ghaemiyeh.com
نام كتاب: الاجارة موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، محمد حسين كمپانى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1409 ه ق نوبت چاپ: دوم مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: گروه پژوهش دفتر انتشارات اسلامى ملاحظات: در" بحوث في الفقه" چاپ شده است
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و هي كما نسب إلى أكثر أهل اللغة بمعنى الأجرة، و ظاهر رواية تحف العقول أنها بمعنى المصدر حيث قال (عليه السلام): و أمّا تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك. إلخ (1)، و هل هي مصدر لأجر الثلاثي كما عن نجم الأئمة (2)، أو لآجر أو يساوق المؤاجرة كما عن غيره؟ فيه خلاف لا يهمنا البحث عنه. و المشهور في مفهومها أنها تمليك المنفعة بعوض.
و أشكل ذلك بوجهين: (أحدهما) كما عن شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» من أن الإجارة تتعلق بالعين فيقال آجرت الدار أو نفسي و لا يقال آجرتك سكنى الدار و لا عملي (3). فيعلم منه أن معناها لا تعلق له بالمنفعة أو العمل، و لا يتوهم أن الإجارة إذا أخذت المنفعة في مفهومها فلا بد من إضافتها إلى الدار دون سكناها، و ذلك لأن المراد من كونها بمعنى تمليك المنفعة أنها حصة من طبيعي التمليك الذي لا يضاف إلا إلى المنفعة كما في تفسير البيع بأنه تمليك عين بعوض لا أن مفهوم المنفعة هنا و مفهوم العين و متعلقاتها هناك مأخوذ في مفهوم الإجارة و مفهوم البيع.
فمفهوم الإجارة عنده «قدّس سرّه» جعل العين بالأجرة و هي إضافة خاصة في قبال إضافة الملكية. و يندفع بأن الأجرة لا تكون إلا في قبال العمل و المنفعة كالثمن في قبال العين فلا محالة يراد جعل العين بالأجرة في قبال منفعتها. و مقتضى المقابلة و المعاوضة ملكية المنفعة للمستأجر كملكية المؤجر للأجرة فيكون الفرق بين المشهور و بينه «قدّس سرّه» أن تمليك المنفعة مدلول مطابقي للإجارة عند المشهور، و مما يتضمنه مفهوم الإجارة على ما أفاده «قدّس سرّه». نعم في عدم صحة إسناد الإجارة إلى المنفعة مع كونها بإزاء الأجرة خفاء.
و غاية ما يتخيل في وجهه أن مجرد المقابلة بين المنفعة و الأجرة لا يصحح إسناد عنوان اشتقاقي من الإجارة إليها فإن مصححه هو قيام المبدأ بما يوصف به أو يسند إليه. و الأجير هو العامل لا العمل و إن كانت الأجرة بإزاء العمل كما أن الثواب بإزاء العمل و المثاب هو العامل دون العمل و ليس قيام الأجرة بالعامل من باب ملكه للأجرة فإنه ربما يكون المالك غيره كما إذا آجر المولى عبده فإن الأجير هو العبد و مالك الأجرة مولاه فتأمل.
(ثانيهما) أن المنفعة غير قابلة للمملوكية إما لما توهم من أن المنفعة معدومة حال الإجارة و المعدوم لا يملك. و إما لما عن بعض من عاصرناه من أهل التدقيق من أن منفعة الدار سكناها و هي من أعراض السّاكن لا من أعراض الدار و عرض الساكن لو كان مملوكا لكان لموضوعه لا لغيره و متى لم يملكه الموجر فكيف يملكه المستأجر، و لذا ذهب إلى أن الإجارة تمليك العين في جهة خاصة في مدة مخصوصة في قبال البيع الذي هو تمليك العين من جميع الجهات من دون تقيدها بجهة و لا بمدة و تبعه في ذلك بعض الأجلة «رحمه اللّه».
و يندفع التوهم الأول بما حققناه في محله من أن الملكية الشرعية ليست من المقولات الواقعية حتى يتوقف العرض منها على موضوع محقق في الخارج بل من الاعتباريات بمعنى اعتبار معنى مقولي فالمعنى المقولي موجود بوجوده الاعتباري لا بوجوده الحقيقي المتوقف على موضوع محقق خارجا و قد أقمنا البراهين القاطعة عليه في
بحث الأحكام الوضعية من الأصول فراجع (1). و اعتبار الملكية لا يحتاج إلا إلى طرف في أفق الاعتبار و هو كما يمكن أن يكون عينا موجودة في الخارج كذلك يمكن أن يكون كليا في الذمة بل ربما يكون أوسع من ذلك كما في اعتبار الملكية لكلي الفقير و السيد في الزكاة و الخمس، و من الواضح أن المنافع و إن كانت معدومة في الخارج لكنها مقدرة الوجود بتبع وجود العين القابلة لاستيفاء المنافع منها.
و يندفع التوهم الثاني بأن سكنى الدار كما هو مبدأ لعنوان الساكنية المنتزع من ذات الساكن كذلك هو مبدأ لعنوان المسكونية المنتزع من الدار كما في كل عنوانين متضايفين فما هو من شئون الدار و حيثياتها الموجودة بوجودها هي حيثية المسكونية لا حيثية الساكنية التي هي من أعراض المستأجر.
غاية الأمر أن حيثية المسكونية وجودها بوجود الدار على حد وجود المقبول بوجود القابل و فعليتها بفعلية مضائفها القائم بالمستأجر في مقام الاستيفاء، و شئون العين قابلة لعروض الملكية لها كنفس العين. مع أنه يمكن أن يقال إن حقيقة السكنى المبدئي و إن كانت عين الكون في الدار و هو عرض لذات الكائن لا للدار، نعم الكون الأينى من الاعراض النسبية التي لها نسبة غير نسبتها إلى موضوعها، إلا أن هذا العرض حيث ان له نسبة إلى الدار يكون زمام أمره بيد مالك الدار و لا نعني بالملكية إلا ذلك.
و أما جعل الإجارة كما قيل تمليكا للعين في جهة خاصة في مدة مخصوصة و أنه معنى تمليك المنفعة ففيه أن معروض الملكية إن كان نفس تلك الجهة عاد محذور تعلق الملكية بالمنفعة و إن كان هي العين المخصصة بجهة و العين المتحيثة بحيثية مخصوصة بما هي مقيدة بها لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة، و تقيدها بالجهة تارة و إطلاقها أخرى لا يوجب تعدد الموضوع، و الالتزام بخروجها موقتا لا يمكن مع نفوذ بيعه لها و سائر الآثار المترتبة على ملك المؤجر لها كما لا يخفى.
1) نهاية الدراية: ج 3. ص 56 أوائل بحث الاستصحاب.
كما أن العدول عما هو المشهور إلى جعلها بمعنى التسليط على العين للانتفاع بها بعوض غير وجيه، لأن المراد من السلطنة الإنشائية التسببية بالعقد هي السلطنة الاعتبارية كالملكية الاعتبارية دون السلطنة الفعلية الخارجية و السلطنة التكليفية المساوقة للترخيص التكليفي و السلطنة الوضعية المتحققة باجتماع شرائط نفوذ التصرف المعاملي.
و من الواضح أن السلطنة الاعتبارية في قبال الملكية الاعتبارية، و لا معنى لاعتبارها لمالك العين بعد فرض كونه مالكا لأنها دون مرتبة المالكية فليس لكل أحد بالإضافة إلى عين ملكية اعتبارية و سلطنة اعتبارية.
و أما السلطنة المرتبة على الملكية فهي الوضعية و التكليفية دون الاعتبارية المعبر عنها بالحق، و عليه فالموجب للعدول إن كان محذور كون المنفعة معدومة فاعتبار السلطنة على المنفعة مغن عن اعتبار السلطنة على العين لأن تعلق السلطنة بالمنافع و الأعمال المعدومة مما لا شبهة فيه، و إن كان محذور كون عرض الغير غير مملوك للمؤجر و أنّه لا بد من تعلق التمليك بالمملوك ففيه النقض بعدم السلطنة الاعتبارية لمالك العين حتى يجعلها للمستأجر و إن اكتفى المدعي بكفاية ملك العين في التسليط عليها و على منافعها. فلنا أن نقول بكفاية ملك العين في تمليك منافعها و إن لم تكن مملوكة له لكونها من أعراض الغير.
هذا مع أن السلطنة إن كانت بمعنى الإحاطة فهي عين الملك و قد تقدم محذور تعلق الملك بالعين و إن كانت بمعنى التمكن و القدرة على الشيء فهذا المعنى لا مساس له إلا بالأفعال فلا معنى لاعتباره في الأعيان.
هذا إن كان موجب الرجوع محذور ملك المنفعة. و إن كان العدول لما مرّ منا من تعلق الإجارة بمفهومها بالعين فهو لا يقتضي اعتبار التسليط على العين بل مفهوم الإجارة جعل العين في الكراء.
لا عقد على
التمليك. بيانه: أن الأفعال تارة مباشرية لا يحتاج إلى التسبيب إليها بسبب و أخرى يحتاج إليه و هو تارة يحتاج إلى سبب طبيعي كالإحراق المتوقف على الإلقاء في النار و أخرى يحتاج إلى سبب جعلي كالمعاملات فان مضامينها يتوقف حصولها على التسبب إليها بأسباب جعلية من قول أو فعل عرفا أو شرعا.
و عليه فمضمون الإجارة كالبيع و نحوه أمر لا يحصل إلا بالعقد لا أنه عين الإنشاء على التحقيق بل قد ذكرنا في محله أن مفاهيم المعاملات كغيرها هي الموضوعة لها ألفاظها بما هي معان و مفاهيم لا بوجوداتها الحقيقية أي ما هو بالحمل الشائع تمليك مثلا و لا بوجوداتها الإنشائية التي هي من شئون استعمال ألفاظها فيها، لأن الوضع للانتقال من اللفظ إلى معناه فلا بد من أن يكون المعنى معرّى عن جميع أنحاء الوجود لأنّ الموجود لا يعرضه الوجود و الانتقال ليس إلّا الوجود الادراكي و المقابل لا يقبل المقابل كما أن المماثل لا يقبل المماثل.
نعم إذا وقع مثل هذه الألفاظ في مقام الحدود و شبهها كان المراد الجدي عين المراد الاستعمالي، و في غير ذلك مما كان النظر إلى حمل ما هو خارج عن مقام ذاتها عليها يكون المراد الجدي ما هو بالحمل الشائع بيع أو إجارة مثلا بفناء العنوان في المعنون و المفهوم في مطابقة كما أنه ربما تقتضي قرينة المقام الحمل على إرادة ما هو بيع إنشائي مثلا. كما إذا كان المحمول اشتراط نفوذه بشيء فإنه شأن السبب دون المسبب و بقية الكلام تطلب من غير المقام.
كما فصلنا القول فيه في تعليقة البيع و الخيارات، و العقد هو القرار المرتبط بقرار آخر فحيثية الجعل و القرار حيثية العهدية و حيثية الارتباط حيثية العقدية لا أن العقد هو العهد المشدد المؤكد ليتوهم أن تأكده باللفظ، و عليه فالإيجاب و القبول اللفظيان الانشائيان عهد و عقد إنشائي، و ما يتسبب بهما إليه من جعل الملكية بعوض عهد لبّي اعتباري، و هو من حيث ارتباط أحد القرارين بقرار آخر مطاوعى عقد لبي معنوي.
و هذا الجعل بما أنه عين إيجاد ملكية عين بعوض بيع حقيقي فلا دخل للقول و الفعل في حقيقة العهد و العقد و البيع لا مفهوما و لا مصداقا فاعتبار خصوص اللفظ أو العربي الماضوي منه في النفوذ يحتاج إلى الدليل فضلا عن لزوم كونه من الحقائق أو الأعمّ منه و من المجازات الشّائعة و منه تعرف أنّ التّسبب إلى حقيقة الإجارة بقوله: (أعرتك الدار شهرا بعوض كذا) لا مانع منه فضلا عن (بعت سكنى الدار) فإن أخبار بيع خدمة المدبر و الإطلاقات الشائعة القرآنية و غيرها من دون عناية أصدق شاهد على أن مفهوم البيع عرفا غير مقصور على تمليك عين بعوض و إن كان البيع المقابل للإجارة المحكوم بأحكام خاصة صنفا مخصوصا من طبيعي معناه اللغوي و العرفي.
قد ذكرنا في محلّه أن الوفاء بالعقد هو القيام بمقتضاه و عدم التجاوز عنه بحله و فسخه و بهذا المعنى إذا كان موردا للتكليف المولوي لم يثبت إلا اللزوم التكليفي دون الوضعي، فإن الأمر بالوفاء و النهي عن النقض لا يتعلقان إلا بالمقدور عليه في ظرف العمل و لازمه انحلال العقد بحله غاية الأمر أنه محرم، و حمل الأمر و النهي على الإرشاد إلى عدم الانحلال و الانتقاض و إن كان يلزمه اللزوم الوضعي خلاف الظاهر من الأمر و النهي.
و أما ما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في استكشاف اللزوم الوضعي من إطلاق حرمة التصرف فيما انتقل عنه حتى بعد إنشاء الفسخ (1)، فيرد عليه أنه خلاف مقتضى الملكية، لا خلاف مقتضى العقد ليكون مصداقا للنقض المقابل للوفاء المنسوب إلى العهد و العقد، و قد أصلحناه في تعليقتنا على الخيارات بأن الوفاء كما يكون حقيقيا كذلك يكون عمليا كالتصديق العملي في باب الخبر، و الإبقاء العملي و النقض العملي في باب الاستصحاب، و التصرف فيما انتقل عنه معاملة معه معاملة ما لا عقد على كونه ملكا للغير فهو نقض عملي منهي عنه، و لو
1) المكاسب: الخيارات ص 215.
كان إنشاء الفسخ مؤثرا لكان ما انتقل عنه راجعا إليه و ملكا له و لا موجب لحجره عن ملكه. فحرمته مع هذه الحالة كاشفة عن عدم تأثير إنشاء الفسخ، و هو مساوق للزومه الوضعي.
لا يقال لا موجب هنا لحمل الوفاء و النقض على العملي بخلاف باب الخبر، فان التصديق الجناني غير مطلوب قطعا لعدم كون صدق العادل من الأمور الاعتقادية حتى يجب تحصيل اليقين بصدقه، و التصديق اللساني لا أثر له حتى يؤمر به، و كذا في باب الاستصحاب، فان النقض الحقيقي لليقين ليس أمرا اختياريا حتى ينهى عنه، بل بقاؤه و ارتفاعه ببقاء سببه و ارتفاعه، فلا يراد إلا النقض العملي.
لأنا نقول، الموجوب للعدول هو أن الفسخ إن كان عن حق فلا محالة يؤثر إنشاؤه، و مع تأثيره لا معنى لإيجاب الوفاء بعنوانه أو حرمة النقض بعنوانه، و إن لم يكن عن حق فلا أثر له. فلا يتمكن من الفسخ حتى ينهى عنه. فالنهي عن النقض الحقيقي لغو على أي تقدير بخلاف النقض العملي بالتصرف فيما انتقل عنه، فإنه مقدور عليه على أي تقدير. فتحريمه الملازم للزوم صحيح، فيحمل عليه النهى عن النقض.
بمقتضى العمومات المذكورة في كتاب البيع و النصوص الخاصة في المقام، و عليه فينبغي التعرض لمسائل تتعلق بهذا الباب:
و هو مما لا خلاف فيه. إلّا أن الأدلة اللفظية قاصرة عن شمولها لما عدا البيع. فان خبر ابن حمزة هكذا: «أيما عبد أقال مسلما في بيع» (1)الخبر، و مرسل الفقيه: «أيما مسلم أقال مسلما ندامة في البيع» (2)، و مرسل الجعفري: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأذن لحكيم بن حزام في التجارة حتى ضمن له إقالة النادم» (3)، و الظاهر من التجارة هو البيع و الشراء، و أما خبر سماعة بن مهران: «أربعة ينظر اللّه إليهم يوم القيامة أحدهم من أقال نادما» (4)- الخبر، فلا إطلاق له بل المراد إقالة النادم في مورد مشروعيتها، فهو كما إذا قيل: إن من تزوج فله ثواب كذا أي بشرائطه، فلا يؤخذ بإطلاقه.
نعم إذا قلنا بأن التقابل من العقود كما في بعض الكلمات، و هو قطعا من العقود المتعارفة، فهو كسائر العقود المتعارفة المشمولة للأدلة العامة صحة و لزوما، فلا
يحتاج إلى دليل بالخصوص في كل باب.
و لا يتوهم أن التقايل على طبق القاعدة فلا يحتاج إلى دليل عام أو خاص، نظرا إلى أن حقيقة المعاقدة متقومة بالالتزامين من الطرفين فمع رفع اليد منهما عن التزامهما لا معاقدة حقيقة فإنه يندفع بما ذكرناه في محلّه من أن العهد و العقد أمر اعتباري شرعا و عرفا، و يتحقق بأسبابه الجعلية شرعا و عرفا. و مع تحققه لا يرتفع إلا بسبب عرفا و شرعا، و لا يتقوم بالتزامهما النفساني حتى يرتفع بارتفاعهما قلبا، و سلطنة المالك على ماله بإيقاع التصرفات المشروعة في حد ذاتها أجنبية عن السلطنة على عقده بحله، و بقية الكلام في محلّه.
و تنقيح القول فيه بالبحث في موارد:
و لا خلاف فيه عندنا لا من حيث صحة البيع و لا من حيث بقاء الإجارة الصحيحة اللازمة على حالها، و غاية ما يتوهم اقتضاؤه انفساخ الإجارة تبعية ملك المنفعة لملك العين.
بمعنى أن مالك العين له تمليك منافعها المملوكة له بتبع ملك العين. فاذا خرجت العين من ملكه لم تكن منافعها التي لها بعد خروجها ملكا له. كما إذا تلفت العين بعد الإجارة. فانتقال العين كتلفها، و زوال المنفعة عن ملكه كزوالها بتلف العين، و يندفع بأن العين كما يملكها مالكها ملكية مرسلة لا موقتة و أن بيعها لا يوجب توقيت ملكها بل تنتقل الملكية المرسلة إلى غيره كذلك يملك منافعها ملكية مرسلة لا موقتة. فله تقطيعها بالإجارة. فالمنافع التي توجد بعد نقل العين مملوكة لمالكها من الأول. فلم يلزم تمليك ما لا يملكه فيما بعد البيع، و لا يقاس بتلف العين في بعض مدة الإجارة. لأنه لا منفعة رأسا هناك. فلا شيء حتى يملكه أو يملّكه.
و لا يخفى عليك أن إبطال الإجارة بهذا الوجه من التبعية المتوهمة لا يقتضي بطلان البيع، كما عن المحقق الأردبيلي «قدّس سرّه» حيث قال: و لو كانت المنافاة
ثابتة لبطل البيع العارض عليها لا الإجارة. إلخ (1)، فإن التبعية لملك المنفعة بالإضافة إلى ملك العين. فهو لازم لا ينفك عن ملك العين لا من طرف ملك العين بحيث لا ينفك ملك العين عن ملك المنفعة. فإنه الذي يقتضي بطلان البيع دون الإجارة، لأن المفروض صحة الإجارة و سلب منفعة العين عنها. فلا يتمكن مالك العين من تمليك العين على وجه لا ينفك عن ملك منافعها من حال وقوع البيع فتدبر. و ستجيء إن شاء اللّه تعالى بقية الكلام في المسألة الآتية- هذا- مع دلالة غير واحد من النصوص على أن البيع لا ينقض الإجارة.
نعم إذا كان المشتري جاهلا بكون المبيع مسلوب المنفعة فله الخيار بلا كلام و إنما الكلام في وجهه. و قد ذكر له وجوه:
أحدها: ما عن المشهور من أنه نقص و عيب. و حيث إن العيب هو النقص أو الزيادة في الخلقة الأصلية. و ليس هنا كذلك و الإلزام التخيير بين الفسخ و الإمساك بالأرش. و لا يقولون به فلذا أوّله غير واحد بأنه عيب حكمي فلا يقتضي إلا الخيار.
و فيه أنه إن أريد من العيب الحكمي العيب العرفي بالتوسعة في دائرة العيب و عدم القصر على خصوص النقص و الزيادة في الخلقة كما بنينا عليه في محلّه.
فاللازم إجراء أحكام العيب عليه. و لا يقولون به. و إن أريد من العيب الحكمي تنزيل سلب المنفعة منزلة العيب في خصوص الخيار دون الأرش. فالمدعي يطالب بالدليل على هذا التنزيل.
ثانيها: ما عن صاحب الجواهر «رحمه اللّه» من اقتضاء إطلاق العقد تعجيل التسليم للانتفاع (2)و هو أخص من المدعى، إذ ربما تكون منفعة السنة الآتية مملوكة بالإجارة فلا يمنع من التعجيل في التسليم مع أن مجرد وجوب التسليم و التعجيل فيه
لا يقتضي الخيار إلا إذا وقع موقع الالتزام حتى يثبت الخيار بالتخلف عنه. و ليس تعذر التسليم في مدة خاصة موجبا للخيار فتدبر.
ثالثها: ما عن غير واحد من أنه من باب تخلف الوصف نظرا إلى أن المشتري إنما اشتراه بعنوان أنه ذو منفعة فتبين أنه مسلوب المنفعة. و ردّ بأن الوصف إذا لم يقع العقد مبنيا عليه في مرحلة المعاقدة فلا أثر لتخلفه بل يدخل تحت تخلف الداعي الذي لا يوجب خيارا.
رابعها: ما عن جامع المقاصد من كونه ضررا فهو يوجب الخيار (1). و فيه أن الضرر المالي غير مفروض و نقض الغرض المعاملي إنما يوجب الخيار لو كان غرضا عقديا لا خارجيا متمحضا في الدعوة. و مطلق الضرر و لو بنقض الغرض الشخصي لا يوجب خيارا عند الأصحاب.
و التحقيق أن خصوصيات المبيع تارة تكون متعلقة للأغراض الشخصية من المتعاملين ككون العبد كاتبا أو خياطا و نحوهما فلا أثر لها إلا إذا ذكرت في العقد أو وقع العقد مبنيا عليها و أخرى من الأغراض النوعية العقلائية في مرحلة المعاملة ككون الدار قابلة للسكنى و الدابة قابلة للركوب و منافع الأعيان المقصودة من شرائها هكذا فهي بمنزلة الشرط الضمني و التوصيف اللبّي لتلك القرينة النوعية و لأجله قلنا أن خيار الغبن ليس إلا لأجل أن الغرض في باب المعاملات المالية نوعا اقامة مال مقام مال في المالية فتخلفها من باب تخلف الشرط الضمني و ان لم تؤخذ عنوانا للمبيع في مقام البيع، و لا بد من إرجاع كلام من قال بأن الخيار لتخلف الوصف أو لضرر المنطبق على نقض الغرض الى ما ذكرناه من التوصيف اللبي و نقض الغرض النوعي.
و المعروف فيه أيضا صحة البيع و بقاء الإجارة على حالها فيجتمع على المشتري الثمن و الأجرة و لم أجد
1) جامع المقاصد: ج 1، ص 417.
حكاية الخلاف صريحا إلا عن العلامة في الإرشاد (1). و ما قيل في توجيهه أمور:
أحدها: ما عن جامع المقاصد من أن منفعة العين نماء الملك فتتبعها (2)و حيث إن مالك العين بالشراء هو المستأجر فكون الأجرة في قبال نماء ملكه يوجب ورود المعاوضة على مال المالك بماله، و هذا وجه مختص بهذه الصورة دون الصورة السابقة التي كان المشتري المالك للعين فيها غير مالك المنفعة فلا يرد المحذور، و لكنه و ان كان كذلك إلا أن منشأ الاشكال في الصورتين واحد و هو استتباع ملك العين لملك المنفعة مطلقا حتى مع استيفائها بإجارة سابقة و قد عرفت ما فيه.
ثانيها: ما عن المحقق الأردبيلي «قدّس سرّه» في شرحه على الإرشاد و هو أن ملك المنفعة تابع لملك العين فاذا ملك العين يلزم ملكيتها تبعا أيضا و حينئذ فلو بقيت الإجارة على حالها يلزم كون المنفعة ملكا بالإجارة و البيع أيضا، و هو تحصيل الحاصل و جمع العلتين على معلول واحد. انتهى كلامه رفع مقامه (3).
و وجه اختصاص هذا المحذور بهذه الصورة أن المالك في هذه الصورة واحد فإن المشتري هو المستأجر و المملوك أيضا واحد و هي المنفعة الخاصة فليس هناك إلا ملكية واحدة تصحح انتزاع المالكية من المستأجر المشتري للعين و انتزاع المملوكية من المنفعة الواحدة، فإذا حصل هذا الواحد بالبيع و الإجارة معا لزم اجتماع سببين على مسبب واحد بخلاف الصورة السابقة فإن مالك العين فيها غير مالك المنفعة و المالكية و المملوكية متضايفتان و المتضايفان، متكافئان في القوة و الفعلية و التعدد و الوحدة فتعدد المالكية يستلزم تعدد المملوكية فلا يلزم ورود سببين على ملكية واحدة.
نعم يرد على الصورة السابقة أن مقتضى التعدد لمكان التضايف اجتماع المثلين
لفرض اجتماع ملكيتين في منفعة واحدة و هو المانع من كون الواحد ملكا لشخصين بالاستقلال، و هذا المحذور لا يقصر عن محذور اجتماع سببين على مسبب واحد.
و الجواب أن التبعية ليست بمعنى عدم انفكاك ملك المنفعة عن ملك العين عن ملك المنفعة، و إلا لما شرعت الإجارة و ليست بمعنى عدم انفكاك ملك العين عن ملك المنفعة و الا لما صح البيع في الصورتين لا انه تنفسخ الإجارة، لأنه بعد اشتغال المحل بالعرض لا مجال لورود مثله عليه و بعد تأثير السبب المتقدم أثره لا مجال لتأثير السبب المتأخر و مقتضاه بطلان البيع دون الإجارة، بل تبعية ملك المنفعة في خصوص ما إذا ملك العين بلا سبق استيفاء لمنفعتها، فلا مانع من تمليك المنفعة استقلالا كما في الإجارة، و لا موجب لاستتباع ملك العين لملك المنفعة مع سبق استيفائها بإجارة و نحوها كما فيما نحن فيه.
ثالثها: ما عن جامع المقاصد أيضا، (1)و هو أنه كما لا يمكن نكاح المملوكة، و لا بقاء النكاح بعد الملك. فالملكية مانعة عن حدوث الزوجية و عن بقائها، كذلك ملك العين يمنع عن عروض ملك المنافع و عن بقاء ملك المنافع.
و تقريبه أن النكاح يقتضي ملك البضع وحده فاذا ملك الرقبة لا يستقل ملك البضع لعدم بقاء الناقص بعد الاستكمال، و ملك المنافع بالاستقلال بعد ملك العين كذلك، لأن ملك العين يوجب خروج الملك السابق عن حد النقص إلى الكمال فلا معنى لبقاء النقص على حاله.
و الجواب أن الزوجية و الملكية شرعا متقابلتان. لقوله تعالى «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (2)، و التفصيل قاطع للشركة فلذا لا تجتمعان حدوثا و بقاء، و أما ملك المنافع بالاستقلال مع ملك العين، فلا دليل عقلا و لا نقلا على تقابلهما و عدم اجتماعهما، و أما التقريب المزبور الذي هو بمنزلة الجامع لتصحيح قياس ما نحن فيه بملك الأمة المزوجة فمندفع بأن العين و منافعها مالان و ملكان لا
من باب النقص و الكمال، فلا مانع من بقاء ملك المنافع على ما هو عليه من الاستقلال. ثم إنه يتفرع- على ما ذكرنا من التبعيّة غير المنافية لبقاء الإجارة على حالها- رجوع المنافع إلى المشتري مع ظهور بطلان الإجارة، و إلى البائع مع فسخ الإجارة بما يسوّغ فسخها.
أما في صورة بطلان الإجارة فلان استتباع ملك العين لملك المنفعة مع الإمكان قهري لا قصدي، و إنما القصدي في باب البيع نفس تمليك العين، فلا يلزم من رجوع المنافع إلى المشتري مع عدم قصد البائع تخلف العقد عن القصد، بل لو قصد البائع عدم تمليك المنافع لم يكن له أثر إلّا إذا رجع إلى عدم قصد البيع فإنّ قصد العدم مع عدم الأثر لقصد ثبوته لغو. فما لم تكن المنفعة مسلوبة و مستوفاة باستيفاء اعتباري إجاري و نحوه كانت تابعة لملك العين، و مجرد اعتقاد المسلوبية و قصد السلب لا يحقق السلب، فتبقى على حكم التبعية قهرا. و منه يظهر أنه لو كان سلب المنفعة بإبقائها لنفسه أو بنقلها إلى غيره بعنوان الشرط في ضمن البيع فظهر بطلان الشرط بوجه كانت المنفعة عائدة إلى المشتري، إذ لا سلب حقيقة.
نعم إذا قلنا بأن الشرط الفاسد بعد ظهور فساده يوجب الخيار كان للبائع حق فسخ البيع، و به يمتاز الشرط الفاسد عن الإجارة الفاسدة الأجنبية عن البيع. كما أنه لو كانت المعاملة البيعية الواقعة على العين المستأجرة باعتقاد صحة الإجارة غبنية كان للبائع الخيار و لو لم يكن هناك شرط. فالمنفعة على أي حال للمشتري، و انما الخيار للبائع في صورتي الغبن و الشرط، و لو مع عدمه دون الاعتقاد فقط أو القصد المحض.
هذا كله حكم بطلان الإجارة، و أما في صورة فسخ الإجارة، فربما يتوهم أن ملك العين مقتض لملك المنافع، و الإجارة الصحيحة من الموانع، و بعد فسخها و زوال المانع يؤثر المقتضي أثره كما في كل مقتض و مانع.
و يندفع بأن منزلة الفسخ ليس منزلة انتهاء أمد الإجارة ليصح توهم زوال المانع، فان الفسخ لا يوجب التوقيت. بل عنوانه ردّ المعاملة و عود العوضين الى ما
كانا عليه، فيستحيل عود المنفعة الى غير البائع الموجر، فهو بمنزلة المقتضي لملك البائع و هو على الفرض مؤثر. مضافا الى أن تمامية المقتضي في مقام الثبوت لا تجدي في أمثال المقام. بل لا بد من تمامية المقتضي في مقام الإثبات، و بعد عدم تأثير البيع في ملك المشتري للمنفعة في مدة الإجارة لم يوجد فرد آخر من البيع حتى يكون مشمولا للمقتضي في مقام الإثبات. فتدبر جيدا.
بأن صدر البيع من المالك و الإجارة من وكيله في زمان واحد، و فيه وجوه: (أحدها) صحتهما معا (ثانيها) بطلانهما معا (ثالثها) صحة البيع و بطلان الإجارة.
أما وجه صحتهما فربما يستند فيه إلى عدم تنافيهما نظرا إلى أن متعلق أحدهما العين، و متعلق الآخر المنفعة، و فيه أن عدم المنافاة الذاتية لا يقتضي عدم المنافاة بالكلية لثبوت المنافاة العرضية لمكان استتباع ملك العين لملك المنفعة فيتنافيان في هذا اللازم.
و أما وجه بطلانهما معا فهو ما عرفت من منافاتهما العرضية مع عدم المرجح لأحد الأمرين فيبطلان معا، و فيه أن بطلان البيع من رأس مبني على أن استتباع ملك العين لملك المنفعة بنحو اللزوم، و لا يقول به أحد، و إلا لما صحّ البيع و لو مع سبق الإجارة، و منه يظهر وجه الثالث. فيصح بيع العين من دون استتباع لملك المشتري للمنفعة، و من دون تأثير للإجارة في تمليك المستأجر المنفعة فتبقى منفعة مورد الإجارة على ملك البائع و ما ذكرنا من صحة البيع و بطلان الإجارة أولى من التعبير ببطلانهما معا في مورد التزاحم. و عن بعض أعلام العصر طاب ثراه تقوية الوجه الأول بقوله «رحمه اللّه»: «لعدم التزاحم. فإن البائع لا يملك المنفعة، و إنما يملك العين، و ملكية العين توجب ملكية المنفعة للتبعية و هي متأخرة عن الإجارة» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.
1) العروة الوثقى: الفصل الثاني من كتاب الإجارة في ذيل المسألة الثانية.
و فيه (أولا) أن التقدم و التأخر المفروضين بين ملك العين و ملك المنفعة تقدم و تأخر طبعي لا زماني، بداهة حصول ملك العين، و ملك المنفعة في زمان واحد و هو زمان تمامية الإيجاب و القبول، و التقدم و التأخر الطبعي لا ينافي المقارنة الزمانية بين المتقدم و المتأخر بالطبع. بل لا ينافي الاتحاد في الوجود، فان ملاك هذا التقدم و التأخر كما هو محقق في محله إمكان الوجود. بمعنى أنه يمكن أن يكون للمتقدم وجود. و لا وجود للمتأخر، و لا عكس كالواحد و الاثنين، و من البين أيضا أن التنافي في التأثير ليس إلا بلحاظ وجود الأثر خارجا، و في الوجود الخارجي لهما المعية و المقارنة الزمانية، و لا تقدم و لا تأخر بلحاظ وعاء التأثير. فما فيه التنافي لا تقدم و لا تأخر فيه، و ما فيه التقدم و التأخر لا تنافي فيه. فتدبره فإنه حقيق به.
(و ثانيا) أن ملك المنفعة بمقتضى التبعية متأخر عن ملك العين بالبيع لا عن الإجارة، لأن الإجارة و ان كانت في عرض البيع المتقدم على ملك المنفعة إلا أن ما مع المتقدم على شيء ليس متقدما على ذلك الشيء، لأن التقدم و التأخر لا يكون إلا بملاك مخصوص و هو بين نفس المتقدم و المتأخر لا بين ما معه و غيره.
(و ثالثا) أن الإجارة لها المعية مع البيع بالزمان لا بالطبع، فان المعية الطبعية إنما تتصور فيما إذا كانا معلولي علة واحدة، فالبيع و الإجارة ليس بينهما معية طبعية كما أنه ليس بينهما تقدم و تأخر طبعي، فلو فرضنا أن ما مع المتقدم متقدم فليس بينهما المعية حتى تكون الإجارة متقدمة على ملك المنفعة لتقدم البيع عليه.
و التحقيق صحتهما معا، و انتقال العين مسلوبة المنفعة إلى المشتري، و انتقال المنفعة في مدة خاصة إلى المستأجر، و ذلك لأن مالك العين له مالان و ملكان و له السلطنة على نقل كل منهما بالاستقلال، و قد مرّ أن التبعية ليست بنحو اللزوم بحيث لا ينفك ملك المنفعة عن ملك العين و لا ملك العين عن ملك المنفعة، و استباع ملك العين لملك المنفعة لا يزاحم سلطان المالك على ماله، فله السلطنة على نقلهما معا في عرض واحد كما له السلطنة على نقل المنفعة قبلا، فالاستتباع إنما هو في فرض عدم إعمال السلطنة في نقل المنفعة، فليس البيع و الإجارة من باب
المتمانعين حتى يتوهم أن مانعية الإجارة عن اقتضاء تمليك العين على حد مانعيّة تمليك العين عن اقتضاء الإجارة، بل لا استتباع رأسا مع سلب المنفعة إمّا حقيقة أو استيفاء اعتباريا، فكما أن الإجارة السابقة لا تبقي مجالا لأصل الاستتباع كذلك الإجارة المقارنة، و كما أن عدم المنفعة حقيقة ليس مانعا عن اقتضاء ملك العين بل لا اقتضاء له لملك المعدوم كذلك عدمها و سلبها الاعتباري، و من جميع ما ذكرنا يظهر حال ما إذا كان المشتري شخص المستأجر، فإن تملك المنفعة بالإجارة يختلف حكمه مع تملكها بالبيع فله فسخ البيع دون الإجارة و بالعكس.
و مما يؤكد ما ذكرنا أن من يستشكل في البيع و الإجارة المتقارنين زمانا بتوهم التزاحم، لا أظنه يستشكل في البيع المشروط بملك المنفعة لزيد في مدة خاصة أو المشروط ببقائها على ملك البائع، إذ ليس مخالفا للكتاب و لا منافيا لمقتضى العقد، لأن اللازم مفارق لا غير مفارق، مع أن نقل المنفعة و سلبها عن العين بالإجارة كنقلها و سلبها بالشرط، و عدم الاستتباع مع تصرف الوكيل كعدمه مع تصرف المالك. نعم من يرى صحة الإجارة لتقدمها رتبة على ملك المنفعة التابع لملك العين ينبغي أن يقول في النقل على وجه الاشتراط بالتزاحم، لأن النقل بالشرط تابع للبيع و قيد فيه و هو متأخر طبعا عن البيع كتأخر ملك المنفعة بالبيع فهما لازمان في عرض واحد فتدبر جيدا.
و فيه أقوال: قول بالبطلان مطلقا، و قول بعدمه مطلقا، و قول بالبطلان بموت المستأجر فقط. و قبل التعرض للاستدلال ينبغي أن يعلم أن مقتضى كون هذه المسألة و سابقتها متفرعة على لزوم الإجارة أن البحث في انفساخ الإجارة الصحيحة و عدمه، و هو أيضا مقتضى الاستدلال بعمومات لزوم الإجارة، و عليه فينبغي التعبير في عنوان البحث بالانفساخ و عدمه دون البطلان و عدمه، كما أن مقتضى الوجوه العقلية- هنا و في المسألة السابقة لعدم ملك المنفعة مقارنا للبيع و للموت- هو عدم تأثير العقد دون تأثيره و انفساخه بالبيع أو الموت.
و عليه فلا مجال إلا لدفع الشبهة دون الاستدلال بعمومات اللزوم أو الصحة أو استصحاب بقاء العقد، إذ ما لم يحرز كون المؤجر مالكا لا مجال لدعوى تأثير تمليكه بأدلة الصحة أو لدعوى بقاء العقد و التمليك بالدليل أو الأصل، نعم إذا شك في الصحة شرعا من حيث اعتبار عدم البيع أو عدم الموت أو انفساخ العقد شرعا بطروّ البيع أو الموت، صح الاستدلال بإطلاقات أدلة الصحة أو أدلة اللزوم.
و لا ينحصر وجه الشبهة في الشبهات العقلية بل اختلاف الفتاوى كاف في الشك في الصحة أو اللزوم. ثم إن الوجوه العقلية المستدل بها هنا بعضها مشترك مع المسألة السابقة كتبعية ملك المنفعة لملك العين، و جوابه ما تقدم، و بعضها يختص بالمقام، كما قيل من أن انقضاء مدة الإجارة إما جزء المقتضي للتأثير أو شرط التأثير، و مع مصادفة متمم السبب للموت لا معنى للتأثير كالموت بين الإيجاب و القبول أو كالموت قبل القبض في الصرف مثلا، و هذا غير مناف لكون المؤجر مالكا للمنفعة المرسلة اللاموقتة بحال حياته، و إنما البطلان لعدم تمامية سبب الملك للمستأجر.
و فيه أن الأمر كذلك لو كانت تمامية المدة جزء أو شرطا إلا أنه أي دليل على كونه كذلك، مع ابتنائه على كون جزء السبب أو شرط تأثيره مأخوذا على وجه تأخر العلّة عن معلولها، لعدم تعقل الملك المقارن لتمامية المدة إذ ملك المنفعة المتقدمة لغو، و عليه فلا يعقل دخل تمامية المدة، و على فرض المعقولية إنما يلتزم بالشرط المتأخر إذا كان موجب للالتزام به، و مجرد احتمال شرطيته في الصحة أو في اللزوم يدفع باطلاقاتهما. و توهم- دلالة بطلان الإجارة بالتلف و لو بعد القبض على ذلك نظرا إلى أن الموجب عدم انقضاء مدة الإجارة لتلفه قبل الانقضاء- مدفوع بأن الوجه عدم المنفعة في الواقع في المدة المضروبة فلا ملك، لا من حيث عدم تمامية المدة و عدم تمامية السبب، فالسبب تام لكنه لا منفعة حتى تملك و تملّك، لا أن السبب ناقص من حيث عدم تمامية المدة.
و مما ذكرنا يظهر فساد وجه اعتباري آخر حكي عن الغنية (1)و الخلاف (2)، و هو أن المستأجر رضي على أن يستوفي المنفعة من ملك المؤجر، فإنه إن أريد استيفاؤها من ملك المؤجر للمنفعة، فقد بينا أنه يملك المنفعة المرسلة اللاموقتة فله تمليكها، و إن أريد استيفاؤها من العين المملوكة للمؤجر، ففيه أن اللازم في تملك المنفعة من المؤجر ملكه لها لا للعين لصحة الإجارة من المستأجر بلا شبهة، مع أن العين مملوكة له حال تمليك المنفعة هنا، و ملكه للعين حال الاستيفاء بلا موجب، و لو فرض إيقاع الإجارة هكذا بأن يتملك منه منفعة العين المملوكة للمؤجر حال استيفائها التزمنا فيه بمقتضى هذا التقييد بالبطلان، إلا أنه أخصّ من المدعى كما لا يخفى.
ثم إنه ربما يستدل للبطلان تارة و للصحة اخرى بخبر إبراهيم بن محمد الهمداني، و هو كما رواه في الوسائل عن الكافي هكذا: «قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الإجارة في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شيء من الإجارة ما لم يمض الوقت فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضية بموت المرأة؟ فكتب: إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة فان لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّه» (3). و رواه في الحدائق عن التهذيب بتفاوت في بعض الكلمات، منها ما لم ينقض الوقت، و منها أم تكون الإجارة منتقضة، و منها و إن لم تبلغ في الشرطية الثانية بالواو لا بالفاء (4).
فنقول: أما الاستدلال به للفساد فأحسن وجوهه ما حكي عن غير واحد من
المشايخ من حمل الوقت في آخر السؤال على مدة أصل الإجارة لا على المدة المضروبة لدفع الأجرة بقرينة الإنفاذ و الانقضاء أو الانتقاض، و حمل ما في الجواب أيضا عليه ليكون الجواب مطابقا للسؤال، و حمل الشرطية الأولى حفظا لتقابلها مع الشرطية الثانية على عدم بلوغ شيء من مدة الإجارة بأن يكون زمان العقد منفصلا عن زمان المنفعة المملوكة بالعقد، و حمل قوله عليه السّلام «فلورثتها تلك الإجارة» على أن أمرها بيد الورثة ردا و إمضاء أو فعلا و تركا، و حمل قوله عليه السّلام فتعطى ورثتها إلخ. على أن مقدار استحقاقهم الموروث من المرأة ما بلغت المرأة من النصف أو الثلث دون باقي مدة الإجارة، و هذا لازم انفساخ الإجارة بموتها.
و أما الاستدلال به للصحة فله تقريبان: (أحدهما) ما هو عين التقريب المزبور، من حيث إرادة مدة الإجارة من الوقت، و من حمل الشرطيتين على عدم البلوغ رأسا و على عدم البلوغ بتمامه، إلا أن اللام في قوله عليه السّلام فلورثتها لام الاختصاص لقيام الورثة مقام مورثهم بقرينة قوله عليه السّلام «فلورثتها تلك الإجارة» فلا موقع أصلا للحمل على أن الورثة لهم أن يؤجروا و أن لا يؤجروا كما أنها لهم لا ردها و إمضاؤها لهم، و قوله عليه السّلام «فتعطى» هو دفع الأجرة بالنسبة إلى المنفعة الماضية لا استحقاق هذا المقدار من الأجرة بل استحقاق فعلية الدفع بالمقدار المزبور، فالشرطية الاولى مصححة للإجارة، و الشرطية الثانية غير منافية لها، فان استحقاق الأجرة تماما لا ينافي عدم استحقاق الدفع إلا بمقدار ما بلغت المرأة من النصف أو الثلث.
(ثانيهما) حمل الشرطيتين على الإجمال و التفصيل لا على عدم البلوغ رأسا أو تماما، فإن الأول خارج عن مورد السؤال، و هذا الحمل مما لا بد منه بناء على نسخة الكافي بالعطف بالفاء فإنه بعنوان التفريع للتوضيح، و الكافي أضبط من التهذيب.
و التقريب حينئذ ما تقدم من كون اللام للاختصاص- هذا- و الظاهر كما استظهره غير واحد من الأعلام أن المراد بالوقت في تمام الفقرات هو الوقت
المضروب لدفع الأجرة لا مدة الإجارة، و الظاهر من الخبر أن محطّ نظر السائل هو الوقت المضروب و أن صدره إنما جيء به تحقيقا لمورد الشرط، و إلا لم يكن وجه لقوله «على أن تعطى» (إلخ) بذلك التفصيل، و أن الشرطية الأولى بقوله عليه السّلام «إن كان لها وقت مسمى» لا مجال لها إلا بالإضافة إلى الوقت المضروب، و إلا فإجارة الضيعة لا بد فيها من مدة بخلاف دفع الأجرة فإنه قابل لأن يكون موقتا و أن لا يكون و حينئذ فالسؤال بملاحظة أن الورثة يجب عليهم كالمورّث إنفاذ الإجارة الخاصة المشروطة بالإضافة إلى دفع الأجرة في الوقت المضروب له فلا يستحقون دفع الأجرة في كل سنة إلا عند انقضائها، أو يسقط الوقت عن الوقتية فكأنه لا إجارة بهذه الخصوصية المعبر عنه بانقضاء الإجارة و انتقاضها بتوهم حلول الدين بموت الدائن كالمديون أو أنه شرط عليها خارج عن حقيقة الإجارة، و حينئذ لا دلالة له على بطلان الإجارة، أو أن منشأ السؤال سقوط الشرط بملاحظة انفساخ الإجارة فتستحق الورثة أصل الأجرة بالمقدار الذي بلغته المرأة من الوقت كما أفيد في الشرطية الثانية، فيكون الخبر دليلا على البطلان، و مع هذين الاحتمالين لا مجال للاستدلال بالخبر على الصحة و لا على البطلان، فتبقي العمومات في العقود و في الإجارة بالخصوص بلا مخصص لها.
أنه بناء على البطلان بهذا الخبر إذا كان الموجر وليا فمات الولي أو المولى عليه فالظاهر عدم البطلان، لخروجه عن مورد النص، لأن ظاهره كون المؤجر مالكا لإضافة الإيجار و الضيعة إليها، و الولي ليس بمالك و المولى عليه ليس بمؤجر (لا يقال) فاذا كانت الإجارة بالتوكيل و مات الموكل ينبغي القول بالصحة مع أنه باطل (لأنا نقول) نسبة الإجارة إلى الموكل محفوظة فان الاسناد كما يتحقق بالمباشرة كذلك بالتسبيب فيصدق أنه آجر فمات دون عمل الولي فإنه لا يسند إلى المولى عليه. نعم إذا استندنا إلى الوجوه الاعتبارية في البطلان فالمناط موت المالك أو المتملك سواء كان كبيرا أم صغيرا و سواء كانت الإجارة بالمباشرة أم بالتوكيل أم بالولاية.
كما أن الإجارة لا تبطل بالبيع كما تقدم في المسألة الثانية لا تبطل بالزواج و لا بالانعتاق، لسلب المنفعة بوجه صحيح فتتزوج المرأة مسلوبة المنفعة من حيث الخدمة المنافية للاستمتاع في وقتها، و ينعتق العبد مسلوب المنفعة لفرض سلطنة المرأة على نفسها من حيث إجارة نفسها للخدمة و لو في الزمان المصادف للزوجية، و لفرض ملك المولى لمنافع مملوكه مطلقا فله أن يستوفيها بالإجارة المصادف زمانها لزمان حريته، نعم في نفقة المملوك بحث في أنها على المولى أو على المملوك في كسبه أو غير ذلك من الوجوه، و ظاهر بعض الأعلام «رحمه اللّه» «أنها على المولى فإنه حيث استوفى منفعته فكأنه باق في ملكه، و ظاهره وجوب نفقته من حيث المالكية مع أن تنزيله باستيفائه منزلة كونه مالكا له حتى تكون نفقة المملوك على مالكه» (1)يحتاج إلى دليل.
نعم الظاهر أن نفقته على مولاه لا من حيث المالكية بل من حيث لزوم تسليم العين المستأجرة بحيث يتمكن المستأجر من استيفاء منفعتها و هو موقوف على بذل النفقة كبذل نفقة الدار إذا احتاجت إلى عمارة أو تخلية و نحوهما مما تتوقف عليه صلاحية الدار لاستيفاء منفعتها، و لا يقاس بباب الوقف حيث إن نفقة العبد الموقوف على الغير في كسبه لا على الواقف، كما أن نفقة الدار الموقوفة من منافعها لا على واقفها، و ذلك لعدم الموجب بعد تمامية الوقف لتكفل الواقف ما هو صلاح العين الموقوفة بخلاف العبد المستأجر كما مر.
و فسره في الجواهر بمن آجر نفسه على أن يعمل بنفسه عملا مخصوصا، و قد حكم «قدّس سرّه» بانفساخ الإجارة بموته (2).
و التحقيق أن الأجير الخاص إن أريد به ذلك مع فرض كون وقت العمل محدودا و مات قبل مجيء الوقت فالإجارة باطلة لا منفسخة، لعدم المنفعة له في ذلك الوقت فلا شيء حتى يملك أو يملك، و إن أريد به ذلك فقط من دون تحديد بزمان فمضى زمان يمكن فيه إيجاده فمات فالإجارة صحيحة في نفسها لوجود الطرف الصالح لتأثير العقد في تمليكه و تملكه، و الموت لا بد من أن يكون موجبا لانفساخها لدخوله تحت عنوان التلف قبل القبض بناء على التعدي من البيع إلى غيره و إلا فلا موجب لانفساخها كما لا موجب لبطلانها، نعم للمستأجر فسخ العقد من باب خيار تعذر التسليم بعد عدم كونه من التلف قبل القبض، و مما ذكرنا تبين ما في إطلاق التعبير بالبطلان و ما في إطلاق التعبير بالانفساخ الذي لا موقع له الا مع فرض الصحة حيث لا انحلال مع عدم الانعقاد.
كما عن جماعة التصريح به كالمحقق الأردبيلي (1)و صاحب الحدائق (2)و صاحب مفتاح الكرامة (3)، بل لم يذكروا من وجوه الأجير الخاص غيره، و حيث إن مورد الاشتراط ما إذا ملك الكلي أو ملكه فالاشتراط المزبور خارج عن حقيقة الإجارة، فالمملوك هو الكلي فيكون كسائر الديون، و تعذر الشرط لا يوجب الا الخيار فمع عدم الفسخ يؤخذ بدله من تركته لا أنه تبطل الإجارة من الأول و لا أنها تنفسخ من الحين، و الوجه في الكل واضح.
من الموقوف عليهم العين الموقوفة مدة تزيد على مدة حياتهم نظرا إلى اختصاص ملكهم بمدة حياتهم بسبب جعل الواقف، و لم أجد فيه خلافا من أحد و إن كان يظهر التردد من بعضهم إلا أنه لا جزم من أحد بصحتها.
و تحقيق القول فيه أن دعوى الصحة مبنية على أمرين: (أحدهما) أن ملكية الواقف المجعولة لجميع البطون ملكية واحدة مرسلة و الواحد لا يتكثر و لا يتبعض، و حيث إنها عرض غير قار فلا تتحدد و لا تتقيد بالزمان فلا معنى لتقطيعها و تحديدها بالأزمنة ليكون تمليكا لجميع البطون لئلا تكون لكل منهم ملكية تامة مرسلة.
(ثانيهما) أن الملكية الواحدة المرسلة كما لا يمكن تقطيعها و تحديدها كذلك إعطاؤها لجميع البطون في عرض واحد، إذ لا يعقل أن يكون طرف الواحد الشخصي متعددا، فإن الإضافات تتشخص بتشخص أطرافها مع أنها على الفرض إضافة واحدة. و الجمع بين هذين الأمرين يقتضي جعل الملكية الواحدة المرسلة للبطن الأول، ثم بعد انقراضهم للبطن الثاني و هكذا، نظير انتقال ملكية المورث إلى وارثه، و الفرق أنه في الإرث بجعله تعالى و في الوقف بجعل الواقف، و يؤيده أنه في مورد جواز بيع الوقف إذا لم يكن للبطن الموجود ملكية مرسلة كيف يتمشى منه البيع الذي هو التمليك المرسل، و عليه فالملكية المرسلة للعين في كل بطن تستتبع الملكية المرسلة لمنافعها و حينئذ تصح منه الإجارة و لو زائدا على مدة حياته فتنتقل العين مسلوبة المنفعة إلى البطن اللاحق بجعل الواقف لئلا يتوهم أنه مناف لتلقي كل بطن ملك الموقوف من واقفة لا من البطن السابق.
(لا يقال) العين بمنافعها و إن كانت مملوكة للبطن الموجود ملكية مرسلة إلا أنها متعلق حق البطون اللاحقة و لا تنفذ أية معاملة كانت فيما كان فيه حق الغير.
(لأنا نقول) ليس لكل بطن بمقتضى جعل الواقف إلا الملكية و لا حق زيادة عليها لا فعلا و لا في زمانه. هذه غاية تقريب دعوى الصحة.
و تندفع المقدمة الأولى بأن الملكية المرسلة لا تتعدد بمعنى أن تكون هناك ملكيات مرسلة فإنه مناف لفرض وحدتها و أما بسط الملكية المرسلة على البطون فلا مانع منه إلا توهم امتناع تحددها و تقيدها بالزمان، و هو مدفوع بأن التحدد بالزمان تارة بالذات كما في الأعراض غير القارة فان التدرجية عين الحركة المساوقة للتقدر بالزمان، و اخرى بالعرض كما في الأمور القارة، فإنها و إن لم تتقدر بالزمان لكنه يمر
عليها الزمان فيمكن لحاظها مع هذا الزمان و مع زمان آخر، فهذا الواحد المستمر مع الأزمنة يمكن تقطيعة بلحاظ الأزمنة المارة عليه و يجعل لكل بطن في كل زمان قطعة من هذا الواحد المستمر، و ليس هذا أيضا من تبعض البسيط فان معنى عدم تبعضه ان الملكية ليس لها نصف و ثلث و ربع لا أن هذا البسيط باعتبار استمراره مع الزمان لا يمكن جعل طرفه في هذا الزمان بطنا و جعل طرفه في زمان آخر بطنا آخر.
و تندفع المقدمة الثانية بأن الواقف ليس له إلا التصرف في ماله بجعل العين محبوسة عن التصرفات على الطبقات و تسبيل منافعها لهم على الترتيب و ليس له بعد إعطاء ماله من الملكية المرسلة سلبها عنهم و إعطاؤها لغيرهم، فإنه ليس له الولاية على البطون بالتوريث إلى أشخاص خاصة، نعم له بسط ملكيته على الطبقات، فإنه تصرف في ماله بحيث لا يستتبع سلطنة على أحد، فإن ملك كل بطن محدود فينتهي أمده لا أنه ينتزعه عنه و يجعله لغيره.
و أما مسألة جواز البيع شرعا في موارد خاصة فغاية ما يقتضيه البيع أنه تمليك مرسل لا أنه إعطاء ملكيته المرسلة، فحقيقة البيع هي التمليك لا تمليك المملوك فضلا عن تمليك المملوك بالملكية المرسلة، و تمام الكلام في محلّه. و إنما تعرضت لهذا المقدار تنبيها على أن احتمال الصحة ليس على حدّ يستغرب و ينسب الالتباس و الاشتباه إلى من يميل اليه، مع أن مثل المحقق في الشرائع تردد أولا ثم قال: أظهره البطلان (1)، و العلامة في القواعد يقول الأقرب البطلان (2)و هكذا، فليس احتمال الصحة واضح البطلان و باللّه المستعان.
إذا كان الموجر ناظر الوقف فمات قبل انقضاء مدة الإجارة فهل تنفذ إجارته مطلقا، أو لا تنفذ مطلقا، أو تنفذ فيما إذا كانت لمصلحة الوقف دون مصلحة البطون اللاحقة؟ كما عن شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» (3)لأنّ الواقف له أن يولي
أمر ملكه و ماله الى أحد و أما إعطاء الولاية على الموقوف عليهم فلا، لأنه لا سلطان للواقف الا على نفسه و ماله فلا نظر للناظر إلا في العين الموقوفة و ما هو صلاحها لا ما هو صلاح الموقوف عليهم.
و الجواب انه لا ريب في ان إجارة العين الموقوفة منوطة باذنه فكما انه من باب الولاية على التصرف في العين الموقوفة لا من باب الولاية على البطن الموجود فكذا اجارة ما يتعلق بالبطن المعدوم. و السرّ فيه ان العين صارت بالوقف ملكا لهم مسلوبة السلطنة بجعل الواقف، و الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.
و مما ذكرناه يتضح ان اعتبار ولاية المتولي و القيم المعبر عنه بالناظر ليس اعتبار قيامه مقام البطون و انه نائب عنهم، فتمضي إجارته عليهم. كيف؟ و قد فرض انهم ملكوا مالا مسلوب السلطنة و لا بد من ان يكون كذلك، إذ ليس للواقف ولاية عليهم حتى يكون له جعل من ينوب منابهم و يقوم مقامهم ليكون سلطانه سلطانهم، بل اعتبار الولاية له اعتبار قيامه مقام الواقف، فإنه قبل الوقف له الولاية على ماله بأنحاء التصرفات، فله جعل ماله الولاية عليه باقيا لنفسه أو جعل غيره قائماً مقام نفسه، فلم ينتقل الملك عنه بإنشاء الوقف الا هكذا.
و بما بينا لا يبعد القول بمضي إجارته على البطون المتأخرة سواء كانت لرعاية مصلحة العين الموقوفة أم لرعاية مصلحة البطون المتأخرة عن زمان حياته، و تمام الكلام في محله، كما انه تبين الفرق بين جعل الناظر للوقف و جعل القيم للصبي، فإنه و ان كان من باب جعل الولاية عليه و على ماله كما هو للجاعل، الا انه له جعل الولاية له على الصغير، فتصرف القيم- فيما يصادف زمان كبره مع عدم كونه مما لا بد منه فعلا تداركا لما يفوته في حال كبره- محل التأمل كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في محلّه.
كبيعه و غيره من العقود، غاية الأمر ان استيفاء المنافع لا بد من ان يكون بإذن الشريك كما في البيع أيضا، و لا يخفى أن إشاعة المنافع ليست بعين إشاعة العين و إلا لانحصرت قسمتها بقسمة العين فلا تنقسم منافع الدار إلا بقسمة الدار نصفين بل إشاعتها بملاحظة نفسها و ان كانت لا إشاعة فيها الا بلحاظ كونها من شئون العين و حيثياتها الوجودية، و بهذه الإضافة تمتاز عن الكلي الذي لا إشاعة فيه. و الوجه فيما ذكران بعض الأعيان المشاعة التي لا تقبل القسمة الخارجية تكون منافعها مشاعة قابلة للقسمة، فلو كانت إشاعتها بعين إشاعة العين لكانت قسمتها بعين قسمة العين، إذ ليست القسمة إلا إفراز المشاع و تعيين اللامتعين، فلا معنى للقسمة مع عدم الإشاعة و هذا كالدابة إذا استأجرها اثنان بالاشتراك، فان ركوبها قابل للقسمة بالمدة أو بالفرسخ مع انها لا تقبل القسمة، فيعلم منه ان إشاعة المنافع باعتبار نفسها لا بعين إشاعة العين. و حينئذ فكما يمكن تنصيف سكنى الدار بتنصيف الدار كذلك بتنصيف مدة الإجارة.
المعروف بل قيل لا خلاف فيه أن العين المستأجرة كالدابة مثلا امانة لا يضمنها المستأجر إلا مع التعدي أو التفريط، و لا بد من تحقيق حقيقة الامانة حتى يجدي في غير مقام (فنقول) الأمانة مالكية و شرعية.
و التأمين المالكي على قسمين: تأمين عقدي كالوديعة التي حقيقتها الاستنابة في الحفظ و هي الامانة بالمعنى الأخص، و تأمين بالتسليط على ماله برضاه، فتكون امانة بالمعنى الأعم، و بهذا المعنى أطلقت الأمانة على العين المستأجرة و المرهونة و العارية و المضارب بها و نحوها، و الأمانة الشرعية فيما كان التسليط على المال بحكم الشارع كما في تسليط الولي على مال القاصر و كالتسليط على اللقطة و مجهول المالك و غير ذلك.
أما الأمانة المالكية بالمعنى الأعم فتحققها- بالتسليط على المال عن الرضا- إنما يستفاد مما ورد في الأبواب المتفرقة من العارية (1)و المضاربة و نحوهما بعنوان «ان صاحب العارية مؤتمن و ان صاحب البضاعة مؤتمن» خصوصا بعد ضمه الى أن صاحب الوديعة مؤتمن، مع أنه ليس في هذه الموارد مصداق للتأمين المالكي إلا تسليطه على ماله عن رضاه. فيعلم منه أن كل تسليط عن الرضا ائتمان، و ما يذكر
1) الوسائل: ج 13، باب 1، من كتاب العارية، ح 1، ص 237.
مضافا الى التعبير عن مثل هذا التسليط بالائتمان في غير مقام الحكم بعدم الضمان كما في حكاية إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السّلام) حيث قال (عليه السّلام): قد بلغك انه يشرب الخمر فائتمنته. إلخ (2)و موردها دفع المال للاتجار به لا الاستيداع. نعم سائر ما ورد في هذه الأبواب من الحكم بعدم التغريم إذا كان مأمونا هو كالحكم بعدم التغريم «إذا كان عدلا مسلما» في رواية أخرى (3)، فإن الملحوظ فيها عدم التغريم من حيث التفريط يعني إذا كان مأمونا و مسلما عدلا فهو لا يفرط، و الا فالضمان من حيث التلف لا يتفاوت فيه البر و الفاجر و اما قوله (عليه السّلام): «بعد ان كان أمينا» (4)فهو محتمل للأمرين: فتارة يراد بعد ان كان أمينا بالحمل الشائع فهو كقوله (عليه السّلام) «إذا كان مأمونا» (5)، و اخرى يراد بعد ان كان أمينا لك و قد اتخذته أمينا بإثبات يده على
مالك.
و مما ذكرنا في حقيقة الأمانة المالكية بالمعنى الأعم تعرف خروج المقبوض بالبيع الفاسد عن ضابطة الامانة لأنه تسليط منه بعنوان أنه مال مالكه بالعقد لا أنه تسليط منه على مال نفسه، و لا يعقل تأمين المالك على ماله، مع انه تسليط مبني على أمر غير واقع فلم يتمحض التسليط عن رضي.
و أما في باب الإجارة فالإشكال من وجهين: (أحدهما) ان اللازم في باب الإجارة تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة لا التسليط على العين.
(ثانيهما) لا بدّية المؤجر لاستحقاق المستأجر فلا يكشف تسليطه بعد العقد عن تأمينه و عن رضاه بإثبات يده على العين.
نعم لا ريب في أن إقدامه على الإجارة عن محض الرضا أقدام منه برضاه على ما تستدعيه الإجارة من التسليط بضميمة ان الغالب بقاء المؤجر على ما هو عليه من الرضا، و إلا يشكل الأمر في كونه تأمينا مالكيا و إن كان عدم الضمان مستفادا من غير واحد من الأخبار.
فيه و جهان: (أحدهما) الضمان كما عن الإسكافي و الطوسي على ما في الجواهر (1). (ثانيهما) عدم الضمان كما هو المشهور.
و بناء عدم الضمان على وجوه: (أحدها) انها امانة مالكية في المدة و بعدها.
(ثانيهما) انها أمانة شرعية في المدة و بعدها. (ثالثها) انها امانة مالكية في المدة و أمانة شرعية بعدها. (رابعها) انها أمانة شرعية في المدة و مالكية بعدها كما عن بعض الأجلة ممن قارب عصرنا.
أما وجه الضمان فعموم على اليد و لا مخصص له هنا إلا أدلة باب الإجارة الدالة على عدم ضمان العين المستأجرة الظاهرة في كون الحيثية تقييدية، فلا يعقل
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 216.
إطلاقها لما بعد مدة الإجارة لا ان الإجارة حيثية تعليلية لعدم الضمان حتى يعقل إطلاقها لما بعد المدة، و عدم كون العين أمانة مالكية لما تقدم من الجواهر من أن مصداق الأمانة المالكية عرفا منحصر في الوديعة، و عدم كونها أمانة شرعيّة، لما سيجيء إن شاء اللّه تعالى من عدم انطباقها على المورد من غير فرق بين مدة الإجارة و ما بعدها.
و أما وجه كونها أمانة مالكية مطلقا فما قدمناه من أن التسليط الخارجي عن رضي تأمين مالكي بالمعنى الأعم، و الظاهر- من التسليط على العين بعنوان التأمين إثبات يده على المال الى أن يطالبه المالك كما في سائر موارد الأمانات و الحقوق، و التسليط الخارجي ليس كالتسليط الاعتباري إنشائيا تسبيبيا حتى يقبل الإطلاق و التقييد، بل الاستيلاء الخارجي باق حقيقة الى أن يستولي عليه مالكه، نعم القيد الذي يكون التسليط به أمانة مالكية و هو الرضا به- قابل للاستمرار و عدمه، و مع الشك فيه يستصحب بقاؤه فيترتب حكم الأمانة شرعا، و معه لا يبقى مجال للرجوع الى عموم اليد لفرض خروج اليد الأمانية عن العموم.
و أما وجه كونها أمانة شرعية مطلقا فهو حصر الأمانة المالكية في الوديعة، و حيث يجوز شرعا وضع اليد على العين لاستيفاء المنفعة في المدة و لإيصالها الى مالكها بعده فهي أمانة شرعية مطلقا.
و أما وجه كونها أمانة مالكية في المدة و شرعية بعدها فهو كون الاستيلاء الذي يقتضيه عقد الإجارة هو الاستيلاء مقدمة لاستيفاء المنفعة فما دام يستحق الاستيفاء يستحق الاستيلاء، و الظاهر تسليط المالك حسب ما يقتضيه عقد الإجارة فهي أمانة مالكية في المدة، و حيث إنه يجوز بعدها وضع اليد لإيصالها الى مالكها فهي أمانة شرعية.
و أما وجه كونها أمانة شرعية في المدة و مالكية بعدها فهو أن التسليط في المدة حيث إنه عن استحقاق المستأجر فلا يكون عن رضا بخلاف ما بعد المدة فإنه لا استحقاق فيكون عن رضا محض- هذا- و التحقيق إنّ التأمين المالكي- بالمعنى الأعم
المستفاد من أبواب العارية و المضاربة و الوكالة- ملاكه التسليط على العين عن رضا محض إما لاستيفاء المنفعة كما في الإجارة، أو للانتفاع بها كما في العارية، أو للاتجار بها كما في المضاربة، أو لبيعها و نحوه من التصرفات كما في الوكالة، و قد عرفت أن اللابدّية فضلا عن مجرد الاستحقاق لا تنافي بقاء الرضا المحض الذي بعثه على الإجارة المقتضية للتسليط على ماله في مدة الإجارة، و ان بقاءه بعدها مع الالتفات الى انقضاء المدة و التمكن من المطالبة بسبب عدم المطالبة الكاشف عن كون هذا الاستيلاء بقاء عن رضاه كما كان حدوثا، و مع الشك يستصحب بقاؤه على حاله المحقق للأمانة المالكية تعبدا، فيترتب عليها حكمها من دون وصول النوبة إلى عموم قاعدة اليد المخصص بما عدا مورد الامانة.
و أما الأمانة الشرعية فملاكها الترخيص في إثبات اليد على مال الغير لحفظه أو لإيصاله إلى المالك بنحو من أنحاء الإيصال كما استفيد من أدلة اللقطة و مجهول المالك و أشباه ذلك، و ليس مجرد الترخيص الشرعي تأمينا شرعيا، مثلا لا ريب في أن وضع اليد على العين المستأجرة جائز شرعا لكنه إما لكونها أمانة مالكية فيكون كالترخيص في العارية، فهو من باب إباحة ما أباحه مالكه لا تأمين من الشارع، و إما لكونها مما يستحق استيفاء المنفعة فيها فهو من باب إنفاذ السبب الموجب لاستحقاق الاستيلاء الموقوف عليه الاستيفاء، لا أنه ترخيص ابتدائي من الشارع كما في اللقطة، فإن الترخيص في الالتقاط ترخيص ابتدائي في وضع اليد على مال الغير ليوصله اليه بالتعريف أو ليحفظه له خارجا أو في ذمته بعد التعريف، فهو أمين الشارع لعدم انبعاث هذا الترخيص عن سبب سابق مسوّغ لوضع اليد عليه، فتوهم- أن العين في مدة الإجارة أمانة شرعية- فاسد، لما عرفت.
و أما بعد المدة و فرض عدم شمول التأمين المالكي له و لو بالأصل، فلعدم الدليل على الترخيص حتى يكون ترخيصا غير منبعث عن مسوّغ له، إذ غاية ما في الباب أنه لا ريب في وجوب إيصالها إلى مالكها و حرمة إهمالها، و من الواضح أن وجوب الرد الى مالكها وجوب عرضي يتبع حرمة إمساكها كما في كل مورد كانت
هناك يد على المال بدون إذن مالكه، فإن إمساكه حرام فرده واجب، و ليس هناك إيجاب الإيصال ابتداء حتى يكون حاله كحال الترخيص الابتدائي، فتوهم- أنه أمانة شرعية بعد المدة مع عدم الدليل على الترخيص في وضع اليد و لا على وجوب الإيصال الابتدائي غير التابع لحرمة الإمساك- فاسد، كما أن توهم- كونه أمانة مالكية في خصوص ما بعد المدة لعدم الاستحقاق المانع من التأمين المالكي أيضا- فاسد، لعدم تحقق الشيء بمجرد عدم المانع فلا بد من إثبات كون هذا الاستيلاء بتسبيب المالك عن رضاه كما بينا.
و أما التمسك بقاعدة الإحسان لعدم الضمان بدعوى أن وضع يده- على المال بداعي إيصاله إلى مالكه- إحسان إلى مالكه و (ما على المحسنين من سبيل) الشامل لكل سبيل دنيوي أو أخروي. ففي غاية الإشكال لا لأن إيصال المال الى مالكه إحسان و مع فرض التلف قبل وصوله كما هو مورد البحث لا إيصال فلا إحسان.
و ذلك لأن الفعل إذا صدر بقصد عنوان حسن من العناوين الحسنة يتصف بالحسن و إن لم يتحقق مبدأ ذلك العنوان في الخارج، مثلا إذا ضرب اليتيم بداعي التأديب يصدر منه الضرب حسنا و إن لم يتأدب في الخارج و إذا كذب لانجاء المؤمن صدر منه حسنا و إن لم يترتب عليه نجاته خارجا، و كذا العكس، فإنه إذا ضرب اليتيم لا بقصد التأديب و تأدب به لم يصدر منه الفعل حسنا و إن تأدب، و كذا في الكذب لا بداعي إنجاء المؤمن و ترتب عليه نجاته، و ذلك لأن الحسن و القبح العقليين اللذين هما مورد البحث بين العدلية و الأشاعرة بمعنى كون الفعل ممدوحا عليه فاعله أو مذموما عليه، و لا يعقل أن يكون كذلك إلا إذا كان مقصودا، و لا يعقل أن يكون بوجوده الواقعي مناطا للمدح و الذم.
و منه تعرف أن حديث الحسن الفاعلي و الحسن الفعلي غير صحيح في مثل هذا الحسن أو القبح الذي هو مورد الكلام في الأصول و الكلام، فلا إشكال في قاعدة الإحسان من هذه الجهة، إنما الإشكال فيها من حيث إن العناوين القبيحة من حيث نفسها لا يتغير قبحها الطبيعي بعروض عنوان حسن بحسن غير لزومي، ألا
ترى أن إيصال النفع الى غيره حسن لكنه لا يرتفع به قبح الكذب بخلاف عنوان إنجاء المؤمن، فإن تركه فيه هلاك المؤمن و هو ظلم قبيح بذاته، و من البيّن أن وضع اليد على مال الغير بدون إذنه و رضاه إساءة اليه و ظلم عليه فمجرد داعي الإيصال لا يرفع قبحه، و لذا لو لم يكن دليل على جواز الالتقاط لم يكن الالتقاط بقاعدة الإحسان جائزا.
(لا يقال) ترك إيصال المال قبيح فحسن الإيصال من الحسن اللزومي.
(لأنا نقول) أما إذا لم تكن له يد على المال فايصاله غير واجب و تركه بترك اليد عليه غير قبيح، و أما إذا كانت يده عليه فايصاله لازم من حيث حرمة إمساكه، و إيصاله حينئذ من باب ترك الإساءة لا من باب أنه إحسان محض. و بالجملة قاعدة الإحسان إنما تجدي في موارد جواز وضع اليد حتى يتمحض في الإحسان، مثلا إذا علم من حال زيد الرضا بوضع اليد على ماله لإيصاله فإنه ليس منه تسليط ليكون أمانة مالكية، إلا أنه إذا كان وضع اليد جائزا فوضع يده عليه لإيصاله كان إحسانا محضا منه، و مع تلفه قبل وصوله لا ضمان بقاعدة الإحسان المخصصة لقاعدة اليد كتخصيصها بقاعدة الائتمان، و من جميع ما ذكرنا تبين أن العين في المدة و بعدها أمانة مالكية إلا في صورة عدم الالتفات الى انقضاء المدة أو عدم التمكن من المطالبة، فإنه حينئذ لا كاشف عن أن هذا الاستيلاء عن رضا المالك بقاء إلا بالأصل، و أما مع العلم بأنه غير راض ببقائها تحت يده بعد المدة و إن لم يلتفت فلا رافع للضمان، و قد عرفت حال الأمانة الشرعية.
فنقول: أما في صورة الجهل بالفساد فالمقبوض هنا و إن كان يفارق المقبوض بالبيع الفاسد من حيث إنه لا يعقل في البيع أن تكون العين أمانة مالكية، حيث لا يعقل جعل ملك أحد أمانة عنده، و هذا بخلاف الإجارة فإن العين- على تقديري الصحة و الفساد حيث إنها ملك المؤجر- قابلة للتأمين المالكي، إلا أن الإجارة كالبيع في محذور آخر و هو ابتناء اقباض العين على أمر غير حاصل و هو
استحقاق الإقباض، فلم يكن التسليط حقيقة عن الرضا حتى يكون هنا مصداقا للتأمين المالكي.
و التحقيق أن الرضا إذا تعلّق بشيء موصوف بوصف عنواني فمجرد اعتقاد- اتصاف شيء بذلك الوصف العنواني- لا يوجب فعلية الرضا لعدم انطباق عنوانه، و أما إذا اعتقد تحقق الوصف العنواني و تحقق منه الرضا فالرضا الموجود فعلي لا تقديري، تنجيزي لا تعليقي، لاستحالة تقديرية الموجود الفعلي و تعليقيته فلا محالة يترتب عليه أثره، نعم عدم الرضا معلّق على الالتفات الى عدم تحقق العنوان، و الاعتبار بالرضا الفعلي وجودا و عدما لا بالرضا التقديري وجودا و عدما، و لأجله نقول بصحة العقد على الموصوف مع تخلف وصفه، و بصحة العقد مع فساد شرطه فتدبر جيدا.
و يمكن أن يقال بالفرق بين البيع و الإجارة من هذه الحيثية أيضا، بتقريب انه كما لا معنى لتأمين المالك على ماله كذلك لا معنى لإناطة تسليط المالك على ماله بالرضا، فان العين بعد البيع أجنبية عن البائع فلا معنى لإناطة تسليطه للمشتري بالرضا، و ليس الرضا السابق إلا رضا بالبيع المنوط برضا البائع دون أداء مال المشتري إليه، فلا كاشف عن التسليط عن الرضا في البيع بخلاف الإجارة لكون العين ملك الموجر فتعقل اناطة التسليط عليها برضا مالكها، فالأقوى أن المقبوض بالبيع الفاسد جهلا مضمون مطلقا دون المقبوض بالإجارة الفاسدة جهلا.
و أما إذا علم بالفساد فالمقبوض بالإجارة الفاسدة أولى بعدم الضمان من المقبوض بالصحيحة، لاشتراكهما في التسليط عن رضا و عدم شبهة الاستحقاق و اللابدّية المانعة عن التأمين المالكي عند بعضهم في الإجارة الفاسدة في صورة العلم بالفساد.
و أما المقبوض بالبيع الفاسد فالتسليط و إن كان عن رضا محض لعلمه بفساد العقد، لكنه ليس بعنوان إثبات يد الغير على ماله بحيث يبقى على حاله و ينتفع به كما في العارية حتى يكون تأمينا مالكيا بالأمانة بالمعنى الأعم، بل عنوان هذا
التسليط هو التسليط المطلق على جميع التصرفات المتلفة و غيرها فكيف يكون تأمينا مالكيا، إلا أن يقال بعدم شمول قاعدة اليد لليد المأذونة و عدم اختصاص الخارج باليد الأمانية، نظرا الى أن مقتضى الغاية أن العهدة إنما هي في مورد لا بدّ فيه من أداء المال الى مالكه، و المال الذي كانت اليد عليه بإثبات المالك عليه ليس أدائيا إلا إذا طالب به المالك بحيث ينتهي أمد الإثبات بمطالبته أو يقال بخروج مثل هذه اليد بالأولوية، فإنه إذا كان التسليط لمجرد الانتفاع مع بقاء العين موجبا لعدم فعلية الضمان، فالتسليط المطلق حتى في الإتلاف أولى بأن يكون مانعا عن الضمان، و لو لا هذان الوجهان لزم القول بالضمان مع التلف لقاعدة اليد و عدم الضمان مع الإتلاف لكونه بإذن مالكه فلا تعمه قاعدة الإتلاف قطعا، و هذا أيضا في نفسه مبعّد آخر لشمول قاعدة اليد لمثله، و اللّه أعلم.
فنقول:
منشأ الاشكال أمور:
أحدها: معارضة عموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)مع عموم الأخبار الناطقة بالمنطوق أو المفهوم بعدم الضمان بنحو العموم من وجه، و الترجيح للثاني لموافقته للشهرة بل لعله لم ينقل الخلاف إلا من بعض متأخري المتأخرين.
و (الجواب) ما حرر في محله من تقدّم أدلة العناوين الثانوية على أدلة العناوين الأولية إما بالحكومة و إما بالجمع العرفي أو بوجه آخر فلا نطيل الكلام بذكره للتسالم على التقديم في هذه الأعصار.
ثانيها: ما عن الجواهر من عدم كون الشرط شارعا بل هو كالنذر و العهد (2)، و مرجعه إلى عدم سببية الشرط، مع انه خلاف المعهود منهم في غير المقام و قد نصّ على نفوذه في العارية، و ليس هذا قياسا فان الضمان قابل للتسبب اليه وجودا و عدما، و الشرط لا يعقل أن يكون سببا تارة و غير سبب اخرى مع وحدة المسبب
فهذا الوجه كسابقه في وضوح البطلان.
ثالثها: كما في الجواهر أيضا أنه مناف لمقتضى الأمانة الآبية عن التضمين (1).
و (الجواب) أن التأمين تارة عقدي كالوديعة التي هي استنابة في الحفظ فيد الودعي يد المالك و لا معنى لكون الإنسان ضامنا لنفسه و أخرى تأمين خارجي بتسليطه للغير على ماله عن رضاه لاستيفاء المنفعة أو للانتفاع به أو للاتّجار به فقد اتخذه في هذه الموارد أمينا على ماله و هذا إنما يكون مع تجرّد التسليط عن كل شيء، و اما إذا سلطه على نحو جعل ماله في عهدته فهذا ضد التأمين فلا يكون التسليط تأمينا بنفسه حتى ينافي التضمين بل مع تجرده.
نعم إذا كانت العين أمانة شرعية فشرط ضمانها شرط مناف للأمانة، إلا أن المبنى غير صحيح كما تقدم، بل يمكن أن يقال إن ترخيص الشارع في وضع اليد على العين ليس ترخيصا أصليا نفسيا ليتمحض في التأمين على أى حال بل ترخيص على طبق تسليط المالك فاذا سلطه بقول مطلق كان ترخيص الشارع تأمينا و إذا سلطه بجعل العين في عهدته كان ترخيصه على طبق تسليط المالك لفرض التبعية في الترخيص.
رابعها: ان الشرط مناف لمقتضى العقد، و تحقيق الحال فيه ان المراد بمقتضى العقد تارة نفس مدلوله، و ليس مدلوله إلا تمليك المنفعة بالأجرة، و هذا المعنى لا اقتضاء فيه بالنسبة إلى الضمان و عدمه.
نعم إذا كانت الإجارة تمليك العين في مدة خاصة بجهة مخصوصة- كما قيل و نقلناه سابقا- أمكن دعوى اقتضاء العدم حيث إن الإنسان لا يضمن مال نفسه، إلا انه كما عرفت غير صحيح، و اخرى يراد بمقتضى العقد مقتضاه و لو مع الواسطة، و المفروض عدم الضمان بمقتضى بعض الأخبار من دون ملاحظة الأمانة المالكية أو الشرعية، فشرط الضمان مناف لمقتضى العقد بهذا المعنى المنطبق عليه عنوان
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 217.
الشرط المخالف للكتاب و السنة.
لكن حيث إن الشرط دائما يتعلّق إما بأمر لم يكن و إما بعدم أمر كان فلا بدّ من دعوى انقسام اللازم إلى مفارق و غير مفارق و إلى حكم غير قابل للتغير بعروض عنوان الشرط و نحوه و حكم قابل للتغير، فالمخالفة المانعة شرعا عن نفوذ الشرط هي المخالفة لما لا يتغير، و المنافاة المانعة عقلا عن نفوذ الشرط هي المنافاة للازم غير مفارق، فان انفكاكه محال، و لو لا استثناء الشرط المخالف أمكن أن يقال كما مرّ بالحكومة أو الجمع العرفي فإن مقتضاهما كون الحكم المرتب على العنوان الاولى حكم طبعي و موضوعه الماهية بشرط لا، إلا أن الاستثناء دلّ على أن الشرط قسمان و أن الحكم طور ان فلا بدّ من إحراز أحد الطورين، و عليه فلا بدّ من نفي حكم المستثنى بنفي عنوانه بأصالة عدم المخالفة بالعدم الأزلي، حيث لا حكم و لا شرط و لا مخالفة و لا يقين إلا بانقلاب عدم الحكم و عدم الشرط إلى النقيض مع الشك في تحقّق المخالفة بتحقّقهما فالأصل عدمها، و أورد عليه غير واحد بأن المخالفة أخذت في لسان الدليل بنحو وجودها الربطي لا بوجودها المحمولي و بنحو مفاد كان الناقصة لا التامة، فاستصحاب عدمها المحمولي و مفاد ليس التامة لا ينفي عنوان الخاص إلا بالملازمة العقلية، لأن بقاء العدم المحمولي إلى زمان وجود طرفي المخالفة ملازم عقلا لعدم كون الشرط مخالفا، فالأصل مثبت و لا نقول به.
و تحقيق الجواب عنه ما فصلنا القول فيه في باب الشروط من تعاليقنا على الخيارات للعلامة الأنصاري «قدّس سرّه»، و مجملة أن الوجود الرابط المقابل للوجود المحمولي هو ثبوت شيء لشيء المختص بالقضايا المركبة الإيجابية دون البسيطة، و هو غير الوجود الناعتى المختص بالأعراض الذي هو قسم من الوجود المحمولي لا قسيم له كما توهم، و العدم عين الليسية و الانتفاء فلا يعقل أن يكون رابطا كما أن الناعتية مختصة بطرف وجود العرض و العدم النعتي غلط، إذ لا حلول للعدم في الموضوع حتى يوصف بالناعتية كما توهم، كما أن النسبة الحكمية و هو كون هذا ذاك العامة لجميع القضايا المركبة و البسيطة مختصة بطرف الثبوت، فليست هناك حالة بين
الموضوع و المحمول بحيث تكون عين الليسية و الانتفاء فليس لنا عدم ناعتي و لا عدم رابط و لا نسبة سلبية بل المعقول من العدم في كل ذلك عدم الماهية التي من شأنها أن تكون موجودة في الموضوع و عدم الربط بين مبدأ المحمول و موضوعه و عدم مطابقة الموضوع لعنوان المحمول.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن السالبة المحصلة حيث إن مفادها سلب النسبة فهي كما بين في محله أعم من أن تكون سالبة بانتفاء المحمول و ان تكون سالبة بانتفاء الموضوع فليس المستصحب عدم المخالفة بنحو العدم المحمولي ليرد المحذور بل المستصحب عدم كون الشرط مخالفا و لو بعدم الموضوع، فلا منافاة بين كون المخالفة مأخوذة في القضية الإيجابية بنحو الوجود الرابط المتقوم بوجود الطرفين و كون عدمها أعم مما يتوقف على وجود الموضوع و مما لا يتوقف، حيث إن مفاد السالبة المحصلة دائما سلب النسبة لا النسبة السلبية.
نعم قد ذكرنا في باب الشروط ان هذا التصحيح صحيح فيما إذا كانت سالبة منطوقية و أما إذا كانت بالمفهوم فهي لها شأن آخر فان المفهوم تابع للمنطوق سعة و ضيقا و من جميع الجهات إلا في النفي و الإثبات، و إذا كان المنطوق متضمنا لمحمول مرتب على موضوع محقق فمفهومه سلبه عن موضوعه فيتمحض في السالبة بانتفاء المحمول، و مفاد الاستثناء الا شرطا خالف كتاب اللّه، و ليس في الأدلة كل شرط لا يخالف كتاب اللّه فهو نافذ حتى يحقق هذا المعنى و لو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بالاستصحاب، إلا أنه فيما أرسله في الغنية هكذا: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب و لا سنّة (1)، فيمكن إثبات عدم المنع منه في الكتاب و أنه شرط لم يمنع منه الكتاب و لو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لكنه لا وثوق بكونه غير ما ورد في سائر الأخبار، و اللّه أعلم.
و لشيخنا العلّامة الأنصاري «قدّس سرّه» (2)تقريب الأصل بوجه آخر و هو
أصالة عدم الحكم غير القابل للتغير و جعله مرجعا للأصل المتقدم، و لعلّه بالنظر إلى أن نفي عنوان المخالف تارة بنفي المبدأ و هو عدم المخالفة و اخرى بنفي الانتساب المقوم لعنوانية العنوان و ثالثة بنفي المعنون، و مآل الكل إلى نفي العنوان، و حيث إن الحكم الشخصي الذي هو مورد الكلام قد انقلب عدمه إلى الوجود فلا بدّ من إرجاع السلب إلى حيثية عدم قبوله للتغير فيعود محذور استصحاب العدم المحمولي، و إن أريد استصحاب عدم الحكم المخالف على وجه الكلية فهو لا يشخص حال هذا الحكم الذي تعلق بخلافه الشرط، فهو نظير أصالة عدم الكر في الحوض فإنها لا تشخص حال كرية الماء الموجود و عدمها إلا أن يقال إن الموارد تختلف من حيث اجداء الأصل الكلي و عدمه ففي مثل الماء المشكوك في الحوض حيث إن الغرض الحكم بعدم انفعاله بورود النجاسة عليه فلا بدّ من تشخيص حاله و في مثل الصلاة التي حدث في أثنائها ما يشك في مانعيته لا حاجة إلى إحراز حال ما بعد الحادث و إنما الغرض الحكم بصحة الصلاة و من البيّن أن الصلاة التي لم يحدث فيها مانع صحيحة و هو قابل للإحراز بالأصل و هنا كذلك فان الغرض عدم الحكم المخالف لهذا الشرط في الكتاب و إحرازه بالأصل ممكن و إن لم يحرز كون هذا الحكم الجزئي مخالفا أو غير مخالف فتدبّر.
و أما ما يورد عليه من معارضة الأصل المزبور بأصالة عدم الحكم القابل للتغير فمدفوع بأنه لا حاجة إلى إحراز الموافقة للحكم الذي يقبل التغير حتى يترتب على عدمه عدم كون الشرط موافقا فلا ينفذ و الوجه واضح، و قد بيّنا في باب الشرط أن المدار في النفوذ و عدمه على المخالفة و عدمها لا على الموافقة و عدمها فراجع، و من جميع ما ذكرنا تبين أن صحة شرط الضمان و إن كانت قوية إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه.
فنقول: الخيارات على أقسام (أحدها) ما ثبت للبيع بعنوانه بدليل يختص به كخيار المجلس و خيار الحيوان. (ثانيها) ما ثبت للبيع بدليل خاص و بدليل عام كخيار العيب بل و خيار التأخير و خيار الرؤية، فإن هذه الخيارات و إن كانت لها أدلّة خاصة بالبيع لكنها مشمولة لقاعدة نفي الضرر (1)العامة للبيع و غيره. (ثالثها) ما ليس له دليل خاص كالخيارات التي لا مدرك لها إلا قاعدة نفي الضرر العامة للبيع و غيره.
أما القسم الأول فلا يجري في غير البيع و الوجه واضح.
و أما القسم الثالث فيجري في البيع و الإجارة و غيرهما و الوجه واضح.
و أما القسم الثاني فهو بمقتضى عموم دليله العام و إن كان يثبت في الإجارة أيضا لكنه تفارق الإجارة البيع في هذا القسم بأمرين: (أحدهما) عدم ترتب حكمه الخاص كالأرش في العيب، فإنه على المشهور على خلاف القاعدة فلا يثبت في غير البيع، و كذا خيار التأخير، فإنه بمقتضى دليله الخاص مشروط بعدم اقباض المبيع و حدوثه محدود بمضي ثلاثة أيام، و لا يعتبر شيء منهما في غير البيع بل يدور مدار الضرر و لو مع اقباض المبيع و عدم مضى الثلاثة.
1) الوسائل: ج 17، باب 12، من أبواب إحياء الموات، ح 3، ص 341.
(ثانيهما) ان الخيارات الثابتة بعناوينها للبيع حق فسخ العقد كما هو معنى الخيار عند علمائنا الأخيار فيكون قابلًا للصلح عليه بشيء و قابلًا في حد ذاته للانتقال بالإرث و قابلًا للإسقاط و الشرط بخلاف ما ثبت بعنوان نفي الضرر فان المرفوع بالقاعدة هو اللزوم الضرري من دون إثبات حق بالقاعدة، و الجواز الذي هو بديل اللزوم حكم لا يقبل الأمور المتقدمة، و اما ثبوت تلك الأمور في خيار الغبن مع أن منشأه القاعدة فلأجل الإجماع على قبوله للإسقاط و نحوه فيكشف عن كونه حقا، مضافا إلى إمكان الاستدلال بما ورد في باب تلقي الركبان (1)من انهم بالخيار إذا دخلوا السوق و لا منشأ له إلا الغبن، و مع ثبوت الخيار بعنوانه يكون حاله حال خيار المجلس الذي هو ملك الفسخ عندهم، و هل يصح شرط أحد الخيارات المختصة بالبيع بعنوانه كخيار المجلس و الحيوان و نحوهما أو لا؟
و حيث إن قصور الدليل عن إثبات الخيارات الخاصة لغير البيع ليس مقتضيا لعدمها في غيره ليكون من الشرط المخالف للكتاب و السنة فلا مانع من هذه الحيثية إلا أن كل واحد من الخيارين المزبورين مخصوص بخصوصية، بحيث لو أريد إثباته بحده لم يكن قابلًا للثبوت بالشرط، و لو أريد إثبات مماثله من وجه بالشرط كان مرجعه إلى شرط الخيار لا إلى شرط خياري المجلس و الحيوان، مثلا خيار المجلس مغيّى بالافتراق غير المحدود بزمان معين فاشتراطه بحده شرط مجهول و مع تعيين زمان الافتراق بساعة مثلا كان مرجعه إلى شرط الخيار إلى ساعة، و يشهد له انه لو مضت الساعة و لم يفترقا لم يكن خيار و لو افترقا قبل ساعة لم يكن الباقي خيار المجلس، و كذا خيار الحيوان، فان له خصوصية بحيث لو تلف المبيع انفسخ البيع و إن حدث به حدث كان في عهدة البائع، فإن اشترط خيار ثلاثة أيام فقط فهو شرط الخيار الذي لا اختصاص له بالحيوان و لا بالمشتري، و إن اشترط ذلك الخيار المخصوص بحكم خاص فمثله غير قابل للاشتراط هنا، فان تلف المبيع فحيث إنه ملك المشتري
1) جواهر الكلام: ج 12، ص 326.
فالقاعدة تقتضي أن يكون التلف منه، و مع ذلك يختص التلف في الثلاثة بكونه من البائع بانفساخ العقد، و هنا العين ملك المؤجر و تلفه منه من دون انفساخ.
نعم تبطل الإجارة حيث لا منفعة واقعا حتى تملك و تملّك، و بطلان الإجارة غير الانفساخ و اما ضمان الحدث فهو و إن كان قابلًا للاشتراط و ليس كالانفساخ حكما غير قابل للاشتراط إلا أن العين هنا ملك المؤجر و تلف وصفه من مالكه فاشتراط كونه منه لغو، فشرط خيار الحيوان بحده غير معقول، و شرط خيار ثلاثة أيام فقط ليس من شرط خيار الحيوان.
نعم كل خيار- لا يشتمل على محذور كخيار التأخير- لا مانع منه كما إذا اشتراط الخيار مع عدم اقباض العين بعد مضي ثلاثة، فإنه ليس فيه محذور لا من حيث التقييد بعدم اقباض العين و لا من حيث التحديد بمضي الثلاثة، و كخيار العيب، فإنه لا يمتاز عن غيره إلا بالأرش و اشتراط الخيار- بين الفسخ و الإمساك بالأرش- لا مانع منه لصحة اشتراط التدارك بما به التفاوت.
اعلم انه ذكر المحقق «قدّس سرّه» في الشرائع شروطا خمسة و هي: معرفة الأجرة إذا كانت من المكيل و الموزون بالكيل و الوزن، و مملوكية المنفعة، و معلومية المنفعة، و إباحة المنفعة، و كونها مقدورا على تسليمها (1).
و زاد عليها بعض أعلام العصر شروطا أخر من بقاء العين باستيفاء المنفعة (2)فلا تصح إجارة الخبز للانتفاع بأكله و من صلاحية العين للانتفاع بها، فلا تصح إجارة الأرض للزراعة مع عدم إمكان وصول الماء إليها و من إمكان استيفاء المنفعة فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد، و الظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإضافات، لأن بعضها من مقوّمات الإجارة و بعضها مندرج في أحد الشرائط السابقة.
أما مسألة إجارة الخبز للأكل فهي خارجة عن حقيقة الإجارة، لأن المنافع حيثيات و شئون للعين تستوفى منها تدريجا و ليس للخبز هذا الشأن و أكله إتلافه لا استيفاء شأن من شئونه.
و أما إجارة الأرض للزراعة فإن استيفاء المنفعة تابع لا مكانها في مدة الإجارة، و حيث لا تصلح الأرض للزراعة فعلا فهي غير واجدة لهذه المنفعة، و الكلام في
شرائط نفوذ الإجارة لا في مقومات حقيقة الإجارة، فما لا منفعة له لا تعقل في حقه حقيقة الإجارة.
و أما مسألة كنس الحائض فهي منفعة غير مباحة و إذا عممنا المملوكية إلى ملك التصرف فهي لا تملك هذه المنفعة من نفسها حتى تملكها فهي داخلة في الشرائط المتقدمة، فالأولى اتباع ما في الشرائع و نحن نتبع أثره في ذكر الشرائط في طيّ مسائل:
و ليعلم أن مانعية الجهالة بما هي لا دليل عليها حتى في البيع و مانعيّة الغرر في البيع و إن كانت منصوصة بقوله عليه السّلام «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر» (1)إلا انه لا دليل عليها في غيره إلا ما أرسله الشهيد «قدّس سرّه» في القواعد و هو قوله عليه السّلام «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر» (2)و انجباره بعمل الأصحاب غير معلوم إلا بملاحظة انهم يمنعون عن الغرر مطلقا مع انه لا مدرك له إلا هذا المرسل فيظن باستنادهم اليه، مع إمكان استفادة المناط من نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر و عدم خصوصيته في نظرهم للبيع، كما أن أدلة اعتبار الكيل و الوزن مختصة بالبيع فلا موجب لاسرائه إلى غيره مع ارتفاع الغرر بالمشاهدة، و منه تعرف ان استحسان كفاية المشاهدة كما في الشرائع (3)ليس بذلك البعيد. نعم إذا قلنا بعموم رفع الغرر فطريق رفعه مختلف في نظر العرف، و لا يرتفع الخطر في نظرهم عن المكيل و الموزون إلّا بكيله و وزنه، فإن الأغراض النوعية
العقلائية في باب المعاوضات كما تختلف باختلاف الأشياء من حيث الذات و الحقيقة و من حيث الكيف و الصفة كذلك من حيث الكم و المقدار، و لا يرتفع الغرر من هذه الحيثية إلا بالكيل و الوزن، و قد ذكر المحقق «قدّس سرّه» بمناسبة الأجرة أحكاما و إن لم تكن من فروع شرطية معرفة الأجرة و نحن نذكر تلك الأحكام في طيّ مباحث:
بمقتضى سببية العقد و عدم اشتراطه شرعا بشيء كالقبض في بيع الصرف و السلف، و لا إشكال و لا خلاف فيه عندنا، و ما ينسب إلى ظاهر القواعد من الفرق بين شرط التأجيل و عدمه لا منشأ له إلا تعبيره باستقرار الأجرة، و الظاهر أن الوجه فيه كون العقد بسبب شرط التأجيل في معرض الانحلال بسبب التخلف و اعمال الخيار، و هذا غير توقف الملك على انقضاء الأجل. نعم عن جماعة من العامة حصول الملك تدريجا باستيفاء المنفعة تدريجا، نظرا إلى ان المنافع معدومة و المعدوم لا يملك و حيث انها تدريجية الوجود فيعقل حصول ملك المنفعة الموجودة تدريجا بتدريجه الوجود، و حيث إن الإجارة معاوضة فلا يعقل ملك تمام الأجرة دفعة و ملك ما يقابلها تدريجا فلا محالة تملك الأجرة تدريجا لا دفعة بالعقد، و قد قدمنا فساد المبنى في أوائل كتاب الإجارة، و أن الملكية الشرعية و العرفية ليست من الاعراض المقولية الخارجية حتى تتوقف على موضوع محقق في الخارج بل من الاعتبارات فراجع، مع ان لازم التقريب المزبور انه لا تملك المنافع إلا باستيفائها و إلا فلا وجود لها، و عليه فلا تصح الإجارة مع عدم الاستيفاء في تمام المدة و حينئذ لا يستحق المؤجر شيئا من الأجرة بالعقد بل بالضمان و تفويت المنافع.
المعروف هنا و في باب البيع انه مع عدم اشتراط التأجيل يجب التعجيل مع إطلاق العقد و مع اشتراط التعجيل الذي هو مؤكد لما يقتضيه إطلاق العقد، و توضيح المقام برسم أمور.
و في البيع تمليك العين
بالعوض، و من المسلم عندهم انه ليس في البيع بالثمن المؤجل و لا في الإجارة بالأجرة المؤجلة تعليق في تمليك العوض و لا تقييد في المملوك بالأجل، لما في الأول من التعليق في العقود الممنوع عنه فيها و لما في الثاني من عدم قبول الأعيان للتحدد بالزمان فلا معنى للدرهم الغدى بحيث يكون ظرفا لنفسه نظير الواجب المعلق فاذا لم يكن تعليق و لا تقييد في المؤجل فلا معنى لإطلاق العقد من حيث مدلوله لنفى التعليق و التحديد في ما لم يؤخذ فيه أجل.
الأول: عموم «الناس مسلطون على أموالهم» (1)لأن سلطان الغير على الامتناع مع مطالبة المالك مناف لسلطان مالكه فوجوب التسليم حينئذ من لوازم الملك الذي هو مدلول العقد كما ان شرط التأجيل تقييد من المالك لسلطانه على ماله فالعقد يدل بالمطابقة على الملك و بالالتزام على وجوب التسليم عند المطالبة إلا ان لازم هذا الوجه عدم جواز امتناع كل من المالكين مع امتناع الآخر، لأن ظلم أحد و معصيته لما يجب عليه لا يسوّغ ظلم الآخر و معصيته.
الثاني: الالتزام الضمني بالتسليم بإزاء التسليم المستكشف ببناء العقلاء في باب المعاوضات، فان بناءهم على التمليك بإزاء التمليك و التسليط الفعلي بإزاء التسليط الفعلي على ما أوضحنا حاله في مباحث القبض من التعليقة على الخيارات (2)و لذا لكل منهما الامتناع من التسليم مع امتناع الآخر و عدم استحقاق الامتناع مع بذل الآخر إلى غير ذلك من فروعه، و التأجيل يقيّد هذا المعنى و ينتفي معه الالتزام الضمني المزبور فيبقى عموم دليل السلطنة بالإضافة إلى الآخر على حاله، فإطلاق العقد في قبال هذا التقييد بالنظر إلى ما اشتمل عليه من الالتزام بالتسليم المعاوضي يقتضي استحقاق التسليم حالا.
بعضها مؤكد لإطلاق العقد و بعضها غير مؤكد.
أحدها: اشتراط الإسراع في الأداء عند المطالبة، و هذا هو الذي كان يقتضيه إطلاق العقد وجوبا تارة و استحقاقا اخرى، و هذا هو المتعارف من اشتراط التعجيل في مقابل الإهمال و المسامحة في التسليم.
ثانيها: اشتراط الإسراع في الأداء طالب أم لم يطالب، و هذا مما لا يقتضيه العقد بمدلوله الالتزامي على الوجهين، فان مقتضى سلطنة الناس على أموالهم عدم سلطان الغير على الامتناع مع المطالبة، فإنه المنافي لسلطان الغير على المطالبة دون عدم التسليم مع عدم المطالبة، فإنه ليس فيه مزاحمة لسلطان المالك حتى يكون منفيا بالالتزام، و كذا استحقاق التسليم المعاوضي المتحقق بالالتزام الضمني حاله حال سائر الحقوق لا يقتضي أداء الحق الا عند مطالبته.
ثالثها: شرط حق التعجيل بطور شرط النتيجة، و هو غير مؤكد لمقتضى إطلاق العقد على الوجهين، فان المراد من كونه مؤكدا أن التعجيل الذي يقتضي إطلاق العقد وجوبه يقتضي الشرط وجوبه و كذا التعجيل الذي يقتضي إطلاق العقد استحقاقه يقتضي الاشتراط استحقاقه، فالوجوب و الاستحقاق أثر تعلق الشرط لا متعلق الشرط كشرط حق التعجيل.
رابعها: ما أضاف إلى ما ذكر بعض الأعلام «قدّس سرّه» و جعله مؤكدا للعقد و هو: «اشتراط عدم حق التأخير بنحو النتيجة، نظرا إلى أن التعجيل في قبال التأجيل، و شرط الأجل مقتضاه حق التأخير، و مقتضى إطلاق العقد عدم حق التأخير الذي هو شأن التأجيل المقابل للتعجيل، فشرط عدم حق التأخير شرط مؤكد لمقتضى إطلاق العقد» (1).
و فيه (أولا) أن الحق جعلي قابل للإثبات بالشرط، و عدم الحق ليس كذلك
1) راجع كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي: ص 84 في ذيل الشرط الثاني.
إلا إذا كان هناك مقتض لثبوته فيكون شرط عدمه إبداء للمانع عن ثبوته كشرط عدم الخيار في العقد المقتضي له، و ليس هنا مقتض لحق التأخير حتى يعقل شرط عدمه، بل لا حق هنا لعدم علته.
و (ثانيا) ان هذا الشرط لغو على أي تقدير، فإنه شرط النتيجة فاما ان يؤثر و اما لا يؤثر فمع تأثيره لا أثر له إلا الخيار الذي لا يعقل ترتبه مع عدم تخلف الشرط و مع عدم تأثيره فالأمر أوضح، و بالجملة إنما تتصور الفائدة لشرط التعجيل من حيث إنه يوجب تخلفه أو التخلف عنه الخيار و هو يتصور في شرط الوصف و شرط الفعل دون شرط النتيجة الذي له التأثير و عدمه لا التخلف على الوجهين حتى يترتب عليه الخيار، و اما قبول الحق للإسقاط فهو فرع الصحة و لا يعقل إلا في اشتراط الحق لا في اشتراط عدمه إذ ليس هنا شيء يقبل الاسقاط، و الاستحقاق الذي هو اثر الشرط كما عرفت فرع صحة متعلقة فتدبر جيدا.
(خامسها) اشتراط التعجيل المقابل لاشتراط التأجيل فكما في الثاني يستحق المستأجر تسلم المنفعة قبل تسليم الأجرة فكذا في الأول يستحق المؤجر تسلم الأجرة قبل تسليم المنفعة، و هذا الشرط غير مؤكد لإطلاق العقد المبنى على التسليم المعاوضي من الطرفين بل مناف له على حد منافاة شرط التأجيل، و لا مانع من صحته كعدم منافاة شرط التأجيل، لمنافاة كليهما للإطلاق لا للعقد كما في نظائره.
بشرط أن يكون الأجل مضبوطا، فالكلام في أمرين:
(أحدهما) في صحة الشرط و قد عرفت انه لا مانع إلا توهم منافاته لمقتضى العقد، و قد عرفت ان كون الأجرة حالّة مقتضى إطلاق العقد من حيث مدلوله الالتزامي لا انها مقتضى حقيقة الإجارة حتى على احتمال رجوع التأجيل إلى التعليق في الملكية أو إلى التحديد في المملوك كما احتملهما شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» في تعاليقه على كتاب الخيار، فان التنجيز و عدم التحديد أيضا لازم إطلاق الملكية و إطلاق المملوك، و قد علم من صحة التأجيل في البيع أن التعجيل
ليس من اللازم غير المفارق حتى يدخل اشتراط الأجل في مخالفة الكتاب و السنة، و اما ما عن بعض العامة من أن المنفعة إذا كانت كلية في الذمة فتمليكها من السلم في المعنى فلا بد من اقباض عوضها حالا فهو على فرض صحته لا يوجب إلحاق الإجارة ببيع السلم المشروط بإقباض الثمن حالا.
(ثانيهما) في مضبوطية الأجل المشترط، و الكلام فيه تارة من حيث مانعية الجهالة عن نفوذ الشرط و اخرى في فساد الإجارة بنفس اشتراط الأجل المجهول من حيث سرايته إلى الأجرة المقوّمة لحقيقة الإجارة. و العمدة هو الثاني، فإنه لو لا السراية لم تبطل الإجارة بفساد الشرط على ما هو المحقق عند المحققين من عدم فساد العقد بفساد شرطه، اما الأول فمبني على صحة ما أرسله الشهيد من نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر (1)، مضافا إلى دعوى انصرافه إلى الالتزامات المعاملية المستقلة في التحصل دون مثل الشرط الذي هو التزام ضمني تبعي خصوصا إذا لم يكن متعلقة مالا فإنه لا غرر فيه و لا خطر من حيث عدم ذهاب ماله هدرا بل فيما إذا كان مالا أيضا لا غرر، لأنه غير مقابل بالمال ليذهب هدرا بذهاب مقابله، و ليس مجرد عدم وصول المال المشترط خطرا و ضررا.
نعم إن عمّمنا الخطر و الضرر إلى نقض الغرض المعاملي فوقوعه مع الجهل في نقض غرضه الواقع موقع الالتزام وقوع في الخطر و الضرر، و اما الثاني و هو سراية الجهالة من الشرط إلى العقد فيكون العقد غرريا فيفسد من ناحية غرريته و إن لم تكن غررية الشرط منهيا عنها، فمجمل القول فيه أن الشرط تارة بمعنى التقييد و اخرى بمعنى الالتزام في ضمن الالتزام البيعي أو الإجاري.
أما إذا كان بمعنى التقييد و ورد العقد على المقيد سواء كان قيدا للمعوض أم للعوض فلا محالة يكون أحد العوضين غرريا بذاته، و إذا ورد التقييد على أحد العوضين كما في التوصيف الذي يوجب تخلفه الخيار فلا غرر في ذات أحد العوضين
1) القواعد و الفوائد: ج 2، ص 61 القاعدة 164.
بل في شأن من شئونه، فالمبيع أو الثمن مثلا غرري عرفا وصفا لا ذاتا.
و على أى تقدير فشرط الأجل ليس كذلك لما عرفت من عدم تحدد الأعيان بالزمان فلا معنى للدينار المؤجل، و اما إذا كان بمعنى الالتزام فجهالة الملتزم به ليست جهالة في أحد العوضين بذاتهما و لا بوصفهما، و ليس البيع إلا تمليك عين بعوض، فمع انحفاظهما و عدم ذهابهما هدرا لا معنى لسراية الغرر إلى البيع بما هو بيع و ليس الملتزم به في قبال أحد العوضين و لو لبا حتى يتحقق الغرر و الخطر بملاحظة ما يقابله، و دعوى- انه و إن كان عنوانا بنحو الاشتراط إلا انه لبا ضميمة لأحد العوضين- مدفوعة بأنه و إن كان داعيا إلى المعاوضة بين العوضين، لكنه يستحيل أن يكون ضميمة يقابل بجزء مما يقابله، إذ يستحيل أن تؤدي المبادي النفسانية المقصودة إلى خلاف ما يقتضيه التسبيب العقدي المعاملي فلم يبق إلا انه من الدواعي إلى تبديل أحد العوضين بالآخر.
نعم إذا أريد من الغرر في البيع الخطر في الاقدام المعاملي البيعي فالبيع الخاص المشتمل على الشرط المجهول خطري و إن لم يكن ذات البيع غرريا خطريا فكما أن كونه في ضمن العقد يوجب تخلفه الخيار في العقد كذلك يوجب غررية العقد و خطريته، و اللّه أعلم.
و هي إما كلية أو شخصية و العيب اما سابق على العقد أو على القبض، و تنقيح الكلام برسم أمور في المقام.
و البحث حينئذ تارة في الانطباق و اخرى في حكمه بعد تحققه.
أما الأول فالإشكال فيه من حيث إن المبيع إذا كان شخصيا و البيع واقع عليه على أي تقدير، لعدم قابلية البيع للتعليق الممنوع عنه شرعا و عدم إمكان تقييد الفرد حيث لا سعة فيه حتى يضيق فلا محالة ليس حاله إلا حال تخلف الوصف المأخوذ في الموصوف الشخصي و أثر تخلفه الخيار، بخلاف المبيع الكلي فإنه قابل للتضييق فإذا أخذ فيه وصف و لو مثل وصف الصحة و لو بالشرط الضمني فلا محالة يصير
الكلي حصة خاصة، و الحصص بما هي حصص متقابلات لا يعقل انطباق بعضها على بعض، و يندفع بان الوصف على قسمين، تارة يكون مقوما للمبيع فلا محالة لا يعقل انطباقه على غيره، و اخرى يكون وصفا محضا لا مقوّما فالمبيع ذات الكلي و ذات الكلي منطبقة على المعيب.
و أما الثاني فالمشهور فيه كما في «الشرائع» انه مخير بين الفسخ و الأبدال (1)، و ظاهر الفسخ في كلماتهم فسخ العقد لا فسخ الوفاء المساوق للابدال فحمل الفسخ على فسخ الوفاء و جعل الأبدال معطوفا بالواو كما في بعض نسخ الشرائع ليكون توضيحا لفسخ الوفاء بلا موجب.
فنقول: المستند في حكم المسألة إما قاعدة الضرر العامة للإجارة أو أخبار خيار العيب، ثم إلحاق الإجارة بالبيع بالإجماع و نحوه، فان كان المستند قاعدة الضرر فإثبات فسخ العقد بها معينا أو مخيرا مشكل، لأن العقد لم يقع على المعيب حتى يرتفع لزومه بل الضرر ناشىء من التطبيق و الوفاء فهو المناسب رفعه لأجل الضرر، و اما دعوى- استقرار البيع على الفرد المدفوع لأن الكلي عين فرده خارجا كما ادعاها غير واحد و حينئذ فلزومه ضرري، و حيث إن ضرر هذا البيع المستقر على الفرد يندفع بأحد الأمرين من رفع أصله و رفع استقراره حكم المحقق «قدّس سرّه» بالتخيير بين الفسخ و الأبدال و هي غاية تقريب مرامه «رحمه اللّه» فمدفوعة بأنه بعد تعلق المعاملة بالكلّي فتطبيق الكلي على فرده إما واسطة في استقرار المعاملة على الفرد بنحو الوساطة في العروض، لمكان اتحاد الكلي و فرده خارجا فينسب حكم الكلي إلى فرده، و إما واسطة بنحو الوساطة في الثبوت فالحكم يسري من الكلي إلى فرده حقيقة و بالذات لا بالعرض و المجاز.
و أما إذا أريدت الوساطة في العروض فهي صحيحة فالكلي مبيع بالذات و فرده مبيع بالعرض إلا انه لا يجدي الثبوت العرضي لثبوت حكم الكلي حقيقة،
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الثاني.
فلزوم العقد مثلا ليس حكما للعقد الأعم من الحقيقي و العرضي بل للحقيقي، و نسبة اللزوم عرضا غير مجدية كما هو واضح حيث لا لزوم له حقيقة حتى يرفع بالضرر.
و أما إذا أريدت الوساطة في الثبوت فهي غير معقولة لاستحالة خروج المعاملة التسببيّة القصدية المتعلقة بنفس الكلي و انقلابها و تعلقها قهرا بالشخص.
(لا يقال) فكيف يكون الفرد مملوكا فإن الوساطة في العروض غير مجدية لترتيب آثار الملك الحقيقي و الوساطة في الثبوت غير معقولة.
(لأنا نقول): حيث إن للمديون ولاية على أداء دينه بما يعينه فله تطبيق كلي المملوك في ذمته على فرده فيكون الكلي مملوكا بالذات بالبيع مثلا و الفرد مملوكا حقيقة بالتبع لا بالعرض بالوفاء و لكنه ليس للمديون الولاية على قلب المعاملة بين الكلي و عوضه إلى المعاملة بين الفرد و العوض، و لذا لا ريب في صحة تبرّع الأجنبي بأداء الدين من ماله مع انه لا شبهة في انه لا يكون المال المتبرع به مبيعا، و كذا الوارث يملك ما يأخذه من المديون مع انه ليس المأخوذ متروكا لمورثه و لا انتقاله إليه بالإرث كما لا يخفى، هذا كله إن كان المستند قاعدة نفي الضرر، و إن كان المستند أخبار خيار العيب المتكفلة للرد و الأرش.
فنقول: أما فسخ العقد فمبناه أحد أمرين: إما استقرار البيع فيكون المعيب مبيعا فتعمّه الأخبار، و قد مرّ دفعه، و إما شمول من اشترى شيئا للشخصي و الكلي، و يندفع بأن الشيء و إن كان يصدق على كل شيء إلا أن قوله «عليه السّلام» و به عيب أو عوار (1)يخصه بالشخصي حيث لا عيب في الكلي بل في ما أدّاه البائع وفاء عنه.
و أما فسخ الوفاء بأخبار خيار العيب فتقريبه كما في الجواهر في باب الصرف و السلف، أن العقد يستقر على ما تعين كلي المبيع فيه (2)إلا أن رد المعيب يختلف
مقتضاه، فان كان شخصيا فرده يستلزم انفساخ العقد لاستحالة زوال الملك المسبب عن العقد مع بقاء السبب، و إن كان كليا تعين في فرده، فردّ الفرد و استلزامه لزوال ملكه عنه يستلزم زوال التطبيق المعين لملك الكلي فيه لا زوال العقد، لعدم الملازمة بين زوال الملك عن الفرد و زوال الملك عن الكلي، و عليه فاذا شملته أخبار ردّ المعيب و المفروض ان طرفه هو الإمساك بالأرش صح القول بالتخيير بين الأبدال و الإمساك بالأرش.
قلت: أما استقرار البيع لتعمّه أخبار خيار العيب فقد مرّ ما فيه، و أما تعميم الرد إلى ردّ العقد و ردّ الوفاء بحسب مقتضيات المقامات ففيه ان ظاهر أخبار خيار العيب انه له الردّ و استرجاع الثمن و لا يكون ذلك إلا في ردّ المعيب و فسخ العقد، و من جميع ما ذكرنا يتضح انه لا مجال إلا للابدال فقط بقاعدة نفي الضرر لا بأخبار خيار العيب، هذا إذا أمكن الأبدال.
و أما إذا تعذر فلا فائدة في فسخ التطبيق حيث لا يندفع به الضرر، فهل له فسخ أصل العقد كما هو المشهور في باب السلم عند تعذر المسلم فيه و به بعض الأخبار أو يجب عليه الصبر و الانتظار كما هو الشأن في الدين الذي لا يتمكن من وفائه أو له مطالبة القيمة، فإن للمشتري مثلا إسقاط الخصوصية و مطالبة المالية التي يستحقها في ذمته؟ وجوه أوفقها بالقواعد هو الأخير، إذ التعذر لا يوجب صيرورة اللزوم ضرريا بعد وقوع العقد على الكلي، و خيار تعذر التسليم إنما المتيقن منه تعذر تسليم الشخصي الذي لا دافع لضرره إلا الخيار حيث لا يستحق عليه المالية بل ماله بنفسه متعذر، و ليس كالدين الذي لا يتمكن من أدائه حتى ينتظر الميسرة لفرض تمكنه من أداء القيمة إلا أن ظاهر المشهور فيما يشبه المقام هو الخيار من باب تعذر التسليم لا من باب خيار العيب و اللّه أعلم.
و المعروف بل ادعي عدم الخلاف فيه أن حالها حال البيع في الرد و الأرش، فإن كان إجماع في المسألة فهو و إلا فلا موجب للأرش، فإن قاعدة نفي الضرر كما مرّ مرارا لا تنفي إلا اللزوم فلا
تجدي لتحقيق حق الخيار فضلا عن استحقاق الأرش، و أخبار خيار العيب مختصة بالبيع بل بالمبيع المعيب دون الثمن و الحق به الثمن هناك للإجماع على اشتراكهما في الحكم.
نعم إن كان تدارك وصف الصحة بالأرش على القاعدة فهي مطردة في جميع موارد فوات وصف الصحة إلا أنه في غاية الإشكال كما فصلنا القول فيه في تعاليقنا على خيار العيب فراجع.
ان الظاهر من غير واحد انه لا فرق في العيب بين كونه سابقا على العقد أو سابقا على القبض، و هو فيما إذا كانت الأجرة كلية واضح، إذ المناط تطبيق الكلي على المعيب فاللازم سبقه على القبض من دون دخل لسبقه على العقد.
و أما إذا كانت الأجرة شخصية فسبقه فيها على العقد يوجب ورود العقد على المعيب فتعمه أخبار خيار العيب في البيع و قاعدة الضرر هنا و يرتفع لزومه.
و أما مع حدوثه بعد العقد و قبل القبض فلا تعمّه أخبار خيار العيب، لأن موردها من اشترى شيئا و به عيب أو عوار فالعيب الحادث بعد العقد حادث في ملك المشتري، و لا قاعدة الضرر، لأن مورد العقد لم يكن ضرريا حتى يرتفع حكمه فالضرر الحادث قبل القبض كالحادث بعده، و كون إمساكه ضررا على المشتري أو على المؤجر هنا لا يقتضي تحميل الضرر على البائع و المستأجر مع حدوث الضرر بعد صيرورته ملكا للمشتري و للمؤجر، فلا مناص من تصحيح ذلك في البيع بقاعدة التلف قبل القبض ثم إلحاق الإجارة بالبيع.
فنقول: قوله عليه السّلام «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (1)أما يراد منه كونه من مال بايعه حكما فخسارته و دركه عليه كما عن الشهيد الثاني «رحمه اللّه» (2)و تبعه غيره و أما يراد منه انه يتلف منه حقيقة، و لا يكون كذلك إلا إذا
قدّر قبل التلف ملكا له، و هو مع بقاء العقد على حاله يوجب اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة فلا محالة يلتزم بانفساخ العقد قبل التلف و رجوعه إلى البائع، فإن قلنا بالأول مع عموم التلف لجميع مراتبه ذاتا و وصفا كلا و بعضا فمفاده في الجميع لزوم غرامة الكل في تلف الكل و غرامة الجزء في تلفه و تدارك ما به تفاوت الصحيح و المعيب في تلف الوصف، و مقتضاه فيما نحن فيه تعين الأرش لا تعين الرد و لا التخيير بينهما، و إن قلنا بالثاني كما هو المشهور فالالتزام بمقالة المشهور من انفساخ العقد في تلف الكل و الجزء و اجراء حكم خيار العيب في تلف الوصف في غاية الإشكال، و غاية ما يقال في تقريبه ما عن شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في مباحث التلف قبل القبض (1)و هو أن مقتضى كونه من مال بائعه حقيقة فرض العقد كأن لم يكن قبل التلف، و مقتضاه في تلف الكل انه يرد التلف على ما لا عقد له فيكون ملك بايعه، و في تلف الجزء كأنه لا عقد عليه بالخصوص فينفسخ العقد بالنسبة إلى الجزء التالف دون غيره.
و في تلف الوصف له اقتضاء ان: أحدهما انفساخ العقد عن الموصوف بما هو موصوف فيرجع الانفساخ إلى حيثية الوصف التالف. و الثاني استقرار العقد على ذات الموصوف الفاقد للوصف حيث لا موجب لزوال العقد عنه، و مقتضى استقرار العقد على المعيب إجراء أحكام خيار العيب عليه، فنلتزم حينئذ بالانفساخ في جميع مراتب التلف كما هو ظاهر النبوي مع الالتزام بأحكام خيار العيب، لأنه لازم انفساخ العقد في الوصف فقط إلا أن هذا التقريب غير وجيه ثبوتا و إثباتا.
أما ثبوتا فلأن كلا الجزئين من التقريب فيه محذور، أما الانفساخ فالبرهان قائم على أن ما لا عقد عليه لا حل له و ما لا عقد عليه استقلالا و بالذات لا حل له استقلالا و بالذات و من الواضح ان الوصف غير مملوك بالذات بل بالعرض لاستحالة ملك الوصف بما هو و إذا كان مملوكا بالعرض فهو معقود عليه بالعرض،
1) المكاسب: ص 313.
و كل ما بالعرض تابع لما بالذات ثبوتا و سقوطا عقدا و حلا، فاذا فرض شمول التلف لجميع المراتب و كون العقد منحلا في الوصف كان دليلا على انفساخ العقد في الموصوف، و ليس الانفساخ حكميا حتى يعقل التنزيل في ترتيب اثر الانفساخ في خصوص الوصف حتى يلزمه بقاء العقد على المعيب.
و أما اللازم الآخر و هو إجراء أحكام خيار العيب فلأن ظاهر أخباره ورود البيع على المعيب لا تعيّب المبيع بقاء، و حيث إن العقد واقع و زواله عن ذات الموصوف بلا موجب عنده «قدّس سرّه» فليس لازم الانفساخ في الوصف إلا بقاء العقد على ما زال وصفه المحقق عند حدوث العقد، فلا موجب لإجراء أحكام خيار العيب، و لا دليل على تنزيل بقاء العقد على المعيب منزلة حدوثه، فان المفروض دلالة النبوي على الانفساخ الحقيقي من دون تضمنه لتنزيل، فلا بد من الالتزام بما هو لازم الانفساخ، و لازم الانفساخ الحقيقي ليس إلا بقاء العقد على ما هو معيب لا تنزيل البقاء منزلة الحدوث، هذا كله فيما يتعلق بمقام الثبوت.
و أما إثباتا فلأن ظاهر قوله صلّى اللّه عليه و آله: «كل مبيع» (1)ما هو مبيع بالحمل الشائع و ليس هو إلا الكل و الجزء فتلف مثلهما موجب للانفساخ دون تلف الوصف الذي ليس مبيعا بالحمل الشائع بل وصف له، و وصف المبيع بالتلف حينئذ من باب وصف الشيء بحال متعلقة، و من جميع ما ذكرنا تبين انه بناء على وفاء مقام الإثبات لا بد من القول بالانفساخ دون الرد و الأرش، فلا دليل على الرد و الأرش بل الرّد أولى بلا إشكال، إذ على القول بمقالة الشهيد الثاني «رحمه اللّه» في مفاد النبوي (2)يتعين خصوص الأرش كما عرفت.
و توضيح القول فيه: ان العناوين المحكومة في الاخبار بأحد الأمرين ستة: الدار و البيت و هما بمعنى واحد، و الحانوت و الأجير و الرحى و السفينة و الأرض، أما الدار و البيت و الحانوت و الأجير
فقد نصّ على حرمة فضل الأجرة فيها من دون ما يصلح للمعارضة و أمّا الباقي فإمّا لا دليل على حرمته أو معارض بأقوى منه.
فنقول: أما حرمة إيجار الدار و الحانوت و الأجير بأكثر مما استؤجر به فهي منصوصة في خبر ابى الربيع الشامي حيث قال عليه السّلام: «ان الأرض ليس مثل الأجير و لا مثل البيت، ان فضل الأجير و البيت حرام» (1). و في خبر ابي المغراء: «ان هذا ليس كالحانوت و لا الأجير، ان فضل الحانوت و الأجير حرام» (2)، و في خبر إبراهيم بن المثنى: «ان الأرض ليست بمنزلة الأجير و البيت، ان فضل البيت حرام و فضل الأجير حرام» (3)، و لا ريب في ظهور الحرمة في هذا المعنى المقابل للكراهة كما في الاستعمالات القرآنية كقوله تعالى «وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (4)«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» (5)«قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً» (6)«قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ» (7)إلى غير ذلك و كذا في الأخبار، بل ظهور هذه المادة في مقابل الكراهة في الصدر الأول كان أقوى من ظهور النهي و نحوه كما يظهر من سؤال (8)
سأل المهدي أبا الحسن عليه السّلام عن الخمر هل هي محرمة في كتاب اللّه عزّ و جلّ فان الناس إنما يعرفون النهي عنها و لا يعرفون التحريم لها؟ فقال له أبو الحسن عليه السّلام: بل هي محرمة في كتاب اللّه عزّ و جلّ يا أمير المؤمنين، فقال له في أي موضع هي محرمة في كتاب اللّه عزّ و جلّ يا أبا الحسن؟ فقال قول اللّه عزّ و جلّ «إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» سورة 7 آية 32- فأما قوله مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا يعنى الزنا المعلن، و نصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية، و اما قوله عزّ و جلّ وَ مٰا بَطَنَ يعنى ما نكح الآباء لأن الناس كانوا قبل ان يبعث النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا كان للرجل زوجة و مات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن امه فحرم اللّه عزّ و جلّ ذاك، و اما الإثم فإنها الخمرة بعينها، و قد قال اللّه تبارك و تعالى في موضع آخر «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ» سورة 2 آية 219- فأما الإثم في كتاب اللّه فهي الخمر و الميسر و إثمهما كبير كما قال اللّه عزّ و جلّ، قال فقال المهدي: يا علي بن يقطين هذه و اللّه فتوى هاشمية، قال فقلت له: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين الحمد للّه الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت، قال فو اللّه ما صبر المهدي ان قال لي صدقت يا رافضي. (راجع بحار الأنوار: ج 48، ص 149، ح 24).
المهدي العباسي من1) الوسائل: ج 13، باب 20، من أبواب أحكام الإجارة، ح 2 و 3، ص 259.
2) الوسائل: ج 13، باب 20، من أبواب أحكام الإجارة، ح 4، ص 260.
3) الوسائل: ج 13، باب 20، من أبواب أحكام الإجارة، ح 5، ص 260.
4) البقرة: 275.
5) المائدة: 3.
6) الأنعام: 145.
7) الأعراف: 33.
8) في البحار- باب مناظرات الامام موسى بن جعفر عليه السّلام مع خلفاء الجور- عن الكافي: أبو علي الأشعري عن بعض أصحابنا و علي عن أبيه جميعا عن ابن البطائني عن أبيه عن على بن يقطين قال:
الامام موسى الكاظم عليه السّلام، و لا موهم لمعارضة هذه الأخبار إلا ما في حسنة الحلبي: في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به، قال عليه السّلام «لا يصلح ذلك إلا أن يحدث فيها شيئا» (1)، و من الواضح أنّ لا يصلح و إن كان صالحا لإرادة الكراهة إلا انه ليس ظاهرا فيها فهو لا اقتضاء من حيث إفادة الحرمة لا انه مقتض لعدمها حتى يعارض قوله عليه السّلام: (حرام) في غير واحد من الاخبار (2).
و أما حكم الرحى و السفينة و الأرض فنقول: أما الرحى ففيها روايتان:
موثقة أبي بصير (3)و حسنة سليمان بن خالد أو صحيحته و المضمون واحد تقريبا.
قال الصادق عليه السّلام: «إنى لأكره أن استأجر الرحى وحدها ثم أو أجرها بأكثر مما استأجرتها به إلا أن أحدث فيها حدثا إن أغرم فيها غرما» (4)، و من الواضح أن الكراهة في لسان الأخبار، و إن لم تتعين لمعناها المقابل للحرمة إلا أنه لا دلالة لها أيضا على خصوص الحرمة بل المتيقن مطلق المرجوحية المساوقة للكراهة عملا، و اما السفينة ففيها رواية واحدة عن إسحاق بن عمار عن جعفر عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام أن أباه كان يقول: «لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئا» (5)، فإنها بمفهومها
1) الوسائل: ج 13، باب 22، من أبواب أحكام الإجارة، ح 4، ص 263.
2) كما تقدّم في خبر ابي الربيع الشامي، و ابي المغراء، و إبراهيم ابن المثنى، في الصفحة السابقة.
3) الوسائل: ج 13، باب 22، من أبواب أحكام الإجارة، ح 5، ص 263.
4) الوسائل: ج 13، باب 20، من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 259.
5) الوسائل: ج 13، باب 22، من أبواب أحكام الإجارة، ح 2، ص 263.
تدل على ثبوت البأس في الثلاثة، و دلالتها على الحرمة بعد ظهور البأس في نفسه في الحرمة متوقفة على اشتراك الأرض مع الدار في الحكم حتى يكون الحكم في الكل حرمة الإيجار إلا أنه سيجيء إن شاء اللّه تعالى ان حكم إيجار الأرض هي الكراهة فلا محالة يكون المراد من البأس هو الجامع بين الحرمة و الكراهة، فلا دلالة للرواية على حرمة إيجار السفينة بأكثر مما استأجرها به.
و أما الأرض ففيها طوائف من الأخبار (الأولى) ما يدل على الجواز مطلقا كما في صدر رواية أبي الربيع الشامي (1)و ابي المعزى (2)و ابن المثنى (3)المشتمل على عدم البأس، و ان الأرض ليست كالبيت و الحانوت و الأجير.
و (الثانية) ما يدل على عدم جواز إجارتها و جواز مزارعتها بالأكثر.
و (الثالثة) ما يدل على عدم جوازهما معا، و لا يمكن حمل الطائفة الأولى المطلقة على ما إذا أحدث فيها شيئا، لأن حرمة إجارة الدار و الحانوت أيضا مقيدة به فلا مجال لنفي المماثلة بين الأرض و الدار و الحانوت كما هو صريح الروايات المزبورة، و لا يمكن تقييدها بجواز المزارعة المعبر عنها في غير واحد من الأخبار بالإجارة، فإنه مع كونه خلاف الظاهر مخالف لنفي المماثلة بين الأرض و البيت و الحانوت أيضا، فإن ظاهره ان الأرض ليست كالبيت في الإجارة بالأكثر لا ان المزارعة ليست كالإجارة ليجوز فيها المزارعة بالأكثر.
فالصحيح في الجمع بين الطوائف الثلاث هو حمل الأخبار المانعة على الكراهة، لأن قوله- عليه السّلام: لا بأس- نص في الجواز فيقدم على ما هو ظاهر في المنع، كما أن الطائفة المفصلة بين الإجارة و المزارعة كروايتي الحلبي (4)و إسحاق بن عمار نص في جواز المزارعة فتقدم على رواية الهاشمي الناهية عن التقبيل بالأكثر بحمل المنع على مرتبة من الكراهة هي أخف من كراهة الإجارة بالأكثر، فالأقوى في المسألة حرمة الإجارة بالأكثر في الدار و الحانوت و الأجير و كراهة الإجارة بالأكثر في الرحى
و السفينة و الأرض إجارة و مزارعة بتفاوت مرتبة الكراهة فيهما، هذا على ما سلكناه من ملاحظة عناوين ما ورد في الأخبار حرمة و كراهة.
و اما على ما سلكه غير واحد من استفادة الكلية من الأخبار بجعل العناوين المتقدمة من باب المثال، و ان الحكم للعين المستأجرة بما هي و لذا عبر غير واحد في عنوان المسألة بإجارة العين المستأجرة بأكثر مما استأجرها به، فالصحيح هو الحكم بالكراهة في الكل بتفاوت بين الأعيان المستأجرة شدة و ضعفا، إذ بعد إلغاء الخصوصيات تكون نصوص الجواز و نصوص المنع من باب النص و الظاهر، و لا يمكن إبقاء الحرمة على حالها في خصوص البيت و الحانوت و الأجير بتوهم ان الدليل المتكفل للحرمة مخصص للكلية المستفادة من نصوص الجواز، و ذلك لأنه مناف لإلغاء الخصوصيات الموجب لورود المنع و الجواز على العين المستأجرة بما هي عين لا بما هي أرض أو بيت أو حانوت إلا ان إلغاء الخصوصيات دونه خرط القتاد، و حيث إن الحكم تحريما و كراهة على خلاف الأصول و القواعد فالأظهر الاقتصار على ما ذكرنا.
أحدهما ما إذا أحدث في العين المستأجرة حدثا. ثانيهما ما إذا اختلفت الاجرتان جنسا.
أما الأول: فهو منصوص في أغلب الروايات التي موردها الأرض و الرحى و السفينة فيقيد بها مطلقاتها، و لا مطلق فيها إلا الأرض و إلا فروايتا الرحى كلتاهما مقيدة به كما ان رواية السفينة كذلك، و أما روايات البيت و الحانوت و الأجير فهي مطلقة، و لعلّ السرّ في عدم تقييدها إما اشتمالها على الأجير الذي لا موقع فيه لإحداث الحدث و إما لأنها غير مسوقة لحرمة الثلاثة ليكون لها إطلاق بل لجواز إجارة الأرض و انها ليست كالبيت و الحانوت و الأجير في الحرمة، و الجواز المقابل للحرمة لا موقع فيه للاستثناء و إنما المحتاج إلى الاستثناء كراهة إجارتها، و المفروض ثبوت الاستثناء في أغلب الأخبار المتكفلة للمنع المحمول على الكراهة جمعا. و أما
الثلاثة المنصوص عليها بالحرمة فالأجير لا موقع للاستثناء فيه و الدار نص على الاستثناء فيها في بعض الأخبار و الحانوت و إن لم يرد نص بالاستثناء فيه إلا أن المظنون قويا انه كرديفه الدار في رفع الحرمة عنه باحداث الحدث فيه و اللّه أعلم.
و أما الثاني: و هو اختلاف الجنس في الأجرة فلم ينص عليه في النصوص.
نعم ربما يستفاد من لزوم التماثل في صدق الأكثرية، فمع الاختلاف لا يقال إن إحدى الأجرتين أكثر من الأخرى، و الظاهر ان صدق الأكثرية في ما يتمحض في المالية كالدينار و الدرهم غير منوط بالتماثل، حيث لا ريب في صدق الأكثرية إذا كانت إحدى الأجرتين عشرة دراهم و الأخرى عشرة دنانير، و اما فيما لا يتمحض في المالية كغير النقود فإنه، و إن لم يصدق أكثرية الحنطة من الأرز مثلا لكن مقام الثمنية و الأجرة مقام النقدين في التمحّض في المالية، فإنه لم يلاحظ في مقام عوضية شيء إلا انحفاظ مالية المعوض به، و الرغبات النوعية متوجهة نحو المعوض من حيث كونه حنطة أو شعيرا أو منفعة الدار الكذائية و العمل الكذائي، مضافا إلى عدم انحصار الأمر في الأكثرية بل يكفي صدق عنوان فضل البيت و فضل الحانوت و فضل الأجير فإذا كانت إحدى الأجرتين ذات فضل و زيادة على الأخرى في حيثية المالية صدق فضل المذكورات.
و اما توهم صدق الربا في المتجانسين دون المختلفين فهو ضعيف لعدم استجماعه لشرائط الربا في المتماثلين، مع انه لو قلنا بصدق الربا على مطلق الزيادة فإنما نقول به فيما إذا كان له مساس بالمعاملة الأولى كشرط الزيادة على الثمن بالتأجيل و لو في خارج المعاملة لا في مثل ما نحن فيه، و هل هو إلا كالبيع ثانيا بأكثر مما اشتراه به؟ و هو واضح، فالأقوى عدم اجداء اختلاف الجنس في رفع الحرمة في موردها و في رفع الكراهة في موردها.
أما الأول فلا ينبغي الإشكال في حرمته أو كراهته لفحوى ما دل على حرمة إيجار الكل بالأكثر أو كراهته. و أما الثاني فالكلام تارة في شمول الأدلة المانعة و اخرى في النصوص
الخاصة بالمقام.
أما شمول الأدلة العامة فعدم صدق الأكثر مع ملاحظة وحدة الأجرة واضح، و أما صدق الفضل فالظاهر أيضا عدمه لأن الظاهر فضل الأجرة لا الفضل على الأجرة، فانتفاعه بما عدا الحصة المستأجرة ثانيا و إن كان فضلا إلا انه ليس من فضل الأجرة في الإجارة الثانية، و توهم- ان مقتضى استيجار الدار بعشرة دراهم ان اجرة نصفها خمسة فإجارة نصفها بعشرة تزيد على الإجارة الأولى بخمسة- مدفوع بأن ظواهر جميع أخبار الباب ملاحظة الإجارة بنحو الوحدة و كذا ملاحظة الأجرة بنهج الوحدة لا تحليل الإجارة إلى إجارات و لا تقسيط الأجرة على الحصص.
و أما الأدلة الخاصة فمقتضى رواية الحلبي هو الجواز، قال عليه السّلام: «لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس و لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به» (1)، و هو صريح في الجواز في مفروض المسألة، و يظهر منه بمقتضى المقابلة ما ذكرنا من ملاحظة الأجرة بنحو الوحدة لا بنحو التقسيط، و عليه فما في مضمرة سماعة (2)الواردة في المرعى محمول على الكراهة كما هو مقتضى تقديم النص أو الأظهر على الظاهر خصوصا بملاحظة ان مورد الجواز هو الدار التي تختص بحرمة الإجارة بالأكثر و لا معارض فيها بالخصوص، و رواية المنع موردها إجارة الأرض التي حكمها الكراهة، و كراهة إجارة البعض بالمساوي في الأرض لا تقتضي حرمة إجارة البعض من الدار بالمساوي و لا كراهتها.
قالوا: لو استأجره ليحمل متاعا إلى مكان معين في وقت معين فان قصر عنه نقص من الأجرة شيئا معينا صح، و إن شرط سقوط الأجرة على تقدير عدم الإيصال في الوقت المعين لم يصح
و ثبتت أجرة المثل، و لتوضيح الفرق بين الصورتين لا بد من رسم أمور.
فنقول: أخذ الزمان المعين تارة بنحو الاشتراط بمعنى الالتزام في ضمن الإجارة مع كون المستأجر عليه مجرد حمل المتاع إلى المكان المعين و اخرى بنحو تقييد العمل المستأجر عليه فيكون العمل الخاص من حيث المكان و الزمان مملوكا بإزاء الأجرة المعينة في عقد الإجارة فإن كان الإجارة على نفس العمل و كان الإيصال في الزمان المعين شرطا فسواء تعذر عليه الشرط أم تخلف عن الشرط لم يكن للمستأجر إلا الخيار، فإن أمضاه و لم يفسخ كان عليه تمام الأجرة بمقتضى مقابلتها لنفس العمل و بقاء الإجارة على حالها، و إن فسخ العقد رجعت الأجرة بتمامها إلى المستأجر و رجع العمل الخاص المأتي به الذي هو بمنزلة تلف أحد العوضين بماليته إلى الأجير كما هو قضية الفسخ و رجوع كل من العوضين إما بنفسه أو بماليته إلى صاحبه الأول.
و إن كانت الإجارة على العمل الخاص زمانا و مكانا فله أقسام ثلاثة:
(أحدها) ما إذا كان العمل في ذلك اليوم متعذرا عليه ذاتا و امتناع صدوره منه عادة (ثانيها) ما إذا تعذر عليه عرضا مع إمكان صدوره منه لكونه موسعا من حيث مبدأه (ثالثها) ما إذا سامح و قصر حتى فات وقت إيصاله.
أما الأول فالإجارة فيه باطلة إذ ليس له هذا العمل الخاص فلا يعقل تمليكه و تملكه، و سيأتي حكم ما أتى به من العمل في غير ذلك الوقت.
و أما الثاني فالإجارة فيه صحيحة، و تعذر إيجاد العمل الخاص لعارض لا يوجب بطلان الإجارة و لا انفساخها من حين عروض العارض بل للمستأجر خيار تعذر التسليم، و لا يكون من التلف قبل القبض إذ الكلي لا تلف له بل حاله حال الكلي المتعذر في باب السلف من حيث اقتضاء الخيار، و عليه فللمستأجر إبقاء الإجارة و قبول العمل المأتي به وفاء عما له على الأجير بإسقاط الخصوصية كالوفاء بغير الجنس في الموارد الأخر و له الفسخ، فاذا فسخ رجعت الأجرة إلى المستأجر و لا ترجع مالية العمل الخاص إلى الأجير فإنه لم يوصل العمل الخاص إلى المستأجر حتى يرجع
العمل اليه بماليته حيث لا يمكن رجوعه بعينه بل حاله حال الفسخ قبل العمل رأسا و حال الفسخ في البيع قبل تسليم العين بل أثر الفسخ مجرد ارتفاع إضافة الملكية عن العين أو العمل، و اما العمل المأتي به في غير وقته فحيث إنه أتى به الأجير في مقام الوفاء بالإجارة و إن تعذر صيرورته وفاء بالآخرة و لم يقصد المجانيّة حتى يكون هاتكا لحرمة عمله فلا محالة يستحق أجرة مثل عمله المحترم، فمجرد عدم كونه وفاء يقتضي عدم استحقاق المسمى لا سقوط عمله عن الاحترام، و منه تعرف حكم العمل في القسم الأول، و ستأتي إن شاء اللّه تتمة الكلام فيه عند التعرض لاجرة المثل في الإجارة الفاسدة.
و أما القسم الثالث فحيث إن المفروض صحة الإجارة و عدم الموجب لانفساخها لما عرفت من أن الكلي لا تلف له بل قد بينا في محله أن إتلاف المبيع الشخصي أيضا لا يندرج في التلف الموجب للانفساخ فالأجير يستحق تمام الأجرة بالعقد و المستأجر يملك العمل الخاص الذي أتلفه عليه الأجير فيضمن الأجير مالية العمل الخاص للمستأجر و اما العمل المأتي به في غير وقته فحيث إنه أتى به عامدا في غير وقته و المفروض انه ضد المستأجر عليه فقد هتك حرمة عمله فلا موجب لأجرة مثله. و هل للمستأجر خيار تعذر التسليم و إن كان بتقصير من الأجير فيسترجع الأجرة بالفسخ و لا يضمن شيئا لعدم وصول المستأجر عليه و عدم احترام ما وصل إليه أولا كما في إتلاف المبيع الشخصي حيث لا يوجب إلا الضمان لا خيار تعذر التسليم، فان الخيار لجبر ضرر الصبر إلى أن يتيسر فما يمتنع حصوله لا يجبره الخيار، و منه تعرف الإشكال في القسم الثاني أيضا، لأنه لا فرق بين التقصير و عدمه مع امتناع حصوله، و لا يقاس بتعذر الكلي في باب السلف لإمكان الحصول فيما بعد دون ما نحن فيه.
و بالجملة الضرر المتوهم هنا إما ضرر فوات الغرض المعاملي المتعلق بالعمل الخاص و إما ضرر ذهاب الأجرة المبذولة بإزاء العمل الخاص الذي لم يصل اليه و إما ضرر الصبر إلى أن يرتفع التعذر. اما الأول فهو لا ينجبر بالخيار، لأن الفسخ لا
يوجب وصوله إلى غرضه المعاملي، و اما الثاني فالأجرة كانت بإزاء العمل الخاص و لم يتخلف حتى تذهب الأجرة هدرا لأنه ملكه بالعقد و الآن باق على ملكه و له استيفاؤه بماليته. و اما الثالث فقد عرفت انه ممتنع الحصول فلا مجال للصبر حتى يتضرر، فالأقوى عدم الخيار في القسمين فتدبر جيدا.
و مما ذكرنا يتبين أمران: (أحدهما) أن صحة الإجارة تقتضي استحقاق العمل للمستأجر و الأجرة للأجير بمعنى ان الأول يملك العمل و الثاني يملك الأجرة من دون توقف لحصول الملك على شيء، و استحقاق الأجرة بهذا المعنى غير استحقاق تسليم الأجرة في قبال تسليم العمل، فتخيل- انه مع عدم تسليم العمل الخاص تبطل الإجارة كما في غير واحد من الكلمات- خلط بين الاستحقاقين، و ما- عن بعض تحقيقات الشهيد «رحمه اللّه» من أن مقتضى الإجارة على عمل خاص عدم استحقاق الأجرة مع عدمه (1)، فشرط عدمه مؤكد لمقتضى العقد، فإنه يقتضي المنع من نقيضه، فالعقد لا يبطل بسبب الشرط بتوهم بطلانه بل يبطل من حيث الإخلال بالمشروط لا من حيث فساد الشرط و فساد العقد بفساده- مدفوع بما عرفت من أن عدم تسليم العمل الخاص لا يوجب البطلان.
(ثانيهما) ان قضية الإجارة المتعلقة بعمل خاص بأجرة خاصة و إن كانت عدم استحقاق المسمى بعدم العمل رأسا أو بوجود ضده، نظرا إلى أن لازم وقوع المسمى بإزاء عمل خاص عدم وقوعه بإزاء نقيضه أو ضده عقلا إلا انه ينفي الأجرة المعينة لا أجرة المثل لقاعدة الاحترام، فإنه أجنبي عن العقد حتى بالالتزام، فما عن الشهيد «قدّس سرّه»- في كلامه المتقدم من ان العقد يمنع عن نقيضه (2)، فان مقتضاه عدم استحقاق الأجرة مع عدم العمل المستأجر عليه مطلقا، و ان شرط عدم الأجرة مؤكد له لا مناف له، و انه لا يستحق بالعمل في غير وقته شيئا حتى أجرة المثل- مدفوع بما
عرفت من أن استحقاق اجرة المثل للاحترام ليس عدمه من مقتضيات العقد حتى بالالتزام، فليس شرط عدم الأجرة مؤكدا بل المؤكد ما هو شرط لازمه و هو عدم الأجرة المسماة فتدبر.
و ينبغي التنبيه على أمر و هو: أن ما ذكرنا- من أخذ الزمان الخاص تارة من خصوصيات العمل المستأجر عليه و اخرى بنحو الالتزام في ضمن الإجارة- لا فرق فيه بين تعلق الإجارة بعمل كلي ذمي أو بمنفعة عين شخصية، بتوهم أن القيدية مختصة بالكلي الذمي، فإنه قابل لأن يصير حصة خاصّة بالتقييد دون منفعة العين الشخصية، و ان الشرطية مختصة بالمنفعة القائمة بعين شخصية، فلا يردان على مورد واحد بل لكل منهما مورد خاص، فان هذا التوهم بلا موجب، فإن الكلي الذمي و إن كان قابلًا لصيرورته حصة بتقييده إلا أنه لا يمنع عن إيقاع الإجارة على عمل كلّي ثم الالتزام بخصوصية في مقام إيجاد العمل و لا موجب لانقلاب الاشتراط إلى القيدية و العنوانية.
و أما منفعة العين الشخصية كركوب هذه الدابة أو الحمل في هذه السفينة و إن كانت مضافة إلى عين شخصية فليست المنفعة كليا ذميا إلا انها كالكلي في المعين قابلة لأن تتطور بأطوار مختلفة من حيث السرعة و البطء أو غيرهما، فالسير على هذه الدابة على النحو المتعارف يوجب الوصول إلى المكان المعين في يومين و على نحو السرعة و الاتصال في السير يوجب الوصول في يوم واحد، فله استيجار الدابة بهذه الكيفية كما يمكن أخذ هذه الخصوصية بنحو الاشتراط في ضمن الإجارة.
تخييرا أو ترتيبا، و الاشتراط المزبور على نحوين: (أحدهما) شرط سقوط الأجرة كلا أو بعضا على تقدير عدم الإيصال، و ما يقال في مقام الاشكال عليه وجوه:
الأول: انه في شرط سقوط الأجرة كلا مناف لمقتضى العقد الإجاري المتقوم
حقيقته بالأجرة، و لا فرق بين أن تكون الإجارة بلا اجرة أو الإجارة بشرط عدم الأجرة، و هذا الوجه ذكره في الجواهر (1)، و يندفع بأن شرط السقوط بعنوانه مؤكد للثبوت لا مناف له، فإن إسقاط الأجرة كلا أو بعضا إذا كان صحيحا لعدم المانع فشرط سقوطه بنحو النتيجة لا مانع منه أيضا.
الثاني: انه كما ان الاسقاط في ضمن العقد لا يعقل، لأنه فرع الثبوت فهو من إسقاط ما لم يثبت كذلك شرط سقوطه في ضمن العقد، و لذا قالوا بأن شرط سقوط الخيار مرجعه إلى شرط عدمه بإيجاد المانع عن ثبوته بالعقد، و الاشتراط بهذا النحو سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى، و يندفع بأن شرط السقوط منجزا غير معقول، و اما اشتراط سقوطه بعد ثبوته فليس فيه محذور عقلا، و إنما لا نقول به في الإسقاط في ضمن العقد إذ لا دليل على نفوذ إنشاء السقوط في ظرف الثبوت، فان دليل الاسقاط هي القاعدة المتفق عليها و هي ان لكل ذي حق إسقاط حقه، و ظاهر كونه ذا حق عند الاسقاط و ظاهر الاسقاط هو الفعلي دون التعليقي، بخلاف شرط السقوط فإنه مشمول لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (2)لأن الالتزام فعلي و إن كان الملتزم به امرا تقديريا.
الثالث: ان شرط السقوط بعنوانه كلية تعليقي لتفرعه على الثبوت غير الفعلي إلا بعد تمامية العقد، و اما فيما نحن فيه فالأمر أظهر، لأن المعلق عليه هو عدم الإيصال في اليوم المعين، و لا تعليق في العقود و الإيقاعات و منها الالتزام في ضمن العقد كما ادعى الاتفاق عليه. و الفرق بين هذين الوجهين ان مبني الأول على امتناعه عقلا و مبني الثاني على بطلانه شرعا، و يندفع بأن الاتفاق على بطلان التعليق في خصوص الشرط غير ثابت كما يعرف من نظائره كما في شرط الخيار برد مثل الثمن.
و من جميع ما ذكرنا تبين ان شرط سقوط الأجرة كلا أو بعضا لا مانع منه، و عليه فان كان الإيصال في اليوم المعين مأخوذا بنحو الاشتراط فالعمل هو مورد
الإجارة مطلقا فمع عدم الإيصال في اليوم المعين يستحق الأجرة و تسقط بالشرط، و لا موضوع لأجرة المثل، لوقوع العمل وفاء بالإجارة الصحيحة، و إن كان مأخوذا بنحو القيدية لمورد الإجارة فالعمل في غير ذلك اليوم غير مملوك بالإجارة، و ليس له أجرة المسمى حتى تكون ساقطة بالشرط، و حيث إنه عمل محترم لم يقدم العامل على إسقاط احترامه بشرط سقوط أجرة مثله فله أجرة المثل كما قدمنا القول فيه إجمالا.
نعم لو اشترط مجانية العمل على تقدير عدم الإيصال كان منه إسقاطا لمطلق الأجرة إلا انه خارج عن مورد الكلام.
فإن كان شرط عدم استحقاق الأجرة الخاصة رأسا فهو باطل، لأنه إما من باب شرط عدم استحقاق الأجرة على تقدير عدم الإيصال مع كون الإجارة على أي تقدير، فمرجعه إلى الإجارة بشرط عدم الأجرة، فهو شرط مناف لحقيقة الإجارة و يستحيل تحققها بلا اجرة بل لا يمكن القصد الجدي إلى الإجارة مع الالتفات إلى حقيقة الإجارة بل هو شرط مناف للإجارة شخصا كما هو كذلك نوعا، لأن المفروض جعل الأجرة بإزاء العمل في شخص هذه الإجارة على أي تقدير. و إما من باب الإجارة التعليقية إذا كان المراد جعل الأجرة بإزاء العمل على تقدير الإيصال، و التعليق في العقود مفسد اتفاقا، فالمانع على الأول عقلي و على الثاني شرعي، بل إذا كان الإيصال في اليوم المعين قيدا مقوما لمورد الإجارة فالتعليق أيضا محال، لان المفروض توقف ملك العمل الخاص على وجود الخصوصية في الخارج و لا يعقل تأخر ملك العمل الخاص عن العمل الخاص.
هذا إذا تعلق الشرط بعدم استحقاق الأجرة رأسا، و إن كان شرط عدم استحقاق بعض الأجرة المفروضة في شخص هذه الإجارة فهو بالنظر البدوي و إن لم يوجب كون الإجارة بلا اجرة ليكون الشرط منافيا لمقتضى عقد الإجارة نوعا إلا انه مناف لمقتضى شخص هذه الإجارة، لفرض كون الأجرة الخاصة مجعولة بإزاء العمل، و توهم- ان شرط عدم استحقاق البعض مرجعه إلى إيجاد المانع عن تأثير
عقد الإجارة في ملك بعض الأجرة على تقدير عدم الإيصال نظير شرط عدم الخيار في ضمن العقد المقتضي له- مدفوع بأن إيجاد المانع هناك لا يوجب خللا في البيع المقتضي للخيار بخلاف ما نحن فيه، فان الإضافات تتشخص بتشخص أطرافها، فمع تغير أحد الطرفين يستحيل بقاء شخص تلك الإضافة، فلا محالة يندرج فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من انعقاد إجارة اخرى بأجرة ناقصة، فإذا كانت الأجرة التامة بإزاء نفس العمل كان من تغير أحد طرفي الإجارة و إن كان بإزاء العمل الخاص من حيث الإيصال كان من تغير طرفيها، فبقاء شخص تلك الإجارة مع شرط عدم استحقاق بعض الأجرة محال، و حينئذ فمع حفظ وحدة الإجارة تكون الإجارة باطلة على جميع تقادير عدم الاستحقاق، و تثبت اجرة المثل سواء أتى بالعمل في اليوم المعين أم في غيره، هذا في ما إذا كان عدم الأجرة بعنوان الشرط.
ثانيها: ما إذا كان بفرض إجارة اخرى إما تخييرا أو ترتيبا، أما الإجارة بنحو التخيير فسيجيء إن شاء اللّه تعالى انها على المشهور باطلة و عندنا مستحيلة، و اما الإجارة بنحو الترتيب بأن تكون الإجارة الثانية الواقعة بعنوان الاشتراط مرتبة على عدم الوفاء بالإجارة الأولى أو عدم الوفاء بالشرط بعدم الإيصال في اليوم الخاص.
فنقول: إن الإيصال المأخوذ في الإجارة الاولى إن كان بنحو الاشتراط فذات العمل بإزاء الأجرة و الأجير بعد تمليك العمل على أي تقدير لا يملك العمل حتى يملكه للمستأجر على تقدير عدم الإيصال فلا الأجير مالك للعمل مرتين و لا المستأجر بسبب الاجارتين، و ليس تقدير عدم الإيصال تقدير بطلان الإجارة الأولى، لأن عدم الوفاء بالإجارة لا يبطلها فضلا عن عدم الوفاء بالشرط كما مر، و إن كان بنحو المقوّمية و القيدية لمورد الإجارة الأولى فالعمل في اليوم المعين و العمل في غيره حصتان من طبيعي العمل إلا انّهما من حيث إضافتهما إلى المتاع المعين إلى المكان المعين لا يجتمعان في الوجود، لاستحالة تحقق حمل المتاع إلى كربلاء في يوم الجمعة و حمله إلى كربلاء في يوم السبت لكنه إذا كان الثاني على تقدير عدم الحمل في اليوم المعين فهو مجامع لعدمه، و التضاد فرع الاجتماع من حيث الوجود، و الملكيتان
متضادتان بتبع تضاد المملوكين، فاذا كان العملان غير متضادين لمكان الترتب فلا مانع من تمليك كل منهما، لعدم رجوعه إلى ملك المتضادين و إمكان وجود كل منهما في ذاته مصحح للإجارة، و صحة الإجارة لا تدور مدار فعلية الوفاء بهما، و عليه فالمستأجر يملك العمل الخاص بإزاء أجرة تامة و يملك ذات العمل في يوم آخر بأجرة ناقصة، إلا ان المشهور لا يلتزمون بذلك خصوصا إذا أتى الأجير بالعمل الخاص.
هذا إذا كان ملك نفس العمل نظير الواجب المعلق ثابتا من الأول، فإن مقتضاه بقاء العمل في ذمته غاية الأمر انه بعد إتيان العمل في اليوم الخاص لا يبقى مورد للوفاء بالإجارة الثانية فيملك مالية العمل بإزاء الأجرة الناقصة.
نعم إذا كان بنحو الواجب المشروط فلا ملك من الأول بل بعد عدم الوفاء بالإجارة الأولى، فمع الوفاء لا إجارة أخرى إلا انه مع عدم الوفاء يملك العمل على حد ملك العمل الخاص و لا يلتزمون به. هذا إذا كانت الإجارة الثانية مترتبة على عدم الوفاء بالإجارة الأولى أو بشرطها، و أما إذا كانت مترتبة على انفساخها بعدم الإيصال بأن يكون الانفساخ بنحو شرط النتيجة معلقا على عدم الإيصال نظير شرط انفساخ البيع معلقا على رد مثل الثمن، فعليه تندفع جملة من الإشكالات المتقدمة حيث لا مانع من تمليك ذات العمل بعد زوال التمليك الأول، و لا يلزم تمليك المتضادين حتى على توهمه فيما تقدم، لعدم اجتماع الملكين لا حدوثا و لا بقاء، و لا يلزم أداء مالية العمل مع الوفاء بالإجارة الخاصة الأولى.
إلا انه إنما يجدي إذا كان الانفساخ المشروط من الأصل لا من الحين حتى يكون العمل ملكا للمستأجر بالإجارة الثانية من الأول لئلا يلزم أداء اجرة مقدار من العمل مع عدم الإيصال و لو بعنوان أجرة المثل، حيث لا يعقل ملك العمل المتقدم بخلاف ما إذا كان الانفساخ من الأصل فتؤثر الإجارة الثانية في ملك العمل من الأول، فلا يلزم تأخر الملك عن العمل و لا أجرة أخرى غير الإجارة الثانية، لكن الانفساخ من الأصل و إن كان بسبب الشرط إلا انه لا بد من تعليقه على الأمر المتأخر و هو ترك الإيصال في اليوم المعين فيبتني على القول بصحة الشرط
المتأخر، و دونها خرط القتاد، و مما ذكرنا تبين ان الإجارة الثانية و لو بنحو الترتب مطلقا لا تخلو من محذور أو محاذير.
و على ذات العمل أو الإجارة على العمل الخاص و الجعالة على ذات العمل، و الأول لا محذور فيه أصلا، حيث لا ملك و لا استحقاق من الأول في باب الجعالة بل يستحق الجعل بالعمل، فاما أن يأتي بالخاص فيستحق الجعل الخاص أو يأتي بذات العمل فيستحق ما دون ذلك الجعل، و الثاني لا يخلو من محذور، فان مقتضى صحة الإجارة ملك العمل الخاص فمع عدم إيجاد العمل الخاص و إيجاد ذات العمل يستحق الأجرة التامة و الجعل الناقص و تعود مالية العمل الخاص إلى المستأجر، و لا يلتزمون به.
المفصل بين نقص الأجرة و عدمها رأسا.
فنقول: عن محمّد الحلبي، «قال: كنت قاعدا عند قاضٍ من القضاة و عنده أبو جعفر عليه السّلام جالس فأتاه رجلان فقال أحدهما: إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن و اشترطت عليه ان يدخلني المعدن يوم كذا و كذا لأنها سوق أتخوف أن تفوتني فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكل يوم احتبست كذا و كذا و انه حبسني عن ذلك الوقت كذا و كذا يوما؟ فقال القاضي:
هذا شرط فاسد وفّه كراه، فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر عليه السّلام فقال: شرط هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه» (1).
و لا يخفى عليك أن ظاهره ان مورد الإجارة ذات العمل و ان الأجرة بإزاء ذات العمل و ان الإيصال في اليوم المعين بلواحقه بعنوان الاشتراط في ضمن الإجارة بل نقص الأجرة أيضا بعنوان الاشتراط في ضمن الشرط، فان نقص الأجرة ليس من شئون الإيصال حتى يكون شرط إيصال خاص، فلا بدّ من أن يكون نقص الأجرة
1) الوسائل: ج 13، باب 13، من أبواب أحكام الإجارة، ح 2، ص 253.
باشتراط آخر في ضمن شرط الإيصال، و المراد من فساد الشرط كما قاله القاضي و جوازه كما أفاده الإمام عليه السّلام هو شرط الإيصال بما تضمنه و إلا فشرط الإيصال بما هو لا موجب لبطلانه، و الظاهر من قوله حططت من الكراء هو الحط عن استحقاق لمكان اشتراط سقوطه أو اشتراط إسقاطه، فإن إبراء ذمته عن بعض الأجرة أمره بيد الأجير فله أن يجعله بالشرط للمستأجر، و يحتمل أيضا أن يكون بعنوان استحقاق تغريمه بما جعله من التفاوت بين الوصول في اليوم المعين و في يوم آخر و هو المراد من شرط الأرش.
و على أي تقدير لا ينطبق الخبر على الإجارة المخيرة أو المرتبة أو الجعالة بل ظاهر في الإجارة و شرط النقص في ضمن شرط الإيصال، و قد عرفت ان شرط السقوط أو الإسقاط أو التغريم لا فرق فيه بين تعلقه ببعض الأجرة أو بكلها مع ان ظاهر الخبر صحة الأول و بطلان الثاني، فلا بدّ من حمل ذيله على التعبد.
و أما ما نسب إلى شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» من رجوع الشرط إلى شرط الأرش، و الأرش المستوعب غير معقول، فلا يصح شرط عدم الأجرة رأسا لرجوعه إلى شرط الأرش المستوعب غير المعقول (1)، ففيه انه إن كان بعنوان الأرش و ما به التفاوت فهو كما أفاد، إلا انه ليس بهذا العنوان بل بعنوان التغريم، و أي مانع من بلوغ التدارك المجعول لكل يوم بمقدار بحيث لو احتبس خمسة أيام كان التدارك المجعول مساويا للأجرة المقررة في الإجارة.
نعم غاية ما يمكن أن يقال إن الذي أقدم عليه الأجير بمقتضى شرط المستأجر هو الحط من الكراء لا حط الكراء فلا يجوز حط الكراء، حيث إنه لم يكن موردا للاشتراط لا ان اشتراطه غير جائز، و توهم- انه خلاف الظاهر من قوله عليه السّلام شرط هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه، حيث إن المراد إحاطة الشرط بجميع الكراء- مدفوع بأن الشرط لم يتعلق بحط الكراء بل تعلق بحط مقدار من الكراء لكل يوم،
1) المكاسب: ص 272.
و حيث إنه بعنوان الحط من الكراء و تنقيص الأجرة كما هو المتعارف في مرحلة ملاحظة التفاوت بين الأيام فلا يؤثر في حط الكراء جميعا بمقتضى مرور الأيام المجعول لكل منها مقدار من التفاوت، فلا تعرض في الرواية للتفصيل بين شرط نقص الأجرة و شرط عدم الأجرة رأسا، و اللّه أعلم.
(الأولى) ما إذا قال آجرتك الدار كل شهر بكذا (الثانية) ما إذا قال إن خطته فارسيا فلك درهم و إن خطته روميا فلك درهمان (الثالثة) ما إذا قال إن عملت هذا العمل في هذا اليوم فلك درهمان و إن عملته في الغد فلك درهم (1).
لا بنحو السلب المقابل للإيجاب، فما لم يكن واقع لا معنى للعلم به تارة و للجهل به أخرى و عدم العلم بعدم المعلوم لا يكون من الجهل المقابل للعلم، فالاستدلال- لبطلان الإجارة في هذه المسائل بالجهل من حيث الأجرة أو من حيث المنفعة أيضا- بلا وجه كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
(أحدها) ما هو المعروف في باب اعتبارات الماهية، فإن النظر إلى الماهية إن كان مقصورا بالقصر الذاتي على الذات و ذاتياتها و عدم النظر أصلا إلى ما هو خارج عن مقام الذات كانت الماهية في هذه المرحلة مبهمة يعبر عنها بالماهية من حيث هي، و لا تستحق في هذه المرحلة إلا حمل ذاتها و ذاتياتها عليها و هي مرحلة الحد.
(ثانيها) الماهية الملحوظة بالقياس إلى الخارج عن مقام ذاتها كالكتابة بالإضافة إلى الإنسان، فإن الإنسان إذا لوحظ مقيسا إلى الكتابة و لوحظ لا مقترنا بوجودها و لا بعدمها كانت الماهية غير متعينة بتعين الكتابة لا وجودا و لا عدما و هي
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الثاني.
الماهية المعبر عنها باللابشرط القسمي في قبال المتعين بتعين الكتابة وجودا و هو المعبر عنه بالماهية بشرط شيء و المتعين بها عدما المعبر عنه بالماهية بشرط لا، و مقسم هذه الاعتبارات الثلاثة هي الماهية اللابشرط المقسمي، و لا يكاد يتحقق إلا بأحد التعينات الاعتبارية الثلاثة، فاعتبار الماهية لا بشرط الكتابة و ان كان نحوا من التعين للماهية إلا انها من حيث نفس الكتابة لا تعين لها فلذا يصح إطلاق الإبهام عليها من حيث عدم التعين فتدبر، و عليه فملاحظة الماهية مقيسة إلى الخارج عن مقام ذاتها و عدم تعينها بأحد الاعتبارات الثلاثة صرف مفهوم لا واقعية له.
(ثالثها) الماهية المرددة كأحد الصاعين من الصبرة مثلا، فان كلا من الصاعين و ان كان متعينا بجميع أنحاء التعين الماهوي و الوجودي إلا انه بحسب فرض الترديد مبهم من حيث خصوص هذا التعين و خصوص ذاك التعين، و هذا المبهم أيضا لا واقعية له، إذ بعد فرض تعين كل منهما بجميع أنحاء التعين ماهية و وجودا لا تعين آخر حتى يكون مبهما من حيث ذاك التعين ليكون أمرا ثالثا في قبال الفردين المتعينين بأنحاء التعين، فالمردد صرف مفهوم لا مطابق له حتى تتعلق به الملكية أو غيرها من الأمور الاعتبارية فضلا عن الصفات الحقيقية، فإن الأمور التعلقية تشخصها بمتعلقها، فما لا ثبوت له يستحيل أن يكون مشخصا و مقوما لصفة جزئية اعتبارية كانت أو حقيقيّة كما حققناه في محله.
موجودة بوجودها، و حيث إنها تدريجية الوجود فهي محدودة بالزمان، فالمنفعة غير المتعينة من حيث الزمان بوجه مفهوم لا مطابق له كذلك الأعيان المتكممة بالمقادير من حيث المن و الوزنة و أشباه ذلك، فكما لا واقعية للمنفعة في قولهم: «آجرتك الدار كل شهر بكذا» كذلك لا واقعية للعين في قولهم: «بعتك كل منّ من هذه الصبرة بكذا»، فتوهم- انه من خصوصيات المنفعة و ان المنفعة غير موجودة و إنما تنزل منزلة الموجود بملاحظة تقديرها و تحديدها بمدة خاصة- فاسد كما عرفت.
إذا عرفت ما رسمناه من الأمور فاعلم
فتوضيح الحال فيها ان الوجوه المتصورة في تمليك منفعة الدار كثيرة:
(منها) أن يكون المراد من قولهم آجرتك الدار كل شهر بدرهم تمليك المقدار الذي يختاره المستأجر خارجا، فإنه لا محالة متعين مع فرض الاستيفاء، فيكون محذورة جهالة المنفعة و الأجرة حال العقد، و هذا أحسن وجه لمن يختار الصحة و يوافق تعليل القائل بالبطلان بلزوم الجهالة.
و (منها) أن يكون المراد تمليك المنفعة الأبدية أي الماهية بشرط شيء بنحو الاستغراق، فيكون قوله كل شهر بدرهم ميزانا للأجرة و هذا أيضا محذورة الجهالة حال العقد إلا انه غير مفروض المسألة، فإن فرض صحته فرض ملكية المنفعة الأبدية و لا يقولون بخروج المنفعة عن ملكه أبدا و لا يكون المستأجر ملزوما بذلك.
و (منها) أن يكون المراد تمليك المنفعة الملحوظة لا بشرط من حيث المدة طولا و قصرا، و مقتضاه استحقاق طبيعي المنفعة المقابلة لتطبيقها على شهر أو أكثر، و لازمه وحدة الأجرة لا كل شهر بدرهم كما هو مفروض المسألة.
و (منها) أن يكون المراد تمليك المنفعة في الشهر الأول بدرهم و ما زاد بحسابه، و هذا يصح في الشهر الأول دون بقية الأشهر إلا انه أيضا خلاف مفروض هذه العبارة. و أما ملاحظة المنفعة من دون التعين اللابشرطي و لا التعين بشرط شيء عموما أو خصوصا و لو بملاحظة ما يختاره المستأجر فلا يجدي شيئا، لما عرفت من ان الماهية غير المتعينة بأحد التعينات لا واقعية لها فيستحيل أن تكون مقومة لصفة الملكية و هذا هو الوجه في عدم صحة مثل هذه الإجارة لا لزوم جهالة الأجرة و المنفعة، لما تقدم من أن العلم و الجهل في ما كان له واقع محفوظ، فما لا واقعية له لفرض عدم أخذه متعينا بأحد التعينات اللازمة في واقعية المفهوم يستحيل أن يقع موقع أية صفة كانت حقيقية أو اعتبارية، و منه يتبين أيضا انه لا موقع للتمسك بالإطلاقات و العمومات في تصحيح أمثال هذه المعاملات، فان مقام الإثبات إنما يجدي بعد إمكان مقام الثبوت.
و اما ما في الشرائع من استناد البطلان إلى الجهل بالأجرة (1)مع ان المنفعة أيضا كذلك، فلعله لمناسبة ذكر الفرع في أحكام الأجرة فيناسبه التعليل بلزوم الخلل في الأجرة، لا لما قيل من ان المنفعة لا مالية لها إلا بلحاظ بذل الأجرة بإزائها و إلا فمع قطع النظر عن الأجرة و عن مالية المنفعة بلحاظها لا أثر للعلم و الجهل بما لا مالية له، و حيث ان مالية المنفعة متقومة بالأجرة فلا بد من تعليل عدم قبول المنفعة للملكية بلزوم الخلل في ماليتها من جهة الخلل في الأجرة، و وجه بطلان هذا التخيل ان مالية المنفعة على حد مالية الأعيان ليست بلحاظ بذل المال فعلا بإزائها في المعاملة بل بملاحظة قابليتها للمقابلة بالمال، و هذا المعنى محفوظ مع قطع النظر عن مقام العقد و بذل الأجرة بإزائها فعلا، و لو كانت المالية منوطة بالبذل الفعلي للزم محذور الدور فيما كانت الأجرة أيضا عملا من الأعمال، فإن مالية كل منهما متوقفة على مالية الآخر، و حيث عرفت بطلان الإجارة في هذه المسألة فاعلم أن تصحيح المعاملة بعنوان الجعالة أيضا غير صحيح.
أما ما في الجواهر بأن يقول المستأجر للمؤجر: إني قد جعلت لك على كل شهر أسكنه درهما (2)، فهو خارج عن عنوان الجعل على عمل، فان مقتضى الجعالة ان الجعل للعامل و هو هنا الساكن المستأجر مع ان الأجرة للمؤجر.
و أما ما عن بعض الأعلام (3)بأن يجعل المستأجر الأجرة في قبال إسكان المالك فيندفع عنه الإيراد المتقدم إلا أن الجعالة هي جعل شيء على عمل له مالية، و الإسكان لا مالية له بل متعلق بماله المالية و هي سكنى الدار، و كيف كان فلا بد في الجعالة من أن يكون هناك عمل لمن يأخذ الجعل بحيث تكون له مالية فمع انتفاء أحد الأمرين لا جعالة. هذا كله إذا كانت إجارة الدار بالعنوان المتقدم
المتساوي النسبة إلى الشهر الأول و غيره لفرض عدم التعين ثبوتا كما لا أثر لما يدل عليه إثباتا.
و أما إذا قال: آجرتك الدار في هذا الشهر بدرهم و ما زاد بحسابه فهو يتصور بالإضافة إلى ما زاد على وجوه: (أحدها) إجارة ما زاد كل شهر بدرهم، فبالنسبة إلى ما زاد حالها حال المسألة المتقدمة من عدم الصحة لعدم المعقولية، لكن فساد الإجارة فيما زاد لا يوجب فساد الإجارة في الشهر الأول لتعدد الإجارة على الفرض و إن كانتا بإنشاء واحد.
(ثانيها) اختصاص عنوان الإجارة بالشهر الأول و استحقاق ما زاد بالشرط، و حيث إن الشرط متعلق بالمبهم فحاله في عدم المعقولية في تأثيره في الاستحقاق حال الاستحقاق بالإجارة لا انه في الحقيقة شرط مجهول ليلزم منه سراية الجهالة في الشرط إلى العقد حتى يفسد عقد الإجارة في الشهر المعين أيضا فتدبر.
(ثالثها) ان يكون قوله و ما زاد بحسابه مواعدة و مراضاة، فليس هناك ملكية و لا استحقاق بعقد أو إيقاع حتى لا يعقل تعلقه بالمردد أو يقال بلزوم الجهالة في العقد أو الشرط و عليه يحمل ما في صحيح أبي حمزة (1)، مع ان حمله على الشرط لا محذور فيه، فان فيه بعد الاستيجار إلى مكان معين قال المستأجر فإن جاوزته فلك كذا و كذا زيادة و يسمي ذلك؟ قال لا بأس به، فان التجاوز عن المكان المعين أخذ متعينا بالتعين اللابشرط القسمي، و العوض أيضا على الفرض مسمى و معين فلا محذور فيه أصلا. و التعليق في الشرط لا محذور فيه على المشهور.
فالأمر في عدم المعقولية فيها أوضح من المسألة الأولى، فإن المفروض هناك تصور ماهية منفعة الدار من دون تعين بأحد التعينات الثلاثة. و أما هنا فلا شيء حتى يلاحظ غير متعين بأحد التعينات، فإطلاق الإبهام عليه بمجرد الفرض، لما مرّ من أن
1) الوسائل: ج 13، باب 8، من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 249.
كل واحد من طرفي الترديد قد أخذ متعينا بجميع أنحاء التعين الماهوي و الوجودي فلم يبق شيء حتى يلاحظ بلا تعين ماهوي أو وجودي. و حيث لا شيء هنا فلا يعقل أن يكون فرض الترديد مصححا لتعلق أية صفة تعلقية بما لا ثبوت له فكل هوية تعلقية حقيقية أو اعتبارية حيث إنها متقومة بطرفها فيستحيل تحققها في الخارج أو في أفق الاعتبار مع عدم الطرف المقوم لها و المشخص لوجودها. و هذا هو الوجه في عدم المعقولية لا أن العرض يحتاج إلى موضوع معين خارجا حتى يقال بأن الملكية الشرعية أمر اعتباري لا متأصل كما يومئ اليه كلام شيخنا العلّامة الأنصاري «قدّس سرّه» في باب بيع أحد الصيعان بنحو الجزئي المردد. و كل ما يفرض في الفقه بناء على القول به كطلاق إحدى الزوجتين و عتق أحد العبدين و الوصية بأحد الشيئين أو لأحد الشخصين فلا بدّ من حمله على التعلق بماله تعين واقعا و لو بعنوان ما يختاره فيما بعد أو ما يقع عليه سهم القرعة و إلا فالمحال لا يقبل التعبد به شرعا.
و مما ذكرنا تبين حال المسألة الثالثة و هي الإجارة على العمل المردّد من حيث الزمان، فإن المسألتين من واد واحد إمكانا و امتناعا صحة و فسادا.
نعم يمكن تصحيح المسألتين بإخراجها من فرض الترديد في الإجارة بإرجاعهما إلى إجارة و شرط، فإن طبيعي الخياطة متقوم بدرز واحد و هي الخياطة الفارسية فهي المستأجر عليها بدرهم. و زيادة درز آخر المحقق للخياطة الرومية أخذت بنحو الاشتراط بإزاء درهم آخر. و كذلك طبيعي العمل الزماني متقوم بإيجاده في طبيعي الزمان و هو مورد الإجارة بدرهم. و التعجيل فيه بإيجاده في اليوم أخذ بنحو الاشتراط بإزاء درهم آخر، و قد عرفت ان التعليق في الشرط ليس فيه محذور على المشهور. كما يمكن تصحيحهما بإرجاعهما إلى الجعالة لوجود الشرطين المتقدمين من كون الأجر و الجعل للعامل و من كون العمل مالا. إلا أن محل النزاع من حيث الصحة و الفساد في المتون الفقهية هي الإجارة بنحو الترديد كما هو واضح للمراجع.
و في الشرائع القول بالصحة في المسألة الثانية بلا تردد، و في المسألة الثالثة بعد
التردد قال: «أظهره الجواز» (1). مع انك قد عرفت انهما من واد واحد إمكانا و امتناعا صحة و فسادا. و لعل وجه الفرق في نظره «قدّس سرّه» ان المسألة الثالثة كمسألة البيع بثمنين حالا و مؤجلا المعروف فيها الفساد فكذا هنا، لأنه من الإجارة باجرتين حالا و مؤجلا. و هو وجه التردد غير الجاري في مسألة الخياطة.
و وجه استظهار الجواز أن إخراج البيع بثمنين عن الترديد و الجهالة لا يكون إلا بالبيع بالأقل و شرط الزيادة في قبال الأجل. و هو من الربا عندهم دون ما نحن فيه، فان إخراجه عن الجهالة و الترديد بالإجارة بدرهم موسعا و شرط الزيادة في قبال التعجيل بإتيانه في اليوم، و هو مغاير لتلك المسألة التي لا تصلح إلا بفرض الربا و اللّه أعلم.
سواء كان للعمل تأثير في عين مال المستأجر أم لا، و سواء كان تحت يد المستأجر أم لا. و توضيح القول فيها ان المملوك بعقد الإجارة تارة مثل منفعة الدار و الدابة، و هي حيثية وجودية قائمة بالدار و الدابة، و إخراجها من القوة إلى الفعل باستيفاء المستأجر.
و أخرى مثل العمل القائم بالأجير، و هو على قسمين: فتارة يكون كالحج و الصلاة و الزيارة مما لا أثر له في عين للمستأجر، و اخرى كخياطة الثوب و صياغة الخاتم و بناء الدار مما له أثر في مال المستأجر.
و الكلام بعد وجوب التسليم من الطرفين في عقود المعاوضات في أن تسليم العمل الذي له أثر في مال المستأجر هل هو بمجرد إيجاده كالعمل الذي لا أثر له؟
أو أن تسليمه بتسليم ما فيه الأثر كالثوب و الخاتم مع فرض عدم كونهما تحت يد المستأجر، و إلا فإيجاد العمل مقارن لتسليم الأثر لمكان استيلاء المستأجر عليه باستيلائه على الثوب و الخاتم؟ فالمسألة كلية ذات أقوال ثلاثة:
(أحدها) عدم توقف استحقاق مطالبة الأجرة هنا و الثمن في البيع على تسليم
1) شرائع الإسلام: ج 2، ص 181، كتاب الإجارة في ذيل الشرط الثاني.
العمل أو على تسليم المبيع، (ثانيها) توقفه هنا على مجرد إيجاد العمل مطلقا. (ثالثها) ما نسب إلى الشيخ «قدّس سرّه» و تبعه جملة من الأعلام و هو توقفه فيما له أثر ليس تحت يد مالكه على تسليم الأثر المتوقف على تسليم ما فيه الأثر.
لا عدم استحقاقها ملكا، لأن الأجرة كالمنفعة و العمل مملوكان بنفس عقد الإجارة، و عقد الإجارة كعقد البيع في غير الصرف و السلف غير مشروط بالقبض و التسليم، و لا يمكن أن يكون ملك العمل فعليا بالعقد و ملك الأجرة مشروطا بتسليم العمل، فإنه مناف لفرض المعاوضة بين العمل و الأجرة كالمبيع و الثمن، فإن المعوضية و العوضية متضايفتان، و المتضايفان متكافئان في القوة و الفعلية، ففعلية أحد المتضايفين دون الآخر غير معقول للزوم الخلف، فاما لا ملك في العمل أيضا و اما تكون الأجرة كالعمل مملوكا بالعقد أيضا.
فما عن بعض أعلام العصر «طاب ثراه» (1)- من تخصيص ملك الأجرة بأن ملكية الأجرة متزلزلة و تستقر بتسليم العمل- لا محصل له، لأن نسبة العقد و تأثيره في ملك العمل و الأجرة على حد سواء، و المدرك الذي يقتضي توقف استحقاق المطالبة على التسليم في كلا العوضين أيضا على حد سواء كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه، مع انه لو كان هناك سبب لتزلزل ملكية الأجرة فهو سبب لاتصاف ملكية العمل أيضا بذلك، إذ يستحيل زوال ملك الأجرة و بقاء ملك العمل، مع أن توقف استحقاق المطالبة على التسليم أجنبي عن الملكية فلا يوجب اتصافها بالتزلزل، فان الامتناع عن تسليم العمل يوجب استحقاق المستأجر للامتناع عن أداء الأجرة لا زوال ملك الأجرة، و لو فرض انتهاء أمر الامتناع عن التسليم إلى فسخ العقد فكلا الملكين بهذه الملاحظة متزلزل لكونهما في معرض الزوال.
1) العروة الوثقى: في بداية الفصل الثالث من كتاب الإجارة.
و العمل بإزاء الأجرة و الكراء من دون تعرضه و لا تضمنه للتسليم و التسلّم كما في عقد البيع، فالتسليم و التسلّم ليسا من مقتضيات العقد و مدرك لزوم التسليم أمران:
أحدهما: انه من مقتضيات الملك لا من مقتضيات العقد، لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم، فللمالك سلطان على مطالبة ماله و ليس لمن بيده المال سلطان على الامتناع عن دفعه شرعا و إلا لم يكن لمالكه سلطان مطلق على ماله و هو خلف، و حيث إن السلطنة على المال من لوازم الملك الحاصل بالعقد صح دعوى اقتضاء العقد لذلك بالالتزام لا بالمطابقة، إلا أن هذا المعنى لا يترتب عليه استحقاق الامتناع عن الدفع مع امتناع الآخر، فان ظلم أحد لا يسوغ ظلم الآخر، كما لا يترتب عليه سائر الثمرات التي ربما نشير إليها.
ثانيهما: ان بناء عقود المعاوضات عند العرف على التسليم المعاوضي كالتمليك المعاوضي بمعنى ان التمليك في قبال التمليك و التسليط الخارجي في قبال التسليط الخارجي. و لكن لا بمعنى انه من مراتب عقد البيع و الإجارة و سائر عقود المعاوضات، بتخيل ان عقد البيع يقتضي المقابلة بين التسليط من طرف و التسليط من طرف آخر، بالمعنى الجامع بين السلطنة الاعتبارية و هي الملكية و السلطنة الفعلية المساوقة للتسليم، لفساد هذا التخيل، فان القابل لأن ينشأ بالعقد و يتسبب به إليه هي الأمور الاعتبارية دون السلطنة الخارجية و الاستيلاء العيني المتحقق بمباديه لا بالأسباب الجعلية. بل بمعنى ان المعلوم من بناء العرف و العقلاء في باب المعاوضات التزامهم في ضمن العقود المعاوضية بالتسليم المعاوضي، فسبب الملكية المعاوضية هو العقد و سبب استحقاق التسليم بإزاء التسليم هو الالتزام الضمني، فكما لا يملك المال إلا بإزاء ملك الآخر كذلك لا يستحق التسليم إلا بإزاء التسليم، لا توقف استحقاقه على تسليمه و لا توقف جواز المطالبة على تسليمه، بل كما ان تمليك أحد المالين بإزاء الآخر أوجب التبادل في الملكية في مرتبة واحدة من دون تقدم و تأخر و لا اشتراط ملكية بملكية كذلك الالتزام بالتسليم بإزاء التسليم أوجب
استحقاق التسليم المعاوضي لكل منهما في مرتبة واحدة، و على هذا المبني يستحق كل منهما على الآخر مثل ما يستحقه الآخر عليه، فاذا امتنعا معا عن التسليم أجبرهما الحاكم، من حيث إن السلطان وليّ الممتنع، و كذلك إذا امتنع أحدهما دون الآخر، و لكل حق الامتناع إذا امتنع الآخر حيث لم يلتزم بالتسليم المطلق بل بالتسليم المعاوضي، إلى غير ذلك من الثمرات التي فصلنا القول فيها في باب القبض في تعاليقنا على كتاب الشيخ العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» (1).
ان الأعمال- التي لها آثار خارجية في الأعيان كالخياطة و الصياغة و القصارة و أشباهها- ليس إلا إيجاد تلك الهيئات القائمة بالأعيان لا الحركات القائمة بالأيدي و الآلات، فإن الثانية مما يتولد منه تلك الإيجادات، و الإيجادات الخاصة أفعال توليدية من تلك الأعمال، و الفعل التوليدي مغاير وجودا للمتولد منه، كما في الإحراق المتولد من الإلقاء في النار، و البرهان على المغايرة ان الإيجاد و الوجود متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار بمعنى أن تلك الحيثية- التي تطرد العدم بالذات من حيث قيامها بالفاعل بقيام صدوري- إيجاد منه و من حيث قيامها بالماهية- وجودها و إلا فليس هنا موجود ثالث بين وجود العلة و وجود المعلول، و عليه فحيث إن وجود الحرق مباين لوجود الملاقاة فكذا إيجادهما المعبر عنهما بالإحراق و الإلقاء كل منهما مغاير للآخر، و منه تبين أن إيجاد الخياطة عين وجودها، و الأعمال التي يتولد منها إيجاد الخياطة و هو فعل الأجير مقدمة لذلك الفعل التوليدي المستأجر عليه و الواقع بإزائه الأجرة، لا أن تلك الأعمال المقدمة هي المملوكة بالإجارة و الواقع بإزائها الأجرة حتى يقال ان مورد الإجارة يؤثر في وجود صفة في العين، فإن المؤثر هو المتولد منه فعل الخياطة و اما فعل الخياطة فهو عين إيجاد تلك الهيئة القائمة بالثوب و هو عين وجودها و المفروض ان الخياطة هي المملوكة بعقد الإجارة.
1) تعليقة المكاسب: ج 2، ص 199.
ان المملوك ينقسم تارة إلى مملوك بالذات و إلى مملوك بالعرض و اخرى إلى مملوك بالأصالة و إلى مملوك بالتبع، و المراد من المملوك بالذات ما تقوم به الملكية حقيقة و بلا واسطة في العروض، و في قباله ما ينسب اليه الملك لمكان اتحاده مع المملوك بالحقيقة بنحو من الاتحاد، فالجسم الخارجي كالثوب مثلا مملوك بالذات و بالحقيقة و كمه و كيفه مملوك بالعرض، و ملاك الذاتية و العرضية إمكان التفكيك و بذل المال بإزائه، و الجسم يمكن أن يبذل المال بإزائه و يملك و اما طوله و بياضه فلا، فإنه و إن كان طوله و بياضه دخيلا في ماليته إلا أن المال بالحمل الشائع هو الثوب الأبيض لا الثوب و البياض بخلاف منفعة الدابة و عينها، فان منفعتها و إن كانت من حيثياتها و شئونها القائمة بها إلا انها قابلة لبذل المال بإزائها كما يمكن بذل المال بإزاء عين الدابة، فالمنفعة مملوكة بالذات كنفس الدابة و بياض الدابة مملوك بالعرض.
و المراد من المملوك بالأصالة و بالتبع ان المملوك بالذات و الحقيقة ربما يلاحظ بنفسه و يبذل المال بإزائه في عقد مثلا و ربما تعرضه الملكية بتبع ما بذل المال بإزائه، و هو يتصور في الأعيان و المنافع فالدار مملوكة بالأصالة في عقد البيع و الثمن جعل بإزاء عينها إلا ان ملكية الدار تستتبع ملكية مفتاحها مثلا، فالمفتاح مملوك حقيقة لكنه باستتباع من المملوك بعقد البيع، و كالدابّة و حملها مثلا فإنهما معا مملوكان حقيقة إلا ان أحدهما مملوك بالأصالة و الآخر بالتبع، و هكذا منافع الدار، فربما تكون مملوكة بالأصالة كما إذا وقعت موقع الإجارة و ربما تكون مملوكة بالتبع كما إذا اشترى الدار فان الثمن واقع بإزاء نفس الدار لا بإزاء الدار و منافعها بل المنافع مملوكة بتبع ملك الرقبة، و كذا الأعمال فإنها تارة تملك بالأصالة كما إذا وقعت موقع الإجارة و اخرى تملك بالتبع كما إذا ملك العبد بالبيع فإنه يملك رقبته بالأصالة لوقوع الثمن بإزائها و يملك أعماله بتبع ملك الرقبة على حد ملك منافع الدار و الدابة بتبع ملكهما بالشراء مثلا.
إذا عرفت ما رسمناه من الأمور فاعلم: أن إيجاد هيئة الخياطة في الثوب و هيئة
الخاتمية في الخاتم و هيئة البناء في الدار بمقدمات إعدادية من العامل الموجد لتلك الهيئات هو العمل الواقع بإزائه الأجرة فهو المال بالحمل الشائع و المملوك بالحمل الشائع، و أما الهيئة الباقية في الأعيان المزبورة المحفوظة بمحالها فليست من عمل العامل و لا هو مال و لا هو مملوك حقيقة، و ليس تسليم العمل بما هو عمل إلا إيجاده و لا معنى لتسليم الهيئة الباقية في الأعيان مع عدم كونها مالا و مملوكا حقيقة و مع عدم كونها طرفا لعقد الإجارة المقتضي بنفسه أو بالالتزام الضمني للتسليم المعاوضي، فما يتوهم- تارة من أن مناط مالية العمل هي الهيئة و الصفة فلا بدّ من تسليمه بما هو مال و اخرى من أن الهيئة مملوكة بعقد الإجارة بالتبع فلا بدّ من تسليمها- مدفوع.
أما الأول: فلأن وجود الهيئة كما مرّ عين إيجادها بالذات فايجادها بما هو إيجادها مال و مملوك، و أما بقاء الهيئة و الصفة في المحل فلا هو مال و لا مملوك بالذات و إن كان موجبا لزيادة مالية المحل و هو أجنبي عن العمل ليكون موجبا لماليته، فان الوجود- المتحد مع الإيجاد ذاتا في الأعمال التي توجد بمقدمات إعدادية- هو المقوم للحدوث و الأحداث، و اما البقاء فمستند إلى أمر آخر. مثلا كون الجسم في مكان بحمله و نقله اليه له مقدمة إعدادية قائمة بالفاعل و اما بقاؤه بعد حدوثه في المكان فمستند إلى نقله الطبيعي لا إلى الجاعل له فيه، فكذا سائر الهيئات الموجودة بمقدمات إعدادية، فحدوثها الذي هو عين احداثها ذاتا مستند إلى العامل و اما بقاؤها فليس بإبقاء العامل بل بسبب آخر طبيعي، فما هو مقوم للعمل و تنسب إليه مالية العمل عين العمل و تسليم العمل إيجاده و ما هو غير مقوم له و لا متقوم به لا هو مال و لا ملاك المالية للعمل فتدبره فإنه حقيق به.
و أما الثاني: فيما مر من أن وجود الهيئة الذي هو عين إيجادها إحداثا هو المملوك بالأصالة بعقد الإجارة، و تسليمها بعين تسليم العمل لمكان عينية الوجود و الإيجاد.
و أما الهيئة الباقية فليست بمملوكة لا بالأصالة و لا بالتبع بل بالعرض، بمعنى أن المملوك هو الثوب المخيط و الخاتم بما هو خاتم لا الثوب و الهيئة أو الفضة و الهيئة، مع انه لا دليل على لزوم تسليم المملوك بالتبع فان اللازم بمقتضى عقد المعاوضة أو
الالتزام بالتسليم المعاوضي هو تسليم ما يقع بإزائه العوض ثمنا كان أو اجرة، فمجرد تسليم الدار يوجب استحقاق مطالبة الثمن في البيع و لو مع عدم تسليم المفتاح مثلا، و مجرد تسيلهما يوجب استحقاق الثمن و لو مع كونها مسلوبة المنفعة في مدة.
و مما ذكرنا يظهر أن ما في الجواهر- من ان الصفة إنما يملكها صاحب الثوب تبعا للموصوف لا انه يملكها بعقد الإجارة (1)- صحيح من وجه دون آخر، لأن المراد إن كان وجود الصفة إحداثا الذي هو عين إيجادها فهو مملوك بعقد الإجارة من حيث الإيجاد لا تبعا للموصوف المملوك بسبب سابق، و إن كان وجود الصفة بقاء فهو مملوك بالعرض لأنه وصف ملكه، و قد عرفت انه غير مملوك بعقد الإجارة و إن كان بقاء المملوك بعقد الإجارة كما مرّ توضيحه فتدبر جيدا.
قد عرفت أن كون التسليم بإزاء التسليم للالتزام الضمني عند العرف هنا و في البيع على حد سواء، و ان عدم استحقاق الأجرة قبل العمل ليس لدليل خاص يقتضي تقديم العمل على تسليم الأجرة بل لأن تسليم العمل بإيجاده و إيجاده بتمامه بإتمامه فيستحق الأجرة عند تمامية العمل حيث إنه زمان تسليمه بتمامه لا لوجوب تقديم العمل على دفع الأجرة، و عليه فللعامل الامتناع عن العمل مع امتناع المستأجر عن دفع الأجرة لا أن المستأجر له حق الامتناع قبل العمل و ليس له الامتناع بعد العمل بل لا بدّ من أن يكون باذلا للأجرة، غاية الأمر انه مع بذله لها لا بدّ للأجير من إيجاد العمل تحقيقا للتسليم المقارن لتسلم الأجرة. نعم إذا لم يأمن الأجير من المستأجر باحتمال إيجاد العمل و امتناع المستأجر عند تمامية العمل مع كونه باذلا غير ممتنع قبله فله الاستيثاق بوضع الأجرة على يد ثالث بعين الوجه الذي اقتضى التسليم المعاوضي بالالتزام الضمني فإن الالتزام لدفع احتمال ذهاب ماله هدرا خارجا، و هذا أيضا يقتضي تحصيل الأمن من طرف المستأجر عند اقدامه على
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 239.
تسليم العمل بإيجاده بتمامه.
فان مدرك التسليم المعاوضي بالنسبة إلى كليهما على حد سواء، و لو فرض عدم تمكن الأجير من إيجاد العمل إلا بأخذ الأجرة لفرض عدم مال له و عدم تمكنه من تحصيله كانت الإجارة باطلة لأن العمل على الفرض غير مقدور له إلا بالخلف المحال و هو استحقاق الأجرة قبل العمل مع انه لا يستحقها قبله. بل الأمر هنا أشكل من البيع، لأن القدرة على التسليم و إن كانت شرطا فيهما إلا انه مع الوثوق بالقدرة على التسليم في باب البيع يصح البيع و إن تبين خلافه، لأن المملوك هي العين دون ما نحن فيه، فان المملوك هو العمل و العمل إذا لم يكن مقدورا للأجير واقعا فلا يملكه فلا يعقل أن يملّكه بالإجارة. و منه يتبين انه لا مجال لما في الجواهر من تسلط الأجير على الفسخ مع امتناع المستأجر عن بذل الأجرة (1)، فإن الخيار فرع صحة العقد و قد عرفت انه غير صحيح، مضافا إلى أن الامتناع الموجب للخيار هو الامتناع عن حق لا مطلقا فتدبر.
إذا كان قابلًا لتقسيط الأجرة عليه كصلاة سنة مثلا، فإنه بصلاة شهر أو يوم القابلة لتقسيط الأجرة عليها يقع موردا للبحث دون بعض الصلاة؟ و لا يخفى عليك ان استحقاق الأجرة بعد العمل إن كان بدليل خاص في الإجارة أمكن أن يقال كما قيل ان ظاهر قولهم لا يستحق الأجرة إلا بعد العمل عدم الاستحقاق ببعض العمل المستأجر عليه، و أما إن كان مدرك هذا الحكم اقتضاء عقد المعاوضة أو الالتزام الضمني العقلائي فلا مجال للاستظهار المذكور.
و تحقيق المقام انا ذكرنا في باب البيع ان وحدة المملوك مبيعا و ثمنا وحدة
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 220.
عمومية طبيعية لا وحدة شخصية، لأن الإضافات تتشخص بتشخص أطرافها فكل جزء جزء من الدار مثلا مملوك فكل جزء مبيع، إذا البيع ليس إلا إيجاد الملكية و الإيجاد و الوجود متحدان بالذات فيستحيل مع تعدد الوجود وحدة الإيجاد بل العقد اللبي المعنوي أيضا كذلك، فان القرار المرتبط بقرار آخر و هو العقد لا يستقل بالتحصل بل متقوم بمتعلقه و هو كون شيء ملكا بعوض، فمع تعدد متعلقة يستحيل وحدة القرار حقيقة.
نعم البيع الإنشائي من حيث إنه لفظ واحد له معنى واحد فهو واحد إلا أنه مما تسبب به إلى تمليكات حقيقة، و عليه فنقول إن كان التسليط الفعلي بإزاء التسليط الفعلي من مقتضيات نفس العقد بتعلقه بالتسليط الجامع بين الاعتباري و الفعلي فهو أيضا متعدد كتعدد التسليط الاعتباري، و إن كان باقتضاء الالتزام الضمني فالبرهان المذكور في التمليك المعاوضي غير جار فيه، بل يتبع كيفية الالتزام، فيمكن أن يكون الالتزام العقلائي بتسليم كل جزء بإزاء تسليم ما يقابله من الثمن على حد المعاوضة العقدية فكأنه على طبقة توسعة لدائرة التعويض، و يمكن أن يكون الالتزام بتسليم الكل بإزاء تسليم الكل على طبق الغرض المعاملي الباعث على بيع الدار و اشترائها بتمامها، و لذا له الخيار عند تخلف هذا الغرض للزوم تبعض الصفقة عليه عند تبين كون بعضها مستحقا للغير، و مع عدم تعيين أحد الأمرين بأحد الاعتبارين فالمرجع عموم تسلط الناس على أموالهم، فإنه لم يثبت مقيد للعموم إلا أنه لا يستحق مطالبة ماله من دون تسليم ما يوازيه من العوض، فله السلطنة على المطالبة و إن لم يثبت عنوان الاستحقاق الثابت بالالتزام حيث لم يعلم حده، و الغرض انه بتسليم ما يوازي له السلطنة على مطالبة ما يوازيه، لا انه يستحقه بموجب البناء العقلائي ليقال انه غير معلوم في الفرض.
نظرا إلى أن حكم الأجرة بما هي أجرة استحقاق تسلمها بعد العمل، أو الأجير كالمستأجر نظرا إلى ان البدأة بالعمل على الأجير كانت بلحاظ العملية و هي
متساوية النسبة إلى عمل الأجير و عمل المستأجر؟ و عليه فحيث لا مرجح و لا مخصص لأحد العملين و لا معنى للتخيير بين الحقين لشخصين و لا يعقل استحقاق البدأة لكل منهما على الآخر يسقط اعتبار حق البدأة لكل منهما على الآخر فيجب تسليمهما معا على وجه المقارنة دون القبلية و البعدية و بعد ما عرفت فلا وجه للقرعة، إذ لا استحقاق لواحد منهما للبدأة حتى يتعين بالقرعة. إلا أن هذا كله مبني على اعتبار القبلية و البعدية لدليل خاص، و إن كان اللازم مجرد التسليم بإزاء التسليم و كان تسليم العمل بإيجاده بتمامه، فكلّ منهما يستحق على الآخر إيجاد العمل مقارنا لإيجاده.
و الامتناع من الإيجاد المقارن يعدّ من الامتناع عن التسليم الذي يستحقه الآخر بإزاء تسليمه، و إلزامه بالبدأة إلزام بما لا يستحقه منه، و ليس لهما الخيار لأن ضرر كل منهما مستند إلى امتناع نفسه، كما لا وجه للحكم بالبطلان كما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» (1)بتوهم انه لا فائدة في صحة الإجارة مع تعطيلها، فإنه كالدور يلزم من وجودها عدمها، انتهى. فان عدم ترتب الفائدة- مع فرض الصحة التي لا تتحقق إلا بملاحظة ترتب الفائدة- خلف لا انه دور و انه يلزم من وجوده عدمه، مضافا إلى ان التمكن من الانتفاع الذي هو شرط صحة العقد لا يزول بامتناع الطرف عن تسليم العين مثلا بل يزول بامتناع التسليم، و المفروض قدرة كل منهما على تسليم ما بيده، فلا مانع من بقاء العقد على صحته و التعطيل إلى أن يتراضيا على التسليم المقارن للتسليم.
و اما طريق استيثاق كل منهما من الآخر بحيث ينحفظ به الغرض المعاملي و هو العمل فلا يجديه كفالة البدن و لا ضمان المال بما هو مال، بل لا بد من التزام ثالث بإيجاد العمل إذا كان مورد الإجارة عملا كليا، و الالتزام باستيفاء العمل من
1) كتاب الإجارة للمحقق الرشتي: ص 116 التنبيه الثاني من التنبيهات المذكورة في ذيل ال «تفريعان».
العامل إذا كان مباشريا ممن له القدرة على بعثه خارجا نحو العمل.
نظرا إلى أن الأجير لا يستحق الأجرة إلا بعد العمل حالا أو مؤجلا أولا، نظرا إلى ان عدم الاستحقاق لم يكن لدليل خاص حتى يتوهم زيادة التأخير بالتأجيل بل للالتزام الضمني بالتسليم المعاوضي، و قد حقق في محله ان الالتزام بالتسليم المعاوضي فيما كان لكل منهما مطالبة ماله، و مع فرض التأجيل في طرف لا معنى للتسليم المعاوضي، و عليه فلا فرق بين البيع و الإجارة و هو الحق.
و اما ما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» تارة من أن التأجيل في قوة إسقاط حق المطالبة فيبقي حقّ المطالبة للآخر سليما عن المعارض و اخرى من أن التأجيل يقتضي نقصانا في أحد العوضين فإن المعاملة حينئذ بين الملك في الحال و الملك في المستقبل (1)فكلاهما مخدوش.
(أما الأول) فبأن منشأ التسليم بإزاء التسليم كما مرّ ليس قاعدة سلطنة الناس على أموالهم، فإن لكل من المالكين السلطنة على مطالبة ماله و إن لم يسلم ما بيده، فان ظلم أحد لا يسوغ الظلم من الآخر، بل المنشأ هو الالتزام الضمني بالتسليم بإزاء التسليم، و مع كون استحقاق التسليم مؤجلا لا معنى للالتزام المزبور، للزوم الخلف مضافا إلى ان السلطنة على مطالبة المال ليست من الحقوق حتى تكون قابلة للإسقاط، إذ ليس لكل أحد يملك مالا ملك و حق بل ملك فقط و له مطالبة ماله و له تركها.
(و أما الثاني) فلا كلية له، إذ المملوك في البيع فعلي و لا تعليق للملكية على مضي الأجل كما لا تحديد للملوك، لعدم تقدر الأعيان بالزمان، فما احتمله- شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» في تعليقته على الخيارات من اشتراط الملكية بمضي الأجل
1) كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي: التنبيه الثالث.
تارة و من كون المملوك، استقباليا اخرى- مخدوش، و لا أظن ذهاب أحد من الأصحاب إلى أحد الأمرين. نعم تحدد المنفعة و الأعمال بالزمان معقول فيصح كون المملوك أمرا استقباليا في باب الإجارة. إلا أن استحقاق تسلم الأمر الاستقبالي أمر غير معقول لا انه معقول غير صحيح لإسقاط حق المطالبة.
لفساد عقد الإجارة (1)على تفصيل ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى، و حيث إن عمدة المستند قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» (2)مع ان المظنون قويا أنها قاعدة متصيدة من الموارد التي حكم فيها بالضمان لوجود قواعد أخر تقتضي ذلك، ففي الحقيقة تلك القواعد هي مدرك الضمان، فاللازم تحقيق تلك القواعد و هي قاعدة الاقدام و قاعدة الاحترام و قاعدة الإتلاف و قاعدة اليد و قاعدة نفي الضرر،
و قد حكي (3)الاستناد إليها عن شيخ الطائفة في المبسوط و عن المحقق (4)و الشهيد الثانيين (5)رحمهم اللّه، و اعترض عليهم جميع من تأخر عنهم بأن البائع مثلا لم يقدم إلا على التضمين الخاص و هو كون المبيع مضمونا بالمسمى فالمفروض فساده و مع انتفاء الخصوصية لم يبق المطلق. و أجاب عنه شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» في تعليقة البيع بما نصه: «إنهما أقدما على أصل الضمان في ضمن الاقدام على ضمان خاص و الشارع إنما لم يمض الضمان الخاص لا أصله» (6)إلخ، و مرجعه إلى انه ليس المقام من بقاء المطلق بعد انتفاء المقيد
و انتفاء الطبيعي بعد انتفاء فرده، فإن الإقدام أمر و تأثيره شرعا أمر آخر، فعدم إمضاء الخاص لا يوجب انتفاء المطلق و لا يلازم عدم إمضائه.
و توضيح المرام: ان معنى الضمان بالمسمى كون المبيع مملوكا بالمسمى، و الضمان بالبدل الواقعي كونه متداركا بعد تلفه بالبدل، فلا بدّ في تصور الاقدام بحيث يعم الضمانين من تصور الجامع، فنقول: إذا لوحظ العوض بما هو مال بضميمة الخصوصية و لوحظ طبيعي المعوض المحفوظ مع وجوده و مع تلفه و طبيعي التعويض المجامع مع كونه عوضا في حال وجود المعوض فيكون تمليكا و عوضا في حال تلفه فيكون تغريما و تضمينا فلا محالة يكون الاقدام على طبيعي التعويض بالإضافة إلى طبيعي المعوض و طبيعي العوض اقداما على التضمين في ضمن الاقدام على التمليك، فكان التعويض في المرتبة الأولى تمليكا بالعوض و في المرتبة الثانية و هي تقدير فساد العقد و عدم سلامة المسمى و تلف المعوض تغريما بالبدل، فاذا فرض مثل هذا الاقدام كان الإقدام الضمني التزاما بالبدل على تقدير التلف فيكون من شرط الضمان الذي لا شك في معقوليته و نفوذه شرعا، فعدم نفوذ العقد بما هو تمليك لا يلازم عدم نفوذ الالتزام الشرطي، هذه غاية التقريب لما أفاده العلامة الأستاذ «قدّس سرّه».
و فيه (أولا) ان تلك الطبيعيات منتزعة مما أقدما عليه لا طبيعات أقدما عليها، و لا يكاد يشك ذو مسكة انه لم يقصد في بيعه إلا تمليك العين الخاصة بثمن مخصوص من دون التفات و لا قصد إلى تلك الطبائع و لو مترتبة، و التضمين و التمليك قصدي لا قهري.
(و ثانيا) ان التضمين الضمني بحيث ينطبق عليه الشرط حيث إن حقيقته الالتزام بالضمان بالبدل إنما يصح و يؤثر في الضمان إذا كان في ضمن عقد صحيح، و المفروض فساد العقد في المرتبة الأولى و عدم صحة الشرط الابتدائي و لقد أجاد بعض الأعلام «رحمه اللّه» حيث تنبه لعدم إمكان تصحيح الإقدام إلا بإدراجه تحت عنوان الشرط حيث قال «رحمه اللّه»: إن الاستناد إلى الإقدام
مستقلا اما مسامحة في التعبير أو مردود بعدم الدليل المعتبر على كونه من الأسباب من دون تلف و لا إتلاف مباشرة أو تسبيبا إلا حديث «المؤمنون عند شروطهم» (1)غير المعمول به في غير الشروط في العقود الصحيحة (2).
و تقريبها بوجهين: (أحدهما) ما عن بعض أجلّة السادة «قدّس سرّه» و هو أن احترام مال المسلم عدم جواز مزاحمته فيه بالأخذ منه قهرا عليه كما يجوز بالإضافة إلى مال الكافر الذي لا ذمة له و لا حرمة، و هذا بالنظر البدوي و إن كان مقتضيا لحرمة مزاحمته ما دامت العين موجودة فلا يفيد إلا الحكم التكليفي دون الوضعي إلا ان المزاحمة محرمة حدوثا و بقاء، و عدم تداركه بعد إتلافه إبقاء للمزاحمة، و رفعها بتدارك المال فيجب فيساوق الضمان الوضعي، و يندفع بأن حقيقة مزاحمة أحد في ماله لا تعقل إلا في المال الموجود و لا تعقل في المعدوم لا حدوثا و لا بقاء، إلا إذا فرض ثبوت البدل في ذمته ليقال تحرم مزاحمته في المحقق وجوده خارجا و المقدر وجوده في الذمة، فعدم تداركه و عدم تمكين المالك من التصرف فيه بإخراجه من التقدير إلى التحقيق نوع من المزاحمة، لكن الكلام في إثباته في الذمة بنفس قاعدة الاحترام، فكيف يعقل أن تكون محققة لموضوعها.
(ثانيهما) ما يتوجه في نظري القاصر و هو ان المال المضاف إلى المسلم بإضافة الملكية له جهتان و حيثيتان: (الاولى) حيثية الملكية، و رعاية هذه الحيثية و احترام هذا الشأن عدم التصرف فيما هو تحت سلطان الغير إلا باذنه (و الثانية) حيثية المالية، و رعاية هذه الحيثية و احترام هذا الشأن ان لا يجعله هدرا بحيث يعامل معه معاملة ما لا مالية له، فالمال المضاف إلى المسلم بإضافة الملكية له حرمتان من حيث المضاف و من حيث الإضافة.
و يمكن ان يورد عليه بوجوه: (الأول) ان الدليل على احترام مال المسلم ليس
إلا قوله عليه السّلام: و حرمة ماله كحرمة دمه (1)، و ظاهر سياق الخبر هو التعرض للحكم التكليفي دون الضمان الوضعي، فإن الخبر هكذا: عن الصدوق قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه من معصية اللّه و حرمة ماله كحرمة دمه» (2). و الظاهر من السياق و تشبيه ماله بدمه هو أن الأثر المرتب على اراقة دمه بالتعرض لقتاله هو المرتب على التعرض لماله، و هي شدة المبغوضية المؤثرة في شدة العقوبة المعبر عنها بالكفر، لا من حيث إن دمه بوجب القصاص و الدية فما له يوجب البدل. هذا إذا أريد من الحرمة احترام المال و الدم، و اما إذا أريد منها ما يقابل الحل و الجواز فالأمر أوضح.
(الثاني) ان الظاهر من حرمة المال المضاف بإضافة الملكية حرمة المضاف بما هو مضاف كما في كل أثر مترتب على المتحيث بحيثية، فإن الظاهر كون الحيثية تقييدية لا تعليلية، و مقتضاه إثبات احترام الإضافة لا احترام ذات المضاف. نعم يبعده ان حرمة الإضافة و المضاف بما هو مضاف معناه احترام المملوك، و احترام الملكية لا يقتضي أخذ المال بعنوانه في الموضوع لحرمة التصرف في ملك الغير، فإنها لا تدور مدار ماليته إلا أن الذي يهون الخطب أخذ عنوان المال فيما يتمحض في الحكم التكليفي كقوله عليه السّلام: «لا يجوز لأحد التصرف في مال غيره بغير اذنه» (3). و منه يعلم ان أخذ المال في موضوع هذا الحكم الذي لا يدور مدار المالية باعتبار غلبة كون المضاف مالا فتدبر.
(الثالث) ان القاعدة لا تعم عمل الحر، لأن الظاهر من إضافة المال بعنوانه هي إضافة الملكية أو الحقية، و عمل الحر و إن كان في نفسه ما لا لكنه غير مضاف إلى عامله بإضافة الملكية، بل أضافه الكتابة إلى الكاتب و الخياطة الى الخياط من اضافة العرض الى موضوعه و الفعل إلى فاعله لا الملك إلى مالكه، و صحة إجارة
نفسه للعمل لا تدل على كونه مملوكا له بل هي كصحة بيعه كليا في ذمته، فإن البائع لا يملك الكلي بل من حيث سلطانه على نفسه له إجارة نفسه لعمل و التعهد بمال في ذمته بعوض، فصحة تمليك العمل و تمليك كلي الحنطة مثلا لمكان تلك السلطنة لا لملك العمل و الحنطة قبلا و هو واضح جدا.
(الرابع) ان قاعدة الاحترام و إن شملت المنافع و الأعمال المستوفاة إلا انها لا تكاد تعم المنافع الفائتة و لا الأعمال القائمة بالعامل من دون تسبيب من المستأجر، لوضوح ان مجرد وصول نفع من الغير لا يوجب الضمان و الا لوجب القول به مع عدم العقد الفاسد أيضا، و العقد الفاسد ليس تسبيبا إلى إيجاد العمل ليجب حفظ حرمته بأداء بدله بل تسبيب إلى الملكية و المفروض عدم حصولها، و حرمة العمل لا تقتضي تضمين من لا مساس له به لا عقدا و لا تسبيبا خارجيا، نعم إذا قلنا بأن مجرد الاذن خارجا في العمل ببدله يكون موجبا للضمان مع عدم قصد الإجارة من حيث جعل الملزوم بجعل لازمه و مع عدم قصد الجعالة كما هو المفروض أمكن أن يقال انه لا فرق في الاستناد الموجب لحفظ حرمة العمل بين الاذن بالمطابقة و الاذن بالالتزام، و لازم العقد على الاستيجار للعمل الأذن فيه خارجا و تبقى المنافع الفائتة على حالها من دون موجب لحفظ حرمتها على المستأجر.
و شمولها للمنافع المستوفاة و الأعمال المستوفاة واضح، فإن إتلاف المنافع التدريجية الوجود باستيفائها تدريجا، و ليست كالأعيان بحيث يكون لها إتلاف محض، و كذا إذا قلنا كلية بشمول الإتلاف للتقويت و هو المنع من الوجود و إبقاء العدم على حاله فهو إعدام من هذه الجهة، فإنه عليه تعم المنافع التي فوتها دون المنافع الفائتة و الأعمال غير المستوفاة، فإنه لا تكاد تعمهما قاعدة الإتلاف و لو بناء على تعميمها للتفويت، و الاستناد الموجب لحفظ حرمة المال كما مر لا يجدي في صدق الإتلاف التسبيبي، و لذا لا يقول أحد بصدق الإتلاف بمجرد الأمر و الاذن كما هو واضح، و بالجملة فقاعدة الإتلاف أخص من المدعى.
و هي أيضا أخص من المدعي فإنها لا تعم الا المنافع التي كانت تحت اليد سواء استوفاها أم فاتت تحت اليد، و اما الأعمال المباشرية القائمة بالعامل و المنافع الفائتة تحت يد المالك فهي غير مشمولة للقاعدة. نعم عن الشيخ الأعظم الأنصاري «قدّس سرّه» في مسألة المقبوض بالعقد الفاسد الإشكال في صدق الأخذ باليد في المنافع (1).
و ليس وجه الاشكال عدم صدق الأخذ بالنسبة إلى المنافع، فإن الأخذ بما هو لا يختص بالأعيان الخارجية بل يعم الأمور المعنوية كالعهد و الميثاق فضلا عن شمول المنافع التي هي من حيثيات العين الخارجية و شئونها، كما انه ليس وجه الإشكال ارادة الجارحة المخصوصة من اليد كي يختص بالأعيان القابلة للقبض بالجارحة، إذ لا ريب في أنها كناية عن الاستيلاء، و لذا لا ريب في صدق وضع اليد على الأراضي و العقار بالاستيلاء عليها، بل وجه الإشكال أمران:
أحدهما: ان المنافع حيثيات و شئون للعين موجودة فيها بالقوة لا بالفعل، و إنما تخرج من القوة إلى الفعلية باستيفائها الذي هو إخراجها من العدم إلى الوجود، فمع فرض الاستيفاء يكون استيفاؤها عين الاستيلاء عليها إلا انه لا حاجة في المنافع المستوفاة إلى قاعدة اليد لكفاية قاعدة الإتلاف، و مع فرض عدم الاستيفاء فلا شيء موجود بالفعل ليقال بالاستيلاء عليه، و الموجود بالقوة معدوم بالفعل فلا يتصور فيه الاستيلاء فعلا.
نعم الاستيلاء على الموجود بالفعل بالذات استيلاء على الموجود بالقوة بالعرض، و الموجود بالعرض غير الموجود بالتبع فلا حكم له بالذات. بل إذا كان الموجود بالذات لا يدخل تحت اليد كالحر فمنافعه أيضا كذلك، للزوم ما بالذات فيما بالعرض، و الفرق- بين ما بالأصالة و بالتبع و بين ما بالذات و بالعرض- تعدد الوجود في الأول و وحدته في الثاني مع تعدد الانتساب.
1) المكاسب: ص 104.
و الجواب ان الاستيلاء ليس من الأعراض المتأصلة التي لها مطابق في الخارج حتى يتوقف على وجود موضوع في الخارج تحقيقا بل من الأمور الانتزاعية من كون الشخص بحيث يتمكن من التصرف في المستولي عليه تصرفا خارجيا، و المنافع و إن كانت معدومة في الخارج إلا انها مقدرة الوجود و إمكان التصرف فيها بإخراجها من حد الفرض و التقدير إلى الفعلية و التحقيق خارجا، فكما ان الشخص مستول على نفس العين كذلك مستول على منافعها حقيقة لا عرضا.
نعم حيث إن المنافع قائمة بالعين فلها وجود تبعي كذلك الاستيلاء عليها بسبب الاستيلاء على العين فالاستيلاء على العين واسطة في الثبوت بالإضافة إلى الاستيلاء على المنافع لا واسطة في العروض بالنسبة إليها، و منه تعرف ان الاستيلاء- على الحر المستتبع للاستيلاء على عمله المقدر وجوده- أمر معقول. غاية الأمر ان الاستيلاء الأصيل لا حكم له عرفا و شرعا و الاستيلاء التبعي له حكم عرفا و شرعا، فالتبعية في التحقق لا تقتضي التبعية في العهدة و الضمان كما توهم، فإنه شأن ما بالعرض بالنسبة إلى ما بالذات لا شأن ما بالتبع بالإضافة إلى ما بالأصالة.
ثانيهما: ما يسنح بالبال من ان مقتضى- على اليد ما أخذت حتى تؤدى- ان ما يدخل في العهدة بوضع اليد عليه ما كان أدائيا و كان قابلًا للأداء بعد أخذه، و هذا شأن العين، و اما المنافع فما فات منها و هي المأخوذة فغير أدائية بنفسها و ما لم تفت فهي غير مأخوذة و لا كلام فيه، و توهم أن سلسلة المنافع أخذها بأخذ أحد طرفي السلسلة و أدائها بأداء طرفها الآخر بأداء العين- يفيد ضد المقصود، لأن الكلام في ضمان المنافع الفائتة فخروجها عن العهدة بأداء طرفها الآخر معنى عدم ضمان منافعها الفائتة، كما ان توهم أدائها بأداء بدلها مدفوع بأن أداء بدلها فرع دخولها في العهدة، و المفروض ان المأخوذ الذي له أداء بنفسه هو الذي يدخل في العهدة فتدبر، و لا ينتقض بالعين التي تلفت بمجرد وضع اليد عليها فإن الإمكان الذاتي و الوقوعي محفوظ مع الامتناع بالغير، كما ان جعل الغاية محددة للموضوع حتى يكون الخبر دالا
على ضمان المأخوذ غير المؤدي أيضا- غير مجد، لان الظاهر كونه من قبيل العدم و الملكة لا من قبيل السلب و الإيجاب ليصدق مع انتفاء الموضوع أيضا.
و ملخص القول فيها أن الضرر المنفي إن كان هو الضرر غير المتدارك فلازمه ان كل ضرر متدارك شرعا، و هو مساوق للضمان، إلا ان هذا المعنى غير صحيح كما حقق في الأصول، و إن كان الضرر المنفي هو الحكم الضرري، فتارة يراد منه ان الشارع لم يشرع حكما ضرريا و حكمه بعدم الضمان ضرري فهو غير مشروع، و أخرى يراد منه ان الأحكام المجعولة بأدلتها مقصورة على غير مورد الضرر كما هو مبني الحكومة.
فإن أريد الأول فهو واف بالضمان إلا أن يعارض بضررية الضمان على الضامن في بعض الأحيان، لكن الحق عدم إرادة هذا المعنى و إلا لزم أن تكون أدلة الخمس و الزكاة و بعض النفقات و بعض التغريمات و أشباهها كلها مخصصة لدليل الضرر.
و إن أريد الثاني كما هو الصحيح فمورده ما إذا كان للحكم مورد ان ضرري و غير ضرري و بدليل نفي الضرر يكون مقصورا على غير الضرري، و إذا كان الضمان ضرريا أو عدم الضمان في مورد ضرريا فلا محالة يكون خارجا بالتخصص كالخمس و الزكاة و أشباههما، و لا حاجة إلى دعوى ان العدم غير مجعول، لكفاية مجرد استناد بقائه إلى الشارع بعدم قلبه إلى الوجود و بقية الكلام في محله.
و من مجموع ما ذكرنا تبين ان ضمان- المنافع المستوفاة و الأعمال المستوفاة و لو بالأمر و الاذن و المنافع الفائتة تحت اليد- مما يمكن المصير اليه و القول به كما هو المشهور، و اما المنافع الفائتة بعد العقد من دون يد عليها فلا موجب لضمانها و اللّه أعلم.
بأن لا يكون فساده من ناحية اشتراط عدم الأجرة، بل ربما يستظهر من عبارة الشرائع و غيرها حيث قالوا سواء زادت عن المسمى. إلخ. فإن ظاهرها
فرض الأجرة المسماة في العقد، بل يمكن أن يقال بخروجه عن موضوع المسألة رأسا، فإن الأجرة من مقومات الإجارة لا من شرائط تأثير عقد الإجارة حتى يدخل في موضوع الإجارة الفاسدة، فلا تعمه قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» (1)إلا بإخراجه عن عنوان الإجارة و إدراجه في العارية الفاسدة.
و مختصر الكلام- في موضوع الإجارة بلا اجرة أو بشرط عدم الأجرة-: ان العاقد و الشارط ان كان ملتفتا إلى حقيقة الإجارة فلا يعقل منه التسبب الجدي إلى إيجاد الإجارة بلا أجرة، فإن إيجاد الشيء بدون مقومة محال فلا يتوجه اليه القصد الجدي من الملتفت، و كذا إذا كان قاصدا للإجارة المشروطة بعدم الأجرة، فإن قصد- هذا الخاص المنافية خصوصيته لحقيقة ذات الخاص- قصد أمرين متنافيين، و اما إذا قصد حقيقة الإجارة بقوله «آجرت» ثم بعد إنشائه بدا له أن يعقبه بإلغاء مقومة أو بالالتزام بعدم مقومة فإن كان مع بقائه على قصد التسبب إلى حقيقة الإجارة فهذا القصد الحادث لا يتمشى منه، و ان كان قصده إلغاء الخصوصية ليكون عارية فهو باق على التسبب الى التمليك لا على التمليك بالأجرة فهو إجارة إنشاء حدوثا و عارية بقاء. ففيه ان إنشاء التسليط على الانتفاع هو مفاد العارية فمجرد إلغاء العوض لا يجدي في انعقاده عارية بقاء. و ان كان قصده من الأول هذا المعنى معبرا عنه بلفظ الإجارة كانت صحته موقوفة على جواز عقد العارية بلفظ آجرت، و على فرض صحته يخرج عن موضوع البحث و هو عدم الضمان في المقبوض بعقد الإجارة الفاسدة، فإنه مقبوض بعقد العارية الصحيحة.
و مختصر الكلام- فيما يترتب على الموضوع الفاسد أو غير المعقول الذي تمشي القصد اليه من عاقده لعدم التفاته إلى استحالته-: هو أن الاعتبار إذا كان بمدارك قاعدتي ما يضمن و ما لا يضمن لا بهما فلا بد من بيان دافع لما تقتضيه قاعدة الاحترام و الإتلاف و اليد، و لا دافع لها إلا توهم الاذن في التصرفات بلا عوض
1) الروضة البهيّة: ج 3، ص 264 و 265.
و منها الإتلاف و التسليط على المنفعة عن رضاه كذلك و إيجاد العمل مجانا عن رضاه، و يجاب بأن الاذن و الرضا في كل ذلك بعنوان الوفاء و مع الفساد لا وفاء فلا رضا و لا اذن و قد تكلمنا عليه سابقا، بل الاشكال من حيث إن تسليم العين لاستيفاء المنفعة و إثبات اليد عليها إنما يكشف عن الرضا من حيث كشف المعلول عن علته و هو إنما يكون إذا كانا منوطين بالرضا، و من الواضح ان تسليم ملك أحد إليه لا يكون منوطا بالرضا، و كذا تسليط المالك على ماله غير منوط بالرضا، و المفروض أن العاقد المسلم للمال و المسلط للمستأجر يعتقد أن المنفعة مملوكة له فكيف يكون هذا التسليم و التسليط كاشفا عمّا لا يكون منوطا به، و منه تعرف ان إيجاد العمل مجانا أيضا كذلك، لأن تسليم العمل المملوك للغير بإيجاده لا يكون منوطا برضاه حتى يقال انه أوجده مجانا عن رضاه، فحرمة عمله محفوظة كحرمة منفعة داره مثلا، فالأقوى ان العقد الفاسد المقيد بعدم الأجرة كالمجرد عنه.
عن المحقق الأردبيلي «قدّس سرّه» (1)و غيره ممن تبعه على ما حكي تقييد هذه بصورة الجهل بالفساد، و اما مع العلم بالفساد فلا ضمان لأجرة المثل، و وجه هذا التفصيل أحد أمرين:
الأول: انه إن مع العلم بالفساد لم يقصد في باب البيع إلا هبة ماله و هنا إلا العارية و التبرع بالعمل فلا موجب للضمان.
و يندفع بأن المفروض التسبب إلى البيع و الإجارة، غاية الأمر انه كان قاصدا للتسبب إلى اعتبار الملكية شرعا فهو مبني على التشريع في السبب و إن كان قاصدا لاعتبار الملكية عرفا فهو موجد للبيع العرفي أو الإجارة العرفية فلا هبة و لا عارية، فإن هذه العناوين قصدية لا قهرية.
الثاني: انه مع اعتقاد الفساد شرعا و عدم تأثير لتشريعه في السبب و عدم أثر شرعا للمعاملة العرفية فلا محالة يكون تسليطه للغير على ماله عن رضاه الطبعي،
1) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الإجارة، ص 9.
حيث لا إكراه من أحد و لا إلزام من الشارع.
و يندفع بأنه بعد إمكان التشريع فالجري على وفقه تسليط منه على مال الغير لا على مال نفسه ليكون منوطا برضاه حتى يستكشف بمعلوله و كذا بعد فرض المعاملة العرفية فالجري على وفقها تسليط منه للغير على مال ذلك الغير عرفا لا على مال نفسه ليكون منوطا برضاه. إلا أن يقال إن هذا المال ينطبق عليه عنوانان عنوان انه مال الغير تشريعا أو عرفا و عنوان انه ماله شرعا حقيقة، و التسليط بلحاظ العنوان التشريعي و العرفي لا اقتضاء، و التسليط بالنظر إلى العنوان الشرعي مقتض، فإقدامه من الأول على البيع العرفي المستلزم للتسليط على ماله شرعا حيث كان عن رضي طبعي مع بقائه على حاله عادة يكفي في الخروج عن مقتضى اليد و الإتلاف للرضا بالاستيلاء و التصرف المستكشف من اقدامه فتدبر.
و الأدلة الدالة على ان ثمن الكلب أو الخمر و الخنزير سحت و ان أجر المغنية سحت كلها تقيد الإرشاد إلى الفساد و لا تتكفل حكم التسليط عن رضاه مع العلم بالفساد، و اللّه أعلم بالسداد.
المبحث العاشر: من أحكام الأجرة على ما في الشرائع كراهة استعمال الأجير قبل أن يقاطع على الأجرة (1)،
و قد ذكر غير واحد ان جوازه و كراهته مما لا خلاف فيهما، و هذا- مع الفراغ عن لزوم معلومية الأجرة كما ادعي الإجماع عليه- يحتاج إلى توضيح مورد الجواز و الكراهة، فإن الإجارة المعاطاتية كالعقدية القولية يشترط فيها ما يشترط فيها فلا بد من كون المورد إجارة صحيحة أو جعالة صحيحة أو معاملة مستقلة أخرى صحيحة.
فنقول: إذا كان للعمل أجرة عادية فهي كالمذكورة فيصح تمليكه بماله من الأجرة إجارة أو الالتزام بتلك الأجرة و الاذن في العمل جعالة، و ربما تتعين الاولى كما في الاذن في سكنى الدار فإنه لا يصح من باب الجعالة كما مرّ سابقا، و على أي
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة، الشرط الثاني.
تقدير فكراهة ترك ذكر الأجرة لا مانع منها لدفع النزاع أو توهم الأجير انه قد نقصه المالك حقه، و إذا لم يكن للعمل أجرة عادية بل أجرة المثل فلا محالة لا تصح الإجارة و لا الجعالة، للزوم معلومية الأجرة و الجعل فيهما، فلا موقع لكراهة الجري على وفق الإجارة الفاسدة مثلا. بل ربما يحرم كما في التصرف بسكنى الدار، و لذا ذهب غير واحد من الأعلام إلى انه معاملة مستقلة قامت السيرة عليها، فإن أريد أن هنا سببا معامليا يتسبب به إلى شيء فالمفروض عدم التسبب إلى تمليك العمل و لا إلى جعل على عمل بل و لا إنشاء الإباحة حتى تكون الإباحة مسببة عن إنشائها، بل مورد السيرة ما إذا كان استعمال من أحدهما برضاه و عمل من الآخر برضاه لا مجانا و لا تبرعا.
و شيء من هذه الأمور ليس سببا يتسبب به إلى شيء، و لا حاجة فيه إلى دليل خاص يدل على مشروعيته، فان اذن صاحب الدار في سكنى الدار لا مانع منه لدليل السلطنة، و حيث إنه غير مجاني على الفرض و مال المسلم محترم فعلى المستوفي للمنفعة بدل المال المحترم واقعا، و كذا اذن المستعمل للأجير أن يعمل في داره لا مانع منه، و عمل الأجير برضاه من دون تبرع على الفرض لا مانع منه و عمله محترم فله البدل واقعا، فكما ليس بحسب مقام الثبوت أمر معاملي إنشائي كذلك لا حاجة إلى إقامة الدليل على المشروعية، فالسيرة لا يستدل بها هنا على الصحة بل على أن ما بأيدي الناس هو هذا العمل المشروع، و الحكم في مثله بكراهة الاتكال على اجرة المثل لا مانع منه دفعا لما ذكرنا.
و أما إثبات الكراهة بالروايتين الواردتين في هذه المسألة بعد تنزيل موردهما على المتعارف في جميع الأعصار و الأمصار فهو أمر هيّن بعد ورود أمثال هذه التشديدات في ترك المستحبات و فعل المكروهات، و اللّه أعلم.
المبحث الحادي عشر: من أحكام الأجرة على ما في الشرائع أنه يكره أن يضمّن الأجير إلا مع التهمة (1)،
و نفس هذا العنوان يدل على أن المورد فيه ما يوجب
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة، الشرط الثاني.
الضمان و إلا لكان التضمين حراما، كما ان تقييده بعدم التهمة باستثناء صورة التهمة يدل على أمرين:
أحدهما: أن مورده الإتلاف و التلف بتفريط لا التلف المحض الذي يستوي فيه البر و الفاجر و الأمين و الخائن و المتهم و غيره.
ثانيهما: ان مورده ثبوت موجب الضمان ظاهرا بقيام بينة أو نكول عن الحلف و شبههما لا ما إذا ثبت الموجب قطعا، فإنه لا موقع للانقسام إلى المتهم و غيره بخلاف ما إذا ثبت عليه شرعا مع انه لم يكن كذلك واقعا لكونه مأمونا غير متهم، و الكلام في كراهة تضمين هذا الموضوع بعد الفراغ عن ضمان الأجير لما يتلف في يده كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى البحث عنه مفصلا. إلا أن الاخبار بمنطوقها لا تدل على كراهة التضمين بهذه الخصوصية المفسرة بها عبارة الشرائع في كلمات شراحها (1)و غيرهم، بل المستفاد منها أمران:
أحدهما: أن أمير المؤمنين عليه السّلام أسس أصلا كليا في هذه الموارد احتياطا على أمتعة الناس فحكم بالضمان بمجرد التلف قبل ثبوت التفريط أو الإتلاف إلى أن يتبين خلافه (2)و استثني منه في كلمات الأئمة من بعده عليهم السّلام ما إذا كان الأجير مأمونا غير متهم (3)، و من المعلوم ان رفع مثل هذا التضمين الاحتياطي بمجرد كونه مأمونا لا يلازم رفع الضمان الثابت موجبه شرعا بكونه مأمونا.
ثانيهما: انه لا يضمن إذا كان مأمونا بمعنى انه لا يتسبب إلى تضمينه بطلب البينة أو استحلافه لا انه لا يضمّن بعد قيام البينة أو نكوله عن الحلف إذا كان مأمونا.
نعم يمكن أن يقال انه يستفاد من كراهة التسبب إلى تغريم المأمون غير المتهم كراهة تغريم المأمون و إلّا لما كره التسبب إلى تغريمه، فراجع أخبار الباب الناهية
عن التضمين في صورة عدم التهمة (1)لا تكاد تجد ورود شيء منها في مورد ثبوت موجب الضمان شرعا، و عبارة الشرائع (2)و إن فسرت بما ذكرنا إلا انها لا تأبى عن الحمل على أحد المعنيين المستفاد من الروايات و اللّه أعلم.
في الشرط الثاني من شرائط العوضين و هو كما في الشرائع مملوكية المنفعة (3)، و المراد بهذه الملكية هو الاعتبار المتعلق بنفس المنفعة كاعتبار ملكية نفس العين لا ملك التصرف في المنفعة أو العين، فان ملك التصرف في المنفعة ثبت اعتباره بما تقدم منه «قدّس سرّه» في أول البحث حيث قال «رحمه اللّه»: ان يكون المتعاقدان كاملين جائزي التصرف، فان ملك التصرف هو السلطنة على التصرف التي ربما تنفك عن حقيقة ملك العين و المنفعة كما في الولي و الوصي و الوكيل، و منه تعرف ان تصرف الفضولي و الغاصب يخرج بما سبق لا بملك المنفعة، فإن النقص في العاقد لا في المنفعة المعقود عليها، فلا يخرج بملك المنفعة إلا المباحات الأصلية، حيث إنها بأعيانها و منافعها متساوية النسبة إلى البائع و المشتري و المؤجر و المستأجر، و عدم ملك التصرف فيها لا لنقص في المتصرف أصالة بل لنقص في مورد التصرف.
و أمّا ما في الجواهر من ان اعتبار هذا الشرط لعدم تحقق المعاوضة في غير المملوكة. إلخ (4)فمدفوع بأن معنى كون البيع معاوضة و الإجارة معاوضة ليس لزوم قيام كل من العوضين مقام الآخر فيما له من إضافة الملكية حتى يلزم كون كل منهما مملوكا قبلا، ضرورة صحة بيع الكلي الذمي مع انه غير مملوك قبلا للبائع، و صحة تمليك الحر لعمله بالإجارة مع ان عمله غير مملوك له قبلا، بل لمكان سلطنة
الإنسان على نفسه له ان يتعهد بكلي في ذمته أو بعمل على نفسه، بل معنى كون البيع و الإجارة معاوضة صيرورة كل من العوضين ملكا للآخر بإزاء صيرورته ملكا له فلا يلزم سبق اضافة المملوكية للمملك.
و منه تعرف ان المراد بالمنفعة إذا كان مطلق ما يقع موردا للإجارة لم يكن اعتباره لازما، بل المراد خصوص ما يقابل العمل كما في منفعة الدار و الدابة، و مما ذكرنا يظهر أن الأجرة إذا لم تكن ذمية لزم اعتبار مملوكيتها أيضا فلا يصح جعل عين مباحة بالإباحة الذاتية اجرة كما لا يصح جعل منفعتها مقابلا بالأجرة، فلا موجب لتخصيص المملوكية بالمنفعة فتدبر. و لنذكر ما يتعلق بملك المنفعة في طي مباحث:
و مثل في القواعد (1)للملك الاستقلالي بملك المستأجر و في الجواهر بملك الموصى له للمنفعة الموصي بها و لملك المنافع في الأوقاف العامة بناء على كون أعيانها ملكا للّه تعالى (2)مقتصرا عليهما و هو الأنسب، إذ ليس الكلام في تعداد أقسام الملك الاستقلالي بل فيما يصح تمليكه بالإجارة بما هي إجارة، فلا ينبغي ذكر المملوك بالإجارة، بل المناسب ذكر ما هو مملوك استقلالا بغير الإجارة و إن كان الحكم متحدا في الجميع من حيث التمليك الإجاري، ثم إنه كما قيد منفعة الوقف العام في الجواهر بكون العين ملكا للّه تعالى كذلك كان ينبغي تقييد المنفعة بما إذا كانت ملكا للموقوف عليه، فان الوقف العام تارة يقتضي ملك المنفعة و اخرى ملك الانتفاع، مثلا إذا كانت أرض الزراعة أو البستان أو الخان موقوفة على أهل العلم فلا شبهة في ملك الطبيعي للمنفعة، فلولي الوقف إجارة الأرض و الخان مثلا و إيصال الأجرة إلى الموقوف عليه بخلاف وقف المدرسة و القنطرة و أشباحهما، فإنه ليس للموقوف عليه إلا ملك الانتفاع لا ملك المنفعة و إلا جاز نقلها إلى غيره،
و بقية الكلام في محله.
و أما ما أفاده في الجواهر بعد التمثيل بمنافع الأوقاف العامة من انه لا ينافي عموم الوقف جواز إجارة الحاكم و لو لبعض من هو مصرف الوقف. إلخ (1)، فإنما هو لدفع شبهة ان تمليك المالك لا معنى له، و اما جوابه بأن بعض أهل الوقف الذي يستأجر الموقوفة متصرف تنظيرا ببيع الزكاة لبعض من هو مصرف لها فلا حاجة إليه، فإنه يوهم انه لا يملك بل هو مصرف محض كمصرفية بناء القنطرة مثلا للزكاة، بل الجواب ان الطبيعي هو المالك دون الأشخاص فلا يملك الشخص إلا بعد إقباض المتولي، فالإجارة ليست تمليكا للمالك بل تمليك لمن يصلح ان يملك بعد قبضه بعنوان كون الكلي متعينا فيه بتعيين المتولي.
و قد تقدم بعض الشبهات في نظير المسألة و هو البيع من المستأجر مع دفعها، إنما الإشكال في ضمان المستأجر إذا سلم العين إلى المستأجر الثاني من دون إذن المالك، و هذا البحث مبني على ما تقدم من عدم ضمان المستأجر الأول للعين، و إلا فالبحث عن ضمانه هنا لغو فلا بد حينئذ من بيان الفارق، فنقول: غاية ما يمكن أن يقال في تقريب المساواة و عدم الضمان بالتسليم ان مقتضى إطلاق الإجارة الاولى من حيث الاستيفاء كما هو مفروض المقام إطلاقها من حيث الاستيلاء المتوقف عليه الاستيفاء، و اليه يرجع ما قيل من ان الاذن في الشيء إذن في لازمه.
و الجواب عنه (أولا) أن الاستيفاء يتوقف على تمكين المؤجر للمستأجر من الانتفاع بالعين لا على الاستيلاء الذي يترتب عليه الضمان لو لا إذن المالك.
(و ثانيا) ان جواز التسليم بل وجوبه المساوق للاستيلاء لا ينافي الضمان، فإن المنافي للضمان هو الائتمان، و وجوب التسليم غير وجوب التأمين، فيجب عليه التسليم بماله من الحكم.
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 257.
(و ثالثا) ان التوسعة في الاستيفاء ليس من قبل المالك حتى تقتضي التوسعة في الاستيلاء بل جواز الاستيفاء حقيقة أو اعتبارا بالإجارة من الغير إنما هو بمقتضى سلطنة الناس على أموالهم و هو لا يقتضي سلطنة على مال الغير، فالإجارة ثانيا ليست منوطة بإذن المالك ليكون اذنه في الإجارة إذنا في لازمها. نعم كان للمالك أن يقيد ملك المنفعة باستيفائه بنفسه أو يقيد دائرة سلطنته باشتراط الاستيفاء بنفسه، و إذا لم يكن أحد الأمرين كانت مملوكة له و كان مقتضى قاعدة السلطنة جواز الاستيفاء الحقيقي بنفسه و الاستيفاء الاعتباري بالإجارة.
و التحقيق: أن مدرك عدم ضمان العين في الإجارة الأولى كما قدمنا لم يكن وجوب التسليم و التسليط على العين ليكون حال الإجارة الثانية حال الاولى بل المدرك كان أقدام المالك، نظرا إلى ان اقدامه ابتداء على الإجارة كان عن رضاه الطبعي و الاقدام عليها أقدام منه على لازمه الغالبي عن رضاه الطبعي فيصدر منه تسليط المستأجر على عينه عن رضاه و كل تسليط عن الرضا تأمين بالمعنى الأعم، و من البين انه لا أقدام منه على الإجارة الثانية لعدم ارتباطها به حتى يكون اقداما منه على تسليط المستأجر الثاني، و لا معنى لإقدامه على جواز الإجارة من المستأجر، فإنه و إن كان لازم ملك المنفعة المطلقة إلا انه لا معنى للإقدام على الحكم، فلا منشأ لكون تسليط المستأجر الثاني بتسليط المالك و انه عن اذنه و رضاه.
و من جميع ما ذكرنا تبيّن أن التسليم له مراتب: (إحداها) المساوق للتمكين من الانتفاع بالعين، و هذا لا شبهة في جوازه بل في وجوبه و هو غير منوط بإذن المؤجر و لا موجب للضمان لعدم الاستيلاء.
(ثانيتها) المساوق للاستيلاء، و لو فرض توقف استيفاء المنفعة عليه أحيانا فلا شبهه في جوازه بل في وجوبه لفرض المقدمية. نعم لا شبهة أيضا في انه بنفسه يوجب الضمان لو لا الرافع، و في هاتين المرتبتين ان امتنع المؤجر من التمكين أو التسليط يجبر عليه و إلا فللمستأجر خيار الامتناع من التسليم.
(ثالثتها) المساوق للتأمين، و هذا لا مقدمية له للاستيفاء فلا يستحقه المستأجر
من المؤجر فلا يجبر عليه و لا الامتناع منه موجب للخيار، و منه يظهر ما في جملة من الكلمات و اللّه مقيل العثرات، هذا كله بحسب القواعد. و ربما يستدل لعدم الضمان بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السّلام قال: سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال عليه السّلام: «إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها و إن لم يسم فليس عليه شيء» (1)، و أجيب عنها في كلام جماعة بأن الصحيحة بملاحظة الشرطية ناظرة إلى الضمان من حيث الركوب نفيا و إثباتا لا الضمان من حيث التسليم.
بيانه: ان المستأجر بسبب مخالفة الشرط يده عادية فيضمن سواء كان هناك تسليم و تسليط أم لم يكن إلا التمكين من الركوب، و مورد النفي في الشرطية الثانية هو مورد الإثبات في الاولى، و يمكن أن يقال ان المفروض في السؤال حيث إنه إعطاء الدابة الظاهر في تسليطه عليها و الغالب أيضا هو التسليط و ظاهر «لا شيء عليه» هو نفي الضمان فعلا مطلقا لا نفي الضمان من حيثية و السكوت عن الضمان من حيثية أخرى مفروضة في شخص القضية و غالبية من حيث العموم، فلا محالة تكون الصحيحة ظاهرة في نفي الضمان مع عدم شرط الاستيفاء مطلقا، و لأجلها فالقول بعدم الضمان لا يخلو من وجه كما نسب إلى الأكثر.
و الكلام فيه بأطرافه يتم ببيان أمور:
ان ظاهر الكلمات و إن كان اشتراط استيفاء المنفعة بنفسه بإرادة الشرط الفقهي و هو الالتزام في ضمن الالتزام إلا ان ظاهر جماعة من أعلام المتأخرين صحة الاشتراط بالمعنى الأعم من تقييد المنفعة بحيث تتضيق دائرة المملوك و من الالتزام الموجب لتضيّق دائرة السلطنة دون الملكية، فعلى الأول لا مملوك للمستأجر حتى يملكه غيره، و على الثاني له طبيعي سكنى الدار لكنه لا
1) الوسائل: ج 13، باب 17، من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 255.
سلطان له إلا على استيفائه بنفسه، و الذي ينبغي البحث عنه تصور تضييق دائرة المملوك بالتقييد.
فنقول: طبيعي سكنى الدار بالمعنى القائم بالساكن و إن كان كليا بإلغاء خصوصيات الساكنين و له حصص بلحاظ سكنى المستأجر و سكنى غيره إلا أنه بهذا المعنى ليس مملوكا لمالك الدار حتى يملكه غيره موسعا أو مضيقا كما نبّهنا عليه في أول باب الإجارة، و بالمعنى القائم بالدار المعدود من شئونها و حيثياتها له نحوان من الوجود: (أحدهما) بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل و (ثانيهما) بالفعل بفعلية مضايفه القائم بالساكن، و الثاني و إن أمكن لحاظه فعليا بفعلية مضايفه أياما كان في قبال فعليته بفعلية مضايفه القائم بالمستأجر خاصة إلا انه لا يمكن أن يكون المملوك بالإجارة هذه المرتبة من الوجود إذ مع عدم الاستيفاء رأسا لا مملوك مع أن المنفعة مملوكة بعقد الإجارة سواء استوفيت أم لا، فلا محالة المملوك بعقد الإجارة دائما هي المنفعة بوجودها بالقوة فإنها غير منوطة بالاستيفاء.
إلا أن الكلام في أن هذا الموجود بالقوة جزئي بجزئية ما بالفعل الذي يقوم به فما معنى سعته و تضييقه؟ و حيث إن المتضايفين متكافئان في القوة و الفعلية و الوحدة و التعدد و ليست فعلية ما بالقوة إلا خروجه من حد إلى حد، فلا بدّ من أن يكون الموجود بالقوة قابلًا لأن يتعين بتعين مضايفه و متكثرا بتكثر مضايفه، فتلك الحيثية القائمة بالدار و إن كانت جزئية بجزئية الدار لا كلية و لو بنحو الكلي في المعين إلا انها غير متعينة في حد ذاتها، فهي قابلة للقياس إلى سكنى زيد فتكون مسكونية الدار بالقوة بالنسبة إلى سكنى زيد غير مسكونيتها بالإضافة إلى سكنى عمرو، و هذا من شأن مقولة الإضافة و الأمور الموجودة بالقوة، فكون الموجود بالقوة جزئيا لا ينافي كونه لا متعين، فيقبل التعينات الخاصة و يقبل بقاءه على حاله من عدم التعين فيكون وسيعا، فتارة يملك على الوجه الأول و اخرى يملك على الوجه الثاني، و به تندفع الشبهة في باب الكسر المشاع، فان جعله كليا ينافي مقابلته مع الكلي في المعين و جعله جزئيا ينافي سعته و إشاعته و سريانه، و دفعها بما ذكرنا واضح، هذا هو
الكلام في تقييد المنفعة بالاستيفاء.
و أما اشتراط الاستيفاء فنقول: الشرط بمعنى الالتزام تارة يتعلق بالوصف و أخرى بالنتيجة و ثالثة بالفعل، و لا موقع لشرط الوصف، فإنه يتوقع اشتراط الوصف من المؤجر بحيث يتعهد للمستأجر بمنفعة موصوفة بكذا، و الالتزام بالاستيفاء شرط من المستأجر للمؤجر، فلا محالة يكون الاشتراط هنا اما بطور شرط النتيجة أو بطور شرط الفعل، و لا مجال للأول أيضا، فإن القابل لهذا النحو ما كان من النتائج الّتي تتحقق بتعلق الالتزام بها كشرط ملكية كذا أو استحقاق كذا، فإنه بمجرد تعلق الشرط تتحقق تلك النتيجة، و لا نتيجة هنا يترقب حصولها بالشرط إلا ما سمعناه مشافهة من شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» في بحثه هنا و هو شرط كونه محجورا عن جميع التصرفات إلا استيفاء المنفعة بنفسه فبمجرد الشرط يكون محجورا، فالمنفعة مملوكة له إلا انه لا سلطان له على جميع التصرفات من الإجارة أو التبرع بالمنفعة و نحوهما إلا على استيفاء المنفعة بالمباشرة، و حيث إن السلطنة إما تكليفية مساوقة للرخصة و الإباحة و إما وضعية مساوقة للنفوذ باستجماع شرائط صحة التصرف فليس شيء من السلطنتين تحت اختياره حتى يلتزم بحصولها أو عدم حصولها، فان الحكم التكليفي بيد الشارع وجودا و عدما، و النفوذ و عدمه تابع لوجود العلة التامة واقعا و عدمها، فلا معنى لشرط مثل هذه النتيجة، و إنما يصح شرط النتيجة فيما إذا كانت من الاعتبارات الوضعية التي يتسبب إليها بأسبابها كالملكية و نحوها.
(لا يقال) كما ان شرط الانتقال إلى الغير صحيح، لأنه من شرط النتيجة المتحصلة من الأمر الاعتباري القابل للتسبب اليه و هي الملكية كذلك شرط عدم الانتقال إلى الغير، فان نسبة القدرة إليه كنسبة القدرة إلى الانتقال و إلا لم يكن شرط الانتقال مقدورا.
(لأنا نقول) الانتقال قابل لأن يحصل بأسبابه و منها الشرط و اما عدم الانتقال فهو بعدم سببه لا بسبب العدم، فان كان المراد من اشتراطه مجرد بقائه على العدم
فهو باق بعدم سببه من دون تأثير للشرط و إن كان المراد من اشتراطه أن لا تنتقل المنفعة إلى الغير و لو مع وجود سببه فهو شرط انفكاك المعلول عن علته التامة و هو شرط أمر محال، فينحصر شرط الاستيفاء في شرط الفعل.
فلا يراد منه لزوم مباشرته له و إلا لزم الاستيفاء مع ان المستأجر له أن يستوفي و له أن لا يستوفي، فلا محالة يراد من الشرط المزبور أن لا يؤجر الدار و ان لا يتبرع بمنفعتها للغير، و حينئذ يقع الكلام في أن مثل هذا الاشتراط يمنع عن نفوذ الإجارة الثانية أو لا بل للمؤجر خيار التخلف عن الشرط، و ما قيل- أو يمكن أن يقال في تقريب المنع- أمور:
أحدها: ما في الجواهر (1)، و تقريبه ان الأمر بالوفاء بالشرط و الأمر بالوفاء بعقد الإجارة الثانية متمانعان لا يمكن فعليتهما معا لكنه يقدم الأول على الثاني لتقدمه عليه وجودا، لوجود سببه بلا مانع في حال ترقب التأثير منه بخلاف الثاني لوجود السبب المسبوق بالمانع.
و الجواب ان نفوذ عقد الإجارة تابع لوجود جميع ما يعتبر في العقد و في المتعاقدين و في مورد العقد، و اشتراط ترك الإجارة لا يوجب خللا في العقد و لا في المتعاقدين و لا في مورد العقد، فالإجارة لا تبقي المحل للوفاء بالشرط لانقلاب ترك الإجارة إلى نقيضها بخلاف الشرط، فإنه كما مر لا يوجب الخلل في السبب التام لنفوذ الإجارة، فلا أمر بالوفاء بالشرط مع وجود الإجارة حتى يمنع عن الأمر بالوفاء بعقد الإجارة، و سيتضح بعض ما أجملناه فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
ثانيها: ما عن بعض الأعلام من ان نفوذ كل معاملة منوط يملك التصرف و مع وجوب الوفاء بالشرط بترك الإجارة تحرم الإجارة فيكون المستأجر مسلوب القدرة شرعا فلا يملك هذا التصرف المعاملي، و لذا قلنا سابقا بأن هذا الشرط يضيق دائرة السلطنة على التصرفات الثابتة بقوله عليه السّلام: «الناس مسلطون على
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 265.
أموالهم» (1).
و (الجواب) ان السلطنة تكليفية و وضعية، و الاولى تساوق الترخيص التكليفي في قبال الحرمة، و الثانية تساوق النفوذ الوضعي، و القدرة في الأولى بملاحظة عدم كونه مصدودا من قبل الشارع، و القدرة في الثانية بملاحظة استجماع السبب المعاملي لشرائط تأثيره، فإن أريد من نفي القدرة و السلطنة عدم الرخصة تكليفا فهي ليست من شروط نفوذ المعاملة بل كما حقق في محله يدل التحريم على نفوذ المعاملة و إلا لم تكن مقدورة فلم يصح تحريمها مولويا، و إن أريد من نفي القدرة عدم السلطنة الوضعية فهي تابعة لاستجماع السبب لما له دخل في تأثيره، و مع كون العقد واجدا لما يعتبر فيه من العربية و الماضوية و أشباههما، و مع كون العاقد بالغا عاقلا رشيدا مالكا غير مفلس و لا فيه أحد أسباب الحجر، و مع كون المنفعة مثلا واجدة لما يعتبر فيها من كونها متمولة و مملوكة و مباحة و نحوها فلا محالة يكون المؤجر مثلا قادرا على تمليك المنفعة، و الحرمة المولوية لا توجب خللا في شيء مما له دخل في النفوذ، فعدم ملك التصرف بمعنى عدم الجواز تكليفا مفروض إلا انه غير مناف لنفوذ المعاملة و بمعنى عدم الجواز وضعا غير مفروض و لا مسلم فتدبر جيدا.
ثالثها: ما عن الشيخ العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في نظائر المقام من التمسك بإطلاق وجوب الوفاء بالشرط حتى بعد إنشاء الإجارة الثانية، فإنه كاشف عن عدم نفوذ الإجارة و إلا لم يكن محل للوفاء بالشرط.
و الجواب ما حقق في محله من لزوم انحفاظ المطلق في مراتب إطلاقه، و بعد إنشاء الإجارة الثانية حيث يحتمل تأثيره يشك في بقاء المحل للوفاء فيكون من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية، مضافا إلى ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من ان متعلق الشرط إن كان ترك إنشاء الإجارة فقط فبمجرد إنشائه يسقط الشرط عن اقتضاء الوفاء لعدم المحل له قهرا فكيف يعقل إطلاقه لما بعد المخالفة القهرية؟ و إن
1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 222، ح 99.
كان ترك الإنشاء الناقل فمقتضى لزوم تعلق الالتزام بالمقدور إمكان تحقق الإجارة الحقيقية منه فكيف يعقل إطلاق الوجوب لما بعد الإنشاء النافذ الذي لا يبقى معه محل للوفاء؟ فتدبره فإنه حقيق به.
رابعها: ان الإجارة الثانية تصرّف مناف للحق الثابت للمؤجر على المستأجر باشتراط الاستيفاء الراجع إلى ترك الإجارة من الغير و هو باطل.
و تحقيق القول فيه يتوقف على تنقيح أمرين: (أحدهما) صغرى الدليل من حيث اقتضاء الشرط للحق دون التكليف المحض بالوفاء (ثانيهما) كبرى الدليل و هو أن كل تصرف مناف للحق فهو باطل.
أما الأول: فطريق استكشاف الحق أحد أمور ثلاثة: إما اقتضاء نفس الاشتراط، و إما اقتضاء دليل الشرط، و إما اقتضاء آثار الشرط أما اقتضاء نفس الشرط فتقريبه انه كما ان الإجارة في الأعمال ليست إلا الالتزام بالخياطة للمستأجر، و نفس كون الخياطة له دال على الاختصاص الملكي كذلك الشرط، فإنه أيضا التزام بالخياطة لزيد مثلا، فهناك التزام معاملي اجاري و هنا متمحض في الالتزام بالعمل له، و يندفع بأن حقيقة الإجارة تمليك العمل بعوض، غاية الأمران مضامين العقود و الإيقاعات واردة مورد الالتزامات و العهود لا ان تمام حقيقة الإجارة التزام للمستأجر بعمل، و هنا أيضا لو التزم بملك العمل للمشروط له كان من شرط النتيجة فيكون سبا للملك، و الكلام في شرط العمل، و اللام لام الصلة للالتزام لا لام الاختصاص فالشارط ملتزم للمشروط له بعمل لا انه يلتزم بعمل له، و بقية الكلام من هذه الجهة في بحث الشروط.
و أما افتضاء دليل الشرط فمن البين أن قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» (1)إما دليل النفوذ و إما دليل وجوب الوفاء تكليفا و إما دليل اللزوم الوضعي، و شيء من ذلك لا يقتضي حدوث حق اعتباري بالشرط ما لم يكن
1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 293، ح 173.
نفس الالتزام الشرطي مقتضيا له كما هو واضح.
و أما اقتضاء آثار الشرط فأثر الحق جواز النقل فيما يقبله، و الحكم كليا لا يقبل النقل و كذا الانتقال بالإرث، و الحكم لا يورث و كذا عدم لزوم المبادرة إلى النقل إلا بعد المطالبة، و امتثال التكليف غير منوط بالمطالبة و كذا جواز إسقاطه، و الحكم لا يسقط بالإسقاط، و المسلم من هذه الآثار في باب الشروط هو جواز إسقاط المشروط له للشرط إذا لم يصادف مانعا، و كفى به دليلا و شاهدا على كونه حقا، و من جميع ما ذكرنا تبين صحة الصغرى من حيث حدوث استحقاق العمل بالالتزام به.
و أما الثاني: و هو ان كل تصرف مناف للحق فهو باطل. فتحقيق الحال فيه ان الحق كلية إما يتعلق بالعين كحق الشفعة و حق الرهانة و حق الجناية من القصاص و الاسترقاق المتعلق برقبة العبد الجاني و إما يتعلق بغير العين بل بفعل أو ترك كحق ترك الفسخ و حق ترك الإجارة من الغير و كحق عتق العبد على المشتري له و حق البيع منه ثانيا.
أما الحقّ المتعلق بالعين فهو على قسمين: (أحدهما) ما يسري مع العين بسريانها في أنحاء التقلبات كحق الشفعة، فإن للشريك حق الشفعة و إن انتقلت حصة الشريك إلى ألف مشتر، و كحق القصاص و الاسترقاق فإنه متعلق برقبة العبد من دون نظر إلى مالكه، فمثل هذا الحق لا يعقل أن يمنع عن نفوذ التصرف مع انه يجامعه و لا ينافيه.
(ثانيهما) ما لا يسري بسريان العين بل يزول مع فرض نفوذ التصرف كحق الرهانة، فإن كون العين محبوسة على الدين لا يجامع الخروج عن ملك المديون، و كحق الغرماء المتعلق بمال المفلس فلا يجامع خروجه عن ملكه، و كحق الخيار بمعنى حق استرداد العين بشخصها، فان رد الإضافة الشخصية المتعلقة بشخص العين لا يجامع خروجها عن ملك من عليه الحق فإنه لا إضافة شخصية لشخصها حتى ترد، بخلاف ما إذا كان حق حل العقد أو حق رد العين و لو بماليتها، فإنه محفوظ مع
التلف و مع التصرف، و مما ذكرنا تبين ان الحق هنا غير متعلق بالعين أو المنفعة، مع ان مطلق تعلقه بهما لا يكون مانعا.
و أما الحق المتعلق بفعل أو ترك فهو على قسمين: (أحدهما) ما يكون نسبة التصرف المعاملي إلى مورد الحق نسبة الشيء إلى نقيضه. كالإجارة بالإضافة إلى تركها المشروط على المستأجر، و كالفسخ بالإضافة إلى تركه المشروط على المشتري مثلا.
(ثانيهما) ما يكون نسبة التصرف المعاملي إلى مورد الحق نسبة الضد إلى ضده، كالبيع بالنسبة إلى العتق المشروط على المشتري، فان كان من قبيل الأول فلا يعقل أن يكون الحق مانعا عن نفوذ التصرف المعاملي، و ذلك لأن متعلق الالتزام إما ترك إنشاء الإجارة فقط أو ترك الإجارة بالحمل الشائع، فإن كان الأول فلا محالة تتحقق المخالفة للشرط بمجرد الإنشاء فيسقط الحق فلا مانع من تأثير الإنشاء، و تستحيل مانعية الحق عن وجود الإنشاء الذي التزم بتركه، و إن كان الثاني فمن المسلّم في محلّه و المحقق عند أهله ان القدرة على متعلّق الشرط شرط صحته، فلا بدّ من ان يكون ترك الإجارة بالحمل الشائع مقدورا عليه في ظرف العمل بالالتزام و أداء الحق، و إذا كان الترك مقدورا عليه كان الفعل مقدورا عليه لاستواء نسبة القدرة إليهما، بل قد حققنا في محله ان الفعل مقدور عليه بالأصالة و الترك بالتبع، و فرض القدرة على الإجارة بالحمل الشائع فرض النفوذ، و حينئذ يستحيل أن يكون استحقاق الترك مانعا عن نفوذ الإجارة و إلا لزم من وجوده عدمه و هو محال، إذ لو منع الاستحقاق عن نفوذه لكان موجبا لعدم القدرة فعلا و تركا و يلزمه عدم نفوذ الالتزام و عدم تحقق الاستحقاق فافهم و استقم.
و إن كان من قبيل الثاني فالبرهان المتقدم لا يجري فيه، لأن الملتزم به نفس العتق، و مقدوريته فعلا و تركا لا ربط لها بمقدورية التصرف المعاملي، فلا مانع من تأثير استحقاق العتق في بطلان التصرف البيعي مثلا و إخراجه عن كونه مقدورا عليه، و الوجه في اقتضاء استحقاق العتق بطلان بيع العبد المشروط عتقه أحد أمرين
الأول: ان البيع تصرف في الحق بإزالته بإعدام موضوعه و هو إخراج العبد عن ملكه فلا يبقى مجال لعتقه، مع ان التصرف في الحق ليس إلا لمن له الحق كالملك فكما لا ينفذ التصرف في الملك إلا من مالكه أو وليه أو وكيله فكذلك لا ينفذ التصرف في الحق إلا ممن له الحق أو وليه أو وكيله، فحاصل هذا الوجه بطلان التصرف لفقد ملك التصرف المعتبر في نفوذ المعاملة.
و الجواب: ان الولاية المعتبرة في نفوذ التصرف إنما تعتبر في كل تصرف يكون من شئون الحق، و التصرفات التي هي من شئون الحق السلطنة على مطالبته و النقل إلى الغير و إنشاء سقوطه أو اشتراط سقوطه، فهذه شئون الحق و أمرها بيد من له الحق دون غيره، و أما موضوع متعلق الحق و هو العبد فهو ملك المشتري و أمره بيده، و إبقاء موضوع الحق و إعدامه ليس من شئون الحق ليكون أمره بيد من له الحق حتى يكون بيعه تصرفا في الحق الذي لا يملك أمره فتدبر، بل أمر نفس متعلق الحق و هو العتق أيضا ليس بيد من له الحق فليس له عتقه بل أمره بيد مالك العبد. نعم للبائع المستحق إسقاط حقه.
الثاني: ان البيع و إن لم يكن تصرفا في الحق إلا انه تصرف مناف للحق الثابت بعلته التامة و لا يجتمعان في الوجود، بداهة عدم إمكان استحقاق العتق على حاله مع انتقال العبد عن المشتري إلى غيره، و إذا تحقق أحد المتنافيين استحال تحقق ما ينافيه و إلا لزم اجتماع المتنافيين في الوجود و هو خلف، فالتصرف البيعي و إن كان مستجمعا لجميع ما يعتبر في نفوذه شرعا و لم يوجب استحقاق العتق خللا في شيء من شرائطه إلا أن التمانع في الوجود مع سبق الاستحقاق مانع عقلي عن وجود البيع.
و الجواب: ان استحقاق العتق و التصرف البيعي غير متقابلين بالأصالة لا بتقابل السلب و الإيجاب و لا بتقابل العدم و الملكة و لا بتقابل التضاد إلا بين نفس العتق و البيع، فإنهما بما هما تصرفان ثبوتيان في موضوع واحد متضادان. نعم بين استحقاق العتق و نفس البيع تقابل بالتبع، نظرا إلى ان استحقاق العتق بقاؤه ببقاء
العبد على ملك المشتري، و البقاء على ملك المشتري و انتقاله إلى غيره متقابلان فلا يمكن اجتماع الاستحقاق مع التصرف، لعدم إمكان البقاء و الانتقال معا إلا أن سبق الاستحقاق المزبور لا يعقل أن يكون مانعا عن التصرف، لأن بقاء الاستحقاق متفرع على بقاء موضوعه لا انه حافظ لموضوعه و مبق له، فيستحيل أن يكون مانعا عن مزيل موضوعه و معدمه، نظير اجتماع سبب وجود البياض في الجسم و سبب انعدام الجسم، فإنهما أيضا لا يجتمعان في التأثير إلا انه لا يعقل مانعية سبب وجود البياض عن سبب عدم الجسم.
كما في الرواية المتقدمة في المسألة السابقة حيث قال عليه السّلام «إن كان شرط أن لا يركبها غيره.» إلخ (1)، فإن المراد منه شرط ترك ما هو فعل نفسه و هو إركاب الغير، فربما يتخيل بطلان الإجارة من وجه آخر غير ما مرّ في شرط ترك الإجارة، اما إذا شرط عليه ترك تسليم المنفعة إلى الغير فالوجه في بطلان الإجارة عدم القدرة على التسليم، و هي معتبرة في البيع و الإجارة و كل معاوضة، و المفروض حرمة التسليم للالتزام بتركه الواجب عليه، و الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، و يندفع بأن المدار في اعتبار القدرة على رفع الغرر، و مع الوثوق بحصول المال في يده لا غرر سواء كان البائع أو المؤجر قادرا على التسليم واقعا أم لا فضلا عما إذا لم يكن قادرا شرعا، و المفروض هنا إمكان حصول المنفعة في يد المستأجر، فلا غرر و لا خطر في إقدامه على الاستيجار، مع ان القدرة اللازمة هنا هي قدرة المستأجر على التسليم لا قدرة المؤجر على التسليم، فان الغرر إنما هو للمستأجر لا للمؤجر، و على فرض تعميم القدرة إلى الواقعية و الشرعية فلا حرمة بالإضافة إلى المستأجر، فإن الملتزم بترك التسليم هو المؤجر دون المستأجر، و حرمة أحد المتضايفين لا تستلزم حرمة المضايف الآخر، فإنها ليست من لوازم التضايف كالقوة و الفعلية
1) الوسائل: ج 13، باب 16، من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 255.
و الوحدة و التعدد فتدبر جيدا.
و أما إذا اشترط عليه ترك إسكان الغير مثلا فربما يتخيل صيرورة المنفعة محرمة بذلك. و إباحة المنفعة كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى من شرائط صحة الإجارة.
و تقريبه: ان المنفعة إذا كانت عبارة عن سكنى الغير في الدار و هو من إعراضه القائمة به فهو لم يقع من الغير مورد الالتزام بتركه حتى يحرم عليه لئلا ينفذ تمليكه إياه بل المحرم ما هو من أفعال المؤجر و هو الإسكان و هو ليس من منافع الدار، فلا بدّ في تحريم السكنى من عناية زائدة بادراجه تحت عنوان الإعانة على الإثم، نظرا إلى ان عنوان الإسكان من المؤجر لا يتحقق إلا بسكنى الغير. فهو بمنزلة الشرط لتحقق عنوان الإسكان. نظير قبول المشتري في تحقق عنوان التمليك من البائع. فإن إيجاد الملكية قائم بالبائع إلا أن هذا العنوان لا يتحقق بمجرد إيجابه إلا عند قبول المشتري.
و أما إذا لم يكن سكنى الغير من منافع الدار كما قدمناه في أول باب الإجارة بل منفعة الدار من حيثياتها و شئونها و هي المسكنية و المسكونية المضايفة للساكنية فاذا لوحظ المبدأ المعبر عنه بالسكنى في طرف الدار عد من منافع الدار. و إذا لو حظ في طرف الساكن عد من إعراضه القائمة به و حينئذ لا بد في تحريم منفعة الدار بتحريم الإسكان من تقديم مقدمة. و هي ان تلك الحيثية الموجودة في الدار بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل بما هي لا تتصف بالإباحة و الحرمة بل باعتبار إخراجها من القوة إلى الفعل و هو المراد من استيفائها، و من البين أن إخراجها من القوة إلى الفعل بالدخول في الدار و الكون فيها المحقق للعنوانين المتضايفين، و المفروض عدم التزام الساكن المستوفي بترك إخراجها من القوة إلى الفعل حتى تتصف تلك الحيثية بالحرمة إلا ان التحقيق ان تلك الحيثية بلحاظ مرتبة الفعلية لها قيامان:
أحدهما: قيامها بالدار قيام حلول و مضايفها الفعلي و هي الساكنية له قيام بذات الساكن بقيام حلولي كما هو شأن العرض الذي نحو وجوده وجود ناعتي.
ثانيهما: قيامها بموجدها بقيام صدوري، و الإسكان و المسكنية بهذا الاعتبار من باب الإيجاد و الوجود، و لا فرق في اتصاف تلك الحيثية بالحرمة بين أن تكون بلحاظ قيامها بالساكن المخرج لها من القوة إلى الفعل بدخوله في الدار و أن تكون بلحاظ قيامها بقيام صدوري بالمتصف بالإسكان باعداده المخرج لها من القوة إلى الفعل، و توسط ارادة الفاعل المختار يمنع عن استناد فعله إلى الغير بحيث يكون سكونه سكونا للمؤجر باعداده كما في استناد القتل اليه باعداده، لا انه يمنع عن استناد الإسكان إليه كما عرفت في نسبة التمليك إلى البائع بإيجابه مع توقف وجود الملكية على قبول المشتري برضاه، هذا.
إلا أن مقتضى ما قيل- في وجه شرطية إباحة المنفعة من أنّ المنفعة المحرّمة لا ماليّة لها و لا هي مملوكة لمالك العين- عدم شرطية الإباحة هنا، إذ المفروض كون المنفعة مملوكة له و إنما التزم بترك التصرف فيها بإسكان الغير، و اما إلحاق الإجارة بالبيع- لبطلان البيع فيما إذا باع العنب ليعمل خمرا، فان العنب مملوك إلا ان الانتفاع به بهذا الوجه حرام و مع ذلك فبيعه لهذه الغاية فاسد، و المنفعة هنا أيضا مملوكة إلا أن استيفاءها بهذا الوجه الملتزم بتركه حرام- فيندفع بأن القول بالبطلان في البيع للنص لا بحسب القاعدة حتى يجري في الإجارة، مع أن لازم بطلان الإجارة هنا الاقتصار على ما إذا آجره على وجه يتصدى لإسكانه، لا ما إذا آجره مطلقا أو ليسكن فيه، و من جميع ما ذكرنا في هذا الأمر و الأمر المتقدم تبين أن الإجارة الثانية صحيحة على أي تقدير، و اللّه أعلم.
فنقول:
اما إذا قلنا بالصحة فالكلام تارة في ثبوت الخيار للمالك بملاحظة تخلف المستأجر عن الشرط، و اخرى في انحلال الإجارة الثانية تحل الإجارة الاولى، اما ثبوت الخيار فحيث إن منشأه الضرر المنفي بقاعدة نفي الضرر فلا بد من كون اللزوم ضرريا لوقوعه في ضرر مالي أو نقض الغرض المعاملي المعبر عنه بالضرر الحالي، فإن كانت الإجارة بالشرط المزبور المضيق لدائرة السلطنة على المستأجر بأقل من القيمة السوقية فلا
محالة يقع المالك مع الإجارة الثانية في ضرر مالي فله إعمال الخيار و الرجوع ببدل المنفعة واقعا، و إن لم تكن بأقل من القيمة الواقعية فلا ضرر مالي، و الضرر الحالي إنما يتدارك إذا انحلت الإجارة الثانية بحل الاولى، و اما إذا لم تنحل كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى فلا أثر للخيار، فلزوم الإجارة الأولى كما لا يرتفع الضرر برفعه كذلك ليس ضرريا بذاته، و إنما الضرري هي الإجارة الثانية غير المرتبطة بالمالك فلا يمكن دفع هذا الضرر و هو نقض الغرض المعاملي إلا بأحد وجهين: اما بتقييد أصل المنفعة حتى لا تنفذ الإجارة الثانية أو بجعل الخيار لنفسه في الإجارة الثانية على تقدير الإجارة من الغير بالشرط بناء على المشهور من عدم اعتبار التنجيز في خصوص الشرط كما مرّ سابقا.
و أما انحلال الإجارة الثانية بعد حل الإجارة الأولى بإعمال الخيار فقد ذكرنا في مباحث الخيارات ان الإجارة الثانية حيث إنها وقعت صحيحة لازمة بسبب صحيح ملزم على الفرض، و الفسخ كما هو التحقيق و المشهور من الحين، و حق الخيار باق مع التصرف و التلف، فلا محالة لا تنحل الإجارة الثانية بحل الاولى، و إنما يقتضي حلها بعد التصرف رجوع المنفعة ببدلها لا بعينها، و تمام الكلام من هذه الجهة في محله فتدبر.
و أما إذا قلنا ببطلان الإجارة الثانية فيقع الكلام أيضا في مقامين: (أحدهما) في تعقل الخيار للمالك (ثانيهما) في إمكان تصحيح الإجارة الثانية.
أما الأول فنقول: متعلق الشرط إن كان ترك الإجارة بالحمل الشائع ففرض البطلان فرض عدم التخلف و عدم حصول المخالفة للشرط فلا معنى للخيار، و إن كان ترك إنشاء الفسخ فحصول المخالفة وجداني فلا بأس بالخيار، كما انه إذا كان الشرط متعلقا بترك إسكان الغير في الدار أو ترك إركاب الغير على الدابة فحصولهما غير مناف لبطلان الإجارة فيأتي حديث التخلف عن الشرط و الخيار.
و أما الثاني فنقول: إمكان تصحيح الإجارة الثانية بملاحظة ان المالك له إسقاط حقه الثابت له بالشرط فيرتفع المانع عن نفوذ الإجارة الثانية.
و يندفع (أولا) بأن وجه بطلان الإجارة الثانية كما تقدم غير منحصر في مانعية الحق، فعلى القول بغيره من الوجوه المانعة عن نفوذ الإجارة لا يمكن تصحيحها إلا بزوال نفس الشرط، و لا يمكن إلا بانحلال الإجارة لينحل الشرط المتقوم به، و انحلالها و لو بالإقالة موجب لبقاء الإجارة الثانية على حالها من البطلان لا خروجها عنه إلى الصحة.
(و ثانيا) بأن إسقاط الحق قبل وقوع الإجارة الثانية يوجب خلوها عن المانع فتنفذ بشمول عموم دليل الصحة لها، و اما بعد وقوع الإجارة فلا، لأن مانعية الحق عن نفوذ الإجارة الثانية عقلية لا شرعية حتى تكون منوعة للعام الى نوعين، فيكون الخالي عن المانع من الإفراد المقدرة الوجود الداخلة في هذا النوع من الأول، بخلاف المانعية العقلية فإنها لا توجب تصرفا في الدليل الشرعي حتى يكون العام في مقام الإثبات ذا نوعين، فالعقد الواجد للمانع العقلي مع انه تمام الموضوع إذا لم يعمه العام فلا معنى لشموله له فيما بعد و تمام الكلام في محله، هذا مع إسقاط الحق.
و أما إذا لم يسقط حقه فهل للمالك ان يجيزه لنفسه فان كانت الإجارة موقتة بوقت مضيق كحمل المتاع على الدابة في هذا اليوم الخاص بشرط الاستيفاء المعهود فلا موقع للإجارة، لأن المنفعة في هذا اليوم ملك المستأجر غاية الأمر أن حق المالك منع عن نفوذ تمليكها للغير. و ان كانت الإجارة موسعة كحمل المتاع في يوم من أيام الأسبوع بنحو الكلي في المعين بناء على عدم محذور فيه كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى تحقيق القول فيه. فلا مانع من وقوع الإجارة الثانية للمالك بإجازته. فإن المالك كما له أن يؤجر بنحو الكلي في المعين دابته من شخص آخر كذلك له ان يجيز.
و لا تتعين المنفعة الخاصة للمستأجر الأول في مثل الكلي في المعين إلا بأحد أمرين: إما باستيفاء مباشري حقيقة و إما باستيفاء اعتباري اجاري. و المفروض انتفاء الأول كما ان المفروض بطلان الاستيفاء الإجاري، فالمنفعة الكلية باقية على حالها للمستأجر الأول من دون انطباق على مورد الإجارة الثانية، فلا مانع من اجازة
المالك لنفسه. بل لا مانع من إجازته للمستأجر الأول أيضا فتدخل الأجرة في ملكه و ان خرجت المنفعة من ملك المالك بناء على ما هو التحقيق في محله من عدم كون البيع و الإجارة معاوضة حقيقية كما يتوهم بل كونهما معاوضة بمعنى كون العين و المنفعة ذات عوض، و لا يخفى عدم رجوع الإجازة للمستأجر إلى إسقاط الحق و الانطباق القهري بل إجازة حقيقة لإجارة أخرى مغايرة للأولى.
يشكل الأمر في ما إذا آجر من غيره و استوفى المستأجر الثاني المنفعة فإنها غير مملوكة للمستأجر، لأن المفروض أن الحصة الخاصة التي لا يعقل التعدي منها هي المملوكة له، فلا يعقل أن يكون استيفاء المستأجر الثاني استيفاء لما ملكه المستأجر الأول، و ليست مملوكة للمؤجر أيضا، لأن المنافع متضادة فلا يعقل مالكية المؤجر للمنافع المتضادة، و لازمه ان لا يكون المستأجر الثاني ضامنا لما استوفاه لا للمالك و لا للمستأجر الأول. فالإشكال من وجهين من حيث عدم المملوكية لأحد و من حيث عدم الضمان لأحد. نعم المستأجر الثاني ربما يكون ضامنا لما ملكه المستأجر بتفويته لا باستيفائه. فسواء حبسه عن السكنى أم استوفى السكنى يكون ضامنا بالتفويت، و دفع المحذورين يتوقف على تمهيد أمور:
الأول: ان منافع العين ليست الأعراض القائمة بالأشخاص، بل هي حيثيات موجودة بوجود العين بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل كما مر مرارا.
الثاني: ان التضاد إنما هو في مرتبة فعلية ما بالقوة، فإنه يستحيل فعلية أخرى لا معها و لا بعدها. و اما في مرتبة الموجودية بالقوة فلا. فالعين حيث إنها قابلة لمنفعة كذا و لمنفعة كذا تكون المنفعتان موجودتين بوجودها لا بوجودهما المختص بهما في نظام الوجود حتى يكونا متضادين، و التضاد و التماثل من عوارض الموجودات الحقيقية الخارجية لا الموجودات بوجود العين كما في كل موجود بنحو الموجود بوجود قابله.
الثالث: ان التعينات سواء كانت خارجية أم اعتبارية خارجة عن مقام ذات
المنفعة الموجودة بالقوة، لأن التعين الخارجي بعين الفعلية، و كيف يعقل تقوم ما بالقوة بالفعلية، و التعين الاعتباري فرع اعتبار المعتبر، فكيف يعقل أن يكون مقوما لما بالقوة الذي هو موجود بوجود العين سواء كان هناك معتبر أم لا، و عليه فاذا لوحظت المنفعة مع قطع النظر عن جميع التعينات فهي في حد ذاتها لا متعين.
الرابع: أن لا متعينية الموجود بالقوة على حد لا متعينية الكسر المشاع لا من قبيل الكلي بل جزئي بجزئية ما بالفعل و هي العين، إلا انه حيث كان موجودا بوجود القابل لا بوجود خاص به فهو مع جزئيته قابل لعروض التعينات الحقيقية و الاعتبارية عليه.
الخامس: ان اللامتعين من حيث كونه موجودا بالقوة لا يخرج عن اللامتعينية و القوة إلا بالتعين الفعلي الخارجي لا بالتعين الاعتباري بملاحظته مضافا إلى المستأجر مثلا. غاية الأمر ان اللامتعين من جميع الجهات بفرض إضافته إلى زيد مثلا يخرج عن اللامتعينية بهذا المقدار و تبقى سائر جهات القوة و القبول على حالها، فيكون كما إذا كان من الأول غير قابل لهذه الجهة المفروضة و قابلًا لسائر الجهات.
إذا عرفت هذه الأمور تعرف أن جميع جهات القوة و القبول بنهج الوحدة و اللاتعين مملوكة لمالك العين، فربما تنتقل هذه الجهات بنهج الوحدة إلى المستأجر فيكون قائماً مقام المؤجر فيما له من الشأن، و ربما تنتقل جهة خاصة من جهات القوة و القبول إلى المستأجر فتبقى سائر الجهات بنهج الوحدة و اللاتعين على ملك مالكها، و سقوطها عن ملكية مالكها اما بسبب نقلها إلى المستأجر فهو خلف، و إما بلحاظ تضاد الملكين لتضاد المملوكين فقد عرفت انه لا تضاد بين الموجودات بالقوة و جهات القابلية، و إما بلحاظ تعين اللامتعين و انحصاره فيه فلا شيء حتى يبقى على ملك المؤجر فقد عرفت انه ليس من قبيل الكلي حتى إذا تعين في فرد لم يبق كلي على كليته، و إما بلحاظ ان اللامتعين واحد و لا يعقل خروج الواحد عن الملك و بقاؤه عليه فقد عرفت انه ليس واحدا فعليا حتى يرد المحذور بل واحد له شيوع وسعة، فخروج موجود بالقوة لا يستدعي خروج سائر الموجودات الملحوظة بنهج
الوحدة عن الملكية، و إما بلحاظ ان الملكية بمعنى السلطنة و لا سلطنة للمالك على تمليك المنفعتين معا كما عن بعض الأعلام «قدّس سرّه» (1)في رسالته المعمولة في الإجارة، و هو مدفوع بما مرّ مرارا من أن السلطنة التكليفية و الوضعية غير الملكية التي هي من الاعتبارات الشرعية و العرفية، و لا منافاة بين ملك اللامتعين من سائر الجهات و عدم السلطنة على تمليكه، لعدم القدرة على التسليم، كما ان المستأجر مالك لركوب نفسه و لا يمكنه تمليكه، لعدم إمكان حصوله للغير، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما هو أثر الملك.
فنقول: كل منفعة و إن كانت في حد ذاتها مالا و مقتضاه ضمان المنفعة المستوفاة التي هي مال مضاف إلى المالك إلا أن لازمه ضمان المنافع التي فاتت تحت يد المستأجر الثاني أو الغاصب مثلا مع انه لا يقول به أحد، فلذا ربما يتخيل أن المالية كالملكية فكما ان كل واحدة ملك على البدل كذلك مال على البدل، و المفروض استيفاء المالك للمالية بالإجارة و أخذ الأجرة المسماة، و التحقيق ان المنافع كما تكون مملوكة كذلك ذات مالية و كما لا يمكن تمليك منفعة بعد تمليك منفعة كذلك لا يمكن استيفاء منفعة بعد استيفاء الأخرى حقيقة أو اعتبارا بالإجارة و أخذ الأجرة.
نعم إذا كانت المنافع متفاوتة في المالية فما يكون أكثر مالية هو المضمون، لأن ضمانه يتضمن ضمان غيره و زيادة. فإذا فرض ان المنفعة المستوفاة أو الفائتة بالتفويت مساوية في المالية لمالية المنفعة المملوكة بالإجارة الاولى لا يضمن للمالك شيئا، لاستيفاء المالك مالية ماله القابلة لبذل المال بإزائه فعلا. فلا يضمن المستأجر إلا مالية ملكه المستأجر الأول بالتفويت لا بالاستيفاء، و إن كانت
1) كتاب الإجارة للمحقّق الرشتي: في ذيل توضيح قول المحقّق: لو شرط ذلك فسلّم العين الى غيره، ص 129.
المنفعة المستوفاة أو المفوّتة ذات مالية زائدة على مالية ما ملكه المستأجر الأول فهي مضمونة على المستأجر الثاني للمالك، لأن تلك الزيادة مالية ماله المضاف إليه بإضافة الملكية، فكأنّ هذا المال المستوفى بعد استيفاء المالك لمقدار من المالية لا مالية له إلا بهذا المقدار من المالية الزائدة، و هذا هو أثر كون المنفعة باقية على ملك مالكها، و أما على القول بعدم ملك المنافع المتضادة فربما يقال بضمان الزيادة للمالك كما ربما يقال بضمانها للمستأجر.
أما الأول: فتقريبه كما عن بعض الأعلام «قدّس سرّه» ان المنفعة الثانية لا يملكها المالك لمكان الضدية فيقتصر في الحرمان عنها على مقدار الضدية فكما هو مالك لجميع المنافع الممكنة الاجتماع فكذلك هو مالك للزائد من اجرة المثل حيث لم يلزم منه جمع بين البدل و المبدل. و هو بظاهره مخدوش، فان بدل ما لا يملك لا يملك، و التضاد إنما كان بين المنافع لا بين الماليات القائمة بها حتى يقال ان الزائد لا مضاد له. نعم هذا إنما يتوجه إذا قلنا بأن المالك كما يملك المال كذلك يملك مالية المال، و هذه المالية الزائدة لم تكن ضدا لمالية المنافع المتساوية حتى لا تملك، و ملك المالية أمر معقول كما في إرث الزوجة قيمة الأعيان التي لا ترثها، إذ ليس حقيقته إلا ملك ثمن مالية العين مثلا.
و أما الثاني: فتقريبه كما قرره «قدّس سرّه» في كلام طويل، و ملخصه ان الملك لمكان تضاد المنافع كان بدليا، و المالك كان مالكا لكل منها على البدل، فانتقلت المنفعة التي لها بدل إلى المستأجر فيقوم المستأجر مقام المالك، كما قالوا بنظيره في تعاقب الأيدي إنّ العين بوضع اليد عليها صارت ذات بدل، فاليد الثانية يد على عين ذات بدل و هكذا إلى آخر الأيدي تتضاعف البدلية، و هذا وجه رجوع السابق إلى اللاحق إذا رجع المالك اليه، و هو خلط بين البدل بمعنى عدل الشيء و البدل بمعنى العوض و الغرامة، فإن المالك حيث كان مالكا للعين كان مالكا لكل شأن من شئونها بحيث له استيفاء كل شأن عند عدم استيفاء الآخر، و المستأجر ليس له هذا الشأن بل ملك شأنا معينا من شئون العين، فكيف يعقل أن يقوم
مقام المالك فتدبر جيدا.
و قد مرّ سابقا أن مراتب المعلومية- من حيث التعيين المقابل للترديد و من حيث الجهل الموجب للوقوع في الغرر و الخطر و من حيث الجهالة و لو لم توجب غررا- بعضها عقلي كالتعيين، فان المردد غير قابل للملكية عقلا، و بعضها شرعي كالمعرفة الموجبة لنفي الغرر، فان المستند فيه عموم نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر (1). و اما مطلق العلم المقابل للجهل فلا مدرك له و إن كان ظاهر الأصحاب «قدّس سرّهم» اعتباره هنا و في البيع، و قد مضى بعض الكلام مما يتعلق بالمقام في الشرط الأول. و البحث عن أحكام ملك المنفعة يتم برسم مباحث:
و هو تارة بتعيين الزمان و أخرى بتعيين المحل كخياطة هذا الثوب و ثالثة بهما و رابعة بالعدد كما في ضراب الفحل و لا كلام في شيء من ذلك. إنما الكلام في ما إذا لوحظ على وجه التطبيق على المدة بحيث يكون أول الخياطة مطابقا لأول المدة المضروبة و آخرها لآخرها، و هذا مع تعلق غرض عقلائي به لا إشكال في صحته مع العلم بإمكان التطبيق كما لا إشكال في البطلان مع العلم بعدم الانطباق. إنما الإشكال فيما إذا لم يعلم أحد الأمرين.
و ملخص القول فيه: ان التطبيق إذا لوحظ قيدا للخياطة فالعمل الخاص لم يحرز إمكان حصوله فهو غرري، و إذا لوحظ بنحو الالتزام في ضمن الإجارة فالشرط غرري، فتبتني الصحة و الفساد على سراية الغرر من الشرط إلى المشروط و عدمها، و قد مرت الإشارة إليه في البحث عن شرط التأجيل، و قد بينا هناك ان غررية البيع و الإجارة بما هما بيع و إجارة لا يكون إلا بملاحظة الخطر في أحد العوضين
1) عوالي اللئالي: ج 2، ص 248، ح 17.
المتقوم بهما البيع أو الإجارة، و مع عدم تقيد أحد العوضين لا خطر فيهما فلا معنى للسراية. نعم ان استفدنا من نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر حرمة الاقدام المعاملي البيعي الغرري فلا تبعد دعوى السراية، لأن الإقدام المعاملي البيعي و الإجاري مشتمل على الخطر.
و هو من كانت منافعه الخاصة أو العامة أو ما تعهده من عمل في الذمة في مدة خاصة مملوكة للمستأجر، و قبل الخوض في أقسامه و أحكامه ينبغي تقديم مقدمة، و هي ان المراد بالمنفعة على ما تقدم هي حيثية العين و شأنها القائمة به بالقوة، فالخياطة بسبب قوتها القائمة بالأجير موجودة بالقوة، و نحو وجودها وجود المقبول بوجود القابل، و حيث انها بالقوة و لها قبول تعيينات كثيرة خارجية و اعتبارية فهي لا متعينة في نفسها عن جميع تلك التعينات كما مرّ في أواخر المسألة الثانية، فملك جميع تلك الموجودات بالقوة و إن لم يكن له مانع، لما مرّ من ان التماثل و التضاد من عوارض الموجودات الخارجية بوجوداتها المختصة بها في نظام الوجود إلا أن تعلق الملك باللامتعين من ناحية التعينات لا لمحذور التماثل و التضاد بل لخروج تلك التعينات عن حدود تلك الموجودات بالقوة.
نعم في كل منفعة جهة وحدة لوحدة القوة مع قبولها للتعدد. إلا أن مجموعها لا يندرج تحت قوة اخرى بحيث تكون قوة القوي، فلا بد في فرض ملك جميع المنافع عند من يرى التضاد فيها من فرض جامع انتزاعي من تلك الموجودات بوجود القوى و يكفي في خارجيته خارجية منا شيء انتزاعه، و أما نحن ففي سعة من ذلك، لعدم التماثل و التضاد عندنا كما عرفت. هذا على ما نراه في حقيقة المنافع. و أما عند من يرى المنافع عبارة عن الخياطة الفعلية و الكتابة الخارجية و انها قبل وجوداتها معدومة، و لذا قيل بعدم قبولها للملكية لاستحالة ملك المعدوم، فلا بدّ من أن تجعل المنافع مقدّرة الوجود عرفا و انها المملوكة، و حيث يرون التضاد بين تلك الأفراد فلذا يقولون بأن المملوك هو القدر المشترك بين تلك الأفراد المقدرة الوجود.
فنقول: إن الكلي بما هو حيث إنه غير قابل للملك إلا باعتباره في الذمة أو
بملاحظته في الخارج فلا بد من فرض وجود ذلك القدر المشترك في الخارج، و من البيّن أن الكلي لا يكون خارجيا إلا بخارجية فرده، و إذا تكثرت الأفراد الخارجية تكثرت وجودات الكلي، و كما ان الأفراد متضادة غير قابلة للملك فكذا الوجودات من الكلي المتحد مع فرده، و لا يعقل ملكية أحد وجوداته بنحو الترديد، فان المردد لا ثبوت له، و لا بنحو التعيين، فإنه خلف في المقام، فلا محيص عن فرض الكلي في المعين، إذ كما يتصور هذا المعنى في الأفراد المحققة الوجود كالصاع المضاف الى مجموع الصيعان المحققة الوجود فلا تعين له إلا تعين الإضافة إلى المجموع مع قبوله للصدق على كل واحد من آحاد الصيعان، كذلك يتصور الكلي المضاف الى الأفراد المقدرة الوجود، فيكون قابلًا للانطباق على كل واحد منها كما انه يقبل الانطباق على المحقق الوجود بخروجه عن حدّ الفرض و التقدير إلى الفعلية و التحقيق في مرحلة الاستيفاء و إيجاد المنفعة خارجا، و سيتضح الفرق بين ما سلكناه و هذا المسلك بعد تصحيحه بإرجاعه إلى الكلي في المعين.
إذا عرفت ما قدمناه من المقدمة المهمة. فاعلم أن المنفعة حيث تكون تارة خاصة كخصوص الخياطة و اخرى عامة بأحد الوجهين السابقين، و ما عقد عليه ثانيا تارة ضدّ ما عقد عليه أولا و اخرى مثله،
و المانع من صحته أمور:
أحدها: ان الأمر بالوفاء بالإجارة أمر بإيجاد الخياطة فيقتضي حرمة ضدها و هي الكتابة، و المنفعة المحرمة لا تقبل الملكية فلا تنفذ الإجارة، و يرد عليه.
(أولا) ان حرمة الضد مبنية على مقدمية ترك الضد لوجود الضد و مقدمية وجوده لتركه، و قد حقق في محله عدم المقدمية خصوصا إذا كان تقريبه بهذا الوجه:
و هو ان الخياطة واجبة و تركها حرام و الكتابة مقدمة للترك الحرام، و ذلك لأنا و إن قلنا بمقدمية ترك الضد لوجود الضد لكنا لا نقول بمقدمية فعل الضد لترك الضد، لأن المقدمية بنحو الشرطية لا محالة، و الشرط إما مصحح لفاعلية الفاعل أو متمم
لقابلية القابل، و العدم لا شيء فلا يحتاج الى فاعل أو قابل حتى يتصور فيه المصححية للفاعلية أو المتممية للقابلية.
(و ثانيا) انه على فرض المقدمية لا حرمة مولوية لترك الواجب و لا وجوب مولوي لترك الحرام حتى تتصف المقدمة على الأول بالحرمة و على الثاني بالوجوب.
نعم المقدمة مقدمة لما يستحق العقاب على تركه أو لما يستحق العقاب على فعله من دون حرمة مثلا للمقدمة و لا استحقاق للعقاب على فعله، و لا دليل على عدم قابلية المنفعة للملكية حتى مع الحرمة العرضية أو المقدمية لاستحقاق العقاب على فعل شيء أو تركه.
ثانيها: ان المنافع المتضادة غير قابلة للملكية، و قد مرّ الكلام فيها.
ثالثها: ان المنافع المتضادة و إن كانت مملوكة إلا ان المالك لا سلطنة له على تمليك الضد بعد سبق التمليك لضده، لعدم القدرة له على التسليم و هو الصحيح.
هذا حكم الإجارة الثانية من حيث نفسها، و أما من حيث الصحة بإجازة المستأجر فلا ينبغي الإشكال في انه لا موقع للإجازة بعنوانها، إذ ليس مورد الإجارة الثانية ملكا للمستأجر و لا متعلقا لحقه و إن كان كلام بعض أعلام العصر في بعض تعاليقه على العروة ظاهرا في قبولها للإجازة من المستأجر لكنه سهو من قلمه الشريف قطعا.
نعم الإجازة- بمعنى آخر بحيث يتضمن الإبراء إن كان متعلق الإجارة الأولى عملا كليا ذميا و يتضمن الإقالة إن كان متعلقها منفعة خارجية- يختلف تأثيرها بحسب المباني المتقدمة، فعلى الوجه الأول ترتفع الحرمة و العمل في ظرفه مباح، و اللازم إباحة العمل في ظرفه لا في موقع العقد، فالإجارة الثانية من حين وقوعها صحيحة، و على الوجه الثاني يدخل في مسألة من باع ثم ملك، لأن الفسخ من الحين فالملك حاصل بعد الإجارة و الإقالة، و على الثالث لا أثر للإجازة، لأن القدرة على التسليم ليست بعنوانها شرطا لصحة المعاملة حتى يتوهم ثبوتها في ظرف العمل بل من حيث رفع الغرر، و مع عدم إحراز إمكان الحصول في ظرف العمل تكون المعاملة
غررية، و لا ينقلب الفاسد صحيحا إلا ان يفرض ان الأجير يعلم بالإقالة بعد الإجارة الثانية فلا غرر و لا خطر في وقت إيقاع المعاملة، و من جميع ما ذكرنا تبين عدم صحة الإجارة الثانية و لو مع الإبراء أو الإقالة.
و هي تتصور على وجهين:
أحدهما: ما إذا ملّك المنفعة المملوكة للمستأجر الأول، و لا شبهة في كونها فضولية تتوقف صحتها على الإجازة.
ثانيهما: ما إذا ملّك الخياطة من دون تقييد بمملوكيتها للمستأجر الأول. أما على ما قلنا من ان المنفعة هي تلك الحيثية الواحدة اللامتعينة فالمفروض صيرورتها ملكا للمستأجر الأول و قيامه مقام المالك فلا حيثية أخرى حتى تملك ثانيا لا كالمنفعة المضادة لها بحيث تكون موجودة بل مملوكة و غير قابلة للتمليك، فتكون الإجارة فضولية قهرا لعينية مورد الثانية مع مورد الاولى، فتقف على إجازة المستأجر الأول.
و أما على المسلك الآخر من كون الخياطة بالإضافة إلى أفرادها المقدرة الوجود كالكلي في المعين، فالكلي في المعين قابل للتعدد. غاية الأمر أنه بعد تمليك الكلي الخارجي لا يملك كليا آخر لا انه لا كلي آخر، و إذا لم ترد الإجارة الثانية على مورد الاولى، لعدم القصد على الفرض و عدم العينية القهرية، لتعدد الكلي الخارجي فلا تقبل الإجازة من المستأجر الأول. نعم الإجازة المتضمنة للإقالة توجب إدراج المورد تحت عنوان من آجر ثم ملك كمن باع ثم ملك. هذا حال تمليك المنفعة.
و أما إذا ملك كلي الخياطة المتعهد بها في الذمة في مدة معينة، فإن كان بنحو الإشارة إلى مملوك المستأجر الأول فهي فضولية قطعا، و ان كان بالنظر الى نفس طبيعي الخياطة في الذمة فربما يتخيل لزوم ورود ملكيتين على طبيعة واحدة، و هو من اجتماع المثلين فيستحيل ورود الملكية ثانيا بعد ورودها أولا على طبيعي الخياطة، و يندفع بأن وحدة الطبيعة وحدة نوعية عمومية لا شخصية حتى لا تكون قابلة لورود الأمثال و الأضداد. نعم طبيعي الخياطة في المدة حيث إنها قابلة
لإضافات و تعينات توجب الإجارة صيرورتها حصصا بذلك، فلا محالة يكون المملوك للمستأجر الأول حصة من طبيعة الخياطة و مورد الإجارة الثانية حصة أخرى، و حيث إنها غير قابلة للتسليم بتسليم فردها في الخارج فلذا لا تنفذ الإجارة الثانية لا انها لا حصة أخرى أو انها غير مملوكة للأجير، إذا الكلي الذمي مطلقا غير مملوك للمتعهد بل من حيث السلطنة على نفسه له السلطنة على التعهد بشيء في ذمته، و حيث إن المانع عدم القدرة على التسليم فلا تجدي الإجازة المتضمنة للإقالة أو الإبراء، لما مرّ من ان المانع ليس عدم القدرة بعنوانها بل من حيث رفع الغرر و المفروض العلم بعدم إمكان التسليم حال العقد.
و قد مرّ آنفا أنّ مورد الإجارة الثانية عين مورد الاولى بناء على ما سلكناه فيكون فضوليا، لأنه على الفرض تمليك ما ملكه الغير، و بناء على كون مورد الإجارة الاولى هو الكلي المضاف الى مجموع المنافع بنحو الكلي في المعين كما تقدم لم يكن من الفضولي، لإمكان تعدد الكلي في المعين، و إنما لا تصح الإجارة الثانية لا لعدم الكلي و لا لكونه مملوكا للغير بل لعدم القدرة على تسليم الكلي في المعين بتسليم فرده بعد فرض صحة الإجارة الاولى، و عليه فمقتضى ما ذكرناه صحة الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأول لمكان العينية، و مقتضى ما ذكروه عدم صحة الإجارة الثانية بالإجازة، لعدم العينية القهرية، و لا بالإقالة، لعدم انقلاب الفاسد صحيحا كما مرّ توضيح كل ذلك.
بناء على تمليك جميع المنافع و منها حيازة المباح لا شبهة في أنه ليس للأجير أن يصير أجيرا للغير في الحيازة، و حكم الإجازة من المستأجر قد تقدم، إنما الكلام في أن ما يجوزه الأجير يكون مملوكا بالإجارة للمستأجر و إن حاز الأجير لنفسه أو لغير المستأجر أم لا؟ قد مرّ في بعض المباحث السابقة ان الأجرة لا تقع إلا في قبال المنفعة و العمل لا في قبال العين، مضافا الى ان عقد الإجارة يؤثر أثره من حين العقد فهو يملك الحيازة سواء حاز الأجير أم لا،
و لا معنى لأن يملك ما يحوزه مع انه لا ثبوت له و لا تعين له إلا معلقا على تقدير الحيازة خارجا، و مجموع ما يستند إليه في ملك ما يجوزه الأجير بنفس عقد الإجارة أمور:
(منها) ما عن بعض الأعلام ممن قارب عصرنا من ان الحيازة كالخياطة، فكما ان اثر الخياطة مملوك بملك الخياطة كذلك اثر الحيازة بعد جعل الشارع إياها سببا مملوك بملك الحيازة، و كون الأثر تارة هيئة و اخرى عينا غير فارق، لأن منفعة كل شيء بحسبه.
و الجواب: ان أثر الخياطة هي الهيئة بل التعبير بالأثر مسامحة، لأن الخياطة هي إيجاد الهيئة الخاصة و الإيجاد و الوجود متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا بخلاف الحيازة، فإن أثرها بمقتضى سببيتها شرعا هو ملك ما يجوزه، و الملك غير قابل لان يملك بالإجارة، و من ملك السبب ملك المسبب بسببه لا بملك السبب، فاذا حاز الأجير للمستأجر صار ما حازه ملكا للمستأجر بالحيازة لا بالإجارة، و إذا حاز لنفسه أو لغير المستأجر لم يصدر منه السبب المملّك للمستأجر، كما إذا استأجره لأن يبيع و يشتري للمستأجر فإذا باع له ملك الثمن من حيث البيع لا من حيث الإجارة و إذا باع لنفسه أو لغير المستأجر لم يصدر منه سبب ملك لشيء للمستأجر.
(ثانيها) ما يستفاد من الجواهر (1)من ان حيازة الأجير حيازة المستأجر و يده على المباح يد المستأجر كما ان يد العبد على ما حازه يد مولاه، و ليس ذلك إلا لأجل أن منافعه و اعماله مملوكة لمولاه، و حينئذ فنية الخلاف من الأجير كنية التملك من أحد بالنسبة الى ما حازه غيره هذا.
و الجواب (أولا) ان حقيقة الإجارة لا تقتضي إلا ملك الحيازة، فالحيازة للمستأجر ملكا لا انها له استنادا و انتسابا بحيث تكون اللام لام الصلة لا لام الاختصاص الملكي، فلو قلنا بأن الحيازة سبب قهري لملكية ما يحوزه الأجير الا انه
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 267.
يكون لمن حاز كما هو مقتضى قوله: «من حاز ملك» لا انه مملوك لمالك الحيازة إلا مع صدق انه حاز، و قد عرفت ان حقيقة الإجارة لا تقتضي الصدق و الانتساب بل ملك العمل فقط.
و (ثانيا) ان المملوك بالإجارة و ان كان الحيازة للمستأجر فيتضمن الاستنابة في الحيازة إلا ان حقيقة ذلك ملك الحيازة له فيملك النيابة لا انه محقق للنيابة، فإذا لم يجز الأجير للمستأجر و حاز لنفسه مثلا فقد ترك النيابة المملوكة للمستأجر كما إذا استنابه بالإجارة في البيع و الاشتراء له و باع و اشترى لغيره. نعم ان كانت الإجارة مقتضية لكون الأجير حائزا عن المستأجر بحيث صار نائبا بالإجارة لا صيرورة الأجير أجيرا على النيابة و قلنا بأن الحيازة سبب قهري للملك لا سبب قصدي فلا محالة تكون حيازة الأجير حيازة المستأجر فيملك المستأجر ما حازه الأجير. الا ان كلا الأمرين محل الإشكال.
أما الأول: فلما مرّ من ان غاية ما يمكن من اقتضاء الإجارة ملك الحيازة للمستأجر و هو معنى ملك النيابة لا تحقيق النيابة قهرا.
و أما الثاني: فلان ما ينبغي ان يكون موردا للنظر و البحث اشتراط الحيازة بقصد التملك في حصول الملكية بها. و اما نفس حقيقة الحيازة فتوقفها على كونها لنفسه أو لغيره مما لا ينبغي الإشكال فيه، فان الحيازة ليست مجرد الاستيلاء على المباح و لو لغرض آخر غير احتوائه إياه لنفسه للانتفاع به أو لغيره كالأحياء للموات، فإنه عمارة الموات بالبناء لان يسكن فيه و نحوه، فالاستيلاء المحض ليس حيازة بل الاستيلاء لأجل اجتوائه للمباح لانتفاع به، و هذا لا محالة يكون اما لنفسه أو لغيره، و هذا غير قصد التملك، فإنه لو استولى على المباح ليحتويه و ينتفع به يكون حائزا له و ان لم يلتفت إلى أنه ملك له شرعا، فعدم اشتراط قصد التملك و كون الحيازة سببا قهريا لملك أمر و تحقق الحيازة موضوعا من دون ان يكون لنفسه أو لغيره أمر آخر، و أما قياس الأجير بالعبد فمدفوع بان ما حازه العبد يكون مملوكا لمولاه لا من حيث إن حيازته حيازة مولاه قهرا بل من حيث إن ما يملكه العبد لمولاه.
(ثالثها) ما يستفاد من بعض كلمات بعض الأعلام المتقدم ذكره من ان الحيازة سبب شرعي قهري لملك مالك الحيازة كائنا من كان، و هنا هو المستأجر دون الأجير الذي لا يملك الحيازة، و فيه انه إن اعتبر في السبب هاتان الحيثيتان حيثية المالكية و حيثية الحائزية فان من حاز ملك دون غيره فلا تكون الحيازة سببا لملك الأجير، لأنه غير مالك الحيازة و لا لملك المستأجر فإنّه غير حائز، مضافا الى ان المراد بملك الحيازة ليست الملكية الشرعية التي هي أحد الاعتبارات، لبداهة أن الحائز يملك إذا لم يكن أجيرا لأحد، و عمل الحر غير مملوك لنفسه بهذا المعنى من الملك بل له السلطنة شرعا على التملك بأسبابه، فالمنفي عن الأجير هي السلطنة اللازمة في تأثير حيازته دون الملكية التي هي منتفية على اي حال. فنقول السلطنة الوضعية المعتبر فيها انتفاء أسباب الحجر كما مرّ مرارا موجودة، و السلطنة التكليفية المساوقة للرخصة و ان كانت منتفية بفرض الحرمة المتعلقة بالسبب لكنها كما مرّ مرارا لا تمنع عن التأثير خصوصا مثل هذه الحرمة المقدمية الناشئة عن مقدمية وجود الضد لترك الضد. نعم لا سلطنة له على إيجار نفسه للغير، حيث لا قدرة له على التسليم بعد فرض كونه أجيرا للغير.
قد عرفت حال ما إذا آجر نفسه لكلي عمل خاص في مدة مخصوصة بنفسه و انه لا تصح الإجارة الثانية من حيث عدم القدرة على تسليمه بتسليم فرده، و أما إذا آجر نفسه لكلي عمل خاص بشرط أن يأتي به في مدة مخصوصة فالمعروف فيه ثبوت الخيار من ناحية التخلف عن الشرط، و توضيح القول فيه انه إذا عمل لنفسه أو لغيره تبرعا كان التخلف دائرا مدار عمله، و اما إذا آجر نفسه للغير فتارة يؤجر نفسه بتمليك منفعته الخاصة في تلك المدة و اخرى يؤجر نفسه بالتعهد بالعمل الخاص مع الالتزام بإتيانه في تلك المدة المخصوصة.
فإن كان من قبيل الأول فإن قلنا بصحة الإجارة من حيث عدم المحذور المتوهم من منافاته لحق الشرط فالتخلف لا يدور مدار العمل للمستأجر الثاني، لأن فرض صحة الإجارة الثانية و لزومها فرض عدم التمكن من الوفاء بالشرط المفروض
في الإجارة الأولى بحيث لو أراد الوفاء لم يتمكن منه، لفرض كون المنفعة الخاصة في المدة المخصوصة ملكا للمستأجر الثاني، فيستحيل انطباق الكلي المتعهد به للمستأجر الأول عليها، فقد تعذر الشرط بمجرد الإجارة الثانية لا انه يتخلف عن الشرط بعمله للغير.
و ان كان من قبيل الثاني فالاجارتان و الشرطان على نسبة واحدة فلا يتحقق التخلف إلا بالعمل فاذا عمل للأول فقد تخلف عما اشترطه للثاني و ان عمل للثاني فقد تخلف عما اشترطه للأول، و اما الجعالة على العمل الخاص في تلك المدة فحالها حال التبرع من حيث دوران التخلف مدار العمل، إذ ليس في الجعالة استحقاق العمل من الأول و لا استحقاق الأجرة قبل العمل، فلا تخلف عن الشرط بمجرد إنشاء الجعالة فضلا عن تخلف الشرط و تعذره، فجعل الإجارة و الجعالة على نسق واحد في تخلف الشرط كما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» بلا وجه إلا بإرادة الإجارة على الوجه الثاني و ارادة التخلف عن الشرط من تخلف الشرط و اللّه أعلم.
إذا عمل الأجير في تمام المدة المعينة لنفسه أو لغير المستأجر بإجارة أو جعالة مع عدم لحوق الإجازة أو عدم قبول المورد للإجازة فهل المضمون للمستأجر الأجرة المسماة لانفساخ العقد أو اجرة المثل للإتلاف أو يتخير المستأجر بين مطالبة المسمى و اجرة المثل؟ وجوه:
أما وجه الأول فصدق التلف سواء كان السبب قهريا أم اختياريا، و مقابلة التلف للإتلاف مفهوما لا تنافي مساوقتهما وجودا و صدقا، و تؤيده رواية عقبة بن خالد (1)المتكفلة لحكم الانفساخ بسرقة المتاع، فإنه يستفاد منها عموم التلف للحقيقي و العرفي، و شموله للقهري و الاختياري بعد عدم الفرق بين إتلاف البائع و الأجنبي.
و أما وجه الثاني فقصور دليل الانفساخ من حيث شموله للإتلاف، و مع
1) الوسائل: ج 12، باب 10، من أبواب الخيار، ح 1، ص 358.
الشك فمقتضى أصالة بقاء العقد و أصالة بقاء المبيع مثلا على ملك المشتري ورود الإتلاف على مال الغير و حكمه ضمان البدل الواقعي.
و أما وجه الثالث فأمران: (أحدهما) صدق التلف بالمعنى الأعم و صدق الإتلاف، و حيث إن مقتضاهما متنافيان فلا يمكن إعمالهما، و لا موجب لا هما لهما، و لا معين لأحدهما، فلا محالة يتخير بين مطالبة المسمى و البدل الواقعي، و قد ذكرنا ما فيه في تعاليقنا على كتاب الخيارات للشيخ العلامة الأنصاري «قدّس سرّه»، و بيّنا ان موضوع الحكم بالانفساخ تلف المبيع و موضوع ضمان الغرامة إتلاف مال الغير، و مع تأثير التلف المحقق موضوعه لا يكون التالف مال الغير ليعمه «من أتلف مال الغير» و الحكم لا يكون حافظا لموضوعه بل مرتب عليه، فمانعية السبب لضمان الغرامة دورية لتوقف موضوعه على عدم تأثير التلف، دون مانعية سبب الانفساخ، لفعلية موضوعه مع ورود التلف و الإتلاف لأنه المبيع، و بقية الكلام في محله.
(ثانيهما) ما قواه العلامة الأنصاري من ان تعذر التسليم يوجب الخيار، فاذا فسخ العقد رجع اليه المسمى و الا كان الإتلاف واردا على ماله فله تضمين المتلف بالبدل، فهو مخير بين اعمال سبب رجوع المسمى و اعمال سبب ضمان الغرامة، و قد بينا في محله ان التعذر الموجب للخيار ما لا يكون ملحقا بالتلف من حيث امتناعه عادة و إلا فهو موجب للانفساخ دون الخيار، و عليه فالاتلاف الحقيقي كما هو المفروض و ان لم يندرج تحت عنوان التلف الموجب للانفساخ إلا انه لا يكون موجبا للخيار أيضا، و توهم انه آكد من ضرر التعذر الممكن زواله مدفوع بان ما لا يمتنع زواله حيث إنه لا يندرج تحت عنوان التلف و لا تحت عنوان الإتلاف فلا محالة هو ضرر مالي يجب جبره بالخيار، دون التعذر بالتلف المجبور بالانفساخ، و دون التعذر بالإتلاف المنجبر بضمان الغرامة، و منه يتضح انه لا مقتضى للخيار هنا، لان الخيار ان كان لجبر الضرر المالي فمالية المال محفوظة بضمان الغرامة و ان كان لجبر الضرر الحالي و نقض الغرض المعاملي فهو لا يكاد ينجبر بالخيار، لامتناع الوصول الى هذا الغرض مع الإتلاف، لفرض فوات المدة الخاصة بالعمل فيها لغير المستأجر،
و عليه فالوجه الثاني أقوى الوجوه.
فحكم المنفعة التي أتلفها على المستأجر من الانفساخ أو ضمان البدل أو التخيير بين اعمال خيار التعذر و اعمال سبب الغرامة ما تقدم آنفا، حيث لا فرق بين إتلاف تمام المنفعة أو بعضها، لوضوح شمول مدارك الوجوه الثلاثة للكل و البعض انما الكلام في انه للمستأجر خيار الفسخ في الجميع أو انه يختص بما أتلفه الأجير على المستأجر و انه له الخيار في خصوص الباقي أم لا؟
فنقول: ان كان له خيار في الجميع فهو بملاك التبعض، و التبعض تارة بلحاظ الملك و اخرى بلحاظ الانتفاع، ففي العقد على ما يملك و ما لا يملك حيث إن الغرض تعلق بملك المجموع فملك البعض مناف لغرضه المعاملي فله الخيار، و في مورد تعذر التسليم لم يتخلف الملك بل التخلف راجع الى الغرض من التملك و هو الانتفاع به، ففيما نحن فيه لا مجال لخيار التبعض بالملاك الأول إلا على القول بانفساخ العقد بإتلاف البعض، فإنه يتبعض الملك فيتحقق ملاك الخيار على الوجه الأول.
و اما مع اعمال خيار التعذر فيما أتلفه فيتبعض الملك في الباقي ففيه ان ضرر التبعض من ناحية إقدامه لا كالانفساخ بحكم الشارع، و اما اعمال الخيار بالملاك الثاني في الجميع فلا مانع منه من دون ملاحظة إعمال خيار التعذر، لان المفروض ان الغرض كما تعلق بملك المجموع كذلك تعلق بالانتفاع بالمجموع فله دفع تبعض الانتفاع الذي هو مناف لغرضه بفسخ العقد رأسا، و اما فسخه في خصوص الماضي أو في خصوص الباقي فكلاهما مساوق للتبعض، فلا يعقل دفع التبعض بما يستلزم التبعض، فإنه نظير ما يلزم من وجوده عدمه.
و من جميع ما ذكرنا تبين ان اعمال الخيار في خصوص الماضي صحيح بملاك التعذر على القول به و اعمال الخيار بملاك التبعض غير جار على أحد الملاكين و جار على الوجه الآخر لكنه في الجميع لا في البعض من دون فرق بين الماضي و الباقي،
و حيث إنك قد عرفت في الأمر السابق عدم جريان خيار التعذر في الإتلاف فالصحيح انه له خيار التبعض في المجموع، فان فسخ رجع بالمسمى و الا فله اجرة المثل في الماضي و استيفاء الباقي.
فجريان الوجوه المتقدمة حتى خيار التبعض مبني على حصول القبض الذي معه الانفساخ بالتلف أو الإتلاف و عدمه، فان قلنا بحصوله فلا موجب للانفساخ بالعمل في بقية المدة للغير، فإنه من التلف بعد القبض، و لا موجب لخيار التعذر، لأنه من التعذر على المالك بعد التسليم لا من تعذر التسليم و لا موجب لخيار التبعض، لان المفروض أنه بتسليمه نفسه سلم جميع منافعه لا بعضها دون بعض ليكون له خيار التبعض، و ان قلنا بعدم حصول القبض المعتبر فلا محالة يكون حال هذه المسألة و سابقتها على نسق واحد.
فنقول: في تحقيق المبنى ان العمل على قسمين: فتارة يقوم بالعامل من دون تقومه بوجه بالمستأجر كالإجارة لنيابة الصلاة، فإنها غير استيفائية للمستأجر فتسليمها بإيجادها فقط، و لا معنى لكون تسليم نفسه مقدمة للعمل. و اخرى مع قيامه بالعامل يتقوم باستيفاء المستأجر كما إذا صار أجيرا ليحمل المستأجر من مكان الى مكان، فان الحمل متقوم باستيفاء المستأجر فيتصور كون تسليم نفسه للمستأجر مقدمة لإيجاد المنفعة و تسليمها إلى المستأجر، فحكمه في تسليم منفعته بتسليم نفسه كحكم تسليم منفعة الدابة بتسليمها.
أما الأول: فتسليم العمل حيث إنه بإيجاده في بعض المدة فلا محالة يكون التسليم مساوقا للإيجاد، فمع إيجاده في بقية المدة للغير يكون متمحضا في الإتلاف و عدم التسليم و لو تبعا، فتجري فيه الوجوه المتقدمة كلا.
و أما الثاني: فتسليم المنفعة و ان كان تابعا لتسليم العين إلا ان المعتبر في التسليم المترتب عليه الآثار تسليم العوضين دون غيرهما، و تسليم العين في البيع دفعي، و اما في الإجارة فتسليم المنفعة تدريجي لتدريجيّتها، فتسليم العين في كل زمان تسليم لمنفعتها
فيه، فلا بد من إبقاء العين تحت يد المستأجر حتى يكون تسليما للمنفعة في تمام المدة. و لا فرق فيما ذكرنا بين ما إذا أريد من المنفعة تلك الحيثية القائمة بالعين أو الموجود بالفعل المتجدد بالزمان، لوضوح ان كل فعلية تكون فعلية ما بالقوة فيتعدد ما بالقوة بتعدد ما بالفعل، و اما إذا أريد منها ما يقدر وجوده عرفا فتعدد الإفراد المقدرة بتعدد ما بالفعل، و اما إذا أريد منها ما يقدر وجوده عرفا فتعدد الإفراد المقدرة بتعدد أبعاض المدة واضح.
(فإن قلت): إذا كان مدار التسليم على مجرد عدم المانع من قبل من يجب عليه التسليم فلازمه انه لو حبسه ظالم بعد العقد ان لا ينفسخ العقد مع انه ينفسخ بالحبس و الغصب من أول الأمر، و ان كان المدار على فعلية الاستيلاء لا مجرد عدم المانع فلازمه ان ينفسخ العقد إذا حبسه ظالم أو غصب العين ظالم و لو بعد القبض و التسليم مدة، لأن تسليم المنفعة في هذا الزمان بتسليم العين و المفروض عدمه.
(قلت): المدار على فعلية الاستيلاء، فلا استيلاء حدوثا مع حبس الظالم و لو لم يكن منع من قبل البائع مثلا، فان مجرد عدم المانع عن شيء لا يكفي في وجوده إلا انه بعد وجوده بوجود علته التامة فهو مما يبقي مع عدم الرافع، فالاستيلاء المحقق لم يرتفع بمنع من قبل البائع بل من قبل الظالم. إذا عرفت ما بيناه من المبنى تعرف جريان جميع الوجوه المتقدمة في هذه المسألة أيضا.
و قد عرفت انه للمستأجر خيار التبعض في الكل لا في خصوص الماضي و لا في خصوص الباقي، لمنافاته لنفي التبعض و دفعه باعمال خيار التبعض. و ما في الجواهر من الاشكال بل تقوية العدم في الباقي بلا مخصص (1)، و ما في كلامه من انه كالتبعيض في البيع (2)يقتضي عدم جريان خيار التبعيض في المتعذر و غيره. إلا ان يريد «رحمه اللّه» اعمال الخيار في الباقي و هو المتعذر في هذه المسألة بملاك التعذر لا بملاك التبعض المتساوي النسبة إلى الطرفين، و حينئذ فتقوية العدم منه
«رحمه اللّه» لما تقدم منه في كتاب البيع من ان مثل هذا التعذر الموجب لامتناع التسلم لا يوجب الخيار بل يترتب عليه الضمان، و هو وجيه كما قدمناه الا ان تعبيره بقوله كما في التبعيض في البيع يوهم ارادة خيار التبعض مع ان مورد كلامه أيضا خيار التبعض.
(فإن قلت): كما لا مجال لخيار التعذر المساوق للامتناع، لعدم إمكان تدارك هذا الضرر من حيث نقض الغرض المعاملي كذلك لا مجال لخيار التبعض، لان الغرض المعاملي و هو الانتفاع بالمجموع لا يتدارك بالخيار حيث لا يصل الى هذا الغرض بالفسخ.
(قلت): الضرر المتدارك هنا بالخيار هو قصر الانتفاع على البعض و هو مناف لغرضه، و بالفسخ يتخلص عن هذا المنافي نظير ضرر إمساك المعيب، فالخيار لدفع هذا الضرر لا للوصول الى الصحيح.
بعد ما عرفت من ان المستأجر الأول تارة له مطالبة المسمى في الإجارة الثانية و اخرى له مطالبة أجرة المثل فيقع البحث في ان المطالب بالأجرة هل هو خصوص الأجير أو خصوص المستأجر الثاني أو يتخير بين مطالبة من شاء منهما؟ فالكلام حينئذ في موردين:
أحدهما: في مورد مطالبة المسمى و هو ما إذا أجاز العقد الثاني. فنقول: إذا أجاز العقد الثاني و فرض قبض الأجير للأجرة فاما ان يجيز القبض أيضا. و اما ان لا يجيز، و الأجرة تارة شخصية و اخرى كلية. فإن كانت الأجرة شخصية مقبوضة للأجير و فرض اجازة القبض. كان المطالب بها خصوص الأجير، لأن المال بيده دون المستأجر، حيث لا مال عنده و لا عهدته عليه، لان المفروض اجازة القبض الموجب لخروجه عن ضمان المعاوضة، و إذا فرض عدم اجازة القبض فله مطالبة كل منهما، أما الأجير فلأن المال بيده و «الناس مسلطون على أموالهم» (1)، و أما المستأجر
1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 222، ح 99.
فلان عهدة التسليم المعاوضي عليه فلا يخرج عنها إلا بالتسليم الى المالك أو إلى من اذن له أو اجازه، فكل من الأجير و المستأجر الثاني مطالب بالمسمى كل واحد بملاك خاص، و ان كانت الأجرة كلية مقبوضة بقبض فردها فمع اجازة القبض تتعين مطالبة الأجير، لما مر، و مع عدم الإجازة تتعين مطالبة المستأجر، لأن ما بيد الأجير مال المستأجر الثاني دون الأول كالفرض الأول، فتكون الأجرة باقية على ذمة المستأجر الثاني فلا تخيير هنا أصلا.
نعم هنا شيء آخر و هو قبول القبض للإجازة، و لا يخفى ان الإجازة محققة لانتساب القبض المجاز الى المجيز فيترتب عليه ما يترتب على قبض المالك لماله. و ما أشكله الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في كتاب البيع مبني على جعل الإجازة كاشفة أو ناقلة، فلذا جعل مرجع الإجازة في قبض الثمن الشخصي إلى إسقاط عهدة المشتري و استشكل في الكلي حيث إنه لا تلف له ليكون له ضمان المعاوضة فليس فيه إلا تطبيق الكلي على فرده (1)، و ذكرنا هناك أن ضمان المعاوضة و هو الانفساخ بالتلف شرعا قبل القبض حكم لا حق حتى يقبل الاسقاط، و التحقيق أن إجازة القبض خارجة عن مقسم الكشف و النقل، حيث لا مسبب شرعي يكون القبض سببا له شرعا حتى يتصور فيه الكشف و النقل، بل اما موضوع له حكم شرعي كقبض المبيع أو الثمن الشخصي و اما موضوع خارجي واقعي و هو انطباق الكلي على فرده، فلا شأن لإجازة القبض إلا تحقيق الانتساب الى المجيز، فيتحقق به موضوع الحكم الشرعي أو يتعين به الكلي، و لو نوقش في تحقق الانتساب للأمر المتقدم بما به الانتساب المتأخر، و لذا جعلت الإجازة كشفا و نقلا على خلاف القاعدة لكان مع بقاء القبض الى حال الإجازة من الرضا بأمر مقارن لا بأمر متقدم حتى يندرج تحت عنوان الكشف و النقل، و بقية الكلام في محله فراجع.
ثانيهما: في مورد مطالبة اجرة المثل، و فيه وجوه ثلاثة مطالبة الأجير، لأنه
1) المكاسب: ص 136.
المتلف، و مطالبة المستأجر الثاني، لأنه المستوفي للمنفعة المملوكة للمستأجر الأول على الفرض، و التخيير بين مطالبة كل منهما، لوجود السبب من الإتلاف و الاستيفاء مع وحدة البدل لمبدل واحد و عدم المعين لأحد الطرفين. و ربما يدعى تعين مطالبة المستأجر دون الأجير، لأن العامل غير متلف بل مسلم للعمل إلى المستأجر الثاني نظير تسليم المبيع الى غير المشتري، فإنه ليس من التلف و الإتلاف بل من التعذر الموجوب للخيار.
توضيحه: ان فعل الخياطة عين إيجادها في الخارج، و كونها متصرمة لتدريجيتها لا يكون إعداما و إهلاكا و إتلافا لها بل الأخذ و الترك و الوجود و العدم و هكذا من مقومات طبيعة الحركات و المتحركات، و العدم البديل لمثل هذا الوجود هو العدم المطلق، و إعدام المنفعة رأسا اما بإعدام العين المتحيثة بتلك الحيثية أو بإبقاء عدم الحيثية من حيث الفعلية على حالها بترك الخياطة مثلا رأسا، و الأول إعدام تبعي و الثاني إعدام استقلالي، و كما أن الخياطة للمستأجر الثاني ليست مصداقا للإتلاف المساوق للاهلاك و الاعدام كذلك ليست مصداقا للتفويت، فان التفويت هو المنع من الوجود، و فعل الخياطة المملوكة بعينها للمستأجر الأول إيجاد لها في ثوب المستأجر الثاني فكيف يعقل أن يكون دفعا للوجود، و الواحد لا يكون مصداقا للإيجاد و الإعدام بالنسبة إلى شخصين و باعتبارين، إذ المفروض أن هذه المنفعة الفعلية فعلية تلك الحيثية و هي بعينها مملوكة للمستأجر الأول لا كلي العمل حتى يقال إنه لم يتعين في فرد للمستأجر الأول و تعين في فرد للمستأجر الثاني فهو تفويت لذلك الكلي حيث إنه غير قابل بعد التعين في فرد أن يتعين في فرد آخر لعدم قابلية الزمان لوجود فردين منه فتدبّر.
و الجواب: أن الإتلاف أعمّ من الاعدام كما يظهر من رواية عقبة بن خالد (1)في التلف قبل القبض، حيث جعلت السرقة منه مع أنه لا عدم و لا
1) الوسائل: ج 12، باب 10، من أبواب الخيار، ح 1، ص 358.
إعدام، و حيث أن إيجاد الخياطة في ثوب المستأجر الثاني يستحيل انقلابها في تلك المدة بإيجادها في ثوب المستأجر الأول مثلا كانت الخياطة ممتنعة الإيصال إلى المستأجر الأول، و مثله كما قدمنا ليس له خيار التعذر، بل القهري منه من التلف الموجب للانفساخ، و الاختياري منه من الإتلاف الموجب للغرامة، فالتشكيك في كون الأجير متلفا في غير محله، و أما ما نقلناه في وجه مطالبة المستأجر الثاني من استيفائه للمنفعة فتوضيح القول فيه: ان الاستيفاء كلية تارة يساوق إيجاد المنفعة بإخراجها من القوة إلى الفعلية كما إذا سكن الدار أو ركب الدابة، فإن الساكن أو الراكب هو المخرج لمنفعة الدار أو الدابة من القوة إلى الفعل و هو المنتفع بها، و اخرى ينفك أحدهما عن الآخر كما إذا حمل الأجير المستأجر، فإن مخرج هذه المنفعة من القوة إلى الفعلية هو الحامل و المنتفع بها هو المحمول، فإن أريد من الاستيفاء ما يساوق الإيجاد ففي مثل الاستيجار للعمل لا إيجاد من المعمول له بل من العامل، و إن أريد من الاستيفاء مجرد الانتفاع بعمل الغير فهو بمجرده لا يوجب الضمان، لأن سبب الضمان اما اليد أو الإتلاف و ليس شيء منهما هنا. نعم حرمة عمل المسلم تقتضي الضمان عند المشهور كما تقدم الكلام فيها، فيراد من الاستيفاء حينئذ تسلم عمل الغير دون مجرد الانتفاع بمال الغير، و أما التضمين بملاحظة وجود أثر العمل عنده كهيئة الخياطة و الكتابة و نحوهما.
ففيه (أولا) أنه أخص من المدعى إذ ليس كل عمل تتعقبه هيئة.
(و ثانيا) ما تقدم في البحث عن تسليم المستأجر عليه من أن المملوك بالإجارة نفس العمل، فإنه الذي تقع بإزائه الأجرة دون الصفات و الهيئات، فلا تكون مملوكة للمستأجر بالإجارة.
(و ثالثا) أن الهيئة الموجودة إذا كانت مملوكة للمستأجر الأول كالعمل فلا معنى للضمان الغرامي بل ينبغي القول بالشركة، و مع فرض تلفها بإيجادها في ثوب المستأجر الثاني فالمتلف لها هو الأجير.
و التحقيق: أن المورد من جزئيات المسألة المتقدمة و هي أن كل مورد يبطل فيه
عقد الإجارة كانت المنفعة مضمونة بأجرة المثل، و قد مر هناك أن ضمان الأعمال لا يدور مدار اليد و الإتلاف بل لدليل احترام عمل المسلم و انه لا يذهب هدرا، غاية الأمر أنه لا بد من أن يكون للعمل مساس بالضامن بحيث يكون ترك أداء بدله هتكا لحرمته، و تسلّم العمل و استيفاؤه الذي يكون في غير المقام مفروغ عنه هنا، فلا ينبغي الإشكال في ضمان المستأجر الثاني للأول على هذا المبنى المعروف.
فما نسبه بعض الأعلام إلى الأكثر من ضمان الأجير و المستأجر الثاني بمعنى تخيير المستأجر الأول بين مطالبة من شاء منهما في محله، و تعين أحدهما لبعض ما مر بلا وجه.
بقي هنا أمران: (أحدهما) أنه بعد تدارك الأجير لما أتلفه على المستأجر الأول هل تصح إجارته الثانية يتخيل اندراجها تحت عنوان «من باع ثم ملك» على القول به هناك أو لا؟ و مختصر القول فيه ان ما نحن فيه إنما يندرج في تلك المسألة إذا آجر ثانيا ثم انحلت الإجارة الأولى بإقالة و نحوها قبل العمل.
و أما بعد العمل و مضي المدة فلا، لعدم المقتضي و لوجود المانع، أما عدم المقتضي فلأن المقتضي لعود الملك هو حل العقد و المفروض هنا عدمه، و تدارك المالية لا يوجب الملكية بوجه، و أما وجود المانع فلأن المنفعة الفائتة لا يعقل تملكها و تمليكها، و لا تقاس بكلي المنفعة حيث إنها معدومة، و ذلك لأن المنفعة الآتية قابلة لتقدير الوجود عرفا، و الحيثية القائمة بالعين فعلية فيقبل ملك المنفعة بكلا الاعتبارين، بخلاف المنفعة المتقدمة المتصرمة، فإنّ تقدير وجودها في ظرف عدمها المستحيل انقلابه الى النقيض لغو، كما أن بقاء تلك الحيثية بالقوة مع استحالة الفعلية محال، فلا معنى لأن يملك المنفعة الفائتة بوجه.
و أما بنحو الكشف حتى تكون المنفعة المقدمة مملوكة في ظرف وجودها و صدور العقد فلا مصحح له هنا فإنه شأن الإجازة و إمضاء العقد من حين صدوره، و تدارك المالية ليس له هذا الشأن حتى يكون كاشفا عن الملك حال صدور العقد، و مما ذكرنا تبين أنه لو فسخ المستأجر الأول عقد نفسه بعد عمل الأجير للغير لما كان
مجديا في صحة الإجارة الثانية.
(ثانيهما) أنه للأجير بعد أداء أجرة المثل للمستأجر الأول الرجوع بها الى المستأجر الثاني أو لا؟
فنقول: إن استحقاق الرجوع لأحد أمرين (الأول) صيرورة الأجير بعد دفع البدل مالكا للمبدل و لو للمعاوضة القهرية شرعا، لئلا يلزم الجمع بين البدل و المبدل في مالك المبدل، فيكون الأجير قائماً مقام المستأجر الأول. و يندفع بأنّ التضمين في باب الإتلاف و اليد بعنوان التغريم لا بعنوان التعويض شرعا، مع ما مر من أن المبدل و هو العمل لتصرمه و فواته غير قابل للملك، و لا يقاس بالمكسور، من الشيء أو الخل المنقلب خمرا، حيث يمكن حق الاختصاص بالموجود لا بالمعدوم، و اعتبار ملك التالف مقدمة لملك بدله في الذمة جزاف، و لا يلزم الجمع بين العوض و المعوض هنا، إذ التالف غير باق على ملك مالكه حتى يلزم محذور الجمع بل بتلفه أو إتلافه تشتغل الذمة ببدله فيتبدل الملك الخارجي بخروجه عن قابلية الملكية إلى الملك الذمي.
(الثاني) استقرار الضمان على المستأجر الثاني، فللأجير الرجوع اليه و ليس له الرجوع الى الأجير كما ذكروا نظيره في باب تعاقب الأيدي من الرجوع للسابق الى اللاحق، فان الملاك كون المال مضمونا ببدله صار مضمونا للاحق و لا لاحق له حتى يرجع اليه لفرض استقرار الضمان بالتلف عنده. إلا أن هذا المعنى بعد فرض صحة أصله مخدوش هنا، إذ ليست المنفعة مضمونة على الأجير قبلا إلا بضمان المعاوضة، و يستحيل أن تكون يده يد ضمان الغرامة، لأن فرض الضمان بالبدل إذا تلف لا يجامع الانفساخ إذا تلف، و عليه فلا ضمان على الأجير إلا بإتلافه الذي حقيقته هنا جعل المنفعة ممتنعة الوصول الى مالكها بتسليمها إلى المستأجر الثاني، و تسليمها و تسلمها متضايفان لا تقدم للأول على الثاني حتى يتوهم انتقال المنفعة المضمونة إلى المستأجر الثاني، فهو نظير ما إذا وضعت يدان على المال دفعة واحدة ثم تلف، فان الضمان بالقوة و بالفعل الى كليهما متساوي النسبة فلا رجوع لأحدهما
إلى الآخر هذا إذا لوحظ العمل المستأجر عليه، و أما إذا لوحظ أثره فيما كان له أثر حاصل في ملك المستأجر الثاني فعلى فرض اعتباره موجودا يكون للمستأجر الأول دون الأجير، و على فرض اعتباره تالفا لامتناع وصوله الى مالكه فهو تالف عند المستأجر الثاني بإتلاف الأجير، و الإتلاف و التلف كالإيجاد و الوجود متحدان بالذات لا تعدد بينهما و لا تقدم و لا تأخر، فلا مقتضى لاستقرار الضمان على المستأجر الثاني بالخصوص حتى يرجع إليه الأجير، و عليه فعدم استحقاق الأجير للرجوع قوي جدا فتدبر جيدا.
فتارة يبحث فيه عن رجوع المستأجر إلى الأجير و المتبرع له، و اخرى في رجوع المتبرع له على الأجير إذا رجع إليه المستأجر، و ثالثة في رجوع المتبرع الى المتبرع له إذا رجع إليه المستأجر.
أما الأول: فالوجه في الرجوع الى الأجير ما تقدم من أنه متلف بذلك المعنى المتقدم الذي لا ينافي تسليم العمل الى الغير، و أما الرجوع الى المتبرع له فان كان مدرك الضمان قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» (1)فلا ضمان، حيث إنه ليس في صحيح التبرع ضمان، و بعبارة أخرى ليس هناك عقد معاوضي حتى يكون فاسده كصحيحه موجبا للضمان، و منه يعلم أن المدرك إن كان قاعدة الإقدام فلا ضمان أيضا، حيث لا إقدام من المتبرع له على بذل العوض في قبال العمل لفرض المجانية. و أما بناء على ما هو التحقيق من عدم العبرة بالقاعدتين بل باليد و الإتلاف و الاحترام فلا ينبغي التوقف في ضمان المتبرع له، لأنه تسلم مال الغير، و المفروض أن مال المسلم محترم لا يذهب هدرا، فلا فرق في موجب الضمان هنا بين سبق عقد الإجارة الفاسدة و عدمه.
و أما الثاني: و هو رجوع المتبرع له على الأجير فمدركه قاعدة الغرور، فالأجير و المتبرع له و إن تساويا في موجب الضمان للمستأجر كما مرّ من دون سبق و لحوق
1) الروضة البهيّة: ج 3، ص 264 و 265.
إلا أن الغرور كما هو مقتضى طبع المسألة هو الموجب لاستقرار الضمان عليه، نعم إن فرض علم المتبرع له بأن العمل مملوك للغير لم يكن له رجوع إلى الأجير لعدم الغرور.
و أما الثالث: و هو رجوع الأجير إلى المتبرع له بملاحظة تسليم العمل له و عدم كون العمل مملوكا له حتى يكون تبرعه هتكا لحرمة عمله فهو وجيه إلا أنك قد عرفت آنفا قوة عدم رجوع الأجير إلى المستأجر الثاني فضلا عن المتبرع له، فلا موجب لرجوع الأجير إلا إذا فرض تغرير من المتبرع له بالنسبة إلى الأجير كما إذا أغفله عن أن هذا اليوم هو اليوم الخاص بالعمل المستأجر عليه، فيستقر الضمان على المتبرع له بتغريره لا بالتلف عنده.
جميع ما ذكرناه من أول مسألة الأجير الخاص الى هنا فيما كان العمل المستأجر عليه أو المتبرع به منافيا للإجارة الخاصة. و أما ما لا ينافي فهو بطبعه لا مانع منه، إنما الكلام فيما إذا كانت جميع منافعه مملوكة للمستأجر مع خروج أفعاله العادية قطعا عن مورد الإجارة، فإنه ربما يقع البحث في بعض أفعاله من حيث اندراجه في تلك المنافع المملوكة و عدمه كإجراء صيغة عقد أو إيقاع فقط للغير، لقضاء العادة بخروج مثل هذه الأعمال الجزئية عن المنافع المقصودة، أو لفحوى خروجه بالنسبة إلى إعماله العادية، لعدم منافاته لحقوق الغير، أو ان الأجير الخاص بهذا الوجه كالعبد المملوك جميع منافعه لمولاه، و لا يبعد جريان العادة على خروج مثل إجراء الصيغة التي هي كالتحية العادية لأحد و كالتكلم مع الغير أو كالذكر و تلاوة القرآن عن ظهر القلب و أشباهه، و لا يقاس بالعبد، لأن المانع في العبد ليس مملوكية منافعه بل لكون قدرته مضمحلة في جنب قدرة مولاه و اندكاك سلطانه في سلطان سيده فلا يتمشى منه شيء إلا بإذنه، مع أن مثل هذه الأفعال الجزئية من العادية و العقدية في العبد أيضا كذلك، إذ الظاهر من اضمحلال قدرته في قدرة سيده بقوله تعالى «لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (1)كون مورده من الأمور المهمة التي ينبغي
1) النحل: 75.
فيها الصدور و الورود بإذن مولاه كالاستقلال في البيع و الشراء و النكاح و الطلاق بالحمل الشائع لا مجرد إجراء الصيغة التي لا تزيد على التحية و الدعاء و نحوهما.
و الجامع بين أفراده من كان فاقدا لبعض ما يعتبر في الأجير الخاص أو لكلّه من تعيين المدة الخاصة و المباشرة، فإذا سقطت المباشرة أو ألغيت المدة المخصوصة أو هما معا كان الأجير عاما و مشتركا، و طبع المسألة يقتضي عدم تنافي العملين اما لاتساع الزمان أو لعدم المباشرة، فيمكن إيجاد أحدهما بالمباشرة و الآخر بالتسبيب في زمان واحد، لكنه ربما يتخيل التعجيل بوجه بحيث يتنافيان بالتبع.
و ملخص القول في تحرير الموضوع: إن مقتضى مقابلة الأجير العام للأجير الخاص عدم تقيد العمل بمدة خاصة و زمان مخصوص و لو من ناحية انصراف العقد إلى إيجاد العمل متصلا بزمان العقد كما يدعى في ما إذا كان له مدة خاصة كمنفعة الدار سنة حيث لم يعين مبدؤها، فإن الانصراف كالقرينة على تعيين المدة، و لا فرق في الأجير الخاص بتفاوت الدوالي في مقام الإثبات، و عليه فلا تعيين للمدة في الأجير العام من ناحية العقد من حيث مدلوله المطابقي بخلاف الأجير الخاص، و حينئذ فاستفادة التعجيل من ناحية أمر آخر كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى. و ما قيل في لزوم كون العمل معجلا أمران.
أحدهما: ما عن الشهيد «قدّس سرّه» من اقتضاء الإطلاق في العقود التعجيل (1)، و مرجعه كما أشرنا في أوائل أحكام الأجرة، أن شأن البيع تمليك العين بعوض و من لوازم الملك و أحكامه سلطنة المالك على ماله، فله السلطنة على مطالبته متى شاء، و حيث إن هذه السلطنة من لوازم الملك المدلول للعقد بالمطابقة صح دعوى أن إطلاق العقد يقتضي تعجيل الثمن، فان المراد إطلاقه من حيث
1) الروضة البهيّة: ج 4، ص 313.
مدلوله الالتزامي، و هو عبارة أخرى عن إطلاق دليل السلطنة، و شرط التأجيل تقييد لهذا الإطلاق لا أنه مقيد للملكية أو للمملوك كما احتملهما شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه».
و حينئذ فالفرق بين الأجير الخاص و العام من وجهين (الأول) أن التعيين في الأول من ناحية العقد بمدلوله المطابقي و في الثاني بمدلوله الالتزامي. و (الثاني) أن المملوك على الأول خاص ينتفي بانتفاء وقته و على الثاني يبقى على حاله و إن عصى بامتناعه عن أداء الدين مع المطالبة.
و الجواب: بالفرق بين ما نحن فيه و بين الثمن في البيع، لمكان إطلاق مقدم على إطلاق دليل السلطنة هنا دون البيع.
توضيحه: أن الثمن كالدينار مثلا غير قابل للتقييد باليوم و الغد، إذ الأعيان بل الهيئات و الصفات لا تتحدد بالزمان، و إذ لا يعقل التقييد فلا يعقل الإطلاق لتقابلهما بنحو تقابل العدم و الملكة، فلا مجال فيه إلا لإطلاق دليل السلطنة أو تقييده بشرط عدم المطالبة الى رأس الشهر، فاذا لم يكن هناك شرط كان إطلاق العقد بمدلوله الالتزامي مقتضيا للتعجيل، بخلاف المنافع و الأعمال، فإنها قابلة للتحديد بالزمان فهي قابلة للتقييد فتكون قابلة للإطلاق، و حينئذ فالعمل في مورد التمليك اما أن يلاحظ بنحو اللابشرط القسمي و اما أن يلاحظ بشرط شيء أو بشرط لا و لا يعقل غيرها، و المفروض انتفاء لحاظه بشرط شيء و بشرط لا فيتعين اللحاظ اللابشرطي، و مقتضاه استحقاق طبيعي العمل دون إيقاعه في هذا الزمان الخاص أو في زمان خاص آخر، و مع عدم استحقاق خصوصية إيقاعه بعد العقد متصلا به فلا سلطنة لمالكه على مطالبته في هذا الزمان، و ليس امتناع الأجير عن إيقاعه في زمان خاص امتناعا عن الحق حتى يكون سلطانه عليه مزاحما لسلطان المالك، فإن سعة السلطنة و ضيقها تابعة لكيفية المال.
ثانيهما: ما نسب إليه أيضا من اقتضاء الأمر بالوفاء للفورية (1)، و لذا فرع عليه
1) روضة البهيّة: ج 4، ص 313.
وجوب المبادرة مع عدم المطالبة، و لو كان لزوم التعجيل لاقتضاء إطلاق دليل السلطنة لما وجب التعجيل إلا مع مطالبة الحق.
و يندفع (أولا) بما حقق في الأصول من عدم الاقتضاء.
(و ثانيا) بأن الوفاء إذا كان بمعنى إبقاء العقد على حاله و عدم نقضه و نكثه فهو أجنبي عما نحن فيه من التعجيل في العمل، و إذا كان بمعنى الوفاء عملا كالتصديق العملي في باب الخبر و كالنقض العملي في باب الاستصحاب كما أصلحنا به ما عن الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في تفسير الوفاء بالعمل فلما ذكر وجه إلا أنه مخدوش بأن الأمر إذا كان متعلقا بالعمل بعنوانه كان اقتضاؤه للفور موجبا للإسراع في إيجاده، و أما إذا تعلق به بعنوان الوفاء فهو تابع لكيفية ما عقد عليه و ما التزم به، فاذا عقد على عمل كلي موسع من حيث خصوصيات الأزمان فالوفاء به كذلك فلا معنى لاقتضاء الأمر بالوفاء به إيجاده فورا، و لذا لا معنى لاقتضاء الأمر بالموسع للفور لزوما، بل مورد الفور إذا كان هناك أمر بعمل لم يعلم حاله من حيث التوسعة و التضييق، فكما لا يعقل الفور مع فرض التضييق كذلك مع فرض التوسعة، ثم انهم فرعوا على التعجيل المزبور بطلان الإجارة الثانية لوجوه.
أحدها: أن الأمر بإيجاد العمل المستأجر عليه أولا سواء كان بعنوان أداء ما يستحقه المستأجر أم بعنوان الوفاء بالعقد يقتضي النهي عن ضده و هو يقتضي الفساد.
و توضيح الكلام فيه: أن الفورية إما أن توجب توقيت العمل فيكون كالأجير الخاص أو لا توجبه بل يجب إيجاده فورا ففورا، فان كان موجبا للتوقيت فلا مجال للإجارة الثانية، إما لأن الأجير لا يملك المتضادين، و إما لأنه لا سلطان له على تمليكهما كما مر الكلام فيه مفصلا، و على أي تقدير لا ربط له باقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده و لا لاقتضاء النهي للفساد، بل التعجيل اقتضى التوقيت و إن استفيد من الأمر، نعم هذا المبنى غير معقول، لاستحالة تأثير إطلاق دليل السلطنة أو تأثير الأمر بالوفاء في الأمر المتفرع عليه السلطان على المطالبة و الوفاء بالعقد و هو
واضح، و إن لم يكن موجبا للتوقيت بل مؤثرا في مجرد لزوم التعجيل فالضد حينئذ هو العمل المستأجر عليه ثانيا، فإنه بعد فرض مقدمية فعله لترك الضد الواجب أو مقدمية تركه للضد يكون حراما، و المنفعة المحرمة لا تملك بالإجارة، فالبطلان مستند إلى فقد شرط من شرائط صحة الإجارة و هي إباحة المنفعة لا إلى اقتضاء النهي للفساد، إذ لا تعلق للنهي هنا بالمعاملة بل بالعمل، و قد مر غير مرة فساد هذا الوجه من وجوه، لعدم المقدمية أولا، و لعدم الحرمة الحقيقية ثانيا، و عدم اقتضاء الحرمة لعدم الملكية ثالثا كما تقدم توضيحها سابقا.
ثانيها: أنه بعد تحقق الإجارة الأولى يجب الوفاء بعقدها فورا، و معه لا يعقل إمضاء عقد الإجارة الثانية بالأمر بالوفاء به فورا، لعدم القدرة على الوفاء به فورا.
و يندفع بأن الصحة إن كانت مسببة عن الأمر بالوفاء أمكن أن تكون استحالة الأمر بالوفاء كاشفة عن عدم الصحة، و أما إذا لم تكن الصحة مسببة عن الأمر بالوفاء بل الصحة ثبوتا تابعة لاستجماع شرائط الصحة و إثباتا لوجود دليل دال على نفوذ الإجارة كما هو كذلك فلا أثر حينئذ لعدم شمول الأمر بالوفاء بالعقد للإجارة الثانية. نعم عدم القدرة على الوفاء بالعقدين يمنع عن فعلية الأمر بهما تعيينا، و حينئذ إن كان مرجح للأول أو الثاني كان هو المقدم في الوفاء و إلا كان مخيرا عقلا في صرف القدرة في امتثال ما شاء من الأمرين.
فنقول: ربما يتخيل ان سبق الإجارة الأولى بالخطاب بالوفاء على الخطاب بالوفاء بالثانية يجلب القدرة إلى نفسه و يكون معجزا عن الوفاء بالثانية، إلا انه ليس على إطلاقه بل فيما إذا كان سبق لأحد الواجبين على الآخر كالقيام في الركعة الأولى بالنسبة إلى القيام في الركعة الثانية، فان صرف القدرة في الأول لا مزاحم له في عرضه بخلاف ما نحن فيه، فان المفروض وحدة زمان العمل و اقتضاء كل من الأمرين لإيجاد العمل في أول الأزمنة، و مجرد سبق الخطاب مع عدم سبق الواجب لا أثر له، بل لو فرض فعلية أحد الخطابين لفعلية موضوعه و عدم المزاحم له حال فعلية الخطاب فصار موضوع الآخر فعليا قبل امتثال الأول لكان الأمر كذلك، فإن
فعلية الخطاب مشروطة بالقدرة حدوثا و بقاء معا، فعدم المزاحم حدوثا لا يكفي مع وجود المزاحم بقاء كما إذا غرق إنسان فأمر بإنقاذه و قبل الإنقاذ غرق شخص آخر، فإنه لا شبهة في سقوط الأمر عن التعينية الفعلية مع عدم الأهمية.
ثالثها: ما ذكره بعض الأعلام من أن الإجارة الأولى أحدثت حقا للمستأجر الأول على الأجير، و مقتضاه عدم تأثير الأسباب في تعلق حق آخر يوجب بطلان الأول. و (يندفع) بأنه لا تأثير لعقد الإجارة إلا في تمليك كلي عمل على ذمة الأجير، و لا منافاة بين التمليكين، حيث لا تضاد بين العملين حيث لا توقيت في البين، و ليس هناك حق آخر فضلا عن أن يكون بينهما تزاحم، أو يتوهم أن التعهد بعمل في ذمته بعد الإجارة الأولى تصرف في حق الغير.
رابعها: ما في الجواهر من عدم القدرة على التسليم شرعا في الإجارة الثانية مع انها شرط الصحة (1)، و جعله بعض الأعلام «رحمه اللّه» مبنيا على مسألة الضد و حرمة العمل فلا يكون مقدورا شرعا، و هو مع فساده من وجوه أشرنا إليها خلاف ما فرضه في الجواهر من عدم ابتنائه على الضد بل بناه على فورية الأمر بالوفاء، بتقريب أن العمل بالإجارة الثانية بعد فرض فورية الوفاء بالإجارة الأولى غير مقدور عليه فعلا شرعا، و لا يقاس بما تقدم من ان نسبة القدرة إلى الوفاء بالعقدين على حد سواء و لذا قلنا بالتخيير، و ذلك لأن المفروض هناك صحة الاجارتين فلم يكن هناك إلا عدم القدرة على امتثال الأمرين بالوفاء بالعقدين فلذا قلنا بالتخيير، و اما هذا الوجه فالمفروض فيه عدم الفراغ عن صحة الإجارة الثانية و ان القدرة على امتثال الأمر بالوفاء بعقدها شرط صحته فكيف تتساوى نسبة القدرة إليهما، بل الإجارة الأولى حيث كانت حال وقوعها بلا مزاحم فهي واجدة للقدرة المعتبرة فيها بخلاف الثانية المسبوقة بالمزاحم الجالب للقدرة نحوه.
(لا يقال) كما ان القدرة شرط في الأولى حدوثا فكذا بقاء و الإجارة الثانية
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 264.
تزاحمها بقاء.
(لأنا نقول) لا تزول القدرة بقاء إلا مع فرض إجارة صحيحة يجب الوفاء بها، و المفروض توقف الصحة و وجوب الوفاء على وجود القدرة فكيف تزول القدرة بقاء بما يتوقف على ثبوت القدرة التي لا ثبوت لها إلا مع فرض زوال القدرة بقاء.
و الجواب: ان القدرة المعتبرة في صحة الإجارة هي القدرة على ذات العمل المعقود عليه، و المفروض انه غير موقت و انه موسع، دون القدرة على امتثال الأمر الفوري بالوفاء، فان الدليل على اعتبارها هو دليل نفي الغرر، و إذا كان قادرا على نفس ما عقد عليه المعتبر رفع الغرر عنه كانت المعاملة صحيحة و إن لم يقدر على امتثال الأمر بالوفاء فورا.
(لا يقال) إذا كان مقتضى الأمر بالوفاء هو الوفاء فورا ففورا ففي جميع أجزاء الوقت الذي عقد على الموسع بلحاظه لا يتمكن من العمل بمقتضى الإجارة الثانية فلا قدرة على ذات العمل الموسع في تمام الوقت لا في خصوص أوله.
(لأنا نقول) ان الملاك في اعتبار القدرة رفع الغرر عن المعقود عليه، فما هو الشرط في الحقيقة إحراز إمكان وصول المعقود عليه الى مالكه، و هذا المعنى لا يزول بالأمر بالوفاء و لو كان فورا ففورا، فإن الأمر الفوري لا يقتضي إلا صرف القدرة في إيجاد متعلقة لا انه يسلب القدرة حقيقة، فهو قاطع بالتمكن من إيصال العمل إلى المستأجر و ان ترك واجبا فلا غرر. و من جميع ما ذكرنا تبين فساد مبني دعوى التعجيل و فساد الوجوه المبنية عليه في بطلان الإجارة الثانية.
(و تفصيل القول فيه) أن متعلق الاجارتين إما كلي العمل في الذمة و إما الكلي في المعين خارجا فالصور أربع، و مبني الصحة و الفساد على الفرق بين الكلي الذمي و الخارجي في التعين القهري و عدمه، و الوجه فيه أن المملوك في الثاني هو الكلي الموجود بوجود أفراده في الخارج مع قطع النظر عن تعيناته الخارجية إلا تعين الإضافة بالمجموع، فالمملوك في الصبرة المشتملة على عشرة أصواع من الحنطة
كلي الصاع المتعين بالإضافة الى هذه الصبرة، فكلما بيع من هذه الصبرة صاع تضيقت دائرة الكلي الخارجي، فاذا انحصر في فرد كان المملوك هو الكلي المضاف الى هذا الفرد الموجود بوجوده، و لا نعني من التعين القهري إلا ذلك، و هذا المعنى غير موجود في الكلي الذمي الذي موطن وجوده الاعتباري هي الذمة فكيف ينقلب خارجيا بمجرد حصر ما يمكن تطبيقه عليه في فرد، و عليه نقول: إن مدار الصحة و البطلان في الإجارة الثانية على كون متعلق الإجارة الأولى كليا ذميا أو خارجيا فتصح الإجارة الثانية على الأول دون الثاني سواء كان متعلق الثانية كليا ذميا أم خارجيا.
أما الأول: فلأن الفرد المضيق باق على ملك الأجير فله تطبيق كلي ذمي آخر عليه كما أنه له تمليكه بنحو الكلي في المعين.
و أما الثاني: فلأن متعلق الأولى إذا كان بنحو الكلي في المعين و المفروض تعينه فيه فلا يصح منه تمليكه بنحو الكلي الخارجي، فإنه مملوك الغير، كما لا يصح تطبيق الكلي الذمي في الإجارة الثانية، حيث لا يعقل كون ملك شخص فردا لملك شخص آخر، فلا تصح الإجارة على الأول لعدم الملك و على الثاني لعدم القدرة على التسليم، و منه تبين حال ما إذا كان مورد الإجارة الثانية مغايرا لمورد الأولى، فإن مورد الإجارة الاولى إن كان كلي الخياطة في الذمة فالكتابة مملوكة للأجير فله تمليكها للمستأجر الثاني، كما أنه له تطبيق كلي الكتابة على فردها المملوك له، بخلاف ما إذا كان مورد الأولى منفعة الخياطة بنحو الكلي في المعين، فإن الأجير إما لا يملك المتضادين أو لا يمكنه تمليكهما، و كذا لا يتمكن من تطبيق كلي الكتابة على فردها المضاد لمنفعة الخياطة، لأنه لا يملك فردها أو لا يمكن تطبيق الكلي على الفرد المضاد للفرد المملوك للغير.
فنقول: أما في مورد صحة الإجارة الثانية فيضمن الأجير فقط اجرة المثل للمستأجر الأول من حيث تفويت العمل المملوك له بالعمل للغير، و أما في
مورد بطلان الإجارة الثانية، فالأجير ضامن للمستأجر الأول من حيث الإتلاف المحقق بتسليم مملوكه الى الغير، و المستأجر الثاني ضامن للأول من حيث استيفاء مملوكه و تسلمه من الأجير، فللمستأجر الأول الرجوع على من شاء منها كما مرّ تفصيله في الأجير الخاص. و أما في المنافع المتضادة فالأجير هو الضامن فقط للتفويت في الكل، و الوجه في الكل واضح.
فنقول: أما إذا كان مورد الإجارة الأولى كليا ذميا فلا مانع من صحة الإجارة الثانية بنحو الأجير الخاص في تمام المدة إلا من حيث كونها مفوتة بنفسها للعمل على طبق الاولى، حيث لا يعقل تطبيق الكلي الذمي على المنفعة المملوكة بالإجارة الثانية للغير، و غايته حرمة الإجارة الثانية، و حرمة المعاملة مولويا لا توجب الفساد، بل لو عمل للأول كان الأجير ضامنا للثاني لأنه سلم ماله الى الغير، و الأول أيضا ضامن للثاني لاستيفاء ماله، و أما إذا كان مورد الإجارة الأولى بنحو الكلي في المعين فالإجارة الثانية لتضمنها تمليك مال الغير غير صحيحة، فإنه نظير بيع تمام الصبرة بعد بيع صاع كلي منها، و عليه فاذا عمل للثاني في تمام المدة كان من تسليم مال الغير المعدود إتلافا و من تسلم الثاني لمال الغير المعدود استيفاء منه، فللأول الرجوع على من شاء من الأجير و المستأجر الثاني.
إنما هو إذا لوحظ الزمان الموسع الملحوظ لرفع الغرر مثلا بنحو التقييد بمعنى الحصة من كلي عمل الخياطة، فإن القيد الزماني كسائر القيود يقبل ملاحظة الطبيعي متقيدا به و لا يوجب انقلابه إلى الكلي في المعين، و عليه فاذا عمل في مورد الضيق للمستأجر الثاني سقطت الحصة عن إمكان الوجود بوجود فردها في الخارج لعدم الفرد لها، و اما إذا لوحظ الزمان الموسع بنحو الاشتراط فالمملوك هو كلي عمل الخياطة فقط، و هو لا يفوت بذاته أصلا، نعم يتعذر الشرط بعد انقضاء الزمان، فله الخيار و لا ضمان، لعدم الفوت بالنسبة إلى المعقود عليه بالإجارة.
و الكلام فيه تارة بالنظر الى مقام الثبوت و إمكان ملك المنفعة قبل وجودها، و اخرى في مقام الإثبات و شمول العمومات و الإطلاقات لها، و لا بد من التكلم في الأول، فإنه لا مجال لدعوى الإطلاق و نحوه مع عدم إحراز الإمكان، مضافا الى انه لا شبهة في المسألة ظاهرا إلا من حيث عدم قبول المنفعة للملكية. فنقول.
أما المقام الأول: فملخص تقريبه ان المنافع معدومة حال العقد، و الملكية صفة ثبوتية محتاجة إلى محل ثابت فلا بد من الالتزام بعروض الملكية لها حال وجودها، و حيث إن وجودها تدريجي فيكون عروض الملكية لها تدريجيا، و حيث إن الأجرة بإزاء المنفعة فمقتضى المقابلة كون ملك الأجرة تدريجيا و إلا لزم الخلف من كونها عوضا عن المنفعة في الملكية.
و مقتضى هذا التقريب ان المنفعة مع عدم الاستيفاء غير مملوكة و لا يلتزم به أحد، كما ان مقتضاه ان المؤجر يصح منه التمليك من دون ان يكون مالكا، لأن المفروض مقارنة ملك المنفعة و وجودها، و لا معنى لأن يملك المؤجر باستيفاء المستأجر، كما لا يعقل أن يكون المؤجر و المستأجر مالكين معا في زمان واحد، إذ آن الوجود لا تعدد فيه حتى يملك المؤجر في آن و المستأجر في آن آخر، فان الآن الآخر آن وجود منفعة أخرى لا المنفعة الاولى.
و بالجملة المنفعة ليست كالعين حتى يمر عليها زمانان يكون أحدهما زمان ملك المؤجر و الآخر زمان ملك المستأجر ليصح تمليك المنفعة من مالكها، و قد ذكرنا في أوائل الإجارة ان هذا الاشكال مبني على كون الملكية الشرعية و العرفية التي هي موضوع للاحكام و الآثار من الاعراض و المقولات الواقعية، مع انا قد بينا في محله استحالة ذلك بالبراهين القاطعة و انها اعتبار أمر مقولي، و الاعتبار لا يستدعي إلا الطرف في أفق الاعتبار، و المنافع يقدر وجودها فيتعلق بها الملك الاعتباري، و هو المصحح لطرفية الكلي مالكا و مملوكا للملك الاعتباري، و لا حاجة الى العدول الى جعل الإجارة تارة سلطنة على العين للانتفاع بها، مع انها لا تعم عمل الحر، و اخرى
سلطنة على الانتفاع بالعين، مع ان الانتفاع متقوم بالمنتفع فلا يقبل الانتقال اختيارا و قهرا، مضافا الى أن السلطنة بمعناها الحقيقي ليست إلا الاستيلاء و هو بحقيقته يتوقف على ما يستولي عليه خارجا و بمعناها الاعتباري حالها حال الملك الاعتباري، و بعد فرض الاعتبارية أي موجب للعدول عن الملك الاعتباري إلى التسليط الاعتباري.
و أما المقام الثاني: فالكلام تارة فيما يقتضيه الأصل العملي و اخرى فيما يقتضيه الأصل اللفظي. (أما الأول) فربما يتخيل ان الأصل عدم الاشتراط و عدم اعتبار ذلك القيد المشكوك في العقد كما في الجواهر (1)و غيره، و قد بيّنا في محله فقها و أصولا، ان الأصل المزبور غاية مقتضاه ان الاعتبار الملكي غير مرتب على المتقيد بهذا القيد، و بالتلازم العقلي يقتضي ان العقد المجرد عنه يؤثر في الملك، و لا عبرة بالأصول المثبتة.
(و أما الثاني) فهو يتوقف على كون إطلاقات أدلة الوفاء بالعقد و حلية البيع و الإجارة واردة مورد إنفاذ الأسباب، و أما إذا كانت في مقام المسببات و انها محققة عند الشارع كالعرف فلا تجدي في دفع الشك في اعتبار دخل شيء في تأثير العقد، و قد أصلحناه في محله فليراجع.
فنقول: في المقام نزاعان كبروي و صغروي.
أما النزاع الكبروي: فمن وجهين: (أحدهما) في لزوم الاتصال و عدمه، و غاية ما يتوهم في وجه اعتباره أمور:
(منها) منافاة الانفصال للقدرة على التسليم و هي شرط صحة العقد، فان المعتبر من القدرة هي القدرة الفعلية حال العقد كما هو مقتضى الأصل في الشرط، فان مقتضاه مقارنة الشرط لمشروطه، و لا تجدي القدرة المتأخرة إلا بدليل خاص، و لذا لو
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 271.
لم يكن قادرا على تسليم المبيع فعلا مع قدرته عليه بعد زمان معتد به لما صح البيع منه فعلا، و عدم مقدورية تسليم المنفعة المتأخرة فعلا لتقيدها بالزمان المتأخر في غاية الوضوح، فلا معنى للقدرة فعلا على الفعل المستقبل.
و يندفع بأن وجه اعتبار القدرة رفع الغرر، و ما يقدر على تسليمه في ظرفه لا غرر فيه، فلا موجب لاعتبار القدرة الفعلية، و لا يقاس بالبيع، فان المملوك فيه غير محدود بالزمان، فلا بد فيه من القدرة على تسليمه بعد العقد.
و (منها) ان العقود و الانشاءات علل للاحكام فيلزم الاتصال، لئلا يلزم تخلف المعلول عن العلة، كذا ذكره بعض الأعلام «رحمه اللّه» نقلا عن أبي الصلاح، و لا يتم هذا الاستدلال إلا بدعوى مقارنة الملكية للمملوك حتى تكون الملكية كالمملوك متأخرة عن العقد، و لا موجب لها إلا ما توهمه بعض العامة من ان المنفعة معدومة و المعدوم غير قابل للملكية فتكون الملكية مقارنة لوجود المنفعة، فكما توجد تدريجا تملك تدريجا، و قد عرفت بطلانه غير مرة.
و (منها) ان استحقاق التسليم من أحكام العقد و مقتضياته، و الاستحقاق المزبور لا يجامع الانفصال فيكون منافيا لمقتضى العقد.
و يندفع بما حقق في محله من ان استحقاق التسليم ليس من مقتضيات العقد بما هو بل من مقتضيات الملك، لتسلط الناس على أموالهم، فلا محالة يتبع كيفية المال المملوك، فاذا كانت المنفعة الحالية مملوكة فلمالكها السلطنة على تسلمها حالا، و إذا كانت المنفعة الآتية مملوكة كان له السلطنة على تسلمها في ظرفها، فالملك لا يقتضي سلطانا مطلقا على المال بل على حسب حاله كالثمن المؤجل في البيع و كالأجرة المؤجلة هنا، و لعل المراد من ان الاستحقاق من مقتضيات إطلاق العقد لا ذاته هو ما ذكرنا، و لا يقاس الاستحقاق المزبور بالملك، بدعوى انه كما ان الملكية فعلية و المملوك متأخر كذلك الاستحقاق فعلي و ما يستحقه متأخر كما هو ظاهر بعض الأعلام «رحمه اللّه» و ذلك لأن الحق كالملك إلا انه ليس لذي المال ملك و حق و انما له السلطنة على ماله بحسب حاله، و حيث إن الاستحقاق بمعنى
السلطنة فلا يمكن تعلق الاستحقاق فعلا بأمر استقبالي، فإنه محال.
و أما ما قيل في وجه عدم الاعتبار من ان لازمه عدم صحة جميع الإجارات فيما عدا الجزء المتصل بالعقد من الأزمنة فيندفع بأن للزمان وحدة اتصالية لا انه آنات متتالية، فهذا المتصل الوحداني متصل بحال العقد. نعم ربما يتخيل عدم معقولية الاتصال و لو بجزء من المدة إلا على القول بالجزء الذي لا يتجزأ، و حيث إنه محال فالاتصال المرتب عليه محال.
و تقريبه: ان كل جزء يفرض متصلا بحال العقد فهو قابل للقسمة و ما يفرض من الجزئين منه متصلا أيضا قابل للقسمة و هكذا الى ما لا يتناهى، ففرض الجزء المتصل فرض الجزء الذي لا يتجزأ، و قد دفعنا هذا التوهم الجاري في غير المقام أيضا بأن القسمة الممكنة متناهية دون الأعم منها و من الوهمية، و لا شبهة في وقوع العقد في زمان خاص مع أن ذلك الزمان أيضا قابل للقسمة، فبناء على هذا التوهم يلزم وقوع العقد في ما لا يتناهى، و انطباق المتناهي على غير المتناهي محال، فهذه المدة المضروبة للمنفعة متصلة خارجا بزمان العقد و إن كانت من حيث قبول المتصل الواحد للانقسامات غير متناهية، فهي متناهية بالفعل غير متناهية بالقوة، فلم يلزم استحالة اتصال المدة بحال العقد.
(ثانيهما) أي من وجهي النزاع الكبروي أن المنفعة بلحاظ الزمان تارة تلاحظ بشرط شيء إما بنحو الاتصال أو بنحو الانفصال، و اخرى بنحو اللابشرط القسمي من حيث الاتصال و الانفصال، فتكون كالكلي في المعين بلحاظ قطعات الزمان، و تمليكها في نفسه معقول و لا مانع منه إلا الغرر، و عليه فلا وجه للقول ببطلانه رأسا أو بصحته كذلك، بل ربما يكون فيه الغرر نحو سكنى الدار شهرا من هذه السنة، فإنه بلحاظ تفاوت المالية من حيث الصيف و الشتاء يدخل فيه الغرر و الخطر، و ربما لا يكون فيه الغرر كسكنى شهر من أشهر الشتاء مثلا، و بالجملة الكلية و اللابشرطية من حيث الاتصال و الانفصال غير ضائرة بل المدار بطلانا و صحة على لزوم الغرر و عدمه.
و أما النزاع الصغروي فملخص القول فيه: انه بعد عدم الإهمال في الواقع يدور الأمر بين إرادة الاتصال و إرادة الانفصال و إرادة المطلق من القيدين، و مقتضى القاعدة الحكم باللابشرطية و عدم الدال على أحد القيدين. إلا أن الموجب للحكم بالاتصال في قبال الانفصال هو الموجب لنفي الإطلاق، و هو أن التعينات الثلاث كلها قيود عقلا للماهية، إلا أن بعض القيود العقلية كأنه ليس بقيد عرفا كما هو كذلك في النفسية و الغيرية و العينية و الكفائية و التعيينية و التخييرية في الواجب، فكون المنفعة المملوكة حالية عند العقد لا يحتاج الى التنبيه عليه بخلاف المنفعة الآتية أو الأعم من الحالية و الاستقبالية، و أما الاستدلال بأصالة الصحة لإثبات الاتصال فهو إنما يصح مع فرض فساد الانفصال و الإطلاق لا مطلقا.
و الكلام فيه من جهات: (منها) ما هو ملاك التسليم و ما يتحقق به. و (منها) فوات المنفعة و ما هو ملاكه. و (منها) ضمان المستأجر للمؤجر أحيانا. و (منها) مورد الحاجة الى مراجعة الحاكم، فهنا مقامات من الكلام:
فنقول:
المملوك بالإجارة إما منفعة عين شخصية أو منفعة عين كلية، و إما عمل متعلق بمورد جزئي كحمل هذا المتاع، أو بمورد كلي و هو حمل المتاع، و العمل إما إيجادي محض كالصلاة نيابة عن الميت، أو متقوم باستيفاء المستأجر كحمله إياه أو حمل متاعه. «أما المنفعة» فتسليمها الحقيقي و إن كان باستيفائها و تسليم العين الشخصية أو فرد العين الكلية حينئذ مقدمة لتسليم أحد العوضين و كذا في تسليم العمل مطلقا إيجاده المحض أو المتقوم باستيفاء المستأجر إلا أن استحقاق مطالبة الأجرة و استقرارها غير مرتب على التسليم بعنوانه حتى لا يكون استحقاق و استقرار للأجرة إلا بعد التسليم الحقيقي المساوق للاستيفاء بل على مجرد تمكين المستأجر في تمام المدة مثلا من استيفاء المنفعة أو العمل، و ذلك لما حقق في محله و أشرنا إليه سابقا من أن مدرك لزوم التسليم أمران
أحدهما: سلطنة الناس على أموالهم، فليس للغير مزاحمته في سلطانه بالامتناع عن تسليم ماله المملوك له بالعقد مثلا كما هو المفروض هنا، و هذا المدرك لا يقتضي لزوم التسليم المعاوضي، بل يفيد ضد المقصود هنا من توقف استقرار الأجرة على تسليم المنفعة، فإن كل مالك له السلطان المطلق على مطالبة ملكه سواء سلم عوضه أم امتنع عنه، فإن ظلم أحد لا يسوغ ظلم الآخر.
و ثانيهما: بناء المتعاملين في عقود المعاوضات على التسليم بإزاء التسليم كالتمليك بإزاء التمليك، فهو في الحقيقة التزام ضمني في العقد على التسليم المعاوضي، و من البين أن ما هو تحت اختيار كل منهما ليس إلا تمكين المالك من استيفاء المنفعة و لو بالتمكين من الاستيلاء على العين. و أما الأمر القائم بالمستأجر من استيفاء المنفعة أو من استيلائه خارجا على العين فهو تحت اختيار المستأجر فلا يعقل الالتزام الجدي من المؤجر بما هو خارج عن اختياره. نعم العمل المباشري المحض كالصلاة نيابة تسليمه بعين إيجاده الذي هو تحت اختياره، و بالجملة هذا الملاك الذي ذكرناه في التسليم المتوقف عليه استقرار الأجرة لا فرق فيه بين أن يكون المملوك بعقد الإجارة منفعة أو عملا استيفائيا و لا بين أن يكون مورد المنفعة المملوكة عينا شخصية أو كلية، فإن المقدور عليه من تسليم كلي المنفعة بكلي العين ليس إلا بتطبيق الكلي على فرده و تمكينه منه و إلا فلا تمكين من الكلي مع قطع النظر عنه حتى يلتزم به، و مرجع ما ذكرناه الى عدم المقتضي لأزيد من التمكين الذي هو شرط لاستقرار الأجرة المملوكة بنفس العقد المقيد لإطلاق دليل السلطنة، ففي غيره يتمسك بإطلاق دليل السلطنة، فله مطالبة الأجرة مع التمكين المذكور و ليس للآخر الامتناع عن أدائها.
و أما ما في الجواهر من الاستدلال بعموم الأمر بالوفاء بالعقد (1)فبالنظر الى أن مفاده إما إيجاب الوفاء عملا فينطبق على دفع الأجرة فيجب دفعها، و إما لزوم
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 271.
وضعي فيفيد عدم انحلال العقد بفسخ المستأجر مع التمكين المزبور، كما أن تمسكه «قدّس سرّه» باستصحاب الملك بالنظر الى الشك في انحلال العقد و زوال ملك الأجرة بإنشاء فسخ المستأجر، و إلا فمجرد عدم التسليم الحقيقي بل مع الامتناع رأسا لا ينفسخ العقد بل يوجب الخيار للباذل على الممتنع. نعم ما ذكره «قدّس سرّه» و كون العين مضمونة المنافع في يده محل المناقشة، فإن كون منافعها مملوكة بالعوض أمر مسلم من الأول، و إنما الكلام في استقرار الأجرة و استحقاق المطالبة، و أما كون العين بمنافعها في ضمان المؤجر فينفسخ العقد بتلفها فهو أجنبي عما نحن فيه، مع أنه سيجيء إن شاء اللّه تعالى أنه لا مجال له في باب الإجارة.
(لا يقال) لعل غرضه «رحمه اللّه» أن ضمان المؤجر ينتقل إلى المستأجر بقبض العين المستأجرة، و مقتضاه أن يكون تلف المنافع عليه بترك استيفائها فلا مجال لاستيفائها، فلا مانع من استقرار الأجرة.
(لأنا نقول) غاية ما يقتضيه ضمان المؤجر قبل القبض و هو انفساخ العقد بالتلف قبل القبض أن لا ينفسخ العقد بالتلف و لو بترك الاستيفاء لا أنه ليس له حق الاستيفاء أو أنه ليس له حق الفسخ مع ترك الفسخ، مع أن التلف المنوط به الانفساخ هو تلف المنفعة حقيقة لا مجرد فوات المنفعة بترك الفسخ، و لذا لو فاتت المنافع تحت يد المؤجر بامتناع من المؤجر لم يوجب انفساخ عقد الإجارة بل كان ضامنا ضمان الغرامة بتفويت المنفعة على مالكها.
فنقول: المملوك بالإجارة تارة منفعة قائمة بعين و اخرى عمل كلي ذمي، و كل منهما إما موقت بتوقيت في مرحلة العقد، و إما لا يكون موقتا كذلك، فان كانت منفعة قائمة بعين محدودة بمدة خاصة كسكنى الدار شهرا فلا شبهة في فوات المنفعة بانقضاء الشهر، فاستقرار الأجرة بتسليم المنفعة في تمام تلك المدة بتسليم العين أو التمكين منه و إن لم يتسلمها، و فوات المنفعة المملوكة بفوات المدة، فلا يملك منفعة بعدها حتى يبقى مجال لاستيفائها، و لا فرق في هذه الصورة بين أن تكون المنفعة المحدودة قائمة بعين
شخصية أو بعين كلية تسلم فردها المستأجر، فإن فوات المنفعة بفوات مدتها ضروري، و إنما تفوت على المستأجر دون المؤجر، لأنه الذي فوتها على نفسه بترك استيفائها، بل و كذا لو لم يتسلم العين الشخصية مع بذل المؤجر، أو لم يقبل فرد العين الكلية مع تعيين المؤجر، فإنه الذي فوت على نفسه منفعته المملوكة بالامتناع عن التسلم، و ملاك التفويت هو الامتناع المزبور سواء كان عن تسلم شخص العين المستأجرة أم عن ما هو فرد لها، فان تعين الكلي فيها و إن كان منوطا بقبوله بمعنى أنه لو لم يقبل لم يتعين لا أنه له استحقاق مطالبة غيره حتى لا يكون امتناعه تفويتا.
و بعبارة أخرى: لا ندعي أن فوات منفعة هذا الفرد بامتناعه تفويت لها، حيث إنه لا تعين لها حتى يكون الامتناع مفوتا لهذه المنفعة المملوكة له، بل ندعي أن امتناعه عن تسلم هذا الفرد مع عدم استحقاقه لفرد آخر مفوت لتلك المنفعة المملوكة القائمة بكلي العين المفروض أنها محدودة بمدة خاصة امتنع فيها عن تسلمها بتسلم ما يصلح أن يكون فردا لها، و إن كانت المنفعة المملوكة القائمة بعين شخصية غير موقتة، كما إذا آجره الدابة يوما من هذا الأسبوع لئلا يلزم الغرر فالمملوك لا محالة يعتبر بنحو الكلي في المعين، لأن إرادة منفعة يوم خاص واقعا جهالة، و إرادة أحد أيام الأسبوع بنحو الترديد محال، فلا مجال إلا لإرادة الواحد المضاف إلى الأسبوع بنحو الكلي في المعين، و حينئذ فإن سلمه العين الشخصية بعنوان تسليم المنفعة المملوكة حالا كان من تعيين الكلي في المعين و تعيينه بيد المؤجر، فلا محالة يكون حال المنفعة حينئذ كالمنفعة المحدودة بيوم مخصوص من حيث فواتها بفوات المدة الخاصة، و إن سلمه العين بعنوان استيفاء المنفعة متى شاء من الأيام فلا تفوت المنفعة بفوات ما يمكن فيه الاستيفاء و هو يوم واحد بل بمضي تمام الأسبوع، كما إذا سلمه الصبرة المشتملة على عشرة أصواع ليختار صاعا منها، فإنه لا تلف للكلي في المعين إلا بتلف الصبرة جميعا. ففي مثل هذه الصورة يبقى مجال الاستيفاء بعد مضي يوم أو أزيد مع استقرار الأجرة بمجرد التسليم كما في المثال المزبور أيضا، فإن البائع
يستحق الثمن بمجرد تسليم الصبرة، فإن تسليمها تسليم للكلي في المعين سواء عينه البائع أم لم يعينه، و إن كانت المنفعة المملوكة غير الموقتة بوقت مخصوص قائمة بعين كلية فلا محالة تكون كلية ذمية.
و تعين الذمي في الخارجي متوقف على قبول المستأجر زيادة على تعيين المؤجر و تطبيقه، فلا يقاس بالكلي في المعين الذي لا يتوقف إلا على تعيين البائع أو المؤجر، و حينئذ فإن تسلم العين و قبلها جرى فيها ما ذكرناه في العين الشخصية، و إن لم يقبلها و لم يتسلمها فالامتناع و إن كان غير مانع عن استقرار الأجرة كما مرّ غير مرة إلا أنه يوجب بقاء ما في الذمة على حالها، و حيث إنها غير موقتة بمدة مخصوصة فلا يكون الامتناع عن تسلمها مفوتا لها بمجرد مضي زمان يمكن استيفاء المنفعة فيه، بل بمضي تمام الأسبوع مثلا، فيبقى مجال للاستيفاء مع عدم القبول.
و منه تعرف أن الفرق بين الموقت و غيره و الكلي و الشخصي أحيانا إنما هو من حيث فوات المنفعة المملوكة و عدمه لا من حيث استقرار الأجرة و عدمه. فما في الشرائع- من التفصيل المجمل الذي شرحه الشارحون بالفرق بين الموقت و غيره أو الشخصي و الكلي- غير وجيه في مورد كلامه و هو لزوم الأجرة و استقرارها. هذا كله في المنفعة المملوكة بالإجارة بأقسامها.
و أما إذا كان المملوك بها عملا من الأعمال فهو كلي ذمي دائما سواء كان متعلقا بجزئي كحمل هذا المتاع أم بكلي كحمل المتاع الموصوف بوصف رافع للغرر، فهو تارة موقت بوقت مخصوص كحمل هذا المتاع في هذا اليوم أو حمل المتاع الموصوف في هذا اليوم، و اخرى غير موقت بوقت مخصوص كحمله بقسميه في يوم من أيام الأسبوع أو الشهر مثلا فنقول:
أما العمل الموقت بقسميه فقد عرفت أن مجرد بذل نفسه للعمل و هو المقدار الذي يتمكن من الالتزام به في مقام التسليم المعاوضي كاف في استقرار الأجرة، و مع فرض تمكينه في تمام المدة المضروبة و امتناع المستأجر عن تسلمه و استيفائه في تلك المدة يفوت العمل و لا يبقى مجال لإيجاده في غيرها بتفويت من المستأجر كما مر
في المنفعة الموقتة.
و أما العمل غير الموقت فحيث إن مجال الاستيفاء فيه واسع و الكلي الذمي ليست خارجيته دائرة مدار تعيين المؤجر فقط بتمكينه من إيجاده في هذا اليوم بالخصوص، و المفروض عدم التوقيت به فلا يفوت العمل بفوات مدة يمكن إيجاد العمل فيها، فحال العمل غير الموقت بقسميه حال المنفعة الكلية غير الموقتة بل الأمر فيه أوضح، حيث إن تعيين المؤجر للدابة الكلية لا يلازم الاستيفاء، بخلاف إيجاد الكلي من العمل، فإنه لا يكون إلا بإيجاد فرده لا بالتمكّن من إيجاد فرده. و ما نسب الى شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه»- من الفرق بين العمل الجزئي و العمل الكلي في استقرار الأجرة بالتمكين في الأول دون الثاني، بتخيل أن العمل الجزئي مملوك بنفسه فتسليمه تسليم المملوك بخلاف العمل الكلي، فإن فرده غير مملوك حتى يحصل التسليم بالتمكين من فرده- مخدوش من وجوه غير خفية على المتأمل فيما قدمناه.
فنقول: أما المنفعة الموقتة و لو بالتبع كما إذا سلمه الدابة بعنوان تسليم المنفعة حالا في مثل الكلي في المعين فالفائت هو مملوك المستأجر، فلا موقع لضمانه للمؤجر، و كذا في العمل الموقت، فإن الفائت بمضي الوقت مملوك للمستأجر فلا مورد للضمان.
و أما المنفعة الكلية غير الموقتة و العمل غير الموقت ففيها تفصيل مجملة: أن المنفعة الكلية التي عينها المؤجر في دابة خاصة و تسلمها المستأجر، فلا محالة تكون المنفعة خارجية، لاستحالة خارجية ما تقوم به المنفعة و ذمية المنفعة، فتكون حالها حال المنفعة غير الموقتة القائمة بعين شخصية من كونها لا محالة بنحو الكلي في المعين، فان سلمها المؤجر بعنوان تسليم المنفعة حالا كانت المنفعة الحالية مملوكة للمستأجر و فواتها فوات مملوك المستأجر فلا ضمان، و إن سلمها المؤجر لا بذلك العنوان بل لأن يستوفي منها المنفعة في يوم يختاره من أيام الأسبوع فلا تفويت من ناحية المستأجر حتى يضمنها بل من ناحية المؤجر كما هو واضح.
هذا في فرض تسلم العين، و مع فرض عدم قبول المستأجر و عدم تسلمه لما عينه المؤجر فردا لكلي في ذمته فلا يتعين مملوك المستأجر فيه، فلا تكون منفعة الفرد فائتة منه بل من مالكها و هو المؤجر، و من الواضح أنه لا موجب لضمان مال الغير إلا إتلافه أو تفويته أو الاستيلاء بوضع اليد عليه فيفوت تحت يده، و لا يد هنا على الفرض، و لا إتلاف باستيفائه على الفرض، فليس الموهم لضمانه الا تفويته بامتناعه عن تسلمه و هو و هم باطل، إذ التفويت في السابق بامتناعه عن استيفاء ما تعيّن ملكا له، لأجل أن المخرج لها من العدم الى الوجود هو المستأجر، فامتناعه عن ذلك تفويت منه لما يكون أمر إيجاده بيده، بخلاف مال الغير، فان مجرد امتناعه عن قبول مال الغير لا يكون منعا منه عن وجوده، و إنما يتحقق فيما إذا حبس الدابة بحيث امتنع على صاحبها استيفاء منفعتها، و إنما المفوت هنا هو المؤجر بتعطيله لها مع عدم استحقاق المستأجر لمنفعتها بالخصوص لئلا يكون له بد من تعطيلها. و مما ذكرنا تعرف عدم الضمان في المنفعة غير الموقتة بأقسامها.
و أما العمل غير الموقت مع بذل العامل نفسه للعمل فان قبله المستأجر بأن أحضره في داره للبناء أو للخياطة و مع ذلك لم يستوف منه عمله فهو مفوت للعمل، و حيث إن العمل قبل وجوده لا يخرج عن الذمة فلا محالة لا يكون الفائت ذلك العمل المملوك له، بل مجرد العمل المحترم من الأجير، فيكون ضامنا له، فيكون نظير حبس أجير الغير من حيث ضمانه لما يملكه الأجير، و أما إذا لم يقبله المستأجر و المفروض عدم تعينه له فكما لا تفويت لما يملكه كذلك لا تفويت لعمل الأجير بل المفوت لعمله نفسه، و لا يقاس بالموقت الذي لا يتمكن الأجير من العمل للغير أو لنفسه، و مجرد استحقاق الأجير لتفريغ ذمته و بذله للعمل لا يصحح استناد التفويت إلى المستأجر، و لا ضمان إلا باليد أو الاستيفاء أو التفويت، و كون عمله محترما لا يقتضي بتضمين من لا مساس له بالعمل، بل الأجير هتك حرمة عمله بعدم استيفائه لنفسه أو لغير المستأجر مع تمكنه منه.
و التحقيق: أن قبول المستأجر للعمل و إن لم يوجب خروج الكلي عن الذمية
إلى الخارجية إلا أنه يوجب صيرورته كالموقت فإنه مع كليته و ذميته يفوت بتعينه من حيث الوقت، فكذا إذا بذل العامل نفسه للعمل و قبل المستأجر لكنه لم يستوفه منه، فإنه تفويت منه لعمله المملوك المتعين بتعيين الأجير و قبول المستأجر. و منه اتضح أنه لا مورد للضمان في غير الموقت مطلقا.
و بعد ما عرفت أن استقرار الأجرة في شيء من موارد الإجارة الموجبة لملك المنفعة الشخصية أو الكلية الموقتة و غيرها، و لملك العمل مطلقا لا يتوقف إلا على تمكين المؤجر و الأجير لا على قبول المستأجر و لا على استيفائه فلا محالة لا ضرر على المؤجر و الأجير من هذه الحيثية، فلا بدّ من فرض ضرر آخر لا يندفع إلا بمراجعة الحاكم للإجبار أو للتسلم. فنقول:
أما المنفعة الموقتة أو العمل الموقت فيفوتان بفوات وقتهما بتفويت من المستأجر، فلا ضرر من هذه الجهة أيضا على المؤجر أو الأجير، و أما من حيث ضرر التلف قبل القبض فهو لا يكاد يندفع في باب الإجارة بإقباض العين، لما سيجيء إن شاء اللّه تعالى من انكشاف بطلان الإجارة في بقية المدة، فسواء سلم المنفعة بتسليم العين أم لم يسلم كان هذا الضرر لا حقا للمؤجر، فلا يندفع بإجبار الحاكم على القبض أو قبضه ولاية على الممتنع.
و أما المنفعة غير الموقتة فان كانت قائمة بعين شخصية كإجارة الدابة الشخصية لحمل المتاع بلا توقيت فيتصور فيها ضرر التلف قبل القبض، فللمؤجر دفعا لهذا الضرر عن نفسه إرجاع أمره الى الحاكم ليستوفي منفعته، و إن كانت كلية بكلية العين بلا توقيت، و كذا العمل الذي أيضا هو كلي دائما فوجه الرجوع ما ذكر في غير هذا المقام من أن بقاء الذمة ضرر فله تفريغها بالرجوع الى الحاكم، و الكلام فيه و ما يتوجه عليه من النقض و الإبرام موكول الى محله، و قد فصلنا القول فيه في تعاليقنا على كتاب الخيارات لشيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه».
ذكر المحقق «قدّس سرّه» في الشرائع في فروع المسألة أنه لو استأجره لقلع
الضرس فزال الألم عقيب العقد سقطت الأجرة (1)، و علله في الجواهر بتعذر متعلقها شرعا لعدم جواز القلع (2)، و هو كذلك كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في أنه من شرائط الإجارة إباحة المنفعة، و هل هو لكون الإباحة بنفسها شرطا لبعض الأخبار، كما في رواية تحف العقول أو هو على طبق القاعدة، نظرا إلى أنها غير مملوكة و لا معنى لتمليك ما لا يملكه؟ الا وجه الأول كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في محله، لما في تطبيقه على القاعدة من المناقشة صغرى و كبرى.
أما صغرى: فبالنظر الى أن المنفعة قابلة لأن تكون تارة مملوكة لمالك العين و اخرى لا تكون مملوكة له، بخلاف العمل من العامل، فان عمل الحر كما مرّ مرارا غير مضاف الى عامله بإضافة الملكية، بل بإضافة الفعل الى فاعله و العرض الى موضوعه، و إنما له السلطنة على التعهد بعمل في ذمته، فلا ينقسم العمل من عامله الى مملوك و غير مملوك ليقال انه لحرمته غير مملوك له.
و أما كبرى: فلما أشرنا إليه من أن اللازم في مطلق الإجارة السلطنة على التمليك لا أن حقيقتها متقومة بتمليك المملوك، بل الأمر كذلك في البيع كما في بيع الكلي. و دعوى أنه مع حرمة العمل ليس له ملك التصرف أول الكلام، فإن حرمة العمل تقتضي حرمة هذا التصرف لا التصرف الإجباري بتمليك العمل، و القدرة على التسليم كما مر منا مرارا أجنبية عن حرمة العمل، لأن الملاك في اعتبارها أن لا تكون المعاملة غررية، و لا غرر هنا غايته أنه فعل حراما بتسليم المستأجر عليه، و بقية الكلام فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
و يراد به انفساخ عقد الإجارة، لشيوع هذا التعبير منهم في مثل المقام، و الظاهر منهم- كما ذكره في الجواهر (3)مع ورود النبوي
و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه» (1). و رواية عقبة بن خالد (2)المعروفة في كتاب البيع في المبيع- أن إلحاق الإجارة بالبيع مع عدم النص فيها ليس إلا للإجماع و تسالم الأصحاب، كما ألحقوا الثمن بالمبيع مع اختصاص النص بالمبيع، و ربما يدعى هناك و هنا أن أصل الحكم على طبق القاعدة، لاقتضاء العقود المعاوضية ذلك بمعنى أن مقتضاها تبديل مال بمال في الملكية و السلطنة، فإن كان الغرض أن عقد البيع بمدلوله المطابقي له عرض عريض فيقتضي الاستيلاء و الاحتواء الاعتباري و الخارجي المعبر عن الأول بالملكية و عن الثاني بالسلطنة الفعلية و المعبر عنهما تارة أخرى بالمعاوضة الشرعية و العرفية كما يشهد بذلك التعبير بأنه لعله من مقومات المعاوضة كما في الجواهر (3).
(ففيه) أن مدلول البيع تسبيبي يتسبب اليه بالعقد الإنشائي، و السلطنة الفعلية المساوقة للقبض و الاستيلاء الخارجي يستحيل أن توجد بسبب إنشائي، بل بمباد خارجية غير اعتبارية و لا جعلية، و إن كان الغرض أن حصول الملكية الشرعية التي هي مدلول للعقد منوط بحصول السلطنة الفعلية فهو أمر معقول. إلا أنه لا دليل عليه إلا في بيع الصرف و السلف في المبيع و الثمن معا كما في الأول و في الثمن فقط كما في الثاني، و لا دليل على اعتبار القبض في تمام أقسام البيع فضلا عن جميع عقود المعاوضات، مع أن الشرطية مقتضاها عدم تمامية المعاوضة، و المعروف في التلف قبل القبض انفساخ العقد بالتلف بعد انعقاده و تأثيره، فلا يكون مثل هذا موافقا للشرطية فضلا عن المقومية.
و التحقيق: أن التلف قبل القبض في الإجارة لا يحتاج الى الدليل الخاص و إن كان في البيع محتاجا اليه، فهو هنا على طبق الأصل بمعنى بطلان الإجارة لا
انفساخها بعد انعقادها، و ذلك لأن المملوك بالبيع هي العين و هي موجودة قارة حال تأثير العقد في تمليكها للمشتري، فإذا عرضها التلف بعد العقد فقد تلف ملك المشتري، فتلفها من مال البائع بانفساخ العقد قبل التلف آنا ما حتى يكون تالفا من البائع لا محالة يتوقف على دليل خاص، بخلاف المملوك بعقد الإجارة، فإنها المنفعة و هي تدريجية، فإذا لم تكن في المدة المضروبة منفعة لفرض تلف العين بعد العقد الذي هو وعاء المملوك فلا شيء حتى يملك أو يملك سواء قلنا بأن المنفعة المملوكة هي حيثية العين و شأنها الموجودة بوجودها بنحو وجود المقبول بوجود القابل، أم قلنا بأن المملوك هي تلك المنفعة الخارجية المقدرة الوجود عرفا فعلا، فإنه على الأول حيث لا عين في ظرف الملكية فلا حيثية و لا شأن في ذلك الظرف لتبعية وجود المقبول لوجود قابله، و على الثاني فهذا المقدر وجوده الذي هو عنوان لما هو مطابق له ليس له مطابق واقعا في ظرف الملكية، و تقدير وجود ما ليس له وجود تحقيقي في ظرفه لغو لا يترتب عليه أثر حتى يعتبر عند العرف و العقلاء ملكا لأحد.
هذا كله في التلف الحقيقي.
و أما في التلف التنزيلي فحال الإجارة حال البيع في كون الانفساخ على خلاف القاعدة، فيحتاج إلحاق الإجارة بالبيع الى دليل من إجماع و نحوه.
فحكمه على ما سلكناه حكم التلف قبل القبض، لأن ظرف المملوك بعقد الإجارة ما بعد العقد، فإن المنفعة القابلة لأن يستوفيها المستأجر بالإجارة لا وعاء لها إلا بعد العقد، فتلفها بعد العقد و القبض بلا فاصلة مرجعه الى عدم المنفعة في ظرف قابل لأن تكون مملوكة بالإجارة، و حيث لا منفعة فلا قبض.
و أما ما ربما يوهمه ما في الجواهر (1)و تبعه بعض الأعلام من تفاوت القبض الذي به يستحق الأجرة و القبض الذي يخرج به عن ضمان المعاوضة بدعوى أنه
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 278.
بمجرد قبض العين يستحق الأجرة لكنه لا يخرج به عن ضمان المعاوضة فغير وجيه، لما مر منا سابقا من أن القبض الذي يستحق به الأجرة قبض المنفعة، و قبض العين مقدمة له، و حيث لا منفعة فلا قبض لأحد طرفي المعاوضة، بل اللازم إبقاء العين تحت يده في تمام المدة حتى يكون إقباضا لتمام المنفعة حتى يستحق مطالبة الأجرة تماما.
نعم يتفاوت المقامان من حيثية أخرى و هي أن مجرد التمكين من الاستيفاء في المدة المضروبة يوجب استقرار الأجرة، لكنه لا يوجب الخروج عن ضمان المعاوضة إلا بالاستيلاء عليها في المدة، كما هو كذلك في البيع، فان مجرد التمكين و بذل العين يوجب استحقاق مطالبة الثمن و إن لم يخرج عن ضمان المعاوضة إلا بإقباض العين خارجا كما هو صريح رواية عقبة بن خالد.
صح فيما مضى و بطل فيما بقي، و هو مما لا اشكال فيه أصلا، حيث لا منفعة واحدة إلا في مدة بقاء العين، و أما على مسلك القوم من الإلحاق بالبيع كما في الجواهر (1)، حيث قال كتلف بعض المبيع فربما يشكل بما أشكل به البيع من أن المبيع هو الكل دون كل جزء جزء، فلا بدّ من دفعه بما مرّ مرارا من أن تعدد الملكية بتعدد المملوك عقلي لتشخص الإضافات بأطرافها، و تعدد الملكية يستدعي تعدد التمليك، إذ لا فرق بين الإيجاد و الوجود بالذات و إنما الاختلاف بالاعتبار، و البيع ليس إلا التمليك، بل العقد اللبي المعنوي أيضا متعدد، لأن العقد ارتباط أحد القرارين بالآخر، و الجعل و القرار أمر لا يستقل بالتحصل فلا بدّ من تعلقه بالملكية فيتعدد بتعددها قهرا، و وحدة العقد كوحدة البيع وحدة عمومية لا شخصية، و بالجملة بناء على المشهور من انفساخ العقد بعد انعقاده على خلاف الأصل يحتاج الى تكلف اقامة الدليل و تكلف التطبيق، و أما على ما سلكناه فالمسألة عقلية لا مجال للفرق فيها بين الكل و الجزء.
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 278.
كان كما إذا تلفت العين في بعض المدة من حيث الرجوع الى باقي الأجرة بالنسبة إلى المنفعة غير المستوفاة، نظرا الى استيفاء ما مضى قبل الفسخ بعقد الإجارة و استقرار الأجرة بمقدار المنفعة المستوفاة بعقد الإجارة (1). و ربما يقال بالرجوع الى تمام الأجرة و رجوع المؤجر إلى أجرة المثل للمنفعة المستوفاة بتقريب أنه يفسخ العقد الواقع أولا، و مقتضى الفسخ عود كل عوض الى مالكه.
و (التحقيق) أن المنافع المتقدرة بأجزاء الزمان كالأعيان الخارجية المتعددة بذواتها و لا أقل من أن تكون كأبعاض عين واحدة، فما أفيد من أن حقيقة الفسخ تقتضي انحلال العقد رأسا مبني على وحدة العقد، فإما أن يبقى و إما أن ينحل، و أما بناء على تعدده لبا كما هو كذلك قطعا في مثل جعل الخيار برد مثل بعض الثمن و استحقاق حل العقد في بعض المبيع، فلا مجال لهذا التقريب، فإنه يفسخ العقد بالنسبة الى ما بقي من المدة، و مقتضاه عود المنفعة الباقية و ما بإزائها من الأجرة إلى صاحبهما الأول، و أما ما ذكره المشهور من عدم استحقاق إعمال الخيار في رد بعض المعيب أو المعيب الذي اشتراه مع الصحيح صفقة واحدة أو عدم استحقاق فسخ العقد بخيار المجلس إلا في كل المبيع فليس لاقتضاء حقيقة الفسخ و وحدة العقد بل لقصور في المقتضي في مقام الإثبات كما فصلنا القول فيه في باب الخيارات.
و مما ذكرنا تعرف أن الحق هو التفصيل بين أنحاء الخيارات، فان كان إعمال الفسخ بخيار الشرط فهو تابع لكيفية الاشتراط، و إن كان بخيار العيب فهو على ما ذكروه في محله ليس له إلا حل العقد رأسا أو إبقاؤه كذلك، لقصور دليل الخيار عن غير ذلك، و تحقيق الكلام من هذه الجهة موكول الى محله. و ربما احتمل هذا القائل كون صورة البطلان كصورة الفسخ في الرجوع الى تمام الأجرة المسماة و الرجوع الى أجرة المثل، و إن حكم بأنه بعيد.
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الرابع
وجه الإلحاق أن العقد واحد فاذا تعلق بملكية مجموع المنفعة و لم يؤثر من حيث عدم المنفعة في بعض المدة فمقتضاه رجوع تمام الأجرة المسماة لفرض البدلية لمجموع المنفعة، و المنفعة المستوفاة حيث إنه مال محترم لم يبذله مجانا فله اجرة المثل.
و وجه الحكم ببعده أن مقتضى فسخ العقد الواحد انحلاله، فيعود كلا العوضين الى ما كانا عليه، بخلاف تأثير العقد الواحد، فإنه لمكان وحدته لا يقتضي التأثير تماما أو عدم التأثير تماما، بل هذا الواحد لمكان المانع من بعض مضمونه لا يؤثر، و لعدم المانع عن بعضه الآخر يؤثر، فالتأثير و عدمه يمكن قيامهما بالواحد، و أما الانحلال و البقاء فلا.
و بعد ما عرفت من الملازمة بين العقد الحقيقي المعنوي و التمليك و الملكية تعرف أن الوحدة تقتضي عدم انعقاد الواحد مع عدم الملكية و لو في بعض متعلقة إلا بالخلف و فرض تعدد القرار المرتبط بتعدد ما يتقوم به القرار. فتدبر جيدا.
قد عرفت مما مرّ أن منشأ بطلان الإجارة فيما إذا تلفت العين قبل القبض أو بعد القبض بلا فاصلة أو في أثناء المدة هو عدم المنفعة إما تماما أو بعضا، فلا شيء حتى يملك لا أن بطلان الإجارة مستند الى تعذر التسليم برجوعه إلى شرطية القدرة على التسليم كما عن بعض أجلة السادة «طاب ثراه»، و ذلك لأن مقسم القدرة و العجز هو تسليم الملك، و حيث لا ملك فلا موضوع للتسليم حتى يوصف بالقدرة عليه تارة و العجز عنه اخرى.
و أما إذا تلفت العين بعد انتهاء مدة الإجارة و قبل قبضها، فربما يتوهم كما عن البعض المتقدم ذكره «رحمه اللّه» أنه مورد الحكم بانفساخ الإجارة، فإن أريد أنه بعنوان التلف قبل القبض فهو عجيب، إذ لا مملوك للمستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة حتى ينفسخ العقد و يعود إلى المؤجر و يعود ما بإزائه إلى المستأجر، و إن أريد رجوع ما مضى من المنفعة غير المقبوضة التي لم يعرضها التلف و لو لم يستوفها المستأجر فلا موجب له شرعا و لا عقلا، و مجرد عدم قبض المنفعة المملوكة لا يوجب الانفساخ.
فشرط الاندراج تحت عنوان التلف قبل القبض أمران: أحدهما ثبوت منفعة مملوكة، و الآخر عروض التلف، و لا ملك بعد انتهاء المدة و إن عرض التلف، و لا تلف بالإضافة الى ما لم يقبضه و إن كان مملوكا. هذا كله في المنفعة الموقتة بوقت خاص.
و أما إذا كانت منفعة العين الخارجية غير موقتة، و لوحظت بنحو الكلي في المعين لعدم صحة غيره من الفروض المتصورة. فنقول: إذا كانت منفعة الدابة في يوم من الأسبوع مملوكة بالإجارة، فإن فرض تلفها بعد العقد فلا مملوك قبضها أم لم يقبضها. و إن تلفت بعد مضي يوم من الأسبوع، فحيث إن الكلي في المعين يتعين قهرا بتلف ما عدا فرد منه فلا محالة يكون المملوك هو الفرد غير التالف قبضه أم لم يقبضه، فمضي مقدار يمكن فيه الاستيفاء لا يوجب الاندراج تحت قاعدة التلف قبل القبض، فالأمر يدور بين عدم الملك و عدم القبض و بين الملك و القبض و عدم عروض التلف على المملوك، فالتلف و الملك لا يجتمعان حتى يتصور انقسام التلف الى ما قبل القبض و ما بعده. فتدبره جيدا فإنه حقيق به.
فهل يأتي حديث التلف قبل القبض بتلف الفرد، من حيث انفساخ عقد الإجارة أو من حيث انفساخ الوفاء كما في الجواهر (1)أو لا يأتي بكلا الاعتبارين هنا و إن قلنا بأحد الأمرين في البيع، و حيث عرفت إن التالف لم يكن مملوكا من الأول تعرف أن الفرد التالف كما لم يمكن أن يكون مملوكا بعقد الإجارة حتى ينفسخ العقد تارة و لا ينفسخ اخرى كذلك الفرد حيث لم يكن مملوكا من الأول لم يعقل انطباق الكلي المملوك بعقد الإجارة على المنفعة التي لا بعقل وجودها في ظرف استيفائها، فلا انفساخ لا في العقد و لا في الوفاء.
نعم هذا النزاع يجري في البيع، بدعوى تشخص كلي المبيع بفرده و استقرار
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 279.
البيع عليه، فينفسخ إذا تلف قبل قبضه، أو دعوى استحالة انقلاب البيع عما هو عليه بخروجه عن التعلق بالكلي إلى التعلق بفرده، فلا انفساخ إلا بالإضافة إلى الوفاء. و قد قدمنا شطرا من الكلام بما يناسب هذا المقام في ما إذا تبين عيب في الفرد في أوائل كتاب الإجارة فراجع. و عليه فالمنفعة الكلية باقية في الذمة، لعدم انطباقها على شيء حيث لا شيء، فلا انفساخ لا في العقد و لا في الوفاء. فتدبر جيدا.
مما ذكر في الشرائع استطرادا بمناسبة اكتراء الدابة، أنه لو سار عليها زيادة على العادة أو ضربها كذلك أو كبحها بجذب لجامها الى نفسه ضمن (1)، و هذا مما لا اشكال فيه. إنما الكلام في التلف كلا أو جزء المتعقب لما هو المعتاد من السير و الضرب و الجذب فهل يضمن أو لا؟ المحكي عن جماعة من الأعلام عدم الضمان، لاقتضاء العقد تلك الأمور الجارية على العادة، و لتوقف استيفاء المنفعة عليها.
أقول: ما يلحق استيفاء المنفعة من المضار على قسمين: (أحدهما) ما يستتبعه استيفاء المنفعة كهزال الدابة بالسير عليها أو الجرح اللاحق على ظهرها و نحوها.
و (ثانيهما) ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة كالضرب للمشي و نحوه.
أما ما كان من قبيل الأول فحيث إنه من لوازم استيفاء المنفعة عادة، فهو مما يستحقه المستأجر بعين استحقاق استيفاء المنفعة و إلا لم تكن الإجارة مشروعة، و لا يعقل ضمان ما يستحقه كما لا يعقل أن يكون الإنسان ضامنا لنفسه، و جعل مثله من مقتضيات العقد لا مانع منه، فإنه على حد استحقاق المنفعة بالإجارة، و كما أن استيفاء المنفعة غير منوط بإذن صاحب الدابة فإنها مما يستحقه المستأجر كذلك ما يستتبعه عادة لا ينوط باذنه بعين ذلك الوجه. و أما ما كان من قبيل الثاني فلا معنى لجعله من مقتضيات العقد، إذ لا مقتضى له إلا ملك المنفعة
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الرّابع.
بالمطابقة و السلطنة على استيفاء ماله بالالتزام.
و أما توقف استيفاء المنفعة المملوكة على إتلاف مال الغير فلا يكون بنفسه رافعا للضمان الثابت بثبوت مقتضيه إلا بإبداء مانع عن تأثير الإتلاف، و لذا قلنا سابقا إن توقف استيفاء المنفعة على الاستيلاء على العين بمجرده لا يرفع الضمان الثابت بوضع اليد على مال الغير، بل لا بدّ من تأمين من المالك، إما بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم، و التمكين من الاستيفاء هو اللازم على المؤجر لا التأمين بأحد الوجهين. و توهم أن الاذن في استيفاء المنفعة إذن فيما يتوقف عليه فاسد، لأن استيفاء المستأجر لما يملكه غير منوط بإذن المؤجر حتى يكون الاذن فيه إذنا فيما يتوقف عليه، و جوازه شرعا و إن استلزم جواز ما يتوقف عليه إلا أنه بما له من الحكم لا أنه امانة شرعية أو اذن من الشارع في إتلاف مال الغير مجانا، فلا بدّ من التشبث بما ذكرناه في المباحث السابقة من أن إقدام المؤجر بطبعه و رضاه على الإجارة المتوقفة على إثبات اليد على العين تسليط منه على العين برضاه، و هي الأمانة بالمعنى الأعم كما مرّ توضيحه، فكذا هنا إقدامه ابتداء بطبعه و رضاه على الإجارة المتوقفة من حيث استيفاء المنفعة بها على الضرب العادي مثلا رضي منه بالإتلاف العادي، و بقية الكلام فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في أحكام الإجارة مفصلا فانتظر.
من أحكام المنفعة من حيث شرطية معلوميها ما ذكره في الشرائع من أنه يجوز استيجار المرأة للرضاع مدة معينة بإذن زوجها (1)، و قد اضطربت كلمات الأصحاب فيه و في أمثاله كإجارة الفحل للضراب و الحمام للاستحمام و البئر للاستقاء و الشاة للبنها و الشجرة لثمرها الى غير ذلك، و وجه التعرض لها أن حقيقة الإجارة تقتضي ملك المنفعة لا ملك الأعيان كاللبن في المرضعة و الشاة و الماء في الحمام و البئر و هكذا. فان كانت هذه الأعيان مملوكة بعقد الإجارة فهي خلاف مقتضاها و إلا فما المملك لها، إذ المفروض أنه لا سبب إلا
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط الرّابع.
الإجارة. فنقول:
أما من يجعل الإجارة تمليك عين في مدة مخصوصة في جهة خاصة فلعله يرى اندفاع الاشكال بذلك و ليس كذلك، فإنه لو تمّ فإنما يتم فيما كانت هناك عين مملوكة هي مورد عقد الإجارة، فلا يعمّ الأعمال التي تتعقبها عين كالإرضاع و الاستحمام و نحوهما، مع فساد المبنى كما مرّ مرارا، كما أن ما سلكه شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» من أن حقيقة الإجارة جعل العين في الكراء و جعل نفسه بالأجرة، و أن ملك المنفعة لازم غالبي لها فلا مانع من تأثيرها في ملك العين فقد عرفت في أول باب الإجارة أن الأجرة و الكراء حيث إنهما يقعان بإزاء العمل و المنفعة لا بإزاء العين على عكس الثمن حيث يقع بإزاء العين لا غير فمرجع جعل الدابة في الكراء إلى جعل ركوبها في قبال الكراء و جعل نفسه بالأجرة إلى جعل عمله في قبالها.
و هكذا دعوى أن مسيس الحاجة الى هذه الأمور أوجب شرعية الإجارة فيها، فإنها مدفوعة بأن مسيس الحاجة يسوغ تشريع المعاملة عليها لا أنه يحقق حقيقة الإجارة المتقومة بجعل الأجرة بإزاء المنفعة و العمل، فان هذه الحقيقة لا تكاد تتحقق بالتعبد. و منه تبين أن دعوى الإجماع على الصحة في بعضها لا تجدي، فإن ما ليس من حقيقة الإجارة في شيء لا يكون إجارة بالإجماع أو بدليل آخر تعبدي، بل غاية ما يقتضيه التعبد صحة المعاملة و المعاوضة و إن خرجت عن حدود البيع و الإجارة و هكذا ما عن غير واحد من أن المنفعة أمر عرفي و ربما يكون بعض الأعيان منفعة عرفا لعين اخرى كاللبن للمرأة و للشاة و الثمرة للشجرة و الماء للحمام و البئر، فإنه لو صحت هذه الدعوى لصح تمليك المنفعة ابتداء كما يصح تمليك سكنى الدار، و لا أظن أن يلتزم أحد بصحة تمليك لبن المرأة أو الشاة إجارة و لا تمليك ماء البئر و الحمام ابتداء بعنوان الإجارة. فيعلم منه أن المنفعة في قبال العين مطلقا، و يشترط في تمليك هذه الأعيان ما يشترط في غيرها.
إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن العمل و المنفعة على ثلاثة أقسام: (أحدها) أن الاستيفاء يستتبع تلف العين كالاستحمام في ماء الحمام بالدخول و الخروج
و كالإرضاع أو الرضاع بدخول اللبن في معدة الصبي و كالضراب بدخول النطفة في رحم الدابة. (ثانيها) أن الاستيفاء يستتبع وجود عين كالاستقاء من البئر و حلب الشاة و إخراج لبنها و اقتطاف الثمرة من الشجرة. (ثالثها) ما يتوقف الاستيفاء على وجوده كالخياطة على الخيط و الكتابة على المداد و الصباغة على الصبغ أي ما يصبغ به من الألوان و نحوها، و لا منافاة لحقيقة الإجارة مع شيء من هذه الأقسام.
أما القسم الثالث: فالمستأجر عليه هو الفعل، و لزوم البذل من العامل بنحو الاشتراط الضمني إن كانت هناك عادة متبعة و إلا فلا بد من اشتراط صحيح، و مع عدمهما فهو على المستأجر، فلم تلزم ملكية العين بنفس عقد الإجارة.
و أما القسم الأول: فما هو مناف لحقيقة الإجارة اقتضاؤها لملك العين لا اقتضاؤها لعدم تلف العين كما مرّ في المبحث المتقدم أن استيفاء المنفعة من الدار بسكناها يستتبع تلف مقدار منها بالمشي و الصعود و النزول، و الانتفاع بركوب الدابة ربما يوجب هزالها أو جرح ظهرها و نحوه، و هذه اللوازم مسوغة و مستحق عليها بعين تشريع الإجارة و استحقاق استيفاء المنفعة و ليس في شيء منها عنوان ملك العين لينافي عنوان ملك المنفعة الذي هو تمام حقيقة الإجارة.
و أما القسم الثاني: فإنما يشكل به المقام إذا كانت تلك الأعيان الموجودة مملوكة بنفس عقد الإجارة لا باستلزام ملك المنفعة لملك العين، فكما أن البيع حقيقته تمليك العين و ملك العين يستلزم حقيقة ملك منفعتها و لم يتوهم أحد أن هذا الاستلزام مناف لحقيقة البيع كذلك إذا استلزم ملك المنفعة ملك العين ينبغي أن لا يكون موهما لمنافاته لحقيقة الإجارة، و من قال من الأعلام بالتبعية يريد بها هذا المعنى من الاستلزام لا التبعية في الغرض ليناقش فيها بأن الغرض الأصيل ربما يكون في العين لا في العمل مثلا، و هذا المعنى هو التحقيق الحقيق بالقبول. إلا أنه متفرع على تحقق عمل أو منفعة مملوكين حتى يصح حديث الاستلزام و يرتفع الاشكال و الإبهام عن المقام.
فنقول: قد مرّ غير مرة أن منفعة العين هي الحيثية القائمة بها الموجودة فيها بنحو
وجود المقبول بوجود القابل. فمنفعة الدار ليست ما هو فعل الساكن فإنه من إعراضه لا من شئون الدار بل المضايف لفعل الساكن الذي يصير فعليا بفعلية ما هو قائم بالساكن، فحيثية كونها مسكنا في قبال ما ليس له هذه الحيثية هي منفعتها و باستيفاء الساكن تخرج من القوة إلى الفعل، و كذا حيثية كون الدابة مركبا و بركوب الراكب تصير فعلية هي منفعة الدابة لا فعل الراكب، و عليه ففي بعض هذه الموارد يتصور مثل هذه الحيثية لتصير مملوكة و يكون ملكها مستلزما لملك العين، كالبئر، فإن منفعتها كونها مستقى و بالاستقاء تصير هذه الحيثية فعلية و تستلزم خروج عين هي مملوكة بملك تلك الحيثية التي للمستأجر إخراجها من القوة إلى الفعل، و كالشاة، فإنها محلب و لها هذه الحيثية في قبال غير الحلوب و بمضايفها و هو حلب الحالب تصير فعلية و يتبعها خروج اللبن، بخلاف الشجرة بالنسبة إلى ثمرتها و لو كانت غير موجودة، فإن الشجرة و إن كانت قابلة للاثمار إلا أن هذه القابلية غير استيفائية حتى تكون من المنافع التي يمكن استيفاؤها، بل هذا الموجود بالقوة يصير فعليا لا بالاستيفاء، و ليس بعده إلا أخذ الثمرة من الشجرة، فليس هناك منفعة استيفائية قابلة للملكية حتى يستتبع استيفاؤها عينا مملوكة بالاستلزام، و هكذا اجارة الشجرة لفروعها و أوراقها، و اجارة المملحة لملحها، فان كل ذلك ليس له منفعة استيفائية بل ليس فيه إلا تناول العين منه ابتداء، و إلا فبعد فرض منفعة استيفائية لا يضر تعقبها بوجود العين، فإنها قابلة للملكية بالاستلزام لا بعقد الإجارة.
أن المرضعة إذا كانت مزوجة و كان الإرضاع بإذن زوجها فلا اشكال، و إن لم يكن باذنه ففيه قولان معروفان:
(أحدهما) بطلان الإجارة مطلقا.
(ثانيهما) صحتها إذا لم يكن الإرضاع منافيا لحق الاستمتاع، و احتمل الصحة بعض الأواخر و لو مع منع الزوج.
و توضيح القول في ذلك: ان المانع من الإيجار عندهم بعد بطلان القول بأن
اللبن مملوك للزوج أو أن جميع منافعها مملوكة له ليس إلا منافاة استحقاق الاستمتاع لاستحقاق الإرضاع، و مع سبق ثبوت الأول بعقد النكاح لا مجال لثبوت الثاني بعقد الإجارة، و هذا إنما يتم إذا كان الزوج مستحقا عليها الاستمتاع في جميع الأوقات بنحو الاستغراق حتى يكون ما نحن فيه نظير الأجير الخاص، فإنه بعد تمليك الخياطة في تمام اليوم لا يملك الكتابة فيه أولا سلطنة له على تمليكها على التفصيل المتقدم في الأجير الخاص.
و أما إذا لم يستحق الزوج الاستمتاع المستغرق لجميع أوقاتها بالضرورة فلا محالة يكون الاستمتاع الذي يملكه الزوج بأحد وجوه: إما الاستمتاع في زمان معين أو الاستمتاع في أحد الأزمنة لا معينا أو الاستمتاع في وقت يشاء الزوج، إما بنحو الواجب المعلق أو بنحو الواجب المشروط أو الاستمتاع في أوقاتها بنحو الكلي في المعين غاية الأمر أن ولاية التعيين بيد الزوج، و ما عدا الأخير باطل.
(أما الأول) فلعدم المعين شرعا و عرفا.
(و أما الثاني) فلاستحالة ملك المردد عقلا كما مرّ مرارا.
(و أما الثالث) فلثبوت استحقاق الاستمتاع للزوج شاء أو لم يشأ، فلا الاستحقاق يتوقف على المشية و لا ما يستحقه متقيد بالمشية، بل الزوج إنما يشاء ما يستحقه و إذا انحصر الأمر في الوجه الرابع تندفع المنافاة بين الاستحقاقين، لأن استحقاق أحد لكلي في المعين و استحقاق الآخر لكلي آخر في المعين يجتمعان، كما في تمليك صاع من الصبرة لزيد و تمليك صاع آخر منها لعمرو، فاذا فرض أن استحقاق المستأجر على نهج استحقاق الزوج لم يكن بينهما تمانع، و إنما التمانع المتوهم يأتي من ناحية ولاية كل واحد منهما على التعيين، فالاستحقاق المستتبع للولاية لا يجامع الاستحقاق المستتبع للولاية، و هذا أيضا مدفوع بأن الولايتين بما هما ولايتان على التعيين أيضا غير متمانعتين، ضرورة أن الولاية ليست إلا السلطنة و القدرة على تعيين ما يستحقه في فرد، و قدرة شخص على فعل في زمان مع قدرة الآخر على مثله أو ضده يجتمعان. إلا أن الضدين حيث لا يجتمعان في زمان واحد،
فالتعيين من أحدهما كما لا يجامع التعيين من الآخر كذلك لا يجامع القدرة منه على إيجاد ضده في ذلك الزمان، و مقتضاه بطلان الإجارة في مورد التعيين للاستمتاع فقط لا مطلقا، أي بمجرد استحقاقه للاستمتاع أو مع ولايته على التعيين، و كذلك مقتضاه بطلان الإجارة على الإرضاع في زمان معين، فإنها لا تجتمع مع ولاية الزوج على التعيين في هذا الزمان. إلا أن التحقيق أن مجرد منافاة الولاية على التعيين مع التعيين لا يوجب خللا في شرط من شرائط صحة الإجارة و نفوذها حتى يجدي هنا.
توضيحه: أنه مع تعيين الزوج لما يستحقه من الاستمتاع الكلي في زمان خاص يستقر ملكه على المعين، و حينئذ فاستحقاق المستأجر للإرضاع في هذا الزمان الخاص مرجعه إلى ملكية الضد لما يملكه الزوج، و كما لا يعقل ملكية الضدين لا يعقل اجتماع ملكيتين متضادتين و لو لشخصين، و أما إن كان استحقاق المستأجر للإرضاع بنحو الكلي في المعين مع ولايته على التعيين فالزوجة لا تقدر على تمليك ضد ما يملكه الزوج كما ليس لها القدرة على تعيين ما تملكه في ضده، فلا تقدر على إعطاء الولاية على التعيين للمستأجر، فالمملوك للمستأجر حيث إنه كلي ليس ضدا لما يملكه الزوج إلا أنه لا تقدر الزوجة على تسليمه في هذا الزمان كما لا يقدر المستأجر على تسلمه و تسليم الكلي بتسليم فرده الذي يتعين فيه، فالإجارة باطلة تارة من ناحية اجتماع الملكيتين المتضادتين، و اخرى من ناحية عدم القدرة على التسليم و التسلم، و هذه غاية تقريب بطلان الإجارة سواء كانت معينة من حيث الزمان أم كانت غير معينة بل كانت بنحو الكلي في المعين من حيث وجوداته الزمانية.
و يندفع هذا التقريب بأن الكلي في المعين لا يتعين بصيرورته فردا إلا بوجوده خارجا، فلا وجود له بنحو التعين إلا إذا وجد الاستمتاع في الخارج، و معه لا شبهة في أنه لا يتحقق الإرضاع في الخارج في زمان تحقق الاستمتاع، و أما مجرد مطالبة الزوج بالاستمتاع فلا يوجب خروج الكلي عن الكلية إلى التفرد و الشخصية حتى يستحيل ملك ضده، و عليه كما لا يلزم اجتماع ملكيتين متضادتين بمجرد المطالبة كذلك لا يلزم سلب القدرة على تسليم كلي الإرضاع بتسليم فرده، لعدم رجوعه الى
ملكين متضادين باستقرار ملك الكلي على فرده.
و أما تخيل كفاية استحقاق المطالبة و وجوب التمكين لحرمة الإرضاع أو لحرمة التطبيق، و لازمه اختلال الشرط في الأول و هي إباحة المنفعة و اختلال شرط آخر في الثاني و هو عدم القدرة شرعا على تسليم الكلي بتسليم فرده المحرم، و ما يمتنع شرعا كالممتنع عقلا- فمدفوع بأن حرمة الإرضاع لوجوب التمكين مبنية على مقدمية فعل الضد لترك الضد، و هي ممنوعة كما حقق في محله، و على فرض الحرمة المقدمية فكون إباحة المنفعة شرطا غير مناف لها كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في محلّه، و منه يعلم أنّه حيث لا حرمة فلا تكون القدرة على الإرضاع مسلوبة، و على فرض الحرمة شرعا لا دليل على اعتبار القدرة بعنوانها، بل المعتبر إحراز إمكان الوصول خارجا لئلا يقع في الغرر و الخطر، و إمكان الإرضاع خارجا و لو مع إثمها في ترك التمكين ممّا لا شبهة فيه. و من جميع ما ذكرنا تبيّن أنّ إجارة نفسها للإرضاع مع تعيين الزّمان و لا معه لا مانع من صحّتها و لو مع تعيين الزوج للاستمتاع في ذلك الزّمان بل مع المنع عنه، إذ الموانع المتوهّمة إمّا غير متحققة أو لا مانعيّة لها فتدبّر جيّدا.
فان قلت: لا نسلم أن تعيين الكلي في المعين لا يكون إلا بإيجاد فرده خارجا، بل إذا كان للزوج الولاية على تعيينه في فرد من الأفراد المقدرة الوجود كفى في التعين، كما إذا كان من الأول مالكا للمنفعة المتعينة من حيث الزمان، فإن المملوك هو الفرد المقدر الوجود، و استيفاؤه بإخراجه من حد الفرض و التقدير إلى الفعلية و التحقيق، و عليه فيلزم اجتماع ملكين متضادين إذا كان زمان الإجارة معينا.
قلت: بعد فرض تعلق الملك بالكلي في المعين لا بد في تعلقه بالفرد المقدر الوجود، إما من قلبه من متعلقة الى متعلق آخر، و هو محال، و إما من إزالة ملك الكلي و إحداث ملك بالنسبة إلى الفرد المقدر الوجود، و هو خلاف الواقع، إذ لا ولاية للزوج على إزالة استحقاقه الثابت له شرعا و إحداث ملك من تلقاء نفسه، و إنما الثابت له السلطنة على الاستمتاع في زمان يختاره لكونه مالكا للاستمتاع
الكلي، فلا يتعين ذلك الكلبي بفرده إلا بإيجاد فرده خارجا. و مما ذكرنا تبين عدم صحة قياس ما نحن فيه بملك الفرد المقدر الوجود ابتداء، فإنه ليس فيه محذور الانقلاب، و لا محذور الإزالة و الأحداث. فتدبره فإنه حقيق به. و مع هذا كله حيث إن المشهور على البطلان إما مطلقا أو فيما ينافي فالأحوط ترك الإجارة في المنافي بغير إذن الزوج، و اللّه أعلم.
فاتفق عود الزوج و زوال المرض، و طالبها بالاستمتاع في الزمان المعين للإجارة. فهل تنفسخ الإجارة لمصادفتها في الواقع للمانع فهي باطلة واقعا، و هو المراد بالانفساخ في كلامهم؟ أو تبقى الإجارة على صحتها و يجب عليها تقديم حق الزوج على حق المستأجر، و حينئذ فهي تفسخ الإجارة، كما هو ظاهر عبارة الجواهر؟ أو للمستأجر حق الفسخ لتعذر التسليم؟ أما الانفساخ أي البطلان فمبني على أن المانع منافاة استحقاق الزوج لاستحقاق المستأجر، و أنه لا يمكنها تمليك ضد ما ملكه الزوج، و أما إذا كان عدم قدرة المرضعة على التسليم مانعا، فحيث ان الوجه في اعتباره رفع الغرر فمع الوثوق بإمكان الحصول تصح الإجارة، و المفروض هنا ذلك.
و أما بعد فرض صحة الإجارة فالمسألة داخلة في تزاحم الحقين، و مجرد سبق حق الزوج زمانا لا يوجب التقديم، بل لا بدّ من الأهمية كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة، إلا أن تقديم حق الزوج في كلماتهم كالمسلّمات بينهم، و أما حديث فسخ الزوجة فلا موجب له، حيث لا ضرر عليها في بقاء الإجارة على حالها حتى من حيث الضرر الأخروي، لفرض وجوب تقديم حق الزوج شرعا، بل لو قلنا بتساوي الحقين أيضا لا ضرر لفرض التخيير، و لذا أظن أن عبارة الجواهر مصحفة و أنه تنفسخ الإجارة لا أنه تفسخ الإجارة و أما حديث فسخ المستأجر لتعذر التسليم ففيه أنه يمتنع حصوله بعد فرض تقديم حق الزوج، و لا ضرر هنا بحيث ينجبر بالخيار لأن الضرر إن كان فوات الغرض المعاملي فهو لا يحصل بالفسخ، و إن كان ضرر
الصبر الى أن يتيسر كما في تعذر المبيع الشخصي فهو على الفرض ممتنع الحصول لا أنه ممكن التحصيل بالصبر، بل بانقضاء المدة يستحيل حصول المنفعة الموقتة. و إن كان بلحاظ ذهاب الأجرة هدرا فالمفروض أنه ملك المنفعة في قبالها و الآن على حاله على الفرض، و حيث إنها فوتت المنفعة على المستأجر بتقديم حق الزوج فهي ضامنة لمالية المنفعة للمستأجر. فإن جواز الإتلاف بل وجوبه لا ينافي الضمان، و لا ضرر عليها لفرض بقاء الأجرة المسماة على ملكها، فمقتضى القواعد عدم الخيار لا للزوجة و لا للمستأجر.
و الكلام تارة في بطلانها إذا كانت الإجارة في مدة خاصة و طالبها الزوج فيها بالاستمتاع، و اخرى في تقديم حق الزوج فيما إذا كانت الإجارة مطلقة و طالبها المستأجر بالإرضاع:
و أما الأول: فقد تقدم الكلام فيه في أوائل كتاب الإجارة و بيّنا هناك أن الشخص مالك لمنفعة الدار أو منافعه ملكية مرسلة أبدية غير مرهونة بمجيء زمان استيفاء المنفعة. و قبل النكاح لم تكن في عرض هذه السلطنة سلطنة للزوج و لا لغيره على ضد مالها السلطنة عليه. فحال الزوجة حال الدار المنتقلة بالشراء مسلوبة المنفعة في مدة خاصة، فليس للزوج حينئذ سلطنة على الاستمتاع حتى تبطل الإجارة.
و أما الثاني: فحيث إن استحقاق المستأجر غير مختص بهذه المدة الخاصة فلا مانع من استحقاق الزوج بمطالبة الاستمتاع، و حيث إن استحقاق الزوج أيضا بنحو الكلي في المعين كاستحقاق المستأجر فلا مانع من نفوذ الإجارة المطلقة المستدعية لاستحقاق المطالبة للمستأجر، فهناك استحقاقان ثابتان بسببين صحيحين فيتزاحمان، فان قلنا بتقديم حق الزوج لمكان السبق الزماني في المسألة المتقدمة كان السبق الزماني هنا للمستأجر، فيجب تقديم حق المستأجر هنا. و إن قلنا بأن التقديم لمكان الأهمية فلا تفاوت في أهمية حق الزوج بين سبقه و لحوقه فيجب تقديم حقه. و حيث إن السبق الزماني لا أثر له في المسألتين، و لم تثبت أهمية
في البين فلها التخيير، و إن كان نسب تقديم حق المستأجر هنا الى ظاهر الأصحاب، فيعلم منه أن ملاك التقديم سبق الحق زمانا. و لذا قالوا بتقديم حق الزوج في المسألة السابقة، و حيث إن السبق لا أثر له تعلم قوّة القول بالتخيير في المسألتين و اللّه أعلم.
فتارة تكون الإجارة متعينة بتعين مباشرة الأجيرة للإرضاع و من حيث شخصية الطفل، و اخرى تكون الإجارة مطلقة من حيث المباشرة و التسبيب و كون الطفل كليا فهنا مقامان:
فنقول: أما موت المرضعة فهو موجب لانكشاف بطلان الإجارة واقعا، حيث لا منفعة بعدم ما له المنفعة في ظرف الإجارة فلا شيء حتّى تملك أو تملك، كما تقدم في التلف قبل القبض، و قد مر أنه لا معنى لانفساخ الإجارة هنا إلا بطلانها من الأول، لا الانفساخ بعد الانعقاد كما هو ظاهر المشهور. و أما موت الطفل فهو في بادي النظر من باب تعذر تسلم المنفعة و استيفائها و هو لا يوجب البطلان، لفرض إحراز إمكان الحصول حال العقد، و عدم شرطية القدرة الواقعية ليقال بعدمها بعدم القادر. إلا أنه بحسب دقيق النظر كالأول لأنه مع تعين المستوفي للمنفعة تكون الحيثية القائمة بالمرضعة حصة خاصة من طبيعي إرضاعها و المتضايفان متكافئان، فمع عدم المضايف القائم بشخص الطفل لا ثبوت واقعا لمضايفها القائم بالمرضعة، فلا حصة حتّى تملك أو تملك. و إن كانت المرضعة مالكة لسائر الحصص أو لطبيعي الإرضاع الذي لا يقبل التحصص بهذه الحصة. فتدبره فإنه حقيق به.
فمع موت المرضعة هل تبطل الإجارة؟ أو هي صحيحة و تؤخذ من تركتها القيمة، كما هو ظاهر العلامة «قدّس سرّه» في قواعده (1)؟ أو يطالب الوصي أو الوارث بالعمل؟ و لا موجب
1) قواعد الأحكام: ج 1، ص 229.
لتوهم البطلان إلا على القول ببطلان الإجارة بموت المؤجر و أن المنافع بعد الموت غير مملوكة له، و كذا الأعمال و لو بنحو الكلي لا تملكها مع مصادفتها لزمان موتها، و قد أجبنا عنه مرارا فراجع، أو على القول بأنه كالتلف قبل القبض كما عن بعض العامة في الكلي المسلم فيه إذا تعذر عند حلول الأجل. و قد حقق في محله أن الكلي بما هو لا تعذر له و لا تلف، بل حيث إن المفروض أن الإرضاع الذي اشتغلت به ذمة المرضعة أعم من المباشري و التسبيبي فهذا الوجه إنما يتم توهمه إذا تعذر الفردان لا خصوص المباشري.
و أما ما عن العلامة «رحمه اللّه» من أخد القيمة من تركة المرضعة كما في غيره من الديون المتعلقة بالتركة (1)فهو أيضا غير وجيه، لأن كونه دينا و متعلقا بالتركة غير مناف لتعين الإرضاع بالاستئجار، لأن هذا الدين لم يتمحض في المالية حتى يكون أداؤه بأداء القيمة، بل دين خاص. و الخصوصية ممكنة التحصيل فيجب على ولي أمرها الاستيجار و تعطى الأجرة من تركتها. و في القواعد الفرق بين موت المرضعة و مرضها فأوجب الاستيجار في الثاني دون الأول (2)و لا وجه له إلا توهم اقتضاء تعلقه بالتركة دفع القيمة كما عرفت.
نعم إذا قيل بتعلق الدين بالتركة على حد تعلق إرث الزوجة من الأبنية باستحقاق الزوجة للمالية القائمة بالتركة فلا محالة يستحق المستأجر مالية العمل في التركة، و لا يعقل استحقاق العمل في التركة. و لا أظن به «قدّس سرّه» أن يسلك هذا المسلك في الديون المتعلقة بالتركة، و إذا تعذرت مرضعة أخرى فتارة يكون المتعذر موقتا، و اخرى بالمرة و بالكلّية في مدة الإجارة، فإن كان من قبيل الأول قيل بخيار تعذر التسليم، لأن الصبر عليه الى أن تتيسر مرضعة أخرى ضرر عليه.
و يندفع بأن مورد العقد ليس شخصيا حتّى يكون لزومه مع تعذره الفعلي ضررا ليرتفع لزومه، بل مورد العقد كلي الإرضاع و هو ليس بضرري، لأن الكلي بما هو غير
متعذر حتّى يرتفع لزومه، و ضررية الصبر على تطبيقه على فرده تندفع بمطالبة المالية فله مطالبة المالية و إسقاط خصوصية العمل و له الصبر الى أن يتيسر حصول الخصوصية، و المفروض إحراز القدرة على التسليم حال العقد أيضا، و لا يقاس ما نحن فيه بتعذر الكلي المسلم فيه حال حلوله لمكان النص المختص به الدال على الخيار، لا أنه بحسب القاعدة و باقتضاء ضررية لزوم العقد.
نعم في تعذر الشخص لا يندفع الضرر إلا بالخيار، لأن نفس ماله متعذر و ليس ماله ذميا حتّى تكون له مطالبة المالية و إسقاط الخصوصية، و إن كان من قبيل الثاني ففي الجواهر الحكم بانفساخ العقد (1). و لعل وجهه أن الكلي منحصر في الفردين المباشري و التسبيبي، و المفروض امتناع الأول بالموت و امتناع الثاني بفرض تعذره في مدة الإجارة بالمرة فتكون هذه الإجارة كالمتعينة من حيث الحكم بالبطلان.
و يندفع بأنه في المعين لا طرف لإضافة الملكية في الواقع فيستحيل التمليك و التملّك بخلاف المطلق، فان طرف الإضافة هو الكلي الذمي و موطن ثبوته الذمة، و تعذر فرده في الخارج يوجب امتناع تسليمه بتسليم فرده فاذا كان الشرط هي القدرة الواقعية صح الحكم ببطلان العقد لفقدان شرطه، و أما إذا كان الشرط هو إحرازها حال العقد، و هو القابل لأن يكون ملاكه رفع الغرر و الخطر فالمفروض أنه محرز فلا موجب لبطلان الإجارة لا من حيث عدم الطرف و لا من حيث فقد الشرط و عليه فتصح الإجارة، و حيث لا يمكن تحصيل الخصوصية فللمستأجر مطالبة المالية لسقوط الخصوصية بتعذرها بالكلية، و أما الخيار للمستأجر فقد مرّ أنه لا موقع له خصوصا هنا حيث لا معنى لأن يكون الخيار لجبر ضرر الصبر حيث لا معنى للصبر هنا مع التعذر المطلق. فتدبره جيدا.
في الشرائع و غيره يجوز استيجار الأرض لتعمل مسجدا (2)،
و في قواعد العلامة «رحمه اللّه» يجوز استيجار الدار لتعمل مسجدا يصلى فيه (1)، و إنما تعرضوا له بالخصوص ردا على أبي حنيفة، حيث منع عنه بدعوى أن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد اجارة بحال، فلا تجوز الإجارة لذلك.
أقول: الاستيجار تارة لأن يبني في الأرض مسجدا، فما يستحقه بالإجارة فعل البناء و إيجاده فيها، و الصلاة غاية لا أنه مملوك بعقد الإجارة حتّى يرد اعتراض أبي حنيفة، و اخرى لأن يصلي فيها الناس كما هو ظاهر الفرع، و يتعين فيه كلام العلامة «رحمه اللّه» من استيجار الدار كذلك، و عليه فالأرض أو الدار و إن كانت مورد الإجارة كما في إجارة الأعيان دائما إلا أن المملوك بعقد الإجارة هي المنفعة، و ما يتصور منها ليس إلا فعل الصلاة من الناس، و حينئذ فلازمه استحقاق فعل صلاة الناس فيه كما ذكره أبو حنيفة، و هذا غير مبني على ما نسب اليه من عدم صحة النيابة و الاستيجار لها و لو من الأموات كما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» في المقام، فإن المستأجر يملك النيابة عنه في الصلاة دون استحقاق فعل صلاة الناس لأنفسهم التي أمرها بيدهم، كما لا يقاس بالاستيجار لخياطة ثوب زيد، فإن الخياطة مملوكة للمستأجر من المؤجر و زيد أجنبي عنه لا يملك شيئا بخلاف ما نحن فيه، إذ لا مملوك بالإجارة إلا فعل صلاة الناس لأنفسهم مع أن أمرها بأيديهم.
و هذا الاشكال- بناء على ما اخترناه في حقيقة المنفعة و انها حيثية للعين موجودة بوجودها على حد وجود المقبول بوجود القابل- مندفع من أصله، فإن حيثية الدار مسكنيتها و قبولها لهذا المبدأ و هي المملوكة دون سكنى زيد أي ما هو عرض من إعراضه فكذا هنا، فإن الأرض أو الدار لهما هذه الحيثية و هي كونها مصلى لأحد، فاستيجار الأرض ليستحق به هذه الحيثية في قبال سائر الحيثيات لا يلزم منه استحقاق فعل الصلاة من الناس.
و أما على مسلك المشهور على ما يتراءى منهم من أن سكنى الساكن هي منفعة
1) قواعد الأحكام: ج 1، ص 233.
الأرض أو الدار، فقد اصلحناه بأن السكنى و إن كان عرضا للساكن و لا يملكه بما هو مالك الدار، لكن إيجاده في الدار ليس تحت اختياره و ليس زمام أمره بيده بل بيد صاحب الدار، فبالاجارة يملك إيجاد السكنى فيها، فكذا هنا، فان فعل الصلاة بما هي و إن لم يكن مملوكا لمالك الدار لكن أمر إيجادها في داره بيده، فالمستأجر يملك هذا المعنى، و لا فرق في هذا المعنى بين أن يستأجرها لأن يصلي فيها أو أن يصلي فيها الناس، فأمر فعل صلاة الناس بيدهم إلا أن إيجادها في الدار بيد المستأجر فعلا كالمؤجر قبلا.
و أما الإشكال- من حيث السفهية لعدم عود نفع إليه، لأن المنتفع بها هو المصلي لا المستأجر فبذل المال بإزاء ما يعود نفعه الى الغير سفه- فمندفع بأن الاستيجار لخياطة ثوب زيد أو لبناء داره أو لكنس المسجد كذلك، و يكفي في الخروج عن السفاهة عود نفع أخروي من هذا الاستيجار اليه و إن لم ينتفع بنفس العين المستأجرة.
بقي الكلام في أن هذه الأرض التي جعلت مسجدا هل تترتب عليها آثار المسجدية؟ أو هي نظير المصلى الذي يؤخذ في الدار بل عبر عنها بالمسجد في لسان الأخبار؟ و منشأ التردد كون المسجد الحقيقي لا بد من أن يكون وقفا، و العين مملوكة للغير و المنفعة لا توقف، مع لزوم التأييد في الوقف، و المنفعة الأبدية لا تملك بالإجارة، و كلا الأمرين مفقود في وقف الأراضي المفتوحة عنوة فإنها ملك المسلمين، و تبعية الأرض للآثار و زوالها بزوال الآثار، و إن حكي عن المقدس الأردبيلي «رحمه اللّه» صحة جعل الأرض المستأجرة مسجدا حقيقيا (1)، لعدم الملازمة عنده بين المسجدية و الوقفية. و تمام الكلام في محله.
و خالف فيه صريحا ابن إدريس، و تردد فيه جماعة آخرون. و عمدة الإشكال فيه و في أمثاله
1) مجمع الفائدة و البرهان: ص 3.
كاستيجار التفاح للسلم و الطعام لتزيين المجلس و الشمع لذلك من وجهين:
(أحدهما) من حيث عدم المنفعة. (و ثانيهما) من حيث عدم المالية، و بلحاظ الاولى قيل بالمنع لعدم صحة وقفهما فيكشف عن عدم المنفعة، و بلحاظ الثانية قيل بالمنع لعدم ضمان منفعتهما بغصبهما فيكشف عن عدم مالية منفعتهما.
أما الإشكال الأول فدفعه يتوقف على مقدمة: هي أن المنافع عندهم على قسمين مقصودة و غير مقصودة، و المراد بالأولى هي المنافع المترقبة من الأعيان، كل عين بحسبها، فمنفعة الدار سكناها و منفعة الدابة ركوبها فان هذه المنفعة هي المقصودة عند العقلاء من شراء هذه الأعيان، و هي مصححة لمالية الأعيان بحيث لو لا تلك المنفعة المقصودة لم تكن العين ذات مالية.
و المراد بالثانية هي المنفعة الجزئية التي لا تناط مالية العين بوجودها كالشم في التفاح فان منفعته المقصودة عند العقلاء أكله لا شمه، و منفعة الخبز أكله لا التزين به، و منفعة النقود صرفها في التكسب لا التزين بها، و رب منفعة تكون بالإضافة إلى عين مقصودة و الى عين اخرى غير مقصودة كالشم، فإنه من المنافع المقصودة بالإضافة إلى الأوراد المتمحضة في أخذها للاستشمام، و من المنافع غير المقصودة في التفاح و أشباهه من الفواكه التي لا يقصد بها إلا أكلها. و ما ذكره العلامة في قواعده بقوله «رحمه اللّه» من انتفاء قصد هذه المنافع (1)لعله هذا المعنى أي ليست من المنافع المقصودة عند العقلاء، لا أنه لم يقصدها المستأجر أو لم يعلم قصد المستأجر لها كما توهم من عبارته.
و حيث عرفت انقسام المنفعة إلى قسمين و أن مناط مالية العين هي المنفعة المترقبة من العين نوعا و أنها مناط مالية العين بحيث لولاها لما كانت العين مالا، تعرف أن دعوى عدم المنفعة إن كانت بمعنى عدم المنفعة رأسا فهو خلف و خلاف الواقع لفرض التزيين هنا و الشم في التفاح، و إن كانت بمعنى عدم المنفعة المقصودة
1) قواعد الأحكام: ج 1، ص 226.
المترقبة من العين فلا بدّ من بيان الملازمة بين عدم المنفعة المقصودة و عدم تحقق الإجارة، مع أنه لا معنى لها إلا تمليك المنفعة لا تمليك المنفعة المقصودة، فإنه بلا موجب لغة و عرفا و شرعا، فان عدم صلاحية المنفعة لجعل العين ما لا يؤثر في عدم صحة البيع، فان المفروض أن العين ليست مالا و البيع مبادلة مال بمال، لا في عدم صحة تمليك المنفعة التي لم تتقيد عرفا و شرعا بكونها مصححة لمالية العين، فإنه أجنبي عن حيثية قبولها للتمليك و عدم كونه منفعة مقصودة عند العقلاء لا ينافي تعلق غرض عقلائي بها يخرج المعاملة عن السفاهة، لما عرفت من أن المراد من المنفعة المقصودة هي المنفعة المترقبة من العين المصححة نوعا لمالية العين لا أن المنفعة الأخرى التي ليست هي مناط مالية العين غير عقلائية، و لذا ورد أن الأئمة سلام اللّه عليهم كانوا أحيانا يستقرضون إظهارا للغني (1)، بل ربما يبعثون به الى عمال الصدقات إظهارا لكونه زكاة أموالهم (2)، فهذا و أمثاله أغراض عقلائية تدعو الى بعض المعاملات من قرض أو إجارة.
و أما عدم صحة الوقف بلحاظ هذه المنافع غير المقصودة فهو غير مسلّم، بل السيرة العملية من صدر الإسلام إلى يومنا هذا على وقف بعض الأعيان لمجرد التزيين، فهذا ثوب الكعبة فإنه لمجرد التزيين لا أنه وقاية لها عن الحر و البرد، و هذه القناديل المصوغة من الذهب و الفضة المعلقة في المشاهد المشرفة ليست إلا للتزيين مع أن منافعها المترقبة منها هي الإسراج و الإضاءة.
و أما ما يقال- بالنقض بإجارة الحرّ و أم الولد مع أنه لا يصح وقفهما، فلا ملازمة بين الوقف و الإجارة- فهي غفلة عن وجه الاستدلال فإن الملازمة باعتبار وجود المنفعة و عدمها، فما لا منفعة فيه كما لا يجوز وقفه لا يجوز إجارته، لا دعوى الملازمة الكلية حتى ينتقض بالحرّ و أم الولد، و مما يؤيد ما ذكرناه من كفاية مطلق المنفعة في الإجارة كفاية مطلقها في العارية بلا خلاف ظاهرا، و لا فرق بين الإجارة
و العارية إلا أن الأولى ملك المنفعة و الثانية ملك الانتفاع مع الكلية المدعاة أن كل ما تصح إعارته تصح إجارته. هذا تمام الكلام في الاشكال من حيث المنفعة.
و أما الإشكال الثاني من حيث كون أمثال هذه المنافع غير المقصودة أموالا فتقريبه: أن المنافع المقصودة المترقبة من الأعيان كما أنها مصححة لمالية تلك الأعيان كذلك هي بنفسها أموال لفرض أنها مقصودة عند العقلاء، و لا نعني بالمالية التي هي من الاعتبارات العقلائية إلا كونها بحيث يميل إليها النوع و يرغب فيها العقلاء لا أنها على قسمين منجعلة و مجعولة باقتراح المتعاملين، فان الاعتبارات العقلائية لا معنى لإناطتها باعتبار شخص لمسيس حاجته الى بذل المال بإزائه، فهو نظير دعوى الشيخ الأجل الأنصاري «قدّس سرّه» من أن النقل تارة باعتبار الشارع أو العرف و اخرى بنظر الناقل، و عليه فالمنفعة غير المقصودة ليست ذات مالية و إن بذل بإزائها المال، فان مصحح البذل تارة مالية المبذول له و اخرى غرض تمس الحاجة الى تحصيله.
و حينئذ فدفع الاشكال منحصر فيما ذكرناه في طرف المنفعة من أن الإجارة حقيقتها لغة و عرفا و شرعا تمليك المنفعة من دون موجب لغة أو عرفا أو شرعا لكونها مقصودة و لكونها مالا، فان مصحح بذل الأجرة لا ينحصر في إقامة مال مقام مال كما يدعى في البيع بل ربما يكون المصحح للبذل تحصيل غرض عقلائي بالانتفاع بالعين بحيث لا يحصل إلا ببذل العوض، و لا ملازمة بين صحة الإجارة لهذا الغرض و ضمان ملك المنفعة حتى يستكشف من عدم ضمان مثل هذه المنفعة عدم المالية فيحكم بعدم صحة الإجارة، فإن الضمان عند حصول موجبه من يد و استيفاء و إتلاف و إن كان منوطا بمالية المضمون، فما لا مالية له لا ضمان له إلا أن ما لا ضمان له لعدم كونه مالا لا تصح إجارة مثله دعوى بلا بينة من لغة أو عرف أو شرع.
و المراد من الملازمة بين الضمان و المالية و عدمه و عدمها هي الملازمة مع تحقق موجبات الضمان من يد أو استيفاء أو إتلاف، فالنقض- بعمل الحر حيث
إنه مال و لا يضمن بالفوات إما لعدم إضافة المال الى الحرّ بإضافة الملكية و إما لعدم كون المنفعة مما يستولي عليه إلا عند استيفائه- غير وارد، لأن عدم ضمانه ليس من ناحية عدم المالية بل من ناحية عدم موجب الضمان، مع أن مثل هذه المنافع مع استيفائها غير مضمونة فيكشف عن عدم ماليتها. فالجواب حينئذ تسليم عدم الضمان و عدم المالية، و ان الإجارة غير متقومة بمالية المنفعة كما عرفت.
و يمكن أن يقال: ان الفرق بين المنافع المقصودة و غيرها ان المنافع المقصودة حيث إنها من لوازم وجود العين نوعا فهي مقدرة الوجود دائما بتبع وجود العين تحقيقا فهي مصححة لمالية العين بقول مطلق و مال كذلك بخلاف المنافع غير المقصودة فإنها مقدرة الوجود أحيانا عند مسيس الحاجة إليه فهي مال في فرض خاص لا بقول مطلق، و الشاهد على أنها مال في هذا الفرض أنها مقومة عند العرف و بلحاظه يدخل فيها الغبن، فالشم عند تقدير وجوده له قيمة بحيث لو زادت الأجرة على ما يتعارف في مثله و كان التفاوت بما يتغابن فيه عرفا كان له خيار الغبن، و هذه القيمة ليست بالاقتراح كما في بذل المال بإزاء الخلع، فإنه تابع لاقتراح الزوج من دون أن يكون له في العرف و العادة ملاك و ميزان، و عليه فكل ماله تقدير الوجود دائما كما في المنافع المقصودة فهي مضمونة إذا تحقق فيها موجب الضمان، و كل ماله تقدير الوجود عند مسيس الحاجة إليه كما إذا استأجر الدينار للتزيين فهو أيضا مال مملوك، فهو أيضا مضمون عند حصول موجب الضمان فضلا عما إذا تحقق وجوده كما إذا استوفى هذه المنفعة.
و أما إذا لم تكن المنفعة محققة الوجود بالاستيفاء و لا مقدرة الوجود بإيقاع عقد الإجارة، فلا مال و لا مملوك حتى تكون مضمونة و لو كانت العين تحت اليد.
و مما ذكرنا تبين صحة الإجارة مع الالتزام بالمالية مع عدم الضمان مع عدم كون المنفعة مقدرة الوجود أو محققة الوجود، و حينئذ فدعوى أنه لا تضمن هذه المنفعة و لو باستيفائها كما يومئ اليه كلام بعض الأعلام «رحمه اللّه» غير وجيه، كما
أن دعوى عدم الضمان مع تقدير وجوده أيضا كذلك، و المناقشة في ضمانها بفواتها تحت اليد جارية في المنافع المقصودة أيضا، و ما ذكرنا من دوران المالية المطلقة و غيرها مدار تقدير الوجود مطلقا أو في فرض خاص لا دخل له بما قيل في عمل الحر من أنه ليس بمال قبل المعاوضة و مال بعدها، فإن المالية لا تحدث بالمعاوضة و إنما الحادث بها هي الملكية، بل مسيس الحاجة إليه يوجب تقدير وجوده فيملك بالإجارة.
و الكلام فيه تارة في منافاة الوجوب بما هو لأخذ الأجرة، و اخرى في منافاة الوجوب التعبدي بما هو تعبدي لأخذ الأجرة، و ثالثة في منافاة الوجوب التعبدي النيابي لأخذ الأجرة، نظرا إلى أنه لا يقع قربيا عن المنوب عنه فلا يستحق الأجرة، فهنا مقامات من الكلام:
و مجموع ما ذكر في وجه المنافاة أمور:
أحدها: أن عمل المسلم ليس بمال و إنما يصح أخذ الأجرة عليه لكون عمل المسلم محترما و إيجابه يوجب سقوط احترامه لما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
ثانيها: ما عن الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في مكاسبه من أن عمل المسلم مال لكنه غير محترم لكون العامل مقهورا عليه من دون دخل اذنه و رضاه (1)، فالإيجاب مسقط لاعتبار اذنه و رضاه المقومين لاحترام المال.
ثالثها: ما عن بعض أجلة العصر (2)من أن الإيجاب يوجب سقوط ملك التصرف، لمنافاة المقهورية في الإيجاد للسلطنة على الفعل و الترك، و ملك التصرف شرط في نفوذ كل تصرف معاملي.
رابعها: ما نسب الى الشيخ الأكبر كاشف الغطاء «قدّس سرّه» (3)من أن
إيجاب العمل يوجب صيرورة العمل ملكا للّه و مما يستحقه تعالى عليه، و فيما كان له مساس بالغير كتجهيز الميت يوجب كونه مملوكا و مستحقا لذلك الغير، فلا يمكن تمليك مملوك أحد.
خامسها: ما نسب إليه «قدّس سرّه» أيضا من عدم ترتب آثار ملك العمل من الإبراء و الإقالة و التأجيل على الواجب المستأجر عليه، فيكشف عن عدم الملك.
سادسها: ما كان يحتمله شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» (1)في بحث القضاء من لغوية بذل العوض على ما يتعين على الأجير.
سابعها: ما حكي توهمه في كلام بعض الأعلام «قدّس سرّه» من أن الإيجاب ينبعث عن فائدة عائدة الى من يجب عليه، فأخذه الأجرة على ما تعود فائدته إليه أكل للمال بالباطل.
و يندفع الوجه الأول من حيث نفي المالية عن العمل بما مر منا مرارا من أن المالية تنتزع عن كل ما يرغب اليه العقلاء لما في العمل من الأغراض و الفوائد العقلائية، و أما نفي المالية عن العمل و تصحيح الاستيجار عليه باحترام عمل المسلم فمدفوع بأنه لا مدرك لاحترام العمل إلا قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و حرمة ماله كحرمة دمه» (2)فالعمل له الحرمة من حيث إنه مال لا من حيث نفسه.
و يندفع الو الثاني المشترك مع الوجه الأول في سقوط الاحترام بالإيجاب بما مرّ مرارا من أن لمال المسلم حيثيتين من الاحترام:
إحداهما: حيثية إضافته إلى المسلم، و هذه الحيثية يقتضي احترامها أن لا يتصرف أحد فيه بغير اذنه و رضاه و له السلطان على ماله و ليس لأحد مزاحمته في سلطانه، و هي الثابتة بقوله عليه السّلام: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره
بغير اذنه» (1). و بقوله عليه السّلام: «لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفسه» (2).
ثانيتهما: حيثية ماليته، و مقتضى حرمتها أن لا يذهب هدرا و بلا تدارك، فلا يجوز أن يعامل مع مال المسلم معاملة الخمر و الخنزير مما لا مالية له شرعا و لا يتدارك بشيء أصلا، و من الواضح أن الإيجاب و اللابدية و المقهورية و سقوط اذنه و رضاه كلها موجبة لسقوط احترام العمل من الحيثية الأولى دون الحيثية الثانية، فإن كل تلك الأمور أجنبية عن هذه الحيثية من الاحترام، و لذا جاز أكل مال الغير في المخمصة من دون اذنه مع بقاء المال على حاله من احترامه، و لذا يضمن قيمته بلا اشكال، مضافا الى أن هدر المال غير هدر المالية كما في مال الكافر الحربي، فإنه ساقط الاحترام من الجهتين، فيجوز أخذه منه و تملكه بغير عوض بدون اذنه، و مع ذلك فهو مال و مملوك للحربي، و لذا يجوز إيقاع المعاملة عليه و استيجاره على عمله، و ما يضر بالإجارة كما يضر بالبيع هدر المالية كالخمر و الخنزير، فإنه المنافي لجعل الثمن في قباله و لأخذ الأجرة عليه لا هدر المال. فتدبر جيدا.
و يندفع الوجه الثالث بما مرّ أيضا مرارا من أن ملك التصرف تارة يراد به السلطنة تكليفا لانتزاعها من جواز العمل فهو غير مصدود من قبل الشارع فله شرعا فعله و تركه، و زوال هذا الملك بأحد الأمرين من الإيجاب و التحريم لمضادتهما مع الإباحة الخاصة مسلم إلا أنه لا يجدي كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و اخرى يراد به السلطنة وضعا و هي القدرة على التصرف المعاملي، و هذه السلطنة تابعة لاستجماع السبب المعاملي لكل ما يعتبر فيه من حيث كونه لفظا عربيا ماضويا منجزا غير معلق، و لما يعتبر في مورده من كونه ملكا طلقا لم يتعلق به حق الغير مثلا، و من حيث كون المتعاملين بالغين عاقلين مختارين غير مكرهين و لا محجورين بأحد أسباب الحجر، و من البديهي أن الوجوب لا يزيل شيئا من هذه الأمور، فسلطنته على
التصرف الوضعي المعاملي محفوظة، و عدم وجوب العمل ليس من الشرائط. نعم اباحة العمل في قبال حرمته من الشرائط كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في محله.
فان قلت: من شرائط نفوذ المعاوضات القدرة على التسليم، و مع الوجوب لا قدرة له على الفعل و الترك معا شرعا، و القدرة لا تتقوم بطرف الفعل فقط أو بطرف الترك فقط.
قلت: مدرك اعتبار القدرة على التسليم إن كان وجوب الوفاء بالعقد و العمل وفاء فمن الواضح أن وجوب العمل يتأكد بوجوب التسليم لا أنه ينافيه، و إنما المنافي له حرمة العمل، فإنه مع وجوب الوفاء المفسر بوجوب إيجاده متنافيان، و إن كان مدرك الاعتبار لزوم رفع الغرر كما مر مرارا فيكفيه إمكان الحصول للمتعاملين سواء كان البائع و المشتري قادرين شرعا أو عقلا أم لا، و إمكان حصول العمل المستأجر عليه خارجا مفروض في المقام بلا كلام.
و يندفع الوجه الرابع بأن اقتضاء الإيجاب للملك إما بملاحظة أن الملك مساوق للسلطنة و حقيقتها زمام العمل بيده فعلا و تركا، و الفعل قبل الإيجاب مملوك للمكلف بهذا المعنى، فاذا أوجيه عليه فقد انتزع الأمر من يده و أخذ زمام الأمر بيده، فهو المالك للأمر، و إما بملاحظة أن الملك و إن كان غير السلطنة بل كان بمعنى الاحتواء و الإحاطة فقبل الإيجاب لا احتواء من الشارع لنفسه بل كان المحتوي له هو المكلف، فإذا أوجبه الشارع و عينه عليه فقد احتواه لنفسه و عينه لشخصه و له الإحاطة عليه هذا.
فان كان دعوى الملك الاعتباري بالملاحظة الأولى فهي مدفوعة بأن كون زمام الأمر بيد المكلف بمعنى أنه له فعله و له تركه تكوينا، و بهذا المعنى دائما للعبد لا للشارع، و إنما للشارع زمام الأمر تشريعا فله رفعه و له وضعه، و هذا المعنى ثابت للشارع قبل الإيجاب و بعده. نعم تزول بالإيجاب السلطنة التكليفية فليس زمام العمل بيد المكلف شرعا، و هذا معنى زوال الإباحة الخاصة المضادة للوجوب، اما أن الإيجاب يقتضي كون زمام العمل بيد الشارع تكوينا أو تشريعا فلا كما عرفت.
فتدبره جيدا.
و إن كان دعوى الملك بالملاحظة الثانية فهي مدفوعة بأن طبيعة الإيجاب تقتضي تعين العمل على المكلف و لا بديته منه لا تعين العمل لنفسه أو لغيره، و منه تبين أن إيجاب عمل للغير كالتجهيز لا يقتضي ملك الغير بل المقتضي جعل العمل للغير لا إيجاب العمل للغير، و هل هذا إلا كاستيجار الأجير لخياطة ثوب زيد أو بناء داره، فان مجرد كون العمل له مساس بالغير لا يوجب كونه مملوكا للغير.
و ما ذكرنا هو الجواب عن دعوى اقتضاء الإيجاب للملك لا المناقشة في أن ملكه تعالى ليس من سنخ ملك العباد، فإنه و إن كان كذلك إلا أن ثبوت ذلك الملك المساوق لإحاطته الوجودية بالأملاك و ملاكها لا ينافي ثبوت ملك اعتباري له يترتب عليه بعض الآثار، و بقية الكلام في محله.
و يندفع الوجه الخامس بأن عدم زوال آثار الوجوب الذاتي لا ينافي زوال آثار الوجوب العرضي، فالإقالة توجب انتفاء وجوب الوفاء بالإجارة لا وجوب العمل ذاتا، و الإبراء يوجب عدم استحقاق المستأجر للعمل لا عدم وجوبه في نفسه، و التأجيل يوجب عدم لزوم التعجيل من حيث استحقاق المستأجر لا من حيث اقتضاء وجوبه في نفسه للفورية، فلا مانع من صحة الإجارة و ترتب هذه اللوازم من حيث الإجارة لا من حيث وجوبه الذاتي.
و يندفع الوجه السادس بأن تعين العمل منه المساوق لليقين بصدوره منه هو الموجب للغوية البذل و اندراج الإجارة في المعاملة السفهية دون تعين العمل عليه شرعا فقط، فإنه لا يوجب لغوية البذل للإتيان بأصله أو للتعجيل في إتيانه.
و يندفع الوجه السابع بأن مجرد كون الواجب ذا فائدة عائدة الى من وجب عليه، نظرا الى القواعد المقتضية لاشتمال كل واجب على مصلحة لزومية راجعة إلى المكلف لا ينافي أن يكون ذا فائدة عائدة إلى المستأجر أيضا، و بالجملة الإجارة ليست بلحاظ تلك المصلحة العائدة إلى شخص العامل، و لا الإيجاب يقتضي عدم اشتمال الفعل على فائدة عائدة إلى المكلف، و لو فرض في بعض الواجبات عدم
فائدة عائدة إلى الغير فهو كبعض المباحات التي لا تعود فائدتها إلى الغير، فإنه ليس باقتضاء من الإيجاب أو الإباحة، فتدبره جيدا.
ربما يقال كما عن بعض أجلّة العصر «رحمه اللّه» (1)بناء على منافاة الوجوب لأخذ الأجرة بالفرق بين ما إذا أخذ العمل بنحو المعنى المصدري فوجوبه لا يمنع عن أخذ الأجرة و بمعنى اسم المصدر فوجوبه يمنع عنه، نظرا الى أن المال الذي تبذل بإزائه الأجرة هو المعنى الاسمي دون المصدري، و فسّر هذا الفرق فيما حكي عنه بوجهين:
(أحدهما) الفرق بين العمل و نتيجة العمل كالخياطة و الهيئة القائمة بالثوب، فما هو المال هي النتيجة فلا يمنع من أخذ الأجرة عليها وجوب العمل، فالاستئجار ليس على ما هو الواجب بل على ما هو غير واجب.
و يندفع بأن هيئة المخيطية القائمة بالثوب ممولة للعمل لا أنها مال، و إيجاد الهيئة ليس بمال، كما أن المنافع و إن كانت أموالا إلا أنها ممولة للأعيان أيضا، مضافا الى أن الأجرة بإزاء المنفعة القائمة بالشخص أو الدار أو الدابة و العمل القائم بالأجير، و أما الأوصاف و الأعيان فلا يكون عوضها اجرة.
و (ثانيهما) الفرق بين العمل من حيث الإصدار و هو من حيث الصدور، و مثل لهما بالطبابة من حيث بذل نفسه لها و من حيث الأعلام بالدواء فالواجب على الطبيب بذل نفسه و عدم بخله عن الأعلام بالدواء، و أما ما هو مال و يأخذ بإزائه الأجرة فهو نفس الأعلام بالدواء و هو غير واجب عليه.
و يندفع مضافا الى عدم مناسبته للمصدر و اسم المصدر و عدم مناسبته للفعل من حيث الإصدار و من حيث الصدور بأن بذل نفسه و عدم بخله عملا عين الأعلام بالدواء بعد عدم وجوب أمر خلقي و هو عدم البخل حقيقة أو الجود حقيقة. و مع العينية فالبذل عملا هو الواجب و هو المستأجر عليه.
1) تقريرات درس النائيني للمكاسب: ج 1، ص 42.
نسب إلى جماعة الفرق بين الواجب العيني فلا يجوز الاستيجار عليه و الواجب الكفائي فيجوز بمعنى عدم منافاة الوجوب الكفائي بما هو وجوب لا بما هو تعبدي، فإنّه سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى. و حيث إن المباني في حقيقة الوجوب الكفائي مختلفة فاللازم بيانها و بيان ما يقتضيه عند هؤلاء الجماعة من عدم منافاته للاستيجار.
فنقول: الوجوب الكفائي إما أن يتعلق بكلي المكلف بما هو أو بصرف وجود المكلف أو بالكلي الساري في جميع آحاد المكلفين بضميمة خصوصية يمتاز بها الكفائي من العيني.
(أما الأول) فتقريبه أن الوجوب في الكفائي يتعلق بكلي المكلف بما هو، نظير تعلق ملك الزكاة و الخمس بطبيعي الفقير و السيد، و كما أن الملكية من الاعتبارات القابلة للقيام بالكلي بما هو، كذلك الإيجاب و البعث، فإنهما أيضا من الاعتبارات العقلائية، فلا مانع من تعلقهما بالكلي، و كما أن إقباض الفقير و السيد يوجب تعين الكلي فيهما فكذلك من قام بالفعل يتعين فيه الكلي الذي وجب عليه الفعل، و يستنتج من هذا أن الفعل من الأجير مملوك قبل تعين الكلي فيه، و صيرورته مملوكا للّه تعالى بعد اتصافه بالوجود، فما هو مستأجر عليه حال ورود الإجارة عليه لم يكن مملوكا للّه تعالى على الأجير. و استشهد بعض الأجلة من السادة «قدّس سرّه» لهذا المعنى بأنه لا يلزم خصوص الأجير بالعمل من باب الأمر بالمعروف، و لو تعين فيه كلي من وجب عليه جاز إلزامه به.
و الجواب ان البعث و إن كان من الأمور الانتزاعية إلا أن حقيقته حيث كانت موجبة لجعل الداعي حتى تنقدح في نفسه الدعوة فتنبعث منه الإرادة المحركة للعضلات نحو العمل فلا محالة لا يتعلق بعنوان المكلف بالحمل الاولي بل بالمكلف بالحمل الشائع و لو بواسطة العنوان الفاني في معنونه و مطابقه. و لو تنزلنا عن ذلك فمتعلق الإجارة لا بدّ من أن يكون قابلًا للمملوكية في ظرف العمل لا حال عقد الإجارة و المفروض أن هذه المنفعة مملوكة للّه حال وجودها، مع أن توصيف الفعل
بعد وجوده بكونه مملوكا للّه تعالى لا منشأ له إلا عروض الوجوب عليه حال إيجاده، فما هو الواجب هو المملوك للّه تعالى، و الوجوب ليس من العوارض الوجودية للهويات العينية حتى يكون عروضه لها مساوقا للملك. و لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بتعلق الوجوب بالكلي بما هو، و تعلق الإجارة بشخص عمل الأجير الذي هو أحد مصاديق الكلي فلا بدّ من تطبيق العمل الكلي القائم بعنوان المكلف على هذا الشخص من العمل، و لا يعقل الوفاء بمملوك أحد للكلي المملوك لغيره، و مقتضى هذا المبنى و إن كانت صحة الإجارة إلا أنه يبقى الواجب الكفائي على حاله إن كان قابلًا للتعدد و إلا كان إسقاطا للواجب بغير الإطاعة و الامتثال، و على أي حال ليس من الاستيجار على الواجب الكفائي بل على الواجب لو لا الإجارة، و لا كلام لأحد في إمكان إسقاط الواجب بغير الإطاعة و لا في إمكان الإجارة على ما لا يقع مصداقا للواجب. إنما الكلام في أخذ الأجرة على الواجب على نحو يقع به امتثال الواجب مع عدم لزوم المحاذير المتقدمة.
و (أما الثاني) و هو تعلق الأمر بصرف وجود المكلف في قبال الوجوب العيني المتعلق بمطلق وجوده، و عليه فالأجير بما هو شخص لم يتعلق به تكليف حتى تكون له لوازم منافية لأخذ الأجرة، و الكلام عليه تارة في المبنى و اخرى في الابتناء.
أما المبنى فمختصر القول فيه: ان صرف الوجود بالمعنى المصطلح عليه في فنه غير مراد هنا قطعا كما بينا وجهه في محله (1)، فلا بدّ من أن يراد منه هنا أحد أمرين: اما ما ذكره بعض الأجلّة من أن المراد منه ناقض العدم الكلي و ناقض العدم المطلق.
و هو بعد تصحيحه بمعنى أول الوجود الملازم عدمه لبقاء سائر الاعدام على حالها.
يرد عليه أنه أجنبي عن صرافة الوجود، كيف و هو وجود خاص محدود بالأولية، إلا أنه لا مسرح له هنا، إذ لا معنى لملاحظة أول الوجود في المكلفين، و لو صحّ لصحّ في متعلق التكليف أي أول وجود من الفعل. و اما تراد الماهية اللابشرط القسمي أي
1) راجع الأصول على النهج الحديث: ص 65 طبع مؤسّسة النشر الإسلامي باسم «بحوث في الأصول».
ملاحظة وجود المكلف مطلقا من حيث تحصصه بحصة أو تشخصه بمشخص. و عليه فاذا لوحظ طبيعي وجود المكلف بالحمل الشائع لا بشرط فلا محالة إذا تعلق بمثله تكليف بفناء العنوان في معنونه يكون جميع حصص المكلفين و أشخاصهم مكلفين به لا بما هم حصص و اشخاص بل بما هم وجود المكلف، و نتيجة اللابشرطية نتيجة ملاحظة الكلي الساري في أفراده، فالأجير بما هو وجود المكلف محكوم بالفعل، و فعله مملوك للّه تعالى، و إيجاب فعله مسقط لاحترامه و سالب لقدرته على الترك، فتعود المحاذير المتقدمة.
و أما الابتناء فنقول: سلمنا أن الأجير لم يتعلق به التكليف بوجه أصلا إلا أنه لا شبهة في أن قيامه بالواجب يوجب امتثال التكليف، و إلا لم يعقل التكليف الذي لا يعقل امتثاله، و ليس ذلك إلا من حيث صدق صرف وجود المكلف عليه، و إذا كان الفعل من صرف وجود المكلف مملوكا للّه تعالى و مسلوب الاحترام و القدرة فعمل الأجير مصداق للمملوك له تعالى و مصداق لما سلب احترامه و القدرة على تركه.
و (أما الثالث) و هو ملاحظة وجود المكلف بنحو الكلي الساري في جميع افراده بحيث يكون الحكم ساريا عقلا بسريان الكلي في أفراده فحكمه متحد مع تعلق الحكم بذوات الآحاد و لو بنحو فناء العنوان في معنونه و بطور ملاحظة الإفراد الأعم من المحققة الوجود و المقدرة الوجود بنحو القضية الحقيقية، فلا بدّ من امتياز الواجب الكفائي عن الواجب العيني بخصوصية توجب سقوط امتثال هذا التكليف الساري أو المتعدد بتعدد موضوعه لحاظا دون الواجب العيني، و تلك الخصوصية أحد أمرين:
إما إناطة الوجوب في الكفائي بعدم الفعل من الآخر، و إما كون الوجوب مشوبا بجواز الترك مع فعل الآخر.
أما الأول: فالمبنى غير صحيح، لأن لازمه عدم حصول امتثال التكليف، لعدم الوجوب رأسا إذا صدر الفعل منهما معا دفعة لعدم مقارنة الفعل من أحدهما مع الترك من الآخر، و هو على الفرض شرط الوجوب، و لا يذهب إليه أحد.
و أما الابتناء فلأن الواجب على الفرض هو الفعل المقارن للترك من الآخر، و هو على الفرض مملوك للّه تعالى و مسلوب الاحترام و القدرة، لأن الفعل بما هو و إن جاز تركه إلا أن الواجب على الفرض أمر خاص و هو الفعل المقارن للترك من الآخر، و مثله مما لا يجوز تركه، فهو بملاحظة المقهورية مسلوب الاحترام و القدرة على الترك، فاذا قام أحدهما بالفعل و كان مقارنا لترك الآخر كان فعله مصداقا للواجب المملوك المسلوب الحرمة و القدرة، و أما إذا كان مقارنا لفعل الآخر فلا واجب أصلا على هذا المبنى حتى يدخل تحت عنوان أخذ الأجرة على الواجب الكفائي.
و أما الثاني: فالمبنى و إن كان صحيحا و لا يلزم من قيامهما معا بالفعل عدم الوجوب و الواجب، لأن جواز الترك لكل منهما محفوظ إلا أن الابتناء ليس على إطلاقه، لأن الفعل المستأجر عليه إن كان بعد وقوع الفعل من الآخر، فلا واجب حتى يدخل في عنوان أخذ الأجرة على الواجب، و إن كان مقارنا لترك الآخر فمع فرض الترك لا يجوز له الترك لتعينه عليه بالعرض، ففيه المحاذير المتقدمة كلها، و إن كان مقارنا لفعل الآخر فنسبة الامتثال الى كليهما على حد سواء و جواز الترك محفوظ، فهو غير مسلوب القدرة بل غير مسلوب الحرمة، لعدم المقهورية لفرض انحفاظ جواز الترك إلا أنه مصداق لما يملكه تعالى بإيجابه الذي هو عين احتواء الفعل لنفسه على الفرض، مع أن اندفاع سائر المحاذير المتقدمة يختص بما إذا أمكن تعدد الفعل دفعة كالصلاة على الميت، لا كدفنه و تكفينه و تغسيله مثلا، فإنه مع فرض الترك من الآخر فيه جميع المحاذير المتقدمة. فتدبر.
ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في مكاسبه التفصيل بين الواجب التعييني و التخييري، فيجوز أخذ الأجرة في الثاني دون الأول (1)و توضيح الكلام فيه: أن التخيير تارة عقلي و اخرى شرعي:
1) المكاسب: ص 63.
أما الكلام في التخيير العقلي: فتقريب الجواز أن الواجب هو الكلي و المستأجر عليه هو الخاص بما هو خاص، فما هو الواجب مغاير لما هو مورد الإجارة، أو أن الواجب هو صرف الوجود و المستأجر عليه هو الوجود الخاص و بينهما المغايرة كما عرفت. أما صرف الوجود فقد مرّ أنه لا يرجع الى محصل إلّا إذا أريد منه ناقض العدم بمعنى أول الوجود، و هو أجنبي عن الصرافة و مرجعه إلى ملاحظة الماهية بشرط شيء، لأن المفروض أنه أول وجود من الطبيعة لا صرف وجودها، مع أن صرف الوجود عند القائل به يصدق على المأتي به في الخارج، فيكون مصداقا لما يملكه تعالى و مصداقا لما سلب عنه الحرمة و القدرة كما مرّ نظيره.
و أما وجود كلي الفعل فتوضيح القول فيه ان الوجود المضاف إلى طبيعي العمل لا يخلو من أحد اعتبارات اللابشرطية و البشرط لائية و البشرط شيئية، لاستحالة الإهمال في الواقع، و حيث لم يقيد وجود الطبيعة في مرحلة الطلب بوجود خصوصية و لا بعدمها فلا محالة يكون وجود الفعل ملحوظا بنحو اللابشرطية من جميع الخصوصيات وجودا و عدما.
فحينئذ إن كان الغرض اللازم تحصيله بجميع وجوداته لازم التحصيل فلا محالة ينبعث منه طبيعي البعث، فيكون إنشاء البعث بداعي جعل الداعي سنخا و نوعا، فينتج مطلوبية كل واحد من وجودات الطبيعة من دون دخل لأنحاء التشخصات وجودا و عدما. و إن كان الغرض اللازم وجودا واحدا منه فلا محالة ينبعث شخص من البعث، و حيث إن وحدة البعث تقتضي عقلا وحدة المبعوث إليه، لاستحالة وحدة الحكم و تعدد متعلقة وجودا فالمطلوب وجود واحد من الطبيعة، فهي قرينة عقلا على إرادة وجود الماهية بشرط شيء من الوحدة، و لا ينافي لا بشرطيته قسميا من سائر الجهات و الخصوصيات، و كما لا يعقل إطلاقه من حيث المرّة و المرّات مع استحالة الامتثال عقيب الامتثال كذلك لا يعقل إطلاقه من حيث الوحدة و التعدد مع استحالة وحدة البعث و تعدد المبعوث اليه.
و عليه فنقول: حيث فرض مطلوبية وجود واحد من طبيعي الفعل فذلك
الواحد مملوك للّه تعالى و مسلوب الحرمة و القدرة، و متعلق الإجارة حينئذ لا يخلو إما أن يكون نفس ما هو الواجب بحده، و إما الواجب المتخصص بخصوصية، و إما نفس تخصيصه بخصوصية قابلة للانفكاك عن الواجب أو غير قابلة له. فان كان المستأجر عليه نفس ما هو الواجب ورد عليه جميع المحاذير المتقدمة، و إن كان المستأجر عليه هو الواجب المتخصص بخصوصية، فالمستأجر عليه هو الواجب أيضا بزيادة خصوصية، و الزيادة غير منافية لكونه مصداق الواجب و هو وجود واحد من الطبيعي، و إن كان المستأجر عليه تخصيص الواجب في مقام الامتثال بخصوصية فالمستأجر عليه هو جعل الواجب مقترنا بالخصوصية، و لا فرق بين قبولها للانفكاك و عدمه، فهو حيث إنه ليس من الواجب لا بما هو و لا بما هي حصة من الطبيعي فليس مملوكا للّه تعالى و لا مسلوب الحرمة و القدرة، و لعله المراد مما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» من استيجاره لحفر أرض صلبة في مقام الدفن (1)، فان مرجعه الى امتثال الأمر بالدفن بتخصيصه بأرض صلبة، و مثله في غير الواجب كما إذا استأجر الأجير على الخياطة لزيد أن يوقع الخياطة في داره للتعلم منه أو لغرض عقلائي آخر، فان نفس إيجاد الخياطة مملوك لزيد، و إيقاع مملوك الغير في داره مملوك لعمرو مثلا، و لكل منهما وفاء. و في الحقيقة هذا غير داخل في أخذ الأجرة على الواجب و لو من حيث الفردية، و إنما الداخل فيه كما مرّ سابقا أن يقع الامتثال للأمر بالواجب بعينه وفاء للإجارة.
و أما الكلام في التخيير الشرعي: فربما يتوهم جواز أخذ الأجرة على أحد الفردين على جميع المباني. فنقول:
أما على القول بإرجاعه إلى التخيير العقلي بتعلق الأمر واقعا بالجامع كما عليه شيخنا الأستاذ فيما إذا ترتب غرض واحد على كل واحد من فردي التخيير، بتقريب أن المعلول الواحد ينتهي إلى علّة واحدة سنخا و نوعا. فالأمر في المبنى و الابتناء قد
1) المكاسب: ص 63.
تقدم في التخيير العقلي، فلا حاجة الى الإعادة.
و أما على القول بتعلق الأمر بأحدهما المصداقي أي الفرد المردد، نظرا الى وحدة الغرض و تساوي نسبته الى كل واحد بلا معين، و ان الواجب حينئذ هو الفرد المردد و المستأجر عليه هو الفرد المعين، فما هو الواجب المملوك المسلوب الحرمة و القدرة مغاير للمستأجر عليه، فيندفع بفساد المبنى و الابتناء معا.
أما فساد المبنى فيما مرّ مرارا من أن عدم تعلق الوجوب بالمردد ليس لما عن بعض الأجلة «رحمه اللّه» من توهم كون المحذور مختصا بالإرادة التكوينية، نظرا إلى أن معلولها هو الفعل خارجا و ما يقع في الخارج معين لا محالة، و هذا غير جار في الإرادة التشريعية و البعث، إذ ليس معلولهما الفعل الخارجي حتى لا يتعلقا إلا بالمعين، و كذا ليس المحذور أن العرض يحتاج الى موضوع محقق خارجا، و لا يكون إلا معينا حتى يقال كما عن شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في مسألة بيع صاع من الصبرة (1)بأن الملكية حيث إنها أمر اعتباري تتعلق بالمردد، بل المحذور العقلي كما مرّ مرارا أن المردد بالحمل الشائع لا ثبوت له ذاتا و لا وجودا و لا ماهية و لا هوية، فلا يعقل أن تتقوم به أو تتشخص به أية صفة كانت حقيقية أو اعتبارية.
و اما كيفية تأثير الغرض الواحد فقد أوضحناها في محله.
و أما فساد الابتناء فلأن من يقول بتعلق الأمر بالمردد يقول بحصول الامتثال بإتيان المعين، و إلا فالمردد لا يقع في الخارج، فلو لم يحصل امتثاله بالمعين لزم لغوية البعث لفرض عدم الامتثال له. و عليه فالمعين المستأجر عليه لا بد من أن يصير مصداقا لما يملكه تعالى و لما سلب عنه الحرمة و القدرة إلا بالالتزام بصحة الإجارة و إتيان الفرد الآخر امتثالا للأمر، فغاية ما يقتضيه عدم تعلق الأمر بالمعين عدم لزوم المحاذير المتقدمة مع إتيان الواجب في غير هذا الفرد، بل لا بدّ من القول به، إذ كما أن إيجاب العمل يسلب القدرة على الترك فلا تصح الإجارة كذلك وقوع عقد
1) المكاسب: ص 196.
الإجارة الصحيحة يسلب القدرة على الترك، فلا يعقل بقاء الأمر التخييري على حاله بل ينقلب تعيينيا متعلقا بالفرد الآخر غير المسلوبة عنه القدرة، فتدبر.
و أما على المبنى المعروف و هو تعلق الإيجاب بكل من الصوم و العتق مثلا مع جواز الترك في كل منهما الى الآخر. فتقريب الجواز أن أحدهما بالخصوص لا يتعين كونه له تعالى حتى يكون ملكا له، و لا هو مقهور عليه حتى يكون مسلوب الاحترام أو غير مقدور عليه من حيث تركه.
و الجواب عنه بعد تسليم عدم اقتضاء مثل هذا الوجوب المشوب بجواز الترك لشيء من المحاذير المتقدمة أن غايته صحة الإجارة لا امتثال الأمر، فإنه يتعين الآخر لكونه مملوكا للّه تعالى بعد فرض عدم إمكان أداء ما يملكه تعالى بما يملكه المستأجر، كما أنه بعد صحة الإجارة لا قدرة له على تركه، فلا يبقى الوجوب التخييري على حاله لعدم القدرة فعلا و تركا على كلا الفردين. نعم محذور سلب الاحترام مدفوع بأن وقوع الإجارة عليه مع فرض بقائه على احترامه من قبل و من بعد لا يمنع من تعلق الوجوب به و بقائه عليه و امتثاله به، إذ ليس من مقتضيات أداء الواجب أن لا يكون بمال محترم فتدبر.
من الحرف و الصناعات المتوقف عليها النظام فإنها كغيرها، و أما على القول بالمنع كما عن المشهور يرد عليهم النقض بالواجبات النظامية، فإنه لا إشكال في جواز الأجرة و صحة إيقاع المعاملة عليها.
و أجيب عنه بوجوه: (أحدها) خروجها بالإجماع و السيرة، و هذا إنما يجدي إذا كان المنع لدليل تعبدي، فإنه يخصص عمومه بما عدا الواجبات النظامية بخلاف ما إذا كان لأمر عقلي من المملوكيّة للّه تعالى و سلب الاحترام و عدم ملك التصرف، فإنه لا بدّ إما من المنع من الملازمة بين الوجوب و هذه المحاذير، و هو خلف، أو الالتزام بالإشكال، نعم يمكن أن يقال بناء على صحة تمليك مال الغير لنفسه باذنه بكشف الاذن من المالك في إيقاع الإجارة و تملك الأجرة. إلا أنه يتم فيما إذا كان
الواجب متمحضا فيه تعالى من دون مساس للغير كما هو كذلك في الواجبات النظامية، فإن العمل مما يستحقه الغير و تمليك المالك محال سواء كان بعوض أم بغير عوض. فتدبر جيدا.
(ثانيها) تخصيص الجواز بصورة سبق قيام من به الكفاية بالعمل كما عن جامع المقاصد و فيه أولا أنه مناف لإطلاق كلام الأصحاب. و ثانيا أنه ينقل الكلام الى من قام بالعمل أولا فإنه لا شبهة عندهم أنه كغيره في جواز الإجارة و أخذ الأجرة.
(ثالثها) ما نسب الى صاحب الرياض «رحمه اللّه» من اختصاص المنع بالواجبات الذاتية النفسية كدفن الميت و تعليم الأحكام، لا الواجبات المقدمية كالصناعات التي هي مقدمة لحفظ النظام الواجب (1). و فيه أن المنع ليس لدليل لبي يؤخذ فيه بالمتيقن و لا لفظي ليدعى انصرافه عن الواجب الغيري، بل المانع أمر عقلي ينافي طبيعة الوجوب نفسيا كان أم غيريا.
و أما دفعه- كما عن بعض أعلام العصر «قدّس سرّه» «بأن تلك الصناعات مع انحفاظ النظام متحدان في الوجود كالإلقاء و الإحراق و الضرب و التأديب.
و المقدمة المتحدة الوجود مع ذيها لا تجب بوجوب مقدمي لاستحالة التوصل بشيء إلى نفسه. فالواجب شيء واحد و هي الصناعة التي هي عين حفظ النظام بها» (2)، فيعود المحذور- فهو مدفوع بما حقق في محله من أن الفعل التوليدي يستحيل أن يكون متحد الوجود مع المتولد منه، لاتحاد الإيجاد و الوجود بالذات، فكما أن وجود الحرق غير وجود الملاقاة كذلك إيجاده المعبر عنه بالإحراق غير إيجاد الملاقاة المعبر عنه بالإلقاء فكذا الخياطة و حفظ النظام إيجادا و وجودا.
(رابعها) ما عن جماعة من أن المنع عن أخذ الأجرة يوجب اختلال النظام
فلا بد من الترخيص حفظا للنظام. و لتقريبه وجوه:
الأول: ما عن بعض أجلة السادة «قدّس سرّه» من أن وجوب الصناعات لحفظ النظام، و إنما يستقيم النظام بالتكسب بها، فيلزم من وجوب التبرع بها نقض الغرض. هذا ملخص ما أفيد، و عليه فالواجب هو التكسب و هو متقوم بالعوض لا أنه من أخذ العوض على الواجب، لبداهة أنه لا عوض للتكسب، فيخرج عن موضوع أخذ العوض على الواجب، و هذا الوجه لا محذور فيه إلا أن الصغرى ممنوعة، لوضوح أن حفظ النظام يتوقف على نفس تلك الصناعات و لو أتى بها تبرعا لا على التكسب بها بالخصوص.
الثاني: أنه كما أن انحفاظ نظام جماعة يتوقف على إعمال تلك الصنائع كذلك حفظ نظام الصانعين و المحترفين يتوقف على أخذ العوض للتقوت و التعيش به، فكما تجب مراعاة النظام من الجهة الأولى كذلك تجب مراعاته من الجهة الثانية، فيكون الترخيص في أخذ العوض لهذا الوجه كالمخصص العقلي لدليل المنع.
و يندفع بأنه بعد بقاء الوجوب على حاله و اقتضائه عقلا للمملوكية و سلب الحرمة و القدرة يرجع الأمر إلى توقف حفظ النظام على أمر محال، و هو التفكيك بين الملزوم و لازمه، مع أن انحفاظ نظام الصانعين و المحترفين لا يتوقف على التكسب و لا أخذ العوض بإزاء أداء الوظيفة الواجبة بتقريب أنه يجب على الجامعة البشرية حفظ النظام الاجتماعي برفع كل منهم ما يحتاج اليه الغير، فيجب على الصانع و المحترف رفع حاجة المحتاجين ببذل ما يتمكنون من الصناعة و الحرفة، و يجب على الباقين رفع حاجة الصانعين و المحترفين ببذل ما يتقوتون و يتعيشون به، و الغرض منه أن انحفاظ النظام يتحقق بهذا المقدار و لا يتوقف على عنوان التكسب و لا على عنوان أخذ الأجرة على الواجب.
و الثالث: ما عن شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» في تقريب هذا الوجه الرابع (1)، و ملخصه بتوضيح مني أن حفظ النظام يتوقف على الصناعات و الحرف
1) راجع المكاسب: ص 63.
فتجب، و لا يتوقف على هذا الوجه حفظ النظام و لا إيجاد تلك الصناعات و الحرف على أخذ العوض و لا على الترخيص فيه، لعدم مقدمية شيء منهما لحفظ النظام و لا لتلك الصناعات، لكن حيث إن الناس لا يقدمون على إعمال تلك الصناعات و الحرف إلا لأجل الطمع في الأجرة أو زيادتها فمع المنع من أخذ الأجرة لا يقدمون على اطاعة التكليف بإيجاد تلك الصنائع و الحرف أو يختارون الأعمال السهلة دون الشاقة فلا ينحفظ النظام بواسطة العصيان. و قاعدة اللطف تقتضي الترخيص في أخذ الأجرة تقريبا لهم إلى إطاعة التكاليف النظامية. و مما ذكرنا تعرف مقابلة هذا التقريب لغيره و مقابلة هذا الجواب لغيره من الأجوبة.
و فيه (أولا) ما عرفت من أن مرجعه الى اقتضاء اللطف التفكيك بين الملزوم و لازمه و هو محال.
و (ثانيا) أن جعل الثواب على موافقة التكليف و جعل العقاب على مخالفته بقاعدة اللطف كما حقق في محله يجدي في التقريب إلى الطاعة هنا و في غيره، و لا حاجة الى أمر آخر يوجب إطاعة التكليف تكوينا، و إلا لجرى مثله في سائر موارد إطاعة التكاليف.
و (ثالثا) أن الأعمال الشاقة كالسهلة مما يتوقف عليه النظام إما عينا أو كفاية، و ليست من الواجبات التخييرية حتى يختار السهلة منها. فتدبر جيدا.
(خامسها) ما نسب الى كاشف الغطاء «قدّس سرّه» من أن وجوب تلك الصنائع ليس مطلقا بل مشروط بالعوض، فلا محالة يستحيل أن يكون شرط الوجوب مانعا عنه و منافيا له.
و الجواب أن المراد ببذل العوض ان كان البذل خارجا فالوجوب و إن كان بعد البذل و الاقدام خارجا إلا أن البذل العقدي بعقد الإجارة بعد الوجوب، فتعود المحاذير، و من البيّن أنّ البذل خارجا لا يغني عن الإجارة، إذ لا استحقاق للأجرة إلا بها، و إن كان المراد بذل العوض عقدا فمرجعه إلى إيجاب العمل مقارنا لعقد الإجارة.
ففيه (أولا) أن مثل هذا الإيجاب لا ينحفظ به النظام تشريعا لأن شرط الوجوب غير لازم التحصيل، فله أن لا يؤجر نفسه فلا ينحفظ النظام.
و (ثانيا) أن الإيجاب المقارن حيث إنه متعلق بذات العمل فهو يوجب كونه مملوكا للّه تعالى و مسلوبا عنه الحرمة و القدرة مقارنا لعقد الإجارة، فلا يعقل نفوذ مثله فيما هو مملوك للّه تعالى و مسلوب الاحترام حال نفوذه، و أما إيجاب العمل بعد وقوع عقد الإجارة و لزوم العمل وفاء به فلغو كما لا يخفى.
(سادسها) أن حفظ النظام لا يتوقف على إعمال الصناعات و الحرف مجانا و تبرعا حتى يكون وجوبها على وجه المجانية و التبرعية منافيا لأخذ العوض، بل على ذات العمل على وجه اللابشرطية من حيث المجانية و التعويض.
و يندفع بأن المنع ليس لدليل ظاهر في المجانية حتى يقال انه ليس كذلك، بل بمناسبة الحكم و الموضوع من حيث حفظ النظام يكون الواجب هو العمل اللابشرط، و إنما المنع لأمر عقلي و هي منافاة طبيعة الوجوب لأخذ الأجرة، فكما أن تقييد الواجب بالعوض محال فكذا إطلاقه من حيث المجانية و التعويض محال، لاستلزامه التفكيك بين الملزوم و لازمه.
و أما ما عن بعض أعلام العصر «قدّس سرّه» (1)- من إدراجه تحت الواجب التخييري و جواز أخذ الأجرة على أحد فردي الواجب- فمدفوع بأن الواجب بناء عليه له فردان عمل مجاني و عمل بالعوض، فنفس العمل بأجرة أحد فردي الواجب، لا أنه من باب أخذ العوض على أحد فردي الواجب، فشبهة استحالة الإطلاق و التقييد من لوازم كون العمل بعوض أحد فردي الواجب، و لا يكون من لوازم أخذ العوض على أحد فردي الواجب. فتدبره فإنه حقيق به.
(سابعها) ما عن شيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» من جواز أخذ الأجرة
1) هو الشيخ محمّد تقي الشيرازي في تعليقته على المكاسب المحرمة في بحث مما يحرم التكسب به، ما يجب على الإنسان فعله، ص 144.
على الواجب الكفائي نظاميا كان أو غيره، و عدم جوازه على الواجب العيني نظاميا كان أو غيره (1)، و لا يخفى عليك أن هذا ليس دفعا للإشكال بناء على القول بالمنع كما في سائر الأجوبة، كما أنه التزام بالإشكال في الواجب العيني، فإن المشهور لا يفرقون في الواجبات النظامية بين العيني و الكفائي، و لذا قام «قدّس سرّه» بصدد دفع الإشكال في الواجب العيني كما إذا تعينت الطبابة على طبيب بإرجاع أخذ الأجرة إلى الأجرة على مقدمة الطبابة و هو الحضور عند المريض، و حيث لا فرق في المنع في الواجب العيني بين النفسي و الغيري فلذا جعل الحضور واجبا كفائيا بتقريب أن الطبابة و هي الأعلام بالدواء بعد تشخيص الداء متوقفة على الجمع بين الطبيب و المريض، و هو كما يكون بحضور الطبيب عند المريض كذلك بإحضار الأولياء المريض عند الطبيب.
و الجواب أن الواجب العيني اما الطبابة بعنوانها المختص بالطبيب و هي الأعلام بالدواء فمقدمة هذا الواجب القابلة لأن تجب بوجوبه ليست إلا حضور الطبيب عند المريض، فإن إحضار الأولياء لا يعقل أن يجب عليهم بوجوب ما يجب على الطبيب دون الأولياء، و مع اختصاص المقدمة القابلة للوجوب بوجوب الطبابة بالطبيب لا يعقل أن تكون واجبة على الكفاية و إن كان وجودها ملازما أحيانا لإحضار المريض عنده، إلا أنّ الإحضار لا يعقل أن يجب مقدمة، كما لا يعقل أن يكون الحضور واجبا مقدميا كفائيا.
و أما كون الواجب العيني على الطبيب هو العلاج الواجب أيضا على أولياء المريض غاية الأمر أن العلاج الواجب على الطبيب باعلام الدواء و على أولياء المريض بالاستعلام و اعمال الدواء تحقيقا لعلاجه، فهناك واجبان عينيان على الطبيب و الأولياء، و لكل منهما مقدمة مختصة به واجبة عليه عينا. فليس هناك واجب كفائي نفسي و لا مقدمي حتى يتخلص به عن محذور أخذ الأجرة على
1) المكاسب: ص 62.
الواجب العيني. ثم إنه «قدّس سرّه» (1)أورد على نفسه من حيث ذهابه الى عدم جواز الأجرة على الواجب العيني بنقوض ثلاثة:
أحدها: جواز أخذ العوض للوصي مع وجوب العمل عليه عينا، و أجاب عنه تارة فيما سبق من كلامه بأنه حكم شرعي لا من باب المعاوضة، و اخرى بأنه من جهة الإجماع و النصوص المستفيضة على أنه للوصي أن يأخذ شيئا المحمول نصا و إجماعا على اجرة المثل بملاحظة احترام عمله.
قلت: اما الجواب الأول: فإن أريد منه مجرد نفي المعاوضة المالكية فلا يجدي كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى. و إن أريد نفي كون المأخوذ عوضا عن عمله المحترم فهو مناقض للجواب الثاني.
و أما الجواب الثاني: فمجرد قيام الإجماع و النص إنما يجدي فيما إذا كانت الشبهة في استحقاق العوض و عدمه، لا في منافاة أخذ العوض عقلا لوجوب العمل.
فالتحقيق أن المتصور هنا أمور: (الأول) تجويز التكسب منه تعالى بل إيجابه فهو غير مناف لشيء لأن التكسب متقوم بالعوض لا أنه من أخذ العوض على الواجب لكنه غير منطبق على ما نحن فيه، لوضوح أنه لا إيجاب منه تعالى للتكسب على الوصي، بل إيجاب العمل و الترخيص في أخذ الأجرة.
(الثاني) اعتبار الشارع لاستحقاق الصغير لعمل الوصي بعوض، فلا عوض على الواجب، بل إيجاب العمل منبعث عن استحقاق الصغير له، فهو من باب وجوب أداء ما يستحقه الغير.
(الثالث) إيجاب العمل على الوصي بأجرة المثل، و إذا كانت طبيعة الوجوب منافية للأجرة فلا فرق بين أن يكون العوض المنافي بجعل الشارع أو بجعل المكلف، و لذا قلنا سابقا إنّ التقييد بالعوض و الإطلاق من حيث المجانية و التعويض محال، و منه تعرف أنه لا بدّ في مثل هذا الفرع من استكشاف استحقاق الصغير شرعا للعمل من
1) المكاسب: ص 62.
الوصي، و هو يجامع جعله بعوض، و هذا جواب مخصوص به و بأمثاله و لا يجري في الواجبات النظامية، لوضوح أن أحدا من الناس لا يستحق فعل الخياطة من الخياط و البناء من البنّاء بحيث يكون فعل الخياطة من باب أداء ما يملكه الغير منه.
ثانيها: وجوب بذل المال للمضطر عينا مع أنه لا شبهة في لزوم العوض عليه، و أجاب عنه «قدّس سرّه» (1)و تبعه عليه غيره بأن العوض للمبذول لا للبذل، فما هو الواجب شيء و ما يؤخذ عوضه شيء آخر.
قلت: (أولا) ان بذل المال للمضطر إن كان أعم من بذل العين و من بذل العمل فالبذل و المبذول في الثاني شيء واحد، لما مرّ من أنه ليس بذل العمل إلا إيجاده و لا أخذه قهرا عليه إلا استيفاؤه. و قد عرفت ما في دعوى الفرق بين بذل العمل و المبذول بلحاظ الإصدار و الصدور المفسر بعدم البخل عن الطبابة و بنفس الطبابة فراجع.
و (ثانيا) ان البذل في الأعيان و إن كان غير المبذول إلا أن ملاك سلب الاحترام عنده «قدّس سرّه» بأخذه منه من دون اذنه و رضاه، و كما أنه يقهر العامل على عمله و يستوفي منه من دون اذنه و رضاه و يكون هذا سلبا لاحترام عمله كذلك إذا اضطر الى طعامه و شرابه، فإنه يؤخذ منه الطعام و الشراب قهرا عليه و من دون اذنه و رضاه إذا امتنع عن بذلهما، فالإيجاب و إن كان متعلقا بفعله و هو بذله إلا أن لازمه عدم دخل اذنه و رضاه في التصرف، و هو ملاك سلب الاحترام، و المفروض أن المال الذي لا احترام له لا عوض له و لا تدارك له. نعم بناء على ما قدمنا من أن لازم الإيجاب و الترخيص في الأخذ و الاستيفاء سقوط احترام ملكه و سلطانه لا سقوط احترام المال بما هو مال فلا يذهب هدرا يصح قول المشهور بلزوم العوض للمال، إلا أنه لا فرق فيه بين الأعمال و الأعيان، لكنه خلاف مبني الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» حيث بنى على سقوط الاحترام رأسا بمجرد الإيجاب (2).
ثالثها: وجوب إرضاع اللبإ على الأم المرضعة مع جواز أخذ الأجرة، و أجاب عنه بأنه من حيث نفس اللبأ يشبه بذل المال للمضطر، فالعوض للبإ لا للإرضاع الواجب، و من وجه يشبه عمل الوصي فيكون من إيجاب العمل بعوض شرعا.
قلت: قد عرفت ما في الوجهين من الإشكال.
كما يدعى في تجهيز الميت و انه للميت حق التجهيز على الأحياء، و كما في تعليم الجاهل، فإنه ربما يدعى أنه للجاهل حق التعليم على العالم.
فإن أريد بعد فرض استفادة الحق أن اعتبار الاستحقاق يمنع عن إيقاع العقد المعاوضي عليه فهو كما أفيد، إلا أنه ليس من حيث أخذ العوض على ما يستحق منه الغير، بل بعد فرض الاستحقاق شرعا لا يعقل إيقاع أيّ عقد كان معاوضيا أو غير معاوضي، لأن جعل المستحق للعمل مستحقا له غير معقول، لأنه إما من قبيل تحصيل الحاصل أو من قبيل اجتماع المماثل مع المماثل و كلاهما محال.
و إن أريد أن مجرد الحق يمنع عن كونه بعوض كما ادعيناه في إيجاب العمل بعوض فهو غير سديد، لأن تمليك العمل مالكيا أو شرعيا كما يكون مجانا كذلك يكون بعوض بخلاف إيجاب العمل بعوض، فإنه غير مشروط ببذل العوض، و الإيجاب إذا كان مطلقا غير منوط ببذل العوض فلا محالة يكون المكلف مقهورا في إيجاده بعوض من دون اذنه و رضاه، و ملاك سقوط العمل عن احترام عند من يقول به كالشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في مكاسبه (1)و من وافقه عليه ليس إلا مقهوريته المسقطة لإذنه و رضاه، و الإيجاب المطلق لا يجامع التقييد بالعوض، و لذا قلنا باستحالة التقييد و الإطلاق معا.
و أما الإيجاب المنبعث عن استحقاق العمل بعوض فهو من باب وجوب أداء
1) المكاسب: ص 63.
ما يستحقه الغير بعوض، فلا يعقل أن يمنع عن موضوعه المترتب عليه، و عليه فاذا كان اعتبار الاستحقاق تارة بنحو المجانية و اخرى بنحو العوضية فمجرد دلالة الدليل على الاستحقاق للعمل لا يجدي في سقوط الاحترام ما لم يدل على أن استحقاق العمل بنحو المجانية، و حيث إنه عمل محترم لا دليل على إسقاط احترامه فللعامل مطالبة اجرة مثل عمله و إن لم يتمكن من إيقاع عقد المعاوضة بل مطلق العقد عليه.
نعم من يدعي اعتبار استحقاق الميت للتجهيز و الجاهل للتعليم يدعي المجانية أيضا، و حيث لا برهان لهم على شيء من الاستحقاق و المجانية فلذا أحالوه إلى لطف القريحة رزقنا اللّه تعالى ذلك. و بالجملة إن كان هناك إجماع فهو و إلا فقد عرفت من جميع ما ذكرنا من أول المسألة إلى هنا عدم منافاة الوجوب بما هو وجوب لأخذ الأجرة من دون فرق بين أنحائه من العيني و الكفائي و التعييني و التخييري، و عدم دليل على اعتبار الحق و المجانية فيما أرسلوه إرسال المسلّمات. فتدبر في أطراف ما ذكرناه من النقض و الإبرام، فإنه حقيق بالتدبر التام.
و حيث إن المانع هي التعبدية فلا فرق في هذه المرحلة بين الواجب و المستحب. و المعروف أن أخذ الأجرة و قصد استحقاقها مناف للإخلاص المعتبر في العبادة فلا تقع عبادة حتى يستحق بها الأجرة، كما أن المعروف في دفع المنافاة ان قصد استحقاق الأجرة بنحو داعي الداعي و في طول قصد الامتثال، لا في عرضه حتى يمنع من الإخلاص في العبادة. و أورد عليه تارة بأن قصد استحقاق الأجرة في عرض قصد الامتثال و شريك العلة، و اخرى بتسليم الطولية و دعوى اعتبار الإخلاص طولا كما يعتبر عرضا بحيث ينتهي اليه تعالى.
أما الأول: فقد بيّنه بعض أعلام العصر «قدّس سرّه» في تعليقته (1)على
1) راجع تعليقة الشيخ محمد تقي الشيرازي على المكاسب المحرمة في بحث مما يحرم التكسب به، ما يجب على الإنسان فعله، ص 143.
مكاسب الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» بوجهين:
أحدهما: أن تحقق العنوان المستأجر عليه أعني العبادة يتوقف على حصول أمرين: (الأول) ذات العبادة و هو فعل الصلاة مثلا. و (الثاني) عنوان الامتثال، فالقاصد إلى العبادة يقصد تحقق العنوان المستأجر عليه بكل من جزئية، فيكون الداعي بالإضافة إلى نفس الفعل أمرين: (الأول) تحقق هذا الجزء من المستأجر عليه. و (الثاني) قصد الامتثال، فيكون من قبيل التشريك في الداعي لا من قبيل داعي الداعي، و إنما يكون من قبيل الداعي للداعي إذا كان المستأجر عليه نفس الامتثال و من الواضح أن المستأجر عليه هو العمل العبادي لا التعبد بالعمل. هذا ملخص ما أفيد.
و الجواب أن مورد الإجارة ليس ذات الصلاة و قصد الامتثال حتى يقصد عنوان المستأجر عليه بجزئيه، بل مورد الإجارة هي الصلاة عن قصد الامتثال، و ليس ذات المقيد و التقيد بما هما ملحوظان بنحو المعنى الاسمي موردا للإجارة، بل بما هما ملحوظان بنحو المعنى الحرفي بلحاظ المقيد بما هو مقيد، و كما لا يكون ذات المقيد و التقيد في مورد الأمر بالمقيد واجبين لا نفسيا و لا مقدميا كذلك لا يكون شيء منهما موردا للغاية و للإجارة، فلا شريك لقصد الامتثال في مرحلة انبعاث فعل الصلاة عنه، و يكون قصد تحقق العنوان المستأجر عليه و قصد استحقاق الأجرة في طول فعل الصلاة عن قصد الامتثال، فيقصد بالصلاة المأتي بها بداعي الامتثال تحقق العنوان المستأجر عليه و استحقاق الأجرة عليه. و بقية الكلام في رسالتنا المعمولة في هذه المسألة.
ثانيهما: أن الامتثال تارة يكون بذاته داعيا مع قطع النظر عن خصوصية، و اخرى يكون داعيا باعتبار كونه مقتضيا لاستحقاق الأجرة، فالامتثال على الأول علة تامة للفعل و على الثاني علة ناقصة و متممها حيثية استحقاق الأجرة، فالعلة على التقريب الأول مركبة من جزئين خارجا و على الثاني مركبة تحليلا، لفرض كون استحقاق الأجرة من خصوصيات الامتثال و من متمماته في مرحلة عليته.
و الجواب أن المراد بكون استحقاق الأجرة خصوصية في الامتثال اما كون الخاص بما هو خاص علة، أو كون ذات الخاص علة، و الخصوصية المذكورة شرطا في تأثير ذات العلة، و كلا الأمرين غير صحيح.
أما الأول: فلأن المفروض كون الفعل المأتي به بعنوان الامتثال موردا للإجارة، فالغاية الثانية أعني استحقاق الأجرة غاية للمغيّى بالغاية الأولى أي الامتثال، فلا يعقل أن تكون الغاية الثانية غاية للغاية الأولى حتى يعقل أن تكون من خصوصياتها و شئونها و أن تكون العلة الغائية أمرا خاصا.
و أما الثاني: فتوضيح الحال فيه أن موافقة المأتي به للمأمور به هي الغاية لإتيانه من دون جعل و علية، و استحقاق الأجرة ليس غاية لا لذات الفعل و لا لغايته، و إلا لزم الخلف من كون مورد الإجارة هو المغيى بما هو مغي بل غاية للمغيّى بما هو مغي، و معنى علية الغاية المترتبة على ذات الفعل تأثيرها في إتيان الفعل بقصد الموافقة و الامتثال، و معنى علية الغاية المرتبة على المغيى بما هو تأثيرها في فعل الصلاة عن قصد الموافقة لا في ذات الفعل و لا في نفس الغاية، و اما تأثيرها في قصد الفعل بعنوان الموافقة فهو معنى كونه علة غائية للمغيّى بما هو مغي، و هو مساوق لانحفاظ العلة الغائية لذات الفعل، و انبعاث الفعل عن قصده بعنوان الامتثال و موافقة الأمر و انبعاث قصده بهذا العنوان عن قصد استحقاق الأجرة غير ضائر بعلية العلة لذات الفعل بنحو التمامية، كما في كل معلول لعلة هي معلولة لعلة أخرى، فإنه لا يوجب نقصا في علة الفعل و لا دخلا في علّيته لذات الفعل. فتدبره فإنه حقيق به.
و أما الثاني: و هو تسليم الطولية و اعتبار الإخلاص طولا فلعل الوجه فيه لزوم تمحض العبادة في وقوعها على وجه الإخلاص، فكأن النتيجة تابعة لأخس المقدمات، فاذا لم تنته سلسلة العلل اليه تعالى فهي بالآخرة غير خالصة لوجه اللّه تعالى، و لذا أجاب جماعة عن النقض بالصلاة لسعة الرزق و لأداء الدين و لقضاء الحاجة بأن الكل مطلوب من اللّه تعالى فلم تنقطع سلسلة العلل عنه تعالى.
و التحقيق: أن اعتبار لزوم الإخلاص عرضا لمكان التشريك في العلة المنبعث
عنها العمل، بخلاف عدم الإخلاص طولا، فان فرضه فرض انبعاث العمل عن علة تامة متمحضة في الإخلاص الذي لا يراد منه إلا خلوص الداعي عن الشريك.
نعم الخلوص طولا كمال العبادة، و لذا قسمت العبادة المفروغ عن عباديتها الى عبادة الأحرار و عبادة التجار و عبادة العبيد.
و الوجه في عدم اعتبار الإخلاص طولا هو أن الغرض من الواجب و إن كان يختلف من حيث ترتبه على ذات الفعل فيكون الواجب توصليا و من حيث مساوقته للقرب فيكون تعبديا، و لا تعلم كيفيته إلا من قبل الشارع، لكن وقوع الفعل عبادة إنما هو بحكم العقل و ضابطه وقوع الفعل على وجه ينطبق عليه عنوان ممدوح على فاعله من طريق دعوة الأمر، فالفعل المنبعث عن دعوة الأمر عدل في العبودية و إحسان إلى المولى، و هو من العناوين الممدوح على فاعلها بالذات، و لا يعقل تخلف هذا العنوان الحسن بالذات عن الفعل المأتي به بداعي الأمر، كما لا يعقل تخلف كونه ممدوحا على فاعله عن هذا العنوان الحسن بالذات، و من الواضح أن ترتب فائدة دنيوية على هذا الفعل الممدوح على فاعله لا يخرجه عن كونه ممدوحا على فاعله، فلا يعقل اعتبار غير حصول العنوان الحسن بالذات في صيرورة الفعل ممدوحا على فاعله، كما لا يعقل مانعية ترتب غرض على الممدوح عن وقوعه ممدوحا على فاعله مع فرض ترتبه عليه، فان ما يتفرع على الشيء لا يعقل أن يكون مانعا عنه.
و مما يشهد لما ذكرنا التسالم على صحة الصلاة المأتي بها بداعي الأمر إذا كانت غاية الامتثال جلب الثواب أو دفع العقاب، و كون الثواب و العقاب منه تعالى لا يوجب اتصاف الفعل بعنوان حسن مضاف الى المولى بذاته ليكون ممدوحا عليه حتّى طولا، فان كل نفع و ضرر منه تعالى، بل كل موجود ينتهي بسلسلة مباديه و علله الى واجب الوجود، و منه تعرف أنه لا يعقل تأكد العبادية و الإخلاص بهما فإنه إنما يعقل ذلك إذا كانت الغاية بحيث تكون مصححة بذاتها للعبادية، مع أنه من المتسالم عليه أنّه لو صلى بداعي الثواب أو الفرار من العقاب لم تصح صلاته، و لذا
قال الشهيد «قدّس سرّه» في قواعده قطع الأصحاب ببطلان العبادة إذا اتى بها بداعي الثواب أو دفع العقاب (1)، و لا بد من أن يكون مراده «قدّس سرّه» ما إذا كانت الغاية المزبورة غاية لنفس الفعل لا للمأتي به بداعي الأمر، فإن الغالب حصولها من الناس بأحد الداعيين، و لا يعقل أن تكون الغايتان غاية لذات الفعل، إذ لا يترتب على ذات الفعل ثواب و لا يدفع بها فقط عقاب كما لا يخفى.
و منه تعرف الجواب عما ذكروه فارقا بين الصلاة المأتي بها بعنوان الامتثال بقصد استحقاق الأجرة، و الصلاة المأتي بها كذلك لسعة الرزق و لأداء الدين و لقضاء الحاجة، فإنّ شيئا من تلك الغايات لو كانت وحدها لما أثرت في عبادية العمل فكيف تكون مؤكدة للعبادية و الإخلاص، و كونها منه تعالى غير إتيان الفعل بداعي الالتجاء اليه تعالى في التوسعة أو في أداء الدين أو في قضاء الحاجة حتى يقال إن الالتجاء اليه تعالى في المهمات غاية العدل في العبودية و نهاية الانقياد له تعالى، و لا أظن بمن يصحح العبادة أن يلتزم ببطلان العبادة المأتي بها بداعي الأمر قاصدا به سعة الرزق الموعود بها على فعلها من دون إضافة عنوان الالتجاء و غيره من العناوين الحسنة اليه. و بقية الكلام في رسالة أخذ الأجرة على الواجبات فراجعها.
و ربما يوجه الإخلاص طولا فيما نحن فيه بأحد وجهين، إما بملاحظة عنوان الوفاء بعقد الإجارة و إما بملاحظة قصد امتثال الأمر الإجاري:
أما الأول: فبتقريب أن الوفاء بالعقد أمر محبوب عقلا و شرعا، و هو من صفات المؤمنين. فغاية العمل العبادي أيضا محبوبة. و يندفع بأن الإتيان لهذه الغاية و إن كان محبوبا إلا أن الكلام في تصحيح ما بأيدي الاجراء من إتيان الصلاة بداعي أمرها قاصدا بها استحقاق الأجرة، و ليس مجرد تسليم ما يستحقه الغير محققا لعنوان الوفاء المحبوب عقلا، فإنه قصدي لا يتحقق إلا بإتيانه بعنوان الوفاء بالعقد لا بعنوان أداء مال الغير كسائر موارد أداء مال الغير اليه. و بقية الكلام فيه موكولة إلى
1) القواعد و الفوائد: ج 1، ص 77. الفائدة الثانية.
الرسالة المشار إليها.
و أما الثاني: و هو تصحيح الإخلاص بامتثال الأمر الإجاري فهو على قسمين:
(أحدهما) ما عن كاشف الغطاء و صاحب الجواهر «قدس سرّهما» بتوسيط الأمر الصلاتي و تأكيده بالأمر الإجاري فيتأكد الطلب و تتأكد الدعوة و الإخلاص، فإن أريد التأكد الحقيقي و خروج الطلب من حد الضعف الى حد الشدة فهو موقوف على ورود الأمرين على موضوع واحد، و من الواضح أن مورد الأمر الصلاتي ذات الصلاة و مورد الأمر الإجاري الصلاة المأتي بها بداعي أمرها، و مع تعدد الموضوع يستحيل تأكد الطلب، و ان أريد مجرد انحفاظ الإخلاص طولا و ان الداعي الأول امتثال الأمر و الداعي الثاني أيضا امتثال الأمر فسلسلة العلل منتهية إليه تعالى من حيث امتثال أوامره الطولية فهو صحيح، إلا أن مرجعه إلى إمكان التحفظ على الإخلاص إلى الآخر لا تصحيح العبادة المستأجر عليها، إذ لا ملزم من طريق الإجارة موضوعا و حكما بقصد امتثال الأمر الإجاري كما يتضح إن شاء اللّه تعالى.
(ثانيهما) بإلغاء الأمر بالصلاة عن الوساطة في العبادية، و تصحيح العبادية بنفس امتثال الأمر الإجاري، و له تقريبان:
الأول: ان الأمر الإجاري و إن كان توصليا مطلقا إلا أن التوصلي لا يجب التقرب به لا أنه لا يمكن التقرب به، و لا فرق في العبادية بين وقوع العمل بداعي الامتثال بعنوانه الأولي أو بعنوانه الثانوي.
و يندفع بأن مورد الإجارة اما ذات العمل، فلازمه سقوط الأمر الإجاري و استحقاق الأجرة بمجرد إيجاد العمل، و هو هنا خلف و خلاف الواقع، و اما العمل بداعي الأمر الصلاتي، فالمفروض عند هذا القائل عدم كفايته في العبادية و الخلوص في موقع الإجارة، فلا يعقل تعلق الإجارة بمثله، فإنه يلزم من وجوده عدمه، و اما العمل بداعي امتثال الأمر الإجاري، فيلزم من تعلق الأمر الإجاري بما أخذ فيه امتثال الأمر الإجاري محذور الدور على المشهور و محذور الخلف على التحقيق، و اما العمل بداعي الأمر بلا تعين للأمر الصلاتي و الأمر الإجاري حتى
يلزم أحد المحذورين، فهو غير معقول، إذ بعد عدم فرض الإهمال في الواقع لا معنى للتقييد بداعي الأمر إلا اللابشرط القسمي، و كما أن التقييد بالأمر الصلاتي و التقييد بالأمر الإجاري محال للمحاذير المتقدمة كذلك الإطلاق محال. فتدبر.
الثاني: أن الأمر الإجاري توصلي فيما إذا كان مورده من التوصليات و تعبدي فيما إذا كان مورده من التعبديات، نظير الأمر بتصديق العادل، فإنه إيجاب لما أخبر بوجوبه العادل، فان كان مورده مثل الصلاة كان مرجع إيجاب التصديق إلى إيجاب الصلاة، و هو تعبدي، و إن كان مورده مثل رد السلام كان إيجاب الرد توصليا، فكذا هنا، فان مورد الإجارة إذا كان مثل الصلاة و الصيام كان مرجع الأمر الإجاري إلى إيجاب الصلاة و الصيام، و هما تعبديان، و إذا كان مثل الخياطة و الكتابة كان معنى الأمر الإجاري إيجاب الخياطة و الكتابة، و هما توصليان، و ما هو الدليل على لزوم قصد الامتثال في الأمر بالصلاة واقعا هو الدليل على الأمر بها بالأمر الإجاري، فإنه لا فرق في الصلاة التي سنخها سنخ التعبدي بين أنحاء الأمر بها.
و يندفع بأن الأمر الإجاري متعلق بالوفاء، و هو عنوان للصلاة المأتي بها بداعي الامتثال، فلا يعقل أن يتعلق الأمر الإجاري بذات الصلاة، لعدم كونها مصداقا للوفاء، و مع فرض تعلق الأمر الإجاري بالصلاة المأتي بها بداعي الامتثال فهو توصلي مطلقا نظير الأمر الثاني بإتيان الصلاة بداعي أمرها، فإنه توصلي دائما.
فتدبر جيدا في أطراف ما ذكرنا، و قد تحقق بذلك عدم منافاة التعبدية للاستيجار كعدم منافاة الوجوب بما هو للاستيجار.
بحيث يمنع عن أخذ الأجرة على العمل العبادي النيابي، و الاشكال فيها من جهات:
(الاولى) ما هو الإشكال في الواجب التعبدي غير النيابي من منافاة أخذ الأجرة للتحفظ على الإخلاص المعتبر في العبادة إما عرضا أو طولا.
(الثانية) أن النائب لا أمر له بذات العمل، فلا يمكنه التقرب، و أوامر النيابة
توصلية، و على فرض تقرب النائب بأمر النيابة فهو تقرب له بالإضافة إلى أمر نفسه لا بأمر المنوب عنه المتعلق بالمنوب فيه.
(الثالثة) أن التقرب اللازم في العمل العبادي النيابي غير قابل للنيابة، فتقرب النائب يوجب قرب نفسه لا قرب المنوب عنه، فالقرب المعنوي كالقرب الحسي فان تقرب شخص من شخص مكانا يوجب قربه منه لا قرب غيره و إن قصده ألف مرة، و سيجيء إن شاء اللّه تعالى توضيح القول في كل جهة من الجهات.
فقد أجيب عنها بوجوه كلها مبنية على مغايرة ما تؤخذ بإزائه الأجرة و ما يترتب عليه القرب و يتقوم بالتقرب إما حقيقة أو اعتبارا، أما التعدد الحقيقي فله تقريبان:
أحدهما: ما فهمه غير واحد من كلمات الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في مكاسبه (1)من أن النائب له فعلان: جانحي قلبي و جارحي عيني، فما هو فعل قلبي هو تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه و هي حقيقة النيابة و بإزائها الأجرة، و ما هو من أفعال الجوارح و هي ذات الصلاة لا اجرة عليه، فالاخلاص فيها محفوظ بعد كون الغاية الأخرى مترتبة على فعل آخر، فيكون هذا هو الفارق بين أخذ الأجرة في باب النيابة و أخذ الأجرة على الواجب التعبدي على نفسه.
ثانيهما: ما حكاه الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» (2)في رسالة القضاء عن الميت من أن الصلاة لها قيدان: (أحدهما) كونها عن قصد القربة. و (ثانيهما) كونها عن الغير، و ما تؤخذ عليه الأجرة هو القيد الثاني دون الصلاة بقصد القربة أو نفس امتثال الأمر، فلا أجرة على المقيد و لا على القيد، و هذا الوجه يفترق عن الوجه الأول مع تفرعه على التنزيل المزبور بأن الأجرة ليست بإزاء التنزيل بل بإزاء قيد الصلاة، و هو مباين ذاتا و وجودا مع ذات المقيد و مع القيد الآخر كما في كل مقيد و قيده، فان قيده خارج عنه و إن كان التقيد به مقوما له و داخلا فيه، هذا بناء على
التعدد الحقيقي.
و أما التعدد الاعتباري فله أيضا تقريبان: (الأول) ما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» في كتاب القضاء ناقلا له عن شيخه العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» حيث قال «قدّس سرّه»: و أما ما تلقيناه من الأستاذ فهو: ان النيابة عنوان يلحق الفعل المنوب فيه و به يصير متعلقا للإجارة و هو كون الصلاة عن فلان، فالصلاة من حيث ذاتها عبادة، و من حيث وصفها أعني تقيدها بكونها عن الغير معاملة محضة، نظير الصلاة و الصوم في البيت، فكما أن اعتبار القربة في الصلاة لا ينافي عدمها من حيث وقوعها في البيت حتى انه يجوز أخذ الأجرة على إيقاع الصلاة في البيت كذلك لا تنافي القربة في فعلها ذاتا عدم القربة نيابة. انتهى كلامه رفع مقامه.
فالعمل القربي و العمل النيابي متحدان وجودا و مختلفان باعتبار ملاحظة ذات المقيد و ملاحظة المقيد بما هو مقيد، فالأجرة بإزاء المقيد بما هو مقيد، كما كانت في الوجه السابق بإزاء القيد المباين مع ذات المقيد وجودا.
(الثاني) ما هو صريح كلام الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» (1)في مكاسبه بعد النقض و الإبرام، و هو أن الصلاة الموجودة في الخارج لها اعتباران، بأحد الاعتبارين هو فعل النائب و باعتبار آخر هو فعل المنوب عنه، فباعتبار كونها فعل النائب لا يجب التقرب فيها حتى يمنع عن أخذ الأجرة عليه، و باعتبار كونها فعل المنوب عنه مقربة للمنوب عنه، و لا معنى للاستيجار على فعل الغير، فلا أجرة عليه بما هو فعل الغير، فلا مانع من وقوعه قربيا محضا عن المنوب عنه، فأخذ الأجرة إنما ينافي الإخلاص و لو في فعلين إذا كانا فعل شخص واحد، و أما إذا انتسب الى شخصين و كان فعلا لشخصين و لو اعتبارا فلا مانع من أن يكون بأحد الاعتبارين قربيا و بالاعتبار الآخر غير قربي، و مما ذكرنا تبين الفرق بينه و بين سائر الوجوه حتى الوجه الأخير المبني على مباينة ذات المقيد للمقيد بما هو مقيد اعتبارا،
1) المكاسب: ص 345.
فإن مبني الجميع على تصحيح الإخلاص و لو مع وحدة الانتساب، و مبني هذا الوجه على التصحيح من ناحية تعدد الانتساب هذا مجموع ما وقفت عليه من الجواب عن الاشكال من الجهة الأولى المشتهرة في كلمات الأصحاب.
و الجواب عن الوجه الأول (أولا) أن المستأجر عليه لو كان مجرد النيابة بمعنى التنزيل النفساني فهو كاف في استحقاق الأجرة و إن لم يتعقبه عمل، و توهم تقوم التنزيل بما ينزل فيه و هي الصلاة مدفوع بأن فعل الصلاة يقوم التنزيل النفساني في أفق الاعتبار لا في الخارج، و يستحيل تقوم الفعل القلبي و التنزيل الفرضي بأمر خارج عن أفق النفس و الاعتبار.
(و ثانيا) أن مجرد تعدد الوجود يدفع إشكال التشريك في الداعي و صيرورة أخذ الأجرة جزء العلة، فلا يمنع عن تمحض الخلوص عرضا، و أما طولا فلا، حيث لا يصلّى بقصد القربة إلا لمكان التنزيل و لا ينزل نفسه منزلة الغير إلا لأخذ الأجرة.
فالاخلاص الطولي غير منحفظ لانتهاء سلسلة العلل الغائية إلى غاية غير قريبة، و منه يتضح الجواب عن الوجه الثاني، فإنّ إشكال استحقاق الأجرة بمجرد التنزيل و إن كان لا يرد عليه، لعدم انفكاك المقيد عن قيده الخارجي، إلا أن الاشكال الثاني مشترك الورود بين الوجهين، إذ لو لا الأجرة لما أوجد الصلاة المتقرب بها متقيدة بكونها عن الغير، فلا إخلاص طولا، و المفروض عندهم لزوم الإخلاص طولا، و إلا فما الفرق بين العمل النيابي و غيره في لزوم الإخلاص عرضا و طولا.
و أما الوجه الثالث فمندفع باستحالة انبعاث عمل واحد عن داعيين مستقلين و لو باعتبار عنوانين. فلا محالة يكون أحد الداعيين في طول الآخر و معه لا إخلاص طولا، و مجرد زيادة عنوان النيابة على العمل القربي لا يوجب الفرق بين التعبدي الأصلي و النيابي في رعاية الإخلاص طولا، و إرجاع الجواب الى جعل الأجرة على التقيد لا على المقيد بما هو مع أنه خلف لا يجدي في انحفاظ الإخلاص الطولي. و أما
ما ذكره «قدّس سرّه» (1)من التنظير بإيقاع الصلاة في البيت، فإن أريد الاستيجار على إيجاد الصلاة في البيت فهو مبنيّ على كفاية داعي الداعي، و لا يقولون به على الفرض. و إن أريد به الاستيجار على الكون في البيت المقارن لفعل الصلاة كما يشهد له مثال الصوم الذي لا اتحاد له مع الكون في البيت فهو خارج عما نحن فيه من الاستيجار على العمل القربيّ النيابي، لا على التنزيل المقارن أو غيره من المقارنات.
و أما الوجه الرابع فالجواب عنه أن جهة النيابة و صيرورة العامل غيره واسطة في العروض. فالفعل الصادر بقصد القربة عن النائب بالمباشرة و بالذات فعل المنوب عنه بالعرض، لا أنه واسطة في الثبوت حتى يتوهم تأخر دعوة استحقاق الأجرة عن جهة النيابة، و مثله لا يعقل أن يكون ملحوظا في المنسوب الى المنوب عنه، بل واسطة في عروضه للمنوب عنه، فهو بعد التنزيل أيضا فعل النائب بالمباشرة و فعل المنوب عنه بالعرض بملاحظة الهوهوية المتحققة بالتنزيل، و هو بالوجدان له داعيان طوليان: أحدهما امتثال الأمر بالصلاة و الآخر استحقاق الأجرة على العمل القربي النيابي لا على النيابة. فليس هناك فعل متمحض في الإخلاص طولا حتى يكون منسوبا الى المنوب عنه. بل تمام ما هو منسوب إلى النائب بالذات منسوب الى المنوب عنه بالعرض.
و من جميع ما ذكرنا تبين أن إلغاء حديث التنزيل النفساني- و الالتزام بأن المستأجر عليه تفريغ ذمة المنوب عنه بفعل الصلاة بقصد الامتثال عنه و انه لا اجرة على نفس العبادة بل على التفريغ- لا يجدي شيئا، فإن التفريغ فعل توليدي من الصلاة عن المنوب عنه. فان كان الفعل التوليدي عين المتولد منه وجودا فالأجرة على العبادة بعنوانها الثانوي. و إن كان مغايرا له لم ينحفظ الإخلاص طولا، إذ لا داعي إلى الصلاة المتقرب بأمرها عن الغير إلا تفريغ ذمته، و لا داعي إلى التفريغ إلا
1) راجع المكاسب: ص 345.
أخذ الأجرة، فلا محيص من القول بكفاية داعي الداعي و عدم لزوم الإخلاص طولا، فلا مانع من أخذ الأجرة على العمل القربي النيابي، لا على النيابة بمعنى التنزيل النفساني، و لا على التفريغ التوليدي، مع أنهما لا مالية لهما و لا يقابلان بالمال عرفا، و إنما المبذول بإزائه المال نفس العمل الصلاتي. فتدبر جيدا.
و هي مطالبة الأمر الذي يتقرب به النائب حتى يكون عمله عبادة منسوبة إلى المنوب عنه فقد أجيب عنها بوجوه:
أحدها: ما عن بعض الأعلام «قدّس سرّه» في كتاب القضاء من أن النيابة من الأمور الاعتبارية العقلائية التي لها آثار عند العقلاء، فاذا كانت ممضاة شرعا كان مقتضاها ترتب تلك الآثار عليها، و إلا فلا معنى لإمضائها، فكما أن الضمان أمر اعتباري عقلائي و فائدة صيرورة الضامن بمنزلة المضمون عنه و صيرورة ما في ذمة المضمون عنه دينا على الضامن كذلك إذا كان المنوب فيه من العبادات، فان معنى ترتيب فائدة النيابة الاعتبارية عليها شرعا توجه تكليف المنوب عنه إلى النائب، إذ لا معنى للمنزلة إلا ثبوت ما كان للمنوب عنه في حق النائب من الأحكام التكليفية و آثارها، هذا ملخص ما أفيد.
فإن أريد توجه تكليف المنوب عنه إلى النائب حقيقة فهو محال، لأن الإضافات و الاعتباريات تشخصها بتشخص أطرافها، فيستحيل خروجها من حد الى حد مع بقائها على شخصيتها.
و إن أريد انتساب تكليف المنوب عنه بعد التنزيل إلى النائب بالعرض، نظرا الى أن ذات النائب نزلت منزلة ذات المنوب عنه، فهو هو بالعناية فكذا فعله فعله بالعناية و كذا أمره أمره بالعناية، ففيه أن التكليف العرضي لا يجدي في الانبعاث الحقيقي، مع أنه مضايف للبعث الحقيقي، و لا يختلف المتضايفان في القوة و الفعلية و الذاتية و العرضية، و قصد الامتثال على الفرض مترتب على الأمر الحقيقي.
و إن أريد أن مقتضى تنزيل الذات منزلة ذات أخرى شرعا جعل تكليف مماثل جدّا لتكليف المنوب عنه، فإنّ تنزيل ذات النائب منزلة ذات المنوب عنه
و ألهو هوية بينهما كتنزيل المؤدى منزلة الواقع في باب الخبر، حيث لا يكون إلا بجعل ما يماثل الواقع، فالتكليف المماثل و إن كان حقيقيا في حد نفسه إلا أنه بعناية أنه الواقع، فهو تكليف حقيقي من حيث ذاته و واقعي من حيث العنوان عناية فكذا هنا، فتكليف النائب حقيقي من حيث نفسه و تكليف المنوب عنه عينا بالعناية، و هو معنى توجه تكليف المنوب عنه إلى النائب، و هو غاية ما يمكن توجيه التوجه المذكور في هذا الكلام، فهو معنى صحيح لكنه لا يقتضي تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه إلا الانتساب العرضي غير المفيد، بل هو أمر معقول يحتاج الى دليل، و ليس مجرد الإمضاء دالا على هذا المعنى، بل على صحة الانتساب و أعمية الغرض المترتب على الفعل من حيث كونه منسوبا بالذات أو بالعرض كما في التوصليات من العقود و الإيقاعات نعم إذا لم يمكن قصد الامتثال إلا بتوجيه تكليف حقيقي إلى النائب كشف دليل مشروعية النيابة في العبادة بدلالة الاقتضاء عن جعل حكم مماثل لتكليف المنوب عنه بعناية أنه هو، و سيجيء إن شاء اللّه تعالى إمكانه بدونه.
ثانيها: ما عن بعض أجلة العصر حاكيا له عن سيده الأستاذ طاب ثراه من أن مباشرة الفاعل قد تكون دخيلة في الغرض المترقب من الفعل للمولى، فلا يسقط الأمر بفعل الغير و لو كان توصليا. و قد لا يكون لها دخل في الغرض، فيمكن أن يكون مثل هذا الأمر محركا للغير نحو هذا الفعل مراعاة لصديقه و استخلاصا له عن العقاب و عن بعده عن ساحة المولى. و عليه بنى صحة تقرب النائب بأمر المنوب عنه.
و فيه أن الغرض تارة يترتب على فعل كل منهما بما هما هما، فمثله يجب كفاية لا عينا و هو خارج عن محل الكلام، و اخرى يترتب على فعل المنوب عنه فقط غاية الأمر أنه أعم من المباشري و التسبيبي بل على الأعم من ما بالذات و ما بالعرض، فمثله يوجب توجه تكليف حقيقي إلى المنوب عنه فيحركه نحو الفعل الأعم من المباشرة و التسبيب، و يستحيل أن يكون المحرك المتقوم بالمنوب عنه محركا حقيقة لغيره و لو كان الغرض أعم، إذ أعمية الغرض لا توجب إمكان المحال، غاية الأمر أنه يسقط
التكليف بسقوط غرضه الحاصل بفعل الغير إذا كان توصليا، و حيث إن المفروض تعبدية الواجب فلا يسقط الغرض إلا بفرض قصد الامتثال. و المفروض أنه لا يمكن قصد الامتثال إلا من طريق محركية الأمر، فما ذكره «رحمه اللّه»- من أنه يأتي بالفعل مراعاة لصديقه و استخلاصا له من العقاب- غير معقول، لمساوقة حصول الغرض مع التقرب و لا يسقط العقاب و لا يتخلص منه إلا بتحصيل الغرض كما عرفت.
ثالثها: ما عن شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» على ما أفاده في بحثه لكتاب القضاء و في غيره من أن فعل النائب تارة باستنابة من المنوب عنه، و اخرى بمجرد نيابة الغير من دون استنابته، فان كان بنحو الاستنابة فالمنوب عنه كما يتقرب بأمره بفعله المباشري كذلك يتقرب بأمره بفعله التسبيبي، فلا حاجة الى تقرب النائب حتى يطالب بالأمر المقرب له، فالتوسعة حينئذ في الآلة العاملة لا في الأمر المتعلق بالعمل، و إن كان لا باستنابته بل بمجرد النيابة عنه تبرعا مثلا فرضي المنوب عنه بالفعل المحبوب منه كاف في تقربه. و لا حاجة الى تقرب النائب، و مبني الشقين معا على عدم لزوم قصد التقرب من النائب أصلا، بل يأتي بذات العمل القابل للانتساب الى المنوب عنه بمقتضى النيابة المسلمة صحتها في نفسها، و التقرب به شأن المنوب عنه الذي له التكليف اما باستنابته أو برضاه.
و لا يخفى عليك أن الشق الأول و هو التقرب بفعله التسبيبي مبني على إمكان تعلق التكليف بالأعم مما هو تحت اختياره و ما هو تحت اختيار الغير. و بالجملة الفعل التسبيبي ربما لا يتوسط بينه و بين ما يتسبب به إليه إرادة الفاعل المختار، فهذا لا ريب في إمكان تعلق التكليف به، و ربما يتوسط بينه و بين ما يتسبب به إليه إرادة الفاعل المختار، فهو محل الكلام. و ما نحن فيه من قبيل الثاني. فصحة الشق الأول من الجواب مبنية على ذلك. و لتحقيق الحال فيه محل آخر.
و أما الشق الثاني فحيث إنه مشترك مع دفع الاشكال عنده «قدّس سرّه» من الجهة الثالثة فتحقيق الكلام فيه فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. هذا ما وقفت عليه من
وجوه الجواب عن الاشكال من الجهة الثانية.
و التحقيق في دفع الاشكال من هذه الجهة موقوف على تقديم أمرين: (الأول) أن غاية كل فعل هي فائدته القائمة به، و هي بوجودها الخارجي غاية و بوجودها العلمي علة غائية. و الأمر ليس من فوائد الفعل و غاياته بوجوده الخارجي، كيف و هو متقدم عليه، و لا يعقل بقاؤه بعد وجود الفعل كي يترتب عليه ترتب الفائدة على ذيها، فليس بوجوده العلمي علة غائية للفعل حتى يوصف بكونه داعيا و باعثا و انه يوجب انقداح الإرادة على ما توجبه سائر الغايات الداعية المنبعثة عنها إرادة الفعل.
(الثاني) أن موافقة المأتي به للمأمور به من عناوين الفعل، و قصد الامتثال مرجعه الى قصد إتيان المماثل للمأمور به من حيث إنه كذلك في قبال قصد إتيان ذات المماثل، و قصد موافقة الأمر مرجعه الى قصد ما يوافق المأمور به من حيث إنه كذلك، و لا يخفى عليك أن موافقة المأتي به تارة بالإضافة إلى ذات المأمور به و اخرى بالإضافة إلى المأمور به بما هو مأمور به. و مرجع الأول إلى موافقة الفرد للطبيعي، و هو أجنبي عن قصد القربة و لا ينطبق بسبب قصده عنوان من العناوين الحسنة الممدوح على فاعلها عقلا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن النائب تارة يأتي بالفعل الموافق لما أمر به النائب عن المنوب عنه من دون قصد عنوانه بل يدعوه اليه داع آخر، فالفعل المنسوب الى المنوب عنه غير عبادي، و اخرى يأتي بالفعل بقصد كونه موافقا لما أمر به المنوب عنه لا عن المنوب عنه، فالفعل لا يقع عباديا لا عن المنوب عنه و لا عن النائب، اما عدم وقوعه عباديا عن المنوب عنه فلعدم إتيانه عنه، و اما عن النائب فلعدم المضايف فيه، إذ لا مأمور به له حتى يقصد كون المأتي به موافقا للمأمور به، و مجرد كونه موافقا لذات المأمور به لا يجدي في العبادية، و ثالثة يأتي بالفعل بقصد كونه موافقا للمأمور به عن المنوب عنه، فهذا العنوان المقصود حيث إنه عن المنوب عنه فمضايفه بالإضافة إليه فعلي، و بعد فرض انتسابه الى من كان مضايفه فعليا فيه
يمكن إتيان الفعل المعنون بهذا العنوان في ذاته بقصد عنوانه من أيّ شخص كان، حيث لا يتفاوت تعنون الفعل بهذا العنوان بتفاوت الأشخاص و إن كان صيرورته عباديا بقصده لا بد فيها من انتسابه الى من كان مضايف العنوان فعليا فيه.
و لا يخفى عليك أنه لا منافاة بين ما ذكرنا و ما اشتهر من أن الأمر للبعث و التحريك، و ذلك لأن مفاد الهيئة مثلا نزل منزلة التحريك الخارجي، و من البين أن التحريك الخارجي عين الحركة كالإيجاد و الوجود، فلا يعقل أن يكون التحريك غاية للحركة أو أن يكون وجوده العلمي علة غائية لوجودها، فكذا التحريك الاعتباري المطابق للتحريك الخارجي إيجاد تشريعي من المولى لمفاد المادة من العبد. و حيث إن متعلقة فعل اختياري فلا بد من أن يكون موافقة ما أمر به و حركه المولى نحوه علة غائية لحركته نحو المادة، و بهذا الاعتبار نقول ان الأمر لجعل الداعي.
فتدبر جيدا. و لعله لوضوح هذا عند المشهور لم يتعرض أحد منهم للإشكال في قصد الامتثال من ناحية عدم الأمر، و انما تعرضوا لمنافاة أخذ الأجرة لقصد القربة فقط.
فهي ما قدمناه من أن التقرب المعنوي كالتقرب الحسي، و من الواضح أن التقرب و القرب كالإيجاد و الوجود، فلا يعقل تقرب النائب و حصول القرب للمنوب عنه. و ما لم ينتسب الى المنوب عنه عمل قربي له لم تفرغ ذمته عن العمل القربي المكلف به.
و هذا اشكال تفطن له شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» و تبعه عليه بعض أعاظم العصر «قدّس سرّه» و هذا الإشكال ألجأ شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» الى الالتزام بعدم لزوم قصد التقرب على النائب و ان رضي المنوب عنه بما نسب إليه كاف في مقربية العمل له، كما ألجأ بعض الأعاظم «رحمه اللّه» الى إنكار النيابة بالمعنى المعروف و إرجاع النيابة الى ما يساوق إهداء الثواب. إلا أنك بعد ما عرفت من الجواب عن الجهة الثانية تعرف الجواب عن هذه الجهة أيضا، لأن التقرب و القرب و إن كانا من قبيل الإيجاد و الوجود إلا أن التنافي بين تحصيل النائب القرب لنفسه و حصول القرب للمنوب عنه، و اما تحصيل القرب للمنوب عنه فهو مع حصول
القرب للمنوب عنه في كمال الملائمة.
و قد عرفت أن معنى قصد الامتثال و التقرب هو قصد موافقة المأتي به للمأمور به، فاذا كان الفعل بهذا العنوان نيابة عن الغير فهو تحصيل الموافقة في العمل المضاف الى الغير لما أمر به، فمرجع تقرب النائب إلى إيجاد الفعل بالعنوان الحس مضافا الى المنوب عنه فيصدر منه قربيا. و أما ما عن شيخنا الأستاذ «قدّس سرّه» من حديث رضا المنوب عنه و كفايته في صدور العمل منه قربيا بل كفاية رضاه تقديرا مع الغفلة عن نيابة الغير عنه قياسا بوقوع نظيره في الصوم كصوم النائم في تمام النهار، فإنه عبادي و لا معنى لصدوره منه قريبا إلا أنه بحيث لو التفت اليه لكان مرضيا به، و أما الميت فهو دائم الالتفات و دائم الرضا بما يؤتى به عنه من الخيرات.
فتحقيق القول فيه أن غرضه «قدّس سرّه» ليس تعلق التكليف بالأعم من الفعل و من الرضا بما يؤتى به عنه بحيث يكون الرضا أحد فردي الواجب التخييري، لأنه خلف و خلاف الواقع، إذ لا تكليف إلا بالفعل و الكلام في العمل النيابي، و أيضا ليس غرضه «قدّس سرّه» تعلق التكليف بالأعم من الفعل المباشري و الفعل المرضي به، إذ يستحيل تعلق التكليف بما ليس من ايجادات المكلف لا مباشرة و لا تسبيبا، و أيضا ليس الغرض أن صدور الفعل مع الرضا به كاف في القربية، فإنه لو صدر مباشرة عن رضي به لم يكن بمجرده عبادة، بل الغرض أن الفعل المنسوب إليه بالنيابة المشروعة إذا رضي به المنوب عنه بما هو موافق لأمره و بما هو دين اللّه عليه قربي منه بحيث لو صدر منه مباشرة من حيث كونه موافقا لأمره و دين اللّه عليه لكان مقربا له بلا شبهة، فتارة تكون العبادة مصداقا إيجاد العمل بعنوان الموافقة، و اخرى اتخاذ العمل الصادر من النائب لنفسه بعنوان كونه موافقا لأمره بالرضا به.
هذه غاية تقريب المراد مما أفاده «قدّس سرّه» و على تقدير التمامية فلا يتم في النيابة عن الميت، فان المكلف به هو العمل عن قصد الامتثال، فلا بدّ في سقوط هذا التكليف من حصول هذا المقيد في هذه النشأة، فكون العمل في هذه النشأة و قيده في نشأة الآخرة ليس امتثالا في هذه النشأة للتكليف الذي لا موقع له إلا
هذه النشأة الدنيوية.
و أما حديث إرجاع النيابة إلى إهداء الثواب كما عن بعض أعلام العصر «قدّس سرّه» (1)فحيث إنها ممتازة عن مطلق الهدية، بداهة انه ليس كل هدية نيابة، فلذا جعل إيصال ثواب العمل مأخوذا في الداعي، و حيث إنه لا ثواب على ذات العمل أخذ التقرب فيه أيضا قائلًا بأن النيابة هو العمل متقربا اليه تعالى بداعي إيصال ثوابه الى الغير، و هو مبني على مباينة القرب و الثواب و إلا لبقي اشكال تقرب النائب و حصول القرب للمنوب عنه على حاله، مع أنه مناف لظاهر النصوص و الفتاوى، فان الحج الذي يستنيب فيه الحي العاجز لا يراد منه إلا إسقاط التكليف المتوجه إليه بالاستنابة لا مجرد تحصيل ثوابه كما لا يخفى، مضافا الى أن تقرب النائب و إيصال الثواب إنما يتصور فيما كان مستحبا في حق النائب كالحج و الزيارة المندوبين، فإنه يتقرب بأمره الندبي لغاية إيصال ثوابه الى الغير، و أما القضاء عن الميت وجوبا أو تبرعا فلا أمر للنائب إلا الأمر الوجوبي أو الندبي بالنيابة لا بالمنوب فيه، و أوامر النيابة توصلية. هذه جملة من الكلام فيما يتعلق بمسألة أخذ الأجرة على الواجبات.
و الكلام فيه في مقامين: (أحدهما) في ضمان أجرة الزيادة. (ثانيهما) في ضمان الدابة.
فتارة يقع الكلام فيما إذا كان المستأجر هو المعتبر و المحمل، و اخرى فيما إذا كان المؤجر بنفسه معتبرا و محملا، و ثالثة فيما إذا كان الأجنبي معتبرا و محملا:
و في ضمان الأجرة وجوه
1) راجع تعليقة الميرزا محمّد تقي الشيرازي على المكاسب في بحث النوع الخامس من المكاسب المحرمة مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله، ص 143.
و أقوال: (أحدها) ما هو المشهور من ضمان اجرة مثل الزائد. (ثانيها) ما عن المحقق الأردبيلي «رحمه اللّه» من اجرة مثل المجموع من الزائد و المزيد عليه (1). (ثالثها) ما حكى عن المقنعة (2)و الغنية (3)من اجرة الزائد بحساب اجرة المسمى للمزيد عليه.
و مبني القولين الأولين على ملاحظة المستأجر عليه بنحو اللابشرطية عن الزيادة أو ملاحظته بنحو البشرط لائية. و «تحقيق» القول في هذا المبنى تارة بالنظر الى مقام الثبوت و اقتضاء اللابشرطية و البشرط لائية لما ذكر، و اخرى بالنظر الى مقام الإثبات، و ان عقد الإجارة على مرتبة من العدد هل مقتضاه البشرط لائية أو اللابشرطية؟
فنقول: أما حق القول في مقام الثبوت فهو أن مقتضى لا بشرطية العشرة أرطال بالنسبة إلى الزيادة هو أن حمل العشرة مملوك بالعقد، و الزائد لا معتبر في مملوكية حمل العشرة و لا مناف المملوكية حمل العشرة، كما في كل لا بشرط بالإضافة إلى شيء، فان مقتضاه عدم دخل الخصوصية وجودا و عدما. و ليس مرجع اللابشرطية الى الجمع بين القيود بل الى رفض القيود، و لو فرض ملاحظة الطبيعي بنحو السريان في جميع مراتب الناقص و الزائد لم يكن من اللابشرط في شيء.
و فيما نحن فيه يلزم منه الغرر كما أشرنا إلى نظائره في المباحث المتقدمة. و عليه فالزائد على حمل العشرة منفعة غير مملوكة للمستأجر و حكم مثل هذه المنفعة المستوفاة المملوكة للمؤجر ضمان اجرة مثلها.
و أما مقتضى ملاحظة حمل العشرة بشرط لا في مقام التمليك بعقد الإجارة فهو أن المنفعة المملوكة حصة خاصة لا تجامع حمل الزائد، فلا محالة إذا انضم إلى العشرة
حمل ما يزيد عليها لم تكن هذه العشرة موردا للإجارة و لا مثل هذا الحمل مملوكا، و إلا لزم الخلف من ملاحظة الحمل المزبور بشرط لا في مرحلة المملوكية بعقد الإجارة. و عليه فهذه المنفعة المستوفاة برمتها و بجملتها باقية على ملك المؤجر فيلزم اجرة مثلها، إلا أن الالتزام بالبشرط لائية و ترتيب ضمان اجرة مثل المجموع فيه محذوران يجب دفعهما.
(أحدهما) محذور ملك المنافع المتضادة و ملك ما لا يمكن اجتماعه في الملك، فإن الدابة على الفرض ليس لها منفعتان إحداهما مملوكة بعقد الإجارة في مدة خاصة و الأخرى ملك هذه المنفعة المنضمة إلى الزيادة حتى تكون الاولى موردا لعقد الإجارة و الثانية باقية على ملك المؤجر و مضمونة بأجرة المثل.
(ثانيهما): محذور الجمع بين اجرة المسمى و اجرة مثل المجموع: (أما الأول) فلصحة الإجارة بلا موجب لبطلانها و لا لانفساخها بعدم استيفاء المستأجر. و (أما الثاني) فلفرض بقاء المنفعة المستوفاة بجملتها على ملك مالكها، فهي مضمونة على من استوفاها بأجرة مثلها، فلا بدّ من دفع المحذورين حتى يمكن الالتزام بما ذهب اليه الورع الأردبيلي «قدّس سرّه» (1)فنقول: أما محذور ملك المنافع المتضادة فمندفع عندنا بما مرّ في مسألة الأجير الخاص من أن المراد بالمنفعة ما هو من حيثيات العين و شئونها الموجودة فيها بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل، و لا تضاد في الموجودات بالقوة حتى يؤثر في تضاد ملكيتها، و انما التضاد في مرحلة استيفائها بإخراجها من القوة إلى الفعل، و استحالته تؤثر في عدم إمكان تمليكها جمعا، و عدم إمكان تمليك المنفعة أمر و عدم ملكيتها لمالك العين أمر آخر، كما عرفت فيما مرّ من المنفعة المشروطة باستيفاء المستأجر بنفسه دون غيره، و الضمان أثر مملوكية المنفعة لا أثر صحة تمليكها كما تقدم الكلام فيه.
و أمّا عند المشهور المتراءى منهم كون المنفعة المملوكة هي الأعراض
1) مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان: كتاب الإجارة، ص 3.
القائمة بالمستأجر فقد تقدم أنهم يعتقدون أن الجامع بين تلك المنافع هو المملوك لمالك العين، و إذا عينه في نوع خاص كان ذلك سلبا منه لملكه و سلطانه على الجامع في سائر أنواعه، فلا ملك له بعد الاستيفاء الاعتباري، و مع ذلك يقولون بضمان المالية الزائدة، كما سيجيء قريبا إن شاء اللّه تعالى.
و أما محذور الجمع بين اجرة المسمى و اجرة مثل المجموع فمندفع عندنا بأن المنفعة المستوفاة برمتها و إن لم تكن مملوكة للمستأجر و باقية على ملك المؤجر إلا أن العين الواحدة لها مالية واحدة من حيث نفسها و من حيث منافعها، فالمنافع المتضادة برمتها مال واحد، حيث لا يمكن تمليكها جمعا، فلا يبذل بإزاء كل واحدة منضمة إلى الأخرى عوض، و حيث إن المنافع المتضادة متفاوتة في المالية إذا لوحظ كل واحدة منها في نفسها فهذه العين ذات منفعة ماليتها تقدر بعشرة دنانير مثلا، فاذا استوفيت خمسة منها بعقد الإجارة بقيت الخمسة الأخرى على ملك مالكها، فيضمن المستأجر هذه الزيادة باستيفاء المجموع الذي لا يملكه، فكأن هذه المنفعة المستوفاة ماليتها خمسة دنانير، فالمراد من ضمان اجرة مثل المجموع ضمان هذه المالية المنسوبة إلى المجموع بعد استيفاء المالك لاجرة المسمى. و عليه ينبغي حمل كلام المقدس الأردبيلي «رحمه اللّه» لا على ضمان اجرة مثل المجموع في حد ذاته كما لو لم يكن استيفاء اعتباري لمقدار من مالية منفعة العين. فتدبره فإنه حقيق به.
و أما من يرى عدم ملك المنافع المتضادة و تعين الجامع فيما عينه المالك فهو أيضا يقول بضمان المالية الزائدة. نظرا إلى أنها مالية ماله التي لم يستوفها بالإجارة، لكن يبقى عليه أن ضمان المالية الزائدة لا يكون إلا بكون الزائد مملوكا للمضمون له.
و تمام الكلام في هذا المقام قد تقدم في مسألة الأجير الخاص فراجع (1).
و أما الكلام في مقام الإثبات فجملة القول فيه أن مراتب العدد و إن كانت بشرط لا لتقوم كل مرتبة بعدد خاص، فالخمسة متقومة بخمسة من الآحاد فلو زيد
1) المقنعة: ص 98 المطبوع في ضمن الجوامع الفقهيّة.
عليها واحد كانت ستة لا خمسة، إلا أن البشرط لائية من حيث الذات تجامع اعتبارات البشرط شيئية و البشرط لائية و اللابشرطية من حيث الحكم المرتب عليها كمملوكية الخمسة، فان لا بشرطيتها ملكا لا تنافي بشرط لائيتها ذاتا كما هو واضح بعد امعان النظر، و حيث ان اعتبار وجود خصوصية أو عدم خصوصية يحتاج الى التنبيه عليه دون عدم اعتبارهما فمقتضى الإطلاق هي اللابشرطية. هذا تمام الكلام في مبني القولين الأولين ثبوتا و إثباتا.
و أما ما حكي عن المقنعة و الغنية من اجرة الزائد بحساب المسمى فلا وجه له حتى إذا صرح المؤجر بذلك، فإنه غير معقول سواء كان بعنوان الإجارة أم بعنوان الشرط. كما قدمنا القول فيه في مسألة إجارة الشهر الأول بدرهم و ما زاد بهذا الحساب، فان مرجعه إلى الإجارة بالمبهم أو اشتراط المبهم، و كلاهما محال فضلا عما نحن فيه الذي لا تصريح و لا تعيين فيه من المؤجر، و أما ما في الجواهر من حمله على إرادة أجرة المثل، نظرا الى موافقتها لاجرة المسمى غالبا فمحل نظر في خصوص المقام، فان الغالب المتعارف من المكاري حمل ما يتعارف حمله على الدابة، و الزيادة عليه تؤجر بأزيد من اجرة المسمى. نعم هو في مثل اجارة الدار أو الدكان كذلك و اللّه أعلم.
ثم إنه لا فرق في ضمان المستأجر لاجرة الزائد بين تعمده و خطأه كما في غيره من موارد الضمان، كما لا فرق بين علم المؤجر و جهله بحمل الزائد بل مع اذنه في الحمل إذا مجرد الاذن لا يثبت به التبرع و قصد المجانية بل يأذن له حتى يستوفي منه اجرة مثل الزائد. نعم مع جهل المستأجر يكون اذن المؤجر تغريرا للمستأجر و معه لا ضمان على المغرور، إلا أن يقال بعدم الغرور إلا فيما يصح الاستناد اليه و الاعتماد عليه شرعا. و المؤجر و إن كان مالكا للدابة و يده عليها إلا أنه يصح الاعتماد على اذنه في التصرف من حيث يده بحيث لو ظهرت الدابة لغيره كان ضمان اجرة المثل عليه، لا من حيث إخباره بأن المحمول هو المقدار المعقود عليه ليكون تغريرا إذا تبينت الزيادة، فإن هذا الاخبار أجنبي عن يده التي يصح الاستناد إليها.
من دون مباشرة للمستأجر و لا أمر و لا اذن منه، و لا إشكال في أن الخسارة عليه و لا ضمان لاجرة المثل على المستأجر، لأن مجرد وصول نفع إليه بإيصال المؤجر المحمل لا يوجب الضمان و احترام المال لا يقتضي ضمان من لا يدله و لا استيفاء منه و لو بأمره و اذنه، و منه يعلم أنه لو أمره المستأجر بالحمل أو اذن فيه كان ذلك استيفاء منه فيكون ضمان أجرة الزائد على المستأجر عالما كان بالزيادة أو جاهلا بها، و أما لو هيأه المستأجر واعده للحمل فحمله المؤجر فهل هو استيفاء منه في صورة علم المؤجر أو تقرير منه في صورة الجهل؟ لا يبعد الأول بحسب العرف و العادة، و أما الثاني فمحل الإشكال، لأن قبول إخبار ذي اليد في كل شيء لا دليل عليه، فلو فرض أن إعداده للحمل بمنزلة الاخبار بأنه القدر المستأجر عليه لم يكن وجه لقبوله حتى يكون ذلك تغريرا منه.
فإن كان من غير أمر و لا اذن من المؤجر و المستأجر فلا إشكال في ضمانه لاجرة المثل، و إن كان بإذنهما معا فالضمان على المستأجر، لما عرفت من أنه بمنزلة استيفائه كما إذا أذن للمؤجر في الحمل، و قد مر أن اذن المؤجر غير مجد في رفع الضمان مع عدم قصد التبرع، و منه تعرف ما إذا كان الاذن من خصوص المستأجر، فإنه استيفاء منه، و اما إذا كان بإذن المؤجر خاصة لم يكن رافعا لضمان الأجنبي المباشر للاستيفاء كما كان كذلك بالإضافة إلى المستأجر، و اما إذا كان الأجنبي جاهلا و المؤجر الذي اذن له عالما ففيه شبهة التغرير. و قد عرفت أنه لا تغرير فيما لا موجب للاعتماد عليه شرعا، فالضمان على الأجنبي المحمل.
تنبيه: كلام القوم في المقام مسوق للضمان من ناحية الحمل و الاستيفاء، و اما إذا كانت الدابة تحت يد المستأجر المحمل للزائد فهو بواسطة تعديه عن مقدار الاستحقاق يضمن جميع المنافع الممكنة الاستيفاء لا خصوص الزائد، لأن يده عادية و المنافع الفائتة تحت اليد العادية مضمونة.
ففيه صور:
و فيه وجوه و أقوال: (أحدها) ما هو المشهور من ضمان تمام قيمة الدابة. (ثانيها) ضمان نصفها كما نسب إلى العلامة «رحمه اللّه» في الإرشاد (1). (ثالثها) التوزيع على الزائد و المزيد عليه فيضمن القيمة بالنسبة الى ما لا يستحق، و توضيح المقام يستدعي تمهيد مقدمة إمام الكلام.
فنقول: لا ريب في استناد التلف الى هذا الحمل الشخصي المتقوم بعشرين رطلا مثلا لا الى ذات الزائد و لا الى ذات المزيد عليه، لأن الزائد إن كان كالمزيد عليه عشرة لم تكن العشرة على الفرض متلفا فلهيئة الاجتماع و الانضمام دخل في التلف، و قد قرر في محله أن الواحد بالحقيقة لا يستند الى الواحد بالاعتبار، و بين سرّ حمل العشرة رجال لحجر واحد لا يقوم بحمله إلا عشرة، فيتوهم استناد الحمل الواحد إلى العشرة التي هي واحدة بالاعتبار، بتقريب أن لكل واحد من العشرة تأثيرا في الحمل بحيث لا يبين أثره إلا عند الانضمام على حد انضمام بعض أجزاء الحجر الى بعض بحيث لو انقسم الحجر إلى عشرة أجزاء لكان كل من العشرة قابلًا لحمله ففي الحقيقة قد استند الواحد بالانضمام الى الواحد بالانضمام، و فيما نحن فيه كذلك، فان كل رطل من العشرين رطلا له أثر ضعيف في وهن الدابة و لا تظهر تلك الآثار إلا عند انضمام الأرطال بعضها ببعض، و ذلك الثقل الطبيعي المتصور بصورة الوحدة هو المتلف للدابة، فيصح أن حمل كل رطل له دخل في التلف، فيوهم أن مقدارا منه بحق و مقدارا منه بغير حق، فلا يضمن إلا ما هو بغير حق، و ليس حمل ما هو غير مستحق بعد ما هو مستحق حتى يتوهم أن التلف مستند الى الجزء الأخير من السبب، كما إذا جرحه بحق ثم جرحه بغير حق فتلف، فان التلف بنسب إلى الأخير فيضمن تمام الدية، إذ ليس المراد من الحمل مجرد الوضع على
1) شرح الإرشاد: كتاب الإجارة ص 3 في ذيل قوله: و لو زاد.
ظهر الدابة حتى يتصور حمل المجموع دفعة تارة و تدريجيا اخرى، بل المراد سوق الدابة و تسييرها بما عليها من المحمول، و هو الموجب لتلفها لا مجرد وضع المحمول على ظهرها.
و بعد ما عرفت من استناد التلف إلى الزائد و المزيد عليه منضما أحدهما إلى الآخر، نقول: إن ملك المنفعة و استحقاقها و إن كان لا بشرط على الفرض إلا أن السلطنة على استيفاء ماله و استحقاقه للاستيفاء بشرط عدم الانضمام الى ما لا يستحقه، و لا يعقل أن يكون لا بشرط حتى من حيث الاستيفاء منضمّا أو غير منضمّ، لأن مقتضاه تجويز التصرف في مال الغير عند الانضمام إلى ماله، و إذا كانت السلطنة على الاستيفاء بشرط لا من حيث الانضمام فلا سلطنة له على حمل ما يستحقه ملكا منضما، فهذا الحمل المنضم غير مأذون فيه شرعا، و المفروض استناد التلف الى هذا الحمل الشخصي الذي لا سلطنة له عليه، فلا تنصيف و لا توزيع، بل يضمن تمام القيمة لاستناد التلف إلى الزائد و المزيد عليه المنضم أحدهما إلى الآخر. و قد مرّ أنه لا يستحق هذا النحو من الاستيفاء، و قد تبين أيضا أنه لا منافاة بين استناد التلف الى المجموع بالمعنى المزبور و ضمان تمام القيمة، و لا حاجة الى دعوى استناد التلف الى الجمع و الضّم، لأن الجمع و الضم لا يتلف شيئا، و إنما المتلف ما هو بالحمل الشائع منضم و مجموع، و هو غير مستحق فهو المضمن.
كما إذا آجر الدابة لحمل المجموع، فكما أن الإتلاف مستند اليه و إن كان المستأجر مباشرا للتحميل فكذا إذا أذن له في حمل الزائد، فللمستأجر حينئذ حمل المجموع المتلف بالملك و الاذن معا، فاذن المؤجر في الاستيفاء و إن كان يجامع الضمان لاجرة المثل، حيث إنه لا يرتفع إلا بقصد التبرع و الاذن أعم، إلا أن الاذن في الإتلاف غير مقيد بشيء، حيث لا فرق في عدم ضمان التلف بين جواز الحمل للإجارة و جوازه للاذن، و المباشر في كليهما المستأجر، و لا فرق مع اذن المؤجر بين علمه بالزيادة و جهله بها، فهو كما لو آجره الدابة لحمل عشرين رطلا مع جهله بأنه
متلف عادة، فكما أنه لا ضمان معه على المستأجر كذلك لو اذن له مع جهله بالزيادة الموجبة للتلف.
سواء كان عالما أم جاهلا و سواء كان المستأجر عالما أم جاهلا، بل لا فرق أيضا بين أمر المستأجر و اذنه للمؤجر و لو كان المؤجر جاهلا و المستأجر عالما، لما عرفت من أنه لا موقع للتغرير هنا مع عدم الموجب لاستناد المؤجر إلى أمر المستأجر أو اذنه حتى يتحقق الغرور بسببه فضلا عما إذا أعده المستأجر و هيأه للحمل، فان كل ذلك و إن كان محققا للاستيفاء المؤثر في ضمان الأجرة إلا أنه لا تأثير لشيء منها لا في الإتلاف و لا في التغرير الموجبين لضمان الدابة.
سواء كان عالما أو جاهلا أو كان بأمر المستأجر أو اذنه. و قد عرفت حال التغرير. نعم إذا كان بإذن المؤجر كان إذنا منه في الإتلاف.
بأن حملاها معا، و الكلام تارة فيما إذا كان لكل منهما يد بالاشتراك على الدابة و اخرى يتمحض في حملهما من دون يد للمستأجر، كما أن الكلام تارة في ضمان الأجرة و اخرى في ضمان قيمة الدابة. أما إذا كان لهما يد فمقتضى اجتماع اليدين غير التابعة إحداهما للأخرى و كونها من كل يدا على النصف بالإشاعة هو ضمان المستأجر لنصف القيمة و لو كان التلف لا من ناحية الحمل، و أما إذا لم يكن للمستأجر يد فيضمن اجرة نصف الزائد لاستيفائه بتحميلها إياه، و علم المؤجر و اذنه لا يرفع هذا الضمان كما مرّ مرارا.
و أما ضمان قيمة الدابة فالمعروف في كل سبب متلف بالاشتراك هو ضمان القيمة أو الدية بحسب النسبة، فالنصف إذا كان المتلف اثنين و الثلث إذا كانوا ثلاثة و هكذا. إلا أن الكلام في مساعدة دليل «من أتلف» لهذا المعنى، و ذلك لأن الواحد ليس له إلا تلف واحد و الإتلاف بمقتضى اتحاد الإيجاد و الوجود أيضا واحد
و المتلف أيضا واحد و لو بالاعتبار، فالاثنان المشتركان في الإتلاف متلف واحد، و هذا الواحد بالاعتبار انما يضمن، فتنتصف القيمة إذا كانا أجنبيين، و اما إذا كان أحدهما المالك فحيث إن الإنسان لا يضمن ماله بضمان الغرامة فلا يعقل أن يكون مثل هذا الواحد بالاعتبار ضامنا حتى ينتج تنصيف المضمون به، و المفروض أن الإتلاف مضمن لا الدخل في الإتلاف، و لا يقاس باليد من المؤجر و المستأجر، لأن المفروض هناك يدان مستقلان كل واحدة على النصف المشاع، فالسبب بالإضافة الى كل نصف غير السبب في الآخر، بخلاف الإتلاف الواحد القائم بواحد بالاعتبار المتقوم بالمالك و الأجنبي، لكن في الشرائع في باب الديات التصريح بضمان دية القتل مع اشتراك المقتول في قتل نفسه، حيث قال «قدّس سرّه» لو رمى عشرة بالمنجنيق فقتل أحدهم سقط نصيبه من الدية لمشاركته في قتل نفسه، و ضمن الباقون تسعة أعشار الدية. (1)إلخ، و هو كالمفروض في المقام من حيث الاشكال بحسب مقام الثبوت و إن كان الظاهر من صاحب الجواهر «رحمه اللّه» (2)هناك عدم الخلاف فيه.
و أما هنا ففصل بين علم المؤجر بالزيادة و جهله بها فحكم بعدم الضمان مع العلم و تنظر فيه مع الجهل، و لعله لاستلزام العلم للاذن المسقط لحكم الإتلاف دون القتل هناك، و يمكن أن يقال بعد تعميم الموصول في «من أتلف» لصورة الاشتراك: انه لا حاجة الى تنزيل المتعدد منزلة الواحد، بل يصدق على كل منهما أنه متلف بالاشتراك، فللموصول هنا فردان رتب عليهما الضمان، و حيث إن أحدهما المالك فلا ضمان عليه، و مقتضى تعدد المصداق و تعدد الضمان و إن كان ضمان كل منهما للمال الواحد إلا أن المتفاهم عرفا من الضمان بالاشتراك لمال واحد هو التنصيف. هذه نبذة مما يتعلق بالصور المهمة من صور المسألة و حكم الباقي يعرف مما مر و من الكتب المفصلة.
المسألة الرابعة من شرائط الإجارة كما في الشرائع إباحة المنفعة (1)،
و الكلام تارة في ما تقتضيه القاعدة و اخرى فيما تقتضيه نصوص الباب، فهنا مقامان من الكلام:
حتى ينتج شرطية إباحة المنفعة لصحة الإجارة. و ما قيل أو يمكن أن يقال في ذلك وجوه:
فلا ملك حتى يملك بالإجارة المتقومة بتمليك المنفعة و تملكها.
و فيه (أولا) ما مر مرارا من أن منفعة الدار مثلا هي الحيثية القائمة بالدار و هي كونها مسكنا دون السكنى الذي هو من أعراض الساكن، و تلك الحيثية موجودة بوجود الدار على حد وجود المقبول بوجود القابل، فما هو قابل للتحريم هو السكنى الذي هو من أعراض الساكن، و هو غير مملوك و لا يملك بالإجارة، و ما هو مملوك و هي تلك الحيثية و هي التي تملك بالإجارة غير قابلة لأن توصف بالحرمة. نعم إخراجها من القوة إلى الفعل بعين استيفائها الذي هو عين ذلك العرض القائم بالساكن يوصف بالحرمة، مع أن المنفعة مملوكة سواء استوفيت أم لا. فتدبر.
و (ثانيا) أنه بعد التنزل في المنفعة كما هو كذلك في العمل المستأجر عليه، حيث انه المملوك و الموصوف بالحرمة، نقول: بأي وجه تكون الحرمة منافية للملكية مع أنها لا تقابل لها بالذات بأحد أنحاء التقابل من التناقض و التضاد و التضايف بين المتعاندين في الوجود، و التقابل بالعرض و التبع فرع شرطية الإباحة للتملك بالإجارة حتى يقال ان الملك ملزوم للإباحة فلا يعقل اجتماعه مع ضد لازمه. و من المعلوم أن الكلام في الشرطية هنا.
و قد عرفت أن
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة الشرط الخامس.
المنفعة بما هي من شئون العين غير موصوفة بالحرمة و هي مورد المعاوضة، و ما هو موصوف بالحرمة و هو استيفاؤها ليس موردا للمعاوضة. و أما العمل المستأجر عليه فهو و إن كان مورد الحرمة و المعاوضة معا إلا أنه إذا كان في حد ذاته ما لا عند العقلاء فالمنع عنه منع عن إيجاد المال، كما أن الأمر بإتلاف العبد الجاني أمر بإعدام المال، لا أنه في شيء من المقامين إسقاط لماليته.
و المال غير المحترم لا يعوض بشيء، لفرض عدم الحرمة له فهو هدر عند الشارع.
و فيه ما عرفت مرارا من أن هدر المال غير هدر المالية، فمال الكافر الحربي عينا و منفعة و عملا مسلوب الحرمة من حيث الملكية فيجوز أخذه منه قهرا عليه، و من حيث المالية لجواز أخذه بلا عوض قهرا عليه، و مع ذلك يصح إيقاع المعاوضة عليه عينا و منفعة و عملا، فالاحترام من حيث المالية فضلا عن الملكية ليس من شرائط نفوذ التصرف المعاملي.
و لا سلطنة على التصرف شرعا مع تحريمه شرعا، فالحرمة سالبة للقدرة و السلطان على التصرف و فيه ما مرّ مرارا من أن السلطنة الوضعية محفوظة مع التحريم، و السلطنة التكليفية المنتزعة عن الترخيص في العمل ليست من شرائط نفوذ المعاملة كلية، و في خصوص المقام يحتاج الى دليل، و المفروض التكلّم في اقتضاء التحريم بما هو لبطلان المعاملة.
لفرض حرمته السالبة للقدرة شرعا و الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، مع أن القدرة على التسليم من شرائط نفوذ المعاوضة.
و فيه ما قدمناه (1)في أوائل البحث عن أخذ الأجرة على الواجبات من أن
1) ص 198 في ذيل دفع الوجه الثالث.
مدرك اعتبار القدرة إن كان وجوب الوفاء بالعقد بتخيل أن التسليم وفاء به فلا محالة إذا حرم العمل حرم التسليم فكيف يجب الوفاء بالعقد، فالأمر كما قيل، و إن كان مدرك اعتبارها دليل نفي الغرر فالمدار على الغرر، و حرمة العمل أجنبية عن الغرر و الخطر من حيث حصوله من العامل الأجير.
فنقول:
أما العمل المحرم فيكفي في عدم جواز الإجارة له ما في رواية تحف العقول المتلقاة بالقبول و فيها «كل أمر نهي عنه من جهة من الجهات فمحرم على الإنسان إجارة نفسه فيه. إلخ» (1)فما عن مفتاح الكرامة من قوله «رحمه اللّه»: و لا أجد ذلك في أخبارنا. إلخ (2). لعله لعدم الاعتماد عليها لبعد عدم الظفر بها مع سعة باعه «قدّس سرّه» في التتبع في الأخبار و في كلمات علمائنا الأخيار، بل يمكن استفادة الملاك من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (3). و إن كان الظاهر من الشيء هو العين دون العمل، كما أن الظاهر من الثمن عوض المبيع لا أجر العمل.
و أما المنفعة المحرمة ففيها روايتان: إحداهما حسنة ابن أذينة «قال: كتبت الى أبي عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يواجر سفينته أو دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير؟ فقال: (لا بأس) (4)(ثانيتهما) ما عن صابر أو جابر «عن الرجل يواجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: (حرام أجرته)» (5). و المشهور حمل الاولى كما هو ظاهرها على الإجارة للحمل ممن يفعل ذلك لا الإجارة لحمل الخمر و الخنزير، و حمل الثانية على الحمل لهذه الغاية و إن كان بعيدا عن التفريع بالفاء، كما ذكروا في بيع العنب ممن يعمل خمرا و لأن يعمل خمرا من صحة الأول و بطلان الثاني، للجمع بين
الأخبار في تلك المسألة، و مجمل القول في المسألتين أن الأعيان على قسمين:
(منها) ما تتمحض جهة الانتفاع به في الحرام كالخمر، فإن المنفعة المترقبة منها شربها، و كالخنزير، فإن المنفعة المترقبة منه اكله، و هكذا غير هما مما يتمحض نوعا في المحرم.
(و منها) ما لا تتمحض جهة الانتفاع به في الحرام كغير المذكورات من الأعيان المباحة التي يمكن الانتفاع بها على جهة الحلال و الحرام كالعنب، فيؤكل تارة أو يشرب عصيره و يعمل خمرا اخرى، و كالخشب يجعل سريرا تارة و يجعل صليبا اخرى.
و قد استفيد من رواية تحف العقول أن ما تمحض في الجهة المحرمة لا يجوز إيقاع أي عقد عليه (1)، فيفهم منه أن تمحضه في الانتفاع المحرم يوجب سقوطه عن المالية شرعا لتقومها بالمنفعة الخاصة به، و المفروض أن الشارع أسقط هذه المنفعة عن درجة الاعتبار، و ان ما لم يتمحض في الجهة المحرمة باق على ماليته و ان انتفع به المشتري مثلا في جهة الحرام، و من البين أن قصد الغاية المحرمة لا يضيق دائرة العين كلية كانت أو شخصية، كما أن المفروض عدم انحصار جهة الانتفاع به في الحرام كالخمر و الخنزير، و مجرد قصد الغاية غير المحللة لا يوجب إلا عنوان الإعانة على الإثم، و البيع المعنون بهذا العنوان و إن كان حراما إلا أن مثل هذه الحرمة لا يوجب فساد البيع، و ليس في أخبار باب بيع العنب رواية تدل على حرمة بيع العنب ليعمل خمرا، بل الموجود حرمة بيع الخشب ممن يعمل صنما أو صليبا (2)، مع دلالة الروايات المستفيضة على جواز بيع العنب ممن يعمل خمرا (3)، بل على جواز بيع الخشب ممن يعمله برابط (4)، فحمل المشهور على التفصيل بين قصد الغاية المحرمة
و عدمه بلا وجه، و بقية الكلام في محله.
و أما الأعمال فهي قابلة للتقييد و صيرورتها حصة خاصة كالكتابة إذا قيدت بنسخ كتب الضلال و الحمل المقيد بحمل الخمر مثلا، فتكون هذه الحصة في الأعمال كالخمر و الخنزير في الأعيان من سقوط ماليتها بإسقاط هذه الجهة من الانتفاع منها، فالأمر في باب الإجارة على العمل أوضح من البيع لغاية محرمة، و أما المنافع فهي على المشهور كالأعمال فهي قابلة للتوسعة و التضييق، فمع التقييد بالجهة المحرمة كانت هذه الحصة من المنفعة كالخمر و الخنزير في سقوطها عن المالية شرعا بمقتضى الكلية المستفادة من رواية تحف العقول (1)، و اما بناء على مسلكنا في حقيقة المنفعة فالإجارة و إن تعلقت بالخاص و هي المحرزية للخمر أو الحاملية لها إلا أن المحرم هو مضايف هذه الحيثية، فالإجارة واقعة على ملازم الحرام لما بين المتضايفين من التلازم دون العلية، و تلك الكلية لا تعمها.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أن العمل المحرم لا يصح إيقاع الإجارة عليه، لفرض إسقاط ماليته بحكم الشارع، و الدليل عليه رواية تحف العقول الدالة على حرمة الإجارة على كل عمل محرم (2)، و أما المنفعة المحرمة فبناء على المشهور أيضا تندرج تحت الكلية المستفادة من الرواية المزبورة من أن كل شيء فيه جهة من جهات الفساد و لم يكن فيه جهة من جهات الصلاح فإجارته محرمة (3)، و المنفعة الخاصة و هي المحرزية للخمر و المسكنية لبيع الخمر أو الحاملية للخمر كذلك، و أما على ما سلكناه من عدم اتصاف تلك الحيثية بالحرمة حتى عند فعليتها بفعلية مضايفها، فان غايته التلازم مع الحرام فالأمر فيه مشكل، و كونه إعانة على الإثم إذا قصد تمليك تلك الحيثية بعنوان حصول ملازمها لا يوجب إلا حرمة التمليك لا الفساد، و الإلحاق بالبيع لغاية محرمة قياس، مع ما عرفت من عدم الدليل على الفساد هناك حتى مع قصد تلك الغاية. و اما مع اشتراطها في ضمن العقد، فان كان بمعنى
التقييد فقد عرفت أن العنب كليا كان أو شخصيا لا يتحصص و لا يتشخص بالغاية، و إن كان بمعنى الالتزام في ضمن البيع فغايته اشتراط أمر حرام فلا ينفذ، اما أنه مفسد للعقد فلا، إلا أن الشهرة و الإجماعات المحكية في المسألة في باب البيع و في باب الإجارة للمنفعة المحرمة كافية للفقيه كما هو المرسوم في هذا الفن.
تنبيه: لا يخفي أن ما ذكره في الشرائع بعد اعتبار إباحة المنفعة من استيجار الحائط المزوق للتنزه بالنظر إليه (1)ينبغي ذكره سابقا في طي ما يساوقه من استيجار الدينار و الدراهم للتزيين و أشباهه، من حيث عدم كون منفعة التنزه و التزيين من المنافع المقصودة، و إلا فالتنزه بالنظر ليس فيه شبهة الحرمة حتى يناسب اشتراط إباحة المنفعة، فما صنعه العلامة «قدّس سرّه» في قواعده من اشتراط كون المنفعة مقومة (2)و ذكر هذه الفروع مفرعا لها عليها أنسب و الأمر سهل.
حيث إن بذل المال بإزاء ما لا يمكن تسلمه غير عقلائي، فلا تعمه الإطلاقات المسوقة لانفاذ المعاملات العرفية العقلائية. و «يندفع» بأن السفاهة ليست دائمية، لإمكان الانتفاع بالعبد الآبق بعتقه، نعم هذا المعنى مخصوص بالبيع و نحوه لا في مثل الإجارة المقصورة على الانتفاع بمنافعه، مضافا الى أن بذل مال قليل بإزاء مال كثير محتمل الحصول ليس سفها، بل ربما يقال ان الامتناع عنه سفه، و هذا جار في الإجارة أيضا.
و هو مشروط بالقدرة، فيكشف عدمه عن عدم تأثير العقد، و إلا لزم انفكاك اللازم عن ملزومه. و توضيح الجواب بأن المراد
من كون لزوم التسليم من لوازم العقد، إما كونه من مقتضياته عند الإطلاق، و إما كونه من لوازم المعقود عليه و هو الملك، و إما كونه من أحكام العقد لكون التسليم مصداقا للوفاء الذي وجوبه من أحكام العقد، و حيث إن حكم الشيء باقتضاء موضوعه عبر عنه باللازم، و الكل مخدوش.
أما الأول: و هو اقتضاء العقد لوجوب التسليم أو استحقاقه ففيه: أن مدلول العقد في البيع تمليك العين و في الإجارة تمليك المنفعة، لا التمليك و اعتبار وضعي أو تكليفي آخر، و لا معنى لتقييد الملكية أو المملوك بما يتمكن من تسليمه، لأن مرجع الأول إلى تعليق البيع و الإجارة و هو مبطل لهما، و مرجع الثاني إلى كون المبيع أو المنفعة حصة خاصة، و هو يتصور في الكلي دون الشخصي كبيع هذه الدابة أو ركوب هذه الدابة. و مقتضى البيع و الإجارة من حيث الاشتراط بالقدرة لا يتفاوت بتفاوت الموارد من حيث الكلية و الجزئية.
و أما الثاني: و هو كونه من لوازم الملك فهو صحيح بمقتضى سلطنة الناس على أموالهم، فلهم المطالبة و ليس لمن بيده المال الامتناع عن تسليمه، إلا أن حرمة الامتناع فرع التمكن من التسليم لا أنها مطلقة حتى يكشف عن أن القدرة مفروضة الحصول، فاللازم ليس من اللوازم غير المفارقة حتى يستحيل انفكاكه و حتى يكون كاشفا عن ملازمة حصول الملك للقدرة على التسليم.
و أما الثالث: و هو اقتضاء وجوب الوفاء بالعقد لوجوب التسليم، و ما لا يقدر على الوفاء به لا يعقل حصوله فهو مدفوع (أولا) بأنه مبني على كون الأمر بالوفاء تكليفيا لا إرشادا إلى اللزوم الوضعي، و على فرض كونه تكليفيّا لم يكن مقتضاه القيام بعهده بعدم حله، بل تكليفا بالوفاء عملا كما أشرنا إليه في محله و في بعض المباحث المتقدمة. و (ثانيا) بأنه لو كان دليل الوفاء دليلا على صحة العقد بحيث تنتزع صحته عن لزوم الوفاء به كان عدم لزوم الوفاء عملا بعدم القدرة كاشفا عن عدم الصحة، و اما إذا كان الأمر بالوفاء من أحكام العقد الصحيح فاشتراطه بالقدرة و تخلفه عنه عند عدمها لا يكشف عن عدم صحة العقد.
بإرادة عدم السلطنة عليه فلا قدرة له على تسليمه. و توضيح الجواب عنها أن المراد بكونه عنده اما معناه الحقيقي المساوق للحضور و اما معناه الكنائي، و هو اما ملك العين أو السلطنة الاعتبارية على التصرف فيها المعبر عنها بملك التصرف أو السلطنة الخارجية على التصرفات المماسة للعين و منها القدرة على تسليمها، و من البين أن معناه الحقيقي غير مراد، لصحة بيع الغائب إجماعا.
و الأول من معانيه الكنائية خلاف الظاهر، فإنه من بيع ما ليس له لا ما ليس عنده، مع أنه مرتبط ببيع الفضول الذي لا يملك العين، و ملك العين مفروض هنا.
و الثاني من معانيه الكنائية أيضا غير مرتبط بما نحن فيه، فان البائع يملك أمر المبيع، و عدم كونه مالكا للتصرف إذا كانت القدرة شرطا بدليل آخر صحيح إلا أن الكلام في دلالة هذه الروايات على اناطة ملك التصرف بالقدرة على التسليم، فلا يعقل إثبات اعتبارها بما يتوقف صدقه على اعتبارها.
و الثالث من تلك المعاني الكنائية أيضا غير مراد، إذ لا شبهة في عدم اناطة نفوذ البيع بالسلطنة الخارجية على التصرفات الخارجية المماسة للعين الملازمة لحضورها عنده دائما، و خصوص السلطنة الخارجية على خصوص التسليم غير مراد إلا بنحو العموم الذي لا يمكن الالتزام به، و تخصيصها بإخراج جميع التصرفات و قصرها على خصوص التصرف بالتسليم في غاية البعد من مفاد هذه الأخبار.
رابعها: ما دل على النهي عن بيع الغرر أو عن الغرر (1)،
نظرا الى أن بيع ما لا يقدر على تسلمه خطري، و النهي في باب المعاملات له ظهور ثانوي في الإرشاد إلى الفساد، و الغرر و إن كان معناه الحقيقي مساوقا للخديعة، كما تشهد له الاستعمالات الراجعة الى هذه المادة، و تفسيره بالخطر من باب التفسير بلازمه الغالبي كما أن تفسيره بالغفلة تفسير بلازمه الدائمي، حيث إن الغافل ينخدع
1) عوالي اللئالي: ج 2، ص 248، ح 17.
و الملتفت لا ينخدع، و كذا التفسير بما لا يؤمن معه من الضرر و بعدم كونه على عهدة و ثقة تفسير بلازمه الغالبي، و التفسير بما له ظاهر محبوب و باطن مكروه تفسير بمورده و محله، إلا أن الظاهر عدم ارادة معناه الحقيقي و هي الخديعة التي لا شبهة في حرمتها، كما لا شبهة في عدم بطلان البيع معها، بل غايته خيار التدليس أحيانا، و ارادة خصوص الخطر الذي هو لازمه الغالبي مستند الى فهم العامة و الخاصة، لاتفاقهم ظاهرا على ذلك كما يتضح بالمراجعة إلى استدلالات الفريقين به في أبواب المعاملات، و اما إلحاق الإجارة بالبيع فمستنده إما فهم المناط القطعي أو ما أرسله الشهيد «قدّس سرّه» في قواعده من أنه «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الغرر» (1).
و من جميع ما ذكرنا تبين أنه لا مستند لاعتبار القدرة على التسليم إلا دليل نفي الغرر، و حيث إن المدار على الغرر فالمعتبر في نفوذ المعاملة ما لا يكون الاقدام عليه خطريا اما بالعلم أو بالوثوق بحصوله في يده. دون القدرة بعنوانها فضلا عن القدرة الواقعية.
كالعين في البيع. فان المفروض وجودها إلا أنه مقدور على تسليمه تارة و غير مقدور على تسليمه اخرى. و كالمنفعة. فإنها موجودة بوجود الدابة مثلا. إلا أن تسليمها بتسليم الدابة مقدور عليه تارة و غير مقدور اخرى. بخلاف الأعمال. فإن إيجادها و وجودها و تسليمها و تسلمها واحد. فعدم القدرة على تسليم العمل مرجعه الى عدم القدرة على إيجاده. و ما يمتنع إيجاده غير قابل للملكية من دون حاجة الى دليل آخر كدليل الغرر و غيره. كما ان العمل الذي يشك في القدرة عليه لا يمكن تمليكه منجزا.
و تمليكه معلقا فاسد.
1) القواعد و الفوائد: ج 2، ص 61، القاعدة 164.
حيث إن المدار على الغرر، و ملاكه نفيا و إثباتا الوثوق بإمكان حصوله في اليد و عدم الوثوق به، و هما وجدانيان لا مجال للشك فيهما، فلا أثر لمانعية الغرر أو شرطية عدمه، و اما إذا كان المدار على القدرة بعنوانها فربما يتخيل الفرق بين شرطية القدرة و مانعية العجز كما في الجواهر (1)، فإنه لا بد من إحراز الشرط و يكفي عدم إحراز المانع، لكون عدمه مطابقا للأصل، إلا أن مانعية العجز غير معقولة، لا لما أفاده الشيخ الأجل «قدّس سرّه» في كتاب البيع من أن العجز أمر عدمي و المانع ما يلزم من وجوده العدم، لما ذكرنا في محله من أن المانع بهذا المعنى غير معقول في نفسه، لأن استلزام الوجود العدم إما بنحو استلزام المقتضي لمقتضاه و إما بنحو استلزام الشرط لمشروطه و اما بنحو استلزام المعد للمعد له، و الكلّ محال.
أما الأول: فلأن المقتضى يترشح عن مرتبة ذات مقتضيه، و العدم لا شيء فكيف يعقل أن يكون في مرتبة أمر وجودي حتى يترشح منه، و إلا لرجعت حيثية الثبوت إلى حيثية النفي.
و أما الثاني: فلأن الشرط اما مصحح فاعلية الفاعل أو متمم قابلية القابل، و العدم لا يحتاج الى فاعل و لا الى قابل حتى يحتاج الى مصحح أو متمم.
و أما الثالث: فلأن المعد ما يقرب الأثر إلى مؤثرة، و العدم لا مؤثر له حتى يحتاج الى مقرب لأثره اليه، و عليه فالوجه في عدم صدق المانع على العجز و على غيره ما يسمى مانعا في الألسنة أن المانع ما يقتضي ضد ما يقتضيه مقتض آخر، كسبب وجود البياض في المحل لسبب وجود السواد فيه، و كالعقد على ملكية عين خاصة لزيد و العقد على ملكيتها لعمرو في زمان واحد، و من الواضح أن العجز بالإضافة إلى عقد البيع ليس كذلك، إذ ليس للعجز أثر هو ضدّ الملك الذي هو أثر العقد حتى يمنع عن تأثيره، بل غاية ما في الباب أن عدمه شرط تأثير العقد، و ليس كل ما كان عدمه شرطا يكون وجوده مانعا، نعم كل ما كان مانعا بحقيقة المانعية
1) جواهر الكلام: ج 27، ص 308.
يكون عدمه شرطا لتأثير السبب الآخر عقلا، و إلا لزم انفكاك المعلول عن علته التامة فتدبر جيدا. و بقية الكلام موكولة الى ما ذكرناه في تعاليقنا على كتاب البيع للعلامة الأنصاري «قدّس سرّه».
نظرا الى أن المانع منحصر في الغرر، و هو مرتفع بوجوه:
أحدها: أنه بالفحص عنه اما يحصل في اليد أو يحصل اليأس منه، و هو بمنزلة التلف الموجب لانفساخ العقد الموجب لرجوع الثمن الى صاحبه. فهذا البيع مأمون العاقبة من الخطر، لوصول المبيع أو بدله إليه.
ثانيها: أنه مع تعذر تسليمه له خيار التعذر، فله الفسخ و استرجاع الثمن فلا غرر.
ثالثها: أنه له اشتراط الخيار برد الثمن مع عدم وصول المبيع اليه.
رابعها: أنه مع امتناع تسليم المبيع للمشتري الامتناع من تسليم الثمن فلا خطر أيضا.
و الجواب: عمّا عدا الأخير أن الحكم بالانفساخ و الخيار مرتب على العقد الصحيح فكيف يصحح به العقد، و نفوذ الشرط مشروط بكونه في ضمن العقد الصحيح و التزاما بالخيار في العقد الصحيح لا مطلقا فكيف يصحح به العقد.
و أما الأخير فهو مدفوع بأن الامتناع عن تسليم الثمن مع كونه مال البائع لا يوجب تدارك ما ذهب من ملكه و لو بقي في يده أبدا، مضافا الى أن الغرر بمعنى الخطر من حيث المالية و إن ارتفع في الكل إلا أن الخطر من حيث تخلف الغرض المعاملي على حاله لا ينجبر لا بالانفساخ و لا بالفسخ. نعم الحق إمكان رفع الغرر بشرط ردّ الثمن أو مثله على تقدير عدم وصول المبيع إلى المشتري، لما اشتهر بينهم في بيع العين الغائبة من رفع الغرر بالالتزام بالوصف، و سره أن رفع الغرر موقوف على الالتزام بالوصف. و هو لا يتوقف على رفع الغرر بل هو بنفسه رافع للغرر، فلا تتوقف صحة الشرط إلا على صحة العقد من غير جهة الغرر، و عليه فيصح البيع بشرط الخيار لرفع الغرر، و كذا يصح بشرط إيصال المبيع المحتمل حصوله و وصوله،
و اما حديث الغرر من ناحية تخلف الغرض المعاملي و هو الانتفاع بالعين الموقوف على تسلمها فمدفوع، اما في صورة الالتزام بالإيصال فهو كالالتزام بالوصف من باب التحفظ على الغرض المعاملي في مرحلة العقد المعتبر فيها ارتفاع الغرر، و اما في صورة الالتزام بالخيار فلأن الغرض النوعي المعاملي من الاشتراء و التملك هو الانتفاع بالملك، فمع بقاء الملك و عدم الانتفاع به يكون تخلف الغرض صحيحا، و اما في طرف الفسخ و زوال الملك فلا معنى لأن يكون الانتفاع غرضا معامليا، و لذا ليس الشراء كلية بشرط الخيار من تخلف الغرض المعاملي. فتدبره جيدا.
في الشرائع بمناسبة التسليم ما نصه: لو استأجر شيئا و منعه المؤجر سقطت الأجرة، و هل له أن يلتزم و يطالب المؤجر؟ فيه تردد، و الأظهر نعم.
إلخ (1). و مقتضى سقوط الأجرة انفساخ العقد، و مقتضى المطالبة بالبدل بقاء العقد، فيحمل على التخيير بين اعمال أحد السببين على أردأ الوجهين في التخيير كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
و بالجملة ففي المسألة وجوه ثلاثة: (أحدها) الانفساخ و رجوع المسمى إلى المستأجر. (ثانيها) بقاء العقد و تضمين المؤجر بضمان الغرامة بقاعدة الإتلاف (2).
(ثالثها) التخيير بين مطالبة المسمى و مطالبة اجرة المثل لما أتلفه المؤجر على المستأجر.
أما الأول: فالوجه فيه عموم التلف للاختياري و القهري، و عموم الاختياري لما إذا استند إلى البائع أو الأجنبي. و مستند العموم في الأول رواية عقبة بن خالد (3)، حيث إن موردها التلف التنزيلي بسرقة المتاع و هي اختيارية. و فيه أن
الانفساخ باعتبار التلف من البائع قهرا بالسرقة، لا باعتبار الإتلاف من الأجنبي اختيارا إذ لا إتلاف من الأجنبي بمجرد السرقة بالاختيار ليقال بأنه لا فرق بين التلف و الإتلاف و لا بين البائع و الأجنبي.
و أما الثاني: فلعموم قاعدة الإتلاف لما إذا كان مبيعا و قبل قبضه مع انصراف إطلاق التلف في قوله عليه السّلام: «كل مبيع تلف. إلخ» (1). و عدم الدليل على عموم التلف للاختياري المساوق للإتلاف كما عرفت، بل مع الشك يحكم ببقاء العقد و عدم الانفساخ. فالاتلاف وارد على مال الغير تعبدا، لئلا يقال انه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لاحتمال الانفساخ.
و أما الثالث: فله تقريبان: (أحدهما) أن مطلق التلف سبب لضمان المعاوضة، و مطلق الإتلاف سبب لضمان الغرامة، و لا يمكن إعمال السببين لتضاد الأثرين، و لا موجب لإهمالهما. و لا معين لأحدهما. فيتخير بينهما. فله إعمال سبب ضمان المعاوضة و مطالبة المسمى. و له إعمال سبب ضمان الغرامة و مطالبة القيمة و اجرة المثل. و قد بينا في بعض المباحث المتقدمة أنه ليس المورد مورد التزاحم، لأن شمول قاعدة التلف قبل القبض مزيل لموضوع قاعدة الإتلاف.
و القاعدة لا تتكفل حفظ موضوعها، بخلاف قاعدة التلف، فان موضوعها محفوظ لا يزول بشمول قاعدة الإتلاف، فإن موضوعها المبيع، بل يزول حكمها. فمانعية قاعدة الإتلاف عن شمول قاعدة التلف دورية. فراجع ما علقناه على كتاب الخيارات لشيخنا العلامة الأنصاري «قدّس سرّه» (2).
(ثانيهما) وجود سبب الخيار و هو تعذر التسليم، و وجود سبب ضمان الغرامة و هو الإتلاف، فله إعمال الخيار و استرجاع الثمن أو الأجرة المسماة، و له إبقاء العقد و مطالبة بدل ما أتلفه. و ليس كونه ذا خيار رافعا لموضوع قاعدة الإتلاف، لأن الخيار فرع بقاء العقد و بقاء كل من العوضين و لو بماليته على ملك صاحبه الفعلي،
نعم بعد اعمال الخيار وصل اليه ماله و رجع التالف الى متلفه، كما أنه مع إعمال قاعدة الإتلاف و أخذ بدل ماله لا أثر للخيار لوصول ماله اليه. إنما الكلام في شمول تعذر التسليم الموجب للخيار للتعذر بالإتلاف، فإن عدم اندراج التلف بالإتلاف تحت التلف الموجب للانفساخ لا يدرجه تحت عنوان التعذر الموجب للخيار، بل التعذر إن كان موجبا لامتناع تسليمه عادة فهو ملحق بالتلف الموجب للانفساخ لو لم يتحقق عنوان آخر يمنع عن اقتضائه له، و إن لم يكن موجبا للامتناع عادة بل يمكن الوصول اليه فهو ضرر مجبور بالخيار، فما لا يكون منجبرا بالانفساخ و لا منجبرا بالتغريم ينجبر بالخيار، و ما كان مجبورا بأحد الأمرين ليس فيه ضرر حتى ينجبر بالخيار. و لا موجب لخيار تعذر التسليم في مورده إلا قاعدة نفي الضرر (1). و مما ذكرنا تبيّن أن الأوفق بالقواعد إعمال قاعدة الإتلاف من دون انفساخ و لا فسخ بالخيار.
و الأول داخل في عنوان الإتلاف، و الآخران داخلان في عنوان التفويت. فان قلنا بأن الإتلاف المضمن أعم من إعدام الموجود و المنع من الوجود. فالوجوه الثلاثة المتقدمة في الأمر السابق جارية في جميع صور الإتلاف بالمعنى العام. و إن قلنا باختصاص الإتلاف بصورة استيفاء المنفعة و عدم عمومه للتفويت، فان كانت المنفعة المفوتة فاتت تحت يد المؤجر جرت الوجوه المتقدمة أيضا، غاية الأمر أن سبب ضمان الغرامة تارة هو الإتلاف و اخرى هو اليد، و إن كانت المنفعة الفائتة خارجة عن اليد كما إذا آجر الدابة الشاردة المتمكن من إعادتها فأهمل في إعادتها حتى مضت المدة، فإنه بعد فرض عدم الضمان بالتفويت و عدم اليد لا محالة يتمحض الحكم في
1) كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا ضرر و لا إضرار في الإسلام». راجع عوالي اللئالي: ج 1، ص 383، ح 11.
الانفساخ بعدم قبض المنفعة بقبض العين في تمام المدة، و هو الملاك في انفساخ عقد الإجارة دون عنوان التلف، لئلا يتوهم أن التفويت إذا لم يكن إتلافا فالفوات ليس تلفا، فلا تلف قبل القبض لاتحاد الإيجاد و الوجود.
و أما الإشكال في الانفساخ بالتلف تحت اليد العادية، لانصرافه الى التلف غير المنجبر بضمان الغرامة كالتلف في ما لم يكن تحت اليد أو كان تحت يد غير عادية فهو مشترك الورود مع التلف المساوق وجودا للإتلاف، فلا خصوصية لكونه تحت اليد العادية، فلا غموض في المسألة كما تخيله بعض الأعلام «رحمه اللّه» (1)، بل ربما أمكن توهم العكس و هو اندراج التلف تحت اليد العادية في التلف الموجب للانفساخ دون التلف بالإتلاف، نظرا الى أن الدخول تحت اليد العادية نزل منزلة التلف الموجب للانفساخ، كما في سرقة المتاع في رواية عقبة بن خالد، فكيف بالتلف تحت اليد العادية، لكنه مندفع بأن التنزيل بلحاظ عدم رجاء عود المسروق عادة، لا بلحاظ دخوله في عهدة الغير حتى يكون التلف تحت اليد العادية أولى به.
فبالإضافة إلى المنفعة الفائتة في بعض المدة يجري جميع ما ذكر في تمام المدة، نعم يمتاز عنه بزيادة خيار التبعض. و هل هو على جميع الوجوه أو على مبني الانفساخ فقط؟ ربما يقال بالاختصاص، و لعله بملاحظة التبعض في أثر العقد و هو الملك. فان المعقود عليه ملك المجموع. فاذا انفسخ في البعض من المجموع لزم التبعض في الملك فله الخيار، بخلاف ما إذا قلنا بتعين التغريم. فان العقد أثر أثره. و التغريم مؤكد لبقاء أثر العقد على حاله في الفائت و الباقي. و كذا إذا قلنا بالخيار من ناحية تعذر التسليم، فان الخيار مؤكد لبقاء العقد، و إعماله إقدام منه على التبعض. و هذا مبني على قصر خيار التبعض على التبعض في الملك.
و أما إذا كان أعمّ منه و من التبعض في الغرض المعاملي و هو الانتفاع بالمجموع
1) راجع اجارة المحقق الرشتي في ذيل الشرط السادس من شرائط الإجارة، ص 301.
فالتبعض في الغرض كما يجري على مبني الانفساخ كذلك على مبني التغريم. فان الملاك فوات الانتفاع بالمجموع مع تعلق الغرض المعاملي به. فلزوم العقد و قصر الانتفاع على البعض ضرر لا ينجبر إلا بالخيار في فسخ العقد رأسا، و منه تبين أن خيار التعذر في الفائت لا يكون جبرا لهذا الضرر، و أما أن التبعض في الغرض المعاملي يوجب الخيار أيضا فلما حقق في البيع من أنه إذا تعذر تسليم بعض المبيع دون بعض كان له الخيار بفسخ العقد رأسا مع أن تعذر البعض لا يوجب خروجه عن الملك، بل لا يوجب إلا التبعض في الغرض.
و أما فسخ العقد رأسا أو الالتزام به كذلك فيختلف باختلاف موجبات الخيار، فان كان الخيار بعنوان التبعض فاللازم فسخ العقد رأسا لا في خصوص الفائت و لا في خصوص الباقي، لأن الفسخ دفعا لتبعض الانتفاع لا يعقل أن يوجب التبعض و إلا لزم من عدمه وجوده و إن كان الخيار لأجل التعذر فلا بدّ من قصر الفسخ على خصوص المتعذر و هو الفائت. و اما دعوى وحدة العقد فإما أن يبقى أو ينحل كما عن بعض أعلام السادة. فقد عرفت الجواب عنها في مسألة التلف قبل القبض، كما أن ذهاب المشهور الى لزوم الفسخ رأسا أو الالتزام بالعقد تماما في بعض الخيارات كخيار العيب و خيار المجلس فليس لقصور في مقام الثبوت بل لقصور في مقام الإثبات.
و اما الخيار المنبعث عن نفي الضرر فلا محالة يكون بمقدار اقتضاء نفي الضرر كما أشرنا إليه سابقا. نعم إذا قلنا بقصر خيار التبعض على التبعض في الملك ففي مورد تعذر المنفعة في بعض المدة له خيار التعذر. فاذا التزم بالعقد فقد تحمل الضرر بنفسه. و اما إذا فسخ العقد في الفائت لزمه تبعض الملك في الباقي. و هو على الفرض ضرر. فله إعمال الخيار في الباقي. و ليس هذا اقداما منه على الضرر لأن مجرد تبعض الملك مع عدم لزومه ليس ضررا مستقرا لا يتمكن من دفعه. فاستقرار الضرر و عدم التخلص عنه مستند الى حكم الشارع بلزوم العقد في الباقي، لا إلى إعمال الفسخ في الماضي فله رفعه باعمال الفسخ في الباقي فتدبر.
فهل تجري الوجوه المتقدمة بالنسبة إلى المنفعة الممنوع عن استيفائها بعد تسليم العين أو هو كاسترداد المبيع بعد إقباضه لا يوجب تلفه انفساخ العقد؟ و حيث عرفت مرارا أن إقباض المنفعة بإقباض العين و ان المنافع تدريجية الوجود فاقباض العين في زمان اقباض لمنفعتها في ذلك الزمان، و ليس إقباضا لمنافعها في جميع الأزمنة، فتجب إدامة ذلك و إبقاء العين تحت يد المستأجر، فالمنع في زمان مساوق لعدم إقباض المنفعة في ذلك الزمان، فيكون فواتها حينئذ تلفها قبل إقباضها، فيجري فيه تعين الانفساخ و تعين التغريم و التخيير بين مطالبة المسمى و مطالبة اجرة المثل بالنسبة إلى الفائت، و على جميع التقادير له خيار التبعض بالإضافة إلى الغرض المعاملي، كما يجري فيه الرجوع الى الأجرة المسماة في المجموع تارة و في خصوص الفائت أخرى على الوجه المتقدم في عكس المسألة. نعم في مثل التلف بالاستيفاء أو التفويت- مع وجود المنفعة المملوكة في مدة الإجارة في قبال التالفة بتلف العين، فإنه مورد البطلان دون الانفساخ- لا مدرك لإلحاق الإجارة بالبيع إلا الإجماع، و لا إجماع مع الخلاف خصوصا من الأكابر.
فحينئذ يتوجه الإشكال إلى كثير من هذه الفروع المختلف فيها، إلا أن الظاهر أن الإجماع على القاعدة بمعنى أن تلف المنفعة قبل قبضها موجب للانفساخ كالبيع.
و الاختلاف في التطبيق إما من حيث التلف و إما من حيث كون قبض المنفعة كقبض العين و أمثال ذلك، فلا تضر هذه الاختلافات بالإجماع الموجب للإلحاق.
و المتبع في مقام التطبيق نظر كل فقيه يتصدى للتطبيق. و قد عرفت الحال في ذلك.
في الشرائع: لو منعه ظالم قبل القبض كان بالخيار بين الفسخ و مطالبة الظالم بأجرة المثل (1)انتهى.
و ما اختاره هنا هو الذي اختاره في ما إذا منعه المؤجر من التخيير الذي هو
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الشرط السادس.
أحد الوجوه الثلاثة في المسألة و إن كان تعبيره «قدّس سرّه» في المسألة المتقدمة أحسن، لأن مبناه على مطالبة المسمى بالانفساخ، و لذا عبر عنه بسقوط الأجرة، لا على المطالبة باعمال خيار التعذر و فسخ العقد، و لذا عبر عن الشق الآخر و هو الإتلاف بعد القبض بقوله «رحمه اللّه»: لم تبطل الإجارة أي لم تنفسخ كما يعبر كثيرا بالبطلان عن الانفساخ. نعم تعين الانفساخ هنا أظهر من المسألة المتقدمة لأن السرقة إذا كانت منزلة منزلة التلف الموجب للانفساخ كان إتلاف الأجنبي أولى بذلك، لأن التلف في سرقة الأجنبي لعدم رجاء عوده عادة. و الإتلاف موجب لامتناع عوده عقلا، لأن المنفعة المحدودة بزمان خاص يستحيل عودها بعد فواتها، لاستحالة إعادة المعدوم، و هذا لا يوجب أن يكون إتلاف المؤجر كذلك، لأن التلف من البائع إذا كان مقصورا على القهري فهذا الإتلاف بالنسبة إلى البائع أو المؤجر اختياري لا قهري، بخلاف سرقة الأجنبي أو إتلافه، فإنهما بالنسبة إلى البائع قهري. و بالجملة إذا عرض المبيع ما يوجب عدم عوده عادة أو امتناع عوده عقلا فهو موجب لانفساخ العقد إذا كان قهرا على البائع.
لا يقال تعين الضمان بالمسمى في رواية عقبة بسبب السرقة لا ينافي التخيير بين ضمان المسمى و ضمان الغرامة، لتعذر الثاني بسبب عدم معرفة السارق الموجب لتعذر الرجوع اليه، و مع تعذر أحد فردي التخيير يتعين الفرد الآخر.
لأنا نقول ظاهر الرواية تعينه من حيث نفسه لا من حيث عدم معرفة السارق، ليكون فارقا بين مورد الرواية و مورد إتلاف الأجنبي أو يلحق به الغاصب المعلوم الذي يتعذر استرداد المال منه، و إنما قلنا بأن الظاهر من الرواية هو التعين بالذات لا بالعرض، فإنه قد علق رفع الضمان بالمسمى على إقباض البائع للمتاع، فمع تلفه حقيقة أو تنزيلا لا يرتفع الضمان، لا أنه معلق على عدم وجود من يمكن الرجوع اليه حتى يكون فارقا بين المسألتين. و مما ذكرنا يتضح أنه لا يراد منها تعين الضمان بالمسمى بعد الفسخ بإعمال خيار التعذر فان الظاهر تعينه منجزا لا معلقا على الفسخ.
و أما ما عن بعض أجلة السادة «قدّس سرّه»، من أن وجه التخيير هنا أقوى من المسألة المتقدمة فلعله بملاحظة صدق التعذر بإتلاف الأجنبي دون ما إذا أتلفه البائع مثلا، فإنه لم يتعذر بل جعله ممتنعا على نفسه.
و يندفع: بأنه كذلك إذا كان المدار على عنوان التعذر بدليل لفظي، و اما إذا كان المدار على ضررية لزوم البيع من جهة عدم إمكان التسليم فالميزان هو الضرر الناشي من التعذر من دون فرق بين أسبابه. و من جميع ما ذكرنا تبين أن الأوفق بظاهر الرواية في هذه المسألة تعين الضمان بالمسمى بالانفساخ دون الرجوع الى الأجنبي فضلا عن التخيير.
و أما مطالبة المؤجر بأجرة المثل بناء على عدم الانفساخ و عدم الفسخ بخيار التعذر، نظرا الى أن المنفعة في ضمان المؤجر الى أن يحصل القبض، فهو خلط بين ضمان الغرامة و ضمان المعاوضة حتى على مسلك من يرى أن الضمان قبل القبض بمعنى ضمان الغرامة كما ينسب في محله الى الشهيد الثاني «رحمه اللّه» (1)فان هذا القائل يعتقد أنه مضمون بعوضه تعبدا لا بالبدل الواقعي، فلا فرق بين الرجوع الى المؤجر من باب ضمان المعاوضة أو من باب ضمان الغرامة، فإنه على أي حال لا يسترد إلا المسمى.
في الشرائع: و لو كان بعد القبض لم تبطل الإجارة و كان له الرجوع الى الظالم (2)انتهى.
قلت: حيث إن تسليم المنفعة و إقباضها بإقباض العين، و المنافع تدريجية الوجود. فقبض العين في كل زمان قبض لمنفعتها في ذلك الزمان، فلا يعقل قبض المنافع دفعة بقبض العين التي لا تدرج في وجودها، فكذا في قبضها، و حينئذ فما الفارق بين منع المؤجر و غصب الأجنبي بعد قبض العين من الابتداء، حيث أطلق
الانفساخ في الأول و فصل في الثاني، و لا يمكن بناء الفرق على حصول القبض بالتخلية، لحصولها هنا و عدم حصولها هناك، لأن المفروض منع المؤجر في الأثناء و ذلك لأن التخلية و تمكين المستأجر من قبض العين و استيفاء المنفعة و إن كانت كافية في استقرار الأجرة، لأنها القدر الذي التزم به المؤجر كما سمعت سابقا، إلا أن التخلية غير كافية في الخروج عن ضمان المعاوضة، كما هو ظاهر رواية عقبة بن خالد المشتملة على أنه اشترى المتاع و تركه عنده (1)، فان الظاهر أن تمكين البائع مفروض و المشتري أبقاه على حاله بالاختيار، و مع ذلك حكم بالضمان بسرقة المتاع، و الظاهر أن الفرق بين منع المؤجر في الأثناء و غصب الأجنبي بعد تسلم العين ينشأ من الفرق بين حدوث القبض و بقائه، فان الإقباض حدوثا إيجاد الاستيلاء على العين، و الإقباض بقاء ادامة استيلائه على حاله بعدم استرداده. فمنع المؤجر في الأثناء ضد لإدامة العين تحت يده فلا قبض منه بقاء، بخلاف غصب الأجنبي، فإن المؤجر لم يوجد ضد إدامة العين تحت يده، و لا يجب عليه التحفظ على ما أقبضه بمنع الظالم للمستأجر، فلا موجب لانفساخ العقد. و أما التلف بآفة سماوية في الأثناء فلما مر من أنه من باب بطلان الإجارة بعدم الطرف للملكية في الواقع.
و مما ذكرنا تبين حال الخيار بالنسبة إلى الغصب قبل القبض و بعده، فإنه إذا سلم العين بعد غصب الغاصب كان أثر العقد من حيث الملك و الانتفاع مبعضا فله الخيار، بخلاف الغصب بعد القبض، فإنه حيث لم ينفسخ العقد لم يلزم من ناحية العقد تبعض لا في الملك و لا في الانتفاع، فلا موجب لخيارية العقد.
قال في الشرائع: إذا انهدم المسكن كان للمستأجر فسخ الإجارة إلا أن يعيده صاحبه و يمكّنه منه. و فيه تردد (2)انتهى.
و تفصيل القول بأن المسكن إذا انهدم، تارة تفوت به المنفعة المقصودة منه كلية
لعدم إمكان إعادته، و اخرى لا تفوت كلية لإمكان الإعادة، و ما يمكن فيه الإعادة، تارة يمكن بسرعة بحيث لا تفوت المنفعة في شيء من المدة عرفا، و أخرى مع فواتها في بعض المدة ثم ما يمكن إعادته تارة يعيده المؤجر و اخرى لا يعيده مع إمكانها و تمكنه منها.
فنقول: اما ما لا يمكن فيه الإعادة كلية فمقتضى قاعدة التلف قبل القبض انفساخ العقد على المشهور و بطلانه على التحقيق، لعدم إمكان المنفعة المقصودة في هذه المدة واقعا، فلا يعقل تقدير وجودها بوجود الحيثية القائمة بالعين، فحيث لا منفعة لا ملك ليملك، لا أنها تملك و ينفسخ العقد.
و أما ما يمكن فيه الإعادة بسرعة، فحيث لا فوات لتلك الحيثية المصححة لتقدير الوجود عرفا فلا موجب للانفساخ، حيث لا تلف لطرف المعاوضة عرفا، كما لا موجب للخيار أصلا. فميزان الانفساخ أو البطلان عدم إمكان الإعادة، و ميزان عدمهما رأسا عدم فوات المنفعة في شيء من المدة عرفا. و منه تبين الفرق بين العين و المنفعة في البيع و الإجارة، حيث لا عود للعين بعد تلفها الحقيقي. فبمجرد التلف ينفسخ العقد، بخلاف المنفعة، فإن الطرف للمعاوضة هي المنفعة لا العين، حتى يتوهم أنّه بمجرد الانهدام ينفسخ العقد. و إعادة البناء لا توجب عود العقد.
و أما ما يمكن فيه الإعادة لكنه بمرور زمان معتد به. فبالاضافة الى الزمان الذي لا بدّ من مروره ينفسخ العقد بالنسبة إلى منفعة المسكن في هذا الزمان، و بالإضافة الى ما بعده مما هو زمان الإمكان لا ينفسخ أعاد المؤجر أم لم يعد، لإمكان تقدير وجود المنفعة بإمكان إعادة البناء الذي تقوم به تلك الحيثية المصححة لاستيفاء المنفعة، و أما ما أمكنت إعادته و أهملها المؤجر فيجوز للمستأجر إلزام المؤجر بالإعادة، لأن المفروض أنه مالك للمنفعة المقدرة الوجود و تسليمها الواجب الذي يلزم به حدوثا بتسليم العين و بقاء بإعادة البناء، و مع الامتناع و عدم إمكان الإجبار له خيار الامتناع عن التسليم، لقاعدة نفي الضرر. هذا بالنسبة إلى المنفعة الممكنة الاستيفاء بإعادة البناء.
و أما بالنسبة إلى المنفعة الفائتة فلها حكمان: أحدهما ما مرّ من انفساخ العقد أو بطلانه، فيرجع ما يختص بها من اجرة المسمى. ثانيهما أن للمستأجر خيار التبعّض من حث الملك و من حيث الغرض المعاملي. و أما ما في الشرائع من الحكم بالخيار قبل الإعادة (1)فربما يوجه بأنه من خيار تخلف الوصف، نظرا الى أن مورد عقد الإجارة هي عرصة الدار. و أما التركيب و التأليف المقابل للانهدام فهو وصف للمعقود عليه، فلا يكون الانهدام موجبا للانفساخ بل موجب لتخلف الوصف الموجب للخيار. و لا يخفى أنه في غاية البعد عما عليه العرف، فان المعقود عليه عندهم هو الدار بما هو دار، لا بما هي عرصة موصوفة بالتأليف و التركيب و في قبال هذا التوهم أن مجرد الانهدام من باب التلف قبل القبض و إن أعيد بسرعة بحيث لا تفوت معه منفعة أصلا، نظرا الى أن الإعادة إحداث لبناء جديد، و المعقود عليه كان متقوما بتلك الهيئة المؤلفة المنعدمة.
و فيه: أن طرف المعاوضة و هي المنفعة الخاصة على حالها على الفرض، و التبدل فيما تضاف اليه غير ضائر، لعدم كونه مقوما عرفا للدار التي ملك المستأجر منفعتها. و مما ذكرنا تبين وجه ما نقلناه عن الشرائع (2)، فإن الحكم بالخيار دون الانفساخ لأن الغالب إمكان الإعادة، و الخيار مع عدم الإعادة مع إمكانها و التمكن منها كما هو الغالب إنما هو للامتناع عن تسليم المنفعة. نعم لم يتعرض لخيار التبعض بالنسبة إلى المنفعة الفائتة، و الأمر سهل.
المانعة من استيفاء المنافع الموجبة لانفساخ العقد تارة و لحق الفسخ اخرى.
(فمنها) ما تقدم من زوال الألم عن الضرس الذي استؤجر على قلعه، لكون قلعه حراما مع عدم الألم، و الظاهر انكشاف بطلان الإجارة من الأول دون انفساخ العقد، لأن الإباحة في ظرف العمل و في ظرف استيفاء المنفعة شرط صحة الإجارة
دون الإباحة في ظرف عقد الإجارة.
و (منها) ما إذا استأجر المرأة لكنس المسجد مباشرة في وقت خاص فحاضت المرأة في مدة الإجارة، فإن حرمة كنسها في هذه المدة مانعة عن انعقاد الإجارة صحيحة، لا أنها تنعقد صحيحة و تنفسخ بعروض الحيض لما مر آنفا. نعم الكلام في الموضوع و هي حرمة الكنس من الحائض، فإن الكنس بعنوانه ليس من تروك الحائض، بل المحرم لبثها في المسجد، و لا اتحاد للكنس و اللبث وجودا حتى يحرم الكنس، بل الكنس متوقف على اللبث المحرم، و لا تسري الحرمة من المقدمة إلى ذيها، بل تسري من ذيها إلى المقدمة الأخيرة من مقدماته، و القدرة على التسليم ليست بعنوانها شرطا واقعا، بل اللازم عدم الغرر. و لا غرر و لا خطر، لإمكان التسليم بل وثوقه به حال العقد، و لذا لو فعلت محرما و أتت بالكنس استحقت الأجرة، بل لو قلنا بأن القدرة بعنوانها شرط فالكنس مقدور عليه واقعا و إنما تحرم مقدمته شرعا و حرمة المقدمة و إن منعت عن وجوب الوفاء بعقد الإجارة إلا أن صحة الإجارة لا تدور مدار وجوب الوفاء لعدم انتزاعها منه بل هو مترتب عليها، و ربما لا يترتب لمانع منه بالخصوص. و تعذر العمل الكلي في ذمتها بمعنى عدم إمكان إيجاده شرعا لاستلزامه الحرام لا يوجب الخيار. فان التعذر بالنسبة إلى تسليم العين الشخصية أو المنفعة الشخصية يوجبه حيث لا ينجبر هذا الضرر و هو الصبر الى أن يتيسر إلا بالخيار بخلاف العمل الكلي، فإنها لا تتمكن شرعا من تسليمه بشخصه و تتمكن من تسليمه بماليته. فلا مانع من استقرار الأجرة و بقاء الإجارة و مطالبة الأجيرة بمالية العمل، كما هو مقتضى الجمع بين القواعد.
و (منها) ما إذا استأجر المرأة للإرضاع و صادف مطالبة الزوج للاستمتاع فإنه يجب عليها التمكين المنافي للإرضاع، و مرجعه الى فقد شرط الإجارة و هي إباحة المنفعة. و قد مرّ منا أن وجوب التمكين لا يقتضي حرمة الإرضاع إلا بناء على مقدمية ترك الضد لوجود الضد أو مقدمية فعله لترك ضده. و قد حقق في محله بطلانها خصوصا الثانية. و منه يظهر حال فقدها لملك التصرف المشروط نفوذ
المعاملة به، لأن عدم ملك التصرف بمعنى الحرمة قد عرفت ما فيه، و بمعنى عدم السلطنة الوضعية أول الكلام كما مر تحقيقه في غير مقام. و قد مر تفصيل هذه المسألة من جهات النقض و الإبرام فراجع.
و (منها) ما إذا عرض المستأجر مرض يمنعه عن استيفاء المنفعة مع قيدية مباشرته له، فإنه أيضا ينكشف به بطلان الإجارة دون انفساخها، فان هذه الحصة في الواقع غير قابلة للفعلية، لعدم قابلية الحصة المضايفة لها، فلا يعقل تمليكها.
و (منها) ما إذا استأجر الدابة للحج مثلا فحدث مانع عن السلوك كالثلج القاطع للطريق فان حاله كما تقدم من أن المفروض عدم إمكان استيفاء المنفعة بعدم إمكان سلوك الطريق، و مثله لا يتوقف على كون المباشرة قيدا لفرض عدم إمكان سلوك الطريق في نفسه. نعم إذا اختص به العذر المانع عن السلوك فبطلان الإجارة يتوقف على قيدية المباشرة، فمع عدم القيدية يملك منفعة الدابة، فله أن يؤجرها من الغير. و لا موجب لا للانفساخ و لا للبطلان و لا للخيار.
و (منها) ما إذا استأجر دارا فعرض خوف عام يمنع عن سكنى البلد، فان مثل هذه المنفعة المحفوفة بهذا المانع لا مالية لها، فتبطل الإجارة من هذه الجهة، و إذا كان العارض خوفا شخصيا يكون عذرا له شرعا أو عرفا عن استيفاء المنفعة فلا موجب لبطلان الإجارة أو للخيار، فإن حرمة استيفاء المنفعة عليه لعارض لا دخل لها بحرمة المنفعة حتى مع قيد المباشرة، فإن غايته أن المملوك حصة ملازمة لحصة محرمة. و قد مرّ نظيره في مسألة كنس الحائض فلا يقاس العذر الشرعي بعدم التمكن من الاستيفاء واقعا كالمرض الذي لا يتمكن معه من استيفاء المنفعة. و لعل من يفرق بين العذر العام و الخاص نظره الى ما ذكرنا من أن عموم العذر مساوق لسقوطه عن المالية، بخلاف الخاص منه فإنّه يختلف باختلاف الأعذار و اختلاف المقامات، فلا ينتقض بمثل قلع الضرس مع زوال الألم، لأنه من العمل المحرم الذي لا تقع عليه الإجارة شرعا، لا من حيث العذر العام أو الخاص من الاستيفاء. و مما ذكرنا يعلم حال غيره من الفروض و الأمثلة.
و فيها مسائل حسب ترتيب ما في الشرائع:
فتارة يوجب نقصا في المنفعة و اخرى لا يوجب نقصا فيها. و ظاهر المحقق «قدّس سرّه» في الشرائع ثبوت الخيار بين الفسخ و الإمضاء بالأجرة من غير نقصان و لو كان العيب موجبا لفوات بعض المنفعة (1)، بل نسب عدم الأرش مطلقا الى المشهور و إن كان أصل الخيار مع عدم نقص في المنفعة محل الكلام. و تنقيح المرام و توضيح المقام برسم أمور.
(منها) أن الخيار مع عدم نقص المنفعة مبني على أن مورد عقد الإجارة و مصبه هي العين، فإنها المنسوبة إليها الإجارة بعنوانها و إن كانت متضمنة لملك المنفعة أو كان ملك المنفعة من لوازمها.
و من الواضح أن الرغبات العقلائية تختلف باختلاف الأعيان المستأجرة لاستيفاء منافعها و لو مع تساوي المنفعة بين الصحيح و المعيب، فركوب الدابة و إن كان لا يتفاوت مع كون الدابة مقطوعة الاذن و الذنب إلا أن الأغراض العقلائية تتفاوت في استيجار الدابة الصحيحة و المعيبة، و كذا سكنى الدار، فان سكنى الدار الجيدة مع غيرها و إن فرض على نهج واحد بلا تفاوت، بل ربما يزيد بعض مرافق الردي منها على الجيد منها، لكنه مع ذلك تتفاوت الرغبات بلحاظ أعيانها، و إذا
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة الفصل الثالث في أحكامها.
كان كذلك فنفس عيب العين مقتض للخيار من دون نظر الى تفاوت بين الصحيح و المعيب من حيث المنفعة. و إذا بنينا على إلحاق الإجارة بالبيع في خيار العيب بما هو، نظرا الى دعوى الإجماع على الإلحاق، و لذا لم يستشكل أحد في جريان خيار العيب فيما إذا كانت الأجرة معيبة كما تقدم، فلا محالة نقول هنا بخيار العيب بما هو لا من حيث تخلف الوصف أو تخلف الالتزام الضمني بالصحة، نظرا الى اقتضاء العقد إطلاقا أو انصرافا لصحة مصبه و مورده.
و (منها) أن الظاهر عدم ثبوت الأرش هنا أي مع عدم نقص المنفعة. إما بناء على كون الخيار من باب تخلف الوصف أو الشرط فواضح، إذ مقتضى ضررية اللزوم ارتفاعه فقط. و لا دليل على الأرش إلا في خصوص خيار العيب، و إما بناء على أن الخيار من باب خيار العيب لإلحاق الإجارة بالبيع بالإجماع فلأن الأرش تدارك شرعي لنقص في أحد العوضين من حيث المالية. و من البين أن طرفي المعاوضة هي المنفعة و الأجرة، فاللازم في باب الأرش ثبوت العيب المنقص لمالية المعيب بالإضافة إلى الصحيح. و المفروض عدم العيب المنقص في المنفعة، كما أن المفروض أن الأجرة بإزاء المنفعة لا بإزاء العين المستأجرة. فما فيه العيب و الخيار لا شيء بإزائه، و ما بإزائه شيء لا عيب فيه.
(لا يقال) لا شبهة في تفاوت الأجرة بين ركوب الدابة الصحيحة و المعيبة، فهو نقص مالي في أحد العوضين، فلم لا يتدارك.
(لأنا نقول) ليس كل نقص مالي في أحد العوضين متداركا بالأرش بل النقص المالي عن عيب في أحد العوضين لا عن شيء آخر و إن كان عيبا لا في أحد العوضين.
و (منها) إذا كان العيب في العيب المستأجرة موجبا لنقص في المنفعة، فإن كان النقص من حيث الكم بحيث يفوت من المستأجر جزء من المنفعة كخراب بعض بيوتات الدار فلا ينبغي الإشكال في سقوط الأجرة بمقداره. و للمستأجر خيار التبعض، و إن كان النقص من حيث الكيف فثبوت خيار العيب بآثاره و لوازمه
مبني على تعقل العيب في المنفعة كما يتعقل في العين، حتى يكون إلحاق الإجارة بالبيع موجبا لجريان خيار العيب فيه بما هو، و إلا فخيار تخلف الوصف أو الشرط لعله لا كلام فيه. و منشأ الاشكال كما عن بعض الأعلام «قدّس سرّه» «هو أن العيب ما زاد أو نقص عن الخلقة الأصلية» (1)كما في الرواية (2). و هذا أمر مختص بالأعيان. و المنافع ليس لها خلقة أصلية حتى يتصور فيها زيادة و نقص، و اما مطلق النقص الكيفي المفروض هنا فليس عيبا.
و يندفع بأن العيب أوسع مما ذكر ضرورة أن الخارج عما هو المعتاد المعبر عنه بمجراه العادي أيضا معيب كالأرض الثقيلة الخراج أو كانت محل نزول العساكر، فإنه لا زيادة و لا نقص في خلقتها الأصلية و مع ذلك فهي معيبة بالخروج عن مجراها العادي. و عليه فالمنفعة و إن لم يتصور العيب بالمعنى الأول فيها لكنه يتصور فيها العيب بالمعنى الثاني، فخيار العيب فيها معقول من حيث نفسها لا من حيث نقص العين، و ثمرته ثبوت الأرش أيضا. فإن أحد طرفي المعاوضة معيب يتفاوت مع الصحيح في المالية و القيمة.
و أما دعوى- أن هذا الخيار لو كان من خيار العيب لسقط بالتصرف و لو في بعضه كما هو كذلك في باب البيع، حيث لا رد مع التصرف- فهي مدفوعة بأن عدم السقوط هنا لخصوصية في المقام لأن الرد و عدم الرد مع التصرف فيما إذا أمكن مع التصرف أن يرد و أن لا يرد. و المنفعة نفس استيفائها مساوق لتلفها فلا يعقل لها رد.
و (منها) إذا كان العيب في العين أو في المنفعة أيضا قبل العقد فلا كلام في الخيار، و اما إذا كان بعد العقد و قبل القبض فلا ضرر من ناحية العقد، كما لم يقع الاشتراء أو الاستيجار على المعيب بل ضرر وارد على ملك المشتري و المستأجر فلا
موجب لتحميله على البائع و المؤجر. و قد تقدم في الأجرة المعيبة نقل ما أفاده الشيخ الأعظم «قدّس سرّه» في باب خيار العيب و باب تلف الوصف قبل القبض (1).
و تقدم الاشكال من وجوه عليه فراجع (2).
و أما إذا كان العيب بعد القبض و قلنا بأن ما قبل القبض ملحق بما إذا كان قبل العقد ففي لحوقه بما قبل القبض هنا وجه، لأن قبض العين دفعي و قبض المنفعة تدريجي. فالعيب الحادث بعد العقد دائما قبل القبض في المنافع فتدبر.
و (منها) أنه لو استوفى بعض المنفعة فبان العيب فيها و قلنا بعدم سقوط الخيار بالتصرف، فان كان الخيار للعيب فقد تقرر في محله أنه ليس له إلا رد الجميع أو إمساك الجميع بالأرش. فهنا لا بدّ له من فسخ العقد كلا أو إمضاء العقد و أخذ الأرش، لا لاقتضاء إعمال الخيار حل العقد رأسا بل لقصور مقام الإثبات كما تقدم. و إن كان الخيار لا لأجل العيب بل للضرر فله اعمال الفسخ في الكل لضرر التبعض و له اعمال الفسخ في المدة الباقية لضرر الصبر على ما ينافي غرضه المعاملي.
و توهم- عدم معقولية الفسخ بالإضافة إلى المنفعة المستوفاة لانعدامها باستيفائها، و المعدوم لا يقبل النقل و الانتقال حتى يعود الى مالكه الأول- إشكال غير مختص بالمقام لجريانه في كل مورد تلف أحد العوضين فيه بيعا كان أو إجارة.
و قد فصلنا القول فيه في أحكام الخيار في تعاليقنا على كتاب الخيارات للشيخ الأعظم «قدّس سرّه».
نعم في خصوص خيار العيب له حل العقد برد المعيب فلا خيار مع التلف.
و منه يتضح أنه إذا استوفى مقدارا من المنفعة ثم بان العيب ليس له اعمال الخيار من باب أنه ليس له إلا رد المجموع كما مرّ، ورد المجموع غير ممكن لفرض فوات المنفعة بمقدار. و المعدوم لا يعاد، بل له الإمساك بالأرش.
و (منها) أن العين المستأجرة إذا كانت كلية فدفع إلى المستأجر فردا معيبا
فالحكم- من حيث الانطباق و من حيث الخيار في نفس العقد أو من حيث الخيار في التطبيق و مطالبة الأبدال مع التمكن و الخيار في أصل العقد مع عدمه- قد تقدم في الأجرة إذا كان الفرد المدفوع معيبا فراجع.
قال «قدّس سرّه» في الشرائع: إذا تعدى في العين المستأجرة ضمن قيمتها وقت العدوان (1). انتهى.
و الظاهر أن الظرف قيد للقيمة لا للضمان لأن الضمان بالتعدي لا يعقل أن يكون في غير وقت التعدي. مع أنه سبق منه أصل الحكم بالضمان بالتعدي و التفريط. فلا موجب لإعادته. فما في الجواهر من استظهار قيديته للضمان (2)محل نظر.
و بالجملة كون المضمون به قيمة وقت العدوان أحد الأقوال في المسألة. و هو موافق لصحيح أبي ولاد لقوله عليه السّلام: «قيمة بغل يوم خالفته» (3)بناء على قيدية الظرف للقيمة، و في المسألة أقوال كثيرة و المهم منها قولان آخران: قول بقيمة يوم التلف و هو المشهور، و قيمة يوم الدفع و الأداء، و هو مختار غير واحد من المحققين من المتأخرين.
و عمدة دليل الضمان عموما النبوي المشهور و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله:
«على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (4)و هذا النبوي و إن كان رواية أشقى البرية سمرة بن جندب إلا أن الأصحاب تلقوه بالقبول. فالاعتراض على سنده غير مقبول. و توضيح القول في دلالته و استفادة أحد الأقوال منه مبني على أمور:
أحدها: أن الثابت على ذي اليد إما وجوب أداء المأخوذ أو وجوب دفع بدله أو
وجوب حفظه أو أن عهدته على ذي اليد، و ما عدا الأخير مخدوش.
أما وجوب تأدية المأخوذ فلكونه كاللغو، لأن معناه أنه يجب تأدية المأخوذ حتى تتحقق التأدية، كما إذا قيل يجب أن يصلي حتى يصلي، فان استمرار كل حكم حتى يتحقق متعلقة من الواضحات.
و أما وجوب دفع البدل فهو منجزا بمجرد وضع اليد غير معقول. إذ لا تدارك قبل التلف، مع أن مثله لا يعقل أن يكون مغي بالتأدية، فاما لا مغي و إما لا معنى لأن يغي.
و أما وجوب دفع البدل معلقا على التلف، فان كان مرجعه الى جعل قضية حقيقية متكفلة لوجوب دفع بدل التالف فمن المستحيل فعلية مثله بفعلية موضوعه مع هذه الغاية، لأن إمكان التأدية مع فعلية التلف المحقق لفعلية حكمه متنافيان.
فلا معنى لجعل حكم على موضوع لا يمكن أن يكون فعليا مع فرض غايته، و إن كان مرجعه الى جعل حكم على تقدير فالتقدير و الغاية متنافيان. فلا يعقل تحقق الحكم بتحقق ما علق عليه مع كونه مغي بهذه الغاية.
و أما وجوب الحفظ فهو من حيث نفسه و إن لم يكن بديهيا إلا أن استمراره الى حصول رده الى صاحبه بديهي، حيث لا يترقب وجوب حفظه بعد رده الى صاحبه حتى يغي بالإيصال الى صاحبه، فهو أيضا من حيث جعله مغي بهذه الغاية كاللغو.
و بعد بطلان الشقوق المتقدمة نقول: الظاهر من إثبات عين على اليد جعلها في عهدة ذي اليد و أنه المأخوذ به و المرجع في امره. و العهدة اعتبار عقلائي لها آثار عرفا و شرعا.
ثانيها: أن عهدة العين لا تختص بحال بقائها بل مع تلفها أيضا يصح بقاء اعتبار العهدة من دون أن تتبدل بذمة المثل و القيمة، بل الى الآخر اعتبارها اعتبار عهدة نفس العين المأخوذة لأن المقوم لاعتبار العهدة و لو في حال وجودها خارجا هو وجودها العنواني الفاني فيما هو بالحمل الشائع عين، لاستحالة كون العين الخارجية بهويتها العينية مقومة لهوية اعتبارية، و إلا لزم إما تأصل الاعتباري أو اعتبارية
المتأصل، كما مر نظيره في كون المعقود عليه هي ملكية الشيء بوجوده العنواني لا بوجوده الخارجي كي تنعدم إضافة الملكية بتلف العين و ينحل العقد، لأن القرار المرتبط بقرار آخر لا يستقل بالتحصل. و عليه فعهدة العين المأخوذة باقية من أول وضع اليد عليها الى ما بعد تلفها.
ثالثها: أن للعين المأخوذة شئونا ثلاثة: حيثية شخصيتها الممتازة عن سائر الأشخاص، و حيثية طبيعتها النوعية و هي كونها حنطة أو شعيرا مثلا، و حيثية ماليتها التي بلحاظها يبذل العوض بإزاء العين بما هي مال بالحمل الشائع. و من البين أن مالية كل عين لا تعين لها في حد ذاتها، فإنها من الاعتباريات التي تختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة، فلا بدّ في الحكم بتعين المالية بلحاظ زمان خاص من معين في مقام الإثبات حتى تتعين قيمة يوم التلف أو يوم القبض أو يوم الدفع و نحوها، و أقصى ما يمكن أن يقال في تعيين قيمة يوم التلف، هو أن للعين مراتب من المالية قبل التلف و حال التلف و بعد التلف، و من البين أن الماليات المتجددة للعين قبل تلفها و إن كانت ماليات فعلية للعين الموجودة لكنها مع وجود العين غير تداركية، لأنها غير تالفة بتلف العين، فلا أثر لعهدة العين مع وجودها إلا وجوب ردها، و لا تقاس الماليات المتجددة بالمنافع الفائتة المضمونة مع بقاء العين أيضا، لأن المنافع كالأعيان أموال، فلها الضمان بتلفها سواء كان المال التالف عينا أم منفعة بخلاف الماليات، فإنها غير مضمونة و إنما المضمون هو المال، فلا يقاس تلف المالية بتلف المال.
و أما الماليات المتجددة بعد تلف العين، فهي أولا ماليات فرضية بفرض وجود العين لا أنها فعلية تحقيقية، و ثانيا أنها غير تالفة بتلف العين فليس تداركية. فالمالية التي لتلفها بتلف العين تدارك هي المالية حال التلف، فإنها مالية فعلية تالفة بتلف العين، فهي التي لها التدارك دون غيرها من الماليات السابقة و اللاحقة.
و يمكن أن يقال في تقريب قيمة يوم الدفع أن اعتبار العهدة المغياة بالأداء اعتبار بقاء العين بماليتها الى حال أدائها بأداء ماليتها، و ما ذكر في تقريب قيمة يوم
التلف مما اقتضاه عنوان تدارك المالية، و لازم التدارك تلف ما يتدارك، و ليست غاية العهدة تدارك العين بماليتها بل غايتها أداء ما فيها. و الأداء مقتض للبقاء لا للتلف، فالأنسب بملاحظة الغاية هي قيمة يوم الدفع و هو يوم أداء العين بماليتها المفروض بقاؤها الى حال الأداء فتدبره فإنه حقيق به.
كما يمكن أن يقال في تقريب قيمة يوم القبض و وضع اليد علي العين أن العين المأخوذة بمالها من المالية هي التي لها اعتبار العهدة، لا كل مالية و لو لم تكن مأخوذة بأخذ العين، فما عدا المالية المأخوذة بأخذ العين لم يرد عليه العهدة، بل ماليات وردت على ما في العهدة، و المالية التي لا عهدة لها لا تداركية و لا أدائية، و حينئذ فتتوافق قاعدة اليد مع صحيحة أبي ولاد، حيث قال عليه السّلام: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» (1)و عليه فالأحوط التصالح مع المالك و اللّه أعلم.
في القيمة فالمشهور أن القول قول المستأجر، و نسب الى الشيخ «رحمه اللّه» أن القول قول المؤجر (2)، و مستنده صحيح أبي ولاد (3)، فإنه صريح في أن الحلف حق المالك، و مستند المشهور أصالة عدم الزيادة كما عن بعض الأعلام «رحمه اللّه» (4)و أصالة البراءة كما في الجواهر (5)، و هو مبني على ما هو المتعارف من كون المالك مدعيا للزيادة من دون فرض سبق اليقين بها، و إلا فلو فرض اتفاقهما على قيمة معينة سابقا و ادعى المستأجر نقصانها بتنزل قيمتها فالأصل مع المالك لبقائها على ما كانت عليه.
ثم إن مبني ضمان القيمة كما أشرنا إليه، تارة دلالة حديث اليد (6)على
وجوب دفع القيمة على تقدير التلف، و أخرى تبدل عهدة العين بعد تلفها بذمة المثل أو القيمة، و ثالثة بقاء العهدة على حالها الى أن تسقط بأداء بدل العين، فكما أن مقتضى الأصل البراءة عن القيمة الزائدة على ما هو المتيقن في الشبهة الحكمية فكذا في الشبهة الموضوعية، و كما أن الأصل عدم اشتغال الذمة بأزيد من المتيقن في الشبهة الحكمية فكذا في الموضوعية، بخلاف ما إذا قلنا ببقاء العين في العهدة و انها لا تسقط إلا بأداء بدلها فإنه بأداء الأقل لا يقطع بسقوط العهدة المتيقنة من دون فرق حينئذ بين الشبهة الحكمية و الموضوعية، و عليه فالأصل بناء على المبنيين الأولين مع المستأجر و بناء على المبنى الأخير مع المالك، فيكون مقتضى هذه الرواية موافقا لصحيحة أبي ولاد (1).
و التحقيق أن المالية لها اعتبارات ثلاثة و هي اعتبار بشرط شيء و بشرط لا و لا بشرط، و الأولان و إن كانا متضمنين لخصوصية وجودية أو عدمية يجب التنبيه عليها، دون المطلق و اللابشرط القسمي، فإنه يكفيه عدم الدال على احدى الخصوصيتين، إلا أنه قد اعتبرت في باب القيميات بشرط لا، لأن كل ماهية بالإضافة إلى ماهية اخرى بشرط لا و إن كانت طولية، فماهية الشجر مثلا لها جهة وجدان الجسمية و القوة النباتية و جهة فقدان سائر الأشياء، و لذا لا يدخل الشجر في حد الإنسان، و الداخل فيه جهة وجدانها فقط و هي الجسمية و النمو، و عليه فالمالية القائمة بماهية هي بشرط لا بالإضافة الى ما عداها هي التالفة، و هي المتداركة، و ليس في الخارج ما يتمحض في المالية و لا حيثية له إلا حيثية المالية إلا النقود المجعولة أعواضا لمجرد ماليتها، لكن الذمة لا تشتغل بالدينار و الدرهم أو غيرهما من النقود الرائجة في المعاملات، لعدم تعين شيء منها، و لاستحالة الاشتغال بأحدها المردد. و لا جامع إلا المالية و هي أمر بسيط ليس لها قلة و كثرة و زيادة و نقص إلا باعتبار ما يتحقق به في الخارج و هي أنواع النقود فما تشتغل به الذمة أو يجب شرعا
1) الوسائل: ج 13، باب 17 من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 255.
تداركه ليس فيه قلة و كثرة حتى يجري فيه الأصل بل القلة و الكثرة فيما يتحقق به ما اشتغلت به الذمة. و عليه فحال الضمان بمعنى وجوب دفع القيمة و بمعنى اشتغال الذمة حال العهدة في أن الأصل فيها الاشتغال و بقاء تلك المالية الى أن يتحقق في الخارج قطعا، و الأصل حينئذ على جميع المباني مع المالك. و بقية الكلام في محله.
في الشرائع: من تقبل عملا لم يجز أن يقبله غيره بنقيصة على الأشهر إلا أن يحدث فيه ما يستبيح به الفضل (1)انتهى.
و مستنده صحيح أبي حمزة (2)على النقل الصحيح و صحيح محمد بن مسلم (3)، و مضمون الثاني عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه؟ قال عليه السّلام: «لا، إلا أن يكون قد عمل فيه شيئا» و الأول كالثاني فيما عدا الاستثناء و في بعض الأخبار الأخر نفي البأس عن التقبيل مع العمل (4)، و مفهومه ثبوت البأس مع عدمه. و مستند المجوزين صحيح أبي حمزة على ما نقله ابن إدريس في السرائر (5)و حكاه العلامة في التذكرة مستدلا به للجواز بقوله عليه السّلام: «لا بأس» (6)و لكن حيث انهما نقلاه عن تهذيب الشيخ. و قد نص أهل الخبرة في الأخبار و الاطلاع على خلو تهذيب الشيخ من هذه الزيادة، فلا اعتبار بهذا المدرك. و استندوا أيضا الى قوله عليه السّلام في خبر علي الصائغ: «لا يصلح ذلك» (7)بدعوى ظهوره في الكراهة.
و فيه: أنّ «لا يصلح» ليس ظاهرا في الكراهة، بل يصلح لها و للحرمة، فلا يعارض ما دل على الحرمة. و استندوا أيضا الى ما روي عن الحكم الخياط، قال
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة في ذيل الفصل الثالث.
2) الوسائل: ج 13، باب 23 من أبواب أحكام الإجارة، ح 4، ص 265.
3) الوسائل: ج 13، باب 23 من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 265.
4) الوسائل: ج 13، باب 23 من أبواب أحكام الإجارة، ح 2، ص 265.
5) السرائر: ص 271.
6) تذكرة الفقهاء: ج 2، ص 291.
7) الوسائل: ج 13، باب 23 من أبواب أحكام الإجارة، ح 6، ص 266.
قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «إني أتقبل الثوب بدرهم و أسلمه بأقل من ذلك لا أزيد على أن أشقه؟ قال عليه السّلام: لا بأس بذلك. ثم قال عليه السّلام: لا بأس فيما تقبلت من عمل استفضلت فيه» (1). نظرا الى ذيل الرواية، حيث إنه عليه السّلام نفى البأس عنه بلا تقييد منه. و القيد المذكور في السؤال من الراوي دون الإمام عليه السّلام.
و لعل النكتة في ذكر الكلية بعد الجواب أن التقبيل الذي يطلب فيه الفضل لا بأس به مطلقا بلا حاجة الى إعمال عمل و لو مثل شق الثوب، و لكنه كما يحتمل ذلك يحتمل التعميم في مثل الفرض المذكور الذي هو القدر المتيقن في مقام التخاطب، و مع فرض الإطلاق فمقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيد. فلا تصل النوبة إلى حمل الظاهر على النص بملاحظة أن أدلة المنع ظاهرة في المنع. و قوله عليه السّلام: (لا بأس) نص في الجواز مضافا الى المروي من أن فضل الأجير حرام، فان الظاهر اضافة المصدر الى الفاعل لا المفعول، لكنه يبعده ورود مثله في مساق البيت و الحانوت كما تقدم الكلام فيه، حيث قال عليه السّلام: «إن الأرض ليست مثل الأجير و لا مثل البيت، إن فضل البيت و فضل الأجير حرام» (2).
من حيث لزوم كونه بإذن مالكها و إلا لكان الأجير ضامنا كالكلام في العين المستأجرة إذا آجرها المستأجر من غيره حرفا بحرف فراجع. نعم يمتاز المقام بخصوصية و هي أن الغالب فيمن يتقبل الخياطة أنه لا يخيط بنفسه، بل يدفعه إلى صناعة و إجرائه كما هو المرسوم في مثل الخياطة، فالإذن في الاستيلاء على العين لعمل الخياطة المتعارف كونه بالتسبيب لا بالمباشرة إذن في تسليط الغير، كما أن ما نحن فيه أولى من المسألة المتقدمة من وجه آخر بالنسبة إلى نفس الأجير، فإن استيلاء المستأجر على العين
بإذن المالك لم يكن إلا بملاحظة أن إقدام المالك برضاه على الإجارة المقتضية لتسليط المستأجر مقدمة لاستيفاء المنفعة هو الرافع للضمان و إلا فتسليطه بعد عقد الإجارة من باب اللابدية التي لا يكشف عن الرضا باستيلاء المستأجر بخلاف ما نحن فيه، فان مالك العين هو مالك العمل، فليس تسليمه للعين مقدمة لاستيفاء عمل الغير إلا عن رضاه بعد العقد. فتدبر جيدا.
في الشرائع: يجب على المستأجر سقي الدابة و علفها و لو أهمل ضمن. انتهى (1).
أما تنقيح الكلام في المسألة الاولى و هي وجوب السقي مثلا، فالكلام فيه تارة في أصل الوجوب و اخرى في الرجوع بعوض ما بذله على المالك.
(أما الأول) فنقول: حفظ الدابة بسقيها و علفها، تارة بجهة غير مرتبطة بالإجارة كحفظ النفس المحترمة و المال المحترم، فإنه لو وجب حفظها من هاتين الجهتين لم يكن مختصا بالمستأجر بما هو بل جميع المكلفين كذلك، و اخرى بجهة مرتبطة بمرحلة الإجارة، إما من حيث اقتضاء عقد الإجارة أو الشرط الصريح أو الضمني فيه أو من حيث اقتضاء التسليم على وجه التأمين.
أما الحفظ من جهة كونها نفسا محترمة فلا يجب في غير الآدمي، و لذا لا يجب التقاط الحيوان إذا خاف عليه التلف. و الحفظ بعد الالتقاط من حيث كونها أمانة شرعية يجب حفظها من التلف، كما أن الوجوب على مالكها من حيث وجوب نفقة المملوك على مالكه لا من حيث حفظ النفس المحترمة التي لا فرق فيها بين المالك و غيره. نعم إن كان المملوك عبدا أو امة يجب حفظه بجميع أنحاء الحفظ حتى من الآفات الواردة عليه كالحر من دون فرق بين المالك و غيره، و من دون فرق بين كونه أجيرا أو لا، و من دون فرق بين حضور مالكه و عدمه إذا أهمل الواجب في حقه.
و أما الحفظ من حيث كونه مالا محترما فلا يجب أصلا، و لذا لا يجب التقاطه بل
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة الفصل الثالث المسألة الرابعة.
يكره و إنما الواجب ما كان تحت اليد من حيث كونه أمانة شرعية أو مالكية كما سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى. هذا هو الكلام في الحفظ من الجهتين غير المرتبطتين بمرحلة الإجارة.
و أما الحفظ من الجهات المربوطة بها فنقول: أما عقد الإجارة بما هو فلا اقتضاء له إلا لتمليك المنفعة فقط. نعم من يقول بأنها تمليك العين في مدة خاصة بجهة خاصة فربما يوهم وجوب الحفظ من حيث إن نفقة المملوك على مالكه. و أما اقتضاء الشرط الصحيح الصريح فهو تابع لكيفية الاشتراط و لا كلام فيه. و أما اقتضاء الشرط الضمني فهو انما يسلم إذا دفعه المالك الى المستأجر من دون أن يكون هو أو عملته و أكرته مع الدابة، كما في البغلة في صحيح أبي ولّاد (1)فان المتعارف في مثله كون الدابة في كفالة المستأجر، و في غيره لا دليل على الالتزام الضمني بحفظه.
و أما اقتضاء التأمين إجراء أحكام الأمانة عليه و منها حفظها بسقيها و علفها، فمختصر القول فيه أن التأمين تارة عقدي كالوديعة و اخرى خارجي، و تمام حقيقته التسليط عن رضاه. فالأول حيث إن حقيقته الاستنابة في الحفظ فلا بدّ من رعاية حال ما تعهد بحفظه بجميع شئونه ما دام العقد باقيا، و الثاني ليس مقتضاه إلا كون استيلائه عن رضا المالك، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط الموجب لخروج اليد عن كونها مأذونة، و كون ترك الحفظ تفريطا فرع وجوب الحفظ، و معنى التأمين بالمعنى الأعم أن المالك حيث رآه أمينا مأمونا من التعدي و التفريط فلذا سلطه على ماله و لم يشترط عليه الضمان بجعل تسليطه مقيدا به.
(و أما الثاني) و هو الرجوع بعوض ما بذله في مقام حفظه فنقول: إن وجوب الحفظ بأي وجه من الوجوه المتقدمة لا اقتضاء من حيث المجانية و عدمها، و مجرد احترام العمل أو احترام المال المبذول لا يوجب الرجوع الى من وصل نفع العمل أو
1) الوسائل: ج 13، باب 17 من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 255.
المال اليه إلا إذا كان مستوفيا له بالمباشرة أو بوكيله أو بأمرهما و إذنهما أو بأمر الحاكم مع فقدهما. نعم في باب الوديعة حيث إن حقيقتها الاستنابة في الحفظ فطبعها آب عن التعويض لنفس الحفظ و إلا لكانت اجارة على العمل لا وديعة موجبة لتنزيل الودعي منزلة المالك في حفظها الذي لا عوض لمالكها.
و أما ما يتوقف عليه الحفظ من مال أو عمل راجع الى مقدمات الحفظ فطبع الوديعة كطبع الإجارة لا اقتضاء من حيث التعويض و عدمه، فلا بدّ من فرض الاستيفاء من المالك أو من ينوب منابه بأحد وجوه الاستيفاء، إلا أن الاشكال في الأمانة الشرعية كاللقطة إذا احتاج الملتقط في حفظها لمالكها و لو في مدة التعريف الى بذل المال، فإنه لا معنى لاستيفاء الشارع كما لا استيفاء من المالك، لكنه يكفي في جواز الرجوع بعض النصوص الواردة في اللقيط، حيث جوز بيعه فيما أنفق عليه، كما أنه يكفي في الأمانة المالكية بالمعنى الأعم ما في صحيحة أبي ولاد، حيث قال: «جعلت فداك فقد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ قال عليه السلام: لا لأنك غاصب» (1). فيستفاد منه أن غير الغاصب له الرجوع بما أنفق على الدابة.
و مما ذكرنا يظهر أن جواز الرجوع منوط بإذن من المالك أو من الشارع مع عدم قصد التبرع بما أنفق. هذا بعض الكلام في المسألة الاولى من حيث وجوب الحفظ و من حيث جواز الرجوع على المالك.
و أما المسألة الثانية: و هي الضمان مع الإهمال في حفظ الدابة بترك السقي و العلف فمختصر الكلام فيها أن وجوب حفظ النفس المحترمة لا يوجب تركه إلا الإثم، و كذا حفظ مال المسلم، فان كون حفظ المال في عهدته غير كون المال في عهدته ليتوهم ضمانه، كما أن وجوب الحفظ من حيث الالتزام صريحا أو ضمنا لا يقتضي تركه إلا ترك الوفاء بالشرط من دون اقتضاء للضمان. نعم ترك الحفظ من حيث الأمانة خيانة، و اليد حينئذ مضمنة. و هذا هو محلّ الكلام.
1) الوسائل: ج 13، باب 17 من أبواب أحكام الإجارة، ح 1، ص 256.
في الشرائع: إذا أفسد الصانع ضمن و لو كان حاذقا كالقصار يخرق. إلخ (1)و الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة، و اخرى في ما تقتضيه أخبار الباب.
أما الأول: فتوضيح المرام برسم أمور في المقام: (منها) أن قيام المبدأ بشيء يصحح إسناده إليه إذا لم يؤخذ في نفس المبدأ عنوان قصدي كالتعظيم، فالارادة و الاختيار غير مقومة للإسناد إلا إذا فهم اعتباره من الخارج، كما في متعلقات التكاليف، فان البعث لجعل الداعي إلى الفعل، فلا بد من توسط الإرادة تحقيقا للدعوة، و كما في المعاملات من العقود و الإيقاعات فإنّها تسبيبيّة قصديّة، بل ربّما يعتبر فيها زيادة على الاختيارية و القصد المقوم لها صدورها عن طيب النفس و الرضا الطبعي. و أما مقولة الأسباب كالإتلاف المضمن و اليد المضمنة، فليس فيهما خصوصية التكليف، و لا خصوصية العقود و الإيقاعات حتى يعتبر فيها الاختيارية و العمد و القصد فيكفي في ذلك مجرد الاستناد الكافي فيه قيام المبدأ.
و (منها) أن الإتلاف تارة مباشري و اخرى توليدي أو تسبيبي، و الغالب حصول الأخيرين بإيجاد شرط أو معد يترتب عليهما التلف ما لم يتوسط بين الشرط و المشروط و المعد و المعد له إرادة فاعل مختار. فالالقاء في النار المتولد منه الإحراق ليس إلا إيجاد الشرط و هي الملاقاة للنار، و لا منافاة بين عدم استناد المشروط الى شرطه و استناده الى موجد شرطه، فان الشرط لا فعل له حتى يتولد منه المشروط بخلاف موجد الشرط، فإن إيجاده له فعل له فيصح تولد فعل منه، فالاحراق فاعله الطبيعي هو النار و فاعله غير الطبيعي هو الملقي، و هو فعل النار بالذات و فعل الملقي بالعرض. و تقديم الطعام المسموم الى الغافل إيجاد مقدمة إعدادية، فينسب القتل الى السم بالذات و الى موجد المعد بالعرض، و هكذا في سائر الأمثلة، و عليه فالحمال إذا عثر فانكسر ما حمله متلف، لأنه بعثرته عن غير اختيار كسر المحمول بغير اختيار،
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة الفصل الثالث المسألة الخامسة.
فالكسر و إن كان فاعله الطبيعي اصطكاك المحمول مع الأرض، إلا أنه مترتب على العثرة القائمة بالحمال ترتب المعد له على المعد فيكون متولدا من فعل غير اختياري قائم بالحمال، بخلاف ما إذا هب ريح شديد فأوقعه على الأرض فكسره، لعدم تولد الكسر من الحمل. و عدم استناد هبوب الريح الى الحمال فتدبر.
و (منها) أن التلف الذي يترتب على اعمال الصنعة ربما يكون لخطإ الصانع و سبق يده بحيث جاز حد الختان مثلا، و ربما يكون لعدم قابلية المحل لضعف مزاج الطفل و عدم تحمله للجرح، و كعدم قابلية الثوب للقصارة على الوجه المتعارف من الفرك و الدلك، لكونه عتيقا ينخرق بالقصارة، و مثله و إن كان كالأول إتلافا من الصانع نظير ما إذا جرح إنسانا ضعيف المزاج فقتله، فإنه لا شبهة في أن القتل لمثل هذا الشخص مستند اليه، إلا أن الأمر في مثل هذه الإجارة دائر بين صحتها و عدم الضمان و فسادها و الضمان كما نبهنا عليه في بعض المسائل المتقدمة من أن استيفاء المنفعة إذا كان لازمه العادي نقصا في العين لا يوجب الضمان كركوب الدابة في مدة طويلة، فإنه يوجب هزالها و جرح ظهرها و أشباه ذلك، فكذا هنا، فإن قصارة هذا الثوب ملزوم عادة لخرقه، فهو إتلاف مأذون فيه من قبل مالكه و كذا ختان الطفل الضعيف إذا كان جائزا بحسب الظاهر لأبيه و جاز له الاستيجار شرعا، فهو إتلاف مأذون فيه شرعا و من قبل الولي، و إن كان مع العلم بكون الختان مضرا لم يجز للولي ختانه و لما جاز شرعا الاستيجار له.
و أما الطبيب الحاذق المباشر، فتارة نقول انه مكلف بحفظ النفس المحترمة بعلاج المرض، فمثل هذا يستحيل أن يستلزم الضمان، فان التلف لا يكون إلا بخطإ منه، فالموضوع و هو علاج واقعا و إلا لانسد باب الطبابة و علاج المرضى مع مسيس الحاجة اليه، و مثله لا ضمان معه، و عليه ينزل أخذ البراءة من المريض أي الاذن في العلاج على نحو لا ضمان معه، و إلا فإشكال البراءة عن الضمان قبل حدوث موجبه موجه، و الاذن في إتلاف نفسه أو طرفه غير سائغ شرعا، فلا محيص عما ذكرناه. هذا مختصر القول فيما تقتضيه القاعدة.
و أما الثاني: و هو ما يستفاد من أخبار الباب (1)، و هي ما ورد في القصار و الصباغ و النجار و ما أوردوه في باب الديات في الطبيب و البيطار و الختان من تضمين الجماعة المذكورين فيما جنته أيديهم (2)، و في جملة منها إعطاء الضابط بقولهم عليهم السّلام: «كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن» (3)و هو موافق لما قدمناه من اقتضاء قاعدة الإتلاف، و ذلك لأن قصارة الثوب بفركه و دلكه المعتاد إصلاح للثوب و بفركه و دلكه الشديد و لو خطأ إفساد له حيث إنه يخرقه، و أما الثوب العتيق الذي لا يحتمل الفرك و الدلك العادي فهو متمحض في الإفساد و ليس مجمعا للإصلاح و الإفساد، فهو خارج عن مدلول هذه الكلية.
و قد عرفت أن مقتضى القاعدة عدم الضمان، لأنه إتلاف مأذون فيه، و ليس لهذه الأخبار الواردة في جناية الصانع في صنعته معارض، نعم الأخبار فيما يتلف تحت أيديهم من الأعيان التي هي موارد للأعمال المستأجر عليها مختلفة، و هي مسألة أخرى سيجيء البحث عنها إن شاء اللّه تعالى.
قال «رحمه اللّه» في الشرائع: أما لو تلف في يد الصانع لا بسببه من غير تفريط و لا تعد لم يضمن. إلخ (4). و الكلام فيه تارة في مقتضى القاعدة و اخرى في مقتضيات أخبار المسألة:
أما الأول: فقد مر أن العين التي هي مورد عمل الأجير أمانة بالمعنى الأعم أي سلطه مالكها عليها برضاه، بل هو أولى بذلك من العين المستأجرة، حيث إن التسليط على العين المستأجرة مما لا بد منه مقدمة لاستيفاء المنفعة، و مع اللابدية لا يمكن استكشاف الرضا بعد العقد، و لذا التجأنا إلى دعوى أن اقدامه على الإجارة
المقتضية للتسليط بعد العقد كان عن رضاه و الظاهر بقاؤه بخلاف ما نحن فيه، فان المستأجر هنا هو مالك للعمل، فدفع العين إلى الأجير مع عدم اللابدية يكشف قطعيا عن الرضا. و من الواضح كما قدمناه سابقا أن اليد المأذونة لا ضمان عليها إلا إذا خرجت عن كونها مأذونة بتعد أو تفريط، فما في الشرائع هنا موافق للقاعدة.
و أما الثاني: و هو ما هو مفاد الأخبار فهي مختلفة، ففي بعضها كرواية معاوية بن عمار عدم الضمان مطلقا قال: «سألته عليه السّلام عن الصباغ و القصار؟ قال عليه السّلام: ليس يضمنان» (1)و في بعضها الآخر عدم التضمين إن كان مأمونا، كما في الصحيح عن أبي بصير: «لا يضمن الصائغ و لا القصار و لا الحائك إلا أن يكونوا متهمين» (2). و في بعضها و هو الأغلب التضمين مطلقا و الأصل فيه ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام من تأسيس أصل كلي في ضمان هؤلاء احتياطا على أمتعة الناس (3)، بل في بعضها «لا يصلح الناس إلا أن يضمنوا» (4). و في الصحيح عن الحلبي قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يضمن القصار و الصائغ احتياطا على أموال الناس و كان أبي يتطول عليه إذا كان مأمونا» (5). و ظاهره التطول عملا مع جواز التغريم كما هو صريح رواية اخرى:
«كان يضمن القصار و الصواغ ما أفسد، و كان علي بن الحسين عليه السلام يتفضل عليهم» (6). فان مورده الجناية في الصنعة. و قد مرّ أنها موجبة للضمان. و الغرض أن التفضل و التطول منهم عليهم السّلام مطلقا أو فيما إذا كان مأمونا لا يقتضي اختصاص الحكم الاحتياطي الذي أسسه أمير المؤمنين عليه السّلام بصورة التهمة
1) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 14، ص 274.
2) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 11، ص 274.
3) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 6، ص 272.
4) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 9، ص 273.
5) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 4، ص 272.
6) الوسائل: ج 13، باب 29 من أبواب أحكام الإجارة، ح 20، ص 275.
و عدم كونه مأمونا.
نعم جملة كثيرة من الروايات قيدت التغريم بصورة التهمة، و حينئذ يستفاد من إرجاع بعضها الى بعض أن المستأجر له التضمين في صورة التهمة على خلاف قاعدة الأمانة بالمعنى الأخص و الأعم فإن مقتضاها أن المؤتمن على المال لا يضمن بلا تعدّ و لا تفريط، و انه لا يكلف بإثبات التلف.
و التحقيق: أن هذا الأصل المؤسس من أمير المؤمنين عليه السّلام ليس مقتضاه الضمان بالتلف، كيف و في ذيل الرواية و كان عليه السّلام لا يضمن من الغرق و الحرق و الشيء الغالب و نحوه غيره، مع أنه بقيام البينة على التلف لا ضمان قطعا، فيعلم منه أنه لا ضمان بالتلف، و إنما يخالف هذا الأصل قبول دعوى التلف فان في سماع دعواهم ضياع أموال الناس لخفة مؤنة دعوى التلف. و لذا قيدوه بصورة التهمة و حكموا بعدم الضمان فيما إذا كان موثوقا مأمونا، و إلا فالتلف مما يستوي فيه الموثوق و غيره و الأمين و غيره. فلا بأس بالعمل بهذه الأخبار على خلاف قاعدة قبول قول الأمين في دعوى التلف. و أما أن تكليف مدعي التلف إقامة البينة أو يستحلف فالأخبار فيه مختلفة، و سيجيء البحث عنه في أواخر باب الإجارة إن شاء اللّه تعالى.
قال «رحمه اللّه» في الشرائع: من استأجر أجيرا لينفذه في حوائجه كانت نفقته على المستأجر إلا أن يشترط على الأجير (1). انتهى.
لا ريب في أن عقد الإجارة لا اقتضاء من حيث استحقاق النفقة، إلا إذا كانت هناك عادة مستقرة على كون نفقة الأجير المنفذ في حوائج المستأجر عليه، فإنه بمنزلة الالتزام الضمني بالنفقة، و لعله يختلف باختلاف الأعصار و الأمصار.
و ربما يدعى أن الأجرة إذا لم تكن وافية بمؤنته مع استغراق أوقاته للعمل المنفذ فيه كان ذلك قرينة على أنه في كفالة المستأجر، فيكون التزاما ضمنيا مبنيا عليه العقد.
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة السادسة.
و (فيه) عدم صلاحية عدم وفاء الأجرة للقرينة المحققة للالتزام الضمني ما لم تكن عادة متبعة توجب وقوع العقد عليه، بل اللازم في مثل الفرض أن لا يؤجر نفسه مطلقة بل مشروطة بالنفقة، فمرجع الأمر إلى أنه ليس له الإجارة المطلقة، لا أن الإجارة المطلقة منه صحيحة و عدم وفاء الأجرة قرينة على التقييد.
و أما صحة الإجارة المطلقة مع فرض عدم النفقة و لو بالاستدانة فمحل الاشكال لا من حيث وجوب التكسب لوجوب تحصيل النفقة فتحرم الإجارة المطلقة، لابتنائه أولا على مسألة الضد و لا نقول بها، و ثانيا على اقتضاء حرمة الإجارة لبطلانها و لا نقول باقتضاء مجرد الحرمة المولوية المتعلقة بنفس الإجارة لبطلانها مع استجماعها لشرائط النفوذ حتى ملك التصرف، إذ لا تزول بالحرمة إلا السلطنة التكليفية و هي إباحة الإجارة دون السلطنة الوضعية التي لا تزول إلا بفقد شرط من شرائط الصحة، بل في خصوص المقام لا يتمكن من تسليم العمل في تمام المدة خارجا، حيث لا قوة على العمل، بل لا حياة للعامل إلا بما يتقوت به. و المفروض عدم ما يتقوت به من جميع الوجوه، و سيجيء إن شاء اللّه تعالى بعض الكلام في مسألة إجارة العبد ثم عتقه (1).
و استدلّ لوجوب النفقة على المستأجر بما رواه في الكافي (2)و التهذيب (3)عن سليمان بن سالم قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن رجل استأجر رجلا بنفقة و دراهم مسماة على أن يبعثه إلى أرض، فلما أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر و الشهرين فيصيب عنده ما يغنيه من نفقة المستأجر، فنظر الأجير الى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافى به الذي يدعوه، فمن مال من تلك المكافاة أمن مال الأجير أم من مال المستأجر؟ قال عليه السّلام: إن
كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله و إلا فهو على الأجير» (1).
و موضع الاستدلال ما في جواب الامام عليه السّلام بدعوى أن المراد منه أن البقاء عنده إن كان في مصلحة المستأجر و الاشتغال بالعمل الذي فيه صلاحه فهو مستحق للنفقة، فما دفعه بعنوان عوض ما ينفق عليه محسوب على المستأجر، و إن لم يكن البقاء عنده للاشتغال بما هو صلاح المستأجر فلا نفقة له، فما دفعه محسوب عليه لا على المستأجر.
و يندفع بأن استحقاق النفقة مفروض في السؤال. إما بعنوان الجزئية للأجرة كما هو ظاهر صدر الرواية، حيث جعلها في عرض الدراهم المسماة واقعا عليهما عقد الإجارة، و إما بعنوان الشرطية في ضمن عقد الإجارة، لتعارف أمثال هذه العبارات فيما كان مأخوذا في العقد و لو بنحو الشرطية، و الرواية مسوقة للسؤال عن حال النفقة المتعينة بين المستأجر و الأجير، فلا يتوهم بطلان الإجارة اما لجهالة جزء الأجرة أو لجهالة ما اشترطه في العقد، و حينئذ فوجه السؤال بعد فرض استحقاق النفقة بأحد الوجهين أن ما يستحقه من المستأجر مقدار النفقة، حتى يمكنه احتساب ما كافي به من دعاه على المستأجر أو النفقة الفعلية، حتى يكون ما كافي به محسوبا عليه لفرض عدم فعلية النفقة، فأجاب الإمام عليه السّلام: بأن البقاء إن كان للعمل المستأجر عليه فهو مستحق للنفقة ببيان لازمه، و هو احتساب ما كافي به على المستأجر و إلا فلا عمل للمستأجر في هذه المدة، حتى يستحق مقدار النفقة، إلا أن الظاهر أن بقاءه للعمل المستأجر عليه مفروض في كلام السائل، حيث قال:
فيصيب عنده ما يغنيه من نفقة المستأجر. فلو لا كان بقاؤه لعمل المستأجر لم يكن له نفقة حتى يغنيه ما يصيب عن النفقة. و كذا قوله: فنظر الى ما كان ينفق عليه في الشهر، و عليه فتكون فعلية النفقة مفروضة في كلام السائل، إلا أنه يتوهم أن الإنفاق في هذه المدة لو لا الدعوة، حيث إنه مما وطن المستأجر على بذله، فلا يضره
1) تهذيب الأحكام: ج 7، ص 212، ح 15.
احتساب ما يكافئ به عليه، فأجاب الإمام عليه السّلام: بأن هذه المكافأة، إن كانت مصلحة للمستأجر كانت من المال المصروف في مصالح المستأجر فيحتسب عليه، و إلا كان إحسانا محضا من الأجير بلا ارتباط بالمستأجر. و لعله أقرب الى المفهوم من العبارة من السابق، فلا يرتبط بمسألة النفقة أصلا.
و يستدلّ أيضا بما في ذيل الرواية المتقدمة، و هو هكذا: «و عن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماة و لم يفسر شيئا على أن يبعثه إلى أرض أخرى، فما كان من نفقة الأجير من غسل الثياب أو الحمام فعلى من؟ قال عليه السّلام: على المستأجر» (1).
و وجه الاستدلال بالجواب واضح، إلا أن أصل النفقة مفروض، و حيث إنه كان بلا تفسير و لا تفصيل فهل تدخل لوازم السفر من غسل الثياب و دخول الحمام في النفقة الملتزم بها؟ فأجاب عليه السّلام: بدخولهما فيه بلازمه، و هو أنهما على المستأجر، حيث إنه التزم بالنفقة، لا من حيث إن الأجير يستحق عليه تعبدا، حتى يقال إذا استحق مثل اجرة غسل الثياب و الحمام فالمآكل و الملابس بطريق أولى.
و اللّه أعلم.
قال «رحمه اللّه» في الشرائع: إذا آجر مملوكا له فأفسد كان ذلك لازما لمولاه في سعيه. إلخ (2).
في المسألة وجوه بل أقوال في ضمان المولى، قول بالضمان مطلقا، و قول بعدمه مطلقا، و قول بالضمان في كسب العبد فقط، و قول بالتفصيل بين تفريط العبد فيضمن و يتبع به بعد انعتاقه، و عدم التفريط فعلى المولى في كسب العبد. و مقتضى أدلة التغريمات- من حيث الإتلاف و التلف تحت اليد، و خصوص أدلة إفساد الصانع ما استؤجر عليه- عدم الفرق بين الحر و العبد، فالعبد هو الضامن في جميع الموارد، و حيث لا مال له يتبع به بعد عتقه، إذ لا معنى لكونه ضامنا في كسبه، فإنه
لا يخرج الضامن عما اشتغلت ذمته بأداء مال الغير، و منافعه على الفرض لمولاه.
نعم يستثني من ذلك صورة تسبيب المولى الى العمل الذي يترتب عليه الإفساد خطأ، و منه ما إذا آجره المولى لقصارة الثوب أو للختان و نحوهما. و منه يظهر أن التفصيل المحكي عن المسالك وجيه في خصوص المقام لدوران أمر الإتلاف المنسوب الى العبد بين العمد و الخطأ. و المولى لم يتسبب بإيجاره الى التعمد منه، بل الى نفس العمل الذي ربما يترتب عليه التلف بعروض الخطأ.
و أما ما يقتضيه الخبران الواردان في إجارة العبد و إفساده، فالكلام تارة في موافقة كل منهما للقاعدة و مخالفته لها، و اخرى في معارضتهما و عدمها، و مختصر القول في المقامين أن المروي هنا روايتان:
(إحداهما) ما روي في الكافي و التهذيب في الحسن عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في رجل كان له غلام استأجره منه صائغ أو غيره، قال عليه السّلام: إن كان ضيع شيئا أو أبق فمواليه ضامنون» (1). و حيث إن الظاهر التضييع في العمل المستأجر عليه بلا تعمد، فيوافق الضمان على المولى، لما مرّ من أنه إتلاف من المولى بالتسبيب.
(ثانيتهما) صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا؟ فقال عليه السّلام: ليس على مولاه شيء و ليس لهم أن يبيعوه و لكنه يستسعى و إن عجز عنه فليس على مولاه شيء و لا على العبد شيء» (2). و هي مخالفة للقاعدة من وجهين: (أحدهما) كونه ضامنا بمال الغير.
و (ثانيهما) عدم ضمان ما أتلفه عند عجزه عن السعي بحيث لا يتبع به بعد انعتاقه، لكنها صحيحة لا بد من الأخذ بها و لو على خلاف القاعدة، كما أنه في جناية العبد أيضا يقتل أو يسترق مع انه بنفسه مال المولى، إلا أنها حيث كانت معارضة للرواية
الاولى فلا بد من التوفيق بينهما حتى يمكن تحكيمها على القاعدة.
و ما ذكر في الجمع بينهما و جهان: (أحدهما) أن الحسنة الحاكمة بضمان المولى مطلقة، فيجب تقييد ضمان المولى بجعله في كسبه لا في مطلق ماله، و هو وجيه لو لا قوله عليه السّلام «أو أبق» عطفا على ضيع. فان ضمان المولى عند إباقه ليس إلا للأجرة. و هذا الضمان ضمان المعاوضة المقتضي لانفساخ المعاملة. و ضمان التضييع و الإفساد ضمان الغرامة. فلا بدّ من إرادة الجامع بينهما و هي الخسارة سواء كان الذاهب منه عين المال كالأجرة المسماة أم بذل مال الغير كضمان التالف.
و من الواضح أن هذا المطلق الجامع لا يعقل تقييده بكسب العبد. بداهة أن تقييد المطلق يوجب تقييد جميع افراده. مع انه لا معنى لأن يكون رجوع الأجرة المسماة في كسبه.
(ثانيهما) ان الكسب أحد إفراد مال المولى. فهو من باب المثال فيوافق ضمان المولى مطلقا. و هو فاسد لصراحة الصحيحة في انه مع عجز العبد عن الكسب لا يضمن مولاه شيئا. فكيف يعقل أن يكون الكسب و السعي من باب المثال و انه من باب كونه أحد أفراد أموال المولى، خصوصا مع التأكيد صدرا و ذيلا على أنه ليس على مولاه شيء، و المظنون قويا اختلاف موردهما و عدم ارتباط الثانية بمقامنا، فان ظاهر استهلاك مال كثير من المستأجر صدور إتلافات كثيرة منه لا الخطأ في صنعة استأجر عليها بخلاف الأولى، فإن ظاهرها تضييع شيء قد استؤجر عليه في عمل الصياغة و نحوها، فلا اتحاد بينهما في المورد. و الحكم في الثانية و إن كان أيضا على خلاف القاعدة إلا أنه لا بد من العمل بها لصحتها و عدم المعارض لها. و اللّه العالم.
قال «رحمه اللّه» في الشرائع: صاحب الحمّام لا يضمن إلا ما أودع و فرط في حفظه أو تعدى (1)انتهى.
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة الثامنة.
عدم الضمان تارة بعدم المقتضي و هو الاستيلاء، و اخرى بوجود الرافع و هو التأمين. و لا ريب في أن صاحب الحمام له الاستيلاء على الحمام و ما فيه، و إنكار كون الثياب تحت استيلائه مكابرة. و أما التأمين فهو على قسمين: فتارة عقدي و هي الوديعة، و معها لا ضمان إلا مع التفريط في حفظ الثياب أو التعدي فيها، و اخرى خارجي و هي الأمانة بالمعنى الأعم و هو مجرد تسليط الغير على المال عن رضاه، و هو هنا كذلك.
و قد عرفت سابقا أن حفظ المال المحترم غير لازم إذا لم يكن استيداع من المالك الراجع إلى الاستنابة في الحفظ أو ما هو بمنزلته شرعا من الحكم بإيصال المال الى مالكه كاللقطة بعد الالتقاط فاذا لم يكن الحفظ واجبا لم يكن تركه تفريطا، حتى تكون الأمانة بالمعنى الأعم كالأمانة بالمعنى الأخص. و الفارق ما ذكرناه، و منه تعرف سر التعليل لعدم الضمان بقوله عليه السّلام: «فإنه إنما أخذ الجعل على الحمام و لم يأخذه على الثوب» (1)فإنه لو أخذ الأجرة على حفظ الثياب كان مكلفا بحفظها، فترك التحفظ عليها تفريط، و حاله حال الوديعة بخلاف ما إذا لم يكن حفظ الثياب في عهدته لا من حيث الاستيداع و لا من حيث الإجارة على الحفظ، فإنه لا موجب لضمانها، لفرض الاستيلاء عن الرضا و عدم لزوم الحفظ. و أما ما في رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «انه اتى بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت، فلم يضمنه، و قال عليه السّلام: انه أمين» (2)فمحمول على الأمانة بالمعنى الأعم، و معها لا ضمان.
فكل من الروايتين ناظرة إلى إحدى الجهتين: (إحداهما) إلى جهة التسليط عن الرضا، (و الثانية) الى عدم لزوم التحفظ ليكون تفريطا منه بترك التحفظ. و مما ذكرنا تعرف حكم مسألة الإجارة على حفظ الثياب، فإنه مكلف بالتحفظ على
الثياب عما يمكن التحفظ منه، فلو تلفت بآفة سماوية أو بما غلب عليه كالسرقة غيلة مع كمال التحفظ فإنه لا ضمان مع أحد الأمرين بخلاف ما إذا ترك التحفظ عليها فضاعت أو سرقت، فإنه مع عدم استحقاق الأجرة لعدم العمل بمقتضى الإجارة يضمن التالف. و ما روي- في الصحيح «عن رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق؟ قال عليه السّلام: هو مؤتمن» (1)- محمول على ما هو الغالب من السرقة غيلة و لو مع التحفظ، فلم يبق إلا كون يده على المال. و المفروض أن المستأجر سلطه عليه عن رضاه. و هو المحقق للائتمان بالمعنى الأعم. نعم إذا اشترط عليه ضمان المتاع كان ضامنا له و لو بتلف سماوي. فإنّ معه لا تأمين. فإنه ضد التضمين، لا أنه أمانة مضمونة كما مر منا سابقا.
الإبراء حيث إنه يختص بالكلي الذمي فما في الذمة سواء كان اجرة كلية أم منفعة دابة كلية أم عملا من الأعمال سواء تعلق بعين شخصية أم لا كان قابلًا للإبراء، و إذا كانت الأجرة عينا شخصية أو منفعة عين جزئية أو كانت المنفعة المعقود عليها جزئية بجزئية العين، فهي غير قابلة للإبراء. فلا تقابل بين الأجرة و المنفعة، كما لا يعقل جريان الجزئية في العمل بتوهم تعلق الخياطة بعين خاصة، فإن جزئية المورد لا توجب تعلق الملكية بأمر في الخارج كمنفعة الدار الجزئية، بل تتعلق بعمل تعهد به في الذمة، و لا مطابق له إلا ما يتعلق بالثوب الخاص، فانحصار الكلي الذمي في فرد خارجا لا يوجب خروجه عن الكلية الذمية القابلة للإبراء، نعم من يرى المنفعة المملوكة بعقد الإجارة من أعراض المستأجر فلا فرق عنده في الكلية و الجزئية إلا بتعلق ذلك العرض بعين شخصية أو بعين كلية.
و هذه الكلية و الجزئية جارية في العمل المستأجر عليه، إلا أن المبنى فاسد كما مر مرارا، مع أن هذا المبنى أيضا لا يقتضي خروج العمل المتعلق بعين شخصية عن قابلية الإبراء، فإنه عمل تعهد به في ذمته بخلاف سكنى دار خاصة. فإنه لا تعهد
1) الوسائل: ج 13، باب 4 من أبواب أحكام الإجارة، ح 2، ص 227.
به من المؤجر ليملكه المستأجر عليه نظير الكلي في المعين، فإنه ليس ذميا قابلًا للإبراء. فتدبره جيدا.
يقع الكلام فيه في مقامين: (أحدهما) في صحة الإجارة و العتق معا. (ثانيهما) في أن نفقة العبد في مدة الإجارة بعد انعتاقه على المؤجر أو على المستأجر أو على العبد أو على بيت المال أو على المكلفين كفاية.
أما المقام الأول: فحيث إن الشبهة فيه عقلية و ليس منشأ الاشكال في صحة العتق و الإجارة دخل شيء فيهما شرعا. فلا معنى للتمسك بالعمومات و الإطلاقات لنفوذهما كما في الجواهر (1)، و عمدة المحذور عقلا ما تقدم في أوائل كتاب الإجارة من تبعية ملك المنفعة لملك العين (2)، و كما لا تصح الإجارة لمصادفتها لزمان الحرية فلا تبعية. كذلك لا يصح العتق لسبق الإجارة بوجه صحيح فلا يبقى مجال للعتق، لأنه موجب لتفكيك الملزوم عن لازمه. و قد تقدم ان ملكية العين ملكية مرسلة لا موقتة كما في الوقف. و ملكية العين كذلك تستلزم ملك المنفعة الأبدية أيضا ملكية مرسلة لا موقتة، فلم يبق مجال للإشكال إلا بناء على أن المعدوم لا يملك، فملكية المنفعة في كل زمان مقارنة للمنفعة في ذلك الزمان. و من البين أنه في زمان الانعتاق لا ملك للمؤجر، بل يملكها نفس العبد المنعتق كسائر الأحرار. و قد تقدم غير مرة دفعه من اعتبارية الملكية و تقدير وجود المنافع الآتية و على أي حال فتوهم رجوع العبد بأجرة مثل عمله الى مولاه باطل. فان عمله إن كان مملوكا لمولاه فلا معنى لرجوعه الى الغير فيما يملكه الغير، و إن كان مملوكا لنفسه فالإجارة الواقعة من مولاه فضولية قابلة للرد و الإجارة، و لا يعقل التفويت من مولاه بالإجارة المنوطة بإجازته، فلا يعقل عنوان الرجوع الى أجرة مثل عمله.
و أما المقام الثاني: فالكلام تارة في بطلان الإجارة في مقدار من الزمان
الواجب على العبد تحصيل نفقته مع عدم وجوبها على مولاه، لانقطاع علاقة الملكية الموجبة للنفقة و عدم وجوبها على المستأجر، لعدم الموجب لها رأسا مع فرض عدم مال للعبد ليتقوت به و يحفظ به حياته، فلا بدّ من التكسب عليه. و هو لا يجتمع مع صحة الإجارة في جميع الأوقات، و اخرى بعد صحة الإجارة حتى من هذه الجهة فنقول:
أما صحة الإجارة مطلقا فمنشأ بطلانها في خصوص زمان التكسب لتحصيل النفقة. أما منافاة وجوب التكسب لمالكية المولى لهذه المنفعة في هذا الزمان فلا يملك حتى يملك، و إما منافاته للقدرة على التسليم المشروطة بها صحة الإجارة المطلقة.
و تندفع الأولى بأن عدم تمكن المولى من بذل النفقة أو امتناعه عن بذلها لا يوجب خروج منفعة العبد عن ملكه، بل يجب عليه مع عدم مال آخر بذل منفعة العبد له من باب إيصال النفقة اليه، و مع الامتناع يجب على العبد استيفاء المنفعة المملوكة لمولاه لتدارك نفقته، كما في المضطر إلى أكل مال الغير، فان الاضطرار و الوجوب على الطرفين لا يوجب خروج المال عن ملك صاحبه. فيعلم مما ذكرنا أن هذه المنفعة في هذا الزمان أيضا مملوكة لصاحبها، فله تمليكها للغير واقعا.
و تندفع الثانية بأن القدرة على التسليم و التسلّم لا تنافي وجوب بذلك المال المقبوض للمستأجر. فهذه المنفعة المقبوضة بقبض العين حدوثا و بإبقائها تحت يده بقاء يجب على المستأجر بذلها في هذا الزمان، كما إذا آجره الدار في مدة و اضطر مسلم الى سكناها في بعض المدة، فإنه لا منافاة بين صحة الإجارة و وجوب بذل السكنى للمضطر. و لا يتوهم أحد أن الاضطرار أو الوجوب مناف لصحة الإجارة أو مساوق لعدم قدرة المستأجر على تسلم المنفعة.
و أما تعيين من تجب عليه النفقة بعد صحة الإجارة من جميع الوجوه، فمختصر القول فيه إما على المستأجر فلا موجب له بعد عدم الاشتراط عليه و عدم عادة مستمرة و عدم كونه من الأجير المنفذ في حوائجه. و إما على المؤجر فلضعف ما قيل في وجوبها عليه من أنه كالباقي على ملكه لوصول عوض نفقته إليه في هذه المدة، فإنه في قوة
تنزيل غير المالك منزلة المالك في وجوب نفقة المملوك عليه. و هو محتاج الى الدليل بعد زوال علاقة الملكية المقتضية لوجوب النفقة.
و إما على العبد فما قيل في وجوبها عليه أمران:
أحدهما: أن تسليم العمل إلى المستأجر واجب عليه، لا لوجوب الوفاء لأنه ليس طرفا للعقد بل لأن منفعته مملوكة للغير. و أداء ما يستحقه واجب. و هو يتوقف على تحصيل النفقة بمقدماته، و منها التكسب في مقدار من زمان الإجارة، و حيث ان المقدمة محرمة لأنها مملوكة للغير فلا معنى لاستيفاء مال من الغير لإيصال ماله الآخر اليه.
ثانيهما: أنه يجب عليه حفظ حياته بالتكسب في زمان، فإنه مقدم على كل حق. و تشتغل ذمته بعوضه للمستأجر، كما في غيره من موارد الاضطرار الى التصرف في مال الغير.
و فيه: أن حفظ حياته بمال الغير فيما إذا لم يتمكن من تحصيل نفقته و لو بالاستدانة من الغير، و مع فرض عدم التمكن يجب عليه تحصيله من بيت المال المعد لمصالح المسلمين و معه لا اضطرار يسوغ التصرف في مال الغير، بل مع عدم بيت المال أيضا، حيث إنه يجب على المسلمين كفاية. نعم مع عدم قيام أحد بمؤنته يسوغ له التصرف في ما يملكه المستأجر من منافعه من دون تعين له أيضا، فإنه أحد أفراد المال الذي لا يملكه. و منه تعرف أنه إذا لم تجب النفقة على المؤجر كانت نفقته ابتداء في بيت المال ثم على الناس كفاية ثم على العبد بالتصرف في مال الغير.
نعم الأوجه أن نفقته على المؤجر من حيث وجوب تسليم المنفعة حدوثا و بقاء، و تسليمها بإقباض العين حدوثا و بادامة العين بحيث يمكن الانتفاع بها على الوجه المقصود. و لذا تجب عليه نفقة دابته من هذه الحيثية، و تجب عليه عمارة داره إذا خربت في مدة الإجارة، فكذا هنا، فإن ادامة العبد تحت يده بحفظ حياته الذي هو مساوق لحفظ العين المستأجرة للانتفاع بها.
قال «قدّس سرّه» في الشرائع: إذا آجر الوصي صبيا مدة يعلم
بلوغه فيها بطلت في المتيقن. إلخ (1).
ينبغي تنقيح الكلام في مقامين: (أحدهما) في إجارة ما يملكه من الدار و العقار و نحوهما. (ثانيهما) في إجارة نفسه و تمليك منافع بدنه.
أما المقام الأول: فالمانع من إجارة أمواله حتى ما بعد بلوغه هو أن المنافع المصادفة لزمان بلوغه مما يملكه الكبير، و لا ولاية للولي إلا على ما يملكه الصغير.
و يندفع بما مرّ مرارا من أن المنافع المستقبلة للدار و نحوها مملوكة لمالك العين فعلا، و انما المتأخر ذات المملوك لا أن الملكية لتدرجية المنافع لا بدّ من أن تكون مقارنة لها، لئلا يلزم ملك المعدوم كما توهم. و عليه فتصرف الولي انما هو فيما يملكه الصغير لا فيما يملكه في زمان كبره. و المفروض أن الولي له ولاية التصرف في كل ما يملكه الصغير فعلا، فمقتضى القاعدة نفوذ تصرفه مطلقا و إن كان بتمليك المنافع المصادفة بذاتها لزمان البلوغ، إلا أن يقال بمناسبة الحكم و الموضوع أن جعل الولي للصبي لئلا يفوت عليه ما يتعلق بنفسه و بماله من المصالح في صغره، و المصلحة الرجعة إلى منافع أملاكه في زمان كبره لا تفوت بترك اجارة الولي، بل قابلة لأن يستوفيها الصغير بعد كبره، فلا مقتضى للولاية على مثل هذا التصرف، و لا ينتقض بولاية متولي الوقف حيث تنفذ تصرفاته على البطون المتأخرة المصادفة لما بعد حياته و عدم ولايته عليهم، لما ذكرنا في أوائل كتاب الإجارة من أنه ليس من باب الولاية على البطون، فان البطن المعدوم كالبطن الموجود، فكما لا ولاية له على البطن الموجود كذلك على البطن المعدوم، بل من باب الولاية على العين الموقوفة بمنافعها.
و ان ولاية التصرف فيها عينا و منفعة راجع اليه. و لا يتلقى البطن المعدوم ملك المنفعة من الواقف إلا كتلقي البطن الموجود ملكا مسلوب الولاية على التصرف فيه، و إلا فليس للواقف الولاية على البطون الموجودة و المعدومة، فراجع ما قدمناه.
و مما ذكرنا أولا في وجه التعميم من كونه تمليكا لما يملكه الصغير فعلا يتضح
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة العاشرة.
الفرق بين ما نحن فيه و بين اجارة البطن السابق زائدا على مدة حياته، فإنه لا يملك منفعة العين الموقوفة ملكية مرسلة بل ملكية موقتة بحياته. نعم إذا قيل بأن كل طبقة تملك العين و المنفعة ملكية مرسلة، و انه تنتقل هذه الملكية المرسلة منهم إلى الطبقة المتأخرة نظير انتقال الملك الى الوارث، غاية الأمر أنه هناك بجعل الشارع و هنا بجعل الواقف، أمكن القول بنفوذ الإجارة مطلقا، إلا أن المبنى غير صحيح كما قدمنا القول فيه في أوائل مباحث الإجارة.
و أما المقام الثاني: فتحقيق القول فيه أن الحرّ لا يملك منافع بدنه على حد ملك المولى لمنافع عبده، بل من حيث السلطنة على نفسه كما له السلطنة على تمليك كلي عينا أو عملا بتعهده في ذمته كذلك له السلطنة على تمليك منافعه، و الولي قائم مقام الصغير في هذه السلطنة، فله السلطنة على تمليك منافع الصغير، و أما المنافع المصادفة لزمان كبره فهي منافع الكبير، و المفروض عدم السلطنة للولي إلا على الصغير و منافعه لا على الكبير و منافعه، و هذا هو الوجه في المنع. لا أن المنافع الآتية ليست أموالا فعلية للصغير. فان نظر المانع إن كان الى عدم كونها مملوكة للصغير فالمنافع التي تصادف زمان صغره أيضا غير مملوكة له، و إن كان الى عدم ماليتها إلا في ظرف وجودها. فإن الملكية تتقدم على ذات المملوك و المالية منتزعة من ذات المنفعة فلا تتقدم عليه، ففيه أن المنافع المصادفة لزمان صغره أيضا كذلك مع انه يصح تمليكها، فالوجه ما ذكرنا من عدم السلطنة على تمليك منافع الكبير، و لا يعقل أن تكون المنافع الآتية منافع الصغير. فتدبره فإنه حقيق به.
إلا أن يقال إن الصغر لو لم يكن مانعا شرعا لكان للصغير فعلا تمليك جميع منافعه المصادفة لزمان صغره و كبره. و الشارع لمكان مانعية الصغر في نظره جعل هذه السلطنة لوليه، و حينئذ فيجاب عنه بما أجبنا به في إجارة أملاكه من عدم المقتضي للولاية المطلقة. و لا ينتقض بالنكاح المنقطع زائدا على مدة صغرها نظرا الى ما ورد من أنهن مستأجرات، فمرجعه الى تمليك المنافع المصادفة لزمان كبرها فان النكاح مغاير للتمليك.
و نظير هذه العبارة ورد في الدائم أيضا كقولهم عليهم السّلام: «قد اشتراها بأغلى الثمن». فالزوجية مرسلة كانت أو موقتة متعلقة بشخصها لا بمنافعها.
و المفروض أن الولي له السلطنة على تزويج الصغيرة. و ليس التزويج كالتمليك المتعلق بالمنافع بحيث ينحل الى تزويجات كانحلال التمليك الى تمليكات لئلا يكون للولي السلطنة على بعض ما ينحل اليه التزويج المنقطع، كما ليس له السلطنة على ما ينحل اليه التمليك بالنسبة إلى زمان الكبر، بل الزوجية الحادثة بالعقد زوجية واحدة شخصا لا نوعا أولا و آخرا. فتدبر جيدا.
قال «قدّس سرّه» في الشرائع: إذا تسلم أجيرا ليعمل له عملا فهلك لم يضمنه. إلخ (1).
الكلام تارة في الحر صغيرا كان أو كبيرا و اخرى في العبد. أما الكلام في الحر فهو خارج عن مورد الضمان الغرامي إتلافا و تلفا.
و أما الأول: فلأن موضوع قاعدة الإتلاف مال الغير، و الحر لا مال و لا مضاف الى الغير. نعم إتلافه أو إتلاف طرف منه له ديات مقررة شرعا.
و أما الثاني: فلأن التلف تحت اليد لا يتصور في الحر، لا لأن الحر لا يدخل تحت اليد، لما مرّ مرارا من أن دخول الإنسان تحت استيلاء أحد لا فرق فيه بين كونه مضافا الى غيره بإضافة الملكية و عدمه. نعم الاستيلاء عليه بالإضافة إلى نفسه لا أثر له شرعا، و إنما له الأثر بالإضافة إلى منافعه، فان الاستيلاء عليه واسطة في ثبوت الاستيلاء على منافعه و فوات المنافع تحت يده يوجب الضمان، و إلا فلا يعقل الاستيلاء على منافعه استقلالا، بل الأمر كذلك حتى في المنافع المملوكة للغير، فإنه لا شبهة في كونها مضمونة، مع أنه لا استيلاء عليها استقلالا بل يتبع الاستيلاء على العين. و بالجملة لا نقول بضمان اليد في الحر، لكنه لا لعدم اليد بل لأن اليد المضمنة بلحاظ غايتها لا تعم الاستيلاء على الحر، فإنه لا تأدية له، فالغاية تدل على
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة الحادية عشرة.
اختصاص اليد بما كان مضافا إلى غيره و كان أدائيا. و ما ذكرنا في إتلاف الحرّ و تلفه لا اختصاص له بالبالغ العاقل بل يعم الصغير و المجنون. نعم في الإتلاف الموجب للدية المقررة ربما يحصل الفرق بين الصغير و الكبير و العاقل و المجنون، من حيث قوة المباشر تارة و ضعفه اخرى، و هو غير ما نحن فيه. و أما الكلام في العبد فحاله حال الدابة في أن تلفها حال الإجارة و في أثنائها غير موجب للضمان، لأن المفروض أن العين أمانة مالكية بالمعنى الأعم، و لا ضمان إلا مع التعدي و التفريط الموجب لخروج اليد عن كونها مأذونة. و أما بعد انقضاء الإجارة فكون العين باقية على كونها أمانة مالكية أو تكون أمانة شرعية أو مضمونة. فقد قدمنا الكلام فيه في أوائل مباحث الإجارة مفصلا و المختار هناك الوجه الأول. فراجع و تدبر.
قال «قدّس سرّه» في الشرائع: إذا دفع سلعة إلى غيره ليعمل فيها عملا. إلخ (1).
توضيح المقام ان دفع السلعة للعمل أو الأمر بالعمل أو الاذن في العمل و أشباهها، تارة بقصد التسبب بتلك الأفعال إلى الاستيجار و تملك منفعة الغير أو عمله بالأجرة، و اخرى لا بذلك القصد بل لمجرد استيفاء العمل منه لا مجانا كأكل مال الغير بالضمان، فان كان من قبيل الأول فهي إجارة معاطاتية صحيحة إذا استجمعت الشرائط و إلا فهي باطلة. و قد مرّ أنه في كل موضع تبطل فيه الإجارة تثبت اجرة المثل مع استيفاء العمل أو المنفعة، و إن كان من قبيل الثاني، فقد تقدم في البحث عن كراهة استعمال الأجير قبل أن يقاطعه على الأجرة أن السيرة قائمة على مثله، و ليس مثله سببا معامليا يتوقف على دليل على مشروعيته، فإنه من أحد الطرفين استعمال عن رضي، و من الآخر عمل عن رضي لا بقصد التبرع، و بضميمة احترام مال المسلم عينا كان أو منفعة أو عملا يثبت العوض أو اجرة المثل، و من البين أن دفع السلعة ليعمل فيها أو طلب البناء للبناء أو الجلوس بين
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة الحادية عشرة.
يدي الحلاق لحلق رأسه و أشباهها أمور متداولة، تمام حقيقتها استيفاء العمل بعوض لا تملك العمل بعوض، فلا مجال للتشكيك في الضمان بمجرد عدم صدق الإتلاف، فإنه يكفي استيفاء مال محترم من المسلم في عدم ذهابه هدرا.
و أما ما ذكره في الشرائع من الشقين و هما كون العامل تارة من عادته العمل بالأجرة و اخرى عدم كونه كذلك (1)، فلا أثر له في أصل استحقاق الأجرة بالعمل، بل من حيث كون العادة المزبورة بمنزلة القرينة النوعية على أنه عمل بقصد الأجرة لا متبرعا، بخلاف العمل من غير المعتاد، فإنه يحتمل منه قصد التبرع بلا قرينة على عدمه، إلا أن قوله معتبر من حيث إنه أبصر بنيته و لا يعرف إلا من قبله.
كما أن ما أفاده «رحمه اللّه»- من عدم استحقاق الأجرة إذا لم يكن للعمل أجرة عادة- ليس المراد منه عدم مالية العمل، فإنه من باب السالبة بانتفاء الموضوع بل المراد أن العمل و إن كان في نفسه متمولا لكنه لم تجر العادة على أخذ الأجرة عليه كالاستيداع فان الاستيداع بطبعه لا يقع إلا من باب الإحسان و إن كان حفظ مال الغير قابلًا للاستيجار عليه. إلا أن الالتزام بعدم استحقاق الأجرة لجريان العادة على التبرع بمثله مشكل فإنه لا يسقط احترام مال المسلم بجريان العادة على التبرع به مع عدم تبرع شخص العامل به. و مقام التنازع في قصد الأجرة و عدمه مقام آخر من حيث إن جريان العادة على التبرع في مثله قرينة على التبرع.
و من حيث إنه أعرف بقصده و هو الأوجه، لأن استحقاق الأجرة متقوم بأمرين أحدهما كون العمل محترما و الثاني عدم قصد التبرع لا قصد الأجرة حتى يقال بعدم مطابقة دعواه للأصل. و عليه فالقول قول العامل. إلا أن تكون القرينة العادية موجبة لظهور حال العامل في التبرع فإنه حاكم على الأصل فيكون قوله مخالفا للظاهر المعتبر شرعا. فالقول حينئذ قول المستوفي لعمله. و اللّه أعلم.
قال «قدّس سرّه» في الشرائع: كل ما يتوقف عليه توفية
1) شرائع الإسلام: ج 2، ص 188، المسألة الثانية عشرة.
المنفعة. إلخ (1).
تنقيح المقام أن لا اقتضائية عقد الإجارة مما عدا ملك المنفعة مما لا اشكال فيه، إلا أن الموجب للمقدمات المتوقف عليها استيفاء العمل أو المنفعة دعوى وجوب تسليم العمل و تسليم المنفعة، فتجب مقدماتهما على من يجب عليه ذوها.
و التحقيق أن الكلام في مقامين: أحدهما في مقدمات العمل، و ثانيهما في مقدمات تسليم المنفعة.
أما المقام الأول: فنقول: العمل تارة كالصلاة المشروطة بالطهارة و التستر و نحوهما المتوقفة على تحصيل الماء و الساتر و نحوهما. فهذا العمل الخاص إذا كان واجبا بعقد الإجارة تجب مقدماته، و اخرى كالخياطة و الكتابة و هي تنحل إلى هيئة و مادة. فهيئة الخياطة هي الهيئة الاتصالية بين بعض أجزاء الثوب و بعضها الآخر، و مادتها المتقومة بها الهيئة هو الثوب و الخيوط و كذا الكتابة هيئة نقش خاص و هي حالة في القرطاس بمداد.
و من البين بعد التأمل أن العمل المستأجر عليه نفس إيجاد الهيئة و هو الذي يستحقه المستأجر من الأجير، و مقدمات إيجاد الهيئة بما هو إيجاد الهيئة ما هو الدخيل في صدوره لا ما هو الدخيل في حلوله. فمثل آلات الخياطة من الإبرة و نحوها من مقدمات الصدور، و مثل الخيط كالثوب من مقدمات الحلول فهما من مقدمات تسلم الهيئة لا من مقدمات إصدارها. و ما ذكرناه ليس تفصيلا في مقدمات الواجب المطلق بل من باب نفي مقدمية الثوب و الخيط لما هو الواجب على الأجير، و مثله آلات البناء و مقدمة صدور العمل و التركيب الخاص على العامل.
و أما ما يتقوم به التأليف و التركيب و بمنزلة المادة للهيئة فهو على المستأجر كالآجر و الجص و نحوهما. هذا هو القول الكلي من حيث اقتضاء المقدمية و لكنه ربما تكون العادة جارية على كون بعض مقدمات الحلول على العامل كالخيط في الخياطة
1) شرائع الإسلام: كتاب الإجارة المسألة الثالثة عشرة.
و المداد في الكتابة فإذا كانت مستقرة عليه و لو في عصر و مصر فهي متبعة و بمنزلة الالتزام الضمني في المعاملة لا باقتضاء الإجارة و لا باقتضاء وجوب مقدمة العمل الواجب.
و أما المقام الثاني: فنقول: قد مر مرارا أن تسليم المنفعة بتسليم العين و إدامتها تحت يد المستأجر على نحو يمكن استيفاء المنفعة المقصودة منها، فكما يجب تسليم الدار فارغة حتى يتمكن من الانتفاع بها كذلك يجب تسليم ما هو اللازم للانتفاع بسكانها من بيت الخلاء و البالوعة فارغتين ليمكن استيفاء المنفعة منهما، و كما أنه من لوازم سكنى الدار أن يكون لها باب، فلا بدّ من وضع الباب لو لم يكن لها باب أو تجديده ان فرض تلفه، كذلك بحسب العادة يحتاج الباب الى المفتاح، فلا بد من تسليمه ابتداء و تجديده ان فرض ضياعه و تلفه، حيث عرفت سابقا أنه لا فرق بين الحدوث و البقاء في تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة.
و أما حديث لزوم المحمل و الكجاوة على المكاري أو على المستأجر فهو تابع لكيفية الإجارة، فإن استأجر بغلا مثلا لحمل المحمل و الكجاوة عليه فهما على المستأجر، و إن تملك منفعة ركوب المحمل و الكجاوة فهما على المكاري.
و أما تنقية بيت الخلاء و البالوعة بعد انتهاء مدة الإجارة فليست على المستأجر، لأن امتلائهما من لوازم استيفاء المنفعة، كتلف بعض أجزاء الدار من كثرة الاستعمال العادي، فإنه من لوازم الاستيفاء الذي يستحقه المستأجر. و أما الرماد الحاصل من الطبخ فهو ليس من لوازم الانتفاع بالمطبخ، فان لازمه و إن كان تسويد المطبخ فلا يجب تبييضه، إلا أنه ليس لازم الانتفاع بالمطبخ جمع الرماد فيه، كما هو لازم الانتفاع بالبالوعة و بيت الخلاء، فالأظهر أن أمثال الرماد و الكناسات كلها على المستأجر. و اللّه أعلم بأحكامه.
و فيه فروع
فإن كان قبل استيفاء المنفعة فلا شبهة في أن القول قول المنكر سواء كان هو المالك أم طرفه، و إن كان بعد الاستيفاء المقتضي لاجرة المثل لو لا الإجارة فطبع
المسألة يقتضي أن يكون المالك منكرا لها مع زيادة أجرة المثل على المسماة، و أن يكون المتصرف منكرا مع زيادة الأجرة المسماة على اجرة المثل، و حينئذ يصح ما أفاده في الشرائع من أن القول قول المنكر بيمينه (1). فما أفاده بعض الأعلام «رحمه اللّه» (2)هنا من المناقشة في يمين المنكر في بعض الصور، مجرد فرض خارج عما يقتضيه طبع المسألة.
سواء كان النزاع في طرف المنفعة أم في طرف الأجرة فالمعروف أن القول قول منكر الزيادة، و قيل المنفعة و انه من باب التداعي. و مبني المسألة على أن مورد العقد معوضا كان أو عوضا. هل لوحظ بشرط لا كما تقتضيه مراتب الكسور و الاعداد، فالنصف مثلا بشرط لا في قبال الكل، و الخمسة بشرط لا في قبال الستة و السبعة مثلا، أو أن مورد العقد لا بشرط، فالأقل معوضا كان أو عوضا متيقن و الزائد مشكوك فيه. و الحق هو الثاني.
لما تقدم من أن بشرط لائية مراتب الاعداد كالكسور انما هي بالإضافة إلى أنفسها لا بالنسبة إلى الحكم المرتب عليها. و المراد من لا بشرطية المورد انه مملوك بالعقد من دون دخل شيء في مملوكيته وجودا و عدما، و ليس الإطلاق اللابشرطي جمعا بين القيود حتى ينافي إنكار الزائد، بل رفض للقيود وجودا و عدما.
فالمعروف فيها أن القول قول المالك كما هو مقتضى الأصل، و هو المعروف في رد العين المرهونة و في رد العارية و رد مال المضاربة و رد ما بيد الوكيل، مع أن دعوى التلف مسموعة من الكل و يقبل قول مدعيه بيمينه، و ليس ذلك إلا لكونه أمينا للمالك، و كما أن عدم تصديقه في دعوى التلف يندرج تحت عنوان اتهام المؤتمن. و قد ورد «أنه لا تتهم من ائتمنته»، فكذا
عدم تصديقه في الرد. و دعوى أن الاتهام الممنوع في المؤتمن بالتأمين العقدي و هي الوديعة بلا دليل، مع صدق الائتمان في الموارد المذكورة لقوله عليه السّلام:
«صاحب العارية مؤتمن و صاحب البضاعة مؤتمن» (1)و إلا فلا وجه لعدم تضمينه بالتلف و لا لقبول قوله في التلف. نعم فيما نحن فيه يبتني قبول قوله على كون العين بعد انقضاء مدة الإجارة أمانة مالكية. و قد مرّ سابقا (2)تقويته. فالإنصاف انه لو لم يكن إجماع في المسألة كما أن المظنون عدمه لكان القول بأن دعوى الرد كدعوى التلف في جميع الموارد المذكورة في غاية الوجاهة.
فهل يكلف الأجير بإقامة البينة لأنه مدع، أو يستحلف لأنه أمين؟ قد تقدم في المسألة السابقة أن الأصل الذي أسسه أمير المؤمنين عليه السّلام من باب الاحتياط على أمتعة الناس (3)، ليس من باب تضمين الأجير لما يتلف في يده على خلاف قاعدة:
الأمانة بالمعنى الأعم، بل تأسيس أصل في باب دعوى التلف، و ان المتهم يضمن لو لا أحد الأمرين من اقامة البينة، كما هو مقتضى الأصل الاولي و مقتضى جملة أخبار الباب، أو الحلف كما هو مقتضى الأصل الثانوي في باب الأمانة و مقتضى جملة أخرى من أخبار الباب. و يمكن أن يقال ان مقتضى الاحتياط على أمتعة الناس بصفة مؤنة دعوى التلف صحة مطالبة البينة من مدعي التلف، كما أنه يجوز الاقتصار على التحليف، كما في غيره من موارد الأمانة، و إلا فتعين الحلف ليس احتياطا على أمتعة الناس، كما أن جواز الاقتصار على الحلف لا ينافي جواز مطالبة البينة، كما أن التفضل على الأجير المأمون بعدم تحليفه فضلا عن مطالبة البينة منه لا ينافي جواز كل منهما. و يؤيد ما ذكرنا من جواز كلا الأمرين لخصوصية في المقام ما في خبر أبي بصير «لا يضمن الصائغ و لا القصار و لا الحائك إلا أن يكونوا
متهمين فيخوف بالبينة و التحليف لعله يستخرج منه شيئا» (1)فإن ظاهره جواز كل من مطالبة البينة و الاستحلاف.
فقال المالك أمرتك بقطعه قميصا الى آخر ما أفاد في الشرائع (2). و الظاهر أن النزاع في الأمر المحقق لاستيفاء العمل لا بنحو يتسبب به الى الاستيجار و تملك المنفعة، فإنه على الثاني من التداعي، لتباين قطع القباء و قطع القميص، بخلاف الأول، فإن قطع القميص لم يتحقق ليكون استيفاء من المالك بالأمر، فلا نزاع إلا في استيفاء قطع القباء من المالك و عدمه، و حيث إن الثاني مطابق للأصل فالقول قول المالك، و حيث لم يتحقق منه ما يوجب استيفاء عمل الخياط فليس له اجرة المثل على عمله، بل يضمن أرش الثوب لأنه تصرف غير مأذون فيه.
و ليكن هذا آخر ما قصدنا تحريره في باب الإجارة. و الحمد للّه أولا و آخرا و الصلاة على نبينا محمّد و آله باطنا و ظاهرا في السادس من شهر جمادى الآخرة 1358 ه بيد العبد الجاني محمّد حسين الغروي الأصفهاني عفي عنه.