ghaemiyeh.com
سرشناسه : رشتي، حبيباللهبن محمدعلي، ق۱۳۱۲ - ۱۲۳۴
عنوان و نام پديدآور : فقه الاماميه/ تقرير ابحاث... ميرزا حبيبالله الرشتي؛ تاليف... محمدكاظم الخلخالي
مشخصات نشر : قم: مكتبه الداوري، ۱۴ق. = ۱۳۶.
شابك : ۱۷۰۰ريال(ج.۲)
يادداشت : فهرستنويسي براساس جلد ۲، ۱۴۰۸ق. = ۱۳۶۶
مندرجات : ج. ۱. .-- ج. ۲. قسم الخيارات .-- ج. .۳
عنوان ديگر : ... خيارات
موضوع : فقه جعفري -- قرن ق۱۳
موضوع : خيارات
موضوع : معاملات (فقه)
شناسه افزوده : خلخالي، محمدكاظم، - ۱۳۳۶ق. مصحح
رده بندي كنگره : BP۱۸۳/۳/ر۵ف۷ ۱۳۶۰ي
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۷۲
شماره كتابشناسي ملي : م۶۸-۷۷۶
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف أنبيائه محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين، روحي لهم الفداء.
بحث الخيارات القول في الخيار يقع في مواضع: تارة في موضوعه، و أخرى في أقسامه، و ثالثة في أحكامه. فههنا مقاصد:
الأول- في موضوعه، فنقول: لفظة «الخيار» من الخيرة، فهو في اللغة بمعنى المشيئة و الإرادة. فيكون اسم مصدر، لأنه يفيد معنى الاختيار بناءا على أن اسم المصدر عبارة عن كل مجرد يفيد معنى المزيد كما قيل.
و أما في اصطلاح الفقهاء فهو عبارة عن ملك فسخ العقد كما ذكره الأكثر، أو عن ملك إقرار العقد و إزالته كما ذكره صاحب «الجواهر» «قده»، أو عن ترجيح أحد طرفي العقد الجائز كما ذكره صاحب «التنقيح».
و الأنسب من تلك المعاني- بقاعدة النقل- هو المعنى الأخير، لكون النقل فيه نقلا من العام الى الخاص، فيكون نقلا راجحا. بخلاف المعنيين الأوليين، لكون النقل فيهما نقلا مباينا، لان ملك الفسخ و الإقرار عبارة عن السلطنة التي تكون سببا لاختيار أحد الطرفين و ترجيحه، الا انه لما كان الترجيح عبارة عن الفعلية فهو خارج عما عليه اصطلاح الفقهاء، إذ الخيار عبارة عن السلطنة و الملكية
الثابتة لذي الخيار و ان لم يأت مقام الفعلية أصلا بخلاف الترجيح.
فعلى المعنى الأخير لا يتحقق الخيار إلا إذا رجح الإقرار أو الفسخ و أراد أحدهما فعلا، فهو خلاف الحق و التحقيق، فدار الأمر بين المعنيين الأوليين.
فاختار شيخنا العلامة «قده» التعريف الأول كما هو المشهور ظاهرا، و أورد على ما في «الجواهر»- حيث اختار التعريف الثاني- بأنه ان أريد من افرار العقد إبقاؤه على حاله فيكون ذكر الجزء الأول في التعريف مستدركا، لغناء الجزء الثاني عنه، لأن القدرة و السلطنة على الفسخ لا تتحقق إلا إذا كان كلا الطرفين من الفسخ و الإبقاء مقدورا.
فالنكتة في كون الجزء الأول مستدركا دون الجزء الثاني مع أنهما في استغناء أحدهما عن الأخر على السواء، اما أن الجزء الأخير قد ذكره الأكثر فهو مسلم عندهم و انما زاد الجزء الأول صاحب «الجواهر» فتكون الزيادة منه مستدركة، أو أنه غلب في الاصطلاح في ملك الفسخ و اشتهر فيه فصار حقيقة فيه، فملك الإقرار انما يكون حينئذ مطويا فيه تبعا لا أنه عبارة عن ملك الإقرار و ان أفاد ملك الفسخ أيضا تبعا الا أنه خارج عما عليه بناؤهم.
و ان أريد من إقرار العقد إلزامه، ففيه: أن مرجعه إلى إسقاط الحق، فلا ينبغي أخذه في تعريفه. مع أنه منتقض بالخيار المشترك، فإنه إذا كان لأحد المتعاقدين خيارات متعددة من جهات متكثرة من خيار الشرط و المجلس و الغبن و العيب مثلا إذا أسقط أحدها فلا يلزم منه ملك إلزام العقد، لعدم اللزوم حينئذ مع بقاء غيره على حاله.
بعبارة أخرى: هذا التعريف لا يصدق على أحد تلك الخيارات المشتركة بعد ظهور الإلزام في مقابل الإزالة في اللزوم المطلق، إذ لا يتحقق الإلزام في العقد حينئذ بمجرد إسقاط واحد من تلك الخيارات، بل لا بد في اللزوم من إسقاط الجميع.
ثم انه بهذا القيد- أعني ملك إلزام العقد- يحصل الفرق بين ملك الإزالة و جواز الرجوع الحاصل من جهة الخيار و بين ملك الإزالة و جواز الرجوع الحاصل في العقود الجائزة كالهبة و القرض و غيرهما كجواز الرجوع للزوج في العدة. ضرورة أن جواز الرجوع في العقود الجائزة من قبيل الحكم فلا يسقط بالإسقاط، بخلاف جواز الرجوع في الخيارات فيسقط بإمضاء العقد و إلزامه، فيصير من قبيل الحق.
ثم ان الفرق بين الحكم و الحق بأحد من أمور ثلاثة: أحدها- كل ما ينتقل الى المورث فهو حق و الا فحكم، و ثانيها- ما كان قابلًا للإسقاط و الإبراء فهو حق و الا فحكم، و ثالثها- ما كان قابلًا للمعاوضة و المصالحة- بأن ينتقل الى الغير بصلح و غيره- فهو حق و الا فحكم.
و لا شك ان هذه الوجوه ليست ما بها يمتاز الحق عن الحكم بحسب الذات بل انما هي آثار لها، فيشكل الفرق بحسب الذات. و عند الشك في ان الشيء الفلاني حق أو حكم- كما إذا شككنا في جواز الرجوع في عدة المرأة للزوج حق حتى يقبل الانتقال و الإسقاط أو حكم- يصعب الأمر، حيث لا أصل في البين، حيث لا طريق لتشخيصه الا التنصيص من الشارع، فإنهما متحدان صورة و مختلفان حقيقة، كفرض الصلاة و نفلها و فرض الصوم و نفله، حيث ان إتيان نفل الصوم لمن عليه صوم واجب ليس بجائز دون فرض الصلاة. فهذا يكشف عن اختلاف حقيقتهما.
فان قام الإجماع في مورد على آثار الحق و لوازمه من قبول الاسقاط و الانتقال فنحكم بالحق أو على عدمه فنحكم بأنه من قبيل الحكم، أو ورد النص على تعيين أحدهما فيؤخذ به و عند فقدانهما فهل الأصل يقتضي الحق أو يقتضي أنه من قبيل الحكم.
و المحكي عن المحقق القمي «قده» أن جواز الرجوع في الهبة و العدة قابل للصلح و الاسقاط. فعلى تقدير عدم ورود نص و دليل عليه لا بد أن يقال: ان الأصل عنده «قده» هو الحق فيكون هو المرجع عند الشك. و لكن ذهب شيخنا العلامة «قده» إلى انه لا أصل في البين، فهو حسن بحسب تشخيص ذاتهما و حقيقتهما لعدم الأصل فيهما.
نعم، نحن نقول: و ان لم يكن في مقام تشخيص حقيقتهما أصلا جاريا الا أنه يكفينا إجراء الأصل في آثارهما و لوازمهما، فإنه بعد ما ثبت جواز الرجوع للزوج في العدة مثلا فنشك في سقوطه بعد قوله «أسقطت» أو «صالحت» فمقتضى الأصل و الاستصحاب بقاؤه و عدم سقوطه و عدم قبوله للصلح، فنحكم حينئذ بأن جواز الرجوع هنا من قبيل الحكم ليس بحق حتى يقبل للصلح و الاسقاط، و هكذا في غيره في سائر المقامات المشكوكة، فعند الشك بينهما الأصل يقتضي أن يكون حكما لا حقا. هذا تمام الكلام في موضوع الخيار.
و أما أحكامه و أقسامه، فقبل الخوض فيه لا بد من تمهيد مقدمة و هي: ان
حتى يكون هو المعول عند الشك و فقدان الدليل على تعيين أحدهما؟ فنقول هنا مقصدان: أحدهما- في تعيين الأصل في خصوص البيع، و ثانيهما- في مطلق العقود و الإيقاعات من أسباب المعاملة.
أما الأول فنقول: ذكر العلامة «قده» في غير واحد من كتبه ك «القواعد» و «التذكرة» أن الأصل في البيع اللزوم، و تبعه غير واحد من الفقهاء «رضوان اللّه عليهم»، و لم نجد من سبقه في ذلك الأصل، فيقع الكلام في معنى ذلك الأصل و المراد منه ثم في مدركه.
و المستفاد من كلماتهم أنه قابل لأحد من المعاني الأربعة: الأول الراجح- يعني أن الأرجح في البيع- اللزوم كما احتمله في «جامع المقاصد»، و الثاني- الاستصحاب، و الثالث- القاعدة المستفادة من العمومات، الرابع- المعنى اللغوي بمعنى الوضع و البناء.
(أما الأول) فقد ذكر في «جامع المقاصد» أن المدرك فيه هو الكثرة و الغلبة حيث قال ما هذه عبارته: و ان الأرجح فيه ذلك نظرا الى ان أكثر أفراده على اللزوم- انتهى.
و ان كان ظاهر كلامه أراد الكثرة بحسب الإفراد، الا أنه قد أورد عليه شيخنا العلامة «قده» في كتابه بأنه: ان أراد غلبة الإفراد فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس و الحيوان أو الشرط، فلا يتفق بيع في الخارج الا معه خيار المجلس إلا أقل قليل كالبيع على من ينعتق عليه و غيره كما سيأتي، و هذا هو الوجه في تعبيره «قده» بالغالب. و ان أراد غلبة الأزمان فهي لا تنفع في الإفراد المشكوكة، إذ الشك في الفرد المشكوك ليس من جهة الزمان حتى يلحق بالكثرة الزمانية، بل هو من جهة الفرد الخارجي الذي هو غير سائر الأفراد الجائزة في كثرة الأزمان لو سلم الكثرة فيها، فغلبة الأزمان في أفراد لا توجب إلحاق حكم فرد آخر بها لاختلاف الصنفية، فان فرد بيع الصرف صنف و السلم صنف و المعاطاة و النسيئة و غيرها، فلا يلحق حكم واحد إلى الأخر بمجرد الغلبة الحاصلة فيه.
نعم إذا شككنا في خصوص زمان في تلك الأفراد التي غالبها زمانا اللزوم يصير الأرجح بحكم الغلبة اللزوم، مع أنه لا يناسب ما في القواعد من الاستثناء من ذلك الأصل من قوله: و انما يخرج من الأصل لأمرين ثبوت الخيار أو ظهور العيب، إذ المخرج انما هو أفراد البيع، أعني البيع الذي ثبت فيه الخيار أو ظهر فيه العيب، فلا وجه لإخراجه من غلبة الأزمان.
ثم ان المحكي من الشيخ الأورع الشيخ علي ابن صاحب «كشف الغطاء» وجهه آخر في مدرك الرجحان، و هو: ان المتبادر من عقد البيع و صيغته هو الدوام، بمعنى أن الظاهر و المتبادر من قولك «بعتك» إدخال المبيع في ملكك على الدوام، بأن يكون المبيع ملك المشتري دائما و لو أراد إرجاعه فلا يرجع بمقتضى العقد، فيصير حينئذ مقتضى العقد بحكم الظهور و التبادر إنشاء الملكية الدائمة للمشتري. و معلوم أن دوام الملكية للمشتري لا يمكن للبائع إبطاله و إرجاعه إلى ملكه، لمنافاته لما هو المتبادر من مقتضى العقد. ثم قال «قده»- على ما حكي عنه-: و فيه تأمل.
أقول: يمكن المناقشة فيه:
أولا- بمنع الصغرى، أي التبادر و الظهور، فان الظاهر من العقد إنشاء التمليك من غير أن يكون مقيدا بالدوام، بل انما هو مطلق و مهمل من هذه الجهة.
فيكون التأمل حينئذ إشارة إلى التأمل في أخذ الدوام في صيغة البيع و عدم الجزم في دعواه.
و ثانيا- سلمنا ظهور الصيغة و تبادرها في الدوام الا أنه لا ينفع في نفي الخيار، لعدم المنافاة في كون الملك دائما للمشتري مع كونه قابلًا للفسخ و الإزالة.
ألا ترى في العقود الجائزة أنه تدل صيغة «وهبت» مثلا بأن الموهوب ملك للمتهب على الدوام غير مغيا بشيء الا أنه مع ذلك يقبل للفسخ.
و بعبارة أخرى: ان الملكية الدائمة على قسمين: قسم تنجزي غير قابل للفسخ و قسم تزلزلي للفسخ. فغاية الأمر بعد التسليم بالتبادر المذكور تكون الملكية دائمية، و هذا يجتمع مع التزلزل، لأن الملكية التزلزلية أيضا دائمية غير مغياة بغاية، غاية الأمر أن دوامها على سبيل التزلزل قابلة لسلطنة الفسخ كما هو المدعى في البيع الخياري.
الا أن يوجه بأنه: بعد ثبوت الدوام في مدلول العقد يتم اللزوم بضميمة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» على سبيل الإمضاء، بتقريب أن يقال: ان الملكية الدائمية التي هي مدلول العقد يجب الوفاء بها على كل حال، أي قبل قوله «فسخت» و بعده، فيصير الحاصل من الإمضاء بالعمومات مع الالتزام بالعموم الاحوالي في تلك العمومات هو الالتزام بالملكية حتى بعد الفسخ، فيكون الفرق حينئذ بين هذا الاستدلال و بين الاستدلال الاتي بالعمومات مستقلا ان هذا الاستدلال مبني على كون العمومات من باب الإمضاء لمقتضى العقد و الاستدلال الاتي من باب الاستقلال و الابتداء من غير توقفه على جعلها من باب الإمضاء.
فعلى هذا يندفع ما قيل من أنه بعد الاحتياج الى التمسك بالعمومات يصير الاستدلال بأخذ الدوام في مدلول الصيغة لغوا، لاستغناء الاستدلال بالعمومات عن هذه. فتأمل. فعلى هذا أيضا ينحصر وجه التأمل في منع الصغرى.
ثم ان بعض التلامذة استدل بأخذ قيد الدوام بوجه آخر، و هو أنه لو لم يكن في الصيغة دلالة على الدوام يستفاد الدوام من ظهور حال المتعاقدين بأن غرضهما إرادة الملكية الدائمية و عدم ارادة الفسخ و وقوعه و يعد أيضا من مدلول العقد لا من جهة التبادر بل من جهة ظهور حال المتكلم كالقرائن العامة.
و أما الاستصحاب: قال شيخ الفقهاء في «الجواهر»: أنه ركيك بعيد، و قال شيخنا العلامة «قده»: انه حسن. أقول: كلاهما حسن من وجه:
أما وجه الاستبعاد: أنه لا يناسب بحسب الصناعة النحوية كنظائره من الاحتمالات، فان كون اللزوم خبرا و محمولا على الأصل بالاحتمالات الثلاثة له وجه، بأن يقال الأرجح في البيع اللزوم، و القاعدة المستفادة اللزوم أو الوضع
و البناء في البيع اللزوم بخلاف الاستصحاب. ضرورة أنه ليس بلزوم، فلا يقع اللزوم خبرا للأصل. نعم هو دليل اللزوم كما تفطنه «قده» و صرح به.
و أما وجه الاستحسان: أنه بحسب المطلب تام و غير وارد عليه ما يرد على سائر الاحتمالات، فان استصحاب الملكية أمر مسلم عندهم حتى يعلم بالمزيل، فحيث يصح الشك في مزيلية الفسخ و وجود الرافع للملكية السابقة يصير المحكم و المرجع الاستصحاب على إبقاء ما كان من الملكية.
و أما ركاكته بحسب التركيب النحوي. فمندفع بأنه قابل للتأويل بعد معلومية المرام، بأن يقال: مقتضى الاستصحاب اللزوم، أو أنه يقتضي و يوجب اللزوم.
ثم انه قد يورد على الاستصحاب أنه عبارة عن إبقاء الملكية، و هذا غير مناف لثبوت الخيار و قبول الفسخ و انما هو مناف لفعلية الفسخ. و هو ليس من الخيار إذ الكلام في أنه مع ثبوت الملكية لطرف هل للطرف الأخر سلطنة الفسخ أم لا.
ثم أجاب: بأنه بعد ما فسخ و لم يؤثر علمنا انتفاء الخيار و انتفاء سلطنة الفسخ قبله، إذ لو كان الخيار لأثر بفعلية الفسخ، فمتى عدم التأثير استكشف عدم السبب الذي هو الخيار.
و فيه من الاشتباه و الخلط ما لا يخفى.
أما في إيراده فإنه اشتبه عليه اجراء الاستصحاب، إذ هو لم يجر قبل الفسخ و لا أثر له بل وقت الاستصحاب انما هو بعد الفسخ كما ذكره شيخنا العلامة «قده»، بل أن الشك في حصول المزيل انما يقع بعد قوله «فسخت» لا قبله لعدم الشك في بقائه- أو على تقرير ما في العناوين تقديرا- بمعنى لو فسخ يقع الشك في بقاء الملكية و زوالها فنستصحب. فعلى هذا يجري الاستصحاب قبل الفسخ لكن على تقديره و فرض وقوعه، و من المعلوم أنه مناف للخيار على هذا الفرض.
و أما في جوابه فلاشتماله على المصادرة، لأن الكلام في تأثير الفسخ
و عدمه، ففرض عدم تأثيره حتى يستكشف منه عدم ثبوت الخيار مصادرة واضحة.
فنقول: ان العمومات المستدل بها على اللزوم من الكتاب و السنة كثيرة فنقتصر بجليها و أوضحها دلالة:
فإنه يستدل بالاية الشريفة على الصحة تارة و على اللزوم أخرى، و المقصود هنا الأخير.
و الإيراد عليها بأن العقد عبارة عن عهد الولاية و الميثاق و غير ذلك من الإشكالات. مدفوع بما قد أسلفناه في المعاطاة.
و كيفية دلالتها على اللزوم كما ذكرها شيخنا العلامة «قده» في كتابه، و ملخصها:
انها تدل على مساوق للزوم و مساويه، إذ معنى الوفاء بالعقد ترتب آثار مقتضياته، و من مقتضياته ملكية المبيع للمشتري مثلا، فيجب ترتب آثار الملكية للمشتري في جميع الأحوال قبل الفسخ و بعده بمقتضى العموم الاحوالي، و من جملة آثار الملكية للمشتري حرمة تصرف البائع مطلقا.
و أورد على ذلك بوجوه عمدتها ثلاثة:
(الأول) ما ذكره العلامة «قده» و تبعه جل من تأخر عنه، و هو أن معنى الآية الشريفة وجوب الوفاء على مقتضى العقد من الجواز و اللزوم ان جائزا فجائز و ان لازما فلازم، بمعنى أن العقود لما كانت قسمين قسم جائز و قسم لازم، فيجب الوفاء على مقتضى الجواز في العقود الجائزة، بأن ترتب آثار الملكية للغير قبل الفسخ و لنفسه بعده، و يجب العمل على مقتضى اللزوم في العقود اللازمة، بمعنى وجوب ترتيب آثار الملكية للغير مطلقا سواء فسخ أم لا، لعدم تأثير الفسخ في العقد اللازم.
و أورد عليه شيخنا العلامة «قده» أن اللزوم و الجواز من الأحكام الشرعية للعقد و ليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع، بل انما هو
مستفاد من نفس الأمر بالوفاء على العقد، فلو أخذ في نفس العقد الذي هو موضوع الحكم يلزم الدور.
و بعبارة أخرى: ان اللزوم و الجواز ليسا مأخوذين في موضوع الحكم- أعني العقد- فاذا تعلق الحكم- أعني وجوب الوفاء- يصير المعنى وجوب الوفاء على مقتضى العقد و مدلوله، و مقتضى العقد و مدلوله ليس إلا الملكية و حصول النقل لمال كل منهما للآخر، فوجوب الوفاء على الملكية المدلولة للعقد عبارة عن ترتب آثار الملكية، و منها حرمة التصرف من دون رضا الأخر مطلقا، سواء كان قبل الفسخ أم بعده.
و ملخص مرامه: ان العقد طبيعة واحدة و مقتضاه- أعني الكمية- طبيعة واحدة ليس فيهما تعدد و لم يؤخذ في مهيتهما التعدد من الجواز و اللزوم حتى يتعلق الحكم بهما، بل مقتضى العموم الاحوالي في الأمر- أعني «أَوْفُوا»- و موضوعه- أعني العقود- وجوب العمل على مقتضاه على نسق واحد، و هو ترتيب آثار الملكية الذي هو مساوق للزوم، الا ما خرج بالدليل من عدم لزوم الوفاء كما في العقود الجائزة.
و أورد عليه شيخنا الأستاد «دام ظله»: بان تعدد أحكام الملكية من الجواز و اللزوم و غيرهما دليل قطعي على تعدد نفس الملكية، ضرورة أن اختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثر، و تعدد اللوازم كالحرارة و البرودة مثلا يدل على تعدد الملزوم من الماء و النار مثلا، فحيث التزم «قده» على أن الجواز و اللزوم من أحكام الملكية لا بد من الالتزام بتعدد الملكية التي هي مقتضى العقد، لعدم تعقل ان تكون الملكية شيئا واحدا و لها آثار متباينة و متخالفة، بل لا بد من الالتزام بتعددها أيضا. غاية الأمر أن تكون في الصورة واحدة و لكن التعدد ثابت بحسب المعنى قطعا كنفل الصلاة و فرضها و نفل الصوم و وجوبه، فان عدم جواز نفل الصوم
لمن عليه فريضة و جواز نفلها دليل قطعي على اختلافهما بحسب الطبيعة و ان كانتا واحدة بحسب الصورة. و كذلك الملكية الجائزة و الملكية اللازمة و ان كانتا بحسب الصورة واحدة و لكنها مختلفة بحسب الطبيعة قطعا.
و حيث تعددت العقود بحسب مقتضياتها و اختلفت مهياتها فينطبق على ما سلكه العلامة «قده»، فيصير المعنى وجوب العمل على مقتضى العقد من التمليك الذي أثره حصول الملكية، و حيث أنها ليست على نهج واحد و هيئة واحدة بل بعضها لازم و بعض منها جائز. فليلاحظ فان كانت من القسم الجائز فتعمل عمل الملكية الجائزة و ان كانت من الملكية اللازمة فتعمل عمل الملكية اللازمة.
و هذا هو معنى وجوب الوفاء على العقد عنده، فيجب الوفاء على آثارها، ففي اللازم الالتزام بالملكية و عدم جواز الفسخ من دون اذن صاحبه، و في الجائز الالتزام بالملكية لصاحبه قبل الفسخ و اعمال الملكية له لا لنفسه و لنفسه بعد الفسخ و وجوب رد عوضه.
و بهذا التقرير يندفع ما أورد عليه ثانيا أنه على ما سلكه العلامة يلزم التجوز في أمر «أَوْفُوا»، حيث لا معنى لوجوب الوفاء في العقود الجائزة فلا بد من حمله على الترخيص بالنسبة إليه، فيلزم استعمال الأمر في القدر المشترك الشامل للوجوب و الترخيص.
و حاصل الدفع: انه لا مانع من إبقاء الأمر على معناه الحقيقي من الوجوب، إذ وفاء كل شيء بحسبه، ففي الجائز جائز، أي بحسب الوفاء به جائز، بمعنى وجوب ترتيب آثار الجواز عليه، و منها الالتزام بمالية صاحبه من دون الفسخ و حرمة تصرفه و أكله من دون اذنه مع عدم قصد استرجاعه و الالتزام بمالية نفسه بعد فسخه.
و كيف كان ملخص ما أفاده شيخنا العلامة «قده» في الرد أن الملكية ليس
لها قسمان بل انما هي طبيعة، فمقتضى وجوب الوفاء على آثار العقد ترتيب آثار الملكية التي منها حرمة التصرف من دون اذن صاحبه، و مع ضميمة العموم الاحوالي يتم المطلوب و يساوق اللزوم.
و قد أورد عليه أيضا (ثالثا) بعض بأن الجواز و اللزوم ليسا من مقتضيات العقد.
فيه: انه اشتباه في مرامه، إذ لو كان المراد من مقتضى العقد مدلوله و الموضوع له للعقد فالإيراد حسن، إذ مدلول العقد عبارة عن التمليك و إنشاء الملكية، فمدلول «بعت» عبارة عن ملكت. و لكن ذلك بعيد عما أراده العلامة «قده»، بل المراد أن الجواز و اللزوم من نتائج العقد و آثاره، حيث ان الحاصل من إنشاء الملكية الذي هو مدلول العقد هو الملكية، و تلك الملكية التي هي من آثار العقد و نتيجته على قسمين، إذ الوفاء به لا يتحقق الا بالعمل على نتائجه، و حيث كان المفروض أنه على قسمين فلا بد من اندراج كليهما تحت دلالة الآية الشريفة، فاذا تخرج عن الدلالة على خصوص أحدهما و إثباته بها.
و الاولى في الجواب أن يقال: ان معنى وجوب الوفاء بالعقد العمل بما يقتضيه من اللزوم، و الجواز لا يخلو من احتمالات ثلاثة:
أحدها- أن يكون متعلق الأمر هو الاعتقاد، يعني يصير حاصل الآية الشريفة يجب الاعتقاد على الجواز في العقود الجائزة و اللزوم في العقود اللازمة.
و ثانيها- كون الأمر للإرشاد، بمعنى أن العقود لما كانت على قسمين في الشرع جائز و لازم بحيث تبين لزومه و جوازه بالأدلة الشرعية الخارجية، فإذا كانت تلك العقود موضوعة لأمر «أَوْفُوا» فيصير المعنى حينئذ وجوب الوفاء على مقتضى تلك العقود من اللزوم و الجواز، ففي العقود اللازمة يجب الوفاء على آثار اللزوم و في الجائزة على آثار الجواز. فتعلق الأمر بالوفاء على ترتيب ذلك
الحكمين الثابتين في الشرع بالأدلة المبينة لشرعيتها، فتكون الآية حينئذ مسوقة لصرف التأكيد حيث لا يحصل منها حكم زائد على ذلك الحكمين كأمر «أَطِيعُوا اللّٰهَ»* في الواجبات و المستحبات حيث لا يريد منه حكما آخر، فتجب الإطاعة في الواجبات على نحو الوجوب و في المستحبات على نحو الاستحباب.
و ثالثها- ان الآية الشريفة مسوقة للإمضاء على ما هو المتعارف عند العرف من العقود من الجواز و اللزوم ان جائزا عند العرف فجائز شرعا و ان لازما فلازم شرعا.
أما الاحتمال الأول: فبعيد في باب المعاملات و التجارات، بل ليس مورد في المعاملات يجب الاعتقاد فيها.
و أما الثاني: فلأنه خلاف الظاهر، فلا يحمل عليه عند الدوران بينه و بين الأمر الشرعي، فمهما أمكن المعنى الشرعي لا يصار الى المعنى الإرشادي.
و أما الثالث: فلمنع كون العقود عند أهل العرف على قسمين، إذ لا يصار الى حمله على الإمضاء الأبعد إحراز القسمين عند العرف، فما ترى من اعمال الجواز في بعضها و اللزوم في الأخرى من أهل الأديان و غيرهم انما هو مأخوذ من الشرع المطهر. و لا أقل من الاحتمال، و هو يكفي في البطلان.
و لو، أغمضنا عن جميع ذلك نقول: هذا المعنى الأخير و ان لم يفد على لزوم مطلق العقود و لكنه يثبت على اللزوم في خصوص البيع قطعا. ضرورة كون البيع عند العرف من العقود اللازمة، فهذا يكفي في المقام من إثبات أصالة اللزوم في البيع، فالمختار حينئذ هو الالتزام بالوجوب الشرعي، فيصير وجوب الوفاء الإلزامي الشرعي متعلقا بالعقود.
فان قلت: كيف الحال مع أنك التزمت في تعدد الملكية على حسب تعدد الجواز و اللزوم في الجواب عن الشيخ، فتتعدد العقود حينئذ بالجواز و اللزوم.
قلت: ان الأمر انما تعلق على وجوب الوفاء بجميع العقود، و حيث لا يتعلق ذلك بالعقود الجائزة الا على سبيل الإرشاد- أعني ان جائزا فجائز و ان لازما فلازم- فلا بد من حمل الأمر على معناه الحقيقي، أعني الوجوب الشرعي و الالتزام بالتخصيص في العقود الجائزة: فيجب الوفاء بكل عقد الا ما خرج بالدليل جوازه لما حقق في الأصول إذا دار الأمر بين التخصيص و المجاز فالتخصيص أولى: فلا يصار إلى إرشادية الأمر لكونه مجازا الا بدليل قوي، كأوامر الاحتياط حيث قامت القرينة الداخلية و الخارجية على ارشاديتها، و هي مفقودة في المقام.
(و ثانيها) (1)ان الحكم مترتب على موضوعه، فاذا انتفى أو تبدل انتفى الحكم فكذلك في المقام، فان وجوب الوفاء انما هو مترتب على العقد الذي هو بمعنى المعاهدة، فوجوب ترتب آثاره من الملكية انما هو ثابت ما دامت الملكية باقية، و أما إذا شك في الملكية و بقاء العقد و آثاره فلا يترتب عليه الحكم. و من المعلوم وقوع الشك بعد حصول الفسخ من أحد الطرفين، فاحتمال تأثير الفسخ لكون العقد جائزا يوجب حصول الشك في الموضوع، فلا يجوز حينئذ ترتيب آثار الملكية و المعاهدة، فتسقط الآية الشريفة حينئذ عن الاستدلال باللزوم.
فيه: ان ذلك مدفوع بمادة الوفاء، إذ وجوب الوفاء عبارة عن عدم نقضه، فالآية الشريفة تدل على حرمة النقض و حرمة الفسخ، فهي دالة على عدم جواز الفسخ. و من المعلوم أن الحكم التكليفي هنا مستتبع للحكم الوضعي بالاتفاق على أمثال المقام، فما يحرم النقض و الفسخ لا يترتب عليه أثر من رجوع الملكية، إذ الحكم التكليفي المجرد عن الحكم الوضعي في غاية البعد، كما هو واضح (2).
1) أي ثاني الإيرادات الثلاث الواردة على كلام الشيخ في استدلاله بآية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».
2) في أمثال المقام من أن الحلية و الحرمة في المعاملات ليستا ذاتية كالماء و الخمر على ما حققنا و أسلفنا في كلماتنا السابقة و اللاحقة من أن الحرمة المتعلقة بالمعاملة من البيع و النكاح مثلا حرمة ترتيب الآثار و الا نفس إيجاد السبب لا حرمة فيه أيدا فتدبر «منه».
(و ثالثها) عن السبزواري صاحب «الكفاية» ان القاعدة المستفادة من الآية الشريفة مطروحة بالقاعدة الثانوية في البيع من الجواز و ثبوت الخيار بمقتضى قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» و غيره. فالعمل حينئذ على القاعدة الثانوية.
فيه: ان الخيار في البيع انما ثبت فيما تحقق فيه المجلس، و أما البيوع التي ليس فيها خيار المجلس فلا، فخروج فرد أو إفراد من تحت القاعدة لا يوجب انقلابها بل العمل على أصالة اللزوم الا ما ثبت بالدليل خلافه، ففي مورد خيار المجلس كانت مخصصة و بقي الباقي تحت أصالة اللزوم.
«و منها»- قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» فإنه يدل على حلية جميع التصرفات المترتبة عليه حتى بعد فسخ أحدهما من غير رضي الأخر، فيصير مستلزما لعدم تأثير الفسخ، إذ لو كان الفسخ مؤثرا لما كان يجوز له التصرف، و هو مناف للإطلاق.
و كذلك إطلاق حلية أكل المال بالتجارة عن تراض، فإن التجارة سبب لحلية التصرف مطلقا حتى بعد الفسخ. فتصير الايتان مساوقة للزوم.
و قد أورد عليهما الشبهة السابقة من تغير موضوع الحكم: بأن المفروض حصول الشك في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة، فلو فسخ يحصل الشك في بقاء الملكية للطرف الأخر، و مع ذلك كيف يحل له حلية التصرف فيه، إذ من المعلوم أنه مترتب على الملكية، فلا ينفع إطلاق «أَحَلَّ اللّٰهُ» في إثبات الملكية.
و كذلك آية التجارة، إذ بعد الفسخ يقع الشك في بقاء التجارة عن تراض إذ التجارة عن التراضي سبب لحلية مال الغير، و المفروض احتمال رجوعه للفاسخ فلا تثبت المالية للغير الا بالاستصحاب، فيخرج عن التمسك بالعمومات.
فالتحقيق أن يقال: ان كان المناط في الحكم- أعني الحلية- هو الملكية
بمعنى أن سبب الحلية و مناطها في «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و في الآية الثانية حصول الملكية و جواز التصرف و الحلية من أحكامه و آثاره، فلا محيص عن الإشكال إلا بالاستصحاب، ضرورة قوام الحكم بمناطه و بقاء موضوعه.
و أما ان كان المناط نفس البيع و التجارة- بمعنى أن الشارع رتب على نفس المبادلة و التجارة أحكاما: «منها» حلية المال المتجر به مع التراضي و مال المبدل به مطلقا سواء فسخ أم لا بمقتضى الإطلاق و العموم الاحوالي- فلا وجه لتوجه الإشكال حينئذ، ضرورة أن الحلية ليست مترتبة على الملكية و المالية حتى يقال:
يقع الشك فيه بالشك في تأثير الفسخ، بل انما هي مترتبة على هذا الفعل، أعني البيع و التجارة، و هما ليسا إلا عبارة عن فعل المبادلة و لا يعتبر فيه الاستمرار، لأنه مما ينقضي بانقضاء الزمان.
و أكل مال الغير بمجرد الفسخ الذي لم يثبت تأثيره أكل بالباطل. و «الناس مسلطون على أموالهم» و أخذ مال صاحبه من دون رضاه مناف للسلطنة.
و يتوجه عليهما الاشكال السابق أيضا، بأن الشك بعد الفسخ انما هو في كونه مال الغير، فلا يتحقق موضوع «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ»* حتى يصير حراما، لعدم معلومية صدق أموالكم المراد منه أموال الغير. و كذلك في أن التنافي للسلطنة انما هو بعد إحراز كونه مال الغير حتى ينافي للسلطنة، و المفروض حصول الشك في كونه مال الغير بعد الفسخ.
و يدفعه: ان أخذ مال الغير بالفسخ و الرجوع خلاف سلطنته الثابتة له، فالفسخ من دون رضائه منفي بحكم «الناس مسلطون على أموالهم»، إذ مقتضى جعل الشارع السلطنة له في ماله الثابت قبل الفسخ عدم جواز استرجاعه من دون رضائه. و كذلك في الآية الشريفة، فإن مقتضى قوله «لٰا تَأْكُلُوا»* حرمة تصرفات
المال، إذ المراد منه ليس خصوص الأكل الذي هو كناية عن مطلق التصرفات و حرمتها بالباطل، و من المعلوم ان استرجاع مال الغير بالفسخ من دون رضائه تصرف في ماله، و هو منتف بحكم الآية الشريفة. و الحاصل ان الاشكال المذكور سار في جميع أمثال تلك الأدلة. فمدفوع بما ذكرناه فلا تغفل.
فهو يدل على اللزوم بناءا على شمول الشرط على الإلزام و الالتزام الابتدائي كما حكي عن المحقق الأردبيلي، و استشهد لذلك موارد استعمالاته، كقوله في دعاء الصحيفة الشريفة «و لك يا رب شرطي أن لا أعود» و في دعاء الندبة «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية».
و لكنه مدفوع بعدم مساعدة العرف بذلك، بل كلام أهل اللغة يساعد خلافه كما في «القاموس»: الشرط إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه. فلا يشمل على الابتدائي، و الأمثلة المذكورة أيضا لا تنافي ذلك، إذ الأول في ضمن التوبة و الثاني في ضمن عهد الولاية لهم و السلطنة التامة العامة لهم- صلوات اللّه و بركاته عليهم- على رقاب غيرهم.
حيث يدل على اللزوم بعد الافتراق.
و أورد عليه: أنه لا يدل على اللزوم في غير صورة الافتراق، فلا يشمل على جميع صور البيوع، فان البيع الذي ليس له محل و اجتماع و افتراق خارج عن مدلوله. و أما في صورة الافتراق فيما كان له مجلس و اجتماع و ان كان يدل على اللزوم و لكنه مقصور من هذه الجهة الثابتة فيه الخيار، فهو انما ينفي الخيار الحاصل في المجلس و بعد الافتراق ليس له ذلك الخيار، فوجوبه من هذه الجهة لا ينافي
جوازه من سائر الجهات. و سيأتي توضيح الحال فيه فانتظر.
و بيان أن الوجه في ذلك استصحاب علاقة المالك الأول عند الشك في انقطاعه بالمرة بحيث لم يكن له سلطنة الرجوع أصلا، فهذا مقدم على استصحاب الملكية. استدل بها شيخنا العلامة «قده» في مبحث بيع المعاطاة.
و فيه: ان علقة الملكية ليس لها معنى آخر خارجا عن الملكية، بل هي عبارة عن السلطنة التامة على الشيء الذي هو عبارة أخرى عن الملكية، و من المعلوم أن الملكية قد زالت عنه بالفرض و ليست للملكية مراتب حتى نلتزم بالتفكيك بزوال بعض مراتبها و بقاء بعض آخر.
و ان أريد منها سلطنة الرجوع و إرجاعه إلى ملكه.
فيه: أنه ليس لهذا الاستصحاب متيقن سابق، فعلى التقدير الأول ليس شك لاحق لزوالها قطعا، و على التقدير الثاني ليس يقين سابق، إذ هذا المعنى عبارة أخرى عن الخيار و معلوم أنه تابع لدليله، و يستحيل أن يجتمع مع المتيقن السابق الذي هو عبارة عن الملكية.
و ربما يقال: ان الوجه فيه استصحاب الخيار الثابت في مجلس البيع بالنص و الإجماع فيما انقضى المجلس.
فيه: أولا- ان ذلك ليس بمطرد في جميع البيوع، فلم يثبت الأصل في البيع بل انما هو منحصر في البيع الذي حصل في المجلس دون غيره.
و ثانيا- ان ذلك لا يتم على مذهب من تمسك بالعموم عند خروج فرد في خصوص زمان، فما بعد ذلك الزمان هل يجب الرجوع الى العمومات أو الى الاستصحاب؟ فان ذلك محل النزاع و معركة الآراء كما يأتي تفصيله.
و ثالثا- انه لا مجرى لاستصحاب خيار المجلس فيما بعده، لعدم الشك اللاحق لانقطاع الخيار بتواتر الاخبار في أنه إذا افترقا وجب، فبعد دلالة الدليل على كون خيار المجلس مغيى بغاية الافتراق و عند انقضاء المجلس و تفرق الاجتماع لزم البيع، كيف يمكن جريان استصحاب الخيار، بل الواجب حينئذ استصحاب الملكية، فيبقى ذلك سليما عن الحاكم و المعارض- أعني استصحاب الخيار- فإنه لو كان جاريا كان مقدما و حاكما على ذلك الاستصحاب، الا أنه منقطع بالدليل فيبقى التمسك باستصحاب الملك سليما عن الحاكم.
هذا ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في كتابه ثم أمر بالتأمل. و يمكن أن يكون إشارة إلى أنه بعد تواتر الاخبار في انقطاع الخيار لا مجرى لاستصحاب الملكية و لا محل له، إذ لا مسرح لإجراء الأصول بعد ثبوت الأدلة الاجتهادية كما قرر في الأصول، فعند الدليل الاجتهادي لا يجري الأصل، سواء كان موافقا له أو مخالفا.
و يمكن أن يكون إشارة إلى نفس المفرع، بمعنى أن كون استصحاب الملكية سليما عن الحاكم موقوف على عدم حجية استصحاب الكلي- أعني استصحاب الخيار- و أما لو قلنا بحجيته- كما اختاره في كتابه في الأصول- لكان الأصل حينئذ الخيار فيقدم على استصحاب الملكية. و لا ينافي استصحاب الخيار الكلي لتواتر الاخبار لانقطاع خيار المجلس، بتقرير أن يقال: انه لما ثبت في المجلس خيار بالدليل يقينا و هو حاصل في ضمن خيار المجلس، و لكن نحتمل مع كون ذلك الخيار فردا آخر أيضا من أفراد الخيار بحيث يتقوم به كلي الخيار أيضا، فإذا دل الدليل على انقطاع ذلك الفرد اليقيني و زواله و احتملنا مع ذلك بقاء الكلي ضمن فرد آخر الذي كان مشكوكا في زمان ذلك الفرد لا ضير في جريان
الاستصحاب بالنسبة الى ذلك الكلي لليقين السابق به و الشك اللاحق.
و هذا قسم من الأقسام الثلاثة من أقسام استصحاب الكلي الذي ذكره «قده» في الرسالة حيث فصل في القسم الثالث بين تبدل الفرد بفرد آخر أو حدوثه بعد زوال الأخر و بين احتمال كون الفرد مقارنا للفرد المعلوم، فيجوز استصحاب الكلي في الأخير دون الأولين. فعلى مختاره من جريان الاستصحاب الكلي في هذا القسم يتم استصحاب الخيار الحاكم على استصحاب الملكية فتثبت أصالة الجواز، إذ الفرد المعلوم- أعني خيار المجلس- احتمل كونه مقارنا للفرد الأخر، فإذا زال الفرد المعلوم و احتملنا قوام الكلي بالفرد الأخر المحتمل هو المستصحب الكلي حينئذ فأصالة عدم ذلك الفرد المحتمل لا ينفع في نفي الكلي لعدم كونه من أثره.
هذا، و لكن أورد عليه شيخنا الأستاد «دام ظله» بما حاصله منع جريان استصحاب الكلي في مثل الفرض بالنقض و الحل:
أما النقض: فاللازم عليه استصحاب الاشتغال عند الشك بين الأقل و الأكثر في الديون و الفرائض و استصحاب النجاسة بعد غسل موضع يصيب منه في الثوب مع احتمال قطرة أخرى غير معلومة معه في طرفه الأخر؟؟؟ مع أن ذلك لا يلتزم به أحد.
و أما الحل: فلان الشك فيه شك في الكمية لا الكيفية، كما في استصحاب الكلي عند الشك بين الفيل و البق مثلا، فان المتيقن وجود واحد الا أن الشك حاصل في الكيفية هل هي على نحو يطول عمره سنة أو سنتين أو ساعة مثلا. بخلاف المقام، فإن الكلي الحاصل في ضمن فرد يقيني له وجود و في ضمن الفرد المحتمل وجود آخر، فالوجود اليقيني قد ارتفع يقينا و وجوده الحاصل في ضمن الفرد المحتمل
كان محتملا من الأول فالأصل عدمه. فليس فيه يقين سابق حتى يجري فيه الاستصحاب.
و بعبارة أخرى: ان الكلي الذي فرض في هذا القسم يقع الشك من جهة كمية وجوده هل هو موجود في ضمن فرد آخر كما أنه موجود في ضمن هذا الفرد المتيقن. و من المعلوم ان الوجودين متغايران، ضرورة تغاير وجود فرد مع وجود فرد آخر و ان كان الموجود واحدا و الطبيعة الكلية واحدة مشتركة بينهما الا انه مع فرض تغاير الوجودين يصير مآل الاستصحاب في الكلي على تقدير ليس فيه حالة سابقة كوجوده في ضمن فرد محتمل، و على تقدير ليس فيه شك لاحق لارتفاع الفرد المتيقن. و تفصيل ذلك في الأصول فراجع.
فصار المختار حينئذ بطلان استصحاب الكلي، فبطل أصالة الجواز، فالمحكم حينئذ أصالة اللزوم لاستصحاب الملكية مع العمومات من الكتاب و السنة كما سبق ذكرها.
هذا كله في البيع، و أما الكلام في مطلق العقود فقد ظهر لك حقيقة الحال فيه أيضا من أن العمومات تقتضي اللزوم فيها، و لكن الظاهر من العلامة «قده» التفصيل، حيث ذكر في المسألة السابقة أن الأصل عدم اللزوم و الظاهر منه عدم اشتراط أصالة عدم اللزوم في غيرها مما يكون من قبيل المعاوضات، كما أن شيخنا العلامة الأنصاري «قده» استحسنه في خصوص المسابقة و شبهها مما لا يتضمن تمليكا أو تسليطا ليكون الأصل بقاء ذلك الأثر و عدم زواله بدون رضي الطرفين.
و لكن هذا موافق لما اختاره شيخنا الأستاد «دام ظله العالي» سابقا من التفصيل بين العقود فيما كان الحاصل منها ان كان من الآثار الثابتة و الصفات المعنوية فلازم الاستصحاب هذا المعنى الحاصل و الا بمعنى أنه لم يكن مفاد العقد الا مجرد الالتزام مثلا بحيث لم يحدث منه أثر و لا صفة كالمسابقة فالأصل فيه الجواز لعدم اجراء الاستصحاب.
فكل عقد يقتضي حصول الصفة لا حد من المتعاقدين كالملكية في البيع و الزوجية في النكاح و مطلق السلطنة في الوكالة فعند الشك في بقائه و زواله بدون رضي الأخر تستصحب تلك الحالة، و كل عقد ليس الحاصل منه حال من الأحوال و لا صفة من الأوصاف كالوديعة و المسابقة لم يجر فيه الأصل و ليس الأصل فيه اللزوم. الا أن ذلك التفصيل مخالف للقاعدة المستفادة من العمومات.
هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الحكمية، و أما إذا شك في العقد الخارجي أنه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز، فمن تمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية فهو مستريح في الحكم باللزوم، و أما بناءا على ما هو الحق فيرجع الى الأصل العملي، أعني استصحاب الأثر الحاصل و عدم زواله بالفسخ إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر يثبت أحدهما، كما إذا شك في أن الواقع هبة حتى يجوز الفسخ أو صدقة، فقد قال شيخنا العلامة «قده» مقتضى كون الأصل عدم قصده القربة كونه هبة.
و لكنه كما ترى مبني على حجية الأصل المثبت، و هو خلاف المختار. فمقتضى القاعدة ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على ذلك الأصل و أما الحكم بكون العقد من العقود اللازمة فلا.
أما الكلام في أقسام الخيار فربما يقال: انها لا تحصى بناءا على استفادة الخيار من قاعدة لا ضرر و غيرها كما سنشير اليه تحقيقا، الا أن المعنون منها خمسة كما فعله المحقق في «الشرائع» أو سبعة كما فعله في «النافع» و تبعه العلامة في بعض كتبه، و أربعة عشر كما في «الروضة»، و احتمل بعض شراحه ضعف ذلك.
و كيف كان نحن نقتفي أثر المعنونين و نسأل اللّه التوفيق، فنقول
الأول: خيار المجلس، المراد منه خيار عدم التفرق، و إضافته إلى المجلس اضافة الى بعض موارده من باب الفرد الغالب.
و ذكر بعضهم ان إضافته اضافة الحال الى المحل. فيه: انما يتحقق في المعاني و لا حلول للخيار في المجلس.
و ذكر آخر ان الإضافة إضافة اختصاص. فيه: كما ترى لا اختصاص في المجلس له لثبوته في غيره أيضا.
فالأولى أنها من باب اضافة الظرف الى المظروف، ك «ماء الكوز».
و كيف كان يقع الكلام في البحث في مواضع:
لا إشكال في تحققه و ثبوته في الشرع بالنص و الإجماع، بل النصوص يمكن دعوى تواترها في المقام و عدم معارضتها لشيء من الاخبار. و ما ورد في خبر غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السّلام قال: إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا. مطروح محمول على اشتراط السقوط، و غير ذلك من المحامل.
و قد ذكر في «الجواهر» تبعا ل «لرياض» الأجود حمله على التقية من أبي حنيفة في فتواه التي أقدم بها هنا و غيرها من سائر فتاواه التي تحصى الى قرب أربعمائة حيث أفتاها على خلاف رسول اللّه صلوات اللّه عليه و على عترته الطاهرين المعصومين و لا غرابة في ذلك في مخالفته في الفروع بعد ما خالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وصيته في الأصول.
و كيف كان لا بد من تنقيح المقام في أنه هل يختص بخصوص المتبايعين المتعاقدين أو يعم كليهما. بعبارة أخرى: هل يختص بالموكلين أو بالوكيلين أو
يعمهما. و على الثالث هل العبرة في سقوط الخيار بتفرق الكل أو الموكلين أو الوكيلين أو يكفي تفرق أحدهما؟ وجوه و أقوال ناشئة من ورود الحديث الذي هو الأصل في ذلك، أعني قول الصادق عليه السّلام في صحيحي ابن مسلم و زرارة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: البيعان بالخيار حتى يفترقا. و نظيره قوله عليه السّلام في صحيح الفضيل لما قال له: ما الشرط في غير الحيوان؟ البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا فلا خيار.
فلا بد من بيان ورود الحديث و المراد من قوله «البيعان»، و هاهنا مقامان قد وقع الخلط بينهما و الاشتباه فيهما فلا بد من تفكيك الجهتين و التكلم في كل منهما، و هو:
ان ثبوت الخيار من باب حكم شرعي تعبدي ثابت باعتبار إيقاع العقد و إيجاد السبب من غير مدخلية لنص الموكل و اذنه فيه بل لا أثر لمنعه و عدم رضائه، لأنه حكم الهي ثبت للوكيل المجري لصيغة العقد من جهة استفادته من الدليل الشرعي.
و هذا أحد المقامين، و الأخر ما كان ثبوته للوكيل من جهة تفويض الموكل و الخيار لوكيله المجري للصيغة و توكيله في الخيار أيضا كتوكيله في إجراء العقد. فتختلف جهة النزاع في الصورتين و تختلف لوازمها، إذ من لوازم الأول عدم ثبوت الخيار للمالك بل ثبوته للفضولي، لأن الخيار حينئذ حكم ثابت من الشرع للعاقد، و ان العبرة في التفرق في سقوط الخيار تفرقتهما لا تفرق المالكين.
و أيضا لا معنى للتفصيل على هذا بين توكيل الموكل و تنصيصه على الخيار و عدمه و ابتناء جواز التوكيل على مسألة أخرى، و هي جواز التوكيل فيما لا يملكه الموكل حين التوكيل و عدمه، كما وقع في «المسالك» حيث قال: و أما الوكيلان فان لم ينص لهما الموكل على الخيار لم يكن لهما الفسخ، فينتفي الحكم عنهما. و ان
و كلهما فيه فان كان قبل العقد بنى على التوكيل فيما لا يملكه الموكل هل يصح بوجه أم لا؟ و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى. فان لم نجوزه لم يكن ذلك لهما أيضا و ان جوزناه أو كان التوكيل فيه بعد العقد في المجلس كان لهما الخيار ما لم يفترقا عملا بإطلاق الخبر. و هل ثبت مع ذلك للموكلين إذا حضرا المجلس؟ قيل نعم- الى آخره.
فإنك كما ترى هذه المقالات أجنبية عن ذلك المقام الأول الذي ينبغي التكلم فيه من جهة استفادته من الخبر، فالذي ينبغي أن نتكلم فيه أو لا دلالة الخبر على ثبوت الخيار للوكيل العاقد أم لا و تنقيحه، ثم على القول بعدم دلالته ينبغي أن يقال هل تثبت أدلة الوكالة ما ثبت للموكل من الخيار لوكيله أم لا تثبت. ضرورة أن إثبات الخيار للوكيلين بسبب التوكيل حيث كان التوكيل مستندا للخيار إثباتا و نفيا لا وجه لتمسكه بإطلاق الخبر و لا لتأجيله بالافتراق الذي هو أجل للخيار الثابت بسبب العقد.
كما أن من لوازم المقام الثاني إمكان هذا التفصيل و التشقيق بين الوكالة في أنها وكالة مطلقة- كان يقال أنت وكيل في البيع على الإطلاق و التصرفات كما هو سبيل العاملين و المضاربين و التجار- أو في خصوص العقد فقط أو في توكيله و تنصيصه في الخيار قبل العقد حتى يكون من قبيل التوكيل فيما لا يملكه أو بعد العقد.
و أيضا من لوازم ذلك المقام أن العبرة في التفرق تفرقهما أو ثبوت الخيار للمالكين و لو كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب و غير ذلك، كما أنه حينئذ ليس خيار المجلس للفضوليين، كما سيتضح لك حقيقة الحال.
ثم ان الوكالة قد تكون في الفسخ و هذا لا كلام في صحته و خروجه عن مسألة المقام، و قد تكون في الخيار بعد العقد و هذا مبني على مسألة التوكيل فيما
يملكه، كما لو وكل الرجل في طلاق امرأته التي ما زوجها حين التوكيل، و قد تكون في البيع من جهة الوكالة في التصرف المالي كأكثر الوكلاء و العاملين في البلاد.
فلا بد حينئذ من البحث في تلك الجهات في مقامات:
هل يثبت ذلك من الشرع و يساعد عليه الحديث أم لا؟ فنقول بعونه تعالى:
لا اشكال بل لا خلاف في دخول العاقدين في مدلول الحديث الشريف و كونهما مرادين البيعان بعد ملاحظة ما لم يفترقا، و إذا افترقا حيث لا خلاف عندهم بل يمكن دعوى الإجماع القطعي على أن المراد من الافتراق و الاجتماع انما هو باعتبار مجلس العقد و مكانه و ظهوره في ذلك، و انما الإشكال في أنه هل يعتبر كونهما لأنفسهما أو أعم من أن يكونا عاقدين لنفسهما أو لغيرهما، فيثبت الخيار حينئذ للوكيل المجرد في إجراء الصيغة و لو لم يأذن المالك لخياره بل له ذلك و لو منعه؟
و جهان بل قولان.
و قد مال الى الثاني في «الحدائق»، تجمدا لصدق «البيعان» و إطلاقه على من أجرى العقد، سواء قلنا بأن البيع هو الصيغة و الإيجاب و القبول أو النقل، و الانتقال، فان العاقدين مجريان للصيغة و موجدان لسبب النقل و الانتقال و ناقلان أيضا أحد العوضين الى ملك الأخر، فيحكم بمقتضى الإطلاق على ثبوت الخيار للعاقدين و لو لم يكن نص من الموكل و لا اذن منه، فإن العبرة حينئذ هو العقد و اجتماعهما له و افتراقهما عنه.
و لكن الأقوى- وفاقا للمحققين- هو الأول، فيختص موضوع الحكم على العاقدين لأنفسهما، فيشمل على المالكين الأصليين إذا تعاقدا لنفسهما، و يدل على ذلك وجوه:
الأول: ما في «مع» من أن الغالب في العاقدين أن يكونا مالكين، فينصرف
البيعان الى العاقدين لنفسهما.
الثاني: تخصيص الغرض الملحوظ في جعل الخيار، و هو الإرفاق بالمالك، فان الخيار حق متعلق في مال المالك للإرفاق بحاله فيتبع، فان الغرض قد يخصص كما أنه قد يعمم. و معلوم أنه لا إرفاق للمالك في ثبوته للعاقدين بدون اذنه و عدم رضائه.
الثالث: وحدة السياق في بعض الاخبار بين هذا الخيار و خيار الحيوان، فكما أن خيار الحيوان ليس الا للمالك فكذلك هذا الخيار، كما هو ظاهر لمن لاحظ قول الصادق عليه السّلام في صحيح الفضيل.
الرابع: ملاحظة الأشباه و النظائر من سائر الخيارات، حيث أنها لا تثبت الا للمالك، و التعدي منه الى موقع الصيغة و مجريها لا ينبغي للفقيه.
الخامس: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» أن مفاد أدلته إثبات حق و سلطنة لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الأخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل اليه. و من المعلوم أن العاقدين لغيرهما ليس لهما سلطنة فيما انتقل عن الأخر بعد الفسخ، فلا يجوز له سلطنة في فسخ ما انتقل إلى الأخر.
السادس: منافاة ثبوت الخيار للأجنبي العاقد مع قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم» فتأمل.
فيقتصر على القدر المتيقن من الخروج، و هو ما كان العاقد مالكا، و يستكشف على أن المراد من «البيعان» في الحديث الشريف هو العاقدان لنفسهما، فبانضمام بعض تلك الوجوه تطمئن النفس على عدم كون المراد من البيعان هو الذي كان موضوعا لحكم العاقدين فقط من دون صدقهما على المالك.
مضافا الى كفاية الوجه الثاني في المقام و مساعدة كلمات الفقهاء و عدم ظهور قول معروف في الخلاف مع ضعف مستنده، فإنه ربما يكون إطلاق «البيعان»
على العاقدين المجريين للصيغة فقط من دون أن يكونا مستقلين في التصرف من باب التوسع فقط، فلا يثبت المطلب حينئذ.
فظهر لك عدم الخيار لمن أجرى الصيغة إذا لم يكن أصيلا، فاذا أجرى الصيغة الوكيل في مجرد الصيغة فهل للمالكين خيار مطلقا- سواء حضرا في مجلس العقد أو لم يحضرا- أو ليس لهما أيضا خيار أم لهما الخيار إذا حضرا في مجلس العقد و الا فلا؟ وجوه بل أقوال:
(الأول) ما حكى شيخنا الأستاد «دام ظله العالي» عن الفاضل الجواد شارح «اللمعة»، و دليله أن ثبوت الخيار تابع للدليل، و لم يساعده في المقام، إذ البيعان لا يصدق على العاقدين لغيرهما كما ذكرناه، و كذلك لا يصدق على المالكين أيضا إذا لم يبيعا بأنفسهما الا من باب التوسع. و يشهد لذلك صحة السلب في قولنا انهما ما باعا و انما باع وكيلهما، و ما ذكروا أنه لو حلف على عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله.
(الثاني) ما لعله المشهور المختار كما ذهب اليه شيخ الفقهاء «قده» ثبوته للمالكين مطلقا، سواء حضرا أو لم يحضرا و ان كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب.
و يستدل على ذلك: تارة بالإطلاق و صدق البيعان عليه كما في «الجواهر».
و يندفع بالشبهة المذكورة من أن الصدق انما يكون من باب التوسع و لذا لم يحنث و يصح السلب عنه.
و أخرى ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» سليما عن تلك المناقشة، و هو عدم التبادر في خصوص المباشر، فان «البيعان» لا يتبادر منه حيث أطلق المباشرة في الصيغة و كونها صادرة، فحينئذ عدم التبادر دليل على الحقيقة بين المالك الذي لا يباشر بنفسه العقد و بين المالك المباشر، و حيث ينتفي احتمال
الاشتراك اللفظي بالأصل يثبت الاشتراك المعنوي، و هو المطلوب. فيكون مفاد البيعان في الحديث دخول المالكين مطلقا.
و لكن يدفعه ذيل الخبر الشريف، أعني تقييده بما لم يفترقا، فان عود الضمير الى «البيعان» لا يكون الا أن يكون المالكان موقعين للصيغة، إذ ليس الافتراق و الاجتماع هنا الا للعقد، فينتفى كون المراد من الموضوع مطلق المالك.
فالمحصل من الرواية أن البيعان المالكان ثابت لهما الخيار ما لم يفترقا عن مكان العقد و مجلسه، يعني ثبوت الخيار انما هو عند اجتماعهما و لا يكون اجتماعهما إذا كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب.
و بعبارة صريحة: ان «ما لم يفترقا» قرينة كاشفة على أن الموضوع لحكم الخيار- أعني البيعان- لا بد أن يكونا مباشرين للصيغة حتى يلاحظ الافتراق و الاجتماع، فاذا خرج الفرد المباشر المجري للصيغة فقط من دون أن يكون مالكا و مستقلا في التصرف- كما سبق بالوجوه المذكورة- فانحصر مدلوله في المباشر الذي يكون مالكا، فلا يدل هذا الخبر على ثبوته لمطلق المالك، أعني ما كان مالكا للثمن و المثمن من دون مباشرته للصيغة، لظهور ان عدم الافراق و الافتراق انما هما ملحوظان بالنسبة إلى العقد كما يؤيده فهم الفقهاء «رضوان اللّه عليهم».
و كفاك في ذلك ما في «جامع المقاصد» حيث قال: و ان أريد بهما مالك المبيع و مالك الثمن لم يطابق أول الحديث إلا إذا كان المالكان هما العاقدين، لان قوله «ما لم يفترقا» لا يصدق في المالكين إذا كان العاقد غيرهما، لأنه يصير معناه حينئذ البيعان بالخيار ما لم يفترق المتعاقدان. و هو غير ظاهر الا أن يدعى وجود القرينة الدالة على مرجع هذا الضمير، و هي ذكر الافتراق المقتضي لسبق الاجتماع للعقد- إلخ.
و فيه: عدم كونه ظاهرا في لزوم التفكيك بين «البيعان» و بين الضمير، فلو سلمنا شمول البيعان على المالكين لكن عود الضمير إليهما قرينة على أن المراد منهما أن يكونا متعاقدين أيضا، فاعتبار اجتماع مجلس العقد في الثبوت و افتراقه في السقوط ينافي لتعميم البيعان على المالكين القريبين من مجلس العقد و إجرائه. الا أن يقال باختلاف الضمير و المرجع، و هو كما ترى.
و ثالثة: أن يقال في مدرك القول بتعميم «البيعان» على المالكين سواء حضرا أو لم يحضرا، و هو عموم الجهة الداعية لجعل الحكم و الغرض الموجب لثبوت الخيار- أعني الإرفاق على المالك- فان الخيار انما يثبت باعتبار كونه حقا متعلقا في مال المالكين لمجرد الإرفاق بهما و المصلحة لحالهما و التشفق عليهما، و من المعلوم لزوم اتباع الغرض الداعي للحكم إثباتا و نفيا خصوصا و عموما، فان الغرض كما يخصص الحكم كذلك يعممه أيضا، كقولنا «لا تأكل الرمان»، فاذا علمنا أن العرض و الداعي لجعل الحكم هو الحموضة- بقرينة تعقبه على قوله «ما دام حامضا» أو «إذا كان حامضا» أو «لحموضته»- فيخصص الرمان الى الحامض و يخرج الحلو عن شمول إطلاقه، كذلك يعممه على كل ماله الحموضة، و لا يلزم من ذلك اختلاف الضمير و المرجع بين قوله «ما دام حامضا» أو «إذا كان حامضا» مثلا و بين الرمان.
كذلك يقال في الخبر الشريف، فان حكمة الإرفاق كما ذكرنا سابقا تخصصه فخرج العاقدان لغيرهما عن شمول إطلاق البيعان، فانحصر مدلوله على العاقدين المالكين. و حيث كان شموله على المالكين الموكلين بالوجهين السابقين محل خدشة و مناقشة نقول: انها- أى حكمة الإرفاق- تعممه. فيطرد الحكم على موارد تلك الحكمة و مجاريها و ان كان موضوع الحكم قاصراً عنها.
فثبت الخيار بملاحظة الإرفاق و كونه حقا للمالك على المالكين الموكلين
سواء حضرا أو لم يحضرا، و لكن يجب ملاحظة ثبوته لهما و سقوطه عنهما دوام مجلس العقد و فواته بمقتضى قوله «ما لم يفترقا» و «إذا افترقا» لظهوره بل صراحته بثبوت الخيار ما لم يفترقا عن مجلس العقد و سقوطه و لزوم البيع إذا افترقا.
و ان شئت فقل بعبارة أوضح: انه لما كان المختار من «البيعان» العاقدين المالكين دون غيرهما و عاد الضمير إليهما أيضا من دون التفكيك و الاختلاف و لكن لهما حيثيتان الحيثية المالكية و الحيثية العاقدية، فثبوت الخيار انما هو من الحيثية المالكية لاقتضائها الجهة الموجبة للخيار، و بملاحظة تعميم الجهة يثبت للمالك مطلقا. و سقوط الخيار انما هو من حيثية العاقدي، و حيث لا تقتضي هذه الجهة العموم فلا عبرة في سقوطه افتراق المالكين، لان حكمة الإرفاق لا تقتضي لزمان الخيار أزيد من زمان مجلس العقد، بل عند التحقيق يقتضي اللزوم حتى يتسلط كل منهما في ماله على الإطلاق.
القول الثالث: و هو ثبوت الخيار للمالكين إذا حضرا في مجلس العقد.
تقريب الاستدلال: صدق «البيعان» عليهما، الا أنه لما كان مذيلا في الخبر الشريف بعدم الافتراق و هو يستلزم الاجتماع فيكون القيد قرينة على اعتبار الحضور و مقيدا لإطلاق البيعان، فإنما يحكم ثبوت الخيار لهما حيثما لم يفترقا مجلس العقد.
فان قلت: ان قوله «ما لم يفترقا» انما يكون قرينة لاعتبار الاجتماع على سبيل الإطلاق، لاستلزام الافتراق كونه مسبوقا للاجتماع، و أما اجتماعهما في مجلس العقد و حضورهما فيه فلا يدل، لقصور دلالته بمقدار هذا التقييد.
قلت: ذلك حسن فيما كان لقوله «ما لم يفترقا» عموم و إطلاق بحيث يعم صورة الحضور و عدمه، و لكن عمومه انما هو من جهة صدق المتعلق و قرينة الحكمة فهو لم يشمل فيما كان في مفروض المقام قدر متيقن، فان قوله «ما لم يفترقا»
المستلزم الاجتماع يتصور له فردان اجتماعهما في مجلس العقد و ثانيهما اجتماعهما في مطلق المكان سواء كان مجلس العقد أم لا. و حيث أن الأول متيقن فيحمل عليه فلا يشتمل الإطلاق على غيره، لعدم لزوم اللغوية التي هي المدرك في عموم الإطلاقات. فيكون المحصل من الرواية: ان «البيعان» بالخيار، و هو يشتمل على المالكين، سواء عقدا بنفسهما و باشرا في إجرائه أو كان المباشر غيرهما و لكن إذا حضرا في مجلس عقد المباشر.
و يرد عليه: ان المالكين يشترط حضورهما في مجلس العقد و لم يكونا بنفسهما مجريين فرد نادر، فلا ينصرف البيعان اليه لعدم شمول الإطلاقات للأفراد النادرة.
و الحاصل ان للمالكين ثلاثة أفراد: أحدها ما أجريا العقد بأنفسهما، و الثاني ما و كلا غيرهما في العقد مع حضورهما في مجلسه، و الثالث ما وكلا غيرهما و لم يحضرا في مجلس العقد.
فيخرج الثالث على اعترافه «قده» بالتقريب المذكور من أن عموم الإطلاقات انما هو على حسب اندفاع اللغوية و نحن نقول كذلك، و الثاني يخرج أيضا عن شمول النص لعدم شمول إطلاقه للفرد النادر كما هو الحال و المقرر في محله فانحصر مدلوله على المالكين إذا كانا عاقدين بأنفسهما.
و هذا هو المختار بحسب شمول النص و الجمود على دلالته، إذ لا يستفاد من إطلاقه أزيد من ذلك، و ذلك لا ينافي ما أمضينا من صدق «البيعان» على المالكين سواء عقدا بنفسهما و باشرا في العقد أو باشر غيرهما في العقد، بدليل عدم التبادر فإنه علامة الحقيقة في كون اندراج المالكين العاقدين أو موكلين تحت البيعان من باب الحقيقة، لأنا انما نقول بذلك بقرينة قوله «ما لم يفترقا». و حيث أن العبرة بذيل الكلام فيكون القيد مقيدا للبيعان، فبملاحظته لا ينصرف الا الى المالكين
العاقدين فيخرج الموكلين سواء حضرا أو لم يحضرا.
و لكن المختار في ثبوت الخيار هو القول الثاني، فيثبت للمالكين سواء حضرا أم لم يحضرا بل كان أحدهما في المشرق و الأخر في المغرب، و سواء كانا مباشرين أو موكلين. أما إذا كانا عاقدين فللنص، و أما إذا كانا موكلين سواء حضرا أم لم يحصر ا فلعموم حكمة الإرفاق الموجبة للخيار، حيث لا تأمل لهم في أن حكمة الخيار و المناط فيه هو الإرفاق على المالك، بل ذلك من باب المناط القطعي.
نعم سقوط الخيار انما يلاحظ بانقضاء مجلس العقد و افتراق العاقدين عنه، سواء كان العاقدان مالكين أو وكيلين عملا بالنص، فلا تجري حكمة الإرفاق بالنسبة إلى السقوط الى الموكلين حتى نقول باعتبار سقوط الخيار بافتراقهما أيضا.
فصار الحاصل من الرواية: ان ثبوت الخيار و سقوطه انما هو ملحوظ بالنسبة إلى العاقدين- سواء كانا مالكين أو وكيلين الا ما خرج كالوكيل في مجرد إجراء الصيغة بالوجوه المذكورة، فيعم المالكين و سائر أقسام الوكلاء أيضا كما سيتضح- فلا يشمل الموكلين و لا الوكيلين في مجرد اجراء العقد.
و انما عممنا ثبوت الخيار للموكلين بعموم المناط حيث يجري فيه، و أما بالنسبة إلى سقوط الخيار فلا لعدم عموم المناط، و حيث لا يجري المناط في سقوط الخيار بالنسبة إلى الموكلين فينحصر على العاقدين بجميع أقسامهما حتى من كان وكيلا في مجرد اجراء العقد، سواء كانا مالكين أو وكيلين بجميع أقسامهما، فيشتمل على جميع صور الوكالة حتى في صورة الوكالة على مجرد اجراء العقد لعدم مخرج و عدم مجيء الوجوه المذكورة بالنسبة إلى سقوط الخيار، فتكون العبرة في سقوط الخيار و لزوم البيع بتفرقهما كما سنذكره تفصيلا إن شاء اللّه تعالى في المقام الثالث.
فظهر لك مما ذكرنا من عدم ثبوت الخيار للوكيلين في مجرد إيقاع الصيغة
ثبوتا شرعيا ناشئا من جهة العقد عدم ثبوت الخيار للفضوليين، و ان جعلنا الإجازة كاشفة فلا خيار لهما في عقدهما، لا من جهة التوكيل و لا من جهة استلزام العقد حكم الخيار من باب التعبد الشرعي: أما الأول فلان المفروض عدم تحقق الوكالة في الفضولي، و أما الثاني فلما ذكرنا من أن الدليل قاصر عن ترتب الخيار لمجرد الصيغة من دون صدق «البيعان» بالوجوه السالفة.
و أما ثبوته للمالكين بعد الإجازة فقال شيخنا العلامة الأنصاري «قده» مع حضورهما في مجلس العقد وجه و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل له وجه- انتهى.
قد يقال في بيان مقصوده من تلك العبارة: ان الوجه في الوجه الأول بالنسبة إلى أصل ثبوت الخيار للمالكين حيث أن المالكين في الفضولي يمتازان عن غير صورة الفضولي بما سيذكره بعد من احتمال عدم الخيار، لأن الإجازة بمعنى الالتزام بالعقد فلا يحصل له الخيار.
و قوله «و اعتبار مجلس الإجازة له وجه» إشارة إلى تعميم ثبوت الخيار بحسب المورد، حيث أن الخيار انما يثبت في مجلس العقد لا غير للنص المذكور و لكن مجلس الإجازة خصوصا على القول بالنقل نازل منزلته، فيجيء لمجلس الإجازة ما كان لمجلس العقد من جهة اشتراكهما في النقلية، فالوجه حينئذ كون الإجازة كالعقد في كونها سببا للنقل.
و لكن الاولى أن يقال: ان تلك العبارة و ان كانت قاصرة إشارة الى ما ذكره بعض الفقهاء المتأخرين المقارنين لعصرنا بقوله: هل العبرة في ثبوت الخيار للمالك مجلس التمليك أو مجلس العقد؟ ففرع عليه أنه ان قلنا بأن العبرة بمجلس التمليك فيثبت الخيار للمالك حين الإجازة و مجلسها لا بمجلس إيقاع الصيغة و ان حضر فيه، و ان قلنا بالثاني يكون الخيار له في مجلس العقد لا في مجلس الإجازة حتى
أنه إذا انقضى مجلس العقد أو لم يطلعا زمانه ثم أجاز ليس له الخيار.
و الى ذلك أشار «قده» بقوله: ثبوته للمالكين في مجلس العقد وجه. و أشار الى الوجه الأول- أعني كون العبرة في ثبوته مجلس التمليك- بقوله: و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل له وجه. فعلم الوجه على هذا في تقييدها على القول بالنقل، خصوصا على القول بأنها عقد مستأنف، إذ مجلس التمليك انما يكون مجلس الإجازة على هذين القولين، و أما على القول بالكشف يكون مجلس التمليك مجلس عقد الفضوليين. فتدبر. و هذا هو المراد من العبارة.
ثم هذا كله مبني على عدم الفرق في ثبوت الخيار للمالك بين أن يكون أصيلا أو فضوليا لصدق «البيعان» على كليهما و مجيء حكمة الإرفاق على كليهما و يحتمل الفرق بعدم ثبوته للمالك المجيز و ان كان يعم الدليل الا أنه قد أسقط الخيار بإجازته لأنها في معنى الالتزام، خصوصا إذا كان أجازته بلفظ «التزمت».
و الى ذلك أشار «قده» بقوله: نعم يحتمل في أصل المسألة. ثم أمر بقوله «فتأمل» لعل وجهه منع دلالة «التزمت» و «أجزت» على سقوط الخيار، بل انما يدل على إمضاء العقد و التزامه مع شروطه و أحكامه، و من جملة أحكامه خيار المجلس، كما أنه ربما يكون من جملة أحكامه خيار الشرط و التدليس و غيرهما فالإجازة لا تنفى انقطاع لوازم العقد منه، بل انما هو رضاء بالعقد الصادر من الفضولي و ينزله منزلة العقد الصادر من نفسه.
و أنه هل تقتضي أدلة الوكالة ثبوت الخيار الثابت للمالك، للوكيل أيضا أم لا؟ فنقول:
ان الوكيل تتصور وكالته على أقسام ثلاثة
«أحدها»- ما كان وكيلا في مجرد إيقاع العقد.
«و ثانيها»- ما كان وكيلا منصوصا في التصرف المالي و مستقلا فيه بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها، نظير العاملين في القراض، كما هو الحال في وكلاء التجار العاملين لهم من باب المضاربة و يسافرون الى البلاد و يبيعون و يشترون استقلالا من دون اطلاع التجار الموكلين في جزئيات تصرفاتهم.
«و ثالثها»- ما كان وكيلا في البيع من دون تصريح و تنصيص من الموكل بشيء من لوازمه، الا انها تستفاد من الإطلاق لو قلنا به.
أما الأول: فلا اشكال بل لا خلاف عدا ما عرفت من صاحب «الحدائق» في عدم ثبوت الخيار له، كما ذكرنا تفصيلا.
و أما القسم الثاني: فكذلك أيضا لا إشكال في ثبوته له و ان هذا القسم ليس محل كلامهم و خلافهم.
و أما القسم الثالث: فذهب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» الى عدم الخيار له، لأن إطلاق أدلة الخيار مسوق لإفادة سلطنة كل من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكنه من رد ما انتقل اليه، فلا ينهض لإثبات هذا التمكن عند الشك فيه و لا لتخصيص ما دل على سلطنة الموكل على ما انتقل اليه المستلزم لعدم جواز تصرف الوكيل فيه برده الى مالكه الأصلي.
و لكن التحقيق وفاقا لشيخ الفقهاء «قده» ثبوته لوجوه:
(الأول) لصدق «البيعان» الذي بمعنى العاقدين، فيطلق على كل من صدر منه العقد و تحقق منه إيقاع الصيغة و إنشاء النقل، سواء كان أصيلا أو وكيلا، فيعم ما كانا عاقدين لنفسهما أو لغيرهما، و انما خرج الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة بالوجوه المذكورة و بقي ما عداه بحسب شمول إطلاقه، و هو ما كان مالكا أو وكيلا في البيع لا في مجرد الصيغة إذ العمدة من الوجوه المخرجة للوكيل في
مجرد العقد هو تخصيص حكمة الخيار، أعني الإرفاق على غير الوكيل في مجرد العقد لمنافاته مع الإرفاق، بخلاف الوكيل في البيع لعدم منافاة الإرفاق معه، إذ الإرفاق للوكيل إرفاق للمالك، و هذا انما هو في الوكيل المطلق لا في الوكيل في العقد كما سبق.
(الثاني) لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بأن «البيعان» عبارة عن المالكين العاقدين يمكن التمسك بثبوت الخيار للوكيل المطلق أيضا بمقتضى الخبر المذكور من باب دخوله في موضوع الحكم و تنزيله منزلة المالك، فللبيعان موضوع حقيقي و موضوع تنزيلي: أما الأول عبارة عن المالك العاقد، أما الثاني عبارة عن الوكيل المطلق في البيع بحكم أدلة الوكالة، حيث أن مقتضى أدلة الوكالة تنزيل الوكيل منزلة الموكل، فيراد من «البيعان» الذي في النص المالك و الوكيل كلاهما، نظير ما يقال في الدليل الحاكم قبال التخصيص و الورود، فان التخصيص إخراج حكمي و إدخال للخاص تحت غير عنوان العام من باب الحكم، و أما الحاكم إخراج موضوعي أو إدخال موضوعي على حسب الاختلاف في لسان الدليل.
(الثالث) انه لو كان أدلة الخيار قاصرة عن ثبوت الخيار للوكيل باعتبار اختصاصها بالموكل و لكن يجري حكمه لوكيله بأدلة الوكالة، بتقرير: ان المستفاد من أدلة الوكالة أن ما ثبت للموكل ثبت للوكيل، فهذا ليس من باب الإدخال الموضوعي بل من قبيل إسراء حكم لموضوع الى موضوع آخر، بأن يقال الخيار الثابت للموكل بمقتضى قوله «البيعان بالخيار» ثابت للوكيل المطلق بمقتضى أدلة الوكالة التي تدل على قيام الوكيل مقام الموكل و فعله فعله و عمله نافذ مثله. و حيث أوجد البيع الوكيل فيه و قلنا بثبوت الخيار له كما هو المختار أو عدمه كما هو مسلك شيخنا العلامة الأنصاري، فهل للموكل حينئذ خيار أم لا؟
فيه أقوال
قول بعدمه، كما أن للوكيل ليس خيار كذلك ليس للموكل أيضا خيار.
و نسب ذلك الى الفاضل الجواد شارح «اللمعة».
و قول بثبوته للموكل دونه، كما هو المختار للشيخ العلامة «قده» في «المكاسب».
و قول بعدم ثبوته للموكل و ثبوته للوكيل، كما يظهر من أول كلام «المسالك» و آخره و حكي الميل اليه من «الحدائق».
و قول بثبوته له كثبوته للوكيل، كما هو المختار.
و دليل المثبت قد ظهر مما أسلفنا من صدق الاسم أعني صدق «البيعان» على المالكين الموكلين و إطلاقه عليه و من عدم التبادر من البيعان خصوص المباشر في الصيغة، فهو علامة الحقيقة بين المباشر و الموكل.
و يستدل على نفي الخيار للموكل بصحة السلب في المثال المتقدم السابق أنه ما باع بل باع وكيله، و استشهد لذلك بعدم الحنث.
و أما استدلال المثبت بعدم التبادر، مدفوع بأن عدم تبادر خصوص المباشر انما يدل على وجود معنى آخر معه بأن يكون هذا المعنى مع المباشر كلاهما معنى حقيقيا للفظ، أما تعيين المعنى الأخر الحقيقي و تعميمه الموكل فلا.
فظهر لك أن الوجه ثبوت الخيار للوكيلين من جهة كونهما نائبين عن الموكل و كون فعلهما مظهر فعل الموكل، فيسري ما ثبت له اليه من الخيار من حيث التوكيل لعدم الفرق في صدق البيع عليهما، بل ربما يكون صدقه على الوكيل أظهر من صدقه على الموكل، كما في صورة ما فرضنا الوكالة المطلقة من المالك لوكيل و سافر الوكيل الى البلاد للتجارة فالموكل في العجم و الوكيل في الهند مشغول بالبيع و الشراء، فمن المعلوم صدق البيع حينئذ على الوكيل أظهر من صدقه على الموكل الذي لم يطلع على تلك المعاملة.
و كل ذلك- أعني صدق البيع و ثبوت الخيار- على الوكيل انما هو من أثر الوكالة و ليس من جهة مجرد صدور العقد عنه حتى يكون من قبيل الحكم التعبدي، فللوكيل جهتان: جهة من حيث صدور العقد عنه و مباشرته فيه، و هذا كما ذكرنا لا يقتضي ثبوت الخيار له و لا يوجب ذلك المقدار لصدق البيعان عليه الجهة الأخرى من حيث التوكيل و كون شأن الوكيل شأن الموكل من جهة أدلة الوكالة.
فثبت الخيار للوكيل المطلق في البيع و التصرف لا في الوكيل المباشر في العقد من حيث المباشرة للعقد، فالمسلم من صدق البيعان على الوكيل هو الوكيل في البيع فيكون مصداقا للبيعان، كما أن المالكين الموكلين مصداق له، فاذا فرض تعدد الوكلاء من طرف واحد يتعدد الخيار على حسب تعدد الوكلاء و تراميهم، فاذا و كل المالك بالوكالة المطلقة وكيلا ثم الوكيل أيضا و كل شخصا آخر في البيع و التصرف يثبت الخيار لأشخاص ثلاثة و هكذا كما ذكر شيخنا العلامة الأنصاري «قده»، فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لأشخاص كثيرة من طرف واحد.
و حينئذ هل ثبوت الخيار لهم على وجه الاستقلال- بأن يكون كل منهم ذا خيار، فان اختلفوا في الفسخ و الإجازة قدم الفاسخ و ان تقدمت الإجازة على الأخر، أو على وجه أن يكون المتقدم منهم نافذا و ان كانت الإجازة سابقة فلا ينفع الفسخ بعده، أو على عدم استقلال كل واحد منهم بل لا بد من اجتماعهم على الفسخ أو على الإجازة- وجوه.
و تحقيق الكلام: أن الحق الثابت لمتعدد لا يخلو اما أن يكون تعدده ذاتا أو عرضا، بمعنى أن يكون استحقاق كل من المتعددين لذلك الحق بحسب الذات و الاستقلال فيتعدد الحق حينئذ على حسب تعدد ذي الحق فيستوفي كل
منهم ما دام المحل باقيا، أو كان الحق بحسب الذات و الجعل واحدا للطبيعة السارية مثلا فيسري لمصاديق تلك الطبيعة فيتعدد على حسب تعدد مصاديقه.
مثال الأول حد القذف و حق الشفعة و القصاص إذا فرضنا أن ثبوتها لأشخاص متعددين إرثا أو أصالة انما هو على وجه الاستقلال، فلكل منهم سلطنة في استيفاء ذلك الحق، فلا يسقط بإسقاط بعضهم و عفوه حيث أراد الأخر استيفاءه، فكلما أخذ الحق و استوفى سقط من جهة حصول الاستيفاء و فوات المحل، فللكل الأخذ و الإسقاط.
ففي المقام إذا ثبت الخيار لأشخاص متعددين على وجه الاستقلال في تمام الحق يكون لكل واحد الفسخ و ان أجاز الأخر، فعند التعارض يقدم الفاسخ على المجيز، لعدم المنافاة بين الإجازة و الفسخ لعدم التعارض بينهما، إذ الإجازة عبارة عن إزالة الحق و إبقاء العقد على مقتضاه، لأن الإجازة لا تزيد على مقتضى العقد شيئا كما في «الرياض» و «المكاسب».
و ليس المراد من الإجازة استقرار العقد و جعله لازما، بل انما هو إسقاط حق، أي إسقاط السلطنة على الإزالة و الفسخ. و من المعلوم أن إسقاط الحق من أحد من المتعددين لا ينافي تشبث الأخر بحقه، فلو أجاز واحد منهم يصير ذلك منه إسقاط حقه الثابت له استقلالا لا إلزام العقد و إيجابه، فلو فسخ الأخر بعد تلك الإجازة تشبث بحقه و انحل العقد، كما إذا أسقط أحد الشريكين حد القذف و حق القصاص فلا يسقط حق الأخر فله الاستيفاء و لكن في القصاص يجب دفع حصة الأخر إلى أولياء المقتص منه جمعا بين الحقين.
و أما القسم الثاني- أعني ما كان ثبوته للمتعدد بحسب الفرض و السراية- فينظر الى دليل ذلك، فان دل على أن ثبوته لكل واحد على وجه الاستقلال- بمعنى أن لكل واحد سلطنة في إقرار ذلك الحق و إزالته- كان تصرف كل سابق
منهم نافذا حينئذ من السقوط و الاستقرار، كالوكلاء المستقلين، فيمضي السابق، من اجازة أحدهم أو فسخه فلا يؤثر اللاحق، سواء كان اجازة أو فسخا لفوات المحل و قابليته، فان بعد الإجازة الاولى يصير العقد لازما و يسقط الحق الواحد الثابت للكل، فلا يبقى وجه حينئذ للإجازة الثانية و لا لفسخه.
و ان دل على ثبوت الخيار في كل واحد على وجه الاستقلال في نصيبه حيث كان المورد قابلًا للتبعض لهم و التجزية كان حينئذ إجازة كل واحد منهم و فسخه نافذا في حقه لا في حق باقي شركائه.
و ان دل على ثبوته على المتعدد باعتبار انضمام بعضهم على بعض فلا بد حينئذ من الثبوت و السقوط اجتماع كل منهم على الإجازة أو على الفسخ، فلا يكفي سبق أحد منهم في النفوذ، فان الحق الواحد انما ثبت بالإرث أو بغيره بالمجموع.
و الحاصل ان الحق الواحد الحاصل للطبيعة سرايته و نشره إلى أفرادها لا يخلو من وجوه ثلاثة: اما على وجه الاستقلال بالنسبة إلى الكل حيث لم يكن المحل قابلًا للتبعض كحق الموكل إذا نشر على وكلائه، أو على وجه الاستقلال في نصيبه دون نصيب باقي الشركاء حيث كان المحل على وجه الإشاعة لهم و قابلًا للتبعض، أو على وجه اعتبار انضمام بعضها الى بعض.
و أما مسألتنا هذه فهي من قبيل القسم الأول، و لذا قال شيخنا العلامة الأنصاري في مكاسبه: فكل من سبق من أهل الطرف الواحد إلى إعماله نفذ و سقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه، و الوجه في ذلك أن خيار المجلس حق ثابت في طرف واحد من البائع و كذلك في طرف المشتري بقوله «البيعان بالخيار»، فثبوته على البيعان انما هو باعتبار ثبوت حكم للطبيعة فيسري في جميع مصاديقها
فثبوت الخيار للوكلاء انما هو كما ذكر من جهة توكيل المالك، فثبوته للعاقد لنفسه- أي المالك بالأصالة- و بالعاقد لغيره انما هو من جهة التوكيل لا من جهة صرف التعبد الشرعي الإلهي من جهة اقتضاء نفس العقد له.
فحيث أن ثبوت الخيار لوكلائه انما نشرت من جهة الوكالة من المالك فيسري حقه الواحد الى الكل، فكل من سبق إلى الإجازة كان حكمه حكم اجازة المالك فينفذ، فلا يؤثر الفسخ بعده. و كذلك من سبق الى الفسخ انحل العقد كصورة فسخ المالك، فمقتضى أدلة الوكالة الدالة على أن ما ثبت للموكل ثبت للوكيل نفوذ الإجازة و الفسخ من الوكلاء حسب نفوذهما من الموكل و سيأتي توضيح باقي الأقسام و وجهه في محله إن شاء اللّه تعالى فانتظر.
فتبين لك الحال فيه من بعض ما ذكرنا.
قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد أو عن مجلس العقد أو بتفرق المتعاقدين فيكفي بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد؟ وجوه أقواها الأخير- انتهى.
و لكن التحقيق أن العبرة في السقوط انما هي بملاحظة مجلس العقد، لان الدليل المذكور انما يدل على ثبوت الخيار للبيعين اللذين يجتمعان في مجلس العقد و سقوطه عند تفرقهما و ثبوته للمالكين على المختار سواء حضرا أو لم يحضرا، انما هو في عقد الوكيلين باعتبار تنزيل عقدهما منزلة عقد المالكين أو بملاحظة حكمة الإرفاق و تعميمه، و لكن مع ذلك يسقط الخيار عن المالكين الموكلين تفرق الوكيلين باعتبار ظهور الدليل المذكور في اعتبار دوام مجلس العقد، فمع تفرقهما لم يثبت الخيار لفوات مجلس العقد، فيكون المدار على
مجلس العقد بمقتضى قوله «و إذا افترقا وجب»، أي إذا افترق اللذان مجتمعان في العقد فهما ليسا الا العاقدين، فقد يكونان مالكين أيضا و قد يكونان وكيلين، فلا يكفي بقاء موكل مع وكيل مباشر في المجلس، لصدق تفرق العاقدين اللذين هما مرجع الضمير. فحينئذ يكون اردأ الوجوه الوجه الأخير.
فيرد على ما قواه شيخنا العلامة «قده»- حتى على مذهبه- من ثبوت الخيار للمالكين إذا حضرا في مجلس العقد، إذ العبرة حينئذ هو تفرق من كان موضوعا لقوله بالخيار و هو الوكيلان أو المالكان، فكأنه قال: المالكان الحاضران في مجلس العقد بالخيار ما لم يفترقا و الوكيلان بالخيار ما لم يفترقا فيلزم حينئذ على مذهبه من اعتبار الحضور في مجلس العقد تفرق المالكين عن مجلس العقد يوجب البيع كما أن تفرق العاقدين يوجب البيع.
هذا بحسب دلالة الخبر على مسلكه من اندراج المالكين الموكلين تحت قوله «البيعان»، و أما بناء على مختارنا فلا عبرة بتفرقهما و اجتماعهما، لأنا إنما أثبتنا لهما الخيار لدليل خارجي أعني الإرفاق، سواء حضرا أو لم يحضرا اجتمعا في مكان واحد أم لا. نعم تكون العبرة في الثبوت و السقوط بمجلس العقد للمتعاقدين الوكيلين انعقادا و تفرقا، فعند تحقق البيع يثبت لهما الخيار لعلية الإرفاق، و عند تفرقهما يسقط عنهما الخيار لقوله «و إذا افترقا وجب البيع»، فتكون العبرة حينئذ في ثبوته دوام مجلس العقد و في سقوطه تفرقهما عنه.
لو كان العاقد واحدا اما لكونه وكيلا عن البائع و المشتري أو وليا عنهما، أو أصيلا من نفسه أو وليا أو وكيلا عن أحدهما، فهل يثبت له الخيار كثبوته
مع التعدد أم لا؟ وجهان بل قولان، المشهور المعروف بل كاد أن يكون إجماعا ثبوت الخيار بل في «الجواهر» لا أجد فيه خلافا بيننا، نعم حكى العلامة «قده» في «التحرير» قولا بعدم ثبوت الخيار و احتمله بعض الأصحاب بل استقربه فخر الدين «قده» و مال اليه المحقق الأردبيلي، و في «الحدائق»: أنه الأقرب و توقف في «التحرير» و في «جامع المقاصد»، و لو عد التوقف قولا لكانت في المسألة أقوال ثلاثة، الا أن لازم القول بالتوقف سقوط الخيار في مقام العمل للأصل المؤسس الذي يكون هو المرجع عند التحير و هو في المسألة كما ذكرنا أصالة اللزوم، و استدل على سقوط الخيار بوجوه:
(الأول) أن المقتضى للزوم موجود و المانع مفقود، أما الأول فللعمومات و الإطلاقات الدالة على اللزوم كما ذكرنا، و أما الثاني فلان المانع هو دليل الخيار لا يصلح للمانعية، و لا يثبت الخيار في صورة الوحدة لعدم ظهور قوله:
«البيعان» إلا في التعدد، فلا يثبت شموله على صورة كون العاقد واحدا.
(الثاني) قاعدة لا ضرر بتقريب: ان الخيار لو قلنا في صورة الوحدة لكان بلا أمر لعدم حصول الغاية عند الوحدة، إذ لا يتصور الافتراق الذي هو المضي لذلك الخيار فيكون الخيار الدائمي الذي هو بلا غاية و لا أمر ضررا للطرفين فهو منفي بقوله «لا ضرر و لا ضرار».
(الثالث) دلالة قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» على لزوم البيع عند كون العاقد واحدا و لعل الاستدلال بدلالة الخبر في صورة الوحدة لبعض الأجلة و لم يذكر كيفية دلالته، و لعل نظره ظهور قوله «ما لم يفترقا» على صورة التعدد أو من جهة مفهوم الوصف الضمني بأنه يستفاد من مادة الافتراق الاجتماع الذي يتصف به البيعان فيصير كمورد (البيعان المجتمعان) يثبت لهما الخيار و غير المجتمعين لم يثبت لهما الخيار كقوله «لي الواجد يحل عقوبته و غير الواجد لا يحل عقوبته» كما هو
الحال في مفهوم الوصف.
و يرد على الأول بإثبات المانع كما يظهر عند ذكر أدلة المثبتين، و على الثاني: (أولا) أن قاعدة لا ضرر انما يتمسك بها بثبوت الخيار لا لسلبه و سقوطه (و ثانيا) أنه انما ينفي الخيار و لا ينفي ثبوت أصل الخيار، فإن الذي يوجب الضرر- لو سلم- انما هو استدامة الخيار فهذا لا يدل على سقوطه من رأسه. و (ثالثا) لو تم ذلك انما يكون على مذهب الشيخ من عدم حصول النقل و عدم حصول الملك في زمن الخيار، أو على مذهب من يرى حصول الملك، الا أن من عليه الخيار مهجور عن التصرفات فلا يجوز له التصرف.
فعلى القولين يحصل الضرر بثبوت ذلك الخيار الذي لا أمد له، فلما سلمنا دوام الخيار لا يلزم الضرر على القول المشهور المعروف من جواز التصرف كيف يشاء في زمن الخيار، فعلى مذهب الحق و المشهور لم يستلزم ذلك الخيار ضررا حتى ينتفي بالقاعدة.
و يرد على الثالث: بمنع ظهوره في مطلق التعدد بحيث كان الواحد و ان اجتمع له الحيثان خارجا عنه، نعم انما يدل على التعدد من حيث البائع و المشتري، و من المعلوم أن الحيثان مجتمعان في العاقد الواحد أيضا لأنه بائع من جهة و مشتر من جهة أخرى، و أن مفهوم الوصف ليس بحجة فضلا عن أن يكون ضمنيا فلا يكون مثله في مثل المقام مدركا لثبوت الأحكام.
و استدل على القول بالثبوت بوجوه:
(الأول) الإجماع المنقول عن «الغنية» و يؤيده دعوى عدم الخلاف في المسألة و استظهار الإجماع المحصل.
(الثاني) حصول الاستقراء في استقرار سائر أحكام المتبايعين في العاقد الواحد حيث أنا وجدنا الأحكام الثابتة عند صورة التعدد ثابتة عند صورة الوحدة أيضا
من غير استشكال و تفرقة بينهما، و كذلك ما نحن فيه من ثبوت خيار المجلس في العاقد الواحد أيضا فإن الظن يلحق المشكوك بالأغلب.
(الثالث) مجيء حكمة الخيار عند صورة الوحدة أيضا فإن الذي كان موجبا لجعل الخيار انما هو الإرفاق على المالك و هذا لا يفرق بين أن يكون العاقد واحدا أو متعددا.
(الرابع) أن المقتضي للخيار في صورة التعدد ثابت في صورة الوحدة أيضا و هو البيع، إذ لا فرق في تحقق البيعية من المتعدد و الواحد و كذلك لا فرق في سببيته إذا صدر منهما، فكما انه إذا صدر من المتعدد سبب للخيار و كذلك سبب له إذا صدر من الواحد أيضا.
(الخامس) دلالة قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» من باب تنقيح المناط، حيث ان التعدد ليس له مدخلية في ثبوت الخيار حتى يكون صورة الوحدة خارجة عن ثبوت الخيار، بل انما المناط في ثبوته من حيث تعليق الحكم على البيعان هو كونه بيعا، سواء كان متعددا أو واحدا لعدم التأثير للتعدد في ذلك، فإنه لو أثر فيه لأثر في غيره من الأحكام و هو معلوم العدم لترتب جميع الأحكام مع الاتحاد، كذلك الخيار أيضا لأن البيع هو المناط في الثبوت من دون مدخلية في التثنية.
أو بأن يقال: أن دلالته عليه من جهة ترتب الحكم على الحيثية بتقريب أن يقال: ان الظاهر من تعليق الخيار بالبيعان ثبوته لهما من حيث هما بيعان، فالتثنية انما هي في قوة التكرار بالعطف، فيصير حاصل المعنى: أن البائع من حيث هو بائع بالخيار و المشتري من حيث أنه مشتري بالخيار. و معلوم أن العاقد الواحد بائع و مشتري، فيثبت له الخيار بالحيثين. و يندفع الكل:
أما الأول: فالمنقول منه موهون، حتى صارت الإجماعات المدعاة في
«الغنية» ضرب المثل في الموهونية، و يزيد في الوهن في خصوص المقام ذهابه في «الغنية» إلى سقوط الخيار على ما حكاه بعض أصحاب مجلس البحث، مضافا الى عدم دلالة إجماعه في الثبوت في المقام لعدم شمول دعواه الإجماع على مسألتنا هذه لأنه في مقام بيان دخول مجلس الخيار في ضروب البيع، فان عبارته المحكية حاصل مضمونها هكذا (أن خيار المجلس داخل في ضروب البيع لإجماع الطائفة) فإنه كما ترى انما هو في بيان دخوله في أقسام البيع من الصرف و السلم و غيرهما من أنواع البيع و ضروبه، أما من جهة كون العاقد و المبيع و المشتري فلا نظر لها، فليس في مقام بيانها و هذا واضح، و أما المحصل منه ظني لم يبلغ مرتبة العلم و الحجة، و دعوى عدم وجدان الخلاف كما في «الجواهر» ليس إجماعا فلا يصح أن يكون مدركا في المسألة.
و أما الثاني: فلان المعتبر من الاستقراء كونه على وجه يوجب العلم، و اما الاستقراء الظني فليس بحجة عندنا و ان كان استقراء تاما، إذ الغرض عدم افادته العلم في خصوص المورد، فمن ادعى افادته في المسألة العلم بثبوت الخيار للعاقد الواحد فهو مردود عليه، و اما إفادته الظن- لو سلمنا- لا ينفع على المستدل.
و أما الثالث: على كون الإرفاق حكمه، فلان من شأن الحكمة عدم الاطراد كما أن شأنه عدم الانعكاس و لا ينافي ذلك بما ذكرنا من كون الإرفاق علة لثبوت الخيار للمالكين، لأنه انما هو في فرض التعدد. و أما كونه علة في ثبوت الخيار في صورة الاتحاد أيضا غير معلوم، فيكفي في بطلان الاستدلال لعدم ثبوت العلية في مفروض الكلام و كونه حكمة لا ينفع، لكونه غير مطرد و لا ينعكس.
و أما الرابع: فلأنه ان أريد من كونه مقتضيا كونه سببا ناقصا، بحيث أن له مدخلية في ثبوت الخيار فمسلم، الا أنه يجتمع مع شرطية التعدد لان السبب الناقص يجتمع مع سائر الشرائط. و ان أريد به السببية المطلقة و العلة التامة، فمحل منع
و مصادرة بالمطلوب.
و أما الخامس: فلانة التزام بعدم دلالة الخبر بالمطلوب فكيف يستدل بالخبر على ثبوت الخيار؟! فان التمسك به- من باب تنقيح المناط أو من باب الحيثية- اعتراف بعدم الدلالة اللفظية، مع أن المقصود من الوجه الخامس إثبات الدلالة و كون الخبر شاملا لصورة الاتحاد، نعم يمكن التمسك بطريق آخر و هو العمدة في المقام و المعتمد لشيخنا العلامة الأنصاري «قده» و ان لم يصرح به و لكن أشار إليه تلويحا و هو التمسك بإطلاق قوله «البيعان» و صدقه على الواحد أيضا و تقريب ذلك يتم ببيان مقدمتين:
«المقدمة الاولى» أن التثنية لا شك في دلالتها على الاثنين و لكن قد يدل عليهما بشرط انضمام أحدهما إلى الأخر، و يسمى ذلك في ألسنة محققي المتأخرين بالارتباطي، و قد يدل عليهما لا بشرط الانضمام بل يدل على كل واحد منهما استقلالا و يسمى بالاستقلالي.
مثال الأول: (رفعا الصخرة عن فم البئر) و كذلك في الجمع: (رفعوا الصخرة عن فم القليب) و (هزم بهما أو بهم الأعداء) أو غير ذلك مما هو كثير في الاستعمالات.
و مثال الثاني: (جاء زيدان و رأيتهما) و هكذا و حيث أن التثنية بحسب وضعها لا تدل على تعيين أحدهما بل قابلة لكليهما بنفسها، فان دل الدليل أو القرائن الداخلية و الخارجية على تعيين خصوص الاستقلالي أو الارتباطي فيؤخذ به، و ان كان باعتبار مساعدة الامارة و الغلبة عليه لكفايته في أمثال المقام و ان لم تكن قرينة و لا أمارة و لا غلبة بل يحتمل كل منهما فنتوقف، فنعمل بمقتضى الأصول في الموارد الجزئية في مقام العمل.
و أما ما نحن فيه- أعني قوله «البيعان»- انما هو من قبيل الثاني أعني على وجه الاستقلالي لأمرين
الأول: قيام الإجماع على أن ثبوت خيار المجلس للبائع و المشتري انما هو على سبيل الاستقلال فيثبت لكل واحد منهما مستقلا بدون اعتبار بدون اعتبار الهيئة الاجتماعية بداهة من الشرع و أهله ان كل من البائع و المشتري يجوز له الفسخ و ان لم يرض الأخر به و كذلك له الإمضاء و ان لم يرض به الأخر، فلا يعتبر في خيار أحدهما انضمام الأخر به للإجماع بعدم اشتراط رضا أحدهما في خيار الأخر امضاء و فسخا. كما هو واضح.
الثاني: ظهور تعدد الخيار بالنسبة إلى البائع و المشتري، فكما أن خيار المجلس حق ثابت للمشتري كذلك حق ثابت للبائع، فعند تحقق البيع يحصل هنا حقان، فحينئذ لا بد من الالتزام بثبوتهما للبائع و المشتري على وجه الاستقلال و التعدد، ضرورة أن تعدد الحق يستلزم تعدد محله. و اعتبار انضمام أحدهما إلى الأخر يخرج عن اعتبار تعدد الحقين، فان الحق الثابت للمشتري في خياره معناه:
استقلاله بحقه و استيفائه و لو لم يرض به الأخر كذلك في طرف البائع، فلو كان اجتماعهما معتبرا في ثبوت ذلك الحق، بأن اجتمع كلاهما في الفسخ أو في الإمضاء ليخرج عن تعدد الحق بل يصير حينئذ حقا واحدا متعلقا بهما، فثبوت الحقين للشخصين المتخالفين في الرأي و الميل النفساني لا يكاد أن يحصل الا على سبيل الاستقلالي، لأنه إذا اختار أحدهما في الفسخ مثلا و لم يرض به الأخر أو بالعكس فان كان للأول حق حينئذ و نفوذ مع مخالفة الأخر فهذا عين الالتزام بالاستقلال و ان لم يكن له ذلك الا برضا الأخر فهذا سلب حق الخيار عنه، و هو خلاف الفرض و النص.
فان قلت: بأن الحق ثابت له بشرط رضا الأخر بأن يقال: للبائع الفسخ مع رضاء المشتري.
قلت: هذا خروج عن كونه حقا للبائع بل ان هذا نظير ما لو اجتمعا باختيارهما
و رضائهما على شيء واحد من الفسخ و الإمضاء و ليس لذلك مزية و لا خصوصية يسمونه بخيار المجلس يدوم ثبوته بدوام المجلس و انتفائه بانقضائه، بل تلك المرتبة- أعني اجتماعهما برضائهما على الفسخ و الإمضاء- ثابت لهما في كل حال و زمان، سواء كان مجلس العقد أم مضى منه مدة طويلة كالإقالة، بل هذه نفسها مضافا الى أن اجتماعهما على شيء من الفسخ و الإمضاء برضائهما قليلة الوجود لكثرة اختلافهما في الرأي و جلب المنفعة إلى أحدهما دون الأخر. فهذا فرد نادر فلا يصلح لتنزيل مساق الاخبار عليه.
فتحصل من تلك المقدمة: أن التثنية حقيقة للمتعدد و ان البيعان ثبت الحكم لهما على سبيل الاستقلال، فللبائع خيار مستقل مع قطع النظر عن المشتري و كذلك للمشتري.
«المقدمة الثانية» ان من المعلوم أن البائع غير المشتري و أنهما ضدان كالأبيض و الأسود و أن الضدين لا يجتمعان، فلا يقال للأسود: أبيض و لا للأبيض:
أسود الا بالتصرفات العرفية و الامضائات الشرعية، فإنه كثيرا ما يطلقون الضدين- كالحركة و السكون- على موضوع واحد بتسامح من العرف و باعتبار تعدد الجهة و يقال لشيء واحد أبيض من جهة و أسود من جهة أخرى، كما أنه يقال: أبيض بالنسبة إلى شيء و أسود بالنسبة إلى شيء آخر، و كذلك الحركة و السكون. و كذلك البائع و المشتري، فإنهما مع كونها ضدين يجتمعان في موضوع واحد و يطلقونهما على شخص واحد كالوكيل من المالكين حيث باع بنفسه مال أحد الموكلين و اشترى بنفسه من جانب الموكل الأخر، فيقال على هذا الوكيل الواحد: بائع و مشتري في العرف و الشرع، فيجري عليه كل حكم ثابت للبائع لكونه بائعا.
و كذلك كل حكم ثابت للمشتري، فإنه إذا ثبت حكم للبائع بأن يقال:
البائع حكم كذا و كذا، كما أنه يقال: لا به من كونه بائعا عاقلا، فيؤخذ بإطلاقه
فنحكم بثبوت هذا الحكم لمصداق البائع سواء كان واحدا أو متعددا و سواء كان مشتريا أولا، و كذلك في جانب المشتري فكل حكم ثابت للمشتري يسري الى جميع مصاديقه بمقتضى الإطلاق لأن اعتبار انفراده بحيث لا يصدق عليه عنوان آخر تقييد له و منفي بالإطلاق.
و حيث ثبت ذلك نقول:
في الخبر المذكور انما ثبت الخيار للبيعان الذي يراد به البائع و المشتري، فقوله «البيعان بالخيار» بمنزلة أن يقال: «البائع مطلقا بالخيار»، أي سواء كان منفردا أولا «و المشتري مطلقا بالخيار» سواء كان منفردا في هذا العنوان أو يصدق عليه عنوان آخر أيضا، فإن كان العاقد واحدا و وكيلا مطلقا أو مستقلا في التصرف كالأولياء، يصدق عليه البائع و المشتري بحكم العرف و إمضاء الشارع فالحكم الثابت لهما ثابت لهذا العاقد الوكيل أو الولي بمقتضى الإطلاق.
و الحاصل: أن «البيعان» الذي هو موضوع الحكم مطلق ليس فيه قيد الانفراد، فيجوز حينئذ التمسك بإطلاق «البيع» فنقول: ان حق الخيار ثابت له سواء كان وكيلا أو وليا من الطرفين و يصدق عليه المشتري أيضا كالعاقد الواحد من الطرفين أو لا كالعاقدين المنفردين.
فاحتمال إرادة الانفراد من «البيعان» مدفوع بالإطلاق- أعني إطلاق المادة- و لا ينافي ذلك مع تعدد العنوانين و لا كون البيعان تثنية، لأنا نقول أيضا: البيعان عبارة عن الاثنين و انه بائع و مشتري لعدم الفرق بين قوله «البيعان بالخيار» و بين «كل من البائع و المشتري بالخيار» و أن مقتضى إطلاق العنوانين عدم التفرقة بين تحققهما في شخصين منفردين أو تحققهما في شخص واحد فاحتمال كون الخيار لكل منهما بشرط انفراده حتى لا يثبت الخيار مع قيام العنوانين في شخص واحد، يدفعه الإطلاق كما هو واضح لا شبهة فيه.
ثم انه للتمسك بالنص طريق آخر كما صنعه في «الجواهر» و بعض فقهاء معاصريه- الشيخ علي «قده»- و هو حمل التثنية على عموم المجاز و ارادة الحقيقة من النفي في قوله «ما لم يفترقا» فان ارادة السبب المطلق من النفي ارادة لمعناه الحقيقي.
فحاصل هذا الاستدلال يتوقف على مقدمتين:
أحدهما: أن التثنية و ان كانت حقيقة للمتعدد الحقيقي و مجازا في غيره بأن يراد منهما الواحد الحقيقي أو الأعم منه و من المتعدد الحقيقي، و حيث أن باب المجاز مفتوح مع مساعدة القرينة عليه، فيراد من التثنية- أعني قوله «البيعان»- المعنى العام الشامل للمعنى الحقيقي و المعنى المجازي و هو مطلق المتعدد، سواء كان متعددا حقيقيا أو حكميا.
أما الحقيقي: كما إذا تعدد البائع و المشتري بأن باع شخص و اشترى شخص آخر.
و أما الحكمي: كالوكيل العاقد الواحد إذا كان وكيلا منهما، فيقال: أنه بائع و مشتري فيكون في حكمهما.
فقوله «البيعان بالخيار» بمنزلة أن البائع و المشترى لهما الخيار و العاقد الواحد الذي بمنزلة البائع و المشتري له الخيار و لا ينافي ذلك مع قوله «ما لم يفترقا» بل ان أراد منه النفي الحقيقي الشامل بجميع أفراده يكون قرينة على ارادة العام القدر المشترك من التثنية.
و ثانيهما: أن قوله «ما لم يفترقا» حقيقة في نفي المادة- أعني الافتراق و هذا عام شامل لمورد كان الافتراق ممكنا كالمتعدد الحقيقي أو لم يكن ممكنا كالمتعدد الحكمي، فإنه لا فرق في نفي الافتراق بينهما، كما أنه يصح في المتعدد كذلك نفيه يصح في الواحد، فان نفي الافتراق أعم مما كان من شأنه الافتراق و ما لم يكن من
شأنه الافتراق لعدم الفرق في نفي الافتراق بينهما، فمقتضى حمل النفي على الحقيقة و ارادة السلب المطلق مع ارادة عموم المجاز من البيعان، بأن يراد منه المتعدد سواء كان حقيقيا أو حكميا، بأن استعمل في القدر المشترك بين المعنى الحقيقي و المجازي كالأمر إذا استعمل في القدر المشترك بين المعنى الحقيقي- أعني الوجوب- و المعنى المجازي- أعني الندب- من باب عموم المجاز و ارادة مطلق الطلب منه يوجب اندراج المتعدد الحقيقي و المتحد الحقيقي الذي إذا كان في حكم المتعدد كالوكيل منهما في عموم قوله «البيعان» فيثبت الخيار لهما أيضا بالنص.
قد ظهر لك أن الاستدلال بالنص المذكور بأحد الوجوه الأربعة إنما ينفع المستدل ما لم يدعي المانع قيام القرينة الصارفة عن عموم قوله «البيعان» و شموله للعاقد الوحد فلا بد للمثبت رفع احتمال تلك القرينة، فقد يقال من طرف المانع:
أنه لو سلمنا عموم «البيعان» للمتعدد و الواحد فيجب رفع اليد عنه بقرينة قوله «ما لم يفترقا» لظهور قوله «ما لم يفترقا» في المتعدد لأنه لا يقال للواحد لم يفترق أو افترق.
و أجيب عن ذلك بوجوه:
(الأول) ما في «الجواهر» و «جامع المقاصد» بإرادة السلب المطلق من النفي. و يقرر ذلك على وجهين:
أحدهما: أن سلب الافتراق قد يكون بانتفاء المحمول كما في صورة التعدد، فالمنفي انما هو باعتبار المحمول أعني الافتراق و قد يكون بانتفاء الموضوع كما لم يكن هناك متعدد كما في صورة العاقد الواحد، فنفي الافتراق حينئذ انما هو من جهة انتفاء موضوعه- أعنى المتعدد- كنفي المجيء عن زيد من جهة عدم وجود زيد، فيقال: «ما جاء زيد» لعدم وجوده الذي يستلزم عدم المجيء، كذلك في
المقام، فصدق لم يفترقا في المتعدد انما هو لعدم الافتراق فقط و في صورة عدم المتعدد انما هو من جهة عدم تحققه في الخارج المستلزم لعدم تحقق الافتراق أيضا.
بعبارة أخرى: ان الافتراق عبارة عن انفكاك الموجودين و عدم اجتماعهما، فنفي الانفكاك قد يكون من جهة اجتماعهما و قد يكون من جهة انتفائهما في الخارج فحينئذ تكون السالبة أعم من انتفاء المحمول، فيتوجه الإيراد عليه: أن المقرر في محله مجازيته السالبة في انتفاء الموضوع فلا يصار إلى إرادة الأعم من السالبة مهما أمكن.
و ثانيهما: أن الافتراق أعم مما كان الافتراق ممكنا أولا، فنمنع إرادة الملكية منه- أي إرادة خصوص نفي الافتراق- عمن شأنه ذلك في محل المنع، بل المراد من قوله «ما لم يفترقا» نفي مطلق الافتراق، سواء كان ممن شأنه الافتراق كصورة المتعدد أو لم يكن شأنه ذلك كالواحد.
بعبارة أخرى: أن نفي الافتراق أعم مما كان الافتراق مقدورا أو غير مقدور كنفي المجيء عن زيد في قولنا: «ما جاء زيد» مطلق فيعمّ صورة إمكان المجيء منه و كونه مقدورا له أو يكون مستحيلا عليه للعجز، فطريق الإيراد على هذا التقرير هو أن يقال بمنع إرادة الأعم من الافتراق لمنافاته معه بل الظاهر إرادة الملكية منه- أي عدم الافتراق عمن من شأنه ذلك- إذ الظاهر من مادة الافتراق مسبوقيتها للاجتماع.
(الثاني) ما في «الجواهر» أيضا و هو بعد تسليم ظهور الافتراق في التعدد الا أنه «قده» قال: أمكن حينئذ القول بأنه لا يقتضي تخصيص مورد الخيار به، بل أقصاه السقوط بذلك فيما يحصل به من أفراده، فلا ينافي ما دل بإطلاقه على ثبوت الخيار للبائع. إلخ.
حاصله: ان القيد حينئذ انما هو لبعض أفراد الموضوع، فلا ينافي ثبوت الحكم لتمام أفراد موضوعه- أعني قوله «البيعان»- حيث أن الخيار ثابت لجميع مصاديقه واحدا كان أو متعددا لا أنه قيد للحكم، و يضيّق دائرته و يقصّره فيما ثبت ذلك القيد و ذلك نظير قولنا «أكرم القوم ما ركبوا» مع أن القوم بعضهم فارسين و بعضهم راجلين ليس لهم فرس و لا مركوب.
فان قلنا: ان «ما ركبوا» قيد للموضوع لا يقتضي قصر الحكم لمورده بل وجوب الإكرام انما يتعلق بجميع أفراد القوم سواء كانوا ذوي مركوب أم لا. و ان قلنا: أنه قيد للحكم، يصير حاصله: قصر الحكم على القيد و نفيه عما عداه سواء كانوا راجلين أو راكبين و لكن ما ركبوا. و الأصل في ذلك ما يعنون في الأصول:
أن الضمير المتعقّب بالعام الراجع الى بعض أفراده ك «بعولتهن» في الآية الشريفة الراجعة الى بعض أفراد المطلقات يتربصن أعني من كانت رجعية منهن حيث أنها عام شامل للرجعيات و غيرهن هل يخصص ذلك العام أم لا؟
و الجواب المذكور انما يتم على مذهب من رأى في تلك المسألة بعدم التخصيص و كذلك مبني على تعميم النزاع في تلك الى قيد و صفة، فإن العنوان و ان كان خاصا الا أنه يجري في كل عام متعقب بالصفة و القيد فان حاله حال المتعقب بالضمير كما صرح به العلامة في «التهذيب» على ما حكي عنه.
فان قلت: ان المقرّر في تلك المسألة خروج الكلام الواحد عن مطرح نزاعهم كقوله تعالى «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ» اما لعدم شمول كلامهم كما ذكره صاحب «الفصول» ان النزاع انما هو فيما إذا استغنى العام عن الضمير أو لعدم الثمرة كما رجحناه في الأصول، فإن الضمير في يتربصن- سواء قلنا بتخصيصه و عدمه- مقصور على مورد الحكم- أعني وجوب التربص- بل انما النزاع في متعدد الكلام. و لا ريب أن قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» كلام واحد لان
قوله «ما لم يفترقا» ليس كلاما مستقلا كقوله تعالى «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» بل انها من التوابع و القيود.
قلت: و ان خصصنا النزاع على كلامين مستقلين الا أن مناطه يجري في أمثال المقام فيما تعدد الحكم، فان قوله «ما لم يفترقا» و ان كان غاية لما سبق و ان الغاية انما تتم بذيها الا انه مشتمل على الحكمين، ف «البيعان بالخيار» مسوّق لبيان ثبوت الخيار لهما و «ما لم يفترقا» مسوق لبيان دوام الخيار بعدم الافتراق و سقوطه بالافتراق، فالعبرة انما هو على تعدد الحكم و وحدته، فمن جهة اشتمال الكلامين على تعدد الحكم و الكلام الواحد على الحكم غالبا عبّروا عن تعدد الحكم بالكلامين و أخرجوا الكلام الواحد لاشتماله على الحكم عن محل نزاعهم.
و كيف كان، الجواب المذكور حسن على القول بعدم تخصيص العام المتعقب بالقيد فديتم عند من ذهب بالتخصيص.
(الثالث) ما في «الجواهر» أيضا و ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده»:
بأن القيد مبني على الغالب و لا يصير مخصصا للبيّعان على بعض أفراده على صورة التعدد حتى يكون العاقد الواحد خارجا عن إطلاقه، فإن القيود إذا وردت مورد الغالب ليس لها مفهوم كما هو مسلم عندهم و ذكروه إرسال المسلّمات ممثلا لها قوله تعالى «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ» فإنه لا ينفي الحكم عن الربائب التي ليست في الحجور.
و ينبغي لهم أن يضموا الى قولهم:- بعدم المفهوم في القيد الوارد مورد الغالب- عدم المنطوق له أيضا، لأن المقصود هو ترتب الحكم على طبيعة المقيد من دون اعتبار انضمام القيد فان الحكم انما يترتب على الربائب سواء كانت في الحجور أم لا. فمقتضى عدم المفهوم للقيد كونه عما عدا المنطوق ساكتا مع أن المقصود ترتبه عما عداه أيضا.
فالحاصل: أن القيد الوارد مورد الغالب وجوده كعدمه ليس مؤثرا في الحكم لا وجودا و لا عدما، بمعنى «لا» في جانب المنطوق و «لا» في جانب المفهوم بل انما ذكر القيد لأنه غالب الوجود.
أقول: في ذلك ما لا يخفى، فان القيد إذا كان ليس في ذكره أثر و لا ثمرة في بيان الحكم يكون ذكره في كلام المتكلم لغوا زائدا. نعم، لو كان فيه اهتمام أو تبرّك أو تلذذ و غير ذلك من المزايا المذكورة التي توجب انتفاء المفهوم لكان في ذكره وجه، و أما إذا لم تكن في ذكر القيد جهة من تلك الوجوه و لا الدلالة على المفهوم الا مجرد كونه واردا مورد الغالب يكون ذكره حينئذ مستدركا كوضع الحجر بجنب الإنسان لتمامية غرض المتكلم بدون ذكره، بل يكون مقصود المتكلم من اقتصار الحكم على طبيعة المقيد حاصلا فليس في ذكر القيد اهتمام و لا تبرك حتى يوجب لذكره، و كونه وارد مورد الغالب لا يكون باعثا لذكره و بيانه كما هو واضح لمن تأمل و ان صدر منهم جلّا أو كلا: ان القيد الوارد مورد الغالب موجب لإلغاء المفهوم، الا أن كونه موجبا لذكره لا يكاد أن يذكر له وجه صحيح.
قال في «الجواهر»: لا مناص بعد القول بثبوته عن القول بعدم سقوطه في المتأخر عن مجلس العقد، بل ذلك هو المشهور.
و قال المصنف: و لو كان العاقد واحدا عن اثنين كالأب و الجد، كان الخيار ثابتا ما لم يشترط سقوطه أو يلتزم به عنهما بعد العقد، بل في «الجواهر»: لم يظهر فيه خلاف منهم، نعم عن «المبسوط» كالمتن حكايته، فالقول بسقوطه بمفارقة المجلس الذي عقد فيه، ذكره المصنف حكاية و الشهيد احتمالا على بعد، نعم عن الصيمري اعتمادا.
و كيف كان يدل على الثبوت: منطوق قوله «ما لم يفترقا» بناءا على عدم صدق
الافتراق في الواحد و ارادة الملكة منه و مفهوم قوله «فان افترقا» أوجب البيع و استدل في «الجواهر» بالاستصحاب و عدم ما يدل على تنزيله منزلة افتراقهما.
و لكن يستدل على السقوط بوجوه لفّقها في «الجواهر» كلها ضعيفة:
منها: لزوم الضرر في بقاء الخيار.
فيه: ان الضرر انما يلزم على قول الشيخ من عدم حصول الملك في زمن الخيار أو على القول بالحصول مع الحجر عن التصرفات، و كلاهما خلاف المشهور مضافا الى اندفاع الضرر باشتراط الفسخ و السقوط، و الّا أقدم بنفسه مع العلم به.
و منها: أن الاصيلين إذا فارقا مجلس العقد سقط الخيار و كذا وكيلهما، لئلا يلزم مخالفة الفرع للأصل.
فيه: أن المسقط ليس هو المفارقة عن مجلس العقد، بل لا بد معه من افتراق البدنين و هو منتف في الفرع.
و منها: إطلاق كلماتهم على جواز بيع الوكيل ماله من موكله و جواز بيع مال موكله من نفسه كإطلاق الأدلة على نفوذ فعل الوكيل، فلو دام الخيار وجب التفصيل و التقييد بما كان فيه الغبطة، حيث ان تصرفات الوكيل موقوفة على الغبطة فلا غبطة كثيرا مع دوام الخيار.
فيه: أن الإطلاق ليس مسوقا لبيان هذا بل تركوه لوضوح اشتراط تصرفات الوكيل على الغبطة فإن وجد مع الدوام فيها و الا بطل.
يستثني من ثبوت خيار المجلس موارد و قد ذكروا بعضها و تركوا منها
لوضوحه
فلا خيار فيه لاستلزامه نقض الغرض، فان البيع واجب لحفظ النفس المحترمة، فلو فسخ و استرد الطعام لما يحصل المقصود من البيع.
فيه: أن الواجب انما هو سدّ جوعه و البيع يصير مسقطا عنه، فللبائع أن يفسخ و يسد جوعه بعنوان العطية أو غيرها أو يقال: له أن يفسخ هذه المعاملة لقلة ثمنه مثلا ثم يبيعه بأكثر من الثمن الأول.
حيث يجب عليه بعد ثلاثة أيام- في الفلاء- و الأربعين- في الرخاء-، بل لو امتنع يجبر عليه الحاكم، فلو باع ثم فسخ لكان نقضا للغرض.
فيه: أن الواجب عليه إرسال الطعام حيث يحرم عليه حبسه، فالبايع إذا أوجد البيع من شخص بثمن مخصوص فسخه ثم يبيعه بثمن آخر أو يبيع لشخص آخر.
و منها: بيع عبد كافر لكافر إذا أسلم، فالواجب بعد إسلام العبد بيعه لمسلم لعدم جواز كونه في ملك الكافر لان كونه في ملكه سبيل له عليه و «لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».
و قد يورد على هذا: بأن السبيل هو إدامته في ملكه، فللكافر أن يفسخ ثم يبيع لمسلم آخر، فان الممتنع هو الاستدامة و ثبوت الخيار له و جواز فسخه في المعاملة الشخصية مع تعقبه للبيع الأخر لا ينافي الاستدامة التي هي منفية عن الكافر، فالأولى أن يقال: أنه تتعارض أدلة نفي السبيل مع أدلة الخيار، فيكون المرجع أصالة اللزوم.
أقول: هذا ما ذكره شيخنا الأستاذ «دام ظله» في مجلس البحث، و لكنه كما ترى. أما الفقرة الاولى:- أعني جواز فسخ الكافر مع تعقبه للبيع لمسلم آخر- فهو أيضا منفي بنفي السبيل، بل هذا أولى من أول الأمر من الإجبار على البيع
و إخراجه عن ملكه، فاذا كان البقاء في ملكه سبيلا له عليه فيجبر على البيع، لكان القول بالسبيل في إدخاله في ملكه أولى لأنه سلطنة جديدة فلا يجوز حينئذ له الفسخ لاستلزامه دخول المسلم في ملك الكافر، فالقول بثبوت الخيار له سلطنة و سبيل له على المسلم، فهو منفي.
و أما الفقرة الثانية: فلعدم مقاومة أدلة الخيار مع أدلة نفي السبيل، إذ أدلة نفي السبيل مسوقة للامتنان و آبية عن التخصيص فتكون مقدمة على سائر الأدلة التي ليست بتلك المثابة و السوق.
فيه وجوه بل أقوال:
الأول: ما ذهب المشهور اليه من عدم الخيار مطلقا و المحكي عن ظاهر «المسالك» انه محل وفاق و عن «التذكرة» ما يقرب لذلك.
الثاني: ثبوته مطلقا. و لم نعثر له قولا الا أن في «الحدائق» التوقف في سقوط الخيار.
الثالث: التفصيل بين البائع و المشتري، فلا خيار للثاني دون الأول. نسب ذلك الى «الدروس».
الرابع: التفصيل بين العين و القيمة، فلا خيار في العين مطلقا دون القيمة، فالأولى أن نتكلم تارة في العين و أخرى في القيمة، أما في العين: فالدليل على اللزوم وفاقا للمشهور أن المقتضي له موجود من الأصل و العمومات و المانع عنه ليس إلا أدلة الخيار، فهي لا تصلح للمانعية. و لا يثبت الخيار في المقام لوجوه:
«أحدها»: تعارضها مع ما دل على العتق، فهو اما مقدم عليها أو يتكافأ فيرجع الى أصالة اللزوم المؤسسة في المسألة.
و توضيح ذلك: أنه لا شك في دلالة الأدلة الدالة على العتق بمجرد الملك- كما في الصحيح- فيمن ينعتق من الرجال و النساء أنهم إذا ملكوا أعتقوا و أنهن
إذا ملكن أعتقن، و غير ذلك مما لا مجال للارتياب، فتصور حينئذ في العتق حالات ثلاثة:
أحدها: اللزوم بمعنى أن العتق لا يصح متزلزلا و ان الحر لا يعود رقا.
ثانيها: الجواز بمعنى التزلزل في العتق لعدم استقراره، فيجتمع مع عوده رقا.
ثالثها: الشك بأن العتق في زمان الخيار هل هو على سبيل اللزوم أو على سبيل التزلزل، فالمعارضة بين أدلة الخيار و أدلة الانعتاق من باب العموم من وجه لو لم يكن الدليل على حصول العتق بمجرد البيع و الا تصير معه أخص مطلق، فتقدم على أدلة الخيار قطعا.
فمفاد أدلة الخيار حصوله في البيع، سواء كان بيع من ينعتق أم لا، و مفاد أدلة العتق انعتاقه بالملك سواء كان بالبيع أو غيره و القاعدة في التعارض- لو لا الترجيح- التساقط و الرجوع الى الأصل في المسألة.
فنقول: ان قلنا بأن العتق لا يقع متزلزلا و أن أدلة العتق كلها مفادها هو العتق المستقر بحيث لا يعود رقا، اما بنفسها أو علم ذلك من دليل خارجي كما هو الأقوى، فتتعارض أدلة الخيار مع أدلة العتق.
فقد يقال: الترجيح مع أدلة العتق لبنائه على التغليب و كونها أنص من أدلة الخيار بالنسبة في ذلك المورد و لاعتضادها بالشهرة و لكن مع الغض عن تلك المرجحات و ان كان بعضها ليس بصحيح عندنا و هو جابرية الشهرة الفتوائية و اعتضاد الدليل بها كما هو الحال في المقام، و انما نقول بالاعتضاد في الشهرة إذا كانت في الرواية، نقول في المقام لا أقل من التكافؤ و التعارض فتتساقطان فيرجع الى الأصل في المسألة، و هو- كما أسلفنا- أصالة اللزوم.
نعم، على الاحتمال الثاني- أعني ما إذا علم أن العتق انما هو متزلزل قطعا
في المقام بحسب دلالة أدلته- فلا تعارض حينئذ بينهما، إذ أدلة العتق على هذا الاحتمال لا تدل الا على انعتاقه متزلزلا بحيث يقبل للعود إلى الرقية، فهي لا تنافي أدلة الخيار و ثبوت السلطنة في الاسترجاع، و لكن الكلام في المبنى، لعدم العلم بأن العتق انما يقع متزلزلا.
و اما على الاحتمال الثالث فيتعارضان مع ضميمة الأصل الموضوعي، أعني استصحاب الحرية و عدم عوده رقا، فمفاد أدلة الخيار جواز استرجاعه، و مفاد أدلة العتق انما هو حصول العتق و الحرية، و لكنا نشك في أنه على سبيل اللزوم حتى يحصل التعارض، أو على سبيل التزلزل حتى لا ينافي أدلة الخيار.
فمقتضى استصحاب الحرية ترتيب آثاره و البناء على اللزوم و تنزيل تلك الأدلة- مع الشك- منزلة العلم باللزوم كالصورة الأولى، فمع ملاحظة ذلك الأصل يحصل التعارض و يرجع الى أصالة اللزوم.
هذا ما أفاده شيخنا الأستاد «دام ظله»، و قد أورد على ذلك: أن الأصل محكوم في مقابل أدلة الخيار، لأنها تدل على ثبوت الخيار و السلطنة على فسخ العقد و استرجاع العين و دخولها في ملك البائع، و لازم ذلك عدم دوام الحرية و ارتفاع الشك في بقائه.
أقول: مع الشك في تزلزل العتق أيضا تسقط أدلة الخيار عن الاستدلال بها على ثبوته، فإن أدلة الخيار انما تدل على الفسخ و استرجاع العين حيث أمكن، بمعنى أنها مشروطة بقابلية المحل، بأن يكون المبيع قابلًا للتملك، و أدلة العتق و ان كانت لا تدل الأعلى حصول العتق بمجرد البيع و التملك، إلا أنا شككنا في أنه هل هو على وجه اللزوم بحيث لم يكن قابلًا للتملك بعد بالاسترجاع و لا تزول الحرية و لا يعود الى الرق، أو على وجه التزلزل بحيث يكون قابلًا للتملك و الاسترجاع.
فعلى الأول لا سبيل الى الخيار و استرجاع العين بفسخ العقد. و على الثاني يجتمع مع الخيار، فمع الشك فيهما و احتمال كليهما لا يتعين الحكم بالخيار بالأدلة الدالة على ثبوت الخيار، لان الشك في تلك المبايعة الشخصية انما هو في قابليتها للخيار فلا بد من الرجوع الى الأصل أيضا.
فالحاصل مع العلم بلزوم العتق و أن الحر لا يعود رقا يحصل التعارض بين أدلة الطرفين، فلسان أدلة الخيار تخصيص المورد، أعني شراء من ينعتق عما إذا ملكوا انعتقوا فلا يقع العتق حتى يلزم، و لسان أدلة العتق تخصيص المورد عن أدلة الخيار، فبعد التكافؤ يرجع الى أصل اللزوم و مع العلم بتزلزله لا تعارض بينهما فيصير المرجع و المحكم أدلة الخيار و أما مع الشك فلا مسرح أيضا لأدلة الخيار اما للتعارض أو لعدم إحراز القابلية فلا بد أيضا من الرجوع الى الأصل في المسألة.
«و ثانيها» سقوط الخيار بقاعدة الإقدام، فإن بيعه ممن ينعتق عليه، أقدام على إتلافه و إخراجه عن المالية. و كذلك من جانب المشتري أيضا، فإن شرائه مع العلم بانعتاقه عليه أقدام على إتلافه و إخراجه عن المالية.
فيه: أن الاقدام على إتلافه لا يدل على الالتزام بالعقد حتى يسقط الخيار، حيث أن الاقدام بنفسه ليس من المسقطات، و دلالته على أحد المسقطات في ذلك الخيار محل منع و خدشة، فإنه لو دل انما يدل على الرضا بالمعاملة و الالتزام بها كما ذكره المورد، و لكنه كما ترى، لأن الإقدام على الانعتاق ليس التزاما بالعقد من حيث المعاملة و لا رضاء و توطينا على العين من حيث المعاملة، فإن المقصود من الخيار أن ينظر و يتروى لدفع الغين عن نفسه.
أقول: و يزيد على ذلك أن كون الإقدام إنما ينفع جريان أدلة الخيار إذا قلنا يكون العتق لا يقع الا على وجه الاستقرار و اللزوم بحيث لا يمكن عوده رقا، و هو أول الدعوى، و لو ثبت لا حاجة الى التمسك بالاقدام لكفايته حينئذ في سقوط
الخيار بعد البناء على حصول الانعتاق.
و أما إذا قلنا بالتزلزل أو احتملناه، فلم يكن البيع حينئذ إقداما على التلف، و الحاصل، أنه حسن على هذا المبنى، فمع الشك في اللزوم لا يجري إلا مع الأصل الموضوعي، أعني استصحاب الحرية (فتأمل) مضافا الى أنه انما يتحقق مع علمها.
«و ثالثها»: أنه كما سيجيء أن من المسقطات التصرف، فشراء من ينعتق عليه اما تصرف فيه أو إتلاف له، فعدم ثبوت الخيار بالإتلاف أولى بالنسبة إلى التصرف.
فيه: ان المسقط انما هو التصرف في المبيع أو إتلافه، ففي الفرض المذكور لم يتحقق عنوان المبيع و لا التصرف فيه أو الإتلاف له، بل انما يحصل العتق بمجرد البيع.
و لكن يندفع ذلك بكفاية حصوله آنا ما، بل تقدمه طبعا و ان لم نقل زمانا يكفي في صدق عنوان تصرف المبيع و إتلافه مضافا الى جريان المناط في كون التصرف و الإتلاف مسقطا، فان الملاك فيه انما هو الالتزام بالعقد، فمتى حصل التصرف في المبيع يكشف عن الالتزام بالعقد فيسقط الخيار، و كذلك هنا، بأن نقول: شراء من ينعتق عليه يكشف عن الالتزام بالعقد و ان لم نقل بتحقق عنوان تصرف المبيع فيسقط حينئذ الخيار.
و منه يظهر وجه التفصيل بين البائع و المشتري، بل ذلك- أعني الوجه الأخير- هو المعتمد في محتمل «الدروس»، حيث أن التصرف و الإتلاف انما هو في جانب المشتري، فالخروج عن المالية انما هو مستند اليه فيسقط الخيار، و أما بالنسبة إلى البائع فلا، فيبقى له الخيار، فان يمكن استرجاع العين فبها و الا فيتعلق حقه بالقيمة.
هذا كله بالنسبة إلى العين، فقد عرفت سقوط الخيار لتعارض أدلة الطرفين و الرجوع الى أصل اللزوم، مضافا الى أن أخبار العتق هي المعمول بها عند الأصحاب و كفاية الوجهين الأخيرين في سقوط الخيار فتسقط أدلة الخيار عن الاعتبار.
و أما بالنسبة إلى أخذ القيمة فلا منافاة و لا مانع بالنسبة إليه، بل قد يقال أنه هو مقتضى الجمع بين أدلة الخيار و أدلة العتق فحينئذ يفرض المنعتق كالتالف لما دل الدليل من الإجماع و غيره على أن الحر لا يعود رقا، فيستحق البائع قيمته و لكن قد يقال: أن القيمة بدل العين فيمتنع استحقاق البدل بدون استحقاق المبدل.
فهل يجري فيه خيار المجلس كسائر أحكامه؟ فيه اشكال من جهة الرد في صحة البيع و عدمه، بمعنى أنه هل شراء المسلم له منه على وجه الاستنقاذ حتى لا يجري فيه الخيار، أو على وجه البيع فيثبت فيه الخيار؟
قال العلامة «قده» في كتاب بيع الحيوان و الأناسي: و كل حربي قهر حربيا فباعه صح- و ان كان أخاه أو زوجته أو من ينعتق عليه كابنته و بنيه و أبويه- على اشكال ينشأ من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض و دوام القرابة الرافعة للملك بالقهر.
و التحقيق: صرف الشراء الى الاستنقاذ و ثبوت الملك للمشتري بالتسليط، ففي لحوق أحكام البيع حينئذ نظر، إلخ.
و الاشكال في صحة البيع تزاحم سبب الملك مع سبب العتق، فالقرابة تقتضي كونه منعتقا على الحربي، و قهره عليه يقتضي كونه مملوكا له فمقتضاهما دائم كما إذا أوقع العقد الوكيلان في آن واحد في مال مخصوص للموكل،
فمقتضى تعارض السببين سقوطهما مع التكافؤ و لا كلام فيه، و انما الكلام هنا في أنه هل السببين متكافئان أم لا؟ بل لأحدهما ترجيح على الأخر؟ فإن قلنا الترجيح في جانب الملك فنتيجته الصحة، و ان قلنا أن الترجيح في جانب العتق فنتيجته أن يكون الشراء للاستنقاذ، فلا تجري عليه حينئذ أحكام البيع قطعا.
و الكلام يقع هنا تارة في ترجيح سبب الملك على سبب العتق، و أخرى في أصل سببية الملك بمعنى ان قهر الحربي حربيا- و ان كان ممن ينعتق عليه- هل هو من أسباب الملك أم لا؟
أما الكلام في ثبوت سبب القهر من الكافر الحربي على مثله للملك، فقد يستدل عليه بالإجماع على كون الاستيلاء من بعضهم على بعض مملّك كاستيلاء المسلم، و بالنصوص الواردة في القهر عليهم.
منها: إطلاق ما قال رفاعة- في الصحيح- لأبي الحسن عليه السّلام: أن القوم يغزون على الصفالية و الروم، فيسترقّون أولادهم من الجواري و الغلمان فيعمدون الى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم الى بغداد الى التجار، فما ترى في شرائهم و نحن نعلم أنهم قد سرقوا و انما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال عليه السلام: لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوا من الشرك الى دار الإسلام. فترك الاستفصال يعم الحربي و غيره، و كون المقهور ممن ينعتق على الحربي أم لا، مضافا الى عموم السؤال و شمول القوم على الحربي و غيره.
و منها: صراحة رواية اللحام، حيث سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يشتري من أهل الشرك ابنته يتخذها؟ قال: لا بأس.
و منها: إطلاق خبر إبراهيم بن عبد الحميد عنه عليه السّلام أيضا في شراء الروميات فقال: اشترهن و بعهن.
و خبر عبد اللّه اللحام، سأل أيضا عليه السّلام عن رجل اشترى امرأة رجل من أهل
الشرك يتفخذها؟ فقال: لا بأس.
قد يشكل ذلك وفاقا لما في «الجواهر» لو انحصر الدليل على ذلك، أما الإجماع فالمعلوم منه منقول لا يصلح للاعتماد في أمثال المقام التي يجب الرجوع فيها إلى أصالة الحرية و عدم ملك الناس بعضهم بعضا. و المحصّل منه غير معلوم و أما النصوص: فمحتملة لإرادة التسلط العرفي من الشراء فيها، كما قال في «الجواهر» مضافا الى إرادة المخالفين من ملوك أهل الجور من القوم في الرواية الأولى، كما هو ظاهر عند التأمل في متن الرواية من الشواهد على ذلك من البعث الى بغداد و قوله: و نحن نعلم أنهم قد سرقوا، و انما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم.
نعم في رواية اللحام صراحة في أن قهر الحربي ابنته سبب لملكه، الّا أن القرينة الفعلية على خلافه و هي كما ستظهر لك، لتزاحم السببين- أعني سبب الملك و سبب العتق- فيجب حمل الشراء على التسلط العرفي، خلافا لما حكي عن صاحب «الحدائق» حيث جعل الرواية المزبورة مخصصة للأدلة الدالة على انعتاق من ينعتق عليه و عدم كون القرابة المخصوصة سببا للعتق فيما كانا حربيين.
و كيف كان فلو تم الإجماع على سببية القهر للملك، سواء كان للمسلم و الكافر و سواء كان على القريب- كالأبوين و الابن و البنت- أو على غيره، كما هو المحكي عن صاحب «كشف الغطاء» بأن الإجماع بقسميه ثابت، فهو، و تنزل عليه الروايات أيضا و تنطبق عليه رواية اللحام، و هو غير بعيد كما هو المشهور، الا أنه قال في «الجواهر» و مع ذلك لا يخلو عن اشكال كما في «الجواهر».
أما الكلام في الصريح- أعني ترجيح أحد السببين على الأخر- حيث سلمنا قهر الحربي قريبه من أسباب الملك فيتعارض حينئذ مع سببية القرابة المخصوصة
للعتق، ففي من ينعتق عليه القرابة رافعة للملك، و القهر سبب له و دوام القهر يقتضي الملكية و مانع عن العتق و مبطل له لو فرض، فلا إشكال في أنه لولا الترجيح في تزاحم السببين كتزاحم الحقين، مقتضى القاعدة السقوط الا أنه يمكن ترجيح أحد الطرفين، فقد يقال: الترجيح في جانب العتق لوجهين:
الأول: أن سببّية الملك مهملة، فيعمل مقتضى العتق عمله، كما يستفاد من «جامع المقاصد» بأن يقال: القهر يقتضي ملك غير المملوك فلا يعقل كونه مقتضيا لملك المملوك فسببية القهر انما هو في غير المملوك، و أما في المملوك مهملة لا تأثير لها فعلا. و أما مقتضى العتق فيعمل عمله لقبول محله فعلا.
و الحاصل: أن في القهر أثرا في الان الأول و لا أثر له في الان الثاني لعدم تأثيره في المملوك فهو حينئذ مهمل، بخلاف مقتضى العتق فإنه يعمل عليه فيصير حرا.
فيه: يستفاد مما في «جامع المقاصد» أيضا أن سبب الملك يؤثر أثره أيضا فيعود الى الملك، غاية الأمر أنه ملك ظاهري بسبب مستقل، و القرابة التي هي سبب العتق ليست مانعة عنه، بل انما تمنع عن دوام الملك لا ابتداء، فلو كانت مانعة عن ابتداء الملك أيضا لامتنع دخول القريب في الملك المقتضي لانعتاقه.
الثاني: ما ذكره في «الجواهر» بمنع استواء السببين باعتبار تقدم القرابة على القهر الذي هو سبب الملك، لأن القرابة الحاصلة بانعقاد النطفة لا ريب في كونها قبل القهر.
فيه: ما لا يخفى إذ تقدم القرابة بانعقاد النطفة لا يوجب مزاحمة سبب الملك فضلا عن تقدمه عليه و كونه أقوى منه بداهة أنه مع تحقق القرابة و تقدمه و يؤثر سبب الملك أثره لما ذكرنا من أن القرابة لا تمنع عن الملكية. نعم، انما تمنع عن دوامه لو لم يبتل بالمزاحم و المعارض و قد يستدل على ترجيح سبب
الملك بوجوه:
أولها: ما في «الجواهر» من بقاء الملك، لأنه ان قلنا بتوقف العتق على تقدم الملك، زمانا، فليس لان لكل زمان يقارنه سبب الملك فلم يزل مملوكا عتيقا، و ان قلنا بتوقفه عليه، و التقدم الذاتي فممنوع لأنه كفرسي رهان.
و ثانيها: ما فيه أيضا من التمسك بقوله «ألزموهم بما التزموا به» فعدم جواز التملك عندنا غير قادح في جواز الأخذ إلزاما بمذهبهم، حيث أن مذهبهم: ان قهرهم لقريبهم يوجب الملكية و الشراء و لا ينعتق عليهم على مذهبهم، فمقتضى «الالتزام بما التزموا» تقديم جانب الملك و جواز الشراء منهم.
و ثالثها: أن القهر لما كان دائميا و ليس مشروطا في تأثيره بشيء، امتنع حصول العتق، فدوام القهر يمنع من الخروج عن الملكية. بعبارة أخرى: أن سبب العتق مشروط بالملكية لأنه لا يؤثر إلا مع حصول الملك و سبب الملك مطلق و المشروط لا يعارض مع المطلق لاقوائيته.
و التحقيق في الجواب عن الترجيحين أن يقال: أما عن الترجيح الأول الذي ذكر في طرف العتق بوجوه:
«أولها» بأنها مصادرة محضة، لأن تأثير سبب الملك في الان الأول الملكية حتى يكون المحل قابلًا لإعمال مقتضى العتق عمله، أول الكلام، لأننا نمنع تأثير قهر الحربي قريبه الملكية من أول الأمر لابتلائه بالمعارض.
فان قلت: ان سبب العتق لا معارض له و لا نمنع عن تأثيره من أول الأمر بل انما نمنع عن دوامه، بل هو من شرائط العتق، فتأثير سبب العتق موقوف على حصول الملكية، و أما تأثير سبب الملك لا توقف له و ليس بمشروط على شيء فيؤثر أثره في الان الأول من دون التزاحم و التمانع.
قلت: سيظهر لك عند ذكر الجواب عن ترجيح الملك أنه لا يؤثر سبب
الملك حتى في الان الأول، فانتظر.
«و ثانيها» أنه معكوس عليه بأن يقال بعد اعمال المقتضي للعتق أثره، فلا أثر له بعده لأنه لا عتق عقيب العتق، فيصير في الان الثاني مهملا، فيعمل حينئذ سبب الملك عمله أيضا، إذ المفروض دوامه و بقائه، بعبارة أن قريب الحربي إذا كان مثله، يقبل في الان الأول للتملك فقهره، فعمل سبب العتق عمله بعد القهر لقبول محله، فصار كالأول من الحربي المباح الذي يجوز تملكه، فيقبل حينئذ لتأثر سبب الملك و لا يصل في ذلك لتأثير سبب القرابة، فيصير سبب العتق مهملة على عكس ما ذكره.
«و ثالثها» أن سبب الملك لا تأثير له في الان الثاني في أحداث الملكية، لأن بعد حصول الملك لا يؤثر سببه في المملوك، إلا أنا نقول: له تأثير في إبقائه فدوام السبب يوجب دوام المسبب فيكفي في تزاحمه مع سبب العتق في الان الثاني، إذ المفروض أن القهر في كل آن ثابت، فكما يكون علة لا حداثة كذلك يكون علة لإبقائه، فهو في الان الأول علة محدثة و في الان الثاني علة مبقية فلا يصير في الان مهملة و لا يتوجه على هذا قوله: أنه لا يتعقل كون القهر في الان الثاني مقتضيا لملك المملوك فيكون مهملة و يعمل مقتضى العتق عمله لمنع إهماله في الان الثاني بل انما هو يؤثر في بقاء الملك، فيتعارض حينئذ مع سبب العتق في التأثير في الان الواحد، فلا يترجح جانب العتق، كما هو الحال في تعارض السببين.
«و رابعها» أنا نقول: كل من السببين يؤثر أثر الجديد، فسبب الملك يحدث في الان الأول الملكية فبقبل المحل لتأثير سبب العتق فحدث العتق، ثم أيضا يعود الى الملك و يحدث الملكية الجديدة لغرض دوام سببه، ثم بعد حدوث الملك يحدث القرابة العتق فيتلاحق كل منهما على الأخر فيتسلسل، فيكون كل منهما متزلزلا بمعنى أنه يتقدم بعد وجوده و يحدث بعد انعدامه.
فان قلت: لازم ذلك عدم ثبوت الملكية المستقرة للحربي في قريبه، فيبطل بيع الحربي قريبه لعدم الملكية الثابتة، بل لو سلم انما هو ملكية متزلزلة، فيكفي ذلك على المستدل.
قلت: أنا لسنا في مقام بطلان بيعه و صحته في هذا المقام بل انما الكلام هنا في ترجيح سبب العتق على سبب الملكية فهو لم يثبت بما ذكره، و هو المطلوب هنا، و أما صحة بيعه سنذكر لك ان فيه قولين، فانتظر، و الترجيح بينهما و كذلك الوجه الثاني الذي ذكر في «الجواهر» مدفوع بأن القرابة السابقة المتحققة قبل سبب الملكية لا تأثير له و لا سببية معه و مع حصوله يقع التعارض و التزاحم في التأثير.
و أما عن الترجيح الذي ذكره في «الجواهر» لبقاء الملك، حاصله: أن تأثير سبب العتق يتوقف على الملك لبداهة أن القرابة الخالية عن الملك لا يؤثر شيء من العتق، و من المعلوم أن الموقوف عليه لا بد من تقدمه اما زمانا أو ذاتا و طبعا، و كلاهما منتف، أما الأول: فلوضوح عدم تقدمه على سبب العتق، و أما الثاني: فلأنهما كفرسي رهان ليس أحدهما مقدما على الأخر بحسب الذات كتقدم العلة على المعلول، فإنهما و ان لم يتقدم وجود أحدهما على الأخر و لو آنا ما، الا أن العلة مع ذلك مقدمة على المعلول بحسب الذات.
و فيه ما لا يخفى لان ذلك ينتج خلاف المقصود، إذ الغرض إثبات الملكية و بقائه و ترجيحه على العتق و مقتضى ذلك عدم ثبوته لانتفاء الملكية قبل العتق، زمانا و ذاتا على ما سلكه، و مع ذلك من أين تحصل الملكية، إذ بعد فرض كونهما كفرسي رهان لا يتقدم تأثير أحدهما على الأخر، و حيث أنهما متنافيان في التأثير فكل منهما يمنع عن تأثير الأخر، بل هو تسليم بأنه من قبيل تزاحم الأسباب، و مع ذلك فكيف يمكن ترجيح بقاء الملك و تأثير سببه.
لا يقال: أن تأثير سبب العتق مشروط على حصول الملك، فما لم يحصل الشرط لم يحصل المشروط، فيكون تأثيره موقوفا بخلاف سبب الملك فإنه ليس مشروطا بشيء فيؤثر فيحصل الملك و يبقى ببقائه، فيكون الترجيح معه لتقدم الشرط على المشروط ذاتا.
لأنا نقول: في كل حين من أحيان الشرط يقارنه سبب العتق الذي هو المشروط فكل من الشرط و المشروط حيث كانا مفارقين و متنافيين في الأخر لا يتعقل تأثيرهما لوقوع التزاحم و التعارض، ضرورة أنه لا يحصل في زمان الملك العتق، فلا ينتقض ذلك بالبيع في من ينعتق عليه، حيث أن البيع الذي سبب الملك يحصل ثم تؤثر القرابة العتق لعدم تنافي سبب العتق مع الملك الابتدائي.
فالتحقيق: أن السببين يتعارضان و يتكافئان فلم يمكن الحكم بأحدهما دون الأخر، فيكون البيع الواقع ظاهرا استنقاذا في نفس الأمر لا بيعا حقيقة، لأن الشرط و هو تحقق ملك البائع غير معلوم، و كذلك العتق أيضا لا يحصل لعدم تأثير سببه، و لو فرض عتقه لما يخرج عن قبول التملك لأنه حينئذ حربي فتملّك بالقهر و الاستيلاء، و المفروض أنه حاصل، و هكذا. لكن فرض العتق غير واقع.
و لذلك قال العلامة «قده»: من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض يعنى أن العتق لا يقع لدوام سبب الملك المنافي لوجود العتق، فلا يكون الا بطريق الفرض، و كذلك الملك لعدم تعقل تأثير سببهما في آن واحد حيث أن السببين في كل حين يفرض يتقارنان فكما أن في حال الملك لا يحصل العتق كذلك عكسه، فبعد تحقق التعارض يصير الأصل الساقط كما هو الحال في كل تزاحم السببين، فينتفي شرط صحة البيع.
و من ذلك ذهب جماعة،- بل كاد أن يكون مشهورا- الى صرف الشراء الى الاستنقاذ كالفاضل في «القواعد» و الشهيد في «الدروس» في باب العتق، حيث قال
و لو اشترى من الكافر قريبه، جاز و ان كان ممن ينعتق عليه، و يكون استنقاذا لا شراء من جانب المشتري، فلا يثبت فيه خيار المجلس و الحيوان، و كذلك اختاره في «المسالك».
و لكن عبارة «الشرائع» في العتق توهم صحة البيع حيث قال: و إذا اشترى إنسان من حربي ولده أو زوجته أو أحد ذوي أرحامه كان جائزا و ملكه. و محكي عبارة «الدروس» يدل على ذلك في باب بيع الحيوان على ما نقل أنه قال: و لو اشترى حربيا من مثله جاز و لو كان ممن ينعتق عليه، و قيل: كان استنقاذا، حذرا من الدور. انتهى.
فلعل المراد من الدور توقف دوام الملكية على عدم حصول العتق، و هو أيضا يتوقف على الملكية و بقائه، لأنه لو لم نقل بدوام الملك ليحصل العتق، و كيف كان قد عرفت عدم ثبوت مرجح يصلح لترجيح أحد السببين.
هذا، و قد يقال بملاحظة الترجيح و التعارض بالنسبة إلى دليليهما فإن النسبة بين الأدلة الدالة على تملك الكافر بالقهر و الاستيلاء و بين الأدلة الدالة على انعتاق القريب بالتملك، عموم و خصوص من وجه، فلا بد من ملاحظة الترجيح.
فقد يقال: الترجيح في جانب أدلة الملك، فيملّك الكافر بالقهر، سواء كان ممن ينعتق عليه أم لا، لما أراد اللّه تعالى الذلة للكافر، فكفره صار سببا لمذلة الرقبة إذلالا له و ان كان ممن ينعتق عليه لو كان غير كافر.
و قد يقال: الترجيح في جانب العتق لان عتق من ينعتق عليه من باب الاشتقاق فعموم اشفاقه تعالى و رحمته الواسعة يقتضي عموم الانعتاق بالنسبة إلى المسلم و الكافر اشفافا له عليهم و رحمة منه بهم و ان كان مستحقا للخذلان و الذلة، فالأولى إجراء أحكام الاستنقاذ في الشراء من الكافر الحربي قريبه، فينبغي أن يكون المتجه على هذا التقرير عدم لحوق أحكام البيع من الخيار و الأرش و نحوهما.
فإنه يجبر حينئذ على الكافر بيعه، فهل له الخيار و يجري أحكامه عند بيعه أم لا؟.
فالتحقيق أن يقال: ان حكم الخيار قد يلاحظ تارة في العين و أخرى في القيمة، أما في العين فقد ذكرنا الكلام فيه، فبعد التعارض بين أدلة الخيار و أدلة نفي السبيل يرجع الى أصالة اللزوم، و الكلام هنا ممحض بالنسبة إلى القيمة، بمعنى ان للكافر بعد فسخه استرداد القيمة- حيث لم يكن له سبيل الى استرداد العين- أم لا؟.
و جهان مبنيان على أن دخول العبد المسلم في ملكه سلطنة له عليه أم لا؟ فعلى الثاني يأخذ القيمة، حيث أن العين لم تسلّم له لان دوامه في ملك الكافر سلطنة عليه، فلا بد له من أخذ القيمة، و الحاصل على هذا التقدير تفسخ المعاملة و ينتقل العبد الى ملكه، و حيث لا يجوز له إبقاؤه، يجبر على البيع أو استرداد العين على ما تقدم و أخذ القيمة. فتأمل.
و على الأول لا خيار له لاستلزامه دخول العبد المسلم في ملك الكافر- و لو آنا ما- بالجهة تعلق حقه على قيمته، الا أن يقال: أن تعلق حقه على القيمة لا يستلزم دخوله في ملكه، بل لو فسخ المعاملة يتعلق حقه ابتداء على قيمة العبد لا على عينه.
فان قلت: ان استحقاقه على القيمة من جهة كونه عوضا عن العبد، و من المعلوم استحقاق العوض فرع استحقاق المعوض، و حيث كان المفروض أنه لا يمكن استحقاقه بالعوض، أعني نفس العبد، فكيف يمكن استحقاقه بعوضه، كما تقدم نظير الكلام.
قلت: هذا مسلّم، الا أنا نقول: هذا نظير ما إذا كان العين تالفا أو مبيعا الى الثالث على قول، فتتعلق حينئذ المالية إلى البدل ابتداء، إذا المحقق في قاعدة «على اليد» و موارد الضمان و وجوب رد المال المضمون عليه، ان المضمون
انما هو مالية الشيء ابتداء، فإن أمكن عين الشيء فيحصل في ضمنه و الا ببدله على الترتيب.
و منها: شراء العبد نفسه، فعلى القول بصحة تلك المعاملة و الشراء ليس فيه خيار لاستلزامه الحر رقا. لو صح المقام يتوقف التكلم في المبنى أولا- أعني صحة الشراء و عدمه- و في البناء ثانيا- أعني ثبوت الخيار و عدمه- بناءا على ذلك المبنى.
فنقول في تحقيق المبنى: أن صحة شراء العبد لنفسه لا يخلو اما من جهة أنه من فروع المكاتبة بمعنى أنه لا شك في صحة المكاتبة و أنها يعود الى شراء العبد لنفسه، فصحة الشراء حينئذ ليس من باب عنوان البيع المستقل المشتمل على الإيجاب و القبول مثل: بعت و اشتريت، بل من باب إرجاع المكاتبة إليه، حيث أن في المكاتبة أقوالا ثلاثة: أحدها أنها عتق بوصف، و ثانيها أنها معاملة مستقلة، و ثالثها انها بيع.
فعلى القول الثالث يصير مرجع المكاتبة إلى البيع، فتجري منها أحكامه من الخيار و غيره، فأورد على هذا لعدم جريان الخيار لقصور شمول أدلته في مثل المقام، لان دليله، كقوله «البيّعان بالخيار» ينصرف الى البيع الأصلي المستقل المتعارف كما إذا اشتمل على الإيجاب و القبول المخصوصين.
فيدفع ذلك بدعوى شمول أدلة الخيار في البيع التنزيلي بمعونة الأدلة الدالة على أنها بيع حكما. و ان أبيت عن ذلك يقال: أن دليل الخيار و ان كان قاصراً عن شموله في مثل ذلك الا أن الخيار ثبت بالمناط القطعي، فحيث ثبت مناط الخيار الثابت في البيع يدور أحكامه به أو يقال: أن صحة شراء العبد لنفسه انما هو من جهة كون نفسه بيعا مستقلا، كما إذا باع مالك العبد نفسه بالثمن فقال العبد: قبلت، فقد يقال حينئذ لعدم الصحة وجوه:
الأول: استحالة أن ينتقل العبد الى ملك نفسه و كونه مالكا لنفسه لعدم تعقل
اتحاد المالك و المملوك.
الثاني: اعتبار المغايرة بين المعقود عليه و بين المتعاقدين، كما جعله العلامة من شروط المعقود عليه و فرّع عليه في «القواعد» تلك المسألة، حيث قال: فلو باعه نفسه فالأقرب البطلان و ان كان الثمن مؤجلا.
الثالث: لزوم الدور لأن الحرية شرط التملك الذي هو شرط الصحة، و انما يتحقق في الفرض بالبيع، فصحة البيع تتوقف على التملك و هو يتوقف على الحريّة و الحريّة تتوقف على صحة البيع، فهذا هو الدور لا محيص عنه في المقام، فلو أمكن المناقشة في الأولين لا سبيل لها في الثالث.
ثم ان كلام العلامة «قده» في «القواعد»- كما ذكرنا عين ألفاظه- يشتمل على الخصوصيتين:
أحدهما: أنه خص التفريع ببيعه نفسه، فيكون العبد مبيعا حينئذ و لم يفرّع جعل نفسه ثمنا، بأن اشترى العبد دارا مثلا بإزاء نفسه.
و ثانيهما: أنه «قده» عقّب كلامه بقوله: و ان كان مؤجلا فلا بد من خصوصية للتأجيل حتى تصلح أن تكون فارقة بينه و بين البيع الحالي.
أما الوجه في الأول: لاستلزام جعلا نفسه ثمنا تصرفا في مال المالك لأنه مملوك لغيره، فلا يمكن تصرفه بغير إذنه، إذ جعل نفسه ثمنا للمبيع كدار زيد أو فرسه مثلا تصرف في مال مولاه، بخلاف صورة كونه مثمنا، لأنه انما يكون من المالك و يكون باذنه، كأن يقول المالك للعبد: بعتك بكذا.
و أما الوجه في الثاني: فقد نسب المحقق الثاني إلى القيل، بأنه مع وجود الأجل يتحرر بالبيع فيكون وقت الحلول مالكا، بخلاف صورة البيع الحالي، فإن العبد في حال البيع لا يتحرر و لا يكون مالكا لشيء.
ثم أجاب عنه: بأن عدم ملك الثمن لا دخل له في صحة البيع و فساده، و الا
لامتنع بيع الفقير الذي لا شيء له أصلا، بل عدم صلاحية الملك هو المانع و هو موجود في الحالين. حاصله: أن كون المشتري لا يشترط أن يكون مالكا لشيء فعلا و الا يلزم أن لا يجوز المبايعة مع الفقير و يمتنع بيع شيء على الفقير، و هو واضح البطلان.
ثم تصدى «قده» بعد ذلك بذكر وجه آخر بقوله: و انما أراد- أي المصنف- بقوله: و ان كان مؤجلا، رفع توهم من تخيل جوازه مع التأجيل نظرا الى عدم لزوم أداء الثمن، لان المانع هو امتناع لزوم الأداء لا نفي عدم الأداء.
انتهى.
حاصله: أن القدرة على التسليم و الأداء شرط في صحة البيع، فهو حاصل في المؤجل دون البيع الحالي أو عدم القدرة على التسليم حاصل حينئذ، فيمنع عن صحة البيع، هذا كله في المبنى، و أما الكلام في البناء، فهل الخيار ثابت على القول بالصحة و ان كان خلاف الأقرب على ما في «القواعد» أم لا؟ قيل:
لا يثبت فيه بناءا على الصحة لوجوه:
الأول: انصراف الأدلة الى غير الشراء لنفسه فإنه خارج عن البيوع المتعارفة.
فيه: أنه لو أغمضنا عن منع الانصراف و سلمنا عدم الشمول نقول بثبوت الخيار من جهة مجيء مناط الخيار في المقام من غير فرق بينه و بين سائر البيوع التي ثبت فيها الخيار.
الثاني: استلزام الخيار لخرق القاعدة المقررة و هي: أن الحر لا يعود رقا.
فيه: أنه حسن بالنسبة إلى العين، و أما بالنسبة إلى القيمة، فلا فتنفسخ المعاملة و يرجع الى القيمة حيث تعذرت العين كما سلف في بعض الفروع السابقة.
الثالث: أن الخيار عبارة عن الملك لازالة العقد و سلطنة إرجاع المعقود عليه، فلو كان للعبد خيار لزم أن يكون مسلطا على نفسه و الإنسان لا يسلط على نفسه
بإرجاعه إلى الملكية.
فيه: منع واضح لأنه بعد فرض ثبوت الخيار يصير ذو الخيار العبد المشتري نفسه، فلسلطنة المشتري انما يكون على البائع بأخذ الثمن و ردّ المثمن، و أما في مفروض المسألة حيث قلنا بصحة الشراء لا يرد عين المبيع لأنه صار بمنزلة صيرورته حرا، فلا بد من دفع القيمة فتختص السلطنة حينئذ بالنسبة إلى البائع المالك في أخذ الثمن، و بالنسبة إلى المثمن دفع قيمته إلى البائع. و هذا كما ترى ليس سلطنة على نفسه.
حيثما حصل مجوز بيع الوقف، كما في صور الخراب، على ما ذكرنا تفصيله في محله لأنه لو ثبت فيه الخيار لزم صيرورة الوقف ملكا في البدل.
بيان ذلك: أن في بدل الوقف حيث يبادل به قولان: أحدهما: كونه وقفا بلا حاجة الى الصيغة. و ثانيهما: أنه وقف بعد إجراء الصيغة، فحينئذ لو باع الوقف ببدل و أجرينا صيغة الوقف صار البدل وقفا، فلو ثبت في البيع خيار لزم أن يرد البدل و يخرج عن الوقفية و يصير ملكا، و هذا غير جائز.
و الجواب عن ذلك يظهر عما ذكرنا بأنه انما يتم في العين، و أما بالنسبة إلى القيمة فلا، فيلزم حينئذ ثبوت الخيار في البيع، و حيث لا يمكن رد البدل لصيرورته بمنزلة التلف، ينتقل الخيار بالنسبة إلى القيمة، فيفسخ البيع و يؤخذ القيمة، و لا يلزم من ذلك صيرورة الوقف ملكا، حتى ينافي الأدلة الدالة على أن الوقف لا يملك.
لا إشكال في عدم ثبوت الخيار في غير البيع من العقود و المعاملات، بالنص و الإجماع، إذ موضوع ذلك الخيار انما هو البيع كما في قوله «البيعان بالخيار» و ليس لنا نص آخر يدل على التعميم، و أن المحكي عن «التذكرة» و تعليق «الإرشاد» و (الغنية) الإجماع عليه، حتى أن الشيخ صرح بذلك في عدة مواضع من كتابه «المبسوط».
و انما الكلام هنا في تصور المعنى المراد من الخيار الذي ذكره الشيخ في «المبسوط» في جملة من العقود الجائزة، حيث ذكر في أول كتاب البيع من «المبسوط» الخيارات الثلاثة: خيار المجلس و الشرط و الحيوان، ثم شرع بذكر العقود التي تدخلها تلك الخيارات و التي لا يدخلها، ثم قال بعد ذكر جملة منها:
و أما الوكالة و الوديعة و العارية و القراض و الجعالة، فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع. انتهى و مراده من الخيارين: المجلس و الشرط، فيقع الإشكال في أنه كيف ثبت الخيار في تلك العقود مع أنها محكومة في كل آن بجواز الفسخ؟ وجه الإشكال أمرين:
أحدهما: ما ذكره شيخنا الأستاذ «دام ظله العالي» من عدم تعقل نفس الخيار في أمثال تلك العقود للزوم تحصيل الحاصل، إذ الخيار عبارة عن السلطة على الفسخ، و المفروض أن السلطنة على الفسخ في تلك العقود حاصل في كل آن و زمان فلا يتعقل مجيء السلطنة على الفسخ فوق السلطنة على الفسخ و لا ينتقض ذلك بالأحكام التكليفية كبعض الموارد التي ثبت الوجوب من جهة على الشيء
الواجب من جهة أخرى، لأنا لا نقول هناك بتعددهما ذاتا، بل انما نقول بتأكد الوجوب، فإنه عبارة عن الطلب الحتمي و له مراتب يقبل الشدة و الضعف، ففي صورة تعدد الوجوب تصير مرتبة الطلب و الرضا أعلى و أشد من دونه و هذا بخلاف السلطنة فإنه لا مراتب لها حتى نقول بالشدة و الضعف.
و لا ينتقض أيضا بتعدد الخيارين كما اجتمع خيار الشرط مع خيار الحيوان مثلا، لأنهما مما يقبل الاسقاط، فيجوز إسقاط أحدهما و بقاء الأخر أو إسقاط كليهما فيلزم العقد.
فجواز الفسخ إذا يقبل الإسقاط كأحد الخيارين يمكن اجتماعه مع جواز الفسخ الأخر من جهة أخرى مع قبوله للإسقاط بخلاف ما نحن فيه، فان جواز الفسخ في العقود مما لا يقبل الاسقاط، بل هو الذي ذكره العلامة «قده» في «التذكرة» لا معنى للخيار فيها، لان الخيار فيها أبدي، أي جواز الفسخ في تلك العقود من قبيل الأحكام لا من قبيل الحق الذي يقبل الاسقاط، فلا يتعقل ثبوت الخيار الذي من قبيل الحق في مورد ثبت فيه الخيار- أي جواز الفسخ- بحسب أصل الشرع المعبر عنه بالحكم.
و الحاصل: ان شئت فقل: ان الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ بحيث لولاه لزم العقد و هذا المعنى غير متصور في العقود الإذنية، إذ مع عدم الخيار فيها أيضا ليس بلازم.
و ثانيهما: ما يستظهر في كلمات الفقهاء، خصوصا في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أنه لا ثمرة في ثبوت الخيار في تلك العقود، فلا أثر لجعل الخيار في العقود التي كان الخيار فيها أبديا. هذا و قد يذكر في دفع الاشكال وجوه:
الأول: ما ذكره الشهيد «قده» في «الدروس»: من أن المراد بمجيء الخيار
في تلك العقود عدم جواز التصرف قبل انقضاء الخيار، مطابقا لمذاق الشيخ في الخيار في العقد اللازم، حيث أن مذهب الشيخ في العقد اللازم- إذا ثبت فيه الخيار كالبيع الخياري- عدم جواز التصرف للمشتري في زمن الخيار و لو من جهة عدم حصول الملك، كما نسبنا هذا القول إليه في المسألة السابقة، أو من جهة كونه مهجورا كما سيجيء، توضيح ذلك في محله. فالمراعاة لمذهبه يقتضي أن يراد بذلك في محل الكلام، أعني في أمثال الوكالة و العارية عدم جواز تصرف الوكيل و المستعير في زمن الخيار، و هذا المعنى أمر ممكن معقول و مفيد للثمرة.
و لكن عند دقة النظر: أن هذا الجواب حسن بالنسبة إلى الإشكال الثاني و لا يندفع به الإشكال، لأن هذا ذكر ثمرة للخيار لا أنه في مقام تعقل نفس الخيار الذي هو عبارة عن السلطنة على الفسخ و الإقرار، إذ عدم جواز التصرف في زمن الخيار لو قلنا به انما هو من آثار الخيار و لوازمه.
الثاني: ما ذكره شيخنا العلامة «قده» في مكاسبه: أن المراد دخول الخيارين في تلك العقود بواسطة وقوعها في تحقق عقد البيع، فتلزم بلزوم عقد البيع و تنفسخ بفسخه، فبدخول خيار المجلس في البيع لو فسخ في المجلس يرى الفسخ في تلك العقود أيضا.
فهذا و ان كان حسنا في نفسه الا أنه ضعيف احتمالا، حيث أن عبارة الشيخ لا تحتمل ارادة ذلك المعنى بداهة أنه على هذا التقدير أن عقد البيع يصير مع الخيار و انفساخ تلك العقود ليس من جهة دخول الخيار فيها، فان لازم دخول الخيار فيها فسخها من دون فسخ شيء آخر، و هذا لا يمكن الا بفسخ عقد البيع، فلا تظهر الثمرة في دخول الخيار فيها، لأنه على أي حال- سواء قلنا بدخول الخيار فيها أم لا- يتبع عقد البيع، فلو اختار الفسخ ينفسخ و الا يلزم فلم تحصل
لهذا فائدة أخرى.
الثالث: ظهور الثمرة إذا كانت تلك العقود في ضمن عقد آخر لازم و لم نجعل له خيار المجلس كعقد النكاح، فان المفروض أنه ليس للنكاح خيار المجلس فحينئذ ان قلنا بدخول خيار المجلس في تلك العقود يثبت خيار المجلس في الوكالة و أمثالها مع كونها لازمة باعتبار كونها في ضمن العقد اللازم، بل يندفع بذلك الإشكال الأول أيضا، حيث أن الخيار الذي بمعنى السلطنة على الفسخ في عقد لولاه لزم، فيصدق ذلك للتعريف في تلك العقود إذا وقعت في أمثال عقد النكاح.
و يندفع ذلك بما يرد على المعنى الذي ذكره شيخنا العلامة «قده» حيث أن عبارة الشيخ لا تتحمل ذلك المعنى و أنه ضعيف احتمالا، بل ذلك الوجه تفسير في الحقيقة لما ذكره شيخنا العلامة «قده» و توضيح لمراده.
الرابع: أن دخول الخيار في تلك العقود الجائزة من باب التعبّد، فلو دل الدليل على ثبوت الخيار فيها، فنلتزم به تعبدا.
فيه: أن التعبد حسن إذا نتعقله و الاشكال انما هو في عدم تعقل الخيار، فكيف يثمر بذلك الالتزام بالتعبد.
الخامس: ما ذكر شيخنا العلامة الأستاذ «دام ظله» في مجلس البحث: أنه لو قلنا بأن الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ و الإبقاء، أي بقاء العقد على حاله ليتوجه عليه حينئذ الإشكال المذكور، إذ هذا المعنى ثابت في العقود الجائزة و ان لم نقل بالخيار و أما إذا قلنا بأنه عبارة عن السلطنة على الفسخ و الإقرار بأن يقدر على فسخ العقد و إلزامه- كما هو أحد الاحتمالين و المستفاد من كلام «الجواهر» على ما ذكرنا تفصيلا- فلا مانع حينئذ من دخول الخيارين في تلك العقود لتعقله و لم يلزم تحصيل للحاصل حينئذ، فيكون المراد من الخيار أن يقدر ذو الخيار
بفسخ تلك العقود و لالزامها بحيث لو اختار الإقرار و الإلزام لكانت لازمة، فهذا أمر متعقل.
الا أن الكلام في دليل ذلك لعدم ثبوت دليل لنا في ثبوت هذا المعنى في تلك العقود، بحيث لو اختار اللزوم لكانت لازمة، لان المقرر عند الأصحاب ان جواز الفسخ ثابت في تلك العقود و ان صرح بالإسقاط أو باللزوم.
و كيف كان، الكلام في دليل المطلب غير الكلام في أصل تعقله و إمكانه، و مراد الشيخ «قده» انما هو في أصل إمكان جريان الخيار فيها لا في إثبات الخيار في تلك، فلذلك لا يحكم بالثبوت، كما تشهد بذلك عبارته المذكورة، أعني قوله:
فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع انتهى، فتدبر.
و سنزيد توضيحا لبعض ما ذكرناه في المسألة الاتية و هي أنه: هل مبدأ هذا الخيار بعد العقد من دون توقف على مجيء شرائطه المتأخرة و ان كانت تلك الشرائط من متمماته و شرائط صحته فيكون حينئذ مبدأ الخيار حين العقد و ان لم تتم شرائطه؟ أم ان مبدأه بعد تمامية العقد و استكماله لجميع الشرائط الناقلة و تظهر الثمرة في الصرف و السلم، حيث أن القبض من شرائطهما بحيث لو لم يلحق بهما القبض لكانا فاسدين.
فنقول: اعتبار القبض لا يخلو من وجوه ثلاثة: اما أنها معتبرة من باب الوجوب النفسي التكليفي فقط، أو من باب الوجوب النفسي مع كونه من شرائط الصحة و موجبا للنقل، أو من باب الوجوب الشرطي فقط، بأن لم يكن بواجب بالوجوب التكليفي أصلا الا من الشرائط المعتبرة المؤثرة في نقل الملك.
فعلى الأول: لا إشكال في أن مبدأ الخيار بعد العقد و ان لم يحصل القبض، فيصير حال القبض على هذا الاحتمال في الصرف و السلم كحال غيرهما من البيوع و لا يقدحه حينئذ الإشكال الاتي من عدم ظهور الثمرة لجعل الخيار قبل
القبض، لعدم تمامية العقد بدونه لوضوح أنه على هذا الاحتمال العقد وقع صحيحا تاما، فتكون الثمرة في ثبوت الخيار حين العقد جواز الفسخ و عدم تحقق الوجوب في القبض.
و لكن هذا الاحتمال مجرد تصوير في السلم و القبض و ليس منا قائل بأن حال القبض فيهما كحال غيرهما في عدم كونه من مصححات العقد و متمماته.
و على الاحتمال الثاني: قال شيخنا العلامة «قده»: لا اشكال فيه لو قلنا بوجوبه التكليفي، اما لعدم لزوم الربا أو الوجوب الوفاء بالعقد، مع كونه من شرائط صحة العقد و جزء أخيرا للنقل، لظهور الثمرة في جعل الخيار حينئذ و هي جواز الفسخ و عدم وجوب التقابض.
و قد أورد عليه شيخنا الأستاذ العلامة «دام ظله» بعدم ظهور الثمرة لجعل الخيار على هذا أيضا، إذ جواز الفسخ حاصل في مفروض المسألة سواء قلنا بالخيار أم لا، لان المفروض: أن القبض شرط صحة العقد بحيث لو لم يلحقه لكان العقد فاسدا، فلو تفرقا ينفسخ العقد قطعا.
فبناء على أن القبض شرط الصحة في الصرف و السلم يكونان من العقود الجائزة ما لم يلحقه القبض، و من المعلوم ثبوت جواز الفسخ للعقد الجائز على كل حال، سواء قلنا بثبوت الخيار أم لا، فلا تظهر الثمرة للخيار حين العقد حينئذ.
أقول: هذا حسن في جواز الفسخ الوضعي، بمعنى انفساخ العقد بالتفرق بدون حصول القبض، فينفسخ العقد سواء ثبت خيار قبله أم لا. و أما بالنسبة إلى جواز الفسخ التكليفي تظهر الثمرة، بمعنى ان قلنا بالخيار قبل القبض فلا يكون التقابض واجبا و لا يحصل بتركه اثم و كذلك لا يحصل الإثم بفسخ العقد، بل يجوز فسخه و ان لم نقل بثبوت الخيار، فيكون التقابض واجبا و يحصل الإثم بتركه
و لا يجوز الفسخ، لان المتعاقدين على هذا القول مأموران بالتقابض و الوفاء بالعقد فلا يجوز لهما فسخ العقد لأنه خلاف الوفاء بالعقد، و ان كان العقد بنفسه ليس مملكا بل القبض له مدخلية في حصول النقل و التملك الا أن المفروض مع ذلك لما كان الوجوب التكليفي ثابتا يحصل أثر الخيار في جواز الفسخ و عدم التقابض و لعل ذلك مراد شيخنا العلامة الأنصاري «قده».
و أما على الوجه الأخير كما هو مذهب المشهور: من أن التقابض فيهما ليس له وجوب شرعي تكليفي، بل انما هو شرط لحصول النقل و التملك في عقد الصرف و السلم، فهما قبل القبض من العقود الجائزة، بمعنى أن لكل من المتعاقدين سلطنة على ملكه فبقي الإشكال في ثبوت الخيار قبل القبض بناءا على كون مبدأه حين صدور العقد، ففي أثر الخيار حينئذ خفاء كما صرح به شيخنا العلامة «قده» في كتابه.
و الحاصل: أن الإشكالين المتقدمين في المسألة السابقة يأتي هنا أيضا، فيقال تارة أنه بعد فرض بقاء سلطنة كل من المتعاقدين على ملكه لا يتعقل لثبوت الخيار لأنه عبارة عن السلطنة المذكورة بحيث لولاها لكان العقد لازما، فجعل الخيار في السلم و الصرف قبل القبض تحصيل للحاصل. و أخرى أنه لا ثمرة لثبوت الخيار حينئذ، و الى هذا المعنى أشار بقوله «قده» (ففي أثر الخيار حينئذ خفاء).
و قد يندفع الاشكال بوجوه ثلاثة:
الأول: بما أجاب شيخنا العلامة «قده» بظهور الثمرة بعد فسخ ذي الخيار في خروج العقد عن قابلية لحوق القبض المملك، فان لم يكن الخيار ثابتا فيقبل العقد للحوق القبض في المجلس، و يتم النقل و الانتقال، فلا يرجع الفسخ في سقوط القبض عن صلاحية التأثر، بخلاف ما ثبت فيه الخيار، فاذا اختار أحدهما- قبل القبض- الفسخ لسقط عن صلاحية التأثر.
فيه: أنه من المقرر في العقود الجائزة أنها ينفسخ بعدول أحد المتعاقدين، بل لكل منهما إبطال العقد قبل استكمال الشرط المتمم، فكما أن للموجب فسخ العقد قبل لحوق القبول، كذلك لهما فسخه قبل لحوق القبض فيما كان من متمم العقد و ناقل الملك.
و لذلك لورد أحد المالكين أو كلاهما عقد الفضوليين قبل الإجازة ينفسخ العقد و يسقط عن قابلية لحوق الإجازة، فكذلك فيما نحن فيه، فالمتعاقدان في الصرف و السلم لو عدلا قبل القبض و أعرضا عن ما صدر منهما من العقد بالرد أو الفسخ خرج العقد عن قابلية لحوق القبض، سواء قلنا بثبوت الخيار لهما أم لا.
فلا تظهر ثمرة للخيار، مضافا الى أن هذا الجواب لا يدفع الاشكال على التقرير الأول من عدم المعقولية للخيار و كونه تحصيلا للحاصل.
الثاني: ما يستفاد من كلام العلامة «قده» في «التذكرة» و الشهيد «قده» في «الدروس» من ظهور الثمرة بعد إلزام ذي الخيار في وجوب التقابض و حصول الإثم في انعقاد أحدهما عنه، فلو انفرد أحدهما بالتفرق عصى، بخلاف ما لم نقل بالخيار فلا يجب التقابض و لا يحصل العصيان بالتفرد عن التفرق.
نعم، ان اتفقا على المفارقة عن تراض فلا أثم لأنه حينئذ يصير كالإقالة.
فحاصل هذا الوجه: أن الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ و على الالتزام بالعقد لا بمعنى إبقائه على حاله بترك الفسخ، بل بمعنى إلزام العقد و جعله غير قابل لان ينفسخ، فتظهر الثمرة حينئذ و لا مسرح لإشكال عدم الثمرة، بل يندفع بذلك اشكال عدم المعقولية لعدم لزوم تحصيل الحاصل حينئذ إذ السلطنة الحاصلة من الخيار لم يستلزم ذلك المعنى من الخيار لعدم القدرة على إلزام العقد و إيجابه في العقود الجائزة، بخلاف فرض ثبوته.
فان قلنا بثبوت الخيار لحصلت الثمرة في صورة إقرار العقد و إلزامه، فلو
التزما وجب عليهما التقابض و يحصل العصيان بانفراد أحدهما بالمفارقة و أما مع اتفاقهما لا يحصل العصيان كما في صورة الإقالة في سائر العقود. و ان قلنا بعدم الخيار لا وجوب و لا أثم في البين.
و لكن يرد على هذا بالنسبة إلى المعنى- أعني معنى الخيار- فان هذا الجواب حسن و يندفع الاشكال بكلا التقريرين كما اخترناه في المسألة السابقة، الا أنه مبني على كون الخيار عبارة عن ملك إقرار العقد لا بمعنى إبقائه على حاله بترك الفسخ، بل بمعنى إلزامه و جعله غير قابل لان ينفسخ. و هذا المعنى و ان كان مختار شيخ الفقهاء في «الجواهر» كما سبق ذكره في تعريف الخيار الا أن كلمات الأصحاب لا تساعده، فتدبر.
الثالث: أن ثبوت الخيار قبل استكمال العقد كثبوته في بيع الصرف و السلم قبل حصول القبض انما هو كالوجوب التعليقي في الأحكام التكليفية، بأن يقال بوجوب الواجب المؤقت قبل الوقت- كما ذهب اليه صاحب «الفصول»- و كالوكالة المعلقة على وقت كذا لا على وجه التعليق حتى يكون باطلا بل على وجه التنجيز، بأن يقال: أنت وكيل فعلا و منجزا الان بأن تبيع داري هذه مثلا يوم الجمعة أو عند قدوم الحاج.
فعلى هذا الخيار لا ينفك عن العقد حتى يقال بانفكاك المعلول عن العلة و لو برهة من الزمان بل مبدأه حين العقد، غاية الأمر تظهر ثمرته بعد القبض كالوجوب التعليقي و الوكالة المنجزة المعلقة فعلها على الوقت المستقبل كما قيل ذلك في المعاطاة أيضا بأن الخيار ثابت في المعاطاة و لكن تظهر ثمرته بعد التصرف و التلف الملزمين فإنه قبل مجيء الملزم في المعاطاة لا ثمرة للخيار، الا أن ذلك لا يوجب نفي الخيار فيها لظهور ثمرته بعد تحقق الملزم.
و تفصيل الحال في المعاطاة أن يقال في جريان الخيار في المعاطاة و جهان
بل قولان و المنسوب إلى جماعة، منهم صاحب «كشف الغطاء» و بعض أتباعه و تلاميذه: العدم لوجوه ثلاثة:
الأول: أن الخيار من لوازم العقد و أحكامه، فإن الذي يترتب عليه خيار المجلس كسائر الأحكام هو عقد البيع المشتمل على الإيجاب و القبول، و ليست المعاطاة لو قلنا بأنها تتسع و توجب الملكية مما تشتمل على الإيجاب و القبول اللفظي بحيث يصدق عليها العقد، لان العقد عبارة عن العهد الموثق باللفظ.
و فيه: أولا: نمنع ترتب خيار المجلس على العقد و كونه من أحكامه، إذ الموضوع الذي ترتب عليه ذلك الخيار هو البيع في قوله «البيعان بالخيار» فهو عبارة عن المالك الذي صدر عنه البيع فعلا أو قولا على حسب ما تحقق به عنوان البيع.
و الحاصل: منعنا ترتب خيار المجلس على عنوان عقد البيع الذي هو عبارة عن اللفظ، بل انما موضوعه في الدليل البيعان، و ترتب على هذا العنوان أعني البيع.
فالتحقيق: أنه عبارة عن موجد البيع، أعني من كان منشأ للنقل و التمليك سواء كان مالكا أم لا، بل كان وكيله و سواء كان إنشائه للتمليك بالقول أو بالفعل.
و ثانيا: عدم صدق العقد على المعاطاة فلو سلّمنا بأن الخيار انما هو من أحكام عقد البيع نقول أيضا بعقدية المعاطاة، إذ العقد عبارة عن العهد الموثق و هو قد يحصل باللفظ و قد يحصل بالفعل.
الثاني: أن ثبوت الخيار في المعاطاة لا يخلو أما أن يلتزم بثبوته قبل تحقق التصرف أو بعده، فعلى الأول يلزم تحصيل الحاصل، إذ قبل التصرف ليست المعاطاة بلازمة، بل جواز الفسخ و الرجوع ثابت فلا معنى لجعل الخيار عنده. و على الثاني يلزم أمرين
أحدهما: لزوم انفكاك العلة عن المعلول و لو في برهة من الزمان، إذ المسبب المقتضي للخيار هو البيع و هو حاصل قبل التصرف و ليس التصرف من أحد أجزاء البيع، فعلى القول بأن المعاطاة تمليك و بيع لا بد من ترتب أحكام البيع عليه، و من المعلوم من الدليل و الإجماع أن نفس البيع علة لترتب الخيار، و لو تأخر في المقام الى حصول التصرف لزم تأخر المعلول عن العلة، و هذا محال.
و ثانيهما: أنه من المقرر- كما سيجيء- أن التصرف علة لإسقاط الخيار، فلو كان علة للخيار في المعاطاة لزم أن يكون الشيء الواحد علة لطرفي النقيض، إذ كون التصرف سببا لإثبات الخيار، و كونه سببا لنفي الخيار مستلزم لجواز الشيء الواحد أن يكون علة لإثبات شيء واحد و نفيه، و هذا مستحيل.
و الجواب عن ذلك: تارة نقول: أنا نختار الشق الأول و لم يلزم تراخي المعلول عن العلة و لا كون الشيء علة لطرفي النقيض، و أما قوله (لزوم تحصيل الحاصل) فمدفوع بأنه كالوجوب التعليقي و الوكالة المعلقة لا بحسب الإنشاء، بل بحسب الفعل و تظهر ثمرته بعد التصرف، فالخيار حين المعاطاة ثابت منجز، غاية الأمر ثمرته انما تكون بعد حصول الملزم كما لو حصل التصرف و التلف.
و أخرى: أنا نختار الشق الثاني و قوله (لزوم انفكاك المعلول) حينئذ مدفوع بما ذكرنا من أن ثبوت فعلية الخيار على وجه التنجزّ بعد التصرف لا يستلزم عدم ثبوته قبله على وجه التعليق و الشأنية، فهو بحسب الذات و الوجود ثابت حين المعاطاة، و أما بحسب الأثر و التنجز انما يتعقب بالتصرف.
و أما الأمر الثاني، فمدفوع بتعدد المنفي و المثبت بحسب المهية، فالخيار الذي كان التصرف لإسقاطه انما هو من قبيل الحكم، و أما الخيار الذي نثبته في المعاطاة فهو من قبيل الحق.
بيان ذلك: أن المعاطاة- و ان قلنا بكونها بيعا- حكمه الجواز عنه المشهور المحقق، فيصير جواز الرجوع و الفسخ من أحكامه على خلاف سائر البيوع فهذا الجواز الذي من أحكام المعاطاة إنما يسقط بحصول التصرف و التلف، و يشهد لذلك- أي لكون ذلك الجواز من قبيل الحكم- أن أحد المتعاطيين قبل حصول التصرف لو أسقط حقه من جواز الرجوع و التزم بالمعاطاة لما سقط و لا يكون لازما، بل لو التزم المتعاطيان معا لا يكون لازما و لا يكون جواز الرجوع ساقطا، فلو كان حقا لزم أن يكون ساقطا بالإسقاط، فيكشف ذلك عن أنه من قبيل الحكم و التصرف الملزم لإسقاطه، و أما الخيار الذي يثبت التصرف من قبيل الحق كسائر الخيارات فيسقط بالإسقاط و تنتقل على حسب ما قرر في محله (1).
الثالث: أن سبب كون التصرف ملزما في باب المعاطاة انما هو من جهة كونه التزاما، و من المعلوم أن الالتزام من المسقطات عندهم.
فيجب أن لا يكون الخيار في المعاطاة، و لو كان باعتبار ظهور أثره بعد التصرف إذ لا معنى لظهور أثر الخيار بعد تحقق المسقط له- أعني الالتزام.
فيه: منع كون التصرف ملزما من جهة كونه التزاما بل انما هو من باب التعبد حيث قام الإجماع بلزوم المعاطاة بسبب التصرف و التلف.
أقول: يتوجه الاشكال من جهة ذهابهم الى أن نفس التصرف من المسقطات- كما سيجيء- فمع ذلك كيف يمكن أن يقال أن التصرف مثبت للخيار في باب المعاطاة، فلو كان التصرف من أحد المسقطات التي اتفقوا عليها، فلا وجه للالتزام بأنه انما يثبت الخيار في المعاطاة بعد التصرف الا أن يقال بإبداء المفارق أو منع عموم الدليل الدال على أن التصرف من المسقطات و لكنه غير معلوم، فانتظر.
1) لا يخفى أن هذا عدول عما ذكر المستدل من كون الخيار بعد التصرف لا قبله.
في بيان المسقطات الأربعة المعروفة، أعني اشتراط سقوطه في ضمن العقد و إسقاطه به بعده و التفرق و التصرف. فهنا مباحث:
و حيث أن المعنى المراد من هذا الشرط يتصور على وجوه ف
الثانية: بعد تعيين المراد في بيان الأدلة الدالة عليه.
الثالثة: في بيان الإشكالات الواردة على هذا الشرط و دفعها.
الرابعة: في بيان الثمرة في سائر المحتملات من هذا الشرط، بأنه هل تختلف تلك المحتملات بحسب الآثار و الثمرة أم لا؟
أما الأولى: فنقول: المستفاد من كتاب شيخنا العلامة «قده» وجوه ثلاثة:
أحدها: اشتراط عدم الخيار. ثانيها: اشتراط عدم الفسخ. ثالثها: اشتراط إسقاط الخيار.
و من جواهر شيخ الفقهاء وجوه:
أولها: اشتراط سقوط الخيار.
ثانيها: اشتراط الاسقاط، حيث نفاه عن مراد الفقهاء لعدم كونه حينئذ إسقاطا بالشرط، بل أقصاه استحقاق الاسقاط عليه، و ان لم يف تسلط الأخر على الخيار كباقي الشرائط.
و ثالثها: اشتراط عدم ثبوت الخيار، كما نفاه أيضا بأن نفي استحقاق ثبوت الخيار شرعا باطل، لعله لكونه مخالف للكتاب و السنة. و رابعها: اشتراط الالتزام بالعقد و اختياره.
و هذه وجوه سبعة بعضها داخل في الأخر كما ترى، و لكن المهم في المراد منها عندهم، و الذي يسهل الأمر أن المحقق و العلامة و الشهيد حكوا عن لسان الفقهاء، فهؤلاء الأعاظم «رضوان اللّه عليهم» قد عبروا عن هذا الشرط بشرط السقوط، كما في «الشرائع» و «التذكرة» و المحكي عن «الدروس» كما صرح بذلك شيخ الفقهاء «قده» بقوله: و المراد من المتن و غيره مما عد فيه ذلك أحد الأمور الأربعة المسقطة للخيار، سقوطه بنفس الشرط لا اشتراط الإسقاط الذي يحصل بأحد مسقطانه.
و يظهر من شيخنا العلامة «قده» أن كلام المشهور هو اشتراط السقوط و هو بمعنى عدم الخيار، بأن يقول: بعت بشرط أن لا يثبت خيار المجلس.
و استدل بعضهم بالأصل و الإجماع و الكتاب و عموم (المؤمنون عند شروطهم) و الخبر الوارد في الباب.
فالظاهر هو ما عبر عنه صاحب «الجواهر» بأصالة اللزوم مع الشك في تناول الأدلة، فيكون هو المرجع أو المرجح بعد تعارض أدلة الشروط و الخيار.
كما في «الفقيه»: الإجماع عليه الا أن المحصل عدم الخلاف، حيث لم يعلم مخالف في المسألة.
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.) فإنه بعد تعارض أدلة الشروط و أدلة الخيار يجب أن يكون المرجع عموما آخر فوق ذلك- أعني عموم الآية الشريفة- و للتمسك به تقرير آخر و هو: أن اشتراط السقوط في العقد جزء للعقد فيجب الوفاء به بنفس الآية الشريفة، أعني (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فإنه يشمل على وجوب الوفاء بجميع مقتضيات العقد و آثاره جزءا و كلا.
فيندفع حينئذ بأن العموم مخصص قطعا بأدلة الخيار، فلا معنى للتمسك به في المقام، و أما عموم (المؤمنون عند شروطهم) فقد يستدل به بتقرير أنه بعد تعارضه بعموم أدلة الخيار بالتعارض من وجه بحسب الرجوع الى الذي هو أرجح، و هو في المقام عموم (المؤمنون عند شروطهم) لصحة سنده و قوة دلالته لعمل الأصحاب على مضمونه في أمثال المقام.
و يندفع حينئذ أن الترجيح ان كان بحسب السند فلا ترجيح بينهما لصحة سندي أدلة الشروط و أدلة الخيار، حيث لا خدشة في سندهما، بل كلاهما مستفيض فيكونان كالقطعيين و لا ترجيح بين القطعيين، و ان كان بحسب قوة دلالته على أدلة الخيار، فان كان إحراز قوة دلالته بالأمور الخارجية و القرائن الكاشفة و لو بمعونة عمل الأصحاب، بأن استكشفنا من عمل الأصحاب تلك القرائن الدالة على صدقه و تحكيمه على الأدلة الأخر فهو حسن مسلّم الا أنها مفقودة في المقام.
و أما ان كان بنفس موافقة عمل الأصحاب فلا ينفع، إذ المفروض ان مستند عمل الأصحاب منحصر على دلالة عموم (المؤمنون عند شروطهم) فلو كان مستند قوة دلالته عمل الأصحاب أيضا، لزم الدور.
و ما ترى من ترجيح عمل الأصحاب في غير المقام انما هو من جهة كشفه عن القرائن الخفية و الأدلة المعتضدة، حيث احتملنا أنهم اطلعوا على ما لم نطلع به، بخلاف المقام لغرض انحصار مستندهم في عموم أدلة الشروط على ما يظهر من كتبهم، فالأولى أن يقال في الاستدلال بعموم أدلة الشروط على وجه تقدم على أدلة الخيار أن أدلة الخيار مسوقة لبيان ثبوت الخيار بأصل الشرع، فلا ينافي سقوطه بالمسقط الخارجي، و هو الشرط الذي يجب العمل به شرعا.
و هذا الكلام بظاهره يشبه بالمصادرة، إذ ذلك موقوف على تقديم أدلة الشروط، فلا بد من ذكر بيان وجه التقديم.
فنقول: ان تعارض أدلة الشروط مع أدلة الخيار لا يحصل الا بالتزام عمومهما بحسب الإفراد و بحسب الأحوال، فلو قلنا بعموم أحدهما أفرادا و أحوالا دون الأخر لكان مقدما عليه، و ما لم يكن فيه عموم يصير محكوما بالنسبة الى ما فيه عموم.
و توضيح ذلك: أن الأحكام الجعلية في الشرع على قسمين: قسم ثبت في موضوعاته على وجه الإطلاق في كل الأحوال بحيث لا يخرج عنه و لو طرأه عنوان آخر كالأحكام الالتزامية، لان أدلتها مسوقة لبيان الحكم على وجه العموم الأفرادي و الاحوالي، فان وجوب الصلاة و حرمة الخمر انما جعل على سبيل الإطلاق لا على سبيل الإهمال، فلا يعارضها أدلة العناوين الأخر من وجوب النذر و استحباب اطاعة الوالدين و غيرها. و لذلك لا تتغير حرمة الخمر لو أمر الوالدان مثلا بشربه أو نذر المكلف شربه، و كذلك ترك الصلاة، فبأمر الوالدين و النذر و غيرهما لا لا يتغير وجوب فعل الصلاة و لا حرمة تركها.
و قسم انما ثبت في موضوعاته لو خلي و طبعه على وجه الإهمال من دون نظر الى طرو العنوان الأخر، و ذلك مثل الأحكام الغير الإلزامية من الاستحباب و الكراهة و الإباحة التي يعم على الخيار و غيره.
فان جواز أكل التفاح مثلا و جواز الفسخ في المجلس أو في الأيام في بيع الحيوان، انما جعل في موضوعاته من دون نظر الى طروّ العنوان الأخر كالاستحباب و الكراهة. فإن أدلتها مسوقة لبيان ثبوت تلك الأحكام الغير الإلزامية بحسب أصل الشرع من دون أن يكون فيها عموم أحوالي، فلو طرأ فيها عنوان آخر لكان الواجب رفع اليد عن تلك الأحكام الأصلية الثابتة باعتبار عناوينها الأولية.
و الدليل على ذلك: أنه لو كان لتلك الأحكام الغير الإلزامية عموم أحوالي غير قابل للتغيير بسبب طرو العنوان الأخر كالنذر و القسم و العهد و اطاعة الوالدين و اجابة المؤمن و غيرها كالإعانة و الإهانة و التعظيم فيما يجب و يستحب.
و هكذا لكان جعل تلك الأحكام الطارئة لغوا، فيلزم حينئذ أن لا يكون مورد لأدلتها، فلا بد من الالتزام بحكومة تلك الأدلة على أدلة نفس الأحكام الثابتة بحسب أصل الشرع للفعل المنذور و المقسم له مثلا، فتصير أدلة الشرط حالها كحال تلك الأدلة في كونها مقتضيا لرفع اليد عن الحكم الثابت لنفس الشرط مع قطع النظر عن كونه في حيّز الشرط.
فحينئذ لا يزاحم أدلة الخيار المقتضية له في نفسه لو خلي و طبعه مع أدلة الشروط المقتضية لوجوب الوفاء بها في كل حال من الأحوال، إلا ما خرج ككونه مخالفا للكتاب و السنة، بل يشهد على هذا الاستثناء في بعض الاخبار على اعتبار أدلة الشروط على وجه العموم الاحوالي، فتصير حاكمة على أدلة الخيار التي هي مسوقة لبيان ثبوته لو خلي و طبعه. فلا ينافي لطرو عنوان آخر و كونه مقدما عليه و لذلك وقع استشهاد الامام عليه السّلام في كثير من الاخبار بعموم أدلة الشروط على مخالفة كثير من الأحكام الأصلية.
و أما الخبر الوارد في الباب الذي استدل بها في المقام، فلعل ذلك البعض أراد منه صحيحة مالك بن عطية، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل كان له أب مملوك و كان تحت أبيه جارية مكاتبة قد أدت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار بعد ذلك على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك؟ قال عليه السّلام: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم.
و ظاهره و ان كان في الشروط الابتدائية الا أنه محمول- بقرينة الإجماع- على الاشتراط في ضمن عقد لازم، فيرد على الاستدلال به في المقام:
أولا: أنه خارج عن فرض الكلام، إذ محل البحث صحة اشتراط سقوط
الخيار في العقد الذي كان الخيار له، لا اشتراط سقوط خيار عقد في عقد آخر مغاير له.
بعبارة أخرى: مفروض الكلام في خيار العقد الذي اشترط فيه سقوطه لا خيار العقد الأخر الذي هو مغاير لما وقع فيه الشرط. فالخبر لو تمت دلالته انما يدل على الصورة الثانية، لأنه اشترط سقوط خيار فسخ النكاح في غير عقد النكاح و هذا لا يدل على صحة اشتراط سقوط خيار البيع فيه أو سقوط خيار فسخ عقد إلا بضميمة الإجماع المركب أو عدم القول بالفصل لو لم يكن فرق بين المقامين و هذا خارج عن الاستدلال بالخبر، و سيأتي في فروع المسألة أنه هل فرق في سقوط الخيار بين اشتراطه في العقد الذي كان الخيار مجعولا فيه و بين اشتراطه في العقد الأخر المباين له أم لا.
و ثانيا: أن ظاهر الخبر سقوط الخيار في الشرط الابتدائي، و هذا لا يصح الا أن نلتزم بلزوم الشروط الابتدائية، مع أنه خلاف ما اتفقوا عليه، و تأويله على صورة وقوع الاشتراط في ضمن عقد لازم بقرينة الإجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائية حسن لو كان الحمل و التأويل منحصرا فيه. و أما إذا تعددت الاحتمالات و كان يمكن حمل الخبر على كل واحد منها، فلا يتعين حمله حينئذ على خصوص كونه في ضمن عقد لازم.
و من المحتملات حمل الخبر على مصالحة إسقاط الخيار، فسقوط الخيار بالصلح لا يستلزم سقوطه بالاشتراط.
و من المحتملات حمل الرواية على الاستحباب مع إبقائه على الشرط الابتدائي فيصير قوله عليه السّلام (لا يكون لها الخيار) بمعنى لا ينبغي لها الخيار.
هذا مضافا الى أن الخبر في مورد إسقاط ما لم يجب، بمعنى أن الجارية حين الاشتراط لا تستحق الخيار و لا يجوز لها الفسخ، بل جواز الفسخ لها حق
بعد أداء مال المكاتبة و صيرورتها حرة و مالكة لنفسها، كما يدل قوله (أن لا يكون لك الخيار بعد ذلك على أبي إذا أنت ملكت نفسك).
تفطن له شيخنا العلامة «قده» و لم يسبقه أحد فيما نرى من الفقهاء، و هو يقرر على وجهين:
أحدهما: لزوم الدور، إذ لزوم الشرط و وجوب الوفاء به، انما نقول به إذا كان في ضمن العقد اللازم، فلزوم الشرط يتوقف على لزوم العقد، و لو توقف لزوم العقد عليه كما في المقام للزم الدور.
و ثانيهما: لزوم إجماع المتنافيين في العقد الواحد، إذ مقتضى كون العقد من العقود الخيارية جوازه، و مقتضى الشرط لزومه فيجتمع الجواز و اللزوم في شيء واحد فلا يصح الحكم بلزوم الشرط مع فرض جواز العقد لكونه مما ثبت فيه الخيار.
فإن صحة الشرط مستلزمة لطرو اللزوم على العقد مع أن اللزوم و الجواز لا يجتمعان فيه و رفع اليد عن أحدهما المعين ليس بأولى عن رفع اليد عن الأخر و القول بلزوم الشرط دون المشروط تفكيك بين التابع و المتبوع في اللزوم و الجواز.
و الحاصل: ان قلنا باستلزام الشرط لزوم العقد المشروط به يلزم اجتماع المتنافيين و الا يلزم التفكيك بين التابع و المتبوع في الجواز و اللزوم.
و ظاهر كلام شيخنا العلامة «قده» في كتابه في بيان الاشكال الوجه الأول، حيث صرح بلزوم الدور و سكت عن ذكر اجتماع المتنافيين، و لكن المنساق من جوابه هو الوجه الثاني، حيث لم يتعرض لدفع الدور صراحة.
و نحن نشرع في الجواب عن كلا الوجهين، و به يلتئم كلامه و يتضح حقيقة مرامه. فنقول في دفع الاشكال على التقرير الأول: بأن لزوم الدور انما يكون
إذا قلنا باللزوم المعلولي في الشرط، و أما إذا قلنا بلزومه استقلالا فلا يتوجه الدور.
بعبارة أخرى: وجوب الوفاء بالشرط ان قلنا من جهة وجوب الوفاء بالعقد و كونه معلولا لوجوب الوفاء بالعقد، فلو تمسك حينئذ بلزوم العقد من جهة الشرط للزم الدور المصرح، و أما ان قلنا بوجوب الوفاء به من جهة (المؤمنون عند شروطهم) فلا يلزم الدور قطعا، إذ لزوم العقد يتوقف على لزوم الشرط.
و أما لزومه فلا يتوقف على لزوم العقد و ليس بمستند له، بل انما هو مستند الى الدليل الدال على وجوب الوفاء بالشرط، أعني (المؤمنون عند شروطهم) و خروج الشروط الابتدائية و الواقعة في ضمن العقود الجائزة لا يمنع لبقاء هذا الشرط و أمثاله بحسب عمومه، فكلما ثبت بدليل خارج يؤخذ و بقي الباقي تحت عموم الشرط.
فحينئذ يتوجه الإشكال الثاني- أعني لزوم اجتماع المنافيين- إذ مقتضى لزوم الشرط من جهة (المؤمنون عند شروطهم) ثبوت اللزوم للعقد و كونه واجب الوفاء مع فرض جوازه و بقائه على الخيار ينتج اجتماع المنافيين أعني الجواز و اللزوم في العقد الواحد.
فالجواب عن ذلك منحصر بالالتزام بالانقلاب، بمعنى أن العقد الذي كان مقتضاه الجواز ينقلب باللزوم لسبب لزوم الشرط، إذ مؤدى الشرط لزوم ذلك العقد المشروط به لوجوب الوفاء بالشرط عين وجوب الوفاء بالعقد، فاجتماع المتنافيين انما يلزم لو بقي العقد على جوازه، و أما إذا انقلب باللزوم بمقتضى لزوم الشرط فلا يلزم اجتماع الجواز و اللزوم، بل العقد بتمامه متصف باللزوم لا غيره نعم يتوجه حينئذ النقض بأمرين:
أحدهما: الهبة إذا اشترط لزومها، فلازم ذلك الجواب صحة ذلك الشرط و انقلاب الهبة من الجواز الى اللزوم كالبيع الذي كان مع الجواز و الخيار الى
اللزوم بواسطة الشرط، و الا يلزم اجتماع الجواز و اللزوم.
و ثانيهما: البيع الخياري إذا شرط فيه شرطا آخر غير اللزوم بمعنى التزم في الشرط أمرا مغايرا لالتزام أصل العقد، كما إذا بيع الحمار و اشترط في عقده خياطة الثوب المعين مثلا. و الوجه في ورود هذا النقض هو أن الشرط تابع و بيع الحمار مثلا مشروط و متبوع، فالالتزام بالشرط الذي هو تابع لا بد أن يكون مع الالتزام بالمتبوع حتى يتحقق عنوان التبعية فلزوم الشرط مستلزم للزوم المشروط به، لان اللازم انما هو عنوان الشرطية، فلو كان الشرط لازما دون المشروط به لخرج عن الشرطية.
و ان شئت فقل: ان وجوب الإلزام بالتابع لا بد أن يكون في حال المتبوع و الالتزام به، و ان لم يلتزم بالمتبوع لم يلتزم بالتابع أيضا، إذ نفي المتبوع و الرجوع عنه نفي التابع أيضا، فلا بد حينئذ القول بلزوم العقد بمجرد لزوم التابع و الا يلزم التفكيك بين التابع و المتبوع في الجواز و اللزوم، سواء كان الالتزام بالتابع عين الالتزام بالمتبوع- كما فيما نحن فيه- أو كان مغايرا لالتزام أصل العقد، الا أن لزومه مستلزم للزوم متبوعه كما في مورد النقض.
و كيف كان لا بد من التفصّي عن النقضين اما بالالتزام بالانقلاب بأن كانت الهبة المشروطة باللزوم لازمة و بيع الحيوان مثلا في ثلاثة أيام لازما إذا اشترط في عقده خياطة الثوب مثلا و غيره من الالتزامات المغايرة لالتزام أصل العقد، أو خروج هذين الشرطين عن وجوب الوفاء و الالتزام به بالإجماع، فإن الهبة لا تكون لازمة بالإجماع- و ان اشترط لزومها- إذ الجواز من الأحكام الثابتة للهبة و هو من مقتضياتها لما دل عليه الكتاب و السنة.
و اشتراط اللزوم مخالف للكتاب و السنة، فلا يصح بالإجماع لعدم جواز تبدل الحكم و انتقاله و سقوطه كما هو ميزان في الامتياز بين الحق و الحكم، و كذلك
الإجماع قائم على خروج المشروط الذي كان في العقود الجائزة بالذات أو بالخيار و ان كانت التفرقة في العقد الجائز بالخيار بين اشتراط لزومه و بين اشتراط لزوم شيء آخر في غاية الإشكال.
و كل ما هو مخالف لمقتضى العقد باطل. أما الكبرى: فمسلّم بالنص و الإجماع. و أما الصغرى: فلفرض اقتضاء العقد للخيار لقوله عليه السّلام (البيّعان بالخيار) فلو لا الشرط ثبت الخيار قطعا، كما هو واضح.
و أجيب عن ذلك بوجوه شتى، و لعل بعضها يرجع الى الأخر و ان كانت ظواهرها مختلفة:
منها: ما صدر عن المشهور من أن ذلك الشرط ليس بمناف لذات العقد و مقتضاه، بل انما هو مناف لإطلاقه، و الشرط المنافي لإطلاق العقد لم يدل عليه دليل من النص و الإجماع، بل مشمول لأدلة الشرط فيجب الوفاء به.
و توضيح ذلك: أن العقد لا يقتضي الخيار بذاته و طبيعته من حيث هي حتى يصير الخيار من مقتضياته بحيث لا يوجد العقد بدونه.
بعبارة أخرى: أن العقد بنفسه ليس علة تامة للخيار، بل انما يقتضي له لو خلي و طبعه، بأن لا يكون مع الشرط، فالمقتضي للخيار هو العقد مع عدم كونه مقرونا بالشرط، و أما مع الشرط فلا يقتضي الخيار، فلا يكون الشرط حينئذ منافيا لما اقتضاه العقد إذ العقد انما يقتضي بدون الشرط و أما مع الشرط فليس بمقتض للخيار، فلا مانع حينئذ من صحة الشرط، بخلاف ما كان العقد بنفسه مقتضيا له و علة تامة له بحيث يقتضي الخيار لذاته، فان الشرط حينئذ مناف لما اقتضاه ذات العقد فيبطل، لأن السنة دلت على كون العقد مقتضيا للخيار، فاشتراط عدمه يندرج في مخالف الكتاب و السنة.
و فيه: أن هذا الكلام و ان صدر عن غير واحد من الأعاظم الا أنه مصادرة لان الكلام في صحة الشرط، و صحته لا تحصل الا أن يقال: أن العقد بدون الشرط يقتضي الخيار لا بذاته يقتضي له و مع الشرط لا يقتضي للخيار، فالخيار انما هو من مقتضيات إطلاق العقد، أي العقد الخالي عن الشرط.
فهذه دعوى، و جعلها دليلا لصحة الشرط عين المصادرة، فلا بد من اقامة الدليل على أن العقد بذاته لا يقتضي الخيار، بل انما يقتضي مع عدم الشرط، لا جعله دليلا.
بعبارة أخرى: أن كون الشرط منافيا لإطلاق العقد، معناه أن للعقد حالتين، إحداهما: اقترانه بالشرط و الأخر: عدم كونه مع الشرط، فهو على حالة عدم كونه مع الشرط يقتضي الخيار، و مع اقترانه بالشرط لا يقتضي له حتى يكون الشرط منافيا لمقتضاه فهذه الدعوى لو تمت فهي حسن، فلا بد من اقامة البرهان عليها، لا جعلها برهانا و دليلا، فحينئذ يحتاج في إثبات تلك الدعوى الى بيان شيخنا العلامة «قده» حسب ما سيذكر.
و منها: ما حكي عن بعض من قارب عصرنا و ذكره شيخ الفقهاء أيضا في جواهره، و هو: أن العقد لا يقتضي اللزوم و لا يقتضي الجواز، فالخيار و اللزوم ليس من مقتضياته حتى يكون اشتراط عدمه منافيا لمقتضى العقد، بل انها من الأحكام الثابتة للعقد بدليل خارج.
و فيه: أنه ان أراد أن الجواز و اللزوم ليسا من مدلول العقد، فمسلّم الا أنه خارج عن محل الكلام، إذ ليس الاشكال من جهة أن الشرط مناف لمدلول العقد لان ما هو مناف لمدلول العقد باطل بالاتفاق قطعا، و يعبّر عنه بالشرط المناقض للعقد، كقوله: (بعتك بشرط أن لا يتملك) و ليس المقام من هذا القبيل، و لذلك لم يعبر عنه بمناقض العقد، بل الاشكال من جهة أنه مناف لمقتضى العقد و آثاره
الثابتة من الأدلة.
و ان أراد أنهما ليسا من مقتضيات العقد مع قطع النظر عن الأدلة الخارجية ففيه: أن مقتضى العقد لا بد أن يستفاد من دليل خارج، من الكتاب و السنة، فاللزوم يستفاد من (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و الخيار من قوله (البيعان بالخيار).
و ليس المراد من مقتضى العقد استفادته من نفس العقد من دون دلالة الدليل عليه، بل لازم ذلك الجواب: عدم الحكم بشيء من اللزوم و الخيار بدون الشرط، إذ العقد بنفسه لا يقتضي أحدا منهما بناءا على ذلك مع أن ذلك لا يصحّ لعدم الواسطة بين الجواز و اللزوم فلو التزم بأحدهما فلا بد من الالتزام بالاقتضاء.
اللهم الا أن يوجه بأن المراد أن العقد لا يقتضي اللزوم و عدم اقتضاء اللزوم عين الجواز، أو أن الجواز انما هو من جهة الأصل و القول بانقلابه من جهة الإطلاقات المثبتة للزوم ممنوع، فإنها مهملة ساكتة من هذه الجهة، الا أنها كما ترى تخلو من تكلف موجبة لرفع اليد عن التمسك بالإطلاقات التي لولاها لما ينتظم استدلال في الفقه.
و كيف كان لا إشكال في إثبات الإطلاقات اللزوم للعقد، و هذا نفس الالتزام بأن اللزوم حكم من مقتضيات العقد، فان قوله (البيعان بالخيار) يثبت أن الخيار ثابت لنفس العقد و أنه من مقتضياته، إذ المراد من مقتضى العقد الأثر الذي رتبه الشارع على العقد و جعله على أنه أثره و فائدته. و هذا انما يثبت بالدليل الشرعي، لا أنه عبارة عن مدلوله الذي وضع اللفظ بإزائه حتى يقال أن اللزوم و الجواز ليسا من مقتضيات العقد.
و منها: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري، تلويحا هنا و تصريحا في باب الشروط و حاصله: أن الجواز و اللزوم من الأحكام الثابتة لموضوع، و هما كسائر الأحكام
الترخيصية كالاستحباب و الكراهة و الإباحة، انما ثبت لموضوعاتها من حيث هي لو خلّيت و طبعها من دون نظر الى طرأ عنوان آخر، فلو طرأ عليها عنوان آخر من النذر و القسم و الشرط مثلا فلا يكون منافيا لها، فان تجويز الفعل و الترك مثلا انما هو من حيث ذات الفعل.
فلا ينافي طروّ عنوان يوجب المنع عن الفعل أو الترك، كاللحم مع إباحته في نفسه لا ينافي عروض التحريم له من جهة الخلف على تركه، أو الوجوب من جهة أمر الوالدين، و كذلك في المقام، فان الجواز ثابت لموضوع العقد من حيث هو فلا ينافي اللزوم و سقوط الجواز من جهة الشرط.
و يرد عليه: أنه ان أراد من ثبوت الحكم للموضوع من حيث هو أن الموضوع انما لوحظ على سبيل الإهمال و الإطلاق بأن لوحظ ذات الفعل و نفسه مع قطع النظر عن عنوان آخر، فلا ريب حينئذ أنه يسري على مورد الاشتراط أيضا لصدق ذات الفعل على ما اتصف بعنوان آخر طارئ عليه.
فذلك لم يكن جائزا حينئذ لاستلزامه اجتماع الحكمين في الفعل الواحد لعدم كون العنوان الطارئ منوعا على الفرض لصدق عنوان ذات الفعل عليه، فاجتماع الحكمين هنا لا يجوز و لو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي، إذ الاجتماع هنا اجتماع أمري، فلا يجوز بالاتفاق، فان ذات الفعل من حيث هو إذا كان مباحا مثلا، بمعنى أن يكون الحكم ثابتا له من دون تقييده بشرط عدم طروّ عنوان شرط أو نذر عليه.
فلا بد أن يسري هذا الحكم مع صورة الشرط و النذر، فاذا كان الشرط و النذر موجبا للحكم الوجوبي فيجتمع الوجوب و الإباحة في الفعل الواحد الشخصي فلا يجوز قطعا، و هذا نظير ما أوردناه على شيخنا العلامة «قده» أيضا في باب البراءة حيث أجاب عن التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري باختلاف موضوعهما، فان موضوع الحكم الواقعي من حيث هو و موضوع الحكم الظاهري من حيث كونه
مشكوك الحكم.
و ملخص الإيراد: أنه لا يرفع هذا الاختلاف و التغاير لان الحيثين تعليليتان لا توجب تعدد الموضوع، و ليس جهة كونه مشكوكا منوعا للفعل، بل يصدق مع وصف كونه مشكوكا ذات الفعل.
ألا ترى أن الخمر المشكوك عين الخمر الواقعي و متحد من جميع الجهات، فالخمر الواحد من حيث أنه خمر، حرام، و من حيث أنه مشكوك، مباح، يتناقض جدا و اجتماع الحكمين اجتماع أمري بديهة.
نعم، لو كانت الحيثية منوعة و مقسمة للفردين، فيصلح الجواب لرفع التنافي لاختلاف الموضوع حقيقة و لكن في المقام منتف، فان الموضوع الواقعي من حيث هو إذا طرأه وصف المشكوكية لم يخرج عن موضوعه الواقعي و لم يتعدد و كذلك فيما نحن فيه، فان الفعل إذا لوحظ أولا من حيث هو موضوعا لحكم الجواز و الإباحة، أو الاستحباب و الكراهة لم يخرج عن هذا العنوان الواقعي إذا طرأه عنوان الشرط و النذر.
نعم، لو لوحظ شرط في حكم و شرط آخر في حكم آخر بحيث يختلف الموضوع للتنويع لما يحصل التناقض حينئذ، و ان أراد هذا المعنى بأن كان ثبوت الحكم للموضوع بشرط لا، أي شرط عدم طروّ عنوان آخر، و لوحظ الفعل مع وصف تجرده عن طروّ العنوانات الأخر في حكم الجواز و الإباحة مثلا، فلا ينافي حينئذ ثبوت اللزوم و الوجوب له مع طرو الشرط و النذر مثلا. فهذا حسن في نفسه و صحيح، موجب لرفع إشكال التنافي، الا أن ذلك دعوى تحتاج الى الدليل، إذ ثبوت الحكم بشرط لا أول الدعوى، فلا يصار اليه مع إطلاق أدلة الأحكام، الا بدليل خارجي، و أنى له بإثبات ذلك، و لكن قد يستدل على ذلك بوجهين
أحدهما: الانصراف، بمعنى أن المنصرف من قوله «البيّعان بالخيار» ثبوت الخيار للعقد بشرط عدم اقترانه على شرط السقوط، كما أن المنصرف من أدلة سائر الأحكام الترخيصيّة من الاستحباب و الإباحة عدم طروّ عنوان آخر.
فيه منع واضح، إذ دعوى الانصراف في تلك الأدلة مع إطلاقها كقوله:
(اللحم حكمه كذا و الشيء الفلاني مستحب أو مكروه) دعوى خالية على الدليل و البرهان.
و ثانيهما: أن ذلك مقتضى الجمع بين أدلة تلك الأحكام و بين دليل الشرط، حيث أن مقتضى إطلاق دليل الحكم ثبوت الجواز للعقد، سواء كان مع الشرط أولا، و ثبوت الإباحة و الاستحباب للفعل مع الشرط و عدمه، و مقتضى دليل الشرط أعني (المؤمنون عند شروطهم) وجوب الوفاء به، سواء كان في تلك الأحكام المطلقة أو في غيرها، فالجمع بينها يقتضي حمل الإطلاق على غير صورة الشرط.
و فيه: أن الجمع فرع التعارض بينها، و هو لا يمكن في دليل الشرط لأنه لا يتعارض مع أدلة الأحكام بعد تخصيصه بمخالف الكتاب و السنة، فكل شرط مخالف لإطلاق الكتاب و السنة خارج عن بحث العموم.
ففي المقام بعد تسليم إطلاق دليل الخيار و الإباحة، لا يعارضه دليل الشرط لأنه يصير مصداقا مخالفا للكتاب، فلا وجه للجمع، إذ الجمع يحتاج الى التعارض، و هو يحتاج الى الالتزام بإطلاق دليل الحكم، إذ لو لا لما يحصل التعارض فبعد الالتزام بالإطلاق يسقط دليل الشرط عن الاعتبار. هذا مضافا الى أنه لو فتح باب الجمع في دليل الشرط لم يبق لنا شرط مخالف للكتاب و السنة.
و التفت «قده» و قال في المقام: نعم، يبقى الكلام في دفع توّهم أنه لو بنى على الجمع بهذا الوجه بين دليل الشرط و عمومات الكتاب و السنة، لم يبق شرط
مخالف للكتاب و السنة، بل و لا لمقتضى العقد.
و أجاب عن ذلك في هذا المبحث: بأنا حيث علمنا بالنص و الإجماع أن الخيار حق مالي قابل للإسقاط، و الإرث لم يكن سقوطه منافيا للمشروع، فلم يكن اشتراطه اشتراط المنافي.
و أوضح منه في مبحث شرط المنافي لمقتضى العقد حيث قال ما حاصله:
فان دل الدليل على ترتب الأثر على العقد بطريق الإطلاقات و جميع الحالات حتى يلزم التخصيص في ذلك الدليل على تقدير صحة الشرط، كان الشرط حينئذ فاسدا و ان دل على ثبوته للعقد لو خلي و طبعه بحيث لا ينافي تغيير حكمه بالشرط حكم بصحة الشرط.
الى أن قال: و لو شك في مؤدى الدليل وجب الرجوع الى أصالة عدم ثبوت ذلك الأثر على الوجه الثاني، أي على وجه لا يقبل التغيير، فيبقى عموم أدلة الشرط سليما عن التخصيص.
و أوضح من هذا ما أفاده في مبحث الشرط المخالف للكتاب، ان الحكم الثابت للموضوع قد ثبت له من حيث نفسه و مجردا عن ملاحظة عنوان آخر طارئ عليه، و لازم ذلك عدم التنافي بين ثبوت هذا الحكم و بين ثبوت حكم آخر له إذا فرض عروض عنوان آخر لذلك الموضوع.
ثم ذكر صورة ثبوت الإطلاق و حصول التنافي، و ذكر عدم الإشكال في انقسام الحكم الى القسمين، ثم استشكل في تمييز مصداق أحدهما عن الأخر في كثير من المقامات.
الى أن قال: فينبغي للمجتهد ملاحظة الكتاب و السنة، و التأمل فيها حتى يحصل التميز، و ان لم يحصل بنى على أصالة عدم المخالفة فيرجع الى عموم (المؤمنون عند شروطهم) و مرجع هذا الأصل إلى أصالة عدم ثبوت هذا الحكم
على وجه لا يقبل تغيره بالشرط. انتهى.
و ملخص الجواب: أن حال الحكم الثابت للموضوع باعتبار استفادته من الكتاب و السنة على صور ثلاثة: قسم نعلم بسرايته في كل حال من الحالات حتى في مورد الشرط لعدم قبوله للتغيير. و قسم نعلم بعدم سرايته قطعا بل يختص في حال عدم الشرط. و قسم مشكوك بينهما.
أما القسم الأول: فلا إشكال في بطلان الشرط، لأنه مورد يخالف الكتاب و السنة.
و الثاني: لا إشكال في الصحة كما ذكر في المقام، حيث علمنا بالنص و الإجماع أن الخيار من القسم الثاني قابل للإسقاط، فليس الشرط منافيا.
و أما القسم الثالث: أعني ما كان الشك في صحة الشرط من جهة الشك في كونه مخالفا للكتاب و منافيا له و لمقتضى العقد، فبنى أولا إلى أصالة عدم كونه مخالفا أو منافيا، ثم الى عموم (المؤمنون عند شروطهم).
أقول: و في كليهما مناقشة واضحة، أما أصالة عدم كون الشرط مخالفا أو منافيا فلعدم الحالة السابقة لهذا الشرط حتى يستصحب، مع أنه معارض بمثله، و حيث أنه «قده» تفطن لذلك و قال في إصلاح ذلك: أن مرجع هذا الأصل إلى أصالة عدم ثبوت هذا الحكم على وجه لا يقبل تغيّره بالشرط، يعني عدم المنافاة و المخالفة لا يثبت الا بعدم الحكم على هذا الوجه، و حيث أن جعل الحكم على الوجه الغير القابل للتغيير خلاف الأصل فيثبت عدم المخالفة، الا أنه يرد على أصالة عدم جعل الحكم على الوجه الغير القابل للتغيير: أن ترتب عدم كون الشرط مخالفا من اللوازم العقلية، فهو مبني على الأصول المثبتة التي لا نقول بها، مضافا الى أنه معارض بالمثل لأصالة عدم جعل الحكم على الوجه القابل للتغيير.
و أما عموم (المؤمنون عند شروطهم) فتقريب كونه مرجعا في المقام أن يقال أن مقتضاه وجوب الوفاء بكل شرط، غاية الأمر أنه خرج عنه بعض الشروط و هو الشرط الذي ثبت كونه مخالفا للكتاب أو منافيا لمقتضى العقد، فيبقى المشكوك في كونه مخالفا للكتاب أو منافيا لمقتضى العقد تحت العموم، فان المخصص إذا دار أمره بين الأقل و الأكثر وجب العمل بالعام في غير الأقل الذي هو المتيقّن من الخروج.
هذا و يشكل ذلك حينئذ بحصول التنويع في الشروط بمخالف الكتاب و غير مخالف الكتاب، فالأول باطل قطعا دون الثاني، فإذا دار حال الشرط الخارجي في كونه مصداقا للمخالف أم لا، فلا ينفع التمسك بالعام لكون الشبهة مصداقية.
بعبارة أخرى: أن مقتضى ما دل على عدم صحة الشرط المخالف للكتاب الذي يرجع إليه المنافي لمقتضى العقد أيضا كون الشرط على نوعين (أحدهما) ما هو مخالف للكتاب، و هو غير صحيح. و (الثاني) موافق له و هو صحيح، فعند الشك في كون الشرط مخالفا للكتاب أو موافقا لا يمكن التمسك بعموم (المؤمنون عند شروطهم) في صحته لأنه من قبيل التمسك بالعام في تعيين المصداق، فلا يجوز ذلك على التحقيق المختار كما شرحناه في الأصول.
و ملخص الوجه في عدم الجواز: ان لفظ العام و ان كان ظاهره مشمول على جميع الإفراد و المصاديق من غير قصور، و مقتضى ذلك فرديته لكل ما يصدق عليه ذلك العام و يشمل له، و لازم ذلك إسراء العام على مصاديقه المشمولة، الا أن ذلك انما ينفع إذا قلنا بكون تلك الإفراد مراد المتكلم، فان المتكلم في مقام بيان الحكم لا بد أن يشخص مراده من العام، حيث أنه قابل للتخصيص فاللفظ و ان كان صالحا للمعنى الظاهري الا أنه لم يكن موجبا لمرامه، فلا بد من تشخيص مراده
من طريق اما يفيد القطع على المراد أو يعتمد عليه بناء العقلاء، و هو في المقام أصالة العموم، حيث أن المتكلم في مقام بيان الحكم و كان اللفظ صالحا و شاملا للافراد، و يجب عليه أيضا بيان مراده لئلا يلزم الإغراء.
فنحكم بأن الأصل ارادة المتكلم جميع الإفراد، و نحرز مراده بالأصل لئلا يلزم القبح عليه، و حيث كان إحراز مراده بالأصل بمعنى أن العقلاء يقبحونه لو لم يرد العموم بحسب الاقتضاء في ذلك فيما كان بيان مراده لازما عليه و كان بيانه وظيفة له.
فيقال حينئذ: أن العقل يقبح المتكلم لو لم يرد العموم إذ يلزم عليه بيانه، فينتج ذلك التمسك بالعموم فيما كان بيان المراد وظيفة له، و عدم جوازه فيما لم يكن البيان وظيفة له.
فنقول: إذا قال المتكلم: (أكرم العلماء) بيّن مراده بأصل العموم، و قال:
(لا تكرم زيدا العالم) أو (لا تكرم الفساق) كان المراد أيضا منها معلوما، فالشك في كون الشخص الخاص الخارجي هل هو عالم أو فاسق، أو دار الأمر بين كونه زيدا أو غيره من العلماء ليس من وظيفة المتكلم حتى يجب بيانه عليه و يلزم من عدم جريان أصالة العموم حينئذ قبح عليه.
و الحاصل: لا يمكن التمسك بأصالة العموم الا فيما كان لولاه يلزم القبح على المتكلم ففي الشبهات المصداقية لا يتمسك بأصالة العموم لعدم لزوم القبح عليه، لان المتكلم انما هو بيّن مراده، و تشخيص الإفراد و طريق الامتثال ليس من وظيفته، بل المكلف يلزم عليه التجري و التفحص في تشخيص الإفراد. هذا مجمل الكلام.
و كيف كان، التمسك بعموم أدلة الشروط عند الشك في كون الشرط مخالفا للكتاب أم لا، مع العلم بخروج المخالف عن تحت العموم كان من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الذي لا يجوزه شيخنا العلامة «قده» كما هو المختار
إلا في بعض الموارد المحصورة، كما إذا كان المخصص عقليا و ثبت التخصيص باللب كقوله (كل بني أمية ملعون) يخصصه العقل بغير شيعي، فعند الشك في كون الشخص الفلاني المعلوم كونه من بني أمية أنه هل هو شيعي أم لا، فيجوز لعنه بالتمسك بالعموم، لعدم حكم العقل عند الشك، فيصير الشك حينئذ في أصل التخصيص و كما إذا كان المخصص منفصلا و مسوقا لبيان حكم آخر.
و كيف كان، قال شيخنا الأستاد (دام ظله) في مجلس البحث توجيها لما أفاده شيخنا العلامة «قده» من التمسك بعموم (المؤمنون عند شروطهم): عند الشك في كون الشرط منافيا لمقتضى العقد أو مخالفا لما دل الكتاب و السنة على ثبوت الحكم على خلافه لوجهين:
أحدهما: أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لا يجوز إذا علم بخروج أفراد من تحته، و يقع الشك في أن الفرد المخصوص هل هو من تلك الأفراد الخارجة أو الباقية، و لكنه يجوز في أمثال المقام و هو أنه علم الإفراد المخصوصة خروجها، و لكن يقع الشك في خروج فرد آخر عن الإفراد المعلومة، فأصالة عدم الخروج بحكمه أيضا. مثال ذلك: إذا قال (أكرم العلماء)، ثم خصص ذلك ب (لا تكرم الفساق) و نعلم أن الفساق محصورون في عشرة أشخاص مثلا، بمعنى أن أفرادها المعلومة هذه العشرة، و نحتمل أن زيدا أيضا من أفراده غير العشرة حتى يصير العام بالنسبة إليه مخصصا، فحينئذ نتمسك بالعام و نحكم بالعموم بحكم أصالة عدم التخصيص. و ذلك مبني على كون العموم بالنسبة الى أفراده مرآتيا، فالعام يستوعب كل أفراد العالم فردا فردا على سبيل المرآتية و يشمله.
و الخارج المعلوم في المثال عشرة، و في زيد يصير الشك في تخصيص زائد و ان كان باعتبار اندراجه تحت الفاسق. و مرجع ذلك الى استصحاب العموم و عدم خروج هذا الفرد المشكوك عن تحت العموم.
و الحاصل: بناءا على دلالة العموم على سبيل المرآتية يصير خروج كل فرد فرد و لو باعتبار اندراجه تحت المخصص تخصصا زائدا، فعند الشك يقال:
الأصل بقاء العموم بالنسبة الى هذا الفرد المشكوك في كونه من مصداق العام أو مصداق الخاص. فان قلت: كل موارد الشك من هذا القبيل، فأين مورد عدم جواز التمسك بالعام؟.
قلت: فيما كان الشك في عدد المحصورين الخارجين كالعشرة في المثال المذكور، فاذا وقع الشك في أن زيدا هل هو من العشرة الفسقة الخارجة عن تحت العلماء بقوله: (لا تكرم الفساق) أم غيرهم؟ فلا يجوز حينئذ التمسك بالعام لعدم جريان أصالة عدم الخروج في هذا الفرد لابتلائها بالمعارض بالنسبة إلى فرد آخر لمكان العلم و كون الفرد من أطراف العلم الإجمالي، بخلاف صورة الشك البدوي كما في المقام.
فان الشروط المخالفة للكتاب معلومة من الخارج، أعني في كل ما كان الحكم لا يقبل التغيير و سرى في جميع الحالات حتى في صورة ما اشترط على خلافه فلهذا القسم أفراد معلومة لنا. و لكن يقع الشك في أن هذا الشرط الذي هو محل البحث مثلا، كما لو وقع الشرط على سقوط الخيار هل هو أيضا من أفراده زائدا على ما علمنا أي فرد من مخالف الكتاب و مناف لمقتضى العقد حتى يصير باطلا كسائر الأفراد المعلومة دخولها تحته. أم تصير الشبهة في ذلك المصداق بدوية، فيجوز التمسك بالعام في الشبهة البدوية المصداقية بناءا على كون دلالة العام لمصاديقه من باب المرآتية لجريان أصالة عدم الخروج، أي عدم خروج هذا الفرد عن تحت العموم بعد فرض شمول العموم له و كونه مندرجا تحت العام فيستصحب العموم و يحكم به حتى يحصل العلم بالخروج تفصيلا أو إجمالا؟.
أقول: فرض شمول العموم لهذا الفرد المشكوك ان كان بحسب المراد من
العام- أي أن المتكلم أراد هذا الفرد من العام واقعا- فليس له حينئذ حالة سابقة لوقوع الشك في إرادته أولا. كما أنه ليس لهذا الفرد حالة سابقة بالنسبة إلى الحكم الواقعي و إن كان بحسب الحكم الظاهري فليس في ذلك لجريان الأصل مسرح. و الحاصل: عدم جريان الاستصحاب في كلا الصورتين، أما بالنسبة إلى المراد من الحكم الواقعي، فليس له حالة سابقة، و أما بالنسبة إلى الحكم الظاهري- أعني أصالة العموم- فلم يجر الاستصحاب في الأحكام الظاهرية لتغير موضوعها.
ففي المقام اعتبار أصالة العموم اما من جهة أصالة الحقيقة فهي قد تغيرت قطعا لورود التخصيص على العام، فلا مجري للأصل حينئذ. و ان كان من باب الظهور و بناء العقلاء فهو حسن في مورد يلزم القبح على المتكلم لو لم يرد العموم و ظاهر اللفظ مع كونه في مقام البيان حينما كان البيان من وظيفته هو أصالة العموم و أما في مورد الشك في الاندراج و الشبهة في المصداق، فلا مجرى لأصالة العموم لعدم كون بيانه من وظيفته.
و ثانيهما: ما هو المتعين فيما أراده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» عند التمسك بعموم (المؤمنون عند شروطهم) أن الشك في أن شرط السقوط هل هو مخالف الكتاب و لمقتضى العقد أم لا؟ مرجعه الى الشك في مقتضى العقد و الكتاب بمعنى أن حكم العقد في كتاب اللّه تعالى و السنة مشكوك لنا، هل هو مجعول بحيث لا يتغير أو بحيث يقبل التغيير و من المعلوم بيان ذلك من وظيفة الشارع.
فحيث لم يعلم حال المخصص، فيكون المرجع عموم (المؤمنون عند شروطهم) لكون الشبهة في مفهوم المخصص، فيجوز التمسك بالعام في الشبهات المفهومية.
ففي المقام و ان كان لفظ المخالف للكتاب مبيّنا باعتبار معلومية مفهوم الموافقة و المخالفة، الا أن الإجمال باعتبار ما يستفاد من الكتاب فيصير مخالف الكتاب
في خروجه عن عموم (المؤمنون عند شروطهم) كالفاسق في خروجه عن قوله (أكرم العلماء) بالنسبة الى من ارتكب الصغيرة للشك في معنى الفاسق، هل هو بمعنى مطلق العاصي بمعصية صغيرة و كبيرة، أو بمعنى خصوص المرتكب للكبيرة.
فعلى ذلك نقول: أن شرط سقوط الخيار في البيع صحيح بمقتضى (المؤمنون عند شروطهم) و ليس بمخالف الكتاب و مقتضى العقد حتى يندرج تحت المخصص أعني ما خالف الكتاب- فيصير باطلا، لعدم ثبوت الخيار للبيع من قبيل الأحكام التي لا يقبل التغيير، بل ثبت بالنص و الإجماع أنه قابل للتغيير و الاسقاط. و مع الإغماض عنهما و فرض حصول الشك كفانا أصالة عدم جعل هذا الحكم- أعني الخيار- في مورد الشرط. فمع المناقشة في ذلك بأنها معارض بمثلها أو من الأصول المثبتة، و ليس لها أثر شرعي.
نقول: لا أقل من الشك، فحيث كان بيان ذلك من وظيفة الشارع، نتمسك بعموم (المؤمنون عند شروطهم) و لا ينتقض بشرط اللزوم في الهبة، لما ثبت بالنص و الإجماع: أن الجواز فيها مما لا يتغير بشرط.
و ملخص الكلام: أن مما ثبت التغير بالنص و الإجماع و عدمه بهما نعمل بمقتضاهما، و عند الشك في التغير كان المرجع عموم أدلة الشروط المبطل لأصالة الفساد فيها.
و منها، أي من الوجوه الرافعة للإشكال الواردة في المقام، ما أفاده شيخنا الأستاد (دام ظله العالي): أن الأحكام اما إلزامية، أو ترخيصية، أو وضعية.
أما في الإلزامية- كالوجوب و الحرمة- فشرط الفعل في الأول و الترك في الثاني- كالاستحباب و الكراهة- لا ضير فيه، لأنه مؤكد و ليس بمخالف الكتاب.
و لكن عكس ذلك، أي شرط الترك في الواجب و المستحب، و شرط الفعل
في الحرام و المكروه باطل، لكونه محرما للحلال و محللا للحرام.
و أما الترخيصية: فيجوز شرط الفعل و الترك فيها بناءا على أنه ليس فيها جعل من الشارع، بل انما يكون من قبيل الإمضاء و اللاحرج، و هذا هو المعبر عنه بموارد البراءة و عدم القبح في الفعل و الترك، فلا يندرج الشرط لا فعلا و لا عدما بمحلل الحرام و محرم الحلال، و ليس بمخالف الكتاب.
نعم، على القول بالإباحة فيها، بمعنى جعل الحكم الشرعي في الأحكام الترخيصية يصير شرط الترك منافيا للكتاب، و يتوجه عليه ما أوردناه على شيخنا العلامة «قده» من التنافي في الحكمين و الاجتماع الأمري.
و هذا هو الذي عبرنا عنه سابقا بموارد الإباحة، حيث قلنا: أن الفعل الترخيصي على قسمين: قسم من مجاري أصالة البراءة و قسم من مجاري أصالة الإباحة، و هي منحصرة في أنواع أربعة: المآكل، و المشارب، و الملابس، و المناكح، و يعبر عنها العرفاء: بالحلق و الجلق و الدلق.
ففي القسم الذي هو من مجاري البراءة- و هي غير الأنواع الأربعة- لا حكم فيه، فيجري فيه أدلة الشرط من دون جريان الأدلة المخصصة- أعني مخالف الكتاب و منافية- ففي القسم الثاني شرط تركه لا ضير فيه و ان شئت أوضح من ذلك، فراجع ما كتبناه آنفا.
و لكن شيخنا الأستاد (دام ظله) في هذا المقام لم يفصّل بهذا التفصيل، بل ذكر أن الأحكام الترخيصية حيث كانت مجرد الإمضاء و اللاحرج، فلا ينافي مع الاشتراط بشيء، فيقبل للشرط وجودا و عدما، و أما ما كان من قبيل الأسباب و الأحكام الوضعية، فشرط منافيه و مخالفه فيندرج في مخالف الكتاب قطعا، وجودا و عدما فيشكل حينئذ بالنسبة إلى شرط الخيار و اللزوم، حيث أنهما من الأحكام الوضعية تابعة لأسبابها.
و الذي يسهل الأمر من إرجاع الشرط الى شرط فعل، اما بأن يقال: أن الإقالة فعل جائز للمتبايعين، أو ليس من الأنواع الأربعة، فشرط السقوط يرجع الى شرط ترك الإقالة، فلا ضير في ذلك. أو يقال: أن شرط السقوط يرجع الى شرط الاسقاط بعد حصول البيع، فيصير من شروط الفعل الذي لم يندرج بمخالف الكتاب و السنة.
فهذا الميزان و ان كان موافقا لميزان شيخنا العلامة «قده» في النتيجة- أي في الحكم على صحة شرط السقوط- الا أن شيخنا العلامة «قده» أخرجه عن شرط الحكم المخالف للكتاب، بدعوى كون الحكم قابلًا للتغيير، و ليس ثبوته على سبيل الإطلاق حتى ينافيه، فان كونه قابلًا للتغيير، اما من جهة النص و الإجماع حيث لم يكن النص مجملا في الدلالة، أو من جهة التمسك بالنص و عموم (المؤمنون عند شروطهم) مع الشك في دلالة النص في أنه على وجه الإطلاق و الإهمال القابل للتغيير و الاسقاط.
و أما على ما سلكه شيخنا الأستاذ (دام ظله) فلا بد من إرجاعه إلى ترك الفعل، أي الإقالة، أو شرط نفس الفعل أي الاسقاط، فيصح المطلب و يتم الكلام على كليهما و ان كان باختلاف المدارك.
أن إسقاط الخيار في ضمن العقد لما لم يحصل بعد، بمعنى أنه إسقاط لأمر معدوم لان الخيار لا يحدث الأبعد تحقق البيع. فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله، إسقاط لما لم يجب.
فيه: من الاشتباه ما لا يخفى، من أن الاسقاط الذي وقع عليه الشرط، انما هو بعد العقد، بمعنى أنه بعد العقد يحدث الخيار، فبشرط إسقاطه بعد حدوثه، لا أن
الاسقاط حين العقد أو قبله حتى يقال. أن الخيار لم يتحقق، فكيف يسقط ما لم يوجد.
و قد أجاب شيخنا العلامة «قده» بما محصله: أن مرجع شرط السقوط الى اشتراط عدم الخيار و عدم ثبوته من أول الأمر، فالشرط حينئذ مانع عن ثبوت الخيار، لا أنه ثابت حتى يسقط، فيقال: إسقاطه قبله لا يصح.
فشرط السقوط أو اللزوم شرط النتيجة ليس قابلًا للالتزام و الإلزام، لأنه أمر خارج عن قدرة المشترط.
و الجواب: أولا بالنقض على شروط النتائج، كشرط الوكالة و الرهانة و الوقف و العتق و غيرها مما هو يقرب صحته أن يكون مجمعا عليه، حيث أن المحققين ذهبوا الى ان أمثال هذه الشروط لا تحتاج إلى إيجاب المسبب، بمعنى أنه يجب على المشترط عليه إيقاع السبب و ان امتنع فعلى الحاكم أن يوجد السبب، بل بمجرد حصول الشرط في ضمن العقد اللازم تحصل تلك النتائج.
و ثانيا: بالحل، بأن مرجع تلك الشروط الى اشتراط ترتب الآثار، بدلالة الاقتضاء، حيث أن نفس النتيجة ليس بمقدور حتى يشترط عليه، فيرجع الى اشتراط ترتب آثار الوكالة و الرهانة و الوقف و العتق، و كذلك في المقام يؤل شرط السقوط الى ترتب آثار اللزوم، من عدم جواز الفسخ و بقائه على الملكية السابقة و عدم تسلطه على المال إلا باذنه و هكذا، فهذا أمر مقدور، فيؤل شرط النتيجة إلى شرط آثارها بعد قيام الدليل على صحته.
كما إذا اشترط عدم الفسخ أو الإسقاط. أما شرط عدم الفسخ، فلا إشكال في وجوب الالتزام به بمقتضى (المؤمنون عند شروطهم) لعدم ابتلائه بالمعارض من جهة
إثبات الحكم التكليفي الإيجابي، و انما الإشكال في نفوذ الفسخ و تأثيره إذا خالف الشرط و وجوب الالتزام به، فهل يؤثر إذا فسخ أم لا؟ وجهان، و يدل على الأول عموم أدلة الخيار فإنه يدل على ثبوت حق الخيار مطلقا، و معنى ثبوته ليس إلا تأثيره و لا يعارضه دليل الشرط، لأنه انما يدل على وجوب الالتزام بترك الفسخ، فهو لا يوجب فساده.
و بعبارة أخرى: أن مقتضى قوله (البيعان بالخيار) إثبات الحكم الوضعي و بيان السببية و تأثير الخيار كقوله (إذا التقى الختانان وجب الغسل) حيث يدل على سببية الالتقاء للغسل، و هذا لا ينافي وجوب الفسخ أو وجوب تركه كما ان الخبر الشريف يدل على كيفية الالتقاء فيجتمع مع الوجوب و الحرمة، حيث لا تنافي بين الحكم الوضعي و التكليفي في أمثال المقام. و قد مثل لذلك شيخنا العلامة «قده» بيع منذور التصدق، فيصح و ان خالف النذر و حصلت الحرمة و الحنث.
و يدل على الثاني: (المؤمنون عند شروطهم) و قواه شيخنا العلامة «قده» بتقريب أن عمومه الاحوالي يقتضي الالتزام بعد الفسخ في جميع الحالات، سواء فسخ أم لا، فبعد الفسخ أيضا يجب ترتيب آثار الشرط- أعني عدم الفسخ- نظير ما لو باع منذور التصدق، حيث ذهب غير واحد الى ترتيب آثار النذر و لو بعد البيع.
و يدفعه: أن لسان عموم (المؤمنون عند شروطهم) ليس الا وجوب الالتزام بالشرط مهما أمكن، و ليس بناظر بحال الموضوع- أعني تأثير الفسخ و عدمه- فاذا قلنا بنفوذ الفسخ فلا يبقى محل لوجوب الالتزام و الوفاء بالشرط، و العموم الاحوالي لا ينفع في إثبات عدم الفسخ و الالتزام به الأعلى ما سنذكر بيانه.
و أما بيع منذور التصدق فالتحقيق أن يقال: بعد تعارض أدلة النذر و عمومات
البيع، دار الأمر بين التخصيص و التخصص فاذا قلنا بتقديم أدلة النذر و تحكيمها على دليل البيع يلزم التخصيص في أدلة البيع، لأنه يصير الحاصل أنه: يجب ترتب آثار كل بيع و يحل الا بيع منذور التصدق، فلا يجب ترتب آثار البيع، بل يجوز للبائع دفع المنذور للصدقة و لو كان مبيعا.
و أما إذا قلنا بتقديم أدلة البيع، يلزم التخصص لانتفاء محل النذر و موضوعه، فصار كالتلف لاشتراط الوفاء بالنذر على بقاء المنذور و إمكان الوفاء بالنذر، فكما عند التلف لا يحصل الحنث فكذلك عند التلف الشرعي، إذ بناءا على صحة البيع يخرج الوفاء عن كونه مقدورا للناذر.
و أما التحقيق في محل البحث أن يقال: أن الفعل قد يكون من قبيل ما لا حرج في فعله مما لا حكم له من الأحكام الوضعية: و قد يكون من قبيل الأسباب، و قد ثبتت له أحكام في الشرع.
أما القسم الأول، فلا ريب في وجوب الوفاء بمقتضى الشرط فيه وجودا و عدما، فان عموم (المؤمنون عند شروطهم) سليم عن المعارض كما اشترط في البيع مثلا فعل أمر سائغ أو تركه.
و أما القسم الثاني- أعني ما كان من قبيل الأسباب- فتارة يقع الشرط على تركه- كما فيما نحن فيه- كأن شرط ترك الفسخ، فهل يؤثر الفسخ لو خالف الشرط و ثبت له أحكامه الثابتة له في الخارج أم لا؟، و أخرى: يقع الشرط على فعله كما في صورة اشتراط الوكالة و الهبة و الرهانة و البيع و غيرها، فهل تترتب عليها أحكامها المنافية لعموم (المؤمنون عند شروطهم)، أم مقتضى وجوب الوفاء بالشرط سقوط أحكامها؟ فيقع الإشكال في هذه الصورة تارة في نفس الأحكام الثابتة و أخرى بالنسبة إلى جواز أمر مضاد له، حيث أن مقتضى وجوب الشرط إيجاد المشروط فيخالف الشرط و يوجب ضد الشرط، كما اشترط صدقة شيء أو نذر التصدق به
فخالفه بإيجاد ضده- كما لو باع- فهل يحكم بصحة ذلك الضد، أعني البيع أم لا؟
فهذه صور ثلاثة.
فالكلام فيها من جهة أنه لو خالف الشرط و أوجد الفعل، هل تثبت له الصحة و يترتب عليه أثره أم لا؟ كما لو باع شيئا بعد شرط تركه و فسخ البيع بعد شرط تركه.
أما وجه الصحة واضح لإطلاق دليله. و لكن يستدل على فساده و عدم تأثيره بوجهين:
(الأول): ما عن «المستند» أن الفعل بمخالفة الشرط يصير حراما و منهيا عنه، و النهي في المعاملات يوجب الفساد، فالفسخ بعد اشتراط تركه غير نافذ، لأنه إذا كان تركه واجبا يصير فعله منهيا عنه، و النهي إذا تعلق بنفس المعاملة يقتضي الفساد كما هو مسلك الفقهاء، فلا يزال يتمسكون على فساد المعاملات بتعلق النهي عليها، سواء كان النهي لفظيا أم لا.
فيه: أن النهي في المقام لم يتعلق بنفس المعاملة، بل انما تعلق بأمر خارج تصادق على المعاملة كالبيع وقت النداء، فإنه حرام و منهي عنه، و انما تعلق النهي على عنوان التفويت الصادق على البيع، فمجرد كونه مصداقا للحرام و بعنوان المنهي منه لا يوجب الفساد، إذا الحرمة في المعاملة يجتمع مع صحتها كما اتفق عليه الأصوليون: أن النهي في المعاملة لا يوجب الفساد.
فالوجه فيه: أن النهي حينئذ إنما يوجب حرمة البيع وقت النداء و الفسخ بعد شرط تركه، و معلوم أن مجرد كونه حراما يجتمع مع الصحة لعدم المنافاة عقلا بين الصحة و الحرمة. و هذا هو المراد مما اتفق عليه الأصوليون، و لا ينافي ذلك ما استدل به الفقهاء من فساد المعاملة إذا تعلق بها النهي، إذ استدلالهم انما
هو إذا تعلق النهي بنفس المعاملة لا بأمر خارج، كما إذا تعلق النهي بالبيع الربوي و نكاح ما نكح الإباء و غيرهما مما تعلق النهي باعتبار أجزائه و شرائطه، كبيع الخمر و بيع الصرف ما لم يقبض في المجلس و هكذا و الوجه في ذلك أحد أمرين:
أحدهما: حمل النهي على الإرشادي كما هو الشأن في المعاملات إذا تعلق بها النهي، فيدل على عدم صحة تلك المعاملة حيث أن النهي سيق لبيان الواقع، بمعنى أن وجود تلك المعاملة كعدمها لا تترتب عليها الآثار لانتفاء شرطها أو جزئها أو عدم كون نفس المعاملة سببا للنقل و الانتقال عند الشارع، فالربا و نكاح ما نكح الإباء و بيع الخمر ليس بصحيح عند الشارع، فلسان النهي حينئذ لسان الاخبار عن الفساد. و عدم إمضاء الشارع لها بنفسها أو بجزئها أو بشرطها.
و ثانيهما: ما ثبت بدلالة الاقتضاء، حيث أن نفس المعاملة و اتحاد الصيغة ليست له حرمة ذاتية، إذ من المعلوم اتحاد صيغة البيع في الخمر و التلفظ بقوله بعث الخمر أو التلفظ بنكاح ما نكح الإباء ليس كالغيبة و غيرها من المحرمات الذاتية، بل انما حرمته حرمة تشريعية، فلا بد أن يكون تعلق النهي بها بدلالة الاقتضاء راجعا الى ترتب الآثار و حرمته كأن يقال نفس (بعث الخمر) و التلفظ لا يصير حراما ذاتيا، فاذا تعلق به النهي ثبت- بدلالة الاقتضاء- حرمة آثار البيع عليه كحرمة الأعيان المحرمة، حيث إذا تعلق النهي بها يرجع الى آثارها المناسبة كحرمة أكل الميتة و الخمر و غير ذلك.
و كيف كان، ليس النهي في المقام من موارد المتفق عليه الفقهاء من دلالة النهي على الفساد فظهر وجهه مما بيّنا، كما ظهر وجه عدم المنافاة بين ما اتفقوا عليه في الأصول و بين ما اتفقوا عليه في الفقه، حيث أن نظرهم في الأصول: التجمد على لفظ النهي و نفس ثبوت الحرمة للمعاملة، فإن مجرد الحرمة لا يقتضي الفساد كالعبادات. و نظرهم في الفقه: بالوجهين الذي بيّنا. و امتياز المقامين موكول
الى نظر الفقيه. فلا ريب فيما نحن فيه: أن النهي انما تعلق على مخالفة الشرط، فهذا لا يوجب عدم نفوذ الفسخ و بطلانه كما حكي عن النراقي.
(الثاني): اقتضاء عموم (المؤمنون عند شروطهم) على وجوب الوفاء بالشرط في كل حال من الحالات حتى بعد الفسخ، فيجب ترتب آثار عدم الفسخ في جميع الحالات، فان الشرط عبارة عن عدم الفسخ، و وجوب ترتب آثاره عبارة عن عدم الاعتناء بالفسخ و نفوذه و تأثره، بل يجب تنزيل الفسخ منزلة العدم و ترتيب آثار عدم الفسخ. فان قلت: ان دليل الشرط لا يقتضي إلا وجوب الالتزام بعدم الفسخ، و أما تأثر الفسخ و عدمه فهو خارج عن مدلول الشرط، فمقتضى إطلاق أدلة الخيار نفوذه. قلت: الالتزام بعدم الفسخ فقط ليس من الشروط العقلائية لعدم ترتب غرض العقلاء عليه، ضرورة أن غرض المشترط على المشترط عليه عدم الفسخ في البيع الفلاني- مثلا- لزوم البيع و عدم نفوذ فسخه، بحيث لو أراد الفسخ لما يتمكن لصيرورته لازما، و أما مجرد اشتراط عدم الفسخ فقط بحيث لو أراد الفسخ لأثر من غير احداث لزوم في البيع لكان لغوا عاريا عن الفائدة، و مجرد الحكم التكليفي الإلزامي على عدم الفسخ لم يتعلق به غرض العقلاء.
فحينئذ مقتضى الشرط هو الالتزام بجميع آثار عدم الفسخ و عدم ترتب آثار الفسخ، و من جملة آثار عدم الفسخ هو إبقاء البيع على حاله و كون المبيع للمشتري و الثمن للبائع، فيجب الالتزام بذلك بمقتضى الدليل الدال على وجوب الوفاء بالشرط، فان الوفاء بالشرط ليس الا بترتب آثاره.
و حيث قلنا بتقديم أدلة الشرط على أدلة الخيار للإجماع على صحة هذا الشرط و كون دليل الخيار مهملا من هذه الجهة، فلا بد من الالتزام بآثار الشرط فحينئذ الأقوى وجوب ما اختار شيخنا العلامة «قده» في مكاسبه، و لعل دليله يرجع الى ما ذكرنا و ان كان قاصراً عن افادته، مع أنه لو أغمضنا عن دليل الشرط
بأن قلنا بمعارضته مع دليل الخيار يصير أصالة اللزوم مرجعا في المقام لأنه الأصل المؤسس في باب البيع.
فمقتضى الشرط لزومها و مقتضى الأدلة الدالة على أحكامها، أعني كل هبة جائز و الوكالة بجواز العزل للموكل جوازها فيتعارضان، و لو لا الترجيح لأدلة الشرط يرجع الى الأصل و هو أصالة اللزوم في باب العقود، الا أن المعلوم المنساق من كلماتهم هو تقديم دليل الشرط و ثبوت الأحكام لهذه الأسباب انما هو على سبيل المهملة كما ذكرنا شطرا من ذلك، و أن ذلك هو الأصل أيضا عند الشك، حسب ما ذكرنا وفاقا لشيخنا العلامة «قده».
و نزيد هنا: أن المصرّح به في أمثال البحث هو اشتراط الوكالة في عقد الرهن، و يستظهر من ذلك مذاقهم في أشباهها من الهبة و غيرها، حيث أن المشهور بينهم نقلا و تحصيلا، بل عن «السرائر» نسبة الخلاف الى أهل الخلاف لزوم الوكالة و عدم جواز العزل بعد الشرط. و الوجوه المذكورة لجوازها مدخولة:
أحدها: أنها من العقود الجائزة التي من شأنها تسلط كل منهما على الفسخ و اشتراطها لا يقتضي لزومها و الا لم تبطل بالموت.
و ثانيها: عدم لزوم الشرط و ان كان في عقد لازم، و انما أقصاه التسليط على الفسخ.
و ثالثها: و ان كان مختصا في باب الرهن، ان الرهن جائز من طرف المرتهن و ان كان لازما من طرف الراهن، الا أن ترجيح إحداهما على الأخر ترجيح بلا مرجح. فأورد على كلها في «الجواهر»، أما عن الأول: أن الوكالة و ان كانت من العقود الجائزة بالذات لكن لا بأس بلزومها من جهة العارض كالشرط و نحوه. و هذا إشارة الى ما ذكرنا من أن أدلة أحكام الوكالة مهملة، فيكون محكوما لأدلة الشرط.
ثم قال: و دعوى أنه غير مقتض لذلك. انتهى.
و هذه إشارة الى ما ذكرنا أن أدلة الشرط لا يقتضي الا وجوب الالتزام، و هو حكم تكليفي فلا نظر له أزيد من ذلك، فلو خالف البيع الوكالة أحكامها فلا يقتضي الشرط لزوم الوكالة.
ثم دفع ذلك بقوله: و يدفعها فرض كون المراد منه البيع وكالة فهو كما لو صرح باشتراط عدم العزل، لا أن المراد مطلق حصول الوصف بها و ان عزل بعد ذلك، و احتمال أن التصريح بعدم العزل لا يقتضي عدم ترتب الأثر لو وقع، بل أقصاه الإثم، يدفعه: أنه مناف لكون (المؤمنون عند شروطهم) انتهى.
و هذا كما ترى صريح فيما ذكرنا سابقا، و انما ذكرنا عين عبارته حتى تطمئن لما ذكرنا، و حاصله: أن مجرد حصول وصف الوكالة بحيث يتبعها العزل لم يتعلق به غرض عقلائي، فلا بد من كون الشرط عقلائيا أن يكون مراد المتشارطين ترتب آثار الوكالة من صحة بيعه مطلقا و عدم الاعتناء. بخلاف الوكالة و العزل، فلازم ذلك جواز بيع المرتهن حتى بعد العزل، فكان الشرط يرجع الى عدم العزل و وجوب ترتيب آثار عدم العزل. فحيث ينزل الشرط على هذه المثابة، فمقتضى (المؤمنون عند شروطهم) وجوب ترتيب آثار هذا الشرط، لا مجرد شرط الوصف الذي ليس شرطا عقلائيا، و لا تحصل له الفائدة إلا الإثم.
ثم أجاب «قده» عن النقص بصورة الموت بأن: البطلان لانتفاء الموضوع ضرورة كونها استنابة تذهب بذهاب المندوب عنه، فلا يقتضي جواز العزل. و أما عن الثاني و الثالث فليراجع الى كتابه «قده»، و فيما ذكرنا من جوابه الأول كفاية فيما ادعيناه من أن التحقيق هو الحكم باللزوم و وجوب الوفاء الشرط.
كما إذا اشترط التصدق بمال مخالفة و باعه، فهل يحكم بصحة
ذلك الضد و تأثيره لما هو مجعول له لو لا الشرط من الأحكام الوضعية، أم يحكم بفساده لكونه منهيا عنه بمخالفة الشرط؟ فمقتضى القاعدة أن يقال: ان ثبت من الخارج تقديم أدلة الشرط على الأدلة المثبتة لأحكام ذلك الضد أو عكسه، بأن كان دليل ثبوت الحكم لذلك الضد مقدما على دليل الشرط بأن كان أحدهما حاكما على الأخر و رافعا لموضوع الأخر، فيؤخذ بما هو أقوى و ان لم يثبت الترجيح فيتعارض دليل الشرط مع دليل الضد فيتساقطان فيرجع الى الأصل.
ففي المثال المذكور نقول: أن دليل الشرط مع دليل البيع- و ان كانت النسبة بينهما عموم من وجه- حيث ان (المؤمنون عند شروطهم) يقتضي وجوب تصدق المال و حرمة بيعه، و (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) يقتضي صحة بيعه، الا أن الأمر دائر بين التخصيص و التخصص لأنه إذا قلنا بتقديم دليل الشرط فلا بد من القول بالتخصص في (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و أما إذا قلنا بتقديم دليل صحة البيع فلا يلزم تخصص لأنه بعد الالتزام بصحة البيع لا يبقى محل للوفاء بالشرط، بل ينتفي موضوعه كما إذا تلف المال فلا ريب ان الالتزام بالتخصص أولى من التخصيص و أخذ الحاكم مقدم على أخذ المحكوم.
و لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بالتعارض، فالمرجع هو الأصل و هو في المقام أصل اللزوم، فالأقوى صحة البيع إذا كان ضد الفعل الشرط أما من جهة تحكيم (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) على دليل الشرط، أو من جهة أصالة الصحة و اللزوم التي هي المرجع في باب البيع و العقود. هذا ما سمعناه في مجلس البحث.
أقول: هذا حسن ما لم ينجر الى انتفاء شرط من شروط البيع كما إذا كان المبيع متعلقا لحق الغير، فلا يصح البيع لانتفاء شرط البيع، فإنه يجب أن يكون المبيع طلقا، فاذا شرط وقف دار أو عبد مثلا أو نذر تصدقه غنم على الفقراء،
أو شرط تصدقه عليهم، فلا يبعد تعلق حق الفقراء على الغنم، فيخرج عن كونه طلقا.
و هكذا ففي المسألة على كليتها اشكال لي، فلا بد من المراجعة إلى الأستاذ العلامة (دام ظله) (1)و كيف كان قد ظهر لك: أن شرط عدم الفسخ يكفي في ترتب اللزوم على العقد و لا حاجة معه إلى الإسقاط و لا اعتبار في فسخه لعدم نفوذه، إذ الشرط ليس لمجرد الحكم التكليفي بحيث كان لمخالفة اثم فقط، بل يرجع بدلالة الاقتضاء الى ترتيب آثار عدم الفسخ و هو عين اللزوم فان الشرط الذي ينبغي أن يكون عقلائيا و محلا للفائدة في المقام هو ترتيب آثار الفساد على الفسخ. و من ذلك يظهر لك في الشرط الأخر- أعني شرط إسقاط الخيار- فلا حاجة الى إسقاطه بعد العقد في لزوم العقد، إذ بعد ما بيّنا ان المختار في شرط عدم النسخ سقوط حق الخيار و عدم نفوذ الفسخ، كان المختار في شرط إسقاط الخيار ذلك أيضا بل بطريق أولى، لأن إسقاط الخيار مركب من عدم الفسخ و إتيان أمر وجودي.
فحيث قلنا بصحته لعموم دليل (المؤمنون عند شروطهم) مع عدم معارضته لقوله (البيعان بالخيار) فيترتب عليه آثار شرط عدم الفسخ أيضا لأنه مشتمل عليه مع شيء زائد، فالواجب هو الالتزام بآثار الاسقاط، أعني آثار اللزوم. فظهر لك أن الحق هنا أيضا عدم نفوذ الفسخ.
قال شيخنا العلامة «قده»: هل للمشروط له الفسخ بمجرد عدم إسقاط المشتري الخيار بعد العقد و ان لم يفسخ؟ وجهان: من عدم حصول الشرط، و من أن
1) أقول: قد فاتت المراجعة و انتفى الموضوع. و يمكن أن يقال: أن أدلة النذر كأدلة الشروط لا تدل على أكثر من الحكم الكيفي، فإنه المستفاد هو وجوب الوفاء و ليست ناظرة الى حال المتعلق و موضوعاتها حتى يثبت الحق فيها و يخرج عن الطلقية كحق الرهانة و التحجير و أمثالها فإن أدلتها ناظرة إلى موضوعاتها بل مسوقة لذلك كما هو واضح. فتدبر (منه) 1 ربيع الأول 1334.
المقصود إبقاء العقد، فلا يحصل الخلف، انتهى.
و يرد عليه: أن خيار المشروط له انما يكون لو أخل المشروط عليه بالشرط فالإخلال بالشرط في صورة فرض المسألة لم يحصل حتى يوجب الخيار، إذ بمجرد عدم إسقاط المشتري بعد العقد لا يقال أنه أخل، إذ لا أمد لذاك الشرط.
و من ذلك يظهر النظر فيما أفاده بعد ذلك من أن: الاولى القول بثبوت الخيار على القول بتأثير الفسخ، و وافق في ذلك أيضا بعض المشايخ على ما حكي عن شرحه، حيث اختار أنه على القول بتأثر الفسخ، فلو لم يسقط بعد العقد و لم يفسخ أيضا أن للبائع الخيار.
وجه النظر: أنه لا ريب في أن ذلك الخيار خيار الشرط و أنه انما يكون لو حصل التخلف، فبدون حصول الإخلال و الخلف ليس للآخر الخيار، ففي المقام شرط إسقاط الخيار حيث لم يجعل له أحد لا يحصل تخلف الشرط بمجرد عدم إسقاطه بعد العقد، بل لا بد أن يبلغ إلى مرتبة المسامحة و التقاعد، و هذا انما يكون بطول المدة لا بمجرد عدم إسقاطه بعد العقد و لو بيوم أو يومين مثلا بمطالبة المشروط له، فيمتنع المشروط عليه فيتسلط حينئذ على الفسخ كسائر موارد تخلف الشروط.
و اعلم: ذكر بعض الفقهاء- ممن قارب عصرنا- فرعا و هو انه: هل يقبل ذلك الشرط- أي شرط إسقاط الخيار- التبعض، بأن يتبعض خياره فيشترط إسقاطه بعض خيار المجلس و يبقى بعضه؟ وجهان مبنيان على أن الفسخ لا يتبعض، و ان ذلك- أي خيار المجلس- حق، كما يسقط كله كذلك يسقط البعض كسائر الحقوق حيث أن ذي الحق يقدر على إسقاط الكل و إبقائه كذلك يقدر على إسقاط بعضه و إبقاء الأخر. انتهى حاصل ما أفاده على ما سمعته في مجلس البحث عن شيخنا الأستاذ العلامة (دام ظله).
ثم قال الأستاذ: مقتضى التحقيق أن يقال: أن تبعض الإسقاط في الخيار اما أن يكون في عين المبيع أو في الزمان أي زمان الخيار، أما في العين وجهان مبنيان على أن الخيار حق يتعلق بالعقد أو يتعلق بالعين، فعلى الأول، الصواب أن يقال: عدم جواز التبعض في الإسقاط لأن العقد أمر وجداني لا يقبل حل بعضه و إبقاء بعضه الأخر فإن حل، حل الكل و الا يبقى على حاله، فكما لا يتبعض العقد في الخيار، كذلك لا يتبعض إسقاطه، فيكون شرط إسقاط البعض لغوا بلا أثر.
و ان قلت: كيف الحال في تبعض الصفقة مع أنه أمر معقول ذهب اليه المشهور، فلو لم يقبل العقد التبعض لكان تبعض الصفقة مخالفا للقاعدة، بل لا يصير معقولا بناءا على ما ذهب اليه المشهور من أن الخيار يتعلق بالعقد، فهو أمر وجداني لا يقبل التبعض في الحل و الإبقاء؟
قلت: المراد من تبعض الصفقة، أن العقد أمر واحد انما يؤثر أثره فيما يقبل المحل، فاذا كان ما وقع عليه العقد مركبا يقبل بعضه للنقل و الانتقال و وقوع السبب عليه، و بعضه لا يقبل لذلك، فلا يؤثر السبب أثره لانتفاء قابلية المحل فمقتضى القاعدة التبعض، إذ السبب لا بد أن يؤثر أثره فيما يقبل و عدم تأثيره في مورد لا يقبل للتأثير لوجود المانع، لا يقتضي عدم تأثيره فيما كان المانع مفقودا.
و لا يجوز رفع اليد عن سببيته بالنسبة إلى المحل القابل.
و هذا هو مراد الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) بأن يقال: أن العقد فيما يقبل و ما لا يقبل فيحل الى عقود متعددة، يعني كما أن العقود إذا تعددت، عدم الصحة في بعضها لا يقتضي عدم صحة بعضها الأخر، كذلك في المقام، فان العقد و ان كان واحدا الا أن متعلقة لما كان متعددا مما يقبل للتأثير و ما لا يقبل فيؤثر في بعضه و لا يؤثر في بعضها، فعدم التأثير فيما لا يقبل، لا يوجب رفع اليد عما لا يقبل.
و على الثاني- أي بناءا على أن الخيار حق يتعلق بالعين-: فالأصح حينئذ قبوله للتبعيض، فيصح اشتراط الإسقاط في بعض دون بعض آخر. و لكن الظاهر في المعنى- على ما سيجيء تحقيقه- هو الأول، لما قالوا بثبوت الخيار مع تلف العين أيضا، فإن الخيار حق يتعلق بالعقد سواء تلفت العين أم لا. فيستظهر من ذلك أنه تعلق بالعقد، إذ لو كان متعلقا بالعين يلزم أن لا يثبت الخيار عند التلف لفوات محله. فانتظر تحقيق ذلك في محله.
و أما في الزمان، أي تبعض الإسقاط انما يكون باعتبار الزمان، فالتحقيق أن يقال: ان ذلك يتصور على قسمين: قسم: شرط إسقاط الخيار في أول الزمان، بمعنى أن زمان خيار المجلس ثبت ساعات مثلا، فوقع الشرط على إسقاطه في الساعة الاولى، و أما الساعتين المتعقبتين فيبقى الخيار على حاله. و قسم: يشترط إسقاط الخيار في الزمان الأخر، أعني الساعة الثالثة، و أما اشتراط إسقاطه في وسط الزمان فيعلم حاله منهما.
أما حال القسم الأول: وجهان مبنيان على القول بالتمسك بالعام إذا خرج بعض أفراده في بعض من الزمان، أو على القول باستصحاب حال زمان التخصيص و حيث أن شيخنا العلامة «قده» سلك مسلك التحقيق في ذلك (1)فقال: ان اعتبر الزمان ظرفا للعام، فلو خرج فرد في بعض الزمان و شك حال الفرد في الزمان الثاني نتمسك بعموم العام، و ان اعتبر قيدا، فلا يندرج ذلك الفرد المقيد بذلك الزمان تحت العام. و حيث أن أغلب العمومات من قبيل الأول، لقلة التقييد بالزمان في أدلة الأحكام، خصوصا في أمثال المقام، و مع الشك أيضا يحكم بالأول للإطلاق و أصالة عدم ملاحظة التقييد كان مقتضى تحقيقه «قده» هنا الحكم بصحة التبعض في الإسقاط في هذا القسم، بأن يكون البيع في الزمان الأول لازما و في الزمان
1) و لكن لنا في ذلك نظر قد بيناه في الأصول فراجع. (منه)
الثاني يبقى مندرجا لمشمول عموم دليل الخيار. و على الوجه الثاني، كما سلكه النراقي استصحاب اللزوم الثابت في الزمان الأول، في الزمان المتأخر فلا تبعض حينئذ الخيار.
و أما القسم الثاني- أي اشتراط الخيار في الساعة الثالثة- فلا ضير فيه، فيصير البيع في الزمان الأول مع الخيار، و في الزمان الأخر لازما، لدليل الشرط.
و مما ذكرنا يعلم حال الاشتراط في الزمان المتوسط بين الزمانين، ففي الزمان الأول كان البيّعان بالخيار دون الزمان الثاني.
و أما في الثالث: فيأتي فيه الوجهان المبنيّان على التمسك بالعام أو بالاستصحاب
هل الشرط الذي وقع عليه التباني قبل العقد، و كان البناء على ذلك الشرط عند إنشاء العقد لازم، يجب الوفاء به كما ذكر في متن العقد، أو أنه غير واجب الوفاء، كما في الشروط الابتدائية؟ قولان:
ظاهر المشهور عدم التأثير لهذا الشرط، فلم يكن لازم الوفاء. و لكن المحكي عن العلامة «قده» و «المسالك» و عن المشايخ العظام من الفقهاء الأعلام ممن قاربنا عصرهم (رضوان اللّه عليهم) هو صحة ذلك الشرط، و انما هو كالمذكور في متن العقد. و لعل ذلك هو الأقرب عندنا فعلا، خلافا لسالف الزمان و لشيخنا العلامة الأنصاري «قده». و يأتي تفصيل ذلك في محله في باب الشروط، كما سيجيء إن شاء اللّه.
و حيث فرض كون المراضاة مقيدة، فمقتضاه انتفائه عند انتفاء القيد فيلزم بطلان العقد من رأسه، لأن الذي وقع عليه غير موجود، و الموجود لم يقع عليه العقد، لا صحته مع ثبوت الخيار، مع أن المشهور خلاف ذلك. لأنا نقول: هذه شبهة
أخذها جماعة، فحكموا ببطلان العقد عند بطلان الشرط. و تعدى الأردبيلي منه الى صورة تخلف الوصف و الشرط أيضا.
لكنها تندفع بأن: الأسباب يؤثر أثرها بعد تحققها، سواء رضي المالك أم لا، و حيث أن العقد وقع على المقيد و المطلق، فتحقق في ضمنه، و المفروض حصول المراضاة بالنسبة إلى المقيد أيضا، فيؤثر أثره في المطلق الذي في ضمنه و ان لم يرض به المالك، غاية الأمر أنه يحصل له الخيار من جهة الضرر، فلا يقاس ذلك بصورة اختلاف الحقيقة و الماهية.
كما لو بان الغنم بقرا، و الكتان قطنا، حيث اتفق على بطلان البيع حينئذ، و ذلك لتعدد الموضوع هناك، فان الواقع عليه العقد غير موجود و الموجود لم يقع عليه، و هذا بخلاف الحال في صورة تخلف الشرط و الوصف، فان متعلق العقد هو الموجود الخارج لا غير.
فان قولك: بعت العبد، بشرط أن تفعل لي كذا و بشرط أن يكون كذا، و نحو ذلك، يدل على وقوع المبادلة بالعبد و هو متعلق العقد قطعا و ان فرض تقييد الرضا بالشرط المذكور. و حيث فرض وقوع السبب على هذا العبد فيؤثر أثره، سواء رضي به أم لا. غاية الأمر أن له الخيار من جهة التخلف، و هذا بخلاف تغاير الحقيقة و الماهية، كالكتان و القطن، إذ ليس أحدهما بالنسبة إلى الأخر من قبيل المطلق و المقيد، حتى يقال أنه وقع العقد على المطلق في ضمن المقيد فيؤثر أثره و ان لم يرض به، بل الموجود غير واقع و الواقع غير موجود.
و كيف كان، فلا مانع من جعل الشرط تقييدا بالنسبة إلى المراضاة التي هي مدلول العقد، و لا فرق في ذلك بين ما لو كان الشرط مذكورا في ضمن العقد أو في ما قبله مع وقوع التباني على إيقاع العقد عليه، فان التباني المذكور يصلح قرينة للتقييد. و لتحقيق الكلام في ذلك مقام آخر.
و يسمى ذلك بالتخاير. و لا خلاف ظاهرا في سقوط الخيار به من صاحبه، و ان كان الاسقاط من الطرفين سقط خيارهما معا، و ان كان من أحدهما سقط خياره خاصة دون صاحبه.
و لكن حكي الخلاف في ذلك عن صاحب «الحدائق» بتقريب أن مفاد ذلك لا يزيد على مقتضى العقد، فان مقتضى الاسقاط: الالتزام و الرضا بالعقد، و عدم الرضا بخلافه و هذا حاصل بنفس العقد، غاية الأمر: يفيد ذلك التأكيد، فلا وجه لسقوط الخيار به بعد عموم أدلة الخيار.
و قد يتوهم عدم خلاف صاحب «الحدائق» في الإسقاط، بل يقال: أن خلافه في سقوط الخيار في صورة الإلزام بالعقد نظرا الى أن تعليله بأن ذلك الإلزام و الالتزام به لا يزيد على ما يقتضيه العقد و لا يتمشى إلا في صورة الالتزام ضرورة كون الإسقاط أمرا زائدا على مدلول العقد.
و لكن يدفعه: أن الاسقاط و الالتزام متلازمان، ضرورة أن الالتزام ببقاء العقد لا يكون الا مع إسقاط الخيار، كما أن الاسقاط لا يكون الا مع الالتزام.
و كيف كان فيمكن الاستدلال على لزوم العقد بالإسقاط و سقوط الخيار به بمقدمتين مسلمتين، إحداهما: أن الخيار من الحقوق. الثانية: أن كل حق قابل للإسقاط و ساقط به.
أما المقدمة الأولى: فيدل عليها انتقاله بالإرث.
و أما الثانية: فلفحوى ما دل على سلطنة الناس على أموالهم، فإن السلطنة على نفس الأموال تقتضي السلطنة على الحقوق المتعلقة بها بالأولوية و من فروع السلطنة
نفوذ التصرف فيها بالإسقاط.
هذا مضافا الى المقدمتين مسلمتان عند الأصحاب، بل اجماعيتان، فان لم نناقش المخالف فهو، و الا فيمكن الاستدلال على المدعى في خصوص المقام- أعني سقوط هذا الحق بالإسقاط- بأدلة خاصة كفحوى ما سيجيء في خيار الحيوان من النص الدال على سقوطه بالتصرف مثلا بأنه رضي بالبيع، بتقريب أن التصرف إذا كان مسقطا للخيار من جهة كونه رضي بالبيع فنفس الرضا به يكون أولى بالإسقاط. و توهم كون الخبر في خيار الحيوان فلا وجه للاستدلال به في خيار المجلس، مدفوع بعدم الفرق في ذلك بين أقسام الخيار كما لا يخفى.
و فحوى خبر السكوني عن الصادق عليه السّلام، أن أمير المؤمنين عليه السّلام قضى في رجل اشترى ثوبا، شرط الى نصف النهار، فعرض له الربح، فأراد بيعه معه.
فقال عليه السّلام: ليشهد أنه قد رضيه أو استوجبه ثم يبيعه ان شاء، فإن أقام في السوق و لم يبع فقد وجب البيع. و نحوه خبر الحلبي و الشحام.
و تقريب الدلالة: أنه عليه السّلام حكم بلزوم البيع من جهة مجرد الرضا و الاستيجاب و هو المدعى، بل بمجرد الإقامة في السوق للبيع لدلالته على الرضا، فيدل على المدعى في المقام و هو الرضا بالعقد بالإسقاط للخيار بالأولوية.
و المناقشة في ذلك بأن مورد الرواية هو خيار الشرط، فلا وجه للتعدي إلى المقام، يندفع بما تقدم مضافا الى عموم (المؤمنون عند شروطهم) بناءا على شموله للشرط و الالتزام الابتدائي أيضا، و لا دليل على التخصيص فيه بالنسبة إلى المقام من إجماع و نحوه. بل الدليل على اللزوم هنا موجود من الإجماع و غيره.
هذا غاية ما يمكن أن يستدل المقام، و بعض الأدلة الخاصة و ان كانت قابلة للمناقشة، كدعوى أن الرضا حكمة للسقوط بالتصرف لا علة، فلا يقتضي السقوط بمجرده ما لم يوجد تصرف، و كالمناقشة في دلالة قوله (الناس مسلطون على
أموالهم) بتقريب أن السلطنة على الأموال انما يدل على نفوذ التصرفات في الجملة و لو بالأسباب الشرعية، إذ ليس بنفسه مشرعا، فلا يدل الا على أن لذي الحق التسلط على إسقاط حقه بالأسباب الشرعية. فلا يدل على كفاية مجرد الإسقاط في ذلك، بل يمكن أن يكون ذلك بالأسباب كاشتراط السقوط و الافتراق، كما أنه لا يدل على وقوع البيع بمجرد المراضاة. و لكن المقدمتين السابقتين كافية في المقام. و أما مناقشة صاحب «الحدائق» فتندفع بأن الإسقاط و الرضا بالعقد بعد وقوعه غير مقتضى العقد الموجود قبل الإسقاط، لأن الموجود سابقا هو الرضا بحدوث العقد و هو غير الالتزام ببقائه و الرضا به.
ثم أنه لا إشكال في تحقق الاسقاط بما يدل على الرضا بأي لفظ كان، إذ المناط فيه هو الدلالة على الرضا صريحا بأي نحو كان، و لكن هنا احتمالان:
أحدهما: إفراط، و الأخر: تفريط.
الأول: أنه لا بد في ذلك من الألفاظ الخاصة. و لعل مدرك هذا التوهم هو أن الاسقاط من الإيقاعات، و الإيقاعات مما يحتاج فيها إلى الأسباب الخاصة.
و يندفع بأن المستفاد من الأدلة في المقام: أن المسقط هو الرضا المستكشف و هذا مما لا يحتاج الى سبب خاص و لا دليل على اعتبار السبب الخاص.
الثاني: أنه يكفي مجرد الرضا القلبي و لو من كاشف له، و لعل المدرك له:
فحوى ما تقدم من الاخبار السابقة، حيث يدل على أن التصرف انما هو مسقط من جهة الرضا فيكون هو المناط.
و فيه: أن غاية ما يستفاد من الروايات، كفاية الرضا المستكشف باللفظ أو الفعل و لو بمثل الإقامة في السوق للبيع، لكون ذلك من مقدمات التصرف فلا دلالة لها على كفاية مجرد الرضا و ان لم يستكشف.
بقي الكلام في أن هذا الخيار هل هو قابل للنقل الى الغير أم لا؟ فإنها من
الحقوق. و الحقوق على أقسام أربعة: منها: ما لا يجوز نقله الى أحد، و ذلك مثل حق الاستيلاء. و منها: ما يجوز نقله الى من عليه الحق دون غيره، فيرجع الى إسقاط الحق بالآخرة، لعدم تعقل ثبوت الحق المستحق على نفسه، و من ذلك حق السلطنة ظاهرا. و منها: ما يجوز نقله الى بعض دون بعض مثل حق القسم، فإنه يجوز نقله الى من عليه الحق و هو الزوج.
أما بدون العوض فلا كلام و معه على اشكال و خلاف و يجوز نقله الى بعض الضرات أيضا. و لا يتعدى الى الأجنبي.
و منها: ما يجوز نقله الى كل أحد، كحق التحجير و نحوه، و إرجاع ذلك الى إسقاط الحق برفع اليد عما حجره، بعيد جدا ضرورة استلزامه لتسوية كل أحد حينئذ بالنسبة الى ذلك، فيجوز المعارضة مع من انتقل اليه. و الظاهر أنهم لا يقولون به. و كيف كان فلا إشكال في جواز نقل الخيار لكل من المتبايعين إلى الأخر، و مرجعه إلى إسقاط حق نفسه، و الكلام انما هو في نقله إلى الأجنبي و لم نعثر من الأصحاب نص في ذلك، الا أنه يظهر من شيخنا العلامة «قده» في بعض كلماته المنع.
و منها: ما ذكره في أول بحث خيار المجلس، حيث أنه بعد البناء على عدم ثبوت الخيار للوكيل في مجرد إجراء الصيغة، و ثبوته للموكل فقط، قال: هل للموكل بناءا على ثبوت الخيار له تفويض الأمر إلى الوكيل بحيث يصير ذا حق خياري؟ الأقوى العدم لان المتيقن من الدليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد، لا لحوقه له بعده (انتهى).
و منها: ما أفاده في المقام في ضمن تقريب الاستدلال على سقوط هذا الخيار بالإسقاط، لفحوى أدلة (سلطنة الناس على أموالهم) المقتضي لثبوت السلطنة على الحقوق المتعلقة بالأموال، من أنه لا معنى لتسلطهم على مثل هذه الحقوق الغير
القابلة للنفل، الا نفوذ تصرفهم فيها لما شمل الاسقاط، حيث جعل عدم جواز نقل مثل هذا الحق من المسلمات.
لكن الظاهر عدم المنع من النقل بعوض و غيره إذا فرض ثبوت فائدة عقلائية في النقل و الانتقال بحيث يخرج عن السفاهة بصلح و نحوه فيما لم يثبت فيه المباشرة كحق القسم، و ذلك لعمومات الصلح و عدم المانع بالفرض.
و ما تقدم من شيخنا الأنصاري «قده» من المنع- مستدلا بأن المتيقن من أدلة الخيار غير ذلك- قد عرفت ما فيه فيما سبق. و محصل ذلك أنه: ليس المراد إثبات الخيار و صحة النقل بأدلة الخيار، و انما المراد نقل هذا الخيار الثابت للمتبايعين بأصل الشرع إلى الأجنبي بأحد من الأسباب الشرعية الناقلة، فلا وجه في رفع ذلك بالأخذ بالقدر المتيقن من أدلة الخيار.
و تحقيق الكلام في ذلك: أن هنا صورا و احتمالات، لأنه اما أن يقول: اختر بالإطلاق.
أو يقول: اختر عني، أو عنك، أو عنا، أو يقول: اختر لي.
و على التقادير: اما أن يعلم انه أراد بذلك التمليك لخيار نفسه إلى المأمور، أو الاستنابة، أو التفويض، أو الاستكشاف، أو لا يعلم شيء عنها. و يحصل من ضرب الخمسة في الخمسة: خمسة و عشرون صورة، و على التقادير فاما أن يقول: اختر مطلقا من دون تعيين شيء من الفسخ و الإمضاء، أو يقول: اختر الإمضاء أو اختر الفسخ. فيحصل من ضرب ما تقدم في تلك الثلاثة: خمسة و سبعون صورة. و على التقادير: فاما أن يسكت المأمور و لا يجيبه بشيء أو يفسخ، أو يمضي، أو يقول
لا أختار شيئا فحصل من الضرب ثلاثمائة صورة. و يمكن فرض صور أخر. و بعض هذه الصور مما لا يجامع مع بعض آخر، فان فرض اختر عنك مع الاستنابة مما لا معنى له، ضرورة أن اختيار فسخ العقد عن قبل نفس المأمور لا يجامع مع كونه وكيلا عن الأمر. و بعضها مكررات مثل اختر عني مع الاستنابة، فإن معنى الاستنابة هو معنى اختر عني». فعليك ملاحظة الأقسام بعضها مع بعض.
ثم ان الفرق بين الأقسام الأربعة ما عدا الاستنابة و التفويض واضح. و أما الفرق بينهما فيه نوع خفاء، لكن يظهر الفرق بينهما بأن الاستنابة توكيل له في الاختيار، فمعناه: ان المأمور وكيل في أن يختار للأمر، فما يختاره المأمور يكون من جانب الأمر لا من جانب نفسه، و هذا بخلاف التفويض، فان معناه:
كون الأمر أمره و الرضا رضاه، بمعنى أن ما يرضى به المأمور لنفسه و يختاره، فالأمر أيضا راض به و حينئذ ما يختاره المأمور يختار لنفسه لا للأمر، لكن الأمر راض لنفسه بما فعله المأمور.
ثم ان الحكم فيما علم قصد التمليك أو أحد من الأخر، فواضح، فإنه لو كان تمليكا رجع ذلك الى الإسقاط، لأن الخيار حق لذي الخيار في العقد أو في العين على الخلاف على الأخر، و قد سبق أن نقل الحق الى من عليه الحق رجع الى إسقاط ذي الحق لعدم تعقل ثبوت حق شخص على نفس. فعلى هذا تمليك الأمر خياره إلى المأمور يرجع الى إسقاط خيار نفس الأمر.
و حينئذ فمقتضى ذلك عدم ثبوت الخيار للأمر بعد ذلك و ان سكت المأمور أو قال: لا أختار و هذا بخلاف الحال في سائر الصور فإنه على تقدير الاستنابة، يكون مقتضاه كون المأمور وكيلا من جانب الأمر، فلا يسقط خياره الّا بعد اختيار المأمور، و لكن ما يختاره حينئذ يكون من باب الوكالة، فلا يسقط به خيار نفسه، و هذا بخلاف الحال في التفويض، فان مقتضى التفويض: ان ما يختاره
المأمور انما يختاره لنفسه لا للأمر، لكن يكون ذلك مرضيا للأمر، فيسقط خياره من جهة رضائه بما يسقطه.
و أما الاستكشاف: فلا يوجب سقوط خيار الأمر بوجه، لان الفرض حينئذ الاطلاع الى حال الأخر و معلومية ما يفعله، فلا وجه لسقوط خياره بذلك، فهو واضح. فمحل الكلام في المقام هو ما لو لم يعلم إرادة شيء من ذلك، فيرجع الخلاف حينئذ الى أن الظاهر من اللفظ المذكور ماذا؟ حتى يلحقه حكم ذلك.
ثم اعلم أيضا: أن المذكور في كلام الأصحاب هو ما لو أطلق من الجهتين بمعنى أن يقول: اختر، من غير تعيين من الإمضاء و الفسخ و لا تعيين كونه عنه أو عن المأمور.
و نحن نتكلم أولا في ذلك ثم نتعرض صورة التعيين فيقول:
إذا قال أحدهما للآخر: اختر، فاما أن يختار الأخر الفسخ أو الإمضاء، أو يسكت. أما في صور ما اختار الفسخ، لا إشكال في انفساخ العقد، فيسقط الخياران، أما خيار المأمور فواضح لأنه فسخ، و أما خيار الأمر، فلانحلال العقد، فلا يبقى بعده محل لخيار الأمر.
و أما فيما لو سكت: فلا اشكال بلا خلاف أيضا في عدم سقوط خيار المأمور، إذ لا وجه لسقوط خياره، و السكوت لا يدل على شيء من الإمضاء و الفسخ. و أما خيار الأمر: فالمشهور أيضا بقائه الا أنه نسب الى الشيخ سقوط خياره حينئذ. و لا وجه له الا التعبد بالنص المروي عن طريق العامة، من أن التعين بالخيار ما لم يفترقا، أو يقل لصاحبه: اختر. فان مقتضاه سقوط الخيار بمجرد قوله: اختر، و هو يعم ما إذا سكت الأخر أو اختار الإمضاء أو الفسخ.
و فيه: أن الزيادة لم تثبت من طرفنا، و المشهور بل الكل حكموا بخلاف ذلك فضعف السند لا جابر له. مضافا الى أن ظاهر الخبر يدل على سقوط خيار الأخر به
أيضا و هو مما لا قائل به.
هذا مضافا الى عدم ثبوت النسبة إلى الشيخ أيضا، فإن الموجود في «المبسوط» و «الخلاف» خلافه، نعم يحتمل كون ذلك مذكورا في كتاب «النهاية» التي هي متون الاخبار. و كيف كان فضعفه واضح كما عرفت.
و أما فيما اختار المأمور الإمضاء: فلا إشكال في سقوط خياره، و انما الكلام في سقوط خيار الأمر: فالمشهور بين الأصحاب هو السقوط، بل نعثر بقائل بالخلاف في ذلك بين القدماء و لا بين متأخريهم سوى ما يتراءى من كلام العلامة في محكي «التذكرة» حيث حكم بسقوط خيار الأمر إذا أراد التمليك، دون ما إذا لم يقصد التمليك، فإنه يدل على أنه لو لم يقصد التمليك لم يسقط خياره فلا يحكم بسقوط خيار الأمر إلا إذا علم قصد التمليك.
لكن يمكن دفع ذلك و نفي الخلاف عنه أيضا، بأن غرض العلامة ليس النزاع من حيث الكبرى، بمعنى سقوط الخيار في صورة القصد للتمليك خاصة دون غيره، بل كلامه ناظر الى الصغرى، و مراده أن قوله: اختر، ظاهر في إرادة التمليك فيسقط خياره ما لم يقصد خلافه و على هذا فلا نزاع بينه و بين الأصحاب في سقوط خيار الأمر بذلك.
نعم، خالف في ذلك جملة متأخري المتأخرين قائلين بعدم وجه سقوط خيار الأمر. و الذي يمكن أن يستند للمشهور أمران:
أحدهما: ما ورد من النص من أن التعيين بالخيار ما لم يفترقا أو يقل لصاحبه: اختر و فيه: أولا: ضعف السند كما عرفت، و الانجبار بالشهرة هنا غير جار، لعدم معلومية استنادهم الى ذلك، بل الظاهر أن مستندهم دلالة كلمة (اختر) على السقوط فيما سيأتي، مضافا الى أن مقتضى الرواية سقوط الخيار بمجرد قول هذه الكلمة و ان سكت المأمور. مع أنهم لا يقولون، بل مقتضاه سقوط الخيارين بمجرد هذا القول
و هو خلاف الإجماع، و يخصص ذلك بالإجماع و ان كان ممكنا، الا أن ذلك بعيد في مثل المقام.
الثاني: دلالة كلمة (اختر) على ذلك. و أورد عليه أن كلمة (اختر) عرفا محتملة لمعاني أربعة: التمليك، و الاستنابة، و التفويض، و الاستكشاف. و هو بحسب الوضع اللغوي لطلب اختيار المخاطب أحد طرفي العقد، من الفسخ و الإمضاء، و ليس فيها دلالة على التمليك أو أحد المعاني الأخر.
و حينئذ فلا وجه لحملها على التمليك أو الاستنابة أو التفويض حتى يوجب سقوط خيار الأمر. لأن المعنى اللغوي لا صارف عنه، و مع الغض عنه و ثبوت عدم إرادته في المقام، فالاحتمالات فيها أربعة، و قد عرفت عدم سقوط الخيار على بعض منها، و حينئذ فلا وجه للحكم بالسقوط بمجرد قول هذه الكلمة.
هذا غاية ما أوردوه في المقام.
و التحقيق أن يقال: أن كلمة (اختر) لا يمكن حمله هنا على التمليك، لان التمليك ليس من معنى هذه اللفظة بلا إشكال، ضرورة أن وضعه لطلب الاختيار، و أين هو من التمليك، و حينئذ فلا يصح ارادة التمليك منها بدون القرينة المعيّنة، لفتح الخطاب بإرادة ما ليس ظاهرا بدون القرينة فضلا عما كان ظاهرا في غيره.
و أما الاستكشاف: فهو و ان لم يحتج إلى قرينة في الكلام لان الاستكشاف داع الى الطلب، فاللفظ مستقل في معناه الا أن الداعي هو الاستكشاف و هو أمر في ضمير المتكلم الأمر و ليس راجعا الى المخاطب، و لا يجب على المتكلم بيانه للمخاطب، حتى يلزم من ترك البيان قبح عليه فيحكم بعدم إرادته. لكن إرادته في المقام بعيدة إذ لا نكتة نوعا و لا غرض عقلائي في استكشاف الحال في المقام مع العلم بحصول الانكشاف عن قريب بتفرق المجلس، و حينئذ فلا وجه لحمله عليه،
و دعوى ظهورها في الوقت الأول في ذلك دعوى مجازفة لا مستند لها يدفعها أصالة عدم النقل، كما هو واضح.
و لا يصح الحمل على طلب اختيار المخاطب لا حد الطرفين أيضا، لأن ذلك لغو لا فائدة فيه، و حينئذ فيجب الحمل على الاستنابة و التوكيل، لان طلب الفعل عن الغير إذا كان الفعل من الأفعال المشتركة بين الأمر و المأمور، و يحمل على الاستنابة حذرا من لزوم اللغوية. نظير ما لو قال: بع داري، فإنه يرجع الى التوكيل حذرا من لزوم اللغوية، على تقدير عدم إرادته لصيرورة أمره طلبا لإيجاد عقد فضولي، و هو مما لا فائدة فيه و لا يحمل عليه.
و لكن يرد عليه أولا: أن اللغوية لا تجري في المقام.
بيان ذلك: ان طلب فعل من المخاطب اما أن يكون المطلوب من الأفعال التي لا يكون الأمن المأمور بنفسه، و هو يحمل على الطلب و الاستدعاء الحقيقي. و ان كان من الأفعال المختصة للأمر، فلا بد أن يحمل على التوكيل، حذرا من طلب المحال أو اللغوية، كما إذا قال أحد لأحد: طلق زوجتي.
فإن طلاق زوجة الأمر فعل مختص بالأمر لا يمكن صدوره من غيره من دون التوكيل، فطلبه منه طلب المحال ان أراد الطلاق الحقيقي، و اللغوية ان كان المراد إجراء الصيغة فضولة، و كلاهما باطلان، فلا بد أن يحمل الأمر في مثل ذلك على ارادة التوكيل و الاستنابة.
و قد يكون الفعل المأمور به من الأفعال المشتركة و يمكن التحقق من كل منهما، نظير بيع نصف الدار إذا كانت الدار مشتركة بين الأمر و المأمور، فإن لكل منهما حينئذ بيعه، فأمره ببيعه يمكن أن يكون من جهة الوكالة في بيع سهم الأمر، و أن يكون طلبا لبيع المأمور سهم نفسه.
فظاهر الأمر الثاني لا يرجع الى الأول عند عدم الدليل، و لو سلم عدم الظهور
فلا أقل من تساوي الاحتمالين، فلا يحمل على أحدهما إلا لدليل.
و ما نحن فيه كذلك، فان اختيار أحد الطرفين مشترك بين كل واحد من الأمر و المأمور، و كما يصح أن يكون المراد التوكيل في اختيار أحد طرفيه من قبل الأمر، كذلك يصح أن يكون المراد الطلب من المخاطب اختيار أحد الطرفين.
و مع صحة هذا الاحتمال لا وجه لحمل الأمر على الأخر الا لقرينة، و دعوى عدم فائدة في هذا الطلب فلا بد أن يرجع الى التوكيل، مدفوعة بأن الفائدة هنا موجودة لأنه يوجب خروج العقد عن التزلزل و اطمئنان الأمر في نفسه، و مثل هذه الفائدة فائدة عقلائية يصح أن يكون مستندا للطلب على النحو المذكور، كما لا يخفى.
و ثانيا: أن مقتضى حمل ذلك على ارادة التوكيل أن لا يسقط خيار المأمور حينئذ، لأنه إنما اختار اجابة لمدعاه، و حيث أن مدعى الأمر الاختيار من قبله فأجابه المأمور بالإمضاء كان ذلك ظاهرا في إجابته له، فيكون إمضائه وكالة عن الأمر، و معه فلا وجه لسقوط خيار المأمور نفسه، إذ لم يصدر منه الا إمضاء العقد من قبل الأمر، مع أنهم يقولون بسقوط خياره أيضا.
نعم يمكن أن يقال: أن الأمر يدل على مطلوبية الفعل المأمور به للأمر و رضائه به، و حينئذ فمقتضى أمر الأمر للمأمور باختيار أحد طرفي العقد بقوله:
اختر، يدل على رضائه بما اختاره المأمور و مطلوبيته له، فاذا اختار الإمضاء كان ذلك بمقتضى أمره مطلوبا له و مرضيا به، فيسقط بذلك خيارهما معا.
أما خيار المأمور لامضائه بالفرض، اما خيار الأمر فلما مر من أن الخيار يسقط برضا ذي الخيار بالعقد و التزامه، إذا كان ذلك مستكشفا باللفظ، و الأمر في المقام كذلك حسبما عرفت، و هذا هو مراد القوم و غرضهم من التفويض و مستندهم
في الحكم بسقوط خيارهما.
لا يقال: أن المسقط للخيار هو الرضا بالعقد و الالتزام به، لا الرضا بالتزام الأخر، و الأمر و ان دل على مطلوبية الفعل المأمور به للأمر و رضائه، الا أن المأمور به ليس هو مطلق الاختيار بل اختيار المأمور. و مقتضى ذلك كون المطلوب اختيار المأمور، فإذا اختار إمضاء العقد كان إمضاء المأمور مطلوبا للأمر. و هذا لا يقتضي رضاء الأمر ببقاء العقد، و مطلوبية إمضائه حتى يسقط خياره به.
لأنا نقول: ظاهر إطلاق الأمر كون المطلوب هو الفعل المطلق، غاية الأمر أنه بمقتضى ظاهر الصيغة يدل على طلب صدور ذلك من المأمور، فيدل على مطلوبية صدور صيغة المأمور به من الأمر.
فيدل قوله: اختر، على أن مطلق الإمضاء مطلوب للأمر و أنه راض به مطلقا و حينئذ، فإذا أمضى المأمور و التزم بالعقد كان الأمر راضيا به فيسقط خياره أيضا، كما ذكروه من أنه إذا أمضى أحدهما و صرح الأخر برضائه، كان ذلك موجبا لسقوط الخيار منهما. و أما إذا سكت المأمور و لم يخبر شيئا كان الخياران باقيين.
هذا كله على تقدير إطلاق العقد من الجهتين، كأن يقول: اختر، من دون تقييده بالإمضاء أو الفسخ، و من دون تقييده بقوله: عني، أو عنك، أو عنا، و هو محل كلام الأصحاب.
و اما إذا قيد بأحدها، فإن قيد بأحد من الإمضاء أو الفسخ، فإن أجابه المأمور كذلك، فأمضى في الأول و فسخ في الثاني. فلا إشكال في كله، و يظهر وجهه مما تقدم. و أما إذا لم يجبه، كذلك، فاما أن يسكت أو يجيبه- بضد ما طلبه منه- فمع السكوت فمقتضى ما ذكرنا: عدم السقوط من الأمر، لأن طلبه يكشف عن مطلوبية ما أمره على تقدير اختيار المأمور، و المفروض عدم ثبوت شيء من المأمور و ان
أجاب بضد ما طلبه، بأن اختار الفسخ بعد قوله: اختر الإمضاء أو العكس.
فعلى الأول: كان مقتضى ما ذكرنا انفساخ العقد، إذ الفسخ نافذ في حق المأمور و ان لم يكن مطلوبا للأمر، فإذا نفذ الفسخ في حق أحدهما انفسخ العقد، فلا يبقى مورد لخيار الأخر.
لكن ذكر بعض المشايخ: أنه لو قال: اختر الإمضاء، ففسخ بالحق المنتقل إليه، ففي انفساخ العقد اشكال. و لعله مبني على كون قوله (اختر) تمليكا للخيار للمخاطب.
و وجه الاشكال هو: أن الذي ملكه الأمر هو اختيار الإمضاء لا الفسخ، فلو يكون الفسخ حقا منتقلا اليه، و حيث أنه فسخه بذلك الحق كان مثل فسخ الأجنبي فلا يكون مؤثرا، و من أنه فسخ العقد و كان له ذلك فينفسخ العقد به و ان لم يقصد كونه من نفسه، و لا بأس به بناءا على التمليك، أما بناءا على ما ذكرنا فلا وجه له لعدم ثبوت حق للمأمور سوى ما كان ثابتا لنفسه حتى يقصد الفسخ بتلك الجهة.
و أما على الثاني: بأن اختار الإمضاء بعد قوله: اختر الفسخ، فمقتضى ما ذكرنا:
سقوط خيار المأمور دون الأمر، أما سقوط خيار المأمور فلإمضائه العقد، و أما عدم سقوط خيار الأمر، فلأنه كان راضيا بالفسخ على تقدير صدوره من المأمور، و المفروض عدم صدوره. و حكي عن الشهيد «قده» في «الدروس» سقوط خيار الأمر حينئذ أيضا. و قال شيخنا في «الجواهر»: أنه بعيد. و هو حسن، لكن في دلالة كلام الشهيد على ذلك تأمل، و لم يحضرني الان كتاب «الدروس» حتى ينظر فيه. فراجع.
هذا كله إذا كان التقييد بالإمضاء أو الفسخ، و أما إذا كان التقييد بنحو: عنك أو عني أو عنا، فقد قال بعض المشايخ أن الأول خارج عن محل الكلام و الأخيران داخلان بالأولوية.
أقول: أما خروج الأول عن محل الكلام فهو حق، فان محل كلام الأصحاب هو ما إذا احتمل قوله للتمليك، أو الاستنابة و التفويض. و التصريح بقوله: عنك ينافي، فلو كان المستند في حكمهم لسقوط الخيار عند قوله: اختر، من جهة النص، فذلك خارج عن مورد النص، و ان كان من جهة دلالته على التمليك و الاستنابة و التفويض، فعدم السقوط واضح لعدم إرادة شيء من ذلك مع هذا التقييد. و أما حكمه بدخول الأخيرين في محل الكلام بالأولوية، فوجهه ظهور ذلك في الاستنابة و فيه: أن ذلك يوجب سقوط الخيار من الأمر قطعا، فلا يدخل في محل الكلام إذ لا يبقى مجال حينئذ لإنكار الدلالة على السقوط.
و يمكن أن يوجّه: بأن كلامه مبني على كون الحكم بالسقوط من جهة التعبد بالنص، لا من جهة الدلالة بقوله: اختر، و حينئذ فالصورة الاولى- أعني ما إذا قال: اختر عنك- خارج عن النص كالصورتين الأخيرتين.
الا أن من قال بسقوط الخيار في قوله: اختر، من جهة النص تعبدا يقول بسقوط الخيار في قوله: اختر عني أو عنا، بالأولوية القطعية نظرا الى ظهوره في الاستنابة في الاختيار.
و من لا يقول بسقوط الخيار في قوله: اختر، لا يقول بالسقوط هنا لعدم التعبد بالنص، و عدم تسليم الدلالة على الاستنابة.
و أما الصورة الأولى: فهي مما لا يدخل في محل الكلام و لا يسقط فيه الخيار قطعا لخروجه عن النص، و عدم صحة الاستنابة و التوكيل فيها بوجه. هذا، بقي هنا شيء هو أنه: لا إشكال في أن إسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الأخر بنفسه، لان الخيار حق لهما فلكل منهما استيفائه و إسقاط أحدهما لا يقتضي سقوط حق الأخر، بل له استبقاء حقه.
و منه يظهر أنه لو أسقط أحدهما و فسخ الأخر انفسخ العقد مطلقا سواء كان
الفسخ قبل التزام الأخر أو بعده، و ليس ذلك من قبيل تعارض الإجازة و الفسخ، لعدم التعارض بينهما بعد تعدد الحق و استقلال كل منهما عليه.
نعم لو كان الحق واحدا و كان لكل واحد استيفائه، يحصل التعارض إذا أجاز أحدهما و فسخ الأخر متقارنين، كالأصيل في أحد طرفي العقد مع وكيله أو الوكيلين، إذا قلنا بثبوت الخيار لهما، فإنه حينئذ تتعارض الإجازة و الفسخ فيتساقطان لامتناع تأثيرهما معا و لزوم الترجيح بلا مرجح، لو حكم بتأثير أحدهما فيبقى العقد على حاله. و ما ذكره العلّامة على ما حكى عنه: من تقدم الفسخ مطلقا. لا وجه له، كما أنه إذا فرض تقدم أحدهما كان هو المؤثر، سواء كان هو الفسخ أو الإمضاء، و لا يبقى تأثير للمتأخر و ان كان هو الفسخ، لأن الحق كان واحدا و قد سقط بإجازة المتقدم، فلا يبقى حق بعد حتى يؤثر.
و من ذلك- أي من تعارض الإجازة و الفسخ-: ما إذا تصرف ذو الخيار في العوضين دفعة واحدة، بناءا على أن تصرف ذي الخيار فيما انتقل اليه، التزام بالعقد، و في المنتقل عنه فسخ له.
و جعل شيخنا العلامة «قده» من ذلك: اختلاف الورثة في الفسخ و الإجازة بأن أجاز أحدها الإمضاء و فسخ الأخر دفعة.
و هو لا ينطبق على شيء من الأقوال المعروفة في كيفية إرث الخيار فإنها ثلاثة:
أحدها: أن هناك حقا واحدا قائماً بالمجموع. الثاني: أن لكل منهم في تمام المبيع. الثالث: أن لكل منهم خيارا بالنسبة إلى نصيبه.
فعدم انطباقه على الأول واضح، لأن أحد الورثة ليس له حق مستقل، بل هو تعلق بالمجموع، فلا يؤثر إمضاء البعض و فسخه، فمع الاختلاف لم يحصل السبب الذي هو إمضاء الكل أو فسخهم.
و أمّا على الثاني: فلان حال ذلك يصير مثل حال المقام من تقدم الفسخ
مطلقا لعدم التعارض، إذ إسقاط أحدهم حقه لا يوجب سقوط حق الأخر.
و أما على الثالث: يؤثر إمضاء كل أحد و فسخه في نصيبه، سواء أمضى الأخر أو فسخ فلا تعارض أيضا لتعدد المحل، فتصور التعارض حينئذ مما لا ينطبق على شيء من الأقوال.
نعم هناك احتمال رابع احتمله «قده» في كتابه، و هو: أن يكون الخيار حقا واحدا، لكن كان لكل منهم استيفائه كما ذكرنا في الوكيل في طرف مع موكله، فإنه حينئذ يتحقق التعارض إذا أجاز أحدهم و فسخ الأخر دفعة، فيتساقطان لمكان التعارض و عدم المرجح.
و ما ذكره من تحقق التعارض في صورة اختلاف الورثة ينطبق عليه، الا أنه مع كونه خلاف مختاره مما لم نعثر على قائل به، و انما هو مجرد احتمال احتمله فلا وجه للحكم بالتعارض في صورة اختلاف الورثة مع عدم جريانه على شيء من الأقوال المعروفة.
و لا اشكال بل و لا خلاف في سقوط الخيار المذكور في الجملة، و النصوص عليه مستفيضة بل متواترة، و الإجماع بقسميه على ذلك أيضا، فلا كلام في ذلك.
و انما يقع الكلام هنا في أمور لا يخلو ذكرها عن فائدة.
منها: أنه هل يشترط في سقوط الخيار بالتفرق دلالته على الالتزام بالعقد و الرضا به نوعا أو شخصا، أو لا يعتبر شيء منها، بل يسقط الخيار به و ان علم بعدم التزامهما بالبيع بل صرّحا به، و الفرق بين اعتبار الدلالة على الرضا نوعا و بين
كون الاسقاط به تعبدا انما يظهر في صورة العلم بالخلاف. فإنه لو قلنا بأنه يعتبر فيه الدلالة على الرضا نوعا، بمعنى أنه انما يسقط به الخيار لكونه أمارة على الرضا عرفا، فلا يكون صورة عدم اقترانه بالرضا- كما لو صرح بذلك- مسقطا للخيار أو علم عدم رضائه بالقرائن الحالية بخلاف ما لو قلنا بكونه مسقطا تعبدا بمعنى أنه سبب للإسقاط، فإنه حينئذ يسقط به الخيار و ان صرّحا بعدم إرادتهما بذلك لزوم العقد.
و أما الفرق بين كون اعتبار الدلالة على الرضا فيه نوعا أو شخصا بعد البناء على الاعتبار، فإنما يظهر في صورة الشك، فإنه لو كان المعتبر هو الدلالة نوعا كان حينئذ مسقطا أيضا، و هذا بخلاف ما لو اعتبرنا الدلالة على الرضا فعلا و شخصا، فإنه حيث لا دلالة فعلا و شخصا لا وجه لسقوط الخيار به حينئذ.
و كيف كان فالمشهور بينهم هو كون إسقاط الخيار به من باب التعبد، بمعنى كونه سببا مستقلا لسقوط الخيار من دون اعتبار دلالته على الرضا نوعا أو شخصا بل لم نعرف الخلاف في ذلك، عدا ما توهم من صاحب «الحدائق»، حيث أن المحكي عنه هو اعتبار دلالته على الرضا من جهة اعتباره في التفرق كونه من جهة هذا الفرض، أي سقوط الخيار و لزوم العقد.
و ربما يتمسك له بصحيحة الفضيل: (فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما)، حيث دل على عدم الخيار إذا كان الافتراق بعد الرضا. أو أن يقال في معناها:
لا خيار بعد الافتراق الذي هو الرضا منهما، فيدل على اعتبار الرضا، فلا يكفي مطلق الافتراق حتى الحاصل منه بعد الرضا، لكون العبرة على الرضا، فيدور مداره.
و يرد عليه أولا: أن الرضا لم يذكر متعلقة في الرواية فيحتمل أن يكون المراد به الرضا بأصل العقد، فيكون المعنى فلا خيار لهما إذا كانا راضيين
بأصل إيقاع العقد، فيكون ذلك احترازا عما لو أوقعا العقد اكراها فلا يسقط خيارها بالافتراق، بل لا بد من سقوط خيارهما من الرضا و يكون الافتراق بعده.
و يحتمل أن يكون المراد به الرضا بالافتراق، فيكون احترازا عما لو كان الافتراق ناشئا من الإكراه.
و يحتمل: أن يكون المراد به هو الرضا ببقاء العقد، بمعنى أنه لا خيار الّا بعد الافتراق الذي كان حاصلا مع الرضا بلزوم العقد و بقائه.
و الاستدلال بالرواية على اعتبار الرضا في الافتراق انّما هو هذا الوجه الثالث، و من المعلوم عدم صراحة الرواية بل و لا ظهورها في ذلك لمكان الاحتمالين الآخرين. ثم لو سلمنا ظهورها في هذا الاحتمال الأخير الذي هو مبني الاستدلال. نقول: ان غاية ما تدل عليه الرواية المذكورة هو كون الافتراق الحاصل بعد الرضا مسقطا للخيار، و هذا لا ينافي سقوط الخيار بمطلق الافتراق و حينئذ فما دل على سقوط الخيار بمطلق الافتراق يدل على كفاية مطلق الافتراق و ان لم يكن من جهة كشفه عن الرضا بالعقد. و ليس المقام من موارد حمل المطلق على المقيّد كما لا يخفى، و ليس في الرواية دلالة على عدم سقوط الخيار بالافتراق الغير المقرون بالرضا الّا من جهة مفهوم القيد، و هو أيضا بعد تسليم أصل الدلالة انما يسلم لو لم يكن القيد واردا مورد الغالب، و القيد في المقام وارد مورد الغالب لان الافتراق غالبا لا يكون الا مع الرضا ببقاء العقد، فلا مفهوم له حتى يوجب تقييد المطلقات. فالمتجه: ما عليه المشهور من كفاية الافتراق، و لو لم يكن مقرونا بالرضا و كاشفا عنه.
و منها ما يحصل به الافتراق: لا إشكال في أن المراد بافتراق المتبايعين ليس هو افتراق جسميهما حقيقة، لأنه حاصل حين العقد، بل المراد افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حين العقد و قد فسره المحقق الثاني بطروّ
الافتراق بحيث يزيد تباينهما من البعد.
و لا يخفى: أن مقتضى الأخذ بظاهر ذلك كفاية مطلق الزيادة حتى مثل الأنملة و ما دون و ليس بمراد قطعا، إذ ليس المناط هو الزيادة الحقيقية فإن الأحكام الشرعية لا تناط بالمداقة الحكمية، فالمراد منه هو الزيادة بحسب العرف.
و قد اختلف في أقل ما يتحقق به ذلك على أقوال ثلاثة:
أحدها: ما اختاره المشهور من أن أقل ما يتحقق به الافتراق هو البعد بمقدار خطوة، و تأويل ذلك بأن ذكر الخطوة من باب التمثيل أو مبني على الغالب- كما عن شيخنا العلامة الأنصاري «قده»- هو خلاف الظاهر.
الثاني: تحققه بأقل من الخطوة أيضا.
الثالث: ما يظهر من الفاضل النراقي من التأمل في كفاية الخطوة بل خطوتين بل ثلاثة، نعم يتحقق بنحو الخمسة و الستة.
إذا عرفت هذا فاعلم: ان الخلاف في ذلك تارة في تحقيق ما به يتحقق المسمى العرفي، و أخرى من جهة ورود التحديد الشرعي.
أما الجهة الأولى: فتفصيل الكلام فيه: أن الزيادة في الافتراق من الأمور المقولة بالتشكيك، و الأمور المقولة بالتشكيك لها مراتب.
منها: ما لا يصدق عند العرف تحقق ذلك به، كمقدار الأنملة فيما نحن فيه، و الشك مرتين في تحقق مصداق كثير الشك.
و منها: ما يصدق تحقق ذلك به قطعا، كخمسة خطوات أو أكثر فيما نحن فيه و الشك بأكثر، بمعنى ثلاث مرات في صلاة واحدة.
و منها: ما هو مشكوك في الصدق العرفي و عدمه، كمقدار الخطوة في الأقل منه يسيرا فيما نحن فيه، و ثلاث مرات في كثير الشك.
و حينئذ فنقول: أما الأقل من الخطوة: ففي صدق الافتراق عرفا تأمل
بل منع لصحة السلب عنه عرفا، فيدور الأمر بين تحققه بالخطوة و الأكثر منه فيكون مجملا مرددا بين الأقل- و هو مقدار الخطوة- و الأكثر، فيجب الرجوع فيه الى الأصول و القواعد. فالذي يصلح أن يرجع إليه في المقام، أمور ثلاثة:
(أحدها) استصحاب الخيار الثابت قبل الافتراق بمقدار الخطوة، فإنه لو تم لاقتضى عدم كفاية مقدار الخطوة بل أكثر منه أيضا. و به تمسك النراقي في قوله بعدم كفاية الخطوة، بل الخطوتين بل الثلاث، بعد دعوى انصراف الأدلة إلى الافتراق بأكثر من ذلك.
و لكن يدفعه: منع جريان الاستصحاب هنا، و ذلك للشك في تبدل الموضوع فان الخيار الثابت سابقا انما كان من جهة عدم حصول التفرق و هو هنا مشكوك، و مع الشك في بقاء الموضوع لا يجري استصحاب الحكم،- أعني الخيار- إذ موضوعه عدم الافتراق، و قد وقع الشك في مقدار الافتراق و تحققه. فلعل للهيئة الاجتماعية و عدم الافتراق الذي هو موضوع الخيار مدخلية، فاستصحاب الموضوع يصير في الشك في المقتضي.
الثاني: العمومات، أعني عمومات الخيار كقوله صلّى اللّه عليه و آله: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) فان مقتضى ذلك ثبوت الخيار الى حصول الافتراق، و حينئذ فإذا شك في صدق مفهوم الافتراق نتمسك بعموم الدليل المذكور و مقتضاه ثبوت الخيار، فان المرجح عند إجمال المخصص مفهوما هو عموم العام، فقد خرج عن عموم ذلك ما إذا حصل الافتراق، و الافتراق مشكوك.
و فيه: أن المخصص هنا متصل، و هو قوله (ما لم يفترقا) فإن الغاية من المخصصات: المتصلة. و قد قرر في محله أن العام إذا خصص بمتصل مجمل مردد بين الأقل و الأكثر، صار مجملا، و لا ظهور له في غير الأقل بوجه حتى يؤخذ بعمومه فيه.
الثالث: العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالعقد و لزومه، فإنه خرج عنه ما إذا لم يحصل الافتراق، و حيث أن الافتراق مجمل مردد بين الأقل- و هو التباعد بالخطوة- و بين الأكثر منها، فان كان يتحقق بمقدار الخطوة، كان العقد لازما عند التباعد بالخطوة فلا يلزم تخصيص العمومات بالنسبة اليه، و ان كان لا يتحقق بمقدار الخطوة لزم خروج صورة التباعد بمقدار الخطوة عن عموم الأدلة المذكورة، و حيث أن أدلة الخيار مخصصة لتلك العمومات، منفصلة عنها، و قد تردد أمره بين الأقل و الأكثر.
فيجب الرجوع في غير متيقن الخروج- و هو الأقل- إلى العمومات، لما قررنا في الأصول من أن العام المخصص بالمجمل المردد بين الأقل و الأكثر يجب الأخذ في غير الأقل المتيقن الخروج بالعام مع كون المخصص منفصلا كما إذا قيل: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم الفساق، و تردد الفاسق بين مرتكب الكبائر و بين مطلق العاصي حتى مرتكب الصغيرة، فإنه يؤخذ بعموم العام في غير مرتكب الكبائر، فيحكم بوجوب إكرام مرتكب الصغائر.
فيجب في المقام الأخذ بعموم مثل قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) في غير المتيقن خروجه و هو عدم الافتراق بمقدار الخطوة. و أما الافتراق بمقدار الخطوة و أكثر منها: فيجب التمسك فيه بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و نحوه، الدال على اللزوم.
فالمتجه على هذا البيان: هو ما ذهب اليه المشهور من حصول الافتراق المسقط للخيار بالتباعد بمقدار الخطوة.
و أما التباعد بأقل منه فهو و ان كان مقتضى ما ذكرناه سقوط الخيار به أيضا إذا فرض الشك في صدق الافتراق عليه عرفا. إلا أنك قد عرفت أنه لا يصدق عليه الافتراق عرفا لصحة السلب فلا شك في ذلك حتى يرجع فيه الى العموم.
هذا كله على تقدير عدم ثبوت التحديد الشرعي.
و أما إذا ورد تحديد شرعي له، فلا إشكال في أنه المتبع، فالكلام في المقام في ثبوت التحديد الشرعي. فنقول: يظهر من بعض: ثبوت التحديد الشرعي في طرف الأقل بعدم كفاية مثل الخطوة و الخطوتين بل الثلاث أيضا، لما روي عن مولانا الباقر عليه السّلام. في أرض اشتراها، على ما في صحيحة ابن مسلم عن الباقر عليه السّلام أنه قال: بايعت رجلا، فلما بايعته فمشى و مشيت خطاء ثم رجعت الى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا.
و وجه الدلالة أنه عليه السّلام علل المشي بالخطى التي لا يتحقق صدقه بأقل من ثلاث من جهة إرادة وجوب البيع بالافتراق، فلو كان الافتراق حاصلا بدون ذلك، لم يكن وجه لذلك.
ثم ان أقل الجمع لما كان ثلاثة، فلا دلالة في الرواية ظاهرا على اعتبار أكثر من ثلاث بل كان مقتضى ظاهره كفاية الثلاث لكونها أقل الجمع.
و قد تفطن لذلك الفاضل النراقي- المستشكل في كفاية الثلاث- فأجاب عن ذلك: بأنه انما يدل على أن فعل الامام كان موجبا لحصول الافتراق، و لم يعلم أن فعله كان ثلاث خطوات لا أكثر، بل لعله مشى بالخطوات الخمسة أو الستة أو أكثر، فلم يثبت منه على كفاية أقل الجمع- أعني الثلاث- و الحاصل: أن الرواية انما تدل على عدم كفاية أقل الجمع- أعني الثلاث- في طرف الأقل، فثبت من ذلك تحديد الافتراق في جانب الأقل. و أما تحديده في مقدار المعتبر من الخطوة فلا يثبت، لاحتمال إرادة أكثر من الخطوات الثلاث من الجمع.
و كيف كان يضعّف ذلك بأن ثبوت التحديد الشرعي في طرف الأقل بتلك الرواية موقوف على اعتبار مفهوم العدد و العلة، و كلاهما محل تأمل.
أما وجه ابتنائه على مفهوم العدد، بتقريب أن يقال: أن الخطاء- بالضم- جمع
و أقله ثلاثة، فيصير مفهومه: أن الأقل من الثلاث لا يوجب لزوم البيع. و أما وجه ابتنائه على مفهوم العلة، بتقريب أن يقال: أن العلة في اللزوم هو المشي بالخطاء الثلاث و أقل منه لا يصير علة اللزوم، فيدفع بأن كون الثلاث علة للافتراق لا يوجب نفي ما عداه إذ كما يمكن أن تكون العلة لحصول اللزوم ثلاث خطوات، كذلك يمكن أن تكون الخطوة الواحدة أو الاثنتين أيضا علة له كما يمكن أن يكون خمس خطوات أو ست، علة.
و الحاصل: أن العلة مسلمة في جانب الوجود و الثبوت و أما في جانب الانتفاء عند الانتفاء، فليس بمسلّم في أمثال المقام، كما قرر في الأصول، مضافا الى أنه حكاية فعل، كما أنه لا يقتضي على كفاية الثلاث حسبما تفطن به، كذلك لا يقتضي على عدم كفاية أقل منها.
فلا تدل تلك الرواية على عدم كفاية أقل من ثلاث خطوات. و اما أبعد بين استدلال ذلك البعض- أعني الفاضل النراقي في مستنده- و بين ما في «الرياض» حيث استدل على كفاية الخطوة الواحدة بتلك الرواية، حيث قال ما هذه عبارته:
و لولاها- أي هذه الرواية المذكورة- لأشكل إثبات اللزوم و سقوط الخيار بالافتراق بنحو من الخطوة بإطلاق مفهوم الأخبار المتقدمة لاختصاصها بحكم التبادر بالافتراق المعتد به الغير الصادق على الافتراق بنحو الخطوة عرفا و عادة (انتهى).
فيرد على ما في «الرياض» أنه لا يستفاد من المعتبرة التي منها هذه الصحيحة- أعني ابن مسلم- اعتبار الخطوة الواحدة، لأن الخطاء- بالضم- جمع خطوة كغرف جمع غرفة، لو لم يدل على اعتبار الثلاث فلا يدل على كفاية نحو من الخطوة قطعا، الا أن يقال: أنه رأى كونه مفردا و اطلع على ورود هذا الوزن من هذه المادة في الإفراد، فيصير حينئذ الجمع: الخطوات، و مفردة: خطوة و خطأ- بالضم.
و لكن ثبوته في غاية الإشكال، بل الثابت في الاستعمالات إفراد الخطوة و جمعه بالخطوات و الخطاء، فالأولى رفع اليد عن تلك الرواية في دلالتها على كفاية نحو من الخطوة كما في «الرياض» أو على عدم كفاية أكثر منها. و حيث ليس لنا فيما عثرنا خبر آخر مشتمل على لفظ (الخطوة) و تحديد الافتراق هنا، فلا بد حينئذ من المراجعة إلى التحديد العرفي، و تنزيل إطلاق أخبار الافتراق عليه. و ليس له معنى سوى المعنى اللغوي، و هو متحقق بالبعد بالخطوة و نحوها يسيرا بحيث يتسامح في صدق الخطوة، فيصير المختار حينئذ منطبقا على ما ذهب اليه المشهور.
و لو أبيت عن ذلك و منعت صدق الافتراق بنحوها بدعوى انصرافه الى أكثر منها.
نقول: بعد منع الانصراف أن المرجع هو عمومات لزوم البيع بعد طروّ الإجمال لعمومات الخيار بالمخصص المتصل. و الخدشة في الاستصحاب بانتفاء شرطه، لعدم العلم ببقاء الموضوع كما عرفت.
ثم أنه لا فرق في كفاية الخطوة بين أن يكون البيع و حصول الافتراق في الدار الصغيرة أو الكبيرة، و بين قرب المكانين و بعدهما، خلافا لبعض العامة، حيث شرط في الدار الصغيرة الخروج منها أو الصعود الى سطحها، و اكتفى في الكبيرة بالانتقال من الصفة إلى الصحن لعدم مدخلية المكان و الأشخاص و كيفيتها في تحديد الافتراق لعدم اختلاف معاني الألفاظ بها، كما هو واضح.
و هل العبرة في تحقق الافتراق أن يكون بعد تمامية القبول؟ أم يكفي بعد الإيجاب، و قبل لحوق القبول تظهر الثمرة فيما لو افترقا بين الإيجاب و القبول فعلى الأول: لا يسقط الخيار، و على الثاني: يسقط و يصير البيع لازما، و الأقوى هو الأول، لعدم صدق (البيّعان) الا بعد تمامية العقد، و لحوق القبول.
و هل يكفي التفرق ببعض البدن و لو بنحو من الخطوة بل أكثر مع بقاء بعض البدن على الحالة الأولى، كما إذا كانا في طرفي المحمل، يميل كل منهما طرف رأسيهما على خلاف الأخر فيبعدا رأسيهما عن الهيئة الأولية أو العكس؟
أم لا؟. و الأولى إحالة ذلك و أمثالها إلى العرف، لان الافتراق موضوع عرفي يدور مدار الصدق العرفي.
و منها: أن مفارقة الأرواح هل هي كمفارقة الأبدان في سقوط الخيار أم لا؟
احتمل العلامة «قده» في «القواعد» و في محكي «التذكرة»: كفاية مفارقة الأرواح في السقوط، و قوّاه في محكي الحاشية المعلقة على «الإرشاد»، و استظهره الأردبيلي «قده»، و استدل على ذلك: أن مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس.
و يضعّف: بإرادة التباعد المكاني من الافتراق لتبادره فيه و هو ظاهر في تباعد الأجسام مضافا الى أن يموت أحدهما لا يعلم مفارقة روحه عن الأخر في المجلس، مع أن الأولوية في الأحكام الوضعية ممنوعة، فلا ريب حينئذ في عدم سقوط خيار المجلس بموت أحدهما في المجلس.
فحينئذ ينتقل خيار المجلس الى الوارث وفاقا للمشهور، بل كاد أن يكون إجماعا، فيكون ذلك كسائر الخيارات في انتقالها الى الوارث من غير خلاف و اشكال هناك.
ثم انه لما كان خيار المجلس لم يسقط بموت أحدهما مع بقاء الميت و الأخر في المجلس، انتقل الى الوارث و هو قد يكون حاضرا و قد يكون غائبا.
ففي الحاضر: لم يفصّلوا أو لم يحتملوا له وجوها و احتمالات، بل ذكر العلامة «قده» في «القواعد» حكمه بكلمة واحدة إرسال المسلمات حيث قال: فان كان
حاضرا امتد الخيار بينه و بين الأخر ما دام الميت و الأخر في المجلس (انتهى).
و اكتفى بذلك.
و في المسالك زاد فيه احتمالا واحدا، حيث قال بعد قيام الوارث مقام الميت في الخيار بما هذه عبارته: و هل يقوم في اعتبار التفرق أو يبقى الحكم معلقا بمفارقة الميت أو الأخر؟ وجهان، أجودهما الثاني. و لم يتعرضوا أكثر من ذلك الوجهين في حق الحاضر.
و أما في ما كان الوارث غائبا: ذكروا له وجوها تقرب الى سبعة أو ثمانية، فيتوجه حينئذ إليهم الاشكال و الإيراد في التفكيك مع أن الوجوه التي تذكر في الغائب تجيء في الحاضر أيضا، فما الفرق بينهما؟ فنحن نتعرض بذكر الوجوه حتى تتبين لك حقيقة الحال.
فنقول: أما في الحاضر: فيه وجهان على ما في «المسالك»:
أحدهما: سقوط اعتبار الميت في صدق التفرق و تحققه، بل العبرة في الافتراق بين أحد البيّعين- الحي- و بين الوارث الحاضر ما لم يفترقا عن المجلس فالخيار ثابت سواء فارق الميت المجلس أم لا، فالوارث كما قام مقام الميت في أصل حق الخيار، كذلك قام مقامه في التفرق لعدم العبرة بتفرق الميت و اجتماعه.
و ثانيهما: ثبوت الخيار للوارث ما دام الميت و البائع الحي الأخر لم يفترقا فلو افترق الميت أو الأخر الحي، سقط خيار الوارث، و اختاره في «القواعد» و «المسالك» عملا بظاهر النص، لان الخيار مغيى بمفارقة البيعين و هي تحصل بانتقال الحي، و بنقل الميت عن المجلس مع عدم مصاحبة الأخر معه.
و أما فيما كان الوارث غائبا، فيه وجوه:
أحدها: ما اختاره في «الجواهر»، و احتمله في «جامع المقاصد» من
ثبوت الخيار للوارث مطلقا من غير أن يكون مفارقته عن مجلس وصول الخبر أو مفارقة الحي أو الميت مسقطا.
أما عدم كون مفارقة الوارث مسقطا، لعدم كونه بيعا. و أما مفارقة الميت لعدم كونه اختياريا، فحيث أن المسقط هو الافتراق الاختياري، فيتعذر حصوله دائما فيصير الخيار حينئذ أبديا لدوام عدم الافتراق الاختياري الذي هو مسقط للخيار.
فان الخيار انما شرع فيما لم يفترقا، فما كان عدم الافتراق محققا ثابتا يثبت حكمه و حيث كان المراد من الافتراق هو الافتراق الاختياري- كما سيجيء تحقيقه- قد تعذر حصوله بين البيعين بعد موت أحدهما، فمع نقل الميت أو انتقال الحي عنه لم يحصل الافتراق الاختياري بينهما. و من المعلوم أن مقتضى النص و الدليل ثبوت الخيار ما لم يحصل الافتراق الاختياري، و المفروض عدم حصوله.
و الحاصل: أن النص دال على أن المسقط هو الافتراق الاختياري، و هو لا يحصل تارة باختيار- من البيّعين- الاجتماع، كما إذا كانا البيعان موجودين و مجتمعين. و أخرى لا باختيار الاجتماع بل بانتفاء الموضوع، كما إذا تعذر الافتراق من جهة انعدام موضوعه بالموت، ففي موت أحد البيعين أو كليهما يصدق أنهما لم يفترقا، فيثبت الخيار مطلقا و ينتقل الى الوارث. ثم ان في موت كليهما الافتراق متعذر في كلا الجانبين، و في أحدهما من جانب الميت. و لكن لو فارق أحد البيعين الحي عن الميت- يندرج في حكم المسألة- الأخر، أعني فيما لو فارق أحدهما.
و ثانيها: ثبوت الخيار للوارث الغائب حين بلوغ الخبر اليه فورا، فان اختار الإمضاء أو الفسخ فورا فيها، و الا لسقط.
و وجه ذلك: أما ثبوت الخيار له، فلكونه حق تركة الميت، فكل حق
تركه الميت فهو لوارثه فيشمله الأدلة الدالة على انتقال أموال الميت و حقوقه الى وارثه كما سبق، و سيأتي أيضا بيانه.
و أما كونه فوريا: فلدفع الضرر، حيث أن بقاء الخيار له ضرر للآخر، فينتفي بالأدلة النافية للضرر.
فيه: ان الخيار انما شرّع لدفع الضرر، بمعنى أنه يستدل على ثبوت الخيار بالأدلة النافية للضرر، فيثبت الخيار غالبا بقاعدة لا ضرر، و مع ذلك كيف تكون هنا نافية للخيار لعدم المنافاة بينهما.
نعم ذلك حسن بالنسبة إلى مذهب من رأى عدم الانتقال في زمن الخيار، أو على مذهب من قال بعدم جواز التصرف في زمن الخيار، كما حكيناه عن الشيخ «قده» و أما على مذهب المشهور المنصور من جواز التصرف للمتبايعين في زمن الخيار، فلا مسرح للضرر في جعل الخيار أصلا.
و ثالثها: ثبوت الخيار له مع امتداده بامتداد المجلس الذي وصل فيه الخبر الى الوارث الغائب. و وجه ذلك: تنزيل مجلس الخبر منزلة مجلس العقد لأنه مجلس ثبوت الخيار بالنسبة إلى الوارث، فيكون كمجلس العقد، فيمتد الخيار حينئذ بامتداد ذلك المجلس.
و تقريب ذلك أن يقال: أنه ليس لمجلس العقد خصوصية في ثبوت الخيار كما أنه ليس لخصوص البيعين مدخلية و خصوصية في ملاحظة افتراقهما، بمعنى انه لا عبرة في افتراق المتبايعين في سقوط الخيار حتى لا يكون للوارث الغائب خيار مع نقل الميت عن مجلس العقد و دفنه.
كما أنه لا عبرة بالمجلس الذي وقع فيه، في امتداد الخيار، و ان كان ظاهر النص يساعد ذلك، بل العبرة بثبوت الخيار دوام الخيار بدوام المجلس و سقوطه بالافتراق انما هو مجلس ذي الخيار و افتراقه، لمكان استفادة المناط و الحيثية من
النص الشريف، أعني قوله صلّى اللّه عليه و آله (البيعان بالخيار ما لم يفترقا)، فان الحكم و ان كان ثابتا لهما كما أن الضمير يرجع إليهما، الا أنه ملحوظ فيه من حيث كونهما ذوي خيار، فالخيار ثابت للبيعين عند عدم الافتراق و ساقط عند الافتراق من حيث كونهما ذوي خيار.
فلا بد من ملاحظة عدم الافتراق بالنسبة إلى المجلس الذي ثبت فيه الخيار فما لم يحصل البعد و الافتراق عن ذلك المجلس يدوم الخيار، كما أنه إذا زاد البعد بينهما عما كانا عليه و حصل الافتراق و لو كانا مجلسين عما كانا عليه مستقبلين يسقط الخيار. فلا يتوجه حينئذ ما في «جامع المقاصد» و غيره من الإيراد على ذلك بأن المراد من المجلس مجلس البيع لا مطلق المجلس، فتحديده بهذا المجلس- أي مجلس بلوغ الخبر- تحكّم.
نعم يجاب عن ذلك بتقريب أن الثابت من النص و الفتوى هو ثبوت الخيار للوارث. و أما تنزيله منزلة الميت في الافتراق، بمعنى كون المسقط افتراق الوارث، و في بقاء الخيار بدوام المجلس الذي وصل فيه الخبر، ممنوع لعدم دليل يدل على عموم المنزلة، بحيث يكون افتراق الوارث بمنزلة افتراق الميت و لأن إحراز البعد و الافتراق بين الوارث و بين الأخر العاقد في غاية البعد و الاشكال بل يتعذر غالبا، خصوصا في البلاد النائية و البعيدة، إذ لو تحرك كل واحد منهما إلى جهة من الجهات، كما يحتمل زيادة البعد و الافتراق، كذلك يحتمل القرب فلا ينبغي تنزيل حكم الشارع الى الموضوعات الخفية التي لا يعلمها الا عالم السر و الخفيات.
و رابعها: سقوط الخيار بالنسبة إلى الميت دون الأخر، كما هو ثالث محتملات «المسالك». و وجهه موقوف على مقدمتين:
الاولى: حصول الافتراق بمفارقة الروح، كما احتمله العلامة «قده».
الثانية: كون الافتراق قابلًا للتجزية، بمعنى حصوله بمفارقة أحدهما بحيث يصدق الافتراق بالنسبة إليه دون الأخر، فالميت يسقط خياره لصدق الافتراق بالنسبة إليه، بخلاف الأخر، فخياره يكون باقيا لعدم صدق الافتراق بالنسبة إليه فلما سيأتي في مسألة الإكراه من انه لو أكره أحدهما على الافتراق لم يسقط خيار الأخر ما دام باقيا.
و هذا كما ترى: أضعف الوجوه لمنع صدق الافتراق بمجرد الموت لظهوره في التباعد بحسب المكان و الأبدان، و على الصدق يرد عليه: أنه كما يسقط به خياره يسقط به خيار الأخر أيضا لصدق افتراقهما بمفارقة أحدهما.
و خامسها: ما احتمله بعضهم: عكس ذلك من سقوط الخيار عن الأخر مع بقائه للميت فينتقل الى ورثته.
أما وجه ثبوت الخيار للميت فلما سيأتي من أن الإكراه على التفريق لا يسقط به الخيار، و التفرق هنا و ان صدق بسبب الموت، الا أنه لما كان من دون اختيار الميت فلا يسقط به الخيار.
و أما وجه سقوطه عن الأخر فلما سيأتي من أنه إذا أكره أحدهما على التفرق دون الأخر بطل خيار الأخر إذا تمكن من الاختيار، كما هو المفروض في المقام.
و هذا الاحتمال عكس احتمال سابقه. فيرد عليهما معا ما سيأتي من عدم وجه للحكم بسقوط الخيار من أحدهما دون الأخر، فإن الافتراق من الافتراق من أحدهما.
فإن مثل هذا الافتراق من أحدهما لا يوجب سقوط الخيارين، مضافا الى منع صدق الافتراق بمفارقة الروح كما سيأتي.
و سادسها: كون العبرة ببدن الميت و الأخر في حصول الافتراق و عدمه، فما دام بدن الميت و الأخر باقيين في المجلس، ثبت الخيار للوارث، فاذا خرج أحدهما حصل الافتراق و سقط الخياران.
و هذا الوجه هو الذي استجوده في «المسالك». و وجهه واضح، لان النص دل على ثبوت الخيار للبيّع ما دام في المجلس. و سقوطه بتفرقه عنه، و حيث أن البيّع قد مات، فينتقل خياره الى الوارث بمقتضى أدلة الإرث. لكن خيار الوارث انما يتبع خيار المورث، و حيث أن خياره كان ثابتا ما لم يحصل التفرق بينه و بين الأخر، فخيار الوارث يكون أيضا كذلك.
و بعبارة أخرى: أن التوريث انما يقتضي ثبوت الخيار في مورد ثبوته للميت و الثبوت للميت كان ما لم يحصل الافتراق بينه و بين الأخر فيكون المتبع هو الافتراق بين الميت و بين الأخر لا بين الوارث و بين الأخر، و حيث أن الموت ليس افتراقا فيبقى الخيار ما دام لم يحصل الافتراق بين الميت و بين الأخر. و هو حسن على تقدير صدق البيّع على الميت و إمكان تحقق الافتراق في حقه، و كلا الأمرين محل تأمل كما سيأتي بيانه.
و كيف كان فلنتعرض للقول الأخر و هو سقوط هذا الخيار بالموت، كما احتمله العلامة و قوّاه في محكي تعليق «الإرشاد» و تأمل في ذلك في «مجمع الفائدة» حيث قال: أن في موت خيار المجلس له- أي للوارث- تأمل. و اختاره السيد في «الدلائل». و الذي يصلح أن يستند لذلك وجوه:
(الوجه الأول) ما يظهر من السيد في «الدلائل» من سقوط الخيار بالموت رأسا، لكن لا لما ذكره العلامة «قده» من الأولوية بل لعدم شمول أدلة الخيار و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» لحال الموت، فان الظاهر من النص: ثبوت الخيار لهما ما دام لهما شأنية الافتراق.
فالافتراق المسقط هو الافتراق ممن له شأنية ذلك لا مطلقا فيكون النص شاملا ما دام هذا الوصف العنواني و القابلية باقيا، و إذا ارتفعت بأن خرجا عن القابلية، خرجا عن تحت النص و لم يكونا مشمولين لأدلة الخيار، و حينئذ فمقتضى العمومات
اللزوم و عدم الخيار و لا يعارضه شيء عدا استصحاب الخيار، إذ المفروض دخوله تحت النص ما يفرض فيه القابلية، و بعد انتفائها يشك في بقاء الخيار و عدمه، فالأصل هو البقاء، الا أن ذلك لا يعارض الدليل اللفظي، أعني العمومات، و ليس الاستصحاب موضوعيا- أي استصحاب عدم الافتراق- حتى يقال بتقدمه على العمومات، بل المراد استصحاب الحكم- أي الخيار الثابت قبل انتفاء القابلية- فتكون العمومات حاكمة عليه.
قال في «الدلائل» ما هذه عبارته: و لو مات أحد المتعاقدين أو هما لسقط الخيار، لان ظاهر النص إثباته للمتعاقدين الذين من شأنهما الافتراق، فلو انتفت أهليتهما لذلك بعد العقد كالموت، أو كانت منتفية من الأصل كما إذا اتحد الموجب و القابل، أو كانا على بدن واحد أو حقو واحد، فلا خيار، لسلامة العمومات حينئذ عن المعارض عدا استصحاب بقاء الخيار في الصورة الأولى- أي ما إذا طرأ عدم القابلية. و هو لا يقبل معارضة الأدلة اللفظية. نعم في خصوص الموت يمكن الحكم بانتقال الخيار الى الوارث كما سيجيء في أحكام الخيار. (انتهى).
و عدم جريان الاستصحاب- أي استصحاب الخيار- في الصورة الثانية- أي ما إذا كانت القابلية منتفية من الأصل- واضح، لعدم دخول ذلك تحت أدلة الخيار أبدا في وقت من الأوقات، بخلاف الصورة الأولى- أي ما إذا طرأ عدم القابلية- فإن مقتضى الاستصحاب هو بقاء الحكم السابق- أي الخيار. فكلامه هذا كما ترى صريح فيما ذكرنا من عدم الخيار بعد الموت، الا أنه استشكل في خصوص الموت، و لعله للنص و الفتوى من أن ما ترك الميت من حق فهو لوارثه. و اختاره في باب الأحكام، قال بعد الحكم بالانتقال الى الوارث. و الجواب عن ما أحتمله العلامة و ما ذكره أولا، ثم ان كان الخيار خيار المجلس و كان الوارث في مجلس البيع قام مقامه في الخيار، و هل يقوم مقامه في اعتبار التفرق أو يبقى الحكم معلقا
بمفارقة الميت و الأخر؟ و جهان، كما أنه لو كان غائبا، ففي ثبوته حين بلوغه الخبر فوريا أو ممتدا بامتداد مجلس الخبر، و مبايعة أو سقوطه رأسا بالنسبة إلى الميت وجوه. (انتهى).
فكلامه هنا صريح في الانتقال إلى الورثة.
بقي هنا شيء، و هو أن السيد قد جعل الاستصحاب في المقام جاريا، و جعله أحد الأدلة في المسألة، غاية الأمر أنه معارض بما هو حاكم عليه، فجعل مقتضى الاستصحاب: الخيار، و مقتضى الدليل اللفظي المقدم عليه: الزوم، و يقدم الخيار، مع أنه لا وجه لجريانه في المقام، إذ استصحاب الخيار ان لوحظ بالنسبة إلى الوارث- أي عند الشك- يستصحب خياره.
ففيه: أنه ليس له حالة سابقة ان لوحظ الى الوارث لعدم المتيقن السابق من الخيار بالنسبة إلى الوارث، و ان لوحظ بالنسبة إلى الميت المورث، فكذلك أنه باطل لتبدل الموضوع إذ المتيقن السابق خيار الحي البائع و قد تبدل و سقط بالموت، فأي تبدل أظهر من الحياة و الممات. و قد سبقه في ذلك كثير من الفقهاء حيث تمسكوا بالاستصحاب.
اللهم الا أن يوجه: أن الغرض من الاستصحاب انما هو بالنسبة إلى الطرف الأخر الحي فإن الخيار كان ثابتا له قبل موت صاحبه، و حيث حصل الشك بمفارقة صاحبه عن الدنيا، فيثبت له الخيار بالاستصحاب، فيحكم بخيار الوارث أيضا لعدم القول بالفصل، بمعنى أن كل من قال بثبوت الخيار للطرف الأخر قال به للوارث، و كذا يتمسك بعدم القول بالفصل فيما إذا مات البيعان معا فإنه و ان لم يجر الاستصحاب، الا أنه يقال بعدم القول بالفصل بين موت أحدهما و بين موتها معا.
(الوجه الثاني) القول بعدم الخيار بعد الموت بوجه آخر- لا بما ذكره
العلامة «قده» و السيد، المذكور- بل بوجه يستفاد من المحقق الثاني في «جامع المقاصد» و تبعه على ذلك بعض المشايخ في شرحه على «اللمعة».
و محصل هذا الوجه هو أنه: إذا كان سقوط الخيار منوطا بالافتراق، لا جرم يكون ثبوته منوطا بعدم الافتراق، فيكون مفاد النص هو ثبوت الخيار ما دام الموضوع- أي عدم الافتراق- ثابتا، فاذا انتفى ذلك فلا دليل على الخيار سواء كان انتفاء ذلك- أي عدم الافتراق بانتفاء المحمول، أي مع بقاء البيعين-، الا أنه حصل بينهما الافتراق، فينتفي عدم الافتراق بذلك أو بانتفاء الموضوع بأن ماتا أو مات أحدهما، فإنه بالموت ينتفي هذا الموضوع- أي عدم الافتراق- عمن شأنه ذلك. فاذا انتفى الموضوع فلا يكون مشمولا للنص- أي دليل الخيار- و لا يكون الخيار ثابتا.
و هذا الوجه هو صريح الشيخ علي في شرح اللمعة، و هو الذي أشار إليه المحقق الثاني، حيث أورد على العلامة، بعد ما قال: و ان كان غائبا امتد الى أن يصل الخبر إذا أسقطنا اعتبار الميت. انتهى. و هذا ليس شيء لانتفاء عدمه و هو عدم تفرق المتبايعين إذا أسقطنا اعتبار الميت.
و هذا الإيراد كما ترى مبني على جعل موضوع الخيار عدم التفرق، و أنه ينتفي تارة بانتفاء المحمول- أي بحصول التفرق- و أخرى بانتفاء الموضوع كالموت حسبما ذكرنا فأورد على مصنفه: بأنه بعد إسقاط اعتبار الميت لا معنى لانتقال الخيار الى الوارث الغائب و امتداده الى أن يصل الخبر، لان موضوع الخيار عدم التفرق و لا ريب بانتفائه بالموت. فكأنه حمل قوله: ان أسقطنا اعتبار الموت على إسقاط اعتباره في التفرق و عدم التفرق في أصل ثبوت الخيار، أي أن الدليل الذي دل على ثبوت الخيار، انما دل على اناطة الخيار وجودا و عدما بالتفرق و عدمه إذا كان من شأنه ذلك، و أسقطنا اعتبار الميت في ذلك، أي قلنا
أنه خارج عن النص و أنه لا عبرة بالافتراق و عدمه مع الموت فأورد عليه حينئذ أنه بعد ذلك لا معنى للانتقال الى الوارث حتى يقال في الغائب بامتداده الى وصول الخبر لانتفاء متعلقة، و هو عدم التفرق.
فكأنه أورد عليه بالتناقض، حيث أنه علق الانتقال الى الوارث و امتداده لوصول الخبر على سقوط اعتبار الميت.
مع أن مقتضى سقوط اعتبار الميت حسبما فسره أي سقوطه عن النص و اناطة الحكم وجودا و عدما بالتفرق و عدمه إذا كان من شأنه ذلك و سقوط الخيار و عدم الانتقال الى الوارث فيكون كلامه مشتملا على التناقض و استحسنه شيخنا في «الجواهر» فأورد على العلامة بما حاصله: أن الميت إذا سقط اعتباره و صار كأن لم يكن شيئا مذكورا، فقد انتفى موضوع الخيار الذي هو عدم التفرق، و حينئذ لا يبقى خيار حتى ينتقل الى الوارث، ففرض سقوط اعتبار الميت يوجب سقوط الخيار رأسا، فكيف يجعل ذلك وجها لامتداد الخيار الى زمان وصول الخبر الى الوارث الغائب. و الخلاف في بقائه إلى امتداد مجلس الخبر و عدمه.
(الوجه الثالث) ما أفاده العلامة في «القواعد» من أن مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس في الإسقاط.
هذه وجوه ثلاثة. استفدناها من كلماتهم وجها على القول بسقوط الخيار.
و لكن قد يورد تارة على الأول: بأنه بعد البناء على أن النص يدل على ثبوت الخيار في حال عدم الافتراق إذا كان له أهلية الافتراق، فاذا مات ذهبت القابلية قطعا فلا مسرح للاستصحاب تتبدل الموضوع.
و يندفع: بأنه و ان كان مدعاه أن النص و ان لم يشمل صورة ارتفاع القابلية الا أن مدخلية ذلك في الخيار مشكوك فيها، فيصح التمسك بالاستصحاب. و أخرى
أنه ان أريد بالاستصحاب إثبات الخيار للميت، فهو و ان كان منتفيا في السابق، لكنه ليس مشكوكا في اللاحق، للقطع بعدم بقاء خيار للميت نفسه بعد الموت.
و ان أريد به استصحابه للوارث، فهو و ان كان مشكوكا في هذا الزمان، الا أنه ليس متيقنا سابقا للقطع بعدم الخيار له قبل الموت فاقد الشرطين في الاستصحاب، و هو التيقن السابق، و الشك اللاحق منتفيان على التقديرين.
و لو أريد استصحاب نفس الخيار من دون نظر الى ما يتعلق به، بتقريب أنه كان خيار قبل الموت و حصل الشك في ارتفاعه بالموت، فيحكم ببقائه بالاستصحاب.
ففيه: ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري في مقدمة إرث الخيار من أن الخيار حق و لا يتقوّم بنفسه الا بالمستحق، و المفروض أن مستحقه في الان الأول قد زال بالموت و الوارث لو كان مستحقا فهو فرد آخر، فيكون ما نحن فيه من قبيل استصحاب المتبدّل أحد أفراده و التحقيق عدم جريان الاستصحاب في مثله.
هذا فالذي يصح أن يعتذر عنه في التمسك بالاستصحاب كما صدر ذلك من جملة من الأساطين، منهم المحقق الثاني، ما ذكرنا بأن المراد استصحاب الخيار بالنسبة إلى الطرف الحي الأخر، فيثبت بعدم القول بالفصل لصاحبه، فينتقل الى الوارث، بالأدلة الدالة على أن ما تركه الميت من الحق و المال فهو لوارثه، كما أنه يثبت بعدم القول بالفصل فيما إذا ماتا معا في آن واحد.
و كيف كان، تدفع دعواه بمنع البناء، أعني دلالة النص على سقوط الخيار إذا سقطت شأنيّة الافتراق، فدعوى ظهوره فيما له شأنية الافتراق في صورة عدم الافتراق ممنوعة لصدق عدم الافتراق مما كان له شأنية الافتراق و عدمه.
و أما على الوجه الثاني، فيندفع بالمنع عن صدق انتفاء عدم التفرق بالموت لان الظاهر من انتفاء عدم التفرق انتفائه بمحمولة، و لا يكون ذلك الا بالتفرق.
و أما بانتفاء الموضوع، فبعد تسليم صدق ذلك في المقام، فهو خلاف الظاهر من النص، فلا يفيد النص سقوط الخيار به.
و أما إيراد المحقق الثاني على مصنفه و متابعة شيخنا في «الجواهر» عليه فهو ناشىء عن عدم عثورهما بمراده، فان لكلام العلامة «قده» أعني قوله (ان أسقطنا اعتبار الميت) احتمالات ثلاث:
أحدها: أن يكون مراده منه فرض وجود الميت كعدمه رأسا، و عليه يبنى إيرادهما من أنه على هذا التقدير ينتفي موضوع الخيار، فلا يبقى خيار من جهة عدم وجود البيّع، و لكن لا يخفى بعد ذلك عن كلام العلامة «قده».
الثاني: أن يكون مراده هو إسقاط الميت في كون موته افتراقا، يعني أنه إذا لم نقل بكون الموت افتراقا و أسقطنا اعتبار الميت من هذه الجهة. و هذا أيضا بعيد، بل ربما يعد تكرارا.
الثالث: أن يكون المراد إسقاط الميت في مقام التفرق، بمعنى أنه لا يعبأ بتفرقه و اجتماعه في مقام سقوط الخيار و بقائه نظرا الى ما تقدم من أن الافتراق و ان لوحظ في النص بالنسبة إلى البيّعين، و هما الميت و الحي الأخر، الا أن ذلك كان من جهة كونهما ذوي خيار، فاذا مات البيّع خرج عن كونه ذا خيار، فيسقط اعتبار تفرقه و عدم تفرقه.
و هذا الوجه هو مراد العلامة، و عليه فلا وقع لا يرادهما «قدهما» كما لا يخفى.
و أما الوجه الثالث: فيدفع بما ذكرنا من منع الأولوية، لأن الظاهر من الافتراق هو تباعد الجسم، و هو غير حاصل بمجرد الموت، مع أنه لو سلمنا أن المراد به التباعد بحسب الروح أو ما يعمه و التباعد بحسب الجسم فنقول: ان التباعد بحسب الروح غير معلوم الحصول بمجرد الموت مضافا الى منع اعتبار الأولوية في الأحكام الوضعية كما ذكرنا غير مرة.
فظهر لك أن الحق في المسألة عدم سقوط الخيار بالموت كما عليه المشهور بل ادعى بعضهم منهم السيد في «الغنية» الإجماع على توريث هذا الخيار، و لا يكون ذلك الّا مع عدم سقوطه بالموت. و في «التذكرة» أن الخيار عندنا موروث الى أن قال: و به قال الشافعي إلا في خيار المجلس، فإنه يدل على كون إرث خيار المجلس متفقا عليه عند أصحابنا.
و أما الأظهر من الاحتمالات هو الوجه الأول الذي احتمله في «جامع المقاصد» و استقربه في «الجواهر» من امتداد هذا الخيار مطلقا، بمعنى عدم سقوط هذا الخيار بعد موت أحدهما أو كليهما من جهة افتراق الميت، أي نقله من مجلس العقد، أو من جهة افتراق الوارث.
بل لا عبرة بافتراق الأخر الحي أيضا لما ذكرنا أن النص دل على ثبوت هذا الخيار للبيّعين ما لم يفترقا، فاذا مات أحدهما قبل التفرق انتقل خياره الى وارثه فيكون له الخيار بأدلة الإرث و للآخر من جهة كونه بيعا و المسقط للخيار انما كان افتراق البيّعين و هذا المسقط لا يتصور تحققه في المقام، فيجب الحكم ببقائه أبدا من هذه الجهة، و ينحصر مسقطة في سائر المسقطات.
و أما عدم تصور تحقق هذا المسقط في المقام، فبوجوه ثلاثة:
أحدها: ما يظهر من «الجواهر» من أن الافتراق المسقط انما هو افتراق البيّعين إذا كان اختياريا، و ذلك لا يتصور في المقام. أما افتراق الميت فلانة ليس اختياريا، لا مفارقة روحه و لا مفارقة بدنه لعدم كون شيء منهما اختياريا له. و أما مفارقة الأخر عن الميت، فلما سيأتي من أن الافتراق إذا كان من أحدهما بدون اختياره، فلا يسقط خيار الأخر عن الميت فلما سيأتي من أن الافتراق إذا كان من أحدهما بدون اختياره فلا يسقط خيار الأخر و ان فارقه اختيارا. و أما افتراق الوارث فهو و ان كان اختياريا الا أنه لم يكن بيعا، فلا يكون افتراقه افتراقه افتراق البيع، فلا وجه
لسقوط الخيار به.
الثاني: ما يظهر من بعضهم أن المسقط للخيار هو افتراق البيعين إذا كانا عمن له أهلية الاجتماع و الافتراق، و هذا لا يحصل في المقام، أما بين الميت و الأخر: فلعدم أهلية الميت بشيء منهما، و أما بالنسبة إلى الوارث و الأخر فلعدم كون الوارث بيعا حتى يصدق بمفارقته افتراق البيعين.
الثالث: أن المسقط هو افتراق البيعين و لا يصدق البيعان هنا على الميت و الأخر، لعدم صدق البيع بعد الموت على الميت، فلا يقال أنه بيع بل انما يقال كان بيعا، و لا على الوارث و الأخر لعدم صدور البيع من الوارث. فحينئذ لا يتحقق المسقط الذي هو افتراق البيعين، فاذا لم يحصل المسقط و المفروض ثبوت الخيار فوجب الحكم بامتداده، مضافا الى الاستصحاب، فان الخيار ثبت بعد الموت للوارث و كان ثابتا للآخر أيضا و لم يسقط بالفرض بموت أحدهما و حصل الشك في السقوط بمفارقة الأخر مع بدن الميت، فيجب الحكم ببقائه إلى زمان القطع بالسقوط و لا يحصل القطع بمفارقة أحدهما حسبما عرفت.
و مع الغض عن ذلك الوجه فالأجود ما استجوده في «الجواهر» أيضا من الوجه السادس و هو كون العبرة بمفارقة الأخر و بدن الميت من غير فرق في شيء منهما بين الوارث الحاضر و الغائب كما استوجهه في «المسالك» حيث قال:
و لو قيل بثبوت الخيار للوارث إذا بلغه الخبر و امتداده الى أن يتفرق الميت و مبايعة كان وجها (انتهى).
فاتضحت المسألة بحمد اللّه تعالى، أصلا و فرعا.
المعروف بينهم: أن التفرق إذا كان عن إكراه لا يسقط الخيار، أما مطلقا أو بشرط عدم التمكن من التخاير على ما سيأتي.
و هنا اشكال: و هو أنهم صرحوا بأنه لا عبرة بالافتراق الإكراهي، و استدلوا عليه كما سيأتي بوجوه ستة أو سبعة، و هذه الوجوه أكثرها بل كلها يجري في مطلق التفرق الغير الاختياري و ان كان من غير جهة الإكراه، كما إذا كان التفرق في حال النوم أو السهو و الغفلة أو غير ذلك.
فالتبادر مثلا حيث يدعون أن المتبادر من الافتراق هو ما إذا كان اختياريا، فيخرج ما إذا كان غير اختياري.
و لا يخفى عدم اختصاص الغير الاختياري بالإكراه، بل يعم ذلك لغير ذلك أيضا كما إذا كان من جهة الجهل و السهو و النوم و الغفلة و غيرها، و كذا سائر الأدلة تجري في مطلق الغير الاختياري، مقتضى ذلك عدم سقوط الخيار بالتفرق في هذه الصور أيضا، أعني ما كان غير اختياري من غير جهة الإكراه، مع أنهم لا يقولون به، بل صرح غير واحد منهم بسقوط الخيار بالتفرق، سواء كانا جالسين أو جاهلين أو مختلفين أو ناسيين أو نحو ذلك، مع وضوح عدم كون التفرق في صورة الجهل به أو في حال الغفلة و النوم اختياريا كما هو واضح.
و حينئذ فيشكل الجمع بين كلماتهم في تعميم الافتراق بما ذكر من الصور مع قولهم بعدم سقوط الخيار في صورة كون التفرق عن إكراه مستدلين بهذه الأدلة الجارية في غير صورة الإكراه من صور التفرق الغير الاختياري، و قد اعترف بعض الفحول بورود هذا الاشكال، فقال: أن الفارق بين الصور هو
الإجماع و أنه لولاه لكان التفرق مسقطا في صورة الإكراه أيضا أخذا بإطلاق النص.
و هذا كما ترى صريح بأن الإجماع هو الذي أوجب الحكم بعدم مسقطية الافتراق إذا كان عن إكراه، و أنه لولاه لكان حال التفرق الإكراهي كحال سائر التفرقات.
هذا و لكن يمكن أن يقال: أن مراد القوم من دعوى التبادر هو دعوى تبادر خصوص الاختياري المقابل للإكراه لا الاختياري بمعنى الفعل الصادر عن الشخص بالعلم و العقل و الشعور و الإرادة، و حينئذ فدعوى تبادر الاختياري بمعنى غير المكره لا ينافي سقوط الخيار بالافتراق إذا كان لا عن قصد أو لا عن شعور، فيندفع التهافت.
و توضيح المقام: أن الافتراق المذكور في النص عبارة عن زيادة البعد بين الشخصين، و هذه- أي زيادة البعد بينهما- لا يتوقف على قصد و لا شعور و لا غير ذلك، بل يحصل بمجرد التباعد، سواء كان باختيارهما أو بالاضطرار. نعم قد يدعى أنه إذا كان حاصلا بالقصد و الإرادة يكون المتبادر منه حينئذ عدم كون الداعي لهذا الفعل تهديد الغير و نحوه، فيخرج بذلك: الافتراق الذي حصل بسبب التهديد و التوعيد، و أما غير ذلك، فيشمله الإطلاق، و كذلك تعبير كون الافتراق منهما- أي مستندا إليهما- لظاهر النص، فلو حملا قهرا، فالتفرق و إن كان حاصلا الا أنه لا يصدق أنهما افترقا لعدم الاستناد إليهما حينئذ، و انما يقال حينئذ فرق بينهما لا أنهما افترقا. و حيث عرضت ذلك، فيكون الخارج من صور الافتراق أمرين:
أحدهما: ما كان صادرا عن إكراه، لخروجه بمقتضى التبادر بالتقريب الذي عرفت و ستعرف أيضا.
و ثانيهما: ما إذا حملهما ثالث لعدم الاستناد إليهما، فلا يصدق أنهما افترقا بل
يقال: فرّق بينهما. فما في «الجواهر» من أنه لا يصدق أنهما افترقا في صورة الإكراه ليس بجيد، لأن الإكراه عبارة عن صدور التفرق منه بقصده و إرادته دفعا للضرر المتوعد على تركه.
إذا عرفت هذا فلنشرع في أصل المسألة و هي: أن التفرق إذا كان عن إكراه، هل يسقط به الخيار أم لا؟ و الأقوال فيه ثلاثة:
(أحدها) السقوط مطلقا، و هو الظاهر من جماعة منهم الأردبيلي «قده» الا أنه تردد من جهة خوف الإجماع، و من الأخر أيضا أنه لولاه لكان المتجه السقوط فيه أيضا، عملا بإطلاق النص.
(الثاني) عدم السقوط مطلقا، و هو مختار الفاضل النراقي في «المستند».
(الثالث) الفرق بين صورة إمكان التخاير و امتناعه، فيسقط في الأول دون الثاني. و هذا هو المعروف بينهم. و نتكلم أولا في أدلة الأقوال: فنقول: أما دليل القول بالسقوط فهو إطلاق النص الدال على سقوط الخيار بالافتراق بعد منع التبادر.
و أما صحة القولين الآخرين، فنتكلم تارة في مستند عدم السقوط في الجملة.
و أخرى في حكم التمكن من التخاير، فنقول: نستدل على عدم سقوط الخيار بالتفرق الإكراهي بوجوه:
الأول: الأصل، بمعنى استصحاب الخيار الثابت قبل التفرق فنشك في سقوط الخيار بهذا التفرق فيصحب.
الثاني: عمومات الخيار بعد دعوى تبادر التفرق بما إذا كان عن اختيار.
الثالث: حديث الرفع بتقريب أن الظاهر منه لو سلم كون المرفوع هو المؤاخذة، الا أن الامام عليه السّلام استشهد به على عدم وقوع العتاق و الطلاق، و صدقة ما يملك إذا كان عن إكراه فهذا أي استشهاد الامام عليه السّلام بالخبر المذكور في عدم
صحة ما ذكر إذا كان عن إكراه يكشف عن أن المرفوع هو مطلق الالتزام، و الالتزام و ان لم يكن من قبيل العقاب، فيعم الالتزام بالبيع الحاصل بالتفرق لولا الإكراه، ثم ان الاستدلال انما هو باستشهاد الامام عليه السّلام. فالحلف على العتق و الطلاق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا في ذاته و ان لم يكن عن إكراه الا أن ذلك لا ينافي الاستدلال بالرواية، لأن غاية ما يتوهم أن يقال أن للبطلان جهتين: أحدهما ذاتي، و الأخر عرضي، و الامام عليه السّلام عدل عن الذاتي و تمسك بالعرضي، و ذلك لا يضرّ بالاستدلال بأن يقال: لا يعلم وجه العدول عن الذاتي الى العرضي، إذ كما يمكن أن يكون ذلك للتقية و الخوف من الحكم ببطلان ما ذكر، لذهاب العامة- على ما حكي عنهم- إلى الصحة، فلم يصرح بالبطلان تقية منهم. كذلك يمكن أن يكون الوجه في ذلك التنبيه على هذه القاعدة- أعني مرفوعية مطلق الالتزام إذا كان عن إكراه- و كيف كان فلا يضر الجهل بالنكتة في العدول عن الذاتي الى العرضي بالاستدلال.
الرابع: حكمة تشريع الخيار، و هي الإرفاق بالمتعاقدين. استدل به في «الجواهر» و تقريبه: أن المقصود من الخيار، و الغرض الباعث على جعله الإرفاق بالمتعاقدين و هو مفقود في المقام، لأنه لو سقط الخيار بمجرد الإكراه و الإجبار لم يتم لإثبات هذا الخيار كثير فائدة كما ذكره الأردبيلي.
الخامس: صحيحة «فضيل» (فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما) على ما سيأتي تقريبه، و العمدة من تلك الأدلة هي هذه الرواية، و أما سائر الأدلة المتقدمة فكلها مدخولة. أما الأصل: فللاختلاف في الموضوع بتقريب أن الخيار انما كان ثابتا في حال عدم التفرق، و الان قد حصل التفرق و لو اكراها و موضوعه هو عدم التفرق، و لا شك في اختلاف الحالين، مضافا الى أن الاستصحاب لا يقاوم إطلاق دليل سقوطه بالافتراق. و أما التبادر فلمنع ذلك أولا و نقضه بما إذا وقع التفرق
في حال الغفلة أو الجهل و نحو ذلك ثانيا: فلو كان التبادر هو التفرق الاختياري كان اللازم عدم سقوط الخيار بالتفرق في هذا الحال، مع أنهم لا يقولون به، مضافا الى أن مقتضى التبادر عدم سقوط الخيار بالتفرق الإكراهي مطلقا و لو في حال التمكن من التخاير، مع أنهم لا يلتزمون به.
و النقض الأول و إن كان يندفع بما ذكرنا سابقا من أن المراد بالاختياري المتبادر ما كان مقابلا للاكراهي، لا ما كان مقابلا للفعل الذي لم يصدر عن قصد و ارادة كما في حال الغفلة و السهو و النوم، لعدم كونه غير اختياري بهذا المعنى، و ان كان غير اختياري بالمعنى الأخر.
و لكن النقض الثاني وارد على المشهور القائلين بالسقوط في التفرق الإكراهي إذا تمكن من التخاير، و أما حديث الرفع: فيرد على الاستدلال به في المقام النقض صورة ما إذا جهلا، لان مقتضى رفع مطلق الالتزام يقتضي عدم سقوط الخيار به حينئذ، مع أنهم لا يقولون به.
و لو قيل: أن الاستدلال انما هو بما استشهد به الامام عليه السّلام، و ليس فيه (ما لا يعلمون) مذكورا حتى يرد النقض.
قلنا: بعد الغض عن أن الظاهر كون ما استشهد به الامام عليه السّلام هو الحديث المروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و انما تعرّض لنقل ثلاث فقرأت منها، فليس حديثا، فان الخبر الذي استشهد به الامام عليه السّلام مشتمل على ما أخطأوا عليه، فيلزم على تقدير صحة الاستدلال عدم سقوط الخيار بالتفرق في حال الخطأ و الغفلة مع أنهم لا يقولون به.
و أيضا يرد عليه النقض بما إذا وقع الإكراه على التفرق مع التمكن من التخاير، فان مقتضى عدم تأثير التفرق الإكراهي عدم سقوط الخيار به مطلقا و لو في حال التمكن من التخاير، مع أن الأكثر لا يقولون به. و أما حكمة تشريع
الخيار: فالاستدلال من الغرائب، لوضوح أن الحكمة المذكورة إنما هي حكمة لتشريع الخيار، و أمّا امتداده الى التفرق، فليست علته الحكمة المذكورة.
و كيف كان و لو اقتضت الحكمة امتداده، كان اللازم عدم سقوط الخيار بالتفرق أصلا.
و أما صحيحة الفضيل: فتقريب الاستدلال بها: أن قوله عليه السّلام (فلا خيار بعد الرضا منهما) من جهة عدم ذكر متعلق الرضا فيها يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون متعلق الرضا هو العقد، مع كون ذلك القيد بمنزلة التعليل و بيان الواقع، لا الاحتراز عن شيء، فمعناها أنه: ان افترقا فلا خيار لأنهما رضيا بالعقد، أي أوجدا العقد و وقعت المراضاة بالمبادلة بينهما و افترقا، فكأنه عليه السّلام قال:
لا وجه للخيار بعد حصول الافتراق و المراضاة بالعقد.
الثاني: أن يكون متعلقة هو العقد أيضا، الا أنه يكون القيد احترازا عن عقد المكره، فيكون المعنى: أنهما إذا افترقا فلا خيار إذا كانا قد رضيا بالعقد- أي بصدوره- فيخرج بذلك العقد المكره، فإنها إذا حصل الافتراق به فيه، فلا يسقط الخيار قبل الرضا بالعقد لان سقوط الخيار فرع ثبوته، و هو انما يكون في العقد الصحيح الصادر عن غير إكراه.
الثالث: أن يكون قوله عليه السّلام (بعد الرضا) بدلا عن قوله عليه السّلام (فاذا افترقا فلا خيار) بمعنى أن نفس الافتراق مسقط للخيار لأنه بمنزلة الرضا بالعقد، فكما أن الرضا بالعقد مسقط للخيار لكونه التزام به، كذلك نفس التفرق مسقط له فيكون بمنزلة الالتزام، فعلى هذا يصير التفرق مسقطا تعبديا سواء كان مع الرضا أو بدونه، لأنه نزل الافتراق منزلة الرضا و الالتزام بالعقد في إسقاط الخيار، فحينئذ لا يكون دليلا على عدم سقوط الخيار بالافتراق الإكراهي. فهذا الاحتمال كالاحتمالين السابقين لا يوجب إخراج الافتراق- إذا كان عن إكراه- عن مدلول الصحيحة.
الرابع: أن يكون متعلق الرضا نفس التفرق، يعني أن التفرق مسقط للخيار إذا كان مع الرضا به، فلو لم يحصل الرضا بالتفرق كصورة الإكراه، فلا يكون مسقطا فعلى هذا الاحتمال يستدل بالصحيحة على عدم سقوط الخيار بالافتراق الإكراهي فيتم حينئذ الاستدلال بها، الا أن الكلام في تعيّن هذا الاحتمال، فحيث تطرّقت الاحتمالات الأخر سقط الاستدلال بها عن الاعتبار.
الخامس: ما صرّح به شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و هو: أن يكون قوله عليه السلام (بعد الرضا) إشارة إلى إناطة السقوط بالرضا بالعقد بمعنى أن يكون الافتراق مسقطا لكونه كاشفا عن الرضا بالعقد. انتهى. و هذا الاحتمال لو تمّ أيضا لما يدل على كون الافتراق الإكراهي غير مسقط للخيار مطلقا، بل انما يكون مع العجز عن التخاير.
و كيف كان، الاستدلال بهذه الصحيحة يتوقف على ظهورها في أن متعلق الرضا هو الافتراق، فيخرج الافتراق الإكراهي حينئذ عن مدلول النص، و لكن يشكل دعوى ظهورها في ذلك مضافا الى ما سلف من أن القيد الوارد مورد الغالب لا عبرة به.
فحيث عرفت ذلك فلا محيص في المسألة عن الاستدلال بالإجماع. فالأولى أن يستدل به في المقام، حيث لم نجد أحدا مخالفا في المسألة، كما قال «ره» في «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه. و نقل عن «الغنية» و عن «تعليق الإرشاد»: الإجماع و يؤيده ما ذكرنا عن بعض المشايخ ان الفارق بين الافتراق الإكراهي و غيره من صور الجهل و الغفلة هو الإجماع. و يعضده أيضا ما صدر عن الأردبيلي «قده» التعبير بقوله: لو لا مخافة الإجماع. نعم تنجبر الوسوسة في الإجماع بصحيحة الفضيل مع دعوى ظهورها في اعتبار الرضا في الافتراق، و بدعوى التبادر المذكور من أن المتبادر من التفرق في الأدلة ما كان عن الرضا بالعقد.
هذا، ثم ان حقيقة الإكراه على ما هو الظاهر و المصطلح موافقا باللغة و العرف هو حمل الغير على ما يكرهه مع التوعيد منه على الضرر على ترك المكره عليه.
و لكن قد يذكر في المقام معان أربعة:
أحدها: ان يجر الثالث المكره- بالكسر- البيّعين عن المجلس فافترقا بجرّة و حمله عن المجلس.
و ثانيها: أن يضرب البيّعين حتى يفترقا.
و ثالثها: أن يهددهما عن الاجتماع حتى يفترقا.
و رابعها: ما افترقا البيعان عن المجلس خوفا لهدم الدار و أمثاله.
و المحكي عن «المستند»: أن القدر المتيقن من الإكراه هو المعنى الأول- أعني حصول الافتراق بالجرّ و الحمل- و تأمل في صدق الإكراه في المعنى الرابع، حيث قال: في كون- الافتراق عن المجلس خوفا من الهدم- من الإكراه نظر (انتهى).
و أنت خبير أنه لا وجه للتأمل و النظر فيه لعدم دخوله في الإكراه، إذ مجرد الفعل للخوف من هدم الدار و أمثاله لا يدخل في عنوان المكره عليه، و لا يصدق الفعل المكره عليه، كما هو واضح، كما أنه لا وجه لعدّ صورة الجرّ و الحمل من الافتراق الإكراهي فضلا عن كونه القدر المتيقن، لعدم استناد الفعل إليهما عند الجرّ و الحمل، بل القدر المتيقن هو المعنى الثالث للتهديد و التوعيد الذي هو المناط في صدق الإكراه. و أما المعنى الثاني: فيدخل في الإكراه أيضا بسبب دفع الضرب المتوقع ثانيا لو لم يتفرقا. و أما الضرب السابق على الافتراق، فليس من الإكراه أيضا.
هذا كله في بيان عدم سقوط الخيار في الجملة. و أمّا اشتراطه بالعجز عن التخاير و عدمه، فيه قولان: فذهب كثير منهم بل نسب الى المشهور القول
باشتراط عدم التمكن من التخاير، فلو تمكن من التخاير، ليسقط الخيار مع الافتراق الإكراهي أيضا، فيلزم العقد مع تمكنهما منه على ما هو المصرح به في «الروضة» و غيرها.
قال الشيخ في «المبسوط» ما هذه عبارته: فان أكرها أو أحدهما على التفرق عن المكان، فان منعا من التخاير و الفسخ معا كان وجود هذا التفرق و عدمه سواء ثم قال: و ان كان الإكراه على التفرق لا يمنع التمكن من التخاير و الفسخ ينقطع الخيار، لأنه إذا كان متمكنا من الإمضاء و الفسخ فلم يقبل حتى وقع التفرق، كان ذلك دليلا على الرضا و الإمضاء. (انتهى).
و خالف في ذلك جماعة من المشايخ المتأخرين، منهم: شيخ الفقهاء في «الجواهر» فينبغي التكلم هنا في مقامات ثلاثة: الأول في معنى التخاير، الثاني:
في أفراده و أقسامه، الثالث: في حكمه.
فقد ذكر غير واحد، منهم العلامة في «التذكرة» ظاهرا على ما حكى عنه أن التخاير عبارة عن اختيار العقد و البقاء عليه، بأن يقولا: اخترنا العقد، أو ألزمناه، أو أمضيناه، بل هو من الاختيار، و قد يكون متعلقة إبقاء العقد و قد يكون متعلقة فسخه، فيصدق التخاير على كل من الإمضاء و الفسخ الذين هما المراد من العمل على مقتضى الخيار، فان الخيار حق يتسلط به كل منهما على الأخر. و هذا هو المراد ممن اقتصر به في المقام و أطلقه من دون تقييد على الإبقاء و الفسخ، كما في عبارة «الشرائع» و أمثاله أعني قوله: و لم يتمكنا من التخاير، و قول الأخر يعتبر العجز عن التخاير، و هكذا.
ضرورة أنه على مذهب المشهور من اشتراط عدم التمكن من التخاير في سقوط الخيار لا فرق بين عدم تمكنه من الإمضاء و بين عدم تمكنه من الفسخ، فكما في صورة عدم تمكنه من الفسخ لا يسقط الخيار بنفس التفرق، كذلك في صورة
عدم تمكنه من الإمضاء أيضا لا يسقط الخيار لأنهما من واد واحد، فلو تفرقا ساكتين عند عدم التمكن من الفسخ لا يدل على الإمضاء و الرضا، فيبقى الخيار كذلك لو تفرقا ساكتين عند عدم التمكن من الإمضاء لا يدل أيضا على الإمضاء و الرضا لعدم دلالة سكوتهما على الرضا، لاحتمال التروّي و التردد منهما. و هذا واضح، خصوصا عند علمهما بأن الافتراق الإكراهي بمنزلة عدمه عند الشارع.
و العجب من شيخنا الشهيد «قده» بعد ما ذكر في «المسالك» أن المراد بالتخاير اختيار العقد و البقاء عليه. قال هنا ما هذا كلامه: و اعلم أن قيد التخاير هنا كناية عن الفسخ لأن إلزام العقد و اختياره لا يتوقف على الكلام، بل لو تفرقا ساكتين لزم و انما يتوقف عليه الفسخ، فيكون المنع معتبرا فيه لا في التخاير.
و فيه: عند عدم تمكنهما من الإمضاء و الالتزام لو سلمنا كونهما بمنزلة الساكتين أن سكوتهما حينئذ لا يدل على الالتزام و الإمضاء لا شرعا و لا عرفا لاحتمال كونهما مترددين أو متروّيين، أو أنهما عالمين بأن افتراقهما عن إكراه، نزله الشارع منزلة العدم فيبقى خيارهما، فلا يختاران الإمضاء و لا الفسخ. فظهر أن المراد من التخاير هنا هو اختيار الفسخ و الإمضاء، أي العمل على مقتضى الخيار من الإلزام و الفسخ.
فنقدمه على المقام الثاني حتى تتضح لك حقيقة الحال في أقسام التخاير. فنقول: ان في اعتبار عدم التمكن من التخاير قولين: فاشترط الشيخ و المحقق في «الشرائع» و الشهيد في «الروضة» عدم التمكن منه. و القول الثاني ما نسب الى أكثر المحققين من المتأخرين، منهم: بعض مشايخنا، و الفاضل النراقي في صريح «المستند» و الأردبيلي و صاحب «الجواهر». وجه القول الأول انما يتم بمقدمتين:
أحدهما: استفادة منصوص العلة من صحيحة الفضيل بأن يكون المراد من قوله عليه السّلام (إذا افترقا فلا خيار بعد الرضا) هو الاحتمال الأخير الذي ذكرناه، فيكون
المعنى حينئذ: أن الافتراق مسقط لكونه كاشفا عن الرضاء فالحكم بكون الافتراق مسقطا انما هو من جهة كونه كاشفا عن الرضا فالمسقط حقيقة هو كل فعل و حركة يكون كاشفا عن الرضا، فدار الأمر مداره فكل تفرق إذا كان كاشفا عن الرضا فمسقط للخيار و الا فلا، كما هو الحال في المنصوص العلة.
و ثانيهما: أن البيّعين مع التمكن من التخاير إذا افترقا و لو عن إكراه يكون تفرقهما حينئذ كاشفا عن رضاهما و التزامهما بالعقد، لأنهما لو لم يكونا راضيين لكان لهما الفسخ، إذ المفروض: تمكنهما من الفسخ و الإمضاء، فيكون ذلك التفرق منهما دليلا و كاشفا عن الرضا و لو وقع عن كره، كما هو صريح عبارة الشيخ في «المبسوط»- المتقدمة ذكرها- فيكون مشمولا للصحيحة المذكورة في عدم الخيار عند التمكن.
و الحاصل أن تمامية مذهب المشهور تتوقف على دعويين: كبروية و صغروية أما الكبرى: هي أن تكون العبرة في سقوط الخيار على الكاشف عن الرضا، لدلالة الصحيحة المذكورة على أن كل كاشف عن الرضا مسقط للخيار. أما الصغرى: فلان هذا التفرق الإكراهي مع التمكن عن التخاير كاشف عن الرضا.
و فيه: أن كلا المقدمتين محل نظر و منع.
أما الأولى: فلمنع ظهور الصحيحة في كونها من قبيل نصوص العلة، و كونها مسوقة لبيان أن الافتراق مسقط، لكونه كاشفا عن الرضا، كيف و قد عرفت فيه من الاحتمالات الأربعة الأخر، و ليس ارادة هذا الاحتمال أولى و أظهر من ارادة الاحتمال الرابع الذي يدل على أن الافتراق الإكراهي لا أثر له على الإطلاق سواء تمكّن- من التخاير أم لا، بل المتعين بحسب الاستدلال السابق هو ذلك.
فيكون المعنى: الافتراق إذا رضي به البيع مسقط، و ان لم يكن راضيا به لا يسقط به الخيار سواء تمكن من التخاير أم لا. فتكون دلالة الصحيحة على عدم تأثير
التفرق الإكراهي على سبيل الإطلاق، فيتم التمسك بها حينئذ على القول الثاني من عدم اشتراط العجز عن التخاير.
أما الثانية: فبمنع الصغرى، لان ترك اختيار الفسخ مع التمكن منه بعد الإكراه على الافتراق الذي نزله الشارع منزلة العدم بالنسبة إلى الإسقاط- كالسكوت في المجلس- لا دلالة فيه عليه و لا وضع له شرعا، و لقد أوضحه المحقق الأردبيلي «قده» على ما حكي عنه بأن المكره- بالفتح- إذا علم بأن افتراقه كعدمه فيسكت للتروي أو لغيره، لان سكوته حينئذ كسكوته في مجلس العقد، فكما أن السكوت في مجلس العقد لا يدل على الإمضاء و الالتزام، كذلك سكوته عند التفرق الإكراهي لا يدل على الرضا و الإلزام، لإمكان أن يكون له بعد. تأمل.
فحيث عرفت: أن مدرك القول هو تلكما المقدمتان، و قد عرفت عدم صحتهما يظهر لك: أن الحق و المختار هو القول الثاني، كما اختاره مشايخنا العظام و المتأخرون الإعلام.
هذا ما أفاده شيخنا الأستاذ (دام ظله العالي).
أقول: قد عرفت أن العمدة في أصل المسألة- أعني في إثبات عدم سقوط الخيار بالتفرق الإكراهي- هو الإجماع و صحيحة الفضيل، حيث ذكرنا الاستدلال بهما على عدم التأثير للتفرق الإكراهي في إسقاط الخيار، فيكفي في تخصيص هذا التفرق و إخراجه عن إطلاقات الأخبار المتعددة الدالة على إسقاط التفرق، كقوله صلّى اللّه عليه و آله: (البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا فلا خيار) و أمثاله، حيث يدل على كون التفرق مطلقا مسقطا. غاية الأمر: أن الإجماع و صحيحة الفضيل الدالان على اعتبار الرضا كان مخصصا له، و من المقرر: أن المخصص إذا دار بين الأقل و الأكثر و لم يكن عموم أو إطلاق في دليل المخصص، يؤخذ بالأقل المتيقن فيرجع فيما عداه الى عموم العام و المطلقات. فما نحن فيه من هذا القبيل، فيتم
القول الأول الذي ذهب اليه المشهور.
و توضيح ذلك: أن الخارج عن الإطلاقات الدالة على سقوط الخيار بالافتراق هو الافتراق الإكراهي، فهو دائر بين الأقل و الأكثر للشك في أن المخرج هل هو خصوص الافتراق الإكراهي مع عدم التمكن عن التخاير- كما هو مذهب المشهور- أو ذلك مع صورة التمكن عن التخاير أيضا- كما هو مقتضى القول الثاني- فيكون المخرج على القول الأول صورة واحدة، و على القول الثاني، هذه الصورة- أي صورة ما لم يتمكن- مع الصورة الأخرى- أي صورة التمكن- أيضا، فحيث أن المخرج دليل لبي كالإجماع، فيقتصر في الخروج على القدر المتيقن و قاصر عن إفادة التعميم من هذه الجهة كالصحيحة. لأنها انما يكون دليلا في المسألة بناءا على الاحتمال الرابع و الخامس بعد الغض عن الاحتمالات الأخر التي لا يصلح للاستدلال بها بناءا على أخذها.
فمقتضى الاحتمال الرابع كون الخارج كلتا الصورتين، و مقتضى الاحتمال الخامس كون الخارج هو خصوص صورة عدم التمكن. فيتعارض ذلك الاحتمالان في سقوط الخيار عند صورة التمكن، فيتساقطان عن الاستدلال بها في هذه الصورة فيصير القدر المتيقن هو صورة عدم التمكن.
و أما صورة التمكن من التخاير يصير مشكوكا، فيجب الرجوع فيه الى الإطلاقات الدالة على سقوط الخيار بالتفرق، فيثبت حينئذ القول المشهور بهذا البيان، لا بما في «المبسوط» من كونه دليلا على الرضا و كاشفا عنه حتى يمنع كشفه. و الحاصل: أن المرجع في عدم سقوط الخيار بالتفرق الإكراهي عند التمكن من التخاير هو النصوص المستفيضة الدالة على كون التفرق مسقطا مطلقا.
و الثابت المسلّم من الخروج عن شمولها هو التفرق الإكراهي عند عدم التمكن من التخاير، لقصور أدلة المخرج عن إخراج أكثر من ذلك حسبما عرفت.
نعم لو تمت دعوى تبادر الاختياري من تلك النصوص لتسقط عن كونها مرجعا، إلا أنّك قد عرفت منع التبادر و أنه لا مدرك له، و أن العمدة هو الإجماع و صحيحة الفضيل، فلا يتعدى عن القدر المتيقن حينئذ، كما عرفت.
فنقول: ان الإكراه على التفرق قد يكون مع عدم الإكراه على التخاير لا إيجابا و لا فسخا، بل إنما الإكراه وقع على نفس التفرق سواء فسخ البيّع المكره أو ألزم بالعقد.
و قد يكون مع الإكراه على عدم التخاير مطلقا، أي الإكراه على عدم الفسخ و على عدم الإيجاب، أو على خصوص الإيجاب أو على خصوص الفسخ عدما بأن أكره على عدم الإيجاب، أو على عدم الفسخ.
و هذه صور أربعة، أو إيجادا بأن أكره على إيجاد الإيجاب أو على إيجاد الفسخ، و أما الإكراه على التخاير مطلقا غير ممكن، الا أن يرجع الى إيجاد أحدهما من الفسخ و الإمضاء لا بعينه. و هذه أيضا صور ثلاثة، فيكون المجموع سبعة. و قد يبدل الإكراه بالمنع فتزيد سبعة أقسام أيضا بأن يكون الإكراه على التفرق مع عدم المنع من التخاير، أو مع المنع عن عدمه مطلقا، أو عن عدم الإيجاب بالخصوص، أو عن عدم الفسخ بالخصوص، أو عن إيجادهما بالخصوص أو لا بعينه.
فعلى المختار، أعني القول الثاني الذي اختاره المتأخرون، لا فرق في تلك الأقسام في عدم سقوط الخيار، لأن الإكراه على التفرق حاصل على كل تقدير، و حيث أن عدم سقوطه بالتفرق الإكراهي غير مشروط بالعجز عن التخاير و عدمه لا أثر في الإسقاط على جميع التقادير من التفرق.
و أما على مذهب المشهور: فيدور السقوط مدار التمكن من التخاير، فيختلف الأمر في تلك الأقسام، فمتى تمكن منه يصير التفرق مسقطا و الا فلا.
هذا، و المحكي عن كتاب بعض المشايخ ما هذه عبارته: أما لو أكرها أو أحدهما، ففي المسألة صور أربعة:
الاولى: أن يكرها على التفرق و على عدم الاختيار في الفسخ و الإيجاب.
الثانية: أن يكرها على التفرق و لم يكرها على الاختيار مطلقا، لا فسخا و لا إيجابا.
الثالثة: أن يكرها على التفرق و يكرها على اختيار الفسخ فقط.
الرابعة: أن يكرها على التفرق و يكرها على الإيجاب فقط.
ففي الثانية يسقط الخيار، لتمكنه من الفسخ. و في الثالثة: لا يسقط، لعدم تمكنه من الفسخ كالأولى، و في الرابعة يسقط، لتمكنه من الفسخ فتركه دليل الإلزام. و الحاصل: أن المدار على التمكن من الفسخ و عدمه (انتهى).
و مختاره في بعض تلك الأقسام لا يتناسب على مذهبه، إذ الظاهر أنه اختار مذهب المشهور كما يدل عليه آخر كلامه، أعني قوله: فتركه دليل الإلزام، و المدار على التمكن من الفسخ و عدمه.
فحينئذ نقول: قوله: (ففي الثانية يسقط الخيار) فهو موافق لمذهبه لعدم حصول الإكراه على التخاير أصلا. و أما قوله: (و في الثالثة لا يسقط لعدم تمكنه من الفسخ) لعله سهو من قلم الناسخ، لأن الإكراه على اختيار الفسخ لا يرفع التمكن من الفسخ، بل الإكراه مؤيد على فسخه و رضائه به، بل لو أراد الفسخ يتمكن من ذلك، بل لا يتحقق الإكراه، لأنه تحميل على ما لم يرض به. و أما قوله:
(و في الرابعة يسقط لتمكنه من الفسخ) فهو أيضا لعلّه أن يكون سهوا، لأن أظهر أفراد عدم التمكن من الفسخ هو صورة الإكراه على الإيجاب و الإمضاء كما هو الصورة الرابعة، فكيف يكون مع الإكراه على الإيجاب متمكنا من الفسخ.
الا أن يكون مراده من الإكراه المنع، فيكون قوله: (يكرها على الإيجاب فقط) بمعنى يمنعا عن الإيجاب، فيصح قوله حينئذ: (ففي الصورة الرابعة يسقط لتمكنه من الفسخ) ضرورة أنه مع المنع عن الإيجاب يتمكن من الفسخ، بل يتعين له ذلك، و لكن كون الإكراه بمعنى المنع فخلاف الظاهر، بل خلاف اللغة و العرف.
أو يقال: تسقط كلمة (عدم)، ففي الرابعة ينبغي أن يقال: أن يكرها على عدم الإيجاب فقط، و معلوم مع الإكراه على عدم الإيجاب يتمكن من الفسخ، فيصح قوله (و في الرابعة يسقط لتمكنه من الفسخ) لكن السقط أيضا خلاف الظاهر، بل خلاف الأصل.
هذا كله تمام الكلام في الإكراه على التفرق، و قد تحصّل مما ذكر أنه لا أثر له مطلقا- أو في الجملة- بلا خلاف. و هل الإكراه على الاجتماع بحكم الإكراه على التفرق في عدم الأثر أم لا؟ بمعنى أن أثر التفرق الذي هو إسقاط الخيار ساقط عند الإكراه، كذلك أثر الاجتماع الذي هو ثبوت الخيار و بقائه ببقاء الاجتماع ساقط أيضا عند الإكراه أم لا؟
و هذه غير معنونة في كتبهم، فمقتضى القاعدة هو ثبوت الخيار و عدم كون الاجتماع الإكراهي كالافتراق الإكراهي، لبطلان القياس عند الفرقة المحقة و الأدلة القائمة على صورة الإكراه على التفرق عمدتها بل أكثرها لا تجري هنا و ما يجري كحديث الرفع أو التبادر- لو سلّم- غير نافع هناك أيضا، مع أن استصحاب الخيار محكم لا خدشة فيه في المقام.
نعم قد تنبّه لذلك الشيخ الورع، و لم نر أحدا غيره، فقال ما هذا لفظه: فان قلت: بناءا على أن التفرق المجبور عليه بحكم البقاء في المجلس و عدم التفرّق المجبور عليه بحكم التفرق، و نتصور فيه تلك الصور الأربعة. قلت: و هو قياس
مع الفارق، لوجود الدليل في الأول دون الثاني مع أن الأصل الاستصحابي كما يثبت الأول، ينفي الثاني، فتأمل (انتهى) و المراد من قوله (في الأول) هو التفرق الإكراهي حيث قام الدليل على عدم الأثر له و أن حكمه حكم الاجتماع في مجلس العقد في ثبوت الخيار.
و المراد من قوله (دون الثاني) هو البقاء الإكراهي، و لم يثبت دليل على أنه لا أثر للاجتماع الإكراهي لعدم دلالة الأدلة المذكورة في مسألة الافتراق الإكراهي على عدم الخيار في البقاء الإكراهي.
و المراد من قوله (الأصل الاستصحاب) هو استصحاب الخيار، فهو يثبت الأول أي يثبت تنزيل التفرق الإكراهي بحكم البقاء في المجلس، و ينفي الثاني، أي استصحاب الخيار ينفي تنزيل البقاء الإكراهي بحكم الافتراق، إذ مقتضى كون الاجتماع المجبور عليه في حكم الافتراق سقوط الخيار، و الأصل عدمه فيستصحب الخيار حينئذ.
بمقتضى النص و الإجماع على عدم سقوط الخيار، فلو زال الإكراه، فهل الخيار فوري أو يمتد بامتداد مجلس زوال الإكراه، أو أبدي الى حصول أحد المسقطات الأخر، أو أن مجلس زوال الإكراه كمجلس العقد في حال عدم الاصطحاب. و أما في حال الاصطحاب فيسقط بمعنى أن العبرة في سقوط الخيار افتراقهما عن موضع زوال الإكراه، فما داما باقيين في موضع زوال الإكراه فلهما الخيار، لان موضع زوال الإكراه بمنزلة مجلس العقد، و الا بأن كانا مارّين و سائرين فزال الإكراه في حال مرورهما و انتقلا عن موضع الإكراه بسيرهما و مشيهما فيسقط الخيار، وجوه و أقوال، فذهب
المشهور الى تنزيل حال زوال الإكراه منزلة مجلس العقد فيمتد الخيار بامتداد مجلس زوال الإكراه، و استدل على ذلك أن الافتراق الحاصل بينهما في حال الإكراه بمنزلة العدم، فكأنهما بعد مجتمعان في مجلس العقد. بعبارة أخرى:
أن مجلس زوال الإكراه ينزل عند الشارع كمجلس العقد، و كما أن الخيار ثابت فيه و ممتد الى انقطاعه فكذلك مجلس زوال الإكراه ثبوتا و امتدادا.
فيه: أولا: لا دليل على هذا التنزيل، و انما الثابت من الأدلة [هو ارتفاع حكم الافتراق الإكراهي و بقاء الخيار، و أما امتداده الى الافتراق عن مجلس زوال الإكراه فلم يثبت من الأدلة] لخلوّها عن ذكر الغاية بعد حصول غاية مجلس العقد و لو عن إكراه.
و ثانيا: أنه ليس للمنزل عليه، أعني مجلس العقد حكم حتى يجري ما كان بمنزلته، بل انما حكم الخيار ثابت في حال الهيئة الاجتماعية الحاصلة حين العقد، و المفروض أنها قد ارتفعت لحصول الغاية موضوعا- أعني الافتراق- غاية الأمر أن الأدلة السابقة في المسألة المذكورة قد دلت على عدم ثبوت حكم لهذا الموضوع الإكراهي، فتكون الغاية متحققة موضوعا لا حكما، فينتج: أن الخيار باق، و أما كيفية امتداده الى حصول افتراق آخر عن مجلس زوال الإكراه أو تراضيه مطلقا، أو فوريته فلم تتعين بتلك الأدلة الماضية، فيندرج حينئذ في مسألة كلية، و هي أن كل خيار لم تظهر حاله من الأدلة، هل مقتضى القاعدة فوريّته أم لا؟
و أما القول بالفورية كما هو المحكي عن «التذكرة»: يمكن الاستدلال عليه بوجهين:
أحدهما: عدم الدليل على الدوام، فمقتضى العمل على القدر المتيقن هو الحكم بالخيار في الزمان الأول، لأن المقدار الثابت يقينا لاستدراك حق المتبايعين هو الفورية.
و ثانيهما: مقتضى العمومات الدالة على وجوب الوفاء بكل عقد هو اللزوم في ثاني الزمان، غاية الأمر خرج منها الزمان الأول، و خروج الزمان الثاني مشكوك، فيجب العمل بالعام و يحكم بعدم الخيار فيكون لازما فيما عدا الزمان الأول.
و يندفع الأول لوجود الدليل في ثاني الزمان، و هو استصحاب الخيار.
و الثاني بتقديم الاستصحاب على العام لان الزمان لم يلاحظ في تلك العمومات على سبيل القيدية حتى يكون مفردا فاذا خرج فرد من تلك العمومات لا يدخل تحتها أبدا، و الحكم بخروجه في ثاني الزمان و ثالثة لم يلزم منه تخصيص زائد حتى يدفع بالأصل. و العموم الاحوالي في الحكم انما يستتبع لنفس العام، فاذا خصص بفرد فلم يجر العموم الاحوالي في الحكم الثابت للعام بالنسبة الى بعض أفراده الخارج منه، كما هو المفروض في المقام، كما ستجييء زيادة توضيح لذلك في بحث خيار الغبن، حتى لو لم يجر الاستصحاب لما يكون للتمسك بالعام أيضا وجه، بل إطلاق القول بتقديم الاستصحاب و تحكيمه و تعارضه مع العمومات مسامحة واضحة الا أنه يشكل العمل في الاستصحاب بأن الشك في المقام شك في المقتضي فيشكل الأمر حينئذ لفقدان الدليل على الفورية حيث بنينا على عدم جريان عمومات وجوب الوفاء بالعقد لخروج العقد الخياري عن تحتها، فيحتمل تردد الخيار بين الفورية و بين التراخي.
فنقول: ان مقتضى قاعدة لا ضرر: الفورية بناءا على ما هو المعروف عندهم من هجر التصرف في زمان الخيار، فإنه لو قلنا بتراخي الخيار لزوم هجر المتبايعين عن التصرف فهو ضرر عليهما فينتفي بنفي الضرر في الشرع، الا أن ذلك البناء خلاف المختار و خلاف مختار شيخنا الأنصاري في غير خيار الشرط فحينئذ يتمسك في إثبات الفورية تارة باستصحاب الملكية بعد الفسخ في ثاني الزمان،
فان مقتضى استصحاب الملكية عدم تأثر الفسخ في ثاني الزمان من ذلك الشخص المكره الذي زال إكراهه و مضى منه زمان كان متمكنا للفسخ فيه فلم يفسخ في ذلك الزمان حتى دخل زمان آخر، فلو أراد في ثاني الزمان الفسخ كان تأثره حينئذ مشكوكا، فيجب التمسك باستصحاب الملكية فيحكم بعدم تأثره، لأنه لو قلنا بتأثره لخرج المال المنتقل اليه عن ملكه و المال المنتقل عنه عن ملك صاحبه فكلاهما خلاف الاستصحاب.
هذا و لكن يشكل ذلك أيضا بأن الشبهة حكمية للشك في تأثر الفسخ في ثاني الزمان عند الشارع، حيث لم يرد منه دليل لنا في بقاء الخيار و دوامه أو في عدمه فالاستصحاب في الشبهة الحكمية ليس بجائز عندنا.
كما هو مذهب صاحب «المدارك» و لم يقدم الدليل على اعتبار الاستصحاب في الأحكام. و أخبار (لا تنقض) و أمثاله انما هي واردة في موارد الشبهة الموضوعية فلا يتعدى منها الى غير سنخها.
و المسلّم من الإجماع و أمثاله من بناء العقلاء و غيره هو اعتباره في الشبهات الموضوعية. و أما اعتباره في الشبهات الحكمية فليس بإجماعي كما قرر تفصيل ذلك في بابه. و أخرى بقوله صلّى اللّه عليه و آله (الناس مسلطون على أموالهم) بتقريب: أن أحد المتبايعين الذي زال الإكراه عنه و لم يفسخ في الزمان الأول لو فسخ في ثاني الزمان و أخذ مال صاحبه و تصرف من دون رضائه لكان تصرفه خلاف سلطنة الأخر على ماله.
فيه: ان المالية بعد الفسخ ليس بمحرزة، للشك في كونه ما لا لصاحبه حينئذ فالسلطنة انما هي ثابتة للأموال المحرزة المعلومة. و من المحتمل تبدل الموضوع- أي رجوع مال صاحبه الى نفسه و رجوع ماله الى صاحبه، كما هو الحال قبل البيع- فبعد تبدل الموضوع لا يحكم بأن تصرفه في ملك صاحبه خلاف سلطنته
في ماله. فتأمل (1)
أن يقال ان إخراجه بالفسخ عن مالية الأخر و ملكه خلاف سلطنته فإن ملكية العين التي يرى الأخر استرجاعها محققة عنده لصاحبه قطعا، فإخراجه عن ملكه بالفسخ مناف لقاعدة السلطنة. و لكن يرد على هذا أيضا.
.و كيف كان ليس للقول بالفورية دليل معتد به الا أن نتمسك بعموم حلية البيع المستفاد من قوله (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) بتقريب أنه يدل على حلية آثار البيع في جميع الأوقات سواء فسخ أم لا، غاية الأمر خرج منه ما علم بالفسخ المؤثر، و أما غير المؤثر كما في المقام حيث نشك في تأثر الفسخ و عدمه فيندرج تحت قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و يحكم بترتب آثار البيع. لا يقال ما الفرق بين هذا و بين ما سبق من أن عمومات وجوب الوفاء بالعقد ليست بجارية هنا لخروج الفرد فيستصحب حال الفرد، لأنا نقول فرق بينهما، لان العموم هناك كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قد خرج منه العقد الخياري من أول الأمر، فلم يكن مشمولا له و لو لم يجر الاستصحاب، بخلافه هنا فان قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) قد يدل على حلية آثار البيع مطلقا، و مقتضى إطلاقه شموله لجميع أنحاء البيع و أفراده في جميع الحالات، بل فيما بعد الفسخ أيضا و لم يخرج منه بيع خياري أصلا. نعم الخارج منه هو البيع الذي حصل فيه الفسخ المؤثر فيصير الحاصل أنه يجب العمل بترتب آثار البيع، الا فيما لو فسخ و كان الفسخ مؤثرا عند الشارع و ما لم يعلم تأثر الفسخ عليه يجب العمل بالعموم، ففي المقام المفروض أن المكره في زمان زوال الإكراه لم يفسخ حتى يخرج عن شمول قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ)
1) وجهه: أن التمسك على قوله (ص) (الناس مسلطون) تقريرين: أحدهما: ما ذكر في المتن فيرد عليه ما ذكرنا من عدم إحراز المالية بعد الفسخ لصاحبه، فلا يكون تصرفه في المال بعد الفسخ تصرفا في مال الغير، للشك في كونه مال الغير حينئذ. و ثانيهما:
و في ثاني الزمان حيث لم يعلم تأثر الفسخ، فيجب الحكم بإبقائه تحته لعدم ثبوت خروجه في زمان حتى يستصحب حال الفرد المخصص كما هو في عموم العام السابق، أعني (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و أشباهه، فالمختار حينئذ هو الفورية تمسكا بتلك الآية الشريفة و ما أفاد مفاده من الاخبار فبطل القول بامتداد الخيار الى حصول الافتراق عن زوال مجلس الإكراه لعدم الدليل على ثبوت تنزيل مجلس الزوال منزلة مجلس العقد كما عرفت و يبطل أيضا القول بالتراخي إلى حصول أحد المسقطات الأخر، لأن غاية ما يمكن أن يستدل عليه أن المسقط هو الافتراق عن مجلس العقد إذا كان اختياريا، و المفروض عدم حصوله بالإكراه، فلا يتحقق ذلك المسقط و يبقى الخيار أبدا. (1)فيندفع بأنه لا دليل على بقاء الخيار أبدا، بل الثابت من الأدلة عدم سقوطه بالإكراه، و ان الإجماع قام على ثبوته حال زوال الإكراه و أنه جمع بين الحقين فإنه لو لم يثبت الخيار حين الزوال لكان ضررا عليه، و لو كان دائميا و لم يختر أحدهما لكان ضررا على الأخر، فمقتضى الجمع العمل بالقدر المتيقن كما هو واضح بناءا على ما هو المعروف من الهجر في زمن
1) بعد إبطال ما يتمسك به على الدوام و التراخي من الاستصحاب و العمومات لا يقال أن ذلك مناف لما اخترنا في المسألة السابقة، أعني بقاء الخيار دائما فيما إذا مات أحد البيعين، لأنا نقول: أن الشك هناك في المانع، أي في حصول المسقط للخيار، فيستصحب الخيار بعد القطع بوجود المقتضى و الشك في حصول مسقطة للخلاف في أن افتراق الروح افتراق أم لا بخلاف المقام، فان الشك هنا من جهة جعل الخيار عند زوال الإكراه، هل هو على سبيل الفورية أم لا لعدم الشك و الخلاف هنا في المانع، إذ الخلاف هنا ليس من جهة حصول المانع و المسقط بل من جهة أنه و ان تحقق المانع و حصل ذات المسقط، الا أنه لما كان عن إكراه يكون وجوده كعدمه، و المفروض أيضا ثبوت الخيار في حال زوال الإكراه، إلا أنا نشك أن ثبوته هل هو على وجه الفور أو على وجه الدوام مطلقا أو بدوام مجلس الإكراه.
الخيار.
و لكنا نقول: مع أنه لا دليل على البقاء قد عرفت الدليل على انتفائه، أعني قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و من ذلك أيضا عرف أنه لا وجه للتفصيل.
و العجب في المقام مما صدر عن شارح اللمعة، حيث اختار في المسألة قول المشهور قال في الفرع الذي ذكره العلامة حيث اختار في المسئلة قول المشهور من بقاء الخيار لو زال الإكراه عنهما مارين و سائرين أن المختار سقوط الخيار بمرورهما.
قال في الفرع الذي ذكره العلامة «قده» من بقاء الخيار لو زال الإكراه عنهما، مارين و سائرين أن المختار سقوط الخيار بمرورهما عن موضع زوال الإكراه، فإن العبرة في ثبوت الخيار ان كان مجلس الزوال و تنزيله منزلة مجلس الأول و جعل الافتراق الإكراهي كأن لم يكن لكان اللازم ثبوت الخيار أيضا مارين و سائرين ما لم يتفرقا عن هيئتهما الاجتماعية و ان كانت العبرة بموضع الإكراه لكان اللازم عليه اختيار القول بالتفصيل، مع أنه صرّح ببطلان القول بالتفصيل، فلعلّه سهو من القلم الناسخ.
هذا كله فيما لو كانا كلاهما مكرهين في التفرق. أما لو أكره أحدهما على التفرق هل يبقى الخيار أيضا أم لا؟ فيه أقوال.
و توضيح ذلك يتوقف على بيان صور المسألة و مبناها و بيان الأقوال و أدلتها أما صور المسألة: فنقول: على فرض إكراه أحدهما على خصوص التفرق لا يخلو في بقاء الأخر في المجلس و عدم مصاحبته معه. اما أن يكون عن كره و منع أولا و على الثاني لا يخلو في أن عدم مصاحبته أما أن يكون عن قصور كالنائم أو عن تقصير بأن اختار القعود في المجلس عن شعور و اختيار. و هذه صور ثلاثا و كذلك عكسه بأن أكره أحدهما على البقاء و الأخر افترق عن قصور كالنائم لو فرض مشيه
في حال النوم و الحامل، أو عن تقصير كالمختار الشاعر افترقا عن اختيار. لا ريب في سقوط الخيار في الأول و خروجه عن محل الكلام هنا، لأنهما مكرهان و كلامنا هنا في تحقق الإكراه بالنسبة إلى أحدهما دون الأخر، فإذا أكره أحدهما على التفرق يكون بقاء الأخر في المجلس تارة من جهة عدم الشعور كالنوم و أخرى من جهة الشعور و الاختيار.
فهنا صورتان: ان كان المقسم البقاء في المجلس في مقابل الإكراه بالتفرق و ان كان مطلق عدم المصاحبة. و تزيد صورة أخرى، لأن عدم المصاحبة قد يكون تارة باختيار البقاء في المجلس و أخرى باختيار المشي إلى خلاف طرف المكره فعلى الأول، أي بناءا على عدم التعميم، الأقوال في المسألة ثلاثة: قول بالثبوت، و قول بالسقوط، و الثالث التفصيل بين المكره و الماكث في المجلس، فثبت خيار المكره و يسقط خيار الباقي في المجلس.
و ان عممنا المقسم، فيزيد تفصيل آخر و هو المحكي عن «التحرير» حيث قال بثبوت الخيار لهما ان اختار غير المكره البقاء في المجلس و سقوط الخيار عنهما ان اختار المشي إلى طرف آخر، خلاف الطرف الذي أكره الأخر عليه.
و كيف كان، محل كلام القوم هنا هو القسم الثاني، أعني ما أكره أحدهما على التفرق مع بقاء الأخر في المجلس مختارا في المصاحبة، فلم يصاحبه عن اختيار و فيه الأقوال الثلاثة و ذكر لها مبنيين:
أحدهما ما عن (الفخر «ره») و هو: أن مبني الأقوال بقاء الأكوان و عدمه و افتقار الباقي الى المؤثر و عدمه و أن الافتراق ثبوتي أو عدمي، فعلى القول بعدم البقاء بأن يقال يتجدد في كل آن أو على القول بالبقاء، و لكن يفتقر الباقي الى المؤثر يسقط الخيار لأنه فعل المفارقة بالاختيار.
و أما على القول بالبقاء مع استغناء الباقي عن المؤثر لم يسقط الخيار لأنه لم يفعل شيئا.
هذا كله بناءا على القول بأن الافتراق أمر وجودي. و أما ان قلنا بعدميته، فان قلنا بأن العدم لا يعلل، أي لا يستند بشيء، فلا يسقط الخيار أيضا لأنه لم يصدر منه شيء. و ان قلنا بأن العدم يستند بشيء، فيسقط الخيار لأنه فعل شيئا يوجب للافتراق للفرض بأنه لا بد من العدم أيضا من مستند و موجب.
و ثانيهما ما ذكره المشايخ العظام كما هو الأظهر و الأنسب على مذاق الفقاهة و هو أن الافتراق المجعول غاية للخيار هل يتوقف حصوله على اختيارهما أو يكفي فيه حصوله عن اختيار أحدهما أو يفصل بين حصوله بالنسبة إلى المختار و عدمه بالنسبة الى غير المختار.
و أما أدلة الأقوال: فنقول: قد يستدل على القول بالثبوت بوجوه:
أحدها: استصحاب الخيار، و لا يرد عليه ما أوردنا في المسألة السابقة من كون الشك في المقتضي، لأن الشك هنا شك في المانع للشك في تحقق الافتراق الذي هو مانع عن الخيار و مسقط له.
الثاني: تبادر الافتراق من النصوص المستفيضة الواردة في بيان أن الافتراق غاية للخيار في التفرق المستند الى اختيارهما، بمعنى كونهما غير مكرهين فيه، فحيث لم تحصل غاية الخيار فيثبت الخيار، و المراد من التفرق الاختياري ليس هو التفرق الذي صدر عن شعور و ارادة، حتى ينتقض بالنائم و الغافل، فان كون التفرق مسقطة لم يشترط فيه أن يكون عن شعور و ارادة، فان افتراق النائمين و الغافلين و أمثالهما قد ذكر أنه لا اشكال و لا خلاف في كونه مسقطا مع أنهما لم يشعرا و لم يرضيا به أيضا. بل المراد من قولهم من المتبادر هو التفرق الرضائي أي أنه لم يكن عن إكراه، فالافتراق الإكراهي لا تشمله النصوص، فإنه ليس مرادا
من النصوص، فان المتبادر من قوله عليه السّلام: (ما لم يفترقا و إذا افترقا فلاختيار لهما) غير الافتراق الإكراهي.
فإن قلت: إذا كان الافتراق الإكراهي خارجا عن النصوص للتبادر، فيلزم أن يثبت الخيار مع التمكن عن التخاير أيضا، مع أنهم قيدوا في عدم كون التفرق الإكراهي مسقطا بصورة العجز عن التخاير، لان مقتضى التبادر عدم الفرق بين ما تمكنا من التخاير و ما لم يتمكنا لعدم حصول المسقط، أعني الافتراق الغير الإكراهي فيهما.
قلت: أولا: نلتزم بعدم السقوط في كلا الصورتين، و نقول: لا يشترط العجز عن التخاير في السقوط كما ذكر سابقا تبعا للمشايخ المحققين، لأنه لم تحصل الغاية في كليهما. و ثانيا: لم أغمضنا عن ذلك و التزمنا بمقالة المشهور من أن ثبوت الخيار انما هو فيما إذا لم يتمكن من التخاير، و أما فيما تمكن، يسقط الخيار أيضا، و لكن نقول: أن سقوط الخيار في صورة التمكن ليس من جهة حصول الافتراق الذي هو غاية في النصوص، بل من جهة حصول مسقط آخر غير الافتراق و هو الالتزام و التراضي بالعقد، فان سكوتهما في حال الافتراق مع التمكن من التخاير كاشف عن التراضي و الالتزام فان كل فعل أو حركة تكون كاشفا عن الرضا يصير مسقطا للخيار، ففي صورة التفرق الإكراهي و ان كان الافتراق كعدمه في عدم كونه مسقطا للخيار و لا حكم له و لا مدخلية له في إسقاط الخيار، الا أن له من جهة أنه فعل مقارن لعدم التخاير مع تمكنه منه مدخلية في الكاشفية فتصح حينئذ دعوى أن سكوتهما مع هذا الفعل كاشف عن التراضي و الالتزام و لا ضير فيه.
هذا بالنسبة إلى مسلكهم، و قد عرفت أن لنا كلاما في الصغرى.
الثالث: الإجماع المنقول عن «الغنية» في أصل مسألة الإكراه فيندرج خصوص المسألة تحت الكلي و ان كان في خصوص التفرق الإكراهي في أحد
الطرفين كمفروض الكلام فيصير مما لا ارتياب فيه، الا أن الكلام في تحققه في خصوص المسألة، و لكن لا كلام في الشهرة المحققة بل لم يوجد مخالف صريح في المسألة، عدا العلامة في «القواعد» و ولده فخر المحققين.
الرابع: صحيحة الفضيل من تقييد التفرق بالرضا، فيشترط أن يكون الافتراق عن رضا. فهذا لو تم لكان نصا في المطلب، الا أن فيه اشكالا لما عرفت في أول المسألة من أن الافتراق مسقط من دون اعتبار الرضا فيه، فيشمل افتراق النائم و الساهي أيضا لصدق الافتراق على النائم و الغافل و لو لم يكن بعد الرضا منهما.
و ما ادّعينا من التبادر لا ينافي ذلك لما عرفت أن المراد هو ان لم يكن عن إكراه، لا أن المراد أنه يعتبر فيه الرضا، و كيف ينتقض ذلك بموارد الإجماع.
فحينئذ لا بد من التأويل في صحيحة الفضيل أو حملها على أنه لا عبرة بالقيد لا وجودا و لا عدما لأنه وارد في مورد الغالب، و حيث أن القضية غالبية يصير ذكر القيد من جهة الغلبة لا من جهة الاعتبار و العبرة به.
و أما القول بالسقوط و هو ما استقر به العلامة «قده» في «القواعد» و ولده فخر المحققين، و نسب الى ظاهر المحقق في «الشرائع»، و الى شيخنا الشهيد «قده»، و ان كان في النسبة إليهما نظر لعدم ظهور عبارتهما في ذلك فإن المحكي عن «الدروس» أنه لا عبرة بالتفرق كرها مع المنع من التخاير. فهذه العبارة كعبارة «الشرائع» تدل على عدم السقوط عند ثبوت الإكراه على تفرقهما ما لم يتمكنا من التخاير متطوعا فتدل حينئذ مصاديق ثلاثة:
أحدها: مفهوما على السقوط عند انتفاء التفرق الإكراهي مع انتفاء التمكن من التخاير فيصير المفهوم سقوط الخيار عند التمكن من التخاير مع تحقق الإكراه في الافتراق من الطرفين.
و ثانيها: سقوطه مع عدم التمكن أيضا و لكن مع تحقق الإكراه في طرف
واحد.
و ثالثها: سقوط الخيار بالتفرق الغير الكرهي، فتكون العبرة بالتفرق إذا لم يكن عن كره. فتندرج الأقسام الثلاثة في مفهوم العبارة، و لا يظهر من العبارة تعميم الحكم على تلك الأقسام الثلاثة، لاحتمال رجوع الحكم، أعني عدم بطلان الخيار الى القيد الأخير أعني ما لم يتمكنا من التخاير، فيكون عدم البطلان معلقا عليه، فتكون العبارة بحسب المفهوم ساكتا عن التفرق الإكراهي بالنسبة الى أحد الطرفين.
فان قلت: ان المفهوم يصدق في جميع الأمور الثلاثة فيشمل سقوط الخيار بالنسبة إليهما.
قلت: سلمنا اندراج الثلاثة في المفهوم، لكن لم يعلم من المفهوم مقدار السقوط، و كيفية هل هو من الطرفين أو من طرف خصوص المكره (انتهى).
و كيف كان استدل على هذا القول أيضا «قده» بوجوه:
أحدها: إطلاقات النصوص مع صدق الافتراق في صورة الإكراه أيضا، و انما خرج عنهما ما كان الإكراه على الطرفين، فان القدر المتيقن من الأدلة الماضية هو ما لو اكره كلاهما على التفرق، و أما لو أكره أحدهما على التفرق فلم يثبت من الإجماع و غيره خروجه، فتشمله الإطلاقات لصدق الافتراق به.
و ثانيها: روى به الخطى الحاكية لفعل الامام عليه السّلام و أنه قال عليه السّلام (فمشيت خطاء ليجب البيع حين افترقنا) حيث جعل مجرد مشيه سببا لصدق الافتراق المجعول غاية للخيار.
و ثالثها: نقل الإجماع عن السيد عميد الدين «قده». و في الكل نظر.
أما الأول: فلان دعوى صدق الافتراق على التفرق الكرهي مدفوعة بالتبادر المذكور، فإن العمدة في المسألة السابقة في ثبوت الخيار هو التبادر بأن يقال
أن المتبادر من إطلاقات النصوص المشتملة على جعل الافتراق غاية للخيار هو الافتراق الرضائي بمعنى ان لم يكن مكرها، فلا يشمل التفرق الإكراهي- كما بيّنا- مما لم يكن و المفروض أنه لا إطلاق للمفهوم بالنسبة إلى بيان المقدار و كيفيته عن اختيار بمعنى كونه مكرها لم يكن مسقطا للخيار، لان المتبادر من الافتراق غير هذا القسم.
و أما الثاني: ففيه أولا: فإن الرواية حاكية عن فعل الامام عليه السّلام، لا إطلاق فيه، لأنه قضية في واقعة لا يستكشف منه إثبات المدعى.
و ثانيا: أنها خارجة عن مسئلتنا هذه، إذ مفروض الكلام هنا ما كان أحدهما مكرها و الرواية ساكتة عن ذلك، لان الإمام عليه السّلام مشى باختياره و الأخر ترك المصاحبة باختياره أيضا، فقعود الأخر في المجلس اختيارا مع مشي الامام عليه السّلام لحصول التفرق المجعول غاية للخيار لا يدل على تفرق أحدهما كرها و كونه مسقطا للخيار و لا إطلاق في الرواية حتى يتمسك به بتقريب أن يقال: أن ترك مصاحبة الأخر أعم من كونه عن اختيار أو عن كره.
و العجب من شيخنا العلامة «قده» حيث سلم ظهور صحيحة الفضيل في اعتبار الرضا جعله معارضا لهذه الرواية، مع أن هذه الرواية ساكتة عن التفرق الإكراهي، و قاصرة عن دلالة سقوط الخيار فيما تفرق أحدهما كرها.
نعم يتم ذلك بدعوى أن غرض الامام عليه السّلام جعل مشيه سببا لحصول الافتراق المسقط للخيار من دون حصول المشي من الأخر و من دون أن يعتبر رضا الأخر في قعوده و ترك مصاحبته فيكون مجرد المشي في جانب مسقط للخيار، سواء كان الأخر في ترك مصاحبته راضيا أو مكرها. و لكن هذا حسن إذا علم بأن غرض الامام عليه السّلام ذلك و أنه في مقام بيان ذلك، و لكنه مجرد الدعوى لا بيّنا و لا مبيّنا لعدم الشاهد له، لا في كلامه عليه السلام و لا في فعله عليه السلام.
و أما الثالث: فمدفوع بعدم تحقق النقل فإنه مجرد دعوى لا ثبوت لها، لأن كتابه ليس بأيدينا، و من المحتمل أن دعواه سقوط الخيار بالإجماع انما هي فيما لو أكره كلاهما، و كيف مع أنا لا نجد مصرحا بالسقوط عدا العلامة في «القواعد» و ولده فخر المحققين كما صرح به صاحب «الجواهر» بل الأقوى من ذلك هو القول بالتفصيل كما نسب الى «الخلاف» و «جواهر» القاضي و ظاهر «التذكرة» بل صريحها.
و استدل على القول بالتفصيل بما حاصله: أن هنا خيارين و مسقطين و ان افتراق كل منهما مسقط في حقه، فان كان في أحدهما عن إكراه و في الأخر عن اختيار سقط عن الأخر لعدم المانع من السقوط، و أما في حق المكره لان افتراقه منزّل منزلة العدم عند الشارع للأدلة السابقة فليس له حكم، فيثبت الخيار حينئذ في حقه لعدم حصول مسقطة و ما حصل منه من الافتراق لا أثر له فلم يكن مسقطا للخيار. و أجيب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: ما عن «جامع المقاصد» من ان الافتراق أمر واحد قائم بالطرفين فان حصل سقط الخياران و ان لم يحصل فلا يسقطان فلا وجه للتفصيل حينئذ.
و ثانيهما: ان المسقط لم يحصل في مفروض المسألة، أما في حق الماكث فواضح لأنه ترك المصاحبة باختياره فلم يصدر منه الافتراق، و أما في حق المكره على التفرق، فلان افتراقه بمنزلة عدمه عند الشارع لان مقتضى الأدلة السابقة عدم الأثر لتفرقة فكأنه لم يحصل منه الافتراق، فلا يسقط الخياران.
و يندفع الأول: أولا: بأنا نختار الشق الثاني، فقولك أن الافتراق لم يحصل فلا يسقط الخيار مدفوع بأن المسقط ليس بمنحصر بالافتراق حتى نقول أنه لم يحصل بل المسقط حينئذ هو ترك مصاحبته و عدم فسخه مع تمكنه منه، فحيث لم يفسخ مع تفرق الأخر عن المجلس دليل على التزامه بالعقد و رضائه به لأنه
لولاه لما ترك المصاحبة أو يفسخ قبل انقضاء المجلس كما صرح في «الروضة» و غيرها بلزوم العقد مع تمكنهما من الفسخ و لم يختارا و ان أكرها على التفرق، و نسب ذلك الى المشهور حسب ما مضى في المسألة السابقة، بل ذلك مختار المجيب أيضا، فإن ترك اختيار الفسخ أو المصاحبة مع الأخر الخارج عن المجلس كاشف عن الالتزام و التراضي، و كلما حصل الكاشف عن الالتزام بالعقد و الرضا به يكون الخيار ساقطا بلا خلاف.
فان قلت: ان ترك اختيار الفسخ، كالسكوت في المجلس كما أنه ليس بدال على الالتزام بالفرض و الإجماع كذلك في المقام أيضا.
قلت: أولا: ذلك منقوض بترك اختيار الفسخ فيما لو أكرها معا مع تمكنهما من التخاير حيث أن مختار المجيب بل الأكثر هو السقوط، لعدم الفرق بينهما ما كان ترك الاختيار يوجب سقوط الخيار مع التمكن فيما لو أكرها معا لكان يوجب سقوطه أيضا فيما لو أكره أحدهما و ان لم يكن موجبا في المقامين غير الساقط.
و ثانيا: منحل بأن السكوت و ترك الفسخ في المجلس ليس بمسقط للخيار للتروي لبناء البيعين في المجلس على التروي، فسكوتهما فيه لا يكشف عن الالتزام الا انه لما أراد أحدهما الخروج عن المجلس و زوال زمن الخيار لكان سكوت الأخر حينئذ كاشفا عن الالتزام، لأنه لولا ذلك لما ترك التخاير فتحصّل الفرق بين المقامين، لان السكوت في مجلس العقد مع بقائهما فيه ربما يكون للتروي، و أما مع زواله و مفارقة الأخر عنه يكشف عن التراضي لأنه لولاه لما فارقه.
و هذا مسلم على مذاق المجيب تبعا لأكثرهم كما سبق، و ان كان لنا في الصور مناقشة كما عرفت.
و ثالثا: بأنا نختار الشق الأول، فقولك (ان الافتراق حصل) مسلم الا أنه لم
يؤثر في حق المكره لأدلة الإكراه و يؤثر في حق المختار لعدم ثبوت دليل على عدم تأثره في حقه، فيسقط الخيار في خصوص حقه، فيثبت القول بالتفصيل.
فظهر مما ذكرنا الجواب عن الوجه الثاني أيضا، لأن قوله (أن الافتراق ما حصل، فلا يسقط الخيار، فيثبت الخيار كما عليه المشهور) يندفع بأنه لا يتم على مذاقهم، من أن مع ترك اختيار الفسخ مع التمكن منه يلزم العقد، لحصول الالتزام بالعقد و كونه كاشفا عنه.
ففي المقام مقتضى مذهبهم أن يقال: أن المسقط لم ينحصر بالافتراق، و القول بالتفصيل ليس مبنيا عليه، بل انما هو مبني على أن أحدهما لما تفرق عن إكراه فلا أثر له فيبقى خياره، و أما سقوط خيار الأخر الساكت القاعد في المجلس، لان ترك مصاحبته و اختياره الفسخ مع التمكن منه و مشاهدة انقضاء مجلس العقد لإكراه صاحبه على التفرق يكشف عن التزامه و رضائه بالعقد، فيكون المسقط حينئذ هو التزام و التراضي المستكشف، لا الافتراق المجعول غاية للخيار.
بقي هنا التفصيل الرابع المحكي عن «التحرير» و هو أنه ان بقي الأخر الغير المكره في المجلس، فلا يسقط الخياران و ان ذهب عن المجلس فيسقطان و الوجه في ذلك أمرين:
أحدهما: أن غير المكره ان بقي في المجلس ما صدر منه شيء حتى يوجب للسقوط، بل حاله حينئذ حال المكره في ثبوت الخيار لهما لعدم حصول مسقط الخيار منهما أما من المكره كعدمه فلا أثر له و أما من الجالس فلعدم صدور الافتراق منه و حيث لم يحصل الافتراق المجعول غاية للخيار أعني الافتراق الذي لا يكون عن إكراه ثبت الخيار لهما أما للمكره فلأدلة الإكراه، و أما للثابت في المجلس، فلعدم صدور شيء منه- من الافتراق- و ان ذهب عن المجلس فلتحقق صدور الافتراق عنه باختياره فيسقط خياره.
و يرد عليه- فيما لو بقي في المجلس من قوله (لم يصدر منه الافتراق و لا يسقط الخيار)- أولا: بالنقض على المسألة الاتفاقية المصرح بها، أعني لو ذهب أحدهما عن المجلس اختيارا و بقي الأخر فيه اختيارا يسقط الخيار لحصول الافتراق منهما، و القول بالفرق بينهما بأن الافتراق هناك مستند الى الذاهب عن المجلس اختيارا لا على القاعد في المجلس فلم يصدر منه الافتراق مدفوع بأنهم صرحوا على حصول الافتراق عن الباقي في المجلس أيضا. فتأمل. و ثانيا: بالحل: إن بقائه في المجلس- اختيارا مع تفرق الأخر و لو عن كره- يكشف عن الالتزام بالعقد و الرضا به، لأنه لو لا التزامه بالعقد لما ترك المصاحبة معه.
و ثالثا: أن الافتراق عبارة عن حصول البعد بينهما، و هو حاصل عن القاعد في المجلس أيضا، فيسقط خياره لو كان باقيا في المجلس، كما أنه يسقط لو كان ذاهبا عنه، فلا وجه للتفصيل بينهما.
هذا، و لا يخفى أن القول بالتفصيل يلزمه أن نقول بحصول الافتراق إذا كان مع الرضا في طرف واحد فيرد عليه ما أوردنا سابقا من أن المتبادر من الافتراق ما لم يكن عن إكراه و لو من الطرف الواحد، فلو كان من طرف واحد عن اختيار دون الأخر لا يصدق الافتراق أيضا لمقتضى التبادر.
و ثانيهما: أن افتراق المكره نزّله الشارع منزلة العدم، فكأنه جالس في المجلس مثل صاحبه، فهما حينئذ- أي لو بقي الأخر في المجلس اختيارا- لم يفترقا فلهما الخيار، و أما لو ذهب الأخر اختيارا فيندرج في المسألة الاتفاقية، أعني ما لو ذهب أحدهما و بقي الأخر من دون إكراه في البين يسقط الخياران.
و فيه: مضافا الى ما يرد عليه ما ذكرنا في الوجه الأول، أجاب عنه بعض المشايخ: بأن المكره انما ينزّل منزلة الجالس المحبوس لا منزلة الجالس الاختياري حتى يندرج في المسألة الاتفاقية، ضرورة أن الافتراق الاختياري لما تعذر عنه
حين الإكراه ينزّل منزلة الجالس الاضطراري لعدم قدرته على الافتراق الاختياري فحينئذ يندرج في المسألة المتنازع فيها في المقام، و هي لو فارق أحدهما اختيارا و بقي الأخر مكرها عكس الصورة التي ذكرنا أنها محل كلامهم و تصريحاتهم إذ الصورتين المتعاكستين حكمهما واحد.
فاتضح لك أنه لا معنى للتفصيل، بناءا على القول بصدق الافتراق من الطرف الأخر الاختياري، فلا بد عليه القول بالسقوط مطلقا، فيتوجه عليه حينئذ ما أوردناه على القول بالسقوط المطلق، فالمتجه حسب ما عرفت هو القول بالثبوت كما عليه المشهور، بل ليس الخلاف مصرحا به عدا ما في «القواعد» و تبعه فخر المحققين «قده».
ثم أنه ربما تتوهم المنافاة بين الخلاف هنا- أي فيما لو حصل الإكراه على تفرق أحدهما مع اختيار الأخر الذهاب أو البقاء- و بين المسألة المتقدمة- أعني لو مات أحدهما و فارق الأخر اختيارا- فان الظاهر عدم الخلاف في سقوط الخيارين هناك. و كذلك في ما لو ذهب أحدهما مع بقاء الأخر في حال النوم أو الغفلة، حيث أنه لا خلاف في سقوط الخيار بمجرد اختيار أحدهما الذهاب، سواء كان الباقي نائما أو ميتا، مع أنهم اختلفوا هنا فيما لو اختار أحدهما الذهاب مع كون الأخر مكرها اما بالذهاب أو بالجلوس، فما الفرق بينهما؟
و لكن يندفع ذلك التوهم بما ذكرنا من أن المتبادر من الافتراق المسقط المجعول غاية للخيار هو الافتراق الغير الإكراهي، فهو حاصل في فروع المسألة السابقة، كما لو فارق أحدهما مع كون صاحبه ميتا أو نائما، إذ الافتراق من غير كره قد حصل بخلافه هنا، فان الافتراق أمر قائم بين الطرفين، و المفروض حصول الإكراه في أحدهما، فلا يحصل الافتراق الغير الإكراهي.
و كذلك أيضا ربما يتوهم التنافي في عبارة العلامة «قده» حيث قال في ذيل
(أن مفارقة الدنيا أولى): يسقط خيار الميت. و هذا ظاهر في اختصاص السقوط في حقه، حيث سكت عن سقوطه في حق الأخر الحي، و قال في هذا المقام:
يسقط خيار الباقي فيسقط خيار المكره أيضا.
وجه المنافاة: لو كان سقوط أحد الخيارين مستلزما لسقوط حق الأخر أيضا كما قال هنا، فلازمه أيضا سقوط الخيار من الأخر الحي في مسألة ما لو مات أحدهما مع أنه «قده» سكت عن ذلك و جوابه واضح، لأنه «قده» في المسألة السابقة ليس في مقام بيان ذلك بل في مقام أن الافتراق يحصل بمجرد الموت فيسقط عن الميت و أما سقوطه عن الأخر: فأوكل حاله على القواعد، حيث أن الافتراق لو حصل بمجرد الموت لا بد من سقوط الخيار عن الطرفين لحصول الغاية و هذا واضح.
فيه خلاف و أقوال ثلاثة:
أحدها: السقوط، و نسب ذلك الى قاطبة المتأخرين.
و ثانيها: عدم كونه مسقطا، و هو المنسوب إلى جماعة من المتقدمين، و يظهر من اقتصار المحقق في «الشرائع» و غيره كما في «الفقيه» و المحكى عن «المبسوط» و أبي سعيد و غيرهم ممن اقتصروا في المسقطات لخيار المجلس بغير التصرف، مع أنهم في مقام بيان المسقطات، فاقتصارهم يكشف عن عدم كون التصرف مسقطا.
و ثالثها: التفصيل بين البائع و المشتري، و هو الظاهر ممن اعترف بسقوط
خيار المشتري بالتصرف في المبيع و اقتصر بذلك أيضا.
ثم ان محل النزاع في كون التصرف مسقطا ان كان التصرف الذي هو كاشف عن الرضا و الالتزام بالعقد، فالحق مع المتأخرين بل لا أظن يخالفه غيرهم معهم في ذلك، و نسبة عدم كونه مسقطا الى المتقدمين لا أصل له، و كيف أنهم صرحوا في مسألة التخاير: أن الالتزام بالعقد المستكشف عن ترك تخايره مسقط للخيار فالأمر العدمي الكاشف عن الالتزام إذا كان مسقطا للخيار فمثل التصرف الذي هو أمر وجودي و كاشف عنه مسقط له بطريق أولى، مضافا الى تصريحاتهم بأن الكاشف عن الرضا يكفي في السقوط، سواء كان فعلا أو قولا، بل قد عرفت في المسألة السابقة اشتراطهم في سقوط الخيار عن المكره بالعجز عن التخاير، فلو تمكن من الفسخ و لم يفسخ لسقط الخيار.
و هذا دليل واضح على أن مذهبهم سقوط الخيار بكل كاشف حتى لو كان أمرا عدميا كترك التخاير مع التمكن منه فكيف بالأمر الوجودي و ان كان محل النزاع في مطلق التصرف و ان لم يكن كاشفا عن الرضا، بل التصرف نظير الافتراق مسقط تعبدي للخيار. فالحق هو القول الثاني و مع الغض عنه فالقول الثالث لعدم ثبوت دليل على أن التصرف مسقط تعبدي للخيار.
و أقصى ما يتمسك به هو صحيحة رباب الواردة في خيار الحيوان، أعني قوله (إذا أحدث حدثا فذلك رضي منه فلا شرط له) و تقريب الاستدلال به على وجهين:
أحدهما: إطلاق قوله (فلا شرط له) أي لا خيار، سواء كان خيار الحيوان أو خيار المجلس.
و فيه: أن عمومه من باب الحكمة، فمع سبقه بخيار الحيوان لا يتم بمقدمات الحكمة إذ يشترط في العموم الحكمي أن لا يكون قرينة على الفرد، فتفريعه على ما سبق، و سبق ذكر خيار الحيوان قرينة على ارادة خصوص شرط الحيوان منه،
فلا يتم العموم حينئذ.
و ثانيهما: من جهة عموم العلة، فإنه نزل الحدث الذي هو نصرف منزلة الرضا يعني كما أن الرضا مسقط فكذلك الحدث، لأنه رضي منه فهذا يصير بمنزلة الصغرى يعني أن المشتري إذا أحدث حدثا فذلك رضي منه، و بضم الكبرى المطوية يتم الاستدلال، و هي أن كل حدث يحدثه هو رضي منه و هو مسقط للخيار.
و فيه: أن عموم العلة مسلمة و لكن يقتصر في العموم على مقدار يصح فيه الكلام، فمع صحة الكلام بالعام الذي هو أقل أفرادا لا يتعدى منه الى العام الذي هو فوقه، كقولك (لا آكل هذا الرمان لأنه حامض) و غاية ما يستفاد من العلة هو الحامض الرماني فيتعدى المورد الى كل رمان حامض من دون أن يتعدى منه الى كل حامض غير الرمان أيضا. و كذلك في المقام، فيتعدى من المورد الى كل حدث، حدث في الحيوان، سواء كان من البائع أو من المشتري بل يتعدى الى أقل من هذا و هو خصوص المشتري، فلا يتعدى الى البائع.
و من ذلك يتضح لك وجه القول بالتفصيل، و توضيح المقام و تفصيله و بيان الاحتمالات من الصحيحة سيجيء عند البحث في خيار الحيوان إن شاء اللّه تعالى فانتظر.
فتحصّل: أنه لا دليل على كون التصرف و ان لم يكن كاشفا عن الرضا مسقطا من باب مجرد التعبد كالافتراق، بل ان كان كاشفا عن الرضا و الالتزام يسقط الخيار لما ذكرنا سابقا أنه لم يشترط في الكاشف شيء من خصوص الألفاظ و الأفعال، بل كل قول أو فعل أو حركة يكشف عن الرضا مسقط له و إلا، فلا يسقط به خيار المجلس.
هذا كله في المنتقل اليه، و أما التصرف في المنتقل عنه، بأن تصرف البائع في المبيع المنتقل إلى المشتري، فان علم كشفه عن فسخه فهو، و ان علم أنه
ليس في مقام الفسخ بتصرفه، فكذلك أيضا لا عبرة بتصرفه، و ان كان مشكوكا فالميزان فيه أن كل تصرف يحرم على الأجنبي الغير المالك في ملك الغير فيحكم بفسخه و الا فلا.
بعبارة اخرى: أن تصرف البائع في المبيع، و المشتري في الثمن تصرفا يتوقف على الملكية كاللمس و الوطي و النظر و غير ذلك كاستخدام الأمة من غير اذن صاحبه أو ركوب الدابة، فيحكم بالفسخ. و ان لم يكن متوقفا على الملك كإجراء عقد النكاح للغير و بيعه فضولة فلا.
و الوجه في ذلك: هو الأصل المؤسس في جعل المسلم، أعني أصالة الصحة فإن البائع إذا تصرف بالمبيع- إذا كان أمة مثلا- باللمس أو بالوطي. و يقع الشك في أنه هل فسخ هذا حتى يكون فعله هذا صحيحا أو أنه تصرف لا على وجه الفسخ، بل من جهة العدوان و الحرمة حتى يكون فعله فاسدا و حراما، و حيث دار الأمر بينهما فمقتضى حمل فعل المسلم على الصحة الحكم بأنه من باب الفسخ.
هذا بناءا على المختار من جريان أصالة الصحة في أمثال المقام، و أما بناءا على مذهب المحقق الثاني: من أن أصالة الصحة انما تجري فيما كان المقتضى و الشرائط و الاجزاء محققا ثابتا.
و انما يقع الشك في المانع فيشكل الأمر حينئذ في أمثال تلك التصرفات، كما أنه يشكل في التصرفات التي لم تتوقف على الملكية كإجراء عقد الأمة و بيعها لدوران الأمر بين الأصلي و الفضولي، و لا أصل فيه يعتمد عليه، إذ لو فرضنا أن البائع باع الأمة إلى ثالث بأن أجرى مجرد صيغة كما هو الشأن في الفضولي، و لكن يقع الشك في أنه هل هو قصد البيع لنفسه حتى يكون أصلا فيصير فسخا أيضا، أو قصد عن قبل المشتري حتى يكون فضوليا كما أن الأصل عدم قصده
عن الغير، كذلك الأصل يقتضي عدم قصده عن نفسه فيتعارضان من الطرفين، فلا يحكم بأحد الطرفين.
هذا تمام الكلام في خيار المجلس، و قد فرغنا منه في أحد عشرين من ربيع الثاني. فنشرع في خيار الحيوان:
فنقول: يقع الكلام تارة في الموضوع و اخرى في الحكم.
الظاهر أنه لا خلاف بينهم في عموم الحيوان لكل ذي حياة، بريا أو بحريا، إنسيا أو غيره و غير ذلك، الا أن هنا إشكالين أشار إليهما شيخنا العلامة «قده».
أحدهما: ما تفرد به، و لم نره في كلام أحد من الفقهاء و هو دعوى ظهور أخبار الباب في الحيوان المقصود حياته في الجملة و يباع من حيث أنه حيوان و أما الحيوان الذي كان الغرض و المقصود بالأصالة لحمه دون حياته حتى أنه انما يباع من حيث أنه لحم، فلا يشمله الحيوان فلا يثبت في بيعه خيار الحيوان لانصراف الحيوان الى القسم الأول منه، فيكون حينئذ مثل السمك المخرج من الماء و الجراد المحرز في الإناء خارجا عن مشمول الحيوان فيصح بيعه من ذي خيار.
و لكن هذا الاشكال هيّن، لوضوح أن قصد الحياة أو اللحم يختلف باختلاف المتبايعين، فالمشتري في بعض الموارد يقصد حياة المبيع و هو مقصود بالأصالة و في بعض الموارد يقصد لحمه، فيكون المقصود بالأصالة اللحم لا الحياة، و ذلك لا يوجب انصراف الحيوان لما كان المقصود بالأصالة حياته بل لا عبرة في القصد في صدق الحيوان.
أ لا ترى أن القصابين لا يقصدون من شراء الشياه الا لحمها و ان بعض الحيوانات
الأخر من أقسام الشياه و غيرها ليس المقصود بالأصالة منها الا اللحم مع ثبوت الخيار فيها من غير اشكال و لا خلاف.
و ثانيهما: ما أشار إليه في «الجواهر» و في كتب بعض المشايخ ممن تأخر عن صاحب «كشف الغطاء» و تتلمذ عليه، بل أظن أن أصل الإشكال منه، و تبعه بعض تلامذته و من عاصره و كصاحب «مفتاح الكرامة» حيث لا أثر من هذا الإشكال في كتب القوم و هو ثبوت الخيار فيما لم يستقر فيه الحياة، كالصيد المشرف على الموت بإصابة السهم أو بجرح الكلب المعلّم فيشكل في ثبوت الخيار في ذلك لاشتراط استقرار الحياة في ثبوت الخيار، و قد استشكل شيخنا العلامة «قده» في خصوص ثبوت الخيار، و لكن استشكل بعض المشايخ أيضا في صحة بيعه كما أشار إليهما في «الجواهر» بقوله: و في اشتراط استقرار الحياة في صحة البيع و ثبوت الخيار وجهان، أشبههما العدم.
أحدها: بيان وجه الإشكال في صحة البيع و ثانيها: في بيان الإشكال في خيار الحيوان. و ثالثها: في أن تلفه من البائع أم لا و رابعها: في بيان منتهى الخيار.
فلما ذكره بعضهم من أنه في شرف الموت فيجري عليه حكم الميتة لأنه إذا كان في عرض الميتة لا ينتفع منه فلا يجوز بيعه، لأنه يندرج تحت ما لا منفعة فيه.
فيه: ما لا يخفى، لإمكان الانتفاع منه في شعره و صوفه و أمثالهما، و المفروض أنه حين البيع ليس بميتة حتى تشمله أخبار الناهية عن الميتة، فيبطل البيع و ان كان الانتفاع ممكنا في شعر الميتة و صوفه لأنه لا يجوز بيع الميتة من جهة الانتفاع من شعرها و صوفها لأنه ليس منفعة مقصودة.
و الحاصل: أن جهة الاشكال ان كان من جهة كونه ميتة، فيه: أن المفروض حياته فعلا، فلا تشمله الأخبار الناهية، و ان كان من جهة أنه في عرضة الموت فبعد موته يصير ميتة لا ينتفع منه، فيه: أنه ليس بميتة، و مع كونه في شرف الموت لا يعد مما لا ينتفع به لا مكان الانتفاع من شعره و صوفه، بل بيعه من جهة هذه لا اشكال فيه، بخلاف الميتة، فإنها لا يجوز بيعها و لو أمكن الانتفاع من شعرها و صوفها، و ان كان الغرض من بيعها ليس الانتفاع من الجهة المحللة كما قرر في محله.
و لا يخفي أن هذا الاشكال لا يجري في المثالين المذكورين، بل انما يجري في غيرهما كالصيد المشرف على الموت بإصابة الرصاص أو الحجارة مثلا، أو بجرح الكلب المعلم من دون حصول الشرائط، أو بجرح غيره.
فقد يذكر له وجهان:
أحدهما: ما يستفاد من كتاب شيخنا العلامة «قده» من انصراف أخبار الباب في الحيوان الذي كان له حياة مستقرة.
و الجواب عنه واضح بمنع الانصراف لصدق الحيوان على ما تستقر فيه الحياة أيضا، فلا فرق في تحقق موضوعه بينه و بين غيره.
و ثانيهما: ما ذكره بعض المشايخ من أن المبيع إذا كان مما لا تستقر فيه الحياة يكون في شرف الموت و التلف، فاذا مات ينتفي موضوع الخيار فينتفي الخيار بانتفاء موضوعه فلا وجه لثبوت الخيار حينئذ. ثم أجاب عن ذلك بإمكان الخيار قبل الموت و لو بساعة، فانتفاء الخيار بانتفاء موضوعه في زمان مع إمكانه في زمان آخر لا يوجب رفع اليد عن ثبوت الخيار بالكلية، فتشمله أدلة الخيار حيثما يكون المحل قابلًا و لو تعذر بعد.
و الحاصل: أن أدلة الخيار لا قصور فيها فحيثما أمكن يثبت، و تعذره في
زمان لا يوجب تخصيصه بالكلية، بل يتقدر بقدره، فالمبيع قبل تلفه و موته يمكن ثبوت الخيار، فيكون مشمولا لأدلة خيار الحيوان. و أما بعد تلفه و زهاق روحه كان الخيار منتفيا لسقوطه بانتفاء موضوعه.
هذا، ثم ان ظاهر هذا الاشكال و جوابه ربما يتراءى في بادي النظر منافاته للقاعدة المقررة عندهم من أن التلف لا يوجب سقوط الخيار، فان المعروف عندهم- كما هو المختار-: أن الخيار حق تعلق بالعقد، فيثبت على حسب ما يقتضيه دليله فيما لم يفترقا في خيار المجلس، أو ما في زمان الشرط في خيار الشرط، أو في الأيام الثلاثة في خيار الحيوان و هكذا. نعم لو قلنا بأن الخيار حق تعلق بالمبيع فيسقط بانتفاء الموضوع، فاذا تلف المبيع يسقط الخيار.
و لكن المشهور و المعروف أن الخيار حق يثبت للعقد و لا يسقط بتلف المبيع فقول المستشكل بأن المبيع إذا مات و تلف ينتفي موضوع الخيار و تسليم المجيب ذلك، و لكنه يقول بإمكانه قبل الموت ينافي هذه القاعدة، و لكن عند دقيق النظر لا منافاة بينهما مع ملاحظة قاعدة أخرى من أن التلف في زمن الخيار على من لا خيار له. فيكون مورد قولهم (أن التلف لا يوجب سقوط الخيار) فيما عدا ذلك فإنه لو تلف في ملك من له الخيار في زمن الخيار لكان التلف على من لا خيار له بمقتضى هذه القاعدة المتفق عليها، فلا يبقى محل لجريان قولهم: أن التلف لا يسقط و لا يكون التلف على من لا خيار له الا مع بطلان العقد و انفساخه بمجرد التلف، إذ لما كانت هذه القاعدة بناءا على إبقاء العقد على حاله، و صحته تكون خلاف القاعدة لأن تلف المال في ملك الغير لا يوجب ضمانا على الأخر.
فنقول: أن التلف إذا حصل في ملك من له الخيار انفسخ العقد قبل التلف آنا ما و دخل المبيع في ملك من عليه الخيار آنا ما، فتلف حينئذ في ملكه و يكون ضمانه عليه. و المقام من هذا القبيل، لان الحيوان إذا تلف عند المشتري يكون
ضمانه على البائع بمقتضى قولهم أن التلف في زمن الخيار على من لا خيار له، فيوجب ذلك بطلان العقد، فكأن الحيوان دخل في ملك البائع و تلف من كيسه، فيكون العقد منفسخا قهرا.
فيبقى موضوع الخيار فيصح قول بعض المشايخ: بموته ينتفي موضوع الخيار، إذ بموته يبطل العقد الذي هو موضوع للخيار (1)فلا خيار حينئذ لانتفاء الموضوع. فينحصر مورد قولهم: أن التلف لا يوجب سقوط الخيار على صورتين:
أحدهما: ما كان لكلا المتبايعين الخيار، و ثانيهما: ما كان التلف في ملك من لا خيار له. ففي تلك الصورتين لا يوجب التلف سقوط الخيار لأنه لا منافاة مع قولهم ان التلف في زمن الخيار على من لا خيار له بل ينطبق عليه، فإنه لو فرضنا تلف المبيع غير الحيوان مثلا في ملك المشتري و لم يكن له خيار من الخيارات، و لكن كان الخيار للبائع، فلا يوجب ذلك التلف لسقوط الخيار من البائع، لأن تلفه على المشتري لكونه لا خيار له. و أما إذا كان للمشتري خيار كما فيما نحن فيه فتلف عنده، فيوجب بطلان العقد لان تلفه حينئذ على البائع الذي لا خيار له، فيدخل في ملك البائع آنا ما فينفسخ العقد. و أما لو كان للبائع خيار مع المشتري يكون تلف المبيع على المشتري و لا يوجب سقوط الخيارين فتتصادق القاعدتان.
هذا و بعد ما سمعت ذلك في مجلس البحث و كتبته على قصور بالي بمقدار فهمي اطلعت على عبارة بعض المشايخ (أعني عبارة الشيخ علي نجل الشيخ و أستاد الأساتيد الشيخ جعفر «قده» في خياراته المنسوبة اليه) و هو أنه قال «قده»:
و في غير مستقر الحياة وجهان، بالنظر الى صحة البيع و عدمها و ثبوت الخيار و عدمه نظرا إلى أنه لا فائدة فيه فأشبه بيع الميتة، و الخيار لا يمكن للموت،
1) على خلاف من شيخنا الشهيد في (الدروس) حيث ذهب الى ان التلف من البائع و لا يوجب سقوط الخيار أيضا.
و باعتبار حصول الفائدة فيه و لو بشعره و وبره و عظمه.
فلو فرض أنه لا فائدة فيه أصلا لم يكن فساد البيع من جهة عدم استقرار الحياة، بل لهذا الوجه و دعوى عدم إمكان الخيار للموت ممنوعة لا مكان اختيار المشتري الفسخ قبل الموت، و لو لم يفسخ كان تلفه من مال بائعه كما هو القاعدة في خيار الحيوان. و الأقوى: الثبوت لعموم الأدلة الدالة على ثبوت هذا الخيار في كل حيوان فلو باع غير مستقر الحياة مع العلم بأنه لا يبقى ثلاثة أيام، أو باع حيا من السمك و الجراد، و لا يبقى كذلك احتمل القول بانتفائه لانتفاء موضوعه و بالثبوت مقدار الحياة لأن معنى خيار الحيوان خياره ما دام حيا، فيكون كما إذا مات اتفاقا و بالثبوت إلى الغاية، و خير الثلاثة أوسطها- انتهى. و محل الكلام و الحاجة فيما نحن فيه هو قوله: و دعوى عدم إمكان الخيار للموت ممنوع.
هل يعدّ من المشتري أو من البائع، أو التفصيل بين مستقر الحياة و غيره، أو بين ما كان المشتري سببا للتلف و زهاق روحه و عدمه؟ وجوه في بادئ النظر بل أقوال:
(الأول) ما يظهر من شيخنا العلامة «قده» في كتابه حيث قال: و على كل حال فلا يعدّ زهاق روحه تلفا من البائع قبل القبض لو لم يقبض المشتري، أو في زمان الخيار بعد القبض.
(الثاني) ما يظهر من بعضهم من كون تلفه من البائع، و لعل ذلك هو بعض المشايخ الأورع حسب ما يستفاد من عبارته المذكورة، أعني قوله: و لو لم يفسخ كان تلفه من مال بائعه.
(الثالث) ان كان مستقر الحياة، فتلفه من البائع لأنه القاعدة في خيار الحيوان و ان لم يكن مستقر الحياة فلا خيار التنزيل حيوانيته منزلة العدم، فلا تشمله أدلة خيار الحيوان.
(الرابع) ما يظهر من شيخ الفقهاء في «جواهر» ه. و الوجه في ذلك حصول التلف بطرح المبيع المخرج من الماء مثلا في الجدد فان كان السبب فيه البائع فضمانه عليه، لأنه مع كونه متلفا مقتضى قاعدة خيار الحيوان ضمانه عليه، و ان كان السبب المشتري فيستند التلف إليه، لأنه أتلف بنفسه فيكون هو الأقوى في اسناد الضمان اليه.
و أما الوجه في الثالث: فقد ظهر لك من عدم انصراف أخبار الباب الى غير مستقر الحياة، فكأن المشتري اشترى لحما، فلو تلف بعد القبض فليس على البائع.
و أما الوجه في الثاني: فقد عرفت أيضا من ابتنائه على حصول التلف بالموت، فلا إشكال في بيع الحيوان كون التلف على البائع في الثلاثة.
و أما الوجه في القول الأول: فواضح أيضا لابتنائه على عدم حصول التلف فان الحيوان الذي لا يقصد منه الا لحمه كالسمك و الصيد المرمي بشرائطه الشرعية موته في الثلاثة و عدم موته على السواء في عدم صدق التلف، بل لا تنقص ماليّته أصلا بالموت، فحينئذ لا وجه من عدّه تلفا من البائع. هذا و أنت إذا تأملت في وجوه تلك الأقوال يظهر لك في المقام أنه لا نزاع في البين و ليس كل واحد منها مخالفا للآخر، بل النزاع لفظي، و الاحتمالات و إبداء الوجوه في أصل المسألة صوري، إذ ما ذهب شيخنا العلامة «قده» من قوله: (فلا يعدّ زهاق روحه.
إلخ)، انما هو في المبيع الذي لا يكون موته تلفا كالسمك المخرج من الماء للأكل، و الصيد المرمي و المقصود منهما لحمهما.
و أما الوجوه الثلاثة، فإنما هي مبتنية على حصول التلف، و هو انما يكون فيما عدا هذه الصورة و لا تنافي بين القول الثاني و الرابع من التفصيل إذ المراد من القول الثاني هو بيان كون التلف من حيث هو يعدّ من البائع في خيار الحيوان
و لا ينافي ذلك مع قاعدة التسبيب و الإتلاف عند كون المشتري مباشرا للإتلاف.
و كذلك القول الثالث لأنه مبني على أن غير مستقر الحياة كالجراد و الصيد المرمى لا بد أن يكون المقصود منهما اللحم، فلا يحصل التلف بالموت بخلاف غيره، فالأقوى في النظر حينئذ هو التفصيل في تلك الموارد، فتختلف الأقوال بحسب اختلاف الموارد فيرتفع النزاع.
قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: في منتهى الخيار وجوه. ثم لم ينبه على تفصيله، و لعله إشارة الى ما ذكره بعض المشايخ في كلامه السابق بعد قوله: و الأقوى الثبوت- اي ثبوت الخيار- فلو باغ غير مستقر الحياة مع العلم بأنه لا يبقى ثلاثة. إلخ). حيث يتراءى في النظر بعد تفريع قوله (فلو باع) بقوله (و الأقوى الثبوت) أنه في مقام بيان منتهى الخيار و أن فيه احتمالات ثلاثة: أحدها قوله (احتمل القول بانتفائه لانتفاء موضوعه). و ثانيها: بقاء الخيار ما دام الحياة و ثالثها: بقائه إلى الثلاثة.
فيرد عليه أولا: عدم تغاير الوجه الأول مع الثاني، إذ مقتضى الوجه الثاني بالموت ينتفي موضوع الحيوان فينفي الخيار أيضا، فهذا هو على الوجه الأول حسب ما ذكره من التعليل لقوله (لان معنى خيار الحيوان خياره ما دام حيا).
و ثانيا: قوله (معنى خيار الحيوان خياره ما دام حيا) ليس أمر مسلم، بل المحكي عن شيخنا الشهيد «قده» في (الدروس) ثبوت خيار الحيوان و لو لم يكن الحيوان باقيا إلى الثلاثة، فمع ذلك كيف يجعل ذلك في مقام التعليل، و لو كان المراد من انتفاء الخيار بعد الموت من جهة تلف الحيوان بموته.
فيه: أنه لا اختصاص بالحيوان و لا وجه للتعليل- أعني قوله (لان معنى خيار
الحيوان خياره ما دام حيا) بل ذلك- أي تلف الميت- أمر سائر في جميع الموارد سواء كان حيوانا أو دارا أو غيرهما و حيث تلف المبيع في زمن الخيار ينتفي الخيار لانتفاء الموضوع- أعني العقد- فان المشهور ضمانه على من لا خيار له و هذا لا يطابق على بقائه إلا إذا قلنا ببطلان العقد قبل التلف آنا ما، نعم على قول الشهيد و بعض آخر ثبوت الخيار و لو مع التلف.
و ثالثا: ان قوله (كما إذا مات اتفاقا) مقتضى كونه مشبها به لا بد أن يكون أمرا مسلما، مع أنه لا بيّن و لا مبيّن كما يشهد له المحكي عن «الدروس» و جماعة من غيره و لكن الإنصاف أن قوله (فلو باع) تفريع على أصل المسألة، حيث قال:
(و في غير مستقر الحياة و جهان) فأوضح ذلك في المثال: بأنه لو باع ما لم يبق في الثلاثة فيه وجوه: أحدها: انتفاء الخيار من أصله و رأسه لانتفاء موضوعه، و مدرك ذلك ما أشار إليه بقوله: و الخيار لا يمكن للموت حسبما ذكرنا.
و ثانيها: ثبوت الخيار مع الحياة و انتفائه بانتفائها، كما أشار إليه حسب ما فصلناه.
و ثالثها: ثبوت الخيار إلى الثلاثة، اما لان الموت ليس بتلف في مثل السمك و الجراد، أو أن التلف لا يسقط الخيار، و لو كان التلف في الثلاثة و كان الخيار خيار الحيوان على ما حكي عن «الدروس».
و هاهنا وجه آخر: و هو الفورية، لأن أصل الثبوت بعموم الأدلة، و أما عدم بقائه إلى الثلاثة فلانصراف أخبار التحديد الى غيره، فتدبر.
و كيف كان نقول شرحا لما ذكره شيخنا العلامة «قده»: في منتهى خياره وجوه:
أحدها: ثبوت الخيار الى ما دام الحياة مطلقا، فتكون الغاية هي الموت، فاذا مات يكون التلف على البائع فيبطل العقد من حينه، فانتفى الخيار. و ثانيها:
الى آخر الثلاثة مطلقا. و ثالثها: التفصيل بين غير مستقر الحياة- كمثالي الصيد
بإصابة سهم و بجرح الكلب- و مستقر الحياة، فما كان مستقر الحياة- كالسمك و الجراد في الإناء و خارج الماء- منتهى خياره حصول الغاية ان بقي إلى الثلاثة و الا فعند الموت فيتلف و في غير مستقر الحياة الخيار إلى الثلاثة.
و الوجه في ذلك: أن ثبوت الخيار من جهة حيوانية، و أما موته ليس سببا لحصول التلف فيكون موته كعدمه، لان المفروض و المقصود لحم الصيد المرمي بخلاف المستقر كالسمك و الجراد فحالهما كسائر الحيوانات في سقوط الخيار. هذا كله في الموضوع، و أما الكلام في الحكم:
فنقول: أنه لا اشكال و لا ريب في ثبوت هذا الخيار في الشرع المطهر و أنه إجماعي في الجملة، و انما الكلام في اختصاصه بالمشتري كما هو المشهور و المحكي عن «الشيخين» و «الصدوقين» و «الديلمي» و «القاضي» و «الإسكافي» و غيرهم من معظم المتقدمين و جل المتأخرين، أو ثبوته لهما سواء كان الثمن أيضا حيوانا أم لا، أو التفصيل بين ما كان الثمن و المثمن حيوانين فيثبت الخيار لهما، و بين ما كان المثمن فقط حيوانا دون الثمن فيختص بالمشتري؟ وجوه و أقوال، و الأول منسوب الى المشهور، بل في «الغنية» و «الدروس» الإجماع عليه، و الثاني إلى صريح «المرتضى علم الهدى قده»، و الثالث: منقول عن «قطب الدين» و عن بعض المتأخرين.
كالصلح و الإجارة كخيار الشرط و أضرابه؟
فقد صرح بعض المشايخ: أني لم أجد مصرحا على التعميم، مع أن الأدلة لا تساعد على ثبوته في غير البيع أيضا.
فيه: أن المصرح صاحب «الجواهر» حيث صرح بعدم مجيء خيار الحيوان فيه و صاحب «مفتاح الكرامة» في بحث خيار الحيوان و شيخنا العلامة الأنصاري في
باب المعاطاة و كفى ذلك بالتصريح.
و يمكن أن يقال: ثبوت هذا الخيار في غير البيع أيضا لوجود المقتضي و فقدان المانع، أما وجود المقتضي إطلاقات فتاواهم في الباب و شمول كلماتهم، حيث لا تقييد في عنوان كلماتهم بخصوص البيع، فكما أن خيار الشرط مثلا يعم لغير البيع أيضا، كذلك سوق خيار الحيوان في مساقه مع إطلاق فتاواهم يمكن استظهار العموم مضافا الى إطلاقات بعض الاخبار كما في صحيحة «محمد بن مسلم» (و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام) و ان صاحب الحيوان مطلق، فثبوت الخيار له مطلق، فيعم صورة بيعه و صلحه و غيرهما. أما فقدان المانع: فلعدم شيء صالح للمانعية في المقام.
و كيف كان، للتأمل في تعميم ذلك الخيار مع ما ذكرنا مجال واسع، ثم ان الفاصل في امتياز البائع عن المشتري هو العرف، و لكن صرح بعضهم أن البائع هو الذي لا يعقب المنقول عنه بالباء، و أما المشتري من كان يعقب المنقول عنه بالباء، فكل عوض يكون تاليا للباء فصاحبه مشتري و ما لم يكن تاليا للباء فصاحبه بائع كقوله:
بعت هذا بهذا. و قول المشتري: قبلت هذا بهذا.
و كيف كان، الظاهر أن المسألة ذات أقوال ثلاثة: الموجب هو البائع، و المشتري هو القابل، و ان مصدر الفعل البائع و مصدر الانفعال المشتري، و أن الناقل للجنس هو البائع و ناقل النقد هو المشتري و أن المبادل في هذه هو البائع، و المشتري خلافه و أن البائع من خلي ماله من البائع، و المشتري بخلافه.
و لكن قد يتراءى أن هنا تفصيلا آخر، فتكون الأقوال أربعة: و هو أن يقال:
أن العبرة في الخيار انما هو بالمنتقل إليه، فإن كان حيوانا فصاحبه بالخيار، سواء كان بائعا فقط أو مشتريا أو كليهما، لاختصاص الحيوان بالخيار فتظهر الثمرة بين هذا التفصيل و التفصيل السابق فيما كان الثمن فقط حيوانا دون المثمن، فعلى الأول
ليس للبائع خيار، لان كون الخيار للبائع على التفصيل السابق انما هو على تقدير أن يكون المثمن حيوانا و كان الخيار للمشتري، بمعنى أنه في صورة كون الخيار للمشتري تفصيل في ثبوت الخيار للبائع، في مقابل قول «علم الهدي»:
فإن كان ثمنه حيوانا فله الخيار و الا فلا.
و أما على هذا التفصيل فله الخيار ان كان الثمن حيوانا مطلقا، سواء كان للمشتري أيضا خيار أم لا. فان المناط و الحكمة هو الحيوانية، فكلما يتحقق في كل جانب، ثبت الخيار.
و هذا التفصيل ربما ينسب الى ظاهر «المسالك»، و لكن الذي يقتضيه دقيق النظر: هو عدم التعدد بل التفصيل الأول من فروع ذلك، بمعنى أن قول التفصيل المنتسب إلى «الصيمري» و بعض آخر هو أن العبرة و المناط على الحيوانية فيما انتقل اليه، فيتفرع عليه ثبوت الخيار للبائع أيضا إذا كان الثمن حيوانا، على تقدير أن يكون المثمن أيضا حيوانا و هذا لا ينافي ثبوت الخيار له إذا كان الثمن وحده حيوانا.
ثم ان هنا تناقضا في كلام (المسالك) و هو أنه قد قوى قول «السيد» فقال:
القول بثبوت الخيار للبائع و ان لم يكن الثمن حيوانا، في غاية القوة، تمسكا بإطلاق (البيعان بالخيار) و إطلاق (و صاحب الحيوان بالخيار) حيث يدلان على ثبوت الخيار لهما و لو كان الحيوان في طرف واحد، ثم جزم في آخر كلامه بقوله:
و لو كان الثمن خاصة حيوانا ثبت الخيار للبائع خاصة على الأقوى (انتهى).
و مقتضى تقويته القول الأول: عدم اختصاص الخيار للبائع خاصة فيما كان الثمن وحده حيوانا، بل لازمه ثبوته للمشتري أيضا، و ان لم يكن المبيع حيوانا لاشتراكهما في الدليل، أعني (صاحب الحيوان بالخيار) و قوله (البيعان بالخيار).
و الحاصل: أنه و ان رجع عن قول «السيد» مخافة الإجماع على خلافه، الا أن جزمه و تقويته لثبوت الخيار للبائع خاصة فيما لو كان الثمن خاصة حيوانا يناقض تقويته لثبوت الخيار للبائع أيضا فيما لو كان المثمن خاصة حيوانا، لتساويهما في الاستدلال بالخبر، فان مدرك قول «السيد» كإطلاق (البيعان بالخيار) لا يتفاوت في التعميم بين البائع و المشتري.
و نظير ذلك يرد على ما في «الجواهر» (1)أيضا حيث أورد على قول «السيد» بأن لازمه ثبوت الخيار للمشتري مع عدم كون المبيع حيوانا إذا كان الثمن خاصة مع أنه خلاف الإجماع. (إلخ) إذ فيه ما قلنا: أن لازم قول «السيد» تمسكا بإطلاق الدليل ثبوت الخيار لكليهما، سواء كان الثمن خاصة حيوانا أو المثمن أو كليهما.
و كيف كان فنشرع في أدلة الأقوال، فنقول: يدل على ما ذهب اليه المشهور وجوه:
(الأول) الأصل المؤسس- أعني أصالة اللزوم- و المراد منه هنا استصحاب الملكية لو فسخ البائع بعد الافتراق عن المجلس في ثلاثة أيام أو فيما لم يكن خيار المجلس أصلا.
(الثاني) الإجماع المنقول عن «الغنية» و عن ظاهر «الدروس» بل صريحها.
1) قال في الجواهر ما هذه عبارته: (أريد به- أي بصاحب الحيوان الذي كان في الخبر- الأعم يثبت بكل منهما الخيار متى كان أحد العوضين و هو مما لم يقل به أحد لان من صورة كون الثمن للدار مثلا حيوانا و لا خيار فيها للمشتري قطعا كما ان العدول في الجواب فيهما صريح أو كالصريح في إرادة أحدهما من الصاحب و تخصيصه للبائع فيما إذا كان المبيع حيوانا مما لم يقل به أحد ارادة المشترى منه (انتهى).
(الثالث) العمومات الدالة على لزوم البيع، و الذي يصح أن يستدل بها في المقام هو قوله (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) فإنه يدل بمفهومه على انتفاء الخيار من البيّعين إذا افترقا، فيدل المفهوم على أنه لا خيار للبائع و لا للمشتري إذا افترقا خرج من ذلك العموم خيار المشتري في الحيوان ثلاثة أيام و بقي الباقي تحت العموم، فيثبت قول المشهور لنفي الخيار عن البائع مطلقا، و كذلك قوله تعالى:
(أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و أضرابه. و لكن قد تمسك شيخنا العلامة «قده» بما لا يخلو من اشكال و هو قوله: إذا افترقا وجب البيع. فقال: خرج المشتري و بقي البائع.
فيه: أن الاستدلال به يتوقف على الالتزام بعمومه و عدمه تخصيص زائد بالنسبة إلى بيع الحيوان في حق البائع. فيرد عليه حينئذ: أنه يدل على وجوب البيع حينما حصل الافتراق مطلقا، و لكن المفروض عدم وجوب البيع قطعا فيما كان البيع بيع حيوان، فلو قلنا بثبوت الخيار للبائع أيضا كما كان الخيار للمشتري ليس في ذلك تخصيص زائد حتى يتمسك بالعموم.
و منه: التمسك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فإنه يدل على وجوب الوفاء بكل فرد من أفراد العقود، و قد خرج فرد منه و هو بيع الحيوان، فإنه فرد من العقود، و لكن لا يجب الوفاء في ثلاثة أيام بالنص و الإجماع.
و انما الكلام في أن الخيار للمشتري فقط، أو للبائع أيضا؟ فلو قلنا بأن الخيار ثابت للبائع أيضا لم يلزم منه تخصيص زائد لأنه لا يلزم من القول به مخالفة العموم و تخصيصه، بل العموم مخصص قطعا، فحيث كان بيع الحيوان خارجا عن تحت عموم العقود فلا يشمله حكمها، أعني وجوب الوفاء.
فحينئذ ثبوت الخيار للبائع و عدمه سواء في ذلك- كما هو واضح- خصوصا بملاحظة أن وجوب الوفاء انما مر من جهة لزوم العقد، فاذا لم يكن العقد من العقود اللازمة فأنى ينتزع منه الحكم التكليفي و ليس العنوان في متعلق قوله تعالى
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) البائع و المشتري حتى يقال: خرج المشتري بالدليل و بقي البائع تحت عموم (أَوْفُوا).
ثم ان شيخنا العلامة «قده» التفت هنا إلى إشكال آخر في التمسك بالعموم و هو أنه قد خصص بخيار المجلس قطعا فيستصحب الخيار بعد الافتراق عن المجلس أيضا لأن المقام ليس من التمسك بالعموم بل من مجاري استصحاب حال المخصص، فلذلك الاشكال ساق «قده» الاستدلال بوجه آخر و هو التمسك بعموم الآية الشريفة بالنسبة الى ما ليس فيه خيار المجلس بالأصل أو بالاشتراط ثم يثبت في غيره بعدم القول بالفصل.
هذا حسن لو لم يعارض بمثله بأن يقال فيما كان فيه خيار المجلس ثبوت الخيار للاستصحاب و ثبت في غيره بعدم القول بالفصل.
(الرابع) الأخبار الواردة في الباب و هي طوائف، منها: يختص الاستدلال بها على مذهب المشهور. و منها: تمسك بها من ذهب الى ثبوت الخيار للبائع أيضا. و منها: استدل بها الطرفان في إثبات مقالتهما، فنحن نذكر هنا ما يدل على مذهب المشهور ثم نتعرض الطائفة الأخرى عند التعرض للقول بالثبوت المطلق.
فنقول: ان ما يدل على قول المشهور ظاهر غير واحد من الاخبار:
منها: صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري، قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال:
البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (إلخ).
هذا الخبر الشريف مذكور في «التهذيب» و «الكافي» وصل إلينا بهذا المتن عن الشيخ «قده» و ليس في «الجواهر» و لا في كتب مشايخنا عن غير طرق الشيخ ذكر. و لكن ذكر في «مفتاح الكرامة» صحيحة الفضيل عن طريق آخر بغير هذا المتن عن «فقه الراوندي» بما هو أصرح من طريق الشيخ حيث نص فيه بأنه يكون
الخيار للمشتري خاصة، و لكن اختلاف المتن مع وحدة السند لا يتعقل الا أن يفرض أن «الفضيل» ذكر الرواية الواحدة مرتين للراوي و ضبطه كليهما في كتابه مثلا تجمدا بما سمعه من «الفضيل» أو أن «الفضيل» سمع من الامام عليه السّلام مرتين، أو نقل الراوي أحدهما من قبيل نقل المعنى على ما فهمه من الرواية.
و كيف كان، ليس في أيدينا «فقه الراوندي» و أنه سابق عن الشيخ، و لعل روايته من غير الاخبار المهذبة، فالمعروف عند مشايخنا هو المتن الذي رواه الشيخ. فنحن نتعرض لدلالته تبعا للمشايخ فنقول: تدل هذه الرواية على نفي الخيار عن البائع بوجوه:
أحدها: تعميم السؤال و تخصيص الجواب بخصوص المشتري، و هذا مما أجمع الأصحاب على حجية مفهوم الوصف و اعتبار القيد لأنه لو لم يكن للقيد مفهوم لما كان للتخصيص في الجواب وجه بعد أن كان السؤال عاما، كما إذا سأل الراوي هل في الغنم زكاة؟ فقال الامام عليه السّلام: في الغنم السائمة زكاة. و مفهوم هذا الوصف الواقع في الجواب بعد هذا السؤال عن مطلق الغنم مما أجمع الأصحاب على حجيته، و من أنكر حجية الوصف فهو فيما عدا ذلك.
و ثانيها: تعريف المسند اليه يفيد حصر الشرط على المشترى و نفيه عن البائع، فإن قوله (للمشتري) خبر للشرط المحذوف فيكون المقدر بقرينة السؤال أعني ما اشترط في الحيوان الشرط مع الالف و اللام فيتم الحصر بضميمة قولهم:
المقدر كالمذكور.
و ثالثها: تخصيص خيار الحيوان بالمشتري و في غير الحيوان بالبيّعين، فإنه لو كان في الحيوان أيضا خيار للبائع لما كان للتفكيك وجه، و لتغيير الأسلوب فائدة بل ينبغي أن يقال في الحيوان أيضا: البيعان بالخيار، كما قال في غيره.
و رابعها: ما ذكره شيخنا العلامة «قده» من أن ذكر القيد مع إطلاق الحكم
قبيح إلا لنكتة جلية.
و خامسها: حجية مفهوم الوصف على القول به مطلقا.
و سادسها: ما في «الجواهر» من ظهور ارادة القيد الواقع في السؤال و الجواب، في بيان السؤال كونه بمنزلة ما يذكر في الحدود، فكأنه عليه السّلام في مقام التحديد في بيان خيار الحيوان، فكل قيد كان في مقام التحديد و التعريف لا إشكال في ثبوت المفهوم له و كونه نافيا عما عداه.
و سابعها: ظهور اللام في إفادته للاختصاص.
فظهر لك أنه ليس في كون الرواية ارتياب في كونها كالصريح على نفي الخيار عن البائع.
و قد أورد عليها: بأن ظاهرها خلاف الإجماع، لأن الظاهر من سؤال الراوي عن الشرط في غير الحيوان. و الجواب عنه: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، ثبوت خيار المجلس في غير بيع الحيوان، و عدمه في الحيوان، مع أن كون خيار المجلس- ما لم يفترقا- ثابت في كل البيوع، سواء كان بيع حيوان أو بيع غيره، و لا ريب في ذلك التعميم للنص و الإجماع.
و أجيب عنه: بأن جواب الامام عليه السّلام انما هو من باب تبعية سؤال الراوي حيث أنه لما سأل عن الشرط في غير الحيوان؟ أجاب عنه تبعا لسؤاله أن في غيره (البيعان بالخيار ما لم يفترقا).
و هذا لا يدل على نفي هذا الخيار عن الحيوان أيضا، و لا منافاة بين بيان الحكم في مورد سؤال السائل و بين كونه ثابتا على الإطلاق. و في هذا الجواب ما لا يخفى، لقبح تخصيص الحكم في مورد و تقييده به و لو كان تبعا للسؤال، بل الاولى أن يقال عدم تخصيص الحكم، فان الحكم في جواب الامام مطلق عام شامل لجميع المتبايعين في حيوان أو في غيره، و سؤال الراوي عن بعض لا يوجب
تقييد الحكم و تنزيله مع عموم الحكم و إطلاقه في نفسه، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد- كما هو الحق المحقق- أن المورد لا يصلح أن يكون مخصصا لعموم اللفظ.
و منها: خبر بني أسباط، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري.
و دلالته على نفي الخيار عن البائع و ان لم يكن بمثابة صحيحة «الفضيل» لأنه لم يجتمع فيه جميع ما ذكرنا فيها، الا أن في دلالة تعريف المسند اليه على الحصر و ظهور اللام للاختصاص و كون ذكر القيد مع إطلاق الحكم من دون نكتة جلية كفاية على ثبوت المفهوم و نفي الخيار عما عدا المشتري.
و منها: صحيحة ابن رئاب المروي- في «قرب الاسناد»- قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار، للمشتري أم للبائع، أم لهما كليهما؟ قال عليه السّلام: الخيار لمن اشترى، نظره ثلاثة أيام، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء.
و هذه أصرح من الكل و لا مجال للمناقشة في دلالتها.
و منها: صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السّلام: في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري و هو بالخيار فيها ان شرط فيها أو لم يشترط.
و منها: صحيحة ابن رئاب، عن الصادق عليه السّلام: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، اشترط فيها أم لا.
و منها: خبر علي بن فضال في الموثق عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام يقول: صاحب الحيوان- المشتري- بالخيار ثلاثة أيام.
و هذه الثلاثة أيضا و ان لم يجتمع فيها جميع ما اجتمع في صحيحة الفضيل الا أنه يجيء فيها أيضا أكثر الوجوه المتقدمة فيها على التقريب المذكور.
و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
البيّعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام.
و هذه من الطائفة الأخرى التي استدل بها الخصم أيضا. و لكن يقرب الاستدلال بها عن قيل المشهور أن يقال: أن المراد من قوله (صاحب الحيوان) شخص واحد من البائع أو المشتري بعد ملاحظة تأخره عن قوله (البيعان بالخيار حتى يفترقا) ضرورة أنه لو كان في الحيوان خيار للبائع و المشتري معا لما كان في تفكيكه عن قوله: (البيعان بالخيار) وجه بل الذي ينبغي أن يقال حينئذ:
البيعان بالخيار ما لم يفترقا و في الحيوان ثلاثة أيام. فإسناد الخيار ما لم يفترقا الى البيعين، و اسناد خيار الحيوان الى صاحبه دليل قطعي على أن فيما كان المبيع حيوانا ليس لكليهما- البائع و المشتري- خيار، بل الخيار لواحد منها، فلو كان المراد من الواحد: البائع دون المشتري- في محل الكلام، أعني ما لو كان المثمن فقط حيوانا- لزم خلاف الإجماع لأنه لم يقل أحد من الفقهاء بثبوت الخيار حينئذ للبائع دون المشتري. فيثبت الخيار له في مفروض الكلام و نفي الخيار عن البائع.
و لكن لا يخفى أن هذا انما ينفي الخيار عن البائع في خصوص ما كان المثمن فقط حيوانا، و أما لو كان الثمن أيضا حيوانا فلا ينفى الخيار حينئذ عن البائع كما هو مقضي القول بالتفصيل.
فهذا الخبر حسن في ردّ السيد و لا يبطل القول بالتفصيل بل يصير دليلا على القول بالتفصيل، الا ان ينزّل مورد الغالب، أعني ما يكون الثمن فقط حيوانا لان الغالب في معاملات الناس جعل الحيوان مثمنا.
فعلى هذا، أي بناءا على تنزيل الخبر مورد الغالب و ان لم يكن دليلا على التفصيل و لكنه لا يبطله أيضا بل ساكت عن حال البائع إذا كان الثمن حيوانا
لخروجه عن مورد الغالب. و على كل حال يكفي في إبطال القول بثبوت الخيار للبائع مطلقا كما ذهب اليه علم الهدى «قده».
هذه جملة من الصحاح يدلّ بعضها بالصراحة و بعضها بالظهور على مقالة المشهور من نفي الخيار عن البائع مطلقا، سواء كان الثمن و المثمن حيوانين، أو المثمن فقط حيوانا، أو الثمن فقط. و لكن هذا الإطلاق ليس مطلوبهم لأنه على إطلاقه مخالف لمقصودهم بل مخالف للإجماع، إذ مقتضى الإطلاق نفي الخيار عن البائع و ثبوته للمشتري في صورة الأخير أيضا، أعني ما لو كان الثمن وحده حيوانا مع أنه لم يلتزم أحد منهم بذلك، فلا بد من خروج هذه الصورة عن إطلاق الاخبار و تقييدها بغير هذه الصورة، الا أن ينزّل تلك الاخبار على مورد الغالب، أعني ما كان المثمن فقط حيوانا بل في بعضها نص في ذلك، كالمروي عن «قرب الاسناد» عن رجل اشترى جارية، فالمشتري- بالفتح- هي الجارية، فهذا يفسّر إطلاق سائر الاخبار و يوجب الحمل على مورد الغالب، و لكن بناءا على هذا التنزيل يكون الدليل أخص عن المدّعى، إذ دعوى المشهور في مقابلة السيد ثبوت الخيار للمشتري فقط، و لو كان الثمن حيوانا أيضا.
و هذه الاخبار بناءا على حملها على مورد الغالب تصير من هذه الجهة مسكوتا عنها، فلا ينفي الخيار للبائع إذا كان الثمن حيوانا.
نعم انما يدل على نفيه عنه فيما لم يكن الثمن حيوانا، فيبطل القول بثبوت الخيار للبائع مطلقا، اما بكلا القسمين فلا يثبت، فبمحض الاشكال بتلك الروايات أنها ان حملت على مورد الغالب يكون الدليل أخص من المدعي الذي نسب الى المشهور، و ان بقيت على حالها و إطلاقها فلم يلتزم المشهور على إطلاقها، لعدم التزامهم على ثبوت الخيار للمشتري و لو كان الثمن فقط حيوانا.
هذا و سيتضح لك الحال في علاج ذلك، ثم ان هنا وجوها واهية استدل
بها على مقالة المشهور:
أحدها: ما تمسك به بعض المشايخ، من أنه لو كان للبائع خيار لما كان عليه ضمان، و التالي باطل فالمقدم مثله. أما بطلان التالي: فللنص و الإجماع على أن تلف الحيوان في الأيام الثلاثة على البائع، فهذا يدل على أنه لا خيار للبائع لما قرر عندهم أن التلف و الضمان انما هو على من لا خيار له. أما الملازمة: فلما قرّر عندهم من القاعدة من عدم ضمان بالنسبة الى من له الخيار.
و فيه: أن الملازمة ممنوعة، لأنها اما عقلية، أو شرعية، و الأولى منتفية لأنه لا يمنع العقل ثبوت الضمان على من له الخيار. و الثانية كذلك لأن القاعدة المقررة- أعني عدم الضمان- على من له الخيار، اما من جهة الأصل كأصالة العدم و أصالة البراءة، أو من جهة دليل قائم على نفي الضمان بالنسبة الى من لا خيار له، فعلى الأول: لا إشكال في عدم جريان القاعدة مع قيام النص و الإجماع على أن الضمان على البائع، فيكون الأدلة الدالة على ضمان البائع واردا على الأصل الذي هو المدرك في تلك القاعدة. و على الثاني: فلتحمل تلك الأدلة الدالة على ضمان البائع على تلك الأدلة التي هي المدرك في القاعدة، إذ عدم الضمان على من لا خيار له عام، فيقبل التخصيص، فحيث أن النص الوارد على ضمان البائع خاص غير قابل لتطرّق الاحتمالات الأخر، فيكون مخصصا لها. (فتأمل).
و ثانيها: أن الحكمة في جعل الشارع خيار الحيوان هو اختيار حال الحيوان، و هذا موجود في المشتري دون البائع.
و فيه: مع انه أخص من المدّعي لأنه انما يقتضي انتفاء الخيار عن البائع فيما يكون المثمن فقط حيوانا كما هو الغالب، انه حكمة مستنبطة لا يعتمد عليها و لا يناط بها الأحكام، لان القطعي منها منتف في المقام، و الظني لا يناط به الحكم.
و ثالثها: صحيحة الصفّار- كما سيأتي ذكرها- و محل الشاهد منها في
المقام قوله عليه السّلام (إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء) بتقريب أن إطلاق الحكم منه عليه السّلام بوجوب الشراء يقتضي ثبوته من الجانبين و انتفاء الخيار منهما، و قد قرّر أن تصرف أحد من ذي الخيارين مسقط لخياره خاصة دون الأخر، و المفروض كون التصرف من أحدهما، فيعلم من ذلك أن المراد من وجوب الشراء الأعم من الوجوب الحادث بالتصرف- كما هو الحال عن المشتري- و الوجوب الثابت من جهة انتفاء الخيار رأسا كما هو الحال من البائع، إذ إطلاق وجوب الشراء يقتضي انتفاء الخيار منهما، سواء كان قبل التصرف أو بعده، و حيث كان تصرف أحدهما لا يوجب وجوب الشراء من جهة الأخر تعيّن من البائع أنه واجب من قبله قبل التصرف أيضا.
و فيه: أن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط و مقتضى ما ذكر من القاعدة المقررة من أن تصرف أحدهما لا يصير سببا للوجوب من جهة الأخر هو كون المراد من وجوب الشراء انما هو من جهة المشتري، فيصلح ذلك لان يكون قرينة لتقييد وجوب الشراء في جانب المشتري. مضافا الى كون اللام للعهد، و أنه مسبوق إلى سؤال الراوي عن وجوب الشراء و جوازه من جانب المشتري، و أما القول بثبوت الخيار لهما كما هو المحكي عن «علم الهدى» و «ابن طاوس» و قوّاه الشهيد الثاني في «المسالك» بحسب الدليل، فقد استدل له بوجوه:
أحدها: الأصل، أعني استصحاب الجواز من الطرفين بعد افتراقهما عن المجلس.
و ثانيها: الإجماع المنقول عن السيد.
و ثالثها: الأخبار الواردة في ثبوت الخيار للمتبايعين، كصحيح محمد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و ما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا) و صحيحته الأخرى، عنه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
(البيّعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام).
حيث يدل على ثبوت الخيار لصاحب الحيوان، كصحيحة زرارة سواء كان اتصاف المتبايعين لصاحب الحيوان قبل العقد أو بعد العقد. و هذا انما يتم على القول بأن المشتق حقيقة فيما تلبّس بالمبدإ، سواء كان انقضى زمان التلبس كالبائع، أو كان زمان التلبّس حال النسبة و النطق كالمشتري. و أجيب عن تلك الوجوه:
أما عن الأصل: بأنه مبني على اعتبار استصحاب الكلي الذي لا نقول به في أمثال المقام، لأنه مما كان الشك في تبدل فرد بفرد آخر. فالجواز الثابت قبل التفرق من جهة خيار المجلس لا يجوز إجرائه فيما بعد التفرق من جهة إثبات خيار الحيوان.
و أما عن الإجماع: فإنه معارض بإجماع «الغنية» و «الدروس» و بأنه موهون لانفراد السيد «قده» بذلك القول حيث لم يسبقه- مما علمنا- أحد من العلماء موافقة في هذا القول، و لا يلحقه به أيضا عدا محتمل ابن طاوس «قده»، و مع ذلك كيف يمكن دعوى الإجماع مع مخالفة المشهور و عدم وجدان قائل بهذا القول غيره «قده».
و أما عن الاخبار: أما عن رواية (صاحب الحيوان): فلوجوب حمله على المشتري اعتمادا على تقييد صاحب الحيوان بالمشتري في موثق ابن فضال، فيكون ذلك هو المعتمد اما تفسيرا أو تخصيصا، بملاحظة أن بعض الاخبار يفسر بعضه بعضا، أو يخصص عامه بخاصة و مطلقة بمقيّدة. و أما عن صحيحة محمد بن مسلم: فلمعارضتها لصحيحة ابن رئاب المحكية عن «قرب الاسناد» المصرّحة على نفى الخيار عن البائع، و لصحاح الأخر التي سبق ذكرها.
و لا ريب عدم تكافؤ الصحيحة مع تلك الصحاح على كثرتها لوجوب الأخذ على تلك الصحاح التي استدل بها المشهور بوجوه من الاعتبارات بملاحظة أنها
أكثر و موافقة للشهرة المحققة، و قصور رواية محمد بن مسلم عن المعارضة لتطرّق احتمال كون محمد بن مسلم في تلك الرواية غير ما هو المعروف المشهور الاشتراك غيره من مجهول الحال معه في الاسم و لاحتمال ارادة الخيار فيه للمشتري و على البائع.
فعلى هذا يستند الخيار الى المتبايعين بأن يكون الخيار لهما على وجه كونه للمشتري و على البائع أو على وجه ثبوت الخيار لهما باعتبار المجموع الصادق بالمشتري خاصة.
و أيضا لو أغمضنا عن كل ذلك و قلنا بتكافؤهما، فقد قال شيخنا العلامة «قده» في مكاسبه: أن المرجع بعد التكافؤ عموم أدلة لزوم العقد بالافتراق، و المتيقن خروج المشتري فيثبت قول المشهور، فنفي الريب في ضعف هذا القول.
هذا و الإنصاف عدم استقامة تلك الأجوبة للرد عن دليل السيد «قده» فان القول بمعارضة نقل إجماعه بإجماع «الغنية» مدفوع بأن إجماع «الغنية» موهون كسائر إجماعاته.
نعم نقل الإجماع في «الدروس» يصح الاعتماد عليه، و لكنه في خصوص المقام موهون لما حكي عن الشهيد عدوله و توقفه في ذلك، فإنه لو كان الإجماع محققا عنه لما كان لعدوله و توقفه عن مذهب المشهور سبيل.
و أما عدم موافقة أحد ممن سبق عن السيد و لحق عنه في ذلك القول لا يجدي في جواب السيد، لأنه انما ادعى الإجماع في زمانه و ليس في ذلك الزمان مخالف له و هذا يكفي في ثبوت الإجماع لكفاية تحققه في زمان عصره فيكون المخالف محجوجا به حينئذ. و كذلك الجواب عن رواية محمد بن مسلم بابتلائه بالمعارض مدفوع بأن حديث «قرب الاسناد» و ان كان أصرح بحسب الدلالة و لكنه لا يصلح للمعارضة مع رواية محمد بن مسلم، لأنه أرجح بحسب
السند كما صرحوا بترجيح روايته على غيره من الثقات فضلا عن مثل رواية «قرب الاسناد» الذي ليس بمعتمد عند الأصحاب.
و أما الصحاح الأخر فإنها و ان كانت مكافئة بحسب السند الا أن دلالتها بحسب المفهوم و دلالة رواية محمد بن مسلم بحسب المنطوق و المفهوم لكونه أضعف لا يصلح للتكافؤ مع المنطوق و لا يجبر ضعف دلالة تلك الصحاح بأكثريتها، لما قرر أن الأظهرية في الدلالة متقدمة في باب الترجيح على الأكثرية، فلا يضر أكثرية تلك الصحاح مرجحة، كما أنه لا يمكن كون مضمونها موافقا للشهرة الفتوائية مرجحا أيضا لما قرر أن الشهرة لا تصلح للترجيح خصوصا في مقابل السيد مع دعواه الإجماع.
و أما تطرق الاحتمالات في رواية محمد بن مسلم مما لا ينبغي الإصغاء إليها لبعدها فلا يرفع اليد عن ظهور الرواية: و أما ما في مطلب الشيخ بأنه بعد التكافؤ يكون المرجع عموم أدلة لزوم العقد فينتفي قول السيد.
فيه: ان المرجع بعد تكافؤ طائفتين من الاخبار و تعارضهما هو التخيير، كما يدل على ذلك أخبار التخير لا عموم أدلة اللزوم كما هو واضح. فحينئذ لا يصير جوابا عن السيد، اذله اختيار رواية محمد بن مسلم و أخذه دون الصحاح الأخر المعارضة لها.
فالتحقيق في الجواب عنه- دفعا لمقالته- أن يقال: أن رواية محمد بن مسلم الدالة على ثبوت الخيار للمتبايعين لها أفراد ثلاثة: أحدها: أن يكون الثمن و المثمن كلاهما حيوانا. و ثانيها: أن الثمن وحده حيوانا. و ثالثها: أن يكون المثمن حيوانا. فتدل بإطلاقها على ثبوت الخيار للبائع في جميع الثلاثة، و لكن دخول الأول في مدلول إطلاقها أظهر بالنسبة إلى الأخيرين. فيصير القدر المتيقن من ثبوت الخيار للبائع من تلك الصحيحة هو ما كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا.
و أما الصحاح المذكورة الدالة على اختصاص الخيار للمشتري فدلالتها في الصورة الأخيرة- أعني ما لو كان المثمن وحده حيوانا- أظهر، فتصير هذه الصورة
هي القدر المتيقن من تلك الصحاح.
و من القاعدة المقررة: أن الخبرين إذا تعارضا و كان أحدهما أظهر في فرد و ظاهر في فرد آخر و الأخر عكس ذلك، بأن يكون أظهر في ظاهر الأخر و ظاهر في أظهره، فمقتضى الجمع أخذ أظهريهما و طرح ظاهر كل منهما بأظهر الأخر و كذلك في المقام، بأن يؤخذ أظهر صحيحة محمد بن مسلم- أعني صورة ما كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا- و يطرح ظاهرها بأظهر الصحاح، فيؤخذ ما هو أظهر من تلك الصحاح- أعني صورة ما كان المثمن وحده حيوانا- و يطرح ظاهرها بأظهر الصحيحة فينتج حينئذ طرح الصورتين الأخريين من إطلاق الصحيحة بما هو القدر المتيقن من الصحاح المذكورة، فيصير الحاصل حينئذ ثبوت الخيار للمشتري خاصة إذا كان المثمن خاصة حيوانا.
و هذا يكفي في دفع مقالة السيد «قده» و الجواب عنه، حيث أنه ذهب الى ثبوت الخيار للبائع مطلقا في جميع الصور الثلاثة، فيحمل الصحاح على مورد الغالب- أعنى ما كان المثمن حيوانا- و يخصص بها تلك الصحيحة لعدم جواز حملها على مورد الغالب لأنه خلاف الظاهر و خلاف القدر المتيقن من إطلاقها.
هذا تمام الكلام في مقالة السيد. و أما الكلام في القول بالتفصيل بأن يكون المدار في ثبوت الخيار على الحيوانية سواء كان بائعا أو مشتريا، فتكون العبرة بما انتقل إليه، فإن كان الذي انتقل اليه الحيوان بائعا فله الخيار، أو مشتريا فقط فله الخيار فقط، أو كليهما فلهما الخيار.
و الدليل على ذلك: صحيحة محمد بن مسلم (المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام) بتقريب أن يقال: أن المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدإ، فيصدق على البائع لو كان الثمن وحده حيوانا، و على المشتري لو كان المثمن وحده حيوانا، و عليهما لو كانا حيوانين. و لا ينافيه تقييد صاحب
الحيوان بالمشتري في موثقة ابن فضال، لورود التقييد مورد الغالب، أو الغالب كون صاحب الحيوان مشتريا، فاذا ورد القيد مورد الغالب لم يكن له المفهوم ك (و ربائبكم اللاتي في حجوركم). فان قلت: كما يحمل تقييد صاحب الحيوان بالمشتري- في الموثقة- على مورد الغالب، كذلك يمكن تنزيل إطلاق صاحب الحيوان- الذي في صحيحة محمد بن مسلم- على مورد الغالب، فيكون مفاد كليهما واحدا، و يثبت قول المشهور.
قلت: ان الغلبة قد تكون بحيث توجب تنزيل التقييد عليهما و لكن لا توجب تنزيل الإطلاق عليهما لتفاوت الغلبتين، لأن الغلبة التي توجب الانصراف و حمل المطلق على الإفراد الشائعة، لا بد أن تكون أقوى من الغلبة التي توجب تنزيل التقييد عليهما، فالغلبة في المقام انما بلغت مرتبة توجب حمل التقييد عليه و لكنها لم تبلغ مرتبة توجب الانصراف حتى يوجب خروج غير الغالب عن الإطلاق. و الفرق بين المقامين واضح كما هو المقرر في الأصول، إذ دلالة التقييد على المفهوم دلالة مفهومية ناشئة من لزوم اللغوية و العري عن الفائدة فيسقط بمجرد الفائدة. و لو كانت من جهة الغلبة- بخلاف الإطلاق- فإنه لا يجوز رفع اليد عن مقتضى الوضع و الإطلاق ما لم تبلغ مرتبة الانصراف و الظهور لا بد من بلوغ الغلبة فيه دون بلوغ النقل و الهجر كما لا يخفى.
فحينئذ لا محيص عن وجوب أخذ إطلاق صاحب الحيوان الذي في صحيحة محمد بن مسلم، لصحة السند و عدم مناقشة أخرى في دلالتها فيؤخذ بإطلاقها مؤيدا بأمور أخر:
منها: التعبير بصاحب الحيوان فإنه كما لا إشكال في دلالته على نفي الخيار عن البائع و المشتري معا كخيار المجلس- حسب ما اختاره السيد «قده»- لأنه لو كان الأمر كذلك لما عدل عن المتبايعين بهذا العنوان. فتعبيره عليه السّلام بعد قوله:
(المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا) بكلمة (صاحب الحيوان) في خيار الحيوان دليل على
أن خيار الحيوان ليس كخيار المجلس في ثبوته للبائع و المشتري.
و كذلك يدل على أن المراد به ليس هو خصوص المشتري- كما عليه المشهور- لأنه لو كان المراد به المشتري خاصة لكان التعبير عنه به لغوا بلا فائدة بل موهما لخلاف المقصود. فالعدول عن المشتري بصاحب الحيوان دليل على أن المناط هو هذا العنوان، فهو قد يصدق على المشتري و قد يصدق على البائع و قد يصدق على كليهما.
و منها: اسناد الحكم على هذا العنوان مشعر لكونه هو المدار و العلة في ثبوته، فيدور مداره كقولنا (أكرم العالم)، فان تعليق الحكم على الوصف مشعر بعليته بأخذ اشتقاقه.
و منها: العلة المستنبطة و هي الاطلاع على حال الحيوان من الأمور الخفية، فحيث كان ذلك سببا لتشريع الخيار فيثبت للبائع أيضا إذا كان صاحبا للحيوان، كما إذا كان الثمن حيوانا.
و كيف كان هذه أمور معتضدة للتمسك بإطلاق صاحب الحيوان على إثبات القول بالتفصيل، فيبعد حينئذ القول بأن المراد منه هو خصوص المشتري من جهة موثقة ابن فضال أو من جهة القول بانصراف إطلاقه على المورد الغالب، لما عرفت من عدم صلاحية الموثقة للقرينة لفرض القيد ورود مورد الغالب، و لعدم بلوغ الغلبة مرتبة يوجب لانصراف الإطلاق و رفع اليه عنه.
فالأقوى في النظر: هو العمل بإطلاق ذلك و الأخذ به، و لعل بذلك يلتئم الجمع بين الاخبار و لا ينافيه شيء من تلك الصحاح المذكورة مدركا لمذهب المشهور و لمذهب السيد «قده» لحمل الصحاح المذكورة على مورد الغالب- أعني ما يكون المثمن فقط حيوانا- و أما صحيحة محمد بن مسلم- أعني قوله عليه السّلام (المتبايعان بالخيار)- فيحمل على ما كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا،
فينطبق على كل منهما هذا العنوان- أعني عنوان صاحب الحيوان- و ان أبيت عن ذلك كله و قلت بانصراف إطلاق صاحب الحيوان على المشتري.
فنقول: أنه يكفي في إثبات الخيار لصاحب الحيوان التمسك بصحيحة محمد بن مسلم- أعني (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام)- بتقريب أن يقال: أن مقتضى الجمع بينها و بين الصحاح الأخر الدالة على اختصاص الخيار للمشتري بحملها على مورد الغالب و حمل هذه الصحيحة على ما إذا كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا، و القول بأنه يحتاج الى شاهد الجمع، و هو منتف في المقام مدفوع بأنه ربما يكون الخبران المتعارضان إذا كان صدورهما قطعيا و كان لهما محمل معين يؤخذ به من دون التماس شاهد الجمع، كما لو صدر عن الامام عليه السّلام: (أكرم العلماء و لا تكرم العلماء) و كان الظاهر من الأول العدول و من الثاني الفساق، فيحمل عليه من دون شاهد الجمع.
و كذلك في المقام، حيث أن سند هذه الصحيحة و اسناد الصحاح الأخر لا مناقشة فيها، فبعد ما كلفنا بتعبد صدورها فلا بد من الجمع بينها بحملها على المحمل المعين الظاهر منهما و هو حمل الصحاح على المورد الغالب و حمل الصحيحة على ما كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا، فنقول: بعد ما كان مقتضى الصحيحة ثبوت الخيار للبائع و المشتري إذا كان الثمن و المثمن كلاهما حيوانا، لا إشكال في ثبوت الخيار للمشتري لكونه مشتريا، و انتقل اليه الحيوان، و أما ثبوته للبائع: فإن كان من جهة عنوان كونه بائعا فيلزم أن يكون له الخيار أيضا و ان لم يكن الثمن حيوانا، و هر خلاف الغرض و المقصود. فانحصر القول بأن ثبوت الخيار له حينئذ من جهة عنوان كونه صاحب الحيوان، فيتجه القول بالتفصيل و يثبت الخيار لهذا العنوان فيكون المدار على من انتقل اليه الحيوان ثمنا أو مثمنا.
فالأقوى حينئذ هو القول بالتفصيل كما قواه في «المسالك» و نسب إلى الصيمري
و اختاره جماعة من الفقهاء كما حكي عن «الحدائق» و الكاشاني و العلامة «قده».
هذا تمام الكلام في خيار الحيوان، و الظاهر عدم الفرق بين الأمة و غيرها في كون الخيار ثلاثة أيام، لما نطقت به الاخبار بل في بعض الاخبار صراحة بذلك بل مورد حديث «قرب الاسناد» خصوص الأمة، فقال عليه السّلام (الخيار لمن اشترى نظر ثلاثة أيام) و دعوى الإجماع كما عن الحلبي و «الغنية»- من كون خيار الأمة مدة استبرائها- اجتهاد في مقابل النص، و ربما نسب هذا إلى «المقنعة» و «النهاية» و «المراسم». فلا أظن أن مرادهم من كون الخيار في مدة الاستبراء هو خيار الحيوان، لعدم الدليل على ذلك، و حكمهم بضمان البائع لعله من جهة كونها في ذلك الزمان في عرضة العيب، فإن أرادوا منه خيار الحيوان لأنه يظهر في مدة استبرائها فله وجه و ان كان المحكي عن «الغنية» آبيا عن ذلك، و ان أرادوا منه خيار الحيوان كما تساعد عليه عبارة «الغنية» فهو مردود عليهم بالنص و الإجماع المحكي.
اختلفوا في مبدأ ذلك الخيار، هل هو من حين العقد، أو من حين التفرق؟
و الأول منسوب الى المشهور. و الثاني محكي عن ابن زهرة و الشيخ و الحلي «قده». و تظهر الثمرة في ما بعد ثلاثة أيام لو لم يتفرقا عن المجلس. فان قلنا بالأول، سقط خيار الحيوان، فلو تفرقا عن المجلس بعد الثلاثة سقط خيار المجلس و الا فخيار المجلس باق. و ان قلنا بالثاني، سقط خيار المجلس بالافتراق بعد ثلاثة أيام و ثبت لهما خيار الحيوان ثلاثة أيام أخر.
و أدلة المشهور هي ظواهر الاخبار و النصوص، لتبادر الاتصال من النصوص،
و انه كخيار المجلس في البداية من حين العقد، بل لو كان ابتداء ثلاثة أيام غير حين العقد و البيع لكان إطلاق هذا القول- أعني ثلاثة أيام للمشتري- قبيحا، للزوم تقييد الثلاثة أيام ببعد الافتراق أو بعد ساعة أو يوم، و هكذا.
و كيف كان لا اشكال و لا ارتياب في ظواهر النصوص، و هي تكفي في الحجة و الاعتماد. و لكن استدل للقول الثاني بوجوه:
الأول و الثاني: الأصلين، أحدهما: وجودي، و الأخر: عدمي، و الأول:
كأصالة عدم ارتفاعه بانقضائه بعد ثلاثة أيام من حين العقد فيما لم يفترقا من حين العقد، و هو استصحاب وجودي، لأنه عبارة عن استصحاب بقاء الخيار الى انقضاء ثلاثة أيام بعد التفرق، و الثاني أصالة عدم حدوث خيار الحيوان قبل التفرق عن المجلس.
الثالث: لو كان الخيار من حين العقد لكان تأكيدا الخيار المجلسي، و لو كان من حين التفرق لكان تأسيسا. و التأسيس أولى من التأكيد.
الرابع: لو كان خيار الحيوان قبل انقضاء المجلس أيضا للزم اجتماع السببين في مسبب واحد.
الخامس: لزوم اجتماع المثلين.
و هذه وجوه ذكروها، و الجواب عنها واضح مضافا الى النقض بما لو اجتمع خيار المجلس و العيب، و الرؤية في عقد واحد- على اعتراف الخصم- أما عن الأصلين فلأنهما منقطعان بظواهر النصوص مضافا الى أن الثاني منهما أصل مثبت لا نقول به، و عن الثالث: أن ثبوت الخيار بعد التفرق خلاف وضع العقد مع أن لزوم التأسيس غير لازم. و عن الرابع و الخامس: بأن الخيار واحد مختلف بالاعتبار، فلا يجتمع المثلان، و فائدته حينئذ البقاء بأحد الاعتبارين مع سقوط الأخر و أن الأسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات، فلا استحالة في اجتماعها،
و لكن في ذلك الجواب تأمل، إذ لو كان الخيار واحدا لكان اللازم كون خيار المجلس و الحيوان سواء في الثبوت و السقوط مع أنه ليس كذلك، و كذلك بناءا على كون الأسباب الشرعية معرفات يكون اللازم حينئذ أن يكون السبب الواقعي واحدا، و هو يكشف عن كون المسبب واحدا مع أنه ليس كذلك للاختلاف في السقوط و البقاء، بل الاولى أن يقال أن الخيارين مختلفان بالماهية، فلا بأس بالتعدد.
هذا و قد أجاب و استدل شيخنا العلامة «قده» بوجه آخر لم يسبقه ممن سلف من العلماء على ما رأينا و هو ما ثبت بالنص و الإجماع: ان تلف الحيوان في الثلاثة من البائع مع ملاحظة قاعدة أخرى مجمع عليها أيضا: أن التلف في الخيار المشترك من المشتري و مقتضى الجمع بينهما أن يكون بعد الخيار من حين التفرق، إذا لو كان قبل التفرق جزءا من الثلاثة لزم ان يكون التلف من المشتري لكون الخيار قبل التفرق خيار مشترك بينهما، مع أن الثابت بالنص- حسب ما سيجيء ذكره- أن تلف الحيوان في ثلاثة أيام من البائع، فلا بد من الجمع بين القاعدتين بأن يقال بابتداء الثلاثة من حين التفرق.
و لكن أجاب عن ذلك في مكاسبه بما لا يخلو عن نظر و هو: أن أدلة التلف محمولة على الغالب بأن يكون المراد من التلف الذي على البائع التلف الذي كان بعد المجلس، لان الغالب من تلف الحيوان كونه بعد التفرق لا حين العقد و قبل الافتراق، فيكون قاعدة كون التلف في خيار المشترك على المشتري على حالها من دون لزوم التخصيص فلا ينافي حينئذ مع كون التلف للمشتري ثبوت خيار الحيوان من ابتداء العقد بعد حمل تلفه على البائع على التلف الذي حصل فيما بعد التفرق كما هو الغالب.
و فيه: ان رفع اليد عن إطلاق النصوص التي دلت على أن التلف- في الثلاثة-
على البائع ليس أولى من الالتزام بتلك القاعدة أعني كون الخيار على المشتري في الخيار المشترك، بل الالتزام بالعكس أولى، لأن الغلبة لم تبلغ مرتبة توجب الانصراف و رفع اليد عن الإطلاق. فبعد لزوم الأخذ بظواهر تلك النصوص و إطلاقها نقول: ان تلك القاعدة انما هي من جهة الأصل، لأن الأصل: أن تلف كل مال على صاحبه و لا يعارض الأصل مع الإطلاق، فنلتزم بظواهر تلك النصوص على مخالفة الأصل، فإنها غير عزيزة، و لو سلمنا كونها قاعدة مسلمة ناشئة من الإجماع نلتزم بتخصيصها في المقام.
فان قلت: الأمر دائر بين التخصيص و التخصص، إذ لو حملت تلك النصوص على الغالب فلا يلزم تخصيص تلك القاعدة، كما ذكره الشيخ «قده» و لا ريب أن القول بالتخصيص و عدم التزام التخصص أولى مهما أمكن.
قلت: يرجع الأمر- بالآخرة- بناءا على التخصص و إبقاء القاعدة على حالها الى رفع اليد عن ظواهر الأخبار التي دلّت على أن خيار الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، فإنها ظاهرة حينئذ في كون مبدأها من حين العقد لتبادر الاتصال فيها، و لا ريب أن الالتزام بالتخصص أهون بمراتب عن الالتزام بخلاف الظاهر الذي ظهوره فوق ظهور العام في عمومه، فان الارتكاب بمثل خلاف هذا الظاهر في غاية الوهن و الركاكة كما هو واضح.
و كيف كان قال شيخنا العلامة «دام ظله»: مع ذلك في المسألة وجهان من ظهور الاخبار في كون مبدأ الثلاثة من حين العقد و أنه كخيار المجلس و من ملاحظة تلك القاعدة المستلزمة لأن يكون مبدأه بعد انقضاء التفرق. فللتأمل فيه مجال، فتأمل.
ثم على القول المشهور فهل العبرة من حين العقد و زمان مجرد الصيغة كعقد الفضولي على القول بكون الإجارة ناقلة، أو من حين حصول الملك؟ و انما عبّر
بذلك بالعقد للغلبة، وجهان بل قولان، و يدل على الأول ما ذكره في خيار المجلس من جريانه في الصرف أيضا قبل القبض، و هذا مبني على دخول الخيار في العقود الجائزة أيضا.
و فيه: أنه لا فائدة في دخول الخيار في العقود الجائزة، لأنه يصير لغوا فبعد أنهم لا يقولون بدخول الخيار في العقود الجائزة كيف يمكن أن يقال بدخوله في الفضولي أو في الصرف قبل القبض.
فالتحقيق أن يقال: أن المناط في المسألة هو توجه خطاب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فقد يكون توجهه على الشخص من حين العقد بمجرد الصيغة كما إذا كان المتقاعدان أصليين فيكون المبدأ من حينه و قد يكون توجهه بعد العقد من حين الملك فضوليين بناءا على النقل، فلو فرض كون أحدهما أصيلا و الأخر فضوليا، فبناء على القول بالكشف لا ريب في كون العقد من قبل الأصيل لازما يتوجه الخطاب اليه فيكون مبدأ الخيار في حقه من حين العقد و ان كان من قبل الفضولي جائزا.
و أما بناءا على النقل فان قلنا بأنه ليس يجب على الأصيل الوفاء إذا كان طرفه الأخر فضوليا فلا ريب في ثبوت الخيار بعد الإجازة لعدم توجه الخطاب قبلها و لو على الأصيل.
و أما ان قلنا بأنه يجب الوفاء على الأصيل- و ان قلنا بأن الإجارة ناقلة أيضا- فيتوجه خطاب (أَوْفُوا) إليه، فيدخل الخيار حين العقد، إذ الخيار انما هو يكون في عقد لازم، و المفروض لزومه من قبله فلا مانع من مجيء الخيار في حقه، فالقول بأن مبدأه في زمان الملك مطلقا ممنوع.
قال في «الجواهر»: كما أن من المعلوم ابتدائه في الفضولي من حين الإجازة بناءا على النقل، أما على الكشف فان كانت بعد الثلاثة سقط و الا ثبت فيما بقي منها. إلخ.
و مما ذكر يعرف أن المدار ليس على العقد و لا على الملك إذ الخيار هو السلطة على إمضاء العقد و إزالته، فهذا انما يتصور فيما لو كان العقد مما يجب الوفاء به لو لا الخيار فلا يتحقق فيما كان العقد جائزا، بل بمجرد العقد إذا كان يجب الوفاء يتحقق الخيار و ان لم يحصل الملكية. و نقل شيخنا العلامة «قده» عن بعض المعاصرين- الظاهر أنه الفاضل التستري الشيخ أسد اللّه- أنه قال: فعلى هذا لو أسلم حيوانا و قلنا بثبوت الخيار لصاحب الحيوان و ان كان بائعا، كان مبدأه بعد القبض. و تمثيله بما ذكر مبني على اختصاص الخيار بالحيوان المعين إذ مفروض مثاله ما لو كان الثمن حيوانا و انما مثل لذلك لأنه لو كان المثمن حيوانا في السلم لكان كليا و قد تقدم من شيخنا العلامة «قده» التردد فيه.
و فيه: نوع غموض و اشكال، كما أن هذا الإشكال يجري في تحديدات الأيام و الشهور بل السنين، كثلاثة أيام في الحيض، و العشرة في المقيم، و الثلاثين في المتردد.
و تحقيق ذلك يتوقف على تنقيح معنى اليوم في وضعه الأفرادي و فيما كان في الهيئة التركيبية كما كان معدودة بالاعداد، ثم بيان حال التلفيق.
فنقول: لا إشكال في أن اليوم حقيقة: فيما بين الطلوع و الغروب بأن يكون الليل خارجا عن مفهومه. و اما الاختلاف في أن بين الطلوعين داخل في مفهومه لغة أو شرعا فلا ربط بهذا النزاع، فلعل معنى البوم- كما نشير اليه- له معنى واحد، و انما الاختلاف في يوم الإجازة و التراوح و الصوم انما يحصل من القرائن الحالية و المقالية.
و على كل حال إطلاقه في المذكورات خال عن اندراج الليل في مفهومه، فلو أطلق اليوم في خصوص الليل كما ورد في بعض الأدعية يصير مجازا. و أما لو أطلق في تمام أربعة عشرين ساعة من اليوم و الليل مجموعا، فإنما يكون من باب المجاز أو من باب المشترك اللفظي و لكن القول بالاشتراك اللفظي غير معلوم، مع أن المجاز أولى من الاشتراك عند الدوران. و أما دخول الليل فيما كان مدخولا للعدد- لو قلنا به- لا يخلو من الالتزام بأحد أمرين: الوضع الجديد في الهيئة التركيبة أو من باب كون الهيئة التركيبية قرينة صارفة أو معيّنة ان قلنا بالاشتراك.
و كيف كان في مثل المقام- أعني ثبوت الخيار للمشتري ثلاثة أيام، فيه قولان:
أحدهما: خروج الليالي عن مفهومها، فليس داخلا فيه لا حقيقة و لا مجازا، و انما يدخل الليل كالليلتين المتوسطين من جهة ظهور المقام في الاستمرار، فان الخيار حين ما تحقق مستمر من ابتدائه إلى غايته الشرعية.
و ثانيها: دخولها في مفهومها بأن يكون جزء للمستعمل فيه فتظهر الثمرة في الليلة الثالثة.
و على الأول ليس في الليلة الثالثة خيار، لأنه إنما يستدام في الأيام الثلاثة و المفروض أنها قد انقضت بغروب اليوم الثالث.
و على الثاني، تدخل تلك الليلة الثالثة أيضا فيبقى الخيار فيها أيضا و الا لزم تخلف مفردات الجمع في استعمال واحد و هو لا يجوز الا على القول باستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد كما هو المحكي عن صاحب «المعالم» في الغلبة و الجمع. و ربما استدل للقول الثاني بوجهين:
أحدهما: أن يقال: بثبوت الوضع الجديد لهذا التركيب و أمثاله، كما قيل في المفرد المحلى باللام، فان اليوم و ان كان موضوعا في حال الانفراد لما خارج
الليل، الا أنه في مثل ثلاثة أيام و أشباهها وضع أيضا في مجموع اليوم و الليلة، فيكون للهيئة التركيبيّة معنيان و ظهور العدد في دخول الليل قرينة معيّنة في المقام.
و ثانيهما: أنه مستعمل في الهيئة التركيبية في تمام أربعة و عشرين و لكن على سبيل المجاز، فالقرينة حينئذ قرينة صارفة لو قلنا بأن اليوم ليس بموضوع لليل في حال الإفراد و لا في حال التركيب و أما بناءا على التزام وضعه في حال الإفراد مع الليلية أيضا، فتكون القرينة معيّنة.
و لكن هذا القول ليس بمقبول عند مشايخنا. و الاستدلال بما ذكر أيضا ليس بتمام لأنه انما هو في مقابل أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم التجوّز، و ظهور الهيئة التركيبية في دخول الليل ليس من جهة استعمال الأيام في لياليها أيضا حتى يكون من قبيل المجاز أو الاشتراك فلا يصلح ذلك الظهور للقرينة المعينة و لا الصارفة، بل الظهور انما هو ناش من استمرار الخيار المستفاد من الخارج، حيث أن من المعلوم في الشرع ان العقد لم يكن في ساعة لازما و في ساعة أخرى جائزا لسبب خيار الحيوان. بل انما الثابت هو تقرر الخيار من ابتداء العقد الى انقضاء ثلاثة أيام، فدخول الليلتين المتوسطتين ليس من جهة دخولها في مفهومه كما أن دخول الليلة الأولى إذا وقع العقد في أولها أو وسطها ليس من جهة ذلك، بل من جهة تبادر اتصال الخيار مع العقد كما هو واضح.
و أما الكلام في التلفيق كما لو وقع العقد في أثناء النهار، فهل يحتسب ذلك اليوم الذي وقع العقد في أثنائه يوما و يضاف إليه يومان آخران مطلقا أو فيما مضى منه بقدر ما يتسامح عرفا أو لا يحتسب ذلك أصلا، بل لا بد من مضي ثلاثة أيام كاملة بعد ذلك أو يلفّق بأن يحتسب مقدار الباقي منه و مقدار الفائت من اليوم الرابع أو من ليلته؟ وجوه و احتمالات خمسة، و الأول منها لم نجد له قائلًا و ان
ذكره بعض احتمالا في المسألة و وجهه صدق اليوم عليه عرفا، سواء مضى منه قدر يسير يتسامح عرفا أم لا.
و فيه: أن اليوم ظاهر في اليوم الكامل التام و نصف اليوم أو ثلثه أو بعضه ليس بيوم، أما فيما لا يتسامح بأن مضى من اليوم أكثر من الثاني فواضح، و أما فيما يتسامح فإنه و ان صدق عليه اليوم عرفا، الا أن التحديدات الشرعية مبنيّة على التحقيق و التدقيق و لا ينزل على متفاهم العرف من التسامح و التقريب.
و لا شك أن اليوم الذي مضى منه ساعة أو نصف ساعة بل دقائق ليس بيوم كامل تحقيقا، بل انما هو يوم تقريبي عرفي و حمل الأيام التي وردت في مقام التحديد على هذا خلاف ما هو المنساق و المتبادر من التحديد.
و أما وجه الاحتمال الثالث كما اختاره صاحب «الجواهر» في هذا المقام ظهور اليوم في تمام بين الطلوع و الغروب متصلا لا يصدق على الملفّق من يومين كنصف يوم مع نصف يوم آخر، أو نصف ليلة يوما. فالظاهر من قوله (فاذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب البيع)، هو مضي ثلاثة بياضات كاملة، و أما وجه التلفيق هو ظهور التحديد في أن المراد من مدة الخيار المقدار المساوي للنهارات الثلاث سواء كان ذلك المقدار ملفقا من اليوم الأول و اليوم الرابع أم لا؟
و كيف كان بعد عدم مجيء الاحتمالات الأخر و بعدها و عدم القول بها دار الأمر بين هذين الاحتمالين، من الأخذ بظهور اليوم و ارادة البياضات الكاملة من ثلاثة أيام- كما هو مختار صاحب «الجواهر»- أو الأخذ بظهور التحديد و العمل بالتلفيق- كما هو مختار شيخنا العلامة «قده» و مذهب الأكثر- و يبعّد الاحتمال الأول بأنه لو قلنا به- كما في «الجواهر»- لزم ثبوت الخيار أكثر من ثلاثة أيام، إذ المفروض ثبوت الخيار من حين العقد، و هو نصف اليوم الأول مثلا و هذا كما ترى خلاف ظاهر التحديد.
و يبعّد- الاحتمال- الثاني: أن لازم القول بمقدار الأيام الثلاثة: التلفيق من الليل، لان مقتضى كون المراد من اليوم مقداره من حركة الفلك عدم الفرق بين التلفيق من الليل أو من النهار، مع أن مقتضاه انقضاء الخيار بآخر الليلة التالية لو أوقع العقد في أول الليل بل و أول النهار لانقضاء مقدار ثلاثة أيام من حركة الفلك، مع أنه لم يقل به أحد.
و بالجملة الأمر دائر بين الأخذ بأحد الظهورين و رفع اليد عن الأخر، فإن لفظ الأيام ظاهر في الأيام التامة و البياض المتصل، و أما البياض الملفّق فليس بيوم حقيقة فالأخذ بظهوره يوجب رفع اليد عن ظهور التحديد، فان التحديد بالثلاثة ظاهر في عدم ثبوت الخيار في الزائد عن الثلاثة.
فلو قلنا بظهور اليوم- أي البياض المتصل- لزم ثبوت الخيار في أكثر من الثلاثة إذا وقع العقد في نصف من النهار، فيكون الخيار في مدة ثلاثة أيام و نصف و هو خلاف مقتضى التحديد بالثلاثة. و ان أخذنا بظهور التحديد فمقتضاه رفع اليد عن ظاهر اليوم، فارتكاب أحد المجازين لازم فلا بد من ملاحظة الترجيح.
فكلما كان أحدهما أهون من الأخر فهو أولى بالارتكاب.
فنقول: ان الإنصاف أن التحديد أظهر من لفظ اليوم، و ارتكاب التجوز في اليوم أهون من ارتكاب خلاف الظاهر في التحديد، لكثرة استعمال اليوم في الملفق و توسع استعمالاته في الاخبار و الأدعية كما لا يخفى، فارتكاب التجوز فيه أقرب.
فحينئذ يتعين الأخذ بظهور التحديد، و مقتضاه كون الخيار في ثلاثة أيام لا أكثر، فظهر من ذلك بطلان القول بعدم التلفيق حيث اختاره في «الجواهر» في المقام، مع أن مختاره «قده» في غير المقام- من الحيض و الإقامة- هو التلفيق مع أن جميع ذلك من واد واحد، و ظهر أيضا بطلان التلفيق من الليل أيضا،
فان مقتضى التحديد ثبوت الخيار في ثلاثة أيام.
فلو قلنا بالتلفيق من الليل لزم ثبوت الخيار في أقل من ذلك. فالأقوى حينئذ هو القول بالتلفيق تبعا لشيخنا العلامة «قده» و جماعة من الفحول من غير فرق بين المقام و بين باب الحيض و الإقامة و غيرهما من أبواب الفقه. و كذلك الأمر لو كان التحديد بالأشهر، كعدة الوفاة مثلا، فإنه بعد ملاحظة عدم وقوع ذلك في الأول الحقيقي من الشهر بل الغالب وقوعه في الأثناء لا بد أن يكون المراد مقدار الشهر، إذا أريد منه الشهر التام لزم الزيادة على الأشهر المذكورة و هو خلاف التحديد، فلا بد أن يكون مقداره فيحسب من الشهر السادس في عدة الوفاة مقدار ما فات من الشهر الأول كما لا يخفى.
يبقى حينئذ إشكال في استعمال اليوم لليوم التلفيقي و اليوم الحقيقي، فيلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي في إطلاق واحد. و أجيب عن ذلك بوجوه:
(الأول): أن المراد من اليوم مقداره، فهو مستعمل في نفس المقدار سواء كان ذلك منطبقا في يوم واحد أو في يومين، فيصدق على اليوم المستمر و الملفّق.
فيه: أن مقدار اليوم يختلف باختلاف الأيام بالزيادة و النقصان و لا يكاد ان يصح القدر المشترك بين الأقل و الأكثر. نعم لو كان القدر المشترك مفهوما كليا اختلفت مصاديقه بالزيادة و النقصان لكان متعقلا و لكن نفس المقدار بين الأقل و الأكثر كونه قدرا مشتركا بينهما و مرادا من اللفظ لا يصح لما قرر في محله أن المشترك بين الأقل و الأكثر لا يتعقل. كما هو واضح.
(الثاني): ما ذكره شيخنا العلامة «قده» في كتاب «صلاة المسافر»
من أن المراد من اليوم ما بين الطلوع و الغروب.
و فيه: أن ذلك لا يوجب التلفيق، لظهوره في البياض المتصل، فنصف من اليوم و نصف آخر من يوم آخر ليس بين الطلوع و الغروب.
(الثالث) أن يقال: أن اليوم هنا عبارة عن البياض المتصل كما بين الطلوع و الغروب و البياض الملفق من يومين أحدهما معنى حقيقي و الأخر معنى مجازي. و غاية ما في الباب: لزوم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و هو جائز في الثلاثة و الجميع، كما ذهب إليه جماعة منهم صاحب «المعالم».
و فيه: أن لازم ذلك أن يكون مورد الرواية فيما كانت الأيام الثلاثة ملفقة من يومين كاملين و يوم ملفق، و أما إذا كانت الأيام الثلاثة كلها مستمرة، بأن أوقع العقد من أول الفجر، بحيث لا يحتاج الى التلفيق يكون خارجا عن تحت الرواية. فيقتضي عدم ثبوت الخيار في هذه الثلاثة حينئذ و هو كما ترى.
فالأولى في الجواب أن يقال: أن اليوم عبارة عن البياض الواقع بين الطلوع و الغروب مطلقا مجازا، أي من غير الاتصال فيه فيصدق على اليوم التلفيقى حينئذ، فلا بد حينئذ أن يحتسب مقدار ما مضى من يوم العقد من اليوم الرابع لا من ليلته حتى تصدق البياصات. غاية الأمر كان الاتصال في هذا المعنى ملغى فيكون من قبيل استعمال اللفظ الموضوع في المقيد على المطلق.
و أولى من ذلك أن يقال: أن المراد من اليوم هو مفهوم مقداره لا مصداقه حتى يقال القدر المشترك بين الأقل و الأكثر غير متعقل بل مفهوم المقدار بين الطلوع و الغروب أمر مستقل و مفهوم ذهني استعمل اللفظ فيه و له مصاديق من الأقل و الأكثر و لا ضير في ذلك و لا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.
أو طلوع الشمس الى الغروب. و لا ريب في استعماله لغة في كل واحد من الأمرين كما
لا يخفى على من لاحظ كتب اللغة شرعا و عرفا كيوم الصوم و الإجارة. و حينئذ فلا يخلو اما أن يكون حقيقة في كل منهما اما على وجه الاشتراك المعنوي أو اللفظي أو يكون حقيقة في أحدهما، و مجازا في الأخر. و ما حكي عن بعض أهل اللغة- من كونه حقيقة فيما بين طلوع الفجر الى الغروب و مجاز فيما بين طلوع الشمس كما حكي ذلك عن «مجمع البحرين»- فليس بحجة لأنه من درايته و اجتهاده.
فنقول: أن اللفظ من حيث هو و ان كان محتملا للأمور الثلاثة الا أنه بلحاظ كثرة استعماله فيما بين طلوع الفجر الى الغروب، و شيوع ذلك و علته لغة و شرعا و عرفا يكون اللفظ منصرفا الى ذلك عند الإطلاق أما على فرض الاشتراك المعنوي بناءا على تسليم القدر الجامع بين الأقل و الأكثر أو الغض عن ذلك الاشكال فيكون من باب انصراف الكلي الى أحد أفراده.
و أما ان قلنا بالاشتراك اللفظي، فيكون من باب أن الشهرة قرينة معينة لإرادة ذلك. و أما على الحقيقة و المجاز، فان قلنا بأنه حقيقة فيما بين طلوع الفجر الى الغروب، فيتعين الحمل على ذلك بلا اشكال. و ان فلنا عكس ذلك، فيقع التعارض بين أصالة الحقيقة و قرينة الشهرة لما عرفت من شهرة الاستعمال في ذلك، فيوجب ذلك التوقف و الإجمال، فلا بد حينئذ من الرجوع الى ما تقتضيه الأصول.
و لا ريب أن مقتضى الأصل- أي استصحاب الخيار- هو حمله على ما بين طلوع الفجر الى الغروب فيما لو أوقع العقد عند طلوع الشمس، فعلى تقدير أن اليوم عبارة عن طلوع الشمس فينتفي الخيار عند غروب اليوم الثالث. و أما على تقدير كونه عبارة عن طلوع الفجر فلا بد من إكماله من اليوم الرابع فيدخل الليل تبعا، و بين الطلوعين أصالة، فعند الشك لا ريب أن مقتضى الاستصحاب الثاني كما هو الحال في المقام و أشباهه في نظائره.
و أي مقدار يلفق من اليوم الأخير، لاختلاف الأيام زيادة و نقصانا، و هذا و ان كان لا يثمر في خصوص المقام لعدم الاختلاف في الثلاثة إلا يسيرا بحيث يلحق باليوم، و لكنه يثمر في بيع السلم عند الآجال البعيدة لاختلاف الأيام باختلاف الفصول زيادة و نقيصة فتكميل اليوم الأول من الأخير يمكن على وجه. فنقول: قد ذكروا لذلك وجوها.
(الأول) ملاحظة ساعات اليوم الفائت فيكمل من اليوم الأخير بذلك المقدار من الساعات.
(الثاني) أن ملاحظة النسبة و الكسور فيؤخذ من اليوم الرابع بتلك النسبة، فلو مضى من اليوم الأول مقدار الثلث فيؤخذ من اليوم الأخير بهذه النسبة.
(الثالث) التكميل بمقدار مسافة ظل الشمس، فاذا مضى مثلا مقدار ذراعين يؤخذ ذلك المقدار من مسير يوم الأخر. و الفرق بينه و بين الكسور واضح، لاختلاف دائرة مسير الشمس في أيام القصيرة و الطوال، فربما كان المسير بمقدار أربعة أذرع مثلا مما يحاذي ربع مسير الشمس في النهار في الأيام القصيرة و لا يحاذي السدس مثلا في الأيام الطويلة كما لا يخفى. و حيث كان المراد من المقدار مجملا دائرا بين الأمور المذكورة تعين الرجوع الى ما تقتضيه الأصول أيضا. و لا ريب أن مقتضى الاستصحاب هو اعتبار الأزيد، و يختلف ذلك حينئذ باختلاف الفصول كما لا يخفى.
و التحقيق أن يقال: أن الوجه الأخير راجع الى الأول، فيدور الأمر بين احتمال الساعة و ملاحظة الكسور و النسبة. و لا ريب أنه لا معنى للثاني، لأن المركب منهما مخالف لمقدار كل واحد من اليومين، فليس هو مقدار اليوم الذي وقع فيه العقد و لا مقدار اليوم الأخير. نعم هو منطبق على مقدار يوم ما، من أحد الفصول و هو خلاف ظاهر لفظ اليوم.
فان المراد منه بعد اعتبار التلفيق هو مقدار اليوم الذي هو فيه أو مقدار اليوم الأخير، فإذا بطل هذا الاحتمال تعين أن يكون المراد من التلفيق هو تكميل اليوم الأول من اليوم الأخير بمقدار ما مضى منه من الساعات، فيؤخذ من اليوم الأخير مقدار ما مضى من اليوم الأول من الساعات.
و من ذلك يظهر حال التلفيق الشهري أيضا، كما ذكره في طلاق «الجواهر» فراجع، حيث ذكر فيه أقوالا.
و لا يخفى أن الأقوى هو تكميل ما مضى من عدد الأيام من الشهر الأخير، فلو مضى من الشهر نصفه و كان الشهر ناقصا فيؤخذ من الشهر الأخر بمقدار ما مضى من الأول بعدد الأيام، و لازمه احتساب الشهر الأول هلاليا لا إكماله ثلاثين يوما، لان ذلك هو لازم التلفيق بعدد أيام ما مضى و نقص من الشهر الأول.
نعم ربما يلزم من الأخذ بعدد الأيام الفائتة صدق الزيادة كما لو كان الحد شهرين مثلا و بقي من الشهر يوم واحد و كان هذا الشهر تاما و الشهر الثالث ناقصا، فلو جبر الشهر الأول بعدد الأيام الفائتة منه- و هو تسعة و عشرون يوما- لزم الأخذ بتمام الشهر الثالث فيلزم صدق الزيادة عن الشهرين، لان المجموع حينئذ شهران و يوم، و هو اليوم الباقي من الشهر الأول، ففي هذا الفرض وجب تكميل الشهر الثالث بتلفيق ذلك اليوم معه و جعلها شهرا واحدا عدد أيامه تسعة و عشرون يوما لا العكس، و هو تلفيق الشهر الثالث مع الأول بجعلهما شهرا واحدا تساوي أيامه أيام الأول و هو ثلاثون يوما، و لازمه طرح يوم من الشهر الثالث بدل ما بقي من الشهر الأول و حذرا عن صدق الزيادة. (فتدبر جيدا).
في ضمن العقد،
و قد مضى
الكلام فيهما في خيار المجلس فلا نعيد.
لا اشكال و لا خلاف في كونه مسقطا لهذا الخيار في الجملة، و انما الكلام في أنه مسقط مطلقا تعبدا، أو شرط دلالته على الرضا قطعا أو ظنيا، نوعا أو شخصا، فيدور مدار كشفه عن الرضا قطعا أو ظنا على أحد الوجهين.
و بعبارة أخرى: المسقط هو نفس التصرف على وجه السببية و الموضوعية و ان لم يكن كاشفا أصلا، بل و لو علم عدم رضائه بالالتزام أو التصرف الكاشف عن الرضا بالالتزام، فيكون اعتباره من باب الطريقية. و على الثاني: فالمدار على كشفه عن الرضا قطعا فيقتصر على ما علم اقترانه بالرضا و الالتزام أو يكفي كونه كاشفا ظنيا، و على الثاني فهل يدور مدار الظن الشخصي أو يكفي كونه كاشفا نوعا و ان لم يفد الظن فعلا ما لم يعلم بالخلاف.
و تشخيص محل الخلاف فيه و نقل الأقوال. الثاني: في الأدلة. الثالث في كلمات الأصحاب.
و أما أقسامه: فنقول: التصرف على أقسام خمسة، لأنها اما أن يكون كاشفا عن الرضا و الالتزام بالعقد قطعا، أو كاشفا عنه ظنيا فعليا، أو كاشفا عنه نوعا، أو مشكوك الحال، أو يكون مع القطع بالعدم. و قد يقسم بتقسيم آخر، و هو اما يكون ناقلا كالبيع و الصلح و نحوهما أولا و اما أن يكون مغيرا للصورة كالطحن في الحنطة و الشعير مثلا أو لا كالركوب في الدابة مثلا.
و قد يدعى الإجماع على أن التصرف الناقل مسقط للخيار تعبدا و أن لم يكشف عن الرضا بل لو علم عدم التزامه بالعقد و تشبثه بالخيار. و لو تم ذلك ثبت القول بالتعبد مطلقا إذ لا فرق بين التصرف الناقل و غيره حينئذ، فإن كان الأول سببا للسقوط تعبدا لا من جهة كشفه، كشف ذلك على أن المدار على نفس التصرف ناقلا كان أو
لا، الا أن الكلام في تمامية الإجماع بل انما يتم لو اقتصر في التصرف الناقل بما لم يقطع معه عدم الرضا بالالتزام فحينئذ يكون التصرف الناقل كاشفا نوعيا حينئذ إذ لا عبرة بالكشف النوعي مع القطع بالخلاف.
و فيما عدا الأخيرين لا إشكال في كونه مسقطا للخيار حتى إذا كان كاشفا عنه نوعا أيضا. حتى أن الأردبيلي «قده» ليس بمخالف في ذلك، بل صريح كلامه- في مقام الرد على المحقق الثاني- هو سقوط الخيار بمثل اللمس و النظر الى ما يحرم النظر اليه و نحو ذلك بل مع القطع بعدم الرضا أيضا، حيث قال:
قال بعض المحققين: المراد بالتصرف المسقط للخيار هو ما يكون المقصود منه التملك لا الاختيار و لا حفظ المبيع كالركوب لسقي الدابة. و فيه تأمل لأن ظاهر الروايات أعم من ذلك، فأن ظاهر هذا الكلام أنه: إذا تصرف فيه لا لغرض بل للعب و اللهو، أو يكون الغرض غير التمليك لا يكون مسقطا. و الرواية بخلافها.
انتهى.
فان هذه العبارة صريحة في السقوط بالتصرف إذا كان عن لهو و لعب الا أنه يقول بذلك في نحو أمور مذكورة، و أما المناقشة في مكاتبة «الصفار» من إجمال لفظ الحديث فيها و ما ذكره في صحيحة علي بن رئاب من اختصاصها بالإماء و التصرفات المخصوصة فهو كلام آخر ستعرف حاله. فالمقصود أنه يقول بسقوط الخيار بمجرد التصرف و لو كان من لعب و لهو.
و بالجملة ما دل من التصرفات على الرضا نوعا فلا إشكال في كونه مسقطا، بل لا خلاف في ذلك، و لذا قال الفاضل في «المستند» بسقوط الخيار باحداث الحدث المغير كأخذ الحافر و النعل و نحو ذلك، أو كان مما لا يليق الا بالمالك مستقرا كاللمس و النظر و القبلة و نحو ذلك تمسكا بالرواية و أما غير ذلك فيدور مدار الرضا حيث انه في نحو المغير و ما لا يجوز لغير المالك لا يقول بدورانه مدار
الرضا الفعلي لكونه أمارة نوعا. و أما في غيره فيدور مدار الرضا لعدم كونه أمارة في نفسه.
و بالجملة لا إشكال في ذلك و انما الاشكال و الخلاف في القسمين الأخيرين- أى المشكوك و المقطوع العدم- فالقائل بالتعبد يقول بالسقوط في هذين أيضا.
و خالف في ذلك جماعة كالمحقق الثاني فقالوا بعدم كونه مسقطا حينئذ.
و بالجملة الأقوال في المسألة- أي في كون التصرف مسقطا لخيار الحيوان- ثلاثة:
أحدها: قول بسقوطه بمجرد التصرف تعبدا و لو مع العلم بالخلاف و عدم الرضا بأن يكون التصرف سببا شرعيا جعليا بسقوط الخيار فيدور مداره.
و ثانيها: قول بدورانه مدار الرضا، فيكون المسقط منه ما كان كاشفا فعلا عن الرضا و هو صريح كلام الفاضل في «المستند» حيث صرح في التصرف الغير المغير بدورانه مدار الرضا فلا يكون مشكوك الحال مسقطا فضلا عن معلوم العدم.
و ثالثها: قول بدورانه مدار الظن النوعي- أي أن المسقط ما كان له جهة أمارة على الرضا و ان لم يكن دالا عليه فعلا- فيكون في صورة الشك مسقطا أيضا لكونه أمارة إلا إذا علم بالخلاف، فلا يكون مسقطا، لعدم كونه أمارة حينئذ.
و قد ذهب إليه جماعة من المحققين، منهم شيخنا الأستاذ العلامة «قده». و ذهب الى ذلك المحقق الأردبيلي و النراقي و المحقق الورع الشيخ علي. أما الأول فلا يراده على المحقق الثاني حيث جعل المدار على التصرف الكاشف فقال: لازمه عدم كون التصرف- لاعبا- مسقطا للخيار، و الصحيحة بخلافه حيث جعل الركوب مسقطا سواء كان كاشفا عن الرضا أو كان لاعبا. نعم يظهر من آخر كلامه: الاقتصار في ذلك القول على الموارد التي ذكر في النص من دون التعدي الى ما عداه من التصرفات.
و كذلك الفاضل في «المستند» في حصر التصرفات المغيرة دون غيرها حيث قال
بالتعبد و السببية في الأول دون الثاني.
و كذلك الشيخ علي في خصوص التصرف الناقل بأنه مسقط مطلقا بلا خلاف و ان علم عدم دلالته على الرضا و في غيره ذكر فيه وجوها ثلاثة.
و قد حكي ذكر الاحتمالات المذكورة الشيخ الورع في كتابه في شرحه على «اللمعة» ما ملخصه- مع توضيح منا- هو: أنه قد ثبت بالتتبع و الاستقراء أن كل مقام اعتبر فيه ظاهر الأقوال كذلك اعتبر فيه ظاهر الأفعال أيضا في الخيارات، و كما أن الأقوال مسقط كذلك الأفعال أيضا.
و ذلك لأنه هذه القاعدة غير بينة و لا مبينة و لم يقم عليها دليل من عقل أو نقل أو إجماع أو غيره، بل باعتبار أن المدار في المقام على الدلالة على الرضا كما هو الظاهر من فحاوي روايات باب الخيار، حتى ورد في بعضها: أن العرض على البيع إسقاط، و حينئذ يكون التصرف- من حيث هو مع حصول العلم و الظن به بالرضا بالسقوط لا مع الشك- مسقطا على وفق القاعدة. فيجري في جميع الخيارات، و لا يختص بما ذكره الفقهاء من التصرف، بل المدار على فهم الرضا كيف ما اتفق فلا يكون مسقطا إذا كان معارضا بما هو أقوى، دالا على عدم الاسقاط و لا تأثير للدال مع العلم بعدم الإرادة بظاهره أو الشك في ذلك.
ثم قال: الا أن ظاهر الأصحاب في التصرف أنه مسقط مع النص على عدم الرضا و عدمه، و هو ظاهر الروايات في خيار الحيوان بل صريحها فينبغي الاقتصار في السقوط على عدم الرضا في خصوص خيار الحيوان، و ان قام إجماع فيما عداه قيل به و كذا خيار العيب لان ظاهر الروايات فيه ذلك.
ثم أشار الى القول الثالث، فقال: و ربما ظهر من الأصحاب أن الحكم بالسقوط- في التصرف مطلقا- انما هو لدلالته على الرضا ظاهر، فمع الشك للمعارض يحكم بظاهره شرعا، فيكون كالقاعدة يتمسك بها دائما إلا حيث يعلم
عدم الرضا فعلا و تقديرا أو الأول فقط. و يختلفان في صورة الجهل.
ثم قال بعد ذلك- في مقام بيان مختاره-: على كل واحد من هذه الوجوه في التصرف يمكن حمل الصحيحة، و ربما يقال: أن الوجه الثاني أظهر الوجوه.
ثم أخذ في الاستدلال لذلك بظاهر رواية علي بن رئاب بتقريب نتعرض إليه في المقام الثاني إن شاء اللّه.
فقد ظهر من جميع ذلك ما هو محل الكلام في المسألة، و الوجوه و الاحتمالات بل الأقوال فيه.
و ان المستفاد منها أيّ وجه من هذه الوجوه- أي القول بالتعبد الصرف- أو الكشف الفعلي أو النوعي، ثم على تقدير ثبوت التعبد و استفادة ذلك من الاخبار هل مطلق أو مخصوص بتصرف خاص؟ فلا بد من التنبيه على ذلك أيضا.
فنقول بعونه تعالى: لا اشكال أن مقتضى قول الصادق عليه السّلام في صحيحة علي ابن رئاب (فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيام، فذلك رضي منه. و لا شرط له) و كذا مكاتبة الصفار حيث وقع في الجواب: (إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء اللّه تعالى) و غير ذلك من الاخبار الأخر هو سقوط الخيار بمجرد التصرف و احداث، من غير فرق بين أن يكون للاختيار أو لغيره كاشفا عن الرضا أم لا، وقع ذلك مع العلم أو الجهل أو الغفلة و النسيان. كل ذلك لصدق الحدث، فيكون مقتضاه سقوط الخيار بمجرد التصرف تعبدا حتى مع العلم بالخلاف.
و هذا مما لا يقبل الإنكار بل لم ينكر أحد، بل المحقق الأردبيلي «قده» صرح بذلك أيضا و سلم عمومه من هذه الجهة حيث قال بعد نقل مكاتبة الصفار: هذه و إن كانت دالة بظاهرها على أن كل حدث مسقط للخيار الا أن الحدث مجمل و يمكن
أن يكون كل ما هو عيب مسقط. إلخ.
فإن صريحه حسبما ترى تسليم ظهوره في سقوطه بمجرد الحدث الا أنه ناقش فيه من جهة إجمال الحديث، فحينئذ فنقول: أن مقتضى ظاهر الروايتين- حسبما اعترف الجل بل الكل- هو سقوط الخيار بمطلق الحدث مطلقا من غير فرق بين أن يكون كاشفا فعلا أو نوعا أو لم يكن كاشفا أصلا، بل وقع العلم بالخلاف حسبما لا يخفى. و لكن قد يناقش في عموم ذلك بوجوه:
(الأول) ما في «مجمع البرهان» بإجمال لفظ الحديث من حيث هو لاحتمال أن يكون المراد منه العيب أو كلما يعد تصرفا، فيكون لفظ الحديث مجملا، فيسقط عن درجة التمسك بها.
و فيه: أولا يمنع الإجمال في لفظ الحديث من حيث ذاته، و ثانيا: سلمنا إجماله ذاتا، الا أنه يرتفع الإجمال بعد تفسير الامام عليه السّلام، حيث سأل عنه و قيل له: و ما الحدث؟ قال عليه السّلام: ان لامس أو نظر الى ما كان محرما عليه قبل الشراء.
إذ من الواضح أنه لا خصوصية للأمور المذكورة في صدق الحديث، فيعلم منه انما هو القدر الجامع بين هذه الأمور و هو الحدث المسقط الذي حكم بكونه مسقطا لخيار الحيوان، و هو التصرف المتوقف على الملك أو على اذن المالك سواء كان في الأمة أو في غيرها، غايته أن الامام عليه السّلام مثّل بذلك من باب الإيضاح لظهور توقفها على الملك.
و أيضا لا اختصاص للأمور المذكورة، بل ما ذكر من باب المثال و من باب بيان أن المراد من الحدث المسقط هو ما كان من هذا القبيل، أي ما يتوقف على الملك أو اذن المالك فلا وجه مما ذكره المحقق الأردبيلي «قده» من اختصاص ذلك بالأمور المذكورة و بالإماء، فلا يجري في غيرها و في غير الإماء حسبما عرفت.
فالتصرف الذي علم من ذلك كونه مسقطا هو الذي يتوقف على الملك أو على اذن المالك. و أما التصرف الذي لا يتوقف على الملك و لا على الاذن من المالك، بل كان معلوما رضائه بذلك من شاهد حال و نحوه، فلا إشكال في عدم كونه مسقطا كربط الدابة و تعليفها و حفظها و نحو ذلك، فإنه معلوم رضائه بذلك فلا وجه لسقوط الخيار بذلك بعد تفسير الحدث المسقط بنحو الأمور المذكورة مما كان موقوفا على الملك أو اذن المالك، فيكون المسقط منحصرا بذلك فلا وجه لإسقاط غيره مع اختصاص الدليل به.
مضافا الى أن الاعتبار أيضا يقتضي ذلك، لان من عليه الخيار حيث كان متشبثا بالملك جعل الشارع هذا التشبث بالملك كالملك الحقيقي من باب الإرفاق لئلا يكون على تقدير الرجوع تصرفاته على نحو ينافي ملكيته فنزل الشارع ملكية إنشائية منزلة الملك الفعلي و منعه من التصرف.
و لا ريب أن هذا المنع من التصرف من باب الإرفاق بالبائع، فيكون المنع حينئذ مخصوصا بما إذا كان التصرف منافيا للإرفاق بأن كان على غير اذنه. و اما إذا كان التصرف في العين هو عين الإرفاق بالملك لحفظ ماله و توجه دابته فلا وجه لمنعه عن ذلك و لكونه مسقطا. حسبما لا يخفى.
و بالجملة التصرفات التي متوقف على اذن المالك هي مسقطة للخيار دون غيرها من غير فرق بين كونه كاشفا فعلا أو نوعا، حتى مع العلم بالخلاف أيضا من غير فرق بين الإماء و غيرها و من غير فرق بين أن يكون ذلك للاختبار أو لغيره إذ الاختبار غالبا يقع قبل الشراء و لا وجه لاستثناء التصرف إذا كان غرضه الاختبار.
كل ذلك لتفسير الحدث المسقط للخيار في رواية على بن رئاب بالأمور المذكورة.
و أما مكاتبة الصفار حيث كتب اليه عليه السّلام عن التصرف في الدابة من أخذ الحافر
و النعل و الركوب الى فراسخ، فوقع الجواب: ان أحدث حدثا فقد وجب الشراء.
فيستفاد منه أيضا ذلك، لتفسير الحدث في الرواية السابقة بالأمور المذكورة التي عرفتها من توقفه على اذن المالك. و لا ريب ان ما وقع في سؤال هذه الرواية كلها من هذا القبيل، و أن أخذ الحافر و النعل و الركوب الى فراسخ مما لا يرضى به صاحب الدابة إذا كانت للغير. فيكون حال هذه الرواية حال رواية علي بن رئاب في الدلالة على كون مطلق التصرف المتوقف على اذن المالك مسقطا للخيار مطلقا.
فلا وجه حينئذ لما ذكره المحقق الأردبيلي «قده» حيث قال: ان هذه الرواية و ان كانت دالة بظاهرها على أن كل حدث مسقط للخيار الا أن الحدث مجمل لأنه بعد ما عرفت من تفسير الحدث في الرواية الأخرى ارتفع الإجمال في لفظ الحديث.
فالمسقط هو التصرف الذي يتوقف على الاذن من المالك و هو الحدث المسقط من غير فرق بين أن يكون وقوعه عمدا أو سهوا أو نسيانا أو غير ذلك. و أما غيره فلا يكون مسقطا لعدم الدليل على ذلك.
هذا كله في دفع المناقشة الأولى- أي إجمال لفظ الحدث من حيث هو- و قد عرفت أنه لا إجمال فيه أصلا.
(الثاني) سلمنا أن لفظ الحدث بملاحظة التفسير عام يشمل صورة ما إذا كان كاشفا عن الرضا و عدمه، الا أن الرواية الاولى من حيث اشتمالها على توليه عليه السّلام:
(فلذلك رضي منه). و تعقبها به ظاهرة في اختصاصها بالحدث الكاشف عن الرضا، و على تقدير عدم ظهوره في ذلك فلا أقل من احتماله فيوجب إجمال العام فيسقط عن الاعتبار.
أقول: غاية ما يقال في بيان ذلك ما ذكره شيخنا العلامة «قده» من دورانه بين وجوه أربعة:
«الأول» أن يكون الجملة جوابا للشرط فيكون كلها شرعية، فكأنه قال: أن التصرف التزام بالعقد و رضائه به شرعا و تنزيلا.
«الثاني» أن يكون توطئة للجواب- أي قوله (فلا شرط له) على وجه يشير إلى الحكمة أيضا، فيكون إشارة الى أن الحكمة في سقوط الخيار بالتصرف دلالته غالبا على الرضا كالتفرق في خيار المجلس، و على كل من المعنيين يكون كل تصرف مسقطا و ان علم عدم دلالته على الرضا.
«الثالث» أن يكون ذلك علة لقوله: و لا شرط له فتكون الجملة إخبارا عن الواقع، نظرا الى أن الغالب بملاحظة نوع التصرف لو خلي و طبعه فيكون نفى الخيار، فلا يكون التصرف غالبا دالا على الرضا بلزوم العقد، و حينئذ فمقتضى الغلبة اختصاص الحكم بالتصرف الذي يكون كذلك- أي دالا بالنوع غالبا على الرضا و ان لم يدل في شخص المقام- فيكون مقتضى ذلك المسقط ما كان له ظهور نوعي في الرضا نظير ظواهر الألفاظ في معانيها تعبدا بعدم قرينة توجب صرفه و تعميمه لما يدل على الرضا و ان لم يعد تصرفا عرفا كالتعريض للبيع و الاذن لغيره بالتصرف فيه فان العلة كما أنها تخصص فتعمم أيضا.
«الرابع» أن يكون اخبارا عن الواقع و تكون الغلبة هي نفس الرضا الفعلي الشخصي.
هذه محتملات الرواية- ثم قوى «قده» ظهورها في أنه الثالث، فيكون مقتضاه الكشف النوعي. و أنت خبير بأن أظهرية ذلك من بين الاحتمالات المذكورة في غاية المنع، بل الظاهر من الرواية بمقتضى سياقها كون ذلك حكمة لا علة كما اعترف به غير واحد، كما يرشد اليه تقدمه على قوله (فلا شرط لبعد تقدم المعلول
على العلة). و ان تنزلنا عن ذلك فغايته عدم ظهور ذلك في شيء، فيكون مجملا مرددا بين العلة و الحكمة.
و أما ظهوره في الغلبة فلا، فاذا كان مجملا لدور انه بين معان أربعة أو خمسة منها يقتضي التعبد، و منها يقتضي تحقيقه بالرضا فيدور مداره إذا كان هذا اللفظ مجملا لدورانه بين الأمور المذكورة فيسقط عن درجة الاعتبار، فلا يكون معارضا و مانعا عن الاستدلال بظهور لفظ (ان أحدث فيه حدثا) الواقع في صدر الرواية.
و أما ما ذكر من سريان إجماله إلى العام لتعقبه بالمجمل المتصل فيسقطه عن الاعتبار.
ففيه: أن ذلك مما لا ربط له بالمقام و لم يعلم كونه مخصصا حتى يكون من قبيل العام المخصص بالمجمل، بل أمره دائر بين كونه مخصصا أو أجنبيا عن العام، فتعلقه بالعام أقل من تعلق الاستثناء المتعقب للجمل، مع أن إجماله لا يسري الى تلك الجمل كما هو مذهب المشهور المعروف. و لو سلمنا أن إجماله يسري الى العام فيصير مجملا و يسقطه عن درجة الاعتبار.
فهذا غاية مراد المناقش الا أنه لا ريب أن إجماله يسري الى العام الذي تتعقبه الجمل، و أما العام الأخر الواقع في مكاتبة الصفار فهو باق على عمومه، لأن هذا المخصص بالنسبة إليه مفصل، فلا يسري إليه إجمال، فيكون ذلك باقيا على عمومه و هو كاف في إثبات المطلوب بل بعموم ذلك يرفع إجمال العام الأخر.
(الثالث) سلمنا عموم ذلك الا أنه يضعفه عدم انفكاك المملوك المشتري عن نحو هذه التصرفات، فلو قيل مع ذلك بسقوط الخيار بمجرد التصرف تعبدا كان جعل خيار الثلاثة حينئذ لغوا، فلا بد من القول بعدم كون هذه التصرفات اللازمة مسقطا حتى يكون في جعل الخيار ثمرة.
هذا، مع أنهم ذكروا أن الحكمة في هذا الخيار الاطلاع على أمور خفية
و قد أجاب عنه شيخنا العلامة «قده» بما حاصله: منع دلالة جميع التصرفات لو خليت و طبعها على الالتزام بالعقد حتى تكون الإجازة فعلية.
و أنت خبير بما فيه، أولا: بأن الإيراد المذكور ليس مبنيا على دعوى جميع التصرفات على الرضا حتى يقال في دفعه بمنع ذلك بل انما يرد ذلك على القول بالتعبد حسبما قررناه، فإنه حينئذ أيضا يكون جعل الخيار في الثلاثة لغوا كما توهم فلا ينفع في دفع ذلك منع دلالة جميع ذلك على الرضا لعدم الإناطة بالرضا على التعبد.
و ثانيا: أن الاشكال المذكور يرد على القول بالكشف النوعي أيضا كما هو مختاره «قده» لعدم انفكاك المملوك المشتري عن نحو تلك التصرفات الكاشفة عن الرضا نوعا أيضا. فالقول بالسقوط بالتصرف الكاشف نوعا يلزم اللغوية أيضا لعدم انفكاك. فالإشكال مشترك الورود فلا بد من رفع الاشكال على جميع التقادير.
فتقول في رفع الاشكال: هو أن يقال: أن بطلان الثاني ممنوع. بيان ذلك:
أن الشارع شرع أصل الخيار في الثلاثة للإرفاق بالمشتري و الاطلاع على عيوب المبيع، و ذلك لا يستلزم التصرف حسبما لا يخفى، بل الكون عنده في الثلاثة يوجب الاطلاع ان كان هناك عيب. و ملكية المملوك لا تستلزم التصرف حتى يقال بأنه على القول بسقوطه به مستلزم لغوية الخيار. بل الشارع من باب الإرفاق حكم بأن له الرد في الثلاثة بشرط عدم التصرف و أنه لو تصرف فيه مسقط خياره و أي منافاة في ذلك خروج التصرفات التي كانت لحفظ الحيوان من السقي و غيره لعدم دخولها في الأدلة الدالة على سقوط الخيار بالتصرف، لما عرفت من اختصاص ذلك بالتصرفات الموقوفة على الملك و الاذن من المالك.
و لا ريب ان المنع عن هذه التصرفات مطلقا و لو جهلا أو نسيانا لا يكون منافيا لجعل الخيار و حينئذ فأي لغوية في جعل الخيار مع القول بسقوطه بالتصرف مطلقا، فان حكمة جعل الخيار هو الإرفاق و هو يحصل في صورة عدم التصرف فيكون كافيا في جعل الخيار و أصل تشريعه، و لا يقتضي ذلك الإرفاق معه بأزيد من ذلك بأن يقال: ثبوت الخيار مع التصرف أيضا فإنه و ان كان- أيضا- إرفاقا به الا أنه خلاف الإرفاق بالنسبة إلى المالك، فالارفاق بهما يحصل بثبوت الخيار في صورة عدم التصرف. و أما معه فيسقط الخيار بالأدلة المذكورة و لا منافاة حسبما عرفت.
(الرابع) أن الرواية بعد تسليم دلالتها على سقوط الخيار بمطلق الحدث يكون معارضا بما ورد في باب العيب و الغبن في سقوط خيار العيب و الغبن بالتصرف حيث سئل عن أبي جعفر عليه السّلام فقال: ان كان الشيء قائماً بنفسه لعينه يرده الى صاحبه بعد ظهور العيب و أخذ الثمن و ان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ و نحو ذلك فيرجع بنقصان العيب و لا رد.
الى غير ذلك من الاخبار الأخر الواردة في ذلك الباب الدالة على عدم سقوط الخيار بمجرد التصرف، بل انما يسقط بما يوجب التغيّر كالقطع و الخياطة فإن قوله عليه السّلام (ان كان الشيء قائماً بعينه) يشتمل ما إذا تصرف أم لا، فصريح تلك الاخبار جواز الرد حينئذ و ثبوت الخيار و عدم سقوطه بمجرد التصرف، بل اختصاص السقوط مخصوص بما إذا كان التصرف موجبا للتغيّر كما هو صريحها و مع ذلك لا يمكن العمل بإطلاق هذه الاخبار في هذا الباب- أي القول بسقوط خيار الحيوان بمجرد التصرف- للاتفاق على أن التصرف المسقط انما هو على نسق واحد بالنسبة الى جميع الخيارات.
فاذا تعين العمل بمقتضى تلك الاخبار، لا ريب أن مقتضى ذلك سقوط الخيار
بالتصرف المغير دون غيره. و مقتضاها حينئذ عدم سقوط الخيار بالتصرف الغير المغير، الا أنه خرج عن ظاهر ذلك ما كان دالا على الرضا اما فعلا أو نوعا، للإجماع على سقوط خيار الحيوان بذلك من غير نكير، حسبما عرفت.
و على هذا فيختص السقوط بالتصرف المغير بصريح تلك الاخبار أو ما كان كاشفا عن الرضا فعلا أو نوعا، للإجماع على ذلك، فلا يسقط بمجرد التصرف حتى مع العلم بالخلاف، كما هو مقتضى القول بالتعبد فيبطل القول بذلك، و يتعين القول بما يدل على الرضا نوعا، فان التصرف المغير داخل في ذلك أيضا و كذا ما يدل على الرضا فعلا، إذا القائل بالرضا النوعي- حسبما أشرنا إليه- أنه لا أقل من ذلك لا عدم السقوط بالرضا الفعلي.
هذا و لكن التحقيق أن يقال: أنه مع قطع النظر عن الإجماع على اتحاد البابين- أي باب خيار الحيوان و باب خيار العيب- لا إشكال أنه لا تعارض بين الخبرين أصلا حسبما لا يخفى.
و بعد ملاحظة الإجماع على اتحاد البابين يحصل التعارض بينهما، و لا ريب أنه بعد الإجماع على اتحاد البابين يكون التعارض بينهما تعارض العامين من وجه فان مقتضى هذه الاخبار- الواردة في هذا الباب- سقوط الخيار بالتصرف، سواء كان مغيرا أم لا، و مقتضى تلك الاخبار عدم سقوط الخيار ما دام بقاء الشيء بعينه سواء تصرف فيه أم لا فيحصل التعارض في التصرف الغير المغير، فمقتضى أخبار الباب سقوط الخيار بذلك، و مقتضى تلك الاخبار عدم السقوط.
هذا مع ان صريح بعض الاخبار الواردة في الباب السقوط بالتصرف الغير المغير كاللمس و النظر و القبلة بل الوطي، و غير ذلك مما ورد في صحيحة علي ابن رئاب حيث فسّر عليه السّلام الحدث المسقط بذلك، و صريح اخبار العيب هو عدم السقوط مع عدم التغير فيحصل التعارض، فلا بد حينئذ من التساقط و الرجوع
الى العمومات أو استصحاب حكم المخصص.
أما القول بالتخيير كما هو المعين في الخبرين المتعارضين حسبما حقق في الأصول فهو مما لا مجرى له في المقام لكونه خلاف الإجماع بل الضرورة من الدين، فلا بد حينئذ من التساقط، فيكون المرجح هو الاستصحاب- أي استصحاب الخيار بعد إخراج القدر المتيقن- أي ما كان كاشفا نوعا من الرضا- للإجماع على ذلك حسبما عرفت.
و لا ريب أن مقتضى استصحاب الخيار عدم السقوط فيما عدا ذلك فيبطل القول بالتعبد حينئذ أيضا. و ان كان لنا كلام و تحقيق في أصل كون المرجح في المقام هل هو الأصل أو عمومات اللزوم؟ لابتناء ذلك على أخذ الزمان في العام ظرفا أو قيدا، حسبما أشرنا إليه مرارا و نشير إليه أيضا لاستغنائنا عن ذلك فان المرجح في المقام هو العمومات الواردة في خيار الحيوان أي ما ورد من أنه ثلاثة للمشتري.
و لا ريب أن مقتضى تلك العمومات ثبوت الخيار للمشتري في الثلاثة إلا ما علم خروجه و هو ما إذا تصرف بما يدل على الرضا نوعا و مع هذه العمومات يستغنى عن الرجوع الى الأصل حتى يناقش في ذلك بأن الزمان مأخوذ في العام على جهة القيدية، فيكون المرجع هو العام دون استصحاب حكم المخصص (1).
هذا تمام الكلام في إمكان القول بالتعبد. و يصحح القول بأن المسقط هو ما دل على الرضا نوعا و هو الأقوى تبعا لجماعة من المحققين المتأخرين، منهم
1) و لا يخفى عليك أن تلك العمومات ليس لها عموم من حيث التصرف و عدمه و طرو المسقطات و عدمه بل هي ساكتة من هذا الحيث، فهي مهملة من هذا الحيث لان مفاد تشريع أصل خيار الحيوان في الثلاثة للمشتري، و أما هل مسقط بالتصرف أم لا فهي ساكتة من هذا الحيث.
شيخنا العلامة «قده».
بقي الكلام في أنه على القول بالتعبد و سقوط الخيار بمطلق التصرف حتى مع العلم بالخلاف، هل هو ثابت في مطلق التصرفات سواء كان من قبيل السقي و الحفظ أو اللمس و النظر مما يتوقف على الملك؟ أو كان للاختبار و الاستعلام على حال المملوك من وجود العيوب الخفية و عدمه أو غير ذلك؟ و بعبارة أخرى لا بد من بيان دائرة التعبد.
فنقول: قد عرفت سابقا في طي الاستدلال بروايات علي بن رئاب حيث فسر الحدث المسقط بمثل الوطي و اللمس و النظر الى ما يحرم النظر اليه هو ما كان من هذا القبيل- أي ما يتوقف على الملك أو الاذن من المالك- و أن التصرفات الجائزة للمشتري معلومة له بشاهد الحال و نحوه كسقي الدابة و علفها و ربطها أو ما يتوقف حفظ النفس المحترمة على ذلك، المأذونة من طرف الشارع على ذلك. فلا ريب في خروج ذلك عن مورد الأدلة حسبما عرفت. فلا يكون نحو هذه التصرفات مسقطا لعدم شمول الأدلة لذلك حسبما عرفت.
و أما التصرفات الواقعة للاختبار و استعلام حال المملوك، فلا يبعد استثناء ذلك أيضا كما ذكره الشهيد «قده» في «الدروس» حيث قال: و استثنى بعضهم من التصرف:
ركوب الدابة و الطحن عليها و حلبها، إذ بها يعرف حالها فيتخير. و ليس ببعيد.
و قال المحقق الكركي «قده»: و لا يعد ركوب الدابة للاستخبار أو للخوف من ظالم أو لردها تصرفا. انتهى. و قال في موضع آخر- على ما حكي عنه-:
و المراد بالتصرف المسقط ما كان المقصود منه التملك لا الاختبار و لا حفظ المبيع، كركوب الدابة للسقي. انتهى. الى غير ذلك من كلمات الأصحاب.
و بعد إخراج التصرفات المذكورة على القول بالتعبد- حسبما عرفت- لا تبقى ثمرة بين القول بالكشف و بين القول بالتعبد الا نادرا حسبما لا يخفى.
و أما التصرف فيما يكون مسقطا: لا فرق على القول بالتعبد أن يكون عالما أو جاهلا، ناسيا أو غافلا، لا طلاق الأدلة على القول بالتعبّد حسبما عرفت.
هذا تمام الكلام في المقام الثاني.
فهي و إن كانت ظاهرة في إناطة الحكم بالرضا كما ذكر شيخنا العلامة «قده» و كما هو الظاهر من عبارة «المقنعة» و «الغنية» و «السرائر» و غيرها على ما نقله «قده» حيث أنهم صرحوا بثبوت الخيار الا أنه إذا أحدث حدثا يدل على الرضا.
و الأصل في القيد الاحتراز فيدل بالمفهوم على عدم السقوط بما لا يدل على الرضا. و أما عبارة العلامة فهي مختلفة غاية الاختلاف الا أن بعضها ظاهرة في ذلك، و يمكن إرجاع غيرها إليها حسبما لا يخفى على من راجعها. و بالجملة يستفاد من عبارة الأصحاب إناطة الحكم بالرضا من حيث أن الأصل في القيد الاحتراز الا أنه تضعّفه أمور:
(الأول) أنه لو كان المراد- من العبارة المذكورة- ذلك- أي كونه منوطا بالرضا بمعنى أن يكون المراد من التعبد: الاحتراز و سلب الحكم عما عداه- كان المناسب هو التعبير بالاشتراط و التعليق دون التوصيف، بأن يقال: أن الحدث أو التصرف مسقط إذا كان دالا على الرضا لأنه التعبير المناسب المتعارف في مثل هذه الموارد، فالعدول عنه و التعبير بالتوصيف مع خروجه عن المتعارف أمارة على كون الوصف موضحا و كاشفا و ان كان الأصل فيه الاحتراز.
(الثاني) أنه المناسب لإطلاق الأخبار الواردة في الباب لما مر من أن إطلاقها قاضٍ بالتعبد به. و التحقيق و ان كان خلافه كما مر الا أن التجمد بالإطلاق هو المناسب لبناء الأصحاب و اللائق بمشربهم في غير الباب.
(الثالث) ان إطلاق نفس القيد قاضٍ بالتعبد به لدلالته على أن التصرف الدال
على الرضا مسقط، سواء حصل الرضا أولا، فالتصرف بالنسبة إلى الدلالة على الرضا و ان كان مقيدا، الا أنه بالنسبة إلى نفس حصول الرضا و عدمه مطلق لا مقيد له، و الداعي على ذكر القيد حينئذ مع حصول الإفادة بإطلاق التصرف ليس الا التنبه على بيان حال التصرف و التعرض لشأنه. فالمراد أن التصرف مسقط للخيار سواء حصل الرضا أولا، الا أن التصرف هو من شأنه و شغله: الدلالة على الرضا، و هذا هو الصفة الكاشفة.
و الحاصل: أن التجمد بظاهر التقييد و ان كان قاضيا بالاحترازية الا أن الأمور الملفقة المذكورة صارفة عن هذا الظهور و قاضية بكونه للكشف عن حال التصرف و اخبارا عن حقيقة الماهية و لذلك نسب الى المشهور القول بالتعبد به مع عدم خلو كلامهم- جلا أو كلا- عن التقييد بالدلالة على الرضا. (و اللّه العالم).
الثالث: خيار الشرط- أي اشتراط الخيار- و هو غير خيار الاشتراط- أي خيار الناشي من الاشتراط في ضمن العقد تعذرا أو تخلفا أو فسادا- فالمراد به هنا اشتراط نفس الخيار في ضمن العقد.
و توضيح المرام و تنقيح أطراف البحث و
و صحة هذا الشرط بوجهين:
«أحدهما» ما مر في شرط السقوط و هو أن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد لان العقد بنفسه مقتضى اللزوم فاشتراط الخيار مخالف لما يقتضيه العقد و قد أجمعوا كافة على أن كل شرط مخالف لمقتضى العقد باطل.
ثم ان هذا الاشكال انما يجري فيما بعد الثلاثة، لان مقتضى العقد في الأيام الثلاثة هو الجواز بسبب خيار الحيوان لا اللزوم، فليس اشتراط الخيار فيها منافيا
لمقتضى العقد بل هو موافق له، فيختص الاشكال بما لو شرط ثبوت الخيار فيما بعد الثلاثة.
و يمكن تقريره في الثلاثة بتقريب أن مقتضى العقد فيها هو الجواز من جهة خيار الحيوان لا من جميع الجهات، فهو من سائر الجهات يكون لازما في الثلاثة أيضا و ان كان جائزا من جهة خيار الحيوان و تظهر الثمرة في الإسقاط. و بالجملة يكون ثبوت الخيار في الثلاثة من جهة أخرى غير الجهة الحيوانية مخالفا لمقتضى العقد.
و كيف كان، أجاب عنه المشهور بما أجابوا في عكس المسألة كما مر مفصلا من أن الجواز ليس منافيا لمقتضى ذات العقد و طبيعته بل مناف لإطلاقه، لأن اللزوم من مقتضيات العقد لا من مقتضيات طبيعة العقد بحيث لا يقبل التخلف و الانفكاك. و الشرط الباطل هو ما كان من قبيل الثاني لا الأول لأن ما هو مقتضى الإطلاق يكون قابلًا للتخلف فلا ضير في تخلفه بسبب الاشتراط.
و مهذب مرادهم أن مقتضى العقد على قسمين:
أحدهما: ما هو لازم الصيغة لا ينفك عنه سواء اشترط خلافه أم لا فيكون لازم الثبوت في الحالتين.
ثانيهما: ما هو لازم و ثابت للعقد لو لا الشرط لا مطلقا، فيكون العقد باعتباره منقسما الى قسمين: العقد الخالي عن الشرط و العقد المشروط و اللازم لازم للقسم الأول فقط دون القسم الثاني و يعبر عن القسم الأول- و هو ما يكون لازما للعقد في الحالتين- سواء اشترط أم لا بمقتضى ذات العقد و عن الثاني بمقتضى إطلاقه.
و الشرط في الأول باطل، لان المفروض ثبوت اللازم مطلقا بشرط خلافه أولا، فيكون الشرط مخالفا لمقتضى العقد لا محالة. و في الثاني صحيح لان المفروض أن العقد انما يقتضيه إذا كان مجردا عن الشرط لا مطلقا، فالمراد بمقتضى الذات و الإطلاق هو ملاحظة الذات أو الإطلاق من حيث الشرط فان اقتضاه بذاته- شرط أم لا- فهو الأول و ان اقتضاه العقد الخالي عن الشرط دون المشروط فهو الثاني.
و حينئذ فيقال: أن اللزوم من قبيل الثاني، لأنه مقتضى العقد الخالي عن شرط الخيار و ليس من قبيل الأول بحيث يكون لازما و ثابتا للعقد مطلقا سواء شرط الخيار أولا، فصار شرط الخيار منافيا للإطلاق لا للماهية. و الباطل هو الثاني لا الأول.
و أورد على ذلك المحقق الشيخ علي في «شرح اللمعة»- على ما حكي عنه- مما حاصله: منع كون اللزوم من مقتضيات العقد المجرد الخالي عن الشرط لأنه مجرد دعوى لا بينة و لا مبينة بل هو لازم لمهية العقد مطلقا سواء شرط فيه الخيار أم لا، و ذلك لان المرجح في كون الشيء لازما للعقد في حال دون حال أو في جميع الأحوال هو ملاحظة الدليل الشرعي لذلك- أي دليل ذلك الحكم- و من المعلوم أن دليل اللزوم هو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و هو عام شامل للحالين، لدلالته على وجوب الوفاء بالعقد مطلقا، سواء اشترط الخيار أم لا.
فالعقد المجرد و المشروط كلاهما مشمول بعموم وجوب الوفاء. فاذا دل على اللزوم مطلقا و لو مع شرط الخيار، فصار الشرط- أي شرط الخيار- منافيا لمقتضى العقد، حيث أن مقتضى عموم (أَوْفُوا) هو اللزوم عند الاشتراط، و مقتضى دليل الشرط هو الجواز و ثبوت الخيار، و هما متنافيان متناقضان. و مقتضى تحكيم العموم على دليل الشرط لكونه رافعا لموضوعه هو فساد الشرط و عدم ثبوت الخيار لكونه شرطا منافيا لمقتضى العقد و مخالفا للكتاب و السنة.
و لو أغمض عن ذلك فأقصى الأمر وقوع التعارض بين الدليلين: دليل الوفاء بالعقد المقتضي للزوم، و دليل صحة الشرط المقتضي للجواز. و النسبة عموم من وجه. و المرجح بعد التساقط هو أصالة اللزوم و لا أقل من استصحاب الملكية بعد الفسخ. و كيف كان فلا دليل على صحة هذا الشرط بل الدليل على خلافه.
هذا محصل مرامه على المهذب منا. و يندفع بمنع المعارضة في المقام،
لان دليل وجوب الوفاء لا يصلح لشموله للعقد المشروط بالخيار المقيد له، لعدم قابليته لدخوله تحته لا للزوم المعارضة بين الدليلين لو شمله على ما قرر، بل للزوم التناقض في مدلول (أَوْفُوا) فلا يمكن شموله و عمومه له، لان العام انما يشمل الأفراد القابلة دون الفرد الغير القابل عقلا.
و وجه عدم القابلية هو: أن الوفاء بالعقد معناه هو الوفاء به على حسب ما هو عليه كما و كيفا- أي على حسب ما يوقعه و يقصده المتعاقدان من القيود و الخصوصيات- فاذا كان العقد مشروطا بشرط فالوفاء به انما يتحقق بالوفاء به مقيدا بذلك الشرط لان الوفاء بنفس العقد المجرد دون الشرط حينئذ ليس وفاء للعقد على ما هو عليه في الخارج من الخصوصية فمعنى وجوب الوفاء به ليس الا وجوب الوفاء بالعقد و الشرط قضية للوفاء بالعقد على ما وقع في الخارج و العقد المشترط فيه الخيار ليس قابلًا لوجوب الوفاء بهذا المعنى.
بداهة أن العقد الخياري ليس واجب الوفاء، إذ لا معنى لوجوب الوفاء بالعقد الجائز، لأنه تناقض بيّن. و لذا لا يشمل (أَوْفُوا) العقود الجائزة و يكون مفاده أصالة اللزوم في العقود فاذا لم يعقل وجوب الوفاء بالعقد المشترط فيه الخيار لعدم قابليته لوجوب الوفاء به خرج عن تحت (أَوْفُوا) بحكم العقل تخصصا لا تخصيصا.
فصار العقد منوعا الى نوعين: العقد المشترط فيه الخيار و العقد المجرد عنه و اللزوم لازم للثاني دون الأول، فليس شرط الخيار منافيا لمقتضى العقد، إذ المنافاة مبني على عموم (أَوْفُوا) و شموله للعقد المشروط بالخيار أيضا، و المفروض خلافه كما عرفت.
فاذن اندفع توّهم المعارضة بين (أَوْفُوا) و دليل الشرط بل دليل الشرط جار من دون تعارض. و هذا هو مرادهم من أن اللزوم هو مقتضى العقد بشرط أن
لا يشترط فيه الخيار لا مقتضى العقد المشروط فيه الخيار.
فان قلت: ان وجوب الوفاء بالعقد معناه وجوب الوفاء بكل عقد على حسبه جوازا و لزوما، فيجب الوفاء بالعقد الجائز على مقتضى جوازه كما ذكر في «المسالك» ان جائزا فجائز و ان لازما فلازم.
قلت: مضافا الى أنه لا يحصل لوجوب الوفاء بالعقد الجائز، و مضافا الى استلزامه عدم جواز التمسك به لأصالة اللزوم و هو خلاف ما استقرت عليه طريقة الأصحاب، و قلنا يتعقله بدعوى أنه يجب في العقد الجائز أيضا ترتيب آثار الجواز، فالوفاء بالعقد ترتيب آثار كل على حسبه فلا يضرنا، لان لازم هذا المعنى على فرض تعقله هو ثبوت الجواز و صحة شرط الخيار لكونه مشمولا ل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و حينئذ فليس الشرط مخالفا لمقتضى العقد و لا منافيا لوجوب الوفاء بالعقد فتندفع المعارضة بين الدليلين رأسا بل كان (أَوْفُوا) بنفسه دليلا على صحة هذا الشرط.
و «ثانيهما» ان شرط الخيار شرط غير مقدور، و الشرط الغير المقدور باطل عقلا و شرعا.
أما الصغرى: فلان الخيار حكم شرعي، و هو منوط بالجعل من الشارع و ليس أمره راجع الى المكلف.
و أما الكبرى: فلان الشرط عبارة عن الإلزام و الالتزام، فلا بد من أن يكون متعلقة الأفعال الخارجة الاختيارية المقدورة، و الأمر الغير المقدور الخارج عن اختيار المكلف ليس قابلًا للإلزام و الالتزام فليس صالحا للاشتراط.
و ليس هذا من قبيل شرط النتائج أيضا حتى يأتي فيها ما يأتي فيها من إرجاع الشرط الى الالتزام بالآثار المقدورة فيصح الاشتراط من هذه الجهة و ان كانت هي بأنفسها غير مقدورة، لان النتائج عبارة عن الأوصاف و الأحكام الوصفية المسببة
عن الأسباب الاختيارية كالملكية و الحرية و الرهنية و نحوها، فإنها و إن كانت بأنفسها غير مقدورة، لعدم كونها من الأفعال الخارجة بل من الأوصاف، الا أنها مقدورة بالواسطة، لكونها مسببة عن أسباب هي أفعال خارجية.
فلا ضير في صيرورة الشرط سببا لها أيضا بحكم (المؤمنون عند شروطهم) و هذا بخلاف الخيار، إذ ليس وصفا مسببا عن سبب اختياري، بل هو حكم شرعي سببه ليس الا جعل الشارع، فاشتراط الخيار شرط على اللّه «تعالى شأنه» لا على المكلف. فيدخل في الشرط الغير المقدور.
و يندفع هذا الاشكال بمنع اختصاص دليل الشرط بالافعال الخارجية بل يعمها و غيرها مما كان له اثر قابل لوجوب الوفاء و حيث أن للخيار آثارا و أحكاما راجعة إلى فعل المكلف، كترتيب آثار الفسخ لو فسخ و اللزوم لو سقط فيشمله عموم (المؤمنون عند شروطهم).
نعم لو كان متعلق الشرط حكما شرعيا بحيث لم يتعقل وجوب الوفاء به أصلا و لو بملاحظة الآثار كما إذا اشترط حلية الخمر أو حرمة شرب الماء- مثلا- دخل في الشرط الغير المقدور و لم يشمله دليل صحة الشرط. و الخيار ليس من هذا القبيل، بل من قبيل الأول.
و الفرق بينه و بين النتائج أنها مقدورة بالواسطة، و المقدور بالواسطة مقدور و الخيار غير مقدور لكن وجوب الوفاء به بمعنى وجوب ترتيب الآثار و هو قابل للوفاء عملا بعموم (المؤمنون.) الشامل للمقدور و غيره إذا كان قابلًا للوفاء و لو بملاحظة الآثار. فتدبر.
و قد ينتصر للمشهور و يدفع كونه شرطا غير مقدور بما ذكره الفاضل الجواد في «شرح اللمعة»: من أن الإقالة مما ثبت مشروعيتها بالنص و الإجماع، و ليس معنى الإقالة إلا الفسخ، و الخيار أيضا كالإقالة في كونه منشأ لفسخ العقد، غاية
الأمر أنها منوطة برضاء الطرفين بخلاف شرط الخيار، لأنه على حسب ما اشترط.
و فيه: أن الإقالة فعل خارجي، و الخيار حكم شرعي فلا وجه لمقايسة أحدهما بالآخر.
و قد ينتصر لهم أيضا: بأن شرط النتائج مما ثبت مشروعيته في الجملة فيما لم تكن له سبب مخصوص مع اشتراكها في كونها غير مقدور، و الخيار أيضا من جملة النتائج، فلا ضير في ثبوته بالشرط مثلها عملا بعموم (المؤمنون.) إلا ما خرج.
و فيه: ما مر من أن الخيار ليس من النتائج لأنها عبارة عن الأوصاف المسببة عن الأسباب الشرعية، و تلك الأسباب أفعال خارجية. و الخيار حكم شرعي لا وصف خارجي أو اعتباري بل أمره راجع الى جعل الشارع و خارج عن اختيار المكلف، فلا وجه لمقايسة الخيار بالنتائج.
اللهم الا أن يراد به مجرد النقض الكاشف عن صحة اشتراط ما هو خارج بنفسه عن القدرة كالأوصاف لأنه مشترك بينهما و ان اختلفا في وجه الحل.
فتدبر.
و كيف كان فقد ظهر اندفاع الإشكال في صحة هذا الشرط، فلا إشكال في الصحة.
كالصرف و السلم المشروطين بالقبض أولا؟
قد مضى مفصلا- في خيار المجلس- الإشكال في ثبوته قبل القبض فيما يتوقف صحته عليه بناءا على عدم وجوب التقابض تكليفا لان الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ، و لا يتصور ذلك إلا إذا كان العقد مؤثرا حتى يؤثر الفسخ في رفع ذلك الأثر، و قبل القبض لا أثر للعقد بحكم الفرض، فكيف يتعقل الخيار.
بل قد تقدم الإشكال في جريان الخيار في العقود الجائزة بالذات، فان جوازها ذاتا يكفي في السلطنة على الفسخ و الإزالة. فالخيار تحصيل للحاصل و لغو محض لا يترتب عليه أثر أصلا. و القول بأن أثره و فائدته جواز سقوطه بالإسقاط مدفوعة بأن السقوط فرع الثبوت فلا يعقل أن يكون أثر أو فائدة له.
و كيف كان فيدور الخيار مدار ثبوت الفائدة و لذا قلنا أنه بناءا على وجوب التقابض في الصرف و السلم لا مانع من ثبوته لكون فائدته حينئذ هو رفع هذا الوجوب بالفسخ لارتفاع الموضوع به، و ان اشكلنا فيه أيضا كما قد ذكرنا فراجع.
و الغرض في المقام هو التنبه على خصوصية في المقام ليمتاز بها عن سائر الخيارات، حيث أن الاشكال و الكلام هناك انما كان في تعيين مبدأ الخيار هل هو قبل القبض أو بعده.
و أما أصل الخيار فلا مانع منه، غاية الأمر أنه لو أحلنا ثبوته قبل القبض لعدم الفائدة تعيّن القول بثبوته بعد القبض. و هذه المندوحة مفقودة في المقام الا أن الاشكال هنا في أصل ثبوت الخيار مطلقا لوجود المانع عنه في الحالتين اما قبل القبض فلعدم الفائدة و عدم الإمكان و أما بعده فلزوم الجهالة و الغرر في الشرط كما نبّه عليه المحقق الشيخ علي في «شرح اللمعة».
و لذا حكي عن «المبسوط» و «الغنية» و «السرائر» التصريح بعدم دخول خيار الشرط فيه، مدعين على ذلك الإجماع، لكن العلامة «قده» قد أشكل في «القواعد» فيه- على ما حكي عنه- بل في موضع من «التذكرة» أيضا: الجزم بدخوله في الصرف و لعل غرضه الرد على استدلال الشافعي- أي إبطال دليله- لا منع أصل المدعى.
و عنه في موضع آخر من «التذكرة» منع ثبوته في الصرف و السلم أيضا،
و الأقوى عدم دخوله فيه، لما ذكر و حاصله: أنه اما أن يشترط بعد القبض ثبوت الخيار أو يشترط في ضمن العقد. و على الثاني: فاما أن يشترط في ضمن العقد ثبوت قبل القبض أو يشترط بعده، فان الشرط بعد القبض ثبوت الخيار- يعنى اشترط رأسا لأنه شرط منفصل خارج عن العقد- فلا أثر، و ان اشترط في العقد ثبوته قبل القبض، لم يعقل لعدم الفائدة، و ان اشترط ثبوته بعد القبض لزم الجهالة و الغرر، لان زمان القبض مجهول و الجهل في الشرط غرر موجب لفساد العقد لسرايته الى الغرر فيه.
هذا مضافا الى الإجماعات المحكية عن الثلاثة خلافا ل «لمسالك» حيث قال بالتعميم و منع الإجماع، بل قال: أنه أطبق المتأخرون على منعه- بمعنى أنهم منعوا ثبوت الإجماع- فإنهم بين مطلق بثبوته في البيع و بين مصرح بالتعميم و هو كاف في منع الإجماع. و قواه في «الجواهر».
و الأقوى ما ذكرنا، و الاعتماد على الوجه المذكور دون الإجماع.
و نقل عن الشافعي وجه آخر للمنع و هو: ان اشتراط الخيار مناف لغرض اشتراط القبض حيث أن المقصود من تشريعه هو انقطاع علاقة المالك رأسا حتى يفترقا عن لزوم و لم يبق بينهما علاقة، و لو ثبت الخيار بقيت العلقة. و هذا نقض للغرض.
و فيه: ما لا يخفى لأنه محض اعتبار، و استحسان صرف لا يصلح للاعتماد فلذا أجاب عنه في محكي «التذكرة» بمنع الملازمة. هذا كله في الصرف.
و أما السلم: فقد يتوهم استشعار الإجماع على ثبوته فيه نظرا إلى أنهم أجمعوا كافة على دخوله في جميع أنواع البيع و أقسامه و لم يستثنوا من ذلك الا الصرف، فيدخل السلم في المستثنى منه.
و فيه: منع، صغرى و كبرى لان التعرض لخصوص الصرف ليس لخصوصية فيه بل لما مر من الوجه و هو متحد في البابين، و لعل السكوت عنه من جهة أن
اشتراط القبض في الصرف أظهر و أقوى.
و كيف كان فحكمه حكم الصرف لاتحاد مناط الاشكال، و الإجماع المتوهم ممنوع و يكفي فيه ما مر من «التذكرة» من المنع و الاشكل في كليهما، و لو سلم فالمستند في المقام هو القاعدة لانتفاء النص الخاص، و مناط الجواز و المنع فيهما واحد، فالفرق بينهما باطل.
و ليس له حد مضبوط، و نعني بالكم: طول الزمان و قصره، فلا فرق بين اشتراط الخيار ثلاثة أو أقل. و نعني بالكيف: الاتصال بالعقد و الانفصال أو اتصال زمان الخيار و استمراره أو انفصاله.
و عدم الفرق فيه من حيث الكم.
و الحكم فيه إجماعي و لم ينقل فيه خلاف الا عن بعض الشافعية، حيث قالوا بعدم جواز اشتراط الخيار أكثر من ثلاثة أيام استنادا الى (النبويين) أو (النبوي صلى اللّه عليه و آله و سلم) المروي بطريقين: أن جنان بن منقد كان يخدع في البيع أو أنه أصابه في رأسه، فقال النبي صلى اللّه عليه و آله: إذا بعت فقل: لا خلابة و جعل لك الخيار ثلاثا. و في أخرى و لك الخيار ثلاثا.
و في «الجواهر»: الخيار ثلاثا، و كذا في كتاب الشيخ على «قده». و الفرق أنه بناء عليه يكون مفاده حكما كليا عاما، فلا يحتاج الى ضمّ قاعدة الاشتراك بخلاف الأول، لأن المجعول له الخيار ثلاثا بحكم النبي صلى اللّه عليه و آله هو خصوص المخاطب لمكان قوله (و جعل لك) أو (لك) فتعميم الحكم يحتاج الى ضم قاعدة الاشتراك.
و يؤيده الاعتبار العقلي أيضا، لان حكمة جعل الخيار هي التروي و التأمل في المصالح و هو في مدة ثلاثة أيام فالزيادة عنها لغو محض، فلذا جعل الخيار في الحيوان ثلاثة أيام لا أزيد.
الا أن في سند الروايتين مضافا الى الإرسال ما لا يخفى من الضعف لأنه من طرق العامة لا من طرق الخاصة و لا جابر له لاتفاق الكل على خلافه و الاعراض عنه فلا يصلح للاعتماد، و الاعتبار العقلي ليس دليلا في شيء بل قد يناقش في دلالة الرواية أيضا كما عن العلامة في «التذكرة» حيث ادعى أن لا خلابة في الشرع عبارة عن جعل الخيار ثلاثة أيام. و كيف كان فهو بالاعراض جدير.
و قد يستدل له بوجهين آخرين:
أحدهما: أن عادة الشرع قد جرت على ثلاثة أيام فهو حد شرعي لا يجوز التعدي عنه و يتضح عنه خيار الحيوان و تأخير الثمن، لان حده ثلاثة أيام.
و فيه: ما لا يخفى من الضعف و القياس.
ثانيهما: قوله عليه السّلام (الخيار في الحيوان ثلاثة أيام اشترط أو لم يشترط).
لان معناه: أن الخيار في ثلاثة أيام ثابت في الحيوان مطلقا من غير حاجة الى الاشتراط، و أما فيما عداه فهو- أي الخيار في ثلاثة أيام- يحتاج الى الاشتراط فيدل على أن حد الخيار هو الثلاثة مطلقا و في غيره مع الشرط، و هو كما ترى بل هو على خلاف ذلك أدل حيث أنه يدل على أن خيار غير الحيوان يدور مدار الاشتراط كائنا ما كان.
أما اعتبار كونه ثلاثة لا أزيد، فلا دلالة عليه بوجه. و قد حكي عن العامة عدم جواز اشتراط أقل من ثلاثة أيضا. و هو كسابقه في الضعف قولا و دليلا.
من حيث الكيف من الجهة الاولى و هو الاتصال و الانفصال، فلا فرق بينهما، خلافا للشافعي في الثاني، لشبهة ذكرها
العلامة في «التذكرة» على ما حكي و هو لزوم انقلاب العقد اللازم جائزا، و هو باطل.
و فيه: أولا- النقض: بخيار الرؤية و التأخير. و ثانيا- الحل: بأنه لا مانع من ذلك أصلا بعد دلالة الدليل على لزوم الوفاء بالشرط فإنه مخصص بعموم أصالة اللزوم. فالاستناد اليه مصادرة واضحة ممنوعة.
من الجهة الثانية، و هو الاستمرار و التفرق، فلا فرق بين أن يشترط الخيار في شهر بتمامه و بين أن يشترط في شهر يوم و يوم. لا خلاف الا لصاحب «المسالك» في الثاني حيث قال:
فيه و جهان، نظرا الى دعوى التبادر و الانصراف اما لما في «الجواهر» من انصراف الوحدة- أي وحدة الخيار- و هو موجب لاعتبار الاستمرار لان التعاقب مستلزم للتعدد. و اما لانصراف توالي زمان الخيار و استمراره فيخرج المتفرق لا لاستلزامه التعدد بل لفقد التوالي و ان قلنا بأنه في صورة التعاقب أيضا خيار واحد لا متعدد بدعوى أن التصرف انما هو في كيفية هذا الخيار الواحد لا أن الخيار معه متعدد.
و كيف كان فالتبادر المدعى على أحد الوجهين لا بد من ملاحظته بالنسبة إلى دلالته الخاصة كما ورد في اشتراط الخيار برد الثمن مثلا. فيدعى أن المتبادر من دليل خيار الاشتراط هو اشتراطه على وجه التوالي أو الوحدة، أما بالنسبة إلى قوله صلى اللّه عليه و آله (المؤمنون عند شروطهم) فلا مسرح للتبادر لعدم اختصاصه بخيار الشرط بل هو عام له و لغيره و ليس فيه لفظ شرط الخيار حتى يدعى الصرافة الى التوالي أو الوحدة، فلا معنى للتبادر بالنسبة كما لا يخفى.
و كيف كان فالمتبع هو تعيين المتعاقدين، فلا فرق بين الوجهين وفاقا للجل بل الكل و التبادر المدعى ممنوع و مدفوع بعموم (المؤمنون عند شروطهم) الشامل للقسمين.
و احترزنا بذلك عما لو اشترط مدة مجهولة سواء كان الجهل مأخوذا فيه مطابقة كما لو قال: «ولي الخيار مدة» أو بالالتزام كما لو قال: «و لك الخيار إلى مدة قدوم الحاج، أو عند قدوم الحاج» مثلا، أو لم يعين المدة أصلا بأن أطلق الخيار و لم يتعرض للمدة لا معلومة و لا مجهولة، كما قال: «و لك الخيار».
لا خلاف و لا إشكال في الأولين- أي فساد اشتراط المدة المجهولة على أحد الوجهين- و انما الخلاف في الأخير، و هو ما لو أطلق الخيار.
فعن «الانتصار» و «الغنية» و «الجواهر» و «الخلاف» و «المقنعة» و الحلبي:
صحة الاشتراط و انصرافه إلى ثلاثة أيام، بل عن «الانتصار» و «الغنية» و «الجواهر»:
الإجماع عليه. و عن «الدروس» الميل إليه أيضا خلافا للمشهور، فذهبوا الى فساد المشهور.
و يدل على مذهب المشهور نفي الغرر، لأن الجهالة غرر منفي في باب المعاملات، و استدل عليه أيضا بأنه إذا لم يعين المدة، فإن ثبت الخيار دائما كان منشئا للخلاف، و هو نقض لغرض جعل المعاملات، لأنها شرعت لمنع التشاح و رفع الخلاف و ان ثبت في زمان معين كان ترجيحا بلا مرجح.
الا أن الشيخ في «الخلاف» استدل على ما صار اليه من تعيين الثلاثة بدعوى وجود أخبار الفرقة بذلك، فتكون هذه الحكاية بمنزلة خبر مرسل. و لا ينافيه عدم وجوده في الاخبار المدونة في كتب الاخبار، لان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. فهو لا يقصر عن سائر المراسيل، و ضعفه بإرساله منجبر بعمل هؤلاء الجماعة بل الإجماعات المنقولة ممن عرفت، فيكون مخصصا لدليل الغرر بل رافعا لموضوعه لا لحكمه فيكون تخصصا لا تخصيصا لان التحديد الشرعي موجب لارتفاع الجهالة فإن تم هذا المرسل بالتقريب المذكور كان هو المتبع
في المسألة.
و لا ضير حينئذ في مخالفة المشهور بعد مساعدة الدليل لأن الحق أحق أن يتبع. بل قد يدعى منع الشهرة أيضا كما في «الجواهر». و قد اعترف جماعة من مشايخ الفقهاء بأن هذا النقل منه خبر مرسل على حد سائر المراسيل، فاذا فرض اعتباره فلا عذر في المخالفة بل تعين العمل به سيما مع اعتضاده بالإجماعات المحكية و لذا قواه في «الجواهر».
بل حكي عن العلامة الطباطبائي: الجزم به في مصابيحه و أجاب عنه شيخنا العلامة «قده» بأن حكاية الاخبار و نقل الإجماع لا ينهض لتخصيص قاعدة الغرر، لان الظاهر بقرينة عدم تعرض الشيخ لذكر شيء من هذه الاخبار في كتابيه الموضوعين لا يداع الاخبار أنه عوّل في هذه الدعوى على اجتهاده في دلالة الأخبار الواردة في شرط الحيوان.
و لا ريب أن الإجماعات المنقولة انما تجبر قصور السند المرسل المتضح دلالته أو القاصر دلالته لا المرسل المجهول العين المحتمل لعدم الدلالة رأسا. انتهى موضع الحاجة.
يعنى أن الخبر انما يعتبر إذا كان مستندا الى الحس و الرواية، لا الحدس و الدراية، و الخبر في باب الأحكام كالشهادة في الموضوعات، لاتحاد المناط، فالخبر المستند الى الحدس ان كان في الموضوعات يسمى بالشهادة فلا يقبل، و ان كان في الأحكام يسمى بالرواية فلا يعمل به.
و إذا انجر الكلام اليه فلا بأس بالتعرض لشرط من الكلام في ذلك لما فيه من القواعد العامة النافعة. فنقول: إذا أخبر المخبر بخبر فاما أن يكون المخبر به من المعقولات المحضة أو من المحسوسات بالحواس الظاهرة.
و نعني بالأول مالا يدخله الحس أصلا لا بلا واسطة و لا معها، كالاخبار بأن مقدمة الواجب واجبة، و ان اجتماع الأمر و النهى ممتنع، و أن الأمر بالشيء يقتضي
النهي عن الضد، و أن الخرق و الالتئام في الأفلاك محال، و أن الجزء الذي اللايتجزئ باطل. و نحوها مما لا تدركه الحواس الظاهرة أصلا.
و نعني بالثاني ما يدخله احدى الحواس الخمس الظاهرة و يدرك بها، اما بلا واسطة كالطلوع و الغروب و الليل و النهار و سائر الأعمال الخارجية، أو مع الواسطة كالصفات الباطنة المستندة إلى الأمور الظاهرة كالعدالة و الوثاقة و السخاوة و الشجاعة و الكرم و البخل و غيرها.
لا اشكال و لا خلاف في أنه لا عبرة بالنقل و الاخبار في القسم الأول و هو المعقولات المحضة، و يلحقه ما كان مركبا من المعقول و المحسوس، بأن كان بعض مبادئه حسية و بعضها حدسية.
و من هذا القبيل فتوى الفقيه في الأحكام الشرعية، لأنه داخل في المعقولات و ان كان مستنبطا من الأدلة اللفظية لان الاستنباط موقوف على ضم مقدمات اجتهادية نظريّة لا محالة، و الا لدخل في الرواية و خرج عن الفتوى و الاجتهاد، و هو خلف فالأدلة الدالة على حجية الاخبار في الأحكام الشرعية لا تشمل فتوى الفقيه، بل إثبات حجيته في حق المقلد موقوف على دليل آخر كما حقق في محله و لا اشكال و لا خلاف أيضا في حجية النقل و الحكاية في قسمين منهما و هو المحسوس حقيقة أو حكما إذا كان مستند الاخبار هو الحس، أي إحساس المخبرية في الأول، و المبادي الملازمة لها عادة في الثاني. و لا فرق فيه بين الموضوعات و الأحكام.
فالشهادة أو الرواية المستندتين الى الحس مما لا خلاف في اعتبارها على ما هي عليه من الشرائط المقررة من العدالة و التعدد في الموضوعات و الأول فقط أو مطلق الوثاقة في الأحكام على الخلاف.
فالإشكال و الخلاف- لو كان- انما هو في القسمين الباقيين و ان شئت
جعلتهما قسما واحدا و هو ما إذا كان المخبرية من المحسوسات على أحد الوجهين لكن كان مستند الاخبار هو حدس المخبر بأن أخبر بمجيء زيد مع العلم بأنه لم يره و لم يحضره، أو أخبر بعدالته مع العلم بأنه لم يعاشره و لم يره بل انما حصل له العلم بإخبار جماعة كثيرة بمجيئه و عدالته مثلا.
فالمعروف- بل لا خلاف ممن نعرف عدا الأردبيلي «قده»- في باب الشهادة عدم العبرة به حيث اشترطوا استناد الخبر الى الحس، و عليه فرّعوا عدم اعتبار الشهادة الحدسية و العلمية، و يدل عليه أمور ثلاثة: الأصل و الإجماع و مادة الشهادة على ما ادعى نظرا إلى أنه مأخوذ من الشهود و هو بمعنى الحضور فلا يصدق بمجرد العلم الغير الحاصل من الحسن و الحضور في القوة المدركة.
هذا في باب الشهادة و الموضوعات، و على هذا القياس الأحكام أيضا لأنه و ان لم يجر فيها الوجه الثالث الا أن في الأولين كفاية مضافا الى ما في الأخير من المناقشة. و العمدة هو الأصل، و ليس في مقابله إلا إطلاق أدلة حجية الخبر الواحد و قد تقرر في محله أنه لا إطلاق فيها ينهض بإثبات حجية خبر الواحد المستند الى الحدس، كما حققه شيخنا العلامة «قده» في الإجماع المنقول و عليه فرع عدم حجيته، لكون الاخبار بقول الامام عليه السّلام فيه مستند الى الحدس دون الحسّ.
هذا كله إذا علم ذلك. أما إذا شك فيه بأن أخبر بالمحسوس و لم يعلم أن مستند الخبر هو الحس أو الحدس فهل يقبل إذا كان شهادة و يعمل به إذا كان رواية أولا؟ فلا بد من بيان حكم مورد الشك، مقتضى القاعدة عدم العبرة به و اشتراط استناده الى الحس، لان المفروض أن المعتبر هو الخبر الحسي دون الحدسي فالمشكوك أمره دائر بين الحجية و عدمها. لان الشك في الموضوع شك في الحكم فلا حكم مع الشك في موضوعه لأنه تابع لموضوعه، فالمرجع هو الأصل و هو
يقتضي عدم الاعتبار الا أن الظاهر أنه مخالف لعمل الأصحاب في باب الشهادة حيث أنهم لا يجعلون مجرد الشك مانعا و لا يوجبون الاستفصال عن المستند بل بنائهم على قبول الشهادة إلا إذا علم استناده الى الحدس و هو لا ينطبق على القاعدة لعدم جواز إثبات الحكم مع الشك في الموضوع.
و قصوى ما يمكن أن يقال وجها لجواز العمل بالخبر عند الشك في الأحكام طريقان فان تم أحدهما أمكن القول به في الموضوعات أيضا. اما بدعوى الأولوية أو تنقيح المناط.
(الأول) ابتنائه على جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.
فيه: ما لا يخفى، أولا لضعف المبنى كما حقق في محله، و ثانيا: لأنه لو سلم فلا ربط له بالمقام لان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية- ان قلنا به- فإنما هو في مثل التخصيص المتصل، كما إذا قال: «أكرم العلماء الا الفساق» أو في التخصيص المنفصل، كما إذا قال: «أكرم العلماء» ثم قال: «لا تكرم الفساق».
فاذا شك في اندراج الموضوع تحت المخصص و عدمه فهو مورد الخلاف، أما في مثل التخصيص بالوصف، نحو: «أكرم العالم العادل» فهو خارج عن محل البحث و الخلاف. فلا يجوز التمسك بالعام عند الشك في الاندراج لأنه أشبه شيء بالشك في التخصص لا الشك في التخصيص.
و بعبارة أخرى: هو شك في أصل موضوع العام لا في مصداق المخصص بعد إحراز عنوان العام فهو من قبيل ما لو قال: «أكرم العلماء» و شك في أن زيدا مثلا عالم أو جاهل. و لا مجال فيه للتمسك بالعام أصلا و لا يقول به أحد قطعا لان الحكم تابع لموضوعه فكيف يثبت مع عدم إحرازه. و الشك فيه و ما نحن فيه من هذا القبيل، إذ ليس لنا دليل عام دلّ على حجية الخبر مطلقا ثم خرج عنه الخبر المستند الى الحدس بالاستثناء أو بدليل منفصل بل موضوع أدلة اعتبار الخبر- لفظية كانت
أو لبية- هو خصوص الخبر المستند الى الحس من أول الأمر و لا عموم له يشمل ما عداه أصلا فالشك في الاندراج شك في أصل موضوع دليل الاعتبار لا شك في مصداق المخصص و لا مسرح للعمل بالعام فيه اتفاقا فهذا الطريق لا ثبات حجية الخبر المشكوك الحسية باطل لا جدوى له.
(الثاني) أن يقال: أن الأصحاب قد أطبقوا كافة قولا و عملا على حجية الأخبار المدونة في الكتب الأربعة و الأصول الاربعمأة.
و قد ادعيت الإجماعات المستفيضة فصار اعتبارها للإجماع محصلا و منقولا.
و هذه الاخبار- التي قام الإجماع فيها على الاعتبار بحيث لا يقبل للإنكار- ليست- جلا أو كلا- خالية عن الشبهة المذكورة، لأن احتمال كونها مستنده الى الحدس متطرق فيها غالبا و لا ينفك عن هذا الاحتمال الا النادر منها.
فلو بني على عدم اعتبار الخبر المشكوك الحال كما تقتضيه القاعدة لم يبق مورد للإجماعات أصلا و لزم تنزيل معقد الإجماعات المنقولة على الفرد النادر و هو باطل. فيكشف ذلك عن كون المشكوك حجة و ان حاله حال ما علم استناده الى الحس في الاعتبار.
فمقتضى القاعدة و ان كان هو عدم اعتبار المشكوك لدوران أمره بين الحجة و اللاحجة، الا أن تلك الإجماعات بنفسها دليل على اعتبار المشكوك حذرا عن خلوها عن المورد أو تنزيلها على الفرد النادر.
هذا لكن يدفعه منع الصغرى لأنها مجرد دعوى لا بينة و لا مبينة بل خلافها معلوم لان غالب تلك الاخبار بل أغلبها- إلا ما شذ و ندر- من قبيل: (سألت) و (قلت)، و (سمعت) و (قلت له كذا) و (فقال كذا).
و لا مسرح في أمثال ذلك، لاحتمال الحدس إذ لو لا الحس لزم كون مثل هذه التعبيرات كذبا. فالأمر فيها دائر بين الاستناد الى الحس و بين الكذب
إذ على تقدير الصدق لا مسرح لها الا الحس، فليس الأمر فيها على تقدير الصدق دائرا بين الحس و الحدس.
و الخبر المشكوك- الذي هو محل البحث- عبارة عما دار أمره على تقدير الصدق بين استناده الى الحس أو الحدس كما إذا قال الراوي: قال الامام كذا، و روي كذا و احتمل أنه علم بقول الامام عليه السّلام و صدوره عنه من طريق الحدس من دون سماعه منه و مثل ذلك أقل قليل في الاخبار لم يعلم شمول الإجماعات لمثله إذ لو فرض مثله و تطرّق فيه الاحتمال، فلمنع الإجماع على العمل به مجال واسع، فلا علم لنا بقيام الإجماع على اعتباره بحيث يصير ذلك أصلا كليا على اعتبار الخبر المشكوك الحال.
فدعوى تطرق شبهة الحدسية إلى جل الاخبار المدونة ممنوعة بل جلها- لو لا كلها- خالية عن هذه الشبهة لكونها معلوم الحسية، فثبت أن الأصل عدم اعتبار الخبر المشكوك في باب الأحكام.
و قد يقال: أن الأصل في الخبر إذا كان متعلقا بالمحسوسات هو أن يكون مستند الاخبار بها هو الحس دون الحدس بدعوى أن ظاهر الاخبار هو ذلك، فإنه إذا قال: أحد قال فلان: كذا، أو فعل كذا، أو جاء زيد، أو أكل، و نحوها من الاخبار بالمحسوسات، فالمتبادر منه عرفا هو أن المخبر رأى و أحس بالمخبر به و شاهده لا أنه علم به بالحدس و الاجتهاد أو غيرهما من أسباب العلم فيدعى أن اللفظ بنفسه ظاهر في ذلك فيكون حجة لقيام الإجماع على اعتبار الظواهر اللفظية المستندة إلى الألفاظ.
و فيه: منع واضح، إذ لا مستند لهذا الظهور أصلا لأنه ليس ظهورا وضعيا في شيء. و قد يدعى أنه ظهور عرفي و هو لا يسمع إذ لا وجه للظهور بلا سبب فانا إذا راجعنا الى وجداننا لم نر لهذا الظهور مدركا، فهو مجرد الدعوى و مجازفة.
فصار الأصل في الاخبار عدم اعتبارها عند الشك و الاحتمال. هذا كله في باب الأحكام.
و أما في باب الشهادات و الموضوعات فقد عرفت أن بنائهم على عدم وجوب الاستفصال و جواز العمل بالشهادة عند الجهل بالحال و عدم الاعتناء بالشك و الاحتمال. و يمكن تصحيحه و التمسك له بوجهين:
أحدهما: أنه من باب أصالة الصحة لأن الشهادة من قبيل الأسباب لاعتبارها من باب الموضوعية لا مجرد الطريقية المحضة فيدور أمرها عند الشك بين الصحة و الفساد و لأن الشهادة الصحيحة المقبولة عند الحاكم المترتب عليها الأثر بعد البناء على اشتراط استنادها الى الحس هو خصوص ذلك يتحمل المشكوك عليه لأن أصالة الصحة أمارة على الصحة الواقعية لا الصحة عند. فلو فرض الشاهد- مثلا- على عدم اشتراط الحس في حجية الشهادة و اعتبار الشهادة الحدسية تقليدا أو اجتهادا فلا يمنع ذلك من الحمل على الصحيح الواقعي متى احتمل ذلك للزوم الحمل عليه عند الشك.
ثانيهما: أن الأصل في الشهادة أن يكون مستنده الى الحس إذا كانت متعلقة بالمحسوسات لأنها الغالب فيلحق المشكوك بالأعم الأغلب و الغلبة بنفسها و ان لم تكن حجة معتبرة الا أنها بضميمة بناء الأصحاب و عملهم على عدم الاستفصال بجعلها صالحة للاتكال. و لعله هو الوجه في دعوى الظهور العرفي، لأن الغلبة موجبة للظن فيتخيل أنه ظن و ظهور مستنده الى اللفظ غفلة عن حقيقة الحال و أن منشأه الغلبة و صيرورتها منشئا لظهور اللفظ لا يخلو من المنع و الاشكال.
و كيف كان فالأقوى عدم اشتراط إحراز استناده الى الحس و عدم وجوب الاستفصال. فالأصل هو القبول إلا إذا علم استنادها الى الحدس و الاجتهاد سواء علم استنادها الى الحس أو شك فيه. و أما في باب الأحكام فالأمر بالعكس، فالأصل
عدم قبول الخبر إلا إذا علم استناده الى الحس.
ثم لا يخفى أن المرسلات ليست من موارد الشك و الاشتباه، إذ ليس في مواردها رواية مشتبهة الدلالة احتمل استناد المرسلين في نقلهم الى الاجتهاد في فهم تلك الرواية و استنباطهم منها و اعمال الحدس فيها، بل مورد تلك المرسلات الخلو عن وجود الرواية المشتبهة الدلالة و ليس في البين الا تلك المرسلات، و نقلها مستند الى الحس دون الحدس، فهي حجة بعد العمل و الانجبار بما يصلح للحجة و الاعتبار. و لا تجري فيها تلك الشبهة لأنها مستندة الى الحس لا الحدس كسائر الاخبار، غاية الأمر سقوط سلسلة السند فيها بعضا أو كلا، و هو أمر آخر لا ربط له بجهة احتمال الاستناد الى الحدس دون الحس.
و قد يناقش فيها بضعف السند و الدلالة. أما الأول: فبالإرسال. و أما الثاني:
فباحتمال كون المنقول فيها هو مضمون الرواية و مدلولها لا نفسها و ألفاظها.
و يندفع الأول: بأنا لا نعمل بها الا بشرط حصول الانجبار و عمل الأصحاب.
و الثاني: بأن المنقول اما هو اللفظ و قول الامام عليه السّلام، أو مضمونه و معناه بلفظ مرادف، كما هو الحال في جميع الاخبار، و النقل بالمعنى خارج عن الاخبار بالمعقولات بل داخل في المحسوسات، لأنه مما له مبادئ محسوسة و قد عرفت أن حكمه حكم ما كان نفسه من المحسوسات. و كيف كان فالمرسلات حجة لشرائطها تعبدا بالنقل و الحكاية، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. فانحصر مورد الاشكال بغيرها و هو ما إذا كان في البين رواية مشتبهة الدلالة و نسب الحكم إلى الرواية و احتمل كونه مستند الى الحدس و الاجتهاد في فهم تلك الرواية المشكوكة الدلالة، أو كونه مستندا إلى رواية أخرى- سواها- مبنية على الحس، فيتطرق فيه كلا الاحتمالين لا محالة.
و ما نحن فيه من هذا القبيل، لوجود بعض ما يصلح سندا للناقل باعمال الحدس
و الاجتهاد في دلالتها من الاخبار المشتبهة الدلالة، و هو أخبار خيار الحيوان مثلا، فيحتمل أن يكون نسبة الشيخ الحكم في المسألة- إلى الرواية و الاخبار- مستندة الى هذه الاخبار بزعم أنه يستفاد و يستنبط منها قاعدة كلية كما أنه يحتمل استنادها الى وجود أخبار أخر سواها لم نظفر بها.
و مع تطرق الاحتمالين تسقط عن الاعتبار، لأنا لم نحرز من نقله وجود أخبار أخر سوى أخبار الحيوان حتى نتعبد بروايته و نقله. فما ذكره جماعة من جعله بمنزلة سائر المراسيل- لان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود مدفوع بما عرفت من الفرق، إذ لو لم يكن في البين إلا الرواية المرسلة و لم يكن في البين رواية مشتبهة الدلالة، احتمل اعمال الاجتهاد فيها، فنتعبد بنقل المرسل و حكايته. لان عدم الوجدان لا يدل على الوجود.
أما إذا كان في البين رواية مشتبهة الدلالة، احتمل الاستناد إليها بالحدس و الاجتهاد فلا إلا لأن عدم الوجدان- حينئذ- يدل على عدم الوجود، بل لأنه كما لا يدل عليه لا يدل على الوجود أيضا. فلم يحرز حينئذ رواية أخرى سوى ما في البين من الرواية المشتبهة الدلالة، فكيف نتعبد بنقله و حكايته.
فظهر من جميع ما ذكرنا: أن حكاية وجود الاخبار عن الشيخ ليست صالحة للاعتماد و ليست بمنزلة سائر المرسلات حتى يعول عليها لحصول شرط الاعتبار و هو العمل و الانجبار، بل الاعتماد حينئذ على نفس الجابر لا على المنجبر لعدم وجود رواية مرسلة رأسا فضلا عن انجبارها بالعمل.
هذا لو لم ندع العلم بذلك، و الا نظرا الى خلو الشك بين المودعين لنقل الآثار عنها رأسا فيحصل العلم أو الظن القوي باستناد هذا النقل من الشيخ في اجتهاده من أخبار خيار الحيوان فالأمر أوضح.
فحينئذ الأقوى ما عليه المشهور من البطلان في صورة الإطلاق للغرر
و الجهالة و عدم تحديد شرعي رافع للغرر موضوعا أو حكما.
هل هو العقد أو التفرق، أو بعد الثلاثة في الحيوان، مثلا؟
فالمشهور على الأول، و عن الشيخ و الحلي: أن مبدأه التفرق. و قد تقدم الكلام فيه مفصلا- قولا و دليلا- في خيار الحيوان، لكن الكلام هناك انما هو في مفاد الأدلة الشرعية، لأن خيار الحيوان حكم تعبدي. و هذا بخلاف المقام لان الخيار هنا ثابت بجعل المتعاقدين فهو تابع للاشتراط، و قد عرفت أنه ليس له حد مضبوط بل منوط بجعل المتعاقدين كما و كيفا، فلا معنى للخلاف الا النزاع الصغروي في صورة الإطلاق.
فنقول: أنه اما أن يصرح بتعين المبدأ فيجعل الخيار من حين العقد، أو يصرح به و يجعل من حين التعرق أو يطلق و لا يعين شيء منهما. لا خلاف في الأول صحة، و لا في الثاني فسادا، للغرر. انما الخلاف في الأخير.
و استدل القائلون بأن مبدأه التفرق لما مر في خيار الحيوان من الوجوه العقلية و غيرها من امتناع تداخل الأسباب و أولوية التأسيس من التأكيد و كون الخيار عبارة عما لولاه للزم، و غيرها مما مر، لكن الفرق هنا في شيئين، أحدهما:
انتصار لهذا القول و الأخر: رد عليه.
أما الأول: فقد ينتصر له بما ذكره شيخنا العلامة «قده» من أن المتبادر من جعل الخيار جعله في زمان- لولاه- للزم العقد لظهور حال المتعاقدين في ذلك إذ لا يتعلق غرض مهم بجعله في زمان الخيار بل هو لغو، فينصرف الإطلاق بشهادة ظهور الحال الى زمان لزوم العقد لولا الاشتراط و هو بعد التفرق، و لازمه كونه في الحيوان بعد الثلاثة لكنه- لو تم- فإنما يجري في صورة العلم بثبوت خيار المجلس، إذ مع الجهل لا وجه لدعوى ظهور الحال.
و أما الرد: فهو ما ذكره صاحب «الجواهر» و جماعة من مشايخ الفقهاء المتأخرين من انتفاضة بما لو صرح بالمبدإ و جعله من حين العقد لأنهم صرحوا فيه بالجواز.
فلو كان ثبوت الخيار في العقد الجائز بسبب خيار آخر أمرا محالا كما يقضي به ما ذكروه من الوجوه العقلية، لزم بطلانه مع التصريح بذلك لان التصريح لا يجعل المحال ممكنا.
و زاد عليه بعض المشايخ وجها آخر و هو ما ورد في أخبار خيار الحيوان من السؤال عما لو شرط فيه الخيار يوما أو يومين، فقال عليه السّلام: ان التلف في الثلاثة على البائع شرط أو لم يشرط. لأنه يدل على أن مبدأ خيار الاستراط هو العقد و الا لم يكن وجه لتخصيص الحكم المذكور بالثلاثة بل اللازم أن يقال:
التلف في الأربعة أو الخمسة عليه و في كليهما نظر.
أما الانتصار: فلان ظهور الحال انما يقتضي بأن الغرض متعلق بإكثار زمان الخيار و ازدياده، أما كون مبدأه التفرق فلا، إذ لو لا الشرط لا نقطع الخيار بانقضاء المجلس، فالغرض من الشرط إبقاء الخيار بحيث لا ينقطع بانقضائه، و يبقى بعده أيضا. و هذا لا ينافي كون مبدئه العقد، لتعلق الغرض حينئذ بالزيادة و معه تنقطع اللغوية لان إكثار زمان الخيار غرض مهم عقلائي فكيف يدعي اللغوية و ظهور الحال.
نعم لو عين مقدارا لا يزيد عادة عن المجلس فظهور الحال قاضٍ بكونه بعده لحصول اللغوية حينئذ. أما دعوى ظهور الحال مطلقا على سبيل الكلية فلا، لان ازدياد زمان الخيار كاف في اندفاع ظهور الحال، بل هو الذي يقضي به ظهور الحال.
و أما الرد، ففيه: أن قياس الإطلاق بالتصريح قياس مع الفارق، إذ لو صرح بالمبدإ و جعله من حين العقد فهو قرينة على أن غرضه متعلق بمقدار الزيادة عما كان له الخيار، فاذا قال: ولي الخيار من حين العقد إلى ثلاثة أيام- مثلا-
فتصريحه به قرينة على أن غرضه متعلق بإكثار الخيار و ازدياده حتى يبقى خياره بعد التفرق أيضا.
و أما لو أطلق أو لم يعين المبدأ فلا قرينة على ذلك، و الوجه العقلي و ظهور الحال حينئذ يبقيان بلا مانع و صارف و هما قاضيان بثبوت الخيار له بمقدار مانعيته من المدة، فإذا قال: و لي الخيار ثلاثة أيام، فلا قرينة على إسقاط بعض أجزاء الثلاثة، بل لا بد من ثبوت الخيار له في تمام الثلاثة عملا بظاهر لفظه في البين. فالوجه العقلي و ظهور الحال يقضي بإرادته الثلاثة من حين التفرق إخراجا له عن اللغوية.
و الحاصل أنه مع التصريح بالمبدإ لا مسرح للوجه العقلي و لا لظهور الحال لان التصريح قرينة على تعلق الغرض بالازدياد. و هذه القرينة مفقودة في صورة الإطلاق فيجري فيها الوجه العقلي أو ظهور الحال القاضيان بكون مبدأه التفرق.
نعم يرد عليه: أن الوجه العقلي باطل مما مر في خيار الحيوان، و ظهور الحال أيضا مدفوع بالمنع لما عرفت آنفا، و حاصله: أن إكثار الزمان بنفسه غرض لا ينافي ظهور الحال، غاية الأمر أنه مع التصريح نعلم بتعلق الغرض بذلك، و في صورة الإطلاق ليس هذا معلوما، لعدم التصريح به، لكن لا ينافيه أيضا فلا وجه لصرفه الى ما بعد التفرق.
و أما ما ورد في أخبار خيار الحيوان: فلا دلالة له على المدعى بوجه، إذ للخصم أن يقول: أنه من جهة اشتراطه اليوم أو اليومين متصلا بالعقد، فجواب الامام عليه السّلام دليل على بطلان هذا الشرط، لكونه لغوا لا فائدة له لثبوت الخيار له في الثلاثة، سواء شرط أو لم يشترط، و هذا لا يدل على كون مبدأه العقد مطلقا و لو في صورة الإطلاق الممكن تنزيله على ما بعد التفرق لظهور الحال خروجا عن اللغوية.
فالعمدة ما عرفت من منع ظهور الحال و لزوم اللغوية فلا مانع من كون مبدأه العقد
و لا قرينة بصرف الإطلاق الى ما بعد التفرق، مضافا الى أن صرفه اليه يوجب الغرر و الجهالة، لأن زمان التفرق مجهول.
نعم قد يستدل على كون المبدأ بعد التفرق بالأخبار الواردة في أن تلف المبيع في أيام خيار الشرط على البائع، إذ لو جعل المدة من حين العقد كان مقتضى إطلاق تلك الاخبار كون التلف على البائع مطلقا، سواء حصل التلف قبل التفرق أو بعده و هو مناف لقاعدة كون التلف في الخيار المشترك على المشتري و موجب لتخصيصها.
فلا بد من احتساب المدة من حين التفرق، ليكون التلف بعده تلفا في الخيار المختص تطبيقا على القاعدة من كون التلف في الخيار المختص على من عليه الخيار و حذرا عن تخصيص قاعدة كونه في الخيار المشترك على المالك دون البائع، لأن التخصص أولى من التخصيص.
و هذه الاخبار كثيرة، منها: ذيل صحيحة ابن سنان، قال عليه السّلام: و ان كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشتري فهو من مال البائع. و منها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل اشترى من رجل يشترط يوما أو يومين فمات عنده و قد قطع الثمن، على من يكون ضمان ذلك؟ قال عليه السّلام: ليس على الذي اشترى ضمان حتى يمضي بشرطه.
و قد مرّ نظير هذا الاستدلال في خيار الحيوان حيث استدلوا بما دل على على كون التلف في الثلاثة على البائع كون مبدأه بعد التفرق لئلا يلزم تخصيص القاعدة المذكورة.
لكنا أجبنا عنه هناك بأن الأمر و ان كان كذلك الا أن الحمل على التخصص مستلزم للتجوز في أخبار خيار الحيوان لظهورها في كون الثلاثة أيام متصلة بالعقد، فيدور الأمر بين التخصيص و المجاز، و الأول أولى.
و هذا الجواب لا يجري في المقام، إذ ليس لخيار الشرط دليل يدل على كون مبدأه بعد العقد، بل دليله هو عموم (المؤمنون عند شروطهم) فيمحض الأمر في الدوران بين التخصيص و التخصص في أخبار التلف من دون استلزام الثاني تجوزا أصلا. فيكون متعينا و لازمه كون المبدأ بعد التفرق.
و الجواب عن هذا الوجه منحصر بما ذكره أستاذ الأساتيذ شيخنا العلامة «قده» هناك من كون هذه الاخبار محمولة على الغالب، و هو كون التلف بعد التفرق لان حصول التلف قبل التفرق نادر جدا فلا ينصرف إليه الأخبار، فمبدأ الخيار هو العقد الا أن التلف انما يكون على البائع إذا حصل بعد التفرق.
أما قبله فعلى المشتري لوقوعه في الخيار المشترك و خروجه عن منصرف الاخبار لكنه مبني على كون غلبة الوجود موجبة للانصراف، و هو و ان كان خلاف المشهور لأن بنائهم على كون سبب الانصراف هو غلبة الاستعمال لا غلبة الوجود الا أن مقتضى التحقيق المحقق في الأصول كون غلبة الوجود أيضا سبب للانصراف و حينئذ فالأقوى كون المبدأ هو العقد لا التفرق. و اللّه العالم.
كذلك يجوز جعله و اشتراطه للأجنبي منفردا أو منضما مع أحد المتعاقدين أو معهما، الا أن الكلام في أن جعل الخيار للأجنبي هل هو تمليك أو توكيل أو تحكيم. و تظهر الثمرة في أمور:
منها: ثبوت الخيار للشارط أيضا على التوكيل دونهما.
و منها: قابليته للإسقاط على التمليك دون التوكيل و التحكيم.
و منها: أنه لو مات الأجنبي فعلى التمليك ينتقل الى ورثته، لان كل ما تركه الميت من حق فهو لوارثه، و على التوكيل ينتقل الى الشارط، و على التحكيم يسقط رأسا لأنه مجرد احداث حكم شرعي لموضوع، فيسقط بانتفاء الموضوع
و ليس في كلماتهم ما يدل على شيء منها.
نعم للشهيد في «اللمعة» كلام مشتبه المراد، بل ظاهره محل للإيراد و تصحيحه مبني على حمله على التوكيل، قال «ره»: و يجوز اشتراطه لأحدهما و لكل منهما و لا جنبي عنهما أو عن أحدهما. انتهى.
و يشكل بأن ذكر عنهما أو عن أحدهما مستدرك لا حاجة إليه أصلا إلا بناءا على كون هذا الجعل توكيلا، إذ يصح حينئذ أن يقال: أن هذا التوكيل اما يكون عن أحدهما أو يكون عنهما اما بناءا على التحكيم، فلا معنى له و لا ثمرة لهما أصلا.
و قد يوجه بوجه آخر، و هو جعل (عن) متعلقا بالأجنبي- أي أجنبي عنهما أو أجنبي عن أحدهما- و المراد بالأول هو الثالث الخارج عن المتعاقدين، و بالثاني هو أحد المتعاقدين لأنه أجنبي عن أحد المتعاقدين.
و فيه: أنه موجب للتكرار، لان جعل الخيار لأحد المتعاقدين قد سبق في صدر كلامه بقوله (و يجوز اشتراطه لأحدهما) فذكره ثانيا تكرار محض، مضافا الى أنه لا وجه للتعبير عنه بمثل هذا التعبير المشابه بالالغاز و المعميات.
و كيف كان فالمرجع في تعيين أحد الوجوه الثلاثة هو مدرك المسألة، و هو (المؤمنون عند شروطهم) و مقتضاه هو التحكيم، و ذلك لان مفاده هو الحكم التكليفي و هو وجوب الوفاء بالشرط.
و أما الحكم الوضعي و هو كون الخيار المشترط حقا فهو منتزع من التكليف في المورد القابل، فان كان الخيار لأحد المتعاقدين كان ذلك حقا له على صاحبه لرجوع فوائده و ثمراته اليه اما إذا كان شخصا آخر أجنبيا عنهما فلا يعقل حدوث حق له إذ لا فائدة راجعة إليه بل فائدة الخيار راجعة إلى المتعاقدين فلا معنى لكونه حقا للأجنبي أصلا و لازمه سقوطه بموته لان الثابت بمفاد (المؤمنون) مجرد تكليف بوجوب العمل بقول فسخا و امضاء و هو تابع لموضوعه فينتفي بانتفائه.
و هذا هو المراد بالتحكيم فيبطل احتمال التمليك و التوكيل.
و ان شئت قلت: ان كلا من التمليك و التوكيل فرع ثبوت الخيار أولا لأحد المتعاقدين حتى ينتقل إلى الأجنبي تمليكا أو توكيلا، و ليس الأمر كذلك، لان الخيار ليس ثابتا قبل الشرط و بدونه بل انما يحدث بسبب الشرط و هو تابع للاشتراط فاذا جعل الخيار بالشرط للأجنبي ابتداء فهو ذو الخيار أولا و بالذات بمقتضى الاشتراط لا أن الخيار ثبت أولا لأحد المتعاقدين ثم ينتقل إلى الأجنبي لأن ذلك خارج عن مفاد الشرط و جعله للأجنبي.
فلا وجه لشيء من التمليك و التوكيل بل يتعين التحكيم ثم ان جعل الخيار لكل من المتعاقدين فان اتفقا في الفسخ و الإمضاء فهو، و ان اختلفا فقد حكموا بتقديم الفاسخ- تقدم فسخه أو تأخر- و ذلك لأنه متى كان الخيار لمتعدد فان كان خيارا واحدا قائماً بالمجموع كالوكيل و الموكل مثلا كان الحكم للمتقدم منهما اجازة كان أو فسخا لفوات المحل به فلو كان المتقدم اجازة سقط الخيار رأسا و صار العقد لازما، و ان كان فسخا فقد انفسخ العقد.
و كيف كان فلا أثر للمتأخر منهما، و ان كان فسخا، لارتفاع المحل. و ان كان الخيار متعددا كخيار المجلس الثابت للبائع و المشتري كان الفاسخ مقدما و ان كان مؤخرا.
أما إذا كان مقدما فلانتفاء موضوع الإجازة بالانفساخ. و أما إذا كان متأخرا فلان اجازة المجيز مرجعهما الى عدم تشبثه بحقه و إسقاطه له فيبقى حق صاحبه بحاله، فإذا فسخ العقد انفسخ فيؤثر أثره و ان تأخر، و لازمه كون الفسخ في المقام أيضا مقدما على الإجازة في صورة الاختلاف لتعدد الخيار بسبب الاشتراط و جعله لكل منهما كما هو المشهور.
الا أنه يستفاد الخلاف هنا مما حكي عن ابن حمزة في «الوسيلة» من اعتبار
اجتماعهما في الفسخ و الإمضاء، قال على ما حكي عنه: فان اجتمعا- أي المتعاقدان- على فسخ أو إمضاء نفذ، و ان لم يجتمعا بطل، و ان كان لغيرهما- أي للأجنبي- و رضي نفذ البيع، و ان لم يرض كان المبتاع بالخيار بين الفسخ و الإمضاء. انتهى.
و هذا الكلام اشتمل على جزئين.
أما الجزء الأول: فيحتمل وجهين «أحدهما» أن يرجع ضمير قوله (بطل) الى (العقد) يعني ان لم يجتمعا و اختلفا بطل العقد فينطبق حينئذ على قول المشهور من تقديم الفسخ على الإجازة.
«و ثانيهما» أن يرجع الى (قولهما) كما هو الحال في قوله (نفذ) إذ لا وجه لرجوعه الى العقد بل يتعين رجوعه الى القول من الفسخ و الإمضاء يعني ان اجتمعا نفذ قولهما في الفسخ و الإمضاء و ان اختلفا بطل قولهما و سقطا عن التأثر فيكون حينئذ مخالفا للمشهور لدلالته على اعتبار اتفاقهما في الفسخ و الإمضاء فلا أثر لقولهما مع الاختلاف و هو مخالف للمشهور من تقديم الفسخ على الإجازة.
فحقيقة أصالة الصحة و حمل الكلام على الوجه الصحيح هو الأول و مقتضى قرينة اتحاد السياق و اتحاد مرجع الضميرين هو الثاني. فإن حمل على الأول لأصالة الصحة فهو، و ان حمل على الثاني بقرينة اتحاد السياق، فلا بدّ له من التوجيه إخراجا له عن وضوح الفساد لأنه أولى من المبادرة على الإيراد.
و ربما يوجه بأن الظاهر المتبادر من اشتراط الخيار لهما جعله لهما معا على صفة الاجتماع لا لكل منهما على وجه الاستقلال، فيعتبر حينئذ اجتماعهما في الفسخ و الإمضاء و لا أثر لهما مع الاختلاف عملا بالشرط الظاهر في اعتبار الاجتماع، و أورد عليه بمنع الشرط في ذلك بل هو ظاهر في الاستقلال كما لو قال (زيد و عمرو وكيلاي) فإنه ظاهر في استقلال كل في الوكالة فينفذ التصرف السابق منهما و لا
أثر للمتأخر و لا يعتبر اجتماعهما و اتفاقهما في التصرف.
و فيه: منع ظهوره في الاستقلال، بل الأمر بالعكس و قياسه بالمثال قياس مع الفارق. بل هذا نظير ما لو قال (زيد و عمرو وكيلي) بصفة المفرد لا التثنية.
و من الواضح أنه ظاهر في اعتبار الاجتماع لا في الاستقلال فكذا الحال في المقام.
فالأولى في الإيراد على هذا التوجيه هو أن يقال: أن القرينة هنا قائمة على ارادة الاستقلال و عدم اعتبار الاجتماع و ذلك لان اتفاقهما في الفسخ مؤثر بدون الشرط أيضا لكونه اقالة موجبة للانفساخ فلا يحتاج الى الشرط، فحمله عليه فوجب للغوية الشرط، إذ لا يترتب عليه أثر، بل هو تحصيل للحاصل.
فان قلت: لا ضير في ذلك، غاية الأمر أن الشرط يكون حينئذ مؤكدا لما هو حاصل بدونه، و الشرط المؤكد أمر ممكن سائغ كما لو اشترط في البيع التعجيل فإنه مؤكد لما ينصرف إليه الإطلاق بدون الاشتراط.
قلت: الشرط المؤكد لا معنى له الا إذا فرض له بعض الفوائد كما هو الحال في المثال لأنه يؤثر في ثبوت الخيار للبائع لو تخلف المشتري عن الشرط. و هذه فائدة لم تكن حاصلة بدون الاشتراط، فلا ضير في اشتراط التعجيل لهذه الفائدة و اشتراط الخيار لهما معا على صفة الاجتماع لا تترتب عليه فائدة أصلا حتى فائدة تخلف الشرط لان هذا الخيار ثابت لهما مجتمعا دائما فلا يعقل فيه أثر للتخلف أصلا فشرطه لغو محض و ظهور الحال قاضٍ بخلافه فلا بد من حمله على الاستقلال إخراجا لفعل العاقل عن اللغوية. و حينئذ فلا وجه لاعتبار اجتماعهما في الفسخ و الإمضاء بل المتعين ما ذكروه من تقديم الفسخ مع الاختلاف.
و أما الجزء الثاني: فهو أيضا مشتبه المراد و مورد للإيراد، لأن قوله (لم يرض) أعم من الفسخ، و من المعلوم أن الفسخ يوجب زوال العقد فكيف يكون المبتاع
بالخيار. و ان حمل قوله (لم يرض) على السكوت و التردد، اندفع ذلك، لكن يرد عليه أن مجرد عدم رضي الأجنبي المجعول له الخيار كيف يوجب رجوع الخيار الى المبتاع، مع أنه لم يكن بالخيار أصلا، بل انما كان ثابتا للأجنبي ابتداء، ثم أنه لا وجه لتخصيص الخيار بالمبتاع دون البائع لأنه ترجيح بلا مرجح.
و توجيهه و تصحيحه مبني على حمله على التوكيل بجعل اشتراط الخيار للأجنبي توكيلا لا تحكيما. و فرض الكلام فيما لو كان الشارط الجاعل للخيار للأجنبي بالتوكيل هو المشتري دون البائع و ذكره من باب المثال، فكأنه قال: كان الشارط بالخيار، و حمل قوله «ان لم يرض» على السكوت و الترديد لا الفسخ.
فبهذه المقدمات الثلاث يصح قوله (كان المبتاع بالخيار) لان المفروض أن الشارط هو المبتاع و المفروض أنه توكيل للأجنبي، فإذا لم يرض الأجنبي الوكيل بالعقد و سكت كان المبتاع الموكل بالخيار بين الفسخ و الإمضاء.
و فيه: ما مر من بطلان أصل المبنى، لأن جعل الخيار للأجنبي تحكيم و احداث حكم شرعي له بمقتضى الاشتراط و ليس توكيلا في شيء.
هذا إذا كان المراد بقوله: لغيرهما، هو الأجنبي الواحد، و قد حمله الفاضل الجواد على الأجنبي، فأورد على كلامه بأنه تحكم.
و يرد عليه: أنه ان لم يرض أحدهما كان الخيار للشارط و الأجنبي الأخر معا لا لخصوص الشارط، مضافا الى انه لا وجه لاعتبار الاجتماع ان كان المتعدد هو المتعاقدان، و الاكتفاء بإمضاء أحدهما ان كان هو الاجنبيان و لا وجه للقول بأنه ان لم يرض كان المبتاع بالخيار.
لكن فيه: أنه لا وجه لحمله على المتعدد، بل هو ظاهر في الأجنبي الواحد كما فهمه الكل و توجيهه ما عرفت مع ما فيه من الاشكال.
و قد يظهر مخالفة المشهور أيضا من كلام الشهيد في «الدروس»، قال- على ما حكي عنه-: و يجوز اشتراطه الأجنبي منفردا و لا اعتراض عليه، و معهما أو مع أحدهما، و لو خولف أمكن اعتبار فعله و الا لم يكن لذكره فائدة. انتهى.
فان كان المراد بالفعل هو خصوص الفسخ، صح اعتبار فعله، و تعليله بأنه لولاه لم يكن لذكره فائدة، الا أنه لا وجه لقوله: «أمكن» بل ينبغي الجزم به، لما عرفت من أن الفسخ مقدم مع التخالف.
و ان كان المراد به أعم من الفسخ و الإمضاء صح قوله «أمكن» لأن تقديم قوله مطلقا فسخا كان أو امضاء، محتمل في مقابل عدم اعتبار إمضائه مع فسخ الأخر، الا أنه لا وجه لتعليله بما ذكر، لان تقديم قوله مطلقا ليس مستندا الى لزوم اللغوية، لحصول فائدة الذكر في اعتبار فسخه و ان لم يؤثر إجازته فلا يلزم خلوة عن الفائدة.
و هل تجب على الأجنبي المجعول له الخيار مراعاة المصلحة أولا؟ بل له الخيار و الفسخ و لو تشهيا و اقتراحا بل و لو مع تضرر الشارط بالفسخ؟
وجهان بل قولان: ظاهر المشهور هو الأول بل لم نر مخالفا فيه الا ما ربما يستفاد من كلام الشهيد في «الدروس»، حيث قال: و لا اعتراض عليه لدلالته على أن الأمر راجع الى اختياره فليس لأحد الاعتراض عليه بعدم مراعاته للمصلحة.
و قد جزم شيخنا العلامة «قده» بذلك، و قد بين المسألة على أنه جعل الخيار للأجنبي استئمان و توكيل أو إعطاء منصب، فالأول على الأول، و الثاني على الثاني و حيث قد عرفت أنه مجرد تحكيم و احداث حكم شرعي له بمقتضى قوله صلى اللّه عليه و آله:
«المؤمنون عند شروطهم» فتتعين متابعة فعله، سواء راعى المصلحة أولا.
و التحقيق: أن الأمر و ان كان كذلك، بمعنى أن جعل الخيار تحكيم لا توكيل الا أنه مع ذلك يشترط مراعاة المصلحة لأنه انما يجعل له الخيار على وجه يراعي
فيه المصلحة، بأن يكون له السلطنة على الفسخ ان كان فيه مصلحة لا مطلقا فهو بحسب اللب و الحقيقة استئمان و ان لم يكن على وجه التوكيل، فالسلطنة الشرعية الإلهية الحاصلة له بسبب الاشتراط مشروطة بمراعاة المصلحة و ليست مطلقة.
و هذا هو المراد بقولهم لأنه أمين و يجب عليه تتبع المصلحة. فيندفع ما أورد عليه بأنه ليس وكيلا، فكيف يكون أمينا إذ لا منافاة بين الاستئمان و بين التحكيم، فالحكم الشرعي الحادث له بالاشتراط انما هو مشروط بالمصلحة لرجوعه في الحقيقة إلى الاستئمان و ان لم يكن توكيلا حقيقة.
و هما بمعنى واحد و المراد به اشتراط المشاورة من ثالث في الإمضاء و الفسخ و متابعة قوله بأن يستأمر منه فيتبع أمره، و حقيقته يرجع الى اشتراط الخيار لنفسه مطلقا على أمر الثالث له بالفسخ. و لازمه أنه ان أمره بالإمضاء وجب عليه الإمضاء بمعنى عدم جواز الفسخ له لعدم المقتضي له. و ان أمره بالفسخ كان له الخيار بين الفسخ و الإمضاء، لا أنه يجب عليه الفسخ، إذ ليس أمره هذا أمرا مولويا شرعيا، بل إرشادي.
فالمراد ثبوت الخيار له ان رأى المصلحة في الفسخ و أمره به إرشادا فالشرط ليس شرطا لحكم تكليفي و هو وجوب متابعة أمره بل معناه اشتراط الحكم الوضعي و هو ثبوت الخيار مشروطا بأمره بالفسخ فإن أمره بالفسخ حصل المقتضي للفسخ لحدوث الخيار له عنده بمقتضى الاشتراط.
و ليس هذا تكليفا بين الأمر بالإمضاء و الأمر بالفسخ في وجوب المتابعة و الامتثال في الأول دون الثاني، لأن وجوب متابعة أمره بالإمضاء انما هو من جهة وجوب الوفاء بالعقد لا من جهة وجوب امتثال أمره بالإمضاء، إذ لا أثر لهذا الأمر بل حاله حال السكوت في عدم إفادته شيئا. أما إذا أمره بالفسخ، فله السلطنة على الفسخ لحدوث الخيار له به.
و كيف كان فاذا المستؤمر اما أن يفسخ أو يمضي قبل الاستئمار فيقول:
فسخت، مثلا ابتداء من دون المراجعة اليه، أو يفسخ، أو يمضي بعد أمر المستأمر بالفسخ لكن من دون الاستئمار، بأن يقول له ابتداء: أفسخ، أو امض، فيفعل ذلك أو يفعل أحد الأمرين بعد الاستئمار.
فلا إشكال في عدم تأثيره أصلا، فيكون لغوا محضا و وجود ما يصدر معه كالعدم، لعدم حصول الشرط، و هو الأمر فلا خيار له و لا يؤثر فسخه. و لا خلاف فيه أيضا إلا ما نسب إلى العلامة في «التحرير» كما عن أحد قولي الشافعي من جواز الرد له من غير أن يستأمر، لكنه علل فيه بما يخرجه عن المخالفة و يخرج عن محل كلام القوم، و هو أن الخيار ثابت له، و الاستئمار انما ذكر احتياطا، يعني أن المراد هو جعل الخيار لنفسه ابتداء، الا أن الاستئمار استمهال لطلب الحال و استكشاف الصلاح و الفساد، فكأنه قال: ولي الخيار الا أني استأمر زيدا في الاطلاع على المصلحة. فذكره لمجرد الاحتياط لئلا يقع في مخالفة الواقع.
فان كان هذا هو المراد فهو، الا أنه خروج عن الفرض لان الفرض من الاستئمار- كما مر- هو اشتراط الخيار معلقا على أمره بالفسخ، كما فهمه الكل. فالنزاع صغروي، إذ لو علم ارادة ما ذكر من الوجه فيتم ما ذكره من جواز الرد له ابتداء بدون الاستئمار.
و لا أرى أحدا يخالف فيه، و ربما حمل كلام «التحرير» على ما إذا رد بعد أمره بالترديد بدون الاستئمار، فيرجع الى المسألة الثانية، و هو أيضا توجيه حسن.
و للشهيد في «اللمعة» أيضا كلام محتمل المخالفة، قال «ره»: و اشتراط
المؤامرة، فإن قال المستأمر: فسخت أو أجزت، فذاك، و ان سكت فالأقرب اللزوم. انتهى.
لان ظاهره تأثير الفسخ و الإمضاء بدون الاستئمار بل ابتداء، و توجيهه بأحد وجهين: اما قراءة المستأمر بالكسر و تقدير قوله: بعد أمره بالفسخ أو الإجازة بدلالة الاقتضاء كما في قوله تعالى (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً) أي فضرب فانفجر، فالمراد أنه قال: فسخت أو أجزت بعد أمره بأحدهما. أو قراءة المستأمر بالفتح و تأويل الأخبار بالإنشاء بأن يكون المراد بقوله: فسخت أو أجزت: أمرتك بالفسخ أو الإجازة مع إضمار قوله: تفسخ أو أمضي، يعنى ان قال المستأمر- بالفتح-:
آمرك بالفسخ أو الإمضاء ففسخ أو أمضي فذاك و الظاهر هو الأول لبعد الثاني.
و كيف كان فيخرج عن مفروض المسألة، فلا خلاف فيهما.
فالمشهور أنه لا أثر لفسخه لعدم حصول الشرط، و هو الاستئمار، و المشروط عدم عند عدم شرطه خلافا لجملة من الأعاظم، حيث حكموا بكفايته و الاستغناء به عن الاستئمار نظرا الى أن الغرض من الاستئمار هو الاطلاع على رأيه، فإذا حصل ذلك بدونه حصل الشرط، فالاستئمار طريق محض لاستكشاف رأيه، و لا موضوعية له، و ذكره من باب عدم حصول الاطلاع على رأيه غالبا بدونه فاذا فرض حصوله بأمره ابتداء فلا حاجة الى الاستئمار. فالشرط في الحقيقة هو حصول الخيار له عند أمره بالفسخ، سواء حصل ذلك بالاستئمار أو لا.
و هو حسن الا أنه انما يتم لو كان الأمر راجعا إليهما و كان ذلك حقا بينهما.
و لم يكن غيرهما دخيلا أصلا. و ليس الأمر كذلك لأنه أمر بين الثلاثة: المستأمر- بالكسر- و المستأمر- بالفتح-، و الثالث: و هو من عليه الخيار، فله أن يقول:
ان هذا خارج عن الشرط لان الشرط هو السلطنة على الفسخ بعد الاستئمار و الأمر
بالفسخ بدونه ليس ما وقع التراضي عليه.
فالأقوى ما ذهبوا اليه من عدم جواز الفسخ له لو أمره به ابتداء بدون الاستئمار.
و حكمه أنه لو أمره بالإمضاء وجب عليه الإمضاء، و ان أمره بالفسخ لم يجب عليه الفسخ، بل له الخيار بينه و بين الإمضاء.
و السر فيه أنه على الأول لا مقتضى للفسخ لعدم حصول الشرط، فينعدم لعدم شرطه، فيجب عليه الإمضاء لعدم المقتضي للفسخ. فوجوبه عليه ليس من أثر متابعة أمره، لأن أمره هذا لم يفد شيئا بل حاله حال السكوت فيبقى العقد على حاله من اللزوم و هذا هو المراد بوجوب الإمضاء عليه، لا أن المراد وجوب امتثال أمره، فمعنى وجوب الإمضاء عليه عدم جواز الفسخ له لعدم المقتضي له، و على الثاني يحدث له الخيار لما عرفت من أن اشتراط الاستئمار يرجع لبه الى اشتراط الخيار له معلقا على أمره بالفسخ بعد الاستئمار، فاذا حصل الشرط حصل المشروط و هو الخيار.
و ليس الشرط بمعنى وجوب متابعة أمره إذ ليس غرضه متابعة أمره و امتثاله تعبدا بل غرضه المشاورة، فأمره به إرشاد محض بمعنى وجود المصلحة له في الفسخ، فله الخيار ان طابق رأيه و وافق غرضه، فمعنى اشتراط المشاورة في الفسخ اشتراط الخيار لنفسه ان رأى المستأمر- بالفتح- المصلحة في الفسخ، و لا يتعقل له معنى سواه.
و هذا هو ما فهمه الجل بل الكل من اشتراط المؤامرة و الاستئمار، و هذا مع وضوحه بالتأمل قد أوضحه شيخنا الأستاذ العلامة «قده» بلسان بيّن مبني على مقدمة مطوية في كلامه، تركتها لوضوحها.
قال «قده»: و ان أمره بالفسخ لم يجب عليه الفسخ بل غاية الأمر ملك الفسخ
حينئذ، إذ لا معنى لوجوب الفسخ عليه اما مع عدم رضي الأخر بالفسخ فواضح، إذ المفروض أن الثالث لا سلطنة له على الفسخ و المتعاقدان لا يريدانه. و اما مع طلب الأخر للفسخ فلان وجوب الفسخ حينئذ على المستأمر- بالكسر- راجع الى حق لصاحبه عليه، فان اقتضى اشتراط الاستئمار ذلك الحق عرفا، فمعناه سلطنة صاحبه على الفسخ فيرجع اشتراط الاستئمار الى شرط لكل منهما على صاحبه. انتهى.
يعنى أن التالي باطل لان اشتراط الاستئمار ليس شرطا لإحداث حق صاحبه عليه، أي على المستأمر- بالكسر- فلا يجب عليه الفسخ، و ان طلبه صاحبه أيضا و الا لزم ثبوت حق له عليه، و التالي باطل. فبطلان التالي مطوي في كلامه، و لا بد من ذكره لأن إهماله يوهم خلاف المقصود، لان هذا البيان بدون التعرض للبطلان ينتج وجوب الفسخ على المستأمر- بالكسر- مع أن الغرض من البيان بيان عدم وجوبه عليه، كما لا يخفى.
فالعبرة بقول الأمر بالفسخ، فإذا أمر أحدهما بالإمضاء ثم أمر الأخر بالفسخ، فله الفسخ، لأن أمر الأول بالإمضاء ما أفاد شيئا، بل حاله حال السكوت و أمر الثاني بالفسخ يوجب حدوث الخيار له، فاذا فسخ انفسخ العقد.
هكذا قيل، و هو حسن لو أريد استقلال كل منهم في الاستئمار و المشاورة أما لو كان المراد اشتراط الاستئمار من الجميع على صفة الاجتماع فلا أثر لقولهم عند الاختلاف و ليس له الخيار و الفسخ إلا إذا أمر كلهم الفسخ. و هو واضح.
فقال تارة: امض، فأمضى و قال ثانيا: أفسخ، ففسخ. فقيل: ان حكمه حكم الأول و هو المستأمر المتعدد
مع الاختلاف فيؤثر الفسخ و يقدم على الإجازة و ان تأخر.
و فيه: أن القياس مع الفارق، لأنه إذا قال أولا: أمضيت، فقد لزم العقد، كما إذا كان له الخيار بدون الاستئمار و أمضى العقد، إذ لا أثر للفسخ بعده، فكذا الحال هنا، و من المعلوم أن الأثر فيه للمتقدم منهما فسخا كان أو امضاء. و هذا بخلاف ما إذا تعدد المستأمرون، و كان الغرض هو الاستئمار من كل واحد منهم على وجه الاستقلال، لان حاله حال الخيار المتعدد في تقدم الفسخ على الإجازة.
و ذكر في «الجواهر» احتمالات أربعة:
أحدها و ثانيها: ما ذكرنا.
ثالثها: أن العبرة بالفسخ بشرط كونه مؤخرا فإذا أمر بالفسخ ابتداء، ففسخ فلا أثر له إذا أمر ثانيا بالإمضاء بخلاف ما إذا أمر أولا بالإمضاء ثم أمر بالفسخ، فان الفسخ حينئذ مقدم على الإمضاء، و وجهه أن العبرة بالرأي المستقر لا الرأي البدوي، فإذا أمر أولا بالإمضاء ثم بالفسخ علم استقرار رأيه على الفسخ فيتبع، بخلاف ما لو انعكس فإن أمره ثانيا بالإمضاء كاشف من عدم استقرار رأيه على الفسخ فلا عبرة له. و أما الإمضاء فلا أثر له و ان تقدم لأنه لا يزيد على مقتضى العقد شيئا.
رابعها: أن العبرة بالمتأخر، فسخا كان أو اجازة، لان النظرة الأولى حمقاء، و الفرق بينه و بين سابقه: أن العبرة هناك كان بالفسخ بشرط التأخر، و أما الإمضاء فلا أثر له و ان تأخر.
و عليه فله الأمر بالفسخ ثالثا بعد الاستئمار، فينفسخ العقد بفسخه حينئذ بخلاف هذا الوجه، فإن العبرة- بناءا عليه- بالتأخر و ان كان أجازه، فيلزم العقد لو أجاز بعد أمره بالفسخ أولا، فليس له الفسخ بعده بالاستئمار و أمره بالفسخ في المرتبة الثالثة.
و الأقوى من هذه الوجوه ما عرفت من أن العبرة بالمتقدم و ان كان أجازه، لان الغرض من الاستئمار هو الاستئمار بأمره ابتداء لا إلى الأبد، فالمتبع هو الأول، فإذا قال: امض و أمضي، فقد وجب العقد، و لا مقتضى لفسخه و ان أمره بالفسخ ثانيا، لأنه خارج عن مقتضى الاشتراط.
ثم ان هذه الاحتمالات الأربعة إنما يأتي فيما هو ظاهر الاستئمار الذي فهما الكل، و هو ما بيّناه من رجوعه الى اشتراط الخيار المعلق بالأمر بالفسخ بعد الاستئمار، و هو ما كان الغرض من الاستئمار، الاستئمار بأمره الإرشادي، على ما حققناه.
أما إذا كان الغرض منه اشتراط الخيار بعد المشاورة على وجه يكون له الخيار بعد الاستئمار و الاستشارة و ان اختار خلاف رأيه لا متابعة قوله و أمره، فلا اشكال فيه، إذ المتبع فيه هو ما ساعد نظره، فله الإمضاء و ان أمره بالفسخ، و له الفسخ و ان أمره بالإمضاء، لحصول شرط الخيار و هو الاستئمار.
لان المفروض عدم تعلق الغرض بمتابعة رأيه بل تعلقه بثبوت الخيار له و العمل على مقتضى رأي نفسه لكن بعد حصول المشاورة و الاستئمار فاذا حصل ثبت الخيار و له اختيار ما شاء فسخا كان أو اجازة و ان خالف نظر المستأمر منه على ذلك كله.
و في «الجواهر» قال بعد ذكر تقدم الفاسخ عند تعدد المستأمر ما لفظه: إذا اختلف رأيه في المدة احتمل ذلك- أي تقدم الفاسخ- مطلقا أو بشرط التأخر و الأخذ بالمقدم مطلقا و المؤخر كذلك، ثم قال: هذا كله بناءا على معلومية إرادة ما عرفت من اشتراط الاستئمار أما إذ أريد غير ذلك من المشاورة و احالة الرأي معه لا اتباع أمره أو نحو ذلك امتنع، عملا بالشرط، و لعل إطلاق اشتراط الاستئمار ظاهر فيما ذكره الأصحاب. انتهى. و مراده ما حققناه.
فيجب على المستأمر
بالفتح- مراعاة المصلحة قطعا و ان قلنا في الأجنبي المجعول له الخيار بعدم وجوبها أيضا، لأن الاستئمان هنا أولى و أقوى لكن بينهما فرق بناءا على ما اخترناه من وجوب مراعاة المصلحة هناك أيضا و هو أن مراعاتها هناك شرط لصحة قوله و تأثيره، فلو خالف المصلحة فلا أثر لفسخه و إمضائه.
و أما هنا فوجوب مراعاة المصلحة تكليف على المستأمر، فلو خالفه فأمر بالإمضاء في مورد وجود المصلحة في الفسخ أو بالعكس، فأمضى المستأمر أو فسخ عملا بأمره فقد أثر أثره.
و السر فيه أن الفسخ هناك فعل الأجنبي و هو مشروط بالمصلحة و المشروط عدم عند عدم شرطه و هنا فعل للمستأمر- بالكسر- فاذا فسخ عملا بأمر المستأمر- بالفتح- فيؤثر أثره حيث أنه باختياره جعل لنفسه الخيار عند أمره بالفسخ، فاذا وجد الشرط وجد المشروط، غاية الأمر عصيان المستأمر- بالفتح- في تكليف نفسه في وجوب نصح المستشير و أمره بما ليس فيه مصلحة.
و لو أطلق و لم يعين المدة، فالأقوى البطلان و لا ينصرف إلى الثلاثة و ان قلنا به في اشتراط الخيار عند الإطلاق، لأن انصراف نفس الخيار إلى الثلاثة لا يوجب انصراف شرطه، و هو الاستئمار أيضا الى الثلاثة.
و هنا قول آخر، و هو: ثبوت الاستئمار عند الإطلاق على وجه التأبيد، و هو حسن بناءا على صحة هذا الشرط، لأنه إذا لم ينصرف إلى الثلاثة تعين التأبيد، الا انه باطل، للزوم الغرر. فالأقوى في صورة الإطلاق هو بطلان الشرط فلا بد فيه من تعين المدة رفعا للغرر.
من أفراد خيار الشرط ما يضاف اليه البيع، و يقال له: بيع الخيار. و هو أن يبيع شيئا و يشترط الخيار لنفسه مدة بأن يرد الثمن و يرتجع المبيع، و الأصل فيه- مضافا الى الإجماع و العمومات المتقدمة في الشرط-: النصوص المستفيضة، فإنها تدل على جواز اشتراط الخيار على النهج المزبور، كموثقة إسحاق و رواية معاوية بن ميسرة و رواية سعيد بن يسار و رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام قال عليه السّلام: ان بعت رجلا على شرط، فإن أتاك بمالك، و الا فالبيع لك. الى آخره.
و لا إشكال في دلالة الثلاثة الأول إلا أن في دلالة الأخيرة على فرض المسألة نوع خفاء و غموض، فإنها بظاهرها تدل على عكس المسألة، لأن الظاهر منها جواز استرداد المشتري الثمن عند رد المثمن إلى البائع، إذ لا شك في أن المراد بالمال في قوله عليه السّلام «فإن أتاك بمالك» هو المبيع و عليه فيكون حكم العكس أيضا مستفادا من ذلك النص.
الا أن يقال: أن قوله «بعت» بمعنى الشراء، و استعمل البيع في معنى الشراء كما هو واقع كثيرا في القرآن و الاخبار، فيكون المراد من المال هو الثمن حينئذ فينطبق النص المذكور على فرض المسألة على النهج المذكور، و ان كانت للرواية محتملات أخر.
و كيف كان فتوضيح الكلام في صورة المسألة الواقعة في النصوص و كلمات الأصحاب يستدعي رسم أمور:
الأول: في محتملات اشتراط رد الثمن. الثاني: في الثمرات المترتبة عليها. الثالث: في تعيين ما يستفاد منها من الاخبار و النصوص.
الأول: أن يكون رد الثمن شرطا للخيار على وجه التعليق فلا خيار قبله.
الثاني: أن يكون شرطا للفسخ، بمعنى أن الخيار ثابت له في كل جزء من المدة المضروبة، الا أن فعلية الفسخ مشروطة برد الثمن فالرد في الأول شرط للسلطنة على الفسخ و في الثاني فعلية الفسخ لا لأصل السلطنة عليه.
الثالث: أن يكون الرد شرطا لانفساخ العقد فيرجع الى شرط النتيجة، فلا غرو فيه إذا لم تتوقف النتيجة على سبب خاص كما في المقام، و عليه فلا حاجة الى إرجاعه إلى اشتراط اتحاد سبب الانفساخ، كما في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من كون مرجعه الى اشتراط اتحاد سبب الانفساخ و هو الرد مضافا الى عدم صحته في نفسه لكونه موقوفا على تأثير السبب المزبور بدون الشرط و هو ممنوع. فتأمل.
الرابع: أن يكون رد الثمن فسخا فعليا بأن يراد به تمليك الثمن ليتملك المبيع.
و الفرق بينه و بين الثاني بعد اشتراكهما في ثبوت الخيار قبل الرد و هو الاحتياج إلى إنشاء الفسخ على ذلك الوجه بخلاف هذا الوجه.
و استظهره السيد «ره» في «الرياض» من الاخبار الواردة في الباب. و ليس ببعيد على ما سنشير إليه إن شاء اللّه.
و أورد عليه بوجهين:
الأول: ما في «الجواهر» و غيره من عدم دلالته على الفسخ الفعلي، غاية الأمر دلالته على إرادته له بعد ذلك.
الثاني: ما ذكره بعض من أن الفسخ موقوف على الرد، فكيف يحصل به و فيهما نظر.
أما الأول: فلان الفسخ يحتاج الى كاشف ما و لا يعتبر فيه لفظ مخصوص فاذا فرضنا دلالته على ارادة الفسخ كان ذلك كاشفا عن كونه فسخا فعليا.
و قد يجاب عنه أيضا: بأن الرد و ان لم يدل بنفسه على الفسخ الا أن القرينة الحالية قائمة على ارادة الفسخ، و عليه فالنزاع يعود لفظيا.
و أما الثاني: فلان الاحتمال المزبور أي حصول الفسخ بنفس الرد انما يكون في قبال الاحتمال الأخر، أي توقف الفسخ على الرد، فكيف يبنى عليه، فبناء على هذا الاحتمال لا نسلم توقف الفسخ على الرد، فالإيراد عليه بذلك مصادرة.
الخامس: ما يستفاد من ظاهر «الوسيلة»، و هو أن يكون الرد شرطا لوجوب الإقالة على المشتري، بأن يلتزم المشتري على نفسه أن يقيله إذا جاء بالثمن و استقاله.
أما بين الأول و الثاني فهي: أن العقد لازم من حينه الى زمان الرد و جائز على الثاني، فالتصرف على الثاني تصرف في زمان الخيار، و يترتب عليه ما يترتب عليه دون الأول.
و أما الثمرة بينهما و بين الثالث و الرابع فهي الاحتياج إلى إنشاء الفسخ بعد الرد أو قبله على الأولين دون الأخيرين، و أما الأخيران فلا ثمرة بينهما عملا الا على القول بعدم دلالته على الفسخ بنفسه و احتياجه إلى القرينة، إذ حينئذ لا إشكال في الاحتياج إلى إنشاء الفسخ، قبله أو بعده إذا لم تكن قرينة على الدلالة على الفسخ. الا أنه كما ترى إنكار للمعنى الثالث بينهما.
و أما الخامس: فهو في الحقيقة خارج عن موضوع البحث، و هو الخيار فلا يدخل في موضوع الاحتمالات المتقدمة حتى تذكر الثمرة بينه و بينها.
و المهم في المقام التعرض لأمرين يظهر منهما حقيقة الحال:
الأول: في الاحتياج إلى إنشاء الفسخ و عدمه الذي هو ثمرة بين الأولين و الأخيرين.
الثاني: أن الخيار هل يحصل بمجرد العقد أو بعد الرد الذي هو ثمرة بين الأولين.
أما الأمر الأول: فقد عرفت أن المستفاد من كلام صاحب «الرياض» و بعض أتباعه هو كون الرد بنفسه فسخا فعليا بحيث لا يحتاج بعده أو قبله الى إنشاء الفسخ قولا، و لكن المستفاد من جماعة منهم: الشهيد في «الدروس» على ما حكي و صاحب «الجواهر» و بعض أتباعهما هو عدم حصول الفسخ بنفس الرد و احتياجه إلى إنشاء الفسخ.
و يمكن الانتصار لهم بالتمسك بإطلاق بعض الاخبار الدالة على مشروعية المعاملة المزبورة بقول مطلق، و ذلك لأنه تندرج تحت هذا الإطلاق صور ثلاثة يحتاج صورتان منهما إلى إنشاء الفسخ قطعا، و هما صورة عدم قبض البائع الثمن من المشتري أصلا بناءا على ما سيجيء من جواز الفسخ لولا القبض أيضا و قبض الثمن لكن مع عدم مطالبة المشتري و إرادته إيداعه عند البائع، إذ لا إشكال في الاحتياج إلى إنشاء الفسخ في هاتين الصورتين، لانتفاء الرد بحكم الفرض.
فيبقى صورة ثالثة- التي هي محل الكلام- و هي الصورة الثانية مع مطالبة المشتري إياه من البائع، فلو حكم بالاحتياج إلى إنشاء الفسخ في هذه الصورة أيضا فهو، و الا لزم التفكيك بين الصور الثلاث و هو خلاف ظاهر سياق إطلاق الاخبار. فوجب الحكم بالاحتياج إلى إنشاء الفسخ قضية لاتحاد السياق و حذرا عن التفكيك.
هذا لكن الإنصاف أن الإطلاق ليس فيه اشعار بما ذكر، لأنه مسوق لأصل مشروعية هذه المعاملة من دون نظر الى كيفية الفسخ، فهي موكولة على القواعد المقررة.
فلا ضير في التفكيك بين الصور إذا اقتضته القواعد بعد فرض سكوت الاخبار عن التعرض لحال كيفية الفسخ، فالأقوى- وفاقا لسيد الرياض- هو الاكتفاء بالرد في تحقق الفسخ، من دون حاجة الى إنشائه.
و مقايسة المقام بسائر الخيارات- انتصارا لقول الشهيد «قده»: فكما يحتاج الفسخ فيها الى كاشف و إنشاء قولي أو فعلي فكذا الحال في المقام- مدفوعة:
بأن القياس مع الفارق، لاحتمال أن يكون الرد هنا سببا للانفساخ و لو بمقتضى الاشتراط بأن يكون شرط الرد راجعا الى ذلك كما هو أحد الاحتمالات الخمسة المتقدمة، و لاحتمال أن يكون الرد بنفسه فسخا فعليا، لدلالته عليه كما هو أحد الاحتمالات أيضا.
و لا يجري هذان الاحتمالان في سائر الخيارات، لعدم كون الخيار و الفسخ فيهما مشروطا بالرد فلا جرم يحتاج الفسخ إلى إنشاء و كاشف آخر غير الرد.
و أما في المقام: فحيث يتحقق الاحتمالان في الرد فلا يحتاج الى كاشف آخر فصار الاحتمالان المزبوران سببا للفرق بين المقامين.
و أما الأمر الثاني: فالظاهر ثبوت الخيار بمجرد العقد من دون فرق بين أن يتعلق الخيار على تقدير وجود الرد- كما هو مبني الاحتمال الثاني- أو على نفس الرد- أي نفس وجوده- لا فرض وجوده، كما هو مبني الاحتمال الأول لأن الفرق بينهما نظير الفرق بين شرط الوجوب و شرط الوجود، فان الشرط في الأول هو نفس الرد، فيكون نظير شرط الوجود و في الثاني تقدير وجوده، بمعنى أن له الخيار فعلا على تقدير وجود الرد في المستقبل فيكون نظير شرط الوجوب.
و كيف كان فلا ثمرة بينهما في المقام، لان الخيار عبارة عن ملك الفسخ
و السلطنة عليه، و من المعلوم تحققه في المقام في كل آن من دون فرق بين كون المعلق عليه هو نفس الرد أو تقدير وجوده.
و السر فيه: أن الرد لما كان من الأفعال المقدورة للمشترط له- و هو البائع- فلا جرم يكون قادرا على الفسخ المزبور في كل آن و لو بواسطة قدرته على شرطه، لان المقدور بالواسطة مقدور.
نعم لو كان الحكم المعلق على الشرط من الأحكام التكليفية، فينظر ان كان الشرط من الأمور الغير الاختيارية، فالواجب شروط لا محالة. و لا يعقل فيه الفرق بين جعل التعليق على نفس وجوده أو تقدير وجوده. و ان كان من الأمور الاختيارية المقدورة، فإن علق على نفس وجود الشرط، فالواجب حينئذ مطلق منجز، فيجب على المكلف إيجاد الشرط و المشروط معا. و ان علّق على تقدير وجوده، فالواجب مشروط لا يتخيّر الا بعد وجود ذلك الشرط.
و أما في المقام- و هو الخيار-: فلا فرق فيه بين الصورتين- أي التعليق على نفس الوجود أو تقديره- لان الشرط أمر اختياري فإذا علق عليه الخيار كان الخيار ثابتا فعلا، لان المقدور بالواسطة مقدور، و ليس الخيار الا عبارة عن القدرة على الفسخ.
هذا الا ان ظاهر المشهور: أن الخيار هنا معلق و مشروط بالرد فلا خيار قبله و لا دليل عليه أصلا.
و يمكن تخريج وجه له من الاخبار بتقريب: أن ظاهر الاخبار هو توقف استرداد المبيع على رد الثمن بحيث لا يجوز قبله استرداد المبيع و انتزاعه من المشتري، فالفسخ لا يحصل الا بعد الرد أو به نفسه.
و كيف كان فلا فسخ قبله، فالفسخ موقوف على الرد، و حيث أن الفسخ موقوف على الخيار، فالخيار أيضا موقوف كنفس الفسخ الموقوف على الخيار.
و بعبارة أخرى: إذا توقف الفسخ على الرد توقف الخيار أيضا عليه، إذ لولا الخيار لم يتحقق الفسخ.
و فيه: ان غاية ما تقضي به هذه الاخبار وجود الخيار في زمان الفسخ و هو زمان الرد، لتوقف الفسخ على الخيار، اما كون حدوثه في ذلك الزمان فلا، لاحتمال وجوده قبله أيضا كما هو الحال في جميع الخيارات، لان زمان الخيار مقدم على زمان الفسخ.
و الحاصل: أن توقف الفسخ على الرد انما يقتضي لزوم تحقق الخيار في ذلك الزمان لا محالة، لا ستحالة الفسخ بدون الخيار.
الا أنه لا ينافي وجود الخيار قبل الرد أيضا و ان لم يتحقق الفسخ الا بعده أو به فيكون المشروط على الرد هو فعلية الفسخ لا السلطنة عليه، و الخيار هو الثاني لا الأول.
نعم يمكن أن يتمسك له بأصالة تأخر الحادث، لأنا علمنا من الاخبار بوجود الخيار عند الرد، فاذا شككنا أنه هل حدث في هذا الزمان أو قبله؟ فالأصل تأخر وجوده و عدمه قبله فيثبت بذلك توقف الخيار على الرد و اشتراطه به.
و فيه: أن هذا الأصل مثبت لوجهين:
أحدهما: عام جار في جميع مجاري أصالة التأخر، حيث أن مرجع هذا الأصل إلى أصالة عدم وجود الحادث في زمان الشك، و هو لا يثبت عنوان التأخر الأعلى القول بالأصل المثبت.
ثانيهما: خاص بالمقام، و هو أن أقصى ما تقتضي به أصالة التأخر هو وجود الخيار في زمان الرد أو بعده، أما اشتراطه بالرد و توقفه عليه فلا، لاحتمال كونهما من المتلازمين أو المتقارنين، فأصالة التأخر لا يثبت علاقة الشرطية و المشروطية، كما هو المدعى. فتأمل.
و كيف كان فلا دليل من الاخبار و لا من غيرها على اشتراط الخيار بالرد و تأخره عنه، نعم لا يظهر من الاخبار وجوده قبله أيضا فهي ساكتة عن زمان الخيار رأسا، فلا بد من التماس دليل آخر، و قد عرفت ما يمكن أن يكون دليلا على وجود الخيار قبل الرد، و ستجييء تتمة الكلام فيه إن شاء اللّه في التكلم في التصرف قبل الرد، فانتظر. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالرد.
و هو الثمن المشروط ردّه، فهو على أقسام لأنه: اما أن يكون جزئيا أو كليا، و الثمن الكلي اما أن يكون في ذمة البائع، كما إذا كان في ذمته دين للمشتري فيبيع العين المبيعة بإزاء ما في ذمته و يشترط له الخيار إذا رد مثل ما كان في ذمته، أو يكون في ذمة المشتري، كما إذا باعه شيئا بدينار كلي.
و الثمن الكلي أو الجزئي اما أن يكون مقبوضا أولا، فإن كان مقبوضا فلا إشكال في ثبوت الخيار باشتراط رده الى المشتري فيفسخ العقد بعد رد المقبوض عينا أو بدلا على التفصيل الاتي إن شاء اللّه. و ان لم يكن مقبوضا، ففي ثبوت الخيار و عدمه وجهان، ذكره الشيخ «قده» في الكتاب.
وجه الأول: ان شرط الرد تعليقي لا فعلي، بمعنى أنه انما يشترط الرد على تقدير القبض، فالخيار ثابت على تقدير عدم القبض مطلقا، و على تقدير القبض بشرط الرد، فكأنه قال: و لي الخيار بشرط رد الثمن على تقدير القبض.
و بعبارة أخرى: المشروط هو ثبوت الخيار للبائع مطلقا قبض الثمن أولا، الا أنه في صورة القبض يكون خياره مشروطا بالرد، فالرد شرط للخيار في صورة القبض لا مطلقا.
و وجه الثاني: أن الخيار مشروط برد الثمن، و حيث أن الرد موقوف على القبض فالخيار أيضا موقوف على القبض و مشروط به لان الموقوف هو
الموقوف عليه.
و بعبارة أخرى: الرد مشروط بالقبض، فشرط الرد في الحقيقة شرط للقبض أيضا فالخيار المعلق على الرد معلق على القبض، فالمشروط عدم بعدم شرطه فحيث لا قبض فلا خيار.
و الحاصل: أن اشتراط الرد ينحل الى اشتراط شيئين: القبض و الرد، فينتفى الخيار بانتفاء ما علق عليه و هو القبض. و في كلا الوجهين نظر.
أما الأول: فلان تنزيل اشتراط الرد على صورة القبض و جعله معلقا على تقدير حصوله تقييد بلا دليل، لان الخيار مشروط برد الثمن على سبيل الإطلاق لا برده على فرض القبض بحيث يكون الخيار ثابتا بدونه أيضا لأنه مصادرة و مخالفة لظاهر إطلاق الشرط، فيحتاج إلى القرينة، فالأخذ بظاهر الشرط يقتضي عدم ثبوت الخيار بدون القبض لانتفاء شرطه و هو الرد.
و أما الثاني: فلان اشتراط الرد ليس اشتراطا للقبض أصلا، و كونه منحلا و راجعا اليه ممنوع، لان كون الخيار مشروطا بالقبض مما لا يترتب عليه غرض و فائدة أصلا، كيف و ثبوت الخيار مع القبض يقضي بثبوته بدونه بالأولى، لأن انتفائه مما لا يضر بحال البائع في ثبوت الخيار له. و وجوده مما لا مدخل له أصلا.
فاشتراط القبض شرط سفهي خارج عن أغراض العقلاء، إذ لا معنى لاشتراط الخيار مع القبض، و عدم ثبوته بدونه أنفع بحال البائع، فكيف يعقل هذا النحو من الشرط، مع خلوة عن الفائدة رأسا.
فالأولى بل الأصوب أن يقال: أن الشرط و ان كان هو رد الثمن، و هو لا يحصل الا بالقبض، الا أن الغرض الأصلي من الرد هو صيرورة الثمن في سلطان المشتري و عوده الى ما كان عليه قبل البيع، و هو حاصل بنفسه قبل القبض أيضا،
فالخيار المشروط بالرد في الحقيقة مشروط بما يترتب عليه من كونه تحت سلطنة المشتري، فان لم يكن مقبوضا فهذا المعنى حاصل بنفسه فله الخيار لحصول شرطه و هو كونه في سلطان المشتري، و ان كان مقبوضا فلا بد من حصول الرد تحقيقا لما هو الغرض منه، فالرد انما يكون شرطا لكونه مقدمة لسلطنة المشتري على الثمن لا لكونه بنفسه متعلقا للغرض، بل الغرض معلق بذي المقدمة فهو الشرط في الحقيقة.
و مع حصول ذي المقدمة لا وجه لاعتبار المقدمة، و حيث أنه حاصل بدون القبض فلا حاجة الى الرد الموقوف على القبض. ثم ان الثمن ان كان جزئيا، فاما أن يشترط رده بعينه، أو يشترط رد ما يعم رد عينه و بدله، أو يطلق اشتراط رد الثمن من غير تعرض للعين أو البدل. فالأقسام ثلاثة.
و هنا قسم رابع و هو: أن يشترط رد خصوص البدل و لم يتعرض له شيخنا «قده» في الكتاب، و لعله لنكتة، و هي: أن هذا الشرط اما عزيمة أو رخصة، فان كان عزيمة، بأن لم يرض المشتري برد عين الثمن فهو باطل، لأنه شرط سفهائي لا يتعلق به غرض العقلاء، إذ كلما يترتب على رد البدل من الأغراض فيتعلق برد العين أيضا بل بالأولى، فحيث لا يتعلق له غرض عند العقلاء فيكون سفهيا، نظير اشتراط كيل المبيع بمكيال مخصوص مثلا، حيث صرح العلامة «قده» ببطلانه لكونه سفهيا.
و لا ينتقض باشتراط رد خصوص العين، لان خصوصيات الأعيان ربما تكون مطلوبة مرغوبة للعقلاء، و لا كذلك البدل، لأنه أمر كلي لا وجود له في الخارج إلا في ضمن المصاديق، فلا يعقل أن يكون بنفسه فائدة مقصودة في العين.
هكذا أفاد «دام ظله» في مجلس البحث، فتأمل.
و ان كان اشتراط رد البدل رخصة لا عزيمة، رجع الى اشتراط الأعم من رد
العين أو البدل، فليس قسما رابعا. فلذا ثلث الأقسام و لم يربع.
أقول: و فيه: أنه ان لوحظ حال البائع فالأمر كذلك، الا أن النقض باشتراط خصوص رد العين بحاله، إذ لا يعقل أن يكون لاشتراط ردها بخصوصها غرض عقلائي، لأن أمر الخيار بيده، فاما أن يشترط الأعم أو يطلق. و كيف كان فله رد العين فاشتراط الخصوصية سفه محض، و حينئذ لا بد من تثنية الأقسام.
و ان لوحظ حال المشتري فيمكن اشتراط كل واحد من الخصوصين عينا أو بدلا، إذ كما يمكن أن يتعلق غرضه بالعين- حسبما ذكر- كذلك يمكن أن يتعلق غرضه بالبدل، بأن تكون العين مبغوضة له فيشترط على البائع رد الثمن على وجه لا يكون البائع مسلطا على رد العين أصلا، فيشترط البدل خاصة. فلذلك أمرنا بالتأمل.
و كيف كان فأحد الأمرين لازم، اما تثنية الأقسام أو تربيعها، فلا وجه للتثليث.
هذا فان اشترط رد العين بخصوصها، فلا خيار له برد البدل، بل يتوقف على رد العين خاصة، فإن تعذر سقط الخيار لسقوط شرطه. و عن بعض الأفاضل احتمال بطلان اشتراط رد العين خاصة، لكونه منافيا لمقتضى العقد، و ان قوى صحته.
و هو كما ترى، و لعله قاسه ببيع الشيء بشرط أن يبيعه المشتري على البائع لأن شرط رد الثمن نظير شرط بيع المبيع عليه.
و في القياس و المقيس عليه نظر. أما الثاني فلمنع كونه أيضا منافيا لمقتضى العقد و بطلانه انما هو من جهة أخرى من إجماع و نحوه. و أما الأول فلوجود الفارق إذ لا وجه لقياس الرد بالبيع و لا للثمن بالمبيع، فتدبر.
و ان اشترط الأعم من رد العين أو البدل، فلا إشكال أيضا في خصوص صورة عدم إمكان رد العين، و أما في صورة التمكن من رد العين، بأن اشترط رد العين
أو البدل مطلقا- أي و لو مع التمكن من ردها- فقد استشكل شيخنا العلامة «قده» بأنه مناف لحقيقة الفسخ، لان حقيقته هو رد العين لو أمكن.
و فيه: أولا- أن شرط الرد لا ربط له بشرط الفسخ فلا ضير في اشتراط الأعم فلو أمكن العين عملا بالشرط لأن (المؤمنون عند شروطهم) فلا وقع للإيراد عليه بأنه مناف لحقيقة الفسخ، لان الشرط ليس هو الفسخ، بل هو الرد، فتتبع كيفية الاشتراط عينا أو الأعم.
و ثانيا- أن حقيقة الفسخ ليست عبارة عن رد العين و لو مع الإمكان، بل حقيقته هو حل العقد، فيختلف باختلاف الموارد، فمع بقاء العين يلزم ردها، و مع تلفها يلزمه رد البدل، فرد العين من لوازم الفسخ و ليس مأخوذا في حقيقته و الا امتنع الفسخ رأسا عند تعذر العين و تلفها و هو باطل.
هذا و لكن يرد على هذا الوجه: أنه لا إشكال في أن الفسخ مع التمكن من العين موجب لرجوعها خاصة، فهو و ان كان خارجا عن حقيقة الفسخ، الا أنه لا ينفك عنه عند التمكن، فالوجه هو ما ذكر أولا.
و كيف كان لا ضير في اشتراط الأعم من رد العين أو البدل مطلقا و لو مع التمكن من ردها أيضا.
و ان أطلق رد الثمن من غير تعرض للعين أو البدل: فظاهر الشرط بل صريحه يقتضي رد العين و عدم كفاية البدل و لو مع عدم التمكن، لان بدل الثمن ليس ثمنا فرده ليس وفاء بالشرط، لكن عن الشهيد «قده» في «الدروس» و «حاشية الشرائع»: أن الإطلاق لا ينزل على العين.
و يشكل: بأن الثمن لا إطلاق له كي يقال أنه ينزل على العين أو يحمل على الأعم، لأن الإطلاق من خواص الأجناس، و الثمن ليس جنسا شاملا للعين و البدل و ليس له فردان بل مفهومه و حقيقته ليس الا العين، فلا بد من تنزيله على العين
لكونها مدلولة ليس الا، و عدم صدقه على البدل أصلا، فتنزيل إطلاقه عليه من باب الإطلاق الذكري، بمعنى أن ذكره بخصوصه و عدم ذكر البدل قاضٍ باعتبار رد العين، إذ لا يشمل الثمن للبدل و لا يطلق عليه الا مجازا، فلا وجه للقول بأنه لا ينزل على العين.
و يمكن دفعه: بأن الثمن و ان كان عبارة عن العين، و لا يشمل البدل، ألا أن القرينة الصارفة قاضية بحمله على الأعم من البدل، و هو أن هذا النحو من البيع و المعاملة انما هو لرفع حاجة البائع لاحتياجه الى الثمن و التصرف فيه لقضاء حوائجه، فلا يكون ذلك غالبا الا مع تلفه و نقله، فهذه قرينة عامة على أن المراد برد الثمن هو الأعم من رد العين و البدل.
نعم لو صرح بإرادة رد الثمن خاصة دون البدل كان هذا صارفا عن هذه القرينة الصارفة، أما لو أطلق فالقرينة المقامية الحالية النوعية أعني احتياج البائع إلى الثمن قاضية بكون الشرط هو الأعم.
و يمكن حمل كلامه على الثمن الكلي الا أنه الأمر في الجزئي أيضا كذلك عند الإطلاق.
هذا كله إذا كان الثمن جزئيا. و أما إذا كان كليا: فان كان في ذمة البائع فالشرط هو رد البدل لا محالة. إذ لا يعقل معه اشتراط رد عين الثمن، لان ما في ذمة البائع يسقط قهرا بجعله ثمنا، إذ لا يملك الإنسان على نفسه شيئا، فيصير كالتالف، فشرط الرد فيه لا معنى له الا اشتراط أداء مثل ما كان في ذمته قبل البيع و ان كان كليا في ذمة المشتري.
ففيه أيضا الأقسام الثلاثة، لكن اشتراط رد العين لا يتعقل الا اشتراطه معلقا على قبض الكلي و تعينه في الفرد الجزئي، و الا فالكلي بنفسه لا يتصور له عين، فلا تجري فيه الأقسام إلا بالتعلق على القبض، فاما أن يشترط رد عين ما يقبضه
بعد البيع و قبض الثمن بأن يقول: و لي الخيار، بشرط أن يرد الفرد من الكلي الذي يقبضه بعد البيع. و اما أن يشترط الأعم من رد المقبوض و مثله، أو يطلق.
و حكم الجميع ظاهر، الا أن حمل صورة الإطلاق هنا على الأعم أوضح و أجلى من حمل الثمن الجزئي عليه، فإطلاق اشتراط رد الثمن الكلي محمولا قطعا على اشتراط رد الأعم مما يقبضه و مثله لدلالة بعض الاخبار عليه.
و هو خبر معاوية بن ميسرة حيث أنه اشترط فيه رد الثمن الى ثلاث سنين و العادة قاضية بعدم بقاء الفرد الخاص المقبوض في تلك المدة قطعا و عدم خلوة عن تصرف ناقل فيه.
و خبر إسحاق بن عمار حيث أن المسؤل عنه فيه هو احتياج الرجل الى بيع داره، فمن المعلوم أن بيع الدار مع الحاجة الى البيع لا ينفك عادة عن التصرف في الثمن، لأنه المراد بالحاجة إلى بيعها. فيدلّان على أن إطلاق رد الثمن الكلي أعم من رد الفرد المقبوض و بدله.
لكن هل يشمل رد البدل حتى مع بقاء الفرد المقبوض أو يختص بمورد تعذره و تلفه؟
فيه: اشكال، و المتيقن منه صورة فقد العين كما لا يخفى.
و لو اشترط رد المثل في القيمي و القيمة في المثلي؟ فقال شيخنا العلامة «قده» فيه وجهان، أما وجه الجواز: فهو إطلاق قوله (المؤمنون عند شروطهم) و أما وجه العدم: فهو أنه شرط مخالف للشرع حيث أن الشارع جعل لكل شيء بدلا، فبدل المثلي هو المثل و القيمي هو القيمة، فاشتراط العكس خارج عن اشتراط رد الثمن عينا و بدلا.
و فيه: أن البدل هو المثل أو القيمة لو لا الشرط، و أما مع الشرط فيتبع كيفيته فان اشترط البدل فهو المثل أو القيمة أما لو اشترط رد المثل في القيمي أو
العكس فليس الشرط حينئذ هو رد البدل حتى يكون ذلك شرطا مخالفا لما جعله الشارع بدلا بل هو بنفسه شرط مستقل مشمول لعموم دليل الشرط.
و يمكن أن يكون وجه العدم ما استشكله في اشتراط رد البدل مع التمكن من العين من أن الفسخ انما يقتضي رد البدل مع التعذر، فاشتراطه مع التمكن خارج عن حقيقة الفسخ، فكذلك يقال في المقام أيضا من أن الفسخ انما يقتضي رد المثل في المثلي و القيمة في القيمي فاشتراط العكس خروج عن حقيقة الفسخ.
و قد عرفت جوابه من أن اشتراط الرد خارج عن اشتراط الفسخ، فلا مانع من اشتراط أداء القيمة في المثلي و بالعكس عملا بعموم دليل الشرط. ثم انه لو اشترط رد العين خاصة، فقد عرفت أن لازمه سقوط الخيار عند تعذر العين بالتلف الا أن يقال أن المراد باشتراط رد العين عدم إتلاف البائع، فلا ينافي تلفه أو إتلاف الغير له، ففي الحقيقة هو شرط للخيار برد الثمن مطلقا عينا أو بدلا إلا في صورة إتلاف البائع له.
و فيه: أن كون هذا هو المراد ممنوع، و دعوى التبادر ممنوعة، إذ لو كان الغرض متعلقا بخصوص العين فلا فرق بين كون سبب التلف هو البائع أو غيره فيسقط الخيار مطلقا. فان كان الغرض معلقا بمالية الثمن، فلا وجه لسقوط الخيار بإتلاف البائع أيضا، بل يبقى مطلقا إذ لا معنى حينئذ لا شتراط رد العين خاصة.
و كيف كان فلا وجه للفرق بين إتلاف البائع و غيره.
من وجهين: أحدهما- التعليق، ثانيهما- فلا بد من الاقتصار فيه على مورد النص ردا و مردودا، فلا يتعدى الى شرط آخر سوى التعليق على رد الثمن، كما لا يتعدى الى غير البيع من العقود.
قال ما هذا لفظه: و إطلاق الرد و الحكم مقصور في اشتراط الخيار بالرد على ما ذكرنا لما ذكرنا فلا يجري لغيره مما يذكره المشترط، كأن يقول: و لي الخيار إذا رددت ثمن بيع آخر، لك أو إذا باع زيد ماله على عمرو أن علي، أو إذا دخل الدار فلان مثلا، للجهالة و التعليق و هما ممنوعان.
كما أن جريان هذا الشرط على هذا النحو من جعل الخيار بعد الرد في غير البيع مشكل، و كذلك في مشابهه كالمؤامرة لحصول شائبة التعليق فيها المنافية لوضع العقود، الا أن يسري الحكم الى غير البيع بأولوية قطعية أو يجعلان معنى الرد و المؤامرة وصفا مقارنا للخيار مقيدان له لا تعليقا عليهما، أو يفرق بين أداة التعليق- فيبطل لظهورها فيه- و بين لفظ مقارن أو متأخر أو مصاحب لرد الثمن فيصح منه و هو الأقوى. انتهى.
و المراد بالأول- و هو قوله: أو يجعلان وصفا مقارنا للخيار. إلخ- هو الفرق بين التعليق و التقييد، فان جعل الرد شرطا لثبوت الخيار على وجه التعليق فيبطل للتعليق و الجهالة. و ان جعل قيدا للفسخ بأن يكون له فعلا الخيار عند الرد لتمكنه في كل زمان من الرد فيصح، إذ لا تعليق في الخيار، بل ثابت في كل آن مقيدا بكونه عند الرد، و حاصله هو الفرق بين الوجهين الأولين من الوجوه الأربعة السابقة.
و المراد بالثاني: هو الفرق من حيث التعبير، فان عبر بأدوات الشرط بأن قال: و لك الخيار ان رددت الثمن، فيبطل بظهورها في التعليق. و ان عبر بأحد الألفاظ الثلاثة، أي المقارن و المتأخر و المصاحب لرد الثمن فيصح بأن يقول:
و لك أولي الخيار المقارن لرد الثمن، أو لك الخيار المتأخر لرد الثمن، أو المصاحب له، فقوله: لفظ مقارن بطريق الإضافة لا التوصيف: أي لفظ هو لفظ مقارن أو متأخر أو مصاحب، أي أحد هذه الألفاظ الثلاثة.
و كيف كان فيرد عليه: أنّه «قده» تمسك في أول المسألة لإثبات صحة هذا الشرط بأمور أربعة: الأصل، و الإجماع، و العمومات، و الاخبار الخاصة.
و ما ذكره هنا من لزوم الاقتصار على شرط رد الثمن و الاقتصار على البيع انما يتم لو كان المدرك هو الإجماع أو الأخبار الخاصة، أما بناءا على التمسك بالعمومات، فلا وجه له بل لا بد من التعدي في كلتا الجهتين.
فان قلت: العمومات مخصصة بقاعدة الغرر.
قلت: فلا وجه للتمسك بها في أصل المسألة، و الفرق بين المقامين مفقود، فلا بد من عدم التمسك أو التعدي و عدم الاقتصار في شيء من الجهتين.
ثم أنه يرد عليه: أنه لا معنى للأصل الذي تمسك به في أصل المسألة لا ثبات صحة الشرط إلا أصالة الصحة.
و فيه: أو مجريها هي الشبهات الموضوعية فالتمسك بها في الشبهة الحكمية- كما في المقام- خروج عن الطريقة.
شرط سقوطه في ضمن العقد، و إسقاطه بعده، و التصرف، و جريان هذه الأمور هنا مشكل.
أما الأول: فلان السقوط فرع الثبوت و لو بحسب المقتضي، فهو انما يتصور في خيار ثابت لولا الشرط، بأن يكون المقتضي هو نفس العقد لولا الشرط و هذا الخيار انما يثبت بالشرط فكيف يتصور شرط سقوطه في ضمن العقد قبل الشرط.
و أما الثاني: فلأنه إسقاط لما لم يجب بناءا على ما هو ظاهر الأصحاب من ثبوته بعد الرد، و هو الوجه الأول من الوجهين الأولين.
نعم يصح على الوجهين الآخرين بناءا على أن تحقق السبب و هو العقد كاف في صحة إسقاط الحق، لكن مقتضى ما حكي عن «التذكرة» من أنه لا يجوز إسقاط خيار الشرط و الحيوان بعد العقد بناءا على أن مبدأها بعد التفرق عدم الجواز هنا أيضا.
الا أن يفرق بأن المشروط هنا مالك الخيار قبل الرد و لو من حيث تملكه للرد الموجب له، فله إسقاطه، بخلاف ما في «التذكرة».
هكذا أفاد شيخنا العلامة «قده»، و حاصله: أن نفس الخيار و ان لم يكن موجودا هنا الا أن استحقاقه ثابت قبل الرد، بمعنى أنه مالك لان يملك باعتبار تمكنه من سببه، و هو الرد. و هذا المعنى- و هو استحقاق مالكية للخيار بنفسه حق قابل للإسقاط- و حاصله يرجع الى إسقاط استحقاقه لان يملك الخيار لا إسقاط نفس الخيار لأنه ليس مالكا لنفس الخيار بل مالك لان يملك الخيار، فتسقط مالكيته لملك الخيار لا أنه تسقط مالكية لنفس الخيار.
و أما الثالث: و هو التصرف، فقد قال شيخنا العلامة الأنصاري في كتابه:
و يسقط أيضا بالتصرف في الثمن المعين مع اشتراط رد العين أو حمل الإطلاق عليه و كذا الفرد المدفوع من الثمن الكلي، و استدل على ذلك بإطلاق ما دل على أن تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه رضي بالعقد و لا خيار.
ثم نسب القول بعدم السقوط إلى المحكي عن المحقق الأردبيلي و صاحب «الكفاية» مستدلا على أن المدار- في هذا الخيار- على التصرف، لأنه شرع هذا البيع الخياري لانتفاء البائع بالثمن، فلو سقط الخيار سقطت الفائدة من هذا البيع، فتصير هذه الحكمة المشرعة و العلة المستنبطة دليلا مخصصا للأدلة الدالة على سقوط الخيار بالتصرف و مستظهرة لبعض الأخبار المتقدمة كالموثق المفروض في مورده تصرف البائع في الثمن و بيع الدار لأجل ذلك.
ورد ذلك العلامة الطباطبائي «قده» في مصابيحه بعد الطعن عليه بمخالفته لما عليه الأصحاب.
بأن محل الكلام من كون التصرف مسقطا انما هو التصرف الذي كان في زمن الخيار و لا خيار قبل رد الثمن، فالقول- بأن التصرف فيه قبل رده ليس
بمسقط- ليس بمحل النزاع و الكلام لان ذلك التصرف ليس في زمن الخيار و ان كان قادرا على إيجاد سببه فان المدار على فعلية زمن الخيار لا على القوة.
و أما بعد الرد فلا ينافي شيء مما ذكر لزومه بالتصرف لان ذلك منه بعد الرد لا ينافي مع الحكمة المشرعة، و ليست الغلبة و التعارف على التصرف حينئذ، فلو تصرف لكان مسقطا للخيار لما علم أن التصرف من ذي الخيار في زمن الخيار مسقط لخياره.
و قد ناقش في ذلك شيخنا في «الجواهر» بأنه يقتضي جهالة مبدأ الخيار حينئذ أولا. و أنه يصدق عرفا زمن الخبار على تلك المدة جميعها ثانيا، و بمنافاته لما تسمعه منهم غير مرة من قبل هذه المدة في زمن الخيار ثالثا.
منها: ما اعتمدوه في رد قول الشيخ بالملك بانقضاء الخيار بهذه النصوص المصرحة بأن المبيع ملك المشتري و الثمن ملك البائع قبل انقضاء مدة الخيار، فلو لا أنها مدة خيار ما اتجه لهم ذلك الأعلى تكلف بعيد. انتهى.
ثم قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: و في الكل- أي في أصل الاستظهار و الرد و المناقشة- نظر.
أما في الأول: فلأنه بعد البناء و الالتزام على سقوط الخيار بالتصرف بإطلاق ما دل على أن تصرف ذي الخيار مسقط لخياره لأنه رضي بالعقد لا مخصص له في مورد اشتراط رد الثمن المعين.
أما كون الدليل الحكمي مخصصا فإنما هو فيما كان الثمن كليا كما هو الغالب المتعارف، فان بناء العقد على التصرف هناك أي فيما كان الثمن كليا و اشترط رد مثل الثمن أو الأعم، اما من جهة حمل الإطلاق عليه أو التصريح به.
و أما في صورة اشتراط رد الثمن المعين فلا يجري المخصص هنا و لا تعارف
المتعاقدين على التصرف، فيبقى حينئذ إطلاق الأدلة الدالة على سقوط الخيار بالتصرف سليما عن المخصص في مفروض الكلام.
و كذلك بعض الاخبار المتقدمة و الموثق المذكور المفروض في مورده التصرف في الثمن فإنه انما هو منزل على ما هو الغالب المتعارف، أعني فيما كان الاشتراط في رد بدل الثمن أو كان الاشتراط مطلقا، و لكن حمل الإطلاق عليه من جهة الغلبة و الانصراف، و لا يدل على عدم السقوط في مورد الكلام.
و أما في الثاني فللنقض: أولا- بمورد الإجماع على سقوط الخيار بالإسقاط القولي فبملاحظة حال الإجماعين يسقط ما ذكره في المصابيح بتقريب أن يقال مع الغض عن أن حدوث الخيار بعد الرد لا يتم الأعلى أحد الوجوه السابقة فلو قلنا أن زمن الخيار ليس قبل الرد بل انما هو بعده.
و لكن نقول: الظاهر عدم الاشكال و عدم الخلاف على أن إسقاط الخيار بالقول قبل الرد جائز و مسقط للخيار و ان الإجماع قائم على أن المسقط الفعلي كالمسقط القولي، فكما أن إسقاط القول قبل الرد إجماعي كذلك كون التصرف الذي هو مسقط فعلي كالقولي بالإجماع فينتج إسقاط الخيار قبل الرد بالمسقط الفعلي بالإجماع أعني التصرف.
فبطل ما في «المصابيح» من أن التصرف المسقط ما وقع في زمن الخيار.
و أما في الثالث- أعني المناقشة-: فحاصله المنع من كون مطلق الجهالة مضرا، نعم انما كان مضرا إذا لم يكن محدودا لا باعتبار نفسه و لا باعتبار أسبابه، و أما إذا كان زمان التسليط على الرد الموجب لحصول الخيار و السلطنة على الفسخ لو شاء فلا يقدح.
نعم مقتضى ما ذكره العلامة «قده» في «التذكرة» من أنه لا يجوز اشتراط الخيار من حين التفرق إذا جعلنا مبدأه عند الإطلاق من حين العقد عدم جواز اشتراط الخيار
بعد الرد أيضا لأنه كما أن حصول التفرق هناك مجهول كذلك حصول الرد هنا مجهول. و لكن قال «قده»: لكن الفرق يظهر بالتأمل.
و غاية ما يمكن أن يقال في الفرق بين المقامين أحد الوجوه الثلاثة:
أحدها: أنه بعد ما قلنا بأن الخيار بدون الاشتراط ثابت من حين العقد فاشتراطه من حين التفرق شرط مخالف لما اقتضاه العقد، فان الثابت بالعقد ثبوت الخيار من حينه.
فعلى هذا القول يكون شرطه من حين التفرق لا من حين العقد مخالفا لما يثبت بالعقد، فكل شرط ينافي مقتضى العقد و ما ثبت به باطل بالاتفاق.
و فيه: ما لا يخفى، لان محل الاتفاق في بطلان الشرط ما كان منافيا لمقتضى العقد و أما ما كان منافيا لإطلاقه فلا دليل على البطلان، بل أكثر الشروط الصحيحة لو لم تكن كلها- منافية لإطلاق العقد كما بسطنا بعض الكلام فيه- فيما سبق- و سيجيء تمامه فيما سيأتي.
و لا ريب في كون مبدأ الخيار من حين العقد انما هو من جهة الإطلاق كما هو صريح التذكرة، بقوله: إذا جعلنا مبدأه عند الإطلاق. و مع ذلك لا وجه لان يقال في وجه عدم جواز الاشتراط: أن الشرط باطل لكونه منافيا لمقتضى العقد.
و ثانيها: أن الخيار هناك انما جاء من قبل الشرط، بخلاف المقام، فان الخيار هنا انما جاء من جهة الاشتراط، و هذا الوجه ما اعتمده شيخنا الأستاذ في سالف الزمان.
و توجيهه: ان ما ذكره من «التذكرة» من البطلان هو ما كان الخيار مجعولا بحسب الشرع عند الإطلاق من حين العقد كخيار الحيوان، فإنه إذا جعلنا مبدأه عند الإطلاق من حين العقد، فجعله من حين التفرق بسبب الاشتراط يوجب البطلان، لعدم جواز تغيير ما يثبت من جهة نفس العقد، و أما هذا الخيار- أعني
خيار الشرط- فهو بيد الشارط مانع لما اشترطه، فاذا اشترط ثبوته بعد الرد فيتبع، فيحكم بالصحة.
و فيه: أيضا ما لا يخفى، لأنه لا فرق في لزوم الجهالة في مدة الخيار بين ما كان الخيار ثابتا من جهة العقد فاشترط ثبوته بعد التفرق أو ما كان من جهة الشرط، فاشترطه بعد الرد، فكما أن اشتراط الخيار بعد التفرق باطل لإيجابه الجهالة في مدة الخيار حيث لم يعلم زمان التفرق، فكذلك اشتراطه بعد الرد أيضا باطل للجهالة في مدة الخيار حيث لم يعلم زمان الرد.
هذا، و يرد على كلا الوجهين معا: أنهما اجتهاد في مقابل النص، فان الوجهين مبنيان على أن المراد من الخيار الذي ذكره العلامة في «التذكرة» غير خيار الشرط، و أن الوجه في بطلانه غير لزوم الجهالة في مدة الخيار.
فهذا خلاف ما صرح «قده» فإنه «قده» علله في ذيل العبارة المذكورة بلزوم الجهالة في زمان الخيار، و أن المراد من الخيار هو خيار الشرط و من الإطلاق في قوله عند الإطلاق هو إطلاق الاشتراط من دون تقييده من حين العقد، أو من حين انقضاء خيار المجلس، أو خيار الحيوان مثلا.
فالوجه حينئذ في بطلان اشتراط الخيار من حين التفرق هو لزوم الجهالة في مدة الخيار بسبب جهالة زمان التفرق كما صرح به بهذا التعليل، فحينئذ يشكل الفرق بين اشتراطه بعد الرد و بين اشتراطه بعد التفرق، حيث أن زمان التفرق و زمان الرد كلاهما مجهولان، فلا وجه للتفكيك بينهما بالصحة في الأول و البطلان في الثاني.
فتعين أن الصواب في وجه التفرقة هو الوجه الثالث و هو أن يقال: أن الخيار المعلق على الرد المجهول زمان تحققه غير قادح، لأن أمر الرد بيد الشارط و مقدور له من أول العقد الى انقضاء المدة، فلا يتفاوت حينئذ كون الزمان زمان الخيار
أو زمان إيجاد الخيار بإيجاد سببه و هو الرد بخلاف التفرق لأن أمره ليس بيد الشارط البائع و ليس مقدورا له، لان ثبوت التفرق و ارتفاعه انما يحصل بسبب اختيار البائع و اختيار المشتري معا.
فلو أراد البائع الشارط التفرق لم يكن مقدورا له، لأنه ربما يصاحبه المشتري لئلا يحصل التفرق الذي هو زمان خيار المشترك و المحدث للخيار المختص للشارط البائع.
فتعين أن التفرق المحدث للخيار ليس بيده، فجهالة زمان حدوث الخيار فيه قادحة، دون ما نحن فيه، و هذا هو الفرق و المتعين فيما أراده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من قوله: لكن الفرق يظهر بالتأمل.
فلنعد الى ما ذكره شيخنا العلامة «قده» في كتابه: في أصل الاستظهار و الرد و المناقشة نظر. و قد بيّنا ما ذكره في وجه ملخصا.
أقول: في تنظيره فيما ذكره المحقق الأردبيلي «قده» و في الرد و في المناقشة نظر.
أما في الأول: فلان نسبة القول بعدم سقوط الخيار بالتصرف في الثمن المعين مع اشتراط رد العين، ثم الإيراد عليه- بأنه لا تخصص لدليل سقوط الخيار بالتصرف- ظاهر الفساد، لأن الأردبيلي «قده» لا يقول بأن التصرف غير مسقط للخيار في مفروض كلامه.
و محل النزاع- حسب ما حرره- أعني ما كان الثمن معينا مع اشتراط رد العين أو حمل الإطلاق عليه، ضرورة أنه لم يقل به متفقة فضلا عن مثل المحقق الأردبيلي «قده» أن التصرف لا يسقط الخيار فيما كان الثمن معينا و مشروطا برد عينه لا مثله و بدله.
فمن المعلوم إذا اشترط رد الثمن بشخصه و عينه لا بد من أن يكون تصرفه
و إتلافه مسقطا للخيار حينئذ قطعا، إذ بعد إتلاف عين الثمن عقلا أو شرعا لا يحصل الشرط المحدث للخيار أبدا فيكون ذلك التصرف مسقطا له قطعا.
فمع ذلك لا سبيل الى نسبة الخلاف في مثل تلك الصورة إلى مثل الأردبيلي «قده»، بل المحقق الأردبيلي «قده» انما يقول بعدم كون التصرف مسقطا فيما كان المشروط رد الأعم من الثمن و بدله، فإنه إذا اشترط رد الأعم من العين و البدل فلا يكون التصرف في العين حينئذ مسقطا للخيار، لعدم كشفه عن رضائه بالعقد، بل بناء المتعاقدين و غرضهما هو انتفاع البائع من الثمن و تصرفه فيه كما هو مقتضى شرطهما، حيث اشترطا الأعم، فحينئذ لو سقط الخيار سقطت الفائدة من جعل الخيار للبائع و يكون الاشتراط لغوا.
و من جهة ذلك قال: ان المدار في هذا الخيار على التصرف. و استظهره من الخبر الموثق المتقدم المنزل على ما هو الغالب المتعارف من بناء المتعاقدين على التصرف في الثمن و اشتراطهما رد الأعم من الثمن و بدله.
و هذا هو محل النزاع- أعني فيما كان المشروط رد الأعم من عين الثمن و بدله.
هذا و قد وقع النزاع في أن التصرف هل هو مسقط للخيار أم لا؟ فمن ذهب الى المسقطية، قال: بأن التصرف كاشف عن رضائه بالعقد، فيكون مشمولا لإطلاق الأدلة الدالة على سقوط الخيار بالتصرف.
و أما المحقق الأردبيلي «قده» أنكر ذلك و قال بعدم المسقطية، لأن بناء المتعاقدين في هذا العقد المشروط يرد الأعم من الثمن و البدل على التصرف في الثمن مع جعل الخيار للبائع عند حصول الرد كما تقتضيه الحكمة المشرعة لهذا العقد.
و الخبر الموثق بل القول بالمسقطية في مفروض الكلام غير معلوم، و لذا قد يقال: بأن النزاع بينهم لفظي بمعنى أن من يقول بسقوط الخيار بالتصرف انما
هو في صورة اشتراط رد عين الثمن بخصوصه، و من يقول بعدم سقوط الخيار انما هو في صورة اشتراط رد الأعم من الثمن و البدل، فارتفع النزاع بينهم.
فكأن شيخنا العلامة الأنصاري خرج عن محل النزاع و اشتبه في مجرى محل النزاع، و أورد على المحقق المذكور بما سمعته.
و أما في الثاني فلانة لا نسلم الإجماع على سقوط الخيار بالإسقاط القولي قبل زمان الخيار أولا، و لو سلمنا فيكون هو الفارق بين الإسقاط الفعلي و القولي ثانيا.
فيكون إلحاق الفعلي بالقولي مصادرة صرفة.
ثم قال «قده»: ان هذا مبني على الوجه الأول المتقدم من الوجوه الخمسة في مدخلية الرد في الخيار، و لا دليل على تعينه.
و فيه: أن ذلك انما يقول بظهور الأخبار بالنسبة إليه أو أنه يقتضيه مدلول الجملة الشرطية الواقعة في متن العقد، بأن يقال: ان رددت إلى الثمن فيكون لك الخيار أو يكون المثمن لك، و لا أقل من الاحتمال، فمقتضى أصالة عدم ثبوت الخيار حتى يحصل الرد هو تعين الوجه الأول.
و أما في الثالث: فلان الجهالة مبطلة مطلقا للزوم الغرر و الجهالة، سواء كان زمان التسلط على الرد محدودا معلوما أم لا، فان كون أمر الرد بيده لا يكفي في عدم مجهولية زمان الخيار فيكون مجهولا من جهة جهالة المبدأ كيف و لازم ما ذكره جواز تعليق الخيار على كل ما كان أمره بيده مع تحديد مدة ذلك الأمر، كأن يقول «بشرط أن يكون لي الخيار ان صليت في المسجد أو أكرمت زيدا» أو نحو ذلك الى سنة. و الالتزام به في غاية الاشكال، و القول بعدم كون هذه الجهالة غير قادحة، ليس ببيّن و لا مبيّن.
فالحق في المقام أن يقال: أنه إذا اشترط رد الأعم من الثمن و بدله كان التصرف في الثمن ليس مسقطا للخيار، كما ذكره المحقق الأردبيلي «قده» و أما إذا اشترط رد عين الثمن كان التصرف المتلف مسقطا للخيار قطعا.
و من هذا يمكن أن يقال في مجرى محل النزاع: أن النزاع بينهم لفظي، فمن يقول بالمسقطية انما هو في الصورة الثانية، و من يقول بعدمه انما يقول في الصورة الاولى، مع كون مرادهم من التصرف: التصرف المتلف.
أو يقال في مجرى محل النزاع: أن نزاعهم انما هو في صورة الإطلاق من غير تقييد برد عين الثمن أو الأعم، فيكون النزاع في الصغرى، أي في تنزيل الإطلاق على الصورة الاولى، و لا يكون التصرف حينئذ مسقطا، أو في تنزيله على الصورة الثانية فيكون مسقطا.
فالنزاع المتعقل في الجملة هو صورة الإطلاق في الرد مجردا عن تقييده بالعين الخاصة أو الأعم منه و من بدله، أو كان المراد من التصرف مطلق التصرف الغير المنافي لرد العين، كالركوب و الاستخدام، فيتعقل النزاع حينئذ فيما اشترط رد العين، خاصة أيضا.
فمن يقول بالسقوط بمجرد التصرف، لا طلاق أدلة تصرف ذي الخيار في زمن الخيار مسقط للخيار، لكونه كاشفا عن الرضا بالعقد. و من يقول بعدمه لخروج خصوص هذا البيع الخياري عن مورد تلك الأدلة من جهة بناء المتعاقدين، و المدار في هذه المعاملة على التصرف. فتدبر جيدا.
استشكل في صحته بعض الفقهاء، و هو في محله، بل التحقيق بطلانه، للتعليق و الجهالة أما التعليق كما أنه مبطل إذا وقع في الإيجاب و القبول كذلك في الشروط، إلا إذا ورد الدليل على صحته و أما الجهالة: فكذلك موجب للبطلان و لو كان في الشروط لإطلاق الأدلة النافية للغرر من الإجماع و الاخبار.
نعم إذا ورد في مورد خاص دليل مخصص لأدلة الغرر يتبع ذلك و هو في المقام مفقود، إذ الاخبار الواردة في الباب منصرفة أو صريحة إلى صورة الإطلاق في اشتراط رد الثمن أو في صورة رد الأعم من الثمن و بدله، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار المذكورة.
فعلى هذا: فالقسم الأول- أعني شرط رد العين- باطل لعدم الدليل على صحته مع إيجاب الغرر و الجهالة بطلانه.
بمعنى أنه: هل يكفي رد بدل الثمن مع إبقائه لو اتفق عدم تصرف البائع فيه أم لا، بل لا بد من الفسخ من رد العين حينئذ؟.
فقيل بلزوم رد العين، لأنه مع بقائها لا معنى للبدلية و لو شرط الأعم، فإن فائدة الاشتراط عند صورة التلف، فيرد البدل و يحصل الخيار عند اشتراط الأعم و الا فليس له الرد.
و قيل: لا يلزم رد عينه، بل يجوز إبقائه لأنه ملكه ورد مثله و بدله للثبت على الخيار تجمدا بمقتضى شرطه و لعله الأقوى.
فهل تصرفه مسقط للخيار أو تصرف المالك؟ و قد ذكره بعض الفقهاء و قال:
و التحقيق أن يقال: أن التصرف المسقط اما نقول به للتعبد أو للكشف عن الرضا النوعي أو الشخصي.
و على الأول: لا يكون مسقطا للخيار، لا من المالك و لا من الأجنبي، لأن تصرفهما خارج عن مصب الاخبار. أما المالك: فلعدم كونه ذا الخيار، و أما الأجنبي: فلعدم كونه مالكا، مع انصراف الاخبار عن تصرف الخيار إذا كان مالكا.
و على الثاني:. (1).
لو تلف المبيع كان من المشتري، سواء كان تلفه قبل رد الثمن أو بعده. أما قبل رده قال في «الجواهر» كما أن النماء له- أي للمشتري- فالتلف منه بلا خلاف، للصحيح و الموثق.
أقول: كون التلف على المشتري- بناءا على مذهب الحق و المشهور- على القاعدة، لأنه ملك له و معلوم أن تلف الملك على مالكه، و انما الإشكال بناءا على مذهب الشيخ و من تبعه، حيث أنه ذهب الى أن الملك انما يحصل بعد انقضاء الخيار.
فمقتضى كون التلف من المالك أن تلف المبيع قبل الرد على البائع على هذا المذهب لأنه لم يحصل الملكية قبل انقضاء الخيار.
و لكن الظاهر أن دعوى عدم الخلاف في أن التلف على المشتري عدم خلاف الشيخ أيضا، فلا بد من بيان الوجه في ذلك، فنقول:
أن مذهب الشيخ في حصول الملكية بعد انقضاء الخيار في الخيارات المنفصلة كما في المقام، حيث أن الخيار انما يحدث بعد حصول الرد على مذهب المشهور و كما في تأخير الثمن و أمثال ذلك لا يخلو من وجوه ثلاثة:
أحدها: حصول الملكية اللازمة للمشتري قبل حدوث الخيار، فاذا حدث الخيار- كما في صورة تحقق الرد و تأخير الثمن- يعود الملكية إلى البائع، ثم ان حصل الفسخ يبقى في ملك البائع، و ان انقضى زمان الخيار و لم يحصل الفسخ من ذي الخيار تحصل الملكية للمشتري.
و هذا الوجه و ان كان بعيدا- كما أشار إليه في «الجواهر»- للزوم عود الملكية إلى البائع بلا سبب، الا أن كون التلف قبل الرد على المشتري يكون على القاعدة، لأنه ملك له.
1) هنا فراغ بمقدار أسطر.
و الثاني: ان الشيخ انما يقول في الخيارات المنفصلة على طريقة المشهور بثبوت الخيار من أول الأمر، بمعنى أنه ليس في الشرع على مذهب خيار منفصل بل الخيار في المقام و في تأخير الثمن ثابت من حين العقد، غاية الأمر يكون تأخير الثمن كاشفا عن ثبوت الخيار من حين العقد، كما ذكر هذا الوجه الشيخ الورع وجها على مذاق الشيخ.
و الثالث: عدم حصول الملكية للمشتري أصلا في الخيارات المنفصلة حتى ينقضي زمان الخيار، غاية الأمر في زمان الخيار كان لذي الخيار الفسخ و إخراج ملكيته عن التزلزل، و أما قبل مجيء زمان الخيار أي قبل حصول الرد و قبل تحقق التأخير ليس للبائع الفسخ و إخراجه عن التزلزل.
فعلى هذين الوجهين كان المبيع في ملك البائع من دون انتقاله إلى المشتري ملكا متزلزلا بسبب إيقاع العقد، الا أنه على الوجه الأول كان له الخيار- أي للبائع أن يفسخ- و تستقر الملكية لنفسه، حيث ان الخيار ليس منفصلا، و أما على الوجه الثاني- أي على الوجه الأخير: ليس للبائع ذلك بل تترتب عليه آثار الملكية اللازمة للمشتري فلا يقدر البائع على الفسخ و استقرار ملكية المبيع لنفسه و ان كان ملكا له.
و أوجه الوجوه هو الأخير. فالوجه في كون تلف المبيع على المشتري حينئذ أن يقال: أما في الوجه الثاني: فلانة و ان كان ملكا للبائع الا أنه لما كان قبل الرد أيضا زمن الخيار فيكون تلفه على المشتري بقاعدة أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له و كذلك على الوجه الأخير فإنه و ان لم يكن ملكا للمشتري و ليس للبائع أيضا خيار فعلي. الا أن المناط القاعدة، أعني تزلزل الملك يجري هنا بمعنى أن المبيع في شرف أن يكون ملكا للمشتري و كان البائع أيضا في شرف كونه ذا الخيار، فيجري على البائع و المشتري حكم التلف المقرر لذي الخيار
و من عليه الخيار.
هذا غاية التوجيه على مذهب الشيخ في كون التلف على المشتري قبل رد الثمن و ان كان بعيدا.
أقول: و يمكن أن يقال أيضا في كون التلف على المشتري قبل رد الثمن- على مذهب الشيخ- حيث لم يدخل في ملك المشتري كما هو مقتضى الوجهين أنه لا ينقص حينئذ عن المقبوض بالسوم بل هو عينه على مذهب الشيخ فكما أن المقبوض بالسوم تلفه على المشترى كذلك تلف المقبوض للمشتري عليه. و لا اشكال ان يده حينئذ ليست من الأيدي التي لم يتطرق عليها الضمان.
هذا كله قبل رد الثمن. و أما إذا تلف المبيع بعد رد الثمن: فقد أرسله شيخنا العلامة الأنصاري أن تلفه أيضا على المشتري.
و هذا الإطلاق حسن على القول باحتياج الفسخ بعد الرد، لأنه حينئذ ملك للمشتري، فما لم يفسخ- و ان حصل الرد- يكون تلفه على المشتري لأنه مالك له، مضافا الى أنه في زمن الخيار، فيكون تلفه على من عليه الخيار.
و أما على القول بالانفساخ بمجرد الرد، أو أن الرد فسخ فعلي، فيشكل حينئذ أن المبيع بعد الرد صار ملكا للبائع، فيكون تلفه حينئذ على البائع دون المشتري. الا أن يقال أن يد المشتري حينئذ لم تخرج عن يد ضمان، إذ يده كانت يد ضمان قبل الرد، فتستصحب أيضا بعد الرد. فتأمل.
و الذي يسهل الأمر أن هذه الفروع و إطلاق شيخنا العلامة «قده» انما هو على مذهب المشهور، فتكون يد المشتري يد ضمان كما صرح به في «الجواهر» و أما سقوط الخيار و عدمه: فظاهر المشهور عدم سقوط الخيار مع تلف المبيع لان الخيار حق تعلق بالعقد لا بالعين، فيفسخ و ينحل العقد، فيسترد المثل أو القيمة عند تلف العين.
نعم على القول بتعلق حق الخيار على العين يدور مدار العين. و لكن هذا القول ضعيف كما سمعت سابقا و ستسمع فيما يأتي تفصيلا إن شاء اللّه، لأن القاعدة المقررة عند المشهور: أن تلف المبيع في زمن الخيار لا يسقط الخيار الا أن يدعى في خصوص المقام بأنه و ان كان المقرر عند المشهور عدم سقوط الخيار في سائر الخيارات الا أنه في هذا البيع الخياري خصوصية توجب لعدم ثبوت الخيار مع التلف كما ذكره شيخنا العلامة «قده».
و يحتمل عدم الخيار. و الوجه في ذلك قد يقال: أن غرض البائع من جعل هذا الخيار استرداد عين ماله، و لا يتم الا بالتزام إبقائه حتى يفسخ لو شاء. و أما لو تلف المبيع فلم يتعلق غرض البائع على مثله و بدله فلا ينتقض بسائر الخيارات كخيار المجلس و الحيوان و الشرط، لان غرض المتبايعين انما تعلق بمالية المبيع إرفاقا لذي الخيار المجعول له الخيار بحسب الشرع. و أما في هذا الخيار انما جعل الخيار لغرض استرجاع العين.
و قد يقال أيضا بوجه آخر في عدم الخيار و هو: أن ظاهر حال المتبايعين اعتبار بقاء المبيع في ذلك، و منشأ الظهور هو انصراف حال الشارط إلى إبقاء العين ثم استرجاعه عند الفسخ. و من ذلك يظهر الوجه في وجوب إبقاء المشتري العين و عدم جواز تصرفه الى انقضاء المدة بخلاف سائر الخيارات، فيجوز التصرف في زمن الخيار فيها.
و كيف كان ففي المسألة أقوال ثلاثة:
قول: بثبوت الخيار مطلقا، سواء كان قبل رد الثمن أو بعده، و سواء تلف المبيع أم لا، كما أطلق شيخنا العلامة «قده» في كتابه، و نسبناه الى المشهور، و عللناه بأن الخيار حق يتعلق بالعقد و ليس بمنوط على بقاء العين و عدمه.
و قول: بعدمه مطلقا، كما احتمله في الكتاب بناءا على أن مورد هذا الخيار
هو رد الثمن و ارتجاع العين.
و قول: بالتفصيل في التلف بين قبل رد الثمن و بين بعد رده، فيسقط الخيار في الأول دون الثاني، كما اتجه له شيخنا في «الجواهر» حيث قال: و كما أن النماء له- أي للمشتري- فالتلف منه بلا خلاف، للصحيح و الموثق بل هو كذلك و ان كان بعد الرد، الا أنه مضمون عليه، لأنه وقع في زمان خيار البائع، فله حينئذ الفسخ ثم الرجوع الى المثل و القيمة، بخلاف التلف قبل الرد، الذي ليس هو زمن الخيار كي يستحق الرجوع عليه، بل المتجه سقوط الخيار. انتهى.
و لا يخفى أن هذا التفصيل منه «قده» مبني على مذهب المشهور، من أن زمان الخيار انما هو بعد الرد و أن الفسخ انما يحصل بإنشائه لا بمجرد الرد، و لا إشكال في ذلك، و انما الإشكال في وجه التفصيل و هو أن يقال: أنه لو تلف المبيع بعد رد الثمن الذي هو زمن الخيار للبائع تصير العين مضمونة على المشتري، بمعنى تعلق حق خيار البائع على بدلها، فيكون البدل قائماً مقامه عند الشارع، فكان من عليه الحق- أعني المشتري- في المقام مكلف على إخراج ذمته عن حق ذي الخيار أعني البائع- اما بالعين أو ببدلها.
فلكون ذلك زمن الخيار يصير البائع ذا حق في كل آن من الآنات، أما قبل التلف فواضح، و أما بعد التلف: فلتعلقه على بدلها في ذمة المشتري.
فيتعلق حقه الثابت على ارتجاع العين على بدلها عند تلفها، حيث أن التلف انما حصل في زمان ثبوت الحق، فلا يسقط الخيار حينئذ لبقاء موضوعه و حصول الثمرة في جعل الخيار و بقائه.
فإن المبيع مضمون على المشتري في زمن الخيار بمعنى لو فسخ العقد يتعلق الحق على ارتجاع العين أو على بدله عند التلف، بخلاف ما كان تلف المبيع قبل رد الثمن الذي ليس هو زمن الخيار، لان المبيع عند تلفه ليس
مضمونا على المشتري حينئذ، لأن الشخص لا يضمن على نفسه عند تلف ماله و ليس متعلقا لحق الغير عند التلف حتى يتعلق حقه ببدله فيكون ثبوت الخيار حينئذ- أي إذا تلف قبل رد الثمن- مما لا وجه له، إذ المفروض انه لم يثبت قبل رد الثمن- كما عليه المشهور- و بعد رده لم يبق موضوع المبيع بعد، فيلغو جعل الخيار حينئذ، إذ تلف المبيع لم يكن في زمان تعلق الحق حتى يتبدل منه الى بدله.
و هذا هو الوجه للتفصيل الذي ينبغي أن يذكر في المقام.
و بهذا البيان يندفع ما أورده بعض المعاصرين من السادة على عبارته المحكية من منافاته لما استظهر كون الخيار في مجموع المدة، و من أن كون ضمان المبيع على المشتري انما هو بمقتضى القاعدة الأولية، فلا سبيل حينئذ إلى إجراء قاعدة التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له لأنها انما ثبت في مورد مخالفة القاعدة الأولية لا مطلقا.
و من أن مقتضى جريان قاعدة التلف حصول الانفساخ كما في قاعدة التلف قبل القبض لاخبار الفسخ.
وجه الاندفاع واضح.
أما الأول: فلما ذكرنا من أن هذا الفرع انما هو مبني على مذهب المشهور فلا منافاة لاختياره غيره في أصل المسألة.
و أما الثاني و الثالث: فلعدم تمسكه بقاعدة التلف، حتى يقال أنه ليس من مجاريه و أن لازمه الانفساخ لا الفسخ.
و لعله انما اشتبه عليه الأمر من قول صاحب «الجواهر» في عبارته المحكية، لأنه مضمون عليه و قد عرفت المراد منه.
و ليس الغرض منه أن تلف المبيع على المشتري للقاعدة بل انما المقصود
الفرق بين زمن الخيار و غيره، حيث أن المبيع مضمون على المشتري في زمن الخيار، بمعنى يتعلق حق الارتجاع على العين أو على بدله بخلاف صورة ما لم يكن في زمن الخيار، فان المبيع حينئذ تلف من دون تعلق حق به أو ببدله لعدم جعل الخيار قبل الرد و بعد الرد فقد انتفى الموضوع، فلا فائدة لثبوت الخيار حينئذ.
نعم يرد على هذا التفصيل من النقض و الحل حسبما يأتي ذكره عند التكلم في تلف الثمن، فانتظر.
هذا كله في المثمن، و قد ظهر لك أن الحق في التلف أنه على المشتري لأنه ملك له، و في الخيار عدم سقوط خياره، لما قرر أن التلف في زمن الخيار لا يسقط الخيار، لأنه حق متعلق بالعقد لا بالعين.
و أما الثمن: فلو تلف، فلا يخلو اما أن يكون بعد الرد و الفسخ أو قبلهما أو بعد الرد و قبل الفسخ. أما في الصورة الاولى فلا اشكال- ظاهرا- أنه من المشترى لأنه صار ملكا له بسبب الفسخ.
و أما في الصورة الثانية: وجهان بل قولان مبنيان على عموم القاعدة المقررة عندهم- أعني أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له- على الثمن أيضا و التعدي من المورد المنصوص الى غيره و عدم العموم في تلك القاعدة المخالفة للقاعدة الأولية.
و قد اختار الأول شيخنا العلامة الأنصاري «قده» تبعا لغير واحد، بقوله:
لكن الظاهر من إطلاق غير واحد عموم القاعدة للثمن و اختصاصها بالخيارات الثلاثة- أعني خيار المجلس، و الحيوان و الشرط- و يؤيده المناط الذي ذكره الفقهاء في طي كلماتهم من تزلزل العقد، فان التزلزل كما يكون في المثمن كذلك
يكون في الثمن- أي كما يكون الخيار في ارتجاع المبيع ورده كذلك يكون في ارتجاع الثمن ورده.
و ذهب الى الثاني شيخنا في «الجواهر» من أن التلف على البائع لاختصاص تلك القاعدة بالثمن مستظهرا برواية معاوية بن ميسرة، قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّه عليه السّلام من رجل باع دارا من رجل و كان بينه و بين الذي اشترى الدار خلطة، فشرط: انك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين، فالدار دارك فأتاه بما له؟
قال عليه السّلام: له شرطه. قال له أبو الجارود: فان هذا الرجل قد أصاب في هذا المال في ثلاث سنين؟
قال عليه السّلام: هو ماله، و قال عليه السّلام: أ رأيت لو أن الدار احترقت، من مال من كانت؟ يكون الدار دار المشتري.
ثم نسب الخبط الى بعض الأعلام الناشي من الوهم من أن المراد من قاعدة التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له و انها أعم من الثمن و المثمن، و خيار الشرط و الحيوان و غيرهما.
ثم قال: و هو من غرائب الكلام، ضرورة كون النص و الفتوى في خصوص المبيع دون الثمن.
ثم ان وجه الاستظهار: فيه خفاء بل منع كما قال شيخنا العلامة «قده»:
لم أعرف وجه الاستظهار، إذ ليس فيها الا أن نماء الثمن للبائع و تلف المبيع من المشتري و هما إجماعيان و هذا مبني على أن يكون الاستظهار من جهة المقابلة حيث استعجب السائل من جهة نماء الثمن بقوله: فان هذا الرجل قد أصاب في هذا المال؟ فقال الامام عليه السّلام: أ رأيت لو أن الدار احترقت، من مال من كانت؟
بمعنى أن نماء الثمن للبائع لا استعجاب له، بل تله أيضا عليه، كما أن المبيع
كالدار لو تلفت يكون من المشتري و نمائها أيضا له.
فمن ذلك أورد عليه: أن الرواية لم يثبت منها هذا التعميم بل انما الثابت منها نماء الثمن و تلف الثمن فقط.
أقول: يمكن أن يكون وجه الاستظهار شيء آخر، و هو ترك الاستفصال من قوله عليه السّلام: له شرطه بعد قول السائل: فشرط انّك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين، فان قوله «أن أتيتني بمالي» مطلق، سواء تلفت عين المال أم لا، و سواء كان ذلك التلف قبل رده، أو بعده قبل الفسخ. فلا بد في جميع الصور حصول الرد من البائع ليتحقق قوله «له شرطه» أي للمشتري أن يقول: جئني بمالي عينا أو بدلا حتى تكون الدار دارك، فاذا تلفت عين الثمن فلا بد عليه من إتيان بدله، سواء كان التلف قبل الرد أو بعد حتى تكون الدار داره، فلو كان التلف من المشتري حينئذ يصير لازمه انفساخ العقد و لم يبق للمشتري حينئذ شرط فلا يبقى لقوله «له شرطه» محل في هذه الصورة.
و كيف كان، الظاهر هو عدم العموم في القاعدة حتى يجري في الثمن، لان مدركها مع كونها خلاف الأصل ليس الا الاخبار، و هي لا تدل على العموم، بل لا بد من الاقتصار على مورد القدر المتيقن، أعني ما كان التلف في المبيع في خيار الحيوان و الشرط، لأن الأصل: «تلف كل شيء على مالكه» و يخرج من هذا ما ثبت بالدليل و لم يثبت أكثر مما ذكره شيخنا في «الجواهر» من أنها مختصة بالمبيع في الخيارات المختصة، مع أنها مخالفة لقاعدة الخراج بالضمان بضميمة الإجماع على أن النماء في الثمن للبائع.
و لكن قاعدة التلف لو كانت جارية لكانت حاكمة على قاعدة الخراج لان معنى كون التلف على غير ذي الخيار أن ينفسخ البيع قبل التلف آنا ما ليكون التلف في ملك من لا خيار له، و مقتضى قاعدة الخراج أن الضمان على المالك
للعين، فلا منافاة.
نعم لو أخذنا بعموم قاعدة الخراج، و قلنا: أن كل من له النماء يكون ضامنا لتلف العين و ان لم يكن مالكا لها كالمستعير و المستأجر و المباح له المنفعة و نحو ذلك، خرج ما خرج و بقي الباقي ارتفعت الحكومة، لكن من المعلوم أنه ليس كذلك، إذ لا يستفاد من القاعدة أكثر مما ذكرنا من أن المالك ضامن.
و الحاصل: أن الرواية تدل على أن تلف الثمن من البائع، فيجب عليه بعد التلف رد بدله لو أراد الفسخ و استرجاع المبيع عملا بالشرط قضية لإطلاق السؤال و قوله عليه السّلام «له شرطه».
فلا يقال: أن غاية ما تدل الرواية أن الرد مستلزم لكون الدار دار البائع و هو حاصل بناءا على كون تلف الثمن من المشتري أيضا، لأن لازم الانفساخ أيضا صيرورة الدار دار البائع.
لأنا نقول: قوله عليه السّلام: له شرطه، يدل على أن ذلك من باب الاشتراط و الوفاء بالشرط لا من باب انفساخ العقد شرعا و تعبدا.
و كيف كان، قصوى ما يستدل به على عموم قاعدة التلف للثمن أيضا أمران:
أحدهما: عموم أدلة كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له.
ثانيهما: أن مناطه هو تزلزل العقد، و هو مشترك بين المبيع و الثمن.
فالأول: مدفوع بمنع العموم، إذ لا إطلاق و لا عموم للقاعدة، بل مورد النص و الفتوى هو المبيع.
و الثاني: مدفوع بمنع المناط القطعي بل الظني أيضا، و لو سلّم فلا فائدة فيه لأنه لا يغني من الحق شيئا، و يؤيده، بل يدل عليه عدم جريانها في غير الخيارات الثلاثة و اختصاصها بها، و هو مما يوهن دعوى المناط قطعا بكشفه عن
عدم كون التزلزل علّة تامّة.
فإذا الأقوى هو اختصاص القاعدة بالمبيع لان كون التلف ممن عليه الخيار على خلاف الأصل، فيقتضي فيه على المورد المتيقّن، لأن الأصل دليل قوي و لا يصار عنه الا بدليل قوي و الا فلا.
فتعيّن أن تلف الثمن بعد الرد و قبل الفسخ من البائع عملا بالقاعدة.
و أما ما لو تلف قبل الرد: فان قلنا أن الثمن خارج عن مورد قاعدة التلف في زمان الخيار كما اخترناه، فلا إشكال لأن تلفه حينئذ من البائع لأنه ملكه، فتلفه منه لا من غيره و ان قلنا بعمومها للثمن أيضا. و حينئذ نقول:
ان قلنا: أن الخيار ثابت قبل الرد فلا إشكال أيضا، لأن تلفه على المشتري للقاعدة المذكورة.
و ان قلنا بحدوث الخيار بعد الرد و كونه من الخيار المنفصل، فمقتضى القاعدة كونه من البائع، إذ لا خيار قبل الرد بحكم الفرض فيكون خارجا عن موضوع قاعدة التلف في زمن الخيار.
الا أنه مع ذلك قال شيخنا العلامة «قده» بأن تلفه على المشتري، حيث قال:
و ان كان قبل الرد فمن البائع بناءا على عدم ثبوت الخيار قبل الرد.
و فيه: مع ما عرفت من منع المبني منع البناء، فان دليل ضمان من لا خيار له مال صاحبه هو تزلزل المبيع، سواء كان بخيار متصل أو منفصل، كما تقتضيه أخبار تلك المسألة كما سيجيء إن شاء اللّه. انتهى.
و مراده من منع المبني هو منع عدم ثبوت الخيار قبل الرد و من منع البناء عدم توقف جريان القاعدة على ثبوت الخيار قبل الرد، بل هي جارية و ان قلنا بعدم ثبوته قبل الرد. و ما يمكن أن يستدل به لذلك أمران:
أحدهما: إطلاق ما دل من الاخبار على أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار
له، سواء كان الخيار متصلا أو منفصلا.
ثانيهما: أن مناط القاعدة هو تزلزل العقد، و هو حاصل في الخيار المنفصل أيضا كجريانه في الخيار المتصل.
أما الأول: ففيه: أن الاخبار الدالة على القاعدة ثلاثة:
أحدها: ما ورد في خيار الحيوان، من أنه لو تلف في الثلاثة فعلى البائع.
ثانيها: ما ورد في خيار المجلس، من أنه لو شرط أن لا يكون للمشتري خيار فتلفه من المشتري.
ثالثها: ما دل على أن لو اشترط الخيار للمشتري أياما معدودة فتلف في تلك الأيام، فهو على البائع.
أما الأولان: فلا ربط لهما بالمقام، لان موردهما الخيار المتصل. و أما الثالث: فالتمسك به في المقام مبني على دعوى الإطلاق من وجهين:
أحدهما: إطلاق الأيام المشترط فيها الخيار من حيث الاتصال بالعقد و الانفصال.
ثانيهما: إطلاق التلف من حيث حصوله في الأيام المعدودة المنفصلة أو قبلها.
و الأول و ان لم يكن بعيدا، الا أن الثاني بعيد جدا بل لو سلم الإطلاق من الجهة الأولى فظاهره حصول التلف في الأيام لا قبلها، لأنه المنصرف إليه الإطلاق فلا دلالة في الاخبار على المدعى.
و أما الثاني: ففيه: أنه لا تزلزل في المبيع قبل الرد بعد البناء على عدم كونه زمان الخيار، لان العقد حينئذ لازم قبل الرد فلا تزلزل و انما يحدث التزلزل بعد الرد.
نعم يمكن توجيهه بوجه آخر: و هو أن الخيار حينئذ لو قلنا بحدوثه بعد الرد فليس المراد به ظاهره، بل المراد به ثبوت الخيار فعلا قبل الرد على وجه
يكون زمان الفسخ بعد الرد، فالرد شرط للفسخ لا للخيار نفسه، نظير ما لو وكله في بيع داره بعد شهر فان الزمان فيه ظرف للفعل لا للوكالة فالوكالة حاصلة فعلا على أن يعمل العمل بعد شهر، و الا لزم التعليق في الوكالة.
و كذلك الحال في المقام، بل في كل خيار مفصول، و ذلك لان الخيار المفصول لا معنى له، بل لبه و حقيقته هو أن الزمان المنفصل زمان للفسخ لا للخيار، فله الخيار فعلا على أن الفسخ بعد الرد.
و هذا هو المراد بتزلزل المبيع، لان الخيار- في الحقيقة- ثابت فعلا، فالمبيع متزلزل و ان كان الفسخ متأخرا، و لذا قلنا أنه لا يتعقل- بناءا على مذهب الشيخ- الخيار المنفصل إلا إذا التزم بعدم ثبوت الملك في الخيار المنفصل أيضا إلا بعد مضي زمان الخيار. فيكون متزلزلا من أول الأمر، لا أنه لازم أولا فينقلب جائزا حتى يقال أنه غير معقول.
فكما أنه الحال على مذهبه فكذلك على مذهب المشهور أيضا، بمعنى أن الخيار المنفصل راجع الى انفصال زمان الفسخ لا نفس الخيار.
و كيف كان، أنت خبير بأنه راجع الى منع المبنى لا البناء، و ان كان بحسب الظاهر منعا للبناء حيث يقال أن الخيار- و ان كان منفصلا- الا أن المراد الخيار المنفصل هو المعنى المذكور.
فإن أراد «قده» ما ذكرنا فهو، الا أنه يحتاج الى المناط لحصول موضوع القاعدة حينئذ قبل الرد أيضا.
و ان أراد به كون الرد قيدا لنفس الخيار، فلا وجه له بمعنى تزلزل المبيع، لان العقد حينئذ لازم قبل الرد.
و الحاصل: أن المراد بالخيار المنفصل هو ما ذكرنا، فهو منع للبناء ظاهرا و صورة، الا أنه منع للمبنى لبا و حقيقة، لرجوعه الى الخيار المتصل، فتدبر.
و أما الثالث، و هو ما يتفرع على كون التلف من المشتري أو من البائع:
فهو أنه ان قلنا بأن تلف الثمن من المشتري اما مطلقا أو في خصوص ما لو تلف بعد الرد، و وجهه أن كون تلفه منه مع كون الثمن ملكا للبائع ليس الا لدخوله في ملك المشتري قبل التلف آنا ما، و الا لم يكن تلفه منه، فكأن الثمن وصل اليه فلا حاجة ثانيا الى رده إليه، لأنه رد حكمي. و هو معنى الانفساخ، فيرجع البائع بالمبيع و يأخذه من المشتري.
فهو نظير تلف المبيع قبل القبض، لأنه ملك للمشتري الا أن تلفه على البائع على خلاف القاعدة تعبدا و لازمه انفساخ المبيع، فيرجع المشتري الثمن و يأخذه من البائع.
و ان قلنا بأن تلفه من البائع، اما مطلقا بناءا على منع جريان القاعدة في الثمن، أو في خصوص ما لو تلف قبل الرد و لو أجرينا القاعدة في الثمن بناءا على عدم كون- قبل الرد- زمان الخيار.
فقال «قده»: فالظاهر بقاء الخيار.
و ظاهر إطلاقه بقاء الخيار مطلقا سواء تلف قبل الرد أو بعده. و قد تقدم من «الجواهر»- في تلف المبيع- التفصيل قبل الرد و بعده: ببقاء الخيار في الثاني دون الأول، و وجهناه بما مر. و مثله يجري في تلف الثمن أيضا.
و حاصل توجيهه: أنه تلف الثمن في زمان الخيار مضمون على البائع بمعنى أنه لو فسخ وجب عليه رد بدله، فاذا كان مضمونا كان موضوع الخيار باقيا.
و هذا بخلاف ما لو تلف قبل الرد الذي ليس زمان الخيار، إذ لا ضمان فيه حينئذ حتى ينتقل الى البدل، لعدم ثبوت سبب الضمان- و هو الخيار- فاذا تلف لم يبق للخيار موضوع أصلا.
لكن يدفع أصل التفصيل في المقامين أنه يكفي في بقاء الخيار ثبوت البدل في زمان من الأزمنة و لو لم يكن ثابتا فعلا، و هو حاصل في التلف قبل الرد أيضا
لثبوت الضمان فيه معلقا على مجيء زمان الخيار، كيف و ضمان الثمن تعليقي و لو بعد الرد أيضا، لكونه معلقا على التلف و الفسخ بعده، و الا فهو ملك للبائع قبل الفسخ.
فضمانه له ليس الا بمعنى أنه لو تلف و أراد الفسخ وجب عليه رد البدل فكذلك قبل الرد أيضا، فإذا تلف فيه أيضا وجب عليه رد البدل لو أراد الفسخ، فالتفصيل في بقاء الخيار بين تلفه قبل الرد و بعده باطل، بل الخيار باق مطلقا، فيرد البدل لو تلف قبل الرد و يرتجع المبيع.
أقول: هذا التفصيل لا وقع له في الثمن أصلا، لأن بقاء الخيار بتلفه و عدمه مبني على النظر في كيفية اشتراط الرد، فان اشترط رد العين خاصة سقط الخيار، و ان اشترط رد الأعم بقي الخيار، فيرد البدل لو تلف و أراد الفسخ، و الإطلاق أيضا راجع الى أحد الوجهين.
نعم، التفصيل له وقع في تلف المبيع، لكن مبناه ليس هو البيان المذكور لأنه شبيه بالمصادرة بل عينها.
بل وجهه: أن تعلق الحق بالبدل فرع تعلقه بالعين، و هو حاصل لو تلف بعد الرد لثبوت الخيار، بخلاف ما لو تلف قبل الرد، إذ لا حق في العين بناءا على ثبوت الخيار بعد الرد لينتقل بتلفها الى البدل.
لكن يدفعه: أن الخيار ليس حقا متعلقا بالعين بل متعلق بالعقد، و تختلف لوازمه باختلاف الموارد من استرجاع ان كانت موجودة، و بدلها ان كانت تالفة مضافا الى منع المبنى، إذ يكفي في ثبوت البدل تعلق الحق بالعين لو فرض وجودها في زمان الخيار، و لا يتوقف على تعلقه بها فعلا في زمان من الأزمنة. فتدبر.
فهل للبائع الفسخ برد الثمن الى وكيله الخاص أو العام، أو الحاكم لو لم يكن له وكيل، نظرا الى كون الحاكم وليا على الغائب فالرد اليه رد إلى المشتري، أولا، فيسقط الخيار لتعذر شرطه و هو الرد إلى المشتري؟ في المسألة أقوال ثلاثة:
الأول: ما حكي عن المحقق القمي «قده» في أجوبة مسائله: من حصول الشرط بالرد الى الحاكم.
الثاني: ما حكي عن صاحب «المناهل»: من سقوط الخيار لتعذر الشرط.
الثالث: ما نسب الى صاحب «الحدائق» حيث نسب الى المشهور بل ادعى الاتفاق على عدم العبرة بحضور المشتري أصلا و جواز الفسخ و جعل الثمن أمانة الى أن يجيء المشتري، فلا يحتاج الى الرد الى الحاكم أيضا.
و تحقيق المسألة مبني على تشريح صور.
فنقول: تارة يصرح باشتراط الرد الى خصوص المشتري خاصة لا غير. و هو غرض عقلائي لا ضير في اشتراطه لان تضييق دائرة الخيار من أهم المقاصد، لكن مع ذلك قد تمنع صحة هذا الشرط لخروجه عن الأغراض المتعارفة و ان تعلق به بعض الأغراض الشخصية، إذ لا عبرة بالأغراض النادرة الشخصية، بل المدار على الأغراض النوعية الغالبة المتعارفة، و لذا لم يتعرض له «قده» في الكتاب و ان كان التحقيق خلافه لمنع كونه من الأغراض النادرة، كما لا يخفى.
و أخرى: يصرح اشتراط الرد اما الى المشتري أو وكيله أو الحاكم أو غيرهما حسب ما يشترطه، فيكون الغرض من الرد هو الإيصال إلى المشتري بأي نحو كان و لو لوكيله من دون أن يكون لخصوص المشتري موضوعية.
و ثالثة: يعلم و لو بالتصريح بأن الغرض هو رفع يد البائع عن الثمن و خروجه من ذمته و لو بالتخلية و إيجاد ما هو من قبله من المقدمات الاختيارية و لو لم يتحقق الإيصال إلى المشتري لمانع اختياري منه أو اضطراري.
و رابعة: يطلق اشتراط الرد إلى المشتري من دون تصريح شيء من التخصيص أو التعميم.
و الأولان خارجان عن محل النزاع قطعا، إذ لا عبرة بالرد الى غير المشتري في الأول بلا اشكال. و يكفي الرد الى غيره حاكما كان أو غيره على حسب ما اشترط في الثاني، كما أنه لا إشكال في عدم اعتبار شيء منها و كفاية الفسخ و جعل الثمن عنده أمانة، على الثالث. فالخلاف و الاشكال انما هو في الأخير. و النزاع فيه تارة يقع في الصغرى و أخرى في الكبرى.
فتارة يقع النزاع في أن الإطلاق ظاهر في التخصيص أو ظاهر في التعميم أو في إرادة مجرد رفع اليد و التخلية، أو لا ظهور له في شيء منها، بل مجمل مردد بين الجميع أو البعض.
و أخرى يقع النزاع في أنه بعد إحراز ظهوره في إرادة الإيصال إلى المشتري فهل يقوم الحاكم مقامه أولا، بل هو و غيره على حد سواء؟
أما الأول- و هو النزاع الصغروي-: فلا إشكال في أن التجمد على ظاهر الخطاب يقتضي بالاختصاص و مدخلية خصوص المشتري، الا أن الغالب المتعارف عدم كون هذا الظاهر مرادا، بداهة أن الغرض النوعي متعلق غالبا بوصول الثمن إلى المشتري أو رفع يد البائع عنه و كونه متعلقا برده اليه بخصوصه بحيث يكون له موضوعية، نادر جدا.
فالرد إلى المشتري في الخطاب مأخوذ على وجه الطريقية لا الموضوعية فهذه الغلبة النوعية التي استفدناها صارفة عن التجمد بظاهر الخطاب القاضي بالموضوعية.
و قد يستشهد لذلك بأنه لو مات المشتري قام وارثه مقامه فيثبت الخيار للبائع برد الثمن اليه، و لو مات البائع قام وارثه مقامه فله الفسخ برد الثمن مع خروجها عن ظاهر اشتراط رد البائع الثمن إلى المشتري. فيكشف ذلك عن أنه ليس لخصوصية المشتري مدخلية و موضوعية.
و في شهادتهما نظر، أما الأول: فلأنه مصادرة، لان من يقول بسقوط الخيار بغيبة المشتري يقول به بموته أيضا.
و أما الثاني: فلان قيام وارث البائع مقامه ليس من جهة كون الشرط هو الأعم من رد البائع نفسه أو وارثه، بل انما هو من جهة كون الخيار موروثا بحكم الشارع، كيف و لو كان ذلك ناشئا من الاشتراط لجاز شرط الاختصاص أيضا، بأن اشترط الخيار لنفسه دون وارثه. و هو ممنوع، لان مرجعه الى شرط الحكم الشرعي و هو مخالف للكتاب و السنة و الشارع جعل الخيار موروثا فشرط الخيار الى نفسه دون وارثه مخالف له.
و دعوى. أن الخيار انما يكون موروثا، إذا كان قابلًا للإرث و الانتقال الى الوارث و إذا اشترط الخيار لنفسه خاصة ارتفع الموضوع بموته، فلا حق لينتقل إلى الورثة، لأن الحق حينئذ خاص قائم بمحل خاص، فلا موضوع للإرث.
مدفوعة: بأن اشتراط الخيار لنفسه خاصة ان رجع الى إرادة كونه حقا مختصا به، فهو غير محتاج الى الاشتراط.
و لا يناف الانتقال إلى الورثة، لأن كل ملك أو حق لأحد فهو مختص به لا يشاركه غيره. و هذا موضوع الإرث لأن المنتقل الى الوارث ليس الا ما كان مختصا بالمورث.
و ان رجع الى اشتراط المباشرة في الفسخ صح الاشتراط الا أنه لا يناف الإرث أيضا، لأن لازمه ليس الا عدم جواز الفسخ من وكيله مثلا، أما عدم انتقاله
الى وارثه فهو انما يؤثر في أن المباشرة للفسخ حال حياته هو نفسه لا غيره.
و هذا لا ينافي انتقاله الى وارثه.
و ان رجع الى اشتراط عدم انتقاله الى وارثه، فهو شرط مخالف للشرع، فاشتراط الخيار لنفسه لا يوجب سقوطه عن وارثه و حينئذ فيكون قيام الوارث مقامه في الرد من باب كون الخيار حقا موروثا لا من باب تعميم دائرة الشرط بملاحظة الغرض.
هذا على تقدير تسليم انتقال الخيار إلى ورثة البائع، لكنه قد يمنع رأسا لعدم كونه حقا ثابتا فعليا بناءا على المشهور من حدوثه بعد الرد. و ما وجهناه به صحة إسقاطه سابقا من كونه قبل الرد مالكا لان يملك الخيار و ان لم يكن مالكا لنفسه مدفوع بأن هذا المعنى أشبه شيء بالحكم الشرعي، كجواز الرجوع في الهبة و ليس حقا و حينئذ فلا ينتقل الى ورثته بموته، بل يسقط رأسا.
و من هنا يشكل الاسقاط أيضا، الا أن أصل المبنى ضعيف لما مر من ثبوت الخيار قبل الرد، فالأقوى ثبوت الإرث و صحة الإسقاط.
و كيف كان، فالشاهدان ساقطان. نعم، أصل المدعى حق لما ذكرنا من الغلبة الصارفة عن الجمود على قشر اللفظ فيبطل الاحتمال الأول و هو احتمال الموضوعية. فينبغي الكلام في تعيين الأخيرين، و الظاهر أنه ليس شيء منهما بعيدا عن المتعارف و لا قرينة على شيء منهما فيدور الأمر بينهما.
ثم لو حكمنا بالإجمال و لم يكن الكلام ظاهرا في أحدها معينا فلا بد من تأسيس الأصل، فإن دار الأمر بين الأول و الأخيرين فالأول مطابق للأصل، لأن تضييق دائرة الخيار هو المطابق لأصالة بقاء الملكية بعد الفسخ، حيث أن القدر المتيقن هو زوالها بالرد إلى المشتري، فإذا رد الى غيره يكون زوال الملكية بالفسخ مشكوكا و الأصل بقائها و ان دار الأمر بين الأخيرين- كما قويناه- حيث قلنا بقيام
القرينة و هي الغلبة على عدم إرادة الأول، مصافا الى بطلانه بخروجه عن الأغراض المتعارفة و عدم قرينة على تعيين شيء من الأخيرين، فالأخير منهما مخالف للأصل، لعين ما مر حيث أنه بالإيصال إلى المشتري أو وكيله يجوز الفسخ، بخلاف ما لو جعل الثمن عند نفسه أمانة مثلا لأن تأثير الفسخ حينئذ مشكوك و الأصل عدمه.
هذا هو مقتضى الأصل العملي، و هو استصحاب الملكية.
و أما الأصل اللفظي- أي العمومات- فالتمسك بها مبني على جريانها في الشبهات المصداقية، و هو خلاف التحقيق، حيث أن الشبهة في المقام موضوعية لا حكمية للعلم بالحكم الشرعي في كل من الصور الثلاثة، و انما الشك في اندراج صورة الإطلاق تحت أحدها.
هذا تمام الكلام في النزاع الصغروي. ثم علمنا بأن الشرط هو الرد الى خصوص المشتري و لو بالتصريح به، فهنا فرع:
و هو أنه لو امتنع من أخذ الثمن فهل يقوم الحاكم مقامه كما هو الحال في أداء الدين لو امتنع الدائن عن الأخذ و القبول- فيجبر عليه أولا- و مع عدم إمكانه فيقوم الحاكم مقامه أولا؟
مقتضى القاعدة هو الإجبار- لو أمكن- تحصيلا للشرط الواجب عليه مهما أمكن، و مع عدم إمكانه فيسقط الشرط للتعذر و لا يقوم الحاكم مقامه لأن ولاية الحاكم لا تجدي مع فرض اشتراط الرد الى شخص المشتري، و لا وجه للتمسك بعموم (السلطان ولي الممتنع)، لان الرد الى الوكيل الخاص غير نافع في هذا الفرض، فالحاكم بالأولى إذ لا يزيد حاله عن الوكيل، فلا تجدي ولايته فيما لا تجدي الوكالة، فيسقط الخيار لتعذر شرطه. و قياسه بأداء الدين قياس مع الفارق لان الصبر على الدين حرج و ضرر، فلو امتنع الدائن من القبول قام الحاكم
مقامه بعد الإجبار.
و هذا بخلاف المقام، لأن البائع هو الذي أقدم على ضرر نفسه باشتراط الرد الى شخص المشتري الذي هو في معرض التعذر لاحتمال الامتناع منه، فيسقط خياره بتعذر شرطه. لكن يمكن أن يقال: أن هذا الخيار و ان سقط بتعذر شرطه الا أن للبائع خيار تخلف الشرط حيث أن اشتراط الرد الى خصوص المشتري ينحل الى شرطين:
أحدهما: على البائع، و هو رد الثمن و إحضاره عند المشتري.
ثانيهما: على المشتري، و هو قبوله و أخذ الثمن، فاذا و في البائع و امتنع المشتري فقد تخلف عما التزمه على نفسه، و هو قبول الثمن فيثبت للبائع خيار التخلف.
هذا بناءا على كون المراد بالرد إلى المشتري هو الإيصال الفعلي اليه، أما بناءا على ما سيجيء من أن المراد به هو إحضار الثمن عنده و إيجاد مقدمات الإيصال و ان امتنع المشتري فلا إشكال أصلا، لكفاية مجرد نقد الثمن و عرضه على المشتري في ثبوت الخيار، و ان امتنع المشتري فليس فيه شرطان ليثبت للبائع خيار التخلف بل شرط واحد و هو الراجع إلى البائع من إيجاد مقدمات الإيصال. و هذا هو الأقوى، لأن هذا الشرط بنفسه كاف في خيار البائع، فالشرط الثاني و هو شرط القبول على المشتري لغو صرف لا يترتب عليه غرض للبائع و معه فلا حاجة الى التكلم في قيام الحاكم مقامه لو امتنع من أخذه بل له الخيار بالإحضار و ان امتنع لحصول الشرط و هو الرد بالمعنى المذكور.
و لو اشترط الإيصال إلى المشتري بأن كان ذكره من باب الطريقية اما بالتصريح به أو بطلان اشتراطه على وجه الموضوعية أو لانصراف الإطلاق إليه، فهل يقوم الحاكم مقام المشتري- لو كان غائبا- أولا؟ قد يقال بالأول، لأنه إذا كان الغرض
هو الإيصال إلى المشتري فالرد الى الحاكم عند عدم الوكيل كالرد الى الوكيل عند وجوده، لان الحاكم ولي من لا ولي له. و قد يقال بالثاني، لأن تصرف الحاكم من قبل الغائب منوط و مشروط بالغبطة، و لا غبطة هنا في أخذ الثمن مقدمة لفسخ البائع، بل الغبطة في لزوم العقد و سقوط خيار البائع.
و فيه: أن هذا التصرف ليس تصرفا اختياريا حتى يناط بالغبطة و المصلحة بل هو تصرف قهري يجب عليه مراعاة لحال البائع، حيث أن البائع حيث وجد من هو منصوب شرعا لحفظ مال الغائب صح له الفسخ، إذ لا يعتبر فيه قبول المشتري أو وليه في الثمن حتى يقال: أن ولايته في القبول مشروطة بالمصلحة. بل المعتبر هو تمكين المشتري أو وليه إذا حصل الفسخ.
هكذا ذكره «قده» في الكتاب، و هو حسن. لكنه مبني على ثبوت ولاية الحاكم في المقام، و هو ممنوع، لان قبول الحاكم هنا ليس تصرفا في مال الغائب لا اختيارا و لا قهرا، لان الثمن ليس مالا للمشتري قبل الفسخ بل هو مال البائع، و الحاكم لا ولاية له الا في مال الغائب و ليس نائبا عنه في كل ما كان له أو عليه.
فقبوله له نظير قبول الهبة عنه و هو غير جائز إجماعا.
نعم لو ثبت بأدلة نيابة الحاكم كونه وكيلا عن الغائب في جميع ما يرجع إليه في القبول و الأخذ جاز قبوله للثمن مقدمة لفسخ البائع، الا أن عموم النيابة بهذا المعنى غير ثابت. و قياسه بأداء الدين- في قيام الحاكم مقام الدائن الغائب في الأخذ و القبول لو أراد المديون أداء دينه- قياس مع الفارق، لان ذلك من الأمور الحسبية، بخلاف رد الثمن في المقام لان الثمن ليس دينا على البائع للمشتري، غاية الأمر أن له الخيار برده اليه، فاذا تعذر سقط الشرط و بطل الخيار لانتفاء شرطه.
و قد يقال بثبوت ولاية الحاكم في عكس المسألة و هو ما لو غاب البائع،
فللحاكم رد الثمن إلى المشتري و فسخ البيع من قبله لأنه تصرف في مال الغائب و فيه مصلحة. و هو كما ترى، إذ ليس للحاكم كل تصرف فيه مصلحة الغائب، فهو نظير أن يبيع الحاكم مال الغائب بثمن إذا كانت مصلحته في بيعه به، و هو باطل إجماعا.
هذا تمام الكلام في المردود اليه. و أما الرد، فالمراد به هو إحضار الثمن عند المشتري أو وكيله أو وليه حسبما مر، و إيجاد ما هو باختياره بحيث لم يكن له مانع من الرد و الإيصال و ان امتنع المشتري من الأخذ، فمتى حصل الرد بهذا المعنى، جاز له الفسخ. و ان امتنع المردود إليه- كائنا من كان- من الأخذ و القبول فما ذكرنا سابقا من احتمال قيام الحاكم مقامه لو امتنع من الأخذ باطل، إذ لا حاجة الى الحاكم بعد تحقق الشرط بإحضار الثمن، و ان امتنع المشتري من قبوله.
و كذلك احتمال ثبوت خيار تخلف الشرط له- لانحلاله الى شرطين: أحدهما الرد، و الأخر قبول المشتري- لا وقع له، لان الشرط الثاني لغو مستدرك لا حاجة إليه، لثبوت الخيار له بمجرد الإحضار، سواء قبل المشتري أو امتنع. فالشرط- و هو الرد- حاصل، و معه لا فائدة لشرط القبول على المشتري.
ثم أنه لا إشكال في عدم كفاية مجرد التخلية و وضعه أمانة عند نفسه لو أمكن إحضار الثمن عند المشتري أو وكيله أو الحاكم في مورد جوازه، لان شرط الرد لا يحصل إلا بالإحضار إلى نفسه أو وكيله أو الحاكم ان قلنا به مع غيبته.
أما إذا كان المشتري غائبا و لم يكن إحضار الثمن الى الوكيل و لا الى الحاكم و لا الى عدول المؤمنين ان قلنا بكفايته لو أمكن. فهل له الفسخ بتعين الثمن و جعله أمانة عند نفسه أولا؟ وجهان: من أن الشرط هو الرد بالمعنى المذكور، و هو إحضار الثمن عنده أو عند من يقوم مقامه، و هو غير حاصل في الفرض. فينتفي المشروط بانتفاء شرطه فيسقط الخيار.
و من لزوم الضرر على البائع بلزوم البيع، فينتفي لزومه بقاعدة الضرر و يثبت الخيار لذلك لا لثبوت الشرط. فالرد و ان لم يكن حاصلا الا أن الخيار ثابت له بقاعدة نفي الضرر لا بواسطة حصول شرط الخيار و هو الرد. و هو غير بعيد.
و دعوى: أن البائع قد أقدم على ضرر نفسه باشتراط الرد الذي هو في معرض التعذر.
مدفوعة: بأنه لم يبع منجزا بدون الخيار بل أقدم على البيع بشرط الخيار عند الرد، و حيث أن شرط الرد أمر ممكن الوقوع بحسب مجاري العادات اعتمادا على أصالة البقاء و عدم الغيبة و أصالة بقاء الإمكان.
فالبيع الخياري مشروطا بهذا الشرط ليس اقداما على الضرر، بل أقدام على البيع مع الخيار لشرط الرد المطابق للأصل، فإقدامه عليه اعتمادا على الأصل ليس اقداما منه على سقوط الخيار بل أقدام على ثبوته، فاذا تعذر الشرط لزم الضرر من دون أن يكون في البين أقدام منه عليه حتى يكون رافعا لحكمه، فينتفي لزوم البيع للضرر، فالضرر حاصل و الاقدام ممنوع و ليس له حكم رافع لحكم الضرر، إذ الإقدام انما هو اعتماد على طبق الأصل، فالبايع إنما شرط الرد إلى المشتري عملا بأصالة بقائه و عدم غيبته.
فمن هنا يظهر فساد مقايسة المقام بما لو باع منجزا بثمن بخس بدون شرط الخيار عند الرد لحصول الاقدام هناك، بخلاف المقام. و عرفت أيضا ما سبق ذكره من التمسك. بقاعدة الإقدام، فتدبر جيدا.
لو اشترى الأب للطفل بشرط خيار البائع، فهل للبائع رد الثمن الى الجد مطلقا أو مع عدم التمكن من الرد إلى الأب، أولا؟ وجوه، و الأقوى هو الأخير عملا بظاهر الشرط القاضي باعتبار الرد الى خصوص الأب دون غيره. و ليس الحال
هنا كسائر المقامات في كون الغرض هو الإيصال إلى المشتري بنفسه أو بوكيله، لان تصرف الأولياء منوط بالمصلحة، و هو مما يختلف باختلاف الانظار، فاحتمال تعلق غرض المشتري هنا بالرد الى خصوصه لكون المصلحة فيه على حسب اعتقاده دون الرد الى الجد، احتمال قوي، و معه فلا وجه لصرف اليد عن ظاهر الشرط لقاضي بالخصوصية بل يجب على البائع مراعاتها أخذا بظاهر الشرط، فالشرط هنا ظاهر في الموضوعية و في غير المقام ظاهر في الطريقية، كما مر.
و لو اشترى الحاكم للطفل، فهل للبائع رد الثمن الى الحاكم الأخر أم لا؟
و الكلام فيه من حيث اعتبار الخصوصية مثل ما مر، لكن فيه كلام آخر و لو بناءا على الجواز هناك و هو أن الرد الى الحاكم الأخر فيه مزاحمة للحاكم الأول فلا يجوز من هذه الجهة و ان لم يكن له مانع آخر، لان حرمة المزاحمة مختصة بالحاكم و لا تجري في الأب و الجد، فيجوز لهما المزاحمة لو اختلفا في المصلحة بخلاف الحاكم، لان الراد عليه كالراد على اللّه. و الكلام فيه تارة في الصغرى و أخرى في الكبرى.
أما الكبرى: فقد فرغنا عن حكمها في بابها، و أثبتنا أن المزاحمة محرمة.
و أما الصغرى: و هو أن الرد الى الحاكم الأخر فيه مزاحمة للأول.
ففيه اشكال، و التحقيق: ابتناء الأمر فيه على معنى المزاحمة، فإن كان المراد بها مجرد إتيان ما يكره، فهو مزاحمة بلا إشكال، لأنه سبب لكراهة الحاكم الأول و ان كان المدار فيها على الهتك و التوهين و التعريض على الحاكم، فلا مزاحمة في المقام، لان مجرد رد الثمن الى الحاكم الأخر ليس هتكا للأول و لا توهين له أصلا. فافهم.
و إطلاق اشتراط الفسخ برد الثمن في حكم التصريح بذلك لانصرافه اليه، فلا يجوز له الفسخ برد
البعض بالنسبة لأن بعض الثمن ليس بثمن.
أما لو صرح بالفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن بالنسبة، كما لو اشترط الفسخ في الثلث مثلا برد ثلث الثمن، أو نصفه برد نصفه، فله ذلك أيضا لأن (المؤمنون عند شروطهم)، و ان كان ذلك خارجا عن مساق الأخبار الخاصة.
و لذا صرح جماعة من الأساطين بجواز هذا الشرط.
و قد يشكل صحته بأن متعلق الشرط لا بد أن يكون أمرا ممكنا مقدورا و فسخ البعض بالنسبة أمر محال ممتنع، فاشتراطه باطل لان الفسخ بمعنى حل العقد و هو أمر بسيط و ان كان متعلقة مركبا، فان حل العقد انحل بتمامه و الا لزم بقائه كذلك.
فالتبعيض مناف لحقيقة الفسخ القاضي بانحلال العقد حيث أن انحلاله لا يتحقق الا برد مجموع الثمن، و لذا قالوا في غير المقام بأن الفسخ لا يتبعض فليس لذي الخيار في سائر المقامات التبعيض في الفسخ.
و سر ما ذكرنا من أن حل العقد أمر بسيط وحداني ليس قابلًا للتبعيض، و هذا المناط جار في المقام أيضا حرفا بحرف، فيكون اشتراط التبعيض اشتراطا لأمر ممتنع، و قد يوجه صحته بما يوجه به تبعض الصفقة في بيع ما يملك، لأنه أمر ممكن و واقع.
و وجهوه: بأن العقد ينحل الى عقود حسب تعدد أجزاء الثمن و المثمن، فالبيع الواحد المتعلق بشيء واحد بثمن واحد ينحل عقلا الى بيوع، فكأنه وقع بيع ثلث المبيع بثلث الثمن و نصفه بنصفه و هكذا.
فالتبعيض في العقد يرجع الى بطلان أحد البيعين و صحة الأخر و هذا التوجيه جار في الفسخ أيضا لأنه إذا انحل العقد الى عقود، فكما يجوز التبعيض في أصل العقد ابتداء فيجوز التبعيض في الفسخ بعد انعقاده، لأنه يرجع الى فسخ أحد العقود بالمعنى المذكور دون غيره، فمقتضى هذه المقايسة جوازه في الفسخ
أيضا، فيصير اشتراطه شرطا لأمر مقدور.
و لكن التحقيق- بعد التأمل الدقيق-: بطلان المقايسة لوجود الفارق، و ذلك لان العقد أمر بسيط، و لا ينحل الى عقود، و ما ذكروه من الانحلال الى العقود- فيما لا يملك و يملك- مجرد تشبيه تقريبا للأذهان، و السر في تبعيض العقد أن العقد سبب شرعي، و السبب الشرعي كالسبب العقلي و لازم سببية السبب تأثيره في المحل القابل و عدم تأثيره في المحل الغير القابل، فاذا تعلق العقد بشيء ذي أجزاء، فالعقد و ان كان واحدا بسيطا الا أن لازم هذا العقد الواحد على وحدته أن يؤثر في الجزء القابل دون غير القابل، كما هو الحال في سائر الأسباب العقلية.
و هذا التبعيض في طرف الوجود و الإثبات ينطبق على القواعد العقلية، لأن تأثير السبب مشروط بقابلية المحل، فيؤثر فيما وجد فيه الشرط فيبطل فيما وجد له مانع أو منتف فيه الشرط. و هذا بخلاف الفسخ لأنه أمر عدمي، و هو حل العقد و ليس فيه تأثر و تأثير، و حيث أن العقد الواقع أمر بسيط، فانحلاله ليس قابلًا للتبعيض بل لا يتحقق الا بانحلال الكل.
نعم، ان تم ما ذكروه من أن العقد ينحل الى عقود و كان على ظاهره و حقيقته جرى النقض و صح التبعيض في الفسخ أيضا، لكنه ليس بظاهره بل هذا انحلال حكمي. و وجه التبعيض ما ذكرنا، و هو جار في طرف الإثبات دون النفي فتبطل المقايسة و لا تنتقض بذلك بتبعيض الرهن بفك بعضه بأداء بعض الدين بالنسبة بشرط و نحوه و لا بانفساخ التبعيض فيما لو تلف بعض المبيع قبل القبض.
أما الأول: فلأنه يرجع الى إسقاط حق الرهانة، لأن الحق المتعلق بالعين المرهونة قابل للإسقاط كلا أو بعضا بالنسبة.
و أما الثاني: فلان التلف ليس سببا للفسخ حقيقة بل موجب للانفساخ تعبدا
و هو حكم تعبدي يدور مدار التعبد، و ليس معناه حل العقد و انحلاله حقيقة بل العقد باق على حاله، و انما حكم الشارع بإبطال أثره تعبدا فهو اما مجرد ترتب أثر الانفساخ، أو معاملة جديدة.
و كيف كان، فليس فيه فسخ حتى لا يعقل فيه التبعيض، فلا نقض. و حينئذ فالأقوى ما ذكره بعض في المقام من بطلان شرط التبعض في الفسخ بالنسبة، ثم على تقدير صحته كما اختاره جماعة فقالوا: لورد البائع بعض الثمن تبعض العقد بالنسبة، فيصير بعض المبيع ملكا للبائع و بعضه للمشتري، فيثبت للمشتري حينئذ خيار تبعض الصفقة و هو ضرر منفي و يشكل ذلك أيضا بأنه هو الذي أقدم على هذا التبعض بقوله: بشرط الفسخ متبعضا، و لا حكم للضرر مع الاقدام، فكيف ثبت له الخيار بسبب التبعض مع اقدامه عليه و قبوله للشرط باختياره و هذا الاشكال سار في جميع موارد التبعض مع العلم بذلك.
ثم ان خيار التبعض انما يثبت للمشتري إذا استقر ذلك، بأن رد البائع بعض الثمن و لم يفسخ بقية المبيع و خرجت المدة المضروبة للخيار بشرط الرد. و أما إذا لم يستقر بأن رد البعض و لم تخرج المدة، فقال «قده» في الكتاب بأن له خيار التبعض.
و فيه إشكال، لأن مدرك خيار التبعض هو قاعدة الضرر، و هو انما يلزم إذا استقر التبعض، إذ بدونه لم يحرز موضوع الضرر لاحتمال الفسخ في الكل قبل المدة و معه لا ضرر، فالتمسك بقاعدة الضرر مع الشك في استقرار التبعض تمسك بالعام في الشبهة المصداقية و هو باطل على التحقيق.
اللهم الا أن نتمسك بالأصول الموضوعية، لأن الأصل بقاء اللزوم و عدم الفسخ في البقية و عدم رد الثمن الى خروج المدة. و في إحراز الموضوع بهذه الأصول العدمية نوع تأمل فلا بد من التدبر.
هذا كله في اشتراط الفسخ على وجه التبعيض بالنسبة.
و أما الصورة الإجماعية و هو اشتراط فسخ الكل برد الكل، ففيها كلامان:
أحدهما: أن الشارط فيه هو المشتري، لأنه بالنسبة إلى البائع شرط سفهي لغو لحصول الغرض بشرط رد البعض أيضا، فالمتعلق به هو غرض المشتري، فيشترط على البائع رد تمام الثمن بحيث لا يقدر على الفسخ برد بعضه.
ثانيهما: أنه لو أتاه بالثمن متدرجا، فليس له الفسخ قبل رد تمام الثمن، و ليس للمشتري التصرف في المدفوع قبل حصول رد الكل و الفسخ. و قال «قده»:
أنه ضامن له لو تلف إذا دفعه على وجه الثمنية، الا أن يصرح بكونها أمانة عنده الى أن يجتمع قدر الثمن فيفسخ البائع. انتهى.
و هذا الكلام مشتمل على جزئين:
أما الجزء الأول:- و هو المستثنى منه- فهو متين جيد، و الوجه فيه سببية عموم «على اليد» للضمان و لم يخرج عنه الا التسلط المجاني. و المراد به ما لم يكن له عوض لا عاجلا و لا آجلا. و بعبارة أخرى: لا فعلا و لا متوقعا، و لم يكن التسليط فيه على وجه الضمان و لو رجاء، فان كان على وجه الضمان بالعوض كالعقد الفاسد، أو كان التسليط فيه برجاء العوض كالمقبوض بالسوم فيحكم فيه بالضمان عملا بعموم «على اليد».
نعم ان كان التسليط مجانيا محضا بحيث لم يكن على وجه المعاوضة و لا للعوض فلا ضمان فيه، لقصور «على اليد» شموله في مثله. و لذا الا يحكم بالضمان في الأمانات، و حينئذ فالضمان فيما نحن فيه منطبق على القاعدة، لأن المدفوع متدرجا ليس ثمنا قبل أداء الكل و انما يصير متلبسا بعنوان الثمنية بعد أداء الكل و الفسخ الا أن دفعه لما يكون برجاء العوض، فيكون نظير المقبوض بالسوم مشمول بعموم «على اليد».
و أما الجزء الثاني، و هو الاستثناء: فلا يتم الا بجعله من الاستثناء المنقطع، و ذلك لان ما ذكره أولا في المستثنى منه تناقض عنوان الامانة، فلا يمكن دفعه على وجه الثمنية، و مع ذلك يصرح بكونه أمانة عنده، لان دفعه بعنوان الثمنية ملازم للضمان لحصول رجاء العوض الذي هو ملاك الضمان.
و التصريح بالأمانة يخرجه عن عنوان الثمن و العوض، فلا بد من جعل الاستثناء منقطعا و هو أن يدفع اليه المدفوع أمانة ليجتمع عنده بمقدار الثمن ثم يجيء بالثمن أي شيء آخر سوى المدفوع فيفسخ بأن يقول: اجعله أمانة عندك ثم أجيء بالثمن فأفسخ، فالحكم بعدم الضمان فيه حينئذ حسن.
بقي الكلام في صورة أخرى ثالثة و هي اشتراط فسخ الكل برد البعض و هو عكس الصورة السابقة، لأن الشارط هنا لا بد أن يكون هو البائع إذ لا غرض للمشتري باشتراط رد البعض على البائع، فاشتراط البعض بالنسبة إليه سفهي. نعم، البائع يشترط على المشتري الفسخ في الكل برد البعض.
و كيف كان، البعض المشترط رده اما أن يكون معينا من حيث التعين الخارجي إذا كان الثمن شيئين خارجين، فاشتراط رد الخيار برد أحدهما بخصوصه كما إذا باع شيئا بثوب و فرس مثلا فاشترط الخيار برد الثوب، أو من حيث كونه كسرا معينا- كالنصف و الثلث- إذا كان الثمن كليا أو يكون بعضا غير معين كما إذا جعل الخيار- في المثال الأول- برد أحدهما و في الثاني برد شيء منه لا على التعين، فان كان البعض المشترط رده معينا، فصحة اشتراطه من البائع مبنية على بطلان اشتراط رد البعض الغير المعين إذ لو كان ذلك صحيحا كان اشتراط البائع التعيين سفهيا، لحصول الغرض بالبعض الغير المعين و لأنه يضيق على نفسه بلا فائدة. نعم يصح حينئذ من طرف المشتري كتعلق الغرض العقلائي و هو تضييق الأمر على البائع لئلا يكون له الخيار برد البعض الغير المعين.
و الحاصل: أن البعض الغير المعين ان كان باطلا فاشتراط التعيين من البائع انما هو من جهة الفرار عن فساد الشرط و ان كان صحيحا فلا وجه لاشتراطه لأنه سفه، فلا بد من فرض اشتراطه من المشتري و حينئذ فلا بد من التكلم في أن اشتراط البعض الغير المعين صحيح أو لا؟
فنقول: أنه قد يشكل الأمر فيه للجهالة و الغرر، فلا بد من تعيين البعض دفعا للغرر، اللهم الا أن يمنع جريان الغرر في الشرط، و يدعى اغتفاره فيه كما هو ظاهر كلامه «قده».
و ذكره أيضا غيره إرسال المسلمات من غير تعرض لدليله، و استدل بعض المشايخ في «أنوار الفقاهة تبعا لأخيه في «حاشية اللمعة» بالمناط، و هو باطل لان المناط في طرف البائع هو الحاجة، و من الواضح أنها غالبا تمس الى إتلاف الثمن و لذا يكون إطلاق الشرط منصرفا الى رد الأعم من العين و البدل، و هذا بخلاف المبيع لأن الحاجة ماسة غالبا إلى بقائه و الانتفاع به و لذا يكون الإطلاق لو قلنا بجواز الشرط منصرفا الى رد العين، فلا يجوز إتلافها فإجراء حكم الثمن الى المبيع بدعوى المناط باطل، للفرق بينهما.
نعم لو قلنا بأن هذا الشرط على طبق القاعدة أمكن التمسك بالعمومات نحو «المؤمنون عند شروطهم» أما بناءا على كونه خلاف القاعدة لما فيه من الجهالة و الغرر و كون المدرك هو الاخبار الخاصة فلا بد من الحكم بالبطلان هنا لا ختصاص الاخبار برد الثمن للأصل القاضي بالفساد بعد عدم جريان العمومات.
و قد يتراءى في بادئ النظر إمكان الاستدلال برواية أبي الجارود كما احتملناه في صور المسألة، و قلنا أنها تدل على العكس، و هي قوله عليه السّلام: ان بعت رجلا
على شرط فإن أتاك بمالك، و الا فالبيع لك.
الا أن الإنصاف بعد التأمل أنها أجنبية عن كلا المقامين لا دلالتها على الأصل و لا على العكس، إذ لو كان المراد بالبيع في قوله عليه السّلام: (ان بعت رجلا) هو البيع المقابل للشراء، كما هو ظاهر تعديته بالنفس بالنسبة الى الرجل فيكون دليلا على الأصل، فلا يصح قوله «عليه السّلام» (فإن أتاك بمالك) لان الشارط حينئذ هو البائع.
فلا بد أن يقال: فإن أتيته بالمال- أي الثمن- و أيضا لا يصح قوله (فالمبيع لك) بل ينبغي أن يقال: فالمبيع له. و ان جعلناه دليلا على العكس و أريد بالبيع الشراء.
ففيه- مضافا الى عدم صحة تعدية الشراء بالنسبة إلى المشتري إلا بحرف «من»، فلا يقال: اشتريت رجلا، بل يقال: اشتريت من رجل، ان المعنى حينئذ: ان اشتريت من رجل على شرط و هو التسلط على الفسخ برد المبيع. و من المعلوم أنه لا يصح حينئذ قول: فإن أتاك بمالك، بل ينبغي أن يقال: فإن أتيته بالمال فلك الخيار و الا فالثمن له.
فالرواية لا تنطبق على شيء من الوجهين، فالأولى أن تحمل الرواية على الشرط الخارجي و هو شرط مال آخر سوى العوضين- أي إذا بعت رجلا على شرط، أي شرطت عليه أن يدفع إليك مالا آخر، فإن أتاك بمالك الذي اشترطت عليه و الا فالمبيع لك أي بالفسخ أو يحمل الشرط على شرط المشتري أي التسلط على الفسخ برد المبيع مع بقاء البيع حينئذ على معناه أيضا.
فيكون المعنى: ان بعت رجلا بشرط- أي بشرط أن المشتري أن رد إليك المبيع ترد اليه الثمن- فتصح الرواية حينئذ و تصير دليلا على العكس، و يكون المراد من قوله فالمبيع: البيع- أي ان لم يأت المشتري بمالك الذي اشترط رده كان البيع لازما لك. و كيف كان مع ذلك كله لا تخلو الرواية من الإجمال فتسقط عن الاستدلال على صورة عكس المسألة، فلا دليل تطمئن به النفس على عكس المسألة.
هذا كله بناءا على مذهب المشهور من جعل الرد شرطا لأصل الخيار، فيكون على خلاف القاعدة و محتاجا الى دليل خاص أما بناءا على المختار من ثبوت الخيار في كل جزء من الأزمنة بعد العقد من دون تعليق و كون الرد شرطا للفسخ نفسه لا للخيار فيصح التمسك بعدم «المؤمنون» لانتفاء الجهالة و الغرر حينئذ، فينطبق على القاعدة.
ثم أنه بناءا على الصحة لا إشكال في أن اشتراط رد المبيع عند الإطلاق ينصرف الى العين الخاصة فلا يشمل الدليل، بخلاف اشتراط رد الثمن، فإن الأمر فيه بالعكس لوجود القرينة في المقامين كما أشرنا إليه، فلو تلف المبيع سقط خيار المشتري إلا إذا صرح برد بدله عند تلفه لان مرجعه الى اشتراط الخيار برد المبيع مع وجوده و ببدله مع تلفه.
هذا كله لو اشترط البدل مع تلف العين، و أما لو اشترط رد البدل مع التمكن من العين، ففيه اشكال، لكونه خلاف مقتضى العقد لان مقتضاه رجوع كل من العوضين الى صاحبه، فاشتراط البدل مع التمكن من العين على وجه غير مشروع بل ليس فسخا في الحقيقة.
كذا ذكره «قده»، و قد ناقشنا فيه سابقا في أصل المسألة- أعني اشتراط رد الثمن- حيث منعنا كون مقتضى الفسخ ذلك مطلقا، مضافا الى أن اشتراط الخيار لا ربط له باشتراط الفسخ، لكن هنا نقول- مضافا الى ذلك-: أن الفسخ و ان كان مقتضيا لرد العين مع التمكن فاشتراط البدل معه مناف له و مناقض الا أنه يمكن أن يدفع التنافي بأن يقال أن اشتراطه مع التمكن بمنزلة اشتراط معاوضة جديدة بأن يشترط المشتري على البائع معاوضة جديدة بأن لو دخل المبيع في ملكه- ثانيا- باعه إياه ثانيا بالبدل.
و لا ريب ان هذا لشرط سائغ لا محذور فيه أصلا، فلو نزل عليه صح الشرط
و يتسلط على الفسخ برد البدل من دون أن يكون منافيا للفسخ، و ذلك لان الرد مقدمة للفسخ فاشتراط رد البدل و تعليق الخيار على لا ينافي الفسخ كما لو علق الخيار على شيء آخر، فان الخيار على حسب الشرط، فاذا حصل الشرط- و هو رد البدل- تسلط على الفسخ و بعده لا إشكال في أنه يرجع كل من العوضين الى ملك المالك الأول، الا أنه حيث اشترط المشتري معاوضة جديدة بالشرط المذكور بعد تنزيله منزلتها، فلا إشكال بأخذ البدل دون أصل المبيع.
و لعله الى ذلك ينظر اشكاله «قده» حيث قال «قده» في الكتاب: اشكال من أنه خلاف مقتضى الفسخ. و لم يذكر الشق الأخر من الترديد. و لعل وجهه ما ذكرنا و لكنه انما يتم في العكس و أما في الأصل- و هو رد الثمن- فالإشكال باق بحاله، إذ لو نزل إلى المعاوضة الجديدة يكون بمنزلة بيع المشتري المبيع ثانيا من البائع و هو باطل، لأن البائع إذا اشترط الفسخ برد بدل الثمن مع التمكن من عينه فهو بمنزلة أن يقول بعتك بشرط أن تبيعني ثانيا، و هو باطل إجماعا.
و بالجملة اشتراط رد البدل مع التمكن في جانب الأصل باطل سواء كان مرجعه الى الفسخ و انحلال العقد أو الى المعاوضة الجديدة أما الأول: فلمنافاته لقضية الفسخ، و أما الثاني: فلصيرورته بمنزلة بعتك بشرط أن تبيعني و هذا بخلاف صورة العكس، فإنه لو نزل على شرط المعاوضة صح ذلك و لا ضير فيه لعدم لزوم مخالفة الإجماع.
هذا و هل يجوز اشتراط رد التالف القيمي بالمثلي بالقيمة؟ قال «قده» في الكتاب: أمكن الجواز لأنه بمنزلة إيفاء ما في الذمة بغير جنسه لا شرط ضمان التالف المثلي بالقيمة و القيمي بالمثلي و لا اشتراط رجوع غير ما اقتضاه العقد إلى البائع، فتأمل. انتهى.
يعني أنه لا يكون من قبيل الأول ليكون الشرط مخالفا للشرع، لان الشارع
جعل ضمان المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة، فاشتراط خلافه مخالف لما جعله الشارع. و لا من قبيل الثاني ليكون مخالفا لمقتضى العقد بزعم أن مقتضى العقد هو الضمان على الوجه المزبور، فاشتراط خلافه مخالف لمدلوله و مقتضاه و هو باطل، للتناقض بل يكون بمنزلة اشتراط إيفاء ما في الذمة بغير جنسه، و لا ضير فيه.
و لكن يشكل ذلك بأن الذمة في زمان الشرط ليست مشغولة بشيء حتى يشترط إيفائه بغير جنسه، و انما الذمة تصير مشغولة بعد الفسخ، فكيف يكون هذا في زمان الشرط- و هو زمان العقد- بمنزلة اشتراط إيفاء ما في الذمة بغير جنسه مع عدم اشتغال الذمة في ذلك الزمان بشيء.
اللهم الا أن يقال برجوعه الى اشتراط أداء القيمة أو المثل على تقدير التلف و الفسخ و اشتغال ذمته بالمثل و القيمة، فيرجع الى اشتراط إيفاء ما في الذمة بغير جنسه على تقدير اشتغاله بالجنس فيكون بمنزلة اشتراط معاوضة جديدة بعد الفسخ و تعلق الذمة بالجنس كما أن إيفاء ما في الذمة بغير الجنس مع اشتغالها فعلا أيضا راجع الى معاوضة جديدة فكأنه قال: اشترطت عليك بيع ما في ذمتك بعد استقراره بغير جنسه فالعبرة بزمان الإيفاء و العمل بالشرط أي زمان المشروط لا بزمان الاشتراط، فتأمل.
و أما قوله: فتأمل فيحتمل أن يكون إشارة الى أن اشتراط رجوعه الى غير الجنس ليس مغايرا لكل واحد من الوجهين حتى يكون وجها ثالثا، بل المتصور هنا ليس الا شيئان: أحدهما: أن يرجع الى اشتراط الإيفاء بغير الجنس بعد استقرار الذمة، ثانيهما: أن يرجع الى شرط أصل الضمان ابتداء بغير الجنس، فيصح الأول و يبطل الثاني.
ثم قال «قده»: و يجوز اشتراط الفسخ لكل منهما برد ما انتقل اليه أو
بدله، يعني: تعميم الشرط و توسعة دائرته شارطا و مشروطا، و هذا على مذهب المشهور من تعليق الخيار على الرد مشكل لخروجه عن مورد النص و الحكم مخالف للأصل فيبطل الحكم بالصحة. نعم يتجه ذلك على المختار من ثبوت الخيار من حين العقد و كون الرد شرطا للفسخ لشمول العمومات و انتفاء المخصص، إذ لا تعليق فيه و لا جهالة أصلا. (1)
بحيث لا يجوز التمسك به في الموارد المشكوكة أم لا، بل يبقى العموم بحاله فإن قلنا بالأول لم يجز التمسك بعموم الوفاء بالشرط للحكم بدخوله في تلك الموارد، و الاجاز قطعا.
و هذا الاشكال نظير الاشكال الوارد في قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) من حيث أن الخارج عن تحته مما لم يجب الوفاء به كثير، فيبقى الشك فيه في أن الخارج هل يوجب خروجه و هنا في العموم الثابت فيه بحيث لا يجوز معه التمسك به في مشكوك اللزوم و عدمه أم لا؟ بل العموم يبقى بحاله فيه.
و ملخص الإشكال في المقامين هو: أن الإفراد ثلاثة: بعضها داخل في العمومين قطعا و بعضها خارج قطعا و البعض الثالث مما يشك في دخوله فيها. و منشأ الشك ما عرفت من الشك في بقاء العموم بحاله و عدمه من جهة حصول الوهن فيه بخروج الخارج و عدمه.
و منشأ الاشكال الساري في المقامين هو أنه: هل كان خروج الإفراد الخارجة المعلومة الخروج عن تحت العمومين، هل هو منطبق مع القواعد، بحيث يحتمل الإجماع المدعى به بصرف التعبد، بل انما هو على القواعد أم لا؟ فان بنينا على الأول ارتفع الاشكال عن المقامين، و عليه فيصح التمسك بالعموم في المقامين لإدخال الإفراد المشكوكة. و ان بنينا على الثاني يبقى الاشكال المزبور بحاله
1) هنا بياض بمقدار أسطر.
و معه لا يصح التمسك بالعموم في شيء من الموارد المشكوكة في شيء من المقامين.
و الذي يقتضيه التأمل هو انطباق الإفراد الخارجة عن الدليلين في كلا المقامين مع القواعد الأولية. أما في نظير المقام المبحوث عنه، فمن وجوه: أيسرها ما قيل أو يقال بأن الألف و اللام في قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) للعهد، و يقال: أن المراد من العقود هي العقود المعهودة بين الناس و عليه فلا يشتمل الموارد المشكوكة إذ خروجها حينئذ من باب التخصص لا من باب التخصيص.
و هناك وجوه أخر مذكورة ترفع الإشكال، الا أن فيما أشرنا غني عنها، و أما في المبحوث عنه فقد ذكرنا رفع الاشكال عنه و لانطباق الأفراد الخارجة عن تحت العموم مع القواعد في المقام ما محصّله: أنك قد عرفت أن الخارج عن تحت العموم المزبور كثير، الا أن جامعها ثلاثة: أحدها: هي الشروط الابتدائية، و ثانيها- هي الشروط الواقعة في ضمن الإيقاعات، و ثالثها: هي الشروط الواقعة في ضمن بعض العقود كالنكاح و نحوه.
و أما انطباق الأول أعني الشروط الابتدائية معها فلا مكان أن يقال أنها خارجة عن موضوع الشرط رأسا أو الشرط عرفا و شرعا يطلق على الواقع في ضمن شيء لا على الواقع في الكلام ابتداء. و يؤيده كلام بعض أئمة اللغة كصاحب «القاموس» و غيره حيث أنهم جعلوه- لغة- أيضا عبارة عن الشروط الضمنية دون الابتدائية و كيف كان مع قطع النظر عن كلام أهل اللغة لا شبهة أنه كذلك عند العرف و الشرع اللذين تحمل الخطابات الشرعية على متفاهمهما و عليه فلا يشمل الشروط الابتدائية.
و أما انطباق الثاني، و هي الشروط الواقعة في ضمن الإيقاعات مع القواعد، فلوجوه
أحدها: ما أشار إليه في «الجواهر» و محصله: أن المراد من الشروط المأمور بوفائها التي دل عليها الخبر هي الشروط الواقعة فيما لم يكن له الأثر بالفعل كالعقود دونه فيما إذا وقع فيما له أثر بالفعل كاليقاعات، إذ هي تأخذه بمجرد الصيغة فلا يدخلها الشرط الراجع الى اشتراط الفسخ.
و فيه: انه ان أراد «قده» أن الإيقاعات مؤثرة بالفعل و أنه لا يتوقف تأثيرها عند استكمال الشرائط على شيء، فهذا بعينه ثابت في العقود أيضا، و ان أراد: أن الإيقاع بعد حصول سببه كان مؤثرا على نحو التنجيز بحيث لا يقبل لان يبطل أثره بالفسخ و نحوه، و هذا بخلاف العقد، فإنه قابل لذلك، فهي دعوى بلا بينة، و مضادة واضحة.
ثانيها: ما أشار إليه البعض من أن الظاهر من الشروط الواجبة الوفاء المدلول عليه بالخبر المذكور، هي الشروط الواقعة فيما يحتاج الى طرفين و شخصين، و من المعلوم هذا منحصر بالعقد دون الإيقاع.
و فيه: أنه ان أراد ان الشرط يحتاج الى الطرفين لأنه لا يقوم بواحد فهو مسلم، الا أنه لا ينفع بحاله، إذ الشرط الواقع في ضمن الإيقاع أيضا يقوم بطرفين.
و ان أراد لزوم احتياج محل الشرط و مورده و هو المشروط إليهما فهو دعوى بينة الفساد، لاتفاقهم على صحة اشتراط خدمة العبد لمولاه مدة عند العتق، مع أن محل الشرط هاهنا هو الإيقاع، أعني الإعتاق غير قائم بطرفين.
ثالثها: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بعد إبطال الوجهين، و محصله:
أن مشروعية الفسخ- أي القابلية للفسخ- لا بد لها من دليل و قد وجد هذا الدليل في العقد و لم يوجد في الإيقاع فيحكم في الأول بثبوت الفسخ دونه في الثاني، و لا أقل من الشك و هو كاف أيضا في الحكم، بالعدم، و الحاصل إحراز القابلية في العقد دون الإيقاع.
فإن قلت: يمكن إحراز القابلية فيها بعموم (المؤمنون عند شروطهم)، إذ عمومه يقتضي الحكم بوجوب الوفاء بكل شرط عدا ما علم خروجه منه، و المفروض أن الشرط الواقع في الإيقاع غير معلوم خروجه.
قلت: قد حرّر في محله: أن المسلّم صحة التمسك- عند الشك- بالعمومات انما هي في الشبهات الحكمية الراجعة إلى دعوى تخصيص في العام، و أما في الشبهات المصداقية الراجعة إلى الشك في اندراج المشكوك تحت موضوع العام، فلا مجال لها عند أهل التحقيق.
و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لأن الشك في القابلية شك في الاندراج قطعا، و هذا نظير التمسك بعموم قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) لإثبات قابلية بعض ما هو مشكوك البيعة و لان يكون مبيعا و بعموم (أكرم العلماء) لا ثبات عالمية زيد المشكوك علمه مثلا.
هذا و لكن يمكن الذب عن ذلك تارة بمنع الصغرى و أخرى بمنع الكبرى.
(اما الأول): فبأن يقال: الفرق بين العقود و الإيقاعات بإحراز القابلية في الأول للفسخ و عدم إحراز قابلية الثاني للفسخ غير صحيح، لان الفرق اما أن يلاحظ بحسب حكم العقل أو بحسب حكم الشرع، و هو غير ثابت مطلقا.
أما على الأول: فلحكم العقل بعدم قابلية شيء في العقود و الإيقاعات للفسخ لان الفسخ عبارة عن رفع الأثر الثابت و هو غير معقول لكونه أشبه شيء يرفع أثر العلة التامة و هو باطل جدا. و أما على الثاني. فلحكم الشرع بجوازه في الموردين لأن الأثر كمؤثّره شرعي قابل لتصرف الشارع نفيا و إثباتا فيهما أي في العقود و الإيقاعات.
(و أما الثاني) أعني منع الكبرى: فلانة لا شبهة في إمكان إحراز القابلية للفسخ في الإيقاع أيضا بواسطة عموم (المؤمنون عند شروطهم) و ما يتوهم كونه حينئذ من
قبيل التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية واضح الفساد لأن القابلية للفسخ و عدمها من الأمور التي يجب على الشارع بيانها و ليست من قبيل الأمور العرفية التي يوكل بيانها الى العرف.
و الحاصل: أن بيان عدم قابلية الفسخ في الإيقاع كما في العقود موكول الى الشارع، و حيث لم يبين ذلك بخصوصه نستكشف من العموم الوارد في المقام كونه محققا ثابتا من غير فرق بين الموردين، و من ذلك ظهر فساد التنظير بالأمثلة المذكورة، لأنها من قبيل الأمور العرفية دون الشرعية بخلاف جواز الفسخ و القابلية.
رابعها: ما يخطر ببالنا من أن الفسخ عبارة عن انحلال العقد و أنه بمعنى الإقالة، فيدخل فيما دخلت فيه الإقالة، و من البيّن أن الإقالة لا تدخل الا فيما يحتاج إلى الإيجاب و القبول فكذلك الفسخ.
و لعل نظر من أشار الى الوجه الثاني الى هذا، فتظهر الثمرة بين ما أشرنا و بين ما في الكتاب من الوجه الثالث في أصلح المتعلق بما في الذمة الذي يفيد الإبراء، لأنه على مذاقه لا يدخله الشرط قطعا بخلافه على مقتضى ما ذكرنا فإنه صحيح قطعا.
لكن الإنصاف أن المعتمد ما أفاده «قده» لا بالتقريب المتقدم حتى يرد ما أوردناه بل بتقرير آخر و هو أنه لم يعهد من الشارح و لا من كلام أهل الشرع دخول الفسخ بالنسبة إلى الإيقاعات دونه في العقود فيرجع الى الاستقراء بأنه كلما تتبعنا وجدنا عدم دخول الفسخ بالنسبة إلى الإيقاع دونه بالنسبة إلى العقود، فلا ترد المناقشة المتقدمة الا أنه يرد عليه أن الكلام ليس في بيان اقامة الدليل على خروج ما خرج بل على انطباقه على القاعدة و مجرد تحقق الاستقراء على ما ذكر لا يوجب انطباقه عليها.
اللهم الا أن يقال أنه يستكشف من الاستقراء كون اللزوم في الإيقاعات من لوازم المهيّة و الذات و في العقود من لوازم الإطلاق. و عليه يمكن أن يقال بانطباقه على القاعدة.
هذا مضافا الى ما في بعض أفرادها كخصوص الطلاق من رجوع اشتراط الفسخ فيه الى اشتراط حصول النتيجة أي أثر النكاح بلا صيغة و لا سبب شرعي مع أنهم أجمعوا على عدم جواز حصول أثر النكاح بدون صيغة خاصة.
إلا أن الإنصاف أنه يبقى الإشكال في الطلاق بعدم تمامية شيء من الوجوه المتقدمة لانتقاضه بجواز الرجوع في زمن العدة، و ما اعتذره في الكتاب من كونه حكما شرعيا مستفادا من أدلته لا حقا غير مفيد جدا لوضوح عدم تحقق الثمرة بين الأمرين في خصوص المقام، إذ الالتزام بأنه حكم شرعي أيضا مما يضر في المقام خصوصا بالنسبة إلى الوجه الذي أفاده بكلا التقريرين الذين أشرنا إليهما إذ لم يكن وجه لثبوت الحكم بجواز الرجوع في الطلاق لان الغير القابل للفسخ، كيف يصير قابلًا له و الحكم بعدم ثبوت الفسخ من جهة الاستقراء كيف يجامع مع دخوله في بعض الموارد.
و ليس الفسخ الا عبارة عن مزيل الأثر و من المعلوم تحقق المعنى المزبور في الرجوع أيضا و ان قلنا بكونه حكما شرعيا. نعم على الوجه الرابع الذي أشرنا من كون الفسخ عبارة عن انحلال العقد كالإقالة لم يرد اشكال. و كيف كان هذا الإشكال- أعني النقض بالرجوع في الطلاق- باق بحاله حتى على ما أشرنا أيضا لأن الكلام في اشتراط الخيار، و المراد منه جواز إزالة الأثر و ليس المستفاد من الأدلة اشتراط خصوص الفسخ حتى يقال فيه بعدم ورود النقض بناءا على تفسيره بخصوص حل العقد و انحلاله، بل المستفاد منها ما أشرنا إليه من جواز اشتراط الخيار و هو عبارة عن اشتراط رفع الأثر و حينئذ يرد النقض بالرجوع في الطلاق.
و كذلك يرد النقض بجواز الرجوع عن الأخذ بالشفعة عند الأخذ بها إذا اشترط فيه جواز الرجوع و كذا النقض بجواز الرجوع في الإجازة في عقد الفضولي إذا اشترط فيه ذلك.
و أما الثالث:- أي الشروط الواقعة في ضمن العقود-: فقد عرفت أنها ثلاثة أنحاء: أحدها- كونه وفاقيا. ثانيها- كون خروجها وفاقيا. ثالثها- مختلف فيه من حيث دخول الشرط فيه و عدمه. الأول: كالبيع، و الثاني: كالنكاح. و ذكروا في انطباقه على القواعد وجوها.
منها- تشبثه بالعبادة، فكما لا يدخل فيها الفسخ كذلك فيما له جهة عبادة.
و منها- الاحتياط الذي فيه اهتمام في الفروج يقتضي عدم دخول الفسخ فيه.
و منها- ما في الكتاب و «الجواهر» من أن مزيل النكاح منحصر بالطلاق.
و الكل كما ترى لان التشبث بالعبادة و اهتمام الاحتياط فيه لا ينافي دخول الشرط و جواز الفسخ. و ان ما في الكتاب و «الجواهر» منقوض بعيوب الرجال و النساء لا يجابها للفسخ قطعا. فالإنصاف أن الشرط الواقع فيه كالشرط الواقع في الإيقاعات خارج من جهة الإجماع و التعبد من جهة الانطباق على القواعد.
و الثالث: فأمثلته كثيرة: منها- الوقف، و المشهور عدم الدخول و الوجه فيه اما من جهة اشتراطه بالقربة، و هو ينافي للشرط المزبور أو من جهة فك ملك بغير عوض، فلا يجامع مع الشرط فيهما ما أشار في الكتاب من أن الكبرى في الصغريين ممنوعة و مراده «قده» أن مجرد كون الوقف مما تعتبر فيه نية القربة أو كونه فك ملك بغير عوض لا ينافي مع دخول الشرط فيه أو من جهة الموثقة الواردة في مثله اشتراط الواقف بكونه أحق به عند الحاجة و هي قوله: من أوقف أرضا. ثم قال: ان أصحب إليها فأنا أحق بها، ثم مات الرجل، فإنها يرجع في الميراث.
و الاستدلال بها مبني على ارادة جواز الفسخ و الرجوع من قوله: فأنا أحق به، الحاصل باشتراط ذلك من حين إنشاء الوقف.
و لكنه أيضا ممنوع لوضوح أن المراد به هو الوقف على نفسه، فبطلانه انما هو من جهة جر المنفعة إلى نفسه، فلا دلالة على المدعى، و لذا ذكر الامام عليه السّلام في حكم المشروط بطلان الوقف و عوده ميراثا بعد الموت إلى الورثة إذ لو حمل على اشتراط الفسخ لم يكن وجه للحكم ببطلان المشروط، لان بطلان الشرط لم يوجب بطلان المشروط، اما مطلقا أو في أمثال المقام من قبيل الشروط التي لم يكن فيها ما يقتضي الصحة كالشروط الغير العقلائية، و الشرط في المقام من قبيل الشروط التي لم يكن فيها ما يقتضي الصحة ففساده لم يوجب فساد المشروط كما هو التحقيق.
و الحاصل: أن الاستدلال بالموثقة غير صحيح و لعله لذا أشار إليه في الكتاب بقوله: و في دلالتها تأمل. نعم يمكن الاستدلال بعدم دخول الشرط في الوقف بما استدل به في الكتاب بعد ذلك لعدم دخول الشرط في الصدقات، و هو قوله:
ما جعلت لله عز و جل فلا رجعة فيه. تقريب الاستدلال به مبني على استفادة كون اللزوم من لوازم مهية الوقف و غيره من أنواع الصدقات.
و العجب من شيخنا العلامة الأنصاري «قده» كيف غفل عن الاستدلال به في الوقف مع الاستدلال به في الصدقات التي منها الوقف و احالته عليها مما يأباه التعرض له أولا بخصوصه و الا ينبغي عدم ذكره أولا بل يتعرض لحكم مطلق الصدقات ابتداء.
و لا يخفى أن الاستدلال بهذا الخبر مبني على أنه مسوق لبيان حكم الشيء مطلق أي حكم: ما جعلت اللّه عز و جل، بحسب مهيتة و مقتضاه سواء حصل شرط الرجوع و الفسخ أم لا؟ لا رجعة فيه لا لبيان حكمه في نفسه مع قطع النظر عن لحوق
الشرط و عارض آخر بحيث لا ينافيه طرو الطوارئ و لحوق العوارض الدالة على ثبوت الفسخ و الرجوع فيدور الأمر في الخبر بين الإطلاق و الإهمال و أن الاستدلال به مبني على ترجيح الأول.
لكن الإنصاف ترجيحه بدعوى ظهور قوله: لا رجعة فيه في الإطلاق و كون اللزوم و عدم جواز الرجوع من لوازم المهية. فعليه يتم الاستدلال بالخبر. لا يقال:
لا يتم الاستدلال بمجرد دعوى الإطلاق أيضا، إذ حينئذ يعارضه عموم أدلة الوفاء بالشرط، لأنا نقول بملاحظة تخصيص أدلة الشروط بما دل على طرح الشروط المنافية للكتاب و السنة كان الخبر المذكور حاكما على أدلة الشروط، إذ به يتحقق موضوع السنة.
و ان أغمضنا عن ذلك نقول: أن التعارض بينهما على نحو العموم و الخصوص من وجه، أمكن تقديم الخبر بملاحظة ترجيحه على عموم «المؤمنون عند شروطهم» من جهة ورود كثرة التخصيص عليه و عدم ورود شيء منه عليه، و ان أبيت عن ذلك غاية الأمر التساقط فيرجع الى الأصل الموجود في المقام و هو أصالة عدم نفوذ هذا الشرط فيحكم بلزوم العقد.
و مما ذكرنا ظهر حال بقية الصدقات، فإنها أيضا قد خرجت عن تحت العموم المتقدم بواسطة الخبر المزبور.
و منها: الضمان. فالمحكي عن «التذكرة» و «القواعد» عدم دخول الشرط، و هو ظاهر «المبسوط» و قد استثنى شيخنا العلامة «قده» في الكتاب بعد تقوية الدخول على دخول التقابل فيه.
و التحقيق أن يقال: ان أرادوا بدخول الشرط جواز الفسخ و ازالة أثر الضمان بحيث يعود الدين إلى ذمة المضمون عنه، فالحق مع المانعين، إذ لا دليل على عود ما في الذمة المضمون عنه بلا سبب، فقول الضامن: فسخت، لا يصير
سببا لعود الدين، بل مقتضاه إبراء ذمة الضامن لا اشتغال ذمة المضمون عنه. و ان أرادوا جواز الفسخ بمعنى مجرد إزالة ذمة الضامن من دون اشتغال ذمة المضمون عنه، فالحق مع المجوزين. و لكن الظاهر أن مرادهم هو الأول، فعلى هذا فلا وجه لدخول الشرط، فخروجه عن تحت العموم المتقدم على القاعدة.
و منها: الرهن، فالمحكي عن «غاية المرام» عدم ثبوت الخيار فيه لان الرهن وثيقة للدين، و الخيار ينافي الاستيثاق و لعله لذا استشكل العلامة في «التحرير». فأجيب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: ما في «الجواهر» من أن وثاقة المشروط بحسب الشرط، و لعله أراد بذلك أن الرهن المقرون بهذا الشرط أولى في الوثاقة من عدم الرهن رأسا، فلو دار الأمر بين بقاء دين الدائن عند المديون بلا رهن أو بنحو هذا الرهن كان الثاني أولى في الوثاقة.
ثانيهما: ما في الكتاب من أن وضع الرهن على اللزوم، فلا ينافي جواز جعل الخيار بتراضي الطرفين. و لكن الإنصاف أن الوثاقة مأخوذة في مهية الرهن، و الشرط ينافيها و الجوابان لا ينفعان، فخروج الشرط عن تحت العموم حينئذ على القاعدة.
و منها: الصلح. المحكي عن «التذكرة» دخول الخيار فيه مطلقا، و عن «المهذب البارع» الإجماع عليه، و لكن المحكي عن «المبسوط» و «الخلاف» عدم دخوله فيه، و فصل في «التحرير» بين ما لو كان متعلقا بالمعاوضة فيدخله خيار الشرط و بين ما لو كان متعلقا بالدعوى قبل ثبوتها، أو عما في الذمة فلا يدخله، لان الدخول حينئذ نقض للغرض، إذ الصلح انما شرع لرفع التشاجر و الدعاوي، و دخول الخيار ينافي لتلك الحكمة. و أما في الصلح عما في الذمة يكون الفسخ سببا لرفع الإبراء حينئذ، فيلزم حصول الشيء بلا سبب، فهذا أشبه شيء بشرط
النتيجة. و هذا التفصيل أقوى، أما وجه الدخول في الشق الأول فواضح، لأن الأصل في جميع عقود المعاوضة يقتضي دخول الشرط، كما سيأتي بيانه.
و منها: الصرف. فالمحكي عن «المبسوط» و «السرائر» عدم دخول الشرط فيه مدعين عليه الإجماع، الا أن العلامة «قده» جزم في «التذكرة» دخول الشرط فيه، استدل للمنع بأنه لا يعقل لهذا الشرط فائدة، لأنه اما يتصور دخوله قبل القبض أو بعده:
و على الأول: فلا ريب في انتفاء الفائدة فيه لكونه حينئذ من العقود الجائزة، فلا يحتاج في فكه الى الخيار بناءا على عدم وجوب التقابض- لا شرطا و لا تعبدا- نفسيا. نعم على تقدير كون التقابض واجبا نفسيا يدخله الشرط لحصول الفائدة و هي إزالة الوجوب الحاصل من العقد.
و على الثاني: فلان شرط الخيار بعد القبض مستلزم للغرر و الجهالة، إذ مدة القبض غير معلومة فضلا عن مدة الشرط بعده كما لا يخفى، الا أن يفرض الخيار بعد ساعة من العقد بعد القطع لحصول القبض قبل تلك الساعة، فلا يلزم الغرر.
فالأقوى هو الدخول، لوجود المقتضي و عدم صلاحية ما ذكر، للمنع. مضافا الى دعوى الإجماع على دخول الشرط المزبور في السلم الذي كان كالصرف في جميع الأحكام.
هذا كله حال العقود اللازمة، فقد عرفت مما ذكرنا أن أكثرها باقية تحت العموم المتقدم و أن بعضها و ان خرج تحت العموم إلا أنك قد عرفت أن خروجها على القاعدة بحيث لا يوجب الوهن في العموم المزبور. و عليه فلو شك في بعض العقود اللازمة عدا ما أشرنا إليه في دخول الشرط و عدمه كان العموم المزبور قاضيا بالدخول. نعم هو موهون بالنسبة إلى الإيقاع لما عرفت من عدم انطباق خروجه عن القواعد.
و من هنا ظهر وجه كلام بعض الأعلام، حيث أنه استشكل في العموم من حيث شموله للإيقاع مع التمسك منه في بعض العقود. و ظهر حال العقود الجائزة أيضا من عدم دخول الشرط فيه لما عرفت من انتفاء الفائدة للشرط فيها.
و دعوى إمكان تحصيل الفائدة فيها و لو بالتأكيد و نحوه مدفوعة: بأن الفائدة لا بد من أن تظهر في المشروط بحيث يكون له، و التأكيد ليس كذلك لأنه من فوائد الشرط خاصة، و الا فلو فرض كونه للمشروط لزم الدور.
و قد تم الكلام في هذا المقام و له الحمد على كل حال. فلنشرع الى قسم آخر من الخيار فهو رابع الخيارات مما ذكر شيخنا العلامة «قده» في كتابه، كما قال «قده»:
الرابع: خيار الغبن. و نقول: لا بد من التعرض الى موضوعه أولا ثم حكمه.
فنقول: الغبن- بتسكين الباء- خديعة في البيع، و بالتحريك خديعة في الرأي سواء سبق السؤال و الاستشار فأوقعه في الجهل و أخدعه أم لا؟
ثم لا يخفى أن الغبن في البيع بحسب معناه اللغوي لا يتحقق الا مع جهل المخدوع و المغبون و علم الغابن، فيعتبر في تحقق مفهومه اعتبار القيدين. و لكن بحسب إطلاق الفقهاء أنه عبارة عن مطلق تمليك ماله بما يزيد أو ينقص، سواء كان البائع الذي هو غابن في الأول عالما بالقيمة أو جاهلا، و المشتري الغابن- في صورة النقيصة- عالما بها أو جاهلا، أو كانا كلاهما جاهلين بالقيمة: يتحقق الغبن عند الفقهاء أيضا، فكان ذلك من باب حدوث المعنى الاصطلاحي له. و ان كان يمكن أن يقال: عدم اعتبار القيدين في معناه اللغوي أيضا بدعوى أن معناه لغة الإتيان بفعل ما يناسب الخادع كلفظة الجهالة، حيث أنها بمعنى الإتيان بأفعال
الجهال، و ان كان على وجه الالتفات فالمغبون حينئذ من عمل المخدوعين.
و لكن هذا انما يصح في طرف الغابن، فمع علم الغابن يحصل الخيار دون طرف المغبون، فإنه ليس له الخيار مع علمه بالحال. فالمغبون العالم بالغبن المقدم عليه عري عن الخيار و خارج عن البحث، اما موضوعا: لأن الخديعة لا تتحقق الا مع جهل المخدوع، أو حكما: إذا احتملنا احتمال الصدق مع العلم أيضا كما في قوله تعالى (يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا).
ثم ان ثبوت الخيار به هو المنسوب إلى الأصحاب، و في «التذكرة» إلى علمائنا، و «نهج الحق» إلى الإمامية. و لا ينافيه سكوت جماعة لعدم ثبوت مخالفتهم.
و لكن الاولى تنزيل المسألة منزلة المسائل الخلافية لما نقل عن المحقق «قده» في حلقة درسه: إنكار الخيار باعتبار أن النقل مقدم على الكتب عند التعارض و لما حكي عن صريح الإسكافي: المنع، و حكي ذلك عن صاحب «الكفاية» أيضا، و لخلو كتب كثير من المتقدمين عن ذلك فإنه لو كان ذلك الخيار ثابتا في الشرع للزمهم ذكر ذلك مع توفر الدواعي إلى ذكره و كونهم في مقام تعداد الخيارات، و سكوتهم عن ذلك دليل على العدم لما قرر في محله: أن السكوت في معرض البيان يفيد الانحصار و كيف كان فالمتبع حينئذ هو ما ساعد عليه الدليل من سببية الغبن للخيار و عدمها.
فنقول بعون اللّه تعالى
فان المغبون المخدوع ليس براض بتلك المعاملة الخدعية فلا يحكم باللزوم قطعا، فأورد عليه مشايخنا المتأخرون، منهم: شيخ الفقهاء في «الجواهر» بأن المدار على الرضا الفعلي و هو حاصل، و لا عبرة بالرضا التقديري و عدمه، فلو أريد من
الاية الشريفة الرضا الفعلي الصوري فهو حاصل قطعا. و لو أريد الرضا الواقعي التقديري فتكون المعاملة حينئذ باطلة لا أن فيها الخيار، ضرورة أن المغبون لو علم الخديعة و الغبن لم يكن راضيا بالرضا الواقعي فلازمه الفساد لا الخيار، لعدم إحراز التراضي في المعاملة الغبنية.
و يستفاد من شيخنا العلامة «قده» دفع ذلك بأن البيع صحيح مع الخيار، أما الخيار لعدم الرضا الواقعي فيحكم بعدم اللزوم بمقتضى الآية الشريفة فيتم الاستدلال، و أما الصحة لكفاية الرضا الفعلي الصوري في الصحة و عدم كفايته للزوم انما هو من جهة استلزام اللزوم إلزام المغبون بما لم يلتزم به و لم يرض به.
و بيان ذلك: أن جواز الأكل و الحلية متوقف على حصول التجارة عن تراض، و لا ريب أن اللزوم أيضا متوقف على حصول التراضي بل بطريق أولى، لأن اللزوم فرع الصحة، فحيث علم من الآية الشريفة أن الرضا يتوقف عليه اللزوم و شرط في ثبوت اللزوم، فيقال حينئذ في توجيه الاستدلال: أن رضا المغبون على تلك المعاملة كان مبنيا على عنوان مفقود، بمعنى أن رضائه مشروط على عدم نقص ما يأخذه عما يدفعه في المالية، فكأنه قال: رضيت و اشتريت هذا الذي سوى درهما بدرهم أي اشتريت و رضيت بتلك المعاملة بشرط مساواته بالدرهم.
فاذا تبين انتفاء هذا الشرط- أعني المساواة- بأن ظهر فقدان ذلك العنوان المبني عليه الرضا علم أنه لم يكن راضيا بتلك المعاملة، فإن رضائه انما هو على تقدير المساواة، فهي منتفية فليس للمغبون رضا واقعي فينتفي ما هو موقوف عليه أعني اللزوم.
فان قلت: كما أن اللزوم يتوقف على الرضا الواقعي كذلك الصحة أيضا تتوقف عليه، فلازم انتفاء الرضا انتفاء الصحة أيضا، و هو خلاف المطلوب، لان المقصود ثبوت الصحة مع عدم اللزوم.
قلت: ان المنتفي في المقام هو قيد المبيع و شرط من شروطه- أعني المساواة- و من المقرر المعلوم أن انتفاء القيد لا يوجب بطلان البيع، لان تخلف الوصف لا يوجب فقدان الصحة كما قرر في تخلف الوصف و الشرط: ان تخلفهما لا يوجب الا الخيار. فإن الذي يكفي في الصحة هو الرضا بالغبن الموصوف الذي هو من أركان العقد.
و الذي يعتبر في اللزوم هو الرضا بالصفة، و فقده لا يوجب بطلان البيع بل يوجب الخيار لان الحكم باللزوم حينئذ يوجب إلزام المشتري بما لم يلتزم به من غير دليل فالآية تدل على ثبوت الخيار بعد تبين الخدعة.
و بعبارة أخرى: أن رضا المغبون لكون ما يأخذه عوضا عما يدفعه مبني على عنوان مفقود، و حيث أن العنوان المقصود صفة من صفات المبيع لم يكن تبين فقده موجبا للبطلان و انما يوجب الخيار فرارا عن استلزام اللزوم، الالتزام بما لم يلتزم به من غير دليل. و لا ينافيه الحكم بلزوم المعاملة لو رضي بعد التبين بالعوض المساوي، لأن الرضا اللاحق حينئذ كالرضا السابق بفحوى أدلة الفضولي و المكره.
هذا في تتميم الاستدلال بالاية الشريفة على ما وجهه شيخنا العلامة «قده» دفعا لإيراد هؤلاء المشايخ العظام. و لكن أورد نفسه «قده» بوجهين.
أحدهما: منع كون الوصف المذكور عنوانا، بل ليس الا من قبيل الداعي الذي لا يوجب تخلفه شيئا.
و ثانيهما: لو سلم، فإنما يوجب الخيار أخذه على وجه التقييد إذ ذكر في متن العقد، و أما إذا لم يذكر فلا يوجب الخيار.
و في كليهما نظر، أما في الأول: فلان بناء الخيار في تخلف الوصف على ملاحظة كون الوصف داعيا، إذ لو أخذه عنوانا في المبيع فلازمه بطلان البيع لا
الصحة و الخيار، فكونه داعيا يوجب تخلفه الخيار كما لا يخفي.
و أما في الثاني: فلان في حكم ذكر القيد في متن العقد، التباني عليه كما حقق في محله، و التباني كما يحصل بعلمها بمساواة الصحة للعوض كذلك يحصل مع جهل أحدهما، إذا شهد حاله على اعتبار المساواة كما هو الحال في المقام.
و الباطل له إطلاقات، منها: اللغو و العاري عن الفائدة. و منها: الزائل. و منها: مقابل الحق. و المراد بالاية الشريفة هو الأخير كما لا يخفى.
و تقريب الاستدلال: أن أكل الغابن المال ببيع ما سوى درهما بعشرة مع الخدعة و مع عدم تسلط المغبون على رد المال أكل بالباطل، أما مع رضائه بعد التبين فليس أكلا بالباطل، و إطلاقه و ان كان يقتضي حرمة الأكل قبل تبين الخدع أيضا، الا أنه خرج بالإجماع و بقي بعد التبين داخلا. و أورد عليه بمعارضته مع ظاهر (إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ) بناءا على ما عرفت من كفاية الرضا الفعلي الحاصل مع الجهل بالحال في الصحة، و حيث أن النسبة بينهما عموم من وجه فيتساقطان، و المرجع أصالة اللزوم.
و لا يخفى عليك أن المعارضة مبنية على جعل الاستثناء منقطعا، إذ لو كان متصلا فلا وجه للمعارضة بينهما، لان الاستثناء المتصل قرينة صارفة، و من الواضح أنه لا تعارض بين القرينة و ذيها بل ظهور القرينة أقوى منه و الا فلا تصلح قرينة.
و أجيب عن المعارضة: بمنع كفاية الرضا مع الجهل بالمال، بل وجوده كالعدم، فليس هذا نحو من الرضا مشمولة لآية التراضي المخرج لأكل المال عن الباطل، و حينئذ فالمحكم هو آية (لٰا تَأْكُلُوا)، لعدم المخرج له.
و قد يقرر التعارض بينهما بوجه آخر و هو: أن آية التراضي تشمل غير صورة الخدعة، و هي ما لو أقدم على شراء العين مع احتمال أن يكون ثمنه أضعاف قيمته،
فيدل على نفي الخيار في هذه الصورة من دون معارض، فيثبت عدم الخيار في الباقي لعدم القول بالفصل، فيعارض مع آية النهي المختصة بصورة الخدع الشاملة لغيرها، بعدم القول بالفصل، فيرجع بعد تعارضهما بضميمة عدم القول بالفصل و تكافؤهما إلى أصالة اللزوم.
و فيه بعد تسليم عدم القول بالفصل بين صورة احتمال الغبن و بين جهله بالحال، كعدم الفصل بين القولين في آية النهي: انما ذكر من التعارض مبني على أن يكون الحكم في محتمل الغبن هو عدم الخيار كمعلوم الغبن، و هو محل منع كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
و ان ما أثبته للغبن.
و أجيب عنه: بمنع صحة حكاية إثبات الخيار و بعدم وجودها في الكتب المعروفة بين الإمامية لينجبر ضعفه بالعمل.
لكن عن «الغنية» نهى صلى اللّه عليه و آله عن تلقي الركبان، و قال: فان تلقى متلق، فصاحب السلعة بالخيار، إذا دخل السوق. و هو مرسل منجبر ضعفه بالشهرة.
فعن «المختلف» و «الكفاية»: أخبار الفرقة الدالة على الخيار في تلقي الركبان، و الاستدلال بالجميع لا ثبات خيار الغبن مبني على عدم استفادة خصوصية في تلقي الركبان.
و تقريب الاستدلال به بوجهين:
أحدهما: ما يستفاد من كلام جماعة، منهم: صاحب «الجواهر» أن المنفي هو مشروعية ما يشتمل على الضرر، سواء كان من الأسباب كالمعاملات أو من العبادات.
غاية الأمر: على الأول: يدل على نفي التأثير، و على الثاني: يدل على التحريم.
و على الأول- أعني المشتمل على الضرر من المعاملات- نفي المشروعية فيه تارة يكون بنفي الصحة و اللزوم، و أخرى بنفي اللزوم خاصة. فعلى الأول: يثبت فساد المعاملة، و على الأخر يثبت الخيار. فيدور الأمر حينئذ بين ارتكاب التخصيصين اللازم على الأول، إذ عليه يلزم التخصيص في دليل الصحة و هو قوله تعالى:
(أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و دليل اللزوم و هو قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و ان كان الثاني تابعا للأول، و بين ارتكاب تخصيص واحد و هو تخصيص دليل اللزوم خاصة. و من البين أن حمل الخبر بما يوجب قلة التخصيص أولى من حمله على ما يوجب الكثرة، بل هو المتعين.
هذا توضيح ما في «جواهر الكلام»، و ظاهره و ان كان يأبى عن هذا التوجيه الا أنه لا بد من إرجاعه اليه.
و ثانيهما: ما يستفاد من كلام شيخنا العلامة «قده» في المقام و غيره: من أن المنفي هو مشروعية الحكم المشتمل على الغرر، و من الواضح أن مجرد الصحة لا يوجب الغرر، بخلاف اللزوم، فان فيه ضررا على المغبون فينتفي اللزوم و يثبت الخيار. ثم أورد بما محصله: من أن نفي الضرر لا يثبت الخيار المبحوث عنه بل هو أعم منه. و من وجوب الرد بمقدار الزائد و من وجوب أداء البدل عنه، إذ نفي الضرر يحصل لكل منهما، و لا دلالة للعام على الخاص.
ثم استظهر الاحتمال الثاني بما ذكروه في معاوضات المريض المشتملة على المحاباة كاشترائه بأزيد من ثمن المثل من وجوب استرداد الزيادة، فحال المغبون كحال المريض و حاله بعد العلم بالصحة حال الوارث إذا مات ذلك المريض المشتري، فكما أن له استرداد الزيادة من دون رد المعاملة، فكذلك للمغبون استرداد الزيادة من دون رد المعاملة.
و استظهر الاحتمال الثالث بما ذكره العلامة «قده» في بيع المرابحة عند ظهور
كذب البائع في اخباره برأس المال من عدم ثبوت الخيار للمشتري، بل يجب على البائع أداء التفاوت.
و حاصل الاحتمالين: عدم الخيار للمغبون مع بذل الغابن للتفاوت، و المتيقن منه صورة امتناع الغابن من البدل. هذا و لكن في أصل المناقشة و الاحتمالين المذكورين نظر و تأمل:
أما في الاولى: فلان مقتضى ما ذكره في تقريب الاستدلال هو أن المنفي الحكم المشتمل على الضرر، و هو يحصل باللزوم دون الصحة، و ليس المنفي هو الفعل الضرري الذي يرجع الى أفعال العباد حتى يتدارك برد الغبن أو البدل، بل المنفي هو حكم اللّه تعالى و هو يرجع اليه تعالى، و لا يحصل رفعه الا بالحكم بالخيار- ظاهرا.
و الحاصل: أن مبني المناقشة على جعل المنفي هو فعل العباد، و مبني الاستدلال على جعل المنفي هو حكم اللّه تعالى، و شتان ما بينهما.
و أما في الثاني:- أي الاحتمال الأول- و هو وجوب تدارك الضرر من الغبن.
فيه: أنه يستلزم التبعض في الفسخ، و هو غير قابل له على الأصح و أنه يوجب الجمع بين العوض و المعوض كما أشار إليه «قده» في الكتاب أيضا.
و أما في الثالث- أي الاحتمال الثاني- فلأنه مخالف للإجماع- كما سيأتي إن شاء اللّه- و استدل في «الجواهر» بوجه آخر و هو أنه بعد دلالة الخبر على نفي اللزوم يدور الأمر فيه بين أمور و لا يتعين خصوص الخيار المذكور، الا أنه يمكن إثباته بالتحري بالظن لأنه أقرب الاحتمالات و أظهرها. و أنت خبير بأن الاستدلال بتنقيح المناط الظني خروج عن الطريقة المعتدلة.
و التحقيق في المقال أن يقال: أن الخبر يدل على ثبوت الخيار سواء قلنا بأن المنفي فيه هو الفعل الضرري أو الحكم الضرري و لا يتطرق فيه الاحتمالان
المذكوران و لا غيرهما.
أما غيرهما فلا يحتاج الى البيان، و أما الاحتمال الأول فلما عرفت من استلزامه الجمع بين العوض و المعوض و التبعيض في الفسخ.
و أما الاحتمال الثالث: فلمخالفته الإجماع، إذ لم يقل أحد بإلزام المغبون الغابن بالأرض، نعم له المطالبة فان أبى فله الرد و الا فلا.
و كلام شيخنا العلامة و ان كان صدره يوهم الخلاف الا أن ذيله مصرح بالوفاق.
فانحصر احتمال الخيار، بعد بطلان سائر الاحتمالات، انما الكلام في أن ثبوته على وجه الإطلاق من دون تقييده برد الأرش و بذل ما به التفاوت من الغابن أو الحكم به مقيد بعدم البذل؟
فالمشهور هو الأول كما صرح به في محكي «الإيضاح» و «جامع المقاصد» معلنين بأن المدفوع انما هو هبة مستقلة. و من البين أن الهبة لا تخرج المعاملة الضررية عن كونها ضررية، و الذي يستفاد من كلام العلامة الأنصاري هو الثاني، مستدلا له بأن المدفوع غرامة لما أتلفه الغابن عليه من الزيادة و ليست هبة مستقلة حتى تخرج المعاملة المشتملة على الغبن عن كونها مشتملة عليه و لا جزءا من أحد العوضين حتى يكون استرداده مع العوض الأخر جمعا بين جزء من العوض و تمام المعوض. و لكن المشهور هو المنصور و ان قلنا بكونه غرامة. و لعل مراد «الإيضاح» و «المقاصد» أيضا ذلك بأن يكون المدفوع بمنزلة الهبة، و ان أبى عنه ظاهر كلامهما.
و توضيح الحال في المسألة و كشف القناع عنها يتوقف على ذكر الاحتمالات المتصورة في الخبر، فنقول: أنها أربعة: أحدها: دلالته على نفي تحمل الضرر و عدم لزوم الصبر على المتضرر بالضرر، و مقتضاه رفع المغبون الضرر عن نفسه و هو اما بالخيار بين الرد و الإمساك، و أما بالاحتمالين المتقدمين على اشكال متقدم منهما.
و ثانيها: أن يكون مفاده نفي إضرار الضار و وجوب تدارك الضرر عليه فيرجع ذلك الى الغابن فيثبت له الخيار في تدارك هذا الضرر بين رد العين و بين أداء الأرش و هو المستفاد من شيخنا في «الجواهر».
و ثالثها: نفي الحكم الضرري و هو اللزوم في المقام و إثبات الخيار من التحري بالظن كما حققه صاحب «الجواهر».
و رابعها: ما اخترناه و استظهرناه من كلام شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أن المنفي هو الحكم الشرعي الضرري، و لازم انتفائه إثبات الخيار لفقد الواسطة بينهما، إذ بعد ما لم يمكن العقد لازما يكون جائزا لا محالة و مقتضى إطلاقه ثبوت الخيار مطلقا من غير تقييد بصورة بذل الغابن الغرامة و عدمه. فظهر بذلك اندفاع توهم الاشتراط بعدم البذل، كما ظهر أنه لا حاجة في إثبات الخيار بعد بذل الغابن الى التمسك بالاستصحاب لكفاية إطلاق المذكور.
ثم لو قلنا بإجماله، فهل يجري الاستصحاب بعد البذل أم لا؟ وجهان بل قولان، و المستفاد من الأكثر هو الأول نظرا الى ثبوت الخيار حين صدور العقد المشتمل على الغبن فيكون الشك حينئذ في رافعية بذل الغابن له فالأصل يقتضي بقاؤه، و لكن المستفاد من شيخنا في «الجواهر» و العلامة الأنصاري «قده» هو الثاني لفقد الحالة السابقة للشك في أصل ثبوت الخيار من حين العقد بعد تعقبه ببذل الغابن، و الأقوى ذلك لما عرفت من انتفاء اليقين السابق. ثم انه بعد الإغماض عما ذكرنا من أن نفي اللزوم ملازم لثبوت الخيار لانتفاء الواسطة بينهما لا بد في تعيين الحكم بثبوت الخيار و الجزم به من مرجح، لما عرفت من أن الأمر فيه يدور بين الاحتمالات الثلاثة.
و قد يقال: أن الجمع بين الحقين يقتضي خصوص الاحتمالين الأخيرين دون الخيار لان الحكم بالخيار للمغبون يوجب إبطال حق الغابن بالنسبة الى ما أخذه
عوضا عن ماله و التكسب به، بخلاف ما لو تدارك ضرره بأداء الزيادة أو الأرش إذ يراعى فيه حق الغابن بالنسبة الى ما أخذه عوض ماله و حق المغبون بأداء الأرش الجابر لضرره.
و فيه: منع ذلك على سبيل الكلية، إذ قد يتعلق غرض المغبون بأخذ ذات القيمة الكثيرة، و حينئذ فيفوت ذلك الغرض و لا يقوّم أداء الزيادة و الأرش مقام ذلك الفرض و لا يحصل بها، بخلاف ما لو فسخ ورد المبيع المشتمل على القيمة اليسيرة. و الحاصل أن مراعاة غرض الغابن في إبقاء ما اكتسبه معارض للزوم مراعاة المغبون في أخذ ذات القيمة الكثيرة الذي لا يحصل ذلك بمجرد أداء الأرش، و عليه فلا يكون في الحكم بلزوم أداء الأرش جمع بين غرض الغابن و المغبون و حقهما.
لكن يرد عليه: أنه على الفرض المذكور لا ينفع فسخ المعاملة ورد العين لأنه قد فات غرض من أحاله بعد تبين الخلاف و لا يتدارك ذلك الغرض بشيء من الرد و الإمساك مع أخذ الأرش أو الزيادة، و حينئذ فلا يصلح ذلك للمعارضة مع لزوم مراعاة غرض الغابن في إبقاء عوض ماله. و لعل قوله «قده» فتأمل، بعد الإشارة إلى وجه الجمع و الاعتراض عليه بالمعارضة إشارة الى ما قلناه، لكن الإنصاف أن أصل الجمع بما ذكر ضعيف من أصله، لرجوعه الى لزوم مراعاة الغرض الشخصي الحاصل للغابن في إبقاء ما حصل بيده بالمعاوضة و هذا كما ترى خارج عن الأغراض المالية التي يجب مراعاتها.
و العلامة الأنصاري «قده» و ان التفت الى ذلك حيث قال: و هذا لا يصلح للمعارضة مع ضرر المغبون الا أنه يكفي لترجيح بعض الاحتمالات على بعض آخر و أنت خبير بأنه كما لا يصلح أن يكون معارضا لا يصلح أن يكون مرجحا فلم يظهر وجه وجيه لتعيين ما عدا الخيار من بين الاحتمالات فتبقى بمالها مكافؤ
بعضها مع بعض.
نعم قد يقال بترجيح خصوص الخيار من جهة الظن به من بين المحتملات كما عرفت من «الجواهر» و فيه: ان ما ذكره مجمل المراد إذ لو أراد من حصول الظن بتعيين الحكم المزبور من بين المحتملات الظن المرادي بحيث يحصل الظن بكونه مراد الشارع من الخبر و لو بمعونة الخارج لكن على وجه يوجب طهور اللفظ في ذلك، فلا غرو فيه لمساعدة الأدلة على اعتباره و ان أراد حصول الظن بذلك من الخارج بحيث لا يصير منشأ لظهور اللفظ فلا اعتبار له.
الخامس من الأدلة: الأخبار الواردة في حكم الغبن و هي أربعة: أحدها- ما عن «الكافي» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: غبن المسترسل سحت. ثانيها- ما رواه الميسر عنه عليه السّلام قال: غبن المؤمن حرام. ثالثها- قوله عليه السّلام في خبر: لا يغبن المسترسل فان غبنه لا يحل. و رابعها- ما في «مجمع البحرين» حيث أنه بعد أن ذكر معنى الاسترسال و أنه بمعنى الاستئناس و الطمأنينة إلى الإنسان و الثقة فيما يحدثه، و قال: و منه الحديث: أيما مسلم استرسل الى مسلم فغبنه فهو كذا. و منه:
غبن المسترسل سحت.
و تقريب الاستدلال بالكل مبني على مقدمات:
احداها: دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظة (الغبن) في تلك الاخبار، و نقله فيها عن معناه اللغوي- و هي الخدعة- إلى معناه الشرعي- و هو تمليك مال بما يزيد عن قيمته مع جهل الأخر- حتى يتعلق النهي فيها بذات المعاملة المقتضي للفساد، إذ لو بقي على معناه اللغوي كان النهي متعلقا فيها بما هو الخارج عن المعاملة، فلا يقتضي الفساد كما قرر في محله.
و الثانية: تقييد الحرمة أو السحت أو ما يؤدّي مؤداهما بما هو مذكور في تلك الأخبار بصورة عدم الرضا، إذ لا إشكال في لزوم العقد الغبني إذا رضي
المغبون به بعد انكشاف فساد الخلاف.
و الثالثة: التعدّي عن مورد الأخيار، و هو غبن المسترسل الى غبن غيره، و هو الذي أقدم على معاملة من دون استرسال أخيه، لعموم المدعى و هو ثبوت الخيار في الصورتين.
و الدليل مختص بالأول، فلا بد من التعدّي عن مورده الى غيره، و إثبات تلك المقدمات دونه خرط القتاد.
و لكن الإنصاف عدم تمامية تلك الأخبار لإثبات المدعى، فان ما عدا الأول ظاهر في حرمة الخيانة في المشاورة، مضافا الى أنه يأتي فيه ما يأتي في الأول من المحاذير و الاحتمالات التي هي خارجة عن الاستدلال. و أما الأول: فهو و ان كان ظاهرا في الأموال لكن يحتمل ارادة كون الغابن بمنزلة آكل السحت في استحقاق العقاب على أصل العمل و هي الخديعة في أخذ المال. و يحتمل ارادة خصوص كون المقدار الزائد سحتا، و يحتمل ارادة كون المجموع كذلك.
و من البين: أن المدعى انما يتم بالأخير و لا يعين به بعد تطرق الاحتمالين الأولين مضافا الى ما عرفت من توقف الاستدلال به على المقدمات المزبورة التي يصعب على المستدل إثباتها قصوى الصعوبة.
فلو علم، فلا خيار بلا اشكال و لا خلاف، بل لا غبن لما عرفت من أخذ الجهل بالقيمة في موضوعه لغة و اصطلاحا، و هل يثبت الخيار للجاهل مطلقا، أو يفصل بين أقسامه؟ وجهان يأتي الإشارة إليهما بعد ذكر الأقسام المتصورة للجهل:
فنقول
الجاهل بالقيمة اما أن يكون غافلا عنها بالمرة و عن ثبوت الغبن و عدمه، أو يكون ملتفتا إليها. و على الثاني: فاما أن يحصل له العلم بالخلاف بمعنى العلم بعدم تحقق الغبن واقعا مع تحققه كذلك أولا، بل يحتمل الغبن و عدمه. و على الثاني: اما أن يكون شاكا أو ظانا أو متوهما، و على التقادير اما أن يكون مسبوقا بالعلم و عرضه النسيان أولا.
أما القسم الأول، و هو ما كان غافلا بالمرة، و كذا القسم الأول من قسمي القسم الثاني: فلا إشكال في ثبوت الخيار فيهما، بل هما القدر المتيقن من الصور المزبورة، و لا فرق بين مسبوقيته بالعلم و عدمها، و هذا واضح. و أما ما عداهما من بقية أقسام الجهل البسيط من الشاك و الظان و المتوهم، ففي ثبوت الخيار فيها مطلقا نظرا إلى إطلاق أدلة الخيار التي عمدتها قوله صلى اللّه عليه و آله: (لا ضرر و لا ضرار) الشامل لجميع الصور.
غاية الأمر خروج صورة العلم عن تحته فيبقى ما عداها تحته و عدم ثبوت الخيار فيها مطلقا نظرا الى جريان المناط المصحح لخروج صورة العلم و هو الاقدام بالضرر هنا أيضا، إذ لا شبهة في أن المتحمل للضرر و الغبن إذا أقدم على المعاملة، كان اقدامه على ما لا يؤمن الضرر فيه فيكون كالعلم بذلك في كونهما مقدمين على نحو تلك المعاملة الغبنية أو التفصيل بين الظن و بين الأخيرين، بعدم الخيار في الأول دون الثاني لجريان مناط انتفاء الخيار و هو الإقدام في الأول دون الثاني وجوه و احتمالات، أحسنها الأخير، و الأحسن منه تفصيل آخر يتوقف ذكرها على ذكر الوجوه و الاحتمالات المتصورة في مدرك خروج صورة العلم.
فنقول: أن الاحتمالات المتصورة فيه أربعة:
أحدها: أن يكون الخروج للتعبد من دون إناطته بشيء جار فيما عداها.
و فيه: ما لا يخفى إذ لا دليل على ضرورة التعبد بل عمدة الدليل و هو ثابت
فيه، الا ترى فيما عداه كالصوم و غيره.
ثانيها: أن يكون ذلك من جهة انتفاء موضوع الغبن لاعتبار الجهل فيه.
و فيه أيضا: ما لا يخفى إذ الحكم في الأدلة يدور مدار صدق الغبن و ان كان الخيار لأجله الا أن يكون مفادة كالوجه المتقدم و هو الحكم بثبوت الخيار في جميع صور الجهل.
ثالثها: أن يكون من جهة أقدام العالم بالمعاملة الغبنية، و عليه فلا غرو في الحكم بتحققه في صورة الظن بالغبن، بل و في الشك أيضا سيما مع التمكن من السؤال.
و لكن يرد عليه: أن مجرد الاقدام غير كاف في الحكم بعدم الخيار مع انتفاضة بكثير من الموارد الضررية المقدم عليها من العبادات و المعاملات حيث أن الاقدام ثابت فيها مع عدم إمضاء الشارع، و كفى لذلك شاهدا حكمهم بفساد المعاملة المشتملة على جهل المتعاقدين مع إقدامهما بذلك و بفساد العبادات الضررية إذا أقدم الفاعل المتعبد بها.
رابعها: أن يكون من جهة كون العالم راضيا بذلك الغبن، فيتعدى منه الى كل موضوع يحصل فيه الرضا.
و عليه يفصل في الصورة المزبورة بين ما إذا تغير حال المقدم و انكسر خاطره بعد انكشاف الواقع و بين عدمه بثبوت الخيار في الأول دون الثاني، و هذا هو المختار، و لعل من قال بكفاية الاقدام أراد ذلك من جهة كشفه عن الرضاء.
و هذه الزيادة و ان كانت بنفسها مما يتسامح بها، الا أن المجموع المركب من المعلوم المتسامح فيه و المجهول المتسامح فيه أيضا مما لا يتسامح به، ففي ثبوت الخيار
و عدمه وجهان: من أن العبرة بالمجموع من حيث المجموع لعدم اقدامه عليه و عدم كونه مما لا يتسامح به، و من أن المناط في صدق الغبن الغير المتسامح به بالمجهول الغير المقدم عليه دون المقدم عليه كائنا ما كان و دون المركب منها، و المفروض أن المجهول في نفسه يتسامح به.
و الأقوى هو الأول.
بحصول الزيادة عما أقدم عليه سواء كان الزائد بنفسه مما لا يتسامح به أولا.
و فيه وجوه: انتفاء الخيار مطلقا نظرا إلى إقدامه على الغبن، و هو صادق على المعلوم. و دعوى اختلاف مراتب الغبن من حيث تحقق الإقدام في بعضها الرافع للحكم دونه في البعض الأخر، و المفروض: أن الموجود بعد انكشاف الخلاف ليس مما أقدم عليه و ليس مما يتسامح به.
مدفوعة: بأنه لا اعتبار بمثل هذه الدقائق بعد شمول الإجماع الدال على خروج العالم بالغبن المخرج عن تحت أدلة الضرر، أو ثبوته مطلقا نظرا الى عدم اعتبار هذا النحو من الاقدام بعد تبين الخلاف و عدم مطابقة الواقع لما أقدم عليه. أو التفصيل بين كون الزائد المنكشف الغير المقدم عليه في نفسه مما لا يتسامح به و بين كونه مما يتسامح به بثبوت الخيار في الأول دون الثاني، وجوه، أوجهها أوسطها.
أو العبرة فيها على ما عدا الوقت و المكان، أما الثاني: فستأتي الإشارة اليه، أما الأول: فله صور، لان الاختلاف بالزيادة عن القيمة الموجبة لارتفاع الغبن و عدمها، و كذا الاختلاف بالنقصان عنها الموجبة لحدوث خيار الغبن و عدمه، اما أن يكون ثابتا
بين زمان العقد و زمان القبض، أو يكون ثابتا بين زمان العقد و بين زمان العلم و الاطلاع، أو بين زمان القبض و بين زمان العلم، و القبض أيضا قد يكون شرطا للصحة و قد لا يكون. و بملاحظة تكثر الأقسام فلا بد من الإشارة إلى بعضها:
أحدها: ما إذا حصل الغبن بالنقصان حين العقد، ثم زادت بما يخرج منه الغبن- قبل القبض الغير المملك-، فاحتمل العلامة الأنصاري «قده» ثبوت الخيار فيه، لأن الزيادة المتعقبة للعقد غير رافعة للغبن الثابت من حينه، لأن الزيادة إنما حصلت في ملك المغبون، و المعاملة وقعت على الغبن.
و قد يقال بعدم الخيار، و احتمله «قده» أيضا و ذكر له في الكتاب وجهين:
أحدهما: أن التدارك قد حصل قبل الرد، فلا يثبت الرد المشروع لتدارك الضرر و ثانيهما: مقايسته بالعيب، حيث حكموا بسقوط الخيار فيه إذا زال العيب قبل الرد.
و فيهما نظر، أما الأول: فلان تدارك الضرر غير رافع للغبن الواقع حال العقد، لأنه لم يوجب خروجها عن كونها غبنية.
و أما الثاني: فلأنه قياس مع الفارق، إذ الحكم بسقوط الخيار في المعيب انما هو لعدم جريان قوله: (المعيوب مردود بعد زوال العيب قبل الرد)، إذ مفاده رد المعيوب حال العيب خاصة، فإذا فرضنا خلوة عنه عند التسليم- و ان كان ثابتا حين العقد- فيخرج عن تحت الخبر المزبور. و أما ما نحن فيه، فلم يرد فيه نحو هذا الخبر مما أنيط فيه رد المغبون بحال الغبن و غيره.
نعم، يمكن الاستدلال له: بأن الحكمة في تشريع الخيار هو عدم ورود الضرر و الإضرار على كل من المتبايعين، و من المبين أن تحقق الضرر انما يكون وقت التسليم و أما حين العقد فلم يتوجه ضرر عليهما و ان اشتملت المعاملة عليه. و حينئذ فيمكن أن يقال: أن زوال الضرر حين التسليم يكشف عن خروج موضوع هذا النحو من المعاملة عن موضوع ذلك الحكم الخياري.
و انك إذا تأملت يتضح لك الفرق بين ما ذكرنا و بين الوجه الأول من الوجهين المذكورين، لانتفاء الخيار- فتأمل.
ثم أنه كيف يجتمع الاشكال المستفاد من كلام شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في ثبوت الخيار في هذا الفرع مع دعوى الإجماع فيما يأتي على عدم كون العبرة بالزيادة و النقصان الواقعين بعد العقد، إذ لازم تلك الدعوى كون العبرة في الغبن- حدوثا و ارتفاعا- بحال العقد، فلا وجه معه لتجويز الخلاف، و احتمال كون العبرة بحال التسليم.
و دعوى الفرق بينهما بتغاير موضوعي محل الوفاق و محل الإشكال، إذ موضوع الأول ما إذا طرأ الغبن بعد العقد بعد أن لم يكن ذلك من حينه و في الثاني ما إذا ارتفع الغبن حين التسليم بعد أن ثبت حين العقد.
مدفوعة: بأن اختلاف الموضوع بعد تسليمه غير مجد، لوضوح أن الإجماع على أن الاعتبار بحدوث الغبن حال العقد ليس تعبديا حتى يكون هو الفارق، بل هو مستند إلى القاعدة، و من البيّن أنها إذا اقتضت اعتبار حال العقد في حدوث الغبن فلا جرم يقتضي اعتبار ارتفاعه أيضا بحال العقد اللهم الا أن يكون الإجماع تعبديا، و دونه خرط القتاد.
هذا كله فيما إذا كان القبض غير مملك، و اما إذا كان مملكا كما في الصرف و السلم: فقد ابتنى القول بثبوت الخيار فيه و عدمه على وجوب التقابض و عدمه.
فان قلنا بالعدم فلا يثبت الخيار إذ ما اشتمل على الغبن لم يخرج- بمجرد العقد- عن ملك الغابن فهو يبقى بحاله الى أن ارتفعت القيمة السوقية و زال الغبن قبل التسليم و التقابض، فتكون الزيادة الرافعة للغبن حاصلة في ملك الغابن. و ان قلنا بوجوب التقابض كما يستفاد من العلامة الأنصاري «قده» فقد يقال بثبوت الخيار لثبوت الضرر لوجوب إقباض الزائد في مقابلة الناقص.
و الكلام في المقام تارة في المبنى و أخرى في البناء، أما الأول فالمشهور عدم وجوب التقابض، و نسب القول إلى العلامة في «التذكرة» و خصص في الكتاب النسبة إليه، لكن الظاهر عدم الاختصاص به بتصريح الشيخ و الحلبي و الشهيد «قده» في محكي «الدروس» بذلك.
و لعل نظره «قده» إلى إمكان تأويل كلمات ما عدا العلامة «قده» مما يطابق المشهور بإرادة الوجوب الشرعي و لو بمعونة المقام على ما تنافي الإشارة إليه في الجواب عن الاخبار بخلاف كلام العلامة «قده» فإنه صريح في الوجوب النفسي التعبدي الموجب ثم تركه.
و يستفاد من «الجواهر» الميل اليه حيث أنه بعد أن احتمل إمكان إرادة الوجوب النفسي مع الشرطي للنصوص و الآية كما ذهب اليه الشيخ و الحلبي و الشهيد، و أشار الى رد النقوض خاصة، قال: عدم تعرض الأكثر للخبر، ثم هنا يومئ الى إرادة الشرطي خاصة من دون ضم الشرعي معه، و هو الأقوى، و ان كان الأول أحوط.
و أما شيخنا العلامة الأنصاري «قده» فهو متوقف في المقام و في غيره حيث أنه كثيرا ما يشير إلى المبنى المذكور على سبيل التردد و التأمل، و كيف كان فالمبنى هو الدليل فلا ينبغي الاستيحاش عن الانفراد إذا ساعد عليه الدليل.
فاستدل، أو يمكن أن يستدل له بوجوه:
(الأول) قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إذ معنى الوفاء بالعقد هو ترتيب أثر العقد، و هو انما يتحقق بتسليم كل من العوضين إلى الأخر سواء كان القبض مملكا أو غير مملك، فيجب ذلك بمقتضى الأمر، غاية الأمر أن حكمه وجوب التسليم فيما لم يكن القبض شرطا في الصحة هو الإرشاد إلى تسليم مال الغير و في ما كان شرطا شيء آخر، لان الوجوب حينئذ تعبدي صرف و لا مانع من تعدد
أغراض الأمر في أمره بشيئين أو أشياء و لا يوجب ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، بل المستعمل فيه الأمر هو الوجوب و الغرض الداعي إليه في مورد هو الإشارة و في آخر شيء آخر، كما لا يوجب ذلك في مثل قوله: (أكرم العشرة) إذا كان غرض الأمر من إكرام بعض، جهة العلم و من الأخر جهة الصداقة، و هكذا.
و دعوى- اختصاص الوفاء بالمعنى المزبور بما إذا حصل العقد تام الاجزاء و الشرائط، فلا يشمل المقام- فاسدة بأنه تقييد في مقابل إطلاق الوفاء من غير قرينة موجبة له، و القول- بأن الوفاء بالعقد انما يجب إذا كمل العقد لا ما إذا نقص فلا يشمل المبحوث- واضح السقوط. لان كمال العقد انما هو بالإيجاب و القبول و هو حاصل في المقام. فدلالة الآية الشريفة على وجوب تسليم المبيع في مثل الصرف و السلم لا خفاء فيه.
(الثاني) الاخبار المستفيضة الدالة على وجوب القبض و الإقباض في الأثمان (الثالث) ما يستفاد من كلام العلامة «قده» في «التذكرة» من أنه: لو لم يحصل التقابض، بل حصل من أحدهما دون الأخر و أجل له أجلا للزم الوقوع في الربا لأن الأجل قسطا من الثمن، فكل من الثمن و المثمن- و ان كان متساويا في المقدار و القيمة مع الأخر- الا أنه يزيد أحدهما على الأخر بملاحظة الأجل فيجب التقابض في المجلس حذرا عن الوقوع في الربا، و في الآخرين نظر.
أما الأول منهما: فلما عرفت في كلمات القائلين به- عدا العلامة «قده»- من إمكان حمل الوجوب في نحو المقام و لو بمعونة القرينة على الوجوب الشرطي دون الشرعي.
و أما الثاني: فلان عدم التقابض أعم مما يحصل معه الربا، كما إذا قبض أحد العوضين في المجلس و قبض الأخر بعده و عدمه: بأن لم يحصل التقابض أصلا
أو لم يحصل قبض الأخر أصلا. و من المعلوم أن العام لا دلالة له على الخاص، و حينئذ فلا يلزم من عدم التقابض حصول الربا جزما حتى يجب التقابض لا جل التخلص منه. مضافا الى أنه بعد تسليم ذلك انما يتم إذا اشترط التأجيل في أحد الطرفين. و أما إذا لم يشترط ذلك و اتفق التأخير من باب الاتفاق أو اشترط التأجيل فيهما معا، فلا يلزم المحذور المذكور.
و أما الآية: فقد عرفت أنه لا اعتبار في دلالتها، لكنها ترد عليها مناقشات لا بد من دفعها حتى تنهض دليلا.
منها: أن المعنى المزبور مستلزم لاستعمال الأمر في الوجوب الشرعي و الإرشادي معا، و هو باطل. أما الملازمة فواضح، لان وجوب التسليم فيما لم يكن القبض جزءا مملكا إرشادي صرف، و فيما كان جزءا شرعيا محضا.
و منها: أنه لا إشكال في أن القبض إذا كان شرطا كان علّة، و إذا لم يكن شرطا كان معلولا، و المفروض كونه بقسميه مصداقا للوفاء المأمور به فيلزم استعمال اللفظ المزبور- في الآية- في المعنيين المزبورين، و هو غير جائز في المقام و ان قلنا بجواز استعمال اللفظ في المعنيين.
و منها: أنه لا إشكال في أن إطلاق دليل الوفاء تقيد بأدلة الشروط التي منها اشتراط القبض، فلا يصح التمسك بإطلاقها لا ثبات الوجوب النفسي.
و منها: أنه تقرّر في محله: امتناع الاجتماع بين التحريم الذاتي و بين الفساد إذ مرجع الفساد إلى الحرمة التشريعية و يمتنع اجتماع الذاتي و التشريعي، و من البيّن أن مقتضى شرطية القبض فساد المعاملة الفاقدة له و الحكم بسبيتها محرم تشريعا، و مقتضى الالتزام بالوجوب النفسي في المقام حرمة المعاملة الخالية عنه ذاتا.
و في الكل نظر، أما الأول: فلما عرفت من تقريب الاستدلال: أن المستعمل فيه ليس الا مطلق الوجوب، غاية الأمر اختلاف أغراض الأمر و داعيه في الحكم
بوجوب التسليم. ففي ما لم يكن مملكا فالغرض من وجوب تسليمه ليس إلا الإرشاد بتسليم مال الغير اليه، و في ما كان شرطا للصحة و مملكا فله حكمة أخرى غيبيّة كما في أغلب الأحكام الشرعية التعبديّة، و لا يوجب ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى كالمثال.
و أما في الثاني: فلأنه لم يلزم اجتماع العلة و المعلول في مورد واحد بل في موردين مختلفين و اللفظ لم يستعمل في شيء منها غاية الأمر أنه ينطبق مع العلية في بعض الموارد و مع المعلولية في آخر.
و أما في الثالث: فلان أدلة التقييد بالشروط انما يمنع عن التمسك بالإطلاق إذا كانت الشروط منوعة للمطلق الى قسمين مختلفين كما في أدلة الكيل و الوزن بالنسبة إلى وجوب الوفاء حيث أنها تنوع الوفاء الى المقرون بها و المفارق عنها فتقيده بالوزن و الكيل.
و أما إذا كان الشرط موافقا للمطلق- كما في المقام- حيث أن مفاد الشرط هو الوفاء و التسليم الذي هو عين مفاد المشروط، فلا يمنع ذلك عن التمسك به بل يؤكده صرفا.
و أما في الرابع: فقد قيل بعدم استحالة ذلك و أنه لا مانع من اجتماع الحرمة الذاتية و التشريعية بل وقع ذلك في الشريعة كما في الربا، بفساد المعاملة الربوية مع أنها محرمة ذاتا، الا أن في النفس شيئا يحتاج إلى تأمل. هذا تمام الكلام في المبنى.
و أما البناء: فالظاهر بل المقطوع عدم ثبوت الخيار فيه و ان قلنا بوجوب التقابض من حين العقد بعد فرض أن القبض جزء مملك، و أن المبيع حين دخوله تحت يد المشتري مساو قيمته مع الثمن، و التعليل له بأن: (إلزام المشتري بإقباض الزائد في مقابلة الناقص ضرر فيوجب الخيار) لعله من سهو القلم، لأن في مجرد
الأمر به لا يتوجه ضرر على المشتري بعد فرض تماميته عند التسليم، فلا يتصور هنا زائد و ناقص، إذا الضرر المتوجه من أمر الشارع انما هو باعتبار المأمور به، فاذا لم يكن في المأمور به ضرر بحكم الفرض، فليس في الأمر ضرر حتى يوجب الخيار.
فادعى الأول علم الثاني بالغابن حين المعاملة و أنكره الأخر، فهل يحكم بتقديم قول الأول، أو الثاني؟.
اعلم أنه قد يقال: أن دعوى علم المغبون بالغبن لا تسمع لما هو المقرر في باب القضاء من عدم سماع دعوى العلم إلا إذا تعلقت الدعوى بفعل الغير، كما إذا ادعى علم الوارث بدين مورثه أو علم الموكل على وقوع العقد من الوكيل و أما إذا تعلقت بفعل النفس، فدعوى العلم بفعل نفسه غير مسموعة لأن العلم حجة بالنسبة إلى العالم خاصة دون غيره فلا يجري فيه ميزان القضاء من: مطالبة البينة من المدعي و اليمين ممن أنكر.
لكن ما ذكروه حسن فيما إذا كان العلم طريقا الى الواقع، و أما إذا كان له جهة موضوعية- كما في المقام- لاعتبار الجهل في حقيقة الغبن- كما عرفت- فتسمع دعوى العلم، لان للجهل و العلم أثرا شرعيا، إذ أثر العلم: اللزوم و أثر الجهل:
الخيار، بخلاف صورة الكشف و الطريقية فالأثر انما هو للواقع و هو لا يجري إلا بالإقرار أو البينة و هما منتفيان بالفرض.
و حيث عرفت ذلك فنقول: فلو تداعيا بالعلم و الجهل، بأن ادعى الغابن العلم بالقيمة، فلا غبن و لا خيار، و أنكر الأخر- المغبون- و قال: بل أنا جاهل بها، فيحصل الغبن و الخيار، فهنا مقامان:
أحدهما: هل دعوى العلم في المقام مسموعة كدعوى العلم المتعلق بفعل غير
المدعى عليه أم لا، كدعوى العلم المتعلق بفعل غير المدعى عليه؟ و الأول: كمن ادعى شخص ببيع وكيله في مال له، أو ادعى علمه باشتغال مورثه، فإن أقام البينة على بيع الوكيل أو على اشتغال المورث فلا كلام و لا إشكال في ثبوته، فيتعلق الحق في المثال الثاني بعد اليمين الاستظهاري على التركة.
و ان لم يكن في البين بينة في ذلك، فطريق الدعوى منحصر في دعوى العلم، فدعوى بيع وكيله ماله أو اشتغال مورثه لا فائدة لها، إذ للوارث أن يقول:
اني لا أدري و لا أرفع اليد عن التركة بمجرد الدعوى، و لم يتوجه على الوارث اليمين حينئذ أيضا. لأنه كيف يحلف على نفي فعل الغير فتسقط حينئذ الدعوى و كذلك في صورة التوكيل، فلا بد من سماع الدعوى حينئذ في دعوى العلم فتصير للعلم مدخلية في قبول دعوى المدعى في أمثال المقام، كما لو ادعى على الوارث: أنك عالم باشتغال مورثك، فان كان منكرا فتتوجه عليه اليمين بأن يحلف على عدم علمه، و ان أقر بالعلم فيتعلق حقه على التركة، بخلاف ما لو رد المنكر اليمين المتوجهة عليه على المدعي، فإنه لا بد أن يحلف على ثبوت الاشتغال لا على علم المنكر الوارث باشتغال مورثه كما هو نفس المدعى به، إذ في طرف المدعى عليه كانت للعلم مدخلية و موضوعية في قبول الدعوى و سماعها بحيث لو لم تكن الدعوى على العلم لكانت الدعوى معطلة، بخلاف طرف المدعي، فهو في الحلف المردود لا بد أن يحلف بنفس الاشتغال لا بعلم الوارث، لأنه مما لا يعرف الا من قبل نفسه.
و أما لو كانت الدعوى على فعل المدعى عليه، كاشتغاله و بيعه فلا ثمرة لدعوى علمه به حينئذ لعدم كونه ميزانا للقضاء و لعدم انحصار طريق للدعوى به، فعلى المنكر المدعى عليه حينئذ الحلف على عدم الاشتغال و الا رد اليمين على المدعي فيحلف على الاشتغال.
فلا ثمرة لدعوى العلم حينئذ و لم يثبت الاشتغال حقيقة عند القاضي بعلمه، نعم علمه حجة على نفسه. بخلاف الصورة الأولى حيث أنه لو لم تسمع دعوى العلم لكانت الدعوى معطلة، فلا بد من دعوى العلم.
و بهذا تلتئم كلماتهم، تارة يستفاد من بعض كلماتهم أن دعوى العلم ممنوعة و من بعض آخر أن دعوى العلم ليست ممنوعة، و جامعه ما ذكرنا: ان كان متعلق العلم فعل غير المدعى عليه فيسمع، و ان كان متعلقة نفس فعل المدعى عليه فلا يسمع.
هذا كله في العلم الطريقي بأن لم يكن للعلم خصوصية و مدخلية في أصل الحكم.
و أما ان كان لعلم المدعى عليه- في فعله- خصوصية و موضوعية لحكم آخر فيسمع قول مدعي العلم لترتب الثمرة عليه حينئذ، بل حقيقة الدعوى و الثمرة في ثبوت العلم و عدمه مع قطع النظر عن الواقع لانعزال الواقع عن الأثر كما في المقام، فان للعلم بالقيمة مدخلية في عدم الخيار و الغبن حيث أنه يشترط في الغبن الجهل بنقص القيمة و عدم العلم به، لا أن النقص في القيمة واقعا يوجب الغبن. و لو علمه حين البيع، بل الموجب هو النقص مع الجهل فالعلم موضوع لعدم ثبوت الخيار و الغبن و بعد ما كانت له تلك الخصوصية و الثمرة فلو ادعى العلم على نقص القيمة- لكون العلم في المقام موضوعيا- يسمع، بأن يعمل حينئذ بقواعد المدعي و المنكر.
و ثانيهما: في تشخيص المدعي و المنكر، و تختلف في ذلك عباراتهم، حيث أن لازم بعضها: أن مدعي العلم منكر و مدعي الجهل مدع. و من بعض: يستفاد العكس. و نظير ذلك أي دعوى العلم و الجهل كدعوى اليسار و الإعسار، حيث يشتبه المدعي بالمنكر.
و الوجه في ذلك ان قلنا بأنهما متناقضان، فالجهل عبارة عن عدم العلم، و الإعسار عبارة عن عدم اليسر، فمدعي الأمر الوجودي يكون مدعيا و الأخر منكرا متضادان يصير من التداعي.
و المشهور قبول قول المغبون مع البينة لو تحققت و الا مع يمينه كما في كل أمر لا يعلم الا من قبل نفسه كادعاء المرأة الطهر و القرء و خروج العدة و غير ذلك، و هل ذلك من جهة جعل المغبون مدعيا فيسمع قوله في أمثال المقام؟ أو من جهة كونه منكرا فيقبل قوله مع يمينه ما لم يثبت المدعي؟ وجهان، و في كليهما شواهد من الكلام.
و يدل على الأول قولهم: بأن قول المغبون يثبت بالبينة أولا و قولهم: قد يتعسر عليه إقامة البينة فيقبل مع يمينه ثانيا. فلو لم يكن مدعيا لما كان وجه لقبول قوله:
مع البينة، و لا وجه أيضا لتعليلهم بعسر إقامة البينة عليه. و قولهم: لا يمكن للغابن الحلف على علمه لجهله بالحال ثالثا. فإنه يدل على أن الحلف يتوجه على الغابن أولا لكونه منكرا الا أنه لما لم يكن عليه الحلف لجهله، فيصير حلف المغبون حلفا مردودا.
و كيف كان يقبل قول المغبون لكونه مدعيا بما لا يعرف الا من قبله، و أما حلفه: اما من جهة رد الغابن عليه أو من جهة أن فصل الخصومة لا يحصل الا بعد تمامية موازين القضاء، و هو ليس الا البينات و الايمان، كقوله صلّى اللّه عليه و آله: (إنما أحكم بينكم بالبينات و الايمان) فحيث لا بينة في البين فلا بد من الحكم و حصول ميراثه من الحلف و يمين المغبون، حيث يحكم يؤخذ قوله.
و يدل على الثاني أيضا وجوه:
منها: قولهم بقبول قول المغبون لأصالة عدم العلم، و من المعلوم أن ميزان المنكر ما كان قوله موافقا للأصل.
و منها: قبول قوله مع يمينه حيث لا بينة، و هذا شأن المنكر، و أما تعليلهم بعسر إقامة البينة. لعل المراد منها البينة التبرعية.
و أما قولهم لا يمكن للغابن الحلف لجهله بالحال، فهو يدل على كون المغبون أيضا منكرا لا أن المراد من الحلف هو الحلف المردود، فحيث لا يمكن من الغابن فلذلك لا يرد الحلف من المغبون عليه بل المنكر يحلف و يقبل قوله بحلفه. و أمر شيخنا العلامة الأنصاري بالتأمل هنا، و لعل وجهه منع ذلك لأنه انما يتم في صورة عدم ادعاء الغابن للعلم بعلمه لا مطلقا.
فلو ادعى الغابن معلومية علم المغبون و العلم بعدم جهله لكان الحلف ممكنا له حينئذ فيرد الحلف عليه لورد المغبون.
و يمكن أيضا أن يكون وجه التأمل أن مجرد عدم سهولة إقامة البينة و عسره لا يقتضي تقدم قول المدعي، بل يصير حينئذ من الموارد التي كانت الدعوى فيها موقوفة، و استلزام التعطيل في خصوص أمثال المورد لا بعد فيه، كما وقفت في موارد، منها الدعوى على الصغير أو على المجنون أو على الميت مع عسر إقامة البينة فيها، و غير ذلك.
و يمكن أن يكون الأمر بالتأمل الإشارة الى أن جعل المغبون مدعيا لا يلائم مع قوله لأصالة عدم العلم، فإن موافقة الأصل تقتضي كونه منكرا.
هذا كله في غير أهل الخبرة، و أما إذا كان المغبون من أهل الخبرة فلا يقبل قوله، لكونه حينئذ مدعيا لمخالفة قوله للظاهر، و ان كان قوله موافقا للأصل الا أن الظاهر لما كان أقوى من الأصل، لذا قال في «جامع المقاصد»: و كذلك لا يقبل قوله.
و استشكل عليه شيخنا العلامة الأنصاري: أن غاية الأمر كون المغبون- لكون قوله مخالفا للظاهر- مدعيا، فيندرج حينئذ تحت القاعدة، أعني قبول قول
المدعي بيمينه إذا تعسرت عليه إقامة البينة.
ثم أجاب عن هذا الاشكال: أن معنى تقديم الظاهر هو قبول قول مدعيه مع اليمين لا جعل قوله من ادعى مخالفة الظاهر مدعيا، حتى تجري عليه أحكام المدعي، و لذا لا يجري جميع أحكام المدعي على مدعي الفساد، فلا يقبل قوله مع يمينه إذا تعذر عليه إقامة البينة.
و فيه: أن الظاهر بمنزلة الأصل التعبدي في كون من يوافق قوله مع الظاهر منكرا، و اجراء الظاهر انما هو من جهة تشخيص المنكر كما ان سائر الموازين من قولهم: أن المدعي من ترك، ترك. و ان قوله مخالف الأصل، و المنكر خلافه انما هي من جهة تشخيص المدعي من المنكر. فحيث ثبتت موافقة قول الغابن للظاهر يكون منكرا كسائر أفراد المنكرين و يكون مخالفه مدعيا، فتقديم الظاهر انما هو من جهة تشخيص ميزان المنكر. و أما ترتب أحكام المدعي فلا دخل لتقديم الأصل أو الظاهر، ضرورة أن ترتب أحكام المدعي أو المنكر انما يثبت بدليل خارجي لا من جهة الأصل أو الظاهر.
نعم، لقائل أن يمنع عموم تلك القاعدة، لعدم الدليل عليها على سبيل العموم، و كذلك لقائل أن يتأمل في اندراج المسألة في تحت تلك القاعدة لا مكان دعوى أن الغالب إمكان الاطلاع على العلم و عدمه هنا، فليست إقامة البينة في المسألة متعسرة حينئذ.
يدعي البائع أن قيمة المبيع حين اجراء العقد على المسمى زائد عنه، و ينكره الأخر، فيكون البائع حينئذ مغبونا. أو يدعي الأخر أن قيمة المبيع ناقص عنه فيصير حينئذ المغبون هو المشتري و البائع يصير منكرا فالمرجع حينئذ أصالة اللزوم، لان الشك في الزيادة و النقيصة يصير الأصلان بالنسبة إليهما متعارضين، إذ كما يقال
أن الأصل عدم زيادة المسمى عن القيمة، كذلك الأصل عدم نقصانه عنها، فيصير المقدم قول منكر سبب الغبن، لأصالة اللزوم، و قد تمسك هنا شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بأصالة عدم التغير.
فيه: ما لا يخفى، إذ مع أنها مثبتة قد تكون مثبتة للخيار أيضا، فتكون على خلاف مطلوبه أدل. و أيضا قد لا تكون القيمة معلومة في السابق.
و الحاصل: ان لم تكن الحالة السابقة معلومة فلا مجرى لأصالة عدم التغير، و ان علم قيمته السابقة على العقد فحينئذ قد تكون تلك القيمة السابقة مساوية للمسمى فتجري حينئذ أصالة عدم التغير. و أما إذا فرضنا تلك القيمة ناقصة أو زائدة فلا تنفع أصالة عدم التغير للحكم باللزوم. و لعله صدر من سهو القلم، فالأولى الاقتصار على التمسك بأصالة اللزوم بمعنى الاستصحاب- أي استصحاب الملكية- لا بمعنى العمومات- أي أصالة اللزوم- التي كان المدرك فيها العمومات و مستفاد عنها، لكون الشبهة مصداقية.
و أما قول شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: (أو في القيمة بعده) حيث عطف الاختلاف- في القيمة بعد العقد- على الاختلاف في القيمة وقت العقد. لعله أيضا من سهو صدر من قلم الناسخ، إذ الاختلاف بعد العقد لا يثمر في شيء و لا يكون محل الكلام و الاشتباه حتى يذكر حكمه، ضرورة أن العقد حينئذ ليس غبنيا حين صدوره، فيحكم باللزوم قطعا. و لا اشكال فيه.
فان كان تاريخ العقد و تاريخ التغير مجهولا، فأصالة التأخر في كل منهما معارض بالآخر، فيرجع الى أصالة اللزوم. و أما ان علم تاريخ العقد دون التغير فمقتضى أصالة تأخر التغير الحكم بلزوم العقد، لأنه مشمول لأدلة اللزوم حينئذ.
و أما ان علم تاريخ التغير دون العقد فمقتضى أصالة تأخر العقد وقوع العقد على المسمى الذي هو مغاير للقيمة و مختلف معها، فقد يكون زائدا عن القيمة، و قد يكون ناقصا عنها، الا أنه مع ذلك لا يثبت به وقوع العقد على الزائد عن القيمة أو الناقص عنها حتى يثبت الغبن لأحدهما، لأنه- أي أصل التأخر- مثبت حينئذ.
و بما ذكرنا من البيان يتبين لك ما في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في تقييد العقد بقوله (الواقع على الزائد من القيمة)، الا أن يكون ذلك من باب المثال- و لكن سياق العبارة و الكلام يأباه.
لا إشكال في شرطية ذلك كما نسب إلى أصحابنا في «التذكرة»، كما لا إشكال في كون التفاوت القليل المتسامح به عند الناس مما لا يوجب الغبن و لا يترتب عليه أثر الخيار. و انما الإشكال في تميز مصاديق ما لا يتسامح عما يتسامح، فان لهما أفرادا واضحة تندرج في واحد منهما، و أفرادا خفية يشكل الحكم بدخولهما فيها.
فالواحد بالنسبة إلى العشرين ليس بغبن، فيتسامح به الناس، فلا يوجب الخيار التفاوت بهذا المقدار بل أزيد منه قليلا يبلغ الاثنين، كما أن الواحد بالنسبة إلى الاثنين أو الثلاث و الأربع مما لا يتسامح به.
فبعضهم عبّر عن العدد بالكسور، فقال العشر و نصف العشر ليس بغبن، و النصف و الثلث بل الخمس غبن. فيقع الإشكال في السدس و السبع، هل هو من مصاديق المتسامح أو غير المتسامح؟ و حيث ليس في البين ميزان يرجع إليه في تميز ذلك، فيرجع الى ثبوت الخيار و عدمه إلى الأصول، فنقول
مقتضى الأصل العملي هو أصالة اللزوم الناشي من استصحاب الملكية، فلا يثبت الخيار عند الشك في ذلك كما هو الأصل المقرر- الذي يرجع اليه عند الشك- في جواز العقد و لزومه.
و أما الأصل اللفظي: فقد يقال: أن مقتضاه هو ثبوت الخيار، لان هذا التفاوت ضرر لم يعلم تسامح الناس فيه، فيندرج هذا العقد تحت دليل المخصص للعمومات- أعني نفي الضرر- إذ العمومات انما دلت على لزوم العقد كآية (أَوْفُوا.)
و غيرها، فخرج منه- بدليل نفي الضرر- العقد الذي يكون فيه الضرر و التفاوت، فكل غبن كان فيه التفاوت، يحصل فيه الخيار الا ما كان يتسامح فيه الناس، و حيث لم يعلم تسامح الناس فيه يشمله دليل المخصص، فلا يندرج في ما استثنى من ذلك، أعني ما يتسامح لعدم العلم بدخول هذا العقد الكذائي تحت المستثنى.
فقد يقال: أن مقتضاه اللزوم، لان العمومات دلت على لزوم كل عقد للبيع و الخارج هو العقد الذي علم فيه التفاوت الموجب للضرر و هذا العقد الذي يقع الشك في كون التفاوت فيه مما يتسامح حتى يكون ضررا، أو مما لا يتسامح حتى لا يكون ضررا لم يعلم دخوله تحت المخصص- أعني دليل نفي الضرر- فيكون المحكم حينئذ العمومات الدالة على اللزوم عند الشك في خروج القليل و الكثير.
فانا نعلم: أن أفراد ما لا يتسامح خارجة عنها، و أما ما يتسامح فلا نعلم بخروجه و العموم يشمله، كما هو القاعدة عند الشك في خروج الإفراد ما لم يكن الشك في دخولها تحت عنوان المخصص.
أقول: ان الخارج من العمومات الدالة على اللزوم هو عنوان ما لا يتسامح فيه بالنص- أعني قاعدة نفي الضرر- و الإجماع، فمع الشك في التسامح و عدمه و كون التفاوت ضرريا أم لا، لا يمكن التمسك بعموم دليل المخصص- أعني نفي الضرر و غيره- مما دل على أن ما لا يتسامح فيه موجب للخيار.
ثم ان هنا إشكالا أشار إليه شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و حاصله أن المدار في الضرر المبني عليه الحكم في المعاملات هو الضرر النوعي و في العبادات هو الشخصي و لذلك أوجبوا شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته إذا لم يضر بحال الشخص، و ان أضر بحال شخص غيره فلا يجب، مع أن الشراء المذكور ضرر مالي بالنسبة الى كل أحد، فما وجه الفرق بينهما مع اتحاد الملاك و المدرك في كليهما، فلو استفيد من (لا ضرر) هو الضرر الشخصي، فينبغي الحكم في الموضعين، و لو استفيد النوعي فينبغي الحكم به كذلك.
و أجاب عنه بوجهين:
أحدهما: ارادة الضرر النوعي في الخبر مطلقا، الا أنه خرج عن تحته الوضوء و أمثاله بالنص الدال على عدم اعتبار الضرر النوعي فيه، و أن المدار فيه على الشخصي.
و ثانيهما: منع تحقق الضرر في الوضوء و غيره من العبادات بملاحظة ما يعود الى الباذل من الأجر الكثير و المثوبات الأخروية أضعاف ما يعوضه. نعم لو كان الضرر مجحفا، انتفى بأدلة نفي الحرج لا بدليل نفى الضرر. و لا يخفى ما في الأخير حيث ان الأجر الأخروي ليس مما يبذل بإزائه المال حتى يكون ثبوته رافعا للضرر المالي المتحقق قطعا بنقص المال.
و توضيح الحال في المقال بعد ملاحظة الاشكال و الجواب المتقدم: أن هنا إشكالات ثلاثة:
أحدها: ما استفيد من كلامه «قده» من الفرق بين دليل نفي الضرر و دليل نفي الحرج، بحمل الأول على النوعي و الثاني على الشخصي، فلا بد من بيان وجه الفرق بينهما، و الذي يمكن أن يقال: أن مقتضى القاعدة حمل الضرر و الحرج كليهما على الشخصي ان تعلق الحكم ثبوتا و ارتفاعا على عنوان يقتضي تحقق
ذلك العنوان فعلا حتى يترتب عليه ذلك الحكم.
و من المعلوم أن الضرر و الحرج النوعيان لا يرفع الحكم عن شخص المقام الذي ليس فيه ضرر و حرج الا أنه خرج دليل نفي الضرر عن تحت تلك القاعدة في المعاملات بالإجماع، فاعتبار الحرج الشخصي على طبق القاعدة و ملاحظة الضرر النوعي، انما هو على خلاف القاعدة لقيام الإجماع عليه.
ثانيها: اشكال التفكيك بين المعاملات و بين العبادات بحمل الخبر المذكور على نفي الضرر النوعي في الاولى و الشخصي في العبادات كما لو استلزمت سرقة مال أو إتلافه، و مقدماتها كشراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، فحكموا في الأولى بوجوب قطع صلاته و في الثانية بعدم جواز شرائه إذا أضر بحاله.
و الجواب عنه- على مذاقنا من اعتبار الضرر الشخصي في انتفاء الحكم-:
أن اعتبار الضرر النوعي في المعاملات انما هو للإجماع القائم على خلاف القاعدة، و حينئذ فيكون الحكم في العبادات و مقدماتها كون المدار على وصف الضرر على طبق القاعدة فلا وجه حينئذ إلى التمسك بالنص بمثل عدم جواز شراء ماء الوضوء إذا أضر بحاله، و لو ورد فهو مؤكد لما يستفاد من ظاهر الخبر.
ثالثها: أنه لا خفاء في أن الضرر قد يكون ماليا و قد يكون حاليا، و نعني بالحالي ما يوجب انقلاب حاله الى أخرى كالانقلاب من الغنى إلى الفقر، و من عدم السؤال بالكف اليه، وعد ذلك من انقلاب بعض الحالات الجيدة الى الرديّة.
و الظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه، لجريان الضرر الحالي في المالي و غيره خلافا لما يستفاد من ظاهر العلامة الأنصاري «قده» من عد الضرر الحالي من أقسام الضرر المالي.
و كيف كان، فلا إشكال في أن الضرر الحالي شخصي و المالي نوعي فينقدح الإشكال في الفرق بينهما مع اتحاد مدركهما و هو «لا ضرر» فان دل على اعتبار الضرر
الشخصي ففي المقامين، و ان دل على النوعي فكذلك.
و يجاب عنه أولا: بأن ملاك الحكم في الضرر الحالي ليس هو «لا ضرر» حتى يتجه اشكال الفرق بل المستند هو دليل نفي الحرج الظاهر في الحرج الشخصي فالفرق بينه و بين «لا ضرر» ظهر مما مرّ.
و ثانيا: ان ذلك ليس لأدلة نفي الضرر و لا لأدلة لا حرج الشرعية لما هو المقرر من عدم استناد حكم من الأحكام الى أدلة لا حرج، لأنها مسوغة للدفع لا للرفع، بل للدليل العقلي القائم على نفي الحرج، لا استقلال العقل بنفي ثبوت الحكم الحرجي من الشارع و ان لم يبلغ مرتبة اختلال النظام، نظير ارتفاع مرتبة من الاحتياط في مقدمات دليل الانسداد بلا حرج العقلي. فتدبر.
هذا ثم أنه ذكر في «الروضة» و «المسالك» تبعا للمحقق الثاني «قده» أن المغبون اما هو البائع أو المشتري أو كلاهما. فيقع الإشكال في تصوير غبن كليهما.
و قال الفاضل التوني في تعليقته على «الروضة»: أن ذلك محال لان الغبن من طرف البائع: هو ما إذا باع بأقل من القيمة السوقية، و من جانب المشتري:
ما ان باع بأكثر منها، و فرض غبن كل منهما يقتضي كون الثمن أقل من القيمة السوقية و أكثر منها و هو محال.
و لكن قد ذكروا له فروضا و صورا لا يخلو ذكرها عن شيء:
أحدها: ما ذكره المحقق القمي «قده» في جواب من سأله عن عبارة «الروضة»: من أنها تفرض حتما إذا باع متاعه بأربعة توأمين من الفلوس على أن يعوضه عنها بثمانية دنانير معتقدا بأنها تساوي الثمن، فبان أن المتاع يسوى خمس توأمين، فصار البائع مغبونا بخمس الثمن و أن الدنانير تسوى أربعة توأمين و ثمانية قرانات، فصار المشتري مغبونا في تعويضه عن الثمن المسمّى بالدنانير المذكورة لزيادتها عنه بثمانية.
و أجاب «قده» في الكتاب عنه: بأن البيع المشروط بشرط، يلاحظ فيه حاصل ما يصل الى البائع بسبب مجموع العقد و الشرط، فالشرط أيضا له قسط من الثمن، و حينئذ فإن لوحظ الشرط المذكور في الثمن فيرتفع الغبن عن البائع لأن الثمن حينئذ لا ينقص عن قيمة المبيع الا بخمس توأمين و هو لا يوجب الغبن لعدم كونه تفاوتا فاحشا.
و ان أبيت عن ذلك و قلت: ان الشرط معاملة مستقلة و حينئذ فيختص الغبن في المعاملة الأولى بالبائع و في الثانية بالمشتري فيخرج عن موضوع غبن كليهما.
و فيه: ان الشرط الذي له قسط من الثمن ما إذا كان من الشروط العقلائية بحيث يتعلق به غرض عقلائي و إذا لم يكن كذلك فوجوده كالعدم، و من البيّن ان مثل الشرط المذكور لا يتعلق به غرض عقلائي. إذ أقصى ما يقال: أن غرض البائع تعلق بعين الدنانير، فشرط أن يعوض بها، و من المعلوم ان هذا الغرض يحصل بجعلها ثمنا ابتداء من دون أن يجعل الثمن التوأمين ثم يشترط تبديلها بالدنانير و حينئذ فلا يوجب ذلك الشرط غبنا للمشتري كما لا يرتفع به غبن عن البائع لعدم لزوم الوفاء فيكون من جانب واحد و لا يصلح جعله مثالا لغبن كليهما كما فرضه المحقق القمي «قده» فاندفع ما ذكره المحقق أيضا.
و ثانيها: ما ذكره صاحب «الجواهر» من فرض المسألة فيما إذا باع شيئين في عقد واحد بثمنين فصار البائع مغبونا في أحدهما و المشتري في الأخر.
و احترز بقوله «بثمنين» عما إذا باع شيئين بثمن واحد، إذ لا يتصور تعدد الغبن فيه بل يختص الغبن بجانب واحد قطعا.
و أجاب عنه في الكتاب أيضا: بأنه ان صار التفكيك بينهما عند فرض ثبوت الغبن لأحدهما خاصة حتى يجوز له الفسخ في العين المغبون فيها خاصة فهما معاملتان مستقلتان كان البائع مغبونا في إحداهما خاصة و المشتري في الأخرى، فلا يصير مثالا لغبن كليهما و ان لم يجز التفكيك فيلاحظ حينئذ فإن ساوي زيادة
إحداهما نقيصة الأخرى فلا غبن أصلا لجبران إحداهما بالأخرى و الا فالغبن من جانب واحد.
و الاولى تبديل الجواب: بأن بيع الشيئين بثمنين بصيغة واحدة هل هو بيع متعدد أو بيع واحد؟ لان جواز التفكيك في الفسخ و عدمه من لوازم تعدد المعاملة و وحدتها. فان قلنا بتعدد المعاملة: فيكون كل واحد منهما مغبونا في معاملة خاصة و ان قلنا بوحدتها: فيلاحظ الكسر و الانكسار، فتخرج المعاملة عن الغبن رأسا.
و الظاهر أن قوله «ان جاز التفكيك» كناية عن تعدد المعاملة بذكر اللازم و ارادة الملزوم.
و أورد عليه بعض الأفاضل بمنع الابتناء، إذ على القول بعدم جواز التفكيك يمكن الحكم بالغبن لان عدم جواز التفكيك و ان كان رافعا للغبن من جهة المالية في صورة مساواة الزيادة للنقيصة أو موجبا لانحصار الغبن في أحد الطرفين مع عدمها، لكنه لا يوجب رفعه بالنظر الى خصوص ما قصداه في المعاملة من وجه التعيين الذي يحتمل أن يكون ذلك العقد لمصلحة منهما في جريان المعاملة على الوجه الذي أوقعاه.
و فيه: أن تخلف الأغراض لا يوجب الغبن، إذ العبرة فيه بنقص المالية، و إذا فرض انتفاء التفاوت من جهة المالية فمجرد تخلف الغرض لا يوجب الغبن، كما لا يخفى فما ذكره تام لا غبار عليه.
و أما المبنى، و هو تعدد المعاملة و وحدتها:
ففيه وجهان مبنيان على أن العبرة في الوحدة و التعدد بوحدة الإيجاب و القبول و تعددهما أو بوحدة البيع و تعدده، فان قلنا بالأول- كما هو الظاهر، و نص عليه بعض الأفاضل ممن قارب عصرنا- فالمعاملة واحدة لغرض وحدة الإيجاب و القبول.
و ان قلنا بالثاني فمتعددة لغرض تعدد المبيع و الثمن.
و ثالثها: ارادة الغبن بالمعنى الأعم الشامل، فخروج العين المشاهدة مباينا على
خلاف ما شاهده أو خروج ما أخبر البائع بوزنه وكيله على خلاف ما أخبره، و على هذا يمكن تحقق الغبن من كليهما، بأن شاهد كل منهما الثمن و المثمن فتبايعا على المشاهدة السابقة ثم تبين خلاف ما شاهداهما.
و استحسنه العلامة الأنصاري «قده»، و لا أرى له حسنا، بل هو اجتهاد في مقابلة النص، لان ذكر الشهيد و المحقق هذا الفرض في الغبن الموجب للخيار ظاهر بل صريح في الغبن بالمعنى الأخص لا الغبن بالمعنى الأعم.
و رابعها: ما حكي عن بعض: من أنه يحصل بفرض المتبايعين في وقت العقد في مكانين، كما إذا حضر العسكر البلد و فرض قيمة الطعام خارج البلد ضعف قيمته في البلد، فاشترى بعض أهل البلد من وراء السور طعاما من العسكر بثمن متوسط بين القيمتين، فالمشتري مغبون لزيادة الثمن على قيمة الطعام في مكانه و البائع مغبون لنقصانه عن القيمة في مكانه.
و فيه: أن العبرة في القيمة بمكان العقد إذا جرت العادة بالقيمة فيه، و المفروض أن قيمة المبيع في مكان العقد أكثر من الثمن فيختص الغبن بالبائع، و انما يصير قيمته إذا انتقل المبيع من مكان العقد الى محل الرخص ان كان عما يقبل النقل، بأن يكون المبيع عينا شخصيا، و ذلك المكان لا مدخلية له في الغبن حتى يحكم بغبن المشتري.
و بعبارة أخرى: أن المبيع عند العقد لا يكون إلا في محل واحد له قيمة واحدة.
و خامسها: ما حكي عن «مفتاح الكرامة» من فرضه فيما إذا ابتيع الثوب بفرس لظن المساواة، ثم ادعى كل منهما نقص ما في يده عما في يد الأخر و لم يوجد المقوم ليرجع اليه فتحالفا، فيثبت لكل منهما فيما وصل اليه. و يمكن هذا الفرض في مبيع واحد أيضا كما فرضه على ما حكى عنه.
و أجاب عنه العلامة الأنصاري «قده» بوجهين:
«أحدهما» أن لازم حلف كل منهما عدم الغبن في المعاملة أصلا، إذ الحلف انما هو على جهة الإنكار الذي يتضمنه التداعي، فكل منهما يحلف على عدم الأخر و لازمه عدم الغبن. اللهم الا أن يراد به اليمين المردودة، و يكون ذلك بمنزلة البينة.
«ثانيهما» أن الكلام في الغبن الواقعي لا الغبن الظاهري.
و سادسها: ما حكي عن كاشف الغطاء في «شرح القواعد» من فرض صدور البيع منهما في برية بثمن معين مع عدم جريان العادة بالقيمة فيها و اختلفت القيمة في بلد البائع و المشتري بكون الثمن أقل منهما في بلد البائع أو أكثر في بلد المشتري.
و قبل التكلم في هذا الفرض ينبغي التكلم في أن المدار في القيمة على بلد العقد أو بلد المتعاقدين فنقول:
مقتضى القاعدة أن المدار في القيمة على بلد العقد إذا لم يكن هناك قرينة حالية أو مقالية يتعين بها بلد البائع أو المشتري، لجريان العادة و السيرة المستمرة على ملاحظة قيمة بلد العقد الذي يوجب انصراف العقد اليه، و حينئذ فالمدار في الغبن ثبوتا و سلبا على بلد العقد، فان جرت العادة بالتقويم في ذلك البلد، فيؤخذ به و يلاحظ الغبن و عدمه بالنسبة اليه، و الا فلا غبن اتفق بلد البائع و المشتري أو اختلف.
نعم حكى بعض المشايخ في «أنوار الفقاهة» وجوها ثلاثة- فيما إذا لم تجر العادة بالقيمة في بلد العقد و اختلف بلد البائع و المشتري و يكون المشتري مغبونا بالنسبة الى بلده دون الأخر-:
«أحدها» انتفاء الغبن رأسا. إذ المدار فيه على قيمة بلد العقد، و المفروض أن
المبيع ليس له قيمة فيه.
و «ثانيها» ترجيح بلد الغابن لأصالة اللزوم.
و «ثانيها» ترجيح بلد المغبون للضرر المنفي.
و مما ذكر يتضح أنه لا مسرح للوجهين الأخيرين، بل المتعين هو الوجه الأول كما اتضح أن الفرض المذكور لا يتم لإثبات غبن كليهما، إذ بعد ما لم يكن للعين قيمة في بلد العقد فنقصان الثمن عن قيمة أحدهما كزيادته عن قيمة الأخر لا عبرة بهما حتى يتحقق الغبن.
و بالجملة فالمدار فيما لم يدل دليل على تعيين بلد على قيمة بلد العقد فيلاحظ الثمن بالنسبة فاما أن يكون أقل أو أكثر. و على التقديرين يختص الغبن بأحدهما خاصة دون الأخر.
و سابعها: ما حكي عن «فاضل الديلماج» من فرض بيع ثوب بفرس فاعتقد البائع ان الثوب يسوى مأة و الفرس مأة و خمسين فغبن المشتري، و اعتقد المشتري أن الفرس يسوى مأة و الثوب مأة و خمسين فغبن البائع، ثم تبيّن أن كليهما يساويان مأتين.
و هذا الفرض لغبن كليهما بعيد عن ساحة جلاله، ضرورة أنه مجرد تخيل غبن لا واقعية له. و لعله من سهو قلم الناسخ.
و ثامنها: ما ذكره بعض من تعارض البيّنتين القائمتين على غبن كل من البائع و المشتري.
و فيه: أن تعارض البينتين يوجب تساقطهما فلا يثبت به غبن كليهما. و ليس تعارض الأمارات و الطرق كتعارض الأصول حتى يعمل بهما ما لم يستلزم مخالفة عملية، بل تعارض البيّنتين يوجب التساقط، لعدم إمكان العمل بهما لاستلزامه تصديقهما و هو غير ممكن مع العلم بكذب أحدهما.
هذا تمام الكلام في الوجوه المتصورة للغبن لكليهما. و اللّه تعالى هو العالم.
ظهور الغبن سبب شرعي لثبوت الخيار أو كاشف عقلي.
و بعبارة أخرى: العلم بالغبن طريق صرف أو موضوع للحكم؟ وجهان، بل قولان.
و الكلام فيه تارة بالنظر الى ما يستفاد من كلمات الأصحاب، و أخرى بالنظر الى مفاد الأدلة.
أما الأول: فالمشهور أن ظهور الغبن كاشف لا سبب، بل عن «التذكرة» أن الغبن سبب للخيار عند علمائنا. و عنه أيضا في خيار الرؤية: أن الرؤية سبب للخيار.
و الظاهر أن لخيار الرؤية و الغبن فيه حكم واحد. و حكي عن تصريح جماعة:
ثبوت الخيار قبل العلم. و لا ينافيه ما في كلمات آخرين كالمحكي عن «المبسوط» و «الشرائع» و غيرهما من أن الخيار يثبت عند ظهور الغبن، لان ثبوته عنده لا ينافي ثبوته قبله و لا يدل على نفيه، و تخصيص الظهور بالذكر لأنه مورد ظهور ثمرة الخيار و هو الفسخ لتوقفه على العلم بالغبن لا لعدم ثبوت الخيار قبله.
نعم ما عن «الغنية» من أن ظهور الغبن سبب للخيار و دعوى الإجماع عليه، الا أنه لا عبرة باجماعات «الغنية».
و مما ذكرنا ظهر اندفاع توهم اختلاف كلمات العلماء و اضطرابها في ذلك.
قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بعد ما ذكر من اختلاف الكلمات ما لفظه
لكن لا يخفى إرجاع الكلمات الى أحد الوجهين بتوجيه ما كان منهما ظاهرا في المعنى الأخر.
ثم قال: و توضيح ذلك: أنه ان أريد بالخيار السلطنة الفعلية التي يقتدر بها على الفسخ و الإمضاء قولا و فعلا فلا يحدث الا بعد ظهور الغبن، و ان أريد ثبوت حق للمغبون لو علم به لقام بمقتضاه، فهو ثابت قبل العلم، و انما يتوقف على العلم اعمال هذا الحق فيكون حال الجاهل بموضوع الغبن كالجاهل بحكمه أو بحكم خياري المجلس و الحيوان و غيرهما.
و أنت خبير بأنه لا يرتبط قوله «و توضيح. إلخ» بما ذكره سابقا، إذ ظاهره أنه توضيح لما أهمله أولا من إمكان التوجيه في كلماتهم. و حينئذ فلا يناسبه الترديد بين الوجهين بقوله «ان أريد كذا، و ان أريد كذا» بل المناسب أن يقول:
ان من قال: بأن الغبن سبب للخيار، أراد به الحق الواقعي، و من قال: ان ظهوره سبب، أراد السلطنة الفعلية ثم ان ما ذكره من التوضيح يشبه توضيح الواضحات، بداهة ان السلطنة الفعلية تتوقف على العلم و لا يتعقل ثبوتها بدونه.
و أما ما جعله مؤيدا لكون الظهور شرطا شرعيا من أنهم اختلفوا في صحة التصرفات الناقلة في زمن الخيار و لم يحكموا ببطلان التصرفات الواقعة من الغابن حين جهل المغبون:
ففيه: ان من حكم هنا بعدم بطلان تصرفات الغابن لا يفرق بين تصرفه قبل علم المغبون أو بعده، و ذلك من جهة أن الخيار عنده لا يمنع من التصرف الناقل عمن عليه الخيار بل يوجب ذلك الانتقال الى البدل، لأن صحة التصرف قبل علم المغبون من جهة عدم ثبوت الخيار فيه و توقفه على العلم.
و أما بالنظر الى الأدلة: فهي أيضا دالة على ثبوت الخيار عند العقد، فقد عرفت نقله عن العلامة «قده».
و أما لا ضرر: فهو أيضا منوط بالغبن الواقعي و لا مدخلية للعلم فيه. و كذلك الأخبار الخاصة المشتملة على حكم الغبن لو استند إليها في المسألة.
نعم في بعض أخبار تلقي الركبان الحكم بثبوت الخيار معلقا على دخول السوق المعلوم كونه لا جل العلم بالغبن على ثبوته قبله، لكنه معارض بما ورد أيضا من تخييرهم إذا غبنوا فيتعارض منطوقه مع مفهوم الأول و هو و ان كان أخص الا أن تقديم المفهوم و الخاص على المنطوق العام ممنوع.
ثم لان لكل منهما جهة قوة و ضعف فيدور الترجيح مدار القرائن الخارجيّة، و هي هنا قاضية بتقديم العام لوهن المفهوم بكون ما اعتبر فيه دخول السوق مسوقا لبيان مورد ما هو ثمرة الخيار غالبا و هو الفسخ، فيضعف دلالته على المفهوم.
فالمعتمد: ما دل على أن العبرة بنفس الغبن ثم ان شيخنا العلامة الأنصاري «قده» ثلث الآثار المجعولة بين ما يترتب على السلطنة الفعلية، و السقوط بالتصرف، فإنه لا يكون الا بعد العلم بالغبن فلا يسقط قبله. و منه التلف فاستظهر أنه قبل ظهور الغبن من المغبون.
و لو قلنا بشمول قاعدة التلف لمثل خيار الغبن و بين ما يترتب على ذلك الحق الواقعي كإسقاطه بعد العقد و بين ما يتردد بين الأمرين كالتصرفات الناقلة.
فان تعليلهم المنع عنها بكونها مفوتة لحق ذي الخيار ظاهر في ترتب المنع على وجود نفس الحق. و حكم بعض من منع من التصرف في هذا الخيار- بمضي التصرفات الواقعة من الغابن قبل علم المغبون- يظهر منه: أن المنع لأجل التسلط الفعلي. و المتبع حينئذ هو دليل تلك الآثار. انتهى مهذبا.
و هذا الكلام كما ترى مختل النظام، لأنه يحتمل وجوها ثلاثة:
أحدها: أن مراده تثليث الأحكام و آثارها الشرعية كما هو ظاهر صدره.
ثانيها: أن يكون المراد بيان أقسام ما يترتب على الوجهين المذكورين في الكلام في كلامه من الخيار قبل الغبن كما هو ظاهر الدليل.
ثالثها: أن يكون المراد: أن الأحكام الشرعية بعضها يشهد على الوجه الأول و بعضها يشهد على الوجه الثاني و بعضها مردد بين الوجهين، و لكن لا يلتئم أجزاء كلامه على شيء من الاحتمالات.
أما الأول: فلان أحكام الخيار كلها ثابتة لنفس الخيار الواقعي و ليس شيء منها مشروطا بالعلم به، و أما إسقاطه بالتصرف فهو أيضا من أحكام نفس الغبن، غايته أن موضوع التصرف المسقط لا يتحقق في الخارج الا بعد علمه بالغبن، لان المسقط هو التصرف الكاشف عن الرضا و الالتزام، و هذا لا يتحقق الا بعد العلم بالخيار.
و أما الثاني: فلان ما ذكره لا يصلح أن يجعل ثمرة بين الوجهين، إذ منها ما ذكر من سقوط الخيار بالتصرف بعد العلم بالغبن، و من الواضح أنه كذلك، سواء قلنا بثبوت الخيار من أول الأمر أو قلنا بحدوثه بالعلم. و وجهه ما عرفت، فلا يصلح ثمرة بين الوجهين. نعم تختص الثمرة بما ذكره أخيرا بقوله «و تظهر الثمرة. إلخ» و لا ينطبق على ما عداه.
و أما الثالث: فهو حسن بالنسبة إلى التلف قبل العلم بالغبن لأنه إذا فرض كونه على المغبون إنفاقا و لو على القول بشمول القاعدة لخيار الغبن فيكشف ذلك عن انتفاء الخيار قبل العلم بالغبن و الا لكان اللازم كون ضمانه على الغابن، بناءا على إجراء القاعدة، فهو شاهد على توقف الخيار على العلم، لئلا ينافي القاعدة المذكورة، لكنه مضافا الى اختصاص شهادته بالقول بالشمول و عموم القاعدة لخيار الغبن. و هو ضعيف لا يتم في الأول و هو تصرف المغبون قبل العلم بالغبن، إذ عدم كونه مسقطا لا يشهد على شيء لعدم منافاته بشيء منها، كما هو واضح.
و هو اما أن يكون بعد العلم بالغبن أو قبله، و الأول اما مع العلم بمرتبة الغبن أو مع الجهل بها، و الإسقاط في كل منهما اما بلا عوض أو معه.
أما الأول: فإن أسقطه مجانا بلا عوض بعد العلم به و بمرتبته، فلا اشكال فيه. و ان علم به دون مرتبة، فإن أسقط الغبن المسبب- من أي مرتبة كانت- فاحشا كان أو أفحش، فلا إشكال أيضا، و ان أسقطه بزعم كونه فاحشا فتبين أفحش: ففي السقوط وجهان: من عدم طيب نفسه سقوط هذا المقدار من الحق، و من أن الخيار حق واحد مسبب عن مطلق التفاوت الغير المتسامح به.
و تعدد مراتبه لا يوجب تعدد الخيار، فيسقط هذا الخيار الواحد بمجرد الاسقاط، و ليس تعدد مراتب الغبن من قبيل تعدد أسباب الخيار كالمجلس و الغبن فيه.
و الأقوى هو الأول، لأن الخيار و ان كان واحدا حقيقة و نوعا، الا أن أفراده متعددة بتعدد أفراد الغبن، فالخيار المسبب عن الغبن الفاحش فرد و عن الافحش فرد آخر، فإذا أسقطه بزعم كونه فاحشا فتبين أفحش فالمقصود غير واقع، و الواقع غير مقصود.
فان قلت: يلزم من ذلك عدم سقوط الخيار رأسا حتى بالنسبة إلى الفاحش المشتمل عليه الافحش، إذ المفروض أن هناك حق واحد غير ساقط.
قلت: نعم لكن إسقاطه بزعم كونه فاحشا يوجب رضائه و طيب نفسه بحلية
مقدار ما اعتقده، فليس له الرجوع عليه به. فتدبر فإنه لا يخلو عن تأمل.
و ان أسقطه بعوض، بأن صالح على سقوطه بمال فمع العلم بالمرتبة و التصريح بصلح أي مرتبة كانت، لا اشكال فيه.
أما لو أطلق و كان له منصرف أو اعتقد مرتبة خاصة فصالح عليها بعوض فتبين أنها كانت مرتبته أعلى، ففيه وجوه ثلاثة:
أحدها: بطلان الصلح، لأنه لم يقع على الحق الموجود، فالواقع غير مقصود، و المقصود غير واقع.
ثانيها: صحته مع لزومه لما مر من أن الخيار حق واحد له سبب واحد فإذا أسقطه سقط.
ثالثها: صحته متزلزلا لكونه صلحا مشتملا على الغبن، حيث أن الخيار الذي صالح عليه باعتقاد كون سببه الغبن الفاحش، تبين كونه فيما يبذل في مقابله أزيد مما جعله عوضا ضرورة أنه كلما كان التفاوت أزيد يبذل بإزائه أزيد بما بذله ازائه من الأقل.
و قوى شيخنا العلامة الأنصاري «قده» الأخير، ثم أمر بالتأمل، و لعله إشارة الى أن الغبن لا يتحقق إلا في الأموال العرفية التي لها قيمة عند العرف فلا يتصور تحققه في الحقوق لأنها لم تقرر لها قيمة عند العرف حتى يجري فيها الغبن.
هذا مضافا الى أنه لا يتحقق موضوع الغبن في الصلح و لو في مقام المعاوضة لأن مفهومه هو التسالم و الصفح و ان كانت فائدته فائدة المعاوضة و الغبن انما يتحقق في المعاوضات، فلا وجه لجعله أقوى، بل المتعين أحد الأولين، و قد عرفت أن الأقوى هو الأول.
هذا كله لو أسقطه بعد العلم، و أما لو أسقطه قبل ظهوره: فاما ان يسقطه مجانا أو بعوض، أما الأول: ففيه إشكالان:
أحدهما: أنه من قبيل إسقاط ما لم يجب.
ثانيهما: أنه تعليق للجهل لوجود الحق واقعا.
و الجواب عن الثاني: أن التخيير من شرائط الصيغة، فإذا كان الاسقاط على وجه التنجيز صح، و لو كان ذلك في الواقع معلقا على وجوده لان تعليق الحكم على موضوعه واقعا أمر قهري حاصل في جميع الموارد و المانع هو التعليق في العقد، فان قال: أسقطته على تقدير وجوده، بطل، بخلاف ما لو قال: أسقطت.
و عن الأول: أن وجود المقتضي كاف في صحة الإسقاط، و هو العقد أو الغبن الواقعي. و ذكر «قده» في الكتاب أمثلة و قاس المقام بها:
منها: إبراء المالك الودعي المفرّط عن الضمان.
و منها: برأيه البائع من العيوب الراجعة إلى إسقاط الحق المسبب عن وجودها قبل حصول العلم بها.
و منها: ضمان درك المبيع عند ظهوره مستحقا للغير في هذه المسألة.
و في هذه الأمثلة و شهادتها في المقام نظر:
أما الأول: ففيه: منع صحته، لأن الودعي المفرّط في حكم الغاصب، لأنه بالتفريط تصير يده يد ضمان و عدوان، و قد ذكروا في الغصب أنه لا يصلح إبرائه عن الضمان لان موضوع الإبراء هو الدين لا العين، و حق المالك قبل التلف متعلق بالعين لا بالذمة، فلا معنى لا برأيه الا على القول بقيمة ضمان العين، و هو باطل على المشهور.
و أما الثاني: فلأنه ليس إسقاطا لما وجد فيه المقتضي، بل دفع لتأثير المقتضي من أول الأمر لأن برأيه البائع انما هو في ضمن العقد بأن يقول للمشتري: بعتك بكل عيب، فلا مقتضى للثبوت حينئذ حتى تكون البراءة مسقطة له، و أين هذا من المقام الذي وجد فيه المقتضى دون شرط تأثيره.
و أما الثالث: فأولا: أنه إثبات، لا إسقاط. و ثانيا: أن ضمان الأجنبي لدرك المبيع أمر ثابت بالدليل على خلاف القاعدة، إذ مرجعه الى ضمان العين، و هو باطل لو لا الدليل. و أما الثاني: و هو إسقاطه بعوض فقد استشكل فيه «قده» من حيث العوض المصالح به فإنه لا بد من وقوع شيء بإزائه و هو غير معلوم فيكون أكلا له بالباطل.
ثم قال: فالأولى ضم شيء إلى المصالح عليه أو ضم سائر الخيارات إليه بأن يقول: صالحتك عن كل خياري بكذا.
و أورد عليه بعض المشايخ ممن قارب عصرنا بأن ذلك مخالف للإجماع، لجواز الصلح مع العلم و الجهل و الإقرار و الإنكار إجماعا، مضافا الى أن بناء الصلح على التخلص من الحقوق المجهولة فاشتراط الضميمة إلى الحق المجهول لا وجه له.
و يندفع: بأن المسلّم من الجواز مع الجهل بوجود الحق انما هو صورة التنازع، لان الغرض الأصلي لمشروعية الصلح هو قطع النزاع. و أما جوازه في غيره كما هو مفروض كلامه. ممنوع و قد سبق منا التحقيق في هذا المقام فليراجع.
ثم قال «قده»- بعد ما سبق من لزوم ضم الضميمة- ما لفظه: و لو تبين عدم الغبن لم يسقط العوض عليه لان المعدوم انما دخل على تقدير وجوده لا منجزا باعتقاد الوجود. إلخ.
و توضيحه: أن الضميمة ليست بإزاء الحق المجهول و الضميمة معا مطلقا بل انما هو بإزائهما معا على تقدير وجود الحق المجهول و بإزاء الضميمة على تقدير عدم وجوده، فلا وجه لتقسيط العوض و تبعضه لو تبين عدم الغبن.
لكن لا يخفى أن مثل هذا القصد في عقد واحد و صلح واحد لا يخلو عن اشكال بل منع لمنع ارادة المصالح له وقوع العوض بتمامه بإزاء الضميمة فقط على
تقدير عدم الغبن بل قصده انما تعلق بجعله عوضا لهما معا، فاذا تبين عدم الغبن لزم التقسيط و التبعض.
نعم يمكن توجيه عدم التقسيط بوجه آخر، و هو إرجاعه إلى صلح الضميمة فقط بالعوض و جعل سقوط خيار الغبن شرطا لا جزءا للعوض، بأن يقول:
صالحتك عن هذا الشيء بهذا المال بشرط أن لا يكون لك الخيار لو ظهر الغبن.
و حينئذ فلا يبقى الإشكال لأن الشروط لا تقابل بالأثمان و لا يقسط الثمن عليهما بل العوض انما هو بإزاء نفس المشروط. هذا إذا كان كلاهما جاهلين بالغبن أو شاكّين فيه فصولح الغبن المحتمل بمال.
و لو تنازعا و اختلفا، فادعى المشتري الغبن و أنكره البائع فيصح أن يصالحا اما على إسقاط الدعوى أو على إسقاط حق الغبن من المنكر بمال، الا أن صحة الصلح في الأول صحة ظاهرية، و أما الصحة الواقعية فتدور مدار ثبوت الحق.
و في الثاني خلاف، ففي «المسالك» و «جامع المقاصد» استظهار صحته واقعا معللا بأن اليمين حق يصح الصلح على إسقاطه و جزم به في «الجواهر» أيضا.
و التحقيق: ابتنائهما على أن اليمين حق للمدعي على المنكر أو حكم. فعلى الثاني تعين الصحة الظاهرية لأول المصالحة حينئذ إلى إسقاط الدعوى لعدم صحة المصالحة عن اليمين لفرض صحة لحوق حق اليمين حكما لا حقا. و على الأول:
الصحة الواقعية، و ان كان المدعى كاذبا فضلا عما لو كان شاكا.
و التحقيق: أنه حكم لاحق، لعدم ميزان كلي يشخصه- أي يشخص الحق من الحكم في مورد الشك فيهما- فحينئذ الأصل يقضي كونه حكما فلا يصح المصالحة عنه لا ظاهرا و لا باطنا. ثم لو أقر بعد المصالحة على سقوط الدعوى أو على سقوط حق اليمين فيؤخذ بإقراره بالنسبة الى ما أقر به من المال لنفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم.
و لو أقام المدعي بينة: فهل هو كإقرار المنكر في أخذه به أم لا؟ وجهان ينشآن من أن الصلح على سقوط حق اليمين بمنزلة نفس اليمين أولا؟
فإن قلنا: أن حكمه حكم اليمين بسقوط حقه فلا فائدة للبينة، و هذا لا ينافي أخذه بإقراره بعد الصلح أيضا، لأن الإقرار نافذ و لو بعد الحلف، فكذا بعد ما هو بمنزلته أيضا.
و ان قلنا: بأن الصلح على سقوط حق اليمين ليس بمنزلة نفس اليمين و انما فائدته قطع الدعوى، فإذا أقام المدعى البينة، كانت بمنزلة إقرار المنكر في إلزامه بالحق.
و الاشكال فيه من جهة استلزامه إسقاط ما لم يجب و سائر الجهات قد سبق هنا و في خيار المجلس كما أنه ظهر جواب الجميع في المقامين الا أن هنا اشكالا آخر، مختص بهذا الخيار و خيار الرؤية و ان كان وروده فيها أوضح و دفعه أشكل و لذا صار الأكثر هناك الى الفساد و هنا إلى الصحة بل لم يستشكل فيه الا الشهيد «قده» في محكي «الدروس» و هو أن اشتراط سقوط الخيار في متن العقد مستلزم للغرر.
قال في محكي «الدروس»: و لو اشترط رفعه أو رفع خيار الرؤية فالظاهر بطلان العقد للغرر.
و عن «غاية المرام»: الجزم ببطلان العقد و الشرط و تردد فيه المحقق الثاني الا أنه استظهر الصحة.
و ذكر شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في توجيه كلام الشهيد بما حاصله:
أن الجهل بالصفات انما يكون سببا للغرر باعتبار كونه سببا للجهل بالمالية. ثم أورد عليه: أولا: بأن الجهل بمقدار المالية لو كان غررا لم يصح البيع مع الجهل بالقيمة.
و ثانيا: ان ارتفاع الغرر عن هذا البيع ليس لا جل ثبوت الخيار حتى يكون إسقاطه موجبا لثبوته و الا لم يصح البيع إذ لا يجدي في التخلص عن الغرر ثبوت الخيار لأنه حكم شرعي لا يرتفع به موضوع الغرر و الا لصح بيع مجهول الوجود و متعذر التسليم على نحو ثبوت الخيار و التزلزل و هو كما ترى.
و لقد أجاد «قده»، فالأقوى هو الصحة وفاقا للمشهور.
و أما خيار الرؤية: فالإشكال فيه أوضح، لأن ارتفاع الغرر انما هو من جهة التوصيف المبني على الالتزام بوجود ما اشترطاه من الأوصاف، و اشتراط سقوط الخيار راجع الى سقوط اعتبار ما اشترطاه من الأوصاف، فكأنهما تبانيا على البيع سواء وجدت تلك الأوصاف أم لا فالالتزام بوجودها المبتني عليه الصحة مع إسقاط الخيار الراجع الى عدم الالتزام بوجودها تناقض بيّن.
و الحاصل: ان لم يوجب اشتراط سقوط الخيار رفع ذلك الالتزام الأول فهو تناقض و ان أوجب فهو غرر كما لو لم يلتزم بها من أول الأمر. الا أن يقال مرجع إسقاط الخيار ليس إلى شيء من ذلك، بل مرجعه الى الالتزام بعدم تأثير تخلف ما اشترطاه من الأوصاف و لا تنافي بين الالتزام بوجودها و بين الالتزام بعدم الفسخ لو تخلف.
كذا ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» ثم أمر بالتأمل. و لعل وجهه ما ذكره في خيار الرؤية بعد تقوية القول بالفساد من أن مآل الالتزام الثاني الى عدم الالتزام لوجود الأوصاف، إذ لا معنى للالتزام بعدم الخيار على تقدير التخلف الا عدم الالتزام بوجودها بل يرضي بالعقد سواء وجدت الأوصاف أم لا، فيعود محذور التناقض أو الجهالة و الغرر.
و توضيح الحال: أن في المسألة وجوها بل أقوالا ثلاثة:
أحدها: فساد الشرط و العقد معا، و ان قلنا بعدم استلزام فساد الشرط فساد العقد، فاختاره في «التذكرة» و شيخنا العلامة «قده» في خيار الرؤية.
ثانيها: صحة العقد و الشرط كما ذهب إليه في «الجواهر».
و ثالثها: فساد الشرط دون العقد.
وجه الأول: ما مر من استلزام الشرط المذكور التناقض أو الجهالة و الغرر، ففساد هذا النحو من الشرط يقتضي فساد العقد، و ان قلنا بعدم كون الشرط الفاسد من حيث هو مفسدا للعقد.
و وجه الثاني: أن مرجعه الى عدم ثبوت الخيار لو فرض تخلف الوصف، و هذا لا يؤدي الغرر لارتفاعه بنفس التوصيف، غاية الأمر أن لتخلفه حكما شرعيا و هو الخيار، فاشترط سقوطه.
و وجه الثالث: أن فساد هذا الشرط ليس للتناقض و لا للجهالة حتى تؤدي الى فساد العقد، بل لكونه إسقاطا لما لم يجب، و هو باطل، فيبطل الشرط دون العقد على قياس سائر الشروط التي لا يقتضي فسادها فساد المشروط على التحقيق.
و الأوجه هو الوجه الثاني وفاقا لصاحب «الجواهر» لضعف ما استدلوا به للفساد من لزوم التناقض و الغرر.
أما أولا: فبالنقض بما لو اشترى العين اعتمادا على الرؤية السابقة أو على أخبار البائع من دون توصيف في العقد حيث اعترف القائل بالبطلان هنا بصحة شرط سقوط الخيار هناك، فإن أوجب ذلك الجهالة فيجري في المقامين لاتحاد المناط. و كذلك بما لو باع اعتمادا على أصل الصحة و شرط سقوط الخيار لو ظهر العيب فان تردد الأمر بين الصحيح و المعيب غرر و جهالة.
و أما ثانيا: أن لزوم التناقض و الجهالة مبني على أن يكون التوصيف في العين الشخصية راجعا الى الالتزام لوجود الأوصاف المذكورة في العقد و هو باطل، إذ لا يعقل حقيقة الشرط و الالتزام في الجزئي الخارجي، و الا لزم بطلان العقد رأسا اما من أول الأمر أو من حين التخلف لا صحته مع الخيار لان الالتزام بوجود
الوصف ان رجع الى قيد البيع كان تعليقا مبطلا، و ان رجع الى تقييد المبيع كان حكم تخلف الوصف حكم تخلف الجنس و الماهية في البطلان لان الواقع غير مقصود و المقصود غير واقع و ان كان التزاما مستقلا غير راجع الى شيء من الأمرين فهو غير معقول أو شرط في موضوع الالتزام أن يكون أمرا اختياريا مقدورا للمكلف و الأوصاف الخارجية في العين الشخصية كالكتابة و السواد و البياض و غيرها ليست بحسب اختيار المكلف بل هي أمور خارجية تكوينية.
نعم انما يتعقل ذلك في الأفعال الخارجية و في الكليات حيث أن معنى الالتزام في الأول التزام بإيجادها في الخارج لكونها مقدورة و في الثاني تضييق لدائرة المبيع و جعله واجدا للوصف دون فاقدة بل مرجع التوصيف و الالتزام في العين الشخصية إلى إحداث الداعي للمشتري في إقدامه على الشراء.
فالتوصيف ليس إلا كإخبار البائع و الرؤية السابقة في كون الجميع من أسباب حدوث الدواعي للمشتري، و هذا بنفسه رافع للجهالة و ان حصل الشك و احتمل التخلف.
و من الواضح أنه يصح شرط السقوط في صورة إخبار البائع لأنه و ان أخبر بالوصف على سبيل الجزم، الا أن المشتري حيث يحتمل الخلاف فيشترط في العقد سقوطه.
فكذلك في المقام لأنه أيضا بمنزلة اخبار البائع فبطلت دعوى أن مرجع شرط سقوط الخيار الى الالتزام بالمبيع كائنا ما كان إذ ليس مرجعه اليه، كما أنه ليس مرجع اشتراطه في الرؤية السابقة إليه لأن الالتزام بالمبيع انما حصل بداعي وجود الوصف لا مطلقا كما أنه ارتفع التناقض عن البين بعد خروج التوصيف عن الالتزام.
فان قلت: لو لم يكن التوصيف التزاما لزم انتفاء الخيار عند التخلف، لان
تخلف الدواعي ليس سببا للخيار قطعا.
قلت: نعم، الداعي لو لم يذكر في متن العقد فلا عبرة به. اما إذا ذكر في العقد صار تخلفه سببا للخيار سيما إذا كان من الأوصاف المالية.
و الحاصل: انا لا نتعقل فرقا بين التوصيف و بين اخبار البائع و الرؤية السابقة لا في ارتفاع الجهالة و لا في ثبوت الخيار لو تخلف الوصف و لا في صحة اشتراط سقوطه فالكل على نهج واحد، فالأقوى حينئذ صحة شرط سقوط الخيار.
و «منها» اشتراط سقوطه في متن العقد.
و ترد عليه ضروب من الإشكالات المتقدمة في الخيارات المتقدمة كما ذكرناها آنفا و يزيد على هذا الخيار و خيار الرؤية إشكال آخر، و حاصله استلزام اشتراط السقوط فيها الغرر و الجهالة في المبيع. الا أن الاشكال في الأخير أقوى من الأول.
و قد أشار الشهيد «قده» في «الدروس» في هذا المقام ما لفظه: و لو اشترطا رفعه و رفع خيار الرؤية، فالظاهر بطلان العقد للغرر. ثم فرّق بينهما بأن الغرر في الغبن سهل الإزالة.
و أوضح شيخنا العلامة الأنصاري «قده» ذلك الإشكال بأن الجهل بمقدار مالية المبيع كالجهل بصفاته لان وجه كون الجهل بالصفات غررا هو رجوعه الى الجهل بمقدار ماليته، و لذا لا غرر مع الجهل بالصفات التي لا مدخل لها في القيمة.
ثم أورد «قده» على هذا الاشكال بوجهين:
أحدهما: الجهل بمقدار المالية غير مانع عن البيع و الا لم يصح مع الشك في القيمة.
و ثانيهما: أن الجهل بمقدار المالية ان كان مانعا فلا يرفعه اشتراط ثبوت الخيار أيضا فضلا عن عدمه، إذ لا يجدي في رفع الغرر و الإخراج عنه ثبوت الخيار
لأنه حكم شرعي لا يرتفع به موضوع الغرر و الا يصح كل بيع غرري على وجه التزلزل و ثبوت الخيار كبيع المجهول الوجود و المتعذر تسليمه. هذا كله بالنسبة إلى الغبن.
و أما تقرير الاشكال الوارد في الرؤية: أشار إليه أيضا «قده» في الكتاب، و حاصله:
رجوع الاشتراط إلى إلغاء ما تبانيا عليه و أوقعا العقد معه من التوصيف في الغبن. و من البين أنه يوجب الجهل في المبيع. ثم احتمل الصحة لأن الاشتراط لا يرجع الى إلغاء التباني الواقع بينهما و رفع الالتزام المزبور بل الى عدم تأثير تخلف تلك الأوصاف التي بني العقد عليها.
ثم أمر بالتأمل، و لعل وجهه ما أفاده في خيار الرؤية من بطلان الشرط المزبور و العقد معا نظرا الى كونه راجعا إلى إلغاء التباني الواقع منهما الذي وقع العقد عليه فيؤدي حينئذ إلى جهالة المبيع.
هذا و تفاصيل الأقوال و الوجوه مذكورة هناك، و حاصلها ثلاثة: الأول- فساد الشرط و المشروط. الثاني- صحتها معا. الثالث- صحة المشروط دون الشرط.
وجه الأول: إيجاب الشرط جهالة المبيع، فيفسد المشروط و ان لم نقل بأن فساد الشرط موجب لفساد المشروط، إذ ذلك فيما إذا لم يحصل منه ما يوجب اختلالا فيما يعتبر في المشروط و أما إذا حصل منه ذلك فلا خلاف في إفساده المشروط جزما. و المقام من هذا القبيل على ما عرفت.
وجه الثاني: أن العقد وقع على التباني و التوصيف، فترتفع به الجهالة، فاشتراط سقوط الخيار الحاصل بالتخلف لا يرجع الى رفع اليد عن التوصيف المتقدم حتى يوجب الجهالة، لما أفاده المحقق الثاني من أن رفع الغرر ليس بالخيار حتى يثبت بارتفاعه، فان الخيار حكم شرعي لو أثر في رفع الغرر لجاز
بيع كل مجهول متزلزلا لان الغرر هو الاقدام على شراء العين الغائبة على أي صفة كانت، و لا يرتفع ذلك بالالتزام على الفسخ و الخيار مثلا.
و أما ما نحن فيه ليس اقداما على أية صفة حتى يكون غررا بل على التوصيف المذكور في متن العقد، فاشتراط سقوط الخيار ليس الا كاشتراط التبري من العيوب، مع أن هذا إلى الجهالة في المبيع بل الغرر فيه أفحش لأنه في قوّة بيع الشيء صحيحا أو معيبا.
و نظير ذلك أيضا ما ذكروه في بيع المملوك و غيره من صحة البيع بالنسبة إلى الأول دون الثاني مع استلزامه الغرر و الجهالة أيضا. فالوجه في صحة الثلاثة و أضرابها أن العبرة في صحة البيع و عدمها على الحال لا بالمال، فان استلزم الجهالة في الحال فهو فاسد و الا بأن حصل العلم و التباني في الحال و ان استلزم الجهل في المال لا إشكال في الصحة كالأمثلة المذكورة.
و وجه الثالث: أن فساد الشرط ليس من جهة الغرر حتى يسري الغرر في البيع فيفسد بل من جهة أنه إسقاط لما لم يتحقق، لان الخيار انما يتحقق بالرؤية فلا يجوز إسقاطه قبلها.
هذا و شيخنا العلامة الأنصاري «قده» اختار الأول لأنه بمنزلة رفع اليد عن الالتزام فيوجب التناقض و الغرر و الجهالة، و لكن الأقوى هو الثاني كما اختاره المشايخ العظام- منهم صاحب «الجواهر»- لوجود المقتضي و انتفاء المانع أما الأول: فلعمومات أدلة البيع و الشرط، و أما الثاني: لأن قصوى ما يتخيّل أن يكون مانعا هو لزوم التناقض المؤدي إلى الغرر، و هو فاسد، لان لزوم التناقض انما يكون على كون التوصيف المزبور بمنزلة الالتزام منه على كون المبيع موصوفا بهذه الصفات و على كون الاشتراط في قوّة رفع اليد عن الالتزام المزبور و هما فاسدان:
أما الأول: فلما حقق في محله من أن الالتزام بالشيء انما يصح من الملتزم إذا كان مقدورا له، و هو لا يكون إلا في الكلي أو في الأفعال الخارجية، لا في الجزئي و في المعيّن الوجود الخارجي، إذ لا يصح الالتزام من أحد لكونه موصوفا بوصف كذا لعدم تعلق القدرة على إيجاده، لأنه أما أن يكون في الخارج موصوفا به فلا تتعلق القدرة على إعدامه و إزالته. أو يكون فاقدا له فلا تتعلق القدرة على إيجاده. و من المعلوم أن المقدورية لا بد أن يتساوى فيها طرفا الوجود و العدم و هي منتفية في المعين الخارجي.
و ما نحن فيه من قبيل المعيّن الخارجي كما لا يخفى، فلا وجه للالتزام المزبور فيها بل التوصيف فيها يرجع الى بيان الدواعي الخارجية كي يرغب فيها المشتري. و لا ينافيه إسقاط أثر المحتمل فيها الموجب لثبوت الخيار لعدم رجوعه الى رفع اليد عن الالتزام المتقدم على القول برجوع التوصيف اليه أو رفع اليد عن الحكم بثبوت الداعي المزبور.
و منه ظهر فساد الثاني، إذ الاشتراط في المقام نظير الاشتراط الواقع فيما إذا وقع البيع على الرؤية القديمة، و من المعلوم عدم رجوعه فيه الى انتفاء الداعي إذ الداعي هنا لك انما هي الرؤية القديمة و أن الاشتراط فيه انما هو لمجرد طروّ احتمال التغيير و نحوه الموجب للخيار لو لا الاشتراط المزبور لا رفع اليد عن الداعي فكذلك الاشتراط في المقام لا يرجع الى رفع اليد عن الداعي الموجود في المقام بل انما هو لمجرد إسقاط الاحتمال المحتمل الموجب للخيار لو لا الاشتراط المزبور.
و كيف كان فلا فرق في المقام بين ما نحن فيه مما وقع البيع فيه بالتوصيف و بين ما وقع البيع بالرؤية في صحة الاشتراط و عدمها، فان صح ففي المقامين و الا فلا في شيء منها. و التفرقة بينهما كما عن شيخنا العلامة الأنصاري غير
مشتملة على الفارق، و ما أشار إليه في الكتاب من أن جواز البيع في المقام انما هو بالتوصيف، و في ذلك المقام انما هو بالأمارة الشرعية من أصالة الصحة و نحوها غير مجد في ذلك الفرق كما لا يخفى على المنصف بل المقامان و غيرهما من الأمثلة المذكورة كتبري البائع و نحوه كلها من واد واحد.
و الأقسام المتصورة في المقام كثيرة، فقد عدّها في «الروضة» الى ما يزيد عن مأتي صورة، و الآخرون الى ما يبلغ بثلاثمأة أو أربعمائة.
فالجامع منها يقع الكلام تارة في حال التصرف و أخرى في نفس التصرف، أما الأول فتندرج تحته مسائل:
المتقدمة بعد العلم بالغبن. فينبغي التعرض الى مقتضى الأصل العملي و الأصل اللفظي. و مقتضى كلماتهم المقبولة في الباب:
أما الأول: فهل يقتضي الأصل الحكم بكون التصرف بقول مطلق مسقطا للخيار الا ما علم عدمه أو الحكم بعدمه كذلك الا ما علم ثبوته؟ وجهان مبنيان على كون الشك في الإسقاط في مورد الشك راجعا الى الرفع أو الى الدفع، و على الأول يتعين الثاني، كما أنه على الثاني يحكم بالأول، و تظهر الثمرة بينهما فيما إذا شككنا في كونه مسقطا كما إذا لم يقترن بأمارة الرضاء أو اقترن بعدمه، إذ على الأول يحكم بعدم سقوط الخيار و بقائه و على الثاني يحكم بسقوطه نظرا الى جريان استصحاب الخيار على الأول دونه في الثاني على ما هو التحقيق. هذا في الابتناء و البناء.
و أما المبنى: فهو أيضا مبني على كون العقد المشتمل على الخيار بملاحظة اقترانه بالتصرف و عدمه نوعين و فردين من العقد أو لا، بل فرد واحد و نوع واحد، فان قلنا بالأول فلا شبهة حينئذ في كون الشك حينئذ يرجع الى الدفع لا
الرفع، كما أنّه على الثاني لا يبقى ريب في كونه راجعا الى الرفع، و الأظهر هو الأول فتعين الحكم بلزوم العقد و عدم ثبوت الخيار لما قرر في محله من عدم حجيّة الاستصحاب مع الشك في المقتضي، فلا بد من الرجوع الى أصالة اللزوم بمعنى استصحاب بقاء الملك و عدم زواله بالفسخ. و الى ما ذكرنا أشار «قده» في الكتاب الا أنه قد حكم أولا بكون الشك المزبور من قبيل الشك في الرفع فيجري استصحاب الخيار، ثم أمر بالتأمل و لعله إشارة الى ما ذكرنا من كون الشك في الدفع فلا وجه للاستصحاب.
و العجب مما صدر عن بعض من قارب عصرنا من الحكم بعدم جريان الاستصحاب، و ان قلنا بكون الشك المزبور من قبيل الشك في الرفع نظرا الى كون التصرف استمساكا بالعقد و ان الخيار ينافيه إذ فيه غرابة واضحة، لأن كلامه مبني على أمرين: أحدهما: أن يفسر الخيار بالسلطنة على طرفي العقد امضاء و ازالة. و ثانيهما: أن يلتزم بكون التصرف اجازة للعقد و استمساكا به.
و في كليهما نظر، أما الأول: فلان الخيار عبارة عن السلطنة على الإزالة دون الإبقاء مضافا الى ان التسلط على الإبقاء لا محصل له.
و أما الثاني: فلأنه ان أريد بهذا التصرف الذي حكم فيه بكونه استمساكا بالعقد التصرف المقرون بالرضا الفعلي منه على اجازة العقد و إبقائه فهو مما لا كلام فيه و لا يكون هو مورد الشك المزبور، إذ الحكم فيه بكونه مسقطا للخيار إجماعي، و ان كان هو على خلاف القاعدة الأولية، إذ مجرد رضائه بإسقاط الخيار غير مستلزم لإمضاء الشارع الا أنه ثبت ذلك بالأدلة. و ان أريد منه ما عداه من التصرف المقرون لعدم الرضا أو الساكت عنهما فلا نسلم فيه ان هذا استمساك بالعقد.
و أما الأصل اللفظي: فهل يقتضي سقوط الخيار بالتصرف أم لا؟ وجهان
موكولان الى بيان الأدلة الواردة في الباب، فنقول: منها العمومات، و منها:
أدلة لا ضرر، و منها: العلة المستنبطة، و منها: الإجماع المدعى على ثبوت الخيار، و منها: الإجماع المنقول على سقوط الخيار في خصوص المقام بتصرف المغبون و منها: الإجماع على كون التصرف بقول مطلق مسقطا للخيار، و منها: غير ذلك الا أن مفاد تلك الأدلة مختلف فيه إذ مفاد بعضها اللزوم و سقوط الخيار و بعضها الأخر بقاء الخيار.
أما العمومات: فلا ريب في كونها مقتضية للزوم بناءا على ما أشرنا من كون العموم أحواليا و منوعا و أن يكون العقد بملاحظة الاقتران بالتصرف و عدمه منقسما الى قسمين و نوعين حسب ما أشار إليه «قده» في المسألة الاتية في فورية الخيار و عدمها من التفصيل في التمسك بالعمومات و استصحاب حكم المخصص بين العموم الاحوالي و بين العموم الأزماني، و أنه يتعين الأول في الأول، و الثاني في الثاني.
فلازم هذا التحقيق هو التمسك بالعموم و الحكم بلزوم العقد و سقوط الخيار بالتصرف فيما نحن فيه، لان مقتضى العموم أولا هو الحكم بلزوم جميع أفراد العقد خرج عن تحته بأدلة الغبن، العقد المشتمل على الغبن ما لم يتصرف المغبون فيه، فاذا وقع التصرف فيه من المغبون مثلا شككنا في كون المرجع أصالة بقاء حكم المخصص و استصحاب حكمه أو العموم المتقدم. فالتحقيق هو الثاني لوضوح كون العموم بملاحظة التصرف و عدمه حاليا و منوعا للعقد.
نعم مقتضى ذلك هو التعبير بعدم ثبوت الخيار هاهنا رأسا لا التعبير بسقوطه بالتصرف، الا أنه يكون على ضرب من التسامح كما في نظائر المقام. و لكن يوهن ذلك مقتضى الدليل الثاني، لان مقتضى أدلة لا ضرر هو الحكم ببقاء الخيار، كما أن مقتضى الرابع الحكم بثبوت الخيار الا أنه أجاب شيخنا العلامة الأنصاري
عن الأول بعدم دخول ذلك أعني صورة التصرف مع علم المتصرف تحت أدلة لا ضرر كعدم دخول صورة اقدامه و عن الثاني بأنه غير ثابت في المقام.
و يرد على جوابه الأول: بأنه ان أراد من التصرف الخارج عن أدلة لا ضرر التصرف المقرون بالرضا الفعلي فمسلم الا أنه لا كلام فيه لخروجه عنها و سقوط الخيار به اتفاقا. و ان أراد الغير المقرون به، سواء دل عليه نوعا أولا، أو يدل على عدم الرضا، فخروجه عن تحتها ممنوع فيصير حينئذ حاكما على العمومات.
نعم ما أفاده من عدم جريان الإجماع في المقام مسلم، لأن الإجماع ناظر الى بيان حكم خيار الغبن في نفسه من دون أن يكون له نظر الى ملاحظة التصرف و عدمه، فهو من هذه الجهة مهمل لا إطلاق في معقده.
و أما الدليل الثالث، أعني العلة المستنبطة: فلو لم نقل بانحصار مفادها في خصوص الرضا الفعلي و الشخصي فلا ريب في اقتضائها الحكم بسقوط الخيار إذا كان المراد أعم من التصرف المنبئ عن الرضا النوعي فضلا عن التعبدي، و قد عرفت في خيار الحيوان أن الأقوى هو ما يدل على الرضا النوعي.
فعلى ذلك تصير أدلة لا ضرر على فرض جريانها في المقام مخصصة بتلك العلة المستنبطة مؤيدة للعمومات و معتضدة لدليل الخامس و السادس، و ان قيل في الأول أنه غير محرز لأن المحكي عن «الخلاف» و الفاضل المقداد هو القول بالسقوط من دون النسبة إلى الأصحاب. و لو كان في البين لكانوا يستندون اليه و كذلك في الثاني. إلا أن العمدة هو العمومات و العلة المستنبطة، و لا ينافيها الإجماع المدعى على ثبوت الخيار لما عرفت من إهماله، و لا قاعدة لا ضرر لكونها محكومة بالعلة المستنبطة. فالأقوى هو اللزوم بالنسبة إلى التصرف الدال على الرضا نوعا. و أما التصرف الغير المقرون بالرضا أو المقرون بعدمه، فمقتضى التحقيق بقاء الخيار نظرا الى جريان قاعدة لا ضرر من غير جريان العلة المستنبطة حتى تكون حاكمة
عليها. ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من التصرف المسقط بين كونه ناقلا أو غير ناقل و بين سائر أنحائه.
فقد حكموا بعدم كونه مسقطا إلا إذا كان ناقلا، فيقع الكلام تارة في الناقل، و أخرى في غير الناقل.
أما الثاني: فلا اشكال لبقاء الضرر و عدم دلالة التصرف مع الجهل على الرضا لزوم العقد و تحمل الضرر في عدم كونه مسقطا الا على القول بالتعبد، و هو ضعيف قولا و قائلًا.
أما الأول: فالمستفاد من الأكثر هو سقوط الخيار و لعله لعدم إمكان استرداده مع الخروج عن الملك. و لكن الشهيد «قده» استشكل في «اللمعة» بما حاصلة:
أن الضرر الموجب للخيار ثابت مع التصرف أيضا و التصرف مع الجهل بالضرر ليس اقداما عليه فيجب تدارك الضرر باسترداد ما دفعه من الثمن، ورد بدل العين بالمثل أو بالقيمة و فوات خصوصية العين على الغابن ليس ضررا، إذ العين المبيعة ان كانت مثلية، فلا ضرر بتبديلها بمثلها، و ان كانت قيمية فتعريفها للبيع يدل على ارادة قيمتها.
و تبعه في ذلك الإشكال جماعة و استحسنه شيخنا العلامة «قده» فلا تخلو المسألة عن غموض، فقد يبنى على كون تلف العين في زمان الخيار مسقطا للخيار و عدمه و أن التلف الشرعي كالتلف الشرعي كالتلف العقلي.
أما الأول: فالظاهر ابتنائه على أن الخيار هل هو عبارة عن استرداد العين أو ازالة العقد، و على الأول: يتعين كون التلف مسقطا، لعدم إمكان الاسترداد. و على الثاني: يتعين عدمه لبقاء العقد بحاله، فتعيين أيهما لا بد اما من الاخبار أو كلمات الفقهاء، و حيث أن الاخبار مجملة و ساكتة و كلماتهم مختلفة لا بد من الحمل على القدر المتيقن و هو المعنى الأول، إذ استرداد العين يستلزم ازالة العقد أيضا لكونه
فسخا فعليا دون العكس.
و بذلك يندفع ما يتوهم من أن استرداد العين مما لا وجه لتعينه، لأنه مع ازالة العقد تحمل عليها الآثار و بدونها لا ثمرة له بل غير محلل لوضوح عدم جواز استرداد مال الغير.
وجه الاندفاع: أن الاسترداد بنفسه ازالة للعقد و فسخ له بالفعل، و أما إزالة العقد أعم من أن يكون حاصلا بالفعل أو بالقول. و كيف كان بناءا على كونه عبارة عن استرداد العين يتعين القول بكون التلف مسقطا للخيار و أما بناءا على منع ذلك كان المرجع هو الأصل العملي. ففي كونه استصحاب الخيار أو استصحاب بقاء الملك وجهان مبنيان على كون الشك المزبور من قبيل الشك في الرافع نظرا الى اتحاد موضوعي ما قبل التصرف و ما بعده، أو من قبيل الشك في المقتضي بناءا على حصول المغايرة بينهما. و قد عرفت في أمثال المقام أن المختار: الثاني، و عليه يلزم العقد بالتصرف المزبور.
هذا و ربما تتبنى المسألة على ما كان الخيار مستفادا من الأدلة الخاصة و الاخبار المخصوصة كخيار المجلس و الحيوان و الشرط، أو مستفادا من أدلة لا ضرر. و على الأول حيث يكون الخيار مجملا فلا بد من الرجوع الى القدر المتيقن و هو استرداد العين، و لازمه سقوط الخيار. و على الثاني يلزم القول بكون الخيار عبارة عن أدلة العقد لعدم ارتفاع الضرر بمجرد تعذر زوال العين فلازمه بقاء الخيار.
و دعوى و هنه بعدم وجود الجابر مدفوعة بوجوده و علم من ذلك أيضا أنه إذا كان مستفادا منهما لكون العبرة حينئذ بالجهة الأخيرة أيضا فيبقى الخيار.
و هذا التفصيل يستفاد من الكتاب الا أنه استثنى على تقدير استفادته من أدلة لا ضرر ما إذا كان الخيار مشروطا في ضمن العقد برد العين كما في خيار الشرط و نحوه فإنه حينئذ يلزم العقد بتعذر الرد، كما لا يخفى.
و فيه: أن اشتراط رد العين في ضمن العقد ان كان يرجع الى بقاء العين في جميع الحالات، فلا ريب في بطلانه لخروجه عن تحت القدرة و الاختبار و ان كان راجعا الى اشتراط ثبوت الخيار عند التمكن من استرداد العين خاصة، ففيه: أنه خارج عن الشروط العقلائية التي تجري على مجرى النفع و الغبطة، إذ من المعلوم كونه ضررا على المشترط، إذ تضييق دائرة الخيار و انحصاره بوقت دون وقت للشارط كان ضررا عليه فلا فائدة في هذا الشرط للمشروط له فائدة عقلائية فلم يشمله دليل الشرط، و ان كان يرجع الى بقاء العين بمعنى عدم إتلاف الشارط فهو و ان كان داخلا تحت قدرته الا أنه خلاف ما قصده المشروط له.
هذا كله في المبنى الأول، و قد عرفت اختلاف المقامات و أن الحق في المقام من جهة أن من أدلة الباب قاعدة لا ضرر المجبورة في المقام بعمل الشهيد «قدست روحه السعيدة» هو أن التلف ليس مسقطا للخيار، فلازمه أن الخيار عبارة عن ازالة العقد، و هو يكون و لو مع تلف العين.
و أما المبنى الثاني، أعني أن التلف الشرعي كالتلف العقلي:
فالظاهر قيام الإجماع على ذلك، فالمتبع بعد ملاحظة هذا التنزيل و التفصيل المذكور هو الحكم بكون الخيار هاهنا عبارة عن ازالة العقد لاستناده إلى أدلة نفي الضرر، نعم بملاحظة و هنها لورود كثرة التخصيص و عدم جابر لها في المقام لو قلنا بعدم كفاية عمل الشهيد «قده» في الجبر لا محيص عن قول الأكثر الذي استدل له تارة: بأن الخيار عبارة عن رد العين و عدمه فاذا تعذر أحد فردي المخير فيه تعين الأخر.
فيه: أنه منقوض بإتلاف الغابن لامتناع استرداد العين هناك مع أنه ليس قول بالسقوط هناك. و الفرق أنه من غير ذي الحق بخلافه هنا مدفوع بأن تصرف ذي الحق في حال الجهل كتصرف غيره فلا يعد اقداما و لا كاشفا عن الرضا.
و محلول: بأن الخيار هو التخيير بين الرد و عدمه، إذا قلنا بأن متعلقة هو العين و أما إذا قلنا بأن متعلقة هو العقد- كما هو التحقيق- فلا بد من القول بأنه تخيير بإزالة العقد و عدمها، فلا أقل من الشك، فيكفي في رد الاستدلال.
و أخرى بإطلاق معقد إجماعهم على كون التصرف في زمن الخيار من له الخيار مسقط له و شامل للمقام أيضا.
فيه: أنه غير ثابت إلا في صورة علم من له الخيار، لكشفه حينئذ عن إسقاطه الخيار فلا يجري في صورة الجهل. هذا كله في تصرف المغبون و أنحائه.
و هو أيضا على أنحاء، لأنه لا يخلو اما أن يكون ناقلا بأن أخرج العين عن ملكه بالبيع أو الوقف و العتق أو مانعا عن الرد كالاستيلاد أو التصرف بالمغير بالزيادة و النقيصة حسبما يأتي تفصيله. و لا إشكال في عدم كون تصرفاته الغير الناقلة مسقطة لخيار المغبون، بل كذلك في الناقلة أيضا على ما هو التحقيق، بل في الكتاب: فالظاهر أنه لا وجه لسقوط خيار المغبون و ان كانت هذه العبارة لا تخلو عن نوع تسامح، لأنه ان أراد بذلك عدم ثبوت الوجه في إسقاط التصرفات الغير الناقلة فلا وجه لدعوى الظهور، بل هو مقطوع به، و ان أراد به عدم ثبوته في التصرف الناقل فلا ريب في جريان الوجه المتقدم في كلام العلامة المحكي عن «التذكرة» من أن الخيار لأجل استدراك العين و إذا انتفى و لو بالتلف الشرعي انتفى الخيار، و كون التلف ممن له الخيار كما في السابق أو ممن عليه الحق لا تفاوت بينهما في ذلك.
و كيف كان، المتعين هو عدم سقوط الخيار لا لعدم جريان الوجه أصلا بل لا جل جريان قاعدة لا ضرر المنجبرة في المقام بعمل الأصحاب بلا كلام و ارتياب بخلاف المسألة السابقة لعدم انجبارها فيها، و هذا هو الفارق بين المقامين. و حينئذ فلو فسخ المغبون و وجد العين خارجة عن ملكه لزوما بأن أعتق الغابن أو وقف
أو باع ففي بطلانه أي بطلان تصرفات الغابن من أصله كالمرتهن أو من حينه كالشفيع أو رجوعه الى البدل وجوه:
و استدل للأول- و ان لم يكن له قائل- بما في «الجواهر» و الكتاب: أن وقوع العقد في متعلق حق يوجب تزلزله من رأس، كبيع الرهن، فاذا فسخ بطل من أصله. و بتقرير آخر: أن حق الغير كملكه، فكان التصرف في ملك الغير يوجب بطلانه فعلا بحيث يحتاج نفوذه إلى إجازة منه، فإن أجاز فهو و الا يبطل من أصله.
و للثاني بوجوه ثلاثة: أحدها: ما أشار في «الجواهر» بما حاصله: أن الشراء الثاني متفرع على الشراء الأول، فكما أن الأول صحيح غير لازم كذلك الثاني. و ثانيها: ما أشار إليه في الكتاب: بأن الجمع بين حقي المغبون و الغابن يقتضي الحكم بالصحة دون اللزوم و دون البطلان. و ثالثها: فيه أيضا لكن في أحكام الخيار بما حاصله: أن الشراء الثاني متفرع حدوثا و بقاءا على الأول، فإذا زال الأول بالفسخ فلا وجه لبقائه، و لعل ذلك يرجع الى ما في «الجواهر».
و للثالث أيضا بوجوه ثلاثة: أحدها: ما في «الجواهر» من أن مقتضى الجمع بين ما يقتضي بقاء الخيار و بين عموم أدلة لزوم العقد هو الحكم بصحته و لزومه بالنسبة إلى العين دون البدل فيرجع اليه. و ثانيها: في الكتاب: من عدم تحقق الخيار قبل ظهور الغبن على وجه يمنع من تصرف من عليه الخيار، كما هو ظاهر جماعة. و ثالثها: ما أشار فيه أيضا: من أن تصرف من عليه الخيار في زمن الخيار صحيح لازم- كما سيجيء في أحكام الخيار.
و يرد عليه: أنه مصادرة بينة، إذ الكلام أن الحق السابق هل يمنع من نفوذ هذا التصرف ممن عليه الخيار أم لا؟ و مقايسته بالتلف الحقيقي ممنوع لأنه لا يمنع المانع الشرعي عن التلف الحقيقي، بخلاف التلف الشرعي بوجود المانع
الشرعي فيمنع، و هو سبق حق الغير كما هو واضح.
و على ما قبله: بابتنائه على مذهب سخيف من حدوث الخيار عند تبين الغبن لأن الحق أن ظهور الغبن كاشف لا سبب شرعي.
و على ما قبله: أن الجمع بين دليل الخيار و دليل اللزوم فرع تحقق التعارض بينهما، و هو مفقود، لأن أدلة الخيار مخصص لأدلة اللزوم و مقدم عليها مضافا الى أن بعضها- كقاعدة لا ضرر- حاكم عليها.
و يرد على ما قبله من الوجه الأخير من الوجوه الثلاثة للاحتمال الثاني بما أجابه «قده» بعد نقله، و حاصله: منع توقف الشراء الثاني على الشراء الأول حدوثا و بقاءا بمعنى منع توقف بقائه على بقاء الأول، بل حدوثه و بقائه معا متوقفان على حدوث الأول. و على ما قبل سابقه من الوجه الأول: أن اللازم إثبات صحة الثاني و كونه على نحو الجواز، و ما ذكره لا يثبت الصحة، لأنه أول الكلام. نعم لو فرغنا من صحته نقول بالجواز للتبعية، و أما إذا احتملنا البطلان من أصله فلا تبقى له صحة أصلا حتى نقول بالتبعية، و مقايسة الثاني للأول في كونه صحيحا غير لازم.
نعم، التحقيق من تلك الوجوه هو الوجه الثاني كما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» إذ الجمع بين قاعدة (سلطنة الناس على أموالهم) و بين قاعدة (لا ضرر) الدالة على وجوب مراعاة حال ذي الخيار و ذي الحق هو الحكم بصحة العقد الثاني على نحو التزلزل و ثبوت الخيار لذي الحق لعدم اقتضاء وجوب مراعاته الحكم ببطلانه من أصله، إذ قاعدة (لا ضرر) لا تفيد أزيد من ثبوت الخيار كما هو واضح.
و من هنا يظهر لك في الوجه المذكور للوجه الأول، إذ مجرد كون الشيء متعلقا لحق الغير لا يمنع من نفوذ تصرف غير ذي الحق، و مقايسته بالتصرف في
ملك الغير باطل، لاشتراط الملكية بقوله: لا بيع إلا في ملك. و أما خلوص الملكية عن التشبث بحق من حقوق الغير فلا يثبت اشتراطه، فيصح، كعقد الشفيع لأنه ملكه خيار الا لزوما بقاعدة لا ضرر، و مقايسة ذلك ببيع الرهن باطل، لوجود الفارق، لأنه قد ثبت النهي على ذات المعاملة المقتضي للفساد هناك كقوله: (الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف). هذا كله في تصرفات الغابن تصرفا ناقلا عن الملك.
و أما إذا تصرف تصرفا مانعا عن الرد، كالاستيلاد، فهل يحكم بعدم تأثيره و جواز استرداد المغبون العين، أم ليس له الا السلطنة على الفسخ و أخذ البدل دون العين؟ وجهان بل قولان: من ملاحظة سبق حق المغبون، فلا يؤثر الاستيلاد أثره، و من تحكيم أدلة الاستيلاد و قاعدة السلطنة على الأموال على الأدلة الدالة على لزوم مراعاة حق المغبون فيحكم بأخذ البدل نظير ما عنون في كتاب الرهن فيما إذا استولد الراهن الأمة المرهونة من تقديم حق المرتهن، فلا يؤثر الاستيلاد أثره و من تحكيم أدلة الاستيلاد، بل أضيف هناك التفصيل بين الاذن و عدمه و بين الإيجاز و عدمه.
فالتحقيق أن يقال: يقع التعارض هنالك بين أدلة (لا تباع الأمة المستولدة) و بين أدلة (تباع العين المرهونة) و النسبة عموم من وجه و لا ترجيح و ان قيل بترجيح الأول نظرا الى تقديم حق المالك و الاستيلاد. و الثاني نظرا الى سبق المرتهن. الا أن الإنصاف انتفائه، فيتساقطان و يرجع الى أصالة اللزوم بمعنى العمومات الدالة على صحة بيع المرتهن و لزومه فيبطل الاستيلاد حكما لا موضوعا، و كذلك في المقام يقع التعارض بين أدلة الاستيلاد الدالة على عدم جواز استرداد المغبون و بين أدلة لا ضرر المقتضية للخيار و سلطنة المغبون على الاسترداد على نحو العموم و الخصوص من وجه و لا ترجيح و ان قيل كما تقدم هنا أيضا لعدم صلاحية ما قيل لترجيح أحدهما لمكان التعارض في الترجيح فيتساقطان فيرجع الى استصحاب بقاء ملك الغابن فيحكم بالرجوع الى البدل جمعا بين الحقين.
الا أن يقال: ان قاعدة لا ضرر مقدمة على أدلة الاستيلاد نظرا الى حكومتها عليها و على سائر الأدلة عند التعارض فيصير الأقوى حينئذ هو بطلان الاستيلاد و الرجوع الى العين المستولدة. هذا كله في حكم الاستيلاد.
و أما العتق، أي عتق الغابن: فإنه أيضا من التصرفات المانعة عن الرد، فهل يصح هنا حتى يرجع الى البدل، أم لا، حتى يرجع بالعين؟ وجهان بل قولان: من كون العتق مبني على التغليب، و من سبق حق المغبون و أن العتق من الإيقاعات التي يعتبر فيها القربة، فلا يخلو من اشكال كما ذكر نظير ذلك في الراهن فيما إذا أعتق الراهن العبد المرهون، قال في «الشرائع»: فيه تردد، و ان اختار أخيرا الجواز.
وجه التردد أشار إليه بعض شراحه من ثبوت التعليق و من أن المانع هو حق المرتهن و قد زال بالإجارة منه. و أجاب عن ذلك في «المسالك»: بأنا نمنع منافات التوقف المذكور للتخيير كغيره من العقود التي يشترط فيه ذلك أيضا، فإن التوقف المذكور الممنوع هو توقف المقتضي على شرط، لا على زوال مانع.
أقول: أراد «قده» بذلك أن الدليل الدال على بطلان التعليق في العقود و الإيقاعات انما هو الإجماع، و هو مجمل لا إطلاق فيه فيقصر على المتيقن و هو التعليق على الشروط لا على عدم المانع، و ما نحن فيه من الأخير فيؤثر المقتضي- أعني إيقاع العتق- أثره الا أن هذا مبني على كون المانع هو رد المرتهن و فسخه دون الحق بنفسه، و الا فهو ثابت حين العقد. فالمسألة على مقتضى كلامه «قده» مبنية على كونه هو مجرد ثبوت الحق أو التشبث به برد التصرف المنافي له، و حيث ما قلنا سابقا في الفروع المتقدمة بعدم مانعية مجرد ثبوت الحق و انما المانع هو الأخذ به و التشبث به فلا جرم يلزم علينا القول بصحة التصرفات بأسرها و ثبوت الخيار لذي الحق بالنسبة إلى العين في كلا المقامين.
فتلخص: أن المختار في جميع الفروع المذكورة وفاقا لشيخنا في «الجواهر» هو ثبوت الخيار بالنسبة إلى العين خلافا لما يستفاد من الأكثر حيث أنهم بنوا على ثبوت الخيار مطلقا بالنسبة إلى البدل.
ثم أنه لو قلنا بتعين أخذ البدل- على ما ذكره القوم- يتولد هنا فرع آخر و هو أنه لو زال المانع بأن رجعت العين الى ملك الغابن أو مات الولد ففي الحكم بوجوب رد العين مطلقا، أو الحكم بالانتقال الى البدل مطلقا، أو التفصيل بين زوال المانع قبل الفسخ و بين زواله بعده لوجوب رد العين في الأول و البدل في الثاني أو التفصيل بين زوال المانع قبل الفسخ و بين زواله بتعين العين في الأول، و البدل في الثاني، أو التفصيل بين الاستيلاد و بين البيع بالانتقال الى البدل في الثاني ورد العين في الأول؟ وجوه كلها مستفادة من الشهيد الثاني في «المسالك» و كذلك في «الروضة» إلا الأخير منها، حيث عبارته في «المسالك» واضحة. و في «الروضة» غير خالية عن الإجمال لا بأس بذكرها:
قال في «الروضة»: و ان زال المانع قبل الحكم بالعوض، بأن رجعت الى ملكه أو مات الولد أخذ العين مع احتمال العدم لبطلان حقه بالخروج فلا يعود، و لو كان العود بعد الحكم بالعوض ففي رجوعه الى العين وجهان من بطلان حقه من العين و كون العوض للحيلولة. انتهى.
فان الحكم في كلامه محتمل لاحتمالات، أحدها: أن يكون المراد منه الفسخ و ان كان يأباه قوله بالعوض الا أن مجموع قوله يصير كناية عن الفسخ. و ثانيها:
أن يكون المراد الحكم الصادر من الشارع بعد الفسخ. و ثالثها: أن يكون المراد حكم الحاكم.
و لا يخفى أنه لا مدخلية لحكم الحاكم بالنسبة إلى المبحوث عنه في المقام، إذ ليس المقام مقام الترافع و التنازع حتى يحتاج الى حكم الحاكم، فلا وجه لهذا
الاحتمال الأخير، و كذلك الثاني لما أشار في «الجواهر» أنه لا يعقل للحكم بالعوض بعد الفسخ معنى يترتب عليه، بل المدار على حال الفسخ الذي به يتشخص ما للفاسخ من العين أو البدل.
و هذا هو السر في أن شيخنا العلامة الأنصاري «قده»- وفاقا لغير واحد- عنون المسألة بالفسخ من دون ذكر الحكم، و فصل بين كون زوال المانع قبل الفسخ أو بعده بالرجوع الى العين في الأول و الى البدل في الثاني، و ان كان فيه كلام ستسمعه إن شاء اللّه.
مضافا الى أنه يرد على تعليله لاحتمال عدم الرجوع الى العين بقوله: لبطلان حقه بالخروج بأن العلة أخص من المدعى، إذ هو عام بما خرج عن ملك الغابن كالبيع و بما بقي في ملكه، و لكن طرأ المانع عن الرد كالاستيلاد الا أن يريد من الخروج أعم من الخروج عن أصل الملك أو عن ملكه القيمي. و يشهد بذلك أنه لم يقل بالخروج عن الملك، و كذلك يرد على تعليل احتمال الرجوع الى العين بكون العوض للحيلولة مما قرر في محله أن البدل للحيلولة انما هو فيما إذا بقيت العين في ملك مالكها، و لا شبهة في خروجها عن ملك مالكها في المقام.
و كيف كان ففي استحقاق العين أو البدل وجوه في المقام عند زوال المانع:
أولها: استحقاق العين مطلقا لان الفسخ عبارة عن استرداد العين فهو ممكن مطلقا، لان زوال المانع لو كان قبل الفسخ، فواضح و بعده كذلك أيضا لأن استحقاق البدل انما هو من جهة الحيلولة فارتفعت بزوال المانع.
ثانيها: استحقاق البدل مطلقا لبطلان حق المغبون عن العين بخروجها عن ملك الغابن، فتعلق حقه بالبدل، فلا تعود بزوال المانع.
ثالثها: استحقاق العين لو زال المانع قبل الفسخ، و البدل لو زال بعده. وجهه واضح لان المغبون حين الفسخ وجدت العين فيستردها في الأول و تعلق بالبدل
لو لم يجد العين باقية عند الفسخ.
رابعها: استحقاق العين قبل أخذ العوض و البدل عند أخذه، فلا يتبدل ما أخذه إلى العين ثانيا، لأن أخذه البدل كأنّه معاوضة جديدة لازمة.
و خامسها: استحقاق العين قبل الحكم بالعوض و البدل بعده. و لعل المراد من الحكم بالعوض هو الفسخ لبطلان المعنيين الأخيرين.
تصرف المغبون بأحد التصرفات المسقطة لسائر الخيارات هل هو مسقط أيضا لهذا الخيار أم لا؟
اعلم أن التصرف اما أن يكون في المبيع أو في الثمن أو فيهما، من الغابن أو من المغبون، مع العلم بالغبن أو قبله، بالتصرف المخرج عن الملك لازما كان أو جائزا، أو المغير للعين زيادة أو نقيصة، و غير ذلك مما يرتقي إلى أزيد من مأتين و قد ذكر بعضهم الى ثلاثمأة و الأخر أزيد من ذلك و لعلنا نشير فيما بعد، و نحن نسلك الكلام على سياق ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري و ترتيبه، فقدم تصرف المغبون بعد علمه بالغبن على وجه الإجمال و ذكر ما يدل على السقوط و البقاء، فلا بد من بيان تأسيس الأصل أولا ثم بيان أدلة الطرفين.
فنقول: قد بينا في أنه إذا شككنا في لزوم العقد و جوازه: الأصل اللزوم، كما أنه إذا شككنا في طرو الخيار و عروضه في العقد الخاص بعد العلم بثبوته في الجملة بحسب الشرع: الأصل اللزوم أيضا لعدم حصول أسبابه عند الشك. و أما الشك في سقوط الخيار بالتصرف فهل يوجب التصرف و رفعه و زواله أم لا؟ وجهان مبنيان على أن الشك في سقوط الخيار بسبب التصرف شك في الرافع بمعنى أن مقتضى الخيار موجود و الدليل الدال على الخيار عام شامل لكل حالات العقد،
و انما يقع الشك في أن التصرف يرفعه أي يرفع عموم الخيار في ذلك الموضوع، أو أنه بمعنى أن التصرف يجعل العقد موضوعا آخر لمقتضى الخيار، و دليله انما يختص بموضوع العقد قبل التصرف فكان العقد قسمان و موضوعان أحدهما قبل التصرف و الأخر بعده.
فعلى الأول لا إشكال في جريان استصحاب الخيار، لان الموضوع- أعني العقد- واحد، و التصرف و عدمه لا يجعلانه متعددا، نعم يمكن أن يكون للتصرف أثر في الشرع رافع للخيار عن ذلك العقد، فحيث نشك في ذلك يستصحب الخيار لأن الأصل عدم طرو الرافع و عدم كون التصرف رافعا بل مع قطع النظر عن هذين الأصلين يحكم بالخيار أيضا لشمول دليله.
و على الثاني: لا مجرى للاستصحاب لتعدد الموضوع، فان العقد بعد التصرف موضوع مغاير لما قبل التصرف و ان قلنا بحجية الاستصحاب في الخيار لما نقول بثبوت الخيار فيما بعد التصرف، لان الاستصحاب انما يجري في موضوعه و بعد التصرف غير موضوع سابقه.
بعبارة أخرى: ان قلنا بالتنويع بسبب التصرف أي العقد قبل التصرف نوع و بعده نوع آخر فالخارج عن تحت العمومات الدالة على اللزوم هو العقد قبل التصرف، و أما العقد بعد التصرف يبقى تحت العمومات فيشمله عموم (أوفوا) فلا يبقى حينئذ استصحاب الخيار لأنه انما يجري في موضوعه. و بهذا أشار شيخنا العلامة الأنصاري بقوله: فتأمل، حيث أنه قال: الا أن يقال: أن الشك في الرفع لا الدفع فيستصحب بحجية الاستصحاب عند الشك في الرافع و ليس هذا من قبيل الشك في الدفع. ثم قال: فتأمل، أي بناءا على التنويع لا يجري الاستصحاب لان الخارج المعلوم هو العقد قبل التصرف، و العقد بعد التصرف مشكوك من أول الأمر فيرجع الى عمومات اللزوم و بهذا يمكن أن يقال: أن الشك في المقتضي و الاستصحاب
لبس بحجة عند الشك في المقتضي.
منها- عموم الآية الشريفة كقوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بناءا على التنويع و الخارج منه عقد المغبون قبل تفرقه و بعد التصرف نشك في خروجه فيشمله العموم.
و منها: منصوص العلة الوارد في خيار الحيوان المستدل به في كلماتهم على سقوط الخيارات، و هو كون التصرف رضا بالعقد.
و منها: إطلاق بعض معاقد الإجماع على أن التصرف من ذي الخيار فيما انتقل اليه مسقط لخياره. و استدل أيضا على بقاء الخيار بوجوه:
منها: دليل نفي الضرر، فان القول بلزوم العقد بمجرد تصرف المغبون ضرر عليه فهو منفي كما أن ثبوت أصل الخيار للمغبون يثبت بقاعدة نفي الضرر كذلك يثبت بعد تصرفه أيضا لعدم الفرق في مجيء الضرر على المغبون في الصورتين و ما أورده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أن نفي الضرر غير جار مع الرضا بالعقد مدفوع: بأن محل الكلام في التصرف الذي هو كاشف نوعي عن الرضا دون التصرف الذي يعلم معه الرضا فإنه لا كلام و لا إشكال في أن التصرف الذي يقترن بالرضا على العقد جزما مسقط للخيار كما أنه لا إشكال في أن التصرف الخالي عن الرضا ليس بمسقط الأعلى القول بالتعبد و قد عرفت سابقا بطلانه، لان التصرف الصادر عن ذي الخيار مع تصريحه بعدم رضائه على سقوط حق خياره لم يثبت من طريق العقل و لا النقل على كونه مسقطا.
و كيف كان، محل الكلام هنا في التصرف الذي يكشف عن الرضا نوعا و هو يجتمع مع الشك بالرضا و مع ذلك كيف يقال بعدم مجيء قاعدة لا ضرر لمكان الرضا، ضرورة أنه لم يعلم ثبوت رضا المتصرف المغبون على سقوط حق خياره كما هو واضح.
و منها: إطلاق معاقد إجماعهم على أن للمغبون خيارا الشامل لصورة التصرف و عدمه.
و منها: إجماعهم المحقق الفعلي على أن هذا الخيار لا يسقط بالتصرف.
و يردهما بأنهما ليسا بثابتين، و الاولى أن يجاب عن الأول: أن إجماعهم على ثبوت الخيار للمغبون انما هو مهمل ليس بناظر الى حال المسقطات كما هو الشأن في سائر الخيارات المجمع عليها، فقولهم على ثبوت الخيار للمغبون انما هو من حيث الغبن و كونه سببا للخيار لا من حيث المسقطية بحيث ليس له مسقط أصلا.
و عن الثاني: بتسليم الإجماع و منع شموله للتصرف الواقع بعد العلم بالغبن، بل انما يختص التصرف الغير المسقط في كلامهم بما قبل ظهور الغبن، اما في باب ظهور كلماتهم و انصرافها في ذلك أو من جهة أن الإجماع دليل لبي يقتصر على القدر المتيقن منه.
و كيف كان فالظاهر عند شيخنا الأستاذ العلامة «دام مجده» هو سقوط الخيار لا مكان العمومات الدالة على اللزوم كآية (أوفوا) لأنها محكومة بقاعدة (لا ضرر) فدليل نفي الضرر مقدم عليه، و ما عرفت من شيخنا العلامة «قده» من الجواب عليه من أنه لا يجري في صورة الرضا، عرفت جوابه بأن المفروض عدم التزامه و عدم رضائه بالبيع. نعم لو علم الالتزام و الرضا فلا اشكال فيه كما سمعت و لا مكان إطلاق بعض معاقد الإجماع، لأن قيام الإجماع في مسألتنا هذه في مسقطية التصرف غير معلوم بل ممنوع و كذلك قيام الإجماع على أن التصرف مسقط للخيارات على نحو الإطلاق ممنوع ليس له أثر فيما رأيناه.
نعم المحكي عن «المبسوط» و «التنقيح» فتواهم على ذلك بأن التصرف مسقط للخيار في جميع الخيارات و لكن لم ينقل منهما و لا من غيرهما دعوى الإجماع بذلك حتى يكون إجماعا منقولا و بذها بهما الى السقوط لا تصير المسألة
إجماعية، بل الذي قام الإجماع عليه انما هو في بعض الخيارات، كخيار الشرط و المجلس حيث أن الظاهر قيام الإجماع على أن التصرف مسقط للخيار فيها على ما حكي بل لمكان العلة المستفادة من النص في خيار الحيوان و لا يبعد العمل بها حيث ليس لها معارض و ليس شيء دليلا على بقاء الخيار يمكن أن يعتمد عليه، على خلاف عموم العلة، فإن دليل بقاء الخيار حسبما عرفت اما هو إطلاق الإجماعين و قد عرفت حالهما.
و أما دليل نفي الضرر فهو محكوم للعلة المنصوصة إذ المستفاد من النص تنزيل التصرف منزلة الرضا بقوله (فذلك رضا منه) هذا بمنزلة الصغرى، فاذا انضمت إليها الكبرى، أعني كل ما كان رضا منه يصير العقد لازما و ينتفي جريان قاعدة لا ضرر حينئذ لأن نفي الضرر يسقط قطعا في مورد الرضا كالإقدام، فدليل الرضا أو ما هو بحكم الرضا حاكم على دليل نفي الضرر حسبما لا يخفى.
نعم الذي ينبغي أن يقال هو قصور النص الوارد في الحيوان عن الدلالة بذلك لتطرق الاحتمالات الأربعة أو الخمسة فيه على ما فصلناه. و لكن الظاهر و عمل الأصحاب هو استفادة العلة و استنباطها منه، فاذا لا نضايق عن العمل بذلك النص مع عدم وجود شيء يصلح للمانعية لأنه محصور في المقام في الإجماع و دليل نفي الضرر و استصحاب الخيار.
أما الإجماع فقد ظهر لك ما فيه. و أما دليل نفي الضرر مع ما عرفت من تقديم النص عليه مما يحتاج العمل به الى الجبر و هو منتف في المقام، و أما الأصل فقد عرفت أن الشك فيه شك في المقتضي فلا يجري استصحاب الخيار بعد التصرف فثبوت مقتضى الخيار لما بعد التصرف غير معلوم، بل يختلف حكم العقد باختلاف حالتي التصرف و عدمه، فالشك حينئذ في الرفع كما أشار إليه شيخنا المرتضى بقوله: فتأمل. في «الكتاب». نعم لو كان الشك في الرافع كان حسنا.
و قد أورد هنا بعض الأساطين ردا على شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بما حاصله: أن ابتناء المسألة على الشك في الرفع أو الدفع لا فائدة له في المقام، بل الحكم هو سقوط الخيار سواء كان الشك في الرفع أو في الدفع. و استدل بذلك أن الخيار عبارة عن السلطنة على إمضاء العقد و إمساكه و على فسخه، و معلوم أن المغبون بمجرد تصرفه أمسك العقد و أمضاه، فلا خيار له بعد إمضاء العقد.
فيه: أولا- أن الخيار ليس معناه السلطنة على الفسخ و الإمضاء بل هو عبارة عن السلطنة على الفسخ و القدرة عليه كما حققناه في أول مسألة الخيار، فان بقاء مفاد العقد لا حاجة الى الإمساك و الإمضاء بل انما هو من مقتضى نفس العقد و الخيار انما هو حق مجعول لازالة مقتضاه، فالخيار ليس هذا و الأنفس الرضا على العقد ليس من طرفي الخيار و ليس بمسقط للخيار من حيث هو الا أن يرجع الى إسقاط حقه، إذ لا منافاة بين الرضا بالعقد و بين دليل الخيار و ثبوته له.
و ثانيا- مع الغض عن ذلك، أنه خروج عن محل النزاع، إذ الكلام في التصرف الذي لم يعلم منه الرضا الفعلي على إمساك العقد و إمضائه، و أما التصرف الذي علم منه إمضاء العقد و الرضا به مسقط ظاهرا من غير خلاف كما أشرنا إليه.
هذا كله فيما بعد ظهور الغبن، و قد عرفت أن الظاهر سقوط الخيار بالتصرف سواء كان مخروجا عن الملك أم لا.
و أما قبله- أي قبل العلم بالغبن، لا إشكال في أن التصرف الذي لا يخرج عن الملك لا يسقط الخيار، للإجماع المحقق بذلك و لقاعدة لا ضرر، و أما التصرف المخرج عن الملك كالبيع و العتق، و مثله التصرفات المانعة عن الرد كالاستيلاد و الإجارة و التحبيس فيه اشكال بل خلاف. و المشهور بين المتأخرين أن التصرف المخرج عن الملك مسقط للخيار، و أما المتقدمين: ليس لهم في ذلك تصريح
عدا الشيخ في خيار المشتري مرابحة عند كذب البائع أنه لو هلكت السلعة أو تصرف فيها سقط الرد. إلخ. بناءا على اتحاد خيار الغبن مع خيار ظهور كذب البائع.
و لكن المصرح به في كلام المحقق و من تأخر عنه هو ذلك حيث قالوا لا يسقط هذا الخيار- أي خيار الغبن- بالتصرف إذا لم يخرجه عن الملك أو يمنعه مانع من رده، و استثنائهم التصرف المخرج عن الملك تصريح منهم على كونه مسقطا للخيار.
و ذهب بعض مشايخنا الى عدم كونه مسقط لاستواء المستثنى و المستثنى منه في الحكم بعدم السقوط كما أطلق العلامة «قده» في «الإرشاد»، فقال: لا يسقط خيار الغبن بالتصرف من غير استثناء شيء منه على خلاف ما صرّح به في «القواعد» و «الشرائع» بل صرح في «اللمعة» على التنظير على مقالهم. و كيف كان المشهور عن الشهيد الثاني هو سقوط الخيار بالتصرف المخرج عن الملك. و ذهب اليه المحقق و العلامة في «الشرائع» و «القواعد» و الشهيد في غير «اللمعة» و أول عبارة ممن خالف في ذلك- مما رأينا- هو إطلاق كلام العلامة في «الإرشاد» و تصريح الشهيد في «اللمعة»، ثم تبعه في «الروضة» حيث قال: و هذا الاحتمال متوجه لكن لم أقف على قائل به. إلخ.
و حينئذ الذي ينبغي أن يصار اليه هو ما ساعد عليه الدليل، فلا بد من التكلم فيه. و قد يقال: أن هذه المسألة مبتنية على مسألة أن التلف مسقط للخيار أم لا؟
فان لم نقل بأن التلف مسقط فيصير الحكم بعدم مسقطية التصرف المخرج بطريق أولى لأن بقاء الخيار مع بقاء العين، و ان حصل فيها التصرف أولى من بقائه مع تلفها، و أما ان قلنا بإيجاب التلف لسقوط الخيار فيصير إيجاب التصرف المخرج السقوط مبنيا على أن التلف الشرعي كالتلف العقلي أم لا؟
فحينئذ ربما يقال- ردا على مقالة المشهور-: أن تلك المسألة- أعني عدم سقوط الخيار بالتلف- قاعدة مسلمة عندهم كما أشرنا إليه في أول خيار الحيوان حتى عبّر بعضهم عن ذلك- على ما أظن- بقاعدة تلف العين لا يسقط الخيار، و بعضهم الأخر: أن قاعدة التلف اتفاقية، فإن الخيار عبارة عن القدرة على فسخ العقد.
و معلوم أن العقد بعد تلف العين قابل للفسخ أيضا و لذا تشرع الإقالة حينئذ اتفاقا.
فبعد تلف العين لا مزيل لهذه السلطنة على الفسخ و ليس في البين مقيد لها بصورة بقاء العين، فاذا ثبت الخيار في مورد فهو باق حتى يثبت مسقطة و مزيلة أو يكون الخيار مقيدا بزمان أو حال فعند التلف حيث لا مزيل و لا مقيد بالبقاء وجب الحكم بثبوت الخيار، فكذلك الحال في المقام فان التلف إذا لم يكن منافيا لبقاء الخيار الذي هو عبارة عن ملكية الفسخ كذلك التصرف المخرج بطريق أولى.
و يندفع ذلك: بأن تلك القاعدة مسلمة لكن بشروطها، فاذا انتفى أحدها كما في أمثال المقام فلم يحكم ببقاء الخيار فانا إذا فرضنا في مورد كما في خيار الغبن أن دليل الخيار معنون بجواز رد العين و الاسترجاع ان شاء المغبون لم يكن من مجاري تلك القاعدة، لأن تلف العين مناف لما ثبت من الدليل- أعني جواز الرد و استرجاع العين ان شاء- الذي عبرنا من ذلك بالخيار.
و معلوم أن هذا المعنى من الخيار مناف بقائه مع التلف، نعم القاعدة مسلمة كما قال العلامة «قده» و غيره من الأصحاب: لا يسقط الخيار بتلف العين إذا اجتمعت شروطها، فإنهم و ان لم يصرحوا بتلك الشروط الا أنه يستفاد من طيّ كلماتهم و تلويحاتهم.
فمنها: كون التلف بعد القبض، و ان كان قبل القبض ليس من مجاري تلك القاعدة.
و منها: عدم كون الخيار مختصا بمن تلفت العين عنده، و الا يصير من مجاري
أن التلف في زمن الخيار على من ليس له الخيار فيوجب انفساخ العقد.
و منها: عدم جعل الخيار لدفع ضرر الصبر على نفس العين و الا- أي ان كانت العلة في الخيار ضرر الصبر على العين- فيسقط الخيار بتلف العين كما في العيب، فان الصبر على العيب ضرر و لو مع أخذ الأرش فتداركه الشارع بملك الفسخ و الرد، فاذا تلفت العين انتفت حكمة الخيار حينئذ.
و منها: كون دليل الخيار مغبونا على الخيار و فسخ العقد مثلا، كما في قوله: البيعان بالخيار ما لم يفترقا- في خيار المجلس-، و صاحب الحيوان بالخيار- في خيار الحيوان- و غيرهما، و الا بأن كان مغبونا على جواز الرد فقط اختص ثبوت الخيار بصورة تحقق الرد المتوقف على بقاء العين.
و منها: ما لم يكن الخيار مجعولا للمتعاقدين على فرض تعلق غرضهما على رد العين كما في بيع الشرط و الا بأن جعل المتعاقدان في اشتراط الخيار على وجه إرادتهما التسلط على مجرد الرد المتوقف على بقاء العين فلا خيار و لا فسخ بعد تلف العين. فان الفسخ فقط و ان لم يتوقف على بقاء العين الا أنه إذا فرض غرض المتعاقدين- من اشتراط الخيار- هو خصوص الرد و الاسترداد، فيختص الخيار بصورة بقاء العين و التمكن من الرد.
فهذه شروط خمسة لجريان تلك القاعدة، و الجامع لها ثبوت الخيار عند التلف في موضع دل الدليل على بقاء الخيار، و هذا انما يكون إذا استفدنا من الدليل الدال على الخيار أن الخيار بمعنى ملك فسخ العقد و القدرة على إزالته، فحيث ثبت من الدليل ذلك نلتزم حينئذ بأنه لا يسقط بتلف العين.
و اما إذا لم يثبت من أدلة الخيار من الاخبار و الإجماع إلا التسلط على رد العين لم يحكم بالفسخ مع التلف، لان الخيار لم يعلم كونه عبارة عن ارادة ملك الفسخ
في لسان الشارع، بل ارادة ملك الفسخ من الخيار انما هو في لسان المتأخرين- كما قال شيخنا العلامة «قده» في آخر الخيارات عند الإشارة إلى تلك القاعدة (1).
و الحاصل: ان دل الدليل الشرعي على ثبوت خيار الفسخ المطلق الشامل لصورة التلف فنلتزم به، و ان دل الدليل على ثبوت الخيار بمعنى جواز الرد المختص ببقاء العين كما في العيب و التدليس و خيار الشرط في بيع الشرط و خيار الغبن على خلاف و تردد في بعضها لا نلتزم ببقاء الخيار، و ان كان الدليل مجملا غير مستفاد منه أحد منها فيصير مورد التردد، فلا يكون موردا لقولهم: ان تلفت العين لا يسقط الخيار، فلا بد من التوقف و الرجوع الى الأصول و القواعد.
و ما نحن فيه من خيار الغبن من جهة أن مقتضى تعليلهم لعدم الخيار عند نقل المغبون العين عن ملكه بعدم إمكان الاستدراك حينئذ عدم الخيار. فالقدر المتيقن من الإجماع على ثبوت الخيار للمغبون انعقاده على التسلط على الرد فيختص بصورة بقاء العين فيسقط الخيار عند التصرف المخرج عن الملك و التلف (2). و من جهة أن مقتضى نفي الضرر عدم الفرق بين بقاء العين و عدمه فيحتمل بقاء الخيار مع تلف العين أيضا، مضافا الى استصحاب الخيار الا أن يناقش فيه بتبدل الموضوع.
هذا و يمكن أن يقال: أن العمدة في الباب هو قاعدة نفي الضرر و مقتضاه شمول الخيار في صورة التلف مع ورود الدليل المعنون على الخيار أيضا، و هو قوله:
1) مستفادة من كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في بيان تلك القاعدة. و قد أورد شيخنا الأستاذ على الشرط الأخير ان ما ذكره من القول بعدم الخيار في خيار الشرط عند التلف الا أن الثابت في الشرط هو التمكن من استرداد المبيع لا التسلط على مطلق الفسخ المشروع غير صحيح لان الشرط فاسد، إذ اشتراط استرداد العين و بقائه ليس بمقدور لهما، فلا بد من صحة الشرط أن يكون مقدورا كما أشرنا إليه في بحث بيع الشرط، فراجع (منه).
2) و من هنا قال شيخنا العلامة الأنصاري في المقام- و ان كان مخالفا للمشهور- بعدم ثبوت الخيار عند التلف في مورد الشك و إجمال دليل الخيار، لان القدر المتيقن في دلالة الأدلة هو التسلط على الرد انما يكون في غير تلف العين (شيخنا الأستاذ. منه)
(و هم بالخيار إذا دخلوا السوق) و إطلاقه عام شامل لصورة التلف و غيره و تمكن رد العين و عدمه. هذا كله في قاعدة التلف، و قد عرفت حال المبنى. و أما الابتناء: فالظاهر أن كون التلف الشرعي كالتلف العقلي اتفاقي لا كلام فيه لأنهم يرسلون ذلك إرسال المسلمات فنرجع الى دليل المشهور.
فنقول: يمكن ان
على ما حكى شيخنا العلامة الأنصاري «قده» عن «الروضة» ان لم يكن إجماعيا.
فيه: كما ذكره «قده» الظاهر عدمه بل في عبارة «الروضة» التي نقلناها على ما رأيناها: لم أقف على قائل به- أي بعدم السقوط- و من المعلوم عدم القول بعدم السقوط لا يلازم بكون القول بالسقوط إجماعيا.
و قد أقدم عليه بالتصرف.
فيه: أن التصرف قبل العلم ليس اقداما و لا بمنزلته.
و فيه: ما ذكره شيخنا العلامة «قده» في الكتاب توضيحا لكلام الشهيد «قده» من أن المبيع ان كان مثليا فلا ضرر بتبدله بمثله، و ان كان قيميا فتعريضه للبيع يدل على ارادة قيمته، فلا ضرر في أخذ البدل فضلا عن أن يعارضه ضرر زيادة الثمن على القيمة خصوصا مع الإفراط.
و من المعلوم أنه إذا تعذر أحد الأفراد المخير فيها تعين الأخر و كذلك في المقام، حيث أن رد العين تعذر بتصرفه المخرج عن الملك تعين عدمه و هو عين سقوط الخيار.
فيه: منع كون معنى الخيار ذلك، بل هو عبارة عن فسخ العقد و هو غير متعذر.
بالقطع و الإجماع و كذلك التصرف المخرج عن الملك، لأن الإتلاف الشرعي بمنزلة الإتلاف الحقيقي العقلي.
فيه: منع سقوط الخيار في الأصل فضلا عن الفرع الذي نزل بمنزلته لعدم ثبوت الإجماع، ان هو إلا أول الكلام.
و هي من القواعد التي تطرقت عليها التخصيصات الكثيرة، فيحتاج في العمل بها الى الجبر من عمل الأصحاب و هو مفقود في المقام لأن الشهرة على خلافه كما سبق ذكره من أن المشهور سقوط الخيار عند التصرف المخرج عن الملك حسبما حكاه شيخنا الشهيد «قده» في «الروضة»، و نسبه شيخنا العلامة الأنصاري في الكتاب الى مشهور المتأخرين. و قد استحسنه شيخنا العلامة الأستاذ «دام مجده» في مجلس البحث.
أقول: انه حسن لو لا يكون لسائر الأدلة كفاية على إثبات الخيار للمغبون من الآيتين الشريفتين و الاخبار الواردة في حكم الغبن و الخبر الوارد في تلقي الركبان أعني قوله عليه السّلام: و هم بالخيار إذا دخلوا السوق. فان تلك الأدلة لو تمت لدلت على ثبوت الخيار للمغبون. و من المعلوم أن الخيار عبارة عن القدرة على الفسخ كما ذكرنا في أول الخيار بمعنى أن لذي الخيار حق يثبت في العقد فان شاء بقاه على حاله و ان شاء فسخه فينحل العقد. فان كان العين المنتقلة عنه باقية استرجع نفسها و الا استرجع قيمتها ان كانت قيمية و مثلها ان كانت مثلية و كذلك في العين المنتقلة إليه.
مضافا الى أنا نقول: أن قاعدة لا ضرر و ان كانت من القواعد التي تحتاج الى الجبر من جهة الدلالة لكن يكفي في جبر دلالتها عمل مثل الشهيدين فضلا عمن تأخر عنهما، لأنه يكفي في جبر دلالتها عمل بعض العلماء و ان لم يبلغ مرتبة الشهرة و ما هو محتاج الى الانجبار بالشهرة انما هو في الجبر من جهة السند، بخلاف دليل نفي الضرر حيث أن سندها مما لا اشكال فيه و انما الكلام من جهة دلالته لو هنه من جهة ورود كثرة التخصيصات عليه فينجبر وهنه حينئذ بعمل بعض الأصحاب فيكشف عن عدم تطرق التخصيص عليه في مورد العمل بعد الفحص عن الأدلة و فقد دليل مزاحم له و عدم عمل المشهور له. و سكوتهم عن التمسك به لا يكشف عن ورود التخصيص لاحتمال الغفلة عن التعرض له أو لعدم كون المسألة معنونة في كلماتهم كما هو كذلك في مسألتنا هذه حيث لم يتعرض بحال التصرف المخرج عن المغبون قبل المحقق كما ذكر شيخنا العلامة «قده» في كتابه.
فحينئذ الحق ما استوجهه الشهيد الثاني «قده» في «الروضة» من عدم سقوط الخيار بالتصرف المخرج عن الملك تبعا للماتن حيث أورد النظر على ما نسب الى المشهور وفاقا لبعض مشايخ الفقهاء المتأخرين من أنه لا وجه لسقوط الخيار مع أن مقتضى دليل نفي الضرر الذي هو العمدة في الباب عدم الفرق في ثبوت الخيار قبل التصرف المخرج و بعده في حال الجهل، فإنه لو قلنا بسقوط خيار المغبون بمجرد تصرفه الناقل عن الملك مع جهله بغبنه للزم الضرر عليه، و هو منفي في الشرع بمقتضى قاعدة نفي الضرر و ان لم يكن الاسترداد و تلف العين، الا ترى لو تصرف الغابن في العين المنتقلة اليه أو تلفت عنده لم يسقط حق المغبون بالاتفاق فكذلك هنا.
و من هنا أورد أو يمكن أن يورد على المشهور بالنقض على التصرف من جانب الغابن و ان كان ناقلا ضرورة عدم سقوط خيار المغبون بالتصرف من غيره
و ان كان ناقلا للاستصحاب و حديث الضرر و غيره كما في «الجواهر». وجه الورود واضح لان مقتضى تعليلهم لسقوط الخيار عند تصرف المغبون الناقل بعدم إمكان الاسترداد تعلق حق المغبون على العين و معنى تعلق حقه على العين أن له حقا في العين المنتقلة اليه و المنتقلة عنه، فيرد ما انتقل اليه و يسترجع ما انتقل عنه، فكما أن في تلف المنتقل اليه و تصرفه الناقل لا يمكن له الاسترداد فكذلك في صورة تلف المنتقل عنه عند الغابن و تصرفه الناقل لا يمكن الاسترداد و الاسترجاع. فلا فرق بين الغابن و المغبون بالتصرف الناقل في عدم إمكان الاسترداد.
فما في «الجواهر»:- و احتمال عدم الفرق فيبطل الخيار و ان كان النقل من غير ذي الخيار لتعلقه بالعين فيفوت بانتقالها- لا ينبغي صدوره ممن له أدنى خبرة بالنصوص و الفتاوى كما ترى، لأنه إن استفيد من النصوص و الفتاوى أن حق المغبون تعلق بالعين فيفوت بفواتها فلا فرق بين المقامين، لان معنى خياره على هذا هو السلطنة على استرداد العين، فالمغبون إذا اشترى شاة قيمته خمسة قرانات مثلا بثوب قيمته عشرة قرانات كان له الخيار في رد الشاة و استرداد ثوبه فكما أن له حقا في رد الشاة كذلك له حق في استرداد الثوب و استرجاعه.
و ما يقال: (أن معنى الخيار على القول بتعلقه بالعين انما هو في العين المنتقلة إليه فيفوت الخيار بانتقالها لا في العين المنتقلة عنه) صرف مجازفة في الكلام، و تفكيك بين الرد و الاسترداد من غير دليل، و دعوى من غير بينة، فإنه كما يقال:
أن القدر المتيقن من ثبوت الخيار هو صورة إمكان الرد فليس للمشتري المغبون خيار إذا أخرج المبيع عن ملكه أو تلف عنده كذلك يقال: ان القدر المتيقن من ثبوت الخيار للمشتري المغبون هو صورة إمكان الرد و الاسترداد معا فليس له الخيار إذا أخرج الغابن عوض المبيع المنتقل اليه عن ملكه أو تلف عنده لعدم إمكان استرداد المشتري ماله من الغابن حينئذ لعدم بقاء العين.
و لو قيل أن الدليل عام و هو دليل نفي الضرر شامل لصورة تلف العين، فلو قلنا بسقوط خيار المغبون بتصرف الغابن و بتلف المال عنده ليلزم الضرر على المغبون، و يقتضي نفي الضرر ثبوت الخيار.
نقول: مقتضى عمومه عدم سقوط خيار المغبون بتصرفه المخرج قبل العلم بالغبن، فلو قلنا بسقوطه بتصرفه المخرج عن الملك لا يرتفع الضرر عنه من غير فرق.
و لو قيل: أن الفارق هو عمل الأصحاب حيث أن دليل نفي الضرر من العمومات الموهونة يحتاج العمل بعمومه الى الجبر و هو حاصل في صورة تصرف الغابن دون صورة تصرف المغبون بالتصرف المخرج عن المغبون لذهابهم- كلمة واحدة- إلى بقاء الخيار في الأول دون الثاني.
نقول: لا يلزم في الخيار دليل نفي الضرر الى عمل جميع الأصحاب أو مشهورهم بل يكفي في حصول انجباره الى عمل جمع و لو كان ثلاثة أو اثنين من معظمهم و قد عرفت أنه حاصل في المقام أيضا لكفاية عمل بعض المحققين من مشايخ مشايخنا و إطلاق كلام العلامة في «الإرشاد» و تنظير الشهيد الأول في «اللمعة» و استحسان الثاني في «الروضة». فهذا يكشف عن عدم ورود التخصيص في المقام لقاعدة نفي الضرر، فلو كان له مخصصا لعبّروا به.
و كيف كان، المقدار الثابت في رفع الوهن هو عدم مجيء المخصص مع حصول العمل به في الجملة و هو حاصل فيكفي خصوصا في مثل هذه المسألة التي ليس لها عنوان في كتب من تقدم من المحقق «قده» و لم يتعرض له أحد من المتقدمين فيما رأيناه.
هذا كله في تصرف المغبون، و أما تصرف الغابن فاما مغير للعين أم لا؟ و على الثاني اما ناقل أو غير ناقل، و على الأول اما لازم أو غير لازم، الى آخر الأقسام
التي يبلغ الى ثلاثمأة. فقد قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: و أما تصرف الغابن فالظاهر أنه لا وجه لسقوط خيار المغبون به. فإن أراد منه التصرف الغير المخرج عن الملك، فيه: أنه لا معنى لدعوى أنه الظاهر بل هو قطع للاتفاق على عدم سقوط خيار المغبون حينئذ. و ان أراد التصرف المخرج، فيه: أن له وجها في سقوط الخيار و هو ما ذكره العلامة «قده» من أن امتناع رد العين يوجب سقوط خيار المغبون، فهذا الوجه يجيء عند تصرف الغابن أيضا، و ما ذكره صاحب «الجواهر» «قده» من الفرق عرفت الحال فيه.
و كيف كان، لو فسخ المغبون و وجد العين خارجة عن ملكه بالبيع أو العتق أو الوقف أو غيرها من النواقل اللازمة، ففي تسلط المغبون على إبطال العقد من حينه كالشفيع، أو من أصله كالمرتهن أو يرجع الى البدل وجوه، و ذهب شيخنا في «الجواهر» إلى الأول و لعله المختار، و العلامة «قده» في «القواعد» الى الثاني، و شيخنا العلامة الأنصاري «قده» الى الثالث. وجه الأول وجوه:
أحدها- ما ذكره صاحب «الجواهر» من تلقي المشتري الثاني الملك من المشتري الأول الذي هو الغابن، فكما أن ملكه متزلزل كذلك ملك المشتري الثاني و الا بأن كان لازما لزم زيادة الفرع على الأصل. ثانيها- أن ملك المشتري الثاني معلول لملك الغابن، فاذا زال ملك الغابن بالفسخ زال ملك المشتري من حينه أيضا. و يستفاد ذلك من شيخنا العلامة في أحكام الخيار.
و ثالثها- أنه مقتضى الجمع بين دليل نفي الضرر و دليل أدلة البيع من (أَوْفُوا) و أمثاله، فيكون البيع صحيحا بمقتضى أدلته، غاية الأمر أن قاعدة لا ضرر انما تؤثر حين الفسخ. و هذا الوجه هو المختار، و الا يمكن التنظير على الأوليين.
أما في الأول: بأن يقال: تلقي المشتري الثاني انما كان في زمان مشغول
بحق المغبون فاذا فسخ بطل من أصله كالرهن. أما في الثاني: أن تبعية الملك المشتري الثاني و معلوليته انما هو مسلم في الحدوث، و أما في البقاء فممنوع.
و وجه الثاني: أن العقد الثاني انما وقع في مورد تعلق حق الغير فيه فيوجب تزلزله من رأس كما في الرهن، فمقتضى فسخ ذي الحق البيع الأول تلقي الملك من المشتري الأول و بطلان العقد الثاني. و فيه: أن هذا يوجب تعطيل الأسباب فمجرد ثبوت الحق للمغبون لا يوجب بطلان سببية العقد الثاني الذي أوقعه الغابن و الا لزم التخصيص لعموم أوفوا و آية الحل. نعم من له الحق ان تشبث بحقه اما يوجب الفسخ من حين التشبث كما هو مقتضى الوجه الأول أو يوجب تعلق حقه الى البدل كما هو الوجه الثالث و أما بطلان عقد الغابن من رأسه فلا وجه له بعد شمول أدلة البيع.
و وجه الثالث: أن تصرف من عليه الخيار في زمان الخيار صحيح لازم كما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و حوّل تفصيله في أحكام الخيار فحيث أوقع العقد من عليه الخيار، أعني الغابن فيكون عقده مشمولا للأدلة الدالة على لزوم البيع و صحته فخرج عن ملكه خروجا لازما فيكون بمنزلة التلف، لان التلف الشرعي كالتلف العقلي.
و قد يقال في وجهه بناءا على مذهب حدوث الخيار عند ظهور الغبن لو تصرف الغابن بالنقل و إخراجه عن ملكه، فقد وقع بيعه بيعا تاما في ملك ليس له حق الغير أصلا، فقد قوى هذا الوجه شيخنا العلامة في «المكاسب» فيتعلق حق المغبون حينئذ إلى البدل.
فيه: أن ابتناء القول بالبدلية على حدوث الخيار عند ظهور العين حسن الا أنه خلاف مختاره «قده» و خلاف المشهور.
و أما ابتنائه على صحة تصرف من عليه الخيار. فيه: أنه لو قلنا بالصحة لما
نقول باللزوم لتعلق حق المغبون عليه، فجريان عموم أوفوا مبني على عدم تعلق حق الغير في العين، و المفروض في المقام تعلق حق المغبون و لو بواسطة تعلق حقه على العقد أولا، بمعنى أنه حلّ العقد و استرد العين فكان العين مما تعلق عليها الحق فلا يجوز كونه لازما لان اللزوم يوجب سقوطه حقه كما هو واضح. نعم صحة عقده و لو متزلزلا لا تنافي حقه كما هو المختار فيلزم بالصحة دون اللزوم فيثبت القول من حينه.
و لو قيل: أنه لما أوقع العقد فقد خرج عن ملك الغابن فيكون بمنزلة التلف لان التلف الشرعي كالتلف العقلي.
نقول: ان هذه الا مصادرة إذ الكلام في تلفه الشرعي فإن التلف الشرعي لا يكون الا على تقدير لزوم عقد الغابن و هو أول الكلام لتعلق حق المغبون عليه.
فاتضح لك أن الحق هو القول من حينه لأنه مقتضى الجميع بين أدلة نفي الضرر و بين أدلة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فان دليل نفي الضرر يقتضي وجوب مراعاة حق المغبون و هو لا ينافي صحة البيع فيحكم بصحة البيع بمقتضى أدلة البيع، فاذا تشبث المغبون بحقه ينفسخ العقد من حينه و القول بأن حقه متعلق بنفس العين فلا تجري أدلة البيع ممنوع لأنه لم يدل دليل على عدم جواز تصرف من عليه الحق في العين المتعلقة بأمثال ذلك الحق كما هو الحال في صحة تصرف المولى في العبد الجاني و صحة استيلاده في الأمة الجانية و صحة بيع العين المتعلقة فيها حق الشفيع، فان تلك الحقوق لا تمنع عن التصرف و لم يكن تصرف من عليه الحق موقوفا على اذن من له الحق.
نعم في العين المرهونة حيث تعلق حق الراهن لا يجوز التصرف فيها لأن النهي الوارد في أن الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف بخلاف أمثال تلك الحقوق كحق الخيار و غيره لفقدان النهي فيها، فكل تصرف توقف من قبل الشارع على اذن من له الحق لا يجوز لغيره التصرف كالمرتهن بخلاف صورة عدم المنع
و عدم التوقف في صحة أصل التصرف، فإنه إذا فسخ ينفسخ العقد من حينه لا من أصله فلا وجه للبطلان من رأسه حينئذ.
هذا كله فيما لو وجد المغبون تصرف الغابن بالتصرف المخرج. و أما لو وجده متصرفا بالتصرف المانع عن الاسترداد كالاستيلاد فقد قال شيخنا العلامة الأنصاري، و يحتمل هنا تقديم حق الخيار لسبق سببه على الاستيلاد يعني انا و لو قلنا ان مثل البيع و العتق و نحوهما لا يبطل بالفسخ يمكن ان نقول ببطلان الاستيلاد لتقدم سبب الخيار عليه فيعمل ما سبق من السببين.
فيه،: أولا- أن هذا الاحتمال انما يتمشى إذا جعلنا حق الخيار متعلقا بالعين بأن يكون لذي الخيار في العين الخارجة حق الاسترداد، و معه فلا بد من القول ببطلان البيع و العتق أيضا و أما لو جعلناه متعلقا بالعقد فكما أن لازمه نفوذ البيع و العتق إذ ليس له الا فسخ العقد فان وجد العين أخذها و الا انتقل الى البدل فكذلك بالنسبة إلى الاستيلاد فلا فرق بين الاستيلاد و البيع في ذلك.
و ثانيا- أن هذا مبني على أن يكون من قبيل تزاحم الحقين كما يقال في كتاب الرهن في استيلاد الراهن الأمة المرهونة فذهب جماعة الى عدم جواز بيعها لحق الاستيلاد، و الأخرى منهم المحقق في «الشرائع» إلى جواز البيع لسبق حق المرتهن.
فيه: أن المسألتين من باب تعارض الأدلة فلا بد من اعمال قواعد التعارض.
فنقول: أما في باب الرهن فيتعارض أدلة جواز بيع الرهن و أدلة أن أم الولد لا تباع، فيهما عموم من وجه فيرجع الى عمومات لزوم البيع ك (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و أما في المقام فتقع المعارضة بين الأدلة الدالة على ثبوت الخيار للمغبون و جواز فسخه ورد العين و بين الأدلة الدالة على عدم بيع أم الولد
و عدم انتقالها عن ملك مولاها الا بنصيب ولدها فيرجع الى استصحاب ملك الغابن لام الولد فيمتنع عن ردها، بل يرجع حق المغبون الى البدل.
الا أن يقال أن العمدة في دليل ثبوت الخيار للمغبون هو قاعدة نفي الضرر و من المعلوم عندنا تحكيم قاعدة الضرر على سائر الأدلة. فيوجب ذلك تقديم حق المغبون على الاستيلاد و كذلك الحال فيما تصرف الغابن بالوقف، فمقتضى دليل نفي الضرر بطلان الوقف حين فسخ المغبون لان تعلق حقه على البدل و حرمانه عن العين ضرر على المغبون، إذ تملك المغبون للبدل في ذمة الغابن في معرض تأخير حقه و تعطيله لاحتمال كون الغابن معسرا عن أداء ما في ذمته. فمقتضى الجمع بين الأدلة هو القول بتزلزل الوقف و بطلانه من جعله كما ذكرنا وفاقا لصاحب «الجواهر» في البيع.
و أما الكلام في عتق الغابن فالقول بصحته مبني على جواز التصرف في زمن الخيار. و أما القول في إبطاله من حين الفسخ و الرجوع الى العين كما ذكرنا في البيع مبني على أن الإيقاعات هل تتوقف على شيء أم لا؟ فقال المحقق «قده» في «الشرائع»: في صحة عتق الراهن مع الإجازة تردد، و الوجه الجواز.
و ذكر في «المسالك»: أن منشأ التردد كون العتق إيقاعا فلا يكون موقوفا على الشرط لاعتبار التنجيز فيه و من أن المانع هو حق المرتهن و قد زال بإجازته و هو الأقوى.
و حاصله الفرق بين توقف الإيقاع على الشرط و بين توقفه على رفع المانع و ان الإجماع على بطلان التوقف في الإيقاعات انما هو في الأول دون الثاني فيه ما لا يخفى من تقييد معاقد إجماعهم. و قد ذكرنا تفصيل ذلك في باب الرهن فراجع فلا نطيل بعوده.
ثم ان هنا اشكالا بناءا على القول بعدم جواز التصرف في زمن الخيار في صحة
العتق و لو تعقبته الإجازة كذلك في صحة عتق الراهن و لو تعقبته اجازة المرتهن لحرمة تصرف الراهن و كونه ممنوعا منه، فاذا فرضنا حرمة تصرف الراهن هناك و حرمة تصرف من عليه الخيار أعني الغابن هنا فكيف أمكن صحة العتق لأنه من العبادات فيكون من قبيل اجتماع الأمر و النهى الأمري.
هكذا استشكل شيخنا الأستاذ العلامة «دام مجده» و لكن يمكن دفعه أو لا بعدم كون الاجتماع أمريا. و ثانيا بعدم صدق التصرف في مجرد إيقاع الصيغة. هنا فرع و هو أنه قال شيخنا العلامة الأنصاري لو اتفق عود الملك إليه- أي إلى الغابن- بفسخ في العقد الجائز أو: بإقالة في العقد اللازم مثلا أو بعقد جديد.
و لا يخفى أن هذا على القول بمختاره من القول بالبدل في بيع الغابن. و أما على مختارنا من القول بالبطلان من حين الفسخ فلا وقع و لا وجه لهذا الفرع.
و كيف كان في رجوع المغبون في العين أو في بدلها فيما رجعت العين الى الغابن بالفسخ احتمالات، أحدها: رجوع المغبون الى العين مطلقا، و ثانيها: رجوعه الى البدل مطلقا، و ثالثها: رجوعه الى العين قبل الحكم بالعوض مطلقا، و بعده يرجع الى البدل مطلقا. و سيتضح بيان محتملات الحكم في نقل كلام الشهيد في «الروضة». رابعها: رجوعه الى العين و ان لم يأخذ البدل من الغابن و ان أخذ البدل يفسخه ثم عادت العين الى ملك الغابن، فلا يرجع المغبون حينئذ إلى العين لأنه تملك عوض العين. و خامسها: رجوع المغبون الى البدل ان كان المانع من الرد عقدا، أو الى العين ان كان المانع استيلادا. و سادسها: إذا كان فسخ المغبون بعد رجوع العين الى ملك الغابن و بعد زوال المانع، فيرجع المغبون الى العين. و أما إذا فسخ المغبون قبل رجوعها و عودها الى ملك الغابن و قبل زوال المانع. فيرجع الى البدل.
فقال شيخنا العلامة «قده»: حينئذ فالظاهر وجوب رد العين في الأول و وجوب بدله في الثاني.
و قال شيخنا الشهيد «قده» في «الروضة»: ثم ان استمر المانع استمر السقوط و ان زال قبل الحكم بالعوض بأن رجعت الى ملكه أو مات الولد أخذ العين مع احتمال العدم لبطلان حقه بالخروج، فلا يعود و لو كان العود بعد الحكم بالعوض ففي رجوعه الى العين وجهان من بطلان حقه من العين و كون العوض للحيلولة و قد زالت. إلخ.
و الحكم بالعوض في كلامه محتمل أن يكون المراد منه حكم الشارع بالعوض أو حكم الحاكم كما احتمله البعض أو أن المراد منه الفسخ كما عبر كثير منهم في المقام كما في كتاب شيخنا العلامة «قده» و ان كان ذلك قبل الفسخ. إلخ.
فالوجه هو ذلك، لأنه لا ربط لحكم الحاكم في المقام. و أما حكم الشارع بالعوض فإنما هو سبب عن الفسخ، فالعبرة حينئذ بالفسخ لا بالحكم و ان كان حكم الشارع سببا عن الفسخ فالأولى جعل العبرة بالفسخ. و الشهيد «قده» جعل العبرة بالحكم بالعوض انما هو من جهة عدم مفارقته عن الفسخ فليس حينئذ إلا المناقشة في سوء التعبير، فعلى هذا تصير الاحتمالات خمسة، لان مرجع الوجه الثالث الذي ذكره في «الروضة» إلى الوجه الأخير الذي ذكره شيخنا في «المكاسب». وجه الاحتمال الأول- أعني وجوب رد العين الى المغبون مطلقا- هو أنه: يستحق العين بالفسخ، لان مقتضى الفسخ عود ما وقع عليه العقد الى مالكه و الانتقال الى البدل انما هو للحيلولة، فما دامت العين باقية، للمغبون حق الرجوع إليها سواء كان عودها الى ملك الغابن قبل فسخه أو بعده و سواء أخذ البدل أم لا و سواء كان المانع استيلادا أو غيره.
فيه: أنه بعد تصرف الغابن بالتصرف المخرج قد خرجت العين عن ملكه فاذا فسخ المغبون و وجد العين خارجة عن ملك الغابن كانت في حكم التلف، فانتقل حق المغبون الى البدل في ذمة الغابن.
و وجه الثاني: أن العين بمجرد تصرف الغابن كانت في حكم التلف فانتقل
حق المغبون الى البدل في ذمة الغابن فبعد عودها الى ملك الغابن لا دليل على عود استحقاق المغبون العين.
فيه: أنه حسن إذا لم تعد أصلا و أما إذا عادت في ملك الغابن و الحال أن المغبون لم يفسخ فبعد فسخه و وجد العين في ملك الغابن لا وجه لعدم استحقاقه العين.
و وجه الثالث: أعني ما كان عودها الى ملك الغابن قبل فسخ المغبون فيستحق العين كما عبر عنه شيخنا الأنصاري بقوله: فالظاهر وجوب رد العين و عبر عنه في «الروضة» بقوله: قبل الحكم بالعوض، فقوله: قبل الحكم بالعوض في «الروضة» لا معنى له و لا يتعقل الحكم بالعوض بعد الفسخ معنى يترتب عليه ما ذكره بل المدار على حال الفسخ الذي به يتشخص ما للفاسخ من العين أو البدل من المثل و القيمة، فيرجع ما في «الروضة» الى ما ذكره شيخنا الأنصاري من أن المدار على الفسخ، فقال ما حاصله: فان كان العود قبله يستحق العين، لان المغبون إذا فسخ وجد العين حينئذ باقية في ملك الغابن فيردها بالفسخ.
فيه: أنه من المحتمل انتقال حق المغبون الى البدل حين أخرج الغابن عن ملكه بالعقد، فإنه كان بمنزلة التلف، فبعد رجوع العين الى الغابن لا دليل لرجوع استحقاق المغبون عن ما في ذمة الغابن من البدل الى العين.
ثم قال: و ان كان بعده فالظاهر عدم وجوب رده لعدم الدليل بعد تملك البدل.
فيه: أنه إذا فسخ المغبون و الحال أن العين ليست بموجودة عند الغابن، تملك البدل في ذمة الغابن مسلم لا ارتياب فيه و لكن دفع الغابن ما في ذمته من البدل واجب مع مراعاته الأقرب فالأقرب لقاعدة وجوب مراعاة الأقربية في الضمانات كما هي مسلّمة عندهم، فحيث عاد الملك أو زال المانع و لو بعد فسخ المغبون و تعلق حقّه الى البدل يجب على الغابن دفع نفس العين للاقربية، حتى
نسب الى ظاهر الفقهاء أنّهم قالوا في العين المغصوبة إذا تلفت اشتغلت ذمة الغاصب الى البدل قطعا فيجب عليه أداء بدلها و لكن إذا فرض تلبس المعدوم التالف بلباس الوجود من باب الاعجاز يجب على المغصوب دفع تلك العين ما لم يدفع مثلها أو قيمتها، فإذا أراد أن يدفع ما في ذمته يجب دفعه مراعاة للاقربية فالقول بوجوب ردّ العين هنا و لو كان عودها بعد الفسخ بطريق أولى.
و مما ذكرنا ظهر لك أن أحسن الوجوه هو الوجه الرابع من أن المدار في استحقاق العين و عدمه هو الأخذ بعوضها فان فسخ المغبون فما لم يأخذ حقه من المثل و القيمة من الغابن يستحق العين سواء كان عودها أو رفع المانع عنها قبل الفسخ أو بعده، فاذا كان العود و ارتفاع المانع قبل الفسخ أو بعده و قبل أخذ عوضها استرد المغبون العين، و أما إذا كان بعد الفسخ و أخذ البدل فلا ريب في برأيه ذمة الغابن حينئذ بسبب رضا المغبون بأخذ العوض و البدل. فلو عادت الى ملك الغابن بعد ذلك فلا وجه لرجوع حق المغبون الى العين لحصول البراءة و تسليم الحق. فكيف كان قد ذهب الى هذا بعض المشايخ في حاشية «الروضة».
و أما الوجه الخامس لعله مختار صاحب «الجواهر» فإنه لمكان العقد بكون العين بمنزلة التلف فلا دليل على استحقاق المغبون لها بعودها بخلاف صورة الاستيلاد فان العين باقية في ملك الغابن، فاذا فسخ المغبون تنتقل العين إليه متزلزلة و مراعى من دون جواز التصرف فيه، فان مات الولد يكون ملكا له و ان بقي فينعتق من ملك مولاه فيكون في معرض الزوال و أخذ البدل مع ذلك للحيلولة لأنه المغبون.
فحيث ارتفع المانع يستحق العين سواء كان رفعه بعد الفسخ أو قبله و ما ذكرنا من اعتبار أخذ العوض و البدل من التفصيل يجري هنا- أي في الاستيلاد- أيضا بأن يقال: ان لم يأخذ عوض العين فيردها و الا- أي و ان أخذ عوض الأمة و قيمتها- فلا يرد العين الا أن يقال: أن أخذ البدل في صورة الاستيلاء انما هو من باب
بدل الحيلولة بأن يملك المغبون مع حجر التصرف فيها مراعى على دون ولدها كما كان عند الغابن.
بعبارة أخرى: أن عين الأمة المستولدة ملك المغبون ملكا مسلوب الانتفاع كالمال الملقى في البحر فإن أخذ من البحر ينفع و الا يبقى على الملكية المحضة فكذلك في المستولدة فإنها بمجرد فسخ المغبون تصير ملكا له على سبيل التزلزل من غير جواز للتصرف فيها بل ممنوع عنها التصرف لحق الاستيلاد و لكن هذا النحو من الملك حيث لا يمنع حق الاستيلاد بل يجتمع معه و لهذا يمكن أن يقال بملكية المغبون و أخذه البدل انما هو بدل الحيلولة كما هو الظاهر.
هذا كله إذا كان العود بالفسخ و اما إذا كان بعقد جديد، قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده» فالأقوى عدم وجود الرد مطلقا لأنه ملك جديد يلقاه من مالكه وفاقا لما قوّاه في «الجواهر» لان فسخ الخيار انما يقتضي إبطال ملكه لها بذلك السبب لا مطلقا. و حاصل الفرق بين العقد الجديد و بين الفسخ أو الإقالة: أن إطلاق أدلة الخيار القاضية بالرجوع الى العين هو كونها باقية على الملكية الأولية السابقية و لما كان الفسخ و الإقالة لا ينافيان ذلك، لأنهما- كما هو الظاهر- ليسا من أسباب التملك و انما هما يزيلان العقد فتعود الملكية السابقة، فيرجع المغبون الى عين ملكه الذي انتقل الى الغابن الذي نقل عن ملكه لمكان عود تلك الملكية بالفسخ، و أما في مثل العقد الجديد كابتياع الغابن ثانيا، أو تملكه بالإرث، فلا شك أن التملك الحاصل بسببها تملك جديد لا ربط له بما كان من التملك سابقا.
و ان شئت فقل: أن العرف يفرق بين الملكية السابقة و بين الملكية الجديدة المتلقاة من مالكه بعقد جديد أو بإرث، بخلاف صورة الفسخ و الإقالة، فإن الملكية حينئذ نفس الملكية السابقة عند العرف، فاذا فسخ المغبون على الأول وجد العين و ملكيتها غير موجودة عند الغابن لان هذه الملكية غير الملكية السابقة و أما على الثاني: استرجع
لكونها نفس السابق.
هذا غاية توجيهه و يمكن أن يقال في المقام كما ذهب اليه مشايخنا الأعلام «قده» و لكن يرد عليه:
أولا: منع تعدد الملكية عند العرف، فإن الملكية عبارة عن اختصاص العين لصاحبها، و هو واحد في المقامين.
و ثانيا: لو أغمضنا عن ذلك. فلا يوجب ذلك التعدد تفاوتا في العين، و تعددها فإنها أمر واحد قطعا و انما تعلق حق المغبون على العين التي وقع العقد عليها.
و ثالثا: لو أغمضنا عن ذلك كله فنقول كشفا للظلام و رفعا للحجاب ان غاية الأمر أن المغبون إذا فسخ فقد ملك البدل في ذمة الغابن، فيجب عليه أداء ما في ذمته مثليا أو قيميا في المثليات أو القيميات مراعاة للاقربية في ذلك، و لا شك في أن العين و ان تلقى ملكيتها بالملك الجديد من مالكها أقرب الى ما أخذ الغابن من المغبون و الصيرورة الى غير العين بمثلها أو قيمتها انما هو من جهة عدم إمكان رد العين، فحيث أمكن ردها فيجب ردها لا غير كما هو الحال في جميع باب الضمانات فان مقتضى قوله: على اليد ما أخذت حتى تؤدي، وجوب رد ما أخذت بجميع جهاته لهذا صاروا الى وجوب رد المثل في المتلي و القيمة في القيمي.
فإن للعين جهتين جهة مالية وجهة ملكية و اختصاصية. فاذا تعذر رد الجهة الاختصاصية تعيّن رد الجهة المالية، و لذا نسبنا إليهم في المال المضمون كالغصب و غيره إذا تلف بالكلية و انعدم بالمرة انتقل ذمة الغاصب الى بدله، و مع ذلك لو تلبس بلباس الوجود من باب الاعجاز يجب رده بنفسه لا بمثله و لا بقيمته و الدليل على ذلك هو الدليل الذي يوجب صيرورة ضمان المثل في المثليات و القيمي في القيميات لكونهما أقرب إليهما، كما هو مستفاد من قوله: على اليد، و غيره.
و ظهر لك أن المختار في جميع المقامات المذكورة وجوب رد العين ما لم يقبض
المغبون بدله سواء كان عود الملك الى الغابن و رفع المانع عن الاسترداد قبل فسخ المغبون أو بعده و سواء كان بعقد جديد أو بفسخ أو بإقالة. و أما إذا قبض المغبون ما في ذمة الغابن من البدل فقد سقط حقه و برأ ذمة الغابن فيصير ذلك كالمعاوضة المستقلة التي حصلت بالمراضاة.
و من ذلك اتضح أن يقال: أن المختار وجوب رد العين عند خروجها عن ملك الغابن بالعقد الجائز كالبيع الخياري و الهبة، فيجب على الغابن إبطال العقد الجائز الناقل وفاقا لما في «المسالك» خلافا لما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» حيث قال بعدم وجوب إبطاله على الغابن، لان المغبون إذا فسخ فلا يخلو: اما أن تدخل العين في ملكه أو في بدلها، فعلى الأول: لا حاجة الى الفسخ و الابطال، و على الثاني: لا وجه للعدول مما استحقه بالفسخ الى غيره.
فيه: أنا نختار الشق الثاني، أعني كون المغبون مالكا لما تبدل في ذمة الغابن الا أنه حيث يجب على الغابن براءة ذمته من بدل العين فلا بد أن يلاحظ الأقرب فالأقرب و حيث كان العقد الناقل جائزا يجوز للغابن فسخه يتمكن من أداء ما في ذمته بنفس العين، فلا يجوز العدول عنها الى غيرها إلا في صورة التعذر، فان فسخ الغابن فيها، و الا فسخه الحاكم لأنه ولي الممتنع حيث أن الفسخ ورد العين واجب عليه فامتنع و أما فسخ المغبون مطلقا أو عند تعذر الحاكم موقوف على ثبوت الولاية له، و هو مشكل.
هذا كله في تصرف الغابن تصرفا مخرجا عن الملك أو مانعا عن الرد، و أما تصرفه تصرفا مغيرا للعين فلا يخلو اما أن يكون بالزيادة أو بالنقيصة أو بالامتزاج،
فهي اما أن تكون صفة محضة كقصارة الثوب و تعليم صناعة للعبد و أمثال ذلك، أو
عينا محضة كالغرس و الزرع، أو المشوب كالصبغ، فلا بد من تنقيح أحكام الصور.
بحيث لا تكون منفصلة عنه بل عمل فيها عملا صارت قيمة العين زائدة عما كانت أولا، فلا ريب في أن المغبون يفسخ العقد و يرد العين، بل لا أجرة للمشتري في مقابل عمله، لأنه عمل عملا في ملكه من دون استحقاقه لأخذ و لا شركة أيضا، و ان كانت الصفة غير موجبة لزيادة قيمة العين، فعدم استحقاق الأجرة و عدم الشركة بطريق أولى، لكن في «المسالك» في استحقاق المشتري أجرة عمله وجه، بل في «الروضة» جزم به بل قال فيها: و ان زادت قيمة العين شاركه في الزيادة بنسبة القيمة.
و فيه: أن العمل قد وقع في ملكه فلا يستحق به عوضا و زيادة القيمة انما كانت بصفة راجعة إلى المال نفسه من دون الانفصال و ان كانت بعمله فلا يستحق بها الشركة. فمن الغريب جزمه بالشركة خصوصا بعد رجوعه بأجرة العمل، على ما هو المنساق من ظاهر كلامه.
و قد فصل شيخنا العلامة الأنصاري «قده» فيما كانت الصفة المحضة موجبة لزيادة القيمة، فقال «قده»: الظاهر ثبوت الشركة فيه بنسبة تلك الزيادة بأن يقوّم العين معها و لا معها و يؤخذ النسبة، و لو لم يكن لها مدخل فالظاهر عدم شيء لمحدثها، لأنه إنما عمل فيما له، و عمله لنفسه غير مضمون على غيره و لم يحصل منه في الخارج ما يقابل المال و لو في ضمن العين.
فيه: أن زيادة القيمة و ان كانت بعمل الغابن الا أنه لما كان غير مغرور في عمله و غير مضمون على غيره فيصير حال الغابن في عمله كالغاصب فيما لو أحدث صفة محضة لوجب زيادة قيمة العين، و قد أجمعوا على عدم الشركة، و الفرق بين الغاصب و بين الغابن من هذه الجهة غير سديد، فالأقوى عدم استحقاق الأجرة
في الصورتين و عدم حصول الشركة وفاقا لشيخنا «قده» في «الجواهر» خلافا لشيخنا «قده» في «المكاسب» و الشهيد في «المسالك» و «الروضة»، و غيرهما من مشايخنا.
و لعل نظرهم في ثبوت الشركة أن عمله محترم، فلو أخذ المغبون العين بلا حصول الشركة بنسبة الزيادة لزم الضرر على الغابن و هو منفي. فيدل نفي الضرر على الشركة لئلا يلزم الضرر على الغابن.
فيه: ما لا يخفى كما عرفت من أن العمل الواقع في ملكه لا يستحق به شيئا.
كالغرس و الزرع و أمثال ذلك مما تغيرت العين المنتقلة إلى الغابن بالزيادات العينية، ففيه وجوه بل أقوال تبلغ إلى ستة:
أحدها- ما عن «الروضة» بعد فسخ المغبون و أخذه المبيع تخيير بين قلع الغرس و بين إبقائه على أرضه و أخذ أجرته من الغابن.
و ثانيها- ما حكي عن الفاضل في «حاشية اللمعة»: أن الخيار للغابن، فان اختار القلع فله مع طم الحفرة عليه، و ان اختار الإبقاء لزم على المغبون القبول مع الأجرة.
و ثالثها- تسلط المغبون على القلع من غير أرش و من دون تسلطه على الإبقاء، على ما اختاره العلامة «قده» في «المختلف» في الشفعة.
و رابعها- تسلطه على القلع مع الأرش، كما اختاره في «المسالك» و قيل به في الشفعة و حكى الإجماع به في العارية.
و خامسها- عدم تسلط المغبون على القلع مطلقا على ما حكي عن المشهور فيما إذا رجع البائع الأرض المغروسة بعد تفليس المشتري.
نعم له أخذ الأجرة على الأرض.
و سادسها- ما اختاره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و لعله المختار المحقق
و ان كان يتداخل في بعض تلك الوجوه المذكورة، و هو أن يقال: ان كلا من مالك الأرض و مالك الغرس يتسلط على قلعه لان كلا منهما يملك ماله و لا يشترط حق له على الأخر و لا عليه له فلكل منهما تخليص ماله عن مال صاحبه، فإن أراد مالك الغرس قلعه فعليه أرش الطم و ان أراد مالك الأرض تخليصها فعليه أرش الغرس.
فتوضيح الحال في تحقيق المقال يتوقف على التكلم في مقامات ثلاثة:
الأول: هل للمغبون سلطنة على قلع الغرس أم لا؟، الثاني: هل يجب عليه أرش مع ذلك أم لا يتعلق الأرش إذا قلع؟.
الثالث: هل يجب عليه أخذ الأجرة من الغابن لو اختار البقاء أم لا؟ فيتضح تنقيح الكلام في تلك المقامات صحة أحد الوجوه و أحقية قول من تلك الأقوال.
أما المقام الأول: فنقول: لا ريب أن بناء الغرس و الزرع و أمثال ذلك من انتفاعات الأرض الا أن الزرع لما كان له أمد مخصوص و الغرس ليس له أمد فتكون تبعية الزرع و انتفائه موقتا بتلك الأمد. و أما الغرس فليس له أمد، بل هو لو خلي و طبعه مبني على الدوام و البقاء، فاذا كانت الأرض سالمة عن مزاحمة الحقوق، فلو غرس فيها غرسا لكان ذلك مبنيا على الدوام قطعا من غير اشكال كما في أملاك الملاكين السالمين عن الحقوق، بمعنى كان الملك طلقا لصاحبه فاذا غرس ذلك المالك أشجارا ثم باع الأرض من دون اغراسها فلا يجوز للمشتري قلع تلك الاغراس التي حين غرسها مبني على الدوام و يستحق للبقاء أيضا، لأن الأرض إنما اشتريت مشغولة على تلك الأشجار، فلا يكون للمشتري سلطنة على قلعها قطعا حينئذ.
و من هذا القبيل الأرض المغروسة بعد تفليس المشتري فلا يجوز للبائع قلع تلك الاغراس التي غرسها المشتري المفلس، لأنه حين غرسها ليست الأرض متعلقة لحق البائع لعدم تفليس المشتري و كذلك في الأرض الموهوبة لو قلنا
برجوع الواهب بعد غرس المتهب فيها أغراسا.
و أما إذا كانت الأرض مشغولة لحق الغير فالغرس فيها مع اشتغالها في حق لم يكن مبنيا على الدوام كما إذا غرس فيها مع تعلق الشفيع و المرتهن و المغبون، فحينئذ فلذي الحق سلطنة على قلع الغرس لسبق حقه، فيكون مانعا عن بناء الغرس على الدوام. ففي المقام للمغبون سلطنة على القلع كالشفيع.
فان قلت: لو كان للمغبون و الشفيع سلطنة على القلع فقلعا للزم الضرر على الغابن و على المشتري في الشفعة.
قلت: بقاء الغرس في أرض المغبون و الشفيع ضرر عليهما أيضا فيتعارض الضرران و المرجع قاعدة: الناس مسلطون على أموالهم. فهي تقتضي جواز ازالة الغرس عن ملكهما. و الحاصل: أنه لما كان الغرس غير مستحق للدوام و البقاء لتعلق حق الغير على الأرض فيجوز لمن له حق فيها بعد التشبث بحقه و أخذه الأرض إزالة الغرس. فتلخص في ذلك المقام ثبوت السلطنة في إزالة الغرس و قلعه للمغبون كما ذكروا في الشفيع.
أما المقام الثاني: فهل يجب على المغبون أرش الغرس أي التفاوت بين كونه منصوبا و بين كونه مقلوعا على ما سيأتي بيان كيفية الأرش أم لا؟ و الغرض هنا بيان وجوب أصل الأرش على المغبون، فظاهر المشهور ممن تعرض للمسألة وجوب إعطاء الأرش على المغبون لصاحب الغرس تداركا لضرره حيث قلنا بجواز قلعه للمغبون كما علل في «الجواهر» أنه مقتضى الجمع بين الحقين و قد خالف في ذلك فخر المحققين حيث ذهب الى عدم الأرش لأن بناء الغرس و وضعه و ان كان بحق الا أنه كما عرفت في المقام الأول ليس مستحقا للدوام و البقاء كما حكموا لسلطنة المغبون على إزالته، فحيث يجوز ازالة الغرس على المغبون و الشفيع لسبق حقهما و عدم ثبوت حق للغارس في البقاء و الدوام فلا وجه حينئذ
لثبوت الأرش على صاحب الأرض و لا دليل عليه فيشكل حينئذ قول المشهور حيث ذهبوا الى ثبوت الأرش.
و التعليل بأنه جمع بين الحقين و أن القلع ضرر على الغارس كما أن البقاء ضرر على صاحب الأرض فمقتضى الجمع بينهما سلطنة على القلع مع الأرش عليل. إذ القول بقلع الغرس و جواز إزالته انما هو من جهة استلزام بقائه الضرر على صاحب الأرض فلو قيل حينئذ بلزوم الأرش على صاحب الأرض في صورة قلعه يلزم الفرار عن الضرر الى الضرر بل القاعدة المقررة ما ذكرنا من أن البقاء ضرر على المغبون و القلع ضرر على الغابن فيتعارضان فيرجع الى قاعدة السلطنة فمقتضى تلك القاعدة سلطنة صاحب الأرض على جواز تصرفه في أرضه كيف يشاء و ان استلزم ضررا على صاحب الغرس.
فان قلت: أنه إذا استلزم اجراء تلك القاعدة الضرر على الغير يسقط عن الاعتبار، لأن قاعدة السلطنة لا تجري إذا كانت مستلزمة للضرر لحكومة قاعدة نفي الضرر على سائر الأحكام كما قرر شيخنا العلامة «قده» في رسالته.
قلت: هذا الضرر لا حكومة له لما قلنا أنه معارض بالضرر اللازم على المغبون في صورة بقاء الغرس في أرضه فعند تعارضها تصير قاعدة السلطنة سليمة من غير جريان قاعدة الضرر حينئذ، فعلى هذا ما ذهب اليه الفخر من عدم الأرش يكون وجيها الا أن يوجه كلام المشهور فنقول: دليلا لما ذهب اليه و ان لم ينصوا بذلك الدليل و هو أن يقال: أن مقتضى قاعدة من أتلف مال الغير- انتهى. وجوب الأرش على المغبون إذ غاية الأمر مما ذكرنا لهم هو الرجوع الى قاعدة السلطنة بعد تعارض الضررين، فهي- أي قاعدة السلطنة- انما تثبت جواز ازالة الغرس، و أما مع وجوب الضمان و الأرش و عدمه ساكتة عن ذلك فلا ينافي لجواز القلع مع الأرش بحكم قاعدة الإتلاف بل تلك القاعدة حاكمة على قاعدة السلطنة.
فإن قلت: إذا كانت ازالة الغرس جائزة قد أذن الشارع بها فما معنى لجريان قاعدة الإتلاف و ضمانه لان الضمان منفي بإذن الشارع؟
قلت: اذن الشارع انما يقتضي عدم حرمة الإتلاف و جواز ازالة ملك الغير عن ملكه، و أما سببية الإتلاف للضمان فلا تنفيه كما هو الحال في موارد الأكل في المخمصة و غيرها مما كانت السلطنة مستلزمة لا تلاف مال الغير هذا في ثبوت الأرش.
و أما المقام الثالث: أعني أخذ الأجرة من الغابن و استحقاق على ذلك، ففيه وجوه بل أقوال ثلاثة:
أحدها: ما عن «الروضة» في التخيير بينه و بين القلع مع الأرش، فمعناه أن المغبون مخير بينهما، فلو أراد البقاء مع أخذه الأجرة من الغابن، له ذلك و ان أراد الغابن قلعه. و هو مما لا دليل عليه، بل مقتضى كون الغرس ملكا للغابن:
جواز تخليصه من مال صاحبه، غاية الأمر يلزم طم الحفرة عليه. و أما إبقائه رغما لأنف الغابن، فلا تقتضيه القواعد.
و ثانيها: ما عن بعض المشايخ في حاشية «الروضة»: أن الاختيار مع الغابن، فلو أراد إبقاء الغرس مع إعطاء الأجرة على صاحب الأرض رغما لأنف المغبون، له ذلك. و هذا القول يتم بمقدمتين:
إحداهما: ان الغرس بمنزلة الأسباب الشرعية كالبيع و الصلح.
و ثانيتها: استحقاق المغبون على البدل، بمعنى أنه ليس للمغبون الفسخ من حينه أو من أصله حتى يفسخ أصل العقد، فتكون الأرض سالمة له، ثم يقلع، بل انما يوجب فسخه استحقاق البدل فيما تصرف الغابن و حيث كان تصرف الغابن في منافع الأرض بالغرس، فلو فسخ المغبون أخذ الأرض لعدم نقله لا من جهة منافعها، فان المنافع قد استوفاها الغابن، فيلزمه البدل و هو أخذ الأجرة إذ بدل
منفعة الأرض ليس إلا بالأجرة.
و فيه: أن كلتا المقدمتين ممنوعة:
أما الأولى: فلمنع كون الغرس الذي هو فعل الغابن من الأسباب الشرعية.
و أما الثانية: فلما عرفت أن المختار هو القول بالفسخ من حينه لا القول باستحقاق البدل.
و أما المنافع المستوفاة، و ان كانت للغابن الا أن استحقاق الغرس للدوام و البقاء ليس من المنافع المستوفاة بل هذا مثل إجارة الأرض و تمليك منافعها مدة طويلة بحيث يمنع عن حق المغبون، فهذا في محل المنع كما ستعرف.
و ثالثها: ما هو المختار من أن لكل منهما القلع، فلو أبقى المغبون الغرس على حاله لا يستحق الأجرة من الغابن. نعم لو رضي الغابن ببقائه مع الأجرة فهو معاملة جديدة تحصل من مراضاة جديدة.
هذا كله في جواز ازالة القلع للمغبون. ثم حيث قلنا بذلك فهل ذلك بالمباشرة بأن لم يستأذن في قلع الغرس من الغابن أم ليس له المباشرة فيه، بل له المطالبة من الغابن بالقلع؟ وجوه ثلاثة:
قول: له المطالبة و ان قلع فيها و الا باشر بنفسه.
قول أو وجه: ان لم يباشر المالك بعد المطالبة يرجع الى الحاكم.
و قول: باشر بنفسه من دون الاستئذان و المطالبة، كما ذكروا تلك الوجوه فيما لو دخلت أغصان شجرة الدار الى ملكه. فلا بد في تحقيق المقام من صرف الكلام الى قطع الأغصان.
فنقول: يقع الكلام تارة في وجوب القطع على مالكها، و أخرى في جواز مباشرة صاحب الأرض في قطع أغصان الجار. ثم لا يخفى، ليس للاغصان خصوصية بل عروق الأشجار و جدران الجار و حائطه مثل الأغصان، كما إذا مال جدرانه الى ملك الأخر أو يخاف عليه من جهة خرابه و أمثال ذلك.
أما وجوب الإزالة على الجار لو طالبه صاحب الهواء فقد قطع به في «الشرائع» و «جامع المقاصد» في كتاب الصلح. و الظاهر هو المشهور من المتعرضين لتلك المسألة، و قد خالف في ذلك العلامة «قده» في «التذكرة» حيث قال:
ان مالك الشجرة لا يجب عليه إزالتها و أن جاز لمالك الأرض لأنه من غير فعله و يلزمه عدم الإجبار عليه. و جعل مخالفته مخالفا للقواعد في «الجواهر» في كتاب الصلح، و لكن مال إليه في كتاب العارية، للشك في وجوب التخليص عليه بعد أن لم يكن الشغل منه للأصل و كونه مالكا للاغصان لا يقتضي بذلك.
و حاصل دليل القول بعدم الوجوب ان تجاوزت الأغصان أو تجاوزت عروق الأشجار إلى ملك الجار ليس مستندا الى فعل صاحبه. و الأصل عدم الوجوب، فهو كالحبة التي حملتها الرياح أو السيول الى ملك إنسان فنبتت فيه، كما جعل المحقق في العارية اتحاد حكم المسألتين، و من ذلك يظهر لك اختلاف فتوى المحقق في كتاب الصلح و العارية.
و قال في «المسالك»: في وجوب الإزالة وجهان، حكى عن «التذكرة» القطع بعدم الوجوب فتسقط مؤنة القطع و أجرته عن المالك حينئذ.
و كيف كان مستند المشهور يمكن أن يقال لوجهين:
أحدهما: أن بقاء ملك صاحب الأغصان و الحبة التي نبتت في ملك الغير ظلم و عدوان على الجار و صاحب الأرض. فيجب عليه رفع ظلمه و عدوانه.
فيه: ان تجاوز الأغصان ليس من فعله و كذلك بقائها.
فلو قيل: ان رفعها مقدور على صاحب الأغصان فحيث لم يرفع يكون الإبقاء حينئذ مستندا اليه.
قلت: في رفع الأغصان كان الأجنبي و صاحب الأرض و صاحب الأغصان على السواء، فكما أنه مقدور على صاحبها كذلك مقدور على صاحب الهواء و الأرض.
فان قلت: ان في رفع صاحب الهواء أغصان جاره من غير اذنه يلزم التصرف في ملك الغير فهو محجور شرعا، و الحجر الشرعي كالعقلي.
قلت: انا نفرض الكلام في صورة عدم حجر صاحب الأغصان عن ذلك و حيث لم يكن مانعا عن قطع الجار تلك الأغصان الخارجة إلى ملكه فلا يكون حينئذ إبقائها مستندا الى صاحبها، فلا يتحقق الظلم و العدوان، فلم يكن واجبا إزالتها لعدم مساعدة الدليل على ذلك.
و ثانيهما: أن بقاء الأغصان في هواء الجار ضرر عليه و دفع الضرر واجب كفاية، كما في المال المطروح في الطريق حيث يلزم من بقائه في الطريق الضرر فيجب على عامة المكلفين كفاية حفظه، ففي المقام حيث يتوقف ذلك الوجوب على التصرف في مال صاحب الأغصان فهو- أعني التصرف- حرام على غير مالكها فتعيّن وجوب قطع الأغصان على صاحبها لعدم توقف ذلك الوجوب على مقدمة محرمة.
و فيه: أن مثل هذا الضرر الذي ليس مستندا بفعل أحد وجوب دفعه غير معلوم، و لو كان واجبا فإنما يجب على صاحب الأرض و الهواء لا على غيره.
و انما يجب دفع الضرر عن مال الغير و حفظه إذا كان ذلك الغير غائبا، أو حاضرا صغيرا غير متمكن كما في مثل المال المطروح في الطريق فإنه إذا كان صاحبه حاضرا و قد طرح ماله في الطريق باختيار ليس لأحد وجوب حفظه كما هو واضح.
و كيف كان مع عدم ردع صاحب الأغصان و عدم ممانعته عن قطعها يصير حال صاحب الهواء كحاله، و اختصاص وجوبه على صاحب الأغصان غير معلوم كما في «التذكرة». نعم لو امتنع يحرم عليه ذلك، فيسقط اذنه في قطعها كما ستسمع.
هذا كله في وجوب قطعها لصاحبها، أما جواز مباشرة صاحب الهواء في
قطع أغصان جاره، فهل له ذلك أم يتوقف على الاستئذان من مالك الأغصان و امتناعه؟ فيه وجوه بل أقوال:
أما أصل جواز الإزالة فقد عرفت من مسألتنا هذه لا اشكال فيه لعدم حق في اشتغال هواء الأرض إلى تخومه لاغصان أشجار جاره أو لعروقها فيكون شغلها في ملكه بغير حق فله تفريغ ملكه منها، كما لو دخلت بهيمة في داره، و لم يقل أيضا أحد بإرجاعه إلى الحاكم، لأن إزالة العدوان عن ماله أمر جائز مع التمكن.
و أما في إرجاعه إلى المالك فيه أقوال:
أحدها: ظاهر المشهور الاستئذان من المالك و إرجاع الأمر إليه أولا، فإن قطع بنفسه فبها و الا قطعها من حد ملكها، كما يظهر ذلك من «الشرائع» و «التذكرة» حيث عقب قطعها على قطع صاحب الأغصان، كذلك في «الدروس» أنه يأمر صاحبها بقطعها فان امتنع قطعها هو أي مالك الهواء.
و ثانيها: إطلاق المحكي عن «التحرير» أن للمالك الإزالة من دون استئذان من المالك كما لو دخلت بهيمة إلى داره و زرعه، و استظهره في «جامع المقاصد».
و ثالثها: التفصيل بين ما كان فيه ضرر بمراعاة اعتبار الاذن منه أو من الحاكم و عدمه، فلا يحتاج الى الاذن في الأول دون الثاني، مراعاة للجمع بين القواعد جميعها، و قد قواه في «الجواهر».
وجه المشهور واضح، لان صاحب الهواء لا يريد الا دفع الضرر و رفع الظلم عن نفسه، فهو قد يحصل بأمره على مالك الأغصان من دون لزوم قبح التصرف في ماله. نعم لو امتنع، له ذلك.
و أما ما ذهب إليه في «التحرير» و «جامع المقاصد» فبوجهين:
أحدهما: أن أزالة العدوان عليه أمر ثابت له فله ذلك من دون المراجعة إلى مالكها و توقفه على اذنه ضرر عليه.
و ثانيها: أنه لو كان يجب عليه الاستئذان لكان اللازم الاستئذان من الحاكم إذا امتنع. و التالي باطل في المقام لأنه لم يقل به أحد فكذلك الأول. و وجه التفصيل هو الجمع بين عدم لزوم الضرر على صاحب الهواء و ازالة العدوان عن نفسه و بين قاعدة قبح التصرف في مال الغير.
و لكن التحقيق أن يقال: أن صاحب الأغصان و الأشجار و أمثاله من صاحب البهيمة و غيرها لا يخلو اما أن يكون حاضرا غير ممتنع، أو حاضرا ممتنع، أو غائبا.
فعلى الأول ليس لصاحب الهواء و الدار المباشرة في قلع الأغصان من دون الاستئذان، لأنه ليس له التصرف في مال الغير، فرفع الظلم عن نفسه يحصل بإرجاعه إلى المالك، و المفروض أنه مقدم لرفع الضرر و قطع الأغصان.
هكذا قال شيخنا الأستاذ «دام ظله» من غير تفصيل في هذا القسم.
أقول: هذا على إطلاقه كما ترى، لأنه لو كان قطع الأغصان و إخراج البهيمة مثلا مستلزما لدخول صاحبها الى ملك الجار و داره، فللجار حينئذ المنع في دخول مالك الأغصان و الدابة لبيته لأغراض عقلائية، كما أنه يخاف من اطلاعه على خلوات بيته مثلا. أو تشاحا، فحينئذ يحرم تصرف مالك الأغصان و دخوله في بيت جاره و لو كان ذلك من جهة مقدميته الى قطع الأغصان، كما أنه يحرم قطع الأغصان لمالك الهواء بنفسه.
و لو كان ذلك من جهة مقدمته لرفع الظلم و العدوان عنه، لأنه كان رفع الظلم من غير تلك المقدمة المحرمة، فتتعارض قاعدة قبح التصرف في مال الغير من الجانبين فيرجع الى أصل الإباحة أي إباحة الدخول في ملك الجار لقطع الأغصان و اباحة قطع الأغصان للجار من دون الإرجاع الى صاحب الأغصان و إدخاله إلى داره، فهذا يكفي في جواز المباشرة و إثباتها. فتدبر.
و أما على الثاني:- أعني ما كان صاحب الأغصان ممتنعا- فحينئذ يكون بقاء الأغصان ضررا على الجار كما أن قطعها ضرر على صاحبها فيتعارض الضرران، و المرجع قاعدة قبح التصرف في مال الغير لو كان. لكنه أيضا متعارض من الطرفين بقاعدة السلطنة فإن مقتضى سلطنة الجار في هواه و أرضه قطعها، و مقتضى سلطنة صاحب الأغصان عدم قطعها، فيرجع حينئذ إلى أصالة الإباحة، فيكفي حينئذ في إثبات مباشرة الجار بنفسه في قطع الأغصان، كما هو صريح المحقق و الكركي. و أما على الثالث فيرجع الى الحاكم لو لم يكن لصاحب الجار ولاية في قطع الأغصان، لكن الظاهر ثبوت ولايته لدفع الظلم و العدوان عن نفسه من دون استرجاعه الى الحاكم.
و من ذلك يظهر لك أن في الصورة الثانية- أعني ما كان صاحب الأغصان ممتنعا- حيث قلنا بإباحة القطع، و جواز المباشرة للجار انما يكون ذلك من دون توقفه على الحاكم و ان كان ربما يتراءى في بادي النظر الرجوع إليه لأنه ولي الممتنع، لكن المقرر أنه ولي حيث لا ولي.
ففي المقام ولاية لصاحب الأرض في رفع الظلم عن نفسه كالمديون، فإنه إذا يريد أداء دينه، فلو امتنع الدائن عن قبوله و أخذه لا يجب على المديون الرجوع الى الحاكم في تعيين ما في ذمته، بل له تعيين ما في ذمته، بخلاف الدائن، فإن امتنع المديون فيرجع الى الحاكم، فليس للدائن بنفسه تعيين حقه عن أقوال المديون. فالفرق واضح، لأن الدائن ليس له ولاية في ذلك، فلا بد من الرجوع الى الحاكم بخلاف المديون، فله ولاية في تعيين ما في ذمته فيصير بعد التعين أمانة عنده مثلا، فلا يجب الرجوع الى الحاكم، فكذلك في المقام.
هذا كله في أغصان أشجار الجار، و قد عرفت أن الأقوى عدم وجوب قطعها على صاحبها ان لم يكن بتفريطه، لأنه ليس مستندا الى فعله، كما ذكره
العلامة «قده» و مال إليه في عارية «الجواهر»، و ان جعله في كتاب الصلح مخالفا للقواعد.
و ذهب جمع الى الوجوب، و هل المقام مثل ما هناك في وجوب القلع على الغابن و عدمه؟ و قد عرفت هناك أيضا جواز المباشرة على القلع عند الامتناع و عدمه عند الاقدام و هل للمغبون أيضا مثل ذلك، فيجري في الغابن ما يجري على صاحب الأغصان من الأحكام أم لا؟ قد يقال بالفرق بين المقامين بوجهين:
أحدهما: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» باحتمال الفرق بينهما من أن تجاوز الأغصان ليس من فعل مالكها بخلاف الغرس في المقام، فإنه مستند الى فعل مالكه، فيجب عليه القلع و ان قلنا بعدم الوجوب على ما ذكره العلامة «قده».
و فيه: و ان كان هناك لم يكن بفعله، و في المقام كان الغرس بفعل مالكه لكن ذلك الفعل لما كان مأذونا فيه من جانب الشارع لجواز التصرف له كيف يشاء فكان فعله- أي غرسه- بحق من غير ورود نهي شرعي عليه، فحينئذ لا يكون مناطا للفرق في وجوب القلع هنا و عدم وجوبه هناك، إذ الفعل المأذون فيه كعدمه في عدم الضمان و عدم كونه منشأ للحكم مجازاة.
و ثانيهما: ما ذكره العلامة الأستاذ «دام ظله» في مجلس البحث من أنه و ان قلنا بعدم وجوب القطع هناك على صاحبها الا أنه نقول بوجوب قلع الغرس على الغابن هنا لأنه يجب عليه تسليم المبيع إلى البائع المغبون كما أخذه على ما هو عليه.
و من المعلوم أن المبيع حيث انتقل الى الغابن كان خاليا عن الغرس، فيجب عليه رده خاليا عن الغرس أيضا، و هو لا يكون الا مع قلعه و تخليصه عنه، فوجوب طمّ الحفر عليه أيضا انما هو من جهة وجوب تسليمه كما انتقل اليه، و لو امتنع
الغابن عن قلعه كان للمغبون حينئذ المباشرة فيه لعدم استحقاقه على البقاء في ملكه دائما، و لو رضي بالأجرة فله ذلك.
فتلخص مما ذكرنا: أن لكل منهما تخليص ماله عن مال صاحبه، الا أنه على الغابن أرش طمّ الحفر، و على المغبون أرش الغرس.
أما الأول فلوجوب دفع المبيع على المشتري الغابن للمغبون البائع و تسليمه على ما هو عليه، فطمّ الحفر يكون مقدمة لتسليمه كما أخذ.
و أما الثاني فلما ذكرنا من اقتضاء قاعدة الإتلاف ذلك، فبعد تعارض ضرر البقاء و ضرر القلع يرجع الى قاعدة «من أتلف»، فيستحق الغابن على المغبون أرش الغرس.
فهل هو تفاوت ما بين كونه منصوبا مجردا و بين كونه مقلوعا، أو بين كونه منصوبا دائما دون استحقاق الأجرة على المغبون من الغابن و بين كونه مقلوعا، أو بين كونه منصوبا دائما مع ملاحظة أجرة الأرض و بين كونه مقلوعا؟ وجوه، ظاهر كلام شيخنا العلامة «قده» في «المكاسب» و غيره ممن تعرض لأخذ الأرش هو الوجه الثاني، بأن يقوّم الغرس منصوبا دائما، و يقوّم مقلوعا و يؤخذ تفاوت القيمتين من المغبون.
فيه: ما ذكره في «الجواهر» بقوله: قلت: بعد فرض عدم استحقاقه للبقاء في أرض المغبون لا معنى لأخذ الأرش بقيمة كونه منصوبا دائما، كيف ربما يكون ذلك مستلزما لأخذ تمام الأرض المبيعة بل أزيد منه عوضا للتفاوت بين كونه منصوبا دائما و بين كونه مقلوعا، فيكون الغرس و الأرض كلاهما للغابن.
و أما وجه احتمال الثالث هو الجمع بين الحقين، أي يؤخذ تفاوت المنصوب دائما مع ملاحظة أجرة بقائه في الأرض كذلك. و يرد عليه أيضا ما في السابق من عدم استحقاق الغرس للبقاء و الدوام، فلاحق للغابن في بقاء غرسه في ملك
الغير فلا وجه حينئذ لملاحظة الجمع بين الحقين.
فتعين أن الحق هو الوجه الأول، فيلاحظ تفاوت القيمة بين كون الغرس قائماً مجردا عن استحقاق بقائه في الأرض و بين كونه مقلوعا و ان كان ذلك مستلزما لانتفاء الأرش في أكثر الأوقات و الموارد. لكن لا ضير في ذلك بعد كون المسألة عقلية و اقتضاء القاعدة لذلك حيث ليس في البين إجماع، بل المتعرض لمعنى الأرش و بيان التفاوت بين المقلوع و المنصوب أقل قليل مما وجدناه. هذا كله في الغرس.
و أما الزرع: فالمشهور ممن تعرض له ذهبوا الى استحقاقه للبقاء فتعين إبقائه بالأجرة، و عللوا بأن له أمد ينتظر.
فيه: منع واضح لعدم الفرق بين الزرع و الغرس في استحقاقه للبقاء دون الغرس، و العلة- أعني: له أمد ينتظر- لا يوجب استحقاق بقائه في أرض الغير، نعم في قلعه يلزم الضرر على الزارع، فينجبر بالأرش كما ذكرنا في الغرس. فحال الزرع كحال الغرس طابق النعل بالنعل كما ذكره الشيخ الأجل الأورع في حاشية اللمعة، و تبعه بعض تلاميذه. و أيضا مع فرض البقاء لا معنى لقولهم يتعين إبقائه مع الأجرة لأنه إذا فرضنا استحقاقه للبقاء في الأرض لا معنى لأخذ الأجرة.
فإن قلت: لعل الداعي إلى بقائه مع الأجرة هو الجمع بين الحقين على وجه لا يلزم الضرر على الطرفين.
قلت: يمنع إمكان الجمع بين الحقين و الضررين، بل هذا فرار عن الضرر الى ضرر آخر، لأنه من المعلوم أن البقاء ضرر على صاحب الأرض، كما أن رفعه و قلعه ضرر على صاحب الزرع، فعند تعارضهما لا يمكن أخذ الأجرة من الزارع الغابن، لأنه أيضا ضرر عليه، فالجمع بين الحقين لا يقتضي أخذ الأجرة من الغابن، لأنه أيضا ضرر فليس فرق بينه و بين الغرس لجريان تلك المقالة في
الغرس أيضا. مع أنهم لم يلتزموا فيه، و لذلك أمر شيخنا العلامة «قده» في كتابه بالتأمل.
فلعله إشارة الى أن الغرس أيضا مثل الزرع في عدم جواز القلع و ضرر صاحب الأرض- أعني المغبون- في المقام فينجبر بأخذ الأجرة. أو أنه اشارة الى أن مع تعارض الضررين في الغرس لا ينجبر ضرر صاحب الأرض بأخذ الأجرة، لأنه لا يكون منجبرا به كما هو المشاهد في أكثر الأوقات حيث إذا تخير المغبون بين بقائه في أرضه مع أخذه الأجرة و بين قلعه مع التزامه بأرشه لاختار الثاني، بخلاف الزرع، فإنه لقصر بقائه فينجبر ضرر البقاء بأخذ الأجرة.
فتلخص: أن الأقوى هو جواز الإزالة في المقامين- أعني الغرس و الزرع- من غير فرق بينهما، فللمالك إزالتهما مع الأرش فيعطي المالك لصاحب الغرس و الزرع تفاوت ما بين كونه قائماً و بين كونه مقلوعا.
فان قلت: أصالة براءة ذمة المالك عن الأرش و أقدام الغابن على الغرس و الزرع في الأرض التي تعلق عليها حق الغير لكونها في معرض الفسخ و الاسترداد أدخل الضرر على نفسه يقتضيان عدم وجوب الأرش على المغبون كما ذكر نظير ذلك في عدم وجوب الأرش على المغيّر للأصل و بقاعدة الإقدام.
قلت: أما الأصل فمنقطع على ما ذكرنا من جريان قاعدة الإتلاف على ما هو التحقيق عندنا، و أما عندهم فمنقطع بقاعدة لا ضرر، حيث ذهبوا الى أن الغابن ليس ظالما بل انما فعل فعلا مأذونا فيه، فلو قلع غرسه أو زرعه لزم عليه الضرر كما أنه لو بقي يلزم على المغبون الضرر فتجري قاعدة «لا ضرر و لا ضرار».
أما بالنسبة إليهما فينتج أنه على فرض البقاء يلزم على الغابن أجرة الأرض و على فرض القلع يلزم على المغبون الأرش. و لكن قد عرفت هذا المسلك ليس بمختار عندنا، لأنه فرار عن الضرر الى الضرر فكرّ على ما فر.
فالتحقيق في مدرك وجوب الأرش على المغبون حيث أثبتنا سلطنته على القلع:
هو «قاعدة من أتلف مال الغير فعليه ضمانه».
ذكر شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: لو طلب مالك الغرس القلع، فهل لمالك الأرض منعه لاستدامة نقص أرضه فان كلا منهما مسلط على ماله، و لا يجوز تصرفه في مال غيره الا بإذنه أم لا، لان التسلط على المال لا يوجب منع مالك آخر عن التصرف في ماله؟ وجهان، أقواهما الثاني. إلخ.
حاصله: أن كلا منهما مسلط على ماله، أما المغبون: فله سلطنة في أرضه، و أما الغابن: فله سلطنة على غرسه فاذا شاء قلعه فله ذلك. و اختار «قده» جواز قلعه لقاعدة السلطنة و عدم جواز منع المغبون عن ذلك، لان سلطنته في أرضه لا تستلزم منع سلطنة الغابن في ملكه.
فيه: منع واضح، ضرورة أن سلطنة الغابن في قلع غرسه تتوقف على مقدمة محرمة و هي حرمة التصرف في ملك المغبون مع عدم رضائه و منعه عن دخوله في أرضه، فمن المعلوم أن سلطنة إنسان في ملكه إذا كانت مبتنية على الحرام لسقط عن السلطنة فلا يجوز له التصرف، و اما سلطنة المغبون في أرضه لا تستلزم مقدمة محرمة، و لا تستلزم التصرف في ملك الغابن، فاذا دار الأمر بينهما يكون عدم جواز دخول الغابن في ملك المغبون هو المتعين، لأنه يلزم التصرف في مال الغير من دون العكس، فلا بد حينئذ من الصلح القهري، بمعنى: يبقى الغرس على حاله حتى يرضى صاحب الأرض بدخول الغابن في ملكه.
فهذا نظير ما كان الماء في الكوز، و كان كل منهما ملكا لشخص، فصاحب الماء إذا أراد الماء و تصرف في مائه يتوقف على التصرف في الكوز، و أما صاحب
الكوز إذا أراد المنع عن ذلك فله سلطنة على إبقاء الكوز على حاله و لا يتوقف ذلك على التصرف في مائه، فليس لصاحب الماء التصرف في كوز الأخر مع منعه و عدم رضائه.
هذا، و لكن قد يوجه كلام شيخنا العلامة «قده» بتقييده على فرض لزوم الضرر على الغابن عند منع صاحب الأرض عن قلع غرس الغابن، ففي حجر صاحب الغرس عن قلعه يلزم عليه الضرر و ان كان ذلك الحجر من المغبون و منعه عن دخوله في أرضه بمقتضى قاعدة السلطنة الا أنه إذا استلزم ذلك ضررا على الغابن و لم يكن من جهة دخول الغابن في أرض المغبون ضرر على المغبون، فمنفي بقاعدة «لا ضرر» لما هو المقرر إذا كان في سلطنة أحدهما في ملكه مستلزما للضرر على الأخر، بأن تصرف في ملكه تصرفا موجبا للضرر على جاره، فتنفيه قاعدة «لا ضرر».
هذا، إذا لم يكن في عدم تصرفه في ملكه موجبا للضرر عليه، و الا فيتعارضان فيرجع الى قاعدة السلطنة مثلا إذا فرضنا في حجر صاحب الماء عن التصرف في مائه استلزام الضرر عليه لعطشه أو لفساد مائه و لم يكن إخراجه عن كوز الأخر ضررا على صاحب الكوز، بل صاحب الكوز يقول: اني لا أرضى التصرف في ملكي، لأني مسلط على كوزي كيف أشاء، و من جملته المنع عن التصرف في الكوز، فنحكم حينئذ بجواز التصرف في الماء لصاحبه و إخراجه عن كوز الأخر و ان كان منافيا لسلطنة الأخر لقاعدة «نفي الضرر».
فتلخص: أن ما أفاده شيخنا العلامة «قده» على إطلاقه ممنوع، فلا بد من ملاحظة المقامات، فان لزم الضرر على المغبون بدخول الغابن في ملكه للغرس فعليه المنع لتعارض الضررين، و المرجع قاعدة السلطنة و الا فليس له المنع.
و تحقيق ذلك يعلم في رسالته المفردة لبيان قاعدة لا ضرر، حيث قال في
آخرها في التنبيه السابع: تصرف المالك في ملكه سلطنة.
فيه: اما أن يكون لدفع ضرر يتوجه اليه أو لجلب المنفعة أو لغرض غير عقلائي كاللغو، فعلى الأول لا ينفيه لزوم الضرر على المجاز بدليل نفي الضرر، لان تحمله للضرر لئلا يتضرر الغير حكم ضرري أيضا منفي بالقاعدة مضافا الى أن المرجع عند التعارض هو عموم قاعدة السلطنة، و على الثاني فكذلك أيضا على الظاهر المشهور.
و أما على الثالث كما في فرض المقام حيث فرضنا عدم لزوم الضرر على المغبون أو على صاحب الكوز بدخول الغابن في ملكه و إخراج الماء عن كوزه، فالظاهر لا يجوز له المنع و السلطنة على أرضه و كوزه بهذا النحو من التصرف، لأنه حكم ضروري منفي بدليل نفي الضرر، الذي هو حاكم على قاعدة السلطنة و أمثالها.
هذا كله في الزيادة العينية المحضة.
و أما الزيادة العينية المشوبة: فقد مثلوا لها بالصبغ، ففي «الجواهر»: ان كان المتغير صفة من جهة و عينا من أخرى كالصبغ، صار شريكا بنسبته إذا فرض زيادته بذلك مع احتماله مطلقا، إلخ.
فيه: أن الصبغ داخل في الصفة المحضة لا عين له حتى يشتركا، و لو سلمنا جهة عينية له فيكون بمنزلة التالف، فلا يوجب الشركة، نعم الصبغ قد يكون من قبيل النقوش فله جهة عينية، و أما إذا كان محض اللون فلا يكون لها جهة عينية عرفا، فلا تحصل الشركة، كما هو واضح.
فيما لو تصرف الغابن بالامتزاج، بأن مزج المبيع بغيره: فلا يخلو أما أن
مزجه بجنسه المساوي أو الاردإ أو الأجود أو بغير جنسه: اما أن يكون مستهلكا فيه أو غير مستهلك فهذه أقسام خمسة، فينبغي بيان حكم كل قسم، فنقول: هنا مسائل:
ففيه احتمالات: الشركة في القيمة، أو عدمهما لحصول التلف بالمزج فيتعلق حق المغبون بالبدل في ذمة الغابن، أو التخيير بين الأخذ بالغرامة و بين الشركة، أو سقوط الخيار برأسه- كما حكي عن «الروضة»- أو احتمال سقوط الخيار في صورة المزج بالأجود و هو يجري في هذا القسم أيضا لجريان مناطه، إذ المناط في سقوط الخيار هو عدم إمكان الاسترداد، كما ذكروا في طرف المغبون على ما سمعت من ذهاب المشهور الى أن المغبون لو تصرف تصرفا لا يمكن معه الاسترداد ليسقط خياره، لان الخيار منوط على استرداد العين، لكن هذا الاحتمال في طرف الغابن في غاية الضعف لدعوى الإجماع على عدم سقوط الخيار بتصرف الغابن. و لذا قيد من حشى «الروضة» و غيره كصاحب «الجواهر» ما احتمله في «الروضة» بسقوط الخيار في العين لا أصل سقوط خيار المغبون.
ثم ان المشهور قد أطلقوا بالشركة في هذه الصورة- أي فيما كان المزج بالمساوي- من دون تقييدهم بلزوم تدارك نقص الأرش على المازج الغابن مع الواجب على ما أفاده بعض المشايخ أن يقال بلزوم تدارك نقض الشركة على الغابن لأن الشركة عيب، فحيث مزج المبيع المنتقل من المغبون بماله كان موجبا للعيب، فإنه إذا فسخ المغبون وجد ماله ممتزجا، فحيث كان المبيع أولا ملكا مختصا و المال صار ملكا مشاعا يكون معيبا لمكان الشركة فلا بد من الأرش، كما قالوا بلزوم الأرش على الغابن في صورة مزجه بالاردئ.
و القول بأنهم ليسوا في مقام بيان تمام حكمه، بل انما غرضهم مجرد حصول
الشركة من جهة المزج، منقوض بصورة الردي، حيث أنهم تعرضوا بالأرش في صورة الامتزاج بالرديء.
فان قيل: ان ذكر الأرش فيه انما هو من جهة نقص مالي، و هنا ليس نقص مالي.
مدفوع: بأن النقص في الصفقة يوجب العيب فيها فيكون مستلزما للنقص المالي أيضا، الا أنه يمكن دفع ذلك الاشكال عنهم بأن عيب الشركة هنا لا يوجب منقصة مالية، فان رطلا من الدهن إذا امتزج برطل مثله، لا يحصل نقصا في قيمته فيجوز قسمته و تنصيفه من دون حاجة الى مؤنة.
نعم، إذا كانت الشركة بحيث توجب العيب كما فيما يحتاج فصلها الى مؤنة أو تقلّ رغبة الناس مع صفة الشركة لكان القول بلزوم تدارك أرش النقص لا يخلو عن قوة، و اشكال لزوم الربا في المتجانسين حينئذ سيأتي دفعه. و كيف كان، حيث كانت المسألة ذات أقوال أربعة و احتمالات خمسة مع زيادة احتمال سقوط الخيار بل تزيد عن ذلك،
هل يوجب ذلك لحصول الشركة، أم ليس له مدخلية في حصول الشركة؟ و ظاهرهم الانطباق على الأول و ليس في ذلك مخالف معلوم عدا ابن جنيد، حيث ذهب الى عدم مدخلية المزج للشركة و عدم كونه سببا لها أصلا، بل الشركة انما تتحقق بالقول، فالمحكي عنه في «المختلف» لو تلف مال أحد الشركاء قبل انعقاد الشركة باختلاط المالين أو بافتراق كان ما تلف، من مال صاحبه، و ان كان التلف بعد العقد و الافتراق كان من مالهما جميعا. انتهى.
فان ظاهره: أن التلف لصاحبه قبل عقد الشركة و انعقاده، سواء امتزج المالان أم لم يمتزجا، فان الاختلاط و عدمه ليس شرطا، لا وجودا و لا عدما للشركة،
بخلاف ما لو حصلت الشركة بالقول و العقد فيحصل اشتراكه بينهما و التلف منهما أيضا و ان لم يمتزج المالان، بل كان مال كل من عنده غير مخلوط بآخره، لكن حيث تلف أحدهما بعد العقد لكان يحسب عليهما لحصول سبب الشركة، و هو العقد وحده. و أما لو امتزج و اختلط لكان من صاحبه، لعدم حصول الشركة.
و حاصل هذا القول إنكار سببية المزج و هو محجوج بالإجماع. و ما أبين بينه و بين القول بإنكار سببية العقد للشركة رأسا كما هو المحكي عن «الحدائق» فقال:
ان سبب الشركة هو المزج و لا مدخلية لعقد الشركة في حصول الشركة التي هي عبارة عن اجتماع حقوق الملاكين في مال واحد، فلو حصل المزج اختيارا أو قهرا لتحصل الشركة، فلا فائدة في العقد بعد، و لو حصل العقد قبل الامتزاج لما تحصل الشركة الا أن يمتزج المالان، و لذلك وجّه بعضهم بثمرة عقد الشركة أن ثمرته هو جواز التصرف، فأورد عليه أن قولنا: «اشتركنا» لا يدل بأنحاء الدلالة على جواز التصرف، فلا بد بعد القول بتشريع عقد الشركة أن فائدته هي حصول الشركة.
و كيف كان، ما في «الحدائق» من أنه لا تشمّ من الاخبار رائحة في دلالة عقد الشركة. و مدخليّته في حصولها محجوج أيضا بالإجماع، فلا بد من القول بمدخليّة المزج للشركة.
و الذي يستفاد من الجل بل الكل هو الأول، الا شيخ الفقهاء في «الجواهر» فالتزم بالثاني قائلًا: أن العقد، و هو قولنا «تشاركنا» سبب لها، و أن المزج القهري شرط. ثم قال: على تقدير التسليم لا مانع أن يقال: أنه أحد الأسباب كالمعاطاة في البيع، الا أنه يعتبر حينئذ كونه اختياريا، و عليه فتكون الشركة
قد تحصل بالعقد و هو «تشاركنا»، و قد تحصل بالمزج الاختياري. و أما المزج القهري فلا تحصل به الشركة واقعا، و انما يفيد الاشتباه في كل جزء من المال، الا أن الشارع حكم ظاهرا بكونه منهما من الصلح القهري.
و قال شيخنا الأستاذ «دام ظله»: «ان ما أفاده من عدم كون المزج سببا، و انما هو شرط.» يحتمل أن يكون مراده عدم قيام الإجماع الأعلى حصول الشركة عند المزج من دون دلالته على كون المزج سببا و لعل المتيقن منه هو كون العقد و المزج علة مستقلة في حصول الشركة بأن كان العقد سببا، و المزج شرطا.
ثم على تقدير تسليم سببيته بانعقاد الإجماع عليها، فلا نسلم انحصار السبب فيه، بل هو أحد الأسباب، بأن يكون العقد سببا، و الموت و نحوه أيضا سببا، و المزج أيضا سبب آخر، الا أنه يعتبر فيه كونه اختياريا لكونه أيضا هو القدر المتيقن.
و أما المزج القهري، فلا تحصل به الشركة الواقعية، و انما تفيد الشركة الظاهرية المعبر عنها بالصلح القهري و الإجباري.
و لعله لما أشار إليه في هذا المقام و غيره من كون المعتبر فيها هو عدم تمييز أحد المالين عن الأخر، واقعا و ظاهرا، و أما إذا لم يتميز أحدهما عن الأخر في المرحلة الظاهرية فهو نظير التصاق أحد المالين بالآخر، فلا يمكن الحكم فيه الا بالصلح القهري و الشركة الظاهرية.
الا أن الإنصاف أن كل ذلك بمعزل عن التحقيق، لمكان قيام الإجماع على كون المزج سببا للشركة مطلقا، سواء حصل اختيارا أو اتفاقا، و أما الحكم بكون مفاده هو الشركة الواقعية أو الظاهرية أو يفصل بينهما؟ فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.
وجهان بل قولان، و الذي يستفاد من الجل هو الثاني، بل صرح شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بعدم تعقل غيره، معللا بأنه إذا فرض امتزاج أحد المالين
بالآخر و لا يمكن تمييز أحد المالين عن الأخر، بحيث إذا أشير بالإشارة الحسية إلى أحدهما، كانت تلك الإشارة هي عين الإشارة الحسية الى الأخر واقعا و ظاهرا، كامتزاج أحد المالين بالآخر، فلا يتصور هاهنا الحكم بما عدا الشركة.
و لا مسرح للشارع أن يحكم بخلاف ما حكم به العقل، نعم إذا أمكن تمييز أحد المالين عن الأخر بحسب الواقع و ان لم يمكن ذلك في مرحلة الظاهر كالتصاق أحد المالين بالآخر كما في الصبغ و نحوه أمكن للشارع أن يحكم بخلاف الشركة أو الشركة البدلية أو العينية، كما أنه هو الثابت في المثال المزبور، الا أن الأقوى عندنا وفاقا لصاحب «الجواهر» هو الأول من أن الحكم بكون المزج سببا عقليا ان لوحظ بالنسبة الى عدم تمييز أحد المالين عن الأخر، فهو مستقيم، الا أنه خارج عن حقيقة الشركة، لأنها عبارة عن نقصان سلطنة أحدهما في ماله من جهة مزاحمته بمال الأخر و ان لوحظ بالنسبة إلى المعنى المذكور.
فهو غير صحيح جدا لما عرفت من أن الحكم بحصول النقصان في السلطنة انما جاء من حكم الشارع.
و عليه فلا بد من إناطته بالدليل الشرعي، حيث أن المفروض بل المعلوم منه هو الدليل اللبي و هو الإجماع، فلا بد من الاقتصار فيه على المتيقن، و هو ما كان المزج اختياريا.
وفاقا لصاحب «الجواهر» بعد التنزل منه في المقام- فهل تفيد الشركة الواقعية مطلقا، أو الظاهرية مطلقا، أو يفصل بين ما كان اختياريا و بين ما كان اتفاقيا؟ وجوه و احتمالات، و الذي يستفاد من «الجواهر» في كتاب الغصب أولا بعد التنزل عن إنكاره السببية و قبوله لها: هو الفرق بين الأمرين، و هو التفصيل المذكور، الا أن الأقوى- وفاقا للأصحاب- هو الأول و بطلان الشركة الظاهرية في المقام.
أما على القول بكون الشركة الظاهرية مباينة للشركة الواقعية فواضح إذ لا وجه لتعين أحدهما من دون دليل تعينه في المقام.
و أما على القول بكون الشركة الظاهرية هو القدر المتيقن بناءا على رجوع النسبة بينهما إلى الأقل و الأكثر على تكلف، فلان الأخذ بالمتيقن في المقام انما يتعين إذا ترتبت عليه الثمرة الغير المترتبة على الأخر، و أما فيما لم تحصل هذه كما في مواقع الاشتباه الأبدي، فلا تعين له بل لا مسرح اليه، و المقام من هذا القبيل.
و لعله أوقع صاحب «الجواهر» في التنزل عن ذلك أيضا في آخر كلامه في باب الشركة، حيث ذكر أنه يمكن بعد القول بكون المزج القهري مفيدا للملك الواقعي على نحو المزج الاختياري أنه لا مانع من كونه جزءا للسبب، الا أنه ذكر بعد ذلك كلاما لا يخلو عن تهافت مع بعض الكلمات المتقدمة منه، فراجع.
فتلخص مما ذكرنا في المقامات الأربعة: أن المزج مما له مدخلية في حصول الشركة، لكن على نحو السببية الشرعية في الواقع لا في الظاهر، خلافا للإسكافي و لصاحب «الجواهر» في الثاني، و لشيخنا الأنصاري «قده» في الثالث و لصاحب «الجواهر»- أيضا- في الرابع بعد التنزل عما ذكره أولا، و قد عرفت أيضا من مطاوي كلماتنا أن ما أفاده شيخنا العلامة «قده» يتم بأمرين:
الأول: بقاء حقيقة المالين الممتزجين في الواقع و عدم انعدامها رأسا، بحيث وجد فيه فرد ثالث، بأن يبقى مادتها من دون تبدلها الى مهية ثالثة، و انما التبدل بالنسبة إلى الصورة النوعية.
و الثاني: بقاء جوهر الفرد في كل جزء، بحيث تقبل التجزئة إلى نصفين و بعبارة أخرى: بطلان تحقق الجزء الذي لا يتجزئ، إذ بعد تسليم هاتين المقدمتين لا جرم يحكم العقل بوقوع الشركة بينهما، و خالف جماعة في الأول، منهم الفاضل
المقداد في «التنقيح» حيث قال: في الممتزج مطلقا، سواء كان الامتزاج فيه بجنسه أو بغيره أنه انعدم الممتزجان و فنيا و حدث الفرد الثالث.
الا أن الأقوى خلافه، لوضوح بقاء مادتها بحالها، غاية الأمر أن التغيير انما وقع في الصورة النوعية مطلقا في الجنس و غيره. نعم، الفرق بينهما هو أن الانقلاب في الأول انما يكون بالنسبة إلى الفردين من جنس واحد و في الثاني بالنسبة إلى الفردين من جنسين.
و كذلك خالف صاحب «الجواهر» بعد تسليم بقاء المادة و عدم تحقق الانعدام رأسا أن التمييز انما يكون في الباطن الا أن الاشتباه إنما طرأ في مرحلة الظاهر، فيكون الممتزج نظير التصاق أحد المالين بالآخر، و لذا لا تكون الشركة إلا في الظاهر دون الباطن، كما أشرنا إليه، كما أن لازم كلام الفاضل المتقدم في «التنقيح» عدم تحقق الشركة في المقام أصلا، لا ظاهرا و لا واقعا، بل يحكم في المقام بتحقق الإتلاف و الغرامة، كما ستأتي الإشارة إليه بعد ذلك.
و على أي حال، فكلام صاحب «الجواهر» ككلامه لا يخلو عن وهن، بل الأقوى ما ذكره شيخنا الأنصاري «قده» في الأمر الأول من عدم تمييز أحد المالين عن الأخر واقعا مع بقاء مادتهما من دون فرق بين الجنس و غيره، نعم انما يختص ذلك بالمائعين و ما في حكمهما كالمدقوق و نحوه، فلا يجري في الحبوبات، كما لا يخفى على المنصف، و لكن هذا أيضا لا يجدي لما جزم به من الحكم بتحقق الشركة عقلا الا بعد إثبات الأمر الثاني.
و الظاهر أن المتحقق في محله عدم صحة مقالة من حكم بوقوع الجزء الغير المتجزئ، و عليه لا يكون الشركة شرعية. ثم على القول بكونها شرعية، فقد عرفت الخلاف في كونها واقعية أو ظاهرية، و قد أشرنا سابقا أن مفاده هي الشركة الظاهرية نظرا الى أن الدليل الدال عليها هو الإجماع و هو لبيّ يقتصر على القدر
المتيقن منه، فيكون الحكم فيه هو الصلح القهري و هو المعبر عنه بالشركة الظاهرية.
الا أن الأقوى- على ما يقتضيه التأمل عاجلا- خلافه لما أشرنا إليه سابقا من أن الالتزام بذلك انما يجدي فيما يترتب عليه ثمرة يعتد بها و هي منفية في المقام.
و بيان النسبة المتصورة بينهما من النسب الأربعة، فنقول:
أما الأول- أعني بيان تعريف كل منهما-: فالذي يستفاد من كلماتهم في تعريف المال أمران: أحدهما: هو ما ينتفع به أو ببدله، الثاني: ما يبذل في مقابلة العوض و أما الملك: فكلماتهم ساكتة عن تعريفه، غير أن المستفاد من كلام بعض الحكماء هو: أن الملك عبارة عن جهة نسبة العين مثلا الى صاحبها، و زاد بعض عليها كونها على نحو اختصاص أحدهما بالآخر، و فسره بعض بأن يكون اختصاص العين على نحو اباحة التصرف لصاحبها فيها كيف شاء و أي وجه يريد.
و أما الثاني: و هو بيان الفرق بينهما و النسبة المتصورة، فنقول: المعروف فيما بينهم كون النسبة على نحو العموم و الخصوص المطلق بأن كان الملك أعم و المال أخص، الا أنه قد يستفاد من شيخنا العلامة الأنصاري «قده» كون النسبة على نحو العموم و الخصوص من وجه، اما باعتبار العين في الملك دون في المال، فعليه يمكن افتراق الملك عنه في الحقوقات المالية، كحق الخيار و نحوه كافتراق المال عن الملك في نحو حبة حنطة. أو باعتبار أن جهة الاختصاص انما تزول بالمزج، فعليه أيضا يفترق الملك عن المال في نحو المقام.
و كيف ما كان فان تم ما أفاده «قده» تم الفرق المذكور و الا فلا.
كما إذا اختلط حقة حنطة جيدة لشخص ساوت قيمتها بدينارين بحقة حنطة أخرى ردية ساوت قيمتها بدينار، فهل يحكم بالغرامة و البدل، أو بالشركة؟ و على
الثاني فهل تلاحظ الشركة بنسبة المالين من حيث القيمة، فتحصل الشركة حينئذ على وجه التثليث، أو من حيث المقدار فيكون على وجه التنصيف. و على الأول، أعني الشركة بحسب المقدار، فهل يلزم الربا بناءا على عمومه لكل تبديل و معاوضة من غير اختصاصه بالبيع و لا بالمعاوضة الاختيارية أم لا؟
وجوه و احتمالات، يتوقف تنقيحها على تنقيح مفاد «على اليد» في أنه هل هو مسوق لبيان الحكم التكليفي فقط من وجوب الحفظ أو الرد- كما ذهب إليه النراقي في «عوائد» ه- أو أن مفاده هو الحكم الوضعي من الضمان- كما عليه المشهور- فعليه الغرامة في التلف الحقيقي و البدل في الحيلولة، و ملكية البدل في الأول مستقر و في الثاني متزلزل بزوال الحيلولة، و ان التلف الحكمي كالتصرف الملزم من بيع و نحوه في زمان الخيار ممن عليه الخيار، هل هو بمنزلة التلف الحقيقي، فلا يعود بعود تلك العين؟ أو بمنزلة الحيلولة و يعود بعودها الى من عليه الخيار بفسخ أو عقد جديد؟ أو زوال مانع كالاستيلاد حسب ما مضى تحقيق بعض تلك الفقرات مفصلا؟
و الكلام هنا ليس في ذلك، بل انما الغرض في بيان «على اليد». فالتحقيق أن يقال:
أن مفاده ليس هو التكليف فقط، و لا الضمان فقط، بل مدلوله أمر عام بسيط يختلف لازمه باختلاف الموارد، و ليس ذلك اختلافا في مدلوله بل الاختلاف في لوازمه باختلاف الحالات و الموارد، فلازمه مع بقاء العين هو وجوب الرد، و مع التلف الحقيقي الغرامة المقتضية للملكية المستقرة للبدل، و مع الحيلولة تزلزل الملكية للبدل، و كذلك مع التلف الحكمي.
و ذلك المعنى العام عبارة عن العهدة، فان لازمها وجوب الخروج عن العهدة برد نفس المأخوذ ان كان ممكنا، و الا فبالأقرب إليه مهما أمكن، و هذا هو
السر في لزوم الغرامة بالمثل في المثلي، و القيمة في القيمي، إذ ليس له دليل تعبدي بل هو لاقتضاء العهدة، الأقرب الى العين فالأقرب بقدر الإمكان.
فحينئذ لو فرضنا في مورد كان الأقرب الى العين شيئا آخر سوى المثل و القيمة كان هو المتعين في الخروج عن العهدة، فلو فرض المثل المعين الشخصي الخارجي أقرب الى المثل الكلي كان هو المتعين، فلا يصار إلى الكلي لعين ما هو ملاك في وجوب المثل في المثلي، و القيمة في القيمي، فيجب على الغارم المتلف دفع ذلك المعين الجزئي دون الكلي.
و من ذلك يظهر لك أنه لو قلنا: أن المزج إتلاف- كما يقول به الحلي- فلا تلزم الغرامة بالبدل الكلي، بل تتعين الغرامة من العين الممتزجة، و لازمه حصول الشركة في نفس العين، لأنها أقرب من المثل الكلي، و كذلك في الممتزج بالاردئ- حسب ما يجيء تفصيله- فهل الامتزاج حينئذ موجب للشركة في نفس العين بحسب المقدار أو تجب المالية، و هل يلزم الربا على الثاني أم لا؟
قد يقال بالأول، نظرا الى أن الشركة في العين مستلزمة للمبادلة و ملكية كل منهما لمال الأخر، فإذا كان الأجود منا يسوي دينارين و الاردأ منا يسوي دينارا، و قلنا بأن الغاصب للردي المازج بماله الجيد يملك الثلثين من مجموع المنين لزم الربا، فاللازم حينئذ هو الحكم بالشركة بحسب مقدار المالين لا بمقدار ماليتهما، و لذا اختار صاحب «الجواهر» في هذه المسألة، الشركة في القيمة لا في العين.
و يجري الإشكال في العكس أيضا، و هو المزج بماله الاردإ و لذا اختار في «الجواهر»- هنا- الشركة في العين مع أرش التفاوت و ان كان يرد عليه:
أن كلامه «قده» متفاوت في المسألتين، لكن كلاهما مبني على عدم الشركة بحسب المالية، بل اما في العين من حيث المقدار مع الأرش أو في القيمة كالمالين
المتلاصقين.
و كيف كان، دخول الربا في الشركة بحسب المالية يتوقف على أمرين:
أحدهما: أن الشركة العينية متضمنة للمبادلة و تشبه المعاوضة. و ثانيهما: عدم اختصاص الربا بالبيع، بل يجري لكل معاوضة اختيارية كانت أو قهرية.
و لكن اختار شيخنا الأستاذ حصول الشركة من حيث المالية، و الجواب عن الربا ما حققه في الشركة الحاصلة بالمزج من الإشاعة القهرية و حصول الانقلاب القهري في المالية و زوال الملكية، لأن لازمه عدم حصول معاوضة و مبادلة بين المالين أصلا، بل انما حصلت المالية الثالثة بسبب الانقلاب، لان هذه المالية الواحدة بعد الامتزاج و الإشاعة قائمة بمجموع الاجزاء و الماليتين الأوليين قائمتين بالممتازين.
بعبارة أخرى: قبل الامتزاج، المالية قائمة بموضوعين، و بعده تقدم بموضوع واحد، فلا بد من ملاحظة النسبة بين الماليتين الأوليين و الأخذ بهما في العين الممتزجة. فمالية الجيد المساوي لدينارين كانت قائمة بحقة واحدة و كانت المالية ممتازة كموضوعها و بعد المزج ليست ممتازة، بل هي قائمة بمجموع الاجزاء على وجه الإشاعة في ضمن المالية الواحدة الحاصلة للمجموع، فلم تحصل المبادلة بين المالين، بل انما اختلف معروض المالين، فعين المالية الأولى باقية بحالها الا أنها قبل الامتزاج كان لها مفروض و موضوع ممتاز و بعده مفروض آخر غير ممتاز، فلا ربا حينئذ أصلا.
و حيث عرفت ذلك فلنشرع في أصل المسألة الاولى من المسائل الخمسة- أعني المزج بالمساوي في الصفات المالية- و قد ذكرنا أن الاحتمالات خمسة، فينبغي بيان مداركها و ترجيح الأقوال بينها: أحدها- لزوم الغرامة من غير حصول الشركة: و ثانيها- الشركة في العين. و ثالثها- الشركة في القيمة- كما اختاره
في «الجواهر» في المزج بالأجود. و رابعها- تخيير المغبون أو المغصوب منه بين تغريم الغابن أو الغاصب بالمثل و القيمة و بين أن يشترك في العين أو في القيمة. و كل تلك الاحتمالات مشتركة بين المقام و الغصب. و خامسها- مختص بالمقام- أعني باب الخيار- و هو سقوط الخيار رأسا، ذكره في «المسالك» وجها في الاردإ و يجيء هنا أيضا لاتحاد المناط و المدرك.
وجه الأول: أن المزج إتلاف و إهلاك كالمزج بغير المجانس، فتجب الغرامة على المغبون على قواعد الإتلاف.
وجه الثاني: أن المزج ليس إتلافا بل هو كالمالين المتلاصقين غير ممتاز، و لكن المزج هنا سبب للشركة في العين عقلا أو شرعا، واقعا و ظاهرا على الخلاف.
وجه الثالث: أن المزج ليس إتلافا و لا سببا للشركة بل هو كالمالين المتلاصقين لا يمكن إفرازهما فتصير الشركة في القيمة لا في العين.
وجه الرابع: على ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في باب الغصب أنه مقتضى القاعدة على قياس سائر موارد اجتماع السببين المتزاحمين، فإنه إذا اجتمع هنا سببان من كون المزج إتلافا- كما عليه الحلي- و من أنه يصير سببا للشركة أيضا، فيتخير المغبون بين أيهما شاء، كما ذكروا فيما لو أتلف المبيع قبل القبض متلف فاجتمع حينئذ سببان:
أحدهما: التلف قبل القبض، و هو موجب للانفساخ و أخذ الثمن.
ثانيهما: الإتلاف، و هو موجب للغرامة و الأخذ بالبدل، فالمشتري مخير بين تغريم المتلف بالبدل و إبقاء البيع بحاله و بين الرجوع الى البائع بالثمن عملا بقاعدة التلف قبل القبض و المقام مثله بناءا على كون المزج إتلافا، فمن حيث أنه إتلاف، سبب للغرامة، و من حيث أنه مزج، سبب للشركة، فله إعمال أيهما
شاء مخيرا بينهما و كون سببية المزج للشركة عقلية، و سببية الإتلاف للغرامة شرعية لا يضر بعد ثبوته، لأن السببية الشرعية بعد ثبوته كالعقلية.
هذا، و لكن فيه ما لا يخفى، لان السببين هنا غير متزاحمين، إذ المزج و ان كان عنده إتلاف، الا أنه في المماثل المساوي يوجب الشركة لما اعترف «قده» من كون الغرامة في العين أقرب، فالغرامة أيضا سبب للشركة في العين فاتحد مقتضى السببين فأين التزاحم في البين؟!.
و لعل احتمال التخيير يصير أقوى في المزج بالاردئ لعدم أقربية العين، بل قاعدة الأقربية توجب البدل، و المزج يوجب الشركة فيتزاحم السببان، فيتخير بأخذ أيهما شاء.
و الوجه في الخامس: كون المزج إتلافا و ان التلف موجب لسقوط الخيار، و كيف كان، الأقوال عن تلك الاحتمالات قولان: أحدهما: قول الحلي حيث ذهب الى الاحتمال الأول من لزوم الغرامة. و ثانيهما: المشهور، أعني الاحتمال الثاني من الشركة في الغبن.
فاستدل الحلي: بأن المزج إتلاف و إهلاك للمال، إذ ليس إتلاف المال إلا عبارة عن إتلاف ماليته لا إعدام عنه لاستحالة طرو العدم على الوجود، و من المعلوم المالية الممتازة انعدمت بالمزج فالموجود مال آخر. و أورد عليه في «المسالك» بوجوه:
أحدها: منع كونه إتلافا لبقاء العين غاية الأمر يبدل وصفه بالامتزاج، فالقول بإتلافه إنكار للحس و الوجدان.
ثانيها: سلمنا أنه إتلاف لكن مقتضى الأقربية الغرامة من نفس العين الممتزجة لا من البدل الكلي المباين له، فالغرامة من العين عين الشركة.
ثالثها: ان ما ذكره الحلي مستلزم لما هو مخالف للإجماع، و هو أنه لو فرضنا
أن الغاصب غصب مال شخصين و مزجهما، فان لازمه صيرورة الغاصب مالكا للمالين لان المفروض ان مالهما قد تلف و وجب على الغاصب الغرامة فيملك العين، و يلزم كون الغصب مملكا في المزج، كما ذكر أبو حنيفة في مطلق الغصب.
رابعها: النقض بالمزج القهري، فإن المالين لشخصين لو تلفا بالمزج فما حال هذا المال، هل يبقى بلا مالك أو يدخل في المباحات، أو يبقى لملك مالكها على الشركة إذ ليس فيه غارم و غاصب حتى يقال: أنه يملك التالف بسبب الغرامة حذرا عن الجمع بين العوض و المعوض، فلا مناص فيه الا الشركة، فهو إلزام بسببية المزج للشركة في المزج القهري و كذلك في المزج الاختياري بالغصب أيضا لاتحاد المناط.
و خامسها: النقض في المزج في الغصب إذا غصب المال و امتزج بماله فهو على قاعدته سبب لإتلاف كلا المالين لا أحدهما فقط لأنهما على حد سواء، غاية الأمر تغريم الغاصب في مال المغصوب منه و في ماله لا غرامة، لأن الإنسان لا يغرم مال نفسه، فهل له أن يقول حينئذ بكونه بلا مالك فيكشف ذلك كله عن عدم كون المزج إتلافا بل هو موجب للشركة فقط لان بطلان اللازم يكشف عن بطلان الملزوم.
و أجاب شيخنا الأنصاري في كتاب الغصب- انتصارا للحلي- عن الأول بما بنى عليه الأمر في مسألة المزج من كونه موجبا لزوال الملكية و الاختصاص في كلا الطرفين، فإنه حينئذ سبب لتلف الملكية. لكن هنا شيء آخر لم يلتفت الحلي اليه و هو أن الملكية و ان كانت تالفة بالمزج الا أن المالية، باقية بحالها- كما مرّ بيانه- فمن هذه الجهة تحصل الشركة في المالية فالحلي لاحظ جانب الملكية فقط فزعم أن تلفها موجب لتلف المالية أيضا، فذهب إلى الغرامة. و المشهور لاحظوا جانب المالية، فزعموا عدم حصول التلف حتى في الملكية، فأوردوا
عليه بمنع التلف رأسا.
فيه: أن المزج موجب لتلف الملكية و الاختصاص قهرا و عليه مشى الحلي في جميع الفروع الخمسة، و الحاصل: أن العين مشتملة على جهات ثلاثة:
العينية، و المادة، و الملكية و المالية، فمنع كون المزج إتلافا حسن بالنسبة إلى الجهة الأول، بداهة أن جوهر العين و مادتها ليست قابلة للتلف، الا أنه بمجرده لا يجدي شيئا، لأن الغرامة و الضمان ليست دائرة مدار المادة، بل المناط فيه هو الملكية و المالية، و التلف يلاحظ فيها.
فحيث زعم الحلي تلازمهما و لم يلتفت الى التفكيك بين الملكية و المالية فبتلف الملكية تحصل الغرامة. و جوابه حينئذ: أن المالية باقية لا تالفة، فعلى المالية مدار الضمان لا على الملكية، فلا ضمان مع بقاء المالية، فتتعين الشركة في المالية.
و عن الثالث: بمنع بطلان التّالي، لجواز التزام كون الغاصب مالكا لها بعد فرض التلف و وجوب الغرامة، و الإيراد باستلزام كون الغصب مملكا، مدفوع بأن المملّك حينئذ هو الغرامة و دفع البدل لاستحالة الجمع بين العوض و المعوّض.
و النقض ببدل الحيلولة بالجمع بينه و بين المبدل في ملكه مدفوع: بأن البدل في الحيلولة بدل للسلطنة لا للعين فليس فيه جمعا بين العوض و المعوض.
و عن الرابع: بأنه ليس فيه متلف و لا غارم يملك المالين، فيبقى بينهما لأنه نماء مالهما، فبالمزج حصلت مالية جديدة من توابع المالين الأولين، فهو نماء لهما فيلتزم فيه بالشركة.
و من ذلك يظهر الحال في مزج الغاصب ماله بمال المغصوب و مزجه المالين المغصوبين و مزج المالكين ماليهما اختيارا و مزج كل منهما مال الأخر و مزج المالين قهرا.
و الحكم في كل ذلك عند الحلي هو الشركة على ما هو مقتضى قاعدة التلف و الإتلاف في بعضها، فلا يلزم كون الغصب مملكا- كما قال أبو حنيفة- بل سبب
هو الغرامة و استحالة الجمع بين البدل و المبدل و قاعدة النماد في بعض الأخر كل على حسبه.
و حاصل ردّ شيخنا العلامة الأنصاري «قده» على الحلي «قده» هو التفكيك بين الملكية و المالية بمنع كون المزج إتلافا للمالية لا عقلا و لا شرعا، بل انما هو سبب للشركة إما عقلا أو شرعا على الخلاف، و بعد تسليم كونه إتلافا للمالية منع تعيين الغرامة بالبدل الكلي بل انما هو بالعين الخارجية الممتزجة بقاعدة الأقربية فكما أن المزج سبب للشركة كذلك الغرامة المتشخّصة بالعين أيضا سبب للشركة.
و لكنّك خبير بعدم تعقّل التفكيك بين الملكيّة و المالية، إذ لو كانت المالية باقية على وجه الإشاعة، فكذلك الملكية أيضا باقية على وجه الإشاعة، فتكون العين الممتزجة ملكا و مالا لهما على الإشاعة و استحالة ملكية عين واحد لشخصين بأن يكون النسبة الاختصاصية حاصلة لهما معا ممنوعة إذا كان ذلك على وجه الإشاعة.
نعم يستحيل ذلك على وجه الاستقلال في المجموع على حد الملك الخالص الممتاز. فالتحقيق في الرد على الحلي هو منع كون المزج تلفا و إتلافا أصلا لا من حيث الملكية و لا من حيث المالية، لا تسليمه في الملكية دون المالية حتى تحصل الشركة بسبب بقاء المالية، أو تسليم كليهما بالمزج و المصير إلى الشركة بقاعدة الأقربية، فلا وجه لتسليم كونه تلفا و إتلافا مطلقا. و هذا هو الحق في الرد فلا تغفل.
و فيه أيضا احتمالات، أحدها: الغرامة. ثانيها: الشركة في العين بحسب المقدار مع أرش تفاوت الرداءة. ثالثها: الشركة فيها بحسب المالية. رابعها:
الشركة في القيمة كالمالين المتلاصقين. خامسها: التخيير بين التغريم بالبدل عملا بالإتلاف و بين الشركة في العين مع أرش التفاوت عملا بالمزج. سادسها:
سقوط الخيار رأسا. سابعها: الشركة في العين من دون الأرش كما عن «المسالك»
أنه ظاهر المحقق لكن كلامه لا يدل عليه بوجه، حيث قال: و يضمن فضل الجودة و فضل الرداءة.
و قد ظهر لك الوجه في تلك الاحتمالات في المسألة السابقة، فلا نعيد، و القول بالتخيير هنا منقول في باب الغصب عن جماعة، عملا بالسببين المتزاحمين، بخلاف المزج في المساوي حيث ليس التخيير فيه قولا من أحد لما ظهر لك الوجه في ذلك من عدم التزاحم بين السببين في المتساويين.
فقد ذهب الحلي إلى الغرامة في المزج مطلقا بناءا على اتحاد المقام و الغصب قولا و دليلا، و قواه شيخنا العلامة الأنصاري في باب الغصب، و لكن اختار «قده» الشركة في العين في المقام حيث قال «قده»: فان كان بالمساوي ثبت الشركة، الى آخره. و ان تردد في كيفية الأرش، حيث قال: و في استحقاقه لأرش النقص أو تفاوت الرداءة أو من ثمنه وجوه. و هذا ظاهر صاحب «الجواهر» هنا حيث أورد على «المسالك» في قوله بالشركة بأنه لم يذكر الأرش و لم يورد على أصل الشركة، فكأنه أمضاه، و انما أورد على عدم ذكره الأرش، و اختار «قده» الشركة في القيمة في باب الغصب. و كيف كان يتوجه على شيخنا العلامة «قده» أمران:
أحدهما: أنه لا وجه لترديده في جبر التفاوت بين الوجوه الثلاثة بل يتعين الأولان، فلا وجه لاحتمال الجبر من الثمن، لأن الشركة العينية اما بحسب المقدار، و لازمه جبر النقص من ذمته- و هو المسمى بالأرش- أو بحسب المالية و لازمه جبر النقص من العين الخارجية فلا يحتاج إلى أرش آخر، و تسميته أرشا لا تخلو من مسامحة لعدم إطلاق الأرش عليه في اصطلاحهم.
و أما الجبر بالثمن لا دليل عليه بوجه بناءا على كون المراد من الشركة، الشركة في العين. نعم لو كان المراد أعم من القيمة و العين مع أنه خلاف ظاهر العبارة فتدارك التفاوت بالثمن يرجع الى الشركة في القيمة، و الوجهين الأولين
إلى الشركة في العين، و لعل الترديد يصير قرينة على مراده و صارفة عما تقتضيه العبارة، فيندفع الإيراد حينئذ.
و ثانيهما: أن كلامه هنا مناقض لما اختاره في الغصب، حيث اختار في الغصب الغرامة و هنا الشركة مع أنه لا فرق بين المقامين في أن المدار على المزج فإنه لو كان إتلافا فيأتي في المقامين، و ان كان سببا للشركة فكذلك، فلا وجه للتفرقة.
هذا، و يتوجه على صاحب «الجواهر» أيضا أمران:
أحدهما: أن كلامه هنا مناقض لما في الغصب، حيث اختار هناك الشركة العينيّة مع الأرش و هنا اختار الشركة في القيمة مع اتحاد الموضوع لعدم الخصوصية للغصب في ذلك، و الحكم أيضا لأن الشركة بالمزج انما هو من نص أو إجماع- لو كان ثابتا في المقامين- و الخلاف هنا دون هناك تحكّم فلو لم يكن الدليل على الشركة بالمزج لكان كالمالين المتلاصقين، و المفروض أن المقامين سواء، موضوعا و حكما.
و ثانيهما: أنه اختار هنا في المزج بالأجود الشركة في القيمة لا في العين و لا فرق بينه و بين المزج بالاردئ، فلا بد من القول بالشركة اما في العين مطلقا أو في القيمة مطلقا.
الا أن يقال: أن مختار «الجواهر» هو الشركة في القيمة مطلقا، كالمالين المتلاصقين هنا و في باب الغصب، و إيراده «قده» على «المسالك» في الاردإ بعدم ذكره الأرش ليس امضاء لأصل الشركة، بل حاصل الإيراد اما أن يقول: الشركة في العين يجيء مع الأرش أيضا أو تقييدها بالقيمة، مع أن أصل الشركة في العين لا دليل عليه، فعلى هذا لا تهافت بين كلاميه أصلا، بل هذا هو الظاهر حيث قال «قده»: و ان وجدها ممتزجة ففي «الروضة» و «المسالك» أنه ان كان بالمساوي
أو الاردإ صار شريكا ان شاء. و ان كان بأجود: ففي سقوط خياره أو كونه شريكا بنسبة القيمة أو الرجوع الى الحكم القهري وجوه، و في ثانيهما: أن الثاني لا يخلو من وجه وجوه لبقاء ماله و أصالة بقاء الخيار.
و فيه: مضافا الى عدم ذكر الأرش أنه إذا فرض النقض بمزج الاردإ و عدم تقييد الشركة بنسبة القيمة أن الثاني هو الأقوى و أنه لا فرق بينه و بين المزج بالاردئ لكن على معنى الشركة في الثمن لا في العين للزوم الربا في الربوي بناءا على عمومه لكل معاوضة. انتهى.
و كيف كان فقد استدل شيخنا العلامة الأنصاري على مختاره من الغرامة و الضمان- في باب الغصب- بما اختاره الحلي «قده» من كون المزج سببا للإتلاف و الإهلاك، فتتعين الغرامة في الاردإ، و الشركة في المساوي و الأجود، لما ذكرنا من دوران الأمر مدار قاعدة الأقربية، فقد تقتضي الغرامة مع قاعدة الأقربية ذلك للشركة في العين، لأنها أقرب أنحاء التدارك، فهذا يتم في المساوي و الأجود دون الاردإ، بل تتعين فيه الغرامة بالبدل الكلي، لأن الرداءة توجب الابعدية عرفا، بخلاف الجودة حيث توجب الشركة في العين بحسب المالية، لاشتمال الغرض على بعض أجزاء ماله فالعين أقرب من المباين عرفا. و أما في المقام:
فقد اختار الشركة في العين فيرد عليه حينئذ: فما وجه مصيره هنا إلى الشركة بل يلزمه الحكم بالغرامة أيضا لاتحاد المناط و المدرك.
فيدفع مما عرفت من منع تسليم كون المزج إتلافا و إهلاكا فلا مناص (1)من
1) بأن يراد من الأول فرد من الرجل و من الثاني فرد آخر أو يراد من أحدهما في مكان و من الأخر في مكان آخر و هكذا بحسب الزمان و غيره، ضرورة أن الوحدة الجنسية كالوحدة الشخصية لا يقبل التعدد، فلا بد حينئذ من التقييد و التنويع بخلاف ما لو قلنا على التأكيد فلا يلزم منه التقييد و لا يكثر الوحدة الجنسية و لا تنوعه. (منه)
الشركة إما في القيمة أو في العين اما بحسب المقدار مع الأرش أو بحسب المالية على ما سيجيء إن شاء اللّه.
و لكن اختار بعض الفقهاء في شرحه- على «اللمعة»-: في العين بحسب المقدار من دون الأرش للزوم الربا، و لان خلط الجيد بالرديء لا يوجب الا تغيير صفة من أوصاف العين و هو تبدل الجودة بالرداءة، و الأوصاف لا يعتبر بنفسها فيها المالية و لا يوزع عليها المال، فاللازم حينئذ عدم كون الزيادة الوصفية الموجبة لزيادة القيمة كالهيئة الحاصلة بالصياغة و الصفة الحاصلة بالقصارة موجبة للشركة لأن الصفة ليست مالا بنفسها فتكون تابعة للعين، فلا فرق بين أن تجعل السبيكة خاتما أو يجعل الخاتم سبيكة، فإن الأول زيادة صفة و الثاني نقصانها، فكما أن زيادتها لا توجب الشركة كذلك نقصانها لا يوجب الأرش، خصوصا إذا كان النقص بفعل المأذون كالغابن، فإنه ليس غاصبا و لا ظالما في تصرفه، فلو قلنا في الغصب بلزوم الأرش فلا نقول به هنا، لعدم المقتضي له بعد فرض كون المزج موجبا لتغيير الصفة المحضة، لأن عين المال موجودة فتحصل الشركة. غاية الأمر تتغير الصفة بالمزج.
و لا عبرة بالصفات، لا في طرف الزيادة و لا في طرف النقيصة، فكما لا يوجب الأول الشركة كذلك لا يوجب الثاني الأرش.
هذا، قلت: قد عرفت أن المشهور حصول الشركة بالزيادة، و ان سبق منا الاشكال فيها و وجهنا كلام المشهور، و لذا منعها في «الجواهر» و اختار عدم الشركة، بخلاف المقام، فان مختاره الأرش بناءا على الشركة و لا ملازمة بين منع حصول الشركة في ازدياد الصفة المحضة و حصول الشركة في المزج بالجودة أو الرداءة.
و أما قوله: بحصول الشركة في المقدار من دون الأرش
فيدفعه: اما بما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أن الأوصاف المالية بحيث توجب زيادة قيمة الأعيان تكون عند الفقهاء أموالا و تترتب عليها عندهم آثار المالية، و استظهره من كلماتهم و فتاواهم.
منها: ما ذكروه هنا من وجوب الأرش على الغابن، أو بما يمكن أن يقال:
أن الغابن يجب عليه رد العين كما هي ان أمكن، و الا فإن تغيير صفة العين من الكمال الى النقصان وجب عليه تدارك الكمال اما حقيقة ان أمكن أو جبرا بالأرش لتدارك رد العين كما هي، فحيث لم يتمكن فمقتضى قاعدة الأقرب فالأقرب تدارك صفاتها بالأرش، كما هو واضح.
فالأقوى حينئذ وجوب الأرش بناءا على الشركة، الا أن الكلام في أصل الشركة هل هي في القيمة أو في العين؟ و تدارك الأرش من الخارج حتى تكون الشركة مقدارية، أو من العين تكون بحسب المالية؟
فنقول: مقتضى القاعدة العقلية المقتضية للشركة المبتنية على بطلان الجوهر الفرد هو الشركة العينية، الا أن تلك القاعدة غير مطردة لاختصاصها بالمائعات كالزيت و العسل و أمثالهما، و لا يتم في الحبوبات كالحنطة و الشعير و نحوهما، لان الاجزاء المنفصلة ممتازة فيهما واقعا بكل حبة من الحبات الممتزجة اما لذاك أو لذاك، و ليس بينها قطعا فيكون معينا واقعا و مرددا ظاهرا، فلا تجري الشركة القهرية العقلية في العين، فلا بد من الاستناد في الشركة في مزج الحبوبات الى دليل آخر مطرد، و ليس ذلك إلا الإجماع.
فإن قلنا: ان الإجماع انما هو على الشركة في الجملة أعم من العينية و الحكمية تعين ما ذكره في «الجواهر» من الشركة في القيمة لا في العين، لأنه القدر المتيقن.
الا أن الإنصاف أن الظاهر قيام الإجماع على كون المزج بنفسه سببا شرعيا للشركة كالإرث و غيره من الأسباب الشرعية الموجبة للنقل، لان الظاهر من
الشركة هي الشركة الواقعية و ليست إذا كانت الشركة في القيمة، لأنه يصير حينئذ كالمالين المتلاصقين، ففي الحبوبات يحكم بالشركة الواقعية بالإجماع، و في المائعات بالقاعدة العقلية المذكورة مطابقة للإجماع على سببية المزج مطلقا للشركة الواقعية.
و أما كون الشركة بحسب المقدار مع تدارك الأرش من الخارج أو بحسب المالية بكون الأرش من العين فيه اشكال.
و قد يستدل على الثاني تارة: بكون المزج موجبا للغرامة و كونها من العين أقرب كما في صورة المزج بالمساوي و الأجود. و أخرى: بظهور الإجماع بالشركة بحسب المالية. و ثالثة: بدعوى استهلاك المالين و انقلابهما الى مال ثالث كالمهيتين المنقلبتين بالامتزاج إلى ماهية ثالثة كالسكنجبين.
و في كل الثلاثة نظر، لابتناء الأول على كون المزج إتلافا، و قد عرفت ضعفه، و ان سبب الشركة ليس هو الغرامة بل نفس الإجماع، و لمنع استظهار الإجماع، بل قد يدعى الإجماع على أن الشركة بحسب المقدار، و لذا قالوا بالأرش لأن الشركة في المالية لا تحتاج إلى أرش لظهور الأرش في التدارك من الخارج لا التدارك من نفس العين، كما لا يخفى. و لمنع الاستهلاك، بل عين المال موجودة بعد الامتزاج كوجودها قبله، غاية الأمر حصول الشركة بالامتزاج اما عقلا أو شرعا حسب اختلاف المال في المائعات و الحبوبات.
فالمتعيّن هو الشركة في العين بحسب المقدار لأنه مقتضى القاعدة المقتضية لكون كل جزء بينهما مع الأرش، لأنه مقتضى تدارك رد العين كما هي.
و لكن الإشكال حينئذ في لزوم الربا فإنه لو لم نقل بالانقلاب و الاستهلاك و حصول الشركة بحسب المالية فلا يلزم الربا حينئذ، و لكن حيث عرفت بطلان القول بالانقلاب، فالمتعين هو الشركة بحسب المقدار و الأرش و أنه موجب للربا
لا محالة و لا مدفع له الا بأن يقال: أن الأرش من قبيل الغرامة، و الغرامات لا يدخلها الربا لاختصاصها بالمعاوضات، و الغرامة ليست منها، فوجه كونه غرامة ما عرفت من وجوب ردّ العين كما هي على الغابن فحيث اختلط الجيد برديه فقد فاتت عن المغبون صفة الجودة، فيجب تداركها و بذل تفاوت الجودة و الرداءة تداركا و تحصيلا لرد العين كما هي.
و الاحتمالات المتصورة فيه- كما ذكر سابقا و كذلك الأقوال فيه في باب الغصب-: أربعة، ففي المقام بعد بطلان كون المزج إتلافا قول بالشركة في القيمة كما في «الجواهر». و قول بالشركة في العين من دون الأرش لانتفاء موضوعه لعدم وجوب الغرامة على المغبون، لأنه ليس مكلفا برد العين بل المكلف هو الغابن، و أما كون الشركة في العين بحسب المقدار أو المالية مبني على أن الأوصاف المالية تلاحظ أموالا بالاستقلال.
فلازمه ملاحظة النسبة بينهما بحسب المالية أم لا؟ فلازمه بحسب المقدار إذ لم يحصل بالمزج الا اختلاف صفة من أوصاف مال المغبون تبدّل ردائته بالجودة، و هو عائدة حصل له في ماله و لو كان بسبب فعل الغابن، و ليس عليه شيء في ذلك.
و قد عرفت أن الأقوى عدم كون الصفات و الهيئات من الأموال، فالمختار هو الثاني، أعني الشركة بحسب المقدار، لا الأول، أعني الشركة بحسب المالية فالفرق بين المزج بالاردئ و الأجود بعد اشتراكهما في أن الشركة في كليهما بحسب المقدار هو وجوب الأرش على الغابن في الأول، و عدم وجوبه على المغبون في الثاني.
و من ذلك كله يظهر لك حكم فرع آخر، و هو لو اختلط مالان من الشخصين- كمنين من الحنطة كان من منهما لواحد و الأخر لآخر، و كان أحدهما أجود و قيمته
أكثر- اختلاطا اختياريا منهما أو اتفاقيا فلا نشك في حصول الشركة اما في القيمة أو في العين، و على الثاني اما بحسب المالية أو بحسب المقدار، فقد عرفت أن الأقوى و الأقرب بمقتضى القواعد هو الأخير.
و كان على وجه الاستهلاك عرفا كامتزاج ماء الورد بالزيت.
و «المسألة الخامسة»: فيما لو مزجه بغير المجانس لا على وجه الاستهلاك كامتزاج الخل بالانگبين: ففرق شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في حكم المسألتين حيث قسم المزج بغير المجانس على قسمين، أعني صورة الاستهلاك كالأولى و عدمه كالثانية فحكم في الأول على الرجوع الى القيمة لأنه كالتالف، و في الثاني وجهان من حصول الشركة قهرا، لان الممزوج حقيقة مبدأه من مالهما، فكأن مالهما انقلب شيئا واحدا فهو نتاج مالهما فلا بد من كونهما فيه سواء على وجه الاشتراك، و من كونه كالمعدومة فيرجع الى القيمة.
و لكن كلماتهم خالية عن هذا التقسيم رأسا. فالمشهور على أن المزج بغير الجنس في حكم التلف مطلقا، و العلامة «قده» على الشركة مطلقا و استوجهها في «المسالك» و لم يفصل بين القسمين، و لعل نظر شيخنا العلامة «قده» الى أن القسم الأول خارج عن محل النزاع، فالعلامة أيضا يقول بالتلف هناك موافقا لغيرهم و انما الخلاف في القسم الثاني.
فيه: ان الاستهلاك ان أريد به عقلا فممنوع مطلقا، و ان أريد به عرفا فحاصل فيهما معا، فلا وجه للفرق، فلا بد من القول بالشركة في المسألتين نظرا الى الامتزاج أو بالتلف مطلقا في كليهما نظرا الى صدق الهلاك و التلف، فالمتعين أن حكم القسمين أحد الوجهين من غير التفاوت.
فنقول: قد يقال بالشركة نظرا الى حصول سببهما و هو المزج المجمع على
كونه سببا للشركة و لا ينافيه اتفاقهم على اشتراط اتحاد الجنس في المزج الموجب للشركة، لأنه انما هو من جهة ارتفاع التميز فهو لإخراج المختلفين الممتازين كالحبوبات المختلفة الجنس لا مطلق المختلفين و ان لم يتمايزا كالخل و الانگبين.
فاتحاد الجنس في كلماتهم عبارة عن ارتفاع التميز سواء كانا متجانسين أو مختلفين كالمايعات المختلفة الجنس. و يدل على هذا اتفاقهم على الشركة بغير الجنس إذا كانا لمالكين و مزجاهما اختيارا.
هذا و لكن الظاهر أنه لا وجه لهذا الحمل، و اتفاقهم ممنوع بل اشتراط اتحاد الجنس في المزج الموجب للشركة باق على ظاهره و ان كلماتهم في ما نحن فيه أيضا متفقة على عدم الشركة و كونه بحكم التالف خلافا للعلامة «قده» فالأقوى حينئذ هو قول المشهور، لان المزج بغير الجنس سبب للتلف عرفا، و الموجود بعد المزج طبيعة أخرى ثالثة، فالعين و ان كانت باقية عقلا الا أنها هالكة عرفا فتتعين، و من ذلك يندفع ما ذكره في «المسالك» وجها للشركة من التعليل ببقاء عين ماله، فلا وجه لسقوط حقه من العين.
وجه الاندفاع: أن تبدل الحقيقة و تغيرها مانع عن صدق البقاء عرفا و ان كان موجودا عقلا، و المدار على العرف لا على العقل في أمثال المقام، فيجب على الغابن حينئذ دفع القيمة.
هذا تمام الكلام في تصرف الغابن بالامتزاج.
لو تصرف الغابن بالتصرف المغير الموجب للنقيصة، فالنقص ان كان في العين فهو داخل في تلف البعض، و سيجيء حكمه في أقسام التلف، و
فعن «الروضة»: أنه أخذها مجانا، و عن شيخنا العلامة الأنصاري
ان كان النقص موجبا للأرش و هو التفاوت بين الصحيح و المعيب أخذها مع الأرش و أما نقص سائر الصفات المالية ما عدا وصف الصحة كالكتابة و الخياطة مثلا، فلا يجب فيه شيء سوى رد العين فيأخذها مجانا.
و لكن الأقوى وجوب الأرش مطلقا سواء كان النقص وصف الصحة أو غيرها من الصفات المالية، كما هو الحال في الغاصب لمكان وجوب رد العين على الغابن كما هي، فعليه تدارك الصفات المالية تحصيلا لرد العين على الوجه الأقرب.
بأن استوفى الغابن منفعة العين: فلا إشكال بالنسبة الى ما قبل الفسخ ان المنافع التي استوفاها الغابن حق له فهو له من غير وجوب تدارك شيء عليه، و أما بالنسبة الى ما بعد الفسخ كما لو استأجر العين مدة ففسخ المغبون في أثناء المدة، فيحتمل وجوب الصبر الى انقضاء المدة لأنه بمنزلة الاستيفاء، و المنافع المستوفاة لا تعود، و يحتمل انفساخ الإجارة في بقية المدة لكونها متزلزلة كنفس العين، و المدرك لذلك هو أن اتحاد السبب الشرعي لاستيفاء المنفعة هل هو بمنزلة استيفاء نفس المنفعة أم لا؟ و قد تقدم الكلام فيه و أن الأقوى لزوم الإجارة تنزيلا له بمنزلة السبب العقلي، و ان نوقش فيما تقدم أيضا فتدبر. هذا كله في تصرفات الغابن و أحكامها.
أما أحكام التلف: فنقول:
قد يكون في الكل و قد يكون في الجزء، فاما أن يحصل في ما عند الغابن أو عند المغبون. و لا يخفى أن الكلام هنا مبني على عدم سقوط الخيار بالتلف كما هو المشهور، سواء كان عند الغابن أو المغبون لو كان التلف بآفة سماوية أو بإتلاف الأجنبي أو نفسه إذا كان قبل العلم، إذ لو كان بعده فهو مسقط للخيار لدلالته على الالتزام بالعقد. و الحاصل: أن الكلام انما هو في مورد ليس التلف مسقطا
للخيار، فنقول:
فسيجيء الكلام فيه، و تلف الكل: اما أن يكون بآفة سماوية أو بإتلاف نفسه أو صاحبه أو الأجنبي، فهذه أربعة صور، و كل ذلك اما عند الغابن أو عند المغبون، فلنتكلم أولا في أقسام تلف ما عند الغابن، فان كان بآفة سماوية أو بإتلاف نفسه، فبعد البناء على عدم سقوط خيار المغبون يجب على الغابن رد القيمة و لا اشكال فيه، و انما الكلام في أنه هل يجب عليه قيمة يوم التلف على قياس الغصب أو قيمة يوم الفسخ أو قيمة يوم المطالبة؟ وجوه:
وجه الأول: أن يوم التلف يوم يقوم البدل فيه مقام العين.
وجه الثاني: أن يوم الفسخ يوم التكليف و وجوب الرد.
وجه الثالث: أن التكليف برد البدل يوم الفسخ ليس تكليفا منجزا فعليا فالعبرة بزمان تنجيز التكليف.
و خير الوجوه أوسطها لأنه يوم اشتغال الذمة بالبدل، فيجب عليه رد البدل، غاية الأمر ليس فوريا، فمناط الفورية انما هو بالمطالبة، إنما العبرة بزمان التكليف و الاشتغال و هو ليس في المقام الا يوم الفسخ. و أما في الغصب فالعبرة انما هو يوم التلف، لأنه أيضا يوم الاشتغال، فالمدار في المقامين على التكليف بالبدل، فيختلف الحال في المقامين.
و ان كان التلف بإتلاف الأجنبي: فلا إشكال في أنه يضمن للغابن قيمة يوم التلف على قياس الغصب، و أما ضمان الغابن قيمته للمغبون، ففيه الوجوه السابقة، و الأقوى حسبما عرفت، رد قيمة يوم الفسخ. و هل المطالب بالبدل عن الأجنبي هو المغبون فيرجع عليه ابتداء، أو ليس له الرجوع اليه بل يرجع الى الغابن و هو يرجع الى الأجنبي أو يتخيّر المغبون بين الرجوع الى أيهما شاء كما في تعاقب الأيادي؟ وجوه
وجه الثاني: أن الأجنبي أتلف مال الغابن فهو ضامن له فيملك قيمته على المتلف و المغبون على الغابن يوم الفسخ على أحد الوجوه و اليه يرد العوض فيؤخذ منه المعوض و لا ربط للمغبون مع الأجنبي.
وجه الثالث: أن هناك سببين للتضمين، أحدهما: اليد، و الأخر: الإتلاف، فالمغبون يتخير عملا بالسببين كما في تعاقب الأيادي.
و أما وجه الأول أمران، أحدهما: قاعدة البدلية، بأن ما استقر في ذمة الأجنبي بدل للتالف فيتعلق حق المغبون به ابتداء و فيه لحق البدلية و لذا يكون بدل الوقف وقفا و بدل الرهن رهنا.
و ثانيهما: أن نفس المال التالف في ذمة المتلف و لم يسقط عن عهدته فما لم يدفع العوض كان عين التالف باقية في ذمته، غاية الأمر تبدل وجوده الخارجي بوجوده الاعتباري فيرجع المغبون عليه كما يرجع اليه لو كان عين المال موجودة في يده.
و لذلك قال في «الشرائع»: يجوز المصالحة على المتلف بما لو صالح له على قيمته لزم الربا، و العلامة «قده»: لو صالحه على نفس المتلف بأقل قيمته لم يلزم الربا، فالمصالحة على نفس المتلف يكشف عن أنه نفسه شيء موجود و ليس معدوما صرفا حتى تكون الذمة ابتداء مشغولة بالقيمة.
و فيه: ما لا يخفى من الضعف، لأن الذمة و العهدة لا معنى لها الا فيما يكون قابلًا للالتزام بالأداء و التالف ليس قابلًا لتعلق الالتزام و التكليف به و لا بشيء من الأحكام الشرعية و العقلية لأنه معدوم، فالتزام به التزام بالمحال، فلا جرم تتعلق الذمة بالبدل، لأنه هو القابل للالتزام و التعهد، فلا معنى لكون التالف في الذمة، فالأولى هو الوجه الأول.
و لو كان المتلف نفس المغبون: فان لم يفسخ العقد غرم للغابن البدل،
و ان فسخ غرم له أيضا قيمته يوم التلف و غرم الغابن للمغبون قيمته يوم الفسخ على أقوى الوجوه المذكورة، و ان أبرأه الغابن من البدل ثم ظهر الغبن ففسخ المغبون، أخذ قيمته من الغابن و لا يرجع عليه ببدل ما أتلفه، لان إبرائه له بمنزلة قبضه لبدل التالف، فليس عليه شيء آخر سوى رد العوض. ثم ان تلف البعض كتلف الكل، فيجب فيه الغرامة قيمة يوم التلف أو الفسخ أو المطالب على الخلاف.
هذا كله في تلف ما عند الغابن، و لو تلف ما عند المغبون، فتجري فيه الأقسام الأربعة المتقدمة، و يظهر حكم الجميع بالمقايسة، بأن لو تلف بآفة سماوية أو أتلفه المغبون قبل ظهور الغبن ففسخ بعده، غرم للغابن قيمته يوم التلف أو الفسخ أو المطالبة على ما مر.
و ان أتلفه الأجنبي فطرأ الفسخ، غرم للمغبون قيمة يوم التلف و غرم هو للغابن قيمة يوم الفسخ، على أقوى الوجوه، و في رجوع الغابن إلى الأجنبي أو اليه أو التخيير- حسبما مرّ- وجوه.
و أن أتلفه الغابن غرم للمغبون يوم التلف و هو يغرم للغابن اما يوم التلف أو يوم الفسخ أو المطالبة على الوجوه، و ان أبرأه المغبون قبل الفسخ ثم ظهر الغبن ففسخ وجب عليه رد القيمة على الغابن لمنزلة أبرئه منزلة ما في يده و قبضه، هذا تمام الكلام في التلف.
هل يختص خيار الغبن بالبيع أو يعم كل معاوضة مالية حتى الصلح، أو يعمها و شبه المعاوضة كالنكاح، أو يعم لما عداها و ما عدا الصلح من سائر المعاوضات كالإجارة؟ وجوه، و المحكي عن جماعة التصريح بالعموم كالفخر و صاحب
«التنقيح» و صاحب «إيضاح النافع» و المحقق الثاني في الإجارة. و الكلام يقع تارة فيما عدا الصلح من المعاوضات المالية و أخرى فيما يشبه المعاوضة و ثالثة في الصلح.
أما الأول: فالظاهر هو العموم لعموم المدرك و هو حديث «لا ضرر» و لا ينافيه عدم تعرض جماعة، لأن المتبع هو الدليل مضافا الى أنه لا يدل على الاختصاص و عدم العموم بل لعل تركهم له ثقة لوضوح الحال مضافا الى كفاية تصريح المحققين بالعموم كما عرفت.
و أما الثاني: فالأصح الأقوى العدم، لاختصاص الدليل بالمعاوضات لعدم تحقق موضوعه الا فيها مضافا الى عدم تطرق الخيار في النكاح إلا في الموارد المنصوصة، و قد يمثل لشبه المعاوضة بالهبة المعوضة و هو مبني على كونها عبارة عما اشترط فيه العوض.
لكنه باطل جدا لان المناط في الهبة المعوضة فعلية التعويض لا اشتراط العوض فكل هبة عقبت بالعوض، أي بهبة أخرى عوضا عنها فهي معوضة سواء اشترط العوض أم لا، فتكون حينئذ لازمة و كل ما لم يتعقبها هبة أخرى جزاء لها فهي غير معوضة و تكون جائزة، و ان اشترط العوض فحينئذ الهبة المعوضة ليست معاوضة و لا شبه معاوضة لأنهما هبتان مستقلتان لا ربط لإحداهما بالأخرى، بمعنى أن المال المتهب لا عوض له و لم يلاحظ التقابل و المعاوضة بين المالين، بل التقابل انما لوحظ في الانشائين، بأن كان أحد الانشائين جزاء للآخر.
و أما الصلح، ففيه وجوه:
أحدها: ما حكي عن «المهذب البارع» من عدم جريانه فيه لكون الغرض الأصلي فيه قطع المنازعة، فالخيار و الفسخ ينافيه، و هو كما ترى بإطلاقه ممنوع.
ثانيهما: ما عن «غاية المرام» من التفصيل بين الصلح الواقع على وجه المعاوضة
فيجري فيه، و بين الواقع على إسقاط الدعوى قبل ثبوتها، ثم ظهر حقية ما يدّعيه و كان مغبونا فيما صالح به و الواقع على ما في الذمم و كان مجهولا ثم ظهر بعد الصلح الغبن، على تأمل.
أقول: أما الصلح على إسقاط فينبغي الجزم بعدم جريان الخيار فيه لأن في تطرق الخيار فيه يؤدي الى نقض الغرض و هو قطع الدعوى. و أما الصلح على المجهول في الذمة: فإن كان ابتدائيا غير مسبوق بالدعوى و التنازع فهو باطل للغرر، و ان كان في مورد النزاع فيصح الصلح فيه ظاهرا من دون خيار، للزوم نقض الغرض. نعم مع علم المدعى عليه بمقدار الحق و وقع الصلح بأقل منه بحيث علم عدم رضا صاحبه به لو كان عالما لم يصح باطنا و لكن يجب عليه ترتيب الأثر في الظاهر كما في اليمين الكاذبة.
ثالثها: التفصيل بين العقد الواقع على وجه المسامحة و كان الاقدام فيه مبنيا على عدم الاعتناء بالنقيصة و الزيادة فلا تغابن فيه حينئذ و لا خيار صلحا كان أو غيره، لعدم صدق اسم الغبن، و بين غيره فيصدق فيه اسم الغبن و الخيار.
فيه: أن المناط الضرر و هو يجيء و ان لم يصدق التغابن و ليس موضوع الدليل اسم الغبن في شيء، نعم يمكن أن يوجّه أن الاقدام في صورة التسامح رافع لحكم الضرر فلا خيار مع الاقدام على الضرر لان مبني المعاملة على رفع اليد كائنا ما كان زاد أو نقص و يكون حكمه حكم العلم بالغبن في سقوط الخيار لمكان الاقدام، و أما الصلح المعاوض في مورد قيامه مقام البيع فهو حكمه في جريان الغبن و الخيار. فظهر مما ذكر أنه لا إشكال في شيء من أقسام الصلح.
و قد وقع الخلاف في أربع مواضع: الغبن، و الرؤية، و التأخير، و العيب. و المشهور
في الأولين: على الفور، و في الأخيرين: التراخي، فإن كان المدرك في الخيار هو قاعدة لا ضرر، فالخيار على الفور لاندفاع الضرر، و ان كان النص، فهو على التراخي لإطلاق النص، و حيث أن الغبن و الرؤية من جهة نفي الضرر، صار المشهور على الفور، و التأخير و العيب من جهة النص، صاروا على التراخي، و لو كان المدرك في الغبن أخبار التلقي اتجه التراخي، و لكن استناده إليها ضعيف عندهم حسبما عرفت في محله.
و كيف كان، فيستدل على الفورية تارة بأصالة اللزوم و الاقتصار في الخيار على القدر المتيقن، و بأصالة العموم أخرى، و هو عموم الآية الشريفة، و للزوم الضرر بالتراخي على من عليه الخيار ثالثة، و قد يستدل على الترخي باستصحاب بقاء الخيار، لان المرجع استصحاب حكم المخصص لا العام كما هو الحال في تعارض العام مع استصحاب حكم المخصص. و حكي عن السيد الطباطبائي تقديم الاستصحاب و تخصيص العام به.
و لكن تحقيق القول في ذلك حسبما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» أنه لا تعارض بين العام و استصحاب حكم المخصص، بل اما أن يكون المورد مجرى العام فقط فلا مجرى للاستصحاب أصلا و لو فرض سقوط العموم، أو يكون مجرى الاستصحاب فقط و لا مسرح للعام أصلا و لو فرض عدم جريان الاستصحاب.
و ذلك لان الزمان أما أن يكون ملحوظا فردا للعام بأن يكون كل جزء من الزمان ملحوظا على وجه القيدية فيكون كل جزء من الزمان فردا مستقلا للعام أو على وجه الظرفية بأن يكون جميع الأزمنة على وجه الاستمرار فردا واحدا للعام.
فمثال الأول: (أكرم زيدا كل يوم) فلا مسرح الا للعام لأنه إذا خرج زيد في يوم الجمعة مثلا عن تحت العام و شك في اليوم الأخر، فهذا الشك انما هو في التخصيص، و الأصل عدم التخصيص، و يتمسك بالعموم يقينا و لا مسرح للاستصحاب لتعدد الموضوع، بل و ان لم يكن عاما فلا معنى لإجراء حكم موضوع على موضوع
الأخر، لأنه قياس لا استصحاب.
و مثال الثاني، ما لو قال: (أكرم العلماء) و فرض إكرام كل عالم أمر مستمر باستمرار الزمان، فاذا خرج بعض أفراده في برهة من الزمان، كأن قال: (في يوم الجمعة- مثلا- لا تكرم زيدا العالم) و شك في الزمان الثاني، فلا مسرح للعام لان الشك ليس في التخصيص الزائد لأن العام لا نظر له إلى الأزمان، فإذا خرج الفرد عن تحت العام فقد انقطع حكم العام عنه لأنه موضوع واحد خرج تحته، غاية الأمر شك في بقاء حكم المخصص و زواله، فيتمحض المورد للاستصحاب بل لو لم يكن الاستصحاب لما نحكم بحكم العام أيضا لأن دخوله تحته بعد خروجه يحتاج الى الدليل، فالمرجع سائر الأصول و القواعد.
و من ذلك يظهر لك أن التمسك بالعموم لفورية الخيار مبني على أخذ الزمان قيدا لعموم (أَوْفُوا). فيكون العقد في كل زمان فردا مستقلا محكوما بوجوب الوفاء، فوجوب الوفاء حينئذ بالعقد تكليفات متعددة حسب تعدد الزمان.
المنهي أثبت المحقق الثاني.
فيه: منع واضح كما أفاد شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أنه مأخوذ ظرفا، و أما التمسك بالتراخي باستصحاب الخيار مبني على اعتبار حجية الاستصحاب في الشك في المقتضي، و هي ممنوعة على التحقيق المختار عنده «قده» أيضا، فلا بد من الرجوع الى سائر الأصول و هو في المقام استصحاب الملكية لأن زوالها بالفسخ في ثاني الزمان مشكوك فتستصحب، و عليه يتم ما ذهب اليه المشهور من الفورية.
نعم، لو جرى استصحاب الخيار بناءا على حجيته في الشك في المقتضي كان حاكما على استصحاب الملكية، و أما بناءا على المختار من انحصار مورده في الشك في التراخي: ينهض استصحاب الملكية قائماً من دون الأصل المزيل الحاكم عليه.
و مما ذكرنا يظهر لك ما في «الجواهر» ردا على الاستدلال بالفورية، أما
على أصالة اللزوم و الاقتصار على القدر المتيقن: بمنع القدر المتيقن، لقيام الدليل على ما زاد عن الفورية و هو استصحاب الخيار.
أما عن العموم بأن دلالة «أَوْفُوا» بالنسبة إلى الأزمنة على وجه الإطلاق لا العموم و مرجعه الى أن الزمان ليس مفردا للعام فلا عموم من حيث الزمان بل هو ظرف محض، فيكون إطلاقا لا عموما لابتناء مرجعية استصحاب اللزوم، بمعنى استصحاب أثر العقد عند الشك في المزيل عند المستدل على عدم جريان استصحاب الخيار للشك في المقتضي، و الا كان حاكما عليه.
و أما العموم، فصحة الاستدلال به و عدمها مبني على تشخيص الصغرى من أن الزمان مفرّد أو ظرف، و انما اللازم عليه تشخيص ذلك و إثبات أخذ الزمان على سبيل الظرف حتى يتم مرامه.
و ظاهر كلام بعض مشايخنا في حاشيته على «اللمعة» هو الأول، أعني كون الزمان مفرّدا للعام حيث قال على ما هو المحكي في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري:
و المسألة مبنيّة على أن لزوم العقد معناه أن أثر العقد مستمر الى يوم القيامة و أن عموم الوفاء بالعقد عموم زماني للقطع بأن ليس المراد بالاية الوفاء بالعقود آنا ما بل على الدوام، و قد فهم المشهور منها ذلك، باعتبار أن الوفاء بها العمل بمقتضاها.
و لا ريب أن مفاده عرفا بحسب قصد المتعاقدين الدوام فاذا أدلّ دليل على ثبوت خيار من «لا ضرر» أو إجماع أو نص في الماضي أو مطلقا بناءا على الإهمال لا لإطلاق في الخيار فيكون استثناء من ذلك العام و يبقى العام على عمومه كاستثناء أيام الإقامة و نحوها من حكم السفر و أن اللزوم ليس كالعموم، و انما يثبت ملكا سابقا و يبقى حكمه مستصحبا الى المزيل فيكون المعارضة بين الاستصحابين، و الثاني وارد على الأول فيقدم عليه، و الأول أقوى لأن حدوث الحادث مع زوال
عليّته السابقة يقضي بعدم اعتبار السابق اما مع بقائها فلا يلغوا اعتبار السابق، انتهى.
ما ذكره من المبنى بعينه ما ذكرنا من كون الزمان مفرّدا أو ظرفا، فمراده بقوله في الشق الأول: (أن أثر العقد مستمر الى يوم القيامة) هو الاستمرار على وجه العموم، فيكون المراد أن أثر العقد ثابت و العقد لازم في كل زمان، و ليس مراده مجرد الاستمرار مع كون الزمان ظرفا، و حينئذ فلا يرد عليه ما أورده في الكتاب من كونه مما لا محصّل له. و لا ما ذكره أيضا من كون ما ذكره وجها للرجوع الى العموم بطرح العموم و الرجوع الى الاستصحاب، و يمكن إرجاع كلامه الى ما سنذكره من الوجه أيضا كما يشهد به قوله (لان حدوث الحادث).
و كيف كان فالنزاع يرجع الى أن الزمان مفرّد للعام أو ظرف محض، و ظاهر الكلام المزبور جعله مفردا لا ظرفا، الا أنه خلاف الإنصاف لأن عموم «أَوْفُوا» أفرادي لا أزماني فلا دلالة له على وجوب الوفاء بالعقد في كل آن و زمان، بحيث يكون العقد في كل جزء من الزمان ملحوظا فردا مستقلا.
و عموم الإفراد و ان استتبع عموم الأزمان كما ذكره «جامع المقاصد» الا أنه لا ينفع في الرجوع الى العام في الزمان الثاني بعد خروجه عنه في الزمان الأول لأن دلالته عليه لا يزيد على الإطلاق و هو مساوق لكون الزمان ظرفا فلا نظر للعام الى العقد في الزمان الثاني، بل ساكت عن حكمه بالمرة، فالمرجع هو الأصل.
اما استصحاب الخيار كما في «الجواهر» أو أصالة اللزوم بمعنى استصحاب بقاء أثر العقد أو استصحاب الملكية.
هذا، و هنا وجه آخر لإثبات اللزوم و الفورية و العمل بالعموم، و ان لم يكن من باب أصالة العموم المصطلح، و يمكن حمل من قال بالعموم- كالمحقق الثاني- إليه أيضا، و هو أن المقتضي للزوم موجود و المانع مفقود، أما المقتضي فهو العقد، لاتفاق الكل على أصالة اللزوم فيه سواء قلنا ان الزمان مفرّد أو ظرف
لعموم العام، و أما فقد المانع: فلان المانع عن اللزوم هو لزوم الضرر على المغبون و هو يندفع بثبوت الخيار له على الفور، إذ لو لم يفسخ بعده فهو الذي أقدم على ضرر نفسه فلا مقتضى لثبوت الخيار في الزمان الثاني، لأن الضرورات تتقدر بقدرها فيؤثر العقد بعد ارتفاع المانع أثره.
فإن قلت: ان حدوث الضرر مانع عن اللزوم و بقائه ليس شرطا في الخيار بل بمجرد الضرر حصل الخيار في العقد دائما فصار خياريا.
قلت: بعد فرض كون العقد مقتضيا للزوم دائما و كون المانع هو الضرر لا بد من إناطة الأمر بوجود الضرر و عدمه حدوثا و بقاءا، فمجرد حدوثه يجدي في حدوث الخيار، و لكن بقاء الخيار مع اندفاع الضرر في الزمان الثاني و استناد بقاء الضرر الى نفسه يحتاج الى دليل آخر، و هو مفقود بعد منع استصحاب الخيار.
و نظير ما ذكرنا ما ذكروه في بيع الرهن من أنه لو باع الراهن ماله المرهون لم يصح، لتعلّق حق المرتهن المانع عن تأثر العقد، لكن لو باعه ثم زال حق المرتهن بفكّ الرهن أثّر العقد أثره، لأن المقتضي- و هو البيع- موجود، و المانع- و هو حق المرتهن- مفقود، و غير ذلك من أشباه المقام.
فتحصّل مما ذكرنا: أن الأقوى هو الفورية إما لأصالة اللزوم بمعنى استصحاب أثر العقد، أو لأصالة العموم أو لعموم المقتضي في كل آن و فقد المانع في الان الثاني أو للزوم الضرر لو قلنا بالتراخي على المفسوخ عليه و ان قال شيخنا العلامة الأنصاري «قده»- في الأخير: ان في هذا الدليل تأملا. لعله إشارة الى ما في «الجواهر» بأنه- أي الضرر بالتراخي- لا يثبت الفور، فنقول بالتراخي ما لم يتضرّر من عليه الخيار. حاصله: أن مجرد التراخي لا يستلزم الضرر فلا ضير في التراخي إلى حد لزوم الضرر لطول المدة كثيرا. أو إشارة إلى منع الصغرى
و كون مجرد تزلزل الملك ضررا و كونه في عرضة الزوال و ان جاز له التصرفات ممنوع جدا، لان مجرد التزلزل ليس ضررا في شيء بل الضرر مبني على الحجر من التصرفات في زمان الخيار، فبناء على عدم الحجر على ما هو مقتضى التحقيق حسبما قررنا في محله كان الضرر مفقودا.
هذا تمام الكلام في أصل الفورية، و أما المراد منها الحقيقية أو العرفية؟
و الأقوى هو الأول اقتصارا في ثبوت الخيار على ما يندفع به الضرر. لان ما هو الدليل على أصل الفورية هو الدليل على الحقيقية أيضا خلافا لشيخنا العلامة الأنصاري «قده» حيث قال: أن مقتضى ما استند اليه للفورية- عدا هذا المؤيد الأخير- هو الفورية العرفية، لأن الاقتصار على الحقيقية حرج على ذي الخيار فلا ينبغي تدارك الضرر به.
و لا يخفى ما في هذه العبارة من المسامحة، لأن صدرها يقتضي ما ذكرنا من الفورية الحقيقية، و لكن التعليل لا يناسبه، و لكن مراده «قده» واضح من أن لزوم الحرج يقتضي الفورية العرفية.
ففيه منع واضح، إذ لا يحتاج الفسخ الى فعل من الرد و الاسترداد مما ينافي الفورية الحقيقية حتى يلزم الحرج من الاقتصار عليها، بل يكفي فيه إنشاء الفسخ بقوله: فسخت، فحيث علم بالغبن، ان فسخ في أول زمان يمكن فيه الفسخ لدفع الضرر عن نفسه فهو و الا سقط خياره، لان دليل هذا الخيار هو الضرر، فان لم يفسخ فهو أقدم على ضرر نفسه. نعم لو استندنا في الفورية إلى لزوم الضرر على من عليه الخيار بالتراخي ثبتت الفورية العرفية، لأن لازمه ثبوت الخيار
ما لم ينجر الى الضرر على المفسوخ عليه، بل هذا المقتضي أوسع من العرفية الفورية.
لعموم نفي الضرر، فهو كالجاهل بالغبن لاتحاد المناط، و هذا لا ينافي الإجماع على عدم معذورية الجاهل بالحكم و كونه كالعامد لان مورده الأحكام التكليفية، لا مثل المقام الذي المدار فيه على الضرر، فتركه للفحص عن الحكم الشرعي كترك الفحص عن الغبن لا ينافي المعذورية.
و هو بالنسبة إلى الحكم واضح، كما لو علم قبل العلم بالغبن بأن المغبون بالخيار لكنه بعد ما علم بالغبن نسي ثبوت الخيار له فهو أيضا معذور في ترك المبادرة، و أما بالنسبة إلى الموضوع فيشكل تصويره لأنه بمجرد علمه بالغبن ثبت له الخيار فورا، فاذا لم يفسخ سقط خياره، و نسيانه لا يجدي بعد ترك المبادرة، نعم يمكن تصوره فيما لو علم قبل العقد بأن المعاملة الفلانية غبن لكنه نسي الغبن حال العقد، فهو أيضا معذور فهو بالخيار بعد تذكره للغبن الذي كان عالما به قبل العقد.
في كونه سببا للمعذورية لما مر سابقا أن الجهل البسيط كالجهل المركب بالنسبة إلى أصل الغبن، فليس اقدامه على البيع مع الشك في الغبن اقداما على الضرر كذلك الشك في الخيار فليس كالعلم به في سقوط الخيار، و لكن قال في الكتاب: يحتمل عدم المعذورية لتمكنه بالفسخ بعد العلم بالعين و الشك في الخيار ثم السؤال عن صحته.
فيه: أنه منقوض: بالشك في الغين مع اعترافه «قده» بعدم سقوط الخيار
فيه، و منحل: بأن التمكن من الفسخ احتياط لا يجدي في استناد الضرر اليه بترك الفسخ، فما لم يعلم بالخيار لا يستند اليه الضرر.
وجهان مبنيان على أن ترك المبادرة في صورة العلم بالخيار و الفورية مسقط من جهة كونه التزاما بالعقد أو من جهة عدم ثبوت حق الخيار له شرعا الا على وجه الفور لعدم الدليل، فعلى الأول: يكون الجهل بالفورية عذرا لعدم دلالة ترك المبادرة على الالتزام بالعقد، و على الثاني: يكون مجرد العلم بالخيار كافيا في سقوطه بترك المبادرة.
و هذا هو الأقوى، لأنه بمجرد علمه يصير متمكنا للفسخ فاذا لم يفسخ فالضرر مستند اليه لا الى حكم الشارع.
فان قلت: أنه انما يترك الفسخ فورا بسبب اعتقاد التراخي فليس مقدما على ضرر نفسه بترك المبادرة اتكالا على زعم التراخي.
قلت: و ان لم يكن مقدما الا أن الاقدام لا حاجة له بعد كون مجرد الاستناد كافيا في سقوط الخيار، فهذه أمور ثلاثة: الالتزام بالعقد، و الاقدام على الضرر، و الاستناد. و ترك المبادرة قاطع للعذر من الجهة الأخيرة هنا.
فادعى المغبون الجهل بالخيار فحاله كحال ما لو اختلفا في العلم و الجهل بأصل الغبن، و قد تقدم أن بناء المشهور تقديم مدعي الجهل، لأصالة عدم علمه، و قد تقدم أيضا احتمال التفصيل و تخصيص السماع عمن يحتمل في حقه الجهل و لم يكن هناك أمارة دالة على كونه عالما كالدلال و نحوه بناءا على العبرة بهذا الظهور في كونه مخالفا للظاهر، حتى يكون مدعيا لا منكرا، فراجع.
هذا تمام الكلام في خيار الغبن، و له الحمد على ما مضى و على ما سيأتي.
الحاصل من جهة تأخير الثمن، قال العلامة «قده» في محكي «التذكرة»:
من باع شيئا و لم يسلمه إلى المشتري و لا قبض الثمن و لا شرط تأخيره و لو ساعة لزم البيع ثلاثة أيام، فإن جاء المشتري بالثمن في هذه الثلاثة فهو أحق بالعين، و ان مضت الثلاثة و لم يأت بالثمن تخير البائع بين فسخ العقد و الصبر و المطالبة بالثمن عند علمائنا أجمع. انتهى.
و حاصل ذلك أنه لا بد من حصول الخيار تحقق تأخير الثمن إلى ثلاثة أيام فلو أخر الثمن الى يومين بل الى ما بقي بساعة من ثلاثة أيام لم يحصل للبائع الخيار، و لكن ربما يشكل ذلك و يقال بحصول الخيار لو لم يعجل المشتري بأداء الثمن، فلو أخر بيوم مثلا فللبائع الخيار.
وجه ذلك: أن إطلاق العقد ينصرف الى التعجيل فيكون تعجيل الثمن بمنزلة الشرط، فيجري عليه حكم الشرط، فيكون التأخير مخالفا للشرط، و لازمه ثبوت الخيار لمكان تخلف الشرط كما هو الحال في الشرط الصريح و كذلك الشرط الضمني، فتخلفه يوجب حصول الخيار، مثل أن إطلاق العقد ينصرف الى الصحيح، فاذا حصل التخلف ثبت الخيار لتخلف الشرط.
و أجيب عن هذا بأن هذا انما هو بالإجماع لأن الأصل في العقد هو اللزوم، و قد ثبت بالإجماع جواز العقد بعد الثلاثة و هو المخرج عن الأصل و يبقى العقد في الثلاثة و لو أخر الثمن في بعضها تحت الأصل المقتضي للزوم.
و لكن هذا الجواب ليس بشيء، و الاولى أن يجاب عنه بمنع كون المنصرف بمنزلة الشرط الموجب تخلفه للخيار مطلقا، بل المسلم منه إذا كان على طبق أمارة نوعية كما في وصف الصحة، فكون خلاف الصحة سببا للخيار انما هو للغلبة
النوعية المقتضية للصحة، فيجري مجرى الاشتراط، و أما مجرد الانصراف بدون وجود أمارة فلا.
هذا ثم ان هذا الخيار كما هو مختص بعقد البيع لمكان ظهور الإجماع، كذلك مختص للبائع لمكان الشهرة بل المخالف غير معلوم عدا ما حكي عن «الدروس» من استظهاره ثبوت الخيار للمشتري أيضا من عدم تعرضهم لإجباره على نقد الثمن و تسليمه الى البائع بعد الثلاثة حيث قالوا بثبوت الخيار بعد الثلاثة للبائع و سكتوا عن حال المشتري و إجباره على نقد الثمن، و هو يدل على ثبوت الخيار له أيضا، إذ لولاه لزم إجباره على تسليم الثمن، و حيث لم يقولوا بل سكتوا، يكشف عن كون الخيار له أيضا.
و أجاب عن ذلك في «الجواهر» بما حاصله: أن عدم تعرضهم لإجباره على نقد الثمن ليس لثبوت الخيار للمشتري، بل لعل التأخير يكون برضا البائع.
و الاولى أن يقال: ليس محط كلامهم، و ذلك، أعني تنقيد الثمن و وجوبه على المشتري و إجباره عليه بل لذلك محل آخر و قد ذكروا في محله: أن إطلاق العقد يقتضي تعجيل الثمن، و يجب عليه تسليمه الى البائع، فلو امتنع يجبر، و هذا يغني عن التعرض به في المقام و لو كان المشتري ناقدا للثمن الا أن البائع لا يقبضه المبيع لعدم حضوره عنده أو لغيره، فهل يثبت له الخيار حينئذ، أي لو أخر المثمن الى أن انقضت ثلاثة أيام؟ قيل: له وجه، و غاية ما يمكن أن يقال وجها، أمران:
أحدهما: قاعدة الضرر لاستلزام تأخير المبيع و بقاء الثمن عند المشتري أمانة الضرر المنفي.
و فيه: أنها من القواعد التي يحتاج العمل بها الى الجبر من عمل الأصحاب و لا أقل من ثلاثة، و هو مفقود لعدم ذهاب أحد إليه مضافا الى إمكان التقاص بالثمن
عوضا عن المبيع، الا أن يقال: إمكان التقاص تدارك للضرر، و هو لا يجدي، لأن نفي الضرر يدل على نفي الحكم المجعول الضرري لا على تداركه.
و ثانيهما: مناط أخبار الباب الناطقة على ثبوت الخيار للبائع بتأخير الثمن فإنه جابر في تأخير المثمن أيضا كما هو كثيرة نظائره، كجريان قاعدة التلف قبل القبض في طرف المشتري مع اختصاص دليله بتلف المبيع، و جريان خيار العيب في الثمن مع اختصاص دليله بالمبيع و جريان خيار الحيوان فيما كان الثمن حيوانا مع اختصاص دليله في ما كان الحيوان مبيعا، و غير ذلك، حيث يجرون حكم المنصوص من أحد الطرفين إلى الأخر أيضا بائعا أو مبيعا لاتحاد المناط.
فيه: أن الحكم خلاف القاعدة فينبغي الاقتصار على مورد النص و الإجماع، و المناط القطعي ممنوع، و الظني لا جدوى له فالأقوى اختصاص الخيار للبائع دون المشتري، فيدل على ثبوته للبائع أمور:
أحدها: الإجماع المحكي عن «الانتصار» و «الخلاف» و «الجواهر» و ما صرح به العلامة في «التذكرة» كما سبق.
ثانيها: أن الصبر أبدا مظنة الضرر المنفي بل الضرر هنا كما ذكر في الكتاب أشد من الضرر في الغبن حيث أن المبيع هنا في ضمانه و تلفه منه و ملك لغيره لا يجوز له التصرف فيه.
و الجواب عن ذلك بإمكان المقاصة كما سيجيء ذكره في بعض الفروع الاتية، مدفوع بما ذكرنا من أن المقاصة تدارك للضرر بعد حصوله، و نفي الضرر يدل على نفي الحكم الضرري و هو اللزوم.
و ثالثها: الأخبار المستفيضة، منها: رواية علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يبيع الشيء و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن؟ قال عليه السّلام:
الأجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبضه بيعه و الا فلا بيع بينهما.
و رواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السّلام، قال: من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام و لم يجيء، فلا بيع له.
و رواية ابن الحجاج: اشتريت محملا و أعطيت بعض الثمن و تركته عند صاحبه ثم احتبست أياما ثم جئت الى بائع المحمل لأخذه فقال: قد بعته، فضحكت ثم قلت: لا، و اللّه ما أدعك و أقاضيك، فقال: أ ترضى بأبي بكر بن عيّاش؟
فقلت: نعم فأتيناه، فقصصت عليه قصتنا، فقال أبو بكر: من تريد أن أقضي بينكما أ بقول صاحبكما أو غيره؟ قلت: بقول صاحبي، قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيام، و الا فلا بيع له.
و صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول: آتيك بثمنه؟ قال: ان جاء ما بينه و بين ثلاثة أيام، و الا فلا بيع له. و إطلاق هذه الاخبار ككلمات الأصحاب، عدم الفرق في تقدير المدة المزبورة، أعني ثلاثة أيام، بين كون المبيع جارية و غيرها، خلافا لما حكي عن الصدوق «قده» حيث قدّر المدة في الأمة الشهر، للخبر الوارد فيمن اشترى جارية و قال: أجيئك بالثمن، ان جاء بينه و بين شهر، و الا فلا بيع له.
و أجاب عنه في محكي «الدروس» بالشذوذ، في محكي «المختلف» بضعف السند، و كلاهما ضعيفان إن أمكن الجمع، لأنه أولى من الطرح. و عن «الاستبصار» احتمل حمله على الندب أي استحباب صبر البائع و ترك الفسخ الى شهر و هو يتّجه بناءا على التراخي و في «الجواهر» أن الخبر واضح الدلالة نقيّ السند.
و الاولى أن يجمع بينه و بين الاخبار المذكورة بحمله على بيان أمد الخيار و مدته، بمعنى أن الخيار بعد الثلاثة ثابت الى مضيّ شهر، لا أن العقد لازم في شهر و بعده يثبت الخيار حتى يحصل التعارض لنصوصيّة الاخبار على ثبوت الخيار بعد الثلاثة، و لمكان الإجماع على ذلك، فيكون الخبر على بيان مدة الخيار
و من أدلة القول بالتراخي و تحديده الى شهر انما هو للزوم الضرر بالتراخي أبدا و دائما، فتأمل.
ثم ان مفاد تلك الاخبار هو نفي الصحة المساوق هنا للانفساخ فلا دلالة على الخيار كما استدل لثبوت الخيار المشهور بتلك الاخبار، فلذا صار الشيخ في «المبسوط» و صاحب «الكفاية» إلى الفساد بعد الثلاثة تجمّدا بتلك الاخبار.
و طعن صاحب «الحدائق» على العلامة «قده» حيث اعترف بأن مفاد الاخبار الفساد، و مع ذلك اختار مذهب المشهور من الخيار.
و أقصى ما قيل أو يقال في صرف هذا الظهور و القرينة على ارادة نفي اللزوم من تلك الأخبار أمور:
أحدها: أن مفاد هذه الاخبار، عدا رواية علي بن يقطين، هو سلب البيع بالنسبة إلى المشتري فقط، فثبوته للبائع دونه قرينة على ارادة الخيار لا الفساد و الانفساخ لأنه لا يقبل التفكيك، فالمعنى أنه لا بيع للمشتري، بمعنى أن زمام أمره- فسخا أو امضاء- ليس بيده لكونه لازما في حقه من حين العقد و انما الخيار حينئذ- أي بعد ما أدّى الثلاثة حتى انقضت- بيد البائع، ان شاء أمضى و ان شاء فسخ.
و يمكن الخدشة في ذلك أنه: إذا فرض التلازم بين أمرين، فسلب البيعيّة عن أحدهما يدل بالالتزام العقلي على سلبها من الأخر، كأن يقال: أن زيدا ليس أخا لعمرو، فهو في قوة أن يقال: أن عمرا ليس أخا لزيد، فلا أخوّة بينهما.
و كذلك في سلب البيع عن المشتري يدل على سلبه من البائع لعدم تعقّل التفكيك.
ثانيها: قرينة المقابلة، حيث قوبل سلب البيع بقوله: ان جاء بالثمن، المراد منه اللزوم، فيكون المقابل أنه ان لم يجيء بالثمن فالبيع ليس بلازم قضية
لحق المقابل.
فيه: على تقدير تسليم دلالة المقابلة على سلب اللزوم أن سلب اللزوم محمل مردّد بين أمرين: سلب الصحة و سلب اللزوم، ضرورة أن سلب الصحة مستلزم لسلب اللزوم، فالعام لا يدل على الخاص.
ثالثها: فهم المشهور قرينة صارفة للظهور.
فيه: أن الشهرة- كما قرر في محله- ليست جابرة و لا كاسرة للدلالة و الظهور اللفظي إلا إذا كشف كشفا قطعيا عن قرينة صارفة، و إثبات ذلك دونه خرط الفتاد.
و رابعها: أنه ورد في بيع ما يفسد ليومه أنه ان جاء المشتري بالثمن ما بينه و بين الليل و الا فلا بيع له. و قد أجمعوا هناك على أن المراد ثبوت الخيار للبائع لا البطلان و الانفساخ، فيستكشف من ذلك أن هذا الاستعمال مع وحدة التعبير و التأدية في لسان الأخبار شائعة في نفي اللزوم و ثبوت الخيار فيثبت الظن القوى من اللفظ ما صار اليه المشهور من ثبوت الخيار للبائع معتضدا بالأصل العملي، لأن مقتضاه ثبوت الخيار لا الانفساخ لاستصحاب صحة و بقاء أثره بعد الثلاثة.
و مع تسليم الإجمال في سلب البيع و تردده بين الوجهين استصحاب بقاء الأثر و الصحة يقتضي عدم البطلان و الانفساخ، لاحتياج زوال أثره إلى مزيل قطعي و دليل معتبر. و لعل الظاهر من الاخبار بملاحظة مجموع تلك الوجوه المذكورة هو ما صار اليه المشهور من عدم الانفساخ خلافا للجماعة المذكورة.
عدا المحكي عن الشيخ في «الخلاف» حيث قال: و متى تعذّر تسليم الثمن كان البائع بالخيار، سواء أقبض المبيع أم لا. و لكن جعله مخالفا فيما نحن فيه لا وجه له، لان مورد كلامه تعذّر تسليم الثمن، و مورده هو الثمن الجزئي، و ثبوت الخيار فيه منصوص من غير تقيّده بمضيّ الثلاثة، بخلاف خيار التأخير،
و كذلك لو كان الثمن كليا أو جزئيا و امتنع المشتري من تسليمه مع إمكانه، ففي إجباره على التسليم أو كون البائع بالخيار خلاف، و الأقوى الإجبار دون الخيار إلا إذا انحصر دفع الضرر بالخيار.
و كيف كان، لا إشكال في هذا الشرط، و لكن الكلام في مدركه مع الغض عن الإجماع لخلوّ أخبار المسألة عن اعتبار هذا الشرط، و لذا استشكل في «الجواهر» في اعتباره لو الإجماع، و جعل مدركه منحصرا به.
نعم عن شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب: و يدل عليه من الروايات المتقدمة قوله عليه السّلام في صحيحة على بن يقطين المتقدمة: (فإن قبض بيعه و الا فلا بيع بينهما) بناءا على أن البيع هنا بمعنى المبيع. ثم قال: و لكن في «الرياض» إنكار دلالة الاخبار على هذا الشرط و تبعه بعض المعاصرين- أعني صاحب «الجواهر»- و لا أعلم له وجها غير سقوط هذه الفقرة عن النسخة المأخوذة منها الرواية، أو احتمال قراءة قبض- بالتخفيف- و بيّعه- بالتشديد- يعنى قبض بائعه الثمن، و لا يخفى ضعف هذا الاحتمال، لان استعمال البيّع مفردا نادر، بل لم يوجد مع إمكان جريان أصالة عدم التشديد، نظير ما ذكره في «الروضة» من أصالة عدم المدّ في لفظ البكاء الوارد في قواطع الصلاة. انتهى.
و يؤيد ما ذكره من الاحتمال الأول رواية قبضه مع ضمير المفعول، كما حكاه «قده» في الكتاب عند ذكر الاخبار بناءا على قراءة قبض حينئذ- بالتشديد- و بيعه- بالتخفيف- أي قبّض البائع المشتري مبيعه، فيكون حينئذ دليلا على المشهور، كما أنه يؤيد الاحتمال الثاني المسقط للاستدلال قبضه مع الضمير، لكن مع قراءته بالتخفيف و بيّعه- بالتشديد- أي قبض الثمن بائعه، فتوافق الاحتمال الثاني. لكن الظاهر عدم وجود الضمير في الرواية، كما في أكثر الكتب بل في كتاب شيخنا العلامة «قده» حكاه أخيرا بدون الضمير.
و أما ما ذكره «قده» من الوجهين منشأ لإنكار صاحب «الجواهر» و «الرياض» لدلالة الاخبار لا يخلو من نظر، أما في الأول فلأنه اجتهاد في مقابلة الحس، لأن نسخة «الجواهر» و «الرياض» مشتملتان على الفقرة المذكورة، فكيف نحتمل عدم وجودها في النسخة المأخوذة منها الرواية، بل في «الجواهر» صرّح أن قوله:
(ان قبض بيعه) مورد سؤال الراوي، و لا يدل على شرطية عدم القبض، لان المورد لا يكون موجبا للحصر و التخصيص، و مع ذلك كيف ينسب سقوط هذه الفقرة عما أخذ. أو لعل النسخة الموجودة عند شيخنا العلامة الأنصاري «قده» كانت خالية عن هذه الفقرة و ساقطة عن قلم الناسخ.
و أما في الثاني: فلاحتمال أن يكون قوله عليه السّلام: ان قبض بيعه- بالتخفيف- محمولا على ما بعد الثلاثة، و يكون المراد بيان معنى الخيار، لا أن يكون المراد به قبضه المبيع في الثلاثة ليدل على شرطية عدم قبضه في الثلاثة في ثبوت الخيار بل منزل على ما هو المتعارف في ثبوت الخيار بأن المشتري ان قبض المبيع أي أعطى الثمن و أخذ المبيع فلا يفسخ البائع.
و ان كان الفسخ بأن لا يقتضيه المبيع، و ما أعطى الثمن، فيفسخ البائع فلا بيع لهما، فالمراد به حينئذ بيان الأمر المتعارف في الخارج بعد ثبوت الخيار بعد الثلاثة لا بيان موضوع الخيار و هو عدم قبض المبيع في الثلاثة.
و يؤيده اشتمال نسخة «الجواهر» على لفظة (جاء) أي ان جاء المشتري بعد الثلاثة و قبض مبيعه من البائع فهو، بداهة أن البائع إذا أعطى المشتري المبيع فلا يفسخ البيع و الا ان لم يجيء و ما قبض المبيع بأن لم يجيء بالثمن ليقبض المبيع فله الفسخ.
و هذا المعنى لا يدل على اشتراط عدم القبض في ثبوت الخيار، فلا ينحصر منشأ عدم الدلالة بما ذكره «قده» من قراءة بيعه- بالتشديد- بل لا دلالة له على
الشرطية بناءا على قراءة بيعه- بالتخفيف- و كون البيع بمعنى المبيع أيضا لما ذكرنا. و أما ما ذكره «قده» مرجّحا بقراءة بيعه- بالتخفيف- من الوجهين، ففي الثاني منهما نظر، لا لبطلان القياس، بل لبطلان الحكم في المقيس عليه، لأمرين:
أحدهما: عدم الحالة السابقة، لأصالة عدم الزيادة في الكلمة لأنها اما حدثت زائدة أو ناقصة، و لم يكن في زمان حدثت ناقصة ثم شك في عروض الزيادة لها.
و ثانيا: أن هذا الأصل لا يجدي الأعلى الأصل المثبت، لأن الأثر ليس مترتبا على عدم الزائد، بل مترتب على وجود الناقص و إثبات الضد بنفي ضده الأخر أصل مثبت.
نعم أصالة عدم المانع من الأصول العقلانية، و ليس مبنيا على التعبد الشرعي، فحكمه حكم الامارة، أما مطلق أصل العدم فلا اعتبار به، بل لا بد من انتهائه الى الأصل الشرعي، فأصالة عدم التشديد لا اعتبار بها في المقام. و الوجه:
الأول، أعني ندرة الاستعمال ان تم فهو، و الا انحصر المدرك بالإجماع لتردد الأمر بين الاحتمالين و عدم مرجح في البين. هذا،
فلا يسقط خياره لو قبضه المشتري بدون اذن البائع؟ وجوه:
أحدها: أن يكون مسقطا مطلقا، لإطلاق ما دل على سقوطه بالقبض.
ثانيها: عدم سقوطه لانصرافه الى ما كان القبض صحيحا بإذن البائع، مضافا الى أن سقوط الخيار بالقبض لإسقاط حقه حيث كان له حق التحبيس لاستنقاذ الثمن، فاذا قبضه، أسقط هذا الحق و انحصر حقه بمطالبة الثمن، و هذا لا يأتي في القبض بدون اذنه، فيبقى حقه باقيا.
ثالثها: أن يفصل بين ما لو استردّه البائع فيكون كلا قبض و له الخيار، و بين
ما لو أبقاه في يد المشتري فيسقط خياره لان عدم استرداده المبيع مع إمكانه رضا للقبض.
رابعها: أن يبنى المسألة على ما سيجيء في أحكام القبض من أن ضمان البائع هل يرتفع بهذا القبض الحاصل بدون إذنه أم لا؟
فعلى الأول: يسقط خياره إذ مع ارتفاع الضمان لا ضرر على البائع، لأن الضرر المتصور اما وجوب حفظ المبيع عليه لو استرده، أو عدم وصول ثمنه اليه، و كلاهما ممكن الاندفاع بأخذ المبيع مقاصة.
و على الثاني: يبقى خياره، إذ مع عدم ارتفاع الضمان يجري الضرر، و اختاره شيخنا العلامة «قده»، و لكن الأقوى هو الوجه الثاني، للانصراف، فيكون هذا القبض كلا قبض، و أما ما ذكره وجها للثالث، ففيه منع كون ترك الاسترداد مع إمكانه قبضا، دالا على الرضا بالقبض، فمقايسته بالرضا بالقبض في الفضولي قياس مع الفارق.
و أما مدرك الوجه الأخير، ففيه: أن إمكان المقاصة بأخذ المبيع ان كان رافعا للضرر و مانعا عن الخيار فهو ممكن في مورد عدم حصول القبض رأسا أيضا مع ثبوت الخيار له إجماعا، فيعلم أن ثبوت الخيار ليس للضرر بل حكم تعبدي ثبت بالنص و الإجماع، فسقوط الضمان و عدمه لا ربط له بالمقام و لا مدخل للخيار ثبوتا و سقوطا، فلا بد من أخذ أحد الأمرين: اما الأخذ بإطلاق القبض أو انصرافه الى القبض بإذن البائع، و لا وجه للتفصيل.
بأن بذل المشتري الثمن فامتنع البائع من أخذه و اقباض المبيع. الظاهر عدم الخيار للبائع لوجوه:
أحدها: أن القدر المتيقن من ثبوت الخيار عند عدم قبض المبيع، هو
ما لم يكن من جهة امتناع البائع، بل ثبوت الخيار له في صورة عدم قبضه انما هو من جهة عدم قبض المشتري له و عدم مجيئه للثمن حتى يأخذ مبيعه.
و ثانيها: استظهار عدم قبض المشتري و اشتراطه في تحقيق الخيار من أخبار المسألة انما هو فيما لم يكن لعدوان من البائع، فيدّعي حينئذ ظهور الاخبار فيما كان عدم القبض لا لعدوان البائع، بل لكونه في مقام التسليم و عدم تسلّم المشتري إياه، فتكون صورة عدم قبض المشتري خارجا عن التصرف لاختصاص ظهور الاخبار في غير العدوان فيه.
و ثالثها: هو أن هذا الخيار انما شرّع من جهة الإرفاق للبائع لدفع تضرره فلا يجري حينئذ فيما كان الامتناع من قبله. و لعل هذا الوجه الاعتباري مدرك للوجهين الأوليين.
و رابعها: أن المدار في الخيار بمقتضى الأخبار الواردة في المسألة على عدم مجيء المشتري بالثمن كما هو المعلوم بمنطوق بعض تلك الاخبار و مفهوم الأخرى، فمع بذل المشتري الثمن و مجيئه به لا خيار للبائع و ان لم يقبضه، هذا و.
فلو مكّنه البائع من القبض فلم يقبض، فيه وجهان بل قولان: أحدهما نقل عن موضع من «التذكرة» سقوط الخيار.
و الوجه فيه، أولا: هو كون التخلية قبضا، و أن تمكين البائع من أخذ المشتري المبيع تخلية، فحيث يحصل القبض لا خيار للبائع.
و ثانيا: أن خيار البائع من جهة لزوم الضرر، أعني ضرر ضمان المبيع على البائع، و هو منتف بمجرد التمكين، و كلا الوجهين كما ترى، لمنع حصول القبض بمجرد التمكين و التخلية و عدم ابتناء الخيار على الضرر، فإن العلة و المدار
ليس هو لزوم الضرر، بل المدار و المدرك في الخيار هو الاخبار الدالة على ثبوت الخيار ما لم يتحقق القبض، و من المعلوم عدم تحققه بمجرد التمكين.
لان الظاهر من الاخبار هو ثبوت الخيار ما لم يتحقق مجموع المثمن و سقوطه عند تحقق قبض مجموع المبيع، و المفروض أن قبض البعض ليس قبضا للجميع، أو أنه كالقبض؟
لظهور الاخبار و انصرافها الى ثبوت الخيار عند صورة عدم قبض شيء من المبيع و سقوطه عند تحقق قبض المبيع كلا أو جزءا فيصدق قبض شيء من المبيع عند حصول قبض جزء منه. أو أنه يتبعّض الخيار؟ فبالنسبة إلى المقبوض لا خيار و بالنسبة الى غير المقبوض خيار، وجوه، و المدرك في الأخير هو جريان لا ضرر بالنسبة الى غير المقبوض، فيثبت الخيار و عدمه في المقبوض، و في الوجه الثاني:
أن المراد بالمبيع كقوله: و ان قبض بيعه، حيث أن (بيع) في ذلك الخبر بمعنى المبيع انما لوحظ على سبيل المرآتية، و في الوجه الأول أنه انما لو حظ على سبيل الموضوعية.
و يندفع الوجه الأخير: أن المدرك في ذلك الخيار ليس هو قاعدة «لا ضرار» فلا يدور مداره بل المدرك في ثبوت الخيار هو الاخبار الخاصة، و أما الوجهين الأوليين، فإن قلنا بظهور أحدهما فهو المبيع و الا كما هو المختار حيث اخترنا في الأصول أنه إذا دار الأمر في إسراء الحكم على تمام الموضوع الذي كان له أفراد متعدّدة بين ملاحظته المتكلم على سبيل الموضوعيّة أو على سبيل المرآتية لا أصل و لا ظهور في البين لعدم تكفل الوضع لهذا الاعتبار بل انما هو تابع للموارد و في مثل قوله تعالى (إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ) انما لوحظ على سبيل المرآتية، و في مثل: (ليس كل ما يتمنى المرء يدركه) انما لوحظ على سبيل الموضوعية فحيث لا ظهور في المقام يصير الخبر من جهة قبض البعض في كونه قبضا أو كلا قبض مجملا فيرجع الى أصل آخر و هو أصالة اللزوم لعدم
مجيء أصل الخيار و استصحابه في المقام.
هكذا أفاد شيخنا الأستاذ «دام ظله العالي» و قد أوردت عليه في مجلس البحث أن الخبر المشتمل على قبض المبيع هو رواية علي بن يقطين و باقي أخبار الباب مطلق من هذه الجهة كقوله عليه السّلام: من اشترى شيئا فمضت ثلاثة أيام و لم يجيء فلا بيع له، إلخ فإنها بإطلاقها تدل على ثبوت الخيار سواء أقبض البعض أي بعض المبيع أم لا؟ فالمرجع حينئذ إطلاق تلك الاخبار لأنه من المقرر إذا كان المقيد المنفصل مجملا من بعض الجهات، فالمحكم إطلاق المطلق.
فان قيل ان تلك الاخبار و ان كانت مطلقة الا أنها مقيدة بقيام الإجماع على اشتراط الخيار صورة عدم القبض. قلت: الإجماع دليل لبيّ و القدر المتيقن من التخصيص هو صورة عدم قبض المجموع، بمعنى أن في صورة قبض الجميع لم يكن للبائع الخيار، و أما إذا حصل قبض البعض دون بعض آخر، فمحل شك، فيرجع الى دليل الخيار، و ان شئت فقل: ان الأمر في تقييد الإجماع دائر بين الأقل و الأكثر، فعند الشك فيه يصير المحكم في الأكثر هو الإطلاق.
هذا، ثم ذكر شيخنا الأستاذ «دام ظله العالي» ان الروايات الواردة ما عدا رواية علي بن يقطين و ان لم تشتمل على لفظ المبيع و قبضه، الا أن كلها مشتملة على لفظ الثمن، و بضميمة الإجماع المركّب يصير حال المبيع حال الثمن، بمعنى أن الإجماع قائم على التلازم بين حال الثمن و المثمن في اشتراط القبض و كيفيّة القبض بحسب ملاحظة قبض الجميع مرآة أو مجموعا، فاذا فرضنا اشتمال الروايات على الثمن و كونه مجملا من جهة تلك الملاحظة فيرجع الى أصل اللزوم.
و كذلك المبيع أيضا، فيشك في اشتراط عدم قبضه من جهة اعتبار عدم قبض شيء منه أو اعتبار عدم قبض مجموعه، و جهة الشك هو التلازم بينه و بين الثمن
الثابت بالإجماع المركب، بمعنى أن كل من قال على اعتبار العموم المرآتي في الثمن قال به في الثمن، و كل من قال على اعتبار الموضوعي فيه، قال به فيه أيضا، فالمرجع في جانب المبيع أيضا هو أصل اللزوم.
هكذا أفاده دام ظله، فافهم.
و يشترط فيه أيضا عدم قبض مجموع الثمن فأصل اشتراطه لا كلام فيه نصا و فتوى، و هل هو موضوعي حتى يكون قبض البعض كلا قبض أو مرآتي حتى يكفي في سقوط الخيار قبض شيء منه و الكلام السابق في المثمن يجري هنا طابق النعل بالنعل، و ينبغي في الكتاب أيضا إلا حالة اليه، الا أنه «قده» ذكره مستقلا تنبيها على ورود رواية ابن الحجاج في خصوص تبعيض المثمن و اشتمال ظواهر جميع الاخبار له دون المثمن، و وجهها واضح، إذ أخبار المسألة كلها مشتملة على مجيء الثمن و هو ظاهر في المجموع، و أما فهم أبي بكر، لأنه انما قضى على سقوط الخيار عند قبض البعض لما فهمه من كلام المعصوم عليه السّلام.
ثم ان في الاستدلال برواية ابن الحجاج على ما ذكره شيخنا العلامة «قده» نظرا، و يمكن أن يقال فيه وجوه:
أحدها: عدم حجية فهم أبي بكر، فلا يصلح للاستدلال.
و ثانيها: ضعف الرواية، و مع ذلك لا وجه للاستدلال، نعم لا ينافي للاعتضاد، كما صنعه في الكتاب.
و ثالثها: أن قضية تبعيض الثمن انما وقعت في كلام الراوي و السائل، و لا دلالة لها و لا إيماء في كلام الامام عليه السّلام، فمع قبول سماع أبي بكر مما شاة، فهو انما سمع كلامه الشريف، فهو قوله عليه السّلام: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له. فلا وجه للاستدلال لكفاية قبض البعض في
سقوط الخيار لهذا الكلام لعدم صراحته و لا دلالته على سقوط الخيار، فلا خصوصية لهذه الرواية، بل حالها كحال الروايات الواردة في المسألة من غير فرق.
هذا، أما القبض بدون الاذن فكعدمه كما ذكره «قده» في الكتاب، لكن في صورة عدم الحق، لظهور الاخبار في اشتراط اذن المشتري في قبض الثمن و لاشتمالها على أن المدار مجيئه بالثمن فلا يصدق في صورة عدم اذنه و لبقاء ضرر ضمان المبيع و عدم وصول الثمن اليه على وجه يجوز له التصرف. و أما إذا كان أخذ البائع الثمن و قبضه بدون اذن المشتري مع الحق بمعنى عرض البيع على المشتري فامتنع من قبضه، فلا خيار له لعدم مجيء الأدلة السابقة، أما الاخبار فلا نصرافها الى غير المقام، و أما ضرر تأخير الثمن فلانتفائه بقبضه.
نعم ضرر ضمان المبيع حاصل، لكن الأمر فيه سهل، فيقال حينئذ أنه ليس مدركا للخيار، لعدم كون المدار في ذلك الخيار قاعدة الضرر، أو يقال بسقوط الضمان بسبب عرضه على المشتري، فالمختار حينئذ هو سقوط الخيار بخلاف القبض بلا اذن من دون حق، فالأقوى بقاء الخيار لما ذكرنا من الوجوه خلافا لبعض المشايخ، حيث فصل بين طرف المبيع فيعتبر فيه الاذن، و بين طرف الثمن فلا يعتبر فيه الاذن، نظرا الى تعبيرهم في طرف المبيع باشتراط عدم الإقباض و في الثمن باشتراط عدم قبضه.
فيه: ان هذا مجرد تعبير من جهة مناسبات عنوان المسألة في البائع، الا أن يقال: ان التعبير إذا كان موهما لخلاف المقصود لا ينبغي أن يكون بمجرد المناسبة بل ينبغي لهم أن يقولوا إذا لم يقبض البائع المبيع و لا أقبضه المشتري الثمن، و لعله الى ذلك أشار في الكتاب بقوله: فتأمل.
و لو قبض البائع الثمن ثم أجازه المشتري فهل يتحقق بإجازته القبض
الصحيح المسقط للخيار أم لا؟ فيه وجهان من عدم جريان أدلة الفضولي هنا، لأنها اما عمومات أو أخبار خاصة واردة في خصوص المعاملة، كحديث عروة البارقي، و كلتاهما لا تجريان في المقام لعدم كون القبض من العقود و المعاملة، فلا يتحقق القبض الصحيح.
و من أن الراضي بفعل كمن فعله، مما دلت عليه الاخبار و شهد به بناء العقلاء فيكون ذلك قبضا صحيحا فيترتب عليه أثره، و هل هي كاشفة في المقام أو ناقلة؟
الأقوى الثاني في خصوص المقام فتظهر الثمرة فيما لو حصل القبض قبل الثلاثة فأجاز المشتري بعدها، فان قلنا بالكشف فليس للبائع الخيار لحصول قبض الثمن و فقدان الشرط أول زمان تحقق ذلك الخيار أعني زمان انقضاء ثلاثة أيام، فلا يكون الخيار بعد الثلاثة و ان قلنا بالنقل فالخيار ثابت للبائع لصدق عدم حصول القبض بعد الثلاثة إلى زمن الإجازة.
فلو شرط الأجل في أحدهما أو كليهما لا خيار في البين، لوجوه:
أحدها: أصالة اللزوم، حيث شككنا ثبوت ذلك الخيار مع اشتراط تأجيل أحد العوضين.
و ثانيها: أن المتبادر من نصوص الباب صورة الحلول، لغلبته و ندرة صورة التأجيل، فيخرج عن منصرف تلك الاخبار فيقتصر في مخالفة الأصل على منصرف الأصل و لا يخفى أن مرجع هذين الوجهين إلى شيء واحد و هو أصل اللزوم.
و ثالثها: قيام الإجماع على عدم الخيار في صورة تأجيل العوضين فاشتراط الحلول حينئذ إجماعي و لو كان في الجملة حيث يستفاد الخلاف في صورة تأجيل المثمن دون الثمن، كما في «الجواهر».
و رابعها: ما ذكره في «الجواهر» تأييدا، و هو التنافي بين ثبوت ذلك الخيار
مع اشتراط التأجيل، فلو اشترط التأجيل إلى زمان طويل أو قصير، فلا يتقدر بالثلاثة.
فيه: ما أفاده في مجلس البحث، أن التقدر بالثلاثة بمقتضى الاخبار لا ينافي اشتراط التأجيل و سقوط حق المطالبة إلى زمان، إذ معنى التأجيل ليس إلا إسقاط حق المطالبة، فهو لا ينافي مع ثبوت الخيار إذا اجتمعت شرائطه التي منها عدم مجيء الثمن في الثلاثة و ان كان البائع أسقط حق المطالبة في الثمن، فافهم.
الشرط الرابع: أن يكون المبيع عينا جزئيا لا شخصيا بأن أشير إليه باسم الإشارة أو جزئيا مرددا بين أمور كصاع من الصبرة الموجودة بخلاف ما لم يكن كذلك كالكلي الذي في الذمة، فإن جواز كونه في جانب الثمن و ان كان إجماعيا الا أنه ربما يقع الخلاف في كفايته في جانب المثمن بل ربما ينسب إلى الأكثر و ان لم نجد لها مصرحا بكون المسألة محل الخلاف (1)الا أن المتأمل في كلمات الأصحاب يجدها على طوائف أربع: بين مصرح بالاشتراط، أي اشتراط كون المبيع شخصيا، و بين ظاهر فيه، و بين مصرح بالتعميم، و بين ظاهر فيه.
أما الطائفة الأولى: ما حكي عن ابن عياش و عن ابن فهد و عن الشيخ في «المبسوط» في نقل مضمون روايات أصحابنا.
و أما الطائفة الثانية: ما حكي عن «جامع المقاصد» و معقد إجماع «الانتصار» و «الخلاف» و غيرهما ممن وصف المبيع بالمعيّن، كقولهم: (لو باع شيئا معينا بثمن معين أو معلوم)، و لا ريب أن المعين ظاهر في الشخصي و ان احتمال كونه في مقابل المجهول، بأن يراد منه شيئا معلوما كما أريد في طرف الثمن احتمال لا يضر بدعوى ظهوره في العين الشخصية.
و أما الطائفة الثالثة: فصريح المحكي عن القاضي- على ما نسبه إليه في
1) و حكى عن الشهيد نسبة الخلاف إلى الأكثر.
«الجواهر»- و غيره المأخوذان عن «مفتاح الكرامة».
و أما الطائفة الرابعة: كإطلاق معقد إجماع «التذكرة» و غيرها ممن أطلقوا في طرف المبيع و لم يقيدوه بالشخصي و لا بالعيني و لا بالمعين، بل جعله في «الجواهر» مع إجماع القاضي و عموم النصوص الحجة في عدم اشتراط الشخصي فمن ذلك يستدل على عدم الاشتراط بإطلاق كلماتهم و بإطلاق معقد إجماع «التذكرة» و تصريح محكي القاضي و بإطلاق روايتي: علي بن يقطين و ابن عمار المشتملتين على لفظ البيع المراد به المبيع الذي يطلق قبل البيع على العين المعرضة للبيع لعلاقة المشارفة، و برواية أبي بكر بن عياش المشتملة على من اشترى شيئا، و برواية زرارة المشتملة على لفظ المتاع.
و لكن الكل مدخول فيه، أما الأول فلارادة الاختصاص و التقييد منه لانصراف المطلق في كلماتهم في أمثال المقام، خصوصا مع مراعاة الغلبة في تشخص المبيع و تعينه، و يشهد بذلك عدم تصريحهم و لا تلويحهم بخلافية المسألة، مع أن ديدنهم و طريقتهم هو التصريح و الإيماء إلى الخلاف و الاستقصاء عن المخالف في كل مسألة. و أما الثاني: فلان معقد إجماع «التذكرة»- و ان كان مطلقا، الا أن في آخر كلامه قرينة صريحة على تشخص العين- و هو قوله: ان المشترى لو جاء بالثمن في الثلاثة فهو أحق بالعين.
فان قوله (بالعين) لا يناسب مع كون المبيع كليا، و القول بأن ذيل كلامه انما فرض في صورة كون المبيع مشخصا، و لا ينافي ذلك مع كون صدر كلامه في صورة الكلية و الإطلاق، فلا يصرف تعميم صدر كلامه بخصوصية ذيله الا أنه بعيد لا يصار اليه، مضافا الى ما نقول في أن صدر كلامه الذي هو مشتمل على لفظة شيئا، و هو و ان كان مطلقا الا أنه منصرف الى الموجود الخارجي، كما نقول في الروايات المشتملة على المبيع و الشيء، فإنهما منصرفان الى الموجود
الخارجي لغلبة استعمال المبيع و الشيء في الشخصي و صيرورته الى حد لا يحتاج ارادة الموجود الخارجي منهما إلى قرينة. و أما لفظة المتاع فظهوره في الموجود الخارجي لا يكاد ينكر.
و كيف كان الأقوى- كما اختاره شيخنا العلامة الأنصاري «قده»- اشتراط كون المبيع عينا خارجية للأصل، فيقتصر في مخالفة أصل اللزوم على القدر المتيقن، و هو ثبوت الخيار فيما كان المبيع شخصيا. و أما إطلاق كلمات الأصحاب و اشتمال الروايات بالمبيع و الشيء فقد عرفت ان المنصرف منهما هو الموجود الخارجي مضافا الى ظهور أكثرها فيه.
و أما إجماع القاضي على تعميم المبيع فلأنه إنما أخذ عن «مفتاح الكرامة» فقال شيخنا «قده»: أظن انه أخذ من بعض النسخ المغلوطة، حيث أن الظاهر أن معقد إجماعه أيضا كمعقد إجماع «الانتصار» و «الخلاف» الظاهرين في كون المبيع شخصيا لمكان توصيف المبيع بالمعيّن.
و الحاصل: أنه ليس في البين دليل معتبر تطمئن به النفس في كفاية كون المبيع كليا، فعلى مدعيه تجب اقامة الدليل- و أنى له ذلك- إذ قد عرفت حال الإطلاقات في كلمات العلماء و الروايات لانصرافها الى الاختصاص بالعين الشخصي، و لو أغمضنا عن ذلك و شككنا في أن المراد من تلك الإطلاقات هل هي العين الشخصية أم الكلي أم ساكتة عنهما، فيكفي لنا في الاقتصار على العين الشخصية الأصل و ظهور إجماع «الانتصار» و «الخلاف» في اشتراط التعيين و صريح «المبسوط» و «التحرير» و «المهذب البارع» و «غاية المرام».
هذا و العجب من بعض أفاضل العصر حيث قال: الإنصاف يقتضي التعميم لمنع الاستظهارات التي ذكرها شيخنا العلامة الأنصاري «قده» حسبما أشرنا إليه من ظهور إطلاق الفتاوي و إطلاق الروايات و انصرافها في الاختصاص. ثم
قال: و على فرض ظهورها غايته السكوت عن الحال الكلى، فلا دلالة فيها على أن الحكم خاص بالشخصي لأنهم ليسوا بصدد بيان هذا المطلب ثم قال: و على فرض إرادتهم، فليس بالغا حد الإجماع. إلخ.
و قد ظهر لك مما ذكرنا سقوط هذا الكلام، إذ ليس على مدعي الاختصاص التماس الدليل حتى يقال أن كلماتهم ساكتة عن حال الكلي، أو ليست بالغة حد الإجماع بل يكفيه الاقتصار على القدر المتيقن، أعني اختصاص الأصل و عدم مجيء دليل كاف في كفاية الكلي.
و القول بأن كلماتهم لا تخلو عن قسمين: أما مطلق أو مقيد، و كلاهما في المقام مثبتان فلا يحمل أحدهما على الأخر كما هو مقرر في محله بل يؤخذ بمضمون كليهما إذ المقيد ليس بمناف للمطلق. مدفوع بأنه بعد تطرق دعوى الانصراف لا سبيل الى بقاء المطلق في إطلاقه مضافا الى أن ثبوت الحكم المخالف للأصل و الظهور في المطلق لا بد من اقامة الدليل، فبمجرد اشتمال كلمات الأكثر و ألفاظهم إلى المطلق لا يمكن أن يحكم بكفاية التعميم مع تصريح جماعة أخرى على الاختصاص، بل نقل الإجماع على ذلك، و اللّه العالم.
لا بأس بالإشارة إليها، فنقول:
فهل يشرط في ثبوت هذا الخيار عدم خيار آخر أما مطلق أو لخصوص البائع اما مطلقا أو في خصوص ثلاثة أيام كما نفي عنه البأس في «الجواهر» بعد استثناء خيار المجلس؟ وجوه بل أقوال، ثم ان الخيار الأخر الذي شرط عدمه، يحتمل أن يكون المراد منه مطلق الخيار كما هو الظاهر عن «التحرير» حيث قال: و لا خيار للبائع لو كان في البيع خيار لأحدهما، فيشتمل بإطلاقه على ما يعم خيار الحيوان و الشرط و غيرهما من سائر الخيارات
من خيار العيب و الغبن، و كذلك على ما كان الخيار الأخر مختصا في الثلاثة أو بعدها أو يعمها أو خصوص خيار الشرط كما هو المستفاد من عبارة «السرائر» فينزل إطلاق «التحرير» عليه، الا أن الظاهر أنه لا يصلح للتقييد لأنه يحتمل أن يكون اقتصار الحلي «قده» على خيار الشرط من جهة كون عنوان المسألة في كلامه: (بيع ما عدا الحيوان، و هو بيع المتاع) فيكون اقتصاره حينئذ على خيار الشرط انما هو بالنسبة إلى خيار الحيوان، حيث لا سبيل له في عنوان كلامه، فعلى هذا يكون مذهبه ما ذهب إليه في «التحرير» و الا يكون مفصلا في أقسام الخيار.
و كيف كان فنحن نحرر الكلام على ما سلك شيخنا الأنصاري «قده» في الكتاب من عدم التفصيل في الخيار الذي اشترط عدمه، فنقول: في المسألة أقوال ثلاثة:
أحدها: ما ذهب إليه الأكثر من عدم اشتراط هذا الخيار بعدم خيار آخر حيث أن القائل بالاشتراط فيما رأينا لم يسبق الحلي «قده» في «السرائر» و العلامة «قده» في «التحرير» و الدليل على ذلك ليس إلا إطلاق الأخبار الواردة في الباب و هو كاف في المرام مضافا الى عدم تمامية الوجوه التي استدل الخصم على الاشتراط في هذا المقام.
و ثانيها: ما نسب الى «التحرير» و «السرائر» من اشتراطه لعدم خيار آخر، فيمكن أن يستدل لهذا القول بوجوه:
الأول: أصل اللزوم، و هو المعتمد في كل مورد مشكوك، فيقتضي في مخالفته على القدر المعلوم، و من هنا يعلم ما في كلام شيخنا العلامة «قده» في الكتاب من الوهن، حيث استوهن هذا القول بقوله: فلا أعرف وجها معتمدا في اشتراط هذا الشرط، إلخ.
ضرورة أنه يكفي في الاشتراط الاعتماد بهذا الأصل بعد عدم دليل يصلح أن يكون واردا عليه أو حاكما، فان الدليل الذي هو حاكم على هذا الأصل ليس في المقام إلا الإطلاق.
فلقائل اشتراط هذا الشرط أن يقول: بأن الإطلاق مسوّق لبيان تشريع الخيار بتأخير الثمن عن ثلاثة أيام، و أما من جهة ثبوت خيار آخر لهما أو لأحدهما و عدمه ساكت ليس بناظر اليه، فتكون الخطابات الواردة في المسألة من هذه الجهة مهملة لا يصلح للاستدلال بإطلاقاتها، فبذلك يندفع ما يورد على هذا الوجه تارة بأنه أصل لا مقاومة له في مقابل إطلاق الدليل، و اخرى بأنه يلزم على من اشترط هذا الشرط بتنزيل الخطابات على فرد نادر، إذ لا ينفك كل بيع عن خيار المجلس الا نادرا، كما إذا اشترط سقوط خيار المجلس، فلو اشترط خيار التأخير على عدم خيار آخر لزم أن لا يكون لتلك الأخبار الدالة على الخيار بتأخير الثمن موردا الا بعض الأحيان، فبدعوى الإهمال في تلك الاخبار يندفع كلا الإيرادين.
الثاني: انصراف النصوص إلى صورة لزوم البيع من غير جهة تأخير الثمن كما يشهد بذلك قوله: (ان جاء ما بينه و بين ثلاثة أيام، و الا فلا بيع له) يعني أن البيع لازم الا إذا لم يجيء المشتري بالثمن حتى مضت ثلاثة أيام.
الثالث: أن خيار التأخير إنما شرع لدفع ضرر البائع، و حيثما اندفع ضرره بخيار آخر فلا يكون له خيار التأخير لدورانه مدار علته فهو منتف فيما كان البيع خياريا، و سيأتي الجواب عن هذين الوجهين عند إبطال أدلة القول بالتفصيل، فانتظر.
الرابع: ان خيار التأخير ينافي لثبوت خيار آخر، فلا بد من تحققه عدم ذلك الخيار لان ثبوت خيار آخر إذا كان مانعا و منافيا لثبوت خيار التأخير، فلا بد أن يكون عدمه شرطا، كما هو الحال في كل مانع.
و أما وجه المنافاة، فيقرر بوجهين، و لكن كلاهما مبتنيان على ما ذكره العلامة «قده» في «التذكرة» في أحكام الخيار من أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع و لا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار. فالخيار على هذا الحكم يلازم لجواز التأخير و عدم وجوب التقابض، فاذا كان الخيار حكمه جواز تأخير الثمن و المثمن و عدم وجوب تقابضهما، فيقال في تقرير الوجهين:
أما الأول: أن شرط الخيار في قوة اشتراط التأخير فإذا كان للمشتري خيار في البيع فيجوز له تأخير الثمن فينفي خيار البائع بهذا الخيار. و ان شئت فقل:
ان حاصل هذا الوجه ان اشتراط الخيار لهما أو لأحدهما بمنزلة إسقاط خيار التأخير فحيث كان الخيار لهما أو لأحدهما منافيا لهذا الخيار فشرط الخيار الأخر بمنزلة شرط سقوط ما ينافيه. فخيار التأخير ثابت حيث لم يشترط خيار لهما أو لأحدهما.
أما الثاني: أن نفس الخيار سواء كان حاصلا بسبب الشرط أو بحسب أصل الشرع بمنزلة تأخير العوضين أو تأجيلهما الى انقضاء زمان الخيار، فإنه إذا كان الخيار حكمه عدم وجوب التقابض فحيثما يتحقق أحد من الخيارات الأخر في البيع فيجوز تأجيل العوضين و تأخيرهما فينافي خيار التأخير، لأن ذي الخيار له حق التأخير، فخيار التأخير إنما شرع فيما لم يكن للتأخير حق لظهور الاخبار و انصرافها الى ما كان تأخير الثمن من غير حق، و اما إذا كان مع حق فلا يتحقق معه خيار التأخير. و الحاصل أن أخبار الباب ظاهرة في كون هذا الخيار فيما كان تأخير الثمن من غير حق فثبوت خيار آخر لهما أو لأحدهما لازمه جواز التأخير و كونه عن حق فيتنافيان. و يرد على هذا الوجه بكلا تقريريه:
أولا: بمنع المبنى، أعني ما ذكره العلامة «قده» من عدم وجوب تسليم البائع الثمن و المشتري المثمن في زمن الخيار، فإنه كما سيأتي في أحكام الخيار غير مسلّم لمنافاته لقاعدة السلطنة و أنه مبني على كون الخيار حقا ثابتا
في العين لا في العقد، و قد عرفت مرارا و سيأتي أيضا أن الحق المحقق أن الخيار حق ثابت في العقد، فلا يحدث في العين حق بسبب الخيار لذي الخيار، الا أنه إذا فسخ العقد ترجع العين الى ملكه، فقبل الفسخ لا وجه لعدم وجوب التسليم.
و ثانيا: أن الدليل ليس بواف بتمام المدعى، إذ بعد تسليم الحكم و قبول المنافاة فإنما نسلّم المنافاة إذا كان الخيار لخصوص المشتري أو لهما معا، لأنه حينئذ يكون للمشتري حق التأخير، فلا يجتمع مع خيار التأخير لمكان المنافاة، و أما إذا كان الخيار الأخر للبائع فقط دون المشتري فلا وجه لتأخير المشتري الثمن حينئذ فيكون خيار التأخير ثابتا للبائع أيضا لعدم كون التأخير حقا للمشتري فلازم هذا الوجه هو التفصيل في ثبوت هذا الخيار، بين كون الخيار الأخر ثابتا للمشتري و بين كونه ثابتا للبائع، فلا يكون خيار التأخير على الأول للمنافاة، و أما إذا كان الخيار الأخر للبائع فلا دلالة لهذا الوجه، لعدم خيار التأخير، كما هو واضح.
هذا كله تضعيف للأدلة مضافا الى ضعف أصل المدعى، فإنه يرد على هذا القول عدم ثبوت خيار التأخير في بيع الحيوان لمكان خيار الحيوان في الثلاثة مع أن ثبوته فيه اتفاقي. و كذلك يرد أن لا يكون هذا الخيار فيما ثبت فيه خيار المجلس مع أن أغلب البيوع فيه خيار المجلس و ارادة هذا الخيار فيما لم يثبت فيه خيار المجلس، كما إذا شرط سقوطه يستلزم تنزيل الخطاب على الفرد النادر.
فان قلت: انما نقول بخيار التأخير فيما لم يكن خيار في الثلاثة التي نطقت به الاخبار و ما بعدها، و هذا لا ينافي للإلزام بخيار المجلس ما لم يحصل التفرق لإرادة الثلاثة بعد المجلس.
قلت: هذه مندوحة، فيرد حينئذ على هذا القول أنه ينبغي لقائله أن يقول
أن مبدأ ثلاثة أيام من حين التفرق، و لا أظن أنه يلتزم به مع ظهور أخبار الباب أن مبدأ الثلاثة من حين العقد، كقوله عليه السّلام: (من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام و لم يجيء فلا بيع له) أي ثلاثة أيام بعد الشراء، و كذا قوله: ان جاء ما بينه و بين ثلاثة أيام و غير ذلك مما هو كالنص في إرادة ثلاثة أيام من حين المعاملة.
و كيف كان فظهر لك- مما شرحنا- وجه التفكيك في الكتاب بين خيار المجلس و خيار الحيوان مع تساويهما في النقض على هذا القول بأنه يلزم أن لا يكون خيار التأخير عند خيار المجلس ما لم يفترقا في ثلاثة أيام و عند خيار الحيوان في بيع الحيوان فان التعبير عن الأول بقوله: ينبغي على هذا القول كون مبدأ الثلاثة من حين التفرق و عن الثاني بكون هذا الخيار مختصا بغير الحيوان يدل على ثبوت المندوحة عن الأول بإرادة مبدأها من حين التفرق جمعا بين دليلي خيار المجلس و خيار التأخير.
و ثالثها- أي ثالث الأقوال في المسألة-: هو التفصيل بين عدم الخيار للبائع دون المشتري فاشترط خلو الثلاثة عن خيار البائع، كما يستفاد ذلك من شيخ الفقهاء في «الجواهر» و بعض معاصريه فاذا كان للبائع خيار آخر من جهة أخرى يسقط هذا الخيار، لوجوه أيضا: الأول: الأصل. الثاني: انصراف الاخبار الى سبق اللزوم في الثلاثة. الثالث: أن خيار التأخير إنما شرّع لدفع ضرر البائع، أي ضرر تأخير الثمن و ضرر ضمان المبيع و ضرر وجوب حفظه، و قد اندفع الضرر في الثلاثة بغير ذلك الخيار من الخيار الأخر. و يندفع الأول بإطلاق الأخبار فهو حاكم عليه و الثاني بمنع الانصراف، و الثالث أن الضرر في الثلاثة بعد ثلاثة أيام لا يندفع بثبوت الخيار للبائع في الثلاثة، و ان شئت فقل ان ضرر الصبر بعد انقضاء ثلاثة أيام لا يندفع بالخيار فيها مضافا الى أن مدرك هذا الخيار ليس هو قاعدة الضرار، فلا يدور مدارها.
ثم قال قائل هذا التفصيل بعد الاستدلال به على دلالة الاخبار على اللزوم في الثلاثة و عدم الخيار للبائع فيها ما هذا لفظه: و ليس المراد به نفي الخيار المخصوص لان الثابت بالتأخير أصل الخيار و الحكم لا يقيّد بالسبب، إلخ. كأنه سؤال و جواب، بأن أورد على نفسه فأجاب.
و حاصل الإيراد: أن المنفي بتلك الاخبار هو الخيار المقيد- أي الخيار من جهة تأخير الثمن- و هذا لا ينافي ثبوت الخيار في ثلاثة أيام من جهة أخرى.
و بعبارة أخرى: الاخبار انما دلت على اللزوم في الثلاثة من هذه الجهة- أي من جهة تأخير الثمن- و هذا لا ينافي عدم لزومه من جهات أخر.
و حاصل الجواب: أن التأخير انما هو سبب للخيار المطلق أي أصل الخيار و طبيعته من غير تقييده بالتأخير، ضرورة أن الأحكام لا تتقيد بأسبابها للزوم الدور بمعنى أن التأخير ليس سببا للخيار المسبب بالتأخير كما أن الدلوك مثلا سبب لأصل وجوب الظهر و طبيعته لا لوجوبه المقيد أي المسبب من الدلوك و غير ذلك من سائر الأحكام المثبتة أو المنفية، فإنها لا يتعقل تقييدها إثباتا و نفيا على السبب فحيث كان المسبب من التأخير هو مطلق الخيار بعد الثلاثة كذلك نفي الخيار في الثلاثة هو مطلق الخيار لا الخيار من جهة التأخير.
بعبارة أخرى: أنه بسبب تأخير الثمن عن الثلاثة يحصل أمران: اللزوم فيها و الخيار بعدها، فاذا كان الخيار بعد الثلاثة أصله من غير تقييده من جهة التأخير، كذلك اللزوم أيضا يجب أن يكون المراد منه أصل اللزوم من غير تقييده من جهة التأخير.
ثم أجاب عن ذلك شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب: ان ما ذكره من عدم تقييد الحكم بالسبب و ان كان حقا الا أنه لا ينفع في المقام، لان الخيار بعد الثلاثة و اللزوم فيها ليس كلاهما مسببين عن التأخير بل انما هو سبب للخيار
فقط، فثبوته بعد الثلاثة من غير تقييده بالتأخير لا يمنع من نفيه في الثلاثة من جهة التأخير فلا يقتضي إلا اللزوم فيها حينئذ من هذه الجهة بمعنى أنه يقتضي اللزوم و نفي الخيار في الثلاثة من جهة التأخير لعدم تحقق سببه- أعني التأخير- و هذا لا ينافي للخيار فيها من جهة سبب آخر من سائر أسباب الخيار كالمجلس و شرط الخيار و العيب و الغبن و غير ذلك كما يشهد بذلك ثبوت خيار المجلس و الحيوان مع ذلك على ما صرّح به المفصل في «الجواهر» بثبوت الخيار مع الأول بقوله: و لا بأس به، لعدم استثناء خيار المجلس. و ادعى شيخنا العلامة «قده» في الكتاب- في جواب القائل باشتراط المطلق-: اتفاقهم على ثبوته في بيع خيار الحيوان في الثلاثة أيضا.
و بالجملة حاصل ما أجابه «قده» ان ما ذكر من عدم تقييد الحكم بالسبب لا يمنع من كون اللزوم إضافيا- أي من جهة تأخير الثمن- لإمكان وجود أسباب خيار آخر في الثلاثة.
ثم علل ذلك بقوله: أقول: و يمكن المناقشة في هذا التعليل أن ثبوت خيار المجلس انما هو من جهة التخصيص، فلا يشهد حينئذ لمطالبة الثمرة لو كان من باب التخصص ليتم كلامه من عدم المنافاة، فتأمل. و لذا لا ينافي هذا الخيار خيار المجلس.
هذا و قد أورد شيخنا العلامة الأستاذ «دام ظله» على هذا الجواب: بأن الخيار يمكن أن يكون إضافيا بتعدد أسبابه بخلاف اللزوم لعدم تعقّل كونه إضافيا.
و لعل وجهه: أن الخيار عبارة عن السلطنة على ازالة العقد، فتكون له أسباب متعددة في الشرع بأن يكون الخيار من جهة العيب أو الغبن أو غير ذلك من سائر الجهات بخلاف اللزوم الذي هو عبارة عن عدم جواز ازالة العقد أو وجوب
الوفاء به فإنه إذا تحقق، لا معنى لكونه إضافيا بل هو حاصل على الإطلاق لا يجتمع مع خيار آخر كما أنه لا يجتمع مع اللزوم الأخر فلا يتعدد اللزوم في عقد واحد فلو كانت اضافيته متعقلة لكان اللازم جواز تعدده و جواز اجتماعه مع خيار آخر بخلاف الخيار فإنه يمكن تعدده بتعدد أسبابه فيجتمع الخيار من جهة العيب مع الخيار من جهة الحيوان أو من جهة المجلس و هكذا، فافهم.
ثم أجاب «دام ظله» بعد تسليم كون اللزوم إضافيا مع قطع النظر عن الإيراد الذي أورده على العلامة الأنصاري «قده» عن المفصل في دعواه بأن المراد من الاخبار ليس اللزوم المخصوص لان الثابت منها أصل الخيار فكذلك يجب أن يكون الثابت أصل اللزوم أي اللزوم على الإطلاق من دون تقييده بجهة دون جهة بما حاصله: أن هذا حسن لو كان للأخبار في دلالتها على اللزوم في الثلاثة إطلاق، و لكن إطلاقها ممنوع، بل الظاهر منها هو اللزوم الإضافي أي من جهة تأخير الثمن لا من جميع الجهات، و لو أغمضنا عن انصرافها و ظهورها في اللزوم الإضافي فلا أقل من الشك في الإطلاق و التقييد، مضافا الى تطرق احتمال الإهمال، فيجب أن يؤخذ حينئذ بالقدر المتيقن، و لا شك أن القدر المتيقن هو التقييد، أعني كون اللزوم إضافيا بعد القول بإطلاق الاخبار في ثبوت خيار التأخير، فإنه و ان كان مقيدا بلزوم الثلاثة الا أن المقيد إذا دار أمره بين الأقل و الأكثر فيؤخذ بالأقل، و الا يسري إجماله إلى المطلق و ان كان في كلام واحد. نعم لو كان إجمال المقيد من جهة دورانه بين المتباينين يسري إجماله إلى المطلق إذا لم يكن منفصلا عنه.
فاتضح مما ذكرنا أن الحق هو القول الأول لمكان إطلاق الاخبار الحاكم على الأصل، فإن ملاحظة السؤال و الجواب في تلك الاخبار و ترك الاستفصال يوجب سقوط دعوى الإهمال، فحيث ليس للأصل مجرى لا وجه للقول الثاني،
أعني اشتراط عدم خيار آخر مطلقا، لان الوجوه المذكورة غير الأصل مع عدم صحتها في نفسها ليست بوافية بتمام المدعى، لان ما عدا الأخير لو تم انما يدل على عدم الخيار من طرف خصوص البائع، فلا ربط له على اشتراط عدم الخيار للمشتري أصلا و أما الأخير، أعني كون الخيار في قوة الاشتراط فلو تم انما يدل على اشتراط عدم الخيار للمشتري فقط. و كيف كان ان ما عدا الأصل مقتضاه أخص من المدعى.
نسب في «الجواهر» اشتراطه الى بعض الأساطين، و شارح «اللمعة» الى بعض المحققين، و وافقه صاحب «الجواهر» و بعض معاصريه في «شرح اللمعة»، و خالفه الشارح- الفاضل الجواد و شيخنا العلامة الأنصاري «قده»، و استدل على الاشتراط بوجوه:
أحدها: اختصاص الأخبار بصورة التعدد، فالأصل يقتضي اللزوم إذا اتحد العاقد بعد ظهور الاخبار في الاختصاص بصورة التعدد.
ثانيها: أن هذا الخيار انما يثبت بعد خيار المجلس و انقضائه، فهو باق مع اتحاد العاقد إلا في فرض لا تناط به الأحكام.
و ثالثها: أنه إذا قلنا باشتراط هذا الخيار بعدم خيار آخر يكون وجوده مانعا عنه لا محالة، فاذا اتحد العاقد يحصل لهذا الخيار مانع دائما لبقاء خيار المجلس الا مع الاسقاط، فلا يتحقق مع وجود المانع.
و يرد على الأول بما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده»: بأن مورد الاخبار و ان قلنا باختصاصه بصورة التعدد الا أن التعدد ليس مناطا للحكم بالخيار حتى يدور مداره، بل المناط هو عدم الإقباض و القبض، و لا إشكال في حصوله من المالكين مع وحدة العاقد من قبلهما أيضا، و لكن أورد عليه شيخنا الأستاذ «دام ظله» بأن دعوى المناط القطعي ممنوعة، و الظني منه غير مفيد.
و يرد على الثاني: بأن خيار المجلس غير ثابت للوكيل في مجرد إجراء الصيغة كما مضى في محله، فليس العبرة بحال العاقد، بل العبرة بحال الموكل و هو متعدد لا محالة.
و من ذلك يعلم ما في الثالث من عدم ثبوته للعاقد حتى يكون مانعا، نعم يثبت خيار المجلس حينئذ للمالكين و كونه مانعا مبني على المسألة السابقة، و قد عرفت تفصيلا مانعية الخيار الأخر لعدم تحقق الاشتراط.
فاتضح لك أنه ان قلنا بأن المناط هو عدم الإقباض و القبض، فالخيار ثابت في وحدة العاقد أيضا، و الا لكان الراجح في النظر هو اشتراط التعدد لاختصاص صورة التعدد.
فان قلت: إذا كان لم يكن لمجرد الوكيل في العقد عبرة في حصول خيار المجلس كما سمعت، فلا بد من أن تكون العبرة بحال المالكين و المفروض أنهما متعددان لا محالة، فلا معنى حينئذ لاعتبار تعدد العاقد لان المستفاد من النصوص هو التعدد، و هو حاصل في المالكين و ان كان وكيلهما في إجراء الصيغة شخصا واحدا.
قلت: المستفاد من النصوص هو تغاير المتعاقدين أيضا، فلا بد من تعدد البائع و المشتري في هذا الخيار، فلا يكفي وحدتهما. هكذا أفاد «دام ظله» في مجلس البحث، فافهم.
بأن لا يكون المبيع حيوانا أو خصوص الجارية، و الا يكون هذا الخيار بعد أشهر- عند الصدوق «قده»- خلافا لمن عداه فهو محجوج بالإجماع، و أما مستنده فهو رواية ابن يقطين فيمن اشترى جارية فقال: (أجيئك بالثمن، ان جاء فيما بينه و بين شهر، و الا فلا بيع له) فهي مخالفة لعمل الأصحاب، فلا بد من طرحها ان لم تحتمل أحد الوجوه التي حملوها عليها
من حملها على خيار الشرط أو على الندب أو على بيان منتهى الصبر، مضافا الى انتفاء شرط خيار التأخير و هو عدم اقباض المبيع، حيث أن الظاهر أن المشتري أخذ الجارية فقال: أجيئك بالثمن، للغلبة على محافظة الفروج و عدم اطمئنانه على مملوكته عند غيره.
وجهان مبنيان على ظهور النص في أحد منهما، فكل يدعي ظهوره فيما ادعاه، فنسب الى ظاهر الشيخين و السيدين و القاضي و الديلمي و «المختلف» و «السرائر» أن مبدأها حين التفرق، لوجهين:
أحدهما: أن المتبادر من قوله صلّى اللّه عليه و آله: (ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام) مجيئه من وقت المفارقة، إذ لا يعقل المجيء حال الاجتماع، إلا إذا أريد به مجرد دفع الثمن، و هو خلاف الظاهر.
و ثانيهما: ان النص و الفتوى ظاهر في لزوم البيع في تمام ثلاثة أيام، فلو كانت من حين العقد لاشتملت على خيار المجلس، فيبقى اللزوم في بعض تلك الثلاثة بل في جميعها إذا امتد المجلس إلى ثلاثة أيام. و أورد عليه:
أولا: بعد ندرة طول المجلس إلى ثلاثة أيام ان ارادة اللزوم في الثلاثة غير قادح، لعدم قدح زمان خيار المجلس لقلته غالبا فيتسامح فيه و لا ضير في نسبة اللزوم إلى الثلاثة.
فيه: ان التحديدات الشرعية بأسرها مبنية على التحقيق و التدقيق فلا وجه لتطرق احتمال التسامح فيها، كما هو معلوم من ملاحظة مواردها كالكر و المقادير و الأزمنة.
و ثانيا: بأن المراد من اللزوم من حيث التأخير لا من كل وجه، و أما القول بكون مبدأه حين العقد فهو قول الأكثر ظاهرا و ان كان أكثرهم ليسوا بمصر حين
بذلك، الا أنهم تركوه لوضوحه، بأن المراد حين العقد، فقد قواه شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب، لان الخبر المذكور و أمثاله كناية عن عدم التقابض ثلاثة أيام و أن الظاهر من قوله عليه السلام: (الأجل بينهما ثلاثة أيام) حين العقد، حيث لا تقييد فيه على التفرق و نسب الأجل في الثلاثة إليهما يتعين أن يكون أولها حين العقد. و لكن قد يقوى في النظر على ما أفاده «دام ظله» في مجلس البحث القول الأول بتقريب أن ضمير بينه راجع الى المشترى، و لا معنى لكونه مبدأ الثلاثة، بل لا بد أن يكون المبدأ حينئذ ما كان له جهة اختصاص بالمشتري و هو ليس الا حين التفرق، لأنه مختص بالمشتري و افترق عن البائع لمجيء الثمن و أما زمان العقد فهو مشترك بينهما لا اختصاص له بالمشتري، فلا وجه لإرجاع الضمير إلى المشتري باعتبار زمان العقد، كما هو واضح.
و مقتضى الترتيب و ان كان تأخير هذه المسألة عن سائر مسائل الباب و تقديم مسألة كونه فورية أو تراخية على ذلك و انا قدمنا ذلك محافظة على ترتيب الكتاب.
كيف كان،
فهو إسقاطه بعد الثلاثة لأنه زمان الحق، و المفروض جواز إسقاطه- كما هو شأن الحقوق- فهو القدر المتيقن من الاسقاط.
فيه وجهان، و قد نسب في «الجواهر» الى بعض الأساطين بعدم السقوط لعدم ثبوت الحق فيه فيكون إسقاطه فيها إسقاط ما لم يجب، إذ السبب لهذا الخيار هو التأخير عن الثلاثة و المفروض أنه لم يحصل بعد، و يدل عليه فحوى ما صرح في «التذكرة» و أولويته و هو عدم جواز
إسقاط خيار الشرط قبل التفرق عن المجلس ان قلنا بكون مبدأه حين التفرق لا حين العقد.
وجه الأولوية واضح لان سبب خيار الشرط قد حصل هناك بسبب اشتراط الخيار في ضمن العقد، غاية الأمر لا نقول به قبل التفرق للزوم اللغوية و انتفاء فائدة خيار الشرط في زمان الاجتماع مع ثبوت خيار المجلس، بخلافه هنا فان سبب هذا الخيار انما يحصل بعد الثلاثة على تقدير تأخير الثمن عنها، فاذا قلنا بعدم جواز الاسقاط هناك نقول بعدم جوازه هنا بطريق أولى، لأنه أوضح أفراد إسقاط ما لم يجب حيث أن الحق لم يحصل هنا لا بحسب الوجود و لا بحسب السبب.
و أما وجه السقوط هو أن العقد سبب للخيار و مقتضى له غاية الأمر أنه مشروط بتأخير الثمن عن الثلاثة فيكفي في الإسقاط تحقق وجود مقتضيه. و ان أبيت عن ذلك نقول بما مر مرارا في المسائل السابقة أن للبائع حقا فعليا و هو كونه بحيث يحصل له الخيار و يسلط على الفسخ و الاسقاط المعبر عنه بأنه ملك أن يملك فهو نحو من الحق و ان لم تكن له فعلية الخيار الا أنه في قوة أن يملكه و هذا يوجب لتصحيح الاسقاط و ان شئت أوضح من ذلك البيان فراجع.
المشهور المعروف جوازه، لعموم أدلة الشروط، و هذا حسن بناءا على جواز إسقاطه في الثلاثة، و أما على القول بعدم جوازه لأنه غير مشروع بناءا على أنه إسقاط ما لم يجب فيشكل، إذ أدلة الشروط ليست مشرعة لما يشترط بل لا بد كونه مشروعا و جائزا في نفسه حتى يفيد الشرط و أما إذا لم يكن مشروعا فيبطل الشرط حينئذ، لكونه مخالفا للكتاب و السنة حينئذ فلا مسرح لجريان أدلة الشروط لتقييدها بما لم يكن مخالفا للكتاب و السنة نعم لو قلنا بقيام الإجماع على صحة هذا الاشتراط يستكشف منه مشروعية الإسقاط
قبل الثلاثة.
ففي إسقاطه لخيار البائع وجهان بل قولان، ذهب العلامة «قده» الى السقوط، و وافقه الشارح الجواد في شرح اللمعة و شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب، و المشهور عدمه و وافقهم شيخ الفقهاء في «الجواهر» و بعض معاصريه في (شرح اللمعة) عملا بالاستصحاب و إطلاق الاخبار و عدم كون الضرر علة حتى يدور مداره.
وجه الأول أن العلة في الخيار هو الضرر الفعلي، فينصرف إطلاق الاخبار الى صورة الضرر الفعلي و عدم حضور المشتري، فإنه علة للخيار فيدور مداره، و حينئذ فبمجرد البذل كانت منتفية هذه العلة لعدم الضرر حينئذ. و أما الضرر السابق على البذل فلا حكم له الان، لان الخيار حال بذل الثمن، و الفسخ لا يدفع الضرر السابق و لا يتدارك به ذلك الا نادرا فالمفروض عدم التدارك بالبذل فيكون باقيا بعد الخيار لعدم وجود ما يتداركه لاحقا.
فالوجه في عدم استصحاب الخيار عدمه لان الحكم دائر مدار العلة فقبل البذل كان الحكم لوجود علته و بعد البذل مرتفع يرفع علته نعم لو تشبث بالفسخ في زمانه لجاز له، الا انه لما لم يفسخ ثم حضر المشترى للبذل فلا وجه للتشبث بالخيار لانتفاء علته. فمنشأ القولين على ما ذكروا أن الضرر هل هو علة أو حكمة، فصار نزاعهم في هذا المبنى، فمن قال بالسقوط يدعي العلية، و من قال بعدمه يدعي الحكمة.
فيرد حينئذ عليهم بأن المقام ليس محلا لهذا النزاع و لا مسرح له لان مورده انما هو في منصوص العلة، أي فيما صرح به في دليل المسألة من الخبر و السنة و أما إذا لم يكن له صراحة و لا اشعار، فلا وجه له كما في المقام، إذ أخبار الباب بتمامها ساكنة عن هذه العلة و ليس فيها أثر من ذلك، بل انما المقام ينبغي ابتنائه
على قاعدة أخرى و هي ما إذا كان الخبر على طبق القاعدة، فهل ينزل ذلك الخبر على مؤداها أم يؤخذ بإطلاقه كالإجماع الذي قام على دفن القاعدة، فيوهن ذلك الإجماع لتنزيله على مؤدى القاعدة و كذلك في الباب لما وردت أخبار متعددة على ثبوت خيار التأخير على طبق قاعدة (لا ضرر و لا ضرار) فان قلنا بتنزيلها الى تلك القاعدة فلا خيار هنا ببذل المشتري، و ان قلنا بعدمها فيؤخذ بإطلاقها فلا يسقط هذا فيمكن حينئذ دعوى الوهن في إطلاق تلك الاخبار لمكان احتمال تنزيلها على طبق القاعدة و ان لم نقل به و لكنه لا أقل من الاحتمال فيؤخذ بمقدار المدلول فلا يبعد حينئذ دعوى انصرافها، فعند الشك يرجع الى الأصل، فالمرجع في مورد عدم الضرر هو الأصل. أما أصالة اللزوم أو استصحاب الخيار الثابت قبل البذل و الأقوى الأول، لأن الثاني شك في المقتضى.
قال شيخنا العلامة: أخذ الثمن من المشتري بناءا على عدم سقوطه بالبذل و الا لم يمنح إلى الأخذ به.
فيه: ان الكلام في مجرد الأخذ هل يدل على الالتزام الفعلي بالبيع و الرضا به أم لا؟ و هذا غير مبني على عدم سقوطه بالبذل بل و ان قلنا في المسألة السابقة ان البذل يسقط هذا الخيار يقع النزاع في الأخذ أيضا هل هو مسقط أم لا؟
فتظهر الثمرة فيما لم يكن بذل من المشتري فأخذ البائع الثمن من دون بذل المشتري، فان قلنا بأن الأخذ من البائع يكشف عن رضائه بالبيع فيسقط هذا الخيار، و ان قلنا بأن أخذه من دون بذل المشتري كان غير مشروع لسلطنة المشتري على عدم البذل حتى يأخذ المبيع لما هو المقرر ان لكل منهما حق المنع حتى يسلم الأخر أو لخصوص المشتري حق تحبيس الثمن حتى يسلم البائع المبيع.
فيقع الكلام في أن البائع مع تسليمه المبيع و عدم بذل المشتري الثمن إياه
لو أخذه هل يصير ذلك مسقطا أم لا؟ ثم ان هذه المسألة من متفردات شيخنا العلامة حيث لا نجد متعرضا بذلك، و حاصل ما ذكره ان السقوط به انما هو لأنه التزام فعلي بالبيع و يرضى بلزومه بمعنى أن الأخذ يكشف عن الالتزام و كونه على وجه العلم أو الأعم منه و من الظني أو ليس شيء منهما بمعتبر، بل يكفي من باب الظن النوعي. بمعنى أن الأخذ دال على الرضا تعبدا كما قلنا في أن التصرف في خيار الحيوان و الشرط مسقط من جهة كونه رضي نوعيا بالعقد، وجوه مذكورة في مسائلنا السابقة و قد بسطناها في مسقطات خيار الحيوان، لكن الأقوى بمقتضى الاخبار هو الأخير حسب ما أفاده في الكتاب.
فيتوجه حينئذ عليه أنه بناءا على كون الأخذ إسقاطا من باب دلالته على الالتزام علما أو ظنا أو تعبدا، لا يكون قسما آخر في مقابل ما ذكره في أول الأمر أعني إسقاطه بعد الثلاثة بل داخل فيه، إذا الإسقاط أعم من أن يكون بالقول أو الفعل، و لذا لو فرض كون المأخذ مستحقا للغير أو فردا من الكلي الذي يعتبر في كونه ثمنا قصد المشتري و تعيينه أو عين الثمن و لكن المشتري ليس في مقام البذل لحق أو من غير حق، فإن أخذ البائع له في كل هذه الصور على وجه الثمنية إسقاط لخياره، و ان كان أخذه في بعض تلك الصور باطلا، فهذا نظير البيع بقصد فسخ المعاملة السابقة فإنه يوجب انفساخها و ان بان باطلا.
و مما يشهد بأن الأخذ هنا لا يجب أن يكون بحق قوله (فلو احتمل كون الأخذ بعنوان العارية أو غيرها)، فان احتمال العارية لا يجيء إذا كان الثمن المأخوذ عينا شخصية، بل لا بد من فرضه كليا، و حينئذ يتصور أخذ البائع على وجهين تارة مع بذل المشتري و اذنه و تعيينه، و أخرى بدون ذلك بأن أخذ البائع فردا من الكلي بعنوان الثمنية فيصير ذلك أيضا مسقطا لكونه التزاما بالبيع على ما في الكتاب.
ثم اعلم ان في كون الأخذ التزاما بالبيع رضا به فيسقط خياره. فيه ما لا يخفى، لأن الأخذ من البائع يتصور على وجهين تارة يأخذ الثمن جريا على المعاملة السابقة من دون التفاته برضائه له و إسقاطه حقه، فلا يسقط حينئذ، لأنه ليس التزاما جديدا، و المعتبر في الإسقاط ما كان التزاما جديدا و أخرى يأخذ الثمن من جهة أنه التزام جديد بالبيع السابق، فيسقط الخيار حينئذ بذلك، فعد الأخذ من المسقطات بقول مطلق فيه ما لا يخفى.
ففي سقوط هذا الخيار بها وجهان بل قولان: المشهور المعروف هو عدم السقوط للأصل و عدم دليل صالح يدل على الاسقاط بها عدا ما يستدل على القول بالسقوط المنسوب الى ظاهر المشايخ و الديلمي و الحلي و هو أن مطالبة الثمن التزام بالبيع و كل ما هو كذلك فهو مسقط و أورده في «الجواهر» و غيره ممن تعرض لهذه المسألة بأعميتها من الدلالة على الالتزام و الرضا بلزوم العقد.
و لكن شيخنا العلامة الأنصاري «قده»- بعد تسليم دلالتها على الرضا و الالتزام بالعقد السابق- أورد عليه بأنه لا يكفي ذلك في الإسقاط في خصوص المقام و حاصله فرق بين كون السبب للخيار العقد سواء كان من جهة كونه ضرريا كعقد الغبن أو من جهة الاشتراط أو من جهة كونه بيع حيوان و غير ذلك و بين كونه شيئا آخر مفارقا عن العقد و متأخرا عنه كالضرر المستقبل الناشئ عن تأخير الثمن في المقام فالالتزام بالعقد انما هو مسقط في الأول دون الثاني لأن الرضا بالعقد ليس رضاء بهذا الضرر.
فيه: أن الاولى في الجواب ما ذكره المشايخ من منع دلالة مطالبة الثمن بالالتزام فإنه مع قبول دلالتها به لا مسرح لعدم السقوط بالالتزام، لان الالتزام بالعقد التزام بجميع لوازمه و توابعه و من جملتها صورة تأخير الثمن و لزوم التضرر
بحبس الثمن أو تلفه و غير ذلك، فالتحقيق حينئذ أن يقال أنه ان علم من القرائن الخارجية أو الداخلية أن مطالبة الثمن التزام جديد بالبيع السابق فيسقط الخيار حينئذ، و الا- كما هو الظاهر- فلا يسقط و وجه عدم دلالتها: ان مطالبة الثمن تقع على وجهين:
تارة أنه يطلب الثمن جريا على العقد السابق و هذا ليس التزاما جديدا، و أخرى من جهة أنها التزام جديد فالعام لا يدل على الخاص.
قولان، على ما في كتاب شيخنا العلامة «قده» بل أقوال ان قلنا بأن التردد قول، و الدليل على الفورية هو الاقتصار بالقدر المتيقن فيما خالف أصل اللزوم و عدم جريان الاستصحاب، لان الشك فيه شك في المقتضى كما هو الحال في غير المقام من خيار الغبن و غيره.
و لكن الأقوى هو التراخي، لإطلاق أدلّة الباب أولا فإنها ناطقة بثبوت الخيار مطلقا ان لم يجيء بل الثمن في الثلاثة مضافا الى خصوصية أخرى في المقام و هي أن ظاهر قوله لا بيع له، نفي البيع رأسا و بطلانه فاذا تعذر هذا المعنى الحقيقي لقيام الإجماع على الصحة.
فأقرب المجازات أولى و هو جوازه مطلقا اي عدم اللزوم دائما. و ان أبيت عن ذلك فيمنع الإطلاق أما لإهمال النص أو لانصراف الاخبار الى صورة التضرر فعلا كما ذكره في الكتاب في صورة بذل المشتري، فتكون الأخبار منطبقة على قاعدة الضرر فلا تشمل ما إذا كان الضرر باختياره بأن لم يفسخ فيما بعد الثلاثة فورا و لعلهما هما الوجه في الأمر بالتأمل في الكتاب.
فنقول ثانيا بإجراء استصحاب الخيار في خصوص المقام و ليس الشك هنا
في موضوع المستصحب حتى يقال أن الشك في المقتضى كسائر استصحاب الخيار و الوجه في ذلك أن موضوع هذا الخيار انما ثبت بالنص و هو تأخير الثمن مع اجتماع الشرائط من الحلول و عدم حصول القبض و الإقباض في العوضين، فيستفاد ذلك من النص و لو قلنا بإهماله، لان ذلك مدلوله فحيث حصل ذلك فيحكم بعدم اللزوم في الزمان الأول قطعا و يستصحب في ثاني الزمان، بخلاف خيار الغبن و أمثاله، فإن موضوع خيار الغبن هو المتضرر العاجز عن دفع الضرر عن نفسه، فاذا شككنا في ثاني الزمان فليس للاستصحاب مسرح لارتفاع العجز و حصول التمكن من رفع الضرر بسبب خياره في أول الزمان فلذلك يحكم في الغبن الفورية لارتفاع الضرر بالزمان الأول و حيث لم يفسخ في أول الزمان فكان ضرره في ثاني الزمان مستندا الى نفسه لا الى الشارع و لا ينافي ذلك ما ذكرنا مماشاة في انصراف الاخبار الى صورة التضرر الفعلي و انطباق النص على قاعدة لا ضرر، إذ مفادها حينئذ انما يكون ان الحكم الضرري و هو اللزوم في أول الزمان مرتفع. و أما في ثاني الزمان ساكت وجودا و عدما ضرورة أن قاعدة لا ضرر لا تثبت اللزوم إذا لم يكن فيه ضرر بل انما شغلها ارتفاع اللزوم الضرري في المقام فحينئذ ليس الضرر علة حتى يدور مداره الحكم.
لو أتلف المبيع بعد الثلاثة، فلا يخلو اما أن يكون بعد القبض أو قبله، أما بعده فلا اشكال من المشتري، لأنه ماله و تلفه ليس الا على مالكه، و أما قبل القبض:
فلا إشكال أيضا أنه من البائع لمكان الإجماع و لقاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) المفتي بها في مسائل الفقه، و لا معارض لها إلا أمران- و كلاهما
مندفعان في المقام-، أحدهما: قاعدة الملازمة بين النماء و الدرك، فيقتضي كون تلفه بعد الثلاثة من المشتري كما أن نمائه له. و ثانيهما: قاعدة (أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له) و معلوم أن المشتري بعد الثلاثة لا خيار له.
و يندفع الأول بالتخصيص، فإن قاعدة (كل مبيع تلف) أخص منها، لاختصاصها في المبيع، و كون التلف قبل القبض بخلافها، فإنها ناطقة بالملازمة في كل مال سواء كان مبيعا أم لا، أو في قبضة مالكه أم لا.
و الثاني بالتخصص، لعدم عموم قاعدة (التلف ممن لا خيار له) لما حقق في محله أنه ليس لها دليل إلا في خيار المجلس و الشرط و الحيوان، و أنها أيضا من جهة القبض و عدمه مهملة لا عموم لها فلو اجتمع خيار الشرط مع ذلك الخيار بعد الثلاثة، نقول: ان دلالتها على نحو الإطلاق و دلالة قاعدة (كل مبيع تلف) على نحو العموم، و معلوم أن العموم الوضعي مقدم على الإطلاق و العموم الحكمي، لأنه أصرح منه كما هو المقرر عندهم. و أما لو تلف في الثلاثة:
أما بعد القبض: لا إشكال أنه من المشتري أيضا، كما أنه لا سبيل لخيار التأخير للبائع لعدم حصول شرطه.
و أما قبل القبض: فالمشهور أنه من البائع، لمكان القاعدة و للإجماعات المنقولة و لدلالة رواية عقبة بن خالد، خلافا للمفيد و السيدين و المحكي عن سلار فمن المشتري، بل مال اليه الشهيد في المحكي عن نكته، بل في «الانتصار» و «الغنية» الإجماع عليه لأنه ملكه و لا تقصير من البائع إذ لا طريق له الى الفسخ، و بذلك افترق عن التلف بعد الثلاثة حيث ذهبوا بأجمعهم إلى أنه من البائع فيما قبل القبض، و لكن الإجماع معارض، مضافا الى أنه موهون. و أما كونه ملك المشتري، فالضمان عليه، لقاعدة الملازمة، و (أن من له الغنم فعليه الغرم) معارض بالقاعدة المجمع عليها، أعني (كون التلف قبل القبض، فهو من مال البائع).
ثم هنا عبارة للشيخ في «النهاية» ذكرها شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب، و في ذيلها نوع غموض و إشكال، فإنه «قده» بعد أن بيّن هذا الخيار على حسب مضامين الاخبار ذكر: أن المتاع ان هلك في ثلاثة أيام قبل القبض فهو من مال بائعه و بعد القبض فمن المشتري.
ثم قال: فان هلك بعدها كان التلف من مال البائع على كل حال، أي سواء قبض المشتري أم لا، و لا إشكال في صراحة كلامه لهذا التعميم، و انما الإشكال في أنه لو قبض المشتري بعد الثلاثة كيف يكون هلاكه من البائع مع أنه مال المشتري قطعا، فدركه عليه من دون ورود تخصيص لقاعدة الملازمة المذكورة بعد القبض اتفاقا.
ثم انه «قده» علل ذلك الحكم، أي كون التلف بعدها من البائع، بقوله:
لان الخيار له بعد الثلاثة، فيشكل تارة في مناسبة العلة للحكم حيث ان التعليل لا وجه له للحكم بل مناف له، و أخرى في نفس العلة لعدم كونها في نفسها صحيحة، بل غلط و باطل.
و أما بطلان التعليل لان كون الخيار له، أي للبائع بعد الثلاثة، لا يقتضي لكون تلفه على البائع، بل مقتضى قاعدة (أن التلف في زمن الخيار على من لا خيار له، عكس ذلك، فان كون الخيار للبائع لو لم يقتض عدم تلفه من البائع لا يقتضي تلفه منه قطعا.
أما بطلان نفس العلة: فلان قوله: أن الخيار له بعد الثلاثة على إطلاقه في مفروض الكلام فاسد، إذ من المعلوم أن الخيار انما يكون له مع عدم القبض، مع أن الحكم المعلل عام فيما بعد القبض و ما قبله بلا اشكال، و كلام من غير أن يكون قابلًا لصرفه عن التعميم حتى يقال أن الحكم خاص بقرينة ذيل كلامه، كما في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» ضرورة أنه الحكم- أعني قوله: كان
من مال البائع- على كل حال آب عن حمله على حالة قبل القبض كما هو واضح، و لذلك تنظّر فيه العلامة «قده» في «المختلف» بأن مع القبض يلزم البيع، حيث أن الحكم عام مع القبض و عدمه، أورد عليه النظر بأنه كيف يقال بعموم الحكم مع أن في صورة قبض المتاع يلزم البيع فيجب أن يكون التلف من المشتري دون البائع.
و الحاصل: أن هنا إشكالات ثلاثة، أحدها: في تعميم الحكم، حيث أن ظاهره مخالف للإجماع، و ثانيها: في التعليل، لمنافاة الحكم مع العلة و عدم المناسبة بينهما، و ثالثها: في نفس قضية العلة، لكونها في صورة القبض، و قد تصدى شيخنا الأستاذ العلامة في دفع الإشكال الأول بحمل الضمان المستفاد من قوله: (كان التلف من مال البائع) على المعنى العام من الفعلي و التقديري، فيصح تعميم الحكم بملاحظة أمور:
أحدها: كون الضمان أعم من التنجيزي و التقديري كما أن الضمان يستعمل تارة في التنجيزي فقط كضمان التلف على المتلف و أخرى في التقديري فقط كضمان المغصوب و أمثاله إذا كان سبب الضمان مجرد اليد، فان مقتضى قاعدة اليد ضمان ما أخذت ضمانا تقديريا، بمعنى أنه لو تلف ما أخذت كان من بيده ضامنا منجزا.
و ثانيها: تقييد الحكم المذكور بصورة فسخ البائع في فرض حصول القبض و أما قبل القبض فلا حاجة الى الفسخ.
و ثالثها: فرض القبض و تلفه بعد الفسخ بأن فسخ البائع ثم أقبض المتاع المشتري ليكون عنده أمانة، فيكون تلفه حينئذ على البائع لا على المشتري.
و أما لو قبض أولا ثم فسخ، يكون ضمانه على المشتري، لمكان قبضه، فلو تلف و ان لم يكن التلف مسقطا لخيار البائع الا أن مقتضى قاعدة اليد كون تلفه على
ذي اليد كما هو المقرر و القاعدة في الخيارات فبملاحظة تلك الأمور يصح تعميم ما ذكره في «النهاية» من أن هلاكه بعد الثلاثة من البائع. أما قبل القبض فواضح، و أما بعد القبض إذا فسخ البائع أولا ثم حصل القبض فحيث أن قبضه حينئذ من باب الامانة يكون تلفه من صاحبه أي البائع.
إذا عرفت ذلك فيصح التعليل و يندفع إشكال المنافاة، لأن الغرض إثبات الخيار للبائع، ففائدته كون هلاكه منه بعد فسخه المقدم على القبض، فلو لم يكن الخيار له بعد الثلاثة لما يكون له الفسخ و لا يكون هلاكه من البائع، إلا فيما كان التلف قبل القبض.
و أما صحة نفس العلة، فقد عرفت أيضا أنه لا اشكال فيه بناءا على ما ذكرنا من أن الخيار للبائع مطلقا سواء كان التلف قبل القبض أو بعده، و سواء حصل القبض أم لا. و لكن لا يخفى أنا فرضنا القبض بعد الثلاثة فيما بعد فسخ البائع توجيها لتعميم الحكم و هذا القبض لا اشكال و لا كلام فيه أنه ليس مسقطا للخيار بل خارج عن توهم الخلاف، لان القبض بعد الفسخ ليس الا أنه من باب الامانة و الوديعة، لأنه لا يبقي محلا للخيار.
و أما العلامة «قده» فقد فرضه قبل الفسخ فأورد عليه أنه مع القبض يلزم البيع، و كذلك شيخنا العلامة «قده» حيث قال: فان من المعلوم أن الخيار انما يكون له مع عدم القبض.
ففيه: أن القبض بعد الثلاثة ليس من شرائط هذا الخيار و ليس من مسقطاته أيضا، نعم القبض الذي يلزم البيع به هو القبض في الثلاثة، لأن الشرط في هذا الخيار هو عدم القبض في الثلاثة، و أما القبض بعد الثلاثة فليس عدمه شرطا و لا وجوده مسقطا الا من باب الالتزام و الكشف عن الرضا، و قد عرفت الحال فيه في مسألة أخذ الثمن، فان القبض و الأخذ مع قطع النظر عن القرائن الخارجية
ليسا من المسقطات و لم يكونا كاشفين عن الرضا.
هذا غاية توجيه لكلام الشيخ بناءا على مذهب المشهور، و أما بناءا على مذهبه من أن النقل و الانتقال لا يحصل في زمن الخيار بل ملك المتبايعين باق على ملكهما السابق في زمان الخيار سواء كان الخيار متصلا أو منفصلا، فلا اشكال و لا غموض في عبارته أصلا لا في تعميم الحكم و لا في التعليل و لا في العلة، فيكون المقصود في عبارته أن المبتاع لو هلك في الثلاثة فالمدار على القبض فان حصل القبض فمن المشتري لأنه ملك له و ان لم يحصل القبض فمن البائع لقاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال مالكه) و ان كان الهلاك بعد الثلاثة فهو على كل حال من البائع، سواء قبضه بعد الثلاثة أم لا، لان المفروض الخيار له بعدها، فيكون المبيع ملكا له، بناءا على مذهبه، فتلفه على مالكه و ليس مالك المتاع بعد الثلاثة إلا البائع، كما هو واضح على مذهبه.
نعم هنا إشكال في مذهبه، أنه «قده» كيف التزم بذلك في الخيار المنفصل للزوم عود الملك إلى البائع من غير سبب بعد خروجه عنه لمكان العقد، فحينئذ إيراد العلامة «قده» في محله، بأن مع القبض يلزم البيع، فليس للبائع الخيار حتى يكون الهلاك منه، و لكن يندفع أن القبض بعد الثلاثة ليس بملزم العقد، بل الخيار مشروط بشروط في الثلاثة و هو حاصل، هذا كله في تلف المتاع.
أقول: و أما في تلف الثمن فهل هو مثله، فاذا تلف قبل قبضه يكون من مال المشتري و ينفسخ به العقد أم لا؟ وجهان بل قولان، و المحكي عن «الرياض» هو الأول، بل استشعر بعضهم من كلامه الوفاق عليه، فلعل وجهه صدق المبيع على الثمن أيضا، و صدق البائع و إطلاقه على المشتري، فتشمله قاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) و دلالة ذيل خبر (السرقة عليه)، و هو رواية عقبة ابن خالد عنه عليه السّلام (في رجل اشترى متاعا من رجل و ترك المتاع و لم يقبضه، و قال
آتيك غدا إن شاء اللّه، فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: من صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المال و يخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد اليه حقه)، فقوله عليه السّلام: فالمبتاع ضامن لحقه، باعتبار إرجاع الضمائر إلى البائع يدل على ضمان المشتري الثمن حتى رده الى البائع و قبضه و لعل الأقوى الثاني، للأصل، و ظاهر الأصحاب و النصوص على ما ذكر بعضهم فيوهن الإجماع الذي استشعره في «الرياض».
و أما دلالة ذيل رواية عقبة بن خالد، فهو من المجملات، لأن إرجاع الضمائر إلى البائع خلاف الظاهر، مع أنه لا يلائم التعليق المذكور فيه، لان الضمان على البائع ثابت لو قلنا به متى تلف سواء أخرج المتاع من بيته أولا. بل يمكن أن يقال: أن كلمة حتى بمعنى (كي) التعليلية ليكون المعنى أن بالقبض ينتقل ضمان المبيع إلى المشتري ليرد إلى البائع ماله و هو الثمن، فان الرد حينئذ يصير واجبا على المشتري بخلاف ما قبل القبض، لان حبسه بحق.
و التعليق يناسبه و لا يلزم حينئذ خلاف الظاهر في إرجاع الضمائر، لإرجاعها حينئذ إلى المبتاع و هو أقرب مضافا الى أن دلالته بناءا على المعنى الأول لا يوجب كون التلف من ماله بحيث ينفسخ العقد، بل يكون معناه أن يده حينئذ تكون يد ضمان حتى يدفعه اليه كما في الغصب و غيره، فان تلف فيستحق مالكه، و هو البائع مثله أو قيمته، و الفرق بين الأمرين واضح.
و كيف كان هنا فروع:
الأول: قال الفاضل الشارح الجواد «قده» بما حاصله على ما هو المحكي:
لو نقص من اليوم فهل يحتسب ذلك يوما أولا يحتسب؟ أو يلفق؟ ثم قوى التلفيق.
و توضيحه: أن المراد من ثلاثة أيام و المعتبر منها هو العنوان، أي عنوان ثلاثة بياضات، فلو نقص من اليوم أقل قليل لا تحصل البياضات، أو المعتبر هو المقدار
فيلفق، أو العبرة بالعرف، و صدقه فحينئذ لو نقص من اليوم، فان قلنا بأن المعتبر هو العنوان فلا يحتسب ذلك اليوم الناقص من الثلاثة و لو كان النقص قليلا لان التحديدات الشرعية مبنية على التدقيق كما هو الحال من أول الفقه الى آخره.
الا إذا خرج بالدليل، و ان قلنا بكفاية المقدار من ثلاثة أيام فيلفق، و ان قلنا بأن العبرة على العرف فينتظر فان كان النقص قليلا فيحتسب و الا فلا. و قد عرفت تفصيل ذلك في بحث خيار الحيوان، فراجع.
و الأقوى هو الأخذ بعنوان ثلاثة بياضات كما هو المعنى المنساق من ثلاثة أيام و ان المقدار أو التنزيل الى العرف خلاف المنساق من التحديدات الشرعية.
و منها: قال الشيخ على شارح اللمعة: هل يعد الشرطان كالشطرين أم لا؟ الأقوى الاحتساب. و ليس عندنا عبارته حتى يتضح مراده، و لكن تشريح الحال أن يقال تارة أن الشطران عبارتان عن الثمن و المثمن، و قد قرر حالهما من اشتراط عدم القبض فيهما و عدم التأجيل و لو ضم مع كل منهما شرط في ضمن العقد، فهل حال الشرطين حالهما من اشتراط عدم القبض و عدم التأجيل أم لا؟ فيه وجهان و الاقتصار على القدر المتيقن فيما خالف الأصل هو الاحتساب.
هذا أحد الاحتمالين من عبارته «قده» و قد يحتمل أن يكون المراد من الشرطان اشتراط كل الثمن و المثمن بعدم التأجيل و من الشطران نفس الثمن و المثمن، و حيث قلنا قبض بعض الثمن أو المثمن كلا قبض أو أنه قبض حسب ما ذكرنا فهل الشرطان أعني الحلولية كالشطرين في أن حلول بعض الثمن و المثمن كلا حلول أم لا؟ مقتضى الدليل الدال في أن قبض البعض كعدمه أو أنه قبض، فينتفي الخيار لانتفاء الشرط هو الاحتساب، أي عد حال حلولها كحال قبضها، فتدبر.
فان جاء بالثمن ما بينه و بين الليل و الا فلا
بيع له، و يدل على ذلك في الجملة بعد الإجماع مرسلة محمد بن أبي حمزة أو غيره على ما حكى عن «الكافي»، فلا بد من المراجعة.
و هذه العبارة مذكورة في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري و غيره المأخوذة عن المرسلة بعينها، فيقع الكلام في دلالة المرسلة، فإن ظاهرها تحقق الفساد قبل الليل، لقوله: ما يفسد من يومه، كما ان ظاهرها أيضا ثبوت الخيار المستفاد من نفي البيع بعد مضي اليوم و تأخير الثمن فيه الى الليل، فيكون مبدأ الخيار أول الليل، و ذلك لا معنى له إذ لا فائدة في الخيار بعد تحقق الفساد، و حيث أنه لدفع الضرر الناشي من الفساد في المستقبل فلا بد من كونه قبل الفساد، فلا بد أن نوجه بأن المراد من اليوم يوم و ليلته، فالمعنى أنه لا يبقى على صفة الصلاح أزيد من يوم و ليلته، و إطلاق اليوم على هذا المعنى شائع في المحاورات، فيكون المراد تحقق الخيار في أول الليل فيما يتحقق الفساد في آخره أو بوجه آخر من تقدير بعد، أي من بعد يومه على سبيل الإضمار، أو من بمعنى بعد.
و كيف كان كلمات بعضهم نص فيما ذكرنا كعبارة «الدروس» حيث عبّر عن هذا الخيار بخيار ما يفسده المبيت، و قال: أنه ثابت عند دخول الليل، و بعضهم الأخر ظاهر كعقد إجماع «الغنية» على أن البائع يصبر يوما ثم هو بالخيار، و محكي «الوسيلة»: أن خيار الفواكه للبائع فإذا مر على المبيع يوم و لم يقبض المبتاع كان البائع بالخيار. و محكي «الفقيه» الذي أسنده في «الوسائل» إلى رواية زرارة: العهدة فيما يفسد من يومه- مثل الفواكه و البطيخ- يوم الى الليل، المراد من العهدة عهدة البائع.
و أحسن العبائر عبارة «الدروس» لنصوصيته فيما ذكرنا خلافا لشيخنا العلامة الأنصاري «قده» حيث أحسن عبارة «الفقيه» و لم يعلم وجه الأحسنية، و كلمات بعضهم الأخر تدل على أن الخيار في النهار، كما عن «النهاية»: إذا باع مالا
يصح عليه البقاء من الخضر و غيره و لم يقبض المبتاع و لا قبض الثمن كان الخيار فيه يوما، فان جاء المبتاع بالثمن في ذلك اليوم و الا فلا بيع له. و نحوها عبارة «السرائر» الا أن يوجه بخيار المشتري لا بمعنى الخيار المصطلح، بل بمعنى اختياره في تأخير القبض و الإقباض مع بقاء البيع على حاله من اللزوم و سلطنته على بذل الثمن و أخذ المبيع ثم تنقطع عنه السلطنة بعد اليوم، لان الخيار حينئذ للبائع فله الفسخ. و قد تبع الشيخ في «النهاية» بذكر هذه العبارة، و أنت خبير لا وجه لهذه المتابعة، لأنه لا داعي لذكر خيار المشتري بمعنى اختياره الموهم ظاهره خلاف المقصود.
ثم ان معنى الفساد عرفا و حقيقة هو التلف و الهلاك أو الخروج عن المالية رأسا، و أما تغيير بعض أوصاف المالية و نقصانها فليس من الفساد، لأنه يصح سلبه عنه عرفا، فمقتضى التجمد بظاهر النص و الفتاوى هو الاقتصار في ثبوت الخيار في الفساد الحقيقي، فلا خيار بمجرد تغيّر الصفات المالية و نقصانها خلافا لشيخنا الأنصاري «قده» حيث قال بما حاصله: فبمقتضى كون الخضر و الفواكه لا يفسد بالكلية و لا يهلك بل يتغير أوصافه المالية، و أنها مورد النص و الفتوى و ليس المراد الفساد الحقيقي بل ما يشمل تغيّر العين نظير التغيّر الحادث في هذه الأمور بسبب المبيت.
فيشكل ما ذكره «قده» بأن غلبة التغيير في هذه الأمور و عدم هلاكها رأسا لا يوجب حمل الفساد على ما يشمله، لأنه معنى مجازي للفساد، إذ الغلبة انما توجب سببا للانصراف في المطلقات، و أما كونها صارفة عن المعنى الحقيقي فلا، فينبغي الاقتصار في ثبوت الخيار بمورد الفساد الحقيقي لأنه المعنى العرفي أيضا و القدر المتيقن.
أعني الفساد الحقيقي
على المختار أو ما يشمل نقصان المالية بسبب نقصان الصفة على مختار شيخنا العلامة الأنصاري «قده» الى ما كان نقصان المالية عند بقاء المبيع في اليوم و الليلة ناشئا من اختلاف السوق و فواته؟ قيل به تمسكا بدليل الضرر، و منعه في الكتاب بأن فوات القيمة السوقية فوات نفع لا ضرر، فيه إشكال لأن تبدل القيمة الأعلى بالأدنى يعد عرفا ضررا، كما لا يخفى.
و الاولى أن يدفع بالنقض بالمبيع الذي لا يفسد في يومه من الأقمشة و الأراضي و العقار إذا فرض فوات القيمة السوقية، مع أنه لا خيار إجماعا. و بالحل أن قاعدة الضرر موهونة تحتاج الى الجبر من عمل الأصحاب و الا يلزم الفقه الجديد مضافا الى إمكان ما يؤدي نظري القاصر أن ذلك ليس ضررا على البائع أصلا حتى يوجب لخياره فلا وجه للتعدي و الإلحاق، فتأمل.
لا لأصل الفساد، بل لخوف لص أو غرق أو حرق أو نهب أو نحوها، هل يلحق بما يفسد في يومه من ثبوت الخيار؟ الأقوى عدم الإلحاق لخروجه عن مورد الفتاوى و النص، و دليل الضرر فقط لا يكفي في المقام خلافا لبعض المشايخ في شرحه على «اللمعة» حيث اختار الإلحاق، و هو عجيب.
و المستفاد عن بعض المشايخ أن فيه وجوها، الأول: تقدير مقدار اليوم، و بعد مضي مقداره يثبت الخيار. الثاني: جعل العبرة بخوف الفساد، فالعقد لازم الى حين خوف الفساد. الثالث: اللزوم مطلقا، نظرا الى أن الليل أول زمان خوف الفساد، فبيعه في هذا الحال أقدام منه على الضرر، فلا خيار. الرابع: التفصيل بين كون الليل أول خوف الفساد، بأن بقي المبيع الى الليل ثم وقع العقد عليه، و بين كونه أول ما كان المبيع حاصلا في ذلك الوقت فيكون الليل بمنزلة النهار، فاللزوم في العبرة لمكان الاقدام،
و العبرة بخوف الفساد في الثاني، حيث قال ما هذه عبارته: و يبقى التأمل فيما لو وقع العقد ليلا لعدم اندراجه في النص و الفتوى، فيحتمل اللزوم بتقدير اليوم و الفسخ بعده و يحتمل اللزوم الى حين خوف الفساد من غير تقدير و يحتمل اللزوم مطلقا لكون الفرض مما يفسده المبيت، فاذا بيع ليلا فقد حصل الاقدام على بيع الفاسد و شرائه فلا موجب للخيار، و لعل أوسط الوجوه أوسطها، و ان كان الأخير لا يخلو عن قوة، حيث يكون المبيع من ذلك قد حصل في النهار و بقي إلى الليل، أما لو حصل ليلا فإنه مأمون الفساد، فيقوى لزوم العقد الى خوف الفساد.
انتهى.
ففيه وجهان بل قولان:
1- ما نسب إلى جماعة- من وجوب التربص الى حين خوف الفساد فيثبت الخيار حينه.
2- ما احتمله العلامة في «التذكرة» من ثبوت الخيار بعد اليوم أول الليل، و أشار الى ذلك بعض المشايخ بما لفظه: لو كان المبيع من ذلك مما لا يفسد بيوم بل يبقى مثله ليومين أو أزيد فالذي صرح به جماعة أنه يتربص به البائع إلى خوف فساده فيتخير، و ان مضى عليه يومان أو أكثر و احتمل العلامة في «التذكرة» انتظار الليل فيه أيضا لورود التحديد به شرعا، ورده بأن مورد النص هو ما يفسد ليومه و ليس هذا منه، فينبغي الرجوع فيه الى أصالة اللزوم و الأخذ بقاعدة الضرر.
و ما احتمله العلامة لا يخلو عن قوة، فإن المراد بما يفسد من يومه ما كان من الأجناس التي من شأنها الفساد بالمبيت غالبا و عادة كاللحوم و الألبان و الثمرات و الخضروات و نحوها و لا ينافي ذلك من الفساد في بعض الأفراد لخصوصية فيها أو في زمانها أو في مكانها، فإنه لا يخرجها عن صدق ما يفسد ليومه، فيكون
الجميع مشمولا للنص. انتهى كلامه «رفع مقامه».
أقل من يوم بليلته، بأن كان استعداد بقائها نصف يوم مثلا، فهل يلحق بمورد النص نظرا الى أن العبرة بخوف الفساد و قاعدة الضرر أم لا؟ فالمرجع أصالة اللزوم، فقد يستفاد من شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في ذلك الفرع بل في سائره من الفروع الميل إلى التعدي و الإلحاق فيه اشكال لا دليل عليه الا قاعدة الضرر، فهل يحتاج الى الجبر و عمل الأصحاب الا أن يقال بحصول الجبر و لو عمل بها في أصل المسألة و ليس بلازم العمل بها في جميع فروع المسألة، بل لا يحتاج الى الاستناد، فيكفي مجرد الانطباق بأن كان مستند عملهم في المسألة هو النص و مع ذلك يكفي في الجبر، فتأمل.
المراد به الخيار المسبب عن رؤية المبيع على خلاف ما اشترط عليه المتبايعان و الكلام فيه تارة في أصل صحة البيع بعد التخلف و ظهور كون المبيع على خلاف ما وصف و أخرى في دليل الخيار بعد الفراغ عن الصحة، و ثالثة في الأحكام المترتبة على الخيار.
فقد مرّ الإشكال في صحة البيع من وجوه شتى في مسألة اشتراط تعيين المبيع و الجواب عنه بما لا مزيد عليه، فراجع.
فيدل عليه قبل الإجماع أمران: أحدهما: قاعدة الضرر المنجبرة بعمل الأصحاب. ثانيهما: الأخبار الخاصة، منها: صحيحة جميل بن دراج قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى ضيعة، إلخ.
و الاشكال فيها بأن اللازم في موردها الحكم بالبطلان بالنسبة إلى القطعة الغير المرئية لا الحكم بخيار الرؤية. مدفوع بأنه لا بد بدلالة الاقتضاء حملها على
مورد يصح بيع الضيعة اما بتوصيف القطعة الغير المرئية أو بدلالة المرئي على غيره لموافقتهما في الصفات.
و منها صحيحة زيد الشحّام، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى سهام القصابين من قبل أن يخرج السهم، فقال: لا تشتر شيئا حتى تعلم أين يخرج السهم، فان اشترى شيئا فهو بالخيار إذا خرج.
و يرد على التمسك به أنه لا يعلم وجه الاستشهاد به لما نحن فيه، لأن المشتري لسهم القصاب ان اشتراه مشاعا فلا مورد لخيار الرؤية، و ان اشترى سهمه المعين الذي يخرج، فهو شراء فرد غير معين، و هو باطل.
و الإنصاف أن دلالته ليست بأضعف من الرواية الأولى فكما يصح الاستشهاد بها بعد ارتكاب ما مر من الحمل و التوجيه، فكذلك يصح الاستشهاد بهذه أيضا بعد توجيهها و حملها على ما إذا كان شراء السهم المشاع مبينا على التوصيف بالنسبة إلى مورد ذلك المشاع و متعلقة، إذ لا مانع من بيع ثلث المال الفلاني مثلا موصوفا بكذا، فثبت الخيار عند التخلف.
فهذه الرواية كالرواية السابقة مشتركتان في التوجيه، لكن تفترقان أن ارتكاب التوجيه في الأولى مقدمة لتصحيح أصل صحة البيع و في الثانية لتصحيح الخيار، فعلى هذا فالنهي في قوله: (لا تشتر شيئا) إرشادي، لدفع وقوعه في ضرر تخلف الوصف الموجب للخيار.
بإطلاقها على التراخي و كذلك في العيب لدلالة الاخبار على ثبوت الخيار ما دامت العين قائمة بعينها.
أما الإشكال بينه و بين الغبن حيث لو كان مدرك القائل بالتراخي هناك الاستصحاب بعد المسامحة في الموضوع فهو جار هنا أيضا مع أن الفورية في المقام كالمتفق عليه دونه في الغبن الا أن يفرق أيضا بأن المستفاد من النص الدال على ثبوت الخيار عند الرؤية هو التوقيت، أي ثبوت الخيار انما هو بمجرد الرؤية موقتا بها لا مطلقا، فلا مسرح لاستصحاب الخيار بعد فرض دلالة النص على التوقيت، ففي كون الفورية حقيقية أو عرفية، فيجري ما ذكرنا في خيار التأخير و أن الأقوى الأول لكفاية إنشاء الفسخ قولا في انفساخ العقد في أول أزمنة الرؤية و التخلف من غير احتياج الى طول زمان فلا داعي الى المصير إلى الفورية العرفية، فتأمل.
أقول: لو كان مدرك الخيار هو قاعدة لا ضرر، الأمر كما في المتن، و أما بناءا على استفادة ذلك الخيار من النص فينزل على الفورية العرفية.
و الاشكال بأنه يرجع الى التعليق ان قلنا بأن الرؤية كاشفة عن ثبوت الخيار و الى إسقاط ما لم يجب ان قلنا بأنها سبب.
مدفوع، بأنه على التقدير الأول لا يوجب التعليق في أصل إنشاء الإسقاط بل الإنشاء منجز ان صادف محله و موضوعه فهو، و الا انكشف وقوعه لغوا، لانتفاء
الموضوع، فليس هو الا كالتعليق بأصل وجود موضوعه الواقعي نحو بعت هذا ان كان مالي، و على التقدير الثاني بأن الرؤية شرط للخيار و العقد سبب، و وجود السبب كاف في صحة الإسقاط كإسقاط خيار الغبن قبل ظهوره، و قد ذكرنا مرارا أن وجود الحق يكفي في الإسقاط و ان يكن نفس الخيار موجودا قيل الرؤية الا أن استحقاق ثبوت الخيار حاصل فعلا بمجرد اجراء العقد فيرجع الى إسقاط حق الاستحقاق لا إسقاط نفس الخيار كما في موارد ملك أن يملك.
في كتاب شيخنا العلامة «قده» وجوه، ثالثها:
ابتنائه على سقوطه بإسقاطه قولا و عدمه. فيه: أنه لا يجري فيه الا وجهان، أحدهما:
عدم كونه مسقطا مطلقا و ان قلنا بعدم إسقاطه قولا و ذلك لضعف الفعل في الدلالة على الإسقاط فإنه ليس بمثابة القول. ثانيهما: ما جعله ثالث الوجوه و هو ابتنائه على الإسقاط فإنه ليس بمثابة القول. ثانيهما: ما جعله ثالث الوجوه و هو ابتنائه على الإسقاط القولي و اما العكس أعني الوجه الأخر و هو كونه مسقطا مطلقا و ان قلنا بعدم جواز السقوط بالإسقاط القولي، فلا وجه له لان حال الفعل لا يزيد عن القول.
ثم قد يطالب الفرق بين التصرف قبل الرؤية و بين التصرف قبل ظهور الغبن حيث حكموا في الثاني على عدم السقوط من غير ترديد بخلافه هنا، حيث قال في الكتاب: فيه وجوه و يمكن الفرق بأن الكلام في كون التصرف مسقطا انما هو من جهة دلالته على الرضا كشفا نوعيا أو فعليا، و حيث أنه لم يدل على الرضا قبل العلم بالغبن و لا على التحمل على الضرر فمقتضى قاعدة الضرر هو عدم السقوط و أما في المقام قد يقال في دلالته على الرضا من جهة أن تصرفه قبل الرؤية يكشف نوعا على الرضا لهذا يحصل الترديد و الوجوه المذكورة نعم لو قلنا أن التصرف تعبدا مسقط لكان المقامان على السواء، و كذلك لو فرضنا أنه قبل الغبن و الرؤية يدل على الرضا لقلنا بسقوط الخيار به في الغبن أيضا.
اعلم أن الكلام في الخيار المسبب عن الرؤية، و هذا يجتمع مع الخيارات الثلاثة من خيار تخلف الوصف و خيار تخلف الشرط و خيار الرؤية، أي تخلف الرؤية السابقة بتغير المبيع بغير ما رآه سابقا، و حيث كان الجميع مشتركا في حصول الخيار عند رؤية المشتري على خلاف ما وصفه في ضمن العقد في الأول و على خلاف ما اشترط و على خلاف ما رآه سابقا، و كان غالب أحكامها على السواء، لهذا لم نفصل فيما أوردناه من الأحكام المذكورة. و أما هنا فحيث يختلف الحال و المقال، لهذا نقول:
يقع الكلام في كل واحد منها، أما شرط سقوطه في خيار تخلف الوصف، ففي صحة العقد و الشرط معا، أو بطلان العقد رأسا، أو صحة العقد دون الشرط؟
وجوه بل أقوال، وجه الأخير: أن هذا الشرط لكونه إسقاطا لما لم يجب فاسد و أن فساد مثل هذا لا يفضي الى فساد المشروط. نعم لو قلنا بفساده من جهة الغرر و الجهالة كان اللازم إفضاء فساده الى فساد المشروط به بل من أجل أن فساده ليس في المقام إلا لأجل أنه إسقاط لما لم يجب فيصح العقد دون الشرط، و لا يجري في جوابه ما مر مرارا في المسائل السابقة من كفاية وجود السبب، لان المفروض شرط سقوطه في ضمن العقد، فالسبب لم يوجد حتى يقال بكفايته في صحة الإسقاط، فكما أن فعلية الخيار لم يتحقق كذلك سببه، أعني مجرد العقد دون الشرط المتعقب بالخيار عند التخلف لم يتحقق لمكان الشرط.
و لكن لا يخفى ضعف هذا لأوله الى شبهة الشافعي من عدم جواز شرط سقوط الخيار في ضمن العقد لكونه إسقاطا لما لم يجب، و هذه الشبهة و الاشكال سار في جميع الخيارات، و لا اختصاص له بالمقام، و قد ذكرنا أن الأصحاب أجمع على خلافه و على جواز اشتراط سقوط الخيار في متن العقد، و أجابوا عن هذه الشبهة بأن مرجع شرط سقوط الخيار الى دفع المقتضي لا رفع مانع من موانع اللزوم.
و حاصله: منع إطلاق أدلة الخيار بحيث يشمل العقد المشروط في متنه عدم الخيار، فسقوط الخيار ليس لأجل دليل صحة الشرط، بل لأجل عدم وجود المقتضي و هو عدم جريان إطلاق دليل الخيار مع قطع النظر عن صحة الشرط و عدمه، فبعد منع إطلاق دليل الخيار و عدم جريانه في مثل العقد المشروط في ضمنه سقوط الخيار تبقى أصالة اللزوم سليمة عن المعارض و مرجعا في أمثال المقام. وجه القول الثاني، أمران:
أحدهما: فساد الشرط على ما مر و أن الشرط الفاسد مفسد للعقد المشروط و قد عرفت ضعف الفساد مضافا الى أنه لو قلنا بفساده من أجل إسقاطه لما لم يجب لا ينجر مثل هذا الفساد الى فساد المشروط لعدم رجوعه الى الاختلال في شروط العقد و أركانه.
و ثانيهما: أن المصحح للعقد هو التوصيف، لأنه رافع للجهالة، و شرط سقوط الخيار يؤل إلى إلغاء التوصيف و الالتزام بالمبيع كائنا ما كان، وجد الوصف أم لا، فيرجع الى الجهالة و الغرر حينئذ و لذا لو وقع العقد أولا بدون التوصيف لكان باطلا لمكان الغرر و الجهالة فذكر الوصف بعد إسقاط الخيار عند تخلف الوصف في متن العقد يصير لغوا صرفا لأنه رافع للتوصيف و موجب لجعل التوصيف كالعدم.
هذا، و ضعف هذا الوجه يظهر لك من وجه القول، أعني صحة العقد و الشرط معا، و هو أن يقال: يمنع رجوعه إلى الجهالة لأن الرافع للجهالة موضوعا أو حكما نفس التوصيف لأنه من قبيل أصالة الصحة المعتمد عليها عند الشك في الصحيح و المعيب، و من قبيل أخبار البائع بالكيل و الوزن، فالتوصيف يصير المبيع كالمعلوم المشاهد و رافع لأثر الجهالة.
فشرط سقوط الخيار لا يوجب انقلاب المعلوم الى المجهول، لان الخيار
حكم شرعي لا ربط له بموضوع الغرر و لا بحكمه، فلا يوجب ثبوته انقلاب المجهول الى المعلوم و لا سقوطه انقلاب الى المجهول، و لذا لو باع المجهول بشرط الخيار كان باطلا، كما أنه لو باع في مورد أصالة الصحة شرط سقوط الخيار فظهر معيبا و بشرط التبري من العيوب، كان البيع صحيحا و ان ظهر معيبا، فلم يكن شرط سقوط الخيار و شرط التبري موجبا للجهالة و البطلان، فكما ليس مرجع هذين الشرطين الى بيع مجهول الصحة و العيب كذلك مجرد التوصيف كأصالة الصحة موجب للصحة و شرط سقوط الخيار لا يوجب انقلاب الصحة إلى الباطل، و المعلوم الى المجهول، لان التوصيف بنفسه علة تامة للصحة و ان كان المبيع بحسب اللب و المعنى مجهولا لمكان ترتب آثار المبيع المعلوم على التوصيف الذي نزله بصورة المعلوم و ان كان الواقع مجهولا، فمرجع شرط الخيار ليس إلغاء للتوصيف و رفع اليد عن أثر التوصيف، لأن أثره هو الحكم بالصحة كأصالة الصحة. و ان كان بحسب اللب و الواقع غير معلوم حقيقة فهذا نظير المعرف بلام الجنس المترتبة عليه آثار المعرفة، و المعرف بلام العهد الذهني المحكوم بأحكام المعارف، و ان كان الأول بحسب اللب و المعنى كالاسم المنون بتنوين التمكن و الثاني كالنكرة، فالعبرة بمجرد التوصيف، و أما الخيار فلا عبرة له في صحة العقد، لا ثبوتا و لا سقوطا، فلا يصير وجوده سببا لارتفاع الجهالة، و لا عدمه سببا لعود الجهالة.
هذا أقصى ما يقال في بيان وجه الصحة. و لكن أورده شيخنا العلامة الأنصاري- انتصارا للفساد- مما حاصله:
بأن الخيار- و ان كان حكما شرعيا- لا مدخل له في الصحة و الفساد و لا في العلم و الجهل ثبوتا و سقوطا، الا أن الكلام في سببه و سبب الصحة، أعني التوصيف فان معناه هو الالتزام لوجود الوصف.
و من المعلوم أن مرجع شرط سقوط الخيار الى عدم الالتزام بالوصف لان
الالتزام بالبيع مطلقا سواء وجد الوصف أو لا مناف للالتزام بالوصف، فشرط سقوط الخيار رافع للالتزام، فصار كالبيع بدون التوصيف، و حيث يصير الالتزام وجوده كالعدم يؤل الى البيع بلا توصيف و لا التزام، و هذا هو الغرر كما أن الالتزام كان رافعه موضوعا أو حكما.
فلا ينتقض بالبائع بشرط التبري، لأن البائع لم يلتزم بكون المبيع صحيحا حتى يكون شرط التبري منافيا له، بل انما اعتمد المشتري في شرائه على أصالة الصحة الرافعة للغرر، فلا مانع من إجرائه شرط تبري البائع من العيوب، بخلاف المقام فان المعتمد المصحح في المقام هو التزام البائع بالوصف، فحيث شرط البائع سقوط الخيار مناف له يصير إلزامه كالعدم. نعم لو باع بشرط، بأن شرط في ضمن العقد كون المبيع صحيحا، كان شرط التبري منافيا له، فبطل لو حصل الشرط حينئذ، فالمناط في الصحة و الفساد هو سبب الخيار، و هو التوصيف و الالتزام وجودا و عدما.
هذا حاصل كلامه و مهذب مرامه «رفع في الخلد مقامه»، و يشكل بأن الالتزام في الوجود الخارجي و الجزئي الحقيقي غير متعقل، لان متعلق الالتزام لا بد أن يكون فعلا خارجيا مقدورا، و الوصف في العين الخارجية إما موجود أولا، فالالتزام بالوصف فيه خارج عن قدرة البائع، فما جعله المناط في البطلان- و هو التنافي بين الالتزام بالوصف و بين شرط سقوط الخيار الرافع له و الراجع الجهالة- باطل، لأنه فرع صحة المبنى و هو ممنوع، لأنه غير معقول في الصفات الخارجية، بل التنافي الراجع الى الغرر لا يتوقف على جعل التوصيف التزاما، لأنه حاصل أيضا بدونه، بأن يقال أنه لا إشكال في كون التوصيف قيدا للمبيع بأن متعلق البيع ليس هو الجزئي الخارجي على كل حال بل حال كونه مقيدا بالوصف و مرجع شرط سقوط الخيار إلغاء هذا القيد و جعل المبيع مطلقا و من المعلوم حصول
التنافي بين جعل المبيع مطلقا و مقيدا و ان إطلاقه بعد تقييده يؤل إلى الجهالة و الغرر.
فالتحقيق أن يقال: ابتناء الصحة و الفساد في المقام على أن التوصيف الذي هو كأصالة الصحة مصحح للعقد هل هو معتبر من باب الطريقية أو الموضوعية فعلى الأول يتجه ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من الفساد، و على الثاني يتجه ما اختاره المشايخ، منهم: صاحب «الجواهر» لان مجرد التوصيف علة تامة للصحة حينئذ كمال التعريف اللفظي، فيترتب عليه آثار المبيع المعلوم شرعا و ان كان في الواقع مجهولا.
و أما التحقيق في المبنى: الظاهر هو الأول لوجوه:
أحدها: ظهور دليل اعتباره على كون التوصيف طريقا نوعيا إلى إحراز الوصف.
ثانيها: انه الأوفق بالقواعد، إذ بناءا على الطريقية تبقى أدلة الغرر في صورة شرط سقوط الخيار على حالها من غير لزوم التخصيص فينحصر الخارج عن تحتها صورة ما لم يصرح البائع شرط سقوط الخيار. و أما بناءا على الموضوعية يلزم التخصيص فيها في مفروض الكلام، فيدور الأمر في دليل الغرر بين قلة التخصيص و كثرته، و الأول أولى و مقتضاه الالتزام بالطريقية.
ثالثها: أن التوصيف قائم مقام الرؤية، فحيث أن الرؤية السابقة معتبرة من باب الطريقية بلا اشكال، فكذلك ما يقوم مقامها. فمقتضى هذه الوجوه هو الطريقية و اللازم الفساد و لعله الأقوى.
هذا كله في شرط سقوط خيار التوصيف. و أما خيار الشرط فيقرب به بعين ما مر من الالتزام و التقييد و التنافي بينه و بين شرط السقوط و مناط البطلان طابق النعل بالنعل.
و أما شرط سقوط خيار الرؤية: فالظاهر منهم عدم التفكيك بينه و بين سابقيه لعدم من فرّق بينهما فيما رأينا عدا المحكي عن المحقق الثاني التأمل فيه مع جزمه بالبطلان في خيار التوصيف و قد صرح في الكتاب أيضا بالفرق بينهما بناءا على ما جعله المناط في البطلان من التنافي بين الالتزام و بين الشرط، نظرا إلى أنه لا التزام من البائع في ضمن العقد، بل المشتري اعتمد على الرؤية السابقة كاعتماده على أصالة الصحة في الشك في الصحة و العيب، فلا ضير في شرط سقوط الخيار لعدم حصول التنافي الراجع إلى الجهالة. كما أنه الحال لو قلنا بأن المناط هو التنافي من جهة التقييد و الإطلاق على حسب ما أشرنا، لان الرؤية طريق للمشتري إلى إحراز المبيع. و ليست موجبة للتقييد أصلا، فالمبيع هو الموجود الخارجي المرئي و اشتراط سقوط الخيار على تقدير التخلف لا يجعله مجهولا و لا مطلقا، إذ قد يكون احتمال التخلف عند المشتري مجرد احتمال عقلي، فلا ينافي شرط البائع على المشتري سقوط الخيار لو تخلف. و الحاصل:
مناط الصحة في التوصيف هو التقييد، و الشرط إلغاء له، و مناط الصحة في المقام الرؤية السابقة و ليس تقييدا فيصح شرط السقوط لوجود المقتضي و عدم المانع أعني التنافي و التناقض، كما هو الحال في شرط التبري مع إمكان المشتري على أصالة الصحة فشرط السقوط لا يوجب التنافي و التناقض فحينئذ الأقوى هو التفصيل بين خيار الرؤية و بين الخيارين.
الخيار و ان كان حكما شرعيا و لا مدخل له في الغرر ثبوتا و سقوطا الا أنه انما يتجه في الخيار الثابت بجعل الشارع، و أما الخيار الجعلي الثابت بجعل المتعاقدين، فيمكن أن يقال بمدخليته في رفع الغرر و الجهالة ثبوتا و سقوطا و لازمه صحة بيع المجهول بشرط الخيار لو لم يكن الإجماع على خلافه، فتدبر.
بأن باعه
موصوفا و اشترط أنه لو ظهر غير موصوف فأبدل المبيع الغير الموصوف الى عين أخرى موصوفة بالوصف المذكور في العقد أو بغيره أم لا؟
ففيه قولان، فعن الشهيد «قده» في «الدروس» أن الأقرب الفساد، و ظاهره فساد العقد، لأنه يرجع الى جهالة المبيع أو الى اشتراط معاوضة تعليقية غررية لأن البدل المستحق عليه بمقتضى الشرط ان كان بإزاء الثمن، فمرجعه إلى جهالة المبيع و الترديد فيه لأنه ان ظهر مطابقا فالمبيع هو هذا العين، و ان ظهر مخالفا فالمبيع هو البدل، و ان كان بإزاء نفس المبيع الذي ظهر على خلاف الوصف فمرجعه الى انعقاد معاوضة تعليقية غررية، لأن المفروض جهالة المبدل و هو الفاقد للوصف.
و أورده في «الحدائق» بأن مجرد شرط البائع الإبدال مع عدم ظهور الوصف لا يصلح سببا في الفساد لعموم الأخبار المتقدمة. نعم لو ظهر مخالفا يكون فاسدا من حيث المخالفة و لا يجبره هذا الشرط لإطلاق الاخبار في الخيار، و الأظهر رجوع الحكم بالفساد في العبارة إلى الشرط المذكور، حيث لا تأثير له مع الظهور و عدمه، و بالجملة فإني لا أعرف للحكم بفساد العقد في الصورة المذكورة على الإطلاق وجها (انتهى).
و الظاهر أن فرقه بين صورة المطابقة و المخالفة ناظر الى شبهة مخالفة القصد للواقع التي ذكرها الأردبيلي «قده» في مسألة تخلف الوصف، و قد عرفت أن الإمكان ليس من هذه الجهة، لعدم اختصاصها بشرط الأبدال، بل الاشكال انما هو من جهة لزوم الغرر و الجهالة في المبيع أو في الشرط المستلزم للغرر في البيع، و هذا لا فرق بين ظهور الوصف و عدمه فالأقوى ما ذكره الشهيد «قده» من فساد العقد مطلقا ظهر الوصف أم لا؟
أقول: في نظري القاصر صحة العقد لا تخلو عن قوة، فلا بد من التأمل،
لأن العقد على التوصيف قد وقع، فان وقع المبيع مطابقا فلازم، و الا فيثبت الخيار و فساد الشرط أعني اشتراط الأبدال لا يسرى الى فساد العقد.
وجه قوي لأمور:
أحدها: دعوى المناط بناءا على استناد هذا الخيار إلى الأخيار الخاصة، فإن العبرة و المناط هو المعاوضة لا خصوصية البيع.
ثانيها: قاعدة الضرر، فهي كافية في التعميم بعد انجبارها بالعمل.
ثالثها: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بما حاصله من منع وجود المقتضي للزوم مع تخلف الوصف، لأن المقتضي للزوم هو العقد و المعاهدة، فهي لم تثبت بالنسبة الى غير الموصوف، بل انما تعلق بالموصوف، فاذا ظهر الخلاف فلا مقتضى للزوم، لان عدم الالتزام بترتب آثار العقد الفاقد للوصف المشروط فيه ليس نقضا للعهد، فيدور الأمر بين فساد العقد أو الحكم بالخيار، و الأول مخالف للإجماع، فتعين الثاني، (هذا) و يرد عليه:
أولا: أن منعه «قده» المقتضي للزوم مع حكمه بالصحة متناقضان، لان موضوع المعاهدة إذا بني على الموصوف و إخراج غير الموصوف عن موضوع التعهد و الالتزام، فلا وجه للحكم بالصحة بل لازمه الفساد كما في تخلف الماهية فالحكم بالصحة مبني على جعل متعلق العقد هو نفس العين الخارجية، و جعل الوصف من باب تعدد المطلوب، و حينئذ فالمقتضي للزوم بالنسبة إلى الفاقد موجود لا محالة و هو العقد فلا وجه لمنع المقتضي فمنع، فالمقتضي مناف و مناقض للحكم بالصحة لمكان الإجماع على عدم الفساد فيكشف الإجماع على فساد المبنى.
و ثانيا: سلمنا عدم وجود مقتضى اللزوم، الا أنه يوجب عدم جواز التمسك
في لزومه (ب أَوْفُوا) و هو غير ضائر، لعدم انحصار مدرك اللزوم به لكفاية الاستصحاب في الحكم باللزوم، لأنه بعد الاعتراف بالصحة مع الشك في اللزوم فالمرجع استصحاب الملكية، فإذا الوجه القوي في جريان هذا الخيار هو الثاني أعني دليل الضرر لضعف الأول أيضا في دعوى المناط القطعي أولا، و منع استناده الى الاخبار الخاصة بل إلى قاعدة لا ضرر ثانيا.
هذا في غير الصلح واضح، و أما فيه: فقد أفرده في الذكر في «الجواهر» بعد الحكم بجريانه في الإجارة و نحوها مما يعتبر فيه المشاهدة و الوصف ما لفظه:
بل يمكن القول بجريانه فيما لا يعتبر فيه ذلك كالصلح تنزيلا للخيار في خلاف الوصف في المعين منزلة الإبدال في الوصف المعين. فتأمل جيدا. (انتهى).
يعني لو صالح كليا موصوفا، فيجب ابدال غير الموصوف بالموصوف لو سلم في مقام الأداء الفرد الغير الموصوف و ان كان الصلح لو وقع بنفس الكلي من غير توصيف كان صحيحا لاعتقاد الجهالة فيه، فكذلك لو صالح عينا جزئيا موصوفا و تخلف الوصف ثبت الخيار، لأنه لا يجري فيه الأبدال فينزل الخيار في الجزئي الموصوف منزلة الإبدال في الكلي الموصوف، لان التوصيف في قوة الاشتراط، و الا لكان لغوا، فعند التخلف ثبت الخيار.
فيه: أولا منع التوصيف منزلة الاشتراط بل فائدته هو الترغيب و احداث الداعي، و ثانيا تخلف الوصف و الشرط لا يؤثر في الخيار لاغتفار الجهالة و الغرر في الصلح، فلا يجري فيه قاعدة الضرر. و هذا بخلاف الإبدال في الكلي، لأن التوصيف في الكلي يوجب التنويع فتسليم العاقد ليس تسليما للمصالح عنه بل هو باق في ذمته فيجب دفعه بأداء الفرد الأخر المنطبق على الكلي الموصوف، و أين هذا من الجزئي الموصوف، لان تخلف الوصف فيه لا يوجب خروجه عن متعلق الصلح، فتخلفه أيضا غير ضائر لافتقار الجهالة فيه فالتفصيل بين الصلح
و بين سائر عقود المعاوضات في جريان هذا الخيار لا يخلو عن قوة، فتأمل.
فقال المشتري به، و البائع بعدمه، فعن محكي «التذكرة» المنكر هو المشتري، فيقدم قوله، لأنه موافق لأصالة البراءة حتى يثبت خلافه بالبينة أو بالإقرار، إذ المدعي حينئذ هو البائع فعليه الإثبات.
و المستفاد في «المختلف» أن المنكر هو البائع لأصالة اشتغال ذمة المشتري بالثمن حيث اعترف بالشراء، الا أن يثبت تغير الوصف ثم يفسخ، فيصير المشتري حينئذ مدعيا لمخالفة قوله للأصل كما اختلفا في أصل الاشتراط، فقال المشتري: أشترط كون العبد كاتبا، و البائع ينكره، فالأصل عدم الاشتراط فيبقى اشتغاله سليما.
و أورده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بما حاصله أن اختلافهما يرجع الى أن عقد البيع هل تعلق بالعين الملحوظة فيها الصفات الفاقدة المغيرة كما قاله المشتري أو تعلق بعين لوحظ فيها الصفات الموجودة أو ما يعمها كما قاله البائع، فاللزوم انما هو من أحكام المناط و آثاره، فالأصل عدمه أي عند الشك بين هذين الفرضين الأصل عدم تعلق العقد بالعين الملحوظ فيها الصفات الموجودة أو ما يعمها و لازمه عدم لزوم العقد لان لزوم العقد كان من آثاره على تقدير تعلقه بهذا العين مع هذه الصفات الموجودة أو الأعم، فيصير حينئذ قول المشتري موافقا للأصل فيقدم قوله و قول البائع مخالفا له. فعليه الإثبات فلا يقدم قوله و لا يحكم باشتغال ذمة المشتري مع فسخه و ان لم يثبت التغير و الاختلاف بالبينة خلافا للمحكي عن «المختلف»، لا يقال هذا الأصل أي أصالة عدم تعلقه بعين لو حظ فيها. إلخ. معارض بأن الأصل عدم تعلق عقد البيع بعين لوحظ فيها الصفات الفاقدة المتغيرة، لأنا نقول بأن الأصل الثاني لا أثر له الأعلى القول
بالأصل المثبت بأن لازم عدم تعلق عقد البيع بعين لو حظ فيها الصفات المفقودة بعين لوحظ فيها الصفات الموجودة فيكون حينئذ لازما فيدفعه حينئذ أن الأصل عدم تعلقه بعين لوحظ فيها الصفات الموجودة فيكون حينئذ الأصل عدم اللزوم و هو موافق لقول المشتري فيقدم لأنه يصير حينئذ منكرا بالميزان المقرر في تشخيص المدعي و المنكر.
و مما ذكرنا توضيحا لكلامه يتضح لك الفرق بينه و بين الاختلاف في اشتراط الكتابة و أمثالها لأن الأصل عدم تعلفه بعين لو حظ فيها الصفات الموجودة أو ما يعمها لا جريان له لمكان حكومة أصالة عدم الاشتراط عليه بخلاف المقام لان الصفات المختلفة فيها بعنوان تقييد المبيع فيرجع اختلافهما الى تعلق العقد الى هذا المقيد أو الى هذا.
هذا حقيقة مرامه «رفع في الخلد مقامه». و لكن يرد عليه: أن ما ذكره مبني على عدم جواز التمسك في أمثال المقام في تشخيص المنكر و المدعي بالأصول المثبتة. و هذا غير مرضي عندنا كما مر في مسألة اختلاف ما شاهده قبل البيع و غيرها، لان المرجع في تشخيص المنكر و المدعي هو العرف و بناء العقلاء فالأصول العدمية المثبتة يحصل بسببها الميزان لما ساعد عليه العرف و يحصل به الظن فيكفي في التشخيص و لم يكن لها أثر شرعي و ليست بحجة شرعية إذ معنى الحجة الشرعية يترتب آثارها الشرعية فهي مفقودة في المقام فالأصلان حينئذ متعارضان لان قول كل منهما مخالف للأصل، فلا بد من التخلف و لازمه انفساخ العقد من حينه.
و ان أغمضنا عن ذلك نقول: ان ما ذكره «قده» ان أخذ الصفات في المبيع و ان كان في معنى الاشتراط الا أنه بعنوان التقييد فيرجع الشك الى تعيين موضوع العقد باطل، لأن أخذ الوصف في موضوع مستلزم لفساده عند التخلف كما سبق
و ينتج قول الأردبيلي «قده» في البطلان فلا وجه للخيار إذ الخيار مبني على جعل الموضوع هو ذات العين الخارجية و جعل الوصف كالشرط من قبيل تعدد المطلوب و حينئذ فما ذكره من الفرق بين المقام و بين الخلاف في الاشتراط لكتابة العبد باطل، فكما تقدم هناك قول البائع لأصالة عدم الاشتراط لوصف مفقود كالكتابة مثلا فكذلك في المقام أيضا.
نعم يتجه الفرق بين الخلاف في تخلف الشرط و بين الخلاف في تخلف الوصف في الرؤية السابقة إذ لا شرط و لا توصيف هناك فلا أصل بالنسبة إلى موضوع العقد و أما المقام فحاله حال الشرط حرفا بحرف.
فحينئذ الحق أن يقال ان قلنا بالأصل المثبت في تشخيص المنكر و المدعي فلا بد من التحالف و ان قلنا لا بد من الأصل الشرعي، فالقول قول البائع لاعتراف المشتري باشتغال الذمة بالثمن على تقدير عدم الخيار فعليه إثباته حتى يحصل برائته على تقدير فسخه.
هذا كله فيما لو اختلفا في أصل التخلف و أما لو اتفقا عليه و اختلفا في زمانه فقال المشتري حصل التخلف قبل العقد و كان المبيع حال العقد فاقدا للوصف، و قال البائع حصل بعد العقد في ملك المشتري فلا خيار. فالأقسام ثلاثة، لأنه اما يعلم تاريخ العقد دون تخلف الوصف، أو بالعكس، أو لا يعلم بل يجهل كلاهما.
أما الأول، بأن وقع العقد على الشاة الموصوفة بالسمن و شك في هزاله الحادث يقينا هل حدث بعد العقد أو قبله فالأصل تأخره فيقدم قول البائع اما من جهة الأصل المثبت حيث ثبت بأصل تأخره وقوع العقد في حال السمن أو من جهة استصحاب نفس السمن الى زمان العقد الا أن ذلك أيضا على التحقيق مبني على الأصل المثبت لأن الأثر مترتب على وقوع العقد على السمن لا على مجرد بقاء السمن حال العقد، الا أن المشهور لا يفرقون بينهما، فحينئذ يقدم قول البائع.
و أما الثاني، بأن علم الهزال في أول الشهر و شك في إجراء العقد بعده أو قبله فأصل عدم وجود العقد الى زمان الهزال و أصالة تأخره يقتضي تقديم قول المشتري، لكنه أيضا مبني على الأصل المثبت لأن الأثر أعني الخيار مترتب على وقوع العقد على الهزال، لا على عدم وجود العقد الى زمان حدوث الهزال.
و أما الثالث: فتتعارض أصالة تأخر الحادث فيهما، فعلى المشهور من ثبوت التقارن بتقدم قول المشتري، لأن تقارن العقد و الهزال كاف في نفي اللزوم، لكن الحق عدم حصول التقارن الا على الأصل المثبت و الا فهو أيضا حادث مشكوك و الأصل عدمه، فلا أصل حينئذ في البين، فالمرجع حينئذ أصالة اللزوم، فيقدم قول البائع، و كذلك الكلام في الأوليين بناءا على عدم اعتبار الأصول المثبتة الجارية فيهما.
فيبطل على ما في محكي «التذكرة» و «المبسوط» و القاضي و ابن سعيد و «جامع المقاصد» و يصح على ما في «المختلف» و هل مفروض البحث ما إذا كان المبيع كل الثوب و تمامه، أو ما إذا كان المبيع بعضه المنسوج بشرط ضم نسج بعضه الأخر؟ ظاهر كلمات جملة من الأعيان قولا و دليلا هو الأول و ظاهر الكتاب هو الثاني، و المحكي عن «المختلف» محتمل الأمرين بإرجاع ضمير (اشتراه) الى المضاف أو الى المضاف اليه فلنفرض الكلام أولا في ظاهر كلماتهم أعني الوجه الأول من كون المبيع تمام الثوب من المنسوج و غيره شرط أن ينسج الباقي على منوال الأول.
فنقول: أن فيه وجوها ثلاثة
الأول: البطلان لوجوه ثلاثة، أحدها: لزوم الغرر بناءا على عدم ارتفاع الجهالة بمثل هذا الوصف نظرا الى اختلاف الجهات.
و ثانيها: المحكي عن «المبسوط» من أن المنسوج مرئي و الباقي الموصوف غير مرئي، فالعقد بالنسبة إلى الأول لازم و بالنسبة الى الثاني جائز، فيلزم التناقض لان العقد شيء واحد لا يمكن أن يكون لازما و جائزا معا، لامتناع الحكمين المتضادين في شيء واحد.
و ثالثها: لم يثبت من الشرع جواز مثل هذا العقد الواحد المتعلق بالمركب من الموجود الجزئي و المعدوم الكلي، فإن الثابت من الشرع اما بيع الجزئي الخارجي أو بيع الكلي.
فنقول: تعيّب المبيع حيوانا كان أو غيره بعده اما أن يكون قبل القبض أو بعده، و على الثاني في زمن الخيار أو بعده، أي بعد انقضاء الخيار أو مضيه فهنا مقامات ثلاثة،
بالنسبة إلى نفسه و بالنسبة إلى التعيب السابق، بمعنى أنه هل يحدث الخيار المستقل أم لا، و أنه هل هو مسقط للخيار السابق الحاصل بالعيب السابق على العقد أم لا؟ فهنا مسألتان لا بد من التكلم فيهما، الاولى: في أنه هل هو- أي حدوث العيب بعد العقد و قبل القبض- يوجب الخيار للمشتري و يحدثه له أم لا؟ فنقول: ربما يتوهم من عبارة الشارح الجواد التفصيل بين أن يكون القبض من شرائط الصحة و عدمه، حيث قال ما هذه عبارته: إذا حدث في المبيع، حيوانا كان أو غيره، فأما أن يكون قبل قبضه أو بعده في زمن الخيار أو بعده، فان كان قبل القبض فهو اما أن يكون من شرائط صحته كالتصرف أولا، فإن كان شرطا فلا ريب في تخيير المشتري بين الرد و الأرش على نحو غيره من العيوب السابقة على العقد لعدم تأثر العقد
بدونه، و ان لم يكن شرطا فالمشهور تحصيلا و نقلا أنه كذلك أيضا. انتهى.
و التحقيق الذي يتضح به المقال أن يقال: المبيع لا يخلو اما أن يكون في يد البائع أو في يد المشتري و قبضه، أما إذا كان في يد البائع و لم يتحقق القبض للمشتري و حدث العيب حينئذ فلا بد أن يفصل بين أن يكون شرطا للصحة و عدمه فعلى الأول- أي فيما إذا كان القبض من شرائط صحة العقد كبيع الصرف- فلا إشكال في أن حدوث العيب قبل حصول مثل هذا القبض يوجب رد المبيع لأنه حينئذ مضمون على البائع بل هو كحدوثه قبل العقد لأنه لم يستكمل العقد بدون القبض حينئذ و لكن خيار المشتري بينه- أي بين الرد- و بين الأرش فيه اشكال و تفصيل، فعلى مذهب المشهور في بيع الصرف من أن القبض ليس بواجب بل انما هو من شرائط صحة العقد لا أنه يجب إقباضه على البائع و كان للمشتري حق عليه من جهة مطالبة القبض.
ينبغي حينئذ أن يقال: ليس للمشتري خيار الأرش لأنه لم يتم العقد له و ليس له الالتزام على البائع الأرش و مطالبته منه، بأن يأخذ المبيع و يمسكه و يأخذ أرش العيب بل الخيار في إقباض المبيع للبائع، فإن شاء أقبضه و الا فلا يجب عليه الإقباض، و أما على المذهب- المنسوب إلى العلامة «قده»- من وجوب الإقباض في بيع الصرف أيضا، حسب ما فصلناه سابقا مع دليله فيتوجه حينئذ ثبوت الخيار للمشتري بأن كان له رد المبيع و عدم قبضه من البائع و إلزامه على البائع بالإقباض فيقبض و يمسك المبيع و يطالب الأرش.
و على الثاني- أي فيما لم يكن القبض من شرائط الصحة- فلا إشكال حينئذ في تمامية العقد و حكمه حكم ما كان المبيع في يد المشتري، أما إذا كان المبيع في يد المشتري- كما هو ظاهر عناوينهم و انصرافات كلماتهم- لا فرق بين الصرف و غيره، و لا فائدة للتفصيل بين كون القبض من شرائط الصحة كما فصل في العبارة
المحكية عن الشارح الجواد الا أنه في الصرف نفى الريب في أن ضمانه على البائع لأن العيب انما حصل قبل استكمال العقد و غيره نسب الى المشهور.
و كيف كان، الكلام هنا في أن العيب الحادث قبل القبض إذا علم في يد المشتري فهل يوجب التخيير بين الرد و الأرش أو الرد فقط أو الأرش لا غير، الظاهر أنه لا خلاف في الرد بذلك العيب، بل الظاهر الإجماع على ذلك و لولاه لأمكن المناقشة فيه لان العيب ضرر حصل في ملك المشتري بآفة سماوية و كونه موجبا للرد لماذا؟ و القاعدة المعروفة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) إنما وردت في تلف المبيع لا في تعيبه فتلف بعض أجزائه و صفاته غير مندرج تحت القاعدة لظهور قوله (كل مبيع تلف) في تلف تمام المبيع و القول بأن الرد حينئذ انما هو من جهة قاعدة الضرار مندفع بأنه لم يجيء الضرر من جهة العقد بل هو ضرر حدث في ملك المشتري فهو كما أنه ضرر على المشتري كذلك رده ضرر على البائع و لا أولوية.
و أيضا أن التلف و العيب و ان لا يوجبان سقوط الرد و الخيار الا أنه فيما عدا خيار العيب و أما فيه فمقتضى القاعدة سقوط خيار الرد لان الرد في خيار العيب مشروط بما دامت العين باقية، ففي صورة التلف جزءا و صفة ليست العين باقية كما هو المصرح به في الاخبار.
و الذي يسهل الأمر هو الإجماع، فبعد كون المسألة إجماعية لا ينبغي التفتيش عن دليل آخر و ان كان الإجماع ورد على خلاف ما ساعدته القاعدة. نعم يمكن استفادة خيار الرد من دليل آخر كما في «الجواهر» و هو بعد أصالة صحة العقد و الضرر بإلزام البائع بقبوله على هذا الحال أن يقال: انا علمنا من حكم الشارع كل مبيع تلف قبل قبضه. إرفاق الشارع بالمشتري خاصة دون لبائع، فمقتضي الإرفاق ضمانه على البائع على نحو غيره مما يقتضي رده اليه فيوجب تلف الجزء
و الصفة قبل القبض رد المبيع أيضا بحكم الإرفاق على المشتري فحينئذ يسقط الاحتمال الأخير من لزوم الأرش فقط لا غير عن درجة الاعتبار لمخالفته للنص و الإجماع حسبما عرفت. فيثبت أن للمشتري الرد إذا تعيب المبيع قبل لعدم الخلاف بل الإجماع كما هو المصرح به في كلام غير واحد و لاستفادة الإرفاق من النص المذكور مضافا الى لزوم الضرر بإمساكه و ان يناقش في الأخير بانجباره بالأرش و كيف كان لا ينبغي المناقشة في جواز الرد بعد قيام الإجماع عليه و أما الأرش فيه خلاف.
ففي «الخلاف» عدم الخلاف في عدمه و هو المحكي عن ابن إدريس و ظاهر المحقق لأصالة البراءة عنه بعد جبر تضرر المشتري بثبوت الرد و معنى ضمانه على البائع قبل القبض انفساخ العقد لو تلف لا أنه يلزم المثل و القيمة حتى يثبت الأرش فيمنع سريان ضمان تلفه على البائع لاجزاء المبيع الغير المستقلة كما هي المبحوث عنها و لصفاته و الا لاقتضى انفساخ العقد في الجزء المقابل للثمن حتى لو أراد دفع الأرش من غيره لم يجب عليه القبول.
و لا ريب في بطلانه خصوصا على ما هو الظاهر من عدم مقابلة أجزاء الثمن لاجزاء المبيع، و القول بالأرش هو المنسوب الى المشهور، و اختاره العلامة و الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم.
و يستدل عليه بوجوه، منها: ما في كتاب شيخنا العلامة «قده» ان الكل مضمون قبل فكذا أبعاضه و صفاته و أورد عليه في «الجواهر» بأن معنى ضمانه انفساخ العقد و هذا غير متحقق في الاجزاء و الصفات فلهذا لا يوزع عليها الثمن، و أجاب عن ذلك في الكتاب بأن وصف الصحة و ان كان لا يقابل ابتداء بجزء عين من الثمن الا أن معنى ضمانه هو تقدير تلف الجزء الغير المستقل و تلف الوصف في ملك البائع قبل العقد، فكما أن تلفها في ملك البائع يوجب خيار المشتري
بالأرش كذلك حدوث العيب في الجزء و الوصف بحيث يوجب تلف الجزء و الوصف في ملك المشتري قبل قبضه كون المبيع معيبا فيجري فيه جميع أحكام العيب من الخيار و إسقاطه ردا و أرشا.
و منها: مساواة الضمان هنا ضمان المبيع في الخيار المختص و كما يثبت الأرش هناك فكذا هاهنا و استدل بذلك في «الأنوار» فيه ما لا يخفى من القياس.
و منها: ما استدل فيه أيضا قوله عليه السّلام: (لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط و يصير المبيع له) فان معنى (له) أنه يكون من ضمانه و الا فهو مالكه من حين العقد، فيفهم أن الضمان على البائع في كل ما لم يكن المبيع للمشتري- أي داخل في ضمانه و الإجماع منعقد على عدم دخوله بضمانه قبل القبض.
و منها: ما ذكره الفاضل الجواد من ظهور الاتفاق من الأصحاب على أن مضمونية المبيع على البائع قبل القبض على نحو مضمونيته عليه قبل العقد، فمتى تلف قبل القبض بطلت المعاملة لفوات متعلقها و متى تعيب ترتب عليه حكم العيب و لذا اتفقوا على ثبوت الخيار هنا فيتسلط المشتري على الرد و الفسخ و لو لا ذلك لم يتجه الرد.
و منها: ما ذكره أيضا بعد هذه العبارة أنهم اتفقوا على استحقاق الأرش مع التراضي و لو لا أن العيب مضمون على البائع كضمان الجزء الذي يتقسط عليه الثمن لكان أخذ الأرش من أكل المال بالباطل إذ لا معاوضة في المقام.
و حاصله: أن خيار المشتري بالأرش ثابت، و الا يكون أخذه من أكل المال بالباطل مع أنهم اتفقوا باستحقاقه مع التراضي.
فيه: ان اتفاقهم على الأرش مع التراضي لا يدل على أصل ثبوته بالعيب لمكان أن أخذ الأرش انما هو من جهة إسقاط المشتري حقه من خيار الرد و ليس ذلك أكلا بالباطل.
و منها: أنه لا ريب في ثبوت تخيير المشتري بين الرد و الأرش بالعيب السابق على العقد، فحيث ثبت ذلك بالنص و الإجماع فكذلك ثبوت ذلك فيما نزّله الشارع بمنزلته أعني حدوث العيب قبل القبض، فان حدوث العيب قبل القبض مساو لحدوثه قبل العقد في المضمونية و السببية، كما أنه موجب للأرش كذلك ما هو بمنزلته شرعا.
هذه جملة من الوجوه التي يستدل بها على ثبوت الأرش و ان كان يرجع بعضها الى بعض، و القدر الجامع هو مضمونية العيب الحادث قبل القبض، فيمكن المناقشة: أن المضمونية انما تقتضي جواز الرد لا الأرش، الا أن الظاهر من الضمان بضميمة كلمات الأصحاب على نحو ضمانه قبل العقد فكما أنه يوجب الأرش هناك كذلك هاهنا، مضافا الى استفادة ذلك من النص المذكور أعنى قوله عليه السلام: و يصير المبيع له. على التقريب المتقدم فحينئذ الأقوى في النظر هو ثبوت الأرش أيضا فثبت الخيار للمشتري بسبب العيب الجاري قبل القبض ردا و أرشا أما الرد فللإجماع المذكور و أما الأرش فلظهوره في النظر للوجوه المتقدمة و الخبر المذكور.
لا يقال أن الإجماع إذا قام على أن التعيّب سبب للرد و إذا دل دليل آخر من الخبر و غيره على أنه سبب للأرش يصير منافيا له فلا بد من أعمال قاعدة التعارض أو التزاحم، فان كانا من قبيل تعارض الدليلين بعد التساوي لا بد من الرجوع الى الأصول و القواعد الأخر، و ان كانا من قبيل التزاحم فيتساقطان. لأنا نقول: نعم القاعدة في تعارض الدليلين هو الترجيح و الا الرجوع الى أصل آخر، و في التزاحم التساقط كما إذا أوجد الوكيلان في زمان واحد عقد النكاح لامرأة واحدة لشخصين أو عقد البيع لمشتريين مثلا، فكلاهما يتزاحمان و يتساقطان عن التأثير، و في تزاحم التكليفين التخيير كما في إنقاذ الغريق، و ميزانه تساوي اندراج الفردين
تحت عام واحد كقوله: أنقذ الغريق بخلاف تزاحم الأسباب، لأن تأثير السببين المتنافيين في الواقع غير ممكن و أحدهما دون الأخر ترجيح بلا مرجح، و كون تأثير أحدهما مراعى لاختيار الموكل كما في المثال المذكور لا معنى له، فلا بد من الحكم بفساد كلا السببين كما قرر في محله.
و لكن بنائهم في الحقوق خلاف ذلك، حيث إذا كان التزاحم في الحقوق يحكمون بالتخيير، كما إذا أتلف الأجنبي المبيع قبل قبض المشتري فيحكمون بتخيير المشتري بالرجوع إلى البائع و أخذ ثمنه بقاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه) فينفسخ العقد و بالرجوع الى المتلف بقاعدة (من أتلف) فيأخذ المثل أو القيمة منه. و كذلك غير ذلك من سائر موارد الحقوق حيث إذا حصل التزاحم و التعارض فالعمل من الفقهاء التخيير و ان كان مقتضى القاعدة الأولية على ما هو الظاهر هو التساقط، الا أن الوجه في ذلك لعله من إرجاع ذلك الى تزاحم التكليفين، و في ذلك بيان آخر فليراجع الى محله.
و المقصود في المقام هو أن سببية التعيب للرد و الأرش من هذا القبيل، حيث دل الدليل على سببيته للرد و الأخر على سببيته للأرش، و معلوم أن الأرش مناف مع الرد و لا يجتمع الرد مع الأرش فيحصل التنافي في مفاد سبب الأخذ. و حيث أن المقام من الحقوق احتمل الحكم بالتخيير الذي هو المرجع عند تزاحم الحقين و غاية الأمر التزاحم هنا بين المفادين بسبب واحد و هناك بين السببين و ليس ما نحن فيه من قبيل إفطار صوم رمضان حيث يحكم بالتخيير بملاحظة تعارض الدليلين: ان أفطرت أعتق و ان أفطرت أطعم مثلا، لأنهما حكمان في موضوع واحد فمع وحدة التكليف لا يتعارضان حيث قلنا بتعينهما فيحكم بالتخيير لئلا يطرح و يرتفع التنافي.
و أما في المقام: الدليلان ناظران الى حال التعيب فأحدهما يدل على سببيته
للرد و الأخر على سببيته للأرش و معلوم التنافي انما هو في اقتضاء شيء واحد للمفادين المتضادين، و هذا غير معقول الا أن يحمل على التخيير بين الرد و الأرش كما هو مذهب الأكثر.
هذا كله في حكم التعيب قبل القبض،
فهل هو أيضا موجب للرد أم لا؟ فيه خلاف، خيرة الأكثر، منهم الشهيدان و المحقق الثاني أن له الرد بالعيب الحادث فيكون له الرد من جهتين أحدهما خيار الحيوان أو المجلس أو الشرط مثلا و ثانيهما خيار العيب الحادث في زمان الخيار، فلا مانع منه لجواز تعدد علل الشرع في شيء واحد و هو الرد لأنهما من قبيل المعرفات و تظهر الفائدة من تعدد خيار الرد في الإسقاط و في بقاء خيار العيب بعد انقضاء الثلاثة أو المجلس مثلا، و الدليل على كونه سببا للرد بالاستقلال هو مضمونية العيب الحادث في زمان الخيار على البائع حيث أن كلمات الأصحاب و نصوص الأخبار متفقة على ضمان كل حدث من التلف و العيب الحاصلين في زمان خيار المشتري كخيار الحيوان و غيره من الخيار المختص بالبائع.
و الحاصل: ان ضمان التعيب لما كان مسلما عندهم كما أن استلزام الضمان للرد و الأرش كأنه مسلم عندهم، فلذلك ذهب الأكثر إلى تخيير المشتري بسببه بين الرد و الأرش كما صرح به بعضهم بأن له الأرش.
هذا و لكن فيه ما لا يخفى من الضعف لأن المضمونية في العيب الحادث لا تقتضي ثبوت الرد بسبب العيب الحادث غاية الأمر ان المضمونية لما كانت مسلمة حيث ساعدت عليها الاخبار، فتقتضي ثبوت الأرش فقط لأنه عوض الجزء الفائت و لا معنى لكون الجزء مضمونا الا بثبوت أرشه. و أما كونه سببا للرد أيضا كما ذهب اليه الشهيدان فلا، لعدم الملازمة بينهما كما أورد الشهيد الثاني عليه حيث علل في «الروضة» بأن الأقرب جواز الرد بالعيب الحادث أيضا بقوله: بكونه مضمونا إلخ.
و خيرة المحقق المحكي عنه في الدرس و عن ظاهر عبارة «الشرائع» أنه لا يوجب الرد لأصالة اللزوم و عدم ما يصلح أن يكون دليلا على كون العيب الحادث موجبا للرد الا ما دل على أن التلف في الثلاثة أو في زمان الخيار مثلا من مال البائع مع إلحاق العيب به و ان كان يفرّق بينهما بأن في صورة التلف ينفسخ العقد دون صورة التعيّب، فيكون حينئذ معنى كون التعيب من البائع غرامته عليه فعلا ان قلنا بثبوت الأرش. أو أنه إذا فسخ المشتري بخياره الذي هو خيار الحيوان أو خيار الغبن مثلا تستقر غرامة العيب على البائع ان لم نقل بالأرش و هذا لا يدل على أنه يرد المعيب بالعيب الحادث.
و الحاصل: أن ضمانية المبيع لا توجب كون العيب سببا للرد كما أنه لا توجب الأرش له حسب ما قواه في «الشرائع». و بذلك ينسب المنافاة بين ما حكي عن درس المحقق و بين عبارة «الشرائع». ثم ان وجه المنافاة بين المحكي عن درسه و عبارته في «الشرائع» يقرر على وجوه ثلاثة:
أحدها: ما يستفاد من الشهيدين أن حكمه في الدرس بعدم الرد ينافي حكمه في «الشرائع» بأن الحدث في الثلاثة من مال البائع مع حكمه بعدم الأرش، فإنه لما حكم بالضمان و حكم بعد بلا فصل بعدم الأرش لزمه القول بثبوت الرد بالعيب الحادث، إذ لا معنى لضمان البائع الا جواز الرد أو أخذ الأرش فإذا حكم بالضمان مع عدم الأرش لزمه القول بالرد كما أنه إذا حكم في الدرس بعدم الرد لزمه أن لا يقول بالضمان مع عدم الأرش.
و ثانيها: ما يستفاد من شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أن ضمان المبيع موجب للرد و مقتضى له فحكمه بعدم الرد في الدرس مناف لحكمه في «الشرائع» بالضمان، إذ مقتضى الضمان هو جواز الرد و الأرش فكونه مضمونا موجب
لخيار الرد و هو مناف لما حكي عن الدرس من عدم الرد.
و ثالثها: ما يستفاد من «الجواهر» من التنافي بين عدم الرد المحكي عن الدرس و بين عدم الأرش، لأنه إذا كان الحدث من البائع، فاما أن يأخذ المشتري الأرش أو يرد المبيع فاذا نفى أخذ الأرش يتعين الرد. و المنقول في الدرس عدم الرد، و بينهما منافاة فلذلك أراد «قده» نفي التنافي بأن المراد من كونه من مال البائع غرامته على البائع إذا فسخ المشتري فقبل الفسخ لا رد و لا أرش (1)و هي كما ترى خلاف معنى الضمان و تقييد لما ثبت أن العيب من مال البائع. بل التحقيق أن يقال: أنه لما ثبت بالنص و الإجماع أن الحدث في زمان الخيار من مال البائع ثبوت ضمان المبيع على البائع و أنه منه، و لما كان الإجماع قائماً على أن العيب لا يوجب الانفساخ كتلف الكل تعين ثبوت الأرش عليه إذ لا معنى لضمانه حينئذ إلا أخذ الأرش عوضا عن الفائت.
و أما كونه موجبا للرد فلا يساعد عليه الدليل. فإذا الأقوى ما حكي عن درسه من عدم كونه العيب الحادث موجبا للرد فلا ينتقض ذلك بالرد بالعيب الحادث قبل القبض لاتحاد المدرك لمكان الإجماع حيث أن الرد بالعيب قبل القبض انما هو بالإجماع حسب ما عرفت، و هو منتف في المقام. و أما الأرش و ان تردد فيه أيضا في «الشرائع» إلا أن الأقوى ثبوته في المقام للوجوه المذكورة في المسألة السابقة، أعني في العيب الحادث قبل القبض لان العيب الحادث في الخيار كالحادث قبل القبض في الضمان على البائع فالكلام هو الكلام، الا أنه ثبت بالإجماع جواز الرد هناك أيضا دون المقام.
هذا كله حكم العيب الحادث في زمن الخيار، و أما حكم التلف في زمن
1) و لكن يرد على ما رامه من نفى التنافي بين المحكى عن درسه و بين عبارته في «الشرائع» بأن تقييد كون العيب من مال البائع بصورة فسخ المشتري.
الخيار فلم يتعرض أحد هنا فمن أن قاعدة (كل مبيع تلف في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له) يقتضي انفساخ العقد و الرجوع الى الثمن و من أنه لا خلاف عندهم: (أن التلف لا يسقط الخيار) يقتضي بقاء الخيار للمشتري عند تلف المبيع فحيث لا يمكن الرد لمكان التلف يتعين عليه الأرش كما هو حال خيار العيب، فيحصل التعارض لان مقتضى القاعدة الأولى أخذ الثمن و مقتضى الثانية أخذ الأرش فيحكم بالتخيير حينئذ بين الأرش و أخذ الثمن من باب اعمال القاعدتين كما هو الحال عند تزاحم القاعدتين في الحقوق نظير تزاحم التكليفين كما سبق في المسألة السابقة.
هذا كله في بيان حكم العيب الحادث بالنسبة إلى حد نفسه مع قطع النظر عن العيب السابق على العقد، و قد عرفت أن العيب الحادث في المقام الأول- أعني ما إذا كان قبل القبض- موجب للرد بسببه، سواء كان المبيع صحيحا أو معيبا و كذلك أنه موجب للأرش و أما في المقام الثاني- أعني ما إذا حدث بعد القبض في زمان الخيار- فقد عرفت أن التحقيق عدم إيجابه للرد بسببه كما حكي عن درس المحقق. نعم له الرد بأصل الخيار لا بسببه و له الأرش لمكان ما دل على ضمانه على البائع حتى يصير المبيع للمشتري، و لا فرق في ذلك أيضا بين كون المبيع صحيحا أو معيبا، غاية الأمر أنه في صورة معيب المبيع قبل العقد يتعدد الخيار و الأرش و لا بأس به و أما حكمه بالنسبة إلى العيب السابق فهل هو مسقط للتشبّث بالخيار بالعيب السابق على العقد أم لا؟ الظاهر أنه لا خلاف في كلا المقامين أنه لا يسقط العيب الحادث الخيار الثابت بالعيب السابق لكون العيب الحادث قبل القبض و في زمن الخيار غير مانع و غير مؤثر لأنه مضمون على البائع حسبما عرفت فلا يكون مؤثرا في رفع الخيار، بل ادعى القطع في ذلك في المقام الأول في «الجواهر».
فالمشهور هو أن العيب الحادث بعد زمن الخيار و بعد القبض مانع عن الرد بالعيب السابق فتعين عليه الأرش خلافا، فظاهر المفيد في «المقنعة» فيما لم يكن الحدث من المشتري حيث قال: فان لم يعلم بالعيب حتى حدث فيه عيب آخر كان له أرش العيب المتقدم دون الحادث ان اختار ذلك. و ان اختار الرد كان له ذلك ما لم يحدث فيه هو حدثا، و أما مخالفة الشيخ في الأرش فهو ليس من جهة خصوص المقام، بل الظاهر أنه من جهة اشتراط المطالبة بالأرش على اليأس من الرد كما ذكر في أول المسألة مع جوابه بأنه مناف لإطلاق الخبر و كلمات الأصحاب.
و كيف كان، فالكلام يقع تارة في موضوع العيب المبحوث عنه هنا و أخرى في الحكم. أما الأول: فالظاهر أنه ليس المراد من العيب الحادث المبحوث عنه في المقام هو العيب المصطلح بل المراد منه هو مطلق النقص حتى يعم الشركة و التبعض حسبما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري في الكتاب فيكون أعم من المغير و غير المغير و من كونه موجبا للأرش و عدمه و من كونه عيبا اصطلاحيا و عدمه.
و الجامع أن يقال: المراد من العيب هنا لا يخلو اما أن يكون اصطلاحيا كحدوث ما كان خارجا عن خلقته الأصلية أو غيره، و على الثاني اما أن يكون مغيرا كالصبغ و الخياطة أو غير مغير كنسيان العبد الكتابة، و الدابة الطحن، و كل منهما اما أن يوجب الأرش أم لا فالمغير الموجب للأرش كصبغ شيء أو خياطته إذا كان الصبغ و الخياطة موجبا للنقص كبعض الأجناس الذي كان الصبغ و الخياطة فيه أقل قيمة من عدمهما و المغير الغير الموجب له كصبغ ثوب باللون الذي تزيد به قيمته السوقية و غير المغير الموجب للأرش كنسيان الدابة و العبد الطحن و الكتابة و الموجب له كالشركة و تبعض الصفقة، فإن الشركة و التبعض و ان لم يكونا عيبين اصطلاحا إلا أنهما نقص في المبيع، أما كون الشركة نقصا فواضح، بل حكي
عن المشهور على أنه لا يوجب الأرش أيضا خلافا لظاهر شيخنا العلامة في الكتاب و أما تبعض الصفقة فكونه نقصا انما يحصل في بعض الموارد، و لكن المعنون في كلامهم هو مطلقا مانع عن الرد كما سيظهر لك، هذا كله في موضوع العيب و قد عرفت أن المراد هو مطلق النقص هنا لا من جهة كونه عيبا فيتوجه الإيراد حينئذ على شيخنا العلامة «قده» من جهة اندراجه تحت عنوان العيب كما أنه يتوجه على أن اندراج الشركة مما يوجب الأرش.
و أما حكمه: فاستدل على كونه مانعا عن الرد بوجوه ثلاثة:
أحدها: ما استدل به شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و هو مرسلة جميل المتقدمة المشتملة على تقييد جواز الرد بما دامت العين باقية، فهي بمفهومها تدل على عدم الرد عند عدم قيام العين و مجرد النقص و ان لم يكن منافيا لصدق العين قائمة الا أنه يستفاد منه بقرينة تمثيل عدم قيام العين بقطع الثوب و خياطته و صبغه أن المراد من عدم قيام العين هو مطلق النقص و ان لم يوجب الأرش ضرورة أن بعض هذه الأمثلة كالصبغ مثلا لا يوجب الأرش كما أنه لا ينافي مع قيام العين، فيستفاد من التمثيل أن المراد هو التغير و النقص.
فيه: أن مقابل قيام العين هو تلفها و انعدامها و لكن لما رأينا تمثيله في المرسلة بمثل القطع و الصبغ علمنا أنه ليس المراد منه هو التلف و الانعدام فيدور الأمر حينئذ بقرينة التمثيل بين أن يكون المراد من قيام العين ما يقابل تغير الأوصاف أو أن يكون منه ما يقابل النقص و ان لم تكن الأوصاف متغيرة و لا أولوية لإرادة الثاني- أعني مطلق النقص- و لا تساعد عليه قرينة التمثيل بل الذي يصلح أن يكون قريبة له هو خصوص ما كانت الأوصاف متغيرة لحصول التغير في جميع تلك الأمثلة الثلاثة، فالتعدي منه الى صورة عدم التغير أيضا- كما ترى- لا شاهد له بشيء و لا يقتضيه الإنصاف أيضا فيما ذكره «قده» في آخر كلامه.
الا أن الإنصاف أن المستفاد من التمثيل في الرواية بالصبغ و الخياطة هو اناطة الحكم بمطلق النقص فيصير على مقتضى إنصافه نسيان العبد الكتابة و الدابة الطحن مندرجا بعنوان عدم العين قائمة كما ترى لأنا لم نجد مدركا لما أنصفه بل الإنصاف هو عدم التعدي و الاكتفاء بأقل ما يستفاد من قرينة التمثيل من مدخلية تغير الأوصاف في الحكم، فالمستفاد هو اناطة الحكم الى تغير الأوصاف سواء كان متقصيا أم لا كخصي العبد و صبغ الثوب. فحينئذ لا يتم الاستدلال و لا يثبت من المرسلة عدم جواز الرد بمثل الشركة و التبعض و نسيان الدابة و غيرها مما يدخل بعنوان مطلق النقص من غير تغير الأوصاف.
و ثانيها: ما استدل به العلامة «قده» في «التذكرة» و حاصله: أن العيب الحادث نقص في المبيع فلو رده المشتري بالعيب السابق إلى البائع يلزم تحمله لهذا النقص الحاصل بالعيب الحادث فإلزامه بهذا التحمل ليس بأولى من إلزام المشتري على التحمل بالعيب السابق، بعبارة أخرى: أن تحمل المشتري للمبيع ضرر عليه بالعيب السابق ورده إلى البائع و تحمله له ضرر على البائع بالعيب الحادث و لا أولوية لأحدهما على الأخر، و المحكي عن «التذكرة» هذا المقدار.
و هو كما ترى قاصر عن إفادة المدعى، لان أقصى ما ذكره هو تعارض الضررين و عدم أولوية تحمل أحدهما على الأخر، و هذا لا يدل على مانعية العيب الحادث و سقوط خيار المشتري، بل المرجع بعد تعارضهما هو الرجوع الى أصل آخر من العمومات أو أصالة اللزوم أو الاستصحاب حسبما يقتضيه المقام.
و الأولان ليس لهما سبيل في المقام، فتعين الثالث.
فلذلك أجاب عنه شيخنا العلامة «قده» بأن المرجع بعد عدم الأولوية من أحد الطرفين إلى أصالة ثبوت الخيار لا لعموم (أَوْفُوا) لما عرفت مرارا أنه ليس له عموم أزماني، فلا يرجع إليه في فرد إذا خرج عن تحته، بل الحكم في هذا
الفرد هو الرجوع الى حكم الخاص لا الى حكم العام، و لا إلى أصالة اللزوم، لان استصحاب الخيار سببي حاكم عليه، فيتعين بحكم الاستصحاب عدم سقوط خيار المشتري، لأنه المرجع عند التعارض. نعم له اشكال آخر يجري في جميع موارد استصحاب الخيار و هو الشك في المقتضى و لا ربط له بخصوصية المقام.
و ثالثها: ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و هو يتم إذا كان دليل خيار الرد منحصرا بقاعدة لا ضرر، بتقريب أن يقال: أن الصبر على المبيع المعيب ضرر على المشتري، فمقتضى نفي الضرر رده على البائع بالعيب السابق على العقد، لان رد المبيع المعيب بالعيب القديم تدارك لضرره، و أما إذا كان رده موجبا للضرر- بسبب العيب الحادث- على البائع، فلا تقتضي قاعدة الضرار رده، لان تدارك الضرر على المشتري لا يتدارك بالضرر على البائع، لأن رده على البائع و إلزامه على تحمل المبيع ضرر عليه أيضا لمكان العيب الحادث في زمان ضمان المشتري. فتحصل: أنه إذا حدث في المبيع المعيب بالعيب القديم عيب جديد بعد زمان الخيار و القبض لا مقتضى للرد.
و هذا كما ترى حسن، الا أن دليل الرد ليس بمنحصر بقاعدة نفي الضرار، بل العمدة كما ذكره «قده» في دليل الرد هو النص و الإجماع. و كيف كان، أنت خبير بان مقتضى النص و الإجماع ليس عدم جواز الرد كما عرفت بأن المستفاد من النص اناطة الحكم على تغير الأوصاف و لا إطلاق للإجماع أيضا بحيث يشمل لصورة العيب الحادث، فحينئذ المحكم هو استصحاب الخيار فيما لم يحصل التغير بالعيب الحادث كموارد مطلق النقص من الشركة و التبعض و نسيان الكتابة و الطحن و أمثال ذلك، فما في «القواعد»- لو كان العبد كاتبا أو صائغا فنسيه عند المشتري لم يكن له الرد بالسابق- و وجّهه في «الجواهر» بقوله: و لعله لان نسيان العبد الصنعة عيب أو أنه تغير للعين تغييرا يمنع من ردها، و مثله نسيان
الدابة الطحن. انتهى. بل مقتضى القاعدة الأولية عدم سقوط الرد مطلقا و لو كان مغيرا، الا أن الإجماع و المستفاد من النص يقتضيان السقوط في المغير، فيتعين على المشتري أخذ الأرش ان امتنع البائع من قبول الرد قولا واحدا بلا خلاف حتى من الشيخ.
و أما لو لم يمتنع البائع من القبول و رضي، و تسامح بالعيب الحادث، فكذلك أيضا، بمعنى أن للمشتري أيضا إلزامه بالأرش، الا أنه مقتضى المحكي عن «التحرير» و «الدروس» مخالفة الشيخ بوجوب الأرش على البائع لو رضي القبول، و على تقدير ما فهماه من الشيخ الخلاف في الأرش حينئذ ضعفه في «الجواهر» للأصل و إطلاق الأدلة و الإجماع السابق المعتضد بفتاوى الأصحاب.
قال في محكي «الخلاف»: الإجماع و الاخبار على أنه ليس له رده عند حدوث عيب غير مضمون على البائع الا أن يرضى البائع، بأن يقبله ناقصا فيكون له- أي للمشتري- رده و أنه يكون له الأرش ان امتنع البائع من قبوله معيبا.
و عن موضع من «المبسوط»: إذا باع عبدا و قطع طرفا من أطرافه عند المشتري ثم وجد به عيبا قديما، سقط حكم الرد إجماعا و وجب الأرش. و عنه أيضا نفي الخلاف عن أن له الأرش إذا امتنع البائع من قبوله، ففي «الجواهر»:
لعل مراده من الشرط أن له الرد ان أراده إذا لم يمتنع البائع من قبوله لا نفي الأرش حينئذ و ان اختاره في «التحرير» و «الدروس» المخالفة للشيخ.
في مانعيته عن الرد أم لا، قال في «التذكرة» أن العيب المتجدد مانع من الرد بالعيب السابق سواء زال أم لا. و قال في «التحرير» خلافه بقوله:
لو زال العيب الحادث عند المشتري و لم يكن سببه كان له الرد و الأرش عليه، إلخ.
و استدل على عدم الفرق بأن الخيار قد زال بالعيب الحادث بمقتضى خبر المرسلة، و الزائل لا يعود. و استدل شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بالفرق بأن الممنوع هو رده معيوبا لأجل تضرر البائع و ضمان المشتري لما يحدث و المفروض زوالهما، و المحكي عن صاحب «الأنوار» أن الوجهين مبنيان على أن المراد من مرسلة جميل قيام المبيع بعينه استمرار القيام بعينه الى حين الرد فيكون اللازم حينئذ سقوط الخيار أو المراد قيامها بعينها حين الرد فيبقى الخيار، فتأمل.
الذي يراد منه خصوص ما زاد أو نقص عن أصل الخلقة، و لذلك تعد الشركة و التبعض و نسيان الطحن من العيوب المانعة حيث أنه لا فرق في حصول العيب بما حصل العيب قبل رد المشتري بالعيب القديم كالنسيان و أمثاله أو حصل بنفس الرد كالشركة و التبعض، فلذلك نسب شيخنا العلامة الأنصاري إلى ظاهر «التذكرة» و «الدروس» ان من العيب المانع من الرد تبعض الصفقة على البائع ضرورة أن التبعض على البائع ليس من العيب الحادث في المبيع قبل رده بل انما هو يحدث بنفس الرد.
و كيف كان، مانعية التبعض أو الشركة عن الرد إجماعي في الجملة، و ان كان الخلاف في بعض الصور أيضا حسب ما ستسمعه. و أما مانعيته من جهة كون التبعض عيبا على الإطلاق و لو بالمعنى المراد هاهنا- أعني مطلق النقص- فلم نجد مصرحا بذلك، عدا المحكي عن «التذكرة» و «الدروس» و الا، كلمات الأصحاب غير مشتملة على أن التبعض مانع عن الرد من جهة كونه عيبا أو نقصا بل يستدل على مانعيته بوجوه أخر سواء كان التبعض منقصا أم لا، فان التبعض قد يكون نقصا و قد لا يكون، و حيث أن مانعيته ليس من جهة كونه عيبا و نقصا يظهر لك عدم الفرق في الحكم بين ما ينقصه التفريق كمصراعي الباب، و بين
ما لا ينقصه كالغنم و البقر مثلا إذا كانا مبيعين بصفقة واحدة.
و بالجملة أن المسألة معنونة في هذا المقام، لا بأس بتوضيح الكلام: فنقول:
ان التعدد و التبعض اما يحصل في المبيع أو في ثمنه و اما في المشتري و اما في البائع، فالأول: كما إذا ابتاع شيئين صفقة من بائع و مالك واحد بثمن واحد ثم علم بعيب في أحدهما.
و مثله في حصول التبعض ما لو باع شيئا بشيئين فظهر في أحدهما العيب، فلو أراد البائع رد المعيب من الشيئين الذين وقعا عوضا للمبيع في عقد واحد لزم التبعض في الثمن.
و من ذلك يظهر لك ما في كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من الاختلال في مواضع، منها: قوله: كما إذا اشترى شيئا واحدا، فان وحدة المبيع خارجة عن عنوان الكلام، لأنه لا سبيل للتبعض فيه، لأنه لا يقال في المبيع الواحد بعضه صحيح و بعضه معيب و لا يمكن رد خصوص معيبه الا بالقطع، كما يشاهد ذلك في مثل الغنم، فان العيب إذا كان في بعض عضوه و مثل الثواب إذا كان في بعض طرفه، فلا يمكن رد المعيب منهما الا بتصرف من القطع و غيره. و مفروض المسألة- فيما لم يلزم من رد المعيب الا التبعض في الصفقة وحده- لعله سهو من قلم الناسخ كقوله: (من مشتر واحد) بدلا من (بائع واحد).
و منها قوله: و أما التعدد في الثمن بأن يشتري شيئا واحدا بعضه بثمن و بعضه الأخر بثمن آخر، فلا إشكال في كون هذا عقدين. كأنه «قده» أراد التفرقة بين تعدد الثمن و بين تعدد المثمن.
و أنت خبير، ان كان المراد من التعدد في الثمن تعدد كونه عوضا بحسب ما وقع عليه العقد، فصدق عنوان الثمن المدخول عليه الباء بقوله: بعت هذا بهذا على كل واحد من الشيئين لا إشكال في أنه يوجب التعدد في العقد بل لا يحصل
هذا التعدد في الثمن الا أن يحصل التعدد في العقد، و لا فرق في ذلك المثمن أيضا، فإن التعدد فيه على عنوان كونه معوضا بعوض مستقل لا يحصل الا بتعدد العقد.
و ان كان المراد من التعدد هو التعدد الخارجي الظاهري، بأن وقع العقد على الشيئين المتعددين كالغنم و البقر بعنوان أنهما مبيعا واحدا و معوضا بعوض فمثل ذلك التعدد يتصور في الثمن أيضا، بأن وقع بيع الشيء الواحد أو الشيئين في مقابل الشيئين كدرهم و دينار، فان الدرهم و الدينار معا ثمن واحد، فلو ظهر العيب في أحدهما، فرده يوجب التبعض في الثمن من دون تعدد العقد.
و الحاصل: أنا لا نجد الفرق بين الثمن و المثمن في حصول التبعض و التعدد فيهما أو في العقد، و كلما فرض في تعدد أحدهما التعدد في العقد كذلك يفرض في الأخر، نظير ذلك طابق النعل بالنعل الا أن يكون مراده «قده» من قوله:
و أما التعدد في الثمن ليس إبداء التفرقة بين الثمن و المثمن، بل غرضه «قده» الإشارة إلى التفرقة في أنحاء التعدد، فان التعدد قد يكون بمثل ما قال بعضه بثمن و بعضه الأخر بثمن آخر، فإنه من المعلوم هذا التعدد في الثمن يوجب التعدد في العقد من غير إشكال في كون هذا عقدين. و قد يكون التعدد في الخارج كالدرهم و الدينار، و لكنهما وقعا ثمنا في مقابل المثمن، فلا يوجب ذلك التعدد في العقد، فيحصل التبعض في رد أحدهما دون الأخر. و هذا هو المراد من قوله: و كذا لو باع شيئا بثمن فظهر بعض الثمن معيبا و الا فلا فرق بين الثمن و المثمن، فان التعدد بكلا قسميه يجيء في المثمن أيضا.
و منها قوله «قده»: لان المردود ان كان جزءا مشاعا من المبيع الواحد فهو ناقص من حيث حدوث الشركة (إلخ). فإن المقصود من التعليل عدم
جواز التبعيض بين الصحيح و المعيب و أنت خبير بأنه يلزم من رد الجزء المشاع التبعيض بين الصحيح و المعيب، فان ثبوت المعيب في الجزء المشاع غير متصور.
و كيف كان، فهنا ثلاثة صور لا بد من التكلم في حكمها: التبعض في المبيع و في المشتري و في البائع:
فلا خلاف في عدم التبعض برد المعيب منفردا فيما رأينا من كتب الأصحاب، بل في «الغنية» و «الخلاف» الإجماع عليه، و مع ذلك يستدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: أن رد المعيب خاصة تبعض في المبيع و نقص فيه، فيوجب التضرر على البائع فهو منفي بقاعدة نفي الضرار. أورد عليه في «الجواهر» بأنه يمكن جبره بتسلط البائع على الخيار حينئذ، فله فسخ العقد و استرداد الصحيح كي يجتمع عنده تمام المبيع الصحيح و المعيب معا.
و ضعّفه شيخنا العلامة الأنصاري «قده» بأن خيار البائع و سلطنته على استرداد الجزء الصحيح يوجب الضرر على المشتري، إذ قد يتعلق غرضه بإمساك الجزء الصحيح، فيتعارضان و لا أولوية.
ثم قال في آخر كلامه: منع سلطنة المشتري على الرد أولا أولى من إثبات السلطنة له ثم سلبها عنه و لا أقل من التساوي فيرجع الى أصالة اللزوم.
و لعل وجه الأولوية فيما لو قلنا بمنع سلطنته على الرد أولا عدم لزوم الضرر لا عليه و لا على البائع حتى يقال بتداركه بخيار البائع أما على البائع فواضح و أما عليه فلمكان خياره برد الكل أو أن منع سلطنته على الرد موافق لأصالة اللزوم و لا دليل على سلطنته على رد المعيب خاصة من أول الأمر لأن المتيقن من إيجاب التعيب انما هو خياره و سلطنته على رد الكل لا على سلطنته على رد المعيب خاصة.
هذا، و لكن يدفعه بأن الضرر على المشتري بتعلق غرضه بإمساك الجزء الصحيح لا عبرة به بعد ثبوت الخيار له بين إمساك الكل ورد الكل.
و قوله «قده» في آخر كلامه مرجع جواز الرد منفردا إلى إثبات سلطنته على إمساك الصحيح ثم سلب سلطنته عنه بخيار البائع كلام لا نتحاشى عنه بعد المشي على مقتضى القواعد فاللازم المشي على ما اقتضاه الدليل و ان يلزم من جواز إمساكه الجزء الصحيح عدم قدرته على إمساكه بعد خيار البائع و فسخه و استرداده للجزء الصحيح أيضا و ليس في ذلك محذور و لا تال فاسد.
هذا نعم قد يناقش في ضررية أصل التبعض و التفريق فان المفروض أن المبيع هو الشيئان كالغنم و البقر أو الثوب و الفرس فهل تجد في نفسك ان تفريق أحدهما عن الأخر ضرر أو نقص فيه، ضرورة أن انضمام الغنم للبقر و الثوب للفرس مثلا في مقام البيع لا يوجب مزيد قيمة لأحدهما عن قيمته على حالة انفراده فكيف يوجب تفريقه نقصا و ضررا على البائع نعم يلزم في بعض الأوقات في أمثال مصراعي الباب، لكن الحكم عام في كلمات الفقهاء بين ما ينقصه التفريق و عدمه.
الوجه الثاني: ما ذكره في «الكتاب» من دلالة النص أعني مرسلة الجميل عليه بتقريب أن دلالته على المانعية عن الرد انما هو من جهة مطلق النقص فيشمل التبعض و الشركة أيضا كما يشهد بذلك مثال الصبغ و الخياطة لا مجرد التغيير و لو لم يكن نقصا كما يشهد بذلك مانعية السمن.
و فيه: ما عرفت من عدم استفادة النقص الذي لا يشوبه التغير أصلا من النص بل لا بد للتعدي من مورد المثال الى غيره من حصول التغير كالصبغ و الخياطة، فإنهما و ان كان يطلق على كل منهما قائماً بعينه الا أن التمثيل بهما لمقابل القائم بعينه يكشف عن أن المراد هو التغير و لو بمثل القطع و الصبغ و الخياطة و عدم
مانعية السمن على إطلاقه ممنوع و في بعض الأخر خروج بالإجماع.
و حيث لا يجوز التعدي إلى مورد عدم حصول التغير لا وجه للقول بمانعية مثل الشركة و التبعض من جهة النص لعدم دلالته عليه حسبما عرفت.
الوجه الثالث: ما اعتمده في «الجواهر» من أن الخيار حق يتعلق بمجموع المبيع لا في كل جزء منه، لان الثابت من الأدلة هو هذا المقدار فلا يجوز الخيار في كل جزء جزء و لا أقل من الشك فيرجع الى أصالة اللزوم بالنسبة إلى رد الأبعاض و الاجزاء، فلا يجوز للمشتري حينئذ رد المعيب خاصة لأنه بعض من المبيع، فالأصل اللزوم.
و قد أجاب عنه في «الكتاب» أولا: بأنه منقوض بصورة رضاء البائع، فإنه لو لم يكن للمشتري خيار في البعض لما ينفعه رضاء البائع لعدم مقتضى لخياره في رد المعيب خاصة حينئذ.
و ثانيا: أنه لا إشكال في ظهور الأدلة و صراحتها على ثبوت حق الخيار لمجموع المبيع، و لكنه إذا كان المبيع واحدا، و أما إذا كان المبيع شيئين متعددين أحدهما معيبا و الأخر صحيحا، فثبوته لمجموعه لا غير- حينئذ- محل منع و اشكال، للشك في أن محل الخيار في صورة تعدد المبيع هو الشيء المعيب غاية الأمر يجوز معه رد الأخر أيضا بأحد الأمور الثلاثة: من عدم لزوم تبعض الصفقة، و من قيام الإجماع على جوازه، و من صدق المعيوب على مجموع المبيع أيضا.
أو أن محله هو مجموع الشيئين الذين وقع العقد عليهما و صارا مبيعا واحدا، فالمسلم من ظهور الأدلة الدالة على تعلق حق الخيار لمجموع المبيع الذي هو تمام ما وقع عليه انما هو إذا كان المبيع واحدا عرفيا المتصف بالعيب.
و أما إذا كان شيئين كالغنم و البقر، بحيث يتصف أحدهما بالعيب دون الأخر
فيخرج عن مشمول ظهور الأدلة، بل يمكن القول باختصاص الخيار في خصوص المتصف بالعيب كما هو كذلك في خيار الحيوان فان المبيع إذا كان متعددا أحدهما حيوانا دون الأخر، فالثابت من الخيار انما هو في خصوص الحيوان الذي هو بعض ما وقع عليه العقد.
و لكن القول بذلك يحتاج الى ورود دليل معتبر و هو في الحيوان ثابت اما لظهور أخباره في ذلك أو لقيام الإجماع هناك، و لكنه منتف في المقام، أما الإجماع فواضح، بل الإجماع على العدم هنا كما سمعت من «الغنية» و «الخلاف»، و أما الاخبار، فممنوعة و لا أقل من الشك. فاذا المرجع هو أصالة اللزوم و لا محيص عنه، و بضميمة عدم الخلاف و ظهور الإجماع يتم المطلب.
هذا، و لكن لا يخفى عليك أن ظاهرهم هنا الإجماع على عدم تبعض الصفقة الا أنه قد يظهر الخلاف في الصرف في بيع الدراهم بدراهم، فظهر العيب في بعضها من دون اختلاف الجنس كخشونة الجوهر و اضطراب السكة.
قال في «المسالك»: و ان كان- أي العيب- مختصا بالبعض تخير أيضا بين رد الجميع و إمساكه، و هل له رد المبيع وحده؟ قيل: لا، لإفضائه إلى تبعض الصفقة على الأخر فيمنع منهما كما لو كان بأجمعه معيبا فان كل جزء منه موجب للخيار و به قطع المصنف و جماعة.
و قيل: له الاقتصار على رد المعيب، لانتقال الصحيح بالبيع و ثبوت الخيار في الباقي لعارض العيب لا يوجب فسخ البيع فيه، و رجحه في «التذكرة» إلخ.
و قال في «الجواهر»- في شرح قول المصنف «قده»- (و ليس له رد المعيب وحده) إلخ: لو فرض أن المعيب البعض لتبعض الصفقة و فيه البحث السابق، بل عن الشيخ و ابن حمزة و الفاضل التصريح هنا بأن له ذلك، و ان كان ظاهرهم- في بحث العيب- الإجماع على عدمه، و لم يظهر وجه للفرق، فلا حظ و تأمل.
متحدا أو متعددا على جهة الشركة فيهما بثمن كذلك. و ظاهره و صريح شرحه أن موضوع المسألة هو الأعم، سواء كان المبيع واحدا أو متعددا، فإن جهة البحث انما هو جهة تعدد المشتريين كما هو ظاهر القواعد أيضا، حيث قال بعد المسألة الاولى أعني و لو ابتاع شيئين و ليس للمشتريين صفقة الاختلاف فيطلب أحدهما الأرش و الأخر الرد.
و لكن ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من تقييد المثال بقوله: (بأن اشتريا شيئا واحدا بالوحدة من دون انضمام التعدد) هو ما كان المبيع شيئا واحدا في مورد النزاع. و لكن الحق هو الأعم، لأن جهة البحث مسوقة الى أن تعدد المشتري هل يوجب الاختلاف في الصفقة أم لا؟
و هذا لا فرق بين كون المبيع شيئا واحدا أو متعددا. ثم انه قد يقال بابتناء المسألة في جواز الاختلاف الى وحدة العقد و تعدده، بمعنى أنه من جهة تعدد المشتري هل يتعدد العقد أيضا حتى يجوز الاختلاف أم لا، حتى لا يجوز؟، و لكن الأولى ابتناؤها على شيء آخر و ان قلنا بعدم إرجاع التعدد في المشتري الى التعدد في العقد حتى تجيء الأقوال و الاختلاف مع القول بوحدة العقد أيضا، و هو أن العقد الواحد هل يقبل التبعض في الفسخ كما أنه يقبل التبعض في الثبوت أم لا؟
و ظاهر أكثر المحققين في بعض المسائل السابقة أن العقد الواحد أمر بسيط وحداني لا يقبل التبعض في الحل و الفسخ فان النقل و الانتقال في العوضين انما حصل بسبب إنشاء واحد، و هو أمر بسيط لا يتعقل حله بأن يتبعض ذلك الإنشاء بفسخ في بعض المبيع و يبقى في بعضه الأخر، و لا يلزم ذلك التبعض في جانب
الثبوت، كبيع ما يملك و ما لا يملك فإنه و ان حصل التبعض في النقل و الانتقال بين المملوك و غير المملوك و لكنه لا يتبعض نفس الإنشاء لأن غاية الأمر الإنشاء أمر واحد بسيط يؤثر في مورد قابل و هو ما اجتمع شرائطه و لا يؤثر في غيره.
و لعلنا قوينا ذلك القول في الزمان السابق في بحث أوائل الخيار. و لكن يدفعه ظهور الإجماع على جواز التبعض في العقد الواحد أيضا الحاصل من موارد ثلاثة:
أحدها: جواز الإقالة في بعض ما وقع عليه، مع أنها فسخ عندنا لإطلاق أدلتها و عدم الخلاف فيه عدا ما حكاه الشهيد عن ابن المتوج: إذا اتحد البائع و المشتري و العقد، فإن الإقالة لا تصح إلا في الكل دون البعض. رادا عليه: بأن المنقول خلافه بل ضعفه واضح، و دعوى عدم معقولية الفسخ في التبعض دون البعض غير مسموعة.
و ثانيها: جواز الفسخ في البعض مع التراضي بينهما، فإنه لم يعهد منهم خلاف في ذلك كما علله العلامة «قده» بأن الحق لا يعد وهما، فلو كان أمرا غير معقول لما ينفعه التراضي.
و ثالثها: جواز الفسخ في بعض المبيع إذا اشترط في ضمن العقد- فالظاهر انه إجماعي، بأن يبيع الشيئين بشرط ثبوت خيار الفسخ في أحدهما إذا شاء- كما فصل في بحث شرط الخيار بردّ الثمن، فراجع.
فان قلت: كيف يجتمع ذلك مع عدم معقولية التبعض في الأمر البسيط الوحداني؟
قلت: التحقيق الذي يجيء في النظر الان- و ان كان تخريبا لما سبق- أن يقال: أن الفسخ إيقاع و إنشاء لتبدل العوضين الى مكانه السابق، و لا نظر له بحل إنشاء العقد حتى يقال أنه أمر بسيط لا يتبعض بل الإنشاء العقدي على حاله و انما حصل
إنشاء آخر لعود العوضين إلى الملكية السابقة، و هذا قد يكون في تمام العوضين و قد يكون في بعضهما و لا يلزم من ذلك عدم المعقولية.
نعم يتوقف ذلك على دليل من الشرع يدل على تأثير ذلك في التبدل، فمتى دل الدليل على جواز الفسخ في الكل أو في البعض لا يلزم منه محذور أصلا، و لا يلزم من ذلك كون الفسخ و الإقالة من العقود أيضا، كما عليه المخالفون لأنه حينئذ ليس من العقد الذي يتوقف على الطرفين بل هو إيقاع و إنشاء من طرف واحد فيؤثر أثره في كل مورد قابل إذا اجتمعت شرائط التأثير كنفس العقد في جانب الثبوت فاذا فسخ الكل فيؤثر في التبدل إذا جعله الشارع له كموارد الخيار الذي ثبت من جانب الشارع، فاذا فسخ البعض فكذلك أيضا، كما في صورة رد المعيب وحده دون الصحيح إذا ساعد عليه الدليل. فيؤثر في تبدل خصوص المعيب لاجتماع الشرائط، و أما الصحيح فيبقى على مقتضى العقد لعدم حصول الشرط أعني رضاء ذي الحق، فإن المشتري إذا اشترى شيئين، فظهر في أحدهما عيب، و حيث تعلق غرضه برد المعيب و إمساك الصحيح، فله ذلك في مورد يساعده الدليل من غير طرو المحذور العقلي فتدبر.
فاتضح لك من جميع ما ذكر أن جهة الكلام في المسألة هي اثنينية المشتري و تعدده مع وحدة البائع، سواء اتحد المبيع أو تعددت عينه، سواء قلنا بوحدة العقد حينئذ أو تعدده، و سواء علم البائع تعدد المشتري أم لا.
فنقول: لو اشترى المشتريان بعقد واحد من بائع واحد عينا، واحدة كانت أو متعددة، فهل لهما الاختلاف في الصفقة يرد أحدهما نصيبه دون صاحبه أو ليس لهما ذلك، بل لا بد لهما الاتفاق على الرد أو الإمساك مع الأرش، أو يفصل بين علم البائع بتعدد المشتري و جهله؟ أقوال ثلاثة، ذهب لكل جماعة، و لكن هنا احتمالان آخران يحتملهما كلام الشيخ في باب الشركة
أحدهما: ما استظهره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من كلامه من التفصيل بين كون القبول متعددا حسب تعدد المشتري و بين كونه واحدا من اثنين، فان تحقق القبول من كل من المشتريين و تعدد، فلا كلام في جواز الافتراق، و أما إذا كان القبول واحدا، كما إذا أوجد القبول أحد الشريكين مثلا فيفصل بين كون القبول في الواقع لاثنين أو لواحد، أي قصد القابل أنه لاثنين فيجوز الافتراق و ان قصد أنه لنفسه الواحد، فلا يجوز الافتراق بين الصحيح و المعيب من العيب.
و ثانيهما: أن العبرة في الاختلاف هو تعدد القبول، فان تعدد من المشتريين حقيقة فلا كلام في التبعض و ان اتحد القبول منهما- بأن كان أحدهما وكيلا عن الأخر وجهان: من حيث أنه يعد مثل ذلك القبول متعددا من جهة أن من انتقل اليه الملك و العوض متعدد و وقع القبول عنهما حقيقة، و من أن القبول عبارة عن أحد طرفي العقد، و المفروض أنه واحد.
و التأمل في تمام كلامه يعطي الاحتمال الثاني، فإنه «قده» قال أولا: و لو اشترى المشتريان الشريكان عبدا، بمال الشركة فأصابه عيبا، فلهما الرد و الإمساك و ان أراد أحدهما الرد و الأخر الإمساك لهما ذلك أيضا فيرد الذي يريد الرد نصفه و يكون العبد مشتركا بين البائع و بين الأخر الذي أراد الإمساك.
ثم قال- بما حاصله-: و لو اشترى أحدهما للشركة، فان لم يخبر البائع أنه قد اشتراه لنفسه و لشريكه لم يكن له الرد، لان الظاهر أنه اشتراه لنفسه فيندرج في المسألة السابقة بأن كان البائع و المشتري واحدا فليس حينئذ للمشتري التبعيض. و ان أخبر البائع بأن الشراء لهما، فيه وجهان مبنيان على أن وحدة القبول و تعدده باعتبار من يقع الشراء له و انتقل الملك اليه أو باعتبار من يصدر عنه لفظة قبلت.
فان قلنا بالأول- كما هو الصحيح عنده- فيجوز الافتراق و انفراد أحدهما
بالرد لتعدد الشراء فيتعدد العقد. و ان قلنا بالثاني، فلا يجوز لوحدة القبول، فالعبرة وحدة القبول و تعدده فيصير في مفروض كلامه مورد النظر فان القبول الصادر من أحد الشريكين للشركة بالقياس إلى أنه وقع لاثنين فيصير متعددا.
و بالقياس إلى أنه صدر من شخص واحد فيصير متحدا.
و كيف كان و قد صرح شيخنا العلامة «قده» في آخر كلامه الى هذا الوجه أيضا بقوله، فمبنى المسألة على ما يظهر من كلام الشيخ على تعدد العقد بتعدد المشتري و وحدته، و هذا هو الذي تحتمله عبارته دون الاحتمال الأول الذي ذكرناه و احتمله «قده» من عبارة الشيخ في صدر كلامه.
هذا فنشرع في أدلة الأقوال: المشهور هو القول بالتوافق و عدم جواز اختلاف المشتريين في الصفقة، فيستدل له بوجوه:
أحدها: لزوم التضرر بتبعض الصفقة للبائع و شركته مع المشتري الأخر، و قد عرفت في المسألة السابقة إمكان دفع ضرر التبعض و الشركة بتداركها بخيار البائع حسبما سمعت.
و ثانيها: ما اعتمده في «الجواهر» من انصراف أدلة ذلك الخيار الى غير صورة خيار أحد المشتريين، فتخرج صورة تعدد المشتريين بتبعض أحدهما في الشقص و انفراده في التردد عن منصرف الأدلة فيصير المرجع أصالة عدم الخيار.
فيه: أولا: أنه منقوض بما لو رضي البائع بالتبعيض و خيار أحدهما برد نصيبه خاصة، فإنه لو كان خارجا عن منصرف أخبار الخيار لما ينفعه رضا البائع لعدم المقتضي حينئذ لخيار أحدهما نصيبه خاصة.
و ثانيا: قوله: انصراف أدلته إلى غيره ان كان المراد انصرافها الى غير فرض تعدد المشتريين، ففيما تعدد المشتري لا تشمله أدلة خيار العيب، فهو ممنوع بل لا يقول
به أحد، و ان كان المراد انصرافها الى غير صورة التبعض، فهو مصادرة، و أول الدعوى.
و ثالثها: ما اعتمده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» أن الثابت من الدليل الوارد في خيار العيب أنه حق واحد هنا متقوم باثنين، فليس لكل منهما الاستقلال، فيجب توافقهما في التثبت بالخيار، فلا يجوز رد أحدهما و إمساك الأخر. و هذا الوجه لعله المختار في مسألة كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار إذا ورثهم الحق مورث واحد، حيث ذكروا في كيفية استحقاقهم وجوها ثلاثة:
أحدها: استقلال كل منهم كمورثه في التثبت بالحق بحيث يكون لكل واحد منهم الفسخ و ان خالفه الباقون.
و ثانيها: استقلال كل منهم في نصيبه، فلكل منهم الفسخ في حصته دون حصة الباقي.
و ثالثها: استحقاق مجموع الورثة لمجموع ذلك الحق الخياري الذي انتقل إليهم من مورثهم، فلا يجوز لأحدهم الاستقلال بالفسخ لا في الكل و لا في حصته، لان مقتضى أدلة الإرث في الحقوق و الأموال ثبوت مجموع ما ترك لمجموع الورثة، الا أن التقسيم في الأموال لما كان أمرا ممكنا كان مرجع اشتراك المجموع في المجموع الى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة بخلاف الحقوق، فإنها يبقى على حالها من اشتراك مجموع الورثة فيها. و تفصيل ذلك موكول الى محله.
فيه: أنه يضعف ذلك الوجه هنا و ان قلنا به في باب الإرث، فإن تقوّم الحق بمجموع الورثة انما هو بمقتضى أدلة الإرث، و أما في المقام فنقول: لكل من المشتريين الاستقلال في رد حصته و إمساكه بإطلاق النصوص و الأدلة الواردة في الباب من قبيل: أن من اشترى معيبا فهو بالخيار، فيشمل لمن اشترى جزءا
من المعيب فحينئذ يصير الأقوى هو القول بجواز الاختلاف في الصفقة.
و ما قيل: أن نصوص الباب منصرفة الى غير صورة تعدد المشتري، كلام خال عن الوجه، لمنع الانصراف البالغ حد الاعتناء، و الا لتعطلت أكثر الإطلاقات المتمسكة بها في الفقه، و ما ذكره في الكتاب أيضا أن مع تسليم الظهور و الإطلاق ان رد هذا المبيع منفردا عن المبيع الأخر نقص حدث فيه، بل ليس قائماً بعينه و لو بفعل الممسك لحصته، واضح الضعف أيضا لما أشرنا أن المبيع إذا كان شيئين كالغنم و البقر، فرد الغنم منفردا عن البقر لم يلزم منه نقص و لا ضرر أصلا، و لكن في المقام لما كان تمام المبيع ملكا لتمام المشتريين على الإشاعة كما هو مفروض الكلام، فرد أحدهما نصيبه خاصة دون الأخر تلزم الشركة بين البائع و المشتري الأخر، و مع ذلك أيضا لا بأس بجواز ذلك، لإطلاق النصوص و لزوم الشركة على البائع ينجبر بالخيار. فافهم.
أقول: ما أدى اليه نظري القاصر: أنه لو قلنا بأن الشركة عيب لا يجبره خيار البائع لان من خياره و فسخه يلزم الضرر على المشتري الأخر الممسك حصته لأنه قد يتعلق غرضه بإمساك حصته صحيحا كان أو معيبا.
و كيف كان، فمختار شيخنا الأستاذ العلامة «دام ظله» هو القول الأول، أعني جواز اختلافهما في الشقص و الصفقة وفاقا للمحكي عن شركة «المبسوط» و «الخلاف» و أبي علي و القاضي و الحلي و صاحب البشرى و فخر الإسلام، كما استوجهه في «المسالك» و نفى عنه البعد في «التذكرة» لإطلاق أدلة (من اشترى معيبا فهو بالخيار) الشامل لكل منهما، مضافا الى استدلالهم بأن وحدة الصفقة هنا صورية و معنى متعدد كما قال في «جامع المقاصد».
و الأصح أن لهما الاختلاف في ذلك، لان التعدد في البيع يتحقق بتعدد البائع و بتعدد المشتري لاختلاف المالكين، و لا تأثير للشركة و ضررية الشقص
لإقدام البائع على ذلك.
و من ذلك يظهر لك وجه القول بالتفصيل كما حكي عن «التحرير» و نفى عنه البعد في «جامع المقاصد» حيث قال: نعم لا يبعد الفرق بين ما كان البائع عالما بالصورة و بين ما كان جاهلا، فيجوز الاختلاف في الأول دون الثاني، لأنه انما حصل بإيجاب البائع و اقدامه على ذلك، فإقدام البائع الضرر انما هو في صورة العلم دون الجهل.
و أورده شيخنا العلامة الأنصاري «قده» أن إقدام البائع الضرر انما يتحقق مع علمه على جواز التبعيض لهما، و كونه حكما في المسألة أول الكلام.
و الاولى في الجواب أن يقال: أنه بمجرد علم البائع بتعدد المشتري لا يحصل منه اقدامه على ضرره، لأنه أقدم على طبق الأصول العقلائية، من عدم تعيب المبيع و عدم اطلاع المشتريين له و عدم اختلافهما و عدم إرادتهما الفسخ، و قد أشرنا مرارا أنه مع العمل على مقتضى الأصول لا يتحقق الاقدام على الضرر، كما هو واضح.
فتلخص من جميع ما ذكرنا أن مقتضى إطلاق الأدلة هو جواز اختلاف المشتريين في التفريق و الرد و جواز التبعيض، و لو قلنا بوحدة العقد لما سمعت من تعقله كشرعية الإقالة، فإنها كما يجوز في تمام العقد يجوز في أبعاضه أيضا.
و أما عدم جريان الخيار في الأبعاض في الغبن و نحوه انما هو من جهة أن دليل الخيار على خلاف القاعدة و لم يثبت إلا في العقد من حيث هو مجموع واقع في تمام المبيع و الا لقلنا بثبوته في الأبعاض أيضا، الا أنه يدور مدار الدليل، و لكن قد يقوى المنع لأدائه إلى الضرر و غيره من موانع الرد، فإنه إذا استلزم اختلاف المشتريين التبعيض على البائع أو الشركة أو الضرر عليه يشكل الحكم لأن أحد الأمور الثلاثة يمنع عن اختلافهما في الشقص الواحد
كما إذا كان البائع واحدا و المبيع عينا واحدة أو متعددة، فإذا رد أحد المشتريين نصيبه خاصة يلزم التبعض في المبيع و الشركة بين البائع و بين المشتري الأخر، فهما من موانع الرد لما سمعت من «التذكرة» و «الدروس» ان من العيب المانع تبعض الصفقة و عن شيخنا العلامة «قده» أن العيب المانع عن الرد يراد منه ما يعم الشركة إذا لم يستلزما الضرر. فالقدر المتيقن هو صورة الضرر عند التحقيق، و لكن المشي على مذاقهم هو مانعيتها، و ان لم يحصل الضرر من الشركة مثلا على البائع، و الحاصل ان العبرة بأحد الأمور الثلاثة كل على مذاقه في المانعية.
ثم هنا فروع مذكورة في «الجواهر» فالمدار فيها في جواز الاختلاف في الشقص و عدمه هو لزوم التبعض أو الشركة أو الضرر فلا بد من بيان الضابط و الجامع في ذلك.
فنقول: الجامع الذي يعلم به حال الفروع المذكورة في «الجواهر» هو وحدة الصفقة و تعددها، فلو كانت الصفقة و العقود متعددة لا مانع عن الاختلاف، فلا بد حينئذ من ملاحظة وحدة العقد و تعدده بأنه هل يتعدد العقد بتعدد الإيجاب أو القبول أو بكليهما أو بتعدد العوض أو المعوض أو بكليهما أو بتعدد البائع أو المشتري أو بتعددهما فإنه لو كانت العقود متعددة لا يلزم من فسخ أحدها التبعض في الصفقة الواحدة كما أنه لا يقال ببطلان أحدها أنه تبعضت الصفقة.
فالمهم حينئذ هو بيان الضابط في وحدة الصفقة و تعددها، فاذا اتحدت الصفقة يتحد العقد، و إذا تعددت يتعدد، فتتفرع عليه مسألة التبعض في الصفقة و أحكامها من عدم جواز الاختلاف في وحدة الصفقة و جوازه عند تعددها.
فنقول: المدار في وحدة الصفقة و تعددها اما على المتبايعين، أو على العوضين، أو على الإيجاب و القبول، أو على كل واحد منهما، فان العوض إذا
اتحد لا يخلو اما أن يتعدد المعوض أو يتحد.
و هذه صور أربعة و على كل منها اما أن يتحد البائع و المشتري أو يتعدد أو يتحد أحدهما و يتعدد الأخر فيصير ستة عشر صورة، و على كل منها اما أن يتحد الإيجاب و القبول أو يتعدد أو يتحد أحدهما و يتعدد الأخر، فيرتقي إلى أربعة و ستين صورة.
و ان شئت فقل: العبرة في وحدة الصفقة اما على الموجب أو القابل أو الإيجاب أو القبول أو المعوض أو على العوض بمعنى أن يكون تعدده موجبا للتعدد و وحدته موجبا للوحدة و اما على المركب من الاثنين بصورة أو الثلاثة أو الأربعة بصورة أو الخمسة أو الستة، فتمام الستة المتصورة من الاحادي و الثنائي و الثلاثي و الرباعي و الخماسي و السداسي، انتهى الى نيف و ستين صورة، فلا بد من بيان المدار على أي شيء.
فنقول: لا ريب أن تعدد الثمن يستلزم الصفقة و لا يمكن فرض اتحادهما مع التعدد سواء كان المتعاقدان و الايجابان واحدا أو أكثر أو كل بثمن بعد فرض تعدده يقتضي معوضا منفردا يقابله بحيث لا يكون شيء من أحد الثمنين في إزاء ما في مقابل الأخر و لو على الإشاعة كما أن وحدته تقتضي كونه بإزاء تمام المعوض مشاعا فلا يمكن مع الاتحاد اختصاص حصة من الثمن بحصة معينة من المثمن، و ليس المراد من تعدد الثمن و وحدته تعدده في الخارج كالغنم و الثوب، بل المراد تعدده من جهة جعل كونه ثمنا ممتازا على عنوان الثمنية فالغنم و الثوب إذا صارا ثمنا و مدخولا للباء في: (بعت هذا بهذا) يصير كلاهما ثمنا واحدا فلا بد من كون المعوض حينئذ واحد و كذلك المراد من تعدده امتيازه على عنوان الثمنية و لو باعتبار الكسور من النصف و الثلث من شيء واحد، فيصير المعوض حينئذ أيضا متعددا قهرا، كذلك فلا ينفع فرض اتحاد الإيجاب و القبول و المتعاقدين، و كذلك الكلام في
تعدد الثمن، فان كان تعدده بالعدد كالدار و الفرس و الكتاب و نحو ذلك، فهذا بمجرده لا يقتضي تعدد الصفقة.
و أما ان كان التعدد من حيث المثمنية بأن يكون كل منهما معوضا على حده فلا يتحقق الا بامتياز الثمن فيرجع الى تعدد الثمن، كما لو قال بعت دارا بثلاثة و كتابا باثنين من الدرهم مثلا، فهما صفقتان اتحد الايجابان أو المالكان أم لا، كما انه لو قال: بعت دارا و كتابا بخمسة دراهم فهو صفقة واحدة.
و ان شئت فقل: بعبارة أخرى: انه ان لو حظ مقابلة واحدة بين العوضين بحيث يلزم من ذلك مقابلة كل جزء من أحدهما بجزء من الأخر على الإشاعة عينا أو مفهوما فهذا يعد صفقة واحدة. و ان لو حظ مقابلتان بحيث يلزم من ذلك عدم إمكان مقابلة تمام الاجزاء، كذلك فهو تعدد للصفقة و انما عممنا الإشاعة للعين و المفهوم حذرا من قولنا: بعت نصف الدار بنصف و النصف الأخر بالنصف الأخر فإنه تعدد للصفقة مع أنه غير مانع من احتمال مقابلة كل من العوضين لكل جزء من المعوضين بحسب العين الخارجية لبقاء الإشاعة في الخارج لكنه مانع من المقابلة في المفهوم. فان مفهوم النصف المجعول عوضا في الأول غير قابل لان يكون في مقابل النصف المجعول معوضا في الثاني.
فتلخص لك أن المدار على وحدة الثمن و المثمن من حيث أنهما ثمن و مثمن و أن مالكي العوضين لا عبرة بتعددهما و اتحادهما خلافا للمحقق الثاني حيث قال في جواز اختلاف المشتريين ما هذه عبارته: و الأصح أن لهما الاختلاف في ذلك لان التعدد في البيع يتحقق بتعدد البائع و بتعدد المشتري لاختلاف المالكين إلخ.
فيظهر منه أن التعدد في الصفقة يحصل بتعدد المالك، و أنت إذا أحطت بجميع ما ذكر يظهر لك المناط في وحدة الصفقة و تعددها، كما أنه يظهر لك
المناط في جواز اختلاف المشتريين أو البائعين و أن وحدة الصفقة تجتمع مع تعددهما أيضا. ففيما تعدد المشتري- كما هو مفروض المسألة في المقام قد عرفت الأقوال الثلاثة فيه و المدرك الجامع لتلك الأقوال فمن رأى تعدد الصفقة فيها باعتبار تعدد المالك حكم بجواز الاختلاف في الرد و من رأى الوحدة.
فمنهم من رأى بأن العقد الواحد لا يتبعض في الفسخ و الرد، فقد يحكم بعدم الجواز. و من رأى جواز التبعض في جانب الفسخ أيضا كجانب الثبوت طائفتان، طائفة يلزمها أن تقول بجواز اختلافهما في المسألة سواء قلنا بوحدة العقد في مفروض المسألة أو قلنا بتعدده بتعدد المالك.
و طائفة تقول بعدم جواز اختلاف المشتريين لا من جهة وحدة العقد و لا من جهة عدم جواز تبعضه في جانب الفسخ بل مع تعدد الصفقة و وحدتها لا يجوز اختلاف المشتريين اما للزوم التبعض على البائع أو للزوم الشركة عليه أو للزوم الضرر عليه، هذا في من قال بأن التبعيض و الشركة مطلقا من الموانع من جهة كونهما عيبا و أما من يمنع بعدم كون التبعيض على البائع عيبا كما قويناه في بعض المقامات لا بد أن يقصر عدم الجواز على صورة لزوم الضرر على البائع و من ذلك يظهر لك حال الفروع التي نذكرها و المذكورة في «الجواهر» فتحصل أن التحقيق المختار هو جواز التبعيض و التفريق لأحد المشتريين و ان قلنا بوحدة العقد و الصفقة لما عرفت من ظهور الإجماع بجواز التبعيض و إطلاق أدلة أخبار العيب أعني: (من اشترى معيبا فهو بالخيار، و أمثاله الشامل لصورة تعدد المشتري إذا لم يلزم منه مانع من موانع الرد من التبعيض و الشركة و الضرر.
فلو لزم واحد من تلك الأمور و قلنا بعدم جواز تداركه بخيار البائع و قلنا بأن التبعيض كالمشركة عيب و ضرر على البائع كما هو الظاهر في المقام إذا لم يمتز الشيئان لكل واحد من المشتريين فلا يجوز حينئذ اختلافهما في الرد و الفسخ بأن
فسخ أحدهما حصته المشاعة من العين الواحدة أو العينين لأنه يلزم التبعيض في المبيع على البائع و يلزم أيضا كونه شريكا في المبيع مع المشتري الأخر و في الثمن أيضا في بعض الصور. فاذا عرفت ذلك، فلا بأس بالإشارة إلى جملة من الفروع:
فمنها: لو كان المبيع عينين لكل واحد من المشتريين، واحدة منها معينة و لو بما يخصها من الثمن كليا كان أو شخصيا، فالظاهر جواز التفريق لعدم لزوم التبعيض الذي هو عيب فيما إذا استلزم الشركة و لا الضرر بل انما يلزم من ذلك تفريق العينين كالغنم و الفرس، فاذا باعهما بأن يكون الغنم لزيد و الفرس لعمرو فلو رد زيد غنمه لمكان خيار العيب مثلا لما يلزم من ذلك شركة على البائع مع المشتري الأخر.
فالحاصل أنه يجوز لأحدهما الفسخ سواء كان الإيجاب و القبول واحدا أم لا متعددا أو مختلفا.
نعم من اعتبر في وحدة العقد و الصفقة وحدة القبول و الإيجاب أو البائع، لازمه عدم الجواز مع ذهابه الى عدم جواز التبعيض في العقد الواحد في جانب الفسخ.
و منها: إذا ابتاع المشتريين شيئا أو شيئين بدرهمين، كانا لهما بالشركة، فإن ظهر العيب في تمام الثمن، فالخيار بين رده و إمساكه جميعا و ان ظهر العيب في أحدهما، فالظاهر عدم جواز رده خاصة- حتى على القول بجواز التفريق بين المشتريين- للفرق بينهما، فإن المشتري الذي يرد حصته خاصة كأنه رد تمام المبيع نظرا الى تعدد العقد بالنسبة اليه.
و هذا لا يأتي في الثمن، لأن البائع إذا رد أحد الدرهمين مثلا انما يرده عليهما معا، إذ الفرض اشتراكهما فيه فيلزم من رد المعيب عليهما الرد على مستحقه بعض
حقه و بقي البعض الأخر عند البائع. فهو في التحقيق من قبيل المسألة الأولى التي قد عرفت عدم الخلاف في عدم جواز التفريق فيها، لأنه يلزم التبعيض على كلا المشتريين و تفريق مالهما فإنه إذا رد الدرهم المعيب في المثال المذكور فقد رد على كلا المشتريين ربع حقهما فالتحقيق أنه لا يجوز للزوم الأمور الثلاثة المذكورة.
هذا إذا لم يمتز الثمن، و أما لو امتاز بأن دفع كل من المشتريين جزءا من الثمن متميزا بأن دفع أحدهما درهما من ماله و الأخر دينارا من ماله، فاشتريا بالمجموع شيئا مشتركا على نسبة الثمن، بأن يكون عشر المبيع لصاحب الدرهم و الباقي لصاحب الدينار إذا كان التفاوت بينهما بالعشر، فظهر العيب في أحدهما فالظاهر أيضا جواز رده خاصة لمالك لعدم لزوم أحد الأمور الثلاثة على من عليه الخيار.
نعم تلزم الشركة بين البائع و المشتري الأخر في الشيء المبيع و لا بأس بذلك إذا أقدم البائع بنفسه على ذلك، فليس مانعا عن خياره، و لكن يلزم في فرض الكلام تبدل الشركة للمشتري الأخر، فإنه كان مشتركا مع المشتري صاحب المعيب أولا. فبعد رد المعيب اليه يتبدل اشتراكه فيصير مشتركا مع البائع، فإن قلنا بأن تبدل الشريك ضرر و نقص كأصل الشركة عند متعارف الناس، فيمكن حينئذ كونه مانعا عن جواز رد البائع معيب الثمن خاصة، و الا فقد عرفت: ان الظاهر جواز رده، فلذلك عبر في «الجواهر» بقوله: أمكن جواز رده.
و منها: لو اشتريا عينين كل منهما بثمن مستقل لا على وجه الشركة، و الفرق بين هذا و ما ذكره في «الجواهر» من الفرع الأول ليس الا بالعموم و الخصوص، فلا إشكال أيضا في جواز التفريق، و هذا كما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري «قده» من أن تعدد الثمن- بأن باع بعض الشيء بثمن و بعضه الأخر بثمن- يوجب تعدد
العقد، فلا يلزم التبعيض في الصفقة.
و منها: ما لو تعدد المستحق مع اتحاد المشتري ابتداء، كما لو تعدد وارث خيار العيب، و في «القواعد»: لا إشكال في وجوب التوافق. و ذكر بعض آخر ان عدم جواز التفريق هنا بطريق أولى، بمعنى أنه لو قلنا بعدم جواز الاختلاف في المقام الثاني، أعني عند تعدد المشتري فعدم الجواز هنا أولى، و لكنه ينافي ما ذكره في «القواعد» و هل للورثة التفريق؟ فيه نظر، أقر به المنع و ان جوزناه مع تعدد المشتري، إلخ. حيث نفى الاشكال هنا و تنظر هناك، فلا بد حينئذ من بيان أمور ثلاثة: في بيان وجه عدم الاشكال، و الأولوية، و في أنه هل تنافي بين كلامي العلامة في «القواعد» أم لا، و في بيان أصل الحكم و المختار.
أما الأمر الأول: فلأنه إذا اتحد المشتري أولا قد عرفت أنه ليس له التبعيض و التفريق للإجماع، فإذا لم يكن للمورث حق التبعيض فكيف يكون لوارثه، ضرورة أن الوارث انما يرث الحق الثابت لمورثه. و المفروض انتفائه، و من ذلك يظهر وجه الأولوية لأنه مع تعدد المشتري إذا قلنا بعدم الجواز مع إمكان القول بتعدد العقد و الصفقة فيه، فهنا أولى بعدم الجواز لعدم طروّ احتمال التعدد في العقد.
و أما الثاني: فالظاهر ثبوت التنافي كما ذكره في «جامع المقاصد» و «الجواهر» إذ المفروض أنه و ان لم يكن للمورث الا حق واحد تعلق بمجموع المبيع و ليس له التبعيض و لكنه إذا انتقل ذلك الحق الواحد إلى الورثة فيه أقوال ثلاثة بل أزيد حسبما سيأتي في محله و عرفت الإشارة فيه إجمالا في المسألة السابقة قول بقيام ذلك الحق بالجميع فليس لكل واحد الفسخ و الاستقلال في الإمضاء. و قول بقيامه بكل واحد مستقلا، و قول باستقلال كل في حصته فعلى هذا القول يجوز التفريق و التبعيض، فلهذا تردد و تنظر و ان رجح المنع.
فهذا كما ترى مناف لنفي الإشكال هنا بقوله: أما لو ورثا خيار عيب، فلا إشكال في وجوب التوافق فان مقتضى القول بجواز التبعيض بالنسبة إلى حصتهم هو عدم التوافق، الا أن يوجه كلامه «قده» من أن مراده من نفي الاشكال في وجوب التوافق هو عدم جواز تفريق الورثة و تبعيضهم في خيار العيب بين صحيح المبيع و معيبه لعدم ذلك بالنسبة إلى مورثهم و أما مراده في خيار الورثة من التفريق تفرقهم بالنسبة إلى حصتهم بأن يفسخ بعضهم حصته و الأخر لا يفسخ حصته فافهم.
فلعله خلاف الظاهر من كلامه، فراجع.
و أما الثالث: حكم المسألة: فالتحقيق المختار هو عدم جواز التفريق هنا، و ان قلنا بالجواز عند تعدد المشتري، لأنه انما نقول بجواز اختلاف المشتريين لمكان إطلاق الأدلة، كقوله عليه السّلام: (من اشترى شيئا معيبا فهو بالخيار) الشامل لكل واحد من المشتريين فهو مفقود في الورثة، لأن الوارث ليس من له الشراء و لا من صدر عنه القبول، مضافا الى لزوم التبعيض و الضرر على البائع المشترك بين الأصل و الفرع.
هذا كله في تعدد المشتري، فقد عرفت أن الأقوى عدم جواز اختلافهما فيما يلزم أحد الأمور الثلاثة التي هي من موانع الرد، لا فيما يلزم مجرد تفريق أحد المبيعين عن الأخر كصورة فرض رد هذا المبيع منفردا عن المبيع الأخر كالتفريق بين الغنم و الفرس إذا كان واحد منهما لواحد من المشتريين لو اشتراهما بصفقة واحدة.
و من ذلك يظهر لك النظر ما في كلام شيخنا العلامة «قده» من أنه مجرد التفريق نقص و أنه ليس قائماً بعينه، فمنع عن الرد فإنك عرفت أنه يعتبر في مقابل قائماً بعينه، التغيير حسبما ذكرنا تفصيله.
هذا و مما ذكرنا يظهر لك
فيجوز التفريق عليهما، سواء اتحد المبيع أم تعدد بأن يرد المشتري حصة أحدهما و يمسك حصة الأخر لعدم لزوم التبعيض على كل منهما و لا الضرر و لا الشركة سواء اتحد الإيجاب و القبول أم لا. نعم قد يستشكل في بعض الفروع:
فمنها: لو كان المبيع متعددا و كان كلا المبيعين مشتركا بينهما، فإذا أراد المشتري رد أحد المبيعين خاصة يلزم التبعيض على البائعين، فلا يجوز، و أما إذا أراد رد حصة أحدهما فلا يلزم التبعيض عليه. نعم، يلزم تبدل الشركة عليه فإنه كان شريكا أولا مع البائع الأخر و الان صار شريكا مع المشتري. و كذلك يلزم تبدل الشركة في الثمن على البائع الأخر أيضا في بعض الصور، فان قلنا أن تبدل الشركة عيب كأصل الشركة، فيستشكل في الجواز، و لكن مقتضى إطلاق كلماتهم عدمه، فلا بد من الرجوع الى العرف و المقامات.
بأن اشترى اثنان من اثنين عبدا فقد اشترى كل من كل ربعا فإن أراد أحدهما رد ربع الى أحد البائعين تبعّضت الصفقة عليه فيصير من فروع المسألة السابقة.
فله الرد دون الأرش حذرا من الربا هذا هو المشهور ظاهرا. و هنا قولان آخران:
(أحدهما) جواز أخذ الأرش و لو من جنس المعيب، لأن الأرش من قبيل الغرامة الشرعية و ان الربا يكون في المعاوضات لا في الغرامات، حكاه العلامة في «التذكرة» عن بعض الشافعية، و نفي عنه البأس بل عن «جامع المقاصد» حكاية هذا الوجه عن بعض أصحابنا. و توجيهه كما ذكر العلامة «قده» أن المماثلة في مال الربا انما يعتبر في ابتداء العقد و قد حصلت، و الأرش حق ثبت بعد العقد، و دعوى أن الأرش لفوات مقابله من المبيع واضحة المنع، ضرورة اقتضائها
انفساخ العقد بالنسبة الى ذلك و انه يستحق خصوص الثمن و ان نمائه له، الى غير ذلك مما لا يمكن التزامه، لان الفوات من المبيع لا يتحقق بالنسبة إلى أجزائه و أبعاضه بل بالنسبة إلى أوصاف المبيع التي لا يقابلها شيء من الثمن و وصف الصحة منها بل هي وصف التزمه بائع المبيع من دون مقابلته بشيء من المال كالحمار الأبيض و البقر الأصفر مثلا.
و لا ينافيه تجويز المشهور عند ظهور فقده أخذ ما يخصه بنسبة المعاوضة من الثمن من باب الغرامة الشرعية حكم بها الشارع عند اختيار المشتري تغريم البائع الا أن يقال: أن المستفاد من أدلة الربا حرمة أخذ مطلق الزيادة في المتجانسين سواء كانت تلك الزيادة من أركان المعاوضة بحيث يلاحظ بعنوان المقابلة أو كانت مسببة عن المعاوضة بحيث صارت تلك المعاوضة سببا لتلك الزيادة و لو بعنوان الغرامة.
بمعنى أن يقال: أن كل بيع يجيء منه أخذ الزيادة مطلقا سواء كان من الجنس أو غيره مع عنوان الشرط و غيره مع ملاحظة التقابل و غيره من الغرامة الشرعية و أضرابها لا يجوز في الشرع فيبطل البيع الذي صار سببا للزيادة في المجانس.
(و ثانيها) جواز أخذ الأرش من غير الجنس يحمل حرمة الزيادة في المتجانسين على ما يكون من جنسهما لا غير، و لم نجد قولا بذلك منا، بل ينبغي أن ينسب هذا الى خيالات الشافعية.
بل زادت قيمة المعيب عن الصحيح أو ساوت كخصاء العبد و عدم الشعر على الركب، في ثبوت الأرش في مثل ذلك نظر و اشكال من أن إطلاق الأدلة و الفتاوى: كون العيب ما زاد عن الخلقة أو نقص و ان فيه الرد و الأرش و من انتفاء موضوع الأرش في مفروض
الكلام، و من لزوم الضرر على البائع في أخذ الأرش و من عدم الاطلاع على قدر نقص القيمة الذي هو المدار في نقص المالية، فأصالة البراءة كافية في نفي الأرش بعد ظهور أدلة ثبوته بل صراحتها في غيره من العيوب التي تنقص القيمة.
و هذه وجوه ثلاثة يستدل بها على نفي الأرش، و العمدة منها هو الأول، أعني انتفاء موضوع الأرش و عدم تصوره هنا حتى يحكم بثبوته، فان تم ذلك فهو يكفي في عدم إجراء إطلاق أدلة الأرش هنا و الا فالوجهان الآخران لا سبيل لهما بعد جريان أدلة الأرش لتحكيم أدلة الأرش و تقديمها، ضرورة أن الأرش إنما شرع في مورد الضرر، فهو أخص مطلقا من قاعدة لا ضرر، فيقدم عليها، و ان كانت هي بنفسها حاكمة على أكثر الأدلة و القواعد فيما كانت النسبة أعم و أخص من وجه، و مخصصة فيما كانت النسبة أعم و أخص مطلقا فلا مسرح حينئذ لأصالة البراءة.
و القول بعدم الاطلاع على قدر النقص كما في «جامع المقاصد» مدفوع بما سنذكره من تصوير الأرش و كيفيته.
نعم، لو قلنا بانصراف أدلته فيما كان العيب منقصا لكان التمسك بقاعدة نفي الضرر و أصالة البراءة في محله.
و كيف كان قد يناقش في عدم تصوير موضوع الأرش بوجوه:
أحدها: فرض الأرش في الخصاء و أمثاله من العيوب بإلغاء ما يترتب على الخصاء من المنفعة التي هي بالنسبة الى بعض الناس أو كلهم، بمعنى أن المعيب يقوّم مع قطع النظر عن هذه المنفعة الفعلية المترتبة عليه، و لو كانت تلك المنفعة عامة لجميع الناس، فالخصاء مثلا مع قطع النظر عن منفعته الملحوظة فيه يقوّم من حيث أنه فاقد للفحولة التي يحصل منه النسل ثم يقوم على فرض كونه صحيحا فحلا صالحا للنسل، فهذا التفاوت التقديري هو الأرش، و يؤخذ من الثمن بنسبة
تفاوت القيمتين.
و ثانيها: أن منافع الخصاء انما هي بالنسبة إلى أشخاص النادرة كالموالي و السلاطين، و المنافع النادرة لا عبرة بها عند الشرع- كما حقق في محله- بأن المنافع النادرة ليست من المجوزات.
و ثالثها: أن المنفعة الملحوظة في الخصاء منفعة محرمة، لأنه يرغب قليل من الناس لبعض الأغراض الفاسدة، كعدم تستّر النساء منه، و كونه واسطة في الخدمات بين المرأ و زوجته مع كشف وجوههن عنه، و من المعلوم أن المنافع المحرمة لا توجب زيادة في المالية، كالعنب الذي يحصل منه الخمر الجيد، فليست ماليته أكثر من غيره عند الشرع، فلا احترام لتلك المنفعة. فيحصل حينئذ موضوع الأرش، و يتصور في مثل الخصاء.
و رابعها: من جهة تعدد الجهة، فالخصاء من حيث يرغب اليه الناس لخصائه له قيمة كذا أضعافا مضاعفة، و لكن من حيث أنه فاقد للفحولة و صلاحية النسل له قيمة قليلة، فالتفاوت بين قيمتي الجهتين هو الأرش.
و لكن الكل مدخول- كما ترى- أما الأول و الرابع: فلان فرض الخصاء ملغي عن المنفعة، و ملاحظة تعدد الجهة لا تجعل قيمته ناقصا فعلا، بل العبرة بقيمته الحالية، و تعدد الجهة لا يعتد بشيء منها، بل لو عرض الخصاء الى أهل العرف و السوق، يأخذونه بقيمة عالية، فهو العبرة فينتفي حينئذ الأرش. و أما الثاني و الثالث: بمنع الندرة و منع انحصار المنفعة بالوجه الحرام، مع أن العبرة في مقدار المالية رغبة الناس الى بذل المال الكثير في مقابل الخصى، و صحة الفرض و فساده لا مدخل لهما في المالية.
فالحق هو عدم الأرش لانتفاء موضوعه، بل لا طريق الى فرضه في ما ساوت كما في سعر الركب و نحوه، و لعله اليه ينظر ما في «جامع المقاصد» لعدم
الاطلاع على قدر نقص القيمة، أي لا يفرض له أرش أصلا لا بمعنى أن له أرشا، و لكن لعدم اطلاعنا عليه ينتفي الأرش لأن المورد يصير حينئذ الأخذ بالقدر المتيقن من جانب الأقل و الأكثر.
فنقول: أما في الآدمي فلا يجوز قطعا- بل عند علمائنا- كما عن «نهاية الأحكام»، و أما في غير الآدمي من الحيوانات: فان كان الحيوان مأكول اللحم يراد منه كثرة لحمه و شحمه- كما في الغنم و الدجاج المتعارف في أمثال زماننا- فجائز، لفحوى الأدلة المجوزة للذبح، و أما في غيره فلا يجوز لأنه ظلم و إيذاء.
و الضابط: أن إيذاء كل حيوان ظلم حرام لا يجوز إلا في ما ورد الترخيص كقتل الحية و العقرب، فكل فعل يوجب إيذاء للحيوان حرام، فاذا ورد الترخيص في ذبح مأكول اللحم، فيصير خصاؤه من جهة كثرة لحمه و شحمه بطريق أولى و أما في غيره فلم يثبت الترخيص، و في قتل الحشرات و السباع لا بد من دليل مرخص كما ورد في الحية و العقرب و غيرهما من المؤذيات الشخصية، بل ورد في قتل الحية أو العقرب ثواب قتل الكافر، و المؤذيات النوعية كالسباع لا بد من المراجعة الى باب الأطعمة و الأشربة.
و أما من قبيل الخصاء و غيره من سائر الأفعال مما كان ايذاء للحيوان من جهة غرض عقلائي آخر غير كثرة الشحم و اللحم، فيه نظر، من أنه هل ورد ترخيص بالنسبة إلى الغرض العقلائي أم لا؟ فعليك بالرجوع في محله عند الابتلاء.
فادعي فيه: لا خلاف و لا اشكال، فقد يستدل
له بوجوه:
«أحدها» أن العالم بالعيب، قد أقدم بنفسه على الضرر بسبب العقد على المعيب، فلا وجه للخيار حينئذ لعلمه بالعيب و اقدامه عليه.
فيه: أن دليل خيار العيب لو كان منحصرا بقاعدة الضرر، فعدم الخيار موجه لمكان اقدامه بنفسه ضرر العيب، و لكن مقتضى إطلاق الأدلة من الاخبار كقوله:
(من اشترى معيبا فهو بالخيار) و غيره من دليل خيار العيب هو ثبوت الخيار بسبب العيب، سواء كان معلوما أم لا، و لا يكون الاقدام مخصصا له، بل يحتاج الى مخصص آخر.
و «ثانيها» عدم مقتضى الخيار في صورة العلم على ما ذكره في الكتاب من عدم ثبوت الخيار في مورد العلم لعدم الدليل عليه فان الدليل انما هو منحصر بصورة العلم، و هذا كما ترى مناف لإطلاق بعض الأدلة.
و «ثالثها» ما يرجع اليه- كما في «الجواهر»- ظهور أدلة الخيار في غير صورة العلم و انصرافه الى مورد الجهل فتبقى أصالة لزوم العقد بالنسبة إلى الرد، و براءة الذمة بالنسبة إلى الأرش سليمة.
و «رابعها» مفهوم خبر زرارة في قوله عليه السّلام: (أيما رجل اشترى شيئا فيه عيب أو عوار و لم يتبرأ إليه منه و لم يبين له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا و علم بذلك العيب و ذلك العوار، أنه يمضي عليه و يرد عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به) حيث يدل بمفهومه على عدم رد الأرش عند التبين و التنبه بذلك العيب وقت الشراء، فيتم في نفي الرد أيضا، لعدم القول بالفصل أو الإجماع المركب، لان كلا من النفي و الأرش حينئذ نفي الرد أيضا.
أورد النظر عليه شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و لعل وجه النظر هو منع
تحقق الإجماع المركب، أو أن التبين و التنبه على ما في الرواية، لعل له مدخلية في سقوط الأرش و الرد كالتبري. و الكلام انما هو في مجرد العلم من المشتري لا في صورة إعلام البائع و تبرئته.
هذا و في نسخة «التهذيب» مكان: لم يبين له: لم يبرأ اليه. و في بعض النسخ: لم ينبه، كما في «مكاسب» شيخنا العلامة «قده» و لكن في نسخة «الكافي» ما ذكرناه، كما في «الجواهر».
و كيف كان، الحق هو سقوط الخيار مع العلم بالعيب من جهة أن علمه أقدام ضرورة دلالة الاخبار على ثبوت الخيار مطلقا و ليس ثبوت خيار العيب من جهة قاعدة «لا ضرر» حتى ينافيها الاقدام، نعم قد يوجه بأن إقدامه مع العيب رضائه بالمعيب و الرضا بالمعيب مسقط لخياره.
فيه: أيضا ما لا يخفى، لأنه لو سلم السقوط مع الرضا هو الرضا بعد العقد لا قبله، بل الاولى استناد مدرك المسألة الى أخبار خاصة الدالة على سقوط الخيار مع العلم كأخبار الرق.
مضافا الى عدم تحقق الخيار الا مع الجهل لانصراف دليله الى غير الفرض فتبقى أصالة اللزوم و البراءة عن الأرش مرجعين.
بأن يقول: بعتك هذا بكل عيب أو أنا بريء من كل عيب أو نحو ذلك، و يدل على سقوط الخيار معه وجوه:
«أحدها» الإجماعات المحكية عن «الخلاف» و «الغنية» و «التذكرة».
و «ثانيها» ما ذكره في «التذكرة» من أن الخيار انما يثبت لاقتضاء مطلق العقد السلامة، فإذا صرح البائع بالبراءة فقد ارتفع الإطلاق. و حاصله: أن الظاهر من حال المتعاقدين عند الاقتباض ارادة الصحيح و سلامة المبيع، كظهور ارادتها من نقد البلد و تسليم بلد العقد، فلو ظهر معيبا يتحقق خيار العيب لتخلفه عما أراده
من الصحة و السلامة. و مع التصريح بالبراءة لا ظهور في السلامة و لا يحصل الخيار، لأنه لم يقع خلاف ما تراضياه، فإن التراضي و التباني انما وقع للمبيع المطلق معيبا كان أو صحيحا بملاحظة التبري عن عيوبه.
و «ثالثها» شمول أدلة الشروط، لأن التبري عن العيوب حالة العقد بمنزلة اشتراط السقوط عن الرد و الأرش اللازمين للعيب، فيندرج تحت قاعدة:
«المؤمنون عند شروطهم».
و «رابعها» إقدام المشتري مع تصريح البائع بالتبري يكشف عن كونه راضيا بالمعيب لو ظهر كذلك، فهو كما لو علم به فيشمله ما ذكرنا من الأدلة الدالة على السقوط مع العلم.
و «خامسها» ما في «الجواهر» من أن شمول أدلة الخيار لمفروض الكلام محل شك بل منع، لانصرافها إلى صورة ما عدا التبري عن العيب فتبقى أصالة اللزوم بالنسبة إلى الرد و أصالة البراءة بالنسبة إلى الأرش مرجعين بلا معارض.
و «سادسها» الأخبار الخاصة كمفهوم صحيحة زرارة- المتقدمة- و خبر جعفر بن عيسى، قال: كتبت الى أبي الحسن عليه السّلام: جعلت فداك، المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه بريء من كل عيب فيه، فاذا اشتراه المشتري و رضي به و لم يبق الا نقد الثمن فربما زهد فيه، فاذا زهد فيه ادعى عيوبا و أنه لم يعلم بها، فيقول المنادي: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، أ يصدّق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق فيجب؟ فكتب عليه السّلام: عليه الثمن.
و يمكن المناقشة في الكل، أما في الإجماع: فلان المسلّم منه انما هو في التبري عن العيوب المفصلة، بأن يقول: برئت عن العيب الفلاني دون التبري عن العيوب المجملة، فان البراءة الإجمالية كما هو محل الكلام في مفروض
المسألة أيضا ليست مما استقر به الإجماع، لأنه حكى الخلاف- الى بعض أصحابنا- ابن إدريس كما أنه حكاه في «المختلف» عن أبي علي و حكى فيه عن القاضي، و لعله من جهة خلاف هؤلاء في سقوط الخيار بالبراءة الإجمالية قيد شيخنا العلامة «قده» الإجماع بقوله في الجملة و ذكر بعض المشايخ بقوله:
و أبطل بعض أصحابنا التبري الإجمالي.
و لكن الإنصاف عدم الفرق بين التبري تفصيلا و إجمالا، كما أنه عدم الفرق بين العيوب الظاهرة و الباطنة و المعلومة و غير المعلومة، في الحيوان و غيره، فان الظاهر سقوط الخيار في جميع ذلك من غير ظهور الخلاف في ذلك، بل الإجماع المحكي ان لم يكن المحصل على ذلك.
و ما حكي عن بعض الأصحاب في خصوص البراءة الإجمالية، حيث أوجب التفصيل فلا يبرأ بالإجمال و لا يسقط به الخيار، بل قد يقال ببطلان البيع بالبراءة الإجمالية لأنه بيع مجهول كما ترى، إذ لا جهل مع المشاهدة، و أنه ان أراد من الإجمال المبهم لا بعينه بأن تبرى عن عيب واحد لا بعينه أو المعلوم عند البائع و المجهول عند المشتري، فمسلم. و لكن ليس مرادنا من البراءة الإجمالية هذا، بل المراد ما تعلق بمطلق أفاد العموم، لأنه بمنزلة الماهية الواقعة بعد النفي، بأن يقال: برأت من عيبه، فحينئذ يكون مقابلة البراءة التفصيلية تشخيص العيوب و تصريحها أو تعميمها بكلمة «العموم» أو المراد هو ما وقع بعد قوله: برأت من المطلقات، أو بألفاظ العموم بأن يقال: برأت من جميع العيوب، أو من العيوب، فان كان ذلك بمنزلة التفصيل في البراءة لمكان العموم و افادة المطلق مفاد العموم.
فلذلك يمكن أن يقال- دفعا لمادة الخلاف-: أن من قال من الأصحاب ببطلان البراءة الإجمالية، مراده هو المبهم لا بعينه مطلقا أو عند خصوص المشتري، و ما
حكي عن أبي علي و القاضي- لو صح- يمكن دعوى مسبوقيتهما بالإجماع، و ان أمكن أن يقال: أن ابن إدريس غلط في الحكاية، و أن ما في «الدروس» من أن في التبري مجملا قولين أشهرهما الاكتفاء، و لعله في غير محله.
و أما الخدشة في الوجه الثاني بأن يقال: أن قوله: مع التبري لا يبقى إطلاق للعقد في السلامة، يرد عليه:
أولا: أن لازم هذا الوجه فساد البيع للغرر و الجهالة، حيث أن أقدامه على المبيع ليس مبنيا على سلامته حينئذ، فمع الشك في السلامة لو اشترى كان بيعا غرريا.
و لكن يمكن دفع ذلك بأن مع التبري و ان لم يبق اقتضاء إطلاق العقد في السلامة، إلا أن المشتري إنما أقدم على الشراء من جهة أصالة السلامة لا من جهة اقتضاء إطلاق العقد السلامة حتى يقال أنه قد ارتفع بالتبري.
و ان أبيت عن ذلك، نقول: أن الإجماع قام على صحة مثل ذلك العقد، غاية الأمر يقع الإشكال في سقوط الخيار بمثل ذلك التبري و عدمه و ليس الإشكال في صحته و فساده بل الفساد مقطوع البطلان فيخرج إجماع البيع المذكور عن شمول قاعدة نفي الضرر.
فيكون الفارق بين التبري عن العيب و عن خيار الرؤية الإجماع، حيث أن النص و الإجماع قاما على الصحة في الأول دون الثاني، مضافا الى ما ذكرنا أولا أن عدم التزام البائع هنا لا يقدح في اعتماد المشتري على أصالة الصحة بخلافه هناك فان الغرر لا يندفع في خيار الرؤية إلا بالتزام البائع بوجود الصفات المشترطة في العين الغالية.
و ثانيا: أن هذا الوجه لا يقتضي بنفسه سقوط الخيار، بل لا بد من انضمامه الى دليل آخر يدل على سقوط الخيار أو أن يقال: شمول أدلة الخيار لمحل الفرض
غير معلوم فيرجع الى الوجه الأخر المذكور، في «الجواهر».
و أما في الثالث: فلان عموم (المؤمنون عند شروطهم) و شمول غيره من أدلة الشروط على ما نحن فيه، محل منع لما مر مرارا من شبهة الشافعي في شرط سقوط الخيار من أنه إسقاط ما لم يجب، بمعنى أن التبري عن العيوب بمنزلة اشتراط سقوط خيار العيب، فان الخيار مما لم يوجد، لأنه ان كان مسببا عن العقد فهو لم يتم حين التبري و ان كان مسببا عن العيب فهو لم يتحقق و لم يثبت و الحاصل: أن الخيار لم يثبت قبل العقد حتى يشترط سقوطه و يتبري عنه.
و أما في الرابع: فلما مر أيضا من منع تحقق إقدام المشتري إذا جرى عمله على وفق الأصول العقلائية و القواعد المقررة.
و أما في الخامس: فلمنع الانصراف.
و أما في السادس: أما في مفهوم الصحيحة، فلما مر من شيخنا العلامة «قده» من الأمر بالنظر، لان دلالته انما يتم بالإجماع المركب و عدم القول بالفصل بين الرد و الأرش، و هو محل الكلام، مضافا الى أن القيود الثلاثة التي في الرواية ارتفاعها جميعا سبب لارتفاع الخيار لا كل واحد منهما. و أما في المكاتبة: فمع ضعف سندها اشتملت على خلاف مقتضى القاعدة من تقديم قول البائع بقوله و عليه الثمن، إذ مقتضى القاعدة تقديم قول المنكر و سماعه حتى يقيم المدعي بينة و برهانا على دعواه، و معلوم أن المنكر هو المشتري لا البائع.
هذا، و لكن الأقوى هو سقوط الخيار بالتبري و عدم الاعتناء بالخدشات المذكورة على الوجوه المزبورة، فإنك قد عرفت حال الإجماع و عدم مخالف في المسألة إلا ما يتراءى عن بعضهم، و هو أما محجوج بالإجماع أو محمول على صورة التبري عن العيب الإجمالي المبهم عندهما أو المعلوم عند البائع و المجهول عند المشتري لا التبري الإجمالي المعهود، بأن يقول: برأت من عيبه، أو
برأت من عيوبه أو من العيوب أو من جميع عيوبه، و أما المناقشة عن الوجه الثالث بشبهة الشافعي: فمدفوع:
أولا: بما مر من أن وجود السبب يكفي في صحة هذا الشرط، و السبب ثابت حين الشرط بناءا على أن العيب سبب و العقد شرط و ظهوره كاشف، أو أن الإيجاب فقط سبب و القبول شرط، على احتمال ضعيف.
و ثانيا: بما مر من شيخنا العلامة «قده» في شرط سقوط الخيار بأنه و ان كان شرطا لسقوط ما لم يجب، الا أن أدلة الخيار ليست شاملة لمثل هذا الشرط أيضا.
فكلما كان الأمر كذلك نتمسك بأصالة اللزوم و عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، للشك في جريان أدلة الخيار المخصصة للعمومات و الواردة على أصالة اللزوم، و المقام من هذا القبيل، لان مع اشتراط التبري في ضمن العقد لا تشمله أدلة الخيار لأنها مسوقة إلى وجود الخيار عند وجدان العيب، فيرجع الى الوجه الخامس المذكور الذي ذكره في «الجواهر» بقوله: بل قد يقال: أن في شمول أدلة الخيار المزبور لمحل الفرض محل شك بل ظاهرها خلافه فتبقى أصالة لزوم العقد و أصالة برأيه الذمة من الأرش بلا معارضة و ما ذكر من منع الانصراف مما لا يصغي اليه بعد ملاحظة عدم إطلاق أدلة الخيار من هذه الجهة.
و أما كون مكاتبة جعفر بن عيسى مخالفة للقاعدة كما حكي عن المحقق الأردبيلي «قده»: فمنظور فيه بما جعلها صاحب «الكفاية» مؤيدة لقاعدة:
«البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» و تصديق قول المنكر و السماع عنه و تقديم قوله بتقريب أن العادة جارية في أن نداء المنادي عند البيع بالبراءة من العيوب على وجه يسمعه كل من حضر للشراء، فدعوى المشتري: بأني لم أسمع البراءة، مخالفة للظاهر نظير دعوى الغبن و الغفلة عن القيمة، فصار مدعي البراءة
منكرا، لان قوله موافق للظاهر، و منكرها مدعيا، لان قوله مخالف للظاهر.
و قد صدق الامام عليه السّلام قول المنكر بقوله: و عليه الثمن. و يقدم قوله على قول المدعي.
و لكن فيه نظر، بناءا على أن المناط في تشخيص المنكر و المدعي عند المشهور هو موافقة الأصل و مخالفته، و أن المدعي من إذا ترك يترك و ان هذا الميزان مقدم على ميزان موافقة الظاهر و مخالفته عند اجتماعهما و دوران الأمر بينهما ثم ان هنا وجوه أخر ذكروها توجيها للمكاتبة:
أحدها: ما عن صاحب «الحدائق» من أن الظاهر ان إنكار المشتري انما وقع مدالسة لعدم رغبته في المبيع، و الا فهو عالم بتبري البائع. و الامام عليه السّلام إنما ألزمه بالثمن من هذه الجهة.
و أورد عليه شيخنا العلامة فيما سيأتي في اختلاف البائع و المشتري في البراءة:
بأن مراد السائل ليس حكم العالم بالتبري ثم أنكر مدالسة بل الظاهر استعلام من يقدم قوله في ظاهر الشرع من البائع أو المشتري، مع أن دعوى العالم بالتبري المنكر له مكابرة و مدالسة معلوم لكل أحد خصوصا للسائل كما يشهد به قوله:
أ يصدق أم لا يصدق، الدال على وضوح حكم صورتي صدقه و كذبه و لكن قد يناقش بوجود بعض القرائن في الرواية، بحيث يدل على توجيه صاحب «الحدائق» كقوله: زهد فيه، و قوله: ادعى عيوبا، بل قوله: لم أسمع البراءة و لا شهادة لقوله: أ يصدق، لما ذكره مضافا الى أنه من القواعد المقررة: ان كل خبر و رواية إذا احتمل احتمالين أحدهما موافق للقواعد الشرعية و الأخر مخالف، فلا بد من حمله على ما يوافق القواعد الشرعية دون مخالفها.
و ثانيها: ما ذكره بعض المشايخ في «شرح القواعد» و هو أن المشتري قد ادعى عيوبا حادثة لم يتبرأ البائع منها بل إنما يتبرأ من العيوب الموجودة، و أنكر
البائع حدوث تلك العيوب التي يدعيها المشتري، و قال: قد برأت من هذه العيوب، بمعنى أنه: أظهرت لك أيها المشتري هذه العيوب، و ليست هي حادثة بعد العقد بل كانت قبله و قد أعلنتها، فالبايع حينئذ قوله موافق للأصل، إذ الأصل عدم حدوثه بعد العقد.
فيه: ما لا يخفى، إذ بعد الإغماض عن صحة هذا الأصل، و أنه معارض بمثله أعني أصالة عدم حدوثه قبل العقد و أن المرجع أصالة تأخر الحادث، و هي في طرف المشتري ان في المكاتبة مبعدات لهذا التوجيه بل قوله: ادعى عيوبا و لم يعلم بها صريح في أن المشتري لا يدعي حدوث العيوب بعد العقد.
و ثالثها: ما ذكره أيضا في كتابه الأخر المسمي ب «أنوار الفقاهة» أن قول الامام عليه السّلام: (و عليه الثمن) هو مقتضى القاعدة تقريب أن أصل المبايعة و المعاملة مسلم بينهما، و مقتضى ذلك وجوب الثمن على المشتري و حيث كان منكرا للتبري عن العيوب لا بد عليه الحلف حتى لا يكون عليه الثمن، فما لم يحلف لا بد من أداء الثمن. نعم إذا حلف سقط عنه رد الثمن و يرد المبيع على البائع لمكان العيب فكأن قوله عليه السّلام: (و عليه الثمن) مقيد بأمر محذوف مقدر، أي ما لم يحلف أو ينكل عن الحلف، فيكون المعنى: عليه الثمن إذا نكل المشتري و لم يحلف، و هذا التوجيه أيضا بعيد كما ترى، فالأوجه هو وجه صاحب الكفاية في تطبيق المكاتبة على القاعدة. ثم انه قد يناقش بالاستدلال على تلك المكاتبة لسقوط الخيار عند تبري البائع الذي يرجع الى شرط التبري في ضمن العقد بوجهين:
«أحدهما» ما في كتاب شيخنا العلامة «قده» أن الشرط الذي يجب الوفاء به هو الشرط المأخوذ في ضمن العقد فلو حصل الشرط قبل العقد أو بعده فليس بلازم الوفاء فالمكاتبة لا دلالة فيها على أن شرط التبري كان في ضمن العقد، بل يدل على أنه كان وقت النداء لا وقت العقد.
و فيه: أولا: أن نداء المنادي انما هو بالعقد كما هو المتعارف في هذا الزمان أيضا. و ثانيا: أن الشرط الذي حصل التباني في العقد عليه قد ذكرنا أن التحقيق حكمه حكم الحاصل في العقد خلافا لبعضهم.
و «ثانيهما» تطرق احتمال المعاطاة في قضية نداء المنادي لعدم التصريح في المكاتبة على بيع المنادي بالصيغة فحينئذ لا يكون لازما فلا دلالة على عدم الخيار أصلا بطريق أولى، نعم، بعد التصرف يكون لازما، فيجري مجرى البيع.
فيه: أنه ضعيف، إذ المتعارف- حتى في زماننا هذا- اجراء إيجاب البيع و الشراء في البيع فيمن يزيد بالصيغة، فلا يصغي الى تطرق احتمال المعاطاة بعد صراحة البيع و كلمة (يباع) على حصول الصيغة.
التي في ضمان البائع كالعيب الحاصل قبل القبض أو في زمن خيار المشتري، و هنا جهتان:
«إحداهما» هل يشمل للعيوب المتجددة- لو قال البائع: برأت عن العيوب أو عن عيوبه- أم لا؟ قيل: نعم، لعموم اللفظ، و قيل: لا، لعدم انتقال الذهن الى العيوب المتجددة، بل شمول العموم للعيوب الموجودة فلا بد للتبري عن المتجددة من التصريح لعله الأظهر.
و «ثانيتهما» مجيء شبهة الشافعي من أن الخيار ليس بموجود قبل وجود العيب لا بنفسه و لا بسببه، فيكون إسقاطا لما لم يجب بل هنا أقوى من السابق، لان العيب كان في السابق موجودا دون هنا، فلا يأتي الجواب السابق هنا من كفاية وجود السبب.
و الجواب عن ذلك: تارة نقول بكفاية وجود الشرط أعني العقد، بمعنى
أن الإيجاب شرط تحقق الخيار لو تعقبه العيب. و أخرى بما ذكره شيخنا العلامة تبعا لشيخ الفقهاء في «الجواهر» من عدم شمول أدلة الخيار للعقد الذي يحصل فيه التبري عن العيوب المتجددة على ما مر تفصيله مرارا.
فالأقرب عدم ضمان البائع، و كذا لو علم المشتري به قبل العقد أو رضي به بعده و تلف في زمن خيار المشتري و يحتمل الضمان لبقاء علقة الخيار المقتضي لضمان العين معه، و أقوى إشكالا ما لو تلف به أو بعيب آخر متجدد في زمن الخيار. انتهى.
وجه عدم ضمان البائع لو تلف مع التبري عن العيوب هو أن معنى التبري عن العيب عدم التعهد بالآثار و الأحكام الثلاثة اللازمة للعيب من الرد و الأرش و الضمان فإن التبري عن السبب أعني العيب تبر عن مسببه و آثاره و لكن الحق هو الضمان لو تلف المبيع بالعيب المتبري عنه لقاعدة (التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له) الشاملة للتلف بالعيب المتبري عنه لان الضمان بتلف المبيع ليس من آثار خيار العيب و أحكامه بل من آثار الخيارات الزمانية كخيار الحيوان و خيار الشرط، فباسقاط خيار العيب بالتبري عنه لا يسقط الضمان من جهة تلف المبيع في الثلاثة في الحيوان و زمان الشرط و خيار الشرط و ظاهر شيخنا العلامة و ان كان تسليم كون الضمان من آثار العيب المتبري عنه لكنه اختار الضمان لعموم القاعدة.
و كيف كان، مدرك نظر الشهيد «قده»: أن العيب لما كان يتبرى عنه البائع فقد تبرى عن جميع ما يترتب على ذلك العيب و ما يكون ذلك العيب سببا له، فمن ذلك ضمان البائع لو تلف به فلا ضمان بسبب اشتراط البراءة عنه فيرده:
أن العيب و ان اشترط سقوط آثاره و أحكامه، الا أن الضمان انما يحصل من جهة
دليل آخر، و هو أن التلف في زمن خيار المشتري ممن لا خيار له، فيجب الضمان على البائع في صورة التبري في كل مورد يجري ذلك فيدور مدار جريان القاعدة فمن عمم تلك القاعدة في جميع الخيارات حتى في الغبن و الرؤية فيعم الضمان.
و من خصه بما كان للمشتري خيار من الخيارات الزمانية كما هو الحق حسب ما مر في بعض المسائل السابقة و سيأتي تفصيله في أحكام الخيارات (إن شاء اللّه تعالى) فيسقط الضمان إلا في الخيارات الزمانية كخيار الحيوان و الشرط.
هذا، ثم ان ما ذكرنا من الأمور التي يسقط الأرش و الرد قد ذكرها الجل بل الكل و قد عرفت دعوى عدم الخلاف بل الإجماع. و أما البواقي من الأمور الاتية فقد يظهر من بعضهم، فنقول:
بل بعده قبل الرد. و قد صرح العلامة «قده» بأنه في كلا الصورتين مسقط لحق الرد، بل الظاهر منه سقوط الأرش أيضا.
و لشرح الكلام في المقام لا بد أن يقال: أن في المقام وجوها ثلاثة، أحدها: عدم سقوط الرد و الأرش. ثانيها: سقوط الرد دون الأرش. ثالثها: سقوطهما جميعا.
دليل الأول: إطلاقات أدلة الخيار بواسطة العيب بناءا على ان العلم بالعيب شرط كاشف عن الخيار لا أنه سبب له، فيثبت الخيار فيما لو كان المبيع معيبا، و لو زال عيبه قبل الاطلاع به. و أما في الصورة الثانية، أعني ما زال بعد العلم قبل الرد فيجيء فيه أدلة الخيار سواء قلنا بأن العلم بالعيب شرط شرعي أو سبب، و قد يستدل عليه باستصحاب الخيار لمكان القطع بحصول الخيار في أول انعقاد العقد لاتصاف المبيع بالعيب حين العقد، فيشك في زواله و سقوطه بسبب زوال العيب فيستصحب.
و الجواب عن ذلك يعلم مما سيذكر في الوجه الثالث. و دليل الوجه الثاني:
من التفصيل بين الرد و الأرش عدم مجيء أدلة الرد الا فيما كان المردود متلبسا
بالعيب فيمنع ظهور إطلاقات أدلة الخيار بما كان المبيع معيوبا في زمان و قد زال عيبه قبل الرد.
و أما الأرش فلان وصف الصحة عند العقد كان فائتا قطعا، فيستحق بذلك تفاوت الصحيح و المعيب. و أما زوال العيب و حصول وصف الصحة قبل الرد انما حصل في ملك المشتري هبة من اللّه تعالى، فلا ربط للبائع و لا يخرج عن عهدة ضمان العيب الذي حصل بمجرد العقد.
و قد يستفاد من الكتاب مبني شيخنا العلامة الأنصاري الى ذلك التفصيل، و لكن الحق خلافه، بل التحقيق هو الوجه الثالث من عدم الخيار عند زوال العيب في كلا الصورتين فلا رد و لا أرش لعين ما ذكره «قده» في الكتاب من ظهور الأدلة بالمتلبس بالعيب لان قوله عليه السّلام: (المعيوب مردود) ظاهر في تلبسه بالعيب حين الرد، فلا يشمل على ما زال قبل الرد. و كذلك سائر ما دلّ على الرد صريح أو منصرف الى ما تلبّس بالعيب، فلا تشمل الإطلاقات على ما كان معيوبا في زمان العقد فقط و قد زال العيب عنه قبل الرد. و كذلك ما دل على الأرش فيمنع شموله مفروض الكلام من الصورتين، بل الظاهر المعلوم من دليله هو ما كان متلبسا بالعيب حين مطالبة الأرش أو إرادة الرد، فيبقى كل معيب قد زال عنه عيبه قبل ارادة الرد ثبوت الخيار فيه من أخذ الأرش و الرد من غير دليل فتنهض أصالة اللزوم و عموماته مرجعا.
و من ذلك عرفت حال الاستصحاب، لعدم الحالة السابقة لمنع تحقق خيار الرد، و الأرش من أول الأمر في مفروض المسألة، و لعل هذا المدرك هو المسلك فلا ينبغي التفصيل و ان لم يكن مخالفا للإجماع.
لا اشكال و لا خلاف فيه، و أما كونه مسقطا للأرش أيضا فلم يظهر القول به من أحد مما رأينا من الأعلام
الا من ابن حمزة في «الوسيلة»، فذهب الى كونه بعد العلم بالعيب مسقطا للأرش أيضا لوجهين:
أحدهما: أن التصرف بعد العلم بالعيب علامة الرضا بالعيب، بمعنى أنه رضي بالمبيع بوصف عيبه.
و أوردوا عليه بأنه علامة الرضا بالمبيع لا بعيبه أيضا حتى يسقط الأرش، و ظاهر هذا الرد منع تسليم التصرف بعد العلم علامة للرضا بالعيب، فلو سلّم كونه علامة لرضائه لوجب سقوط الأرش فلذلك عدل عن هذا الجواب شيخنا العلامة «قده» و لم يكن ذلك الجواب مرضيا له، لأنه لو سلمنا أنه علامة لرضائه بالعيب أيضا لما يسقط الأرش لأن الرضا بالعيب يجتمع مع أخذ الأرش أيضا فليس المسقط للأرش إلا إبراء البائع عن عهدة العيب أو تصريح المشتري بإسقاط الأرش و تصريحه برضائه بالعيب بدون الأرش. فقال في مقام رد ابن حمزة:
و الاولى أن يقال: أن الرضا بالعيب لا يوجب إسقاط الأرش، و انما المسقط إبراء البائع. انتهى.
و ثانيهما: أن النص المثبت للأرش ظاهر في التصرف قبل العلم، و أما التصرف بعد العلم فلا يدل دليل على ثبوت الأرش معه، لأن الأرش خلاف الأصل، فيقتصر في ثبوته على مورد النص، و القدر الثابت منه انما هو فيما قبل العلم، لان النص في المقام هو قول أبي جعفر عليه السّلام: أيما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار و لم يتبرأ إليه فيه و لم ينبه، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا و علم بذلك العوار و بذلك العيب، فإنه يمضي عليه البيع و يرد عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به. انتهى.
و كأن وجه الظهور في نظره: أن قوله عليه السّلام: (و علم بذلك العوار) تفريع على قوله: (فأحدث فيه) و ان الواو بمعنى ثم، حيث عقّب العلم بالعيب
باحداث الحدث، فذكر العلم عقب التصرف ظاهر في كون المراد منه أنه أحدث فيه شيئا بعد ما قبضه ثم علم بذلك العوار.
فيه: ما لا يخفى من الضعف، لأن الأصل عدم سقوط الأرش بسبب التصرف بعد العلم بعد ما ثبت ثبوت الأرش و الرد بمجرد كون المبيع معيبا، و لا طلاق النص و منع ظهوره فيما قبل العلم لان الظاهر عطف قوله (و علم بذلك) مكان (فأحدث) فحينئذ يصير النص عاما شاملا لسقوط الأرش بمجرد احداث الحدث سواء كان قبل العلم أو بعده خلافا ل «لمبسوط»، فإنه ذهب الى عطف قوله (و علم) مكان قوله (و قبضه) فيلزم من مفهومه حينئذ عدم سقوط الرد بمجرد التصرف قبل العلم.
و الحاصل: أن قاعدة الأقربية و ان كانت تقتضي عطفه مكان قبضه، و يندفع بذلك ما ذهب اليه ابن حمزة، إلا أنا نلتزم به أيضا مخافة الالتزام بمذهب الشيخ في «المبسوط» من أن التصرف قبل الرد ليس مسقطا للرد و الأرش بكليهما بل مقتضى فتاوى الأصحاب و الإجماع هو القول بإطلاق النص، و عطف قوله (و علم) مكان (فأحدث) فيصير النص حينئذ مطلقا بالنسبة إلى التصرف قبل العلم أو بعده و هو يكفي في ردهما مضافا الى احتمال عدم مخالفة ابن حمزة في أصل المسألة و عدم صحة النسبة بمكان التعليل المحكي عن «الوسيلة» كما في «الجواهر» حيث قال فيه: على أن فيما حضرنا من نسخة «الوسيلة»: و ان علم بالعيب ثم تصرف فيه لم يكن له الرد و الأرش، لأن تصرفه ليس بموجب لرضاه، و تعليله انما ينطبق على أن له الأرش، و لعل الاسقاط من النساخ. انتهى. أي لعل إسقاط كلمة- له- قبل قوله- و الأرش- بعد قوله- لم يكن له الرد-، كما هو غير بعيد بمقتضى التعليل فتدبر.
و على أي حال، في صريح «الغنية» أو ظاهرها: الإجماع على ثبوت الأرش،
بل عن «شرح الإرشاد» للفخر: الإجماع على ثبوت الأرش و هو الحق الذي لا محيص عنه.
و لا اشكال بل لا ريب في سقوط الأرش لانتفاء تفاوت القيمة حسب ما عرفت، و أما في سقوط الرد، فيه وجهان بل قولان:
«أحدهما» سقوط الرد أيضا لمكان التصرف، فيشمل الأدلة الدالة على سقوط الرد بالتصرف، و لان التصرف علامة الرضا و دليل على رضا المشتري بالعين الخارجية لأنه أقدم على العين الفائت عنها وصف الصحة، كما لو رضي بالعبد المشروطة كتابته مع تبين عدمها في خيار تخلف الشرط.
و «ثانيهما» بقاء الرد، لانصراف الأدلة الدالة على سقوط الرد بالتصرف على المورد الذي يثبت فيه الأرش و تنقص قيمته بالعيب، و لان مفروض الكلام في التصرف الذي لا يستكشف منه الرضا الفعلي، ضرورة أن كل فعل يستكشف منه الرضا الفعلي فهو كالتصريع بالرضا على المعيب مطلقا. فيندفع بهذين الوجهين ما يستدل على السقوط.
أما الأدلة: فلعدم مجيئها لمكان الانصراف الى غير مورد المسألة، و أما كون التصرف علامة الرضا: فلعدم مجيئه في مطلق التصرف، مضافا الى لزوم الضرر على المشتري بصبره على المعيب لو لم يكن له الرد، و الى أن المرجع عند الشك في شمول دليل مسقطية الرد أصالة بقائه و استصحاب جوازه و هو المختار.
ثم انه يبقى الكلام في بعض عبارة كتاب شيخنا العلامة الأنصاري «قده» فإنه «قده» بعد تنظير التصرف في المقام على التصرف في ما عدا العيب، قال:
فان خيار التخلف فيها لا يسقط بالتصرف.
و هذا حسب ما عرفت في السابق أحد الوجوه الثلاثة، فالقول بعدم سقوطه
بالتصرف على إطلاقه ممنوع- كما لا يخفى على من راجعه- و كذلك قوله- كما صرح به- ركيك لو قرئ على صيغة المجهول و عدم سبق المرجع في المقام لو قرئ على صيغة المعلوم.
و لكن الأقوى هو ثبوت الرد بعد تدارك المشتري الضرر المالي بدفع المعيب مع قيمة النقص الحادث لان المرجع بعد تعارض الضررين هو استصحاب الرد الثابت قبل حدوث العيب بعد انصراف النص الدال على اشتراط الرد بقيام العين و مانعية حدوث العيب على مورد إمكان تدارك ضرر الصبر على المعيب بالأرش، وفاقا لمشايخنا العظام و خلافا لصاحب «المسالك» حيث قال فيما لو كان المعيب مما لا تنقص قيمته كالخصي: و لو حصل مانع عن الرد كحدوث عيب و تصرف سقط الأمران أي الأرش و الرد، ثم قال: و يشكل حينئذ الصبر على المعيب و الرد فإنهما إضرار و يمكن ترجيح البقاء اعتبارا بالمالية و هي باقية.
و حاصله: أن الرد ضرر على البائع لصبره على العيب الحادث، و البقاء أيضا ضرر على المشتري لصبره على العيب القديم فيتعارضان و يرجح البقاء للزوم الضرر المالي الأخر على البائع على تقدير رد المشتري بواسطة العيب الحادث الذي تنقص قيمته و هو ضرر زائد على الضررين المتعارضين.
و قد يستدل على مختاره أيضا تارة بإطلاق الأدلة الدالة على مانعية حدوث العيب. و أخرى بظهور الإجماع، و الكل ضعيف، أما الإجماع فلمنع ثبوته مضافا
الى مخالفة المفيد في أصل المسألة. و أما الأدلة: فلمنع شمولها لمفروض المسألة لانصرافها الى ما يمكن فيه أخذ الأرش، و أما ترجيح البقاء اعتبارا بالمالية، فلتداركه بقيمة النقص.
و حدوث العيب في الربويات التي لا يجوز أخذ الأرش فيها لأجل الربا كالحبوبات و الحلي من المكيل و الموزون.
أما التصرف: فالظاهر أن حكمه حكم ما سبق في المعيب الذي لا تنقص ماليته كالخصي من أن التصرف علامة الرضا، و شمول الدليل لمانعية التصرف فلا يجوز الرد لأجلها و لا يجوز أخذ الأرش أيضا للزوم الربا و من منع كونه علامة الرضا مطلقا خصوصا فيما قبل العلم، لان الكلام في مطلق التصرف لا خصوص التصرف الذي علمت كاشفيته عن الرضا، و ان الدليل الدال على مانعية التصرف منصرف الى المورد الذي يمكن أخذ الأرش فيه، فلا يشمل المكيل و الموزون، فيجوز الرد لاستصحاب جوازه فيما قبل التصرف لعدم ثبوت مانعيته في مفروض البحث.
و أما حدوث العيب: ففي مانعيته عن الرد بالعيب القديم اشكال فقد ذكر شيخنا العلامة الأنصاري بأن ظاهر جماعة مانعيته بعموم النص الدال على مانعية حدوث العيب و اشتراط الرد بقيام العين، و تنظر فيه بما سبق من انصرافه فيما يمكن أخذ الأرش فلا يشمل مثل المقام فيشكل الأمر حينئذ، فإن رد العين من دون الأرش من جهة نقص القيمة بالعيب الجديد الذي حصل في ملك المشتري يلزم الضرر على البائع و ان رد مع أرشها يلزم الربا، فلم يكن له الرد لا مجانا و لا مع الأرش و ان أمسك العين مع أخذ الأرش من جهة نقص القيمة بالعيب القديم الذي كان قبل العقد فيلزم الربا، و بدونهما يلزم الصبر على المعيب مجانا، فهو
ضرر منفي في الشرع فلم يكن له الإمساك و لا يجب عليه الصبر لا مع الأرش و لا مجانا.
و لذلك قيل: ان الطريق منحصر بفسخ العقد و إلزام المشتري بقيمته من غير الجنس معيبا بالقديم سليما عن الجديد لأنه لم يبق من الأمور الممكنة المذكورة إلا هذا الطريق، فهو جمع بين حق كل من البائع و المشتري.
قال الشهيد «قده» في «الدروس»: لو اشترى ربويا بجنسه و ظهر فيه عيب من الجنس فله الرد لا الأرش حذرا من الربا و مع التصرف فيه اشكال. و لو حدث عنده عيب آخر احتمل رده و ضمان الأرش كالمقبوض بالسوم و احتمل الفسخ من المشتري أو من الحاكم و يرتجع الثمن و يغرم قيمة ما عنده بالعيب القديم كالتالف من غير الجنس. و الأول أقوى، لأن تقدير الموجود معدوما خلاف الأصل. إلخ.
و هذا كما ترى ذكر الاحتمالين و قوى الأول، و لكن صرح في «القواعد» بانحصار الطريق في الثاني مع احتمال الأول على تقدير رضا البائع بما هذا لفظه: و لو كان المبيع حليا من أحد النقدين بمساويه جنسا و قدرا فوجد المشتري عيبا قديما و تجدد عنده آخر لم يكن له الأرش و لا الرد مجانا و لا مع الأرش و لا يجب الصبر على العيب مجانا فالطريق هو الفسخ و إلزام المشتري بقيمته من غير الجنس معيبا بالقديم سليما عن الجديد، و يحتمل الفسخ مع رضا البائع و يرد المشترى العين و أرشها و لا ربا، فإن الحلي في مقابله الثمن و الأرش للعيب المضمون كالمأخوذ للسوم. انتهى.
وجه الانحصار انما هو في مقام إعطاء كل ذي حق حقه على وجه الاستحقاق و الحكم الشرعي بمقتضى الجمع بين الحقين لا على وجه يعم التراضي، فلا طريق على هذا الوجه، أي إعطاء حقهما على وجه الاستحقاق و الجمع بين حق
كل منهما، أي البائع و المشتري إلا هذا، أي الفسخ فيفسخ المشتري العقد ليدفع الضرر عن نفسه و ينزل المبيع منزلة التالف لمنع رده بتجدد العيب الحادث فينتقل الى قيمته من غير الجنس معيبا بالعيب القديم لأنه في ضمان البائع سليما عن الجديد لأنه في ضمان المشتري.
فلا ينافي الانحصار في الطريق على ما ذكر «قده» بقوله: و يحتمل الفسخ مع رضا البائع و يرد المشتري العين و أرشها لأن ذلك الاحتمال- أي رد العين و أرشها- انما هو مع رضا البائع لأن قبول العين التي حدث فيها العيب في يد المشتري لا يجب على البائع و لو مع أرش العيب الجديد فيقف ردها اليه على رضا البائع لا محالة.
و لذلك ناقش في العبارة المحقق الثاني في شرحها بقوله: لو قال: و يحتمل رد العين مع الأرش مع رضا البائع إذا فسخ المشتري. لكان أولى، لأن ثبوت الفسخ لا تردد فيه و ليس رضي البائع شرطا فيه بل هو قهري بالنسبة، إنما المشترط برضاه هو دفع العين بأرش العيب المتجدد، لان قبولها معه قد بيّنا أنه غير واجب عليه مطلقا فيقف ردها اليه على رضاه لا محالة.
و كيف كان فتلخص لك أن محتملات المسألة وجوه خمسة: أحدها: رد العين مع أرش العيب الحادث بأن يفسخ العقد بنفس الرد فينجبر بضرر البائع بالمعيب المضمون على المشتري بالأرش. و ثانيها: ردها بدون الأرش. و ثالثها:
إمساكها من دون أخذ الأرش من البائع. و رابعها: إمساكها مع أخذ أرش العيب القديم الذي هو مضمون على البائع. و خامسها: فسخ العقد و تنزيل المبيع الموجود منزلة التالف و إلزام المشتري بقيمته معيبا بالقديم سليما عن الجديد.
لا سبيل الى الثاني، إذ الرد مجانا بغير جبران للعيب المتجدد إضرار على البائع، و ان نقصان المالية بالعيب الحادث في يد المشتري مضمون عليه،
فكيف يلزم البائع من دون تدارك النقصان و الأرش، مع أن العيب المتجدّد مسقط للرد.
و كذلك لا سبيل الى الوجه الثالث، لان الصبر على المعيب مجانا لا يجب بالنص و الإجماع على أن العيب القديم في المبيع مضمون على البائع للمشتري فكيف يسقط هنا، و يلزم على المشتري من دون تداركه و أرشه، فهو إضرار عليه منفي في الشرع. و هذان الوجهان لا قائل بها لا من الخاصة و لا من العامة و أما الوجه الرابع: فقد ذكر أن للعامة قولا بذلك بأن يرجع المشتري بأرش العيب القديم و المماثلة في مال الربا انما تشترط في ابتداء العقد و قد حصلت و الأرش حق ثبت بعد ذلك، فلا يقدح في العقد السابق، و نسب في «جامع المقاصد» الى مصنفه بأنه «قده» قال في «التذكرة»: و هذا الوجه عندي لا بأس به و قد تنظّر فيه من جهة ان أخذ الأرش انما كان لفوات مقابله من المبيع، فتبقى المعاوضة على المعيب و ما بقي من الثمن بعد الأرش.
و كيف كان لا سبيل الى هذا الوجه أيضا لما ذكرنا مرارا و سنحقق إن شاء اللّه تعالى في محله ان كل زيادة حصلت من جهة البيع، سواء كانت في ابتداء العقد أم لا، فتشمله أدلة حرمة الربا، فلا تجوز الزيادة حيثما يجيء من جانب العقد.
و أما الوجه الأول: أعني رد المبيع مع أرش العيب الحادث، فان صححنا أن أرش العيب الحادث و قيمته من باب الغرامة لما فات في يد المشتري- كما عليه الجل لو لا الكل- و أنه كان مضمونا على المشتري كالمقبوض بالسوم فلا يلزم من أخذ الأرش من المشتري ربا فهو المعين، و الا بأن يستلزم الأرش الربا، اما في أصل المعاوضة أو في الفسخ كما مال اليه شيخنا العلامة الأنصاري «قده» فيتعين الطريق الى الوجه الخامس.
فنقول: حاصل ما أفاد شيخنا العلامة الأنصاري «قده» في الكتاب: أن أخذ
الأرش مستلزم للربا لا محالة، لأن ضمان المشتري للوصف التالف بالعيب الحادث لا يخلو اما أن يكون قبل الفسخ أو بعده، و كلاهما لا يخلو اما أن يكون من باب الغرامة أو من باب التعديل و المقابلة لا وجه للأول لأن الغرامة اما أن تكون قبل الفسخ أو بعده و كلاهما فاسد.
أما الأول: فلان التلف حصل في ملك المشتري، و المالك لا يضمن ما في ملكه لغيره، فليس ذلك نظير المقبوض بالسوم حيث أن المستام ضامن للبائع و ليس بمالك و تقدير رجوع العين الى ملك البائع حين تلف الوصف لا دليل عليه.
و أما الثاني: فلأنه بعد الفسخ لم يتلف شيء بل التلف حصل في ملكه قبل الفسخ و لا وجه للثاني أيضا لان مقتضى المعاوضة بين الصحيح و المعيب عدم ضمان وصف الصحة، إذ لو جاز الضمان في مقابل وصف الصحة لكان أخذ الأرش في الربوية جائزا، فوصف الصحة كسائر الأوصاف الكمالية من الكتابة و غيرها يجب تراد العوضين من دون الزيادة و النقيصة فرد المشتري أرش العيب لا معنى له الا اعتبار مضمونية العيب بجزء من الثمن، فيلزم نقصان الثمن عن الثمن لكون جزء من الثمن في مقابل وصف صحة المثمن و الباقي من الثمن في مقابل مجموع المثمن فيلزم الربا في أصل المعاوضة إلا أن الأقوى- وفاقا للمشهور- هو أن أخذ الأرش من باب الغرامة خلافا لشيخنا العلامة «قده» في الكتاب، بل الظاهر تفرده في ذلك الا ما حكي عن شارح «القواعد». و كونه من باب الغرامة يتضح بملاحظة أمور:
أحدها: أن ضمان الشخص للغير في مال نفسه لا يتصور الا بالتقدير و لذلك لا يقال أن الشخص ضامن لداره الا أن تكون فيها شائبة تزلزل و خيار، فالضمان التقديري يصح فيما كان للتقدير دليل، بمعنى أنه فيما دل الدليل على ذلك التقدير
و هو هنا أمران:
(الأول) قاعدة لا ضرر فان الرد على البائع بدون الأرش ضرر عليه.
(الثاني) ظهور الإجماع فإن الأصحاب حكموا بأن المشتري ضامن للعيوب الحادثة بعد القبض و بعد انقضاء زمان الخيارات الزمانية و ليست في ذلك مخالفة الا من شيخنا العلامة الأنصاري «قده» و المحكي عن الشارح.
و ثانيها: أن وصف الصحة لا يوزع عليه الثمن مطلقا كما اعترف شيخنا العلامة سابقا في رد من قال في خيار العيب أنه خيار تبعض الصفقة فإن الأرش لو كان جزء من الثمن و لو في غير الربويين، لكان اللازم أخذا للأرش من عين الثمن مع بقائها بل الأرش هو غرامة لما فات من جانب الشارع تفضلا على المتضرر.
و ثالثها: أن الإقالة جائزة في غير الربويين، بل فيهما أيضا بلا خلاف.
تم الكتاب. و الحمد للّه أولا و آخرا أنجز طبعه في 20- ذي الحجة- 1407