خیر الکلام فی الغناء الحرام

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: خير الكلام في الغناء الحرام موضوع: فقه استدلالى نويسنده: مرعشى، سيد محمد حسينى تاريخ وفات مؤلف: زنده در 1355 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: نشر مرصاد تاريخ نشر: 1418 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران شابك: 0- 5- 90627- 964 محقق/ مصحح: سيد باقر خسروشاهى ملاحظات: اين رساله در جلد دوم كتاب" غنا، موسيقي" قرار دارد

مقدمه

اين رساله كه به تصريح مؤلف در آغاز آن موسوم است به خير الكلام في الغناء الحرام در هيچ يك از كتابشناسيهاى معروف شيعه مانند ذريعه معرّفى نشده، و در هيچ يك از فهارس نسخه‌هاى خطى كتابخانه‌ها نسخه‌اى از آن شناسانده نشده است. تنها نسخۀ خطّى شناخته شدۀ اين رساله، پس از وفات حضرت آية اللّه حاج آقا رضا صدر قدّس سرّه در بين اوراق و نامه‌هاى باقى مانده از حضرت آية اللّه العظمى مرحوم سيد صدر الدين صدر قدّس سرّه پيدا شد. از اين رو از مؤلّف آن اطلاع دقيقى نداريم، همين قدر مى‌دانيم كه- به تصريح پايان رساله- تاريخ ختم تأليف هشتم شوّال 1355 ق، و كاتب آن مرحوم محمّد حسينى مرعشى در شوال سال 1355 ق است، و به احتمال قوى مؤلف رساله هم همين سيد محمد حسينى مرعشى است، ولى تحقيق و تفحّص ما راجع به ايشان، و سؤال از اهل اطّلاع و بزرگان، به جايى نرسيد و متأسّفانه مؤلّف را نشناختيم. مؤلف هيچ اشاره‌اى به ساير تأليفات و اساتيد و مشايخ و نياكان خود نكرده و تنها در پايان رساله، اشاره‌اى به دوران ستمشاهى و بيداد و خفقان رضا خانى و مظلوميت دين و دينداران در آن عهد نموده كه به نظر مى‌رسد وى ساكن ايران بوده و از نزديك شاهد جنايات و تبه‌كارى رژيم ستمشاهى بوده است.

تصحيح رساله هم بر اساس همان نسخۀ منحصر به فرد- كه نسخه‌اى خوش خط و نسبتا مصحّح است- صورت گرفت. اميد است خوانندگان گرامى اگر از سرگذشت مؤلف متضلّع اين رساله اطّلاعى دارند ما را نيز مطّلع سازند.

ميراث فقهى

ص: 1

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي أمرنا بالتجافي عن دار الغرور، و التوجّه إلى دار السرور، و الاجتناب عن اللهو و الباطل و قول الزور، و أغنانا بقراءة القرآن بألحان العرب عن ألحان أهل الفسق و الفجور. و الصلاة و السلام على من بعثه لتتميم مكارم الأخلاق و رفض مساويها، محمّد و آله المخصوصين بالبيت المعمور من اليوم إلى يوم النشور.

و بعد، فإنّ الغناء لمّا كان من الموضوعات التي يبتلى بها أكثر المكلّفين من جهة الصدور مباشرة أو تسبيبا باستيجار و نحوه أو من جهة تعلّق النهي عن المنكر به، و غير ذلك، و مع ذلك فقد صار معركة الآراء موضوعا و حكما حتّى أنكر بعض حرمته ذاتا من دون اقترانه بالمحرّمات الأخر، و إن كان حرمته في الجملة من ضروريات المذهب، و لم ينقّحه أحد حقّ التنقيح، بحيث يتوافق عليه الأدلّة، و يجتمع عليه الأخبار، بحيث يرتفع التنافي بينها بالمرّة، و تتّحد في الدلالة على المطلوب.

حداني (1)ذلك إلى إفراد رسالة فيه، تشتمل على تحقيقه موضوعا و حكما؛ بحيث تنطبق عليه الأدلّة و كلمات الأصحاب، و ترتفع بها بالمرّة


1) جواب لقوله: «لمّا كان».

ص: 2

غشاوة الشبهة و الارتياب. و نسأل اللّه تعالى من فضله أن يجعلها لي تذكرة و لغيري تبصرة و ذخيرة ليوم الحساب. و إليه المرجع و المآب، و سمّيتها «خير الكلام في الغناء الحرام» فنقول:

إشباع الكلام فيه يتحقّق بإشباعه في تفسيره لغة و في الأخبار الواردة فيه مستقلّة أو في تفسير الآيات المتعلّقة به، و في نقل كلمات بعض أساطين الأصحاب، و في بيان المختار من الأقوال و في تزييف قول المخالف و تضعيف أدلّته؛ فالكلام فيه يقع في مقامات:

المقام الأوّل في معناه لغة

و نقول: هو ما يسمّى بالفارسي «خوانندگى» و «خواندن» و أمّا بالعربي، فعن المصباح: «أنّ الغناء: الصوت» (1)و عن آخر: «أنّه مدّ الصوت» (2). و عن النهاية: «عن الشافعي أنّه تحسين الصوت و ترقيقه». (3)و عنها أيضا: «كلّ من رفع صوته و والاه، فصوته عند العرب غناء» (4)و عن الصحاح أنّه قال: «جارية مستمعة، أي مغنية». (5)و عن الأساس للزمخشري: «خفّة لسرور أو همّ». (6)و عن المشهور بين الفقهاء أنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب. (7)و عن


1) المصباح المنير، ص 455، «غنى».

2) انظر لسان العرب، ج 14، ص 135، «غني» قال فيه: «... الأصمعي في المقصور و الممدود:

3) النهاية، ج 3، ص 391.

4) النهاية، ج 3، ص 391. و فيها: تحسين القراءة. و نقل عنه الفيّومي في مصباحه: «إنّ معناه تحزين القراءة و ترقيقها».

5) الصحاح، ص 1232، «سمع» و فيه: «المسمعة: المغنّية».

6) لا يوجد في الأساس.

7) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 50.

ص: 3

القاموس: «الغناء- ككساء- من الصوت: ما طرّب به (1)و أنّ التطريب و الإطراب كالتطرّب و التغنّي». (2)إلى غير ذلك من الكلمات الواردة فيه.

و لا يخفى ما فيها من الاختلاف بحسب الظاهر، و لا يمكن الالتزام بحرمة كلّ هذه المفاهيم ضرورة، بل يمكن دعوى عدم حرمة بعضها بالضرورة من الدين كالمنقول عن المصباح و عن آخر، بل عن الشافعي بقول مطلق. و الظاهر أنّها بأسرها إشارة إلى المفهوم المعيّن عرفا، و أنّ الاختلاف فيها إنّما هو بحسب اللفظ، فهي تعريفات لفظية للشي‌ء المعيّن عند الكلّ، فهي بتمامها بيان لذلك المعيّن المشخّص.

المقام الثاني في الأخبار الواردة فيه

و هي كما أشرنا إليه على قسمين:

منها ما ورد فيها بخصوصه، و منها ما ورد في تفسير الآيات به. و من الأوّل رواية يونس، قال:

سألت الخراساني عن الغناء؟ و قلت: إنّ العباسي زعم أنّك ترخّص في الغناء. فقال: كذب الزنديق؛ ما هكذا قلت له. سألني عن الغناء؟ قلت له:

إنّ رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام، فسأله عن الغناء؟ فقال:

يا فلان! إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل، فأين (3)يكون الغناء؟

فقال: مع الباطل. (4)

و منها قوله- و قد سئل عن الجارية المغنّية-: «و قد تكون للرجل الجارية


1) القاموس، ص 1701، باب الواو و الياء، فصل الغين و الفاء.

2) القاموس، ص 140، باب الباء، فصل الطاء. و فيه: التطريب، الإطراب كالتطرّب و التغنّي.

3) في المصدر: أنّى يكون الغناء.

4) الكافي، ج 6، ص 435، ح 25.

ص: 4

تلهيه و ما ثمنها إلّا كثمن الكلب». (1)

و ظاهر هذه الأخبار- بأسرها- حرمة الغناء من حيث هو.

و منها ما في الكافي:

محمّد [بن يحيى] عن بعض أصحابه، عن محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنّيات أن يبعن و نحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن عليه السّلام. قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم و حملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك- يقال له إسحاق بن عمر- [قد] أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات و حمل الثمن إليك. و قد فعلت و بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم. فقال: «لا حاجة لي فيه؛ إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت». (2)

و منها ما عن الكافي:

عن محمّد بن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن قاسم عن سماعة، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «لمّا مات آدم عليه السّلام شمت به إبليس و قابيل، فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم عليه السّلام، فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذّذ به الناس فإنّما هو من ذاك». (3)

بيان: المعازف: الملاهي كالعود و الطنبور.


1) الكافي، ج 5، ص 120، ح 4.

2) الكافي، ج 5، ص 120، ح 7.

3) الكافي، ج 6، ص 431، ح 3. و فيه: عنه، عن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن قاسم.

ص: 5

و منها ما عن الكافي:

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنهاكم عن الزفن و المزمار و عن الكوبات و الكبرات». (1)

و قال في الوافي:

بيان. الزفن: اللعب و الدفّ. و يزفنون: يرقصون و المزمار: ما يزمر به. و الزمر: التغنّي في القصب. و مزامير داود: ما كان يتغنّى به من الزبور. و الكوبة- بالضم-: يقال للنرد و الشطرنج و الطبل الصغير و البربط. و الكبر- محركة-: الطبل. (2)

و منها ما عن الكافي أيضا:

عن علي [بن إبراهيم] عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام، فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي! إنّني أدخل كنيفا لي و لي جيران عندهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعا منّي لهنّ. فقال: «لا تفعل»! فقال الرجل: و اللّه ما آتيهنّ؛ إنّما هو سماع أسمعه بأذني. فقال: للّه أنت، أما سمعت اللّه يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. (3)

فقال: بلى و اللّه لكأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من أعجمي و لا عربي. لا جرم إنّني لا أعود إن شاء اللّه، و إنّي أستغفر اللّه. فقال له: «قم فاغتسل! و صلّ ما بدا لك؛ فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو متّ على


1) الكافي، ج 6، ص 432، ح 7.

2) الوافي، ج 17، ص 211، أبواب وجوه المكاسب.

3) الإسراء (17): 36.

ص: 6

ذلك. أحمد اللّه و سله التوبة من كلّ ما يكره؛ فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، و القبيح دعه لأهله؛ فإنّ لكلّ أهلا». (1)

و منها ما عن الكافي:

محمّد، عن أحمد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، [عن عبد الأعلى] قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء؟ و قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رخّص في أن يقال:

«جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم»

فقال: كذبوا.

إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ* لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ (2)ثمّ قال: «ويل لفلان ممّا يصف»- رجل لم يحضر المجلس-. (3)

قال في الوافي:

بيان: في نسخ القرآن الموجودة، في هذا الموضع مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ. قيل: مِنْ لَدُنّٰا أي من جهة قدرتنا؛ فإنّا قادرون على ذلك. ثمّ استعار لذلك القذف و الدمغ، تصويرا لإبطاله و إهداره و محقه، فجعله كأنّه جرم صلب كالصخرة- مثلا- قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه». (4)

و عنه أيضا:


1) الكافي، ج 6، ص 432، ح 10.

2) الأنبياء (21): 16- 18.

3) الكافي، ج 6، ص 433، ح 12.

4) الوافي، ج 17، ص 213.

ص: 7

محمّد، عن أحمد، عن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن [زيد] الشحّام قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله ملك. (1)

بيان: الفجيعة: المصيبة. (2)

و عنه أيضا:

الثلاثة، عن مهران بن محمّد، عن الحسن بن هارون، قال:

سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله، و هو ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ. (3)

و عنه أيضا:

سهل، عن إبراهيم بن محمّد المدني (4)، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سئل عن الغناء و أنا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها! (5)و عنه أيضا:

عن ياسر، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: من نزّه نفسه عن الغناء، فإنّ في الجنّة شجرة يأمر اللّه عزّ و جلّ الرياح أن تحرّكها، فيسمع لها صوتا لم يسمع بمثله. و من لم يتنزّه عنه لم يسمعه. (6)


1) الكافي، ج 6، ص 433، ح 15.

2) الوافي، ج 17، ص 314.

3) الكافي، ج 6، ص 433، ح 16 و الآية في سورة لقمان (31): 6.

4) في الكافي: «إبراهيم بن محمّد المديني» و لكن الصحيح هو ما في المتن. راجع معجم رجال الحديث، ج 1، ص 274.

5) الكافي، ج 6، ص 434، ح 18.

6) الكافي، ج 6، ص 434، ح 19.

ص: 8

و عنه أيضا:

علي، عن أبيه، عن السرّاد، عن عنبسة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع. (1)

و عن الكافي:

الاثنان (2)عن أحمد بن محمّد بن إبراهيم الأرمني، عن ابن يقطين، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق يروي (3)عن اللّه عزّ و جلّ، فقد عبد اللّه عزّ و جلّ. و إن كان الناطق يروي (4)عن الشيطان، فقد عبد الشيطان. (5)

و عن الكافي:

بإسناده عن علي بن الحسين عليهما السّلام، قال: لا يقدّس اللّه أمّة فيها بربط يقعقع و تائه يفجّع. (6)

بيان: التائه: المتكبر و كأنّه أشير به إلى التفاخر الذي يؤتى به في النائحات.

إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبّع.

و من الثاني ما ورد مستفيضا في تفسير قول الزور في قوله تعالى:


1) الكافي، ج 6، ص 434. عبّر فيه، عن السراد، بكنيته؛ أي: «ابن محبوب».

2) المراد منهما الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد.

3) هكذا ورد في الوافي، ج 17، ص 316، و لكن في الكافي: يؤدّي.

4) هكذا ورد في الوافي، ج 17، ص 316، و لكن في الكافي: يؤدّي.

5) الكافي، ج 6، ص 434، ح 24.

6) الكافي، ج 6، ص 434، ح 21.

ص: 9

وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. (1)ففي صحيحة الشحام (2)و مرسلة ابن أبي عمير (3)و موثقة أبي بصير (4)المرويات عن الكافي و رواية عبد الأعلى المحكيّة عن معاني الأخبار (5)و حسنة هشام المحكية عن تفسير القمّي رحمه اللّه (6)، تفسير قول الزور بالغناء.

و منها ما ورد مستفيضا في تفسير لهو الحديث (7)كما في صحيحة ابن مسلم (8)و رواية مهران بن محمّد (9)و رواية الوشاء (10)و رواية حسن بن هارون (11)و رواية عبد الأعلى السابقة. (12)

و منها ما ورد في تفسير الزور في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (13)كما في صحيحة ابن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام تارة بلا واسطة (14)و أخرى بواسطة أبي الصبّاح الكناني (15)إلى غير ذلك.

و قد يناقش (16)في الاستدلال بهذه الروايات بظهور الطائفة الأولى بل الثانية


1) الحجّ (22): 30.

2) الكافي، ج 6، ص 435، ح 2.

3) الكافي، ج 6، ص 436، ح 7.

4) الكافي، ج 6، ص 431، ح 1.

5) معاني الأخبار، ص 349.

6) تفسير القمّي، ج 2، ص 84.

7) لقمان (31): 6.

8) الكافي، ج 6، ص 431، ح 4.

9) الكافي، ج 6، ص 431، ح 5.

10) الكافي، ج 6، ص 432، ح 8.

11) الكافي، ج 6، ص 433، ح 16.

12) معاني الأخبار، ص 349.

13) الفرقان (25): 72.

14) الكافي، ج 6، ص 433، ح 13.

15) الكافي، ج 6، ص 431، ح 6.

16) المناقش هو الشيخ في المكاسب، ج 1، ص 286- 287.

ص: 10

في أنّ الغناء من مقولة الكلام لا من كيفيته، لتفسير قول الزور به.

و يؤيّد بما في بعض الأخبار من أنّ من قول الزور، أن يقول للّذي يغنّي، «أحسنت». (1)

و منه يظهر الخدشة في الطائفة الثالثة أيضا؛ حيث إنّ الظاهر أنّ مشاهد الزور التي مدح اللّه تعالى من لا يشهدها هي مجالس التغنّي بالأباطيل من الكلام، فلا تدلّ على حرمة نفس الكيفية إلّا من حيث إشعار لهو الحديث بكون اللهو على إطلاقه مبغوضا للّه، و كذا الزور بمعنى الباطل و إن تحقّقا في كيفية الكلام، لا فيه نفسه، كما إذا تغنّى في كلام حقّ من قرآن أو دعاء أو مرثية؛ و لكن الإشعار لا يمكن الاستناد إليه في إثبات الحكم الشرعي.

و لكن المناقشة المزبورة في غير محلّها، بل هي كالردّ على الإمام عليه السّلام؛ لأنّ تفسير قول الزور به لا يدلّ على أنّه من مقولة الكلام فقط، بل يعمّ ما كان في كيفيته؛ إذ الظاهر- سيّما بملاحظة التفسير الوارد عن أهل البيت عليهم السّلام أنّ المراد بالزور هو الكلام الباطل، سواء كان بطلانه من حيث نفسه أو من حيث كيفيته، و كذلك المراد من لهو الحديث ما يلهي عن اللّه و يورث الغفلة عنه تعالى و قسوة القلب و الانصراف عنه تعالى و التوجّه إلى عدوّه، سواء كان ذلك بسبب نفس الكلام أو بسبب كيفيته، كما يفصح عن ذلك خبر ابن يقطين- عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «من أصغى إلى ناطق» إلخ (2)- المتقدّم، مع أنّ في غيرها من الروايات غنى و كفاية، مع انعقاد الإجماع بقسميه عليه، بل الضرورة كما ادّعاها في الجواهر (3)بعد إمكان دعوى تواتر الأخبار على حرمته؛ فإنّ عدم حصول التواتر بما يزيد على ثلاثين حديثا، مساوق لمنع حصول التواتر في


1) معاني الأخبار، ص 349.

2) الكافي، ج 6، ص 434، ح 24.

3) جواهر الكلام، ج 22، ص 44.

ص: 11

أخبارنا الواردة أصلا؛ فإنّها لم تزد على هذا العدد في باب من أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات، بل في أصول الدين، فضلا عن فروعه.

نعم، بإزائها أخبار أخر قد يتخيّل أنّها تعارضها و تدلّ على عدم الحرمة:

منها، ما رواه في الفقيه:

عن رجل، عن علي بن الحسين عليهما السّلام عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة. يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، و أمّا الغناء فمحظور. (1)

بناء على أنّ هذا التفسير من كلام الصدوق، فيستفاد منه أنّ مدّ الصوت و ترجيعه و أمثال ذلك ليس بغناء أو ليس بمحظور، فهو كالأخبار الواردة في باب قراءة القرآن و أنّه يستحبّ ترتيله (2)و تحسين الصوت (3)به، و لا يتحقّق إلّا بمدّ الصوت و ترجيعه.

و منها ما رواه في الكافي (4)و التهذيب (5)و الفقيه (6)بإسنادهم:

عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

أجر المغنّية التي تزفّ العرائس، ليس به بأس ليست بالتي يدخل عليها الرجال.


1) الفقيه، ج 4، ص 60، ح 5097.

2) وسائل الشيعة، ج 6، ص 207، كتاب الصلاة، ب 21 من أبواب قراءة القرآن.

3) وسائل الشيعة، ج 6، ص 210، كتاب الصلاة، ب 24 من أبواب قراءة القرآن.

4) الكافي، ج 5، ص 120، ح 3.

5) تهذيب الأحكام، ج 6، ص 357، ح 1022.

6) الفقيه، ج 3، ص 161، ح 3589.

ص: 12

بناء على أنّه يستفاد منه أنّ الغناء ليس محرّما بالذات، و إنّما المحرّم منه ما يقترن به من المحرّمات الأخر، كالرقص و الضرب بآلات اللهو و دخول الرجال على النساء و التغنّي بالكلام الباطل و استعمال المسكرات في مجالسه على النحو المعهود المتعارف في زمن خلفاء بني أميّة و بني العباس و أمرائهم.

المقام الثالث في نقل بعض كلمات الأصحاب في هذا الباب

و الظاهر أنّهم متّفقون على حرمته كما ادّعاه جمع كثير و جمّ غفير، و ادّعيناه أيضا بل مدّعي ضرورية حرمته- و لو في الجملة- ليس بمجازف أصلا. و يكفي فيها ما في الجواهر أنّه يمكن دعوى كونه ضروريا في المذهب (1)، مضافا إلى ما عن الإيضاح (2)من دعوى تواتر الأخبار بحرمته، فلا يعبأ بما قاله المقدّس الأردبيلي و هو:

ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم، و لعلّ الشهرة تكفي مع الأخبار الكثيرة، بل الإجماع على تحريم الغناء، و التخصيص يحتاج إلى الدليل. و يمكن أن يقال: إنّ الأخبار ليست بحجّة و إنّما الإجماع و الشهرة مع القيدين (3)، فلا حجّة على غيره و الأصل دليل قوي، و الاحتياط واضح. (4)انتهى.

و ما أبعد ما بينه و ما بين من ادّعى قيام الأدلّة الأربعة على حرمته، فادّعى دلالة العقل عليه مضافا إلى الكتاب و السنة و الإجماع فقال:

إنّ تحريم الغناء- كتحريم الزنى- أخباره متواترة و أدلّته


1) جواهر الكلام، ج 22، ص 44.

2) إيضاح الفوائد، ج 1، ص 405.

3) أي الترجيع و الطرب.

4) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 59.

ص: 13

متكاثرة، عبّر عنه بقول الزور و لهو الحديث في القرآن، و نطقت الروايات بأنّه الباعث على الفجور و الفسق، فكان تحريمه عقليا لا يقبل تقييدا و لا تخصيصا، فيحمل حينئذ ما دلّ على الجواز على التقية أو يطرح. انتهى. (1)

قال بعض: و لكنّه- كما ترى- إن أراد كونه علّة تامّة للتحريم، بحيث لا يقبل التخصيص أصلا كالظلم مثلا بحيث لا يسوّغه الضرورة أيضا، قيل: بل و إن أراد قبحه عقلا بمعنى وجود مقتضيه فيه كالكذب لكونه مؤدّيا إلى الفسق و الفجور، فإنّه لا يساعد عليه شي‌ء من الأدلّة، بل يدلّ الوجدان على خلافه، فإنّا نجد بديهية أنّ أداء أكل الأطعمة اللذيذة المقوّية للقوى الحيوانية أقوى و أشدّ من أداء الغناء إليها، مع أنّه ليس محرّما قطعا، و عدم ظهور شي‌ء من الروايات الدالّة على حرمته في الأداء المزبور، كما لا يخفى على من راجعها.

و أوّل من فتح باب المناقشة في تحريمه هو المحقّق الأردبيلي و تبعه فيها السبزواري في ذخيرته (2)و اجترى على الفتوى بالجواز المحدّث الكاشاني في الوافي حيث قال:

و الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلّق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء- كلّها- بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بني أميّة و بني العباس من دخول الرجال عليهنّ و تكلمهنّ بالأباطيل و لعبهنّ بالملاهي من العيدان و القضيب و غيرها، دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله عليه السّلام: «بالتي يدخل عليها


1) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 54.

2) هكذا في المخطوطة، و الصواب: «في كفايته» بدل «في ذخيرته». انظر القسم الثاني من هذه المجموعة، «گفتارى از محقّق سبزوارى».

ص: 14

الرجال». قال في الاستبصار- بعد نقل ما أوردناه في أوّل الباب-: «الوجه في هذه الأخبار الرخصة في من لا يتكلّم بالأباطيل و لا يلعب بالملاهي من العيدان أو أشباهها و لا بالقضيب و غيره، بل يكون ممّن يزفّ العروس و يتكلّم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الفحش و الأباطيل. و أمّا ما عدا هؤلاء ممّن يتغنّين بسائر أنواع الملاهي، فلا يجوز على حال، سواء كان في العرائس أو غيرها» (1)و يستفاد من كلامه أنّ تحريم الغناء إنّما هو لاشتماله على أفعال محرّمة؛ فإن لم يتضمّن شيئا من ذلك جاز، و حينئذ فلا وجه لتخصيص الجواز بزفّ العرائس، و لا سيّما و قد ورد الرخصة به في غيره، إلّا أن يقال: إنّ بعض الأفعال لا يليق بذوي المروّات و إن كان مباحا. فالميزان فيه حديث: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده» (2)و قول أبي جعفر صلوات اللّه عليه: «إذ ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل، فأين يكون الغناء؟» (3)و على هذا، فلا بأس بسماع التغنّي بالأشعار المتضمّنة ذكر الجنّة و النار و التشويق إلى دار القرار و وصف نعم اللّه الملك الجبار و ذكر العبادات و الترغيب في الخيرات و الزهد في الفانيات و نحو ذلك، كما أشير إليه في حديث الفقيه بقوله عليه السّلام: «فذكّرتك الجنّة» (4)و ذلك لأنّ هذه كلّها ذكر اللّه تعالى و ربما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ. و بالجملة لا يخفى


1) الاستبصار، ج 3، ص 62.

2) الكافي، ج 6، ص 434.

3) الكافي، ج 6، ص 435.

4) الفقيه، ج 4، ص 60، ح 5097.

ص: 15

على ذوي الحجى بعد سماع هذه الأخبار تمييز حقّ الغناء من باطله، و أنّ أكثر ما يتغنّى به المتصوّفة في محافلهم من قبيل الباطل. (1)

أقول: أمّا ما استظهره من الأخبار من اختصاص حرمة الغناء بما اشتمل على محرّم خارجي مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال و الكلام الباطل فسيأتي ضعفه و سقوطه في بيان المذهب المختار.

و أمّا ما نقله من الاستبصار، فليس فيه دلالة على أنّ الشيخ قدّس سرّه اختار ما اختاره هذا المحدّث؛ إذ محطّ نظره كما صرّح به في أوّل الكتاب (2)، إنّما هو رفع الاختلاف المتراءى في ظواهر الأخبار؛ صونا لعقائد العوامّ عن الانصراف عن مذهب الحقّ بسبب الاختلاف المزبور، و إلجاما للسان المخالفين عن الطعن في هذا الدين، و إن كان الجمع المزبور خاليا عن الشاهد و مستندا إلى محض الاقتراح و الاحتمال و غير موافق لطريقة الاجتهاد و الاستدلال، فلا ينبغي لمن له خبرة بحاله و جاس خلال الديار، أن يعدّه من المخالفين في هذه المسألة، و المتخلفين في هذا المضمار، و النابذين لصريح الأخبار. و الجمع بين الأخبار يأتي أيضا عن قريب على وجه يضي‌ء كالنار على المنار و الشمس في رابعة النهار.

و بالجملة فالكتاب المزبور ليس موضوعا للفتوى (3)و ليس مبناه إلّا على الجمع بين الأخبار المتعارضة ظاهرا و لو بالطريق الذي لا يفتي به هو قدّس سرّه و لا


1) الوافي، ج 17، ص 218.

2) و لا يخفى عليك أنّ محطّ نظر الشيخ- كما صرّح به في أوّل كتاب الاستبصار- هو تلخيص كتاب تهذيب الأحكام و الابتداء في كلّ باب بإيراد ما اعتمد عليه من الفتوى و الأحاديث ثمّ التعقيب بما يخالفها من الأخبار ثمّ بيان وجه الجمع بينها. نعم محطّ نظره في كتابه التهذيب هو ما صرّح به المؤلّف. راجع: الاستبصار، ج 1، ص 3.

3) قد أشرنا آنفا أنّ الشيخ قدّس سرّه أورد ما أفتى به في صدر كلّ باب في الاستبصار.

ص: 16

غيره من الأصحاب، و إنّما ألّفه لمحض هذا الغرض كما ينبئ عنه ما سمّاه به. (1)

و لقد أجاد السيد العالم العامل الغوّاص في بحار كلمات الأصحاب و الخائض في تلك اللجج لإخراج اللآلي السيد العاملي (عامله اللّه بلطفه الخفي و الجلي) في مفتاح الكرامة حيث قال:

و أمّا حكمه، فلا خلاف- كما في مجمع البرهان (2)- في تحريمه و تحريم الأجرة عليه و تعلّمه و تعليمه و استماعه سواء كان ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها، حتّى قام المحدّث الكاشاني و الفاضل الخراساني، فنسجا على منوال الغزّالي و أمثاله من علماء العامّة، و خصّا الحرام منه بما اشتمل على محرّم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال و الكلام في الباطل. و استندا في ذلك إلى أخبار تقرب من اثني عشر خبرا (3)، و هي على تقدير تسليم وضوح دلالتها، مخالفة للكتاب المجيد و موافقة للعامّة محمولة على التقية، مع أنّها معارضة بخمسة و عشرين خبرا (4)، بين صريحة الدلالة أو ظاهرة على تحريم الغناء مطلقا من غير تقييد، و يعضدها الأخبار الدالّة على تحريم استماع الغناء و هي ثلاثة أخبار (5)، و الأخبار الدالّة على تحريم ثمن المغنّية و هي خمسة أخبار. (6)فلو كان


1) أي: الاستبصار في ما اختلف من الأخبار.

2) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 59.

3) وسائل الشيعة، ج 17، ص 120- 129.

4) وسائل الشيعة، ج 17، ص 303- 318.

5) وسائل الشيعة، ج 17، ص 308 و 316.

6) وسائل الشيعة، ج 17، ص 122.

ص: 17

الغناء حلالا بل مستحبّا في نحو القرآن و الأدعية و المناجاة- كما هو ظاهر كلامهما- لما حكم بتحريم سماعه و تحريم ثمن المغنّية و أنّه سحت و أنّ تعليمها كفر. ثمّ إنّ هذه الأخبار التي استندوا إليها بين آمرة بقراءة القرآن بالحزن (1)و آمرة بقراءته بالصوت الحسن (2)، و ليس شي‌ء من الأمرين بغناء، و في بعضها «لم يعط أمّتي أقلّ من ثلاثة: الجمال و الصوت الحسن و الحفظ». (3)و في خبر عامّي «تغنّوا به، فمن لم يتغنّ بالقرآن، فليس منّا» (4)و هو مع ضعفه، منزّل على معنى «استغنوا به»، أو محمول على التقية و معارض بما عرفت، و بقوله عليه السّلام: «اقرءوا القرآن بألحان العرب و إيّاكم و لحون أهل الفسوق؛ فإنّه سيجي‌ء قوم يرجّعون القرآن ترجيع الغناء». الحديث. (5)و الأولى بأهل التحصيل أن لا يلتفتوا إلى ردّ مثل هذه الأباطيل؛ إن هي إلّا آراء باردة و مذاهب فاسدة مخالفة لمذهب كنّا نعيب على الصوفية (6)فما راعنا إلّا و بعض الإمامية قد استحسن تلك الترّهات، و أكبّ على تلك الخرافات. (7)انتهى كلامه (رفع في الخلد مقامه).

و هو مؤيّد لما ذكرناه من أنّ شيخ الطائفة ليس مخالفا في المسألة أصلا


1) وسائل الشيعة، ج 6، ص 208، ح 1.

2) وسائل الشيعة، ج 6، ص 211- 212، ح 5.

3) الكافي، ج 2، ص 615، ح 7.

4) سنن ابن ماجة، ج 1، ص 424، كتاب الإقامة، باب 176، ح 1337.

5) وسائل الشيعة، ج 6، ص 210، ح 1.

6) هكذا في المصدر و المخطوطة.

7) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 52.

ص: 18

كما توهّمه المحدّث المذكور.

و قد كفانا أيضا مئونة النقل لسائر عبائر الأصحاب في هذا الباب؛ فإنّها متفقة على حرمته، و إنّما الاختلاف الواقع فيها إنّما هو في موضوعه، و إلّا فلا إشكال عندهم في حرمته لذاته لا بسبب اقترانه بمحرّمات أخر كما توهّمه بعض من تأخّر. نعم قد استثنى المشهور على ما نسب إليهم بعض أفراده، و سيأتي الكلام في الاستثناء المذكور مشروحا.

المقام الرابع في بيان المختار من الأقوال

بحيث ينكشف عن المطلوب غشاوة الإعضال و الإشكال.

فنقول و على اللّه التوكّل و به الاتّكال:

إنّ الذي يظهر لي بعد التأمّل التامّ في ما ذكره اللغويون و الفقهاء و تصفّح الأخبار المشتملة على بيان حكمه من التحريم و الرخصة، هو أنّ الغناء على قسمين يجمعهما وقوعه لهوا. و هو يتحقّق بأمرين:

أحدهما، قصد التلهّي به و إن لم يكن لهوا.

و الثاني، كونه لهوا في نفسه عند المستمعين و إن لم يقصد به التلهّي؛ بأن يكون فيه ترجيع مطرب موجب للخفّة و تغيّر الحال و حمل الإنسان على تحريك الأعضاء كالرأس و الرجل و اليد، و قد يحمله على الرقص أيضا، و استعمال آلات اللهو، سيّما إذا كان المغنّي حسن الصوت جدّا، سيّما إذا كان جارية حسناء أو أمرد صبيح الطلعة حسن الوجه.

و القسم الأوّل هو الذي رخّص فيه في قراءة القرآن؛ بل رغب إليه في مرسلة الفقيه- الواردة في الجارية التي لها صوت- المتقدّمة (1)، و في الحداء-


1) الفقيه، ج 4، ص 60، ح 5097.

ص: 19

بالضمّ، كدعاء- الذي هو صوت يرجّع فيه للسير بالإبل، فإنّ المشهور استثناؤه مع فقد ما يدلّ عليه، عدا الرواية النبوية التي ذكرها في المسالك (1)من تقرير النبي لعبد اللّه بن رواحة (2)، حيث حدا للإبل و كان حسن الصوت.

قال العلّامة الأنصاري قدّس سرّه: «و في دلالته و سنده، ما لا يخفى». (3)

أقول: أمّا ضعف سنده، فمعلوم؛ لكونها مروية من طرق المخالفين. و أمّا ضعف دلالته، فلعدم معلومية حدائه بالصوت المطرب الذي هو دأب الفسّاق في مجالس لهوهم و في الأعراس، إذا لم يكتنف بها محرّم آخر من التكلّم بالأباطيل و اللعب بآلات الملاهي المحرّمة و دخول الرجال على النساء. و لا إشكال في استثنائه لدلالة الخبرين المتقدّمين (4)- عن أبي بصير في أجر المغنّية التي تزفّ العرائس- عليه. و نحوهما ثالث (5)عنه أيضا، و إباحة الأجر لإباحة الفعل.

و دعوى أنّ الأجر لمجرّد الزفّ، لا للغناء عنده، مخالفة للظاهر؛ بل يمكن دعوى القطع على بطلانها؛ لأنّه لا داعي لأهل العرس في دعوة المغنّية إلى مجلسهم و إعطائهم إيّاها الأجر لمجرّد حضورها عندهم من دون أن يشتغل بالتغنّي.

و المناقشة في سندها، لاشتماله على أبي بصير- و هو غير صحيح- و منع تحقّق الشهرة على وجه يوجب الانجبار، كما صدر عن شيخنا العلّامة الأنصاري (6)قدّس سرّه الباري، ليس على ما ينبغي؛ لأنّ المدار في العمل


1) مسالك الافهام، كتاب الشهادات، في الكلام على اشتراط العدالة في الشاهد.

2) عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، من النقباء الاثني عشر. راجع في ترجمته: تنقيح المقال، ج 2، ص 181 و معجم رجال الحديث، ج 3، ص 85.

3) المكاسب، ج 1، ص 313.

4) الكافي، ج 5، ص 120، ح 3.

5) الكافي، ج 5، ص 120، ح 2.

6) المكاسب، ج 1، ص 300.

ص: 20

بالروايات ليس على الصحّة باصطلاح المتأخّرين، بل على الوثوق، و أبو بصير لا يخلو عن وثوق، كما اعترف (1)به أخيرا مع أنّ إنكار الانجبار بمثل هذه الشهرة، مساوق لمنع صلاحية الشهرة لجبر الضعيف أصلا، و هو كما ترى. و هو قدّس سرّه لا يقول به أيضا.

و بالجملة فأصل الحكم- أي حلّيّة غناء المغنّية في الأعراس- ممّا لا يقبل التشكيك إلّا من أهل الوسواس.

و يمكن استثناء المراثي و مدح أهل البيت عليهم السّلام، بل كلّ كلام مشتمل على وعظ أو وعد أو وعيد أو ترغيب إلى نعيم الآخرة و درجاتها أو ترهيب عن آلامها و دركاتها، سواء كان نظما أو نثرا، و سواء كان من كلام المعصوم أو من غيره من الحكماء و العرفاء و أهل الدين و سواء أراد به تأثّر نفسه أو غيره من التشويق إلى دار القرار و التحذير من عذاب الملك الجبّار و ذكر العبادات و الترغيب في الخيرات و الزهد في الفانيات، و ذلك لأنّ هذه كلّها ذكر اللّه، و ربما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ، كما أشار إليه المحدّث الكاشاني (2)فإنّه أصاب في شي‌ء و لكنّه أخطأ في شيئين:

أمّا ما أصاب فيه، فهو القول بعدم حرمة التغنّي في هذه الأمور في الجملة.

و أمّا ما أخطأ فيه، فهو زعمه حلّيّة الغناء في هذه و لو كان على وجه التطريب، و حلّيّة التغنّي في غير هذه الأمور على غير وجه التطريب، بل و على وجهه إذا لم يكن مكتنفا بالأمور المحرّمة، و حاصله عدم حرمة الغناء بنفسه بقول مطلق، و إنّما المحرّم إنّما هو ما انضمّ إليه من المحرّمات الأخر


1) المكاسب، ج 1، ص 300.

2) الوافي، ج 17، ص 218.

ص: 21

كضرب الأوتار و التكلّم بالكلام الباطل و الترغيب إلى الباطل و الصرف عن الحقّ، و نحو ذلك من سائر المحرّمات.

و حاصل ما اخترناه ينحلّ إلى دعويين لا بدّ من إثباتهما بالدليل:

الأولى: حرمة كلّ ما فيه ترجيع و ترقيق الصوت به للتلهّي و إن لم يصل إلى حدّ التطريب؛ خلافا لكثير من الأصحاب، بل أكثرهم؛ لزعمهم عدم كونه غناء و خروجه عن موضوع الغناء، حيث فسّروه بما فيه تطريب أو بالصوت المطرب كالمحقّق في باب الشهادات من الشرائع (1)و العلّامة في التحرير (2)و صاحب الإشارة (3)و تعليقه (4)و الشهيد في الدروس (5)في شهاداته و المحقّق الثاني في جامع المقاصد (6)حيث عرّفوه بأنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، بل عن المفاتيح (7)أنّه المشهور؛ فكلّ ما لم يشتمل عليه ليس محرّما، و إن لم يقصد به إلّا التلهّي، و كان فيه ترجيع الصوت و ترقيقه و مدّه كما هو المتعارف الآن عند الجهّال، سيّما عند الخروج من البلد للتنزّه و التفرّج في البساتين، سيّما في أيّام الربيع، بل ليس غناؤهم غالبا إلّا بهذا النحو، لمجرّد التفريح و رفع كدورة الآلام عن النفس، سيّما إذا كان الصائت حسن الصوت جدّا، بحيث يميل إليه و يرغب كلّ من سمع صوته، بل قد يمنعه عن الذهاب


1) شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام، ج 4، ص 128.

2) تحرير الأحكام، ص 209، كتاب الشهادات.

3) إنّ كلمة «الإشارة» من تصحيف الناسخ و الصحيح: «صاحب الإرشاد». انظر: مجمع الفائدة و البرهان، ج 12، ص 336، و الدليل على ذلك أنّ المؤلّف اعتمد في كلامه هذا على مفتاح الكرامة، ج 4، ص 50، فإنّه ورد فيه: «... في الشرائع في باب الشهادات و التحرير و الإرشاد و تعليقه و الدروس في شهاداته و جامع المقاصد أنّه مدّ الصوت ...».

4) تعليق الإرشاد للمحقّق الكركي، و لم يطبع بعد.

5) الدروس الشرعية في فقه الإمامية، ج 2، ص 126.

6) جامع المقاصد في شرح القواعد، ج 4، ص 23.

7) مفاتيح الشرائع، ج 2، ص 20.

ص: 22

إلى حاجته و يجبره على الوقوف و السماع، بل قد يقف في حرّ الشمس و لا يحسّ ألما، لاشتغال نفسه بالالتذاذ من السماع.

و يردّهم صدق الغناء عليه لغة كما عرفته ممّا تقدّم عن المصباح (1)و الصحاح (2)حيث فسّره بالسماع. و قال أيضا «جارية مستمعة، أي مغنّية» و عن النهاية (3)«عن الشافعي أنّه تحسين الصوت و ترقيقه»، و عنها (4)أيضا: «أنّ كلّ من رفع صوته و والاه، فصوته عند العرب غناء» و عن آخر، مثله.

و بالجملة فيمكن دعوى القطع بإرادتهم تحقّقه بمجرّد رفع الصوت، إذا كان على وجه الترقيق و التحسين و أراد تلذّذ نفسه به أو تلذّذ غيره، مضافا إلى مساعدة العرف عليه؛ فإنّهم يعدّون مثل ذلك غناء قطعا من غير اعتبار تطريب فيه أصلا، فإنّه ليس معناه في العربي إلّا ما يسمّى بالفارسي ب «خوانندگى» و من المعلوم صدقه على مجرّد رفع الصوت و مدّه و تحسينه و إن لم يكن مطربا إذا أريد به التلهي فقط.

و يدلّ على المختار، بل ينادي به بأعلى الصوت- مضافا إلى صدق اللهو و قول الزور عليه- كثير من الأخبار.

منها: رواية عبد الأعلى المتقدمة، حيث كذّبهم عليه السّلام حيث زعموا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، رخّص في أن يقال: «جئناكم جئناكم/ حيّونا حيّونا نحيّكم» و استشهد بقوله: وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ إلى آخر الآية؛ إلى أن قال: «ويل لفلان ممّا يصف: رجل لم يحضر المجلس» الخبر. (5)


1) المصباح المنير، ص 455، «غني».

2) الصحاح، ص 1232، «سمع» و فيه: «المسمعة: المغنّية».

3) النهاية، ج 3، ص 391.

4) النهاية، ج 3، ص 391.

5) الكافي، ج 6، ص 433، ح 12.

ص: 23

فإنّه من المعلوم أنّه لم يزعموا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، رخّص في أن يقال ذلك على خصوص وجه التطريب، و إلّا ما أنكر عليه السّلام صدور الرخصة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، في القول المذكور أصلا، بل بيّن بأنّه رخّص في رفع الصوت به ما لم يصل إلى حدّ التطريب، و ليس إنكاره أيضا راجعا إلى نفس الكلام من حيث كونه لهوا و باطلا؛ إذ من المعلوم أنّه ليس كذلك، فيعلم أنّ عدم الرخصة فيه ليس إلّا من جهة التغنّي به، و هو يدلّ على حصول التغنّي بالكلام بهذا المقدار و لو لم يكن على وجه التطريب.

و رواية ابن يقطين، عن أبي جعفر عليه السّلام المتقدّمة، حيث قال: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يروي عن اللّه عزّ و جلّ، فقد عبد اللّه عزّ و جلّ، و إن كان الناطق يروي عن الشيطان، فقد عبد الشيطان» (1)إذ من المعلوم أنّ رفع الصوت بالكلام و تحسينه و ترقيقه لشهوة النفس، ليس إلّا عبادة الشيطان.

و كذا رواية جهم بن حميد المتقدّمة حيث قال، قال عليه السّلام: «ذلك مجلس لا ينظر اللّه عزّ و جلّ، إلى أهله، أمنت اللّه عزّ و جلّ على أهلك و مالك». إذ لم يعلم أنّ الجواري التي كانت في دار فلان، كنّ يتغنّين بما فيه تطريب.

و يدلّ عليه أيضا رواية علي بن ديّان، عن يونس، حيث قال عليه السّلام: «كذب الزنديق» إلى أن قال: «إنّ رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام، فسأله عن الغناء؟ فقال: «يا فلان! إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل، فأين يكون الغناء؟» (2)فقال: مع الباطل.

فقال عليه السّلام: «قد حكمت». (3)حيث من المعلوم أنّ رفع الصوت للتلهّي به داخل في الباطل قطعا، سواء كان مع الترجيع أو بدونه.


1) الكافي، ج 6، ص 434، ح 24.

2) في المصدر: أنّى يكون الغناء.

3) الكافي، ج 6، ص 435، ح 25.

ص: 24

و يمكن الاستدلال عليه برواية عنبسة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أيضا، قال: «استماع الغناء و اللهو» (1)إلى آخر ما تقدّم. إذ الظاهر منها، أنّ اللهو تفسير للغناء، فكلّ صوت قصد به اللهو، فهو غناء و إن لم يكن فيه تطريب؛ لأنّ اللهو هو ما يلهي عن اللّه، و من المعلوم أنّ الصوت الكذائي، سيّما إذا كان من حسن الصوت كذلك، و يصدق عليه اللهو لغة و عرفا، و ينكره المتشرعة بحسب ذوقهم من حيث إنّهم متشرّعة مهما علموا أنّ اللهو بأقسامه في دين الإسلام حرام.

إلى غير ذلك من الأخبار التي يمكن الاستدلال بها على كون الغناء أعمّ ممّا كان فيه التطريب. و كأنّ هذا هو الذي دعا الشهيد الثاني إلى أن زاد في الروضة (2)و المسالك (3)بعد تعريف المشهور، قوله: «أو ما يسمّى في العرف غناء» و تبعه في محكي مجمع الفائدة (4)و غيره و لعلّ هذا أيضا دعا صاحب مفتاح الكرامة إلى أن ذكر: «أنّ الإطراب في تعريف الغناء غير الطرب المفسّر في الصحاح بخفّة لشدّة سرور أو حزن، و إن توهّمه صاحب مجمع البحرين (5)و غيره من أصحابنا»، و استشهد على ذلك بما في الصحاح من «أنّ التطريب في الصوت مدّه و تحسينه» و ما عن المصباح من أنّ «طرّب في صوته: مدّه و رجّعه» و في القاموس: الغناء- ككساء- من الصوت، ما طرّب به، و أنّ التطريب و الإطراب كالتطرّب و التغنّي». قال رحمه اللّه:

فيحصل من ذلك، أنّ المراد بالتطريب و الإطراب غير الطرب بمعنى الخفّة لشدّة حزن أو سرور كما توهّمه صاحب مجمع


1) الكافي، ج 6، ص 434، ح 23.

2) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج 3، ص 212.

3) راجع المسالك، ج 3، ص 126.

4) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 57.

5) مجمع البحرين، ج 1، ص 321.

ص: 25

البحرين و غيره من أصحابنا، فكأنّه قال في القاموس:

«الغناء من الصوت ما مدّ و حسّن و رجّع فانطبق على المشهور؛ إذ الترجيع تقارب ضروب حركات الصوت و النفس، فكان الترجيع لازما للإطراب و التطريب. انتهى كلامه رفع مقامه. (1)

و إن ردّه شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه ب:

أنّ الطرب إذا كان معناه على ما تقدّم من الجوهري و الزمخشري هو ما يحصل للإنسان من الخفّة، لا جرم يكون المراد بالإطراب و التطريب ايجاد هذه الحالة و إلّا لزم الاشتراك اللفظي به، مع أنّهم لم يذكروا للطرب معنى آخر ليشتقّ منه لفظ التطريب و الإطراب، مضافا إلى أنّ ما ذكر في معنى التطريب من الصحاح و المصباح إنّما هو للفعل القائم بذي الصوت لا بالإطراب القائم بالصوت و هو المأخوذ في تعريف الغناء عند المشهور دون فعل الشخص، فيمكن أن يكون معنى تطريب الشخص في صوته، إيجاد سبب الطرب بمعنى الخفّة بمدّ الصوت و تحسينه و ترجيعه، كما أنّ تفريح الشخص إيجاد سبب الفرح بفعل ما يوجبه، فلا ينافي ذلك ما ذكر في معنى الطرب، و كذا ما في القاموس من قوله: «ما طرّب به» يعني ما أوجد به الطرب مع أنّه لا مجال لتوهّم كون التطريب بمادّته بمعنى التحسين و الترجيع؛ إذ لم يتوهّم أحد كون الطرب بمعنى الحسن و الرجوع أو كون التطريب هو نفس المدّ، فليست هذه الأمور إلّا أسبابا للطرب يراد إيجاده من فعل


1) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 50.

ص: 26

هذه الأسباب (1). هذا كلّه مضافا إلى عدم إمكان إرادة ما ذكر من المدّ و التحسين و الترجيع من الطرب في قول الأكثر: «إنّ الغناء مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب». مع أنّ مجرّد المدّ و الترجيع و التحسين لا يوجب الحرمة قطعا، لما مرَّ و سيجي‌ء. فتبيّن من جميع ما ذكرناه أنّ المتعيّن، حمل الطرب في تعريف الأكثر للغناء على الطرب بمعنى الخفّة، و توجيه كلامهم بإرادة ما يقتضي الطرب و يعرض له بحسب وضع نوع ذلك الترجيع و إن لم يطرب شخصه لمانع من غلظة الصوت و مجّ الأسماع له. و لقد أجاد في الصحاح حيث فسّر الغناء بالسماع (2)، و هو المعروف عند أهل العرف، و قد تقديم في رواية محمّد بن أبي عبّاد (3)المستهتر بالسماع (4). انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

أقول: لقد أجاد في ما أفاد؛ إذ كما أنّه لا يمكن الالتزام بعدم كون التطريب و الإطراب غير مشتقّين من الطرب، لا يمكن الالتزام بأنّ المراد منهما غير إيجاد هذه المادّة، و إلّا لزم الاشتراك اللفظي، و الأصل عدمه، بل يمكن القطع بعدمه، لعدم ذكر معنى آخر له في شي‌ء من كتب اللغة؛ إلّا أنّه مع ذلك لا محيص عن الالتزام بكون موضوع الحكم- و هو الحرمة- أعمّ من ذلك؛ للأدلّة المتقدّمة، و يمنع اختصاص حرمة الغناء بما فيه تطريب أو إطراب بالمعنى المذكور.

و الشاهد على الأعمّية هو العرف؛ فإنّك تجدهم يطلقون لفظ التغنّي على


1) في المخطوطة و المكاسب، ج 1، ص 295: «يراد من إيجاده فعل هذه الأسباب».

2) الصحاح، ص 1232، «سمع».

3) وسائل الشيعة، ج 17، ص 308، ب 99 من أبواب ما يكتسب به، ح 19.

4) المكاسب، ج 1، ص 294- 296.

ص: 27

الصوت المرفوع الممدود على نحو الترقيق إذا أريد منه تلذّذ النفس أو الغير به، و لو لم يستلزم طربا، إن أريد من الطرب ما يناسب الآلات اللهوية كالمزمار و نحوه، بل و إن لم يستلزم الخفّة العارضة عند شدّة الحزن أو السرور.

و بالجملة، الظاهر صدقه على ما أريد به مجرّد التلهّي و رفع الملال عن النفس أو الغير من دون أن يترتّب عليه ثمرة دينية، فرفع الصوت بغير قراءة القرآن و مرثية الحسين عليه السّلام و الخطب و المواعظ بهذه الكيفية غناء عرفا، و لا قصور في أدلّة الغناء عن شموله، سيّما إذا كان الذي رفع به الصوت من الأمور المهيّجة للشهوة و القوّة الحيوانية، فالجارية التي لها صوت إذا أريد شراؤها لأجل سماع صوتها في غير ما يتعلّق بأمر الآخرة لم يجز، و سماع صوتها و لو لغير الأجانب محرّم في غير المذكورات و سائغ في المذكورات، لا لاستثنائها عن عموم حرمة الغناء، بل لعدم كونها غناء موضوعا بحسب العرف و هو المحكّم في تعيين موضوعات الأحكام التي لم يرد فيها تحديد شرعي، كما يفصح عن ذلك مرسلة الفقيه المتقدمة حيث نفى عليه السّلام البأس عن شرائها لتذكّر الجنّة. بل يمكن منع صدقه أيضا على الحداء، لعدم كونه من الأصوات اللهوية بالمعنى المتقدّم و عدم كون الباعث عليه مجرّد تلذّذ أحد من المكلّفين، بل لم يرد به إلّا سير الإبل، فيتعدّى إلى الخيل و البغال و الحمير، بل و الغنم و الأطفال عند مناغاتهم (1)و تنويمهم بذلك، كما هو دأب النساء بالنسبة إلى الأطفال سيّما الوالدات بالنسبة إلى أولادها الرضّع. و يمكن دعوى السيرة عليه، مضافا إلى الدعوى المذكورة- أي خروجها عن موضوع الغناء- فلا نحتاج في استثناء حلّيّة الحداء إلى الرواية النبوية العامّية التي ذكرها في المسالك (2)من تقرير النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لعبد اللّه بن رواحة، حيث حدا للإبل و كان حسن الصوت، كي يناقش في


1) «ناغى الصبي: لاطفه بالمحادثة و الملاعبة» (المعجم الوسيط، ص 937، «نغى»).

2) مسالك الأفهام، ج 2، ص 323، كتاب الشهادات، في الكلام على اشتراط العدالة في الشاهد.

ص: 28

سندها و دلالتها كما فعل شيخنا الأنصاري. (1)

نعم، لا تدلّ على حلّية الغناء بقول مطلق حتّى ما اشتمل منه على ما يناسب الآلات اللهوية، بل يمكن منع صدق الحداء على تلك الأصوات أصلا.

نعم، ينبغي استثناء غناء المغنّية التي تزفّ العرائس؛ لما ورد من حلّيّة أجرها، للملازمة العرفية و الشرعية المستفادة من الاستقراء التامّ بين حرمة الأجر و حرمة الفعل، فحلّيّة الأجر تدلّ على حلّيّة الفعل، لكنّ الأحوط بناء على عدم جواز ضرب الدفّ فيها- و لو لم يكن فيه صنج و لا جلاجل- الاقتصار على ما ليس فيه تطريب، بمعنى شدّة الخفّة التي تحمل الإنسان على الرقص و استعمال آلات الملاهي، بل لا يخلو التقييد المزبور عن قوّة، لإطلاق أخبار الحرمة أو عمومها و إجمال المقيّد أو المخصّص المنفصل و المرجع فيه إلى الإطلاق أو العموم، كما حرّر في محلّه، فإذا ورد «أكرم العلماء» مثلا، ثمّ ورد «لا تكرم الفسّاق منهم» و تردّد الفسق بين مرتكب خصوص الكبيرة أو مطلق الذنب فلا يرفع اليد عن أصالة العموم بالحكم بوجوب إكرام العلماء إلّا بالمقدار المعلوم و يرجع في غيره إلى أصالة العموم، فكذا في ما نحن فيه لا يرفع اليد عن عموم حرمة الغناء بالنسبة إلى العرائس إلّا بما ليس فيه ذلك التحريك؛ بناء على ما اخترناه من عموم الغناء ممّا فيه ذلك و شموله لغيره. و أمّا بناء على انحصار الغناء في ذلك فلا معنى للتخصيص المذكور أصلا، بل هو مساوق لطرح الخبرين المذكورين- كما مال إليه بعض- استنادا إلى ضعفهما و عدم صلاحيتهما لتخصيص الأخبار المتواترة. و لكنّه ضعيف لانجبارهما بالشهرة و عمل كثير من الأصحاب بهما، فلا محيص عن الالتزام بخروج موردهما عن العمومات المذكورة، و ليس فيهما ما ينافي حرمة الغناء في


1) المكاسب، ج 1، ص 313.

ص: 29

نفسه، كما توهّمه المحدّث الكاشاني، حيث زعم أنّ ذيلهما و هو قوله: «التي يدخل عليها الرجال حرام» و قوله: «ليس به بأس، ليست بالتي يدخل عليها الرجال» أنّ الغناء ليس محرّما في نفسه، و إنّما المحرّم هو ما يكتنف به من سائر المحرّمات، كسماع غير المحارم لصوت المغنّية و غيره من المحرّمات. (1)

لكنّه ضعيف، لما تقدّم من أنّ بعض التعليلات الواردة في الأخبار ليست علّة حقيقة كي يدور عليها الحكم إثباتا و نفيا، بل هي تقريبات لإدخال الحكم في ذهن السامع و رفع تعجّبه عنه، و لما سيأتي في المقام الخامس من تضعيف أدلّة الخصم الذي اختار غير ما اخترناه و استفدناه من أخبار الباب و كلمات اللغويين و الأصحاب.

و أمّا إخراج الغناء في الفطر و الأضحى و الفرح، كما يدلّ عليه ما روي عن الحميري بسند لم يبعّد في الكفاية (2)الحاقه بالصحاح، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السّلام، قال: سألته عن الغناء في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال:

«لا بأس ما لم يعص به». (3)

و في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السّلام، قال: سألته عن الغناء، هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: «لا بأس ما لم يزمر به». (4)و الظاهر أنّ المراد من التقييد المذكور في الروايتين، ما لم يقترن بالمحرّمات الأخر كاللعب بالمزمار، أو ما لم يكن كالغناء بالمزمار و نحوه من آلات الأغاني، بناء على كون الغناء هو خصوص ما فيه التطريب.


1) الوافي، ج 17، ص 218.

2) انظر: القسم الثاني من هذه المجموعة، «گفتارى از محقّق سبزواري».

3) قرب الإسناد، ص 294، باب ما يجوز من الأشياء، ح 1158.

4) مسائل علي بن جعفر، ص 156، ح 219؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 271.

ص: 30

فمشكل جدّا لقصور الخبرين المذكورين عن إثبات الحكم و تخصيص العمومات، فلا بدّ من حملهما على التقيّة، لكون التغنّي في العيدين من شعائر المخالفين الذين يكون الرشد في خلافهم، كيف و عند الصوفية منهم السماع و الرقص و ضرب الأوتار و الدفّ الذي فيه جلاجل (1)و صنج (2)، من العبادات المعمولة التي يتقرّبون بها إلى اللّه، و يعرض لهم- في المجالس التي يستعملون هذه الأشياء- حال يسمّونه ب «الوصول إلى اللّه»، و «الغناء»، و ناهيك في ذلك أنّ رأسهم و رئيسهم و إمامهم و حجّتهم أبو حامد الغزّالي ذكر في كتاب الإحياء (3)شطرا من ذلك و أنكر على من حرّم الغناء، و سمّاه ب «الوجد و السماع»، و عليه جرت سيرتهم من قديم الأيّام إلى هذا الزمان، فترى أهل الفاقة و السؤال منهم قد جعلوا وسيلتهم إلى تحصيل المال، سيّما في الحرمين الشريفين التغنّي و الضرب بالدفوف التي فيها الصنج و الجلاجل، و يتقرّبون به إلى اللّه بزعمهم، و لكن يلحّنون بمدائح النبي و أهل البيت عليهم السّلام، و يذكرون فضائلهم المشهورة المتّفقة بين الفريقين.

و لقد حكى لي بعض من أثق به أنّه قال له بعض أهل الدفوف: كيف أعذّب في النار و قد أبليت شبابي في ضرب الدفّ و أجرحت يدي فيه؟ و هذا أيضا من مطاعنهم و بدعهم المستحدثة، و إن نقل (4)من طرقهم لعب أهل الحبشة بذلك في حضرة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم؛ نقل ذلك سيّدتهم عائشة.

و بالجملة فحمل مثل هذه الأخبار على التقيّة، ممّا يساعد عليه العقل و الاعتبار مضافا إلى الأخبار.

نعم بناء على ما قوّيناه، من عدم اختصاص الغناء موضوعا بما فيه


1) واحدها جلجل؛ أي: أجراس صغيرة.

2) الصنج: صفيحة مدوّرة من النحاس الأصفر، تضرب على أخرى مثلها، للطرب أو الحزن.

3) إحياء علوم الدين، ج 2، ص 292.

4) إحياء علوم الدين، ج 2، ص 302.

ص: 31

تطريب، يمكن العمل بالخبرين، و جواز التغنّي بما ليس فيه ذلك في العيدين و سائر أيّام الفرح بما يشتمل على ذكر الجنّة و النار و التشويق إلى دار القرار و ذكر العبادات و الترغيب في الخيرات كالصوم و الصلاة من اليومية و صلاة العيدين و ما أعدّ اللّه لأهل الطاعة من السعادة في الدارين، من الواجبات و المندوبات كزكاة الفطرة و الأضحيّة في العيدين للفاعل لهما و ما أعدّ اللّه لزوّار بيته الحرام و مشاعره العظام بالنظم و النثر بألحان العرب، لا بألحان أهل الفسوق المناسبة لآلات اللهو؛ فإنّ فيها أثرا خاصّا، سيّما من أهل الصوت الحسن، كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لم يعط أمّتي أقلّ من ثلاثة: الجمال و الصوت الحسن و الحفظ» (1)و ما ورد من الأمر بقراءة القرآن بالصوت الحسن (2)و بالحزن (3)، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام كانوا ذوي صوت حسن، حتّى أنّ السجاد عليه السّلام كان إذا قرأ القرآن في بيته لم يمرّ أحد إلّا وقف عند بابه لسماع صوته، و إن كان حاملا للحمل الثقيل- كالسقّاء- (4)و في خبر عامّي: «تغنّوا به- أي بالقرآن- فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا»، فلا حاجة إلى تأويله على معنى استغنوا (5)أو حمله على التقيّة كما فعله بعض أصحابنا منهم السيّد العاملي (6)، عامله اللّه بلطفه الخفي و الجلي.

و حاصل ما ذكرناه في هذا المقام، من أوّل البحث إلى هنا، أنّ الغناء على قسمين:

قسم منه حرام مطلق و لهو باطل في نفسه و ليس إلّا كسائر الأصوات


1) الكافي، ج 2، ص 615، ح 7.

2) الكافي، ج 2، ص 615، ح 9؛ كنز العمال، ج 1، ص 605.

3) الكافي، ج 2، ص 614، ح 2.

4) الكافي، ج 2، ص 616، ح 11.

5) المغني، ج 12، ص 47.

6) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 52.

ص: 32

الحاصلة من آلات اللهو، كالمزمار و البربط و الطنبور و هو الذي عبّر عنه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بألحان أهل الفسوق؛ فإنّ لهم ألحانا خاصّة مختصّة بهم لا يستعملونها إلّا في مجالسهم المعدّة للّهو، و لا يمكن أن يقصد به غير اللهو و الباطل إلّا ممّن خرج عن الفطرة الإنسانية و لا يناسبه إلّا ذكر ما يناسب القوّة الشهوانية الحيوانية و لا يترتّب عليه إلّا الغفلة عن اللّه و طاعة الشيطان و اتّباع خطواته، و لا يناسبه قراءة القرآن و ذكر الجنّة و النار و التشويق إلى دار القرار و ما يتعلّق بالآخرة إلّا على سبيل السخرية و الاستهزاء بأهلها و حكاية أقوالهم استخفافا بهم كما هو دأب المترفين و المولعين بالفساد و صرف أوقاتهم في تلك اللذّات؛ فإنّهم قد يفعلون ذلك للتفريح و الإضحاك.

و بالجملة، فالصوت بنفسه قد يكون كاللعب بالمزمار، لكثرة التحريكات الواقعة فيه بحيث لا يتميّز فيه الكلمات أو لا يلتفت إليها أصلا و ليس غرض مستمعه إلّا سماع ذلك اللحن و تلك الكيفية.

نعم، قد يكون للألفاظ أيضا مدخلية في حصول اللذّة لأهلها لكنّها دخل ضعيف بالنسبة إلى أصل الصوت و كيفيته المعمولة فيه، كاللعب بالملاهي من العيدان أو القصب و غيرهما، فهذا القسم ممّا لا ينبغي الإشكال في حرمته أصلا، و هو القدر المتيقّن من مورد الأخبار و كلمات الأصحاب؛ بل لا يظنّ بصاحب الوافي القول بحلّيته و إن لم يقترن بمحرّم أصلا، بل يستفاد من عبارته المتقدّمة: «و أنّ أكثر ما يتغنّى به المتصوّفة في محافلهم من قبيل الباطل» (1)اعترافه بحرمة هذا القسم بخصوصه و إن لم يقترن بآلات اللهو، بل كان مناسبا لها بحسب ذاته.

و قسم منه حرام لو لم يقترن بعنوان يقتضي حلّيته كقراءة القرآن و الرثاء و الموعظة بالأشعار المتضمّنة لذكر الجنّة و النار؛ فإنّه محلّل، للأدلّة المتقدّمة.


1) الوافي، ج 17، ص 218.

ص: 33

و يدلّ على حلّيته في الرثاء- بل و في النوح بالحقّ- مطلقا أو إذا كان على المؤمن مضافا إلى السيرة المستمرّة من زمان المعصومين بل و فعلهم و تقريرهم، كما في خبر أبي هارون المكفوف قال:

دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام، فقال لي: أنشدني! فأنشدته؛ فقال: لا، كما تنشدون و كما ترثيه عند قبره. فأنشدته: «امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية». قال: فلمّا بكى، أمسكت أنا. فقال: مر! فمررت. ثمّ قال: زدني! قال:

فأنشدته: «يا مريم قومي و اندبي مولاك، و على الحسين فاسعدي ببكاك» قال: فبكى و تهايج النساء. (1)الحديث.

و خبر أمّ سلمة حيث ناحت على ابن عمّها بحضرته صلّى اللّه عليه و سلّم، قالت شعرا:

«أنعي الوليد بن الوليد/ أبا الوليد فتى العشيرة». (2)

و كانت سيّدة النساء سلام اللّه عليها، تقول: يا أبتا! من ربّه ما أدنى، يا أبتا! إلى جبرئيل أنعاه. إلى آخر كلامه. (3)

ما روي عن الصادق عليه السّلام في موثّقة يونس، أنّه قال:

قال أبي: يا جعفر! أوقف لي من مالي كذا و كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيّام منى. (4)


1) كامل الزيارات، ص 33، باب الثالث و الثلاثون، ح 5.

2) الكافي، ج 5، ص 117، ح 2.

3) بحار الأنوار، ج 22، ص 522، و فيه: «كانت فاطمة عليها السّلام تقول لمّا ثقل النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: يا أبتاه جبرئيل إلينا ينعاه يا أبتاه من ربّه ما أدناه يا أبتاه أجاب ربّا دعاه يا أبتاه أجاب ربّا دعاه».

4) الكافي، ج 5، ص 117، ح 1.

ص: 34

و إنّ في ذلك إظهارا لما خفي من علوّ شأنهم في زمن زين العابدين عليه السّلام و نقصا لظالميهم و تشييد معرفتهم و حبّهم. و من المعلوم أنّ النياحة لا تكون إلّا بمدّ الصوت و ترجيعه و تحسينه على وجه يورث الرقّة و البكاء.

قيل: إنّما لم يحرم النياحة في منى، مع أنّها لا تنفكّ عن سماع الأجانب و أهل الموسم، لأنّهم إنّما يسمعون في النياحة اللغط و الضجّة، و لا يميّزون بين الأصوات و ليس ذلك بحرام قطعا و ما هو إلّا كرؤية المرأة ملتفّة بالإزار الشامل.

و قد يقال: إنّ في ذلك دلالة على عدم التحريم مع سماع الأجانب.

لكنّه بعيد.

و على أيّ تقدير فدلالته على المطلوب و هو جواز هذا القسم من الغناء في النياحة و الرثاء ممّا لا يقبل الإنكار.

و منع (1)صدق الغناء على نياحة النساء، مع أنّ فيها من الترقيق و مدّ الصوت و تحسينه ما لا يخفى، و كذا في تأثيره للحزن و البكاء، بل و كذا نياحة الرجل، مع أنّه لا يمكن الالتزام بحرمتها لمخالفتها للسيرة القطعية مضافا إلى الأخبار و الآثار المرويّة في التواريخ على عدم حرمتها، و دعوى استناد السيرة إلى عدم المبالاة بالدين و قلّة الاكتراث به، كأغلب سيرهم، سيّما النساء، حيث إنّهنّ نواقص العقول، نواقص الإيمان.

كما ترى؛ لأنّها لو كانت ناشئة من ذلك لردع عنها كما ردع عن غيرها من السير التي نعلم بالردع عنها كالغيبة مثلا، مضافا إلى تأيّدها بالأخبار و الآثار المقطوعة المتصلة بأهل العصمة و بيت النبوة.

و التزام خروجها عن حكم الغناء بالدليل مع أنّه لا يقدح في ما نحن بصدده ليس ممّا ينبغي؛ لأنّه ممّا لم يلتزم به أحد عدا شرذمة من متأخري


1) مبتدأ و خبره «كما ترى».

ص: 35

المتأخّرين، مع أنّه يلزمه جواز الغناء بأيّ نحو كان في العزاء سيّما ما يتعلّق بأهل البيت عليهم السّلام و هو ممّا لا يقول به أحد؛ فإنّ إعمال الصوت المطرب المناسب لآلات اللهو في مراثي الحسين عليه السّلام حرام قطعا كاستعمال آلات اللهو فيها، بل هي غير مناسبة لها، بل يلزم منه نقض الغرض، و يتبدّل الحزن بالفرح و التقريح بالتفريح.

إلّا أن يقال بخروج غير هذا القسم بخصوصه من حرمة الغناء بالدليل. و هو لا يخلو عن وجه.

لكن الأولى منه خروجه عنه موضوعا لعدم مساعدة العرف على تسميته غناء إذا كان في المرائي و مدائح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل البيت عليهم السّلام؛ فإنّ العرف لا يسمّون النائح و الراثي و المادح مغنّيا و صوتهم غناء.

و لا ترد عليه ما أورده العلّامة الأنصاري على القائل باختصاص الغناء بغير المراثي و هو بعض طلبة زمانه، من:

أنّ دعوى مدخلية موادّ الألفاظ في تحقّق الغناء، تكذيب للعرف و اللغة: أمّا اللغة فقد عرفت، و أمّا العرف فلأنّه لا ريب أنّ من سمع من بعيد صوتا مشتملا على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو لا يتأمّل في إطلاق الغناء عليه إلى أن يعلم موادّ الألفاظ.

و إن أراد أنّ الكيفية التي يقرأ بها للمرثية لا يصدق عليه تعريف الغناء، فهو تكذيب للحس. (1)انتهى.

أقول: أمّا تحقّق الغناء في القسم الأوّل من الصوت و هو الذي أشار إليه قدّس سرّه بقوله: «مشتملا على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو


1) المكاسب، ج 1، ص 307- 308.

ص: 36

مطلقا و من دون مدخلية موادّ الألفاظ فيه أصلا» فممّا لا ينبغي الإشكال فيه و لا يستعمله الراثون و المادحون و النائحون إذا أرادوا الرثاء و النياحة و المديحة حقيقة، لا ما إذا جعلوها وسيلة إلى أغراضهم بحسب ما تقتضيها قواهم الحيوانية و الشهوانية بل الشيطانية.

و أمّا تحقّقه في القسم الثاني- و هو غير المشتمل على ما يناسب ضرب آلات اللهو و الرقص، بل ما يناسب الحزن و البكاء، أو لا يؤثّر في شي‌ء منهما، لكنّه مشتمل على الترجيع و المدّ و الترقيق و التحسين- فإنّ دوران تسميته بالغناء مدار موادّ الألفاظ الملفوظة فيه و غرض الفاعل منه ممّا لا يكاد ينكر عند العرف، فإنّهم يسألون عن صوت لا يميّزون موادّ الألفاظ فيه «إنّه يغنّي أو يقرأ القرآن أو يرثي أو يمدح أو ينوح؟» فيقابلون الغناء بالعناوين الأخر، و المقابلة من أقوى الدليل على المغايرة، لكن يوهم كلامه قدّس سرّه، هنا اختصاص الغناء بخصوص القسم الأوّل و هو المشتمل على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب الأوتار و خروج القسم الثاني منه و إن لم يقصد به أحد العناوين الراجحة، لكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة ما ذكره سابقا حيث قال:

إنّ اللهو يتحقّق بأمرين: أحدهما قصد التلهّي و إن لم يكن لهوا. و الثاني كونه لهوا في نفسه عند المستمعين و إن لم يقصد به التلهّي. (1)

حيث إنّ المستفاد منه هو تحقّق الغناء المحرّم بمجرّد قصد التلهّي و إن لم يكن لهوا و مناسبا لآلات اللهو و الرقص، و هو يتحقّق بمدّ الصوت و ترقيقه و تحسينه في غير المذكورات، أو فيها و لكن لم يقصد حقيقتها بل قصد مجرّد التلذّذ بالصوت و التلهّي به، فقراءة القرآن مثلا إن قصد بها الحزن و التوعيد و التشويق و أمور الآخرة- إذ من المعلوم أنّ لمدّ الصوت و ترقيقه مدخلا عظيما


1) المكاسب، ج 1، ص 216.

ص: 37

في حصول المذكورات- فلا بأس بها، و إن أريد مجرّد التلهّي و تلذّذ النفس بها بحيث لا يلتفت القارئ أو المستمع إلى موادّ الألفاظ أصلا، بل لا يلتفت إلّا إلى اللحن المخصوص لإشعافه به و لو كان في أشعار الجاهلية و الكلام الباطل، فهو غناء محرّم قطعا.

و الحاصل أنّه إن أراد ما استظهرناه من كلامه بقرينة كلامه السابق فهو و مرحبا بالوفاق. و إن أراد اختصاص الغناء بخصوص ما فيه إطراب يناسب الرقص و الضرب بآلات اللهو فهو ممّا لا يساعد عليه العرف و لا اللغة بل ينافيه الأخبار، كما سيجي‌ء بيانه؛ فإنّك لا ترى في عبائر أهل اللغة في تفسير الغناء من اعتبر فيه الإطراب، و بعد عدم اعتبار القيد المزبور فليس بينهما اختلاف أصلا، و لكن الأحسن من الكلّ ما تقدّم عن النهاية «عن الشافعي، أنّه تحسين الصوت و ترقيقه» و ما عنها أيضا «أنّ كلّ من رفع صوته و والاه، فصوته عند العرب غناء» (1)لأنّه ممّا يساعد عليه عرفنا أيضا؛ فإنّ تسميتهم الصوت المذكور غناء- إذا لم يرد به إلّا التلذّذ و التلهّي، سيّما إذا كان ممّا يتعلّق بالمعاشقة من التغزّلات و غيرها- لا ينبغي الريب فيه.

و يوافقه كلام صاحب الصحاح (2)حيث فسّره بالسماع، حيث إنّ الظاهر من السماع هو الإسماع لا الاستماع، سواء كان إسماع الغير أو النفس، و أن يكون المراد من الصوت المذكور مجرّد التلذّذ و التلهّي لا التذكّر و التنبيه، و بعبارة أخرى لا يتعلّق بأمر الآخرة، بل يتعلّق بالدنيا و لذّاتها الفانية، و لا يتأمّلون في تسمية من أعدّ نفسه لذلك و جعله كسبا لنفسه [مغنّيا] سيّما إذا كان حسن الصوت و مطبوعا عند عامّة الناس و اشتهر بذلك بحيث تشتاق النفوس إلى سماع صوته و لو من بعيد و عدم تميّز الكلمات التي يترنّم بها، فكيف عند


1) النهاية، ج 3، ص 391، «غني».

2) الصحاح، ص 1232، «سمع».

ص: 38

الحضور عنده، بل قد يبذلون له الأموال الخطيرة لذلك، و إن لم يترنّم بما يدعو إلى الرقص و الضرب بآلات اللهو؛ فإنّه لا يشكّ أحد في تسميته مغنّيا و تسمية صوته باللحن المخصوص غناء و سماعا، فالعرف و اللغة متّفقان على كون الغناء أعمّ من الصوت المطرب.

و يؤيّده- بل يدلّ عليه- استثناء الفقهاء الحداء منه، فلو لم يكن أعمّ لم يشتمل الحداء، إذ الحداء ليس فيه ما يناسب الرقص و الضرب بالدفّ، فاستثناؤه من حكمه- على ما نسب إلى المشهور- يدلّ على دخوله فيه موضوعا، و دخوله فيه يدلّ على كونه أعمّ.

و لا ينافي ذلك ما تقدّم منّا من المناقشة في دخوله فيه؛ و ذلك لأنّا اعتبرنا في اندراج غير المطرب فيه قصد التلهّي و اللعب و الباطل به، و هو إنّما يتحقّق مع عدم ترتّب غرض عقلائي عليه، و الحداء لسير الإبل ليس كذلك؛ فإنّه يؤثر في سرعة سيرها بحيث لا تقف عن السير إلى أن تسقط و تموت، و لذا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمن سمعه يحدو- و هو أنجشة- و معه النساء: «رفقا بالقوارير» (1)فكنّى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن النساء بالقوارير، و هو من أبلغ الكنايات و ألطفها، حيث إنّ أرحامهنّ محلّ لقرار النطفة فيها كالقارورة، فخاف صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من سقوطهنّ عن ظهر الإبل عند جدّها في السير بسبب سماع الحداء، و أيّ غرض عقلائي أقوى منه، فإنّ سير المركوب مطلوب للراكب، سيّما في السفر البعيد، بل ليس شي‌ء محبوبا لديه بقدره.

و يؤيّده، بل يدلّ عليه أيضا، سيرة المتشرعة، فإنّك تراهم يعدّون مطلق رفع الصوت الممدود المشتمل على الترجيع و الترقيق لمجرّد التشهّي و التلذّذ و حظّ النفس من المنكرات، و يقبّحون صاحب الصوت و المستمع، و يعدّون المجلس الذي يجتمع فيه الناس لذلك مجلس اللهو و الباطل و مجلس


1) المغني، ج 12، ص 43.

ص: 39

البطّالين، بخلاف ما إذا قرأ بذلك الصوت القرآن و المواعظ و النصائح و الخطب و المراثي؛ فإنّها تؤثّر تأثيرا خاصّا إذا قرئت بذلك اللحن.

فتلخّص ممّا ذكرناه أنّ الغناء المحرّم:

منه ما هو علّة تامّة للتحريم، بحيث يدور الحرمة مدارها و لا يمنع عنها مانع، فهو كالزنى لا يبيحه إلّا ما يبيح الزنى من الضرورات، و هو الموجب للطرب و الرقص و استعمال آلات اللهو.

و منه ما فيه مقتض للتحريم و لو لم يمنع عنه مانع كالصوت الممدود غير الواصل إلى ذلك الحدّ؛ فإنّه يحرم في غير ما يتعلّق به غرض أخروي أو دنيوي معتدّ به بحيث يخرجه عن اللغو و الباطل، فحرمته و حلّيته يدور مدار مقارنته بتلك الأغراض و عدمها، فيمكننا أن ندّعي أنّ استثناء المذكورات من الغناء من قبيل الاستثناء المنقطع.

نعم، لا يبعد خروج الغناء في العرائس عنه حكما، مع اندراجه فيه موضوعا كالضرب بالدفّ، مع أنّه يمكننا أيضا منعه.

و دعوى خروج الصوت المذكور- إذا لم يصل إلى حدّ الإطراب في خصوص العرائس لأهلها- بالخصوص من الباطل؛ فإنّه يناسب أهلها إظهار الفرح و البشاشة و الانبساط، فأحلّ اللّه لهم ما يناسب شأنهم و شغلهم على ما يقتضيه الشريعة السمحة السهلة (1)فإنّ عدم الترخيص لهم فيه كثيرا ما يوقعهم في المعصية، فهو كعدم الترخيص لذوي الأزواج في مباشرة النساء في ليالي شهر رمضان، لأنّ اجتماع النساء في العرائس- سيّما أقارب العريس- لا يتمالكن أنفسهنّ في ترك التغنّي و التغزّل، فالرأفة الإلهية تقتضي التسهيل عليهنّ و الترخيص لهنّ في ذلك في تلك الأوقات، فالصوت المخصوص لهنّ


1) وسائل الشيعة، ج 1، ص 201، ح 3.

ص: 40

في العرائس ليس بالباطل، بخلافه في غيرها؛ إذ حرمة الغناء يدور مدار اندراجه في الباطل و عدمه، كما أشير إليه في كثير من الأخبار.

و من هنا يظهر لك وجه اختصاص حلّية الغناء فيها بالنساء، فلا يعمّ الرجال، فلا يلحق المغنّي بالمغنّية، فيمكن أن يكون وجه الاختصاص كون الصوت المذكور في العرائس ليس بالنسبة إليهنّ بالباطل و اللغو بخلافه بالنسبة إلى الرجال؛ إذ اللهو و اللغو و الباطل قد تختلف بالنسبة إلى الأشخاص بل و الحالات أيضا، فإنّ الصيد بالنسبة إلى السلاطين و الملوك و الأمراء و بعض أهل الثروة لا يعدّ إلّا صيد اللهو فيجب الصوم و إتمام الصلاة في سفره بخلافه بالنسبة إلى غيرهم، فإنّه لا يسمّى بذلك. و قد يخرج صيد السلطان عن صيد اللهو بالبعد عن جنوده و رعيته لضلاله عن الطريق في سفره و حاجته إلى تحصيل القوت بالصيد، فإذا كان المحرّم هذه العناوين في الحقيقة، فلا بدّ من تحقّقها في حصول التحريم، فما لم تتحقّق لم يحصل التحريم، و هي تختلف بحسب بعض الاعتبارات و الحالات و الأشخاص و الأزمان، فمن الممكن دعوى عدم حصولها بالنسبة إلى النساء في خصوص العرائس، و حصولها بالنسبة إلى الرجال مطلقا لمنافاة بعض الأفعال لزيّ الرجال دون النساء و الأطفال، فالتغنّي في العرائس يناسب شأنهنّ بخلاف الرجال، و كذلك الرقص و الهلاهل و الرويد؛ فإنّها يجوز لهنّ في العرائس و في حال الحرب و حضّ الرجال على القتال لا في غيرهما، و ذلك للسيرة المستمرّة المتّصلة بزمان المعصومين عليهم السّلام؛ فإنّ النساء التي كانت في الحروب مع المؤمنين في أيّام صفّين و كانت تحضّ الرجال على قتال القاسطين قضاياهم مشهورة، و في التواريخ مأثورة.

المقام الخامس في تزييف قول المخالف و تضعيف أدلّته

فنقول: منهم من أنكر حرمته ذاتا و قال: إنّ اتصافه بالحرمة إنّما هو لأجل

ص: 41

اقترانه بالمحرّمات الأخر كما عرفت من المحدّث الكاشاني- تبعا للمقدّس الأردبيلي- و المحقّق الخراساني، صاحب الذخيرة، استنادا إلى بعض الأخبار التي تقدّم ذكرها منها خبرا أبي بصير (1)المشتملين على حلّية أجر المغنّية في الأعراس بقرينة التعليل الوارد فيهما، و هو قوله: «ليست بالتي يدخل عليها الرجال».

و فيه- مضافا إلى ما تقدّم من عدم كون التعليلات الواردة لبعض الأحكام بعد بيانها تعليلات حقيقية، بل هي تقريبات للحكم في ذهن السامع و قمع شبهة الخلاف عن ذهنه كيلا يستوحش عمّا ألقي إليه، كقوله عليه السّلام بعد الحكم بطهارة ماء الاستنجاء: «أو تدري لم صار لا بأس به؟ قلت: لا و اللّه. فقال:

إنّ الماء أكثر من القذر» (2)فإنّه لا يمكن الالتزام بعموم هذا التعليل أصلا حتّى من القائلين بعدم انفعال القليل، لاشتراطهم عدم انفعاله بعدم التغير- أنّها تدلّ على حلّيته لهنّ خاصّة لا للرجال، و في خصوص العرائس لا مطلقا، فهما أخصّ من المدّعى فلا يمكن الاستدلال بها لحلّيته مطلقا.

و يمكن المناقشة في دلالتهما أيضا [ب] أنّهما لا يدلّان على حلّية جميع أقسامه، فيمكن تخصيص الحلّية بما ليس فيه تطريب.

إلّا أن يقال إنّه تقييد المطلق بالفرد النادر، و يدّعى شيوع ما فيه ذلك في الأغاني المعمولة في العرائس. و ليس ببعيد مع أنّه على تقدير إفادة التعليل العموم فهو معارض بالروايات الدالّة على الحرمة الظاهرة بل الصريحة- بسبب تأيّد بعضها ببعض- في الحرمة، فلا بدّ من تخصيصه أو طرح ما اشتمل عليه لعدم صلاحيته لمعارضته تلك الأخبار إن لم يقبل التخصيص.

و المناقشة فيها سندا و دلالة كما عن الأردبيلي في كلامه المتقدّم (3).


1) الكافي، ج 5، ص 120، ح 3.

2) وسائل الشيعة، ج 1، ص 222، ح 2.

3) مجمع الفائدة، ج 8، ص 59.

ص: 42

و حاصله: «عدم ما تصلح للاستناد إليه في إثبات الحرمة سوى الإجماع، و هو دليل لبّي يجب الاقتصار فيه على القدر المقطوع الذي نعلم بانعقاده فيه. و في غيره نرجع إلى الأصل و هو يقتضي الجواز، فما ثبت تحريمه حرّمناه، و ما لم يثبت جوّزناه بمقتضى الأصل.

يردّها- مضافا إلى ما تقدّم من أنّ أخبار الباب بالغة إلى حدّ التواتر، بل متجاوزة عنه، فلا وجه لملاحظة طريقها مع أنّ فيها الصحيح و الصريح في التحريم، مع أنّ مدار الحجّية هو الظهور لا الصراحة، و لا ينكر ظهورها في الحرمة إلّا مكابر للضرورة- أنّه لو قطع النظر عنها بسبب عدم تمامية حجّيتها سندا و دلالة لم يمكن الاستناد إلى الإجماع أصلا؛ للعلم القطعي باستناد المجمعين إليها و اعتمادهم عليها في الحكم بالتحريم، و نعلم أنّه ليس للمجمعين مستند سواها، فلا يكشف إجماعهم عن قول المعصوم أصلا.

و دعوى القطع بذلك ليس ممّا يقبل المنع مع أنّه يكفينا الظنّ بل الاحتمال في عدم جواز الحدس بقول المعصوم من الإجماع المزبور، و أنّه يمكن دعوى دلالة الآيات بأنفسها على الحرمة، لاندراج الغناء في اللغو و الباطل اللذين يجب الإعراض و الاجتناب عنهما و ترك أخذهما شأنا و شغلا لمن تديّن بهذا الدين.

بل يمكن دعوى دلالة العقل على حرمته أيضا لحكمه بقبح تضييع الوقت و إتلاف العمر في ما لا يترتّب عليه ثمرة معتدّ بها. و من المعلوم أنّ صرفه في الغناء من ذلك، مضافا إلى ما تقدّم عن بعض من أنّه الباعث على الفجور و الفسق و المعاصي فكان تحريمه عقليا و إن أوردنا عليه- تبعا لبعض المشايخ- من أنّ سببيته لهذه الأمور ليس بأزيد من أكل الأطعمة المقوّية المؤدّية إلى الغفلة و الفسق و الفجور، مع أنّ الأكل المزبور، ليس بمحرّم قطعا.

ص: 43

و لكن يمكن الذبّ عنه بكمال الفرق بينه و بين الأكل، حيث إنّ سببية الأكل لهذه الأمور سببية بعيدة بخلافه، بل قد يكون الأكل سببا لقوّة البدن في العبادات و الطاعات سيّما في الجهاد و مقابلة الأقران و مقاتلة الأبطال؛ فإنّ لقوّة البدن الحاصلة بأكل الأطعمة اللذيذة مدخلا عظيما فيه، بل في سائر العبادات بل في مطلق الواجبات و المندوبات، و لذا قيل يمكن للإنسان أن يتقرّب إلى اللّه تعالى بجميع المباحات بأن يقصد بها التوصّل إلى الواجبات و المندوبات، فيأكل الأطعمة اللذيذة ليقوى به على القيام بوظائفه من العبادات.

و بالجملة، فالفرق بين الأكل المزبور و بين الغناء ممّا لا يكاد يخفى؛ فإنّ آكل تلك الأغذية قد لا يخطر بباله شي‌ء من المعاصي أصلا، بل هو غافل عنها و قد يخطر بباله و مع ذلك لا يرغب إليها طبعا لعدم وجود الرغبة في نفسه إليها أصلا، بخلاف المستمع للغناء سيّما إذا كان من أمرد أو امرأة حسن الوجه و الصوت و لو كانت محرما لها، سيّما إذا كان ما يتغنّى به تشبيبا على امرأة أو أمرد أو ترغيبا إلى الخمر بمدحه نظما أو نثرا؛ فإنّه يهيّج الرغبة إليها قهرا و وجدانا.

و الحاصل أنّ مدخلية الألحان في التأثير في النفوس في الترغيب و التنفير و التشجيع و التجبين سيّما في قواها الشهوانية و رغبتها إلى الوقاع ممّا لا يمكن إنكاره من ذي مسكة أصلا.

و من ذلك ما روي أنّ الرشيد كان جالسا في المجلس، و عنده جارية حسناء فأتي بوردة في أوّل موسمها، فالتفت إلى الجارية و قال لها: «شبّهها!» فغنّت و قالت:

كأنّها لون خدّي حين يعصرها* يد الخليفة لأمر يوجب الغسل فهاجت شهوته و قال للحاضرين: «قوموا عنّي فقد هيّجتني الفاعلة و

ص: 44

أريد الخلوة بها». (1)

فقياسه بأكل الأطعمة اللذيذة قياس مع الفارق، بل و من دون الجامع فدعوى قبحه عقلا بمعنى وجود مقتضى القبح فيه، ما لم يمنع من اقتضائه مانع كالكذب و شرب الخمر- لا كالظلم بحيث يكون علّة تامة للقبح بحيث لا يقبل التخصيص إلّا بالخروج عنه موضوعا- ليست بعيدة، مع أنّ في ما عداه كفاية، بل الاستدلال و إقامة الدليل على ما كان من الضروريات لا يخلو عن سماجة، فيمكن ردّ منكر حرمته بأنّه منكر لضروري من ضروريات الدين، لكنّه لشبهة، فلم يخرج عن زمرة المسلمين، لكن لا يظنّ بأحد منهم الإنكار رأسا و إن أوهمه بعض العبائر؛ فإنّ المحدّث الكاشاني مع أنّه أشدّ المجترئين على مخالفة الأصحاب- حتّى نسب إلى اختلال الطريقة، بل سلب عنه بعضهم كصاحب الجواهر (2)في وجوب صلاة الجمعة ملكة الاجتهاد- لم ينكرها بضرس قاطع، و لذا حكم بحرمة أكثر الغناء المعمول عند المتصوّفة بنفسه، لأجل كونه من قبيل الباطل لا لأجل اقترانه بسائر المحرمات الأخر، فكأنّه يعترف بوجود فرد محرّم بذاته في الغناء، و لذا قال العلّامة الأنصاري بعد نقل كلامه:

أقول: لو لا استشهاده بقوله عليه السّلام: «ليست بالتي يدخل عليها الرجال» أمكن بلا تكلّف تطبيق كلامه على ما ذكرناه، من أنّ المحرّم هو الصوت اللهوي الذي يناسبه اللعب بالملاهي و التكلّم بالأباطيل و دخول الرجال على النساء لحظّ السمع و البصر من شهوة الزنى دون مجرّد الصوت الحسن الذي يذكّر أمور الآخرة و ينسي شهوات الدنيا، إلّا أنّ استشهاده بالرواية: «ليست بالتي يدخل عليها الرجال» ظاهر في التفصيل


1) لم نجده في الأغاني.

2) جواهر الكلام، ج 11، ص 178.

ص: 45

بين أفراد الغناء لا من حيث نفسه؛ فإنّ صوت المغنّية التي تزفّ العرائس على سبيل اللهو لا محالة، و لذا قلنا بإباحته في ما يأتي كنّا قد خصّصناه بالدليل (1)انتهى.

أقول: و مع استشهاده بالرواية يمكن تطبيقه على ما ذكرناه أيضا بأن يراد بقوله: «ليست بالتي يدخل عليها الرجال» ما فيه تطريب يناسب الرقص و الضرب بالأوتار، أو ما فيه ذلك فعلا بحيث يجلب الناس و الرجال من بعيد، و يدعوهم إلى الحضور عنده له بحيث يعدّ عند العرف مجلس اللهو، و باصطلاح هذا الزمان «مجلس الكيف» المعدّ لاجتماع أهل الفسوق فيه لاستيفاء حظّهم من شهوة الزنى بالسمع و البصر، و يبذلون الأموال الخطيرة لتأسيس مثل هذا المجلس أو الإذن للدخول فيه.

و بعبارة أخرى قد خرج هذا المجلس بسبب الصوت المذكور عن مجلس العرس المختصّ بالنساء، بل صار مجلس الأنس للرجال، بحيث لا يمرّ أحد من أهل الفسوق من ذلك الطريق إلّا و يدخل في الدار للسماع و الوجد، و يلهيه ذلك عن كلّ ما يهمّه من أمر الدين و الدنيا، بحيث لا يكترث بشي‌ء منها عند الحضور في هذا المجلس. فمعنى قوله عليه السّلام: «بالتي يدخل عليها الرجال» أي المعدّة لذلك أو المجبرة لهم بحسب طبائعهم الشهوانية إلى الحضور بحيث لو دخلوا في تلك المجالس لم يلاموا عند أهل المعاصي و لم يفعلوا ما يقبح عندهم، بخلاف العرائس المتعارفة المعمولة عند النساء اللاتي عندهنّ العرس؛ فإنّها لا تليق إلّا بأنفسهنّ و لا تصلح إلّا لخصوص تلك النساء لا لغيرهنّ من نساء الأجانب فضلا عن الرجال.

و بالجملة قد يكون المجلس مجلس العرس ففيه الأكل و الشرب و المحادثة و أداء الوظائف الشرعية من الصلاة و الأذكار و الأوراد المعمولة عند


1) المكاسب، ج 1، ص 299- 300.

ص: 46

النساء اللاتي تعتاد بها، و تحضر ذلك المجلس العفائف و العجائز و أهل الديانة و من له حاجز عن المعاصي من النساء، و قد يغنّى فيه أيضا بالطريق المعمول عندهنّ، و ليس مجلس اللهو و الباطل و اللغو بقول مطلق، بل و قد يذكر فيه بحسب المناسبة من فضائل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل البيت عليهم السّلام و يذكر فيه أيضا مسائل الحلال و الحرام، سيّما ما يتعلّق بالنساء من مسائل الحيض و الاستحاضة و النفاس لحضور بعض النساء اللاتي لهنّ معرفة بذلك فيه، فتعلّم بعضها بعضا من تلك المسائل؛ فالحضور في ذلك المجلس له رجحان شرعي و إن كانت المغنّية قد تغنّي فيه لتفريح النساء و رفع الملال و الحزن عنهنّ، و لكن أين هذا المجلس من المجالس التي تدخل عليها الرجال؟! فإنّ أهله لا يرضون بمرور أحد من الرجال من ذلك الطريق كي يسمع صوتهنّ فضلا عن الدخول عليهنّ، و يستحي الرجال و لو كانوا فسّاقا منهنّ فضلا عن الدخول عليهنّ، و هذا المعنى- مع أنّه قريب في نفسه و ليست الرواية بعد التأمّل ممّا تأبى الحمل عليه سيّما عند من كان له ذوق سليم و معرفة بأساليب الكلام و ما يتفاهم منه عرفا- يتعيّن الحمل عليه بعد عدم إمكان طرح الرواية و ترك العمل بها رأسا كما اعترف قدّس سرّه به، و عدم إمكان حمله على ما يتراءى منها من كون حرمة الغناء لأجل دخول الرجال على النساء و سماع صوتهنّ لقيام الأدلّة القطعية على خلافها- كما عرفت- فلا محيص عن حملها على ما فسّرناها به؛ فرارا عن محذور طرحه، فاستشهاد المحدّث المذكور بالرواية لا ينافي إرادة ما ذكره، كما أنّها لا تنافي ما ذكرناه، بل تدلّ عليه.

و قد يعبّر عن الغناء المحرّم ب «الزمر» كما في رواية الأضحى و الفرح، حيث قال عليه السّلام: «لا بأس ما لم يزمر به» (1)، حيث إنّ الظاهر منها هو عدم اخراج الصوت على نحو يشبه صوت المزمار أو يناسب المزمار و نحوه من آلات


1) مسائل علي بن جعفر، 156، ح 219.

ص: 47

الأغاني، فلا مانع من العمل بها فيهما أيضا.

و الحاصل أنّ تعليق تصحيح كلام المحدّث المذكور بإرجاعه إلى مختاره على عدم استشهاده بالرواية إنّما يصحّ ممّن لا يعمل بها بطرحها أو يحملها على التقية، لا ممّن لا يبعّد العمل بها كالعلّامة الأنصاري؛ فإنّه لا محيص له عن تأويل ذيلها بما لا ينافي مختاره، و بعد التأويل المذكور و حملها عليه فالاستشهاد بها لا ينافي اختيار المحدّث المذكور ما اختاره هو قدّس سرّه، فالاستشهاد المذكور لعلّه ممّا لا وقع له. اللّهمّ إلّا أن يدّعى القطع بأنّ الاستشهاد المذكور يدلّ على إرادة المحدّث غير ما اختاره قدّس سرّه، بأن يكون المجموع المركّب من كلامه و استشهاده بالرواية ينافي حمل كلامه على المختار و إن لم يكن أحدهما ينافيه، لكنّه- كما ترى- تكلّف بارد.

و بالجملة فعدم عدّ المحدّث المذكور ممّن ينكر حرمة الغناء ذاتا، ليس بذلك البعد.

و منهم من خصّص حرمة الغناء ببعض أفراد الموضوع كما حكى في جامع المقاصد (1)قولا لم يسمّ قائله باستثناء الغناء في المراثي.

و وجّهه بعض من متأخّري المتأخّرين (2)بعمومات أدلّة الإبكاء و الرثاء (3)و قد أخذ ذلك من صاحب الكفاية (4)من الاستدلال بإطلاق أدلّة قراءة القرآن. و تفصيله على ما يظهر من بعضهم، أنّ النسبة بين أدلّة الإبكاء و حرمة الغناء عموم من وجه، و في مادّة الاجتماع تتعارضان و تتساقطان، فيرجع فيها إلى الأصل و هو أصالة الحلّية في كلّ ما لم يثبت تحريمه. قال شيخنا العلّامة


1) جامع المقاصد، ج 4، ص 23.

2) مستند الشيعة، ج 2، ص 342- 343.

3) بحار الأنوار، ج 44، ص 278.

4) انظر القسم الثاني في هذه المجموعة «گفتارى از محقّق سبزواري».

ص: 48

الأنصاري:

و فيه أنّ أدلّة الاستحباب لا تقاوم أدلّة المحرّمات، خصوصا التي تكون من مقدّماتها؛ فإنّ مرجع أدلّة الاستحباب إلى استحباب ايجاد الشي‌ء بسببه المباح لا بسببه المحرّم. أ لا ترى أنّه لا يجوز إدخال السرور في قلب المؤمن و إجابته بالمحرّمات- كالزنى و اللواط و الغناء-؟ و السرّ في ذلك أنّ دليل الاستحباب إنّما يدلّ على كون الفعل لو خلّي و طبعه خاليا عمّا يوجب لزوم أحد طرفيه، فلا ينافي ذلك طروّ عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه، كما إذا صار مقدّمة لواجب أو صادفه عنوان محرّم، فإجابة المؤمن و إدخال السرور في قلبه ليس في نفسه شي‌ء ملزم لفعله أو تركه، فإذا تحقّق في ضمن الزنى فقد طرأ عليه عنوان ملزم لتركه، كما أنّه إذا أمر به الوالد أو السيّد طرأ عليه عنوان ملزم لفعله.

و الحاصل أنّ جهات الأحكام الثلاثة- أعني الإباحة و الاستحباب و الكراهة- لا يزاحم جهة الوجوب أو الحرمة، فالحكم لهما مع اجتماع جهتيهما مع إحدى الجهات الثلاث. (1)انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو بظاهره مخدوش؛ فإنّ أدلّة المباحات التي ليس فيها اقتضاء أصلا تقاوم أدلّة المحرّمات و تعارضها قطعا، كما يوضح ذلك لو كان المعارضة بينهما بالتباين لا بالعموم و الخصوص من وجه. فقوله: «لا بأس ببيع العذرة» يعارض قوله «ثمن العذرة سحت» و هكذا المندوبات؛ فإنّ قول القائل «يستحبّ إكرام العلماء» ينافي قوله: «إكرام العلماء حرام»، و ذلك


1) المكاسب، ج 1، ص 308- 309.

ص: 49

لتضادّ الأحكام بأسرها و عدم إمكان اجتماعها في شي‌ء واحد، و لا يختصّ التضادّ بما فيه الإلزام- كما يوهمه ظاهر عبارته قدّس سرّه- و هو من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى البيان و لا يشتبه على أصاغر الطلبة، فضلا على من هو من الأركان، و عليه يدور رحى الفقه في هذه الأزمان، فالتحقيق في الجواب هو أن يقال:

إنّ الموضوعات المتعلّقة للأحكام الشرعية على قسمين:

منها: ما هو من العناوين الأوّلية و من نفس الأعمال الصادرة من المكلّف، كالأكل و الشرب و الصلاة و الزنى و اللواطة و الغيبة و الكذب و الافتراء و غيرها من الواجبات و المحرّمات و المندوبات و غيرها.

و منها: ما هو من العناوين الثانوية الطارئة على الشي‌ء كالإكرام و الإهانة و الإعانة و الإضرار و التفريج و التخويف و أمثالها؛ فإنّها عناوين من أفعال خارجية لها حقيقة غير هذه العناوين.

و إن شئت عبّرت عنها بالمعقولات الثانوية؛ فإنّها ممّا ينتزع من الأفعال الصادرة عن المكلّفين و لها عناوين أوّلية، فإنّ الإكرام مثلا ينتزع من القيام عند ورود من يعامل معه هذه المعاملة و التسليم عليه و تقبيل يده و إمرارها على العين. و هكذا فعلى كلّ هذه الأفعال يصدق الإكرام، و قد يصدق على بعضها أيضا، و قد يصدق على غيرها أيضا كإعطائه جبة خزّ مثلا. و هكذا الإهانة قد تنتزع عن الضرب و الشتم، و قد تنتزع عن ترك التسليم و ترك القيام لأحد، و هكذا التفريج قد يتحقّق بالإعطاء و قد يحصل بأشياء أخر لكلّ منها اسم مخصوص.

فما كان من القسم الأوّل فيتحقّق فيها التعارض مطلقا- كما مثّلناه- و هكذا في ما إذا كان موضوع الدليلين كليهما من القسم الثاني كقول القائل: «يحرم إكرام العلماء» و «يستحبّ إكرامهم»- في التباين- أو «يستحبّ إكرام العلماء» و «يحرم إكرام الفاسق»- في العامّين من وجه- فلا بدّ فيهما من

ص: 50

العلاج بالرجوع إلى المرجّحات الداخلية أو الخارجية على ما هو مقرّر في محلّه.

و أمّا إذا كان أحدهما من العناوين الأوّلية دون الآخر، فحينئذ يخرج الدليلان عن باب التعارض و يدخلان في باب التزاحم. و من المعلوم أنّ المندوب لا يزاحم الواجب، بل الواجب المهمّ لا يزاحم الأهمّ، فحينئذ نقول: لا يجوز إدخال السرور في قلب المؤمن و إجابته بالمحرّمات كالزنى و اللواط و الغناء و الغيبة و قتل النفس و غيرها من المحرّمات.

و إن شئت قلت: إنّ المستحب لا يزاحم الواجب، و الواجب غير الأهم لا يزاحم الواجب الأهمّ، فإذا اجتمع في شي‌ء واحد عنوانان يقتضي أحدهما الحرمة و الآخر الاستحباب فلا إشكال في غلبة جهة الحرمة على جهة الاستحباب و اضمحلال جهة الاستحباب في جنبها، فإدخال السرور في قلب الأخ المؤمن و إضحاكه بالغيبة أو غيرها من المحرّمات لا يجوز؛ لأنّ الحكم الفعلي يتبع أقوى الجهات و هذا لا يختصّ بالحرام و المندوب، بل يجري في الواجب و الحرام أيضا، فقد يغلب جهة الحرمة على جهة الوجوب و قد يكون الأمر بالعكس، مثلا الدخول في دار الغير بغير إذنه أو مع منعه عنه قد يكون مقدّمة لتحصيل الماء للطهارة و الصلاة، فلا يجوز، و قد يكون مقدّمة لتحصيل الماء للشرب المتوقّف عليه حفظ النفس.

فالحريّ في تحقيق المقام و في ردّ الخصم القائل بجواز الغناء في الرثاء و قراءة القرآن أو غيرهما هو أن يقال:

إنّ اجتماع عنوان ندبي راجحة مع عنوان تحريمي و جهة تقتضي المنع لا يوجب رفع اليد عن إطلاق دليل التحريم أو عمومه بالنسبة إلى مورد الاجتماع و الحكم بعدم الحرمة، بعد وضوح أنّ ما ليس فيه اقتضاء لا يزاحم و لا يعارض ما فيه الاقتضاء؛ فإنّ الحرمة فيه اقتضاء المنع بخلاف الاستحباب،

ص: 51

فإنّه ليس فيه اقتضاء المنع.

و لعلّ هذا هو مراده قدّس سرّه. و لكن عبارته لا تفي به؛ فإنّ الظاهر من أدلّة الاستحباب هو ما يدلّ عليها من الأدلّة الأربعة، و من المعلوم أنّ أدلّة المستحبات بهذا المعنى تقاوم أدلّة المحرّمات- كما تقدّم بيانه-.

و تمثيله بعدم جواز إدخال السرور في قلب المؤمن و إجابته بالمحرّمات و بيان سرّ ذلك بقوله: «إنّ دليل الاستحباب» إلى آخر كلامه، يقرّب إرادته ما ذكرناه. بل ربما يشرف الناظر في كلامه على القطع بإرادته من الأدلّة العناوين، فغرضه من الأدلّة هي العناوين التي وقعت موضوعات للأحكام المستفادة عن الأدلّة، فتسميتها بالأدلّة إنّما هو بهذا الاعتبار- أي باعتبار وقوعها موضوعات للأدلّة- فيكون توصيفها بالأدلّة بالتعبير عنها بها من قبيل الوصف بحال المتعلّق. و يمكن أن يكون توصيفها بها بحال نفسها و تسميتها حينئذ بالأدلّة؛ لأنّه بتلك العناوين يثبت الأحكام لمعنوناتها التي هي عناوين خارجية و أوّلية؛ فإنّ إثبات الحرمة لحركة اليد مثلا إنّما هو لصدق عنوان الغيبة أو توهين المؤمن أو الافتراء عليه عليها، فهي أدلّة عليها بهذا الاعتبار؛ لكنّه خلاف الاصطلاح؛ فإنّ الظاهر و الذي جرى عليه الاصطلاح في معنى الدليل إنّما هو ما يكون واسطة في مقام الإثبات، لا في مقام الثبوت، حتّى أنّ تسمية الدليل اللمّي بالدليل، إنّما هو بهذا الاعتبار و بملاحظة إرشادها إلى معلوماتها في مرحلة الظاهر و في مقام الإثبات.

و كيف كان فلا محيص عن حمل كلامه- و لو بالتأويل- على هذا المعنى؛ فإنّ ذيله كالصريح فيه و إن كان صدره ظاهرا في خلافه، فلا بدّ من صرفه إليه. مع أنّه لا يمكن إرادة خلافه ممّن هو علم التحقيق و مداد التدقيق.

و يمكن توجيه هذا التفصيل إلى ما اخترناه بأن يكون مراده من استثناء الغناء في المراثي خروجه فيها عن الغناء موضوعا، لعدم صدقه على الرثاء

ص: 52

عرفا، بل و لا لغة، ما لم يخرج عن عنوان الرثاء، بأن لم يصل إلى حدّ التطريب الموجب لخروجه عن الرثاء و دخوله في عنوان اللهو و اللعب، فيخرج عن الطاعة و يدخل في المعصية. بل، يمكن أن يكون عقوبته فيها أعظم منه في غيرها؛ لكونه استخفافا بالمراثي و إدخال غير أهل المعاصي فيها من حيث لا يعلمون.

و سرّه ما تقدّم مرارا من عدم صدق الغناء عليه فيها و إن صدق على هذا النحو من الصوت إن لم يكن في المراثي؛ إذ الحكم في تشخيص مداليل الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة هو العرف، و من المعلوم عدم تسميتهم الراثي و الذاكر: «مغنّيا» و قراءته: «غناء» و إن اشتمل صوته على الترجيع و التحسين و الترقيق و التحريك ما لم يصل إلى حدّ الإطراب.

و أمّا ما تقدّم من شيخنا العلّامة الأنصاري من قوله: «و أمّا العرف فلأنّه لا ريب أنّ من سمع من بعيد صوتا مشتملا على الإطراب» (1)- إلى آخر ما ذكره- فلا ينافي ما ذكرناه أصلا؛ لكنّه مبني على اختصاص الغناء بالصوت المشتمل على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو، لكنّه لا وجه له بعد عدم مساعدة العرف و اللغة عليه؛ بل يكذبانه؛ فإنّ أحدا من أهل اللغة لم يأخذ الإطراب في حدّ الغناء، و كذلك العرف لا يتأملون في إطلاق الغناء على الصوت اللهوي المشتمل على الترجيع إذا أريد منه التلذّذ و تفريج القلب و رفع الهموم و الغموم الهاجمة عليه، فتخصيص الغناء بخصوص الصوت المطرب كما ذهب إليه المحقّق المذكور و نسب إلى المشهور لا وجه له أصلا بعد مخالفة العرف و اللغة، و تخصيصهم المزبور إنّما نشأ من أنّ متابعة أهل اللغة في معناه و الحكم بحرمة مطلق مدّ الصوت أو مع ترجيعه و تحسينه يوجب الجرح و يخالف السيرة القطعية من زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى زماننا هذا؛ فإنّه قلّما


1) المكاسب، ج 1، ص 307- 308.

ص: 53

يتّفق أذان أو قراءة قرآن أو رثاء بدون الترجيع المزبور، بل يخالف ذلك ما صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أنّه أمر بقراءة القرآن بألحان العرب لا بألحان أهل الفسوق؛ إذ الأخذ بقولهم يستلزم منع إعمال اللحن في القراءة أصلا، لا إعمال خصوص لحن أهل الفسوق، و هذا هو الذي ألجأ صاحب الحدائق إلى صرف اللحن عن معناه الأصلي و جعله في هذا الخبر «اللحن» بمعنى «اللغة» أي «بلغة العرب» (1)زعما منه أنّ إبقاءه على معناه يوجب ظهور الخبر في جواز الغناء في القرآن. و ردّه شيخنا العلّامة:

بأنّ مطلق اللحن إذا لم يكن على سبيل اللهو ليس غناء و قوله عليه السّلام: «و إيّاكم و لحون أهل الفسق» نهي عن الغناء في القرآن. ثمّ إنّ في قوله: «لا يجوز تراقيهم» إشارة إلى أنّ مقصودهم ليس تدبّر معاني القرآن، بل هو مجرّد الصوت المطرب. و ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا تنافي بين حرمة الغناء في القرآن و ما ورد من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و رجّع بالقرآن صوتك! فإنّ اللّه يحبّ الصوت الحسن»؛ فإنّ المراد بالترجيع، ترديد الصوت في الحلق، و من المعلوم أنّ مجرّد ذلك لا يكون غناء إذا لم يكن على سبيل اللهو؛ فالمقصود من الأمر بالترجيع أن لا يقرأ كقراءة عبائر الكتب عند المقابلة، لكن مجرّد الترجيع لا يكون غناء، و لذا جعله نوعا منه في قوله عليه السّلام: «يرجّعون القرآن ترجيع الغناء». و في محكي شمس العلوم «أنّ الترجيع، ترديد الصوت؛ مثل ترجيع أهل الألحان و القراءة و الغناء». (2)انتهى.

أقول: بعد ما عرفت من أنّ مطلق اللحن و مدّ الصوت إذا لم يكن في


1) الحدائق، ج 18، ص 114.

2) المكاسب، ج 1، ص 310.

ص: 54

القرآن و الرثاء و نحوهما من الأمور المرغّبة إلى الآخرة غناء، لا وقع للاعتراض عليه بأنّ مطلق اللحن إذا لم يكن على سبيل اللهو أي البالغ إلى حدّ الإطراب- بقرينة ما تقدّم منه- ليس غناء؛ لاتّفاق العرف و اللغة على كونه غناء.

نعم، إذا أريد من قوله قدّس سرّه: «إذا لم يكن على سبيل اللهو» أي لم يرد به مجرّد اللهو و الباطل بأن لم يستعمل في القرآن و الرثاء و نحوهما- بأن استعمل في أشعار أهل الجاهلية في وصف الخمر و القمار و التغزّل بالنساء بل و مطلق ما ليس فيه ثمرة دينية كقولهم: «جئناكم جئناكم، حيّونا حيّونا نحيّكم» في الخبر المتقدّم، إذ هو لهو- كان حقّا و موافقا لما حقّقناه، و معه لا نحتاج إلى جعل اللحن بمعنى اللغة الذي هو إن صحّ استعمالا سيّما من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي هو أفصح الناس طرّا فهو خلاف الظاهر و تأويل بعيد ليس إليه حاجة أصلا، بل يكاد يلحق الكلام بالهذيان؛ فإنّ القرآن هو بنفسه عربي، فكلّ من يقرأه، يقرأه بلسان العرب و لغتهم، و لذا حمل «اللغة» في كلامه شيخنا العلّامة ب «اللهجة»، و هو أيضا لا يكاد يصحّح كلامه؛ فإنّ العرب لا يقرءون إلّا بلهجتهم، فلا وقع لأمرهم بالقراءة بها. و أمّا غيرهم، فالقراءة بلهجة العرب صعبة عليهم جدّا مع أنّه لا دليل على رجحانه.

و بالجملة فطرح الخبر رأسا أصلح و أحسن من نحو هذه المحامل. و إبقاؤه على ظاهره لا يستلزم جواز الغناء في القرآن و إن استلزم جواز مدّ الصوت و ترقيقه و تحسينه في القرآن لتذكير الآخرة، و لكن يخرج عن الغناء بمجرّد وقوعه في القرآن و نحوه من الأمور الراجحة شرعا؛ فإنّ أهل العرف لا يسمّونه غناء، ما لم يصل إلى حدّ التطريب، و حينئذ يخرج عن عنوان القراءة و نحوها قطعا. و ما أبعد بين قول هذا المحدّث و المحدّث الكاشاني حيث جوّز الغناء بجميع أنواعه في قراءة القرآن و نحوها، بل منع حرمته بنفسه ما لم ينضمّ إلى سائر المحرّمات، فكأنّه جعله بنفسه من المباحات، و إنّما استقلّ بالعنوان

ص: 55

لعدم انفكاكه بحسب العادة و عند أهله كالخلفاء و الأمراء عن دخول الرجال على النساء و استعمال آلات اللهو و المسكرات، و هذا المحدّث منع تحسين الصوت و ترقيقه و مدّه حتّى في قراءة القرآن حيث أخرج اللحن الوارد في الحديث النبوي عن ظاهره و حمله على معنى بعيد لا يساعد عليه العرف و اللغة، بل هو ممّا يشمئزّ منه النفس- كما بيّناه- فهما بين إفراط و تفريط، و ليت شعري كيف اتّفق بينهما هذا الاختلاف الشديد، مع أنّهما من الأخبارية و من الذين يدّعون أنّهم هم المخصوصون بالأخذ بقول أهل العصمة و اقتفاء آثارهم و عدم التخطّي عن أخبارهم! فهذا المحدّث كيف يعامل مع الأخبار الدالّة على الجواز، و ذاك كيف يعامل مع الأخبار المصرّحة بالحرمة مع عدم انضمامه إلى شي‌ء آخر من المحرّمات، مع أنّ الالتزام بحرمة مطلق مدّ الصوت و ترقيقه و تحسينه في القرآن و الأذان و المناجاة و الرثاء و نحوها من الأمور الراجحة شرعا كاد أن يكون تهجّما على الضرورة و مصيرا إلى ما تشهد ببطلانه، سيّما في هذه الشريعة السمحة السهلة.

و قد بان بحمد اللّه لك طريق الجمع بين الأخبار على وجه يساعد عليه الشرع و العرف و الاعتبار، و يرتفع عن المسألة الغبار من دون طرح أو تأويل لشي‌ء منها في هذا المضمار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.

و بالجملة فالقول بعدم حرمة الغناء المجرّد عن سائر المحرّمات- كما اختاره المحدّث الكاشاني- ضعيف؛ كالقول بحرمة مطلق مدّ الصوت و ترقيقه و تحسينه و لو في قراءة القرآن كما ذهب إليه المحدّث البحراني.

و يتلوهما في الضعف ما اختاره العلّامة الأنصاري تبعا للمشهور من تخصيص الغناء موضوعا و حكما بما اشتمل على التطريب؛ لأنّه خلاف ما نصّ عليه أهل اللغة بأجمعهم، و يأبى عنه كثير من أخبار الباب، منها رواية عبد الأعلى المتقدّمة؛ فإنّ قول الراوي فيها: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغناء و

ص: 56

قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رخّص في أن يقال «جئناكم جئناكم، حيّونا حيّونا نحيّكم» و تقرير الإمام له، يدلّ على أنّ رفع الصوت و مدّه بهذا القول غناء، و كذا جواب الإمام و تكذيبه لما زعموه من الترخيص و استشهاده بالآية الشريفة من دون تقييد الحرمة بما يكون القول المزبور مشتملا على التطريب، مع أنّه ليس من الأوزان المطربة، لأنّ الأوزان المطربة معروفة عند أهلها بل عند كلّ أحد، و يعلم أنّه ليس منها صريح في عدم اختصاص الغناء بخصوص ما يكون فيه تطريب بل يصدق عليه و على غيره ممّا أريد به مجرّد اللهو و اللعب و إشغال النفس بما لا يترتب عليه ثمرة دينية و لا دنيوية ممّا فيه حفظ النظام و بقاء الجامعة كالأكل و الشرب و النوم و تحصيل المال بل فيه ما ينافيها؛ فإنّ تعويد النفس بمثل هذه الأصوات و صرف الأوقات فيها تضييع للعمر، إذ لا يترتّب عليه إلّا الكسالة عن تحصيل الدنيا و الآخرة. و إثارة للقوى الحيوانية و الشهوانية، و إيقاظ لها عند نومها فتغلب على الإنسان، و تحمله على استيفاء حظّها من مشتهياتها، سيّما إذا كان القائل صبيّا أمرد أو امرأة حسناء، و سيّما إذا كان ما يترنّم به ما يتعلّق بالمعاشقة كالأشعار المتضمّنة لقصّة زليخا مع يوسف على نبيّنا و آله و عليه السّلام، أو المجنون مع ليلى أو خسرو مع شيرين، و إذا كان المستمع امرأة شابّة فمفاسده أزيد و قبحه أشدّ.

و بالجملة لمّا كانت الأحكام الشرعية منبعثة عن المصالح و المفاسد الكامنة في الأشياء، فيمكن دعوى كون بعض الأصوات الغير البالغة إلى حدّ التطريب أشدّ حرمة ممّا فيه التطريب لكثرة ما يترتّب عليها من المفاسد، و هو يكفي في رفع ما ادّعاه قدّس سرّه من السالبة الكلية، و هو «أنّ كلّ صوت لم يشتمل على التطريب فهو ليس بحرام»؛ إذ الموجبة الجزئية ينافي السالبة الكلية.

و توهّم أنّ المحرّم في المحلّ المفروض ليس هو نفس الصوت بل إنّما هو ما قارنه من استماع الغير له على نحو التلذّذ بحيث لو كان المستمع له رجلا دعاه إلى

ص: 57

استيفاء حظّ نفسه من اللواط بالنظر و الاستماع، و إن كان امرأة دعته نفسه إلى استيفاء حظّه من الزنى؛ مدفوع بأنّ السبب في حصول المحرّم إنّما هو نفس الصوت و كيفيّاته الخاصّة من الترقيق و التحسين و المدّ، فهو محرّم بذاته، و أنّه سبب للحرام لا أنّ المحرّم هو ما قارنه فقط من دون أن يكون هو بنفسه حرام.

و بالجملة فرق بين ما يكون سببا للحرام و بين ما يكون مقارنا للحرام، و ما نحن فيه من قبيل الأوّل لا الثاني.

و الحاصل أنّ منع حرمة بعض الأصوات الغير المشتملة على التطريب بسبب بعض الخصوصيات ككون القارئ أمرد حسن الصوت و لو مع كون جميع المستمعين رجالا أو امرأة كذلك حتّى مع عدم حضور أحد من الرجال في مجلسها لاختصاصه بالنساء، ممّا يمكن دعوى القطع ببطلانه؛ للقطع بدخول ذلك المجلس في مجلس اللهو و الباطل و اللعب و دخول أهل ذلك المجلس في البطّالين الذين ورد التحذير عن الأنس و الألفة بمجلسهم، و يمكن إلحاق غير هذا البعض به بالإجماع المركّب.

و يمكن إثبات المطلوب و هو حرمة مطلق رفع الصوت و تحسينه و ترقيقه و لو من غير إطراب في غير القراءة و نحوها بجميع الأخبار الواردة في حرمة الغناء و الرجوع إلى اللغة و العرف؛ فإنّهما يتّفقان على دخوله في الغناء و يسمّونه بالفارسي ب «خواندن» و «خوانندگى». و من هنا ظهر أنّ صوتا بعينه قد يختلف حكمه بالنسبة إلى المستمع و القارئ و قد يكون حراما من قارئ دون آخر، و قد يكون استماعه من مستمع محرّم دون آخر، فقراءة القرآن مثلا قد تكون حراما إذا قصد القارئ بها مجرّد التلهّي و تلذّذ النفس أو الغير به من دون أن يكون موادّه ملحوظة عند القارئ و المستمع. و قد يكون مباحا و راجحا إذا كان الغرض منه التدبّر في معانيه و تأثّر النفس بها و تذكّر الآخرة، فقراءة القرآن من مثل هذا الشخص الذي له صوت حسن بهذا المنوال مباحة، بل راجحة لأهل المعرفة و الحال، و محرّمة

ص: 58

لأهل الفسق و الفجور و الجهال و ذلك لأنّ الحرمة يدور مدار اللهو و الباطل و اللعب، و لا إشكال في تحقّق هذه العناوين بالنسبة إلى الفرقة الثانية بخلافه بالنسبة إلى الفرقة الأولى فإنّه ذكر اللّه بالنسبة إليهم و به تقشعرّ جلودهم و تلين قلوبهم و يغلبهم البكاء من خشية اللّه و الشوق إلى نعيم الآخرة و الخوف من عذابها؛ فإنّ لكيفية الصوت و القراءة مدخلا عظيما في ذلك، و لذا ورد الأمر بقراءة القرآن باللحن المخصوص- أي ألحان العرب سيّما أهل الحجاز- و حذر عن القراءة بألحان أهل الفسوق، و ورد في خبر عامّي الأمر بالتغنّي بالقرآن و أنّه من لم يتغنّ به فليس منّا، و قد جرت السيرة أيضا بقراءة القرآن باللحن و الحزن و مدّ الصوت، و كذا غيره من الأذان و الرثاء و الندبة و غيرها من غير نكير أصلا، فيمكن الالتزام بخروجه عن الغناء موضوعا بخروجه عن اللغو و الباطل، و يمكن الالتزام بخروجه عنه حكما إن عمّمناه لمطلق مدّ الصوت و ترقيقه من غير تفاوت بين المقروء، و لكن الحقّ الأوّل. و لا ينافيه ما تقدّم عن كتب اللغة؛ لأنّ الظاهر منهم بعد التأمّل هو ما كان الغرض من الفعل المزبور و الباعث عليه هو مجرّد الصوت من غير أن يكون لمادّة الكلمات مدخلا فيه. و من المعلوم أنّ قراءة القرآن للتذكّر و التنبيه ليس من هذا القبيل بل ممّا يضادّه، فالأقوال المزبورة كلّها ضعيفة.

و يتلوه في الضعف التفصيل بين كون الغناء واقعا في الرثاء و غيره- كما تقدّم عن بعض- فإنّ الالتزام بخروج بعض أفراد موضوع الحكم عنه من غير دليل ليس ممّا إليه سبيل، و لم يرد دليل خاصّ بجواز الغناء في الرثاء. و الأخبار العامّة قد عرفت حالها، و أنّها لا تصلح لمعارضة الأخبار الدالّة على الحرمة بما لا تزيد عليه.

نعم، يمكن توجيه هذا القول بحيث ينطبق على ما اخترناه، و هو حلّية القسم الذي ليس فيه تطريب إذا كان في الرثاء إمّا لعدم صدق الغناء عليه حقيقة لخروجه عن الباطل و اللهو، و إمّا لخروجه منه حكما للسيرة القطعية من زمن

ص: 59

الأئمّة إلى زماننا هذا عليه، بل قد يمكن منع صدق الرثاء على غيره؛ فإنّ ذكر المصائب الواردة على خامس أصحاب الكساء- بل و على غيره من الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم- بغير الطريق المذكور بل على طريق التكلّم لا يسمّى رثاء عرفا، و المتكلّم بها لا يسمّى راثيا عند الناس، و لا يسمّى المجلس الذي يذكر فيه ذلك بغير الطريق المعمول مجلس المرثية، و لا يجتمع فيه أهلها في الأيام المعدّة لها كالعشر الأوّل من المحرّم، سيّما العاشر منه المسمّى ب «العاشوراء» و كذا في غير الرثاء ممّا يتعلّق بأمر الآخرة كالقرآن و الأخبار الواردة عن النبي و أهل بيته عليهم السّلام في التحذير عن الاغترار بالدنيا و زخارفها، و الترغيب إلى نعم الآخرة و ما أعدّ اللّه لأهل الطاعة و السعادة في دار اختارها اللّه لعباده الصالحين، بل و غيرها من الكلمات المتضمّنة لمثل هذه المعاني، بل ما يتضمّن الحكمة مطلقا نظما و نثرا، و ما يفيد العباد في معاشهم و معادهم، و ما يوجب تحريض المسلمين و المؤمنين على قتال الكافرين و المنافقين و تشجيعهم عليه نظما و نثرا، و ما يوجب رفع الخوف عن النفس عند المبارزة كالأرجوزة و نحوها.

و بالجملة كلّ ما فيه فائدة دينية أو دنيوية لم تنه عنها الشارع و لم تعدّ عند العقلاء لهوا و لغوا و باطلا، فمدّ الصوت و تحسينه و ترقيقه فيها كلّها مرخوص فيه، بل ممّا ندب إليه في بعضها.

و يدلّ على ما ذكرناه- من كون الترنّم رفع الصوت بالكيفية المخصوصة المناسبة لها إذ للكيفية المزبورة أثر خاصّ في تأثّر النفس و الغير من غير ما يقتضيه نفس الكلام مضافا إلى ما تقدّم- ما رواه في كشف الغمّة عن مولانا علي الهادي عليه السّلام:

أنّه سعي به إلى المتوكّل و قيل له: إنّ في منزله كتبا و سلاحا من شيعته من أهل قم، و إنّه عازم على الوثوب بالدولة. فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا و

ص: 60

وجدوه في بيت مغلق عليه، و عليه مدرعة من صوف و هو جالس على الرمل و الحصا، و هو متوجه إلى اللّه تعالى يتلو آيات من القرآن، فحمل على حاله تلك إلى المتوكّل و قالوا له: لم نجد في بيته شيئا و وجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة. و كان المتوكّل في مجلس الشرب. فدخل عليه جالسا و الكأس في يد المتوكّل.

فلمّا رأى هابه و عظّمه و أجلسه إلى جانبه و ناوله الكأس التي كانت في يده، فقال: «و اللّه ما يخامر لحمي و دمي قطّ فاعفني»، فأعفاه، فقال: أنشدني شعرا! فقال عليه السّلام: «إنّي قليل الرواية للشعر». فقال: لا بدّ. فأنشده عليه السّلام و هو جالس عنده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم* غلب الرجال فلم تنفعهم القلل و استنزلوا بعد عزّ من معاقلهم* و أسكنوا حفرا يا بئسما نزلوا ناداهم صارخ من بعد دفنهم* أين الأساور و التيجان و الحلل أين الوجوه التي كانت منعمة* من دونها تضرب الأستار و الكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم* تلك الوجوه عليها الدود تنتقل قد طال ما أكلوا دهرا و قد شربوا* و أصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا قال: فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينيه، و بكى الحاضرون و دفع إلى علي عليه السّلام أربعة آلاف دينار ثمّ ردّه إلى منزله

ص: 61

مكرما. (1)

أقول: روى الكراجكي في كنز الفوائد و قال: «فضرب المتوكّل بالكأس الأرض و تنغّص عيشه في ذلك اليوم». (2)

إذ من المعلوم أنّ تأثره، لعنه اللّه، بهذه المثابة و انقلاب سروره حزنا و بكاء و تنغّص عيشه من سماع هذه الأشعار من لسانه عليه السّلام إنّما كان لأجل إنشاده عليه السّلام إيّاها باللحن المخصوص و الكيفية الخاصة التي لها تأثير خاصّ في النفوس البشرية بل في الحيوانات و لم يكن بالطريق الساذج و الخالي عن الألحان أصلا، بل كان بطريق ما يتكلّم الإنسان مع صاحبه و إلّا لم يكن لها هذا التأثير؛ بل لم يكن يقنع الخليفة منه بها، و لم يكن لها مناسبة لمجلسه الميشوم؛ فيدلّ ذلك على جواز التغني بالكلام المشتمل على المصالح الدينية لترغيب النفوس إلى نعم الآخرة، و إيقاظها من نوم الغفلة و الاغترار باللذات الفانية و الاشتغال بها عن اللذات الباقية.

ثمّ إنّ تأثّره مع شدّة قساوته و عداوته لإعراضه عن ذكر اللّه و إقباله على زخارف الدنيا من إنشاده عليه السّلام كاد أن يكون من معجزاته عليه السّلام و حسن صوته بدرجة لا يبلغ إليها أحد من الأنام الذي خصّصه اللّه تعالى بالنبي و خلفائه الكرام؛ فإنّهم كانوا في حسن الصوت بمثابة لو أخرجوه لم يطقه أحد بل أغمي على السامع أو مات بمجرّد السماع، و إنّما كانوا يخرجون أصواتهم بقدر ما يحتمله الناس كما ورد في بعض الأخبار الواردة عنهم.

و دعوى أنّ هذا الفعل صدر منه تقية و لأجل الكراهة عليه كما يدلّ عليه قوله «فقال: لا بدّ.» كما ترى؛ لأنّه ما أراد منه الإنشاد بهذا الطرز أصلا، بل أراد منه الإنشاد بما يناسب مجلسه و مشربه، كإنشاد المغنّين الحاضرين في تلك


1) مروج الذهب، ج 4، ص 93- 94، و لم نجدها في كشف الغمّة.

2) كنز الفوائد، ج 1، ص 342.

ص: 62

المجالس، لكنّه عليه السّلام أرغم أنفه و أنشده الأشعار المنسوبة إلى جدّه أمير المؤمنين عليه السّلام بالكيفية المورثة للحزن و الملال و تنغّص العيش و انقلاب الحال.

و من هنا ظهر أنّ ما ادّعاه شيخنا العلّامة الأنصاري بقوله:

و من أوضح تسويلات الشيطان أنّ الرجل المتستر قد تدعوه نفسه لأجل التفرّج و التنزّه و التلذّذ إلى ما يوجب نشاطه و رفع الكسالة عنه من الزمزمة الملهية، فيجعل ذلك في بيت من الشعر المنظوم في الحكم و المراثي و نحوها فيغنّي به، أو يحضر عند من يفعل ذلك، و ربّما يعدّ مجلسا لأجل إحضار أصحاب الألحان و يسمّيه مجلس المرثية، فيحصل له بذلك ما لا يحصل له من ضرب الأوتار من النشاط و الانبساط، و ربّما يبكي في خلال ذلك لأجل الهموم المركوزة في قلبه الغائبة عن خاطره من فقد ما يستحضره القوى الشهوية، و يتخيّل أنّه بكى في المرثية و فاز بالمرتبة العالية، و قد أشرف على النزول إلى دركات الهاوية، فلا ملجأ إلّا إلى اللّه من شرّ الشيطان و النفس الغاوية. (1)

ليس على ما ينبغي على إطلاقه؛ لأنّ تأثير اللحن المخصوص في الكلام الحقّ و التنبّه به ليس ممّا يقبل الإنكار، كما يدلّ عليه هذه الرواية و غيرها من الأخبار، كالخبر المرويّ عن زين العابدين عليه السّلام في شراء الجارية لتذكّر الآخرة بحسن صوتها، فليست الرقّة الحاصلة عند سماع الصوت الحسن مستنده إلى ما ذكره قدّس سرّه مطلقا، بل قد يستند إلى تأثّر النفس من مادّة الكلام إذا أخرجت بالطريق المخصوص و الهيئة الخاصّة.

و قد أطلنا الكلام في هذا المرام بما لا يسعه المقام، لكونه من مزالّ الأقدام و مصارع الأفهام، فليعذرني إخواني الكرام ممّا وقع من الإطناب و التكرار في النقض


1) المكاسب، ج 1، ص 297- 298.

ص: 63

و الإبرام. و لنحمد اللّه تعالى للتوفيق للإتمام.

و قد فرغت من تتميق هذه الأسطر في زمان لا يزداد فيه الخير إلّا إدبارا، و الشرّ إلّا إقبالا، و الشيطان في هلاك الناس إلّا طمعا، و زمان قد أقبلوا فيه على عبادة الطاغوت و الارتداد عن الدين حين أقام راية ضلالته، و يكيل الناس بصاعه و يحطمهم بباعه، فينقم على من عبد الرحمن و يسومه سوء العذاب، و يسدّ عليه جميع الأبواب حتّى يموت جوعا أو غيظا، إلّا أن يدخل في حزبه و يعبده، كما عبده الآخرون، و يتّخذه إلها دون إله العالمين. و يخاطب كلّ أحد بلسان الحال بقوله لئن اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين، بل من المهلكين، و صار الهدى عند أهله ضلالا و الدين و بالا، و لا يتّخذونه إلّا هزوا، و ينكرون المعروف و يعدّونه منكرا، فأولئك حزب الشيطان و أولئك هم الخاسرون، و سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون.

نسأل اللّه الخلاص من أيديهم، و تعجيل الفرج بفرج آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بظهورهم بعد الخمول و تكثيرهم بعد القلّة، و إعزازهم بعد الذلّة، و نصرتهم بعد الخذلان، كما وعدهم في كتابه العزيز بقوله- عزّ من قائل-: وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (1)إنّه وليّ حميد و على كلّ شي‌ء شهيد.

و كان ختمها في اليوم الثامن من شوّال المكرّم من سنة الخمس و الخمسين بعد الألف و الثلاثمائة.

قد تمّت بيد العبد الآثم محمّد الحسيني المرعشي في اليوم الثامن من شهر شوّال المكرّم سنة 1355.


1) النور (24): 55.