صلاه الجماعه

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: صلاة الجماعة موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، محمد حسين كمپانى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1409 ه ق نوبت چاپ: دوم مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: گروه پژوهش دفتر انتشارات اسلامى ملاحظات: ضمن كتاب" بحوث في الفقه" به چاپ رسيده است

[مقدمة في حياة المؤلف]

اشارة

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

نسبه

هو الشيخ (محمّد حسين) الأصفهاني ابن الحاج محمّد حسن بن علي أكبر بن آقا بابا بن آقا كوچك بن الحاج محمّد إسماعيل (1)بن الحاج محمّد حاتم النخجواني.

ولادته و نشأته و وفاته

ولد استأذنا الشيخ قدّس سرّه في ثاني محرم الحرام من سنة 1296 بالنجف الأشرف (2)من أبوين كريمين. و كان أبوه الحاج محمّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الأتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. و كان من المحبين للعلم و العلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الشي‌ء الكثير الذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. و لذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. و هذا ما زاده عزا و إباء.

و كان قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكرة في طفولته الوادعة، حين تعلّم الخط فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، و أصبح من مشاهير دوي الخطوط الجميلة.

و للخط قيمته الفنية- لا سيما في ذلك العهد- و لكل فنّ و علم موهبة خاصة يودعها اللّه


1) و هو الذي هاجر من «نخجوان» إلى «أصفهان» و سكن فيها.

2) ثم انتقل الى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره و عاش فيها بضع سنين ثم انتقل الى النجف.

تعالى من يشاء من عباده.

كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنّه المبكرة، و انتقل إلى النجف الأشرف جامعة العلم و عاصمة الدين في أخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته و شطرا من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية.

و عند هجرته إلى النجف الأشرف حضر في الأصول و الفقه على مربي العلماء و المدرس الأول و المجاهد الأكبر الشيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف (بالآخوند) قدّس سرّه. و اختص به إلى أن توفي سنة 1329 ه فكان من مشاهير تلامذته و كانت مدة حضوره عليه 13 عاما كتب في خلالها جملة من حاشيته (1)على (كفاية الأصول) لأستاذه.

و من غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور و يوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه و تلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر و ألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

قال المرحوم الحجّة الاوردبادي و هو أحد تلامذة المترجم له: انتماء شيخنا المترجم له إلى أستاذه هذا أكثر و أشهر لأنه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاما فقها و أصولا حتّى قضى نحبه فاستقلّ شيخنا بالتدريس.

و حضر استأذنا أيضا في الفقه و أصوله قليلا على العلّامة المحقق الشهير السيّد محمّد الأصفهاني المتوفى سنة 1316 ه. و بعد وفاة أستاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث و التدريس، و حضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس.

و أنهى عدة دورات في الأصول و فقه المكاسب، و آخر دورة كاملة له في


1) و بهذه المناسبة نسجل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الأول من هذه الحاشية إذ حذفوا- حبا بالاقتصاد- كل كلمة «مدّ ظله» و كلمة «قده» في حين انهما يميزان بين ما كتب في عهد أستاذه و بين ما كتب بعده. و النسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، و كذلك نسختي التي كتبتها لنفسي و طبع عليها الجزء الأول.

الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 ه و أنهاها سنة 1359 ه. و هي أطول دورة له حقق فيها كثيرا من المباحث الغامضة، و كتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الأول المطبوع. و لا يستغني بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الأجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاء و تحقيقا.

و قد توفقت بحمد اللّه تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 ه.

و بعد هذه الدورة شرع في دورة جديد على أسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الأصول و اختصاره و تنظيم أبوابه تنظيما فنيا لم يسبق اليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل و وضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق.

و قسم الأصول إلى أربعة مباحث على غير المألوف فأماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. و المباحث الأربعة التي وضعها لأبواب الأصول هي: المباحث اللفظية، و مباحث الملازمات العقلية، و مباحث الحجة، و مباحث الأصول العملية.

و قد شرع رحمه اللّه في تأليف كتاب مختصر مهذّب على هذا الأسلوب في علم الأصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الذي كان منتظرا من مثله و كان أمنية الجميع لولا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنية (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361 ه) مأسوفا على تلك الشعلة الإلهية الوهّاجة أن تنطفي في وقت الحاجة إليها، فأحبط ذلك المشروع الخطير الذي كان ينويه في تأليفه الجديد الذي لو قدر له أن يتم لو فر على طلاب العلم كثيرا من وقتهم و لفتح لهم أبوابا ملذة جديدة من البحث العالي و التفكير المستقيم.

و هذه احدى أفكاره الاصلاحية التي كانت تجول في خاطره و كان يحرّق الارم لأجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لإبرازها على الأقل، و كثيرا ما كان يوحي إلينا في خلواته بخواطره في سبيل إصلاح الحركة العلمية و الوضع الديني السائد. و لم يكن الزمن يواتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم و الدين عمادا لقبّة الإسلام و عميدا لخزّان الشريعة، و خازنا للفيض القدسي، و ترجمانا للكلام النفسي و إماما للمسلمين، و هاديا للحق، و مصباحا للمهتدين إلى عين اليقين.

نعم انه قدّس سرّه اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، و كرّس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، و في الأخلاق خزانة الأسرار الفائز باسمي رتب الشهود، و في الفقه و الأصول الإمام الحجة نسيج وحده و علامة دهره، و في الأدبين الفارسي و العربي الفنان الماهر.

منزلته العلمية

كان قدّس اللّه تعالى نفسه الزكية من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه و الأصول. و إذا صح أن يقال في أحد انه جاء بما لم يجي‌ء به الأوائل فهو هذا العمود لفجر الإسلام الصادق الذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقا في بحث مسألة إلّا و تطاير فضول ما علق بها من الأوهام هباء، و ما حبرت يراعته بحثا إلّا و حيرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء.

لو قدر لهذا النابغة- و للّه في خلقه شئون- أن تثني له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة و كانت منه قريبة، لقلب أسلوب البحث في الفقه و الأصول رأسا على عقب، و لتغيّر مجرى تاريخهما بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس أن في الثريا منالا تقرّبه النوابغ إليهم من حيث يحسون و يلمسون. و لذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، و أخّرت عليه شوطا بعيدا من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره أكثر.

و إني اتفاءل للجيل العلمي الآتي أن يبلغ هذا الشوط حينا يقدّر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تدرس و تحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز الثمينة من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، و من التحقيقات النفسية ما ينسخ أكثر ما نسج عليه السابقون.

و عسى أن يخال القاري أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتّاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، و لكني أسجّل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، و هو الذي سيفهم ما أقوله، و ما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني

مقصرا في تعريف شخصية هذا العظيم و وصفه بما يستحق. و لكن ليتذكر أني أنا الذي تفاءلت له بعرفان هذه الشخصية، و بشّرته بأنه سيبني ابحاثه الآتية في الفقه و الأصول على أساس نظرياته المحكمة و سيتخذ طريقته منهاجا لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. و ما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الأستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان أول فتح لهذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعني الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر. و هل يلذّ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ و هل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني اباهلك- ايها القاري- ان كنت من ذوي العلم و البصيرة! قال صاحبه المرحوم الحجّة الشيخ محمّد حرز الدين حول شخصية المترجم له:

كان عالما محققا فيلسوفا ماهرا في علمي الكلام و الحكمة و له الباع الطويل في الأدب العربي و الفارسي و التأريخ و العرفان و أجاد في شاعريته و نظم عدّة قصائد و أراجيز ملؤها المعاني الجسيمة و الإبداع و الرقة و الانسجام و كان مدرسا بارعا في علمي الفقه و الأصول و آخر أيامه صار مرجعا للتقليد رجع اليه بعض الخواص و التجار في بغداد و أفراد من بعض المدن العراقية و سمعت هكذا في طهران و الشيخ من خلّص أصحابنا في النجف و كان مدرّسا قديرا أجاز كثيرا من أهل الفضل إجازة الاجتهاد (1).

قال شيخنا البحّاثة آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة: و لمّا توفّى شيخنا الخراساني (الآخوند) برز بشكل خاص و حفّ به جمع من الطلاب و استقل بالتدريس في الفقه و الأصول و كان جامعا متفننا شارك بالإضافة الى ما ذكر في الكلام و التفسير و الحكمة و التأريخ و العرفان و الأدب الى ما هنا لك من العلوم و كان متضلّعا فيها و له في الأدب العربي أشواطا بعيدة و كان له القدح المعلى في النظم و النثر


1) معارف الرجال: ج 2- 263.

امتاز ببراعة و سلاسة و دقّة و انسجام و أكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية و بالملكات و المؤهّلات و غرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقّرا من قبل علماء عصره مرموقا في الجامعة النجفيّة اشتغل بالتدريس في الفقه و الأصول و العلوم العقلية زمنا طويلا و كان مدرسة مجمع أهل الفضل و الكمال و قد تخرج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه و باع طويل في الأصول و آثاره في ذلك تدل على إنظاره العميقة و آرائه الناضجة لكنّه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لإتقانه هذا الفن بل و تفوّقه فيه على أهله من معاصريه استمرّ على نشر العلم و نهض بالأعباء الثقيلة فكان العلم المائل و المؤمل المقصود الذي تتهافت عليه الطلاب زرافات و وحدانا، و قديما قيل (و المنهل العذب كثير الزحام) (1).

فلسفته

تلمذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الأوساط العلمية ميرزا محمّد باقر الإصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، و دقق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم و في كل بحث تحقيق فائق. و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و دروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الأصول خاصة يجد من نفسه انه ألمّ بأكثر الأبحاث الفلسفية من حيث يدري و لا يدري. و من قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن أحيانا انه يقرأ كتابا في الفلسفة. و هذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النظر و تدل على شدة تعلقه بهذا الفن و مبالغته في التمسك به.

و قد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار و آله الاطهار عليهم جميعا الصلاة و السلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من


1) نقباء البشر: ج 1- 560- 561.

الأدب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد و آل بيته نور الأنوار و علل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية و صرحت به الأحاديث الصحيحة، و مما قال في النبي المختار صلّى اللّه عليه و آله:

لقد تجلى مبدأ المبادي من مصدر الوجود و الإيجاد

من أمره الماضي على الأشياء أو علمه الفعلي و القضائي

رقيقة المشيئة الفعلية أو الحقيقة المحمدية

أو هو نفس النفس الرحماني بصورة بديعة المعاني

أو فيضه المقدس الإطلاقي فاض على الأنفس و الآفاق

إذ انّه حقيقة المثاني و عند أهل الحقّ حقّ ثان

لا بل هو الحق فمن رآه فقد رأى الحق فما أجلاه

إذ مقتضى الفناء في الشهود عينية الشاهد و المشهود

الى أن يقول:

أصل الأصول فهو علة العلل عقل العقول فهو أول الأول

و قال في أمير المؤمنين عليه السّلام:

و قلبه في قالب الوجود حياة كل ممكن موجود

و نسخة اللاهوت وجهه الحسن لو رام لقياه الكليم قيل: لن

غرته الغراء في الضياء جلت عن التشبيه بالبيضاء

و كيف و هو فالق الإصباح في أفق الأرواح و الأشباح

و على هذا الأسلوب جرى في جميع اراجيزه البالغة 24 ارجوزة، فجاء أسلوبا فلسفيا علميا مبتكرا لم يمدح على غرارها النبي و آله عليهم الصلاة و السلام. و ما أبدع ما مدح به إمامنا زين العابدين عليه السّلام ذاكرا صحيفته السجادية (زبور آل محمّد) فقال:

و نفسه اللطيفة الزكية صحيفة المكارم السنية

بل هي أم الصحف المكرمة جوامع الحكمة منها محكمة

بل الحروف العاليات طرا تحكي عن اسمه العلي قدرا

هو الكتاب الناطق الربوبي و مخزن الأسرار و الغيوب

يفصح عن مقام سر الذات يعرب عن حقائق الصفات

الى أن يقول:

و حاله أبلغ من مقاله جلّ عن الوصف لسان حاله

فإنه معلم الضراعة و الاعتراف منه بالإضاعة

مقامه الكريم في أقصى الفنا تراثه من جده حين دنا

و أعلى آثاره الفلسفية و أغلاها أرجوزته في الحكمة و المعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع أسلوبها العالي السهل الممتنع، جمعت أصول هذا الفن و طرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن إسراره و أزاح الستار عن شبهاته، و ان دلت على شي‌ء فإنما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لو لا أن شيخنا غلب عليه الفقه و الأصول و انقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة.

و إليك بعض أبيات أرجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، و قدرته على التصرف بالألفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العلمية، فقد قال في «أصالة الوجود»:

يختص بالوجود طرد العدم إذ ما سواه عدم أو عدمي

و ليست العلة للمعلول مناط طرد العدم البديل

و هو مدار الوحدة المعتبرة في الحمل بل كانت به المغايرة

و مركز التوحيد ذاتا و صفة و فعلا أيضا عند أهل المعرفة

و قال في مبحث (تعريف الوجود):

الحد كالرسم على التحقيق يوصف بالاسمىّ و الحقيقي

و لا يقال في جواب الشارحة إلا حدود أو رسوم شارحة

و قد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيها على ما علق في أذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم و مطلب، (ما الشارحة)، و ان كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي أحيانا. و منشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي

و مطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، و أوضحه شيخنا هنا و في شرحه للكفاية في مبحث المطلق و المقيد.

و قال في (الجعل و المجعول بالذات):

الجعل للشي‌ء بسيطا يعرف و جعل شي‌ء شيئا المؤلّف

و ليس جعل الذات ذاتا يعقل إذ ليست الذات لها التخلل

كذاك لا يعقل جعل الذاتي أو عرضي لازم للذات

و لا كذاك العرض المفارق فان إمكان الثبوت فارق

و الحق مجعولية الوجود بالذات لا ماهية الموجود

فتأمل في هذا البيان الجزل، و الأسلوب السهل، و التعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف و بلغة سليمة ناصعة. و من أين متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. و ما سقناه فإنما هو غيض من فيض ذكرناه شاهدا على ما نقول.

أدبه

نشأ استأذنا ميّالا لكل علم و فضيلة، و كانت عبقريته تساعده على إتقان ما تصبو اليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الأدب العربي، فيضرب فيه بسهم وافر، و ساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية و النجف الأشرف على أن يكون أديبا يقرض الشعر و يجيد النثر، و له في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، و لكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع عليها إلّا القليل من خواصه. و عسى أن تكون أتلفتها يد الإهمال نتيجة عدم عنايته بها.

على أن له اليد الطولي في الأدب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت و مجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين.

أوصافه

كان- رحمه اللّه تعالى- مربوعا يميل الى القصر، نحيف الجسم متماسكا، تعلو

عليه في أواخر أيامه النحافة و الصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة أمثاله، كث اللحية، ساهم الطرف أكثر نظره الى الأرض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم و التفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في أثناء درسه، أنيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور الى جليسه مع حشمة الناسك و وقار العالم، متواضعا حتى للصغير، خافض الصوت إلى حدّ الهمس أو يكاد و هذا ما كان من أكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، و كم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته. فاذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، و لكنه لا يزال هو هو في همسه و هم هم في شكواهم، و يزيد المشكلة تعقيدا بعد إنظاره الشريفة و دقة أبحاثه و نكاته العلمية.

أما ما كان عليه من التهجد و العبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفا إلهيا متفانيا في مقام الشهود، منقطعا إلى حظيرة القدس. لا يلتذّ إلّا بالمناجاة الروحانية، و لا يأنس إلا بالوحدة و الانقطاع إلى مقام المقرّبين.

مؤلفاته

كان لشيخنا أعلى اللّه مقامه قلم سيّال و رغبة في التأليف و الإنتاج منقطعي النظر و كان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لأول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النظر فيما يكتب و تعديله و تصحيحه، و هذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجارى، و قد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم و الأدب و إليك بعضها:

1- تعليقة على كفاية الأصول، و قد طبع منها الجزء الأول في إيران و أضاف عليها بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (و طبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة).

2- تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها).

3- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

4 و 5 و 6- رسائل في الإجارة و صلاة الجماعة و صلاة المسافر و هو هذا المطبوع

سميناه بحوث في الفقه.

7- رسالة في الاجتهاد و التقليد و العدالة 8- رسالة في الطهارة.

9- رسالة في صلاة الجمعة.

10- رسالة في تحقيق الحق و الحكم (أدرجت في أوّل البيع من حاشيته على المكاسب).

11- رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب).

12- و 13 رسالتان في المشتق.

14- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و اليد.

15- رسالة في الصحيح و الأعم.

16- رسالة في موضوع العلم.

17- رسالة في المعاد.

18- منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم).

19- منظومة في 24 ارجوزة في مدح النبي و الأئمة عليهم السّلام و مراثيهم.

20- منظومة في الصوم.

21- منظومة في الاعتكاف.

22- ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني.

23- ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت و مراثيهم.

24- رسائله العملية في الفقه عربية و فارسية.

25- رسالة في المشترك.

26- رسالة في الحروف.

علاقة تلاميذه به

من الظواهر العجيبة التي تسترعي الأنظار تفاني تلاميذه في حبه و شدة تعلقهم به و إعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس. و يعزى ذلك إلى أمرين: إلى

ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا و سمعوا، و إلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالا للأب الرؤوف و الأستاذ العطوف يحنو على الصغير و الكبير و يحترم الجميع.

و لقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واجب شكر فضله بترجمة ضافية، و لكن الفرصة لم تكن مؤاتية و قد أعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك- أيها الأستاذ العظيم- إذ لم أستطع أن اوفي بعض ما علي من حقوقك و عهدي بك تغض النظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. و أرجو منه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحانيتك لا تمكن في فرصة أخرى من التكفير عن هذه الخطيئة (1).


1) هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمّد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الإجارة مع تصرف و إضافات منا.

[نبذة مما يتعلّق بصلاة الجماعة]

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به ثقتي الحمد للّه و الصلاة على محمد و آله، و بعد فهذه نبذة مما يتعلّق بصلاة الجماعة، و فيه فصول

فصل [وجوب صلاة الجماعة]

اشارة

الجماعة تارة واجبة بالذات كصلاة الجمعة، و صلاة العيدين مع اجتماع شرائطهما، و اخرى واجبة بالعرض و لها موارد:

منها: ما إذا تعلّق بها النذر

فإنّها تجب بالعرض بعنوان وجوب الوفاء سواء كانت المنذورة واجبة بالذات أو مندوبة بالذات، و الكلام فيها تارة من حيث صحتها إذا اتى بها من دون جماعة، و اخرى من حيث الحنث لعدم بقاء المحل للوفاء بالنذر.

أمّا الكلام في الصحة: فمحصّله أنّ وجوب الوفاء بالنذر المنطبق على الصلاة جماعة وجوب نفسي لا شرطي حتى تتقيّد الصلاة بشرط الجماعة من قبل النذر فلا تصحّ فرادى. نعم ربّما أمكن الإشكال بناء على الاقتصار في وقوع الفعل عبادة على جعل أمره داعيا الى متعلّقه نظرا إلى أنّه بعد تعلّق النذر و وجوب الوفاء بالواجب أو

المستحب يتأكّد الطلب لاستحالة اجتماع إرادتين أو بعثين في موضوع واحد فلا أمر إلّا هذا الأمر الأكيد، و المفروض عدم انبعاث الصلاة عنه لتعلّقه بالجماعة.

و دعوى أنّ ذات الطلب موجودة في ضمن الطلب الأكيد فله إتيان الصلاة فرادى بداعي ذات الطلب المحقّق.

مدفوعة: بأنّ الاشتداد و الحركة من حدّ الى حدّ يصحّ في الإرادة النفسانية القابلة للاشتداد، و أمّا البعث الاعتباري فلا، إذ الاشتداد إنّما هو في بعض المقولات لا في كلّها فضلا عن الاعتباريات و الانتزاعيّات، و عدم حركة الإنشاء بداعي البعث في غاية الظهور إلّا أنّ اعتبار البعث الأكيد من الأوّل معقول، كما أنّ استكشافه بملاحظة صدور الانشائين و عدم قبولهما للفعلية معا في موضوع واحد معقول، و المفروض عدم انبعاث الفعل عن الأمر الأكيد بالاعتبار. إلّا أن يقال:

بأنّ اجتماع انشائين بداعي البعث في الفعل المنذور لا مانع منه، و إنّما الممنوع اجتماع بعثين فعليين فإتيان ذات الصلاة فرادى بداعي الإنشاء المزبور الذي هو الفعلي من قبل المولى لا مانع منه فتدبّر.

و أمّا إذا تعلّق النذر بالايتمام في صلاته لا بالصلاة جماعة فلا إشكال في صحّة الصلاة بداعي أمرها لتعدّد موضوعي الأمرين.

و أمّا الكلام في الحنث و عدم بقاء المحلّ فمبنيّ على مسألة جواز تبديل الامتثال بالامتثال، فان مبناه على عدم كون الفعل علّة تامّة لحصول الغرض و سقوط الأمر بل في ما إذا اقتصر عليه و حينئذ فمجرد إتيان الصلاة فرادى لا يوجب عدم بقاء المحلّ، و لا يلازم الحنث، بل يجب عليه الإعادة امتثالا للأمر بالوفاء، و تحصيلا لغرضه اللزومي، إلّا إذا فرض تعلّق نذره بإتيان أوّل وجود من صلاته جماعة فإنّه لا يبقى محلّ للوفاء بنذره حينئذ كما هو غير خفي.

منها: ما إذا عجز عن القراءة

و مختصر القول فيه إنّه على قسمين:

أحدهما: ما إذا كان عاجزا عن القراءة رأسا، فإنّ المعروف فيه الاجتزاء بما يحسنه أو بالذكر لوجوه:

أحدها: إطلاق دليل البدليّة و عدم تقييدها بعدم التمكّن من الائتمام كقوله

(عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (1): «لو أنّ رجلا دخل في الإسلام لا يحسن ان يقرء القرآن أجزأه ان يكبّر و يسبّح و يصلّي» و من البيّن أنّ الاجتزاء بذلك و بالقراءة الناقصة لا يكون إلّا مع الوفاء بمصلحة الصلاة الواجدة للقراءة التامّة، و إلّا لزم الأمر بالائتمام الوافي بمصلحة الصلاة التامّة و زيادة.

ثانيها: إطلاق دليل التخيير بين الصلاة فرادى و الصلاة جماعة، سواء كان التخيير شرعيّا أو عقليّا، فإنّ من يدّعي تعيّن الائتمام لا يدّعي وجوبه ذاتا بل من باب تعيّن أحد فردي الواجب التخييري بتعذّر فرده الآخر، فأصل التخيير مفروغ عنه و تسليم أصل التخيير هنا مساوق لعدم معقوليّة التعيّن بالعرض، بيانه ان موضوع التخيير بالذات بين الفرادى و الجماعة بعد عدم معقولية الإهمال في الواقع و في مقام الثبوت، اما المكلف الأعمّ من القادر على القراءة التامّة و من العاجز عنها أو خصوص القادر، فان كان الأوّل فلا معنى للتعيّن بالعجز إذ المفروض أنّ العاجز كالقادر موضوع التخيير، و ان كان الموضوع خصوص القادر فلا تخيير للعاجز أصلا حتى يتعيّن الائتمام بالعرض و لا دليل على وجوبه العيني الذاتي، كما لم يدّعه أحد من الأصحاب، لانحصار وجوب الجماعة ذاتا في الجمعة و العيدين بشرائطهما.

ثالثها: إطلاق دليل استحباب الجماعة و شموله لمن لا يحسن القراءة، و دعوى- أنّ الاستحباب الذاتي لا ينافي الوجوب العرضي- مدفوعة بما عرفت في التخيير الذاتي و التعيّن العرضي، فإما لا استحباب في حقه بالذات، و إما لا وجوب بالعرض فتدبّر جيّدا.

ثانيهما: ما إذا كان قادرا على القراءة التامّة بالتعلّم، لكنّه قصّر في التعلّم المقدور عليه إلى أن ضاق الوقت، و المعروف هنا وجوب الائتمام نظرا إلى أنّه مكلف بالصلاة عن قراءة تامّة للقدرة عليها بالقدرة على التعلّم، و لا يتنزل الى بدلها و هي القراءة الناقصة إلّا مع العجز عن المبدل، و مع التمكّن من الائتمام لا عجز عن الصلاة التامّة.


1) الوسائل: ج 4، ص 735، الحديث 1، الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة.

و بعبارة اخرى: كان في حال القدرة على التعلّم مأمورا بإيجاد طبيعة الصلاة التامّة المخيّر فيها بين الفرادى عن قراءة تامّة و الجماعة، و مع تعذر أحد الفردين يتعيّن الأخر عقلا.

و فيه: أنّه إن كان الغرض أنّ القدرة على الائتمام قدرة على القراءة التامة و معها لا مجال للتنزل إلى القراءة الناقصة، فمن البيّن أنّ القدرة على الائتمام قدرة على الصلاة الفاقدة للقراءة رأسا، و قراءة الإمام سواء كانت بدلا أو مسقطا ليست مقدورة للمأموم حتى تكون من إفراد القراءة المأمور بها المكلّف، لئلا يصدق معها العجز عن القراءة التامة. و ان كان الغرض- أنّ الائتمام عدل و بدل للصلاة المشتملة على القراءة التامّة، و مع تعذّرها يتعيّن الفرد الآخر كما هو الشأن في كل واجب تخييري شرعي أو عقلي- ففيه انّه انما ينتج التعيّن إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة المشتملة على القراءة التامّة فقط، و أمّا إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة فرادى بجميع مراتبها، فلم يتعذّر الصلاة فرادى بل تعذّرت صلاة المختار، و الدليل على كونها عدلا في جميع المراتب إطلاق دليل البدل، و عدم تقيّده بعدم التمكن من الائتمام، و إطلاق دليل التخيير و الاستحباب، و لو نوقش في شمول ما تقدّم من قوله (عليه السلام) (1): «لا يحسن أن يقرء القرآن» للعاجز بالعرض و اختصاصه بالعاجز بالذات، لكفى سائر ما يستدلّ به على بدليّة الأبدال مثل قوله (عليه السلام) (2): «الميسور لا يسقط بالمعسور» فإنه غير متقيّد بعدم التمكّن من الائتمام، و ليس الائتمام ميسورا من الصلاة المشتملة على قراءة تامّة حتى لا تصل النوبة إلى البدل. و اما دعوى- اختصاص التخيير بالقادر و كذا الاستحباب- فمدفوعة: بأن لازمه الالتزام بوجوب الائتمام بالذات لا بالعرض على العاجز رأسا، و كذا دعوى اختصاصه بالقادر و العاجز رأسا لا العاجز بعد القدرة- فإنها مدفوعة بأن القدرة و العجز لا دخل لهما في استحباب الجماعة، و لا في كونهما أفضل فردي الواجب


1) الوسائل: ج 4 ص 735، الحديث 1، من الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة.

2) غوالي اللئالي: ج 4، ص 58.

التخييري، بل المراد من الإطلاق هو اللابشرط القسمي الذي مقتضاه رفض القيود لا الجمع بين القيود، و مقتضى عدم دخل القدرة و العجز الذاتي ثبوت التخيير و الاستحباب في جميع المراتب. و غاية ما يمكن أن يقال في مقام الاشكال هو انّ الائتمام الذي هو عدل للفرادى في جميع المراتب لا يتفاوت حاله من حيث اشتماله على تمام المصلحة القائمة بصلاة المختار، و مقتضى استحالة التخيير بين التامّ و الناقص أن يكون جميع المراتب مشتملة على مصلحة صلاة المختار بتمامها، و عليه فما الموجب لاستحقاق العقاب على تفويت القراءة التامة بترك التعلّم الى زمان امتناعه بضيق الوقت لأنّ المفروض حصول غرض المولى بالقراءة الناقصة مع أنّ المعروف الحكم باستحقاق العقوبة في صورة التقصير في التعلّم و هذا الإشكال نشأ من القول بالتخيير.

و أمّا الإشكال من حيث جواز تبديل القدرة بالعجز و عدم الموجب لحفظ القدرة لكونها شرطا للتكليف، و لا يجب تحصيله و لا حفظه و معه فلا موجب للعقوبة بعد عدم الملزم لحفظ القدرة. و جواز إدراج نفسه تحت عنوان العاجز نظير عنواني الحاضر و المسافر فهو إشكال جار في كلّ ماله بدل اضطراري كالطهارة المائيّة و الترابيّة.

و يندفع الإشكال من جميع الوجوه بتقريب أنّ القراءة التامّة بما هي مشتملة على المصلحة اللزوميّة من دون دخل للقدرة عليها و لو بالتعلّم بإطلاق المادّة، و عدم تقييدها بالقدرة شرعا مولويا، و القراءة الناقصة لا تكون ذات مصلحة تامّة إلّا في فرض العجز عن القراءة التامّة بملاحظة ترتّبها على القراءة التامّة نصا و فتوى فليست القدرة شرطا شرعا حتى لا يجب تحصيلها و لا حفظها إلّا بدليل خاصّ، بل شرط عقلا كسائر الواجبات التي لا بدل لها و تفويتها المفوّت للقراءة التامّة باختياره من باب الامتناع بالاختيار الذي لا ريب في عدم منافاته للعقاب و ان كان منافيا للخطاب، فالعقاب حينئذ على مخالفة التكليف المحقّق الذي لا بدل له في عرضه لفرض كون القراءة الناقصة ممّا لا مصلحة لها إلّا في فرض العجز عن القراءة التامّة، فليس باب القراءة التامّة و الناقصة كباب الإتمام و القصر على الحاضر و المسافر ليجوز له تبديل أحد العنوانين بالآخر.

و توهّم أنّ لازم قيام القراءة التامّة و الناقصة بمصلحة واحدة وجود الجامع بينهما، و مقتضاه الأمر به، و مقتضاه التخيير بينهما، فيعود المحذور. مدفوع بانّ الجامع حيث إنّه منطبق على الفردين الطوليين فمقتضاه الأمر بالفردين على الترتيب، لا على التخيير، و قد عرفت مقتضى الترتيب و انّه لا يعقل مع عدم كون القراءة الناقصة ذات مصلحة إلّا في فرض العجز أن يأمر المولى بها في عرض الأمر بالقراءة التامة.

و بالجملة فمصحح العقاب تفويت الواجب المنجّز بسوء اختياره و عدم جواز التبديل لفرض عدم كون القدرة شرطا شرعا كشرطيّة العجز في وجوب القراءة الناقصة، و اما استيفاء المصلحة التامّة بالقراءة الناقصة فهو لا يمنع عن العقاب المرتّب على مخالفة التكليف المحقّق. و أما شبهة صدق الفوت بالنسبة إلى القراءة التامّة، فيجب القضاء في خارج الوقت، فمدفوعة بأنّ فوت الفريضة بذاتها مع حصول ملاكها التام في الوقت لا يوجب القضاء في خارجه، و بقيّة الكلام في محلّه.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن انّ ترك التعلّم إذا لم يكن عن تقصير لا يوجب تعيّن الائتمام، بل و كذا إذا كان عن تقصير، نعم لدفع العقاب في الأخير يتعيّن الائتمام.

و منها: ما إذا أمره أحد والديه بإيقاع الفريضة جماعة،

و هذا بناء على وجوب اطاعة الوالدين بعنوانها واضح، و أمّا إذا قلنا بانّ المسلّم حرمة إيذائهما فلا تجب الجماعة مطلقا بل إذا انطبق على تركها الإيذاء، لا ما إذا لم ينطبق عليه كما إذا ترك الجماعة و صلّى خفاء مع عدم علمهما به. فإنّه لا إيذاء، و الإيذاء على تقدير العلم لا اثر له، و الكلام في صحّة الصلاة فرادى مع الإثم بترك الجماعة كالكلام في نذر الجماعة.

لا يقال: بناء على عدم سقوط الأمر بمجرّد الامتثال و ان لم تكن الصلاة فرادى مفوّتا للواجب بالنذر، أو بإطاعة أحد الوالدين، إلّا أنّه إذا صلّى في آخر الوقت بحيث لا يتمكّن من الائتمام بعده يسقط الأمر و يكون من تفويت محلّ الواجب بأداء الصلاة فرادى فتحرم و لا تصحّ حينئذ. و منه علم أنّه لو قلنا بسقوط الأمر من أوّل الأمر كان تفويتا لموضوع الواجب مطلقا فلا يصحّ أصلا لا في أوّل الوقت و لا

في آخره.

لأنّا نقول: حيث إنّ المفروض نذر الصلاة جماعة، أو أمر أحد الأبوين بها، فليس بابه باب تفويت محلّ الواجب بل فوات الواجب بإتيان ضدّه، حيث إنّ الصلاة فرادى و الصلاة جماعة عنوانان متنافيان لا يجتمعان في واحد و ليس فعل إحديهما مقدمة لترك الأخرى. نعم لو تعلّق النذر أو الأمر بالائتمام في صلاته كان لعنوان تفويت المحلّ موقع و يترتّب عليه ما ذكر.

و منها: ما إذا لم يدرك من الوقت ركعة تامّة

لكنّه يدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا، و هذا مع إطلاق دليل (1)«من أدرك ركعة من الوقت» للركعة حقيقة و تنزيلا واضح، و أمّا مع عدم إطلاقه كما هو الظاهر، فلا يجدي تنزيل إدراك الإمام راكعا منزلة إدراك الركعة فإنّه ناظر الى آثار صلاة الجماعة من سقوط القراءة و غيرها لا التنزيل من حيث إدراك الوقت أيضا. إلّا أنّ الأحوط الائتمام من دون نيّة الأداء و القضاء فان صلاته صحيحة إمّا أداء أو قضاء. و مثله من كان بطي‌ء القراءة بحيث يفوت بقرائته الوقت فإنّه يجب عليه الائتمام بناء على ما ذكر.


1) الوسائل: ج 3 ص 158، الحديث 4 و 5 من الباب 30 من أبواب المواقيت.

فصل في استحباب الجماعة في الفرائض

اشارة

و لا شبهة في استحبابها ذاتا في الفرائض اليومية الأدائيّة، فان مشروعيّة الجماعة فيها من ضروريات الدين، و انّما البحث في موارد:

منها: استحبابها في اليوميّة القضائيّة،

و جواز الائتمام من القاضي بالمؤدي منصوص في رواية العدول من الأداء الى القضاء (1)، و في رواية الصلاة المعادة جماعة (2)بقوله عليه السلام «و اجعلها لما فات» و أمّا استحباب الجماعة في القضاء فليس فيه نص معتبر إلّا ما ورد في حكاية نوم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قضاء صلاة الصبح جماعة (3)و مع ما فيه من الاشكال، يشكل به الاستدلال في هذا المجال و لا ملازمة بين جواز الائتمام في القضاء، و الجماعة فيه، كما لا ملازمة بين جواز الجماعة في الآيات، و عدم جواز الائتمام من مصلّي الآيات بمصلّي اليوميّة، و كذا العكس، إلّا أنّ المسألة غير خلافية، كما أنّ استحباب الجماعة في الآيات و الأموات مما لا اشكال فيه نصّا و فتوى، و سيجي‌ء ان شاء اللّه تعالى حكم الائتمام فيها بمؤدي اليومية و بالعكس.

و منها: استحباب الجماعة و الائتمام في صلاة الطواف،

اشارة

فإنّ المحكي عن غير واحد الاستحباب فيها، و في غيرها من الفرائض.


1) الوسائل: ج 3 ص 212 الحديث 2 من الباب 63 من أبواب المواقيت.

2) الوسائل: ج 5 ص 457 الحديث 1 من الباب 55 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 3، ص 207، الحديث 6، من الباب 61 من أبواب المواقيت.

[الاستدلال لمشروعيّة الجماعة في جميع الفرائض]

و غاية ما يمكن الاستدلال به لمشروعيّة الجماعة في جميع الفرائض أمور:

أحدها: ما في صحيحة (1)زرارة و الفضيل «قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها و لكنّه سنّة.» الخبر. فان الظاهر اتّحاد مورد النفي و الإثبات، فيكون الاجتماع في الصلوات كلّها سنّة، كما انّه ليس بمفروض في الصلوات كلها، سواء كان بنحو عموم السلب، أو سلب العموم، أمّا على الأول فواضح، و أمّا على الثاني فإنّ البعض الذي لا يكون الاجتماع فيه مفروضا يكون الاجتماع فيه سنّة و هو ما عدا الجمعة و العيدين بشرائطهما فإنّها التي يكون الاجتماع فيها مفروضا، و منه تعرف انّ الأولى حمله على سلب العموم، فتدبّر.

إلّا انّ الظاهر أنّ مورد السؤال هي اليومية، فإنها التي ذهبت العامة إلى وجوب الجماعة فيها، إمّا عينا أو كفاية و هو المنشأ لسؤال مثل زرارة و الفضيل، لعدم الالتزام بالجماعة في غيرها من المسلمين في صدر الإسلام إلى زمان السائل إلّا ما هو معلوم عندهما من الجمعة و العيدين. و يؤكده ذيل الصحيحة فإنّه هكذا «و لكنّه (2)سنّة من رغب عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» فان هذا التأكيد و التشديد ليس إلّا في اليوميّة كما يتّضح بالمراجعة الى أخبار الحثّ على الجماعة إلّا أن يقال انّ مورد السؤال و ان كان هي اليوميّة إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) تفضّل في مقام الجواب بالسلب و الإيجاب بنحو الكلّيّة تعميما للفائدة و إلّا لما كانت نكتة في قوله «في الصلوات كلّها» إذ لا موجب لتوهّم الوجوب في بعض الصلوات اليوميّة، و الاستحباب في بعضها الأخر، حتّى يجيب (عليه السلام) بانّ حكم الكلّ واحد في السلب و الإيجاب، فإنّ العامّة كما مرّ قائلون بالوجوب مطلقا إمّا عينا أو كفاية على اختلاف مذاهبهم، بل الأشهر بينهم انّ الجماعة سنّة مؤكّدة، لا واجبة عينا أو كفاية، كما يظهر من تذكرة العلّامة رحمه اللّه.


1) الوسائل: ج 5 ص 371، الحديث 2، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة. و في المصدر (و لكنّها سنّة)

2) في المصدر السابق «و لكنّها سنة من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين.».

ثانيها: مثل ما في صحيحة (1)عبد اللّه بن سنان «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ (أي الفرد) بأربع و عشرين درجة» نظرا إلى أنّه لجعل استحباب الجماعة في الصلاة بما هي بجعل لازمه و هو الثواب المخصوص، و به يندفع الإيراد بأنّ الإطلاق مسوق لحكم أخر، فإنّه مبني على انّ المجعول هو الثواب على الجماعة المشروعة، و امّا إذا قلنا انّه تشريع للجماعة ببيان ثوابها فلا موقع للإيراد.

و منه تعرف انّه بناء على هذا التقريب لا فرق بين ما إذا كانت العبارة الصلاة في جماعة أو كانت صلاة الجماعة كذا، بتخيّل أنّ مشروعيّة الجماعة بإضافة الصلاة إليها مفروغ عنها فالحكم في الثانية ثابت للجماعة المشروعة، فلا تثبت بها المشروعيّة بخلاف العبارة الاولى، مع انّ مجرّد الإضافة لا يوجب الفراغ عن المشروعيّة، و لذا يصحّ صلاة الجماعة في كذا غير جائزة، نعم ظاهر هذه الصحيحة كسائر الأخبار انّها في اليوميّة.

ثالثها: إثبات استحباب الجماعة في الفرائض من باب التسامح في أدلة السنن، و لو بفتوى الفقيه كيف و المشهور استحبابها في الفرائض كلّها، بل نسبته في المنتهى الى علمائنا.

أقول: بعد البناء على صدق البلوغ بفتوى الفقيه و ثبوت الاستحباب شرعا بأخبار من بلغ (2)أورد عليه بوجوه:

أحدها: انّ الجماعة ليست من الأمور المستحبة شرعا بل هي مصداق للواجب و أفضل الفردين منه، فلا يمكن إثبات مشروعيتها بدليل التسامح المتكفّل لإثبات الاستحباب و هو في الحقيقة بلا محصّل إذا لم يرجع الى الوجه الآتي، إذ لا تكون خصوصيّة الجماعة موجبة لكون الصلاة المتكيّفة بها أفضل الإفراد إلّا برجحان هذه الخصوصيّة و مطلوبيّتها شرعا في الصلاة، و بها تكون أفضل الإفراد، و فرديّة ذات


1) الوسائل: ج 5، ص 371، الحديث 1، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة. و في المصدر «الصلاة في جماعة تفضل على كل صلاة الفرد (الفذ) بأربعة و عشرين درجة تكون خمسة و عشرين صلاة».

2) الوسائل، ج 1، ص 59، أحاديث الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.

المتكيّف بها لطبيعي الصلاة وجدانية. نعم إذا قلنا- بأنّ الصلاة فرادى و الصلاة جماعة ماهيتان متباينتان و انّ المكلف مخير شرعا بين الصلاة فرادى و الصلاة جماعة- أمكن أن يقال: انّ دليل التسامح لا يثبت الوجوب مطلقا تعيينيّا كان أو تخييريا، إلّا انّ الظاهر انّ الفرق بينهما باعتباري (لا بشرط) و (بشرط شي‌ء) بمعنى أنّ التكليف اللزومي متعلّق بطبيعي الصلاة لا بشرط من حيث قصد الائتمام و عدمه بمعنى رفض القيود لا الجمع بين القيود، و الاستحباب متعلق بإتيانها بكيفيّة خاصّة فهو مخير عقلا بين إفراد هذا الطبيعي اللابشرط، في إتيان فرد متخصص بالقصد المزبور و الفرد الغير المتخصص به، و لعلّنا سنتكلم فيه فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

ثانيها: ما عن العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1)من انّ أدلّة التسامح لا تثبت بقيام الخبر الضعيف أو مطلق البلوغ و لو بفتوى الفقيه إلّا الاستحباب دون غيره من الأحكام و من المعلوم انّ الجماعة لها أحكام مخالفة للأصل، من سقوط القراءة، و وجوب المتابعة، و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر في مورد الشكّ و هذه الأحكام لا تثبت بالخبر الضعيف فلا تثبت الجماعة التي لها هذه الأحكام ثم أفاد ما محصّله بعد النقض و الإبرام انّ إثبات هذه الأحكام بقيام الخبر الضعيف و عدمه به مبنيّ على انّ هذه الأحكام في طول الاستحباب و مترتّبة عليه، أو هي و الاستحباب حكمان واردان في عرض واحد على الجماعة، و يكون بينهما التلازم و لا ينفكّ أحدهما عن الآخر إجماعا. فإن قلنا بالأوّل فالخبر الضعيف يفيد الاستحباب فقط، و حيث إنّه تمام موضوع تلك الآثار فتترتب تلك الآثار عليه قهرا، و ان قلنا بالثاني فالخبر الضعيف كما يثبت الاستحباب لا بدّ من ان يثبت تلك الأحكام لعدم إمكان الانفكاك بالإجماع، و حيث لا يمكن إثبات تلك الآثار بالخبر الضعيف فلا يمكن إثبات ما لا ينفكّ عنها، هذا ملخّص ما أفيد بتوضيح مني.

و الجواب: بعد الفراغ عن انّ الخبر الضعيف بأدلّة التسامح لا يكون حجة كالخبر


1) كتاب الصلاة: ص 312، الطبعة الحجرية.

الصحيح- بحيث يثبت الاستحباب الواقعي الذي هو مدلول الخبر الضعيف، بل يثبت الاستحباب بعنوان انّه بلغه الثواب على عمل فهو بالإضافة إلى الاستحباب الثابت كالخبر الصحيح بناء على الموضوعية و السببية- نقول: إنّ تلك الأحكام المخالفة للأصل، إمّا هي مترتبة على الجماعة المستحبّة بذاتها واقعا، أو على المستحبّة و لو بعنوان بلوغ الثواب عليه. فان قلنا بالأوّل فالخبر الضعيف لا يثبت الاستحباب الواقعي لذات الجماعة بل يثبت استحبابا لا ترتّب للاحكام عليه، و إن قلنا بالثاني كان الخبر الضعيف محققا لموضوع تلك الآثار حقيقة لا تعبّدا، و منه تعرف الحال فيما إذا كانت تلك الأحكام ملازمة شرعا لخصوص المستحب الواقعي بعنوانه أو للأعم منه، فان كان الأوّل فلا يثبت الملازم بالخبر الضعيف حتّى يستتبع تلك الأحكام بدليل الملازمة، لا من حيث إنّ تلك الأحكام لا تنفكّ عن الاستحباب، فإنّه هنا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و ان كان الثاني فإن قلنا بانّ دليل الملزوم دليل على لازمه و أنّ دليل أحد المتلازمين دليل على الآخر أمكن أن يتخيّل انّ الخبر الضعيف حيث لا يصلح ان يكون مثبتا لتلك الأحكام فلا يصلح ان يكون مثبتا لما لا تنفك تلك الأحكام عنه، و امّا ان قلنا بانّ الدليل على الملزوم حجة عليه فقط و إثبات اللازم بدليل الملازمة إذ مفاده ثبوت اللازم عند تحقّق ملزومه، و المفروض تحقّقه لما فرضناه من انّ الملزوم أو الملازم هو الأعمّ من المستحب الواقعي بذاته أو المستحب الموضوعي بعنوان البلوغ فلا إشكال. و مما ذكرنا تبيّن انّ المدار نفيا و إثباتا على ضيق دائرة الموضوع أو الملازم وسعتهما دون الترتب و التلازم.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ تلك الأحكام مترتّبة على الجماعة المنعقدة شرعا لا على الهيئة الاجتماعية عرفا مع قطع النظر عن مشروعيتها، كما انّ الظاهر ترتّب تلك الأحكام على الجماعية المشروعة بعنوانها لا الأعم منه و مما بلغ عليه الثواب، و المرجع عند الشكّ في ترتب تلك الأحكام المخالفة للأصل على خصوص المستحب بذاته، أو على الأعم منه و من المستحب بعنوان البلوغ الى عمومات أدلة تلك الأحكام لرجوع الشك إلى سعة دائرة المخصص لتلك العمومات و ضيقها، لا في المصداق حتّى لا يمكن الرجوع الى العام فتدبّر.

ثالثها: انّ اشتغال الذمة بالصلاة ثابتة و لا يقين بالفراغ، و الامتثال بإتيان هذا الفرد المشكوك حاله من حيث مشروعيّة الجماعة فيه و عدمه، و يندفع بأن أدلة التسامح كافية في المشروعيّة في قبال أصالة عدم المشروعيّة، فلا إشكال في اليقين بالفراغ لو لا محذور أخر كما تقدّم في الوجه الثاني فهو العمدة في المقام.

و منها: الجماعة في الصلاة التي يؤتى بها من باب الاحتياط،

و لها اربع صور.

الأولى: ما إذا صلّى بعنوان الاحتياط اللزومي مقتديا بمن يصلّي اليوميّة، و لا ينبغي الإشكال فإنّه على فرض الحاجة إليها واقعا جماعة في فريضة يوميّة، و على تقدير عدم الحاجة لا صلاة و لا جماعة و لا يضرّ حينئذ عدم ترتب آثار الجماعة من سقوط القراءة و وجوب المتابعة، و الرجوع في مورد الشكّ إذ مع الحاجة كل الآثار مترتبة، و مع عدمها لا ضير في عدم سقوط القراءة و غيره. نعم في رجوع الإمام إلى المأموم إشكال حيث لم يحرزانها جماعة واقعا لاحتمال اللغوية.

الثانية: هذا الفرض نفسه مع كون الاحتياط غير لزوميّ و لا يضرّ بالجماعة بعد كون الفريضة محتاجا إليها واقعا.

الثالثة: من يصلّي الاحتياط مقتديا بمن يصلّي الاحتياط، فان كان منشأ الإعادة واحدا بحيث كان صحة صلاتهما و فسادهما متلازمين واقعا فلا إشكال، إذ على تقدير الحاجة فصلاة كليهما جماعة صحيحة، و إلّا كانتا لغوا. و أمّا إذا لم يكن المنشأ واحدا فلا يقين للمأموم بانعقاد صلاته جماعة على تقدير الحاجة، إذ من المحتمل لغويّة صلاة الإمام فلا تصحّ صلاته إلّا بفرض الإتيان بوظائف المنفرد، و هو خلف في المقام المبنيّ على انعقاده جماعة يترتّب عليها أحكامها.

الرابعة: اقتداء من يصلّي اليوميّة بمن يصلّي الاحتياط، و لا يقين بالفراغ إلّا على تقدير الحاجة و هو غير محرز للمأموم، نعم إذا اعتقد المأموم حاجة الإمام و ان لم يعتقدها الإمام أو أتى بوظائف المنفرد صحّت صلاة المأموم، إلّا أنّهما خلف كما لا يخفى. هذا ما تقتضيه حال تلك الصور من حيث الاحتياط، و امّا إذا كانت بعنوان المعادة سواء قلنا باستحباب المعادة، أو باستحباب الإعادة شرعا فجميع تلك الصور الأربع صحيحة على أيّ تقدير، و تترتّب عليها آثار الجماعة كلا. أمّا إذا

قلنا باستحباب الإعادة، و استقرار الامتثال على المعادة، ففي غاية الوضوح، فإنّها على تقدير الحاجة صلاة صحيحة جماعة، و على تقدير عدمها بيده قرار الامتثال على الثانية، فهي على أيّ تقدير مصداق الصلاة الواجبة، فيقصد المصلّي امتثال هذا الأمر جماعة سواء كانت صلاته السابقة صالحة للاقتصار عليها أولا و امّا إذا قلنا بسقوط الأمر اللزومي و استحباب المعادة فالجماعة فيها جائزة بل أفضل، فالمصلّي يقصد امتثال هذا الأمر الشخصي سواء كان هو أمره اللزومي أو أمره الندبي، فعلى أيّ تقدير تقع الصلاة صحيحة من حيث الجماعة و آثارها. نعم إذا كان المحتاط هو الإمام فلا بدّ هنا من قصد الإمامة لتقع صلاته بعنوان المعادة منه، بخلاف ما إذا لم تكن صلاة الإمام احتياطيّة فإنه تصح صلاة المأموم، سواء كان من قصد الإمام الإمامة أم لا.

و منها: الجماعة في ركعات الاحتياط

فان قلنا بانصراف إطلاقات الجماعة في الفرائض إلى اليوميّة، أو الفرائض النفسيّة التي تطلب لذاتها لا لرعاية غيرها و تدارك نقصها، فلا إشكال حينئذ في عدم الجماعة فيها بجميع وجوهها من اقتداء المحتاط بالمحتاط، أو من يصلّي اليومية بالمحتاط، و بالعكس.

و أمّا ما عن (1)العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)- من عدم صدق عنوان الفريضة بمادتها على مطلق الواجب، كنفس عنوان الواجب القابل للصدق على النفسي و غيره- فلا شاهد له، بل إطلاق الفريضة بعنوانها على الواجب الغيري شائع في لسان الاخبار، كما في الخبر (2)«الوضوء فريضة» و إطلاق هذه المادة في غير هذه فممّا لا إشكال فيه، كما يتضح للمراجع الى موارده. نعم بناء على الجزئيّة الحقيقيّة لا ينبغي الإشكال في الاقتداء بمن يصلّي ركعات الاحتياط ممن لا يصلّيها، دون العكس، إلّا إذا كان مقتديا بتلك الصلاة من أوّلها، و ان لم نقل بالانصراف، فان علم المأموم بحاجة الامام إليها فلا إشكال في صحة الاقتداء بمصلّيها، لأنّها إمّا


1) كتاب الصلاة: ص 313، الطبعة الحجرية.

2) الوسائل: ج 1، ص 256، الحديث 2 من الباب 1 من أبواب الوضوء.

صلاة مستقلّة، أو جزء حقيقة من الصلاة، و ان لم يعلم بحاجة الإمام فلا محذور فيه إلّا احتمال كونها نافلة مع عدم الحاجة إليها واقعا. و شمول دليل المنع عن النافلة لمثل هذه الصلاة الواجبة بوجوب طريقي ظاهرا- لا أنّها نافلة على تقدير بل بحكم النافلة من حيث احتسابها لمصلّيها لا ذهابها هدرا- في غاية الاشكال.

و أمّا إذا اقتدى في صلاة الاحتياط بمن يصلّي اليوميّة أو الاحتياط، فمع قطع النظر عن إشكال الجماعة في النافلة، يرد محذور الاقتداء في أثناء الصلاة الانفرادية بناء على الجزئيّة، و يندفع هذا المحذور أيضا بناء على الاستقلاليّة، و على فرعاية الاحتياط في جميع هذه الصور بترك الجماعة ممّا لا ينبغي تركها و اللّه اعلم.

فصل في عدم مشروعية الجماعة في النافلة إلّا ما استثني

اشارة

كالاستسقاء، و هو المشهور، بل ادّعى عليه الإجماع، و به روايات معتبرة باستناد الأصحاب إليها، و في قبالها روايات أخر، فبعضها يدلّ على جواز جماعة الرجل مع أهله في بيته في نافلة شهر رمضان، كما في صحيحة عبد الرحمن (1)«صلّ بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فإني أفعله» و بعضها يدلّ على جواز جماعة النساء في النافلة، كصحيحة الحلبي (2)و صحيحة سليمان بن خالد (3)و صحيحة هشام بن سالم (4)، و في الأخيرة منها «عن المرأة تؤم النساء، قال: تؤمّهنّ في النافلة و أمّا المكتوبة فلا» و مقتضى قاعدة الجمع تخصيص أخبار المنع بهذه الصحاح، إلّا أنّ الروايات الواردة في الفرق بين المكتوبة و النافلة موافقة للعامة، لاتفاقهم على منع إمامتهن في الفريضة تحريما أو كراهة، و جوازها في النافلة، و أمّا صحيحة عبد الرحمن فلا مجال لحملها على التقيّة. نعم هي معارضة للأخبار الناهية عن خصوص الجماعة في نافلة شهر رمضان، فإنّ المنع عن مثلها مسلّم و ان لم يكن المنع عن الجماعة في مطلق النافلة كذلك فينبغي ردّ علمه إلى أهله في مثل هذه الصحيحة فإنّها أخصّ حتّى بالإضافة إلى اخبار المنع عن الجماعة في نافلة شهر رمضان، إلّا أنّ الناظر في تلك الأخبار يرى أنّ الممنوع هي الجماعة في نافلة شهر رمضان بما هي جماعة، لا بما هي جماعة الرجال في المساجد ليحمل اخبار المنع على ذلك و خبر


1) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5 ص 406، الحديث 1 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

الجواز على خصوص جماعة الرجل مع أهله في بيته و اللّه أعلم.

[مشروعية الجماعة في صلاة الغدير]

و أمّا صلاة الغدير، فهي و ان كانت مرويّة و استحبابها بلا إشكال، إلّا أنّ إتيانها في جماعة لا رواية بها إلّا ما أرسله أبو الصلاح على ما حكاه العلامة في التذكرة (1)قال (قدّس سرّه): و روي أبو الصلاح هنا استحباب الجماعة و لا مجال لإثبات استحباب الجماعة فيها مع عدم حجيّة المرسل حتّى يكون مخصصا لعدم مشروعيّة الجماعة في النافلة، إلّا بأدلّة التسامح في أدلّة السنن.

و اعترض عليه في الجواهر (2)«بانّا و ان قلنا بالتسامح في دليل المستحب، لكن حيث لا يعارضه ما يقتضي الحرمة».

و توضيح دفعه بانّ الكلام تارة في ملاحظة دليل التسامح مع ما يدلّ على عدم المشروعيّة الراجع الى عدم استحبابه واقعا، و اخرى في ملاحظته مع ما يدلّ على حرمته.

امّا الأوّل، فنقول: غاية ما تدلّ الحجّة على عدم الاستحباب، انّه غير مستحب واقعا كسائر المستحبات الواقعية، و لا منافاة بين عدم استحباب فعل واقعا و استحبابه الموضوعي بسبب بلوغ الثواب كما هو مفاد قوله (عليه السلام) (3):

«كان له أجر ذلك و ان كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يقله» و دليل حجيّة الخبر القائم على عدم استحبابه و ان كان يقتضي إلغاء احتمال خلافه، فيرتفع به موضوع دليل التسامح، إلّا أنّ احتمال خلاف عدم الاستحباب واقعا هو استحبابه واقعا من دليل التسامح يثبت استحبابه الموضوعيّ المتقوّم بنفس الاحتمال الوجداني، إذ ليس مرجع إلغاء احتمال الخلاف إلّا إلى إلغاء المحتمل و التعبّد بعدمه. نعم، إن كانت الحجّة على عدم الاستحباب قطعيّة الدلالة و السند لم يكن مجال لإعمال دليل التسامح حيث إنّه ليس معها احتمال الاستحباب وجدانا فلا


1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 73، الطبعة الحجرية.

2) جواهر الكلام: ج 13، ص 144، طبعة الآخوندي.

3) الوسائل: ج 1، ص 59، الحديث 1، من الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.

موضوع له.

و أمّا الثاني فنقول: لسان أدلّة عدم مشروعيّة النافلة جماعة مختلف فبعضها لا يستفاد منها إلّا عدم المشروعيّة كقوله (عليه السلام) (1): «لا جماعة في نافلة» فإنّه يتكفّل عدم موضوعيتها في مرحلة التشريع، كما هو الحقّ في نظائره، لا الحرمة و بعضها يدلّ على حرمتها تشريعا كقوله (2)(عليه السلام) «النافلة في جماعة بدعة» و قوله (عليه السلام) في آخره: «قليل في سنّة خير من كثير في بدعة» و بعضها يدلّ بظاهره على الحرمة الذاتيّة كقوله (3)(عليه السلام): «و لا يصلّي التطوّع في جماعة» (4)و «لا يجوز ان يصلّي التطوع في جماعة» (5)و «لا تجتمعوا إلّا في الفريضة» بتقريب أنّ النهي تعلّق بالصلاة بعنوانها لا بما هي معنونة بعنوان التشريع، إلّا أنّ المراجع الى الأخبار يجد أنّ هذه النواهي محفوفة صدرا أو ذيلا بما يدلّ على كونها محرّمة لكونها بدعة و من المعلوم انّ عنوان التشريع مقابل لعنوان الإتيان بداعي الثواب بسبب بلوغه أو احتماله، فلا موضوع للتشريع و هذا هو الفارق بين الحرمة التشريعيّة و الذاتية، فإنّ الموضوع في الثانية لا يرتفع بالرجاء و التماس الثواب. نعم لو كان الخبر عن الحرمة الذاتية ضعيفا لما كان مانعا عن التسامح في دليل الاستحباب، لانّ احتمال العقاب مدفوع بالبراءة عقلا و نقلا فيبقى ما دلّ على الاستحباب بلا مانع، و الخبر عن العقاب غير مشمول لأدلّة التسامح كما حقّق كلّ ذلك في محلّه.

و مما ذكرنا تعرف عدم الفرق بين التشريع العامّ و التشريع الخاصّ، كما ذهب الى الفرق شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة التسامح نظرا الى انّ


1) الوسائل: ج 5 ص 182، الحديث 6 من الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان.

2) الوسائل: ج 5 ص 191، الحديث 1 من الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان.

3) الوسائل: ج 5 ص 407، الحديث 5 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5 ص 407، الحديث 6 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5 ص 193، الحديث 4 من الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان و في المصدر «. و اللّه لقد أمرت الناس ان لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة.».

مثل دليل (1)«لا تطوع في وقت الفريضة» يدلّ على انّ امتثال مطلقات أوامر هذه العبادات لا يتحقّق بدون ذلك، أو مع ذلك المانع، و الخبر الضعيف لا تبيّن الماهيات التوقيفية.

و الجواب: انّ غاية ما يقتضيه تقييد تلك المطلقات بالحجّة المعتبرة، انّ ذلك العمل بدونه لا يكون مشمولا لتلك المطلقات و نتيجتها عدم استحبابها شرعا واقعا، فان كانت تلك الحجّة قطعية سندا، و دلالة كان ذلك العمل خارجا عن موضوع أدلّة التسامح، لعدم الاحتمال و رجاء الثواب و إلّا فالموضوع باق، و قد عرفت عدم المنافاة بين عدم الاستحباب الواقعيّ و الاستحباب الموضوعيّ المتقوّم بالرجاء المحفوظ على الفرض، و قد عرفت انّ التمسك بأدلّة التسامح لا مانع منه لا من حيث عدم المشروعيّة و لا من حيث الحرمة التشريعيّة.

نعم يبقى ما قدّمناه من الاشكال من أنّ أدلّة التسامح لا تثبت إلّا الاستحباب و لا تثبت بها الأحكام الثابتة للجماعة المخالفة للأصل كالقراءة الواجبة بوجوب شرطي في كلّ فريضة أو نافلة، فإنّ سقوطها في هذا المستحب بعنوان البلوغ لا يثبت بأخبار من بلغ فراجع ما قدّمناه.


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 195، الباب 46، الحديث 3، و في المصدر «. انه لا تصلّى نافلة في وقت فريضة.».

فصل في شرائط الجماعة

اشارة

و هي أمور

أحدها: العدد

و أقلّه اثنان، و هو مع انّه إجماعي فهو شرط عقلي للائتمام و الاقتداء الذي لا يعقل إلّا مع التعدد و الاثنينيّة، كما لا يعقل ترتّب آثارها من تحمّل القراءة و وجوب المتابعة، و الرجوع في حال الشكّ فهي بجميع آثارها الشرعيّة متقوّمة بالتعدد و الاثنينيّة، فما ينسب الى ابن بابويه- من أنّ الواحد جماعة- فهي أجنبيّة عن الجماعة المبحوث عنها، و لعلّه ينظر الى ما ورد (1)من أنّ «المؤمن وحده جماعة» و ما في باب الأذان و الإقامة (2)، من أنّه «إذا كان وحده فأذّن و أقام صلّى خلفه صفّان من الملائكة» و شبه ذلك من التأويلات الموجبة لخروج هذه الجماعة عن الجماعة المبحوث عنها، و أمّا الاكتفاء بغير البالغ فمبنيّ على شرعيّة عباداته و شمول الإطلاقات له حتّى مع عدم شرعيّة عباداته غير معلوم.

ثانيها: نيّة الائتمام و الاقتداء من المأموم

اشارة

و اعتبارها واضح بعد وضوح انّ مجرد الاجتماع في الصلاة ليس من الجماعة، كوضوح انّ مجرد مقارنة فعله لفعل غيره لغرض من الأغراض ليس من الجماعة، كوضوح انّ نيّة المتابعة العمليّة ليس من الجماعة، بل المتابعة العمليّة من واجبات الجماعة فهي غيرها و قصدها غير قصد الجماعة، بل تمام حقيقة الائتمام و الاقتداء متقوّمة بالقصد و النيّة، فإذا بنى على


1) الوسائل: ج 5 ص 379، الحديث 2 من الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 4، ص 619، أحاديث الباب 4.

ربط صلاته بصلاة الإمام فقد نوى الائتمام، و تنعقد به الجماعة فيترتّب عليها آثارها. و منه تعرف انّ نية الائتمام في انعقاد الجماعة بهذا المعنى أيضا عقلي لا يكاد يتحقّق إلّا بالبناء على الربط المزبور، نعم أصل اعتبار هذا المعنى القصدي في ترتّب الآثار شرعي، و نفس مشروعيّة الجماعة كافية في اعتبار هذا البناء المتقوّم به الاقتداء و الائتمام فلا حاجة الى الاستدلال لاعتبار نيّة الاقتداء بقوله (1)(عليه السلام): «لكل امرء ما نوى» لتبادر ترتّب الأجر و الثواب على المنوي بنيّته لا تحقّق أصله بنيّته، كما هو المقصود هنا و لا بقوله (عليه السلام) (2): «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به» فان مورده المتابعة العمليّة التي هي من واجبات الجماعة المنعقدة شرعا، و لذا رتّب عليه بأنّه «إذا كبّر فكبّروا. إلخ».

فإن قلت: الاقتداء و الائتمام من المعاني الإضافيّة التي لا تستقلّ بالتحصّل.

بل لا بدّ من أن يكون بلحاظ أمر من الأمور، و ليس الملحوظ هنا إلّا صلاة الإمام، فيرجع الأمر إلى قصد متابعة الإمام في أفعاله الصلاتية، و ليس ربط صلاته بصلاة الإمام إلّا ربط المتابعة.

قلت: ليس الغرض أن حقيقة الاقتداء و الائتمام غير حقيقة المتابعة، بل الغرض أن المتابعة العمليّة في كلّ فعل منبعث عن إرادة جزئيّة ليست حقيقة الجماعة المقابلة للفرادى، فإنّها من واجبات الصلاة، و التخلّف عنها في الجملة لا يضرّ بالجماعة، و أنّ العدول مغاير لترك المتابعة العمليّة، بل البناء على المتابعة كلّيا في أوّل الصلاة في قبال الصلاة منفردا هي الجماعة حدوثا، و في قبال العدول بقاء فالمتابعة الجزئيّة العملية كالوفاء بالنسبة إلى العقد فعدم الوفاء لا يضرّ بالعقد و انّما المنافي له حلّه فالعدول هنا كالحل في العقد و المتابعة العمليّة كالوفاء بالعقد هذا في اعتبار نيّة الائتمام من المأموم.


1) الوسائل: ج 1، ص 34، الحديث 7 من الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 39. و في المصدر «. انما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به فاذا كبّر فكبّر».

و أمّا نيّة الإمامة من الإمام فغير معتبرة في ما عدا الجمعة و العيدين ممّا لا ينعقد إلّا جماعة إذ بمجرّد نيّة الائتمام على الوجه المشروع يكون الناوي مأموما و من ائتم به إماما، و لو كان الإمام شرع في الصلاة بنيّة الانفراد فإنّ الإمامة و المأموميّة متضائفتان فلا تنفك إحداهما عن الأخرى، فتحقّق المأموميّة ملازمة لتحقّق الإمامة قهرا فيترتّب على صلاتهما حكم الجماعة شرعا. بل يمكن أن يقال: لا يعقل نيّة الإمامة من الإمام لما عرفت من تضائف عنوان الإمام و المأموم فمع وجود الصلاة من الإمام يمكن تحقّق المتضايفين بنيّة المأموم فيكون إماما عند تحقّق المأموميّة قهرا، بخلاف نيّة الإمامة من الإمام فإنّها طبعا متقدّمة على صلاة المأموم فلا يعقل عنوان الإمامة مع عدم عنوان المأموميّة. و قصد الإمامة على تقدير لحوق المأموم لا يوجب تحقّق عنوان الإمامة إلّا عند لحوقه لأنّ المتضايفين متكافئان في القوّة و الفعليّة، فلا يعقل الإمامة فعلا و المأموميّة تقديرا.

و أمّا الإشكال بأنّ الإمامة ليست فعلا اختياريا للإمام فلا يعقل تعلّق القصد بها. فان كان بالنظر الى انّه لا تتعلّق الإرادة التكوينيّة إلّا بالحركات العضلاتية فنيّة الاقتداء كذلك، و لا يراد من النيّة في أمثال المقام إلّا البناء كما في نيّة الإقامة عشرة أيّام، و نيّة العدول، و إن كان بالنظر الى أنّ الإمامة في الصلاة متقوّمة بصلاة المأموم، و هي خارجة عن قدرة الإمام، فنيّة الاقتداء في صلاته بصلاة الإمام كذلك، و إنّما الفرق ان الإمامة و المأموميّة متضائفان، و تحقّقهما بعد وجود ذات المضائف من طرف بإيجاد طرف معقول كما في نيّة الاقتداء مع وجود الصلاة من الإمام، بخلاف إيجاد الطرف قبل طرفه، فإنّه لا يحقّق عنوان التضايف و إلّا فإرادة الإمامة على تقدير لحوق المأموم معقولة عند المستشكل، و إنّما لا يجدي في فعليّة المضائفين، و عليه فالمقدار الممكن من الإمام فيما يعتبر فيه الجماعة كالجمعة و المعادة، هو أن يصلّي لأن يصلّي غيره بصلاته بنحو الداعي مع الوثوق بلحوقه له، في قبال ان يصلّي لنفسه منفردا، و أمّا مجرّد الوثوق بلحوق المأموم فهو غير مجد في ما يعتبر فيه الجماعة كما عن بعض الأعلام (رحمه اللّه) فان الوثوق باللحوق لا ينافي نيّة الصلاة منفردا مع انّ الجمعة لا تنعقد من الإمام و المأموم إلّا جماعة في قبال الفرادى، بل

الوثوق يصحّح دخوله في الصلاة بداعي صلاة الغير بصلاته. و ممّا ذكرنا من أنّ الجمعة لا تنعقد إلّا جماعة من الإمام و المأموم، تعرف وجه اعتبار نيّة الإمامة من الإمام بالمقدار الميسور المزبور، فإنّ ماهيّة الجمعة متقوّمة بالجماعة فلا يجوز الاقتداء في صلاة الجمعة بمن يصلّي منفردا دون غيرها من الصلوات فإنّها تنعقد فرادى و جماعة من الإمام و المأموم.

ثم إنّه تبيّن ممّا ذكرنا انّ نيّة الائتمام ليست من الشرائط بل من المقوّمات للجماعة فلا تنعقد بدونها لا انّها باطلة بدونها شرعا، و عليه فلو تابع الامام عملا من دون نيّة الائتمام من أوّل العمل فلا موجب لبطلان صلاته في نفسه إذا لم يخل بوظائف المنفرد، لما مرّ و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، انّ صلاة الجماعة ليست ماهيّة مغايرة لماهيّة الصلاة فرادى حتّى يلزم من بطلانها جماعة بطلان الصلاة، هكذا ذكره الشيخ اللاعظم (قدّس سرّه) في صلاته، (1)إلّا الظاهر عدم ابتناء المسألة على كون الجماعة منوّعة لطبيعيّ الصلاة، فإنّه إنّما يجدي فيما إذا قصد الجماعة و أخلّ ببعض شرائط صحّتها، و المفروض هنا عدم نيّة الاقتداء و الائتمام المقوّمة للجماعة و انما تابع في صلاته لصلاة الإمام فقط، فهو بحسب القصد منفرد، إذ لا نعني بالمنفرد إلّا من يصلّي لا بنيّة الاقتداء، فلم تنعقد هذه الصلاة من الأوّل إلّا فرادى، و مجرّد المتابعة في حركات الإمام ليست جماعة باطلة بل أجنبيّة عن حقيقة الجماعة، و لا معنى لقصد الجماعة مع عدم قصد الاقتداء حتى يجدي التنويع المزبور، نظرا الى أنّ ما قصده لم يقع و ما يقابله لم يقصد، لعدم إمكان قصد المتقابلين، فما قصده من المقارنة المحضة بين أفعاله و أفعال الإمام ليس قصدا للجماعة حتّى يكون قاصدا لحقيقة مباينة لحقيقة الفرادى. نعم إذا أمكن قصد الجماعة بعنوانها من الجاهل بما يقتضيه حقيقة الجماعة أمكن تصحيح كلامه زيد في علوّ مقامه.

فان قلت: بناء للقول بكون الفرادى و الجماعة حقيقتين متباينتين و أنّ الجماعة منوّعة و كذا الفرادى، على كون كلّ منهما ذات خصوصيّة مباينة للأخرى، فنحن


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري- قدّس سرّه- ص 306.

سلّمنا انّ هذا المصلّي لم يقصد الجماعة بل قصد مجرّد المقارنة الأجنبيّة عن حقيقة الجماعة، إلّا انّه لم يقصد النوع الأخر المتخصّص بخصوصيّة الانفراد.

قلت: لا يتوقّف التباين و الاختلاف في الحقيقة على كون المنوّع لكلّ منهما خصوصيّة ثبوتيّة، بل كما يكون الاختلاف بذلك كذلك إذا كانت حقيقة الفرادى متقوّمة بعدم قصد الجماعة، كالجماد بالإضافة إلى الشجر، فإنّ الأوّل متخصّص بعدم القوّة النباتيّة، فهو منفصل من حيث الجماديّة بفصل عدميّ، فليكن الفرادى بالإضافة إلى الجماعة كذلك، فصلاة الجماعة متقوّمة بقصد الاقتداء، و صلاة الفرادى متقوّمة بعدم قصد الاقتداء، في قبال كون الفرادى هي الطبيعة اللابشرط، و الجماعة هي الطبيعة بشرط شي‌ء و عليه فاذا فرض عدم قصد الجماعة، فالصلاة الموجودة صلاة مقرونة بعدم قصد الائتمام، فلا مناص بناء على هذا المبنى عمّا ذكرنا من أنّ الجاهل بحقيقة الجماعة يقصد تلك الطبيعة الخاصّة بمجرّد مقارنة فعله لفعل الإمام، فصلاته مقرونة بقصد الجماعة فإذا لم تقع صحيحة بطلت الصلاة رأسا لعدم حصول المقوّم لصلاة الفرادى، و هو القيد العدمي فتدبّره جيّدا.

و هنا مسائل متعلّقة بنيّة الاقتداء
الاولى يعتبر وحدة الإمام

و تفصيل القول في ذلك- بعد وضوح انّ الاقتداء من الأمور المتعلقة بشخص موجود، و ليس كالملك الاعتباري المتعلق بالكلّي مالكا و مملوكا انّ الموجود إذا كان متعدّدا، فامّا ان يلاحظ أحدهما المردّد، أو هما معا، أو كلّ منهما مستقلا، أو أحدهما المعيّن، أمّا أحدهما المردّد المصداقي، فقد ذكرنا في محلّه انّ المردّد بالحمل الشائع لا ثبوت له ذاتا و وجودا ماهيّة و هويّة، و ما لا ثبوت له بنحو من أنحاء الثبوت يستحيل ان يكون مشخّصا لكلّ صفة تعلّقيّة سواء كانت حقيقيّة أو اعتبارية، و هذا هو الوجه في الاستحالة، لا حاجة العرض الى الموضوع، حتّى لا تعمّ الأمور الاعتبارية و لا غيره من الوجوه التي ذكرناها، و ما يرد عليها في محلّها.

و أمّا هما معا فهو واحد بالاعتبار، و لا وحدة له إلّا في أفق الاعتبار، فلا يتعلّق به إلّا واحد بالاعتبار فلا يعقل تعلّق اقتداء واحد حقيقي في الخارج بما لا تحقّق له إلّا في أفق الاعتبار. و أمّا كلّ منهما مستقلا، فإن أريد تعلّق اقتداء واحد بكلّ منهما مستقلا، فهو محال لأنّ الإضافات تتشخص بأطرافها فيستحيل تعدّد الطرف و وحدة الإضافة، و ان أريد اقتدائين بكل منهما فذات الصلاة و ان كانت واحدة لكن لها تعلقان بائنين، و هذا لا محذور عقلي فيه، إلّا انّ الإطلاقات لا يعمّها. و توهّم اختلاف المتضايفين في الوحدة و التعدّد- مدفوع بأنّ المقتدي بكلّ منهما متعدّد، و ذات المقتدي واحد كوحدة ذات الأب و تعدّد الأبوّة بتعدّد البنوّة، و حيث عرفت لزوم قصد الائتمام بواحد معيّن يقع الكلام فيما يتعيّن به، و لا ريب في انّ المقدار الذي يقتضيه طبع الاقتداء تعيّنه في كونه طرفا، فما لا تعيّن له ذهنا و خارجا لا يعقل صيرورته طرفا للاقتداء الذي هو أمر تعلّقي، و يكفي تعيّنه بأحد أنحاء التعيّن، فالمتعيّن خارجا بالإشارة الحسيّة كهذا الإمام الحاضر، يصحّ الاقتداء به، و إن جهل اسمه و وصفه، كما أنّ المتعيّن في ذهنه باسمه، أو وصفه الموجب لتميّزه واقعا عمن عداه، و ان لم يتميّز عنده خارجا بحيث لا يمكنه الإشارة الحسيّة إليه أيضا يصحّ الاقتداء به، و لا موجب للقصر على الأوّل بل المتعيّن واقعا بنحو الإشارة، أي يصلي مقتديا بمن يعيّنه من الإمامين الحاضرين أيضا لا مانع منه، فان من يعيّنه فيما بعد له التعيّن فعلا في الواقع و في علم اللّه تعالى و ان لم يعلم به المصلّي فعلا، إلّا انّ دعوى عدم شمول الإطلاقات لمثله غير بعيدة.

الثانية في الموارد التي يحكم فيها ببطلان الجماعة

و صحّة الصلاة انفرادا، إذا لم يخلّ المصلّي بوظائف المنفرد، انما هو مع الجهل و أمّا إذا كان عن عمد تشريعا. فتفصيل القول فيه: انّ التشريع تارة يكون في أصل الأمر، و اخرى في وجه من وجوه الأمر المحقّق، و ثالثة بالتشريع في مرحلة الامتثال، و هي على أنحاء

أحدها: في تطبيق المأمور به على المأتي به، كما في ما إذا كان المأمور به هو القصر فيأتي بالإتمام تشريعا في التطبيق، بمناسبة انّها قصر و زيادة مكملة.

ثانيها: في جعل الصلاة معنونة بعنوان الجماعة، فيأتي بالصلاة جماعة بداعي الأمر بالصلاة.

و ثالثها: في جعل الصلاة المأتي بها بداعي الأمر بعنوان الجماعة و الفرق بين الأخيرين أنّه تارة يصلّي مقتديا بداع الأمر، و اخرى يصلّي بداعي أمرها مقتديا فيها، فنقول: امّا التشريع في الأمر فالعمل باطل لا من حيث انطباق عنوان مبغوض على العمل، بل حيث لا أمر حقيقة فلا عبادة حقيقة، و أمّا التشريع في وجه الأمر كما إذا كان أمر بالصلاة فبنى على انّه بعنوان الإيجاب بالعمل منبعث عن الأمر المحقق، و ان بنى على انّه إيجاب فليس إلّا الإثم القلبيّ، و أمّا القسم الأوّل من التشريع في مقام العمل، فالعمل باطل من حيث عدم موافقة المأتي به للمأمور به، و ان لم يكن معنونا بعنوان مبغوض، و أمّا القسم الثاني فالمفروض توجيه العمل بوجه مبغوض، فلا يصلح للتقرّب به، و أمّا القسم الثالث منه فالمفروض توجيه العمل المأتي به بداعي أمره بوجه مبغوض فلا يعقل ان يمنع هذا الوجه عن التقرّب به كيف و هو مترتّب على المتقرّب به، و مبني هذين الوجهين انّ المستحبّ هي الصلاة جماعة، أو الائتمام في الصلاة، فعلى الأوّل يكون التشريع في الجماعة عبارة عن البناء عن انّ الصلاة بعنوان الجماعة، فتتوجّه الصلاة بوجه التشريع المبغوض، فلا يمكن التقرّب به، و على الثاني يتقرّب بامتثال الأمر بالصلاة حقيقة، و يكون مشرعا في الائتمام المأمور به بأمر ندبي، فتشريعه يضرّ بائتمامه لا بصلاته. و الظاهر انّ الأمر على طبق الأوّل دون الثاني.

فإن قلت: انّما يقبح التشريع حيث إنّه تصرّف في سلطان المولى، فان تشريع الحكم من شئونه، فلا تشريع إلّا في مرحلة الأمر، فإنّ الامتثال ليس من شئون المولى حتّى يتصوّر التشريع فيه.

قلت: قد ذكرنا في محلّه انّ الامتثال إيجاد مباشري من العبد، و إيجاد تسبيبي من المولى بأمره، و التشريع في مرحلة الامتثال بملاحظة انّه يأتي بالعمل بعنوان انّه

إيجاد تسبيبي منه، و الغرض من التقسيم المزبور ليس نفي الانتساب إلى أمره تعالى و لو بهذه العناية، بل الغرض انّ التشريع قد يتمحّض في ناحية الأمر، فلا ينطبق على العمل عنوان مبغوض، و قد ينطبق على العمل عنوان مبغوض.

الثالثة إذا شكّ في نيّة الائتمام

فالمعروف انّه يبنى على العدم، و قيل: بعدم الالتفات لقاعدة التجاوز عن المحل إذا كان عليه آثار الاقتداء، و قيل: بل مطلقا. و ما يمكن ان يقال في مقام الاشكال على إجراء قاعدة التجاوز، انّ مبناها على انّ قاصد الصلاة مثلا تنبعث من إرادته الكليّة المتعلّقة بالصلاة ذات الأجزاء و الشرائط، إرادات جزئيّة في محالّها ينبعث منها الاجزاء و الشرائط كلّ في محلّه، و ترك جزء أو شرط في محلّه بعدم إرادته لا يكون إلّا لعروض غفلة في الأثناء عن ذلك القصد الكلي، و هو على خلاف الطبع و العادة و ألغاه الشرع، و هذا وجه أماريّة القاعدة، و لأجله اقتصروا على صورة عروض الغفلة في الأثناء دون الغفلة من أوّل العمل، و عليه فقصد الجماعة من أوّل الصلاة هنا غير محرز حتّى يكون مجال للقاعدة، لما مرّ من انّ نيّة الاقتداء مقوّمة للجماعة، فالشكّ في نيّة الاقتداء شكّ في قصد الجماعة. و يندفع بما حققناه في البحث عن القاعدة من انّ مبني الأماريّة على أوسع من ذلك، و انّ من كان بصدد إتيان الصلاة فالعادة المستمرّة جارية على إتيان كلّ جزء و شرط في محلّه بالارادات الارتكازية المنبعثة عن العادة المستمرّة، و ان لم يكن قصد تفصيلي في أوّل العمل، لينافي احتمال عروض الغفلة في أوّل العمل، ففي ما نحن فيه إذا قام بصدد صلاة الجماعة، و شكّ في انّه حال الاشتغال بالصلاة نوى الائتمام، يحكم عليه بالنيّة لتجاوز محلّها، فلا بدّ من إحراز هذا المعنى لا إحراز قصد الجماعة من أوّل العمل، فإحراز هذا المعنى كإحراز كونه بصدد أصل الصلاة، سواء كان مع الإحراز المزبور عليه آثار الاقتداء من الإنصات و نحوه أم لم يكن، كما انّه إذا لم يحرز هذا المعنى، فمجرّد كونه على وضع المصلّين جماعة لا يجدي شيئا إذا لم يوجب الاطمئنان بدخوله

بعنوان الجماعة فتدبّر جيّدا.

و عن بعض اجلّة العصر (1)(رحمة اللّه عليه) الإشكال في حكومة القاعدة على الاستصحاب، بما محصّله: انّ مفاد القاعدة البناء على الوجود في قبال الاستصحاب، المقتضى لتداركه بإتيانه ان كان المحلّ باقيا، أو الحكم ببطلانه، ان كان جزء ركنيا فات محلّه، و من المعلوم انّ أصل الصلاة حيث دخل فيها بوجه صحيح جماعة كانت أو فرادى، فلا يعقل أن يقتضي الاستصحاب بطلانه، لتوقّف التدارك على استيناف الصلاة، و إذا لم يكن الاستصحاب مقتضيا لتداركه بإبطاله لا معنى لان تحكم عليه القاعدة المقتضية لعدم تداركه.

و يندفع: بانّ التعبد بالوجود تختلف آثاره كالتعبّد بالعدم، فاذا اقتضى التعبّد بعدم انعقاد الجماعة بعدم قصدها، عدم سقوط القراءة مثلا، كان مقتضى التعبّد بالوجود سقوط القراءة للتعبّد بانعقاد الجماعة بوجود النيّة في محلّها تعبّدا.

مضافا الى انّ الاستصحاب يقتضي التعبّد بعدم الجزء الركني في الجماعة، فيقتضي التعبّد ببطلان الجماعة، لا ببطلان الصلاة حتى ينافي القطع بصحّتها، فلا مانع من التعبّد بصحّتها جماعة بالتعبّد بنيّة الجماعة، و لا ينبغي الريب في جريان القاعدة في صلاة الجماعة إذا شكّ في إتيان ما يجب فيها بعد التجاوز عن محلّه، و عدم اختصاصها بخصوص اجزاء طبيعة الصلاة.

الرابعة [عدم جواز الاقتداء بالمأموم]

لا يجوز الاقتداء بالمأموم، لانصراف إطلاقات الجماعة عنه، لا لاجتماع المتضايفين في واحد، فإنّهما بجهتين مختلفتين، و لا لأنّ المأموم لا قراءة له فكيف يتحمّل قراءة من يأتمّ به، لأخصّيته من المدّعى لإمكان فرض المؤتمّ به مسبوقا لا يترك قراءة نفسه، و لا يجدي كون من يأتمّ به مسبوقا، إذ لا دليل على كفاية قراءة الإمام في الأخيرتين عن قراءة المأموم في الأوليين و لا ينتقض بجواز الاقتداء ببعض


1) كتاب الصلاة للحائري (رحمه اللّه) ج 2 ص 10

المأمومين إذا حدث بالإمام حادث، لتمحضه في الإمامة و صلاحية قراءته للبدليّة عن قراءة المأموم.

الخامسة في صور الاشتباه في نيّة الاقتداء و ظهور الخطأ

منها: ما ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1)و هو ما إذا نوى الائتمام بشخص فبان انه غير إمام بل مأموم، أو انّه لا يصلّي قائلًا انّ وجود الإمام ركن للجماعة فتنتفي بانتفائه الجماعة، مع انّ رواية (2)الائتمام بمن بان كونه يهوديا لا يصلّي حقيقة، شاهدة على انّ وجود الإمام واقعا ليس بركن، بل وجوده الإحرازي كاف في انعقاد الجماعة و الصورة المحضة ليست فارقة فإنّها غير كافية في انعقاد الجماعة شرعا. إلّا ان المسألة كما افاده (قدّس سرّه) لا إشكال فيها، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى تحقيق حال الرواية.

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد، و اعتقد حضوره فقط لا أنّه هو هذا الحاضر، فانكشف عدم حضوره، فإنّه يحكم ببطلان الائتمام لا لتخلف المقصود فإنّه لم يكن فيه عنوان التطبيق على أحد، حتّى ينكشف خطؤه، و انّما يحكم به لفقد الشرط و هو حضور الإمام، و قد مرّ في باب التعيين انّ المراد منه، مجرّد الإشارة إليه ذهنا، أو حسّا، و الإشارة الذهنيّة الى زيد المعيّن باسمه، و وصفه موجودة، و ان لم يتعيّن من حيث التطبيق المقوّم للإشارة الحسيّة الخارجيّة، فالبطلان هنا غير مستند الى عدم التعيّن، بل الى فقد حضور المعيّن.

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد و اعتقد انّه هذا الحاضر، فان المعروف بطلان الاقتداء، حيث إنّه تخلّف المقصود عمّن اعتقد انطباقه عليه، فمن قصد الاقتداء به لم يكن، و من كان و هو عمرو مثلا لم يقصد الاقتداء به.


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 310، الطبعة الحجريّة.

2) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1 و 2، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بهذا الحاضر، و اعتقد انّه زيد، فقد حكموا فيه بصحة الاقتداء، لأنّ المقصود به الاقتداء لم يتخلّف و انما تخلّف الاعتقاد، ففي كلّ مورد تخلّف المقصود بالاقتداء لا يصحّ الاقتداء، و في كلّ مورد تخلّف اعتقاد عنوان من العناوين في المقتدى يصحّ الاقتداء إذا لم يكن عنوانا معتبرا شرعا كالحضور في الصورة الثانية من الصور الأربع.

و عن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (1)في الجماعة تساوي الصورتين في الصحة، و هو الصحيح لانّ قصد الاقتداء بزيد، و ان كان قصدا الى المتعيّن باسمه، لكنّه غير متعيّن في مقام القصد بذاته و هوّيته، بل متردّد بين الذوات الخارجية الحاضرة في الجماعة، و باعتقاد كونه هذا الحاضر يخرج عن اللاتعيّن الى التعيّن، لا أنّ هناك قصدا آخرا، إمّا تبعا و إمّا عرضا، فان الاقتداء الشخصي لا اثنينيّة له حتّى يتصوّر ارادة اصليّة و ارادة تبعيّة، كما في الواجب و مقدمته، و النسبة العرضية لا اثر لها شرعا، لانّه لا حقيقة لها، و انّما ينسب القصد إلى شي‌ء بالذات و الحقيقة و الى عناوينه بالعرض و المحاز و المفروض تخلّف ما بالذات و الحقيقة، بل العمدة في وجه الصحّة ما عرفت، من تعيّن المقصود بعد كونه غير متعيّن من حيث الهويّة و الذات تطبيقا، فالاقتداء بهذا الحاضر مقصود بالحقيقة فلا يخلف للمقصود، و ان تخلّف ما أوجب تعيّن اللامتعيّن. و الجزئي الحقيقي غير قابل للتقييد حتّى يقال: بأنّه قصد الاقتداء بالحاضر بما هو زيد، لا بما هو حاضر، و قصد الاقتداء به على تقدير كونه زيدا يوجب عدم قصد الفعلي المنجّز بالاقتداء، و هو لازم في انعقاد الجماعة فلا لترتيب آثارها عليها، مع انّه في فرض اعتقاد كون زيد هو هذا الحاضر، لا معنى لتقديريّة قصد الاقتداء.

و ربّما يستدلّ بفحوى الرواية (2)الدالّة على صحّة الصلاة خلف من بان كونه يهوديا. نظرا إلى انّه مع عدم الإمام إذا صحّت الجماعة فمع وجود الإمام و تخلّف


1) كتاب الصلاة ج 1، ص 307، الطبعة الحجرية.

2) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

عنوان عنه صحّت الجماعة بالأولويّة.

و يندفع: بأنّه في صورة نيّة الاقتداء بزيد، و اعتقاد انّه هو هذا الحاضر، لا إمام نوى الاقتداء به، و وجود إمام لم ينو الاقتداء به لا يجدي، و كان وجوده كعدمه، فهما من هذه الجهة متساويان، كما انّ وجه البطلان في مورد الرواية عدم إمام صالح للإمامة، مع نيّة الاقتداء به حقيقة. و وجه البطلان في ما نحن فيه عدم نيّة الاقتداء بالإمام الحاضر، فكل منهما فاقد لشرط من شرائط الجماعة، و قيام الدليل على صحّة أحدهما لا يوجب صحّة الآخر.

ثمّ انّ المعروف بين المتأخرين تقييد صحّة الجماعة في الصورة الأخيرة التي أفتوا بصحّتها بما إذا كان الإمام الحاضر عادلا و فيه بحث من وجهين.

الأوّل: انّ قصد الاقتداء إذا تعلّق ابتداء بهذا الإمام الحاضر، فلا بدّ من إحراز عدالته بما هو لا بما هو زيد، و إلّا لكان قاصدا للاقتداء بزيد بما هو، و هو مورد حكمهم بالبطلان مطلقا، و مع إحراز عدالة الإمام الحاضر لا معنى للترديد بين كون عمرو عادلا واقعا، أولا، إلّا بناء على شرطية العدالة الواقعية، بخلاف الصورة السابقة، فإنّ من أحرز عدالته و هو زيد لم ينكشف خلافه بل المفروض تخلف المقصود بالذات عندهم، و منه تعرف انّه لا مجال لهذا التشقيق إلّا في الصورة السابقة التي صححناها، فان إحراز عدالة الإمام يتبع إحراز عدالة زيد، و المفروض انّه عمرو لم يحرز عدالته.

الثاني: ان اكتفينا في إحراز عدالة الإمام الحاضر بإحرازها من طريق اعتقاد انّه زيد، فلا فرق بين أنحاء تخلّف الإحراز و عدمه، و ان لم نكتف بذلك فمن أحرز عدالته و هو زيد لم يكن موجودا، و من كان موجودا لم نحرز عدالته إلّا على احتمال كفاية العدالة الواقعيّة، و لو مع عدم إحرازها، و لا أظن أن يقولوا به، و إلّا لصحّت الجماعة ممّن اعتقد فسق الإمام جاهلا بلزوم عدالة الإمام، بحيث تمشّى منه قصد القربة و كان الإمام عادلا واقعا.

و مما ذكرنا تبيّن انّه لا حاجة الى التقييد بعدالة عمرو واقعا. و امّا دعوى- انّه لا دليل على المعذوريّة إلّا في صورة انكشاف عدم الصفة لا عدم الموصوف- فيدفعها

الرواية (1)المشار إليها، فإنّ اليهودي لا صلاة له فلا موصوف واقعا، و مع ذلك حكم الإمام (عليه السلام) بصحّة الصلاة بمجرّد إحراز وجود إمام صالح للإمامة.

السادسة [في صحة صلاة من نوى الإمامة لصاحبه]

المعروف في كتب الفتاوى انّه إذا صلّى اثنان و نوى كلّ منهما الإمامة لصاحبه صحّت صلاتهما، و إذا نوى كلّ منهما الائتمام بصاحبه بطلت صلاتهما، و الكلام تارة في الصحّة جماعة و بطلانها، و اخرى في صحّة أصل الصلاة و بطلانها. أمّا الصحّة و البطلان جماعة، فمختصر القول فيهما: انّ وجه بطلان ما نوى فيها الإمامة، انّه لا جماعة إلّا بإمام و مأموم و حيث لا مأموم فلا جماعة، و وجه بطلان ما نوى بها الائتمام كما عن بعض الأعلام (2)عدم الإمام، و لا بدّ من إرجاعه الى أنّ نية الائتمام المفروضة في كلّ منهما تخرجه عن صلاحية الإمامة شرعا، و إلّا فذات الإمامة موجودة، و عدم تعيّن الإمامة في أحدهما بالخصوص- لتساوي نسبتها إليهما- غير ضائر، لإمكان كون كلّ منهما إماما و مأموما باعتبارين، فلا مانع عقلا من انعقاد الجماعة المتقوّمة بالإمام و المأموم، و لا تندرج هذه المسألة في العنوان المتقدّم سابقا، و هو عدم جواز الاقتداء بالمأموم، فإنّ كون كلّ منهما مأموما فرع انعقاد الجماعة، فلا يعقل ان يكون مانعا من انعقادها، كما انّ انفراد كلّ منهما قهرا لا يصحح الائتمام، فإنّه فرع بطلان الجماعة فلا يعقل ان يكون مصححا له، بل الوجه اعتبار عدم نيّة الائتمام شرعا في الإمام.

و أمّا الاستناد في بطلان صلاتهما جماعة- الى عدم القراءة منهما و الإمام متحمّل لقراءة المأموم، فكيف تنعقد الجماعة مع عدم القراءة- فمندفع بأنّه أخصّ من المدعى، لصحّة الجماعة مع ترك الإمام للقراءة سهوا، أو لقراءة كلّ منهما لعدم سماع القراءة.


1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

2) كتاب الصلاة للحائري (رحمه اللّه): ج 2، ص 21.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الجماعة متقوّمة بنيّة الاقتداء بمن أحرز انّه صالح للإمامة و ان لم يكن الإمام موجودا واقعا، فضلا عمّا إذا كان فاقدا لشرط من شرائط الإمامة، كما هو مقتضى الرواية (1)المشار إليها مرارا، إلّا أنّها معارضة برواية السكوني (2)الواردة في خصوص هذين الفرعين كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

و أمّا الصحّة و الفساد من حيث أصل الصلاة، فمقتضى بطلان الجماعة و عدم كون الجماعة و الفرادى نوعين متباينين- بل الصلاة جماعة متقوّمة بنيّة الائتمام دون الفرادى فإنّه لا يتقوّم بقصد الانفراد، و لا قصد الائتمام من موانع الصلاة- هو صحّة الصلاة مع عدم الإخلال بوظيفة المنفرد، و بطلانها مع الإخلال بها، و الإخلال في صورة قصد الإمامة يتصور برجوع أحدهما إلى الآخر في مورد الشك، و في صورة نيّة الائتمام بذلك، و بترك القراءة و رواية السكوني (3)الدالّة على صحّة صلاتهما في الاولى و بطلانها في الثانية منزّلة على الغالب، فان فرض الشكّ و الرجوع نادر جدا دون ترك القراءة فإنّه غالبي.

و لا يخفى عليك انّ عدم الإخلال بترك القراءة كلّيّة من دون اختصاص بالمقام، و لا بالنظر الى الرواية (4)يتصوّر على أنحاء:

منها: ما إذا كان الإمام في الركعتين الأخيرتين فإنّه لا يتحمّل القراءة على المأموم فلو قرء المأموم لم يكن إخلال منه بوظيفة المنفرد.

و منها: ما إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام، و قلنا: بوجوب القراءة على المأموم فقرء المأموم.

و منها: ما إذا لم يسمع و قلنا: باستحباب القراءة.

و قد أشكل بعضهم في هذه الصورة قائلًا انّ المستحبّ لا يجزي عن الواجب و أجاب عنه العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة الجماعة (5)بأنّ المكلّف مخيّر بين القراءة و إيكال أمرها إلى الإمام، غاية الأمر


1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

5) كتاب الصلاة ج 1، ص 308، الطبعة الحجرية.

يستحبّ له اختيار الفرد الأوّل فالقراءة المأتي بها أحد فردي الواجب، لا انّها مستحبّة حتى لا تغني عن الواجب.

و يندفع: بانّ التخيير ان كان شرعيا- بحيث يكون إيكال أمر القراءة الى الإمام بدلا و عدلا للقراءة أو جزء للصلاة الواجبة المخيّر بين إتيانها مشتملة على القراءة أو على إيكال أمر القراءة الى الإمام- تمّ ما أفيد، و لا دليل على التخيير الشرعي، و أمّا بناء على التخيير العقلي بين أفراد الصلاة فلا جامع بين القراءة و الإيكال الى الإمام حتّى يكون الجامع جزء لطبيعي الصلاة، فينطبق على كلّ من القراءة و الإيكال، و أمّا جعل القراءة الّتي هي جزء الصلاة أعمّ من قراءة المأموم، و قراءة الإمام، فأوضح منعا إذ لا يعقل التكليف بالقراءة إلّا ما كان من أفعاله الاختيارية، دون ما كان من أفعال الغير، بل يندفع أصل الإشكال بأنّ استحباب القراءة في الجماعة ليس استحبابا جديدا بحيث تكون القراءة من مكمّلات الجماعة كالقنوت بالإضافة إلى أصل الصلاة فضلا عن أن يكون مستحبا في الصلاة بعنوان ظرفية الصلاة له، بل تلك القراءة الواجبة في طبيعة الصلاة سقط حدّها اللزومي في الجماعة، و بقي على رجحانها، و هو المراد من كون السقوط رخصة لا عزيمة، فمن يقرأ في الجماعة يأتي بتلك القراءة الواجبة في أصل الصلاة الباقية على رجحانها فعلا، و منه تعرف انّ بابه باب الخطاء في التطبيق لا باب كفاية المستحب عن الواجب، فإنّه فيما كان واجب و مستحب كنافلة الفجر مع فريضتها، لا أنّ هذا الذي- اعتقد رجحانه لزعم انعقاد الجماعة- واجب عليه واقعا، و أمّا مع الإخلال بوظيفة المنفرد كرجوعه عند الشكّ الى صاحبه، أو كزيادة ركوع للمتابعة، فلا إشكال في بطلان الصلاة، لأنّهما من آثار الجماعة الغير المتحقّقة. و امّا الإخلال بالقراءة فاقتضاؤه لبطلان الصلاة محلّ نظر بيانه: انّ المستند لذلك إمّا هي القاعدة المستفادة من قوله (عليه السلام) (1)«لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و إمّا هي


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، (الطبعة الحجرية) الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

الرواية الواردة في خصوص المقام. و أمّا عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» فهو كما اعترف به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في باب الجماعة (1)في خصوص المسألة مخصّص بقوله (عليه السلام) (2): «لا تعاد الصلاة» و إن استدركه بدعوى انصرافه إلى صورة السهو عمّا عدا الخمسة مع أمره بالتأمّل، كما أنّه مال الى بطلان الصلاة بالإخلال بالقراءة في نظير المسألة في موضع آخر من باب الجماعة، نظرا إلى انّ ما ورد في عدم الإخلال بترك القراءة إذا لم يكن عن عمد، لا يقدح في الحكم ببطلان صلاة من ترك القراءة باعتقاد الجماعة، و لعلّ نظره الشريف (قدّس سرّه اللطيف) الى انّ المنفرد إذا اعتقد الإتيان بالقراءة، و هو واقعا غير آت بها لم يتعمّد ترك القراءة، فيكون كالنسيان، بخلاف المعتقد للجماعة، فإنّه يتعمّد ترك القراءة [إيكالا الى قراءة الامام] (3)و منه تعرف الفرق بينه و بين ترك القراءة من المأموم المسبوق باعتقاد أنّ الامام في الأوليين، حيث إنّ حكم المسبوق حكم المنفرد في وجوب القراءة عليه فهو غير متعمّد في ترك القراءة ايكالا الى الامام، بل إيكاله عن جهل يكون الإمام في محل لا موقع للايكال إليه.

و لا يخفى عليك ان عمدة ما في الباب حديث «لا تعاد» و المدعى شموله لكل إخلال بما عدا الخمسة ان كان لعذر، سواء كان عن سهو أو نسيان أو اعتقاد مخالف للواقع. و تمام الكلام في مباحث الخلل، إلّا انّ مجمل ما يتعلّق بالمقام هو انّ جزئيّة الأجزاء و شرطية الشرائط واقعا و ان كانت تقتضي انتفاء الكل بانتفاء جزء منه، و انتفاء المشروط بانتفاء شرط منه، سواء كان عن عذر أولا، إلّا أنّه يمكن ان تكون الخمسة المستثناة وحدها مشتملة على أصل مصلحة الصلاة، لا بمرتبتها القويّة القائمة بالخمسة و غيرها من الأجزاء و الشرائط، و إذا كان كذلك كان الإتيان بالخمسة وافيا بمصلحة لزوميّة لا يبقى مجال لاستيفاء قوّتها وحدها، فلا محالة يسقط


1) كتاب الصلاة ج 1، ص 309- 308.

2) الوسائل: ج 4، ص 1241، الحديث 4، من الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة.

3) لا توجد هذه الجملة في النسخة الأصلية.

الأمر بالصلاة فيكون قوله (عليه السلام): «لا تعاد» كقوله (1)(عليه السلام): «تمّت صلاته» في الجهر و الإخفات و كقوله (عليه السلام) (2)«لا يعيد» في الإتمام في موضع القصر، غاية الأمر إن كان الاقتصار على الخمسة عن غير عذر استحقّ العقاب على ترك الكلّ، و إن كان عن عذر لم يستحقّ.

بل عن بعض الأعلام (3)في المقام تعقّل الأمر أيضا بدعوى أنّ هناك أمرا بالخمسة و أمرا أخر بالمشتمل على الخمسة و غيرها، تنظيرا بما إذا نذر فعل الصلاة الواجبة بمستحبّاتها فان هناك امرا لزوميا بالواجب من الاجزاء و الشرائط و امرا بها و بغيرها من المستحبّات الصلاتية، و كما أنّه مع إتيان أصل الواجب لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالوفاء بالنذر، كذلك هنا لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالأكثر مع امتثال الأمر بالأقلّ، فيكون عاصيا لأحد الأمرين و مطيعا للآخر.

و هذه الدعوى لا تتمّ إلّا بتقريب ارتباط للأكثر بالأقلّ، و إلّا لوجب عليه بعد إتيان الأقلّ امتثال الأمر بالأكثر، فإنّهما أمران لكلّ منهما اقتضاء الامتثال، و انّما لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالوفاء بالنذر، حيث إنّ متعلّقه إتيان الواجب بنحو خاصّ، و مع إتيان ذات الواجب لا يبقى مجال للوفاء فالارتباط المتصوّر هنا، اما بتقييد الأمر بالخمسة، بأدلّة سائر الاجزاء و الشرائط، فلا محالة لا امتثال أصلا إلّا بإتيان الأكثر، و امّا باعتبار ما عدى الخمسة من قبيل الواجب في الخمسة، و مع الإتيان بالواجب لا يبقى مجال للواجب في الواجب، و لعلّ أدلّة الاجزاء و الشرائط تأبى عن هذا الاحتمال لظهورها كما فهمه الأصحاب في الجزئيّة و الشرطيّة، لا أنّها واجبات مستقلّة في ضمن واجب أخر، و عليه فلا داعي إلى الالتزام بأمرين.

بل كما ذكرنا تبعا لشيخنا العلامة الأستاذ (قدّس سرّه) في مقام معقوليّة صحة الصلاة مع ترك ما عدى الخمسة عن عمد، يمكن الحكم بتماميّة الصلاة من حيث


1) الوسائل: ج 4، ص 766، الحديث 1، من الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

2) الوسائل: ج 5، ص 530، أحاديث الباب 17 من أبواب صلاة المسافر.

3) لا حظ كتاب الصلاة: ج 2 (تقريرات الآملي لبحث المحقق النائيني) ص 406- 407.

اشتمال المأتي به على أصل المصلحة اللزوميّة مع التحفّظ على الجزئيّة و الشرطيّة بالإضافة إلى الكلّ القائم به المصلحة القويّة اللزوميّة، و منه تعرف ان شمول «لا تعاد» للإخلال بما عدا الخمسة بجميع أنحائه لا مانع عنه عقلا، إلّا أنّه مع ذلك فالطبع السليم يأبى عن توجّه التكليف بالكلّ و عدم الإعادة بالإخلال بما يتقوّم به الكلّ، أو بالمشروط و عدم الإعادة بالإخلال بشرطه فيرى المنافاة بينهما، و هذه المنافاة المتحقّقة بمناسبة الحكم و الموضوع مختصّة بصورة توجّه التكليف و المعذوريّة في الإخلال به، و أمّا إذا لم يجد تكليفا متوجها إليه سواء كان عن غفلة، أو عن التفات، و اعتقاد بعدم توجه تكليف إليه سواء كان منشؤه الاعتقاد بالإتيان به، أو الاعتقاد بسقوطه عنه لكونه في الجماعة، أو لاعتقاد كون الإمام في الأوليين، فلا منافاة في نظره و لا موجب لتقييد «لا تعاد» بأزيد من ذلك.

و دعوى أنّ المأموم في ما نحن فيه يرى التكليف متوجها اليه إلّا أنّه في عهدة الإمام أو أنّ قراءة الإمام مسقطة له- من التمويهات (1)، بل حكم الجماعة بسقوط القراءة عن المأموم. كدعوى أنّ عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)لم يخصّص بالجماعة، فإنّ قراءة الإمام قائمة مقام قراءة المأموم، فإنّه يستحيل أن تكون قراءة الإمام مقوّمة للصلاة المكلّف بها المأموم، حتّى يكون للمكلّف نحو ان من القراءة، فتارة بمباشرته و اخرى بلسان الامام، فالأقوى شمول «لا تعاد» لمطلق الإخلال عن عذر، و بقيّة الكلام في محلّه، فتدبّر، هذا كلّه من حيث القاعدة.

و أمّا بالنظر الى الرواية الواردة في خصوص المقام، بعد انجبار ضعفها باستناد الأصحاب في الحكم ببطلان الصلاة رأسا لا جماعة فقط، و لذا قال (عليه السلام) (3): «و ليستأنفا» فالرواية ظاهرة في انّ وجه البطلان في صورة نيّة الائتمام من كليهما، ترك القراءة الذي هو لازم غالبي للجماعة، دون زيادة الركن،


1) موّه عليه الأمر (و الخبر: زوّره عليه و زخرفه و لبّسه أو بلغه خلاف ما هو. «المنجد ص 780».

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الطبعة الحجرية، الحديث 5 من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

فإنّها نادرة، و دون الرجوع في صورة الشكّ لندرته، و اختصاص البطلان بالشاكّ دون الحافظ مع أنّه (عليه السلام) حكم ببطلان صلاة كليهما، كوضوح عدم استناد البطلان الى تباين الجماعة و الفرادى من حيث الحقيقة، و إلّا لكان صورة نيّة الإمامة من كليهما كذلك. و لا يعارضها حديث «لا تعاد» مع فرض عمومه لأخصّيتها منه.

و أمّا معارضتها لمثل رواية الصلاة خلف من بان أنّه يهودي (1)- بتقريب اشتراكهما في الصحّة و الفساد جماعة و فرادى، لأنّا إن اكتفينا في وجود الإمام بوجوده العنواني الإحرازي ففي كليهما موجود، و إن قلنا بلزوم وجوده الواقعي ففي كليهما مفقود، إذ لا إمام هنا بفرض نيّة الائتمام منه، و لا إمام هناك لفرض كونه يهوديّا، بل لا صلاة منه أصلا. و أمّا اشتراكهما في الصحة و البطلان فرادى فلترك القراءة منهما في الموردين.

فمدفوعة بأن ظاهر تلك الرواية، صحّة الصلاة جماعة، و ظاهر هذه الرواية بطلانها فرادى، كما أشرنا إليه، فيعلم منهما انّ وجود الإمام عنوانا و إحرازا كاف في صحّة الجماعة، إلّا إذا نوى الاقتداء، و حيث بطل ما نحن فيه من حيث الجماعة بطل من حيث الفرادى للإخلال بالقراءة فلا يعارضها إلّا حديث «لا تعاد» و قد عرفت أخصّيتها منه فتدبّر جيّدا.

تتميم ما ذكرناه من أوّل المسألة إلى آخرها حكم نيّة الائتمام من كلّ منهما واقعا، و أمّا بلحاظ التداعي و التنازع و عدم تصديق كلّ منهما للآخر.

فان قلنا: بأنّ الرواية متكفّلة لحكم التنازع كما استظهره الشيخ الأعظم (2)(قدّس سرّه) من ظاهر قول الراوي (3)«في رجلين اختلفا» الخبر فالرواية- بعد فرض انجبارها- حجّة على حجّيّة قول كل منهما على صاحبه، سواء كان من باب الاخبار، أو من باب الإقرار، فيكون مخصّصا لما دلّ على اعتبار البيّنة في


1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 309، الطبعة الحجرية.

3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1 من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

الموضوعات، على الأوّل، و لما دلّ على نفوذ الإقرار على النفس دون الغير على الثاني.

و إن قلنا: بأنّ الرواية لا نظر لها الى التشاجر و التكاذب إذ ليس فيها إلّا أنّه «قال أحدهما لصاحبه: كنت امامك فقال صاحبه له مثله» و انّه «قال أحدهما لصاحبه: كنت أئتمّ بك و قال الآخر مثله» و لا إنكار لأحدهما على الأخر فيما أخبر به. و نكتة التعبير بالاختلاف، أنّ طبع الجماعة متقوّم بإمام و مأموم، لا بإمامين و لا بمأمومين فإنّهما خلاف طبع الجماعة، و عليه فالرواية ساكتة عن حكم التنازع و التكاذب، فلا بدّ من الأخذ بما تقتضيه القواعد، فان قلنا بحجيّة خبر الثقة في الموضوعات إمّا مطلقا، أو في أمثال المقام فلا إشكال في بطلان الجماعة و حجّيّة خبر الثقة مطلقا و إن كانت مقتضى آية النبإ (1)بل موردها الموضوع و سيرة العقلاء، إذ لا فرق عندهم بين الحكم و الموضوع إلّا أنّها مقيّدة بمثل رواية مسعدة (2)و رواية الجبن (3)و أشباههما الدالّة على اعتبار التعدّد و لو في غير مورد القضاء، فتكون الأخبار الخاصّة الدالّة على كفاية خبر الواحد كما في إخبار (4)البائع باستبراء الأمة و خبر الثقة (5)بقول (6)الوكيل و أشباههما، مختصّة بمواردها، إلّا أنّ أدلّة اعتبار البيّنة مختصّة طبعا بصورة إمكان إقامة البيّنة، و ما لا يعرف إلّا من قبل المخبر غير مشمول لها، فلا مخصّص بالإضافة إليه لعمومات أدلّة اعتبار الثقة.

و منه تعرف أنّ الرواية (7)على فرض ورودها مورد التنازع موافقة للقاعدة لابتنائها على حجيّة قول كلّ منهما على صاحبه في ما لا يعرف إلّا من قبله، و حملها


1) الحجرات: 49.

2) الوسائل: ج 12، ص 60، الحديث 4 من الباب 4 من أبواب ما يكتسب به.

3) الوسائل: ج 17، ص 91، الحديث 2، من الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

4) الوسائل: ج 13، ص 38، الحديث 2، من الباب 11 من أبواب بيع الحيوان.

5) الوسائل: ج 13، ص 286، الحديث 1، من الباب 2 من كتاب الوكالة.

6) هكذا في النسخ و الصحيح «بعزل الوكيل».

7) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

على صورة التكاذب بمعنى قطع كلّ منهما بكذب صاحبه، في غاية البعد في مثل الأمور القصدية التي لا طريق إلى إثباتها و نفيها إلّا من قبل المخبر بها.

و أمّا إن لم نقل بحجيّة الخبر حتى في أمثال المقام، فظاهر غير واحد من الأعلام بناء كلّ منهما على صحّة عمله بقاعدة الشكّ بعد الفراغ، و ربّما أمكن الإشكال بما ذكروه في محلّه- من أنّ مجرى قاعدة الفراغ ما إذا لم يكن صورة العمل محفوظة و كان الشكّ في موافقة المأتي به للمأمور به، لا ما إذا كانت صورة العمل محفوظة و كان الشكّ في موافقة المأمور به للمأتي به، مثلا إذا أتى بالصلاة، و شكّ في إتيان السورة مثلا مع العلم بجزئيّة السورة للصلاة، فإنّه شكّ في موافقة المأتي به للمأمور به مع عدم إحراز صورة العمل من حيث الإتيان بالسورة فهو مجرى قاعدة الفراغ، بخلاف ما إذا أحرز أنّه صلّى بلا سورة غفلة، و كان شكّه في مطابقة فتوى مجتهده لعمله المحرز، فإنّ قاعدة الفراغ لا تتكفّل تعيين الحكم، و كذا إذا صلّى إلى جهة من الجهات غفلة ثم شكّ في أنّ صلاته كانت إلى القبلة، فيحكم بوقوعها إلى القبلة بقاعدة الفراغ، بخلاف ما إذا صلّى إلى جهة خاصّة معيّنة في نظره محرزا لها انّها قبلة بقيام البيّنة عليه ثم تبيّن فسق الشاهدين، فإنّه لا تثبت كون هذا الجهة المعيّنة قبلة بقاعدة الفراغ، و لا انّ المأمور به و هي الصلاة إلى القبلة منطبقة على صلاته الى هذه الجهة الخاصّة، و عليه ففيما نحن فيه إذا صلّى جماعة و شكّ في انّه نوى الاقتداء بالإمام، أو بالمأموم، صحّ التمسّك بقاعدة الفراغ و الحكم بأنه اقتدى بالإمام دون المأموم، و أمّا إذا نوى الاقتداء بهذا الشخص المعيّن ثمّ شكّ انّه كان ناويا للائتمام به أم لا، فإنّ قاعدة الفراغ لا تثبت انّه لم ينو الائتمام، و إنّ الصلاة مع الإمام منطبقة على الصلاة مع هذا الشخص- و يندفع بأنّ المسلّم خروجه عن تحت قاعدة الفراغ، ما إذا تمحّض الشكّ في تعيين الحكم، كما إذا صلّى بلا سورة و شكّ في أنّ فتوى المفتي ما ذا؟ و أمّا غيره فلا موجب لخروجه، و أمّا عدم تعيين كون الجهة الخاصّة قبلة بقاعدة الفراغ، فهو مشترك بينه و بين جميع موارد قاعدة الفراغ، فلا يثبت بها كون الشخص متطهّرا إذا شكّ في صدور صلاته عن طهارة، و لا كون الثوب المعيّن طاهرا إذا شكّ في صحّة صلاته الواقعة فيه و هكذا، فلا عبرة بانحفاظ

صورة العمل و عدمه، و لا بموافقة المأتي به للمأمور به و عكسها، بل بما إذا تمحّض الشكّ في تعيين الحكم حتى يكون العمل بلحاظه تارة محكوما بالصحّة و اخرى بالفساد و عدمه. و بالجملة فالتمسّك بقاعدة الفراغ فيما نحن فيه كما عليه غير واحد من الأعلام خال عن شوب الإبهام.

مضافا الى أنّ مقتضى استصحاب عدم نيّة الائتمام من صاحبه جواز الاقتداء به، و صحّة الصلاة جماعة معه كما إذا أراد الاقتداء به و شكّ في انّه منفرد أو مأموم، فإنّ عدم الائتمام على طبق الأصل و يصحّ معه الاقتداء به، و هذا بخلاف ما إذا نوى الإمامة لصاحبه و شكّ في انّه نوى الإمامة أو لا؟ فان عدم نيّة الإمامة من صاحبه لا يجدي في انعقاد الجماعة بل لا بدّ من نيّة الائتمام منه و عدمها على طبق الأصل.

و من جميع ما ذكرناه تبيّن حكم الشكّ فيما أضمراه، أمّا الشكّ في ما أضمره صاحبه فقد عرفت حاله من حيث الأصل، و من حيث قاعدة الفراغ، و أمّا الشكّ في ما أضمره في نفسه فمقتضى الأصل كما تقدّم عدم نيّة الائتمام إلّا إذا أحرز من نفسه انّه قام بصدد الاقتداء، و كان شكّه في عروض الغفلة عن نيّة الائتمام بالإمام فيحكم بصحّة صلاته جماعة بقاعدة الفراغ كما تقدّم.

السابعة في العدول من نيّة الائتمام بإمام الى الائتمام بإمام آخر

اختيارا أو اضطرارا، لا شبهة في الجواز في صورة الاضطرار كما يستفاد من الأخبار الواردة في هذا المضمار فان موردها موت الإمام (1)و الحدث (2)أو الرعاف (3)أو الالتفات الى حدث سابق (4)و غيره من موجبات عدم إمكان إبقاء الجماعة بحيث يفهم منها عدم خصوصيّة للموجبات المنصوصة، و أمّا اختيارا فالمشهور على عدم الجواز و عن العلامة


1) الوسائل: ج 5، ص 440، الحديث 1، من الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 2، من الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 2، من الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 2، من الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

في التذكرة (1)التصريح بجوازه و المحكي عن الشهيد في الذكرى التفصيل بين العدول إلى الأفضل فيجوز و الى غيره فلا يجوز. و مجمل القول في ذلك انّ مقتضى عمومات وجوب القراءة، و عمل الشكّ من دون رجوع الى غيره، و فساد العبادة بالزيادة في الركوع، بطلان الصلاة مع فقد ما اعتبر فيها بتلك العمومات، و إطلاقات باب الجماعة منصرفة عن الاجتماع في الصلاة بإمامين عرضا أو طولا، و عليه فلا مجال لاستصحاب أحكام الجماعة إذا ائتم بإمام أخر اختيارا، و استصحاب بقاع الجماعة- حتى يجب التعبد بأحكامها الثابتة بدليل المخصّص- لا مجال له لا لأنّ تعدّد السبب يقتضي تعدّد المسبّب فيتعدّد الجماعة بتجدّد الائتمام، فان المسبّب يتعدّد برهانا بتعدّد مقتضيه لا بتعدّد الغاية أو تعدّد الشرط حدوثا و بقاء كنيّة الائتمام التي هي شرط في انعقاد الجماعة، بل لأنّ الجماعة القابلة للبقاء وجدانا، أو تعبّدا هو الربط المعنوي الاعتباري بين صلاة الإمام و صلاة المأموم، و من البيّن أنّ الإضافات تتشخّص بتشخّص أطرافها، فالربط بين صلاة المأموم و صلاة زيد الإمام حقيقة غير الربط بينها و بين صلاة البكر الإمام، و لا مجال للتعبّد ببقاء ما يقطع بعدم بقائه، و انّما الشكّ في حدوث ربط آخر بنيّة الاقتداء بإمام أخر، فلا مجال للاستصحاب إلّا على القول بجريانه في الكلّي بين الفرد المقطوع الارتفاع و الفرد المشكوك الحدوث، و هو خلاف مختار المحقّقين في محلّه.

نعم ربّما يستفاد من صحيحة على بن جعفر (2)ما يفيد الجواز و هي هكذا «عن إمام أحدث و انصرف و لم يقدّم أحدا ما حال القوم قال (عليه السلام): لا صلاة لهم إلّا بإمام فليتقدم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها و قد تمت صلاتهم» و تقريب الاستفادة انّ غاية ما اقتضاه حدث الإمام انقطاع المأموم عنه و عدم إمكان البقاء معه في الجماعة لا انّه مسوّغ للائتمام بإمام أخر، و انّما المسوّغ إدراك فضيلة


1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 174، الطبعة الحجرية، الفرع ب من فروع الشرط السادس من صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 1، من الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة.

الجماعة في بقية صلاته و لذا قال الإمام (عليه السلام) «لا صلاة لهم إلّا بإمام» فإنّ المراد ليس إيجاب الجماعة و بطلان بقائهم على الانفراد، كما نصّ به في صحيحة زرارة (1)فالمراد انّ إدراك فضيلة الجماعة في بقية الصلاة لا يكون إلّا بالائتمام بإمام أخر، و لذا فرّع عليه بقوله: «فليتقدّم بعضهم» فيستحبّ الائتمام في بقيّة الصلاة لإدراك فضيلة الجماعة، فهو العلّة و ان كان مورد إدراك هذه الفضيلة المطلوب إدراكها انقطاع المأموم عن إمامه، فالانفراد للضرورة، لا أنّ الائتمام بإمام أخر للضرورة، بل لإدراك الفضيلة المطلوبة.

لا يقال: إدراك الفضيلة لمن لا يتمكّن من إدراكها إلّا بالاقتداء بإمام أخر، كما في موارد هذه الأخبار، دون من كان مدركا للفضيلة لكونه مقتديا بإمام لم يعرض عليه عارض، فلا يسوّغ العدول بالاختيار.

لأنّا نقول: أوّلا: إنّ إمكان إدراك الفضيلة ببقائه على الائتمام بإمامه ليس عدمه دخيلا في فضيلة الائتمام بإمام أخر، و فضيلة الجماعة مطلوبة في نفسها فيتخير بين بقائه على الائتمام به، أو الائتمام بغيره.

و ثانيا: فإنّ فضيلة الجماعة كما أنّها مطلوبة، كذلك زيادة الفضيلة مطلوبة، فاذا فرض حضور الأفضل من إمامه ساغ له لإدراك زيادة الفضيلة رفع اليد عن ائتمامه و تجديد الائتمام بالأفضل، و لعله وجه تفصيل الشهيد (قدّس سرّه) بين العدول إلى الأفضل و غيره. نعم الإنصاف انّ رفع اليد عن العمومات بمثل هذه الاستفادة مشكل، فلا ينبغي ترك الاحتياط بترك العدول بالاختيار.

الثامنة في العدول من الانفراد الى الائتمام

و المشهور أيضا عدم جوازه، و نسب الى الشيخ جوازه (2)مستدلّا بالإجماع


1) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الخلاف: ج 1، ص 552، مسألة 293، طبعة (مؤسسة النشر الإسلامي) (التابع لجماعة المدرسين بقم المشرفة).

و الأخبار.

و استدل له الشيخ المحقّق الأنصاري (1)(قدّس سرّه) في أواخر باب الجماعة بوجوه:

أحدها: عمومات استحباب الجماعة (و فيه) ما مرّ من انصراف المطلقات الى ما هو المتعارف من الابتداء بالائتمام في الجماعة.

ثانيها: الأخبار الواردة في استخلاف الإمام، نظرا الى أنّ المأموم يصير منفردا بمجرد موت الإمام مثلا فنيّة الاقتداء بالإمام الثاني عدول من الانفراد إلى الجماعة.

و أورد عليه: بأنّ الجماعة و الفرادى وصفان للصلاة، و هي عبارة عن الأفعال الخاصّة دون الأكوان المتخلّلة بينها، و لم يفرض في تلك الأخبار الانفراد في فعل من تلك الأفعال و الائتمام في الباقي ليكون دليلا على العدول من الانفراد الى الائتمام، و عدم الائتمام في الكون المتخلل من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و الانفراد بمعنى عدم نيّة الائتمام من باب العدم بالإضافة إلى الملكة فلا يعقل فرضه إلّا في الأفعال الصلاتية، و المراد من الانفراد القهريّ بموت الإمام، عدم التمكّن شرعا بل عقلا من الائتمام- في ما يأتي به من أفعال الصلاة- بالإمام السابق، فهو عند إتيانه للفعل منفرد بالضرورة غير مجتمع مع إمامه، فالانفراد القهريّ أيضا بلحاظ الفعل الصلاتي، لا بلحاظ الكون المتخلّل، و مجرّد مجامعة الانفراد القهريّ مع الائتمام بالإمام الثاني في ما انفرد عن السابق لا يحقق العدول المبحوث عنه، لانّ البحث في جواز الائتمام في فعل مع الانفراد في فعل سابق عليه لا الانفراد المقارن للائتمام بالإمام اللاحق.

و منه يظهر اندفاع توهّم الأولويّة نظرا الى انّ الانفراد المقارن إذا لم يمنع عن الائتمام، فالانفراد السابق مانع متقدّم فهو اولى بعدم المانعيّة. وجه الاندفاع: انّه لم يقع جزء منه منفردا حتّى يمنع عن الائتمام في جزء أخر و لا مساواة فضلا عن الأولويّة.


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 388، (الطبعة الحجرية).

ثالثها: إطلاق أخبار الاستخلاف (1)لما إذا اتى بجزء بعد موت الإمام منفردا.

لا يقال: كيف يكون لها إطلاق و هي متكفلة لإتمام الباقي جماعة بالترغيب في الائتمام بإمام أخر حتّى في التسليم كما في صحيحة زرارة. لأنّا نقول: الترغيب في الائتمام يقتضي الاهتمام بشأنه لئلا يفوته بفوات الائتمام في بعض الأفعال في بقيّتها، و بالجملة لا مانع من إطلاقها لما إذا اتى بفعل من أفعال الصلاة لا بقصد الائتمام، فلا يفوت به استحباب الائتمام بإمام أخر.

رابعها: ما استفيد من أخبار المسألة بلحاظ ما هو كالعلّة لاستحباب الائتمام بإمام أخر، و تفريع تقديم بعض المأمومين على ذلك و هو إدراك فضيلة الجماعة بالائتمام، و مقتضى إطلاق التعليل شمول إتيان ما سبق منه لصورة الجماعة و الانفراد، فيعلم منه انّ الائتمام في الباقي مطلوب سواء كان مسبوقا بالائتمام أو بالانفراد، و خصوصية المورد و أخصيّة المعلول لا توجب اختصاص العلة و تقيدها بموردها.

خامسها: انّ الجماعة صفة مشتركة بين الإمام و المأموم، فإذا جاز العدول من الانفراد إلى الإمامة للإمام اتفاقا، جاز للمأموم العدول من الانفراد الى الائتمام، و لكن قد أشرنا سابقا الى انّ الجماعة الّتي يترتّب عليها الآثار غير منوطة بقصد الإمام للإمامة بل بقصد المأموم بالائتمام و لو لم يلتفت الإمام إلى اقتداء أحد به، أو التفت و لم يقصد إمامته له، و قصد الإمامة منه لا يجدي إلّا في استحقاق الثواب المترتّب على الجماعة، أو على الإمامة لأحد، فليس له عدول يترتّب عليه الآثار المترقبة من الجماعة، و هكذا لا معنى لعدوله من الجماعة إلى الانفراد فان بقاء المأموم على جماعته منوط ببقاء نيّة الائتمام لا ببقاء نيّة الإمام.

و يمكن ان يستدلّ للمسألة بما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في المسألة الآتية من الرواية المرويّة (2)في كتاب الإمام و المأموم فإنّ مطلوبية الجماعة في كلّ فعل من


1) الوسائل: ج 5، ص 440، الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 487، (الطبعة الحجرية) الحديث 3، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

أفعال الصلاة مستقلة كما تسوغ العدول من الجماعة إلى الانفراد كذلك من الانفراد إلى الجماعة.

التاسعة في العدول من الجماعة إلى الانفراد
اشارة

إمّا اضطرارا أو لعذر فلا شبهة في جوازه، و أمّا اختيارا فالمشهور بل ادعي عليه الإجماع جوازه أيضا و نسب عدمه و بطلان الصلاة به إلى الشيخ (قدّس سرّه) (1)و تبعه غير واحد من المتأخرين. و قد استدلّ لجوازه بوجوه.

أحدها: ما في الجواهر (2)من استصحاب بقاء جواز الانفراد. و فيه انّ جواز الصلاة فرادى ممّا لا شبهة فيه و جواز الانفراد في الصلاة لا يقين به و جواز الانفراد في الصلاة قبل الشروع فيها غير معقول.

ثانيها: ما عن المحقق الأنصاري (3)(قدّس سرّه) من استصحاب صحّة الجماعة، و عدم بطلانها بمجرد العدول، و تقريبه انّ الأفعال الصادرة منه بعنوان الجماعة، إذا كانت صحيحة لم يكن إخلال منه بأصل الصلاة، و ان لم تكن صحيحة بذلك العنوان كان الإخلال بوظائف المنفرد موجبا لبطلان الصلاة رأسا، فصحّة الصلاة و بطلانها يدور مدار صحّة الجماعة و بطلانها، و إلّا فليس قصد الانفراد من موانع أصل الصلاة، و لا من قواطعها.

و يمكن الخدشة فيه بما يتوقف على مقدمة، و هي انّ استحباب الجماعة يتصوّر على وجوه:

(أحدها) ان يكون الائتمام في مجموع أفعال الصلاة مستحبا واحدا، فيكون الائتمام في كلّ فعل مقوّما للمطلوب، بحيث لو لم ينو الائتمام في فعل منها لم يتحقق الجماعة المستحبة رأسا، فيكون وقوع كلّ فعل نوى فيه الائتمام مطلوبا مراعى بإتيان الباقي


1) المبسوط: ج 1، ص 157 (طبعة المكتبة المرتضوية.

2) جواهر الكلام: ج 14، ص 25.

3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 387، (الطبعة الحجرية).

عن نية الاقتداء، حتّى يتحقّق المستحبّ الوحداني.

(ثانيها): ان يكون الائتمام في كلّ فعل مستحبّا مستقلا، فهناك بعدد أفعال الصلاة المنوية فيها الجماعة مستحبّات متعدّدة مستقلّة، كما يستظهر من بعض الأخبار (1).

(ثالثها): ان يكون الائتمام في كلّ فعل مستحبّا متقيّدا بإتيان سائر الأفعال كذلك، و عليه فيكون وقوع الجزء الأوّل مطلوبا متقيدا بوقوع الجزء الثاني مطلوبا، و الجزء الثاني أيضا لا يقع على صفة المطلوبيّة إلّا مع وقوع الجزء الأوّل كذلك، و لأجله لا يجوز العدول من الائتمام الى الانفراد، و لا العدول من (2)الائتمام الى الانفراد، و توهّم الدور مدفوع بأنّه انّما يلزم الدور إذا توقّف نيّة الائتمام في كلّ من السابق و اللاحق على النيّة في الآخر، أو إذا توقّف تأثير النيّة في كلّ منها على تأثير النيّة في الآخر، بخلاف ما إذا توقف تأثير نيّة الائتمام في الجزء السابق في انعقاد الجماعة على نيّة الائتمام في الجزء اللاحق، و تأثير النية في الجزء اللاحق في بقاء الجماعة على نيّة الائتمام في الجزء السابق، و إذا عرفت أنحاء الاستحباب تعرف انّه إذا دار الأمر بين كون المجموع مستحبا وحدانيا أو مستحبات متعدّدة مستقلّة، أو مرتبطة، فلا يقين بوقوع الجزء السابق على صفة المطلوبيّة حتّى يستصحب بقاؤها لئلا يلزم بطلان الصلاة بسبب الإخلال بوظائف المنفرد فيما سبق، لاحتمال كونه مراعى بوقوع مجموع الأفعال بنيّة الاقتداء، و إذا دار الأمر بين كونه مستحبّات متقيّدة أو غير متقيّدة، فمرجع الشكّ إلى انقلاب الصحيح فاسدا بعدم تعقيبه في الجزء اللاحق بنيّة الائتمام، كالشكّ في بقاء صحّة الأجزاء السابقة في الصلاة، و مع عدم تنقيح المبني لا مجال لاستصحاب صحّة الجماعة.

ثالثها: ما (3)اشتهر بين الخاصّة و العامّة من انّ المستحب لا يجب بالشروع،


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 488، (الطبعة الحجرية) الحديث 6 من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

2) هكذا في النسخ و الصحيح «و لا العدول من الانفراد الى الائتمام»

3) اي ثالث وجوه الاستدلال على جواز العدول من الجماعة إلى الانفراد اختيارا.

و مجرّد إمكان الوجوب كما في الحجّ، أو في الاعتكاف في اليوم الثالث لا يمنع مع عدم الدليل على الوجوب، فتجري البراءة عنه.

و فيه: انّ الوجوب المنفي إن أريد منه الوجوب التكليفي، فنفيه لا يقتضي إلّا رفع اليد عن الجماعة المستحبّة و هو بنفسه لا يقتضي إلّا جواز إبطال المستحبّ، كما في إبطال النافلة أو الصوم المندوب كما هو مورد هذه الكلّيّة، و هو لا يجدي في المقام بل يضرّ به، فان ارتفاع الجماعة مع الإخلال بوظائف المنفرد يستلزم بطلان الصلاة مع انّ الفرض هنا بقاء الجماعة فيما قبل الانفراد.

لا يقال: بعموم حرمة الإبطال، و أصالة عدم التخصيص يحكم بعدم كون رفع اليد عن الجماعة إبطالا لها فيما قبل الانفراد، كما يقال: بانّ زيدا المحكوم بعدم الإكرام عند تردّده بين كونه زيدا العالم، أو زيدا الجاهل، يستكشف بأصالة عدم التخصيص في أكرم العلماء أنّه زيد الجاهل.

لأنّا نقول: مع عدم صحّة هذا المبني كما حرّر في الأصول، انّ بطلان الصلاة بترك القراءة و هي وظيفة المنفرد لا يرفع اليد عن الجماعة، فرفع اليد عن الجماعة يكشف عن عدم وقوع ما قبل الانفراد على صفة المطلوبيّة لاحتمال مطلوبيّة المجموع، فلا يتعيّن ان يكون مصداقا لإبطال الصلاة حتّى يكون جوازه كاشفا عن عدم كونه إبطالا فيجتمع جواز رفع اليد عن الجماعة، مع عموم حرمة إبطال الصلاة الواجبة و بطلان الصلاة بالإخلال بوظائف المنفرد، و ان أريد من الوجوب المنفي الوجوب الشرطي- إذ لو كانت الجماعة المستحبّة متقوّمة بالايتمام في مجموع الأفعال لكان بقاء الائتمام ممّا لا بدّ منه في وقوع الصلاة جماعة مستحبّة- فمن الواضح كما أشرنا إليه مرارا انّ المرجع مع إجمال دليل المخصّص من حيث شموله للائتمام في بعض الأفعال هي عمومات أدلّة القراءة و زيادة الركوع و عمل الشكّ فلا مجال لرفع الشرطيّة بأدلّة البراءة بل إذا دار أمر الجماعة المستحبّة بين كون الائتمام في مجموع الأفعال هي الجماعة المشروعة، أو كون الائتمام في كلّ فعل مشروعا، فإطلاق دليل المخصّص المثبت لأحكام خاصّة مرتّبة على الجماعة المستحبّة لا يعقل أن يكون متكفّلا لتحقيق موضوعه فتدبّر.

رابعها: ما ذكره الشهيد الثاني (قدّس سرّه) نقلا من كتاب الإمام و المأموم للشيخ ابي محمّد جعفر بن أحمد القمي بسنده المتّصل الى أبي سعيد الخدري (1)«قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أتاني جبرائيل (الى أن قال): يا محمد تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام خير له من ستّين ألف حجّة و عمرة، و خير له من الدنيا و ما فيها سبعين ألف مرّة، و ركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير له من مأة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين، و سجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير له من عتق مائة رقبة» الخبر. و تقريب الاستدلال انّ ظاهر ترتيب الثواب على فعل، جعله مستحبّا من باب جعل الملزوم بجعل لازمه، و ظاهر الفقرات المزبورة انّ كلّ ثواب خاصّ لنفس الاقتداء في ذلك الجزء، فاحتمال توزيع ثواب المجموع على الأجزاء خلاف الظاهر، مع انّ سياقه آب عن عنوان التوزيع، لتفاوت أنواع المثوبات الخاصّة فلا مخصّص لنوع من الثواب الخاصّ على فعل مخصوص، بل ينبغي اشتراك الكلّ في كلّ الأنواع كما هو مقتضى التوزيع، فظهور الرواية في استحباب الجماعة في كلّ فعل من أفعال الصلاة مما لا ينبغي إنكاره، و إطلاقها يدلّ على عدم تقيّد تلك المستحبات بعضها ببعض، و عليه فطبع الاستحباب يقتضي جواز فعل المستحبّ و تركه فله ان يقتدي في التكبيرة و ينفرد في القراءة مثلا.

خامسها: ما رواه الشيخ في الصحيح (2)عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يصلّي خلف إمام فيسلم قبل الإمام قال: لا بأس» بضميمة عدم القول بالتفصيل بين التسليم و غيره، بل ربّما يدّعى إطلاق التسليم قبل الإمام من حيث الانفراد قبل التسليم، و حمله على التسليم نسيانا خلاف الظاهر، كما أنّ حمله على ترك المتابعة عملا مع بقاء القدرة أيضا كذلك، مع وجوب المتابعة إمّا تكليفيا أو


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 487 (الطبعة الحجرية)، الحديث 3 من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 465، الحديث 4، من الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة.

شرطيا. هذا كلّه مضافا الى موارد العذر المرخّص فيها للانفراد، و موارد مفارقة الإمام عن المأموم، و المأموم عن الإمام قهرا، كما في ائتمام الحاضر بالمسافر و بالعكس، فان جعل الجماعة فيها مستحبّة في كلّ فعل أو غير متقيّدة بالآخر، و جعل المجموع مستحبّا واحدا، أو متقيّدا في غيرها في غاية البعد، للوثوق العادي بأنّ كيفيّة تشريع الجماعة على نحو واحد، لا أنّها متفاوتة بتفاوت الموارد خصوصا مع التوسعة في الضرورة الداعية إلى الانفراد، فإنه قلّما ينفرد بالاختيار إلّا لغرض من الأغراض العقلائيّة، و لو مثل عدم الصبر عند إطالة الإمام في التشهد، كما في الخبر (1)فتدبّر.

فروع
الأوّل [في جواز أن ينوي من أول الأمر الائتمام في بعض الأفراد و الانفراد في الآخر]

بعد القول بجواز الانفراد اختيارا، أو لعذر هل له ان ينوي من أوّل الأمر الائتمام في بعض الأفعال و الانفراد في الأخر، أو له نيّة الائتمام مع علمه بطروّ العذر، أم لا؟ و لا يخفى انّ جملة مما استدلّ به للانفراد لا يأتي في نيّة الائتمام من الأوّل، كما في استصحاب الصحة و عدم وجوب المستحب بعد الشروع، فإنّه لا فعل و لا شروع قبل النيّة، بل ما ورد في العذر لا يجدي في النيّة فإنّ العذر الطارئ في الأثناء يصلح لأن يكون مسوّغا للانفراد، و لا يصلح ان يكون مسوّغا لنيّة الائتمام حيث لا عذر حال النيّة، و لأجله تجد في كلمات المعاصرين و من تقدّمهم عدم الإشكال في الانفراد اختيارا، و الإشكال في نيّة الائتمام في بعض الأفعال، إلّا انّه لا اثر لهذا الإشكال في كلمات أرباب الكتب الفقهيّة، بل لم يتعرّضوا إلّا للبحث عن الانفراد اختيارا، و السرّ فيه انّ النيّة تابعة للمنوي فإن كان الائتمام في بعض الأفعال مشروعا و مستحبا فنيّته من أوّل الأمر نيّة أمر مشروع، و ليست نيّة الاقتداء معتبرة شرعا حتّى يتوهّم عدم الإطلاق لدليلها بل الاقتداء قصدي عقلا، و هذا الأمر القصدي مستحبّ شرعا، و لا يعتبر عقلا إلّا في مقدار الاقتداء فالاقتداء في الكلّ يعتبر فيه النيّة هكذا، و الاقتداء في البعض يعتبر فيه النيّة بحسبه.


1) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 2 و 3، من الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة.

لا يقال: لا إطلاق لدليل جواز الانفراد في الأثناء، لما إذا كان نيّة الائتمام في البعض من أوّل الأمر، إذ الغالب فيمن يعرض له داع في الأثناء، أو عذر فيه انّه ناو للاقتداء في تمام الصلاة من أوّل الأمر، و معه يشكل الاستدلال بإطلاق الدليل الوارد مورد الغالب.

لأنّا نقول: نيّة الاقتداء في تمام الأفعال أجنبيّة عن جواز الانفراد، و إنّما هي مرتبطة بأحد أمور ثلاثة، إمّا بنفس الجماعة، أو باستحباب الجماعة، أو بأحكام الجماعة المستحبّة، و المفروض انّ الاقتداء في بعض الأفعال مصداق للجماعة، و انّه لا حقيقة للجماعة إلّا الاجتماع مع الإمام في الصلاة، فإن كان الاقتداء في الكلّ كان جماعة في الكلّ، و إلّا ففي البعض، كما انّ المفروض الفراغ عن استحباب الائتمام في البعض، فان الاستحباب غير متعلّق بالمجموع بما هو، و لا بكلّ واحد مقيّدا بالآخر، و عليه فكلّ ما يتمسك به لدفع تقيّد الائتمام في البعض بالائتمام في الآخر يدفع به تقيّد استحبابه بنيّة الائتمام في الأخر، فلم يبق إلّا تخيّل تقيّد الأحكام بنيّة الائتمام في الكلّ من أوّل الأمر، مع أنّها أحكام للجماعة المستحبة المفروغ عن موضوعها تماما، فلا مانع حينئذ من التمسّك بإطلاق أدلّة الأحكام، و انّما لا يصحّ التمسّك بها فيما إذا كان الشكّ راجعا الى موضوعها إمّا من حيث تحقّق الجماعة و إمّا من حيث استحبابها.

الثاني [في حكم من ائتم بالإمام حال التكبيرة و انفرد بعدها]

إذا ائتم بالإمام حال التكبيرة و انفرد بعدها وجبت عليه القراءة بلا خلاف و لا إشكال، إذ ليس حدوث الائتمام علّة لضمان الإمام لقراءته بل بقاؤه على ائتمامه شرط في الضمان، كما هو ظاهر أخبارها و منها (1)«سأله رجل عن القراءة خلف الإمام قال: لا انّ الإمام ضامن للقراءة» و في أخر (2)«أنّه يجزيك قراءته» فمن لا يجوز له القراءة هو الذي يضمن الإمام قراءته، و ليس إلّا المؤتم به و خلفه و حال قراءته، و لا ينافيه سقوط القراءة عمّن اقتدى به بعد القراءة، أو حال


1) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

الركوع كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و إذا انفرد عنه بعد تمام القراءة فالمشهور على عدم استيناف القراءة إلّا انّ المحكي (1)عن الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى انّه استوجه الاستيناف، و هو بظاهره مناف لإطلاق دليل ضمان الإمام لقراءة من خلفه، و عدم تقيّده بشي‌ء، و الظاهر انّ المسألة مبنيّة على مسألة أخرى، و هي أنّ الركوع أخر ما يتحقّق به الائتمام، أو أخر ما يتقوّم به الائتمام، فلا يتمّ الائتمام المقصود من أوّل التكبيرة إلّا بإدراك الركوع بحيث لو لم يركع بركوع الإمام لم ينعقد ائتمامه من الأوّل، و منه تبيّن انّه مع هذا الاحتمال لا مجال للتمسّك بإطلاق دليل الضمان، لانّه مع عدم الركوع لا صلاة له واقعا خلف الإمام، ليعمّه ضمان الإمام لقراءة من خلفه.

و سيجي‌ء ان شاء اللّه تعالى انّ المراد بأخبار تلك المسألة ليس اناطة أصل الاقتداء بإدراك الركوع، بل الركوع آخر ما يدرك به الركعة، و أمّا ما حكي عن الشهيد (قدّس سرّه) في وجه الاستيناف من انّه في محلّ القراءة و قد نوى الانفراد، فمرجعه إلى عدم المانع عن التكليف بالقراءة حيث إنّه بعد لم يركع ليفوت به محلّ القراءة، و من المعلوم أنّه بمجرّد عدم المانع لا يحكم بالمقتضي إلّا مع وجود ما يقتضيه، و عمومات أدلّة القراءة مخصّصة بدليل ضمان الإمام لقراءة المأموم، إلّا مع الخدشة فيه بمثل ما ذكرنا.

و امّا إذا انفرد في أثناء القراءة فعن جماعة الاجتزاء بقراءة الباقي، و عن غير واحد استيناف القراءة كلا، و لعلّ وجه استيناف الكلّ انّ القراءة فعل واحد فلا بدّ من ان تقع جماعة أو فرادى، و الإمام ضامن للقراءة إذا ائتم به المأموم في هذا الفعل الواحد، و المفروض عدمه فيه، و مع الشكّ فأصالة عدم سقوط القراءة محكّمة، و وجه الاجتزاء بالباقي انّ الظاهر من اخبار ضمان الإمام لقراءة المأموم ترتّب الضمان على عدم جواز القراءة، فما لا يجوز قراءته خلف الإمام يكون الإمام ضامنا له، و لا يجوز قراءة البعض لقوله (عليه السلام) (2): «لا تقرء شيئا من القرآن»


1) حكاه في الحدائق الناضرة: ج 11، ص 240.

2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

و من الواضح انّ عدم جواز قراءة المأموم ما دام على الائتمام غير مقيّد بشي‌ء فكذا ضمان الإمام لقراءته.

بقي شي‌ء ينبغي التنبيه عليه و هو أنّ دليل جواز الانفراد اختيارا إذا كان مثل رواية (1)كتاب الإمام و المأموم، الدالّة على استحباب الجماعة في كلّ فعل مستقلا فربما يتخيّل انّه لا يعمّ خصوص القراءة نظرا الى انّ استحباب الإتيان بالتكبيرة مؤتما فيها بالإمام يقتضي على حسب طبع الاستحباب جواز تركه و إتيانه فرادى، و كذا الركوع له ان يركع بركوع الإمام و له ان يركع لا بركوعه، و كذا السجدة، و التشهد، و التسليم، و مثله غير جار في القراءة، إذ ليس له إتيان القراءة بنيّة الائتمام فله الانفراد فيها و الالتزام بأنّ الائتمام بلحاظ مجموع الأفعال خلف، نعم معنى الانفراد في القراءة أنّه له ان يقرء لا بعنوان الجماعة، و له ان يترك القراءة و هذا لا يوافق استفادة جواز الانفراد من استحباب الفعل جماعة، و لعلّه لأجله لم يتعرض للقراءة في رواية كتاب الإمام و المأموم بل تعرّض للتكبيرة، ثمّ الركوع و السجود، فالإشكال من حيث مقامي الإثبات و الثبوت المبنيّين على استحباب الجماعة في كلّ فعل.

و يمكن أن يقال: انّ معيّة المأموم مع الإمام على أنحاء، فتارة يكون مع الإمام في التكبيرة بأن يكبّر الإمام فيكبّر المأموم، و كذا إذا ركع بركوع الإمام، و سجد بسجوده، و اخرى معيّة المأموم مع الإمام باعتبار أصل الصلاة كالمأموم المسبوق فإنّه يقرء و الإمام يسبّح فلا معيّة له في التسبيح، و لا الإمام له المعيّة معه في القراءة، و كذا المتخلّف عن الإمام بركن فإنّه لا تبطل الجماعة فهو في الركوع و الإمام في السجود و ثالثة يكون معيّته في قراءة الإمام القائمة به بالأصالة و بالمأموم بعنوان البدليّة فهو مع الإمام في هذه القراءة الشخصيّة بعناية انّه قراءة و عليه فله المعيّة في هذه القراءة و له القراءة أصالة لا بعناية البدليّة، فيختلف المستحبّ باختلاف أنحاء الجماعة و المعيّة مع الإمام، فله ترك هذا المستحب بالانفراد.


1) مستدرك الوسائل: ج 1، 487، (الطبعة الحجرية) الحديث 3، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

الثالث [في جواز الائتمام لمن أدرك الإمام راكعا]

إذا أدرك الإمام راكعا جاز له الائتمام به لما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، و جاز له الانفراد بعد الائتمام قبل ان يرفع الإمام رأسه لما دلّ على جواز الانفراد في جميع أحوال الصلاة و منها الركوع، و لا يلزمه كونه مؤتما و منفردا في فعل واحد فان الركوع المتحقّق من المأموم وقع جماعة و الجزء الذي بعده يقع فرادى، نعم من يستشكل في الانفراد في أثناء القراءة- من حيث انّه فعل واحد فلا بدّ من الائتمام الى الفراغ عن القراءة و تبطل جماعته في القراءة إذا انفرد قبل فراغ الإمام و لذا يجب عليه استيناف القراءة- فله ان يستشكل في الركوع أيضا فليس له العدول قبل ان ينتهي إلى رفع رأس الإمام عنه، فأثر بطلان جماعته- مع عدم إمكان تدارك القراءة لزيادة الركن إذا قرء و ركع ثانيا- بطلان صلاته رأسا لأن انعقاد جماعته بإدراك الركوع الذي أبطلها بانفراده فيه، بخلاف ما إذا انعقد جماعته بإدراك القراءة مثلا فان بطلان جماعته في الركوع يوجب صيرورته فرادى بعد انعقاد الجماعة، و لعلّ ذلك وجه الاحتياط بترك الانفراد فيه عن فقيه عصره في عروته (1). نعم مقتضى إطلاق دليل إدراك الجماعة بإدراك الإمام راكعا انعقاد جماعته بنفس ركوعه مع ركوع الإمام من دون تقيّده برفع رأسه مع الإمام فتدبّر.

الرابع [في حكم من انفرد عن الإمام بعد القراءة]

إذا انفرد عن الإمام بعد القراءة فأتم صلاته و لحقه في صلاة اخرى، إمّا قبل الركوع لإطالة الإمام بالقنوت مثلا، و إمّا حال الركوع لإطالته للركوع جاز كلا الأمرين لجواز الانفراد في جميع أحوال الصلاة، و جواز الائتمام قبل الركوع و حال الركوع. و اجتماع الأمرين في صلاتين بالنسبة إلى فعل واحد من الإمام لا مانع منه إلّا توهم أحد الأمرين امّا دعوى انصراف أدلّة الائتمام الى ما لم ينفرد عنه في صلاة أخرى، و امّا دعوى انّ الإمام لا يتحمّل قراءتين في قراءة واحدة. و دعوى الانصراف بلا موجب إلّا ندرة الوجود، و دعوى- عدم تحمّل الإمام لقراءتين في قراءة واحدة- غير مسموعة مع تحمّله لقراءات عرضيّة عن مأمومين متعددين في قراءة واحدة،


1) العروة الوثقى: ج 1، ص 269، (طبعة الآخوندي)، المسألة 18، من الفصل 45 في صلاة الجماعة.

و القراءتان الطوليتان من مأموم واحد لا دليل على عدم تحمّل الإمام لهما مع إطلاق «الإمام ضامن». مع إمكان ان يقال: إنّ حديث «ضمان الإمام» و بدليّة قراءته عن قراءة المأموم انّما هو بالنسبة الى من ائتم به في حال القراءة، و امّا المؤتم به بعدها، أو في حال الركوع فالقراءة ساقطة عن المأموم، لا أنّ قراءة الإمام بدل عن قراءة المأموم، لعدم المقتضي للبدليّة، و لوجود المانع، أمّا عدم المقتضي فلما مرّ من أن ضمان الإمام بحسب دليله مقصور على من كان خلفه و لا يجوز له القراءة لا عن المأموم في جميع الأحوال، و أمّا وجود المانع فلانّه لا ريب في أنّ المأموم المسبوق إذا لحق الإمام في ركوع الركعة الثالثة يسقط عنه القراءة بنفس دليل جواز الائتمام به في هذه الحال، و لا معنى لان يكون الإمام ضامنا بقراءته عن المأموم، إذ لا قراءة له في هذه الحال و قراءته في الركعة الاولى لو كانت بدلا عن قراءة المسبوق لزم القول به في الركعة الرابعة أيضا، مع أنّه لا شبهة في أنّه يجب عليه القراءة، فهو كاشف عن أنّ القراءة ساقطة حيث لا يتمكّن منها، لا أنّها مضمونة على الإمام، و لعلّ أحد الوجهين المتقدّمين منشأ ما ذكره فقيه عصره في عروته (1)«انّه يجوز و لكنّه خلاف الاحتياط».

الخامس [في حكم من نوى الانفراد في أثناء الصلاة]

إذا نوى الانفراد في أثناء الصلاة فتارة يأتي بفعل من أفعال الصلاة فرادى، و اخرى ينوي الانفراد في الكون المتخلّل فقط، فان كان من قبيل الاولى فتجديد نيّة الائتمام بعده داخل فيما قدّمناه من جواز العدول من الفرادى إلى الجماعة، بل لعلّ ما نحن فيه من حيث سبق الجماعة منه أولى بالجواز، و قد مرّ أنّ الجواز غير خال عن الوجه و إن كان الأحوط خلافه. و إن كان من قبيل الثانية فلا موجب لبطلان الجماعة المانع عن الائتمام، إلّا اعتبار استمرار النيّة، و حيث إنّ أصل اعتبار نيّة الاقتداء عقلي لتقوّمه بها فلا موجب إلّا لوقوع الفعل الموصوف بالجماعة في قبال الموصوف بالفرادى عن نيّة مقوّمة للاقتداء المصحّحة لوقوع الفعل جماعة، و وجودها و عدمها في الكون المتخلّل بين الأفعال على حدّ سواء، و النيّة بهذا


1) العروة الوثقى: ج 1، ص 269، (طبعة الآخوندي)، المسألة 19، من الفصل 45.

المعنى مستمرّة في أفعال الصلاة حيث لم يقع فعل منه من دون نيّة الاقتداء.

و أمّا الإشكال- في جواز التجديد هنا و تسليم الجواز فيما إذا تردّد بين الانفراد و عدمه- فلا وجه له إذ مع التردّد كما ليس له نيّة الانفراد ليس له نيّة الائتمام، و العبرة في الجماعة بنيّة الائتمام، كما أنّ العبرة في وقوع الصلاة فرادى بعدم نيّة الائتمام، لا بنيّة الانفراد، فاذا كان عدم نيّة الائتمام في الكون المتخلّل مضرّا باستمرار النيّة كان عدمها الذي هو لازم التردّد أيضا مضرّا به، فالتجديد مطلقا جائز سواء عزم على الانفراد أو تردّد فيه، و منه تعرف أنّ الأصل فيما إذا شك في الانفراد و عدمه هو البناء على بقاء نيّة الائتمام لا البناء على عدم الانفراد و العدول إذ لا أثر إلّا لنية الائتمام و عدمها لا لنيّة الائتمام و نيّة الانفراد.

العاشرة هل الجماعة المستحبّة تعبّدية أو توصّلية

و الكلام تارة في بطلان أصل الصلاة بالإخلال بنيّة القربة في الجماعة للإخلال بنيّة القربة في أصل الصلاة، و اخرى في بطلان الجماعة فتبطل الصلاة بسبب الإخلال بوظائف المنفرد.

أمّا الأوّل: فمختصر القول فيه أنّ حقيقة الجماعة ان كانت مجرّد الاقتداء بالإمام فيكون فعلا جنانيا مقارنا لأفعال الصلاة فعدم صدور هذا الفعل الجناني بقصد امتثال أمره الندبي أجنبي عن صدور الأفعال الصلاتية بقصد امتثال أمرها الوجوبي، و ان كانت من خصوصيات الصلاة بأن تكون الصلاة تارة جماعة و اخرى فرادى كالصلاة المتخصّصة بكونها في المسجد و لا في المسجد، فان كان الأمر بالصلاة متعلّقا بطبيعي الصلاة أي بصرف وجودها فتطبيقها على أفرادها بحكم العقل، فأصل الصلاة بداعي الأمر بها إلّا أنّ تطبيقها على هذا الفرد لا لداعي الأمر بل لغرض أخر كالصلاة في المسجد لا لكونها أفضل الفردين بل لأنّه يقيه من الحرّ أو البرد، و الصلاة جماعة لا لأنّها أفضل الفردين بل لسهولة أمر القراءة عليه مثلا. و ان كان الأمر بالصلاة متعلّقا بأفرادها على نحو التخيير الشرعي، فربّما

يتخيّل أن الأمر متعلّق بالصلاة جماعة على حدّ تعلّقه بغيرها تخييرا شرعيا فلا بدّ من انبعاثه من الأمر من دون دخالة لغيره في إيجاده، إلّا أنّه قد ذكرنا في محله أنّ أفراد الصلاة هي تلك الأفعال الخاصّة المحفوفة بخصوصيّات خارجة عن حقيقة الصلاة، لكنّها بذواتها و حصصها الملازمة لتلك الخصوصيّات لا بما لها من الخصوصيّات أفراد لطبيعي الصلاة، فزيد مثلا فرد الإنسان بنفسه و بدنه لا بكمّه و كيفه و وضعه فإنّها أفراد طبائع أخر، و يستحيل ان يكون فرد طبيعة مناطا لفردية شي‌ء أخر لطبيعة أخرى و عليه فيمكن إتيان ذات الفرد بداعي الأمر و تخصيصه ببعض ما لا دخل له في فرديته بداع أخر فافهم و تدبّر.

و أمّا الرياء فله جهتان (الاولى) شبهة دخله في الدعوة، و من هذه الحيثية حاله حال الضمائم المباحة، و قد عرفت حاله (و الثانية) كونه عنوانا منطبقا على الفعل و مع انطباق العنوان المحرّم على الصلاة جماعة مثلا لا يمكن التقرّب بالمبعّد، و الظاهر انّ المصلّي جماعة لا يرائي بفعله الجناني، فإنّه غير قابل لا رأيته للناس بل يرى فعله الخارجي، و هي الصلاة مع الإمام للناس، و المفروض انّ عنوان الرياء المنطبق على هذا الفعل الخاصّ عنوان محرّم و بقيّة الكلام في محلّه.

و أمّا الثاني: و هو العمدة في المقام فمحصّل الكلام فيه أنّ البحث تارة في أنّ الجماعة تعبّدية أو توصّلية، و اخرى فيما إذا شكّ فيه و لم يتعيّن أحد الأمرين، و البحث فيه أيضا تارة في وقوع الجماعة مصداقا للمستحب و لو لم يقصد بها امتثال أمرها الندبي، و اخرى في ترتّب أحكام الجماعة، من ضمان الإمام لقراءة المأموم، و من اغتفار زيادة الركن، و من رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الأخر في مورد الشكّ، أمّا البحث في أصل تعبدية الجماعة و توصّليتها فظاهر بعض أعاظم العصر (1)(قدّس سرّه) انّ تعبّديتها مفروغ عنها حيث قال في جملة كلام له: «لأنّ الجماعة من العبادات التي لا يتحقّق بدون قصد القربة» و المحكي عن الروضة (2)


1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه اللّه): كتاب الصلاة، ص 656.

2) الروضة البهية: ج 1، ص 382، (طبعة جامعة النجف).

«في الإمام إذا لحقه مأموم أنّه ينوي الإمامة بقلبه متقرّبا» و ظاهر غير واحد ممّن لم يعتبر قصد الإمامة للإمام انّه لا ينعقد قصدها إلّا قربيّا حيث ذكروا أنّه لا يعتبر قصد الإمامة إلّا لاستحقاق الثواب فيعلم منه انّه لا يكون بلا قصد القربة، و إلّا فقصد الإمامة غير قصد امتثال الأمر الندبي بالجماعة المشتركة بين الإمام و المأموم، و استحقاق الثواب منوط بقصد القربة لا بقصد الإمامة محضا، و مع هذا كلّه فالكلام في الدليل على اعتبار قصد القربة في الجماعة المستحبّة، و لا يخفى عليك انّ ملاك التعبّدية ملازمة الغرض الباعث على الأمر به للقرب، فإذا علم انّ سنخ الغرض لا يحصل بلا تقرّب فهو و إلّا حكم بالتوصّليّة كما حقّق في محلّه إلّا إذا قام دليل على اعتبار قصد القربة في مورد مخصوص و الغرض الذي أشير إليه في الروايات هنا ممّا لا ينافي التوصّلية، ففي العيون و العلل عن الفضل بن شاذان (1)عن الرضا عليه السلام قال (عليه السلام): «إنّما جعلت الجماعة لئلا يكون الإخلاص و التوحيد و الإسلام و العبادة للّه إلّا ظاهرا مكشوفا مشهورا، لأنّ في إظهاره حجّة على أهل المشرق و المغرب للّه وحده و ليكون المنافق و المستخفّ مؤديا لما أقرّ به يظهر الإسلام و المراقبة و ليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة مع ما فيه من المساعدة على البرّ و التقوى و الزجر عن كثير من معاصي اللّه عزّ و جلّ» و من الواضح انّ هذه الآثار تترتّب على نفس الاجتماع في الصلاة التي هي عبادة، و إن لم يكن الاجتماع عبادة. نعم المثوبات الخاصّة المترتّبة على الجماعة بما هي من دون تقييد بالقربة مع وضوح عدم ترتّبها إلّا على القربى تكشف عن أنّ موضوعها متقيّد واقعا بالقربيّة، إلّا أنّ غالب التوصّليات التي لا شكّ في توصّليتها رتّبت عليه مثوبات خاصّة من دون تقييد فيعلم منه أنّها كذلك إذا اتى بها بقصد امتثال أمرها الوجوبي أو الندبي بحكم العقل الحاكم بعدم ترتّب الثواب إلّا على المضاف إلى المولى من طريق دعوة الأمر أو غيرها.

و أمّا استكشاف التعبّديّة من تعبّديّة الجماعة في صلاة الجمعة- و لا فرق بين


1) الوسائل: ج 5، ص 372، الحديث 9، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

الجماعة فيها و في غيرها إلّا بالوجوب و الاستحباب- فيمكن منعه (أوّلا) بأنّ الأمر بصلاة الجمعة المتقوّمة بالجماعة واحد فهذه الصلاة الخاصّة مأمور بها بأمر وجوبي تعبّدي، بخلاف الجماعة في غيرها فإنّها مأمور بها بأمر أخر غير الأمر بأصل الصلاة، فلا منافاة بين أن يكون الأمر بأصل الصلاة تعبّديا و الأمر بالجماعة توصّليا (و ثانيا) أنّ التعبّديّة في الجمعة أيضا محلّ النظر فإنّ غاية ما ثبت فيها وجوب الجماعة شرطيا و أنّها لا تنعقد إلّا جماعة، و لا منافاة بين أن يكون الأمر بالجمعة بما هي ركعتان تعبّديا و أن يكون مشروطا بشرائط منها الجماعة، و لا يجب أن يكون الشرائط تعبّدية إذا كان المشروط تعبّديا، كما في شرائط الصلاة إلّا إذا كانت العبادة شرطا كالوضوء.

و أمّا البحث في حكم الشكّ في تعبّدية الجماعة، فمختصر القول فيه: انّ الجماعة من هذه الجهة كسائر الواجبات و المستحبّات فيحكم عليها بعدم التعبّدية للشكّ في شرطيّة قصد القربة لوقوعها مصداقا للمستحبّ، إلّا أنّها تفارق غيرها من حيث إنّ أحكام الجماعة مخالفة للأصل و دفع شرطيّة القربة لا يثبت ضمان الإمام و لا سائر الأحكام، بل مقتضى الأصل عدم ثبوت تلك الأحكام، بل مقتضى عمومات أدلّة القراءة و الشكوك و غيرهما ثبوت هذه الأحكام العامّة إلّا إذا ثبت مخصّص، و لا إطلاق لدليل المخصص لغرض الشكّ في أنّ موضوعه المستحبّ التعبّدي أو ذات المستحب. نعم ربّما يتخيل إنّ استحباب الجماعة إن كان مأخوذا في موضوع أحكامها الأخر لم يكن مجال للإطلاق إذ إطلاق دليل الحكم لا يعيّن موضوعه و أمّا ان كان الاستحباب و سائر أحكام الجماعة واردين على الجماعة في عرض واحد فلا مانع من التمسّك بالإطلاق، لأنّ ما هو متعلّق للحكم الاستحبابي موضوع لسائر الأحكام.

و التحقيق: إنّ الموضوع إن كان مجرّد الاجتماع العرفي مع الإمام في الصلاة كان للتخيّل المزبور مجال، و أمّا إذا كان الاجتماع الخاصّ في نظر الشارع فإنّه المشروط بالشرائط المذكورة في باب انعقاد الجماعة شرعا، دون الاجتماع العرفي الذي لا يشترط فيه شي‌ء، فلا مجال للتخيّل المزبور لأنّ الجماعة المعتبرة شرعا هي

المستحبّة، و هي المحكومة بسقوط القراءة و نحوه، و مع الشكّ في إناطة انعقاد الجماعة شرعا بدون قصد القربة لا مجال للتمسّك بإطلاق دليل سقوط القراءة و نحوه، و منه تعرف انّ الأمر كذلك بناء على احتمال ثالث و هو ورود الحكم الاستحبابي على الجماعة المحكومة بسقوط القراءة فإنّه يتخيّل أيضا ان الحكم الاستحبابي حيث لم يؤخذ في موضوع تلك الأحكام الخاصّة بالجماعة فلا مانع من التمسّك بإطلاق أدلّتها، و قد عرفت أنّه يصح التمسّك بالإطلاق إذا كان موضوعه الاجتماع العرفي لا الجماعة شرعا المنوطة بشرائط خاصّة، و باعتبارها يقال: انعقدت الجماعة أو لم تنعقد، و صحت الجماعة أو لم تصحّ، و هو المنشأ لعدم صدق الإمامة ليترتّب عليها ما ترتب من قولهم عليهم السلام (1)«لا تقرء خلف الإمام» (2)أو «لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم» لا انّ الاستحباب مأخوذ في موضوع تلك الأحكام ليكون هذا الاحتمال أقرب الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة، بل احتمال عرضيّة التكليف الندبي و التكاليف الوضعيّة أقرب و أخفّ مؤنة من غيره.

و من ما ذكرنا تبيّن انّه على جميع الاحتمالات لا مجال للتمسّك بالإطلاق في نفي شرطيّة القربة لترتب تلك الأحكام، كما أنّ إثبات تلك الأحكام بمجرّد نفي الشرطيّة بمثل حديث الرفع غير صحيح لأنّه كسائر الأصول الشرعية في عدم حجيّة المثبت منها. نعم يمكن إثبات تلك الأحكام بوجه أخر، و هو انّ الملازمة بين وقوع الجماعة مستحبّة و سقوط القراءة و سائر الآثار إجماعيّة، فاذا كانت الملازمة مقصورة على الواقعي من الاستحباب و سائر الأحكام لم يجد البراءة عن الشرطيّة، إذ ليس مقتضاها إلّا وقوع الجماعة مصداقا للمستحب ظاهرا بنفي شرطيّة القربة، و ليس هو طرف الملازمة على الفرض، و أمّا إذا كان طرف الملازمة أعمّ من الواقع و الظاهر فإثبات الاستحباب الظاهري يكفي في ترتّب تلك الآثار للملازمة الإجماعيّة، لا لاقتضاء البراءة، و لا لاقتضاء الإطلاق، و لا أظن أن يشكّ في أعميّة طرف


1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 12، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 338، الحديث 3، من الباب 24 من أبواب صلاة الجماعة.

الملازمة، و لذا لا شبهة في ترتّب تلك الآثار على استصحاب بقاء الجماعة المقتضي للتعبّد ببقاء استحبابها عند القائل بأخذ الاستحباب في موضوع تلك الأحكام.

فان قلت: البراءة عن الشرطيّة ليس أثرها إلّا نفي الشرطيّة، لا استحباب المجرّد عن الشرط المشكوك ظاهرا.

قلت: على فرض تسليمه مع عدم صحّته في نفسه، انّ قيود الواجب و قيود المستحب كما حقّقناه في محلّه ليست مأخوذة في الواجب و المستحب بحيث يرد الوجوب و الاستحباب على المتقيّد، بل التقييدان في رتبة لا حقة فيكون تقييدا للواجب مثلا فالواجب متقيّد لا المتقيّد واجب، و عليه فذات الجماعة مستحبّة واقعا، و ان كان وقوعها امتثالا للاستحباب متقيّدا بقيد فلا حاجة إلى إثبات الاستحباب ظاهرا بدليل البراءة عن التقيّد بالقربة لكون ذات المقيّد مستحبّا واقعا و تقيّده منفي ظاهرا فافهم جيّدا.

الشرط الثالث [في اشتراط إدراك الركعة جماعة بإدراك الركوع]

اشارة

يشترط في إدراك الركعة جماعة ابتداء إدراك المأموم لركوع الإمام و تنقيح المقام برسم أمور:

أحدها: إنّ مجرد إدراك الإمام راكعا كاف في إدراك الجماعة

في تلك الركعة كما هو المشهور، أو لا بدّ من إدراك تكبيرة الركوع أيضا، و المراد بها محلّها حال القيام المتّصل بالركوع إذ ربّما لا يكبّر الإمام للركوع، كما نسب الى الشيخ (رحمه اللّه) أو لا بدّ من إدراك المأموم ذكرا من ركوع الإمام كما حكي (1)عن التذكرة و نهاية الأحكام و منشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب و مستند المشهور الأخبار الكثيرة الواردة في موارد متفرقة، منها صحيحة الحلبي (2)«إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، و إن رفع الإمام رأسه قبل


1) لا حظ جواهر الكلام: ج 13، ص 149، (طبعة الآخوندي).

2) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

أن تركع فقد فاتتك الركعة» و هي نصّ في كفاية مجرّد إدراك الركوع و مستند الشيخ ما عن محمد بن مسلم في الصحيح (1)«لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام» و عنه أيضا (2)«إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معه في تلك الركعة» الى غير ذلك ممّا يساويهما في الدلالة أو دونهما فيها و لا مجال لحمل الاولى على الثانية بالإطلاق و التقييد، فإنّه انّما يمكن الحمل المزبور، إذ قيل تدرك الركعة بإدراك الركوع فيقيّد الركوع بما إذا أدرك تكبيرته أيضا، و أمّا في المقام فالمفروض انّ المأموم أدرك الإمام و قد ركع فلا يعقل له إطلاق حتى يقيّد، فلا بدّ من التصرف في ظهور الثانية في عدم الاعتداد مع عدم إدراك التكبيرة، فإنّ الظاهر لا يقاوم النص و التصرف المذكور في كلامهم حمل النهي على الإرشاد إلى أقليّة الثواب كما هو المتعارف في النهي المتعلق بالعبادة و تقريبه بأحد الوجهين امّا على ما ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (3)حيث قال: «و الحاصل انّ الانفراد ببعض الصلاة أو بجميعها أفضل من إدراك جميعها جماعة على ذلك الوجه المنهي» و أورد عليه بان مرجعه الى عدم استحباب الجماعة في تلك الركعة، و هو مناف لاستحبابها الثابت بالأخبار التي استدلّ بها للمشهور، فكيف يكون جمعا بينهما، إلّا أنّه انما يرد إذا قيل بمساواة الجماعة في هذه الركعة، مع الانفراد في آخرها بركعة، و أمّا كونه أقلّ ثوابا من الانفراد مع عدم كون الجماعة منقّصة له فمقتضاه كونه فاقدا لثواب طبيعي الصلاة بمقدار إذ ليست صلاة المنفرد ذات خصوصيّة زائدة على الطبيعة ليكون نقصان الثواب مستندا إلى فقد تلك الخصوصيّة.

و أمّا الحمل على الإرشاد إلى كون إدراك الركوع بلا تكبيرة أقلّ ثوابا من إدراكها مع التكبيرة، فالنهي على التقريب الأوّل، في قبال الانتظار للركعة الثانية حتّى يشهد تكبيرة الركوع، و ان استلزم الانفراد في أخر الصلاة، و على التقريب الثاني في قبال الاهتمام بأمر الجماعة بإدراك تكبيرة الركوع، و عدم الاقتصار على


1) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 318، (الطبعة الحجرية).

إدراك الركوع.

و هذا التقريب و ان كان خاليا من المحذور الوارد على الأوّل إلّا انّه ربما لا يناسبه مورد بعضها كقوله (عليه السلام) (1)«إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» فإنّ لازمه الترغيب في ترك المستحبّ رأسا، إذ لم يفرض في مورده جماعة أخرى بحيث يمكن ادراك التكبيرة فيها، حتى يكون ترغيبا في ترك المستحبّ الى ما هو منه أحبّ.

و يمكن حمل أخبار المشهور على إدراك الركعة بإدراك الركوع، و حمل هذه الأخبار على عدم إدراك فضيلة الجماعة و ثوابها المقرّر لها، و لا منافاة بين عدم الاعداد بإدراك الركوع فقط في إدراك الفضيلة المقررة للجماعة في الركعة، و بين إدراك نفس الركعة و الاعتداد بها، و لا ينافي وقوعها مستحبّة عدم إدراك الفضيلة المقررة لها شرعا، فيكون حالها حال سائر المستحبّات، و لا ريب في انّ إتيان المستحب بما هو لا يقتضي إلّا أصل الثواب لإطاعة أمر المولى وجوبيا كان أو ندبيا كما أنّ إدراك الفضيلة ينفك عن إدراك الركعة فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من إدراك الإمام في السجود، فكما يمكن إدراك الفضيلة دون الركعة يمكن إدراك الركعة دون الفضيلة فقوله (عليه السلام) (2): «لا تعتد» أي في مقام إدراك فضيلة الركعة و قوله (عليه السلام) (3): «فقد أدركت الركعة» أي في مقام أصل المستحب المرتّب عليه أحكام خاصة من سقوط القراءة و نحوه، و هو المهم في المقام.

إلّا أنّ هذا الوجه أيضا لا يخلو عن محذور، فإنّ الإرشاد الى عدم إدراك فضيلة الركعة ليس إخبارا محضا حتّى لا يكون بين الاعتداد بالركوع في إدراك أصل الركعة، و عدم الاعتداد به في إدراك فضيلتها المقررة منافاة، بل يتضمّن الترغيب في الخير الذي أرشد اليه و المنع عن الشر الذي أرشد اليه و لا معنى للترغيب في ترك المستحب لعدم كونه ذا فضيلة زائدة على طبعة.


1) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

و أمّا ما حكي عن الشهيد في الذكرى- من حمل التكبيرة على نفس الركوع فتتوافق جميع الأخبار- فهو بعيد جدا، و إنّ أريد منها الركوع في بعض الأخبار كما في صحيح الحلبي قال (عليه السلام) (1): «إذا أدركت الإمام و هو راكع فكبّرت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة و إن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» فإنّ التكبيرة بشهادة الشرطيّة الثانية يراد منها الركوع، إلّا أنّ سائر الأخبار آبية عن ارادة الركوع من التكبيرة كقوله (عليه السلام) (2): «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام» فإنّه لا معنى لإدراك الرّكوع قبل نفسه و كقوله (عليه السلام) (3):

«إذا لم تدرك تكبيرة الركوع» إلخ. فإنه لا معنى لإضافة الشي‌ء إلى نفسه، و منه يظهر عدم إرادته منها في قوله (عليه السلام) (4): «لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها» بتوهّم انّ المراد من الركعة، ما هو المتعارف منها من أوّل القراءة إلى أخر السجدتين، فلا مانع من إرادة الركوع من التكبيرة فيكون المحصّل أنّ إدراك تمام الركعة بإدراك ركوعها، و يندفع بأن التكبيرة لا إضافة لها إلى الركعة بذلك المعنى حتى يراد منها بملازمتها مع الركوع نفس الركوع بل لها الإضافة إلى الركوع، فمرجع الضمير حينئذ هي الركعة في قبال السجدة، و محصّله انّ الركوع الذي هو مناط الإدراك هو الركوع الذي أدرك تكبيرته لا مطلقا هذا.

و حكي عن المحدّث الكاشاني (رحمه اللّه) تبعا للشيخ (قدّس سرّه) في التهذيب (5)«من حمل إدراك التكبيرة على مجرّد سماعها و إن دخل في الصلاة بعد ركوع الإمام، و حيث إنّ الإمام ربما لا يكبّر فيراد منها محلّها» و محصّل الجمع حينئذ انّ المأموم إذا أدرك الإمام حال التكبيرة و في محلّها فله أن يدخل في الصلاة و لو بعد ركوع الإمام، و إذا لم يدركه فليس له الدخول في الجماعة بعد ركوع الإمام.


1) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 440، الحديث 1، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3. من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

5) التهذيب: ج 3، ص 44، (طبعة الآخوندي).

و عليه فما احتمله بعض أجلّة العصر (رحمه اللّه) قائلًا انّه لم أره في كلام أحد من الأصحاب، هو محصّل ما ذكره المحدّث الكاشاني (رحمه اللّه) تبعا لشيخ الطائفة (قدّس سرّه) بعد حمل كلامهما على ما ذكرنا ممّا لا بدّ منه الذي يبعد غفلتهما عنه.

إلّا انّ ظاهر الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1)الجمود على سماع التكبير و لذا قال (قدّس سرّه): «هذا القول بعيد إذ الإمام قد لا يأتي بالتكبيرة فلا يكون ضابطا لإدراك الجماعة» إلّا أنّ هذا الحمل بعد تصحيحه بما ذكرنا لا يجدي في الجمع بين الأخبار من الطرفين، فان شهود التكبير و إدراكه و ان كان يجامع عدم الدخول في الصلاة قبل الركوع، إلّا انّ شهود التكبير مع الإمام كما في رواية محمد بن مسلم (2)المتقدّمة لا يراد منه إلّا الدخول في الجماعة حال تكبير الإمام، فشهود التكبير من الإمام معنى، و شهوده مع الإمام معنى أخر، كما انّ روايات إطالة الإمام لركوعه حتّى يلحقه المأموم ظاهرة في عدم إدراكهم بعدم حضورهم قبل الركوع للتكبير. و بالجملة فروايات الطرفين آبية عن هذا الحمل.

و الإنصاف أنّه لا بدّ من معاملة التعارض مع الطائفتين لعدم الجمع المقبول و الترجيح للأخبار الناصّة في كفاية إدراك الإمام راكعا لكثرتها و شهرتها رواية و فتوى و اللّه أعلم بحقائق أحكامه.

و أمّا ما نسب (3)إلى التذكرة، و نهاية الأحكام، من اعتبار إدراك ذكر الركوع سواء أريد ذكر الإمام في ركوعه، أو ذكر المأموم فلا مستند له إلّا التوقيع الرفيع عن الحجّة (عجّل اللّه فرجه) (4)و هو: «عن الرجل يلحق الإمام فيركع معه و يحتسب بتلك الركعة فإنّ بعض أصحابنا قال: «انّه ان لم يسمع تكبير الإمام فليس له ان يعتدّ بتلك الركعة، فأجاب (عجّل اللّه فرجه) إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة و إن لم يسمع تكبيرة الامام» و المظنون إرادة


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 282، (الطبعة الحجرية).

2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

3) لا حظ جواهر الكلام: ج 13، ص 149، (طبعة الآخوندي).

4) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 5، من الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

مقدار التسبيحة، و إلّا فربما يدرك المأموم تمام ركوع الإمام و ان نسي الإمام ذكر الركوع، أو نسي المأموم ذكر ركوعه و لا شبهة في احتسابه مع عدم إدراك الذكر، و عليه فاذا أريد مقدار تسبيحة واحدة فهو مساوق غالبا لمسمّى الركوع مع ركوع الإمام، و يكون محصّل الجواب انّ إدراك مسمّى الركوع بمقدار تسبيحة كاف في احتسابه ركعة، و ان لم يسمع تكبير الإمام، لا أنّ الغرض نفي اعتبار سماع التكبيرة، و إثبات اعتبار إدراك التسبيحة، و حيث إن الجواب مسوق لنفي اعتبار التكبيرة المسئول عنه، فلا وجه لتقييد إطلاقات كفاية إدراك مجرّد الركوع، لا لأنّ الإطلاقات في مقام التحديد فلا يقبل التحديد، فان تقييد المطلقات الواردة في مقام التحديد شرعا غير عزيز، و ربما يوجّه إطلاقات دوران فوات الركعة مدار رفع الرأس و عدمه بعدم الرفع بجعل عدم الرفع كفاية عن عدم إتمام الذكر، فيوافق ما دلّ على اعتبار إدراك التسبيحة، غاية الأمر انّ مقتضى كفاية عدم إتمام الذكر، عدم لزوم اعتبار تمامه، فيحمل التوقيع على استحباب اعتبار تمامه، لخروجهما عن مسألة الإطلاق و التقييد لنصوصيّة عدم إتمام الذكر في عدم اعتبار تمامه بنفسه، لا بإطلاقه. إلّا أنّ هذا التوجيه خلاف الظاهر و ليس رفع اليد عنه لموجب عرفا.

ثانيها [في أن المعتبر في الركوع هو الركوع المستقر عليه أو مطلق الركوع]

هل المعتبر في الركوع اللازم إدراكه في إدراك الركعة هو الركوع المستقرّ عليه، أو مطلق الركوع بأيّة مرتبة منه و ان كان المأموم في الهويّ و الإمام في الرفع فاجتمعا في مرتبة من مراتب الركوع و حيث إنّ المناط في الإدراك تارة كون الإمام راكعا و اخرى عدم رفع رأسه، فاللازم تحقيق حالهما معا، فنقول: أمّا الركوع فجميع مراتب الانحناء هويّا و نهوضا قابل لان يقصد به الركوع، إلّا أنّه مما لا ينبغي الريب في أنّ كلّ انحناء يسمّى ركوعا عرفا ليس مناط الحكم هنا، و لو لم يكن بعنوانه بل بعنوان تناول شي‌ء من الأرض، و عليه فالركوع المعتبر إدراكه قصدي، و لا يشكّ في أن الامام من حيث شروعه في الرفع تارك لما قصد به عنوان الركوع، فكيف يكون اجتماع المأموم في مثله اجتماعا مع الإمام في ركوعه، و لا ينافي ذلك إمكان تجدّد قصد الركوع بعد شروعه في الرفع للحوق بعض المأمومين بتوهّم انّه لو لم يكن بعد في ركوعه للزم تعدّد الركوع بتجدّد القصد، و زيادة الركوع مبطلة. وجه عدم المنافاة

أنّ الركوع و إن كان قصديّا إلّا أنّه ليس تمام حقيقة القصد بل القصد محقق بعنوانه، و الإمام من أوّل وصوله في الهوي إلى مرتبة الركوع إلى أخر نهوضه الى تلك المرتبة له انحناء واحد ذو مراتب، فله أن يقصد بأيّة مرتبة منه عنوان الركوع، و تخلل العدم بين القصدين غير تخلل العدم بين المقصودين حتّى يستلزم زيادة الركوع. هذا حال عنوان الركوع، و أمّا عنوان الرفع فقد يتخلل أنّ المراد منه رفع الرأس كاملا، و هو مساوق لخروجه عن حدّ مطلق الركوع، إلّا أنّه من الواضح أنّ الاخبار ليس في مقام التحديد بحدّين بل بحدّ واحد فيراد من رفع الرأس هو ترك الركوع الذي أتى به بعنوان الوظيفة.

ثالثها [في الوجوه المحتملة في شرطية إدراك الركوع إجمالا]

قد عرفت أنّه لا ريب في شرطيّة إدراك الركوع إجمالا إلّا انه محتملة لوجوه:

أحدها: ان يكون شرطا لانعقاد الجماعة من الأوّل، بحيث لو دخل مع الإمام في الجماعة و أدرك التكبير و القراءة وفاته الركوع معه، كشف عن عدم انعقاد الجماعة بالتكبيرة، فيجب عليه استيناف القراءة لئلا يلزم الإخلال بوظيفة المنفرد و عليه بنينا سابقا حكم الشهيد (قدّس سرّه) باستئناف القراءة إذا قصد الانفراد بعد قراءة الإمام- إلّا أنّه لم أجد القول به صريحا من أحد من الأصحاب، و ان ذكره بعنوان الاحتمال في الجواهر (1)مع دفعه.

ثانيها: أن يكون شرطا لإدراك الركعة بحيث لو فاته الركوع مع انعقاد الجماعة قبله لزمه الانفراد، أو انتظار الركعة الثانية من الإمام، لتكون ركعة أولى له إذا لم بلزم منه محذور من تطويل الإمام للسجود، و هذا أيضا لم أجد القول به صريحا إلّا أنّه عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (2)في صلاة الجماعة احتماله و قال: «و ربما ينسب ما ذكرنا الى بعض المعاصرين و لم نتحقّقه» انتهى.

ثالثها: و هو المعروف أنّه شرط لإدراك الركعة إذا لم يدرك الإمام قبله، فهو


1) جواهر الكلام: ج 14، ص 27- 28.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 322، (الطبعة الحجرية).

أخر ما يدرك به الركعة بحيث لو لم يدرك الإمام أصلا حتّى في ركوعه ليس له الركوع لنفسه، و اللحوق بالإمام في سجوده، نعم اللحوق في السجود يوجب إدراك فضيلة الركعة لا إدراك الركعة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و لا مستند في المقام إلّا الأخبار المتقدّمة و كلّها في مورد إدراك الإمام راكعا لا إدراكه قبله، فلا يمكن استناده شرطيّة إدراك الركوع لانعقاد الجماعة، أو لاحتساب الركعة حتى مع إدراكها قبلا بل يستفاد عدم شرطيته لأحد الأمرين من الأخبار الواردة في باب صلاة الجمعة كرواية عبد الرحمن بن الحجاج (1)«في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس الى جدار أو الى أسطوانة فلم يقدر على ان يركع ثم يقوم في الصف و لا يسجد حتى رفع القوم رؤسهم أ يركع ثم يسجد و يلحق بالصف و قد قام القوم أم كيف يصنع؟ فقال: يركع و يسجد لا بأس بذلك» بل في روايته الأخرى (2)«عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به فركع الإمام و سهى الرجل و هو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه و انحطّ للسجود أ يركع و يلحق بالإمام و القوم في سجودهم أم كيف يصنع؟ قال: يركع ثم ينحطّ و يتمّ صلاته معهم و لا شي‌ء عليه» و الروايتان ظاهرتان في عدم شرطية إدراك الركوع في احتساب الركعة مع إدراك الإمام قبلا، و عليه فلا مجال للرجوع إلى أصالة عدم ترتّب أحكام الجماعة، أو الرجوع الى عمومات القراءة و نحوها.

[في دوران احتساب الركعة مدار إدراك الركوع مع الإمام]

رابعها: ما ذكرنا من دوران احتساب الركعة مدار إدراك الركوع مع الإمام، أو إدراك ما قبله و انتفائه بانتفاء كلا الأمرين، هل يختص بابتداء الجماعة و الركعة الأولى، أو يجري في الأثناء في سائر الركعات، فإذا بقي في سجود الركعة الاولى الى أن قام الإمام إلى الثانية و قرء و ركع و رفع رأسه، لم يكن للمأموم القيام و الركوع و اللحوق بالإمام في سجوده بناء على التعميم، و له ذلك بناء على الاختصاص، فيه و جهان، المنسوب الى المشهور هو الاختصاص و نسب الى كاشف اللثام و غيره


1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 1، من الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة.

التعميم، و اختاره بعض أعلام العصر (رحمه اللّه) في تعليقاته على العروة، و تردّد فيه آخرون، و لا يخفى أنّ مدرك إدراك الركعة بإدراك الركوع مع عدم إدراك ما قبله هي الأخبار المتقدّمة في البحث المتقدّم، و هي مختصّة بأول انعقاد الجماعة من حيث المورد، و مدرك إدراكها بإدراك ما قبل الركوع فقط هو صحيح عبد الرحمن (1)الوارد في صلاة الجمعة، و هو أيضا مختصّ بالركعة الأولى موردا، و مدرك عدم إدراكها بفوات الأمرين ما تقدم في الأخبار المتقدّمة «من أنّه إذا رفع الإمام رأسه فقد فاتته الركعة» (2)و هي أيضا مختصة بالركعة الاولى في ابتداء الجماعة، فعلم أن مدرك الاحتساب نفيا و إثباتا مختصّ بابتداء الجماعة، فلا بدّ إمّا من استفادة الموردية من الأخبار المتقدّمة دون الخصوصيّة، و إمّا رعاية ما تقتضيه الأصول و القواعد في طرفي الإثبات و النفي. فنقول: حيث إنّه لا كلام في انعقاد الجماعة و لا في عدم ما يوجب بطلانها فلا مجال للتمسك بأصالة عدم ترتّب أحكام الجماعة، فضلا عن استصحاب بقاء الجماعة للتعبّد ببقاء أحكامها.

و إنّما الكلام في احتسابه ركعة من الجماعة و عدم الاحتساب و لازم عدمه انتظار الركعة الثالثة للإمام ليكون ركعة ثانية له أو قصد الانفراد، و من البيّن أنّ الاحتساب يحتاج الى دليل، لأنّ الركعة عبارة من أوّل القراءة إلى أخر السجدتين، غاية الأمر قام الدليل في الركعة الأولى انّ ادراك ما قبل الركوع، أو إدراك خصوص الركوع يوجب إدراك الركعة فالحكم بحسب القاعدة في سائر الركعات عدم احتساب الركعة إلّا بإدراكها من أوّلها إلى آخرها مع الإمام، فالحكم بعدم الاحتساب مع عدم إدراك كلا الأمرين يوافق الركعة الاولى لا لشمول النصّ بل للقاعدة، و أمّا الاحتساب بأحد الأمرين فهو غير مشمول للنصّ و لا موافق للقاعدة.

نعم ما قدّمناه في البحث المتقدّم آنفا من رواية أخرى لعبد الرحمن (3)يمكن التمسّك بإطلاقها لعدم إدراك الركوع مع إدراك ما قبله في سائر الركعات، و إذا


1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

ثبت إدراك الركعة بإدراك ما قبل الركوع فقط فإدراكها بإدراك الركوع الذي يتقوّم به الركعة حتّى سمّيت باسمه بالفحوى، بل ظاهر المشهور كما يتّضح بمراجعة كلماتهم في باب صلاة الجمعة إدراك الركعة بإدراك ركوع الإمام في الثانية ففي القواعد (1)«و لو سجد و لحق الإمام قبل الركوع أو راكعا في الثانية تابعة» و ذكر كاشف اللثام (2)«انّ إدراك الركعتين بإدراك الإمام قبل الركوع في الثانية اتّفاقي و بإدراكه راكعا فيه خلاف» و عقّبه في مفتاح الكرامة (3)«بانّ الخلاف ضعيف».

و أمّا فوات الركعة الثانية بفوات كلا الأمرين، فالمشهور أنّه كالركعة الأولى نعم ربما يظهر من جامع المقاصد (4)أنّ المزحوم عن السجود في الأولى إذا سجد بعد الإمام و لحق الإمام في الثانية بعد رفع رأسه من ركوعها، له أن يتابعه في سجودها بعد ركوعه لنفسه، نظرا الى شمول صحيحة عبد الرحمن (5)، لأنّ استواءه في الصفّ أعمّ من كونه قبل الركوع أو بعده. و نسبه الى الشهيد في الذكرى، و احتمله في الجواهر (6)بل قوّاه في أثناء كلام له، و ان كان في الاستظهار من الصحيحة نظر. لأنّ الظاهر من المراد من القيام في الصحيحة و اللحوق بالإمام فيه هو القيام عن السجود للركعة الثانية لا الأعمّ منه و من القيام بعد الركوع.

و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام شيخنا (7)العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) فان الظاهر منه اختصاص إدراك الركعة بإدراك الركوع، إذا لم يدرك الإمام قبله بالركعة الأولى عند المشهور، و جعل التعميم خلاف النصّ و الفتوى، فان كونه خلاف النصّ و ان كان صحيحا في الجملة، إلّا أنّه خلاف الفتوى، منظور فيه بل موافق لفتوى المشهور في جميع ما ثبت في الركعة الأولى، كما يتّضح ممّا ذكروه في


1) مفتاح الكرامة: ج 3، ص 160 (متنا و شرحا).

2) مفتاح الكرامة: ج 3، ص 160 (متنا و شرحا).

3) مفتاح الكرامة: ج 3، ص 160 (متنا و شرحا).

4) جامع المقاصد: ج 1، ص 138، (الطبعة الحجرية).

5) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

6) جواهر الكلام: ج 13، ص 206 و ج 14، ص 22.

7) كتاب الصلاة ج 1 ص 322 (الطبعة الحجرية).

باب صلاة الجمعة من دون اختصاص بها، فان وجوب الجماعة في الجمعة أجنبيّ عن هذه الأحكام فان الظاهر أنّها أحكام الجماعة بما هي جماعة و اللّه أعلم.

خامسها [في كيفية إدراك الركعة]

ما ذكروه من إدراك الركعة و لو في الأولى بإدراك أحد الأمرين من إدراك الإمام فيما قبل الركوع، أو في الركوع هل هو مخصوص بإدراك الإمام في التكبيرة، أو في أثناء القراءة فقط، أو بزيادة إدراكه و لو في القنوت، أو يعمّ ما إذا أدركه بعد القراءة و قبل الركوع؟ ظاهر غير واحد هو الأوّل، و لعله لأنّ الظاهر من قوله في صحيحة عبد الرحمن (1)«في رجل صلّى في جماعة» و من قوله في روايته الأخرى (2)«يصلّي مع إمام يقتدي به» هو إدراك الإمام في فعل من أفعال الصلاة، و الكون المتخلّل بين تمام القراءة و الركوع ليس من أفعال الصلاة فإدراكه كالعدم. و يمكن الخدشة فيه بما إذا أدركه في القيام المتّصل بالركوع، فإنّه فعل صلاتي ركني إلّا بدعوى انصراف «يصلّي» عن مثله.

و أمّا الخدشة فيه- بأنّ اللازم إدراك بدل القراءة، أو مسقطها و لم يدرك أحد الأمرين حيث إنّه لم يدرك القراءة ليكون بدلا عن قراءته و لا «أدرك الركوع» حتّى يكون إدراكه مسقطا للقراءة عنه بناء على ما قدّمناه من أنّه من أدرك الركوع لا قراءة عليه لا لبدليّة قراءة الإمام بل لسقوطها عنه بالركوع.

فمندفعة بأنّ نفس الترخيص في الاقتداء و في الركوع مع الإمام، كاشف عن سقوط القراءة عنه لا أنّ الركوع مسقط لها ليقال لا بدل لقراءته و لا مسقط. كما أنّ الخدشة المتقدّمة مندفعة بأنّ إدراك القيام المتّصل بالركوع ليس بمقارنة تكبيرته له و إلّا لكفى في إدراك الركوع أيضا بل بالقيام مقارنا لقيامه، و لا يعقل انفكاكه عن الركوع و إلّا لم يكن من القيام الركني، و إدراك مثل هذا القيام إدراك الركوع أيضا، لا أنّه من إدراك ما قبل الركوع فقط فتدبّر جيّدا و لعلّه من هذا القبيل تكبيرة الركوع فإنه مع التخلّل بينها و بين الركوع مع الامام بزحام، أو سهو يستحبّ إعادتها


1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 1، من الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة.

ليكون الركوع عن التكبيرة فتدبّر.

سادسها [في حكم من كبر و ركع باعتقاد كون الإمام في الركوع]

إذا كبّر و ركع باعتقاد كون الإمام في الركوع، فانكشف كون الإمام رافعا فالمعروف بطلان صلاته رأسا أمّا بطلان جماعته فلعدم مصادفته لركوع الإمام، و حيث بطلت جماعته بطلت الصلاة للإخلال بوظيفة المنفرد، و هي القراءة، و لا يتمكّن في القراءة مع عدم ركوع بعدها لنقص الركن، و لا مع إتيانه لزيادة الركن بوقوع الأوّل في غير محلّه، و حيث إنّ بطلان أصل صلاته مستند الى بطلان جماعته فاللازم تحقيق حاله من حيث الجماعة. فنقول: قد مرّ مرارا أنّ إدراك الركوع ليس شرطا لانعقاد الجماعة، كما مرّ أنّ عدم إدراك الركوع ليس مبطلا للجماعة بعد انعقادها صحيحة، و إنّما يوجب فوات الركعة و عدم إمكان احتسابها، فلا موجب للبطلان إلّا زيادة الركن، و حيث إنّها مغتفرة في الجماعة فلذا ربما يستشكل في بطلان الجماعة فاللازم تحقيق حال الزيادة المغتفرة في الجماعة و انّها تعمّ مثل هذه الزيادة أو لا، و ملخّص القول فيه: انّ الروايات الدالّة على أنّ المأموم إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام يجب عليه العود الى الركوع، أو السجود مع الإمام بعنوان المتابعة، أجنبيّة عمّا نحن فيه، لتمحّض المعاد من الركوع أو السجود في الزيادة و حيث إنّها بعنوان المتابعة الواجبة فلا تكون مبطلة للصلاة، بخلاف ما نحن فيه فإنه غير مسبوق بركوع مع الإمام حتّى يتمحض ما فعله في الزيادة، بل ما اتى به هو ركوعه الصلاتي الأصلي.

و أمّا رواية ابن فضّال (1)- الدالّة على أنّه إذا ركع المأموم قبل الإمام باعتقاد ركوعه و بعد تبيّن خلافه عاد الى القيام ثمّ ركع مع الإمام فحكم (عليه السلام) عليه بصحّة صلاته- فهي ممّا يمكن الاستشهاد بها لمورد البحث بناء على أنّ الركوع مع الإمام هو ركوعه الأصلي و أنّ ما تقدّم منه من الركوع قبل الإمام هو الزائد، فإنّ مثله إذا كانت زيادة مغتفرة من حيث عدم مصادفة مع ركوع الإمام كان ركوع المأموم هنا أيضا مع عدم مصادفته لركوع الإمام زيادة مغتفرة، فيجب عليه الصبر


1) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

إلى الركعة الثانية من دون احتساب ما أدّاه ركعة لنصوصيّة الأخبار بفواتها مع رفع الإمام رأسه إلّا أنّ المبنى المزبور، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى محلّ النظر. و المحقّق عند المحقّقين انّ ما اتى به هو ركوعه الأصلي، و أنّ ما يعيده مع الإمام بعنوان المتابعة المحضة هي الزيادة المغتفرة، إذ لم يفت منه عند ركوعه الواقع في محلّه مع إدراك الإمام قبله إلّا المتابعة، و هي واجبة نفسيّا لا شرطيّا حتّى يبطل الركوع بعدم كونه مع ركوع الإمام. و بالجملة لا دليل على اغتفار مطلق الزيادة بل غاية ما ثبت اغتفار ما تمحّض في عنوان المتابعة، و ما نحن فيه ليس منه جزما، فبطلان الجماعة بعد انعقادها صحيحة مستند إلى الزيادة الركنيّة الغير المغتفرة في الجماعة.

نعم بعد بطلان جماعته لا موجب لبطلان أصل صلاته، إلّا الإخلال بوظيفة المنفرد، و هي القراءة التي لا يتمكّن من تداركها لفوات محلّها بالركوع، و يمكن المناقشة فيه بما أسلفناه في بعض المباحث المتقدّمة، من شمول «لا تعاد» (1)لما تركه لعذر، فكما أنّه إذا اعتقد المنفرد بإتيان القراءة فركع عن غير قراءة واقعا يعمّه «لا تعاد»، كذلك إذا ركع باعتقاد سقوط القراءة عنه باعتقاد إدراك الإمام في ركوعه فلا ينبغي ترك الاحتياط بالإتمام، ثمّ الإعادة.

سابعها: إذا كبّر و ركع و شكّ في إدراك ركوع الإمام،

فله صور (الأولى): إذا شكّ و هو في الركوع انّ الإمام باق على ركوعه أو رافع رأسه من الركوع؟ و مقتضى الأصل الأوليّ، عدم إدراك الركعة بركوعه، و عدم اللحوق بالإمام، إلّا أنّ الشكّ في الإدراك حيث إنّه مسبّب عن الشكّ في بقاء الإمام على ركوعه و عدمه، فلا مجال للرجوع الى الأصل في المسبّب بعد جريان الأصل في السبب. و صحّة الأصل في السبب و عدمها تدور مدار كون الشرط المنوط به إدراك نفس ركوع الإمام و المأموم في زمان واحد فالشرط المركّب قد أحرز أحد جزئية بالوجدان و الآخر بالأصل، أو كون الشرط هو ركوع المأموم حال ركوع الإمام كما يستفاد من بعض الأخبار، أو ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه بحيث يكون الحاليّة، أو القبليّة حيثيّة تقييديّة


1) الوسائل: ج 5، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في صلاة.

لركوع المأموم، فكان الشرط صفة الحاليّة و القبليّة فالأصل بالإضافة إليهما مثبت، و توهّم- صحّة التعبد بالأمر الانتزاعي بالتعبد بمنشئه- مدفوع بأنّه يصحّ فيما إذا كان ترتّبه شرعيا كترتّب الملكية على العقد، و إلّا فلا فرق في الأصول المثبتة بين ان يكون اللازم أمرا له ما بإزاء أوله منشأ الانتزاع.

و غاية ما قيل في تقريب إجراء الأصل ما أفاده بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة الجماعة، من أنّ زمان ركوع الإمام موصوف بالقبليّة على زمان رفع رأسه، و يشكّ في بقائه على صفة القبليّة، أو يشكّ في بقاء صفة القبليّة إلى زمان ركوع المأموم، فيحرز نفس الشرط بالأصل، و أيّده بما إذا نذر صلاة ركعتين قبل مجي‌ء زيد فإنّه لا ينبغي الإشكال في لزومه عليه عند الشكّ في مجيئه باستصحاب عدم مجيئه، و بأنّهم ذكروا أنّه يجوز الدخول في الجماعة إذا وجد الإمام راكعا، و أنّه يجوز ان يكبّر و يركع مع الشكّ في أنّه يدرك الإمام في الركوع استنادا الى بقاء استصحاب الإمام راكعا الى ان يركع المأموم، فإنّ الركوع الصحيح الذي يجوز الدخول لإدراكه، هو الركوع المقارن لركوع الإمام فإن كان هذا غير قابل للإحراز بالاستصحاب فلا معنى لجواز الدخول لإدراك مثله و ان كان أوسع من ذلك و عدم لزوم إحراز المقارنة بل يكفي إحراز القبليّة على الوجه المزبور، فلا معنى لمنع جريان الاستصحاب لصحّة ركوعه مع الشكّ في بقاء الإمام راكعا، فإمّا أن لا يجري الاستصحاب في المقامين، و إمّا أن يجري فيهما، و إلّا فأيّ معنى لجواز الدخول فيما لا يحكم بصحّته بعد الدخول، هذا ملخّص ما أفيد.

قلت: لا ريب في أنّ تلك القطعة من الزمان الذي هو ظرف ركوع الامام موصوف بالقبليّة على زمان رفع رأسه، فإن كان الشكّ في بقاء تلك القطعة على تلك الصفة إلى زمان الركوع من المأموم فهو لا يثبت انّ هذا الزمان المشكوك هو من تلك القطعة إلّا بالملازمة العقليّة كما في استصحاب بقاء النهار فإنّه لا يثبت انّ هذا الزمان المشكوك من النهار، و كفاية الاستصحاب فيه لأجل تعليق وجوب الصوم على بقاء النهار لا على حال تشخيص هذا الجزء المشكوك، بخلاف ما نحن فيه فان بقاء صفة القبليّة بنحو مفاد كان التامّة غير مجد بل لا بدّ من وقوع الركوع في زمان

موصوف بكونه قبل زمان رفع الرأس بنحو كان الناقصة، و هو لا يثبت ببقاء القبليّة، و ان أريد إثبات القبليّة بنحو كان الناقصة- لكون الدقيقة السابقة كانت موصوفة بالقبليّة و يشكّ في بقاء الزمان المتّصل بها على تلك الصفة- ففيه انّ المتيقّن ثبوت القبليّة له هي الدقيقة السابقة، و تلك الصفة لا بقاء لها إلّا ببقاء موصوفها و الدقيقة التي بعدها يشكّ في أصل اتصافها بصفة القبليّة إلّا بنحو استصحاب الكلي فيما إذا ارتفع فرد و احتمل قيام فرد أخر مقامه. و أمّا ما أفيد من التأييد ففي مسألة النذر يتبع قصد الناذر، فان قصد صلاة ركعتين ما لم يجي‌ء زيد كفى فيه استصحاب عدم مجيئه، و ان قصد صلاة ركعتين في الزمان الموصوف بكونه قبل مجي‌ء زيد، فلا يكفي فيه استصحاب عدم مجي‌ء زيد، و في مسألة استصحاب بقاء الركوع لجواز الدخول مع عدم كونه مسلّما، سيجي‌ء الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى من أنّه يجدي تارة و لا يجدي أخرى، هذا.

و الحقّ أنّ ما ورد في الروايات من أنّه ان ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة ليس إلّا في مقام تحديد موضوع الشرط، و هو ركوع الإمام لا عنوانا للشرط حتّى يلزم إحراز عنوان القبليّة، فالغرض أن يكون ركوع المأموم مع ركوع الإمام في زمان واحد لا أن يكون ركوعه في زمان موصوف بالقبليّة بما هي، و منه يتضح حال عنوان الحال و المعيّة فالعبرة بمنشإ انتزاعهما لا بالأمر الانتزاعي، هذا حكم الصورة الاولى.

و أمّا الصورة الثانية: فهي ما إذا كان زمان رفع رأس الإمام معلوما، و كان زمان ركوع المأموم مشكوكا فالأصل يجري في خصوص الركوع فيبني على عدمه إلى زمان الرفع المعلوم، و يجدي على أيّ تقدير فإنّه و إن لم يثبت عدمه في زمان موصوف بالقبليّة على رفع الرأس، إلّا أنّ نقيض الوجود الرابط رفعه لا العدم الرابط و ليست الشرطيّة الثانية في الروايات مسوقة لترتب عدم إدراك الركعة على وقوع الركوع في زمان موصوف بالبعديّة على رفع الرأس حتى لا يقال لا يثبت بالأصل المزبور، فإنّه إنّما يكون كذلك إذا كانت الشرطيّة شرطيّة مستقلّة مع أنّها بيان لمقتضى الأولى كما لا يخفى.

و أمّا الصورة الثالثة: فهي ما إذا لم يكن زمان الركوع من المأموم و زمان رفع الرأس من الإمام معلومين، و المعروف فيهما تعارض الأصلين أعني أصالة عدم الركوع الى زمان رفع الرأس، و أصالة عدم رفع الرأس إلى زمان الركوع و مع تساقطهما يحكم بأصالة عدم إدراك الركعة إلّا أنّ الشكّ في هاتين الصورتين حادث بعد العمل فالمرجع أصالة صحّة الركوع، غاية الأمر أنّه مع العلم بالغفلة من أوّل الأمر يبني على كون أصالة الصحّة أصلا تعبديّا، و مع احتمال عروض الغفلة يبني على أماريتها.

ثامنها: في ما يعتبر في جواز الدخول في الركوع

و لا يخفى أنّ جواز الاقتداء غير منوط بإدراك ركوع الإمام لما مرّ مرارا أنّ إدراك الركوع ملاك إدراك الركعة لا مناط انعقاد الجماعة و صحّة الاقتداء، و حينئذ يصحّ الائتمام و لو مع الجزم بعدم إدراك الركوع، و أمّا الركوع بركوع الإمام فهو محل الكلام من حيث دوران الجواز مدار الجزم أو الاطمئنان أو يصحّ مع الاحتمال، إمّا استنادا الى الاستصحاب كما عن غير واحد، أو بعنوان الرجاء كما عن بعضهم. أمّا الاستصحاب فمنشأ الإشكال فيه انّ القصد إلى الركوع المقارن لركوع الإمام لا يتأتّى منه إلّا مع الجزم بتحقّق الركوع من الإمام، لأنّ المقارنة التي هو صفة ركوع المأموم غير مقدورة للمأموم لتقوّم مثلها بفعل الإمام فمع تحقّقه منه يكون إيجاد الركوع مقدورا، و مع عدمه يكون الركوع المقارن غير مقدور للمأموم، و يستحيل توجّه القصد إلى غير المقدور و الاستصحاب لا يحقّق الركوع فلا تتحقّق المقدوريّة المنوطة بتحقّقه من الإمام لتقوّم المقصود به.

و لذا أجاب عنه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (1)بانّ مقدوريّة الركوع المقارن منوطة بإحراز الركوع من الإمام لا بتحقّقه واقعا و كما يكفي الإحراز الوجدانيّ يكفي الإحراز التعبّدي، فتارة يقصد الركوع المقارن حقيقة لركوع الإمام، و اخرى يقصد الركوع المقارن لركوع الإمام شرعا.

و يمكن المناقشة فيه على مسلكه (قدّس سرّه): حيث بنى على عدم كفاية استصحاب بقاء الإمام على ركوعه بل لا بدّ من إحراز الحاليّة أو القبليّة على رفع


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 320.

الرأس، فما لم يحرز هذا المعنى لا يتوجّه القصد الى الركوع الصحيح، و إحراز أصل ركوعه لا يجدي في توجّه القصد الى الركوع الخاصّ، كما يمكن أن يقال: إنّ الحاجة الى الاستصحاب ليس لإحراز الركوع المقارن حتى يتوجّه عليه ما ذكر من الإشكال، و دفعه و المناقشة فيه، بل لانّ هذا الركوع ليس أمره دائرا بين إدراك الركعة به، و عدمه بل دائر بين كونه صحيحا يدرك به الركعة، و كونه زيادة مبطلة للجماعة المنعقدة صحيحة، و الاستصحاب لنفي صيرورته زيادة مبطلة ليجوز مع احتمالها الركوع، و كونه زيادة و عدم كونه زيادة غير منوط بوصف القبليّة و البعدية و نحوها و لا منافاة بين عدم الحكم بصحته من حيث إدراك الركعة و الحكم بعدم كونه زيادة، فإنّ التفكيك بين المتلازمين واقعا بإجراء الأصول غير عزيز. و منه تبيّن الجواب عمّا أورده بعض الأعاظم (1)(قدّس سرّه) من عدم الفرق بين مورد الحكم و صحّة الركوع، و مورد جواز الدخول فان كان الاستصحاب جاريا في الثاني جرى في الأوّل، و إلّا فلا يجري في شي‌ء منهما.

و أمّا حديث الرجاء فمختصر القول فيه: انّ وصف المقارنة و أشباهها قد يتّخذ بنحو الغاية الداعية، و قد يتّخذ بنحو التوصيف و العنوانيّة للركوع المقصود، فان كان بنحو الداعي، فكما أنّ الداعي ربما يكون جزميا كذلك ربما يكون ظنيّا، و ربما يكون احتماليا، كما حقّق في محلّه، و ان كان بنحو التوصيف و العنوانيّة فهو مقوّم لصفة الإرادة بنحو فناء العنوان في المعنون، و حينئذ لا يعقل أن يكون مقوّما إلّا مع ثبوته الجزمي حتّى يعقل فناء العنوان المقوّم فيه، فهذا وجه اعتبار الجزم به لا مسألة توقّف القصد على مقدوريّته، أو الجزم بحصول الأمر الغير الاختياري تحقيقا لمقدوريّة المقصود. و ممّا ذكرنا تعرف أنّ مورد الرجاء و محلّه هو الشقّ الأوّل، و هو الذي يكفيه مجرّد الاحتمال من دون حاجة الى الاستصحاب، بخلاف الشق الثاني فإنّه ممّا لا بدّ فيه من الإحراز وجدانا أو شرعا. نعم موقع الرجاء ما إذا دار أمره بين الوجود و العدم فاذا كان الأمر المحتمل ثابتا واقعا كان امتثالا و إطاعة له، و إلّا


1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه اللّه): كتاب الصلاة، ص 627- 628.

فلا، و كما (1)فيما نحن فيه إذا أريد مجرّد احتساب المأتي به ركعة و عدمه فاذا قارن ركوعه ركوع الامام فقد أدرك الركعة و إلّا فلا، و أمّا إذا دار الأمر بين كونه ركوعا صحيحا بدرك به الركعة أو زيادة مبطلة للجماعة بعد انعقادها فالرجاء أجنبيّ عن هذا المقصود، فإنّه نظير ردّ السلام رجاء عند احتمال وجوبه فإنّه على تقدير عدمه كلام ادمي مبطل للصلاة، فلا بدّ من الردّ على وجه لا تبطل به الصلاة على ايّ تقدير، و حينئذ فلا بدّ من إجراء الأصل دفعا لاحتمال الزيادة، و حيث إنّه لا يثبت المقارنة فلا يكفي لقصد الركوع المقارن إلّا أنّ قصد الركوع المقارن بنحو التوصيف و العنوانيّة غير لازم بل يكفي فيه الدعوة، إذا لم يعلم من أدلّة اعتبار المقارنة في الركوع كونها قصديّة بقصد الركوع المقارن بل لا بدّ من كون المأتي به مقارنا لركوع الإمام، و احتماله عند الدخول كاف في الرجاء فاذا وقع مقارنا كان ركوعا مدركا للركعة، و إذا وقع بعد الرفع كانت زيادة مبطلة للجماعة كما قدّمناه، و ان لم يعلم حاله لا يحتسب ركعة بناء على عدم كفاية الأصل، لكنّه لا يحكم عليه ببطلان جماعته بل له الانتظار أو الانفراد كما تقدّم. لكنّك قد عرفت جريان الاستصحاب فيحكم بصحّة الجماعة و احتساب الركعة و اللحوق بالإمام في بقيّة أفعاله.

تاسعها [في جواز الانتظار إلى الركعة الأخرى أو الانفراد ثم الإتمام]

بعد ما عرفت من أنّ إدراك ركوع الإمام مناط الاحتساب ركعة، لا ملاك انعقاد الصلاة جماعة، تعرف أنّ جواز الدخول في الجماعة بافتتاحها بالتكبيرة لا يتوقّف على دليل أخر، إنّما الكلام في جواز الانتظار إلى الركعة الأخرى، أو الانفراد ثمّ الإتمام، أو العدول إلى النافلة ثمّ إتمامها و اللحوق بالإمام، أو قطعها و اللحوق به.

و ربما يشكل الأول: بمنافاته للقدوة. فإن أريد بها أصل الجماعة فالانتظار بما هو ليس من قواطعها بعد انعقادها فان حقيقتها ربط صلاته بصلاة الإمام، و ما لم يعدل عنه فالربط الاعتباري على حاله، و المتابعة العملية في موردها واجبة نفسيّا لا شرطيّا حتّى يختلّ بعدم المتابعة الذي هو لازم الانتظار، و إن أريد بها منافاته


1) هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح «و كذا فيما نحن فيه».

للمتابعة العمليّة التي هي بالنسبة إلى الربط الاعتباري كالوفاء بالعقد ففيه (أوّلا) انّها واجبة نفسيّا لا شرطيّا فلا تبطل الجماعة بعدمها (و ثانيا) بأنّ الركعة التي لم يدرك ركوعها مع الإمام و لا يحتسب من ركعات صلاته ليس مورد المتابعة اللازمة، إذ ليست المتابعة الواجبة نفسيا إلّا عدم التخلف عن الإمام في أفعاله الصلاتية، و السجود في هذه الركعة ليس من واجبات صلاته حتّى يجب عليه عدم التخلف فيه عن الإمام، و استحباب محض المتابعة و لو في غير ما هو من أفعاله الصلاتية أمر أخر غير منافاته للقدوة. مضافا الى ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا من دلالة بعض الأخبار على الانتظار.

و أمّا الثاني: و هو الانفراد و الإتمام، فلا يحتاج الى دليل أخر غير دليل جواز الانفراد في جميع الأحوال، سواء كان في حال الاختيار، أو الاضطرار سواء كان من قصده ذلك حال نيّة الاقتداء أم لا، و قد تقدّم الكلام في كلّ ذلك مفصّلا.

و أمّا العدول إلى النافلة بعد نيّة الانفراد. فربما يشكل أيضا بقصور دليل جواز العدول إلى النافلة، لأنّ المتيقّن من مورده جواز العدول لمن يصلّي فرادى فيجد الجماعة فيجوز العدول طلبا لفضيلة الجماعة، و لا يعمّ من كانت صلاته جماعة فانفرد، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في محلّه جواز العدول مطلقا لمريد الجماعة، و ان انفرد عن الجماعة.

عاشرها [في جواز الدخول في الجماعة في جميع الأحوال]
اشارة

لا خلاف- على ما في الحدائق (1)- في جواز الدخول في الجماعة في جميع الأحوال، سواء كان الإمام في السجود، أو في التشهد، و سواء كان السجود في الركعة الأولى، أو الأخيرة، أو غيرهما و سواء كان الإمام في التشهد الأوّل أو الثاني و اختصاص مورد بعض الأخبار ببعضها غير ضائر، بعد إطلاق بعضها الآخر، و سنبيّن إن شاء اللّه تعالى إنّ التخصيص لنكتة هناك انّما الكلام في موارد.

منها [انّ التكبيرة المذكورة في الأخبار، هل هي تكبيرة الافتتاح]

أنّ التكبيرة المذكورة في الأخبار، هل هي تكبيرة الافتتاح حتّى يتكلّم في مانعيّة زيادة السجدة، أو التشهد و عدمها، و على فرض المانعيّة يحتاج الى تكبير


1) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 252.

مستأنف، أو أنّها ليست بتكبيرة الافتتاح بل تكبير مستحب لإدراك فضيلة الجماعة بالمتابعة في السجود، أو التشهد، أو هي التكبيرة المستحبّة للهوي إلى السجود في المتابعة في السجود، و حينئذ فلا مجال لعنوان الزيادة سجودا كان، أو تشهدا، و يستأنف التكبيرة حيث لا صلاة بلا افتتاح بالتكبيرة. و لا يخفى عليك انّ مساق الأخبار الواردة في إدراك فضيلة الجماعة مساق واحد، و صريح بعض أخبارها أنّها تكبيرة الافتتاح، كما في موثقة عمّار (1)حيث قال (عليه السلام): «يفتتح الصلاة» إلخ، و في موثّقته الأخرى (2)حيث قال (عليه السلام): «فاذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته» حيث لا إتمام إلّا بعد انعقاد الصلاة، و لا انعقاد إلّا بتكبيرة الافتتاح، و كما في رواية معاوية بن شريح (3)من وجهين أحدهما انّه أدرك الجماعة و لا إدراك للجماعة إلّا بالتكبيرة لا أقول: إنّ قوله (عليه السلام):

«من أدرك الإمام» عبارة عن التكبير معه كما عن غير واحد بل أقول: إنّ الحكم عليه بأنّه مدرك للجماعة لبيان انه له الدخول في الجماعة حقيقة بافتتاح الصلاة بالتكبيرة.

ثانيهما: قوله (4)«أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لا إقامة، و من أدركه و قد سلّم فعليه الأذان و الإقامة» فإنّه في غاية الظهور، انّ الداخل معه في التشهد داخل في صلاة الجماعة حقيقة، و لا أذان و لا إقامة على مصلّي الجماعة، و أنّه بعد السلام منفرد فعليه الأذان و الإقامة، فالحكم بسقوط الأذان و الإقامة تارة و ثبوتهما اخرى، بلحاظ صلاة الجماعة و الانفراد لا بلحاظ الورود على الجماعة، فإنّه لا يوجب الفرق بين ما قبل السلام و ما بعده، فهو لبيان لازم الجماعة و الفرادى طبعا، و ان كان يسقطان بنظر أخر من حيث الورود على الجماعة فتدبّر. هذا كلّه مع أنّ الحكم بالسجود مع الإمام و التشهد معه ليس إلّا بعنوان المتابعة العمليّة و لا متابعة لمن لا ارتباط لصلاته بصلاة الإمام. بل المراجع الى الأخبار يكاد يقطع بأنّ التكبير


1) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 4، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 3، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 450، الحديث 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

المحقّق للدخول في الصلاة أمر مفروغ عنه، و لذا لم يذكر بعنوانه في جملة منها، بل اكتفى عنه بعنوان إدراك الصلاة مع الإمام، كما في صحيحة محمد بن مسلم (1)حيث قال: «قلت له: متى يدرك الصلاة مع الإمام قال: إذا أدرك الإمام و هو في السجدة الأخيرة» فإنّه لا ينبغي الريب في أنّ الصلاة مع الإمام لا يصدق على إدراك الإمام في السجدة إلّا بانعقاد الجماعة المتوقف على تكبيرة الافتتاح، و مما يشهد لمفروغيّة التكبيرة الافتتاحية قوله (عليه السلام): في رواية البصري (2)«إذا وجدت الامام ساجدا فالبث مكانك حتّى يرفع رأسه، و ان كان قاعدا قعدت، و ان كان قائماً قمت» فان القعود كالقيام، فكما أنّ التكبيرة مفروغ عنها في القيام المحسوب من ركعات صلاته، كذلك القعود مع الإمام. هذا بعض الكلام في انّ التكبيرة هنا كما في سائر الموارد للافتتاح دون غيره، و لا منافي لما استظهرناه من الأخبار، إلّا ما ذكره الصدوق (قدّس سرّه) في الفقيه (3)«عن عبد اللّه بن المغيرة قال: كان منصور بن حازم يقول: إذا أتيت الإمام و هو جالس قد صلّى ركعتين فكبّر ثمّ اجلس، فإذا قمت فكبّر» فان التكبير المأمور به ثانيا ليس إلّا تكبيرة الافتتاح، فإمّا يراد من الاولى مجرد الاستحباب مقدّمة لمتابعة الإمام صورة، و إمّا يكون الجلوس من حيث كونه زيادة عمديّة مبطلة للتكبيرة الافتتاحية الأولى فيحتاج الى استيناف تكبيرة الافتتاح، و به يجمع بينها و بين موثّقة عمّار (4)المتضمنة لافتتاح الصلاة بالتكبيرة فيما إذا أدرك الإمام جالسا بعد الركعتين، حيث قال (عليه السلام): «و لا يقعد مع الإمام حتّى يقوم» فان مقتضى الجمع بينهما، جواز القعود و استئناف التكبيرة، و مع عدم القعود لا استيناف بل يكتفي بالتكبيرة الاولى.

و الذي يهوّن الخطب، انّ هذه الرواية مقطوعة لا تنتهي إلى المعصوم، و كون


1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 1، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 5، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

3) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 260، ح 94، في الجماعة و فضلها (طبعة الآخوندي).

4) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

منصور بن حاز من أجلّ ثقاة الأصحاب، و لا يقول إلّا عن تثبّت و سماع، لا يوجب إلّا الخبر الحدسي، و ما هو حجّة ما رواه الثقة عن الإمام (عليه السلام) لا ما يحدس بروايته عن الإمام (عليه السلام) مع احتمال ان يكون التكبير للقيام من التشهد و الانتقال من حال الى حال فيوافق ما في التوقيع الشريف المشهور في باب الدعاء عند القيام، من أنّ بعض الروايات دلّ على استحباب التكبيرة عند الانتقال من حال الى حال، و أمّا ما في رواية معلّى بن خنيس (1)من قوله (عليه السلام):

«فاسجد معه و لا تعتدّ بها» و قوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن شريح (2)«سجد معه و لم يعتد بها» فالظاهر عدم الاعتداد بالسجدة التي أتى بها بعنوان المتابعة، حيث إنّ مناط إدراك الركعة إدراك الركوع مع الإمام لا السجود معه، و ليس للتكبيرة فيهما سبق الذكر حتّى يرجع عدم الاعتداد إليها.

و منها: انّ السجود أو الجلوس للتهشد أو نفس التشهد زيادة في الصلاة أم لا،

و على تقدير كونها زيادة هل هي زيادة مغتفرة في الجماعة أم لا؟ امّا السجود فحيث إنّ الإتيان به ليس بعنوان انّه من واجبات الصلاة فلا معنى لكونه زيادة في الصلاة، و منه علم حال الجلوس و التشهد و لو قلنا بأنّ دائرة الزيادة أوسع من ذلك نظرا إلى قوله (عليه السلام) (3): في السجود للعزيمة «إنّ السجود زيادة في المكتوبة» فإسراؤه الى الجلوس و التشهد بلا وجه، مع انّ التشهد- كما هو المروي (4)في المأموم المسبوق- بركة فلا مانع من المتابعة فيه، لانّه حيث يؤتى به بعنوان المتابعة بركة، إلّا أنّ المذكور في روايات الباب نفس الجلوس مع الإمام و ليس فيها ذكر التشهد من المأموم.

ثمّ على تقدير كون المذكورات زيادة في نفسها إلّا أنّها حيث كانت بعنوان المتابعة فهي مغتفرة في الجماعة.

و دعوى- أنّه لا دليل على الكليّة، و انّما الدليل في مورد رفع الرأس عن


1) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 4، ص 779، الحديث 1، من الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة.

4) الوسائل: ج 5، ص 467، الحديث 1، من الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

الركوع، أو السجود سهوا- مدفوعة: بأنّه كما يستفاد من الأمر بالعود انّ الركوع و السجود زيادة مغتفرة، كذلك يستفاد من الأمر بالسجود مع الإمام، و الأمر بالجلوس في التشهد معه انّهما من الزيادة المغتفرة.

و دعوى- انّ الأمر بالسجود للمتابعة لا يكشف عن اغتفار الزيادة، إذ لا مانع من بطلان الصلاة بها إلّا حرمة قطع الصلاة بعد انعقادها، و حيث إنّ الدليل هنا أخصّ ممّا دلّ على حرمة القطع فنلتزم بعدم الحرمة التكليفية مع ترتب أثره الوضعي- مدفوعة: بأنّ الظاهر من أخبار الباب إدراك فضيلة الجماعة بعقد الصلاة، و مع المبطل يكون المأتي به كالعدم فيؤل الأمر إلى إدراك فضيلة صلاة الجماعة بغير الصلاة. مضافا الى انّ السجدة الاولى و ان وقعت بعنوان المتابعة، و الإبطال فرع تحقّقها فلا يمنع عن تحقّقها. إلّا انّ السجدة الثانية تقع بعد بطلان الصلاة بالسجدة الأولى التي هي زيادة عمديّة على الفرض، فلا معنى لاتيانها بعنوان المتابعة العمليّة في الصلاة.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ أخبار الجلوس للتشهد غير متعرضة إلّا لنفس الجلوس الذي هو من واجبات التشهد دون التشهد، إلّا أنّه كما في المأموم المسبوق يستحبّ فيه بعنوان المتابعة لكونه في نفسه بركة فلا يكون زيادة عمديّة لكن هل يستحبّ المتابعة في السلام، كما يظهر من بعض الأعلام (رحمه اللّه) في تعليقته على العروة أم لا؟ فإنّه و ان لم يكن زيادة لكنّه كلام آدميّ فاغتفار الزيادة لا يوجب اغتفار الكلام الآدميّ و لا يخرج الكلام الآدمي عن كونه كلاما بإتيانه بعنوان المتابعة. نعم إذا دلّ الدليل على استحباب المتابعة فيه يستكشف منه عدم كونه قاطعاً في مثل هذه الحال و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

و منها: انّ الأخبار كما تضمّنت الأمر بالسجود كذلك النهي عنه،

و كما تضمّنت الأمر بالجلوس كذلك النهي عنه، أمّا المتابعة في السجود ففي رواية معلّى بن خنيس (1)و رواية معاوية بن شريح (2)الأمر بالسجود مع الإمام، و في رواية


1) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

البصري (1)خلافه، حيث أمر باللبث مكانه حتّى يرفع الإمام رأسه فإمّا يقعد فيتابعه في القعود، و إمّا يقوم فيتابعه في القيام، مع أنّ استعلام حال الإمام من حيث القعود و القيام يجامع المتابعة في السجود و لا يتوقّف على اللبث مع عدم السجود معه كما هو واضح، فيدلّ بالالتزام على عدم جواز السجود مع الإمام، إلّا أنّه لا ينبغي الريب في تقديم روايتي الجواز لأنهما نصّ فيه فيقدّم على الظاهر في عدمه، مع انّه لا ظهور إلّا على «مسألة الضد» مع أنّ الأمر باللبث للإرشاد لا للوجوب النفسي، فلا ينافي ثبوت فائدة اللبث في غيره أيضا. هذا و أمّا الجلوس بمتابعة الإمام فمقتضى رواية معاوية بن شريح (2)و رواية البصري (3)و موثّقة عمّار (4)الأمر بالجلوس و مقتضى موثّقة عمّار الأخرى (5)النهي عن القعود مع الإمام و تعارضهما تعارض النّص و الظاهر فليحمل النهي على نفي اللزوم في مقام توهّمه كالأمر في مقام توهّم الحظر، خصوصا بملاحظة أنّ مورد النهي هو التشهد الأوّل فلا يفوت إدراك فضيلة الجماعة بعدم المتابعة بالجلوس، بخلاف التشهد الأخير و أمّا صحيحة محمد بن مسلم (6)حيث «قال: متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام قال (عليه السلام): إذا أدرك الإمام و هو في السجدة الأخيرة من صلاته» فان ظاهرها أنّها أخر ما تدرك حيث لا شبهة في الإدراك قبلها، فهي أيضا من تعارض النص و الظاهر، خصوصا مع انّ ظهورها بالمفهوم و تحمل على انّها أخر المرتبة الكاملة من الإدراك فإنّ السجود من أعظم أركان الصلاة و أجزائها و اللّه اعلم.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن ان تفصيل المشهور- بين إدراك الإمام في التشهد الأخير فلا يستأنف التكبير، و إدراك الإمام في غيره فيستأنف- مخدوش: بما فصّلنا القول فيه لأن منشأ الاستيناف ان كان عدم المقتضي لانعقاد الصلاة، فقد عرفت دلالة الروايات من وجوه على انعقادها، و ان كان وجود المانع و المبطل بعد انعقادها و هي الزيادة العمديّة، فقد عرفت عدم اختصاصه بالسجود مع الإمام و اغتفار


1) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 5، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 5، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 4، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 3، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

6) الوسائل: ج 5، ص 449- 448، الحديث 1، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

الزيادة و عدمه في الكلّ على حدّ سواء، فلا يصغي الى دعوى انّ الروايات الظاهرة في انعقاد الصلاة منحصرة في موثقتي عمّار و إحداهما مخصوصة بالمتابعة في التشهد الأخير، و الثانية و هي قوله (عليه السلام): «يفتتح الصلاة» غير مشتملة على زيادة عمدية أصلا يحتاج حتّى الى استيناف التكبيرة.

حادي عشرها [في الرجل يدخل المسجد و خاف أن تفوته الركعة]
اشارة

المعروف في الكتب تبعا للنصّ، انّه إذا دخل المسجد و خاف فوات الركوع بركوع الامام ان مشى إليه، فله أن يكبّر و يركع و هو في مكانه و يمشي إليه في الركوع، أو عند القيام و تنقيح الكلام برسم أمور في المقام.

منها: انّ مورد النصّ هل هو حيثية الانفراد عن الصفّ

فخوف الفوات مسوّغ لهذا المكروه فيكون استثناء عن الاقتداء منفردا عن الصفّ في قبال قيامه في الصفّ، أو حيثية البعد عن الإمام و عمّن يتّصل به، فيكون استثناء عن عدم صحّة الاقتداء مع البعد بما لا يتخطّى عن الإمام، فعلى الأوّل يجب مراعاة جميع شرائط الجماعة، دون الثاني فإنّه محلّ البحث كما ستعرفه ان شاء اللّه تعالى، و حيث إنّ مدرك الفتوى و مورد الاستفادة هي نصوص الباب فلا بدّ من التيمّن بذكرها فمن النصوص صحيح محمد بن مسلم (1)«عن أحدهما (عليهما السلام) انّه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف ان تفوته الركعة فقال (عليه السلام): يركع قبل ان يبلغ القوم، و يمشي و هو راكع حتّى يبلغهم» و من النصوص صحيح (2)عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) «قال (عليه السلام): إذا دخلت المسجد و الإمام راكع فظننت أنّك إن مشيت اليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر و اركع فاذا رفع رأسه فاسجد مكانك فاذا قام فالحق بالصفّ و إن جلس فاجلس مكانك فاذا قام فالحق بالصفّ» و من النصوص ما عن إسحاق بن عمّار (3)«قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أدخل المسجد و قد ركع الإمام فأركع بركوعه و أنا وحدي و أسجد فاذا رفعت رأسي فأي شي‌ء أصنع قال (عليه


1) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

السلام): قم فاذهب إليهم فإن كانوا قياما فقم معهم و ان كانوا جلوسا فاجلس معهم» أمّا الخبر الأخير فربما يستفاد من قول السائل «فأركع بركوعه و أنا وحدي» انّ الباعث على السؤال حيثية انفراده عن الصفّ، لا بعده عن الإمام و يوافقه الجواب بالذهاب إليهم قياما كانوا أو جلوسا بعد إتيان الركوع و السجود منفردا، و يوافقه في هذا المضمون ما في الخبر الأوّل من قوله (عليه السلام): «قبل ان يبلغ القوم» و قوله (عليه السلام) «حتّى يبلغهم» حيث يشعر بانّ وجه السؤال الانفراد عن القوم و كذا الخبر الثاني حيث تضمّن الإلحاق بالصفّ، فكان الغرض الباعث على السؤال انفراده عن الصفّ.

و يمكن ان يقال: انّ الانفراد عن الصفّ تارة في قبال كونه معهم، و اخرى في قبال عدم الاتصال بالإمام و لذا عبّر في الخبر الثاني بقوله (عليه السلام): «فظننت انّك ان مشيت اليه رفع رأسه» فالمشي إلى القوم من حيث إنّه مشي الى من يتّصل بالإمام، لا من حيث إنّه صفّ يسدّ خلله و فرجه، و يساعده الأمر الظاهر في الوجوب بالمشي و الذهاب فإنّه يناسب رفع البعد المانع عن الاقتداء لا مجرّد كونه في الصفّ الذي هو مستحبّ و خلافه مكروه. و يؤيّده تفريع الخوف و الظن على الدخول في المسجد حال ركوع الإمام، فإنّه بعيد عادة عن الإمام و بعده المانع في غير هذه الحال هو الباعث على السؤال، أو التعرض لحكمه ابتداء من الإمام كما في الخبر الثاني، و أمّا تخيّل الظهور- في البعد المانع من حيث الأمر بالالتحاق بالصف في القيام الأوّل و ان لم يلتحق ففي القيام الثاني نظرا إلى أنّه كاشف عن البعد بما لا يتخطى- فمندفع بأنّ الرواية غير متعرّضة لقيامين، بل المراد انّ الإمام بعد سجوده إمّا أن يقوم أو يجلس فإن قام التحق به، و إن جلس فالمأموم يجلس مكانه و يلتحق به عند قيامه فلا قيام إلّا مرّة و لا الالتحاق إلّا فيه، فتدبّر.

و حيث عرفت أنّ الأظهر ورود النصوص مورد البعد عن الإمام، تعرف انّه ليس بين هذه النصوص و ما دلّ على مانعيّة البعد بما لا يتخطّى عموم من وجه بل نسبة العموم و الخصوص حيث لا موجب للسؤال عن البعد الغير المانع، أو عن مطلقة الشامل لغير المانع فضلا عن التعرض لحكمه ابتداء من الإمام (عليه السلام) كما في

الخبر الثاني، و لا موجب للمشي الى الإمام حتّى يخاف معه فوت الركعة حتّى تكون فضيلة إدراك الركعة مسوّغة للتكبير في مكانه لأنّه سائغ بنفسه، و منه تعرف انّه لو فرض لنصوص الباب إطلاق لا يعامل مع نصوص الطرفين معاملة العامّين من وجه بل لا بدّ من تقديم إطلاق هذا الباب و إلّا لكان موجبا لإلغاء العام في ما نحن فيه رأسا فإنّ البعد الغير المانع يسوغ معه التكبير و هو في محلّه، و لا مجال معه لخوف فوات الركعة، فلو قلنا بمانعيّة البعد بما لا يتخطّى مع خوف فوات الركعة، كان مرجعه الى أنّ خوف فوات الركعة الذي هو عنوان عموم الباب لغو بلا أثر نظير ما ذكرنا في محلّه من عدم صحّة معاملة العموم من وجه بين عموم ما دلّ على «نجاسة البول و الخرء ممّا لا يؤكل» (1)و عموم ما دلّ (2)على «أنّ كلّ ما يطير فلا بأس ببوله و خرئه» فان طهارة فضلة ما يؤكل لحمه من الطيور ليست من حيث كونه طيرا بل من حيث كونه ممّا يؤكل لحمه فلو أخرجنا مما لا يؤكل لحمه من الطيور من تحت هذا العموم كان مرجعه إلى إلغاء عنوان هذا العام و لغويّة أخذ عنوان الطير رأسا، هذا بناء على ما استظهرناه من النصوص من كونها واردة مورد البعد عن الإمام. و أمّا إذا قيل:

بأنّها واردة مورد الانفراد عن الصفّ، و انّ كراهته بمقتضى هذه الأخبار مقصورة على صورة الاختيار- فعدم إطلاقها لصورة البعد المانع سؤالا و جوابا واضح، إذ لا يوصف الانفراد عن الصف بالكراهة إلّا بعد انعقاد الجماعة فلا بدّ من استجماعها لجميع الشرائط.
و منها: عدم البعد بما لا يتخطّى،

فلا معنى للسؤال عن كراهة الانفراد الأعم ممّا إذا كان مع البعد المانع و عدمه فضلا عن التعرض لحكم الانفراد ابتداء من الإمام بنحو العموم. و ممّا ذكرنا تعرف حال الإطلاق من غير جهة البعد بناء على ما استظهرناه من النصوص فان الحكم الابتدائي و الجواب عن السؤال كلاهما مسوق لعدم مانعيّة البعد فلا إطلاق لها من حيث الحائل، أو علوّ الإمام، أو غير ذلك و ليس شي‌ء منها لازما عاديا و لو غالبيا للبعد المانع حتّى يكون الترخيص فيه


1) الوسائل: ج 2، ص 1008، الحديث 2، من الباب 8 من أبواب النجاسات.

2) الوسائل: ج 2، ص 1013، الحديث 1، من الباب 10 من أبواب النجاسات.

ترخيصا فيها. هذا إذا أريد إطلاق عدم مانعيّة البعد من حيث كونه مع الحائل و نحوه، و عدمه، و أمّا إذا أريد إطلاق خوف فوات الركعة و لو برفع الحائل، فالأمر أوضح لظهور النصوص في أنّ خوف الفوات بملاحظة المشي إلى الإمام، دون شي‌ء أخر فدعوى الإطلاق على هذا الوجه بلا وجه أصلا، فإنّ الخبر الأوّل و ان كان السؤال فيه مقصورا على خوف فوات الركعة من دون بيان لمنشئه، إلّا ان الجواب فيه صريح في انّ منشأه المشي إلى الإمام قبل التكبير كما هو صريح الخبر الثاني.

و كون الخوف مسوّغا لعدم الاعتناء بالبعد لا يقتضي بوجه عدم الاعتناء بالحائل فإنّه قياس محض.

ثمّ إنّه إذا قلنا: بأنّ مورد النصوص حيثيّة البعد المانع في صورة الاختيار فعدم الكراهة في الانفراد في مثل خوف الفوات خارج عن النصوص، لكنّه يمكن دعواه بالفحوى فان خوف الفوات إذا كان مسوّغا لعقد الجماعة مع فقد شرط صحّتها في غير هذه الحال، فلا محالة يسوّغ عقد الجماعة بلا كراهة مع فقد شرط كمالها، فتدبّر و أمّا جواز المشي للمنفرد فمنصوص عليه في محلّه كما سيجي‌ء ان شاء اللّه تعالى، و لا يمكن إثباته بالفحوى إذا كان المشي في نفسه غير جائز لأنّ المشي الغير الجائز إذا جاز لإدراك شرط صحّة الجماعة بقاء لا موجب لجوازه لإدراك شرط الكمال بقاء كما لا يخفى، فتدبّر.

و منها: أنّ الترخيص في المشي بل الأمر به [في أي حال]

بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم (1)في حال الركوع، و بمقتضى صحيحة عبد الرحمن (2)في حال القيام عن السجود، و كذا في رواية إسحاق بن عمّار (3). نعم رواية إسحاق بن عمّار تتضمّن لزوم القيام و المشي إلى القوم سواء كانوا قائمين أو جالسين، بخلاف صحيحة عبد الرحمن فإنها ظاهرة في لزوم الجلوس مكانه الى أن يقوم الإمام و مقتضى القاعدة بعد زوال خوف فوات الركعة بانعقاد الجماعة و إدراك الركعة بالتكبير و الركوع وجوب رفع


1) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

المانع عن الاقتداء بقاء في أوّل أزمنة الإمكان فإن كان المشي في حال الصلاة في نفسه جائزا لعدم الدليل على مانعيّة الفعل الكثير، أو مثل هذا الفعل و لذا جاز لرفع المكروه، كما في ما دلّ على جواز المشي لرفع كراهة الانفراد عن الصف، و ما ورد في مشي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في صلاته لإزالة النخامة في المسجد (1)و لم يعهد الترخيص في محرّم لدفع المكروه فلا إشكال في وجوب المشي لرفع المانع من حين الركوع الى ان يرتفع المانع. و ان قلنا:- بأنّ المشي في نفسه غير جائز و انّما جاز هنا لرفع المانع- فلا شبهة أيضا في أنّ المشي الركوعي، أو القيامي لا خصوصيّة له، بمعنى أنّ اللازم من المشي ليس متكيّفا بكيفيّة خاصّة بل المشي حيث إنّه مقدّمة لرفع المانع واجب كما هو صريح قوله (عليه السلام): «حتّى يبلغهم» (2)فإنّ الغاية المطلوبة هو بلوغ القوم و اللحوق بهم فيجب المشي لهذه الغاية اللازمة بمجرّد التمكّن منها في أيّ حال كان فصحيحة محمد بن مسلم (3)أوفق بالقاعدة من غيرها، و ليس دلالة صحيحة عبد الرحمن (4)على عدم وجوب المشي في الركوع إلّا بالسكوت، و عدم التعرض فلا تعارض ما يدلّ على وجوبه بل لو لوحظ جواز المشي و عدمه كانتا من النص و الظاهر و إذا جاز المشي وجب مقدّمة لرفع المانع بقاء.

و أمّا قوله (عليه السلام): في صحيحة عبد الرحمن (5)«فاسجد مكانك» فلعدم إمكان المشي عادة في السجود إلّا بتكلّف شديد. و أمّا رواية إسحاق بن عمّار (6)، فالركوع و السجود في مكانه مفروغ عنهما في كلام السائل و إنّما سأل عن تكليفه بعد هما حيث قال: «إذا رفعت رأسي فأيّ شي‌ء أصنع» فلا دلالة لها على عدم وجوب المشي حال الركوع، أو عدم جوازه، و عليه فليحمل صحيحة عبد الرحمن على عدم رفع المانع بالركوع فينحصر في المشي حال القيام، كما يمكن حمل الصحيحتين على التخيير بين الأمرين تسهيلا على المكلّف و اللّه اعلم.

و أمّا التعارض بين صحيحة عبد الرحمن و رواية إسحاق بن عمّار من حيث


1) الوسائل: ج 4، ص 1283، الحديث 1، من الباب 36 من أبواب قواطع الصلاة.

2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

6) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

دلالة الأولى على الجلوس مكانه و دلالة الثانية على القيام و المشي ثمّ الجلوس، فالثانية أوفق بالقاعدة فان التبعيّة للإمام في الجلوس لا تزاحم مانعيّة البعد عن الإمام لأنّ المتابعة العمليّة ليست واجبة بوجوب شرطي حتّى يقال: لا ترجيح لشرط على شرط، بل بوجوب نفسي فالمتابعة فرع صحة الجماعة بقاء، فلا تعقل المزاحمة مع المانع بل تجب المتابعة في الجلوس بعد رفع المانع بالقيام و المشي الى الإمام، إلّا أنّ الصحيحة نصّ في جواز الجلوس و ترك المشي بالقيام الى الإمام، و الرواية ظاهرة في وجوب القيام و المشي فيقدّم النصّ على الظاهر و تحمل الرواية على استحباب القيام و المشي، فلا ينافي جواز الجلوس، كما يمكن الحمل على التخيير برفع اليد عن ظهور كلّ منهما في تعيين متعلّقه.

و منها [رعاية الطمأنينة حان المشي للحوق بالركوع]

هل يجب الاقتصار على المشي في الركوع و القيام على غير حال الذكر و القراءة رعاية للطمأنينة الواجبة فيهما، أو يجوز له المشي و لو في تلك الحال، و حيث إنّ الطمأنينة شرط في أصل الصلاة و البعد بما لا يتخطّى مانع عن الجماعة، فعدمه شرط فيها، فمقتضى القاعدة رعاية الطمأنينة، إذ لا معنى لمزاحمة شرط الجماعة لشرط أصل الصلاة، مع أنّه لا جماعة إلّا في الصلاة المستجمعة لجميع الشرائط و الأجزاء، فليس اعتبارهما في عرض واحد ليعقل المزاحمة إلّا أنّ مقتضى إطلاق دليل جواز المشي في الركوع و القيام عدم شرطيّة الطمأنينة في مثل هذه الحال، و لا يرد عليه ما أوردناه سابقا، من عدم إطلاق دليل عدم مانعيّة البعد مع خوف فوات الركعة لصورة وجود مانع أخر، و ذلك لأنّ الغالب كون الركوع بمقدار الذكر فالترخيص في المشي حال الركوع ترخيص في ملازمه الغالبي. نعم ركوع الركعة الاولى من الإمام غالبا أزيد من الذكر إلّا أنّ كونه كذلك حتّى في الصدر الأوّل غير معلوم، و لعلّه لما ذكرنا يقال:

بأنّ هذه الأخبار في الدلالة على عدم لزوم الطمأنينة أظهر ممّا دلّ على اعتبارها، و ان كان بينهما عموم من وجه، فتدبّر جيّدا. و منه يعلم الفرق بين مثل الطمأنينة و مثل الاستدبار فإنّ الإطلاق لا يعمّ الثاني لعدم الملازمة الغالبيّة فيه، بل ورد في باب الانفراد عن الصفّ انّه لا ينحرف عن القبلة بل يمشي منحرفا الى أحد

جانبيه، فراجع و تدبّر.

و منها: انّ البعد الذي لا مانعية له هنا مطلق البعد،

و لو كان كثيرا جدّا أم لا؟

ظاهر الأخبار بلحاظ مواردها هو البعد الذي يرتفع بمجرّد المشي في الركوع المنزّل على المتعارف، أو القيام للقراءة المنزّل على المعارف فلا يعمّ البعد الكثير، و إن كان الكثير و القليل في المانعيّة على حدّ سواء، و تخيّل شموله للكثير- و توزيعه على الركوع و القيام الأوّل و الثاني، و استفادته من صحيحة عبد الرحمن (1)- قد تقدّم منعه، و أنّه لا تتضمّن الصحيحة إلّا للمشي في قيام واحد.

و أمّا دعوى- منافاته لصدق القدوة- فمدفوعة: بأنّ المراد ان كان منافاته للقدوة شرعا، فهو أوّل الكلام من حيث كون البعد الكثير مانعا كما في غير هذه الحال أولا. و إن كان منافاته للقدوة عرفا، فلا اعتبار بها شرعا مع أنّ الاقتداء لا يتقوّم إلّا بقصد ربط صلاته بصلاة الإمام و لا يتقوّم هذا المعنى بالقرب و البعد، مع أنّ البعد عمن اقتدى به و لو كان كثيرا غير ضائر و اتصاله بالمتصل بالإمام شرط شرعا لا مقوّم للقدوة عرفا. و الاجتماع المكاني غير مقوّم للاقتداء لا عقلا، و لا شرعا، و لا عرفا، و قد عرفت أنّ الاتصال شرط شرعا لأنّ المأموم لا يقتدي إلّا بالإمام لا بالمتّصل بالإمام.

و بالجملة: فلا مانع من البعد الكثير نعم لا مقتضى لجوازه لقصور الإطلاقات المسوّغة للبعد، و ان كان ظاهر الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في الجماعة (2)جوازه حيث قال: «و أحوط منه أن لا يدخل مع البعد الخارج عن العادة أيضا كما حكي عن الفاضل المقداد و بعض أخر فإنّ ترك المستحبّات احتياطا على الفرائض أمر مرغوب عقلا و نقلا و ان كان ذلك الاحتياط أيضا مستحبا» انتهى.

و منها: انّ المسوّغ لعقد الجماعة هو الظنّ بالفوت،

كما هو ظاهر صحيحة


1) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 376، (الطبعة الحجرية).

عبد الرحمن (1)، أو الخوف كما هو مقتضى صحيحة محمد بن مسلم (2)و إرجاع الظنّ الى الخوف للملازمة العاديّة بين الظنّ و الخوف، فالعبرة بالخوف أو إرجاع الخوف إلى الظنّ للملازمة الغالبيّة بين الخوف و الظنّ، أو تقييد الخوف بالظنّ و المعاملة مع الخبرين معاملة المطلق و المقيّد، وجوه إلّا انّ كلّ ذلك إذا كان المسوّغ منحصرا في واحد يتردد أمره بينهما حتّى يتوجّه الوجوه المذكورة، مع انّه ليس كذلك، إذ لا شبهة في أنّه مع القطع بعدم اللحوق و فوت الركعة، له الدخول في الصلاة و هو بمكانه، فلا موجب لتوهّم وحدة الملاك المسوّغ حتّى ينزل أحد الأمرين على الأخر، أو نلتزم بالتقييد، بل له الدخول سواء علم بالفوات، أو ظنّ، أو احتمل احتمالا عقلائيّا ينبعث منه خوف الفوت، و اللّه العالم.

و منها: انّه هل الواجب هو المشي الظاهر في التخطي بالخطوات

أو جرّ رجليه على الأرض، و لا يخفى أنّ لزوم الجرّ لا تقتضيه القاعدة، نظرا إلى أنّ المشي فعل كثير لا مسوّغ له إلّا رفع المانع و هو يتأتّى بالجرّ فلا يتعيّن المشي، و ذلك لانّ المشي بعنوانه إذا لم يكن ممنوعا عنه بل هو إذا كان ممنوعا فباعتبار كونه فعلا كثيرا باستمرار الخطوات و استمرار جرّ الرجلين كذلك و مع التوزيع كما انّ الجرّ ليس فعلا كثيرا، كذلك التخطّي الذي يوزّع على الركوع و القيام فالعمدة ورود المرسلة التي أرسلها الصدوق في الفقيه (3)حيث قال (رحمه اللّه): و روي «أنّه يمشي في الصلاة يجرّ رجليه و لا يتخطّى» فإنّها ان كانت حجة كانت مقدّمة على الروايات المتكفلة للمشي، لا لأنّها بالإضافة إلى تلك الروايات كالمقيّد بالإضافة إلى المطلق لأنّ التخطّي و الجرّ متباينان، و ظاهر المشي هو التخطيّ فلا موقع للحمل المزبور، بل ظاهر المرسلة- حيث ذكر فيها الأمر بالمشي المتعقّب بذكر الجرّ- كونها بمنزلة الشارح لتلك الروايات الظاهرة في التخطّي، فلا تعارض، و لا إطلاق و تقييد في البين، و لو لا هذه الحيثية لكان مقتضى تقديم النصّ على الظاهر جواز التخطي،


1) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3 و 1، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3 و 1، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الفقيه: ج 1، ص 254، الحديث 58، من الباب 56 الجماعة و فضلها (طبعة الآخوندي).

و حمل الأمر (1)بالجرّ على الاستحباب و النهي عن التخطي على الكراهة. و هذا هو الوجه في ذهاب (2)الى استحباب الجرّ، فالعمدة الخدشة في حجيّة المرسلة و إلّا فمع فرض الحجّيّة لا ينبغي الإشكال في تقديم المرسلة للحكومة، و مقتضاها وجوب الجرّ لا استحبابه.

و منها [أن عنوان المسجدية لا اختصاص له في اللحوق]

انّ ظاهر الروايات اعتبار الدخول في المسجد فيتوهم الاختصاص بالدخول في المسجد و نحوه، كما انّه يتوهّم خصوصيّة المسجد فيجب الاقتصار عليه، و الظاهر انّه لم يذكر المسجد إلّا لأنّ الجماعة في تلك الأزمان لم تنعقد إلّا في المسجد، و الدخول لا اختصاص له بالحضور في بناء من مسجد، أو دار، كما في قوله تعالى (3)«ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ» مضافا الى أنّ الظاهر انّ المسوّغ لعقد الجماعة خوف فوات الركعة لا خوف فوات فضيلة المسجد في الركعة، فالمسجديّة و عنوان الدخول على فرض اختصاصه بالكون في بناء، أجنبي عن هذا الملاك، و اللّه أعلم.

الشرط الرابع ان لا يكون بين الإمام و المأموم حائل بحيث يمنع عن المشاهدة،

اشارة

و قبل الخوض فيه ينبغي تقديم مقدّمة تتضمّن حكم الشكّ في شرطيّة شي‌ء للجماعة حتّى يرجع اليه مع عدم إحراز الإطلاق، فنقول: لا ريب في أنّ المرجع في باب الجماعة مع عدم الإطلاق في أدلّة الأحكام، المخالفة للعمومات الى عموم (4)«لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» أو إلى عموم (5)«من زاد في صلاته» أو الشاكّ حكمه كذا و لا يرجع الى البراءة شرعا عن قراءة الفاتحة مثلا عند الشكّ مع الدليل على وجوبها،


1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 254، الحديث 58، (طبعة الآخوندي).

2) هكذا في النسخة الأصلية و لعل الصحيح «في ذهاب [جمع] أو [بعضهم] إلى.».

3) المائدة: 5.

4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجريّة)

5) الوسائل: ج 5، ص 332، الحديث 2، من الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

هذا هو الحكم الكلّي في العام المخصّص بالمجمل المردّد بين الأكثر و الأقل، و هل في باب الجماعة خصوصيّة من حيث التمسّك بإطلاق دليل المخصّص، أو من حيث رفع شرطيّة شي‌ء بالبراءة أم لا؟ أمّا من حيث الإطلاق فمبنيّ على انّ الجماعة المترتّبة عليها أحكام تكليفية و وضعية، هل هي الربط القصدي من المصلي لصلاته بصلاة الإمام بشرائط خاصّة به شرعا، أو ربط اعتباري من الشارع على طبق الربط القصدي عند اجتماع ما يراه الشارع شرطا فان مجموع هذه الأمور محقّق لذلك الربط الاعتباري المعبّر عنه بالجماعة الواقعيّة الشرعيّة، فلا يعقل التمسّك بإطلاق دليل الحكم على تلك الجماعة، إذ دليل الحكم لا يتكفّل تعيين موضوعه إطلاقا و تقييدا بل لا بدّ في كلّ مطلق إحراز ذات المطلق، و دفع ما يرد عليه من القيود بإطلاق دليله، و ذات المطلق هنا نفس الاعتبار الذي لا يحرز إلّا بعد إحراز مجموع ما يتحقّق عنده الاعتبار الخاص، و ليست القيود واردة على الجماعة، بل مقوّمة لمحقّقها، بخلاف ما إذا كانت الجماعة مجرّد ربط المصلّي صلاته بصلاة الإمام مع الشرائط فإنّ ذات الربط محرز و الشرائط قيود واردة عليه لا محقّقة له، فيمكن التمسك بإطلاق دليل المخصص و نفي، ما يشك في قيديّته و لا موجب للالتزام بأمر اعتباري من الشارع، و لا يقاس باعتبار الشارع في باب المعاملات على طبق الاعتبار من العرف فإنّه حيث كان عنوانه إمضاء المعاملة، لم يكن معنى له إلّا اعتبار الملكية بالعقد على طبق اعتبار العرف لها، و لا حاجة هنا إلّا الى جعل أحكام تكليفيّة و وضعية فيما إذا اقتدى المأموم بإمام بضميمة قيود اعتبرها الشارع لتأثير ذلك الاجتماع في الغرض المترقّب منه، لا في تحقّق الاعتبار مقدّمة لجعل تلك الأحكام نعم ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة زرارة الاتية حيث قال (1)(عليه السلام): «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام» و بعده أيضا «فليس تلك لهم بصلاة» فإنّ الظاهر نفي الحقيقة و نفي الإمامة يستلزم نفي المأمومية للتضايف، و يستلزم نفي الجماعة، و كذلك نفي الصلاتية الراجع


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

إلى نفي الجماعة في الصلاة، مع انّ الاقتداء و الربط القصدي من المصلّي موجود حقيقة، إلّا أنّ هذا التركيب لشيوع وروده في نفي الصحّة، و في نفي الآثار المترقّبة من الشي‌ء لا يبقى له ظهور في نفي الحقيقة حتّى يستكشف منه ثبوت حقيقة لها شرعا، و أمّا جواز العدول اختيارا و عدم جوازه، فليس وضعيّا كالفسخ في العقد، حتّى يستكشف من انحلال الربط (1)عدم انحلاله شرعا، اعتبار الارتباط شرعا بل تكليفي محض، فاذا نوى الانفراد ينفرد قهرا سواء جاز له ذلك شرعا أولا.

و استيناف القراءة و لو كان الانفراد بعد إتمام القراءة من الإمام، ليس لبطلان الارتباط من الأوّل شرعا لفرض بقاء الارتباط القصدي الى حال الانفراد، و يستحيل انقلاب ما وقع عمّا هو عليه بل القول به لإناطة سقوط القراءة عنه ببقائه على قصد الائتمام الى ان يفوت محل القراءة. هذا تمام الكلام من حيث إمكان التمسك بإطلاق دليل المخصّص.

و أمّا من حيث نفي قيديّة ما شكّ في شرطيّته بحديث الرفع و شبهه في قبال عموم (2)«لا صلاة إلّا بالفاتحة» و سائر العمومات فعن شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (3)في الجماعة «التفصيل بين ترتّب السقوط على وقوع الجماعة مصداقا للمستحبّ شرعا، و كون الأحكام الوضعية المخالفة للعمومات في طول الحكم التكليفي بالاستحباب فيجدي البراءة و كونهما في عرض واحد واردين على ذات الجماعة فلا مجال للبراءة».

و بيانه بتوضيح أمور:

منها: انّ معنى ترتّب الأحكام الوضعية للجماعة على استحبابها، ترتّبها على وقوع الصلاة مصداقا للمستحب لا على نفس استحبابها كيف و الاستحباب محفوظ مع عدم ترتّب تلك الآثار إذا صلّى فرادى فلا يتوهّم انّه لا شكّ في ثبوت الاستحباب


1) هكذا في النسخة الأصلية، و الصحيح «و عدم».

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 347، (الطبعة الحجرية).

فلا شكّ في ترتّب الآثار فما معنى إجراء البراءة بل وقوع الصلاة مصداقا للمستحبّ مع عدم الشرط المشكوك حاله مشكوك.

و منها: انّ الاقتداء المتقوّم بربط صلاته بصلاة الإمام، و المستحب شرعا و ما يسمّى بالشرط قيد للمستحبّ، لا أنّ التقيّد به مستحب و إلّا لم يكن القيود شرائط بل مقوّمات لذات الواجب ففرض الشرطيّة فرض ورود القيد على المستحبّ، لكنّه حيث كان ترتّب الغرض على المستحب منوطا بأمور خاصّة فلذا يتقيّد بها المستحب فما لم يقترن ذات المستحب بتلك القيود لا يترتّب عليه الغرض، فلا يقع الاقتداء مصداقا فعليا للمستحب لبقاء الأمر الاستحبابي على حاله لعدم حصول الغرض المترقّب منه المنبعث عنه الأمر الاستحبابي.

و منها: انّ المستحب الذي يترتّب عليه تلك الآثار من سقوط القراءة و غيره، أعمّ من المستحب واقعا و ظاهرا كما اعترف به الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في طيّ كلامه هنا و هو واضح أيضا.

و منها: انّ استحباب الجماعة بما هو لا ينافي وجوب القراءة فلا تعارض بين دليل الاستحباب و عموم (1)«لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» حتّى إذا شككنا في وقوع الاقتداء مصداقا للمستحب وجب الرجوع الى عموم «لا صلاة» إلخ.

إذا عرفت هذه الأمور تعرف أنّه متى شكّ في قيديّة شي‌ء لوقوع الاقتداء مصداقا للمستحب و امتثالا للأمر الاستحبابي لا يجب فيه الرجوع الى عموم «لا صلاة» إذ ليس هو بالإضافة إلى العموم المزبور من موارد المخصّص المردّد بين الأقلّ و الأكثر، و المفروض انّ الاستحباب ثابت لذات الاقتداء لا أنّ المقيّد مستحبّ حتّى يتوهّم انّ البراءة عن المقيد المشكوك بحديث الرفع لا يثبت استحباب المجرّد عنه، و حيث إنّ المفروض ترتّب سقوط القراءة على وقوع الاقتداء مصداقا للمستحب، و لو بنفي قيده ظاهرا فيتحقّق به موضوع تلك الأحكام قهرا، و مع تحقّق موضوع المخصّص لا مجال للرجوع الى العموم، و هذا بخلاف ما إذا كان


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

الحكمان في عرض واحد واردين على ذات الاقتداء فان رفع القيديّة عن وقوعه مصداقا للمستحب لا يجدي، حيث إنّه على الفرض ليس موضوعا لسقوط القراءة، و رفع القيديّة عن سقوط القراءة مع وجود الدليل العام على ثبوتها لا معنى له هذا ما لزم بيانه في توضيح كلامه زيد في علوّ مقامه لكنّك قد عرفت سابقا من الإجماع على الملازمة بين وقوع الجماعة مستحبّة و ترتّب الأحكام. فنفس دليل الملازمة يكفي في قبال عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و غيره من العمومات بعد نفي القيديّة عن وقوعه مصداقا للمستحبّ بدليل البراءة. و منه يتّضح انّه لنا نفي القيد المشكوك بدليل البراءة على أيّ حال غاية الأمر أنّه تارة بلا ضميمة الملازمة، و أخرى معها.

و حيث عرفت إمكان التمسّك بإطلاق أدلّة الشرائط و إمكان إجراء البراءة إن لم يكن إطلاق، فنقول:

تنقيح هذا الشرط برسم أمور:
الأوّل [هل يكفي عدم الحائل من أحد الجانبين من الاتصال بالإمام]
اشارة

انّه هل اللازم عدم الحائل بين المأموم و الإمام، أو المأموم من جانب الإمام، و لا يجدي عدم الحائل بين المأموم و بين من يتّصل بواسطته بالإمام، أو يكفي عدم الحائل من أحد الجانبين من الاتصال بالإمام، و مدرك اعتبار عدم الحائل صحيحة زرارة (1)و هي «قال (عليه السلام): ان صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة فإن كان بينهم سترة، أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلّا من كان حيال الباب (قال) و هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس و إنّما أحدثها الجبّارون و ليس لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة» الخبر. و الخلاف و الإشكال نشأ من استثناء «من كان بحيال الباب» و قصر الصحّة عليه فيدلّ على عدم كفاية مشاهدة الواسطة في الاتصال من أحد الجانبين، و لا يخفى انّ محتملات المستثنى


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة. أورد ذيله في: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

منه إمّا الصفّ بما هو صفّ، أو أهله بنحو المجموع و أمّا أشخاص أهل الصف، فان كان المراد هو الأوّلان أي الصفّ بما هو، أو أهله بنحو المجموع، فمقتضى التحفظ على اتصال الاستثناء كون المستثنى أيضا كذلك، و عليه فالخارج من عموم الصفّ الذي كان بينه و بين الصفّ المتقدّم جدار مثلا هو الصفّ الذي بحيال الباب، إلّا أنّه يبعّده ظهور الموصول في الشخص لا في المجموع فضلا عن الصفّ بما هو صفّ فإنّه لا يعبّر ب «من» عمّا لا يعقل. و إن كان الأخير و هو كون المستثنى منه، أشخاص أهل الصفّ كما هو الظاهر فالمستثنى أيضا هو شخص الواقف بحيال الباب إلّا أنّه يبعّده انقطاع الاستثناء إذ ليس على الفرض بينه و بين من يتقدمه حائل فهو خارج موضوعا، فلكلّ من الوجهين موافقة للظهور من وجه، و مخالفة له من وجه آخر.

و تقوية الوجه الأوّل باستفادة اعتبار مانعيّة الحائل بالإضافة إلى الهيئة الاجتماعيّة من كلّ صفّ بالنسبة إلى الصفّ المتقدّم، فاذا كان بعض المأمومين بلا مانع فالمجموع بما هو مجموع بلا مانع.

مخدوشة أوّلا: بأنّ الظاهر من هذا الشرط كسائر شرائط الصلاة و الجماعة، كونه شرطا بالنسبة الى كلّ واحد من المصلّين.

و ثانيا: بأنّه لا يجدي في حفظ ظهور الموصول في الشخص، و هو العمدة في المقام.

بل يمكن أن يقال: مع جعل المستثنى منه الصفوف و التحفظ على ظهور الموصول بقصر الصحّة على خصوص «الواقف بحيال الباب» بتقريب أنّ مانعيّة الحائل و ان كانت ليست بالنسبة إلى آحاد المأمومين إلّا أنّه حيث كان عنوان الدليل هو الصفّ و أهله كان آحاد أهل الصفّ مقوّما له و داخلا في المستثنى منه بالتبع، فإخراج من يتقوّم به الصفّ و أهله ليس موجبا لانقطاع الاستثناء لدخول المستثنى في المستثنى منه بالتبع من حيث تقوّم الداخل به.

نعم هنا مقربات هي بمنزلة القرينة- على انّ المراد مانعيّة الحائل بين المأموم و من ينوط به صحة جماعته إماما كان، أو مأموما يتّصل به بالإمام- و هي أمور

منها: انّ مسألة مانعيّة الحائل كمانعيّة البعد عن الإمام،

فإنّ الصحيحة متكفّلة

لهما على سياق واحد، و من المعلوم انّ القرب بما لا يتخطّى الى الإمام غير متصور إلّا لواحد، أو اثنين، أو ثلاثة ممّن خلفه، و أمّا سائر أهل الصفّ الأوّل فبعدهم عنه بما لا يتخطّى في غاية الوضوح، و صحة صلاتهم مع اتّصالهم بالمتّصل بالإمام بلا كلام و لا مدرك للصحّة و الفساد من هذه الحيثية إلّا هذه الصحيحة فلا يراد من قوله (1)(عليه السلام): «بينهم و بين الامام» و من قوله (عليه السلام): «بينهم و بين الصف الذي يتقدّمهم إلّا الإمام و من يتّصل به و الصف الذي يتّصل به» فمناط القرب و البعد هو من به يصحّ الاقتداء إماما كان، أو مأموما متقدّما كان أو على أحد جانبيه، و لا يمكن أن يراد مقدار ما لا يتخطّى عرضا بالإضافة الى الإمام، أو الصفّ المتقدّم فإنّ النسبة من حيث العرض محفوظة في جميع آحاد الصفّ، و إنّما لا يمكن إرادته لأنّ هذا التقدير محفوظ مع تركّب الصفّ من قطعات منفصلة كلّ قطعة عن الأخرى بما لا يتخطى، و لا يمكن القول بصحته. و لعلّ من يقول بانّ القرب و البعد يلاحظان بالنسبة إلى المجموع، و انّ الصفّ المتقدّم إذا كان عشرة، و الصفّ المتأخر مائة كان الثاني متّصلا بالأوّل بما لا يتخطى يؤل أمره الى ما ذكرنا، و لا أظنه يلتزم به.

و منها [أن المدار مشاهدة من يتصل به]

انّ المدار إذا كان على مشاهدة خصوص المتقدّم إماما كان أو صفّا من دون اعتبار بمشاهدة من يتّصل بسببه بالإمام و لو من أحد جانبيه يلزم صحة صلاة من يشاهد الإمام، أو الصفّ المتقدّم عليه بكثير، و كان بينه و بين من يتّصل به حائل، فإنّ من يتّصل به لا يعتبر عدم الحيلولة بينهما، و من يشاهده غير متّصل به، و لا يقول بصحّته أحد مع وجدان القرب ممّن يتّصل به و وجدان المشاهدة لمن يتقدّمه، فلا وجه لبطلان صلاته، إلّا أنّ المعتبر مشاهدة من يتّصل به إماما كان أو مأموما في أمامه أو في أحد جانبيه فمشاهدة من لا يتّصل غير مقيّدة، و الاتّصال بمن لا يشاهده غير مجد، و لا يمكن دعوى لزوم مشاهدة من يتّصل به من جانب القدّام، فان لازمه بطلان صلاة من يتّصل به من أحد الجانبين مع عدم الحيلولة بينه و بين


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

المتّصل به، و لا بينه و بين قدّامه ممّن لا يتّصل به، فيعلم منه انّ العبرة بمشاهدة من يتّصل به من أيّ طرف كان، و لا مدرك للصحّة و البطلان في هذه الفروض إلّا هذه الصحيحة.

منها [قصر البطلان في ذيل الصحيحة على الصلاة خلف المقصورة]

ما أفاده الشيخ الأجلّ (1)(قدّس سرّه) في باب الجماعة من استفادة الصحّة- من قصر البطلان في ذيل الصحيحة على الصلاة خلف المقصورة- بتقريب:

انّ المأموم حيث إنّه مواجه للقبلة فهو مواجه للمقصورة و المقصورة قدّامه، فلا يراد من الصلاة خلف المقصورة إلّا الصلاة خلف حائط الجانبين من المقصورة، فإنّ المصلّي في جناحي المقصورة لا يشاهد الإمام و لا أحد المأمومين المشاهدين له، و هو مبني على أن يكون للمقصورة باب في داخل المسجد، و إلّا فلو انحصر في الباب الخارج كانت الصلاة بحيالها صلاة خلفها حقيقة. مع إمكان دعوى: انّ وجه المقصورة إلى داخلها و الخارج خلفها فالمصلّي دائما خلف المقصورة، إلّا إذا كان واقفا في داخل بابها فإنّه حينئذ مواجه لوجه المقصورة، و أمّا كون المقصورة قدّامه فهو غير مناف لكون المصلّي خلف حائطها فإنّه مواجه لخلفها لا لوجهها، كما انّ الإمام قدّام المأموم و مع ذلك فهو خلف الإمام، هذا.

و بالجملة: فيما ذكرناه أوّلا: كفاية في كون المراد من الصفّ المتقدّم هو من ينوط جماعته بالاتّصال به لا بما هو متقدّم، و إنّما اقتصر على المتقدّم لانّه المتعارف الغالب، و المتأخّر لا يجب ان يكون في أحد جانبيه أحد، و إلّا فلا خصوصيّة للمتقدّم بما هو متقدّم، و حينئذ لا بدّ من الالتزام بانقطاع الاستثناء و يكون قصر الصحة على الواقف بحيال الباب بالإضافة إلى الواقف في جناحيه لا بالنسبة إلى جانبي الواقف و لا مانع من صرف الظهور بالقرينة.

الثاني: هل المراد بالحائل المعبّر عنه في الصحيحة «بالسترة و الجدار» مطلق الساتر، أو الساتر المطلق،

الثاني: هل المراد بالحائل المعبّر عنه في الصحيحة (2)«بالسترة و الجدار» مطلق الساتر، أو الساتر المطلق،

بيانه: انّ السترة إذا أريد منها المعنى الوصفي اعني الساتر،


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 326، (الطبعة الحجرية).

2) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

فالظاهر منه ما هو الساتر بقول مطلق فما لا يكون ساترا في بعض أحوال الصلاة كالحائل القصير، أو المشبّك الذي لا يمنع عن المشاهدة، أو الحائل من الزجاج الذي لا يمنع عن الرؤية خارجة عن مدلول الرواية، و لا يعقل إطلاق الساتر الوصفي من حيث الستر و عدمه لعدم انحفاظ ذات المطلق معه بخلاف ما إذا أريد من السترة ذات ما يتستّر به المعبّر عنه بالفارسية «پرده» فإنّه كالجدار قابل للإطلاق من حيث كونه قصيرا لا يمنع عن المشاهدة أو مشبّكا مثلا.

و ربما يقال: بتعيّن الثاني نظرا الى عدم صحّة المقابلة بين السترة و الجدار كما يقتضيه العطف «بأو» فإنّه يقتضي المقابلة، مع انّه لا مقابلة بين الكلّي و فرده مع لزوم التنافي بين مقتضاهما، فان مقتضى إطلاق الساتر الوصفي خروج الأمثلة المتقدّمة، و مقتضى إطلاق الجدار دخولها بخلاف ما إذا أريد من السترة المعنى الاسمي فإنّه مقابل للجدار حقيقة و إطلاقهما على نهج واحد فيندرج السترة و الجدار تحت جامع يناسب إطلاقهما لا تحت جامع الساتر حتّى لا يكون فرق بين إرادة المعنى الوصفي و المعنى الاسمي من السترة.

و توضيح المقام انّ وجوه اعتبار مانعيّة الحائل أربعة.

أحدها: اعتبار مانعيّة ما لا يتخطى طولا نظرا الى تفريع الحائل على مانعيّة ما لا يتخطى، فيدخل فيه الطويل و القصير و المشبّك و الزجاج.

ثانيها: اعتبار مانعيّته عن المشاهدة لا عن الاستطراق، فمثل الزجاج و المشبّك لا يمنع عن المشاهدة مطلقا.

ثالثها: اعتبار مانعيته من حيث الاجتماع عرفا، فان من كان بينه و بين غيره حائل أيّاما كان غيره مجتمع معه عرفا، و الجماعة متقوّمة بالاجتماع، و انّما لا يمنع عن اجتماع المرأة مع الرجل لانّ بناء اجتماع الأجنبيّة مع الأجنبي على ان يكون بينهما سترة و لذا يمنع الحائل عن اجتماع المرأة مع المرأة.

رابعها: اعتبار مانعيّة السترة و الجدار و ما يشبهما تعبّدا فمتى صدق انّه بينهما سترة، أو جدار، أو أسطوانة، أو شجر يحول بينهما يحكم بفساد الجماعة من دون نظر الى حيثيّة المنع عن المشاهدة.

أمّا الوجه الأوّل: فمدفوع: بانّ الظاهر ممّا (1)«لا يتخطى بين الإمام و المأموم» بعده عنه من حيث المسافة كما هو صريح ذيل الرواية في مقام تحديد ما لا يتخطى بقدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد في مقام تواصل الصفوف و عدم تباعدها و انفصالها.

و أمّا الوجه الثاني: فقد أفاد الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) في حاشيته على المدارك (2)انّ حكاية الرؤية و المشاهدة لا أصل لها أصلا، و أنّه ليس في الأخبار عين و لا أثر منها، فجعل السترة و الجدار مقيّدا بعدم المشاهدة بلا موجب.

و أمّا الوجه الثالث: فهو و ان كان مناسبا لاعتبار القرب و عدم التباعد بما لا يتخطى، لمنافاة البعد للاجتماع مع الإمام فكذا الحائل إلّا انّه من المناسبات التي لا وثوق بدوران الحكم مدارها حتّى يحكم بصحة الصلاة مع صدق الاجتماع و عدمها مع عدمه.

و حينئذ يتوجّه الوجه الرابع: فلا بدّ من الحكم بمانعيّة كلّ ما صدق عليه انّه سترة، أو جدار بشرط أن لا يكون بحيث ينصرف عنه لفظ السترة، و الجدار كما إذا كان مقدار شبر مثلا.

و يمكن تقوية قول المشهور- بدوران الصحّة و البطلان مدار المشاهدة و عدمها بأن السترة و ان لم يكن بمعنى الساتر و كان بمعنى ما يتستّر به كما هو معناه لغة، إلّا انّ المبدء لا بدّ من تحقّقه في صدقها كما في نظائره، فالمفتاح و هو ما يفتح به إذا حدث فيه نقص يسقط عن كونه معدّا للفتح بل هو قطعة من الحديد، و كذلك السترة إذا كانت بحيث لا يمنع عن المشاهدة، لكثرة الخرق و الثقب أو لكونها مشبّكة فهي ليست مما أعدّ للتستر بها بل قطعة من الكرباس مثلا. و حيث إنّ الجدار ليس مانعا مستقلا، و مقابلته للسترة باعتبار أنّ السترة مما أعدّ للتستّر بها دون الجدار، فإنّه ليس مما أعدّ للتستر به و ان كان ساترا، فيعتبر حينئذ في الجدار ما يعتبر في السترة و هو كونه


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مدارك الأحكام: ج 1، تعليقة ص 229 و 230 (الطبعة الحجرية).

بحيث يمنع عن المشاهدة، و بهذه الملاحظة لا معنى لدعوى إطلاق السترة و الجدار لما لا يمنع عن المشاهدة، و انّ الجامع المناسب لهما ما كان بحيث يمنع عن المشاهدة، و لعلّه منشأ تعبيرات القوم عن هذا الشرط، بعدم ما يمنع عن المشاهدة مع عدم ورود عنوان المشاهدة في الأخبار نعم الظاهر انّ الشباك المتعارف خارج على جميع الاحتمالات الثلاثة الأخيرة حتّى بناء على التعبّد لعدم صدق السترة و الجدار عليه.

الثالث: الحائل المفروغ عن مانعيته هل هو مانع إذا كان في جميع أحوال الصلاة،

أو إذا كان في حال منها حدوثا أو بقاء كان مانعا أيضا. ربما يقال: بأنّ الصلاة اسم للمجموع لا لكلّ فعل من أفعالها فإذا كان الحائل مانعا عن المجموع فلا محالة إذا كان بعض أفعالها بلا حائل كان المجموع بلا مانع، و منه يتبيّن أنّه لو كان عدم الحائل شرطا كان الحكم كذلك لانّ المفروض صدق عدم الحائل في المجموع.

نعم إذا كان مشاهدة الإمام شرطا للمجموع كان بمنزلة كونها شرطا للجميع فمع عدم المشاهدة في حال يصدق عدم اقتران المجموع بالمشاهدة. بل عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في الجماعة (1)استظهاره من الصحيحة قائلًا: «لأنّ قوله (عليه السلام) (2): فليس تلك لهم بصلاة- إشارة إلى الصلاة التي صلّيت مع الستر و الحائل، و هي ظاهرة في المجموع و الحكم ببطلان الصلاة التي صلّيت تمامها مع الحائل لا يستلزم الحكم ببطلان أبعاضها إذا وقعت كذلك، أو ببطلان الكلّ إذا وقع البعض كذلك».

أقول: إن كان عدم الحائل من اعتبارات المصلّي كما هو ظاهر الصحيحة فالمأموم ما دام مأموما لا بدّ أن لا يكون بينه و بين الإمام حائل سواء كانت الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال، أو لا، و إن كان من اعتبارات الصلاة بأن لا يكون كلّ


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 285، (الطبعة الحجرية).

2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

فعل من أفعالها مع الحائل، فحال هذا المانع في باب الجماعة كحال الشروط و الموانع في باب أصل الصلاة، مع أنّه لا إشكال عندهم في أنّ لبس «ما لا يؤكل» مثلا مانع عن الصلاة من غير فرق بين أفعالها و السرّ فيه انّ حيثيّة المجموعيّة الاعتبارية لا جزء الصلاة و لا شرطها، و إنّما تكون آلة لملاحظة الأجزاء بالأسر فمرجعه إلى مشروطيّة هذه الأجزاء بالأسر بشي‌ء وجوديا كان أو عدميّا، أو الى مانعيّة وجود شي‌ء عن هذه الأجزاء بالأسر لا بوصف المجموعيّة.

و أمّا ما استظهره (قدّس سرّه) من الصحيحة فليست الصلاة المشار إليها إلّا موردا، و إلّا فالغرض اعتبار مانعيّة الحائل عن انعقاد الجماعة، و لذا لا يجوز الدخول فيها مع الحائل مع أنّه لم يتحقّق الحائل عن المجموع، خصوصا بناء على أنّ كلّ فعل من أفعال الصلاة يستحبّ الجماعة فيه فكلّ فعل موصوف بالجماعة و المفروض أنّ الحائل مانع عن الجماعة، لا عن الصلاة حتّى يقال إنّها اسم للمجموع فتدبّر.

و منه يظهر حال زوال الحائل في الأثناء أو تجدّد الحائل في الأثناء. و ما عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه)- أيضا انّ منصرف اللفظ هو الدخول مع الحائل فأصالة صحة الجماعة سليمة إذا طرء الحائل- مدفوع: فإنّه انصراف بدويّ جار في غالب الشروط و الموانع، و إنّما لا يجوز الدخول معه في الصلاة لكونه مانعا عن الصلاة لا لكونه مانعا عن أوّل فعل من أفعالها، فلا فرق بين ما إذا كان و زال و ما إذا لم يكن فوجد.

الرابع [هذا الشرط من شرائط الجماعة فلا تبطل بفقده إلا الجماعة]

ظاهر دليل هذا الشرط كسائر أدلّة الشرائط و الموانع انّه شرط واقعي لا علمي، و حيث إنّه من شرائط الجماعة فلا تبطل بفقده إلّا الجماعة فاحتمال بطلان أصل الصلاة- استنادا الى ظاهر قوله (عليه السلام) (1): «ليس لمن صلّى خلف المقاصير صلاة» كما عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه)- ضعيف فإنّ الصحيحة في مقام اعتبار عدم الحائل في صلاة الجماعة فقوله (2): «ليس تلك الصلاة بصلاة» كقوله (عليه السلام) (3): «ليس ذلك الإمام لهم بإمام» بل هو ظاهر قوله


1) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

(عليه السلام): في المقاصير و ليس لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة، فإنّ الظاهر بطلان الصلاة بعنوان الاقتداء لا في نفسها، فلا حاجة إلى تنزيل إطلاق الصحيحة على غلبة ترك القراءة. نعم ان أخلّ بوظائف المنفرد من ترك القراءة أو زيادة الركوع بعنوان التبعيّة و نحوهما بطلت الصلاة رأسا على إشكال تقدّم منّا لشمول حديث (1)«لا تعاد» للترك عن عذر، و لكون الزيادة حقيقة في الصلاة متقوّمة بإتيان الشي‌ء بعنوان أنّه من الصلاة، و عنوان التبعيّة يمنع عن تحقّق الزيادة الحقيقيّة فراجع ما قدّمناه. كما أنّ احتمال تصحيح الجماعة- فيما إذا نسي الحائل، أو جهل به بحديث «لا تعاد» لعدم كون هذا الشرط من الخمسة المستثناة- ضعيف لظهور الحديث في أنّ الملحوظ فيه طبيعة الصلاة من حيث أجزائها و شرائطها، لا الأعمّ منها و من شرائط الجماعة، أو صلاة أخرى، فتدبّر.

الخامس [في حائل المانع عن المشاهدة حال الركوع أو الجلوس]

ذكر فقيه عصره في عروته (2)«إذا كان الحائل ممّا لا يمنع عن المشاهدة حال القيام و لكن يمنع عنها حال الركوع، أو الجلوس، هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه و جهان: و الأحوط كونه مانعا من الأوّل، و كذا العكس لصدق وجود الحائل بينه و بين الإمام» أقول إذا بنينا على أنّ المراد من الحائل ما يكون ساترا بقول مطلق، فالحائل القصير لا يمنع سواء زال أو لم يزل، و إذا بنينا على أنّ الحائل القصير كالطويل، و مطلق الساتر لا الساتر المطلق مانع، فهذا المانع من أوّل الأمر موجود. و قد مرّ أنّ استمرار الحائل غير لازم فلا خصوصيّة موجبة لذكر هذا الفرع و إبداء الوجهين فيه، و لعل الخصوصيّة انّه إذا كانت المشاهدة شرطا في جميع أحوال الصلاة فهي حاصلة هنا إذ حال القيام لا يمنع عن المشاهدة، و المفروض زواله حال الركوع فالشرط موجود في جميع أحوال الصلاة إلّا أنّ الأمر ليس كذلك إذ لا دليل على شرطيّة المشاهدة بل الدليل على اعتبار عدم الحائل و لو في بعض أحوال الصلاة و المفروض أنّ الحائل هنا كذلك، فمن أوّل الصلاة يصدق أنّه بين


1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة.

2) العروة الوثقى: ج 1، ص 272، فصل 46 (طبعة الآخوندي).

المأموم و الإمام حائل كذائي بحيث يمنع عن المشاهدة في بعض الأحوال. فالصحة و البطلان يدوران مدار المتحيّث بهذه الحيثيّة لا مدار نفس حيثية المشاهدة وجودا و عدما. و أمّا ما أفاده من حكم عكس الفرع المزبور، فلا يتصوّر فيه الخصوصيّة المذكورة، فإنّه و إن أمكن وجود حائل يمنع عن المشاهدة حال القيام فقط دون حال الركوع و الجلوس لارتفاعه من الأرض، إلّا أنّه ليس كالفرع المزبور بحيث يصدق عليه المشاهدة في جميع أحوال الصلاة كما لا يخفى، و مع عدم هذه الخصوصيّة لا موجب لإيراده بعد عدم الفرق بين الحائل الطويل و القصير و عدم لزوم استمرار الحائل.

الشرط الخامس

اشارة

عدم التباعد بين المأموم و الإمام أو الواسطة في الاتصال بما يكون كثيرا في العادة كما عن المشهور، أو بما لا يتخطّى كما في صحيحة (1)زرارة المتقدّمة في الحائل، و تنقيح المقام برسم أمور:

أحدها: في المراد مما لا يتخطّى و في حكمه من الوجوب، أو الاستحباب

. أمّا الكلام في موضوعه: فالمراد، من الخطوة التي توجب الزيادة عليها بطلان الصلاة مثلا، إمّا الخطوة المتعارفة، أو ما لا يمكن طيّها، و لو بما تملاه الفرج، و على اي حال إمّا ان يلاحظ تلك الخطوة بين موقف السابق و موقف اللاحق مثلا، و إمّا ان يلاحظ بين موقف المتقدّم و مسجد المتأخّر، و لا ريب في خروج الخطوة المتعارفة بين الموقفين فان محلّ الاقتداء في المتعارف يتوقّف على أزيد من ذلك، فينحصر الأمر في ما عداه، و هي ثلاثة: إمّا الخطوة المتعارفة بين المسجد و الموقف، و إمّا الخطوة الغير المتعارفة بين المسجد و الموقف، و إمّا الخطوة الغير المتعارفة بين الموقفين، و ظاهر ذيل الصحيحة (2)ما يوافق الخطوة الغير المتعارفة، حيث فسّرها الإمام بقدر «مسقط جسد الإنسان إذا سجد» و هو المقدار الذي لا بدّ من إشغاله حال كون


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

المصلّي ساجدا، فالخطوة و ان كانت ظاهرة في المتعارف إلّا أنّه بعد تفسير الإمام (عليه السلام) لا شبهة في أنّ الاعتبار بغير المتعارفة المنطبقة على مسقط الساجد، و لا يخفى أنّ هذه الفقرة من الصحيحة كما تعيّن المراد من الخطوة، كذلك هذا المضمون يعيّن المبدء و المنتهى فإنّه ظاهر في محلّ حاجة المصلّي و لا يكون ذلك إلّا بين الموقفين.

و أمّا حكمه: فظاهر صدر الصحيحة (1)نفي صحة الصلاة بقوله: «فليس تلك لهم بصلاة». و كذلك من حيث الاقتران بالحائل الذي لا ريب في بطلان الصلاة معه، مضافا إلى تفريع عدم الحائل على الاتصال، فإنّه كما أشرنا إليه سابقا، أنّه يعتبر مشاهدة من يتّصل به الى الإمام، فلو لم يكن الاتصال بهذا المقدار لازما لزم تفريع الواجب على المستحب، فتدبّر.

و ظاهر ذيل الصحيحة (2)حيث قال (عليه السلام): «و ينبغي ان تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها الى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان إذا سجد» كما في رواية الفقيه هو استحباب الاتصال بهذا المقدار، لظهور ينبغي في الاستحباب حتّى قال الشيخ الأجل (قدّس سرّه): أنّ قوله: «لا ينبغي» أظهر في الاستحباب من نفي الصلاة في نفي الصحة.

و يؤكّده الاقتران بما لا شكّ في استحبابه، و هو تماميّة الصف بعدم الخلل و الفرج فيها، خصوصا بعد توصيف الصفوف بالتواصل بعد توصيفها بالتماميّة، فالصدر و الذيل متكافئان في الظهور من حيث ظهورهما في حدّ ذاتهما و ظهورهما من حيث قرينة السياق.

و يزيد الذيل على الصدر بقرائن خارجيّة:

منها: ما في موثّقة عمّار (3)«قلت: فان بينه و بينهن حائطا أو طريقا فقال:

لا بأس» فإنّه لا يكاد يمكن اتصال مسجد المتأخر مع موقف المتقدّم مع الفصل


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1 من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1 من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 461، الحديث 1، من الباب 60 من أبواب صلاة الجماعة.

بالطريق الذي بحسب العادة يزيد على الخطوة المعتادة، بل إذا لو حظ ترك الاستفصال عن حال الطريق لزمه تجويز أزيد من مسقط جسد الإنسان بكثير.

منها: ما ورد في صحيحة زرارة (1)المتقدّم من الحكم بصحة صلاة الواقف بحيال الباب، فإنّه بحسب المتعارف لا يتّصل مسجد الواقف بحيال الباب بموقف المصلّي في المسجد و كون الحكم بالصحة بلحاظ المشاهدة دون القرب لا يجدي بعد التلازم العادي بين الأمرين.

و منها: رواية عبد اللّه بن سنان (2)«عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أقل ما يكون بينك و بين القبلة مربض عنز، و أكثر ما يكون مربض فرس» فان المراد من القبلة الإمام في جهة قبلة المصلّي، و مربض العنز هو مقدار محلّ الساجد و مربض الفرس يزيد عليه بأكثر من الخطوة الغير المتعارفة.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّه لولا الذيل لزم أيضا حمل الصدر إمّا على الاستحباب، أو على ملاحظة الخطوة بين المسجد و الموقف لانّ هذه الروايات كالنص في عدم اعتبار اتصال المسجد بالموقف فينبغي أحد التصرّفين في الصدر، و بلحاظ ظهور الذيل يتعيّن التصرّف الأوّل لظهور الصحيحة في اتحاد الموضوع في الصدر، و الذيل. و يؤكد الاستحباب أيضا انّ القرب المعتبر لا اختصاص له بالمتأخر بالإضافة إلى المتقدّم فقط بل يعتبر في مطلق من يتّصل بواسطته بالإمام فيلزم الالتزام بتساوي مناكب المأمومين في صف واحد إذا كان مناط اتّصال المأموم قربه من أحد جانبيه، و لا يقول أحد بلزومه، و لا يكون الفصل بمقدار خطوة متعارفة مانعا قطعا و إلّا كان التوالي واجبا شرعا و لا يقول أحد بشرطيّة تماميّة الصف و عدم الفصل بين المأمومين.

نعم ربما أمكن دعوى تعدّد الموضوع في الصدر و الذيل بتقريب: انّ الظاهر من قوله (3)(عليه السلام): «ان صلّى قوم و بينهم» إلخ و قوله (4)(عليه السلام):


1) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 3 و 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 3 و 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 3 و 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

«أيّ صف كان اهله يصلّون» إلخ هو اعتبار عدم التباعد بما لا يتخطى بين المصلّي بما هو مصلّ، و من جملة حالاته حال السجود لا بين المصلّي بما هو قائم فلا محالة يكون مدار أمر الخطوة على المسافة بين المسجد و موقف المتقدّم و ظاهر قوله (1)(عليه السلام): «ان تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها الى بعض» اعتبار تماميّة الصفّ بما هو صفّ و تقاربه من صفّ آخر، و الصفّ صفّ باعتبار الخط الطولي بين مواقف أهله يقال اصطفّ القوم اي قاموا صفّا واحدا، و عليه فلا منافاة بين استحباب تفاوت الصّفين بما لا بدّ منه للمصلّي إذا سجد، و لزوم عدم الزيادة على الخطوة بين مسجده و موقف المتقدّم، و حينئذ إذا قلنا: بأنّ الخطوة المذكورة هي المعتبرة أخيرا كما هو الظاهر نقول: بأنّ الخطوة الغير المتعارفة بين المسجد و الموقف غير ضائرة، و إلّا اقتصرنا في خصوص الصدر بالخطوة المتعارفة.

و يؤيّد هذه الدعوى: انّ الحكم لو كان صدرا و ذيلا استحبابيّا لم يكن وجه لقوله «و ينبغي» إلى الآخر بعد بيان الاستحباب بأبلغ وجه بلسان نفي الصلاة في مقام كمالها، فالتكرار و التنزل من الأقوى إلى الأضعف ليس له وجه وجيه.

ثانيها [أن المرجع صدق القدوة و الاجتماع عرفا و لا يصدقان مع البعد الكثير]

إن قلنا: بتماميّة دلالة الصحيحة بالتقريب الأخير على مانعيّة البعد بما لا يتخطّى فهو المطلوب و إلّا فلا بدّ من الالتزام بمقالة المشهور، للاتفاق على أنّ البعد بمقدار مانع شرعا و لا تعيّن له شرعا، فالمرجع صدق القدوة و الاجتماع عرفا و لا يصدقان مع البعد الكثير، فما لم يكن كثيرا منافيا للقدوة و الاجتماع عرفا لا مانعيّة له شرعا.

أقول: أمّا القدوة فقد مرّ مرارا أنّها غير متقوّمة عقلا إلّا بالعدد، و قصد الائتمام، و مرجعه الى ربط صلاته بصلاة الإمام، و لا يتقوّم هذا المعنى بغيرهما عقلا. و أمّا الاجتماع على الصلاة فهي قابلة للتفاوت بلحاظ مراتب القرب و البعد عمّن يجتمع معه على الصلاة إلّا انّه نجد مع صدق الاجتماع عرفا و شرعا عدم صحة الجماعة ببعض مراتب البعد، كما وقع في من دخل المسجد و خاف فوات الركعة إذا


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

لحق الإمام أو الصفّ، فإنّه أمر بالتكبير و ترك القراءة و الركوع بركوع الإمام ثمّ المشي إليه في الركوع أو القيام. فمنه يعلم انّ الجماعة حقيقة عرفا و شرعا تنعقد و مع ذلك يجب عليه رفع المانع بالمشي الى الإمام أو الصفّ، فكيف يمكن الالتزام بدوران الصحة و البطلان من حيث القرب و البعد مدار صدق الاجتماع عرفا و عدمه، خصوصا مع عدم الإطلاق حتّى يصح كلّما صدق الاجتماع عرفا فان قوله (1)(عليه السلام): «و الاجتماع في الصلوات كلّها ليس بمفروض و انّما هو سنّة» في مقام نفي الوجوب و إثبات الاستحباب، و مع الشكّ فالأمر كما تقدّم و مع ذلك فالأحوط ما في الصحيحة (2)من عدم التجاوز عمّا يتخطّى من بين المسجد و الموقف، كما انّ الأحوط ملاحظة الخطوة المتعارفة، و اللّه أعلم.

ثالثها [أنّه لا فرق بين حدوثه و تجدّده في الأثناء، و لا بين استمراره الى آخر الجماعة و عدمه،]

قد تقدّم في الحائل انّه لا فرق بين حدوثه و تجدّده في الأثناء، و لا بين استمراره الى آخر الجماعة و عدمه، و هذا الشرط كذلك إذا استندنا إلى الصحيحة فإنّ إطلاقها من حيث البعد كإطلاقها من حيث الحائل نقضا و إبراما. نعم إن استندنا في هذا الشرط إلى الإجماع على مانعيّة البعد، فربما يتوجّه القول باختصاصه بحال الدخول في الصلاة، فلا يعمّ تجدّده في الأثناء، حيث لا إطلاق في الدليل اللبّي. و لعله لأجله مال غير واحد من الأكابر إلى الاختصاص.

و يرتبط بما نحن فيه أمران:

الأوّل: انّ من يتّصل المأموم به إلى الإمام لا بدّ من إحرامه، و إلّا كان حائلا و موجبا للبعد عن الإمام أو عمّن يصحّ الاتصال به أو يكفي تهيّؤه للإحرام، و ربما يتخيّل التفصيل بين الحائل و البعد، نظرا إلى انصراف السترة عن الإنسان، خصوصا مع اعتبار عدم السترة بين الصفّين في الصحيحة (3)و ليس هو إلّا الساتر الخارجي دون المأموم، بخلاف البعد بما لا يتخطى عمن يصحّ الاتصال به فإنّه


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 488، الحديث 1، من الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

صادق سواء كان المحلّ فارغا أو مشغولا بغير المصلي. إلّا أنّ الظاهر من إطلاق السترة عدم الاختصاص بل يعمّ كلّ حجر و شجر و حيوان و إنسان، و مورد الصحيحة و إن كان السترة و الجدار بين الصّفين، إلّا انّا قد بنينا على أنّ المدار على الحائل المانع مطلقا سواء كان من أحد جانبيه أو من قدّامه ممّن يتّصل بواسطته بالإمام و انّه من باب المثال لكون الغالب انّ الاتّصال من طرف القدّام.

و بإزاء هذا التفصيل عكسه و هو عدم مانعيّة المأموم من حيث البعد دون الحائل، نظرا إلى أنّ المنصوص في الصحيحة (1)«تقارب الصّفين» و هو يصدق على الصفّ المتهيّئ للصلاة من غير اعتبار دخوله في الصلاة كما عن الوحيد (قدّس سرّه) في حاشية المدارك (2)بل قال (قدّس سرّه): «بل لا يمكن أخذ القيد فيه» اي قيد دخول الصفّ في الصلاة. و لعلّه بتوهّم انّ الدخول في الصلاة متوقف على الاتصال فلو توقّف الاتصال في الصلاة على الدخول في الصلاة لزم الدور، و هو كذلك لو كان الاتصال شرطا في الطرفين، و الكلام في شرطيّة اتصال الصفّ الثاني بالصفّ الأوّل بعد دخوله في الصلاة لا اتصال الداخل و دخول المتّصل.

و الظاهر انّه لا فرق بين الحائل و البعد بملاحظة الصحيحة (3)، و أنّه كلّ ما لوحظ فيه الحيلولة بينه و بين المأموم كان هو الملحوظ في مقام القرب و البعد، فان كان الصفّ بما هو فلا يضرّ عدم دخولهم في الصلاة من حيث الحيلولة و البعد، إذ كما انّ المأموم المصلّي لا يكون حائلا لغيره و لا موجبا للبعد، و إلّا لغا تشريع الجماعة كذلك المأموم المريد للصلاة المقوّم للصفّ لا يمكن أن يكون موجبا للحيلولة و البعد، و إن كان المراد صفّ المصلّين بما هم مصلّون حقيقة فلا محالة يكون غير المصلّي حقيقة حائلا و موجبا للبعد، إلّا أنّ المنساق من الصحيحة إلى الذهن اعتبار مانعيّة البعد بين المأموم و الإمام في حال الصلاة منهما، و كذا مانعيّة البعد بين


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مدارك الأحكام: ج 1، تعليقة ص 231 (الطبعة الحجرية).

3) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

المصلّي و المصلّي من طرف القدّام، و كذا الأمر في الحائل لا مانعيّة البعد بين المأموم المصلّي و ذات الإمام، أو ذات من هو في القدّام، و حديث التهيّؤ و الإشراف لا يجدي شيئا إذ قرب زوال المانع و بعده غير فارق، و لذا لو كان هناك ساتر قريب الزوال لم يكن مجديا في جواز الدخول في الصلاة بل لا بدّ من القول إمّا بجواز الدخول لمريد الجماعة أو المنع إلّا بعد دخوله في الصلاة.

نعم من يتشبّث بسيرة المسلمين- في الأعصار و الأمصار، و انّهم ما كانوا يلاحظون التدرّج في الإحرام للصلاة و انّه لو كان لشاع و ذاع لعموم البلوى و كثرة الحاجة، كما عن الوحيد (قدّس سرّه)- له أن يقتصر على صورة التهيؤ و الأشراف أخذا بالمتيقّن، و أمّا قوله (عليه السلام): «فاذا كبّر الإمام فكبّروا» فهو في مقام التبعيّة و عدم التقدّم فلهم التكبير بشرائطه لا مطلقا و لو مع الحائل و البعد.

الثاني: إذا انتهت صلاة بعض المأمومين ممّن هو واسطة الاتصال بالإمام فهل تبطل قدوة المنفصل عنه أو لا؟ و بعد الانفصال له تجديد الاقتداء بوجه أم لا؟ أمّا الأوّل: فقد مرّ أنّه لا يعتبر وجود المانع في الابتداء بل يكفي حدوثه في الأثناء و أمّا الثاني: فقد مرّ أنّه لا يعتبر استمرار المانع فلا يجدي زواله بعد حدوثه.

نعم يمكن أن يقال: بأنّ المانع ان كان في زمان قصير جدّا- نظير ما إذا كان الحائل يلقيه الريح أحيانا بلا ثبات له- لا يعدّ من الحائل بين الإمام و المأموم، فإذا جدّد المنفرد صلاته فورا لم يكن انفراده الآني حائلا و لا مبعدا، و مع الشكّ يكفي استصحاب بقاء الجماعة. و أمّا الثاني: فيمكن أن يقال: إنّ مقتضى الصحيحة (1)و إن كان ما ذكر لكنه لنا استفادة جواز تجديد الاقتداء من طائفتين من الأخبار.

الأولى: ما دلّ على جواز الاقتداء عند خوف فوات الركعة، فإذا كان إحداث الجماعة لإدراك فضيلتها جائزا كان إبقاؤها بالأولويّة فله إبقاء القدوة بالمشي الى


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

موقع الاتصال. إلّا أنّ هذه الطائفة يجدي للبعد عن الإمام، دون الحائل، و لذا قلنا في محلّه: إنّه ليس له الاقتداء مع وجود الحائل عند خوف فوات الركعة بالاشتغال بإزالته، أو بالمشي الى ما وراء الحائل، و العمدة في مواقع انفراد المصلّين أو لزوم البعد لا لزوم الحيلولة بقيامهم للصلاة منفردا.

الثانية: ما دلّ على تجديد النيّة بالاقتداء بإمام آخر ان عرض للإمام مانع. إلّا انّ قياس المأموم الذي عرض له عارض، بالإمام الذي عرض له عارض- و لو بقصده الانفراد أو بتماميّة صلاته من حيث كونها قصرا- بلا جامع، فلعلّ الحكم من خصوصيات الإمام لا مطلق ما كان شرطا للجماعة من وجود الإمام أو الاتصال بمن يتّصل به حتّى يكون له المشي الى من يتّصل، أو تجديد الاقتداء بعد قيام المأموم المنفرد إلى الصلاة جماعة و لو بتهيّئه و إشرافه على الصلاة. و المسألة لا تخلو عن إشكال إلّا انّ الصحة بالتجديد قويّة جدّا. و لا مجال هنا لاستصحاب الجماعة بعد فرض الانفراد القهري، و فرض التجديد.

الشرط السادس أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقوف المأموم،

و استند فيه الى أمور:

منها: صحيحة زرارة (1)المتضمنة لعدم جواز البعد عن الإمام بما لا يتخطى بإرادة البعد طولا أو الأعمّ من الطول و العرض.

و فيه: ما تقدّم من أنّها ظاهرة في بعد المسافة عرضا، خصوصا بملاحظة ذيلها فراجع، مع أنّ لازمه عدم علوّ المأموم على الإمام أيضا بهذا المقدار طولا، إذ كما أنّه يصدق البعد إذا كان الإمام عاليا، كذلك إذا كان المأموم عاليا، بل هو في طرف المأموم أوضح كما في البعد العرضي، فإنّ بعد المأموم عن الإمام مانع من صحّة صلاة المأموم جماعة، لا من صحة صلاة الإمام و لازمه ان يكون في طرف الطول كذلك بمعنى لحاظ عدم بعد المأموم طولا عن الإمام، فتدبّر.


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

و منها: موثّقة عمّار (1)الواردة في ائتمام النساء في دارهن حيث قال (عليه السلام): «نعم إن كان الإمام أسفل منهنّ» إلّا أنّه لازمها عدم جواز التساوي و لزوم كونه أسفل، مع أنّ الشرط عدم العلوّ المجامع مع السفل و مع التساوي فلا بدّ من التصرّف في الظهور بحمله على عدم العلو.

و منها: صحيحة صفوان (2)المتضمّنة للزوم التساوي في الموقف حيث قال (عليه السلام): «يكون مكانهم مستويا» مع أنّ التساوي غير لازم نصّا و فتوى.

و منها: موثّقة عمّار أيضا (3)المرويّة في الكافي و الفقيه و التهذيب «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه فقال: ان كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، و ان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل و ان كان أرضا مبسوطة و كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر فلا بأس به» و صدر الموثّقة تدلّ على مانعية علوّ موقف الإمام و ذيله على عدم مانعيّته في العلوّ الانحداري، إلّا أنّه بينهما فقرة أوجبت الإشكال في الرواية و هي قوله (عليه السلام): «و إن كان أرفع منهم (الى قوله عليه السلام) و إن كان أرضا مبسوطة» فإنّها ان كانت متمّة (4)للشرطيّة الأولى بجعل أداة الشرط وصليّة فلازمه انّ الارتفاع بأقل من إصبع مانع و لا يقول به أحد، و ان كانت مقدّمة للشرطيّة الأخيرة فلازمه قصر الجواز في العلوّ الانحداري على ما ذكره في مقدّمة الشرطيّة و هو إصبع أو أكثر، و إنّما يقال إصبع أو أكثر إذا لم تصل الكثرة إلى إصبعين كما هو المتعارف إذا نسب الأكثريّة إلى حدّ مخصوص، فاذا قيل شبر أو أكثر لا يراد منه عشرة أشبار و إلّا لناسب أن يحدّد بعشرة أشبار، بل المراد ما يزيد على الشبر و لا يصل الى حدّ آخر، و منه تعرف أنّ صدر الرواية و ذيلها في نفسهما بلا


1) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 2، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 3، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 1، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

4) هكذا في النسخة الأصلية و الظاهر «متمّمة للشرطيّة».

إشكال، إلّا أنّ هذه الفقرة ضائرة بإحدى الشرطيتين، أمّا الاولى و إمّا الأخيرة خصوصا مع ملاحظة ما ذكر من اختلاف النسخ في قوله: «بطن مسيل» ففي بعضها «قطع مسيل» أو «قطع سبيل» أو «مقدار يسير» أو «قدر شبر». و الذي يتوجّه في نظري بناء على ما نقلناه هنا و هي النسخة المعروفة أنّ الشرطيّة المتوسّطة التي لا جزاء لها وصليّة، و المراد انّ الارتفاع على قسمين إمّا ارتفاع دفعيّ أو تدريجيّ، و الارتفاع الدفعي، إمّا ارتفاع صناعي كالدكان و سائر الأبنية المرتفعة، و إمّا ارتفاع طبيعي كالارتفاع الحاصل في بطن المسيل فإنّ تواتر السيول يحدث ارتفاعا و انخفاضا في الأرض فحكم (عليه السلام) بمانعيّة الارتفاع الدفعي بكلا قسميه و ما ذكره (عليه السلام) في الشرطيّة الأخيرة من العلو التدريجي الذي يعرف بالحساب و أخذ النسبة فحكم فيها بعدم مانعيّة الارتفاع، و إنّما خصّ العلوّ الانحداري بالجواز في خصوص الأرض المبسوطة المكرّرة في هذه الشرطيّة، لأنّ الأرض الغير المبسوطة كما في الجبل فالغالب فيه انّ علوّها تسنيميّ لا تسريحيّ، و حال الارتفاع التسنيمي حال الارتفاع الدفعي لأنّهما في نظر العرف يعدّان من العلوّ، بخلاف الانحداري التسريحي فإنّه بحسب النظر لا يعدّ علوّا و إنّما يعد علوّا بالحساب و التدقيق بأخذ النسبة، و على هذا لا إشكال في الموثّقة و لا تهافت. نعم ينبغي طرح الأقلّ من الإصبع لعدم العمل به، و هو غير عزيز في الروايات، و طرح جزء منها لا يمنع من العمل بالآخر، و عليه فالتعدّي عن طول الإصبع في جواز علوّ الإمام على المأموم مشكل و إن حكي عن العلامة في التذكرة (1)جواز علوّه بشبر إلّا أنّا لم نجد له مستندا إلّا ما في بعض نسخ الموثقة «إذا كان الارتفاع بقدر شبر» و من الواضح عدم إمكان الاعتماد عليه مع هذا الاضطراب الشديد في متن الرواية خصوصا التقدير بشبر بعد قوله (عليه السلام): «بقدر إصبع أو أكثر أو أقلّ» فإنّ الحكم بالبطلان مع الارتفاع بإصبع و التقدير بالارتفاع بشبر لا يجتمعان. نعم من لا يعتمد على هذه الموثّقة و يتمسّك في اعتبار عدم العلوّ إمّا بسائر الأخبار، أو بالإجماع


1) التذكرة: ج 1، ص 174، الشرط الخامس (الطبعة الحجرية).

على أصله فلا محالة من رجوعه الى العلوّ في نظر العرف، و ربما يتوجّه حينئذ عدم مانعيّة العلوّ بشبر و ما دونه لعدم كونه علوّا في نظرهم. و على أيّ حال لا يترك الاحتياط في مثله و اللّه أعلم.

بقي الكلام في معارضه موثّقة عمّار (1)المتضمّنة لأسفليّة موقف الإمام مع صحيحة صفوان (2)المتضمّنة لاعتبار التساوي فإن التساوي ضدّ الأسفليّة، و لا يمكن حمل التساوي على الاستحباب مع لزوم الأسفليّة، فلا بدّ في حمل التساوي على الاستحباب من التصرّف في ظاهر الأسفليّة بإرادة عدم علوّ الإمام المجامع مع التساوي، و لا دليل على هذا التصرّف إلّا الإجماع على جواز التساوي، هذا. و أمّا علوّ المأموم فهو بعد الإجماع موثّقة عمّار المتضمّنة لأسفلية الإمام المقتضية لعلوّ المأموم باعتبار التضايف، و موثّقته الأخرى (3)«إن كان رجل فوق بيت دكّانا كان أو غيره و كان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه و يقتدي بصلاته و إن كان أرفع منه بشي‌ء كثير» و الرواية و إن كانت صريحة فيما إذا كان العلوّ بمقدار كثير، إلّا أنّه لا يبعد تقييده بما إذا لم يكن مفرطا بحيث ينافي صدق الاجتماع على الصلاة و اللّه أعلم.

الشرط السابع أن لا يتقدّم المأموم على الإمام في الموقف

اشارة

و الوجه في مانعيّة تقدّم المأموم أمور:

أحدها: ما عن الشيخ (4)الأجلّ (قدّس سرّه) في باب الجماعة من النبوي (5)المشهور «إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به» فان الظاهر أنّ الائتمام لا يحصل بالتقدّم، و كذا عن غيره.

و هو لا يخلو عن خدشة إذ التقدّم تارة في مرحلة الاقتداء و ربط صلاته بصلاة


1) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 2، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 3، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 1، من الباب 63 من أبواب صلاة الجماعة.

4) كتاب الصلاة: ج 1، ص 353، (الطبعة الحجرية).

5) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة الطبعة الحجرية

الإمام. و هذا المعنى لا يمكن مع عدم الصلاة من الإمام حال الربط، و اخرى في مرحلة العمل و هي المتابعة العمليّة و مع عدم العمل من الإمام لا معنى للمتابعة بعنوانها، و ثالثة في مرحلة الوقوف للجماعة خارجا و لا شي‌ء يقتضي عدم تقدّم المأموم، و الرواية ظاهرة بقرينة التفريع حيث قال: «فاذا كبّر فكبّروا» في إرادة التأخر في العمل و المتابعة العمليّة لا التأخر في الموقف.

ثانيها: ما في التوقيع الرفيع المرويّ في التهذيب (1)في جواب السؤال عن الصلاة عند قبر الإمام (عليه السلام) حيث قال أرواحنا فداه: «و أمّا الصلاة فإنّها خلف القبر يجعله الإمام و لا يجوز أن يصلّي بين يديه لأنّ الإمام لا يتقدّم و يصلّي عن يمينه و شماله» و رواه في الاحتجاج (2)بوجه آخر و هو «و أمّا الصلاة فإنّها خلفه يجعله الامام و لا يجوز ان يصلّي بين يديه و لا عن يمينه و لا عن شماله لأنّ الإمام لا يتقدّم عليه و لا يساوى» و تقريب الاستدلال انّه (عليه السلام) جعل القبر الشريف بمنزلة إمام الجماعة، و رتّب على هذه الصغرى كبرى عدم جواز التقدّم على إمام الجماعة، و رتّب على هاتين المقدّمتين عدم جواز الصلاة قدّام القبر و لا يخفى أنّ تنزيل القبر منزلة الإمام يقتضي تنزيل المصلّي منزلة المأموم لمكان التضايف، فما أفاده الشيخ الأجلّ- من انّ تنزيل القبر منزلة الإمام لا يقتضي أن لا تجوز الصلاة بين يديه منفردا- مدفوع بما عرفت من أن تنزيل القبر منزلة الإمام يستلزم تنزيل المصلّي منفردا منزلة المصلّي جماعة للتضايف. و يمكن أن يراد أنّ القبر حيث إنّه محلّ الإمام، و لا فرق بين حياته و مماته فالأدب يقتضي أن لا يصلّي قدّامه بجعل الإمام خلفه، فإنّ الإمام متقدّم على الرعيّة بجميع أنحاء التقدّم في جميع الأفعال و بهذه الملاحظة أيضا لا يساوي لعدم مساواة الرعيّة للإمام بل الرعيّة لها التبعيّة المحضة بجميع شئون التبعيّة، و هذا أخفّ مؤنة و أقرب إلى الاعتبار من تنزيل القبر منزلة إمام الجماعة و اللّه أعلم.


1) الوسائل: ج 3، ص 454، الحديث 1، من الباب 26 من أبواب مكان المصلي.

2) الوسائل: ج 3، ص 455، الحديث 2، من الباب 26 من أبواب مكان المصلي.

ثالثها: ما ورد في قضيّة صلاة العراة جماعة حيث قال (1)(عليه السلام):

«يتقدّمهم الإمام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا و هو جالس» لظهور الجملة الخبرية في الوجوب من دون معارض بالخصوص حتّى يحمل على الاستحباب، و أمّا جواز التساوي في الموقف و عدمه فمبني على أنّ الشرط عدم تقدّم المأموم على الإمام، أو تقدّم الإمام على المأموم فإن كان عدم التقدّم شرطا فهو حاصل بتساوي المأموم و بتأخره، و إن كان التقدّم شرطا فهو مقابل للمساواة و لا يجتمع المتقابلان، و ظاهر النبوي (2)- بناء على كونه ناظرا الى الموقف- تأخر المأموم عن الإمام، كما أنّ صريح ما ورد في العراة (3)تقدّم الإمام على المأموم، و هما متوافقان على شرطيّة التقدّم، و ظاهر التوقيع الرفيع (4)شرطيّة عدم التقدّم، إلّا أنّه حيث روي بطريقين، و في أحدهما «لا يتقدّم عليه و لا يساوي» الظاهر في شرطيّة تقدّم الإمام، فلا يمكن إثبات شرطيّة عدم التقدّم به، و ممّا ذكرنا تعرف أنّ المدار على ما ورد في قضيّة العراة، من لزوم تقدّم الإمام فيقيّد به إطلاق ما ورد في جواز صلاة المأموم عن يمين الباب (5)حيث لا تقييد فيه بتأخره عنه في الجملة، و لو فرض هناك إطلاق آخر كان حاله حال ما ذكر من لزوم التقييد و لا يتصرف في ظهور (يتقدّم بركبتيه) بحمله على الاستحباب بسبب الإطلاقات، كما هو الحال في كلّ مطلق و مقيّد كما حقّق في محلّه. و أمّا ما ورد (6)من صحة صلاة المتداعيين للإمامة فلا دلالة له على جواز التساوي لا من حيث الحكم و لا من حيث الموضوع، أمّا الأوّل فلانّ الصحة المفروضة في الرواية صحة صلاتهما فرادى واقعا، لا صحة صلاتهما جماعة، حتّى يدلّ على جواز التساوي، و أمّا الثاني فدلالته من حيث إنّه مع تقدّم أحدهما و تأخّر


1) الوسائل: ج 3، ص 328، الحديث 1، من الباب 51 من أبواب لباس المصلي.

2) الوسائل: ج 5، ص 473، الحديث 10، من الباب 70 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 3، ص 328، الحديث 1، من الباب 51 من أبواب لباس المصلي.

4) الوسائل: ج 3، ص 454، الحديث 1، من الباب 26 من أبواب مكان المصلي.

5) هكذا في النسخة الأصليّة و الظاهر «عن يمين الإمام».

6) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

الآخر لا يمكن التداعي في الإمامة- بخلاف ما إذا كانا متساويين و جاز التساوي- و يندفع بأنّ اعتقاد كلّ من الواقف بجنب الآخر، انّه متقدّم عليه بمقدار يسير يخرجه عن المحاذاة الحقيقية ممكن، و ليس من الإمام (عليه السلام) تقرير على هذه الدعوى حتّى يجوز التساوي، بل بيان لحكم التداعي المعقول على بعض الوجوه.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

الأوّل: أنّ تقدّم الإمام على المأموم شرط في جميع أحوال الصلاة

على حدّ شرطيّة عدم الحائل، و عدم البعد، و نظائرهما، إلّا أنّ الكلام في ما به يحصل التقدّم فهل هو التقدّم بجميع أجزائه أيضا، أو يختلف باختلاف حالات المصلّي، ففي القيام بتقدم عقب الإمام على عقب المأموم، و في الركوع بذلك، و في السجود بتقدم رؤس أصابع الرجلين، و في التشهد بتقدم موضع الأليتين، أو يوكل التقدّم الى العرف حيث لا تعيين فيه من الشارع، و الأوجه هو الأخير، كما أنّ الظاهر من رواية العراة و أنّه يتقدّم الإمام بركبتيه، انّ المناط في تقدّم جالس على جالس تقدّمه بركبتيه من دون خصوصيّة للجلوس بدلا عن القيام، فلا بدّ من مراعاته حال التشهّد، و إن كان الإمام ضعيف الجثّة و كانت اليتاه متقدّمتين على اليتي المأموم، و من إطلاقه يعلم أنّه مع انحفاظ تقدّم الركبة لا عبرة بتقدّم الرأس في الركوع و السجود أو تقدّم أصابع الرجلين و عدمه.

الثاني: في حكم الصلاة جماعة بنحو الاستدارة حول الكعبة،

و مجموع ما ذكر مانعا أمور ثلاثة.

أحدها: حيلولة جرم الكعبة بين الإمام و ما يقابله من قوس الدائرة.

ثانيها: تقدّم جملة ممّن يقوم على خطّ الدائرة على الإمام.

ثالثها: أقربيّة من يقوم محاذيا لضلع الكعبة إليها من الإمام.

و يندفع الأوّل: بما تقرّر سابقا انّ المناط عدم الحائل بين المأموم و بين من يتّصل به المتّصل بالإمام و كلّ من يقوم على الدائرة إمّا لا يكون بينه و بين الإمام حائل أو بينه و بين المتّصل بالإمام.

و الثاني: بما ملخّصه انّ التقدّم و التأخّر بحسب المكان ملاكه الأقربيّة إلى موضع

خاصّ، فالإمام أقرب الى المحراب من المأموم، و المأموم أبعد منه اليه، و الأمر فيها (1)بالنسبة الى الباب بالعكس فالمأموم أقرب إليه و الإمام أبعد، و تقدّم الإمام على المأموم لا بدّ من أن يلاحظ إمّا الى جهة الكعبة كما في البعيد، أو إلى نفس الكعبة كما في الصلاة حول الكعبة، و إلّا فلا معنى للتقدّم و التأخّر المكانيين الإضافيين، و لا فرق بين الجهة و عين الكعبة في هذه الجهة فإنّ التقدّم و التأخّر في البعيد بلحاظ انه أقرب الى الجهة المنتهية إلى ما يحاذي الكعبة، و من الواضح عدم أقربيّة أحد من المأمومين إلى الكعبة من الإمام في الدائرة و تقدّم جملة منهم- بحسب الخط المستقيم الممتدّ من موقف الإمام على الإمام- إنّما هو بلحاظ هذا الفرض لا بلحاظ ما ينبغي ملاحظته في التقدّم و التأخّر، فإنّ استقامة الخط في الموقف ليست من الشرائط و إنّما يضرّ عدمها في غير ما حول الكعبة لأنّ لازمه التوجّه الى غير القبلة مع انّ التوجّه إليها شرط و هذا الشرط مع الاستدارة حول الكعبة محفوظ لا خلل فيه.

و أمّا الثالث: فهو أخصّ من المدعى لإمكان قيام الإمام محاذيا لزاوية من أضلاع الكعبة فلا يتقدّم عليه أحد ممّن هو على الدائرة، بل إذا فرضنا تقدّم الإمام و تشكيل الدائرة خلفه لا يضرّ محاذاة بعض المأمومين لضلع الكعبة كما هو المتعارف في الصلاة حول الكعبة. فالإنصاف انّ المسألة بحسب القواعد صافية عن الإشكال.

و يؤكّده: انّ الصلاة جماعة في عام الفتح في المسجد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع عشرة آلاف أو أكثر لا يمكن أن يكون بنحو الخطّ المستقيم، و لم نظفر إلى الآن بإنكار أحد المعصومين (سلام اللّه عليهم) السيرة المستمرّة بين المسلمين الى الآن و لو الى خواصّ أصحابهم، كما هو الشأن في إنكار سائر المنكرات الشائعة، و اللّه أعلم.

هذا كلّه إذا كان الشرط كما هو ظاهر أدلّة تقدّم الإمام، أو عدم تقدّم المأموم.

و أمّا إذا كان الشرط كون المأموم خلف الإمام، أو عن يمينه و شماله في فرض


1) هكذا في النسخة الأصلية و الظاهر «فيهما» بدل «فيها».

استقبالهما فالشرط غير حاصل في الاستدارة، لأنّ المأموم ربما يكون مقابلا للإمام لا خلفه أو أحد جانبيه، إلّا أنّ الظاهر أنّ ورود الخلف و اليمين و الشمال في فرض الاستقبال مورد الغالب من الصلاة بنحو الخطّ المستقيم دون الاستدارة، فلا عبرة بها بل إمّا بتقدّم الإمام أو بعدم تقدّم المأموم كما هو ظاهر أدلّة الاشتراط.

فصل في أحكام الجماعة

اشارة

و فيها مسائل:

المسألة الأولى في حكم القراءة خلف الإمام المرضيّ

اشارة

و البحث تارة في حكم القراءة في الأولتين من الإخفاتية، و اخرى في الأولتين من الجهرية، و ثالثة في الأخيرتين من الإخفاتيّة، و رابعة في الأخيرتين من الجهرية فهنا مباحث أربعة:

المبحث الأوّل: في القراءة في الأولتين من الإخفاتية

و فيها أقوال أربعة: الأوّل:

حرمتها. و الثاني: كراهتها، و هما قولان معروفان. و الثالث: استحبابها، كما نسب إلى القاضي. و الرابع: إباحتها.

أمّا القول بالحرمة: فمستنده الأخبار العامّة و الخاصّة فمن الأخبار العامّة ما روي عن أمير المؤمنين (1)(عليه السلام) «من قرء خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة» و منها صحيحة الحلبي (2)«قال: إذا صلّيت خلف إمام تأتم به فلا تقرء خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع إلّا أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع فاقرأ» فالمستثنى خصوص الصلاة الجهرية مع عدم سماع القراءة و حكم الباقي و هي الصلاة الإخفاتيّة مطلقا و الصلاة الجهرية مع سماع القراءة هي الحرمة و لا


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

يمكن ان يكون موردها خصوص الجهرية إذ لا معنى للحكم بالحرمة سواء سمع القراءة أو لم يسمع ثم استثناء صورة عدم سماع القراءة و السماع غير مختص بالجهرية بل يمكن السماع في الإخفاتية إذا كان المأموم قريبا من الإمام، و من الأخبار الخاصّة بالإخفاتيّة صحيحة ابن سنان (1)قال (عليه السلام): «ان كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرء خلفه في الأولتين» الخبر. و منها صحيحة عبد الرحمن (2)«عن الصلاة خلف الإمام اقرء خلفه؟ فقال (عليه السلام): أمّا الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فإن ذلك جعل اليه فلا تقرء خلفه» الخبر.

و أمّا القول بالكراهة: فمستنده صحيحة علي بن يقطين (3)«عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام اقرء فيهما بالحمد و هو إمام يقتدى به قال (عليه السلام): ان قرأت فلا بأس و ان سكتّ فلا بأس» فإنها نصّ في جواز الفعل فيقدّم على المطلقات بالتقييد بما عدى الإخفاتيّة، و على الظاهر في الحرمة في خصوص الإخفاتيّة من باب تقديم النصّ على الظاهر، و احتمال إرادة الأخيرتين من الرباعيّة مطلقا في غاية الضعف فان مورد السؤال خصوصا من مثل علي بن يقطين ما يضمنه الإمام، و لذا عقّبه بقوله: «و هو إمام يقتدى به» و منشأ سؤاله أنّ ضمانه مخصوص بالجهريّة فكأنّ سماعه بمنزلة قراءته، أو يعم الإخفاتيّة، و لا منشأ لاحتمال إرادة الأخيرتين إلّا قول الراوي «أقرء فيهما بالحمد» فان الاقتصار دالّ على أنّ مورد سؤاله أيضا ما يجب فيه الاقتصار على الحمد. و يندفع هذا الاحتمال بجوابه (عليه السلام) «إن قرأت فلا بأس و ان سكتّ فلا بأس» مع انّ اللازم مع عدم القراءة الإتيان بالتسبيح، فيعلم منه انّ مورد السؤال ما يكون أمره دائرا بين القراءة و تركها، و هذه الصحيحة هي التي ينبغي الاعتماد عليها في المقام دون رواية


1) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 13، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

المرافقي و صحيحة سليمان بن خالد.

أمّا الأولى- فهي هكذا (1)«انّه سئل عن القراءة خلف الإمام قال: إذا كنت خلف الإمام تولّاه و تثق به فإنّه يجزيك قراءته و ان أحببت أن تقرء فيما يخافت فيه فاذا جهر فأنصت قال اللّه تعالى «وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (2)- فإنّه بقوله إن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه بحمله على الصلاة الإخفاتية، مع انّ موردها الجهرية، غاية الأمر أنّه تارة يخفت في قراءته فلا يسمعها المأموم، و اخرى يجهر بها فيسمعها المأموم، و اتحاد المورد ظاهر من تفريع قوله: «فاذا جهر فأنصت» فلا دخل له بالقراءة في الصلاة الإخفاتيّة، و هذا الجهر و الإخفات على حدّ قوله تعالى «وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا» (3)لا يراد منه الجهرية و الإخفاتيّة لعدم الواسطة بينهما. و لا حاجة في ردّ التمسّك بها الى الحمل على الأخيرتين مع وضوح بطلانه بتفريع الجهل حيث لا جهل في الأخيرتين.

و أمّا الثانية: فهي هكذا (4)«يقرء الرجل في الاولى و العصر خلف الإمام و هو لا يعلم انّه يقرء قال: لا ينبغي له أن يقرء يكله الى الإمام» فإنّ قوله: «لا ينبغي» و إن كان ظاهرا في الكراهة، إلّا انّه ليس بأظهر من النواهي في الحرمة فيرجع مع تساوي الظهورين في مورد الإخفاتيّة إلى العمومات مثل قوله (5)«من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة» و نظائره من الأخبار العامّة.

و أمّا دعوى احتمال إرادة الركعتين الأخيرتين بقرينة قوله «و هو لا يعلم انّه يقرأ» كما عن بعض تحريرات (6)الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في هذه المسألة، فبعيدة جدّا، لقوله (عليه السلام): «يكله الى الإمام» مع أنّه لا ضمان إلّا في


1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الأعراف: 204.

3) الاسراء: 110.

4) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 8، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

6) كتاب الصلاة: ج 1، ص 296، (الطبعة الحجرية).

الأولتين، و المراد من قوله: «لا يعلم أنّه يقرء» انّه لا يسمع لما ارتكز في ذهنه من القراءة مع عدم السماع في الجهرية فصار منشأ لسؤاله. و بالجملة فمقتضى صحيحة علي بن يقطين صرف النواهي عن ظهورها في الحرمة إلى أحد أمرين إمّا حملها على عدم الوجوب في مقام توهّمه كالإذن في مقام توهّم الحظر، أو حملها على الكراهة و لا معيّن للثاني بل ظاهر قوله (عليه السلام): «يجزيك أو يكله إلى الإمام» نفي الوجوب فقط و الاكتفاء بقراءة الإمام.

لا يقال: في الحمل على الكراهة حفظ ظاهر النهي في الجملة، فلا يرفع اليد عنه بلا معارض له لاختصاص المعارض بطرف الحرمة.

لأنّا نقول: حيث إنّ الكراهة في القراءة و هي عبادة و المفروض إتيانها من الصلاة بمعنى كون غيرها و هو الإيكال الى الإمام أرجح منها فلا ينحفظ الظهور في أصل طلب الترك، بل لا بدّ من أن يكون إرشادا إلى أرجحيّة الغير منها، و لا فرق بين الإرشاد إلى نفي الوجوب و الإرشاد إلى أرجحيّة غيرها بل قد عرفت ما يتعين به الأوّل. نعم قوله (عليه السلام): «لا ينبغي» المسلّم ظهوره في الكراهة لا معارض لها بعد سقوط معارضها الخصوصي بصحيحة علي بن يقطين التي هي نصّ في الجواز في الإخفاتيّة فيصحّ الالتزام بالكراهة في العبادة بمثله.

و أمّا القول باستحباب القراءة: كما نسب إلى القاضي فإثباته مشكل، إذ الكلام في كونها من مستحبات الجماعة، و مجرّد جواز القراءة لبقاء أصل رجحانها بعد نفي الوجوب- فإنّه لا يمكن إتيان العبادة بلا رجحان و إلّا لكان تشريعا محرّما لا عبادة جائزة، أو مكروهة- لا يكون دليلا على كونها من مستحبات الجماعة، كما يكون على القول بالكراهة مع وقوعها عبادة من مكروهات الجماعة، و لا دلالة لقوله (1)«و إن أحببت أن تقرء فاقرأ فيما يخافت فيه» نظرا إلى الأمر الذي أقل مرتبته الاستحباب لما مرّ من أن مورد هذه الرواية الجهريّة دون الإخفاتيّة، مع بعد هذا اللسان عن الاستحباب المبني على الترغيب فيه لا إيكال الأمر إلى محبّة


1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

المكلّف.

و أمّا القول بالإباحة: فدليله الصحيحة المتقدّمة المقدّمة على أدلّة الحرمة، و قد عرفت أنّ المراد من الإباحة الترخيص في القراءة التي لها رجحان في نفسها بعد سقوط حدّه اللزومي من دون لحوق خصوصيّة موجبة لأرجحيّة الغير و لا موجبة لأرجحيّته من الغير، فتدبّر.

المبحث الثاني: في الأولتين من الصلاة الجهرية،
اشارة

و فيها قولان معروفان:

أحدهما: الكراهة كما نسب الى المشهور، و الثاني: حرمتها كما عن غير واحد، و مورد البحث ما إذا سمع القراءة و لو أصل الصوت المعبّر عنه بالهمهمة و أمّا إذا لم يسمع القراءة أصلا ففيها كما قيل أقوال: وجوب القراءة، و استحبابها، و الجواز المطلق.

فالكلام في موردين:

الأوّل: في حكم القراءة مع سماع القراءة.

و مستند القول بالحرمة مضافا الى الأدلّة العامّة، أخبار خاصّة في الجهريّة المفصّلة بين السماع و عدمه، و الخبر الذي ليس فيه ما يوجب الخدشة في دلالته على الحرمة ما في الصحيح أو الحسن (1)عن قتيبة «إذا كنت خلف إمام ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك و إن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرء» و ما في الفقيه (2)عن عبيد اللّه بن زرارة «إن سمع الهمهمة فلا يقرء» و أمّا سائر الأخبار الخاصّة بالجهرية فهي محفوفة ببعض الخصوصيات المانعة عن الاستدلال، و ليس في قبال هذين الخبرين خبر يدلّ على الجواز كالمسألة المتقدّمة، فلا وجه لرفع اليد عن ظهورهما في الحرمة، و إن كانت سائر الأخبار قاصرة عن إفادة الحرمة، و مجرّد احتمال ورود النهي مورد توهّم الوجوب لا يكون صارفا لظهوره.

و أمّا مستند القول بالكراهة: كما هو المشهور، فظهور بعض الأخبار في عدم الحرمة لا مجرّد عدم دلالتها على حرمة القراءة فمنها صحيحة ابن الحجاج (3)«عن


1) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 7، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 20، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

الصلاة خلف الإمام قال: أمّا الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل اليه فلا تقرء خلفه و أمّا الصلاة التي يجهر فيها فإنّما أمر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فأنصت و إن لم تسمع فاقرأ» و تقريب الاستدلال بوجهين:

أحدهما: من حيث التعبير عن ترك القراءة بالإنصات نظرا إلى أنّ مورد السؤال هي القراءة فعلا و تركا فالأمر بالإنصات في صورة سماع القراءة أمر بترك القراءة لاقتضاء المورد. أو لأنّ الإنصات متوقف على ترك القراءة فإذا كان الإنصات واجبا كان ترك القراءة واجبا، و إذا كان مستحبّا كان ترك القراءة كذلك، و حيث كان الإنصات نصّا و فتوى و سيرة مستحبّا فترك القراءة مستحبّ، و هو لا يخلو عن مناقشة لأنّ القراءة ليست ضدّا للإنصات بل تجتمع معه كاجتماع التسبيح معه كما في حسنة زرارة (1)و على فرض التضاد فقد حقق في محلّه عدم المقدّميّة لترك الضدّ، و أمّا اقتضاء المورد و مقابلة صورة سماع القراءة بصورة عدمه فمدفوع بأنّه يكفي في ذلك استحباب القراءة في صورة عدم السماع و عدمه في صورة السماع مع زيادة استحباب الإنصات.

ثانيهما: انّ ظاهر قوله (عليه السلام): «و إنّما أمر بالجهر لينصت من خلفه» هو كون الغاية من أمر الإمام بإجهار صوته فالقراءة هو الإنصات لوضوح أنّ علّة أصل الجهر المقوّم لصلاة الجهريّة ليس هو الإنصات المختصّ بصلاة الجماعة، و من الواضح أنّ إجهار الإمام مستحبّ لا شكّ فيه أصلا فالإنصات المذكور في مقام ترك القراءة، مستحبّ لاستحالة التوصّل بأمر مستحبّ إلى أمر لازم و لا يعقل الندب إلى فعل مع جواز تركه تحصيلا لما لا بدّ من حصوله فيكون نظير إيجاب الانذار لإيجاب التحذّر في باب حجيّة الخبر، فكما يستكشف الوجوب من كون التحذّر غاية للإنذار الواجب كذلك هنا.

و بالجملة فرق بين ترتّب فعل الواجب على مستحب، ترتّب الحكم على موضوعه، و ترتّب فعل على فعل، ترتّب الغاية على ذي الغاية. و مفاد قوله (2)(عليه


1) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 6، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

السلام): «فاذا جهر فأنصت» من قبيل الأوّل، و قوله (1)(عليه السلام): هنا «إنّما أمر بالجهر لينصت من خلفه» من قبيل الثاني، و الفرق بين التقريبين انّ مبني الأوّل على استكشاف استحباب ترك القراءة من استحباب الإنصات كما عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (2)، و مبني الثاني على استكشاف رجحان ترك القراءة من استحباب إجهار الإمام، فالأوّل مبني على استحباب الإنصات، و الثاني مبني عليه استحباب الإنصات.

و منها: رواية المرافقي (3)«انّه سئل عن القراءة خلف الإمام فقال: إذا كنت خلف الإمام تتولّاه و تثق به فإنّه يجزيك قراءته و إن أحببت أن تقرء فاقرأ فيما يخافت فيه فاذا جهر فأنصت» الخبر فان قوله (عليه السلام): في مقسم الصورتين «فإنّه يجزيك» لا يفيد إلّا عدم الحاجة إلى القراءة لقيام الإمام بهذه الوظيفة، و لا يدلّ على حرمة القراءة أو كراهتها بوجه و المقابلة بين الصورتين باستحباب القراءة في صورة عدم السماع و استحباب الإنصات في صورة السماع، فلا تدلّ المقابلة إلّا على عدم رجحان القراءة فلا دلالة للمقسم و لا لحكمي القسمين على الحرمة، و لا على الكراهة، بل باعتبار الملازمة بين الإنصات و ترك القراءة لا يفيد أزيد من استحباب ترك القراءة. فتدبّر.

و منها: رواية (4)علي بن جعفر (عليه السلام) و في آخرها «هل له أن يقرء من خلفه؟ قال: لا، و لكن لينصت لقراءته» فان سياق الحكمين واحد، فكما أنّ المراد من الأمر بالإنصات هو الاستحباب كذلك المراد من النهي هو التنزيه لا التحريم، فهذه الأخبار قرينة على أنّ المراد من النهي عن القراءة أحد أمرين، أمّا مجرّد رفع الوجوب إمّا لرسوخ وجوب القراءة في الصلاة في الأذهان، أو لبناء العامّة عليها كما قيل، و إمّا الكراهة. لكنّك قد عرفت في المبحث السابق أنّ المراد ليست الكراهة


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 296، (الطبعة الحجرية).

3) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 16، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

المصطلحة إذ لا مجال لها في العبادات فلا محالة هو للإرشاد إلى مرجوحية القراءة و أرجحيّة غيرها، و لا معيّن للاحتمال الثاني لأن استفادة هذا المعنى، إمّا من نفس النهي و قد عرفت عدم إمكانها، و إمّا من الأمر بالإنصات في مقام السؤال عن حال القراءة، و إثباته مشكل لأنّ الإنصات إن كان بمعنى السكوت المطلق كان الأمر به استحبابا أمرا بترك القراءة فنقيضه و هي القراءة مرجوحة قطعا، لكنّه ليس كذلك بل الإنصات إمّا هو الإصغاء الى قراءة الإمام مثلا كما عليه الفقهاء و يؤيده بعض الأخبار كالرواية الأخيرة (1)هنا حيث لا موقع للاستدارك بالأمر بالسكوت عن القراءة مع النهي عنها قبلا، و كما في حسنة زرارة (2)الآمرة بالإنصات و التسبيح في نفسه، المراد منه الخفي الذي لا يشغله سماعه عن سماع قراءة الإمام، و إمّا هو السكوت مستمعا لكلام الغير، لا مطلق الاستماع، و لا مطلق السكوت، كما عليه أهل اللغة و لا يقال: في مقام الأمر بالسكوت أنصت بل في مقام السكوت مصغيا لكلامه، و عليه فان أريد بالإنصات الإصغاء فهو يجتمع مع القراءة كما يجتمع مع التسبيح و الدعاء، فهو لا ضدّ للقراءة و لا نقيض لها حتّى يقتضي رجحان الإصغاء مرجوحيّة القراءة و إن أريد به السكوت عن إصغاء فالقراءة ليست نقيضا له بل نقيض مجموع الأمرين مجموع النقيضين، و لازمه مرجوحيّة القراءة لا عن إصغاء لا القراءة مع الإصغاء و لا السكوت مع عدم الإصغاء و لا يمكن الالتزام بكراهة القراءة مع الإصغاء و إلّا لزم الالتزام بكراهة السكوت بلا إصغاء أيضا، نعم من الجواب عن السؤال عن حكم القراءة يظهر أنّ الوظيفة في صورة السماع هو الإنصات دون القراءة و هذا دليل على عدم استحباب القراءة لا على كراهتها في الجماعة كما هو المشهور.

المورد الثاني: في حكم القراءة مع عدم سماع القراءة و الهمهمة.

و فيه أقوال أربعة: الحرمة، و الوجوب، و الاستحباب، و الإباحة.


1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 16، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 6، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

أمّا مدرك القول بالحرمة فليس إلّا بعض العمومات كقوله (عليه السلام) (1):

«من قرء خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة» و تخصيصه بما دلّ على الأمر بالقراءة مع عدم السماع كما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى لازم، فالقول بالحرمة ضعيف جدّا. نعم يمكن استفادتها في المورد بالخصوص من صحيحة ابن سنان (2)المستدلّ بها لحكم القراءة في الإخفاتية و هي هكذا «إن كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرء خلفه» الخبر. فان قوله: «حتّى يفرغ» لا موقع له إلّا في الجهرية بمعنى أنّ الإمام لا يجهر بالقراءة حتّى يفرع منها فلم يسمع المأموم شيئا من القراءة في الجهريّة في صورة عدم سماع القراءة، و على ايّ حال فما سيأتي إن شاء اللّه تعالى مما هو نصّ في الجواز مقدّم عليه كما أنّه لخصوصيّة مورده مخصص للعمومات الناهية عن القراءة.

و أمّا مدرك الوجوب: فظاهر الأمر بها- في صورة عدم السماع- وجوبها كما في مصححة ابن قتيبة (3)«إذا كنت خلف إمام ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك» الخبر. و في صحيحة ابن الحجاج (4)«و ان لم تسمع فاقرأ» الى غير ذلك، و لا بدّ من رفع اليد من ظهورها في الوجوب بما يدلّ على جواز ترك القراءة كصحيحة علي بن يقطين (5)حيث قال (عليه السلام): «لا بأس ان صمت و ان قرء» فإنّها نصّ في جواز الترك، و هو المدرك للقول بالإباحة في قبال كونها من مستحبات الجماعة. و يندفع بأنّ الصحيحة ظاهرة في الإباحة الخاصّة و نصّ في الجواز المجامع مع الاستحباب بل الكراهة و قوله (عليه السلام): «اقرء» ظاهر في الوجوب و نصّ في طلب الفعل المجامع مع الوجوب و الاستحباب، فيرفع


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 14، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 7، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 11، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

اليد عن ظهوره في الوجوب بنصوصيّته في جواز الترك المطلق، كما ترفع اليد عن ظهورها في الإباحة الخاصّة بنصوصيّة قوله (عليه السلام): «اقرء» في أصل طلب الفعل الذي أدنى مرتبته الندب، فالقول بالاستحباب هو الموافق للقواعد.

فروع
أحدها: بناء على القول بالحرمة في الجهرية، أو مطلقا هل تبطل الصلاة مطلقا

، أو جماعة بفعلها، أو لا و حيث إنّ مورد البحث هي القراءة بما أنّها من الصلاة، فكونها تشريعا ممّا لا شبهة فيه و حينئذ يقع الكلام في كونه عنوانا للعمل حتّى لا يمكن التقرّب بالعمل أم لا، و قد تقدّم الكلام فيه سابقا، إلّا أنّ المسألة هنا لا تبتني على ذلك لتعلّق النهي بنفس القراءة بما هي لا بما هي تشريع، و ان كان تشريعا فلا يمكن التقرّب بالمبغوض، فيندرج تحت الزيادة العمديّة في الصلاة فتبطل أصل الصلاة بها و إن قلنا بحرمة القراءة و لو، لا بعنوان أنّها من الصلاة فعدم وقوعها قربيّة لا توجب إلّا بطلان نفسها لا بطلان الصلاة، لعدم كونها زيادة في الصلاة. و أمّا إبطال الصلاة بها من حيث كونها كلاما، فمدفوع بما تقرّر في محلّه من أنّ حرمة القراءة أو الذكر، أو الدعاء، لا يوجب خروجها عن تحت عناوينها، و الظاهر من الكلام المبطل كلام الآدميين و بقيّة الكلام في محلّه.

ثانيها: هل المراد بعدم السماع عدمه من حيث العارض من بعد،

أو مزاحمة الأصوات، أو قصور في صوت الإمام، أو يعمّ ما إذا كان المأموم أصمّ و قوله:

«لا يسمع» و ان كان ظاهرا في العدم المقابل للملكة، لا السلب في قبال الإيجاب بملاحظة أنّ مورد عدم السماع عين مورد السماع كما هو ظاهر روايات الباب، إلّا أنّ مقتضى إطلاقات الفتاوى و تصريح العلامة (ره) في التذكرة (1)و غيرها عموم عدم السماع و شموله لما إذا كان عن صمم.

ثالثها: هل القراءة في صورة عدم السماع منوطة بمطلق عدم السماع،

أو بعدمه


1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 184، (الطبعة الحجرية).

المطلق، فيدور مدار السماع و عدمه في الأوّل، و مدار سماع القراءة و عدمه رأسا في الثاني.

و يؤيّد الأوّل: أنّ ترك القراءة للسماع لمكان لزوم الإنصات أو استحبابه و لا ريب في أنّه لا يدور مدار سماع القراءة تماما بل يجب أو يستحب الإنصات للقراءة متى سمعها.

و يؤيّد الثاني: إنّ سماع الهمهمة يوجب ترك القراءة مع أنّ الغالب في الهمهمة سماع الصوت تارة و عدمه اخرى، فيعلم منه أنّ مدار القراءة على عدم سماع القراءة رأسا، و لا يبعد أولوية الثاني إذ بعد ضمّ الهمهمة إلى سماع القراءة يعلم أنّ مدار ترك القراءة ليس على السماع المستحبّ فيه الإنصات حتّى يستكشف من عدم الإنصات القراءة لنفسه، بل على الأعمّ منه و ممّا لا إنصات فيه، و حينئذ فالظاهر من سماع القراءة سماع هذه التي هي في عهدة الإمام مع سماعه، و هو هذا الفعل الوحداني و عدم السماع هو عدمه المطلق لا مطلق عدمه و الاحتياط بالقراءة مع عدم السماع أحيانا لا ينبغي تركه.

ثمّ إنّه على تقدير القول بالقراءة مع عدم السماع مطلقا لا مع العدم المطلق إذا سمع لم يقرء و إذا لم يسمع قرء من حيث لم يسمع أو من حيث ترك القراءة، الظاهر هو الثاني لأن القراءة في الصلاة الجهرية ليست في عهدة الإمام بل في عهدة المصلّي غاية الأمر أنّه ممنوع عن القراءة لأهميّة الإنصات عند سماعه فما دام المانع لم يقرء و إذا ارتفع اتى بما في عهدته و إذا سمع القراءة من أوّلها إلى آخرها سقطت عنه القراءة لا أنّها في عهدة الإمام أو أنّ سماعها بمنزلة قراءة نفسه و اللّه أعلم.

المبحث الثالث: في حكم القراءة في الأخيرتين من الجهريّة

و الأقوال فيها مختلفة، و المهمّ القول بسقوط القراءة و التسبيح معا و القول بالتخيير مع مرجوحيّة القراءة و ان كانت أفضل في الفرادى. و مدرك القول بالسقوط مطلقا في قبال الأخبار الدالّة على التخيير في باب القراءة أمور:

منها: صحيحة زرارة (1)الواردة في الجهريّة لمتضمّنة لسقوط القراءة مع سماعها،


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

و الدالّة على أنّ الأخيرتين تبع للأولتين قال (عليه السلام): «إذا كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئا في الأوليين و أنصت لقراءته و لا تقرأنّ شيئا في الأخيرتين فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول للمؤمنين «وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ» يعني في الفريضة خلف الإمام «فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» و الأخيرتان تبع للأوليين، وجه الدلالة أنّ مقتضى اتّحاد الحكم مرجوحيّة القراءة و رجحان التسبيح في الأخيرتين كما في الأوليين فيجوز ترك القراءة بل يترجّح لزوما، أو استحبابا و يجوز ترك التسبيح كما في كلّ مستحبّ.

و يندفع: بأنّه لا دلالة للصحيحة على التبعية المطلقة في جميع أحكام الأولتين بل ظاهر في خصوص ترك القراءة فإنّه علل المنع عن القراءة في الأولتين، بالأمر بالإنصات، ثمّ منع عن القراءة في الأخيرتين مع عدم المقتضي للإنصات فيهما بأنّهما تابعتان للأولتين فهي ساكتة عن حكم التسبيح الذي هو أحد فردي الواجب التخييري في الأخيرتين.

و منها: أنّ هذه الصحيحة (1)و ما يشبهها مخصّصة لأدلّة التخيير فيحكم بسقوط كلا الأمرين.

و يندفع: بانّ الحكم التخييري لو كان وجوبا واحدا متعلقا بالمردّد فلا محالة يسقط هذا الواحد بسقوط ما يتقوّم به المردّد و يستحيل بقاؤه مع تغير متعلقة إلّا أنّه قد ذكرنا في محلّه استحالة تعلّق أيّة صفة حقيقيّة كانت أو اعتباريّة بالمردّد بل كيفيّة الإيجاب التخييري إيجاب كلّ واحد منهما مع تجويز ترك كلّ منهما إلى البدل فتحريم القراءة مثلا إسقاط لوجوبها و لبدليّتها للتسبيح فلا يجوز ترك التسبيح معيّنا.

و منها: انّ النهي عن القراءة في الأوليين لكونها في ضمان الإمام، و مقتضى النهي عن القراءة في الأخيرتين في صحيحة زرارة (2)المتقدّمة أن يكون كذلك و لو قلنا بقصر التبعيّة على خصوص ترك القراءة، و إذا كان القراءة التي هي أحد فردي التخيير في عهدة الإمام فلا محالة يسقط الفرد الآخر و إلّا لزم تعيّنهما لفرض انّ


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

أحدهما في عهدة الإمام و الآخر في عهدة المأموم.

و يندفع: بأنّه لم يعلم انّ وجه المنع ذلك بل لرعاية الإنصات كما هو ظاهر الصحيحة، فلا تبعيّة إلّا في أصل سقوط القراءة، و هو غير مناف لتعيّن الفرد الآخر، مع أنّه أخصّ من المدعي فان كون القراءة في الأوّلتين في ضمان الإمام لكون قراءته بدلا عن قراءته، فالتبعيّة تقتضي بدليّة قراءة الإمام عن قراءة المأموم في الأخيرتين لا مطلقا و لو لم يقرأ الإمام في الأخيرتين.

و منه يتّضح الجواب: عن عمومات ضمان الإمام للقراءة نظرا إلى اقتضائها سقوط التسبيح بسقوط القراءة التي هي في ضمان الإمام، وجه الوضوح: ما عرفت:

من انّه أخصّ من المدعي، مع أنّ الإنسان يكاد يقطع بأنّ المراد من أخبار ضمان القراءة هي القراءة في الأوّلتين التي هي وظيفة المكلّف على أيّ حال، كما يتّضح بالمراجعة إليها.

و منها: صحيحة علي بن يقطين (1)في الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام حيث قال (عليه السلام): «إن قرأت فلا بأس، و إن سكت فلا بأس» بناءا على حرمة القراءة في الأوّلتين من الإخفاتيّة، فإنّ مورد السؤال ينحصر في الأخيرتين، و التخيير بين القراءة و السكوت المطلق كما ينفي تعيّن القراءة كذلك تعيّن التسبيح و لو بالعرض، لكنّك قد عرفت فيما تقدّم: انّ مورد السؤال هي الركعتان الأوّلتان من الإخفاتيّة، و لذا قوبل فيها القراءة بالسكوت المطلق.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن: انّ سقوط كلا الأمرين لا وجه وجيه له.

و أمّا مدرك القول بالتخيير بين القراءة و التسبيح مع مرجوحيّة القراءة بالنسبة إلى التسبيح في خصوص الجماعة و إن كانا متساويين في حدّ ذاتهما أو كانت القراءة أفضل: فهو صحيحة زرارة (2)المتقدّمة المانعة عن القراءة في الأخيرتين من الجهرية، و هي مورد الخبر بعنوان التبعيّة للأوّلتين. و المفروض: الحكم بكراهة القراءة


1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 13، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

في الأوّلتين، كما قرّبناه، فاللازم الترخيص في القراءة مع المرجوحيّة و هو القدر المتيّقن من التبعيّة المنصوصة في الخبر من حيث المورد و من حيث الحكم مضافا الى أنّ صحيحته الآخر قرينة على إرادة مطلق المرجوحيّة من النهي عن القراءة لتضمّنه المنع عن القراءة في الأخيرتين بالنسبة الى الإمام مع دعوى الإجماع على عدم حرمتها عليه، مع أنّه مقتضى الجمع بين الروايات المتضمّنة لحكم الإمام.

و منه تبيّن: مدرك القول بحرمة القراءة و تعيّن التسبيح، فإنّه ليس إلّا النهي عن القراءة في الأخيرتين، إمّا مطلقا أو في خصوص الجهرية، فإنّ هذه النواهي أخصّ من أخبار تخيير المصلّي بين القراءة و التسبيح. لورودها في خصوص الجماعة التي لها أحكام مخصوصة.

و يندفع بعضها: بما مرّ، و مثل رواية جميل بن درّاج (1)، و رواية معاوية بن عمّار (2)الآمرة للإمام بالقراءة و للمأموم بالتسبيح كالثانية، أو للإمام بالقراءة و نهي المأموم عن القراءة كالأولى: بانّ الأمر بالتسبيح كالأمر بالقراءة و النهي عنها كالأمر بها، مع وضوح عدم تعيّن القراءة على الإمام، فلا يتعيّن التسبيح على المأموم، بل هو أفضل الفردين في الجماعة كما هو كذلك في غيرها على ما هو الظاهر من أخبارها.

نعم، بناءا على ما ذكرناه سابقا في صحيحة ابن سنان (3)انّ موردها الجهرية، فقوله (عليه السلام) في آخرها: «و يجزيك التسبيح في الأخيرتين» كما يستفاد منه انّه هناك شي‌ء آخر يجتزي به، كذلك يستفاد منه: انّ موقع التسبيح موقع الاجزاء و الاجتزاء، فيؤمي إلى أرجحيّة القراءة، خصوصا إذا كان السؤال بعده بقوله: أيّ شي‌ء تقول أنت؟ قال (عليه السلام): «اقرأ فاتحة الكتاب» سؤالا عن حكم نفسه، و يكون «أقرأ» أمرا بالقراءة، لا سؤالا عمّا يفعله الإمام (عليه السلام) و إخبارا بان عمله على القراءة و إن كان الظاهر هو الثاني.


1) لم أعثر برواية عن جميل بن دراج بهذا المضمون.

2) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 5، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

المبحث الرابع: في حكم الأخيرتين من الإخفاتية
اشارة

و فيهما أقوال كالسابقة، و مدرك القول بحرمة القراءة ما تقدّم من الإطلاقات العامّة و الخاصّة بالأخيرتين، كما في صحيحة زرارة (1)بقوله (عليه السلام): «لا تقرأنّ شيئا في الركعتين الأخيرتين من الأربع ركعات المفروضات» و تبعيّة الأخيرتين للأوّلتين بعد القول بحرمة القراءة فيهما.

و الجواب عن الكلّ واضح مما تقدّم، فإنّ الإطلاقات العامّة منصرفة إلى القراءة في الأوّلتين التي هي وظيفة كلّ مكلّف لو لا الجماعة، و الإطلاقات الخاصّة مدفوعة بما عرفت آنفا، و التبعيّة في مورد الجهريّة مع أنّا لا نقول بحرمة القراءة في الأوّلتين للجمع بين أخبارهما و مدرك القول بالجواز مع مرجوحيّة القراءة: ما مرّ من عدم المقتضي للحرمة و وجود المانع، و هو خبران:

أحدهما: ما تقدّم آنفا، و هي صحيحة ابن سنان (2)، و في آخرها: «يجزيك التسبيح في الأخيرتين» لدلالتها على كفاية القراءة أيضا، خصوصا بعد تخصيص المنع عن القراءة في هذه الصحيحة بالأوّلتين إلّا أنّك قد عرفت قوّة احتمال ورودها في الجهريّة، فهي دليل المبحث السابق، فلو كان هناك مقتض للحرمة لم تكن هذه الصحيحة حجّة على خلافه، خصوصا بملاحظة إشعار الاجزاء، بوجود بدل جائز للتسبيح، أو بتخصيص المنع بالأوّلتين و السكوت عن حكم القراءة في الأخيرتين، فإنّ كلّه لا يقاوم الحجّة على الحرمة.

ثانيهما: رواية سالم أبي خديجة (3)، و هي كما في الوسائل و الحدائق هكذا: «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين و على الذين خلفك أن يقولوا:

سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، و هم قيام، و إذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الّذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، و على الإمام أن يسبّح مثل ما يسح القوم في الركعتين الأخيرتين» و موردها: هي الإخفاتيّة بشهادة أمر المأموم


1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3 من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 6، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

بالتسبيح دون الإنصات، و ظاهرها و إن كان وجوب القراءة على المأموم معيّنا، إلّا أنّه لا قائل به فيراد منه: إمّا الاستحباب أو مجرّد رفع الحظر في موقع توهّمه، فالجواز قدر متيقّن على أيّ تقدير، إلّا أنّ الرواية مجملة.

و يحتمل منه: بيان حكم المأموم المسبوق، و يؤيّده تغيير السياق بقوله (عليه السلام): «و إذا كان في الركعتين الأخيرتين» أي الاقتداء، و يشهد له قوله (عليه السلام): «مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين» فإنّه لا محمل له إلّا الأخيرتين من المأموم المسبوق، و إلّا لزم التناقض في الكلام، إذ في فرض عدم سبق المأموم تكليفه بمقتضى أوّل الكلام القراءة و بمقتضى آخره التسبيح.

و ما عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في بعض تحريراته من ضبط الأخيرتين هكذا «الأخيرتين» قائلًا: بأنّه تثنية الأخرى لا تثنية الأخيرة حتّى يتلائم الصدر و الذيل، فلا شاهد له، إذ المضبوط في كتب الحديث كما ذكرنا، و لا يمكن أن تكون الأخيرتان تثنية للأخرى.

و ممّا ذكرنا: تبيّن: انّ العمدة في المسألة عدم المقتضي للحرمة، و إلّا فأقامه الدليل على الجواز في خصوص مورد البحث مشكلة. و ممّا ذكرنا يتّضح: مدرك القول بتعيّن التسبيح هنا و التخيير في الجهريّة، فان الإطلاقات الخاصّة الناهيّة عن القراءة هنا لا مقيد لها بخلاف الجهريّة فان التبعيّة في الأخيرتين من الجهريّة للأوّلتين منها بعد عدم القول بحرمة القراءة في الأوّلتين يقتضي كراهة القراءة فيقيّد بها لأخصّيّتها ما دلّ بإطلاقه على الحرمة في الأخيرتين.

ثمّ انّه بعد القول بجواز القراءة، فلا يصلح الخبران المتقدّمان لإثبات مرجوحيّة القراءة، بل رواية أبي خديجة مقتضية لرجحانها بعد رفع اليد عن الوجوب. نعم، الروايات المانعة عن القراءة: فما كان منها إطلاقه منصرفا عن القراءة في الأخيرتين، فلا دلالة له على المنع بوجه حتّى يحمل على الكراهة، و ما كان منها يصرف النهي فيه الى الكراهة: كرواية جميل بن درّاج بقرينة السياق و كون القراءة على الإمام راجحة لا واجبة، فهو شاهد لكراهة القراءة على المأموم بخلاف رواية معاوية بن عمّار، فإنّها لا دلالة لها إلّا على رجحان التسبيح، لا على مرجوحيّة

القراءة.

فروع
أحدها [في استحباب التسبيح في الأوّلتين من الإخفاتيّة]

لا ينبغي الإشكال في استحباب التسبيح في الأوّلتين من الإخفاتيّة، لصحيحة الأزدي (1)قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّي لأكره للمؤمن أن يصلّي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار» قال: قلت:

جعلت فداك، فما ذا يصنع؟ قال (عليه السلام): «يسبّح» و لا ريب في أنّ موردها الإخفاتيّة لا عدم إجهار الإمام بالقراءة، لأنّه مأمور فيها بالقراءة إمّا وجوبا أو استحبابا، فموردها ما لا قراءة عليه بوجه، و لذا يقوم المأموم ساكتا. نعم، إذا سمع قراءة الإمام الإخفاتيّة لقربه منه كان حاله حال ما إذا سمع في الجهريّة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، و لا تقتضي هذه الصحيحة التعميم في الإخفاتيّة لصورة السماع و عدمه، إذ فرض التشبيه بالحمار فرض عدم السماع و إلّا كان سكوته و الإصغاء راجحا.

ثانيها: في استحباب التسبيح في الأوّلتين من الجهريّة

و الظاهر رجحانه إذا لم يكن منافيا للإنصات الواجب أو المستحب، كما في حسنة زرارة (2): «إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت و سبّح في نفسك» فإنّ المراد من التسبيح في نفسه هو التسبيح الخفيّ الذي لا يمنع المسبّح عن الإصغاء لقراءة الإمام، لوضوح أنّه إذا لم يكن خفيّا كان سماع تسبيحه مانعا عن الإصغاء إلى قراءة الإمام.

و أمّا حمله على الذكر القلبي مع عدم تبادره منه فغير وجيه، لأنّه أشدّ منعا من التسبيح الجليّ لاقتضائه كمال التوجّه الى ما في النفس و مورد هذه الرواية خصوص الجهرية، لتضمّنها الأمر بالإنصات، فما في كلام الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) من التمسّك بإطلاقها غفلة أو سهو من القلم. و اللّه أعلم.


1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 1، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 4، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

و بهذه الرواية يقيّد إطلاق رواية حميد بن المثنى العجلي (1)قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسأله حفص الكلبي فقال: «كنت خلف إمام و هو يجهر بالقراءة فأدعو و أتعوذ» قال: «نعم فادع» فإنّه ينبغي حملها على ما إذا لم يمنع الدعاء عن الإصغاء. و ممّا ذكرنا يتّضح: حال ما إذا سمع المأموم قراءة الإمام في الإخفاتيّة، فإنّ مناط الإنصات هو سماع القراءة، لا خصوص الإجهار بها و عنوان الإجهار المأخوذ في هذه الرواية و غيرها لأنّ الغالب في الإخفاتيّة عدم السماع و إلّا فملاك استحباب الإنصات سماع القرآن، كما هو ظاهر القرآن و اللّه أعلم.

ثالثها: إذا سمع ما يشكّ في كونه صوت الإمام أو صوت غيره،

فان قلنا بوجوب القراءة عليه مع عدم سماع قراءة الإمام و بحرمتها مع سماعها، فيدور الأمر بين المحذورين و حكمه التخيير بين الفعل و الترك عقلا، و كذا إذا قلنا بالكراهة و الاستحباب في صورتي عدم السماع و السماع، و أمّا إذا قلنا بوجوب القراءة مع عدم السماع، و استحباب تركها مع السماع، فالظاهر جواز القراءة و تركها لعدم تعلّق العلم الإجمالي بحكم إلزامي على أيّ تقدير حتّى يتنجّز به الحكم و الأحوط في هذه الصورة اختيار القراءة.

رابعها: هل يعتبر القيام حال قراءة الإمام، أو الطمأنينة فيه في تلك الحال،

فان كان القيام من واجبات الصلاة بنفسه و إن كان شرطا أيضا للتكبيرة و للقراءة و للركوع عنه فلا إشكال في وجوب رعايته، لأنّ الإمام ضامن لخصوص القراءة لا لسائر واجبات الصلاة، كما هو مفاد بعض الأخبار، و إن لم يكن كذلك بل كان شرطا ركنيا للتكبيرة و للركوع عنه، و شرطا غير ركني للقراءة فلا يجب القيام حال القراءة و لا الطمأنينة حيث لا يجب عليه المشروط به فكيف يجب شرطه لا أنّ القيام تبعا للقراءة في ضمان الإمام حتّى يقال: لا دليل إلّا على الضمان للقراءة دون غيرها. و منه علم حال الطمأنينة، و ينسب إلى المشهور انّ القيام بنفسه من واجبات الصلاة، و لم أتحقّق النسبة. و ظنّي أنّ المراد أنّه من واجبات القراءة و إن لم


1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 2، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

يكن شرطا، و عليه فحاله حال صورة الشرطيّة إذ لا تجب عليه القراءة حتّى يجب فيها القيام. و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى بعض الكلام فيه في مسألة المتابعة العمليّة للإمام فتدبّر.

المسألة الثانية فيما يتعلّق بمتابعة المأموم للإمام

اشارة

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل في حكم المتابعة العمليّة في الأفعال
اشارة

و تنقيح الكلام فيه برسم أمور:

منها [المراد بالمتابعة]

المراد بالمتابعة هل هو مجرّد عدم تقدّم المأموم على الإمام في فعل من أفعال الصلاة، أو خصوص تأخّره عنه في الجملة ربما يقال: كما في الحدائق (1)بأنّ مقتضى المتابعة لغة و عرفا هو التأخّر، و عدم دوران الأمر مدار هذا المفهوم نظرا الى عدم وروده في النصوص بل في كلمات الأصحاب غير ضائر بعد كون الائتمام مأخوذا فيه التبعيّة كما عن الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) و تبعه عليه غيره لكونه بمعنى الاقتداء و اتخاذ الشخص إماما لنفسه، فيفعل مثل فعله. و المظنون انّ هذه التبعيّة المنساقة إلى الذهن ليست إلّا لمكان الترتب الطبعي المستفاد من المتابعة، و التقدّم و التأخّر بالطبع لا يأبى عن التقارن في الوجود بل عن الاتّحاد في الوجود، فلا موجب لاعتبار التأخّر في الوجود من حيث اقتضاء مفهوم الاقتداء، أو المتابعة. و أمّا استفادة اعتبار التأخّر في المتابعة من النبوي لقوله صلّى اللّه عليه و آله (2): «فاذا ركع فاركعوا و إذا سجد فاسجدوا» فإن كان بالنظر الى دلالة الفاء، فالفاء الجزائيّة لا تفيد إلّا الترتيب لا التعقيب الزمانيّ، و إن كان بالنظر إلى انّ الشرط هو


1) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 138.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجريّة).

الركوع المحقّق. ففيه ان الركوع المقارن ركوع محقّق مقارن لركوع محقّق و التحقّق غير المضيّ، و لا أظنّ أنّه يلتزم بلزوم المضيّ، و إلّا لزم الالتزام باعتبار ركوع المأموم بعد مضي ركوع الإمام، و تحقق حدوثه و مضيّه غير التحقّق المنسوب إلى الركوع الذي هو فعل وحداني من أفعال الصلاة. فلا يراد من تحقّق الركوع مضيّه بل هو نفس وجوده و مقارنة ركوع المأموم لوجود الركوع من الإمام و معيّتهما في الوجود لا تنافي كون الشرط هو وجود الركوع.

و منها: في حكم المتابعة العمليّة،

و المشهور على وجوبها و المستند بعد الإجماع هو النبوي (1)المتلقّى بالقبول في كلام الأصحاب كالمحقّق في المعتبر و كالعلامة في كتبه و غيرهما و هو «إنّما جعل الإمام ليؤتم به فاذا كبّر فكبّروا و إذا ركع فاركعوا و إذا سجد فاسجدوا» و في بعض طرقه إسقاط «فإذا كبّر فكبّروا» و ظاهر غير واحد الاستدلال بنفس قوله: «ليؤتم به» لا بما فرّع عليه. و توضيح المرام أنّ محتملات هذه الفقرة ثلاثة:

أحدها: أنّ المراد قصد الائتمام حيث لا إمامة و لا مأموميّة إلّا به فجعل الإمامة يقتضي الائتمام به المتقوّم بقصده فيكون غائيّته بملاحظة أنّ مقتضاه نظير قولك: «إنّما أمرت بالصلاة لتصلّي» فإن لام الغاية بملاحظة أنّ فعل الصلاة باقتضاء من الأمر، و به استدل الشيخ (2)الأجلّ (قدّس سرّه) على اعتبار نيّة الاقتداء في الجماعة و عليه فتكون هذه الفقرة أجنبية عن المتابعة العمليّة فلا بدّ من استفادة حكمها من قوله: «فاذا كبّر فكبّروا» و تفريعه بملاحظة أنّ مقتضى الالتزام بشي‌ء هو الجري العملي على طبقه.

ثانيها: ان يراد منه العمل على طبق الالتزام المستفاد من جعله إماما بان لا يتأخّر عنه، فاذا كبّر الإمام كبّر المأموم لأنّه التزم بمتابعته، فالأمر بالتكبير بعد تكبير الإمام في قبال المنع عن التأخّر عنه.


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

2) كتاب الصلاة ج 1، ص 382 (الطبعة الحجريّة).

ثالثها: أن يراد منه ذلك لكن في قبال المنع عن التقدّم على الإمام، فمعناه لا تكبّر قبل ان يكبّر بل إذا كبّر فكبّر، و المرتبط بالمقام هذا الوجه الثالث، و هو أظهر من الأوّل. إلّا أنّ أظهريته من الوجه الثاني محلّ التأمّل، و ان كان ظاهر الشيخ (1)الأجلّ (قدّس سرّه) انّه لو أريد المنع من التقدّم لقال كبّر إذا كبّر لإمام لا «إذا كبّر الامام فكبّر» فهو ظاهر في الوجه الثاني و أنّه في مقام المنع عن لتخلّف عن الإمام. و يؤكّده أنّ ظاهر الشرطيّة و ترتّب الجزاء على الشرط الذي هو مدلول مطابقي للقضيّة هو لزوم كونه معه أو بعده، و أمّا عدم كونه قبله فهو لازم ترتّب الجزاء على الشرط فهو مدلول التزامي عقليّ للشرطيّة كما أنّ مقتضى الجري العملي على الالتزام بشي‌ء هو إتيانه بعد تحقّقه، و أمّا عدم لزومه قبلا فضلا عن حرمة إتيانه قبلا فهو لازم عقليّ لعدم الشرط لا انّ القضيّة مسوقة لأجله.

مضافا الى أنّه على أحد الوجهين يمكن المنع عن دلالة النبويّ على الوجوب لأنّ قوله: «إذا ركع فاركعوا» صغرى للكبرى المتقدّمة و هي قوله: «ليؤتم به» و يتابعه عملا فلا يقتضي إلّا ما يقتضيه قوله: «ليؤتم به» و حيث إنّه غاية لقوله:

«و إنّما جعل الإمام إماما» و ليس معناه إلّا قصد الاقتداء به و ربط صلاته بصلاته، فلا محالة تكون حاله له لأنّ غاية الشي‌ء لا يزيد حكمها على حكم ذي الغاية، و لا شبهة في استحباب الاقتداء فينتج استحباب الجري على وفقه.

و أمّا الإجماع المدّعى على الوجوب فلا يمكن أن يكون كاشفا عن مدرك تعبّدي مع وجود ما يصلح أن يكون مدركا، و هو هذا النبوي الذي استند اليه من يتقوّم به الإجماع حتّى قيل إنّ ضعفه منجبر باستناد المشهور إليه فلم يبق إلّا استفادة من استند إليه وجوب المتابعة و فهمهم ليس بحجّة.

و منها: انّ وجوب المتابعة العمليّة في الجماعة هل هو نفسي

لا يترتّب عليه سوى الإثم شي‌ء من فساد الجماعة فضلا عن فساد الصلاة، أو شرطي يترتّب عليه بطلان الجماعة؟ بل ربّما قيل ببطلان أصل الصلاة و لو لم يخلّ بوظائف المنفرد كما


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 343 و ص 382، (الطبعة الحجرية).

سيظهر إن شاء اللّه تعالى وجهه.

و قبل الخوض في ذلك ينبغي بيان انّ حقيقة الجماعة متقوّمة بالمتابعة العمليّة كما ربما يستظهر من تقوّم مفهوم الائتمام و الاقتداء بها، أو الائتمام المحقّق للجماعة أمر و المتابعة العمليّة أمر آخر، و نسبتها اليه نسبة الوفاء الى العقد ذهب بعض أعلام (1)العصر (قدّس سرّه) إلى الأوّل و استنتج من ذلك شرطيّة المتابعة فبطل القدوة في ذلك الفعل الذي لم يتابع فيه دون سابقه و لا حقه، و عمدة مستنده في ذلك ما أشرنا إليه من انّ المتابعة العمليّة مأخوذة في مفهوم الاقتداء و الائتمام.

و نظيره ما عن الشيخ الأجلّ (2)(قدّس سرّه) من أنّ «جميع ما يعتبر شرطا في الجماعة خارج عن حقيقتها إلّا المتابعة فإنّها مأخوذة في مفهومها» و لو صحّ ما ذكر لكان الأمر أعظم من الوجوب الشرطيّ لأنّ مقتضاه المقوّميّة و تقوّم الاقتداء بالمتابعة العمليّة دون الشرطيّة المبنيّة على مغايرة الشرط لمشروطه.

و يندفع: أوّلا: بأنّ الاقتداء و الائتمام و إن كان متقوّما بالمتابعة و كون أحدهما إماما و الآخر مأموما، إلّا انّ الملحوظ في أصل انعقاد الجماعة، مجرّد ربط صلاته بصلاة الإمام و كونه تابعا له في الصلاة و لذا لا شبهة في أنّه تنعقد الجماعة إذا أدركه في الركوع مثلا فكبّر ناويا بهذا الاقتداء، فإنّه لا تبعيّة له في التكبيرة و ليس الإمام حال صدور التكبير منه إماما له و لا هذا المكبّر فعلا مأموما له، فليست الإمامة و المأموميّة إلّا فعلا و لا معنى له فعلا إلّا «ربط صلاته بصلاته» و إن كان أحدهما في ركوع الصلاة و الآخر في تكبيرتها، فلهما المعيّة في الصلاة و هو القدر الجامع بين تمام أنحاء الاقتداء. بل لو تأمّلت جيّدا لوجدت الأمر كذلك في جلّ الموارد، فإنّ المأموم إذا كبّر بعد تكبيرة الإمام بلا فصل لا يكون أيضا مقتديا إلّا في الصلاة لا في التكبيرة لأنّ الإمامة و المأموميّة متضائفتان و هما معنيان غير مستقلّين بالتحصّل بل لا بدّ من الإضافة إلى أمر و ليس هو إلّا الصلاة دون التكبيرة لانّ المتضايفين


1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه اللّه): كتاب الصلاة، ص 648.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 298، و فيه «خارج عن مفهومها»، (الطبعة الحجرية).

متكافئان في الفعليّة و القوّة فلا يعقل أن تكون المأموميّة بالقوّة و الإمامة بالفعل فالإمام لم يكن إماما له في التكبيرة بل إمام له فعلا في الصلاة فلزوم المتابعة في خصوص كلّ فعل بعدم التقدّم عليه لا بدّ و أن يكون بدليل آخر غير ما تقتضيه حقيقة المتابعة العمليّة.

و ثانيا: انّ حقيقة الجماعة إذا كانت نفس المتابعة العمليّة في خصوصيات الأفعال الصلاتية من التكبيرة و الركوع و السجود و غيرها فاعتبار الجماعة المترتّبة عليها الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة بأحد وجوه ثلاثة، إمّا باعتبار المتابعة العمليّة في جميع الأجزاء بالأسر نظير تعلّق الوجوب الواحد بها. و إمّا باعتبارها في المجموع في قبال الجميع، و مرجعه إلى عدم خلوّ المجموع عن المتابعة لا عدم خلوّ الجميع. و إمّا باعتبارها في كلّ فعل بالاستقلال بحيث يكون هناك بعدد أفعال الصلاة جماعة مستحبّة.

فإن كان الاعتبار على الوجه الأوّل: فاللازم بطلان الجماعة بذاتها و عدم تحقّقها بعدم المتابعة في فعل واحد، فلا معنى لبطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع فيه.

و إن كان على الوجه الثاني: فاللازم صحة الصلاة تماما جماعة بالمتابعة في فعل، فلا معنى لبطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع و صحّتها في سابقة و لا حقه، بل تصحّ الجماعة في الجميع.

و إن كان على الوجه الثالث: صحّ الالتزام ببطلان القدوة فيما لم يتابع و الصحّة في سابقه و لا حقه، فإنّها على الفرض جماعات فبطلان بعضها لا ينافي صحّة بقيّة الجماعات، و لا يلتزم به هذا القائل بل يقول: بأنّ الائتمام قد يلاحظ بالنسبة إلى مجموع الصلاة على الإجمال و قد يلاحظ بالنسبة إلى كلّ فعل على سبيل التدريج، و على الأوّل لا يبطل الائتمام مع المتابعة العمليّة في معظم الأفعال و مع عدم الإعراض عن الائتمام و على الثاني يحكم ببطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع فيه مع ان الاعتبارات متقابلة كما عرفت و لا يمكن الجمع بينهما مع أنّه لو لم يكن للجماعة حيثيّة إلّا نفس المتابعة العمليّة في كلّ فعل فلا مجال للعدول و الانفراد بل مرجعه الى

فعل مستحبّ و ترك مستحبّ آخر فتدبّر جيّدا فإنّه حقيق به.

و أمّا الكلام من حيث كون الوجوب شرطيّا أو نفسيّا، فنقول: أمّا مدرك الشرطيّة فأمران:

أحدهما: ظهور الأوامر في العبادات ظهورا ثانويّا في الإرشاد إلى الجزئيّة و الشرطيّة، و ظهور نواهيها في الإرشاد إلى المانعيّة، و هو غير مسلّم، إنّما المسلّم هو أنّ الأوامر المتعلّقة بالأجزاء و الشرائط إرشاديّة لا للحكم المولوي لعدم قيام مصلحة مستقلّة بها حتّى يكون لها أمر مولويّ مستقلّ. و لا يقاس ما نحن فيه بمسألة البعد و الحائل إذ ليست استفادة الشرطيّة و المانعيّة من الأمر و النهي بل لقوله (1)(عليه السلام): «فليس تلك الصلاة لهم بصلاة».

ثانيهما: ما عن الشيخ الأجلّ (2)(قدّس سرّه) من استفادة الشرطيّة من النبويّ المتقدّم نظرا إلى أنّ قوله (3)(عليه السلام): «فاذا كبّر فكبّروا و إذا ركع فاركعوا» يدلّ على انّ المأموم غير مأذون شرعا في التكبير و الركوع إلّا بعد تكبير الإمام و ركوعه، فما اتى به مقدّما على الإمام غير مأمور به و ما أمر به غير مأتي به، فإن اقتصر عليه كان نقيصة في الصلاة، و إن اتى به ثانيا كان زيادة فيه، و مقتضاه بطلان أصل الصلاة فضلا عن الجماعة، لتقيّد التكبير الصلاتي و الركوع الصلاتي في فرض الجماعة بكونهما بعد تكبير الإمام و ركوعه.

و يندفع: بعد وضوح أنّ تكبير الإمام ليس من قبيل شرط الوجوب بل لو كان لكان من قبيل شرط الوجود انّ هذا المعنى من خصوصيّات الجماعة فلا دخل له بالتكبير من المصلّي بما هو مكلّف بأصل الصلاة حتّى يكون مقيّدا للتكبير الصلاتي مثلا فما أتى به من حيث الأمر بطبيعي الصلاة مطابق للمأمور به فلا نقيصة من حيث الصلاة. و أمّا كونه مقيّدا للأمر الندبي بالجماعة- حتّى ينتج بطلان الجماعة


1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 343- 344. (الطبعة الحجريّة).

3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

بما هي- فمدفوع: بانّ ظاهر الأمر للمأموم بالتكبير بعد تكبير الإمام بما هما مأموم و إمام، و إن كان عدم مطابقة المأتيّ به للمأمور به إلّا أنّه متفرّع على وجوب المتابعة بقوله (1): «إنّما جعل الإمام إماما ليؤتم به» و وجوب المتابعة لا يقتضي بوجه تقيّد المستحبّ بالمتابعة حتّى إذا لم يتابع كان المأتي به غير المأمور به، بل ما اتى به مطابق للمأمور به من حيث الصلاة و من حيث الجماعة و غير مطابق للأمر بالمتابعة فقط، و مقتضى موافقته للمأمور به من حيث الصلاة و من حيث الجماعة صحّتها مطلقا فتدبّر.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ الأقوى وجوب المتابعة نفسيا لا شرطيّا إلّا أنّه مع ذلك ربما يتخيّل اقتضاؤه لبطلان الجماعة بل الصلاة عند ترك المتابعة لأحد وجوه: و هي إمّا انّ ترك المتابعة بالتقدّم على الإمام مقدّمة لضدّ التقدّم على الإمام و هو المعيّة أو التأخّر و ترك التقدّم واجب فالتقدّم حرام.

و يندفع: أوّلا: بأنّ ترك الضدّ ملازم لوجود الضدّ الآخر لا مقدّمة.

و ثانيا: انّ هذه الحرمة الغيريّة لا يترتّب عليها فساد العبادة، كما بيّن كلا الأمرين في الأصول.

و ثالثا: انّ الصلاة غير متّحدة في الوجود مع التقدّم المحرّم حتّى يحرم الجزء فتفسد العبادة بفساد جزئها، و ليس ملازمة الوصف موجبة لسراية الحرمة إلى الموصوف الملازمة له.

و إما انّ ترك المتابعة متّحد الوجود عرفا مع فعل التكبيرة مقدّما على الإمام فيحرم الجزء فيفسد العبادة.

و يندفع: بانّ العناوين العدميّة يستحيل انتزاعها عن الأمور الوجوديّة، و إلّا لزم الخلف لأنّ الأمور الوجوديّة حيثيّة ذاتها حيثيّة طرد العدم فكيف تكون مطابقا للعدم.

و إمّا لتعلق النهي ابتداء بنفس التكبير المقدّم على تكبير الإمام فيفسد الجزء


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

فيفسد الكلّ.

و يندفع: بأنّه لا نهي عنه إلّا في التكبيرة بقوله (1)(عليه السلام:

«لا يكبّر إلّا مع الإمام فإذا كبّر قبله أعاد التكبير» و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى خصوصيّة للتكبيرة في هذا الباب و لو لم نقل بوجوب المتابعة العلمية رأسا.

و أمّا حديث التشريع، فتارة يتكلّم فيه على الوجوب الشرطيّ، و أخرى على الوجوب النفسي.

أمّا على الأوّل: فمرجع التشريع إلى التشريع في تطبيق المأمور به بالأمر الندبي المتعلق بالركوع الغير المقدّم على ركوع الإمام على الركوع المقدم، فيقع الركوع المأتي به تشريعا. و كما تبطل الجماعة لفرض الشرطيّة تبطل الصلاة لفرض حرمة المأتي به تشريعا فان اقتصر عليه كان من النقيصة في الصلاة و ان تداركه بركوع آخر كان من الزيادة فيها.

و أمّا على الثاني: فلا موقع للتشريع لا في الصلاة و لا في الجماعة، لأنّ الركوع المأتي به جزء لطبيعي الصلاة، و جزء لحصة الجماعة بلا تقييد لا في الصلاة و لا في الجماعة، فلا معنى للتشريع في أحد الأمرين. نعم يمكن فرض التشريع في تطبيق المتابعة المأمور بها نفسيّا، على ما اتى به، و حيث إنّ الواجب نفس المتابعة أي عدم تقديم الركوع على ركوع الإمام لا أنّ الواجب الركوع الغير المقدم، فلا يضرّ التشريع بوقوع الركوع مصداقا للأمر الوجوبي بالصلاة و لا للأمر الندبي بالجماعة، بل سبقه تشريعا لا يقع مصداقا للمتابعة الواجبة واقعا فيستحقّ الإثم بترك متابعته و الإثم بتشريعه. و قد تقدّم بعض الكلام في التشريع في أوائل مباحث الجماعة ما يندفع به بعض الإيرادات الموردة على التشريع على القول بشرطيّة المتابعة للجماعة، فراجع.

[المبحث] الثاني هل الأقوال كالأفعال في وجوب المتابعة نفسيّا أو شرطيّا، أو لا؟
اشارة

و الكلام تارة في ما عدا التكبيرة، و اخرى فيها.


1) الوسائل: ج 2، ص 792، الحديث 1، من الباب 16 من أبواب صلاة الجنازة.

أمّا الكلام في غير التكبيرة من الأقوال:

فمستند القول بالوجوب عموم النبوي المتقدّم (1)و هو قوله (عليه السلام): «إنّما جعل الإمام إمام ليؤتمّ به» بملاحظة حذف المتعلّق فيعمّ كل ما كان من الصلاة التي قد اقتدى فيها بالإمام. و يجاب عنه بأنّ النبوي ضعيف السند و لا جابر له إلّا عمل المشهور، و الاستناد إليه في حكمهم بوجوب المتابعة إليه، في الأفعال دون الأقوال، فلا جابر له في الأقوال و هو انّما يصحّ إذا كان استناد المشهور اليه كاشفا عن صدور مضمونه و المضمون الذي عليه عملهم هو المتابعة في الأفعال فقط، و أمّا إذا كان كاشفا عن صدور النبويّ فلا معنى لكونه حجّة موثوقا بصدورها تارة دون اخرى.

و أجيب أيضا كما عن الشيخ الأجلّ (2)(قدّس سرّه) بانّ مورد المتابعة الواجبة هو ما يتعيّن على الإمام و المأموم فيجب أن يكون المأموم تابعا فيه للإمام، لا مالا يتعيّن على المأموم ما يختاره الإمام، إذ مع عدم وجوبه على المأموم معيّنا لا معنى لوجوب المتابعة فيه و أذكار الركوع و السجود و القراءة و التسبيح في الأخيرتين كذلك، و لا تصحّ دعوى إرادة الجامع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى في الركوع و السجود، و الجامع بين القراءة و التسبيح في الأخيرتين، لأنّ المتابعة إنّما يجب فيما يجب شرعا لا فيما ينتزع من الواجب شرعا، و الجامع الانتزاعي كذلك.

نعم هو أخصّ من المدّعى، للاشتراك في التشهّد و في التسليم إلّا بدعوى التخيير.

بين ما يتأدّى به الشهادتان و يتأدّى به التسليم من «السلام علينا و على عباده الصالحين» و من «السلام عليكم». و بالجملة مدرك القول بوجوب المتابعة العمليّة في الأفعال هو الإجماع فقط، و لا إجماع في الأقوال بل المشهور على عدم وجوبها فيها.

و أمّا المناقشة في دلالة النبوي بما قدّمناه من أنّ غاية المستحبّ مستحبّة فلو تمّت لدلّت على عدم وجوب المتابعة في الأفعال أيضا، مع إمكان دفعها بانّ تشريع الاقتداء إن كان مقدّمة لاستيفاء مصلحة المتابعة العمليّة كان التسبيب إليها بنحو


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 348، (الطبعة الحجرية).

الاستحباب كاشفا عن انّ التسبيب الى تحصيل المتابعة بنحو الاستحباب أيضا، إذ لا معنى للتسبيب بنحو غير لزوميّ، للتوصّل إلى التسبيب اللزوميّ، و أمّا إذا كان الائتمام محقّقا لاتّصاف المتابعة بالمصلحة فلا تنافي بين كون مصلحة المقدّمة غير لزوميّة، و كون مصلحة ما يتوصل بها إليه لزوميّة. كالعقد بالإضافة إلى الوفاء بالعقد، فإنّه ليس العمل موصوفا بعنوان ذي مصلحة إلّا عند تحقّق العقد، فليس العقد مقدّمة لإيجاد أمر ذي مصلحة، و المتابعة كذلك لا مصلحة لها إلّا في فرض الاقتداء، فلا منافاة بين كون مصلحة الاقتداء غير لزوميّة و مصلحة المتابعة بعد تحقق الاقتداء لزوميّة، فالاقتضاء المفهوم من قوله (1)(عليه السلام): «إنّما جعل الإمام إماما ليؤتم به» من قبيل اقتضاء الموضوع للحكم لا من قبيل اقتضاء الغاية لذي الغاية، فتدبّر جيّدا. هذا بعض الكلام في ما عدى التكبيرة من الأقوال.

[الكلام في التكبيرة في وجوب المتابعة]

و أمّا التكبيرة فعدم التقدّم فيها على الإمام لا باقتضاء وجوب المتابعة بل باقتضاء نفس الائتمام و الاقتداء توضيحه: انّ حقيقة الاقتداء متقوّمة يربط صلاته بصلاة الإمام، و حيث إنّ الإمامة و المأموميّة متضائفان و هما متكافئان في القوّة و الفعليّة، فلا يعقل انعقاد صلاة المأموم جماعة قبل انعقاد صلاة الإمام سواء وجبت المتابعة العمليّة في صلاة الجماعة أم لا. نعم ينطبق على انعقاد الصلاتين معا المتابعة العمليّة المقارنة لانعقاد الجماعة، لا انّ هذا العنوان مقوّم لمعيّة انعقاد صلاة الإمام و المأموم، و ممّا ذكرنا تبيّن أنّه كما لا تصحّ التكبيرة بعنوان الجماعة قبل تكبيرة الإمام كذلك لا يصحّ الفراغ قبل فراغ الإمام عن التكبيرة إذ لا تنعقد الصلاة بمجرّد الشروع في التكبيرة بل بتمامها الذي هو فعل واحد من أفعال الصلاة فيكون انعقاد صلاة المأموم قبل انعقاد صلاة الإمام منافيا لتضائف الإمامة و المأموميّة في الصلاة.

و منه يتقدح الإشكال في عدم جواز الشروع قبل شروع الإمام فإنّ جزء التكبيرة لا حكم له و إنّما الاعتبار بانعقاد الصلاة بانعقاد التكبيرة و هو بالفراغ


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة. (الطبعة الحجرية)

عنها، فلو شرع المأموم في التكبيرة قبل شروع الإمام لكنّه فرغ عنها بعد فراغ الإمام عنها لم يلزم انعقاد صلاته قبل انعقاد صلاة الإمام حتّى يكون منافيا لتضائف عنواني الإمامة و المأموميّة.

[الكلام في التسليم في وجوب المتابعة]

و أمّا التسليم: فلا موجب لاختصاصه بالمتابعة من بين سائر الأقوال إلّا أمران:

أحدهما: انّه من حيث كونه مخرجا و انصرافا عن الصلاة معدود من الأفعال كالتكبيرة من حيث كونها دخولا، و موجبا لانعقاد الصلاة.

ثانيهما: ما تقدّم قريبا من حيث كونه من المشترك بين الإمام و المأموم معيّنا، فلا موجب لعدم شمول النبوي له.

و يندفع الأوّل: بأنّ الأفعال المقابلة للأقوال هي معقد الإجماع أو المتيقّن منه و إلّا فما من قول إلّا و هو قابل لانطباق عنوان فعل عليه، و ليس بعنوان الخروج و الانصراف جزء من الصلاة بل بعنوان التسليم، و لم يكن موجب الاختصاص في التكبيرة كونها فعلا بعنوان أنّه دخول في الصلاة بل بالبرهان المخصوص بها و فراغ المأموم من الصلاة بنفس التسليم بعنوان الاقتداء الملحوظ فيه أصل الصلاة كما مرّ لا ينافي تضائف الإمامة و المأموميّة.

و يندفع الثاني: بعد تسليمه، انّ العمدة في المتابعة هو الإجماع الذي لا يعمّ مورد النزاع لا النبوي حتّى يستلزم إلحاق التسليم بل التشهّد بالتكبيرة. و اللّه أعلم.

و ممّا ذكرنا من انّ الاقتداء بلحاظ طبيعة الصلاة لا بلحاظ ما تجب فيه المتابعة تعرف انّ بقاء القدوة مع التسليم قبل الإمام لا ينافي عدم قصد الانفراد في صورة تعمّد ترك المتابعة فإنّ ترك المتابعة عمدا غير ترك الاقتداء. فتوهّم انّه في صورة تعمّد التسليم قاصد للانفراد بلا وجه. كما انّ الإشكال في عدم درك فضيلة الجماعة بتمامها، أيضا بلا وجه، لانّ المفروض وقوع صلاته من أوّلها إلى آخرها عن اقتداء، و ليست المتابعة شرطا في أصل الصلاة، و لا في الجماعة و لا في فضيلة الجماعة. نعم هي في الأفعال ذات مصلحة لزوميّة في الجماعة فتفوت تلك المصلحة بفواتها و يأثم بتركها حيث انّها واجبة، بخلاف الأقوال التي لا دليل على وجوب المتابعة فيها فإنّه لا تفوت بفواتها مصلحة فضلا عن فضيلة الجماعة. نعم لو كانت

المتابعة في الأقوال من مستحبّات الجماعة و مكملاتها تفوت بفواتها المرتبة العليا من فضيلة الجماعة دون أصلها.

و ممّا ذكرنا يتّضح حال المتابعة في مستحبّات الصلاة حيث لا تجب تلك الأفعال حتّى تجب المتابعة فيها، و ليس وجوب المتابعة مشروطا بإتيانها حتّى لا ينافي وجوب المتابعة استحباب الفعل، و على تقدير استحباب المتابعة في المستحبّ من الأفعال، لا تفوت بفواتها إلّا كمال فضيلة الجماعة لا أصلها. و أولى بذلك الأفعال التي هي من مقدّمات الإفعال الصلاتيّة كالنهوض للقيام، أو الهويّ للسجود بل للركوع فان وجوب المتابعة فيها مع عدم وجوبها شرعا بلا موجب أصلا، بل لا موجب لاستحباب المتابعة فيها بعنوان المتابعة في المستحب.

فرع إذا أحرم قبل الإمام عمدا، أو سهوا

لا تنعقد الجماعة حيث لا صلاة للإمام حتّى يرتبط بها صلاة المأموم من دون نظر إلى وجوب المتابعة و عدمه، و أمّا انعقاد صلاته فرادى بعد عدم تباين الجماعة و الفرادى في الحقيقة فلا إشكال فيه إلّا من حيث التشريع، و هو في صورة العمد فقط، من حيث قصد الجماعة و تطبيق المأمور به بالأمر الندبيّ على المأتي به لما مرّ من أنّ الجماعة المأمور بها متقوّمة بربط صلاته بصلاة الإمام، و حيث إنّه لا صلاة للإمام فلا يكون المأتي به موافقا للمأمور به، فإتيانه بعنوان أنّه مأمور به و موافق له تشريع منطبق على الفعل فلا يمكن التقرّب به فلا يقع نفس الفعل عبادة.

و ممّا ذكرنا و ممّا مرّ منّا سابقا تعرف عدم جريان هذا البيان في التسليم مع تعمّد ترك المتابعة فيه بالتقدّم فلا تشريع فيه من حيث أصل الصلاة و من حيث الجماعة فتدبّر جيّدا. هذا كلّه بناء على وجوب المتابعة نفسيّا، إمّا في الأقوال كليّة أو في خصوص التسليم، و أمّا بناء على الوجوب الشرطي فمقتضاه بطلان الجماعة بنفس تقدّم التسليم و بطلان الصلاة بعنوان التشريع، و أمّا من حيث كونه كلاما آدميّا فلا أثر له إلّا من حيث عدم إمكان التدارك بسلام آخر بعد تسليم الإمام، لا

من حيث فساد أصل الصلاة مع قطع النظر عن التشريع إذ لو لا التشريع لا مانع من وقوعه جزء من أصل الصلاة، و ليس الفرض انّه بسبب التشريع المحرّم يصير كلاما آدميّا إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه بحرمته بل هو كلام آدمي في نفسه جعل جزء مخرجا للصلاة فإذا حرم و لم يمكن وقوعه مصداقا للمطلوب يتمحّض في كونه كلاما آدميّا، و حيث إنّه لم يخرج به عن الصلاة فهو واقع في الصلاة و لا يمكن تدارك القاطع.

تتميم

قد عرفت سابقا انّ الأصل جار في نفي شرطيّة ما يشكّ في شرطيّة، ففي مثل المتابعة في الأقوال تنفي الوجوب النفسيّ و الشرطيّ بالأصل حيث لا علم بثبوت أصله أو أمّا في الأفعال حيث إنّ أصله معلوم فمع عدم الإخلال بوظائف المنفرد يتمحّض الشكّ في الوجوب النفسيّ فتجري البراءة عنه. و مع الإخلال بها هل يجب رعاية العلم الإجمالي فليس له التعمّد بترك المتابعة لتنجّز الوجوب النفسي على تقدير ثبوته واقعا أو حاله حال ما إذا لم يخلّ بوظائف المنفرد من حيث عدم الإثم؟

الظاهر هو الثاني لعدم الأثر للعلم الإجمالي مع عموم (1)«لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» المقتضي لبطلان الصلاة فيتمحّض الشكّ في الوجوب النفسي و لا مانع من إجراء الأصل فيه لعدم أصل معارض فتدبّر.

المبحث الثالث [حكم سبق الإمام في رفع الرأس من الركوع أو السجود]
اشارة

إذا سبق الإمام في رفع الرأس من الركوع أو السجود فهل يجب العود مطلقا، أو


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية).

لا يجب بل لا يجوز مطلقا، أو يفصّل بين العمد و السهو فلا يجب بل لا يجوز العود في العمد دون السهو فيجب العود. المنسوب الى المشهور هو الأخير، و مستند المشهور هو الجمع بين ما دلّ على عدم الجواز بحمله على صورة العمد و ما دلّ على الوجوب على صورة السهو بشهادة الخبر الوارد الذي يختصّ بصورة السهو، و لا يخلو الجمع به عن إشكال بيانه: انّ ما دلّ على المنع عن العود هي موثّقة غياث بن إبراهيم (1)«عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أ يعود قال: لا» و ما دلّ على وجوب العود صحيحة ابن يقطين (2)«قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يركع مع إمام يقتدي به ثمّ يرفع رأسه قبل الإمام قال: (عليه السلام) يعيد ركوعه معه» و مثلها رواية الفضيل (3)في السجود و أمّا ما يستشهد به للجمع فهي موثّقة ابن فضّال (4)«قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) في الرجل يكون خلف إمام يأتم به فيركع المأموم قبل أن يركع الإمام و هو يظنّ أنّ الإمام قد ركع فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد الركوع مع الإمام أ يفسد ذلك صلاته أم يجوز له الركعة؟ فكتب يتمّ صلاته و لا يفسد ما صنع صلاته» و هذه الرواية بعد عدم الفرق بين الظنّ و السهو و إلغاء الفرق بين الركوع سهوا، أو رفع الرأس سهوا بمنزلة الخبر الدالّ على أنّ رفع الرأس سهوا موجب للعود فيحمل ما دلّ على عدمه على غير صورة السهو لأنّه أخصّ منه.

و وجه الإشكال انّ قوله (عليه السلام): «لا» في موثّقة غياث (5)، إمّا في مورد عدم وجوب الإعادة، كما هو الظاهر من قوله: في السؤال «أ يعود» أي عليه العود أم لا؟ و إمّا في مورد عدم جواز الإعادة بجعل السؤال عن الجواز.

فعلى الأوّل: لا معارضة بينه و بين موثّقة ابن فضّال لأنّ غاية ما تدلّ عليه هذه الموثّقة الثانية عدم مفسديّة الإعادة لا وجوب الإعادة، فتبقى معارضة ما دلّ على الوجوب مع موثّقة غياث النافية للوجوب على حاله من دون موجب لتخصيص


1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 3، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 1، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

الموجب بالسهو و النافي بالعمد.

و على الثاني: فالمعارضة بين الموثقتين ظاهرة إلّا أنّ الجمع بين الموثّقة المانعة عن العود، و الصحيحة الموجبة له- بدعوى أنّ الموثقة أخصّ بعد تخصيصها بالموثّقة الأخيرة- مبنيّ على القول بانقلاب النسبة و هو خلاف التحقيق المحقّق في محلّه. إلّا أن يقال: إنه غير مبنيّ عليه بل على أنّ تقديم الصحيحة يوجب طرح الموثّقة بالكليّة لعدم المورد لها بعد إخراج صورتي العمد و السهو، و مورد عدم الانقلاب فيما إذا لم يلزم منه مثل هذا المحذور، فتدبّر. لكنّ العمدة انّ موثقة غياث ظاهرة في عدم الوجوب لا في عدم الجواز، فلا يجدي في الجمع موثّقة ابن فضّال (1)لعدم دلالتها على الوجوب و لا على عدمه. فلذا يترجّح جمع آخر و هو: حمل ما دلّ على وجوب العود مطلقا على الاستحباب المجامع مع عدم الوجوب، لانّه ظاهر في عدم جواز الترك المتقوّم به الوجوب، و النافي له نصّ في جواز الترك و مقتضى تقديم النصّ على الظاهر مع التحفّظ على أصل الاقتضاء الطلبي الذي لا معارض له هو الحكم باستحباب العود مطلقا و عدم وجوبه مطلقا، و لا يجري هذا الوجه بناء على دلالة الموثّقة على عدم الجواز لانّ رفع اليد عن ظهور النهي و الأمر في الحرمة و الوجوب لا يرفع التعارض لمنافاة الاستحباب مع الكراهة أيضا. و حمل الأمر على الإذن في الفعل لكونه في مقام توهّم الحظر من أجل لزوم الزيادة، و حمل النهي على نفي الوجوب من حيث توهّم وجوب المتابعة، خلف كما لا يخفى وجهه.

و ربما يقال: في تصحيح فتوى المشهور بالتفصيل بين العمد و السهو، بان مقتضى القاعدة عدم جواز العود لأنّه زيادة عمديّة، و لا دليل على اغتفارها إلّا في صورة العذر من ظنّ، أو سهو كما هو مقتضى موثّقة (2)ابن فضّال، و هو من حيث جواز العود في العذر و عدمه في العمد وجيه، إلّا أنّه من حيث وجوب العود في صورة السهو، فهو محتاج الى دليل. و الاستناد- إلى ما دلّ على وجوب العود- غير وجيه مع وجود المعارض، و قبل الجمع بينهما و حمل أخبار المنع على العمد و أخبار الوجوب على


1) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

صورة السهو مع تساويهما في الإطلاق، و الانصراف بلا وجه، إلّا أن يقال: إنّ نفس اغتفار الزيادة بموثّقة (1)ابن فضّال كاشف عن وجوب المتابعة في صورة رفع الرأس سهوا، فيتمّ مسلك المشهور، و ذلك لانّ الزيادة حيث كانت مشتملة على مفسدة لزوميّة مضادّة لمصلحة الصلاة فلذا كانت مانعة قد اعتبر عدمها في الصلاة، فإذا كانت المتابعة واجبة كشفت عن مصلحة لزوميّة أقوى من مفسدة الزيادة، بخلاف ما إذا استحبّت الإعادة و المتابعة فإنّ المصلحة الغير اللزوميّة لا تزاحم المفسدة اللزوميّة فلا يعقل اغتفار الزيادة. و احتمال- كون الزيادة لا بعنوان المتابعة ذات مفسدة لا مطلق الزيادة- يدفعه: ظهور أخبار الزيادة في أنّها بما هي زيادة الركوع مثلا من موانع الصلاة. و منه تعرف الخدشة في الجمع بين الأخبار بحملها على استحباب العود مطلقا، فان هذا الجمع إنّما يصحّ إذا تمحّض في عنوان تقديم النصّ على الظاهر، لا فيما إذا لزم منه محذور الزيادة التي لا يعقل اغتفارها مع استحباب المتابعة بالإعادة، و اللّه العالم.

فروع
أحدها [في صحة الصلاة من رفع رأسه عن عذر]

بناء على وجوب العود في صورة رفع الرأس عن عذر تصحّ الصلاة مع ترك المتابعة و إن أثم به، أو تبطل الصلاة رأسا، أو جماعة؟ و لا يخفى أنّ مقتضى كون وجوب العود للمتابعة نفسيّا، هو الأوّل.

و أمّا الاحتمالان الآخران فمبنيّ على أحد أمور:

منها: استظهار الشرطيّة من خصوص الأمر بالعود و حينئذ يطالب بالفارق بين هذا الأمر و الأمر بالمتابعة عموما.

و منها: اقتضاء عنوان الإعادة المأمور بها لخلل في المأتي به و مقتضاه بطلان الصلاة مع الاقتصار عليه و لا أقل من بطلان الجماعة نظرا إلى كشف عنوان إعادة المأتي به عن كونه غير موافق للأمر الندبي بالجماعة، فهو بما هو صادر عن المأموم بما


1) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

هو مأموم باطل لا بما هو مصلّ، لكنّه لا يساعده مقام الثبوت، إذ لا خلل جزما في المأتي به من حيث أجزاء الصلاة و شرائطها و من حيث شرائط الجماعة على الفرض فيحمل الإعادة على مجرّد فعله ثانيا للمتابعة في الركوع بقاء.

و منها: أنّ الأمر بالعود أمر بالإلغاء و الأبدال و هو لا ينافي وقوع الأوّل صحيحا من حيث أصل الصلاة و من حيث الجماعة، إلّا أنّ الإلغاء تارة لتحصيل أفضل الأفراد كما في الصلاة المعادة على وجه، و اخرى لتحصيل المتابعة الواجبة بقاء مع وحدة الركوع الصلاتي و عدم تعدّده. و يندفع: بأنّ الإلغاء و الأبدال إنّما يصحّ إذا كان البدل وافيا بما اتى به و زيادة و كيف يكون الركوع الثاني المشتمل على المتابعة بقاء و لو لحظة أتمّ من المأتي به المشتمل على المتابعة مدّة مع أنّه لا ينتج فساد الصلاة رأسا أو جماعة مع عدم الإلغاء و الأبدال و حمله على الإرشاد إلى لغويّة المأتي به يساوق الأمر بالإعادة لخلل في المأتي به، و هو بلا وجه، كما عرفت.

ثانيها: هل يجب الذكر في الركوع الثاني أم لا

فان قلنا: بأنّه لمجرّد المتابعة لا يجب الذكر لأنّه ليس من مقومات الركوع بل من واجباته و ما يجب فيه بحسب دليله هو الركوع الذي هو من مقوّمات طبيعة الصلاة دون الركوع الذي هو لمجرّد المتابعة، و دليل المتابعة لاختصاصه بالأفعال دون الأقوال لا يقتضي إتيانه بهذا العنوان، و لا دلالة للأمر بالعود و الإعادة على إتيان الركوع بشؤونه و واجباته. نعم إذا قلنا بوجوب العود لبطلان الأوّل، أو لإلغاء الأوّل و إبداله فلا ريب في وجوب الذكر لاستقرار الامتثال على الثاني فهو الركوع الصلاتي، فيجب فيه كلّ ما يجب فيه من الذكر و الطمأنينة.

ثالثها [في بطلان صلاة من ترك الذكر في الركوع الأول عمدا]

إذا ترك الذكر في الركوع الأوّل عمدا بطلت صلاته، و أمّا إذا تركه سهوا مع رفع الرأس سهوا فلا موجب لبطلانه مع فوات محلّه على ما اخترناه من أنّ الركوع الثاني لمجرّد المتابعة، و أمّا إذا قلنا ببطلان الأوّل أو بإلغاء الأوّل وجب الذكر في الركوع الثاني مع الإتيان به في الأوّل فضلا عما إذا لم يأت به. نعم بناء على صحة الأوّل و عدم إلغائه و احتمال كون الثاني متمّما للأوّل و اعتباره اعتبار بقاء الركوع الأوّل لا أنّه ركوع آخر حيث إنّه لا تعدّد في الركوع، فالمحلّ حينئذ باق و مع

بقاء المحلّ يجب تدارك المنسي، إلّا أنّ اعتبار كونه تتمّة للركوع الأوّل لا لمجرّد المتابعة لا دليل عليه. و استصحاب بقاء المحلّ لا وجه له لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي و هو زوال فرد و حدوث فرد آخر مقارن لزواله.

و يمكن أن يقال: إنّه لا شبهة في أنّ الركوع الثاني للمتابعة بقاء لا حدوثا إذ لا ركوع آخر من الإمام حتّى يجب المتابعة فيه حدوثا، و إذا كان اعتبار المتابعة فيه من حيث البقاء فهو مستلزم لاعتبار بقاء الركوع الأوّل بإلغاء رفع الرأس و جعله كالعدم، و عليه فالمحلّ في اعتبار الشرع باق فيجب فيه تدارك المنسي. إلّا أن يقال: إنّ غاية ما يقتضيه اعتبار بقاء المتابعة هو بقاء الركوع من حيث كونه محلا للمتابعة، لا مطلقا حتّى يرتّب عليه آثار محلّ المنسي أيضا، و مع ذلك فالاحتياط بالتدارك ممّا لا ينبغي تركه، لانّه نقص لم يعلم اغتفاره لاحتمال بقاء محلّه، و لا وجه للتمسّك «بلا تعاد» (1)لانّ شموله لما نحن فيه مشكوك حيث لا تعاد مع فوات المحلّ لا مطلقا. مضافا إلى شبهة شموله لما في أثناء الصلاة. نعم لا يجب الاحتياط بإعادة الصلاة مع التدارك فإنّه مع عدم بقاء المحلّ واقعا و المنسي مرفوع قطعا فلا يدور الأمر بين بطلان الصلاة و وجوب التدارك، فتدبّر.

رابعها [في إشكال العود مع الشك ببقاء الإمام راكعا]

لا ريب في جواز العود مع العلم الوجداني أو الاطمئنان ببقاء الإمام راكعا، و أمّا مع الشكّ فيشكل العود للدوران بين وجوبه و حرمته لكونه زيادة غير مغتفرة، و ليس من موارد التخيير لإمكان التخلّص بقصد الانفراد، فليس أحد الأمرين ممّا لا بدّ منه حتّى يتخيّر عقلا بين الفعل و الترك، و قد مرّ سابقا انّ مورد الرجاء ما إذا دار الأمر بين وقوعه امتثالا للأمر و عدمه، لا بينه و بين الزيادة المحرّمة المبطلة للصلاة، فتدبّر.

و منه تعرف أنّه إذا عاد بوجه سائغ فلم يدرك الإمام في الركوع لم يكن ركوعه امتثالا للأمر بالمتابعة حيث لم يكن مقدورا له واقعا، و لا دليل على اغتفار الزيادة إذا كانت بقصد المتابعة فقط، فإنّ المتابعة و إن كانت قصديّة إلّا أنّها ليست مجرّد


1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

القصد.

خامسها [من سجد للمتابعة يتخيل أنها الأولى فبان أنها الثانية]

إذا رفع رأسه فرأى الإمام في السجدة فتخيّل أنّها الاولى فسجد للمتابعة فبان أنّها الثانية، و كذا إذا تخيّل أنّها الثانية فسجد لها فبان أنّها الاولى حسبت متابعة على الثاني، و من الصلاة على الأوّل. و هو مبنيّ على إدراجه تحت عنوان الخطأ في التطبيق بدعوى انّه قاصد لامتثال الأمر المتوجّه إليه فعلا، و إن زعم تارة أنّه الأمر بالمتابعة و اخرى انّه الأمر بالسجدة الثانية، و لو لا ذلك لأشكل الأمر في الفرع الأوّل نظرا إلى أنّ الأوّليّة و الثانويّة و إن لم تكن مقوّمة للمأمور به إلّا أنّ قصد السجود الصلاتي و امتثال أمره لازم، فان كان السجود الذي يؤتى به بعنوان المتابعة من باب إعادة السجدة، أو إلغاء المأتي به، أو كونها متمّمة للأولى، كان قصد السجود الصلاتي محفوظا، و أمّا مع القول بتمحّض المأتي به ثانيا في المتابعة و أنّه ليس من السجود الصلاتي و أنّه سجود زائد في الجماعة بعنوان المتابعة فالقصد إلى ما هو جزء الصلاة و إلى امتثال أمره غير محقّق فكيف يقع من الصلاة.

نعم يمكن دفع الإشكال عن الفرع الثاني بأنّ قصد المتابعة غير لازم، و قصد الركوع الصلاتي مثلا غير ضائر بل المتابعة اللازمة كما تجب فيما هو متمحّض في المتابعة كذلك في الركوع الصلاتي فتدبّر.

المبحث الرابع فيما إذا ركع أو سجد قبل الإمام
اشارة

و الحكم في هذه المسألة كالحكم في المسألة المتقدّمة على المشهور من عدم جواز العود مع العمد و وجوبه مع العذر، و الحكم بلحاظ النصّ في هذه المسألة أوضح من سابقتها، لورود الإطلاقات الموجبة للعود و المانعة عنه في المسألة السابقة، كما أنّ المخصّص للعود بصورة العذر مختصّ بهذه المسألة، فلقائل: أن يجمع بين الإطلاقات في المسألة السابقة بحمل المانع على عدم الوجوب و المثبت على الاستحباب دون هذه المسألة. إلّا بعدم القول بالفصل بين المسألتين و جعل المخصّص الوارد هنا كالوارد هناك. و بالجملة مقتضى القاعدة عدم جواز العود للزوم الزيادة و لا دليل على

اغتفارها إلّا في صورة العذر هنا نعم وجوب العود مع العذر ممّا لا تدلّ عليه الموثّقة (1)التي هي دليل خصوص هذه المسألة إلّا بالتقريب المتقدّم في آخر المبحث السابق.

نعم بناء على عدم القول باتّحاد المسألتين في الحكم، يشكل إجراء الحكم في صورة السبق الى السجود لاختصاص الموثّقة بالسبق الى الركوع، فلا دليل على اغتفار الزيادة بالعود الى السجود بعد صحّة السجود المأتي به، لفرض عدم شرطيّة المتابعة للجماعة فضلا عن أصل الصلاة. إلّا أن يستظهر من النبوي (2)وجوب متابعة الإمام في أفعاله و إن لم تجب على المأموم فيكون دليل وجوب العود دليلا على اغتفار الزيادة فيكون نظير الجلوس للتشهّد في المأموم المسبوق فإنّه يجب عليه المتابعة و إن لم يجب الجلوس على المأموم. إلّا أنّ الاستظهار المزبور من النبوي محلّ النظر بل الظاهر انّ ربط صلاته بصلاة الإمام يقتضي أن تكون أفعال صلاته تبعا لأفعال الإمام فيأتي بركوعه مع ركوع الإمام، و أمّا الجلوس للتشهد فلم يعلم انّه يجب من حيث كونه من واجبات التشهّد بل من حيث متابعة الإمام في القيام فلا بدّ أن لا يقوم قبل الإمام.

و ينبغي التنبيه على أمور:
منها [أن هذا الحكم هل يعم حال قراءة الإمام]

انّ هذا الحكم مختصّ بما إذا لم يكن السبق الى الركوع في حال قراءة الإمام أو يعمّ حال القراءة؟ و الكلام تارة فيما إذا كان السبق عن عمد، و اخرى في ما كان عن عذر.

أمّا إذا كان عن عمد: فربما يقال: ببطلان الصلاة في صورة العمد نظرا إلى أنّه لا يتمكّن من تدارك ما فاته للزوم الزيادة، و يندفع: بأنّه لا قراءة عليه حتى يكون تاركا لها عمدا، و لا يجب عليه القيام حال القراءة لما مرّ من أنّ القيام إمّا شرط حال القراءة أو واجب فيها، و حيث لا يجب عليه القراءة فلا مشروط حتّى يتوقّف


1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

على شرطه، و لا واجب كي يعتبر فيه شي‌ء. و أمّا ضمان الإمام للقراءة فهو ليس من آثار المتابعة بل من آثار الجماعة فما دامت الجماعة باقية و لم ينقلب الى الانفراد يسقط القراءة. و منه تبيّن الفرق بينما نحن فيه و مسألة قصد الانفراد في أثناء القراءة.

و توهّم أنّه ما لم يفرغ عن القراءة لا تسقط القراءة عن المأموم فركوعه قبل سقوط القراءة عنه كركوعه قبل تمام القراءة في الفرادى حيث لا أمر له بالركوع إلّا بعد القراءة أو مسقطها فالبطلان على هذا مستند الى وقوع الركوع في غير محلّه، لا إلى ترك القيام، و لا إلى عدم الإتيان بالمسقط إذ لا مسقط عليه بل يسقط القراءة عنه بقراءة الإمام.

مدفوع: بأنّ ترتّب الركوع على القراءة في طبيعة الصلاة مسلّم و أمّا ترتّبه على سقوط القراءة بقراءة الإمام فلا دليل عليه، فالركوع من المأموم حيث إنّه غير مترتّب على القراءة إذ لا قراءة عليه و لا على مسقطها إذ لا دليل عليه يقع في محلّه جزما.

و ممّا ذكرنا تعرف ما في بعض العبارات- من أنّه ترك القراءة و ترك بدلها أو أنّه ترك القراءة و ترك المسقط- لما عرفت أنّ البدل و المسقط ليس من أفعاله حتّى يقال: بأنّه تركهما و أنّ البطلان مستند الى تركه فأحسن وجوه العبارة ما عن بعض الأعلام (رحمه اللّه) من أنّ مرتبة الركوع بعد القراءة و سقوطها فيكون البطلان مستندا إلى عدم وقوع الركوع في محله لا إلى ترك شي‌ء من أفعال الصلاة و قد عرفت ما فيه و عليه فليس في مورد تعمّد السبق إلّا الإثم بترك المتابعة في الركوع، فتدبّر.

و أمّا إذا كان السبق إلى الركوع عن عذر: فالكلام فيه من حيث البطلان بمجرّد السبق ما مرّ، إلّا أنّه يقع الكلام في أنّه يجب العود عليه لا لمجرد المتابعة في الركوع بل لإدراك قراءة الإمام أم لا؟ و لا ينبغي الريب في عدمه إذا قلنا: بعدم البطلان في صورة العمد لعدم فوات شي‌ء منه سوى المتابعة. و أمّا على القول بالبطلان فربما يقال: بانّ المتروك سهوا مرفوع إذا لم يبق محلّه، و بعد لزوم العود يعود المحلّ فيجب التدارك لعدم فوات المحلّ بمجرّد الركوع سهوا هنا. و يندفع: بأنّه إن كان لزوم العود من باب إلغاء الركوع الأوّل و استقرار الامتثال على الركوع الثاني بطلت الصلاة بعدم العود، سواء كان السبق قبل إكمال القراءة أو بعدها و ان كان لمجرّد المتابعة

لا للغوية الأوّل فلا تبطل الصلاة بعدم تدارك المنسي لأنّ الركوع الثاني ليس من الركوع الصلاتي حتّى إذا عاد محلّ القراءة و بدلها.

و لا يقاس هذه المسألة بمسألة رفع الرأس فإنّ الركوع الثاني قابل لأن يكون متمّما للأوّل في تلك المسألة فهو من حيث كونه من متمّمات الأوّل يجب فيه تدارك ما فاته في الأوّل كالذكر مثلا، بخلاف هذه المسألة فإنّه ليس فيه اعتبار المتمّميّة إذ لم يقع الركوع الأوّل مع الإمام حتّى يكون الثاني متابعة للإمام بقاء كما قرّبناه.

و منها [حكم من سبق الإمام إلى القيام]

أنّه بناء على وقوع الركوع الأوّل- عمدا كان أولا- في محلّه وجب فيه كلّ ما يجب في الركوع الصلاتي من ذكر، أو طمأنينة و لا يجب شي‌ء منها في الركوع المتمحّض في المتابعة لعدم الموجب كما تقدّم كما لا يجب تدارك المنسي في الأوّل كما مرّ.

و منها: إذا سبق الإمام إلى القيام، ففيه تفصيل: فان كان الى القيام حال القراءة فقد مرّ فيما تقدّم من أنّ القيام إمّا شرط للقراءة أو واجب فيها و حيث لا مشروط و لا واجب عليه فلا يكون شرطا و لا واجبا حتّى تجب فيه المتابعة، أو يكون لسبقه عمدا أو سهوا أثر فلا يضرّ بقاؤه على حاله إلى ان يلحقه الإمام، و لو من حيث الإثم في العمد، كما لا مانع من عوده و هدمه للقيام من حيث الزيادة العمديّة، حيث إنّه من الأفعال العادية لا من الأفعال الصلاتية إلّا بناء على ما قدّمناه من احتمال وجوب المتابعة فيما يجب على الإمام فحينئذ حاله حال السبق إلى الركوع مثلا، لكنّك قد عرفت ضعفه.

و أمّا إن كان السبق إلى القيام في الأخيرتين، أو كان السبق إلى القيام بعد الركوع، فحاله حال السبق إلى سائر واجبات الصلاة عليه و على الإمام لفرض وجوبه عليه سواء كان شرطا أو واجبا في واجب كما في الأخيرتين أو كان واجبا مستقلا، و ان كان محلّه بعد الركوع.

و أمّا احتمال وجوب القيام مطلقا مستقلا. فضعيف جدّا و لذا لو تمكّن من القيام بمقدار القراءة لا مع القراءة وجب عليه القراءة جالسا و لا تجب بعدها أو قبلها القيام بمقدار القراءة و لو كان واجبا بنفسه من دون ارتباط بالقراءة للزم فعله

و لو، لا مع القراءة. بل يمكن أن يقال: إنّ القيام في الأخيرتين و إن كان واجبا، إلّا أنّه حيث إنّه واجب في واجب أو شرط فيه فمجرّد القيام عمدا لا يمنع عن الهدم و متابعة الإمام في القيام، إذ لا يقع امتثالا للأمر إلّا بعد مقارنته للتسبيح في الأخيرتين حتّى يقع الواجب في الواجب أو يتحقّق الشرط المقارن للواجب فلا يتحقّق الزيادة العمديّة في واجبات الصلاة بالعود إلى القيام مع الإمام، فتدبّر و ممّا ذكرنا يتّضح حال السبق الى الجلوس للتشهّد فإنّه كالقيام في الأخيرتين حرفا بحرف. نعم احتمال وجوبه مستقلا، موهوم جدّا. و أمّا الجلوس مع الإمام للتشهّد سهوا في غير محلّه، فليس من أجل المتابعة حتّى فيما لا يجب على الإمام واقعا بل من حيث عدم لزوم السبق إلى القيام، و عليه فله إطالة السجود حتّى يقوم الإمام كما لا يخفى وجهه.

المبحث الخامس التأخّر عن الإمام في الأفعال الصلاتيّة

التأخر عن الإمام في الأفعال الصلاتية بمقدار غير ضائر، بل قد تقدّم دعوى لزومه في المتابعة و الاقتداء، و إنّما الكلام تارة في لزوم تعقيب التكبير للتكبير و الركوع للركوع و هكذا بلا فصل معتدّ به، و اخرى في أنّ التأخّر الفاحش يبطل الجماعة أم لا؟.

أمّا لزوم التعقيب فلا مدرك له إلّا النبوي (1)المتقدّم في أوائل المسألة بناء على الاحتمال الثاني من محتملاته الثلاثة هناك فيكون الأمر بالركوع إذا ركع الإمام أمرا بإتيانه متعاقبا فيكون منعا عن التأخير لا منعا من التقدّم. و قد عرفت سابقا أنّه أظهر من سائر المحتملات فراجع، و أمّا التأخّر الفاحش فان اعتبرنا في تحقق الجماعة الاجتماع العرفي، فالتأخّر الفاحش يمنع عن صدق اجتماع الإمام و المأموم، فإذا كان الإمام في آخر صلاته و المأموم في أوّلها كان المأموم في نظر


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية)

العرف كالمنفرد في صلاته. و إن لم نعتبر الاجتماع العرفي و كان المدار على صدق الائتمام و الاقتداء، فقد عرفت سابقا أنّ الائتمام متقوّم بربط صلاته بصلاة الامام و المتابعة بجميع معانيها من أحكام الجماعة، لا من مقوّماتها. و لو كان التخلّف عن الإمام في ركن أو أزيد منافيا للقدوة لم يكن فرق بين التعمّد و العذر مع ورود صحيحة عبد الرحمن (1)في صورة السهو عن الركوع مع الإمام، بأنّه يركع و يلحق الإمام في السجود. و في روايته الأخرى (2)الواردة في الجمعة «إن المأموم إذا لم يتمكّن من الركوع و السجود معا مع الإمام لأجل الزحام يركع و يسجد و يلحق به في الركعة الثانية» نعم لا دلالة لهما على جواز التخلّف حتّى في ركن واحد، لورودهما في صورة العذر عن المتابعة، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في المسألة الآتية بعض ما يناسب المقام فانتظر.

المسألة الثالثة في أحكام المأموم المسبوق

اشارة

و فيها مباحث:

الأوّل: لا خلاف في أنّ وظيفة المأموم المسبوق هي القراءة في الأوّلتين له،

لا متابعة الإمام في التسبيح و تخصيص الركعتين الأخيرتين بالقراءة، كما عن أبي حنيفة، و نسب الى أبي علي منّا، و الأخبار بما ذكرنا مستفيضة بل فيها التعريض على العامّة بقولهم (3)عليهم السلام: «هذا يقلّب صلاته فيجعل أوّلها آخرها» و ليس ذلك مقتضى وجوب المتابعة حتّى في الأقوال و فيما يجب على الإمام دون المأموم فإنّه فيما لا يستلزم ترك ما يجب على المأموم. و ما رواه العامّة (4)عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله من أنّه «قال صلى اللّه عليه و آله: ما أدركتم فصلّوا و ما فاتكم


1) الوسائل: ج 5، ص 34، الحديث 4، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

2) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

3) الوسائل: ج 5، ص 446، الحديث 7، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

4) سنن ابي داود: ج 1، ص 156، باب السعي إلى الصلاة (الرقم 572)

فاقضوا» بعد ما ورد عن أهل بيت الوحي سلام اللّه عليهم محمول على الترغيب في عقد الجماعة و الأمر بالصلاة جماعة مع عدم إدراك الإمام من أوّلها و فعل ما فاتكم معه فان القضاء في لسان الشرع مجرّد الفعل و يناسب المصطلح عليه أيضا حيث إنّ القراءة فاتته مع الإمام فيأتي بها لنفسه.

الثاني: هذه الوظيفة و هي القراءة في الأوّلتين بنحو الوجوب،

كما هو المعروف لا بنحو الاستحباب كما حكي عن العلامة (قدّس سرّه) في المنتهى، و الالتزام بعدم الوجوب إمّا لعدم المقتضي، و إمّا لوجود المانع.

أمّا عدم المقتضي- مع ظهور الصيغة بطبعها في الوجوب- لكون الأمر في صحيحة عبد الرحمن في سياق بعض المستحبّات و المكروهات لا من حيث استعمال الصيغة في الجامع، حتّى يقال إنّه لا موجب له لتعدد الأمر، إلّا أنّ قرينة السياق ضعيفة لا يرفع بها اليد عن الأمر الظاهر في الوجوب، خصوصا بملاحظة سائر الأخبار الخالية عن هذه القرينة، فإنّ قرينة السياق تمنع عن الظهور فالأمر لا اقتضاء، لا أنّه يقتضي العدم حتّى يعارض سائر الأخبار الخالية عن قرينة السياق و فيها الصحيح عن زرارة (1)و اشتمالها على القراءة في نفسه يراد بها الإخفات في القراءة، لا حديث النفس إذ لا قراءة مع حديث النفس، فحفظ عنوان القراءة في جميع الأخبار يقتضي إرادة الإخفات بها لا عدمها إلّا في النفس، الراجع الى فرضها و تصوّرها، فتدبّر.

و أمّا وجود المانع: فلتوهّم دلالة ضمان الإمام للقراءة حتّى للمسبوق مع أنّ أخباره ظاهرة في ضمان الإمام لقراءة المؤتمّ بالإمام حال القراءة، و سقوطه عن المؤتمّ في الركوع حتّى في الأخيرتين لفوات محلّ القراءة بدليل خاصّ، و قد تقدّم بعض الكلام فيه.

الثالث: لو لم يمهله عن قراءة السورة تسقط عنه السورة

لا لاقتضاء دليل وجوب المتابعة لما مرّ منّا من أنّ وجوب المتابعة من أحكام الجماعة و هي هيئة مستحبّة في


1) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 4، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة.

الصلاة المستجمعة لجميع الأجزاء و الشرائط، فلا يقتضي سقوط ما يتفرّع على ثبوته، بل لصحيحة زرارة (1)«فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» و هل سقوط السورة منوط بعدم التمكّن منها رأسا بحيث لو تمكّن من بعضها لم يسقط البعض أو إذا لم يتمكن من تمامها سقط رأسا و ظاهر قوله (عليه السلام): «لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» إن المدار على التمكّن من سورة كاملة لا أنّ المراد عدم التمكّن من تمام أجزائها حتّى إذا أدرك بعضها لم يصدق عدم إدراك تمام أجزائها، فإنّ الظاهر ورود سلب التمكّن على الواحد الملحوظ فيه الأجزاء بنحو المجموع، لا عموم السلب فمن أدرك بعض السورة يصدق عليه أنّه لم يدرك سورة كاملة بل بعضها.

و عن بعض أعلام (2)العصر (قدّس سرّه) تأييد الوجه الأوّل بما ذكره من ذيل موثّقة عمّار (3)و هو هكذا «و بقرء خلفه في الركعتين يقرء في الأولى الحمد و ما أدرك من سورة الجمعة و يركع مع الإمام و في الثانية الحمد و ما أدرك من سورة المنافقين» إلّا أنّ وجوب السورة التامّة يقتضي اختيار سورة قصيرة يدرك معها الركوع لا اختيار سورة طويلة، و الاقتصار على بعضها لإدراك الركوع، و لا يمكن حمله على توهّم الإدراك مع قصر زمان التسبيحات الأربع و طول مدة قراءة الفاتحة و سورة الجمعة، و مع ذلك فالأحوط إتمام السورة و اللحوق بالإمام في الركوع.

الرابع: إذا لم يمهله لقراءة الفاتحة كاملة هل يجوز له الاقتصار على بعضها

و اللحوق بالإمام في الركوع، أو يجب إتمامها و اللحوق به و لو في السجود، مقتضى القاعدة هو الثاني لوجوب الفاتحة و عدم اشتراط انعقاد الجماعة بإدراك الركوع إذا أدرك الإمام قبله، و عدم كون التخلف بهذا المقدار لعذر مضرّا بالجماعة، و سقوط القراءة عند إدراك الإمام راكعا لفوات محلّها لدليل، لا يلازم سقوطها في محلّها مع إمكان الإتيان بها و عدم لزوم محذور منه.


1) الوسائل: ج 5، ص 445، الحديث 4، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه اللّه): كتاب الصلاة، ص 698، الفرع الأول.

3) الوسائل: ج 5، ص 44، الحديث 2، من الباب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

و قيل: بالأوّل لصحيحة معاوية بن وهب (1)«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام و هو أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتّى يقرء فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: نعم» نظرا إلى أنّ قوله (عليه السلام):

«نعم» تقرير لأمرين أحدهما ترك القراءة، و ثانيهما قضاؤها فيما بقي من الأخيرتين من صلاة المأموم لئلا تخلو صلاته عن قراءة الفاتحة فيكون اختيار القراءة حينئذ أرجح من التسبيحات، و عدم القول بالأمر الثاني لا يقتضي عدم القول بالأوّل، فتدلّ الصحيحة على جواز ترك القراءة مع عدم إمهال الإمام، و لأخصيّتها ممّا دل على لزوم القراءة مطلقا يكون مقدّمة عليه حتّى على ما يظهر منه لزوم الفاتحة، كصحيحة زرارة (2)بناء على استفادة تعيّن الفاتحة من قوله (عليه السلام):

«أجزأته أمّ الكتاب» فإنّه يحمل على ما إذا أمهله الإمام لقرائتها و لا مجال لحملها على التقيّة، إذ ما أفتى به أبو حنيفة هو التسبيح في الأوّلتين و القراءة في الأخيرتين، لا ترك القراءة في الأوّلتين لعدم الإمهال. بل تعين القراءة في الأخيرتين كالأوّلتين في المسبوق مدلول بعض الروايات. نعم ما أرسله (3)في الدعائم مما يوافق الصحيحة في ترك القراءة مع عدم الإمهال، فلا أظنّ أنّه غير هذه الصحيحة كما يظهر بالتتبّع في روايات الدعائم، فإنّها مأخوذة من غيرها لا في قبالها، و عليه فالقول بسقوط الفاتحة مع عدم الإمهال لا يخلو عن قوة و لعل المتتبّع في روايات باب الجماعة يطمئن بأهميّة المتابعة و حفظ هيئة الجماعة، و اللّه أعلم.

الخامس: المراد بعدم الإمهال

هل هو عدم إدراك الركوع و لو آخره، أو فوات الركوع من أوّله، و الظاهر من قوله: «لا يمهله الإمام حتى يقرء» أنّه لا يمهله بركوعه، فحيث إنّه ركع قبل إتمام القراءة ما أمهله لإتمامها لا أنّه حيث إنّه يرفع رأسه قبل تمام القراءة ما أمهله لإتمامها، فان المشهود للمأموم ركوعه قبل الإتمام لا عدم


1) الوسائل: ج 5، ص 446، الحديث 5، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 445، الحديث 4، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 38 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

امتداد ركوعه حتى يتمّ القراءة، و هو مقتضى أهميّة المتابعة حدوثا و بقاء، و حفظ هيئة الجماعة، بل الأمر كذلك في صحيحة زرارة (1)فإنّ قوله (عليه السلام):

«فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» ظاهره عدم الإدراك لمكان ركوع الإمام قبل تمام السورة، فإنّه المشهود للمأموم لا عدم امتداد ركوعه فإنّه ربّما يعلم و ربما لا يعلم، و الاحتياط بإتمام القراءة و اللحوق بالإمام و لو في آخر ركوعه لا ينبغي تركه.

السادس [في حكم الدخول مع الإمام في الأخيرتين]

لا يخفى أنّ حكم الدخول مع الإمام في الأخيرتين ما مرّ من ترك السورة، أو مع الفاتحة مع عدم إمهال الإمام فالدخول مع علمه بعدم الإمهال دخول في موضوع حكمه ترك القراءة كلا أو بعضا لا أنّه تفويت للقراءة الواجبة.

و إطلاقات الأخبار من حيث الدخول سواء علم بإمهال الإمام أم لا كافية في المقام. و بالجملة فالدخول في ركعة هي في معرض الإمهال و عدمه مفروض في الأخبار، و لا موجب لحملها على صورة العلم بالإمهال فانكشف خلافه.

السابع: إذا اعتقد إمهال الإمام فقرء فلم يدرك الركوع،

لا تبطل صلاته جماعة فضلا عن أصلها أمّا جماعة فلأنّ المتابعة في الركوع واجبة نفسا لا شرطيا، و المفروض انّ تركها لمسوّغ عقلي و هو العلم بالإمهال و إدراك الركوع و أمّا أصلا فلعدم الإخلال بشي‌ء من أجزاء الصلاة و شرائطها. و منه علم أنّه لو تعمّد القراءة و ترك المتابعة في الركوع لم تبطل صلاته و إن أثم بترك المتابعة بل ظاهر قوله (عليه السلام: «فإن لم يدرك سورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» هو مجرد الاجتزاء لا لزوم الترك حتّى تحرم القراءة ليكون دليلا على بطلان أصل الصلاة، لا من حيث ترك المتابعة بل من حيث القراءة المحرّمة مع أنّ اقتضاء حرمة الزائد على ما يدرك به الركوع لبطلان الصلاة مع الإتيان بجميع ما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط ممنوع.

الثامن: المشهور وجوب الإخفات في القراءة و إن كانت الصلاة جهريّة

لما في صحيحة زرارة «قرء في كلّ ركعة أدرك خلف الإمام في نفسه» و في إحدى


1) الوسائل: ج 5، ص 445، الحديث 4، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

مرسلتي الدعائم (1)«اقرء لنفسك» و في الأخرى «قرء فيما بينه و بين نفسه» و ظاهرها الوجوب بلا معارض له إلّا بالعموم و الخصوص، و من اختلاف التعبير عن الإخفات بهذه العناوين الثلاثة يعلم أنّه لا فرق بين قوله: «في نفسه» و قوله:

«لنفسه» بتوهّم انّ الثاني كناية عن مجرّد القراءة في قبال الاكتفاء بقراءة الإمام في باب قراءة غير المسبوق وجوبا، أو استحبابا فيما إذا لم يسمع قراءة الإمام، فإنّ إيجاب القراءة عليه، أو استحبابها كاف في طلب القراءة منه و عدم الاكتفاء بقراءة الإمام، و لا معنى للقراءة للغير إلّا إسماعه و في قباله القراءة لنفسه فيساوق القراءة بينه و بين نفسه، و من المتعارف في جواب من يطلب الجهر من القاري أنّه أقرء لنفسي لا لك.

و هل يجب الإخفات في البسملة لأنّها من الفاتحة المأمور بإخفاتها؟ أو يستحب الجهر للعمومات الدالّة على طلب الجهر بها في جميع الصلوات الجهريّة و الإخفاتيّة؟

غاية الأمر وجوبه في الجهريّة و استحبابها في الإخفاتيّة، إلّا أنّها مع فرض عدم شمولها للإخفاتيّة بالعرض لا معارضة بينها و بين ما يدلّ على لزوم الإخفات في القراءة، و مع فرض الشمول معارضة له بالعموم و الخصوص فلا يترك الاحتياط بالإخفات في البسملة. إلّا أن يقال: إنّ المنساق من الجهر بالقراءة و الإخفات بها مع شيوع استحباب الجهر بالبسملة في جميع الصلوات، هو الجهر و الإخفات في ما عدى البسملة، و المفروض انّ صلاة المأموم جهريّة بالذات، فيجب الجهر بجميع أجزاء القراءة و المتيقّن من الإخفات في هذه الجهريّة بالذات ما عدا البسملة فيجب الجهر بالبسملة، و حيث إنّ الوجوب لا قائل به فيحكم بمجرد رجحان الجهر بها، و لكن إثبات ما ذكر مشكل.

التاسع: القراءة في المأموم المسبوق باقتضاء أصل وجوب الصلاة

لا باقتضاء الجماعة فيها، إلّا أنّ وجوب الإخفات فيها كوجوب الجهر و الإخفات في أصل


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 38 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية)

الصلاة في مواضعهما يحتمل أن يكون من قبيل الشرط للقراءة أو أن يكون من قبيل الواجب في الواجب، فلو تعمّد ترك الجهر مثلا في مورده فات محلّه بخلاف ما إذا كان شرطا فإنّه ما لم يركع تجب القراءة جهرا، و حيث إنّ مقتضى النصّ و الفتوى بطلان الصلاة بتعمّد ترك الجهر مثلا في محلّه كشف ذلك عن كونه شرطا و ما هو شرط في القراءة في الجهريّة و أصل الصلاة هو الجهر، و إنّما يجب الإخفات في المسبوق لعروض الجماعة فهو من شرائط القراءة في الجماعة فتبطل الجماعة بفقده و تنقلب فرادى قهرا كما في سائر موارد شرائط الجماعة، و عدم عدّه من شرائط الجماعة غير مناف لشرطيّته، فإنّهم ذكروا ابتداء شرائط انعقاد الجماعة لا ما يتمحّض في كونه شرطا لبقائها، و أمّا شمول أخبار عدم بطلان القراءة في صورة الجهل، فيدور مدار استظهار الإطلاق من قوله (1): «جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الإجهار فيه» لقراءة المسبوق، و لا مانع منه مع كونه من الأفراد الشائعة، و تمام الكلام من هذه الجهة في محلّه. و أمّا النسيان: فهو مشمول لقوله (عليه السلام) (2)«لا تعاد» إلّا بالنظر إلى ما ذكرنا سابقا من أنّه ناظر إلى ترك ما يعتبر في أصل الصلاة جزء أو شرطا، لا الأعمّ منه و ممّا يعتبر في الجماعة.

العاشر [عدم وجوب المتابعة في كلّ ما لا يجب على المأموم من الأفعال و المستحبّات]

قد عرفت فيما مرّ عدم وجوب المتابعة في الأقوال و في كلّ ما لا يجب على المأموم من الأفعال، و في المستحبّات قولا أو فعلا فضلا عن المقدّمات، و عليه فالمأموم المسبوق لا يجب عليه المتابعة للإمام في القنوت إذا كانت ثانية الامام، و اولى المأموم من وجهين و لا في أصل التشهد بالشهادتين، و لا في الجلوس للتشهّد، إلّا أنّه يستحب المتابعة في كلّ ما ذكر للروايات، أمّا في القنوت فلموثّقة عبد الرحمن (3)«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يدخل الركعة الأخيرة من الغداة مع الإمام فقنت الإمام أيقنت معه؟ قال (عليه السلام): نعم و يجزيه من القنوت لنفسه» فعلم منها استحباب المتابعة مع عدم كونه مستحبّا في حقّه حيث إنّه في


1) الوسائل: ج 4، ص 766، الحديث 1، من الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة

2) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

3) الوسائل: ج 4، ص 915، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب القنوت

الركعة الاولى من صلاته، لكنّه يتبيّن من آخرها أنّه غير متمحّض في المتابعة بحيث يبقى عليه ما يستحبّ في حقّه في الثانية بل فيه مصلحة القنوت في محلّه بحيث يجزي عنه، و عليه فلا يستحبّ له القنوت إلّا إذا ترك المتابعة فيه عمدا أو سهوا فان المستحبّ الأصلي على حاله من دون استيفاء لمصلحته، فتدبّر.

و أمّا التشهّد من حيث التلفّظ بالشهادتين فلموثّقة الحسين بن المختار (1)«قال:

سئل عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الإمام و أدرك الثنتين فهي الاولى له و الثانية للقوم يتشّهد فيها قال: نعم. قلت: و الثانية أيضا قال نعم قلت: كلّهن؟

قال: نعم فإنّما هو بركة» و في رواية (2)أخرى أيضا «و إنّما التشهّد بركة». و أمّا استحباب التسبيح بالخصوص بدلا عن التشهّد فغير منصوص و جعله أحوط، لعلّه بملاحظة عدم كونه ذكرا و دعاء بالنسبة إلى الشهادة بالرسالة، و هو مدفوع بالنصّ على أنّه بركة، بل لعلّ هذه العبارة من الإمام (عليه السلام) لدفع مثل هذا التوهّم.

و أمّا الجلوس للتشهّد مع الإمام فالكلام تارة في أصله و اخرى في كيفيّته، و يدلّ على استحباب أصله، ما تقدّم ممّا دلّ على استحباب التشهّد، فان الظاهر انّ ما هو المتعارف من التشهّد جالسا هو الراجح، مضافا الى التصريح به في رواية علي بن جعفر (3)حيث قال (عليه السلام): «يقعد فيهنّ جميعا» بل الظاهر من سائر الروايات أنّ الجلوس مفروغ عنه، و إنّما يسأل عن إتيان التشهّد، و أمّا كيفيّته فقد ورد في صحيحة الحلبي (4)و صحيحة عبد الرحمن (5)انّه يتجافى و لا يتمكّن من القعود كما في الثانية «. يتجافي و أقعى إقعاء و لم يجلس متمكّنا». كما في الاولى، و لا معارض لهما لا من حيث التجافي، و لا من حيث عدم التمكّن من القعود فيراد من الجلوس في بعض الروايات ما يقابل القيام، لا ما يساوق التمكّن و وضع أليتيه على الأرض، و لا يخفى أنّ ترك القيام قبل قيام الإمام بعد التشهّد


1) الوسائل: ج 5، ص 467، الحديث 1، من الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 467، الحديث 2، من الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 468، الحديث 4، من الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 468، الحديث 1، من الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 468، الحديث 2، من الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة.

واجب. فالجلوس للتشهّد بعنوان المتابعة ليس بواجب، بل له أن يبقى ساجدا إلى أن يقوم الإمام، فالجلوس بمقتضى هذه الأخبار أفضل فردي الواجب التخييري. نعم الأحوط أن لا يترك التجافي في فرض متابعة الإمام في الجلوس لظاهر النهي من التمكّن مع عدم المعارض له.

الحادي عشر [في أنّ الإمام لا يتحمّل عن المأموم إلّا القراءة]

المعروف نصّا و فتوى انّ الإمام لا يتحمّل عن المأموم إلّا القراءة في غير المسبوق فيجب عليه ما عدا القراءة من أفعال الصلاة، و لا دليل على سقوط شي‌ء في المسبوق إلّا القراءة مع عدم إمهال الإمام على الوجه المتقدّم مفصّلا، فلا يقاس بها التسبيحات الأربعة إذا لم يمهله الإمام. نعم من يجوّز الاقتصار على المرّة يجب عليه الاقتصار عليها و اللحوق بالإمام، و أمّا سقوطها رأسا فلا دليل عليه، و اللحوق بالإمام في الركوع، أو السجود لا إشكال فيه، فان التخلف عن الإمام لعذر في ركن أو ركنين جائز لما تقدّم من نصوصه فلا وجه للإشكال في اللحوق بالإمام في السجود، و لا إشكال في كون إتيان الواجب عليه في الصلاة عذرا مسوّغا للتخلّف، و قد مرّ مرارا انّ وجوب المتابعة لا يقتضي سقوط ما وجب على المأموم في صلاته و إنّما خرجت القراءة بالدليل و لو فرض اختيار القراءة في الأخيرتين لا دليل على سقوطها في الأخيرتين مع عدم إمهال الإمام، لاختصاص دليل السقوط بالأوّلتين فلا مجال لتوهّم انّ أحد فردي الواجب التخييري إذا جاز تركه مع عدم إمهال الإمام جاز ترك الآخر، و إلّا لكان الواجب تعيينيّا لا تخييريّا، فتدبّر.

الثاني عشر [في حكم من لم يدر أنّ الإمام في الأوّلتين أو في الأخيرتين]

إذا حضر الجماعة و لم يدر أنّ الإمام في الأوّلتين حتّى تكون القراءة في عهدة الإمام، أو في الأخيرتين حتّى تكون القراءة في عهدة نفسه فأصالة عدم وصول الإمام إلى الأخيرتين، لا يثبت أنّه في الأوّلتين حتّى يسقط عنه القراءة و لا مجال للتمسّك بعموم (1)«لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» أو عموم (2)«يقرء» في


1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجريّة).

2) الوسائل: ج 5، ص 446، الحديث 8، من الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة.

المسبوق لكون الشبهة مصداقيّة بعد تخصيص الأوّل و عدم إحراز عنوان الثاني.

و توهّم العلم الإجمالي- بوجوب القراءة عليه، أو اللحوق بالإمام- لا محصّل له.

و دعوى- العلم بأنّه تجب عليه القراءة أو إيكال الأمر إلى الإمام- مدفوعة: بما تقدّم من أنّه لا معنى للإيكال بحيث يكون فعلا يجب على المأموم، و ليس المقام من الدوران بين المحذورين لوجوب القراءة أو حرمتها، حيث لا محذور في عدم الاقتداء أو الانفراد بعد تحقّقه، فلا مجال إلّا لأصالة عدم سقوط القراءة فيجب عليه القراءة.

و لا مجال لأصالة البراءة عن وجوبها بعد جريان أصالة عدم السقوط نعم الأحوط أن يقرء بنيّة القربة المطلقة.

المسألة الرابعة [حكم المصلّي في النافلة إذا أقيمت الجماعة]

اشارة

إذا أقيمت الجماعة، و الإنسان في نافلة، أو فريضة، فاستحباب القطع في الأولى مع فوات الجماعة بإتمامها، و استحباب العدول إلى النافلة في الثانية ثمّ قطعها، أو جواز قطعها ابتداء يستدعي التكلّم فيه في مقامين:

المقام الأوّل: في حكم قطع النافلة،

فنقول: معنى قطع الفريضة أو النافلة هو رفع اليد عنها و تبديل امتثال الأمر بها بإتيان فرد آخر، و هذا أمر غير استحباب النافلة بجميع أجزائها و وجوب الفريضة بجميع أجزائها فوجوب التمام، غير وجوب الإتمام، و منه تعرف أنّ وجوب الإتمام غير مناف لاستحباب التمام، كما أنّه تعرف منه أنّه حكم آخر يحتاج الى دليل، و عليه فإن قلنا: باختصاص دليل وجوب الإتمام و حرمة القطع بالفريضة لأنه الإجماع و هو في الفريضة، فجواز قطع النافلة لا يحتاج الى دليل. نعم استحبابه في المورد يحتاج الى دليل، و إن قلنا: بحرمة القطع مطلقا كما يستدل له «بتحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (1)فجواز القطع يحتاج الى الدليل و حينئذ فأهميّة الجماعة من النافلة لا يجدي في الجواز لأنّ وجوب الإتمام لا


1) الوسائل: ج 4، ص 715، الحديث 10، من الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام.

دخل له باستحباب التمام، حتّى يقال: بأهميّة الجماعة المستحبّة من النافلة بما هي مستحبّة، و لا مجال لدعوى الأولويّة إلّا بعد الالتزام بجواز قطع الفريضة ابتداء في المورد، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى الإشكال فيه، و ليس مجرّد العدول قطعا و لذا ليس أدلّة العدول في موارده من باب تخصيص دليل حرمة قطع الفريضة. و ربما يستدلّ لجواز قطعها بل لاستحبابه بصحيحة عمر بن يزيد (1)أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرواية التي رووها «انّه لا يتطوّع في وقت الفريضة ما حدّ هذا الوقت» قال: (عليه السلام) «إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة فقال: المقيم الذي يصلّي معه» بناء على عمومها للابتداء و الاستدامة مع أنّ ظاهر لا يتطوّع النهي عن إحداثها. مضافا إلى أنّ غايته كراهة الإتمام دون استحباب القطع شرعا، فالعمدة في جواز القطع الخدشة في حرمته، و أمر الاستحباب هيّن، و لعلّ المشهور أيضا لا يدّعون أزيد من مرجوحيّة الإتمام، و اللّه أعلم.

المقام الثاني: في العدول من الفريضة إلى النافلة،

و المستند فيه صحيحة سليمان بن خالد (2)«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن و أقام الصلاة قال فليصلّ ركعتين ثمّ ليستأنف الصلاة مع الإمام و لتكن الركعتان تطوّعا» و موثّقة سماعة (3)«قال سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال إن كان إماما عدلا فليصلّ اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعا و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو» الخبر، و لا إشكال في دلالتهما من حيث العدول و رفع اليد عن الفريضة المشتغل بها. و إنّما الكلام في جهات أخر.

منها: شمولهما لمطلق الفريضة حتّى الثنائيّة و عدم شمولهما لها نظرا إلى أنّ إتمام الثنائيّة كإتمام النافلة ركعتين لا يخاف معه فوات الجماعة فلم يكن وجه للعدول


1) الوسائل: ج 3، ص 166، الحديث 9، من الباب 35 من أبواب المواقيت.

2) الوسائل: ج 5، ص 458، الحديث 1، من الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 458، الحديث 2، من الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة.

بخلاف الرباعيّة و الثلاثيّة، و يندفع بأنّ العدول لحفظ الفريضة حتّى يصلّيها جماعة لا لحفظ الجماعة حتّى يصلّي صلاة أخرى بها جماعة و لهذه الغاية لا فرق بين الثنائيّة و غيرها.

و منها: أنّه هل له العدول إلى النافلة ثمّ قطعها بناء على أنّ حكم النافلة جواز قطعها أو لا بدّ من إتمامها ركعتين؟ ظاهر قوله: (عليه السلام) (1)«فليصلّ اخرى و ينصرف» هو إضافة ركعة أخرى إلى الركعة التي قصد بها الفريضة ابتداء و عليه فظاهره لزوم الإتمام فالجائز من العدول هذا الفرد الخاصّ لا أنّ جواز العدول مشروط بالإتمام، حتّى يقال لا معنى لجواز العدول بعد إتمام العمل، و قد عرفت سابقا انّ لزوم الإتمام لا ينافي استحباب التمام.

لا يقال: الأمر بإضافة ركعة أخرى استحبابيّ و مقتضى طبع الاستحباب جواز تركه المساوق لجواز قطعه.

لأنّا نقول: ما يقابل الإضافة بقاؤه على حاله من إتمام الفريضة فله إتمامها نافلة، و له تركه و إتمام الفريضة، فلا يدلّ على رفع اليد عنهما معا فتدبّر.

و منها: هل للمصلّي قطع الفريضة لإدراك الجماعة فيما إذا لم يجد العدول إلى النافلة لفرض فوتها بإتمامها ركعتين أم لا؟ و لا ينبغي الريب في عدم شمول الأخبار بمدلولها للقطع إلّا بتقريب المتوهّم من كون الغرض الأصلي من العدول حفظ الفريضة مع حفظ الجماعة، فكما لا يجدي حفظ الجماعة مع حفظ الفريضة كما إذا كانت ثنائيّة لا يفوت معها الجماعة، كذلك لا يجدي حفظ الفريضة مع عدم حفظ الجماعة كما إذا فاتته الجماعة بإتمامها ركعتين نافلة كانت أو فريضة، و مع استفادة هذه الغاية من الروايات يمكن دعوى تجويز القطع ابتداء من دون عدول إلى النافلة. و يندفع: بأنّ الغاية من حفظ الفريضة و إن كانت إيقاعها جماعة فيكون حفظ الجماعة أيضا ملحوظا، إلّا أنّ التخصيص بخصوص العدول لعلّه من باب حفظ الجماعة مع عدم محذور قطع الفريضة و عليه فصورة عدم التمكّن من


1) المصدر السابق.

إتمامها نافلة خارجة عن الغاية المقصودة كما هي خارجة عن مدلول الرواية، و منه يتّضح انّه مع عدم التمكّن من إتمامها نافلة لا يعقل العدول و إلّا لكان الأمر امرا بغير المقدور، و إن قلنا بجواز عدم الإتمام نافلة فإنّه لا ينافي الأمر بركعتين تطوّعا و بالجملة فقطع الفريضة إذا كان محرّما حتّى في هذه الحال لا يمكن إثبات جوازه بهذه الرواية. نعم بعد جواز قطعها لبعض الضرورات التي لا تجب رعايتها يمكن الإشكال في حرمته في مثل هذه الضرورة الدينيّة المهمّة، و هو من باب قصور المقتضي ثبوتا و إثباتا، و إلّا فلا يعقل مزاحمة المصلحة الغير اللزوميّة للمفسدة اللازم دفعها فتدبّر جيّدا.

المسألة الخامسة [جواز إتيان المأموم بالتكبيرات الافتتاحية قبل شروع الإمام]

لا ريب في جواز إتيان المأموم بالتكبيرات الستّ الافتتاحية قبل شروع الإمام في تلك الستّ، أو في تكبيرة الإحرام، إلّا إذا بنى المأموم اجتهادا أو تقليدا على تعيّن التكبيرة الأولى للإحرام و إنّ ما عداها مستحبّة فحينئذ لا يجوز له الشروع إلّا بعد تكبير الإمام للإحرام. و أمّا بناء على ما قوّاه غير واحد من المحقّقين: إنّ التكبيرات أفراد الواجب التخييري، بمعنى حصول الافتتاح و الإحرام إمّا بتكبيرة واحدة، أو، بالثلاث، أو بالخمس، أو بالسبع كما هو ظاهر أخبارها، بل ربما يقال باقتضاء مقام الثبوت أيضا لذلك حيث لا يعقل افتتاح عمل بعد افتتاحه، فلا بدّ أن يكون الافتتاح الواحد بإحدى تلك المراتب، فحينئذ لا يجوز الشروع فيها بجميع مراتبها لأنّها توجب انعقاد صلاته قبل انعقاد صلاة الإمام، إلّا أنّه يمكن دفع هذه الشبهة أيضا بما قدّمناه من جواز شروع المأموم في تكبيرة الإحرام قبل شروع الإمام إذا كان فراغه بعد فراغه إذ من الواضح أنّ مجرّد الشروع لا يوجب انعقاد الصلاة حيث إنّ الانعقاد بإتيان أوّل فعل منها لا بجزء من أوّل فعل منها. و يشهد له أنّه يجوز له رفع اليد عن التكبيرة بعد التلفّظ بلفظ الجلالة فقط، فكذا حال سائر المراتب من حيث كون الثلاث فعلا واحدا، و كذا الخمس، و السبع. و ممّا ذكرنا

تبيّن أنّ الاحتياط في المسألة مع تشتّت الأقوال من حيث الاستحباب و الوجوب التخييري و من حيث احتمال تعيّن الاولى لا يقتضي في الجماعة التكبيرات بقصد وقوع ما يتعيّن للإحرام واقعا بل تأخير الشروع في الكلّ عن تكبير الإمام للإحرام، فتدبّر جيّدا.

المسألة السادسة [في اختلاف الإمام و المأموم اجتهادا أو تقليدا]

اشارة

إذا كان الإمام و المأموم مختلفين اجتهادا أو تقليدا فهل يجوز الاقتداء في مورد الاختلاف في العمل أم لا؟.

و لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان صلاة الإمام صحيحة بحيث لم يكن لها تدارك إعادة و قضاء، فالصحيح منه لا الصحيح عنده ممّا يجوز الاقتداء به، و عليه فان كانت الأدلّة المعتبرة شرعا اعتبرت من حيث الطريقيّة المحضة، فلا محالة يكون صلاة الإمام فاسدة بنظر المأموم لقيام الحجّة عنده على أنّ الصلاة الواقعيّة غيرها، و لا فرق بين علمه الوجداني ببطلان صلاة و قيام الحجّة على بطلانها، و ان كانت في نظر الإمام صحيحة إلّا أنّ نظره يوجب معذوريّة نفسه لا سقوط التدارك عنه حتّى يصحّ للمأموم الاقتداء به فيها.

و إن اعتبرت من حيث الموضوعيّة فصلاة الإمام صحيحة في نظر المأموم أيضا غاية الأمر إنّها صحيحة منه لا أنّها صحيحة عنده فقط و هو مبنيّ على صحة الموضوعيّة ثبوتا و الدليل عليها إثباتا. و لا مانع من الموضوعيّة ثبوتا إلّا توهّم التصويب المجمع على بطلانه نظرا إلى أنّ مصلحة الواقع إمّا متقيّدة بعدم قيام الأمارة المخالفة للواقع فلا حكم واقعا، و إمّا تكون مصلحة الواقع مزاحمة في التأثير بمصلحة الأمارة فلا حكم أيضا واقعا، و إمّا تكون مصلحة الواقع غير مضادّة لمصلحة الأمارة بل مصلحة الأمارة مغايرة لمصلحة الواقع فقط. و لازمه إيجابهما معا مع انّه لا تجب صلاتان في وقت واحد. و يندفع بالالتزام بمصلحة بدليّة في الامارة فالحكم الواقعي محفوظ، و مقتضى استيفاء مصلحة الواقع ببدله عدم وجوب صلاتين في

وقت واحد إذ لا يعقل بقاء الأمر بعد استيفاء ملاكه فهو من سقوط الحكم بالإطاعة و لا يلزم منه الإيجاب التخييري، إذ لا يعقل فعليّتهما معا حتى يعقل التعيينيّة و التخييرية، بل يستحيل الإنشاء التخييري بعد عدم معقوليّة فعلتيهما، لان المفروض انّ الحكم الظاهري في ظرف عدم وصول الحكم الواقعي فكيف يعقل فعلتيهما حتى يعقل التعيينيّة و التخييرية. هذا بعض الكلام في معقوليّة الموضوعيّة ثبوتا، و أمّا إثباتا فيكفيه الإجماع المدّعى في باب العبادات من أنّه لا تدارك لها إعادة و قضاء بتبدّل الرأي، أو بالعدول من مجتهد إلى مجتهد و هو بنفسه دليل على معقوليّة الموضوعيّة، و إلّا لم يعقل بقاء المصلحة اللزوميّة، و عدم الأمر بتداركها إعادة، أو قضاء. و منه يعلم أنّه لا ينبغي الإشكال في الكليّة المدّعاة أوّلا.

نعم ربما أمكن الإشكال من وجه آخر و هو أنّ اللازم الاقتداء في الصلاة الصحيحة التي لا تدارك لها لا في كلّ ما لا تدارك له من حيث الاشتمال على مصلحة الصلاة.

و يندفع: بأنّ المصلحة البدليّة إن كانت في عنوان منطبق على الصلاة كان للإشكال وجه و أمّا إن كانت في الصلاة المتخصّصة بخصوصيّة الاستناد إلى الأمارة الشرعيّة فهي صلاة ذات مصلحة لا عنوان آخر ذو مصلحة، و الصحيح من الشقيّن هو الثاني لأنّ عنوان تصديق العادل مثلا ذو مصلحة واحدة، و مصالح العبادات متفاوتة فكيف يعقل بدليّة تلك المصلحة الواحدة عن مصالح متباينة، بخلاف ما إذا كانت المصالح المتعدّدة الواقع على أنّ الواقع غيرها غاية الأمر أنّ المأموم يرى الإمام مع قيام الحجّة عنده معذورا في مخالفة الواقع، و لا دليل على جواز الاقتداء بمن هو معذور في مخالفة الواقع، بل غاية سعته جواز الاقتداء بمن يكون صلاته صحيحة منه بحيث لا تدارك لها فكون الحكمين الطريقيين في عرض واحد لا يصحح الاقتداء، و قيام الحجّة على كونه مخالفا للواقع كاف لا حاجة معه إلى العلم بمخالفته للواقع، لانّ مقتضى حجّيّة الحجّة عند من قامت لديه ترتيب الأثر عليه ما لم ينكشف الخلاف و مقتضاها أنّ الصلاة الواقعيّة غيرها فلا بدّ من أن يعامل معها معاملة غير الواقع، و من آثارها عدم المتباينة مشروطة بسنخ واحد كاشتراط

جملة من العبادات بالطهارة مع تبائن مصالحها، فتدبّر جيّدا.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ جواز الاقتداء مع الاختلاف في الرأي مبنيّ على الموضوعيّة، و عدمه على الطريقيّة المحضة لا ان كلا منهما له حكم ظاهري في عرض واحد فليس لأحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر فان المراد من الحكم الظاهري إن كان هو الحكم الحقيقيّ المبنيّ على الموضوعيّة فصلاة الإمام صحيحة منه حتّى في نظر المأموم، و إنّما لا يصحّ من المأموم لعدم اندراجه في الموضوع المندرج فيه الإمام، و إن كان هو الحكم الطريقي فصلاة الإمام باطلة في نظر المأموم لقيام الحجّة الناظرة إلى الاقتداء بمن يأتي بغير الواقع.

و ينبغي التنبيه على أمور
الأوّل [البحث في ما ذكرنا مورد الحكم الظاهري]

أنّ ما ذكرنا فيما إذا كان الإمام يستند في عمله إلى رأيه الحاصل له بمقدّمات صحيحة فهو مورد الحكم الظاهري، و أمّا إذا كان مستندا الى علمه من باب الاتفاق مع خطأه في نظر المأموم، فلا يجوز الاقتداء به لأنّه في الحقيقة لا أمر له شرعا، بل توهّم الأمر و يجب عليه الإعادة و القضاء بعد التفاته اتّفاقا، فالميزان في جواز الاقتداء و عدمه الاستناد إلى الحجّة الشرعيّة و عدمه لا قيام العلم عند المأموم أو قيام الحجّة بتوهّم عدم جواز الاقتداء على الأوّل دون الثاني.

الثاني: ربما يستثني من كليّة جواز الاقتداء

بمن يصلّي صلاة صحيحة بحسب تكليفه ما إذا كانت القراءة مورد الاختلاف كما إذا كان الإمام لا يرى وجوب السورة و المأموم يرى وجوبه، أو الإمام لا يرى لزوم المدّ و الإدغام في مورد و المأموم يرى لزومهما، نظرا إلى أنّ قراءة المأموم المشتملة على سورة و على المدّ و الإدغام لم يخرج الإمام عن عهدتهما بخلاف جلسة الاستراحة مثلا فإنّها ليست في ضمان الإمام حتّى إذا تركها يخلّ تركها بصلاة المأموم الآتي بها. و قد تقدّم و سيأتي إن شاء اللّه تعالى انّا لا نتعقّل من ضمان الإمام لقراءة المأموم إلّا سقوطها عنه إذا اقتدى بصلاة صحيحة من الإمام، إذ الواجب على المصلّي ليس مباشرة القراءة أو إيكالها إلى الإمام حتّى لا يمكن إيكالها الى من لا يأتي بها كما يجب على مباشرها بل تجب عليه القراءة بالمباشرة في صورة الانفراد و لا يجب عليه في الجماعة لاجتزاء الشارع

بقراءة الإمام عن قراءة المأموم فلذا لم يوجبها عليه، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى تتمّة الكلام في شرائط الإمام.

الثالث [حكم المأموم إذا علم ببطلان صلاة الإمام]

مقتضى الكلّيّة المتقدّمة انّ المأموم إذا علم ببطلان صلاة الإمام بحيث لا بدّ له من تداركها، كما إذا اعتقد انّه غير متطهّر من الحدث، أو أنّه تارك للركن و نحوهما، فلا يجوز الاقتداء به، و منه يعلم أنّه لو لم يكن كذلك كما إذا رأى نجاسة في بدنه، أو ثوبه و هو جاهل بها، أو ترك ما لا يضرّ بصلاته إذا كان عن عذر فالاقتداء به لا مانع منه. نعم إذا علم بأنّه علم بها و نسيها فالاقتداء به غير جائز لبطلان صلاته للفرق الثابت بالنصّ، و إذا شكّ في أنّ الإمام جاهل حتّى تصحّ صلاته أو ناس حتّى لا تصحّ، فإجراء أصالة الصحّة في عمله مبنيّ على أنّ الاعتماد في الأصل المزبور على ظهور حال المسلم فلا مجال للأصل إذا المسلم لا يتعمّد، لا أنّه لا يغفل، و لا ينسى و إذا كان مقتضى الأصل المزبور تعبّد الشارع بصحّة عمله واقعا كما هو المعروف بل الصحيح فالأصل له مجال و مقتضى الاحتياط واضح.

الرابع [حكم الصلاة فيما إذا رأى في بدن الإمام أو ثوبه ما هو نجس عند المأموم]

إذا رأى في بدن الإمام أو ثوبه ما هو نجس عند المأموم و غير نجس عند الإمام فهو مندرج تحت الكبرى المتقدّمة الدائرة مدار الطريقيّة و الموضوعيّة من حيث صحّة صلاة الإمام بنظر المأموم أيضا و عدمها، و عليه فلا فرق بين كون الإمام عالما بوجود ما ليس بنجس عنده أو جاهلا أو ناسيا فان الفرق فيما كان بنظره نجسا.

و منه يتّضح حال ما إذا شكّ المأموم في أنّ ذلك الشي‌ء نجس عند الإمام أو غير نجس، فإنّه إن لم يكن نجسا عنده فصلاته صحيحة منه، و إن كان نجسا فصلاته تارة يحكم بصحّتها كما في صورة جهله بوجوده، و اخرى بفسادها كما في صورة النسيان، إلّا أنّه غير محرز انّه نجس عنده حتّى يحكم بفسادها في هذه الصورة فصلاته محكومة بالصحة فتدبّر.

المسألة السابعة إذا تبيّن بعد الصلاة كفر الإمام، أو فسقه، أو كونه محدثا

فهل يحكم بصحّة صلاته جماعة؟، أو فرادى؟ أم لا؟.

أمّا صحّة صلاته جماعة- مع فقد شرائط الجماعة فضلا عن شرائط صحّة أصل الصلاة مع قطع النظر عن أخبار المسألة- فلا ينبغي الإشكال في عدمها لفرض انتفاء الشرط، و أمّا صحّة صلاته فرادى فهي كسائر موارد بطلان الجماعة إنّما يحكم بصحّتها فرادى بعد عدم اختلاف الجماعة و الفرادى في الحقيقة إذا لم يكن إخلال منه بوظائف المنفرد. نعم إخلاله بخصوص القراءة إنّما يضرّ إذا لم نقل بشمول «لا تعاد» (1)لمثله حيث إنّ الترك عن عذر مسوّغ شرعي لاستناده في الاقتداء به و ترك القراءة إلى أصول جارية في حقّ الإمام.

بل ربما يقال: إنّ كثرة الأوامر الواردة في الحثّ و الترغيب إلى الجماعة المشروطة بشرائط في الإمام بحيث لا يعلم الواقع فيها إلّا اللّه كاشفة عن كفاية إحراز تلك الشروط بالظواهر و الأصول فتصحّ جماعة أيضا، و يترتّب عليها جميع آثارها.

نعم يمكن الخدشة فيه بأنّ انكشاف الخلاف في تلك الشروط إن كان غالبيّا أمكن الاعتماد على تلك الاستفادة فإنّ لازمه إلقاء المكلّف كثيرا في كلفة الإعادة و القضاء، و أمّا إذا كان انكشاف الخلاف اتفاقيّا فلا محذور في الترغيب لخلوّه عن المحذور.

و أمّا الكلام بحسب أخبار الباب فالبحث فيها في مقامين أحدهما: في دلالتها على صحّتها جماعة أم على مطلق صحّة الصلاة ربما أمكن استفادة صحّتها جماعة من أمور:

منها: انّ ظاهر الأسئلة و الأجوبة انّ السؤال عن حال هذه الصلاة الواقعة جماعة صحّة و فسادا بحيث لم يكن في ذهن أحد منهم انقلابها فرادى فقوله: «أ تجوز صلاتهم» و قوله (عليه السلام): «تمّت صلاتهم» إشارة إلى هذه الصلاة الخاصّة.

و منها: تعليل الصحّة بانّ الإمام ليس عليه الضمان و تقريبه: أنّ الضمان يستعمل في موردين:


1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في الصّلاة.

أحدهما: ما ورد (1)في باب ضمان الإمام للقراءة دون غيرها من الواجبات و مقتضاه انّ الإمام يتحمّل القراءة عن المأموم دون غيرها فيجب على المأموم الإتيان بها، و هذا المعنى أجنبيّ عن المقام لانّ المفروض إتيان المأموم بجميع ما عليه فلا معنى لتعليل الصحّة بانّ الإمام لا يتحمّل تلك الأفعال.

و ثانيهما: الضمان المنسوب إلى العامّة و هو انّ الأصل في جميع الأفعال هو الإمام و المأموم في أفعاله تابع محض فاذا فسد الأصل فسد التابع و هذا هو الضمان المنفي في هذه الرواية. و هذا المعنى إنّما يصحّ علّة لصحّة صلاة المأموم جماعة و لو لم يكن هناك حقيقة الجماعة كان الضمان منفيّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لا كما هو ظاهره من السالبة بانتفاء المحمول. و من العدم المقابل للملكة، لا من السلب المقابل للإيجاب، و منه تعرف انّ نفي الضمان بهذا المعنى لا ينافي ثبوت الضمان بالمعنى الآخر في القراءة و هذا المعنى المعروف من العامّة هو المراد ممّا رواه في دعائم الإسلام (2)من قول الأمير (عليه السلام) لعمر: «بل عليك و عليهم الإعادة لأن القوم بإمامهم يركعون و يسجدون فإذا فسد صلاة الإمام فسد صلاة المأمومين».

و منها: ما ورد في خبرين (3)«و ليس عليه أن يعلمهم فإنّ الصلاة إذا انعقدت فرادى من أوّل الأمر فلا موهم للزوم إعلام الإمام فإنّه كإخبار زيد عمرا انّ صلاته باطلة لكونه جنبا، بخلاف ما إذا كانت منعقدة جماعة فان الإعلام له مجال بتوهّم فساد الجماعة لفساد صلاة الإمام لفقد شرط الصلاة أو شرط إمامته فتدلّ على أنّ الصلاة منعقدة جماعة و لا يجب الإعلام لصحّتها، و يترتّب على الوجهين انّ الصلاة لو صحّت من المأموم جماعة ترتّبت عليها آثار الجماعة من سقوط القراءة و اغتفار زيادة الركن للمتابعة، و رجوع المأموم إلى الإمام في مورد الشكّ، و لو صحّت فرادى لم تكن لها دلالة على ترتّب تلك الآثار إلّا من حيث إطلاق الحكم بصحّتها لا من


1) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 494، الحديث 2، من الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

3) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 1، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

حيث تحقّق عنوان موضوعها، و حينئذ ربما أمكن الإشكال في إطلاقها لأنّ المسلّم منه هو ترك القراءة فإنّه لازم غالبيّ للجماعة فلا يعقل الحكم بصحّتها مع ترك القراءة غالبا إلّا إذا كانت ساقطة، بخلاف زيادة الركن للمتابعة أو الرجوع في مورد الشكّ فإنّهما اتّفاقيّان فلا مانع من انصراف الإطلاق عنهما بل يترتّب على الوجهين ثمرة في نفس القراءة أيضا فإنّه إذا تبيّن له بطلان صلاة الإمام بعد الفراغ عن قراءته و قبل الركوع فإنّه على تقدير الصحّة جماعة لا قراءة عليه، بخلاف التقدير الآخر فان محلّ القراءة باق من دون مسقط لها، بل تظهر الثمرة أيضا فيما لا ينعقد إلّا جماعة كالجمعة و المعادة فإنّه على تقدير فساد صلاة الإمام تبطل أصل صلاة المأموم لتقوّم صحّتها بالجماعة و المفروض بطلانها، فتدبّر.

نعم ظاهر كلمات الأصحاب انعقادها جماعة و صحّتها كذلك و لذا يقول العلامة: في التذكرة (1)معللا للصحة «بأنّه لم يفرّط في الائتمام» و يقول غير واحد:

بأصالة الإجزاء و بانّ الظنّ بالعدالة و بالإسلام كاف و بأنّه ينفرد و ينوي الانفراد إذا تبيّن له في الأثناء فكلّ ذلك كاشف انّ بناء القائلين بالصحّة على صحّتها جماعة و إن كان في أدلّتهم مجال الإشكال هذا كلّه في المقام الأوّل.

ثانيهما: إنّ ظاهر غير واحد من الروايات و فيها الصحيح عدم وجوب الإعادة على المأمومين، و ان أعلمهم الإمام بأنّه على غير طهر، و ليس في قبالها إلّا بعض الأخبار الضعيفة سندا و دلالة لتضمّنها ما لا نقول به في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) نعم تعارضها صحيحة معاوية بن وهب (2)«قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أ يضمن الإمام صلاة الفريضة فإنّ هؤلاء يقولون إنّه يضمن فقال لا يضمن أيّ شي‌ء يضمن إلّا ان يصلّي بهم جنبا أو على غير طهر» فإنّها بصدرها يوافق قوله (عليه السلام): في أنّه ليس على الإمام ضمان إلّا أنّها بالاستثناء يدلّ على ضمانه لصلاة المأموم إذا صلّى بهم على غير طهارة من الحدث و مورد الخبر المعلّل بقوله (عليه


1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 181، (الطبعة الحجرية).

2) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 6، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

السلام): «فإنّه ليس على الإمام ضمان» أيضا هو الصلاة على غير وضوء، و مقتضى الجمع الدلالي حمل الإعادة على الاستحباب. و أمّا حمل الضمان على انّ الإمام متعهّد لان لا يصلّي بهم على غير طهر- فيكون آثما في إقدامه على الإمامة- فهو غير مختصّ بهذا الشرط.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: انّ الظاهر عدم الفرق بين ما إذا تبيّن اختلال صلاة الإمام بعد الفراغ، و تبيّنه في الأثناء في صحّة ما مضى من صلاته لا للأولويّة فإنّها ظنيّة بل لصحيحة زرارة (1)«قال: سألته (عليه السلام) عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم انّه على غير وضوء قال: يتمّ القوم صلاتهم فإنّه ليس على الإمام ضمان» و ليس في قبالها إلّا ما أرسله في الذكرى من رواية حمّاد عن الحلبي «يستقبلون صلاتهم» و ذكر في الحدائق (2)انّه لم يظفر به في جوامع الأخبار كالوسائل و البحار. إلّا انّ في مفتاح الكرامة انّه موجود في السرائر، و في كلام السيد علم الهدى كما في المنتهى. و على أيّ حال فهو من قبيل الظاهر بالنسبة إلى الأظهر، أو النصّ فيحمل على استحباب استقبال الصلاة.

الثاني: المنصوص في أخبار الباب من موجبات فساد صلاة الإمام أربعة.

الكفر: كما في رواية ابن ابي عمير (3)و فقد الطهارة الحدثيّة: كما في غير واحد (4)من الأخبار. و فقدان نيّة أصل الصلاة: كما في صحيحة زرارة (5). و فقد الاستقبال: كما في إمامة الأعمى (6). و أمّا فقد سائر الشرائط فغير منصوص بالخصوص، نعم بناء على الأخذ بعموم العلّة في قوله (عليه السلام): «فإنّه ليس


1) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الحدائق الناظرة: ج 11، ص 234، (طبعه الآخوندي).

3) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 433، أحاديث الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 437، الحديث 1، من الباب 39 من أبواب صلاة الجماعة.

6) الوسائل: ج 5، ص 436، الحديث 2، من الباب 38 من أبواب صلاة الجماعة.

على الإمام ضمان» يمكن التعدّي إلى غير الموارد المنصوصة، إلّا أنّه لا يمكن التعدّي إلى الشرط الذي يوجب بطلان الجماعة و لا يوجب بطلان صلاة الإمام في نفسه ككونه فاسقا، أو كونه امرأة، أو كونه ممن لا يحسن القراءة و أشباهها فضلا عن فقد شرائط أصل الجماعة كعدم البعد، و عدم الحائل، و أشباههما فإنّ كلّ ذلك أجنبيّ عن عدم ضمان الإمام و انّ بطلان صلاته لا يستلزم بطلان صلاة المأموم.

نعم مثل الفسق يمكن إلحاقه بالكفر لا بلحاظ عموم العلّة بل بالأولويّة القطعيّة فإنّ الكفر أعظم مراتب الفسق.

و ربما يتمسّك بالأولويّة كما عن شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في بعض تحريراته في المقام بتقريب «انّ فقد الطهارة يوجب فساد صلاته و فساد الجماعة لاعتبارها فيها فما لا يوجب إلّا فساد الجماعة لاعتبارها في الإمام فقط أولى، و بالجملة فالمفقود في الأوّل شرط الصلاة و شرط الجماعة معا و المفقود في الثاني شرط الجماعة فقط».

و يندفع: بأنّه ان قلنا بصحّة صلاة المأموم جماعة لا أولويّة إذ اعتبار الطهارة في الإمام يتبع اعتبار طهارته في صلاته و الجماعة ارتباط صلاة صحيحة بصلاة صحيحة بخلاف ما إذا كان في الجماعة استقلالا فعدم كون الأوّل مضرّا بالجماعة لا يقتضي عدم كون الثاني مضرّا إذ لا أولويّة لعدم ما يعتبر في الشي‌ء بذاته و بالاستقلال بالإضافة إلى ما يعتبر فيه بالعرض و التبع. نعم بناء على انعقاد صلاة المأموم فرادى وجه للأولويّة لأنّ عدم انعقاد الجماعة إذا لم يكن مضرّا بصلاة المأموم مع فساد صلاة الإمام فمع صحّة صلاة الإمام أولى بان لا يكون مضرّا فإذا لم يكن الإخلال بالقراءة في الأوّل مضرّا بصلاة المأموم لم يكن الإخلال بها من المأموم مضرّا بصلاته، إلّا أنّ الظاهر من الأخبار انّ فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأموم لا أنّ عدم انعقاد الجماعة لا يضرّ بصلاة المأموم في صورة فساد صلاة الإمام حتّى يقال فمع صحّة صلاته بالأولويّة، فليس الحكم معلّقا على عدم انعقاد


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 276، (الطبعة الحجرية).

الجماعة بل على فساد صلاة الإمام، فتدبّر جيّدا.

و ربما يتمسّك أيضا كما عن بعض تحريراته (1)(قدّس سرّه) لتصحيح التعدّي إلى غير الموارد المنصوصة بأمرين آخرين.

أحدهما ما ورد في الإمام المخالف بأنّه بمنزلة الجدار فلا فرق بين كون الإمام مخالفا و بين عدم (2)رأسا فلو قلنا بصحّة الصلاة خلف المخالف واقعا دون عدم الإمام واقعا كان مرجعه إلى كون وجود المخالف مصحّحا للصلاة مع أنّ المفروض انّ وجوده كعدمه و يترتّب عليه التعدّي إلى مثل الاقتداء بمن يراه إنسانا فتبيّن انّه جدار.

و يندفع: بانّ مقتضى الجمع بين ما دلّ على بطلان الصلاة خلف المخالف لكونه كالجدار، و ما دلّ على صحّة الصلاة خلف من أحرز إيمانه فتبيّن أنّه مخالف، انّ وجوده الإحرازي العنواني كاف في صحّة الجماعة، و إذا اكتفينا بالوجود الإحرازي في الإيمان لا يلزمنا الاكتفاء بوجود الإمام عنوانا، أو بذكوريّته بعنوانها المحرز، فان الاكتفاء على خلاف الدليل الدالّ على شرطيّته بوجوده الواقعي يحتاج إلى دليل خاصّ، أو عام فالتنزيل الواقعي منزلة الجدار محفوظ و مع ذلك يتفاوت الأمر في صورة الإحراز.

ثانيهما: ما ورد في صحّة صلاة المأموم مع عدم نيّة الإمام لأصل الصلاة فإذا حكم الشارع بصحّة الجماعة مع عدم الصلاة رأسا من الإمام كان الحكم بالصحّة أولى مع تحقّق أصل الصلاة.

و الجواب: ما عرفت من انّ وجوده الإحرازي بظاهر حال المصلّي انها منويّة له إذا كان كافيا بالدليل لم يلزم منه كفاية شي‌ء آخر بوجوده الإحرازي، فتدبّر.

و الأحوط عدم التعدّي من مورد التعليل بعدم الضمان، بل عدم التعدّي من الموارد المنصوصة إلّا في مثل الفسق الثابت فيه الأولويّة القطعيّة.


1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 279، (الطبعة الحجرية).

2) هكذا في النسخة الأصلية، و في كتاب الصلاة «. عدم الإمام أصلا.».

و أمّا التمسّك بعموم (1)«لا تعاد» فان كان للإخلال بالقراءة عن عذر فإنّها ليست من الخمسة فقد قدّمنا الكلام فيه و رجّحنا جانبه، و ان كان لعدم شرطيّته للجماعة أو لأصل الصلاة فلا وجه له (أمّا الأوّل) فلأن الخبر مسوق لترك شي‌ء من أفعال الصلاة و شرائطها لا لشرائط الجماعة من حيث الإمام أو من حيث نفس الجماعة (و أمّا الثاني) فلأن الخبر مسوق لعدم الإعادة بفقد شي‌ء ثابت الجزئيّة، أو الشرطيّة لا لدفع شي‌ء يشكّ في شرطيّته في الصلاة فإذا شكّ في أنّ اختلال أحد شروط الجماعة مطلقا يوجب بطلان صلاة الإمام شرعا بحيث يكون أحد شروط الصلاة فلا مجال للاستدلال «بلا تعاد» و الظاهر من بعض أعاظم (2)العصر (قدّس سرّه) في مصباحه جواز التمسّك به، و هو مخالف لما عليه الأصحاب حيث لم يتمسّك أحد به في الشبهة الحكميّة، و خلاف ظاهر الخبر أيضا حيث إنّ الظاهر انّ ما يضرّ فقده بالصلاة عن تعمّد لا يضرّ فقده عن نسيان، أو عن مطلق العذر، و اللّه أعلم.

الثالث: في حكم إعلام الإمام ببطلان صلاته بعد الفراغ، أو في الأثناء، أمّا حكم الإعلام بعد الفراغ مع فرض صحّة صلاة المأموم فلا موجب لوجوبه حيث لم يفت من المأموم شي‌ء بل بناء على صحّتها جماعة فلم يفت منه فضيلة الجماعة مضافا إلى التصريح بعدم لزومه، بل التصريح بأنّه موضوع عنه في صحيحة زرارة (3)بل يمكن أن يقال: إنّه لا موجب للزومه مع بطلان صلاة المأموم أيضا في صورة جهل الإمام بفساد صلاته إذ لا تفويت منه للمصلحة اللزوميّة بل فاتت عليه لجهله و فاتت على المأموم لمخالفة الأصول و الظواهر المستند إليها للواقع، و إعلامه حينئذ مقدّمة للتدارك و لا يجب عليه تدارك ما فات على الغير حتّى تجب مقدّمته.

بل يمكن أن يقال: بأنه لا يجب عليه الإعلام إذا علم بفقد الشرط قبل الصلاة بل غايته حرمة الإقدام على الصلاة لكونه تشريعا سواء كان هناك مأموم أو لا،


1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في الصّلاة.

2) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه اللّه) كتاب الصلاة، ص 691.

3) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 5، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

و تفويت المصلحة اللزوميّة على المكلّف انما يقبح على الشارع لاقتضاء قاعدة اللطف لإيصال العباد إلى مصالحهم و دفعهم عن مفاسدهم فيقبح منه التفويت التشريعي لا التكويني، و كذلك يقبح على النبيّ لأنّ النبي مبعوث لهذه الغاية فيقبح منه لهذه الجهة، بل يقبح على الإمام مع بسط يده و عدم المانع لهذه الغاية، و يجب على العالم إرشاد الجاهل بالأحكام دون الموضوعات شرعا و ما نحن فيه ليس من كلّ ذلك في شي‌ء فلا معنى لتحريم التفويت مع أنّه ربما لا يكون خارجا تفويت منه كما إذا اقتدى به المأموم من غير التفات من الإمام و عدم إعداد لنفسه للإمامة هذا حال الإعلام بعد الفراغ.

و أمّا إعلامه في الأثناء إذا تبيّن له فقد الشرط فلا موجب له كما عرفت، بل يجب قطع صلاته لأنّ إتمامه تشريع محرّم و هو غير الإعلام بل ربما لا يلازم الإعلام العملي كما إذا كان الالتفات الى فقد الشرط حال تشهّده فان رفع اليد في نفسه لا دلالة له على فساد صلاته بل يجامع الفراغ لحاجة مضي فيها. و لا يخفى انّ صحيحة معاوية بن وهب (1)المتقدّم ذكرها أيضا لا يقتضي إلّا عدم الصلاة بهم جنبا بناء على تفسير الضمان بالمعنى التكليفي فإن حرمة الصلاة بهم لا يقتضي إلّا عدم الصلاة بهم من أوّل الأمر و قطعها في الأثناء و كلا الأمرين أجنبيّ عن الإعلام. كما أنّ أخبار الاستخلاف (2)و الاستنابة لا دلالة لها إلّا على جوازها و هو يساوق الإعلام العملي لا على وجوب الاستخلاف ليكون دليلا على وجوب الإعلام عملا.

المسألة الثامنة [إذا نسي الإمام أحد واجبات الصلاة]

إذا نسي الإمام أحد واجبات الصلاة سواء كان ركنا أو غير ركن و لم يعلم به


1) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 6، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 439، أحاديث الباب 41 و 42 من أبواب صلاة الجماعة.

المأموم، إلّا بعد الفراغ صحّت صلاة المأموم، إذا لم يشاركه في المنسيّ، فان لم يكن المنسيّ من الأركان صحّت صلاته جماعة لصحة صلاة الإمام و إن كان المنسيّ ركنا صحّت صلاة المأموم فرادى واقعا. نعم إن كان الركن المنسيّ من الركعة الثانية صحّة الصلاة بلا إشكال لصحّة الجماعة إلى حال النسيان فلم يلزم إخلال المنفرد بالقراءة التي هي وظيفة المنفرد و إن كان من الركعة الأولى كان صحّة الصلاة فرادى مع الإخلال بالقراءة في الركعة الثانية مبنيّة على شمول «لا تعاد» (1)للإخلال بالقراءة بغير النسيان من الأعذار أيضا، إلّا أنّه بناء على ما تقدّم من التعليل بقوله (2)(عليه السلام): «فإنّه ليس على الإمام ضمان» تعميم الحكم لكلّ ما يوجب بطلان صلاة الإمام فإنّه يلازم صحّة صلاته و لو مع الإخلال بالقراءة أمّا على صحّتها جماعة فواضح، و أمّا على صحّتها فرادى فلإطلاق دليل الصحّة المعلّلة بالعلّة العامة فلا يتوهّم أنّ الرواية متكفّلة لعدم البطلان من حيث بطلان صلاة الإمام لا من حيثية أخرى كالإخلال بوظيفة المنفرد فإنّ الإخلال بهذه الوظيفة لازم غالبي لا يمكن صرف الإطلاق عنه. هذا كلّه مع عدم علم المأموم بإخلال الإمام بواجب نسيانا، و أمّا مع علمه به فلا يجب إعلام الإمام ليتداركه إذ لا موجب للزوم الإعلام فإنّ الإمام في المقام كغيره لا يجب على أحد إعلامه بخلل في صلاته. نعم وجوبه الشرطي بمعنى اللابدية من إعلامه عند إرادة تتميم الصلاة جماعة مع توقّفه على التدارك كما إذا كان المنسي ركنا لا مانع منه فيجب عليه التنبيه بهذا المعنى، و كذا لو كان المنسي قراءة و الإمام بعد لم يدخل في الركوع فان الاجتزاء بصلاته يتوقّف على قراءة الإمام و إلّا لم يسقط عنه القراءة. و هل له الانفراد في هاتين الصورتين بترك التنبيه و قصد الانفراد؟ فهو مبنيّ على ما قدّمناه من جواز الانفراد اختيارا لا لعذر، فإن قلنا به فله الانفراد، و إلّا ليس له الانفراد إذ لا عذر له في بقائه على الائتمام مع تنبه الإمام بتنبيهه. نعم إذا لم يمكن التنبيه أو


1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

2) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة.

التنبه كان الانفراد جائزا بلا إشكال.

المسألة التاسعة في حكم الاقتداء بمن يرى نفسه مجتهدا و يعمل برأيه مع أنّه غير مجتهد في نظر المأموم،

أو الاقتداء بمن يقلّد من ليس أهلا للتقليد مع كون عمله على طبق رأيه.

و الكلام في بطلان الاقتداء تارة من حيث خروج الإمام عن العدالة، و اخرى من حيث كون عمله غير صحيح منه و الجماعة ارتباط صلاة صحيحة بصلاة صحيحة.

أمّا الكلام من حيث العدالة: فهو في القاصر غير محقّق لأنّه غير ملتفت إلى أنّ الاجتهاد و العمل بالرأي يتوقّف على أمر هو فاقده، و كذلك حال المقلّد الغافل عن لزوم إحراز ما يعتبر فيمن يقلدّه حتّى يكون بسبب العمل برأيه أو العمل برأي مجتهده فاسقا، و إلّا فمن الواضح أنّ اعتقاد الاجتهاد، أو اعتقاد أهليّة المفتي ليس من المعاصي حتّى يكون فاسقا.

و أمّا الكلام في صحّة عمل المجتهد القاصر، أو المقلّد القاصر فهو ما ذكروه في محلّه من أنّ مطابقة عمله للواقع أو لرأي الأعلم، أو من يجب تقليده كافية في صحّة عمله، فاذا فرض أنّ عملهما مطابق في نظر المأموم لأحد الأمرين فلا مانع من الاقتداء به في هذه الصورة. و منه تبيّن أنّه في فرض القصور لا اختلال في الجماعة من حيث العدالة و من حيث صحّة العمل و أمّا الجاهل المقصّر من المعتقد للاجتهاد أو أهليّة المفتي فمن حيث عمله مع فرض تحقّق نيّة القربة منه لغفلته حين العمل كالجاهل القاصر يصحّ تارة و لا يصحّ اخرى. و أمّا من حيث العدالة فمع فرض الالتفات الى تحصيل مقدّمات دخيلة في الاجتهاد، أو إحراز أمور في العمل برأي المفتي و مع ذلك لم تحصّل تلك المقدّمات أو لم يحرز تلك الأمور إلى أن غفل و صلّى على طبق رأيه أو رأي المفتي فكونه فاسقا بترك تحصيل المقدّمات، أو إحراز تلك الأمور في غاية الإشكال. نعم بترك ما تنجّز عليه من التكاليف الواقعيّة يمكن الحكم بفسقه، إلّا أنّ تحقّق هذه الأمور خصوصا ترك تحصيل المقدّمات التي يراها

دخيلة في نظره نادر الوقوع بل الغالب أنّه لا يراها دخيلة بل مضرّة بالاستنباط و إن كان غيره من أرباب النظر يراه دخيلا إلّا أنّه لا يراه من أهل النظر، و بالجملة فالحكم بالتفسيق في غاية الإشكال.

و أمّا الحكم بصحّة عمله من باب أصالة الصحّة: فيدور مدار الاستناد فيها إلى ظهور الحال فلا مجال له هنا بعد فرض بطلان اجتهاده و تقليده، أو الاستناد الى التعبّد بالصحّة واقعا لإمكان المصادفة للواقع أو لما هو بمنزلته فلا مانع من الحكم بصحّة عمله.

المسألة العاشرة: إذا اعتقد الإمام دخول الوقت و المأموم غير معتقد لدخوله

فإن كان دخوله في الصلاة لا بتحرّ و استناد إلى الحجّة فلا تصحّ صلاته و إن دخل الوقت في أثنائه، فلا يجوز الاقتداء به مطلقا لما مرّ من أنّ الجماعة ارتباط صلاة صحيحة بصلاة صحيحة. و إن كان دخوله استنادا إلى الحجّة و مع ذلك لم يدخل في أثنائه، فصلاته باطلة واقعا و لذا يجب عليه التدارك بعد انكشاف الخلاف. و إن كان دخوله عن استناد إلى الحجّة و دخل في أثنائه الوقت فصلاته صحيحة من الأوّل بحكم الشارع فيكون تنزيل ما قبل الوقت منزلة الوقت كتنزيل ما بعد الوقت منزلة الوقت في من أدرك ركعة من أخر الوقت، إلّا أنّه مع ذلك ليس لمن يعتقد عدم دخول الوقت أن يقتدي من أوّل صلاته لانّه لا يرى نفسه مأمورا بالصلاة. نعم يصحّ الاقتداء في موردين (أحدهما) الاقتداء به بعد دخول الوقت في أثنائه (و ثانيهما) الاقتداء به من الأوّل في غير الأدائيّة فإنّها غير مشروطة بوقت و المفروض صحّة صلاة الإمام من الأوّل لا أنّه تنقلب صحيحة بعد ما انعقدت فاسدة، و ما في العروة من صحّة الاقتداء في هذا الفرض الأخير مبني على أحد الأمرين المتقدّمين من الاقتداء بعد دخول الوقت، أو الاقتداء في القضاء.

فصل في شرائط إمام الجماعة

اشارة

و هي أمور:

منها: العقل:

فإنّه لا تكليف على المجنون في حال جنونه بوجه لا وجوبا و لا ندبا، و أمّا في حال إفاقته فلا مانع منه و بقاؤه على حاله كبقائه على سائر الشرائط للصلاة و للإمام فإنّه غير مناف لاعتبار الجزم و توجّه القصد الجدّي نحو الاقتداء المتقوّم بالإمام العاقل فان القصد إلى الائتمام بالعاقل وجدانا و إلى الائتمام بالعاقل شرعا للتعبّد ببقائه على حدّ سواء كما نبّهنا على نظيره في مبحث إدراك ركوع الإمام مع الشكّ في بقائه فراجع.

و منها: البلوغ:

و مدرك اعتباره من الأخبار خبر إسحاق بن عمّار (1)«عن جعفر عن أبيه انّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: لا بأس أن يؤذّن الصبي قبل أن يحتلم و لا يؤمّ فإن أمّ جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه» و ضعف الرواية منجبر بعمل المشهور و هو مبني على استنادهم في هذه الفتوى إليه لا إلى الوجوه الضعيفة الاعتباريّة الموجودة في كلماتهم، و هو يدلّ على شرعيّة عباداته لا تمرينيّتها و على عدم صحّة الائتمام به.

و في قباله روايات منها (2)«عن علي (عليه السلام) قال: لا بأس أن يؤذّن


1) الوسائل: ج 5، ص 398، الحديث 7، من الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 398، الحديث 8، من الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة.

الغلام الذي لم يحتلم و أن يؤمّ». و منها (1)«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم و أن يؤذن». و منها موثّقة سماعة (2)«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يجوز صدقة الغلام و عتقه و يؤمّ الناس إذا كان له عشر سنين» و مقتضى الجمع الدلالي صحّة الجماعة لكون المجوّز نصّا و النافي ظاهرا قابلًا للحمل على الكراهة، و قد عمل بالموثّقة جماعة في باب العتق و الصدقة، و إن كان الخبران الأوّلان ضعيفي السند و لا جابر لهما هكذا قيل. إلّا أنّ الخبر الثاني مروي في الكافي (3)بسند صحيح على الأصحّ من توثيق إبراهيم بن هاشم و الراوي غياث بن إبراهيم و إن كان بتريا إلّا أنّه ثقة، و الراوي عنه في هذا الخبر عبد اللّه بن المغيرة و هو من أصحاب الإجماع فالرواية في غاية الاعتبار، و حكي عن الشيخ (قدّس سرّه) تجويز إمامة الصبي المميّز المراهق العاقل بل يظهر منه وجود الخلاف في المسألة، و قوّاه المحقّق الأردبيلي لو لا مخافة الإجماع المدّعي من العلامة (قدّس سرّه) في المنتهى إلّا أنّ الاحتياط حسن على كلّ حال.

و منها طهارة المولد:

بأن لا يعرف بكونه من الزنا و فيه أخبار متعدّدة، لكن في بعضها ضمّ من يكره الاقتداء به كالأبرص إلّا أنّ بعضها الآخر خال عن هذا المحذور، و لا منافاة بين ما دلّ بظاهره على عدم جواز الاقتداء و ما دلّ بظاهره على استعمال النهي في الجامع بين التحريم و الكراهة، لكن الخبر الخالي عن المحذور ضعيف و بعنوان أنّه لا ينبغي ان يؤمّ الناس و الاحتياط مطلوب.

و منها: الذكورة:

إذا كان في المأمومين رجل و مدرك الاعتبار أخبار ضعاف منجبرة باستناد المشهور إليها، و الاستدلال بها في كتبهم. و عن الحدائق (4)الاستدلال لاعتبارها بحرمة محاذاة الرجل للمرأة و محاذاتها له أو تقدّمها عليه بما لا يتخطى شرط في الجماعة و تفصيل القول فيه أنّ محاذاة المرأة للرجل في الصلاة إن كانت من الموانع الشرعيّة باستفادة المانعيّة من النهي عن المحاذاة فالصلاة باطلة فلا


1) الوسائل: ج 5، ص 397، الحديث 3، من الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 397، الحديث 5، من الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة.

3) فروع الكافي: ج 3، ص 376، الحديث 6 (طبعة الآخوندي).

4) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 196، (طبعة الآخوندي).

يعقل عروض هيئة الجماعة المستحبّة عليها. و وجه استحالة اجتماع الشرطيّة للجماعة و المانعيّة لأصل الصلاة مختلف، فإن اعتبر الشرطيّة كالمانعيّة بنحو العموم غاية الأمر انّ العموم في الثانية شمولي و في الأولى بدلي فالمانع جعل اعتبارين متنافيين لمحاذاة المرأة للرجل فكما لا يعقل جعل الشرطيّة و المانعيّة معا لأصل الصلاة كذلك لا يعقل جعل المانعيّة لها في أصل الصلاة و جعل الشرطيّة لها في الجماعة العارضة على الصلاة المتوقّفة عليها، غاية الأمر انّ الشرطيّة و المانعيّة في الأوّل متنافيتان بالذات و في الثاني متنافيتان بالعرض. و ان اعتبر الشرطيّة لصرف وجود المحاذاة لا لمصاديقها فمحذوره انّ تطبيق صرف وجود الشرط على المانع يلزم من وجوده عدمه و ان كان بالواسطة كما هو واضح. و ان كانت المحاذاة محرّمة فقط في الصلاة فمرجع اعتبار الشرطيّة ان كان الى شرطيّة كلّ محاذاة بنحو التخيير الشرعي فلازمه جعل الحرام في الصلاة شرطا في الجماعة و لازمه الرخصة في الحرام فإنّ أدنى مراتب ما يترتّب على الشرطيّة إنّه مرخّص في إيجاده تحصيلا للجماعة المستحبّة.

و إن كان المرجع إلى شرطيّة صرف وجود المحاذاة فليس جعل الشرطيّة منافيا لجعل الحرمة. نعم تطبيق المكلّف لصرف وجود الشرط على الحرام لازم المقام، و ليس الشرط عباديا حتّى لا يمكن التقرّب بالمبعّد بل يتحقّق شرط الجماعة بمجرّد وجود المحاذاة و لو لم يقصد به التقرّب بإيجاد الشرط بل هذا المعنى جار في أصل الصلاة أيضا فإنّ الصلاة المأمور بها إذا لوحظت بنحو التخيير الشرعي بين أفرادها البدليّة و منها الصلاة الملازمة لها لزم جعل الحكمين المتنافيين للمتلازمين و إذا لوحظت بنحو صرف الوجود الذي لازمه التخيير عقلا فليس من الشارع جعل المنافي و تطبيق صرف وجود الصلاة على ما يلازم الحرام لا مانع منه.

و توهّم النهي عن الصلاة المحاذية لصلاة المرأة فيندرج تحت مسألة النهي عن العبادة التي لا شبهة في اقتضائه الفساد.

مدفوع: بأنّ المحاذاة ليست من خصوصيات الصلاة بل تقوم بذات المصلّي كقيام الصلاة به فهو من المنهي لوضعه الغير المتحد معه في الوجود فلا يلزم التقرّب بالمبعّد و من جميع ما ذكرنا اتّضح عدم اقتضاء المحاذاة لبطلان الجماعة إلّا على بعض

الوجوه الغير الصحيحة. و أوضح منه إذا قلنا بكراهة المحاذاة بل بكراهة الصلاة من المحاذي فإنّها كسائر العبادات المكروهة التي تقع صحيحة مع كراهتها، فتدبّر.

و أمّا إمامة المرأة لمثلها فالأخبار فيها مختلفة فمن جملة منها يظهر أنّ جوازها مفروغ عنه و يسأل عن خصوصيات متعلّقة بصلاتها، و بعضها الآخر- و فيه الصحيح- جواز إمامتها لمثلها. و في بعضها التصريح بإمامتها لمثلها في المكتوبة. و في قبال هذه الأخبار أخبار صحاح مفصّلة بين المكتوبة و النافلة بالمنع عن إمامتها في الاولى و الترخيص في الثانية، فإن حملنا المكتوبة و النافلة على الجماعة الواجبة كالجمعة و الجماعة المستحبّة كسائر الفرائض إذا أقيمت جماعة لم تكن معارضة لشي‌ء من تلك الأخبار إذا المرأة في الجمعة لا تعدّ من العدد، إلّا انّ الظاهر أنّ «المكتوبة و النافلة» وصف للصلاة لا للجماعة كما يتّضح بالمراجعة إلى موارد استعمالهما في الأخبار و هذه الأخبار المعارضة حيث إنّها أخصّ من مطلقات جواز إمامة المرأة لمثلها لا بدّ من تخصيصها به لكنّها معارضة بالتباين لما دلّ على الجواز في المكتوبة، و الجمع الدلالي و إن كان يقتضي حمل المنع على الكراهة المصطلحة في باب العبادة إلّا أنّ الأوجه حمل التفصيل على التقيّة فإنّ مذهب العامّة حرمة إمامتها أو كراهتها في المكتوبة و جوازها في النافلة.

و منها: أن لا يكون قاعدا للقائمين:

و مدركه بعض الأخبار الضعيفة سندا و دلالة إلّا أنّ العمل عليها و إلّا فمقتضى القاعدة جواز الاقتداء بكلّ صلاة صحيحة لا تدارك لها إعادة و قضاء و صلاة القاعد كذلك و ارتباط صلاة كاملة بصلاة ناقصة لا يوجب سريان نقصها من حيث العمل أو من حيث المصلحة إليها بل صلاة المأموم القائم مشتملة على مصلحة أصل الصلاة و فضيلة الجماعة من دون نقص و الإمام غير ضامن لشي‌ء إلّا القراءة فلو كانت شبهة لكانت في إمامة من لا يحسن القراءة لمن يحسها، و عليه فجواز إمامة المتيمّم للمتوضّئ على طبق القاعدة لا أنّ صحّتها بواسطة التعبّد.

و أمّا الاستدلال بما ورد في إمامة المتيمّم (1)بقوله (عليه السلام): «لأنّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» لإثبات إمامة المضطرّ للمختار مطلقا فمبنيّ على إرادة هذا المعنى و هو انّ اللّه جعل التراب مبيحا للدخول في الصلاة كما جعل الماء مبيحا فيعمّ كلّ مورد يجوز للإمام الدخول معه في الصلاة، و إلّا فلو قلنا بأنّ التراب كالماء في كونه طهورا بعنوانه فلا يمكن التعدي إلى ما لا ينطبق عنوان المبدل عليه بخلاف القاعد و القائم فإنّه لا تنزيل للقاعد منزلة القائم بعنوانه و مجرّد البدليّة لا يوجب الاندارج تحت عنوان الشرط مثلا. و من قبيل الطهارة، إمامة القائم المستند للقائم المستقلّ فان عنوان الشرط محفوظ فيها.

و منه ما ورد في جماعة العراة من أنّ الامام يومئ الى الركوع و السجود و المأمومون يركعون و يسجدون فإنّ عنوان الركوع و السجود محفوظ فيها. و منه يتّضح أنّه لا وجه للإشكال في إمامة القائم المستند للقائم المستقلّ بناء على عموم التعليل و عدم مناط المنقّح في عدم جواز إمامة القاعد للقائم حتّى يقال بعدم جواز إمامة القائم المستند للقائم المستقلّ أو عدم جواز إمامة كلّ مضطرّ للمختار إلّا ما خرج بل مقتضى القاعدة كما عرفت جواز إمامة كلّ مضطرّ تصحّ صلاته حقيقة للمختار إلّا ما خرج.

و توهّم وجوب متابعة المأموم للإمام فإذا راعى متابعته فسدت صلاته لكونه مختارا و إذا ترك المتابعة فسدت الصلاة على الوجوب الشرطي و كان آثما على الوجوب النفسي و مقتضى أمر الشارع بالمتابعة و الترغيب في الجماعة اختصاصه بغير ما يلزم منه إما محذور الفساد أو محذور الإثم.

مدفوع: بما مرّ مرارا من أنّ مورد وجوب المتابعة ما يجب على الإمام و المأموم معا لا ما يجب على أحدهما فقط. و تخيّل تقوّم الجماعة بالمتابعة تقدّم بطلانه في مبحث وجوب المتابعة. هذا كلّه في إمامة القاعد للقائم. و أمّا إمامته لمثله فجوازها منصوص في جماعة العراة لا أنّه بمقتضى القاعدة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.


1) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 1، من الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة.

و منها: أن لا يكون الإمام ممّن لا يحسن القراءة:

و لا مدرك صحيح له إلّا انصراف قوله (عليه السلام) (1): «تجزيك قراءته» و قوله (عليه السلام) (2):

«لا بأس بإمامة العبد إذا كان قارئاً» إلى القراءة الحقيقية الصحيحة بقول مطلق لا الصحيحة من خصوص الإمام. و كذا ما ورد في بعض أخبار القراءة (3)«و كان الإمام مأمونا على القرآن» إذا الظاهر من كونه مأمونا عليه أداؤه على ما ينبغي لا مأمونا على أصل القراءة في قبال تركها فإنّه فاسق بتعمّد ترك القراءة في الصلاة بل ربما يستدلّ بأصل اقتضاء ضمان الإمام للقراءة بتقريب أنّ قراءة المأموم الواجبة عليه هي القراءة التامّة و مثلها لا يمكن أن يكون في ضمان من لا يتمكّن من الخروج عن عهدته فكيف يكون ضامنا له. بل ربما يوجّه بوجه آخر بأنّ المأموم الواجبة عليه القراءة مباشرة أو يكل أمر قراءته إلى الإمام، و كيف يعقل أن يكلها إلى من لا يتمكّن منها. و العمدة دعوى الانصراف و إلّا فقد عرفت سابقا أنّ الإيكال إلى الإمام لا معنى له و انّ ضمان الإمام لقراءة المأموم مرجعه إلى سقوط القراءة لا اشتغال ذمة الإمام بقراءات المأمومين الذي مقتضاه تعدّد القراءة منه خروجا عن عهدة ضمان كلّ واحد واحد من المأمومين فهذا التعبير من الإمام (عليه السلام) لتقريب عدم فقدان الصلاة للقراءة فهو نظير لسان الحكومة فلا يكون تخصيصا لعموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (4)بحسب اللسان و العنوان و إن كان كذلك واقعا و لبّا.

ثمّ إنّ هذا الشرط هل هو شرط الضمان و سقوط القراءة الصحيحة عن المأموم، أو شرط الإمام الضامن فإن كان الأوّل لم يكن مانع عن اقتداء من لا يحسن بمن لا يحسن إذ ليس على المأموم قراءة لا يتمكّن منها الإمام ليكون منافيا لكونه في


1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 5، من الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة.

4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية).

عهدته. و إن كان الثاني فلا بدّ من كون الإمام محسنا للقراءة لكلّ من اقتدى به نظير كونه عادلا و طاهر المولد و أشباه ذلك. فان استندنا في حكم المسألة إلى عنوان الضمان للقراءة تعيّن الأوّل و ان استندنا الى قوله: «و كان مأمونا على القرآن» (1)و قوله: «لا بأس بإمامة العبد إذا كان قارئاً» (2)تعيّن الثاني. و قد عرفت خروج اقتداء القاعد بالقاعد بالنصّ، و يتفرّع عليه أيضا عدم كفاية قراءة المأموم المحسن في اقتدائه بغير المحسن، كما يتفرّع عليه أيضا عدم صحّة الاقتداء به في الركعتين الأخيرتين الخارجتين عن مورد ضمان الإمام. و يتفرّع عليه عدم صحّة إمامة الأخرس لمثله فضلا عن غيره. و أمّا لزوم اقتداء غير المحسن للقراءة لمن يحسنها و عدم كفاية قراءته عن نفسه فقد تقديم مفصّلا في أوائل البحث عن الجماعة.

و منها: الإيمان الأخصّ من الإسلام:

اشارة

و هو موضع الوفاق و الأخبار (3)به مستفيضة إلّا أنّ الذي ينبغي البحث عنه هي القراءة خلف الإمام الغير المرضي، و تمام الكلام فيها برسم مباحث:

الأوّل: عدم انعقاد الجماعة معه في مورد التقيّة

لأخبار كثيرة منها حسنة زرارة (4)«قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين فقال (عليه السلام): ما هم عندي إلّا بمنزلة الجدر» فإنّه في غاية الظهور في عدم انعقاد الجماعة إذ لا جماعة إلّا بإمام و الجدار لا يصلح للإمامة. و منها ما في الصحيح (5)عن علي بن سعيد «قال (عليه السلام): اقرء لنفسك كأنّك وحدك» اي ليس لك إمام تقتدي به. و منها ما في صحيح الحلبي (6)«إذا صلّيت خلف إمام لا تقتدي به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع» فإنّ القراءة حتّى مع سماع قراءة الإمام من اللوازم الخاصّة لعدم انعقاد الجماعة. و منها ما في رواية أبي


1) المصدر السابق.

2) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 5، من الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 388، أحاديث الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة.

4) المصدر السابق: الحديث 1.

5) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

6) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 9، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

الربيع (1)«لو قبل التطوع لقبلت الفريضة» بعد قول السائل: «أصلّي خلفه و أجعله تطوّعا» فإنه يعلم منه المفروغيّة عن عدم الجماعة معهم في الفريضة.

و في قبال هذه الروايات رواية زرارة (2)«عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:

لا بأس ان تصلّي خلف الناصب و لا تقرء خلفه فيما يجهر فيه فإنّ قراءته تجزيك إذا سمعتها» فان مجرّد سقوط القراءة و إن لم يكن لازما خاصّا للجماعة إلّا أنّ إجزاء قراءة الإمام عن قراءة المأموم من اللوازم الخاصّة للجماعة الصحيحة و إلّا فلا معنى لتحمّل الإمام قراءة المأموم و إجزاء قراءته عن قراءته مع عدم كونه إماما له حقيقة.

و قريب منها صحيحة معاوية بن وهب (3)«عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يؤمّ القوم و أنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال: إذا سمعت كتاب اللّه يتلى فأنصت له قلت له: فإنّه يشهد عليّ بالشرك فقال إن عصى فأطع اللّه فرددت عليه فأبى أن يرخّص لي قلت له: أصلّي إذن في بيتي ثمّ أخرج إليه فقال: أنت و ذاك» و تقريبه أنّ الإنصات بمعنى الإصغاء و إن كان يجامع القراءة إخفاتا فلا يعارض ما دلّ على لزوم القراءة إلّا أنّ تخصيص السؤال بخصوص الجهريّة دالّ على أنّ غرضه الصلاة جماعة حقيقة لا صورة فإنّها التي لا قراءة فيها بل يجب السكوت فينتج انّ جماعة الصلاة الجهريّة التي لازمها الخاصّ ترك القراءة و الإصغاء خلف المخالف صحيحة و قوله (عليه السلام) في آخرها: «أنت و ذاك» يدلّ على الرخصة في ترك القراءة في الجهريّة، أو الصلاة فرادى في بيته ثمّ الجماعة الصوريّة، بل يستفاد انعقادها جماعة في شدّة التقيّة من رواية (4)علي بن سعد البصري «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّي نازل في بني عدي و مؤذّنهم و إمامهم و جميع أهل المسجد عثمانية يتبرّؤن منكم و من شيعتكم و انا نازل فيهم فما ترى في الصلاة خلف الإمام قال: صلّ خلفه قال: و قال


1) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 5، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

احتسب بما تسمع و لو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار و أخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل و تدع قولي قال علي: فقدمت البصرة و أخبرت فضيلا بما قال فقال هو أعلم بما قال لكنّي قد سمعته و سمعت أباه يقولان لا تعتدّ بالصلاة خلف الناصب و اقرء لنفسك كأنّك وحدك» و دلالتها على انعقاد الجماعة من وجهين:

(أحدهما) من حيث الأمر باحتساب ما يسمع فإنّه من خواصّ الجماعة الصحيحة (و ثانيهما) من حث المقابلة بين قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قول الفضيل حيث روي عدم الاعتداد فإنّه بمعنى عدم احتسابه جماعة لا عدم احتسابه صلاة فيعلم منه انّ قول ابي عبد اللّه (عليه السلام): الاعتداد بكونه جماعة في شدة التقيّة حيث كان في الجماعة الناصبة و لا يتمكّن من القراءة بوجه فلمّا خرج عنهم أمر بواسطة الفضيل بالصلاة خلفهم مع القراءة فالصلاة في الثانية حقيقيّة و الجماعة صوريّة، و في الأولى كلتاهما حقيقية. فتدبّر جيّدا.

و الإنصاف انّ ظهور هذه الأخبار في الانعقاد جماعة حقيقة ممّا لا ينبغي إنكاره لكنّه على خلاف كلمة الأصحاب إذ لم أجد من يذهب اليه فلا بدّ من التصرف فيها بحملها على سقوط القراءة و هو أيضا خلاف المشهور إلّا ان يحمل على مورد لا يتمكّن منها بوجه حتّى مثل حديث النفس الذي لا يسمعه من كان قريبا منه لشدّة المراقبة من المخالفين له و سقوط القراءة ليس بمثابة انعقاد الجماعة لوجود نظيره فيمن أدرك الإمام راكعا كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: كما لا تنعقد الجماعة معهم في الفريضة ابتداء كذلك في المعادة

و الروايات فيها في بدو النظر متعارضة ففي جملة منها انعقادها في المعادة منها ما في الفقيه (1)«عن عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام) إنّه قال: ما من عبد يصلّي في الوقت و يفرغ ثمّ يأتيهم و يصلّي معهم و هو على وضوء إلّا كتب اللّه له خمسا و عشرين درجة قال: و قال له أيضا إنّ على بابي مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون و هم يمسون في الصلاة فأنا أصلّي العصر ثم اخرج فأصلّي معهم فقال


1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 265، الحديث 120 (طبعة الآخوندي).

(عليه السلام): اما ترضى ان يحسب لك بأربع و عشرين صلاة» فإنّ المترائى منها احتسابها صلاة تطوّعا و لذا قيّدها بالوضوء و لو كانت صورة صلاة لما لزم ان يكون مع الوضوء. و في قبالها أخبار أظهر منها دلالة على انّها صورة صلاة كما هي صورة جماعة غاية الأمر انّ هذه الصورة بملاحظة ما يترتب عليها من المصالح أعظم ثوابا من صلاته الحقيقيّة فرادى بل جماعة أيضا. منها رواية عبيد بن زرارة (1)«عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي ادخل المسجد و قد صلّيت فأصلّي معهم فلا أحتسب بتلك الصلاة قال: لا بأس و أمّا انا فأصلّي معهم و أريهم أني اسجد و ما اسجد» و منها عن ناصح المؤذّن (2)«قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

انّي أصلّي في البيت و أخرج إليهم قال: اجعلها نافلة و لا تكبّر فتدخل معهم في الصلاة فإنّ مفتاح الصلاة التكبير» و هي صريحة في عدم كونه صلاة أصلا لا جماعة و لا معادة و لا غيرها فالمراد من النافلة مطلق الذكر و لذا قال في رواية (3)أخرى «أ فأصلّي خلفه و أجعلها تطوّعا قال (عليه السلام): لو قبل التطوّع لقبلت الفريضة و لكن اجعلها سبحة» اي ذكرا و تقديسا، و التقييد بالوضوء في بعض الأخبار إمّا لحفظ احترام صورة الصلاة، أو لأجل ان يكون الذكر عن طهارة.

الثالث [في انّ الصلاة مع المخالف هل تنعقد فرادى]

في انّ الصلاة مع المخالف هل هي كما أنّها صورة جماعة كذلك صورة صلاة فلا تنعقد فرادى كما لا تنعقد جماعة أو تنعقد فرادى؟ و لا ينبغي الريب بملاحظة غير واحد من الأخبار أنّها تنعقد فرادى فان قوله (4)(عليه السلام):

«اقرأ لنفسك كأنّك وحدك» مع بطلان الصلاة لا معنى له بل صريح في انّه صلاة بلا إمام فلذا يجب فيها القراءة فكلّ أوامر القراءة بمراتبها دالّة على صحّة العمل، و ما ورد من النهي عن الصلاة خلف المخالف لا يدلّ إلّا على عدم انعقادها جماعة. نعم يعارضها صريحا خبر ابي الربيع (5)في حديث «إنّه سأل عن الإمام إذا


1) الوسائل: ج 5، ص 385، الحديث 7، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 385، الحديث 8، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

5) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

لم يكن أثق به أصلّي خلفه و اقرء فقال: لا صلّ قبله أو بعده» فإنّه مع التصريح بالقراءة خلفه منعه عن الصلاة و أمره بالصلاة قبل الجماعة أو بعدها فتدلّ على عدم انعقادها أصلا. إلّا أنّه معارض بما هو أصحّ منه سندا و أوضح منه دلالة و هي صحيحة معاوية بن وهب (1)المتقدّمة فإنّها مشتملة على المعاملة معها معاملة الصلاة الصحيحة بعد التنزّل عن دلالتها على انعقادها جماعة فلمّا أصرّ الراوي و طلب منه الصلاة في بيته ثمّ الصلاة معهم قال أنت و ذاك. و نتيجته الرخصة في الصلاة معهم ابتداء، أو الصلاة في بيته ثمّ الصلاة صورة معهم، فلا بدّ من حمل النهي على الكراهة لأنّ الصحيحة نصّ في الرخصة، أو حمله على مراتب التقيّة فربّما يقتضي إيقاع صلاته معهم لمراقبتهم له و ربّما ليس الأمر بتلك المثابة فله أحد الأمرين. فتدبّر.

الرابع: بناء على انعقادها فرادى لا بدّ فيها من القراءة

كما قضت به النصوص الكثيرة و في قبالها ما تقدّم من رواية زرارة (2)من قوله (عليه السلام): «و لا تقرء» و صحيحة معاوية بن وهب (3)لا من حيث إنّ الإنصات بمعنى السكوت ليقال إنّه بمعنى الإصغاء المجامع مع القراءة لئلا ينافي ما دلّ على القراءة بل لما تقدّم تقريبه من اقتضاء خصوصيّة السؤال و الجواب، و إن قلنا بأنّ الإنصات بمعنى الإصغاء و قوله (عليه السلام) في خبر علي بن سعد (4): «و احتسب ما تسمع» و الجمع الدلالي و إن كان يقتضي حمل النهي إمّا على الكراهة، أو أنّه في مقام دفع توهّم الوجوب، نظير الأمر في مقام دفع توهّم الحظر، و حمل أوامر القراءة بناء على الوجه الأوّل على مجرّد توهّم الحظر باعتبار أنّها جماعة صورة و على الاستحباب بناء على الوجه الثاني و إلّا فلا يمكن الجمع بين الكراهة و الاستحباب في موضوع القراءة إلّا انّ سقوط القراءة و عدم لزومها فضلا عن كراهتها على خلاف كلمة الأصحاب كما نبّه عليه في


1) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

2) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 5، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

الحدائق.

و الظاهر كما استظهرناه سابقا انّ الأمر بترك القراءة و النهي عنها في فرض انعقادها جماعة فلا ينافي الأمر اللزومي بالقراءة في مورد انعقاد الصلاة فرادى كما هو صريح موارد الأمر بالقراءة إلّا بعد التنزّل و حمل تلك الأخبار على إرادة سقوط القراءة فقط تبقى المعارضة بينها و بين أوامر القراءة و لا مناص عن الالتزام بظاهر تلك النواهي بحمل مواردها على شدّة التقيّة لمراقبة المخالفين بحيث لا يتمكّن من القراءة و لو إخفاتا، و حمل الأوامر على مورد التمكّن و عدم شدّة التقيّة و في نفس صحيح (1)علي بن سعد شهادة على هذا التفصيل بعد التنزّل المزبور، فتدبّر. و لا مانع من سقوط القراءة رأسا مع عدم التمكّن بعد ورود نظيره في الأخبار المتضمّنة لإدراك الإمام راكعا و إن كان وجه عدم التمكّن من القراءة مختلفا.

الخامس [في لزوم القراءة بخصوصيّاتها مع التمكّن]

لا ريب نصّا و فتوى في لزوم القراءة بخصوصيّاتها مع التمكّن حتّى الجهر في الجهريّة، كما إذا فرض كون الإمام أصمّ و لا مأموم له غيره، و أمّا مع عدم التمكّن فالجهر ساقط بحسب النصوص إلّا أنّ الإخفات حيث إنّه له مراتب فاللازم مراعاة أوّل مرتبة الإخفات بحيث يسمع نفسه، و بعدها بحيث يسمع من وضع اذنه على فمه، و بعدها ما هو «مثل حديث النفس» كما في الخبر (2)، و أمّا حمله على حديث النفس الراجع إلى تصوّرها و إيجادها في نفسه المعدود من الأفعال النفسيّة فقد قدّمنا سابقا انّه مباين لموضوع القراءة. نعم يمكن ان يقال: بأنّه كالأخرس بالعرض الذي تكليفه حديث النفس بالألفاظ، و حيث إنه يتمكّن من ما هو قراءة الغبر القادر على التلفّظ خارجا و إن كان وجه عدم القدرة مختلفا إلّا أنّه حيث كان خارجا عن حقيقة القراءة يحتاج الى دليل يتكفّل تنزيل وجوده النفسي منزلة وجوده الخارجي، و هذا المعنى لا يفهم من الأمر بالقراءة و لو مثل حديث النفيس، بل الظاهر أنّ مساقه مساق قوله (3)(عليه السلام): «و إن لم تسمع نفسك فلا


1) المصدر السابق.

2) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 4، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

3) الوسائل: ج 5، ص 427، الحديث 1، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

بأس» و أمّا من حيث الكمّ فلا بدّ من الإتيان بالحمد و السورة و مع عدم التمكّن من السورة يقتصر على الحمد كما في رواية البزنطي (1)و مع عدم التمكّن من الحمد أيضا يركع بلا قراءة كما في رواية أحمد بن عائذ (2)و مع إدراك الإمام راكعا يركع بركوعه بلا قراءة و الظاهر في كلّ هذه المراتب مراعاة التمكّن بحيث لا يحلّ بالتقيّة و لذا قال (3)(عليه السلام): «أفرغ قبل ان يفرغ فإنّك في حصار فان فرغ قلبك فاقطع القراءة و اركع معه» و منه يعلم انّ القول بإتمام القراءة في الركوع لا وجه له.

و توهّم: انّ القراءة واجبة مشروطة بالقيام و سقوط الشرط للتقيّة و هو لزوم ركوعه معه فإنّه المخلّ تركه بالتقيّة لا يوجب سقوط القراءة.

مدفوع: بأنّ محلّ القراءة قبل الركوع و بالركوع الذي أمر به يفوت محلّه لا أنّه فقط يفوت شرطه و ملاحظة الترتيب يقتضي أن يركع ثانيا عن قيام و هو غير معذور مع التقيّة و إن أمكن عدم قصد الركوع بانحنائه لئلا يلزم زيادة الركوع، و لا يقاس بما ورد من إتمام التشهّد قائماً فإنّ القيام إذا قارن القراءة و التسبيح كان من باب الواجب في الواجب أو شرط الواجب لا مطلقا و ليس في إدامته القراءة و التسبيح محذور الركوع عن قيام و عدم كفاية إبقاء الركوع.

السادس [في إجزاء الصلاة مع المخالف تقية عن الصلاة التامة]

بعد ما عرفت انّ الصلاة مع المخالف في مورد التقيّة تقع صحيحة يجري البحث في إجزائها عن الصلاة التامّة التي كلّف بها عامّة المكلّفين فلا إعادة لها و لا قضاء أو أنّها صحيحة بمعنى موافقتها لأمرها الفعلي الداخل في الأوامر الاضطراريّة و كلّي القول في الأوامر الاضطراريّة مع قطع النظر عن أخبار المسألة هو أنّه ربما يقال: إنّ البدل ان كان مشتملا على مصلحة المبدل فلا موجب للإعادة لأنّ الأمر بالصلاة التامّة لا يبقى مع حصول ملاكه، و ان لم يكن مشتملا على مصلحة المبدل فلا أمر مع أنّ المفروض وجوده في موقع الاضطرار متعلّقا بهذا الفاقد لجزء أو شرط. و قد أجبنا عنه في محلّه بأنّه مبني على وحدة المصلحة ذاتا و مرتبة و من


1) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 6، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

2) التهذيب: ج 3، ص 37، الحديث 43، من باب أحكام الجماعة (طبعة الآخوندي).

3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 1، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

الممكن كون المصلحة اللزوميّة متعدّدة أو ذات مراتب شديدة و ضعيفة بحيث يمكن استيفاء المصلحة الأخرى القائمة بالمبدل أو استيفاء المرتبة العليا القائمة به بالإعادة مع انبعاث الأمر بالبدل عن إحدى المصلحتين أو عن المرتبة الضعيفة. و مقتضى هذا الوجه المحتمل بحسب مقام الثبوت هو التخيير بين إتيان المبدل بعد ارتفاع العذر أو إتيان البدل حال العذر و إتيان المبدل بعد ارتفاعه تحصيلا لتمام المصلحة، و ليس ظهور الأمر بالبدل في التعييني ملازما للإجزاء، إذ القائل بالإجزاء كالقائل بعدمه يقول بالتخيير بين إتيان المبدل حال ارتفاع العذر و إتيان البدل في حال العذر بل لا بدّ في استكشاف الاجزاء من إطلاق الأمر بالبدل من حيث ضمّ الضميمة في قبال العطف بالواو لا الإطلاق في قبال العطف بأو و المراد هو الإطلاق المقامي لا الإطلاق الكلامي لاستحالة تقييد مفاد الهيئة بإتيان المبدل فكذا إطلاقه و تقييد مفاد المادّة مع استقلال كلّ منهما بالأمر خلف، و بقيّة الكلام في محلّه.

و أمّا بالنظر إلى أخبار المسألة فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء لما في رواية إسحاق بن عمّار (1)«اعتدّ بها فإنّها من أفضل ركعاتك» و في رواية أحمد بن عائذ (2)«أ تجزيني ذلك؟ قال: نعم» و في رواية ابن ابي نصر (3)«أ يجزيني ذلك؟

قال: نعم يجزيك الحمد وحدها» و لا يمكن حمل الإجزاء على الإجزاء بالنسبة إلى الأمر الاضطراري الذي هو عقلي إذ المفروض عدم التمكّن من غيره حتّى يكون الإجزاء بالنسبة إلى أمره في مورد التقيّة بل كلّ هذه العبارات في مقام السؤال عن أداء فريضة الوقت التي هي على كلّ مكلّف فيسأل عن إجزاء ما أتى به عمّا هو تكليفه لو لا التقيّة و يدلّ عليه صحيحة معاوية بن وهب (4)حيث قال (عليه السلام): «أنت و ذاك» فإنّه (عليه السلام) في مقام التسوية بين أداء الفريضة مع المخالف كما أمره أوّلا و بين أداء الفريضة في البيت ثمّ الصلاة صورة مع المخالف،


1) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 4، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

2) التهذيب: ج 3، ص 37، الحديث 43، من باب أحكام الجماعة (طبعة الآخوندي).

3) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 6، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة.

4) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

و مقتضى التسوية انّ حال الصلاة مع المخالف ابتداء حال الصلاة في البيت.

فتدبّر جيدا. و أمّا استكشاف الإجزاء من أمره (عليه السلام) بالقراءة فمدفوع بأنّه يجدي لصحّة الصلاة و انّه ليس أمرا بالعمل الباطل كالأمر بالبدل فإنّه قد عرفت انّ صحة البدل غير مساوقة للإجزاء عن المبدل فلا تغفل.

السابع [إنّ الاجزاء فرع تحقّق الأمر الاضطراري]

حيث إنّ الاجزاء فرع تحقّق الأمر الاضطراري فلا بدّ من إثبات أمرين: (أحدهما) كون العذر في حال العمل كافيا في توجّه الأمر فلا يضرّه ارتفاع العذر في الوقت (و ثانيهما) انّ عدم المندوحة قبل العمل ليس شرطا للأمر الاضطراري و إلّا فمع التمكّن من الصلاة التامّة قبل الابتلاء بالتقيّة تجب عليه الصلاة التامّة. و هذان الأمران و ان كان لا بدّ من إحرازهما في سائر المقامات، فربما تتفاوت الموارد من حيث إطلاق دليل العمل المضطرّ اليه و عدمه إلّا أنّ صحيحة معاوية بن وهب (1)كما تفي بالإجزاء تفي بعدم اعتبار عدم المندوحة قبل الصلاة مع المخالف، و تفي بكفاية العذر في حال العمل من دون لزوم استيعاب العذر لتمام الوقت فإنّه (عليه السلام) أمره بالصلاة مع المخالف مع تمكّنه من الصلاة في بيته كما هو مفروض السائل بل أبى (عليه السلام) ان يرخّصه في تركها، و من الواضح ان مقتضى أمره (عليه السلام) أوّلا و مقتضى ترخيصه ثانيا بالصلاة في بيته ثمّ الصلاة مع المخالف انّهما على حدّ سواء، فيعلم انّ مجرّد العذر في حال العمل كاف و لا يجب استمرار التقيّة إلى آخر الوقت. و أمّا ما عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) في المكاتبة (2)حيث قال: (عليه السلام): «لا تصلّ خلف من يمسح على الخفّين فان جامعك و إيّاهم موضع لا تجد بدا من الصلاة معهم فأذّن لنفسك و أقم» الخبر.

فلا يدلّ على اعتبار عدم المندوحة قبل العمل فان اللابدية المفروضة فيه هي


1) المصدر السابق

2) الوسائل: ج 5، ص 427، الحديث 2، من الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة. و إليك نص المكاتبة: «عن إبراهيم بن شيبة قال: كتبت الى ابي جعفر الثاني عليه السلام أسأله عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم و هو يمسح فكتب عليه السلام ان جامعك و إياهم موضع فلم تجد بدّا من الصلاة فأذن لنفسك.».

اللابدية من الصلاة معهم لا اللابدية المطلقة فإنّ من يمكنه الصلاة في بيته و كان لا بدّ من الصلاة معهم فهو مشمول للخبر و مقتضى قوله (عليه السلام): «فاذّن لنفسك و أقم» انعقاد الصلاة فرادى لا أنّها صورة صلاة بل صورة جماعة و أمّا خبر أبي الربيع (1)المتقدّم ذكره فليس دليلا لاعتبار عدم المندوحة و اعتبار استيعاب العذر، بل دليل على عدم صحة الصلاة مع المخالف مطلقا، و لا تنعقد فرادى أيضا و قد عرفت الجواب عنه.

الثامن: الموانع كالأجزاء و الشرائط في دخول التقيّة فيها
اشارة

فكما ترتفع الجزئيّة و الشرطيّة بالتقيّة كذلك ترتفع المانعيّة بالتقيّة فإنّ الأمر بالصلاة معهم مع بنائهم العملي على التكتف مثلا و عدم اختصاص أوامر التقيّة بزمان دون زمان بعد البناء على أنّ الصلاة تقع صحيحة بل مجزية عن الواقع يستكشف عدم المانعيّة و إلّا لكان أمرا بصورة الصلاة فما معنى «اقرء لنفسك». نعم لو لا هذه الأخبار في الصلاة معهم كان استكشاف عدم المانعيّة من مجرّد الأمر محلّ النظر إذ غاية ما يمكن أن يقال فيه إنّ الأمر بالصلاة متكتّفا أمر بإيجاد العمل الباطل و الأمر بها إذا عرضت التقيّة في الأثناء أمر بإبطال العمل و كلاهما غير صحيح، فلا بدّ من عدم كون التكتف عند التقيّة مانعا حتّى لا يلزم أحد المحذورين. و يندفع بأنّه مبني على تعلّق الأمر بأشخاص الصلاة في أشخاص الأوقات حتّى يقال في هذا الجزء من الوقت لا معنى للأمر بهذه الصلاة الشخصيّة و لا للأمر بها ثم الأمر بإبطالها، و أمّا لو قلنا بأنّ المأمور به صرف وجود الصلاة المشتملة على الأجزاء و الشرائط الخالية عن الموانع و ظرفها بين الحدّين من الزوال و الغروب بملاحظة صرف الوقت لا كلّ آن آن فلا يلزم المحذوران لانّ صرف وجود الطبيعة الخاصّة في صرف الوقت مقدور فلا أمر و لو تخييرا بهذه الصلاة الخاصّة في هذا الآن المخصوص فيكون لزوم التكتف في هذه الصلاة الشخصيّة في هذا الزمان الخاصّ أمرا بصورة صلاة دفعا للضرر مع بقاء الأمر بالصلاة التامّة في ما بين الحدّين بنحو الحركة التوسطيّة دون القطعيّة على


1) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

حاله. نعم مع ضيق الوقت و عدم سقوط الصلاة بحال يستكشف عدم المانعيّة إذ لا فرد لصرف وجود الطبيعة إلّا هذه الصلاة المشتملة على المانع. فتدبّر.

تتميم ينبغي التعرّض لنبذة من أحكام التقيّة:
منها: انّ شأن التقيّة في مورد ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع

كالتكتّف في الصلاة أو التلفظ بآمين هل مجرّد الرفع أو يثبت البدليّة؟ بحيث يكون ترك الجزء و الشرط أو فعل المانع معتبرا في الصلاة فلو خالف و أتى بالجزء أو الشرط أو ترك المانع كان إخلالا بما اعتبر في الصلاة.

و ممّا يشهد للإثبات انّ ترك المسح على الخفّين في مورد التقيّة بالمسح على البشرة مبطل للوضوء نظرا الى أنّ المسح على البشرة الذي هو جزء الوضوء العبادي ممنوع عنه فلا يمكن التقرّب به، فيدور الأمر بين ترك المسح رأسا فالوضوء ناقص أو المسح على الخفّ و لو لا جزئيته لما وجب بالخصوص، و كذا الأمر في غسل الرجلين في مورد التقيّة فإنّ المسح ممنوع عنه و بلا مسح و بلا غسل وضوء ناقص فيعلم منه حرمة الغسل في هذه الحال.

و أجيب عنهما بأنّ المسح على البشرة ينحلّ إلى أصل المسح و قيد مباشرة البشرة فالساقط بالتقيّة قيد البشرة و أصله باق على وجوبه و مسح موضع آخر لا يتأدّى به التقيّة فيكون ممنوعا عنه أيضا فينحصر قهرا في المسح على الخفّ، و كذا في الغسل فإنّ إيصال أصل النداوة لازم و عدم بلوغه حدّ الغسل شرط فيسقط هذا الشرط و يبقى أصل إيصال النداوة على حاله.

و لا يخفى ما فيهما من التكلّف لانّ ظاهر الرواية كون المسح على الخفّ للتقيّة كالمسح عليه لضرورة اخرى كخوف البرد على رجليه حيث قال (1)(عليه السلام): «إلّا من عدوّ تتقيه أو ثلج!؟ تخافه على رجليك» فإنّه لا شبهة في أنّه لو لا


1) الوسائل: ج 1، ص 322، الحديث 5، من الباب 38 من أبواب الوضوء.

خصوصيّة المسح على الخفّ لما تعيّن المسح الخاصّ و ليس مثل مورد التقيّة بحيث لا تتأدّى التقيّة إلّا به.

و منه تعرف حال الصلاة إلى غير الجهة التي يراها قبلة للتقيّة، أو قبل المغرب شرعا لبناء المخالف على أنّه بمجرّد استتار القرص فإنه بعد فرض صحّة الصلاة و عدم تأدّي التقيّة إلّا بالصلاة على الوجه الذي يصلّيها المخالف لا مناص له إلّا الصلاة كذلك و الصلاة على الوجه الواقعي منهيّ عنها لكونه خلاف التقيّة. نعم هذا الوجه لا يجري في مثل التكتف و قول «آمين» فان تركهما في مورد التقيّة ليس فيه إلّا فعل الحرام في الصلاة لا وقوع فعل من الصلاة بلا قربة لمنافاتها للنهي، فلا موجب لأن يقال: إنّ الأمر بالتكتّف يوجب شرطيّته في الصلاة كما انّه بين الصلاة الى غير الجهة التي يصلّي إليها المخالف و بين ترك الصلاة معهم قبل الوقت و الاقتداء بهم في الأثناء بعد دخول الوقت فرق من حيث انّ تلك الصلاة الواقعة إلى القبلة منهي عنها فلا يمكن التقرّب بها، بخلاف الصلاة معهم في الأثناء فإنّ حرمة ترك الاقتداء بهم من الأوّل لا يوجب حرمة الاقتداء بهم في الأثناء. و منه تعرف أنّ اقتضاء التقيّة للرفع و الإثبات معا لا كليّة له بل تتفاوت بتفاوت المقامات فكلّما اعتبر أمر وجودي في العبادة لا بنحو الظرفيّة لا يمكن التعدّي عنه و كلّما اعتبر أمر وجودي في العبادة بنحو الظرفيّة كالتكتّف و التأمين فلا يضرّ تركه بالصلاة و كلّما اعتبر أمر وجودي في العبادة لكنّه بحيث لا يسري حرمة تركه إلى العبادة كما عرفت في الصلاة قبل الوقت فلا يضرّ تركه بالعبادة في المثال و لا أرى ثمرة لكون الخصوصيّة الثابتة في التقيّة إنّما اعتبرت من حيث إنّها لا تتأدّى التقيّة إلّا بها أو اعتبرت بعنوان البدليّة عن الواقع إلّا في نيّة الجزئية في المأموريّة فيعتبر على الثاني دون الأوّل.

و منها [في أن المرفوع بالتقية ما لا يكون جزء مطلقا أو شرطا مطلقا]

أنّه هل المرفوع بالتقيّة مطلق الوجوب النفسي و الغيري و المنع النفسي و الغيري حتى يكون العمل الفاقد للجزء أو الشرط، أو الواجد للمانع صحيحا مجزيا عن الواقع، أو ليس الرفع على الإطلاق بل لا بدّ من ملاحظة أنّ المتروك أو الممنوع عنه جزء أو شرط أو مانع مطلقا بحسب مقام الثبوت لا مطلقا بحسب مقام الإثبات

فقط بحيث يمكن تقييده بعذر من الأعذار، مثلا فاقد الطهورين لا أمر له بالصلاة فإذا اضطرّ إلى الصلاة معهم بلا طهارة فقد اضطرّ إلى صورة صلاة إذ التقيّة لا تحدث أمرا بالصلاة لمن لا يتمكّن من استعمال أحد الطهورين، أو كان فاقدا لهما بالكليّة، و منه إذا اضطرّ الى التوضي بالنبيذ، أو بماء متنجّس يراه المخالف طاهرا فان وجودهما كالعدم عند الشارع و لا يسوّغه عذر أصلا بل فرضه التيمم معها إذا تمكّن من استعمال التراب و إلّا سقط الأمر بالصلاة، بخلاف ما إذا اضطرّ للتقيّة إلى الصلاة مع النجاسة الخبثيّة في بدنه، أو لباسه فان الخلوّ عنها ليس شرطا مطلقا بحسب مقام الثبوت و لا يسقط الأمر معها و يسوّغه العذر حتّى ضيق الوقت مع تعمّد عدم التطهير، و مثله المسح على الخفّين فإنّه يسوّغه خوف البرد، و مثل الصلاة الى غير القبلة فإنّه يسوّغها الجهل بها، و أمّا الصلاة قبل الوقت مع وقوعها كلا في خارجه فلا يسوّغها شي‌ء بخلاف ما إذا دخل الوقت في أثنائها فإذا اضطرّ إلى الثاني صحّت صلاته كالمتعارف من صلاة المغرب عند العامّة دون الأوّل فإنّ التقيّة لا تحدث أمرا بالصلاة قبل الوقت بالكليّة. و بالجملة فالوقت في الجملة شرط مطلق فلا يفيد الاضطرار في أصله. و منه تعرف حال الإفطار عند استتار القرص للتقيّة فإنّ الوقت بتمامه ليس شرطا مطلقا ثبوتا و لذا لا قضاء على من أفطر قبل المغرب بالظنّ المعتبر به كما هو فتوى المشهور و مقتضى غير واحد من النصوص.

و ممّا ذكرنا تبيّن الفرق بين الوضوء بالماء المتنجّس أو النبيذ، و بين مسح الحشفة بالحائط كما يصنعه العامّة فإنّهما و ان اشتركا في عدم رفع الحدث بالأوّلين و عدم رفع الخبث بالأخير لكنّهما يفترقان في عدم صحّة الصلاة مع الأوّلين لعدم الأمر بها و صحّتها مع الأخير و لو مع التعمّد في مثل ضيق الوقت لبقاء الأمر بالصلاة فيعلم انّ الطهارة عن الحدث شرط مطلق و الطهارة عن الخبث ليست كذلك فالأمر بالوضوء بالنبيذ و الصلاة معه تقيّة أمر صوري لدفع الضرر، بخلاف الأمر بمسح الحشفة بالحائط و الصلاة معه فإنّه أمر حقيقي بالصلاة معه. و منه علم أنه لا فرق في الأمر بالتقيّة بعنوان العموم أو الخصوص بل الفرق من الحيثيّة التي ذكرناها فالطهارة بالنبيذ لا يسوّغها أمر خاصّ و لا عامّ و الصلاة مع مسح الحشفة يسوّغها

الأمر العام كما يسوّغ المسح على الخفّ بالأمر الخاص فتدبّر جيّدا.

و ليعلم انّ الفرض انّ ما لا يكون جزء مطلقا، أو شرطا مطلقا ثبوتا قابل لان يرتفع بالتقيّة، فكما انّ المسح الخاصّ و هو المسح على البشرة ليس جزء مطلقا لسقوطه في البرد، فكذا في التقيّة، كذلك أصل المسح ليس جزء مطلقا كما في الأقطع فيرتفع بالتقيّة و يبدل بغسل الرجلين لعدم تأدّي التقيّة إلّا به فلا يلزم ان يكون غسل الرجل سائغا في مورد آخر غير التقيّة حتّى يقال بعدمه و يتخيّر في أمره كما عن شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة التقيّة.

و منها: أنّ التقيّة جارية في الأسباب و العقود و الإيقاعات على حد جريانها في العبادات أم لا،

و لا يخفى عليك انّ أوامر التقيّة بعنوانها بملاحظة مصلحتها العامة و هي دفع الضرر الشخصي أو النوعي، أو دفع الوصمة عن المذهب أو عن رئيس المذهب لا يقتضي إلّا إيجاب ذاك العمل بصورته التي تتأدّى بها التقيّة، و أمّا رفع الجزئيّة، أو الشرطيّة، أو المانعيّة فضلا عن إثبات أثر شرعي فإنّما يعلم من خصوصيّة المورد مثلا صحّة الصلاة في مورد التقيّة للأمر بالقراءة فضلا عن إجزائها عن الواقع تقتضي ارتفاع جزئية جزء اقتضت تركه التقيّة كترك السورة، أو القراءة مطلقا، أو شرطيّة شرط اقتضت التقيّة تركه كالجهر في الجهريّة، أو مانعيّة مانع اقتضت إيجاده كالتكتّف و التأمين، و كذا الأمر في الوضوء بمسح الخفّ، أو غسل الرجل فان فرض صحّته و صحّة الصلاة معه يقتضي عدم جزئيّة المسح على البشرة في حال التقيّة.

نعم في الوضوء بحث آخر يناسب البحث عن الأسباب و هو أنّ الوضوء في مورد التقيّة و صحّته و صحّة الغاية المترتّبة عليه يؤثّر في الطهارة كالوضوء التامّ، أو صحّته و صحّة غايته لا يقتضي أزيد من إباحة الدخول به في الغاية المقصودة فيكون على الثاني كالتيمّم على المشهور، و على الأوّل كالتيمّم على قول آخر موافق لظاهر دليل التنزيل و إمكان الطهارة الموقّتة لكونها اعتباريّة لا واقعيّة كوضوء ذي الجبيرة على وجه.

و التحقيق انّ ظاهر الأدلّة انّ الوضوء الذي يترقب منه الطهارة هو المأمور به في

حال التقيّة على وجه خاصّ و إمكان الطهارة الموقّتة يجدي في مثل التيمم الذي ينقضه وجدان الماء لا في ما نحن فيه الذي لا دليل على انتقاضه بزوال التقيّة. و أمّا التنظير بالأقطع الذي تجدّد له رجل بقدرة اللّه تعالى حيث لا يتوهّم انتقاض طهارته بتجدد الرجل، فمندفع بانّ الأقطع تكليفه الواقعي هو الوضوء بلا مسح لا كالوضوء في حال التقيّة فإنّ تكليفه الواقعي هو الوضوء مع المسح على البشرة و إنّما ارتفع هذا الجزء لعروض التقيّة و تمام الكلام من هذه الجهة في محلّه.

و أمّا العقود و الإيقاعات: فتارة تكون التقيّة في أصل إيجادها و اخرى في إيجادها بأسبابها.

أمّا الأوّل: فمقتضى الأدلّة الخاصّة فضلا عن اقتضاء المصلحة العامّة المتقدّمة عدم ترتّب الأثر حيث قال (1)(عليه السلام): «ما صنعتم من شي‌ء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة» و مقتضى كونه منه في سعة عدم الوقوع في ضيق الوفاء و الكفّارة مثلا.

و أمّا الثاني: فربما يتوهّم- انّ حاله حال العبادات فكما يقال: انّ خصوصيّة قيد البشرة في المسح ساقطة للتقيّة كذلك خصوصيّة السبب الخاصّ في الطلاق مثلا مرفوعة في التقيّة فيقع قوله: «أنت برية و خلية» مؤثرا للتمكّن من اللفظ و عدم التمكّن من خصوصية أنت طالق و لا ينافيه كون المبتلى بالتقيّة في سعة بل نفوذه على مريد الطلاق حقيقة مع عدم التمكّن من لفظ خاصّ يوافق التوسعة و خلافه ضيق عليه- و يندفع: بما ذكرنا في العبادات انّ ما كان جزء مطلقا أو شرطا مطلقا بحسب مقام الثبوت بحيث لا يسوّغه عذر من الأعذار فلا يرتفع بالتقيّة، فإذا فرض انّ الطلاق لا يقع إلّا بصيغة «أنت طالق» سواء تمكّن منها أو لم يتمكّن فالتقيّة غير مجدية في جعل لفظ آخر مكانها سببا فيكون كإشهاد العدلين في الطلاق فان عدم التمكّن منه لعدم حضورهما في بلد المطلّق لا يسوّغ وقوعه عند غير العادل فكذلك لا يسوّغه التقيّة و كذا وقوع الطلاق ثلاثا، بقوله: «أنت طالق ثلاثا» لا يسوّغه عذر


1) الوسائل: ج 16، ص 134، الحديث 3، من الباب 12 من أبواب كتاب الأيمان.

من الأعذار فلا يسوّغه التقيّة و عليه فلا يجدي عموم الجواز للتكليفي و الوضعي في قوله (1)(عليه السلام): «التقيّة في كلّ شي‌ء جائزة» فإنّ صلاحية التقيّة للواقعيّة غير صلاحية موردها للارتفاع فكما لا تحدث التقيّة أمرا في مورد لا أمر له كذلك لا تحدث سببا فيما لا سبب له، فتدبّر جيّدا.

و منها [أنّ مورد التقيّة يختص بموارد اختلاف العامة مع الخاصة]

انّ مورد التقيّة بالمعنى الأخصّ حيث انّها من المخالف بما هو مخالف له في المذهب هي الأمور المذهبية فيختصّ بموارد اختلاف العامّة مع الخاصّة في التكليفات و الوضعيات، و أمّا الموضوعات بما هي فليست مورد التقيّة بالمعنى الأخصّ فإذا اعتقد المخالف انّ هذا المائع ماء و اعتقد المؤمن انّه خمر فليس مورد الاتقاء منه بشربه، بخلاف النبيذ الذي يعتقده المخالف أنّه حلال طاهر فإنّه مورد التقيّة. و منه اعتقاد المخالف انّ استتار القرص مغرب شرعا فالصلاة معه و الإفطار عنده مورد التقيّة بالمعنى الأخصّ، بل منه أيضا اعتقاد المخالف انّ هذا اليوم يوم عرفة فيجب فيه الوقوف، لرجوعه إلى أمر مذهبي و هو حكم الحاكم ثبوت الهلال الذي مقتضاه انّ هذا اليوم هو التاسع من ذي الحجة. نعم بناء على مسلك من يقول بأنّ أوامر التقيّة لا يقتضي إلّا رفع التكليف أو الوضع دون الإثبات ليس اليوم المذكور يوم التاسع شرعا و لو تنزيلا بل ينحلّ الوقوف في وادي عرفات في يوم التاسع إلى أصل الوقوف فيها و خصوصيّة اليوم المعيّن، و تسقط الخصوصيّة بدليل التقيّة و يبقى أصل الوقوف و إنّما تجب رعاية هذا اليوم حيث لا تتأدّى التقيّة إلّا به لا لبدليّته عن يوم التاسع واقعا، كما انّ الفرق بين القطع بالخلاف و عدمه مبني على موضوعيّة حكم الحاكم عندهم فلا يضرّه القطع بخلافه و عدم الموضوعيّة فيقتصر على صورة عدم انكشاف الخلاف حتّى عندهم. و بقيّة الكلام في محلّه.

و منها: انّ المسوّغ للتقيّة كما يقتضيه عنوانها لحوق ضرر يتقي و يتوقى منه

سواء كان ضررا على الشخص، أو على النوع، أو وصمة على المذهب، أو على الإمام


1) الوسائل: ج 11، ص 468، الحديث 2، من الباب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.و إليك نص الحديث «التقيّة في كلّ شي‌ء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّه له».

و رئيس المذهب. و امّا لمجرّد التحبّب بالموافقة معهم من دون لحوق ضرر و شبهه من تركها؟ فتسويغ التقيّة بحيث يترتّب عليها آثارها مشكل جدّا، و الأخبار الواردة في الصلاة معهم لمجرّد إظهار الموافقة فموردها هي صورة الصلاة بأداء الفريضة في بيته ثمّ الحضور معهم، و أمّا الصلاة معهم ابتداء بحيث تنعقد فرادى لمجرّد التحبّب و إظهار الموافقة فلا دليل تطمئنّ النفس إليه. نعم في رواية (1): «انّه ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره و دثاره مع من يأمنه ليكون سجيّة له مع من يحذره» فيعلم منها لزوم التعوّد بالتقيّة حذرا من الوقوع في خلافها في مورد الحاجة، إلّا انّ ترتيب الأثر على كلّ تقيّة يحتاج إلى دليل لما عرفت انّ التقيّة لمجرّد التحبّب إليهم بالصلاة في غالب أخبارها لا يترتّب عليه أثر بل هي صورة الصلاة لا جماعة و لا فرادى حقيقة.

و منها: انّ التقيّة التي هي موضوع الآثار هل التقيّة بالمعنى الأخصّ

و هي التقيّة من المخالف في الأمور المذهبيّة، أو بالمعنى الأعم و هي التقيّة من غير المخالف أيضا من الكفّار، أو ظلمة الشيعة، أو من المخالف في غير الأمر المذهبي؟ و لا يخفى عليك انّ التقيّة بمفومها و ان كانت لا تقتضي إلّا الخوف الباعث على الاتّقاء مما يخاف منه على نفسه، أو على نوعه، أو على دينه سواء كان حمل من الغير على موردها فيساوق الإكراه، أو لا؟ إلّا انّ غالب أخبار التقيّة موردها المخالف دون غيره و فيما يمتاز به المخالف عن المؤمن دون غيره، و مطلقاتها منصرفة إلى المخالف لكن لا يبعد ان يقال: إنّ التقيّة بما هي تقيّة من لوازم الإيمان في كلّ ملّة و نحلة عن المخالف للحق في تلك الملّة فالمخالف لمذهبنا لا خصوصيّة له إلّا من حيث غلبة الابتلاء به في الأمور المذهبيّة لا أنّ حكم التقيّة مقصور على التقيّة من المخالف، و أحسن ما يمكن الاستشهاد به لهذا المعنى رواية مسعدة بن صدقة (2)و في آخرها «و تفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم على غير حكم الحقّ و فعله فكلّ شي‌ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدى إلى الفساد في الدين فإنّه جائز»


1) الوسائل: ج 11، ص 466، الحديث 28، من الباب 24 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

2) الوسائل: ج 11، ص 469، الحديث 6، من الباب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما.

و مع ذلك فالاعتماد عليها في ترتب الآثار الثابتة في التقيّة بالمعنى الأخصّ مشكل جدّا. إلّا ان يلتزم برفع جميع الآثار التكليفيّة و الوضعيّة في الإكراه و الاضطرار بحديث الرفع و أشباهه فحينئذ فالتقيّة بالمعنى الأعم من أفرادهما، و رفع الآثار الوضعيّة المترتّبة على الطلاق و العتق و اليمين منصوص في المتفرقات من الأخبار و الظاهر جريانه في كلّ العقود و الإيقاعات إلّا انّ ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع في الصلاة و الوضوء و سائر العبادات بمجرّد الإكراه، أو التقيّة من غير المخالف، أو منه في غير ما يتدين به، فرفع آثارها مشكل. و بالجملة فالتقيّة بالمعنى الأعمّ تشارك الأخصّ في رفع التكليفيّة و الوضعيّة في العقود و الإيقاعات و في عدم اقتضاء إثبات السببية في أسبابها التي تتأدّى بها التقيّة كما مرّ. و تفترقان في مثل الوضوء و الصلاة و سائر العبادات لقيام الدليل على رافعيّة التقيّة للجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة في العبادات، و لا دليل على الرافعيّة في التقيّة بالمعنى الأعمّ بل حالها حال الإكراه و الاضطرار، فكما إذا أكره على ترك جزء في الصلاة، أو اضطرّ إلى ترك جزء منها لا يحمل الغير عليه بل لضرورة داعية إليه فلا ترتفع جزئيّة الجزء بل مرجعه إلى الإكراه، أو الاضطرار إلى إبطال الصلاة. فكذلك إذا كان المسوّغ لتركه خوف من ظالم فيتركه اتّقاء شرّه و بهذه الخصوصيّة يقابل مطلق الاضطرار كما انّ مقابلة الاضطرار للإكراه مع اشتمال الإكراه على الاضطرار بحمل الغير عليه و عدمه نعم ربما أمكن استفادة كفاية مطلق الضرورة من الرواية المتكفّلة للرخصة في المسح على الخفّين بقوله (عليه السلام) (1): «إلّا من عدوّ تتّقيه أو ثلج تخاف على رجليك» لا من إطلاق العدوّ إذ المنصرف منه بمناسبة المقام هو المخالف المجوّز للمسح على الخفّين بل من الرخصة فيه لأجل الخوف على رجليه فان الثلج لا خصوصيّة له بل الظاهر انّ عدم التمكّن من المسح على البشرة هو المسوّغ أو باعتبار أنّ الخوف على الرجل إذا كان مسوّغا فالخوف على النفس بالأولويّة و اللّه أعلم.

و منها [في عدم اعتبار عدم المندوحة في الصلاة]

قد عرفت عدم اعتبار عدم المندوحة في الصلاة لصحيحة (2)معاوية بن


1) الوسائل: ج 1، ص 322، الحديث 5، من الباب 38 من أبواب الوضوء.

2) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

وهب، و كذا لا يعتبر في الوضوء لما في خبر (1)صفوان «عن أبي الحسن (عليه السلام) في غسل اليدين قلت له: يرد الشعر قال (عليه السلام): ان كان عنده آخر فعل» بلا تقييد بالتأخير، أو الإعادة. بل يمكن الاستدلال بعموم التعليل في موثّقة سماعة (2)حيث قال (عليه السلام): «و ان لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلّي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد انّ محمدا عبده و رسوله ثمّ يتمّ صلاته معه على ما استطاع فإن التقيّة واسعة و ليس إلّا و صاحبه مأجور عليها إن شاء اللّه» فإنّ عموم التعليل يقتضي انّ غير الصلاة كالصلاة في التوسعة من حيث الصحّة على ما استطاع من دون تقييد بالتأخير أو الإعادة. و بالجملة فعدم المندوحة في مطلق التقيّة بالمعنى الأخصّ غير معتبر إلّا أنّ الاقتصار على خصوص الصلاة و الوضوء أحوط. و أمّا في التقيّة بالمعنى الأعمّ فأقامه الدليل على عدم اعتبار عدم المندوحة فيها في غاية الإشكال.


1) جامع أحاديث الشيعة: ج 2، ص 310، الحدث 5، من الباب 23 من أبواب الوضوء.

2) الوسائل: ج 5، ص 458، الحديث 2، من الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة.