهل لصلاحه و عفّته، و لو شهد لم تقبل شهادته لقلّة تميّزه، فإذا كان صالحا عفيفا مميّزا محصّلا مجانبا للمعصية و الهوى و الميل و التخايل و المحائل فذلك الرجل الفاضل (4).

فإنّ المتبادر من الخير و الأمانة و الصيانة و الصلاح و العفّة الأمر الوجوديّ كما في الرياض (5)و غيره، و لا يكون إلّا الصفة النفسانيّة و الهيئة الراسخة في النفس.

و أيضا قد عرفت سابقا أنّ العدالة في الإنسان مأخوذة منها بالمعنى اللغوي و هو الاستقامة، فيراد به الاستقامة على طريق الشرع من باب إطلاق الكلّي على الفرد أو من جهة النقل، و لا يستقيم ذلك إلّا إذا كانت عبارة عن حالة وجوديّة و كيفيّة نفسانيّة تنشأ منها التروك، لوضوح أنّ ترك المعاصي لمحض الاتّفاق، أو لفقد أسباب المعصية، أو لإنكار أصل الطبيعة لخصوص المعصية، أو ترك بعضها للّه حال الاشتغال بالبعض الآخر، أو لأجل تغرير الناس أو استحياء منهم، أو غير ذلك من الأمور الغير الاختياريّة، أو غيرها ممّا لا يرجع إلى الخوف أو الاستحياء من اللّه تعالى، لا يعدّ استقامة لا لغة و لا عرفا و لا شرعا.


1) الوسائل 27: 381 ب 34 من أبواب الشهادات ح 1.

2) الوسائل 27: 395 ب 41 من أبواب الشهادات ح 9.

3) البقرة: 282.

4) تفسير الإمام العسكري عليه السّلام: 672 مع اختلاف في اللفظ.

5) الرياض 2: 391.

هذا مع إمكان أن يستفاد اعتبار الملكة في العدالة من آية النبإ، بناء على دلالتها بمفهوم الشرط أو الوصف على جواز قبول خبر العادل من غير تثبّت، بالنظر إلى تعليل منع قبول الفاسق من غير تثبّت بالوقوع في الندم، لوضوح أنّ الوثوق الموجب لظنّ الصدق و اطمئنانه الملازم لعدم الوقوع في الندم لا يحصل مع التروك الغير الناشئة عن الكيفيّة النفسانيّة التي هي الخوف أو الحياء من اللّه، ثمَّ يتمّ اعتبارها في العدالة المعتبرة في الشهادة و إمام الجماعة و غيرها بالإجماع المركّب.

فحقيقة العدالة بمقتضى الأدلّة المذكورة التي منها مجموع الروايات مع شهادة التعليل الوارد في آية التثبّت ترجع إلى ما يوجب الوثوق و الاطمئنان، و ليس إلّا الحالة الوجوديّة و الكيفيّة النفسانيّة.

فبجميع ما قرّرناه ظهر أنّ الأمر في دخول الملكة في مفهوم العدالة ليس كما توهّمه صاحب الذخيرة من أنّه: ليس في الأخبار له أثر و لا شاهد عليه فيما أعلم، و كأنّهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة (1)انتهى. لشهادة صحيحة ابن أبي يعفور التي هي العمدة في باب العدالة و ما بمعناها من الموثّقة المتقدّمة بذلك، مع شهادة مجموع الروايات الواردة في بابي الشهادة و إمام الجماعة به أيضا. كما يندفع به أيضا و بما قرّرناه من تفسير الملكة و جعلها عبارة عن حالتي الخوف و الحياء من اللّه سبحانه جميع ما أورد في المقام على القول بالملكة من النقوض و الاعتراضات التي:

منها: ما ذكره السيد الفاضل الشارح للوافية، فإنّه بعد ما نسب إلى المتأخّرين تفسير العدالة بأنّها ملكة في النفس يمنعها من فعل الكبائر و الإصرار على الصغائر و منافيات المروءة، و جعل المراد بالملكة الكيفيّة الراسخة التي يمتنع زوالها عادة.

قال: أقول: أمّا كون هذه الملكة عدالة فلا ريب فيه، لأنّ التوسّط بين البلادة و الجربزة هي الحكمة، و بين إفراط الشهوة و تفريطها هي العفّة، و بين طرفي إفراط القوّة الغضبيّة- أعني الظلم و تفريطها اي الانظلام- هي الشجاعة، فإذا اعتدلت


1) الذخيرة: 305.

هذه القوى حصلت كيفيّة وحدانيّة شبيهة بالمزاج كأنّها تحصل بعد الفعل و الانفعال من طرفي تلك القوى و انكسار سورة كلّ واحدة منهما، و بعد حصولها يلزمها التقوى و المروءة. و أمّا اشتراط تحقّق هذا المعنى في الواقع حيث اعتبار الشارع العدالة فلم أطّلع على دليل ظنّي لهم فضلا عن القطعي، و صحيحة ابن أبي يعفور عليهم لا لهم- كما قيل- نعم لا يحصل لنا الاطمئنان التام في اجتناب الذنب في الواقع، إلّا فيمن نعلم أو نظنّ حصول تلك الكلمة له، و هذا يقرّب اعتبارها، و لكن يبعّده أنّ حصول هذه الصفة الحميدة يكون في الأوحديّ الذي لا يسمح الدهر بمثله إلّا نادرا، لأنّ التعديل المذكور يحتاج إلى مجاهدات شاقّة مع تأييد ربّاني، و الاحتياج إلى العادل عامّ لا بدّ منه في كلّ طائفة من كلّ فرقة من سكّان البرّ و البحر حفظا لنظام الشرع، حيث اعتبر في الأغلب اثنين منه في الشهادات، و اعتبر واحدا في الجمعة و الجماعات، و حثّ الناس عليهما و وعدهم و أوعدهم على الفعل و الترك، و احتياج أهل كلّ فرقة و إن كانوا خمسة إلى الشاهد في أغلب الأوقات أمر ظاهر.

لا يقال: إنّ الشارع و إن اعتبر الملكة و لكنّه جعل حسن الظاهر مع عدم عثور الحاكم أو المأموم على فعل الكبيرة و الإصرار على الصغيرة علامة لها، و هذا يحصل في أكثر الناس.

لأنّا نقول: إن اعتبر القائل بالملكة فيما يعرف به العدالة هذا الذي قلت فلا ثمرة للنّزاع في أنّ العدالة ما ذا، لأنّ من لا يقول بالملكة يقول باشتراط حسن الظاهر و اجتناب الكبائر و الصغائر إلّا القليل ممّن يكتفي بالإسلام، و لا ريب في أنّهما غير مستلزمين لوجود الملكة و إن كانت الملكة مستلزمة لهما، فما الفائدة في اعتبار أمر ثمَّ جعل علامته أمرا عامّا غير مستلزم له (1)انتهى.

و يظهر تفسير الملكة المعتبرة في العدالة الشرعيّة عند قائليه بالكيفيّة المعتدلة الحاصلة من تعديل القوى النفسانية و فعلها و انفعالها و كسر بعضها سورة


1) شرح الوافية: الورقة 79 (مخطوط).

البعض الآخر و انكسار سورة كلّ بالآخر التي تشبه بالمزاج في الإنسان، من الفاضل القمّي في قوانينه في مبحث بيان شروط العمل بخبر الواحد التي منها العدالة (1)و لم نقف على موافق لهما في هذا التفسير و لا على وجوده في كلام أهل القول بالملكة، كيف؟ و ستسمع عبارة العلّامة المنقولة عن نهاية الأصول و هو من أهل هذا القول.

و يرد عليهما: أنّ هذه الكيفية عدالة عند علماء الأخلاق، و هي التي يعزّ وجودها، و لا تحصل إلّا في الأوحديّ، و ليست مناطا لحكم شرعي، و لا هي العدالة المعتبرة في الشرعيات التي تعمّ بها البلوى و يحتاج إليها عامة الناس في عباداتهم و معاملاتهم و سائر أمورهم حتى على القول بالملكة، و إلّا لزم أن لا يتحقّق عادل شرعيّ في صنفي البليد و صاحب الجربزة، لكونهما في طرفي الإفراط و التفريط من القوّة العاقلة، و لا في صنفي الخمود و ذي الشرة، لكونهما في طرفي الإفراط و التفريط من القوّة الشهوية، و لا في صنفي الجبون و المتهوّر، لكونهما في طرفي الإفراط و التفريط من القوّة الغضبيّة، و أنّ الضرورة قاضية بفساده، بل الملكة المأخوذة في العدالة عند قائليه- على ما حقّقناه و نصّ عليه بعض مشايخنا (2)- هي الصفة النفسانية المعبّر عنها بخشية اللّه تعالى و حالة الخوف منه اللازمة لحالة الحياء منه.

و ممّا عثرنا في كلامهم عليه من التعبير عن الملكة بهذا المعنى عبارة العلّامة المحكية عن نهاية الأصول في بيان طرق معرفة العدالة من قوله: الأوّل: الاختبار بالصحبة المتأكّدة و الملازمة، بحيث يظهر له أحواله و يطّلع على سريرة أمره بتكرار المعاشرة حتى يظهر له من القرائن ما يستدلّ به على خوف في قلبه مانع من الكذب و الاقدام على المعصية (3)انتهى.


1) القوانين 1: 458.

2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 27.

3) نهاية الأصول: الورقة 149 (مخطوط).

و هذه على ما ندركه بالوجدان من وقوع المدافعة بينها و بين هوى النفس الأمّارة عند تهيّؤ أسباب المعصية هي الحالة الملازمة للتّقوى الرادعة عن ارتكاب المعاصي.

و بالجملة المدافعة المذكورة من ضروريات الوجدان التي لا يدانيها الإنكار، فترى أنّه قد يغلب حالة الخوف لكونها في مرتبة القوّة على هوى النفس، و قد ينعكس الأمر، و إنّما تكون عدالة في الصورة الاولى، و هو معنى الردع عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، فالخوف النفساني الغالب على هوى النفس أمر باطني و أثره الذي هو التروك الناشئة منه أمر ظاهري. و المجموع من الأمرين هو العدالة التي أناط بها الشارع من الأحكام ما لا يكاد يحصى كثرة، و الدليل عليه هو ظاهر صحيحة ابن أبي يعفور (1)و موثقة أخيه عبد الكريم (2)المتقدمة على ما أوضحناه.

و يعضده مضافا إلى ما تقدّم من المؤيّدات الاعتبار العقلي الذي تفطّن به بعض مشايخنا قدّس سرّه و قرّره: بأنّ الإنصاف أنّ الاقتصار على ما دون هذه المرتبة يوجب تضييع حقوق اللّه و حقوق الناس، و كيف يحصل الوثوق في الاقدام على ما أناطه الشارع بالعدالة بمن لا يظنّ فيه ملكة ترك الكذب و الخيانة، فيمضي قوله في دين الخلق و دنياهم من الأنفس و الأموال و الاعراض و يمضي فعله على الأيتام و الفقراء و السادة؟ (3)انتهى.

و يؤكده أيضا ما قيل (4): من أن الشريعة المنيعة التي منعت من إجراء الحدّ على من أقرّ على نفسه بالزنا مرّة بل ثلاثا كيف يحكم بقتل النفوس و إهراق دمائهم و قطع أياديهم و حبسهم و أخذ أموالهم و أرواحهم بمجرّد شهادة من لم يظنّ به


1) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

2) الوسائل 27: 398 ب 41 من أبواب الشهادات ح 20.

3) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 28.

4) حكاه الشيخ الأنصاري في رسالة العدالة (رسائل فقهية): 28 عن بعض السادة.

الملكة الملازمة للتقوى المانعة عن الكذب و الفرية الباعثة على تزكية النفس عن الحقد و الحسد و العداوة؟.

فالمعنى المذكور من الملكة هو الذي دلّ الدليل الظنّي القطعي العمل على اشتراط تحقّقه في العدالة حيث اعتبرها الشارع، و هو ليس بعزيز الوجود المخصوص بالأوحديّ بل كثر وجوده و شاع تحقّقه في آحاد المكلفين، فاعتبار تحقّقه في العدالة مع عموم البلوى بها في الشرعيات ممّا لا يستتبع المحذور الذي ظنّه الفاضل الشارح المتقدّم ذكره الذي مرجعه إلى ما زعمه المحقق البهبهاني- على ما حكي عنه (1)- من لزوم اختلال النظام، سيما مع ملاحظة ما أشرنا إليه في أوائل الباب، و ستعرفه مفصّلا من أن القائلين بالملكة يجعلون حسن الظاهر طريقا إلى إحراز وجودها، و على الاكتفاء بمطلق الظنّ في إحرازها- كما سنحقّقه- يتّضح سخافة هذا التوهّم غاية الوضوح، و كيف يعقل تفاوت الأمر من حيث اختلال النظام و استقامته بين جعلها حسن الظاهر و بين جعلها الملكة مع جعل حسن الظاهر طريقا إليها؟

و أمّا المطالبة لثمرة النزاع بين القولين على القول بطريقيّة حسن الظاهر- حسبما تقدّم في كلام الفاضل المتقدّم- ففيه أنّ ثمرته حينئذ هي الثمرة بين الموضوعيّة و الطريقيّة في الأمارات الغير العلمية، لكون وجه اعتباره على القول بكونه عدالة وجه الموضوعيّة، فلا يتحرّى بعد إحرازه علما أو ظنّا كشفه و لو ظنّا عن أمر آخر، فيجامع العدالة حينئذ للشك في وجود الملكة، بل الظنّ بانتفائها، بل العلم بانتفائها أيضا فيمن لم يعلم وقوع ما يوجب الفسق منه، و على الطريقية لا بدّ من تحرّي كشفه ظنّا عن وجودها، فلا يجامع العدالة حينئذ الشكّ فيه فضلا عن الظنّ أو العلم بانتفائها.

و قد يظهر الثمرة أيضا فيما لو انكشف موجب الفسق بعد الحكم بالعدالة تعويلا على حسن الظاهر، فعلى الطريقيّة يجب نقض الآثار السابقة المترتّبة حال


1) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في رسالة العدالة (رسائل فقهية): 28.

الفسق الواقعي إلّا فيما دل الدليل على كون العدالة شرطا اعتقاديّا و لو ظنا كما في إمام الجماعة و نحوه فتأمّل.

و يمكن ظهور الثمرة أيضا فيما لو انكشف وجود الملكة الملازمة للتقوى بطريق علمي غير عادي كإخبار مخبر صادق و نحوه، من غير سبق معرفة حسن الظاهر فتأمّل.

و لمّا كان إحراز وجودها بطريق العلم المفتقر إلى الملازمة التامة و الصحبة المتأكدة ممّا لا يخلو عن صعوبة و كلفة، بل لا يتيسّر لكثير، ففائدة جعل الأمر العام علامة له إنّما هو تسهيل الأمر و رفع الكلفة في إحرازه، لأنّ حسن الظاهر- بمعنى كون الرجل مجتنبا عن المعاصي و السيّئات و مواظبا للطاعات و القربات و محافظا على الصلوات و الجماعات- يوجب في غالب موارده الظنّ و الوثوق بوجودها.

و منها: ما ذكره في مفتاح الكرامة: من أنّ الحكم بزوال العدالة عند عروض ما ينافيها من معصية أو خلاف مروّة، و رجوعها بمجرّد التوبة ينافي كون العدالة هي الملكة (1).

و الجواب: أنّ الملكة لا تزول بمخالفة مقتضاها، لا لأنّ الشارع جعل الأثر المخالف لمقتضاها مزيلا لحكمها بالإجماع و جعل التوبة رافعة لهذا المزيل، فالأمر تعبّدي- كما قيل (2)- لوضوح فساده.

أوّلا: بأنّ المصرّح به في كلماتهم زوال نفس العدالة بعروض المعصية ثمَّ عودها بالتوبة، لا زوال حكمها فقط ثمَّ عوده.

و ثانيا: بأنّ عروض المعصية يوجب الفسق، و هو أمر واقعي، و العدالة ضدّ له، فلو لا زوالها بعروض المعصية يلزم اجتماعهما في محلّ واحد، فالأمر في زوالها بعروض ما ينافيها واقعي لا تعبّدي محض.

و ثالثا: أنّ التوبة رافعة للفسق الذي هو من الآثار الدنيوية للمعصية واقعا،


1) مفتاح الكرامة 3: 84.

2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 30.

و هذا هو معنى عود العدالة بالتوبة، لا أنّها ترفع أصل المعصية، فما يقال: من أنّ زوال العدالة بالكبيرة حقيقي و عودها بالتوبة تعبّدي أيضا ليس بسديد، لكون عودها أيضا حقيقيّا.

نعم كون التوبة رافعة للآثار الأخرويّة المترتّبة على المعصية كاستحقاق العقوبة و نحوها تعبّديّ، بل لأنّ الزائل بعروض المعصية هو العدالة، و هو لا يلازم زوال الملكة، لإمكان بقائها حال زوال العدالة، فالملكة تجامع الفسق و إن كانت العدالة لا تجامعه.

و توضيح ذلك: أنّ العدالة عند معتبري الملكة فيها ليست عبارة عن الملكة فقط، و لو مجردة عن مقتضاها الذي هو التروك المخصوصة الناشئة منها و هي اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، بل المجموع منها و من التروك الناشئة منها كما أشرنا إليه سابقا، و هو الظاهر من تعريفاتهم العدالة بأنّها ملكة تبعث على ملازمة التقوى، أو انّها هيئة في النفس تمنعها عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، أو أنّها صفة رادعة عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، بناء على أنّ المتبادر من البعث و المنع و الردع الفعلي منها، مع كون المتبادر من التعريف كون الوصف كالموصوف داخلا في المعرّف، لوضوح كون الجنس و الفصل كليهما من أجزاء الماهية، و أظهر ما يفيد ذلك ما تقدّم في أوائل الباب من تعريف الشهيد إيّاها في باب الزكاة من نكت الإرشاد: بأنّها هيئة راسخة تبعث على ملازمة التقوى بحيث لا يقع منها الكبيرة و لا الإصرار على الصغيرة (1)بناء على ما أشرنا إليه ثمّة من كون قيد الحيثية بيانا لقوله: «تبعث» لا قيدا توضيحيّا للملازمة، و عليه فوقوع الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة من ذوي الملكات يوجب زوال الوصف لا زوال الموصوف و هو الملكة، و هو المراد من زوال العدالة بعروض المعصية، بناء على أنّ زوال المركّب أعمّ من زواله بجميع أجزائه أو ببعض أجزائه، و قد ذكرنا سابقا أنّ الملكة في محلّ البحث عبارة عن الخوف


1) غاية المراد 1: 261.

النفساني الذي يقع المدافعة بينه و بين هوى النفس فقد يغلب على هوى النفس و أثره حينئذ عدم وقوع المعصية، و قد ينعكس الأمر و لازمه وقوع المعصية، و هذا هو معنى زوال العدالة مع بقاء الملكة، غاية الأمر كونها مغلوبة من هوى النفس.

و أمّا التوبة- التي هي عبارة عن الندم على المعصية- فهي أيضا من آثار بقاء الملكة، لأنّ الخوف النفساني كما أنه في غلبته على هوى النفس يبعث على عدم وقوع المعصية فكذلك في صورة مغلوبيته من هوى النفس يبعث على الندم على المعصية الواقعة، فتصير معه بمنزلة غير الواقع، و لا يقع حاله سائر المعاصي الغير الواقعة.

و إن شئت قلت: إنّه يرتفع به حكم المعصية الماضية، و لا يقع غيرها من المعاصي المستقبلة، فيتّصف الملكة بالمنع حكما بالنسبة إلى ما وقع و حقيقة بالنسبة إلى ما لم يقع فالزائل بالمعصية ثمَّ العائد بالتوبة انّما هو وصف المنع لا ذات المانع و هي الملكة. و انتظر لتتمّة الكلام في أحكام التوبة و زيادة تحقيق فيها في أواخر الباب.

و منها: ما ذكره في الكتاب المذكور أيضا من أنّه: قد اشتهر بينهم تقديم الجرح على التعديل عند التعارض، و هذا لا يتأتّى إلّا على القول بأنّ العدالة حسن الظاهر، و أمّا على القول بأنّها الملكة فلا يتجه، لأنّ المعدل إنّما ينطق عن علم حصل له بعد طول المعاشرة و الاختبار أو بعد الجهد في تتبّع الآثار، فيبعد صدور الخطأ منه، و يرشد إلى ذلك تعليلهم تقديم الجرح بأنّا إذا أخذنا بقول الجارح فقد صدّقناه و صدّقنا المعدّل، لأنّه لا مانع من وقوع ما يوجب الجرح و التعديل، بأن يكون كلّ منهما اطلع على ما يوجب أحدهما (1).

و الجواب عن ذلك أيضا بعد تصحيح إطلاق القول بتقديم الجرح و تصحيح إطلاق تعليله بكونه تصديقا لهما المبني على إطلاق عدم وقوع التكاذب بينهما: أنّ وجود الملكة على القول بدخوله في مفهوم العدالة لا يلازم العدالة، بل الفسق قد


1) مفتاح الكرامة 3: 85.

يجامع الملكة، لأنّ العدالة على القول المذكور على ما حقّقناه عبارة عن الملكة المقيّدة بقيد عدميّ يعبّر عنه بعدم ارتكاب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، فتقديم قول الجارح لا ينافي هذا القول ليستدل به على صحة القول بحسن الظاهر، إذ الاختلاف بينه و بين المعدّل بعد فرض دخول الملكة في مفهوم العدالة راجع غالبا إلى الأخير من جزءي هذا المفهوم و هو القيد العدميّ، و الغالب في التعديل أنّ مستند المعدّل في إحرازه الأصل الذي لا تعرّض فيه للواقع، و ليس مبنى اعتباره على العلم أو الظنّ بالواقع، خصوصا مع ملاحظة ما ادعي من النص و الإجماع على أنّه يكفي في الشهادة بالعدالة عدم العلم بوقوع موجب الفسق من فعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، و مستند الجارح ما يفيد العلم بوقوعه من غير تعرّض لنفي الملكة، فيكون ذلك المستند كالدليل العلمي قبالا للأصل الذي هو مستند المعدّل، و من البيّن عدم معارضة الأصل للدليل و ورود الدليل عليه، و هذا هو معنى ما قد يوجد في كلامهم من عدم التعارض بين أدري و لا أدري، فتقديم قول الجارح تصديق له و للمعدّل، بخلاف تقديم قول المعدّل.

و إن شئت قلت: إنّ كلا من القولين في نحو الصورة المفروضة ناطق من جهة و ساكت في أخرى، فنطق المعدّل بوجود الملكة و سكوته عن نفي موجب الفسق في الواقع، و نطق الجارح بوقوع موجبه و سكوته عن نفي الملكة، و قضية الجمع بين النطقين اجتماع الفسق و الملكة، و هو معنى تصديقهما الذي يتأتى بتقديم الجارح. هذا مع إمكان تطرّق المنع إلى تقديمه لمنع إطلاق التعليل إمّا لأنّ تصديقهما بعد فرض عدم وقوع التكاذب بينهما قد يتأتى بتقديم المعدّل فيما لو عدّل بناء منه على لحوق التوبة بعد وقوع المعصية علما أو ظنا فينحل قوله: «فلان عدل» أنّه و ان عصى إلّا أنّه تاب مع رجوع قول الجارح إلى منع التوبة استنادا إلى الأصل، أو لأنّهما كثيرا ما يتعارضان و يتكاذبان بتعرض كلّ منهما لنفي ما أثبته الآخر كما يتّفق في صور:

منها: دعواهما العلم أو الظنّ بوقوع موجب الفسق و نفي وقوعه في قضية

شخصيّة.

و منها: دعواهما علما أو ظنا حصول الملكة الرادعة و عدم حصولها.

و منها: دعواهما علما أو ظنا بقاء الملكة و زوالها مع الاتفاق على أصل حصولها، و حينئذ فلا بدّ إمّا من البناء على الترجيح بمراجعة المرجّحات على تقدير وجودها إن ساعد عليه الدليل، أو البناء على التساقط و الرجوع [إلى الأصل] (1)المختلف جريانه بحسب اختلاف الفروض إن لم يثبت الإجماع على خلافه. فقد يساعد الأصل على الحكم بما يوافق الجرح، و قد يساعد على الحكم بما يوافق التعديل، و لا يذهب عليك أنّه حينئذ ليس من تقديم قول الجارح أو المعدّل، لأنّ الحكم بما يوافق أحد القولين غير تقديم هذا القول، من حيث إنّه هذا القول. و لتمام البحث في فروع هذه المسألة محلّ آخر، فلم يتّجه إطلاق القول بتقديم الجارح، كما هو المشهور في حكم المسألة.

و منها: ما ذكره أيضا في الكتاب المذكور من: إطباق الأصحاب إلّا السيد و الإسكافي على صحة صلاة من صلّى خلف إمام تبيّن كفره أو فسقه، و به نطقت الأخبار (2).

و فيه: من قصور التأدية ما لا يخفى، و كان المراد به أنّ قضية اشتراط صحّة صلاة المأموم بعدالة الإمام مع صحة صلاة مأموم انكشف فسق إمامه تنفي كون العدالة ملكة و إلّا لزم أحد الأمرين من نفي الشرطية أو إنكار الصحة، و هو طرح لدليل أحد الحكمين.

و يدفعه أوّلا: أنّ الصحة في مفروض المسألة على القول بالملكة من الاجزاء في الأمر الظاهري العقلي أو الشرعي الذي أثبته الدليل على خلاف القاعدة المقرّرة في محلّه.

و ثانيا: أنّها مع شرطية العدالة تجامع القول بالملكة أيضا لكونها حينئذ من الشروط العلمية، و توهّم لزوم طرح دليل الشرطية أيضا لظهوره في الشرط


1) زيادة تقتضيه السياق

2) مفتاح الكرامة 3: 85- 86.

الواقعي، يدفعه منع كونه طرحا للدليل، بل هو تصرّف فيه بإخراجه عمّا هو ظاهر فيه إلى خلافه، و لا بدّ له من قرينة، و يكفي فيها كون الحمل عليه جمعا بين دليل كون العدالة ملكة و دليل صحّة صلاة المأموم فيما انكشف فسق إمامه.

ثمَّ بقي الكلام في القول بظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق و القول بحسن الظاهر، بناء على ما اشتهر من كونهما قولين في معنى العدالة و إغماضا عمّا تقدم منّا من منع ذلك بما لا مزيد عليه، و لا سيما في الأوّل منهما الذي كانت عبارات أصحابه ظاهرة كالصريحة في كون مرادهم دعوى أنّ الأصل في المسلم الذي لم يظهر منه الفسق أن يكون عدلا فيحكم به في مجهول الحال إلى أن يظهر خلافه، لا أنّ ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق بنفسه عدالة، فهو لا ينافي كون العدالة بحسب المفهوم عندهم عبارة عن الصفة الواقعية المأخوذ فيها الملكة، و المقصود في هذا المقام التعرّض لدليليهما على تقدير كونهما قولين في معنى العدالة.

فنقول: إنّ حجة القول الأوّل ممّا استدلّ به مع ما يمكن أن يستدلّ به عدّة روايات مثل: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران، قال: فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا و أقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا و علموا، و على الوالي أن يجيز شهادتهم، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق (1).

و حسنة الوشاء عن العلاء بن سيابة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: لا بأس إذا كان لم يعرف بفسق (2).

و حسنة محمّد بن أبي نصر البزنطي بإبراهيم بن هاشم، بل صحيحة على الصحيح، عن أبي الحسن عليه السّلام أنه قال له: جعلت فداك كيف طلاق السنّة؟ قال:


1) الوسائل 27: 397 ب 41 من أبواب الشهادات ح 18.

2) الوسائل 27: 394 ب 41 من أبواب الشهادات ح 6.

يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّه تعالى في كتابه: فإن خالف ذلك ردّ إلى كتاب اللّه عزّ و جل، فقلت له: فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق أ يكون طلاقا؟ فقال: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير (1)بناء على كون المراد من خير الإسلام.

و رواية سلمة بن كهيل، قال: سمعت عليا عليه السّلام يقول لشريح في حديث طويل:

و اعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلّا مجلود في حدّ لم يتب منه أو معروف بشهادة زور أو ظنين (2)(3).

و رواية عبد الرحيم القصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إذا كان الرجل لا تعرفه الناس يقرأ القرآن فلا تقرأ خلفه و اعتد بصلاته (4).

و رواية صالح بن علقمة عن أبيه قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام و قد قلت له: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبرني عمّن تقبل شهادته و من لم تقبل شهادته؟ فقال:

يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته، قال: فقلت له: تقبل شهادة المعترف بالذّنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المعترف بالذنوب لما قبلت إلّا شهادة الأنبياء و الأوصياء، لأنّهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا (5).

و الجواب عن الجميع- بعد الإغماض عن الطعن على أسانيد كثير منها- القدح في دلالاتها على مطلوبهم، فإنّ أقصى ما فيها الدلالة على أنّ المسلم الذي لم يظهر منه الفسق أو من ولد على فطرة الإسلام و لم يظهر منه فسق قبلت شهادته،


1) الوسائل 22: 26 ب 10 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 4.

2) ظنين أي المتهم (منه).

3) الوسائل 27: 212 ب 1 من أبواب آداب القاضي ح 1.

4) الوسائل 8: 319 ب 12 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

5) الوسائل 27: 395 ب 41 من أبواب الشهادات ح 13 و فيه: «عن صالح بن عقبة عن علقمة».

و يجري عليه سائر أحكام العدالة. و أمّا أنّ ذلك لأجل كون الإسلام مع عدم ظهور الفسق بنفسه هو العدالة كما هو المطلوب فلا دلالة فيها عليه أصلا، لا بطريق النصوصية و لا بنحو الظهور، لقيام احتمال كونه لأجل كون ما ذكر طريقا تعبّديا إلى العدالة، و مرجعه إلى ما استظهرناه من الجماعة من القول بأصالة العدالة في المسلم المقتضية لترتيب أحكام العدل عليه إلى أن يظهر منه ما يوجب الفسق.

بل الإنصاف أنّ هذا الاحتمال أظهر من الاحتمال الأوّل الذي عليه مبنى الاستدلال بها، حتى أنّ رواية ابن كهيل غير ظاهرة في ذلك، لأنّ كون المسلم عدلا لا يلازم كون الإسلام عدالة، لجواز كون الحمل فيما بين المسلم و العدل نظيره فيما بين الناطق و الضاحك و غيرهما من المتساويين، فغاية ما يفيده الحمل اتحاد الذات المتّصفة بالعدالة مع الذات الموصوفة بالإسلام في الوجود، و هذا لا ينافي تغاير وصفي العدالة و الإسلام في الوجود.

هذا مع أنّ الظاهر عدم تعلّق بعض الروايات المذكورة بمحلّ البحث أصلا كرواية عبد الرحيم القصير، لظهورها في كفاية ائتمام الناس بإمام لا تعرفه في معرفة عدالته، لكونه نوعا أمارة ظنّية تفيد الظنّ و الوثوق بعدالة الامام، و هو على ما سنقرّره كاف في إحراز العدالة المعتبرة بحسب الشرع، على أنّ في رواية صالح بن علقمة دلالة واضحة، على أنّ عدم رؤية الرجل يرتكب ذنبا أمارة يستدل بها على كونه من أهل العدالة بمعنى الملكة الرادعة بمعنى الخوف النفساني المانع من ارتكاب الذنب، لمكان عطف الستر بهذا المعنى على العدالة في قوله:

فهو من أهل العدالة و الستر.

و ملخصه أنّ عدم رؤية ارتكاب الذنب في الرجل أمارة تكشف و لو تعبّدا عن خوف نفساني فيه يمنعه عن ارتكاب الذنب على معنى الحكم بأنه لم يرتكب الذنب، و البناء على أنّ منشأه العدالة و الستر بمعنى الخوف النفساني إلى أن يظهر خلافه.

لا يقال: إنّ المقترف بالذنوب هو العامل بها، و قد حكم الامام عليه السّلام بقبول شهادته تعليلا بأنّه لولاه لانحصر قبول الشهادة في أهل العصمة، و هذا يدل على

أنّ العدالة لا يعتبر فيها ترك المعصية في الواقع فضلا عن الملكة، بل يكفي فيها عدم رؤية ارتكاب المعصية في الظاهر.

لأنّا نقول: هذا بملاحظة ما ذكرناه مرارا من أنّ وجود الملكة لا ينافي صدور المعصية أحيانا، إنّما ينفي اعتبار العصمة في العادل، و لا ينفي اعتبار الملكة و بعثها على ترك المعصية فعلا في مفهوم العدالة لتعارض ما تقدّم من دليل اعتباره، و لو سلّم فهو من جهة إطلاق الحكم بقبول شهادة المقترف بالذّنوب المتناول لفاقد الملكة أيضا و يخرج عنه بدليل اعتباره من باب التقيّد، و بهذا يعالج الإطلاق لو توهّم في سائر الروايات أيضا.

و احتجّ للقول بكون العدالة حسن الظاهر بالروايات المعلّقة لترتيب أحكام العدالة من الإمامة و قبول الشهادة على الصفات الوجودية الظاهرة في الصفة الواقعيّة النفسانية، كالخيرية و الأمانة و الصيانة و الصلاح و العفّة، كما تقدم ذكرها عند تأييد المختار، مضافة إلى روايات أخر ظاهرة في كون حسن الظاهر مناطا للحكم بالعدالة و ترتيب أحكامها، مثل المروي عن الشيخ عن محمّد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال:

فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ بها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه (1).

و رواية سماعة عن الصادق عليه السّلام قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته و كملت مروّته و ظهر عدله و وجب اخوّته (2).


1) التهذيب 6: 283 ح 781.

2) الوسائل 27: 396 ب 41 من أبواب الشهادات ح 15 و فيه: «عن عبد اللّه بن أحمد بن عامر الطائي».

و المروي عن أمالي الصدوق بسنده عن الكاظم عليه السّلام: من صلّى خمس صلوات في اليوم و الليلة في جماعة فظنّوا به خيرا و أجيزوا شهادته (1).

و المرسلة المروية عن هداية الشيخ الحرّ: روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان إذا تخاصم إليه رجلان- إلى أن قال:- و إذا جاؤوا بشهود لا يعرفهم بخير و لا شرّ بعث رجلين من خيار أصحابه يسأل كلّ منهما من حيث لا يشعر الآخر عن حال الشهود في قبائلهم و محلّاتهم، فإذا أثنوا عليهم قضى حينئذ على المدّعى عليه، و إن رجعا بخبر شين و ثناء قبيح لم يفصهم و لكن يدعو الخصمين إلى الصلح، و إن لم يعرف لهم قبيلة سأل عنهما الخصم، فإن قال: ما علمت منهما إلّا خيرا أنفذه شهادتهما (2).

و المروي عن الكافي و التهذيب في الحسن أو الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمهم رجل فلمّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهوديّ، قال: لا يعيدون (3).

و في معناه المروي عن الصدوق في الفقيه عن كتاب زياد بن مروان القندي و في نوادر محمّد ابن أبي عمير: أنّ الصادق عليه السّلام قال: في رجل صلّى بقوم من حين خرجوا عن خراسان حتى قدموا من مكّة فإذا هو يهوديّ أو نصرانيّ، قال:

ليس عليهم إعادة (4)إلخ.

و الجواب عن الجميع: بعد الإغماض عن أسانيد أكثرها و الغضّ عن إشعار كثير منها بكون العدالة أمرا وجوديّا واقعيّا و صفة نفسانيّة يستدلّ عليها بظاهر الحال إن لم ندعّ كونه ظهورا كما أشرنا إليه عند تأييد المختار، أنّ قصارى ما ينساق منها إجراء أحكام العدالة و ترتيب آثارها عند تحقّق حسن الظاهر أو على من حسن ظاهره، و هذا لا يقتضي أزيد من الطريقيّة، و هو مسلّم عند أهل القول بالملكة أو عند أكثرهم على ما أشرنا إليه مرارا و ستعرفه مفصّلا من أنّهم يجعلون


1) الأمالي: 278 ح 23.

2) الوسائل 27: 239 ب 6 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1 مع اختلاف في اللفظ.

3) الكافي 3: 378 ح 4، التهذيب 3: 40 ح 141.

4) الفقيه 1: 405 ح 1201.

حسن الظاهر طريقا يتوصّل به إلى إحراز العدالة، و على المستدلّ إثبات دلالتها على كونه بنفسه عدالة، و أنّى له بذلك.

و استدلّ أيضا بصحيحة ابن أبي يعفور حيث قال الامام عليه السّلام فيها: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» (1)إلخ، و هذا صريح في اعتبار حسن الظاهر.

و جوابه: أنّه كما أشرنا إليه مرارا و سنحقّقه في المقام الآتي ظاهر كالصريح في اعتباره طريقا إلى العدالة المغايرة له لئلّا يلزم اتحاد الدليل و المدلول.

و أمّا ما قيل: من أن ظاهر اشتراط قبول الشهادة بحسن الظاهر- كما دلّت عليه تلك الأخبار بضميمة ما دلّ على اشتراطه بالعدالة- هو اتحاد العدالة و حسن الظاهر، للإجماع على عدم كونهما شرطين متغايرين، فكون حسن الظاهر طريقا إلى العدالة خلاف ظاهر الاتحاد، كما إذا ورد أنّه يشترط في الشاهد العدالة و ورد أيضا يشترط فيه حسن الظاهر فحينئذ يجعل العدالة عبارة عن الاستقامة الظاهريّة التي عليها الإنسان في ظاهر حاله.

ففيه أوّلا: المعارضة بمثله بالقياس إلى الملكة، فإنّ ظاهر ما دلّ على اشتراط قبول الشهادة بالعدالة بضميمة صحيحة ابن أبي يعفور الدالّة على اشتراط قبوله بالملكة و بعثها على اجتناب الكبائر هو اتحاد العدالة و الملكة، و عليه فلا يبقى لتلك الأخبار محمل سوى حسن الظاهر على وجه الطريقيّة.

و ثانيا: منع دلالة تلك الأخبار على اشتراط قبول الشهادة بحسن الظاهر كما عرفت، فإنّ بعضها دالّ على اشتراطه بالعدالة التي يكشف عنها حسن الظاهر و بعضها دالّ على قبولها عند تحقّق حسن الظاهر، و هذا كما يحتمل كون حسن الظاهر بنفسه شرطا كذلك يحتمل كونه طريقا إلى الشرط إن لم ندع ظهوره في الثاني، غاية الأمر كونه مجملا فيرجع إلى ما يوجب رفع هذا الاجمال ممّا دلّ على مغايرة حسن الظاهر للعدالة كمغايرة الطريق و ذيه.


1) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

المقام الثالث في طرق العدالة من الأصل و غيره

اشارة

فليعلم أنّه لا مجال للأصل الاستصحابي في إحراز العدالة لمجهول الحال إذا شكّ في وجود الصفة النفسانية، لأنّ الأصل يقتضي العدم، فلا يمكن إحراز وجودها ابتداء به. نعم لو علم أو ظنّ عدالة رجل في وقت ثمَّ شكّ في وقت آخر في زوالها جاز الحكم بانسحابها، و ترتيب أحكامها عليه بالأصل، سواء شكّ في زوال الملكة أو في عروض ما يوجب الفسق من ارتكاب كبيرة أو الإصرار على صغيرة، فإنّ الأصل بقاء الأوّل و عدم عروض الثاني، و لا إشكال في جواز الاعتماد على هذا الأصل بكلّ من قسميه، لعموم المنع من نقض اليقين بالشكّ للأحكام و الموضوعات التي منها المقام، و سيرة المسلمين قديما و حديثا التي هي إجماع عملي في الاعتماد عليه في ترتيب أحكام العدالة في الشهود و أئمّة الجماعة و المفتين و حكّام الشرع و غيرهم، و هذا خارج عن معقد البحث من الطرق التي يراد بها الأمور التي يحرز بها العدالة ابتداء، فانّ فيه خلافا بين الأصحاب، ففي كلام جماعة حصرها في المعاشرة و الشهرة و الشهادة، و قد يعبّر عنها بالاختبار و الاشتهار و الإخبار.

و قيل: إنّها تحرز بحسن الظاهر أيضا، و لعلّه المشهور بين المتأخّرين.

و قيل: يكفي فيه الإسلام مع عدم ظهور الفسق، و عليه جماعة من قدماء

الأصحاب على ما استظهرناه من كلماتهم، حتى أنّهم جعلوا الأصل في المسلم العدالة، كما هو ظاهر عبارة الإسكافي المتقدّمة بل صريح عبارة الشيخ في الخلاف (1)كما عرفت، و جعلوا فائدة ذلك الأصل سقوط اعتبار الفحص و التفتيش عن الباطن، و قولهم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كون طريقيّة الإسلام مع عدم ظهور الفسق باعتبار إفادته الظنّ بالعدالة، و الآخر: كونه كالبيّنة أمارة تعبّدية بالعدالة، و أيّا ما كان فهو في غاية الضعف.

أمّا على الوجه الأوّل فلمنع تأثير مجرّد الإسلام في الظنّ بالعدالة، فإنّها بمعنى الكيفيّة النفسانيّة صفة زائدة على الإسلام، و باعتباره ينقسم المسلم إلى العادل و الفاسق، فيكون الإسلام أعمّ، و لا يعقل كون الأعمّ مؤثرا في الظنّ بالأخصّ، و انضمام القيد العدميّ إليه لا يجديه نفعا في إفادة الظنّ لكونه أيضا أعمّ، سواء أخذنا ظهور الفسق بالمعنى المقابل لخفائه، أو بالمعنى المرادف بخروجه من القوّة إلى الفعل.

أمّا على الأوّل فلأنّ عدم ظهوره بهذا المعنى قد يجامع وجود الفسق في الواقع مع خفائه على الأنظار، و لقد عرفت أنّ العدالة على القول بالملكة هي الملكة الملازمة للتقوى المؤثّرة في اجتناب الكبائر و سائر موجبات الفسق، لا مطلق الملكة و لو كانت مجامعة لموجب الفسق.

و أمّا الثاني فلأنّ لعدم خروج الفسق من القوّة إلى الفعل أسبابا كثيرة: أحدها الكيفيّة النفسانية التي هي خشية اللّه سبحانه، و الخوف من سخطه و عذابه على وجه يغلب على هوى النفس و شهوتها و مكيدة الشيطان، و قد ينشأ عن خوف السلطان و من يجري مجراه، و عن خوف الافتضاح بين الناس، و عن الاستحياء منهم، و عن خوف السقوط عن درجة الاعتبار لديهم، و عن فقد أسباب المعصية أو بعض من شروطها أو نحو ذلك، فيكون أعمّ من الأوّل.


1) الخلاف 3: 216 المسألة 10.

و بالتأمّل فيما ذكرناه يظهر ضعف ما تقدّم حكايته عن ابن الجنيد من الاستدلال بأنّ إسلام المسلم يقتضي عدم الإخلال بواجب و لا الإقدام على محرّم إلى أن يصرفه صارف، فإنّ الشيئين ما لم يكن بينهما علاقة و ملازمة يستحيل أن يكون أحدهما مقتضيا للآخر، و لقد عرفت أنّه لا علاقة بين الإسلام من حيث هو، و بين عدم الإخلال بالواجبات و عدم ركوب المحرّمات، فضلا عن كون ذلك من آثار الملكة و الكيفيّة النفسانيّة.

و توهّم العلاقة بينهما إمّا من جهة أنّ الإسلام ما أخذ في مفهومه الإقرار بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أو من جهة أنّه مرادف للايمان الذي أخذ في مفهومه العمل بالأركان، أو من جهة غلبة تحقق الملكة الرادعة معه، فيوجّه الدليل حينئذ بأنّ الإسلام بما أخذ فيه من الإقرار بما جاء به النبيّ، أو بما أخذ فيه من العمل بالأركان، أو بما يغلب معه من الملكة الرادعة يقتضي عدم الإخلال بواجب و لا الإقدام على محرّم.

يدفعه منع الغلبة المدّعاة، فإنّا إن لم ندّع غلبة الفسق فلا أقلّ من منع غلبة العدالة و منع مرادفة الإسلام للايمان، بل هو على ما يستفاد من أخبار أهل العصمة عليهم السّلام و تصريح فحول الفرقة الحقّة أعم من الإيمان- و لقد حقّقناه في رسالة منفردة في تحقيق أصالة الصحة- و منع دخول العمل بالأركان في حقيقة الإيمان على تقدير تسليم المرادفة بينهما.

نعم هو معتبر في كمال الإيمان، و الإقرار بما جاء به النبي المأخوذ في حقيقة الإسلام إنّما يقتضي عدم الإخلال بالواجبات و ركوب المحرّمات على وجه الإنكار و التكذيب، لا مطلقا، حتى ما يكون منهما على وجه الإثم و العصيان، مع أنّه لو تمَّ الاقتضاء على الوجه الأوّل بل الوجه الثاني لقضي بعدم انفكاك العدالة من الإسلام و لزم منه عدم كون الفاسق مسلما، و هم لا يقولون بذلك، بل هو في

وضوح الفساد بمكانة البديهيّ الذي لا ينبغي أخذه مسألة علمية.

أمّا على الوجه الثاني- فمع ما يرد عليه من أنّ اللازم من دعوى التعبّدية لزوم الحكم بالعدالة و ترتيب آثارها و لو مع الظنّ بالخلاف، كما هو الحال في سائر الأمارات و الأصول التعبّدية، و لا نظنّهم أنّهم يقولون بذلك، و لذا قيّدوا الحكم بالعدالة و العمل بالأصل بغاية ظهور الفسق المتناول للظنّ به أيضا، فتأمّل- إنّ تعبّدية العمل بالإسلام مع عدم ظهور الفسق في ترتيب أحكام العدالة و لو مع عدم الظنّ بها، بل و مع الظنّ بخلافها لا بدّ له من دلالة معتبرة قطعيّة أو منتهية إلى القطع، فانّ التعبّد بالإسلام مع عدم ظهور الفسق في الحكم بالعدالة لا معنى له إلّا وجوب ترتيب آثار العدالة على المسلم إلى أن يظهر خلافها، و هذا هو الأصل الوارد في كلامهم مرادا به القاعدة المستفادة من الأدلّة، نظير الأصل في حمل فعل المسلم على الصحة على معنى وجوب ترتيب آثار الصحة على فعله، و هذا كما ترى يحتاج إلى دليل، كما قام الدليل على أصل الصحة من الإجماع فتوى و عملا و الأخبار، و لم نقف في الأدلّة كتابا و سنّة و إجماعا و عقلا ما يمكن استنباط نحو ذلك الأصل منه.

أمّا العقل فغير مستقل، و أمّا الإجماع فغير ثابت بل الثابت خلافه، و أمّا الكتاب فليس منه ما يرتبط بالمقام إلّا قوله عزّ من قائل وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (1)بتقريب أنّ الخطاب مع المسلمين. و قوله «شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ» يقضي بكفاية رجلين من المسلمين، و مبناه إمّا على عدم اعتبار العدالة في الشهادة و هو باطل بالإجماع و الروايات و قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (2)أو على أنّ الأصل في المسلم العدالة ما لم يظهر خلافها و هو المطلوب.

و يندفع بأنّه ليس إلّا من جهة الإطلاق، و يخرج عنه بقوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (3)أي تثقون به، بشهادة المروي في تفسيره عن


1) البقرة: 282

2) الطلاق: 2.

3) البقرة: 282.

العسكري عليه السّلام: من ترضون دينه و أمانته، و صلاحه و عفّته و تيقّظه فيما يشهد به، و تحصيله و تميّزه- إلى أن قال عليه السّلام:- فإذا كان صالحا عفيفا مميّزا محصّلا مجانبا للمعصية و الهوى و الميل و التحائل فذلك الرجل الفاضل (1)فإنّه يوجب تقييد الرجلين بحسن الظاهر.

و أمّا السنة: فلأنّه ليس في الروايات ما يوهم هذا الأصل إلّا ما تقدّم في الأخبار في حجة القول بكون الإسلام مع عدم ظهور الفسق نفس العدالة من صحيحة حريز و حسنتي الوشاء و البزنطي و روايتي ابني كهيل و علقمة.

و يرد على الصحيحة و الحسنة الاولى أنّه ليس فيهما من وجوه الدلالة إلّا إطلاق عدم المعروفيّة بالفسق على معنى عدم ظهوره منضمّا إلى الإسلام، و هو قابل للتقييد بحسن الظاهر، فليحمل على إرادة المقيّد بذلك، جمعا بينهما و بين روايات حسن الظاهر. و على الحسنة الثانية باحتمال، إرادة ما عدا الإسلام من لفظ الخير إن لم نقل بظهوره فيه، فليحمل عليه أيضا جمعا. و على رواية ابن كهيل مع ضعفها سندا بقبولها التقييد بحسن الظاهر، فلتحمل عليه أيضا جمعا. و على رواية ابن علقمة أيضا مع ضعفها أنّه ليس فيها إلّا إطلاق قبول شهادة من لم يره يرتكب ذنبا، و هذا أيضا يقبل التقييد بحسن الظاهر، بل يصلح ذلك، لكونه نوعا من حسن الظاهر، كما يظهر بالتأمّل.

و إذ قد عرفت ضعف القول بطريقيّة الإسلام و عدم ظهور الفسق ظهر لك قوّة القول بطريقيّة حسن الظاهر، و دليله الأخبار المتكاثرة المعتضد بعضها ببعض المنجبر ضعف كثير منها سندا و دلالة بذلك.

فمنها: ما في مرسلة يونس عن بعض رجاله المتقدّمة من قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في جواب المسألة عن البيّنة إذا أقيمت على الحق: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ بها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات،


1) تفسير الإمام العسكري عليه السّلام: 672، و فيه: «و الميل و التحامل فذلكم».

فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه.

و وجه الدلالة أنّه عليه السّلام جعل الشهادات من الخمسة التي يجب الأخذ فيها بظاهر الحال، ثمَّ فسّر ظاهر الحال في الشاهد الذي يجب الأخذ به على معنى قبول شهادته بكون ظاهره ظاهرا مأمونا، و لا يكون ظاهره مأمونا إلّا بحسنه و ظهور الصلاح منه، فهو الذي أناط عليه السّلام به جواز شهادته و قبولها، و قوله عليه السّلام:

«و لا يسئل عن باطنه» معناه أنّه بعد ما ظهر منه الحسن و الصلاح لا يتوقّف الحكم بعدالته و ترتيب أثرها عليه على التفتيش، و المسألة من باطن أمره و سريرة شغله هل هو في السرائر و الخلوات يرتكب القبائح و الكبائر القادحة في العدالة أو يجتنبها؟ بل بمقتضى ظاهر حاله المنبئ بباطن أمره و لو ظنا يبني على وجود الصفة الواقعيّة و الحالة الملكية الباعثة له على الاجتناب و عدم الارتكاب إلى أن يظهر خلافه بطريق شرعي.

و منها: قول الصادق عليه السّلام في رواية سماعة المتقدمة: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته و كملت مروّته و ظهر عدله و وجب اخوّته.

و وجه الدلالة: أنّ عدم الظلم في المعاملات و عدم الكذب في التحديثات و عدم الخلف في الوعدات من جملة حسن الظاهر، بل من أعلى مراتبه، و قد رتّب عليه السّلام عليه أمورا:

منها: ظهور عدالة من يتّصف بها من باب ترتيب الجزاء على الشرط المقتضي للمغايرة بينهما، و قضية ذلك كون العدالة الظاهرة بالصفات المذكورة غيرها، و حيث إنّها تنشأ من الحالة المستقيمة النفسانية التي هي العدالة، فيكون الشرط المستفاد من قضية الرواية علّة للحكم بوجود الجزاء، لا علّة لنفس وجوده، و هذا هو معنى طريقيّة حسن الظاهر إلى العدالة.

و منها: قول الكاظم عليه السّلام في المروي عن الأمالي المتقدّم: من صلّى خمس صلوات في اليوم و الليلة في جماعة فظنّوا به خيرا و أجيزوا شهادته.

و وجه الدلالة أن قوله عليه السّلام: «من صلّى خمس صلوات» إلخ ظاهر في مواظبة الجماعة في الصلوات الخمس و المداومة عليها، و هو نحو من حسن الظاهر ينبئ باعتناء صاحبه بالشرع و محبّته للّه عز و جل، و قد رتّب الإمام عليه السّلام عليه ظنّ الخير بصاحبه و قبول شهادته بقوله: «فظنّوا به خيرا و أجيزوا شهادته» و الأمر بظنّ الخير الذي عطف عليه الأمر بقبول الشهادة يحتمل وجوها:

أحدها: كونه طلبا لنفس الظنّ على معنى إيجاد صفة الظنّ بوجود الصفة الواقعيّة التي هي العدالة، بناء على أن يكون المراد من الخير نفس العدالة، و محصّله إيجاب إيجاد الظنّ بعدالة الرجل بسبب حسن ظاهره المعلوم بمواظبته على الجماعة في صلواته.

و ثانيها: كونه طلبا للاعتناء بظنّ العدالة على تقدير حصوله بملاحظة ما ذكر من حسن الظاهر، بناء على كون المراد من الخير أيضا نفس العدالة، فيكون تقديره أنّه اعتنوا بظنّ العدالة المفروض حصوله لكم بسبب ما ذكر من حسن الظاهر، و بعبارة أخرى إيجاب العمل بالانكشاف الظنّي المستند إلى حسن الظاهر.

و ثالثها: كونه طلبا لترتيب آثار الظنّ بالعدالة التي منها قبول شهادته على مجرّد حسن الظاهر المذكور و إن لم يستتبع الظنّ فعلا بوجود صفة العدالة، و مفاده حينئذ كون حسن الظاهر المذكور معتبرا على وجه التعبّد أو من باب الظنّ النوعي.

و رابعها: كونه طلبا لجعل ما ذكر من المواظبة على الجماعة في الصلوات من الحسن الظاهر الذي يستدلّ به على وجود صفة العدالة على معنى عدّه منه إحرازا لدليل العدالة، ليتفرّع عليه بعد الانتقال منه إلى وجود هذه الصفة و لو تعبّدا وجوب قبول الشهادة بناء على أن يكون المراد من الخير حسن الظاهر الذي هو من قبيل الدليل، لا نفس العدالة الذي هو من قبيل المدلول.

و أضعف هذه الوجوه هو الوجه الأوّل، لعدم كون الظنّ من حيث وجوده في

النفس بنفسه من الأمور الاختياريّة المقدورة ليصحّ الأمر به و طلب إيجاده، إلّا بأن يرجع إلى طلب مراعاة حسن الظاهر المذكور و ملاحظته و النظر فيه ليحصل به ظن العدالة، أو يوجّه بكون الظنّ المأمور بإيجاده مقدورا بالواسطة بهذا الاعتبار، و أيّا ما كان فهو بعيد من سياق الكلام و دونه في الضعف الوجه الأخير، لرجوعه إلى توضيح الواضح، لأنّ كون ما ذكر نحوا من حسن الظاهر من الواضحات، هذا.

و لكن الإنصاف أنّه في متفاهم العرف ظاهر في الأمر بحسن الظاهر بالرجل المواظب على الجماعة في الصلوات في مقابل سوء الظنّ، و مرجعه إلى الظنّ بحسنه إمّا حسن ظاهره أو حسن باطنه الذي هو العدالة، و هو الأظهر، فيرجع إلى المعنى الثالث، فيرجع الرواية حينئذ إلى اعتبار حسن الظاهر من حيث التعبّد أو من باب الظنّ النوعي.

و منها: مرسلة الهداية المتقدّمة و فيها مواضع للدلالة:

الأوّل: قوله: «إذا جاؤوا بشهود لا يعرفهم بخير و لا شرّ» يدلّ على أنّ المناط في قبول الشهادة و ردّها معرفة الشاهد بحسن ظاهر أو سوء ظاهر.

الثاني: قوله: «فإذا أثنوا عليهم» أي إذا وصفوهم بالحسن و الخير.

الثالث: قوله: فإن قال: ما علمت منهما إلّا خيرا أنفذ شهادتهما، لظهور معرفة الخير منهما في معرفتهما بحسن الظاهر.

و فيه و في سابقة دلالة أيضا على أنّ شاهد التعديل يكفي في قبول قوله في مقام التعديل أن يخبر بحسن الظاهر الذي هو طريق إلى إحراز العدالة، و لا يعتبر فيه الإخبار بنفس العدالة بعبارة فلان عدل أو ثقة.

و منها: قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» (1)فإنّ العيوب عبارة عن العيوب الشرعية، و هي المعاصي الحاصلة من ترك الواجبات و فعل المحرّمات، و سترها عبارة عن


1) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

حجبها عن الأنظار، و ليس المراد به ما هو ظاهر الستر- أعني حجب الأمر الوجودي حال وجوده و لو مع معلوميّة وجوده ليكون ستر العيوب عبارة عن حجب العيوب المعلوم وجودها فيه، ضرورة أنّه بهذا المعنى لا يصلح طريقا إلى العدالة لمن علم وجودها- بل المراد به الامتناع عن العيوب المحتملة الوقوع منه في الملإ و عدم التلبّس بها في ظاهر الأنظار و محضر الناس، و إذا كان الرجل بهذه الصفة فهي فيه حسن ظاهر يستدلّ به على عدالته و يتوصّل إلى وجود الصفة الواقعية، كما أشار إليه الإمام عليه السّلام بقوله: «و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته» و لا حاجة بعد إحرازه إلى الفحص و التفتيش عن عيوبه الباطنيّة، و هي التي يرتكبها في الخلوات مثل بيته و منزله و عند أهله و عياله، بل يحرم ذلك بحكم حرمة التجسّس و إشاعة الفاحشة المنصوص عليه بالآية، كما أشار عليه السّلام بقوله:

«حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه».

و بالجملة أنّ الرواية تقضي بأنّ الستر بجميع العيوب بالمعنى المذكور إذا أحرز في الرجل يترتّب عليه حكمان: حرمة التفتيش عن عيوبه الباطنية المحتمل تلبّسه بها في البواطن و الخلوات، و وجوب تزكيته و إظهار عدالته و ترتيب آثار العدالة عليه.

و أمّا قوله عليه السّلام: «و يكون منه التعاهد للصلوات» إلخ و قوله: «و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم» الظاهر كونهما عطفين على مدخول أن في قوله: «أن يكون ساترا لجميع عيوبه» فيحتمل وجوها:

أحدها: ما هو ظاهر العطف المقتضي للجميع بمعنى المشاركة بين المعطوف و المعطوف عليه، من كون طريق إحراز العدالة مجموع الأمور الثلاث من حيث المجموع، أعني: ستر جميع العيوب في الظاهر المندرج فيه فعل الواجبات و ترك المحرّمات و المواظبة على الصلوات و حفظ مواقيتها على معنى الإتيان بها في أوائل أوقاتها الذي هو من السنن المؤكّدة، و الحضور في الجماعات عند الصلوات لأدائها جماعة الذي هو أيضا من السنن المؤكّدة، فهذا المجموع من حيث هو ما

يمكن الاستدلال به على وجود صفة العدالة.

ثانيها: كون العطف فيهما من باب عطف الخاص على العامّ، بأن يقال: إنّ ستر العيوب جميعا في الظاهر يستلزم دوام المواظبة على الصلوات و حفظ مواقيتها، على معنى عدم تركها رأسا و لا تأخيرها عن أوقاتها المخصوصة، كما يستلزم غالبا حضور الجماعات في الصلوات، و إنّما خصّ هذان بأفراد الذكر لمزيد دخلهما في حسن الظاهر و ظهور الصلاح.

ثالثها: كونه لبيان تعدّد طرق العدالة على معنى تعدّد أنواع حسن الظاهر الذي يحرز به العدالة، على وجه يكون كلّ كافيا في إحرازها، بناء على كون كلمة «واو» بمعنى «أو» المفيدة للتنويع.

رابعها: أن يكون لبيان كون كلّ لاحق طريقا إلى سابقة.

فهاهنا أمور أربع: الأمر النفساني الّذي هو العدالة، و هو المطلوب الأصلي.

و ستر العيوب في الظاهر، و قد جعله الشارع طريقا إلى إحراز الأوّل. و مواظبة الصلوات و حفظ مواقيتها، و قد اعتبره الشاعر طريقا إلى الطريق لمن لا يتمكّن من إحراز ستر العيوب بالمعاشرة التامّة، و لعلّ السرّ فيه كون الصلاة بالخاصية زاجرة عن المعاصي، كما يشير إليه قوله عزّ من قائل إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1). و حضور الجماعات في الصلوات، و قد أخذ الشارع طريقا إلى طريق الطريق، و كأنّ الوجه فيه أنّ المواظبة على الصلوات في مواقيتهنّ لا يعلم بها في أكثر الأشخاص إلّا بالحضور في المساجد و إقامة الصلوات جماعة، و الأوّل و إن كان يساعد عليه ظاهر العطف إلّا أنّه يصرفه عن هذا الظهور قوله:

«و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته» عقيب قوله: «أن يكون ساترا لجميع عيوبه» فإنّه يقضي باستقلال ستر العيوب في الطريقية، كما أنّ قوله عليه السّلام: «و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة الذنوب» مع قوله: «إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، و لو لا


1) العنكبوت: 45.

ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح» يقرّب الوجه الأخير.

نعم قوله: «و لو لا ذلك» إلى قوله: «لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين» إلخ ربّما يقرّب الوجه الثالث، و يعطي كون المواظبة على الصلوات و حفظ مواقيتهنّ بنفسه نوعا من الصلاح و حسن الظاهر، بل و لو جعلنا الصلاح عبارة عن الأمر النفساني الذي يستدلّ عليه بحسن الظاهر كان مواظبة الصلوات و حفظ مواقيتهنّ من حسن الظاهر المجعول طريقا إلى ذلك الوصف النفساني، و يعضده ما تقدّم من المروي عن الأمالي فتأمّل.

بل قضية الجمع بين الروايتين كون كلّ من مواظبة الصلوات الخمس و مواظبة الجماعة في أدائها طريقا مستقلا إلى نفس العدالة، فأظهر الوجوه حينئذ هو الوجه الثالث، و دونه في الظهور الوجه الأخير، كما أنّ أردأ الوجوه هو الوجه الأوّل، و دونه الوجه الثاني، إذ لا يلائمه التعليلات المذكورة، فليتدبّر.

و إذا علم كون حسن الظاهر ما اعتبره الشارع طريقا إلى إحراز العدالة فهل هو معتبر من باب التعبّد فلا يراعى في العمل به افادته الظنّ بالعدالة بل و لا يقدح فيه الظنّ بخلافها أيضا إذا لم يكن ذلك الظنّ ممّا اعتبره الشارع بالخصوص، أو معتبر من حيث الوصف على معنى كون اعتباره في نظر الشارع منوطا بإفادته الظنّ بالواقع؟ و مرجع البحث في ذلك إلى إطلاق طريقيّة حسن الظاهر بالقياس إلى صورتي إفادته الظنّ بالواقع و عدمها و تقييدها بإفادة الظنّ.

فقد يقال بالتعبّد تمسّكا بإطلاق الروايات الواردة بطريقية حسن الظاهر، فإنّ قوله عليه السّلام: «أن يكون ساترا لجميع عيوبه» و قوله عليه السّلام: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته» و غيرها ممّا ورد في سائر الأخبار المتقدمة و غيرها بالقياس إلى صور الظنّ بالواقع و عدمه و الظنّ بخلاف الواقع و عدمه مطلق، فيفيد إطلاق الاعتبار و إرادة المطلق دون المقيّد.

و يؤكّده بل يكشف عن إرادة المطلق قوله عليه السّلام: «و لا يسأل عن باطنه» في مرسلة يونس (1)بمعنى لا يلتفت إليه على حدّ ما في أخبار الجبن و اللحم المشترى من سوق المسلمين، من قولهم عليهم السّلام: «و لا تسأل» (2)على معنى نفي اعتبار الالتفات إلى الواقع، أي لا يتحرّى بعد نهوض الطريق الشرعي- و هو سوق المسلمين- في المثالين و نظائرهما و حسن الظاهر فيما نحن فيه، لانكشاف الواقع علما أو ظنا، و هذا لا يلائم إلّا تعبّد العمل بالطريق المجعول.

هذا مضافا إلى قوله عليه السّلام: «فظنوا به خيرا» في المروي عن الأمالي «و ظنوا به كلّ الخير» في المحكي عن الفقيه (3)بتقريب أنّ الظنّ بنفسه ليس من الأمور الاختياريّة، فلا يصحّ طلبه، فيراد من نحوه ترتيب آثار الظنّ و إن لم يكن الظنّ حاصلا، و هذا أيضا يقتضي كون وجه اعتبار حسن الظاهر وجه الموضوعيّة لا الكاشفية، و هذا غاية ما يمكن أن يوجّه الاستدلال به على التعبّد و وجه الموضوعيّة.

و لكن يزيّفه منع الإطلاق المتوهّم من نصوص الباب- لورودها مورد الغالب لقضاء العيان و ضرورة الوجدان- أنّ حسن الظاهر في غالب موارده بالنسبة إلى المعتدلين من الناس يفيد الظنّ الغالب بوجود الصفة الواقعية، هذا مع إمكان القدح فيه باحتمال ورودها مورد بيان حكم آخر، و هو مرجعية حسن الظاهر في إحراز العدالة في الجملة على طريقة القضية المهملة، من دون نظر إلى التعميم و التخصيص و لا الإطلاق و التقييد، فلا بدّ في التزام أحد الوجهين من ملاحظة القرائن و الأدلّة الخارجية.

و توهّم استكشاف إرادة المطلق من نحو قوله: «و لا يسأل عن باطنه» و قوله:

«ظنوا به خيرا» أو «كلّ خير».


1) الوسائل 27: 392- 393 ب 41 من أبواب الشهادات ح 3.

2) الوسائل 24: 179 ب 32 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.

3) الفقيه 1: 376 ح 1093.

يدفعه منع شهادة ذلك بمطلوب المستدل، أمّا قوله: «و لا يسأل عن باطنه» فلأنّه خبر في موضع الإنشاء، كما أنّ قوله: «جازت شهادته» كذلك، فكما أنّ ذلك يفيد وجوب [قبول] (1)شهادة الشاهد عند تحقّق حسن ظاهر فكذلك هذا يفيد حرمة السؤال عن باطنه- أي عن عيوبه الباطنية- فيكون نهيا مساوقا لقوله عليه السّلام:

«حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عيوبه و عثراته» فلا شهادة فيه بالموضوعية، و لو سلّم كونه على حقيقته فمفاده نفي اعتبار المسألة عن وجود صفة العدالة في الواقع، لفرض انكشاف وجودها ظنّا بملاحظة حسن الظاهر، و قد اكتفى به الشارع و أسقط كلفة الفحص و التفتيش كما هو ثمرة الطريقية، مع أنّه بمقتضى الفرض يرجع إلى طلب الحاصل إن قصد به الاستكشاف الظنّي، و ربّما يندرج في التجسّس و حبّ إشاعة الفاحشة- المنصوص على تحريمهما في الكتاب و السنّة- لما يستلزمه من الاطّلاع على العيوب الباطنية.

و أمّا قوله: «ظنّوا به خيرا» أو «كلّ خير» فلأنّه إنّما ينهض قرينة على ارادة المطلق لو كان منافيا لإرادة المقيّد، و هو بمكانة من المنع و إن حملناه على طلب ترتيب آثار الظنّ لا على طلب إيجاد نفس الظنّ، لأنّ ترتيب آثار الظنّ بالعدالة في مورد حسن الظاهر المورث بنوعه لذلك الظنّ جهة جامعة بين وجهي التعبّد و الوصف، فيكون أعمّ، و لا يعقل دلالة الأعمّ على الأخص، مع أنّه قد أشرنا سابقا أنّ الظنّ باعتبار كونه مقدورا بواسطة النظر في سببه المورث له ممّا يصحّ أن يتعلّق به التكليف، فيكون محصّل المراد به على هذا التقدير، فحصّلوا الظنّ بعدالته بملاحظة حسن ظاهره المعلوم فيه بأنّ من صفته أنّه يلازم الجماعة في صلواته.

فظهر من جميع ما بيّناه أنّ الحقّ الحقيق بالقبول وفاقا لبعض محققي مشايخنا (2)أنّ طريقيّة حسن الظاهر منوطة بإفادته الظنّ، و ليس مبناه على التعبّد الصرف، و دليله نفس النصوص الدالّة على مرجعيته التي توهم كونها مطلقات،


1) ما بين المعقوفين أضفناه و ذلك لاقتضاء السياق.

2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 41.

بضميمة قاعدة انصراف المطلق إلى الشائع من أفراده، و هو في حسن الظاهر بحكم الغلبة ما يفيد ظنّ العدالة، فيجب الاقتصار عليه في إجراء أحكام العدالة على مورده، إمّا لكونه القدر المتيقن من الحكم المخالف للأصل الذي أثبته الدليل، أو لنهوض شيوع الفرد في متفاهم العرف قرينة على انفهام الماهية من حيث الوجود فيرتفع به القبح اللازم على المتكلّم الحكيم من جهة إرادة خلاف الظاهر ممّا له ظاهر في معرض البيان، لكون قبحه منوطا بعدم البيان و الشيوع يصلح بيانا.

و يؤيّده قوله عليه السّلام: «و ظهر عدله» في خبر سماعة (1)بتقريب أنّ ظهور العدل بواسطة حسن الظاهر الحاصل من الصفات المذكورة في الرواية عبارة عن انكشافه الظنّي لبعد إرادة الانكشاف العلمي لندرة اتّفاقه، فيشعر بل يدلّ على أنّ عليه المدار في إجراء الأحكام المعلّقة على العدالة. و يدلّ عليه أيضا قوله عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «ان تعرفوه بالستر و العفاف» إلخ، مع قوله: «و الدلالة على ذلك كلّه» إلخ، فإنّ المعرفة ظاهرة في الإدراك التصديقي، و لا بدّ له من مستند، و قد جعله عليه السّلام حسن الظاهر، و حيث إنّ حسن الظاهر، بطبعه لا يصلح سببا للتصديق العلمي، فينهض ذلك قرينة على إرادة التصديق الظنّي من المعرفة، فدلّت الرواية على أنّ المعتبر في العدالة إنّما هو المعرفة الظنيّة، و الطريق المحصّل لها إنّما هو حسن الظاهر.

و ممّا يؤيّد المختار أو يدلّ عليه أيضا الاعتبار العقلي و هو أنّ الحكمة الباعثة على جعل الطريق إلى العدالة- و هي تسهيل الأمر على العباد المحتاجين إلى العدالة، و رفع الكلفة عنهم، مع مراعاة عدم لزوم سدّ باب الشهادات و الحكومات، و تضييع الحقوق و الأموال، و تعطيل أمور الناس في دينهم و دنياهم- تقتضي كون الطريق المجعول أمرا منضبطا يتساوى نسبته إلى الجميع، و لا يكون إلّا الانكشاف الظنّي المستند إلى حسن الظاهر.


1) الوسائل 8: 361 ب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

و إن شئت قلت: حسن الظاهر من حيث إفادته الظنّ، لأنّه من حيث هو مشتمل على مراتب مختلفة غير منضبطة، باعتبار أنّ الظاهر و الباطن في كلّ من طرفي الحسن و السوء أمران إضافيان يختلفان بحسب اختلاف الأشخاص و الأنظار، فالظاهر لأهل البلد باطن لغيرهم، و الظاهر لأهل المحلّة باطن لمن عداهم، و الظاهر للجيران باطن لغيرهم، و الظاهر لأهل البيت باطن للجيران، و الظاهر لزوجة الرجل باطن لسائر أهل بيته. و بعبارة أخرى يظهر للزوجة ما لا يظهر لسائر أهل بيته، و لأهل بيته ما لا يظهر لجيرانه، و لجيرانه ما لا يظهر لأهل محلّته، و لأهل محلّته ما لا يظهر لسائر أهل بلده، و لأهل بلده مالا يظهر للخارجين من البلد، و قد يصير السلسلة على عكس ذلك كما يعلم بالتأمّل، إلّا أنّ ذلك يغلب في جانب السوء، و لا ينضبط هذه المراتب المختلفة إلّا بإناطته بإفادة الظنّ بوجود الملكة الملازمة للتقوى، مع أنّ سقوط اعتبار العلم في الأمر الواقعي الذي يكون الأصل في طريق إحرازه العلم من جهة تعذّره أو تعسّره في غالب موارد ذلك الأمر يستدعي في حكم العقل المستقل جعل ما هو أقرب إليه من الطرق الغير العلميّة مقامه، و لا ريب أنّ المقيّد من الحسن الظاهر بإفادة الظنّ أقرب إلى العلم من مطلقة، فتأمّل.

ثمَّ إنّ في كون المدار في طريقيّه حسن الظاهر من حيث الظنّ على الظنّ النوعي- على معنى كونه بحيث لو خلّي و طبعه أفاد الظنّ بوجود الملكة الملازمة للتقوى، فلا يقدح فيه عدم اتّفاق الظنّ في بعض الموارد لعارض، أو على الظنّ الشخصي، على معنى إناطة اعتباره في كلّ واقعة على افادة الظنّ الفعلي- وجهان، بل قيل: قولان- استظهارا لهما من كلماتهم- أظهرهما الثاني، لعين الأدلّة المذكورة، فإنّها بأجمعها تفيد اعتبار الظنّ الشخصي حتى النصوص المطلقة، بحكم الانصراف إلى مورد الغالب، و لو بقي فيها شبهة إطلاق مقتض لنوعيّة الظنّ لوجب الخروج عنه بالأخبار المعلّقة لجواز الائتمام بإمام الجماعة بالوثوق به، كما في

خبر عمرو بن الربيع البصري (1)أو الوثوق بدينه كما في خبر سهل بن زياد، أو الوثوق بدينه و أمانته كما في خبر أبي علي بن راشد (2)أو بالوثوق بدينه و ورعه كما في الرضوي (3)فإنّ المتبادر من الوثوق الظنّ و الاطمئنان الفعليان، و من الدين و الأمانة و الورع الصفات الوجودية، و تطلق في العرف و العادة على ملكاتها الراجعة إلى الملكة الملازمة للتقوى.

و إن شئت قلت: إنّ الظنّ بوجود الصفة النفسانية المستند في إمام الجماعة إلى حسن الظاهر ظنّ به و بدينه و أمانته و ورعه، فليحمل عليه النصوص المطلقة على فرض تسليم إطلاقها. و لا يقدح في ذلك نسبة العموم من وجه بينها و بين الأخبار المذكورة، لحكومة تلك الأخبار عليها في متفاهم العرف و لا ضعف أسانيدها، لأنّ تراكم بعضها ببعض و اعتضادها بالاعتبار و ظهور العمل بها من كلمات الأصحاب، حيث يستدلّون بها في باب اشتراط العدالة في إمام الجماعة يفيده ظنّ الصدور فيها، ثمَّ يتمّ المطلب في غير إمام الجماعة من سائر موارد العدالة، بظهور عدم القول بالفصل، مضافا إلى قوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (4)إذ الظاهر المتبادر من الرضا بالشاهد الوثوق و الاطمئنان به، و يظهر إرادة ذلك ظهورا تامّا ممّا في المروي عن تفسير الإمام عليه السّلام (5)من اضافة الرضا إلى دينه و أمانته و صلاحه و عفّته.

و هل مطلق الظنّ بالعدالة من أيّ سبب حصل كاف في ثبوتها

و ترتّب أحكامها، أو يعتبر الظنّ الخاص المستند إلى أسباب مخصوصة كالمعاشرة و الشهرة و الشهادة، أو هي و حسن الظاهر أيضا؟ وجهان، بل قولان، بل أقوال،


1) الوسائل 8: 359 ب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 15.

2) كذا، و الرواية واحدة، رواها في الكافي (3: 374) عن عليّ بن محمّد عن سهل، عن علي بن مهزيار، عن أبي عليّ بن راشد بلفظ «من تثق بدينه» و رواها في التهذيب (3: 266) بإسناده عن سهل بن زياد مثله، إلّا أنّه زاد: «و أمانته» راجع الوسائل 8: 309 ب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 و ذيله

3) الفقه الرضوي: 144.

4) البقرة: 282

5) تفسير الإمام العسكري عليه السّلام: 276.

أقواها الأوّل، وفاقا لغير واحد من مشايخنا (1). و يظهر اختياره من ثاني الشهيدين في الروضة حيث جعل من مثبتات عدالة الإمام اقتداء العدلين به بحيث يعلم ركونهما إليه (2)فإنّ كون ذلك مثبتا لها خصوصا مع تقييده بالعلم بالركون إليه ممّا لا يعقل له وجه، إلّا أنّه يفيد بنوعه ظنّ العدالة، و كلّما كثر المقتدين العدول المعتبرين قوى الظنّ بها، و ربّما يدرج ذلك في الشهادة التي هي بنفسها من المثبتات، بناء على جعلها أعمّ من القوليّة و الفعلية.

و لا يبعد دعوى الشهرة بين المتأخّرين في كفاية مطلق الظنّ، كما ربّما يظهر حكايتها من الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: بقي في المقام تحقيق أنّ المعتبر في إمام الجماعة و قبول الشهادة هل هو الظنّ الغالب بحصول العدالة المستند إلى البحث و التفتيش أم يكفي في ذلك ظهور الإسلام و عدم ظهور ما يقدح في العدالة؟ المشهور بين المتأخّرين الأوّل، و جوّز بعض الأصحاب التعويل في العدالة على حسن الظاهر، و قال ابن الجنيد: كلّ المسلمين على العدالة إلّا أن يظهر خلافها، و ذهب الشيخ رحمه اللّه في الخلاف و ابن الجنيد و المفيد في كتاب الاشراف إلى أنّه يكفي في قبول الشهادة ظاهر الإسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة- إلى أن يقال:- و الترجيح للقول الأخير و هو أنّه لا يعتبر في العمل بمقتضى العدالة البحث و التفتيش، بل يكفي الإسلام و حسن الظاهر و عدم ظهور القادح في العدالة. ثمَّ ذكر جملة من الأخبار المتقدّمة لأهل القول بكفاية الإسلام و حسن الظاهر فقال: وجه الاستدلال بهذه الأخبار أنّ القدر الذي اعتبره عليه السّلام أقلّ من الظنّ بالعدالة بالمعنى الذي اعتبروه (3)انتهى.

فإنّ اعتبار الظنّ الغالب بحصول العدالة الذي جعله مشهورا بين المتأخّرين قول بكفاية الظنّ المطلق، و لا ينافيه الحصر المستفاد من العبارة بواسطة وصف كون الظنّ الغالب مستندا إلى البحث و التفتيش، لأنّه ليس حصرا للظن المعتبر في


1) راجع رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 65.

2) الروضة 1: 793.

3) الذخيرة: 305- 306.

باب العدالة في الظنّ الحاصل من البحث و التفتيش خاصّة، بل هو حصر للسبب المورث للظنّ بها في البحث و التفتيش، بناء على أنّ الوصف للتوضيح لا للاحتراز، و لا ينافيه عدم اعتبار هؤلاء لحسن الظاهر، لأنّه ليس بناء منهم على أنّه يفيد الظنّ بالعدالة، و لكنه غير معتبر، بل بناء منهم على أنّه لا يفيد الظنّ بها ليكون معتبرا، فوجه إنكارهم لحسن الظاهر بعينه هو وجه عدم اكتفائهم بظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق من أنّه لا يلازم العدالة ليفيد الظنّ بها و لم يعتبره الشارع تعبّدا، لعدم ورود خبر معتبر تام الدلالة في ذلك، و ما ورد من الأخبار ممّا ظاهره ذلك غير معتبر، و على هذا يرجع النزاع بينهم و بين معتبري حسن الظاهر من باب الظنّ إلى كونه في الصغرى، و هو أنّ حسن الظاهر هل يفيد الظنّ أولا؟

لا إلى الكبرى، و هو أن الظنّ الحاصل منه هل هو معتبرا أولا؟

فالفريقان مطبقان على أنّ الظنّ بالعدالة مطلقا كاف في الحكم بها و ترتيب أحكامها، و على أنّ البحث و التفتيش ممّا يفيد الظنّ بها، و اختلفوا في أنّ حسن الظاهر أيضا يفيده ليكون مسقطا لاعتبار البحث و التفتيش أو لا يفيده لئلّا يكون كافيا في الحكم بها، و ربّما يظهر دعوى الشهرة المذكورة من ثاني الشهيدين أيضا في المسالك (1).

و كيف كان فلنا على كفاية مطلق الظنّ الأخبار المتقدّمة المعلّقة لحكم إمام الجماعة بالوثوق به و بدينه و أمانته و ورعه، بتقريب ما مرّ من أنّ الظنّ بعدالة الرجل وثوق به، و هو بالقياس إلى سبب الوثوق مطلق، مضافا إلى قوله مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (2)و إلى خبر عبد الرحيم القصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس يقرأ القرآن فلا تقرأ خلفه و اعتد بصلاته (3)فانّ ترخيصه عليه السّلام في الاقتداء بإمام مجهول في الاكتفاء بمجرّد كونه يؤم الناس لا جهة له في الظاهر، إلّا أنّ اقتداء الناس به ممّا يورث الظنّ بعدالته و عليه


1) المسالك 2: 363 (ط حجرية)

2) البقرة: 282.

3) التهذيب 3: 275 ح 798.

المدار في ثبوت العدالة، فتأمّل. هذا.

و يمكن التمسّك بدليل الانسداد القاضي بأنّه لو لا جواز الاكتفاء بالظنّ في باب العدالة لزم سدّ باب الشهادات و الحكومات و تضييع الحقوق و تلف أموال الأيتام و تعطيل الفتاوى و الولايات و غيرها ممّا ينوط نفوذه بالعدالة، لتعذر العلم بها في غالب مواردها من جهة فقد الطرق العلمية المفيدة للعلم بها، حتى أنّ المعاشرة التامة و الصحبة المؤكّدة أيضا لا يفيده إلّا في حق الأوحدي، لعسر الاطلاع على العيوب الباطنيّة القادحة في العدالة، فلئن سلّم غلبة اتّفاق العلم بوجود الملكة بالمعاشرة التامة في كثر من مواردها أو أكثرها، فلا يسلم العلم بترك جميع الكبائر حتى الباطنيّة منها، و لا باستناد ما حصل به إلى الملكة لتعدّد أسبابه على ما مرّ بيانه. هذا.

و المناقشة فيه بأنّه لا يلزم من انسداد باب العلم بالعدالة انفتاح باب الظنّ المطلق فيها، لجواز الرجوع في الموارد المشتبهة إلى الأصل أو إلى الشهادة في إثباتها بناء على الأخذ بها تعبّدا.

يدفعها: أنّ مرجعية الأصل في مقام إثبات العدالة بعد سقوط اعتبار العلم غير معقولة، لأنّ من شأن الأصل نفي ما يشكّ في حدوثه، و العدالة أمر حادث، فيلزم من مرجعيّته ما يلزم على تقدير اعتبار العلم، و جريانه فيما يشك في زوال العدالة بعد تيقّن ثبوتها، و إن كان ممكنا غير أنّه خارج عن محلّ البحث الذي يقصد فيه إثبات الطرق المثبتة للعدالة في الموارد المشتبهة التي يشكّ فيها في أصل وجود الكيفيّة النفسانيّة الرادعة، و كون المرجع هو الشهادة أيضا غير معقول، إلّا على تقدير الالتزام بانفتاح باب الظنّ مطلقا، إذ الشهادة لا بدّ في اعتبارها عدالة الشاهد، و لا بدّ لها من مثبت، و لا يجوز كونه الشهادة أيضا لأدائه إلى الدور أو التسلسل، فلا بدّ أن يناط ثبوتها فيه إمّا بطريق العلم أو بطريق الظنّ، و الأوّل باطل لفرض تعذره و انسداد بابه، فتعيّن الثاني، و هو المطلوب.

نعم يمكن المناقشة فيه بأنّه لا يتجه القول بكفاية الظنّ المطلق من مجرد

سقوط اعتبار العلم و بطلان مرجعية الأصل و عدم تماميّة الرجوع إلى الشهادة ما لم تنته إلى مطلق الظنّ، لجواز الرجوع إلى حسن الظاهر، من حيث إنّه ظنّ خاصّ اعتبره الشارع بالخصوص، بل ربّما يمكن دعوى ظهور قوله عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» (1)في حصر طريق المعرفة الظنية للعدالة في حسن الظاهر، على معنى انحصار طريق إثباتها ظنا في ذلك، أو إلى ظنون خاصة أخر اعتبرها الشارع بالخصوص، كظنّ المعاشرة و الشهرة و الشهادة بناء على الأخذ بها هنا، من حيث إفادتها الظنّ لا مطلقا.

و يمكن دفع الجميع بأنّ التمسّك بدليل الانسداد في المقام مبني على عدم ثبوت دليل خاص من نص أو إجماع على الأمور المذكورة أو عدم تمامية ما ورد من الأخبار في بعضها سندا أو دلالة، فهو على هذا الفرض يقتضي كفاية الظنّ مطلقا و من أي سبب حصل، و يندرج في هذا العنوان حينئذ كلّ ما يفيد الظنّ من حسن الظاهر و البحث و التفتيش و السؤال و المعاشرة و الاشتهار و الشهادة و اقتداء العدلين أو جماعة من المعتبرين و غير ذلك.

ثمَّ بعد نهوض الدليل المذكور على هذا الوجه نقول: يؤكّده جميع الأخبار الواردة بحسن الظاهر مع الأخبار المصرّحة بالوثوق في إمام الجماعة و ما ورد في تفسير مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (2)و قوله عليه السّلام: «ظهر عدله» في مرسلة يونس (3)و خبر عبد الرحيم القصير (4)و غيره ممّا ذكرناه و ما لم نذكره، بتقريب: أنّ المستفاد من المجموع من حيث المجموع كون المناط في إثبات العدالة و ترتيب أحكامها في نظر الشارع ظهورها و انكشافها الظنّي كائنا ما كان، من دون مدخلية لخصوص سبب دون سبب. و كثرة ورودها بحسن الظاهر لعلّها من جهة أنّه الطريق


1) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

2) البقرة: 282.

3) بل في رواية سماعة بن مهران راجع الوسائل 8: 316 ب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

4) الوسائل 8: 319 ب 12 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

الغالبي المتيسّر الحصول لأكثر المكلفين بإحراز العدالة في حق أغلب الناس المحتاج إلى إثبات عدالتهم.

و هل المعتبر من الظنّ المطلق مطلقه و لو في أوّل درجات الرجحان أو الظنّ القوي البالغ حدّ الوثوق و الاطمئنان أو الظنّ القوي المتاخم للعلم؟ وجوه أوسطها أقواها، عملا بظاهر قوله عليه السّلام: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته» و ما بمعناه، و قوله عليه السّلام: «إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» مع ما قيل: من أنّ دليل الانسداد- بناء على التمسّك به في المقام- إنّما يوجب العلم بالظنّ في الجملة، فيجب الاقتصار فيه على الظنّ القوي المعبّر عنه عرفا بالوثوق و الأمن (1).

و بجميع ما ذكر يندفع ما يقال: من أنّ إطلاقات الروايات تدلّ على اعتبار مطلق الظنّ، بناء على أنّ المتيقّن ممّا خرج من إطلاقها هو صورة عدم حصول الظنّ، فيبقى الباقي تحته، فإنّ الإطلاق المدعي بعد تسليمه- بناء على الإغماض عن دعوى انصرافه إلى صورة الوثوق- يخرج عنه بما دلّ على اعتبار الوثوق.

ثمَّ بقي

الكلام مع من حصر الطرق المثبتة للعدالة في المعاشرة و الشياع و الشهادة

اشارة

، فإن أراد بذلك نفي اعتبار الظنّ مطلقا و أنّ المعتبر في إثبات العدالة هو العلم بالمعنى الأعم من العقلي و الشرعيّ و أنّ أسبابه منحصرة في الثلاثة فالشهادة علم شرعي، و ما عداها علم عقلي على معنى افادته إيّاه، تمسّكا بأنّ العدالة بمعنى الملكة النفسانيّة من الموضوعات الواقعية التي علّق عليها في الشرع أحكام كثيرة، و الأصل الأوّلي العقلي فيها لزوم إثباتها بطريق العلم و ما يقوم مقامه شرعا.

ففيه أوّلا: منع كون المعاشرة و الشياع مفيدين للعلم الحقيقي بالعدالة، لعسر الاطّلاع على المعاصي الباطنيّة، و عسر الاطّلاع على استناد ترك ما علم تركه من المعاصي إلى الخوف و الاستحياء من اللّه، و الشياع المفيد للعلم بالعدالة لا يتأتى إلّا إذا بلغ حد التسامع و التظافر بحيث كانت العدالة متسالما فيها بين الناس على


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 64.

وجه لا ينكرها و لا يتوقّف فيها أحد كعدالة سلمان و أبي ذر و احزابهما، و هذا كما ترى ممّا لا يتفق عادة في حق غير الأوحدي من الناس.

و ثانيا: منع انحصار ما يعتبر في إثبات العدالة في العلم بالمعنى المذكور، لوجوب الخروج من الأصل المذكور بكثرة الأخبار الواردة بكفاية حسن الظاهر في إثباتها، المعتضدة بروايات كفاية ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق، و غير ذلك ممّا تقدم دليلا أو تأييدا لإثبات حجّية حسن الظاهر، سواء قلنا تعبّدا أو من باب الظنّ.

و ثالثا: أنّ الظنّ المطلق عند معتبريه أيضا داخل في العلم بالمعنى المذكور، لأنّهم إنّما يعتبرونه لدليل، فيكون كالشهادة علما شرعيّا قائما مقام العلم العقلي.

و إن أراد بذلك نفي حصول الظنّ من غير هذه الثلاثة من باب حصر أسبابه فيها مع البناء على كفاية مطلق الظنّ فيها على تقدير حصوله من غير الثلاثة أيضا فهو كلام في الصغرى، و الأمر فيه سهل، لبناء التعدي من الثلاثة إلى غيرها على فرض حصول الظنّ من غيرها أيضا، بل بعد الفراغ عن إثبات حصوله.

و إن أراد نفي اعتبار الظنّ الحاصل من غير هذه الثلاثة بدعوى أنّها ظنون مخصوصة ثبت اعتبارها هنا بالخصوص بالنص و الإجماع، فيرجع في غيرها إلى أصالة عدم حجية الظنّ خصوصا في الموضوعات.

ففيه أنّ هذا الأصل أيضا يجب الخروج عنه بدليل حسن الظاهر، بل بدليل كفاية الظنّ مطلقا الذي يندرج فيه هذه الثلاثة و يسقط به كلفة تحرّي أحدها، بل قد عرفت عن الإسكافي و الشيخين و أحزابهم من القدماء الاكتفاء بما دون الظنّ و ما هو أدون من حسن الظاهر و هو الإسلام و عدم ظهور الفسق، مع ما عرفت عن الشيخ في الخلاف (1)من إنكاره لزوم الفحص و التفتيش- الذي يكون المعاشرة من أفراده- أشد الإنكار، و دعواه إجماع أهل الأعصار على تركه و جعله الالتزام به ممّا أحدثه شريك بن عبد اللّه القاضي مع عدم مساعدة شي‌ء من النصوص على


1) الخلاف 6: 217- 218 المسألة 10.

اعتبار هذه الثلاثة بالخصوص، فكيف يدعى كونها من الظنّ الخاص الذي ثبت اعتباره بالخصوص بالنص و الإجماع؟ و غاية ما يسلّم إنّما هو الإجماع على جواز سلوك كلّ من هذه الطرق الثلاث في إحراز العدالة، و هذا لا ينافي طريقيّة غيرها بعد مساعدة الدليل، بل طريقية شي‌ء عام يكون هذه الثلاثة من أفراده، مع إمكان كونه المشهور بين المتأخرين على ما بيّناه في توجيه كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة.

ثمَّ ينبغي التكلّم في بعض ما يتعلّق بهذه الثلاثة لينتفع به من لم يتمكّن في إثبات عدالة شاهد أو إمام أو غيرهما من طريق إلّا أحدها، فنقول:

أمّا المعاشرة:

فهي المصاحبة و المخالطة مع الرجل في الخلإ و الملأ للاطّلاع على وجود صفة العدالة في باطنه بواسطة الاطّلاع على خصلة فيه تكشف عن خوفه من اللّه الرادع له عن ارتكاب المعاصي و القبائح، و هذا هو معنى ما تقدّم سابقا عن نهاية العلّامة في تفسير الاختبار الذي جعله من طرق معرفة العدالة، و قد ذكرنا مرارا أنّه في غالب موارده لا يورث القطع، بل غاية ما يورثه الظنّ، فليكتف به مع مراعاة مرتبة الوثوق و الاطمئنان، و هو سكون النفس على وجه لا يبقى لها تزلزل و اضطراب. و أمّا ما في عبارة الروضة من التعبير بالعلم حيث قال: «و تعلم بالاختبار المستفاد من التكرار المطلع على الخلق من التخلّق و الطبع من التكلّف غالبا و بشهادة عدلين بها و شياعها و اقتداء العدلين به في الصلاة بحيث يعلم ركونهما إليه تزكية» (1)فلا ينافي ما ذكرناه، لعدم كون مراده خصوص العلم بقرينة ذكر شهادة العدلين.

و أمّا الشياع:

فالكلام فيه تارة من حيث الكمّ و اخرى من حيث الكيف.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّه لم يحصل فيه للفقهاء اصطلاح خاص، بل هو باق على حقيقته اللغوية التي يكشف عنها العرف، و إطلاقه في كلامهم إنّما هو باعتبار المعنى العرفي الكاشف عن اللغة، فهو لغة على ما عن القاموس: من شاع الأمر أي


1) الروضة 1: 793.

ذاع و فشا، و في المجمع: شاع الخبر ذاع و ظهر، و منه قوله عزّ من قائل الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا (1)فهو بهذا المعنى كما ترى ليس من جنس الخبر و إن أوهمه عبارة المجمع، بل هو وصف يعرض أصل المطلب باعتبار بروزه و ظهوره عند أناس، و يقال له: المحكوم به في القضايا و المخبر به في الأخبار، و بهذا الاعتبار قد يجامعه الخبرية فيما إذا أخذ ذلك المطلب الذائع الظاهر الشائع في قضية خبرية و أخبر به فيها، و لذا قد يعبّر عنه في باب العدالة بالاشتهار أو الشهرة. فما في كلام جماعة من تعريفه بخبر جماعة مع اختلافهم في تقييده بإفادة العلم أو الظنّ المتاخم بالعلم ليس على ما ينبغي.

و لمّا كان المعنى المذكور بحيث أخذ في مفهومه الإضافة إلى من يطرأه العدد، فمن هنا جاء النظر في العدد المعتبر في صدق هذا المفهوم و تحقّقه في الخارج، غير أنّ الأصحاب لم يتعرّضوا لتحديده و تعيينه، و هذا آية إيكالهم له إلى نظر العرف، و لا ريب أنّه عند أهل العرف لا يصدق على ظهور الأمر عند واحد و لا عند اثنين و لا عند ثلاثة، و إن كان ما سمعته عن الجماعة من تعريفه بخبر جماعة ربّما يوهم صدقه مع الثلاثة باعتبار صدق الجماعة عليه، غير أنّه واضح الفساد، لأنّ المستفاد من العرف أنّه يتوقّف على عدد أزيد من ذلك، و لا يتحقّق بالأربعة، بل الخمسة و ما دونهما، و في تحقّقه بالستة و ما يقرب منه إشكال.

و بالجملة لا يكفي في صدق هذا المفهوم و تحقّقه مطلق الجماعة، بل يعتبر معها نحو كثرة لا بدّ في تشخيصها من مراجعة العرف، و يختلف بحسب الموارد.

و أمّا الثاني: فيلاحظ ذلك بالنسبة إلى نظر من يستفيد المطلب من شياعه على معنى ظهوره و وضوحه عند أناس كثيرين، فهل يعتبر فيه عرفا كونه بحيث يفيد العلم به أو الظنّ المتاخم بالعلم، أو يكفي الظنّ و يعتبر بلوغه حدّ الاطمئنان أو يكفي مطلق الظنّ؟ و الظاهر أنّه صالح لجميع المراتب، و يصدق عرفا مع الجميع، و يختلف حاله بحسب الموارد و باعتبار اختلاف مراتب كثرة الجماعة،


1) النور: 19.

و لأجل ذا اختلف الفقهاء في حكمه من حيث اشتراط ثبوت المطلب به بإفادته العلم أو كفاية الظنّ مطلقا أو مع الاطمئنان، و من ذلك اختلافهم في مسألة ثبوت ولاية القاضي به، و من معتبري إفادته العلم ثمّة الفاضلان في قضاء الشرائع (1)و المنتهى (2)، و لو كانت هذه اللفظة واردة في نص أو مأخوذة في معقد إجماع أمكن التمسّك بها من جهة الإطلاق على إطلاق حجيّته في كلّ مورد، إلّا ما خرج بدليل دالّ على اعتبار العلم فيه بالخصوص، غير أنّ النصوص خالية عنها، و لم نجدها في معاقد الإجماعات أيضا.

و لكنّ الذي سهّل الخطب في خصوص المقام هو ما رجّحناه من كفاية الظنّ في ثبوت العدالة، و عليه فالمتّجه كفاية الشياع الظنّي مع مراعاة بلوغه حدّ الاطمئنان لما مرّ.

و قد يستدل عليه أيضا بمرسلة يونس بن عبد الرحمن المتقدّمة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و المواريث و الشهادات فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته (3)بناء على كون المراد بالحكم، المحكوم به، بمعنى أصل المطلب، و من الظاهر المضاف، ما يرادف الواضح لا ما يقابل الباطن، على أن يكون إضافته إلى الحكم من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. فيكون محصّل معنى الرواية أنّه يجب على الناس الأخذ في الخمسة المذكورة بالمطلب الواضح، أي بوضوح المطلب، فينطبق على الشياع، بمعنى وضوح المطلب و ظهوره عند الناس.

و فيه أوّلا: أنّه إن أريد بوضوح المطلب وضوحه عند جميع الناس كانت الرواية أجنبية عمّا نحن فيه بالمرّة، لأنّها تقضي حينئذ باعتبار البداهة و الضرورة،


1) الشرائع: 4: 67

2) لم يصل إلينا كتاب القضاء منه.

3) الوسائل 27: 393 ب 41 من أبواب الشهادات ح 4.

و هي ليست من الشياع في شي‌ء. و إن أريد به وضوحه عند جماعة بالعدد المعتبر في الشياع فليس في الرواية ما يكشف عن ذلك مع كونها مطلقة، بل مجملة.

و ثانيا: ظهور الرواية بقرينة قوله عليه السّلام: «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» في كون المراد من الظاهر ما يقابل الباطن و الواقع، فيكون المراد من الحكم الحالة التي لها ظهور و لو نوعا في شي‌ء مع احتمالها لخلاف الواقع.

و ثالثا: أنّ المعنى المذكور لا يلائم مع السؤال في الرواية الذي هو سؤال عن جواز قبول الشهادة من غير مسألة عن حال الشهود مع عدم معرفتهم، و المعنى المذكور بالنسبة إلى الشهادات يعطي حكما بالنسبة إلى تحمّل الشهادة، على معنى اعتبار كون مستند الشاهد في تحمّل الشهادة الشياع، على معنى وضوح المطلب عند جماعة من الناس بالعدد المعتبر في تحقّق الشياع و هذا كما ترى أجنبي عن السؤال بل الجواب أيضا. و لو تكلّف بحمل ظاهر الحكم- بمعنى المطلب الواضح عند جماعة على نفس شهادة الشهود ليكون محصّله اعتبار كون القضية المشهود بها معلومة للشهود مستندة إلى الحس- لزم اعتبار كون العدد المأخوذ في البيّنة المسؤول عنها في الرواية أكثر من اثنين، و هذا منفي بالإجماع. و لو تحمّل بحمل هذا الواضح على كونه كذلك عند اثنين فقط لزم الاكتفاء في تحقّق الشياع إلغاء شروط البيّنة، لأنّ المفروض تحقّق الشياع بالعدد المعتبر في البيّنة مع عدم اعتبار شروطها التي منها العدالة فيه، و هذا أيضا واضح الفساد، فالرواية بمقتضى ظاهر سياقها و غيرها من القرائن الموجودة فيها مسوقة لبيان حجّية ظاهر الحال في الأشياء المذكورة، أي الحالة الظاهرة بنوعها في المطلب المحتملة لخلاف الواقع، فيؤخذ بها في إثبات المطلب، و يستغنى بظهورها النوعي عن البحث و التفتيش و السؤال عن الباطن استعلاما لمطابقته الواقع أو مخالفته، و مرجعه إلى بيان اعتبار الأمارة الموجودة في كلّ واحد و حجّيتها، و لو من حيث الطريقية الكاشفة ظنا نوعيا عن الباطن، مثل ظهور التصرف في عين أو منفعة أو حقّ آدمي أو إلهيّ،

و منه القضاء للقاضي بالنسبة إلى الولايات بمعنى التصرّفات في كونه تصرّفا بحقّ فيحكم بكونه كذلك و لا يفتش عن باطنه، و ظهور كون المرأة في بيت الرجل و حبالته أو عقد النكاح الواقع بينهما في علقة الزوجيّة بينهما بانتفاء محرّمات النكاح عما بينهما، فيحكم بكونه كذلك و لا يفتّش عن باطنه، و ظهور كون الذبيحة الموجودة في سوق المسلمين أو في يد مسلم في وقوع ذبحها على شرائط الإسلام فيحكم بكونها كذلك و لا يفتش عن باطنه، و ظهور الفراش فيما بين رجل و امرأته في لحوق الولد بالرجل فيحكم بالتّوارث بينهما و لا يفتش عن باطنه، و ظهور حسن ظاهر الشاهد و حاله المأمون في عدالته الواقعية فيحكم بكونه كذلك و يقبل شهادته و لا يفتش عن باطنه.

و استدل عليه أيضا بصحيحة حريز الواردة في قصّة إسماعيل، قال: كانت لإسماعيل بن أبي عبد اللّه عليه السّلام دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال إسماعيل: يا أبه إنّ فلانا يريد الخروج إلى اليمن و عندي كذا و كذا دينارا أ فترى أن أدفعها يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا بنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بني لا تفعل، فعصى أباه و دفع إليه دنانيره فاستهلكها و لم يأت بشي‌ء منها، فخرج إسماعيل و قضى أنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام حجّ و حجّ إسماعيل تلك السنة، فجعل يطوف البيت و هو يقول: اللهم أجرني و أخلف علي، فلحقه أبو عبد اللّه عليه السّلام فهمزه بيده من خلفه و قال له: مه يا بنيّ، فلا و اللّه مالك على اللّه هذا، و لا لك أن يأجرك و لا يخلف عليك، و قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال إسماعيل: يا أبه إنّي لم أره يشرب الخمر إنّما سمعت الناس يقولون، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ اللّه عز و جل يقول في كتابه:

يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (1)يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، و لا تأتمن شارب الخمر، فإنّ اللّه تعالى يقول:


1) التوبة: 61.

وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ (1)فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر، لا يزوّج إذا خطب، و لا يشفع إذا شفع، و لا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره و لا يخلف عليه (2).

قال شيخنا في الجواهر: هذا كما ترى كالصريح في اعتبار الشياع الذي هو أعلى أفراد قول الناس و شهادة المؤمنين (3).

أقول: و كأنّ وجهه كون جنس الجمع أقرب مجازات الجمع المحلّى بعد تعذّر حقيقته و هو العموم، لتعذّر اتّفاق جميع المؤمنين على الشهادة بشي‌ء عادة مع القطع بعدم اعتباره شرعا في شي‌ء من المقامات، فيندرج فيه العدد المعتبر في الشياع، لكونه من مصاديق جنس الجماعة. و على القول بكون أقل الجمع اثنين يندرج فيه شهادة العدلين في جميع مواردها، بل تدل الرواية حينئذ على عموم قبول البيّنة إلّا ما خرج بالدليل.

و فيه: أنّ الجمع المحلّى حقيقته في العموم، و المتبادر عنه استغراق الأفراد، و معناه استقلال كلّ فرد بانفراده للحكم و لا صارف له عن هذا الظاهر، فالمنساق من الرواية أشبه بوجوب قبول الشهادة كما ستعرفه، و قد يمنع الدلالة بمنع كونه أمرا بقبول شهادة المؤمنين و ترتيب آثار الصدق عليها ليكون دليلا على حجية الشياع، لكون المراد به نظير ما هو المراد في قوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (4)و هو عدم ترتيب آثار الكذب احتياطا و أخذا بالأحوط فالأحوط، و سنوضحه فيما بعد و نشير إلى ما يدفعه أيضا.

و أمّا شهادة العدلين:

بالعدالة فالظاهر بل المقطوع به أنّه لا إشكال بل لا خلاف في اعتبارها، بل وجوب قبولها في إثبات العدالة إجماعيّ، و لا ينافيه الخلاف في كفاية الواحد في التزكية مطلقا، أو اشتراط التعدّد مطلقا،


1) النساء: 5.

2) الوسائل 19: 82 ب 6 من كتاب الوديعة ح 1.

3) الجواهر 40: 57

4) التوبة: 61.

أو الفرق بين تزكية الراوي فالأوّل و تزكية الشاهد فالثاني على ما قرر في الأصول كما هو واضح. و يدلّ عليه من النصوص مع ما ذكره ما ورد في نقل فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله:

من أنّه إذا لم يعرف الشهود كان يبعث رجلين من أصحابه إلى قبيلته و محلته و جيرانه لاستظهار حاله من عدالة أو جرح، فإذا جاؤوا بخبر ثناء أجاز شهادته، و إذا جاؤوا بخبر شين لم يفضحه (1)و ما ورد في القابلة: من أنّه إذا سئل عنها فعدلت (2)و ما في صحيحة ابن أبي يعفور من قوله عليه السّلام: و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا (3)و فحوى ما دلّ على اعتبارها في الجرح مثل قوله عليه السّلام في رواية صالح بن علقمة: من لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة و شهادته مقبولة (4).

و يمكن الاستدلال عليه أيضا بقوله عليه السّلام: «إذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم» في صحيحة حريز المتقدّمة بتقريب أنّ الأصل في الجمع المعرّف باللّام هو العموم الأفرادي، و لا صارف عنه في الرواية إلى غيره من العموم المجموعي أو جنس الجمع أو جنس المفرد أو غير ذلك من إطلاقاته الواردة على خلاف الحقيقة، فيدلّ على استقلال كلّ مؤمن في وجوب تصديقه في شهادته، ثمَّ يقيّد إطلاقه بالشروط المعتبرة في قبول شهادة الشاهد التي منها العدالة، و مورد الرواية و إن كان هو الجرح بالفسق بل خصوص شرب الخمر غير أنّ العبرة على ما حقّق في محله بعموم اللفظ لا بخصوص المورد، فعموم اللفظ المستفاد من الجملة الشرطية المفيدة للسّببية يقتضي وجوب تصديق المؤمن في كلّ ما يشهد به من المطالب و الموضوعات التي منها العدالة. و منه ظهر أنّ المنساق من الرواية قاعدة كلّية مطردة في جميع الموارد، و هو ثبوت كلّ حقّ آدميّ أو الهيّ بالشهادة، ثمَّ إن ثبت


1) الوسائل 27: 240 ب 6 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

2) الوسائل 27: 362 ب 24 من أبواب الشهادات ح 38.

3) الوسائل 27: 391 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

4) الوسائل 27: 395 ب 41 من أبواب الشهادات ح 13.

دليل عام من نص أو إجماع على اعتبار التعدّد في الشهادة قيّد به إطلاق كلّ مؤمن من حيث العدد، فيكون المعنى نفوذ شهادة كلّ مؤمن و وجوب قبولها بشرط انضمام شهادة مثله إليه، و إلّا كان الأصل بمقتضى العموم قبول شهادة العدل الواحد في كلّ مورد، إلّا ما خرج بالدليل الدال على اشتراط التعدّد فيه بالخصوص، و منه المقام لما عرفت بالنصوص المتقدّمة من اعتبار العدلين في الشهادة بالعدالة كاعتبارهما في الجرح و هو الشهادة بالفسق.

نعم يشكل الحال في تمامية دلالة الرواية على نفوذ الشهادة و وجوب قبولها، من حيث إنّه ليس فيها إلّا الأمر بتصديق المؤمنين في شهادتهم و هو لا يلازم وجوب قبول شهادتهم على معنى ترتيب آثار الواقع على المشهود، لاحتمال أن يكون المراد به التصديق المخبري و هو عدم تكذيب المخبر و وصفه بالصدق وصفا صوريّا من دون ترتيب آثار الصدق على خبره، لا التصديق الخبري و هو وصف الخبر بالصدق و ترتيب آثار الواقع على المخبر به. و الفرق بينهما أنّ التصديق الخبري يستلزم التصديق المخبري، بخلاف التصديق المخبري فإنّه لا يستلزم التصديق الخبري، و إطلاق الأمر بالتّصديق و إن كان ظاهرا في التصديق الخبري غير أنّه يجب الخروج عن هذا الظاهر بقرينة موجودة في الرواية صارفة له إلى التصديق المخبري، و هو استدلال الإمام عليه السّلام أوّلا بقوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (1)أي يصدّق اللّه و يصدّق المؤمنين، فإنّ تصديق المؤمنين في الآية أريد به التصديق المخبري، أي عدم تكذيبهم و وصفهم بالصدق وصفا صوريّا فقط لا وصفا واقعيا بدليل ملاحظة شأن نزول الآية.

فعن القمّي: كان سبب نزولها أنّ عبد اللّه بن تهيل (2)كان منافقا و كان يقعد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيسمع كلامه و ينقله إلى المنافقين و ينمّ عليه، فنزل جبرئيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا محمّد إنّ رجلا من المنافقين ينمّ عليك و ينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من هو؟ فقال: الرجل الأسود كثير شعر الرأس


1) التوبة: 61

2) في المصدر: عبد اللّه بن نفيل.

ينظر بعينين كأنّهما قدران و ينطق بلسانه شيطان، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبره فحلف أنّه لم يفعل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قد قبلت منك فلا تقعد فرجع إلى أصحابه فقال: إنّ محمّدا أذن، أخبره اللّه أنّي انمّ عليه و أنقل أخباره فقبل، و أخبرته أنّي لم أفعل فقبل، فأنزل اللّه على نبيّه وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (1)أي يصدّق اللّه فيما يقول له و يصدّق فيما نعتذر إليه في الظاهر، و لا يصدّقك في الباطن (2)انتهى.

و السر في حمل تصديق المؤمنين على التصديق المخبري أنّ من المستحيل الجمع بين تصديقي المخبرين بالإثبات و النفي في قضيّة واحدة، إلّا بأن يكون أحدهما تصديقا خبريّا و الآخر تصديقا مخبريّا، و لما تعيّن كون تصديق اللّه تصديقا خبريّا، على معنى أنّه صلّى اللّه عليه و آله اعتقد اعتقادا يقينيّا مطابقا للواقع بصدق خبره تعالى و مطابقته الواقع، فيعيّن كون تصديقه المؤمنين أي المنتحلين بالإيمان تصديقا مخبريّا، على معنى مجرّد عدم تكذيبهم و وصفهم بالصدق ظاهرا لا باطنا لاستحالة صدق الخبرين بكلا طرفي نقيض القضية، و لذا قيل: إنّ التفكيك بين يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين بالباء و اللام للتفرقة بين التصديقين (3)و قضية استدلاله عليه السّلام أوّلا بتلك الآية بعد ما عرفت من الفرق المذكور اندراج تصديق المؤمنين في شهادتهم الذي أمر به الإمام في عنوان قوله تعالى يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فيكون أمرا بعدم تكذيبهم و تصديقهم في الظاهر، لا في الباطن الذي هو عبارة عن ترتيب آثار الصدق على شهادتهم.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا أنّ إسماعيل في حديث الدنانير لمّا رتّب على قول الناس في الرجل المريد لليمن أنّه يشرب الخمر آثار الكذب حيث ائتمنه على دنانيره و اعتذر له بأنّي لم أره يشرب الخمر و إنّما سمعت الناس يقولون، فردّه الإمام عليه السّلام في هذا التكذيب بقوله: «فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم» أي لا


1) التوبة: 61

2) تفسير القمّي 1: 300.

3) تفسير الصافي 2: 353.

تكذّبهم، فهو ردع له عن التكذيب، لا أنّه أمر بالتصديق، على معنى ترتيب آثار الصدق على قولهم، و لا يقدح فيه أنّ اللازم من عدم التكذيب و الغرض الأصلي منه هو عدم الائتمان لشارب الخمر على المال و غيره، و هو بعينه من آثار صدق المؤمنين، و يترتّب على قولهم، فلا فرق بين الاعتبارين في خصوص المقام، لوضوح الفرق بين عدم الائتمان على أنّه يرتّب على صدق الخبر، و عدم الائتمان على أنّه احتياط على المال، فإنّه و إن كان من آثار الواقع غير أنّه يترتّب على صدق الخبر، و قد يراعى احتياطا على المال من التلف، و المقصود من الردع عن التكذيب في الرواية هو الثاني.

و لكن يمكن الذبّ عن الإشكال المذكور باستظهار إرادة التصديق الخبري من قوله عليه السّلام: «و لا تأتمن شارب الخمر» قال: «اللّه تعالى يقول وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ (1)فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر» إلخ، فإنّ المنع عن ائتمان شارب الخمر و إدراجه في السفيه المنهي عن إتيانه المال يدلّ على ثبوت كون الرجل المعهود شارب الخمر بشهادة المؤمنين، فيدلّ على كون الائتمان المطلوب بذلك النهي من آثار الواقع و يرتّب على الشهادة على أنّه يترتّب على صدق الخبر، و لا ينافيه الاستدلال بآية يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ لعدم كونه من الاستدلالات الحقيقية، بل هو لنحو من التقريب و بيان لما يناسب المطلب.

و احتمال كون ثبوته مستندا إلى علم أو نحو من الظنّ الحاصل من تلك الشهادة بسبب بلوغها حدّ الاستفاضة أو الشياع القطعي أو الظنّي المتاخم بالعلم أو الاطمئناني أو نحو ذلك، فلا يدلّ على وجوب التعبّد بالشهادة بالمعنى المصطلح.

يدفعه ابتناؤه على الخروج من ظاهر الجمع المعرّف بلا داع حسبما بيّناه، فينفيه أصالة الحقيقة، مع أنّ ظاهر قول إسماعيل: «إنّما سمعت الناس يقولون» يعطي عدم كون الشهادة المذكورة بحيث أورث له القطع أو الظنّ، فتأمّل.


1) النساء: 4.

هذا، و لكن الإنصاف أنّ الاعتماد على قاعدة الجمع المعرّف في استفادة الحكم المذكور من الرواية لا يخلو عن إشكال، لظهور قوله: «هكذا يقول الناس» مع قوله: «إنّما سمعت الناس يقولون» في بلوغ الخبر إليه بواسطة جماعة بل جمع كثير، و هذا يصلح قرينة على إرادة جنس الجمع، بل خصوص الجماعة الكثيرة من قوله عليه السّلام: «فإذا شهد عندك المؤمنون» فيكون مورد الرواية الاستفاضة و الشياع القطعيين أو أعمّ منهما و من الظنّيين، فانحصر دليل اعتبار شهادة عدلين في باب العدالة في الإجماع و الأخبار المتقدّمة، و فيه الكفاية.

بقي الكلام في أمور:

الأوّل: أنّها هل تثبت بالشهادة الفعلية

بأن يفعل العدلان فعلا يدلّ على عدالته كما إذا اقتديا به في الصلاة مع انتفاء الضرورة و مرجعه إلى أنّ الشهادة المثبتة للعدالة أعمّ من القوليّة و الفعليّة أم لا؟

قيل: نعم كما نسب الجزم به إلى الدروس (1)و هو ظاهر عبارة الروضة حيث قال: و اقتداء العدلين به في الصلاة بحيث يعلم ركونهما إليه تزكية (2)على أحد احتماليها و هو استئناف الجملة، على أن يكون الاقتداء مبتدأ و تزكية خبرا، لا معطوفة بخبر الاقتداء و نصب تزكية، على أن يكون حالا من الركون إليه لإخراج الركون إليه تعصّبا و حميّة و نحو ذلك لا تزكية.

و يظهر أيضا من غير واحد من فقهائنا منهم العلّامة في نهج الحقّ على ما حكي عنه حيث رد القائلين بجواز الاقتداء بالفاسق بقوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ (3)إلخ، حيث إنّه تعالى أوجب التثبّت عند خبر الفاسق، و من جملته الطهارة التي هي من شروط الصلاة (4)بتقريب أنّ الشهادة خبر و هو أعمّ من الفعل المنبئ عن الواقع بحسب ما في ضمير الفاعل الذي منه اقدامه على فعل الصلاة، فإنّه إخبار باستجماعه لشرائط الصحّة التي منها الطهارة، و لعلّ وجهه عموم ما دلّ


1) الدروس 1: 218

2) الروضة 1: 793.

3) الحجرات: 6

4) نهج الحقّ و كشف الصدق: 440.

على وجوب تصديق المؤمن بل العادل مثل قوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ إلخ، و قوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ بناء على كون المراد به التصديق الخبري، كما فهمه جماعة حيث استدلّوا به على حجّية خبر العدل، بدعوى شموله لتصديق قوله و فعله، لكون الثاني مخبرا و منبئا عمّا في ضمير الفاعل، كما أنّ الأوّل منبئ عمّا في ضمير القائل، فيتصف كلّ بالصدق و الكذب بهذا الاعتبار، و احتمال تدليسه في فعله أو خطائه في اعتقاده، أو صدور الفعل منه لداع يندفع بما اندفع به نحو هذه الاحتمالات في قوله من فرض العدالة و أصالة عدم الخطأ و نحو ذلك.

نعم لو كان فاسقا لم يقبل فعله، كما لا يقبل قوله لآية التثبّت و إن حمل فعله بالنظر إلى نفسه، و من حيث هو فعله على الصحة لترتيب آثار الصحة المحمولة على فعله من الحيثية المذكورة، مثل استحقاقه الأجرة على صلاته في الاستئجار، و حصول القبض بها إذا حصلت في أرض موقوفة جعلت مسجدا.

قيل: و يؤيّده أنّه لم يتأمّل أحد من العلماء في العمل بتعديلات أهل الرجال المكتوبة في كتبهم، من أجل أنّ الخبر و النبإ لا يصدق على الكتابة، مع ذهاب أكثرهم إلى أنّ التعديلات من باب الشهادة، و لا في العمل بالأخبار المودعة في كتب الحديث من دون سماعها مشافهة عن المحدّث، و قد شاع منهم الاستدلال على ذلك بأدلّة حجية الخبر و النبإ، و يعتبرون العدالة فيمن جمع الروايات في كتابه من جهة آية النبإ و نحوه (1).

و فيه من الضعف ما لا يخفى على المتأمّل، لتطرّق المنع إلى كلّ من صغرى الدليل و كبراه.

أمّا الأوّل: فلأنّ الخبر المرادف للنّبأ يتضمّن بمفهومه الحكاية في قصد المخبر باعتبار قصده إفادة الواقع، و لا حكاية في الفعل، إذ الفاعل لا يقصد بفعله إفادة


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 61.

الواقع و إن فرضناه دالّا عليه، لوضوح الفرق بين قصد الفاعل بفعله الدلالة على شي‌ء، و بين دلالة فعله على ذلك الشي‌ء من دون أن تكون الدلالة مقصودة له.

و غاية ما يسلّم في فعل المسلم العدل ظهور حاله في أنّه يراعى في صلاته شرائط الإسلام التي منها الطهارة، و في اقتدائه بشرائط القدوة التي منها عدالة الإمام من دون قصده افادة هذا المعنى و لا التفاته إليه، فلا يتضمّن حكاية ليصدق عليه عنوان الخبر و النبإ.

و أمّا الثاني: فلأنّ التصديق المأمور به عبارة عن الحكم بصدق المخبر و ترتيب آثار الصدق على خبره، و الصدق و الكذب في متفاهم العرف من الأوصاف العارضة للقول، و لا يتّصف بهما الفعل على وجه الحقيقة، فليس في دليل تصديق المؤمن أو العادل و قبول نبائه عموم يتناول فعله.

و لو سلّم صدق النبإ و الخبر على الفعل باعتبار مفهومه العرفي فلا يسلّم اندراجه في إطلاق الدليل المذكور، لانصرافه إلى القول، فظاهر قوله تعالى:

وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنّه يصدّق المؤمنين في قولهم.

و دعوى القطع أو الظنّ بإرادة ما يعمّ الفعل و إن كان إطلاقه ينصرف إلى القول لا تسمع إلّا على تقدير ثبوت قرينة كاشفة عن ذلك، أو إذا ساعد عليه فهم الأصحاب أو معظمهم أو جماعة منهم يعتدّ بقولهم و فهمهم، و لا خفاء في انتفاء الأوّل و عدم ثبوت الثاني، إذ لو سلّم بناء قول أوّل الشهيدين على فهم ذلك فلا نسلّم ذلك من غيره إلّا ثانيهما على أحد احتمالي عبارته. و أمّا غيرهما ممّن استدلّ بآية التثبت في ردّ القائلين بجواز الاقتداء بالفاسق كالعلّامة و غيره فليس مبنى كلامه على تعميم آية التثبت بالقياس إلى فعل الفاسق أيضا، بل مبناه على أنّه كما لا يقبل قول الفاسق مع صراحته لآية التثبت فكذلك لا يقبل فعله، لأنّه ليس بأقوى من قوله الصريح إنّ لم نقل بكونه أضعف منه، لا أنّه كما يقبل قول العادل فكذلك يقبل فعله لآية التثبت.

و بالجملة مقصودهم من الاستدلال بيان أنّ فعل الفاسق كقوله في عدم القبول،

لا بيان أنّ فعل العادل كقوله في القبول.

و أمّا العمل بتعديلات أهل الرجال مع ذهاب الأكثر إلى أنّها من باب الشهادة، فيمكن منع ابتنائه أيضا على تعميم الشهادة بالقياس إلى الفعلية، بل على تعميم القول المأخوذ في مفهوم الشهادة بالقياس إلى الذهني المدلول عليه بالكتابة، بناء على ما حقّق في محلّه من أنّ الخطوط- و هي الصور المكتوبة المتداولة- دالّة بالوضع على الألفاظ الموضوعة للمعاني، فالألفاظ دالّة على المعاني بأنفسها، و الخطوط دالّة عليها بواسطة الألفاظ الموضوعة، فاللفظ المدلول عليه بصورة الكتابة هو القول الذهني الذي قصد الكاتب افادته برسم الكتابة، و قد انتقل إليه المكتوب له أيضا بملاحظة الكتابة، و لا ريب أنّ جعل القول في معنى الشهادة و النبإ أعمّ من القول الخارجي، و القول الذهني أهون من جعلهما أعمّ من القولي و الفعلي، و عليه فتعديلات أهل الرجال من قبيل الشهادة القولية لا الفعليّة.

و بذلك ظهر الوجه في العمل بالأخبار المودعة في كتب الحديث من دون سماعها مشافهة من المحدّث مع ما شاع منهم من الاستدلال على ذلك بأدلّة حجية الخبر و النبإ، و في اعتبارهم العدالة فيمن جمع الروايات في كتابه من جهة آية النبإ و نحوه.

و بالجملة جعل القول أعم ممّا لا يأباه العرف، بخلاف جعل الشهادة، و الخبر و النبإ أعمّ بالقياس إلى الفعل.

فالإنصاف أنّ تعديلات أهل الرجال إن لم تندرج في الشهادة القوليّة بالتقريب الذي ذكرناه فلا دليل على اعتبارها لمجرد الكتابة من حيث إنّها شهادة فعلية، بل لا بدّ في اعتبارها من إفادتها الظنّ و الوثوق بالعدالة، فتكون من الظنون الاجتهادية، كما ذهب إليه غير واحد من محقّقي المتأخرين. و كذا الحال في الأخبار المودعة في كتب الحديث ما لم تندرج في الخبر القولي بالتقريب المتقدم، فالعمل بها حينئذ منوط بظنّ الصدور و الوثوق به كما رجحناه في محله.

و بما بيّناه ظهر الحال في اقتداء عدلين، فإنّه ما لم يفد الوثوق بالعدالة لم

يوجب الحكم بها، و عليه يحمل رواية عبد الرحيم القصير المتقدّمة إن لم ندع انصراف إطلاقها إليه.

[الثاني: هل الشهادة القوليّة معتبرة مطلقا]

الثاني: أنّ الشهادة القوليّة و هي شهادة عدلين بعدالة الرجل هل تعتبر تعبّدا حتى لو كان الظنّ على خلافها أو يشترط عدم الظنّ على خلافها أو يشترط إفادتها الظنّ بها؟ وجوه مبتنية على إطلاق أدلّة اعتبارها، أو انصرافها إلى صورة إفادتها الظنّ، أو إلى صورة عدم الظنّ على الخلاف، و الأوّل أظهر بالنظر إلى إطلاق الأخبار المتقدمة، و الأحوط مراعاة عدم الظنّ بالخلاف، و أحوط منه مراعاة إفادتها الظنّ، و لو فرض حصول الظنّ بشهادة عدل واحد كان كافيا، لكن لا من حيث الشهادة بل من حيث الظنّ المطلق الكافي في إثبات العدالة، و لكن يعتبر بلوغه حد الوثوق.

و من مشايخنا من احتمل تفصيلا في شهادة عدلين هنا بعد ما ذكر الوجوه الثلاثة من غير ترجيح بقوله: و يمكن أن يفصّل بين ما إذا كان احتمال الخلاف فيها مستندا إلى تعمّد كذب العدلين، فلا اعتبار به و لو كان مظنونا، لأنّ الظاهر من أدلّة تصديق العادل بل المؤمن نفي تعمّد الكذب عنه مطلقا حتى مع الظنّ، كما يدلّ عليه قوله: «كذّب سمعك و بصرك عن أخيك» (1)و بين ما إذا كان مستندا إلى خطائه و اشتباهه، فالظاهر اعتبار كونه موهوما، لأنّ ظاهر أدلّة حجّية الخبر- خصوصا آية النبإ (2)المفصّلة بين العادل و الفاسق- عدم الاعتناء باحتمال تعمّد كذب المخبر، و أمّا احتمال خطائه و اشتباهه فهو ممّا ينفيه ظاهر حاله المعتبر عند كافة العقلاء إذا كان المخبر به من المحسوسات، أو من غيرها النازل في ندرة الخطأ و الاشتباه منزلة المحسوسات و لو عند المخبر، لكونه من أهل الخبرة و الاطلاع بالنسبة إلى مضمون الخبر. ثمَّ قال: لكن مقتضى هذا التفصيل وجوب قبول خبر الفاسق إذا علمنا عدم تعمّد كذبه، و كان احتمال المخالفة للواقع من جهة احتمال خطائه في


1) الكافي 8: 147 ح 125.

2) الحجرات: 6.

الحسّ سهوا أو اشتباها، و لعلّ ظاهر كلماتهم يأباه، إلّا أنّ القول به متعيّن، بناء على كون مستند قبول خبر العادل و ردّ الفاسق آية النبإ مفهوما و منطوقا، إلّا أن يقوم الإجماع في بعض المقامات كما بيّناه في مسألة حجّية الإجماع المنقول (1)انتهى.

أقول: و لمّا كانت العدالة بمعنى الملكة النفسانيّة من الأمور الغير المحسوسة التي يكثر فيها الخطأ و الاشتباه خصوصا إذا استند في إحرازها إلى حسن الظاهر الذي يكثر فيه عدم مصادفة الواقع فلا بدّ فيها بعد نفي احتمال تعمّد الكذب بعدالة الشاهدين، على معنى عدم الاعتناء به، و لو كان مظنونا أن يكون احتمال الخطأ و الاشتباه موهوما، و لو كان الشاهد بالعدالة فاسقا مع التعدّد و بدونه لا بدّ أن يكون كلّ من احتمالي تعمّد الكذب و الخطأ موهوما، و مرجعه إلى الظنّ و الوثوق بالعدالة الذي ينحلّ إلى الظنّ بانتفاء الكذب و الظنّ بانتفاء الخطأ، غير أنّه يخرج حينئذ عن ضابط الشهادة التي يؤخذ بها تعبّدا و يدخل في عنوان مطلق الظنّ الكافي في باب العدالة.

الثالث [جواز الشهادة بالعدالة]

أنّه كما يقبل شهادة الرجل إذا ظهر عدالته بإحدى طرقها كذلك يجوز الشهادة بعدالته، لأنّه من الأحكام المحمولة على العدالة عند ظهورها، فقول الصادق عليه السّلام في رواية سماعة: «و ظهر عدله» يدلّ على ترتّب جميع أحكام العدالة على ظهورها، و منها جواز الشهادة بعدالته، و أصرح منه دلالة قوله عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس» و يدلّ عليه أيضا ما تقدّم في مرسلة هداية الشيخ الحرّ من بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله رجلين من خيار أصحابه للسؤال عن حال الشهود المجهولين في قبائلهم و محلّاتهم، فإنّه كما يدلّ على قبول شهادة العدلين بالعدالة الظاهرة لهما بالفحص و السؤال فكذلك يدلّ على جواز الشهادة لهما بها، و ظاهر الخبرين الأوّلين بل صريح الصحيحة منهما جواز استناد الشاهد في شهادته بالعدالة إلى حسن الظاهر، كما يجوز له الاستناد إليه في اعمال نفسه، و الظاهر أنه ممّا لا خلاف فيه بين القائلين بطريقيّة حسن


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 62- 63

الظاهر، بل قضيّة ما حقّقناه سابقا من إناطة طريقية حسن الظاهر بإفادته الظنّ و الوثوق بالعدالة، و أنّ الظنّ المطلق كاف في إحرازها جواز الاستناد إليه في الشهادة بها أيضا كما صرح به بعض مشايخنا، و استدلّ عليه بالصحيحة و المرسلة من حيث ظهورها في استناد الشاهدين اللذين بعثهما النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى الظنّ الحاصل لهما من السؤال عن قبيلة الشهود. و زاد عليه قوله: من أنّه لو انحصر مستند الشهادة في العلم لبطل أمر التعديل، و به تبطل الحقوق (1)كما لا يخفى.

أقول: و وجه الملازمة ما عرفت سابقا من انسداد باب العلم بالعدالة غالبا.

ثمَّ إنّه إذا شهد الشاهدان في مقام التزكية بالصلاح أو ظهوره أو حسن الظاهر أو غير ذلك من الصفات الراجعة إليه فهل هو كما لو شهدا بنفس العدالة الظاهرة لهما بحسن الظاهر بعبارة فلان عدل أو ثقة في الاعتبار و ثبوت العدالة به أو لا و مرجعه إلى كفاية الأخبار بطريق العدالة في التزكية و عدمها؟ وجهان، من أنّ الشهادة على ما بيّناه في الأمر الثاني طريق تعبّدي، و حسن الظاهر طريق ظنّي منوط اعتباره بإفادته الظنّ بالعدالة، و لا يثبت الطريق الظنّي بهذا المعنى بالطريق التعبّدي. و من أنّ الشهادة بالطريق الظنّي للعدالة في معنى الشهادة بنفس العدالة بحسب الظنّ الحاصل له من الطريق، و هذا أظهر لا لمجرّد ما ذكر بل لظاهر قوله في المرسلة:

فإذا أثنوا عليهم قضى حينئذ على المدّعى عليه (2)و قوله أيضا: و إن لم يعرف لهم قبيلة سئل عنهما الخصم فإن قال: ما علمت منهما إلّا خيرا أنفذ شهادتهما (3)و قوله- في الصحيحة-: و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا (4)و قوله الآخر أيضا: و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضره مصلّاه و يتعاهد جماعة المسلمين (5)و قوله الآخر أيضا: و لو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين (6)


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 62 و 63.

2) الوسائل 27: 240 ب 6 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

3) الوسائل 27: 240 ب 6 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1.

4) الوسائل 27: 391- 392 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

5) الوسائل 27: 391- 392 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

6) الوسائل 27: 391- 392 ب 41 من أبواب الشهادات ح 1.

فإنّ جميع ذلك يعطي نفوذ الشهادة بالصلاح و حسن الظاهر و ما يوجبهما من تعاهد الصلوات و ملازمة جماعة المسلمين في مقام إحراز العدالة بالشهادة.

و هل يجوز الاستناد في التزكية و الشهادة بالعدالة إلى شهادة العدلين بها أو لا؟ و يجري هذا الكلام في حسن الظاهر على القول به تعبّدا و في استصحاب العدالة، و ملخّصه كلية أنّ كلّ طريق علمي أو ظنّي أو تعبّدي إلى العدالة يجوز للإنسان الاستناد إليه في عمل نفسه هل يجوز له الاستناد إليه في التزكية و الشهادة بالعدالة أو لا و لا يبعد دعوى الجواز من أنّ معنى طريقية الطريق أن يجري عليه جميع أحكام ذي الطريق التي منها جواز الشهادة به.

و بالجملة أنّ من أحكام العدالة الواقعية جواز الشهادة بها لمن انكشفت له علما أو ظنا، و مقتضى دليل الطريق التعبّدي إقامة مؤدّاه مقام الواقع في ترتّب الأحكام المترتّبة عليه.

و بعبارة اخرى أنّ العدل عدلان عدل واقعي و عدل شرعي، و كما يجوز الشهادة بعدالة العدل الواقعي و يمضي شهادته فكذلك يجوز ذلك في العدل الشرعي و من زكّاه عدلان، و كذلك من حسن ظاهره، و كذلك مستصحب العدالة عدل شرعيّ.

و فيه منع كون العدل الشرعي كالعدل الواقعي في الحكم المذكور، أعني جواز الشهادة بعدالته و نفوذ تلك الشهادة، و ذلك لأنّ معنى الحمل في الأحكام المحمولة على العدالة، كجواز الائتمام و جواز قبول الشهادة و جواز الطلاق على معنى صحّته و نفوذه إلى غير ذلك من الأحكام المقرّرة في مظانّها اشتراط تلك الأحكام بالعدالة، و مفاد أدلّة الطرق أنّ الشرط أعمّ من العدالة العلمية و العدالة الظنية و العدالة المستصحبة و العدالة المؤدّاة بالبيّنة و حسن الظاهر على القول بكونه طريقا تعبّديّا. و مرجعه إلى تعميم الشرط الظاهر من أدلّة الاشتراط في العدالة الواقعية بالنسبة إلى العدالة الظاهريّة، و هي المجعولة للجاهل بوصف كونه جاهلا بشرط ظنّه بوجودها، أو سبق اليقين بحدوثها و لحوق الشكّ في بقائها، أو قيام

البينة عنده، أو ظهور الصلاح لديه و لو باعتبار مجعوليّة الأحكام المعلقة عليها في حقّ الجاهل نظرا إلى عدم كون العدالة بنفسها من الأمور القابلة للجعل، فمعنى مجعوليتها للجاهل مجعولية الاحكام المشروط بها، بخلاف الشهادة بالعدالة فإنّ اشتراط جوازها بالعدالة ليس بحسب الشرع حتى يجعل الشرط بمقتضى أدلّة الطرق أعم من العدالة الواقعية و العدالة الظاهرية بل بحسب العقل، باعتبار أنّ الشهادة قسم من الخبر و هو بماهيته لا ينفكّ عن المخبر به الواقعي الذي هو في المقام عبارة عن العدالة الواقعية، و لا بدّ فيها مع ذلك من العلم بثبوت هذه الصفة الواقعية للمخبر عنه، و قد دلّ الشرع على أنّ وجه اعتبار العلم في هذه الشهادة إنّما هو وجه الطريقية، و لذا لم يتعرّض له بتخصيص و لا تقييد بل عمّمه بإقامة الظنّ مقامه، حيث اكتفى في إحراز العدالة بالشهادة الظنية، أعني ما كان مستندها الظنّ بالعدالة. و لا ريب أنّ الطريق التعبّدي لا ينوط اعتباره بإفادته العلم أو الظنّ بالعدالة، فهو في موضع انتفاء العلم و الظنّ يفيد ثبوت العدالة على معنى ترتّب أحكامها، و لا ينعقد بسببه الخبر المتضمّن للعلم أو الظنّ بالمخبر به الذي هو العدالة الواقعية بالفرض.

و توهّم أنّه يخبر حينئذ بالعدالة الظاهرية المعلومة لديه بمقتضى الأمارة التعبّدية الناهضة عنده من البينة و الاستصحاب و حسن الظاهر.

يدفعه أنّ العدالة الظاهرية بمنزلة الحكم الظاهري المجعول لعنوان الجاهل بالواقع مع ما أخذ معه من القيود و الحيثيّات، فتكون مخصوصة بموضوعها و لا تتعداه إلى غيره، و ليس موضوعها إلّا من قام عنده الأمارة التعبّدية، فموضوع العدالة المستصحبة إنّما هو من سبقه اليقين بحدوثها ثمَّ شكّ في بقائها، فلو نقل هذا الشخص هذه العدالة المحرزة بالاستصحاب إلى غيره ممّن ليس بهذه الصفة، فليس لذلك الغير المنقول إليه الأخذ بها في عمل نفسه، لأنّها ليست من موضوع أحكامه المعلّقة على العدالة لا بحسب الواقع بأن تكون من العدالة الواقعية، و لا بحسب الظاهر بأن تكون من العدالة الظاهرية في حقّه. أمّا الأوّل فلأنّه لم يدركها

بالطرق الكاشفة عن الواقع علما أو ظنّا، و أمّا الثاني فلأنّه ليس من موضوع العدالة الظاهريّة. فالمزكى إذا استند في شهادته بالعدالة إلى شهادة العدلين بها أو إلى الاستصحاب أو نحو ذلك لا يمضي شهادته على غيره ممّن لم ينهض عنده هذا الطريق، سواء أراد من العدالة المشهود بها العدالة الواقعية أو العدالة الظاهريّة. أمّا الأوّل فلفرض عدم علم الشاهد و لا ظنّه بها، و أمّا الثاني فلفرض عدم كون المشهود له من موضوع العدالة المشهود بها.

نعم لو كان في دليل طريقية شهادة العدلين لإثبات العدالة تعبّدا عموم أو إطلاق يتناول من يستند في شهادته إلى غير الطرق الكاشفة عن الواقع علما أو ظنّا كان القول بجواز الاستناد في الشهادة بالعدالة إلى شهادة العدلين أو إلى الاستصحاب، و نفوذ هذه الشهادة على من لم ينهض عنده شهادة الأصل و لم يتحقّق عنده أركان الاستصحاب متجها، و المفروض خلافه، لظهور أدلّة شهادة العدلين فيمن يشهد عن علم أو ظنّ بها، و لم نقف في أدلّة مطلق الشهادة على عموم أو إطلاق يقضي بجواز الاستناد إليها في كلّ شي‌ء حتى التزكية و التعديل الذي هو عبارة عن الشهادة بالعدالة.

نعم لا يبعد القول بجواز الاستناد فيها إلى الاستصحاب، استظهارا له من عموم قوله عليه السّلام: «لا ينقض اليقين بالشكّ» (1)و غيره من عموم أخبار الاستصحاب، بتقريب أنّه نهي عن رفع اليد عن آثار اليقين السابق و أحكام المتيقّن المترتّبة عليه حال اليقين به إلى أن يحصل اليقين بارتفاعه، و من آثار اليقين السابق جواز الشهادة بالعدالة المتيقّنة، فيجوز الشهادة بالعدالة المستصحبة أيضا، عملا بعموم النهي عن رفع اليد عن آثار اليقين و أحكام المتيقّن، و قضية جواز الشهادة للشاهد بحكم الملازمة العرفية بل الشرعيّة أيضا نفوذ تلك الشهادة على المشهود له.

فظهر ممّا حقّقناه الفرق بين الاستصحاب و شهادة العدلين، فيجوز الاستناد في التعديل إلى الأوّل دون الثاني، و أمّا حسن الظاهر فقوله عليه السّلام: «و يجب عليهم


1) الوسائل 8: 217 ب 10 من أبواب الخلل ح 3.

تزكيته و إظهار عدالته في صحيحة ابن أبي يعفور، و إن دلّ على جواز الاستناد إليه إلّا أنّ قوله عليه السّلام: «أن يكون ساترا لجميع عيوبه» لم يسلم إطلاقه بسبب ما قيّده بإفادته الظنّ و الوثوق بالعدالة لينهض دليلا على جواز الاستناد إليه من حيث إنّه أمر تعبّدي، و لو لا التقييد المذكور و دليله كان القول بالجواز بالقياس إليه أيضا كالاستصحاب متّجها، و قد ذكرنا سابقا أنّ ملاك التعبّد و اشتراط الظنّ في حسن الظاهر، انّما هو إطلاق مرجعيته و تقييده بإفادته الظنّ بالعدالة.

خاتمة [في انحصار طريق ثبوت الفسق في المشاهدة و البيّنة.]

قد ظهر من تضاعيف كلماتنا المتقدّمة في المقامات السابقة أنّ الفسق الذي هو ضد العدالة يعتري الإنسان بارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة الذي هو أيضا كبيرة، و قضيّة ظاهر قوله عليه السّلام في رواية صالح بن علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه شاهدان» انحصار طريق ثبوته في المشاهدة و البيّنة.

و بقي الكلام في التوبة الرافعة للفسق بعد حصوله، و في الفرق بين الكبيرة و الصغيرة

اشارة

، و بيان عدد الكبائر. فينبغي التكلّم في فصلين:

الفصل الأوّل في التوبة

اشارة

و الكلام فيها تارة في حقيقتها، و اخرى في حكمها، و ثالثة في محلّها، و رابعة في أثرها و فائدتها و سائر ما يتعلّق بها. فهاهنا مراحل:

أمّا المرحلة الاولى: فحقيقة التوبة

هي الرجوع إلى اللّه سبحانه بعد الاعراض عنه بالخوض في معاصيه، أو الرجوع إلى صراط اللّه المستقيم بعد الانحراف عنه بسلوك طريق الشيطان الرجيم، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه ممّا لا يتأتّى إلّا بالندم على ما سلف من الذنب و المعصية، و يعتبر فيه كونه خالصا لوجه اللّه الكريم لا لغيره من الفضيحة بين الناس، أو سقوط اعتباره و انحطاط قدره و منزلته عندهم، أو طلب الجاه و المنزلة لديهم، أو غير ذلك من الدواعي و الأغراض، و الندم هو تألّم و حزن يعتري القلب بسبب العلم، و الإيمان و هو معرفة الذنب من حيث كونه خروجا عن طاعة اللّه و تعريضا للنفس على مخالفة حكمه حيث أمر أو نهى، و التصديق بكونه حاجبا بينه و بين الرب مبعدا له عن ساحة رحمته و تعرّضا لسخطه و غضبه و استحقاق عقوبته، و لذا يقال: إنّ الندم روح التوبة، و لقد أشار إليه قوله عليه السّلام: «كفى بالندم توبة» في النبويّ المروي في الخبر المتقدّم عن الكاظم عليه السّلام (1)في مسألة قدح الإصرار على الصغيرة في العدالة، فالندم ثمرة


1) التوحيد: 407- 408 ح 6.

يثمرها الإيمان، و هو يتبع طلب العفو عن الماضي و العزم على الترك في المستقبل، و لذا يقال: إنّه يكون محفوظا بطرفيه، أعني مثمرة و ثمرته، و يلزمه ترك الذنب في الحال للّه، فللتوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه، جسد و هو ترك المعصية في الحال، و روح و هو الندم، و أصل و هو الإيمان، و فرع و هو الاستغفار، و العزم على عدم العود في المستقبل، و لقد أشار إلى بعض ذلك أيضا في الخبر المشار إليه حيث قال عليه السّلام: فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن- إلى قوله: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا، و المصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم. الحديث.

فالمراد من الإيمان المعتبر في التوبة هو التصديق بالذنب من حيث كونه مخالفة و آثاره من البعد و المقت و استحقاق العقوبة، فلا ينافي نفيه الإيمان باللّه و وحدانيّته و صفاته و رسله و كتبه، و هو المراد بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله في المروي مرسلا:

لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن (1)و إنّما أراد به نفي الإيمان بكون الزنا مبعدا عن اللّه و موجبا لمقته و سخطه.

و قيل: ليس الإيمان بابا واحدا، بل هو كما ورد نيّف و سبعون باب أعلاها شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أدناها إماطة الأذى عن الطريق، و قد مثل له بقول القائل:

ليس الإنسان موجودا واحدا، بل هو نيّف و سبعون موجودا أعلاها القلب و الروح و أدناها إماطة الأذى عن البشرة، بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأظفار نقي البشرة عن الخبيث ليتميّز عن البهائم المرسلة المتلوّثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها و أظفارها، فالأيمان كالإنسان (2)انتهى.

و لعلّ مراده في النبوي من نفي الإيمان عن الزاني حين يزني المبالغة في ضعفه الباعث على انطفاء نوره بغلبة نار الشهوة و هوى النفس، لا نفيه على وجه يرجع إلى الإنكار و التكذيب لقبح الزنا و كونه عصيانا للرّب موجبا لمقته و شدّة


1) الكافي 2: 285 ح 22

2) المحجة البيضاء في إحياء الاحياء 7: 13.

العقوبة عليه، و إلّا كان من كفر الجحود، و بذلك يحصل الجمع بينه و بين الخبر المتقدّم الدال على أنّ التوبة بمعنى الندم من لوازم الإيمان، فإنّ بعثه على الندم الكاشف عن وجوده يكشف عن وجوده حين يبعث الشهوة و هوى النفس على الخوض في الذنب و الدخول على المعصية، فالتائب لا يزال مؤمنا من حين الذنب إلى حين يتوب، غاية الأمر أنّه حين الذنب مقهور مغلوب عن الهوى و الشهوة و بضعفة يصير مغلوبا و بعد مغلوبيته ازداد ضعفا، و يلزم منه كون بعثه على الندم بعد الذنب أشقّ و أثقل من بعثه على ترك الذنب قبل صدوره. هذا هو معنى ما روي مرسلا من قوله عليه السّلام: «ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة» (1)و كلّما أصرّ المذنب على ذنبه و داومه و أقام عليه صارت التوبة عليه أشقّ و أعسر.

فإن [شئت] قلت: الإنسان في أصل خلقته صاف صيقلي كالمرآة الصيقلية، و كلّ شهوة تبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة على قلبه كما يرتفع من نفسه ظلمة على وجه المرآة، و إذا تراكمت ظلمات الشهوات صارت ريّنا كما قال تعالى بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (2)كما يصير بخار النّفس في وجه المرآة خبثا، و إذا تراكم الرين صار طبعا، فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم و طال زمانه حتى غاص في جرم الزجاج و الحجر، فلا يزول إلّا بعلاج صعب في مدة طويلة، بل ربّما لا يقبل العلاج لخروجه فاسدا.

و يشهد لجميع ما ذكر رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء، فإن أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، و إذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى الخير أبدا، و هو قول اللّه عزّ و جلّ كَلّٰا بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (3).

فعلى التقي الزكي اللبيب أن لا يسامح في التجنّب عن الذنب المبعد عن اللّه


1) الكافي 2: 451 ح 1

2) المطففين: 14.

3) الكافي 2: 273 ح 20.

المقرّب إلى الشيطان، و إذا سامح فيه فلا أقلّ من أن لا يسامح في التوبة منه و الندم عليه، و لقد ذكر إلى التوبة طريقا، و هو ذكر ما ورد في فضلها، و العلم بقبح الذنوب، و شدّة العقوبة عليها، و ضعف النفس عن الاحتمال، و شرف الآخرة، و خساسة الدنيا، و قرب الموت، و لذّة المعرفة، و المناجاة الممتنعة مع الإصرار، و خوف الإمهال، و الاستدراج بعدم المؤاخذة الحاليّة، و التوسعة الماليّة- أعاذنا اللّه من تبعات النفس- و حبّ الدنيا، و طول الأمل البالغة بصاحبها في سلك المستدرجين.

و إذ قد عرفت أنّ روح التوبة هو الندم على ما سلف من الذنب فهل يعتبر فيها مع ذلك العزم على عدم العود في المستقبل فمن ندم و لم يعزم ليس بتائب؟ قيل:

نعم و عزى إلى ظاهر الأكثر (1)، و قيل: لا، و نسب إلى مذهب جمع من العلماء.

و التحقيق أنّ الندم الباعث على الرجوع إلى اللّه الناشئ من الإيمان بسوء العاقبة و شدّة العقوبة لا ينفكّ عن العزم، بمعنى الجزم بعدم العود إليه أبدا، و في بعض الأخبار أيضا- على ما ستعرفه- دلالة على اعتباره. و أمّا الوثوق و الاطمئنان بحصول المعزوم عليه إلى الأبد فهو من صاحب النفس الأمّارة و من يمكن في حقّه غلبة الشهوة و هوى النفس مرّة أخرى، بل كرّة بعد اولى فغير ممكن عادة، و لعلّ معتبري العزم لم يعتبروه أيضا اكتفاء منهم بالعزم على عدم العود مطلقا.

و يدلّ عليه الأخبار الدالّة على قبول التوبة للنقض كالمروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:

ما أصرّ من استغفر و إن عاد في اليوم سبعين مرة (2).

و ما روي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (3)قال: هو الذنب الذي لا يعود فيه أبدا، قيل: و أيّنا لم يعد؟ قال: يا فلان إنّ اللّه يحب من عباده المفتن التواب (4)يعني كثير الذنب كثير التوبة.

و عن الباقر عليه السّلام قال محمّد بن مسلم: ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 55.

2) البحار 93: 282 ح 23

3) التحريم: 8.

4) الكافي 2: 432 ح 4.

فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة و المغفرة، أما و اللّه أنّها ليست إلّا لأهل الإيمان، قال: قلت: فإن عاد بعد التوبة و الاستغفار في الذنوب و عاد في التوبة، فقال: يا محمّد بن مسلم أ ترى العبد المؤمن يندم على ذنبه و يستغفر اللّه منه و يتوب ثمَّ لا يقبل اللّه توبته، قلت: فإنّه فعل ذلك مرارا يذنب ثمَّ يتوب و يستغفر، فقال:

كلّما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد اللّه عليه بالمغفرة، و أنّ اللّه غفور رحيم يقبل التوبة و يعفو عن السيّئات، فإيّاك أن تقنّط المؤمنين من رحمة اللّه (1).

فإنّ عدم وقوع المعزوم عليه في الخارج و عدم إخلاله بالتوبة يدلّ على عدم اعتبار الوثوق و الاطمئنان بوقوعه في العزم على عدم العود المعتبر فيها، و لعلّ أصحاب القول بعدم اعتبار العزم يريدون نفي اعتبار ذلك لا نفي أصل العزم، فإنّه على ما بيّناه ضروري الوجود مع الرجوع إلى اللّه و الندم على الذنب خالصا لوجهه الكريم، و عليه فيعود النزاع لفظيّ، و هو بعيد.

و بالتّأمّل فيما بيّناه اندفع ما استشكله في الذخيرة، على القول باعتبار العزم على الترك و عدم العود في التوبة بما محصّله، قيام العذر أو العسر المانعين من اعتباره عقلا و نقلا، فإنّ الظاهر أنّ التوبة عن الذنب واجب اتفاقا، من غير فرق بين الصغيرة و الكبيرة، و العزم على ترك الصغائر متعذّر أو متعسّر، لأنّ الإنسان لا ينفك عنها غالبا، فكيف يتحقّق العزم على تركها أبدا مع ما جرّب من حاله و حال غيره من عدم الانفكاك عنها؟ (2).

و فيه: أنّ غلبة عدم الانفكاك عن الصغائر إنّما تخلّ بالوثوق و الاطمئنان بحصول المعزوم عليه، و لا تخلّ بأصل العزم بمعنى الجزم، فإنّ كلّ مريد لفعل أو ترك حين الشروع فيه جازم بالإيقاع و غير مطمئن بالإتمام أو الاستمرار، لاحتمال طروّ عذر أو مانع.

و بالجملة الجزم بالإيقاع لا ينافيه احتمال عدم الوقوع، فالجزم بترك الذنب و عدم العود إليه أبدا على تقدير عدم غلبة الشهوة و هوى النفس على الخوف


1) الكافي 2: 434 ح 6

2) الذخيرة: 303.

و الخشية من اللّه الناشئ من الإيمان لا ينافيه احتمال الغلبة، كما أنّ الجزم بوجود النهار على تقدير طلوع الشمس لا ينافيه احتمال عدم طلوع الشمس، هذا.

و لكن الإنصاف أنّ الجزم بعدم العود ما دام العمر ممّن لا يثق من نفسه غلبة إيمانه و خوفه من اللّه على هوى نفسه ما دام العمر في غاية الإشكال، بل مع احتمال غلبة الهوى في بعض الأحيان ممّا لا وجه له، فالّذي يمكن تحقّقه في حقّ التائب أنّه بحسب إيمانه و خوفه من اللّه و ندمه على ما سلف و رجوعه إلى اللّه يوطّن نفسه للترك و عدم العود ما دام العمر، فإن لم يعد أبدا فليشكر اللّه، و إن عاد إليه في بعض الأحيان لغلبة هوى نفسه فليتب إلى اللّه أيضا مرّة أخرى و كرّة بعد اولى، و هذا هو القدر الذي يمكن إذعان اعتباره في التوبة، و عليه يحمل العزم الوارد في الأخبار و كلام العلماء الأخيار.

ثمَّ الظاهر أنّ التوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه المتضمن للندم لا ينفكّ عن الاستغفار بمعنى حبّ العفو و المغفرة و شوق القلب و ميلها إليه، فالتكلّم في اعتباره فيها ممّا لا يرجع إلى طائل، و الظاهر أنّ إطلاق الاستغفار مكان التوبة في آيات متكرّرة و أخبار متكاثرة إنّما هو بهذا الاعتبار، على معنى أنّه أطلق فيها الاستغفار و أريد منه التوبة، باعتبار تضمّنها طلب العفو و المغفرة بمعنى حبه و الشوق إليه، و من ذلك قوله عزّ من قائل في سورة آل عمران وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّٰهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّٰهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أُولٰئِكَ جَزٰاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعٰامِلِينَ (1)و قول الصادق عليه السّلام المروي عن المجالس: لما نزلت هذه الآية صعد إبليس جبلا فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا و كذا، قال: لست لها: فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال:

لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بما ذا؟ قال: أعدهم و أمنّيهم حتى


1) آل عمران: 135- 136.

يواقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكّله بها إلى يوم القيامة (1)و قوله عليه السّلام: دواء الذنوب الاستغفار (2)، و قوله عليه السّلام: ما أصرّ من استغفر (3)و قوله عليه السّلام في عدّة من الروايات: لا كبيرة مع الاستغفار (4)إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع.

و أمّا الاستغفار بمعنى استدعاء المغفرة و طلبه الإنشائي الذي يقال له السؤال باعتبار كونه من الداني بأيّ لفظ و أي لغة يكون- و هو الذي قابل للانفكاك من التوبة بمعنى الندم و الرجوع إلى اللّه- فلا دليل على اعتباره فيها، و الأصل ينفيه، مضافا إلى إطلاق قوله صلّى اللّه عليه و آله: كفى بالندم توبة (5)و قوله صلّى اللّه عليه و آله المروي أيضا: الندم توبة (6)و قوله عليه السّلام في المناجاة الاولى من الأدعية الخمسة عشر: إلهي إن كان الندم توبة إليك فأنا أندم النادمين (7).

و أمّا التكلّم في مغايرة الاستغفار و التوبة أو اتحادهما فممّا لا كرامة فيه، إذ لا ينبغي الاسترابة في تغايرهما مفهوما و مصداقا مع لزوم الأوّل للثاني كالضحك للإنسان، و لذا فكّك بينهما في قوله تعالى وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (8)المتكرّر في سورة هود مرادا بالأوّل طلب المغفرة عمّا سلف من ذنوب الكفر و الأعمال، و من الثاني الرجوع إليه فيما يأتي بإصلاح العقائد و تهذيب الأخلاق و مواظبة الطاعات و الحسنات و مجانبة المعاصي و السيّئات، و هو المراد من الذكر المعهود الوارد بصيغة أستغفر اللّه ربّي و أتوب إليه، و قد ينفردان في الاستعمال، و منه ما ورد من أنّ دواء الذنوب الاستغفار (9)و أنّ التائب من الذنوب يغفر له (10)و أنّه حبيب اللّه (11)و أنّه كمن لا ذنب له (12)فيراد بالأوّل ما هو لازم التوبة أو التوبة


1) الأمالي للصدوق: 376 ح 5.

2) الكافي 2: 439 ح 8.

3) البحار 93: 282.

4) الكافي 2: 288 ح 1.

5) التوحيد: 408 ح 6.

6) البحار 77: 161 ح 154.

7) الصحيفة السجادية: 164.

8) هود: 90.

9) البحار 93: 279 ح 11.

10) البحار 93: 281 ح 22.

11) الكافي 2: 432 ح 4، و فيه: «انّ اللّه يحب من عباده المفتن التواب».

12) البحار 6: 21 ح 16.

باعتبار لزومه طلب المغفرة، و بالثاني ما يتضمن الأوّل.

ثمَّ إنّ هذا كلّه في التوبة عن الذنب من حيث إنّه مخالفة الرب لرفع آثاره اللازمة من الحيثيّة المذكورة لا غير، و أمّا لو كان الذنب ممّا يورث اشتغال الذمة بحق آدمي كأكل أموال الناس أو أخذها أو إتلافها ظلما و عدوانا اعتبر في توبته مع ما ذكر تفريغ الذمة بأداء حقوق الناس، و لو كان من قبيل ترك الفرائض و الواجبات التي ورد فيها قضاء أو كفّارة اعتبر في التوبة عنه مع ما ذكر الخروج عن عهدة القضاء و الكفّارة حسبما ورد، فإنّ جميع ذلك من لوازم الندم و الرجوع إلى اللّه و من الطريق المبعد إلى صراط اللّه المستقيم.

و لكنّ الظاهر أنّ هذا و سابقة واجبان آخران، و ليسا من شروط صحّة التوبة و قبولها من الحيثية المذكورة، كما صرّح به غير واحد منهم شيخنا البهائي في أربعينه (1)على ما حكي.

ثمَّ ينبغي للتائب بعد مراعاة جميع ما ذكر أن يتعهّد إلى اللحم الذي نبت له في السحت و الحرام، فيذيبه بالأحزان و تحمّل الرياضات و استقلال المطاعم و المشارب، إلّا بقدر الضرورة و الكفاية في حفظ الرمق و بقاء الحياة، و أن يذيق جسمه ألم الطاعة كما أذاقه لذّة المعصية و لقد ورد بجميع ذلك حديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قال لقائل بحضرته الشريفة: أستغفر اللّه، ثكلتك أمّك أ تدري ما الاستغفار؟

أنّ الاستغفار درجة العلّيّين، و هو اسم واقع على ستة معان: أوّلها: الندم على ما مضى. و الثاني: العزم على ترك العود عليه أبدا. و الثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة. و الرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها تؤدي حقّها. و الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السّحت، فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم (2)فعند ذلك تقول: أستغفر اللّه (3).


1) الأربعين للبهائي: 471.

2) في المصدر: و ينشأ بينهما لحم جديد. و السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.

3) نهج البلاغة لصبحي الصالح: 549 قصار الحكم 417.

هذا كلّه في حقيقة التوبة، و الظاهر أنّها و الإنابة بمعنى، كما يظهر من كلام بعض أئمة اللغة، و قد يفرّق بينهما و بين الاستغفار بعد جعلها توجّهات و اقبالات إلى اللّه. فالتّوبة توجّه إليه من حيث إنّها رجوع إلى صراط اللّه المستقيم، و الاستغفار توجّه إليه لطلب العفو و المغفرة و الإنابة توجّه إليه بعد طلب العفو. و لم نجد له من الآيات و الأخبار شاهدا تاما وافيا بتمام هذا الفرق، كما أنّه لم نجد شاهدا- على ما قيل أيضا- من أنّ التوبة على ثلاثة أقسام: أوّلها التوبة و أوسطها الإنابة و آخرها الأوبة، فمن تاب من خوف العقوبة فهو صاحب التوبة، و من تاب طمعا للثّواب فهو صاحب الإنابة، و من تاب مراعاة للأمر لا لهما فهو صاحب الأوبة، و التوبة صفة المؤمنين، و الإنابة صفة الأولياء و المقربين، و الأوبة صفة الأنبياء.

و أمّا المرحلة الثانية: فحكم التوبة

هو الوجوب بالإجماع محصلا و منقولا في كلام جماعة منهم صاحب الذخيرة قائلا: الظاهر أنّ التوبة عن الذنب واجب اتّفاقا (1). و عن شارح أصول الكافي دعوى إجماع الأمة عليه (2).

و لو لا الإجماع عليه لكفى من الكتاب قوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (3)و قوله أيضا وَ تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (4).

و من السنة ما لا يحصى كثرة (5).

و العقل أيضا قاض بوجوبه بناء على التحسين و التقبيح العقليّين، نظرا إلى أنّه دافع لضرر المعصية و هو العقوبة الأخروية. و عن أفضل المحقّقين في تجريده أنّه استدل عليه بأنه دافع للضّرر فيجب (6). و عن شارح التجريد بناء على وجوبه على مذهب العدليّة.

و دليل كونه دافعا للضرر من الآيات و الروايات ما لا يحصى كثرة، و لقد


1) الذخيرة: 303.

2) شرح أصول الكافي لصدر المتألّهين: 101.

3) التحريم: 8.

4) النور: 31.

5) راجع أصول الكافي 2: 430.

6) تجريد الاعتقاد: 305.

سمعت جملة منها، و من ذلك قوله جل شأنه وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ (1)و قوله أيضا غٰافِرِ الذَّنْبِ وَ قٰابِلِ التَّوْبِ (2)و النبوي: «التائب حبيب اللّه» و «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».

و عن الباقر عليه السّلام: اللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته و زاده في ليلة ظلماء فوجدها (3).

و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثمَّ ندمتم لتاب اللّه (4).

و عن الصادق عليه السّلام: أنّ الرجل ليذنب فيدخله اللّه به الجنة، قيل: يدخله اللّه بالذنب الجنة؟ قال: نعم أنّه ليذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه اللّه فيدخله الجنة (5).

و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: جاءت امرأة إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا نبي اللّه امرأة قتلت ولدها هل لها من توبة؟ فقال لها: و الذي نفس محمّد بيده لو أنّها قتلت سبعين نبيا ثمَّ تابت و ندمت و يعرف اللّه من قلبها أنّها لا ترجع إلى المعصية أبدا يقبل اللّه توبتها و عفى عنها، فإنّ باب التوبة مفتوح ممّا بين المشرق و المغرب (6).

و عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قال: هو الذنب الذي لا يعود فيه أبدا- إلى أن قال:- إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه اللّه فستر عليه، قيل: و كيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، و يوحي اللّه إلى جوارحه و إلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى اللّه حين يلقاه، و ليس شي‌ء يشهد عليه بشي‌ء من الذنوب (7)إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع.


1) الشورى: 24.

2) غافر: 3.

3) الكافي 2: 435 ح 8.

4) سنن ابن ماجه 2: 1419 ح 4248 و فيه: «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثمَّ تبتم لتاب عليكم».

5) الكافي 2: 426 ح 3.

6) جامع الأخبار: 226- 227 ح 577.

7) الكافي 2: 436 ح 12.

ثمَّ إنّ ظاهر الأخبار كظاهر التعليل في الآيتين برجاء تكفير السيّئات و الفلاح كون وجوبه إرشاديا محضا قصد به رفع مفاسد المعصية السابقة و التخلّص عن آثارها، كما أشرنا إليه سابقا و جزم به بعض مشايخنا (1)فليس ترك التوبة أو تأخيرها معصية أخرى يترتّب عليها عقاب آخر زائدا على العقاب المترتّب على أصل المعصية السابقة. و من فروع هذه المسألة عدم كون الإخلال بها بنفسه قادحا في العدالة إن كانت باقية بعد المعصية السابقة، و لا موجبا لتحقّق الإصرار الذي هو في الصغيرة قادح فيها على ما تقدم.

ثمَّ إنّ الندم في معنى التوبة الذي هو تألّم القلب و حزنه على المعصية السابقة ليس بغير مقدور- كما قد يتوهّم- ليشكل من جهته تعلّق التكليف بها، فلا حاجة إلى تفسيرها بترك المعاصي في الحال مع العزم على تركها في الاستقبال، بل هو أمر مقدور يصح تعلّق التكليف بنفسه، و لكن بواسطة العلم و الإيمان- بالمعنى المتقدم- و ملاحظة سوء عاقبة المعصية و سوء آثارها مع ما عرفت من سائر الأسباب التي هي الطريق إلى تحصيل التوبة.

ثمَّ الإتيان بصيغتي الإطماع في الآيتين ك «عسى» و «لعلّ» إشعار بأنّ قبول التوبة من اللّه جلّ ذكره و العفو عن المعصية السابقة تفضّل منه تعالى، و ليس على وجه اللزوم و الوجوب عليه تعالى، و أنّ التوبة ليست موجبة له كما هو أحد القولين في المسألة، و لعل النكتة فيه الحثّ للعبد على أن يكون في جميع حالاته بين خوف و رجاء، و لا يخرج بسبب إيجاب التوبة إلى حدّ الأمن من مكر اللّه الذي هو كاليأس من روح اللّه من الكبائر، و لذا قال فيهما تعالى فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (2)وَ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ (3).

و كون قبول التوبة من اللّه تعالى على وجه التفضّل لا على وجه الإيجاب ممّا يستفاد من بعض الأحاديث أيضا، و منه ما روي أنّه قال أمير المؤمنين عليه السّلام:


1) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 57.

2) الأعراف: 99

3) يوسف: 87.

الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور و ذنب غير مغفور و ذنب مرجوّ لصاحبه و يخاف عليه، قيل: يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا، قال: نعم، أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبة اللّه على ذنبه في الدنيا و اللّه تعالى أحلم و أكرم من أن يعاقب عبده مرتين. و أمّا الذنب الذي لا يغفره اللّه فظلم العباد بعضهم لبعض، أنّ اللّه إذا برز للخليقة أقسم قسما على نفسه فقال: و عزّتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم و لو كفا بكفّ و لو مسحة بكفّ و لو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء (1)فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة ثمَّ يبعثهم للحساب. و أمّا الذنب الثالث فذنب ستره اللّه على خلقه و رزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربّه، فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة و نخاف عليه العقاب (2).

و على ما بيّناه فلا حاجة إلى حمل التوبة في هذه الرواية على التوبة المشكوك في شروطها، إلّا على القول بالإيجاب، و الأصحّ خلافه. و في حسنة ابن أبي عمير- المتقدّمة (3)في مسألة الإصرار على الصغيرة- أيضا دلالة على ما ذكرنا، حيث جعل فيها الشفاعة للتائبين من أهل الكبائر، فإنّه لو كانت التوبة موجبة لم يحتج عفو اللّه و مغفرته للتائبين من أهل الكبائر إلى شفاعة الأئمّة عليهم السّلام.

ثمَّ إنّ التوبة واجبة على الفور كما هو المصرح به في كلام العلماء، و لا أعلم فيه مخالفا، و في كلام للسيد الجزائري في أنواره ما يؤذن بدعوى إجماع المعتزلة و أصحابنا الإمامية عليه قائلا: و أمّا الوجوب الفوري فعليه المعتزلة و أصحابنا الإمامية (4).

و يقتضيه الاعتبار العقلي، لأنّها إذا كانت واجبة لدفع ضرر المعصية فوجب المبادرة إليها، خوفا من أن يفاجأه الموت من دون توبة أو لئلّا ينسيها الوسواس الخنّاس الذي وكّله إبليس بآية الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً (5)إلخ إلى يوم القيامة،


1) الجماء: الشاة التي لا قرن لها.

2) الكافي 2: 443 ح 1.

3) التوحيد 407- 408 ح 6.

4) الأنوار النعمانية: 3: 145.

5) آل عمران: 135.

و التزم هو بانسائها كما عرفت حديثه مع تمام الآية، أو لئلّا يؤول التسويف إلى تراكم الرين البالغ حدّ الطبع، فلا يقبل المحو نظير الوسخ يغوص لطول تراكمه في تجاويف الثوب، فلا يقبل عند ذلك الزوال، فمثل هذا القلب لا يرجع و لا يتوب و إن قال بلسانه: تبت. و لعل ما ورد في الخبر من «أنّ أكثر صياح أهل النار من التسويف» (1)منزل على هذا المعنى.

و لنعم ما قال بعض أهل المعرفة: من أنّ ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما: أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا و طبعا فلا يقبل المحو. و الثاني: أن يعالجه المرض أو الموت فلا يجد مهلة بالاشتغال بالمحو (2).

و يدلّ على وجوب المبادرة إليها من الكتاب قوله سبحانه وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (3)بتقريب أنّ التوبة داخلة في إطلاق سبب المغفرة، و أنّها المراد منه بالخصوص بناء على كون الأمر للوجوب الإرشاديّ كما هو الأظهر. و قوله تعالى أيضا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ (4)و لا أقل من أن يبادر إليها لئلّا يدخل في الذين قال عزّ ذكره فيهم:

وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ (5)و عن الفقيه عن الصادق عليه السّلام: أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: ذلك إذا عاين أمر الآخرة (6).

و الظاهر أنّ المراد بالفورية هاهنا ثاني زمان المعصية، و هو ما بعد الفراغ منها، خصوصا على وجوبها العقلي الناشئ من ملاحظة خوف ضرر المعصية، و ليست معتبرة على وجه التقييد فتسقط بفوات زمان الفور، بل على وجه تعدّد المطلوب


1) لم نعثر عليه في المصادر الروائية، و نقله في المحجّة البيضاء 7: 22.

2) المحجّة البيضاء في إحياء الأحياء 7: 22.

3) آل عمران: 133.

4) النساء: 17.

5) النساء: 18.

6) الفقيه 1: 133 ح 352.

الذي يعبّر عنه بالمسارعة فيجب المسارعة إليها في كلّ زمان متأخّر عند فوتها في الزمان المتقدّم عليه، و هكذا إلى آخر مدّة العمر، و بذلك يرتفع منافاة قاعدة الفور لما يستفاد من جملة كثيرة من الأخبار من توسعة زمان قبول التوبة المقتضية لصحّتها حيثما حصلت من مدّة العمر.

و من ذلك المروي عن الفقيه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في آخر خطبة خطبها: من تاب قبل موته بسنة تاب اللّه عليه، ثمَّ قال: و إنّ السنة لكثيرة و من تاب قبل موته بشهر تاب اللّه عليه، ثمَّ قال: و إنّ الشهر لكثير و من تاب قبل موته بيوم تاب اللّه عليه، ثمَّ قال: و إنّ يوما لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب اللّه عليه، ثمَّ قال: إنّ الساعة كثيرة من تاب و قد بلغت نفسه- و أهوى بيده إلى حلقه- تاب اللّه عليه (1).

و عن الكافي ما يقرب منه و لكن ذكر فيه الجمعة أيضا، و قال في آخره: من تاب قبل أن يعاين قبل اللّه توبته (2).

و في رواية عامية: من تاب قبل أن يغرغر بها تاب اللّه عليه (3).

و في رواية: إنّ إبليس لمّا هبط قال: و عزّتك و عظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده، فقال اللّه عز و جلّ سبحانه: و عزّتي و عظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها (4).

و يدلّ عليه أيضا مفهوم الغاية في الآية الثالثة المقتضي لقبول التوبة إلى ما قبل حضور الموت.

و يشكل الحال بالنظر إلى الآية الأولى المقيّدة لوجوب قبول التوبة على اللّه سبحانه بقوله: «من قريب» و حمله على تمام أمد الحياة إلى ما قبل حضور الموت كما احتمله بعض المفسّرين، تعليلا بأن أمد الحياة قريب (5)كما قال سبحانه:

قُلْ مَتٰاعُ الدُّنْيٰا قَلِيلٌ (6)بعيد عن اللفظ جدّا و مع ذلك لا شاهد عليه.


1) الفقيه 1: 133 ح 351.

2) الكافي 2: 440 ح 2.

3) مسند أحمد بن حنبل: 5: 362.

4) مجمع البيان 3: 22.

5) كنز الدقائق 2: 391.

6) النساء: 17.

و يمكن الذب عنه بأنّ وجوب القبول غير التفضل به، و كلمة «على» تفيد الوجوب، و هو المقيّد بالزمان القريب، و هذا لا ينافي التفضّل به أيضا بعد الزمان القريب، و الأخبار المذكورة لا تفيد أزيد من حصول القبول من غير تعرّض لوجوبه، فليحمل على جهة التفضّل، غاية الأمر أنّه يلزم بذلك تقييد قاعدة التفضّل حسبما أشرنا إليها سابقا، و يكون المحصّل من ذلك واسطة بين القولين المطلقين بالوجوب و التفضّل كما أشرنا إليهما أيضا، فالتوبة من العبد إلى اللّه بالندم و طلب المغفرة يوجب التوبة من اللّه على العبد بالعفو و المغفرة له وجوبا في القريب و تفضّلا فيما بعده، و الآية بالحصر المستفاد من كلمة «إنّما» متكفّلة لبيان حكم يرجع إلى التوبة من اللّه، فلا ينافي إطلاق القرب المتناول لزمان الفور و ما بعده وجوب الفور، من حيث إنّه حكم راجع إلى التوبة من العبد، خصوصا مع ملاحظة كونه على وجه تعدّد المطلوب.

نعم يبقى الكلام في تحديد القريب الذي هو زمان وجوب القبول، و لم نقف على من تعرّض له و لا على رواية مفسّرة له بالنصوصية أو الظهور، و يمكن تحديده بسبع ساعات ممّا بعد الفراغ من المعصية أخذا له ممّا روي عن الصادق عليه السّلام من قوله عليه السّلام: ما من عبد مؤمن مذنب إلّا أجّله اللّه عز و جلّ سبع ساعات من النهار، فإن هو تاب لم يكتب عليه شي‌ء، و إن هو لم يفعل كتب عليه سيّئة، فأتاه عبّاد البصري فقال له: بلغنا أنّك قلت: ما من عبد يذنب ذنبا إلّا أجّله اللّه بسبع ساعات من النهار، فقال: ليس هكذا و لكنّي قلت: ما من مؤمن و كذلك كان قولي (1).

و ها هنا إشكال آخر من حيث المنافاة الظاهرة بين الأخبار الدالّة على توسعة زمان قبول التوبة و لو تفضّلا إلى بلوغ النفس إلى الحلق و إلى أن يغرغر بها، و بين الآية الأخيرة النافية للتّوبة عند حضور الموت المفسّر في غير واحد من الأخبار بمعاينة أمر الآخرة، بناء على ظهور النفي في الرجوع إلى قبول التوبة لا إلى ذاتها.


1) الكافي 2: 439 ح 9.

قيل: سوّى سبحانه بين من سوّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة و الكفّار، و بين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، و كأنّه قال: توبة هؤلاء و عدم توبة هؤلاء سواء.

و يمكن الجمع بحمل الأخبار على من يتوب عن ظهر القلب و عقد التوبة في قلبه، و الآية مع ما يفسّرها أو يوافقها من الأخبار على من يتلفّظ بالتوبة من دون أن يعقدها في قلبه كما يشعر به قوله قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ (1)أو بحمل الأخبار على من أذنب ذنبا من دون إصرار و أخّر توبته إلى حضور الموت أو ظهور علاماته، و الآية على من أقام على ارتكاب السيّئات و داومها تمام أمد الحياة إلى أن يئس منها بظهور علامات الموت، و لذا أتى بالجمع المحلّى و غيّاه بغاية حضور الموت لبلوغ الأظلام المتواردة على القلب حينئذ حدّ الرين و الطبع الغير القابل للمحو، أو بحمل الآية على التوبة بمعنى الندامة الحاصلة بعد الموت الذي هو حالة معاينة أمر الآخرة على معنى مشاهدة عذاب الآخرة، فأريد من حضور الموت حلوله بتمامه المتحقّق بمفارقة الروح الجسد، و يشهد له ظاهر العطف في قوله تعالى وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ (2)المقتضي مع ملاحظة وحدة السياق لوحدة المنفي في المعطوف و المعطوف عليه، فيكون محصّل مفاد الآية نفي فائدة الندامة الحاصلة بعد الموت بسبب مشاهدة عذاب الآخرة و عقوباتها، فإنّ الندامة على السيّئات و الكفر إنّما تفيد إذا حصلت في دار الدنيا و لو في آخر النفس الذي هو بلوغها إلى الحلق و هو حالة الغرغرة، و لذا قيل: إنّ من لطف اللّه تعالى على العباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرّجلين ثمَّ يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصدر ثمَّ ينتهي إلى الحلق ليتمكّن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على اللّه تعالى و الوصيّة و التوبة و الاستحلال و ذكر اللّه فيخرج روحه و ذكر اللّه على لسانه، فيرجى بذلك حسن خاتمته. و ظنّي أنّ هذا الوجه الأخير أرجح نظرا إلى ظهور العطف و السياق، و عدم أدائه إلى التفكيك بين


1) النساء: 18.

2) النساء: 18.

المعطوف و المعطوف عليه في توجّه النفي في أحدهما إلى الذات و في الآخر إلى الصفّة، و اللّه العالم.

و أمّا

المرحلة الثالثة [عمومية أدلة وجوب فورية التوبة بالنسبة إلى الصغائر و الكبائر]

فليعلم أنّ أدلّة وجوب التوبة و فوريّتها من الكتاب و السنّة و غيرهما عامة في جميع المعاصي كبائرها و صغائرها، و هو الظاهر من إطلاق العلماء، بل المصرّح به في كلام جماعة، منهم صاحب الذخيرة المدّعي للاتّفاق على عدم الفرق بينهما في عبارته المتقدّمة في مسألة اعتبار العزم على عدم المعاودة في التوبة، و لذا اعترض هو و غيره على القول باعتباره فيها بأنّ العزم على ترك الصغائر متعذّر أو متعسّر (1).

و يظهر نفي وجوبها رأسا بالنسبة إلى الصغائر من بعض العبارات استنادا إلى تعذّر العزم على عدم العود المأخوذ فيه أو تعسّره، بل بعض مشايخنا نقل عن بعض سادة معاصريه منع وجوبها عن المعاصي مطلقا، بل هو مختصّ بالكبائر، و أمّا الصغائر فهي مكفّرة عنه باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة (2).

و كأنّه في الأوّل و هم نشأ من قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (3)مع بعض الأخبار الموافقة له.

و في الثاني من قوله سبحانه وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (4)مع ما ورد من الأخبار الكثيرة الموافقة أو المفسّرة لها كالنبوي: أنّ الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنب الكبائر (5). و الآخر:

الصلوات الخمس و الجمعة إلى الجمعة تكفّر ما بينهنّ إن اجتنب الكبائر (6). و الآخر:

إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ كما يذهب الماء الوسخ (7). و عن الكاظم عليه السّلام: أنّه


1) الذخيرة: 303.

2) رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): 52.

3) النساء: 31.

4) هود: 114.

5) تفسير البيضاوي 1: 462.

6) تفسير ابن كثير 2: 484.

7) لم نعثر عليه.

سئل عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب عليه السّلام: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمنا (1)إلخ. و عن الأمالي عن أمير المؤمنين عليه السّلام: أنّ اللّه يكفّر بكلّ حسنة سيّئة، ثمَّ تلا الآية (2). و عن الكافي و العيّاشي عن الصادق عليه السّلام في هذه الآية: صلاة المؤمن باللّيل يذهب بما عمل من ذنب النهار (3). و عن الكافي عن الصادق عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أربع من كنّ فيه لم يهلك على اللّه بعدهنّ إلّا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب اللّه له حسنة بحسن نيّته، و إن هو عملها كتب اللّه له عشرا، و يهمّ بالسيّئة أن يعملها، فإن لم يعلمها لم يكتب عليه شي‌ء، و إن هو عملها أجّل سبع ساعات، و قال صاحب الحسنات لصاحب السيّئات و هو صاحب الشمال: لا تعجّل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها، فإنّ اللّه عز و جلّ يقول إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ أو الاستغفار، فإن هو قال: أستغفر اللّه الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب و الشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذو الجلال و الإكرام و أتوب إليه، لم يكتب عليه شي‌ء، و إن مضت سبع ساعات و لم يتبعها بحسنة و استغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيّئات و هو صاحب الشمال: اكتب على الشقيّ المحروم (4)إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع.

و يدفعه: مع أنّ أكثر أخبار تكفير السيّئات بالحسنات مطلقة في الكبائر و الصغائر، و ربما ادّعي صراحة بعضها في الكبائر و اختصاص السيّئة بالصغيرة بحسب العرف أو الشرع غير ثابت، و إن أوهمه مقابلة السيّئات للكبائر في الآية المذكورة أنّ تكفير الصغائر باجتناب الكبائر و العفو عن السيّئات بفعل الحسنات لا ينافي وجوب التوبة، لجواز كونه من باب سقوط الواجب بحصول أحد الأمرين، و لذا قد يسقط أيضا بالمصائب و العقوبات الدنيوية من الفقر و المرض و شدّة النزع و غيرها، كما ورد من ذهاب كثير من الذنوب بهذه الأمور. و من ذلك


1) الكافي 2: 276 ح 2.

2) أمالي الطوسي 1: 25.

3) الكافي 3: 266 ح 10، تفسير العياشي 2: 162 ح 76.

4) الكافي 2: 429 ح 4.

ما تقدّم في حديث عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام في تقسيم الذنوب إلى ثلاثة منها:

الذنب المغفور و هو ذنب عبد عاقبه اللّه على ذنبه في الدنيا و اللّه تعالى أحلم و أكرم من أن يعاقب عبده مرّتين (1).

و عن الصادق عليه السّلام: أمّا أنّه ليس من عرق يضرب و لا نكبة و لا صداع و لا مرض إلّا بذنب، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (2)قال: و ما يعفو اللّه أكثر ممّا يؤاخذ به (3).

و عنه عليه السّلام أيضا في هذه الآية: ليس من التواء عرق و لا نكبة حجر و لا عثرة قدم و لا خدش عود إلّا بذنب و لما ما يعفو اللّه أكثر، فمن عجّل اللّه عقوبة ذنبه في الدنيا فإنّ اللّه أجلّ و أكرم و أعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة (4).

و عن المجمع عن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: خير آية في كتاب اللّه هذه الآية، يا عليّ ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلّا بذنب، و ما عفى اللّه عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، و ما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده (5).

مع أنّ اجتناب الكبائر إنّما يؤثّر في سقوط التوبة عند تهيؤ أسبابها و اجتماع شروطها من ارتكابها إذا حصل بداعي القربة لا مطلقا، فتبقى الصغائر في غير هذه الصور غير مكفّرة، فلا بدّ لرفع آثارها من التوبة. هذا مع ما قيل: من أنّ وجوب التوبة أسبق من كلّ من اجتناب الكبائر و فعل الطاعات، لأنّه يتحقّق في زمان متّصل بالمعصية لا يمكن تحقّق غيره فيه غالبا.

و احتمال كون الوجوب تخييريّا بين التوبة و اجتناب الكبائر و فعل الطاعات مدفوع بعدم جواز هذا التخيير، لسقوط التوبة بكلّ منهما و عدم سقوط شي‌ء منهما بحصول التوبة.


1) الكافي 2: 443 ح 1.

2) الشورى: 30.

3) الكافي 2: 269 ح 3.

4) الكافي 2: 445 ح 6.

5) مجمع البيان 9: 31.

و أمّا

المرحلة الرابعة [هل تعود العدالة بمجرد التوبة]

فليعلم أنّ الذنب الذي يجب التوبة عنه قد يكون ممّا لا يقدح في العدالة و لا يزيلها، كما لو كان صغيرة مع عدم الإصرار، فلا أثر للتوبة الرافعة لآثاره الأخرويّة في إعادة العدالة، لأنّ المفروض عدم زوالها بتلك المعصية حتى تعود بالتوبة. و إن كان ممّا يقدح في العدالة- كما لو كان كبيرة أو صغيرة مع الإصرار- فالتّوبة الحاصلة بشرائطها توجب عودها، بلا خلاف يظهر بين الأصحاب، كما أومأ إليه صاحب الذخيرة بقوله: إذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها فتعود بالتوبة لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب (1)انتهى.

و قد عرفت في مباحث العدالة أنّها مفهوم مركّب من أمر وجودي و هو الملكة المانعة بوصف المنع، و قيد عدمي منتزع عن الوصف و هو عدم ارتكاب الكبائر و لا الصغائر مع الإصرار.

و إن شئت قلت: إنّ العدالة هو المجموع من ذات الموصوف و وصفها، و الأمر العدمي مفهوم اعتباري انتزاعي، و ليس قيدا آخر زائدا على الوصف المنتزع عنه، و أنّ الزائل بارتكاب المعصية إنّما هو وصف المنع لا ذات المانع و هو ملكة الخوف و الحياء من اللّه سبحانه، بل هي باقية حال المعصية، غاية الأمر أنّها لضعفها صارت مغلوبة من هوى النفس و مكيدة الشيطان.

فيظهر من ذلك أنّ العائد بالتوبة إنّما هو وصف المنع لا ذات المانع، لعدم زوالها بالفرض، كيف و أنّ بالتوبة بمعنى الندم و العزم على عدم العود لا بدّ و أن تنشأ من ملكة الخوف من اللّه فحدوثها يكشف عن سبق وجودها فلا يعقل عودها بها؟! و من ذلك يظهر أيضا أنّ عود العدالة بعد التوبة لا يشترط بمضيّ زمان متطاول كما صرّح به غير واحد من أصحابنا، و لا يعتبر فيه أيضا إصلاح العمل مدّة، خلافا للعامّة فإنّ منهم من اعتبر سنة (2)و منهم من اعتبر ستّة أشهر (3).

فما في الذخيرة من قوله: «و يجي‌ء على قول من اعتبر في مفهوم العدالة


1) الذخيرة: 305.

2) المغني لابن قدامة 12: 81.

3) لم نعثر عليه و نقله عنهم في الذخيرة: 305.

الملكة أن لا يكفي التوبة في عود العدالة، بل يحتاج إلى عود الملكة و رسوخ الهيئة في النفس» (1)ليس بجيّد، لابتنائه على الخلط بين زوال الموصوف و زوال الوصف، و لذلك نقل عن الأصحاب بعد العبارة المذكورة عدم اعتبار ما زاد على التوبة بقوله: لكنّهم لم يذكروا ذلك بل صرّحوا بأنّ التوبة كافية، و الظاهر أنّه لا خلاف فيه (2)انتهى.

نعم من لم يسبقه عدالة و لا ملكة بل كان من أوّل أمره خائضا في الذنوب مداوما لكبائر المعاصي و لو نوعا منها و صغائرها فهداه اللّه سبحانه و شمله لطفه و حسن توفيقه فتندّم و تاب لا يكفيه مجرّد ذلك في حصول العدالة له و رسوخ حالة الخوف في نفسه، بل لا بدّ فيه من مضيّ زمان متطاول عليه و هو متشاغل فيه لإصلاح النفس و العمل و مواظبة الطاعات و الأعمال الصالحة و مجانبة ما يقدح في العدالة من المعاصي و غيرها إلى أن يحصل القطع و الوثوق و الاطمئنان بحصول الملكة و رسوخ الحالة النفسانية.

و من سبقه العدالة ففسق ثمَّ تاب لم تقبل توبته بمجرّد إظهاره التوبة ما لم يعلم أو يغلب على الظنّ صدقة، إذ لا يؤمن أن يكون له في التوبة غرض فاسد كقبول شهادته و نحوه، خصوصا فيما إذا قال له الحاكم: تب حتى أقبل شهادتك، كما نصّ عليه جماعة من متأخّري الأصحاب، بل في الذخيرة: المشهور بين الأصحاب (3)و إليه يرجع ما عن القواعد و كشف اللثام، ففي الأوّل: لو عرف استمراره على الصلاح قبلت (4)و عن الثاني: أو أنّه تاب حين تاب بإخلاص النية و صميم العزم (5)و عن دروس الشهيد بعد حكاية القول بالقبول مطلقا عن الشيخ: و هذا يتمّ إذا علم منه التوبة بقرائن الأحوال (6).

و يظهر من محكي المسالك أيضا، فإنّه بعد ما حكى المشهور قال: و ذهب الشيخ في موضع من المبسوط إلى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له:


1) الذخيرة: 305.

2) الذخيرة: 305.

3) الذخيرة: 305.

4) القواعد 2: 238.

5) كشف اللثام 2: 376.

6) الدروس 2: 130.

تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل. و أجيب بمنع اعتبار توبته حينئذ، لأنّ التوبة المعتبرة هي أن يتوب عن القبيح لقبحه، و هنا ظاهرها أنّها لا لقبحه بل لقبول الشهادة. و فيه نظر، لأنّه لا يلزم من قوله: «تب أقبل شهادتك» كون التوبة لأجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علّة للقبول، أمّا أنّه غاية لها فلا، و أيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة. نعم مرجع كلامه إلى أنّ مضيّ الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة، و الأمر كذلك إن فرض غلبة ظنّ الحاكم بصدقه في توبته في الحال، و إلّا فالمعتبر ذلك (1)انتهى.

و بالجملة المعتبر غلبة الظنّ بصدقه في إظهاره التوبة، فإن حصل في الحال و إلّا لا مناص من مراعاة الاختبار و لو بمضيّ مدّة يغلب معها على الظنّ أنّه صادق في توبته.

و في الذخيرة: أنّ من الأصحاب من اعتبر إصلاح العمل، و أنّه يكفي في ذلك عمل صالح و لو بذكر أو تسبيح، و منهم من اكتفى في ذلك بتكرير إظهار التوبة و الندامة و مجرّد استمراره على التوبة (2).

أقول: و لعلّهما أرادا اعتبار ما يكشف ظنا عن صدقه في دعوى التوبة و لو بأقلّ قليل من الذكر و التسبيح أو مجرّد تكرّر الإظهار أو الاستمرار عليه، و إلّا فما لم يكشف أو لم يغلب على الظنّ فلا وجه للاكتفاء بنحو الأمور المذكورة، و أمّا الاستمرار على التوبة الصادقة فهو معتبر في بقاء العدالة و استمرارها، لا في انكشاف عودها بعد زوالها أو صدقه في دعوى التوبة.


1) المسالك 2: 409.

2) الذخيرة: 305.

الفصل الثاني في بيان الفرق بين الكبيرة و الصغيرة

[أقسام الذنوب إلى الكبيرة و الصغيرة]

و اعلم أنّ الأصحاب اختلفوا في المعاصي هل هي نوعان كبيرة و صغيرة و ليس كلّ معصية كبيرة كما عن الشيخ في المبسوط (1)و ابن حمزة (2)و الفاضلين (3)و جمهور المتأخرين؟ أو أنّ كلّ معصية كبيرة؟ نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمر اللّه تعالى و نهيه، و لكن قد يطلق الصغير و الكبير على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه و ما تحته، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا كبيرة بالنسبة إلى النظر بشهوة، كما عن جماعة كالمفيد و الشيخ في العدّة و ابني البرّاج و إدريس و الشيخ أبي علي الطبرسي (4)بل عن الأخير ما يؤذن بدعوى الإجماع عليه من قوله: و إلى هذا ذهب أصحابنا رضي اللّه عنهم فإنّهم قالوا: المعاصي كلّها كبيرة، لكن بعضها أكبر من بعض، و ليس الذنوب صغيرة، و إنّما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر و يستحق العقاب عليه أكثر.

و في الذخيرة: و يظهر دعوى الاتّفاق أيضا من كلام الشيخ في العدّة و ابن إدريس في السرائر أيضا (5).


1) المبسوط 8: 217.

2) الوسيلة 1: 230.

3) الشرائع 4: 126- 127، الإرشاد 2: 156.

4) نقله عنهم في مفتاح الكرامة 3: 89

5) الذخيرة: 303.

و يظهر ثمرة الخلاف في قدح ما هو صغيرة على القول الأوّل من غير إصرار في العدالة و عدمه، كما تقدّم الإشارة إليه أيضا في مسألة الإصرار على الصغيرة.

و القول الأوّل أصحّ و أقوى، لقوله عز و جلّ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (1)فإنّ مقابلة السيّئات للكبائر و جعلها مكفّرة باجتناب الكبائر يدلّ على أنّها غير الكبائر، و انّ المعاصي منقسمة إليهما، و قوله تعالى:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (2)لظهور الإضافة في انقسام الإثم إلى الكبائر و إلى غيرها مضافا إلى أخبار كثيرة.

منها: ما عن الكاظم عليه السّلام: أنّه سئل عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب عليه السّلام:

الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمنا (3).

و عن الجواد عليه السّلام قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر عليه السّلام يقول: دخول عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه عليه السّلام فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ* ثمَّ أمسك، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما أسكتك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه، قال: نعم، يا عمرو أكبر الكبائر (4)الحديث.

و النبوي: أنّ الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنب الكبائر (5). و الآخر:

الصلوات الخمس و الجمعة إلى الجمعة تكفّر ما بينهنّ إن اجتنب الكبائر (6).

و في الذخيرة: أنّ في الحديث أنّ الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر (7).

و عن ابن بابويه: أنّه روى مرسلا عن الصادق عليه السّلام: من اجتنب الكبائر كفّر اللّه عنه جميع ذنوبه، و ذلك قوله تعالى عزّ و جلّ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (8).


1) النساء: 31.

2) النجم: 32.

3) الكافي 2: 276 ح 2.

4) الكافي 2: 285 ح 24.

5) تقدّم آنفا.

6) تقدّم آنفا.

7) الذخيرة: 304.

8) الفقيه 3: 575 ح 4967.

و عن الصادق عليه السّلام: أنّه سئل عن قول اللّه تعالى إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ* (1)هل يدخل الكبائر في مشيئة اللّه؟ قال: نعم ذلك إليه عز و جلّ إن شاء عذّب عليها و إن شاء عفى (2).

و عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ* الكبائر فما سواه، قال: قلت: دخلت الكبائر في الاستثناء؟ قال: نعم (3).

و في حسنة ابن أبي عمير المتقدّمة في مسألة الإصرار على الصغيرة عن أبي الحسن الكاظم عليه السّلام: و من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّه تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (4).

و مرسلة ابن بابويه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي (5)فإن تخصيص الشفاعة بأهل الكبائر يقتضي بمفهوم الحصر المستفاد من كلمة «إنّما» مقابلا لأهل الكبائر لا يحتاج إلى الشفاعة، و هو إمّا من لا ذنب عليه أصلا أو من عليه ذنب ليس من الكبائر، و الأوّل غير صحيح، لقضائه بكون الإخبار بعدم احتياج من لا ذنب عليه أصلا إلى الشفاعة من باب توضيح الواضح، فتعيّن الثاني، فدلّت الرواية على عدم احتياج أهل الصغائر إلى الشفاعة، و وجهه كون الصغائر مكفّرة باجتناب الكبائر أو الأعمال الصالحة أو غير ذلك.

و بهذا التقريب أيضا يدلّ على المطلب ما في حسنة ابن أبي عمير المتقدّمة من قوله عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر، و أمّا المحسنون فما عليهم من سبيل، لوجوب أن يكون المراد من المحسنين الذين ليس عليهم سبيل أهل الصغائر الذين اجتنبوا عن الكبائر، لا الذين ليس عليهم ذنب أصلا، لئلّا


1) النساء: 48.

2) الفقيه 3: 574 ح 4966.

3) الكافي 2: 284 ح 18.

4) التوحيد: 407 ح 6.

5) الفقيه 3: 574 ح 4963.

يخرج الحصر المستفاد من كلمة «إنّما» لغوا.

و يحتمل أن يكون المراد من المحسنين التائبين عن الصغائر التي لا تؤول بالتوبة إلى الكبائر بناء على صيرورة الصغيرة بالإصرار كبيرة كما مرّ تحقيقه، و أنّ الإصرار يتحقّق بمجرّد عدم التوبة و الاستغفار أو هو مع العزم على العود، كما يشهد لهذا الحمل ما رواه ابن بابويه مرسلا عن الصادق عليه السّلام: شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا، و أمّا التائبون فإنّ اللّه عزّ و جل يقول مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (1).

و لا يجوز حمل التائبين في تلك الرواية على التائبين عن الكبائر، لئلّا ينافيه حسنة ابن أبي عمير المتقدّمة المصرحة باختصاص الشفاعة بالتائبين من أهل الكبائر، و لا ضير فيه بناء على ما تقدّم تحقيقه من كون قبول التوبة من باب التفضّل لا على وجه الوجوب، فيجوز توقّف القبول على شفاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السّلام.

و أمّا القول الآخر فلم نقف على دليل له يعتمد عليه سوى التعليل المتقدم من اشتراك كلّ معصية في مخالفة أمر اللّه، و توضيحه على ما فهمه غير واحد من مشايخنا أنّ كبر المعصية و صغرها أمران إضافيان بواسطة إضافة المعصية إلى من يعصى، فإن كان كبيرا فكلّ معاصيه كبيرة، و إن كان صغيرا فكلّ معاصيه صغيرة، و المفروض أنّ اللّه جلّت عظمته أكبر من كلّ شي‌ء.

و فيه: مع أنّ ذلك اجتهاد في مقابلة النص كتابا و سنّة فلا يعبأ به أنّ اعتبار الكبر في معاصيه تعالى بهذا الاعتبار بالقياس إلى معاصي غيره من الموالي و السادات لا ينافي اختلاف معاصيه لذواتها في كون طائفة منها كبيرة لذاتها و اخرى صغيرة كذلك، فإنّها تتبع مفاسد التروك و الأفعال الباعثة على الأمر و النهي. و لا ريب أنّ مفاسد الأشياء تختلف في العظم و خلافه، فمفسدة قتل النبيّ و هدم الكعبة أعظم من مفسدة ترك إزالة النجاسة عن المسجد، و ترك ردّ السّلام و مفسدة الزنا و اللواط أعظم من مفسدة النظر إلى الأجنبية أو إلى وجه الغلام بشهوة، فما كان مفسدته أعظم فكبيرة و غيره صغيرة، و هذا لا ينافي اختلاف


1) الفقيه 3: 574 ح 4964.

الكبائر في كون بعضها أكبر من بعض، و لا اختلاف الصغائر في كون بعضها أصغر من بعضها كما ستعرفه. و يدلّ عليه النصوص الآتية أيضا.

و لعلّ ما في كلام هؤلاء من أنّه قد يطلق الصغير و الكبير على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه و ما تحته فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، كبيرة بالنسبة إلى النظر بالشهوة.

و ما في كلام الطبرسي من أنّه «إنّما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر و يستحق العقاب عليه أكثر» (1)يرجع إلى إفادة هذا المعنى، فيعود النزاع لفظيا، فتأمّل.

و في الذخيرة: أنّ لهذا القول شواهد في الأخبار، مثل ما دلّ على أنّ كلّ معصية شديدة، و ما دلّ على أنّ كلّ معصية قد يوجب لصاحبها النار، و ما دلّ على التحذير عن استحقار الذنب و استصغاره، ثمَّ أيّده بما ورد من قولهم عليهم السّلام: لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار. قال: وجه التأييد أنّ المراد بالإصرار الإقامة على الذنب بعدم التوبة و الاستغفار كما قاله جماعة من المفسّرين في تفسير قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا (2)إلى آخر ما ذكره، و في الكلّ ما ترى.

أمّا الأوّل: فلأنّ المعصية بنفسها لا توصف بالشدة، و إنّما توصف بها العقوبة المترتّبة على المعصية، و لا ريب أنّ شدّة المعصية على تقدير بقائها و عدم زوالها بالتوبة أو بالأعمال الصالحة أو الشفاعة أو نحوها لا تنافي اختلاف المعاصي في الكبر و الصغر الموجب لاختلاف مراتب شدّة عقوباتها.

و أمّا الثاني: فلأنّ المعصية من شأنها أن يوجب لصاحبها النار كما يساعد عليه الاعتبار، و يقتضيه عموم قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (3)و قوله تعالى أيضا:


1) مجمع البيان 3: 38.

2) الذخيرة: 303.

3) النور: 63.

وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً (1).

و هذا أيضا لا ينفي انقسام المعاصي إلى صغيرة و كبيرة، بناء على أنّ الفرق بينهما في توعيد النار على المعصية بالخصوص و عدمه، لا من جهة العمومات كما سيظهر.

و أمّا الثالث: فلأنّ استحقار الذنب و استصغاره عقلا قبيح، و النهي الوارد فيهما إرشادي، لئلّا ينجرّ الأمر إلى التجرّي في ركوب الكبائر، أو إلى الأمن من مكر اللّه تعالى.

و الأولى في توجيه الإرشاد أن يقال بمثل ما تقدّم في مسألة إصرار الصغيرة في شرح النبويّ المروي عن ابن بابويه: من أنّ استصغار الذنب و لو صغيرا يدعو صاحبه غالبا إلى الإصرار عليه، ثمَّ بعد الإصرار إلى عدم الندم و الاستغفار عنه.

و الأوّل يوجب صيرورته كبيرة، و الثاني يوجب العقاب عليه، فنهيه عليه السّلام حثّ على الامتناع عن الاستصغار، و هو يتأتى تارة بمجانبة الإصرار و اخرى بملازمة الاستغفار على تقدير بعث النفس الأمّارة على الإصرار، و الحثّ المستفاد من النهي ينحلّ إلى طلب الأمرين و الإرشاد إليهما معا.

و أمّا الرابع: فلأنّه على خلاف المطلوب أدلّ لدلالته على أنّ المعصية بالإصرار تخرج عن كونها صغيرة، و إنّما تكون صغيرة إذا لم يلحقها الإصرار، و أمّا أنّ الإصرار هو مجرّد عدم التوبة و الاستغفار أو هو مع العزم على العود أو تكرير إيقاعها مع اتحاد النوع و عدمه فهو كلام آخر مرّ تحقيقه، فما ذكره بنفسه دليل على انقسام المعاصي إلى صغيرة و كبيرة، و أنّ الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار و الكبيرة تزول بالاستغفار.

[ضابط الفرق بين الكبيرة و الصغيرة]

ثمَّ اعلم أنّ في تفسير الكبيرة و ضابط الفرق بينها و بين الصغيرة اختلافا كثيرا و أقوالا متشتتة: فقيل: إنّ الكبيرة كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّا أو صرّح فيه


1) الجنّ: 23.

بالوعيد، و عن طائفة أنّها كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث (1)فاعلها بالدّين، و عن جماعة أنّها كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع. و في حجّ مصابيح السيد المتبحّر الطباطبائي قدّس سرّه: أنّ الصحيح عندنا في الكبائر أنّها المعاصي التي أوجب اللّه تعالى سبحانه عليها النار (2)و عن مجمع البرهان: المشهور بين أصحابنا أنّها ما توعّد اللّه تعالى عزّ و جلّ عليه بالنار بخصوصه (3)و نحوه ما في الدروس، إلّا أنّه بدّل النار بالعقاب (4)كما عن الكفاية و في الذخيرة، ففي محكي الأوّل: المعروف بين أصحابنا أنّها كلّ ذنب توعّد اللّه عزّ و جلّ عليه بالعقاب في الكتاب العزيز (5)و نحوه في الذخيرة ناسبا له إلى قوم، ثمَّ قال في آخر كلامه: انّه مشهور بين أصحابنا و لم أجد في كلامهم اختيار قول آخر (6).

و الظاهر أنّ مرادهم من العقاب و العذاب هو العذاب بالنار لا مطلق العقوبة و لو في دار الدنيا أو في الآخرة بغير النار، كما أنّ الظاهر أنّ مرادهم من التوعّد عليه بالنار هو التوعّد عليه بالخصوص و الوعيد الخاص كما قيّده به في الدروس و مجمع البرهان، لا الوعيد العام، لئلّا يلزم كون كلّ المعاصي كبيرة لتحقّقه في الجميع بنحو قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ.

و كيف كان فالّذي يساعد عليه الصحاح و غيرها من الأخبار المعتبرة هو هذا القول المدّعى فيه الشهرة.

ففي صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة: و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك.

و صحيحة الحسن بن محبوب قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السّلام


1) قلّة الاكتراث بالدّين قلّة المبالاة فيه و قلّة الاعتناء به (منه).

2) نقله عنه في مفتاح الكرامة 3: 91.

3) مجمع الفائدة و البرهان 12: 315.

4) الدروس 2: 125.

5) كفاية الأحكام: 179.

6) الذخيرة: 304.

يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب: الكبائر من أجتنب ما أوعد اللّه تعالى عليه النار كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الربا و التعرّب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف (1).

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّدا و قذف المحصنة و الفرار من الزحف و التعرّب بعد الهجرة و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البيّنة و كلّ ما أوجب اللّه عليه النار (2). قال: إنّ أكبر الكبائر الشرك باللّه (3).

و صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (4)قال: معرفة الإمام عليه السّلام و اجتناب الكبائر التي أوجب اللّه عليها النار (5).

و رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية، قال: الكبائر التي أوجب اللّه عزّ و جلّ عليها النار (6).

و رواية عبّاد بن كثير النواء قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الكبائر، فقال: كلّما أوعد اللّه عليه النار (7).

و هذه الأخبار كما ترى خالية عن اعتبار كون التوعّد بالنار في الكتاب العزيز، فما في تفسير الكفاية و الذخيرة و غيرهما من التقييد بذلك غير واضح الوجه.

إلّا أن يقال: إنّ إبعاد النار حيثما أسند إليه تعالى كان ظاهرا في إيعاده تعالى في كلامه المجيد، و هذا هو منشأ التقييد المذكور في كلام الجماعة.


1) الكافي 2: 276 ح 2.

2) الكافي 2: 277 ح 3.

3) الكافي 2: 278 ذيل الحديث 4.

4) البقرة: 269.

5) الكافي 2: 284 ح 20.

6) الكافي 2: 276 ح 1.

7) الوسائل 15: 317 ب 45 من أبواب جهاد النفس ح 6.

و يشكل ذلك بما اشتمل من الروايات على إيجاب النار المسند إليه تعالى، فإنّه مطلق يتناول ما لو علم إيجابه تعالى بإيعاده في الكتاب أو بإخبار النبي صلّى اللّه عليه و آله أو إخبار الأئمة عليهم السّلام.

و لكن دفعه بعد إمكان حمل هذا المطلق على المقيّد المستفاد من ظاهر الأخبار الأخر حسبما بيّناه هيّن، و عليه فالصحيح- بناء على استفادة تفسير الكبيرة من الأخبار- ما في الكفاية و الذخيرة و غيرهما و إطلاق من أطلقه بالنسبة إلى قيد الكتاب ليس بجيّد.

و يشكل الأمر في أنّ من الكبائر ما لم يوجد ذكره في ظاهر الكتاب فضلا عن التوعيد عليه فيه كالصغيرة المصرّ عليها على ما تقدّم تحقيقه و دلّ عليه النصوص و ما ذكر فيه، و لم يتوعّد عليه كالغيبة و شرب الخمر و شهادة الزور و ترك الحجّ و ما أشبه ذلك، و ما توعد عليه فيه بالعذاب دون النار كما ستعرفه، و لا يندرج شي‌ء من ذلك في الضابط المذكور.

و يمكن الذب عنه أيضا بأنّ الظاهر المتبادر من العذاب الأليم و نحوه إنّما هو العذاب في نار جحيم، مع احتمال كون مبنى الضابط المذكور على الغالب، فلا يقدح فيه خروج النادر. أو عدم كون المراد من كون المذكورات من الكبائر دخولها فيها اسما بحسب اصطلاح أهل الشرع إن قلنا بثبوته، بل كونها في حكم الكبائر من حيث قدحها في العدالة، أو شدّة العقوبة عليها في الآخرة، أو عدم ذهابها إلّا بالتوبة، أو الشفاعة من دون كونها مكفّرة بالحسنات و الأعمال الصالحة.

أو أنّ ما ذكر انّما جعل ضابطا لما يكون لذاته كبيرة، لا لعارض الإصرار و نحوه. أو أنّ المراد من وروده و التوعّد عليه بالنار في الكتاب كونه كذلك في الواقع و إن لم يبلغه افهام غير الراسخين في العلم، و من المحتمل في المذكورات كونها كذلك، من غير أن يبلغه أفهامنا القاصرة، و انّما كشف عنه أخبار الراسخين في العلم عليهم السّلام الحاكمة بكونها من الكبائر.

و من ذلك ما ورد في شارب الخمر كالمرويّ في جامع الأخبار، قال

و عنه عليه السّلام أنّه قال: العبد إذا شرب شربة من الخمر ابتلاه اللّه بخمسة أشياء: الأوّل:

قساوة قلبه، و الثاني: تبرّأ منه جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و جميع الملائكة، و الثالث: تبرّأ منه جميع الأنبياء و الأئمة، و الرابع: يبرّئ منه الجبّار جلّ جلاله، و الخامس: قوله تعالى وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوٰاهُمُ النّٰارُ كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا أُعِيدُوا فِيهٰا وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذٰابَ النّٰارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (1).

و يندرج في عموم هذه الآية كلّ من حكم في الكتاب العزيز بفسقه، و منه قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ. وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلٰامِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ (2)سواء قلنا برجوع الإشارة إلى الجميع أو إلى الأخير.

و لك أن تقول بجواز كون المراد بوعيد النار أو إيجابها المتكرّر في الأخبار ما هو أعمّ من الصريح و الضمني و ما هو أعم منه بطريق المطابقة أو اللزوم، كما استظهره السيد في المصابيح (3)بدليل حسنة أو صحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكبائر، فقال: هنّ في كتاب عليّ عليه السّلام سبع: الكفر باللّه عزّ و جل و قتل النفس و عقوق الوالدين و أكل الربا بعد البيّنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف و التعرّب بعد الهجرة، قلت: هذه أكبر المعاصي؟ قال: نعم، قلت: فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ فقال: أيّ شي‌ء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر، قال: تارك الصلاة كافر يعني من غير علّة (4).

و الآيات المتضمّنة للتوعيد على الكفر فوق حدّ الإحصاء، فيندرج فيه كلّما أطلق عليه الكفر في الآيات و الأخبار، و منه تارك الحجّ قال اللّه تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (5).


1) جامع الأخبار: 425 ح 1184.

2) المائدة: 3.

3) نقله عنه في الجواهر 13: 310.

4) الكافي 2: 278 ح 8.

5) آل عمران: 97.

و منه تارك الصلاة كما عرفت و شارب الخمر، قال عليه السّلام في النبوي: يا علي شارب الخمر لا يقبل اللّه تعالى صلاته أربعين يوما، و إن مات في الأربعين مات كافرا (1).

و قد أطلق الكافر على مطلق المجترئ على اللّه في المعصية و مرتكب الكبائر في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: من اجترأ على اللّه في المعصية و ارتكاب الكبائر فهو كافر، و من نصب دينا غير دين اللّه فهو مشرك (2).

و يندرج في إطلاق هذا الخبر فاعل الصغيرة أيضا مع الإصرار، لأنّه بإصراره مجتر على اللّه في المعصية أو أنّه ارتكب الكبيرة.

و ممّا يدلّ على كفر تارك الفرائض و اندراجه في التوعيد الوارد في الكتاب ضمنا، مع إطلاق الكفر عليه فيه أيضا مع الإصرار لأنهّ بإصراره مجتر على الله في المعصية أو أنّه ارتكب الكبيرة.

و مما يدلّ على كفر تارك الفرائض و اندراجه في التوعيد الوارد في الكتاب ضمنا، مع إطلاق الكفر عليه فيه أيضا رواية عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الكفر في كتاب اللّه عز و جل على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود على وجهين، و الكفر بترك ما أمر اللّه عزّ و جلّ به، و كفر البراءة، و كفر النعم. فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة، و الجحود على معرفة و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنّه حق قد استقرّ عنده، و قد قال اللّه تعالى وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ (3)إلى أن قال: و الوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر اللّه عزّ و جلّ به، و هو قول اللّه عزّ و جلّ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (4)فكفّرهم بترك ما أمرهم اللّه عزّ و جلّ به و نسبهم إلى الإيمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده، فقال فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ (5).

و ممّا توعّد عليه في الكتاب ضمنا أو لزوما الحكم بغير ما أنزل اللّه، قال اللّه تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (6).

و اليأس من روح اللّه، قال اللّه تعالى وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ


1) الفقيه 4: 354 ح 4762.

2) البحار 73: 359 ح 79.

3) النمل: 14.

4) البقرة: 85.

5) الكافي 2: 389 ح 1.

6) المائدة: 44.

مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ (1).

و السحر، قال اللّه تعالى وَ اتَّبَعُوا مٰا تَتْلُوا الشَّيٰاطِينُ عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ وَ مٰا كَفَرَ سُلَيْمٰانُ وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّٰاسَ السِّحْرَ وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبٰابِلَ هٰارُوتَ وَ مٰارُوتَ وَ مٰا يُعَلِّمٰانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّٰى يَقُولٰا إِنَّمٰا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلٰا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ (2).

و منه أيضا ما يدلّ كتابا أو سنّة في معصية على أنّها أشدّ من معصية أخرى توعّد عليها في الكتاب كقوله تعالى الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (3)و قوله عليه السّلام: الغيبة أشد من الزنا (4).

و منه أيضا عقوق الوالدين الذي أطلق على صاحبه الجبّار الشقي في الكتاب، مع ما ورد فيه من التوعيد على الشقي، قال اللّه تعالى وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً شَقِيًّا (5)مع قوله عزّ و جلّ وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ. مِنْ وَرٰائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقىٰ مِنْ مٰاءٍ صَدِيدٍ (6)و قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ (7).

ثمَّ إنّهم اختلفوا في

تعداد الكبائر

، فعن ابن مسعود أنّه قال: اقرءوا من أوّل سورة النساء إلى قوله عزّ و جلّ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ فكلّ ما نهى عنه في هذه السورة إلى هذه الآية فهو كبيرة (8).

و عن ابن عبّاس: أنّه سئل عن الكبائر أ سبع هي؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبعة (9)و تبعه ثاني الشهيدين في الروضة على ما حكي من أنّه


1) يوسف: 87.

2) البقرة: 102.

3) البقرة: 191.

4) البحار 75: 252 ح 27.

5) مريم: 32.

6) إبراهيم: 15- 16.

7) هود: 106.

8) التبيان 3: 183.

9) مجمع البيان 3: 39.

قال: إنّها إلى السبعمائة أقرب (1).

و في الدروس- بعد ما عرّفها بما تقدّم من أنّها ما توعّد اللّه تعالى عليه بخصوصه بالعقاب- قال: و عدّت سبعا و هي إلى السبعين أقرب (2).

و في الذخيرة قال قوم: إنّ الكبائر سبع: الشرك باللّه عزّ و جلّ، و قتل النفس التي حرّم اللّه، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الزنا، و الفرار من الزحف، و عقوق الوالدين، و رووا في ذلك حديثا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قيل: إنّها تسع بزيادة السحر و الإلحاد في بيت اللّه أي الظلم فيه، و رواه أبو هريرة و زاد عليه أكل الربا، و روي عن عليّ عليه السّلام زيادة على ذلك شرب الخمر و السرقة، و زاد بعضهم على السبعة السابقة ثلاثة عشر اخرى: اللواط و السحر و الربا و الغيبة و اليمين الغموس و شهادة الزور و شرب الخمر و استحلال الكعبة و السرقة و نكث الصفقة و التعرّب بعد الهجرة و اليأس من روح اللّه و الأمن من مكر اللّه، و قد تزاد أربعة عشر أخرى أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة و السحت و القمار و البخس في الكيل و الوزن و معونة الظالمين و حبس الحقوق من غير عسر و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الذنوب، و قد يعدّ أشياء أخر كالقيادة و الدياثة و الغصب و النميمة و قطيعة الرحم و تأخير الصلاة عن وقتها و الكذب خصوصا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ضرب المسلم بغير حقّ و كتمان الشهادة و السعاية إلى الظالم و منع الزكاة المفروضة و تأخير الحجّ عن عام الوجوب و الظهار و المحاربة لقطع الطريق (3).

و قال السيد المتبحّر في المصابيح: يستفاد من مجموع الروايات الواردة في تعداد الكبائر و النصوص الواردة في بعض المعاصي بالخصوص بعد إسقاط المكرّرات منها أربعون: 1- الكفر باللّه عزّ و جلّ 2- إنكار ما أنزل اللّه تعالى 3- اليأس من روح اللّه 4- الأمن من مكر اللّه 5- الكذب على اللّه و على رسوله


1) الروضة 3: 129.

2) الدروس 2: 125.

3) الذخيرة: 304.

و على الأوصياء، و في رواية مطلق الكذب 6- المحاربة لأولياء اللّه 7- قتل النفس التي حرّم اللّه تعالى 8- معونة الظالمين و الركون إليهم 9- الكبر 10- عقوق الوالدين 11- قطيعة الرحم 12- الفرار من الزحف 13- السحر 14- التعرّب بعد الهجرة 15- شهادة الزور 16- كتمان الشهادة 17- اليمين الغموس 18- نقض العهد 19- الحيف في الوصيّة 20- أكل مال اليتيم ظلما 21- أكل الربا بعد البيّنة 22- أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه 23- أكل السحت 24- الخيانة 25- الغلول، و في رواية مطلق السرقة 26- البخس في المكيال و الميزان 27- حبس الحقوق من غير عسر 28- الإسراف و التبذير 29- الاشتغال بالملاهي 30- القمار 31- شرب الخمر 32- الغناء 33- الزنا 34- اللواط 35- قذف المحصنات 36- ترك الصلاة 37- منع الزكاة 38- الاستخفاف بالحجّ 39- ترك شي‌ء ممّا فرض اللّه 40- الإصرار (1).

و في الأخبار المتكفّلة لتعداد الكبائر أيضا اختلاف شديد من حيث العدد قلّة و كثرة، و من حيث المعدود مع الموافقة في العدد، باعتبار كلّ على غير ما اشتمل عليه الآخر.

ففي عدّة منها سبع، كصحاح ابن محبوب و ابن مسلم و ابن زرارة المتقدّمة (2)و روايتي أبي بصير و أبي الصامت عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

ففي الأولى قال: سمعته يقول: الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمّدا و الشرك باللّه العظيم و قذف المحصنة و أكل الربا بعد البينة و الفرار من الزحف و التعرّب بعد الهجرة و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما، قال: و التعرّب و الشرك واحد (3).

و في الثانية قال: أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم و قتل النفس التي حرّم اللّه عزّ و جل إلّا بالحقّ و أكل مال اليتيم و عقوق الوالدين و قذف المحصنات


1) نقله عنه في مفتاح الكرامة 3: 92.

2) الكافي 2: 276- 278 ح 2 و 3 و 8.

3) الكافي 2: 281 ح 14.

و الفرار من الزحف و إنكار ما أنزل اللّه عز و جلّ (1).

و في رواية عشر، كصحيحة مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الكبائر القنوط من رحمة اللّه و اليأس من روح اللّه عزّ و جل و الأمن من مكر اللّه و قتل النفس التي حرّم اللّه تعالى عزّ و جلّ و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البينة و التعرّب بعد الهجرة و قذف المحصنة و الفرار من الزحف (2).

و في الحسن كالصحيح عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام فيما كتب إلى المأمون ما زاد على ثلاثين، فكتب: من محض الإيمان اجتناب الكبائر و هي: قتل النفس التي حرّم اللّه تعالى و الزنا و السرقة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة و أكل الربا بعد البينة و السحت و الميسر و هو القمار و البخس في المكيال و الميزان و قذف المحصنات و اللواط و شهادة الزور و اليأس من روح اللّه و الأمن من مكر اللّه و القنوط من رحمة اللّه و معونة الظالمين و الركون إليهم و اليمين الغموس و حبس الحقوق من غير عسرة و الكذب و الكبر و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاستخفاف بالحجّ و المحاربة لأولياء اللّه و الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الذنوب (3).

و في صحيحة عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني المرويّة عن الكافي عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام قال: سمعت أبي عليه السّلام يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر عليه السّلام يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه عليه السّلام فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ* (4)ثمَّ أمسك، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:

ما أمسكك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه عزّ و جلّ، فقال عليه السّلام: نعم يا


1) الوسائل 15: 325 ب 46 من أبواب جهاد النفس ح 20.

2) الكافي 2: 280 ح 10.

3) عيون أخبار الرضا عليه السّلام 2: 127.

4) النجم: 32.

عمرو أكبر الكبائر الإشراك باللّه، يقول اللّه عزّ و جلّ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (1)و بعده اليأس من روح اللّه، لأنّ اللّه تعالى يقول لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ (2). ثمَّ الأمن من مكر اللّه لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (3). و منها عقوق الوالدين، لأنّ اللّه تعالى جعل العاقّ جبّارا شقيّا و قتل النفس التي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، لأنّ اللّه تعالى يقول:

فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا (4)الآية. و قذف المحصنة، لأنّ اللّه تعالى يقول:

لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (5)و أكل مال اليتيم، لأنّ اللّه تعالى يقول إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (6). و الفرار من الزحف، لأنّ اللّه تعالى يقول وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (7). و أكل الربا، لأنّ اللّه تعالى يقول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ (8). و السحر، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ (9). و الزنا، لأنّ اللّه تعالى يقول وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً.

يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً (10). و اليمين الغموس الفاجرة، لأنّ اللّه تعالى يقول الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ (11). و الغلول، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (12). و منع الزكاة المفروضة، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ (13). و شهادة الزور و كتمان الشهادة، لأنّ اللّه عزّ


1) المائدة: 72.

2) يوسف: 87.

3) الأعراف: 99.

4) النساء: 93.

5) النور: 23.

6) النساء: 10.

7) الأنفال: 16.

8) البقرة: 275.

9) البقرة: 102.

10) الفرقان: 68- 69.

11) آل عمران: 77.

12) آل عمران: 161.

13) التوبة: 35.

و جلّ يقول وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (1). و شرب الخمر، لأنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عنه كما نهى عن عبادة الأوثان. و ترك الصلاة متعمّدا أو شيئا ممّا فرض اللّه تعالى، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من ترك الصلاة فقد برأ من ذمّة اللّه و ذمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نقض العهد و قطيعة الرحم، لأنّ اللّه تعالى يقول لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ* (2). قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه، و هو يقول: هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم (3).

و في اختلاف الروايات المذكورة تعارض ظاهر بينها مع تنافي روايات السبع و غيرها، للأخبار المتقدّمة القاضية بأنّ الكبائر ما أوعد اللّه عليه النار و ما بمعناه.

و يمكن الجمع و رفع التنافي بإلغاء مفهوم العدد المستفاد منها و حمل السبع و نحوها على إرادة أكبر الكبائر كما هو المصرّح به في خبري عبيد بن زرارة و أبي الصامت، أو على إرادة المعاصي الفعليّة دون التركية، أو إدراج بعض ما لم يذكر في بعض ما ذكر كإدراج ترك الصلاة و نحوه في الكفر في خبر ابن زرارة، أو على بيان جملة من الكبائر على وجه المثال لا جميعها على وجه الحصر، كما يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم حيث ذكر فيها: أنّ الكبائر سبع و جعل السابع كلّ ما أوجب اللّه عليه النار، من باب التعميم بعد التخصيص مريدا به التنبيه على عدم انحصارها في العدد القليل، بل هي ما يعرف بالضابط المذكور الصادق عليه و على غيره ممّا لم يذكر.

الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا.

قد تمَّ في محرّم 1286.


1) البقرة: 283.

2) الرعد: 25.

3) الكافي 2: 285 ح 24.