افاضه القدیر فی احکام العصیر

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: إفاضة القدير في أحكام العصير موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، شيخ الشريعة، فتح اللّٰه بن محمد جواد نمازى تاريخ وفات مؤلف: 1339 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1410 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: يحيى ابوطالبى عراقى ملاحظات: اين كتاب همراه با كتاب" قاعدة لا ضرر شيخ الشريعة" چاپ شده است

مشخصات ظاهري : ۱۴۷ص.

وضعيت فهرست نويسي : در انتظار فهرستنويسي (اطلاعات ثبت)

شماره كتابشناسي ملي : ۱۸۲۲۵۱۷

[حول حياة شيخ الشريعة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

له الحمد و الثناء و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء و آله الأئمة الأمناء الأصفياء (و بعد) فان من الواجب على الأمّة سيّما على روّاد العلم و طلاب الحقيقة الاهتمام الشديد بحفظ شئون العلم و توقير حامليه و تبجيل الراسخين فيه و هم حملة العلوم الدينية و نقلة الآثار الإسلامية الذين ثابروا على عملهم الصادق و بذلوا جهدهم و سهروا على خدمة العلم و الدين و هم الوسائط بيننا و بين أئمتنا الطاهرين «ع» و هم القرى الظاهرة التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه الكريم وَ جَعَلْنٰا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا قُرىً ظٰاهِرَةً «سورة سبأ آية 18» كما فسرها لنا أهل بيت الوحي و حملة الكتاب في عدة من الاخبار المستفيضة المروية في الجوامع الحديثية للإمامية و قد كفى في ذلك ما صدر عن الناحية المقدسة (الحجة القائم المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه و أرواحنا فداه) (نحن و اللّه القرى التي بارك فيها و أنتم القرى الظاهرة) و هذه الوسائط المقدسة بعد ما فارقوا هذه النشأة الفانية و ارتحلوا الى جوار ربهم بالنفوس المطمئنة الراضية و هم احياء عند ربهم يرزقون يجب على أهل العلم و خدام الشرع الشريف ان يبذلوا جهودهم الجبارة و مساعيهم المشكورة لضبط تواريخ هؤلاء المشايخ و السلف الصالح و تنسيق حالاتهم و مكارم أخلاقهم و أوصافهم و خدماتهم التي أدوها إلى العالم الإسلامي و غير خفي على أهل الكمال ان هذا العمل الصادق أيضا توقير و تكريم لهم بعد مماتهم مضافا الى ما يترتب على ذلك من الفوائد الكثيرة و الفضائل النفسانية التي هي نتائج الاتصاف و التحلي باوصافهم الفاضلة الإنسانية و اما من لم يقدر لهذا الفن قدروه و لا يعطى له قيمة و يعده مجرد حبر على الأوراق فليس لنا في حقه الا الاعراض و السكوت فان لكل امرئ حدّ رأيه و نظره و عقيدته أصاب الحق أو أخطأ، و انظر الى كلام سيد الموحدين

أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لولده و تدبر فيه و تفكر في حثه للاطلاع على اخبار السالفين (احي قلبك بالموعظة و أمته بالزهادة و قوة باليقين و نوره بالحكمة و ذلله بذكر الموت و قرره بالفناء و بصره فجائع الدنيا و حذره صولة الدهر و فحش تقلب الليالي و الأيام و اعرض عليه اخبار الماضين و ذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين و سر في ديارهم و آثارهم و انظر فيما فعلوا و عما انتقلوا و اين حلوا و نزلوا) و من التكريم الواجب على الأمة جمعاء هو حفظ مصنفات هؤلاء العظماء و نشر آثارهم الخالدة و اثمارهم اليانعة و لا شك ان في ذلك ترويجا للدين و بثا للعلم و نصرة للحقيقة، و ممن نبغ من هؤلاء الزعماء و الأساطين الكبراء في هذه الأواخر و أذعن الكل له بالقداسة و العبقرية الفذة و الثقابة العالية و قام بعلمه المتدفق في قطب دائرة العالم الإسلامي و مركز جامعة التشيع ناشرا ألوية الحنيفية البيضاء كالشمس على ارجاء الغبراء هو مصنف كتاب (إفاضة القدير) اعنى أستاذ الفقهاء و المجتهدين المجاهد في سبيل اللّه العلامة في أنواع العلوم الإسلامية المجتهد الأكبر آية اللّه (الحاج ميرزا فتح اللّه) بن محمد جواد النمازى الشيرازي الشهير (بشيخ الشريعة) الأصفهاني من الأسرة الشهيرة النمازية بشيراز.

ولد في (أصفهان) التي صادت ردحا من الزمان مركزا علميا في إيران و طلع هذا البدر الزاهر و ظهر الى عالم الشهود (12 ع 2 في عام 1266 ه) و شب و ترعرع و ترقب له مستقبلا باهرا و له الاستعداد العجيب لأخذ العلوم و درس الفنون الأدبية و أكب على العلوم العربية و انقطع الى العلم و البحث و التحصيل و حضر عند جمع من علماء أصفهان و فضلائها الأعيان منهم العلمان الجليلان المولى حيدر على الأصفهاني و المولى عبد الجبار الخراساني و الشيخ العالم المولى أحمد السبزواري و العالم النحرير المولى محمد صادق التنكابنى و تلمذ مدة عند العلامة الكبير الشيخ محمد باقر بن العلامة الشهير الشيخ محمد تقى صاحب

الحاشية، ثم هاجر الى العراق مجازا من أساتذته الاعلام في أصفهان سنة (1295 ه) و حضر عند الفقيه الأكبر الشيخ محمد حسين الكاظمي المتوفى في (1308 ه) و في عام (1313 ه) قصد زيارة مكة المعظمة زادها اللّه تعالى شرفا و اتفق له في هذه الرحلة المباركة مباحثات كثيرة و مناظرات عديدة مع جمع من أعاظم علماء العامة في جملة من المسائل العلمية فتعجبوا من علومه الجمة و إحاطته التامة على الفنون العقلية و النقلية فقفل الى النجف الأشرف و اشتهر صيت تبحره في جميع العلوم الإسلامية و الفلسفية و غيرها و كان منذ قدومه الى العراق مدرسا كبيرا في المعقول و المنقول و يشتمل مجلس بحثه على المئات من المشتغلين و هو يحضر في بحث العلامة الأكبر آية اللّه الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي «قده» لرعاية الاحترام الى ان انتقل الميرزا إلى رحمة اللّه سنة (1312 ه) فتوجهت طلاب العلوم نحوه و ازدلفوا اليه للاستفادة من افكاره العلمية و ليس لهم أغراض دنيوية و لذا كان مجلس بحثه لا يشتمل الأعلى رواد العلم و رجال الفضيلة و قد القى دروسه العالية على جم غفير من التلامذة المبرزين مع فكره الحر و قوله الصريح ببيانات كافية و تحقيقات شافية مجاهرا بالدليل صادعا بالحق و له قوة في البيان و جرأة في الجنان و سرعة في الخاطر و كان قدس سره آية في الذكاء و قوة الحافظة بحيث يعدّ ذلك من خوارق العادات و الخاصة من التأييدات و العنايات التي أودعها اللّه تعالى في نفسه القدسية و هو وحيد عصره و علامة دهره في علوم القرآن و الحديث و الرجال و الفقه و أصوله و الفلسفة و الكلام و المعارف و اللغة و فنون الأدب و غيرها و له الإلمام الشديد و المهارة العجيبة في المناظرة مع حسن المحاضرة، و كان بحّاثة كبيرا جامعا للعلوم قلما يوجد نظيره في الجامعية و سعة الاطلاع و التتبع فهو المثل الا على من كل فضيلة و له الشباهة التامة في ذلك لزعمائنا الأقدمين و هو نظير لسلفنا الصالح من رؤساء الدين فإنهم كانوا للعلوم جامعين و لدين اللّه من الناصرين قل ان يوجد منهم من كان علمه منحصرا في فن أو فنين كما يظهر من آثارهم الخالدة الى زماننا هذا

ان آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا الى الآثار

و يروى شيخنا المترجم عن أستاذه الفقيه الأكبر الشيخ محمد حسين الكاظمي و عن السيد الحجة الميرزا محمد هاشم الخوانساري الأصفهاني الشهير (بچهار سوقي) المتوفى في (1318 ه) صاحب مباني الأصول و عن السيد الخبير السيد محمد باقر الخوانساري في (1313 ه) صاحب الروضات الجنات، و إجازاته لتلامذته مشحونة بذكرهما و عن السيد الحجة الكبير السيد مهدي القزويني الحلي المتوفى في (1300 ه) و عن الفقيه الورع الحجة الشيخ محمد طه نجف التبريزي المتوفى في (1323 ه) و غيرهم من الجهابذة الأجلاء و كان قدس سره ناطقا بليغا فصيحا يعظ تلامذته وعظا علميا و قد عين لذلك في كل أسبوع يوما و قد سعى بقوله و فعله و علمه في تربية تلامذته و رباهم أحسن تربية و جمع منهم من زعماء عصرنا و أساتذتنا و مراجع زماننا و رؤساء الشيعة اليوم ادام اللّه ظلالهم، «و سمعت» كرارا عن حضرة سيدنا الوالد الماجد نور اللّه ضريحه ان أستاذه شيخنا المترجم وعد لتلامذته ان يباحث في بعض الأيام في المسائل الفرعية التي صدر فيها عن فقيه واحد من فقهائنا أقوال مختلفة في كتاب واحد أو في كتب متعددة و يبين أدلة كل قول عقيبه و علة اختلاف أقواله ثم عمل بما وعده و اتى بشي‌ء عجاب و عكف جمع من تلامذته على تحرير هذا الدرس و اشتهر بينهم (بدرس الخلافيات) و العلماء كانوا يتعجبون في تدريسه هذا من كثرة إحاطته و اطلاعاته بالفقه و سعة دائرة تتبعاته و تحقيقاته و لا يزال هذا الشيخ الامام مربيا للعلماء الإعلام الى ان وقعت نائرة الفتنة البريطانية في العراق العربي و في أثنائها اتفقت الداهية العظمى وفاة الزعيم الامام الميرزا محمد تقي الشيرازي الحائري سنة (1338) ه و انتهت الزعامة الكبرى للشيعة اليه و توجهت الناس كافة نحوه و انقادوا لرئاسته الدينية فتقلد هذا الإمام للإمامة و المرجعية بلا منازع و صار قائدا روحيا بلا مدافع فاستعمل الرأي السديد و أخذ على أمر الجماعة بيد من حديد و اجتهد في الذبّ عن الدين بالعزم القوى الشديد و قد حفظ له تاريخ العراق مساعى مشكورة و مواقف مشهورة و الخدمات الجليلة التي بذلها في سبيل الإصلاح العام لا تنسى على مر القرون و الأعوام و لو لا خوف الإطالة لذكرنا شطرا منها، فانظر الى تاريخ النجف الأشرف: (ماضي

النجف و حاضرها) (ص 263) الى (ص 271) و غيرها على انه «ره» كان لا يرى لفخامة الزعامة و قرأ، و لا في مسند الصدارة فخرا، و لا يطيب بإشارة الأنامل نفسا، و قد شوهد في بعض خلواته و قد فرغ عن إحدى فرائضه اليومية و هو يناجي ربه و دموعه تجرى على خده الشريف و يقول:

(يا رب صرت في آخر أيام حياتي من الدنيا مبتلى بالرئاسة و متحملا لاثقال الامانة الهى ليس لي التحمل لهذا الأمر العظيم فإن الزعامة الدينية لها الشئون و التكاليف العظيمة و أنت سائل غدا عنها ممن تقلدها و تحمل أوزارها) و لا يزال يقول أمثال هذه الكلمات الشريفة و يبكي بقلب حزين و لم تطل أيام زعامة هذا الشيخ الامام و انتقل الى جوار اللّه تعالى و رضوانه في النجف الأشرف ليلة الأحد (8- ع- 2- 1339 ه) و دفن في إحدى الحجر الشرقية من للصحن الشريف العلوي و قد وجد سيدنا الثقة العلامة الزنجاني مؤلف كتاب (الكلام يجر الكلام (1)) و غيره من المؤلفات نزيل قم دام ظله مادة تاريخ وفاته في قوله (عطر اللّه ضريحه) و له تصانيف ممتعة تشتمل على مطالب علمية نفيسة مبتكرة

(1) رسالة في قاعدة لا ضرر طبعت أخيرا بقم في هذه السنة (1368 ه)

(2) رسالة في قاعدة الطهارة

(3) رسالة في التفصيل بين جلود السباع و غيرها

(4) ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار، قال شيخنا البحاثة الحجة الشيخ «آقا بزرگ» الطهراني دام ظله في الذريعة (ج 1- ص 59): انه فرغ منه سنة (1319) و يوجد في خزانة كتبه عند ولده الفاضل الحاج آقا حسن و قد خالف في المسألة معاصره العلامة الفقيه السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي المتوفى سنة (1337) كتبه معترضا عليه و كتب على حواشيه شيخنا العلامة المولى محمد كاظم الخراساني المتوفى سنة (1329) اعتراضات و نقودا فكتب شيخنا في دفع اعتراضاته (صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة) توجد نسخة من هذا الكتاب مع رسالة صيانة


1) و قد طبع الكتاب المذكور مع هذا السفر الشريف في مطبعة (قم) و من اراده فليطلبه منها (المصحح)

الإبانة في مكتبتنا الشخصية بتبريز و هذه المسئلة سألها بعض أهل جيلان عن شيخ الطائفة و فقيهها آية اللّه الشيخ محمد حسن الممقانى المتوفى سنة (1323 ه) ثم وقعت المسئلة بأيدي أجلاء ذلك العصر و اعاظمه من أهل النظر و التحقيق و طال التشاجر بينهم حتى كتبوا رسائل مستقلة في تحقيقها حسب ما أدت اليه نظرياتهم الدقيقة و كتب شيخنا المترجم الإبانة ثم الصيانة و كتب المجتهد الأكبر شيخنا العلامة الممقاني المتوفى (1351 ه) صاحب تنقيح المقال رسالة في المحاكمة بين العلمين الآيتين الطباطبائي اليزدي و شيخنا الشريعة الأصفهاني و طبعت في سنة (1344) في النجف الأشرف

«5» صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة «6» رسالة في المتمم كرا

«7» إنارة الحالك في قراءة ملك و مالك كتاب مبسوط جليل يقرب من ألفين و ثلاث مائة بيت و جعل له خاتمة و جعل للخاتمة ذيلا مشتملا على خمس فوائد نافعة كل منها ذات فوائد علمية مفيدة و غالبها مبتكرات و قد ذكر تفصيل ذلك شيخنا في الذريعة (ج 2 ص 353) فراجع.

«8» رسالة مناظرته مع الآلوسى البغدادي في إثبات وجود الحجة المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه و إثبات إمامته و قد أرسل الآلوسى الى شيخنا المترجم رسالة في رد الشيعة و أجاب الشيخ «قده» عنه و رده ثم رد ثانيا الآلوسي فأجاب الشيخ «قده» ثانيا و ردّه بأحسن ما يكون

«9» رسالة قاعدة الواحد البسيط

«10» حاشية على الفصول من أول الكتاب الى آخر مباحث الوضع و هي كما ذكره شيخنا في الذريعة (ج 6- ص 167) تعليقة نافعة جدا لطيفة جيدة سلسلة العبارة مدونة بخطه في ثلاثة آلاف بيت و زيادة توجد نسخة منها في مكتبتنا بخط تلميذه حضرة سيدنا الوالد الماجد قدس اللّه روحه

«11» رسالة مبسوطة في نقده على الصحاح الستة للعامة و جرح رواتها قال شيخنا العلامة الطهراني صاحب الذريعة في مشيخته (الاسناد المصطفى) (ص 29) (و هي كراريس بخطة تلف منها بعض صفحاتها تزيد على خمسة آلاف بيت استكتبتها في مجلد و بما انه لم يذكر لها عنوانا كتبت على ظهر النسخة إنه يحق ان يسمى بالقول الصراح في نقد الصحاح)

«12» رسالة في أصالة الصحة

«13» رسالة في الحق و الحكم

«14» إفاضة القدير في حكم العصير، و هو هذا الكتاب النفيس القيم الذي نقدمه بين يدي القارئ الكريم يظهر منه كسائر مصنفاته تبحر مصنفه و إحاطته و تحقيقه الانيق في العلوم و قد صنفه في أواخر أمره و شخص موضوع العصير العنبي و الزبيبي و التمري و حكمها تشخيصا دقيقا علميا نفيسا و أورد الروايات و نظر فيها نظر تعمق و تحقيق و تفكير على أحسن وجه و امتن طريق و أفئدة مضافا الى اشتمال هذا السفر الجليل على فوائد كثيرة نافعة في موضوعات و مسائل مختلفة كما هو غير خفي على من طالعة و أنصف و جانب عن الاعتساف، كيف لا و قد تخطى هذا الجوهر الثمين بعد ان انتشر نسخه الخطية مكانة عالية في أنظار فحول العلماء و أكابر الفقهاء و قد سمعت عن بعض اساتذتنا الاعلام دام ظلهم انه لما صنف شيخنا المترجم هذا الكتاب و وصل الى نظر جمع من أعاظم مراجع عصره فأفتوا بطهارة العصير العنبي إذا غلا و اشتد و لم يذهب ثلثاه بعد ان كانوا مفتين بنجاسته و لا يزال كان العلماء و أهل التتبع و الاطلاع يجتهدون في استنساخه و اقتناعه للأخذ من نفائس أفكار مصنفه و التقاط درره حتى قيض اللّه تعالى همة بعض أهل الخير و الصلاح لطبعه و نشره و اذاعة عطرة خدمة للعلم و الدين و نشرا لتعاليم الشريعة المقدسة الغراء، «هذا» و قد ترجم شيخنا الامام المترجم جمع كثير من المؤلفين و كتب تلميذه العالم الفاضل الشيخ عبد الحسين الحلي رسالة مستقلة في ترجمته كما في الذريعة (ج 4 ص 158) و ذكره المحدث القمي «ره» في سفينة البحار (ج 1- ص 695) و ذكره أيضا في فوائده الرضوية (ج 1 ص 245) و لكنه لم يؤد حقه في الموضعين و اقتصر على ترجمة مختصرة غير مفيدة في غاية الإيجاز و الاختصار.

و أقدم جزيل شكري و تقديري الى صديقي الفاضل الجليل الأخ الامجد السيد ناصر الدين الحسيني القمي دام مجده فقد صرف الهمة في أعداد مقدمات طبع الكتاب و بذل جيدا بليغا و عناية صادقة في إخراج الكتاب الى عالم النشر و الانتفاع شكر اللّه مساعيه الجميلة و وفقنا و إياه على الخدمة للدين و الشريعة فإنه خير موفق و معين 3 شعبان المعظم 1368 ه قم (محمد على بن باقر القاضي الطباطبائي التبريزي)

ص: 1

ص: 2

[مقدمة]

اشارة

الحمد للّه رب العالمين و أفضل صلواته و تسليماته على أفضل أنبيائه محمد و آله الطاهرين.

و بعد فيقول العاثر الخاسر الخازى، فتح اللّه الأصبهاني النمازى، ابن التقي النقي محمد جواد الشيرازي، أصلح اللّه حاله، و ختم الخير مآله، انى طالما تأمّلت في مسئلة العصير بأقسامه، و استقصيت الغور في استنباط احكامه، و تطلبت مظان استكشاف هذه العضلة، و نقضت و ابرمت، و هدمت و احكمت، و أنجدت (1)و اتهمت، فلم يزدني التأمل في المآخذ و الأدلة، و كلمات المشايخ الجلة، و رؤساء المذهب و الملة، إلا كثرة العجب عما غفل عنه كثيرون و أغفلوه، و كثرة خطاء ثلة ممن أطنبوا فيه و فصلوه، و انهم كيف لم يهتدوا الى ما دلت عليه الأدلة الواضحة، و لم يتنبهوا بما نبه عليه شيوخ الطائفة، و اعتقدت ان التحقيق يقتضي خلاف ما نقحه كثير من الذين تكلموا في المسئلة و أطالوا، و الغور و التفتيش ينتجان غير ما بنوا عليه و قالوا، و انهم لم يأتوا المسئلة من بابها، بل سدوا طريق تحصيلها لطلابها، فوقعت منهم غفلة جرت الى غفلات، و صدرت منهم زلة أدت إلى زلات، فبنى ثلة منهم على الحكم بطهارة العصير


1) أنجدت: أي دخلت النجد. اتهمت: اى دخلت التهامة

ص: 3

المغلي بأقسامه من العنبي و التمري و الزبيبي مما غلى بنفسه أو بالنار و حليتها ذهب ثلثاها أو لم يذهب عدا العنبي الذي غلى و لم يذهب ثلثاه فاختاروا حرمته فقط دون النجاسة و هم كثير من المتأخرين و جل المعاصرين أو كلهم،. و بنى ثلة اخرى على مثل ما بنوا الا انهم أضافوا إلى حرمة العنبي النجاسة، و هو الذي يدعى انه المشهور أو عليه الأكثر، و اختار بعضهم كالوحيد البهبهاني حرمة الجميع و نجاسته قبل ذهاب الثلثين زعما منه ان كلها مما يوجب الإسكار و لو خفيا،. و مال بعضهم إلى الحرمة في الزبيبي و العنبي و التمري من دون نجاسته، و بعضهم إلى الحرمة فقط في خصوص الأولين و بعضهم إلى الحرمة و النجاسة فيهما،. و كل هذه الأقوال منحرفة عندي من سنن الطريق غير مبنية على الإتقان و التحقيق، و تحديق النظر و التدقيق، و كان الحق عندي ما لوح اليه كثير من أساطين القدماء و أعيان الفقهاء و ان صارت مهجورة بعد ما كانت شايعة، و عادت مستورة غب ما كانت ظاهرة، و علمت يقينا ان من يأتي بعد هؤلاء المطنبين المتأخرين ينظر الى مقالهم، و ينسج على منوالهم، و لا يخرج عما عرفت من أقوالهم، فاوحببت على نفسي كشف هذه الملمة، و تنقيح هذه المسئلة المهمة، و لا أظن بمن له تيقظ و فطانة، و غور في الرواية و الدراية، و اتصاف بالإنصاف، و تجنب عن الاعتساف اين يعدل عما أوقفت عليه في هذه الرسالة، و أوضحته في هذه العجالة، و سميتها (إفاضة القدير في أحكام العصير) و رتبتها على مقالات و فصول و خاتمة.

المقالة الاولى

[بيان مورد الخلاف و الاشكال في العصير]

(1)اعلم ان المتحصل من كلمات جل المتعرضين للاحتجاج و الاستدلال، المستوعبين بزعمهم للأدلة و الأقوال، انه لا إشكال في حلية جميع أنواع العصير ما لم تغل، كما انه لا إشكال في حلية ما عدا عصير العنب و الرطب و التمر و الزبيب غلى أو لم يغل ما لم يسكر و لا في حرمة عصير العنب إذا غلى بنفسه أو بالنار و لم يذهب ثلثاه و انما الخلاف و الاشكال في موضعين: (أحدهما) في عصير العنب الذي غلى و لم يذهب ثلثاه و لم يصر


1) لا يخفى ان العناوين الموضوعة في هذا المقام و ما بعده ليست من كلام المصنف (قده) بل انما وضعناها تسهيلا للقاري (المصحح)

ص: 4

مسكرا، فالخلاف فيه من حيث الطهارة و النجاسة، (و الآخر) في الثلثة الباقية، بالقيود الثلثة الماضية، فالخلاف فيها من حيث الطهارة و النجاسة، و من حيث الحل و الحرمة جميعا. و قد استفاضت الروايات بل تواترت في حرمة العصير الذي غلى و حرمة ما طيخ و لم يذهب ثلثاه (تارة) بعنوان العصير (و اخرى) بعنوان البختج (و ثالثة) بعنوان الطلا،.

[اخبار الباب]

ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال (ذكر أبو عبد اللّه (ع) ان العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه فهو حلال) و في صحيحة أخرى له عن أبي عبد اللّه (ع) (كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) و المراد به ما غلى بإصابته النار من باب إقامة العلة القريبة للشي‌ء مقامه، و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) (إذا أخذت عصير الطبخية حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب) و في صحيحة حماد عن ابى عبد اللّه (ع) (لا يحرم العصير حتى يغلى) و في معتبرة أخرى له (قال سئلته عن شرب العصير قال (ع) تشرب ما لم يغل و إذا غلى فلا تشربه قلت اى شي‌ء الغليان قال (ع) القلب) (و في موثقة) ذريح عن ابى عبد اللّه (ع) (إذا نش العصير و غلى حرم) «بالواو» كما في النسخ المصححة من الكافي (و في التهذيب) «أو» بدل الواو، و الأول أصح لأضبطية الكافي و لانه لا وجه لجعل النشيش (و هو الصوت الحاصل بالغليان) مقابلا له الا على وجه راجع الى عدم المقابلة، (و في الصحيح) عن ابن ابى عمير المجمع على تصحيح ما يصح عنه الذي قالوا فيه انه لا يروى و لا يرسل إلا عن ثقة، عن محمد بن عاصم عن ابى عبد اللّه (ع) (لا بأس بشرب العصير ستة أيام) قال ابن ابى عمير معناه ما لم يغل (و في صحيحة) معاوية بن وهب عن البختج (قال (ع) إذا كان حلوا يخضب الإناء و قال صاحبه قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه فاشربه) (و في صحيحة) معاوية بن عمار على الصحيح (عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و انا اعلم انه يشربه على النصف فقال (ع) لا تشربه) (و في صحيحة) ابن ابى يعفور (إذا زاد الطلاء على الثلث فهو حرام) (و في الصحيح)

ص: 5

عن على بن حمزة عن ابى بصير (قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) و قد سئل عن الطلاء فقال (ع) ان طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد حلال و ما كان دون ذلك فليس فيه خير) (و في ذيل) معتبرة محمد بن مسلم (فمن هناك طاب الطلاء على الثلث) فالمقصود بالتكلم في هذه المقالة هو تحقيق الحال في هذه العناوين الثلثة.

[في بيان المراد من العصير]

(اما) الأول فهو العصير، فهل يراد به في هذه الاخبار ما يعم الأقسام الأربعة و غيرها غاية الأمر خروج ما عدا الأربعة بدليل منفصل أو يراد به خصوص ما اعتصر من العنب، فقد يدعي الأول نظرا الى ان العصير فعيل من العصر و هو استخراج ماء الشي‌ء مطلقا عينا كان ذلك الشي‌ء أو غيره أصليا كان المستخرج أم عارضيا ابتدائيا كان الاستخراج أم مسبوقا بعمل كالنقيع و غيره و هو كغيره من المشتقات موضوع بالوضع النوعي للذات المبهمة المتصفة بالمبدء على وجه مخصوص و من الواضح المقطوع به ان وضع أهل اللغة ما لم يخص العصير من بين المشتقات بالوضع لذات معينة مشخصة كالعنب، فعمومه لغة مما لا ينبغي ان يرتاب فيه كبقائه عليه شرعا و عرفا و عدم نقله الى معنى آخر لأصالة بقاء الثابت و انتفاء الحادث، و شيوع اضافة العصير الى العنب للاحتراز عن غيره في الاخبار و كلمات الأصحاب و كلام أئمة اللغة و الأدب، و هو لا يجامع النقل فان هجر المعنى الأصلي شرط في النقل، و لصحة استثناء الزبيبي و التمري في العرف و الشرع من العصير، و صحة توصيفه بالعنبي، و صحة إضافته إلى العنب و غيره، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، و في الوصف و الإضافة هو التخصيص و الإخراج دون البيان و الإيضاح.

و دعوى ان التمر و الزبيب انما ينبذ و ينقع في الماء فيؤخذ مائه و يطبخ أو يشرب من غير ان يكون هناك عصر، مدفوعة بأن المتعارف فيهما و في أشباههما انها تنقع ثم تعصر قبل الطبخ أو بعده،. و قد يدعي الثاني اما بدعوى اختصاص العصير لغة و شرعا و عرفا بما اعتصر من العنب كما ينسب الى صاحب الحدائق «ره» و ان كان التأمل في مجموع كلماته يرشد الى عدم صحة النسبة، أو بدعوى ان إطلاق العصير على المعتصر

ص: 6

من العنب مجاز فكيف في غيره، و القدر المعلوم المسلم ارادته من هذا الاستعمال المجازي هو العصير العنبي

[بحث مع العلامة النراقي (ره)]

و هذه الدعوى مما ابداها العلامة النراقي (قدس سره) و هي على طرف الضد من الدعوى المتقدمة، و احتج عليها بان فعيلا اما بمعنى الفاعل أو المفعول و شي‌ء منهما لا يصدق على ماء العنب و غيره إذ ليس عاصرا بالضرورة و لا معصورا بل المعصور هو نفس العنب أو الشي‌ء المستخرج مائه، لا الماء المستخرج بالعصر و انما يسمى ذلك عصارا و عصارة، صرح بذلك في القاموس قال:

(عصر العنب و نحوه يعصر فهو معصور و عصير، و اعتصره: استخرج ما فيه، أو عصره:

ولى ذلك بنفسه، و اعتصره عصر له، و قد انعصر و تعصر، و عصارته و عصارة ما تحلب منه فشربه) صرح بان العصير هو نفس العنب و ان مائه عصارة و عصار، و عليهذا فإطلاق العصير على الماء المستخرج ليس بمقتضى وضعه الاشتقاقى حتى يستدعي عموما بل هو معنى مجازي فيمكن ان يكون ذلك المعنى المجازي هو خصوص ماء العنب أو هو و نحوه عصرا من باب ضرب: استخرجت مائه، فانعصر، و اعتصرته كذلك، و اسم ذلك الماء، العصير، فعيل بمعنى مفعول، و العصارة بالضم: ما سال من العصر (انتهى) و لكنه حقيقة طارئة إذ حقيقته الاشتقاقية ما وقع عليه العصر اى الجسم الذي استخرج مائه كما صرح به في القاموس، و تلك الحقيقة الطارية يمكن ان يكون ما لا يصدق على مثل ما يستخرج من التمر و الزبيب، بل يختص بما كان ماء نفسه، و لذا لا يقال لما يخرج من الثوب و نحوه بعد العصر عصير، و كذا ما يخرج من اليد الرطبة بعد عصرها، و لا عموم في كلاح المصباح لانه قال: العنب و نحوه فيمكن ان يكون مراده بنحوه ما كان الماء من نفسه بل هو الظاهر من قوله استخرجت مائه، حيث أضاف الماء الى الضمير الراجع الى نفس الشي‌ء و لم يقل الماء الذي فيه، و يؤكد ذلك عدم وقوع تصريح

ص: 7

في كلام لغوي باستعمال العصير في غير ما كان الماء المستخرج من نفسه، و دعوى ان قول صاحب المصباح: فعيل بمعنى مفعول، يدل على انه وضعه الاشتقاقى فيكون عاما لكل ما يصدق فيه مبدء اشتقاقه، مدفوعة: بأنه لا حجية في قوله فقط، و انه لو كان حجة فإنما هو في تعيين المعاني و اما في غير ذلك فلا، و كون ذلك فعيلا بمعنى المفعول مما نعلم انتفائه، و لو كان ذلك مقتضى الوضع الاشتقاقى للزم صحة استعماله في الماء المستخرج من عصر الثوب و اللبد و اليد و الشعر بل في كلام المصباح إشارة إلى انه ليس وضعا اشتقاقيا، حيث قال و اسم ذلك الماء العصير، ثم قال: و العصارة ما سال من العصر، فإنه لا يقال للضارب انه اسم ذلك الشخص، و لذا فرق بين العصير و العصارة فالأول ليس مقتضى الوضع الاشتقاقى بل هو علمي عارضي.

(أقول): و الدعاوي الثلث كلها ممنوعة عندي اعنى دعوى التجوز في الكل كما سمعت، و دعوى الاختصاص وضعا بعصير العنب، و دعوى تعميم المراد من الروايات لكل عصير و معصور الا ما خرج بالدليل، و الحق انه حقيقة في كل ما اعتصر من شي‌ء عنبا كان أو غيره أصليا كان المستخرج أم عارضيا، و ان المراد في مواقع استعماله هو خصوص عصير العنب.

اما كونه حقيقة في مطلق المعتصر من أي شي‌ء كان فلما مر من انه فعيل من العصر و سبيله سبيل سائر المشتقات لا يعتبر فيهما الا ما دلت عليه الهيئة أو المادة (1)و النقل غير ثابت بل ثابت العدم،

[فائدة أدبية]

(و اما) بطلان شبهة المدعى للتجوز فمبنى على كلام اقدمه أولا ثم أفرع عليه وجوه النظر فيما افاده، و هو ان العصر إذا تحقق من أحد بالنسبة إلى شي‌ء باستخراج مائه فكما انه لا يشك في صدق العاصر على الفاعل و في صدق المعصور من غير تقييد على ذلك الشي‌ء الذي وقع العصر عليه فكذلك لا ينبغي ان يشك في انه يصدق على ذلك الماء المستخرج انه المفعول بمن فيقال: انه معصور من ذلك الشي‌ء فالفاعل عاصر و ذلك


1) و المادة (ظ)

ص: 8

الشي‌ء معصور و الماء معصور من ذلك الشي‌ء و قد يؤدى هذا المعنى بالفعل المجهول فيقال: عصر هذا من ذاك، و لا أظن بالمستشكل المدعى للتجوز ان يدعيه في هذا الإطلاق أيضا، و قد يؤدي بصيغة المفعول، فيقال: انه معصور منه، فالعنب و مائه كلاهما يصدق عليهما انه معصور منه لكن كلمة (منه) في الأول نائب الفاعل و في الثاني الضمير المستتر في معصور الراجع الى الماء هو نائب الفاعل، و هل يشك أحد في انه يصدق على ماء العنب حقيقة أنه عصر من العنب أو معصور منه، بل الماء المجتمع المعصور من الثوب و اللبد و اللحاف و أشباهها أيضا مما لا شبهة في انه يقال انه عصر منها و معصور منها من غير ابتناء على استعارة أو علاقة أو عناية أو لمراعاة نكتة كما في المجازات، و ذلك لأحد وجهين:

(أحدهما) ان العصر إذا وقع على الشي‌ء المتضمن للماء فقد وقع على جميع أجزائه التي منها الماء سيما إذا كان جزئه الغالب كما في العنب و الرمان إذا لم يقع العصر على خصوص القشر و الحب، فيصح إطلاق العصير على الماء الذي يحلب منهما حقيقة (و لذا) صرح غير واحد من أئمة اللغة بأنه من الفعيل بمعنى المفعول.

(و الثاني) ما يبتني على مراعاة دقيقة لغوية ظهرت من المقدمة السابقة: و هي ان إطلاق الفعيل بمعنى المفعول على شي‌ء على وجه الحقيقة لا يختص بما إذا كان مفعولا من غير تقييد، بل كما يصح معه كذلك يصح إذا كان مفعولا مع التقييد بحرف، و قد تأملت كثيرا في إيراد نظائر له حتى تنبهت بجملة من الموارد و منها بقية ألفاظ الفعيل المستعملة في مسئلتنا هذه استعمالا شائعا اعنى: النبيذ، و النقيع، و المريس حيث ان الأول يستعمل في الماء الذي ينبذ فيه التمر، و الماء ليس نابذا و لا منبوذا، و النقيع فيما ينقع فيه الزبيب، و الماء ليس ناقعا و لا منقوعا، و المريس في الماء الذي مرس الى ذلك فيه التمر أو الزبيب، و الماء ليس مارسا و لا ممروسا، لكنه منبوذ فيه فيه و منقوع فيه و ممروس فيه، فهو المفعول المقيد بكلمة (في) و ان لم يكن مفعولا مطلقا، و لعله لخفاء هذا المعنى في الجملة احتاج الى التنبيه عليه من مثل الفيومي،

ص: 9

حيث قال و اسم ذلك الماء العصير و انه فعيل بمعنى مفعول، و لعل المدعى للتجوز لم يراع حقهما (1)حيث ادعى الجزم بخطائهما (2)في هذا القول فإن أمثال هذه الأمور ليس مما يخفى على مثلهما (3)و لو خطائهما (4)في أمر دقيق على أمر دقيق عقلي يغيب عن ذهن اللغوي كان في محله.

و ينبغي ان يعلم أيضا ان كون العصير حقيقة في الماء المستخرج من العنب كما انه حقيقة في نفس العنب، هو الذي يظهر من كثير من أئمة اللغة حتى صاحب القاموس الذي اعتضد بكلامه و نقل عنه غير مرة التصريح بخلافه، ففي لسان العرب، و هو امتن كتاب في اللغة و أوعية و أجمعه، ما لفظه: عصير العنب و نحوه مما له دهن أو شراب أو عسل يعصره عصرا فهو معصور و عصير، أو اعتصره استخرج ما فيه، و قيل عصره: ولى ذلك بنفسه، و اعتصره: إذا عصر له خاصة، و اعتصر عصيرا: اتخذه، و قد انعصر و تعصر، و عصارة الشي‌ء و عصارة: ما تحلب منه إذا عصرته، (و في القاموس) أيضا مثله، قال و عصارته و عصاره و عصيره: ما تحلب منه، و هو الذي يظهر من تاج العروس أيضا حيث شرح العبارة ساكتا عليه، و الظاهر ان لفظة العصير قد سقط من ذيل عبارة القاموس في النسخة التي كانت حاضرة عند النراقي (ره) فأوقعه فيما وقع، و من جميع ما ذكرنا تعرف وجوه النظر فيما ذكره (ره) و نشير إليها إجمالا:

[وجوه النظر فيما ذكر النراقي (ره)]

اشارة

(الأول) دعوى التجوّز في إطلاق العصير على ماء العنب المستخرج بالعصر و قد تبيّن ما فيها (الثاني) دعوى تصريح القاموس مرارا بان العصير خصوص العنب المعصور، و ان الماء إنما يسمى عصارا و عصارة، و قد سمعت انه صرح بخلافه.

(الثالث) طعنه على صاحب المصباح بتفرده و انه لا حجية في قوله فقط، و قد عرفت انه شاركه فيه أئمة اللغة


1) كذا في النسخة و الظاهر افراد الضمير ليرجع إلى الفيومي صاحب المصباح و لم يعلم وجه للتثنية

2) كذا في النسخة و الظاهر افراد الضمير ليرجع إلى الفيومي صاحب المصباح و لم يعلم وجه للتثنية

3) كذا في النسخة و الظاهر افراد الضمير ليرجع إلى الفيومي صاحب المصباح و لم يعلم وجه للتثنية

4) كذا في النسخة و الظاهر افراد الضمير ليرجع إلى الفيومي صاحب المصباح و لم يعلم وجه للتثنية

ص: 10

(الرابع) دعوى العلم بعدم كون العصير فعيلا بمعنى مفعول (الخامس) دعوى ان في كلام المصباح إشارة الى ما ذكره، حيث قال و اسم ذلك الماء العصير، مع ان لفظ الاسم إذا وقع في كلام اللغوي ظاهر في الحقيقة اللغوية، بل قالوا: لا تمتاز الحقائق عن المجازات في كلامهم غالبا إلا إذا صرحوا بكون اللفظ اسما لكذا،.

[نكتة خفية]

و اما انه لا يقولون ان الضارب مثلا اسم لذلك الشخص فذلك لوضوحه فيه و اشتمال المقام على خفاء في الجملة و لذا خفي عليه بعد التصريح.

(السادس) منعه إطلاق العصير على المستخرج من الثوب و اللبد، مع انه لا إشكال في انه يصدق عليه حقيقة، أنه عصر من الثوب أو انه معصور منه و لا فرق بينهما و بين الفعيل بمعنى المفعول، و انما لا يطلق لعدم تعلق غرض في العادة بماء اعتصر من الثوب و اللبد غالبا.

(السابع) جعله إطلاق العصير على الماء المستخرج علميا، مع انه ليس علم شخص و لا جنس قطعا، و ليس هذا اللفظ من المعارف و لا يعامل معاملتها.

و قد رأيت ان اذيل هذا المقام بفائدة في مطلق لفظ الفعيل، و هي: انه قد قرع سمعي نقل لكلام بعض أهل العصر من ان استعمال الفعيل بمعنى الفاعل (تارة) كالقدير، و الرحيم، و الدليل، و الحميل. و بمعنى المفعول (اخرى)، كالكسير، و القتيل، و الجريح، و الطريح، ليس من باب الاشتراك اللفظى، بل زنة فعيل موضوع لمعنى جامع بينهما هو حامل المبدء، و الاختلاف انما هو في مصاديق هذا المفهوم، لا في أصل المعنى أو الوضع، فإن القدرة مما يقوم بالقادر فهو قدير، و القتل يحمله المقتول فهو قتيل، و كذلك الكسير و الجريح، لكني أراه كلاما مموها لا أساس له، فإنه ان أراد بحامل المبدء حامل المعنى المصدري فلا شك في ان الفعيل ليس حاملا له، فان الكسير بمعنى المكسور ليس حاملا للكسر، بل هو حامل الانكسار، و انما الحامل للكسر المصدري هو الكاسر

ص: 11

و لا يقال له كسير، و مثله القتيل، و الطريح، و الجريح، فان الحامل للقتل المصدري هو القاتل، و انما القتيل حامل لأثره، و كذلك الجريح حامل للجرح (بالضم) لا الجرح (بالفتح) الذي هو المعنى المصدري. و ان أراد بحامل المبدء حامل اسم المصدر مدعيا انه الموضوع له المطرد في إطلاقات الفعيل، ففيه ان القدير و الرحيم حاملان للمعنى المصدري فإنهما بمعنى القادر و الراحم و لا ينكر ان اسم الفاعل حامل للمعنى المصدري كالضارب و الكاسر، و انما الذي حمل اسم المصدر كالرحمة، هو المرحوم الذي نزلت عليه الرحمة، فلو صح ما ذكره لزم ان يطلق الرحيم على المرحوم و هو غلط، و دعوى ان الاشتراك اللفظي ملازم لصحة استعمال الفعيل في ضمن كل مادة و إطلاقه على المعنيين، مدفوعة بعدم الملازمة كما فيما لا يحصى من النظائر، فهل ترى ان اشتراك هيئة (فعل) بالفتح و السكون بين المعنى المصدري و الاسمي كفلس، ملازم محذورا، و تفصيل الكلام غير مناسب للمقام.

و من هذا كله تبين فساد دعوى اختصاص العصير وضعا بما اعتصر من العنب كدعوى كونه مجازا فيه و في غيره، و اما دعوى ان المراد منه في الروايات مطلق المعتصر من أي شي‌ء كان فالظاهر ان من تتبع روايات الفريقين و شاهد استعمالات الطائفتين لم يشك في عدم ارادة العموم من لفظ العصير في مواقع استعماله بحيث يشمل عصير العنب و الرطب و التمر و الزبيب و الرمان و الحصرم و التوت و البطيخ و السفر جل و التفاح و السماق و التين و البنفسج و لسان الثور، الى غير ذلك مما لا يحصى من الثمار و الفواكه و الأدوية و الأعشاب التي هي مثل الزبيب في أنها ننقع في الماء ثم تعصر لاستخراج حلاوتها أو مرارتها أو حموضتها، بل و الماء المعصور من الثوب و اللبد و اللحاف، بل لم يشك في انه لا يراد منه إلا فرد خاص، و الظاهر انه ماء العنب فإنه الذي تضمن ماء أصليا تعارف استخراجه منه و يعرضه الإسكار و الخمرية في بعض الأحيان و له أفراد محللة و افراد محرمة توجب وقوع السؤال عن حكمه و كان إطلاق العصير عليه شائعا، و هذه القيود لم تجتمع في غير العنب و هذا هو الذي ينبغي ان يدعيه

ص: 12

المحاول لإثبات إرادة خصوص العنبي من الروايات لا وضع اللفظ له لغة أو نقله اليه شرعا فان شيوع استعمال المطلق في بعض الأفراد يكفي في انصراف اللفظ (و في صحيحة ابن الحجاج) عن الصادق (ع) (قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الخمر من خمسة العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و البتع من العسل و المرز من الشعير و النبيذ من التمر) و هو الذي يسئل عنه في الاخبار تارة عن بيعه ممن يخمره (و تارة) عن بيعه فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن (و تارة) عن جواز شربه و عدمه (و رابعة) عمن يشربه قبل ذهاب ثلثيه و شبه ذلك و لم يستفصل الامام (ع) في الجواب عمن سئله عن العصير و شربه (ففي مرسلة محمد بن الهثيم) عن الصادق (ع) قال (سئلته عن العصير يطبخ في النار حتى يغلى من ساعته فيشربه صاحبه قال (ع) إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) و قد مر فيما رواه حماد (انه سئله عن شرب العصير قال اشربه ما لم يغل) (و في موثقة ذريح) (إذا نش العصير و غلى حرم) و قد سمعت في صحيحة عبد اللّه بن سنان التنصيص على حرمة كل عصير اصابته النار و هل يسوغ الحكم بإرادة مطلق العصير اللغوي ثم ارتكاب تخصيص الأكثر المستهجن (و في صحيحة رفاعة بن موسى) قال: (سئل الصادق (ع) عن بيع العصير عمن بخمرة قال حلال أ لسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا (و في صحيحة البزنطي) قال (سئلت أبا الحسن عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن قال (ع) لو باع تمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس و اما إذا كان عصيرا فلا يباع له الا بالنقد) (و في رواية أبي بصير) عن الصادق (ع) قال سئلته عن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو أو يجعله خمرا قال (ع) إذا بعته قبل ان يكون خمرا فهو حلال لا بأس به) و في رواية يزيد بن خليفة) (قال): (كره أبو عبد اللّه بيع العصير بتأخير) (قال في الوافي) بعد ذكر هذا الخبر لانه لا يؤمن ان يصير خمرا قبل قبض الثمن فيأخذ ثمن الخمر و ستسمع بعد ذلك أنشأ اللّه تعالى بعض ما ورد من طرق العامة من استعمالات مدركين لاعصار حضور الأئمة عليهم السلام لفظ العصير في ماء العنب كانس و ابى طلحة و الحسن البصري و سعيد

ص: 13

بن المسيب و الشعبي و النخعي و غيرهم مما لا يبقى معه شك في معهودية هذا المعنى في تلك الأعصار، و يشهد به أيضا كلمات أئمة اللغة في مواضع شتى (منها) ما ذكر في مادة عصر (و منها) ما ذكروه في تفسير البختج من انه العصير المطبوخ و ما ذكروه في تفسير الطلا أيضا من انه العصير المطبوخ بعد الفراغ عن كون البختج و الطلا من ماء العنب (و بالجملة) هذا ما عندنا في تحقيق لفظ العصير و ليس الغرض إثبات حرمة الزبيبي أو حليته إذ لا يتوقف شي‌ء منهما على شي‌ء من الدعويين فيمكن دعوى اختصاص العصير بماء العنب و حرمة الزبيبي بأدلة أخرى غير عمومات العصير كما يمكن دعوى عموم أدلة العصير للزبيبى و خروجه بارتكاب التخصيص و التقييد و تحقيق الحال فيه يأتي إنشاء اللّه تعالى في بعض الفصول الاتية،

[تفسير بختج]

و البختج فهو مفسر في كلام الكل بالعصير المطبوخ و هو معرب (پخته) و قد يعبر عنه (بالميبختج) (1)و هو معرب من كلمتين فارسيتين (مى) و هو الخمر و (پخته) و هو المطبوخ و الظاهر انه لا خلاف في صحة إطلاقه على ماء العنب المطبوخ في الجملة اما على النصف أو على الثلث أو ما يقاربهما و الظاهر ان إطلاق الميبختج على ما طبخ حتى بقي ثلثه بمعنى الخمر المطبوخ باعتبار ان مادته مادة الخمر و ان لم يتصف بالخمرية فعلا بذهاب ثلثيه فيقرب من إطلاق الخمر على العنب في قوله (تعالى) (إِنِّي أَرٰانِي أَعْصِرُ خَمْراً) اى عنبا

و اما الطلا

اشارة

ففسره الجوهري بما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه و تسميه العجم الميبختج و بعض العرب تسمى الخمر الطلاء يريد بذلك تحسين اسمها لا انها الطلا بعينها و قال (الزمخشري) في الأساس و يقرب الطلاء المثلث شبه في خثورته بالقطران و مثلهما غيرهما، (و في القاموس) انه خاثر المنصف و فهم منه بعض الأعاظم انه يريد ما طبخ حتى بلغ النصف الا ان شارحه صاحب تاج العروس فسر خاثر المنصف بأنه ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه (و في كثير) من كتب الحنفية إن الطلا ما طبخ


1) مى پخته

ص: 14

من عصير العنب حتى بقي أكثر من الثلث و ان تجاوز الباقي النصف، و الذي يظهر لي ان الطلا هو عصير العنب الخاثر في الجملة سواء بلغ النصف أو ذهب ثلثاه و بقي الثلث و لذا وقع التفصيل في رواياتنا بعد السؤال عن الطلا بأنه ان بقي الثلث فحلال و ان بقي أكثر منه فحرام و كذا المنقول عن الصحابة و التابعين و غيرهم من ان جماعة منهم كا (لبراء) و (ابى جحيفة) و (جرير) و (انس) و (شريح) كانوا يشربون الطلاء على النصف (و عن أمير المؤمنين «ع») و جمهور الصحابة انهم كانوا يشربون على الثلث كعمرو و ابى عبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل و ابى موسى و ابى الدرداء و ابى امامة و خالد بن الوليد و غيرهم و تخصيص الحنفية له بما بقي أكثر من الثلث و ان تجاوز النصف خطاء على أهل اللغة و الشرع فإن أهل الشرع متفقون على حل الطلاء في الجملة اما ببقاء الثلث أو بالنصف و ان ما بقي ثلثه طلاء حلال و على ما ذكروه لا يكون طلاء و (كك) أهل اللغة، و اما تخصيص الأكثرين بما بقي ثلثه فاما لان المناسبة المعتبرة في النقل هناك أكثر فإنه في الأصل اسم للقطران الخاثر الذي يطلى به الإبل أو لأن بدو تسمية طلاء كان البناء على الثلث

[تسمية طلا من عمر]

، فقد اتضح بتتبع الروايات و كتب اللغة و الأدب ان هذه التسمية نشأت من عمر حين طبخوا له العصير على الثلث (و اخرج) مالك في الموطإ ان عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكى إليه أهل الشام و باء الأرض و ثقلها و قالوا لا يصلحنا الا هذا الشراب فقال عمر اشربوا العسل قالوا ما يصلحنا العسل فقال رجال من أهل الأرض هل لك ان نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر، فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه ثلثاه و بقي الثلث فأتوا به فادخل إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعها يتمصط فقال هذا الطلاء مثل طلاء الإبل فأمرهم أن يشربوه، و قال: اللهم انى لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم، (و الأظهر) عندي في هذه القضية ما رواه ابن راهويه و غيره عن سفيان بن وهب الخولاني (قال كنت مع عمر بن الخطاب بالشام فقال أهل الذمة انك كلفتنا و فرضت علينا ان نرزق المسلمين العسل و لا نجده فقال عمر: ان المسلمين إذا دخلوا أرضا لم يوطنوا

ص: 15

فيها اشتد عليهم ان يشربوا الماء القراح فلا بدلهم مما يصلحهم فقالوا له ان عندنا شرابا نصنعه من العنب شيئا يشبه العسل فأتوا به فجعل يرفعه بإصبعه يتمدد كهيئة العسل فقال كان هذا طلاء الإبل فدعى بماء فصب عليه ثم خفض و شرب منه و شرب منه أصحابه و قال ما أطيب هذا فارزقوا المسلمين منه فرزقوهم منه فلبث ما شاء اللّه ثم ان رجلا خدر منه فقام المسلمون فضربوه بنعالهم و قالوا سكران و قال الرجل لا تقتلوني فو اللّه ما شربت إلا الذي رزقنا عمر فقام عمر بين ظهراني الناس فقال ايها الناس انما أنا بشر لست أحل حراما و لا أحرم حلالا و ان رسول اللّه (ص) قبض فرفع الوحي فأخذ عمر ثوبه فقال انى ابرء الى اللّه من هذا ان أحل لكم حراما فاتركوه فإني أخاف ان يدخل الناس فيه دخولا و قد سمعت رسول اللّه (ص) يقول كل مسكر حرام فدعوه) أقول: و الظاهر انهم طبخوا الطلاء أولا على الثلث ثم تسامحوا فطبخوه على النصف أو على أكثر من الثلث و الا فلو طبخوه على الثلث لم يكن يسكر على انهم كانوا يريدون ان يصنعوا شيئا يقوم مقام الشراب حيث شكى أهل الشام و معلوم ان ما ذهب ثلثاه دبس لا يقوم مقامه و ربما يشهد به تسميتهم إياه شرابا فإنه و ان كان أعم لغة لكنه بحسب العرف الطاري يستعمل كثيرا فيما أسكر كما صرح به كثيرون و يشهد به تتبع الاستعمالات (و قال ابن حجر العسقلاني) في فتح الباري ان الطلاء هو الدبس شبيه بطلاء الإبل و هو القطران الذي يدهن به فإذا طبخ عصير العنب حتى تمدد و أشبه (1)طلاء الإبل هذا بعض الكلام في الموضوعات الثلثة و انتظر لتمام التحقيق فيما سيأتي أنشأ اللّه تعالى

المقالة الثانية

اشارة

قد ظهرت لي ببركة التأمل في أدلة المسئلة و التروي في أخبار أهل العصمة


1) الظاهر كون الواو زائدة لتكون الكلمة جوابا لا ذا الشرطية و لم يكن عندنا كتاب فتح الباري حتى نراجعه فلو كان موجودا عند القاري فليراجعه، (المصحح)

ص: 16

سلام اللّه عليهم اعضالات و انحلالات لا يتضح من دونها حل المسئلة و لا يكشف بغيرها النقاب عن وجه هذه العضلة ارى التنبيه عليها مهما جدا

اعضالات و انحلالات

[الاعتضالات]
[ (أحدها)]

(أحدها) ان الروايات المتضمنة لحرمة العصير المطبوخ كلها مغياة بذهاب الثلثين و لم يتفق التحديد بذهابهما الا فيما تضمن لفظ الطبخ أو ما يساوقه كالبختج و الطلا و اما الروايات الحاكمة بتحريم العصير بالغليان فكلها خالية عن التحديد بهما و ان شئت فراجع الروايات التي قد منا نقلها و غيرها مما في كتب الفقه و الحديث فإنك لا تظفر بتخلف في هاتين الكليتين، و اما رواية زيد النرسي فستعرف حق القول فيها في المقالة اللاحقة إنشاء اللّه تعالى، بل هذا هو الحال أيضا في الروايات الواردة في طرق أهل السنة فكل اخبار التحديد بذهاب الثلثين في المطبوخ و كل اخبار تحريم المغلي لم يذكر فيها غاية و ربما ترى المجازف الذي لا يبالي بما يقول و لا يصده لوم اللائمين و تشنيع المشنعين عن التفوه بكل ما خطر بباله إذا عرض عليه هذا الأمر و نبه عليه، أجاب بأنه انما وقع (كك) من باب الاتفاق و ليس مبنيا على مقدمة دقيقة خفية بل الصنف الأول كان في مقام البيان من جميع الجهات و لذا ذكر التحريم بالطبخ و ان المحلل ماذا و الصنف الثاني ورد مورد الاجمال و الإهمال و كان مسوقا لإفادة التحريم بالغليان و عدم جواز شربه و اما انه متى يحل و المحلل ماذا فموكول الى مقام آخر و اما كون جميع ما ورد مورد البيان في الجملة متضمنا للفظ الغليان و كون جميع ما ورد مورد البيان التام متضمنا للفظ الطبخ أو ما يساوقه فذلك أمر حدث من باب الاتفاق و ليس مبنيا على ملاحظة جهة شرعية أو مراعاة نكتة أدبية و سيأتيك ما تعرف به شناعة هذا القول السخيف، و لو ساعدنا هذا المجازف على جزافه لكن يبقى مطالبة العلة في إلحاق المغلي بنفسه بالمطبوخ في الحلية بذهاب الثلثين مع ان هذا التحديد لم يرد إلا في المطبوخ و ليست هناك علة منصوصة و لا ظاهرة و لا إجماع على الاتحاد كما ستعرف و المعروف بين القوم سيما المتأخرين و المعاصرين ان ذهاب الثلثين غاية للحرمة أو

ص: 17

النجاسة في كل قسم العصير حكم باتصافه بإحداهما من غير فرق بين ما غلى بنفسه أو بالنار و يرسلون هذا الأمر إرسال الواضحات المسلمات بل لم يتصد كثير ممن أطال في المسئلة بل أفردها برسالة مبسوطة مستقلة و تكلم في الفروض البعيدة و الفروع النادرة أو في الأمور الغير المرتبطة بالمسئلة لإثبات هذا التعميم بعموم لفظي أو تنقيح مناط قطعي أو ظني كأنهم يرونه واضحا مفروغا عنه،

[ثانيها]

(ثانيها) انه قد ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (ع) (ان كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه) و هذا التقييد مما لا يتضح وجهه فإنه (ع) بصدد إعطاء القاعدة و بيان الضابطة و موضوع الحكم هو مطلق ما غلى بنفسه أو بالنار قطعا فأي وجه لهذا التقييد المخل في مثل هذا المقام الموجب للدلالة على حلية ما غلى بنفسه و عدم حرمته بناء على اعتبار مفهوم الوصف، أو لعدم دلالته على حكم ما غلى بنفسه و سكوت الحديث عنه مع مشاركته للمذكور في الحكم، بناء على عدم اعتباره، بل كان المناسب أو المتعين ان يقول: (كل عصير غلى فهو حرام حتى يذهب ثلثاه) و ربما يعتذر عنه بان القيد وارد مورد الغالب فلا يفيد تقييدا في الحقيقة كما في قوله تعالى (وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ) لان الغالب في غليان العصير انما هو بإصابة النار، و هو سخيف جدا، إذ فيه ان جعل التقييد من هذا القبيل التزام بأنه بمثابة غير المذكور بالمرة و ان التحريم ثابت لمطلق العصير و هو ضروري الفساد، مضافا الى ان الغلبة المدعاة انما هي في العصير المغلي لا في مطلق العصير فلو كان لفظ الحديث (ان كل عصير غلى بإصابته النار فهو حرام) كان لهذا الاعتذار السخيف وجه، و اما توصيف مطلق العصير بهذا الوصف فلا يمكن ان يوجه بمثله، مضافا الى منع الغلبة جدا فان كل ما يوجد في الدنيا من الخل على كثرته و وفوره فهو من العصير المغلي بغير اصابته النار، و كذلك أغلب أنواع الخمور و أصناف الأنبذة مما يتحقق فيها الغليان بنفسه

ص: 18

هذا كله، مع ان لنا في هذه القضية المشهورة (من انه قد يكون موضوع الحكم أعم الا ان بعض مصاديقه أشيع من بعض فيقيد المتكلم في اللفظ موضوع حكمه بذلك الفرد الغالب مراعاة لغلبته و هو يريد التعميم واقعا كما في الآية السابقة) كلاما طويلا حققناه في محله و بينا ان ظهور التقييد في الاحتراز فيما إذا كان القيد معلوما مفهوما، شائعا لو لم يأت به المتكلم أيضا لم يفت عن المخاطب العمل به أكثر منه في بقية المواضع سواء بلغ الشيوع حد الصرف أم لا، فهل ترى انه إذا قال (جئني بإنسان ذي رأس واحد) أو (اسقني من المياه الغير الزاجية أو الغير الكبريتية) فأتاه المأمور بذي رأسين أو بماء زاجى كان ممتثلا و لم يكن لتعنيف العقلاء و لومهم عليه مساغ، و ذكرنا ان الآية ليست شاهدة لهم فيما يدعونه و لو كان الموجب لرفع اليد عن هذا التقييد فيها وروده مورد الغالب لكان المتعين اجراء مثله في القيد الآخر المذكور فيها متصلا بها من قوله تعالى (مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) فان الغالب في النساء أيضا كونها مدخولات و انما الموجب له ورود النصوص في التعميم و ان الربائب محرمة كن في الحجور أو لم يكنّ، فبمعونتها حكمنا بان الغرض من ذكر الوصف في الآية افادة حكمة تحريم الربائب و من شأن الحكم كفاية وجودها في أغلب الافراد في الحكم على الجميع و إن كان يعارض هذه النصوص ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان عجل اللّه فرجه (انه كتب اليه هل يجوز للرجل ان يزوج بنت امرأته فأجاب (ع) إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز و ان لم تكن ربيت في حجره و كانت أمها في غير حباله فقد روى انها جائز) و ربما يقع الكلام في ترجيحها عليها بالاحدثية التي هي من المرجحات المنصوصة و بموافقة ظاهر القرآن و مخالفتها للعامة و لتحقيقه مقام آخر.

[ثالثها]

(ثالثها) انه قد وقع في موثقة عمار المعروفة المستدل بها على حرمة الزبيبي قبل ذهاب الثلثين و حليته بعدهما المروية في الكافي ما لم يهتد الى وجهه و سره أغلب الواقفين عليها، قال عمار الساباطي: (وصف لي أبو عبد اللّه

ص: 19

المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال تأخذ ربعا من زبيب ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان أيام الصيف و خشيت ان ينش فاجعله في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش (الى ان قال) ثم تغليه بالنار فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث) (الحديث) فان هذه الفقرة أعني قوله (ع) فإذا كان أيام الصيف (إلخ) مما تحير الناظر من وجهين (أحدهما) انه إذا كان أيام الصيف و كان العصير ينش خارج التنور المسجور فهو بان ينش بعد جعله في مثل ذلك التنور اولى عند كل من له ادنى شعور فكيف داوى الامام (ع) هذا الداء بما يؤكده و عالج هذا المرض بما يضاعفه (الثاني) ان المفروض في الخبر انه أمره بالغليان بعد ذلك حتى يذهب ثلثاه فالنشيش خارج التنور مما ليس فيه محذور يخشى منه فلو فرض ان ما يخاف منه قد وقع فهو بالغليان بعد ذلك بالنار حتى يذهب ثلثاه يندفع و يرتفع

[رابعها]

(رابعها) انه قد ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر الباقر (ع) انه قال: (سئلته عن نبيذ سكن غليانه قال (ع) كل مسكر حرام) و وجه الاشكال انه قد دل جواب السؤال سيما بمعونة ترك الاستفصال ان مطلق الغليان في النبيذ اى الماء المنبوذ فيه التمر يوجب اسكاره سواء غلى بنفسه أو بالنار، بل يدل على كون اندراج مورد السؤال في موضوع الجواب مفروغا عنه عند السائل، و هو مع مخالفته للوجدان و لصريح الرواية الطويلة الآتيه المتضمنة لسؤال الوفد عن رسول اللّه (ص) الدالة على ان الطبخ لا يوجب اسكارا، يشكل أيضا بأنه لو كان الغليان موجبا للإسكار لم يكن معنى لجعل ذهاب الثلثين محللا فان تسخين المسكر و تغليظه مما لا يزيل اسكاره لا يفيد حليته بالضرورة و لا يحتمله احد حتى الجماعة الذين يجوّزون شرب المسكر غير الخمر بعد صب الماء عليه بحيث يكسر شدته وحدته كما عن كثير من الحنيفة و جماعة من أصحابنا الذين سرت الشبهة إلى أذهانهم منهم كأبي بصير و

ص: 20

أصحابه على ما ورد في رواياتنا

[الانحلالات]
اشارة

و تحقيق المقال، في حل جميع ما مر من الاشكال و الإعضال، مبنى على تقديم أمرين (أحدهما) ان الغليان و النشيش إذا أسند إلى الأشياء التي يحدثان فيها تارة بسبب خارجي منفرد في الاقتضاء كالنار و تارة باقتضاء طبيعتها ذلك سواء كان بمعونة أمر خارجي أو لا فان لم يذكر في إسنادهما إليها بسبب (1)منفرد بالاقتضاء بل أسند إليها من دون ذكر سبب يوجبها لم يفهم منهما عند أهل المحاورات من أهل اللسان الا حدوثهما فيها بنفسها لا الأعم فإذا قيل (غلى العصير أو غلى النبيذ أو غلى ماء الرمان أو ماء التين) و أشباهها من غير ذكر سبب فهم منه الغليان بنفسها و لا يفهم منه غيره الا إذا ذكر السبب بان قيل طبخت العصير فغلى أو اغليته فغلى، و على ما ذكرنا استقرت سيرة المهرة باللسان، من الأساطين و الأعيان، في تعبيراتهم عن هذا العنوان، كالشيخ و ابن إدريس و ابن البراج و الشهيد و صاحب الدعائم و ستعرف عباراتهم جميعا و انهم جعلوا الغليان و النشيش قسيما للطبخ بالنار، (الثاني) ان العصير إذا غلى بنفسه بطول المكث بمعاونة حرارة خارجية لا تفعل فعل النار كالشمس أولا بمعاونتها حدث فيه تغير في ريحه و شدة وحدة في طعمه و صار مسكرا الا انه ناقص في الخمرية ما دام يغلى فإذا سكن و قذف الزبد زيدت شدته و صار أكمل في الخمرية من الأول و ستعرف عبارة كثيرين من أئمة اللغة و الأدب و التفسير و الفقه و الحديث الدالة على ملازمة الغليان بنفسه للإسكار و هو الذي عناه أبو جعفر عليه السلام فيما أجاب به أبا الجارود بقوله: (ما زيد على الترك جودة فهو خمر) و ستسمع الروايات المستفيضة الدالة على ان النقيع و النبيذ إذا مضى عليهما أزيد من يوم و ليلة أو من ثلثة أيام في الشتاء صار مسكرا و الروايات المستفيضة الناهية عن الانتباذ في أوعية مخصوصة كالدباء و الحنتم و النقير، المعللة في كلام الأساطين بأنها مما يتسارع إليها الإسكار كما ستعرف ان كون عصير العنب الذي غلى بنفسه و سكن خمرا حقيقة، متفق عليه بين جميع طبقات أهل العلم من الخاصة و العامة من أهل اللغة و التفسير


1) سبب- ظ

ص: 21

و الفقه و غيرهم مع قذف الزبد كما عند نادر، أولا معه، كما عند الباقين، بل هذا المعنى لا يختص بالعنب و التمر و الزبيب بل كل ما فيه حلاوة في الجملة إذا كانت مشتملة على ما يوجب النقع و الازباد و الغليان كان حاله حالها، و اما إذا عجل في طبخ العصير بالنار لم يوجب الغليان فيه اسكارا بل لم يحدث فيه إلا قلة مائيته و كثرة حلاوته فان بولغ في طبخه حتى ذهب ثلثاه صار دبسا سالما عن طرو الفساد و التغير و النشيش عليه بطول المكث و ان طبخ ادنى طبخة بحيث لم يذهب عليه الا يسير من اجزائه المائية و ترك حتى حتى برد عاد الى الغليان بنفسه و حدث فيه ما يحدث في غير المطبوخ من النشيش و الإسكار و هو المسمى بالباذق و هو نوع خاص من الخمر (و في القاموس) الباذق بكسر الذال و فتحها ما طبخ من عصير العنب ادنى طبخة فصار شديدا، (و في النهاية الأثيرية) هو بفتح الذال تعريب (باده) قال: و هو اسم الخمر بالفارسية (و في صحيح البخاري) عن أبي الجويرية قال (سئلت ابن عباس عن الباذق فقال سبق محمد (ص) الباذق فما أسكر فهو حرام، و بعد اتضاح هذين الأمرين تقدر على حل الإشكالات الأربعة و الجواب عنها، و توضيحه:

اما بالنسبة إلى الأول

فبان عدم التحديد فيما تضمن لفظ الغليان انما هو لان المراد فيها ما غلى بنفسه و لكونه ملازما لحلاوة الإسكار الذي لا يزول بالتغليظ و التثخين لم يكن معنى لتحديده بذهاب الثلثين فان هذا الموضوع ما دام موجودا يتصف بالحرمة لا ينقلب عنها إلى الحلية إلا بتبدله الى موضوع آخر كان يصير خلا و من المعلوم ان الاستحالة ليست تحديدا لحكم الموضوع كما في قولنا (الخمر حرام) (و الكلب نجس) و تحول الخمر خلا و الكلب ملحا ليس تحديدا للقضيتين بالضرورة بخلاف الحرمة الحاصلة بالطبخ فإنها محدودة بذهاب الثلثين.

و اما الثاني

فبان الحديث في مقام بيان الحرمة المحدودة بذهاب الثلثين و ليست إلا في العصير المطبوخ فالتقييد واقع موقعه و الضابطة تامة و القاعدة محكمة و انما يتجه الإشكال بأن ذكر القيد مخل في مقام إعطاء القاعدة لو كان كلا قسمي الغليان متساويين في إيجاب التحريم متشاركين في التحديد بذهاب الثلثين

ص: 22

كما هو المشهور في هذه الأعصار، على خلاف ما يظهر من الأدلة و الاخبار، و ثلة من الأكابر الأبرار، أعلى اللّه مثاويهم في دار القرار،

و اما الثالث

فلأنه إذا كان أيام الصيف و نش ماء الزبيب بنفسه حدث فيه الإسكار و بطل المقصود و انتقض الغرض إذ لا بد (ح) من إراقته أو تخليله و في كليهما نقض للمرام بخلاف تعجيل غليانه بالتنور المسجور فإنه يمنع من تسارع الفساد اليه بالاسكار فيغلي بعد ذلك و يذهب ثلثاه و يحصل الغرض.

و اما الرابع

فبعد كون المراد من الغليان ما كان بنفسه فاندراجه تحت الكبرى التي ذكرها الامام لما كان مفروغا عنه، اجابه بما أجاب، (نعم) ربما يبقى الإشكال بأنه لو كان اسكاره مفروغا عنه لم يتجه سؤال مثل محمد بن مسلم عن حله و حرمته و ستعرف حق المقال في الجواب عن هذا السؤال أيضا، و محصله ان الذي كانت حرمته ضرورية في تلك الأعصار هو الخمر المتخذ من العنب و هو الذي يطلقون اسم الخمر عليه مطلقا أو بعض اقسامه و هو ما غلى بنفسه و باقي المسكرات فربما يبيحونها مطلقا أو بالمقدار الذي لا يسكر و لذا وقع السؤال عنها كثيرا و بين لهم الأئمة سلام اللّه عليهم ضابطتين ثابتتين عن النبي (ص): ان كل مسكر حرام، و ما أسكر كثيره فقليله حرام، و سيمر عليك الكلام المقنع المشبع في هذه المقامات إنشاء اللّه تعالى، (و من جميع) ما مر ظهر ان ما اشتهر من تسوية قسمي الغليان في الحلية و الطهارة بذهاب الثلثين مما لا وجه له و سيأتيك ما يتضح به هذا المعنى أوضح من النور على الطور و تسمع كلمات جماعة من أكابر الطائفة في المقالة الرابعة إنشاء اللّه.

المقالة الثالثة

اشارة

قد اتفق في جملة من الكتب الفقهية كالحدائق و تعليقات الوحيد البهبهاني على شرح الإرشاد، و الجواهر، و طهارة شيخنا العلامة الأنصاري، و البرهان للسيد الفقيه المعاصر، و غيرها نقل رواية عن زيد النرسي مصرحة بالتعميم و التسوية بين قسمي

ص: 23

الغليان في التحديد بذهاب الثلثين، قالوا: (انه روى زيد عن الصادق (ع) في الزبيب يدق و يلقى في القدر و يصب عليه الماء فقال حرام حتى يذهب ثلثاه قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر قال (ع) هو (كك) إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد كل ما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم حتى يذهب ثلثاه)

[تحريفات في الراوية المأخوذة عن أصل زيد النرسي]

و في جملة منها نسبة الرواية إلى الزيدين: النرسي، و الزراد (و هذه الرواية) كما ترى صريحة في خلاف ما حققناه في المقالة الماضية فإن أمكن الاعتذار عن الإطلاق في الحملة الاولى و تاليها انه ظاهر فيما طبخ بقرينة إلقائه في القدر لم يكن بالنسبة إلى التصريح بالتسوية في ذيلها، الا ان هذا الذي اتفق من هؤلاء الأكابر أمر ينبغي الاسترجاع عند تذكر مثله و الاستعاذة باللّه العاصم عن الوقوع في شبهه فان الرواية على ما نقلوها متضمنة لتحريفات عديدة بالزيادة و النقيصة و ليس لهذه الكلية التي نقلوها في ذيلها عين و لا أثر في شي‌ء من نسخ أصل زيد النرسي و لا في كتب الحديث المنقول فيها هذه الرواية كاطعمة البحار للعلامة المجلسي و أصل الرواية وقع على هذا الوجه: زيد النرسي (قال سئل أبو عبد اللّه (ع) عن الزبيب يدق و يلقى في القدر ثم يصب عليه الماء و يوقد تحته فقال لا تأكله حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث فان النار قد اصابته قلت فالزبيب كما هو يلقى في القدر و يصب عليه الماء ثم يطبخ و يصفى عنه الماء فقال (كك) هو سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير ان يصيبه النار فقد حرم و (كك) إذا اصابه النار فأغلاه فقد فسد) (هذا تمام الرواية) و هي كما ترى أيضا على طبق الضابطة الاتية من تحديد المطبوخ و إطلاق ما نش بنفسه و اما الإطلاق الأخير فلوضوح حكمه مما صرح به في الرواية مرتين، و قد حذفت من التي نقلوها جملة (و يوقد تحته) و التعليل بان (النار قد اصابته) و من الجملة الثانية قوله (ثم يطبخ) و زيدت تلك الكلية الباطلة في آخرها، و صحفت جملة من ألفاظها بألفاظ أخر، و الذي نقلناه مطابق لجميع نسخ أصل زيد المصحة الموجودة في عصرنا المنتشرة في بلاد مختلفه المنتهى

ص: 24

كلها الى نسخة صحيحة عتيقة كانت بخط الشيخ منصور بن الحسن الابى تاريخ كتابتها سنة (أربع و سبعين و ثلاثمائة «374») ذكر انه كتبها من أصل محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي الناقل عن خط الشيخ الأجل الجوال هارون بن موسى التلعكبري و تلك النسخة كانت عند شيخنا المجلسي (ره) كما صرح به في أول البحار، و عند شيخنا الحر العاملي، و منها انتشرت النسخ، و النسخة التي عندي منقولة بواسطة عن خط شيخنا الحر (قدس سره) و قد أصاب في نقل هذه الرواية العلامة المجلسي في أطعمة البحار و العلامة الطباطبائي في المصابيح و المحقق المقدس الكاظمي في الوسائل و العلامة النراقي في المستند رووها كلهم كما روينا و نقلوها كما نقلنا و أول من عثرت عليه ممن وقع في تلك الورطة الموحشة و الهوة المظلمة الشيخ الفاضل المتبحر الشيخ سليمان الماخورى البحراني فتبعه من تبعه ممن لا يراجع إلى أصل زيد و لا البحار كالذين سميناهم أولا و سلم منه من راجعه أو البحار كالذين سميناهم أخيرا ثم ان نسبة الرواية إلى الزيدين أيضا عجيبة لاختصاص النرسي بروايتها و ليس في أصل الزراد منها عين و لا اثر و وقوع هذا و أمثاله مما يوجب على الفقيه المتقن المتحفظ الرجوع الى الأصول المنقول عنها الحديث أو غيره

[توصية من الفاضل الهندي (ره)]

و نعم ما اوصى به سحاب الفضل المطير، و الخريت الحاذق الخبير، و النقاد النقاب النقار البصير، الفاضل الأصبهاني الشهير بالهندي في آخر كشف اللثام قال: وصيتي إلى علماء الدين و اخوان المجتهدين ان لا ينسبوا الى احد قولا الا بعد وجدانه في كتابه، أو سماع منه شفاها في خطابه، و لا يتكلوا على نقل النقلة، فلا كل تعويل عليه و ان كانوا كملة، فالسهو و الغفلة و الخطاء لوازم عادية للناس، و اختلاف النسخ واضح ليس به التباس، و لا يعتمدوا في الاخبار الى أخذها من الأصول، و لا يعولوا ما استطاعوا على ما عنها من النقول، حتى إذا وجدوا في التهذيب عن محمد بن يعقوب خبرا، فلا يقتصروا عليه بل ليجيلوا له (1)في الكافي نظرا، فربما طغى فيه القلم أو زل


1) أجال يجيل

ص: 25

فعن خلاف في المتن أو السند جل أو قل، و لقد رأيت جماعة من الأصحاب اخلدوا الى اخبار وجدوها فيه أو في غيره كما وجدوها، و أسندوا إليها آرائهم من غير ان ينقدوها، و يظهر عند الرجوع الى الكافي أو غيره ان الأقلام أسقطت منها ألفاظا أو صحفتها و أزالت كلمة أو كلما عن مواضعها و حرفتها و ما هو الا تقصير بالغ، و زيغ عن الحق غير سائغ، (انتهى) و ليت شعري ماذا يقول لو عثر على مثل هذا التحريف و الزيادة و النقيصة بهذا الطول و التفصيل، المؤدية إلى التحليل، فيما ليس الى حليته سبيل، و اللّه ولى كل نعيم و جميل،

[في حال أصل زيد النرسي و اعتباره]

و حيث ان هذه الرواية أوضح دلالة من جميع ما استدل به على حرمة الزبيبي و المتأخرون المحللون يجيبون عنه بتضعيف السند فينبغي ان نتكلم فيه محررا منقحا مختصرا إنشاء اللّه تعالى فنقول الطعن في الخبر تارة بجهالة زيد النرسي الراوي له حيث انه لم ينص عليه علماء الرجال بمدح و لا قدح و اخرى بالطعن في الأصل المنقول عنه بما حكى شيخ الطائفة في فهرسته من ان الصدوق محمد بن على بن بابويه لم يروه كما لم يرو أصل زيد الزراد و انه حكى الصدوق في فهرسته انه لم يروهما شيخه محمد بن الحسن بن الوليد و كان يقول هما موضوعان و كذلك كتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير و كان يقول وضع هذه الأصول محمد بن موسى الهمداني المعروف بالسمان.

و قد تصدى العلامتان الخريتان الحاذقان الماهران في هذه الأمور الوحيد المجدد البهبهاني في بعض حواشيه و العلامة الطباطبائي في رجاله و غيره للجواب عنها بما محصله مع زيادات منى: ان هذا الأصل مما صح عن ابن ابى عمير روايته له و الأصل في الطعن على الكتاب هو محمد بن الحسن بن الوليد و تبعه على ذلك الصدوق على ما دأبه معه في الجرح و التعديل و التضعيف و التصحيح لشدة وثوقه به حتى قال في كتاب من لا يحضره الفقيه ان كل ما لم يصححه شيخنا ابن الوليد و لم يحكم بصحته من الاخبار فهو عنده متروك غير صحيح الا ان أئمة الحديث و الرجال لم يلتفتوا الى ما قاله هذان الشيخان في هذا المجال، بل المستفاد من تصريحاتهم و تلويحاتهم تخطئهتما و تغليطهما

ص: 26

في ذلك المقال، قال الشيخ ابن الغضائري المعروف بكثرة الطعن في الرواة بأدنى شي‌ء ما لفظه: زيد الزراد، و زيد النرسي، رويا عن أبي عبد اللّه (ع) قال أبو جعفر بن بابويه ان كتابهما موضوع وضعه محمد بن موسى السمان و غلط أبو جعفر في هذا القول فإني رأيت كتبهما مسموعة من ابن ابى عمير، و ناهيك بهذه المجاهرة في الرد من هذا الشيخ الذي بلغ الغاية في تضعيف الروايات و الطعن في الرواية، فإنه إذا وجد في أحد ضعفا بيتا و طعنا ظاهرا خصوصا إذا تعلق بصدق الحديث اقام عليه النوائح و بلغ منه كل مبلغ، و مزقه كل ممزق.

(ثم ان شيخ الطائفة) أيضا بعد ما نقل عن الصدوق و شيخه ما نقلنا قال و كتاب زيد النرسي رواه ابن ابى عمير عنه، و في هذا الكلام تخطئة ظاهرة لهما فإنه متى صحت رواية ابن ابى عمير عن صاحب الأصل و سماعه منه امتنع اسناد وضعه الى الهمداني المتأخر عن زمن الراوي و المروي عنه و اما النجاشي و هو أبو عذرة هذا الأمر و سابق حلبته، فذكر ان زيد النرسي من أصحاب الصادق و الكاظم عليهما السلام و ان له كتابا يرويه عنه جماعة ثم يروى هو بنفسه عنه بسند صحيح مشتملا على الأجلاء (قال: أخبرنا أحمد بن على بن نوح السيرافي قال حدثنا محمد بن أحمد الصفواني قال حدثنا على بن إبراهيم عن أبيه عن زيد النرسي بكتابه) فراجع ايها المنصف من نفسك إذا قال لك مثل الشيخ الورع المقدس النقي شيخنا العلامة الأنصاري مثلا انه حدثني الشيخ الجليل أنه حدثني السيرافي عن الصفواني إلى آخر ما ذكر، و قد أخرج ثقة الإسلام الكليني في جامعه الكافي في باب التقبيل من الايمان و الكفر حديثا، و في باب صوم عاشوراء حديثا بإسناده المذكور في الموضعين عن ابن ابى عمير عن زيد النرسي، و اخرج الشيخ في التهذيب في باب وصية الإنسان لعبد، حديثا بإسناده عن ابن ابى عمير عنه، بل اخرج الصدوق الذي نقلوا عنه الطعن في مثل الفقيه الذي صحة أحاديثه و ان لا يذكر فيه الا ما يفتي به و يحكم بصحته و ما هو حجة بينه و بين ربه في باب ضمان الوصي لما يغيره عما اوصى

ص: 27

به الميت عن ابن ابى عمير عن زيد النرسي حديثا طويلا موجودا في الأصل المذكور فعلا، ثم ان ابن ابى عمير ممن قرع سمع كل احد ان روايته عن شخص تدل على كمال الوثوق بمن روى عنه و ذكر الشيخ انه لا يروى و لا يرسل الا عن ثقة و المستفاد من تتبع الحديث و كتب الرجل بلوغه الغاية في الثقة و العدالة و الورع و الضبط و التحذر عن التخليط و الرواية عن الضعفاء و المجاهيل، و لذا ترى الأصحاب يسكنون الى مراسيله فروايته عن زيد سيما مع إكثاره عنه تدل على وثاقته مضافا الى انه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و معاملة المتأخرين مع روايات أصحاب الإجماع معروفة

[النسخة المأخوذة منها الرواية هل هو أصل زيد أم لا]

أقول: لكن يبقى اشكال آخر في الرواية لعله أصعب دفعا مما مضى و هو انه غاية ما ثبت مما أتعب هذان الجليلان أنفسهما في إثباته هو وثاقة زيد و اعتبار أصله و اما ان هذه النسخة التي وجدت في زمن العلامة المجلسي (ره) و تضمنت هذه الرواية هو الأصل المذكور فكلا إذ ليس للمجلسي (ره) إليه اسناد متصل صحيح و لم يكن نسبته الى زيد متواترة فمن اين يعلم ان هذا هو الأصل الذي كان يرويه ابن ابى عمير و اعتمد عليه المتقدمون فإنه صار مهجورا في هذه الأزمنة المتطاولة و لم تنقل هذه الرواية في شي‌ء من كتب الحديث و انما اعتمد العلامة المجلسي (ره) على تلك النسخة العتيقة و نقل منها الرواية و شاع نقلها بين من تأخر عنه و لذلك لم ينقل عنها شيخنا الحر (ره) في الوسائل مع وجود النسخة عنده و نسختها بخطه مع حرصه على الإكثار من النقل عن الكتب المعتمدة و ما ذلك الا لعدم صحة إثبات النسخة الى زيد بخبر واحد فكيف بالتواتر، الا ان يقال ان تراكم الظنون و توفر القرائن كثيرا ما يوجب العلم القطعي بشي‌ء أو الاطمئنان العادي الملحق بالعلم موضوعا أو حكما فأن وجود الأخبار المنقولة في غيرها عن أصله في هذا الموجود كما ستقف عليه و كون النسخة عتيقة مكتوبة في حدود الثلاثمائة من الهجرة و كون كاتبها الشيخ منصور بن الحسن الابى مما يفيد اجتماعها الاطمئنان بكونها هي الأصل المعهود، و قد روى جعفر بن قولويه في كامل

ص: 28

الزيارة بإسناده الى ابن ابى عمير عن زيد النرسي عن ابى الحسن موسى (ع) حديثا في فضل زيارة الرضا (ع) موجودا في هذه النسخة، و روى الصدوق في ثواب الأعمال بإسناده الى ابن ابى عمير عن زيد النرسي عن بعض أصحابه قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول كان رسول اللّه يغسل رأسه بالسدر الى آخر الخبر الموجود فيها و رواه في الوسائل أيضا عن الصدوق، و قد أخرجه جعفر بن أحمد القمي في كتاب العروس عن زيد و اخرج ابن فهد في عدة الداعي عن الأصل المذكور حديث معاوية بن وهب في الموقف و هو حديث شريف في الدعاء على الاخوان، و اخرج الحسين بن سعيد في كتاب الزيد بإسناده الى ابن ابى عمير عن زيد النرسي خبر فناء العالم مختصرا، و اخرج على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن ابى عمير عن زيد النرسي كما هو مسطور في هذا الموجود فبعد ملاحظة المجموع ربما يحصل القطع بان هذا الموجود هو الأصل المعهود و الألم يوجد فيه هذه الروايات التي نقلها السابقون عن زيد و احتمال ان واضع هذه النسخة لعله تتبع كتب الحديث و الدعاء و التفسير و المزار و الوعظ و جمع منها ما رووه عن زيد و نقلها كما رووها و ضم إليها ما وضعها من عند نفسه احتمال سوفسطائي خارج عن مجاري عادات العقلاء و دواعيهم و الاطمئنان بأكثر الكتب أو العلم بها ربما يحصل بأقل من هذه القرائن فمن رأى مثلا ان جماعة من العلماء في كتب مختلفة نقلوا عن وسيلة ابن حمزة أشياء في مواضع متشتتة ثم وجد نسخة يقال انها الوسيلة و رأى ان تلك المنقولات في الكتب كلها موجودة مطابقة لما في هذه النسخة جزم عادة بأنها هي الوسيلة و اما الكلام في دلالة الخبر فيأتي في محله إنشاء اللّه تعالى

المقالة الرابعة [في بيان ان ابن حمزة غير منفرد فيما اختاره و الحق معه]

اشارة

حكى كثير من الفقهاء عن ابن حمزة في الوسيلة التفصيل بين ما غلى بنفسه و ما غلى بالنار بتنجيس الأول الى ان يعود خلا و تحريم الثاني الى ان يذهب ثلثاه، و ذكروا تفرده بهذا التفصيل

ص: 29

و خلو كلامه عن الحجة و الدليل، و اقتصر بعضهم كالشهيد الثاني في الرد بأنه تحكم لا مستند له، و كاشف اللثام بنظيره، و ثالث بأنه فرق من غير فارق، و قد عرفت في الجملة و ستعرف انه الحق الذي لا ريب فيه، و لا شبهة تعتريه، فاعلم ان جماعة من أعيان فقهائنا ممن سبقه أو لحقه، اختار هذا القول و حققه، و حكمهم بأنه لا حجة له فيما أفاد، كحكمهم بأنه لا موافق له من العلماء الأمجاد، بل ستحقق ان مرجع أقوال عدا من شذ، الى هذا القول الواضح برهانه، المتين بنيانه، و لننقل الان كلام من وقفنا على اختياره لهذا التفصيل، بعد التتبع في الكتب و الأقاويل،

[كلام لشيخ الطائفة (ره)]

قال مقدم الفرقة و شيخ الطائفة في كتاب النهاية، المنزل عند كثير من الأعيان منزلة الرواية، ما لفظه:

(و العصير لا بأس بشربه و بيعه الى ان يعود الى كونه خلا و إذا غلى العصير على النار لم يجز شربه الى ان يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) فانظر الى كلامه (قدس سره) كيف جعل غاية الحرمة فيما غلى بنفسه الانقلاب خلا و حكم بحرمة شربه و بيعه لكونه بيع خمر و جعل الغاية فيما غلى بالنار ذهاب الثلثين و حكم بحرمة شربه فقط دون بيعه فهل ترى ابن حمزة بعد هذا الصريح من الكلام، من مثل هذا الامام الهمام، بقي بلا موافق من العلماء الاعلام؟.

[كلام ابن إدريس (ره)]

و قال السنام الأعظم و الفحل المقدم ابن إدريس الحلي في السرائر: (و اما عصير العنب فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش فان لحقه طبخ قبل نشيشه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه حل شرب الثلث الباقي و (كك) القول فيما ينبذ من الثمار في الماء و اعتصر من الأجسام في الاعمال في جواز شربه ما لم يتغير فان تغير بالنشيش لم يشرب) فلاحظ كيف لم يذكر لما لحقه النشيش المراد به ما حصل بالغليان بنفسه حدا و لا غاية و قيد الطبخ البالغ حد ذهاب الثلثين بما كان قبل النشيش تنبيها على ان الذهاب بعده لا يفيد شيئا، و لو كان الغليان بكلا قسميه متحدا في الغاية و التحديد كان هذا التقييد مستدركا بل مخلا، ثم تراه الحق به باقي الثمار

ص: 30

إذا حدث فيها النشيش و من المعلوم انه لا يحتمل فيها الحرمة بما عدا الإسكار،

[في جلالة دعائم الإسلام]

و مثله في الدلالة و تقريبها عبارة (دعائم الإسلام) للقاضي نعمان المصري الذي كان قاضيا من قبل الخلفاء الإسماعيلية و هو كتاب متين جليل استفدنا منه في غير موضع فوائد لا توجد في غيره و تنبهنا ببركته على تصحيفات وقعت في الكافي و غيره أورثت عقدا لا تحل الا به و أثبتنا جلالة مؤلفه و كونه من الإمامية الاثنى عشرية في بعض فوائدنا الحديثية، و ان المجلسي في أول البحار و ان ذكر انه لم يرو عن الأئمة بعد الصادق (ع) خوفا من الخلفاء الإسماعيلية و تحت شر التقية أظهر الحق لمن نظر فيه متعمقا الا ان هذا القاصر وجد روايته عن الكاظم (ع) الذي يعتقد فيه الإسماعيلية ما لا يذكر لكن على نحو التستر، بل وجدت روايته عن الجواد سلام اللّه عليه موهما انه الباقر (ع) لاشتراكه معه في الاسم و الكنية كما في نقل صحيحة على بن مهزيار (1)المستدل بها في بيع الوقف و في متنها بحسب نقله فائدة جليلة. و ذكر ابن خلكان انتقاله الى مذهب الإمامية و ذكر ابن ذولاق انه كان في غاية الفضل من أهل القرآن و العلم بمعانيه و عالما بوجوه الفقه و علم اختلاف الفقهاء و اللغة و الشعر و المعرفة بأيام الناس مع عقل و انصاف و (بالجملة) هو و كتابه عندي عظيمان جليلان جدا، و الغرض من هذا المقدار المختصر الغير الوافي بشي‌ء من شئونهما تدارك ما وقع في حقه من بعض المعاصرين من حيث ان السيد العلامة الطباطبائي أورد عبارته في المصابيح مستشهدا بها لشهرة القول بتحريم العصير الزبيبي بين قدماء أصحابنا، فأورد عليه المعاصر بان التمسك بقوله في هذا المقام من باب ان الغريق يتشبث بكل حشيش، و هو كما ترى اسائة أدب معه و مع السيد الأيد المستشهد غفر اللّه له و لنا، و هذا نص عبارة الدعائم و قد نقلها المجلسي أيضا في البحار: (و كل ما استخرج من عصير العنب و التمر و الزبيب و طبخ قبل ان ينش حتى يصير له قوام العسل فهو حلال


1) على بن مهزيار من أصحاب الرضا و الجواد عليهما السلام و كذا ابن ابى عمير و قد روى عنهما الرواية في الدعائم و هذا من أدلة كون مصنفه من الفرقة الحقة الاثنى عشرية (أحمد الحسيني الزنجاني)

ص: 31

شربه صرفا و مشوبا بالماء ما لم يغل)، قال في المصابيح: و هذا الكلام ظاهر الدلالة في التسوية بين أنواع العصير في تحريمها بالطبخ ما لم يحصل لها قوام و ثخانة، و هو كناية عن ذهاب الثلثين أو ناظر الى الاكتفاء بالدبسية في حل العصير كما اليه بعض و الغليان في قوله ما لم يغل كناية عن الإسكار فان الدبس متى حل لم يحرم إلا به إجماعا (انتهى) أقول: بل هذا الكلام ظاهر الدلالة في التفصيل المنسوب الى ابن حمزة من جهة تقييد الطبخ بكونه قبل النشيش كما عرفت من السرائر، (و كذا) من قوله في آخر كلامه ما لم يغل، فإنه أريد به الغليان بنفسه قطعا (ضرورة) انه لا معنى لان يقال ان ما طبخ حتى صار (كذا) فهو حلال ما لم يطبخ و لو لا إيجابه الإسكار لم يكن وجه لتحريم ما صار دبسا بالضرورة، كما أفاده العلامة المذكور، كما انه لو لم يكن ملازمة بين الغليان بنفسه و الإسكار لم يكن معنى لجعله كناية عنه و لم يتجه الاكتفاء بالغليان عند بيان الإسكار، و في موضع آخر من السرائر: (العصير لا بأس بشربه و بيعه ما لم يغل و حد الغليان على ما اروى الذي يحرم ذلك هو ان يصير أسفله أعلاه فإذا غلى حرم شربه و بيعه و التصرف فيه الى ان يعود الى كونه خلا و لا بأس بإمساكه و لا يجب إراقته بل يجوز إمساكه الى ان يعود خلا) و المراد بالغليان فيه هو ما كان بنفسه بقرينة مقابلته مع ما سبق منه من حلية المطبوخ بذهاب الثلثين و حصره غاية الحرمة في التخليل و هذا الحصر و حكمه بعدم وجوب الإراقة و جواز الإمساك مما ينبه صريحا على انه يرى المغلي بنفسه خمرا فإنها التي يتكلم في وجوب إراقتها و عدمه و انها تحل بالعود خلا،

[كلام القاضي ابن البراج (ره)]

و قال القاضي ابن البراج الطرابلسي الشامي نور اللّه مرقده السامي، و كان خصيصا بشيخ الطائفة و صار خليفته في البلاد الشامية و صنف الشيخ له بعد جملة من كتبه معبرا عنه في أوائلها بالشيخ الفاضل، قال في كتابه المهذب: (ان كل عصير لم يغل فإنه حلال استعماله على كل

ص: 32

حال و الغليان الذي يحرم معه استعماله هو ان يصير أسفله أعلاه بالغليان فان صار بعد ذلك خلا جاز استعماله و إذا طبخ العصير على النار و غلى و لم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله فان ذهب ثلثاه و بقي الثلث جاز استعماله و حد ذلك ان يصير حلوا يخضب الإناء) و دلالته على التفصيل المعهود واضحة

[كلام ابن حمزة]

و قال ابن حمزة في الوسيلة: (فان كان عصيرا لم يخل اما غلى أو لم يغل فان غلى لم يخل اما غلى من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه و أعلاه أسفله حرم و نجس الى ان يصير خلا بنفسه أو بفعل غيره فيعود حلالا طيبا، و ان غلى بالنار حرم حتى يذهب بالنار نصفه و نصف سدسه و لم ينجس أو يخضب الإناء و يعلق به و يحلو، و ان لم يغل أصلا حل خلا كان أو عصيرا) و ستعرف سر ما ذكره من التحديد بالنصف السدس، و قد وقع مثله أيضا في نهاية الشيخ، و تعلم انهما بهذا التحديد ليسا بمخالفين للقوم و لا للروايات و انهما قد أجادا فيه.

[كلام الشهيد (ره)]

قال شمس الفقهاء و علامة العلماء السعداء، زين الصالحين و الشهداء الشهيد السعيد «قدس اللّه روحه في- الدروس: (و لا يحرم العصير من الزبيب ما لم يحصل منه نشيش فيحل طبخ الزبيب على الأصح لذهاب الثلثين بالشمس غالبا و خروجه عن مسمى العنب) فهو (ره) مع انه اعتقد في الزبيب انه مما ذهب ثلثاه و لذا حكم بحل طبخه من غير اشتراط بشي‌ء حكم بحرمة ما حصل فيه نشيش يعنى به صوت الماء عند الغليان بنفسه، و ان ذهاب الثلثين الملتحق في الزبيب لا يفيد فيه شيئا فلم يبق الا انه يراه مسكرا المجرد النشيش و لو أراد بالنشيش مطلق الغليان و لو بالنار لكان تفريعا لنقيض الشي‌ء عليه.

بل هذا التفصيل هو الذي يظهر من الشيخ الأجل الأكمل الأمثل الجامع بين منقبتى العلم و العمل على بن بابويه والد الصدوق، المدرك للغيبة الصغرى، المخالط مع السفراء المكاتب مع من قامت به الأرض و السماء في رسالته التي لا يزال يعول عليها الصدوق و يذكر عبارتها في عداد الروايات في مثل كتاب من لا يحضره الفقيه بل حكى

ص: 33

الشهيد في الذكرى عن الأصحاب انهم كانوا يعملون بها عند إعواز النصوص بناء على ان الرسالة هي الشرائع، قال يا بني اعلم ان أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير ان تصيبه النار فيصير أسفله أعلاه فهو خمر لا يحل شربه الى ان يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه فان نش من غير ان تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا من ذاته) و الذي احصله من هذا الكلام ان عصير الكرم إذا أصابته النار و لم يذهب ثلثاه و ترك على هذا الحال أو غلى من غير ان تصيبه النار فهو خمر و ان لم يترك طبخه حتى ذهب ثلثاه كان حلالا و ان غلى بنفسه كان خمرا لا يفيد فيه التثليث الا ان ينقلب خلا و على كل حال فمحل الشاهد في كلامه قوله فان نش (اه) و يظهر من الصدوق أيضا هذا التفصيل في المقنع و الفقيه حيث نقل فيهما العبارة بعينها مرتضيا لها كما هو معلوم من عادته، ثم ان هذه العبارة بعينها هي عبارة الفقه الرضوي، فمن ذهب الى اعتباره كان عنده أيضا في المسئلة ما يحتج به و يستند اليه و يعتمد عليه الا ان الأقوى عندي عدم اعتباره و انه يصلح مؤيدا لا دليلا بل ستعرف ان المحقق و العلامة و الفاضل المقداد كلهم موافقون لما عزى الى ابن حمزة من التفصيل و ان عد قولهم مقابلا لقوله ناش من عدم تدقيق النظر و تحديق البصر فانتظر لهذه الفائدة التي لم يتنبه لها أحد في الحديث و القديم، و لا ينبئك مثل الخبير العليم، فهؤلاء جماعة كثيرة من أساطين مذهب الشيعة، و دعائم الملة المنيعة، و بهم انتظمت أحكام الشريعة، و لا تحصى من أيامهم الرفيعة، ذهبوا الى ما ذهب اليه ابن حمزة في الوسيلة، و لعل الذين فاتت مني أقوالهم و لم تصل الى فتاويهم أضعاف أضعاف هؤلاء، فإن أغلب مصنفات أغلب الإمامية مما لم تصل الى كثير من الأكابر، فكيف بهذا الخاسر العاثر القاصر، مع قلة كتبي، و قصور تتبعى، و كثير منهم لم يكن له كتاب و لا مصنف، و من هذا و أمثاله تعلم ان دعوى الإجماع على قول أو قيامه على خلاف احد مما لا ينبغي البلاء (1)اليه، و التهجم عليه، و ما ربما يتفوه به بعض المجازفين من ان هؤلاء الجماعة أرادوا بالنشيش ما هو المسكر منه فسيأتي توضيح فساده في المقالة الخامسة إنشاء اللّه تعالى


1) بلاء بر وزن كتاب و مبالاة بر وزن مفاعلة بمعنى پروا و باك نمودن

ص: 34

[كلام لابن عبد ربه]

و لنختم هذه المقالة بكلام للفاضل اللغوي الأديب ابن عبد ربه في كتابه المسمى ب (العقد الفريد) ما ينفع في بعض المقامات السابقة و اللاحقة قال: اجمع الناس على ان الخمر المحرمة في الكتاب هي خمر العنب و هي ما غلى و قذف الزبد من عصير العنب من غير ان تمسه نار و لا يزال خمرا حتى يصير خلا و ذلك إذا غلبت عليه الحموضة و فارقتها النشوة، ثم نقل عن ابن قتيبة انه قال: ان النبيذ لا يسمى نبيذا حتى يشتد و يسكر كثيره كما ان عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد، و أطال الكلام معه بأنه (تارة) يجعل مطلق المسكر خمرا و (اخرى) خصوص ما اشتد من عصير العنب، بما لا فائدة في نقله، و غرضه من الإجماع الذي ادعاه ان الكل مجمعون على كون غير المطبوخ من العنب إذا غلى و قذف الزبد خمرا حقيقة ثبت تحريمها بعينها بالكتاب بخلاف غيرها من المسكرات فان خمريتها ليست اجماعية بل جماعة يدرجونها في الخمر حقيقة و جماعة يلحقونها بها في التحريم أو يفصلون بين أنواعها كالحنفية لا انهم مجمعون على ان الخمر المحرمة في الكتاب لا يراد منها الا خصوص ما اتخذ من العنب فإنه لا يخفى على مثله النزاع العظيم القديم في كون كل مسكر خمرا حقيقة و لا سيما و هو أيضا من المتعرضين لذكر هذا الخلاف و في موضع آخر منه النبيذ كل ما ينبذ في الدباء و المزفت فاشتد حتى يسكر كثيره و ما لم يشتد فلا يسمى نبيذا كما انه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا و على كل حال فكون غير المطبوخ من العنب إذا غلى و قذف الزبد خمرا حقيقة متفق عليه بين مهرة اللغة و الأدب و الحديث و التفسير، انما الخلاف في غيره و سنفرد لتحقيق القول فيه على وجه الإجمال، مقالة على وجه الاستقلال، إنشاء اللّه العزيز المتعال.

و كأني بالمغرور الغافل الذي هو من هذه المسائل بمراحل، تأخذه عداوة المرة لما هو به جاهل، و يتجاسر على الأساطين الأماثل، فيقول ليس تحقيق كون المغلي بنفسه بمهم للفقيه و انما المهم له الحكم بطهارته على تقدير كونه غير مسكر و الحكم

ص: 35

بحلية النبيذ و النقيع في التمر و الزبيب إذا غليا بنفسهما و لم يسكرا فيقال له بعد إرشاده إلى تعرض أساطين المذهب و أعيان الفرقة لهذا الأمر ان الذي لا يهم للفقيه ان يتكلم في موضوع و همي فرضي من قبيل اتصاف الشي‌ء بنقيضه أو سلب الشي‌ء عن نفسه و ان يتعرض لحكم الكوسج العريض اللحية أو العنين المستهتر بالجماع أو الليل الذي هو اضوء من النهار أو الأعمى الذي يبصر ما في الأقطار أو المثلث الذي لم يتساو زواياه للقائمتين و أشباه ذلك كعصير العنب الذي غلى بطول المكث و لم تحدث فيه الشدة المسكرة بل يموت العلم بموت حامليه و حيوة جهلة منتحليه انا للّه و انا إليه راجعون

المقالة الخامسة [في اعتبار الاشتداد في التحريم أو التنجيس و عدمه]

اشارة

اجمع فقهائنا على حرمة العصير العنبي إذا غلى سواء كان بنفسه أم بالنار اشتد أم لا و قد يعزى الى اشربة الإرشاد و حدود اللمعة اعتبار الاشتداد في التحريم أيضا الا ان الظاهر انهما اعتبراه ليندرج في المسكرات التي كانا بصدد بيانها كما يظهر بالتأمل في كلامهما و فيما سيأتي منا و على تقدير إرادتهما ما نوهمه العازى (1)فلا يضر في الإجماع على المسئلة، و اما نجاسة العصير بالغليان فنسبوا إلى جماعة نفيها مطلقا، و الى جماعة إثباتها مطلقا، و الى ابن حمزة التفصيل المعهود، و الى الحليين الأربعة أعني ابن إدريس، و المحقق، و العلامة، و الفاضل المقداد، إثباتها مع الاشتداد، و يظهر منهم ان نجاسته معه مما لا تردد فيه و لا اشكال.

قال (ابن إدريس) في أوائل السرائر في مسئلة تتميم النجس كرا في مقام رفع الاستبعاد عن صيرورة الماء النجس طاهرا بمجرد ضم شي‌ء من الماء اليه ما لفظه:

(الا ترى ان عصير العنب قبل ان يشتد حلال طاهر فإذا حدثت الشدة حرمت العين و نجست و العين التي هي جوهر على ما كانت عليه و (كك) إذا انقلب خلّا زالت الشدة


1) اسم فاعل من عزى يعزى

ص: 36

عن العين و طهرت و هي على ما كانت عليه) بل كلامه هذا ظاهر أو صريح في كون النجاسة بعد الاشتداد مفروغا عنه و لذا صدره بقوله الا ترى و جعله شاهدا على المسئلة الخلافية من باب التوصل بمعلوم الى مجهول، و رفع الاستبعاد عن مسئلة خلافية بمسئلة وفاقية، (و قال المحقق) في المعتبر و في نجاسة العصير قبل اشتداده تردد، اما التحريم فعليه إجماع فقهائنا ثم منهم من اتبع التحريم النجاسة و الوجه الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب الثلثان و وقوف النجاسة على الاشتداد و يظهر منه أيضا ان نجاسته بعد اشتداده مما لا تردد فيه، (و في التذكرة) و العصير إذا غلى حرم حتى يذهب ثلثاه و هل ينجس بالغليان أو يقف على الشدة إشكال، و يظهر منه أيضا ان نجاسته بعد الشدة مما لا اشكال فيها (و في كنز العرفان) العصير من العنب قبل غليانه طاهر حلال و بعد غليانه و اشتداده نجس و حرام و ذلك إجماع فقهائنا و اما بعد غليانه و قبل اشتداده فحرام إجماعا منا و اما النجاسة فعند بعضنا انه نجس أيضا و عند آخرين انه طاهر، ثم ان فقهائنا اللاحقين للجماعة اختلفوا في مرادهم من الاشتداد، ففي جامع المقاصد و (حاشية الإرشاد) للمحقق الثاني ان المراد به حصول الثخانة المسببة عن مجرد الغليان عند الشهيد، و عن شارح الألفية ان المراد باشتداده أول أخذه في الثخانة و هو لازم الغليان لكنك خبير بان هذا التفسير مع انه يسقط الاشتداد عن كونه شرطا زائدا على الغليان خلاف صريح الجماعة المعتبرين له حيث تريهم مصر حين بانفكاك الغليان عنه و انه مناط التحريم و الشدة مناط التنجيس و ان العصير بعد الغليان و قبل الاشتداد طاهر و بعد الاشتداد نجس، و ما ذكره شارح الروضة توجيها للتفسير من انه لما لم يكن قيد الاشتداد في شي‌ء من الاخبار حمل كلام الأصحاب على ما يوافقها و لا يمكن الا بحمل الاشتداد على ما يلازم الغليان، (فيه) انه يحسن إذا أمكن ذلك الحمل (و اما) بعد نصهم على التفكيك فلا و لهذا كله ذكر كثيرون ان المراد بالاشتداد هو القوام

ص: 37

و الثخانة المحسوسة المنفكة عن الغليان، (و في الحدائق) نسبة هذا التفسير إلى الأكثر و أطال بعضهم في إثبات ان هذا هو المقصود و المرام بما سماه تحقيقا في المقام، و محصله: وجوب حمل الألفاظ المستعملة في عبائر الفقهاء و غيرهم على المعاني اللغوية ان لم يكن لهم اصطلاح فيما يخالفها و لم يتحقق عرف عام على ما لا يساعدها و الذي يظهر في المقام بملاحظة عباراتهم و سياق كلماتهم عدم تحقق اصطلاح خاص لهم في هذا اللفظ، بل صرح بعضهم كصاحبي المدارك و الذخيرة إلى احالة صدقها على مساعدة العرف فاللازم حملها على ما هو المعنى اللغوي للفظ الاشتداد المطابق لمعناه العرفي و هو عبارة: عن القوة بالثخانه و القوام، و منه: لا تبيعوا الحب حتى يشتد اى يتقوى و بتصلب و شد اللّه ملكه اى قواه، و لا يخفى ان هذا المعنى لا يتحقق بمجرد الغليان بل يتأخر عنه لتوقفه على مضى زمان و كثرة غليان

[الاشكال على من فسر الاشتداد بالثخانة و القوام]

أقول: الان الاشكال كله انه مع إطلاق جميع النصوص المعلقة للحكم على مجرد الغليان و خلوها عن ذكر هذا الشرط كيف ساغ لهم اعتباره ثم انهم كيف لم يوضحوا فيه السبيل، و لم يقيموا عليه الحجة و الدليل حتى تعجب منهم جماعة و صرح كثير من المتأخرين بأن اشتراط الاشتداد اما لغو بناء على تفسيره بما هو من لوازم الغليان أولا مأخذ له رأسا، و في المعالم بعد نقل كلام المعتبر و التذكرة، و العجب بعد هذا من تفسير بعض المتأخرين الاشتداد الواقع في كلام الأصحاب بالثخانة المسببة عن مجرد الغليان كيف و هو مخالف للغة و العرف و مناف لما وقع التصريح به في كلام الفاضلين حيث أثبتا الواسطة بينه و بين الغليان فكيف يفسر بما يقتضي نفيها، و لو تنزلنا الى تسليم التلازم بينهما في الواقع نظرا الى ما يقال ان الغليان الحاصل بالنار مقتض لتصاعد الأجزاء المائية بالبخار و هو موجب لتحقق قوام ماله و ان قل، و ان ما يحصل بغير النار مستند الى سبب مجفف للرطوبة فلا يخفى ان ذلك يقتضي المصير الى الاكتفاء بالغليان لا حمل كلام الجماعة مع انتفاء القرينة على ارادته بل مع التصريح بخلافه هذا،

ص: 38

مع ما في التقريب المزبور من التعسف فان اقتضاء مطلق التصاعد و التجفيف حصول القوام الذي يصدق عليه اسم الاشتداد في اللغة و العرف المقدم عليها مما تشهد البديهة بفساده على انه لو تم هذا التقريب لاقتضى حصول الاشتداد قبل الغليان فلو كان بمجرده موجبا لحصول الاشتداد لتقدم على الغليان و ما أظن القائل يرضاه (لا يقال) انما لوحظ اعتبار التصاعد فيما بعد الغليان لاقتضائه حصول القوام بخلاف ما قبله (لأنا نقول) ان كان مناط الحكم هو نقصان المائية فهو حاصل في الموضعين فلا يعقل التفرقة و إن كان المناط هو حصول القوام فادعاء تحققه بمجرد الغليان مما يكذبه العيان، و فصل شيخنا الشهيد الثاني في حدود الروضة بعد تسليمه و ذهابه الى ان المراد بالاشتداد هو القوام و الثخانة، بين ما غلى بالنار، فحكم بانفكاكه عنه، و هو في الغالب كما ذكره لا على وجه الكلية، لكن في الاشتداد بمعنى أول درجات الأخذ في الثخانة، (و بالجملة) فكلام جل من وقفنا على كلامه لا يخلو من احد المعنيين أما إرجاعه إلى الغليان أو تفسيره بما لا مأخذ له، و قال بعض أجلاء العصر: (ان الذي يقوى في نظري، بعد خلو الأخبار التي هي مستند الأصحاب قديما و حديثا عن ذكر الاشتداد، ان المصرح به منفردا و مع الغليان ممن لم يصرح بالتغاير لم يرد به سوى الغليان المنصوص عليه، و المذكور في فتاوى جلة من السلف و الخلف و يؤيده تسامحهم في عنوان البحث المقصود منه بيان النجاسة (فتارة) يعزى الى المشهور أو الأكثر نجاسة العصير إذا غلى (و اخرى) إذا غلى و اشتد و لم يتعرضوا للمخالفة في ذكر الشرط و لم ينسب المتأخر خلافا بسبب اختلاف التعبير الى المتقدم فلاحظ و تدبر) (و قال) و يمكن الغفلة للفاضلين و صاحب الكنز و المجمع المفصلين و ما المعصوم الا من عصمه اللّه (انتهى) الا ان شيخنا الامام المرتضى الأنصاري لم ترخصه قريحته الوقادة و فطنته النقادة بان يفسر الاشتداد بما هو من لوازم الغليان و لا بان يبقى كلام مثل هؤلاء المشايخ الجلة، و رؤساء المذهب و الملة، خاليا عن دليل و حجة، فاحتج لاعتبار القوام المنفك عن الغليان في النجاسة بأن العمدة في الدليل عليها موثقة معاوية بن عمار المتضمنة لجوابه (ع) بعد السؤال عن البختج

ص: 39

الذي يشرب صاحبه على النصف بأنه خمر لا تشربه، و هي كما ترى مختصة بما غلظ و ثخن جدا و علم ذهاب نصفه الا ان صاحبه يخبر بذهاب ثلثيه فيقتصر في الحكم بالنجاسة على ما قاد اليه الدليل، و بان الأصل، الطهارة، و انما يخرج عنه بالإجماع المنقول أو بالشهرة بين الفحول، و هما أيضا مختصان بما غلى و غلط و ثخن ثخانة منفكة عن الغليان كما هو صريح مدعى الإجماع في كنز العرفان لكني أقول لا ينبغي ان يخفى أن الإسناد إلى الموثقة في الحكم بالنجاسة لم يكن معهودا بين الأصحاب، و لم يكن للاحتجاج بها عين و لا أثر في كلام علمائنا الأطياب، إلى زمن الأسترآبادي، و هو أول من استدل بها كما يظهر من الحدائق و غيره، و في حاشية الروضة لجمال المحققين إمكان الاستدلال بها و لم يسبقهما فيما اعلم سابق و ان لحقهما جماعة، و (لذا) قال المتبحر النحرير اعنى صاحب المعالم:

ان الأصحاب لم ينقلوا على هذا الحكم أي النجاسة من أصله دليلا و انما ذكره القائلون به على طريق الدعوى المجردة و هو غريب، و من ثم توقف فيه جميع من المتأخرين حتى الشهيد (ره) مع ما علم حاله من وفاق المشهور (ثم) نقل كلام والده في المسالك من ان نجاسته من المشاهير بغير أصل مضافا أن الموثقة على تقدير تمامية دلالتها انما حكمت بخمرية مورد السؤال لأنه عصير لم يذهب ثلثاه و بقي فيه شي‌ء من نصيب الشيطان كما يفصح عنه باقي الروايات، لا لانه عصير ذهب نصفه بحيث لو لم يذهب عنه كل نصيبه و غلى كان حلالا طيبا طاهرا و لعله واضح جدا، و اما الاستناد إلى الشهرة و الإجماع المنقول، ففيه مع المنع من تحقق الشهرة كما ستعرف و المنع من حجيتها و حجية أخيها ان الكلام في مستند المعتبرين لهذا الشرط في النجاسة و من المعلوم ان مستند الذين تحققت منهم الشهرة لا يمكن ان يكون نفس الشهرة، (و ليعلم) بعد هذا كله ان المنقول عن فخر المحققين في شرح الإرشاد ان المراد بالاشتداد عند الجمهور هو الشدة المطربة، و عندنا ان يصير أسفله أعلاه و يقذف بالزبد، و هو أيضا مما لم يتضح وجهه حيث ان الشق الأول مما نسبه النيافى تفسير الاشتداد، و هو الذي ذكره

ص: 40

كثير من الأساطين الذين مرت عبائر جملة منهم في تفسير الغليان فكيف يجعل تفسيرا لما ينفك عنه، و الشق الثاني منه مما لا مأخذ له رأسا، ثم انهم طعنوا في الإجماع الذي ادعاه المقداد في الكنز بان صريح كلام الشهيد الذي هو شيخه و في عصره و كان اعرف منه بمذاهب الأصحاب و أقوالهم بل لم يعرف مثله في كثرة الاطلاع و وفور التتبع و قوة الفقاهة ان القائل بالنجاسة قليل من الأصحاب، و هم: ابن حمزة و الفاضلين فكيف يسوغ للفاضل المقداد دعوى إجماع فقهائنا على النجاسة، و من البعيد و الممتنع عادة ان يكون الإجماع منعقدا في تلك الأعصار إلى عصر الشهيد (ره) و لم يطلع عليه أو ان ينعقد بعد الشهيد (ره) فيما امتد من عمر مقداد بعده، و على تقدير تحققه لم يعتد به ما لم يكشف عن اتفاق الأعصار السابقة عليه. (و بالجملة) فاشباه هذه الكلمات و نظائرها دائرة بين القوم في هذه المسئلة، و كلها عندي ساقطة عن درجة الاعتبار لا ينبغي الإصغاء إليها، و التعويل عليها، و سأنبئك بما فيها، و أعلمك بما في قوادمها و خوافيها، فيما سيأتي من تحقيقات تلذ منها العقول و تساعده النقول، و تقابلها الألباب بالإذعان و القبول، ببيان سهل لحم ذلول

[في بيان المراد من الاشتداد]

يتضح به الحال في أمور (أحدها) شيوع استعمال لفظي الشدة و الاشتداد و ما يساوقها في روايات الفريقين و كلمات الطائفتين مرادا بهما غير ما تخيله الجماعة (ثانيها) ان الشدة و الحدة التي يأخذونها معرفا للمسكر و علامة له مما يلازم الغليان بنفسه (ثالثها) ان المعتبرين للاشتداد في التنجس كالحليين الأربعة لم يريدوا القوام و الثخانة، بل أرادوا هذا المعنى الشائع عند الخاصة و العامة (رابعها) إثبات رجوع قولهم الى ما هو المعروف نقله عن ابن حمزة و ان قولهم ليس مقابلا لقوله (خامسها) تحقيق المراد من قذف الزبد المتكرر ذكره في كلمات الخاصة و العامة (سادسها) ان ما ذكره الفخر (ره) في تفسير الشدة لا وجه له بالمرة و انه في غاية الغرابة منه (سابعها) إثبات ان ما غلى بنفسه و اشتد خمر حقيقة عند الكل (و ثامنها) ان الإجماع الذي ادعاه المقداد واقع في موقعه و ان الطعن عليه بوهنه بقول مثل الشهيد (ره) ناش من قلة التأمل

ص: 41

(تاسعها) سر اكتفاء الأساطين بالدعوى المجردة و دفع طعن صاحب المعالم و غيره و استغرابه عنهم، و يتبين ذلك كله في ضمن عدة من المقالات اللاحقة إنشاء اللّه تعالى

المقالة السادسة [كلمات الخاصة و العامة على وصف الخمر و المسكر]

اشارة

قد أطبقت كلمات الخاصة و العامة من جميع طبقاتهم من اللغويين و المفسرين و الفقهاء و المحدثين على وصف الخمر و المسكر بالشدة مريدين بها الحدة و القوة الحاصلة فيه، بل (كثيرا ما) يكتفون بذكر هذا الوصف من بين أوصاف الخمر عند ارادة تعريفها و بيانها، بل وقع الوصف بها و بما يساوقها كالعادية، و الصلابة، و الاغتلام، و القوة، في روايات الفريقين، و شيوع توصيف المسكر بها و جعلها كناية عن الإسكار بلغ حدا لا يمكن استيعاب موارد استعمالها و ان أتعب الفارغ نفسه أياما، بل شهورا و أعواما، و نحن نقتصر على بعض ما عثرنا عليه من مواقع استعمالها في الروايات، و بعض كلمات علمائنا الإثبات، و بعض ما وقع في الرسوم و التعريفات، و اما استيعاب الكل بل العشر، فكلا، ثم كلا، فان الكتب الفقهية للخاصة و العامة لا يحصيها الا اللّه (تعالى) و كلهم أو جلهم مستعملون لهذه اللفظة سيما العامة في أبواب الحدود و الأشربة و غيرها (ففي الكافي) و (التهذيب) عن عمر بن حنظلة (قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) ما ترى في قدح من مسكر يصب اليه الماء حتى يذهب عاديته و يذهب سكره قال لا و اللّه و لا قطرة قطرت في الحب إلا أهريق ذلك الحب، و في لسان العرب عن ابن شميل رددت عنى عادية فلان اى حدته و غضبه، و في (تاج العروس) فيما استدركه في مادة (عدا) على القاموس: العادية: الحدة و الغضب، و في (طب الأئمة) عن عمر بن يزيد قال (حضرت أبا عبد اللّه (ع) و قد سئله رجل به البواسير الشديد و قد وصف له دواء سكرجة من نبيذ صلب لا يريد به اللذة بل لا يريد به الا الدواء فقال لا و لا جرعة) و في (الكافي) في ذيل صحيحة حنان بن سدير الواردة في النبيذ (يجعله بالليل و يشربه بالنهار و يجعله بالغدوة و يشربه بالعشي و كان أبي يأمر الخادم بغسل الإناء في كل ثلث أيام لئلا يغتلم فان

ص: 42

كنتم تريدون النبيذ فهذا هو النبيذ) و في (تاج العروس) سقاء مغتلم و خابية مغتلمة اشتد شرابهما، قال: و منه معنى الحديث (إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقصعوا قوتها بالماء) و قد استعمل لفظ القوة المساوقة للشدة في هذا الحديث، و في حديث ابن عباس (ان النبي صلى اللّه عليه و آله قال: انتبذوا في الأسقية و لا تنتبذوا في الجر و لا الدباء و لا المزفت و لا النقير فانى نهيت عن الخمر و الميسر و الكوبة و هي الطبل و كل مسكر حرام فإذا اشتد فصبوا عليه الماء فإذا اشتد فاهريقوه) و (ذكر المحدثون) ان قوله اشتد في الجملة الأولى أريد به ان خفتم الاشتداد و القرينة عليه هي الجملة الثانية إذ لو صلح شرب ما اشتد بصب الماء لم يكن وجه للاراقة و لم يكن فرق بين الاشتداد في المرة الاولى و الثانية، «و مثله» ما روى بطريق آخر انه قال لا تشربوا في نقير و لا مزفت و لا في دباء و لا حنتم و اشربوا في الجلد المذكى عليه فان اشتد فاكسروه بالماء فان اعياكم فاهريقوه، و في حديث ابى رافع إذا خشيتم من نبيذ شدته فاكسروه بالماء قال عبد اللّه راوي الحديث قبل ان يشتد يريد إذا خفتم ان تحصل فيه الشدة فصبوا عليه الماء حتى لا يشتد و (في المبسوط) لشيخ الطائفة الخمر مجمع على تحريمها و هو عصير العنب الذي اشتد و أسكر، و فيهم من قال إذا اشتد و أسكر و أزبد، و اعتبر ان يزبد، و الأول مذهبنا، فهذا حرام نجس يحد شاربها أسكر أم لم يسكر بلا خلاف، ثم قال و اما النبيذ في الأوعية فجائز في أي وعاء كان زمانا لا تظهر الشدة فيه، و في (مجمع البيان) للعلامة الأديب اللغوي المفسر، الطبرسي، و ناهيك به و بهذا الكتاب، في تفسير قوله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ) ما لفظه: (اللغة) الخمر عصير العنب المشتدة، و هو العصير الذي يسكر كثيره و سمى خمرا لأنها بالسكر تغطى على العقل، و أصله في الباب التغطية من قولهم اخمرت الإناء: إذا غطيته، و دخل في خمار الناس: إذا خفي فيما بينهم، و قال «الفحل المقدم» محمد ابن إدريس في السرائر:

الخمر مجمع على تحريمها، و هو عصير العنب الذي اشتد و أسكر، و في المخالفين من قال: إذا اشتد و أزبد، و الأول مذهبنا، فهذا حرام نجس يحد شاربها أسكر أم لم

ص: 43

يسكر بلا خلاف بين المسلمين، و قد عرفت عبارته الماضية التي ذكرها في مسئلة التتميم و ان العصير قبل ان يشتد حلال طاهر و بعد ان اشتد حرام نجس و إذا انقلب خلا زالت الشدة و عاد طاهرا، فإنه صريح في انه لم يرد إلا الشدة الموجبة للإسكار بقرينة ما ذكره أخيرا من قوله: إذا انقلب خلا زالت الشدة، و لجعله النجاسة حال الاشتداد مفروغا عنه، و عدم ذكر الغليان و لا ذهاب الثلثين، و لانه لو كان العصير المشتد بمعنى الغليظ الثخين نجسا عنده ثم يطهر بصيرورته أغلظ بذهاب الثلثين لكان ذكره ادخل فيما هو غرضه من رفع الاستبعاد عن تبدل الحكم مع بقاء العين على ما كانت عليه من الانقلاب الى الخل بالضرورة، و ستعرف عبارته الأخرى أيضا في بعض المقامات الآتية المقصودة للنواهى عن أوعية مخصوصة من قوله: فان نبذ في شي‌ء من تلك الظروف فلا يشرب الا ما وقع اليقين بأنه لم تحله شدة ظاهرة و لا خفية و في (حدود الشرائع) ان ما عدا العصير المغلي لا يحد شاربه إلا إذا حصلت فيه الشدة المسكرة ثم قال و كذا البحث في الزبيب إذا نقع في الماء فغلى من نفسه أو بالنار فالأشبه انه لا يحرم ما لم يبلغ الشدة المسكرة، و قال (آية اللّه) في رهن التذكرة: الخمر قسمان خمر محترمة و هي التي اتخذ عصيرها ليصير خلا و انما كانت محترمة لأن اتخاذ الخل جائز إجماعا و العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة فلو لم يحترم و أريقت في تلك الحال لتعذر اتخاذ الخل، و في (المسالك) تحريم الجمع اى جمع الخمر بعد إراقته انما يتم لو لم يرد الخل و اما لو أراده صح له ذلك كما يصح إبقائها و حفظها لذلك، و من ثم سميت محترمةاى يحرم غصبها و إتلافها على من في يده و لولا احترامها لأدّى ذلك الى تعذر اتخاذ الخل لان العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة، فالقول بملك الجامع بها أقوى، و انظر الى كلام هؤلاء العظماء الثلثة الحاكمين على وجه الجزم و اليقين بتعذر اتخاذ الخل و استحالته من غير توسط الشدة التي يريدون بها الخمرية كما هو صريح كلامهم، و في (التذكرة) أيضا قد بينا انه يجوز إمساك الخمر المحترمة الى ان يصير

ص: 44

خلا، و هو قول الشافعية و الا لا تحترم يجب إراقتها لكن لو لم يرقها حتى تخللت طهر عندنا و هو قول أكثر الشافعية، لأن النجاسة و التحريم انما ثبتا للشدة و قد زالت (و قال أيضا) اما إذا طرح في العصير بصلا أو ملحا و استعجل به الحموضة بعد الاشتداد فللشافعية وجهان و قال (الفاضل المقداد) في كنز العرفان في باب المطاعم و المشارب الخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمى به عصير العنب و التمر إذا غلى و اشتد، لانه يخمر العقل اى يستره، كما سمى مسكرا لانه يسكره اى يحجره، و قد مرت عبارة القاموس في تفسير (الباذق) الذي هو معرب (باده) و هو اسم الخمر بالفارسية، من قوله: انه ما طبخ من عصير العنب ادنى طبخة فصار شديدا، و قد مر كلام ابن قتيبة و هو من أئمة اللغة ان النبيذ لا يسمى نبيذا حتى يشتد و يسكر كثيره كما ان عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد و في (كنز الدقائق): الخمر هي (التي) (1)من ماء العنب إذا غلى و اشتد و قذف بالزبد، و في (البحر الرائق) ان التعريف المذكور للخمر هو قول الإمام يعني أبا حنيفة، و عند هما اى عند صاحبيه إذا اشتد صار خمرا و لا يشترط فيه القذف بالزبد لان اللذة تحصل به، و هو المؤثر في إيقاع العداوة و الصد عن الصلاة، و له أي لأبي حنيفة ان الغليان بداية الاشتداد و كماله يقذف الزبد،

[إزاحة شبهة في معنى الازباد انه بمعنى ازالة الزبد لا احداثه]

(و ليعلم) انى كنت اعتقد قديما ان المراد بالازباد في كلمات الخاصة و العامة كما رأيته من المبسوط و السرائر كغير هما هو حدوث الزبد و الرغوة و ارتفاعه على العصير، كما ان المراد بقذف الزبد المتكرر ذكره في كلماتهم هو خروج الزبد و ارتفاعه و رأيت التصريح بهذا المعنى أيضا ممن لا أحب التصريح بأساميهم، و ربما يقف عليه المتتبع فكنت أ تعجب من ذلك، فان هذا الأمر من لوازم الغليان و صيرورة الأعلى أسفل فكيف وقع النزاع في اعتباره مستقلا بين الخاصة و العامة كما سمعته من المبسوط و السرائر و (كك) بين أبي حنيفة و صاحبيه كما سمعته من البحر الرائق، و مثله ما لا يحصى من


1) التي: خام

ص: 45

كتب فقه الحنفية و غيرهم و كيف يقولون ان الشدة و الإسكار يتحقق قبلها و ان كمالها بقذف الزبد حتى وقفت على عبارة المطرزي في المغرب فتنبهت بالمراد قال الخمر هو (التي) من ماء العنب يعنى غير المطبوخ منه إذا غلى و اشتد، و قذف بالزبد اى رماه و ازاله فانكشف و سكن، و جلالة المطرزي و مهارته و مهارته و إمامته في اللغة و الأدب معروفة عند اهله كجلالة كتابه المزبور و متانته، ثم وقفت على عبارة الفاضل السندي في تعليقته على صحيح النسائي، قال في شرح ما روى فيه عن سعيد بن مسيب (اشرب العصير ما لم يزبد): انه بالزاء المعجمة و الباء الموحدة و الدال المهملة من أزبد البحر اى رماه و في (تنوير الابصار) و شرحه المسمى ب (الدر المختار) ان الشراب اصطلاحا ما يسكر و المحرم منها أربعة أنواع (الأول) الخمر و هي التي بكسر النون فتشديد الياء من ماء العنب إذا غلى و اشتد و قذف اى رمى بالزبد اى (الرغوة) و لم يشرطا قذفه و به قالت الثلثة و به أخذ أبو حفص الكبير، ثم ذكر (الثاني) و هو الطلاء قال و هو العصير يطبخ حتى يذهب أقل من ثلثه، (و الثالث) السكر بفتحتين التي من ماء الرطب (و الرابع) نقيع الزبيب و هو التي من ماء الزبيب، قال: و الكل اى الثلثة المذكورة حرام إذا غلى و اشتد، و مثله فيما لا يحصى من كتبهم الفقهية المتفقة على ان ماء العنب و الزبيب و الرطب إذا غلى بنفسه و اشتد كان مسكرا يحرم قليلها و كثيرها، ثم ذكروا الحلال من الأشربة المسكر عند الحنيفة، و هي نبيذ التمر و الزبيب إذا طبخ ادنى طبخة ثم اشتد، و نبيذ العسل و التين و البر و الشعير إذا اشتد، و المثلث و هو ما طبخ ماء العنب (1)حتى ذهب ثلثاه و بقي ثلثه ثم اشتد، فهذه كلها يحل عند أبي حنيفة و أغلب اتباعه إذا شرب المقدار الذي لا يسكر، و الشافعية على تحريم الجميع قليلها و كثيرها، (الى غير ذلك) مما لا يمكن احصائه و الجرعة تدل على الغدير، و الحفنة تدل على البدر الكبير، فهل يبقى بعد ذلك لأحد مجال ريبة أو يختلج في ذهن احد توهم أو شبهة، في ان من يذكر العصير و يصفه بالاشتداد و الشدة يريد به غير الشدة المطربة، و العادية المسكرة، و الحدة


1) من ماء العنب (ظ)

ص: 46

و القوة و النشطة؟ أو ان مثل العلامة الذي يصف في التذكرة العصير مرارا بالشدة و يريد به ما يريده كل المستعملين لهذه اللفظة، أو ان الفاضل المقداد الذي أخذ هذه اللفظة من المعنى اللغوي للخمر و عرفه في الكنز بأنه ما غلى و اشتد من عصير العنب يريد ان في نفس التذكرة و الكنز من الشدة، الثخانة و القوام، و يجعلان موضوع النجاسة الغلظة و الثخانة، و ينفى أحدهما الإشكال عن نجاسته إذا صار ثخينا غليظا بعد ما كان طاهرا و هو في الحالين لا يسكر و يدعى الآخر الإجماع على نجاسته بعد الغلظة و الثخانة؟

كلا، ثم كلا،.

و مما يوجب الجزم بأنهم لم يريدوا الا ما ذكرنا عند اللبيب، و ينفى ريب كل مستريب، ان دعوى مثل هذا الأمر الغريب العجيب، الذي هو بالسفسطة قريب، (و هو ان الشي‌ء الطاهر يعود نجسا بمجرد تثخينه و تغليظه من غير ان يحدث فيه صفة غير الغلظة، ثم إذا بولغ في هذا الذي أوجب التنجيس و زيد في التغليظ و التثخين حتى ذهب ثلثاه عاد طاهرا) لا يمكن الا بدليل قاطع قاهر، و نص تعبدي ظاهر باهر، و لا يمكن الاكتفاء في مثل هذه الدعوى من أمثال هؤلاء الأعاظم بالدعوى المجردة كما نسب إليهم صاحب المعالم و غيره، سيما مع جريان عادتهم و استقرار سيرتهم على الاحتجاج و الاستدلال للفروع التي ربما لا يخفى، بأدلة الطرفين، و احتجاجات الفريقين، من الخاصة و العامة، كما لا يخفى على من لاحظ المعتبر و التذكرة، فكيف خرقوا هذه العادة المستمرة في مثل هذه الدعوى البعيدة عن الأذهان السليمة، المنكرة عند أولي الأنظار المستقيمة فاكتفوا بصرف الدعوى و محض التحكم بل لم يقنعوا لذلك حتى نفى أحدهم التردد عنه، و الآخر نفى الاشكال فيه، و الثالث ادعى الإجماع عليه ما كنت أظن بجماعة من أصحابنا المحققين تجويز هذه الأمور، (و ليت شعري) ما الذي عرضهم (1)و ذهابهم حتى وقعوا فيما وقعوا، و اختلفوا في تفسير الاشتداد، فبين من جعله راجعا


1) هكذا في النسخة و عرضتها على جناب ناسخها سيدنا الأجل الزنجاني دام ظله فأجاب بكون نسخة الأصل التي نقلها منه (كك) أيضا (المصحح)

ص: 47

الى الغليان، و بين من جعله عبارة عن القوام و الثخانة، و بين من فصل، و بين من نسبهم إلى الغفلة، كما أسمعناك شطرا سابقا فتذكر و تعجب، نعم الأمر كما ذكره من عزاهم إلى الغفلة، من ان المعصوم ليس الا ما عصمه اللّه، (و بالجملة) تبين ان تركهم الاحتجاج و اكتفائهم بالدعوى انما هو لما حرروه في مقام آخر من نجاسة الخمر أو نجاسة كل مسكر أعاذنا اللّه من قلة التأمل، و من هذا تبين اندفاع الطعن عن الفاضل المقداد بأنه كيف يدعى الإجماع في مسئلة يعترف شيخه الشهيد بقلة القائل بها و ظهر ان الإجماع الذي ادعاه بعد ضم العبارة الذي ذكرها في أول الكتاب بما ذكره في أواخره، انما هو على نجاسة الخمر، و هو صحيح واقع موقعه، و الشهيد انما يدعى ندرة القائل بنجاسة العصير الغير المسكر و قد بخيل ان ابن حمزة و المحقق حكما على العصير الذي علم عدم اسكاره بالنجاسة

[بحث مع فخر المحققين قدس سره]

و بقي الكلام فيما ذكره الفخر في شرح الإرشاد في تفسير الشدة من انها عند الجمهور هي الشدة المطربة، و عندنا ان يصير أعلاه أسفله أو يقذف بالزبد، و هو كلام عجيب من مثله كما ان العجب من اللاحقين له، الناقلين لهذا الكلام، عدم تفطنهم لما فيه من ضروب الملام، إذ فيه (مضافا الى ان هذه اللفظة أيضا كباقي الألفاظ المستعملة في كتب الخاصة و العامة كلفظ القيام و القعود و المجي‌ء و الذهاب و ليست من الألفاظ المصطلحة بينهم كما أسمعناك شطرا من عبارات الفريقين و كلمات الطائفتين،) ان ما نسبه أيضا من شقه الأول أعني صيرورة الأعلى أسفل، فقد عرفت انهم فسروا الغليان في كلامهم، فتذكر عبارة الصدوقين، و الشيخ في النهاية، و ابن البراج في المهذب، و ابن حمزة في الوسيلة، و ابن إدريس في السرائر، و غيرهم في غيرها بل هذا المعنى هو المنصوص عليه في رواية حماد في تفسير الغليان، حيث انه بعد سؤال الراوي عنه فسره الامام بالقلب، فكيف يجعله الفخر تفسيرا للشدة التي يصرحون بانفكاكها عنه، و اما القذف بالزبد فقد عرفت و ستعرف انه لم يعتبره احد عدا أبي حنيفة حتى ان صاحبيه (اللذين

ص: 48

يتكلفان غالبا لتصحيح أقواله و إليهما ينتهى فتاوى أبي حنيفة غالبا)، لم يتبعاه في هذا المقام، و صرحا بمخالفته في هذا الكلام، لما اتضح عندهما كغيرهما من ان الإسكار يحصل قبل قذف الزبد و إن كان كما له يتوقف عليه، كما حكى عن امامهم.

فالطوائف المعروفة من المسلمين من الإمامية و الشافعية و الحنفية و المالكية و الحنبلية كلهم ذاهبون الى عدم اعتبار هذا الشرط، فكيف ينسب إلى جماعة من اعلامنا المعتبرين للاشتداد، انهم أرادوا هذا المعنى الذي اختص باعتباره أبو حنيفة و اعرض عنه اتباعه و مقلدوه، ثم انى لا أظنك في مرية بعد ما نبهناك عليه في هذا المقالة الشريفة و ما سبقها بما تفطنت له بعد التأمل التام و التروي الكامل من ان أصحابنا الإمامية كلهم متفقون في مسئلة العصير، غير متفرقين، و مجتمعون غير مختلفين، عدا شاذ لم يهتدوا الى وجه المسئلة فاعتقدوا نجاسة العصير الذي علم عدم اسكاره، و عدا العماني و مثله ممن كان مخالفا في أصل مسئلة نجاسة الخمر، و الا فالكل متفقون على حرمة ما على و لم يسكر و طهارته، و نجاسة ما أسكر و حرمته، أما القائلون بالطهارة في المقام ممن ذهب الى نجاسة المسكر فحالهم معلوم من ان قولهم بالطهارة مبنى على عدم اسكاره و اما المفصلون بين ما اشتد و غيره فقد عرفت على وجه الجزم و اليقين انهم لا يريدون الا الشدة المسكرة، و انما فصلوا و قيد و الغليان بالاشتداد عند الحكم بالتنجيس و أطلقوه عند التحريم، لان الغليان في الخارج على نوعين منه ما يترتب عليه الإسكار كالغليان بنفسه بطول المكث الموجب لحدوث الشدة و الحدة في طعم العصير و التغير في ريحه الملازمين للإسكار، و منه ما لا يترتب عليه كالغليان بالنار، فلذلك حكموا بان الغليان المجرد بنفسه لا يقتضي إلا الحرمة، فإذا اجتمع مع الشدة أوجب النجاسة الا ان الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة عينوا موضع اجتماع الغليان و الشدة و هو ما غلى بنفسه، فاختار ابن حمزة عين ما اختاروه و ذكر عين ما ذكروه فلا خلاف بينه و بين مثل المحقق و العلامة و المقداد، الا ان المتأخرين الناظرين الى كلامهم المتخيلين ان

ص: 49

مفروض كلام الكل فيما علم عدم اسكاره، حملوا كلام ابن حمزة على التفصيل بين قسمي العصير بعد فرض مساواتهما في عدم الإسكار، فالتجأوا الى نسبة الحكم، و حملوا كلام الفاضلين و المقداد على التفصيل بين ما صار غليظا و بين ما لم يصر، بتنجيس الأول دون الثاني فنسبوهم إلى الغفلة، و الى الدعوى المجردة و الى ان الغلظ و الثخانة يوجب النجاسة و الحرمة، و زيادتهما يوجب الحلية و الطهارة، و ان العصير إذا غلى و بقي كل ما هو نصيب الشيطان أو أغلبه فيه كان طاهرا، فإذا ذهبت جملة وافرة منه عاد نجسا خبيثا و هو في الحالتين لا يسكر، و لم يلتفتوا الى ان هذا المعنى الغريب الذي لا تقتضيه القواعد العامة، و لا يتطرق اليه الترجيحات الظنية، و التخريجات الحدسية لا يمكن ان ينسب إلى هؤلاء الجماعة الواقفين على نصوص أئمتهم، و قادتهم و سادتهم، سيما مع نفيهم التردد و الاشكال عنه، اكتفائهم بصرف الدعوى، و انى لا أزال اشكر واهب النعماء، شكرا يملأ الأرض و السماء، على ان ألهمني هذه الفوائد الجماء، في مثل هذه الطخية العمياء، و المعضلة العظماء، و كم له بالنسبة الى هذا الضعيف من أشباه هذه الآلاء، و أمثال هذه النعماء، في كثير من المسائل التي زلت فيها اقدام، و حسرت اولى البصائر و الافهام، و هو ولى الافضال و الانعام، و قد خرجنا في هذه المقالة عن عهدة سبعة من الفوائد و الأمور التي وعدناك آنفا تحقيقها و تنقيحها، فضمها إلى الفوائد الكثيرة التي تبين لك من المقالات السابقة عليها، و اغتنمها، و كن من الشاكرين، و الحمد للّه رب العالمين، بقي اثنان من هذه الأمور التسعة، مضافا الى فوائد أخرى كثيرة جمة، نحققها فيما يأتي إنشاء اللّه تعالى

ص: 50

المقالة السابعة [في بيان ان الإسكار يعلم في العصر بالآثار الخاصة]

اشارة

اعلم ان العصير إذا غلى بنفسه بطول المكث يحدث فيه صوت خاص يسمى بالنشيش، و تحصل فيه شدة وحدة في طعمه، و تغير في ريحه، و رغوة و زبد في ظاهره، و كل هذه الأمور الخمسة أعني الغليان و الشدة و التغير و الزبد ناش من سخونة و حرارة تظهر فيه بذاته بطول المكث يحمى العصير بسببها و يوجب إسكار شاربه و يدور شدة السكر و ضعفه مدار قوة هذه الحرارة و ضعفها على ما صرح به حذاق الأطباء و أهل المعرفة بخواص الأشياء و قالوا انه ما دام أبيض و لم تقوه حرارته يضعف اسكاره فإذا اصفر و أحمر اشتدت حرارته و قوى اسكاره و هذه الأمور يلازم بعضها بعضا كما ان الكل ملازم للإسكار و حيث ان الإسكار أمر خفي غير محسوس في نفس الخمر الا بعد الشرب الممنوع عنه احتاج أئمة اللغة و الأدب و التفسير و الفقه و الحديث و غيرهم في مقام الكشف عن حقيقة المسكر و بيان موضوعه الى ذكر هذه الأمور كلا أو بعضا لينتقل منها إلى الإسكار الذي لا ينفك عنها الا ان ملازمتها له انما هي إذا نشأت هذه الأمور من الحرارة و الحمى التي تظهر منه في ذاته و اما الغليان و النشيش الحادث من حرارة النار فلا يوجب شدة و تغيرا في الطعم و الريح و لا يلازم الإسكار (و من هنا) اختلفت تعبيراتهم في شرح المسكر، و هي في الحقيقة مما لا اختلاف فيها عند المتأمل المتدبر، المتنبه لما نبه عليه هذا القاصر، فترى جماعة يكتفون بالتغير أو تغير الريح علامة كما ستسمع، و جماعة يجعلون النشيش بنفسه امارة كما سمعت من الصدوقين و صاحب دعائم الإسلام و ابن إدريس و الشهيد (ره) و طائفة يجعلون الغليان بغير النار ملازما للإسكار كما سمعته من الشيخ و ابن إدريس و ابن البراج و ابن حمزة و صاحب الدعائم و ربما يجمعون بين الاثنين منها كالغليان بنفسه و الاشتداد لزيادة التوضيح كما سمعت أيضا، و ربما ترى المجازف الذي لا يشعر بما يقول يدعى في كلام الذين ذكروا (ان ما نش

ص: 51

بنفسه من العنب و التمر فهو خمر) أرادوا بالنشيش المسكر، فيقال له هل النشيش الحاصل بنفسه يتنوع الى نوعين في الخارج و ينقسم الى قسمين في الواقع؟ ثم يطالب بتعيين احد القسمين و تمييزه عن الآخر و ان أيا منها مسكر و أيا منها غير مسكر؟ ثم يطالب بعلة ترك الجماعة للتقييد و إطلاقهم موضوع الحكم، مع انه غير مقيد فلو كان موضوع الحكم الإسكار المرتب على بعض أقسام النشيش بنفسه دون بعض، لم يكن معنى لجعل موضوع الحكم هو النشيش بنفسه، فان جعل الملزوم موضوعا مع ان لازمه في الواقع هو الموضوع و إن كان متعارفا الا ان جعل احد العامين من وجه كناية عن الآخر مع عدم ملازمة دائمية و لا غالبية بينهما فمن أفحش الأغلاط، و لننبه على جملة من الايات و الكلمات التي جعل تغير الريح أو التغير فيها علامة للإسكار (فنقول) روى في الكافي في ذيل الرواية الطويلة نقلها عن ابى عبد اللّه (ع) (حرم الله على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو اللّه في النخلة و العنب و صار كل مختمر خمرا لما اختمر في الكرم و النخلة من رائحة بول عدو الله) و ما في بعض النسخ من قوله (لان الماء اختمر) فهو تصحيف لا ينبغي ان يخفى، و (في الصحاح) و (لسان العرب) عن ابن الأعرابي سميت الخمر خمرا لأنها تركت و اختمرت قال و اختمارها تغير ريحها، و في (تاج العروس) مازجا لعبارة القاموس و اختمارها إدراكها و ذلك عند تغير ريحها الذي هو احدى علامات الإدراك و غليانها و في (المصباح المنير): اختمرت الخمر: أدركت و غلت، و قال أيضا عند قول الفيروزآبادي (أو لأنها تركت فاختمرت) الذي نقله الجوهري و غيره عن ابن الأعرابي ما نصه: و سميت الخمر خمرا لأنها تركت فاختمرت و اختمارها تغير ريحها، فلو اقتصر المصنف على النص الوارد كان أولى، أو قدم (اختمرت) على (أدركت) ليكون كالتفسير له، قال:

و هو ظاهر، و في الدعائم: و ما خلط به الماء من لبن أو عسل أو ما يحل اكله و شربه من تمر أو زبيب أو غير ذلك من المحللات فشربه حلال ما لم بتغير بالغليان و النشيش و فيه أيضا عن أمير المؤمنين (ع) (كنا ننقع لرسول الله (ص) زبيبا أو تمرا في

ص: 52

مطهرة من الماء لنخليه له فإذا كان اليوم و اليومين شربه فإذا تغير أمر به فأهريق) و في نهاية الشيخ المنزل عند كثير من الأعيان منزلة الرواية (لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر و هو ان ينقع التمر أو الزبيب ثم يشربه و هو حلو قبل ان يتغير) و فيها أيضا (و يجوز ان يعمل الإنسان لغيره الأشربة من التمر و الزبيب و غير ذلك و يأخذ عليها الأجرة و يسلمها اليه قبل تغيرها) و في (السرائر) بعد نقل هذا الكلام من النهاية و تسليمه ان تغيرها بمنزلة التلف أورد عليه بأنه لا يمنع من استحقاق الأجرة قال: إذا استأجره على عمل ذلك فحلال الأجرة، سواء سلمها قبل التغير أو بعده فإنها تهلك الأجرة من مال صاحبها لأنها ما زالت عن ملكه، و في (موضع آخر) منه لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر و هو ان ينقع التمر و الزبيب ثم يشربه و هو حلو قبل ان يتغير و عن (المهذب) لابن البراج و يجوز شرب النبيذ الذي لا يسكر مثل ان يلقى التمر أو الزبيب في الماء المر أو المالح و ينقع فيه الى ان يحلو فان تغير لم يجز شربه (و في الوسيلة) لابن حمزة ان النبيذ و هو ان يطرح شي‌ء من التمر أو الزبيب في الماء ان تغير كان في حكم الخمر و هؤلاء الجماعة تريهم حكموا بان ماء العنب و التمر و الزبيب يصير مسكرا بمجرد حدوث التغير فيه و أظهر أفراده الذي لا يريدون إلا إياه أو هو المتيقن من كلامهم تغير الريح الذي جعله اللغويون عبارة عن اختمار الخمر، و صرح في تاج العروس أنه إحدى علامات الإدراك، و حكم بأن الأولى للقاموس ان يجعل الاختمار بهذا المعنى تفسيرا للإدراك، كما ان الظاهر من المصباح و لسان العرب انهما جعلا نفس الغليان علامة للإدراك فعطفاه عليه ليكون تفسيرا له، و قد سمعت عبارة المصباح، و في (اللسان) و اختمار الخمر إدراكها و غليانها.

[في بيان ان النشيش و الشدة و التغير و الزبد لازم للغليان]

ثم ان ملازمة الأمور الأربعة أعني: النشيش، و الشدة، و التغير و الزبد للغليان و إن كانت واضحة أو اتضحت الا انه ربما يترائى في بوادي الانظار عدم استلزام الغليان بنفسه للشدة التي هي المعيار، و ذلك لما يرى من تقييد كثير منهم للغليان

ص: 53

بالشدة و ذكرها عاطفا لها عليه كما في غير واحد من كتب الفقه و اللغة، و لا يمكن جعلها تفسيرا له، و الظاهر من التقييد هو الاحتراز، لكنه مدفوع بما هو المعلوم من معلولي علة واحدة هي السخونة و الحرارة التي تظهر في العصير بطول المكث و يأتي في آخر المقالة العاشرة ما يتضح به المقام و مما ينبه على الملازمة تسمية الشدة و الحدة الحاصلة في الخمر ب (الحميا) على زنة (الثريا) و تسمية نفس الخمر بالحميا باعتبار ما فيها من الشدة فان الحميا على ما صرح به أئمة اللغة عبارة عن الحدة و الشدة، و هي مأخوذة من حمى بمعنى سخن و احميت حديدة اى اسخنتها، قالوا: و (حميا كل شي‌ء) شدته وحدته، و حميا الكأس سورتها و شدتها، و قيل أول سورتها و شدتها، و قيل إسكارها وحدتها، فتسمية الشدة بالحميا من جهة مقارنتها معها أو نشوها عنها أو كونها من مصاديقها كما في أغلب ألفاظ لغة العرب، أوضح شاهد على عدم انفكاك أحدهما عن الآخر و من هذا الباب أيضا تسمية شدة الغضب بالحمياء كما انه يستعمل حمى فلان بمعنى غضب، و هذه فائدة لغوية فقهية لا يتنبه لها إلا الأوحدي المتروى في الاستعمالات المصطلع بلغة العرب من النظم و النثر و المحاورات، و اما ما ترى من تقييد الغليان بالاشتداد، فان وقع في كلام من كان موضوع حكمه مطلق الغليان فهو قيد احترازي لا بد منه في الحكم بالتنجيس عند من لا يقول بنجاسة غير المسكر، فان الغليان كما عرفت مرارا منه ما يترتب عليه الاشتداد و الإسكار كما إذا حصل بغير النار بل بطول المكث و منه ما لا يترتب عليه كما ان حصل بها أو بالتراب المعهود، فمن كان بصدد بيان حقيقة الخمر لم يجز له ان يقول هو العصير الذي غلى و كذا من يريد بيان موضوع النجاسة فإن موضوع التحريم هو مطلق المغلي مما كان بنفسه أو بالنار بل المغلي بالنار هو مورد أكثر الاخبار حتى جعل بعضهم كصاحب المنهاج المغلي بنفسه فردا خفي (1)الا ان موضوع النجاسة هو المسكر فلذا تراه يقول: إذا غلى حرم، لكنه إذا غلى و اشتد تنجس لإخراج الفرد المتيقن دخوله في موضوع التحريم عن موضوع التنجيس، و اما من ذكره عقيب الغليان


1) فردا خفيا (ظ)

ص: 54

بنفسه فاما ان يكون تحرزا عما غلى بالتراب المعهود أو انه لم يرد إلا زيادة التوضيح و افادة التصريح بما هو الملاك و المناط، فتحفظ عن الاختلاط و الاختباط، و استقم على سواء الصراط

المقالة الثامنة [فيما يدل على ان النبيذ يتغير بمضي زمان]

[روايات الخاصة]

استفاضت الروايات بل تواترت بحسب المجموع مما ورد من طرقنا و طرق أهل السنة في جوامعنا المعتبرة و صحاحهم الستة و غيرها في تحديد شرب النقيع و النبيذ اعنى الماء الذي انتبذ فيه الزبيب و التمر بمضي مقدار خاص من الزمان يوم و ليلة أو يومين إلى الثالثة أو ثلثة أيام في الشتاء و يوما و ليلة في الصيف و وجوب الإراقة بعد ذلك و يستفاد من مجموعها ان ذلك لحدوث الغليان في أزيد من هذه المدة و إيجاب الغليان فيه الإسكار كما انه يستفاد منها ان النبيذ و النقيع اما حرام مسكر أو حلال غير مسكر و ليس هناك قسم ثالث متصف بالحرمة بغير الإسكار، و لنقدم شطرا مما ورد من طرقنا و نتبعه ببعض ما ورد من طرقهم، فنقول: روى ثقة الإسلام الكليني في الصحيح عن حنان بن سدير قال (سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّه (ع) ما تقول في النبيذ فإن أبا مريم شربه و يزعم أنك أمرت بشربه فقال صدق أبو مريم سئلنى عن النبيذ فقلت انه حلال و لم يسئلنى عن المسكر ثم قال ان المسكر ما اتقيت فيه أحدا سلطانا و لا غيره قال رسول اللّه (ص): و كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام فقال له الرجل هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شي‌ء فقال اما أبي فكان يأمر الخادم فيجي‌ء بقدح فيجعل فيه زبيبا و يغسله غسلا نقيا و يجعله في إناء ثم يصب عليه ثلثة مثله أو أربعة ماء ثم يجعله بالليل و يشربه بالنهار و يجعله بالغدوة و يشربه بالعشي و كان يأمر الخادم بغسل الإناء في كل ثلث لئلا يغتلم فان كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ) و في (الصحيح) عن صفوان الجمال (قال كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لأبي عبد اللّه (ع) أصف لك النبيذ فقال بل أنا أصفه لك قال رسول اللّه كل مسكر حرام

ص: 55

و ما أسكر كثيره فقليله حرام فقلت له هذا النبيذ السقاية بفناء الكعبة فقال: ليس هكذا كانت السقاية إنما السقاية زمزم أ فتدري أول من غيرها؟ قلت لا، قال: العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة أ فتدري ما الحبلة؟ قلت لا قال: الكرم فكان ينقع الزبيب غدوة و يشربونه بالعشي و ينقعه بالعشي و يشربونه غدوة يريد ان يكسر غلظ الماء على الناس و ان هؤلاء قد تعدوا فلا تقربه و لا تشربه) و عن على بن أسباط عن أبيه قال (كنت عند ابى عبد اللّه فقال له رجل ان بي أرياح البواسير و ليس يوافقني إلا شرب النبيذ فقال ما لك و لما حرم اللّه و رسوله (ص) يقول ذلك ثلثا عليك بهذا المريس الذي تمرسه بالليل و تشربه بالغدوة و تمرسه بالغدوة و تشربه بالعشي فقال هذا ينفخ في البطن فقال ادلك على ما هو انفع، عليك بالدعاء فإنه شفاء من كل داء فقلنا له فقليله و كثيره حرام فقال نعم قليله و كثيره حرام (و عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال (شكوت الى ابى عبد اللّه (ع) قراقر تصيبني في معدتي و قلة استمرائي الطعام فقال لي لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن و هو يمرئ الطعام و يذهب بالقراقر و الرياح من البطن قال فقلت له صفه لي جعلت فداك قال تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه و ما فيه ثم تغسله بالماء غسلا جيدا ثم تنقعه في مثله من الماء أو ما يغمره ثم تتركه في الشتاء ثلثة أيام بلياليها و في الصيف يوما و ليلة فإذا اتى عليه ذلك القدر صفيته و أخذت صفوته و جعلته في إناء و أخذت مقداره بعود ثم طبخته طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) (الحديث) و هو نظير ما مر في موثقة عمار و ان أمكن ان يقال ان هذا التحديد لترتب الآثار و الخواص المطلوبة منه و توقفه على هذه المدة، و في (صحيحة) عبد الرحمن بن الحجاج قال: (استأذنت لبعض أصحابنا على ابى عبد اللّه (ع) فسيلة عن النبيذ فقال (ع) حلال فقال انما سئلتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي ثم يسكن فقال أبو عبد اللّه قال رسول اللّه (ص) كل مسكر حرام بناء على عدة من النسخ الصحيحة من يسكن بالنون فيدل على ان ما غلى ثم سكن مسكر)، و في (صحيحة) محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سئلته عن نبيذ

ص: 56

سكن غليانه قال (ع) قال رسول اللّه (ص) كل مسكر حرام) و في (حديث وفد اليمن) الذي رواه في الكافي (انه قدم رسول اللّه قوم من اليمن فسئلوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض نسينا ان نسأل رسول اللّه (ص) عما هو أهم إلينا ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فاتى الوفد رسول اللّه (ص) فقالوا يا رسول اللّه (ص) ان القوم قد بعثوا بنا إليك يسئلونك عن النبيذ فقال رسول اللّه (ص) و ما النبيذ صفوه لي قالوا يؤخذ التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ثم يوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم مرس ثم صفوه بثوب ثم القى في إناء ثم صب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر و يغلى ثم يسكن على عكره فقال رسول اللّه (ص) يا هذا قد أكثرت على أ فيسكر؟ قال نعم، قال كل مسكر حرام فرجع القوم فقالوا يا رسول اللّه (ص) ان أرضنا أرض رديّة و نحن نعمل الزرع و لا نقوى على ذلك العمل الا بالنبيذ فقال صفوه لي فوصفوه كما وصفه أصحابهم فقال رسول اللّه أ فيسكر قالوا نعم قال كل مسكر حرام و في «الكافي» عن الكلبي النسابة قال: (سئلت أبا عبد اللّه عن النبيذ فقال حلال فقلت انا ننبذه و نطرح فيه العكر و ما سوى ذلك قال (شه) (شه) تلك الخمرة المنتنة)، و في (التهذيب) عن مولى جرير بن يزيد قال (سئلت أبا عبد اللّه فقلت له انى أصنع الأشربة من العسل و غيره و انهم يكلفونني صنعتها أ فأصنعها لهم؟ قال اصنعها و ادفعها إليهم و هي حلال من قبل ان يصير مسكرا) ثم ان المراد بالعكر المتكرر في الاخبار هو الغليظ الذي يبقى من ماء الزبيب و التمر أو من نفسهما بعد التصفية يلقى في العصير ليتسارع اليه الغليان، (و العكر) بالكسر فالسكون هو الأصل من الشي‌ء، و هو بفتحتين: آخر الشي‌ء و خاثره و كلاهما مناسبان فإنه بمنزلة الخميرة للعجين.

و فيما رواه في الكافي عن إبراهيم بن ابى البلاد قال: (دخلت على ابى جعفر ابن الرضا (ع) فقلت انى أريد أن ألصق بطني ببطنك فقال هيهنا يا أبا إسماعيل فكشف

ص: 57

عن بطنه و حسرت عن بطني و ألصقت بطني ببطنه ثم احبسنى و دعى بطبق فيه زبيب فأكلت ثم أخذ في الحديث فشكى إلى معدتي و عطشت فاستقيت فقال يا جارية اسقيه من نبيذي فجائني بنبيذ مريس في قدح من صفر فشربت احلى من العسل فقلت هذا الذي أفسد معدتك فقال لي هذا تمر من صدقة النبي (ص) يؤخذ غدوة فيصب عليه الماء فتمرسه الجارية فاشربه على اثر طعامي و سائر نهاري فإذا كان الليل أخرجته الجارية و أسقت أهل الدار قلت لكن أهل الكوفة لا يرضون بهذا قال و ما نبيذهم قلت يؤخذ التمر فينقى و تلقى عليه القعوة قال و ما القعوة قلت الزازى قال و ما الزازى قلت حب يؤتى به من البصرة يلقى في هذا النبيذ حتى يغلى و يسكن ثم يشرب قال ذلك حرام) و فيما رواه عن أيوب بن راشد قال سمعت أبا البلاد يسئل أبا عبد اللّه عن النبيذ فقال لا بأس به فقال انه يصنع فيه العكر فقال أبو عبد اللّه بئس الشراب و لكن انتبذه غدوة و اشربه بالعشي فقلت هذا يفسد بطوننا فقال أبو عبد اللّه (ع) أفسد لبطنك ان تشرب ما لا يحل لك) و في دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (ع) (كنا ننقع لرسول اللّه زبيبا أو تمرا في مطهرة من الماء لنحلبه له فإذا كان اليوم و اليومين شربه فإذا تغير أمر به فأهريق) دلت هذه الاخبار على ان ما غلى بغير النار بل بطول المكث اما بإلقاء شي‌ء فيه يوجب غليانه و يعين على سرعة اشتداده كما في بعضها أولا به كما في آخر يصير مسكرا يحرم شربه و يجب إراقته)

[روايات العامة]

(و لنذكر) بعض ما وقفنا عليه من روايات أهل السنة في صحاحهم و غيرها ليتبين بكثرة الطرق و النقلة و الروايات تواتر هذا المضمون، فروى مسلم في صحيحه و غيره في غيره عن عائشة (قالت كنا ننبذ لرسول اللّه في سقاء يوكى أعلاه و له عزلاء ننبذه غدوة فيشربه عشاء فننبذه عشاء فيشربه غدوة و العزلاء فم المزادة) و روى أيضا عن ابن حزن القشري (قال لقيت عائشة فسئلتها عن النبيذ فدعت جارية حبشية فقالت سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول اللّه (ص) فقالت الحبشية كنت انبذ له في

ص: 58

سقاء من الليل و اوكيه و اعلقه فإذا أصبح شرب منه) و روى النسائي في صحيحه (أن أناسا سئلوا عائشة كلهم يسئل عن النبيذ قالت ننبذ التمر غدوة و نشربه عشيا و ننبذه عشيا و نشربه غدوة ثم قالت لا أحل مسكرا و إن كان خبزا و إن كان ماء قالها (1)ثلث مرات) و روى أيضا عن ابن بسام (قال سئلت أبا جعفر يعنى الباقر (ع) عن النبيذ قال كان على بن الحسين ينبذ له من الليل و يشربه غدوة و ينبذه غدوة فيشربه من الليل، و عن سفيان و قد سئل عن النبيذ قال انتبذ عشيا و اشربه غدوة، و عن عبد اللّه بن الديلمي عن أبيه فيروز قال قدمت الى رسول اللّه (ص) فقلت انا أصحاب الكرم و قد انزل اللّه عز و جل تحريم الخمر فما ذا نصنع؟ قال تتخذه زبيبا قلت فنصنع بالزبيب ماذا؟ قال تنقعونه على غدائكم و تشربونه على عشائكم و لتنقعوا على عشائكم و تشربونه على غدائكم قلت أ فلا نؤخره حتى يشتد قال لا تجعلوه في القلل و اجعلوه في الشنان فإنه ان تأخر صار خلا) ثم ان كثيرا من أرباب الصحاح و السنن رووا عن ابن عباس (يقول كان رسول اللّه ينبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك و الليلة التي تجي‌ء و الغد الى العصر فإن بقي شي‌ء سقاه الخادم و أمر به فصب) و بسند آخر عن ابن عباس (كان رسول اللّه ينقع له الزبيب فيشربه اليوم و الغد و بعد الغد الى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق) و بسند آخر عنه (كان رسول اللّه «ص» ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه اليوم و الغد و بعد الغد الى مساء الثالثة شربه و سقاه فان فضل شي‌ء أهرقه) و روى مسلم و غيره عن ابن عباس (قال خرج رسول اللّه (ص) في سفر ثم رجع و قد نبذ ناس من أصحابه في حناتم (2)و نقير و دباء فأمر به فأهريق ثم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب و ماء فجعل من الليل فأصبح فشرب منه يومه ذلك و ليلته المستقبلة و من الغد


1) كذا و الظاهر قالتها

2) حناتم جمع حنتم. حنتم بر وزن جعفر سبوى سبز است

ص: 59

حتى أمسى فشرب و سقى فلما أصبح أمر بما بقي منه فأهريق) و حكى الحافظ العسقلاني في شرح البخاري عن ابن المنذر ان الشراب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا و اما الصفة التي ذكرها ابن عباس فقد ينتهي إلى الشدة و الغليان لكن يحمل ما ورد من أمر الخدم بشربه على انه لم يبلغ ذلك و لكن قرب منه لانه لو بلغ ذلك لأسكر و لو أسكر لحرم تناوله (مط) ثم احتمل الحافظ ان يكون (أو) في الخبر للتنويع لانه قال (سقاه الخدم أو أمر به فأهريق) اى ان كان بدا في طعمه بعض التغير و لم يشتد سقاه الخادم و ان اشتد أمر بإهراقه، قال و بهذا جزم النووي، فقال هو اختلاف على حالين ان ظهر فيه شدة صبه و ان لم تظهر شدة سقاه الخدم لئلا تكون فيه إضاعة مال و انما يتركه هو تنزها ثم احتمل ان يكون باختلاف حال أو زمان بحمل الذي يشرب في يومه على ما إذا كان قليلا و ذاك على ما كان كثيرا فيفضل منه ما يشربه فيما بعد و اما بان يكون في شدة الحر مثلا فيتسارع اليه الفساد و ذاك في شدة برد فلا يتسارع اليه، ثم انه ينبغي ان يعلم انه قد يستدل ببعض الأحاديث الماضية من طرقنا كالأولين و الأخير أعني صحيحة حنان بن سدير و صحيحة صفوان الجمال و رواية أيوب بن راشد على حرمة العصير التمري و الزبيبي بعد الغليان و ان لم يسكر و سيأتي في الفصول اللاحقة تحقيق الحال في هذا الاستدلال و ماله و عليه إنشاء اللّه كما انه قد يستدل بحديث وفد اليمن على عدم حرمتهما مطلقا غليا بالنار أو بنفسهما حيث ان الوفد بعد تصريحهم بالطبخ مرارا و الهدر و الغلى و جعل العكر فيه لم يحكم النبي (ص) بالتحريم بل سئلهم عن الإسكار و عدمه الا ان الغرض من هذا الكلام ان كان إثبات ان ما هدر و غلى ليس بمسكر فهو خلاف صريح الخبر حيث ان فيه اخبار الوفد بإسكاره و الملازمة بينه و بينه، و اما سؤال النبي (ص) فإنما هو للتصريح بموضوع الحكم و مناطه فان الغليان بنفسه ليس بموضوع الحكم بل الإسكار الذي هو لازم فسئلهم عن الإسكار ليتنبهوا بما هو موضوع التحريم و ملاكه و لذا بعد رجوع الوفد بأنفسهم و وصفهم للنبيذ كما وصفه من قبلهم سئلهم ثانيا

ص: 60

عن الإسكار مع ان القوم قبلهم أخبروه بأنه يسكر و إن كان الغرض إثبات ان نفس الغليان من حيث هو هو ليست بموضوع للحكم حتى يتصف بالتحريم مطلق ما غلى سواء كان بالنار أو بنفسه أسكر أولا فهو كلام حق يصلح ردا على من لم يحكم بتحريم التمري و الزبيبي بالغليان (مط) و تمام الكلام في هذه المراحل يأتي إنشاء اللّه تعالى في محله

المقالة التاسعة [في النهي عن الانتباذ في أوعية مخصوصة]

[روايات الخاصة]

قد استفاضت الروايات بل تواترت بحسب المجموع مما ورد من طرق الفريقين في النهي عن أوعية مخصوصة من ان ينتبذ فيها و في جملة منها الأمر بالانتباذ في الأسقية و هي المتخذة من الأدم و الجلد و ثبت الرخصة فيها بعد النهي بشرط ان لا ينتهي إلى الإسكار و في الكل إشارة إلى ترتب الإسكار على الغليان حيث انه بعد تكرر الأمر بالانتباذ غدوة للعشاء أو عشاء للغدوة أو ان لا يتأخر عن ثلثة أيام نهاهم عن الانتباذ في الأوعية و أمرهم بالاسقية لتسارع الغليان الملازم للشدة في الأول فيؤدي إلى إضاعة المال كما ستعرف و معلوم ان الماء الملقى فيه التمر و الزبيب لا يصير في هذه المدة القليلة خمرا كامل الخمرية بل غاية ما يحدث فيه هو الغليان و النشيش فيدل على ملازمته للشدة في الجملة و أول درجات الإسكار و ستعرف في كلام أعيان الفريقين ما فيه شهادة للمرام و لم أر في كلام احد من الاعلام الاحتجاج بشي‌ء من هذه الاخبار لهذا المقام و انما هو من سوانح هذا القاصر المستضام و لنذكر بعض ما وصل إلينا من روايات الخاصة و كلمات أعيان الفرقة ثم نعقبه بروايات العامة و كلماتهم، «ففي الكافي» صحيحا عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال سئلته عن نبيذ سكن غليانه فقال قال رسول اللّه كل مسكر حرام قال و سئلته عن الظروف فقال نهى رسول اللّه عن الدباء و المزفت و زدتم أنتم الحنتم يعنى الغضار، و المزفت يعنى الزفت الذي في الزق

ص: 61

و يصير في الخوابي يكون أجود للخمر) و هذا التفسير المذكور بعد الحنتم لم يعلم انه من محمد بن مسلم أو من الكليني أو من غيرهما- و روى عن جراح المدايني عن ابى عبد اللّه (ع) (انه منع مما يسكر من الشراب كله و منع النقير و نبيذ الدباء قال: (قال رسول اللّه ما أسكر كثيره فقليله حرام) و عن ابى الربيع عن ابى عبد اللّه قال (نهى رسول اللّه عن كل مسكر فكل مسكر حرام قلت فالظروف التي يصنع فيها منه فقال نهى رسول اللّه عن الدباء و المزفت و الحنتم و النقير قلت و ما ذلك قال الدباء القرع و المزفت الدنان و الحنتم جرار و النقير خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها) و رواه الشيخ بإسناد عن الحسن بن محبوب و رواه الصدوق في معاني الاخبار و الخصال و قد مر في الروايات السابقة انه كان ينبذ له في المطهرة و السقاء (قال) شيخ الطائفة في المبسوط و اما النبيذ في الأوعية فجائز في أي وعاء كان إذا كان زمانا لا تظهر الشدة فيه و نهى رسول اللّه عن الدباء و الحنتم و النقير و المزفت و قال انبذوا في الأدم فإنها توكى و تعلق اما الدباء فالقرع متى قطع رأسها بقيت كالجرة ينبذ فيها و اما الحنتم فالجرة الصغيرة و النقير خشبة تنقر فيها و تخرط كالبرمه و المزفت ما قير بالزفت كل هذا النهي عنه لأجل الظروف و انما تكون في الأرض و تسرع الشدة إليها ثم أباح هذا كله بما روى عن أبي بريدة عن أبيه عن النبي قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فان زيارتها تذكرة و نهيتكم عن الأشربة إن تشربوا إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ان لا تشربوا مسكرا و نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلث فكلوا و استمتعوا) ثم قال (و هذه الأوعية متى نبذ فيها سارعت الشدة إليه) ثم اذن في ذلك لان الزمان الذي يبقى فيه النبيذ لا يتغير و لا يشتد لقلته على انه بين (ص) في آخر ذلك بقوله غير ان لا تشربوا مسكرا، (قال) الخريت الخبير و الفحل النحرير في السرائر و لا اختار ان ينبذ بالشراب الحلال إلا في اسقية الأدم التي تملأ ثم توكى رؤسها، فإنه قد قيل ان الشدة حين تبدء بالنبيذ لسوء الأسقية و انه لحقه منه اى من الأدم شي‌ء أخرجته إلى الحموضة في الرواية عن النبي «ص» ثم أخذ في تفسير الحنتم و غيره الى ان قال و كل هذا النهي عنه لأجل الظروف فإنها تكون في الأرض

ص: 62

فتسرع الشدة إليها ثم أباح هذا كله بما روى عن أبي بريدة، و نقل الرواية الماضية ثم قال: فان نبذ في شي‌ء من تلك الظروف فلا يشرب الا ما وقع اليقين بأنه لم تحله شدة ظاهرة و لا خفية و لا يكون ذلك إلا بسرعة شرب ما ينبذ فيه.

(أقول) و لينظر المحتاط في الدين الى البون البائن بين هذا الاهتمام العظيم في الاخبار، و كلمات علمائنا الأخيار، بترك شرب ما غلى أو قرب منه من ماء التمر و الزبيب، و بين ما اشتهر في هذه الأعصار من اباحة ما غلى بنفسه منهما، و هم و إن كانوا يقيدون بعدم الإسكار إلا انك قد عرفت انه من قبيل تقييد الشي‌ء بنقيضه و بلغني عن بعض الطلبة الذين هم أشقى من الجهال انهم يشربونها و يسمونه بالشراب الحلال سامحنا اللّه و إياهم يوم السؤال،

[روايات العامة]

(و اما روايات العامة) و كلماتهم في هذا الباب فكثيرة جدا اكتفى بيسير عن كثير، روى (البخاري) في صحيحه و غيره في غيره عن الحارث بن سويد عن على «ع» (قال نهى النبي «ص» عن الدباء و المزفت) و عن إبراهيم النخعي (قال قلت للأسود النخعي و هو خاله هل سئلت عائشة أم المؤمنين عما يكره ان ينتبذ فيه؟ فقال نعم قلت يا أم المؤمنين عما نهى النبي (ص) ان ينتبذ؟ قالت نهينا أهل البيت ان ننبذ في الدباء و المزفت قلت يعني «الأسود» أما ذكرت «يعنى العائشة» الجر و الحنتم قال إنما أحدثك ما سمعت أ فأحدثك ما لم اسمع؟ قال العسقلاني انما استفهم إبراهيم عن الجر و الحنتم لاشتهار الحديث بالنهي عن الانتباذ في الأربعة) و لعل هذا هو السر في التقييد بأهل البيت فان الدباء و المزفت كان عندهم فلذلك خص نهيهم عنهما، و اخرج البخاري أيضا في باب الايمان عن ابن عباس (ان النبي «ص» نهى وفد عبد القيس عن اربع عن الحنتم و الدباء و النقير و المزفت و ربما قال المقير) و رواه مسلم و غيره.

و روى عن عائشة (ان وفد عبد القيس قدموا على النبي فسئلوه عن النبيذ فنهاهم ان ينبذوا في الدباء و النقير و المزفت و الحنتم) و عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (نهى رسول اللّه عن الدباء و الحنتم و المزفت،

ص: 63

و عن ابن عمر (ان رسول اللّه خطب الناس في بعض مغازيه قال ابن عمر فأقبلت نحوه فانصرف قبل ان أبلغه فسئلت ماذا قال؟ قالوا نهينا ان ننبذ في الدباء و المزفت و عن زاذان (قلت لابن عمر حدثني بما نهى عنه النبي «ص» من الأشربة بلغتك و فسر لي بلغتنا فان لكم لغة سوى لغتنا فقال نهى رسول اللّه عن الحنتم و هي الجرة و عن الدباء و هي القرعة و عن المزفت و هو المقير و عن النقير و هي النخلة تنسخ نسخا و تنقر نقرا و أمر ان ننبذ في الأسقية).

و عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه (قال رسول اللّه نهيتكم عن النبيذ الا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها و لا تشربوا مسكرا) و بطريق آخر عن بريدة (كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظرف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ان لا تشربوا مسكرا) (الى غير ذلك) من رواياتهم المتكثرة

قال ابن حجر العسقلاني و الفرق بين الأسقية من الأدم

و غيرها ان الأسقية بتخللها الهواء من مسامها فلا يسرع إليها الفساد مثل ما يسرع الى غيرها من الجرار و نحوها مما نهى عن الانتباذ فيه (و أيضا) فالسقاء إذا نبذ فيه ثم ربط أمنت مفسدة الإسكار بما يشرب منه لانه متى تغير و صار مسكرا شق الجلد فلما لم يشقه فهو غير مسكر بخلاف الأوعية لأنها قد يصير النبيذ فيه مسكرا و لا يعلم به (و اما) الرخصة في بعض الأوعية دون بعض فمن جهة المحافظة عن صيانة المال لثبوت النهي عن إضاعته لأن التي نهى عنها يسرع التغير الى ما ينبذ فيها بخلاف ما اذن فيه فإنه لا يسرع اليه التغير و لكن حديث «بريدة» ظاهر في تعميم الاذن في الجميع بقيد ان لا يشربوا المسكر فكان الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشرب من الوعاء ابتداء حتى يختبر حاله هل تغير أولا فإنه لا يتعين الاختبار بالشرب بل يقع بغير الشرب مثل ان يصير شديد الغليان و يقذف بالزبد أو نحو ذلك و (عن ابن بطال) ان النهي عن الأوعية انما كان قطعا للذريعة فلما قالوا لا نجد بدا من الانتباذ في الأوعية قال انتبذوا و كل مسكر حرام (و هكذا) الحكم في كل شي‌ء نهى عنه بمعنى النظر الى غيره فإنه يسقط للضرورة كالنهي عن الجلوس في

ص: 64

الطرقات فلما قالوا لا بد لنا منها قال فأعطوا الطريق حقها (الى غير ذلك) من كلمات الفريقين و تنبيهات الطائفتين و فيما ذكرناه كفاية لمن كان من أهل الدراية و اللّه ولي الإرشاد و الهداية.

المقالة العاشرة [في بيان حقيقة السكر]

اشارة

اعلم ان أغلب كتب اللغة التي وقفنا عليها خالية عن ذكر حقيقة السكر و إيضاحه، بل ذكر بعضهم انه تغطية العقل و نحوه مما يصدق على المرقد، و اقتصر كثير منهم على ان السكر نقيض الصحو، كما في (أساس البلاغة) للزمخشري و (المصباح) للفيومى و (القاموس) للفيروزآبادى و مثلها (لسان العرب) لابن منظور الإفريقي، مع انه أعظم كتب اللغة و اوعيها حيث جمع فيه بين (الصحاح) للجوهري و (حاشيته) لابن بري و (التهذيب) للأزهري و (المحكم) لابن سدة و (الجمهرة) لابن دريد و (النهاية) لابن الأثير و (غير ذلك) ما زاد على ان قال السكر نقيض الصحو، و عن (مفردات) انه حالة تعترض بين الإنسان و عقله و قريب منه ما في (المصباح) و (المجمع) قالا: أسكره الشراب: أزال عقله (و عن أبى حنيفة) ان السكر هو ان لا يعرف السماء من الأرض و لا المرأة من الرجل، و هو الذي حكاه الوحيد المجدد البهبهاني فيما سيأتي من كلامه عن بعض المتأخرين، (و المحكي عن أكثر الحنفية) ان السكران هو الذي يهتدي و يخلط كلامه غالبا فان كان نصفه مستقيما فليس بسكران لانه السكران في العرف (و قريب منه) ما عن الشافعي و احمد من ان حد السكر ان يخلط في كلامه على خلاف عادته (و عن مالك) حده أن يستوي الحسن و القبح عنده، و جمع بعض محققيهم بين هذه الأقوال بأن الكل من مراتب السكر (و اخفيها) ما عن مالك ثم ما عن الشافعي «و أشدها» ما عن أبي حنيفة، و ذكر ان بعضهم تورع في إقامة الحد إذا لم يصل الى أعلى الحالات و ان قل تورعه من جهة الغيرة على انتهاك محارم اللّه، و بعضهم تورع و اقام الحد بوجود ادنى الصفات و ان قل تورعه من جهة احترام ذلك

ص: 65

المسلم الشارب للمسكر و «في الجواهر» انه يرجع فيه الى العرف كغيره من الألفاظ و ان قيل هو ما يحصل معه اختلال الكلام المنظوم و ظهور السر المكتوم أو ما يغير العقل و يحصل معه سرور و قوة نفس في غالب المتناولين (اما) ما يغير العقل لا غير فهو المرقد ان حصل معه تغيب الحواس الخمس و الا فهو المفسد للعقل كالبنج و الشوكران و لكن التحقيق ما عرفته فإنه الفارق بينه و بين المرقد و المخدر و نحوهما مما لا يعد مسكرا «انتهى» و لا يخفى ان العرف الذي هو طريق استكشاف اللغة لا يراد به الأعرف المتحاورين بتلك اللغة و الانصاف أن المتحاورين باللغة العربية مضطربون في إطلاق السكر و استعمال السكر ان و المسكر فربما لا يطلقونه على الأفيون و قد اجمع حذاق الأطباء و أهل المعرفة بقوي الأدوية و خواصها على انه مسكر بل مفرط في الإسكار فإنهم بعد ان ذكروا شطرا من المسكرات كجوز الطيب، و العود الهندي، و الشيلم و ورق القنب، و بذره، قالوا: و اما البنج و الشوكران و اللفاح و الأفيون فمفرط في الإسكار و لا شك في ان أرباب الكتب المؤلفة بالعربية في الطب عارفون بدقائق موارد الاستعمالات كما لا يخفى على من راجع كتبهم و شاهد موارد إطلاقاتهم، كما ان من الواضح انهم لا يريدون بقولهم (ان كذا أسكر) إلا معناه كقولهم حار، و رطب، و بارد، و ملين، و مسهل، و قابض، و رادع، الا ان جملة من أهل العرف ربما يخالفونهم في كون الأفيون مسكرا، و كذلك تريهم مختلفين قديما و حديثا في ان الحشيشة المعروفة مسكرة أولا (فعن كثير من الفقهاء) و أهل العرف انها مخدرة و ليست بمسكرة، و عن كثير منهم انها مسكرة، و مثله الخلاف في جوزة الطيب بل الشيكران و مثلهما الكفة و القات و كأنهما نوع خاص من البنج أو قريبان اليه و قد وقع فيهما خلف شديد بين الأواخر حتى كتب علماء صنعاء و زبيد في تحريمهما و تحليلهما كتبا و رسائل، فمنهم من اقام حججا و دلائل على انها مسكرة، و منهم من اقام على خلافه شواهد متكثرة، و من الواضح ان أهل الحجاز و اليمن و صنعاء و زبيد من أهل المعرفة باللغة العربية و متحاورون بها

ص: 66

و إليهم يرجع في استكشاف المعاني اللغوية الا ان يقال ان اختلافهم فيهما من جهة الاختلاف في خواصهما و ما يترتب عليهما كما يظهر من (ابن حجر المكي) في رسالته التي سماها (تحذير الثقات من أكل الكفة و القات) قال: انى تصفحت تلك الكتب و الرسائل فإذا هي متسعة الفجاج، قوية الحجاج، محكمة الاطناب، سانحة الاطناب، شامخة الذرى، رافضة المري، رافلة في حلل الإتقان، واضحة الدلالة و البرهان، و حكى فيها عن جماعة ممن يتعاطى استعمال القات انهم لا يثبتون له الا نشاطا و روحة، و طيب وقت و تقوية، و انه ليس بمغيب للعقل و لا مسكر و لا مخدر للبدن (و عن جماعة) إثبات الإسكار و التخدير و تغطية العقل و دوران الرأس له (و عن جماعة) انه ان انضم لاكله دسومة لم يؤثر و الا أثر و بالجملة فالذي إرادة أن احالة حقيقة الإسكار إلى العرف مع قطع النظر عما يأتي مما لا يفيد إلا الإبهام و الاجمال في المصاديق المشتبهة و الموارد المشكوكة و ليس عندي بعد الغور و التفتيش و الفحص كلام اولى من ان يقال: ان الإسكار قد يطلق على تغطية العقل، و هذا إطلاق أعم، و قد يطلق على تغطية العقل مع نشاط و طرب و عربدة بمعنى ما من شأنه ان يكون (كك) (و الأول) يتحقق في ضمن المسكرات الباردة اليابسة كالأفيون، و البنج، و الحشيشة، و الشوكران، و اللفاح، (و الثاني) يتحقق في ضمن المسكر الحار الرطب كالخمر و النبيذ فإنه من شأنه ان يغطى عقل شاربه مع نشاط و طرب و عربدة و حمية و غضب بخلاف الأول فإنه من شأنه أن يولد مع التغطية أضداد ذلك من تخدير البدن و فتوره و من طول السكوت و النوم و عدم الحمية بل تقليل شهوة الغذاه و الباه و يبس الأمعاء و المعدة و بردها و كلا القسمين مغط للعقل، (و لذا) اجمع الأطباء و الحذاق العارفون بالخواص على عدا القسمين من المسكر يريدون به المعنى الذي هو أعم و بينه و بين المخدرة عموم مطلق فكل مخدر مسكر، و لا عكس.

[قضية ابن بيطار الطبيب]

و عليه يحمل قول ابن البيطار ان الحشيشة تسكر جدا و كان علّامة زمنه في معرفة الأعشاب و النبات يرجع إليه في ذلك محققوا الأطباء قالوا: و قد امتحنه بعض معاصريه عند السلطان

ص: 67

بقضية (1)عجيبة أوجبت زيادة مكانته الا ان الظاهر ان الأدلة الدالة على تحريم المسكر قليله و كثيره يراد به المعنى الأخص الذي هو المعروف المتبادر منه عند الإطلاق عند أهل العرف و هو الذي يحصل من الخمر و النبيذ بل صرح غير واحد من أئمة اللغة ان السكر لا يطلق غالبا الا على الحاصلة من شرب الخمر و النبيذ و في (لسان العرب) و (تاج العروس) ان أكثر ما يستعمل لفظ السكر في الشراب المسكر،

[دفع إشكال علمي في الأفيون]

و على هذا يسهل الجواب عن اشكال يخطر كثيرا بالبال في أكل القليل من الأفيون حيث انه مسكر باتفاق الأطباء و أهل المعرفة بالخواص و تواترت النصوص بان ما أسكر كثيره فقليله حرام فينتج ان القليل منه و ان لم يحصل منه تغير في المزاج حرام، (فيجاب عنه) بأنه بعد ما ثبت غلبة استعمال السكر بنص اللغويين فيما يحصل من الشراب المسكر و ثبت تبادر المعنى الأخص عند أهل العرف إذا أطلق، نقول بحلية أكل القليل من الأفيون الغير المغير للعقل منه كما جرت عليه السيرة فإنه ينبغي ان يعد من المرقد أو المخدر كالشوكران و اللفاح و ليس من المسكر الذي يحرم قليله و ان لم يسكر بل تدور الحرمة مدار حصول صفة الارقاد و شرب المقدار الذي مرقد، و يغطى العقل و ما حرم قليله


1) قالوا جاء بعض حساده الى السلطان بنبات و قال إذا طلع إليك ابن البيطار فأعطه هذا يشم من هذا المحل فيتبين لك معرفته أو جهله فلما طلع اليه أعطاه و امره بأن يشمه من الموضع المعين له فشمه فرعف لوقته رعافا شديدا فقلبه و شمه من الجانب الأخر فسكن رعافه لوقته ثم قال للسلطان من أعطاه ذلك يشمه من الموضع الأول فإن عرف ان فيه الفائدة الأخرى فهو طبيب و الا فهو مشبع بما لم يعط فلما طلع للسلطان امره يشمه من ذلك الموضع فرعف فقال له اقطعه و كادت نفسه تتلف فأمره أن يقلبه و يشمه ففعل فقطع رعافه فمن ثم زيدت مكانة ابن البيطار عند السلطان فقطعت أعدائه و حساده (منه قدس سره الشريف)

ص: 68

و كثيره هو ما حرم بعينه كالمسكر بالمعنى الأخص فيحرم و ان لم يسكر شاربه، و حاله في هذا المعنى اعنى تحريم القليل و الكثير كحال لحم الخنزير، و هذا هو تحقيق المقام و ان خفي على كثير من الاعلام و لا يضرنا إجماع الأطباء على عدها من المسكر فإنهم لا يريدون بالمسكر الا ما يغطى العقل و إن كان في ضمن الارقاد و الإغماء و التخدير و انما يرجع إليهم في معرفة خواص الأدوية و الأعشاب و العقاقير لكونهم أهل الخبرة بها، لا في معرفة ما يراد من موضوعات الاحكام، و ما أنيط به الحلال و الحرام، و ما قصد بالألفاظ الواقعة في الكتاب و السنة، و فائدة قولنا: ان المسكر ما من شأنه ان يغطى العقل مع نشاط و حمية و ان المرقد ما من شأنه أن يغطيه مع تخدير و تنويم، مما لا يخفى على المتفطن الفهيم، ثم ان الحكم بالاسكار بهذا المعنى في بعض المصاديق المشتبهة المشكوكة يحتاج اما الى توقيف شرعي أو الى تكرر من الاستعمال مع اعتدال المزاج و الزمان و المكان و عدم سبق مانع و لا لحوقه حتى يحصل الجزم بوجود أول درجات الإسكار فيه أو عدمه، و نقل ابن حجر المكي في الرسالة المتقدم ذكرها عن بعض أفاضل الأطباء انه حكم بتعذر التجربة في الكفة و القات في مثل المكة و اليمن بان التجربة تستدعي مزاجا و زمانا و مكانا معتدلات و عدالة المجرب لانه يخبر عما وجده من ذلك النبات و ذلك كله متعذر في هذه الأقاليم لأنها غير معتدلة، و وجود عدل يقدم على هذا النبات المجهول مستبعد، و به يندفع ما قد يقال: (ان دعوى كون غليان العصير بغير النار ملازما للإسكار دعوى في أمر عادى يكذبها الحس و العيان و شاهد الوجدان و لو كان بينهما تلازم لما وقع هذا النزاع العظيم و التشاجر القديم و لما كان وجه لإلحاقه بالمسكرات عند من يحرمه أو ينجسه، بل كان من افرادها الحقيقية) الا انه يزيد فساده تذكر ما مر من الشواهد العقلية الباهرة و الحجج النقلية الفاخرة الظاهرة من موثقة عمار و الاخبار المتواترة و تصرفات أساطين الفرقة الحقة و دعائم الأئمة المحقة الكافي بعضها فضلا عن كلها في إثبات أن الإسكار و الغليان بنفسه بينهما ملازمة (مضافا) الى انه قد كفانا

ص: 69

مؤنة الجواب عن هذه الشبهة و القدح في هذه الوسوسة، المحقق المجدد الوحيد البهبهاني (أعلى اللّه درجته) من ان الذي يحكم الوجدان بانتفائه هو السكر بالمعنى الذي عرفه بعض المتأخرين، و هو ان لا يعرف السماء من الأرض و الطول من العرض لكن قصر السكر في هذا المعنى مخالف للعرف و اللغة و الحديث و الاعتبار، إذ ربما لا يختل عقل بعض المتعودين للشرب و كلماتهم مضبوطة، و حركاتهم منتظمة، قلما يصدر عنهم شائبة اختلال و مع هذا إذا صدر عنهم كلام غير منظوم حكم أهل العرف بان هذا من سكره؛

[في مراتب السكر]

و أيضا الخمور سكرها متفاوت جدا شدة و ضعفا بحسب الرقة و الغلظة و الحداثة و العتاقة بل بعض الخمور الردية عند الشاربين له سكر في غاية الضعف (و ذكر أئمة اللغة و الأدب) كالثعالبى و غيره في ترتيب السكر انه إذا شرب الإنسان فهو نشوان فإذا أدب فيه الشراب فهو ثمل فإذا أخذ من عقله فهو سكران فإذا زاد امتلاء فهو سكران طافح فإذا كان لا يتماسك و لا يتمالك فهو ملتخ و ملطخ فإذا كان لا يعقل شيئا من امره و لا ينطلق لسانه فهو سكر ان بات قيل ما يبت من المجرد و ما يبت من المزيد و ذكروا في أوائل الأشياء ان النشو أول السكر، (و في لسان العرب) و (النهاية الأثيرية) ان في حديث شارب الخمر ان انتشى لم تقبل صلوته أربعين يوما قال: الانتشاء أول السكر أو مقدماته و في مجمع البحرين أيضا الانتشاء أول السكر أو مقدماته.

ثم ان الاحكام الشرعية معلقة على السكر و إن كان أول درجاته كما يفصح عنه صحيحة أبي الصباح الكناني عن ابى عبد اللّه (ع) قال: (كان النبي إذا اتى بشارب الخمر ضربه فان اتى به ثانية ضربه فان اتى به ثالثة ضرب عنقه قلت فالنبيذ قال إذا أخذ شاربه قد انتشى ضرب ثمانين) (الحديث) فجعل حد الخمر مرتبا على الانتشاء الذي صرح اللغويون بأنه أول درجات السكر، (و في توقيع الحجة سلام اللّه عليه) المروي في الاحتجاج (إذا كان كثيره يسكر

ص: 70

أو يغير فقليله و كثيره حرام) دل على ان ادنى تغير من عالم السكر يكفى لكونه مسكرا و اما الاعتبار فهو شاهد على ما ظهر من اللغة، و ذكر حذاق الأطباء إن السكر هو تشويش الروح الذي في الدماغ، ثم انه من الذي جرب فوجد ان كثير العنب المغلي بنفسه لا يسكر أصلا؟ و لو شهد احد بنفيه في حال اجتماعه لشرائط قبول الشهادة فلعله لم يسكر في مزاجه و يسكر في مزاج غيره أو أسكره سكرا ضعيفا فلم يتفطن، فان التغير السكرى يتفاوت بحسب الأمزجة و الأهوية و الأمكنة شدة و سرعة و بطؤ و بحسب قوة الدماغ و ضعفه، و غير ذلك، مثل ان كان مسبوقا أو ملحوقا بأكل شي‌ء أو شربه بما يمنع عن السكر،

[كلام للاطباء]

و ذكر الأطباء الحذاق المهرة ان قوة الدماغ و ضعفه يعلم بسرعة السكر و بطؤه، فان الدماغ إذا كان ضعيفا كان قبوله للأبخرة الشرابية كثيرا فيضطرب و يتشوش حركاته بحرارة تلك الأبخرة و مزاحمتها له في المكان و يحدث فيه من غلظ الروح و كدورته بحسب مخالطة تلك الأبخرة أكثر ما يحدث فيه من الصفاء و اللطافة بحرارته، مع ان الدماغ الضعيف يكون عاجزا عن هضم غذائه فيكثر فيه لذلك رطوبات فضلية و حرارة الشراب تحركها و تبخرها فتصير تلك الأبخرة معاونة لأبخرة الشراب في تغليظ الروح و مزاحمته فيكون اضطرابه و تشويشه في الحركات أكثر، ثم نقول انه من المعلوم ان مزاج الخمر و حالتها مخالف لمزاج العنب و حالته و لا يتبدل عن الحالة الاولى إلى الحالة الثانية دفعة بل يحدث شيئا فشيئا على التدريج حتى تزول الحالة الاولى و تكمل الثانية، مع ان الثانية أيضا درجاته متفاوتة كما أشرنا اليه و أول درجة الانتقال إلى الإسكار لا يكاد يشعر به الا الحذاق المهرة المعتدلى المزاج و لا يظهر إلا بإكثار الشرب، إذ المعتبر إسكار كثيره لا (مطلقا) و هذا كله أو بعضه هو السر لإنكار بعضهم لإسكاره، و إلحاق آخر له بالمسكرات تنبيها على ان السكر فيه خفي، و إلحاق الأفراد الخفية المشتبهة بالمصاديق الواضحة البينة أمر متعارف عند أرباب الفنون

ص: 71

و لو أراد غير ذلك كان ممنوعا عليه أشد منع كما عرفت منا مرارا، و ليعلم ان الوحيد البهبهاني و إن كان في أغلب كلماته مصرا على كون الغليان بقسميه موجبا للإسكار و لو خفيا، إلا انك قد عرفت بما أوضحنا لك مرارا فساد هذه الدعوى في الغليان بالنار، و لم يدعه احد قبله و ان ادعوا في قسميه انه ملازم له كما أسمعناك عباراتهم سابقا و أقمنا عليه الشواهد، و لو كان الغليان بالنار مفيدا للإسكار لم يفد زيادة الغليان ازالته و إذهابه و كيف يكون الموجب للشي‌ء المقتضي له مانعا عنه؟ أم كيف يكون تثخين المسكر و تغليظه محللا مطهرا؟

و ربما يستشهد في الرد عليه كما في الحدائق بحديث وفد اليمن، قال: لو كان الأمر كما توهمه (يعنى الوحيد) لم يكن لسؤال النبي (ص) عن الإسكار معنى فان الرجل قد ذكر في حكايته في صفة النبيذ انه غلى مرتين و في الغلية الثانية وضع فيه العكر و لو كان السكر يحصل بمجرد الغليان لحرم رسول اللّه (ص) بمجرد الغليان الأول، قال:

و بالجملة فالحديث المذكور واضح الظهور، ساطع النور، الا على من اعترى فهمه و ذهنه نوع فتور و قصور.

أقول لو لا اسائة الأدب لقلنا ما ذكره عليه فان سؤال النبي (ص) عن الإسكار لو كان دالا على عدم حصوله بالغليان لكان دالا على عدم حصوله بعد ما هدر و غلى و سكن على عكره أيضا حيث انهم ذكروا هذه الأمور أيضا في السؤال كما اعترف مع ان كون مثله مسكرا من اليقينيات و لذا أخبر الوفد بعد سؤاله عن الإسكار بأنه مسكر فمن تخيل أن سؤاله «ص» عنه مبنى على انه كان يرى عدم الإسكار بعد العكر و الهدر و الغلى كان كنسبة الجهل المركب اليه (ص) في الأمور الواضحة و العياذ باللّه.

«ثم» على هذا التخييل اى وجه لسؤاله ثانيا عن الوفد الذين رجعوا و وصفوا كما وصف من قبلهم عن الإسكار؟ مع ان الأولين أخبروه به، بل هذا كله مبنى على ما ذكرنا سابقا من ان الغليان بنفسه أو بالنار من حيث هو ليس موضوعا للحكم بل موضوعه و مناطه

ص: 72

و ملاكه هو الأمر اللازم معه فأراد (ص) تنبيههم عليه، و ان التحريم يدور مدار الإسكار حصلت هذه المقدمات أم لم تحصل، صفى أم لا، وضع فيه العكر أم لا، غلى مرتين أم لا.

و بالجملة فمدعاه من عدم ملازمة الإسكار لمطلق الغليان و ان كان حقا بالنسبة الى ما كان بالنار الا ان الاستشهاد في غير محله كما ان ما ذكره أيضا من ان عامة الناس في جميع الأقطار يطبخون الأطعمة بعصير التمر و الدبس بل يطبخونها خاصة و يأكلونها و لم يدع احد منهم حصول الإسكار حق أيضا و إن كان ذكر الدبس في المقام لغوا و عليك بالتأمل و النظر المحدق، و اللّه هو المعين و الموفق، و قد أودعت من الفوائد النفيسة في هذه المقالة، ما لا تكاد تظفر بها في غير هذه الرسالة (1)

المقالة الحادية عشرة

اشارة

اعلم ان حقيقة الخمر و انها اسم لكل مسكر أو لمسكر خاص مما اعتنى به كثير من طبقات العلماء العظام، و اهتموا به غاية الاهتمام، و أطالوا فيه النقض و الإبرام، و الهدم و الاحكام، فالادباء و اللغويون لما هو وظيفتهم من تحقيق معاني الألفاظ اما (مط) أو خصوص ما وقع في الكتاب و السنة، و المفسرون لتوضيح ما أريد منها حيثما وقعت في الكتاب العزيز، و المحدثون للجمع بين الروايات المختلفة المتعارضة حقيقة أو ظاهرا، و الفقهاء إما لإثبات تحريم كل مسكر، كالشافعية و غيرهم، ردا على ابى حنيفة و اتباعه المفصلين بين أنواعه أو لتنقيح شمول ما دل على نجاسة الخمر لجميع ما أسكر أو ما دل على حرمة الحضور على مائدة يشرب عليها الخمر و نحن و ان كنا مستغنين عن جميع ذلك ببركة ما رواه ثقات الرواة عن الأئمة الهداة عليهم أفضل السلام


1) اى و اللّه، آمنا و صدقنا، بل لا يختص ما ذكره طاب ثراه بهذه المقالة بل جل مطالب سائر مقالاتها مما لا يوجد بهذه الجامعية و التحقيق في غيرها و إن كانت الكتب الفقهية مما لا يحصى عددها كما ذكره هو (طه) الا اللّه، فجزاه اللّه من حملة العلم و طلابه أحسن جزاء المحسنين المجاهدين. (المصحح)

ص: 73

و الصلاة الا انى حيث رأيتها فائدة أدبية، لغوية، تفسيرية، حديثية، فقهية، أحببت ان لا اخلى هذه الرسالة الحاوية لشتات الفوائد، الجامعة لنفائس العوائد، عن تحقيقها، مضافا الى ما ستعرف في مطاويه من فوائد أخرى إنشاء اللّه تعالى، و الى إيضاح ما هو الغرض المهم من إثبات أن عصير العنب الذي غلى بنفسه خمر حقيقة،

[فايدة أدبية لغوية تفسيرية حديثية فقهية]

فليعلم ان جميع أرباب العناية بتحقيق معاني الألفاظ من الأدباء و اللغويين و الفقهاء و المحدثين و المفسرين (بعد اتفاقهم على ان عصير العنب الذي غلى بنفسه و اشتد و قذف الزبد، كما عند أبي حنيفة و بعض اتباعه، أو لم يقذف، كما عن الباقين، خمر حقيقة يحرم قليلها و كثيرها كلحم الخنزير) اختلفوا في غيره، فعن العراقيين و منهم أبو حنيفة، النفي و قصر الخمر في الأول و لذا أباحوا كثيرا من المسكرات و هي المتخذة من العسل و التين و البر و الشعير (مط) اعنى التي و المطبوخ منها و نبيذ التمر و الزبيب إذا طبخ ثم اشتد و المتخذ من العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد كل هذا إذا شرب المقدار الذي لا يسكر و انما حرموا نبيذ التمر و الزبيب إذا غلى بنفسه قليله و كثيره لا لكونه خمرا بل لعلة اخرى، و عن الحجازيين و منهم الشافعي كون كل مسكر خمرا يحرم قليله و كثيره، و عن جماعة انها ما يتخذ من العنب (مط) و عن جماعة انه المتخذ من العنب و التمر، و اللغويون غالبا يتبعون امامهم الذي يقلدونه، فترى صاحب (القاموس) يرجح العموم لكونه شافعيا، و صاحب (المغرب) يخصه بالأول لكونه حنفيا، و في (لسان العرب) و (تاج العروس) عن صاحب المحكم انه نسب الدينوري و هو من أئمة اللغة إلى التسامح، حيث قال: ان الخمر قد يتخذ من الحبوب، الا ان كثيرا من المحققين من الشافعية مع غاية انقيادهم لإمامهم عدلوا في المسئلة الى قول أبي حنيفة، و ذكر صاحب تاج العروس و هو شافعي ان في قول أبي حنيفة و الكوفيين مراعاة لفقه اللغة،

ص: 74

بل الرافعي القزويني (و هو من أعظم علماء الشافعية، و في رياض العلماء ان تذكرة العلامة قدس اللّه روحه مأخوذة من كتابه المسمى بالعزيز، و ذكر الشهيد الثاني في الروضة في مسئلة الوقت ان جماعة منا و منهم قلدوا الرافعي من غير تحقيق للمحل)

[هل الخمر حقيقة في خصوص المتخذ من العنب أم الأعم منه]

ذكر انه ذهب أكثر الشافعية الى ان الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره، و لم يتعقبه النووي في شرح الروضة، بل كلامه في شرح سلم (1)يوافقه، و جمع العسقلاني بينه و بين ما نسب إلى أكثرهم انه حقيقة في خصوص المتخذ من العنب و هو المعنى المعروف المتبادر منها عند الإطلاق و قد تواترت النصوص من طرقنا المتضمنة لجعل الخمر قسيما لباقي المسكرات و ان الخمر مما حرمها اللّه تعالى و ان سائر المسكرات حرمها النبي (ص) كما انه تواتر تحليل جماعة عظيمة من المسلمين لجملة من المسكرات المتخذة من غير العنب إذا صب عليه الماء أو شرب المقدار الذي لا يسكر، و فيهم جماعة من أجلاء أصحاب الأئمة عليهم السلام و لم يكن ذلك الا لجزمهم بعدم صدق الخمر على بقية المسكرات و اعتقادهم فيها جواز المقدار الذي لا يسكر، و هم أهل اللسان عارفون باللغة و المحاورات و انما جهلوا الحكم الشرعي من ان ما أسكر كثيره فقليله حرام، و اما حرمة الخمر الحقيقية عينا قليلها و كثيرها كلحم الخنزير فمما لا يجهله عوام المسلمين فكيف باجلاء فضلائهم حتى ان الحنفية أيضا يصرحون بأن حرمة الخمر الحقيقية قليلها و كثيرها من ضروريات الدين،

[الأدلة على التخصيص]

و لنذكر شطرا من كل واحد من الصنفين اعنى ما جعل الخمر فيه قسيما للمسكرات و ما دل على استحلال بعض أصحابنا لبعض أنواعها و اما استحلال الحنفية لكثير منها فمن الضروريات لمن له ادنى خبرة بالكلمات، و لا طائل تحت نقلها، فنقول في جوامعنا المعتبرة عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال (وضع


1) مسلم (خ ل)

ص: 75

رسول اللّه دية العين و دية النفس و حرم النبيذ و كل مسكر، فقال له رجل وضع رسول اللّه من غير ان يكون جاء فيه شي‌ء؟ قال نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه) و روى القاسم بن محمد عن ابى عبد اللّه (ع) في حديث قال (حرم اللّه الخمر بعينها و حرم رسول اللّه (ص) كل مسكر فأجاز اللّه ذلك له و لم يفوض الى احد من الأنبياء قبله) و روى الفضيل بن يسار عن ابى عبد اللّه في حديث قال (حرم اللّه الخمر بعينها و حرم رسول اللّه (ص) المسكر من كل شراب فأجاز اللّه له ذلك) و روى عبد اللّه بن سنان عن بعض أصحابنا عن ابى جعفر (ع) في حديث قال (انزل اللّه في القرآن تحريم الخمر بعينها و حرم رسول اللّه كل مسكر فأجاز اللّه ذلك له في أشياء كثيرة فما حرم رسول اللّه فهو بمنزلة ما حرم اللّه) و روى أبو الصباح الكناني قال قال أبو عبد اللّه (ع) ان اللّه حرم الخمر قليلها و كثيرها كما حرم الميتة و الدم و لحم الخنزير و حرم النبي (ص) من الأشربة المسكرة و ما حرمه النبي فقد حرم اللّه عز و جل) و روى سليمان عن ابى جعفر (ع) في حديث قال (حرم اللّه في كتابه الخمر بعينها و حرم رسول اللّه كل مسكر أجاز اللّه له ذلك) و روى أبو بصير و عبد اللّه بن سنان و عمار بن موسى الساباطي و إسحاق بن عمار و أبو الربيع الشامي أيضا كل منهم عن ابى عبد اللّه مثل ما مر، «ثم» ان ما تضمنته هذه الروايات من تحريم النبي (ص) من مصاديق اخبار التفويض، و هي في الجملة متواترة دالة على ان اللّه تعالى بعد ما هذب نبيه و أدبه فوض إليه الاحكام، و الحلال و الحرام، و في بعضها انه قول اللّه تعالى (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) و في روايات خلل الصلاة (ان الركعتين الأخيرتين مما زادهما النبي في الصلاة و لذلك يدخلهما الوهم و الشك، و ان الأوليين مما فرضهما اللّه تعالى و يجب ان تكونا

ص: 76

محفوظتين من الوهم) ما هي متواترة أو يقرب منها، (و كذا) في جملة من الأبواب الأخر و للتكلم في مسئلة التفويض و تصويرها و توضيح المراد منها و الجمع بين رواياتها و ما يترائى منه التنافي، كقوله تعالى، (مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ) مقام آخر و قد حققناه في بعض المباحث بأوضح وجه و أتم تفصيل.

و مما جعل فيه الخمر قسيما للمسكر موثقة عمار (لا تصل في بيت فيه خمر و لا مسكر لأن الملائكة لا تدخله و لا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله) و في رواية يونس (إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله) و في صحيحة على بن مهزيار (إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ) «الى غير ذلك» و لبعض هذه الاخبار التجأ بعض المصرين على إثبات كون الخمر حقيقة في المعنى الأعم إلى دعوى الحقيقة الشرعية فيه (و أنت خبير) بما فيه فان هذه الروايات كما تنفى الحقيقة اللغوية تنفى الشرعية بل المتشرعة أيضا حيث انها تنادي باستعمال لفظ الخمر في الأعصار اللاحقة لعصر النبي (ص) أيضا في المعنى المقابل لبقية المسكرات فأين الحقيقة الشرعية، و ما يتوهم منه النقل سيأتي الجواب عنه مفصلا إنشاء اللّه (تعالى)

[الأدلة على التعميم مع أجوبتها أحدها]

اشارة

و عمدة ما يحتج به للحجازيين و من ذهب مذهبهم في التعميم أمور

أحدها ما استدل به المحقق في المعتبر

و غيره في غيره من ان الخمر انما سمى بذلك لكونه يخمر العقل و يستره فما ساواه في المسمى يساويه في الاسم.

أقول و لو قيل كما عن جماعة من أهل اللغة انها سميت خمرا لأنها تخالط العقل، و منه قولهم خامره الداء اى خالطه، قالوا: و هو أعم من الأول إذ لا يلزم من المخالطة التغطية، أو قيل كما عن جماعة بأنها سميت بها لأنها تخمر حتى تدرك اى تغطى حتى تغلي، من خمرت العجين فتخمر اى تركته حتى أدرك، و منه خمرت الرأي أي تركته حتى ظهر و تحرر في دعائم الإسلام و انما اشتق اسم الخمر من التخمير و هو التغطية له ليدنى فيغتلى فان هذه المعاني أيضا حاصلة

ص: 77

في بقية المسكرات فإنها تخالط العقل و تغطى حتى تدنى فتغتلى و تدرك.

(و الجواب عنه) مع انه إثبات اللغة بالقياس، ان المشاركة في وجه التسمية لا يوجب المشاركة في الاسم الأعلى رأى تمجه العقول بأسرها، (ا لا ترى) ان العيوق انما سمى عيوقا لكونه عائقا بين النجمين، و الدبران سمى دبرانا لكونه دبر نجم، و الحوار ولد الناقة سمى حوارا لانه يراجع امه، و الخيل سمى خيلا لاختياله في المشي، و الجنة بالفتح، و الضم، و الكسر، للبستان، و الوقاية، و خلاف الانس، لتضمن كل منها نحوا من الستر و ذلك لا يوجب ان يسمى كل ما عاق بين شيئين، أو كان في دبر شي‌ء أو راجع غيره، أو اختال في مشيه، أو ستر شيئا، عيوقا، أو دبرانا، أو حوارا أو خيلاء أو جنة، (الى غير ذلك) من الأسماء و هذا ظاهر جدا،

[ثانيها]

(الثاني) الروايات الدالة على هذا المعنى مثل (صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج) عن الصادق (ع) (قال قال رسول اللّه (ص) الخمر من خمسة، العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المرز من الشعير، و النبيذ من التمر،) و رواية (على بن إسحاق الهاشمي) عن الصادق (قال قال رسول اللّه (ص) الخمر من خمسة) (الحديث المتقدم) و ما رواه الشيخ أبو على الحسن بن محمد الطوسي في الأمالي بسنده فيه عن النعمان بن بشير و رواه كثير من أرباب الصحاح و السنن من العامة عنه (قال سمعت رسول اللّه (ص) يقول ايها الناس ان من العنب خمرا، و ان من الزبيب خمرا و ان من التمر خمرا، و ان من الشعير خمرا، الا أنهاكم أيها الناس عن كل مسكر) و روى الكليني في الصحيح عن الحضرمي عمن أخبره عن على بن الحسين (ع) (قال الخمر من خمسة أشياء من التمر و الزبيب و الشعير و الحنطة و العسل) و روى العياشي في تفسيره عن عامر بن السمط عن على بن الحسين (ع) قال الخمر من ستة أشياء ثم ذكر الخمسة المذكورة و زاد الذرة،

ص: 78

و روى عطاء بن يسار عن الباقر (ع) قال (قال رسول اللّه كل مسكر حرام و كل مسكر خمر) و قد ورد نظير ما مر من طرق أهل السنة أيضا (و الجواب) ان المراد من الجميع اتحاد المسكر المتخذ من جميع هذه الأشياء مع الخمر في الأحكام كالتحريم لا بيان الوضع اللغوي الذي ليس من شأنهم و لا من عادتهم و لا هو محتاج اليه للإلقاء على أهل اللسان و لا يراد بها بيان الاصطلاح أيضا بأني كلما أطلقت لفظ الخمر أردت المعنى الأعم بل يراد ان الخمر و ما هو بمنزلتها من خمسة، و بعبارة أخرى الخمر بنفسها و بمناطها من خمسة، و بعبارة ثالثة الخمر التي حرمها اللّه و رسوله من خمسة، من قبيل الاستعمال في القدر المشترك و المراد بالخمر فيما روى عن السجاد (ع) هو خصوص ما بمنزلة الخمر في الحكم قطعا و لذا لم يذكر العنب في شي‌ء من طرقها و لو سلم ظهور الروايات في غير ما ذكر، فلا بد ان يصرف عنه بالنصوص السابقة المتواترة، و من العجب تمسك بعضهم بما تضمن ان ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر كما رواه على بن يقطين عن ابى الحسن الماضي مع انه بالدلالة على الخلاف اولى.

[ثالثها]

(الثالث) ما استدل به كثيرون منهم صاحب القاموس قال و العموم أصح لأنها حرمت و ما بالمدينة خمر عنب و ما كان شرابهم الا البسر و التمر، و تفصيله انه قد ثبت بالروايات المعتبرة من طرق الخاصة و العامة انه نزلت آية تحريم الخمر و لم يكن من خمر العنب بالمدينة شي‌ء أصلا أو إلا قليل بمجرد سماع تحريمها بادر الصحابة و هم أهل اللسان و بلغتهم نزل القرآن الى إتلاف ما كان عندهم من الفضيح فلو كان عندهم تردد في شمول الخمر له لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا أو يستفصلوا لما كان قد تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، روى الثقة الجليل على بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ) عن ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) اما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اختمر فهو

ص: 79

خمر و ما أسكر كثيره فقليله حرام و ذلك ان أبا بكر شرب قبل ان تحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر و يبكي على قتلي المشركين من أهل بدر فسمع النبي (ص) فقال اللهم أمسك على لسانه فأمسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل اللّه تحريمها بعد ذلك و انما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيح البسر و التمر فلما انزل اللّه تحريمها خرج النبي فقعد في مسجده ثم دعى بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فأكفاها كلها و قال هذه كلها خمر و قد حرمها اللّه تعالى و كان أكثر شي‌ء أكفى في ذلك اليوم من الأشربة الفضيح، و لا اعلم انه أكفئ يومئذ من خمر العنب شيئا إلا إناء واحد كان فيه زبيب و تمر جميعا و اما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شي‌ء و روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر (لقد حرمت الخمر و ما بالمدينة شي‌ء) و عن ثابت عن انس قال «حرمت علينا الخمر حين حرمت و ما نجد (يعنى بالمدينة) خمر الأعناب إلا قليلا و عامة خمرنا البسر و التمر» و عن انس قال «كنت أسقي أبا عبيدة و أبا طلحة و ابى بن كعب من فضيح زهو و تمر فجائهم آت فقال ان الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا انس فاهرقها فاهرقتها و عنه قال (كنت قائما على الحي أسقيهم عمومتي و انا اصغرهم، الفضيح، فقيل حرمت الخمر، فقالوا اكفئها فكفأنا (1)قلت لأنس ما شرابهم؟ قال رطب و بسر) و الجواب (اما) عن رواية على بن إبراهيم فبعد الغمض عن كون راويها أبا الجارود (2)بعدم الدلالة إذ الاحتجاج اما بصدرها من قوله (ع) (كل مسكر خمر) و قد مر بما فيه و اما بعدم وجود خمر العنب بالمدينة حين حرمت و لا دلالة فيه رأسا إذ لا يشترط في صحة تحريم الخمر العنبي وجودها بها و اما بقول النبي (ص) هذه كلها خمر و قد حرمها اللّه تعالى و الحال فيه أيضا مثل ما مر، و ما حرمه رسول اللّه فقد حرمه اللّه و ليس في هذه


1) كفأت الإناء و اكفأته: إذا كببته و إذا أملته، و منه حديث الهرة: كان يكفى له الإناء لتشرب منه بسهولة- (مج)

2) عن الكشي: زياد بن المنذر أبو الجارود الاعمى السرحوب بالسين المهملة المضمومة و الراء و الحاء المهملة و الباء المنقطة تحتها نقطة واحدة بعد الواو، مذموم لا شبهة في ذمه و سمى سرحوبا باسم شيطان اعمى يسكن البحر.

ص: 80

الرواية ان الصحابة بأنفسهم اراقوا ما عندهم بل الأمر بالإراقة انما هو النبي (ص) و قد ثبت في الروايات المتواترة من طرقنا انه (ص) هو الذي حرم كل مسكر و ليس فيه ما يدل على فهم الصحابة العموم و اما رواية ابن عمر فهي على الخلاف أدل حيث نفى وجود الخمر رأسا بالمدينة حين نزول تحريمها مع ما علم بالضرورة باعترافه في روايات أخر من وجود الأشربة المسكرة المتخذة من غير العنب فيها و الرواية الأولى عن انس لا دلالة فيها رأسا كما عرفت، و العمدة في الدلالة، الروايتان الأخيرتان عن انس، الدالّتان على ان الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم ما عندهم من الفضيح فأراقوه (و الجواب) عنه بعد الغمض عن كون الراوي أنسا انه قضية واحدة وردت عن انس بمتون مختلفة و اختلافات متشتتة و تغييرات متكثرة يكفي بعضها في اضطراب الخبر و سقوطه فكيف بكلها (فتارة) روى أنّه كان يسقى الثلثة الذين سماهم كما عرفت (و تارة) يروى كما في البخاري أيضا و غيره انى كنت أسقي أبا طلحة و أبا دجانة و سهيل بن بيضاء (و ثالثة) كما في صحيح مسلم و غيره هذه الثلثة الأخيرة مع معاذ بن جبل (و رابعة) كما في مسند احمد (كنت أسقي أبا عبيدة و ابى بن كعب و سهيل بن بيضاء و نفرا من الصحابة عند أبي طلحة) (و خامسة) كما رواه عبد الرزاق عن معمر بن ثابت و قتادة عنه (ان القوم كانوا احد عشر رجلا) و أورد ابن مردويه في تفسيره عنه ان أبا بكر و عمر كانا فيهم، قال ابن حجر و هو منكر مع نظافة سنده ثم انه (تارة) يروى انه جائهم آت فأخبرهم كما تقدم (و تارة) انه كان يسقيهم فإذا مناد ينادى ان الخمر قد حرمت كما في صحيح مسلم (و في بعض طرق مسلم) ان أبا طلحة قال اخرج فانظر ما هذا الصوت (و ثالثة) كما رواه ابن مردويه عنه قال (لما حرمت الخمر دخلت على أناس من أصحابي و هي بين أيديهم فضربتها برجلي و قلت نزل تحريم الخمر) ثم انه (تارة) يروى ان الأمر بالإراقة هو أبو طلحة كما في الثانية بما قدمنا من رواياتهم و تارة ان عمومته و هم الحي أمروه بالأكفاء كما في الثالثة منها (و في رواية مالك) قم الى هذه الجرار فاكسرها قال انس فقمت الى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت (و المهراس) ما يتخذ من صخر و ينقر قالوا:

ص: 81

قد يكون كبيرا و قد يكون صغيرا بحيث يتأتى الكسر به و كأنه لم يحضره ما يكسر به غيره أو كسر بآلة المهراس التي يدق بها فيه كالهاون و بعد هذا كله نقول لعل ذلك الاتى الذي اتى و بلغهم الخبر بلغهم فعل النبي (ص) بالفضيح ما فعل من إراقته و كسر أوانيه فعلموا منه تحريم كل مسكر و لم ينقله انس اختصارا كما انهم يذكرون مثله في الجمع بين رواياته من انه ربما طول في بيان القصة فيخبر عن احد عشر من الحاضرين و ربما يختصر فيخبر عن ثلثة و ربما ينقل الإراقة من دون الكسر و ربما ينقل الكسر أيضا أو نقول لعلهم علموا ان تحريم الخمر انما هو لعلة الإسكار الموجود فيها الحاصل فيما يشربون سيما بعد ان كان أحدهم عمر و هو ما يقولون كان مسددا جعل اللّه الحق في لسانه و قلبه و سمعه و ينزل الوحي على طبق ترجيحه مع كونه خلاف ترجيح النبي (ص) و ابى بكر كما في قضية قتل الأسارى و الفدية ثم ان أنسا ذكر ان هذه القضية و هذا الاجتماع كان في منزل أبي طلحة كما في البخاري في باب التفسير

[شأن نزول آية تحريم الخمر قد تضمن منقبة لمولانا أمير المؤمنين (ع)]

اشارة

و يظهر مما رواه القطان في تفسيره على ما نقله عنه ابن شهرآشوب في المناقب ان هذا الاجتماع كان في منزل سعد وقاص و ان الآية نزلت فيمن اجتمعوا هناك و لننقلها لتضمنها فايدة طريفة، روى عن عمر بن حمران عن سعيد عن قتادة عن الحسن البصري قال: اجتمع عثمان بن مظعون و أبو طلحة و أبو عبيدة و معاذ بن جبل و سهل بن بيضاء و أبو دجانة في منزل سعد بن ابى وقاص فأكلوا شيئا ثم قدم إليهم شيئا من الفضيح فقام على و خرج من بينهم فقال عثمان في ذلك فقال على (ع) لعن اللّه الخمر و اللّه لا أشرب شيئا يذهب بعقلي و يضحك بي من رآني و أزوج كريمتي من لا أريد و خرج من بينهم فاتى المسجد و هبط جبرئيل بهذه الآية (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا «يعني هؤلاء الذين اجتمعوا في منزل سعد» إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ) «الآية» فقال على تبا لهما و اللّه يا رسول اللّه (ص) لقد كان بصري فيهما نافذا مذ كنت صغيرا قال الحسن و اللّه الذي لا اللّه الا هو ما شربها قبل تحريمها و لا ساعة قط) و في هذه الرواية من الفوائد مضافا الى ظهور حال الرواية المعروفة عن انس ظهور منقبة لمولينا أمير المؤمنين عليه أفضل السلام و الصلاة و انه لا ينبغي ان

ص: 82

يعادل بمن رووا في حقه انه شرب فسكر فقعد ينوح على قتلى بدر و يقول تحي بالسلامة أم بكر (الى آخر الأبيات المعروفة)

[فرية فظيعة]

و فيها أيضا من الفوائد ظهور ان ما رواه الترمذي في صحيحه السقيم من ان أمير المؤمنين سلام اللّه عليه شرب قبل التحريم فسكر فقرء في الصلاة سورة الجحد على هذا النهج (قل يا ايها الكافر لا أعبد ما تعبدون و نحن نعبد ما تعبدون) و ان قوله تعالى (لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ) نزلت فيه، من الموضوعات الشنيعة و الافتراءات الفظيعة التي لم يضعها الا المفرط في النصب و العداوة و المتجاوز في الوقاحة و الشقاوة اقصى الغاية لعن اللّه واضعها الى يوم القيمة، و كم من هذا القبيل في صحاحهم السقام، جازاهم بما يستحقون شديد البطش و الانتقام، و قد أفردنا في سالف الزمان كتابا في حال صحاحهم و اخبارها و رواتها، يتضمن من الفوائد الانيفة و النفائس الطريفة ما لا تحصى و لنذكر الان شطرا من الصنف الثاني من الروايات اعنى ما دلت على استحلال جماعة من أجلاء أصحابنا لبعض المسكرات و لم يكن ذلك الا لجزمهم بعدم صدق الخمر المحترمة عينا قليلها و كثيرها عليه و اعتقادهم في باقي المسكرات انه يحرم المقدار المسكر منها، زاعمين ان تحريم الإسكار كتحريم التخمة لا يراد به القدح الذي لا يسكر كما لا يراد بتحريم التخمة مثلا تحريم أول لقمة و قد كانت هذه الشبهة متحققة في تلك الا زمان في كثير من الأذهان حتى ردع الأئمة سلام اللّه عليهم كثيرا منهم بالروادع و الزواجر و هدد و هم بعذاب المنتقم القاهر و بلغوهم قول النبي (ص) ما أسكر كثيره فقليله حرام ففي الكافي عن كليب بن معاوية (كان أبو بصير و أصحابه يشربون النبيذ يكسرونه بالماء فحدثت أبا عبد اللّه (ع) فقال لي و كيف صار الماء يحل المسكر مرهم لا يشربون منه قليلا و لا كثيرا ففعلت فأمسكوا عن شربه فاجتمعنا عند ابى عبد اللّه فقال أبو بصير ان ذا جائنا عنك (بكذا) و (كذا) فقل صدق يا أبا محمد ان الماء لا يحل المسكر فلا تشربوا منه قليلا و لا كثيرا، (و قد مرت) صحيحة صفوان الجمال سابقا قال كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لأبي عبد اللّه (ع) أصف لك النبيذ فقال (ع) بل أنا أصف لك قال رسول اللّه (ص) كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام فقلت له هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة

ص: 83

فقال ليس هكذا كانت السقاية «الحديث» و عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد اللّه (ع) (كان عند ابى قوم فاختلفوا فقال بعضهم القدح الذي يسكر هو حرام و قال بعضهم قليل ما أسكر كثيره حرام فردوا الأمر الى ابى فقال ابى أ رأيتم القسط لو لا ما يطرح فيه أولا كان يمتلئ و كك القدح الآخر لو لا الأول ما أسكر ثم قال قال رسول اللّه من ادخل عرقا من عروقه قليل ما أسكر كثيره عذب اللّه عز و جل ذلك العرق بثلث مأة و ستين نوعا من العذاب) و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال (استأذنت لبعض أصحابنا على ابى عبد اللّه (ع) فسيلة عن النبيذ فقال حلال فقال أصلحك اللّه انما سئلتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي حتى يسكن فقال أبو عبد اللّه قال رسول اللّه كل ما أسكر حرام فقال الرجل ان من عندنا بالعراق يقولون ان رسول اللّه عنى بذلك القدح الذي يسكر فقال أبو عبد اللّه (ع) ان ما أسكر كثيره فقليله حرام فقال له الرجل فأكسره بالماء فقال له أبو عبد اللّه (ع) لا، و ما بالماء يحل الحرام؟ اتق اللّه و لا تشربه) و عن يزيد بن خليفة من بنى الحرث بن كعب قال (أتيت المدينة و زياد بن عبيد اللّه الحارثي وال عليها فاستأذنت على ابى عبد اللّه (ع) فدخلت و سلمت عليه و تمكنت من مجلسي فقلت لأبي عبد اللّه انى رجل من بنى الحارث بن كعب قد هداني اللّه الى محبتكم و مودتكم أهل البيت قال فقال لي أبو عبد اللّه (ع) كيف اهتديت لمودتنا أهل البيت فو اللّه ان محبتنا في بني الحرث بن كعب لقليل قال فقلت جعلت فداك ان لي غلاما خراسانيا و هو يعمل القصارة و له همشهريجون (1)أربعة و هم يتداعون كل جمعة لتقع الدعوة على رجل منهم فتصيب غلامي كل خمس جمع جمعة فيجعل لهم النبيذ و اللحم قال ثم إذا فرغوا من الطعام و اللحم جاء باجانة فملأها نبيذا ثم جاء بمطهرة و إذا ناول إنسانا منهم قال له لا تشرب حتى تصلى على محمد و آل محمد فاهتديت الى مودتكم بهذا


1) همشهريجون جمع معرب لهمشهرى و هو لفظ فارسي

ص: 84

الغلام قال فقال لي استوص به خيرا و اقرئه منى السلام و قل له يقول لك جعفر بن محمد (ع) انظر شرابك هذا الذي تشربه فان كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فان رسول اللّه (ص) قال كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام قال فجئت إلى الكوفة و أقرأت الغلام السلام من جعفر بن محمد (ع) فبكى ثم قال اهتم بي جعفر بن محمد (ع) حتى يقرئني السلام؟ قال قلت نعم و قد قال لي انظر شرابك هذا الذي تشربه فان كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فان رسول اللّه (ص) قال كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام و قد أوصاني بك فاذهب فأنت حر لوجه اللّه تعالى فقال الغلام و اللّه انه لشراب ما يدخل جوفي ما بقيت في الدنيا).

و في صحيحة معاوية بن وهب (قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) ان رجلا من بنى عمى و هو من صلحاء مواليك يأمرني أن اسئلك عن النبيذ و أصفه لك فقال (ع) انا أصف لك قال رسول اللّه (ص) كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام قال فقلت فقليل الحرام يحله كثير الماء فرد بكفه مرتين: لا، لا و لنختم هذه المقالة بما رواه الكشي في كتابه ليكون ختامه مسكا (روى) عن حنان بن سدير عن ابى نجران (قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) ان لي قرابة يحكم الا انه يشرب هذا النبيذ قال حنان و أبو نجران هو الذي يشرب النبيذ غير انه كنى عن نفسه قال فقال أبو عبد اللّه (ع) فهل كان يسكر؟ فقال قلت اى و اللّه جعلت فداك انه ليسكر فقال فيترك الصلاة قال ربما للجارية صليت البارحة؟ فربما قالت نعم قد صليت ثلث مرات و ربما قال للجارية صليت البارحة العتمة؟ فتقول لا و اللّه ما صليت و لقد أيقظناك و جهدنا بك فأمسك أبو عبد اللّه (ع) يده على جبهته طويلا ثم نحى يده ثم قال له قل يتركه فان زلت به قدم فان له قدما ثابتا بمودتنا أهل البيت) و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين أجمعين

المقالة الثانية عشرة

اشارة

ص: 85

[نسبة نجاسة العصير إلى الأكثر مخالف للواقع]

نسب جماعة من فقهائنا إلى الأكثر نجاسة العصير العنبي بعد الغليان قبل ذهاب الثلثين سواء غلى بنفسه أم بالنار اشتد أو لا و الأصل في هذه النسبة عبارة العلامة في المختلف، و عندي ان هذه النسبة مخالفة للواقع قطعا و ان عبارة المختلف و إن كان توهم صحتها الا ان المراد منها غير ما يترائى منها يقينا و لا تتضح الدعويان الا بعد نقل عبارته و إيضاح ما عندنا فيها (فنقول) قال (ره) الخمر و كل مسكر و الفقاع و العصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو بنفسه نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد و الشيخ ابى جعفر و السيد المرتضى و ابى الصلاح و سلار و ابن إدريس، و قال أبو على بن عقيل من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسله لان اللّه تعالى انما حرمها تعبدا لا لأنهما نجسان، و كك سبيل العصير و الخمر إذا أصاب الثوب و الجسد، و قال أبو جعفر بن بابويه، لا بأس بالصلاة في ثوب اصابه خمر لان اللّه انما حرم شربها و لم يحرم الصلاة في ثوب اصابته مع انه حكم بنزح ماء البئر اجمع بانصباب الخمر فيها، (لنا وجوه) الأول الإجماع على ذلك فان السيد المرتضى قال لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر الا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم و قال الشيخ الخمر نجسة بلا خلاف و كل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر و الحق أصحابنا الفقاع بذلك و قول السيد المرتضى و الشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما و هما صادقان فيغلب على الظن ثبوته و الإجماع كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحادا (الثاني) قوله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ) «الآية» و ذكر تقريب الدلالة من وجهين قوله تعالى رِجْسٌ، و قوله تعالى فَاجْتَنِبُوهُ (الثالث) الروايات مثل قول الصادق (ع) في رواية عمار الساباطي (لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى يغسل) ثم ذكر احتجاج ابن عقيل و الصدوق على طهارة الخمر، و من تأمل في هذه العبارة من أولها إلى آخرها من نسبة الخلاف الى خصوص ابن بابويه و ابن عقيل و انما هما مخالفان في أصل نجاسة الخمر و من اختصاص ما ذكره من الإجماع و الآية بالخمر و من انه لم يتعرض الا للاحتجاج على طهارة الخمر و الجواب عنه و غير ذلك، عرف على وجه القطع و اليقين بان محط نظره في نقل المذاهب

ص: 86

و الاحتجاج على إثباته و دفع معارضه لم يكن إلا في الخمر و نجاستها لا نجاسة تواليها و انها هي التي يريد ذهاب أكثر العلماء إليها و لو أبقيت العبارة على ظاهرها لا شكلت الحال من وجوه (أحدها) ذهب إليها عدا ابن حمزة و المحقق و كثرة اطلاع الشهيد و وفور تتبعه معلوم عند كل من له ادنى خبرة بمصنفاته (و ثانيها) ان الجماعة الذين نسب إليهم العلامة غير من عزى الشهيد إليهم و كك العكس (و ثالثها) ان كلام الجماعة المذكورين في كلامه خال عن الحكم بنجاسة العصير كما يشهد به تتبع كتبهم و مصنفاتهم بل ظاهر تعدادهم للنجاسات و عدم تعرضهم للعصير ذهابهم الى طهارته و لذا لم ينسب القول بالنجاسة إليهم أحد من المعتنين بهذه الأمور (رابعها) ان الإجماع الذي حكاه عن السيد و الشيخ لا يرتبط بالعصير (خامسها) ان الآية و الروايات التي استدل بها لو تمت دلالتها و خلت عن المعارض لم تجر في غير الخمر أو المسكر بل قد يستشكل عليه بخلو كلامه عن تقييد المسكر بالمائع فان الجامد منه لا إشكال في طهارته، و بخلوه أيضا عن عطف الانقلاب الى الخل الى ذهاب الثلثين لكنها هينة بالنسبة الى ما سلف، و (بالجملة) من المقطوع به لمن تأمل في مجموع كلامه ان غرضه إثبات نجاسة الخمر بخصوصها و هي التي حاول الاحتجاج لها و دفع منافيها و انها مما ذهب إليه أكثر علمائنا لا ذهابهم إلى نجاسة كل ما أخذه في العنوان و انما وقع تسامح منه في التعبير، و ملاحظة كلامه (ره) في التذكرة أيضا مما يعين على استكشاف ما ادعيناه، فإنه أسند نجاسة الخمر فقط فيها إلى الأكثر، ثم حكى خلاف ابني بابويه و عقيل كما في المختلف ثم ذكر مسئلة العصير مستقلا و استشكل في نجاسته بمجرد الغليان أو وقوفها على الشدة و لم يسم موافقا و لا مخالفا، و من جميع ما مر ظهر أن ما في كثير من كتب المتأخرين من حكاية ذهاب أكثر العلماء إلى نجاسة العصير عن مختلف العلامة ناش عن عدم الوقوف على أصل كلامه أو عدم التأمل فيه كما ان ما ذكره العلامة الوحيد البهبهاني (ره) في مقام تأييد ما اختاره من النجاسة من ان العلامة أعرف بمذاهب الأصحاب و ان المختلف آخر مصنفاته الفقهية و حكى فيها ذهاب الأكثر إلى نجاسة العصير تبين ما فيه، (و أعجب من ذلك) ان المحقق الثاني في جامع المقاصد حكى

ص: 87

عن المختلف نسبة القول بنجاسة العصير الى المشهور مع البون البائن بين ذهاب الأكثر و بين كونه القول المشهور لاقتضاء الثاني ندرة المخالف و الأول يجامع كثرته، ثم ان الظاهر ان نسبة النجاسة إلى الأكثر و المشهور في كلام جماعة من المتأخرين إنما نشأت من عبارة المختلف التي عرفت الحال فيها حتى ان الشهيد الثاني (ره) مع انه من المنكرين للنجاسة سلم كونها مشهورة حيث قال في حدود المسالك ان نجاسة العصير من المشاهير بغير أصل و تبعه غيره في دعوى الشهرة إلا أنك بما قدمنا لك في المقدمات السابقة عرفت حق القول في هذه المقامات، و ميزت الصحيح من الفاسد من هذه الكلمات، و ان القول بان الغليان من حيث هو هو يوجب نجاسة العصير لم يذهب إليه أحد عدا شاذ منا لم يهتد الى وجه المسئلة، و تخيل ان نجاسته تعبدا من غير إسكار مشهور فتكلف لتصحيحها من جهة إحسان الظن بالمشهور و هو و إن كان ينبغي ان يكون «كك» لكن اين تحققت الشهرة، و متى عرفت الكثرة في الذهاب إلى النجاسة التعبدية، بل لو ادعى أحد الإجماع على عدمها لم يكن مجازفا، و لا أظنك في ريبة من هذه الأمور بعد التذكر لما أسلفنا، و التنبيه لما نبهنا، و ذكر شيخنا الشهيد الثاني في حدود الروضة و في شرح الألفية ان كل من قال بتنجس العصير بالغليان اعتبر فيه الاشتداد أيضا، و هذا الكلام بضميمة ما أوضحنا في بعض المقالات السابقة أتم إيضاح من ان المعتبرين للاشتداد لا يريدون الا الشدة المسكرة، ينتج انه لا قائل بالنجاسة التعبدية فيما خلى عن الإسكار، ثم ان من القائلين بالطهارة هو الشهيد (ره) كما عزاها اليه كاشف اللثام، و الشهيد الثاني في حواشي القواعد، و غيرها و المولى الورع الأردبيلي، و صاحب المدارك و الفاضل المحقق صاحب المعالم، و الكاظمي في الفوائد العلية شرح الجعفرية، و القاساني في المعتصم، و السيد الجليل المحدث السيد نعمة اللّه الجزائري و الفاضل المحقق السبزواري، و كاشف اللثام و صاحب الحدائق، و جل المعاصرين أو كلهم، و قد اتضح لك ما هو الصواب في الباب، و سيأتي أيضا ما ينفي الشبهة و الارتياب، و عليه التكلان في المبدء و المآب

(المقالة الثالثة عشرة)

اشارة

ص: 88

قد أشرنا سابقا الى ان العصير الزبيبي و التمري أي الماء المنقوع فيه الزبيب و المنبوذ فيه التمر إذا غلى و لم يذهب ثلثاه، مما وقع الكلام فيهما من حيث الطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة، الا ان نجاستهما بالغليان من حيث هو هو و ان لم يحدث فيها الشدة المسكرة مما لم أعلم قائلا بها بعد التتبع التام و الاستقراء الكامل و لذا ذكر الشهيد الثاني في الروضة بعد نقل القول بالحرمة في عصير الزبيب: أما النجاسة فلا شبهة في نفيها، و في الفوائد العلية لا يلحق به عصير التمر و غيره للإجماع على طهارته و كذا عصير الزبيب على الأصح و ان حرما و في شرح الألفية لشيخنا الشهيد الثاني و لا يلحق به عصير التمر و غيره إجماعا و لا الزبيب على أصح القولين و في الذخيرة و هل يلحق به عصير الزبيب إذا غلى في النجاسة؟ لا اعلم به قائلا و اما في التحريم فالأكثر على عدمه و هو كما قال، و إن كان ظاهر شرح الرسالة وجود القائل، و لعله من غيرنا و اما اختيار الوحيد الفرد نجاستهما فإنما هو لذهابه الى ان الغليان فيهما مطلقا يوجب الإسكار سواء كان بنفسه أو بالنار، و هو كلام آخر و إن كان مخالفا للدليل و الاعتبار كما عرفت الحال فيه (و بالجملة) فطهارتهما ما لم يسكرا مما لا ينبغي الإشكال فيها، و اما التحريم فيأتي الكلام فيه مفصلا إنشاء اللّه تعالى في الفصول الاتية الا ان الغرض في هذه المقالة توضيح ندرة القول به أو شهرته

[قلة القائل بتحريم الزبيبي و عدمه في التمري]

فليعلم ان الذي تبين عندي بعد بذل الجهد و استفراغ الوسع قلة القائل بتحريم الزبيبي بالغليان من حيث هو بين الفقهاء المعروفين الذين وصل إلينا كلامهم و عدمه في التمري و ان التحريم فيه مما روجه في هذه الأعصار الأخيرة جماعة من الاخبارية، كالمحدث الحر العاملي، و الشيخ سليمان البحراني و السيد عبد اللّه الجزائري، و الشيخ عبد اللّه السماهجى، و عزى الحل فيها في الحدائق إلى المشهور بين الأصحاب مصرحا في التمري بأنه كاد ان يكون إجماعا قال هو إجماع فإنا لم نقف على قائل بالتحريم ممن تقدمنا من الأصحاب و انما حدث القول

ص: 89

به في هذه الأعصار الأخيرة أقول و استظهر القول بالحل في الزبيبي فكيف بالتمرى من المقنعة، و النهاية و المهذب و الوسيلة و السرائر (و في الرياض) انه اختار حل عصير الزبيب الفاضلان و الشهيدان، و فخر الإسلام و الفاضل المقداد، و المفلح الصيمري، و المقدس الأردبيلي و صاحب الكفاية، مدعين كالمفلح الصيمري الشهرة، (أقول) و الى الحل ذهب الفاضل القاساني في ظاهر النخبة و صريح المعتصم و العلامة المجلسي في البحار و جل المعاصرين أو كلهم الا ان العلامة المحقق المتبحر الطباطبائي اختار القول بتحريم الزبيبي بل تصدى لإبطال دعوى الشهرة المطلقة و استظهر اشتهار التحريم اما مطلقا أو بين المتقدمين و أصحاب الحديث و أتعب نفسه الشريفة في إثبات هذا المعنى بيانات وافرة على كثير منها آثار التكلف ظاهرة و نقلها و التعرض لما فيها و ان لم يتضمن كثير فائدة فان الشهرة على تقدير صدقها و ثبوتها ليست بحجة في المسئلة الا ان اشتمال كلماته على بعض الفوائد أوجب علينا نقل بعضها فلننقل ملخصها ثم نعقبها ببعض ما فيها مما ينفع في المسئلة و غيرها في مقالة اخرى، قال (ره) اما التحريم فقد رواه كثير من القدماء الأعاظم من أصحاب الحديث و رواة الاحكام و فقهاء أصحاب الأئمة كعلي بن جعفر و موسى بن القاسم، و احمد بن محمد بن ابى نصر، و يونس بن عبد الرحمن و محمد بن احمد بن يحيى بن عمران، و محمد بن يحيى العطار و ابى على احمد بن إدريس الأشعري و على بن إبراهيم القمي فإنهم قد أوردوا الأحاديث الظاهرة في تحريم العصير الزبيبي في كتبهم المصنفة للاعتماد و ما ذلك الا لكونها معتبرة عندهم مقبولة لديهم، و ان مضامينها عين مذاهبهم و فتاويهم إذ ليس فتوى المحدثين الا نفس المعنى الظاهر من الحديث الذي يروونه ما لم يطعنوا فيه و يذكروا له معارضا و لو لا ذلك لانسد الطريق إلى معرفة مذاهب القدماء من أصحابنا إذ قلما يتفق منهم الإفتاء و الحكم الصريح بالتحليل و التحريم على ما هو طريقة الفقهاء في كتب الفتوى، و استنباط أقوال القدماء بهذا الوجه ليس ببدع منا، بل هو طريق جدد قد سلكه متقدمو الفقهاء المصنفين في الفقه، كما يعلم بمراجعة كتب المفيد و المرتضى و الشيخ و غيرهم، و ينبه على اشتهار

ص: 90

التحريم بين السلف في الصدر الأول سؤال على بن جعفر أخاه موسى (ع) عن ماء الزبيب يطبخ حتى يذهب ثلثاه هل يصلح ان يرفع و يشرب منه طول السنة؟ حيث ان المستفاد منه كون المشتبه حكم المطبوخ على الثلث باعتبار بقائه و طول مكثه لا لاشتراط الحلية فيه بطبخه على الثلث يعنى انه كان مفروغا عنه عنده، و كذا ما تضمنته موثقة عمار الساباطي من السؤال عن ماء الزبيب انه كيف يطبخ حتى يحل؟ لدلالته على علم السائل بان الحل في المسئول مشروط و ليس بمطلق و ان اشتبه عليه تعيين الشرط، و قد أورد ثقة الإسلام الكليني في الكافي في باب أصل تحريم الخمر الأخبار المتضمنة لتحريم ثمرة الكرم بالغليان و انها في حكم الخمر ما لم يذهب منه الثلثان، و في باب صفة الشراب الحلال، الروايات الدالة على تحريم ماء الزبيب بعينه، و في باب الطلاء رواية على بن جعفر الواردة في شرب الزبيب، و تطبيق ما أورد من الاخبار على نحو عنوان الباب و كذا طريقته المعروفة التي نبه عليها في مفتتح الكتاب يقتضي كونه عاملا بما دلت عليه تلك الظواهر التي لم يذكر لها معارضا، و حكى رئيس المحدثين الصدوق في كتابي المقنع و الفقيه عن أبيه الشيخ الجليل على بن بابويه، و نقل العبارة الماضية سابقا، و هذه العبارة بعينها هي عبارة الفقيه المنسوب الى الرضا (ع) و ظاهرها تحريم ثمرة الكرم مطلقا و لو بعد جفافها و صيرورتها زبيبا، و هذا بإطلاقه يدل على ان تحريم العصير الزبيبي مذهب على بن بابويه، و من طريقة الصدوق العمل برسالة أبيه اليه، و قد أورد في كتاب علل الشرائع و الأحكام الأحاديث المتضمنة لتعليل ذهاب الثلثين من ثمرة الكرم بما وقع بين نوح و إبليس، من النزاع حتى استقر الأمر فيه على الثلثين و ظاهرها اعتبار ذهابهما في حاصل الكرم مطلقا رطبا و يابسا و قال في الباب الأول من كتاب من لا يحضره الفقيه ان النبيذ الذي أحل شربه و الوضوء به هو الذي ينبذ في الغداة و يشرب بالعشي أو ينبذ بالعشي و يشرب بالغداة، و يستفاد منه ان ما تجاوز الحد المذكور هو النبيذ المحرم و هو خلاف ما عليه المحللون من تحليل النقيعين مطلقا ما لم يتحقق الإسكار و أورد شيخ الطائفة في التهذيب رواية على بن جعفر الظاهرة في تحريم ماء الزبيب

ص: 91

في جملة روايات العصير و صحيحته المتضمنة لعدم تصديق من لم يكن مسلما عارفا فيما لم يعلم انه مطبوخ على الثلث و كذا موثقة عمار الدالة على ذلك و إطلاق الشراب فيهما يشمل الزبيبي ثم حمل ما رواه على الواسطي مما دل على التمشط بما فيه الخمر على ما رواه عمار الساباطي قال (سئلت أبا عبد اللّه عن النضوح قال يطبخ التمر) «الحديث» و هذا يدل على ان العصير التمري عند الشيخ حرام نجس لا يطهر و لا يحل الا بذهاب ثلثيه و تحريم التمري يقتضي تحريم الزبيبي لأن تحريم الزبيبي أشهر فتوى و أوضح دليلا و ثبوت الأضعف يستلزم ثبوت الأقوى و أيضا فالظاهر ان كل من قال بتحريم التمري قال بتحريم الزبيبي و من قال بحلية الزبيبي قال بحلية التمري فالقول بحلية التمري دون الزبيبي خلاف الإجماع، و قال القاضي نعمان في دعائم الإسلام و نقل العبارة الماضية و بين وجه الدلالة و نقل عن الأصحاب انهم رووا تحريم العصير و أطلق جماعة منهم تحريمه في كتب الفتوى من دون تقييد بالعنبي و ظاهرهم تحريم العصير بأنواعه الثلثة المشهورة و منهم الفاضلان في اشربة الشرائع و القواعد و التحرير و الإرشاد حيث ان فيها ان العصير حرام أو حرام أو نجس كما في الثاني حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا و لو أراد خصوص العنبي لكان الحكم في الزبيبي و التمري مع عموم البلوى به و مسيس الحاجة إليه مهملا في موضعه متروك البيان في محله و هو باب الأشربة و الاعتماد على حكم الأصل في هذا الأمر الذي تتوفر اليه الدواعي بعيد من طريقة الفقهاء فان من عادتهم التعرض لمثل ذلك خصوصا مع وجود الخلاف و تطرق الشبهة باعتبار تعارض الأدلة ثم ان تصريحهما بإباحة الزبيبي و التمري في كتاب الحدود من هذه الكتب ليس قرينة على إرادتهما خصوص العنبي في باب الأشربة فإن اختلاف الفتوى و تجدد النظر غير عزيز منهما و لو في الكتاب الواحد بل ربما يكون شوبهما التخصيص في الحدود بالنظر و التردد مما يشهد بإرادتهما العموم من العصير في كتاب الأشربة مع ان المحقق في النافع الذي هو مختصر الشرائع و متأخر التصنيف عنه قد أطلق تحريم العصير في الحدود أيضا و كذا العلامة في التبصرة و حكى فخر المحققين في حواشي الإرشاد عن والده العلامة أنه يجتنب عصير الزبيب و كلامه في أجوبة المسائل المهنائية واضح الدلالة على التحريم و

ص: 92

ربما يظهر من الشهيد في البيان و عزى القول بتحريم الزبيب في الدروس الى بعض مشايخه المعاصرين و كان المراد به فخر المحققين لأنه أشهر مشايخه و النقل عنه متكرر في كتب الشهيد «ره» و لعله سمع منه مذاكرة أو ثبت عنده بطريق النقل و ربما يلوح من ابن فهد في حدود المهذب اختصاص الحل بطعام الزبيبة و عصير التمر و الرطب دون العصير الزبيبي و قد ذهب الى التحريم صريحا الشيخ الحر العاملي و الشيخ سليمان البحراني و السيد عبد اللّه الجزائري في شرح النخبة و نقل فيه موافقة كثير من المشايخ الذين عاصرهم أو قارب عصرهم- و الى هذا القول ميل الفاضل الهندي في شرح القواعد و هو ظاهر الفاضل القاساني في الوافي و اطعمة المفاتيح و هو اختيار شيخنا المحقق دام ظله يعنى به الوحيد البهبهاني و ما يقال انه لعل الوجه في ادعاء الشهرة على التحليل كونه قول معظم فقهائنا المعروفين في الفقه مدفوع» بأنه غير ثابت لان مذاهب أكثر المتقدمين على المفيد من الفقهاء كابن الجنيد و ابن ابى عقيل و غيرهما لم تعرف الا بالنقل عنهم لذهاب أكثر كتبهم و اندراسها و لم ينقل احد من الأصحاب في المسئلة عنهم قولا بالحل و مصنفات المفيد و السيد المرتضى و سلار ليس فيها تعرض لحكم العصير فضلا عن الزبيبي بخصوصه و كلام الشيخ في المسئلة مختلف و هو مع اختلافه ليس نصا في شي‌ء من الحل و الحرمة و كذا كلام ابن البراج و ابن حمزة و غيرهما من اتباع الشيخ. و اما الفاضلان فالظاهر ان الذي استقر عليه رأيهما هو التحريم. كما يقتضيه إطلاق المحقق تحريم العصير في كتابي الحدود و المطاعم من النافع الذي هو متأخر التصنيف و كذا العلامة في المسائل المدينة المتأخرة عن كتبه الفقهية و فتوى الشهيد مختلفة و ظاهر اللمعة التحليل مطلقا و المستفاد من الدروس التفصيل بحل الطبيخ دون النقيع و هو خلاف ما ذهب إليه القائلون بالحل و كلام ابن فهد في حدود المهذب يقتضي رجوعه عن اختياره الحل في أطعمة الكتاب فإذا لم يخلص للقول بالحل الا آحاد لا يثبت بهم اشتهار القول المذكور قطعا و باقي الأصحاب بين قائل بالتحريم و مختلف في فتواه و ساكت عن المسئلة و مسكوت عنه و الأمر الثابت المقطوع به هنا حكم الأصحاب بتحريم العصير و روايتهم الأخبار الواردة فيه و في خصوص المعتصر من الزبيب و هو عند التحقيق

ص: 93

راجع الى القول بالتحريم ما لم يعلم خلافه و قد علم من ذلك بطلان دعوى الاشتهار في جانب الحل و ان الظاهر اشتهار التحريم بين المتقدمين و خصوصا عند القدماء من أصحاب الحديث و غاية ما يقال في مقام التسليم هو نفى الشهرة من الجانبين و القول بثبوت شهرتين اشتهار التحريم بين المتقدمين و شهرة الحل بين المتأخرين فاما اشتهار الحل مطلقا، فلا

(المقالة الرابعة عشرة)

اشارة

ينبغي للمتأمل المتروى في اخبار الباب و كلمات الأصحاب ان لا يغتر بما في كلام هذا الجليل المستطاب و ما أتعب فيه نفسه الشريفة أي إتعاب فإن الذي لا يدخله الشك و الارتياب، ان هذه الكلمات و الاستفادات من مثل هذه العلامة المعروف بالدقة و التحقيق من أعجب العجاب و اقتصر سبطه البارع في البرهان القاطع في ردها على كونه تكلفا واضحا و التجأ إلى الاعتذار بأنه صدر منه لمجرد المباحثة و اجالة النظر موهما انه غير معتقد لها لكن مقابلة مثل هذا التطويل و الإبرام و الإصرار بمثل هذا الاعتذار أعجب،

[اعتراضات على العلامة الطباطبائي قدس سره]

اشارة

و مواضع النظر و الاشكال في الكلمات المسطورة و إن كانت كثيرة جدا الا ان التعرض بكلها تطويل بلا طائل و نحن نقتصر على عشرة منها يتضمن التنبيه عليها بعض الفوائد المهمة حرصا على تكثير الفائدة و تعميم العائدة و تقليلا لا ساية الأدب مع هذا البحر الخضم و الطود الأشم،

[ (أحدها)]

(أحدها) قوله رواه كثير من أصحاب الحديث مسميا للجماعة المذكورين في كلامه (فليعلم) أولا انه أراد برواية على بن جعفر و موسى بن القاسم ما في الكافي و التهذيب عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن موسى بن القاسم عن على بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (قال سئلته عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثم يرفع فيشرب منه السنة فقال لا بأس به) و ليس لموسى بن القاسم ذكر

ص: 94

في شي‌ء من الروايات المتعلقة بالعصير و الزبيب إلا في هذه الرواية، و لعلى بن جعفر رواية أخرى استظهر العلامة المذكور منها أيضا حرمة الزبيبي (قال سئلته عن الرجل يصلى الى القبلة لا يوثق به اتى بشراب يزعم انه على الثلث فيحل شربه؟ قال لا يصدق الا ان يكون مسلما عارفا) و أراد برواية أحمد بن ابى نصر و يونس بن عبد الرحمن، روايتهما المتعلقة بمشاجرة إبليس (لعنه الله) مع نوح (ع) و بعض ما تضمن لفظ العصير و برواية محمد بن احمد بن يحيى، ما رواه في التهذيب عنه مرفوعا الى عمار القريب إلى الرواية الثانية لعلي بن جعفر سئوالا و جوابا و دلالة على ما زعمه و بعض ما تضمن لفظ العصير مطلقا و برواية محمد بن يحيى العطار، ما روى عنه في الكافي مرفوعا الى عمار المتضمن لسؤاله عن الزبيب (كيف يطبخ حتى يشرب حلالا؟) و ما يشبهه و برواية ابى على الأشعري ما روى عنه من بعض اخبار مشاجرة إبليس (لعنه الله) و برواية على بن إبراهيم جملة مما روى عنه في الكافي من أشباه هذه المضامين ثم ان طريق الاطلاع على روايات هذه الأجلاء في هذه الأعصار المتأخرة منحصر فيما نقل في الكتب الأربعة و ما يشبهها و هؤلاء الجماعة الذين سميناهم بعضهم واقع في آخر السند يروى بلا واسطة كعلي بن جعفر، و بعضهم في وسطه، كموسى بن القاسم و احمد بن ابى نصر، و يونس بن عبد الرحمن، و بعضهم في أول السند، كعلي بن إبراهيم، و محمد بن يحيى العطار، و ابى على الأشعري و كثيرا ما يختفى وجه افراد العلامة المذكور هؤلاء الجماعة بالذكر، و سر هذا التفكيك الذي ارتكبه، فإن أراد تعداد كل من وقع في أسانيد روايات العصير و الزبيب و ما يشبههما أولا و آخرا فربما يزيدون على مأة و ان أراد من وقع في الآخر و يروى بلا واسطة فلا وجه لذكر مثل موسى بن القاسم و يونس، و لم يختلف أمثال هذه الأمور إلا لاندراس علم الحديث و الرجال و الدراية في هذه العصور، و انما الوجه فيه ان هذه الجماعة الذين سماهم كلهم أرباب كتب معتبرة علم بوجودها عند مشايخ الحديث و بنقلهم عنها، كما

ص: 95

يظهر ذلك من الطرق التي ذكرها الشيخ (ره) في آخر التهذيب و الاستبصار إلى هؤلاء الجماعة، و اما الباقون ممن وقع في اساتيد الروايات المتعلقة بالعصير فهم أيضا و إن كانوا أجلاء و أصحاب أصول و كتب معتبرة و فيهم مثل زرارة و محمد بن مسلم و من يشبههما الا ان الطريق الى رواياتهم غالبا كتب هؤلاء الجماعة الذين سماهم السيد المرحوم (قده) كما يظهر أيضا من كتابي الشيخ «ره» ثم انهم و إن كانوا ينقلون عن هذه الكتب الا انهم يذكرون الأساتيد إليها لما كانوا يعتقدون من ان النقل عن الكتاب إرسال (و لذا) أورد الشيخ قده في آخر التهذيب طرقه الى الكتب معللا بان ذكر الأسانيد يخرج الأحاديث المنقولة عن الكتب عن حد المراسيل و يلحقها بباب المسانيد فمن ثبت عند السيد المرحوم انه ذو كتاب مصنف معتبر و ان الحديث في الكتب الأربعة منقول عن كتابه سماه أولا كان أو وسطا أو آخرا إذا عرفت هذه المقدمة فنقول يرد عليه في هذا الاستظهار أمور (الأول) انه يبتني على تمامية دلالة هذه الاخبار و لو على وجه الظهور عند هؤلاء الذين ذكروها في كتبهم و لعلهم لا يرونها ظاهرة في هذا المعنى الذي يدعيه، كما هو في الواقع كك كما ستعرف، أو يرونها ظاهرة في غيره و الظواهر مما يختلف باختلاف الأشخاص و الافهام و الأحوال، و كيف يسند على وجه الجزم إلى أحمد بن ابى نصر و غيره انه روى تحريم الزبيبي بمجرد روايته قوله (ع) لا يحرم العصير حتى يغلى مع ابتنائه على شمول العصير الزبيبي و على أعمية الغليان مما كان بنفسه أو بالنار و لعلهما ممنوعان عند الراوي كما هو في الواقع كك و العجب انه يدعى الظهور في مثل هذه الروايات التي وقف عليها القوم قديما و حديثا و لم يستظهروا منه ما يروم إثباته ثم يجزم بكونها ظاهرة فيه عند هؤلاء الجماعة ثم يستكشف من نقلهم افتائهم (الثاني) انه يبتني على عدم ذكر هؤلاء الجماعة في كتبهم ما هو أظهر منها دلالة أو نص في حلية العصير الزبيبي و لا طريق الى هذا النفي إلا الحدس الظني تنزلا (الثالث) انه يبتني على كون الجماعة ملتزمين بان لا يودعون في كتبهم الا ما يفتون به و يعملون على طبقه و لم يثبت بل ثبت خلافه في حق كثير من المصنفين في الحديث، فان غرضهم استيعاب ما سمعوه و رووه كما يظهر من خطبة الفقيه، و قد ذكر كل من صنف في الرجال في حق محمد بن احمد

ص: 96

بن يحيى و هو أحد هؤلاء الجماعة انه كان يروى عن الضعفاء و يعتمد المراسيل و لا يبالي عمن أخذها عليه في نفسه طعن في شي‌ء

[ثانيها]

(ثانيها) قوله ره و ينبه على اشتهار التحريم بين السلف سؤال على بن جعفر «إلخ» إذ فيه انه لا دلالة فيه ابدا على اعتبار ذهاب الثلثين في الحلية و انه كان يعتقد ذلك بل الوجه في تخصيصه السؤال بما ذهب ثلثاه ما تقدم سابقا ان ما لم يذهب ثلثاه يتغير بطول المكث و ينقلب خمرا و هو يعلم ذلك الا ان اشتباهه في ان ما ذهب ثلثاه هل يبقى على حاله و لا يتغير حتى يصلح لان يرفع و يشرب منه طول السنة أو انه أيضا مثل ما لم يذهبا منه،

[ثالثها و رابعها]

و منه يظهر الجواب عما ذكره من موثقة عمار، و هو (الموضع الثالث) من مواضع الانظار، (رابعها) قوله و قد أورد الكليني «ره» (إلخ) إذ فيه (أولا) انه لم يظهر من الكليني عمله بكل ما رواه في كتابه و لذا أورد كثيرا من الروايات المتعارضة المتنافية، و أورد كثيرا من فتاوى الفضل بن شاذان، و فتاوى يونس بن عبد الرحمن، و فيها ما هو منكر جدا، مخالف لإجماع الإمامية (و ثانيا) انه يبتني على تمامية دلالة تلك الروايات عنده على ان مجرد طبخ الزبيب يوجب خمريته أو حرمته و كيف يظن بأحد ممن لم يسبق الى ذهنه شبهة انه يعتقد ان مجرد طبخ الزبيب بالنار يوجب حدوث الإسكار، و (ثالثا) ان ما رواه مما يدل على تحريم الزبيبي انما هو فيما غلى بنفسه بطول المكث و حدث فيه الإسكار كما أفصحت به الروايات و قد مر و يأتي

[خامسها الى ثامنها]

و منه يظهر الحال فيما نسبه الى الشيخ قده (و هو سادسها) و تبين مما ذكرنا سابقا و أوضحناه غاية الإيضاح مفاد كلام الدعائم فلا نعيد (و هو سابع المواضع) (و ثامنها) ما نسبه الى الفاضلين من جهة إطلاقها تحريم العصير في باب الأشربة إذ من المتيقن أو الظّاهر و لا من المحتمل (1)إرادتهما عصير العنب فكيف يصح اسناد تحريم الزبيبي


1) الظاهر: و لا أقل من المحتمل

ص: 97

إليهما بمجرد هذه العبارة سيما مع تنصيصهما في باب الحدود بحلية الزبيبي و جعله من باب اختلاف الفتوى عجيب جدا، و اين فتويهما بالحرمة المخالفة لهذا التنصيص و ما حكى عنه الفخر من الاجتناب يجتمع مع الاحتياط المطلوب في كل باب و استظهاره من أجوبة المسائل المهنائية التحريم أيضا عجيب فإنه تعرض لإباحة ما انضم الى غيره لمطابقة الجواب مع السؤال حيث انه لم يقع السؤال إلا عنه لا لان غيره حرام عنده و انه يفصل هذا التفصيل العجيب و اين الدلالة في كلامه فكيف بوضوحها و مثله في عدم الدلالة كلام ابن فهد فان غايته التصريح بحلية ما سواه أيضا في أطعمة الكتاب فكيف يجعل هذا رجوعا عن ذاك

[تاسعها و عاشرها]

و هو (تاسع المواضع) و (عاشرها) ما نسبه الى الدروس من ذهابه الى التفصيل بين النقيع و الطبيخ مع ان عبارته كما عرفت صريحة في ان الزبيب مما ذهب ثلثاه بالشمس فلا يبقى عنده وجه لحرمة ما حصل فيه النشيش بنفسه إلا صيرورته مسكرا و لذا لا ينفع ذهابهما فيه شيئا و اين هذا مما رامه من تحريم الزبيب و ان لم يسكر و بقيت بعد في كلامه مواضع يحتاج توضيح النظر فيها الى تطويل لا طائل تحته و إذ أتينا بما عندنا من الكلام في هذه المقالات فلنعقبها بفصول متضمنة لاحكام أقسام العصير مستقلا فإنها و ان تبينت مما سبق الا انها بقيت بعد فوائد لا ينبغي اخلاء الرسالة منها فنقول

الفصل الأول «في العصير المتخذ من العنب»

اشارة

رسالة مستقلة في العصير اعلم ان الذي لا يزال نفسي تميل اليه و يلوح لي من مجموع الآثار و الاخبار ان الحال في جميع أقسام العصير و النبيذ و النقيع على نهج سواء و انه لا فرق بين العنب و التمر و الرطب و الزبيب و التين و العسل و الشعير و أشباهها و ان الحرمة و النجاسة في الجميع يدور مدار الإسكار فما أسكر منها كان محرما نجسا لم يغل أو غلى بنفسه أو بالنار ذهب ثلثاه أو لم يذهب ان أمكن الفرضان و ما لم يسكر فلا و ان تعليق التحريم في الأدلة في العصير مثلا على الغليان انما هو لامتناع تحقق الإسكار بدونه عادة كما ان تعليق التحليل على ذهاب الثلثين انما هو لامتناع تحقق الإسكار

ص: 98

بعده عادة و ان ما لم يذهب ثلثاه يسرع إليه الشدة و الإسكار فلو فرض الأمن من طروهما بالدبسية مثلا من غير ذهابهما كان محللا فلا يعتد في التحريم بالغليان كما انه لا يعتد في جعل ذهاب الثلثين محللا، و المشهور يساعدون على جميع ما ذكرنا إلا في موضعين (أحدهما) الحكم بحرمة عصير العنب بعد الغليان بالنار و ان علم بعدم حدوث صفة التغير و الإسكار فيه (و الآخر) الحكم ببقاء التحريم فيما حكم بتحريمه ما لم يذهب ثلثاه و ان صار دبسا مثلا

(اما الأول) [الحكم بحرمة عصير العنب بعد الغليان بالنار]

فيدعون الإجماع عليه و يساعدهم إطلاق الأدلة ظاهرا و ان صرح الوحيد المجدد البهبهاني بعدم تحقق الفرض و ان الغليان في العنب و ما يشبهه و لو بالنار يلازم الإسكار دائما و مثله العلامة الطباطبائي حيث استظهر كون تحريم العصير العنبي بعد الغليان معللا بالاسكار الخفي بل ظاهر شهادات المبسوط عدم حرمة ما لم يسكر قال:

فاما ما لا يسكر من الأشربة و هو عصير العنب قبل ان يشتد، و كك ما عمل من تمر و غيره فكله حلال قبل ان يسكر، و قد أسمعناك حق القول في المقام و ان الغليان بنفسه في العنب و التمر و الزبيب و إن كان ملازما لحدوث الإسكار الا ان الغليان بالنار بمجرده لا يحدث اسكارا جليا و لا خفيا، و على كل حال فالإطلاق المتراءى من الأدلة ظاهرا سيما في مثل قوله (كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه) أو عمومها بالنسبة الى ما طال عليه المكث فتغير أولا، بل ظاهر تعليق التحريم على نفس الغليان بالنار الغير الملازم للإسكار عادة و تحديده بالغاية المذكورة كظهور الإجماع، يثبطني عن القول بحلية عصير العنب الذي على بالنار من غير مضى زمان عليه يوجب غليانه بنفسه فهذا الفرد فقط مستثنى من تلك الكلية التي ادعينا و يحكم عليه بالحرمة تعبدا و لعله حماية للحمى و انه لو رخص في المغلي بالنار المستعد لتسارع الإسكار لأدى إلى شربه بعد مضى زمان يوجب تغيره و لو من حيث لا يشعر كما ان هذا بعينه صار علة للنهى عن الانتباذ في أوعية مخصوصة كما عرفت و ان نسخ بعد ذلك لما اشتكى الصحابة بعد ان شرط عليهم ان لا يشربوا مسكرا بل هذا بعينه هو العلة في النهي عن التعليل من المسكر الذي لا يبلغ حد الإسكار فإن مقتضى الجمع بين تحريمه و بين تعليل حرمة الخمر بالاسكار و الإفساد و الأداء الى القبائح كما في

ص: 99

الروايات لأنها ليست موجودة في قليلها مع ثبوت تحريمه فليس الا لما ذكرنا و قد عرفت من الوحيد البهبهاني و العلامة الطباطبائي انهما لم يرضيا باستثناء هذا الفرد أيضا من تلك الكلية.

(و اما الثاني) [حكم ببقاء الحرمة قبل الذهاب]

فستسمع النصوص الدالة على ان صيرورة العصير حلوا يخضب الإناء يقوم مقام ذهاب الثلثين و ان جماعة اكتفوا بصيرورته دبسا قبل ذهاب الثلثين «و بالجملة» فلنتكلم في هذا الفصل في تحقيق حال خصوص العنبي و دفع توهم النجاسة فيه من غير إسكار (فنقول) ان العصير العنبي المغلي على قسمين (الأول) ما غلى بطول المكث و قد عرفت الحال فيه و انه خمر حقيقة و انه يحدث فيه الشدة و الإسكار سواء لم تمسسه النار أصلا و هو الذي اتفقوا على خمريته أو طبخ ادنى طبخة ثم ترك حتى برد ثم غلى بنفسه و هو المسمى بالباذق معرب «باده» من أسماء الخمر بالفارسية (الثاني) ما غلى بالنار و قد عرفت ان حرمة ما لم يذهب ثلثاه و لم يصر دبسا مورد اتفاق النص و الفتوى و انه لو كان نزاع فإنما هو في النجاسة و عدمها مع عدم الإسكار كما انك قد عرفت ان دعوى اشتهار القول بالنجاسة لا أصل لها و انما نشأت من عبارة المختلف بتخيل انه أراد بما عزاه إلى الأكثر جميع ما وقع في عنوان كلامه مع انه لم يرد الا الخمر و المسكر كما تبين و قد عرفت ان الشهيد لم ينقل القول بها الا عن ابن حمزة و المحقق و عرفت أيضا انهما لا يقولان بها الا مع الغليان بنفسه. كما في كلام الأول أو مع الشدة التي لا يراد بها إلا الشدة المسكرة كما في كلام الثاني فيخرج عن مفروض النزاع بل ذكر الشهيد الثاني في حدود الروضة ان كل من قال بتنجيس (1)العصير بالغليان اعتبر فيه الاشتداد «فح» يصير المسئلة المعروفة بالخلاف و الاشكال عارية عن الخلاف و الاشكال بناء على ما ذكرنا و أوضحنا من ان المراد بالاشتداد في كلام المعتبرين له لا يراد إلا الشدة المسكرة و ان هذا هو الذي يراد عند إطلاق هذا اللفظ في الاخبار و كلمات الفقهاء الأبرار في هذا المقام و ان هذا هو السر في اكتفائهم بالدعوى المجردة و انه لا يمكن عادة منهم و لا ممن دونهم ان يقنع في مثل هذه الدعوى البعيدة المنكرة من ان الغلظة من حيث هي هي توجب النجاسة و زيادتها توجب الطهارة بصرف الادعاء بل لا بد أن يحتج لها و يستدل عليها و لو بحجة ضعيفة


1) كذا في النسخة المخطوطة و الأصح (بتنجس) كما لا يخفى

ص: 100

كما هو المشاهد منهم في سائر المقامات، و عرفت أيضا ان التمسك بموثقة معاوية بن عمار انما حدث من الأسترآبادي و تبعه من تبعه، (و بالجملة) صارت هذه المسئلة العظيمة القديمة مما لا خلاف فيها أصلا إلا لخلاف في نجاسة المسكر، بناء على المقدمات التي نبهنا عليها، حيث ان حرمته بعد الغليان كحليته قبله يقينية، و نجاسته بعد الإسكار أيضا مفروغ عنها، و نجاسته قبله لا قائل بها إذ القائل بالنجاسة أما يعتبر الغليان بنفسه الملازم للإسكار كابن حمزة أو يعتبر الاشتداد المعنى به الإسكار و لم يقل احد بالتنجيس من غير اشتداد على ما في حدود الروضة، و هذه فائدة جليلة ينبغي اغتنامها الا ان الذي يساعده التتبع الكامل وجود القول بالنجاسة من غير اشتداد كالبعض الذي حكى عنه المحقق في المعتبر و ظاهر ابن فهد «ره» و شيخنا البهائي في اثنى عشريته، أو مع الاشتداد المفسر بالغلظة كشيخنا الأنصاري، و الحال في هذا القول على تقدير وجوده و عدم كون المراد من البعض في المعتبر هو ابن إدريس و ان اتضحت مما مر منا في المقالات السابقة إلا أنا نتكلم فيه في الجملة تنبيها على بعض الفوائد التي لم ينبه عليها فيما سبق «فنقول»:

[الدليل على نجاسة العصير و جوابه]

اشارة

عمدة ما يحتج به على النجاسة ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن احمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل عن يونس بن يعقوب عن معاوية بن عمار (قال سئلت أبا عبد اللّه «ع» عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و انا أعرف أنه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال «ع» خمر لا تشربه، قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال (ع) نعم) و سند الرواية في غاية الاعتبار و جميع رواتها من المتفق على وثاقته و عدالته، بل هي صحيحة على الصحيح و ان اشتهرت بالموثقة لمكان يونس بن يعقوب، حيث وصفه أبو جعفر بن بابويه بالفطحية، فإن المصرح به في كلام النجاشي (و هو المقدم السابق، و الخريت الحاذق في هذا الفن) رجوعه

ص: 101

[حال يونس بن يعقوب]

عنها، قال انه قد قال بعبد اللّه ثم رجع و روى الكشي روايات تدل على صحة عقيدته و قد اهتم بتجهيزه و كفنه و دفنه أبو الحسن الرضا (ع) مما لا يجتمع مع إنكار إمامته و امامة أبيه ففيما رواه على بن فضال انه مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج اليه و أمر مواليه و موالي أبيه و جده ان يحضروا جنازته و قال لهم احضروا له في البقيع فان قال لكم أهل المدينة عراقي لا ندفنه بالبقيع فقولوا لهم هذا مولى ابى عبد اللّه (ع) و كان يسكن بالعراق فان منعتمونا ان ندفنه في البقيع منعناكم ان تدفنوا مواليكم بالبقيع فدفن في البقيع (فاما الدلالة) فاما من جهة تشبيهه البختج (و هو العصير المطبوخ باتفاق اللغويين معرب «پخته») بالخمر ما لم يذهب ثلثاه فيوجب ثبوت الأحكام الظاهرة و منها النجاسة. و اما من جهة انه خمر حقيقة كما هو المحكي عن جماعة من فقهاء الخاصة و العامة كالصدوقين و الكليني و البخاري بل عن المهذب البارع ان اسم الخمر حقيقة في عصير العنب إجماعا، قال العلامة الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح يظهر من الاخبار التي رواه في الكافي في باب أصل تحريم الخمر و بدوه، و رواها الصدوق في العلل انه داخل في حقيقة الخمر فلاحظ و تأمل، و الصدوق في الفقيه في باب حد شرب الخمر قال قال ابى في رسالته اعلم يا بنى ان أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير ان يمسه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر لا يحل شربه حتى يذهب ثلثاه ثم اتى بعبارات صريحة في ان مراده من الخمر هذا الخمر الحقيقي المعهود ثم قال و للخمر خمسة أسامي العصير من الكرم «إلخ» فظاهر الصدوقين و الكليني كونه خمرا حقيقة و هو الظاهر من صحيح البخاري من علماء العامة و مما يشير الى ذلك انه سئل الصادق من ثمن العصير قبل ان يغلي قال (ع) لا بأس، و ان غلى لا يحل و في آخر بعد ما سئل عنه قال (ع) إذا بعته قبل ان يكون خمرا و هو حلال فلا بأس و صرح بعض المتأخرين بمساواته للخمر في جميع الاحكام و يؤيده أيضا ان حده حد شارب الخمر و له «ره» رسالة مستقلة في العصير أصر فيها على كون العصير خمرا حقيقة بمجرد الغليان و لو بالنار و محصل ما أطنب فيها يرجع الى هذا الذي نقلناه و ربما يورد على الاحتجاج بالرواية السابقة بأنه مبنى على وجود لفظة

ص: 102

«خمر» فيها مع ان جميع نسخ الكافي متفقة على عدمها، و من المعلوم كونه أضبط من التهذيب الذي ذكر غير واحد من المهرة كثرة اشتماله على السهو و الغفلة و التحريف و النقصان في متون الاخبار و أسانيدها، بل قيل انه قلما يخلو خبر من علة في ذلك كما لا يخفى على من نظر في كتاب التنبيهات التي صنفها السيد المحدث الماهر السيد هاشم البحراني فيما يتعلق برجال التهذيب و يجاب بان احتمال السقوط أظهر عن احتمال الزيادة حتى من مثل الشيخ و كم من موضع قدموا الرواية على ما في نسخة التهذيب على نسخة الكافي، و منه تعين الجانب الذي يخرج منه الحيض فان متن رواية أبان على ما في الكافي يدل على خروجه من الأيمن، و رجح المحققون متنها المنقول في التهذيب الدال على خروجه من الأيسر، و اعتذروا عن تلك باعتضاده في المقام بالقرائن الخارجة، و كذا في مسئلتنا المعتضدة بعد الوثوق بعدم الزيادة لوجود لفظة الخمر في رسالة الصدوق التي هي كالروايات، أقول اما وجود لفظة الخمر في الصحيحة فلا يظن به مع خلو الكافي و كثرة اختلال التهذيب بل عدم العلم باتفاق نسخ التهذيب في الزيادة حيث ان بعض نسخة الصحيحة القديمة أيضا خال عنها و انما ذكرت في الحاشية معلما عليها بعلامة الصحة و ربما يظهر من صاحبي الوافي و الوسائل ان النسخة الحاضرة عند هما من التهذيب كانت خالية عنها أيضا حيث نسبا الرواية الخالية عنها إلى الكافي و التهذيب على حد سواء و لم يبنها على وجود الزيادة في أحدهما و تأييد وجودها بتضمن رسالة والد الصدوق لها عجيب جدا، إذ محصل عبارة الرسالة تقسيم الخمر المتخذ من العنب الى نى و مطبوخ، و اين هذا من الموثقة و اى ارتباط بينهما و أي إشارة فيها باستنادها إليها مضافا الى انه على تقدير الظن بوجود الزيادة فإنما هو ظن في موضوع عادى خارجي و ليس من الظنون اللفظية فلا يصلح التعويل عليه في الأحكام الشرعية، الا ان يقال انه ظن ناش من نقل ثقات الرواة فيشمله ما دل على وجوب الأخذ بالروايات الموثوق بصدورها، لكنه موقوف على تحقق الوثوق و في تحققه بمجرد كون احتمال السقوط أظهر إشكال مضافا الى كون النجاسة من الأحكام الظاهرة للخمر مما يمكن منعه، و الى ان تفريع حرمة الشرب على قوله خمر يفيد ان

ص: 103

الغرض المشابهة في خصوص الحرمة، بل الرواية ظاهرة سؤالا و جوابا بحسب السؤالين أو الجوابين المذكورين فيها في استعلام جواز الشرب و عدمه و افادة حكم الشرب و لو كان الغرض افادة نجاسته لكان المناسب أو المتعين ان يقول هو نجس لا تشربه أو يقول خمر لا تشربه و اغسل ما اصابه كيف؟! و بالبلوى بالنجاسة من حيث يده و فمه و ثيابه و أوانيه و أواني من يلوذ به أكثر و أشد، و الأحكام المتعلقة بالنجس كثيرة لا تنحصر في الشرب، فكان الاهتمام ببيانه أكثر و أوفر سيما مع تعارف التشبيه بالخمر في خصوص الحرمة حتى قيل انه صار كالمثل السائر أنه يشرب (1)المشروب عند المبالغة في حرمته بالخمر و المطعوم بلحم الخنزير (ثم أقول) قد عرفت مرارا ان من أقسام الخمر الحقيقية ما يسمى باذقا و انه العصير الذي مسته النار و لم يذهب معظم مائيته فترك حتى غلى و اختمر و انه معرب (باده) من أسماء الخمر و مورد الرواية ما إذا علم ان العصير لم يطبخه صاحبه الأعلى النصف بقرينة استمرار عمله على شربه كك و إن كان يخبر اخبارا كاذبا بأنه مطبوخ على الثلث و لذا لم يعول على قوله و اخباره مع انه ذو اليد و من أهل المعرفة و من المعلوم ان المطبوخ على النصف إذا بقي زمانا قليلا تسارع اليه الإسكار و الغالب فيما يطبخ لأجل البيع بقائه عند صاحبه في الجملة بمقدار يوجب غليانه و اسكاره فالحكم بالخمرية في الرواية يراد به بحسب ما هو المتعارف فيما يبقى عند الصانعين للبختج البائعين له و ان أمكن فرض الخلو عن الشدة فيما إذا طبخه على النصف و عرضه للبيع فورا الا انه نادر و أسئلة الروايات و أجوبتها تنزل على الافراد الشائعة، و الغالب في أهل صنعته انه لا ينفد ما عندهم بل يبقى عندهم مما صنعوه سابقا فاما ان يعلم المشتري بكونه من صنعته السابقة فهو خمر حقيقة أو لا يعلم بكونه مما صنعه اليوم أو مما صنعه سابقا فيكون بمنزلة الخمر الحقيقية مع انحصار الشبهة، و اما دعوى كون الغليان بالنار موجبا للخمرية الحقيقية من غير مكث و لا طول زمان، كما تصدى لإثباتها الوحيد البهبهاني فهي دعوى في أمر عادى تحقق في الخارج خلافها، و الوجدان مكذب لها، و لو صار مسكرا لما أجدى في حليته و طهارته ذهاب ثلثيه بالنار الذي اتفقوا على كونه غاية للحرمة و النجاسة


1) يشبه (ظ)

ص: 104

إذا الخمر المسكر النجس لا يحل و لا يطهر الا بانقلابه خلا، و كيف يفيد تسخين المسكر و تغليظه في حليته و اما ما عزاه الى فقهاء الخاصة و العامة من كون الغليان بالنار بمجرده موجبا للخمرية الحقيقية فخطاء و اشتباه منه (ره) قطعا و هم لا يريدون الا ان الخمر الحقيقية مما يحصل من العصير المغلي بنفسه و مما اصابته النار لكن لا بمجرد الإصابة و الغليان و هم مصيبون في ذلك فالأول هو المعروف عند إطلاق الخمر و الثاني هو المعروف بالباذق و اما ان مجرد اصابة النار و الغليان بها يوجب الخمرية فمما لم يتوهمه أحد في شي‌ء من الا زمان، و لا دلالة في شي‌ء من العبارات و الروايات على ذلك و اعتبار الإسكار في الخمر و لو بحسب كثيره من البديهيات، و قد تطابق الشرع و اللغة و العرف كلها عليه كما ان عدمه أيضا فيما غلى بالنار و يمر عليه زمان أيضا ينبغي ان يعد من الواضحات، و قد أتعب نفسه الزكية في هذا المقام بما لا محصل له، تبصر و تذكر ما أسلفنا لك و اشكر اللّه تعالى على سطوح الحجة و إيضاح المحجة، (و اما) ما عن المهذب البارع من دعوى الإجماع على خمرية عصير العنب فهو و إن كان مما خفي المراد منه على من لم يتيقن مقالاتنا السابقة، و لذا تمسكوا بذيله في هذا المقام، الا انه تبين المراد منه مما أوضحنا و فصلنا لك في المقالة العاشرة و سابقتها و لاحقتها، فان الغرض منه الإشارة الى ان المختلفين في حقيقة الخمر و انه عبارة عن كل مسكر أو عن خصوص غير المطبوخ من العنب، أو عنه و عن التي من النبيذ التمر. أو عن مطلق المسكر المتخذ منهما اتفقوا على ان المسكر المأخوذ من عصير العنب خمر حقيقة. و قد أسمعناك جملة من العبارات الماضية على هذ المعنى و اين الدلالة على هذا المطلب الذي هو الغرض من عبارة المهذب قطعا مما تخيلوا من انه يريد ان عصير العنب المغلي و إن كان بالنار و كان خاليا عن الإسكار خمر حقيقة إجماعا. و ليت شعري! كيف لم يسندوا إليه انه يدعى الإجماع على خمرية مطلق عصير العنب و ان لم يغل؟! فان التقييد بالغليان أيضا ليس مذكورا في كلامه كالتقييد بالاسكار و قد أسمعناك سابقا ما يغني عن الإطالة و عرفت ان الحنفية أباحوا جملة من المسكرات ما لم يبلغ حد الإسكار بدعوى ان الخمر المحرمة عينا هي

ص: 105

المتخذة من العنب، و ذكر كثير من فقهائنا ان المسكرات و إن كانت محرمة بأجمعها الا ان من استحل غير المتخذة من العنب فليس بكافر، و قال الراغب الأصفهاني (و هو المسلم تقدمه و إمامته و مهارته في اللغة في «مفردات القرآن» و هي من الكتب النفيسة الممتعة) سمى الخمر خمرا لكونه خامرا للعقل اى ساترا له، و هو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، و عند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة، و عند بعضهم للمتخذ من العنب و التمر، و عند بعضهم لغير المطبوخ، فغير المطبوخ من العنب هو المتفق عليه، و استفاد ابن حجر العسقلاني من هذا الكلام ان الراغب رجح كون كل ما يستر العقل خمرا حقيقة، و فيه ما مر من ان قولهم سمى به لكونه ساترا كقولهم سمى العيوق به لكونه عائقا، و سميت الخيل خيلا لاختيالها في المشي، الى غير ذلك مما مر، فتذكر،

[بعض الاحتجاجات على نجاسة العصير مع أجوبتها]

و قد يستدل على النجاسة ببعض الإجماعات المنقولة و بالأخبار المتضمنة لمشاجرة إبليس لعنه اللّه مع آدم و نوح عليهما السلام و بما تضمن نفى الخيرية عن العصير الذي طبخ و لم يذهب ثلثاه.

(و الجواب) عن الكل ظاهر للمتدبر المتأمل فلا نطيل بالتعرض له و قد يستدل بما روى في الكافي و التهذيب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن الحسن بن عطية عن عمر بن يزيد (قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) الرجل يهدى الى البختج من غير أصحابنا فقال (ع) إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و إن كان ممن لا يستحل فاشربه) فقال جمال المحققين انه يستفاد منها انه بحكم المسكر.

أقول اما السند فرجاله كلها ثقات عدول على ما هو الأصح في إبراهيم بن هاشم و ليس فيه من يتوقف في شأنه عدا عمر بن يزيد فإنه على التحقيق مشترك بين اثنين لا أزيد كما توهمه المجلسي (ره) (أحدهما) عمر بن يزيد بياع السابري المتفق على وثاقته (و الآخر) ابن يزيد الصيقل الغير المصرح بوثاقته بل و لا مدحه من احد من ائمة الرجال و حكاية ابن داود توثيقه عن النجاشي غير مطابقة للواقع بل توهم منه فيكون السند في حكم الضعيف بجهالة الراوي الناشئة من الاشتراك الا ان الظاهر ان الواقع في السند هو

ص: 106

الثقة فإنه الأغلب وقوعا في الأسانيد. و صرح الكاظمي في المشتركات بأن رواية الحسن بن عطية من المميزات فإنه يروى عن بياع السابري مضافا الى صحة السند الى ابن ابى عمير المجمع على تصحيح ما يصح عنه بناء على القاعدة المشهورة (و بالجملة) فالسند معتبر جدا صحيح أو مثله (و اما الدلالة) فلم أر تقريبها من احد بل و لا الاحتجاج بها أصلا الا ان الظاهر عند هذا القاصر ان دلالتها على كون المنع منه مستندا الى اسكاره تامة، و تقريبها ان من المعلوم ان المدار في جواز شرب البختج و عدمه ذهاب الثلثين و عدمه و قد جعل في الرواية كون صانعه أو الاتى به مستحلا للمسكر امارة لعدم ذهاب الثلثين و لا أقل من باب عدم ثبوت الامارة على الذهاب و تعليق الحكم عليه ليس قطعا من باب انه احد الأمارات على الفسق و عدم المبالاة بان يكون بمنزلة قوله (إذا كان ممن يغتاب أو يشهد بالزور، أو من أعوان الظلمة، أو ممن يقامر و يلعب بالنرد مثلا بل في هذا الموضوع من المناسبة الواضحة للحكم ما لا ينبغي ان يخفى فان البختج على ما عرفت مرارا إذا ذهب ثلثاه لا يتغير بطول المكث و لا يعود مسكرا بخلاف ما إذا لم يذهبا فإنه يتسارع إليه الإسكار و تعبيره عما لم يذهب ثلثاه بكونه مما أهداه من يستحل المسكر يدل على انه مسكر أو في حكمه إذ لا يحسن الكناية عما لم يذهب ثلثاه بكون المهدي ممن يستحل المسكر الا انه بعد كونه مسكرا كما لا يخفى على العارف بأساليب التعبيرات و المحاورات فمفاد الرواية انه لا يشرب البختج إذا أهداه إليك من يستحل المسكر لانه لا يؤمن من ان يكون مسكرا بان يكون مما لم يذهب ثلثاه الا ان هذه الرواية أيضا كالصحيحة السابقة اما منزلة على الغالب فيما يبقى عند الصانعين للبختج على النصف أو على عدم جواز الشرب لعدم إحراز الذهاب و عدم الأمن من الإسكار لا على ما علم على وجه القطع و اليقين بعدم اسكاره. فان كون المهدي ممن يستحل المسكر لا يرتبط بعدم جواز الشرب مما علم عدم اسكاره و لو تنزلت على كونه بمنزلة المسكر في التحريم إذا أهداه من يستحله و ان قطع بعدم اسكاره كان وجيها أيضا إلا أنّ الأوجه ما قدمنا.

ص: 107

[فروع مهمة في حكم حبات العنب]

اشارة

بقي الكلام في بعض الفروع المهمة المتعلقة بالباب

[في حكم حبات العنب]

اشارة

(منها) ما إذا غلت حبات العنب في نفسها اما بنفسها أو بالنار فهل هي محكومة بحكم العصير في نجاسة الأول و حرمة الثاني؟ أو انها محكومة بالحل و الطهارة؟ لم أر في كلام الأصحاب بعد التتبع الكامل تعرضا له بالمرة و إن كان يظهر من المحقق الأردبيلي و العلامة المجلسي و المحقق الخوانساري ان المصرح به في كلام الأصحاب أو جماعة منهم مساواته للعصير و لم اعلم من اين استفادها. و لكن صرح في البحار بعد نقل التحريم انه غير موجه لعدم صدق العصير عليه فالأدلة العامة تقتضي حله. و كذا الأردبيلي فإنه مال الى الحل فقال لو غلى ماء العنب في حبه لم يصدق عليه انه عصير غلى ففي تحريمه تأمل. و لكن صرحوا به (فتأمل) (1)و العمومات و حصر المحرمات دليل التحليل حتى يعلم الناقل و في الحدائق التصريح بحله مصرا عليه و صرح غير واحد من أعاظم المعاصرين أو المقاربين بالتحريم.

و الذي يمكن ان يستدل به على الحل و الطهارة أمور

[الأدلة على حلها و طهارتها]

(أحدها) ان التحريم و النجاسة على خلاف الأصل و القاعدة فيقتصر فيهما على مقدار وفاء الدليل و قيام الحجة و من المعلوم انه لم يقم الأعلى حرمة العصير أو نجاسته و عدم صدقه على العنب معلوم و دعوى تعلق الحكم بمائه و ان لم يخرج عن الحب خروج عن ظواهر الاخبار و بناء على مجرد الاعتبار قال البحراني ان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه الاعتبارات التخمينية الظنية لا يخلو عن مجازفة.

(الثاني) ان التحريم معلق بالغليان المفسر بالقلب و صيرورة الا على أسفل في رواية حماد و كلمات الأصحاب و من المعلوم انتفائه في حبات العنب.

(الثالث) انه يلزم ان لو وضع العنب في الشمس يوما أو يومين بحيث لم يبلغ الى حد الزبيب ان يكون حراما و لا يظن بأحد أن يلتزمه.


1) كذا في النسخة- (المصحح)

ص: 108

(الرابع) مفهوم رواية زيد النرسي (إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد) و الرواية و إن كان موردها الزبيب الا انه يدل على ان المدار في التحريم على تأثر الماء بالحلاوة

[في أجوبتها]

و يجاب عن الجميع (اما عن الأول) فبان صدق العصير عليه و إن كان معلوم العدم الا ان من المعلوم ان تعلق الحكم على العصير انما هو باعتبار الغالب و لا يدور مداره، لوضوح تعلق الحكم بما خرج من العنب من غير عصر، بل بالنار مثلا، سيما إذا جمع منه شي‌ء كثير في قدر و نحوه، و ما في الحدائق من ان ارتكاب المجاز في إطلاق العصير على ما يخرج بالطبخ لا يستلزم انسحابه الى ما في العنب قبل ان يخرج بالكلية مدفوع بعد وضوح عدم ارتكاب المجاز في حمل الموضوع على الغالب و بعد مطالبته بالفرق بان ثبوت الحكم في الماء الكثير الذي خرج من العنب بالطبخ الذي تسالم هو و غيره عليه، ليس لنص تعبدي و لا لقرينة خاصة قائمة فيه مختصة به، بل ليس الا لوضوح كون موضوع الحكم هو ماء العنب (و عن الثاني) بأن الظاهر تحقق القلب في العنب بحسب حاله إذ الظاهر انه يكفى في ذلك مجرد حركته، كذا أجاب شيخنا الأنصاري «ره» (و عن الثالث) انه لا محذور في التزامه ابدا، و ممن صرح بالتزامه المحقق، القمي «ره» في أجوبة مسائله (و عن الرابع) بضعف الرواية مضافا الى انها واردة في الزبيب الذي ليس فيه ماء يغلى، فلا يقاس به العنب (و من هنا) ظهر حجة القول بإلحاقه بالعصير،

[في رد الأجوبة]

(أقول) و الظاهر عندي الحل و الطهارة لأن موضوع الحكم في الأدلة هو العصير و هو ماء العنب المستخرج بالعصر، و القدر الذي يمكن دعوى العلم بعدم مدخليته هو كون الاستخراج بالعصر، و أما ماء العنب فهو موضوع الحكم قطعا و الذي يصدق إذا غلت حبات العنب انه غلى العنب لا مائه، إذ من المعلوم ان العنب ليس موضوعا لخصوص الجرم المجرد عن الماء بل لمجموع الجرم و الماء و اضافة الماء اليه من اضافة الجزء الى الكل، لا بمعنى ان العنب يصدق على بعض اجزائه

ص: 109

حال اجتماعها أنه مائه، و «كك» الرمان بل بعد انفصال الرقيق من الغليظ يقال ان هذا مائه بمعنى انه شي‌ء نسبته الى الغليظ كنسبة الماء إلى الباقي، و (بالجملة) فلا يصدق غليان ماء العنب الذي هو الموضوع (على غليان حبات العنب «ظ») و هو القدر الذي ثبت لزوم الأخذ به لثبوت الحكم في الماء الذي خرج من العنب بنفسه أو بالطبخ و لا يلزم انسحابه الى غليان العنب أيضا، هذا كله، مضافا الى الوجه الثاني من عدم تحقق الغليان المفسر بالقلب و صيرورة الأعلى أسفل في رواية حماد و كلمات الأصحاب و الجواب بتحققه في العنب بحسب حاله لا محصل له ثم ان ما ذكرنا كله انما هو مع قطع النظر عما استظهرناه من الاخبار و شيدنا أركانه بالقرائن الساطعة الأنوار، من ان الحكم بالمنع فيما غلى بنفسه انما هو لملازمته للشدة و الإسكار و النشيش، و فيما غلى بالنار لصيرورته مما يتسارع إليه الإسكار إذا بقي زمانا، و ان محصل الصنفين من الروايات انه يحرم العصير الذي أسكر، و العصير الذي لا يؤمن من ترتب الإسكار، فالأول كما فيما غلى بنفسه و الثاني كما في البختج و الطلاء و من المعلوم انتفاء هذا المعنى في العنب الذي غلى مائه في نفس حبته فإنه مستعد لكثرة الحلاوة التي جعلت معيارا للحلية لا للشدة، و العلة المذكورة لو لم تكن مستظهرة أو منصوصة فلا أقل من كونها محتملة، فلا يلحق بالعصير المغلي ما لم يعلم اتحاده معه في المناط، كما انه قد اتضح غاية الاتضاح ان ماء العنب الخارج منه إذا غلى بنفسه حدثت فيه الشدة و الإسكار، (فكك) من المتضح ان العنب الذي يوضع في الشمس فيجف تدريجا حتى يصير زبيبا لا تحدث فيه حالة إسكار قطعا، و لو حدثت فيه لما زالت بالمرة بصيرورته زبيبا، فإلحاق أحدهما بالاخر مع انه قياس يكون مع الفارق الواضح أيضا، (و من العجب) ان بعض المعاصرين بعد ان اعترف بان موضوع الحكم في الأدلة هو العصير، و رجح لحوق غليان العنب في نفس حبته به، اعترض على نفسه بأنه قياس، و ليس بأوضح من قياس ابان الذي ورد التوبيخ في العمل به؛ (فأجاب) بأنه من قبيل القطع بعدم الخصوصية و وضوح أعمية الموضوع بعدم احتمال صفة ذات مدخلية موجودة فيما علق عليه الحكم ظاهرا مفقودة فيما الحق به، و قد اتضح بما ذكرنا فساده، إذ لو لم يكن مدخلية ملازمة غليان الماء الخارجي للإسكار معلومة

ص: 110

فلا أقل من ان تكون مظنونة أو محتملة فأين القطع بعدم الفرق؟

[حكم العصير الممتزج بغيره]

اشارة

(و منها) انه إذا امتزج العصير بغيره و غلى، فهل هو في حكم الخالص أم لا فلجماعة من الأصحاب كلمات مختلفة في الباب و الذي يقتضيه التحقيق ان يقال ان الممتزج (ان غلى بنفسه) بعد الامتزاج كان محرما نجسا، بناء على ما ثبت في الخارج من الملازمة بين غليان الأشياء الحلوة المتضمنة لما يوجب النقع و الازباد و بين الشدة و الإسكار، (و ان غلى بالنار) و ان بنى على ما ربما يستفاد من الروايات من ان تحريم العصير قبل ذهاب ثلثيه لكونه مما لا يؤمن عليه الإسكار أو يتسارع اليه، فان كان مختلطا بما يوجب الأمن من ترتب الإسكار عليه بمعنى انه صار بحيث إذا سكن غليانه بالنار و برد لا يعود الى الغليان بنفسه كان محللا طاهرا، و الا كان محرما ما لم يغل بنفسه، و مما يعلم ان اختلاطه لا يؤثر شيئا و لا يرفع تأثير العصير عما كان عليه هو الماء المطلق فان امتزاجه بالعصير ما لم يبلغ حد استهلاكه لا يمنع من تأثيره، بل كل المائعات أو جلها إذا وضع فيها الماء كان الحكم و التأثير تابعا لذلك المائع غايته انه ينقسم الى رقيق و ثخين، مضافا الى التصريح به في خبر عقبة بن خالد (في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب و صب عليه عشرين رطلا من ماء ثم طبخه حتى ذهب منه عشرون رطلا و بقي عشرة أرطال أ يصح ان يشرب تلك العشرة أم لا؟ فقال ما طبخ على الثلث فهو حلال) و في كون الغرض من القضية الواقعة في جوابه افادة حلية شرب تلك العشرة أو حرمتها كلام سيأتي في محله إنشاء اللّه تعالى، و مثل الماء في عدم منع اختلاطه عن تأثير العصير العسل و الدبس و التين و أشباهها ظاهرا و اما الاختلاط باللحم و المرق فمما لا نعلم انه مؤثر في المنع أم لا، و لعل الترخيص المستفاد من الرواية الاتية عن المستطرفات مبنى على كون مثله مانعا عن ترتب الشدة و الإسكار عليه و ان بقي، و سيأتي الكلام عليه إنشاء اللّه تعالى سواء قلنا ان هذه (1)العلة أعني كونها مما يتسارع إليه الإسكار أو لا يؤمن عليه (2)مما ليست منصوصة و لا مستظهرة من دليل لفظي بل قد ثبت تخلفها، فقد حكم بالحرمة مع عدم وجود المناط في عصير غلى بالنار و لم يمض عليه زمان أصلا بأن يراد شربه فورا، و حكم


1) هي- (ظ)

2) لأنها- (ظ)

ص: 111

بالحلية في عصير التمر و الزبيب مع وجود المناط فيه فينبغي ان يقال ان استهلك الخليط بحيث يصدق على الممتزج انه عصير فلا إشكال في حرمته بالطبخ، كما انه لا إشكال في الحلية إذا استهلك العصير قبل الغليان، و ان لم يستهلك أحدهما في الآخر فإن صدق انه غلى العصير أو طبخ العصير بالنار حرم، و ان لم يصدق أن المغلي عصير أو صدق على ذلك الخليط أيضا انه غلى أو طبخ فان المدار في الاندراج تحت الأدلة صدق غليان العصير لا انه غلى منفردا أو لأن المغلي عصير و لعله واضح لا ينبغي الإشكال فيه، (الا انه روى) في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب المسائل من مسائل محمد بن على بن عيسى بواسطة محمد بن احمد بن محمد بن زياد و موسى بن محمد بن عيسى (قال كتبت الى ابى الحسن (ع) جعلت فداك عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم و ربما جعل فيه العصير من العنب و انما هو لحم يطبخ به و قد روى عنهم (ع) في العصير انه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و ان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة و قد اجتنبوا أكله الى ان يستأذن مولينا في ذلك فكتب (4) بخطه لا بأس بذلك) و رواه يحيى بن سعيد في كتابه المسمى ب (الجامع) (قال كتب محمد بن على الى على بن محمد الهادي (ع) جعلت فداك عندنا طبيخ) و ذكر نحوه، و ظاهره و لو بقرينة ترك الاستفصال و عدم وجود فرد ظاهر و لا مقدار معين متعارف بجعل العصير في الطبيخ انه إذا امتزج لم يحرم بالغليان و لم يشترط فيه ذهاب الثلثين و ان صدق ان العصير غلى، بل لا ينفك صدق ان اللحم طبخ بالعصير من صدق غليان العصير، كما انه ينسبق الى ذهن كل احد من قول القائل اللحم طبخ بالماء ان الماء غلى، قال العلامة المجلسي في البحار أن الرواية تدل على انه إذا صب العصير في الماء و غلى الجميع لا يحرم و لا يشترط في حله ذهاب الثلثين، و لم أر قائلا به من الأصحاب، (ثم قال) و يمكن حمله على ما إذا كان العصير المصبوب فيه قليلا يضمحل فيه فلا يسمى عصيرا (و أنت خبير) بأنه لا مجال لهذا الحمل أصلا حيث ان السائل صرح بأنه لحم يطبخ بالعصير، و كيف يصدق هذا المعنى مع كون العصير قليلا مستهلكا مضمحلا فيه منفيا عنه اسم العصير، (مضافا) الى منافاته لترك الاستفصال في الجواب، و هذه الرواية قد حيرت جماعه من الفضلاء فلم يهتدوا الى حلها سبيلا، فان الالتزام بظاهرها

ص: 112

في غاية الإشكال، فإن الموجب للتحريم و هو الغليان و كون ثلثيه نصيب الشيطان موجود فيه كغير الممتزج و كيف يرفع اليد عن الإطلاق و العموم المصرح به في الاخبار المتواترة من حرمة العصير بالغليان من غير اشتراط انفراده، بل التصريح باعتبار ذهاب الثلثين في الممتزج أيضا في خبر عقبة بن خالد و غيرها بمثلها، مع مخالفته للاعتبار جدا و حملها على صورة الاستهلاك و الاضمحلال قد عرفت بعده أو بطلانه

[توجيه رواية مستطرفات السرائر]

و عندي توجيه حسن وجيه للرواية خال عن التكلف و هو ان الاشكال انما نشأ من حمل سؤال السائل و اشتباهه على انه يعتبر في مثل هذا العصير أيضا ذهاب الثلثين أم لا و حمل الجواب على عدم اعتباره، و الترخيص في أكل ذلك الطبيخ المطبوخ به مطلقا مع انه من المحتمل أو الظاهر ان اشتباههم انما نشأ من ان ذهاب ثلثي المجموع من العصير و المختلط به هل يكفي في الحل أم لا نظرا الى ما هو المعلوم ان ما يذهب بالغليان من اجزاء الماء للطافته أكثر مما يذهب من اجزاء العصير و المعتبر ذهاب ثلثي العصير لا ذهاب ثلثي كل شي‌ء فكون ذهاب ثلثي العصير معتبرا أمر مفروغ عنه عندهم حتى في العصير الممتزج، و لذا ذكروا في السؤال ان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة، يعنون به لزوم ذهاب ثلثيه و انه بمنزلة باقي أفراد العصير و انه قد ذهب ثلثا هذا العصير الخاص الا ان الشك في كفايته كما ان هذا بعينه هو منشأ السؤال في خبر عقبة بن خالد فإنك تراه انه صرح بذهاب ثلثي المجموع، و مع ذلك فقد سئل انه هل يصح شرب الثلث الباقي؟ فلم يبق الا ان يكون جهة السؤال و الاشتباه ما ذكرناه، و كون الحديث ظاهرا في حال الممتزج و ان لم يذهب ثلثاه بعد الغليان كما ادعاه شيخنا المجلسي «ره» لا وجه له، بل الظاهر ما ذكرناه، و يؤيده ان الشيخ الفقيه المحدث الوجيه يحيى بن سعيد صاحب الجامع فهم منه ما ذكرناه فقال لا بأس ان يجمع بين عشرة أرطال عصيرا و بين عشرين رطلا ماء ثم يغلى حتى يبقى عشرة فيحل ثم ذكر هذه الرواية من غير تعرض للتكلم فيها على وجه يظهر انها مستندة فيما ذكره،

ص: 113

[حكم ما لو غلى العصير بإلقاء شي‌ء فيه]

(و منها) انه لو غلى عصير العنب لا بالنار و لا بطول المكث بل بإلقاء شي‌ء فيه يوجب غليانه و فورانه مما لا يحدث فيه اسكارا كما في التراب الذي سمعت عن بعض الطلبة أن يلقيه الصانعون للدبس (1)من أهل بلاده في إناء عصير العنب قبل وضعه على النار فيغلي العصير فورا و يحدث فيه نشيش و صوت خاص زمانا يسيرا ربما يبلغ ربع ساعة من الساعات المستوية ثم يسكن و لا يحدث في العصير شدة بسببه بل يوجب فتوره و انحلاله و له مدخل في كثرة حلاوته فالظاهر ان مثل هذا الغليان لا يوجب تحريما و لا تنجيسا بل العصير بعد باق على حليته و طهارته لما هو الأصل فيهما و الفتاوى كالنصوص ظاهرة في غيره و إطلاقات الغليان قد عرفت غير مرة انها لا يراد بها الا ما غلى بنفسه كما هو الظاهر عند إطلاق اسناد الغليان الى هذه الأشياء من غير ذكر موجب له كالنار و عرفت ان هذا هو السر في عدم تحديد التحريم فيها بذهاب الثلثين و لو تنزلنا فغاية ما يدعى إطلاقها انما هو بالنسبة الى ما غلى بنفسه أو بالنار و اما الغليان بمثل ما ذكرنا فالأخبار منصرفة عنه قطعا الى غيره و هو المفهوم المتيقن من اللفظ عند أهل المحاورات سيما مع عدم وجوده في تلك الأعصار و الازمان و في زماننا أيضا في أغلب البلدان، و ان شيوع استعمال لفظ الغليان انما هو في غيره، و بالجملة فلا ينبغي الإشكال في حليته و طهارته، نعم إذا غلى بعد ذلك بنفسه عاد حراما نجسا أو غلى بالنار صار محرما ما لم يذهب ثلثاه، و ربما يتوهم انه يستلزم تفصيلا في العصير غير معهود


1) بل هو الشائع المتعارف في البلاد التي يصنع فيها الدبس، بل الظاهر انه لا بد منه في صنع الدبس، فان ما يصنع من العصير المطبوخ على قسمين: منه ما لا يلقى فيه التراب فهو لا يصير دبسا بل يسمونه عندهم ب (الرب) بضم الراء و تشديد الباء و يكون حلوا حامضا و الظاهر انه هو الذي سمى بالطلاء في الروايات الماضية الحاكية لفعل عمر و القسم الآخر الذي يصير دبسا ما يلقى فيه التراب، و كان طبخ العصير لم يكن متعارفا فيما سكنه المصنف (قده) من البلاد حتى أسند ما ذكره الى بعض الطلبة (المصحح) (ج) 9

ص: 114

من الأصحاب بل مخالفا لإجماعهم المركب حيث بنينا على الحرمة و النجاسة فيما غلى بنفسه، و الحرمة فقط فيما غلى بالنار و عدمهما جميعا في مثل هذا الموضوع الا انه يزاح بعد شناعة دعوى الإجماع المركب الراجع إلى الإجماع البسيط على عدم جواز الفصل في أمثال هذه المسائل، بان ما اخترناه في الأولين مطابق على ما عرفت لما اختاره أساطين الفرقة، و دعائم الملة، بل لما اختاره غير شاذ ممن تكلم في المسئلة، و ان الثالث مما سكتوا عن التصريح بحكمه فيرجع فيه الى ما يقتضيه الأصول و القواعد، و عرفت ان الغليان المطلق في كلامهم لا يراد به الا القسم الأول و غايته ان يراد به القسمان، (و بالجملة) فما نصوا على حكمه فهو موافق لنا و ما سكتوا عنه فلم يعلم مذهبهم فيه، فأين المخالفة.

الفصل الثاني (في العصير الزبيبي المعروف بالنقيع)

اشارة

في العصير الزبيبي و قد عرفت ندرة القول بالتحريم فيه، و ان دعوى بعض الأساطين اشتهاره مبنية على مقدمات ممنوعة و استفادات مخدوشة و ان نجاسته مما لم يعرف القائل بها، و الأقوى حرمته و نجاسته إذا على بنفسه لما اتضح سابقا من ملازمته مع الإسكار و طهارته و حليته إذا طبخ لما هو الأصل و القاعدة فيهما بعد عدم وجود ما يوجب الخروج عنهما الا ما يظهر من النصوص الواردة في علة تحريم العصير من انها شركة إبليس في شجرة الكرم و ثمرته بالثلثين، و انه إذا ذهب نصيبه منها حل الباقي، و لا ريب ان الزبيب قد ذهب ثلثاه و زيادة، (و دعوى) ان ذهابهما انما يقيد «بماظ» إذا كان بعد الغليان و التحريم مدفوعة بأنه لا اثر لهذا لاشتراط في شي‌ء من النصوص بل ظاهرها اعتبار ذهابهما (مطلقا) بعد الغليان أو قبله و قد أشار إليه الشهيد «ره» فيما مر من كلامه من انه يحل طبيخ الزبيب على الأصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا و خروجه عن مسمى العنب، و يؤيد المطلوب أو يدل عليه ما سيأتي من رواية إسحاق بن عمار، فان المستفاد منها حيث قال (ع) (أ ليس حلوا) كون العلة في إباحة الشراب المسئول عنه كونه

ص: 115

حلوا غير متغير بما يوجب الإسكار فيطرد فيما كان (كك) و ان لم يذهب الثلثان لحجية العلة المنصوصة، و قد رواها في طب الأئمة مع التصريح بالتعميم قال (ع) (اشرب الحلو حيث وجدته) أو (حيث أصبته) (و صحيحة أبي بصير) قال: (و كان أبو عبد اللّه (ع) يعجبه الزبيبة) و هي على ما صرح به جماعة، الطعام المطبوخ فيه الزبيب، و ما رواه الراوندي في الخرائج، و نقله في البحار في البحار في معجزات مولينا الصادق (ع) عنه و عن مناقب ابن شهرآشوب عن صفوان من أمر ابى عبد اللّه (ع) (بان نطعم امرأة غضارة مملوة زبيبا مطبوخا) و ظاهر ان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب و لا ثلثا ماء طبخ فيه الزبيب و اكتسب منه الحلاوة و (كك) (الروايات لماضية جملة منها الدالة على إناطة حرمة النبيذ بالاسكار بناء على شمول النبيذ لكل ما ينبذ في الماء تمرا أو زبيبا مع ترك الاستفصال الراجع الى العموم، و ربما يناقش في الكل بأمور تقدر على دفع بعضها بالتأمل فيما مر و يأتي، كالمناقشة في ذهاب الثلثين في الزبيب بعدم اطراده فان من العنب ما هو كثير اللجاء قليل الماء و العلم بذهاب ثلثي كل حبة من حبات العنب دونه خرط القتاد و ذهاب ثلثي المجموع لا يجدى لكل حبة بل يتجه على ما قدمنا توضيحه مرارا على هذا الوجه انه لو ذهب نصيب الشيطان من الزبيب لما أسكر و ان غلى بنفسه و الملازمة واضحة كبطلان التالي لمن أتقن المقدمات السابقة:

و في رواية إسحاق بن عمار بضعف السند بالإرسال و اشتمالها على احمد بن محمد بن سيار و إن كان يؤيّدها تعدد طرقها كما يظهر من نقلها في كتاب طب الأئمة بغير اسناد الكافي و قصور الدلالة، إذا المفهوم منها ليس الا الحث على شرب الحلو و الاستشفاء به و اختياره على الأدوية الشبعة، و في رواية أبي بصير بضعف السند بالإرسال و ان وصفها غير واحد بالصحة، حيث ان البرقي رواها في المحاسن عن أبيه عن النضر بن سويد عن رجل عن ابى بصير و هذا يقتضي سقوط الواسطة المجهولة بين النضر و ابى بصير من نسخ الكافي، و يشهد له ما رواه الكشي عن بعض مشايخه ان محمد بن خالد الذي جعله في الكافي راويا عن ابى بصير لم يكن أبا بصير و الواسطة بينهما القاسم بن حمزة فالواسطة اما رجل مجهول أو القاسم بن حمزة و هو أيضا مجهول بل مهمل في كتب الرجال، و قصور الدلالة أيضا فلعل

ص: 116

الزبيبة هو الطبيخ المعروف الذي يطبخ باللحم و الفواكه كالزبيب و التين و السفر جل و نحوها و المعهود فيه إلقاء قليل من الزبيب مع غيره من غير دق و لا تصب (1)و لا يكتسب الماء منه حلاوة بل انما يكتسب من مجموع ما القى فيه حلاوة ضعيفة مركبة، و حلية مثل هذا لا يستلزم حلية الماء الذي اكتسب من الزبيب و استوفى منه حلاوته كما هو مورد بعض أدلة التحريم؛ و في رواية الراوندي أيضا بضعف السند بالإرسال و قصور الدلالة فإن أقصى ما دلت عليه: حلية الزبيب المطبوخ و محل النزاع هو عصير الزبيب دون الزبيب نفسه و عن روايات النبيذ بان المراد منها الماء الذي ينبذ فيه التمر كما هو الإطلاق الشائع في الروايات و اما ما يلقى فيه الزبيب فيسمى نقيعا و آثار التكلف على بعض هذه المناقشات ظاهرة، و على تقدير اتجاه الجميع فأصالة الحل كافية في المقام بعد ما ستعرف من عدم

[في الأدلة على تحريم الزبيبي]

[ (منها) استصحاب حكم حال العينية]

اتجاه أدلة التحريم، فإن عمدة ما يحتج به له أمور «أحدها» استصحاب الحالة السابقة الموجودة حال العنبية، و يقرر بوجهين (أحدهما) ان ملازمة الغليان للحرمة و سببيته لها كانت ثابتة حال العنبية و لم يعلم زوالها، فإذا تحقق ذات الملزوم بالوجدان و وصف ملازمته بالاستصحاب ترتب عليه اللازم، و هذا المعنى من الملازمة أمر موجود سابقا حقيقة أو اعتبارا صحيحا في مقابل الأشربة الأخرى التي لا تحرم بالغليان، و ليس فيه تعليق و تقدير فإذا شك في زواله جرى فيه الاستصحاب (الثاني) ان حرمته على تقدير الغليان كانت متحققة سابقا من غير تقدير و كما يثبت بالاستصحاب في الان اللاحق ما كان ثابتا سابقا من غير تعليق كك يثبت به ما ثبت على وجه الشرطية و المستصحب على هذا التقرير لكونه من الأحكام الشرعية لا يحتاج إلى أثر آخر يترتب عليه بل معنى استصحابه الالتزام في الان اللاحق و هو في هذا الان لتحقق المعلق عليه يكون حكما عمليا للجاهل فيرتب على الموضوع الخارجي آثار الحرام الواقعي، و هذا الوجه أسلم من الأول الغير الخالي عن اشكال كونه من الأصول المثبتة كما لا يخفى، و على الوجهين يندفع ما يورد تبعا للمناهل من انه يشترط في حجية الاستصحاب ثبوت أمر من حكم


1) كذا في النسخة- أحمد الحسيني الزنجاني

ص: 117

وضعي أو تكليفي أو موضوع خارجي في زمان من الأزمنة قطعا ثم يحصل الشك في ارتفاعه بسبب من الأسباب فلا يكفى مجرد قابلية الثبوت باعتبار من الاعتبارات و قد يورد «ثانية» بأنه يعتبر في الاستصحاب العلم ببقاء الموضوع و لا أقل من عدم العلم بزواله كما عن بعض و قد تغير في المقام قطعا حيث ان الزبيب غير العنب قطعا، و لذا يصح سلب كل منهما عن الآخر و لا يندرج أحدهما تحت الآخر و لا يصح جعل كل منهما قسما للآخر و لا التقيد به و لا الاستفهام عنه و لا استثنائه من ذلك «و ثالثة» بمعارضة هذا الاستصحاب باستصحاب الإباحة و الحل الذي كان ثابتا للزبيب قبل الغليان فاما يرجح عليه باعتضاده بالعمومات الدالة على الحلية و بالشهرة العظيمة القائمة عليها كما يراه جماعة أو يتساقطان فيرجع الى قاعدة الحل و الإباحة، و يجاب (عن الأول) بأن الزبيب و ان زالت عنه تسمية العنب بجفافه و تغير صفته الا ان حقيقة العنب باقية معه لم تزل عنه بشهادة الوجدان و دلالة العقل و زوال التسمية لا يطرد معها زوال الحقيقة فإن النسبة بين الرطب و اليابس في جميع الأجناس نسبة واحدة و التسمية في كثير منها مطردة كالتين، و الجوز، و التفاح، و السفر جل، و العناب، و الباقلا، و غيرها، من الفواكه و الثمار التي يميز بين رطبها و يابسها بالصفات و النعوت دون الأسماء غاية الأمر ان لكل من الرطب و اليابس في ثمرتي الكرم و النخل اسما يختص به و من المعلوم ان الحقيقة لا يختلف بمحض التسمية، و بقائها كاف في ثبوت الحكم و استصحابه، و قول الفقهاء الأحكام الشرعية تتبع الأسماء انما يعنون به تبعية الحكم للاسم وجودا و عدما مع انحصار العلة في المسمى و كونه سببا تام الاقتضاء ضرورة جواز تخلف الحكم عن العلة إذا كانت ناقصة و تخلفها عنه مع ثبوته بدليل آخر، و يحتمل ان يكون المراد انتفاء الحكم الثابت من جهة الاسم بزوال الاسم، فلا يجوز التمسك بإطلاق ذلك الدليل الذي علق فيه الحكم على الاسم أو عمومه، لا بان ينتفي الحكم بالمرة فلا يمنع من الاستصحاب و (عن الثاني) بأن الشك في الحل و الإباحة مسبب عن بقاء الملازمة و السببية في هذا الحال و استمرار الحرمة التقديرية فإذا أحرز البقاء و الاستمرار بالاستصحاب لم يجر الأصل في المسبب (فان قلت) ان الشك في الحل و الإباحة مرجعه الى الشك في الحرمة

ص: 118

التقديرية و ليس شيئا غيره مسببا عنه فان العنب كان متصفا بالحرمة التقديرية قطعا و بعد الزبيب و قبل الغليان و إن كان معلوم الحلية الا انه لا يعلم ان حليته مطلقة ثابتة له على جميع التقادير غلى أو لم يغل أو أنها مقيدة بعدم الغليان لبقاء حرمته على تقديره فالشك في حليته و اباحته بعد الغليان هو بعينه الشك في حرمته على تقدير الغليان ليس شيئا غيره مسببا عنه (قلت) انه قبل الغليان و إن كان يشك في إطلاق حليته و تقيدها الا انه يعلم قطعا اتصافه بالحلية الفعلية على التقديرين اما لإطلاقها أو لعدم حصول القيد، كما انه يشك في بقاء هذه الحلية الفعلية و عدمها من جهة الشك في ان الحرمة التقديرية باقية حال الزبيب أو انقلب إلى الحلية على جميع التقادير، و يشهد لمغايرة أحدهما للآخر اجراء استصحابين في بقاء الحلية الفعلية و بقاء الحرمة التقديرية إذ لا معنى لاتحاد الشك حقيقة و اجراء استصحابين متوقفين جميعا على معلوم سابق يشك في بقائه سواء قلنا بمعارضة أحدهما للآخر أو عدمها نعم يتجه ان استلزام بقاء الحرمة التقديرية لانتفاء الحلية الفعلية عقلي غير شرعي كاستلزام وجود احد الضدين لنفى الآخر فهذه الحرمة التي يحاول إثباتها في الزمن اللاحق من اللوازم العقلية الا انه غير ضائر بعد ان كان انتفاء احد الضدين مرتبا على وجود الآخر اما واقعا أو ظاهرا كترتب وجوب المقدمة على وجوب ذيها واقعا أو ظاهرا و انما الضائر ان يكون الأثر ملازما عقليا أو عاديا لخصوص الوجود الواقعي على ما حرر في محله و من جميع ما قررنا تقدر على الجواب عن تقرير آخر في منع الاستصحاب ربما تخيل انه الصواب في الباب و هو ان الشك في المقام ليس في ارتفاع الملازمة و السببية بعد العلم بثبوتها سابقا بل الشك في عمومها لهذا الحال اعنى حال التزبيب فلا يعلم ان وصف العنبية له مدخل في التحريم و التنجيس بالغليان حتى لا يتصف الزبيب بشي‌ء منهما بالمرة في شي‌ء من الأزمان أو لا حتى يتصف بهما بعد الغليان فالشك في أصل حدوث هذه الحرمة التقديرية في الزبيب لا في زوالها بعد ثبوتها كما ان الشك في عموم الملازمة لهذه الصورة لا في ارتفاعها بعد تحققها إذ فيه، ان أراد تغاير الموضوع و عدم بقائه حال التزبيب لتغاير العنب و الزبيب (1)رجع الى


1) أنه (ظ)

ص: 119

ما مر بجوابه، و ان أراد الإشكال فيه مع غمض النظر عن اتحاد الموضوع و تعدده ففيه ان الشك في جميع الاستصحابات راجع الى عموم الحكم السابق للحالة التي يراد استصحابه فيها، و التحقيق في الجواب المنع من جريان الاستصحاب للمنع من بقاء الموضوع، لا من جهة دعوى التغاير بين حقيقتي العنب و الزبيب حتى يقابل بما ذكر سابقا، بل من جهة ان الملازمة و السببية و الحرمة التقديرية كلها كانت سابقه لماء العنب فإنه هو الذي يحرم لو غلى، لا للعنب و لا للماء الخارجي الملقى عليه بحيث لا يصدق عليه ماء العنب، و لم يتفق في شي‌ء من الأدلة ان العنب يحرم إذا غلى، و انما الموجود فيها ان العصير و هو ماء العنب يحرم إذا غلى و هل يسوغ لأحد دعوى اتحاد الحقيقة العرفية بين ماء العنب و ماء الفرات، و اما دعوى عموم العصير لمثله فهي على تقدير صحتها راجعة إلى التمسك بعموم الأدلة اللفظية و إطلاقها كما سيأتي و تسمع الجواب عنه مفصلا.

و قد تفطن العلامة الطباطبائي الذي أبدى هذا التقرير للاستصحاب و أصر على تشييده و سد ثغوره بهذا الاشكال و الجواب فتصدى لدفعه (أولا) بأن المستصحب هو التحريم بالغليان في الجملة، غاية الأمر ان حصوله في العنب بنفسه و في الزبيب بواسطة الماء الخارجي (و ثانيا) بان التحريم في العنب ليس مقصورا على الغليان بنفسه، إذ لو أضيف إلى ماء العنب ماء من خارج ثم غلى الجميع حرم قطعا، و ليس الغليان هنا بماء العنب وحده بل به و بما أضيف إليه من الماء ثم أمر بالتأمل، و لعله راجع الى كلا الوجهين فان فسادهما مما لا يخفى على مثله، إذ يرد على الأول، انه لا يستصحب الا ما علم ثبوته سابقا و هو تحريم ماء العنب بالغليان و من المعلوم انه راح و ذهب حين جف و تزبب فكيف حكمه يستصحب، و ليس هناك معلوم ثابت على وجه الاجمال ينسحب الى الزمان الثاني، (و على الثاني) انه بعد اضافة الماء الخارجي فالذي يغلى هو الماءان فيصدق غليان ماء العنب فيندرج في موضوع التحريم إذ لا يشترط فيه ان يكون وحده و اين هذا من المقام الذي لا يغلى الا الماء الملقى من الخارج اكتسب من الزبيب طعم الحلاوة إما بنقعه فيه أو بفورانه

ص: 120

معه، هذا كله مضافا الى إمكان تصحيح الجواب بتغاير العنب و الزبيب أيضا بأن الحكم المعلق على المسمى باسم ظاهر في مدخلية ذلك المسمى فيه و انه هو الموضوع للحكم لا ماهيته و و حقيقته التي تعتور عليه الحالات المختلفة الموجبة لتسميته بأسام متعددة، و ما يرى من عدم اختلاف أغلب أحكام الحنطة و الدقيق و القطن و الغزل، بل العنب و الزبيب أيضا في مثل الحكم بالحلية أو التنجس بملاقاة النجاسة فإنما هو لما علم من الخارج في هذه المقامات ان الموضوع للحكم هو الجسم الخاص و لو لم يعلم لم يتعد من الحكم المعلق على المسمى باسم الى غيره و لذا لا نحكم بتعدي الوظيفة المستحبة من أكل أحد و عشرين زبيبية على الريق كما ورد في حديث الأربعمائة من الخصال بأكل مثلها من العنب و كذا ما في الكافي من رجحان أكل هذا المقدار كل يوم انه لا يمرض الا مرض الموت

[الثاني من أدلة حرمة الزبيبي]

(ثانيها) ما احتج به الفاضل الماخورى و شيده العلامة الطباطبائي ما دل بالعموم أو الإطلاق الراجع اليه على ان كل عصير غلى أو غلى بالنار فهو حرام، و المعتصر من الزبيب بعد نقعه في الماء أو مرسه عصير فيجب ان يحرم بالغليان (أما الثانية) فظاهرة (و اما الاولى) فلان العصير فعيل من العصر و هو استخراج الماء من الشي‌ء (مطلقا) عينا كان ذلك الشي‌ء أو غيره، أصليا كان المستخرج أو عارضيا، ابتدائيا كان الاستخراج أو مسبوقا بعمل كالنقع و غيره و خروج ما خرج لا ينافي التمسك به فيما شك في خروجه فان العام المخصص حجة فيما لم يثبت خروجه و (دعوى) ان النقيع لا يتضمن عصرا بل انما ينقع الزبيب في الماء ثم يطبخ (مدفوعة) بتضمنه للعصر بعد النقع و لا يشترط في صدق العصير ان لا يكون مسبوقا بعمل، و (دعوى) استلزامه لتخصيص الأكثر (مدفوعة) بجوازه (أولا) كما يدل عليه بعض الايات المستدل بها في كتب الأصول (و ثانيا) بعدم اقتضاء امتناع تخصيص الأكثر إرادة خصوص العنبي من اللفظ و لا وضعه له لجواز ارادة الثلثة اعنى العنبي و الزبيبي و التمري بتوجه الخطاب الى الافراد دون الأنواع، فإن أفراد هذه الثلثة أكثر من افراد غيرها، و الجواب ما عرفت مفصلا في المقالة الاولى من الشواهد على انه لا يراد من العصير المطلق في الروايات إلا العنبي، و اما ما دفع به دعوى استلزام تخصيص الأكثر من الجوابين فقد كفانا بعض من

ص: 121

سبقنا من المحققين بتوضيح ما فيهما مؤنة التعرض لها،

[الثالث منها]

(ثالثها) ما دل على حرمة كل شراب غلى و لم يذهب ثلثاه خرج ما علم خروجه و بقي ما لم يعلم، كصحيحة على بن جعفر عن أخيه (ع) (عن الرجل يصلى الى القبلة لا يوثق به اتى بشراب زعم انه على الثلث فيحل شربه قال (ع) لا يصدق الا ان يكون مسلما عارفا) و روى مثله في قرب الاسناد (و موثقة) عمار الساباطي (عن الرجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث فقال إن كان مسلما ورعا مأمونا فلا بأس ان يشرب) (و الجواب عنه) مضافا الى لزوم تخصيص الأكثر المستهجن غايته انهما مسوقان سؤالا و جوابا لجواز تصديق البائع أو من في يده الشراب بمجرد قوله من غير معرفة حاله و عدم جوازه بالنسبة الى ما كان توقف حليته على ذهاب الثلثين مفروغا عنه عند البائع و المشتري و السائل، و اين هذا من إطلاقهما و دلالتهما على حرمة كل ما يصدق عليه انه شراب ما لم يعلم ذهاب ثلثيه، مضافا الى ما قيل من معارضتهما مع الاخبار الكثيرة الدالة على اعتبار قول ذي اليد، و استيمان الصانع في عمله، و جواز الأخذ من سوق المسلمين، و عدم وجوب التفتيش و السؤال بل لإجماع المسلمين حيث يأخذون الدبس في أسواق الخاصة و العامة خلفا و سلفا من غير تفحص عن حال الصانع، مع ان صناعة غالبا ليسوا ورعين مأمونين، نعم في المتهم بالاستحلال قبل التثليث قد ورد النهي عن الاشتراء منه في بعض الروايات، و ذهب إليه جماعة من العلماء الإثبات (لا مطلقا) كما هو مورد الروايتين،

[الرابع منها]

(رابعها) الروايات المستفيضة المروية في الكتب المعتبرة المتضمنة لمنازعة إبليس مع آدم و نوح عليهما السلام الدالة على ان ثلثي ما يحصل من الكرم عنبا كان أو زبيبا لإبليس و ان ذلك علة تحريم الثلثين و تحريم الخمر كصحيحة زرارة، و روايات سعد بن يسار و ابى الربيع و خالد بن نافع و إبراهيم المروية جميعا في الكافي و روايات محمد بن مسلم و وهب بن منبه و ابى الربيع، المروية في العلل و رواية سعد بن يسار المروية في تفسير العياشي، و لنكتف بنقل بعضها (ففي خبر ابى الربيع) الشامي (قال سئلت أبا عبد اللّه عن أصل الخمر كيف كان بدو حلالها و حرامها؟ و متى اتخذ

ص: 122

الخمر؟ فقال (ع) ان آدم لما هبط من الجنة اشتهى من ثمارها فانزل اللّه عليه قضيبين من عنب فغرسهما فلما أن أورقا و أثمرا و بلغا جاء إبليس فحاط عليهما حائطا فقال آدم ما حالك يا ملعون فقال إبليس إنهما لي قال كذبت فرضيا بينهما بروح القدس فلما انتهيا اليه قص آدم قصته فأخذ روح القدس ضغثا من نار فرمى به عليهما و العنب في أغصانها حتى ظن آدم انه لم يبق منه و ظن إبليس مثل ذلك فدخلت النار حيث دخلت و قد ذهب منهما ثلثاهما و بقي الثلث فقال الروح اما ما ذهب منها فحظ إبليس و ما بقي فلك يا آدم، و في خبر إبراهيم عن ابى عبد اللّه (قال ان اللّه تعالى لما هبط آدم امره بالحرث و الزرع و طرح عليه غرسا من غرس الجنة فأعطاه النخل و العنب و الزيتون و الرمان فغرسها لعقبه و ذريته فأكل هو من ثمارها، فقال إبليس ائذن لي ان آكل منه شيئا فأبى أن يطعمه، فجاء عند آخر عمر آدم فقال لحواء قد أجهد بي الجوع و العطش أريد أن تذيقني من هذه الثمار قالت له ان آدم عهد الى ان لا أطعمك شيئا من هذا الغرس و انه من الجنة و لا ينبغي لك ان تأكل منه فقال لها فاعصري منه في كفى شيئا فأبت عليه فقال ذريني أمصه و لا آكله فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصه و لم يأكل منه لما كانت حوا قد أكدت عليه، فلما ذهب يعض عليه اجتذبته حوا من فيه، فأوحى اللّه الى آدم ان العنب قد مصه عدوى و عدوك إبليس و قد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس إبليس فحرمت الخمر لان عدو اللّه إبليس مكر بحواء حتى أمصته العنبة و لو أكلها لحرمت الكرمة من أولها إلى آخرها و جميع ثمارها و ما يخرج منه، ثم انه قال لحوّاء: و لو امصصتني شيئا من التمر كما امصصتني من العنب فأعطته تمرة فمصها) (الى ان قال) (ثم ان إبليس ذهب بعد وفاة آدم فبال في أصل الكرمة و النخلة فجرى الماء في عودهما ببول عدو اللّه فمن ثم يختمر العنب و الكرم فحرم اللّه على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو اللّه في النخلة و العنب و صار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة و الكرمة من رائحة بول عدو اللّه، و قريب منهما غيرهما، (و الجواب) عن الجميع عدم الدلالة على المدعى بوجه، فإنها من قصور الافهام عن عن حقيقة ما أريد بها، و مع كونها من قبيل الحكمة للأحكام الشرعية لا العلة الحقيقية: ان

ص: 123

بعضها كالخبر الأول يدل على نقيض المدعى، و ان ثلثي ماء العنب قد ذهب بالنار التي طرحها روح القدس فلا يحتاج بعد ذلك الى ذهاب الثلثين، و بعضها صريح أو ظاهر في ان المتفرع على هذه المنازعة حرمة الخمر و كل مسكر كالخبر الثاني حسب ما فصله في موضعين منه و بعضها دال على ان المتفرع عليها حرمة العصير الذي قد مر ان المراد منه العنبي و يشترك الكل في ان الوجه الظاهر من جميعها بيان استلزام غليان العنب و الزبيب و الرطب و التمر بنفسها للإسكار و ان ماء العنب أو الذي اكتسب حلاوة العنب أو التمر إذا بقي يتغير طعمها و ريحها و أسكر ما لم يذهب ثلثاه و اما ما ذهب ثلثاه و صار دبسا سلم من التغير و الفساد، و هذا هو الذي ذكرناه و أوضحناه مرارا من ان العنب و الرطب و اخويهما إذا غلت من غير ان تمسها نار أو طبخت و لم يذهب عنها ثلثاها تسارع إليها الإسكار،

[الخامس منها]

(خامسها) الأخبار الواردة في الزبيب بخصوصه و بيان ما يحل منه و ما لا يحل كموثقة عمار عن ابى عبد اللّه (ع) (قال سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ قال (ع) تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان من الغد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره ثم تغليه بالنار غلية ثم تنزع مائه فتصبه على الماء الأول ثم تطرحه في إناء واحد جميعا ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و تحته النار ثم تأخذ رطلا من عسل فتغليه بالنار غلية و تنزع رغوته ثم تطرحه على المطبوخ ثم تضربه حتى يختلط به و اطرح فيه ان شئت زعفرانا و طيبه إن شئت بزنجبيل قليل، قال فإذا أردت أن تقسمه أثلاثا فكله (1)بشي‌ء واحد حتى تعلم كم هو ثم اطرح عليه الأول في الإناء الذي تغليه فيه ثم تضع فيه مقدارا وحده حيث يبلغ الماء ثم توقد تحته بنار لينة حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) (و موثقته الأخرى) (قال وصف لي أبو عبد اللّه (ع) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال لي تأخذ ربعا من زبيب و تنقيه ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان أيام الصيف و خشيت ان ينش جعلته في تنور مسخون قليلا حتى لا ينش ثم تنزع الماء


1) بكسر الكاف من الكيل

ص: 124

منه كله إذا أصبحت ثم تصب عليه من الماء قدر ما يغمره ثم تغليه حتى تذهب حلاوته ثم تنزع الماء الآخر فتصبه على الماء ثم تكيله كله فتنظر كم الماء ثم تكيل ثلثه فتطرحه في الإناء الذي تريد ان تغليه فيه و تقدره و تجعل قدره قصبة أو عودا فتحدها على قدر منتهى الماء ثم تغلي الثلث الآخر حتى يذهب الماء الباقي ثم تغليه بالنار فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث ثم تأخذ لكل ربع رطلا من عسل فتغليه حتى تذهب رغوته و تذهب غشاوة العسل في المطبوخ ثم تضربه ضربا شديدا حتى يختلط، و ان شئت ان تطيبه بشي‌ء من زعفران أو بشي‌ء من زنجبيل فافعل ثم اشربه فإن أحببت أن يطول مكثه عندك فروقه) قال العلامة المجلسي «ره» في شرح الخبر (قوله) حتى يصير حلالا اى لا يتغير بالمكث عندك فيصير مسكرا حراما كما يومي اليه بعض ألفاظ الخبر (قوله) تأخذ ربعا اى ربع رطل، (قوله) في تنور مسخون في بعض النسخ (مسجور) من سجرت التنور إذا احميته و في بعضها سخن و النش الغليان (قوله) بقدر ما يغمره ماء اى تصب الثلث كله في القدر أو زبيبا آخر بقدر ما يغمره الماء الأول و إن كان بعيدا الا انه أوفق بخبره الآخر، (قوله) ثم تغلي الثلث الآخر أو الأخير كما في بعض النسخ لعل معناه انه بعد تقدير كل ثلث بالعود تغليه حتى يذهب الثلث الذي صببت أخيرا فوق القدر ثم تغليه حتى يذهب الثلث الآخر قال و مثل هذا التشويش ليس ببعيد من حديث عمار كما لا يخفى على المتتبع (انتهى) و مثل الموثقتين في الدلالة رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي (قال شكوت الى ابى عبد اللّه (ع) قراقر تصيبني في معدتي و قلة استمرائي الطعام فقال لي لم لا تتخذ نبيذا نشرب نحن و هو يمرئ الطعام و يذهب بالقراقر و الرياح من البطن قال فقلت له صفه لي جعلت فداك قال تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه و ما فيه ثم تغسل بالماء غسلا جيدا ثم تنقعه في مثله من الماء أو ما يغمره ثم تتركه في الشتاء ثلثة أيام بلياليها و في الصيف يوما و ليلة فإذا اتى عليه ذلك القدر و صفيته و أخذت صفوته و جعلته في إناء و أخذت مقداره بعود ثم طبخته رقيقا حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثم تجعل عليه نصف رطل

ص: 125

من عسل و تأخذ مقدار العسل ثم تطبخه حتى تذهب الزيادة ثم تأخذ زنجبيلا و خولنجان، و دار دارچيني و زعفران و قرنفلا، و مصطكى، و تدقه و تجعله في خرقة رقيقة و تطرحه فيه و تغليه معه غلية ثم تنزله فإذا برد صفيته و أخذت فيه على غدائك و عشائك قال ففعلت فذهب عنى ما كنت أجده و هو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إنشاء اللّه) و (الجواب) عن الموثقتين (أولا) بانتهائهما إلى عمار المعروف بالتشويش و التصحيف في الحديث عند المحدثين، و ذكر العلامة المجلسي انه كان ينقل بالمعنى و لسوء فهمه كثيرا ما يقع منه الخلط و الغلط في الرواية، و قالوا انه كثير التفرد بالغرائب و ربما كان في نفس الموثقتين شهادة واضحة على ما رمى به من التشويش في النقل حيث ان الظاهر المصرح به في كلام السيد الصدر الرضوي القمي فيما كتبه على المختلف ان الموثقتين حكايتان لقضية واحدة سمعها من الامام (ع) و ترى اختلافهما جدا في جملة من الخصوصيات، قال السيد «قده» من تأمل في الخبرين يجدهما واحدا غير ان الثاني فيه تفصيل ما ليس في الأول لكنه كأكثر إخبار عمار فيه من التشويش في المتن ما يصعب به فهم المعنى المقصود منه «انتهى» و (ثانيا) بقصور الدلالة حيث ان الظاهر أو المحتمل ان الأمر بإذهاب الثلثين و غيره انما هو للحفظ من طرو الإسكار عليه إذا بقي لا لتوقف الحلية عليه، فإنه لا يحتاج الى هذه الخصوصيات الكثيرة بل يكفيه ان يقول اغله حتى يذهب ثلثاه، كما ربما يشهد بذلك ما في آخر رواية الهاشمي من انه شراب لا يتغير إذا بقي، و ما في رواية على بن جعفر ثم يرفع و يشرب منه السنة، و من المحتمل ان يكون الخاصية المطلوبة منه متوقفة على هذه الكيفية، كما يدل عليه الأمر بمثله في الرواية المتضمنة لطبخ ماء السفر جل على الثلثين، و كذا الأمر بالطبخ حتى يذهب العسل الزائد بل تدل رواية إسحاق بن عمار على ان الأطباء كانوا يأمرون بالطبخ على الثلث، و لذا قيل ان نضج الثمار و ما يعمل منها لا يكون الا بالتثليث (قال شكوت الى ابى عبد اللّه (ع) بعض الوجع و قلت ان الطبيب وصف لي شرابا آخذ الزبيب و أصب عليه الماء للواحد اثنين ثم أصب عليه العسل ثم اطبخه حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث فقال أ ليس حلوا؟ قلت بلى فقال اشربه و لم أخبره كم العسل)

ص: 126

و الظاهر ان أمر الأطباء بالتثليث أيضا للحفظ عن طرو الإسكار الموجب لتغير الطعم و الريح المسقط للشراب عن الخاصية المطلوبة عنه مضافا الى ان موضع الدلالة على توقف الحلية على التثليث في الأول انما هو في كلام السائل، و في حجية التقرير في أمثال المقام اشكال محرر في محله، و من الظاهر أو المحتمل كون الثاني عين الأول، و انما وقع الاختلاف في التعبير من سوء نقله المعتاد له، مضافا الى لزوم الخروج عن هذا الظاهر قطعا، فإن أصل الحلية لا يتوقف على هذه التفاصيل ضرورة (و اما) رواية الهاشمي فلا دلالة فيها أصلا حتى يحتاج الى الجواب مضافا الى جريان ما تقدم فيها أيضا،

[السادس منها]

و من جميع ما ذكرنا يظهر الجواب (عن سادس) أدلة المحرمين و هو رواية على بن جعفر عن أخيه (ع) (قال سئلته عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث ثم يرفع و يشرب عنه السنة؟ قال لا بأس به)

[السابع منها]

(سابعها) رواية زيد النرسي المتقدمة في المقالة الثالثة، و الانصاف انها هي العمدة في دليل التحريم و ليس عند المحللين للعصير الزبيبي على ما وقفت عليه من كلماتهم جواب عنها الا تضعيف السند، أو عدم ثبوت كون النسخة المنقولة عنها الرواية عين ذلك الأصل، و قد عرفت الجواب عنهما مفصلا في تلك المقالة بما لا نعيد (و قد يجاب عنها) باعراض المشهور عنها حيث ان الشهرة المقارنة للإجماع قائمة على حلية الزبيبي «و فيه» ان الاعراض على تقدير اجدائه انما ينفع في الخبر الذي اطلعوا عليه و لم يعملوا به و نحن نعلم ان أرباب الفتاوى الذين تحققت من أقوالهم الشهرة لم يقفو عليها و لم يكن لها عندهم عن و لا اثر و لعل الكل لو وقفوا عليها تشبثوا بها و لم يتعدوا عن مقتضاها و وضعوها على الرأس و العين و اما المتأخرون الواقفون عليها فبين آخذ بها مفت على طبقها و تارك لها معتذر بما عرفت عدم قبوله و هل يصلح للجعفري الذي اعتقد ان ما ثبت عن جعفر بن محمد عليه أفضل السلام حجة عليه يجب ان يدين اللّه به في السر و العلانية ان يعدل عنها بمجرد أن جماعة من أهل مذهبه لم يعثروا عليها فلم يعملوا بها؟ و لو ان حنفيا

ص: 127

ثبت عنده عن أبي حنيفة بعض الفتاوى بمثل ثبوت هذه الرواية ثم عدل عنه الى غيره بغير معارض أقوى منه بالاعتذار المذكور كان ملوما فالواجب اما إظهار عدم الدلالة أو إبداء معارض أقوى أو الاعتذار بعدم الثبوت و لنذكر أمورا يتضح بالتأمل في مجموعها الوجه في اختيارنا حلية الزبيبي المطبوخ و ترك العمل بظاهر رواية النرسي (أحدها) انه قد وقع في ذيل رواية النرسي تفكيك في بيان حكم قسمي الغليان ما كان بنفسه و ما كان بالنار فقال (ع) (إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير ان تصيبه النار فقد حرم و كذلك إذا اصابه النار فأغلاه فقد فسد) فعبر عن حكم الثاني بالفساد دون التحريم و لا يبعد ان يكون الوجه فيه انه بعد اصابة النار صار معرضا لطرو الإسكار و تسارعه اليه ما لم يذهب ثلثاه و إصلاح هذا الفساد انما هو بالإيقاد حتى يبقى الثلث، بخلاف ما نش بنفسه فإنه صار محرما لا علاج له الا ان يتحول خلا فالأول اعنى المطبوخ لم يصر محرما بل صار متصفا بالفساد الذي يراد به صيرورته معرضا لتسارع الإسكار اليه و لذلك لم يحكم عليه بالحرمة بل الفساد الذي يطلق كثيرا ما على مطلق المنقصة و لو كانت يسيرة كما يرشد اليه تتبع موارد استعماله (منها) ما في الكافي عن ابى سعيد دينار (قال مررت بالحسن (ع) و الحسين (ع) و هما بالفرات مستنقعان في إزارين فقلت لهما يا ابني رسول اللّه أفسدتما الإزارين فقالا يا أبا سعيد فساد الإزارين أحب إلينا من فساد الدين ان للماء أهلا و سكانا) «الحديث» (و بالجملة) فهذا التفكيك ربما يوجب ظهور الخبر في عدم تحريم المطبوخ و لا ينافيه تشبيهه بالأول بقوله: (و كك) فان المراد انه كما ان الأول صار محرما فعليا بالغليان «كك» الثاني صار مستعدا لطرو الحرمة عليه و فعليتها في حقه، «و بالجملة» فربما يستظهر من هذا الاختلاف في التعبير اختلافهما في الحرمة الفعلية الا ان يقال يكفي في سر الاختلاف في التعبير كون التحريم في أحدهما مما لا يقبل الزوال ما دام الموضوع باقيا، و لا يمكن إصلاحه، بخلاف الآخر، فإن التحريم الفعلي فيه مما يقبل للإصلاح مع بقاء الموضوع بالتثليث، لكن الناظر في الاخبار الواردة في العصير يرى أنها بأجمعها متضمنة

ص: 128

للحكم بتحريمه قبل ان يذهب ثلثاه، فلو كان الزبيبي مثله في التحريم فما الداعي إلى تغيير العبارة الحكم (1)بفساده؟ و ما المانع عن الحكم بتحريمه؟ و ما الذي يقتضي هذا التفصيل بعد اتحاد هما في التحريم و عدم ذكر الغاية؟ كما في ذيل الرواية، بل ينبغي ان يقول إذا غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم، و (بالجملة) فهذه الفقرة لا يعد ظهورها في عدم تحريم الزبيبي المطبوخ (ثانيها) ان دلالة صحيحة أبي بصير: (ان الصادق «ع» كان يعجبه الزبيبة) على حليته الزبيب المطبوخ و الماء الذي اكتسب منه حلاوته عندي تامة بناء على ثبوت التفسير المعروف عن الشهيد الثاني و الأردبيلي و غيرهما كدلالة رواية إسحاق بن عمار المروية في الكافي و طب الأئمة من قوله «ع» (أ ليس حلوا) فإنه نظير قوله «ع» في الجواب عن بيع الرطب بالتمر (أ ينقص إذا جف) بل وقع التصريح بالتعميم في المروي عن طب الأئمة و (كك) دلالة الروايات المستفيضة الظاهرة في انقسام النبيذ الى قسمين حلال و حرام، و انهما يدوران مدار الإسكار و عدمه، و قد مر شطر منها، و المناقشة التي أوردتها سابقا من ان المراد بها الماء الذي ينبذ فيه التمر فيدل على حلية العصير التمري دون الزبيبي فإنه يسمى نقيعا غير متجهة فإن النبيذ أعم لغة و مستعمل شرعا في ماء الزبيب كثيرا بل استعماله فيه أكثر من استعمال النقيع فيه، و لا بد من الإرشاد إلى جملة من المواضع (منها) رواية الهاشمي المتقدمة المتضمنة لقوله (ع) (لم لا تتخذ نبيذا نشرب نحن فقلت صفه لي جعلت فداك قال تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه) الى «آخر الرواية» و (منها) رواية حنان بن سدير (قال له الرجل هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شي‌ء هو؟ فقال اما أبي فكان يأمر الخادم فيجي‌ء بقدح فيجعل فيه زبيبا (الى ان قال «ع» فان كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ)، (و منها) صحيحة صفوان الجمال (قال كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لأبي عبد اللّه (ع) أصف لك النبيذ؟ فقال (ع) بل أنا أصفه لك قال رسول اللّه (ص ع) كل مسكر حرام، و ما أسكر كثيره فقليله حرام، فقلت له هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة؟ فقال (ع) ليس هكذا كانت السقاية إنما السقاية زمزم، أ فتدري أول من غيرها؟ قلت لا قال العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، أ فتدري


1) كذا في النسخة و الظاهر التعبير بقوله (للحكم) أو (في الحكم) كما لا يخفى (المصحح)

ص: 129

ما الحبلة؟ قلت لا، قال الكرم فكان ينقع الزبيب غدوة و يشربونه بالعشي و ينقعه بالعشي) و يشربونه غدوة يريد ان يكسر غلظ الماء على الناس ان هؤلاء قد تعدوا فلا تقربه.

(و منها) ما رواه عاصم بن حميد الحناط عن ابى بصير (قال سئلت أبا جعفر (ع) عن نبيذ السقاية فقال يا أبا محمد كانوا يومئذ أشد جهدا من ان يكون لهم زبيب ينبذونه، إنما السقاية زمزم) دلت الروايتان على ان نبيذ السقاية المعروف في زمن الأئمة (ع) الذي كان أهل الحجاز لا يطلقون عليه الا النبيذ كان ماء الزبيب، «و منها» موثقة سماعة (قال سئلته عن التمر و الزبيب يخلطان للنبيذ؟ قال لا، و قال كل مسكر حرام،) الى غير ذلك، بل لا يحضرني الان استعمال النقيع في الأسئلة و الأجوبة الواردة في الروايات، و ما في صحيحة ابن الحجاج كما مر لا يراد به الا ان النقيع هو الاسم الخاص و في (لسان العرب) و انما سمى نبيذا لأن الذي يتخذه يأخذ تمرا أو زبيبا فينبذه في وعاء أو سقاء عليه الماء و يتركه حتى يفور فيصير مسكرا، و في «النهاية الأثيرية» قد تكرر في الحديث ذكر النبيذ، و هو ما يعمل من الأشربة من التمر و الزبيب و العسل و الحنطة و الشعير و غير ذلك، يقال نبذت التمر و العنب:

إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول الى فعيل، و في «مجمع البحرين» مثله بعينه، و في «تاج العروس» مازجا لعبارة القاموس النبيذ فعيل بمعنى المنبوذ، و هو الملقى و منه ما نبذ من عصير و نحوه، كتمر و زبيب و حنطة و شعير و عسل، و عن (المحكم) مثل ما مر من اللسان بعينه:

(ثالثها) انه كثيرا ما يقع النهي عن شي‌ء حماية للحمى و حسما لمادة الفساد و خوفا عن الوقوع في الحرام من حيث لا يشعر، و منه النهي عن الانتباذ في أوعية مخصوصة مرت في المقالة التاسعة، كالنقير و الحنتم، خوفا من طرو الفساد و الإسكار عليه، و لا يعلم به الشارب فيقع في مفاسد شرب المسكر، بخلاف الانتباذ في الأسقية فإنها مع تسارع الفساد إليها كثيرا ما يعلم به الشارب فإنها على ما يقال تنشق إذا اشتد فيها النبيذ و مثل هذا في المكروهات كثير بمعنى ان الأمور التي يخاف من ارتكابها الوقوع في الحرام من حيث لا يعلم ينهى عنه

ص: 130

الشارع الحكيم بالنهي التنزيهي، و منه النواهي الكثيرة عن الشبهات على ما تقرر في محله فلا يبعد ان يكون النهي الوارد عن شرب ماء الزبيب المطبوخ الذي لا يحدث فيه المسكر بمجرده من جهة ان إباحته و الترخيص فيه يؤدى الى حفظه و بقائه عنده فيحدث فيه الإسكار فيشربه صاحبه و هو لا يعلم و هذه الحكمة يقتضي النهي التنزيهي عن شرب المطبوخ و ان لم يسكر الا ما علم بذهاب ثلثيه فإنه يؤمن من طرو الإسكار عليه بالبقاء و ليس الغرض من هذا الأمر رفع اليد عن ظهور النهي بمجرد هذا الاحتمال بل الغرض منه رفع الاستبعاد عن حمله على التنزيه مضافا الى ما اشتهر من كثرة استعمال الأمر و النهي في اخبار الأئمة (ع) لمجرد الرجحان و المرجوحية و قد حققنا في محله وضع صيغة الأمر و النهي للأعم من الوجوب و الندب و الإرشاد و غيرها في الأول و التحريم و الكراهة و الإرشاد و غيرها في الثاني و انهما لمجرد البعث و الزجر الا ان الدواعي تختلف فيهما و ان الطريقة المتداولة في جميع اللغات التلفظ بهما و ان كان الداعي على البعث و الزجر ضعيفا لا يبلغ درجة الإلزام بل لا طريق لهم غالبا في الندبيات و التنزيهيات الا هذا.

(و الحاصل) ان ظهور النهي في التحريم مما يرفع اليد عنه بأدنى قرينة حالية أو أو مقالية و ليس كظهور الحقائق في معانيها الموضوع لها (رابعها) قد يتفق المخالفة في المتن المنقول في الكافي أو غيره عن زيد النرسي مع ما هو الموجود في كتابه بما يجب معه الحكم بوقوع تصحيف في أحدهما و من المعلوم ان الكافي أضبط من هذه النسخة الموجودة فلا يؤمن فيما لم ينقل (1)في الكتب المعتبرة من روايات هذا الأصل من تحريف أو تصحيف أو زيادة أو نقيصة «و لننبه» على موضع واحد يتضمن فائدة مهمة و هو انه روى في الكافي حديثين في تقبيل اليد (أحدهما) عن ابن ابى


1) منها ما روى عن كتاب زيد النرسي في مسئلة سقوط الأذان و الإقامة عن الجماعة الثانية مما لا يخلو عن تشويش و اضطراب قد أوجب فيه الاجمال ففيه تأييد لما ذكره هنا (أحمد الحسيني)

ص: 131

[حديث في النهي عن تقبيل اليد]

عمير عن رفاعة عن ابى عبد اللّه (ع) (قال (ع) لا يقبل رأس أحد و لا يده الا رسول اللّه (ص) أو من أريد به رسول اللّه «ص» (و الثاني) عن ابن ابى عمير عن زيد النرسي عن على بن يزيد صاحب السابري (قال دخلت على ابى عبد اللّه (ع) فتناولت يده فقبلتها فقال اما انها لا تصلح إلا لنبي أو وصى نبي) و ربما يستفاد من الحديث الأول جواز تقبيل أيدي السادات و العلماء الحاملين لعلم النبي «ص» أو المروجين لشرعه الا ان الثاني ربما يقال بكونه مقيدا للاول شارحا لما أريد منه و المسطور في هذا الأصل الموجود هكذا: (ان زيدا قال دخلت على ابى عبد اللّه (ع) فتناولت يده فقبلتها فقال اما انه لا يصلح إلا لنبي أو من أريد به النبي) فيكون كالأول و لا يصلح للتقييد و قد سقطت الواسطة من الرواية أعني على بن يزيد،) (إذا عرفت هذه الأمور) تبين لك العذر في ترك الإفتاء بما يترائى انه ظاهر رواية النرسي من تحريم الزبيبي المطبوخ فإنه على تقدير الاطمئنان بعدم وقوع تصحيف فيها و عدم توسط مجهول أو ضعيف في النقل يتجه ان يقال ان التفصيل المذكور في ذيلها الظاهر في عدم تحريم المطبوخ يوجب رفع اليد عن ظهور النهي الواقع في صدرها عن الأكل قبل ذهاب الثلثين في التحريم بعد تسليمه و على تقدير منع ظهور الذيل و تسليم ظهور الصدر فهو في أول درجة الظهور و يجب رفع اليد عنه بالروايات الدالة على دوران تحريم النبيذ و تحليله مدار الإسكار و عدمه هذا ما سنح لي في المقام و اللّه و لي الافضال و الانعام

(الفصل الثالث) (في العصير التمري)

اشارة

في حكم العصير التمري و قد عرفت إجماعهم على طهارته و عدم وجود القول بحرمته بين المتقدمين و المتأخرين و حدوث القول بها في الأواخر من جماعة من الأخباريين «و الحق» فيه أيضا حرمة ما غلى بنفسه و نجاسته و حلية ما طبخ بالنار و طهارته و كلمات القوم غير منافية للمختار إذ من المعلوم

ص: 132

ان ما رجحوه من الحلية و الطهارة مبنى على عدم الإسكار و اما حرمة المسكر فمن الواضحات الضرورية عندهم كنجاسته عند غير الشاذ منهم و الدليل على الجزء الأول من المدعى اتضح مما سبق من ملازمة الغليان بنفسه في التمر للإسكار و على الجزء الثاني فأصالة (1)الحل و الطهارة من غير ثبوت مخرج عنهما، و الروايات الدالة على دوران التحريم و التحليل في النبيذ مدار الإسكار و عدمه، بل الأمر في هذا العصير أسهل من الزبيب من جهات عديدة، كشذوذ القول بالتحريم فيه، و اختصاص ما هو العمدة في التحريم كرواية النرسي بغيره، و وجود بعض الأدلة الخاصة الناصة على حليته من غير الإسكار كرواية الوفد الماضية ملخصا و لا بأس بإعادتها بعينها تنبيها على بعض الفوائد التي لم تذكر روى في الكافي بسنده عن محمد بن جعفر عن أبيه (ع) (قال قدم على رسول اللّه (ص) قوم من اليمن فسئلوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض نسينا ان نسأل رسول اللّه (ص) عما هو أهم إلينا ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فاتى الوفد رسول اللّه (ص) فقالوا يا رسول اللّه (ص) ان القوم قد بعثونا إليك يسئلونك عن النبيذ فقال رسول اللّه (ص) و ما النبيذ؟ صفوه لي فقالوا يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ و يوقد تحته حتى يطبخ فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في إناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر و يغلى ثم يسكن على عكره فقال رسول اللّه (ص) يا هذا قد أكثرت أ فيسكر؟ قال نعم قال (ص) فكل مسكر حرام قال فخرج القوم حتى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول اللّه (ص) فقال القوم ارجعوا بنا الى رسول اللّه (ص) حتى نسأله عنها مشافهة و لا يكون بيننا و بينه سفر فرجع القوم جميعا فقالوا يا رسول اللّه أرضنا أرض ردية و نحن قوم نعمل الزرع و لا نقوى على العمل الا بالنبيذ فقال لهم رسول اللّه (ص) صفوه فوصفوه كما وصفه أصحابهم فقال رسول اللّه (ص) أ فيسكر؟ فقالوا نعم قال (ص) (كل مسكر حرام) و حق على اللّه ان يسقى كل شارب مسكر من طينة خبال أ تدرون ما طينة خبال؟ قالوا لا، قال (ص) صديد أهل


1) لم يظهر وجه لذكر الفاء في المقام كما لا يخفى على العارف بالقواعد- المصحح

ص: 133

النار) و فيه دلالة واضحة على دوران التحريم مدار الإسكار، كما ان كون الإسكار في مثله ناشئا من وضع العكر فيه و هدره و غليانه بنفسه من الواضحات، و قد مر منا ما ينبغي ان يلاحظ في المقالة العاشرة حيث ان صاحب الحدائق «ره» استدل بهذه الرواية في الرد على ما ادعاه الوحيد البهبهاني «ره» من ان الغليان بالطبخ أيضا يفيد الإسكار و لو خفيا و ذكرنا ان ما ادعاه و إن كان غير صحيح قطعا الا ان احتجاجه بالرواية في الرد عليه أيضا غير صحيح فراجع، فللمحرمين جملة مما مر في الزبيب بجوابها و قد يزاد عليها ما يختص بالمقام كموثقتى عمار «إحداهما» ما رواه عن الصادق (ع) (انه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال (ع) خذ ماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر) و «الأخرى» (سئلت أبا عبد اللّه «ع» عن النضوح قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثم يتمشطن) دلت الاولى على توقف الحل على ذهاب ثلثي ماء التمر فتكون قرينة على المراد من الثانية

[في بيان ان النضوح ضرب من الطيب]

«و الجواب» ان النضوح على ما في «النهاية الأثيرية» ضرب من الطيب تفوح رائحته و مثله في «لسان العرب» و «تاج العروس» قالوا: و أصل النضح الرشح شبه كثرة ما تفوح منه بالرشح و في «مجمع البحرين» عن بعض الأفاضل ان النضوح طيب مائع ينقعون التمر و السكر و القر نقل و التفاح و الزعفران و أشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من الماء و يشد رأسها و يصبر أياما حتى ينش و يختمر و هو شائع بين نساء الحرمين الشريفين و كيفية تطيب المرأة به ان تحط الأزهار بين شعر رأسها ثم ترش به الأزهار ليشتد رائحتها قال و في أحاديث أصحابنا أنهم نهوا نساءهم عن التطيب به بل أمر (ع) بإهراقه بالبالوعة «انتهى» و على كل حال فهو ليس من المشروبات قطعا و انما يستعمل في التطيب و السائل إنما سئل عن النضوح المعتق في الرواية الاولى و هو الذي يراد جعله عتيقا بان يبقى مدة مديدة من عتق الشي‌ء اى قدم و عتقت الخمر اى قدمت و الغرض من حله حل استعماله في التطيب و هو ليس بمحرم و إن كان مما يحرم شربه و لم يقل أحد بنجاسة ماء التمر من دون ان يصير مسكرا فالسائل لما علم ان ماء التمر بعد الغليان لو بقي زمانا لأسكر و بعد الإسكار ينجس و ينجس و تفسد الصلاة

ص: 134

فيما اصابه أراد ان يتعلم ما يكون علاجا لدفع اسكاره فأمره بإذهاب ثلثيه، فان من المجرب المعلوم انه بعد ذهاب ثلثيه لا يعرضه الإسكار، كما هو مشاهد في الدبس و في الرواية الثانية دلالة واضحة على ان إذهاب الثلثين مقدمة للتمشط و من الواضح ان التمشط بغير النجس لا بأس به و إن كان مما يحرم شربه، فلم يبق الا ان يكون طبخه حتى يذهب ثلثاه علاجا لعدم طرو الإسكار عليه و جواز الصلاة معه لا توقف حل شربه عليه،

(الفصل الرابع) (في الفقاع)

في بيان الفقاع موضوعا و حكما و اضطربت كلمات الأصحاب فيه موضوعا و حكما من انه المتخذ من الشعير؟ أو أعم منه و من القمح و الزبيب و الذرة، و هل هو ما غلى بنفسه من الشعير؟ أو أعم منه و من المطبوخ، و انه نجس حرام بجميع أقسامه؟ أو لا و هل تدور الحرمة و النجاسة فيه مدار الإسكار؟ أو يتصف بهما و ان لم يكن مسكرا حتى انه قام احتمال ان يكون المعمول عند الأطباء للمريض منه، و ان نفى صدقه عليه في الجواهر، لكن على وجه يشعر بتأمله فيه، قال قد يمنع صدقه على ما يستعمله الأطباء في زماننا هذا من ماء الشعير لعدم وجود خاصيته على الظاهر، و الصحيح عندي ان المراد به ما يعمل من الشعير بان يصب عليه الماء و يترك أياما حتى يغلى بنفسه و ينش و يعلوه الزبد و يحدث فيه لذع قريب من الحدة و الشدة الحاصلة في الخمر أو يطبخ قليلا ثم يترك حتى يصير (كك) و تسميتها بالفقاع على ما صرح به كثير من أهل اللغة لما يرتفع في رأسه و يعلوه من الزبد من الفقاقيع بمعنى نفاخات (1)الماء التي ترتفع كالقوارير مستديرة، و «كك» ترتفع على الشراب عند المزج بالماء واحدها فقاعة كرمانة على ما في «تاج العروس» و هو مما يسكر كثيره و قد يعمل من غير الشعير كالأرز و الذرة و القمح، و غيرها، و يظهر مما نقله علم الهدى في الانتصار عن حمزة ان الفقاع هو «الغبيراء» و نقل عن زيد بن أسلم أن


1) بالفارسية (حباب)

ص: 135

«الغبيراء» هو الاسكركة و عن ابى موسى ان «الاسكركة» خمر الحبشة و في لسان العرب ان (العبيراء) هو السكركة و هو شراب يعمل من الذرة يتخذه الحبشي و هو يسكر، قال و في الحديث إياكم و الغبيراء فإنها خمر العالم اى مثل الخمر التي يتعارفها جميع الناس لا فصل بينهما في التحريم و في مادة «سكر» نقل عن ابى موسى الأشعري انه قال (السكركة) خمر الحبشة و عن ابى عبيدة انها من الذرة و عن مالك (قال سئلت زيد بن أسلم ما الغبيراء؟ قال هي السكركة بضم السين و سكون الراء نوع من الخمور تتخذ من الذرة و هي لفظة حبشية قد عربت) و قيل القرقع، و في غير واحد من كتب الأطباء و منها «مخزن الأدوية» أن الفقاع اسم لنوع من النبيذ مركب طعمه من حلاوة قليلة و حموضة و مرارة و يصنع من أكثر الحبوب كالشعير و الأرز و الدخن، و الذرة، و الخبز الحوارى و الزبيب و التمر، و السكر، و العسل، و قد يضيفون اليه الفلفل و سنبل الطيب و القرنفل (و ليعلم) ان المروي في كثير من الاخبار عن الأئمة الأطهار سلام اللّه عليهم ان الفقاع من أنواع الخمر، و الظاهر منها دوران أحكام الخمر من الحرمة و النجاسة مدار الإسكار، و ان ما كان من الفقاع لم يغل بنفسه و لم يحدث فيه النشيش و الحركة فليس بمحرم و لا نجس، بل لا يطلق عليه الفقاع عند الإطلاق إلا نادرا و لقد أجاد العلامة المجلسي في أطعمة البحار بعد ان نقل عن الأكثر انه حرام و ان لم يسكر فقال لكن صدق الفقاع على غير المسكر غير معلوم، و ظاهر التعليلات الواردة في الاخبار ان تحريمه باعتبار الإسكار «انتهى» و في «الحدائق» المفهوم من الاخبار ان الفقاع على قسمين منه ما هو حلال طاهر، و هو ما لم يحصل فيه الغليان و النشيش أيام نبذه، و منه ما هو حرام نجس و هو ما يحصل فيه الغليان، و الى ذلك أشار ابن الجنيد فيما نقله عنه في المعتبر «انتهى» و لننقل شطرا من الروايات التي يستفاد منها الأمر ان أعني كون الفقاع المحرم من المسكرات و انه يطلق على ما هو حلال طاهر فنى (صحيحة) ابن ابى عمير عن مرازم (قال كان يعمل لأبي الحسن (ع) الفقاع في منزله قال ابن ابى عمير: و لم يعمل فقاع يغلى) و كتب عبد اللّه بن محمد الرازي الى ابى جعفر الثاني (ان رأيت ان تفسر لي الفقاع فإنه قد اشتبه علينا امكروه هو بعد غليانه؟ أم قبله فكتب (ع)

ص: 136

لا تقرب الفقاع الا ما لم يضر آنيته أو كان جديدا فأعاد الكتاب اليه كتبت اسئل عن الفقاع ما لم يغل فأتاني ان اشربه ما كان في إناء جديد أو غير ضار و لم اعرف حد الضرورة و الجديد و سئل ان يفسر ذلك له و هل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة و الزجاج و الخشب و نحوه من الأواني؟ فكتب «ع» يفعل الفقاع في الزجاج و في الفخار الجديد الى قدر ثلث عملات ثم لا يعد منه بعد ثلث عملات إلا في إناء جديد و الخشب مثل ذلك) و في موثقة ابن فضال كتبت الى ابى الحسن «ع» اسئله عن الفقاع فقال هو الخمر و فيه حد شارب الخمر) و في موثقة عمار (قال سئلت أبا عبد اللّه «ع» عن الفقاع فقال هو خمر) و في رواية محمد بن سنان سئلت أبا الحسن الرضا «ع» عن الفقاع فقال لا تقربه فإنه من الخمر) و في رواية أخرى له (سئلته «ع» عن الفقاع فقال هي الخمر بعينها) و في رواية هشام بن الحكم (انه سئل أبا عبد اللّه «ع» عن الفقاع فقال «ع» لا تشربه فإنه خمر مجهول و إذا أصاب ثوبك فاغسله) و في رواية زاذان عن ابى عبد اللّه «ع» (قال «ع» لو ان لي سلطانا على أسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخميرة يعني الفقاع) و في رواية الوشاء عن ابى الحسن «ع» (انه قال الفقاع خمرة استصغرها الناس) و في رواية سليمان بن جعفر (قلت لأبي الحسن الرضا «ع» ما تقول في شرب الفقاع؟ فقال «ع» هو خمر مجهول) (الى غير ذلك) فهذه الروايات كما ترى كلها ظاهرة الدلالة في ان الفقاع من الافراد الحقيقية للخمر بمعنى المسكر كما عرفت سابقا انه متى أطلق الخمر أريد به مطلق المسكر و متى جعل قسيما للمسكر أريد به خصوص المتخذ من العنب و تأويل الجميع بان المراد منها انه مثل الخمر في التحريم تكلف لا داعي إليه بل ربما لا يصح في مثل قوله «ع» انه من الخمر و قوله «ع» هي الخمر بعينها و يزيده وضوحا جعل حده كحد شارب الخمر و الحكم على ما أصابه بالنجاسة، «نعم» الذي يظهر لي بعد التتبع التام و التأمل في أطراف المقام: ان السكر الحاصل من شربه ضعيف لا يبلغ حد السكر الحاصل من شرب الخمر و النبيذ، و لا يتصف بالشدة بل باللذع، كما يأتي في كلام العلامة التفتازاني و لذا وصف بالخميرة بالتصغير «تارة» و بأنه مجهول (اخرى) و بأنه

ص: 137

استصغرها الناس «ثالثة» بل الحالة الحاصلة من شربه إنما يسمى انتشاء كما عرفت سابقا مما نقلنا عن أئمة اللغة في درجات السكر و مراتبه ان أولها يسمى نشوا و انتشاء، و شيوع إطلاق السكر على بعض المراتب التالية الشديدة أوجب عدم تحرز أهالي تلك الأعصار عن شربه و بيعه في أسواقهم من غير زاجر و رادع، فهم يرونه غير مسكر و السكر عندهم زوال العقل كما قال غير واحد من أئمة اللغة انه إذا شرب الإنسان فهو نشوان، و إذا أدب فيه الشراب فهو ثمل، و إذا أخذ من عقله فهو سكران، و عرف بعضهم السكر كما تقدم بعدم معرفة السماء من الأرض و الطول من العرض و الرجل من المرأة الا ان النصوص دلت على ان جميع مراتبه سكر يترتب عليه احكامه و في «التهذيب» عن ابى الصباح الكناني (قال قال أبو عبد اللّه كان النبي (ص) إذا اتى بشارب الخمر ضربه ثمانين فان اتى به ثانية ضربه فان اتى به ثالثة ضرب عنقه قلت النبيذ؟ قال إذا أخذ شاربه قد انتشى ضرب ثمانين قلت أ رأيت إن أخذته ثانية؟ قال اضربه. قلت فإن أخذته ثالثة؟ قال يقتل كما يقتل شارب الخمر و في «الاحتجاج» عن الحميري عن صاحب الزمان «ع» (انه كتب اليه يسئله عن معجون يصنع من الجواز و العسل و الزعفران بكيفية خاصة ذكرها في السؤال فأجاب «ع» إذا كان كثيره يسكر أو يغير فقليله و كثيره حرام) و بهذا التحقيق الانيق و التدقيق الرشيق تقدر ان تجمع بين ما دلت عليه ظواهر النصوص من ان الفقاع مسكر و بين ما صرح به كثير من الخاصة و العامة من نفى الإسكار عنه ففي فقه الرضا (كل صنف من صنوف الأشربة التي لا يغير العقل شرب الكثير منها لا بأس به سوى الفقاع فإنه منصوص عليه بغير هذه العلة) و في (المعتبر) بعد ان استدل على تحريمه بأنه خمر و كل خمر حرام أورد على نفسه بان الخمر من ستر و لا ستر في الفقاع، و في «مجمع البحرين» و بعض كتب الأطباء كالتحفة انه ليس بمسكر، و في (العقائد) للمحقق النسفي و شرحه للعلامة التفتازاني ما لفظه: و لا يحرم نبيذ الجر و هو ان ينبذ تمرا أو زبيبا في الماء فيجعل في إناء من الخزف فيحدث منه لذع كما للفقاع و كأنه نهى عن ذلك في بدو الإسلام لما كانت الجرار أواني الخمور ثم نسخ فعدم تحريمه من قواعد أهل السنة و الجماعة خلافا للروافض و هذا بخلاف ما إذا اشتد و صار

ص: 138

مسكرا فان القول بحرمة قليله أو كثيرة مما ذهب اليه كثير من أهل السنة «انتهى» فإن النفي في كلامهم انما يتوجه الى نفى الإسكار بمعنى ازالة العقل و ستره كما في «المعتبر» الا ان الحكم الشرعي لما كان في الواقع معلقا على مطلق مراتب السكر و درجاته حتى التي يتعارف التعبير عنها بالانتشاء وردت النصوص في تحريمه و نجاسته، و انه هي الخمر بعينها كما في رواية ابن سنان عن الرضا «ع» فالنفي و الإثبات لم يتوجها الى محل واحد، بل الأول على المترتبة القوية و الآخر على الضعيفة.

«ثم» ان الحكم واضح بناء على دورانه مدار الإسكار فيما علم اسكاره أو عدمه و في المشتبه يرجع الى استصحاب الحل أو أصالة الحل و اما بناء على ما ذكره الجماعة من عدم دورانه مداره فالظاهر الحكم بالحل فيما لم يعلم مطابقته للفقاع المحكوم بالتحريم في ذلك الزمان و لم يعلم بوجود خاصيته فيه و الاقتصار في الحكم على ما علم فيه أحد الأمرين من مطابقته له أو وجود خاصيته فيه، و ربما يقال بالتحريم فيما أطلق عليه اسم الفقاع فعلا و ان جهل بوجود الخاصية فيه و شك في وجوده في تلك الأعصار بل و مع العلم بحدوث التسمية و عدم وجوده قبل، نظرا إلى أصالة الحقيقة في هذا الاستعمال الفعلي بضميمة أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم النقل المقتضى لوضع اللفظ لمعنى جامع أعم إذ لولاه لزم الاشتراك المرجوح على تقدير عدم هجر المعنى الأول أو النقل المرجوح على تقدير هجره الا انه بعد تسليم كفاية الأصل في إثبات ان المعنى الجامع هو الموضوع له يتجه عليه انه انما يتم لو لم يثبت وضعه في تلك الازمان لما يعم المحلل و المحرم و اما بعد ثبوت انقسامه أولا إلى قسمين فلا يجدى كون هذا الموجود من افراد الموضوع له في الحكم بالتحريم في الشبهة الموضوعية مضافا الى عدم انصراف إطلاقات تحريم الفقاع الى مثله بل هي منصرفة الى ما شاع استعماله فيه في تلك الأعصار و في «المسالك» ان الحكم معلق على ما يطلق عليه اسم الفقاع عرفا مع الجهل بأصله أو وجود خاصيته فيه و هي النشيش و هو المعبر عنه في بعض الاخبار بالغليان و لو أطلق الفقاع على شراب يعلم حله قطعا كالأقسام الذي طال مكثه و لم يبلغ هذا الحد لم يحرم قطعا، و في «صحيحة» على بن يقطين عن الكاظم «ع» قال

ص: 139

(سئلته عن شرب الفقاع الذي يعمل في السوق و يباع و لا ادرى كيف عمل و لا متى عمل أ يحل شربه؟ قال «ع» لا أحبه) و هذه الرواية تشعر بكراهة المجهول «انتهى» و ما ذكره أو لا غير خال عن نظر و منع يعرف مما قدمناه،

خاتمة (في جملة من الفروع المهمة النافعة التي وعدنا تحقيق) (بعضها فيما سبق)

اشارة

في جملة من الفروع المهمة

[ (أحدها) قد عرفت فيما تقدم ذهاب ابن حمزة في الوسيلة]

(أحدها) قد عرفت فيما تقدم ذهاب ابن حمزة في الوسيلة إلى الاكتفاء بذهاب نصف العصير و نصف سدسه في الحلية قال (و ان غلى بالنار حرم حتى يذهب بالنار نصفه و نصف سدسه و لم ينجس أو يخضب الإناء و يعلق به و يحلو) و استغربه غير واحد ممن تأخر عنه لتواتر الاخبار باعتبار ذهاب الثلثين، الا ان الظاهر انه ليس مخالفة منه «قده» مع القوم بل الذي ذكره طريق إلى معرفة ذهاب الثلثين، كما ذكره الشيخ في النهاية و دلت عليه رواية عبد اللّه بن سنان التي رواها الشيخ في «التهذيب» عنه عن ابى عبد اللّه (قال «ع» العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلثة دوانيق و نصفه ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه) و في «نهاية الشيخ» (إذا غلى العصير على النار لم يجز شربه الى ان يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و حد ذلك ان تراه قد صار حلوا أو يخضب الإناء و يعلق به أو يذهب من كل درهم ثلثة دوانيق و نصف و هو على النار ثم ينزل به و يترك حتى ببرد فإذا برد فقد ذهب ثلثاه و يبقى ثلثه) الا ان الرواية مع عدم صحتها مخالفة للاعتبار إذ لا ينقص من كل درهم نصف دانق بالبرودة فإن الشي‌ء الحار لا ينقص من وزنه بعد البرودة إلا مقدار يسير جدا فلو كان العصير ستة أمنان و ذهب منه ثلثة أمنان و نصف و هو على النار و بقي منان و نصف ثم ترك حتى برد لم ينقص منه نصف من قطعا و ستعرف ما يمكن ان ينزل عليه الرواية عن قريب إنشاء اللّه تعالى

ص: 140

[ (ثانيها) هل يكتفى بالدبسية في حلية العصير أم لا]

(ثانيها) نسب الى بعض الأصحاب الاكتفاء بالدبسية في حلية العصير المطبوخ و ان علم بعدم ذهاب الثلثين و اختاره في محكي «اللوامع» حاكيا له عن الجامع و هو الظاهر من الوسيلة فيما تقدم آنفا و ليس مما يبعد وقوعه بل كثيرا ما اسمع عن جملة من الأمصار ان العصير المطبوخ عندهم يصير دبسا قبل ذهاب ثلثيه، و يدعون انه لو بولغ في طبخه حتى يذهب ثلثاه احترق و سقط عن الانتفاع المعتد به، و احتمل المحقق الأردبيلي التمسك في حليته بإطلاق ما دل على ان الدبس حلال بل ربما يستظهر من كلامه ان حلية العصير بالدبسية مظنة الإجماع و قال «ره» بعد كلام له فقد ظهر المناقشة في حصول الحل بصيرورة العصير دبسا أو بانقلابه خلا فان الدليل كان مخصوصا بذهاب الثلثين الا ان يدعى الاستلزام أو الإجماع أو انه يصير خلا بعد ان يصير خمرا و قد ثبت بالدليل ان الخمر يحل إذا صار خلا، أو يقال ان الدليل الدال على ان الدبس و الخل حلال مطلقا يدل عليه «انتهى» الا ان من الجائز بل الظاهر ان يكون الاستلزام في كلامه راجعا الى الدبس و الإجماع راجعا الى الخل فإنه الذي يدعى الإجماع على افادته للتحليل و الدبسية هي التي يدعي ملازمتها لذهاب الثلثين و قد ذكر الشهيد الثاني في المسالك ان العصير لا يصير دبسا حتى يذهب أربعة أخماسه غالبا بالوجدان فضلا عن الثلثين و يحتمل الاكتفاء بصيرورته دبسا قبل ذلك على تقدير إمكانه لانتقاله عن اسم العصير، كما يظهر بصيرورته خلا لذلك (أقول) الا ان عد مثل تغليظ الشي‌ء و تثخينه استحالة يترتب عليها جميع آثار انتفاء الموضوع الأول كما ترى، كما ان الفرق بينه و بين الخل لعله مما لا يخفى، و على كل حال فيدل على الاكتفاء بالدبسية ما رواه الشيخ في «الصحيح» عن عمر بن يزيد (إذا كان يخضب الإناء فاشربه) و لا يعارضها مفهوم «صحيحة» معاوية بن وهب (قال سئلت أبا عبد اللّه عن «البختج» قال إذا كان حلوا يخضب الإناء و قال صاحبه قد ذهب ثلثاه و بقي الثلث فاشربه) للزوم إخراجها عن ظاهرها بجعل الواو بمعنى «أو» أو حمل الشرط الأخير على الأولوية أو حمل الأول عليها فيخرج عن المعارضة، و ذلك لان قول الصاحب ان كان مثبتا لما ادعاه فلا وجه لاشتراط

ص: 141

الحلاوة و خضب الإناء و الا فلا وجه لاشتراطه لكن يبقى في الصحيح المتقدم احتمال ان يكون أمارة غالبية لذهاب الثلثين كما فهمه الشيخ «ره» (حيث «ظ») انه بعد ان اعتبر ذهاب الثلثين جعل الحلاوة و خضب الإناء علامة له و قد مر كلامه و مثله القاضي ابن البراج في «المهذب» قال و إذا طبخ العصير على النار و غلى و لم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله فان ذهب ثلثاه و بقي الثلث جاز استعماله و حد ذلك ان يصير حلوا يخضب الإناء

[ (ثالثها) هل المعتبر في ذهاب الثلثين الكيل أو الوزن]

اشارة

(ثالثها) هل المعتبر في ذهاب الثلثين هو الكيل أو الوزن أو يتخير بينهما؟ فيرجع الى الأول كما سيأتي، لم يتعرض له الأكثر و معلوم ان نسبة الذاهب إلى الباقي مختلفة بحسب الاعتبارين لتقدم ذهاب جزء مفروض منه بحسب الكيل على مثل هذا الجزء بحسب الوزن، و ذلك ظاهر بالتجربة و العقل القاطع شاهد عليه فان معظم اجزاء العصير هو الماء و المادة الحلوة و الماء أقل وزنا من صاحبه (1)و الطف فينقلب الى الهواء أكثر منها، و قد يقرر بان نقصان الكيل و الوزن مسبب عن انقلاب بعض أجزائه إلى الهواء و معلوم ان المنقلب الى الهواء من تلك الاجزاء هو الالطف فالألطف و ان اللطيف أقل وزنا و أكثر حجما من الكثيف فما ينقص من وزنه بالانقلاب المذكور يلزم ان يكون أقل مما ينقص من كيله به دائما على ان نقصان الحجم قد يكون بسبب آخر أيضا كمداخلة بعض الاجزاء الى قوام بعض آخر، و «دعوى» ان تلك المداخلة لا يمكن فيما نحن فيه بناء على ان الحرارة موجبة للتخلخل الذي هو ضدها «ساقطة» لجواز وقوعها من جهة ما يستلزمه من انفتاح السدد المانعة عنها و حصول الفرج المعدة لها، مع ما يمكن هناك من ان يكون في بعض الأجزاء قوة نفوذ و في بعضها قوة جذب و قبض فيدخل لتينك القوتين و زوال المانع و حصول المعد ما هو من قبيل الأول فيما هو من قبيل الثاني و يستحكم فيه كما قيل في سبب حصول السواد من ممازجة الزاج و العفص «لكنك خبير» بان هذا التقرير مع توجه بعض المناقشات عليه (كما في الكلية القائلة بأن اللطيف أقل وزنا و أكثر حجما) بان الماء أكثر


1) صاحبته (ظ)

ص: 142

وزنا و أقل حجما من أغلب الادهان و لذا لا ترسب فيه و أسرع منها انقلابا الى البخار، و في دعوى المداخلة بان نقصان حجم العصير بعد برودته ربما يكشف عن عدم المداخلة، انه من قبيل جعل الضرورية نظرية، و الاحتجاج بمقدمات بعيدة في مسئلة بديهية و على كل حال فذهاب الثلثين في العصير المذكور من حيث الكيل و الحجم يتحقق قبل ذهابهما فيه من حيث الوزن فربما يقال بان المعيار في الحلية هو التقدير الوزني أو ما في حكمه مما يطابقه و ذلك لوجوه

[في وجوه اعتبار الوزن- أحدها]

[أحدها]

(أحدها) ان الروايات المعتبرة لذهاب الثلثين أو ما في معناه من ذهاب اثنين و بقاء واحد يدل على وجوب تحقق فناء هذا القدر منه بالطبخ فسواء أخذ هذا القدر بحسب الكيل أو الوزن (و لكن «ظ») لا يتحقق هذا الفناء بالنسبة مع بقاء الزائد على الثلث بحسب الوزن فإنه مستلزم لإمكان بقاء الزائد عليه بحسب الكيل أيضا لتوافقهما في العصير المذكور قبل الطبخ بلا شبهة، و انما اشتبهت حال الكيل بعده من جهة حصول القوام و احتمال مداخلة بعض الاجزاء في بعض، فلا يعرف بمحض الكيل في هذا الوقت قدر ثلثي العصير أو ثلثه، و انما يعرف بحسب الوزن فيه ذلك لعدم حصول الاشتباه في حاله من جهة أصلا «و لنوضح» ذلك بمثل فرضنا العصير ستة أمنان موافقا لست قصعات معينة فيجب ان يذهب و يفنى منه أربعة أمنان مطابق لأربع قصعات حتى يصير حلالا، فإذا طبخ الى تبقى قصعتان «فح» و ان كان مجال ان يتوهم بلوغه النصاب من حيث كون الباقي بقدر ثلث المجموع بحسب الصورة فيكون الذاهب بقدر ثلثيه، لكن العقل بمعونة ملاحظة القوام الحاصل فيه بالطبخ يحكم بإمكان كونه زائدا على الثلث بحسب الحقيقة، فإنه حالكونه رقيقا كان ثلثه بقدر قصعتين فيمكن ان يكون هذا القدر مع هذا القوام و الغلظ أكثر من الثلث بقدر زيادة وزن الغليظ على الرقيق فلا يكون الذاهب و الفاني بقدر ثلثيه لبقاء بعضه بالمداخلة المذكورة في قوام الثلث المذكور فما دام لم يبلغ حدا يطابق وزنه منين موافقا لقدر قصعتين في حال رقته لم يتحقق كون الباقي ثلثا و الذاهب ثلثين، فيكون المعيار لمعرفة بلوغه هذا الحد بلوغه

ص: 143

هذا الوزن أو ما في حكمه كبلوغه قدر قصعة و نصف إذا علم ان النسبة بين وزني الرقيق و الغليظ اى بين وزني العصير و الطلاء عند كونهما على حجم واحد كنسبة واحد و نصف الى اثنين، و هكذا و «بالجملة» يمكن ان تقوم تلك المعرفة أيضا لمن تتبع و استخرج النسبة مقام معرفة الوزن الذي هو المعيار هيهنا على ما عرفت، فتلخص بهذا التحقيق ان تحقق اليقين بذهاب ثلثي العصير مطلقا موقوف على تحقق الذهاب على الوجه المذكور،

[ثانيها]

(الثاني) التعبير بذهاب الثلثين في النصوص في مقابل البقاء فإنه يشعر بان المراد بالذهاب هو الفناء و الانفصال لا ما يشمل الدخول و الاندماج في قوام سائر الاجزاء فان الذهاب بهذا المعنى لا ينافي البقاء في الجملة و لا يقابله و لعل ذكر بقاء الثلث بعد ذهاب الثلثين في أكثر الروايات مع انه بحسب الظاهر مستغنى عنه لدفع هذا التوهم،

[ثالثها]

(الثالث) استعمال لفظ الأوقية في صحيحة ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه قال «ع» (إذا زاد الطلاء على الثلث أوقية فهو حرام) فإنها سواء كانت تميزا أو مفعولا بحسب التركيب تكون باعتبار أنها مفسرة بأربعين درهما أو سبعة مثاقيل صريحة في الوزن بلا شائبة احتمال الكيل فيها فتدل على ان المعيار هيهنا هو الوزن، و كان المعنى إذا زاد على الثلث بقدر أوقية و هذا اما كناية عن القلة أو مبنى (1)إذا كان أقل من أوقية يذهب بالهواء و يمكن ان يكون هذا فيما إذا كان العصير رطلا فان الرطل احد و تسعون مثقالا و نصف سدسه سبعة و نصف سدس و قد مر في رواية عبد اللّه بن سنان ان نصف السدس يذهب بالهواء و نصف السدس على هذا الوجه قريب من الأوقية بالمعنى الأول،

[رابعها]

(الرابع) استعمال لفظ الدوانيق في رواية ابن سنان المذكورة فإن الدانق في الأصل وضعه (2)عبارة عن سدس الدرهم الذي


1) على ما «ظ»

2) في أصل وضعه «ظ»

ص: 144

لا يجرى فيه شائبة الكيل، خصوصا إذا كان المقصود هناك المعنى الحقيقي كما فهمه الشيخ «ره» حيث عبر عنه في النهاية بقوله: أو يذهب من كل درهم ثلثة دوانيق و نصف،

[الجواب عنها]

هذا غاية ما يقال في ترجيح التقدير بالوزن، و لكنك خبير بان هذه الوجوه و التقادير و ان بلغت الغاية بل تجاوزت النهاية في التدقيق و التقدير الا انها بالاعراض عنها جدير، فان محصل الوجه الأول على طوله الخارق للعادة انه بعد ذهاب الثلثين بحسب الكيل لا يعلم فناء الثلثين من العصير الموجود أو لا بحسب الوزن فلا يعلم الحل فيستصحب الحرمة، «و فيه» ان الغاية المجعولة للتحريم في الروايات هي ذهاب الثلثين الصادق على ذهابهما بالكيل قطعا أو عرفا فتلك الأدلة بأنفسها أدلة على حليته و لا معنى للرجوع الى الاستصحاب بعد وجود الأدلة اللفظية الظاهرة و ليس في تلك الأدلة إهمال و لا في الغاية إجمال بل المتعارف في تقدير أمثال هذه المائعات سيما المطبوخ في القدر تقديره بالكيل و هو الذي يتمكن منه كل أحد في كل وقت بعود و شبهه بل بحس البصر سيما و قد وقع التصريح به في غير واحد من الروايات، كما ستعرف بل لو فرضنا القطع بعدم ذهاب الثلثين بحسب الوزن لكن ذهبا بحسب الكيل حكمنا بالحل لصدق الذهاب الذي جعل بإطلاقه غاية للتحريم، (و يرد على الوجه الثاني) ان مقابلة الذهاب بالبقاء و إن كان يقتضي كونه بمعنى الفناء الا انه تابع للمراد من البقاء فإن أريد به بقاء الثلث بحسب الوزن أريد ذهاب الثلثين و فنائهما بحسبه و ان أريد بقائه بحسب الكيل أريد فنائهما بحسبه أيضا و كون المراد بالبقاء هو الأول ليس ببين و لا مبين بل ظهور الذهاب فيه بحسب الكيل يقتضي إرادة البقاء بحسبه أيضا (و اما الوجه الثالث) و هو أوجهها بحسب الظاهر إذا التقدير بالاوقية الموضوعة لوزن معين و إن كان بالنسبة إلى المقدار الزائد على الثلث الا انه يدل على تقدير الذهاب و البقاء أيضا بحسب الوزن إذا المتعارف في التعبير عما يراد تعيينه بالكيل تقدير زيادته أيضا بالكيل فيقال لو زيد عليه رأس أنملة مثلا لكان كذا «فالجواب عنه»، مضافا الى عدم وضوح المراد

ص: 145

من الحديث بناء على تفسيره بسبعة مثاقيل و أربعين درهما، فان جعله كناية عن القلة في مثل المقام المبنى على المداقة غير صحيح بل غيره أيضا مع شيوع جعل الأقل منها بكثير كناية و احتمال ان الأقل من الأوقية يذهب بالهواء في مطلق العصير المطبوخ مجازفة، كما ان تعين كون المراد ما إذا كان العصير رطلا «كك» مع عدم انطباقه على نصف السدس أيضا، بعد هذا التكلف كما اعترف به بل المراد به نصف السدس و هو إطلاق ثابت يظهر من بعض أئمة اللغة شيوعه و ان لم يذكر في أكثر كتب اللغة ففي «لسان العرب» و «تاج العروس» عن الأزهري ان الأوقية في جزء الحديث يعنى حديث اصداق النبي «ص» لنسائه نصف سدس الرطل قال: و هو جزء من اثنى عشر جزءا و هو يختلف باختلاف البلاد «انتهى» و هذا هو المعين إرادته في صحيحة ابن ابى يعفور فيخرج عن الاجمال و ينطبق على رواية ابن سنان بناء على ان يكون المراد منها انه إذا زاد المطبوخ و هو على النار على الأوقية من الثلث فهو حرام فإنه بعد ان ترك و برد لا يذهب منه الثلثان «و بالجملة» فالاحتجاج مبنى على كون الأوقية بمعنى الوزن و بعد ثبوت استعماله في الكيل و احتمال المقام له يسقط الاستدلال و اما الرطل فاستعماله في الكيل مسلم عند الكل و قد فسره اللغويون بأنه ما يوزن أو يكال بل ذكر هذا المستدل ان الرطل يطلق غالبا على الكيل دون الوزن و احاله على ما حققه في رسالته في الأوزان. و قال العلامة المجلسي في رسالة الأوزان ان المد و الرطل و الصاع كانت في الأصل مكائيل معينة كما صرح به في الاخبار و كلام الأصحاب و اللغويون (1)أيضا فقدروها بالوزن لئلا يلحق التغيير بها بمرور الازمان (و الجواب عن رابع الوجوه) مضافا الى عدم صحة سند الرواية «أولا» ان استعمال الدانق و ان كان في سدس الدينار و الدرهم أشبع الا ان ظاهر الرواية أو صريحها إضافته فيها الى مجموع العصير المطبوخ لا الى كل درهم منه فيراد منه سدس العصير فيصير مثل بقية الروايات الظاهرة في ذهاب الثلثين بحسب الكيل، و لا أقل من ان لا يكون ظاهرا في الوزن و كون الدانق في الأصل موضوعا


1) و اللغويين- «ظ»

ص: 146

لسدس الدرهم بعد تسليمه لا ينافي استعماله في سدس شي‌ء آخر

[دانك الفارسي معجم لا ان الدانق معرب]

، بل كنت اتخيل انه معرب «دانك» الموضوع في اللغة الفارسية لمطلق السدس لكني تتبعت الكتب الموضوعة في اللغة الفارسية فلم أجد هذا اللفظ فيها بل يظهر منها انه ليس من تلك اللغة و لعله معجم من العربية، «و ثانيا» ما عرفت سابقا من عدم ذهاب نصف سدس الشي‌ء الحار بعد برودته قطعا فلا بد ان يراد بالرواية انه إذا ذهب نصف العصير و نصف سدسه بالوزن و هو على النار ثم ترك حتى برد فقد ذهب ثلثاه بحسب الكيل الذي هو المعيار فتكون الرواية دليلا على التقدير بالكيل و يكون موافقا للاعتبار،

[في كفاية ذهاب الثلثين بالكيل]

(إذا عرفت هذا كله) فنقول: الحق ان ذهاب الثلثين بالكيل كاف في التحليل و هو المعيار لانه المتعارف في أمثال ذلك و هو الذي يسهل على الناس من حيث إمكانه بالقصعة و القدر و أمثالها من الأدوات الدائرة و بالعود و شبهه بخلاف التقدير بالوزن المحتاج الى ميزان صحيح أو قبان مجرب لا يطمئن إلا بعد تقويمات و تدقيقات لا يهتدى إليها أكثر الناس بل يتيسر لهم التخمين بحس البصر و يدل عليه أيضا التصريح بالكيل في موثقتي عمار و رواية الهاشمي الماضية في الفصل الثاني المتضمنة كلاهما (1)لتقدير العصير بالكيل «و دعوى» انه قد مر ان ذلك التقدير ليس لإفادة الحلية بل لعدم طرو الفساد عليه بطول المكث «مدفوعة» بأن طرو الفساد أيضا لعدم ذهاب الثلثين كما يظهر من كثير من الاخبار و منها روايات منازعة إبليس فإن المستفاد من الكل ان وجود نصيب الشيطان علة للتحريم بالغليان و منشأ للاختمار بطول المكث، فإذا دل الدليل على ان ذهاب الثلثين بالكيل توجب عدم الاختمار دل على إيجابه للتحليل أيضا،

[ (رابعها) هل المعتبر في ذهاب الثلثين كونه بالنار أو يكفي مطلقا]

(رابعها) إذا ذهب الثلثان بالنار أفاد التحليل نصا و إجماعا و مقتضى إطلاق الأكثر ان ذهابهما بنفسه أو بالشمس أيضا يفيده الا ان بعضهم اقتصر على الأول استصحابا للتحريم الحاصل بالغليان مع عدم اليقين بحصول الغاية لكن الظاهر


1) كلتاهما- «ظ»

ص: 147

من التعليلات الواردة في الروايات ان مطلق ذهاب الثلثين كاف في عروض الحل و في الطهارة أيضا على القول بنجاسته،

[ (خامسها) ذهاب الثلثين من العصير لا يجدى في حلية جسم وقع فيه]

(خامسها) ذهاب الثلثين من العصير لا يجدى في حلية جسم وقع فيه قبل ذهابهما فجذب من العصير و لم يعلم ذهاب الثلثين، و هيهنا فروع كثيرة متفرعة على القول بنجاسة العصير بالطبخ أغنانا عن التعرض لها عدم القول بأصلها.

و لنختم الكلام في المقام حامد اللّه المفضال المنعام، مصليا على رسوله و آله الاطهار الكرام، عليهم أفضل الصلاة و السلام،

و قد وقع الفراغ منه ليلة الجمعة ثالث عشر شهر محرم الحرام من شهور «13- 1- 1324» السنة الرابعة و العشرين بعد الثلاثمائة و الالف من الهجرة المقدسة النبوية على هاجرها آلاف ألف سلام و تحية على يد مصنفه الآثم الخاطى الجاني (فتح اللّه الغروي الأصبهاني) (1)وفقه اللّه للعمل في يومه لغده، قبل خروج الأمر من يده ثم حصل الفراغ من طبعه و نشره بتصدى و تصحيح الاحقر أقل الطلبة يحيى الأبوطالبي العراقي في 30 «ع» 2/ 1370


1) و قد توفي مؤلفها السامي يوم الأحد ثاني شهر ربيع الآخر عام تسع و ثلثين بعد الثلاثمائة و الالف مطابقا لما أرخت له بقولي (عطر اللّه ضريحه) و انا الاحقر أقل الطلبة (أحمد الحسيني الزنجاني)