کتاب فی الوقف

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: كتاب في الوقف موضوع: فقه استدلالى نويسنده: خراسانى، آخوند محمد كاظم بن حسين تاريخ وفات مؤلف: 1329 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1413 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران ملاحظات: در ضمن" قطرات من يراع بحر العلوم أو شذرات من عقدها المنظوم" چاپ شده است

[المقدمة]

الشذرة الاولى من ذلك العقد اللماع. و القطرة المربعة من ذلك اليراع. كتاب في الوقف دونه كل فكر وقف بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

كتاب الوقف و هو تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة كما في المبسوط و محكي غير واحد كالوسيلة و السرائر و التذكرة و النافع و اللمعة و غيرها أو عقد ثمرته تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة كما في الشرائع و القواعد و التنقيح و إيضاح النافع و الكفاية على ما حكى عن بعضها و ليس هذا خلافا في حقيقته لما حققنا في البحث و غيره ان الأصحاب في تعاريفهم في سائر الأبواب إنما هم بصدد شرح الاسم كاللغوي لا الحد أو الرسم، و كيف كان فهو حبس خاص و هو المطلق منه المقابل للحبس، لا مطلقه الشامل لهما و التفاوت بينهما انما يكون بالمرتبة كما يكون بين الإيجاب و الاستحباب و اختلافهما بحسب الآثار انما هو لذلك لا لاختلافهما في الحقيقة كما ان اختلاف الأوقات في إفادة الملك للمنفعة أو مع العين أو للفك أو استحقاق الانتفاع انما هو بسبب اختلاف الموقوف عليه شخصا و جهة، و بالجملة الاختلاف في الآثار كما يكون بسبب الاختلاف بحسب الحقيقة يكون لأجل التفاوت بحسب المرتبة أو الخصوصية مع الاتحاد في الماهية كما ان الاختلاف فيهما بحسب الانظار لا يكاد يوجب اختلافا في الملزوم لا بحسب الحقيقة و لا المفهوم، و الظاهر ان التفاوت بين الوقف و الحبس المقابل له بعد الاشتراك في أصل الحبس انما هو بحسب المرتبة و انه حبس العين على نحو لا تنتقل بسبب اختياري مثل البيع و نحوه أو غير

اختياري كالإرث و ليس لواقفها تصرف فيها بخلاف الحبس فإنه ليس بهذه المثابة غايته منع الحابس عن بعض التصرفات لا بحسب التأبيد و التقييد بالوقت و نحوه مما هو غير التخليد حسبما يأتي لذلك مزيد تحقيق إنشاء اللّه تعالى، و كيف كان ففي كونه عقدا يحتاج الى القبول مطلقا أو في الوقف على غير الجهات العامة أو إيقاعا غير محتاج إليه أصلا خلاف و الذي تقتضيه الأصول اعتبار القبول لعدم نهوض أمارة معتبرة أو أصل مقبول على عدم اعتباره و الأصل عدم حصول الأثر بلا قبول، و اما الاستدلال على اعتباره تارة بأن الرد يبطله إجماعا و اخرى بعدم حصول الملك لأحد بلا قبوله فهو كما ترى ضرورة ان قضية كون الرد مبطلا كونه مانعا لا كون القبول الذي هو ضده مقوما و منع عدم حصول الملك الّا بالقبول مع انه مصادرة منقوض بالأسباب الغير الاختيارية من الإرث و الجناية و الإتلاف و بالاوقاف بالنسبة إلى الطبقات اللاحقة بلا خلاف هذا، مع إمكان منع حصول الملك في بعض الأوقاف أصلا لا عينا و لا منفعة كما في وقف المساجد و القناطر و الرباطات و كون قضية وقفها اباحة الانتفاع بها، و أصعب من ذلك الاستدلال على عدم اعتبار القبول بإطلاقات أخبار الوقف مثل الوقوف على حسب اه، و بخلو الأخبار الواردة في بيان وقوفهم عليهم السلام عن القبول و بأنه فك ملك كالعتق لا تمليك ضرورة ان اخبار الوقف انما هي في مقام بيان المسبب أو كيفيته و هو ثبوت هذه، الحقيقة في هذه الشريعة بالكيفية التي وقفها بتلك الكيفية من دون تعرض لبيان ما يتسبب به إليها كما لا يخفى، و ان الاخبار أيضا انما هي لبيان صدور الوقف منهم بالكيفية الواردة عنهم عليهم السلام لا بيان سببه لتدل بإطلاقها على صحة التوصل اليه بلا قبول و ان الوقف فك لا يقتضي حصوله بدون قبول الموقوف عليه مع انه يفيد ملكه في بعض الأوقاف بلا خلاف و تنظيره بالعتق مع انه قياس و هو ليس من مذهبنا مع الفارق و هو ان الوقف و لو كان فكا الّا انه لا يخلو من تمليك الغير للمنفعة أو الانتفاع بخلاف العتق فإنه ليس الّا تصرفا من المولى في ملكه و لا يخفى ان قضية الأصل اعتبار القبول مطلقا فلا

وجه للتفصيل بين الوقف الخاص و الوقف العام بعدم القابل فيه لإمكان القبول فيه من الحاكم و من بحكمه و الإيراد عليه بأنه ينافي ما يظهر من النصوص من كون الوقف قسما واحدا إيقاعا كان أو عقدا لا وجه له فإن غاية ما يستفاد منها وحدة حقيقة الوقف و هي لا تكاد تنثلم باختلاف سببها في ذلك و ذلك لما عرفت من انها بمعزل عن مقام بيان سببها

و كيف كان فقد وقع الخلاف في اعتبار أمور.

(منها اللفظ)

فالمشهور اعتباره و عدم كفاية المعاطات فيه و قد استفاض نقل الإجماع عليه و الأصل يقتضيه و لا ناقل عنه الّا ما قيل من دعوى السيرة على اكتفاء الفعل المقارن لقصده في تحققه في مثل بناء المساجد و فرشها و سرجها و كذا القناطر و من دعوى ظهور الأخبار الدالة على نفى الرجوع في الصدقة و فيما كان للّه و السيرة على نحو كانت كاشفة عن رأى المعصوم ممنوعة لاحتمال انها من غير المبالين أو منهم و لكنها مقطوعة غير متصلة بزمان الامام عليه السلام أو غير ذلك و الاخبار انما تكون بصدد بيان انه لا رجعة فيما صار صدقة أو كان للّه تعالى من غير تعرض لبيان ما نحن بصدده من انه بالفعل يصير ذلك و يكون له تعالى أصلا كما لا يخفى. نعم لو تحقق الوقف عرفا بإنشائه فعلا كما يتحقق بإنشائه قولا يصح التمسك في صحته و نفوذه بأدلة نفوذه لو كان لها إطلاق لكنه ممنوع كما ان تحققه به عرفا محل اشكال.

(و منها قصد القربة)

فعن العلامة قدس سره في غير واحد من كتبه و عن الشهيد في دروسه اعتباره بل عن بعض دعوى اشتهاره بين قدماء الأصحاب بل عن بعض دعوى الإجماع عليه و هو قضية أصالة الفساد بدونه خلافا لغير واحد من المتأخرين و منهم صاحب الجواهر بل فيها دعوى حصول القطع بعدم الاعتبار للفقيه بأدنى ملاحظة و كيف كان فقد استدل على الاشتراط بقوله عليه السلام لا صدقة و لا عتق الّا ما أريد به وجه اللّه و هو لا يكاد يتم إلّا إذا كان كل وقف صدقة و لا سبيل اليه و لا دليل دل عليه الّا إطلاقها عليها في غير واحد من الاخبار مع احتمال ارادة خصوص ما قصد به وجه اللّه منها هذا مضافا الى احتمال

ان يكون المنفي فيهما هي الحقيقة مبالغة في نفى الكمال في الأول و في نفى الصحة في الثاني على وجه أو حقيقة فيه على وجه أقوى و ربما استدل على عدم الاشتراط بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و إطلاق الناس مسلطون على أموالهم و الوقوف على حسب اه و بصحة الوقف على الكافر و من الذمي على البيع و الكنائس و من المخالف المعلوم عدم صحة عباداتهما لفقد إيمانهما و لا يخفى ما فيه لعدم إحراز كون الوقف عقدا و ارادة مطلق العهود من العقود مع انه غير معهود منهم موجب لتطرق الوهن إلى عمومه لكثرة تخصيصه فلا بد في الاستدلال به من الاقتصار بموارد عمل الأصحاب به و قد عرفت اشتهار اعتبار القربة بينهم مع احتمال ارادة خصوص العقود المتعارفة بأن يكون اللام للعهد فلا يكون حينئذ العموم دليلا الّا على إمضائها في الجملة و لا مجال للتشبث بإطلاقها في نفوذها بأي نحو وجدت و بأي طور تحققت لعدم وروده إلّا في مقام بيان إمضاء أصل العقود المتداولة كما هو الحال في سائر إطلاقات الكتاب و عدم كون الناس اه الّا لبيان تعيين السلطان على التصرف في الأموال بما يجوز من التصرفات فيها من غير نظر الى تشريع أنحائها فضلا عن تشريع أسبابها كما لا يخفى على المتأمل فتأمل. و هكذا الحال في إطلاق الوقوف على حسب اه ضرورة انه في مقام بيان نفوذها بخصوصياتها التي أوقفها الواقف عليها من التأبيد و التوقيت و غيرهما لا في مقام بيان ما يتوصل بها إليها من الأسباب كما لا يخفى. و عدم شهادة صحة الوقف على الكافر أصلا لتأتي قصد القربة من الواقف كما يأتي إنشاء اللّه تعالى. و اما صحة الوقف من الذمي و العامي فغايته الدلالة على ان الوقف ليس بعبادة بمعنى ما يعتبر فيه الايمان من غير دلالة أصلا على عدم اعتبار قصد القربة في صحته كما لا يخفى. و لا ملازمة بين اعتبار قصدها في صحته و عباديته بذاك المعنى و بالجملة اعتبار الايمان في صحة سائر العبادات لدليل بخصها دون الوقف لا يوجب عدم اعتبار قصد القربة فيه أيضا بوجه إذا كان اعتباره فيه عن وجه و قد عرفت انه قضية الأصل و قد ادعى عليه الإجماع كما انه لا ريب في عدم اعتبار الايمان فيه إجماعا.

(و منها الإقباض)

و سيأتي الخلاف في شرائط الوقف في انه من شرائط صحته أو لزومه ثمَّ انه لا يعتبر في صحته غير ما ذكر بلا خلاف بيننا و لا بين مخالفينا و لا في لزومه كذلك الّا من ابى حنيفة فجوز للواقف الرجوع فيه بل لورثته الا ان يرضوا به بعد موته فيلزم أو يحكم به حاكم حسبما حكى عنه و لا يخفى ان ما حكى عن المفيد في الجواهر غير مناف لما ذكر لتصريحه بلزومه و عدم جواز الرجوع للواقف إذا أخرج الوقف من يده الى من وقف عليه و اما تصريحه باستثناء صور عن ذلك فإنما هو بملاحظة دوام اللزوم و استمراره لا أصل اللزوم و في طرو الجواز عليه بجواز تغييره أو بيعه بسبب بعض الطواري أو برجوعه الى الواقف أو ورثته لانقراض الموقوف عليه بنفسه أو بوصفه خلاف و اشكال بل لا إشكال في بعض الصور حسبما يظهر من البحث فيها إنشاء اللّه تعالى. ثمَّ ان الوقف بعد وقوعه بشرائط صحته و لزومه كان حاله حال سائر المنجزات فيكون من الأصل لو كان واقفة صحيحا أو مريضا بغير مرض الموت بلا اشكال و لا خلاف و لو كان واقفة مريضا بمرضه ففيه الخلاف فيها فلو وقف و أعتق و باع فحابى فلا اشكال على القول بنفوذ المنجزات من الأصل و كذا على القول بنفوذها من الثلث فيما و في الثلث بها و اما لو لم يف بها فكذلك إذا أجازت الورثة و لو لم تجز لبدأ بالأول فالأول حتى يستوفي قدر الثلث ثمَّ يبطل ما زاد و ذلك لمصادفة السبب للمحل القابل فيؤثر دون السبب اللاحق حيث لم يصادفه فلا يؤثر و هذا واضح. و قد حكي عن العلامة في المختلف انه ذهب الى بسط الثلث على الجميع فارقا بين المنجزات و الوصايا و هو واضح الضعف. مع ان الوصايا اولى بتوهم البسط عليها لتوهم عدم تمامية أسباب الجميع إلا دفعة واحدة لتوقفها على الموت و إن كان هذا التوهم أيضا فاسدا فان الموت ليس من تتمة العلة و اجزائها بل انما هو مبدء تأثيرها لأن الوصية هي التمليك بعده فالسبب التام للتمليك بعده انما هو عقدها الصادر باختياره نعم قضية اعتبار القبول لزوم الابتداء بما تقدم قبوله لصادفة سببه التام للمحل القابل لسبقه بخلاف

الآخر، مع انه خلاف ما اشتهر من إطلاق البدئة بالأول فالأول اللهم الا ان يقال انه لأجل النص (1)تعبدا على خلاف القاعدة أو على وفقها بناء على استكشاف عدم اعتبار القبول أصلا أو عدم اعتباره الا كشفا عن حصول السبب التام سابقا من غير دخل له في التأثير كما هو الحال في الإجازة بناء على القول بالكشف حقيقة فتأمل في المقام جدا. و لو جهل المتقدم منها فيعتبر بالقرعة لأنها لكل أمر مشتبه خلافا للشيخ قدس سره في محكي مبسوطة في الوصية فحكم بالتقسيم على الجميع بالحصص لعدم الترجيح بعد قيام احتمال التقدم المعلوم كونه في أحدهما في كل منهما المحكوم فيها بالاقتران لأصالة عدم تقدم كل منها على الأخر (2)و لا يخفى انه لا مجال لهذا الأصل لإثبات الاقتران في الفرض المعلوم عدمه و لو قيل بتأتى تشخيص الحادث من الأصل ضرورة انه فيما شك حدوثه، نعم لو فرض احتمال اقترانهما مع احتمال كون التقدم في أحدهما في كل منهما فلا بأس به لو قيل بالأصل المثبت و تشخيصه به. هذا مع انه ربما يشكل بأنه ليس حكم الاقتران التوزيع بالحصص بل بطلان كلا المقترنين كالبيعين أو الصلحين إذا وردا دفعة على محل واحد لبطلان الترجيح بلا مرجح، اللهم الا ان يقال الأمر و ان كان كذلك الا ان الوصايا و منجزات المريض تنحل فإذا أوصى لكل واحد من زيد و عمرو بشاة مثلا انحلت وصيته لزيد بان الشاة بتمامها له ان تيسر و الا فنصفها و هكذا وصيته لعمرو فلا بد من التوزيع حينئذ لعدم ابطال احدى الوصيتين مع الانحلال أصلا بخلاف الحكم ببطلانهما أو إحديهما فإنه تبديل الوصية و عدم العمل بها فيهما أو في إحديهما كما لا يخفى (3)

ثانيهما ما لا يلزمه الا بعد اضافة مثله اليه كالالواح المنصوبة لبعض المرافق بالقياس الى الدار فإنها تعد عرفا من توابع الدار بما هي متبعة و لا تكاد تعد منها بما هي دار كما لا يخفي. منه قدس سره

فرع لو وقف شاة كان صوفها و لبنها الذي في الضرع للموقوف

1) و هو خبر حمران المذكور في الوصية. منه قدس سره

2) و منه قد انقدح ما في الجواهر فراجع. منه قدس سره

3) لا يخفي ان توابع التي عرفا و لوازمه على ضربين أحدهما ما يلزمه و يتبعه عرفا بما هو هو مع قطع النظر عن اضافة مثل البيع اليه و لا يبعد ان يكون منه مثل المفتاح بالنسبة إلى الدار.

عليه مثل ما يتجدد منهما بلا خلاف محقق أو محكي كما قيل. و وجهه مع كون مثلهما من النماءات الموجودة حال الوقف موجودا مستقلا كالعين لا من توابعها بما هي هي و لا بما هي وقف على وجه لا يلحظ على استقلاله و لا يلتفت اليه بحياله كما هو الحال في توابع المبيع بما هو هو أو بما هو مبيع و الا لزم كونه وقفا بتبع وقفها كتعلق البيع بها بتبع بيع متبوعها و هو غير ما نحن بصدده كما لا يخفى، و لا من قبيل النماءات المتجددة بعده ضرورة ان قضيته شرعا و عرفا ليس الا كون المنافع المتجددة ملكا للموقوف عليه لا المنافع الموجودة حاله المتجددة ملكا للمالك الواقف. دعوى الملازمة العرفية بين وقف العين و تمليك نماءاتها الموجودة حاله و هي و ان كانت غير بعيدة الا انها ليست بمثابة يقطع بها و لذا قال في محكي المسالك لو كان الموقوف شجرة فنمائها الموجود للواقف و المتجدد للموقوف عليه كالحمل و إبداء الفرق عرفا بين الصوف على الشاة و الثمرة على الشجرة فيه ما لا يخفى

(و هاهنا أبحاث)

الأول في شرائط الموقوف

اشارة

و هي ان تكون عينا مملوكة ينتفع بها مع بقائها و يصح إقباضها كما في الشرائع فلا يصح وقف ما ليس بعين كالمنفعة. و الكلى. و الدين. اما المنفعة فلعدم تصور حبس الأصل المستتبع لتسبيل الثمرة فيها و ليس الوقف مجرد التسبيل كما هو المحكى عن ابي الصلاح قطعا نصا و فتوى و في الجواهر بل يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على ذلك نعم نحو ذلك يشرع في السكنى و الرقبى و العمرى و هي غير الوقف كما هو واضح انتهى. و لا يخفى ان في السكنى أيضا حبس العين على الساكن و هو يستتبع استحقاقه المنفعة كالوقف غايته انه فيه بمرتبته العليا المستلزمة لحجر الواقف عن التصرف فيه بخلافه فيها فإنه بمرتبة غير مستتبعة الا لتسبيل المنفعة في مدة كما مرت الإشارة اليه و هكذا الحال في أختيها

(و اما) الكلي

فهو و ان كان يصلح لتعلق الإجارة و الصلح به فيستحق المستأجر في مدة الإجارة منفعة الكلي الموصوف في الذمة على المؤجر و كذا المصالح له لذاك الموصوف على المصالح لصحة اعتبار ملكية الكلي في الذمة و منفعته عند العقلاء بلا إشكال الّا ان عقد الوقف لا يصلح لإثبات نحو ذلك في الذمة لعدم

إحراز صحة اعتبار حبس الكلى الموصوف في الذمة عندهم و لا يلزم من صحة اعتبار الملكية و نحوها صحة اعتبار الحبس كما لا يخفى، و لعل وجه عدم اعتباره عدم تصور حصول الحبس و تسبيل الثمرة بالنسبة اليه و هو على كليته كما هو واضح و إذا لم يؤثر العقد مضمونه في محطه و معقده ابتداء لم يكد يوجد وجه في حصوله فيما يتعين في ضمنه من فرده ثانيا ضرورة انه انما يتصف بمضمونه مع عدم كونه محط له لأجل اتحاده مع ما هو محطه خارجا و ذلك بخلاف تمليكه بالبيع و نحوه فإنه يترتب عليه آثار الملكية و هو على حاله من الكلية كما لا يخفي و منه قد انقدح ان اللازم من عدم تصور حبس الكلى و تسبيل ثمرته فعلا عدم تصور حبس فرده بعد تعيينه أيضا لعدم وجه لحبسه أصلا مع عدم حبسه لما عرفت من ان حبسه يتبع حبسه كما ان ملكيته تتبع ملكيته في بيعه، و اما ما أفاده في الجواهر حيث أورد في وجه المنع عن وقف الكلى بقوله و ثانيا عدم تحقق الحبس و التسبيل فعلا و تأخره إلى التعيين مناف لاعتبار تنجزه و مقارنة الأثر لسببه، فيه ان تأخره غير مناف لاعتبار التنجز المعتبر في العقود قبالا لتعلق المضمون المقصود في العقد، و لا بأس بعدم مقارنة الأثر لسببه إذا كان هناك شرط متأخر شرعا كالقبض في الصرف و الهبة و السلف أو عقلا كالتعيين هاهنا، فالمتجه ما ذكرنا من عدم تصور حبس مع عدم حبس الكلى و هو محط العقد لا الفرد فافهم و استقم. هذا في الكلي في الذمة و اما الكلي الخارجي فالظاهر انه كالمشاع في جواز الوقف بلا اشكال نصا و فتوى و لا يبعد دعوى عموم النص له أيضا كصحيحة الحلبي سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن دار لم تقسم تصدق أهل الدار بنصيبه من الدار فقال: يجوز و في رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة قال: جائز فإن الاشتراك و كون الإنسان ذا قسمة كما يكون فيما كان له القسمة بنحو الإشاعة كذلك يكون فيما له القسمة بنحو الكلى كيف و قد ارجع المشاع إلى الكلي الخارجي في الجواهر و قد أشبعنا الكلام معه في البحث في باب القضاء و لا يشكل الأمر من جهة الإقباض المعتبر في الوقف فيهما لإمكان تمكين الواقف للموقوف عليه منهما على ما هما

عليه كتمكنه منهما و لا يعتبر أزيد منه يقينا و يفرز الوقف عن غيره بالقسمة و لا بأس بحصول نحو من المبادلة واقعا بين الوقف و غيره بها كما في غيره إجماعا. و اما الدين فهو و ان كان مما يتصور فيه الحبس بمعنى حجر مالكه و دائنه عن التصرفات فيه الّا انه أيضا مما لا يكاد يحبس على نحو يستتبع تسبيل منفعته لعدم المنفعة له ما لم يتعين و قد عرفت انه إذا لم يتصور حصول مضمون العقد في الكلي الذي هو محطه و معقده لم يكد يتصور حصوله فيما هو فرده هذا مضافا الى دعوى ما في محكي جامع المقاصد من الاتفاق على عدم صحة وقف الدين. و لو أبيت عما ذكرنا في وجه المنع فيهما فلا أقل من الشك في تحقق حقيقته فيهما عرفا فلا دليل حينئذ على نفوذه فيهما شرعا لعدم مجال للتشبث بإطلاقاته حينئذ بداهة. و هل يعتبر التعيين في العين فلا يصح وقف المبهم المردد كوقف احد العبدين فيه اشكال من كونه شخصا خارجيا ذا منفعة فيحبس نفسه و يطلق منفعته كما هو قضية عقد الوقف و ذلك لكونه احدى العينين اللتين كانتا كذلك. و من ان إبهامه و تردده بين الشخصين ربما يأبى عن حبسه أصلا و إطلاقه منفعة و ان لم يأب من تعلق بعض لاضافات و الاعتبارات به كيف و يتعلق به العلم الذي كان ذا إضافة فإذا علم إجمالا بنجاسة أحد الثوبين فهل متعلق العلم إلّا أحدهما الخارجي بلا تعين أصلا حتى في علمه تبارك و تعالى فيما إذا اتفق نجاسة كليهما كما لا يخفي لاحتمال اعتبار التعيين عند العقلاء في متعلقه و قد عرفت عدم الملازمة بين صحة اعتبار عند العقلاء في مورد و صحة سائر الاعتبارات فيه و معه لا يكاد يجدي تعينه بالقرعة و ان كانت لكل أمر مشكل فإنه بعد الفراغ عن صحة تعلقه بالمردد لتشكل كي يعين بها كما لا يخفى.

هذا مضافا الى نفي الخلاق في محكي الرياض بل دعوى الإجماع عن محكي الغنية على الاعتبار فتأمل. و اما اعتبار الملكية في العين فهو محل إشكال لقوة احتمال كفاية اضافة حق الاختصاص أو التحجير فيها و عدم دلالة مثل حبس الأصل آه على كون الأصل مملوكا فلا يبعد دعوى صحة وقف ما ليس بملك مما فيه له حق اختصاص أو تحجير إذا كانت له منفعة محللة عادة و لو كانت مترقبة لم تكن بفعلية

لعدم اعتبار كونها كذلك في العين المملوكة أيضا فلواحي المتولي أو الموقوف عليه الأرض التي وقفها عليه من اختص بها بحق التحجير كان حالها حينئذ كما إذا وقفها محياة فإنه قضية وقفها كذلك فتأمل

و هل يصح. (الوقف الفضولي)

إذا لحقته الإجازة فيه خلاف و القاعدة تقتضي صحته لو لا دعوى الإجماع على اختصاص جريانه بالعقود و لم يثبت كونه منها و انما قيل باعتبار القبول فيه لأصالة الفساد بدونه، الا ان يمنع عن الإجماع على الاختصاص و قيل بجريانه في الإيقاعات إلا فيما قام الإجماع على عدم جريانه فيه بالخصوص، أو دعوى ان الغير لا يقوم مقام الأصل في نية القربة و هو شرط فيه و نيتها حين الإجازة غير نافعة إما لاشتراط المقارنة للصيغة أو لأن تأثير نيته غير معلوم و الأصل بقاء الملك، الا ان يقال ان التقرب في العبادة و ان كان مما لا يقبل النيابة و يكون كالأكل و الشرب و نحوهما مما لا يقبل الوكالة الا انه إذا كان الغير هو المتقرب و قد نوى بعمله تقربة منه تعالى لا ما إذا نوى تقرب غيره به بامتثال ما توجه اليه من امره به تبرعا أو بالأجرة كما هو الحال في النيابة في العبادة الثابتة شرعا نصا و فتوى بل المتداولة عرفا في مثل الزيارة و العبادة و ليس أمر القربة في الوقف بأعظم منها في العبادات قطعا، كيف و لا إشكال في صحته من الغير بإذن مالكه أو بتوكيله إجماعا، مع ان دعوى القطع بكفاية قصد القربة حين الإجازة التي هي بمثابة لإيجاب المتأخر على تقدير اعتباره غير مجازفة كما ان احتمال عدم تأثير نيته بعيد جدا و لا يعتنى به عقلا لوضوح انه انما اعتبر لان يقع الوقف منه قريبا و بنيته حين اجازته يقع كذلك لا محالة، ثمَّ على تقدير صحته بالإجازة هل حديث كونها كاشفة أو ناقلة في سائر العقود يطرد هاهنا أم لا ربما يقال بالاطراد هاهنا فإنه و ان كان قصد القربة شرطا الا انه حيث يتعلق بنفس ما يتعلق به الإجازة كان العقد لو صح بلحوقها من حين تحققه و انعقاده بتقريب عدم تحديد في مضمونه و مفاده لصح الوقف كذلك بلحوقها مع نية القربة و هو واضح و لكنه يشكل الاطراد بناء على اعتبار القبض في الصحة بنحو الشرط

المتقدم. نعم لو قيل باعتباره بنحو الشرط المتأخر لم يلزم اشكال فيه من جهة اعتباره فتفطن. و اما اعتبار ان تكون العين مما ينتفع بها مع بقائها فان تسبيل المنفعة أحد ركني الوقف و به قوامه أو المقصود منه و لازمه، و قد فرع غير واحد على ذلك فساد وقف العبد على من ينعتق عليه لانعتاقه عليه فلا يمكن الانتفاع به فلا وقف حينئذ فلا تخصيص لدليله بخلاف ما لو قيل بصحة وقفه و عدم انعتاقه فإنه يلزم منه تخصيص دليل الانعتاق بمجرد الملك فافهم لكنه عن صريح القواعد و نكت الإرشاد الصحة و ذلك لعله لعدم اشكال فيه على القول ببقاء الوقف على ملك واقفة أو فكه و اما على القول بانتقاله الى الموقوف عليه فلمنع اقتضاء مطلق الملكية للانعتاق لانصراف دليله الى الملك التام و لو سلم فلا يكون الانعتاق عليه بمطلق ملكه منافيا لبقاء وقفه حيث لا منافات بين انفكاكه عن الملكية و بقائه على الحبسية و يكون حينئذ كانفكاك بعض الأوقاف أو كلها على بعض الأقوال. و اما وقف أم الولد فان كان على غير ولدها فلا وجه للمنع عنه الا دعوى استفادة مناط عن اخبار بيعها و هي و إن كانت غير بعيدة الا انه لا قطع به و انى بالقطع بعد صحة بيعها في بعض الصور و ان كان على ولدها فهو من افراد المسئلة السابقة الا انه يمكن ان يقال بعدم صحته مع صحته فيها بدعوى ان قضيته المناط هو عدم احداث المالك ما يؤدى الى عدم عتقها من نصيب ولدها لكن استفادته من اخبار بيعها مشكل جدا فتأمل. و اما صحة إقباضها فبناء على اعتباره في صحته هو عدم التمكن من شرطه بدونه و ليست بشرط آخر و هو واضح و لا وجه لها أصلا بناء على عدم اعتباره إلا في لزومه كما لا يخفى اللهم الا ان يقال انه من باب المتيقن إذ لا عموم و لا إطلاق يدفع به احتمال الاعتبار لكنه لا منشأ لهذا الاحتمال إلا إمكانه عقلا و لا يكاد يعتني به شرعا فتأمل.

(البحث الثاني) فيما اشترط في الواقف و هو جواز التصرف و الاختيار

و يتفرع على الأول عدم صحته من المجنون كما عن صريح غير واحد من الأصحاب بلا خلاف فيه كما اعترف به غير واحد كما عن غير واحد منهم دعوى الإجماع

عليه و قد دل عليه ما دل على حجره. و لا من السفيه و لا من المفلس بدون اذن الغرماء أو إجازتهم كما عن صريحهم لما تقدم و لا من الصبي قبل بلوغ العشر اتفاقا كما اعترف به جماعة على ما حكى و في صحته إذا بلغ عشرا قولان الصحة و هو فتوى المفيد و الشيخ و القاضي على ما حكى عنهم و الفساد و هو اختيار غير واحد من القدماء و المتأخرين لما دل على حجره و سلب عبادته لا سيما على القول بعدم شرعية عبادته و عمدة ما للأول الأخبار الدالة على جواز صدقته الشاملة لوقفه الذي قصد به القربة و لو قيل بعدم اعتباره فيه و يتم فيما إذا لم يقصدها للبناء اجتهادا أو تقليدا على عدم اعتباره بعدم الأصل بين افراده جزما. فمنها رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: إذا اتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق و تصدق أو اوصى على وجه معروف أو حق فهو جائز. و منها الموثق: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و وصيته و صدقته و ان لم يحتلم. و منها موثقة الحلبي و محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم قال:

نعم إذا وضعها في موضع الصدقة و هذه الاخبار مع وثاقتها و رواية المشايخ لها و عمل جماعة من القدماء بها كانت في غاية الاعتبار فرميها بالشذوذ كما عن ثاني الشهيدين في المسالك غريب، و ليس في قبالها الّا ما دلّ بإطلاقه على عدم نفوذ أمر الغلام قبل بلوغه الخمس عشرة سنة أو الاحتلام. مع ان العمل بها في الوصية و غيرها في الجملة بلا خلاف يعرف و لا كلام و لا يكاد يكون عدم عمل المتأخرين بها موهنا لها لعدم إحراز انه كان اعراضا منهم كيف و منهم من لا يعمل الّا بالخبر الصحيح إذ لعله لأجل الترجيح. هذا مع انه لو كان للأعراض لما كان موهنا بعد عمل جماعة من القدماء بها. و يتفرع على الثاني عدم صحة وقف المكره بلا لحوق الرضاء بلا خلاف كما عن المناهل بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه صريحا و ظاهرا هذا و ظاهرهم ذلك و لو مع تمكنه من التخلص بعدم قصد المعنى أصلا أو عدم قصد التوصل بإنشائه إلى حصوله و التسبب به اليه مع قصده مع انه لا يكاد يكون اكراه عليه معه كما لا يخفى. و لعله لأجل انه ليس التخلص بذلك

متعارفا لشدة الانس بإرادة المعنى و إنشائه عند ذكر لفظه و قصد حصوله به بحيث لا يعد عدم قصده أو عدم قصد حصوله بإنشائه مخلصا و لا يحسب ملجأ يلتجئ اليه عند الإكراه عليه عادة بل معه يصدق عرفا انه مما استكره عليه و قد رفع بحديث الرفع شرعا، و منه قد انقدح وجه ما في محكي جامع المقاصد من تعليل البطلان بعدم القصد و وجه ضعفه فتأمل. و في صحته أو فساده مع لحوق الإجازة و الرضا تفصيل و هو انه لا ريب في فساده بناء على ما هو في محكي جامع المقاصد من تعليل البطلان بعدم القصد ضرورة انه لولاه لا إيقاع و لا عقد و اما بناء على ما عللا البطلان به ففيه وجهان بل قولان. الصحة كما عن التحرير لعدم نقصان فيه حينئذ. و البطلان كما عن المقابيس بل نسب الى ظاهر المشهور و قد علل بعدم القربة بناء على اعتبارها. و فيه ان اعتبارها لا يقتضي اقترانها بالصيغة و كفاية قصدها حين إلحاق الرضا بل الإقباض بناء على انه شرط الصحة. و قد عرفت حال احتمال اعتبار اقترانها بالصيغة في الوقف الفضولي بل الأمر هاهنا أهون لتحقق استناد الوقف الى المالك هاهنا بخلاف الفضولي لعدم استناده اليه الّا بالإجازة و ربما يمنع صحة الاستناد بها فافهم. ثمَّ انه يجوز للواقف جعل النظارة لنفسه خاصة بلا خلاف محقق كما عن غير واحد نفيه صريحا و قد حكى عن المختلف دعوى الإجماع عليه. و لغيره كذلك بلا خلاف كما نفاه صريحا غير واحد أيضا على ما حكى في الجواهر و غيرها بل قولا واحدا كما عن الرياض. و لهما معا على الاشتراك و الاستقلال لعموم الوقوف على حسب اه. و خصوص الاخبار المتضمنة لاوقافهم عليهم السلام. و كذا عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. و المؤمنون عند شروطهم بناء على ان الوقف عقد أو العقود بمعنى العهود لتعم الإيقاعات و ان الشروط الابتدائية التي لم تكن في ضمن العقود نافذة. و هو غير معهود منهم حيث لم يحرز كونه عقدا كما مرت إليه الإشارة و ليس التمليك الحاصل من الوقف لو قيل به تمليكا مطلقا كما في البيع كي ينافيه جعل الناظر له بل انما هو بحسب وقفه و بنحو جعله من واقفة. و لا يخفى ان قضية إطلاق بعضها عدم الفرق في ذلك بين كونه عدلا أو

فاسقا و به قطع في محكي التذكرة إذا كان النظر للواقف بل في الحدائق نسبته الى ظاهر الأصحاب و في الجواهر نفى وجدان الخلاف فيه. نعم عن صريح غير واحد اعتبار العدالة إذا كان النظر لغيره بل عن الكفاية انه المعروف من مذهب الأصحاب بل عن الرياض دعوى حكاية الاتفاق عليه و ان كان فيه ما لا يخفى على المتتبع كما في الجواهر. و كيف كان فالأقوى جواز جعل الفاسق ناظرا لعموم المؤمنون عند شروطهم. و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. و الوقوف على حسب اه. و توهم ان شرط نظارته مناف لمقتضى الوقف المعتبر فيه التأبيد لأنه صار بذلك معرضا للتلف حيث لا رادع له عن ان يفرّط أو يفرط أو مناف له لكونه مقتضيا لملك الموقوف عليهم المقتضى لسلطنتهم عليه و هو يقتضي سلطنة الغير عليه فينافيه. هذا مضافا الى أنه استيمان له و لا يجوز استيمانه لتعليل آية النبإ. و غيره فاسد فإن التأبيد المعتبر في عقد الوقف انما هو التأبيد العقدي لا التأبيد الخارجي و ما ربما يؤدى في الخارج الى عدم تأبيده انما ينافي التأبيد الخارجي لا العقدي فتأمل فإنه لا يخلو عن دقة. و كون الملك مطلقا مقتضيا للسلطنة ممنوع فان الوقف لو سلم أنه يقتضي الملك فإنما يقتضيه على الكيفية التي وقع عليها عقد الوقف و الذي يقتضي السلطنة هو الملك المطلق. لا مطلقه و شرط النظارة التي تقتضي سلطنة الغير على الملك دون مالكه من كيفية الوقف و من أنحاء الملك الناشئ منه. كيف و شرط النظارة لنفسه و للغير العادل مما لا خلاف فيه و لا شبهة تعتريه. و استيمان الفاسق انما لا يجوز فيما كان استيمانه في الحقوق الراجعة الى غير المستأمن لا فيما يرجع إليه ضرورة جواز استيمان المالك له. مع إمكان منع كون النظارة استئمانا بل نحو ولاية تشبه الملكية فكما انها ليست باستيمان فهي كذلك و قد انقدح بذلك جواز جعل النظارة له لرعايته أو لرعاية الوقف أو الموقوف عليه و ليس من باب الاستيمان على الغير كي يجب اعتبار العدالة بل يجوز لذلك جعل النظارة بحيث كان للناظر التصرف في الوقف و لو على خلاف المصلحة و ذلك للعمومات السابقة بلا مخصص لها و انه ليس من تسليط الغير على ما يستحقه الغير و استيمانه بل تكون النظارة و الوقفية واردتين دفعة في متعلق سلطنته و ما تحت

سلطانه بجعله و عقده على الوقف على الشرط فما صارت العين موقوفة و لا الموقوف عليهم مستحقين الا مع كون ولاية التصرف بالنحو الذي قرره لمن جعله ناظرا عادلا كان أو فاسقا. نعم لو كان جعل النظارة من غير الواقف في نفس عقد الوقوف لاعتبر في الناظر العدالة أو الوثوق بعمله على وفق المصلحة. ثمَّ لا يخفى أن آية النبأ لو سلم دلالتها على عدم صيرورة الفاسق بسبب جعل الواقف له ناظرا ولى التصرف في الوقف بحيث يتبع قوله و ينفذ عمله مع الشك في صحته لأجل الشك في مراعاته ما يجب مراعاته عليه من المصلحة و غيرها و عدم مراعاته فلا دلالة لها قطعا على عدم نفوذ عمله فيما أحرز أنه على وفق ما يجب رعايته و ان عمله كعمل الأجنبي ضرورة ان قضية التعليل فيها ليست إلا عدم الاطمئنان بقوله و عمله مع الشك في حاله و احتمال صحته و فساده لا على عدم ولايته على التصرف أصلا فغاية الفرق بين الناظر العادل و الفاسق هو ولاية العادل بمعنى حجية خبره في صدور عمل كذا منه في مورد ولايته دون الفاسق فلا اعتبار باخباره في صدور ما لم يحرز صدوره منه بطريق معتبر اما عمله الصادر منه فلا يبعد حمله على الصحة لأصالتها بعد نفوذه منه على تقدير صحته لعدم اختصاصها بما إذا أحرز جواز صدوره منه و لم يحرز مع الشك في رعايته ما يجب عليه رعايته من المصلحة لخيانته بدونها. بقي أمور. الأول ان قضية اعتبار العدالة في النظارة على النحو الذي عرفت آنفا هي العدالة الواقعية التي طريق إحرازها لكل احد قطعه بها و عدم كفاية قطع غيره و لو كان واقفا لعموم الخطاب في آية النبإ فكل من قطع بعدالة الناظر يقبل قوله في صدور العمل منه و لو كان فاسقا بحب اعتقاد الواقف دون من لم يقطع بها و لو كان عادلا باعتقاده. الثاني. انه إذا لم يعين الواقف للناظر اجرة كانت أجرته على الموقوف عليهم كما قيل لاحترام عمل المسلم إذا لم يقصد به التبرع. قلت: فيه إشكال لأن احترامه انما يقتضي ثبوت الأجرة عليهم إذا كان عمله بإذنهم و رضاهم لا مطلقا و لو كان بدونه و كان قهرا عليهم لا سيما إذا كانت نظارته بمراعاة مصلحته لا مصلحة الوقف أو مصلحتهم كما لا يخفى. نعم لا يبعد ان يقال ان إطلاق الأوقاف ينصرف الى جعل اجرة المثل فيها للناظر لارتكاز أن

تحميل الغير العمل لا يكون بحسب المتعارف بلا ملاحظة الأجرة و الجعالة فتأمل جيدا. الثالث. لا اشكال فيما لو جعل حق النظارة زائدا على اجرة المثل لو كان الناظر غيره فإنه قضية عموم سلطنته و عموم الوقوف على حسب اه و اما لو كان الناظر نفسه ففيه اشكال مما ذكر و ان الزائد انما جعل اجرة العمل كما إذا لم يكن زائدا عليها و من ان الزيادة التي جعلها لنفسه من قبيل الوقف على النفس و لكن الأول أظهر فإنه ليس من الوقف على النفس بعد كون الزائد بإزاء عمله بالشرط الغير المنافي للوقف و لا المخالف للنص. و دعوى ان المناط في الوقف على النفس فيه منقح مجازفة بداهة ان المناط في الوقف على النفس هو عدم تعقل التصدق على نفسه بماله بخلاف جعل شي‌ء له بعنوان حق النظارة فإنه اما من قبيل ما ذكر من كونه شرط الأجرة المخصوصة لعمله و اما من قبيل الاستثناء من المنافع المسبلة و اى واحد كان لما كان فيه المناط في الوقف على النفس بمنقح كما هو واضح و انما يكون منه لو جعل نفسه ممن وقف عليه بحيث كان له حصة خاصة من المنافع المسبلة و شرط أجرة مخصوصة للناظر مطلقا و لو كان نفسه اوله بالخصوص ليس من ذلك أصلا. الرابع. انه لا يجوز للموقوف عليه التصرف في الوقف بدون اذن الناظر إذا كان مما يقع على وجوه متعددة بداهة ان فائدة نصب الناظر هي ان يعين بنظره من بينها ما يقع عليه من الوجه و اما إذا لم يكن هناك الا وجه واحد فلا مجال حينئذ لتعيين وجهه بنظره كي لا يجوز التصرف فيها بدون تعيينه و اذنه كان الموقوف عليه واحدا فملأ أو متعددا كان الوقف خاصا أو عاما كالتصرف في غلته الحاصلة المختصة بالموجود من الموقوف عليه في الأول. و الأكل من أثمار الأشجار الموقوفة على المارة و السكنى في الرباطات و المرور على القناطر و نحوها مما لا يقع الا على وجه واحد في الثاني فيما لو نصب الواقف لها بالخصوص ناظر أو الا فلا وجه للإشكال في تصرف الموقوف عليه فيها مطلقا و لو وقع على وجوه متعددة لو قيل بان النظر حينئذ يكون للموقوف عليه و اما لو قيل بأنه للحاكم أو الواقف فلا يجوز التصرف بدون الإذن إلّا فيما لا يحتمل الّا وجها واحدا

و قد انقدح بما ذكرنا ما في المسالك قال: و حيث يتحقق الناظر بوجه لا يجوز التصرف في شي‌ء من الأعمال المذكورة و لا في شي‌ء من الغلة إلّا بإذنه و ان كان المتصرف هو المستحق لها و الناظر غير مستحق عملا بالشرط. هذا هو الذي يقتضيه إطلاق النص و الفتوى. الّا ان فيه اشكالا من وجهين. أحدهما. ما لو كان الموقوف عليه متحدا. اما ابتداء أو لاتحاده في بعض الطبقات اتفاقا فإنه مختص بالغلة فتوقف تصرفه فيها على اذن الناظر بعيد لعدم الفائدة خصوصا مع تحقق صرفها إليه بأن تكون فاضلة من العمارة و غيرها مما تقدم على القسمة يقينا نعم لو أشكل الحال توقف على اذنه قطعا لاحتمال ان يحتاج إليها أو الى بعضها في الأمور المتقدمة على اختصاص الموقوف عليه. و ثانيهما الأوقاف العامة على المسلمين و نحوهم التي يريد الواقف انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مر بها كأشجار الاثمار فان مقتضى القاعدة أيضا عدم جواز تصرف واحد منهم في شي‌ء منها الّا بإذن الحاكم و لا يخلو من اشكال و تفويت لكثير من أغراض الواقف بل ربما دلت القرينة على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه بل يريد تفويض الانتفاع الى كل واحد من افراد تلك الجهة العامة فكأنه في قوة جعل النظر اليه لكن هذا كله لا يدفع الاشكال لما تقدم من انه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد يصير كالأجنبي و ينتقل الحكم الى الحاكم فلا عبرة بقصده خلاف ذلك حيث لا يوافق القواعد الشرعية انتهى موضع الحاجة. و ذلك لما عرفت من ان العمل الذي لا يحتمل الّا وجها واحدا جاز بدون اذن الناظر لعدم كونه محلا لتعيين وجهه بنظره كان الموقوف عليه واحدا أو متعددا كان الوقف خاصا أو عاما و كذلك الحال فيما لا يجوز العمل الّا بإذنه و هو فيما إذا احتمل وجوها فلا وجه للفرق في الموقوف عليه بين ان يكون متحدا و متعددا و لا في الوقف بين ان يكون عاما و خاصا و غير ذلك مما يظهر من التأمل فيما ذكرنا فلا تغفل. الخامس. هل الناظر في الوقف لو لم يعينه الواقف هو الواقف مطلقا أو الموقوف عليه كذلك أو الحاكم أو مبنى على بقائه في ملك الواقف فالأول أو انتقاله الى الموقوف عليه فالثاني و انفكاكه عن الملكية

فالثالث و عليه يختلف فيه الأوقاف بناء على اختلافها فيما ذكر من البقاء و الانتقال و الانفكاك. و لا يخفى ان السلطنة التي تكون للناظر على الوقف هي غير السلطنة التي تكون للمالك على ملكه فلا يكون ملك الواقف و لا ملك الموقوف عليه له مقتضيا لها بل لا بد لثبوتها من موجب و لا دليل عليه. نعم يمكن ان يقال انه في مورد النظارة مما يحتمل وجوها لا بد من تصدى الحاكم لها ولاية لو قيل بولايته المطلقة أو كانت قضية حكومته و قضاوته و انها من وظائف الحكام أو حسبة لو لم نقل بذلك و كانت نظارة الأوقاف مما لا بد منها شرعا. و عليه لو لم يكن هناك حاكم فلا بد من تصدى غيره من العدول لو كانوا لو غيرهم لو لم يكن هناك عدل أيضا كفاية و اقتصارا في ذلك على المتيقن لاحتمال اعتبار هذا الترتيب كما هو الحال في سائر الأمور الحسبية. السادس. انه لو عين الواقف ناظرا كان من طرفه لازما ليس له رجوع اما من طرف الناظر فلا شبهة في جوازه ابتداء بمعنى ان له الرد و القبول و انما الإشكال في انه كذلك بعد القبول كالوكالة أو انه بعده لازم كالوصاية بعد الموت. و عن المسالك انه صرح بالأول استصحابا لما كان له قبل القبول. و قد نوقش فيه بعدم بقاء الموضوع لأن وجوب المباشرة قبل القبول غير وجوبها بعده. و فيه انه يمكن دعوى ان هذا المقدار من التفاوت انما يكون موجبا للشك لا لتغاير الموضوع عرفا و الّا لما كاد يجري الاستصحاب في الأحكام الشرعية أصلا لتغير الموضوع فيها لا محالة عند الشك فيها كما لا يخفى. و الحاصل ان العرف يجعل موضوع وجوب المباشرة و عدمه شخص الناظر و حدوث عنوان النظارة له بسبب القبول من أحوالها التي يشك بطروها عليه في بقاء احكامه الثابتة له قبل طروها. هذا لو لم نقل بحدوث النظارة له بشرطها و اما لو قيل بذلك و لكن لم تكن لازمة عن طرفه و كان له الرد و القبول ابتداء و شك فيه استدامة فاستصحاب الجواز قبل القبول بعده بلا ارتياب و هو حاكم على استصحاب وجوب المباشرة عليه بعده و قبل الرد لأنه من آثار النظارة المرتفعة بردها كما هو قضية جوازها الثابت بالاستصحاب و لا دليل على

وجوب العمل بعده. و توهم دلالة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عليه فاسد جدا فإن قضية وجوب وفاء المتعاقدين بما تعاقدا عليه ليس الّا تحقق ما تعاقدا عليه لزوما بالإضافة إليهما لا بالنسبة إلى غيرهما و قبول الناظر لما شرط في العقد بين الواقف و الموقوف عليه من نظارته لا يوجب كونه طرفا للعقد أيضا ليوجب كونه ناظرا كما لا يوجب كونه شارطا كي يجب الالتزام عليه بذلك بمقتضى عموم المؤمنون عند شروطهم.

لا يقال عليه لا موجب لصحة نظارته كما لا موجب للزومها. فإنه يقال ان الموجب لها هو الشرط في الوقف المقتضى لثبوته على المتعاقدين على ما هو قضية كلا العمومين. هذا و لكن الإنصاف ان دعوى انه أيضا طرف العقد الذي شرط في ضمنه نظارته أو انه بقبوله شارط على نفسه النظارة و ملتزم بها ليست ببعيدة بذاك البعد فكل واحد من العمومين يدل على ثبوتها بنحو اللزوم لو قيل بتناولهما لما طرء بعد القبول من الرد و غيره و اما لو لم يدلا الّا على تحقق المضمون فاللزوم انما يكون بإثبات المضمون بعد الفسخ و الرد بالاستصحاب لو لم ينهض دليل على ثبوته بنحو الجواز و الّا فيستصحب جوازه و يكون حاكما على استصحاب مضمونهما. فاستصحاب المضمون هاهنا انما يكون إذا كان حدوث النظارة بالشرط و القبول معا و قد شك في جوازها و لزومها لا ما إذا كان حدوثها قبل القبول بنفس الشرط فإنه لا مجال الّا لاستصحاب الجواز الحاكم على القطع به قبله كما عرفت آنفا فتأمل جيدا.

(القول في شرائط الموقوف عليه)

اشارة

و هي أربعة كما في الشرائع و غيرها

أحدها ان يكون موجودا

بلا خلاف كما في المبسوط. قال قدس سره فيه و لا يجوز ان يقف شيئا على من لم يملك في الحال مثل ان يقف على عبد أو على من يرزق من الأولاد أو على حمل هذه الجارية و لم ينفصل الحمل بعد بلا خلاف.

و جعل في موضع آخر منه الوقف على المعدوم ابتداء من جملة ما يقتضي المذهب عدم صحته معللا بأنه لا دليل عليه. قال: أو وقف على أولاده و ليس له أولاد و ما أشبه ذلك فالذي يقتضيه مذهبنا انه لا يصح الوقف لأنه لا دليل عليه

و في الناس من قال يصح بناء على تفريق الصفقة انتهى موضع الحاجة. و في الجواهر بعد حكاية نفى الخلاف في عدم صحة الوقف على المعدوم عن محكي المبسوط و غيره قال كل ذلك مضافا الى معلومية اقتضاء الوقف ملك الموقوف عليه المنفعة أو هي مع العين و المعدوم و غير القابل للملك لا يصلح لذلك لعدم صلاحيتهما للقبول الذي قد عرفت اعتباره فيه. أقول: اعتبار هذا الشرط. اما لعدم قابلية المعدوم للملكية كما يظهر من الحدائق حيث قال في وجهه بعد الاعتراف بعدم وقوفه على نص في المقام الّا انه يمكن ان يقال مضافا الى ظاهر الاتفاق ان الوقف نقل للمنفعة و العين على احد الأقوال إلى الموقوف عليه و المعدوم لا يصلح لذلك انتهى. و فيه ان الملكية من الإضافات و الاعتبارات التي ليست بحذائها شي‌ء في الخارج ضرورة انه لا يتفاوت بسبب من أسباب الملك كالبيع و الإرث و نحوهما حال المالك أو المملوك في الخارج بل هما على ما كانا عليه. و لذا رجحنا جواز تملك الميت استدامة وفاقا لجماعة بل و ابتداء وفاقا لآخرين و هي لا تستدعي موضوعا موجودا بل يصح اعتبارها للمعدوم في ما كان هناك منشأ لانتزاعها و مصحح لاختراعها و انما المستدعى له هو الملك بمعنى الجدة التي هي من المقولات المحمولة بالضميمة و الذي لا يصلح للمالكية أصلا هو المعدوم المحض لا المعدوم الذي هو في صراط الوجود. كيف لا يكون كذلك و في الوقف لا محيص غالبا عن تمليك المعدوم و لو بتبع الموجود و هو الأعقاب اللاحقة و التبعية غير مجدية إذا لم يكن المعدوم بنفسه صالحا لها كما لا يخفى. و بالجملة فكما لا إشكال في صلاحية المنافع المعدومة للمملوكية لمالك العين و لغيره بالإجازة و غيرها فكذلك لا ينبغي الإشكال في ملك الأشخاص المعدومة ابتداء أو بالتبع ثانيا فإن المالكية كالمملوكية من الإضافات و الاعتبارات فلا تغل. و اما لعدم صلاحيته للقبول لو وقف عليه ابتداء و قد اعتبر في الوقف كما هو الظاهر من عبارة الجواهر. و فيه انه لو سلم اعتبار القبول فيه فحاله كان حال الموجود الغير الصالح للقبول في كفاية قبول الحاكم في ما لم يكن هناك له ولي إجباري.

و اما لنفي الخلاف عنه كما عرفت عن المبسوط بل الإجماع عليه كما حكى عن الغنية و السرائر. و فيه ان المحصل من الإجماع غير حاصل و المنقول منه بلا طائل مع وهنه لاحتمال ان يكون مستند جل المتفقين لو لا كلهم احد الوجهين.

أو القاعدة كما يظهر من الشيخ حيث علل كون عدم الصحة مما يقتضيه المذهب بأنه لا دليل عليه مع ان عموم أَوْفُوا و خصوص الوقوف بحسب اه دليل على الصحة.

ثمَّ بناء على عدم الصحة هل لا يصح في الجميع و بقي الوقف على ملك الواقف أو يصح في حق الباقين بناء على تفريق الفقه قولان قد قوى الأخير في المبسوط معللا بأنه يقول بتفريق الصفقة و قد أشكل على كل من البناء و المبنى. اما على الأول فبأنه لم يحرز انحلال مثل عقد البيع و نحوه مما يتعلق بالمركب أو المقيد الى عقود متعددة بل هو عقد واحد تعلق بأحدهما و مجرد تعدد غرض العاقد. و كونه ذا مراتب. و كون الواجد لجميع الأجزاء و الشرائط تمام المطلوب. و كون الفاقد أيضا مرتبة من المطلوب. لو سلم لا يوجب تعدد العقد و انحلاله الى العقد على الواجد و الفاقد ضرورة إمكان ان لا يكون العقد الّا على الواجد الذي هو تمام المطلوب. هذا مع انه لو سلم فإنما هو بالنسبة الى بعض الأجزاء و بعض الشروط ضرورة انه من عقد على بيع الدار أو اللباس ما عقد على بيع جزء من ألف جزئه حتى لو ظهر غيره مستحقا للغير و لم يجزه كان البيع صحيحا بالنسبة اليه و باطلا بالنسبة إلى غيره. اللهم الا ان يدعى ان السيرة قد استقرت على التفريق و هي قرينة عامة على انحلال العقد بحسب مراتب الغرض و القصد نوعا خصوصا في باب الوصية و الوقف و هو ليس ببعيد في الجملة. و اما على الثاني فبان التفريق لو قيل بثبوته في عقود المعاوضات تعبدا فلا يكاد يجري في المقام لاختصاص دليله بها و لو قيل بثبوته فيها قاعدة لما أشير إليه من الانحلال فلا مجال له أيضا هاهنا لكون عقد الوقف و صحته بقول مطلق متقوما بقبول البطن الأول و ما بحكمه و استحقاق البطون اللاحقة قهرا بتبع استحقاق البطن الأول اختيارا فلا يكون غير البطن الأول طرفا لعقد، أصلا فلو قيل بانحلال عقده أيضا للزم عدم اعتبار الرضاء و لا القبول ممن هو طرف العقد و هو كما

ترى. و انما يكون التفريق في العقد فيما تمَّ بالنسبة إليه بركنية و رضاء طرفيه كي يصح تأثيره في ما بقي بعد ما ظهر بطلانه في البعض بخلاف ما إذا لم يكن له مقر إذا فسد بالنسبة الى بعض كالوقف بالنسبة إلى البطن الأول. و لذا قال العلامة في محكي القواعد لا مقر للوقف بعد فساده بالنسبة إلى البطن الأول. قلت: نعم لا مجال لتوهم التفريق في ما لم يصح العقد و لم يتم بوجه كما إذا بقي بلا قبول أو لحق القبول ممن لا ولاية له على الطبقة الثانية لوجودها كاملة. اما لو لحقه القبول من الطبقة الثانية أو وليها لأمكن القول بصحته على التفريق لتمامية العقد بكلا ركنية و رضاء طرفيه بالإضافة الى هذه الطبقة و ان بطل بالنسبة إلى الطبقة الأولى كما لا يخفى غايته صيرورة الثانية أولى. هذا كله في ما كان الوقف على نحو الترتيب و اما لو كان على نحو التشريك و قيل بفساده في المعدوم فلا إشكال في صحته على التفريق بالنسبة إلى خصوص الموجود مع قبوله في العين الموقوفة بالإضافة بل في تمامها بان يكون تعدد مراتب مطلوب الواقف هكذا: قد وقف تمام العين عليهما فان تمَّ و الا فوقفها بتمامها على خصوص الموجود. و مما ذكرنا ظهر حال الوقف على الحمل الذي لم ينفصل بل أمره أهون لوجوده و جواز تمليكه كما في الوصية له فافهم.

(ثانيها) التعيين

فلا يصح الوقف على احد الرجلين أو إحدى القبيلتين و لا يخفى ان عدم صحته ليس بعقلي كما توهم لفساد تخيل ان الملكية تقتضي كغيرها من الصفات الحقيقية التي تكون موجودة في الموضوع موضوعا معينا لما يأتي من انها من الإضافات و الاعتبارات و هي لا تقتضي وجود الموضوع فضلا عن تعينه. كيف و الصفات الحقيقية التي تكون ذات الإضافات تتعلق بالمردد كالعلم الإجمالي فإنه يتعلق به بلا تعين له أصلا ضرورة انه لو علم بنجاسة أحد الثوبين و كان كل منهما نجسا لا يكون تعين للمعلوم أصلا كما لا يخفى. بل شرعي لا بد له من دليل و ليس إلا الإجماع و لم نحققه و على تقدير صحته لا بد من القرعة التي تكون لكل أمر مشكل.

(ثالثها) صحة التملك

فلا يصح الوقف على العبد بناء على عدم تملكه. و لا يخفى انه لا وجه لاعتبار هذا الشرط الا ان يكون الوقف

تمليك المنفعة أو مع العين الموقوفة حقيقة أو مساوقا له خارجا و ليس كذلك غايته ان يكون التمليك في بعض الأوقاف من لوازمه عرفا و احكامه شرعا فان التحقيق انه حبس خاص كما مرت الإشارة اليه و يأتي له مزيد بيان إنشاء اللّه تعالى. و قضيته انه يختلف باختلاف الأوقاف موقوفا و موقوفا عليه فلا تمليك لأحد في مثل وقف المسجد و القنطرة لا للعين و لا المنفعة فيهما و غايته تلك الانتفاع عنهما و استحقاقه و كذا الوقف على العبد فيستحقّ الانتفاع بالعين الموقوفة كاستحقاقه الانتفاع بهما كغيره بلا شبهة فيه.

(رابعها) جواز الوقف عليه

و اعتباره بناء على اعتبار قصد القربة فيه مما لا ريب فيه و كذا بناء على عدم اعتباره فان الرجحان فيه مما لا بد منه قطعا. و قد نسب الى المشهور بطلان وقف المسلم على الحربي لذلك للنهى عن موادته و موالاته و بره و الوقف عليه منها. و يشكل بأنه ليس من الموادة و لا من الموالاة نعم هو من البر و الإحسان اليه و هو ليس بمنهي عنه بل قوله تعالى لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ دليل على جواز بره إذا لم يكن مقاتلا و لو كان حربيا. و ليس من الموالاة المنهي عنها أيضا ضرورة أن البر و الإحسان إلى حيوان من كلب و نحوه أو إنسان مع شدة العداوة و كمال؟؟ البغضاء؟؟ لا يكون بموالاة و لا موادة. كيف لا يكون كذلك و قد صح الوقف على الذمي على ما نسب إلى الأكثر مع عموم النهى له بلا مخصص مع إبائه عن التخصيص. و ربما يقال بعدم صحة الوقف على الحربي لجواز تملك المسلم ما له بمجرد الاستيلاء عليه و هو مناف للدوام و التأبيد المعتبر في الوقف.

و فيه أولا منع جواز تملك الوقف به لما فيه من حق لبعض الطبقات الموقوف عليهم و لو كان مسلما و من حق الوقف المسلم مطلقا فإنه لم يخرج عن ملكه الا على ان يكون صدقة جارية عنه على الدوام و انما يكون مال الحربي فيئا إذا كان ملكا طلقا له لم يكن فيه لمسلم حق أو شبه حق. و ثانيا لو سلم فجواز تملك المسلم له شرعا لا ينافي قصد الواقف دوامه قبالا لتوقيته أو له و لتحديده كما في الوقف على من ينقرض عادة على خلاف يأتي كما لا ينافيه جواز بيعه في صورة خرابه أو الخلف بين أربابه

أو غيرهما مما يجوز معه البيع مما يكون وقوع أحدها بل كل منها يتفق عادة فافهم. و مما ذكرنا ظهر حال الوقف على الذمي و انه لا مانع عن صحته مما توهم كونه مانعا عن صحة الوقف على الحربي إلا عموم النهى عن الموالاة و المودة و قد عرفت عدم دلالته على حرمة الوقف عليه. هذا كله في وقف المسلم على الكافر و اما وقف الكافر عليه فجائز عند الأصحاب كلا أو جلا و قد نفى الخلاف فيه بل ادعى عليه الإجماع قيل لوجود المقتضى و انتفاء المانع. و لا يخفي وجوده لو كان المانع في وقف المسلم على الحربي جواز تملك المسلم لمال الحربي بالاستيلاء عليه كما ربما توهم. و اعتبار قصد القربة في الوقف لا يمنع عن صحة وقفه لتأتي قصدها منه و لا دليل على اعتبار تأثيره و حصول المقرب به مع انه لا بأس بالقول بتأثيره غايته بالنسبة إليه في تخفيف عقوبته و تقليل دركاته. ثمَّ لا إشكال في وقفه إذا كان واجدا للشرائط المعتبرة عندنا و اما إذا كان فاقدا لها فلا دليل على إقراره عليه بحيث يحكم بصحة وقفه بعد إسلامه إذا ترافع قبله عندنا كإقراره على نكاحه. ثمَّ انه. نسب الى صريح الأصحاب بطلان الوقف على البيع و الكنائس بلا خلاف يعرف بل عن محكي المبسوط و الغنية نفيه بين المسلمين و عللوه بأنه اعانة الكفار على الإثم من العبادات المحرمة و ترويج الضلالة و لا يخفي انه لا شبهة في بطلانه إذا كان قصد الواقف ذلك و اما إذا كان قصده غيره مما كان راجحا كعمارتها باحتمال استيلاء المسلمين عليها أو تأليف قلوب أهلها أو نحوهما من الغايات الراجحة كما إذا وقف على تعمير دورهم فلا وجه لبطلانه نعم: لو كان الوقف عليها علة لوقوع معصية فيها لولاه لما وقعت لكان باطلا و ان لم يكن وقوعها داعيا و من الواضح انه ليس كذلك فإنه ربما لا تقع فيها معصية أخرى بسببه أصلا كما لا يخفي.

و مما ذكرنا ظهر حال الوقف على الكتب السابقة و انه باطل لو كان بداع محرم كحفظها عن الاندراس و الانطماس و انه لا وجه لبطلانه لو كان

لداع راجح كحفظها لأجل الاحتجاج على أهلها لدى المخاصمة معهم و اللجاج.

و بالجملة لا ريب في صحة الوقف إذا كان على الجهة المحللة و لو ترتب عليه محرّم الا ان يكون على نحو العلية و بطلانه إذا كان على الجهة المحرمة لعدم الرجحان اللازم فيه كما عرفت و لو قيل بعدم اعتبار قصد القربة فيه. ثمَّ لا يخفي ان الوقف في غير مثل المسجد لا يكاد يتقوم بدون الموقوف عليه فان ذكر في صيغته و عين. و الا فإن أهمل معنى كما أهمل لفظا فلا وقف. و الا بأن قصد و لم تقم عليه دلالة ففي صحته اشكال و الا فلا ينبغي الإشكال في صحته و إن كانت الدلالة عليه بقرينة الحكمة كما إذا أطلق في مقام البيان فإنه قرينة على انه مطلق ما يتقرب به من الجهات و ان المدار في تعيينه دلالة صيغته و لو بظهورها و كذا في تعيين كيفية الوقف عليه و انه على نحو الترتيب أو التشريك و مع الاجمال فلا بد من الاقتصار على المتيقن لو كان و الّا فلا بد من الصلح ان أمكن و الا فالتخيير في صرفه في جهة من الجهات المحتملة أو توزيعه عليها. و المرجع في ذلك اى تعيين الموقوف عليه و كيفيته هو نظر من يتصدى للعمل بالوقف شرعا. و قد انقدح بذلك انه ليس للفقيه تعيين ذلك نعم: له ذلك إذا كان غرض الواقف خصوص من كان على وصف كذا بنظر الشارع مثل من هو أقرب إليه بنظره واقعا فان تعيينه حينئذ يكون وظيفة الفقيه قطعا فتدبر جيدا. هذا هو القول الكلي في نبذة من الفروع التي ذكروها. (منها) انه قيل لو وقف على الفقراء لانصرف الى فقراء نحلة الواقف مسلما كان أو كافرا.

وجه الانصراف على ما عن محكي المسالك ظهور اللفظ عرفا في فقراء نحلته فيقدم على ما تقتضيه اللغة تقديما للعرف على اللغة و مراده بالظهور العرفي على ما حكي عنه الاستغراق العرفي المستند الى شاهد الحال فلا يرد عليه بان الظهور مستند الى شاهد الحال لكنه ربما يمنع انه شاهد الحال نوعا ان لم يحرز ذلك منه شخصا لكثرة ملاحظة جهة الفقر حال الوقف مع الإغماض عن كون

صاحبه مبطلا أو محقا لا أقل من عدم كونه من القرائن التي صح الاتكال عليها في صرف ظهور المقال ثمَّ لا يخفى انه لو قيل بالانصراف بشاهد الحال فلا داعي إلى دعوى كون الاستغراق عرفيا لا حقيقيا لإمكان دعوى الانصراف في مادة العام لا في صيغته الظاهرة في الاستغراق الحقيقي و دعواه انما تلائم المادة المتناولة للحالات بالإطلاق لا الصيغة الدالة على عموم الافراد بالوضع فلا تغفل ثمَّ انه ربما أيد منع الانصراف بسبب شاهد الحال بالسيرة الجارية بين الشيعة في التصرف في أوقاف المخالفين كالمساجد و القناطر و غيرهما مع ان شاهد الحال المدعى هناك موجود هاهنا لكنه يمكن منعه فان شاهد الحال يختلف بحسب الأوقاف و هو في مثل القنطرة يقتضي تعميمه و اما المسجد فلعله لأجل ان وقفه لا يحتاج الى الموقوف عليه بل إذا وقف مسجدا كان حكمه جواز العبادة فيه و سائر التصرفات على اختلافها استحبابا و كراهة و اباحة كحرمة بعض التصرفات كما لا يخفى و يمكن ان يقال بمثل ذلك في غير القنطرة إن جرت هناك سيرة نافعة كاشفة مع إمكان منعها في غير القنطرة و المسجد و قد عرفت وجهها فيهما.

(و منها) انه لو وقف على المؤمنين انصرف الى الاثنى عشرية عند الأكثر و الى خصوص مجتنبي الكبائر عند من اعتبر الاجتناب عن الكبائر في الايمان كما عن الشيخ و غيره و ظاهر إطلاق كلامهم انه لا فرق بين ان يكون الواقف إماميا و غيره و عن الشهيد الثاني الإشكال في الثاني لأن الإيمان الاصطلاحي مختلف فيه و اتباع اعتقاد الواقف فيه غير بعيد و قد أورد عليه بأنه انما يصح إذا كان الاختلاف في معنى الايمان و حقيقته لا ما إذا كان الاختلاف في مصاديقه و الا فاللازم حمل اللفظ على معناه الواقعي و إحراز مصاديقه بما هو معتبر شرعا أو عقلا لا اعتقاد الواقف و الظاهر ان الايمان كذلك لكنه لا يخفى انه انما يتم لو لم يكن اعتقاده قرينة على ان يكون وقفه حقيقة على مصاديقه باعتقاده و ان انطباق معناه الواقعي بحسبه صار داعيا له الى

جعلهم موقوفا عليهم كما هو غير بعيد. و بالجملة المتبع في تعيين الموقوف عليه ما هو غرض الواقف و مقصوده و طريق إحرازه ظهور كلامه و لو كان ناشئا من القرينة المكتنفة به من حال أو مقال كما ان المتبع في تعيين مصداق الموقوف عليه هو القطع به و ما يقوم مقامه شرعا لا اعتقاد الواقف فالتفت لئلا يختلط عليك الأمر (و منها) انه لو وقف على مصلحة معينة كمسجد أو قنطرة فبطل رسمها يصرف الى وجوه البر كما نسب الى المشهور و عن محكي النافع التردد فيه و استدل عليه بان الملك قد خرج من الواقف بالوقف و عوده يحتاج الى دليل و هو منتف و صرفه الى وجوه البر انسب بمراعاة غرض الواقف من صرفه فيما هو أعم و هذا الاستدلال بكلتا مقدمتيه محل اشكال لعدم نهوض دليل على خروج الملك بالوقف و لو سلم فإنما هو بقدر المصلحة الموقوف عليها كما هو الحال في الوقف على المنقرض و التفصيل بين ما إذا كان قاصدا للتأبيد فاتفق الانقراض و ما إذا لم يقصده بلا دليل لأجل تبعية وقفه في ذلك لدوام الموقوف عليه واقعا و عدم دوامه الا ان يقال باستلزام الوقف إذا كان قاصدا للتأبيد لخروجه عن ملكه مطلقا بخلاف ما إذا لم يقصده بل قصد الوقف على المنقرض فإنه لا يستلزم الا الخروج بقدر بقائه. أو يقال بان الوقف على الجهة مطلقا يكون فك ملك بخلاف الوقف على المنقرض فإنه تمليك له ما دام باقيا لكنه لا يخفى انه لا دليل على واحد من الوجهين و سيأتي ان الوقف هل يستلزم التمليك أو زوال الملك أو لم يستلزم شيئا منهما أو يختلف فانتظر. ثمَّ لو سلم خروجه عن ملكه فكون صرفه في وجوه البر لازم لكونه انسب بمراعاة غرض الواقف فيه أولا. لا دليل على مراعاة غرضه في غير ما يندرج في وقفه و ثانيا. لو سلم لزومه فكون صرفه في وجوه البر انسب مطلقا ممنوع ضرورة اختلاف شخص في الأوقاف فضلا عن الأشخاص فربما كان غرضه الصرف في خصوص المسجد في الوقف على مسجد و ربما كان غرضه انتفاع

أهل محلته في الوقف عليه و حينئذ كان صرفه في الجهات الراجعة الى أهل ذلك المحل بعد بطلان رسم ذاك المسجد انسب فالاحتياط يقتضي صرفه الى ما هو أقرب الى نظر الواقف لاحتمال انحلال وقفه اليه بعد بطلان رسم ما أخذه في الموقوف عليه بعد القطع بأنه الأقرب مما يعمه الوقف أو يخصه و الا يكون لا مستحق له أو مجهول المستحق.

(القول في شرائط الوقف)

اشارة

و هي أربعة كما في الشرائع و غيرها.

أحدها. الدوام

بمعنى عدم التوقيت بمدة كسنة و نحوها بلا خلاف كما عن بعض بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه. قال بعض الأعاظم في تقريره لبعث شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه في المقام: و اعلم ان الدوام معتبر في جميع العقود المملكة لأن الملكية لا تقبل التوقيت الا بتبعية محلها كسائر الأعراض القائمة بمحالها مثل السواد و البياض فان الدوام و الانقطاع يتصور ان بتبعية الموضوعات و التمليك الوقفى أيضا من الأمور التي لا تقبل التوقيت و انما الغرض الداعي إلى تعرض ذكر الدوام فيه هو ان الوقف لما كان وضعه على الجريان و السريان إلى الأعقاب في الملكية و كان مما ينقل من شخص الى شخص آخر حتى لو وقف على شخص في مدة معينة ثمَّ على الفقراء كان صحيحا فصار مظنة لقبوله التوقيت بحيث يعود الى ملك الواقف بعد الوقت المضروب. و لأجل دفع هذا التوهم ذكروا أن التوقيت على هذا الوجه العائد إلى الواقف بعد انقضاء الأمد مبطل للوقف و الا فمنافات التمليك للتوقيت واضح كوضوح كون الوقف أيضا تمليكا لا حبسا مستلزما له كما سبق بيانه في صدر الباب. انتهى موضع الحاجة. و أنت خبير بأن الإجماع ان تمَّ فهو و الا فما ذكر في وجه الاعتبار ممنوع بمقدمتيه و ذلك لان التحقيق ان حقيقة الوقف شرعا كما هو قضية لفظه لغة حبس خاص ربما يختلف تمليكا و تفكيكا حسب اختلاف الأوقاف في كونها على خصوص أشخاص أو على جهات عامة و ربما يأتي لذلك

مزيد بيان إنشاء اللّه تعالى. و ان الملكية قابلة للتوقيت ضرورة انها من الاعتبارات و الإضافات و هي تتقدر بقدر ما يقتضيها منشأ انتزاعها و علة اختراعها فاذا عقد عليها مطلقة كانت مطلقة و إذا عقد عليها موقتة وقعت كذلك كما هو الحال في الزوجية الدائمية و الزوجية الانقطاعية. و ليس حالها حال الاعراض العارضة على موضوعاتها الموجودة فيها حيث انها توجد لا مقيدة بوقت بل يتبدل عدمها بالوجود رأسا و ان كان وجودها لا يدوم الا بقدر ما اقتضته علتها و يتبدل بالعدم اللاحق بعد انقضاء أمدها مع بقاء محالها و موضوعاتها على حالها. و العرض و العرضيّ و ان كانا يرتفعان لا محالة بارتفاع موضوعهما الا ان دوامهما لا يكاد يدور مداره فإنه و ان كان مما لا بد منه في عروضهما عليه فإنه شريك العلة الا ان دوامهما و انقطاعهما عنه انما أنيط باقتضاء علتهما دوامهما أو عدم اقتضائها الا ثبوتهما في مدة معينة كالزوجية الانقطاعية أو حالة خاصة كما في بدل الحيلولة حيث انها لا تقتضي إلا ملكية البدل للمضمون له ما دامت باقية بحيث تزول بعد زوالها و يعود الى ملك الضامن بالسبب السابق لا بسبب آخر حادث بعد زوالها. كيف و قد اعترف طاب ثراه بصحة الوقف إذا وقف على زيد في مدة معينة ثمَّ على الفقراء و هل هو الا تمليك العين لزيد في مدة معينة بناء على دعواه من كون الوقف تمليكا فتكون الملكية قابلة للتوقيت بل هو واقع في الوقف في المثال المزبور و جعل الموقوف عليه بعده الفقراء لا يخرج الوقف على زيد في المدة المعينة عن توقيت التمليك بالنسبة إليه كما هو واضح غايته في الصورة المذكورة انه لم تبق العين في ملك المالك بعد المدة أيضا حيث ما اقتضاه عقد الوقف و لو اقتصر فيه على الوقف على زيد في تلك المدة كان مقتضاه خروجه عن ملكه في خصوص تلك المدة كما ان قضية عقد الانقطاع الزوجية في المدة المعينة فيه فإنه لا تفاوت عقلا و لا شرعا بين الملكية و الزوجية فلا وجه لتوهم كون الملكية غير قابلة للتوقيت عقلا

و انما القابل له هو الأمور التدريجية لا الأمور القارة لما عرفت من ان غير القابل انما هو الأمور القارة الموجودة في الخارج لا الأمور الاعتبارية المنوطة إطلاقا و توقيتا بالعقد عليها مطلقة أو موقتة كما هو الحال في الزوجية في عقد الدوام و عقد الانقطاع و لا شبهة في ان الزوجية مع كونها من الأمور القارة كالملكية كانت قابلة للتوقيت فكيف يتوهم عدم قابلية الملكية له عقلا لأجل كونها منها كما لا يخفى و لو كان ذلك مانعا عن التوقيت فيها فليكن مانعا عنه فيها فافهم. و بالجملة لا مانع عن توقيت الملك لا عقلا و لا عرفا و لا شرعا بل قوله عليه السلام الوقوف بحسب ما يقفها أهلها دال على وقوعه في الوقف فلا بد في اعتبار الدوام فيه من التماس دليل خاص كي يخصص به عموم الوقوف بحسب آها و ينزل على الوقف بالمعنى الأعم لا الوقف بالمعنى الخاص المقابل للحبس و ليس إلا الإجماع ان تمَّ. و لا دلالة لما دل على اعتبار إخراج نفسه على اعتباره فان اعتبار إخراج نفسه عن الموقوف عليه رأسا لا يقتضي اعتباره أصلا ضرورة انه إذا وقف على زيد في سنة مثلا قد اخرج نفسه من الموقوف عليه في مدة وقفه. و الحاصل ان اعتبار الإخراج انما هو لأجل ان لا يكون تصدقه على نفسه. و لعله لما ذكرنا قد ناقش بعض متأخري المتأخرين في اعتبار الدوام بالمعنى المذكور كثاني الشهيدين و صاحب المفاتيح. قال الثاني كما في الحدائق: اشتراط التأبيد لا دليل عليه بل الأصل و العمومات تنفيه. و اما ما وجهه في الحدائق عليه بعد نقله بقوله. أقول: لا يخفى ان العقود الشرعية الموجبة لنقل الاملاك يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة من الكيفية و الشروط فعلا أو أمرا بذلك و الأوقاف التي صدرت منهم كما قدمنا جملة منها قد اشتملت على التأبيد لقولهم عليهم السلام حتى يرثها اللّه الذي يرث السموات و الأرض و هو كناية عن دوامها الى يوم القيمة و الخروج عنها بغير معارض سفسطة و به يظهر ما في تمسكه بالأصل و العمومات فإنه ناش عن الغفلة عن

ملاحظة الأخبار المذكورة كما لا يخفى انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه. فغير وجيه فان الوقوف في العقود بل الإيقاعات و سائر الأسباب على ما رسمه صاحب الشريعة و ان كان واجبا الّا ان قضية عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و خصوص الوقوف بحسب اه الوارد في بيان السؤال عن ان الوقف بأية كيفية باطل و بأية كيفية صحيح عدم اعتبار التأبيد في الوقف و الاخبار الدالة على كيفية أوقافهم انما تدل على انها بهذه الكيفية صدرت عنهم لا على انه لا بد أن يصدر الوقف كذلك. نعم لو لا عموم أَوْفُوا و خصوص الوقوف بحسب اه كان الأصل مثبتا لاعتباره لا نافيا لأصالة عدم التأثير أو عدم الأثر مع الشك فيهما بدونه. و لا يخفى انه لا يكاد يوثق بتحقق الإجماع على الاعتبار مع المناقشة المزبورة و احتمال كون سند الجل لو لا الكل هو الاخبار الحاكية لكيفية أوقافهم عليهم السلام كما عرفت عن الحدائق و قد عرفت عدم دلالتها أصلا. ثمَّ بناء على الاعتبار لو قيل وقفت على الفقراء سنة مثلا فلو علم انه قصد الوقف بطل حبسا و وقفا كما انه صح حبسا لو علم انه قصده اما لو لم يعلم ففي صحته حبسا لأصالة حمل فعله على الصحة أو لكون الوقف بمعنى الحبس فيكون ذكر الوقت قرينة معينة له أو بطلانه كذلك كبطلانه وقفا لظهور لفظ وقفت فيه و عدم صلاحية ذكر الوقت للقرينة كعدم صلاحية أصالة الحمل على الصحة لإحراز العنوان الذي كان صحيحا و انما هو لإحراز الفرد الصحيح من العنوان فيما تردد أمر الواقع بينه و بين الفاسد منه أو عدم الحكم عليه بواحد منهما لعدم ظهوره في واحد منهما. وجوه. و التحقيق انه يختلف حسب اختلاف الأشخاص و الأحوال و العبرة انما هي بأن يكون اللفظ بملاحظة ما اكتنف به من الحال و المقال ظاهرا في الوقف أو الحبس فيحكم به أو لم يكن بظاهر في أحدهما فيعامل حينئذ معه معاملة بطلانه حبسا كبطلانه وقفا حقيقة. هذا كله في اعتبار الدوام بمعنى عدم التوقيت. و اما

اعتباره بمعنى التأبيد و عدم الانقطاع ففيه خلاف كما يظهر من الخلاف فيما إذا وقف على من ينقرض عادة حيث قال بعض بصحته وقفا و بعض آخر بصحته حبسا و ثالث ببطلانه رأسا و كلمات الأصحاب في هذه المسئلة لا تخلو عن تشويش و اضطراب. و تحقيق الحال فيها يستدعي تمهيد مقال و هو ان الوقف على ما مرت إليه الإشارة و ان كان بحسب الحقيقة لغة و شرعا حبسا لا تمليكا متفصلا بالحبس و لا مساوقا له خارجا لاحتمال ان لا يكون معه تمليك أصلا أو كان مختلفا تمليكا و تفكيكا حسب اختلاف الأوقاف خاصا و عاما على اختلاف الأقوال فكيف يكون تمليكا بحسب الحقيقة أو مساوقا له خارجا مع اختلافهما مفهوما كما في الصلح عن عين مجانا أو بالعوض فإنه و ان لم يكن بحسب المفهوم تمليكا لها الّا انه ملازم له خارجا كما لا يخفى. الّا انه عبارة عن المرتبة العليا التي هي الحبس المستتبع لمنع الوقف من التصرفات و التقلبات في العين بل منع الموقوف عليه منها الّا ما يتعلق بمنفعتها كالإجارة و نحوها بخلاف الحبس بالمعنى الأخص فإنه لا يكون إلّا مرتبة كانت دونها و هي لا تستتبع الّا المنع عن التصرف في المنفعة دون العين فالوقف و الحبس و ان كانا مشتركين في كونهما حبسا إلّا أنهما متفاوتان مرتبة و لأجل ذا مختلفان حكما كما هو الحال في الإيجاب و الاستحباب فإنهما مع اتحادهما بحسب حقيقة الطلب كانا مختلفين في الحكم لأجل تفاوتهما في مرتبته كما لا يخفى و ليس التفاوت بينهما باعتبار التأبيد في أحدهما و عدم اعتباره في الآخر مع اتحادهما في مرتبة الحبس أيضا لعدم دليل على اعتباره لو لم يكن على عدم اعتباره كما يأتي.

و لا مجال لدعوى الإجماع عليه مع الخلاف في هذه المسئلة و ذهاب جمع إلى الصحة وقفا كما لا يخفى. مع ان اختلافهما في المنع عن التصرفات في أحدهما مع اتفاقهما في مرتبة الحبس بحسب قصد الواقف لمجرد

اختلافهما في التقييد بالتأبيد و عدمه بعيد جدا. هذا و قد عرفت إمكان توقيت التمليك و تقطيعه كما في طبقات الموقوف عليهم بناء على ان الوقف تمليك حيث ان الواقف به ملك كلا منها و تلقى منه الملك فان التمليك في كل منها محدود لا مطلق و الا لم يكن له الا تمليك الطبقة الأولى كما لا يخفى. إذا تمهد هذا ظهرت صحة القول الأول و هو صحة الوقف على من ينقرض وقفا إذ المفروض ان الواقف قصد كما إذا وقف على من لا ينقرض فاذا صح حسبما هو قضية عموم الوقوف على حسب اه صح وقفا لا حبسا. قلنا بان الوقف خصوص حبس أو انه تمليك مخصوص متفصل بالحبس كما ظهر بطلان القول بصحته حبسا بتوهم انه لا تفاوت بين الوقف و الحبس الا التقييد بالتأبيد و عدمه و الغفلة عن التفاوت بينهما بالمرتبة و ان الوقف هو الحبس المطلق و لذا صار مما لا يجوز للواقف شرعا التصرف فيه بنحو و لا يورث بخلاف الحبس فان له التصرفات الغير المنافية لاستيفاء المحبوس عليه المنفعة و يورث. و بطلان القول ببطلانه رأسا إما بتوهم كون الوقف تمليكا و عدم إمكان التقطيع في الملك عقلا فيبطل وقفا مع تقطيع الواقف قطعا و كذلك حبسا لعدم قصده حسب الفرض أو اعتبار التأبيد شرعا بحسبان دلالة الأخبار الدالة على بيان كيفية أوقافهم عليهم السلام و قد عرفت إمكان التقطيع في الاعتباريات عقلا بل وقوعه في خصوص الوقف شرعا و كفاية عموم الوقوف على حسب ما يقفها أهلها دليلا عليه و على عدم اعتبار التأبيد في الوقف شرعا و لا إجماع على اعتباره جزما لذهاب جماعة من الأصحاب إلى القول بالصحة وقفا و قد عرفت سابقا عدم دلالة الاخبار على الاشتراط أصلا فتأمل جيدا. ثمَّ انه إذا اتفق عدم الانقراض فلا ينبغي الإشكال في صحته وقفا و لو على القول باعتبار التأبيد عقلا أو نقلا لحصول الشرط و ان لم يعلم به و كون الموقوف عليه ينقرض عادة لا يوجب عدم قصد الواقف للوقف إذ الفرض قصده و الا

لم يكن وجه للقول بصحته وقفا أصلا و لو قيل بعدم اعتبار التأبيد و إمكان التوقيت في الملك كما لا يخفى. و اما لو انقرض فعلى القول بصحته وقفا هل يرجع الى الواقف لو كان حيا و الا فإلى ورثته أو الى ورثة الموقوف عليه أو يصرف في وجوه البر فيه اشكال و خلاف بين القائلين بخروج الوقف عن ملك الواقف و دخوله في ملك الموقوف عليه و التحقيق ان يقال ان دخوله في ملكه لو كان لأجل ان الوقف يكون تمليكا خاصا لكان راجعا الى الواقف أو ورثته لما عرفت من صحة تقطيع الملك و المفروض ان التمليك ليس إلا في قطعة حيوة الموقوف عليه و ان كان ذلك لأجل استلزامه له فان كان لاستلزام خصوص الوقف المؤبد له فهو باق على ملك الواقف و ان كان لمطلقه بان يكون دخوله في ملكه لازم الحبس المطلق و لو لم يكن بمؤبد فما يلزمه من الملك يمكن ان يكون ملكا مطلقا له فيرجع الى ورثته أو ملكا مغيى بحياته زائلا بموته فيرجع الى الواقف أو ورثته لعدم خروجه عن ملكه بعد الانقراض و انما خرج قبله. فاذا شك في طور ملكه فالاستصحاب يقتضي بقاء ملكه و عدم زواله بموته لو لم نقل ان قضية إطلاق ما تركه الميت فلو إرثه عرفا يعمه و ان كان بحسب الدقة لا يصدق ما تركه على ما يدور مدار حيوته. فلا وجه لاحتمال صرفه في وجوه البر الا دعوى البقاء على الوقفية و هو خلاف الفرض فان الكلام فيما لم يقصد الواقف الا الوقف على المنقرض. بقي شي‌ء و هو ان الظاهر انه إذا رجع الى ورثة الواقف يرجع الى ورثته حين موته لا حين انقراض الموقوف عليه كما عن ثاني الشهيدين في المسالك تنضيرا له بولاء العتق و ذلك لان الرجوع الى ورثته انما هو بالإرث منه و الا فلا دليل عليه بالخصوص هاهنا كما لا يخفى فلا بد من مراعاة قواعده و تنضيره بالولاء لا يخلو من غرابة فإن الإرث بالولاء انما هو بدليل يخصه و لو لا قوله عليه السلام الولاء لحمة كلحمة النسب لما ورث قرابة المعتق بالكسر من المعتق أصلا فإن الولاء حكم تعبدي لا يورث و قضيته ان يرث من المعتق بالفتح من هو أقرب

إليه حين موته شرعا و هو من كان أقرب الى معتقه في الحين حقيقة فكيف يقاس المقام الداخل في عموم اولى الأرحام على الإرث بولاء العتق المختص بدليل مختص به غير عام. هذا كله في المنقطع الأخر و قد تقدم الكلام في المنقطع الأول و اما المنقطع الوسط كما إذا وقف مثلا على أولاده ثمَّ على من لم يصح الوقف عليه ثمَّ على المساكين ففي صحته في طرفيه وقفا أو في الأول كذلك أو حبسا أو بطلانه رأسا وجوه بل أقوال. وجه الصحة وقفا في الطرفين بناء على تبعض الصفقة واضح و كذلك وجه بطلانه بناء على عدمه. و اما وجه صحته في أوله وفقا فلتبعض الصفقة. و حبسا لاعتبار التأبيد فيه و وجه فساده في أخره فلتوقف صحة الوقف على الطبقة اللاحقة في الوقف الترتيبي على صحته في السابقة عليها و قد عرفت مما أسلفناه المنع من اعتبار التأبيد. و التوقف فينحصر في الصحة فيهما أو الفساد بناء على التبعض و عدمه. و اما الوسط فان كان بتخلل الوقف على موجود لم يصح الوقف عليه فيمكن رجوعه الى الواقف أو ورثته على التقطيع ما لم ينقرض و يمكن رجوعه إلى الطبقة اللاحقة أو الوجوه البرية على التبعض. و ان كان بتخلل الوقف على المعدوم فلا وجه الّا لاتصال احد طرفيه بالآخر بناء على صحتهما كما إذا لم يكن هناك تخلل و كان كما إذا وقف على أولاده ثمَّ على أولادهم ثمَّ على الفقراء و لم يكن لأولاده أولاد ضرورة ان الغرض في الوقف الترتيبي هو الترتيب بين الطبقات على تقدير تحققها بحيث لو لم يتفق وجود بعض الطبقات لكان كما إذا لم يقف عليه من رأس. ثمَّ ان العلامة أعلى اللّه مقامه ذكر في محكي القواعد بعد شرط التأبيد و حكم الانقطاع فرعا جامعا بين الوقف المؤبد على تقدير و المنقطع على آخر. قال: و لو أبد على احد التقديرين دون الآخر مثل ان يقف على أولاده و عقبهم ما تعاقبوا فاذا انقرض العقب و لا عقب له فعلى الفقراء و لو انقرض الأولاد و لا عقب لهم فعلى اخوته و اقتصر كان حبسا على التقدير الثاني و في الأول إشكال. و لا

يخفى انه يكون في محل الاشكال و محطه و انه صحته حبسا على خصوص الأولاد أو وقفا مطلقا أو انه صحته مطلقا أو فساده كذلك. بحث و اشكال.

و كذا في وجهه و انه التعليق أو عدم العلم بالتأبيد أو استعمال اللفظ في المعنيين كما يظهر ذلك من مراجعة الإيضاح و الدروس و جامع المقاصد و غيرها. فالأولى صرف المقال عما قيل و قال الى ما هو التحقيق و يقتضيه التوفيق. فأقول و من اللّه التأييد و التوفيق: ان قضية ما أسلفناه من عدم اعتبار الدوام بمعنى التأبيد فضلا عن العلم به و صحة الوقف على من ينقرض صحته وقفا على التقديرين لعدم الإخلال بما هو شرطه عليهما مع العقد عليه و لزوم تعليقه على تقدير تأبيده حيث كان الوقف على الفقراء معلقا على وجود العقب و انقراضه غير ضائر لعدم دليل على اعتبار التنجيز على نحو يكون مثل هذا التعليق ينافيه حيث لا إطلاق هناك و لا عموم يعمه.

و المتيقن من الإجماع المدعي لو سلم انما هو اعتبار التنجيز المقابل لتعليق أصل الوقف لا تعليق بعض المراتب الموقوف عليها الذي لا بد منه في الجملة في الوقف الترتيبي. و قد دل قول العسكري عليه السلام الوقوف اه على صحته مضافا الى سائر العمومات. و لا يلزم استعمال اللفظ في معنيين و انما يلزم لو قيل باختلاف الوقف و الحبس بحسب الحقيقة أو بحسب المرتبة و قيل بصحته حبسا على احد التقديرين و وقفا على التقدير الآخر فإنه يلزم حينئذ استعمال اللفظ في معنيين على الأول و هو واضح و كذا على الأخير لأجل أنه لا بد حينئذ من قصد كل مرتبة من مرتبتى الحبس بخصوصها فان قصد الحبس الجامع بينهما لا يكاد يجدي في العقد لا حبسا و لا وقفا كما لا يخفى فافهم.

(ثانيها) التنجيز

و لا دليل على اعتباره في الوقف بالخصوص الّا دعوى الإجماع عليه في العقود. قال في الجواهر في ذيل كلام المحقق:

و لو قال وقفت إذا جاء رأس الشهر أو ان قدم زيد لم يصح بلا خلاف و لا اشكال بل الإجماع بقسميه عليه لما ذكرناه غير مرة من منافات التعليق

على متيقن الحصول أو متوقعة لظاهر ما دل على تسبيب الأسباب المقتضى لترتيب آثارها حال وقوعها فما في المسالك من عدم الدليل عليه في غير محله انتهى موضع الحاجة. و أنت خبير بأنه لا دليل قد دل بظهوره على ذلك الّا مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم و الوقوف على حسب اه.

و لا دلالة لها الّا على ترتيب آثار العقود عليها على نحو قد أوقعها عاقدها لا سيما الوقوف على حسب اه كما لا يخفى فلو كان مضمون العقد التزويج أو التمليك أو الوقف معلقا على متيقن الحصول أو متوقعة لكان قضية صحة العقد عليها بحسب دليل تسبيبه ترتبها حين حصول المعلق عليه لا حال وقوعه كما لا يخفى. و من هنا يمكن استبعاد تحصيل الإجماع على الاعتبار و لو سلم عدم الخلاف فيه بل الاتفاق عليه لاحتمال ان يكون بعض المنفقين مستندا الى ذلك أو الى توهم عدم قابلية الإنشاء للتعليق و الغفلة عن انه لا تعليق فيه انما التعليق في المنشأ و قد حققنا في غير مقام ان الإنشاء خفيف المؤنة لا اشكال لفظا و لا معنى في صحة إنشاء أمر معلق كإنشاء أمر منجز. فلو تمَّ الإجماع على الاعتبار لكان هو الدليل و الّا لم يكن عليه دليل كما عن المسالك.

(ثالثها إقبال الواقف)

و لا شبهة في اعتباره في الجملة نصا و فتوى بل إجماعا فلا يلزم العمل بالوقف قبله عندنا خلافا لما حكى عن الشافعي من اللزوم بمجرد الصيغة. و انما الخلاف في انه شرط الصحة كما هو صريح أو ظاهر غير واحد من الأصحاب أو شرط اللزوم كما هو صريح الغنية و ظاهر اللمعة حسبما حكى عنهما و قد حكى أيضا عن غيرهما. و ربما استدل على انه شرط اللزوم بصحيح صفوان رضى اللّه عنه قال: سئلت عن الرجل يوقف الضيعة ثمَّ يبدو له ان يحدث في ذلك شيئا فقال: ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثمَّ جعل لها قيما لم يكن له ان يرجع و ان كانوا صغارا و قد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له ان يرجع فيها و ان كانوا كبارا لم يسلمها إليهم و لم يخاصموا حتى يحوزوها

عنه فله ان يرجع فيها لأنها لا يجوزونها و قد بلغوا. و بما عن الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله عن العمرى عن صاحب الزمان أرواحنا له الفداء. و اما ما سئلت عنه من الوقف على ناحيتنا و ما نحل لنا ثمَّ يحتاج اليه صاحبه فكلما لم يسلم فصاحبه بالخيار و كلما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج افتقر اليه أو استغنى الى ان قال. و اما ما سئلت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها لمن يقوم فيها و يعمرها و يؤدى من دخلها إخراجها و مئونتها و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فان ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها انما لا يجوز ذلك لغيره. حيث ان قوله: فله ان يرجع فيها في الرواية الاولى و قوله: فكلما لم يسلم فصاحبه بالخيار في الثانية ظاهر ان في صحة الوقف و الا لم يصح ثبوت الرجوع و الخيار له فيما لم يسلم ضرورة انه لو لا صحته لما صدق الرجوع في الموقوفة أو الخيار بين الرجوع فيها أو إبقائها على حالها كما لا يخفى. و فيه انه يكفى في صدق الرجوع الصحة التأهلية الحاصلة بمجرد الصيغة و كذا في ثبوت الخيار بمعنى كونه بالخيار بين رفع اليد عن وقفها و عدم رفع اليد عنه بإتمام سببه بتسليمها. و كذا لا دلالة لما دل على بطلان التصدق بما لم يقبضه حتى مات على انه شرط الصحة و الا لما بطل بالموت قبله و لو قيل بشموله للوقف أو قيل بإرادته منه لمكان احتمال ان يكون البطلان به من احكام التصدق تعبدا و خواصه على خلاف سائر العقود المملكة الجائزة و كان حالها حال العقود الجائزة الغير المملكة الإذنية كالوكالة و الوديعة و نحوهما.

نعم ربما يقال انه مقتضى أصالة عدم تأثيره بدونه لعدم عموم أو إطلاق مقتضى لتأثيره و كذلك فان قول العسكري عليه السلام الوقوف اه انما هو في مقام المسبب دون السبب. و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لو سلم دلالته بعمومه على صحة كل فرد من افراد العقود الا انه لم يعلم ان الوقف عقد و انما قيل باعتبار القبول فيه لأصالة عدم تأثيره بدونه كما عرفت و لا يكاد يثبت

به كونه العقد الا على الأصل المثبت اللهم الا ان يكون العقود بمعنى العهود لتعم الإيقاعات و العقود فإنه حينئذ يكون دليلا على صحته بدونه إذ دليل اعتبار القبض لو حمل على اعتباره في اللزوم لا يلزم منه تخصيص في أوفوا أصلا غايته انه يلزم منه التقييد و اختصاص الصحة بزمان حيوة الواقف. لا يقال تخصيصه به لازم لخروجه عن عمومه لعدم صحته أو عدم لزومه. فإنه يقال ذلك لو كان أوفوا دالا على اللزوم. و قد حققنا فيما علقنا على المكاسب انه لا دلالة له الا على الصحة و لو سلم فلا بد من حمله على اعتباره في لزوم الوقف أيضا للعمل معه بالعموم في الجملة بخلاف حمله على اعتباره في صحته كما عرفت. ثمَّ ان قضية أصالة عدم حصول الأثر عند الشك في ان دخل الإقباض فيه على نحو الشرط المقارن أو المتأخر انه على النحو الأول فتأمل جيدا.

(رابعها إخراجه عن نفسه)

فلو وقف على نفسه لم يصح بلا خلاف كما اعترف به غير واحد على ما حكى و عن محكي التذكرة نسبته إلى علمائنا و عن محكي السرائر الإجماع عليه. قيل و هو الحجة مضافا الى عدم تعقله لما عرفت من اقتضاء الوقف نقل المنفعة خاصة أو مع العين الى الموقوف عليه و لا معنى لنقل ملكه الى نفسه و الى فحوى ما تسمعه من النصوص في المسئلة الآتية انتهى موضع الحاجة. قلت: قد عرفت ان الوقف انما هو حبس خاص و هو انما يقتضي النقل لو قيل فيما لم يكن الملك حاصلا و كان الموقوف عليه لذلك قابلا و الا فكما ربما لا يفيد نقلا أصلا بل انما يفيد استحقاق الانتفاع كما في وقف المسجد و القنطرة و نحوهما كذلك لا بأس إذ لا يفيد شيئا منها لحصولها و انما أفاد المنع عن التصرفات و الإرث فيكون الوقف على النفس معقولا و لا دلالة للنصوص على عدم صحته بوجه فضلا عن الدلالة بالفحوى كما يأتي التكلم فيها فالإجماع إن تمَّ فهو الحجة و الا فالمنقول منه غير حجة لا سيما في مثله مما يتوهم كونه غير معقول و قصد

القربة على تقدير اعتباره منه يتأتى بملاحظة غيره ممن وقف عليه بل مطلقا.

نعم لا يبعد عدم صدق التصدق على وقفه على نفسه مع إمكان دعوى انصراف أدلة الوقف عنه على تقدير تسليم صدقه عليه مع انه محل التأمل و الاشكال. و قد عرفت عدم جواز الاستدلال بمثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على الصحة إلا إذا كان العقود بمعنى العهود و هو ليس بمعهود. و كيف كان فدعوى القطع بعدم صحته غير بعيدة جدا فتأمل جيدا.

ثمَّ قد ظهر مما قدمنا حال ما إذا وقف على نفسه و غيره على التشريك و الترتيب و انه صح بالنسبة إلى غيره على التبعض مطلقا أو في الأول دون الثاني فلا نعيد. هذا فيما إذا وقف على نفسه و اما إذا شرط أداء ديونه أو إدرار مئونته فكذا لم يصح بلا خلاف معتد به كما في الجواهر بل عن ظاهر المسالك نسبته إلى الأصحاب معللا له بان الوقف يقتضي نقل الملك و المنافع عن نفسه فاذا شرط ذلك و نحوه فقط شرط ما ينافي مقتضاه فيبطل الشرط و الوقف معا قلت لا شبهة في انه ينافيه بناء على اعتبار إخراج النفس في صحته إذا كان الشرط لبيان مقدار استحقاقه من الوقف على نفسه و غيره و جهته لعدم إخراجها و اما إذا كان الوقف على خصوص غيره و كان الشرط سببا البقاء مقدار أداء ديونه من المنفعة على ملكه فلم يعلم منافاته لمقتضاه بذاته لقوة احتمال ان يكون الوقف انما كان مقتضيا لذلك بإطلاقه و كان حاله حال البيع في كونه إذا أطلق كان مقتضيا لملك المشتري للمنفعة مطلقا أيضا بتبع ملكه للعين المشتراة فكان الوقف كذلك مقتضيا لملك المنفعة مطلقا تارة و استحقاق الانتفاع كذلك أخرى إذا أطلق بتبع ملك الإضافة الخاصة الحاصلة بعقده بين العين الموقوفة و الموقوف عليه كانت ملكا خاصا أو اضافة و اعتبارا أخر كما لا يخفى و انما يلزم ذلك لو كان وقف العين بذاته علة للاستحقاق على الإطلاق أو كان الوقف عبارة عن الأمرين

معا يتعلق أحدهما بالعين و الأخر بالمنفعة في عرض واحد كي يلزم من شرط شي‌ء من المنفعة لنفسه عدم إخراج نفسه المنافي لمقتضاه مع إمكان ان يقال بل قيل ان الشرط على هذا لا يكون منافيا الا لمقتضى إطلاقه أيضا و ان اشتراط ذلك على جهة الاستثناء له من التسبيل الذي قصده بالوقف لا ينافي ما هو قضيته ضرورة انه تعلق حينئذ بغير ما شرطه لنفسه من المنفعة و بالجملة لم يعلم ان اشتراط ذلك ينافي الا إطلاقه قيل بأنه أمر واحد يتعلق بالعين ابتداء و يظهر أثره في المنفعة و الثمرة تبعا كما هو التحقيق حسبما عرفت أو قيل بأنه أمر ان يتعلق أحدهما بالعين و الأخر بالثمرة معا في عرض واحد حسبما ربما يتوهم انه ظاهر قوله حبس الأصل و سبل الثمرة الا ان الظاهر انه ليس بيانا لحقيقة الوقف و ماهيته وحدها بل بيانا لها و لثمرته معا و انما ينافيه لو كان تسبيل تمام الثمرة داخلا في حقيقته أو كان من أثره بذاته و ماهيته و لا يكاد يعلم لو لم يعلم خلافه ضرورة صحة الوقف على نحو لا يكون فيه تسبيل تمام الثمرة و المنافع بل منفعة خاصة كخصوص السكنى مثلا بحيث لا يجوز للموقوف عليه الانتفاع به بنحو أخر و لا يملك منفعة أخرى كما لا يخفى فانقدح ان تملك الموقوف عليه تمام المنفعة انما هو قضية إطلاقه لا قضيته بذاته فليس تسبيل تمام الثمرة من قوامه و لا من لوازمه و لا وجه لتوهم لزوم إخراج النفس عن الثمرة بالمرة كالعين الموقوفة إلا لزوم تسبيل كلها ابتداء أو بتبع وقف العين و قد عرفت عدم لزومه أصلا و انه لازم إطلاق الوقف لا قضية ذاته فتأمل جيدا. هذا فيما وقف على نفسه أو شرط ما يعود اليه من ثمرته و اما لو وقف على عنوان عام يعمه كالفقراء أو العلماء و صار منهم أو كان من قبل كذلك فلا ينبغي الإشكال في صحة الوقف و جواز اكله منه كغيره و توهم انه من قبيل الوقف على النفس فاسد قطعا فإنه وقف على الكلى لا الأشخاص و لذا لا يملك واحد منها شيئا من الثمرة إلا بعد إعطائه الناظر. نعم انما يكون منه إذا أخذ العنوان

مرآتا لمن هو الموقوف عليه و حاكيا عنه من مصاديقه فيكون الوقف عليها لا موضوعا على حياله و ملحوظا على استقلاله كما هو الفرض و منه قد انقدح انه لا يعتبر في الصحة و جواز المشاركة عدم قصد منع نفسه و لا قصد إدخالها كما عن الشهيدين و المحقق الثاني فإن قصد المنع لا يكاد يوجب عدم انطباق العنوان عليه كما ان قصد الإدخال لأجل انطباق العنوان عليه لا يوجب كون الوقف على النفس ثمَّ انه لو سلم انه من الوقف على النفس مطلقا أو فيما قصد إدخالها فلا دليل على البطلان هاهنا إذ لا إجماع في محل الخلاف كيف و قد نسب القول بالصحة إلى المشهور و الاخبار بعد تسليم دلالتها على المنع فالمنصرف منها غير المقام مما كان الوقف على النفس ابتداء و اما ما عن محكي الكفاية من (1)احتجاجهم بان ذلك ليس وقفا على نفسه و لا على جماعة هو منهم صحيح غير نافع. انما ينفع لو كان النص واردا بلفظ الوقف على النفس أو ثبت إجماع على المشاركة في محل البحث و ليس كذلك فإن الأخبار ليست على هذا الوجه كما لا يخفى. ففيه ان بعض الاخبار و ان دلت على عدم جواز أكل الواقف من الوقف ففي مكاتبة على بن سليمان: فان وقفتها أيام حيوتي فلي ان أكل منها أيام حيوتي أم لا فكتب عليه السلام فهمت كتابك في أمر ضياعك فليس أن تأكل منها فإن أكلت منها لم ينفذ إلخ الا ان الظاهر من السؤال فيها انما هو عن جواز أكل الواقف و انتفاعه من حيث كونه واقفا لا مطلقا حتى من حيث كونه مما ينطبق عليه العنوان الموقوف عليه كما لا يخفى. ثمَّ لا يذهب عليك وضوح الفرق بين المقام و باب الزكاة فلا وجه لقياس المقام على ذاك الباب في ان الوقف نحو ملك الزكاة للفقراء الذين لا يندرج فيهم من عليه الزكاة كما في الجواهر و ذلك لاعتبار الإيتاء في ذاك الباب الذي لا يكاد يصدق الا مع التعدد و المغايرة بخلاف المقام فتأمل جيدا. ثمَّ انه وقع الخلاف أيضا فيما إذا اشترط الواقف عود العين إليه لدى الحاجة إليها في صحته حبسا


1) الظاهر سقوط لفظ ان و قد وجدتها اثابته في محكي الكفاية (المصحح)

كما في الشرائع و عن العلامة في التبصرة و القواعد أو وقفا كما عن محكي المقنعة و المراسم و غيرهما و فساده كما عن محكي غير واحد كالمبسوط و الحلي و غيرهما بل عن محكي الحلي دعوى الإجماع عليه. و قد استدل عليه بمنافاة الشرط لمقتضى الوقف لاعتبار الدوام فيه و بأنه صدقة و لا رجوع فيها و بالتعليق لاعتبار عدمه في العقود و برجوعه الى الوقف على النفس باشتراط العود و ببعض الأخبار. كرواية إسماعيل بن الفضل. قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حيوته في كل وجه من وجوه الخير و قال ان احتجت إلى شي‌ء من المال فأنا أحق به ترى ذلك له و قد جعله فيه يكون في حيوته فاذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقة قال عليه السلام يرجع ميراثا إلى اهله. و الموثق من أوقف أرضا ثمَّ قال ان احتجت إليها فأنا أحق بها ثمَّ مات الرجل فإنها ترجع الى الميراث. حيث دلّا على بطلان الوقف مع الشرط و رجوعه ميراثا إلى اهله. و الأقوى صحته وقفا لإطلاق الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. و عدم نهوض ما ذكر للدلالة على خلافها لوهن دعوى الإجماع بثبوت الخلاف و بدعوى الإجماع على الصحة كما عن المحكى عن السيد مع بعد تحققه و لو لم يكن خلاف لاختلاف القائلين بالفساد في وجهه فافهم. و عدم منافات الشرط لمقتضي الوقف ذاتا بل إطلاقا و إخلاله بالدوام غير ضائر لما عرفت من عدم اعتباره الا بمعنى عدم التوقيت بمدة كشهر أو سنة مع عدم إخلاله به الّا إذا قيل بصحته وقفا مع فرض الحاجة بخلاف ما لو قيل ببطلانه كذلك مع فرضها كما لا يخفي و لا ضير في كونه حبسا على تقدير و وقفا على أخر لعموم الوقوف على حسب آه. و عدم جواز الرجوع في الصدقة لا يقتضي المنع عن التصدق على الوجه المزبور و انما يقتضي المنع عن الرجوع الى ما تصدق به على وجه و مخالفته كما لا يخفى على من له أدنى تأمل. و يمنع دليل عام على عدم التعليق يعم المقام و لو سلم فلا تعليق هاهنا غايته أول الشرط اليه لو قيل بعدم كونه وقفا على تقدير

الحاجة و لا دليل على إخلال ما يئول إليه أيضا فإنه لا دليل على الاعتبار إلا الإجماع على عدم التعليق بنفسه. و وضوح عدم رجوعه الى الوقف على النفس إلّا إذا قصد انه يكون مع بقاء العين على الوقفية حينئذ أحق بمنافعها من غيره بان يكون هو الموقوف عليه مع الحاجة و اما لو قصد عدم كونها وقفا و كانت ملكا طلقا له كما هو المراد من الشرط فلا يكون وقفا على النفس كما هو أوضح من ان يخفي. و منه قد انقدح عدم دلالة الخبرين على الفساد في محل الكلام بل فيما قصد كونه أحق بها من غيره و كونه موقوفا عليه مع الحاجة إليها كما لا يبعد ظهورهما فيه. و ان حكمه عليه السلام برجوعه ميراثا كان حكما بفساده من الرأس لكونه وقفا على النفس و التعبير بالرجوع الى الميراث انما هو بملاحظة ما قصد اليه من الوقف و عقد عليه فافهم.

و ان أبيت فلا أقل من إجمالهما لاحتمال ذلك فيهما.

(مسائل

الأولى) قد صرحوا بالجواز لو شرط إدخال من يريد مع الموقوف عليه

سواء كان الوقف على أولاده أو غيرهم مع انهم صرحوا فيما لو شرط إخراج من يريد إخراجه ببطلان الوقف و هو موضع وفاق كما عن المسالك. و علله مضافا الى ذلك بان وضع الوقف على اللزوم و إذا شرط إخراج من يريد من الموقوف عليهم كان منافيا لمقتضى الوقف إذ هو بمنزلة الخيار و هو باطل انتهى. قلت لا يخفي ان الوقف لو تمَّ للزم من جميع جهاته. لا خيار للواقف في تغيير الموقوف عليهم و لا تغيير ما جعل لهم من الحصص فلو كان شرط الإخراج بمنزلة الخيار كان شرط الإدخال كذلك بلا تفاوت أصلا كما هو أوضح من ان يخفى.

و ما قيل ان شرط الإدخال لا ينافي مقتضى الوقف فإن بنائه على إدخال من سيوجد و من سيولد من الموجودين وقت الوقف و اشتراط إدخال من يريد إدخاله في معناه بل أضعف لأنه قد يريد فيكون في معنى اشتراط دخوله و قد لا يريد فيبقى الوقف على حاله فاذا جاز الأول اتفاقا جاز الأخر كذلك أو بطريق اولى. فيه ان شرط الإخراج أيضا كذلك فان بناء الوقف

أيضا على إخراج من ارتفع عنه ما اعتبره في الموقوف عليه من صفة كالفقر أو مضى ما أخذه في الوقف عليه من مدة كما لو وقف على زيد في شهر أو سنته ثمَّ على غيره و اشتراط إخراج من يريد إخراجه في معناه بل أضعف لما ذكر في شرط الإدخال بعينه. و التحقيق ان يقال انه لا فرق بين الشرطين لو لم يكن إجماع عليه و لا إجماع لوجود الخلاف في كل منهما و ان الشرط فيهما. ان كان راجعا الى دخول من أراد دخوله في ما أخذ في الموقوف عليه من العنوان و اندراجه تحته أو خروج من أراد خروجه منه بحسب ما أخذ فيه من القيود و الحدود بالاشتراط أو غيره من أنحاء ما يفيد تقييده و تحديده كان الشرط فيهما كالوقف صحيحا و كان الدخول كالخروج عند ارادته من مقتضيات الوقف لا منافيا له و لم يكن بمنزلة الخيار الباطل. و ان كان راجعا الى جعل سلطنة له في إدخال من لا ينطبق عليه عنوان الموقوف عليه أصلا في الوقف و إخراج من ينطبق عليه عنوانه منه بان يكون امره بيده و تحت اختياره في ضم غير الموقوف عليهم إليهم و تشريكه معهم في الوقف و الانتفاع به و استثناء بعضهم بان لا يشاركهم فيه كان باطلا للزوم الوقف بحيث لا يقبل التغيير و التبديل و من بدله فإنما إثمه على الذين يبدلونه. و بذلك يمكن التوفيق بين كلمات الأصحاب في الباب و ان نظر كل من القائلين بالصحة أو البطلان الى غير ما هو نظر الآخر. و من هنا ظهر ما هو التحقيق أيضا في ما لو شرط نقله من الموقوف عليهم الى من سيوجد و انه لا وجه لبطلانه كما نسب الى المشهور و عن الشيخ دعوى الإجماع عليه لو كان الشرط راجعا الى تحديد الموقوف عليهم و تعيينهم.

و لا وجه لصحته كما ذهب إليه العلامة في التذكرة مدعيا عليه الإجماع على ما حكى. و لا للإشكال في بطلانه كما عنه في قواعده و منشأه كما عن المسالك من بناء الوقوف على اللزوم فاذا شرط نقله عن الموقوف عليه الى غيره فقط شرط خلاف مقتضاه فيبطل الشرط و العقد. و من عموم

المؤمنون عند شروطهم و قول العسكري عليه السلام من ان الوقوف على ما يقفها أهلها و انه يجوز الوقف على أولاده سنة ثمَّ على المساكين لو كان الشرط راجعا الى جعل سلطنة و اختيار له في تغيير الوقف و تبديله بنقله الى غير الموقوف عليهم للإجماع على انه لا يقل الخيار و عموم المؤمنون و إطلاق قول العسكري إنما يوجب إنفاذ شرط لم يكن منافيا لمقتضى الوقف. و قد انقدح بذلك انه يمكن ان يكون منشأ إشكال العلامة أعلى اللّه مقامه هو احتمال الاشتراط للوجهين و إمكان وقوعه على النحوين كما لا يخفى و ان كان الأظهر في النظر وقوعه على الوجه الأول في هذا الشرط و في شرط الإدخال أو الإخراج فتدبر.

(الثانية) قال المحقق في الشرائع لو كان الوقف على مصلحة كان القبض الى الناظر

و عن العلامة و غيره التصريح به أيضا من غير اشتراط مراجعة الحاكم و قد علل بان الناظر مقدم عليه فان لم يكن لها ناظر خاص فالقبض الى الحاكم و يشكل بان كون القبض في هذا الوقف الى الناظر ليس مما يثبت له عرفا و لم ينهض عليه دليل شرعا مع ان النظارة غير ثابتة له قبل القبض لاعتباره في الصحة. و اما قبض الحاكم فلا إشكال في كفايته بناء على عموم ولايته و كذلك بناء على عدمه و كون القبض المعتبر في الوقف من الأمور الحسبية التي لا بد من تحققها شرعا أو علم إجمالا بكفاية قبضه أو عدم اعتباره في الوقف على المصلحة و الّا فلا وجه لكفاية قبضه كما لا يخفى. و منه قد انقدح الإشكال في كفاية قبضه أو الناظر في الوقف على الأجناس المنطبقة على الأشخاص كالفقير و العالم و نحوهما لاحتمال اعتبار قبض الموقوف عليه للتمكن منه حقيقة بقبض فرده و لو شك فلا بد من قبض كل من احتمل اعتبار قبضه في إحراز صحة الوقف.

(الثالثة) الظاهر عدم اعتبار القبض إلّا في الطبقة الأولى للسيرة المستمرة في الأوقاف

و قد ادعى عليه الإجماع. و ربما يعلل بان اعتبار القبض في سائر الطبقات

يوجب انقلاب اللازم جائزا من دون دليل عليه. و لا يخفى ان التعليل عليل فان الانقلاب لو لم يكن هناك دليل على اللزوم كان على وفق الأصل و تلقى سائر الطبقات من الواقف لا الطبقة الاولى من الموقوف عليهم غير مفيد ما لم يحرز ان عقد الوقف بالنسبة إليهم بدون قبضهم مفيد فان تمَّ الإجماع أو السيرة و الّا فلا محيص عن اعتبار القبض في صحة الوقف و بدونه يكون من قبيل منقطع الأخر فتدبر جيدا.

(الرابعة) قال في الشرائع لو وقف مسجدا صح

و لو صلى فيه واحد و لو وقف مقبرة تصير وقفا بالدفن فيها واحدا. لا يخفى ان مجرد الانتفاع بالعين الموقوفة ليس قبضا لها و لو كان بإذن واقفها فصلاة الواحد في المسجد أو دفنه في المقبرة بمجردهما لا يكون قبضا و استيلاء. و لو قصد الواقف الإقباض بإذنه في الصلاة و الدفن فالقبض حينئذ و ان كان يحصل بمجرد الاستيلاء و ان لم يصل فيه و لم يدفن فيها أصلا ضرورة عدم اعتبار الانتفاع بالعين الموقوفة في قبضها الّا ان الاكتفاء به مشكل لعدم دليل على ولاية القابض على ذلك إذا لم يكن إماما أو منصوبا منه خاصا أو عاما الّا ان يكون دليله دعوى السيرة الناهضة على معاملة المسجدية بذلك من المتدينين أو الإجماع على ما يظهر من ذكر غير واحد له ذكر المسلمات. و ربما يقال باستفادته من الإيضاح و جامع المقاصد فان تمَّ أحدهما و الّا فلا بد من قبض كل من احتمل اعتبار قبضه كما مرت الإشارة إليه آنفا.

(الخامسة) قال في الشرائع و لو صرف الناس بالصلاة في المسجد أو في الدفن و لم يتلفظ بصيغة الوقف لم يخرج عن ملكه

و قال في الجواهر في ذيله بلا خلاف هاهنا بل نقل عن المسالك انه موضع وفاق و انما نبه به على خلاف أبي حنيفة حيث جعل الوقف متحققا بالاذن مع الصلاة و بالدفن كذلك محتجا بالعرف و قياسا على تقديم الطعام للضيف. و العرف ممنوع و الفرق ظاهر. ثمَّ قال قلت و لكن ذكرنا في أحكام المساجد انه قال في المبسوط إذا بنى مسجدا خارج

داره في ملكه فان نوى به ان يكون مسجدا يصلى فيه كل من أراد زال ملكه و ان لم ينو ذلك فملكه باق سواء صلى فيه أو لم يصل. و لا يخفى انه تعريض على المسالك حيث ادعى الاتفاق مع كون مثل الشيخ مخالفا. و يمكن ان يقال ان مورد دعوى الاتفاق كفاية مجرد النية مع الصرف في تحقق المسجدية كما إذا كان مثلا له بيت أو خان فنوى ان يكون مسجدا و قد صرف الناس بالصلاة فيه و لم يخالف فيه الشيخ و انما أفتي بالمسجدية في ما إذا بنى و عمّر و نوى بعمارته و بنائه ان يكون مسجدا يصلى فيه كل من أراد و بكفاية المعاطات في تحققها كسائر أبواب المعاملات. و كيف كان لم يكن دليل على الكفاية هاهنا من إطلاق أو عموم و لم تجر سيرة المتدينين عليها كما جرت عليه في سائر أبواب المعاملات منهم بل من جميع أهل الملل و النحل فعدم كفاية المعاطات هاهنا أقوى خلافا للشيخ للأصل و عدم دليل على خلافه و إطلاق قول العسكري عليه السلام الوقوف اه انما هو في أنحاء المسبب لا السبب فلا تغفل.

(القول في اللواحق

اشارة

و فيه مطالب

الأول) الوقف لو تمَّ هل يوجب زوال ملك واقفة عنه

فيه اشكال بل خلاف و ان نسب الى ظاهر الأكثر بل المشهور بل و في محكي الغنية و السرائر الإجماع عليه و نسب الخلاف الى ظاهر ابى الصلاح. و قضية الأصل عدم زوال ملكه و الإجماع غير محقق و منقوله غير حجة. و دعوى القطع به من النصوص كدعوى كون ذلك هو المراد من إنشائه الذي شرع الشارع المعنى المتعارف فيه على نحو شرعه باقي العقود. مجازفة لعدم دلالة الاخبار الّا على جواز انتفاع الموقوف عليهم منه أو صرف منافعه في الجهة الموقوف عليها و عدم كون مضمون الوقف عرفا هو زوال ملك الواقف عنه قطعا ضرورة ان مضمونه انما هو الحبس المطلق و هو غيره بداهة و لا يلزمه عقلا و لم يعلم استلزامه له عرفا. و كونه قسما من الصدقات الموجب بعضها لزوال

ملك المتصدق قطعا لا يقتضي كون جميعها كذلك لاحتمال ان يكون ذلك قضية ذاك البعض لا مطلق الصدقة كما ربما يؤيد بقائه في ملكه كونه صدقة جارية فتأمل. و ربما استدل عليه أيضا بعدم جواز وطى الواقف للأمة الموقوفة قطعا و لو كانت باقية في ملكه لزم تخصيص عموم (أو ما ملكت) الآية و هو على خلاف أصالة عدم التخصيص بلا قاطع و القطع بعدم جواز الوطي غير قاطع. و فيه منع العموم في الآية أولا لعدم كونها الّا بصدد بيان من يجوز وطئها ذاتا. و عدم اقتضاء أصالة عدم التخصيص لمثل ذلك مما لا يكاد يعرفه و يلتفت اليه الّا بعض الخواص ثانيا و ان كانت المثبتة منها في الجملة حجة أيضا لاختصاص الحجية بما يلتفت إليه العامة غالبا مما هو ملزوم العموم أو لازمه أو ملازمه فتنبيه.

(الثاني) بناء على الزوال فهل ينتقل المال الى الموقوف عليه مطلقا أو لا ينتقل كذلك

أو التفصيل بين ما إذا كان وقفه على معين فينتقل اليه و بين ما إذا لم يكن كذلك فان كان على جهة عامة أو كان كوقف المسجد فملكه له تعالى أو لا ينتقل الى الغير و يكون فك ملك. وجوه بل أقوال و أصالة عدم الانتقال محكمة ما لم يقم قاطع لها. و وجود فائدة الملك من ملك النماء أو المنفعة أو استحقاق الانتفاع أو الضمان بالتلف. غير مفيد لمنع اختصاصها بالملك لوضوح إمكان ملك النماء و المنفعة بالبيع و الإجارة و الصلح و غير ذلك مع عدم ملك العين. و هكذا استحقاق الانتفاع و الضمان بالتلف لو نهض عليه دليل يعم الوقف حتى مثل المسجد فلا دلالة له على انه ملك. كيف و قد قيل بضمان منافع الصغير الحر بحبسه. و بالجملة لم يكد يوجد في الأوقاف ما يختص بالأملاك أو ما يوجب زوال ملكه مع الانتقال أو الانفكاك. و التحقيق ان الوقف اعتبار خاص له آثار خاصة شرعا و عرفا إذا تعلق بعين من الأعيان كسائر الاعتبارات الصحيحة المتعلقة بها كبيعها و رهنها و إجارتها و تلك الآثار

تختلف بحسب اختلاف الأوقاف من دون انثلام بذلك في وحدة حقيقته و ماهيته بل كان الاختلاف فيها لأجل التفاوت بينها من جهة كيفية الوقف أو الموقوف عليه أو الجهة الموقوف عليها. فلا بعد في اختلافها في زوال ملك الواقف مع الانتقال أو بدونه و عدم زواله. الا انه لا سبيل إلى إثبات ذلك الا الدليل. فالمتبع هي أصالة عدم الزوال أو الانتقال فيما لم يكن هناك دليل. و بعض ما ذكر في كلمات الأصحاب وجها للنفي و الإثبات في الباب و ان كان ربما يوجب الظن به لشدة المناسبة و مساعدة الاعتبار الا ان الظن لا يغني من الحق شيئا. و كيف كان فلا يبعد القول بالتمليك في الأوقاف الخاصة و الأوقاف على العناوين العامة القابلة للتملك و عدمه مع احتمال زوال ملكه و عدمه في الأوقاف على الجهات كتعميرات المساجد و القباب المقدسة و غيرها مما لا يكون فيه الموقوف عليه قابلا للتملك. و إرجاعها إلى الوقف على القابل كالمسلمين اعتساف خال عما يوجبه بعد وضوح ان الواقف ما قصده و لم يلتفت الا الى الجهة الموقوف عليها كما لا يخفى أو مع زوال ملكه كوقف مثل المسجد حيث ان الظاهر انه ليس لوقف مثله موقوف عليه. و ليس ما قيل من ان كل وقف لا بد له من موقوف عليه يبين و لا يبين ضرورة ان حبس العين من التصرفات لا يقتضي ان يكون هناك ما يحبس عليه فاذا حبس مكانا بان يكون مسجدا صار مسجدا يترتب عليه أحكام خاصة و كان منها جواز عبادة المسلمين فيه لا انها من الانتفاعات المسبلة عليهم بحبسه. و لذا اختلفت الانتفاعات منه في الاحكام و يكون بين مستحب و مكروه و مباح و حرام كما هو الحال فيما خلق مسجدا كمسجد الحرام. و هذا الاختلاف في الأوقاف لا يوجب اختلافا في حقيقته أصلا كما أشرنا إليه آنفا. ثمَّ انه لا اشكال كما لا خلاف في انه لا يصح ان يعتق عبده الذي وقفه أو حصته التي وقفها من عبد مشترك بينه و بين غيره. و ذلك لمنع الواقف من التصرف في الوقف

و عدم سلطنته عليه و لو قيل ببقاء ملكه، و انه قضية وقفه و حبسه كما ربما يشير اليه ما في بعض الاخبار من انه لا يباع و لا يوهب و لا يورث ضرورة ظهوره في الكناية عن تصرف مالكي فيه غير راجع الى منافعه و عد تأثره و تغيره عما هو عليه بسبب اختياري أو قهري. و منه قد انقدح عدم صحة تفريعه على خروجه عن ملكه و تعليله به كما في الشرائع كيف و لا يصح من الموقوف عليه و لو قيل بانتقاله اليه. و تعليله بتعلق حق البطون به عليل و الا لصح فيما كان الوقف منقطع الآخر بناء على صحته و فيما لا يبقى الى البطن اللاحق. مع انه لا أظن أن يقول المحقق و لا غيره بصحته فيهما و ليس هذا الا لأجل انه قضية الوقف كما مرت الإشارة إليه آنفا. اما انعتاق حصته الموقوفة بعتق الشريك حصته و سراية العتق إليها ففيه اشكال من ان العتق إذا لم ينفذ مباشرة فأولى بان لا ينفذ سراية.

و فيه منع الأولوية لكون السراية ليست بتصرف من أحد كي ينافيها الوقف بل حكم تعبدي يتبع تحقق موضوعه بحسب دليله. لا يقال منافاتها له مما لا ريب فيه لبطلانه بها كما لا يخفى. فإنه يقال لا وجه لالتزام بطلانه بها لا مكان بقائه على حاله و انتفاع الموقوف عليهم بمنافعه كالحر إذا استأجر نفسه. كيف و من الأقوال في الوقف مطلقا أو في الجملة انه فك ملك و تحرير بالنسبة إلى العين فلا مجال لتوهم المنافاة في البين.

لا يقال نعم و لكنه ينافيها ما في النصوص من انه لا يباع و لا يوهب و لا يورث لما عرفت من ظهوره في الكناية عن التصرف المالكي فيه و تأثره بسبب اختياري أو قهري ضرورة تغيره بالسراية عما هو عليه بسبب قهري ان لم يكن باختياري. فإنه يقال أولا ان الظاهر انه كناية عن عدم تغيره عما هو عليه من الوقفية بسبب من الأسباب و لذا لا دلالة له أصلا على المنع عن إجارته أو الصلح عن منافعه أو مزارعته و انعتاقه بالسراية مع بقائه على ما هو عليه من الوقفية و كون منافعه للموقوف عليه كما كان قبل

انعتاقه بها من قبيلها، و ثانيا لو سلم منافات ذلك لظهور تلك القضية فغايته وقوع المعارضة بين ظهورها و ظهور نصوصها. مثل من أعتق شقصا من عبد و له مال قوم عليه الباقي و هي أظهر لاشتمال بعضها على ما يأبى عن التخصيص معه من تعليلها بان اللّه فرد لا يحب الشركة. و لما عرفت من إمكان دعوى ظهور القضية في عدم تطرق ما يوجب تغيره عما هو عليه من الوقفية. مع ان الظاهر ان المقام من باب تزاحم المقتضيين لا تعارض الدليلين و لا يبعدان يكون مقتضى السراية أقوى لكون بناء العتق على التغليب و كونه قليل المؤنة. و يؤيده عدم الخلاف ظاهرا في انعتاقه بتنكيله و إقعاده و غيرهما من أسبابه. ان قلت على ذلك فلا وجه للمنع عن عتق الواقف لو قيل ببقاء ملكه أو عتق الموقوف عليه لو قيل انتقاله اليه و ملكه لما ذكرت من عدم المنافاة بين انعتاقه و وقفيته. قلت لعل المنع عنه انما هو قضية الوقف الظاهر في الحبس و المنع عن التصرفات المالكية الغير الراجعة إلى المنافع مطلقا كما لا يبعد دعوى ظهور قضية لا يباع و لا يوهب في ذلك حسب ما مرت الإشارة إليه آنفا و دعوى الإجماع عليه أيضا فتأمل. ان قلت هذا لو قيل بان الوقف ملك للواقف أو الموقوف عليه و اما على القول بأنه فك ملك و تحرير فلا يكاد يمكن القول بالانعتاق بالسراية لاستحالة حصول الحاصل لا أقل من انه بلا طائل. قلت الوقف انما يوجب انفكاكه عن الملكية مع بقائه على ما هو عليه من العبودية غاية الأمر تارة يكون عبدا لمن يملكه و اخرى لمن يقفه عليه و هو غير الحرية الحاصلة له بالسراية فإنه بذلك يخرج عن ذلها بالمرة و يصير امره بيده فيستقل بالتزويج و بالبيع و الشراء و غير ذلك مما لا ينافي حق الموقوف عليه من منافعه كالحر المستأجر نفسه فكيف يكون من حصول الحاصل أو انه بلا طائل. تمَّ انه قد انقدح من مطاوي ما ذكرنا عدم التفاوت في السراية بين الأقوال و انها قاهرة بأدلتها و لو قيل ببقاء الوقف على ملك واقفة أو انتقاله اليه تعالى و لا يمنع عنها كونه على

القولين متعلقا بحق الموقوف عليه لما عرفت من عدم منافاتها له و عدم قابليته لمزاحمتها على فرض منافاته فكما انها تقهر على ملك الغير تقهر على حقه

(الثالث) ذهب الشيخ على ما حكى عنه و المحقق الى ان نفقة المملوك لو وقف في كسبه شرط ذلك أو لم يشرط.

و علله في الجواهر بان نفقته من شروط بقائه كعمارة العقار و هي مقدمة من غلته على حق الموقوف عليه.

و بان الغرض بالوقف انتفاع الموقوف عليه و هو موقوف على بقاء عينه و انما تبقى بالنفقة فيصير كأنه شرطها من كسبه. قلت لا إشكال في ذلك مع الشرط و قد عرفت صحة شرط أداء ديونه و إدرار مئونته فضلا عن هذا الشرط. اما مع عدم هذا الشرط في وقفه و شرط العمارة في وقف العقار فلا يخلو من اشكال. فإن النفقة كالعمارة و ان كان مما يتوقف عليه البقاء الّا انه لا دليل عقلا و لا نقلا على تقديمه على حق الموقوف عليه و هو كسب المملوك و غلة العقار و كذا توقف غرض الواقف على بقاء العين الموقوفة و توقفه على النفقة و العمارة لا يوجب كون النفقة أو العمارة من منفعتها التي تكون للموقوف عليه ما لم يكن ذلك بجعله و أخذه قيدا في الوقف و لو كان الدال عليه إطلاقه و لم يقم دليل شرعا على انه بمجرده يوجب كون النفقة أو العمارة من المنفعة فتصير كأنه شرطها منها و بمنزلته ضرورة انه بدونه لا سبيل الى تنزيله مع ان غرض الواقف ليس الا ما أخذه في وقفه من الكيفية و الدوام المعتبر في الوقف ليس الا بمعنى عدم توقيته أو استمراره ما دام باقيا و ينتفع به و هو غير موجب لوجوب الصرف عليه من منفعته كي يبقى و ينتفع به كما لا يخفى و ربما يؤيد ذلك بان الظاهر ان كلامهم في كون العمارة في المنفعة انما هو فيما إذا كانت فائدة الوقف هو استحقاق الموقوف عليه للمنفعة دون ما إذا كانت فائدته الانتفاع كالمسجد و المدرسة و الرباط مع وضوح ان غرض الواقف فيه كغرضه في وقف المنفعة و توقف بقاء العين الموقوفة على عمارتها في وقف الانتفاع كما في وقفها فلا بد في تقديم

العمارة في وقفها من التماس دليل عن خارج و ليس. أو من شرط الواقف و المفروض عدمه اللهم الا ان يدعى ان الوقف على من لا ينقرض يدل بالالتزام على وجوب إبقاء العين مراعاتا لحق المعدومين فيكون كما لو صرح بذلك كما ادعى و لكنه محل نظر بل منع لعدم اللزوم شرعا و لا عقلا و لا عرفا كيف و إبقاء الوقف مراعاتا للمعدومين بصرف غلته في عمارته ربما يوجب عدم مراعاة حق الموجودين و عدم انتفاعهم به و ليس قضية الوقف على من لا ينقرض الا انتفاع المعدومين كالموجودين لو بقي إلى زمانهم لا انه لا بد من إبقائه و لو كان غرض الواقف ذلك كان عليه اشتراطه. و ذهبت جماعة أخرى إلى ان نفقة المملوك الموقوف على الموقوف عليهم و لعله لذهابهم الى كونه ملكا للموقوف عليه و الا فلا وجه له أصلا و وجه الخلاف على ما قيل تعدد سبب الاتفاق عليه فوقفه موجب لكون نفقته في كسبه كما كان عمارة العقار في منافعها بلا خلاف فيه و صيرورته ملكا للموقوف عليهم توجب كونها عليهم و قضية ذلك لو قيل بتمامية كل من السببين هو قول الشيخ فان كسبه من جملة أموالهم و قضية وقفه كون نفقته فيه تعيينا و قضية كونه ملكا لهم كونها فيه تخييرا و لا منافات بينهما و كون النفقة في كسبه تعيينا لثبوت مقتضية بلا مانع و كان قضية ذلك انه إذا لم يكن له كسب بقي بمؤنته وجوب إنفاقه من سائر أموالهم لكن ظاهر الشيخ انه ليس لنفقته الواجبة محل الا كسبه و ان وجب حينئذ الإنفاق عليه كفاية لو لم يكن ببيت المال ما ينفق عليه

(الرابع) لو جنى العبد الموقوف عمدا فجواز القصاص منه لا خلاف فيه

بل الإجماع بقسميه عليه كما قيل فان كانت دون النفس و اقتص منه بقي وقفا و ان كانت نفسا و اقتص منه بطل الوقف و هل للمجنى عليه استرقاقه فيه خلاف قد نسب الى ظاهر الأكثر انه ليس له هنا لما فيه من ابطال الوقف لكن الأظهر ان له ذلك بل عن جامع المقاصد و المسالك أولويته

من استحقاق الابطال بالقتل بعد مطلوبية العفو شرعا بل فيه جمع بين ذلك و بين حق المجني عليه و التأبيد في الوقف انما هو حيث لا يطرء عليه ما ينافيه و هو موجود هنا في القتل الذي هو أقوى من الاسترقاق و قد أورد عليه بعد منع الأولوية و حرمة القياس بما محصله ثبوت الفرق بين استحقاق الاسترقاق و القصاص بان في الاسترقاق تغيير الوقف و إبطاله دون القصاص الذي لا مدخلية له في تغييره الممنوع بأدلته الظاهرة في غيره لعدم تغيير الوقف به بل به رفع موضوعه و أنت خبير بان الحكم بجواز قتله و إعدامه مع اقتضاء الوقف بقائه حتى يرثه وارث السموات و الأرض كان إبطالا منافيا له أيضا ضرورة ان الحكم بجواز إعدام الموضوع ينافي ما يقتضي بقائه لزوما و المقتضى لعدم تغييره هو المقتضى له أيضا و قد ثبت جواز قتله هنا إجماعا و حينئذ لا مانع عن الأخذ بما دل على التخيير بينه و بين الاسترقاق الموجب لجواز ابطال الوقف على كل حال بسبب الاسترقاق أو القصاص الجائز بالاتفاق حيث لا يلزم من ذلك تخصيص أخر في دليل عدم جواز ابطال الوقف غير ما هو لازم لا محالة فإن التخيير في سببه كما هو قضية إطلاق دليله ليس موجبا لإبطال أخر هنا غير المعلوم حتى يتعلق بعموم دليل لزوم الوقف و عدم إبطاله على عدم جواز الاسترقاق هنا فتأمل جيدا.

و لو جنى خطاء ففي تعلق الجناية بمال الموقوف عليه أو بمال الواقف أو بكسبه أو ببيت المال وجوه بل أقوال في بعضها و لعل وجه الأول تعذر الاستيفاء من رقبته لاقتضائه بطلان الوقف بالبيع أو الاسترقاق في الكل و البعض مع انتقاله الى الموقوف عليه فيتعين الفداء عليه المخير بينه و بين رقبة العبد. و وجه الثاني ذلك مع بقائه على ملك الواقف. و وجه الثالث ان الأصل في جناية العبد خطاء هو تعلق الدية برقبته و ان كان للمولى فكه بالفداء و إعطاء دية جنايته و كانت ديته كمؤنته مقدمة على حق الموقوف عليه لتوقف بقائه موقوفا هاهنا عليها و كسب العبد الموقوف و ان كان

للموقوف عليه و يكون كسائر أمواله و المولى لا يعقل عبدا الا ان قضية الوقف لزوم صرف منفعته أولا في حفظه و بقائه كما تقدم دعوى ذلك من بعض مع منعه و ليس كسبه بمقدار الدية على ذلك من مالهم فلا يلزم من كونها في كسبه عقل المولى عبده الموقوف عليه كما توهم. و وجه الرابع هو تعذر الاستيفاء من رقبته لما عرفت و من كسبه لكونه من جملة أموال الموقوف عليه و لا يعقل المولى عبدا و عدم اقتضاء الوقف تقدم ما يتوقف عليه بقائه وقفا بوجه كما عرفت بما لا مزيد عليه فتكون في بيت المال إذا طالبها المجني عليه أو وليه و لم يمهل توقعا لانعتاقه بأحد أسبابه كما أشرنا اليه و ان لم يكن طريق الى عتقه لئلا يهدر دم مسلم كما هو الحال فيما إذا جنى الحر المفلس خطأ. هذا إذا كان العبد كسوبا و اما إذا لم يكن كذلك فيتعين كونها في بيت المال و الا فلا محيص اما من هدر الدم أو من عدم لزوم الوقف أو من عقل المولى عبده

(الخامس) لو جني على العبد الموقوف اما تكون بما يوجب دية أو أرشا أو قصاصا

فان كانت بما يوجب الدية أخذت من الجاني قطعا فهل تقوم مقامه فتشترك بين الموجودين و المعدومين اشتراك المجني عليه أو تختص بالموجودين قولان أقواهما الأول فإن قضية أدلة الضمان هو ثبوت المضمون في عهدة الضامن و قضية العهدة عرفا بل شرعا و اعتبارا هوم لزوم بدله و عوضه عليه عند تلفه لكل من كان له تعلق بالمضمون بملك و حق غير مختص به بعينه عقلا كالقصاص أو شرعا كالشفعة و هو هنا بين الموجودين و المعدومين فلا محالة يكون عوضه كذلك فإتلافه و ان كان موجبا لبطلان وقفه الغير المتناول لعوضه الا انه أوجب على متلفه العوض لمستحقه و لا يزاحمه اختصاص الوقف به بنفسه لعدم اقتضائه الاختصاص كالاشتراك و لأجل ذلك قيل بكون عوض الرهن رهنا مع اختصاص عقده بالمعوض و ليس هذا الا لما ذكرنا من ان قضية الضمان ان يقوم عوض ما يكون على الضامن مقامه و عدم كون عوض الوقف

وقفا بمعنى عدم حبسه شخصا لجواز تبديله بالبيع و غيره قطعا غير موجب لعدم كونه وقفا بمعنى كونه كمعوضة مشتركا لوجود ما يقتضيه بلا مانع. هذا فيما إذا أوجبت الجناية الدية و القيمة. و اما إذا إذا أوجبت أرشا فلا يبعد ان يقال باختصاصه بالموجودين لكونه غرامة لما فات من العين الموقوفة من صفة الصحة أو الكمال و ليس بعوض جزئه.

و ربما أورد عليه بأنه انما يجرى في مثل الجرح الذي يندمل لا مثل قطع الطرف كاليد و العين و الأنف و نحوها مما يكون من أجزاء العين الموقوفة.

قلت: لا يخفى ان هذه انما تكون اجزاء لها بما هي هي لا بما هي موقوفة أو مبيعة فان الموقوف أو المبيع هو شخصها و هو محفوظ ما دامت نفسها باقية و لذا لو ظهر ان العبد الذي اشتراه لا يد أولا عين له لا يوزع عليه الثمن و لا يكون فيه خيار بعض الصفقة بل ليس فيه الأخيار العيب.

و بالجملة ليس الأرش عوض جزء الموقوف بما هو موقوف ليكون بحكم معوضه و يقام به بمقامه بل انما هي عوض صفة الصحة أو الكمال كالخياطة و الكتابة و غرامته ثابتة لإزالتها بدليل خاص أو إطلاق مثل على اليد. الدال على ضمان العين المقتضى لذلك لا بمثل من أتلف مال الغير لعدم إتلاف المال بقطع بعض الاجزاء في مثل العبد و ان نقصت به ماليته فافهم. اللهم الا ان يقال ان الأرش و ان كان كذلك مطلقا الا ان مقتضى ما ذكر من قضية الضمان أيضا ان يكون الأرش لمستحق العين بما هي صحيحة كاملة و مستحقها كذلك هو جميع الموقوف عليهم لا خصوص الموجودين منهم فتأمل. ان قلت لا وجه على ما ذكرت من قضية الضمان في المسئلتين الا اشتراك خصوص من يبلغ الى زمانه العين الموقوفة سالمة من المعدومين لو لا الجناية عليها ضرورة عدم استحقاق غيره بوجه لها لا فعلا و لا قوة كما لا يخفى. قلت نعم لو لا دعوى ان الوقف و ان لم يتعلق ببعض مراتبها الا بنفس العين الا انه متعلق ببعض مراتبها الأخر بها بما هو مال ينتفع

بها و لو ببدلها و العين مما هو مال كذلك بالغة الى جميع المعدومين. أو دعوى ان عوض العين الموقوفة و بدلها لو سلم عدم تعلق الوقف به أصلا الا أن قضية البدلية هو لحوق ما يمكن من أحكامها به و منها انها لو بلغت الى زمان جميع المعدومين لاشتركوا فيها مع الموجودين فيحكم بذلك بدلها بعد تلفها. و هذا هو وجه الاشتراك في صورة بلوغ العين لو لا الجناية و الا فلا وجه له في الصورة لعدم اشتراك المعدومين فيها فعلا لعدم بلوغها إليهم و لم يكن لها ذلك إلا شأنا و صار هذا لبدله و قضيته الاشتراك الفعلي عند بلوغه فافهم فإنه لا يخلو عن دقة و اغتنم. و اما لو أوجبت الجناية قصاصا كما إذا كانت طرفا أو نفسا عمدا و كان الجاني عبدا فالظاهر أنه إلى الموجودين من الموقوف عليهم لأنهم أوليائه فعلا و ان لم نقل بملك الموقوف عليه شرعا قال اللّه تبارك و تعالى وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً. فلهم القصاص و أخذ الدية لو رضى بها الجاني و العفو و لو كانت على النفس. و قد يشكل فيه كما عن محكي التذكرة المنع عنه في خصوص النفس لعدم العلم بمقدار حقهم. و فيه ان تعلق حق المعدومين بالوقف ليس على نحو الإشاعة و الشركة في زمان بل على وجه البدلية و الشركة في الأزمان مع اختصاصه بطبقة في كل زمان مع ان الاشتراك لو كان مانعا عن العفو لكن مانعا عن الاختصاص لاشتراك الحق و عدم الاختصاص الا ان يقوم الإجماع على خصوص القصاص. لا يقال هذا ينافي ما تقدم من ان الدية فيما أوجبتها الجناية تكون كالوقف بين الطبقات. فإنه يقال لا منافات فإن الدية على ما عرفت من قضية الضمان تقوم مقام العين الموقوفة كأنها موجودة بخلاف القصاص فيكف به تقاس. فلو عفى الموجودون و بقي الجاني فهل للمعدومين القصاص أو الدية الظاهر انه ليس لهم لعفو الأولياء سابقا و مجرد انه لو كان العبد باقيا لصار امره إليهم لا يوجب كونهم أولياء حيث انه غير باق و كان غيرهم ولى الدم و قد عفى و لم يثبت لم فيه حق فعلا غير ذلك.

مع انه لو كان لم يعلم كونه موجبا لولايته الموجبة للسلطنة المنتفية بالأصل.

ثمَّ لو تصالح الموجودون على الدية فهل فيها حق للمعدومين وجهان أقواهما ثبوته لهم و لو قيل بأنها عوض الجاني فإن نفسه عوض المجني عليه. لقوله تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فضلا عما لو قيل بأنها عوض المجني عليه كما يدل عليه قضاء ديونه منها و قد أشير في بعض الروايات إلى إخراج الثلث منها. ثمَّ انه ظهر من مطاوي ما ذكرنا ان عوض العين الموقوفة من دية و غيرها و ان لم يكن بوقف لازم بقائها بشخصها الا انه لازم البقاء بماليته الى ان يرث اللّه الأرض فيكون بحكم الوقف في ذلك من دون حاجة الى صيغته و لكن لا يترتب عليه أحكامه المترتبة على خصوص عنوانه فلا تكون الصلاة في ما أخذ بدلا عن المسجد التالف مثلا صلاة في المسجد. و هل يجدي إجراء صيغته في ترتيب آثار خصوصه على بدله قيل نعم و لا بد منه و قد أشكل بأنه يستلزم الوقف على النفس لان الموقوف عليه إذا وقف على نفسه و غيره.

و أجيب بأن دليل المنع ظاهر الاختصاص بالوقف الابتدائي مع ان لزوم إجراء الصيغة لا يقتضي مباشرة الموقوف عليهم له بأنفسهم لإمكان القول بمباشرة الحاكم لأنه ولي كل قاصر و منهم الواقف الميت. قلت لا يخفى ان وقف البدل بحيث وجب بشخصه بقائه و ترتبت عليه احكامه لم يحرز كونه راجعا الى الواقف لحجره و لو قيل بعدم زوال ملكه فلا يجدي مباشرته لإجراء صيغته في زمان حيوته فكيف يتصدى عنه الحاكم بعد مماته. و كذا الموقوف عليه و لو قيل بانتقاله اليه و وقفه لذلك لا يكون مما لا بد منه شرعا مع توقفه على اجراء صيغته كي يباشره الحاكم أو غيره حبسة مع لزوم وقف غير الملك من وقفه و لا وقف إلا في ملك

(السادس) قد ذكر الأصحاب هاهنا مسائل.

منها ما لو وقف على مواليه فهل الموقوف عليه مولى معتقه أو مولى معتقه أو يعمهما. و منها ما لو وقف على أولاده فهل الموقوف عليه أولاده الصلبي أو يعم أولاد أولاده. و منها ما لو وقف على أولاده و أولاد

أولاده فهل يختص بالبطن الأول و الثاني أو يعم البطون و منها. ما لو وقف على أولاده بطنا بعد بطن فهل وقف تشريك بالنسبة إلى البطون أو ترتيب.

و منها ما لو وقف على أولاده الذكور و الإناث فهل يعم الخنثى. و منها ما لو وقف على أولاده فهل يتناول أولاد البنات كأولاد الأبناء و قد وقع بينهم البحث و النزاع في تعيين مراد الواقف على خلاف وظيفة الفقيه حيث ان وظيفته تعيين الأحكام الشرعية من أدلتها كما لا يخفى. و القول الكلى فيها ان المتبع في تعيين مراده في صورة اشتباهه ظهور كلامه الناشئ من وضعه أو من القرائن المكتنفة بأطرافه على خلافه كما ان المرجع في الصورة مع عدم ظهوره لتعدد وضعه و عدم دلالة على التعيين أو لأجل احتفافه بما ليس معه ظهور فيما وضع له و لا في خلافه. هو الاحتياط و الاقتصار على المعلوم لو كان في البين و الا كما إذا دار الأمر بين المتباينين فهو قاعدة القرعة لو كانت معمولة أو الصلح فإنه خير. و تفصيل القول فيها. اما في المسئلة الاولى فالمتعارف في لفظ المولى انه يراد منه المعتق بالكسر تارة و المعتق اخرى بدلالة على تعيين ما يراد قيل باشتراكه فيهما لفظيا أو معنويا فلا يكاد يكون لفظ الموالي ظاهر المراد بلا قرينة. و مجرد إمكان إرادتهما من باب استعمال لفظ المشترك في أكثر من معنى في الجمع و التثنية بناء على جوازه أو من باب استعماله في معنى عام يعمهما حقيقة أو مجازا لا يوجب ظهوره في العموم بلا قرينة على ارادته. و صحة الاستعمال حقيقة أو مجازا في معنيين أو في معنى واحد يعم الاثنين لا توجب ظهوره في ذلك بعد تعارف ارادة الواحد منه عند استعماله فلا محيص عن البناء على إجماله. و اما في المسئلة الثانية فلفظ الأولاد و ان كان ربما يستعمل و يراد ما يعم الأحفاد الّا ان الظاهر منه لو لم يكن هناك قرينة هو خصوص الأولاد بلا واسطة و لذا كان المتعارف في ما إذا أريد ما يعمهم نصب قرينة مثل نسلا بعد نسل و قد عرفت ان مجرد صحة الاستعمال مجازا بل حقيقة في معنى لا يوجب الظهور فيه. فلا مجال للاستدلال

على الظهور في المعنى العام بإرادته في غير مقام. و اما في المسئلة الثالثة فالظاهر ان أولاد الأولاد أيضا كان ظاهرا في خصوص البطن الثاني بل لو قبل بظهور الأولاد في العموم في المسئلة السابقة لأمكن ان يقال بظهوره هاهنا في الخصوص لإرادته من المعطوف عليه فيكون قرينة على ارادته من المعطوف عليه مثلا لو قيل قتلت زيدا و قتلت عمروا و علم انه أريد مجازا الضرب الشديد في الجملة الأولى صار هذا قرينة على ارادة الضرب الشديد في الجملة الثانية حملا للمعطوف على المعطوف عليه فتأمل.

و اما في المسئلة الرابعة فالاحتمالات فيها أربعة لاحتمال ارادة التعميم و التشريك و ارادة الترتيب بين الطبقة السابقة مطلقا و اللاحقة كذلك أو بين خصوص الآباء من كل طبقة و أبنائهم بان لا يكون ترتيب بين الأخ و ابن أخيه أو بين كل بطن سابق و لا حق فيكون بين الأخ الأكبر و الأصغر ترتيب. و لا يبعد ان يكون أظهرها الأول و البعدية انما هي بلحاظ كونها بين الطبقات خارجا من دون لحاظها و دخلها فيها وقفا. و لا يصغى الى ما قيل من كون الخصوصيات المشتمل عليها الكلام قيودا للحكم فيه لا بيانا للواقع من غير ارتباط و دخل لها فيه فان ذلك انما يكون في ما إذا لم يكن للخصوصية فائدة و في المقام فائدتها الدلالة على العموم.

و لزوم التأكيد مع كون التأسيس أولى من التأكيد لو قيل بعموم الأولاد و تناوله للاحفاد لا بأس به هاهنا فان حديث الأولوية و ان كان صحيحا الّا انها نوعية لا ينافي كون التأكيد في خصوص مقام اولى كما في المقام لشدة الاهتمام في مثله في الحفظ عن الاشتباه في الغرض و المرام. و اما في المسئلة الخامسة فالظاهر شمول الذكور و الإناث الخنثى بناء على كونها الذكر أو الأنثى و ليست بطبيعة ثالثة بل و لو كانت كذلك إذ لا يبعد ان يكون تخصيص الذكر و الأنثى بالذكر لندرة الخنثى جدا و ظهور ارادة جميع أولاده من الذكور و الإناث بشهادة حاله و شفقته على ولده قطعا. و الّا

لأمكن ان يقال بعدم تناولهما لها و لو لم تكن الّا الذكر أو الأنثى لانسباق غيرها منهما لا أقل من كون الغير متيقنا من إطلاق مادتهما كما هو الحال في غير المقام. فبناء التناول على قرينة شهادة الحال و معها لا يكاد يتفاوت بين كونها ذكرا أو أنثى أو طبيعة أخرى و بدونها يمكن عدم التناول و ان لم يكن إلّا أحدهما كما هو كذلك في غير مقام. و اما في المسئلة السادسة فلا شبهة في إطلاق الولد و الابن على ابن البنت كابن الابن لغة و عرفا و شرعا كتابا و سنة و انما الإشكال بل الخلاف في شمول الأولاد بظهورها لأولاد البنات كشمولها لأولاد الأبناء و عدم شمولها لها و قد عرفت ظهور اختصاصها في الأولاد بلا واسطة لو لم تكن هناك قرينة على الشمول. نعم لا فرق بين أولاد الابن و أولاد البنت في النسبة التي توجب إطلاق الأولاد و الأبناء على أولادهما حقيقة أو مجازا و تكون فيهما بوجه واحد لا انه يكون في الابن قرابة و ولادة و في الآخر كون الأم وعاء بلا نسبة و ولادة كما قيل (بنوهن أبناء الرجال الأباعد) و في ذلك قد طال النزاع و الجدال بيننا و بين مخالفينا في قرابة الحسنين عليهما السلام برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم. و قد صح بذلك الاستدلال على القرابة و الولادة القريبة بينهما و بينه بالآيات و الّا لم يكن كونهما ابني بنته الصديقة الطاهرة صلى اللّه عليها محل الإنكار و لا إطلاق الابن عليهما فإنه أكثر من ان يحصى و أظهر من ان ينكر أو يخفى. و ليس النزاع في كون الإطلاق على نحو الحقيقة أو المجاز و العناية ضرورة انه على هذا لا يكون الّا نزاعا لغويا ليس فيه مجال للاستدلال فيه بما ذكر في البين من الجانبين فتأمل جيدا.

(السابع) انه لا يبطل الوقف بخرابه و انهدام رسمه و زوال عنوانه.

و ذلك لكون الوقف على ما أشرنا إليه نحو اختصاص خاص و اعتبار مخصوص و هو كسائر الاختصاصات و الاعتبارات كالملكية و الرهنية إذا تعلق بعين معنونة بعنوان كالدار و الخان يكون على حاله

و ان تغيرت عما هي عليه في حاله كما إذا انهدما و صارا عرصة لتعلق هذه الاعتبارات بنفس المعنونات بواسطة عناوينها لا بالعناوين على حيالها كي يزول بزوالها زوال الحكم بزوال موضوعه و انتفاء العرض بانتفاء معروضه.

فتوهم بعض العامة بطلانه بزوال عنوانه فاسد قطعا. ثمَّ انه كما لا يبطل به لا يبطل بجواز بيعه به أو بغيره لو قيل به كما ربما يتوهم بتخيل ان المنع عنه عرفا و شرعا داخل في قوامه لا أقل من كونه من مقتضيات ذاته و لوازمها كما أشير إليه في الاخبار. و ذلك لكونه كما أشرنا إليه آنفا اعتبار خاص و كان من احكامه عرفا و شرعا المنع عن التصرفات المنافية لتأبيده ما لم يطرء هناك ما يوجب رفعه بنص أو إجماع عليه.

نعم يأتي في بعض الاخبار ما دلّ على ان ثمن الوقف للموجودين من الموقوف عليهم لكنه لا دلالة له على بطلانه لاحتمال ان يكون الشارع قد اذن ببيع الوقف بإزاء ثمن للموجودين و قد حققنا في حاشية المكاسب صحة بيع مال الغير بإذنه أو بإذن من هو اولى به منه لنفسه و كون البيع من عقود المعاوضة انما هو بمعنى كونه تمليك شي‌ء بإزاء شي‌ء و ليس بمجان لا انه معاوضة حقيقة كي يكون قضيتها دخول كل من الثمن و المثمن في ملك من خرج من ملكه الأخر. و كيف كان فالأصل عدم جواز بيع الوقف كما هو قضية قوله عليه السلام لا يجوز شراء الوقف فلا بد في جوازه من دليل قاطع له.

و قد ادعي نهوضه في صور. أحدها ان يخرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالجذع البالي و الحصير الخلق و قد استدل على الجواز بعدم جريان أدلة المنع. اما الإجماع فواضح. و اما قوله لا يجوز شراء الوقف فلا فلانصرافه الى غير هذه الحالة. و اما قوله الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فلا يدل على المنع هنا فان جواز بيعه غير مناف لما قصده الواقف. و الحاصل أن الأمر دائر بين تعطيله حتى يتلف بنفسه و بين انتفاع البطن الموجود به و بين تبديله بما يبقى و ينتفع به الكل. و الأول تضييع

مناف لحق اللّه و حق الواقف و حق الموقوف عليه و به يندفع استصحاب المنع مضافا الى كون المنع السابق في ضمن وجوب العمل بمقتضى الوقف و هو انتفاع جميع البطون بعينه و قد ارتفع قطعا فلا يبقى ما كان في ضمنه.

و اما الثاني فمع منافاته لحق سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الأول إذ لا فرق بين إتلافه و نقله. و الثالث هو المطلوب هذا مطابق لما افاده شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه بأدنى تلخيص. قلت يمكن ان يقال ذهاب جمع الى الجواز هاهنا لا ينافي دعوى شمول معقد الإجماع لهذه الصورة أيضا على نحو القاعدة و احتمال ان يكون ذهاب الجماعة إلى الجواز لأجل دعوى الظفر بالمخصص فافهم. و دعوى انصراف لا يجوز شراء الوقف الى غير هذه الحالة مع كثرة عروضها بل عدم الحيض عنها عادة في كثير من الأوقاف مع كونه في مقام البيان و عدم ما يوجب صرفه عنها غير خالية عن المجازفة و التعطيل لعدم نهوض الدليل على جواز البيع بل مع نهوضه على عدم جوازه ليس فيه تضييع من احد لحق بل ضياع لو كان هناك حق مع عدم ثبوته في هذه الصورة. لا له تعالى و مجرد اعتبار قصد القربة في الوقف لا يقتضي ذلك كما لا يخفي. و لا للواقف لصيرورته أجنبيا عنه. و كونه صدقة جارية منه لا يقتضي لا استحقاقه للثواب ما دام ينتفع الموقوف عليه به بعينه لتعلق الوقف به و لم يعلم تعلقه بماليته بعد تعذر التعلق بعينه لعدم إمكان الانتفاع به و لا للموقوف عليه لعدم موجب لاستحقاقه زيد من منافع العين الموقوفة بنفسها. و به انقدح ان استصحاب المنع على حاله و كون المنع السابق في ضمن وجوب العمل بمقتضى الوقف و قد ارتفع قطعا لا يوجب القطع بعدم بقاء ما في ضمنه بعد إمكان بقائه مع ارتفاعه كيف و هو من احكامه لا من احكام وجوب العمل به فلم لا يبقى مع ارتفاعه. و الاحتياط ان يباع بإذن الواقف أو من يقوم مقامه و الموقوف عليه و الحاكم و يوقف بدله على نحو وقفه فتأمل. ثانيها ان يخرب بحيث يقل منفعته جدا سواء كان الى حد ينحق بالعدم أم لم يكن و لكنه كان غير

معتد به. و قد نسب إلى الأكثر بل الى ظاهر المشهور عدم جواز بيعه كما هو مقتضى الأصل و إطلاق لا يجوز شراء الوقف بلا دليل على خلافهما كما لا يخفي. و ما يقال من ان الغرض من عدم البيع عدم انقطاع شخصه لينتفع به معتدا به فاذا انقطع شخصه فبيعه لحفظ نوعه ليس منافيا لغرض الواقف أصلا و الأدلة المانعة غير متناولة لهذه الصورة لاختصاص الإجماع و انصراف النصوص الى غيرها. فيه ان مجرد عدم منافاته لغرض الواقف لا يوجب جوازه بعد ان الأصل عدم جوازه مضافا الى منع الانصراف و الاختصاص لانعقاده على عدم الجواز على نحو القاعدة فلا يضربه الخلاف فيها كما لا يخفى.

ثالثها ان يكون البيع انفع للموقوف عليهم و لا خلاف في عدم جواز بيعه الّا ما نسب الى المفيد من ذهابه الى جوازه و هو غير محقق. و كيف كان فلا إشكال في المنع للأصل و الإجماع و إطلاق النصوص و عدم دليل على الجواز بالخصوص. عدا رواية ابن محبوب. قال في أخرها في جواب السؤال عن جواز بيع الأرض الموقوفة إذا احتاجوا: نعم إذا رضوا كلهم و كان البيع خيرا لهم باعوا. و الخبر المروي عن الاحتجاج ان الحميري كتب الى صاحب الزمان أرواحنا له الفداء انه روى عن الصادق عليه السلام خبرا مأثورا ان الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم و أعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح. لهم ان يبيعوه فهل يجوز من بعضهم ان لم يجتمعوا كلهم البيع أم لا يجوز الا ان يجتمعوا كلهم على ذلك و عن الوقف الذي لا يجوز بيعه. فأجاب عليه السلام إذا كان الوقف على امام المسلمين فلا يجوز بيعه و إذا كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرقين إنشاء اللّه. و هما مع ما فيهما من ضعف السند و دلالة الرواية على الجواز في صورة الحاجة إذا كان البيع خيرا لهم و هو غير صورة كون البيع انفع و دلالة الخبر على جوازه مطلقا فإن العبرة بإطلاق الجواب لا بتقييد السؤال و معارضتهما في بعض الجهات و عدم القول بمضمونهما من

احد و قد أشرنا الى عدم تحقق ما نسب الى المفيد. قاصر ان عن إثبات الجواز المخالف للقاعدة المنصوصة المجمع عليها و للأصل. بل لو لم يكن فيهما ضعف سند أو دلالة لكان إعراض الأصحاب كافيا في وهنهما و عدم جواز الاستناد إليهما في الباب. رابعها ان يقع بين أرباب الوقف اختلاف لا يؤمن معه تلف الأموال و النفوس. و لا يبعد الذهاب فيها الى جواز البيع للمكاتبة المشهورة و هي مكاتبة ابن مهزيار. قال كتبت الى ابى جعفر الثاني عليه السلام ان فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس و يسئلك عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمه على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقوفة. فكتب اليّ اعلم فلانا أني أمره ببيع حصتي من الضيعة و إيصال ثمن ذلك اليّ ان ذلك رأيي إنشاء اللّه تعالى أو يقومها على نفسه ان كان ذلك أوفق له. فكتب اليه ان بين من وقف عليهم بقية هذه الضيعة اختلافا شديدا و ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فان كان ترى ان ببيع هذا الوقف و يدفع الى كل إنسان منهم ما وقف له من ذلك. فكتب بخطه عليه السلام و أعلمه أن. رأيي ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف ان بيع الوقف أمثل فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس إلخ. حيث انها ظاهرة في جواز بيع الوقف فيما وقع بين أربابه الاختلاف بحيث يخاف معه تلف النفس و المال. و احتمال اختصاص السؤال فيها بالوقف المنقطع لعدم ذكر البطون اللاحقة بل ظهوره فيه لذلك لو سلم لا يضر بالاستدلال بها على الوقف المؤبد لعموم العلة الآبي عن التخصيص نوعا و ابائها عن ذلك هنا شخصا و هي تكون في المؤبد أقوى فيكون بجواز البيع أحرى كما لا يخفى. و الاشكال عليها كما في مكاسب شيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامه بان مقتضى القاعدة لزوم كون بدل الوقف كنفسه مشتركا بين جميع البطون و ظاهر الرواية تقرير السائل في تقسيم ثمن الوقف على الموجودين فلا بد. اما من رفع اليد عن مقتضى

المعاوضة بتكليف سقوط حق سائر البطون من الوقف آنا ما قبل البيع ليقع المعاوضة في مالهم. و اما من حمل السؤال على الوقف المنقطع اعني الحبس الذي لا إشكال في بقائه على ملك الواقف أو على الوقف الغير التام لعدم القبض أو لعدم تحقق صيغة الوقف و ان تحقق التوطين عليه و تسميته وقفا بهذا الاعتبار. و يؤيده تصدي الواقف بنفسه للبيع الّا ان يحمل على كونه ناظرا أو يقال انه أجنبي استأذن الإمام عليه السلام في بيعه عليهم حسبة. بل يمكن ان يكون قد فهم الامام من جعل السؤال قسمة الثمن بين الموجودين مفروغا عنها. مع ان المركوز في الأذهان اشتراك جميع البطون في الوقف و بدله ان مورد السؤال هو الوقف الباقي في ملك الواقف لانقطاعه أو لعدم تمامه. و يؤيده ان ظاهر صدره المتضمن لجعل الخمس من الوقف للإمام عليه السلام هو هذا النحو أيضا.

مندفع بان بدل الوقف و ان كان كنفسه مشتركا بين جميع البطون الّا ان البيع لا يقتضي ان يكون ثمنه بدلا عن المثمن كذلك. لما عرفت من انه تمليك بالعوض قبالا للتمليك مجانا و انه يصح بيع مال بإذن صاحبه بإزاء شي‌ء لغير صاحب المال و حسم الفتنة الموجبة لجواز البيع هاهنا موجب للبيع كذلك لعدم حسمها بدون ذلك لبقاء ملاك الفتنة و هو الاشتراك في الوقف كما لا يخفى. فلا يحتاج اختصاص الموجودين بالثمن الى ذاك التكلف الذي لا يكاد يصار اليه الّا بقاطع و لا الى ذاك الحمل البعيد جدا بكلا وجهيه. ضرورة انه لو كان باقيا على ملكه و تحت سلطانه لكان امره عليه السلام ببيع حصته و إيصال ثمنه اليه عليه السلام بدون التعليق على ارادته بعيدا جدا ربما ينافي كمال علو مقامه الشامخ و شدة تأنفه.

هذا مع كونه خلاف ظاهر قوله فأوقفها ضرورة ظهوره في صدور الوقف منه حقيقة و ان خروجه بذلك عن تحت اختياره و سلطانه صار سببا للسؤال عن جواز بيعه. و تصديه للبيع انما هو لنظارته كما هو الغالب

المتعارف في الأوقاف أو لإذن الإمام عليه السلام و ارتكاز اشتراك البطون في ثمن الوقف في ذاك الزمان ليس بحيث يوجب اختصاص مورد السؤال بما إذا كان الوقف باقيا على ملك الواقف. كيف و الاشتراك و الاختصاص بالبطن الموجود محل الكلام بين الاعلام. و منه ظهر حال الصدر و انه لا تأييد فيه أصلا. نعم ربما يشهد باختصاص تجويزه عليه السلام البيع بالوقف المنقطع. ما عن دعائم الإسلام عن ابى جعفر محمد بن على عليهما السلام ان بعض أصحابه كتب اليه ان فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس و ذكر انه وقع بين الذين أوقف عليهم هذا الوقف اختلاف شديد و انه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم و سئل عن رأيك في ذلك فكتب ان رأيي له ان لم يكن جعل آخر الوقف للّه ان يبيع حقي من الضيعة و يوصل ثمن ذلك اليّ و ان يبيع للقوم إذا تشاجروا فإنه ربما جاء في الاختلاف إتلاف الأموال و الأنفس. و لكن الذي يهون الخطب كمال الاطمينان بان هذه المكاتبة هي مكاتبة على بن مهزيار مع كمال الوثوق و الاعتماد بأنها كانت كما نقلها نقلة الاخبار في أصولهم كالكافي و التهذيب و غيرهما من الكتب المعتبرة المتقدمة و المتأخرة فلا وثوق بنقل الدعائم لها كما لا يخفى. و لعله نقلها بالمعنى على وفق ما فهم منها. و لا يخفى ان اعتماد مشهور الأصحاب على المكاتبة الاولى في جواز بيع الوقف على اختلافهم في قيوده حسب اختلافهم في ما يستفاد منها يوجب زيادة الوثوق بها و وهن الأخرى بحيث لا تكاد تصلح لتقييدها لو فرض غيرها و لا لشرح إطلاقها لو كانت عينها ناقلة لها بالمعنى. خامسها ان يشرط الواقف بيعه لو خرب أو قل نفعه أو وقع الخلف بين أربابه أو غير ذلك من الحالات العارضة عليه ففي صحة الوقف و الشرط و بطلانهما وجهان. أقواهما (الأول) لأن شرط البيع لم يعلم كونه مخالفا لذات الوقف بل لإطلاقه غايته كونه مخالفا للتأبيد و هو غير معتبر فيه الّا بمعنى عدم التوقيت لصحة الوقف

المنقطع كما مرّ تحقيقه. فالوقوف على حسب ما يوقفها أهلها. و المؤمنون عند شروطهم مقتضيان لصحتهما ضرورة ان الشرط في الوقف من جملة كيفياته و أنحائه. لا يقال ان شرطه لو لم يكن مخالفا للوقف فلا أقل انه شرط مخالف للسنة لإطلاق مثل لا يجوز شراء الوقف. فإنه يقال انما يدل على مخالفته لها لو فرض ان له إطلاقا يتناول ما لو شرط بيعه أيضا و لا إطلاق له كذلك قطعا فيكون عموم المؤمنون عند شروطهم حينئذ متبعا.

نعم: لو فرض إطلاقه حتى بالنسبة إلى صورة الاشراط كان كافيا في إثبات كونه مخالفا لها. و لا يضر به نهوض الدليل على جوازه في بعض الصور فإنه يوجب تقييده به لا كشفه عن انه مطلقا كان على نحو الاقتضاء لا العلية التامة. هذا فيما لو اشترط البيع بعد مضى مدة أو بعد عروض حالة. و اما اشتراط البيع لهم مطلقا فهو مناف لذات وقف العين و حبسها. الا ان يقال ان تعلق الوقف بها بنفسها أيضا هو قضية إطلاقه و الا فلا ينافي وقفها ببدلها. لكنه محل نظر فان بدلها ليس اعتباره في عرضها لتصحح به حقيقة الوقف المتعلق بها و ليس للواقف حين الوقف سلطنة الا على شخصها المتقومة به ماليتها و ليس لها حينه بدل كي يوقفها ببدلها فلا معنى لوقفها بماليتها التي تكون متقومة بها في زمان و به في زمان آخر ليس له عليها و لا على بدلها سلطان في ذاك الزمان. و منه قد انقدح انه لا يمكن ان يكون للوقف هاهنا إلا مرتبة واحدة و هو وقف العين بشخصها لا وقفها كذلك و وقفها ببدلها بعد تحقق شرط بيعها فتدبر جيدا. و يؤيد ما ذكرنا من صحة الوقف و الشرط ما ورد في كيفية وقف أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ماله في عين ينبع. و فيه فان أراد ان (يعنى الحسن عليه السلام) ان يبيع (يعنى نصيبا من المال) ليقضى به الدين فليفعل إنشاء لا حرج عليه و إنشاء جعله سرى الملك اه. و ظاهره جواز اشتراط البيع في الوقف بخصوص البطن الموجود فضلا عن البيع لجميع البطون و قد عرفت انه لا إشكال في العمل به. فلا وجه لما قيل من ان السند صحيح

و التأويل شكل و العمل اشكال. هذا كله في بيع الوقف. و اما إجارته فإن كان وقف منفعة كالخان و الدكان و نحوهما فلا إشكال في جوازها بعد الخراب كجوازها قبله و ان كان وقف انتفاع كالمقبرة و المدرسة و القنطرة.

فقد قيل بان مقتضى القاعدة جوازها لوجود المقتضى و فقد المانع. اما الأول فلأنها عين لها منفعة محللة عقلائية فتصح إجارتها للعمومات. اما المانع فلم نعثر على نص أو إجماع أو شهرة على المنع. قلت يمكن ان يقال ان استصحاب عدم جوازها قبل عروض الخراب كاف في المنع و لا مجال للتمسك بالعمومات هاهنا فان المقام مقام استصحاب حكم المخصص لا التمسك بالعام ضرورة عدم لحاظ الحالات افرادا فيها كما لا يخفى على من تأملها. نعم لو علم انحلال الوقف الى وقف الانتفاع قبل الخراب و وقف المنفعة بعده فلا إشكال في صحتها و اني لنا العلم به. و انحلال أغراض الواقفين الى ذلك لو سلم فإنما هو بنحو الارتكاز بحيث لو التفت الواقف الى الحالات الطارية عليه لكان غرضه لا محالة يتعلق بالانتفاع به على كل حال اما انه قصده في وقفه على ان يكون من كيفيته كسائر ما نص عليه من كيفياته مع إطلاقه فكلّا. و ما لم يكن كذلك لا يكاد يجدي انه لو التفت اليه لقصده كذلك في الوقف. فالتفت كيلا يختلط الأمر و يلتبس عليك الانحلال بحسب الغرض و الانحلال في القصد المتبع في العقد

(الثامن). لو أجر البطن الأول و انقرضوا جميعا

ففي صحة الإجارة و بطلانها بناء على عدم بطلانها بموت الموجر وجهان اقويهما البطلان لعدم استحقاق البطن الأول من المنافع المسبلة إلّا ما صادف زمانهم و ما يصادف منها زمان البطن الثاني يكون لهم حسب ما وقف الواقف. و توهم ان المنافع المتجددة للعين في الأزمنة الاتية تابعة لها في الملكية الحالية فمن ملك العين فقد ملكها فالبطن الأول حيث كانوا مالكين لها فقد ملكوا تمام ما في مدة الإجارة و لو صادف زمان البطن الثاني، فاسد فإنه انما يصح ذلك إذا كان الملك طبقا لا ما إذا كان متعلقا لحقوق البطون

و كان بحسب جعل الواقف ملك العين و المنفعة في زمان البطن الثاني لهم و كانوا متلقين منه لا من البطن الأول. هذا لو قيل بملك الموقوف عليه للعين الموقوفة و اما لو قيل بعدمه فالأمر أوضح. و من هنا ظهر بطلان الإجارة فيما إذا انقرض بعض البطن و انتقل حصته إلى الباقي بالنسبة إلى الى الحصة لعدم استحقاق المنقرض من المنفعة إلا ما صادف زمانه أيضا ثمَّ ان الإجارة بالإضافة إلى البطن الثاني أو الباقي من الأول لا تصح بالإجازة منهم لها فإنهم آجروا لأنفسهم فكيف تقع بإجازة المستحقين لهم. و لا يصغى الى ما قيل في إجازة بيع الغاصب إذا كان لنفسه من انه في الحقيقة ببيع للمالك و يبنى انه المالك. و هاهنا يقال كذلك فإنهم آجروا عن المستحقين في مدة الإجارة و اعتقدوا انهم المستحقون في تلك المدة لما حققناه في حاشية المكاسب من ان الغاصب انما يبيع لنفسه إذ بنى على انه المالك كما إذا باع المالك الحقيقي و هكذا المؤجر هاهنا فراجع. هذا إذا أجر البطن الأول و اما إذا آجر الناظر فإجارته نافذة إذا كانت بمراعاة مصلحة الوقف. و اما إذا كانت بمراعاة مصلحة البطن الثاني فنفوذ الإجارة بالنسبة إليهم بلا إجازتهم لا يخلو عن اشكال لعدم ثبوت ولايته عليهم نعم تصح بإجازتهم فإن إجارته كانت لهم.

(التاسع) في استيلاد الأمة الموقوفة

اشارة

و الكلام فيه يقع من مواضع.

الأول في جواز الوطي و حرمته

و عن المشهور حرمته للأصل بلا قاطع فإنه لا إطلاق فيما ملكت ايمانهم و لو كان فالمنصرف أو المتيقن منه هو غير الملك في الوقف لو قيل به و اما لو قيل بعدم زوال ملك الواقف أو عدم الانتقال الى الموقوف عليه فلا اشكال فيها. و اما التعلق فيها بوجود المانع عن الجواز أيضا و هو تعلق حق البطون اللاحقة فتكون بمنزلة الملك المشترك الذي لا إشكال في عدم كونه محللا للوطي. ففيه انه لا دليل على منعه عما لا يزاحمه و الوطي لا يزاحمه فلا وجه لكونه بمنزلة الملك المشترك في ذلك بل ربما لا يكون هناك للاحق حق لعدم لحوقها يقينا به

أو لعدم اللاحق كما في الوقف المنقطع. ثمَّ ان القاعدة تقتضي ثبوت الحد بوطئها لحرمته ذاتا لعدم المقتضى لحليته الا ان لا يكون لدليل المثبت له إطلاق يتناول مثل هذا الوطي المحرم فليراجع هناك.

(الثاني) في انه لو استولدها فهل هي تصير أم ولد تنعتق من نصيبه أم لا

فيه وجهان كما عن المسالك من علوقها في ملكه و من عدم كون ملكه بطلق تام مختص به و حيث انك عرفت ان ملكه لها غير محلل لوطئها فلا يلحق به الولد لتصير به أم ولده و لو قيل بجواز الوطي فالتحقيق ان يقال هنا بمثل ما قيل في باب السراية فتذكر هناك.

(الثالث) في تغريم الواقف بناء على انعتاقها بعد موته فتؤخذ القيمة من تركته

بعد مماته لإيجاد سببه في حال حيوته و الظاهر اختصاص فرض المسئلة بما إذا كان الولد من الموقوف عليه لينتقل اليه فتنعتق عليه و اما إذا لم يكن كذلك فلا انتقال اليه فلا انعتاق الا ان يقال بان انعتاق أم الولد ليس لأجل الانتقال اليه و عدم دخول احد العمودين في الملك بل لكونه أم الولد و لذلك ربما ثبت أحكامها مع عدم إرثه من أبيه بأحد موانع الإرث فافهم. هذا آخر ما أردنا إيراده و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا.

و قد وقع الفراغ لمصنفه الجاني محمد كاظم بن حسين الخراساني في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب المرجب من شهور سنة ألف و ثلاثمائة و أربعة و عشرين من الهجرة النبوية على مهاجرها ألف صلاة و تحية و قد نجز طبعه في غرة شعبان المعظم سنة 1331 هجرية على مهاجرها الصلاة و السلام