رساله فی منجزات المریض

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : يزدي، سيدمحمدكاظم‌بن عبدالعظيم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ ق.

عنوان و نام پديدآور : رسالة في منجزات‌المريض/ تاليف السيدمحمدكاظم الطباطبائي‌اليزدي ؛ تحقيق موسسه فقه‌الثقلين‌الثقافية.

مشخصات نشر : قم: فقه‌الثقلين، ۱۴۳۱ ق.= ۱۳۸۹.

مشخصات ظاهري : ۲۴۸ ص.

شابك : ۸۰۰۰۰ ريال :978-600-5280-11-1

وضعيت فهرست نويسي : فاپا

يادداشت : عربي.

يادداشت : كتابنامه: ص. [۲۳۷]- ۲۴۲؛ همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع : ارث (فقه)

موضوع : وصيت و وصيت‌نامه‌ها (فقه)

شناسه افزوده : مركز مطالعات و تحقيقات فقه الثقلين

رده بندي كنگره : BP۱۹۷/ي۴ر۵ ۱۳۸۹

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۷۸

شماره كتابشناسي ملي : ۱۸۶۲۴۳۳

[المدخل]

هذه رسالة شريفة و نسخة منيفة في منجزات المريض من مصنفات علم الأعلام البحر القمقام حجة الإسلام سيّد العلماء الأعاظم سند الفقهاء الأفاخم السّيّد محمّد كاظم اليزدي النّجفي دام ظلّه العالي بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه و الصّلاة على محمّد و آله و اللّعنة على أعدائهم و بعد فيقول العبد الأقل محمّد كاظم بن عبد العظيم الطّباطبائي اليزدي هذا ما جرى به قلبي حين البحث عن تصرفات المريض و أنّها خارجية من الأصل أو الثّلاث إجابة لبعض الإخوان اعلم أن التّصرف قسمان معلق و منجز فهاهنا مقامان

المقام الأوّل في التصرّفات المعلّقة على الموت

اشارة

و المراد بها التصرف في المال عينا كان أو منفعة أو الحق المتعلّق بالمال كحق التّحجير و الشّفعة و نحوهما ممّا يورث معلّقا على الموت سواء كان التّصرف بنحو التّمليك أو الفكّ أو الإبراء و الواقع منه في الشّرع أمور أربعة لعدم الدّليل على صحة ما عداها بل الدّليل على العدم لمكان الإجماع على بطلان التّصرّف المعلّق و كون التّعليق مبطلا نعم هنا أمور أخر لا ينافيها التّعليق إلا أنّها خارجة عن المقام من التّصرف المالي المعلق على الموت كاللعان و الظّهار و الإيلاء و الكتابة و كيف كان فأحد الأربعة الوصيّة تمليكيّة و عهديّة بل الإيصاء أيضا في الجملة ثانيها التّدبير بناء على عدم كونه وصيّة و إلا فليس قسما على حدة و هو و إن كان محلّا للخلاف حيث إن فيه أقوالا ثلاثة أحدها أنه عتق معلّق ثانيها أنه إيقاع مستقلّ ثالثها أنه وصيّة إلا أن المعروف عدم كونه وصيّة بل يمكن دعوى الإجماع عليه بإرجاع ما في النّافع و عن المبسوط من كونه وصيّة إلى ما هو المعروف من كونه بمنزلتها و يؤيّده دعوى الشّيخ الإجماع على أنه وصيّة مع أن المعروف كما عرفت على خلافه فيكشف هذا عن أن مراده المنزلة و هذا هو الأقوى لا لصحّة السّلب لإمكان منعها لغة و شرعا و لا يثمر صحة السّلب في عرف الفقهاء و لا لعدم صدق المعروف من تعريف الوصيّة عليه و هو قولهم إنّها تمليك عين أو منفعة بعد الموت لأنّ هذا من اصطلاح الفقهاء مع أنه لا يصلح و دليلا لإمكان أن يكون التّعريف لقسم من الوصيّة و لا لأنه لو كان وصيّة لاحتاج إلى صيغة أخرى بعد الموت إذ لم يثبت مشروعيّة إنشاء التّحرير بالوصيّة كما ثبت إنشاء التّمليك بها و ذلك لأن التّدبير بناء على كونه وصيّة من قبيل الوصيّة التّمليكيّة و عدم مشروعيّة إنشاء العتق بمثله ممنوع و إنما المسلم عدم حصول الانعتاق فيما لو قال أعتقوا بعد موتي فلانا و هو من قبيل الوصيّة العهديّة في الاحتياج إلى صيغة أخرى كما لو قال أعطوا فلانا كذا و من المعلوم أن هذا ليس من التدبير بل التدبير هو أن يقول فلان حرّ بعد وفاتي و حصول العتق بمثله إجماعي سواء قلنا إنه وصيّة أو لا فالقدر المسلم عدم حصول العتق بالوصية العهدية و لا دخل لها بالتدبير و لا لأنه لو كان وصيّة لما احتاج إلى القربة مع أنها معتبرة فيه و ذلك لأنه لا منافاة في اعتبارها في هذا القسم من الوصيّة لا من حيث إنّه وصيّة بل من حيث إنه عتق و لا لأنه لو كان وصيّة لم يجز التّعليق على موت غير المولى من المخدوم و الزّوج لأنه يمكن أن يدّعى أن التّدبير قسمان و يمكن أن يقال الوصيّة أعمّ و إن كان المتعارف منها المعلّقة على موت الموصي بل التّدبير هو أن يقول بمثله للأخبار الدّالة على ذلك ففي صحيحة معاوية بن عمار عن الصّادق ع هو بمنزلة الوصيّة يرجع فيما شاء منها و في صحيح هشام عند ع هو مملوكه بمنزلة الوصيّة و في خبر أبي بصير عنه ص المدبّر مملوك إلى أن قال و هو من الثلث إنما هو بمنزلة رجل أوصى بوصيّة ثم بدا له فغيرها من قبل موته هذا و الإنصاف عدم صلاحيّتها أيضا لإثبات المدّعى لأنّها قابلة

لإرادة التنظير بالوصيّة المتعارفة فيمكن أن يقال إنها ليست بصدد كون بيان التّدبير خارجا عن الوصيّة و إلحاقه لها في الحكم خصوصا بملاحظة معارضتها بما يظهر منه كونه وصيّة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما المدبر من الثلث و لأجل أن يرجع في ثلثه إن كان أوصى في صحة أو مرض و نحوها الموثق عن المدبر أ هو من الثلث قال نعم و للموصي أن يرجع في وصيّته في صحة أو مرض مع إمكان دعوى صدق الوصيّة عليه و مجرّد كون المورد خصوص العتق لا يوجب خروجه عنها و دعوى اختصاصها بالتّمليك كما ترى و لذا يصحّ الوصيّة بالعتق فيما إذا قال أعتقوا فلانا بعد موتي إلا أن يقال إن الوصيّة غير صادقة لغة على مثل المقام ممّا ليس فيه عهد إلى الغير و لازم هذا و إن كان خروج الوصيّة لتمليكيّة أيضا عنها إلا أنه ثبت كونها وصيّة و لم يثبت فيما نحن فيه و فيه منع عدم الصّدق بل العهد إلى الغير قسمان صريح كما إذا قال أعطوا أو أعتقوا و ضمني كما إذا قال ملكت زيدا أو أعتقت عمرا و الأولى الاكتفاء في عدّه قسما آخر في قبال الوصيّة بأنه مقتضى القاعدة بعد تعارض الأخبار و الشّك في كونه منها إذ حينئذ لا بد من كونه مستقلّا في الأحكام سوى ما ثبت بالدّليل كونه بمنزلة الوصيّة فيه ثم على فرض عدم كونه وصيّة فالأقوى أنه أعتق معلّق لا إيقاع مستقلّ لعدم الوجه له بعد معلوميّة صدق العتق عليه ثالثها النّذر المعلّق على الموت إذا كان نذرا للغاية و النّتيجة كأن يقول لله على عتق عبدي بعد وفاتي أو صدقة مالي أو ملكيّة زيد لمالي بعد وفاتي بناء على صحّة مثل هذا النّذر على ما يظهر من جماعة و هو الأقوى لعموم أدلّة النّذر بل يمكن أن يتمسّك بعموم أدلّة الصّدقة و العتق و نحوهما و لا يضر كون المعروف بينهم وجوب تجريد العتق عن التّعليق على الشّرط و الصّفة و أنه لو علّق بطل في غير التّدبير بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه إمّا لمنع الإجماع إذ المحكي عن القاضي عدم المنع من التّعليق على الوقت و عن ابن الجنيد عدم المنع عن التّعليق على الشّرط و عن النّهاية و الإستبصار أنه يقع العتق مشروطا في النّذور و القربات كقوله إن شفاني اللّٰه فعبدي حرّ دون اليمين كقوله إن دخلت الدّار فعبدي حرّ و كذا عن الغنية و إمّا لمنع كونه مضرّا بعد عدم الدّليل على منافاة التّعليق و الظّاهر أن هذا الإجماع هو النّاشي عن الإجماع على مبطليّة التّعليق كليّة و لا يثمر بعد كون القدر المتيقن غير المقام ممّا يتحمّل التّعليق في الجملة خصوصا بعد تحقق الخلاف من الجماعة و إمّا لأن مورد الإجماع ما إذا علّق العتق على شرط بصيغة العتق لا بصيغة النّذر فالممنوع هو العتق المعلّق لا النّذر المعلّق و المقام من الثّاني الّذي يقبل التعليق و لذا يظهر من بعضهم المفروغيّة في صحّة النّذر المذكور هذا في العتق و أمّا في الصّدقة و التّمليك فالأمر أظهر هذا و ربما يستشكل من جهة أخرى و هي أن الحرية يحتاج إلى صيغة خاصّة فلا يجوز إنشاء العتق بصيغة النذر و هو كما ترى إذ لا دليل على ذلك بعد عموم أدلّة النّذر نعم مثل البيع و الرّهن و النّكاح و الطّلاق و سائر العقود و الإيقاعات لا يصحّ نذر النّتيجة فيها و إن لم يكن معلّقا إذا أريد ثبوت عناوينها بل و كذا آثارها في غير البيع و نحوه حيث إن إرادة إنشاء مطلق الملكيّة لا بأس به ففي المقام أيضا لا مانع من قصد الحريّة بالنّذر المذكور بل لا بأس بقصد حصول العتق بعنوانه الخاص أيضا و ربما يستشكل بوجه آخر و هو أن نذر النّتيجة يرجع إلى نذر غير المقدور فلا معنى لإيجابه على نفسه و فيه أن الواجب هو ترتيب الآثار لا نفس المنذور فمعنى قول للّه عليّ عتق عبدي ترتيب آثار العتق كما في شرط ملكيّة زيد لماله في ضمن العقد و كيف كان فلا يعقل نذر المسبّب معلّقا على الموت إذ لا يمكنه الوفاء به و لا معنى لنذر الإيجاب على الوارث بأن يقول للّه على أن يعتق ورثتي عبدي بعد موتي نعم يصحّ نذر الوصيّة و التّدبير لكنه ليس من المقام بل هو داخل إمّا في الوصيّة أو في التّدبير إذ بعد النّذر يجب عليه إيجاد الوصيّة أو التّدبير بصيغتهما فلا يكون خارجا عنهما رابعها الشّرط المعلّق على الموت في ضمن عقد من العقود أو ابتداء بناء على صحّة الشّروط البدويّة كأن يشترط حرّية عبده عند موته

أو ملكية زيد لماله أو نحو ذلك و حاله حال النّذر في الإشكالات المتقدّمة و يمكن أن يزاد بأنه يرجع إلى الشّرط المجهول و الأقوى صحته فيما لم يثبت كونه مشروطا بصيغة خاصّة كالملكيّة و الصّدقة و الحرّية و نحوها

أمّا القسم الأوّل و هو الوصيّة

اشارة

فإمّا أن يكون لغير الواجب و هي الوصيّة الشرعيّة أو بواجب ماليّ كالوصيّة بإخراج الخمس و الزّكاة و الحج و الكفارات و نحوها أو بواجب بدنيّ كالصّلاة و الصّوم و نحوهما

أمّا الوصيّة التبرعيّة

فلا إشكال في أنّها من الثّلث بل لا خلاف فيه إلا ما يحكى عن عليّ بن بابويه و نقل عليه الإجماع مستفيضا أو متواترا كما قيل بل يمكن تحصيله أيضا بضميمة الإجماعات المنقولة و التّتبع في الفتاوى في المسألة مع انحصار المخالف في من عرفت مع أن مخالفته غير محققة فإن عبارته المحكيّة عنه غير صريحة قال فإن أوصى بالثّلث فهو الغاية في الوصيّة و إن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله و يلزم الوصي إنفاذ وصيّته على ما أوصى فإنه يمكن أن يكون المراد من قوله و إن أوصى بماله كلّه فهو أعلم أنه يرد وصيّته إليه و لا يقبل منه سيّما بعد قوله فهو الغاية في الوصيّة مشيرا به إلى الثّلث و حينئذ يكون قوله و يلزم الوصي إنفاذ وصيّته مستأنفا و يمكن حمله على الوصيّة بالواجب المالي حيث إنه يخرج عن الأصل بلا خلاف و الأولى في توجيه كلامه أن يقال إن مراده صورة الجهل بكون الوصيّة تبرّعيّة أو لكون ذمّته مشغولة و حينئذ يحمل على الصّحيح و ينفذ في تمام المال لإطلاقات أدلّة وجوب العمل بالوصيّة و أن من بدله بعد ما سمعه فإنّما إثمه على الّذين يبدّلونه فلا يكون مراده أن الوصيّة المعلوم كونها تبرعيّة أيضا تنفذ في تمام المال و يؤيد هذا قوله فهو أعلم بما فعله و نحن و إن لم نوافقه في ذلك و نقول بجواز الرّد إلى الثّلث ما لم يعلم أن ذلك بسبب من الأسباب الموجبة للإخراج من الأصل كما سيأتي الإشارة إليه إلا أنه كاف في التّوجيه و خروج المسألة عن كونها خلافية و في الرّياض أن هذا التّوجيه و إن لم يكن ظاهرا من عبارته فلا أقلّ من مساواة احتماله

لما فهموه منها فنسبتهم الخلاف إليه ليس في محلّه و عليه نبه في التّذكرة فلا خلاف حينئذ لأحد في المسألة هذا و ممّا يؤيّد عدم إرادته من العبارة المذكورة ما نسب إليه عدم نقل ولده عنه ذلك و تصريحه بعدم جواز الوصيّة بالزّائد عن الثّلث من غير إشارة إلى خلاف والده بل عنه في المقنع أنه روي عن الصّادق ع أنه سئل عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّٰه عز و جلّ فقال اجعله إلى من أوصى له به و إن كان يهوديّا أو نصرانيّا فإن اللّٰه عز و جلّ يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم قال عقيب ذلك ماله هو الثّلث لأنه لا مال للميّت أكثر من الثلث و كيف كان فخلافه غير ثابت و على فرضه غير قادح في دعوى الإجماع الّذي مداره على الكشف عن رأي الإمام ع و هو حاصل مع مخالفته في مثل هذه المسألة و يدلّ على المطلب مضافا إلى ما ذكر النّصوص المستفيضة أو المتواترة الّتي يمنعنا عن ذكرها وضوح المسألة إلى الغاية نعم بإزائها نصوص أخر ربما يكون ظاهرها الخروج من الأصل كخبر عمّار الرّجل أحق بماله ما دام فيه الرّوح إن أوصى به كلّه فهو جائز و خبر ابن عبدوس أوصى رجل بتركته متاع و غير ذلك لأبي محمّد ع فكتبت إليه ع رجل أوصى إليّ بجميع ما خلف لك و خلف ابنتي أخت له فرأيك في ذلك فكتب إليّ بع ما خلف و ابعث به إلى فبعت و بعثت به إليه فكتب إلي قد وصل و الرّضوي فإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعله و يلزم الوصي إنفاذ وصيّته على ما أوصى به لكنها قاصرة عن المقاومة للأخبار السّابقة المعمول عليها عند الطّائفة مع تأيدها بالإجماعات المنقولة بل المحصّل مضافا إلى أن الرّضوي غير ثابت الحجيّة بل لم يثبت كونه خبرا مع احتماله ما نزلنا عليه كلام الصّدوق فيخرج عن محلّ الكلام و خبر ابن عبدوس قضيّة في واقعة غير معلوم الوجه فيحتمل أن يكون من جهة إجازة الوارث و يحتمل أن يكون من باب كون الوارث مخالفا يمكن منعه عن الإرث و يحتمل أن الإمام ع طلب المال لأخذ الثّلث و رد الباقي و يحتمل أن يكون ذلك أخذه من باب الولاية بصغر الوارث أو جنونه و يحتمل اختصاصه ع بهذا الحكم إلى غير ذلك و أمّا خبر عمار فيحتمل أن يكون المراد من المال فيه الثّلث بقرينة غيره من الأخبار الصّريحة في ذلك و يحتمل أن يكون المراد صورة التّنجيز فيخرج عن محلّ البحث و يحتمل أن يكون المراد من الجواز ما لا ينافي التّوقف على إجازة الوارث إلى غير ذلك من المحامل الّتي يجب تطبيق هذه الأخبار عليها بعد ما عرفت من الأخبار الواضحة المفاد ثم مقتضى إطلاق النّصوص و معاقد الإجماعات عدم الفرق في الخروج من الثّلث بين ما إذا كان للموصي وارث و ما إذا لم يكن له وارث سوى الإمام ع لكن عن الشّيخ و الصّدوق الحكم بنفوذ الوصيّة بتمام المال في الصّورة الثّانية لرواية السّكوني عن جعفر ع عن أبيه ع أنه سئل عن الرّجل أنه يموت و لا وارث له و لا عصبة فقال يوصي بماله حيث شاء في المسلمين و المساكين و ابن السّبيل فإن ظاهره أنه لو أوصى يكون نافذا في تمامه و خبر محمّد بن أحمد بن عيسى قال كتب إليه محمّد بن إسحاق المتطيب و بعد أطال أيضا بقاك يا سيّدنا إنا في شبهة من هذه الوصيّة الّتي أوصى بها محمد بن يحيى بن رئاب و ذلك أن موالي سيّدنا و عبيده الصّالحين ذكروا أنه ليس للميت أن يوصي إذا كان له ولد بأكثر من ثلث ماله و قد أوصى محمّد بن يحيى بأكثر من النّصف ممّا خلف من تركته فإن رأى سيّدنا و مولانا أطال اللّٰه بقاءه أن يفتح غياهب هذه الظّلمة الّتي شكونا و يفسر ذلك لنا نعمل عليه إن شاء اللّٰه فأجاب إن كان أوصى بها من قبل أن يكون له ولد فجائز وصيّته و ذلك أن ولده ولد من بعده فإنه يدلّ على أنّه لو لم يكن له ولد ينفذ وصيّته من تمام المال و لا ينافيه وجوب طرح ما تضمّنه من النّفوذ على تقدير تولّد الولد بعد الوصيّة هذا و يمكن أن يؤيّد بأن مقتضى عمومات الوصيّة وجوب النّفوذ مطلقا و الأخبار الدّالّة على الثّلث لا تشمل مثل المقام ممّا لا يكون حيفا و ظلما على الوارث لاستغنائه ع عن ذلك هذا مع إمكان أن يدّعى أن ما دلّ من الأدلّة على

كونه ع وارث من لا وارث له أنه يرث مالا ضائعا لا محلّ له فلا يشمل المقام عما أوصى به الميّت و عيّن له محللا خاصّا و الجواب أمّا عن الخبرين فهما و إن كانا أخصّ من المطلقات الدّالة على الرّد إلى الثّلث إلا أنّهما لا يقاومانهما لأن كثرة هذه الإطلاقات و عدم الإشارة إلى التّقييد في شي‌ء منها يصير كالنّصّ في التّعميم خصوصا إذا كان بمثل هنا العبارة الميّت لا مال له إلا الثّلث مع أنّه يحتمل أن يكون المراد من المال في خبر السّكوني الثّلث و يمكن حمله على الإذن من الإمام ع لأنه هو الوارث فليس من باب بيان الحكم الكلي و أمّا الخبر الآخر فلا يمكن العمل به بظاهره و هذا موهن قويّ له بل نقول إذا طرحنا التفصيل بين الولد قبل الوصيّة و الولد بعدها فلا يبقى دلالته فيه على حكم من لا ولد له مع أن المدار ليس على الولد بل على الوارث كائنا من كان و كيف كان فهذا الخبر مخالف لما ذكراه نعم حكي في الوسائل عنهما العمل بظاهره لكن الحكاية قوله لإمكان دعوى كونه خلاف الضّرورة من المذهب و يمكن أن يقال أن المراد من الخبر جواز الوصيّة من غير كراهة إذا لم يكن له ولد حال الوصيّة و الكراهة إذا كان له ولد فالمراد من الجواز فيه ليس هو النفوذ بل عدم الكراهة حيث إنّ الوصيّة بما زاد عن الثلث مكروهة فالخبر دليل على عدم الكراهة إذا لم يكن له ولد حال الوصية فتدبّر ثم إنه لا فرق بين الوصيّة التمليكيّة و العهديّة في ذلك بناء على جعل الثّاني من الوصيّة أيضا و عدم اختصاصها بالتّمليكيّة كما هو الحق بل هو أولى في صدق الوصيّة عليه لغة كما لا يخفى و إلا فيكون الثّانية قسما مستقلا و على أيّ حال لا إشكال في خروجه من الثّلث كالأوّل فالوصيّة بالعتق و الإبراء و الوقف و الصّدقة و نحوها مثل التمليك بعد الموت و هذا واضح جدا بل و كذا الحال في الإيصاء إذا استلزم تضرّر الوارث بأزيد من الثّلث كما إذا أوصى إلى رجل بالتّصرّف في ماله أو جعل قيما على أطفاله و عين له أجرة زائدة على ما يستحق فإنّ الزّيادة تخرج من الثلث هذا و أما لو أوصى بالتّصرّف في جميع أمواله على وجه المعاوضة بما لا يستلزم الإضرار على الوارث فهل هو نافذ في تمام المال أو في خصوص الثّلث وجهان مبينان على أن المدار على خصوص ما يكون مضرّا بحال الوارث من حيث الماليّة أو ليس للموصي إلّا التّصرّف في ثلث ماله و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّٰه

و أما الوصيّة بالواجب المالي

اشارة

كالدّين و الخمس و الزّكاة و الكفارات

و الحج و نذر الصّدقة أو الحج أو الزّيارات و نحوها فلا خلاف في خروجها من الأصل في الجملة بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه و يظهر من بعضهم أنّه من المسلمات كالسّيّد في الرّياض و صاحب الكفاية و غيرهما ممّن ناقش في خروج الحج النّذري من الأصل بأنه ليس من الواجب المالي ردا على من استدلّ على كونه من الأصل بذلك حيث يظهر منهم مفروغيّة الحكم في الواجب المالي نعم عن الكفاية تخصيص ذلك بالحج و الزكاة الواجبين قال و الحجة في غيرهما غير واضحة لكنه نسب التّعميم إلى الأصحاب كافة

[في خروج الدين من الأصل]

و كيف كان لا ينبغي التّأمّل و الإشكال في خروج الدّين من الأصل بل هو ضروري المذهب و يدلّ عليه الآية و النّصوص سواء كان مالا أو عملا في الذّمّة كما إذا آجر نفسه لإيجاد عمل في الخارج و إن كان مثل الصّوم و الصّلاة فمات قبل الإيجاد فإنه يجب إخراجه من صلب ماله إذا لم يتعلّق الغرض بالمباشرة و إلا فيبطل الإجارة و يكون عليه الأجرة المسمّى إذا أخذها و كذا لا إشكال في مثل الخمس و الزكاة إذا قلنا بتعلقهما بالذّمة أو تلفت العين و تعلّقا بذمة الميّت بل هما دين حقيقة و أما إذا قلنا بتعلّقهما بالعين و كانت موجودة فيتعلّق بها حق صاحبهما و كذا لا إشكال في حجة الإسلام و عليه الإجماع محصّلا و منقولا مستفيضا و لا ينوط ذلك بكونه من الواجب المالي بل لو ناقشنا في ذلك أيضا كان خارجا من الأصل و يدلّ عليه بعد الإجماع النّصوص الكثيرة المصرّحة بذلك منها حسن الحلبي عن الصّادق ع يقضى عن الرّجل حجة الإسلام من جميع ماله و منها خبر سماعة عنه ع عن الرّجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص أيضا و هو موسر قال يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك و منها حسنة معاوية بن عمار قلت له رجل يموت و عليه خمسمائة درهم من الزّكاة و عليه حجة الإسلام و ترك ثلاثمائة درهم و أوصى بحجة الإسلام قال يحج عنه من أقرب ما يكون و يرد الباقي في الزّكاة و مثلها ما عن الشّيخ في التهذيب عن أبي عبد اللّٰه ع في رجل مات و ترك ثلاثمائة درهم و عليه من الزكاة سبعمائة درهم فأوصى أن يحج عنه قال يحج عنه من أقرب المواضع و يجعل ما بقي في الزكاة و منها صحيح عليّ بن رباب عن الصّادق ع في رجل أوصى أن يحج عنه حجة الإسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما قال يحج عنه من بعض المواقيت الّتي وقت رسول اللّٰه ص من أقرب و منها صحيح الحلبي عن أبي الحسن ع و إن أوصى أن يحج عنه حجة الإسلام و لم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت إلى غير ذلك من النّصوص المتفرقة في الأبواب و أمّا في بقيّة الواجبات الماليّة فنقول يمكن أن يستدلّ على كونها من الأصل مضافا إلى ظهور الإجماع المؤيّد بالشّهرة و الإجماع المنقول عن الغنية و الكفاية بصدق الدّين عليها عرفا إذ ليس المناط فيه إلا كونه مطلوبا بال أو عمل سواء كان الطّالب هو اللّٰه أو غيره غاية الأمر أن الأول يسمّى دين اللّٰه و الثّاني دين النّاس و حينئذ فيشمله عموم ما دلّ على وجوب كون الدّين من الأصل و الانصراف إلى دين النّاس ممنوع هذا مع إمكان دعوى صدق دين النّاس على مثل نذر الصّدقة و إعطاء شي‌ء للفقراء أو العلماء أو شخص معيّن من أحد الأصناف و كذا الكفارات فعلى فرض تسليم عدم صدقه بالنّسبة إلى الحج و الزّيارات و نحوهما لا يسلم ذلك فيما ذكروا مع الإغماض عن ذلك يمكن أن يدعى تنقيح المناط في الدّين إذ بعد اشتغال ذمّته بما هو حق النّاس أو حقّ اللّٰه و إمكان تأديته بماله الّذي هو أولى به من وارثه يجب التأدية و لذا يصرف ديته في دينه لأنه أولى به من غيره و الحاصل أن ماله الّذي كان له في حياته أنما ينتقل إلى وارثه من جهة أنه كأنه هو و إنما يصرف في دينه من جهة أولويّته بماله مع حاجته إليه و هو صرفه في دينه و إبراء ذمّته فينبغي أن يكون كذلك بالنّسبة إلى غير الدّين عمّا يكون فيه مناطه فتأمل هذا مضافا إلى التّعليل في بعض الأخبار كقول الصّادق ع في حسنة معاوية بن عمار في رجل توفي و أوصى أن يحج عنه قال إن كان صرورة فمن جميع المال أنه بمنزلة الدّين الواجب و إن كان قد حج فمن ثلثه فإن الظّاهر منه أن كلّ ما هو بمنزلة الدّين يخرج من الأصل و من المعلوم أن جميع الواجبات الماليّة يصدق عليها هذا التّنزيل عرفا و دعوى أنّه ليس في مقام إعطاء القاعدة بل غرضه إنشاء الحكم بالمنزلة في خصوص الحج كما ترى و كذا دعوى عدم صدق المنزلة عرفا بالنّسبة إلى الواجبات الماليّة و يمكن أن يستدلّ أيضا بقوله ص في خبر الخثعميّة إن دين اللّٰه أحق بالقضاء يقضى فإن مقتضى أحقيّة دين اللّٰه بالقضاء أمر دين الناس كونه مثله في الخروج من الأصل و إلا فلو كان عليه دين النّاس و دين اللّٰه أيضا و أخرج

الأول من الأصل دون الثّاني يكون منافيا لكونه أحق منه حيث إنه أخرج و قضى دونه فإن قلت إن ما ذكرت أنما يتم إذا صدق على المذكورات أنها دين اللّٰه و هو يتوقف على ثبوت كونها مثل الدّين مما له جهة وضعيّة زائدا على وجوبها فمجرد وجوب شي‌ء و إن كان ماليا لا يجعله دينا و في مثل حجة الإسلام قد ثبت جهة الوضعيّة و اشتغال الذّمة به على نحو الدّيون مع قطع النّظر عن حيثيّة التكليف و لم يثبت ذلك في المذكورات و لا يمكن إثباته أيضا قلت سلمنا توقف صدق الدّين على ثبوت الوضعيّة و إن مجرّد التكليف لا يكفي في ذلك لكن نقول إن هذا المعنى متحقق في المذكورات إذ المفروض اشتغال الذّمة بها و لذا يجوز التبرّع بأدائها و يصحّ مع الوصيّة و كفاية الثّلث لها فليست تكليفا محضا و إلا وجبت سقوطها بمجرّد الموت و عدم القدرة على الامتثال نعم لو شك في بعض الموارد أنه كذلك أولا لا يلحقه الحكم ثم إنه لا فرق في الواجب المالي بين أن يوصى به أولا فعلى التّقديرين يخرج من صلب المال و دعوى أنه على الأول يشمله عموم ما دلّ على أن الوصيّة من الثّلث مدفوعة بمنع الشّمول للمقام بل هو مختصّ بما كان للوصيّة مدخليّة في الإخراج بحيث لولاها لم يخرج فلا يشمل المقام فتحصّل أن جميع الواجبات الماليّة خارجة من الأصل على تقديري الوصيّة و عدمها و منها الحج المنذور فهو أيضا كذلك و كذلك الزّيارة المنذورة من بعيد فالمراد بالواجب المالي ما توقف نوعا على بذل المال و لذا ذهب المشهور إلى إخراج الحج المنذور من الأصل و عن المدارك إسناده إلى قطع الأكثر و عن كاشف اللّثام نسبته

إلى قطعهم و استدلّوا على ذلك بكونه من الواجب المالي و لكن ناقشهم في المدارك بأنه ليس كذلك إذ ليس بذل المال داخلا في ماهيّته و لا من ضروريّاته و توقفه عليه في بعض الصّور كتوقف الصّلاة عليه على بعض الوجوه كما إذا احتاج إلى شراء الماء أو استيجار المكان و السّاتر مع القطع بعدم وجوب قضائها من التّركة قال و ذهب جمع من الأصحاب إلى وجوب قضاء الحج من الثّلث و مستنده غير واضح و بالجملة النّذر أنّما تعلّق بفعل الحجّ مباشرة و إيجاب قضائه من الأصل أو الثّلث يحتاج إلى دليل و تبعه على ذلك كاشف اللّثام و سيّد الرّياض و يمكن أن يقال يكفي في صدق كونه واجبا ماليّا و دينا ماليّا إلهيّا كونه موقوفا على بذل المال عادة و نوعا بخلاف مثل الصّلاة فعلى هذا يشمله ما دلّ على خروجه من الأصل إن خصّصناه بالواجب المالي نعم ذهب جماعة من الأصحاب كأبي علي و الشّيخ في التهذيب و المبسوط و ابني سعيد في الجامع و المعتبر إلى خروجه من الثّلث و إن لم يوص به لصحيح ضريس سئل أبا جعفر ع عن رجل عليه حجة الإسلام و نذر نذرا في شكر ليحجن رجلا إلى مكة فمات الّذي نذر قبل أن يحج حجة الإسلام و من قبل أن يفي بنذره قال إن ترك ما لا يحج عنه حجة الإسلام من جميع المال و أخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره و قد وفى بالنّذر و إن لم يترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الإسلام حج عنه بما ترك و يحجّ عنه وليّه حجة النّذر أنّما هو مثل دين عليه و صحيح ابن أبي يعفور سئل الصّادق ع عن رجل نذر للّه إن عافى اللّٰه ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت اللّٰه الحرام فعافى اللّٰه الابن و مات الأب فقال ع الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده قال هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه فقال هي واجبة على الأب من ثلثه أو يتطوّع ابنه فيحج عن أبيه و صحيح مسمع ابن عبد الملك عن الصّادق ع قلت لأبي عبد اللّٰه ع كانت لي جارية حبلى فنذرت للّه تعالى إن هي ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه فقال إن رجلا نذر للّه في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتى رسول اللّٰه فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّٰه ص أن يحج عنه ممّا ترك أبوه و هذه الأخبار كما ترى أجنبيّة عن مدّعاهم فإنها واردة في نذر الإحجاج و هو واجب ماليّ بلا إشكال و الاستدلال بفحواها فرع العمل بها في موردها و الظّاهر عدمه فلا بدّ من طرحها أو تأويلها بما عن المختلف من حمل الصّحيحين الأولين على النّذر في مرض الموت بناء على كون المنجزات من الثّلث و يمكن حمل الثّالث أيضا عليه أو بما عن منتقى الجمان من حملهما على النّدب المؤكّد الّذي قد يطلق عليه الواجب و لعلّه لعدم ظهورهما بل الثّالث أيضا في الموت بعد التمكن من النّذر بل يمكن دعوى ظهور الجميع في الموت قبل الوجوب فلا يبعد إرادة النّدب المؤكد إذ يشترط في الوجوب استقرار الحجّ في ذمته كما يأتي الإشارة إليه فلا يمكن بمجرّد هذه الأخبار رفع إليه عن مقتضى القاعدة من الخروج عن الأصل إن قلنا بكونه واجبا ماليّا و من عدم الخروج أصلا إن لم نقل إلا إذا أوصى فلا وجه للحكم بالخروج من الثّلث مع عدم الوصيّة و الأقوى ما عرفت أولا من الخروج من الأصل سواء أوصى أو لم يوص نعم يمكن المناقشة في ذلك بإطلاق الخروج من الثّلث مع الوصيّة فيما عدا حجة الإسلام في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه ع ثم قال سألته عن رجل مات و أوصى أن يحج عنه قال إن كان صرورة حج عنه من وسط المال و إن كان غير صرورة فمن الثلث و حسنته المتقدّمة فإن ظاهرهما الفرق بين حجة الإسلام و غيرها و لكن يمكن دعوى ظهور إرادة الحج النّدبي فيكون من الوصيّة التبرّعيّة لا أقلّ من الشّكّ فالقاعدة محكمة مع أن التّعليل في ذيل الحسنة يدور بداره التّعميم و التخصيص على ما بين في محلّه فلا إشكال من جهتهما أيضا

[في أن الواجب البدني من الثلث]

و أما الواجب البدني كالصّلاة و الصّوم و نحوهما في غير الاستيجار بين إذ هما من الواجبات الماليّة كسائر الأعمال الواجبة بالاستيجار كما أشرنا إليه آنفا فالمعروف بينهم خروجه من الثّلث إذا أوصى به و عدم الخروج أصلا مع عدم الوصيّة و عن الدّروس و الذكرى و جامع المقاصد عن بعضهم أنه أيضا يخرج من الأصل كالمالي و هو ظاهر المحقق في المختصر النافع و الشرائع بل حكي عن ظاهر الغنية و السرائر و غيرها مما طلق فيه الواجب الخارج من الأصل من غير تقييد بالمالي و ربما يقال إن هذا الإطلاق موجود في عشرة كتب أو أكثر و نفي عنه البأس في محكي الدّروس و في الجواهر المتجه إن لم ينعقد إجماع على خلافه إلحاقه بالواجب المالي في الإخراج من صلب المال إذا لم يكن له وليّ يخاطب بما يفوت المولى عليه من صوم أو صلاة و إلا خوطب هو به ما لم يوص الميّت بإخراجه من ثلثه قلت و ما ذكره هو الأقوى و الإجماع غير متحقق بعد ما عرفت من الإطلاق في كثير من الكتب و نفي البأس عنه في الدّروس و نقله عن بعضهم فلا بدّ من الرّجوع إلى ما تقدّم في الواجب المالي من صدق الدّين و إن دين اللّٰه أحق أن يقضى و التّعليل في حسنة معاوية المتقدّمة نعم إذا كان له ولي مخاطب به فلا يكون دينا عليه بل هو دين على الولي فلا يجب الإخراج من ماله و إن أوصى به يكون من الوصيّة التبرعية

بقي هنا أمور
الأوّل

بناء على القول بخروج غير المالي أيضا من الأصل لا إشكال فيمن وجب عليه الحج و هو من أهل مكة و أما بناء على الفرق بين الواجب المالي و غيره فهل هو ملحق بالمالي أو بغيره حيث إنه لم يحتج إلى بذل المال في حقّ الميّت الظّاهر الأول إما لأنه أيضا مالي حيث إنه يحتاج إلى أجرة الدّابة و ثمن الأضحيّة و إمّا لإطلاق أدلّة كون حجة الإسلام من الأصل و منع الانصراف إلى الآفاقي الثّاني إذا نذر فعلا من أفعال الخير بحيث كان عليه كلّي فعل الخير مخيرا بين مثل العتق و الصّوم و الصّلاة و الصّدقة و نحوها فمات فبناء على عدم الفرق بين المالي و غيره لا إشكال و بناء على الفرق هل يجب الاستيجار و يكون من الأصل على فرض الوصيّة أولا الأقوى

الثّاني

لعدم صدق اشتغال ذمته بواجب مالي لأنّه ليس عليه إلا الكلي و لا يكون من الواجب المالي و إن كان بعض أفراده ذلك و أما لو كان عليه كفّارة مخيّرة بين الصّوم و الإطعام و العتق و أوصى بالعتق و الإطعام فعلى التّحقيق في التّخيير الشّرعي من وجوب الكلّ عليه تخييرا لا الواحد لا بعينه أو معيّنا عند اللّٰه يصدق أنه أوصى بواجب مالي و على القول بكون الواجب هو الكلي و الواحد لا بعينه أو معيّنا لا يكون من الأصل لعدم الصّدق و لكن يشكل بأن لازم ذلك جواز الإخراج من الأصل على فرض عدم الوصيّة أيضا و هو مشكل إلا أن يقال بالالتزام به أيضا لأنّه

مقتضى القاعدة بعد صدق كون ذمّته مشغولة بالواجب المالي غاية الأمر أنه يجوز للوصي أو الوارث اختيار الواجب الغير المالي و إبراء ذمّته فيسقط وجوب إخراج المالي و حينئذ فيتعيّن عليهم اختيار الواجب المالي بمعنى أنه هو الّذي يتعلّق بماله لكن لهم تفويت الموضوع بإبراء ذمته منه بأن يأتوا بالبدني فالواجب هو الأوّل و الثّاني مسقط بالنّسبة إليهم و إن كان طرفا للتّخيير بالنّسبة إلى الميّت نظير كون الحاضر مكلفا بالصّوم وجوبا عينيّا مع جواز إسقاطه باختيار السّفر فإنه ليس مخيّرا بين الصّوم و السّفر بل الثّاني مسقط للتّكليف العيني فإن قلت مقتضى كون الميّت مخيرا كون الوصي و الوارث أيضا كذلك فلهم أن يختاروا العتق و يخرجوه من الأصل و أن يختاروا الصّيام و لا يخرجوه أصلا فلا وجه لكونه واجبا عليه مخيرا و تعينه بالنّسبة إليهم قلت لا معنى للتّخيير بالنّسبة إليهم إذ يرجع إلى كونهم مخيرين بين الفعل و التّرك فبالنّسبة إلى الميّت لما كان الجميع واجبا كان الصّوم طرفا للتخيير و أما بالنّسبة إليهم فالمفروض عدم وجوبه فلا يبقى التّخيير بحاله و لا معنى لوجوب إخراج الصّوم أيضا بعد فرض اختصاص الوجوب بالواجب المالي فلا يبقى إلا أن يقال بوجوب خصوص المالي و كون البدني مسقطا و مع عدمه إما أن يقال بوجوب البدني أيضا و هو خلاف الفرض أو يقال بعدم وجوبه أصلا و لا معنى لبقاء التّخيير حينئذ و لا ينافي ما ذكرنا كون ذمّة الميّت مشغولة بعد الموت أيضا على نحو التّخيير فإنا نقول إن الواجب التخييري بالنّسبة إليه يتعيّن بعض أطرافه للإخراج لصدق الدّين عليه دون الطّرف الآخر لعدم الصّدق و لكن لا يخرج الآخر عن كونه مبرئ للذّمّة و مسقطا للواجب على فرض اختياره سواء أتوا به تبرعا أو بالاستيجار هذا كلّه بناء على كون الواجب كلّ واحد من الأطراف و إن نحو الوجوب التّخييري غير نحو الوجوب العيني لأنه مشوب بجواز التّرك إلى بدل و أمّا على الأقوال الأخر فقد عرفت أنه لا يجب شي‌ء مع عدم الوصيّة و يخرج من الثّلث على فرضها سواء أوصى بالماليّ أو بغيره و يحتمل بعيد أن يقال إنه لو اختار البدني يخرج من الثّلث و لو اختار المالي يخرج من الأصل و لكنه كما ترى بل الأقوى أنه من الثّلث مطلقا بناء على سائر الأقوال على القول بالفرق بين المالي و البدني

الثّالث

إذا أوصى بكلي يتفاوت أفراده في القيمة أو كان الواجب عليه الخارج من الأصل كذلك فهل يتخير الوصي في الأفراد ما دام الثّلث وافيا في الأول و ما دام المال موجودا في الثّاني أولا بل يتعيّن أقلّها قيمة أو يؤخذ بالمتعارف وجوه و ذلك كما إذا كان الواجب عليه أو الموصى به عتق رقبة و كان أفرادها مختلفة القيمة و الكلام فيما إذا لم يجعل الأمر بيد الوصي و بنظره في صورة الوصيّة و إلا فلا إشكال في جواز اختيار الفرد الكثير القيمة ما دام الثلث متحملا و المسألة سيالة في غير المقام أيضا كالكفر و نحوه ممّا يحتاج إليه في الميّت تجهيزه فهل يجوز اختيار الكفر الثمين مع عدم رضا الوارث أو كونه صغيرا أو مجنونا أولا و كذا الكلام بالنّسبة إلى رعاية المستحبّات في ذلك العمل كما إذا أوصى بالصّلاة فيجي‌ء الكلام بالنّسبة إلى الأذان و الإقامة و سائر المستحبّات إذا احتاج إلى زيادة أجرة و كما في مستحبّات الكفن و إلا وجه في المقام هو الاقتصار على أقل الأفراد و أقلّ الواجب لأنّه مقتضى مطلوبيّة الكلّي فليس للوصي أو الولي أو الحاكم الشّرعي إجبار الوارث على الأزيد و المفروض عدم جعل أمر التّعيين بيده ليكون مخيرا في الأفراد و مجرّد صدق الكلي على كلّ واحد من الأفراد لا ينفع في ذلك نعم لا يجب اختيار الأفراد النّادرة الغير المتعارفة مثل العبد المسنّ المريض القريب إلى الموت الّذي يكون قيمته قليلة في الغاية نعم في مسألة التكفين و نحوه يمكن أن يدّعى كون الأمر بيد الولي من جهة الإطلاقات و الأدلّة الدّالّة على استحباب بعض القطع و كذا في مقام يكون كذلك فإن الظّاهر كما اعترف به في الجواهر أن نحو ذلك من المستحبّات الماليّة الّتي خوطب بها الولي نظير استحباب خروج الزكاة من مال الطّفل و لذا أطلق جملة من الأصحاب كون الكفن من أصل التّركة نعم قيده في التّذكرة بالواجب منه فيظهر منه أن المندوب يحتاج إلى رضا الوارث و به صرّح في المعتبر و جامع المقاصد و الأقوى ما عرفت من أنّ الظّاهر من الأدلّة تعلّق حق الميّت بمقدار الكفن بالنّسبة إلى الواجبات على وجه الوجوب و بالنّسبة إلى المستحبّات على وجه الاستحباب و أن المخاطب و المكلّف هو الولي و لازم جواز اختيار الفرد الكثير القيمة على إشكال فيه إذا لم يكن ممّا يستحبّ اختياره و هذا بخلاف المقام حيث إن هذا المعنى غير متحقق فيه فليس إلا وجوب إبراء ذمّته الميّت من الواجب الّذي يكون دينا أو بمنزلة الدّين عليه فلا يستفاد تخيير و لا تعلق حق إلا بمقدار الكلّي بما هو كلّي فلا يلزم الوارث إلا بأقلّ الأفراد قيمة بل الظّاهر أنّ الحال كذلك لو كان ما وجب عليه ممّا يكون فيه التّخيير الشّرعي كخصال الكفارة فلا يجوز إلزام الوارث بأكثرها قيمة و إن كان كلّ منها يصدق عليه أنه واجب عليه بالخصوص بناء على التّحقيق من كون كلّ واحد منها واجبا بالوجوب التّخييري و ذلك لعدم ثبوت التّخيير بالنّسبة إلى غير الميّت في اختيار تلك الخصال بل الواجب استيجار أحدها تفريغا و لذمّته و هذا لا ينافي كون الأكثر قيمة محتاجا إلى رضا الوارث

الرّابع

لا إشكال في أنّه يعتبر في وجوب إخراج الواجب عن ماله و كونه من الأصل أن يكون ذلك ثابتا في ذمّته حال موته و هذا موقوف على استقرار ذلك الواجب عليه و يتوقف ذلك على مجي‌ء زمان الفعل و هو مستجمع للشّرائط ففي مثل النّذر يعتبر أن يكون حيّا إلى زمان حصول المعلّق عليه إذا كان نذره معلّقا و مجي‌ء زمان الفعل إذا كان موقتا و كان مع ذلك قادرا على الإتيان بالمنذور فمات قبل الإتيان و إلا فلو مات قبل حصول المعلّق عليه أو قبل مجي‌ء الوقت أو قبل التمكن لم يستقر في ذمّته و لا يكون دينا عليه فلا يخرج من ماله و في مثل الصّلاة تعتبر أن يكون تاركا لها مع دخول الوقت و مضي مقدار الصّلاة و في مثل الصّوم يعتبر دخول الشّهر عليه و هو متمكن من الفعل فلو كان مريضا و لم يبرأ منه لم يجب القضاء و كذا لو تبرأ و لم يتمكن من القضاء حتّى مات نعم لو مات مسافرا وجب القضاء و في حجة الإسلام يعتبر بقاؤه مستطيعا إلى آخر زمان الحج فلو مات في العام الأوّل قبل آخر الوقت أو زوال استطاعته كذلك لم يستقر و هذا هو المعروف فيما بينهم و هو مقتضى القاعدة أيضا و ربما يحكى عن التّذكرة

أنّه يكفي مضي زمان يمكن فيه تأدي الأركان خاصّة و لا وجه له و قد يحكى عنه كفاية مضي زمان يمكنه فيه الإحرام و دخول الحرم و يحكى عن بعضهم كفاية ذلك إن زالت الاستطاعة بالموت و لا وجه له أيضا و كفايته عن الميّت لو كان أحرم و دخل الحرم ثم مات أنّما هو بدليل خاصّ فلا دلالة فيه على أن ذلك معيار الاستقرار و إن لم يتلبّس فعلا هذا و ربما يمنع اعتبار الاستقرار في الحجّ أصلا و إنه لو استطاع ما لا ثم مات و لو في العام الأوّل قبل مضي الوقت وجب القضاء من ماله لإطلاق بعض الأخبار كصحيحة ضريس في رجل خرج حاجّا حجة الإسلام فمات في الطّريق قال إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام و إن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجة الإسلام و صحيحة العجلي عن رجل خرج حاجا و معه حمل له و نفقة و زاد فمات في الطّريق فقال ع إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الإسلام و إن كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم جعل حمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الإسلام و مال إلى هذا القول جماعة كصاحب المدارك و الذخيرة و المفاتيح و شرحه و المستند و ربما ينسب إلى الشّيخين و المحقق و لا ريب في كونه خلاف القواعد و الصّحيحان غير صريحين بل و لا ظاهرين إذ يحتمل قريبا أن يكون ذلك لأجل استقرار الحجّ في ذمّته و ربما حملا على النّدب ثمّ بناء على العمل بهما ينبغي الاقتصار على موردهما فلا يتعدى إلى من لم يخرج حاجا أصلا فهما أخصّ من المدعى و تمام الكلام في تشخيص الصّغرى في محالّها و الغرض الإشارة إلى أنّ المعتبر فعليّة الاشتغال حين الموت و إنّه بمقتضى القاعدة منوط بثبوت التكليف الفعلي مع اجتماع الشّرائط و فواته إلا أن يثبت من الخارج ثبوت القضاء مع عدمه أيضا

الخامس إذا كان على الميّت واجب فهل يجب عليه الوصيّة به

الظّاهر وجوب أحد الأمرين من الإعلام أو الإيصاء إذا كان ممّا يخرج عن الأصل لأن المفروض أنه مع عدم الوصيّة أيضا يجب الإخراج و وجوب خصوص الوصيّة إذا لم يكن كذلك بأن كان واجبا غير مالي و قلنا بعدم خروجه من الأصل و الوجه في الوجوب أنه مقتضى القاعدة العقليّة من وجوب الخروج عن عهدة ما في الذّمّة بعد ثبوته فيها على ما هو المفروض و كونه تكليفا مباشريّا حال الحياة و المفروض عدم القدرة بعد الموت لا ينافي ما ذكرنا و ذلك لأن ذمّته مشغولة بدين للنّاس أو للّه علي ما هو المفروض إذ المفروض أن له جهة وضعيّة فلا ينافي موته لبقائه في ذمّته و يمكنه الخروج عن العهدة فيجب عليه التّفريغ بل يمكن أن يقال إن ذلك من قبيل تعدّد المطلوب بمعنى أنه يجب عليه الإتيان بالفعل مباشرة و مع عدم إمكانه كما في حال موته فيجب عليه تحصيل ذلك الفعل في الخارج و لو بالأمر بالاستيجار و يمكن أن يستدلّ على الوجوب مضافا إلى ما ذكرنا بقوله ع الوصيّة حقّ على كلّ مسلم و مسلمة و ربّما يقال بعدم الوجوب للأصل خصوصا إذا لم يكن مقصرا في فوات التكليف و لعلّ النّظر إلى غير مثل دين النّاس فإنّه لا ينبغي التّأمّل في وجوب السّعي في أدائه بإعلام أو وصيّة أو نحو ذلك هذا كلّه إذا كان له مال يمكن تفريغ ذمّته منه و أما مع عدمه فهل يجب الإعلام لاحتمال تبرع متبرّع أولا وجهان

السّادس إذا أوصى بواجب يخرج من الأصل و علم الوارث بكونه في ذمّته

فلا إشكال و أمّا إذا لم يعلم ذلك إلا من قبل وصيّته فهل يخرج من الأصل بمجرّده أو يلحق بالإقرار في مرض الموت فيأتي فيه الأقوال الآتية وجهان و الظّاهر الأوّل للشّك في شمول أدلّة الإقرار لمثل المقام الّذي ليس من الإقرار ابتداء بل هو إنشاء للوصيّة و كونه إقرارا ضمني هذا إذا كان الواجب ممّا يتعلّق بحق النّاس كالخمس و الزكاة و الكفّارات و أمّا إذا كان مثل الصّوم و الصّلاة فلا ينبغي الشّك في عدم لحوقه بالإقرار و تمام الكلام في أن مفاد أدلّة الإقرار أي مقدار و هل يشمل مثل المقام أو لا سيأتي إن شاء اللّٰه

السّابع لو أوصى بواجب من جهة اعتقاده اشتغال ذمته به

و كان الوارث معتقدا لخطائه في ذلك و إنّه ليس عليه شي‌ء فهل يجب الإخراج من الأصل بناء عليه أولا بل يخرج من الثّلث لأنه راجع إلى التّبرعيّة باعتقاد الوارث أولا يجب إخراجه أصلا لأن أصل الوصيّة مبني على اعتقاد خطاء فلا اعتبار بها وجوه و هذه المسألة نظير مسألة وجوب القضاء على الوليّ فيما إذا اختلف اعتقاده و اعتقاد الميّت و الحقّ أن يقال إن علم بخطاء الميّت في هذا الاعتقاد فلا يجب شي‌ء و إن ظنّ ذلك اجتهادا أو تقليدا فالمدار على اعتقاد الميّت إن رجع إلى الاختلاف في الاجتهاد في الحكم الشّرعي و ذلك لأن ظنه الحاصل من الاجتهاد أو التّقليد حجة شرعيّة و مقتضاه كونه مشغول الذّمة و ظن الوارث أيضا و إن كان كذلك و مقتضاه عدم الشّغل إلا أنه لا يعتبر إلا بالنّسبة إلى نفسه و لا يثمر في حق الغير و إن كان ناظرا إلى الواقع و هو لا يتفاوت بالنّسبة إلى الأشخاص لأن القدر المسلم من اعتباره أنّما هو في حق نفسه لا في حق الغير إذ بالنّسبة إليه معارض بالمثل لأن كلّا من الظّنين يشمله أدلّة الاعتبار و إذا كان كلّ منهما معتبرا في محلّه و في حقّ صاحبه فلازمه كون الميّت مديونا شرعا فلا بدّ من إبراء ذمته و إخراج دينه من الأصل و كذلك الحال إذا كان الاختلاف راجعا إلى الموضوعات لكن كان الظّنّ فيها حجّة شرعا فإن المتبع اعتقاده نعم لو لم يكن كذلك بأن اعتقد الميّت من جهة اجتهاده في الموضوعات و ظن الوارث خلافه فحاصله أنه يرجع إلى الشّك في وجوب شي‌ء عليه و عدمه مع عدم الدّليل الشّرعي و الحقّ في المقام عدم الوجوب لأنه راجع إلى الشّبهة المصداقيّة و لا يجوز التمسّك بالعمومات فيها هذا إذا كانت الوصيّة مقيّدة بأن يظهر منها أنه لو لا اعتقاد الوجوب لما أوصى بشي‌ء و إلا فيعتبر من الثّلث فتأمل

و الثّامن

هل الأصل في الوصيّة الزّائدة عن الثّلث النّفوذ إلا أن يعلم كونها تبرعيّة أو الأصل الرّد إلى الثّلث و التّوقّف على الإجازة إلا أن يعلم كونها بواجب وجهان أو قولان فلو قال أعطوا فلانا بعد وفاتي كذا و احتمل كونه تبرّعا و دينا أو زكاة أو خمسا أو نحو ذلك فعلى الأوّل يعمل به و إن زاد عن الثّلث دون الثّاني و محلّ الكلام أنّما هو فيما إذا لم يكن كلامه ظاهرا في كونه من الواجب و إلا فيجي‌ء الكلام السّابق من أنه معتبر أو ملحق بالإقرار و كيف كان يظهر من سيّد الرّياض الأول حيث حمل عبارة عليّ بن بابويه على ذلك كما عرفت و الوجه فيه عموم ما دلّ على وجوب العمل بالوصيّة و حرمة تبديلها مضافا إلى الرّضوي فإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعله و يلزم الوصي إنفاذ وصيّته على ما أوصى به بل يمكن التمسّك

بسائر ما ذكرنا سابقا من الأخبار الدّالة على أن الوصيّة من الأصل بحملها على صورة الشّك كقوله ع الميّت أحق بماله ما دام فيه الرّوح إن أوصى به كلّه فهو جائز لكن الأقوى هو الوجه الثّاني لعدم جواز التّمسّك بالعمومات بعد العلم بكونها مخصّصة بما دلّ على أن الزّائد من الثّلث يتوقف على إجازة الوارث إلا إذا كان واجبا ماليّا أو غيره بناء على التّعميم و الشّبهة مصداقيّة لا يجوز التّمسّك فيها بالعموم على ما بيّن في محلّه فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصول العمليّة و مقتضى الأصل عدم وجوب الإنفاذ لأن الأصل عدم الانتقال إلى الموصى له بالنّسبة إلى الزائد فإن قلت الأصل عدم الانتقال إلى الوارث أيضا فكلّ منهما حادث مدفوع بالأصل عدم الفعل بعد العلم بالانتقال عن الميّت قلت بعد جريان أصالة عدم الانتقال إلى الموصى له و أصالة عدم ترتب الأثر على الوصيّة بالنّسبة إلى الزّائد لا يبقى شك في الانتقال إلى الوارث لأن الحكم بالنّسبة إليه معلّق على مجرّد الأمر العدمي و بعبارة أخرى المقتضى بالنّسبة إليه و هو الوارثيّة و وجود المال للمورث موجود و الوصيّة مانعة و إذا جرى أصل العدم بالنّسبة إليه فيترتب الحكم فلا معارضة بين الأصلين فما نحن فيه نظير ما إذا شككنا في وجود الدّين للميّت المانع من الإرث أو في أنه نقل ماله إلى الغير أولا و من المعلوم أن مقتضى القاعدة إجراء أصالة العدم و الحكم بالإرث فكذا فيما نحن فيه هذا و أمّا الرّضوي و سائر الأخبار فلا وجه للتمسّك بها لعدم ثبوت خبريّة الرّضوي فضلا عن حجيّة و عدم دلالة سائر الأخبار و حملها على ذلك لا يمكن أن يجعل دليلا على الحكم المخالف للأصول هذا و سلك صاحب الجواهر مسلكا آخر في بيان المختار من أن الأصل هو الرّد إلى الثّلث إلا مع العلم بالخلاف و هو أن عموم ما دلّ على النّفوذ معارض بعموم ما دلّ على الرّد إلى الثّلث هو ظاهر في التّوقف على الإجازة بمجرّد اشتمال الوصيّة على الأزيد فيكون الأمر على العكس ممّا ذكره القائل و أصالة النّفوذ لا تعارض حق الغير أي الوارث قال و من هنا قد اشتملت جملة من النّصوص على الحكم بردّ الوصيّة الزّائدة إلى الثّلث بمجرّد صدورها من الموصى كذلك ما لم يعلم سبب من أسباب التّعلق بالأصل و لو من إقراره و لعلّ ذلك هو الأقوى ترجيحا لهذه الأدلّة على تلك و إن سلّم كون التّعارض بينهما من وجه أقول فيه نظر عن وجوه أحدها أن ظاهره جواز التمسّك بالعموم في الشّبهة المصداقية و أنه أنما لم يتمسّك به في المقام من جهة المعارضة و ظهور المعارض في أنه ما لم يعلم الخلاف يحكم بالتّوقف على الإجازة و فيه ما بين في محلّه من أن العمومات ليست متكفلة لبيان حال الموضوعات و لا لبيان الأحكام الظّاهريّة و الواقعيّة معا كما هو لازم التمسّك بها في الشّبهات المصداقية كما لا يخفى الثّاني أن ما ذكره من أن عموم ما دلّ على الرّد إلى الثّلث ناظر إلى أنه بمجرّد الاشتمال على الأزيد يرد إلا إذا علم الخلاف فيه أنه ممنوع بل هو كالعموم السّابق لا يثبت إلا الحكم الواقعي و ليس ناظرا إلى حال الجهل و الشّكّ كما لا يخفى الثالث ما ذكره من كون النّسبة بين الدّليلين عموما من وجه ممنوع بل الأدلّة الدّالّة على التّوقف أخصّ من عمومات النّفوذ كما لا يخفى إلا أنه لا يمكن التّشبّث به بعد كون الشّبهة مصداقيّة إذ محصّل الأمر أنّه يجب إنفاذ الوصيّة إلا إذا كانت أزيد من الثّلث في غير الواجب و الشّكّ أنما هو في أن ما صدر من الموصي من الواجب أو لا فالوجه ما ذكرنا و ما ذكره من أن أصالة النّفوذ لا تعارض حق الغير صحيح إلا أن ثبوت الحق غير معلوم إذ هو مقصور على غير مورد الوصيّة بالواجب فتدبّر ثم لو ثبت ما ذكره من أن النّصوص ظاهرة في الحكم برد الوصيّة بمجرّد الاشتمال على الزّائد ما لم يعلم سبب الخلاف لم يحتج إلى هذا التّطويل إذ من المعلوم حكومته على عموم الدّليل النّفوذ و لو قلنا بجواز التمسّك بالعموم في الشّبهة المصداقية فتدبّر

التّاسع لا يخفى أنّ الوصيّة الواجبة غير الوصيّة بالواجب

فلا يعتبر الأوّل من الأصل فلو نذر الوصيّة للفقراء بشي‌ء فيجب عليه الوصيّة و بعد ذلك حاله حال سائر الوصايا التبرّعيّة إذ هي لا تخرج بذلك عن كونها تبرعيّة و هذا نظير ما لو شرط في ضمن عقد لازم أن يوكل في بيع داره فالواجب عليه مجرّد التّوكيل و لا يمنع ذلك عن جواز العزل بعد ذلك و سيجي‌ء خلاف بعضهم في ذلك و بعض الكلام فيه ثم لا يخفى أن ما يخرج من الأصل لا يتفاوت حاله في الوصيّة به و عدمها فبعد المعلوميّة يخرج من الأصل و إن لم يوص بل لو أوصى بالإخراج من الثّلث يخرج منه إذا وفى و إذا لم يف فالزّائد يحسب من الأصل بل لو أوصى بعدم الإخراج أصلا أيضا أخرج من الأصل ثم إنه لا فرق في خروج الوصيّة من الثلث أو الأصل بين كونها في حال الصّحة أو المرض و هذا كلّه واضح ثم لا فرق في خروج الواجب من الأصل بين ما لو قلنا بكون المنجزات من الأصل أو الثّلث فعلى الثّاني أيضا يخرج من الأصل لأنّه دين أو بحكمه و هو مقدم على الإرث و هذا كلّه واضح

العاشر إذا توقف العمل بالوصيّة أو إخراج الواجب على بذل مال غير الموصى به

و أجرة الواجب يجب صرفه ما دام الثّلث وافيا في الأوّل و أصل المال متحملا في الثّاني إلا أن يصدق عليه الضّرر فلو توقف استيجار الحج على بذل مال لبعض الظّلمة أو غير ذلك ممّا يعد ضررا ففي الوجوب إشكال و كذا بالنّسبة إلى العمل بالوصيّة فما يكون من قبيل المقدّمات يجب صرفه و إن لم يكن من الموصى به و كان التّوقف نادرا اتفاقيّا و ما يكون من المساعدة بالظّالم يشكل وجوبه لقاعدة نفي الضّرر فتدبّر

و أمّا القسم الثّاني و هو التّدبير

فلا إشكال و لا خلاف في خروجه من الثّلث و عليه الإجماع بقسميه و النّصوص به مستفيضة أو متواترة و لا فرق بعد التّصريح فيها بكونه من الثّلث بين ما قلنا إنّه عتق معلّق أو قلنا إنه وصيّة أو قلنا إنه إيقاع مستقل و لا فرق أيضا من أن يوقعه في حال الصّحة أو المرض هذا إذا كان معلّقا على موت المولى و أما إذا علقه على موت المخدوم أو الزّوج بناء على صحّته فيهما كما هو المعروف بينهم و يدلّ عليه صحيحة يعقوب ابن شعيب في الأوّل و خبر محمّد بن الجهم المنجبر بالشّهرة و برواية الحسن بن محبوب عنه الّذي هو من أصحاب الإجماع في الثاني ففي الأوّل سألت أبا عبد اللّٰه ع عن الرّجل يكون له الخادم و يقول هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة فسابق الأمة قبل أن يموت الرّجل

بخمس سنين أو ستّ سنين ثم يجدها ورثته أ لهم أن يستخدموها بعد فقال لا إذا مات الرّجل فقد عتقت و في الثّاني سألت أبا الحسن موسى ابن جعفر ع عن رجل زوج أمته من رجل آخر و قال لها إذا مات الزّوج فهي حرة فمات الزّوج قال إذا مات الزّوج فهي حرة تعتد عدة المتوفى عنها زوجها و لا ميراث لها لأنّها أنما صارت حرة بعد موت الزّوج و عن الكفاية أنه أسند الحكم في الثّاني إلى الصّحيح محمّد بن مسلم و هو مؤيّد آخر للخبر خلافا لابن إدريس حيث خص الحكم بموت المولى و لم يعمل بالخبرين و ما أبعد ما بينه و بين ما عن بعضهم من صحّة التّعليق على موت غير الآدمي أيضا و كيف كان فبناء على الصّحة هل يخرج من الأصل أو الثّلث لا ينبغي الإشكال في خروجه من الأصل إذا مات ذلك الغير في حال صحة المولى و الظّاهر أنه موضع وفاق بل الأقوى ذلك أيضا إذا كان إيقاع التّدبير حال الصّحة و كان الموت في حال مرض المولى أو بعد موته و أمّا إذا كان إيقاعه في حال المرض و موته فيه أو بعد موت المولى فحاله حال سائر المنجزات و الحق أنه من الأصل و عن المسالك أنه إن كان موت الغير في حال مرض المولى أو بعد موته فهو من الثّلث و تبعه سيّد الرياض و لا وجه له إلا دعوى إطلاق النّصوص في كون التّدبير من الثّلث أو بمنزلة الوصيّة أو أنها وصيّة أو دعوى أن ذلك مقتضى إطلاق ما دلّ على أن لا مال للميّت إلا الثّلث و كلاهما ضعيف أما الأول فلأن الإطلاق منصرف إلى التّدبير المتعارف مع أنه يمكن المناقشة في صدق التّدبير عليه بل قد يقال إنه ليس من التّدبير في شي‌ء و إنّما هو عتق معلق دل الدّليل على صحته و مجرّد كونه معلّقا على الموت لا يدخله في التّدبير و لذا ربما يذكره الأصحاب في آخر باب التّدبير بحيث يظهر منهم أنه عنوان آخر غيره و إن الحكم بصحته من جهة الخبرين المذكورين و أمّا الثّاني فلأن مفاد ذلك الدّليل أن لا مال للميّت إلا الثّلث و هو أنما يكون إذا كان التّصرّف بعد موت المدبّر لا بعد موت غيره و إن اتفق كونه بعد موته أيضا إذ هذا لا يعدّ تصرّفا بعد الموت خصوصا إذا اتفق موته في مرضه لا بعد موته هذا مع أنها منصرفة إلى الوصيّة ثم على فرض تماميّة الأول لا فرق بين كون الموت في حال الصّحة أو المرض فلا وجه للتّخصيص و على فرض تماميّة الثّاني ينبغي القصر على صورة كون التدبير حال المرض و إلا فلو كان حال الصحّة لا يضرّه انحصار مال الميّت في الثّلث إذ المفروض أنه لم يتصرف إلا حال الصّحة و وقوع الموت في المرض لا يستلزم كون التّصرّف فيه بل الأولى تخصيص الحكم بما إذا مات بعد موت المولى سواء كان التّدبير حال الصّحة أو المرض إذ المراد من الخبر أن الميّت لا مال له بعد الموت إلا الثّلث و يحتمل بعيدا أن يقال ببطلان التّدبير المعلق على موت الغير إذا مات المالك قبل موت ذلك الغير لأنه من الإيقاعات الجائزة فيبطل بالموت إذ العبد ينتقل إلى الوارث فلا يبقى محل للانعتاق بموت ذلك الغير و فيه أن مجرّد الجواز لا يقتضي البطلان بالموت و ما ذكروا من أنّ العقود الجائزة يبطل بالموت مع أنه لا يشمل الإيقاعات لا دليل عليه كليّة بل هو مختصّ بالعقود الإذنية المنوطة برضا المالك فإنه إذا مات لا يبقى الرّضا فلا يبقى العقد و كيف كان فالأقوى ما ذكرنا

و أمّا القسم الثّالث و هو النّذر المعلق على موت النّاذر

كأن يقول للّه علي عتق عبيدي بعد وفاتي أو صدقة مالي أو كون مالي لزيد بعد وفاتي فالأقوى أن حكمه حكم المنجزات فإن كان في حال الصّحة خرج من الأصل و إن كان في حال المرض يجي‌ء فيه الخلاف الآتي و لعله المعروف بينهم بل في الرّياض أنه نسبه في الدّروس إلى ظاهر الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه و بانعقاده صرّح في الانتصار و هو الحجة قلت و لعلّ مراده ذلك إذا كان في حال الصّحة أو قلنا بكون المنجزات من الأصل فيرجع إلى ما ذكرنا هذا و لكن العبارة المحكية عن الدّروس لا يظهر منها إلا اختياره الخروج من الأصل و أما الإسناد إلى الأصحاب فلا قال على ما حكي عنه في التّدبير التّدبير على ثلاثة أقسام واجب لا يصحّ الرّجوع فيه أن قال للّه على عتق عبدي بعد وفاتي و لو قال اللّٰه على أن أدبر عبيدي فكذلك في ظاهر كلام الأصحاب لأن الفرض التزام الحريّة بعد الوفاة لا مجرّد الصّيغة و عن ابن نما جواز الرّجوع لوفائه بنذره بإيقاع الصّيغة فيدخل في مطلق التّدبير ثم قال في آخر كتاب التدبير و لو كان النّذر واجبا أو معلّقا بموت الغير فمات في حياة المولى فهو من الأصل فإنك خبير بأنه لا إشعار في هذا الكلام بدعوى ظهور ذلك من الأصحاب و أما الإجماع المحكي عن الإنتصار فلا بد من ملاحظته هذا و قد يقال بالخروج من الثلث إذا كان في حال المرض و لعل نظره إلى أنه من المنجزات و هي خارجة من الثّلث و يمكن أن يقال بالخروج من الثّلث مطلقا و يظهر من بعضهم أنه خارج من الأصل مطلقا و إن كان في حال المرض و قلنا إن المنجزات من الثلث بدعوى أن المنجز الخارج من الثّلث ما كان تبرّعا محضا و هذا لما كان واجبا يكون نظير الدّين الخارج من الأصل على كلّ حال و يمكن أن ينزل عليه ما عن الدّروس من النّسبة إلى الأصحاب على فرض الصّدق إذ لا وجه لكونه من الأصل عند الأصحاب مع كونهم مختلفين في المنجزات إلا دعوى أنه بمنزلة الدّين لكنّك عرفت أنّ النّسبة في غير محلّها فتحصّل أن الأقوال أو الوجوه في المسألة ثلثه الخروج من الأصل مطلقا و الإلحاق بسائر المنجزات و الخروج من الثّلث مطلقا و الأقوى من هذه الوجوه هو الوسط فيكون من الأصل مطلقا بناء على المختار في المنجزات و ذلك لعمومات أدلّة النّذر و لا مخصّص لها إلا ما قد يتخيل من أحد وجهين أحدهما أن يقال إنه داخل في عنوان الوصيّة أو التّدبير فيلحقه حكمهما من الخروج هو من الثّلث و فيه أنه داخل تحت عنوان النّذر لا تحتهما و مجرّد كونه مقتضيا اقتضاءهما و مفيدا ثمرتهما لا يوجب دخولهما فيهما الثّاني أن يقال إنه يشمله عموم ما دلّ على أن لا مال للميّت إلا الثّلث إذ المراد منه إمّا أن يكون أن كلّ تصرّف منه يكون أثره بعد الموت و لو اتفاقا فهو من الثّلث كما لو علّق على أمر آخر غير الموت و اتفق حصول المعلق عليه بعده أو يكون خصوص ما إذا كان تصرّفه متعلّقا بما بعد موته كما في الوصيّة و التّدبير فعلى التّقديرين يشمل المقام و الفرض أنه بناء على الثّاني الّذي هو القدر المتيقن منه أيضا يشمل المقام فلا بدّ أن يكون من الثّلث و فيه أنّه منصرف

إلى خصوص الوصيّة و التدبير لا كل تصرف فيما بعد الموت لا أقل من الشّك في الشّمول فيؤخذ بعمومات النّذر و ممّا ذكرنا ظهر وجه القول بالخروج من الثلث مطلقا و الجواب عنه و أمّا وجه القول الأوّل فهو ما ذكره من أنه بمنزلة الدّين لمكان وجوبه و فيه أن الدّين الخارج من الأصل و هو ما كان دينا قبل التصرّف لا ما يحصل بنفس التّصرّف و إلا لزم دخول جملة من المنجزات في الدّين فما ذكره اشتباه محض و لعلّه لذا ذكر ذلك البعض بعد ما ألحقه بالدّين أن الإنصاف عدم صلاة من الإشكال ثم إن هذا كلّه إذا كان النّذر بصيغة للّه علي عتق عبدي أو صدقة مالي بعد وفاتي بأن يكون من نذر النّتيجة و الغاية و أما إذا كان من نذر السّبب بأن يقول للّه علي أن أدبر عبدي أو أجعل مالي صدقة بعد مولى فهل يخرج من الأصل هو الثّلث مقتضى القاعدة خروجه من الثّلث كما أشرنا إليه سابقا إذ هو داخل تحت التّدبير أو الوصيّة و النّذر قد تعلّق بإنشائهما و بعد حصوله فيلحقه حكمهما و مجرّد وجوب هذا الإنشاء لا يجعله ملحقا بالواجبات كما لا يخفى و لا فرق بين كون النّذر في حال الصّحة أو المرض و كذا بين كون الوفاء به بالإنشاء في حال الصّحة أو المرض لكن يظهر من بعضهم خروجه من الأصل فعن التّحرير أما التّدبير الواجب بالنّذر و شبهه فلا يجوز فيه الرّجوع و يخرج من صلب المال و عن الدّروس ما عرفت من عبارته المتقدّمة و نسبته إلى الأصحاب و المسألة مبنيّة على أنه هل يجوز الرّجوع في التّدبير أو الوصيّة المنذورة أولا فإن قلنا بجواز الرّجوع كما يظهر من المحكي عن المسالك و قد عرفت نقله عن ابن نما فيكون من الثّلث لأنه حينئذ كالوصيّة و التّدبير من غير نذر و إن قلنا بعدم جواز الرّجوع كما اختاره الشّهيد و نسبه إلى ظاهر الأصحاب في عبارته المتقدّمة فيكون حاله حال نذر النّتيجة من الخروج عن الأصل إن كان في حال الصّحة و مجي‌ء الخلاف في المنجزات إن كان في حال المرض و خروجه من الأصل مطلقا على قول ذلك البعض و إن كان في حال المرض و قلنا إن المنجزات من الثّلث لإلحاقه بالدّين و مقتضى القاعدة جواز الرّجوع لأن متعلّق النّذر لم يكن إلا إنشاء التّدبير أو الوصيّة و قد وقع فحصل الوفاء فلا يجب الالتزام به بل يجري عليه أحكامهما نظير ما لو اشترط التوكيل في ضمن عقد لازم أو نذره فإنه يجوز له العزل بعد ذلك نعم لو كان من قصده التّدبير الذي لا رجوع فيه اتبع لأنه المنذور حينئذ بمعنى أنه يرجع إلى نذر عدم الرّجوع فلا يجوز الرّجوع و يخرج من الأصل هذا و لكن الإنصاف أنه لو قلنا بعدم جواز الرّجوع أيضا لا يخرج من الأصل لأن غاية الأمر أنه تدبير لا يجوز الرّجوع فيه أو وصيّة كذلك و بمجرّد ذلك لا يخرج عن حكمهما من الخروج من الثّلث فهو نظير ما إذا أوصى لزيد بمال ثم نذر أن لا يرجح في هذه الوصيّة فإنه لا يبغى التّأمل في عدم خروجه من الأصل فتدبّر هذا و لو نذر معلّقا على أمر فمات قبل حصول المعلق عليه فإن كان من نذر السّبب فقد عرفت سابقا أنه لا يتعلّق بماله شي‌ء لعدم الاستقرار في ذمته و هو واضح و أما لو نذر النّتيجة فمات قبل حصول المعلق عليه كان قال للّه علي عتق عبدي لو شفى اللّٰه مريضي فهل يبطل بالموت أو ينعتق بعد حصول الشّفاء و إن مات قبله وجهان مبنيان على أنه هل يخرج العبد عن ملكه بمجرّد هذا النّذر كما هو ظاهر بعضهم في نذر الأضحية أو يتعلّق به حق العبد أو الفقراء فيما إذا نذر مالا لهم أو لا يخرج عن ملكه و لا يتعلق به حق فعلى الأولين ينعتق بالموت لعدم تعلق الإرث به و على الثالث يبطل لأنه مالي إذا مات دخل المال في ملك الورثة بمقتضى الإرث فلا يبقى الموضوع حتى يحصل الانعتاق كما أنّه على الأولين لا يجوز له التّصرّف في المنذور قبل حصول المعلّق عليه و على الثّالث يجوز له و لو بما يوجب انتفاء الموضوع هذا و يمكن القول بعدم تعلّق الحق و أنه لا بد مع ذلك من إبقاء المال إلى أن ينكشف الحال فلا يجوز له التّصرف قبل الموت بما يوجب انتفاء الموضوع و على الورثة الصّبر و ذلك لأنه إنشاء النّذر و الالتزام بكون العبد حرا أو المال للفقراء و مجرّد كون الأثر تعبّديا لا يقتضي جواز الرّجوع و

لا الانتقال إلى الوارث فهو نظير بيع ماله مع كون المشتري فضوليّا فإنه قبل إجازة المالك لا يجوز للبائع الرّجوع لأنه أصيل فتأمّل فإنه يمكن منع اللزوم في البيع و ما نحن فيه ليس من قبيله بل من قبيل ما إذا كانت المعاملة تامّة و كان الأثر متأخرا جعلا أو شرعا نعم يمكن أن يجعل من قبيل المقام بيع الصّرف و السّلم بالنّسبة إلى القبض فإن القبض شرط في التّأثير و مع ذلك لا يجوز الفسخ قبله عند بعضهم مع أن القبض من فعل المتعاقدين و يكون بيدهما و ما نحن فيه أولى منه بذلك من حيث إن حصول المعلّق عليه ليس بيد الناذر فالأقوى اللّزوم و عدم دخوله في ملك الورثة و وجوب الصّبر إلى انكشاف الحال و من ذلك يظهر أن مقتضى القاعدة لزوم الوصيّة بالنّسبة إلى الموصي و عدم جواز رجوعه فيما أوصى و إن جواز الرّجوع أنّما هو لدليل خاص لا لأن المال بعد باق في ملكه و لم يخرج عنه و بالجملة فمقتضى القاعدة وجوب الالتزام بما ألزم على نفسه و وجوب الوفاء به بالنّسبة إلى نفسه و غيره و إن كان الأثر متأخرا عن زمان الإنشاء شرعا أو جعلا و لو لم يخرج المال عن ملكه بل يمكن أن يقال إنه يتعلق به الإرث على نحو كونه ملكا للمورث بمعنى أنه لا ينافيه الخروج عن ملكه بعد حصول المعلّق عليه هذا كلّه إذا كان متعلّق النّذر عينا خاصّا و كذا الحال إذا كان شائعا في تمام المال بأن يكون كليّا في المعين كما إذا قال للّه علي أن يكون مائة دينار من مالي للفقراء إن شفى اللّٰه مريضي نعم لو قال للّه علي أن يكون لزيد في ذمتي مائة دينار لو شفى اللّٰه مريضي فهو نظير نذر المسبب في أنّه لا يجب الإخراج من ماله لو مات قبل الشّفاء لأنه لا يبقى له ذمة بعد الموت و يمكن بعيد أن يقال بوجوب الإخراج و إن القدر المسلم أنه لا يعقل التكليف بعد الموت و أمّا الحكم الوضعي بمعنى ثبوت المال في الذمة فهو معقول فهو نظير ما لو ألقى حجرا ثم مات قبل وصوله إلى كون الغير و كان كسر الكوز بعد موته فإنه يحكم بضمانه و يؤخذ العوض من ماله قطعا فإذا كان المفروض كون نذره من نذر الغاية و النّتيجة لا السّبب فيتعلّق نفس المال بذمته و يجب إخراجه من ماله فتدبّر

و أمّا القسم الرّابع و هو الشّرط المعلّق على الموت

فيظهر حاله ممّا ذكرنا في النّذر بل يمكن أن يدعى أنه أولى بالخروج من الأصل لأنّه بمنزلة جزء العوضين في المعاملة فيكون من قبيل المعاوضة المحاباتية فإذا كان في حال

الصّحة فينبغي الخروج من الأصل و إذا كان في حال المرض يكون من قبيل سائر المنجزات

المقام الثّاني في المنجزات أي التصرفات الغير المعلّقة على الموت

اشارة

و إن كانت معلقة على أمر آخر إذا كانت ممّا يصحّ فيها التّعليق بل و لو حصل المعلّق عليه بعد الموت فيما لا يبطل التصرّف بالموت و لا إشكال في خروجها من الأصل إذا كانت في حال الصّحة أو المرض الّذي لا يتصل بالموت و إنّما الكلام فيما إذا كانت في مرض الموت ففي خروجها من الأصل أو الثّلث خلاف

و قبل الشّروع في البحث عنه نذكر أمور

الأوّل [معنى كونه من الثّلث]

معنى كون المنجز من الأصل واضح و أمّا معنى كونه من الثّلث فهو أنه يكون موقوفا قبل الموت فإن مات في ذلك المرض و خرج من الثّلث يكشف عن كونه نافذا من الأوّل و إلا فيكشف عن كونه فاسدا بمقدار الزّائد عن الثّلث إذا لم يجز الوارث لا أنه يحكم بصحّته إلى أن يموت فإن مات و لم يجز الوارث يحكم بفساده من ذلك الحين كيف و بعض التصرّفات لا يمكن فيه طروّ الفساد بعد وقوعه صحيحا كما في العتق فإنه إذا صار العبد حرّا فلا يمكن عوده رقا شرعا فإن الحرّ لا يصير رقا إلا بالاسترقاق إذا كان كافرا مع إمكان أن يقال إنّ الكفّار عبيد المسلمين قبل الاسترقاق أيضا و الحاصل أن بعض التصرّفات لا يمكن أن يجعل صحيحا ثم يحكم بفساده فضلا عن كونه مقتضى الأدلّة بناء على الخروج من الثّلث ذلك و ذلك لأن حالها في ذلك حال الوصيّة فكما أنه إذا لم يجز الوارث لا يصحّ التّصرّف في الزّائد فكذا في المقام و هو مقتضى ظاهرا و صريح الأخبار الواردة في العتق و كونه نافذا إذا كان الثّلث وافيا و هذا واضح لا إشكال فيه و دعوى أن الميّت قبل موته مالك للمال و المفروض أنّه مسلّط عليه بمعنى أنه غير ممنوع من التّصرف و مقتضى ذلك نفوذه ما دام حيّا و البطلان أنما يطرأ بعد الانتقال إلى الغير الّذي هو الوارث و الفرق بينه و بين الوصيّة أن التصرّف في المقام أنّما هو في المال حال الحياة بخلاف الوصيّة فإنه فيما بعد الموت فإنه لا ينتقل المال فيها إلا بعد الموت الذي هو زمان الانتقال إلى الوارث فلهذا لا يحكم بصحّته في وقت من الأوقات و أما في المقام فمقتضى الجمع بين حق الميّت و الوارث النّفوذ ما دام حيّا و البطلان بعد الانتقال إلى الوارث مدفوعة بأن مجرّد كونه مالكا لا يكفي في ذلك إذ يمكن أن يكون محجورا عن التّصرّف في ماله بمعنى عدم نفوذه لا بمعنى عدم تسلّطه عليه تكليفا فإنه لا إشكال فيه و المفروض أن ظاهر أدلّة الثّلث أيضا ذلك نعم لو كان الدّليل على الخروج من الثّلث مجملا أمكن القول بما ذكر بقي هنا أمران أحدهما أن الموقوفيّة الّتي ذكرنا أنما كانت بلحاظ الصّحة الواقعيّة فلا يحكم بالصّحة و لا الفساد واقعا إلا بعد الموت و ظهور الحال و لكن هل يحكم بالصّحة ظاهرا و يترتب عليه آثار الصّحة قبل الموت بأن يعطي المال الموهوب للمتّهب و يخلّى سبيل العبد و يحكم بحريّته ظاهرا أو لا بل يجعل موقوفا ظاهرا أيضا وجهان من أنه محجور عن التّصرّف في الزّائد و إن شرط النّفوذ هو الخروج من الثّلث حين الموت و هو غير معلوم لاحتمال تلف أمواله مع إمكان دعوى أنه ظاهر الأدلة و أن الحكم في الوصيّة كذلك و من أنه تصرّف وقع من أهله في محلّه و المفروض أنه مسلّط عليه تكليفا فينبغي الحكم بصحّته إلى أن ينكشف عدم الأهليّة و معنى كونه محجورا ليس أزيد من بطلانه في الواقع على فرض عدم الخروج من الثّلث خصوصا إذا كان المال وافيا حين التّصرف لأنّ حقّ الوارث لم يتعلّق بمقدار الثّلث الموجود الآن و يحتمل الفرق بين ما لو كان خارجا من الثّلث حين التّصرّف فيحكم ظاهرا بالنّفوذ لما ذكر من عدم تعلق الحق و لأصالة بقاء المال على حاله و بين ما لو كان الثّلث أنقص فلا يحكم بالصّحة لأصالة عدم تجدّد المال بعد ذلك فالأقوى عدم الحكم ظاهرا بالنفوذ لأن الشّرط فيه هو وفاء الثّلث حين الموت و هو غير معلوم و أصالة بقاء المال لا تجدي لأنّها من الأصول المثبتة و عدم تعلق حق الوارث بأزيد من الثّلثين الموجودين لا يثمر لأن الشّرط هو الخروج حين الموت لا الوفاء حين التصرّف هذا و على أيّ حال لا يجوز للميّت أن يتصرف في ذلك المال تصرّفا منافيا للتصرّف الأول بأن يرجع في تصرّفه إذا كان من التّصرفات اللازمة بدعوى أن النفوذ غير معلوم و الأصل البقاء على ملكه فإنه لازم من قبله نظير الأصيل في البيع الفضولي قبل الإجازة على القول باللزوم بالنّسبة إليه بل المقام أولى بذلك بل يمكن أن يدّعى أنه لو علم عدم الخروج من الثّلث و أن الوارث لا يجيز لا يجوز له الرّجوع أيضا لعموم ما دلّ على لزوم ذلك التّصرّف في حقه فتأمّل فإنه مع العلم بذلك يعلم بقاء المال على ملكه فلا مانع من التصرف فيه ثانيهما أن الممنوعيّة عن التصرف في الزائد لا يستلزم ثبوت حق للوارث في عين مال المريض بحيث يكون تصرّفه فيه تصرّفا في متعلق

حق الغير بل هو أعمّ من ذلك و من أن يكون تعبّدا شرعيّا و إن كان الحكمة في جعل الحكم كذلك مراعاة جانب الوارث و التّوفير عليه فالمال باق على الطّلقيّة للمورث ما دام فيه الرّوح كما في الوصيّة حيث إن ممنوعيّة من التّصرّف على الزّائد عن الثّلث لا يدلّ على ثبوت حقّ للوارث في المال ما دام حيّا و جواز الإجازة حال الحياة على القول به لا يستلزم ثبوت الحق و على هذا فلو أسقط الوارث حقه عن المال لا يؤثر شيئا لعدم الحق له فله بعد ذلك الرّد بخلاف ما لو قلنا بثبوت الحق له فإن إسقاطه يوجب النفوذ و ممّا ذكرنا من عدم ثبوت الحق و إن المنع تعبّد شرعي يظهر أن ثبوت المنع في المنجزات لا يستلزم المنع عن الإقرار فيما زاد على الثّلث و بالعكس إذا لم نجعل الإقرار من المنجزات إذ التّعبّد إذا ثبت في واحد من المقامين لا ينفع في المقام الآخر بخلاف ما إذا كان كاشفا عن ثبوت الحق فإنّ اللازم عليه الاطراد كما لا يخفى و يكشف عمّا ذكرنا أن الإجماع منعقد على الممنوعيّة في الوصيّة مع الخلاف في المقام و مسألة الإقرار و لو كان المنع كاشفا عن ثبوت الحق لم يكن لذلك وجه إلا أن يقال إنا إذا جعلنا ذلك من باب ثبوت الحق للوارث فلا ندعي الحق المطلق من جميع الجهات بل نقتصر على مقدار ما ثبت من الدّليل و على هذا فلا يظهر الثمر من جعله من باب الحق أو الحكم إلّا في السّقوط بالإسقاط و عدمه و لعله إلى هذا ينظر صاحب الجواهر حيث إن بعد أن أيّد القول بالثلث بالنّصوص الواردة في الإقرار المتضمّنة لنفوذه من الثّلث مع التّهمة و بدونها من الأصل قال و لو لا تعلّق حق الوارث في الجملة بحيث لا يمضى الإقرار عليه لم يكن وجه للنفوذ من الثّلث و لا ينافيه النّفوذ من الأصل مع عدم التّهمة إذ لعلّه تعلق لا

يمتنع من الإقرار مع عدم التهمة فإن تعلّق الحقوق بالنّسبة إلى ذلك مختلف إذ قد عرفت عدم منع تعلق حق الغرماء من الإقرار بالدّين السّابق في المفلس عذر المصنّف و غيره و على كلّ حال فلا ينكر ظهور هذه النّصوص يعني نصوص الإقرار في تعلّق حق الورثة في الجملة بالتّركة حال المرض و هو لا يتم إلا بناء على ما ذكره انتهى و الإنصاف عدم كون المنع في المقام من الحق في العين بل هو تعبّد شرعي نعم لا نضايق عن ثبوت حق الإجازة و الرّد للوارث بالنّسبة إلى تصرّف المريض و أما ثبوت الحق له في ماله حال حياته فلا و يمكن دعوى ثبوت الحق في العين بعد الموت فله الرّد لينتقل إليه و الإجازة ليبقى على ملكيّة من ملكه الميّت و كونه حقا في الجملة و بالنّسبة إلى بعض المقامات دون بعض بعيد فالتّفكيك بين المقامات دليل على التّعبّدية و عدم كونه من باب الحق لما عرفت من أن لازمه الاطراد و ما ذكره صاحب الجواهر من عدم منع الغرماء من الإقرار بالدّين السّابق ممنوع و لذا قوى جماعة عدم سماع ذلك الإقرار في حقهم و لازم من حكم بسماعه منع تعلّق حقهم بالمال و جعله من باب التّعبّد على حسبما ذكرنا في المقام فتأمّل و راجع هذا و لصاحب الجواهر كلام آخر ينافي ما نقلنا منه في الجملة قال في آخر مسألة الإقرار في حال المرض الّذي تقتضيه الظّوابط كونه من الأصل مطلقا لكن النّصوص أخرجت عنها صورة التّهمة لا أن مقتضاها الخروج من الثّلث باعتبار تعلّق حق الورثة و خرجنا عنها في صورة المأمونية بالنّصوص إذ الظاهر من النّص و الفتوى عدم تعلّق حق للوارث في العين حال الحياة انتهى بقي شي‌ء و هو أنّه بناء على القول بالخروج من الثّلث هل للمريض أن يتصرّف على وجه لا يطلع عليه الوارث كأن يعطي مقدارا من ماله لشخص على وجه التّبرّع بمعنى أنه هل يأثم لو فعل ذلك أولا الظاهر عدم الإثم بناء على ما ذكرنا من عدم تعلّق حق الوارث بالمال حال الحياة فلو وهب جميع ماله بحيث لا يطّلع عليه أحد لا إثم عليه إذ الخروج من الثّلث و إن كان من الأحكام الوضعيّة و لا دخل للعلم و الجهل فيها إلا أنه ليس متعلّقا لتكليفه بل له التّصرّف في ماله كيف شاء و إن كان لو اطلع عليه الوارث له الرّد فيما زاد على الثّلث فهذا من ثمرات ثبوت الحق و عدمه فتدبّر

الثّاني ليس مطلق التّصرف المنجز محلا للخلاف

و إن كان الواقع في بعض العنوانات تصرّفات المريض أو منجزاته أو تصرّفاته المنجزة بل المدار على ما يستفاد من متفرقات الأخبار إذ ليس شي‌ء من العناوين المذكورة موجودا فيها و إنما المذكور فيها خصوص بعض التّصرّفات كالهبة و العطية و العتق و الإبراء و بعد العلم بكون ذكرها من باب المثال لكل ما يكون من قبيلها يكون المدار على كلّ تصرّف تبرعي في المال عينا أو دينا أو منفعة أو في الحق المالي على وجه يوجب الإضرار بالوارث و الضّابط الجامع المانع هو التمليك أو الفك أو الإبراء المتعلّق بالمال أو الحق الفعليين تبرّعا من غير لزوم سابق أو الالتزام بأحد هذه الأمور كذلك فيدخل فيه العتق و الهبة و الصّدقة و الوقف و البيع المحاباتي و الإجارة المحاباتية و الصّلح من غير عوض أو بعوض أقلّ و إبراء الدّين و شراء من ينعتق عليه و نحو ذلك و يخرج مثل التّسبيبات كإتلاف مال الغير فإنه يصير دينا عليه و يخرج من الأصل بلا إشكال و كالجناية على الغير بما يوجب الأرش أو الدّية و كفعل ما يوجب الكفارة من حيث النّذر و الإفطار و نحوهما من أسبابها و خرج بتقيد المال و الحق بالفعلين مثل قبول هبة من ينعتق عليه و قبول وصيّته و نحوهما كاشتراط سقوط خياري المجلس و الحيوان في البيع و مثل ما لو آجر نفسه بأقل من أجرة المثل أو جعل الأجرة من ينعتق عليه و مثل تزويج المرأة نفسها بأقلّ من مهر المثل و مثل ردّ الهبة أو الوصيّة أو الصدقة مع كونه من أهلها و نحو ذلك و مثل العفو عن القصاص مع إمكان المصالحة بالمال إن قلنا إن الحق منحصر في القصاص و إنه لا يكون مخيرا بينه و بين أخذ الدّية بل و كذا إن قلنا بالتّخيير لأنه بعفوه كأنه اختار القصاص فعفى عنه فلا يكون إسقاطا لحق مالي إلى غير ذلك و الوجه في خروج ذلك كلّه عن الأصل و عدم جريان الخلاف فيها كون المناط الإضرار بالوارث و ليس في هذه الموارد حق ثابت ماليّ حتى يستلزم الإضرار و هذا في غير حق القصاص واضح و فيه و إن أمكن أوله بالمال إلى المال بالصّلح إلا أنّه ليس حقا ماليّا ابتداء فلا يشمله المناط المعلوم من الأخبار المتفرّقة هذا و حكي عن العلامة في التّحرير أنّ حكم بخروج قبول الوصيّة إذا أوصى له بمن ينعتق عليه من الثلث قال لأن اختيار السّبب كاختيار المسبّب فمتى كان الأوّل مقدورا فالثّاني كذلك و قهريّة العتق لا تقتضي الخروج من الأصل مع استنادها إلى اختيار المريض في التملّك و قد ظهر ما فيه ممّا ذكرنا إذ ليس فيه تفويت على الوارث بل هو من قبيل عدم الاكتساب و عدم قبول الوصيّة أصلا مع أنه لا يعقل حجره في الصّورة المفروضة في الزّائد عن الثّلث إذ مقتضاه بطلان الوصيّة بالنّسبة إلى الزائد و بقاء الأب مثلا على ملك مالكه الأوّل فحجره لا ينفع للوارث و إن أراد أنّه يصحّ القبول و لا ينعتق عليه فلا وجه له إذ ليس العتق شيئا وراء قبول الوصيّة فإن صحّ القبول ينعتق قهرا و إلا فيبقى على ملك مالكه الأوّل و ليس العتق تصرّفا آخر بعد حصول التملّك و هذا واضح و ما أبعد ما بين ما ذكره العلامة هاهنا و ما حكي عنه في القواعد في أحد قوليه من الحكم بخروج شراء من ينعتق عليه من الأصل معللا بأنّ الحجر أنّما يكون في التّبرّعات و الشّراء ليس منها و العتق أنما حصل بغير اختياره فلا يعتبر فيه الثّلث إذ فيه مع مناقضته لما ذكره في التّحرير أنه بعد كون الشّراء موجبا للانعتاق يكون من التّبرّعات أو نقول العتق تصرّف تبرّعي و هو اختياري بلحاظ اختيارية سببه و هو الشّراء و خرج بالتّقييد بالتبرّع العقود المعاوضية كالبيع بثمن المثل و الصّلح كذلك و الإجارة بأجرة المثل و الهبة المعوضة و نحوها فإنّها خارجة عن الأصل بلا إشكال و لا خلاف و كذلك إذا كان ذلك بغير عقد من العقود المعاوضيّة كما إذا دفع المال لحفظ عرضه أو حفظ نفسه أو من يعول عليه أو حفظ ماله أو نحو ذلك قيل بل لعلّ الصّدقة المندوبة المراد بها السّلامة أيضا من هذا القبيل فيخرج من الأصل لأن السّلامة عوض قلت و يمكن دعوى السّيرة أيضا على عدم الحجر عن مثلها مع أن الأخبار منصرفة عنها و لا أقلّ من الشّكّ و مقتضى الأصل خروجها عن الأصل و كذا الكلام في الاستيجار لقراءة القرآن و الزّيارات المندوبة و الحج المندوب و نحوها فإن المال فيها لم يبذل تبرّعا بل

بإزاء الأعمال و هكذا الكلام في

التزويج فإنّ البضع عوض عن المهر و كذا المكاتبة فإنها معاوضة و إن كان العبد و ما يكسبه من مال المولى إلى غير ذلك من أقسام المعاوضات إذ لا أقلّ من الشّك فيها و الأصل يقتضي الخروج عن الأصل و خرج بالتّقييد بعدم كونه لازما عليه الواجبات الماليّة فإنها خارجة عن الأصل بلا إشكال كالخمس و الزّكاة و الكفّارة و العتق المنذور و الصّدقة المنذورة و نحوها إذا كان النّذر في حال الصّحة و إن حصل المعلّق عليه في حال المرض و أوقع صيغة العتق أو الصّدقة حينه و أما إذا كان النّذر في حال المرض فمقتضى القاعدة جريان الخلاف فيه على ما صرّح به بعضهم لأنّ المعاملة المنذورة و إن كانت واجبة إلا أن نفس النّذر من التصرّفات المنجزة فيجري الخلاف فيه و يظهر من بعضهم القول بخروجه من الأصل نظرا إلى كونه بمنزلة الدّين بعد وجود أدلّة الوفاء بالنّذر و فيه أن الكلام أنما هو في مقدار ثبوت الدّين إذ القائل بالخروج من الثّلث يقول لا يثبت وجوب الوفاء إلا بمقدار وفاء الثّلث فلم يثبت الدّين أزيد من هذا المقدار و إلا لزم في كونه بمنزلة الدّين أن يكون السّبب سابقا على التّصرّف في حال المرض و إلا فيمكن أن يقال بمثله في جميع المنجزات إذ بعد إيقاع صيغة الوقف أو الهبة أو نحو ذلك يجب الوفاء بها فتصير بمنزلة الدّين و لعلّ نظر القائل إلى أنّ المعاملة المنذورة تكون واجبة عليه بخلاف ما ذكرنا في النّقص من مثل الوقف و نحوه و فيه أنّه و إن كان كذلك إلا إذا نتكلّم في نفس إيقاع صيغة النّذر حسبما عرفت و نحكم بوجوب خروجه من الثّلث لأن المفروض إيقاعها في حال المرض فتكون من منجزات المريض و ليس هذا واجبا عليه هذا و لو أوجد في حال المرض سبب وجوب منجز من هبة أو صدقة عليه ممّا لا يعد تصرّفا ماليّا فالظّاهر خروجه من الأصل و ذلك كما إذا نذر الهبة على تقدير دخول الدّار مثلا أو على تقدير ضرب زيد فدخل أو ضرب اختيارا في حال المرض فإنّه يجب عليه الهبة و يخرج من الأصل فليس حال إيجاد ذلك السّبب حال النّذر في حال المرض و ذلك لأن نفس النّذر يعد تصرّفا ماليّا بخلاف إيجاد ذلك السّبب فإنّه ليس من منجزات المريض في شي‌ء و الهبة و إن كانت منها إلا أنّها واجبة عليه ثم إنّه لا فرق في خروج التّصرّف الواجب من الأصل بين أن يكون واجبا عينيّا أو تخييريّا فلو كانت عليه كفّارة مخيرة بين الإطعام و الصّيام و العتق فاختار العتق فهو خارج من الأصل و كذا لو نذر في حال الصّحة فعل عبادة فعيّنها في حال المرض بالوقف أو العتق هذا و دخل بالقيد الأخير النّذر أو العهد أو اليمين أو الشّرط المتعلّقات بالمال أو الحق في حال المرض فلو نذر الوقف أو الهبة أو العتق فهو محلّ للخلاف حسبما أشرنا إليه نعم لو كان النّذر واجبا عليه بالنّذر السّابق على المرض خرج من الأصل ثم إن مقتضى ما ذكرنا من الضّابط خروج الإباحات و الإذن في الانتفاع كالعارية و نحوها من الأصل لعدم كونها داخلة تحت أحد العناوين المذكورة و لا بأس بالالتزام به إذ الأخبار غير شاملة لها و المناط غير منقح بالنّسبة إليها و دعوى كون العارية مثل الإجازة فإذا شملها المناط فكذا بالنّسبة إليها كما ترى إذ الفرق بينهما واضح ثم بما ذكرنا ظهر ما فيما ذكره العلامة في القواعد من الضّابط من أنّ التبرّع المبحوث عنه إزالة الملك عن عين مملوكة تجري الإرث فيها من غير لزوم و لا أخذ عوض يماثلها فإنّه يرد عليه أوّلا أنه لا وجه للتخصيص بالعين بل يجري في الدّين و المنفعة و الحق ثانيا لا وجه للتّقييد بجريان الإرث إذ ما لا يجري فيه الإرث كالوقف لا يمكن إزالة الملك عنه إن أريد من الإزالة الإزالة بالتّصرّف و إن أريد الأعمّ من الإتلاف فيرد عليه أن الإتلافات خارجة عن الأصل بلا إشكال و إن أراد إخراج مثل قبول وصيّة من ينعتق عليه أو قبول هبته فإنه خارج من الأصل ففيه أنه و إن كان كذلك و لا يصدق أنه لا يجري فيه الإرث إلا أنه خارج بقيد إزالة الملك فإنه قبل القبول لم يكن مملوكا له و ثالثا لم يرد على قوله من غير لزوم التصرّف المنذور حال المرض فإنه محلّ خلاف مع أنه يصدق عليه أنه لازم إلا أن يريد اللّزوم السّابق على حال المرض و لا يمكن إجراء الكلام حينئذ في نفس في النّذر بأن يقال إنه تصرّف غير لازم كما

منعنا سابقا لأن النّذر ليس إزالة للملك و إنما المزيل هو التّصرف المنذور و لذا زدنا في تحديدنا قولنا أو الالتزام بأحد الأمور من التّمليك أو الفكّ أو الإبراء و رابعا يلزم ممّا ذكره كون جملة من التّصرّفات محلا للخلاف و هي خارجة كالنكاح بمهر المثل و التّصدّق للسّلامة و نحو ذلك ممّا ليس في مقابله عوض مماثل فإن المراد من المماثلة في كلامه على ما حمله عليه جماعة المكافئة و البضع و السّلامة و نحوها ليست مكافئة للمال هذا و لكن يمكن أن يقال إن مراده من المماثل المماثل في المقدار ليدخل في محلّ الخلاف البيع بأقل من ثمره المثل و نحوه و حينئذ يكون العوض باقيا على إطلاقه من حيث المكافئة و عدمها فيدفع هذا الإيراد و ظهر ممّا ذكرنا أيضا ما في الضّابط الذي ذكره في المسالك من أنه ما استلزم تفويت المال على الوارث بغير عوض إذ فيه أيضا أنه يشمل الإتلافات و نحوها مع فروجها و يشمل ما كان لازما أيضا مع خروجه و لا يشمل الحق مع كونه داخلا فالأولى في التّحديد ما ذكرنا فلا تغفل

الثّالث [في أنّ المراد من المرض الّذي يكون التّصرف فيه هو الّذي يكون متصلا بالموت]

لا إشكال في أنّ المراد من المرض الّذي يكون التّصرف فيه محلّا للخلاف هو الّذي يكون متصلا بالموت فلو تصرّف في حال المرض ثم برأ من مرضه ذلك و مات في مرض آخر يخرج من الأصل إجماعا و لكن هل المدار على مطلق المرض أو المخوف منه و هل يشمل المرض الّذي يبقى سنة أو سنتين أو أزيد و هل يعتبر فيه أن يكون الموت بسببه أو لا بل يكفي و لو مات فيه بسبب آخر من قتل أو أكل سبع أو لذع حيّة أو نحو ذلك و على الأوّل هل يعتبر العلم باستناد الموت إلى المرض أو يكفي الاحتمال و أيضا هل يعتبر أن يكون الموت في خصوص ذلك المرض أو يكفي موته في مرض آخر متصل بذلك المرض و الحاصل ما العيار و المدار في المرض و هل يلحق به حصول أمارات الموت من غير مرض كأن يكون في المرماة في الحرب أو تزاحم الأمواج في البحر أو في حال الطّلق للمرأة أو لا و كذا لو تصرّف في حال صيرورته مجروحا إذا مات بذلك الجرح هل هو مرض أو يلحق به أو لا نقول حكي عن الشّيخ و تابعيه أن المدار على المرض المخوف و عن جامع المقاصد متابعته و ذكروا أن الأمراض على أقسام منها ما يكون الغالب فيها

الموت كالسّلّ و حمّى الدّق و قذف الدّم و الأورام السّوداويّة و الدّمويّة و الإسهال المنتن و الدّني يمازجه دهنية أو براز أسود يغلي على الأرض و ما شاكلها ممّا يرجع فيه إلى أهل الخبرة و التّجربة من الأطباء و منها ما يكون الغالب فيها السّلامة كحمّى يوم و الصّداع و الرّمد و نحوها و منها ما يحتمل الأمرين كحمّى العفن و الأورام البلغميّة و نحوها فالأوّل مخوف و يكون التّصرف فيه محلّا للخلاف بخلاف الأخيرين ثم إنّهم أطنبوا في أنه هل يعتبر في تشخيص ذلك و أنّه مخوف أو لا شهادة عدلين من أهل الخبرة أو يكفي عدل واحد و هل يكفي إخبار الفاسق من أهل الخبرة أو لا و هل يكفي شهادة النّساء إذا كان المريض امرأة أولا و هل يكفي شاهد واحد و يمين أو لا و أطنبوا في البحث عن الأمراض و أن أيّها مخوف و أيّها غير مخوف إلى غير ذلك و ذهب المحقق في الشرائع إلى أنّ المدار على كلّ مرض يتفق به الموت سواء كان مخوفا أو لا و ذكر العلامة في القواعد أنّ المدار على المرض الّذي اتفق معه الموت سواء كان مخوفا أو لا و هذا أعمّ ممّا ذكره المحقق من حيث شموله ما حصل الموت بسببه و غيره حتى لو قتله قاتل في حال المرض أو أكله سبع أو نحو ذلك و إن كان يمكن أن يكون مراده خصوص الأوّل فيرجع إلى ما ذكره المحقق و في الجواهر أنّ المدار على أحد أمرين المرض الّذي يموت به سواء كان مخوفا أو لا و حضور الموت و إن لم يكن بمرض سابق بل كان التّصرّف في حال النّزع و تشاغله بخروج روحه قلت أمّا ما ذكره الشّيخ و من تبعه فلا دليل عليه إذ ليس في الأخبار إشارة إلى اعتبار كونه مخوفا بل الموجود فيها لفظ المريض و غير الصّحيح و حضرته الوفاة و عند موته و عند وفاته فلا وجه للإطالة في البحث عن الأمراض و أن أيّها مخوف بعد عدم كون المدار على المخوفيّة و كذا عن اعتبار الخبر العدل الواحد أو المرأة و نحوهما إلا أن يقال باستفادة ذلك من قوله ع عند موته إذ المراد ظهور أماراته و هو لا يكون إلا في الأمراض المخوفة أو يقال بعدم صدق المرض عرفا على غير المخوف أو يقال إن الأصل هو الخروج من الأصل و القدر المتيقن ممّا يخرج من الثّلث ما كان في المرض المخوف و في الأوّل منع إذ يصدق التّصرف عند الموت مع عدم كون المرض مخوفا إذا كان التّصرف مقارنا للموت و في الثّاني ما لا يخفى إذ لا شك في صدق المرض على غير المخوف أيضا و في الثّالث أن الاقتصار على المتيقن أنما هو فيما إذا لم يكن هناك إطلاق و هو موجود كقوله المريض محجور عليه إلا في ثلث ماله و غير ذلك و من ذلك يظهر جواب آخر عن الأوّل فإنا لو سلّمنا ظهور قوله ع عند موته فيما إذا ظهر أمارات الموت إلا أن الأخبار الآخر المطلقة كافية إذ لا تنافي بينها و بينه حتى يحمل المطلق على المقيد و بالجملة لا دليل على اعتبار المخوفية في المرض و أما ما ذكره المحقق و العلامة قدس سرهما ففيه أنه يكفي مجرّد المرض الّذي يتفق معه أو بسببه الموت إذ الأخبار لا تنصرف إلى مطلق المريض و لو كان مثل الرّد و نحوه مع أنه قد يطول المرض سنين عديدة و يتفق في آخره الموت و مثله يشكل الحكم بكونه محلّلا للبحث سيّما إذا لم يكن شديدا بحيث يتمكن المريض معه من الدّخول و الخروج و العمل بإطلاق قوله ع المريض محجور عليه إلا في ثلثه مشكل خصوصا مع أنه مرسل و الظّاهر أنه مضمون الأخبار و إنما نقل بالمعنى و أمّا القول الأخير فيرد على شقه الأول ما ورد على المحقق و العلامة قدس سرهما و على شقه الأخير أن الظّاهر قيام الإجماع على اعتبار المرض و أن تصرّفات الصّحيح خارجة عن الأصل و إن كانت قريبة من الموت نعم حكي عن ابن الجنيد إلحاق وقت المرماة في الحرب و الطّلق و تزاحم الأمواج بالمرض و كذا ما إذا قدّم لاستيفاء القود أو ليقتل رجما في الزّنا أو قطع الطّريق أو كان أسيرا في يد عدوّ من عادته قتل الأسير و نحو ذلك ممّا كان في حالة كان الغالب فيها التّلف و التّحقيق أن يقال المدار على مجموع الأمرين من المرض و صدق حضور الموت فمثل الأمراض المزمنة الّتي تطول سنين عديدة لا يكون محلا للبحث إلا إذا كان التصرف

في آخرها و كذا مثل وجع السنّ و نحوه إذ لا يصدق معه المرض و حضور الموت و إن كان الموت بسببه و لا يضرّ انقلاب المرض إلى مرض آخر إذا صدق معه حضور الموت و أما مثل المرماة و نحوها فإن لم يكن إجماع على عدم إلحاقه كان الأقوى الإلحاق لشمول الأخبار إلا أنك قد عرفت أن الظّاهر قيام الإجماع و خلاف ابن الجنيد لا يعتد به مع أنه يمكن أن يقال إن المراد من حضور الوفاة و عند موته و نحوهما الفرد الغالب و هو ما كان بالمرض و كيف كان فالمرجع في ذلك هو العرف و حكمهم بكون التّصرّف في حال مرض الموت و الظّاهر عدم صدقه إذا كان الموت بغير ذلك المرض كقتل القاتل و لذع الحيّة و إن كانا في حال المرض و الظّاهر صدق ذلك إذا كان مجروحا و مات بذلك الجرح فإنه يصدق عليه مرض الموت فتدبّر ثم إن التصرّف في حال التّشاغل بخروج الرّوح صحيح و إن كان ملحقا بالميّت في بعض الأحكام كعدم قبول توبته و عدم قبول إسلامه إذا كان كافرا و عدم القود به إذا قتله قاتل فإنّ المدار في التّصرّف على الشّعور و القصد فمتى كان موجودا صح و إن لحق بالميّت في أحكام آخر فتدبّر

الرابع مقتضى الأصل خروج المنجزات من الأصل

اشارة

و يمكن تقريره بوجوه

أحدها القاعدة المستفادة من الكتاب و السّنة

من أنّ النّاس مسلّطون على أموالهم فإن مقتضاه نفوذ تصرّف المريض من غير توقف على إجازة الورثة إذ لا شك أنّ المال باق على ملكيّته ما دام فيه الرّوح و المراد من السّلطنة أعمّ من التّكليفي و الوضعي فلا يقال إن السّلطنة معلومة و لا تجدي لأن الكلام في الإمضاء الشّرعي فإن قلت مرجع الشّك في المقام إلى الشّك في شرطيّة صحّة المعاملة بإجازة الوارث أو مانعيّة ردّه و العموم المذكور لا يفي بنفي ذلك بل هو مثبت لأنحاء السّلطنة على الوجوه الثّابتة في الشّرع مثلا إذا شكّ في جواز بيعه لماله فهو دالّ على جوازه لكن بعد كون ذلك البيع واجدا لجميع الشّرائط فاقدا لجميع الموانع و كذا بالنّسبة إلى غيره من أنحاء التّصرّفات و أما إذا شك في كون التّصرّف على الوجه الفلاني ماضيا شرعا أو لا فلا يجوز التّمسّك في جوازه بالعموم المذكور و هذا ما يقال من أنّ هذا العموم ليس مشرّعا لمعاملة مشكوك الشرعيّة و لذا يورد على من تمسّك به لإثبات صحة المعاملات أو لنفي اعتبار العربيّة أو الماضويّة أو التّرتيب أو نحو ذلك كاعتبار القبض في الرّهن و الوقف بأنه لا يثبت مشروعيّة المعاملة المعاطاتية و إنما يدلّ على جواز

المعاملة و نفوذها بعد العلم بمشروعيتها من حيث هي بدليل آخر ففي المقام أيضا إذا شككنا في صحة التصرّف مع عدم إجازة الوارث أو مع منعه فلا يمكن إثباتها بالعموم المذكور قلت أولا نمنع عدم جواز التّمسّك به لنفي الشّرائط و الموانع المشكوكة إذ هو دال على التّسلط على أنحاء التّصرفات و من المعلوم أن الهبة مثلا من جملتها كالأكل و الشّرب و هما مؤثران في نظر العرف للنّقل و الانتقال فإذا شكّ في اعتبار شي‌ء منهما شرعا يقال إنه مسلّط بمقتضى العموم على هذا النحو من التّصرّفات و لازمه عدم شرطيّة ما شكّ في شرطيّته نعم لو اخترع معاملة لم تكن معدودة من التّصرفات العرفيّة و لا الشّرعيّة فالعموم لا يثبت صحتها لأنه في الحقيقة إثبات للموضوع لا الحكم و هو مثبت للحكم بعد إحراز موضوعه و هذا بخلاف ما إذا كان الشّك في الشّرطية أو المانعيّة فإنّ الموضوع محرر عرفا و هو المعاملة العرفية المشكوك اعتبار شي‌ء فيها شرعا و ثانيا نقول فرق بين المقام و ما ذكر من الشّك الشّرطيّة و المانعيّة في سائر المقامات فإن المعاملة في المقام واجدة لجميع ما يعتبر فيها و إنّما الشّك في توقف تأثيرها على إمضاء الغير و عدمه و لازم التوقف عدم سلطنة المالك على ماله بخلاف سائر المقامات فإنه لا يلزم من توقف المعاملة على الصّيغة أو العربيّة عدم سلطنة المالك إذ أمرهما بيده فاعتبار الشّارع لهما في صحة المعاملة غير مناف للسّلطنة بخلاف اعتبار إجازة الغير و الحاصل أن توقف المعاملة على إمضاء الغير مناف للسّلطنة و أمّا توقفها على شرط اختياري للمالك فلا ينافي سلطنة فإن قلت المفروض أنّ المعاملة جائزة للمريض و لازمة في حقه و لذا لا يجوز له فسخها ما دام حيّا فالسّلطنة التّكليفيّة و الوضعيّة ثابتة له و إن قلنا بتوقفها في حق الوارث على الإجازة و هو لا ينافي سلطنته و ذلك كما في صحة المعاملة و لزومها بالنّسبة إلى الأصيل في بيع الفضولي فإنها لا تنافي التّوقف على إجازة المالك في الطّرف الآخر فكما لا سلطنة على بيع ماله لا ينافي عدم النّفوذ على الطّرف الآخر فكذا في المقام قلت مقتضى السّلطنة الوضعيّة نقل ماله إلى من أراد نقله إليه واقعا و على فرض التّوقف على إجازة الوارث لم يحصل النّقل الواقعي و إن كانت المعاملة لازمة في حقه مع أن اللزوم في حقه لم يكن إلا ظاهريّا و نمنع عدم جواز التّصرّف المخالف إذا علم عدم إجازة الوارث و عدم الصّحة الواقعيّة فسلطنة الوارث على الرّد أو عدم الإجازة منافية لسلطنة و أما ما ذكر من أن سلطنة الأصيل لا ينافي عدم النّفوذ على الطّرف الآخر فلا دخل له بالمقام إذا الأصيل إنما يكون مسلّطا على ماله دون مال الطّرف الآخر فسلطنة معارضة لسلطنة و أما في المقام الوارث لا يكون مالكا للمال فلو كان مسلّطا على المنع يكون مسلّطا على مال الغير فالتّوقف على إمضاء الطّرف الآخر في الفضولي لا ينافي سلطنة الأصيل و التّوقف في المقام على إجازة الوارث ينافي سلطنة المريض و العموم ينفيه فلا يتوهّم أن لازم التّمسّك بالعموم في المقام إمكان التّمسّك به لنفي التّوقف على إجازة المالك في بيع الفضولي بدعوى أن مقتضاه تسلّط الأصيل على بيع ماله

الثّاني الأدلة العامة الدّالة على لزوم العقود و الإيقاعات

كقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و قوله ع المؤمنون عند شروطهم فإن مقتضى وجوب الوفاء الخروج عن الأصل إذ الخطاب لا يختصّ بالمتعاقدين و كذا بالنّسبة إلى الباقي و على فرض تخصيص تسليم الاختصاص بهما يمكن أن يقال لازم وجوب الوفاء بالنّسبة إلى المريض حصول النّقل إلى الغير فيجب على الوارث ترتيب أثر ملكيّة ذلك الغير و التّوقف على إجازة الوارث ينافي إطلاق وجوب الوفاء عليه واقعا و لو على فرض العلم بعدم الإجازة فاندفع ما يمكن أن يقال إن وجوب الوفاء على المريض ثابت و لو على القول بالثّلث فلا ينفع التمسّك بهذه العمومات و ذلك لما عرفت من أنّ الوجوب ظاهريّ و ما لم ينكشف الرّد و إلا فمع العلم بعدم مجي‌ء الإجازة و لا يجب عليه الوفاء لعدم النّقل عنه فالعمومات نافعة لأنها وافية بإثبات النّقل الواقعي الغير المسلم و على القول بالثّلث و بالجملة فجميع ما دلّ من الأدلّة العامة على لزوم العقود و الإيقاعات قاضية بالخروج من الأصل نعم من جملتها الاستصحاب و لا مجرى له في المقام بنحو جريانه في سائر المقامات إذ ليس الشّك في المقام في الجواز و اللّزوم بعد العلم بتحقق النّقل و الانتقال حتى يقال الأصل بقاء المال على ملكية المنقول إليه كما يقرّر ذلك بالنّسبة إلى المشتري في البيع المشكوك في لزومه فيقال الأصل عدم خروج المبيع عن ملك المشتري بفسخ البائع فيثبت بذلك لزومه بل الشّكّ فيما نحن فيه أنما هو في أصل الانتقال و عدمه في الزّائد على الثّلث إذ على القول بالثّلث يكون النّقل باطلا بالنّسبة إلى الزّائد من الأوّل لا أنّه صحيح و يكون الوارث فاسخا و لذا يكون النّماءات المتخلّلة للوارث دون المنقول إليه

الثّالث خصوص إطلاقات كلّ عقد من العقود و كل إيقاع و عموماتها الدالّة على الصّحة و اللزوم

و تقريب الاستدلال بها كما مر في العمومات السّابقة من الوجهين

الرّابع الاستصحاب
اشارة

و يمكن تقريره بوجهين

أحدهما الاستصحاب التّنجيزي

و هو استصحاب نفوذ التّصرّفات الثّابتة حال الصّحّة الّذي يرجع إلى بقاء السّلطنة الثانية له قطعا نظير استصحاب نفوذ تصرّفات الولي إذا شك في خروجه عن الولاية و استصحاب صحّة التّصرّفات مع الشّك في الجنون أو نحو ذلك من الموانع إذا شكّ في صيرورته محجورا للفلس أو للسّفه أو نحو ذلك فإنه يجري استصحاب الحكم مع الإغماض عن استصحاب الموضوع فالسّلطنة من الأحكام الوضعيّة الثّابتة حال الصّحة فمع الشكّ فيها يجري أصالة بقائها و لازمه نفوذ التّصرّفات و المناقشة في أن الموضوع هو الشّخص الصّحيح و قد ارتفع مدفوعة بالمنع من ذلك بل الموضوع هو الشخص المكلّف و لم يعلّق الحكم في شي‌ء من الأدلّة على عنوان الصّحيح و دعوى أن الشك في ذلك كاف إذ لا بد من العلم ببقاء الموضوع في الاستصحاب مدفوعة بمنع الشّك أيضا بل ندعي العلم بأن الموضوع هو الشّخص الخاص المالك للمال كيف

و لو نوقش بمثل هذا في الاستصحاب لزم سدّ بابه إذ كل مورد لا محالة قد زال وصف من الأوصاف يحتمل مدخليّة في الحكم فإن قلت الشّك أنما هو في المقتضي و حجيّة الاستصحاب أنما هي في الشّك في الرّافع خاصّة قلت أولا نمنع ذلك بل السّلطنة ثابتة إلى أن يرفعها رافع من أسباب الحجر و ثانيا قد بيّن في محلّه عدم الفرق بين الشّك في المقتضي و الشّك في الرّافع في الحجّية لصدق النّقض في المقامين إذ هو أنما يكون بلحاظ كون اليقين من حيث هو أمرا مبرما و لا يحتاج إلى اعتبار كون المتيقن ممّا يحتاج إلى الرّافع

الثّاني الاستصحاب التعليقي

بأن يقال كان بحيث لو تصرّف كان نافذا من أصل ماله فالأصل بقاؤه و يرجع إلى استصحاب الملازمة بين التّصرّفات و النفوذ و لا بأس به لكن لا بدّ من إثبات كون هذه الملازمة من الأحكام الشّرعيّة المجعولة لا من الأمور الانتزاعيّة العقلية و يمكن منع ذلك بيان ذلك أن الاستصحاب فرع الثبوت في السّابق و من المعلوم أنه لم يقع تصرّف في السّابق حتى يحكم بنفوذه فلا بدّ من استصحاب الملازمة بين وقوعه و بين النّفوذ و كذا في سائر أفراد الاستصحاب التعليقي و هذه الملازمة قد يكون من المجعولات الشّرعيّة بحيث يصدق على الموضوع أنه ذا حكم شرعي كما إذا قال ماء العنب ينجس إذا غلى بحيث يكون غرضه جعل هذا الحكم الثّاني لماء العنب و قد يكون من الأمور الانتزاعيّة كما إذا قال ماء العنب الغالي نجس فقبل الغليان لا حكم لماء العنب لكن يصحّ عقلا أن يقال هذا لماء بحيث لو غلى يصير نجسا فهذه الملازمة ليست مجعولة شرعا و كذا إذا قال المستطيع يحج فقبل الاستطاعة لا حكم للمكلف و كذا إذا قال يجب على البالغ كذا إذ قبل البلوغ لا حكم له لا أصلا و هكذا مع أن لا للعقل أن ينتزع الملازمة المذكورة فإن كانت الملازم مجعوله شرعا جاز استصحابها و إلا فلا و في المقام يمكن أن يقال إن الشّارع لم يجعل للصّحيح حكما و هو نفوذ تصرّفه على فرض الإيقاع بل إنّما جعل النّفوذ لموضوع التّصرّف فقبله لا حكم له حتى يستصحب نعم السّلطنة على التصرّف ثابتة له و ليس المقصود استصحابها و إلا يرجع إلى الوجه السّابق كما و الحاصل أنه إن أريد استصحاب السّلطنة كان من الاستصحاب التّنجيزي و إن أريد استصحاب الصّحة على فرض التّصرّف فهو ليس من الأحكام المجعولة الشّرعيّة فعليك بالتّأمل في جميع ما يكون من هذا القبيل فإنه كثيرا ما يشتبه الحال فالمتعيّن في تقرير الاستصحاب هو الوجه الأول و التمسّك به فرع عدم تماميّة التمسك بعموم قاعدة السّلطنة بطنه و إلا فلا حاجة إلى استصحابها كما هو واضح

الخامس أصالة عدم حق الوارث بالنّسبة إلى ما تصرّفه المريض

و دعوى أن حقه ثابت في الجملة بمقتضى ما ورد في الوصيّة من توقفها على إجازته فيما زائد على الثّلث فهي كاشفة عن تعلّق حقه بالثّلثين إذ لا يعقل ثبوت حقه من جهة دون أخرى مدفوعة بما مرّ سابقا من أنا نمنع أولا كون ذلك من باب تعلق حق له بعين المال بل غاية الأمر أن له الإمضاء و الرّد تعبّدا و أن المال ملك طلق للميّت ما دام فيه الرّوح و ثانيا على فرض كونه من باب تعلّق الحق نمنع عدم إمكان التفكيك فإنه يمكن أن يكون ذا حق من حيث التمليك المتعلق بما بعد الموت فقط فإذا شك في تعلق حقه بالنّسبة إلى التّصرّفات المنجزة فالأصل عدمه و لازم نفوذ تلك التّصرّفات لعدم المانع لها غيره

[في نقل الأقوال في أن المنجزات من الأصل أو الثلث]

اشارة

إذا عرفت ذلك فنقول اختلف علماؤنا رضوان اللّٰه عليهم في المسألة على قولين فالمحكي عن الكليني و الصّدوق ره في الكافي و الفقيه و الشّيخين ره في المقنعة و التهذيب و الإستبصار و النّهاية و الخلاف في مواضع و السّيّدين في الإنتصار و الغنية و بنى إدريس و البراج و سعيد و حمزة الخروج عن الأصل و حكي أيضا عن جامع الشّرائع و كشف الرّموز و مجمع البرهان و الوسائل و الكفاية و الوافي و الرّياض و ربما ينسب إلى الأكثر كما عن كشف الرموز و لعلّه مراده أكثر القدماء و إلى مشهور المقدّمين كما عن الرّياض بل قيل إنه صرّح بكونه مشهور المتقدّمين غير واحد و يساعده التّتبع بل عن الإنتصار و الغنية الإجماع عليه قال في الأوّل ممن انفردت به الإماميّة أن من وهب شيئا في مرضه الّتي مات فيه إذا كان عاقلا مميّزا تصحّ هبته و لا يكون من ثلثه بل يكون من صلب المال و خالف باقي الفقهاء في ذلك و ذهبوا إلى أن الهبة في مرض الموت محسوبة من الثّلث و دليلنا الإجماع المردّد انتهى و ممثل هذه العبارة في الثّاني مع دعوى الإجماع و ربما يستظهر الإجماع من السّرائر أيضا و عن الشّيخ ره إسناده إلى أخبار الطّائفة قال إذا وهب في مرضه المخوف شيئا و أقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال لزمته الهبة في جميع الموهوب و لم يكن للورثة فيها شي‌ء و منهم من قال يلزم في الثّلث و يبطل ما زاد عليه و به قال جميع الفقهاء دليلنا على الأول أخبار الطّائفة المرويّة في هذا الباب و الرّجوع إليها هو الحجّة و قريب من ذلك في باب الوصاية و عن الفاضلين و الشّهيدين و الكركي بل ينسب إلى المشهور المتأخرين الخروج من الثّلث و في المسالك نسبته إلى الأكثر و سائر المتأخرين و عن غير واحد نسبته إلى عامته المتأخرين بل ربما يستظهر من الخلاف في باب العتق دعوى الإجماع عليه و كذا عن الغنية قال الأول إذا أعتق عبده عند موته و له مال غيره كان عتقه من الثّلث و به قال جميع الفقهاء و قال مسروق بكونه من صلب المال دليلنا الإجماع الفرقة و أخبارهم و قال في الثّاني العتق في مرض الموت من أصل التّركة إن كان واجبا و إن كان تبرّعا فهو من الثّلث و يظهر منها دعوى الإجماع عليه كما قيل و الظّاهر أن مرادهما من العتق الوصيّة به كما يطلق عليها كثيرا في لسانهم و يشهد له كلامهما المتقدّم و كيف كان فعن الشيخ لمن الأخبار به أي بالثّلث أكثر و أشهر و عن جامع المقاصد قد دلّت عليه صحاح الأخبار و في موضع آخر منه أن النّصوص به متواترة

[في بيان المختار]

و الحق هو القول الأول للأصل بتقريراته و الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشّهرة و بالسّيرة المستمرّة على عدم منع المريض أيام مرضه عن تبرّعاته مع زيادتها على الثّلث و على عدم ضبطها بطور ما و نحوه مضافا إلى الأخبار الخاصّة النّاصّة أو الظّاهرة منها

الصّحيح إلى صفوان الّذي هو من أصحاب الإجماع عن مرازم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه ع في الرّجل يعطي الشي‌ء من ماله في مرضه قال ع إذا أبان به فهو جائز و إن أوصى به فهو من الثّلث و دلالته على المدّعى واضحة إذ المراد من الإبانة سيّما بقرينة المقابلة المنجز و منها خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه ع الرّجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته قال ع هو ماله يصنع به ما يشاء إلى أن يأتيه الموت أن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّا إن شاء وهبه و إن شاء تصدق به و إن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت فإن أوصى به فليس له إلا الثّلث إلا أن الفضل في أن لا يضيع من يعول به و لا يضرّ بورثته و دلالته أيضا واضحة و لا يضرّ عدم اختصاصه بحال المرض بعد شموله له بما يقرب من الصّراحة إذ المراد من إتيان الموت نفسه لا حضوره فيكون كناية عن المرض المخوف كما في الجواهر إذ هو في كمال البعد من ظاهر اللّفظ و ضعف سنده منجبر بالشّهرة و الإجماعات و منها خبر سماعة عنه ع قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع الرّجل يكون له الولد أ يسعه أن يجعل ماله لقرابته قال هو ماله يصنع ما شاء به إلى أن يأتيه الموت و هو ظاهر في الموت إذ المراد من جعله لقرابته خصوص المنجز خصوصا بملاحظة الخبر السّابق حيث إن السّماعة هو الراوي عن أبي بصير فالظاهر اتحاد مضمونه مع السّابق و لم ينقل الزّيادة في هذا الخبر و منها موثق عمار عن أبي عبد اللّٰه ع قال قلت الميّت أحق بماله ما دام فيه الرّوح يبين به قال نعم فإن أوصى به فليس له إلا الثّلث و هو قريب من الثّاني في الدّلالة بل أظهر من حيث إن قوله ما دام فيه الرّوح كالنّفس في الشّمول لحال المرض و منها موثقته الأخرى عنه ع قال الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الرّوح يبين به فإن قال بعدي فليس له إلّا الثّلث هكذا عن التهذيب و عن الفقيه روايته هكذا فإن تعدى فليس له إلا الثّلث مكان قوله فإن قال بعدي و من ذلك قد يخدش في صراحته في الدّلالة من أجل أن اختلاف النّسخة موجب للإجماع إذ المراد من التّعدي التّعدي عن الثّلث فيكون منزلا على الوصيّة و لا يشمل المنجز أو يكون أعمّ و حينئذ يكون دليلا على القول الآخر إلا أنّه يمكن أن يقال إنّهما خبران و يمكن أن يقال إن المراد من التّعدي التّعدي عن زمن الحياة فيكون تعدّيا موافقا للنّسخة الأولى مع أن غاية الأمر حصول الإجمال في الذّيل و لا يضرّ بدلالة الصّدر على أنّه لو أبان أي نجز كان جائزا من الأصل و منها موثقة الثالثة عنه ع في الرّجل يجعل بعض ماله الرّجل في مرضه فقال إذا أبانه جاز و منها موثقته الرّابعة عنه ع الرّجل أحق بماله ما دام فيه الرّوح إن أوصى به كله فهو جائز و دلالته على المدّعى أنما هي بلحاظ صدرها و لا ينافيه كون ذيلها مخالفا للإجماع إذ لا يضرّ طرح بعض الخبر في الاستدلال ببعض الآخر مع إمكان حمله على المنجز و إرادة المعنى اللّغوي من لفظ الوصيّة و يمكن العمل بظهور صدره بحمل ذيله على إرادة جواز الوصيّة بكلّ واحد من أعيان التركة و منها خبره الّذي رواه المحمّدون الثّلاثة عنه ع صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شي‌ء من الرّوح يضعه حيث شاء و منها الحسن كالصّحيح بإبراهيم بن هاشم عن أبي شعيب المحاملي عنه ع الإنسان أحق بماله ما دامت الرّوح في بدنه و دلالته كالسّابقين أنما هو بالظّهور من حيث الأعميّة من الوصيّة و المنجز و منها خبر إبراهيم بن أبي سهاك عمّن أخبره عن أبي عبد اللّٰه ع قال الميّت أحق بماله ما دامت فيه الرّوح و دلالته كسوابقه و منها مرسلة الكليني قال و قد روي أنّ النّبيّ ص قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم فعابه النّبيّ ص و قال ترك صبية صغارا يتكفّفون النّاس و رواه الصّدوق مسندا إلا أنّه قال فأعتقهم عند موته و حينئذ يكون دلالته واضحة لعدم إمكان حاله على حال الصّحة و منها صحيحة محمد بن عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصيّة و كان أكثر من الثّلث قال يمضى عتق الغلام و يكون النّقصان في ما بقي و منها حسنته في رجل أوصى بأكثر من ثلثه و أعتق مملوكه في مرضه فقال إن كان أكثر

من الثّلث يرد إلى الثّلث و جاز العتق وجه الدّلالة فيهما أن الحكم بنفوذ العتق مطلقا لا يصحّ ألا يكون المنجز خارجا من الأصل و حملهما على إرادة البدأة بالنفوذ من الثّلث خلاف الظّاهر و منها خبر إسماعيل بن همام في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته و أعتق مملوكا و كان جميع ما أوصى يزيد على الثّلث كيف يصنع في وصيّته قال يبدأ بالعتق فينفذه و تقريب الدّلالة على ما ذكره بعضهم أنه حكم بنفوذ العتق و عدم دخول النّقص عليه فهو دليل على خروجه من الأصل و لا ينافيه قوله يبدأ بالعتق إذ لما ذكره الرّاوي أمرين الوصيّة و المنجز قال الإمام ع يبدأ بالمنجز لأنه نافذ من الأصل لا أن المراد يبدأ به من الثّلث و هو كما ترى و نحن في غنى عنه بما مر فهذه الأخبار مع تعاضد بعضها ببعض و اعتضادها بالشهرة القديمة و الإجماعات المنقولة مضافا إلى الأصول و العمومات و اشتمالها على الإشارة إلى القاعدة العقليّة القطعيّة من تسلّط الإنسان على ماله و إنه يصنع فيه ما يشاء و اشتمالها على الحسن كالصّحيح و على ما هو في سنده بعض أصحاب الإجماع و على الموثق بل الموثقات واضحة المنار في الدّلالة المشتمل على قوله ع فإن قال بعدي فليس على المختار فلا وجه لما عن المسالك من أنها مشتركة في ضعف السّند إلا موثق واحد عن عمار و هو المشتمل على قوله ع فإن قال بعدي فليس له إلا الثّلث و كذا لا وجه للخدشة في تعدّد إخبار عمار من جمعه اتحاد الرّاوي في جملة من الطّبقات و اتحاد المروي عنه فيها فإن ذلك لا ينافي تعدّدها مع أنه على فرضه لا يضر بالمدعى فإن الواحد منها كاف في الاستدلال خصوصا مع ضم سائر الأخبار و كذا لا وجه للمناقشة في دلالتها بأعميتها من حال المرض و إمكان حملها على حال الصّحة إذ بعضها صريح في حال المرض و بعضها الآخر كالصّريح فإن قوله ع ما دام فيه الرّوح لا يمكن أن يحمل على خصوص حال الصّحة كما لا يخفى و دعوى أن الأحقية لا تنافي التوقف على الإجازة كما ترى كدعوى إمكان حمل ماله في جملة منها على خصوص الثّلث إذ هي غير ممكنة بملاحظة بعضها الآخر المشتمل على قوله فليس له إلا الثلث و بالجملة لا وجه للمناقشة في الاستدلال بها من حيث هي مع قطع النّظر عن أخبار القول

الثاني و سيأتي الجواب عنها

[في بيان الاستدلال على خروجها عن الثلث و الجواب عنه]

اشارة

استدلّ للقول بالثّلث بأخبار قد عرفت من جامع المقاصد دعوى تواترها و هي طوائف

إحداها ما دلّ على أنّ للرجل عند موته ثلث ماله بقول مطلق

منها صحيح يعقوب بن شعيب عن الرّجل يموت ما له من ماله فقال ع له ثلث ماله و منها صحيحة عليّ بن يقطين ما للرّجل من ماله عند موته قال الثّلث و الثّلث كثير و منها خبر عبد اللّٰه بن سنان للرّجل عند موته ثلث ماله و قال بعد ذلك و إن لم يوص فليس على الورثة إصغاؤه و منها خبر البحار الوصيّة على كلّ مسلم ثم قال ليس للميّت من ماله إلا الثّلث فإذا أوصى بأكثر من الثّلث ردّ إلى الثّلث و منها خبر العلل الوارد في الإقرار في المرأة الّتي استودعت رجلا من الأنصار ففي ذيله فإنما لها من مالها ثلاثة و منها خبر أبي بصير عن الرّجل يموت ما له من ماله فقال له ثلث ماله و للمرأة أيضا و منها مرسلة جامع المقاصد المريض محجور عليه إلا في ثلثه و منها خبر أبي حمزة المروي عن بعض الأئمّة ع قال اللّٰه تبارك و تعالى يقول يا بن آدم تطولت عليك بثلاثة سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيرا و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا و منها النّبوي ص أن اللّٰه قد تصدّق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم و لا يخفى قصور دلالتها جميعا مضافا إلى ضعف سندها ما عدا الصّحيحين منها بحيث لا يمكن الرّكون إليها في حدّ نفسها مع قطع النّظر عن الأخبار السّابقة أيضا و ذلك لأنها ظاهرة في إرادة الوصيّة فإنّ المراد منها المال الّذي للميّت بعد موته إمّا ما اشتمل منها على لفظ الميّت و لفظ يموت فظاهر و أما ما اشتمل منها على لفظه عند موته فلحمله عليها مع أنّها لو بقيت على ظاهرها أفادت عدم ملكية ما عدا الثّلث و عدم جواز إتلافه و أكله و صرفه على نفسه بلبس و استخدام و غير ذلك من التّصرّفات الغير المحاباتية و هو خلاف الضّرورة فيتعين إرادة الملكيّة البعديّة هذا مع أن مقتضى ظاهر الصّحيحين و خبر أبي بصير كون الثّلث له و إن لم يتصرّف فيه و هو خلاف الإجماع فيكشف عن أن الغرض بيان كونه له في الجملة فليس بصدد بيان تمام المطلب فتدبر و خبر عبد اللّٰه بن سنان و البحار كالصّريح في إرادة الوصيّة بقرينة ذيلهما بل هما قرينتان على البقيّة لأن أخبارهم ع يفسر بعضها بعضا و خبر الإقرار لا دخل له بالمقام إذ مسألة الإقرار مسألة برأسها و فيها الأقوال المختلفة و مرسلة جامع المقاصد ليست ثابتة و الظّاهر أنها مضمون الأخبار عبّر بها باجتهاده و خبر أبي حمزة و النّبوي ص ظاهران في الوصيّة بقرينة التعبير بالتصدق و التّطول حيث إنه ما دام حيا المال ماله لا يحتاج في تصرّفه إلى التّصدّق عليه و الّذي يحتاج إلى ذلك هو التّمليك بعد الموت الّذي ينتقل المال عنه إلى وارثه و هذا واضح جدّا

الثّانية الأخبار الواردة في خصوص العتق المعبّرة بلفظ أعتق

الظّاهر في المنجز الحاكمة بنفوذه من الثّلث منها خبر عليّ بن عقبة في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه قال ما يعتق منه إلا ثلثه و سائر ذلك الورثة أحق بذلك و لهم ما بقي و منها خبر عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّٰه ع ثم قال سألته عن رجل حضرة الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيز و ذلك كيف القضاء فيه قال ما يعتق منه إلا ثلثه و منها خبر أبي بصير عنه ع أن أعتق رجل عند موته خادما ثم أوصى بوصيّة أخرى ألغيت الوصيّة و أعتقت الجارية من ثلثه إلا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصيّة و منها خبر السّكوني عن علي ع أن رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره قال سمعت رسول اللّٰه ص يقول يستسعى في ثلثي قيمته للورثة و منها خبر العامي الّذي ادّعى في المسالك أنه أجود ما في الباب متنا و سندا و من ادّعى خلاف ذلك فالسّيرة يردّ دعواه و عليه اقتصر ابن الجنيد في كتابه الأحمدي و هو أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه و لا له غيرهم فاستدعاهم رسول اللّٰه ص و جزاهم ستة أجزاء و أقرع بينهم فأعتق اثنين و أرق أربعة و فيها أيضا مضافا إلى قصور السّند قصور الدّلالة فإن ظاهرها أيضا إرادة الوصيّة بالعتق بملاحظة أن الغالب الوقوع من العتق الواقع فيحال المرض هو ذلك لا العتق المنجز و الشّائع في الأخبار أيضا التّعبير عن الوصيّة بالعتق بقولهم أعتق عند موته كما لا يخفى على من حباس خلال تلك الدّريا بل في كلمات العلماء أيضا كثيرا ما يكون كذلك كما عرفت من الخلاف و الغنية و لذا أسند الشّيخ في عبارته المتقدّمة القول الأول إلى دلالة الأخبار بحيث يظهر منه أن هذا القول لا دليل عليه منها مع أن هذه الأخبار كان بمرأى منه و مسمع و أيضا أرباب كتب الأخبار كالكليني و غيره أوردوا هذه الأخبار في باب الوصيّة أو وجوب إرجاعها إلى الثّلث و يؤيّده أن صاحب المسالك جعل الخبر العامي المذكورة أجود ما في الباب متنا و سندا مع أن عدم اطلاعه على هذه الأخبار في غاية البعد هذا مع أن قوله ع في خبر أبي بصير ثم أوصى بوصيّة أخرى يدلّ على ذلك بل يصير قرينة على سائر الأخبار أيضا و إن أبيت عن حملها على ما ذكرنا من إرادة الوصية بالعتق فلا إشكال في إمكان حملها على إرادة التّدبير إذ هو عتق بعد الوفاة و يصدق عليه العتق حقيقة غاية الأمر أن لفظة أعتق أعمّ من المنجز و المعلق إلا أن شيوع الثّاني يوجب صرفه إليه إذ لا أقلّ من الشّك في إرادة الأعمّ و لا يجري دليل الحكمة فتأمل و لو أغمضنا عن ذلك كلّه نقول غاية الأمر كونها في أول درجة الظّهور في شمول المنجز و سيأتي عدم مقاومتها للأخبار المتقدّمة

الثالثة ما ورد في خصوص العتق أيضا بلفظ أعتق

المحمول على المنجز بقرينة الحكم بتقديمه على الوصيّة بالمال إذ لو كان المراد الوصيّة لم يكن وجه لتقديمه مطلقا و هي حسنة محمّد بن مسلم و صحيحته و خبر إسماعيل بن همام المتقدّمات في أخبار القول بالأصل و فيها أولا أنها على خلاف المطلوب أدلّ خصوصا الأوليين إذ ظاهرها نفوذ العتق مطلقا و لم يكن الثلث وافيا و لا دلالة فيها على نفوذه منه و ثانيا أنه لا منافاة لحملها على الوصيّة

بالعتق إذ يمكن أن يكون في تقديمه حينئذ على سائر الوصايا بناءه على التغليب و لذا ذهب الشّيخ و الإسكافي على ما حكي عنهما إلى تقديم العتق على غيره من الوصايا و إن كان متأخرا هذا مع أن التّقديم في الصّحيحة يمكن أن يكون من جهة كونه مقدّما في الذّكر و الإنشاء

الرّابعة الأخبار الواردة في خصوص العتق ممّن عليه دين الدالة على بطلانه

إن لم يكن قيمة العبد بقدر الدّين مرتين و صحته في سدسه و هو ثلث ما بقي بعد الدّين إذا كان كذلك و هي صحيحة زرارة أو جميل عن أبي عبد اللّٰه ع في رجل أعتق مملوكه عند موته و كان عليه دين فقال ع إن كان قيمته مثل الذي عليه و مثله جاز عتقه و إلا لم يجز و موثقة ابن الجهم سمعت أبا الحسن ع يقول في رجل أعتق مملوكا و قد حضره و أشهد له بذلك و قيمته ستمائة و عليه دين ثلاثمائة درهم و لم يترك شيئا غيره قال يعتق منه سدسه لأنه إنما له منه ثلاثمائة درهم و تقضى عنه ثلاثمائة درهم و له من الثّلث مائة درهم ثلثها و له السّدس من الجميع و صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج الطّويلة قال سألني أبو عبد اللّٰه ع هل يختلف ابن أبي ليلى و ابن شبرمة فقلت بلغني أنه مات مولى العيس بن موسى فترك عليه دينا كثيرا و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت إلى أن قال الإمام ع إذا استوى مال الغرماء و مال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرّجل على وصيّته و أجيزت وصيّته على وجهها فالآن يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء و يكون ثلثه للورثة و يكون له السّدس و لا يخفى أولا أن هذه الأخبار أيضا ظاهرة في الوصيّة خصوصا الأخيرة حيث قال فيها لم يتهم على وصيّة و أجيزت وصيّته مع أن صحيحة زرارة لا دلالة فيها على الخروج من الأصل أو الثّلث و إنما تدلّ على أن الدّين مقدّم على العتق و إن كان العتق سابقا على الموت و ثانيا لو سلّمنا حملها على العتق المنجز و دلالتها على المطلوب أو كونها أعمّ منه و من الوصيّة نقول لا يمكن الاستدلال بها على ما نحن فيه بل يجب الاقتصار على موردها لكونها على خلاف القاعدة من بطلان العتق المنجز في صورة عدم كون القيمة ضعفي الدّين و لذا عمل طائفة من القائلين يكون المنجزات من الأصل بها و جعلوها من الثّلث بسببها ورودا على ابن إدريس حيث ردها و قال إن العتق ينفذ من الأصل كما هو مقتضى القاعدة بأن ما ذكره اجتهاد في مقابل النّصّ و بالجملة فالاستدلال بهذه الأخبار لا وجه له كما لا يخفى على من لاحظ تلك المسألة فإن الفقهاء عنونوا لها عنوانا على حدة و اختلفوا في أن هذا الحكم مختصّ بالعتق أو يجري في سائر المنجزات و أنه هل يجري في الوصيّة أولا و أيضا منهم من عمل بظاهرها من أنه لو لم يكن قيمة العبد بقدر الدّين مرتين لم ينعتق منه شي‌ء و إن بقي بعد الدّين بقيّة و منهم من حكم ببطلانه فيما لم يبق منه شي‌ء بعده و بالصّحة في صورة الزّيادة و لو لم تكن بقدر الدّين و منهم من ردّ أصل الأخبار لمخالفتها للقواعد فلا دخل لها و لهذه المسألة بما نحن فيه و لعلّنا نتعرض لها فيما سيأتي إن شاء اللّٰه و من الغريب أن صاحب الجواهر مع اعترافه بما ذكرنا من كون هذه المسألة مستقلة لا ربط لها بما نحن فيه مستشهدا بذهاب جمع من القائلين بكون المنجزات من الأصل إلى العمل لها و الحكم بكون العتق في هذه الصّورة من الثّلث قال و على كلّ حال فلا ريب في دلالة الصّحيح المزبور على المطلوب مع أن تماميّة الاستدلال موقوفة على بيان عدم الفرق بين العتق و غيره و عدم الفرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن و بين ما إذا كان قيمة العبد أكثر من الدّين أو أقلّ و كلّ هذه لا يتم إلا بالإجماع على عدم الفرق و إلا فلا دليل غيره على التّعدية و من المعلوم أنّه لا يمكن دعوى الإجماع على ذلك بعد الاعتراف بأن جماعة من القائلين بالأصل في المنجزات قالوا بالثلث في المقام

الخامسة الأخبار الواردة في خصوص بعض المنجزات الظّاهرة في عدم نفوذها مطلقا

منها صحيح الحلبي سئل أبو عبد اللّٰه ع عن الرّجل يكون لامرأته عليه الصّداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها فقال ع لا و منها خبر سماعة سألت أبا عبد اللّٰه ع عن عطية الوالد لولده فقال ع إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء فأما في مرضه فلا يصلح و منها خبر جراح المدائني سألت أبا عبد اللّٰه ع عن عطيّة الوالد لولده ببيّنة قال إذا أعطاه في صحته جاز و منها خبر السّكوني عن علي ع أنه كان يرد النّحلة في الوصيّة و ما أقربه عند موته بلا ثبت و لا بنيّة ردّه على ما هو الظاهر منه من الرّد أصلا لا الرّد في الوصيّة و إجراء أحكامها عليها و منها خبر أبي ولاد سألت أبا عبد اللّٰه ع عن الرّجل يكون للمرأة عليه الدّين فتبرئه منه في مرضها قال ع بل تهبه له فيجوز هبتها و يحسب ذلك من ثلثها فإن الأعراض عن الإبراء ظاهر في عدم جوازه و تقريب الاستدلال بهذه الأخبار أن نفي الجواز فيها بظاهره خلاف الإجماع فلا بد أن يكون محمولا على نفيه مطلقا و من الأصل فيكون دالا على جوازه و مع الخروج من الثّلث و الإنصاف أن مساق هذه الأخبار مساق الكراهة و يؤيد ذلك التّعبير بلا يصلح في خبر سماعة مع أن ظاهرها إذا كان مخالفا للإجماع و وجب طرحه لا دليل على إرادة الخروج من الثّلث و الحمل عليه تأويل مرتكب بعد وجود الدّليل على ذلك غيرها و المفروض أن الغرض هو الاستدلال بها نعم الجزء الأخير من خبر أبي ولاد ظاهر في المدعى إلا أنه أيضا مرهون بدلالة صدره على عدم جواز إبراء الدّين و هو خلاف الإجماع و دعوى أن المراد منه التّرقي و أنه كما يجوز الإبراء يجوز أن تهبه أيضا و يخرج من الثّلث بعيدة عن الظّاهر و لذا قال في المسالك و أما خبر أبي ولاد فاشتماله على ما يخالف المجمع عليه من صحة الإبراء دون الهبة يمنع من الاستدلال به

السّادسة نصوص الإقرار الآتية الدّالة على النفوذ من الثّلث مطلقا أو في الجملة

بدعوى أن ذلك من جهة ثبوت حق للوارث في الثلثين و إذا ثبت ذلك لزم عدم جواز التّصرّف إلا بإجازتهم و لا يضر دلالتها على النّفوذ من الأصل في صورة عدم الاتهام إذ الحق يمكن أن يختلف في الثبوت من جهة دون أخرى أو بدعوى أنّ الإقرار أيضا من جملة المنجزات إذا كان من الثّلث فكذلك البقيّة و قد عرفت سابقا

منع ثبوت حق للوارث في مال المورث حال حياته و أن الخروج من الثلث على فرضه تعبدي فلا يسري الحكم من مورد إلى آخر و على فرضه إذا أمكن ثبوته من جهة دون أخرى فلا وجه للتعدي عن المورد الثّابت فيه و إلا أمكن الاستدلال بأخبار الوصيّة أيضا بالتّقريب المذكور و أما دعوى كون الإقرار من المنجزات فسيأتي دفعها مع أنه على فرضه لا يمكن الإلحاق بعد كون مسألة الإقرار مسألة برأسها معركة للأقوال الآتية

السّابعة ما دلّ من الأخبار على عدم جواز الإضرار بالوارث مطلقا أو في خصوص الوصيّة

و أن الوصيّة بأزيد من الثّلث إضرار بهم كخبر السّكوني قال على ع ما أبالي أضررت بولدي أم سرفتهم ذلك المال و كخبر محمّد بن قيس عن أبي جعفر ع قال قضى أمير المؤمنين ع في رجل توفي و أوصى بماله كله أو أكثره فقال ع الوصيّة ترد إلى المعروف غير المنكر فمن ظلم نفسه و أتى في وصيّته المنكر و الحيف فإنّها ترد إلى المعروف و يترك لأهل الميراث ميراثهم إلى غير ذلك من النّصوص الكثيرة الدّالة على أن الضّرار في الوصيّة من الكبائر فإن من المعلوم أن ذلك أنما هو من جهة التّوفير على الوارث فتدلّ على عدم جواز المنجز أيضا بالمناط المعلوم و المنصوص في الخبر الثّاني مع أن الخبر الأوّل بإطلاقه شامل للمقام و أنت خبير بأن ذلك ليس علّة يدور مدارها الحكم و إلا لجرت في الصّحيح أيضا بل هي حكمة لا يجب اطرادها و أما إطلاق الخبر الأول فمنصرف إلى الوصيّة مع أن سرقة المال من الوارث لا يكون إلا إذا كان داخلا في ملكه و هو ما بعد الموت فالتصرّف المعلق على الموت الّذي هو ملكيّة زمان الوارث يصدق عليه السّرقة و أمّا التّصرّف حال الحياة الّذي لا دخل للمال بالوارث فلا هذا حال الأخبار المستدلّ بها على هذا القول و قد عرفت عدم دلالة شي‌ء منها و لو سلّمنا دلالة بعضها كأخبار العتق و خبر السّكوني كان عليّ ع يرد إلخ بالتّقريب الآخر و ذيل خبر أبي ولاد و نحو ذلك كمرسلة جامع المقاصد فنقول إنها ضعيف السّند و لا جابر لها إذ الشّهرة القدمائية الصّالحة لجبر السّند على الخلاف مضافا إلى الإجماعات المنقولة فمع قطع النّظر عن معارضة أخبار الأصل لا يمكن التّعويل على هذه الأخبار و إثبات الحكم المخالف للقواعد و من هنا ظهر ما في وصف المفاتيح أخبار القول بالثّلث بالأكثرية و الأشهرية و ما في دعوى جامع المقاصد تواتر الأخبار به و دعوى بعضهم أنه لا يقصر عن نقل الإجماع هذا و مع الإغماض عن ذلك و القول بتماميّة الاستدلال بجملة من الأخبار المذكورة فنقول إنها معارضة بما تقدّم للقول الأول من الأخبار و هي أرجح من هذه بوجوه بجميع التراجيح إمّا من حيث الدّلالة فلأظهريتها و بعد التّأويل فيها فإنّه منحصر في حملها على حال الصّحة و على صحتها مع الإجازة و هنا كما ترى فإن قوله ع ما دام فيه شي‌ء من الرّوح كالصّريح في الشمول لحال المرض مع أن بعضها مقيّدا بالمرض أو ما يفيد مؤداه و أيضا الأحقيّة المطلقة منافية للتوقف على الإجازة مع أن بعضها لا يقبل هذا لحمل و هذا بخلاف هذه الأخبار فإنّها قابلة للحمل على خصوص الوصيّة أو غيرها و أما من حيث المرجّحات الداخليّة فلأقوائيتها من هذه سندا من حيث اشتمالها على الحسن كالصّحيح و الموثق و المشتمل على من أجمع على صحة روايته و من حيث كون الضّعيف منها مجبورا بالشّهرة بخلاف هذه و أمّا من حيث المضمون فلتأيدها بالقاعدة القطعيّة المستفادة من الكتاب و السّنة بل العقل و الإجماع و أما من حيث المرجّحات الخارجيّة فلموافقتها للشّهرة القديمة و الإجماعات المنقولة و مخالفتها لما عليه جميع العامة لإطباقهم على الخروج من الثّلث على ما حكي عن الإنتصار و المبسوط و الخلاف و السّرائر و التّذكرة فيمكن حمل أخبار الثّلث على التقية و ما في الجواهر من أن حمل هذه الأخبار كلها على التقيّة مع كثرتها غريب سيما مع عدم قابليّة بعضها و إنه يمكن القطع بعدم ذلك في مثل هذه النّصوص الّتي من رواتها البطانة بل لا يخفى على من مارس أخبارهم ع أن عادتهم الإشارة في نصوص التّقيّة إليها بذكر لفظ النّاس و نحوه بل قد يقطع بعدمه في خصوص المقام إذ لو كان مخالفا للعامة عندنا لكان في جملة من النّصوص الإنكار عليهم و إلى بطلان ما هم عليه و مخالفتهم الكتاب و السّنة مدفوع بأنه لا يجب حمل جميعها على التقيّة إذ غير الدّال منها على المطلوب لا داعي إلى ارتكاب الحمل فيه و الدّال منها كما عرفت قليل و لا حاجة إلى الإشارة إلى الإنكار عليهم مع أنه مناف للتقيّة و النّصوص الّتي من رواتها البطانة قد عرفت عدم دلالتها هذا مع أنّه قد بيّن في محلّه أن التّرجيح بمخالفة العامة لا ينحصر في الحمل على التّقيّة بل يكفي في التّرجيح مجرّد كون الرشد في خلافهم هذا و لو سلّمنا مكافئة الأخبار من الطّرفين فالمرجع الأصول المقررة إن كان التّأمل و الإشكال في الدّلالة و إلا فالتّخيير على ما بيّن في محلّه فظهر أنه لا معدّل عن القول بالأصل و صارت المسألة من

الواضحات بحمد اللّٰه سبحانه و له المنة

بقي الكلام تتميما للمرام في أمور

الأول [في بيان المراد من المنجز]

قد عرفت أن المنجز الّذي هو محلّ الخلاف المذكور هو إنشاء التّصرّف بالتّمليك أو نحوه أو بالالتزام بأحدهما فعلى هذا يكون الإقرار في حال المرض خارجا عنه موضوعا إذ هو إخبار عن حق ثابت في الواقع سابقا على زمانه فلا يلزم من القول بكون المنجز من الثّلث القول بكونه منه و لا العكس و كذا لا تلازم بينهما بالقول على الأصل مع أن الحكم في المنجز بالثّلث على فرضه أنما يثبت بأخبار واردة في خصوص بعض أفراده كالعتق و الهبة و نحوهما و إلحاق الباقي أنما كان بدعوى القطع بعدم الفرق و لا يمكن دعواه في الإقرار و كذا لا تلازم بينهما من جهة كشف الحكم يكون أحدهما من الثّلث عن ثبوت حق للورثة في الثّلثين بحيث يوجب ثبوت الحكم في الآخر لما عرفت من منع ثبوت الحق و منع إيجابه التّعدي عن مورد الدّليل على فرضه بل يجب القصر على مقدار ما ثبت منه فلا وجه لما في الجواهر من احتمال كون الإقرار من المنجزات من حيث إنه و إن لم يكن إنشاء للتصرّف إلا أنه سبب للحكم الشّرعي فيه بإزالة الملك عن العين و شغل الذمة بالنّسبة إلى الدّين كالنّذر في أيام المرض و من هنا احتمل جريان التفصيل بالتّهمة و عدمها في سائر المنجزات و الجمع بين النّصوص السّابقة به لكنه خلاف الإجماع

إذ فيه أن الحكم الشّرعي و إن كان من حين الإقرار إلا أن المدار على ما فعله المقر و هو لم يتصرف في ماله بإزالة أو غيرها و إنما أخبر بالواقع بظاهر إقراره فلا وجه لعده من باب المنجز و الفرق بينه و بين النّذر في أيام المرض واضح فإنه إنشاء للتّصرّف أو للالتزام به هذا و لو قلنا بكونه من المنجز فلا يلزم جريان التّفصيل المذكور في المنجز لأن هذا التّفصيل أنما ثبت بالأخبار الخاصّة بالإقرار فلا يمكن تسريته إلى مطلق المنجزات و إن جعلنا الإقرار منها ففائدة جعله منها الرّجوع إلى أخبارها عند الشّك في حكمه لا تعميم الحكم الثّابت بأخباره إليها و من ذلك ظهر ما فيما عن المهذب من أن القول بكون المنجز من الأصل يلزم القول بنفوذ الإقرار منه و القول بكونه من الثّلث يلزم القول بكون الإقرار منه فإنه و إن كان نظره إلى كون الإقرار منه موضوعا فقد عرفت فساده و إن كان نظره إلى الكشف عن ثبوت الحق فقد عرفت منعه و لذا ترى اختلاف الأقوال في الإقرار غير ما هناك و من ذلك يظهر أن لا ملازمة اتفاقية بين المسألتين بحسب الأقوال بل و لا بحسب الأدلة كما ستعرف في حال المرض و كيف كان فالإقرار قد يكون بالعين و قد يكون بالدّين و قد يكون بغيرهما ثم قد يكون للوارث و قد يكون للأجنبي و اختلفوا في نفوذه من الأصل أو الثلث على أقوال ستة أو سبعة و ربما أنهاها بعضهم إلى التّسعة و قيل كما في الجواهر أنّها عشرة منها أنه خارج من الأصل مطلقا حكي عن السّرائر و الغنية و المراسم و الجامع و كشف الرّموز و عن الأولين دعوى الإجماع عليه في باب الإقرار و في الجواهر أنه المشهور بين القائلين بكون المنجزات من الأصل و هو ممنوع لأن المشهور على التفصيل الآتي مع أن المشهور هناك بين القدماء الأصل و بين المتأخرين الثّلث و منها أنه من الأصل مع عدم التّهمة و من الثّلث معهما من غير فرق في الموضعين بين العين و الدّين و الوارث و الأجنبي حكي عن الأكثر و الظاهر أنه المشهور و منها أنه من الأصل مع العدالة و عدم التهمة و من الثلث مع فقد القيدين حكي عن الشيخ ره في النّهاية و القاضي قال الأول إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي و الوارث إذا كان مرضيّا موثوقا بعدالته فإن كان غير موثوق به و إن كان متهما فإن لم يكن مع المقر له بينة أعطي من الثّلث انتهى و الظّاهر رجوعه إلى السّابق و أن اعتبار العدالة من باب الطّريقيّة لعدم التّهمة و يؤيّده أنه لولاه لزم عدم التّعرّض لحكم الواسطة و هي ما إذا انتفى أحد القيدين و منها أنه من الأصل إن كان عدلا و إلا فمن الثّلث حكي عن جامع المقاصد نسبته إلى بعض الأصحاب و منها أنه من الأصل إن كان للأجنبي و لم يكن منهما و إلا بأن كان متهما أو كان للوارث مطلقا فهو من الثّلث و هو مختار المحقق في النافع و عن التّنقيح أنه من متفرداته و منها أنه من الأصل إن كان للأجنبي مطلقا أو كان للوارث و كان غير متهم و إلا فمن الثّلث حكي عن ابن حمزة و منها أنه من الأصل إن كان للأجنبي و لم يكن منهما مطلقا إن كان بدين و إن كان بعين و كان عليه دين محيط بما في يده قبل إقراره إن كان عدلا مأمونا و لم يقبل إقراره إن كان متهما على ما حكي عن المقنعة و ظاهره أنه لا يقبل مع الاتهام مطلقا حتى من الثلث و منها أنه من الثّلث في حق الوارث مطلقا من غير تعرض لحكم الأجنبي فيحتمل أن يكون فيه من الأصل مطلقا أو على التّفصيل أو من الثّلث أيضا مطلقا و تكون ذكر الوارث من باب المثال و يحتمل السّقوط فيه رأسا حكي عن المقنع و منها أنه من الأصل إن كان مأمونا صحيحا كان أو مريضا و من الثّلث إن كان متهما كذلك حكي عن أبي الصّلاح فهذه تسعة و لعلّ العاشر ما يظهر من مجمع البرهان حيث إنه في ذيل كلام العلامة في الإرشاد و يقبل إقرار المفلس و المريض مع انتفاء التّهمة و معها يكون وصيّة قال و يحتمل البطلان بالكليّة و عدم الوصيّة أيضا فإنه إقرار غير مقبول و ليس بوصيّة فإنّها تمليك مال لغيره بعد موته و ليس هنا كذلك بل إقرار بأنه ملك له و قد حكم بأنه ليس له فتأمل انتهى و كيف كان فلم يحك القول بالثّلث مطلقا

نعم هو محتمل المقنع كما عرفت و منشأ الخلاف اختلاف النّصوص و الحق هو القول الثّاني لأنه مقتضى الجمع بينها بحمل مطلقاتها على مقيّداتها و طرح ما يجب طرحه منها و ذلك لأنّها طوائف إحداها ما هو مطلق في النّقود كخبر سعد بن سعد عن الرّضا ع عن رجل مسافر حضره الموت فدفع ماله إلى رجل من التّجار فقال له إن هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل و لا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث يشاء فمات و لم يأمر صاحبه الّذي جعل له بأمر و لا يدري صاحبه ما الّذي حمله على ذلك كيف يصنع قال ع يصنعه حيث يشاء و خبر أبي ولاد سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه قال يجوز ذلك قلت فإن أوصى لوارث بشي‌ء قال جائز و خبر السّكوني عن على ع في رجل أقر عند موته لفلان و فلان لأحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال أيّهما أقام البيّنة فله المال فإن لم يقم واحد منهما البيّنة فالمال بينهما نصفان و لا يخفى أن الإطلاق في هذه الأخبار ليس في مقام البيان من الحيثيّة الّتي نحن بصددها و لذا حكم في خبر أبي ولاد بنفوذ الوصيّة للوارث أيضا من غير تعرّض لكونها من الثّلث الثّانية ما هو مطلق في الخروج من الثلث كخبر إسماعيل بن جابر سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل أقر لوارث له و هو مريض بدين له عليه قال يجوز إذا أقر به دون الثّلث و المراد الثلث فما دون لشيوع التّعبير في مثل ذلك و خبر سماعة سألته عمن أقر لوارث له بدين عليه و هو مريض قال ع يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلا و هو منزل على الثّلث للإجماع على عدم اعتبار القلة بما هو الثّالثة ما هو مطلق في عدم النّفوذ مطلقا أو إذا كان المقر له وارثا كخبر السّكوني كان علي ع يرد النّحلة في الوصيّة و ما أقر به بلا ثبت و لا بيّنة رده بناء على ما هو الظاهر من الرّد أصلا لا الرّد في الوصيّة و إجراء حكمها عليه و خبر القاسم بن سليمان سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه فقال ع لا يجوز وصيّته لوارث و لا اعتراف له بدين و خبر سعد بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال علي ع لا وصيّة لوارث و لا إقرار له بدين يعني إذا أقر المريض لأحد من الورثة بدين له عليه فليس له ذلك و ظاهر هذه الأخبار مخالف للإجماع مع أنها ضعيفة السّند فلا بد من طرحها أو حملها على ما يأتي و عن الشّيخ أنه قال بعد نقل الأوّل الوجه هذا في أن تحمله على ضرب عن التّقيّة لأنه مذهب جميع من خالف الشّيعة و الذي قدّمناه مطابق لظاهر القرآن و قال بعد نقل الآخر

هذا ورد مورد التّقية و يحتمل أن يكون المراد لا إقرار له بدين فيما زاد على الثّلث إن كان متهما لما تقدّم الرّابعة ما يستفاد منه التّفصيل بين المتهم و غيره كصحيحة العلاء بياع السابري قال سألت أبا عبد اللّٰه ع عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له إن المال الذي دفعته إليك لفلانة و ماتت المرأة فأتى أولياءها فقالوا له إنّه كان لصاحبتنا مال و لا نراه إلا عندك فاحلف لنا ما لها قبلك شي‌ء أ فيحلف لهم فقال ع إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم و إن كانت متهمة فلا يحلف لهم و يضع الأمر على ما كان فإنما لها من مالها ثلثه و صحيحة منصور بن حازم سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا فقال ع إن كان الميّت مرضيّا فأعطه الّذي أوصى له و نحوهما موثقة أبي أيوب و صحيحة الحلبي قلت لأبي عبد اللّٰه ع الرّجل يقر لوارث بدين فقال ع لا يجوز إذا كان مليّا و خبر الآخر سئل أبو عبد اللّٰه ع عن رجل أقر لوارث بدين في مرضه أ يجوز ذلك قال نعم إذا كان مليّا و المراد بالملاءة إمّا الوثوق على ما عن الصّحاح صار مليّا أي ثقة فيرجع إلى ما تقدّم أو كونه ذا مال و حينئذ يكون طريقا لرفع التّهمة إذا كان المراد ملاءة المقر له بل و كذا إن كان ملاءة المقر فتأمل و على أيّ حال لا بدّ من حمله على ذلك لما تقدّم و خبر أبي بصير سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل معه مال مضاربة فمات و عليه دين و أوصى أن هذا الّذي ترك لأهل المضاربة أ يجوز ذلك قال ع نعم إذا كان مصدقا و مكاتبة محمّد بن عبد الجبار إلى العسكري ع أن امرأة أوصت إلى رجل و أقرت له بدين ثمانية آلاف درهم و كذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف و شعر و شبه و صفر و نحاس و كلّ مالها أقرّت به للموصى له و أشهدت حين وصيّتها و أوصت أن يحج عنها من هذه التركة حجة و تعطى مولاة لها أربعمائة درهم و ماتت المرأة و تركت زوجها فلم ندر كيف الخروج من هذا و اشتبه علينا الأمر و ذكر كاتب أنّ المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصحّ لهذا الوصي فقال لها لا تصحّ تركتك لهذا الوصي إلا بإقرارك له بدين يحيط بتركك بشهادة الشّهود و تأمر به بعد أن ينفذ من توصيه به فكتبت له بالوصيّة على هذا و أقرت للوصي بهذا الدّين فرأيك أدام اللّٰه عزك في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا و تعرفنا ذلك لنعمل به إن شاء اللّٰه فكتب ع بخطه إن كان الدّين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدّين من رأس المال إن شاء اللّٰه و إن لم يكن الدّين حقا أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها كفى أو لم يكف و المراد من معروفيّة الدّين و مفهوميّة الوثوق يعني أنه إن لم يحصل الاتهام و ظن الكذب من جهة أخبار الكاتب يخرج من أصل المال و إلا فمن الثّلث و لا يخفى أنه لا يبقى مجال الرّيب بعد وجود هذه الطّائفة الرّابعة في حقية ما ذكره المشهور من التّفصيل إذ من المعلوم أن الظّاهر من قوله ع إذا كان مصدّقا أو مرضيّا أو مليّا أو مأمونة أو نحو ذلك هو الكناية عن الوثوق بصدق المقر و عدم التهمة في إقراره بمعنى الظنّ بكذبه فتقيد المطلقات المتقدّمة بهذه النّصوص مع أنك قد عرفت قصور سندها و دلالتها و كون ظواهر بعضها خلاف الإجماع و دعوى أن مقتضى المفهوم في هذه النّصوص عدم النّفوذ أصلا في صورة عدم الوثوق لا الخروج من الثّلث مدفوعة مضافا إلى استفادة ذلك من جملة منها كخبر إسماعيل بن جابر و صحيح العلاء و المكاتبة و إلى أنه مقتضى الجمع بينها و بين ما تقدّم ما دلّ على النّفوذ من الثّلث مطلقا بأن الإجماع على الظّاهر المصرّح به في بعض العبائر قائم على عدم الرّد مطلقا و أنه لا يحكم بالحرمان مطلقا و إن النّفوذ في مقدار الثّلث مسلم و الخلاف أنما هو فيما زاد عنه و أيضا إذا قام الإجماع على عدم الرّد و كان مقتضى القاعدة مغايرة المفهوم للمنطوق الحاكم بكونه من الأصل فلا يبقى إلا الخروج من الثّلث لكن هذا إذا كان مجرّد الاتهام و ظن الكذب و أما إذا علم كذبه في إقراره فلا يحكم بخروجه من الثّلث أيضا و لا يجري عليه حكم الوصيّة لعدم ظهور الكلام في أرادتها

نعم لو علم من الخارج أنه أراد الوصيّة و إنما عبّر بالإقرار فلا يبعد الحكم بالإخراج من الثّلث حتى مع العلم بالكذب في إقراره و مما ذكرنا ظهر بطلان سائر الأقوال و ظهر مداركها أيضا في الجملة و المسألة بحمد اللّٰه في غاية الوضوح نعم الكلام في أمور أحدها ربما يستشكل في نفوذ الإقرار من الثّلث على فرض التّهمة أو مطلقا و يقال إن مقتضى القاعدة نفوذه في ثلث الثّلث إذا أقر بالثّلث أو بما يساويه و ذلك لأن للميّت من ماله ثلثه بمقتضى الأدلة الدالة على الخروج من الثلث و أن الثلثين منه متعلق حق الورثة و المفروض أن ثلثه مشاع في تمام المال فإذا أقر بما يساوي الثلث فقد أقر بما هو شائع في تمام المال الذي هو بمنزلة المشترك بينه و بين غيره فيكون نظير إقرار أحد الشّريكين بحصّة مشاعة من العين لغيره مع عدم قبول الآخر فإنه لو أقر بالنصف ينزل على الرّبع و بالثلث ينزل على السّدس و هكذا على ما بين في محله و تقرير الإشكال في صورة كون الإقرار بالعين واضح و في صورة كونه بالدّين أنّه متعلّق بمجموع التركة فيكون المقر به و هو الدّين شائعا في تمام المال الّذي ثلثاه للوارث بمعنى أنه متعلق حقه و لا يخفى أن هذا الإشكال يجري في المنجز أيضا لأنه نظير ما إذا باع مالك نصف الدّار نصفها شاعا حيث يقولون إنه يصحّ في ربعها و يحتاج في الرّبع الآخر إلى إجازة المالك الآخر و فيه أولا أن الإجماع و النّصوص المذكورة في المقامين قاضية بالنّفوذ في تمام الثّلث فيهما الفارق بين المقامين الّذين نحوه فيهما و المقامين المذكورين و ثانيا أن هذا أنما يكون فيما إذا كانت الشّركة ثابتة قبل الحكم بالنّفوذ كما في المقامين المذكورين لا إذا كانت ثابتة بدليل النّفوذ في مقدار الثّلث كما فيما نحن فيه حيث إنا استكشفنا الشّركة من حكم الشّارع بنفوذ المنجز أو الإقرار من الثّلث و حكمه هو النّفوذ بالنّسبة إلى تمام الثّلث فحق الورثة في المقام ليس ثابتا قبل السّماع بقدر الثّلث حتى يكون من قبيل الشّركة و إنما يثبت بعد السّماع بقدره و يجعله الشّارع للحكم على هذا الوجه فلا يعقل كونه مانعا عن هذا الثّلث و ثالثا أنا نمنع شركة الوارث بمعنى تعلّق حقه بالثّلثين في حال الحياة و إنّما الخروج من الثّلث حكم تعبدي فلا يكون من قبيل الإقرار بالمال المشترك أو التّصرّف في المال المشترك حسبما عرفت مرارا و رابعا نقول إن هذا الإشكال

لا مجرى له في الدّين أصلا لأن المقر به لا ربط له بالعين و تعلق حق الدّيان بأعيان التركة أنما هو بعد الموت فعلى فرض كون حق الوارث متعلّقا بالثّلثين بشكل الحال في الإقرار بالعين حيث إنه إقرار بالمال المشترك و أمّا الإقرار بالدّين فلا ربط له بالمال المشترك أصلا و هذا واضح غايته و بالجملة لا وقع للإشكال المذكور أصلا ثانيها لا إشكال في أن مقتضى القاعدة الأولية خروج الإقرار من الأصل لعموم قوله ص إقرار العقلاء على أنفسهم جائز و قوله ع المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه و قوله ع لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه فعلى هذا كلّ مورد شك في الخروج من الأصل أو الثّلث من جهة الشّك في شمول الأخبار المذكورة بحيث كانت الشبهة حكميّة يؤخذ فيه بالعموم المذكور نعم لو قلنا بأحد الأمرين من كون الإقرار من المنجزات موضوعا و قلنا إنها خارجة من الثلث أو بثبوت الحق للوارث في الثّلثين من جهة كشف الأخبار عنه فمقتضى القاعدة الثّانوية الخروج من الثّلث فعند الشّك في شمول هذه الأخبار ترجع إلى أخبار المنجزات على الأول و إلى الثّلث على الثاني لأن الإقرار عليه إقرار في حق الغير فيكون السّماع في صورة عدم التّهمة على خلاف القاعدة لكنك عرفت عدم تماميّة شي‌ء منها فلم ينقلب الأصل الأوّلي و ثالثها الظّاهر أن المأمونية شرط في النّفوذ من الأصل لا أن الاتهام مانع و ذلك لما عرفت من النّصوص من تعليق النّفوذ من الأصل على المأمونية أو كونه مرضيّا أو مليّا أو نحو ذلك و دعوى تعليق الخروج من الثّلث على وصف الاتهام في ذيل صحيحة العلاء مدفوعة بأن في صدرها علّق النّفوذ ما إذا كانت مأمونة و الظّاهر أن قوله ع و إن كانت متهمة هو مفهوم الصّدور المصرّح به فيكون المدار على الصّدر إذ حينئذ يكون من باب التّصريح ببعض أفراد المفهوم إذ يبعد وجود الواسطة في الواقع بأن يكون كلّ من النّفوذ من الأصل و من الثلث معلّقا على أمر وجودي و يكون الواسطة مسكوتا عنها كما يبعد تحكيم الذّيل على الصّدر مع أن في النّصوص الأخر كفاية بعد تعارض مفهوم الفقرتين في الصّحيحة بناء على عدم كون الثّانية مفهوما للأولى و الحاصل أنه لا ينبغي التأمّل في أنّ المأمونية شرط نعم يبقى الكلام في المراد منها بعد العلم بعدم إرادة العدالة منها فيحتمل أن يكون المراد الوثوق الشخصي بالصّدق بمعنى ظهور القرائن الدّالة عليه و يحتمل أن يكون المراد الوثوق النوعي به بمعنى وجود القرائن في الواقع سواء حصل الوثوق بها فعلا من جهة العلم بها أولا من من جهة عدم العبور عليها و يحتمل أن يكون المراد وجود صفة واقعيّة في المقر بأن يكون ممن يوثق به نوعا نظير وصف العدالة حيث إنه صفة واقعيّة فعلى الأول لا يثبت الواسطة لا واقعا و لا ظاهرا بل المدار على ظهور الأمارات الصّدق و عدمه بناء على ما ذكرنا من كون المأمونية شرطا فإن ظهرت يحكم بالنّفوذ من الأصل و إلا فمن الثّلث لكن يشكل فيما إذا ادّعى المقر له الظنّ بالصّدق و الوارث الظنّ بالكذب و يمكن أن يقال لكلّ منهما أن يعمل بمقتضى ظنه و مع التنازع فالمدار على ظنّ الحاكم و وثوقه بالصّدق و عدمه و على الأخيرين يثبت الواسطة في الظّاهر كما إذا لم يظهر القرائن و احتمل وجودها واقعا و لم يعلم مأمونية المقر و عدمها و حينئذ يشكل الحال سواء جعلناها شرطا أو الاتهام مانعا لعدم العلم بوجودهما و عدم أصل يثبت أحدهما في الظّاهر و دعوى أن الأصل عدم وجود قرائن الصّدق كما ترى إذ ليس لها حاله سابقة فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصل العملي و هو يقتضي عدم النّفوذ إلا بالقدر المعلوم الّذي هو الثّلث و لا يمكن الرّجوع إلى عموم دليل الإقرار لأن المفروض هو العلم بالتّخصيص و إن الشّبهة مصداقيّة لا يمكن التّمسّك فيها بالعموم و لا فرق في ذلك بين القول بثبوت الحق للوارث في الثّلثين و عدمه إذ على التّقديرين التّخصيص معلوم و الشّك في المصداق الخارجي و حينئذ فمع الاختلاف القول قول الوارث بيمينه على عدم وجود المأمونية واقعا بأحد المعنيين و الحق من هذه الوجوه هو الوجه الثّاني و مما ذكرنا ظهر ما في كلام ص الجواهر في الأنظار فإنه قال الّذي يقتضيه الضوابط كونه من الأصل مطلقا لكن النّصوص أخرجت عنها صورة التّهمة لا أن مقتضاها الخروج من الثّلث باعتبار تعلّق حق الوارث و خرجنا عنها في صورة المأمونية بالنّصوص إذ الظاهر من النصّ و الفتوى عدم تعلق حق للوارث في العين حالة الحياة و

من ذلك يظهر الحال في حكم الواسطة أي الّذي لم يعلم كونه مأمونا أو غيره و فيما لو ادّعاها الوارث على المقر له فإن القول قول المقر له بيمينه على عدم العلم بالتهمة و العلم بعدمها لأنه يمين على نفي فعل الغير و يكفي حينئذ في الحكم للمقر له بالحق بمجرّد الإقرار مع عدم ظهور المانع من صحته و إن لم يعلم صحّة السبب كما جزم به في المسالك انتهى و أما ما ذكره بعضهم بعد الاعتراف بأن المأمونية شرط و إن مقتضى القاعدة وجوب إثباتها في الحكم بالأصل من أن المراد منها هو مجرّد ظن الصّدق و ظهوره و من لم تقم عليه قرائن الكذب المحققة للتهمة فإقراره ظاهر في الصّدق الظاهر قول المسلم في غير مقام الدّعوى سيّما فيما يتعلق بنفسه أو مع ملاحظة حرصه في حفظ ماله ما دامت الرّوح في بدنه خصوصا في حال المرض الذي هو ادّعى إلى اجتناب المحرمات فالأصل فيما لم يظهر الخلاف المأمونية و هو السرّ في اشتراط النّفوذ من الثّلث بالتهمة في صحيحة العلاء و لا معارضة فيها مع الأخبار الأخر ففيه مع أنه أخصّ من المدّعى إذ الكلام أعمّ من إقرار المسلم و الكافر و مع أنه لا يتم فيما إذا تعارضت القرائن من الطّرفين أن حمل فعل المسلم أو قوله على الصّحة لا ينفع في إثبات موضوع الوثوق كيف و هو موجود مع وجود أمارات الكذب إذ ما لم يعلم الخلاف يحمل قوله و فعله على الصّحة مع أنّ المدار على الوثوق بالصّدق لا على الصّحة الواقعيّة المحمول عليها فعل المسلم فتأمل هذا مضافا إلى أوله إلى مانعية الاتهام بمعنى ظن الكذب فتأمل رابعها يعتبر أن يكون الإقرار بعين أو دين على وجه يضرّ بالوارث فلو أقر بغيرهما لا يجري التّفصيل المذكور و إن كان موجبا لضرر الوارث كما لو أقر بالنّسب أو بالزّوجيّة على وجه يوجب الإرث أو النّفقة أو أقر بحق خيار في معاملة للطّرف المقابل فيما كان فسخه موجبا للضّرر أو أقر بحق رهانة بعد كون أصل الدّين ثابتا أو نحو ذلك

كما لو أقر بجناية عمديّة توجب القصاص و إن استلزم تفويت المال في بعض الأحوال و كما لو أقر بأن عليه حج أو صلاة أو صوم و لو أقر بحريّة عبد أو وقفيّة ملك ففيه إشكال من أنه تفويت المال و من أنه ليس إقرارا بعين لغيره و كذا لو أقرّ بملكية منافع داره لغيره فإنّه ليس إقرارا بالعين و لا بالدّين إلا أن يجعله كناية عن المال أو يدّعي المناط القطعي و كذا لا يجري التفصيل لو أقر بما لا يوجب ضرر الوارث كما لو أقرّ ببيع ماله مع عدم قبض ثمنه أو مع أن ثمنه الشّي‌ء الفلاني مما ليس في يده هذا و لا فرق في العين و الدّين بين ذكر السّبب و عدمه بل مع الاقتصار على ذكر السّبب كما لو أقر بجناية أو إتلاف أو سبب كفارة أو نذر أو حلف أو بغصبيّة عين أو كونها سرقة أو وديعة أو عارية أو وجوب خمس عليه أو زكاة أو الشّراء مع عدم دفع الثّمن عينا أو دينا أو نحو ذلك فيجري التّفصيل في جميعها و لو أقر بمنجز كهبة أو إبراء أو صلح أو بيع محاباتي أو نحو ذلك مع إسنادها إلى حال الصّحة أو حال المرض أو الإطلاق ففي جريان التّفصيل و شمول أخبار المقام له إشكال من أنه يرجع إلى الإقرار بالعين أو بالدّين و من عدم كونه إياه و لا كون الحكم على خلاف القاعدة فإن قلنا بالجريان فلا إشكال في الخروج من الثّلث مع التهمة و من الأصل مع العدم و إن قلنا بكون المنجزات من الثّلث لدلالة أخبار المقام على خروجه من الأصل مع عدم التّهمة و يحتمل قويّا الخروج من الثّلث أيضا على البناء المذكور فيما إذا أسنده إلى حال المرض فإنه و إن كان من حيث إنه إقرار مع عدم التّهمة فيه اقتضاء الخروج من الأصل إلا أنه بعد سماع هذا الإقرار يكون كما لو علم بوقوع المنجز في حال المرض و المفروض أنه خارج من الثّلث و إن قلنا بعدم جريان و عدم شمول أخبار المقام فيحكم فيه بقواعد الإقرار بمعنى أنه يحكم بوقوعه على نحو ما أقرّ فإن أسنده إلى حال الصّحة نفذ من الأصل و إن أسنده إلى حال المرض يكون كما لو أوقع المنجز في حال المرض فيجري فيه الخلاف في المنجز و ما يقال من عدم شمول أدلّة المنجز له لأنّها مختصّة بنفس المنجز لا بالإقرار به كما ترى إذ نحن لا نقول إن أخبار المنجزات تشمل الأخبار بها بل نقول إذا ثلث وقوع المنجز بإقراره يكون ذلك المنجز مشمولا لها هذا و إن أطلق و لم يعلم أوقعه في حال الصّحة أو المرض فربما يقال الأصل تأخر الحادث فيثبت الوقوع في حال المرض فيكون من الثّلث على تقدير كون المنجزات منه و هو كما ترى و عن جامع المقاصد أيضا أنه يحكم بوقوعه في حال المرض من حيث إن الإقرار أنما يقتضي اللزوم قبل زمان الإقرار بمقدار ما يمكن إنشاؤه و هو أيضا كما ترى و الأقوى أنه من الثلث على التّقدير المذكور لا لما ذكر بل للشك في نفوذ أزيد من الثلث منه و من حيث إن الشّبهة مصداقية لا يمكن التمسّك فيها بالعمومات و الأصل عدم النفوذ و من ذلك يظهر حكم الشّك في سائر الموارد في وقوع الإقرار أو المنجز في حال المرض حتى يكون من الثّلث أو في حال الصّحة حتى يكون من الأصل فلو اختلف الوارث و المقر له أو الطّرف الآخر في المنجز في ذلك فالقول قول الوارث لأن الأصل عدم النّفوذ إلا بالقدر المعلوم فتأمل ثم إن القدر المتيقن من نصوص الإقرار في المقام بل من فتاوى العلماء الأعلام في جريان التّفصيل المذكور هو ما إذا لم يكن الإقرار في مقام المنازعة و المخاصمة فلو كان الوارث أو الأجنبي مدّعيا عليه دينا أو عينا فأقر بهما فالظّاهر نفوذه من الأصل و عدم جريان التّفصيل المذكور و لا سائر الأقوال المذكورة فتأمل خامسها أن الحكم بعدم النّفوذ بالنّسبة إلى الزائد في صورة الاتهام أو مطلقا على القول به أنما هو في حق الوارث و إلا فهو نافذ على نفسه فلا يسمع منه إنكارها بعد ذلك و لا يجوز له التّصرّف المنافي و لذا لو برأ من ذلك المرض نفذ في حقه بلا إشكال كما صرّح به جماعة على ما حكي عنهم فما عن إقرار القواعد من الإشكال فيه في غير محله و إن وجهه الفخر بأنه ناش من كونه صادرا حين لم ينفذ و المفروض عدم عوده بعد البرء إذ فيه أن معنى عدم النفوذ ما عرفت هذا

مع أنّه لو حكمنا بعدم النفوذ مطلقا حتى في حق نفسه أنما نقول بذلك في المرض المتصل بالموت و بعد البرء عدم يكشف المانع و هذا في غاية الوضوح ثم إن المراد من الأصل المرض في المقام ما مر في المنجزات و إن لم يتعرّضوا هنا للتفصيل بين المخوف و غيره فإنّ الظّاهر إيكالهم على ما ذكروا هناك لاتحاد المقامين بحسب تعبيرات الأخبار فتدبّر

الأمر الثّاني [في بيان المراد من الثلث]

اشارة

الثّلث الّذي يخرج منه تصرّفاته المنجزة أو المعلقة و إقراره يحسب من مجموع ما تركه من مال عينا أو دينا أو حقا أو منفعة أو حق مالي كحق التّحجير و حق الخيار و الشّفعة و حق القصاص الّذي كان له و حق الجناية عمديّة أو خطائية و نحو ذلك كحق نصب الشّبكة فلو آلت إلى المال أو بذل بإزائها مال كان من جملة ما يخرج منه الثّلث ثم إنه شائع في تمام التّركة و لو كان المنجز أو الوصيّة بعين معين فإنه لا يتعيّن الثلث فيها بحيث لا يخرج عن الإشاعة فلا يخرج عنها إلا بعد القسمة و عدم جواز التعدي عن تلك العين لا يوجب القسمة القهريّة بين الميّت و الوارث هذا و المدار فيه على زمان الموت لا زمان التصرّف فلو نقص المال عن زمان التصرّف أو زاد يلاحظ ما هو الموجود حين الموت من غير إشكال و لا خلاف و يدلّ عليه مضافا إلى ظهور النّصوص فيه فإن المتبادر عن قوله ع ماله من ماله إلا الثلث و نحو ذلك الإجماع بقسميه و لا ينافيه ما عن المحقق و الشّهيد الثّانيين في الوصيّة من أن كون المدار على زمان الوفاة أنما يتم بغير إشكال إذا كانت الوصيّة بمقدار معين أو بشي‌ء معين أو بجزء مشاع و كانت التّركة حين الوصيّة أزيد منها حين الوفاة و أما لو انعكس أشكل اعتبارها عند الوفاة مع عدم العلم بإرادة الموصي للزيادة المتجدّدة لأصالة عدم التعلق و شهادة الحال بأنه لا يريدها مع عدم كونها متوقعة خصوصا إذا كانت كثيرة انتهى و ذلك لأن هذا الإشكال أنما يرجع إلى تعيين الموصى به و أنه الثلث حين الوصيّة لا أن المدار في الثّلث الميّت على ذلك الزّمان فلو فرض أنه أوصى بوصيّة أخرى في الفرض يجب العمل بها على بنائهما أيضا لوفاء الثّلث حين الموت بها بعد تنزيل الثّلث الموصى به أولا على الثّلث حين الوصيّة لا أن المدار و فرض زيادة المال بعدها بما يخرج عند الثانية و هذا واضح فلا إشكال و لا تأمّل من أحد في أن المدار فيه على زمان الموت من غير فرق بين كون التصرّف بحصّيته مشاعا أو عين معينة و مقتضى ما ذكرنا من كون ثلثه مشاعا في تمام التركة أنه لو نقصت بعد الموت و

قبل القسمة أو زادت بالنّماء و ارتفاع القيمة السّوقية حينئذ يكون النقصان و الزّيادة على الجميع و لو كان النّقصان في سائر الأعيان غير ما تصرّف فيه أو كانت الزّيادة خاصّة بأحدهما و ذلك لأن ثلثه المشاع بالفرض يزيد و ينقص بذلك فلو فرض كونه خارجا من الثّلث حين الموت فنقصت التّركة قبل القسمة بحيث لا يخرج منه بعد ذلك لا يحكم بنفوذه و إن كان محلّه معيّنا و كذا الكلام في العكس نعم نماء المنجز الحاصل قبل زمان الموت إلى زمان القسمة في المقدار الخارج من الثلث لمن تملكه و كذا في الإقرار لكن في تعين هذا المقدار إشكال من حيث إنه يلزم من ملاحظة العين مجرّدة عن النّماء نقصا في الثلث و يلزم النّقصان في النّماء في المقدار النّافذ و من ملاحظتها مع النماء بمعنى جعل نمائها من جملة التّركة زيادة فيه فيزيد المقدار و يكون نماؤه لمن تملكه و لعلّنا نتعرض لكيفية هذه القسمة في بعض المسائل الآتية إن شاء اللّٰه و مما ذكرنا ظهر حال الزّيادة الخارجيّة الحاصلة بعد الموت إذا كانت بسبب حق سابق كوقوع الصّيد في الشّبكة و الصّلح عن حق القصاص الثّابت للميّت أو عن سائر الحقوق كحق الشفعة و نحوه أو الزّيادة الحاصلة بفسخ المعاملة الخياريّة أو غيرها بالإقالة و نحو ذلك كما إذا كان مديونا فأبرأه الدّيان أو تبرع به متبرع فإن هذه كلّها مما يزيد به ثلث الميّت بل و كذا إذا أوصى له أحد فمات قبل القبول على ما هو المعروف بينهم من أنّ الوارث يقوم مقامه فيقبل الموصى به فيأخذه فإنه بعد قبوله يزيد الثلث بناء على كون ذلك من باب انتقال حق القبول إلى الورثة على ما يظهر من بعضهم و إن كان يشكل أولا بأن القبول ليس من الحقوق حتى يورث و ثانيا أنه لا يتم إلا إذا مات الموصى له بعد موت الموصي إذ لو مات قبله لم يكن له القبول إلا إذا قلنا بجواز قبول الوصيّة في حال حياة الموصي أيضا كما هو المشهور و الحق أنه ليس من باب انتقال الحق بل هو حكم تعبدي ثبت بالنّصوص الخاصّة على خلاف القاعدة و حينئذ فلا وجه لاحتسابه من التركة و احتساب الثّلث منه إلا أن نقول إن الوارث إذا قبل يكشف عن ملكيّة المورث حال موت الموصي و هو أيضا ممنوع مع أنه لا يتم إذا مات قبل موت الموصي فإنه لا معنى للكشف حينئذ هذا و لو قلنا إنه بعد قبول الوارث يدخل في ملك الميّت آنا ما ثم يملكه الوارث كان حكمه ما سيأتي في الأموال المتجدّدة بعد الموت هذا

[في أن الثلث يحسب من مال المتجدد أم لا]

و التّحقيق ما عرفت من كونه تعبّديّا فيكون مختصّا بالوارث و أما المال المتجدّدة بالموت أو بعده كدية الميّت إذا قتل خطاء أو عمدا أو صالح أولياءه على الدّية فهل يحسب من التّركة و يحتسب الثلث منه و يخرج منه تصرّفاته و أقاريره بل و ديونه أولا قد يقال إن مقتضى القاعدة عدم الاحتساب و إنه خاصّ بالوارث خصوصا في الدّية العمديّة حيث إنها عوض عن حق القصاص الثابت للوارث بل لا يرثه كل الورثة أيضا على ما هو مقرر في محلّه و إن كان لو صولح على الدّية يرثها كل مناسب و مسابب على ما ذكروه و دلّ عليه النّصوص أن المشهور ذكروا إخراج الدّين و الوصيّة منه حتى في العمديّة بل يظهر منهم الإجماع على ذلك كما عن المهذب دعواه صريحا و عن المبسوط و الخلاف أنّه قول عامّة الفقهاء إلا أبا ثور نعم حكي عن ابن إدريس المخالفة في ذلك حتى في الدّين و الأخذ بمقتضى ما تقدّم من القاعدة و ممن أخر تخصيص المنع بالدّية العمدية و استدلّوا بجملة من النّصوص الواردة في ذلك بعضها خاص بدية قتل الخطاء و بعضها مطلق و بعضها في خصوص العمد إلا أن الأخيرين مختصّان بالدّين و تعدّي الفقهاء منه إلى الوصيّة فمن الأوّل خبر محمّد بن قيس عن أبي جعفر ع أنه قال قضى أمير المؤمنين ع في رجل أوصى لرجل بوصيّة مقطوعة غير مسماة من ماله ثلثا أو ربعا أو أقلّ من ذلك أو أكثر ثم قتل خطاء الموصي فودي فقضى في وصيّة أنّها تنفذ من ماله كما أوصى و خبر السّكوني عن أبي عبد اللّٰه ع قال ع قال أمير المؤمنين ع من أوصى بثلثه ثم قتل خطاء فقال ثلث ديته داخل في وصيّته و خبر محمّد بن و المرسل عن أبي عبد اللّٰه ع أنه سئل عن رجل أوصى بثلث ماله ثم قتل خطاء فقال ع ثلث دينه داخل في وصيّته و خبر محمد بن قيس قلت لأبي جعفر ع رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فقتل الرّجل خطاء يعني الموصي فقال ع تجاز هذه الوصيّة عن ميراثه و دينه و من الثّاني خبر عبد الحميد سألت أبا الحسن الرّضا ع عن رجل قتل و عليه دين و أخذ أهله الدّية من قاتله أ عليهم أن يقضوا الدّين قال ع نعم قلت و هو لم يترك قال ع أما إذا أخذوا الدّية فعليهم أن يقضوا الدّين و خبر يحيى الأزرق عن أبي الحسن ع في رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا و أخذ أهله الدّية من قاتله أ عليهم أن يقضوا دينه قال ع نعم قلت هو لم يترك شيئا قال ع إنما أخذوا الدّية فعليهم أن يقضوا دينه و من الثّالث خبر أبي بصير عن أبي الحسن ع موسى بن جعفر ع قالت قلت فإن هو قتل عمدا و صالح أولياء قاتله على الدّية فعلى من الدّين على أوليائه من الدّية أو على إمام المسلمين فقال ع بل يؤدّوا دينه من ديته الّتي صالح أولياءه فإنه أحقّ بديته من غيره فلا ينبغي الإشكال في الدّين مطلقا و لا في الوصيّة في الدّية الخطائية نعم يشكل في العمدية من جهة عدم النّصّ إلا أنك قد عرفت تعدي الأصحاب و لعلّه من جهة التعليل في الخبر الأخير من كونه أحقّ بديته بل يمكن أن يقال إنه بمقتضى القاعدة أيضا حيث إن الدّية عوض عن نفس المقتول فهي أنما تكون له أولا و لكونه غير قابل للمال أو غير محتاج إليه تدفع إلى وارثه و يكون التّعليل في الخبر شاهدا على ذلك و من ذلك يظهر التّعدي إلى المنجزات و الأقارير أيضا و إن لم يتعرّض إلى الفقهاء و لم يذكر في خبر من الأخبار مع إمكان الاستدلال على ذلك بما مرّ في خبر إسحاق أن رسول اللّٰه ص قال إذا قبلت دية العمد فصارت مالا فهي ميراث كسائر الأموال إذ الحكم بكونها ميراثا يقتضي ما ذكرنا من احتسابها من التّركة المفروض كون ثلثها للميّت و يؤيّد ذلك تسالم الأصحاب على كونها إرثا و أنها يرثها كل مناسب و مسابب و إن كان ممن لا يرث حق القصاص بل يمكن أن يقال لو لا النصّ المذكور و الإجماع أمكن الخدشة في كونها ميراثا حتى في الخطائي لأنها عوض عن نفس الميّت وجد بعد موته فيكون مختصّا به يصرف في مصارفه أو يتصدّق عنه لأنه ليس من متروكاته هذا كله إذا لم يكن الإقرار أو المنجز من الدّين على الميّت و إلا كما إذا أقر بالدّين أو صالح محاباة

في ذمته أو اشترى بأزيد من ثمن المثل في ذمته فيمكن التمسّك في خروجها من الدّية أيضا بالأخبار السّابقة الحاكمة بقضاء دينه من ديته و من ذلك يمكن تتميم المدّعى بعدم القول بالفضل بين هذا القسم من المنجز و الإقرار و غيره مما يتعلق بالعين فتأمل هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يقال إذا ثبت الحكم في الوصيّة ثبت في غيرها أيضا بمعلوميّة كون مناط الثّلث الّذي هو للميّت واحدا في الجميع على ما يستفاد من الأخبار فإن تعبيرها في الجميع واحد فبعد ذلك كلّه لا يبقى مجال الرّيب في كون الحكم في المنجز و الإقرار أيضا كما ذكروه في الوصيّة و يمكن أن يكون عدم تعرضهم من جهة التّسالم على اتحاد المناط و إن أبيت عن ذلك كلّه فأقول إن ذلك كلّه ممّا يورث الشّك في المطلب فنرجع إلى عمومات أدلّتها الحاكمة بالنّفوذ مطلقا و من الأصل إذ القدر المسلم من الخارج عنها ما إذا لم يخرج من الثّلث حتى مع ملاحظة الدّية فإذا خرج من ثلث المجموع منها و من التركة نرجع إلى تلك العمومات و دعوى أن ظاهر أخبار الثّلث الانصراف إلى الثّلث حين الموت كما ترى خصوصا بعد معلوميّة أن الغرض عدم الضّرر على الورثة و أن يكون لهم مثلي ما للمقر له أو المتّهب أو الموصى له و أما دية الجناية عليه بعد الموت كقطع رأسه حيث إن فيه مائة دينار على ما دلّ عليه جملة من الأخبار و الجناية على سائر أطرافه بما يوجب الدّية أو الأرت و على ما ذكروه في باب الدّيات فيظهر من تلك الأخبار أنها لا تصل إلى الوارث بل هي للميّت يحج بها عنه أو يتصدق بها عنه ففي حسن سليمان بن خالد الطّويل عن أبي عبد اللّٰه بعد الحكم بأن في قطع رأس الميّت مائة دينار و أنه مثل دية الجنين في بطن أمه و إن دية الجنين لورثته قال ع و إن هذا إذا قطع رأسه أو شق بطنه فليس لورثته إنما هي له دون الورثة قلت و ما الفرق بينهما فقال ع إن الجنين مستقبل مرجو نفعه و إن هذا قد مضى و ذهبت منفعته فلما فعل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره يحج بها عنه أو بفعل بها من أبواب الخير و البرّ صدقة أو غيرها و في مرسل محمّد بن الصّباح عن أبي عبد اللّٰه ع أيضا و هو أيضا طويل بعد ما سئل عن أنها لمن هي قال ع ليس لورثته فيها شي‌ء إنما هذا شي‌ء صار إليه في بدنه بعد موته يحج بها عنه أو يتصدّق بها عنه أو يصرف في سبيل من سبل الخير و قد عمل بهما الأصحاب بل عن الخلاف و الغنية عليه الإجماع نعم عن المرتضى و الحلّي أنها تكون لبيت المال و لعله الخبر إسحاق بن عمار قال للصّادق ع فمن يأخذ ديته قال الإمام ع هذا للّه أو لأنها عقوبة جناية لا دليل على تعين مصرفها و يمكن حمل الخبر على الدّفع إلى الإمام ع ليصرفه في مصارف الميّت فلا ينافي ما مر و أمّا التّعليل المذكور فعليل إذ قد عرفت الدّليل و حينئذ فمقتضى القاعدة جواز أو وجوب قضاء دينه منها لأنه أحوج إليه من التّصدّق عنه و وجوب إنفاذ أقاريره و منجزاته و وصاياه و هذا إذا كانت في ذمته واضح إذ الظّاهر أن إقراره و كذا تصرفه المنجز المتعلّق بذمته كما إذا صالح في ذمته أو نذر كذلك أو نحو ذلك يوجب أن شغل ذمته و إن لم يكن الثّلث وافيا بهما و عدم إمضاء الوارث لا يقتضي بطلان الإقرار و التصرّف بالنّسبة إلى الزّائد عن الثّلث مطلقا بل غاية الأمر عدم النّفوذ عليه فقط و إلا فذمّة الميّت مشغولة واقعا أو ظاهرا و لذا يجوز أن تبرع عنه متبرّع و أن يؤدّى من بيت المال و نحو ذلك فحينئذ إذا حصل له مال بعد الموت كالدّية المفروضة يجب صرفه فيها و أما الإقرار و المنجز المتعلّقان بالعين و كذلك الوصيّة فيشكل وجوب إخراج ما زاد عنها عن الثّلث من الدّية المذكورة لأن الظّاهر بطلانه إذا لم يجز الورثة و لا دليل على وجوب دفع المال إلى الوارث عوضا عن ما زاد على الثّلث حتى ينفذ تصرّف الميّت أو إقراره بتمامه مع احتمال ذلك أيضا فتدبّر بقي شي‌ء و هو أن ما ذكر من وجوب إنفاذ التّصرف المنجز أو المعلق ما دام الثّلث وافيا به و إن حصل النّقصان في التّركة أنما هو إذا كان متعلّقا بالعين المعين أو بالذّمة فإنّ النّقصان في الثّلث الّذي هو للميّت لا يؤثر

نقصانا فيه إذا كان وافيا به بعد النّقصان أيضا و أما إذا كان متعلّقة حصّة مشاعة كأن أوصى بربع ماله مثلا فتلف منه شي‌ء بعد الوفاة فلا إشكال في أن النّقص وارد عليه و إن كان الثلث أزيد منه لأنه مقتضى الإشاعة و هذا واضح إنما الكلام في أنه إذا أوصى بكلي كمائة دينار مثلا فهل ينزل على الإشاعة حتّى يرد النّقص عليه أيضا بأن يكون الوصيّة المذكورة راجعة إلى الوصيّة بربع المال إذا فرض كونه أربعمائة أولا حتى يجب إنفاذه ما دام الثّلث وافيا به و فيه وجهان مبنيان على معقوليّة تمليك الكلّي الخارجي لا على جهة الإشاعة كما يستفاد من خبر الأطنان المذكور في باب البيع أولا فيكون الحكم في بيع الصّاع من الصّبرة على خلاف القاعدة من جهة الخبر المشار إليه و تمام الكلام موكول إلى ذلك المقام

الأمر الثّالث [في إجازة الوارث]

اشارة

أن ما ذكرنا من خروج المعلّقات من الثّلث و المنجزات أيضا على القول به أنما هو إذا لم يجز الوارث و إلا نفذت من الأصل و لو أجاز بعضهم نفذ بقدر حصّة و لو أجاز الكلّ أو البعض بعضا من الزّائد عن الثّلث نفذ بقدره و هذا كلّه مما لا إشكال فيه أما الكلام في أمور

الأوّل [في أن الإجازة تنفيذ لا ابتداء عطية]

أجمع علماؤنا على أن الإجازة من الوارث تنفيذ لما فعله الميّت لا ابتداء عطيّة و خالف بعض العامة في ذلك حيث جعلها هبة في نحو الوصيّة و أجرى عليها حكمها من الحاجة إلى القبض و نحوه و فيه ما لا يخفى حيث إنّها ليست إلا الرّضا بما فعله الميّت فيكون هو المعطي للمال دون المجيز فليست الإجازة في المقام نظير الإجازة في الفضولي إذ فيه يكون المال للمجيز بخلاف مقامنا و دعوى أن هذه أنما يتم في المنجز و الإقرار و أما في الوصيّة فلا حيث إن المال بعد الموت للوارث فالميّت متصرّف في مال الورثة إذ المفروض أنه علق التّمليك على ما بعد الموت الّذي ينتقل المال إليهم فيكون حالهم حال المجيز في الفضولي في أنّه هو الناقل للمال حقيقة مدفوعة بمنع ذلك فإن من ملك شيئا ملكه إلى الأبد فالتصرّف فيه تصرّف في ملك نفسه غاية الأمر أن الموت قاطع للملكية بشرط عدم تصرّف المالك فيه حال حياته فليس من قبيل ملكية الطبقة الأولى في الوقف حيث إنها موقتة ما دام الحياة و الطبقة الثّانية تتلقاه

عن الواقف لا عن الأولى فالمقام نظير ما إذا آجر المالك ماله مدّة معيّنة و مات قبل تمامها فإنّ الإجارة صحيحة نافذة و لا يقال إنها فضولية بالنّسبة إلى ما بعد الموت لكشفه عن كون العين و منافعها للوارث و هذا واضح غايته فلا فرق بين الوصيّة و غيرها في أن المعطي حقيقة هو الميّت و أن الوارث المجيز منفذ و رافع لليد عن حقه المجعول له و مما ذكرنا ظهر فساد ما ربما يقال بعد الاعتراف بأنها ليست هبة و عطية و لا تجري عليها أحكام الهبة إنه يمكن أن يدّعى أن المال ينتقل بعد الموت و الإجارة إلى الورثة آنا ما ثم ينتقل إلى الموصى له أو أنه يقدر ملكهم له أولا و ملكه ثانيا لا بحسب الترتب الزّماني بل بالتّرتب الذّاتي جمعا بين دليلها و أدلة الإرث و ذلك لأن مقتضى ما ذكرنا كون الإرث مشروطا بعدم مثل هذا التّصرف النّافذ بالفرض فأدلّته مخصّصة بما دلّ على صحّة الوصيّة و الإجارة و يترتب على ما ذكرنا عدم انعتاق من ينعتق على الوارث لو أوصى به الميّت لغيره و أجاز هو بعد موت الموصي و لازم مذهب من جعلها هبة أو قال بدخوله في ملك الوارث آنا ما أو تقدير انعتاقه عليه و يترتب عليه أيضا عدم اعتبار خروجه من الثّلث إذا كان المجيز مريضا بناء على كون المنجزات من الثّلث فإنّها حينئذ ليست من تمليك المال بل رضى بما ملكه غيره بخلافه على الوجوه الأخر خصوصا الأولين و يحتمل القول بوجوب خروج الزّائد على الثّلث و لو على ما ذكرنا إذ هو تصرّف مالي موجب لضرر الورثة و يترتب عليه أيضا صحتها من المفلس المهجور عليه لعدم كونها تصرّفا في أمواله و الحجر أنما هو بالنّسبة إليها و كذا صحتها من السّفيه إلا أن يقال إنه ممنوع عما يشمل مثل هذا التّصرّف أيضا لأنه و إن لم يكن ماليّا إلا أنه آئل إليه بل و كذا بالنّسبة إلى المفلس أيضا لكنه بعيد خصوصا في المفلس و يظهر الثّمرة أيضا في النّذور و الأيمان و تعلّق الأمر بأداء الدّين و النّفقة و الحجّ بالمجيز فيما إذا كان ذلك بقدر الاستطاعة إلى غير ذلك و لا يخفى أن ترتب هذا اللوازم و هذه الثّمرات أنّما هو فيما إذا كانت الإجازة بعد الموت لا في حال الحياة لعدم معقولية الملكية للوارث حين الإجازة حينئذ فتدبّر

الثّاني هل تصح الإجازة في حال حياة المورث

و تلزم على الوارث بحيث لا يجوز له الرّد بعد ذلك أولا يمكن أن يقال إن مقتضى القاعدة عدم الصّحة لعدم انتقال المال إليه بعد الموت فقبله لا ربط له به فيكون كإجازة غير المالك في الفضولي ثم شرائه لذلك المال و لكن الحق صحتها و لزومها لا لتعلّق حق الوارث بالثّلثين في حال الحياة المستكشف بالأخبار فيرجع إلى إسقاط حقه لما عرفت مكررا من منعه و لا لأن له حق الإرث و لازمه جواز إجازته الرّاجعة إلى إسقاطه لأنّ حق الإرث مما لا يسقط بالإسقاط مع إمكان منع كونه حقا بل حكما شرعيّا بل لأنه يمكن دعوى الاستفادة من أخبار المنع عن التّصرّف في الزائد عن الثّلث أن للوارث حقا في تصرّف الميّت بمعنى أن أمره بالنّسبة إلى الزائد بيده و أن له الإمضاء و المنع و ذلك لأن المعلوم من تلك الأخبار أنّ ذلك المنع أنما هو لرعاية جانبه و التّوفير عليه و إن منعت عن ذلك و قلت إن القدر المسلم كون أمر التّصرّف بيده بعد الموت لا قبله فقبله ليس إلا حكم تعبّدي حكمته التّوفير على الوارث فلا حق له في حال الحياة في شي‌ء لا في المال و لا في التّصرّف و لم يجعل رضاه و عدمه مناطا في شي‌ء أقول مقتضى العمومات الأولية نفوذ أقاريره و تصرّفاته حتى المعلّقة على الموت لما عرفت من أن ملكه أبدي لا موقت بالحياة حتى يكون تصرّفه تصرّفا في مال الغير و القدر الخارج منه هو ما إذا لم يجز الوارث لا قبل الموت و لا بعده و إذا شك في نفوذه مع الإجازة حال الحياة ترجع إلى تلك العمومات و دعوى أن مقتضى إطلاق ما دلّ على أنّه ليس له إلا الثلث عدم نفوذ الزّائد خرج صورة الإجازة بعد الموت فقط مدفوعة بأن هذا الإطلاق مسوق لبيان أنه محجور عن التصرف في الزائد في الجملة لا لبيان حجره مطلقا خصوصا بملاحظة الحكمة المعلومة في جعل هذا الحكم لا أقلّ من الشك في الشّمول و هو كافي في الرّجوع إلى العمومات الأوليّة هذا مع ورود جملة من الأخبار في باب الوصيّة دالة على نفوذها و لزومها فيها حال الحياة و يمكن تعميم المطلب بعدم الفضل و اتحاد المناط فيها و في المنجز و الإقرار منها الصّحيحان رجل أوصى بوصيّة و ورثته شهود فأجازوا ذلك فلما مات الرّجل نقضوا الوصيّة هل لهم أن يردّوا ما أقرّوا به قال ع ليس لهم ذلك الوصيّة جائزة عليهم و نحوهما غيرهما و قد عمل المشهور بهما في الوصيّة بل عن الشّيخ الإجماع على ذلك فالأقوى ما عرفت و لا وجه بعد ذلك لما عن جماعة كالمفيد و سلار و الحلّي و ابني حمزة و سعيد و فخر المحققين و الأردبيلي من الحكم بعدم النّفوذ في الوصيّة و الظاهر ذلك عندهم في المنجز و الإقرار أيضا بل بالأولى لعدم شمول الأخبار المذكورة لهما و لا لما عن بعضهم من التّفصيل بين كون الإجازة في الوصيّة في حال المرض أو الصّحة فتصحّ في الأوّل دون الثّاني و لا لما عن آخر من التّفصيل بين غناء الورثة و فقرهم فعلى الأوّل تصحّ حال الحياة دون الثّاني هذا و لازم ما ذكرنا من الوجه و هو التمسّك بالعمومات صحتها إذا كانت قبل التّصرّف أيضا فلو أذن الوارث للمورث في التصرّف الزّائد نفذ و لا يجوز له النّقض بعد ذلك

الثالث [في أنه هل يؤثر الرد في حال الحياة أم لا]

إذا قلنا بعدم تأثير الإجازة حال الحياة فلا إشكال في عدم تأثير الرّد حالها أيضا و إنه لا يوجب بطلان التصرّف بالنّسبة إلى الزّائد بحيث لا يقبل الإجازة بعد ذلك و أما إن قلنا بكونها مؤثرة فهل الرّد أيضا مؤثر في البطلان أو لا بل يمكن لحوق الإجازة بعد الموت الحق عدم تأثيره و أن الأهليّة الإجازة بعد باقية لعدم الدّليل على ذلك و الفارق بين المقام و بين مسألة الفضولي حيث نقول إن المالك لمورد قبل الإجازة فلا يمكن تصحيح العقد بعده و إنه يبطل بذلك أما الإجماع كما ادعوا هناك و إلا فنقول مقتضى القاعدة عدم البطلان فيه أيضا بل و كذا الرّد بين الإيجاب و القبول يمكن دعوى عدم تأثيره في بطلان الإيجاب لو لا الإجماع و أما كون الإجازة في الفضولي بمنزلة الرّكن من المعاملة حيث إنّ المجيز في الحقيقة بمنزلة الطّرف الآخر فيها بخلاف المقام فإن المعاملة تامّة في حدّ نفسها

غاية الأمر أن الشارع جعل للوارث حقا فيها فما دام متمسّكا بحقه لا تؤثر أثرها و بعد دفع يده عنه يترتب عليها أثرها نظير إجازة المرتهن لبيع الرّاهن فإن المال للراهن و بيعه أنما وقع على ماله و لا دخل للمرتهن بأصل المعاملة غاية الأمر كونه ذا حق فيه فرده لا يوجب بطلان المعاهدة بين الطّرفين إذ قوامها بالمالكين و لذا إذا ارتفع المانع و هو حق المرتهن بغير الإجازة كفكّ الرّهن يؤثر العقد أثره و الحاصل أنه فرق بين ما إذا كان المجيز طرفا للمعاهدة كما في الفضولي و بين ما إذا لم يكن كما في المرتهن و المقام بناء على ما عرفت من كون الإجازة فيه تنفيذا لما فعله الميّت لا ابتداء عطيّة فإنه حينئذ لا يكون أمر المعاهدة بيده إبقاء و فسخا بل إنّما له الإبطال بالتمسّك بحقه أبدا و إلا فليس له حل العقد و إمضاؤه إذ هو أجنبي عنه بما هو عقد و هذا كلّه إنما هو في الرّد حال الحياة و أما لو كان بعد الموت فلا ينفع الإجازة بعده لأن المال به يدخل في ملكه فلا يمكن بعده الإجازة إذ لا يبقى معطّلا إلى الأبد أو إلى أن يوجد التّصرف المنافي و في الحقيقة الرّد بعد الموت أيضا لا يوجب البطلان بما هو ردّ و بعبارة أخرى من حيث إنه حلّ للعقد بل لعدم إمكان لحوق الإجازة من جهة عدم بقاء المحلّ لدخول المال في ملك الوارث فيلزم من صحة الإجازة كونها ابتداء عطيّة حينئذ

الرّابع [في أن الإجازة لم تؤثر إذا كان له دين مستغرق]

أن إجازة الوارث أنما تؤثر في النفوذ إذا لم يكن هناك دين مستغرق للتركة أو الثّلثين منها و إلا فهي أنما تنفع في حق نفسه فقط و أمّا في حق الدّيان فلا أما في الوصيّة فواضح إذ الدّين مقدّم عليها حتى في مقدار الثّلث و أما في الإقرار و المنجز بناء على كونهما من الثّلث فإن قلنا بتقديم الدّين عليهما أيضا كما هو أضعف الوجهين فكذلك و أما على ما هو الحق من تقديمهما عليه كما سيأتي فلأن الظّاهر ممّا دلّ على الحجر عن التّصرّف أو الإقرار بالأزيد من الثّلث ليس خصوص مراعاة للوارث فقط بل له و للدّيان أيضا و أيضا أنّه مقتضى إطلاق قوله ع ماله من ماله إلا الثّلث و إنه لا يحكم بنفوذ إقراره إذا كان متهما فيه أو لم يكن مصداقا فإنه قد يكون الاتهام من حيث الظنّ بتعلّق غرضه بحرمان الدّيان فحينئذ لا ينفذ الإقرار أو التصرّف المنجز إلا بإجازة الدّيان أيضا فتدبّر

الخامس هل الإجازة من الوارث في المقام كاشفة أو ناقلة

إن قلنا بكونها كاشفة في سائر المقامات كبيع الفضولي و نحوه فلا إشكال في كونها كذلك في المقام أيضا و إن قلنا بكونها ناقلة فيها فيشكل الحال في المقام من عدم إمكان التّفكيك إذ المانع من كونها كاشفة و هو عدم معقوليّة الشّرط المتأخر موجود في المقام أيضا و من أنه يلزم من كونها ناقلة أما انتقال المال بعد الموت و قبل الإجازة إلى الوارث و لازم كونها عطيّة بدويّة منه فيترتب عليه لوازمها من انعتاق من ينعتق عليه و نحو ذلك و إما الحكم ببقاء المال بلا مالك و إمّا الحكم بكونه باقيا في ملك الميّت و كلّ ذلك مشكل و أيضا يلزم أن يكون نماؤه قبل الإجازة للوارث إذ لا مقتضى لانتقاله إلى الموصى له و هو أيضا مشكل و أيضا يلزم في المنجز أن تكون العين بالنّسبة إلى الزائد باقية على ملك الميّت إلى حين الموت و لازمه صحة تصرّفه المنافي للأوّل فيها و لا يمكن الالتزام به إلا أن يقال إنه و إن كان كذلك إلا أنه محجور عن التّصرف بواسطة تصرّفه الأوّل في الواقع و الظّاهر بخلاف ما إذا لم تتعقب الإجازة فإنه يكشف عن كون حجره ظاهريّا فإن قلت إن هذه الإشكالات أنما ترد إذا جعلناها شرطا و لنا أن نمنع ذلك بأن نجعل الرّد مانعا كما قد يقال به بالنّسبة إلى قبول الوصيّة فيلتزم بأنه ليس شرطا بل التّمليك أنما يحصل بالإيجاب فقط أو الرّد من الموصى له مانع لدفع نظير هذه الإشكالات إذا تأخر القبول عن الموت قلت إن أردت بذلك أنه يملك الموصى له أو المتهب أو المقر له تمام المال ثم يبطل بعد ذلك بالرّد من الوارث فلا يمكن الالتزام به خصوصا في الوصيّة بل هو فيها خلاف الإجماع و الضّرورة من الفقهاء و إن أردت أن الرّد يكشف عن عدم تملكه إلا بمقدار الثّلث فيعود الإشكال إذ كما أنه لا يمكن تأثير الشرط المتأخر كذلك لا يمكن تأثير عدم المانع المتأخر في المتقدّم مع أن عدم المانع المتأخر شرط في تأثير المقتضى فيلزم كون الشّرط متأخرا إذ العدم الّذي هو شرط هو العدم المتأخر لا عدم الأمر المتأخر و من ذلك يظهر عدم اندفاع الإشكال بالنّسبة إلى القبول أيضا فإنه مع كون الرّد من الموصى له مانعا دون كون قبوله شرطا أيضا يلزم إمّا التزام كون الردّ فاسخا و هو خلاف الإجماع و إمّا عود الإشكال فانحصر الأمر في الالتزام بكون الإجازة كاشفة و كذا القبول في الوصيّة و إنّ الشّرط المتأخّر أنما لا يعقل في الأمور المتأصّلة الخارجيّة و المؤثرات العقليّة دون الأمور الاعتباريّة كالأحكام الشرعيّة أو العرفيّة العقلائية فإنه يمكن أن يجعل الموجود المتأخر شرطا و في الحقيقة يكون الشّرط هو اعتبار وجوده لا وجوده الخارجي الحقيقي فلا تغفل

السّادس إذا ادّعى الوارث بعد الإجازة ظن قلة المال و أنه غير راض

على فرض العلم بكونه بهذا المقدار فيما إذا كان المنجز أو الوصيّة بالحصّة المشاعة الزائدة كالنّصف مثلا أو ادعى بعدها ظن كثرته فيما إذا كانا متعلّقين بعين معين و إنه تخيل كونها بقدر الثّلث أو أزيد بيسير فهل تسمع منه هذه الدّعوى أو لا حكي عن جماعة السّماع في المقامين فيحكم بلغويّة الإجازة بالنّسبة إلى ما زاد على ظنه بعد حلفه على عدم العلم بالزّيادة أو النّقيصة و ذلك لأن الأصل عدم الإجازة بالنّسبة إلى المقدار المشكوك فيه و الأصل عدم علمه بمقدار المال و أيضا هذا شي‌ء راجع إليه و لا يعلم إلا من قبله فتسمع دعواه و إلا لزم الضّرر عليه على فرض صدقه و لتعذر إقامة البينة عليه و حينئذ يدفع إلى المعطى له في الفرض المذكور نصف ما ظنه من التركة و ثلث الباقي و في صورة كونه عينا ينفذ منها بقدر ثلث المال و يزاد عليه بالنّسبة مقدار ما ظنّه و قد يقال بعدم السّماع في المقامين عملا بمقتضى إجازته المتعلّقة بالمقدار الموصوف أو العين المعلومة و في الشّرائع و عن غير واحد التّفصيل بالسّماع في الأول لما مر و عدمه في الثّاني لأنها فيه تضمّنت معلوما و هو العين المعين بخلاف الأول فإنّ النّصف فيه مجهول و التحقيق أن يقال إن الكلام تارة في حكم الواقع و إنه لو علم صدق الورثة في دعواهم و إن إجازتهم أنما كانت بداعي القلة أو الكثرة هل يوجب ذلك لغوية الإجازة أو لا و تارة في أنه على فرض كونها لغوا مع معلوميّة

ذلك هل تسمع دعواهم أم لا أمّا الأوّل فالحقّ فيه الفرق بين ما إذا كانت الإجازة مطلقة أو كان الظّنّ المذكور من قبيل الدّاعي و المقارن و أمّا إذا كانت مقيّدة به بأن يكون رضاهم بقيد القلة أو الكثرة ففي الأول يحكم بالنّفوذ لأنّ الدّاعي لا يوجب رفع إليه عن التّصرّف الواقع عن الرّضا و في الثّاني لا لكون الرّضا فيه مقيدا و أمّا الثّاني و هو ما إذا ادعوا التقيّد في الرّضا فإن كلامهم مطلقا و يدعون عدم الرّضا الباطني و لا في المقيّد فلا تسمع دعواهم لأن ظواهر الألفاظ حجة في جميع المقامات فيؤخذ بإطلاق كلامهم في مقام الإجازة و إن كان النّزاع في اللّفظ الصّادر منهم و إنه كان مطلقا أو مقيّدا و لو بالقرائن المقاميّة الموجبة للصّرف فدعواهم مسموعة لأن الأصل عدم تعلق الإجازة بالأزيد من المقدار المعلوم و لا يلتفت إلى أصالة عدم التّقيد و عدم ذكر القيد كما في نظائره و تمام الكلام فيه في الأصول

الأمر الرّابع [في بيان حكم التزاحم]

اشارة

إذا تزاحم التّصرّفات أو الواجبات الخارجيّة من الأصل أو الثّلث بعضها مع بعض من جنسه أو غيره بأن لم يف المال أو الثّلث بالجميع فهل يسقط أو يقدم بعضها فيه تفصيل لأنه لا يخلوا إما أن يكون هناك وصايا متعدّدة فقط أو منجزات فقط أو واجبات كذلك أو وصيّة و منجزا أو وصيّة و واجب أو منجز و واجب فالصّور ستّ

أما الصّورة الأولى و هي ما إذا اجتمع وصايا عديدة و لم يف الثّلث بجميعها

فلا يخلو إما أن يكون مترتبة كأن يوصي أولا بثلث ماله أو عين معيّنة لزيد و ثانيا بثلثه أو عين أخرى لعمرو و إما أن يكون مجتمعة كأن يقول أعطوا فلانا كذا و فلانا كذا فعلى الثّاني و منهما ما إذا رتب في اللّفظ و نصّ على عدم التّرتيب لا إشكال في أن الثّلث يقسط على الجميع بالنّسبة مع عدم الإجازة و يدخل النّقص على المجموع و ما في جملة من الأخبار كصحاح معاوية بن عمار من تقديم الحج في صورة الوصيّة بالثّلث أو بمال للحج و الصّدقة و العتق بأن يجعل طائفة منه في الحج و طائفة في العتق و هكذا حيث يظهر منها أن الحكم كذا إذا أوصى بكلّ واحد منهما أيضا يجب حمله على صورة كون الحج واجبا كما يظهر من التّعليل لتقديمه بأنه فريضة من فرائض اللّٰه فالظّاهر أنّ المراد كونه واجبا فعلا لا أنه يقدم و إن كان ندبا لكونه فريضة بحسب النّوع في أصل الشّرع مع أن في سؤال أنّ المرأة الموصية لم يحج و في الجواب فإنه فريضة من فرائض اللّٰه عليها فلا منافاة فيها لما ذكرنا من التّقسيط ثم هذا كلّه في غير العتق و أما فيه فذكروا من غير خلاف فيه على الظّاهر أنه لو أوصى بعتق عبيد و لم يف بهم الثلث أنه يقرع بينهم فمن خرج اسمه يحكم بحرّيته و إذا استلزم ذلك تبعيض الحرّية في واحد يحكم بالسّراية و يستسعى في البقيّة فلا يحكمون بالتّقسيط و لعلّه لاستلزامه الإضرار بالوارث مضافا إلى المرسل عن النّبي ص في ستة عبيد أعتقهم مولاهم عند موته و لم يكن له غيرهم فجزاهم أثلاثا ثم أقرع بينهم و الصّحيح كان علي ع يسهم بينهم و الخبر عن موسى بن جعفر ع قال إن أبي ترك ستين مملوكا و أعتق ثلثهم فأقرعت بينهم و أخرجت عشرين و هذه الأخبار و إن كانت ظاهرة في المنجز إلا أن الأصحاب تعدوا منه إلى الوصيّة قيل و ظاهرهم الإجماع على عدم الفرق قلت مع إمكان حملها على الوصيّة أيضا فتأمل و كيف كان لا إشكال في ذلك و إن كان مقتضى القاعدة التّقسيط و الحكم بانعتاق الكلّ للسّراية و السّعى في رفع ما بقي من حصّة كل واحد لكن هذا إذا أعتق الجميع أو أوصى بعتقهم و أما لو قال أعتقت أو أعتقوا ثلث كلّ واحد من هذه العبيد فالظّاهر عدم القرعة حينئذ بل يحكم بعتق الجميع بقدر الحصّة و سرايته إلى هذه العبيد فالظّاهر بقيتهم مع السّعي و ذلك لأن الحكم على خلاف القاعدة فمورد الأخبار و كلمات العلماء غير هذه الصّورة مع أنه من تبديل الوصيّة كما لا يخفى و أما على الأول فقد اختلف فيه كلماتهم و أقوالهم اختلافا كثيرا كما عن المسالك حتى من الرّجل الواحد في الكتب المتعدّدة بل الكتاب الواحد فعن المشهور على الظاهر عن بل عن نسبته إلى علمائنا أنه يبدأ بالأولى فالأولى مطلقا و عن ابن حمزة ذلك إلا إذا تباعد ما بين الوصيّتين من الزّمان فتكون الثّانية ناسخة للأولى و عن الشّيخ و الإسكافي البدأة بالأولى فالأولى أن إذا كانت المتأخرة عتقا فإنه يقدم مطلقا و هو ظاهر الوسائل أيضا كما هو مقتضى عنوانه لذكر الأخبار الآتية و عن الكركي و غيره وجوب الأخذ بالأخيرة و ربّما يفصل بين ما إذا كانت المتأخرة مضادة للمتقدّمة فيؤخذ بها أو غير مضادة فتقدم الأولى فالأولى و لا بد من كلمات حمل الأولين أيضا على هذا و هذا هو الأقوى و لا بدّ أولا من بيان معنى الخروج من الثّلث فنقول لا إشكال و لا تأمّل كما عرفت مرارا في أن تمام المال ما دامت الحياة للموصي و أنه لو أوصى به كله فقد أعطي ماله سواء كان دفعة و تدريجا و أنه يجوز له الرّجوع عن الوصيّة الأولى قولا و فعلا لكن الشّارع جعل له من تمام ذلك المال ثلثه في مقام النّفوذ و هذا الثّلث شائع في تمام المال و معنى كونه له أنه أنفذ من تصرّفاته في مجموع ماله ما يساويه تعبّدا من غير حاجة إلى قصده في تصرّفه خصوص ذلك الثّلث بل و لا يضرّ قصد خلافه بأن كان من نيته سلامة ثلثه و التّصرف في الثّلثين الباقيين إذ ليس المقام من قبيل العين المشتركة حتى يكون التصرّف بمقدار حصّته من باب الانصراف إلى حصّته المختصّة به كما في بيع نصف الدّار المشاعة بينه و بين غيره كما قد يتخيل إذ لو كان من هذا الباب جاء فيه الخلاف المعروف حيث إن بعضهم ينزل البيع على الإشاعة و حكم بنفوذ الرّبع و احتياج الرّبع الآخر إلى

إجازة الشّريك و بعضهم على النصف الخاصّ به من جهة الانصراف بخلاف الوصيّة بثلث المال فإنه لا إشكال في عدم تنزيله على الإشاعة ففي مقامنا إذا أطلق الثلث يكون انصرافه إلى ثلثه قهريّا تعبّديّا لا قصديّا بل لا يقال إنه انصراف حقيقة بل أقول الأمر في بيع نصف الدّار أيضا كذلك على التحقيق بمعنى أن حمله على نصفه الخاصّ به قهريّ لأن المفروض أنه باع حصة مشاعة هو مالك لها فينفذ بيعها فيها إذ النّصف الّذي هو المبيع مشاع الدّار و هذا لا يقتضي الإشاعة في الملكين أيضا إذ هذه الإشاعة تحتاج إلى اعتبار آخر زائد على لحاظ النّصف المشاع نعم الفرق بينه و بين المقام

أنه لو قصد البيع في خصوص عقبه الشّريك أو الحصّة المشاعة في الملكين كان له ذلك و حينئذ يحتاج إلى الإجازة كلا أو بعضا بخلاف المقام فإنّه لو قصد التّصرّف في ثلثي الوارث أيضا يلغو قصده و ينزل على ثلثه و السرّ في الفرق أن في مقامنا له معنى كون الثّلث له أنه ينفذ تصرّفه بمقداره لا أنّه له و الثّلثان الآخران لغيره بخلاف المال المشترك فإنه كما أن له نصف الدار كذلك لشريكه أيضا نصفها مشاعا فيمكن قصد بيع حصّته و يمكن قصد بيع ما لشريكه و هذا واضح و ممّا ذكرنا ظهر أنه لا وجه لما يظهر من الجواهر من أنه لو قصد سلامة ثلثه و إخراج الموصى به ثلثي الوارث صح و كان موقوفا على إجازة الوارث و لازمه أنه لو لم يوص بعد ذلك بشي‌ء و لم يجز الوارث تلك الوصيّة يكون جميع المال للوارث و لو أجازوها يبقى ذلك الثّلث له فله أن يوصي به من غير حاجة إلى إجازة الوارث بل أتعب نفسه في إثبات أنه لا يحتاج إلى قصد الخروج من خصوص ثلثه و أنه لو أطلق صح و يجب العمل به كان الأصل في الأسباب ترتب مسبباتها عليها ما لم يحصل لها معارض قال و احتمال البطلان في الفرض يعني المجرّد عن قصد ثلثه و قصد خلافه مناف لإطلاق أدلّتها المقتضي لصحّتها و كأنه يتخيل أن المقام نظير بيع نصف الدّار كما صرّح به في موضع آخر و أنّ الشّركة فيه على نحو الأموال المشتركة مع أنّك قد عرفت أن معناها في المقام ليس إلا مجرّد عدم نفوذ تصرّفه إلا بمقدار الثّلث و هذا لا يقتضي ما ذكروه فلا ينبغي التّأمّل في لغوية القصد المذكور و عدم الحاجة إلى إجازة الوارث في مقدار الثّلث من هذه الوصيّة إذ قصد الخروج من الثلثين الآخرين و التّصرّف فيهما لا يجعله من تمليك مال الغير حتى يحتاج إلى إجازته بل يشمله الأدلّة الدّالة على نفوذه إذا كان بقدر الثّلث إذا عرفت ذلك فنقول إذا كانت الثّانية مضادة للأولى بأن تكون متعلقة بما تعلّق به الأولى و منه ما إذا قال ثلثي لزيد ثم قال ثلثي لعمرو فإن ظاهره إرادة ثلثه الراجع إليه و ضابط المضادة عدم إمكان إنفاذ الجميع و لو بإجازة الوارث عمل بالتالية إما لأنها رجوع عن الأولى كما إذا كان ملتفتا و قاصدا للرّجوع عنها و إما لأنها مفوتة موضوعها كما في صورة الغفلة عنها و ذلك لأنك قد عرفت أن الوصيّة من العقود الجائزة فيجوز الرّجوع فيها و لو فعلا و أيضا المال بعد الوصيّة باق على ملك الموصى فله السّلطنة على التّصرّف فيه بأنحاء التّصرّفات فإذا أوصى به ثانيا فقد أخرجه عن ملكه بعد موته فلا يمكن بقاء الأولى لفوات موضوعه فهو كما لو نقله إلى الغير منجزا ببيع و نحوه فإنه نظير إتلافه في كونه مفوتا للموضوع و يمكن أن ينزل على خصوص الشّق الأوّل أي صورة الرّجوع في الوصيّة الخبر أنّ ابن أخي أوصى بثلث وصايا فبأيهن أخذ فقال ع خذ بأخراهنّ قلت فإنّها أقل قال و إن قلّت ثم إن الثانية أنما تنسخ الأولى بمقدار المضادة فلو أوصى أولا بعين لزيد ثم أوصى بنصفها لعمرو يكون النّسخ في مقدار النّصف فيبقى النّصف الأوّل و كذا إذا أوصى بمجموع ماله لزيد ثم بثلثه لعمرو يكون النّسخ في الثّلث فيبقى للأوّل الثّلثان و يحتاج إلى الإجازة و هذا إذا لم يقصد الرّجوع في نصفه الّذي هو الثّلث كما أنّ الثّاني أيضا يحتاج إلى الإجازة و هذا إذا لم يقصد الرّجوع في التّمام بأن كان من باب التّفويت و إلا فمع قصد الرّجوع في التّمام تبطل الأولى بالمرّة و إطلاق الخبر المذكور قد عرفت تنزيله على خصوص هذه الصّورة مع أنه ضعيف فلا يمكن الأخذ به و الحكم بالنّسخ مطلقا بالنّسبة إلى التّمام كما يظهر من إطلاق بعضهم و أما إذا لم تكن الثّانية مضادة للأولى بأن يمكن تنفيذ الجميع و لو بإجازة الوارث يبدأ بالأولى فالأولى الخبر حمران عن أبي جعفر ع في رجل أوصى عند موته و قال أعتقوا فلانا و فلانا حتى ذكر خمسة فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم قال ع ينظر الذين سمّاهم و بدأ بعتقهم فيقومون و ينظر إلى ثلثه فيعتق منه أول شي‌ء ذكر ثم الثّاني ثم الثّالث ثم الرّابع ثم الخامس و إن عجز الثلث كان ذلك في الذي سمي أخيرا لأنه أعتق بعد مبلغ الثّلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك بحمل التّرتيب فيه على الوصايا العديدة لأن يكون المراد عتق المجموع و يكون

التّرتيب ذكريا في مقام التّعمد أو بقرينة الجواب إذ يبعد وجوب التّقديم بمجرّد هذا خصوصا مع التّعليل المذكور و هذا الخبر و إن كان ضعيفا إلا أنه منجبر بالشّهرة بل بعدم الخلاف المعتد به كما قيل مضافا إلى ما عرفت من الإجماع المنقول عن التّحرير و يمكن أن يستدلّ عليه أيضا بصحيحة العلاء عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه ع قال سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصيّة فكان أكثر من الثّلث قال ع يمضى عتق الغلام و يكون النّقصان فيما بقي و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه ع أيضا قال إن أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصيّة أخرى أعتقت الخادمة من ثلثه و ألغيت الوصيّة إلا أن يفضل من الثّلث ما يبلغ الوصيّة حيث قدم فيهما العتق الّذي هو مقدم بناء على عدم حملهما على المنجز بقرينة قوله ع ثم أوصى بوصيّة أخرى و إنّه لو كان من المنجز لم يخرج من الثّلث و ظاهرهما خروجه منه هذا و قد يقال إنه مقتضى القاعدة أيضا و ذلك لأن الوصيّة الأولى قد تعلّقت بالثّلث فلا مانع فينبغي إنفاذها بخلاف الثّانية فإنها صدرت بلا محلّ و يشهد له التّعليل في الخبر قلت يمكن الاستشكال في ذلك بأن المفروض أن كلّ واحدة من الوصيّتين تعلّقت بحصّة من مجموع المال و إما معيّنة أو مشاعة غير ما تعلقت به الأخرى و لا تعلق لشي‌ء منهما بالثلث الّذي جعله الشّارع للميّت مشاعا في مجموع المال في قصد الموصي و إنما التّعلّق به قهري تعبدي بعد الموت و نسبتهما إليه على حد سواء إذ ليس الزّائد على الثّلث الوصيّة المتأخّرة بل المجموع من حيث المجموع زائد و مجرّد تقدّم تعلّق إحداهما به لا يفيد شيئا بعد عدم التّعلق إلا بعد الموت أ لا ترى أن تقدّم سبب أحد الدّينين على الآخر لا يقتضي تقدّمه عليه إذا فرض عدم وفاء المال بهما و السّرّ فيه أن تعلّقهما بعين التّركة أنما هو بعد الموت و كذا تقدّم سبب شغل الذّمة في أحد الواجبين لا يقتضي وجوب تقديمه إذا تزاحما و لم يكن الزّمان كافيا لهما معا و هكذا القسم لو كانت الوصيّة حين صدورها متعلّقة بالثّلث أمكن أن يقال إن الأولى إذا تعلّقت به حين صدورها تبقى الثّانية

بلا محلّ لكن ليس كذلك إذ المفروض أن الحكم بالنّفوذ أنما هو بعد الموت و التّعلّق الشّرعي به في حال الحياة بلا نفوذ بمعنى صيرورته بحيث ينفذ بعد الموت و إن كان ممكنا و كافيا في المطلب إذ هو نظير ما لو علّق الموصي عليه في قصده إلا أن هذا مجرّد فرض لا دليل عليه إذ القدر المسلم بل الظّاهر من أدلّة الخروج من الثّلث أنه ليس للميّت من ماله إلا ثلثه ليس إلا ما ذكرنا من التّعلّق به بعد الموت فظهر أن مقتضى القاعدة مع الإغماض عن الخبر المتقدّم إدخال النّقص على الجميع بالنّسبة نعم هذا الخبر على فرض تماميّته كما أنه دليل تعبدي على المطلب مثبت بلحاظ العلّة المذكورة لموضوع القاعدة أيضا إذ مقتضى العلّة المذكورة تعلّق الوصيّة الأولى بالثّلث حال الحياة كيف و إلا فلا يصدق أنه أعتق ما لا يملك إلا أن يقال إذا قلنا إن التّعلّق الشّرعي القهري بالثّلث الّذي للميّت بمقتضى القاعدة أنما هو بعد الموت فيمكن أن يجعل التّعليل في الخبر شاهدا على كون المفروض فيه تعلّق الوصايا بالثّلث في قصد الموصي و حينئذ فيخرج الخبر عن الدّلالة على المطلب مضافا إلى أنه لا يثبت موضوع القاعدة فتدبّر و كيف كان فتبيّن من البيان الّذي ذكرنا أن هذه القاعدة أنّما يتم في المنجزات إذ الحكم بنفوذها من الثّلث أنما هو في حال الحياة فالمتقدّم منها إذا كان بقدر الثّلث حين الموت فهو نافذ من حين صدورها فلا يبقى بعد محلّ لنفوذ المتأخر إلا بإجازة الوارث و أمّا في الوصايا فيتوقف تماميّتها على إثبات التّعلّق بالثّلث من حين الصّدور و لا دليل عليه إذا لم يكن على خلافه فالأولى الاقتصار في الاستدلال على الأخبار المذكورة و لا يعارضها ما تقدّم من الخبر الدّالّ على الأخذ بالأخيرة لضعفه مع أنه محمول على صورة المضادّة كما عرفت جمعا بينها و بينه لأن هذه الأخبار نصّ في صورة عدم التّضاد و هو أعمّ هذا و أما ما حكي عن ابن حمزة من التّفصيل فلا وجه له و لعلّ نظره إلى أنّه إن لم يتباعد الزّمان فلا يكون الثّاني رجوعا عن الأوّل و إن تباعد فهو ظاهر في إرادة الرّجوع خصوصا بملاحظة أنّه جعل من عدم التّباعد ما إذا كان تعدّد الوصايا بحرف العطف و من عدم التّباعد ما إذا كانت الأولى غدوة و الأخرى ضحوة بل عبارة الوسيلة لا تعرض فيها للتباعد و عدمه و إنما جعل فيها المدار على التّعدّد بحرف العطف و التعدّد بفصل زماني قال و إن أوصى لواحد بعد واحد لم يخلوا من وجهين إمّا عطف التّالي بحرف العطف أو أوصى بكرة لواحد و ضحوة لآخر أو غدا فالأول إن خرج الجميع من الثّلث استحقوه و إن لم يخرج قدم الأوّل فالأول حتى يستوفي الثّلث فإن اشتبه أخرج بالقرعة و الثّاني إن خرج من الثّلث استحق الجميع و إن لم يخرج قدم الأخير و على أيّ حال فيمكن حمله على ما ذكرناه فإن الظّاهر من حال الموصي في الصّورة الأولى أنّه يريد الوصايا العديدة بخلاف الثّانية لكنه كما ترى و قد يستدلّ له بالخبر المتقدّم الدّالّ على الأخذ بالأخيرة بحمله على صورة التّباعد و فيه ما لا يخفى و أمّا الوجه فيما ذهب إليه الشّيخ و الإسكافي من تقديم العتق و إن كان متأخرا فهو دعوى دلالة جملة من الأخبار كصحيح العلاء و خبر أبي بصير المتقدّمين و خبر إسماعيل بن همام عن أبي الحسن ع في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته و أعتق مملوكا و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثّلث كيف يصنع في وصيّته قال ع يبدأ بالعتق فينفذه و خبر محمّد بن مسلم عن رجل أوصى بأكثر من الثّلث و أعتق مماليكه في مرضه فقال ع إن كان أكثر من الثّلث رد إلى الثّلث و جاز العتق و الجواب أنه يمكن حمل الأخبار المذكورة على العتق المنجز و كان المراد نفوذه من الأصل بناء على مختارنا مع أن مورد الخبرين الأولين تقدّم العتق و لا دلالة فيهما على أنّ الحكم كذلك و إن كان متأخرا و أمّا وجه القول بوجوب الأخذ بالأخيرة فهو الخبر المتقدّم مضافا إلى ما عن الكركي من أن الأصل في الوصيّة أن تكون نافذة فيجب حملها ما يقتضي النّفوذ بحسب الإمكان و إنما تكون الثّانية نافذة إذا كان متعلّقها الثّلث الذي يجوز للمريض الوصيّة به فيجب حملها عليه كما يجب حمل إطلاق بيع الشّريك النّصف على استحقاقه حملا للبيع على معناه الحقيقي و حينئذ فيتحقق التّضاد في مثل ما لو قال أوصيت بثلث لزيد و بثلث لعمرو فيكون الثّاني ناسخا للأوّل فبقدم

و أولى منه ما لو قال ثلث مالي ثم فرع عليه أنه لو أوصى لزيد بثلث و لعمرو بربع ولي له بسدس و انتفت القرائن يكون الوصيّة الأخيرة رافعة للأوّل مع اعترافه بأنه مخالف لما صرّح به جميع الأصحاب و أورد عليه في الجواهر بما حاصله أن التّعلّق بالثّلث ليس من باب الانصراف القصدي و بجعل الموصي حتى يتحقق التّضاد بين الوصيّتين بل من باب التّعبّد الشّرعي القهري و كذلك الحال في بيع الشّريك لأنه قد باع ما هو مالك له فينزل عليه شرعا و حينئذ فإذا أوصى أولا فمقتضى قاعدة الإنفاذ نفوذه و تعلّقه بالثّلث لعدم المانع منه بخلاف الوصيّة الثّانية فإنها تبقى بلا محلّ و الإطلاق لا يقتضي أزيد من النّفوذ إذا أجاز الوارث لأنّ المفروض تعلّقه بحصّة أخرى من مجموع المال الّتي هي للوارث بعد مشغوليّة الثّلث بالوصيّة الأولى قلت و أنت خبير بأن المحقق أيضا يدّعي الانصراف القصدي كما يظهر من ملاحظة كلامه و إنما غرضه أنه إذا وجب إنفاذ التّصرف بقدر الإمكان و المفروض أنه تتعلّق الوصيّة شرعا بالثّلث الّذي جعله الشّارع للميّت فيكون متعلّق الثّانية أيضا الثّلث كما في الأولى و لازمه كونها ناسخة كما لو صرّح بإرادة ثلثه في الوصيّة الثّانية بعد الإطلاق في الأولى المنصرف شرعا إلى ثلثه فالتّنزيل الشّرعي كالقصدي فهو كما لو فرض أنه وهب مالك نصف الدّار مشاعا النّصف المشاع ثم بعد ذلك و قبل القبض وهب نصف المشاع لآخر فإنه تبطل الأولى بالثّانية لأن المفروض أنه بعد باق على ملكه بناء على كون القبض شرطا في الصحة فيصدق في الهبة الثّانية أنه وهب ما كان مالكا له كما في الأولى مع أنّ التّنزيل على نصفه الّذي هو شرعي ففي المقام أيضا نقول إنه أوصى في الوصيّة الثّانية ما يمكن إنفاذه بحمله على ما هو كذلك و لازمه النّسخ فالحق في الجواب أن يقال إنا نمنع التّعلّق بالثّلث حين الوصيّة إذا لم يقصد الموصي ذلك بل إنما تتعلق به شرعا بعد الموت و المفروض تساويهما في ذلك و ما ذكر أن الأصل في الوصيّة الإنفاذ فيه أن غاية ما يدلّ عليه الدّليل الإنفاذ على حسب ما أراد الموصي إذا لم يكن مشروطا شرعا

بشرط أو حصل الشّرط و هو لم يرد في شي‌ء من الوصيّتين إلا حصّة من مجموع المال فإذا اعتبر الشّارع عدم الزّيادة على الثّلث فلا بدّ في نفوذ كلّ منهما من عدم الزّيادة و المجموع من حيث المجموع من حين الحكم بالنّفوذ زائد على الثّلث فلا بدّ من التّقسيط و نحن إنما حكمنا بالأولى فالأولى إمكان الأخبار و إلا فقد قلنا إنه لا يتم بحسب القاعدة و إن مقتضاها التّقسيط فظهر أن لازم من يقول بالتّعلّق بالثّلث حين الوصيّة أن يعترف بمقالة المحقق المذكور فدعوى أنّ التّعلّق الشّرعي بالثّلث من حين الوصيّة ليس كالقصدي في أنه يكفيه إمكان الإنفاذ بل لا بدّ من عدم مزاحمته بشي‌ء آخر فلا بدّ أوّلا من إبطال الأولى لتمكن تعلّق الثّانية به شرعا و هذا بخلاف التّعلّق القصدي فإنه بنفسه مبطل و ناسخ و لا يحتاج إلى إبطال الأولى أوّلا مدفوعة بأن ملاك التعلّق بالثّلث في الأولى و هو إمكان النّفوذ موجود في الثّانية أيضا لأن تعلّق الأولى بالثّلث شرعا يوجب عدم جواز التّصرّف فيه ثانيا فمجرّد الوصيّة الثّانية المحكومة بوجوب الإنفاذ تبطل الأولى فإنها متعلّقة شرعا بما تعلّقت به فيحصل التّضاد الموجب للنّسخ بقي شي‌ء و هو أن مقتضى ظاهر كلام المحقق المذكور في الفرع الّذي ذكره أنه يجب الأخذ بالأخيرة و إن كانت أقلّ من الأولى مع أنك قد عرفت سابقا أن للازم البطلان بالتّضاد البطلان في مقدار المضادة إذا لم يكن قاصدا للرّجوع أو كان قاصدا له في مقدار المضادة فقط ففي الفرع المذكور يبقى لزيد مقدار التّفاوت بين الثّلث و الرّبع و لعمرو مقدار التّفاوت بين الرّبع و السّدس ثم إنه قد يتخيّل إعمال قاعدة الإطلاق و التّقييد و التّعميم و التّخصيص في المقام فلو أوصى بمجموع ماله لزيد و بثلث ماله لعمرو يجعل الثّاني مخصّصا للأوّل و ينزل المجموع على ما عدا الثّلث و هكذا و ربما يستظهر ذلك من كلمات بعض العلماء و أنت خبير بأن مورد حمل العام أو المطلق على الخاصّ أو المقيّد ما إذا اشتبه المراد و لم يكن في وقت الحاجة و في المقام نعلم تعلّق قصد الموصي بالمجموع في الأولى و بالثّلث في الثّانية فالمراد غير مشتبهة و أيضا هو في كلّ من الوصيّتين في مقام بيان تمام المراد فحمل كلامه على خلاف ظاهره موجب لتأخير البيان عن وقت الحاجة و يمكن حمل كلام من يظهر منه ذلك على ما ذكرنا من الأخذ بالأخيرة في مقدار المضادة و لازمه عدم الأخذ بالأقلّ إذا كان مقدّما كما إذا قال ثلث مالي لزيد ثم قال مجموع مالي لعمرو فإن مقتضى ما ذكرنا طرح الأوّل بالمرّة و لعلّ من يستظهر منه العمل بالإطلاق و التّقييد لا يقول به في هذه الصّورة حتى لا يمكن حمله على ما ذكرنا ثم إن ما ذكرنا من التّقسيط في الثّلث مع عدم التّرتيب في الوصايا و الأخذ بالأولى فالأولى مع التّرتيب أنّما هو إذا كانت تبرعيّة و أما إذا كانت ملفقة منها و من الواجب الخارج من الأصل فهل الحكم كذلك غاية الأمر أنّه لو لم يف الثّلث أو ما بقي منه أو قدر الحصّة منه بالواجب يتم بما بقي من المال أو لا يلتفت إلى الوصيّة بالواجب فتكون بالنّسبة إليه لغوا فالحال كما لو لم يوص به من خروجه من الأصل و من صرف الثّلث بعده في سائر الوصايا على ما تقدّم أو يحكم بتقديمه و إن كان متأخّرا عن سائر الوصايا فيكون الثّلث مصروفا إليه أولا و إن لم يف به يتمّم بما بقي من المال وجوه أقربها أوسطها كما هو ظاهر الشّرائع أيضا حيث قال و إن أوصى بواجب و غيره فإن وسع الثّلث عمل بالجميع و إن قصر و لم تجز الورثة بدأ بالواجب من الأصل و كان الباقي من الثّلث و ذلك لأن ظاهر ما دلّ على أن الوصيّة من الثّلث الوصيّة التبرعيّة و أيضا مقتضى ما دلّ على وجوب إخراج الواجب من أصل المال أنه لا يصرف الثّلث فيه بل يخرج ذلك الواجب أولا من صلب المال ثم يلاحظ الثّلث و يخرج منه سائر الوصايا إذ لا فرق في إطلاق ذلك الدّليل بين أن يكون موصى به أو لا بل مورد بعض الأخبار الوصيّة لكن هذا إذا كانت الوصايا مطلقة أما إذا أوصى بإخراجها من الثّلث فمقتضى القاعدة التّخصيص و التّقسيط أو الأخذ بالأوّل فالأول لأن مرجع الأمر حينئذ إلى الوصيّة بصرف ثلثه في واجبه غاية الأمر أنه على فرض عدم الكفاية يؤخذ البقية من البقيّة أو مع عدم كفايتها أيضا يصرف تمام المال فيه هذا و لكن الّذي يستفاد من غير واحد من العلماء

على ما قيل و حكي عن بعضهم نفي الخلاف فيه أنّه يقدم الواجب و إن كان متأخرا فيصرف الثّلث فيه أولا و يصرف في البقيّة ما بقي منه إن بقي شي‌ء و مقتضى إطلاق بعضهم و صريح آخر أنه لا فرق في ذلك بين الواجب المالي و البدني و لو قلنا إن البدني لا يخرج من الأصل بل مع الوصيّة يخرج من الثّلث و معها لا يخرج أصلا و يدلّ على ما ذكروه صحاح معاوية بن عمار المشار إليها سابقا أحدها عن أبي عبد اللّٰه ع أن امرأة من أهلي ماتت و أوصت إلي بثلث مالها و أمرت أن يعتق عنها و يتصدّق و يحج عنها فنظرت فيه فلم يبلغ فقال ع ابدءوا بالحج فإنه فريضة من فرائض اللّٰه سبحانه و تجعل ما بقي طائفة في العتق و طائفة في الصّدقة الحج ثانيها عن أبي عبد اللّٰه ع أيضا في امرأة أوصت بمال في عتق و حج و صدقة فلم يبلغ قال ابدأ بالحج فإنّه مفروض فإن بقي شي‌ء فاجعل في الصّدقة طائفة و في العتق طائفة ثالثها قال معاوية ابن عمّار ماتت أخت مفضل بن غياث و أوصت بشي‌ء من مالها الثّلث في سبيل اللّٰه و الثّلث في المساكين و الثلث في الحجّ فإذا هو لا يبلغ ما قالت إلى أن قال و لم تكن حجة المرأة فسألت أبا عبد اللّٰه ع فقال لي ابدأ بالحج فإنه فريضة من فرائض اللّٰه عليها و ما بقي اجعله بعضها في ذا و بعضها في ذا لحديث و مورد هذه الأخبار و إن كان هو الحج إلا أن مقتضى التّعليل فيها شمول الحكم لكلّ واجب حتى البدني و إن قلنا بعدم وجوب إخراجه إلا مع الوصيّة بل مقتضاه عموم الحكم أيضا لما إذا كانت الوصايا مطلقة بأن لم يوص لصرف الثّلث فيها فيكون الواجب في صورة الوصيّة متقدّما في الخروج من الثّلث و إن كان متأخرا فيتعيّن حينئذ الوجه الثّالث من الوجوه المتقدّمة إلا أن يقال إن قدر المتيقن منها صورة الوصيّة بصرف الثّلث فيها أو تعيّن مال لذلك فلا تشتمل صورة الإطلاق الّتي مقتضى القاعدة فيها إخراج الواجب من الأصل حسبما عرفت فهو إن لم يتعلّق بالثّلث حتى يكون مقدّما فتأمل و كيف كان لا بأس بالعمل بها في موردها أعني صورة تعيين الثّلث أو الشّي‌ء من المال لذلك

و لا ينافيها ما دلّ من الأخبار المتقدّمة على البدأة بالأولى فالأولى الأخصيّة هذه الأخبار فلا وجه لما عن جامع المقاصد من أنه لا فرق بين الواجب و غيره بالبدأة بالأول فالأوّل إن كان أوصى بها مرتبة و لا لما في الجواهر من أنّ الإنصاف أنه إن تم الإجماع عليه أي على تقديم الواجب كان هو الحجة و إلا أشكل الحال بما سمعته فيما يأتي من الاستدلال على ما تطابق عليه النّصّ و الفتوى من تقديم الأوّل فالأوّل بما يقتضي عدم الفرق بين الواجب و غيره فيبطل المتأخّر لعدم متعلّق له و إن كان واجبا ماليّا خرج من أصل المال و إن كان بدنيّا بطل بناء على عدم كونه من الأصل

و أمّا الصّورة الثّانية و هي ما إذا اجتمعت المنجزات

فلا ينبغي التّأمّل في يقدم منها الأوّل فالأوّل بناء على الخروج من الثّلث لما عرفت من أن وفاء الثّلث حين الموت كاشف عن حصول التّأثير حال صدورها فيكون السّابق نافذا و يدخل النّقص على المتأخر و دعوى أن حالها بناء على الخروج من الثّلث حال الوصيّة في أنّ التّعلّق بالثّلث أنما هو حين الموت و لازمه التّقسيط كما ترى هذا و المدار في التّقدّم على التّقدّم في تماميّة السّبب فلو تقدّم أحدها على الإنشاء و تأخر عن الآخر في التّماميّة كان حصل شرطه بعد تماميّة الآخر يكون متأخّرا فلو وهب عينا لزيد و قبل حصول القبض وهب عينا أخرى لعمرو و أقبضها كان المتقدّم الثّاني بناء على كون القبض شرطا في الصّحة إذا قلنا بكونه ناقلا و أما بناء على الكشف أو كونه شرطا في اللّزوم فبالعكس و لو تقارن المنجزان في الإنشاء فاللّازم التّقسيط كان صدر أحدهما منه و الآخر من وكيله في زمان واحد هذا في غير العتق و أمّا فيه كما لو أعتق ستة عبيد و لم يف الثّلث بهم فيقرع بينهم لما عرفت في الوصيّة من دلالة الأخبار عليها مضافا إلى ظهور الإجماع هذا إذا كان متعلّقهما متعدّدا و إن توارد أعلى متعلّق واحد فمع التّقارن بطلا معا و مع التّرتب يبطل الثّاني إن كان الأوّل لازما و العكس إن كان جائزا كما لو وهب عينا لزيد و قبل القبض وهبها لعمرو فإن الثّاني رجوع قصدي أو قهري عن الأول

و أمّا الصّورة الثّالثة و هي اجتماع الواجبات و تزاحمها

كالدّين و الخمس و الزّكاة و الحج و الكفّارات و النّذر و ردّ المظالم و نحوها فإن كان بعضها متعلّقا بعين المال حال الحياة مشاعا أو معيّنا فهو المقدّم كما إذا كانت العين المنذورة موجودة أو كان المال المتعلّق به الزّكاة أو الخمس موجودا بناء على تعلّقهما بالعين و كذا إذا تعلّق حق الراهن بعين أو حق الجناية بعبد و نحو ذلك و أمّا مع كون الجميع في الذّمّة مع عدم وفاء المال بها و عدم تعلّقها بعين فمقتضى القاعدة تقسيط التّركة عليها بالنّسبة و لا فرق في ذلك بين تقدّم السّبب في بعضها و عدمه لأنّ التّعلّق بالمال أنّما يكون بعد الموت و هي متساوية النّسبة إليه حينه و الظّاهر عدم الفرق في ذلك بين كون بعضها لهم من بعض و عدمه لعدم الدّليل على التّعين و يحتمل تقديم حق النّاس على حق اللّٰه كالصّلاة و الصّوم بناء على وجوب إخراجهما من الأصل و لو مع عدم الوصيّة نعم لا ينبغي التّأمّل في عدم تقديم حقّ النّاس على الحج الواجب كان بالأصالة أو بالنّذر بل يظهر من بعض الأخبار تقديمه على الزكاة الّتي هي من حقوق النّاس ففي الحسن عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه ع قلت له رجل يموت و عليه خمس مائة درهم من الزكاة و عليه حجة الإسلام و ترك ثلاث مائة درهم و أوصى بحجة الإسلام و ترك و أن يقضى عنه دين الزّكاة قال يحج عنه من أقرب ما يكون و يردّ الباقي في الزكاة و في الخبر عنه ع أيضا في رجل مات و ترك ثلث مائة درهم و عليه من الزّكاة سبعمائة درهم فأوصى أن يحج عنه قال يحج عنه من أقرب المواضع و يجعل ما بقي في الزّكاة لكن المشهور بين الأصحاب عدم العمل بهما و الحكم بما ذكرنا من التّقسيط و ربما يحملان على ما إذا كان ذلك مقتضى التّوزيع و التّقسيط و فيه بعد نعم عن الحدائق العمل بهما و الحكم بتقديم الحج عن الدّين مطلقا و عن الجواهر احتماله قلت إن أغمضنا عن إعراض المشهور فلا بد من أنّ الاقتصار على موردهما من الزّكاة لا التّعدي إلى مطلق الدّين و يمكن حملها على صورة عدم العلم باشتغال ذمته بالزّكاة و يكون الحكم بردّ الباقي فيها من باب الاحتياط و الاستحباب و إن كان بعيدا أيضا و يمكن أن يستكشف منهما أهميّة حجة الإسلام من سائر الدّيون أو من خصوص الزّكاة و إن تقديم الأهمّ واجب كما قد يتراءى أنه مقتضى كون الزّكاة من حقوق النّاس و الحجّ من حقوق اللّٰه لا ينافي كونه أهمّ في نظر الشّارع و الأقوى عدم العمل بهما و الرّجوع إلى ما ذكرنا من التّقسيط وفاقا للمعضم هذا و لو فرض عدم وفاء حصّة البعض به كما إذا لم يمكن الإتيان بالحج بحصّة و لو من أقرب المواضع أو من مكة سقط و صرف حصّة في البواقي و لا دليل على الاقتصار على بعض الأعمال كالوقوف أو الطّواف بعد عدم صدق الحج عليهما و لا يجري قاعدة الميسور لعدم صدق أنّ الطّواف فقط مثلا ميسور الحج مع أن هذه القاعدة يحتاج إلى جابر من عمل الأصحاب نعم لو كان وافيا بالحجّ دون العمرة أو بها دونه إلى الممكن منهما لم يصرف في البقيّة و لو لم يمكن التّقسيط أصلا و دار الأمر بين الإتيان بأحد الواجبات أو اثنين منها تخير إلّا أن يكون بعضها أهمّ فإنّ الظّاهر أنه يتعيّن حينئذ اختياره و الفرق بينه و بين ما لو أمكن التّقسيط حيث لم تقل فيه بترجيح الأهم أن فيه لم يكن الأمر دائرا بين الأهم و غيره حيث إن الجمع كان ممكنا و هو بقدر الإمكان أولى من الطّرح فتأمّل ثم إن من جملة الواجبات الخارجة من الأصل كفن غير الزّوجة و سائر مؤن التّجهيز مطلقا أو في غير مقدّمات الأولى أفعال كالحفر و الحمل و الغسل و نحوها ممّا هي من الواجبات الكفائية و لا ينبغي أخذ الأجرة عليها و إذا تزاحم الكفن أو سائر المؤن مع الدّين و نحوه فالكفن و نحوه مقدم لا إشكال و لا خلاف بل عليه الإجماع و النّصوص كصحيحة ابن سنان الكفن من جميع المال و صحيحة زرارة عن رجل مات و عليه دين و خلف قدر ثمن كفنه قال يجعل ما ترك في ثمن كفنه إلا أن يتّجر عليه إنسان فيكفنه و يقضي دينه بما ترك و رواية السّكوني عن أبي عبد اللّٰه ع أوّل شي‌ء يبدأ من المال الكفن ثم الدّين ثم الوصيّة ثم الميراث و هذه الأخبار و إن اشتملت على خصوص الكفن

إلا أن الظاهر إن ذكره من باب المثال فيشمل سائر المؤن و عن الخلاف الإجماع عليه و الأقوى الاقتصار على ما لا بدّ من بذل المال في مقابله مثل الماء و الخليط و نحوها

من الأعيان الّتي لا يجب بذلها على أحد لا مثل الأعمال أو مقدّماتها الّتي هي من الواجبات الكفائيّة ثم إنّهم ذكروا أن الكفن مقدم على حق المرتهن و الغرماء و المجنّي عليه أيضا و بعضهم خص ذلك بحق الرّهن به و بالجناية مطلقا و بعضهم فرق فيها بين العمد و الخطاء و نظرهم في ذلك مطلقا أو في الجملة إلى إطلاق الأخبار المذكورة و أنت خبير بأن إطلاقها مسوق لبيان تقدّم الكفن على الدّين بما هو دين لا حتى مع تعلّق حق سابق بالعين و دعوى أن تأخّر الدّين عن الكفن يقتضي عن الأخذ بحق الرّهن لأنه يقتضي وفاء الدّين المفروض تأخيره مدفوعة بمنع شمول الأخبار لمثل هذا الدّين ثم إن إلحاق حق الجناية لا وجه له لأنّه لا ربط له بالدّين إلا أن يدّعى أن ذلك مقتضى كون الكفن من جميع المال و فيه أنّه معارض بما دل على ثبوت الحق بالجناية مع أنه يكون سابقا على تعلّق الكفن هذا و أمّا كفن الزّوجة فعلى زوجها إذا لم يكن معسرا و إلا فمن مالها على ما تقدّم بلا إشكال و إن احتمل بعضهم دفنها حينئذ بلا كفن و إن كانت موسرة إذ هو كما ترى إذ لا يشمل ما دلّ على كون كفنها على زوجها مثل هذه الصّورة فبقي تحت الأخبار المتقدّمة و غيرها ممّا دلّ على كون الكفن من مال الميّت و لو ماتت و تعلّق كفنها بزوجها ثم مات قبل تكفينها يصير كفنها في عرض سائر الدّيون فيقدّم كفنه حينئذ على كفنها و إن كان أسبق وجوبا للأخبار المذكورة و تمام الكلام في هذه المسائل في مقام آخر

و أما الصّورة الرابعة و هي أن يجتمع المعلّق و المنجز

فلا إشكال في تقديم الثّاني سواء قلنا بكونه من الأصل أو الثّلث أما على الأوّل فواضح و أمّا على الثّاني فللإجماع مضافا إلى أنه لمكان عدم كونه معلّقا على الموت ينفذ من حين وقوعه فلا يبقى محلّ لنفوذ الآخر حين الموت و لا فرق في ذلك بين كونهما متقارنين أو مترتبين نعم لو ذهب عينا لزيد أولا ثم أوصى بها بعينها لعمرو قبل القبض يقدم الوصيّة لكن هذا ليس من التّقديم الّذي نحن بصدده إذ محلّ الكلام ما إذا تعلّق كلّ بغير ما تعلّق به الآخر مع كونه الثّلث قاصرا و في هذا الفرض أنّما يقدّم الوصيّة لكونها رجوعا عن الهبة و لا فرق في ذلك بين القول بالأصل و الثّلث هذا و لو عين ثلاثة في عبد أو عين و نذر كونه حرا أو كونها صدقة بعد موته ثم وهب عينا أخرى من ماله في مرضه منجزا ففي تقديم المنجز حينئذ إشكال من أنه تمليك منجز حال الحياة و من أنّ النّذر المفروض قد تعلّق بثلثه بحسب قصده و هو لازم فلا يبقى محلّ للمنجز بناء على كونه من الثلث و أما لو أوصى بثلثه و نذر أن لا يرجع في وصيّة ثم وهب عينا منجزا فلا إشكال في تقديم الهبة و الفرق بينه و بين الأوّل يظهر بالتّأمّل

و أمّا الصّورة الخامسة و هي ما إذا اجتمع الوصيّة و الواجب

فلا خلاف في تقديم الثّاني سواء كان مقدّما في التّعلّق بذمّته أو لا و لا فرق بين الواجب المالي و البدني على المختار من خروج الثّاني أيضا من الأصل بل و كذا لو قيل بخروجه من الثّلث كما إذا أوصى به أيضا و كما في الحج المنذور بناء على مذهب الجماعة القائلين بخروجه من الثّلث و إن لم يوص بها و الدّليل على التّقديم بناء على الأصل واضح و بناء على الخروج من الثّلث التّعليل المتقدّم في صحاح معاوية بن عمار المتقدمة

و أمّا الصّورة السّادسة و هي ما إذا اجتمع المنجز و الواجب

فبناء على خروج المنجز من الأصل لا ينبغي الإشكال في تقديمه بسبق نفوذه فلا يبقى تركه حتى يتعلّق بها الدّين أو غيره من غير فرق بين الكفن و غيره و بناء على الثّلث فمقتضى القاعدة و إن كان ذلك في مقدار الثّلث لأن تعلّقه بالثّلث أنما هو في حال الحياة فيكون من حينه و خروجه من الثّلث حين الموت كاشف عن ذلك و لا يبقى محل لخروج الدّين بالنّسبة إلى ذلك المقدار إلا أنه يظهر من العلامة أن حاله بناء على الثّلث حال الوصيّة في كونه مؤخرا عن الدّين و نحوه و صرح به الشّهيد في المسالك في مسألة من أعتق عبده و عليه الدّين إذا لم يكن قيمته بقدره مرّتين و يظهر منه المفروغية بل يظهر من الجواهر أن الحكم كذلك حتى على القول بالأصل فإنه في ذيل البحث المذكور بعد ما نقل عن الحلي الحكم بنفوذ العتق المذكور من الأصل و طرحه لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و غيرها و إسقاط الدّين من رأس قال و لا ريب في ضعفه بل هو اجتهاد في مقابلة النّصّ و أصحابه الموافقون له في كون المنجزات من الأصل لا يوافقونه فيما إذا زاحم التّنجز الدّين بل يخصّونه بالنّسبة إلى الورثة و إلا كانوا محجوجين بهذا الصّحيح و غيره بل لعل مقابلته بالقول بالخروج من الثّلث المعلوم كون المراد منه بعد خروج الدّين تشهد بعد المزاحمة المزبورة انتهى أقول أما على القول بالأصل فلا مجال للتّأمّل في تقديم المنجز كما عرفت إذ عليه تكون المريض كالصّحيح في نفوذ التصرّفات و من المعلوم أن تصرّفه نافذ و مقدّم على الدّين و إن كان مستغرقا بل و لو كان قصده الإضرار بالدّيان و الضّرار من الدّين إذ غاية الأمر حرمة ذلك و أمّا المعاملة فصحيحة بعد عدم تعلّق حق الدّيان في حال الحياة بالمال فيبقى الدّين حينئذ بلا وفاء بمقدار المنجز و ما ذكره صاحب الجواهر من أنّ القائلين بكون المنجز من الأصل لا يوافقون الحلي كما ترى فإني لا أظنّ أحدا منهم استشكل أو احتمل ما ذكره و لعلّ نظره مقصور على خصوص مسألة العتق من جهة الأخبار الخاصّة و إلا فلا وجه له إذ لا يستفاد من هذه الأخبار حكم غير العتق مع أن الحكم فيه أيضا بناء على العمل بها تعبدي و مع الإغماض عن ذلك فغاية الأمر شهادتها على ذلك على القول بالثّلث إذ هي ناظرة إليه فلا يستفاد منها الحكم بناء على مذهب القائل بالأصل و أمّا ما ذكره من شهادة مقابلة القول بالأصل للقول بالثّلث على المزاحمة المزبورة ففيه أن هذه المعاملة ترجع إلى أن المريض هل هو كالصّحيح حتى ينفذ تصرّفاته من الأصل أو لا حتى ينفذ من الثّلث و لا دلالة فيه على أن المريض له خصوصيّة مطلقا حتى على القول بالأصل و هذا واضح جدّا و أمّا على القول بالثّلث فيشكل الحال مما عرفت من أن مقتضى القاعدة ما ذكرنا و مما يظهر من الشّهيد و صاحب الجواهر و بعض آخر أن كونه كالوصيّة من هذه الجهة من المسلمات و يؤيّده ما يظهر منهم من أن ثلث الميّت أنما يلاحظ بعد خروج ما خرج من أصل المال فما قابل الدّين ليس من مال الميّت حتى يخرج منه المنجز و أيضا يلزم ممّا ذكرنا نفوذ المنجز و إن استلزم حرمان الوارث بالمرّة كما إذا كان دينه بمقدار الثّلثين و ينجز بما يساوي الثّلث أو أزيد و لا أظنهم يلتزمون به و لا يمكن التّفكيك بين ما لو كان الدّين مستغرقا بحيث يكون المنجز مزاحما للدّين فقط و بين ما لم يكن مستغرقا بأن يكون مزاحما له و بحق الورثة بأن

يقال إن في الأوّل يحكم بنفوذ المنجز من الثّلث و يقدم على الدّين و في الثّاني يقدّم الدّين أولا ثم يلاحظ الثّلث و الثّلثان و غاية ما يمكن أن يوجه بما ذكره الجماعة أن الأدلّة الدّالة على أنّه ليس للميّت من ماله إلا ثلثه متساوية النّسبة إلى الوصيّة و المنجز بل الدّليل واحد و هو ما عرفت من الأخبار السّابقة فكما أن في الوصيّة لا تنفذ في ثلثه مع مزاحمة الدّين فكذا في المنجز لكن فيه أولا أن نقول إن هذه الأخبار دالّة على أن الثّلث له و ظاهره ثلث مجموع المال و إنما هو محجور في الثّلثين فمقتضى ذلك نفوذ جميع تصرّفاته بهذا المقدار حتّى الوصيّة فكان اللّازم تقدّمها على الدّين لأنها تصرّف في ثلثه الرّاجع إليه قبل تعلّق حق الدّيان به و لا يضر كونه معلقا على الموت بعد كون المال المتصرّف فيه له أبدا ما دام حيّا بمعنى أنّ الموت قاطع للملكيّة لا أن تكون موقتة فتمليكه بمنزلة أكله و إتلافه إلا أن الإجماع و الأخبار دلّت على تقديم الدّين عليها و يقتصر على موردهما فيبقى المنجز على مقتضى قاعدته و ثانيا لو سلمنا أن كون الدّين مقدّما على الوصيّة بمقتضى القاعدة من حيث كونها تمليكا بعد الموت الّذي هو حال تعلق حق الدّيان بالتركة و إنهما متساويان في التّعلّق و الدّين مقدّم لمكان كونه نقول إن المنجز ليس كذلك إذ هو تمليك حال الحياة و محكوم بالنّفوذ من حين وقوعه إذا كان الثّلث وافيا به في علم اللّٰه و يمكن توجيه ما ذكروه بوجه آخر و هو أن ما دلّ على أن الدّين أو غيره من الواجبات من أصل المال أو من صلبه أو جميعه أو نحو ذلك من التّعبيرات الموجودة في الأخبار معناه أنه لا يلاحظ الثّلث الذي للميّت التّصرّف فيه إلا بعد خروجها و ما دامت باقية لا يعتبر له ثلث و بعبارة أخرى مقتضاه أن مجموع المال مع قطع النّظر عن المنجز و الوصيّة و نحوهما ممّا يخرج من الثّلث محلّ لخروج الدّين و نحوه فالثّلث أيضا محلّ لخروجه و لازمه تقديمها عليهما في صورة المزاحمة لكن الإنصاف أن مفادها ليس أزيد من أنه لا يعتبر في خروج الدّين و نحوه وفاء الثّلث كما يعتبر ذلك في الوصيّة إلا أنه خارج من جميع المال حتى الثّلث الرّاجع إلى الميّت نعم مقتضى إطلاق خروجه من الأصل أنّه يخرج حتى مع الوصيّة و المنجز أيضا إلا أن هذا الإطلاق معارض بما دلّ على أنّ للميّت ثلثه و له التصرّف فيه فإن لازمه عدم صرفه في الدّين إذا عيّنه لغيره بمنجز أو نحوه كالإقرار و كيف كان فالمسألة محلّ إشكال ممّا عرفت و من ظهور إجماعهم على ما ذكره الجماعة كما يظهر بملاحظة الفروع الّتي يفرعونها على القول بكون المنجز من الثّلث فراجع و تأمّل ثم لا يخفى أنه لا يلزم من القول بعدم مزاحمة المنجز من الدّين أن يكون الثّلث الّذي للميّت معتبرا في بقيّة المال بعده بل هو أعمّ من ذلك و من كونه معتبرا في مجموع المال من حيث المجموع مع كون الدّين مقدّما من جهة كونه من الأصل بل الظاهر هو الثّاني ففي الوصيّة المعلوم كونها بعد الدّين أيضا نقول إن الثّلث أنّما هو ثلث مجموع المال لكن لما كان حق الدّيان شائعا في تمام المال و مقدّما على الوصيّة يزاحم الثّلث كما يزاحم حق الوارث و لهذا يصحّ الوصيّة بإخراج الدّين أو سائر الواجبات من ثلثه حسبما عرفت و لو كان الثّلث ملحوظا بعد خروج ما يخرج من الأصل لم يكن معنى لهذه الوصيّة كما لا يخفى و الحاصل أن المستفاد من الأخبار أنّ للميّت ثلث ماله و هو ظاهر في ثلث المجموع و مع قطع النّظر عن كلّ شي‌ء لكن قد يكون بعض ما يجب إخراجه من المال مقدّما على حقه و إن تصرّف فيه من جهة وجوب إخراج ذلك البعض من صلب المال الّذي لازمه ورود النّقص عليه بالنّسبة أيضا فيما يظهر من بعض الكلمات من المراد من الثّلث ثلث ما بقي بعد الدّين و سائر الواجبات منزل على المسامحة من جهة أنّه في الغالب بل دائما لا يتفاوت الحال بين اعتباره بعد الدّين و نحوه و بين اعتبارها في المجموع و الحكم بتقديم الدّين و إدخال النّقص عليه أيضا نعم بناء على الأوّل لا يبقى مجال للشّك في كون الدّين مقدّما على المنجز في مقام المزاحمة كما ذكره الجماعة و بناء على الثّاني يحتمل الأمرين بل مقتضى القاعدة تقديم المنجز و لا بدّ من إقامة الدّليل على تقدّم كما عرفت و أيضا فيظهر الثّمرة بين الوجهين فيما إذا

سقط الدّين و نحوه بغير الأداء من مال الميّت بإبراء أو أداء متبرّع فإنّه على الأوّل يكون كالمال المتجدّد بعد الموت فيحتاج الحكم بزيادة الثّلث به إلى دليل بخلافه على الثّاني فإنّه على القاعدة و أيضا إذا كان الدّين مستغرقا لا يبقى للميّت ثلث على الأوّل حتى يخرج منه سائر الوصايا إذا فرض سقوط الدّين بخلافه على الثّاني و أيضا إذا علّق حكم على تعيّن مقدار ثلث هذا الميّت يختلف الحال كما إذا أوصى رجل بمقدار ثلث هذا الميّت إلى غير ذلك من الثّمرات و كيف كان فلا ينبغي التّأمّل فيما ذكرنا من أن المراد منه ثلث المجموع و إن قلنا بتقديم الدّين أو نحوه و دعوى الانصراف إلى ثلث ما بقي بعده ممنوعة فعلى هذا يقوى ما ذكرنا من أن مقتضى القاعدة تقديم المنجز في مقدار الثّلث حسبما عرفت ثم إن كلّ ذلك أنما كان مع كون المنجز أو نحوه من الإقرار متعلّقا بعين من أعيان مال الميّت و أمّا إذا كان متعلّقا بذمته كما إذا أقرّ بدين أو صالح كلّيا في ذمته فعلى ما ذكره الجماعة يقدم الدّين و يحكم ببطلانه من أصله إذا كان الدّين مستغرقا و بالنّسبة إذا لم يكن كذلك و أمّا على ما ذكرنا فينفذ في مقدار الثّلث بناء على الخروج منه و يقدّم على الدّين لكن بمعنى أنه لا يحكم ببطلانه مع فرض المزاحمة لا أنه مقدم في مقام الأداء من التّركة فهو في عرض سائر الدّيون فلو كان الجميع زائدا على مقدار التّركة يدخل النّقص عليه بالنّسبة و ذلك لأن مقتضى نفوذه ليس أزيد من ذلك و ذلك كما إذا قلنا بكونه من الأصل و كان عليه دين آخر فإنّه يزاحمه و يدخل النّقص عليهما بالنّسبة و هذا واضح ثم إن ما ذكر من تقديم الدّين على المنجز بناء على ما ذكره الجماعة و الحكم بنفوذه في ثلث ما بقي بعد الدّين أو تقديم المنجز عليه مطلقا حسبما ذكرنا أنه مقتضى القاعدة أنما هو إذا كان المنجز المزاحم له غير العتق و إن كان عتقا في حال المرض ففي جملة من الأخبار أنه لا ينفذ منه في غير ما قابل الدّين أيضا إلّا إذا كان قيمته ضعف الدّين كصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج الطّويلة المتقدّمة و صحيحة زرارة عن أحدهما ع في رجل أعتق مملوكه عند موته و عليه دين قال إن كان قيمته مثل الذي عليه و مثله جاز عتقه و إلا لم يجز و صحيحة أخرى إذا ملك المملوك استسعي فمقتضى هذه الأخبار أنه لو لم يكن قيمة العبد ضعف

الدّين بحيث يبقى نصفه بعد خروجه لا يحكم بالنّفوذ أصلا بل إن كان مستغرقا فيصرف تمامه في الدّين و إلا فيكون الزائد كلّه للوارث سواء قلنا بكون المنجزات من الأصل أو الثّلث و إن كان بقدر الضّعف فيحكم بنفوذه في ثلث ما بقي و هو السّدس و يسرى إلى الباقي و يستسعى للدّين و الورثة و قد عمل بها جماعة لكونها معتبرة من حيث السّند و الدّلالة فلا بأس بتخصيصها للقواعد و عن الحلّي طرحها و الحكم بنفوذ العتق و إن بقي الدّين بلا وفاء بناء على مذهبه من كون المنجزات من الأصل و عن العلّامة طرحها و الحكم بنفوذ العتق في ثلث ما بقي بعد الدّين و إن كان قليلا بناء على مذهبه من كونها من الثّلث و أنها بمنزلة الوصيّة في أنّها لا تزاحم الدّين و تبعه جماعة لكون الأخبار المذكورة مخالفة للقواعد الدّالّة على وجوب الإنفاذ إمّا من الأصل أو من ثلث مجموع المال أو ثلث ما بقي ثم من جملة العاملين بها من خصّ الحكم بالمنجز و جعل الوصيّة على مقتضى القاعدة من النّفوذ في ثلث ما بقي كالمحقق في الشرائع لكونها خاصّة به و إلحاق الوصيّة قياس و عن جماعة كالشّيخين و ابن البرّاج و غيرهم طرد الحكم إلى الوصيّة أيضا و لعلّه لتساويهما في الأحكام بناء على الثّلث مع أنّها أولى بهذا الحكم من المنجز حيث إنه محلّ الخلاف في خروجه من الأصل أو الثّلث و أيضا أنه تصرف حال الحياة الّذي لم يتعلّق حق الدّيّان بالمال بخلافها و إذا كان حكمه عدم النّفوذ في صورة قصور القيمة عن الضّعف فهي أولى هذا و الحق وجوب العمل بها و إن قلنا بكون المنجزات و لا يضر مخالفتها للقواعد بعد كونها أخصّ منها و صحتها من حيث السّند و الدّلالة و عدم الإعراض المسقط لها عن الحجّية إذ ما قيل من إعراض المشهور عنها غير معلوم بعد ما عرفت من عمل الشّيخين و تابعيهم و المحقق بها نعم يمكن أن يستشكل فيها بأنّها مجملة من حيث احتمال إرادة خصوص المنجز بها و من العتق عند الموت و احتمال إرادة الوصيّة لأنه يعبّر عنها بذلك غالبا في الأخبار و احتمال إرادة الأعم و أيضا من حيث احتمال اختصاصها بما إذا لم يكن للميّت مال آخر ليكون المدار على مالكيّته العبد لسدسه الّذي هو سدس مجموع التّركة كما هو ظاهر عنوان الفقهاء و أعميّتها منه و من فرض كون المجموع من قيمته العبد و مال آخر للميّت بقدر الدّين مرّتين بحيث يكون المدار على مالكيته لما يساوي سدس المجموع و إن كان أزيد من سدس نفسه كما يستفاد من ذيل صحيحة عبد الرّحمن حيث قال إذا استوى مال الغرماء و مال الورثة أكثر و لم يتهم الرّجل على وصيّة و أجرت وصيّته على وجهها أو يكون المدار على مالكيته لسدسه و إن كان أقلّ من سدس مجموع المال كما هو مقتضى الصّحيحة الأخيرة بأن يكون قيمته بقدر الدّين و كان للميّت مال آخر يساوي نصف قيمته فإن ثلث الباقي عن الدّين حينئذ سدس مجموع التركة و مع ذلك فالإنصاف عدم العدول عنها و الفتوى بمقتضاها في المقامين من الوصيّة و المنجز إمّا لظهورها في الأعم لأن العتق عند الموت يصدق على الأمرين و ظاهر في القدر المشترك مع أنّ الصّحيحة الأخيرة كالصّريحة في الأعمّ حيث جعل المدار على مالكيّة العبد لسدسه من غير فرق سبب ذلك و إما لأن صحيحة عبد الرّحمن محمولة على الوصيّة أو ظاهرة فيها بقرينة ما في ذيلها من قوله ع و لم يتهم الرّجل على وصيّة إلخ و الصّحيحة الثانية ظاهرة في المنجز هذا مضافا إلى الأولويّة المتقدّمة و ما في ذلك من معارضة هذه الأخبار بصحيحة الحلبي قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع رجل قال إن مت فعبيدي حر و على الرّجل دين فقال ع إن توفي دين و عليه قد أحاط بثمن الغلام بيع العبد و إن لم يكن بثمن العبد استسعي العبد في قضاء دين مولاه و هو حر إذا أوفى حيث إنها دالة بإطلاقها على انعتاقه متى زادت قيمته عن الدّين و هو الموافق لما تقرر من القواعد فلا وجه لإلحاق الوصيّة بالمنجز إذ من الجائز اختلاف حكمها في مثل ذلك كما اختلف في كثير من الأحكام فيه أن إطلاق هذه الرّواية منزل على صورة كون الزّيادة بقدر الدّين فتقييدها صحيحة عبد الرّحمن نعم ما ذكره حق على ما بني عليه من اختصاص الأخبار المتقدّمة بالمنجز إذ على هذا لا وجه لإلحاق الوصيّة بعد مثل هذا الإطلاق ثم اللازم قصر الحكم على صورة كون التّركة منحصرة في العبد

لأنها القدر القلب المتيقن من الأخبار و كلمات العلماء المفروض أن الحكم على خلاف القواعد مع أنّه يمكن دعوى ظهور الأخبار خصوصا صدر صحيحة عبد الرّحمن في ذلك فلو كان له مال آخر يرجع إلى القواعد فتدبّر تتمة لو اشتبه المتقدّم و المتأخر أو التقدّم و عدمه في المنجزات أو الوصايا فمقتضى القاعدة القرعة الّتي هي لكل أمر مشكل إذ لا معين غيرها من غير فرق بين العلم بتاريخ بعضها و عدمه إذ لا يثبت التّأخر بالأصل و الحكم ليس معلّقا على عدم التّقدّم و عدم التّأخر و هذا فيما لو كان المتأخّر لغوا بالمرة كما في المنجزات الواردة على محلّ واحد واضح و فيما لو كان كذلك واحد مؤثر في حدّ نفسه و كان الشّك في بطلانه بلحوق لاحق كما في الوصايا الواردة على محلّ واحد حيث يكون لاحقه رجوعا عن السّابق يصير نظير مسألة الشّك في المتقدّم و المتأخّر في مسألة الطّهارة و الحدث فيجري ما ذكروه هناك و لكن الحق عدم جريان الأصل و تمام المسألة في محلّ آخر و حكي عن الشيخ في المبسوط في الوصيّتين العمل بهما بالنّسبة و لا وجه له إلا دعوى أن المال مشتبه بين شخصين و العدل يقتضي ذلك كما لو تداعيا عينا و لازمه القول بذلك في المنجز أيضا فتدبّر

الأمر الخامس أنما يحسب من الثّلث في المنجز على القول به و الوصيّة قيمة العين المتصرّف فيها مضافا إلى النّقص أو التّفويت

الحاصل بسبب التّصرّف لا خصوص القيمة فقط و لو وهب أحد مصراعي الباب أو أوصى به يحسب من قيمته و ما يقابل الهيئة الاجتماعيّة إلا قيما و إن لم تصل إلى المتهب و الموصى له لأنه نقص حاصل بسبب تصرّفه و ليس له من ماله إلا ثلثه فهو كما لو أتلفه متلف حيث إنه يضمن ذلك أيضا و إن قيمة التّالف أقل لأنه صار سببا لفوات المال على المالك و كذا إذا وهب نصف الدّار فحدث في قيمتها نقص بسبب حصول شركة المتهب و كذا إذا أعتق جزء من عبد أو جارية فيسري إلى الباقي فإنه بمنزلة عتق جميعه و كذا إذا كان مشتركا بينه و بين غيره و قلنا بالسّراية كما هو أحد القولين فإنه يضمن حصّة الشّريك و يحسب الجميع من الثّلث فإنه وفى به فهو و إلا فيستسعى العبد في الزّائد

و احتمل في الجواهر خروج مقدار قيمة السّراية من الأصل و إن قلنا إن المنجز من الثلث بناء على انعتاق قهري تعبدي و لازمه كونه في الوصيّة أيضا كذلك فالقدر الموصى به من الثّلث و مقدار السّراية من الأصل و لكنك خبير بأنه حصل بتصرّفه الاختياري فحكمه حكم ذلك التصرّف هذا إذا كانا متعلّقين بالأعيان و أما لو كان متعلّقهما من المنافع فإن كان معدودة من جملة أمواله كما إذا كانت العين لغيره بأن ملك منفعة الدار أو البستان أو العبد بالاستيجار ثم صالحها في مرضه أو أوصى بها فالمحسوب أيضا قيمته ملك المنفعة كائنة ما كانت و إن لم يكن كذلك بأن كان مالكا للعين و لمنافعها تبعا لها فصالحها أو أوصى بها فحينئذ لا يحسب قيمتها لعدم كونها من أمواله بل لا بدّ من احتساب النّقص الحاصل بسببهما في العين فبقي العين مسلوبة المنفعة في تلك المدّة و غير مسلوبتها و بحسب التّفاوت من الثّلث لأن المعدود من أمواله حينئذ نفس العين لا منافعها و دعوى أنها و إن لم تكن معدودة من جملة الأموال قبل التّمليك إلا أنّها منها بعده كما في منفعة الحر حيث إنّها لا تعدّ مالا له لكن لو آجر نفسه يكون منفعته مالا و إلّا لبطل الإجارة لأنها تمليك للمنفعة ففي المقام أيضا نقول إن المنافع ليست مستقلّة في الماليّة بل هي تابعة للعين لكن لو ملكها بصلح أو وصيّة صارت من جملة الأموال و لا بدّ من تقويمها و احتسابها من الثّلث مدفوعة بأن ذلك لا يقتضي إلا كونها قابلة للتّمليك و صيرورتها مالا لمن تملكها و لا تعد مالا لمالك العين بأن يكون بعد هذا التّصرّف مالكا لشيئين فالمدار في عدها مالا عدم كونها لمالك العين من غير فرق بين كونها مضررة أو لا فلو استأجر عينا صار مالكا لمنافعها و إذا اشتراها بعد ذلك صارت تابعة للعين و لا يقال إنه مالك لشيئين هذا و لا فرق فيما ذكر من عدم احتساب قيمتها بين كونها مثل ثمرة البستان و نحوها ممّا تئول إلى العين بعد الوجود و كونها مثل خدمته العبد و سكنى الدّار ممّا لا تئول إلى العين و ممّا ذكرنا ظهر ما في ذكره في الشّرائع من تقويم نفس المنفعة و إخراجها من الثّلث مطلقا و ما عن العلامة في القواعد من الفرق بين مثل لبن الشّاة و غيرها فحكم بتقويم نفس اللبن لكونه راجعا إلى العين بعد الوجود أي يصير عينا خارجيّا هذا و يظهر مما مرّ حال ما إذا أوصى برقبة العين دون منافعها بأن ألقاها للورثة فإنه يلاحظ النّقص الحاصل في المال مضافا إلى قيمته العين فتدبّر ثم إن هذا كله إذا كانت المنفعة المملكة موقتة كشهر أو سنة أو أزيد و أما إذا كانت مؤبّدة بأن أوصى بخدمة العبد أبدا ففي المسالك في كيفيّة تقويمها و إخراجها من الثّلث أوجه في الجواهر أقوال أحدها تقويم العين بمنافعها و خروج المجموع من الثّلث لخروجها بتمليك جميع منافعها عن التّقويم ثانيها أنّ المعتبر تفاوت ما بين قيمتها بمنافعها و مسلوبة كما في الموقتة ثالثها تقويم المنافع و عدم احتساب نفس العين على واحد من الموصى له و الوارث و الأقوى هو الأوسط قلت و يمكن إرجاع الأول إليه أيضا لأن مقتضى تعليله فرضه فيما لو لم يكن المعيّن المسلوبة قيمته أصلا لا مثل العبد الموصى بخدمته حيث إنه يمكن عتقه في كفارة و غيرها و لا مثل البستان ممّا يكون الانتفاع بالأعيان و الأشجار إذا يبست و نحو ذلك و أمّا الوجه الأخير ففساده ظاهر ثم إنه لا إشكال و لا خلاف في أن نفقة العبد الموصى بخدمته مدة معينة على الورثة لأنها تابعة للملك و هو ملكهم و أمّا في المؤبّدة فأوجه أو أقوال أحدها أنّها عليهم أيضا لذلك و هو الحق و يندفع الضّرر بإمكان عتقه و بيعه و نحو ذلك لتسقط عنهم الثّاني أنّها على الموصى له لأنّه منتفع به و من له الغنم فعليه الغرم الثّالث أنّها من بيت المال و ضعفها ظاهر هذا و في الجواهر لو لم يكن له غير العبد الّذي أوصى بخدمته مؤبّدا مضت وصيّته في ثلثه خاصّة لكن يعطى من المنفعة مدة يقابل مقدار الثّلث ثم يرد إلى الورثة أو يكون له منها ما يقابل الثّلث مؤبّدا و لو عشر المنفعة أو أقل وجهان أقواهما الثّاني قلت لكن لا طريق إلى تعين ذلك و الأوجه أن يقال بالمهاياة فتدبّر ثم إنه لم يتعرّض للموقتة إذا لم تخرج من الثّلث و لعلّ مختاره فيها الوجه الأوّل مع أنه يمكن الاستشكال فيه بأن كلّ جزء يفرض من المنفعة فللوارث

فيه حق فلا وجه لتقديم جانب الموصى له في الاستيفاء إلا أن يظهر من الموصي إرادة ذلك فتدبّر

الأمر السّادس [في أن المدار في خروج المنجز من الثلث وقوع العقد بتمامه أم يكفي البعض]

هل المدار في خروج المنجز من الثّلث بناء عليه وقوع العقد بتمام أجزائه و شرائطه في حال المرض أو يكفي بعض كون أجزائه أو شرائطه كالقبول؟؟؟ أو القبض فيما يعتبر فيه في حاله لا إشكال في عدم الاعتبار بوقوع شرط اللّزوم في حال المرض كما إذا قلنا إن القبض في الوقف و الهبة شرط في اللّزوم و حصل عقدهما في حال الصّحة فإن تمام السّبب حينئذ بأصل العقد الواقع في أصل حال الصّحة و كذا إذا باع محاباة مع الخيار و أسقطه في حال المرض و لا فرق بين ما يبطل بالموت إذا لم يوجد شرط اللّزوم و بين ما لا يبطل و ينتقل حق الخيار أو حق الإقباض إلى الوارث إذ على التّقديرين يكون إخراج الملك في حال كونه نافذ التّصرّف من أن الخروج من الثّلث على خلاف القاعدة يقتصر فيه على القدر المتيقن و إنما لا إشكال في الأجزاء و الشّرائط للصّحة فلو وقع الإيجاب في حال الصّحة و القبول في حال المرض ففي الخروج من الثّلث وجوه ثالثها الفرق بين ما لو كان المريض هو القابل و كونه الطّرف المقابل ففي الأوّل يخرج من الثّلث لأنه يصدق أنه تصرّف و هو مريض و ما إذا أوجب و هو صحيح فمرض قبل قبول الآخر لا يقال إنّه تصرّف في حال المرض و هذا هو الأقوى و كذا إذا وهب و تصدق أو وقف في حال الصّحة و أقبض في حال المرض بناء على كون القبض شرطا في الصّحة فإن فيه وجوها ثالثها التّفصيل بين القول بكونه كاشفا أو ناقلا و الأقوى خروجه من الثّلث لا يعد من التّفرق في حال المرض و لو قلنا بكونه كاشفا إذ لا يخرج بناء عليه عن كونه مؤثرا في النّقل السّابق و إلا خرج عن كونه شرطا نعم لو جعلناه من قبيل العلامة الصّرفة و لو قلنا إنه لا يتوقف عليه تأثير العقد أصلا و إنّما هو كاشف صرف عن حصول التّأثير من الأول فاللازم الحكم بخروجه من الأصل لوقوع العقد المؤثر في حال الصّحة لكن من المعلوم أنه لا معنى له إذ على

هذا لا يكون شرطا في صحة العقد كما هو المفروض و لذا قد بينا في محله أنه لو تعقّلنا الشّرط المتأخر بأن يكون الشّي‌ء بوجوده اللاحق مؤثرا في السّابق كما هو الحق في التّشريعيات الرّاجعة إلى الاعتبارات دون التّكوينات فهو و إلا فلا بدّ من جعلها ناقلة إذ الكشف الحقيقي بظاهره خروج عن فرض كون الشّي‌ء شرطا مع أنه مناف للأدلّة الدّالّة على الشّرطيّة كأدلّة اعتبار الرّضا في التّجارة و القبض و الهبة و الصّرف و السّلم و الوقف و نحوها و ممّا ذكرنا ظهر حال ما إذا وهب فضولي ماله أو باعه محاباة فأجازه في حال المرض فإن الحق كونه خارجا عن الثّلث و إن كان إيقاع العقد في حال الصّحة من غير فرق بين القول بكون الإجازة كاشفة أو ناقلة بل هو أولى من السّابق من حيث إن التّصرّف في حال الصّحة لم يصدر منه و إنّما صدر من غيره فهو نظير ما لو قال وهبتك مالي قبل هذا إلا أن يشهر فإنه لو لم يكن باطلا كان خارجا من الثّلث بلا إشكال و إن كان أوّل ذلك الشّهر صحيحا فالمناط وقوع التّصرّف من المالك في حال الصّحة أو المرض لا حصول الأثر في أحد الحالين و كذا الحال إذا وهب في حال الصّحة مكرها و أجاز في حال المرض نعم لو وكل في حال الصّحة وكالة لازمة كان شرطها في عقد لازم أو نذرها أو نحو ذلك فأوقع الوكيل في حال المرض فالظّاهر الخروج من الأصل إذ في الحقيقة يكون التّصرّف هو التّوكيل الواقع في حال الصّحة و كذا لو وكله و غاب الوكيل بحيث لا ينفع الرّجوع عن الوكالة لعدم إمكان إخباره بالرّجوع تمّت و إلى هنا جرى قلمه الشّريف أدام اللّٰه ظلاله على رءوس الوضيع و الشّريف و القوي و الضّعيف بيد كاتبه تراب أقدام المؤمنين و الموحّدين عبد الخالق ابن مرحمت مآب فردوس آشيان حاجي ميرزا رضا لنجاني تحريرا في شهر شوّال المكرم سنة 1316

و قد تصدّى لمقابلة هذه الدّرّة النّفيسة و النّسخة الشّريفة استكتابها الجنابان المستطابان قدوتا الفضلاء العظام و زبدتا العلماء الأعلام العالم الصّفي الوفيّ الأوحديّ الآقا شيخ عليّ اليزدي و الفاضل الكامل الرّباني الآقا محمّد مهدي الكاشاني دام إفضالهما العالي

[الخاتمة]

چون اين كتاب مستطاب بسعى و اهتمام و كوشش و إقدام جناب فخامت نصاب عمدة الأعيان و التجار زبدة الأخيار و الأبرار خير الحاج و العمار حاجي محمّد صادق تاجر كرماني زيد توفيقاته در دار الخلافة باهره در دار الطباعة سلالة السادات و الأنجاب فخر الأماثل و الأطياب آسيد مرتضى دام عزه بمباشرة أستاد الماهر في هذه الصّناعة الممتحن آقا ميرزا حسن زيد عزه سمت انطباع پذيرفت مستدعى از عموم علماء عاملين كثر اللّٰه أمثالهم و طلاب محصّلين لم اللّٰه شعثهم بلكه جميع ناظرين در اين كتاب مستطاب آن كه جميع مؤمنين را عموما و كسانى را كه مدخليتى در طبع اين كتاب بوده خصوصا از دعاى خير فراموش نفرمايند اميد است در يوم لا ينفع مال و لا بنون باعث تخليص از عذاب و نيل ثواب گردد بالنّبي و آله المسدّد و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّٰه حرره غلامرضا النّهاوندي