صلاه المسافر

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: صلاة المسافر موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، محمد حسين كمپانى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1409 ه ق نوبت چاپ: دوم مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: گروه پژوهش دفتر انتشارات اسلامى ملاحظات: ضمن كتاب" بحوث في الفقه" به چاپ رسيده است

اشارة

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله الطاهرين.

و بعد، فهذه نبذة من القول فيما يتعلّق بصلاة المسافر. و الكلام تارة في شرائط القصر، و أخرى في أحكامه.

فهنا مقامان:

المقام الأول في شرائط القصر

اشارة

و هي مختلفة من حيث كون بعضها شرطا لحدوث القصر فقط كقصد المسافة، و بعضها شرطا لبقائه فقط كاستمرار القصد، و بعضها شرطا لحدوثه و بقائه معا كإباحة السفر. و ليست هذه الشرائط المختلفة شرطا بالنسبة إلى الحكم الكلي المترتب على المسافر، فإنّ حدوثه في مقام تشريع الشريعة، بكون المتعلّق ذا مصلحة خاصة، و بقائه ببقائه على ما هو عليه من المصلحة إلى أن ينتهي أمدها فينسخ، و إنّما الاختلاف بالحدوث و البقاء بالإضافة إلى الأحكام الجزئيّة المنشعبة من ذلك الحكم الكلي المنوطة فعليتها بفعلية موضوعاتها المتقومة بشرائطها الخاصة المختلفة بالحدوث و البقاء. و بالجملة فللقصر شرائط خاصة تذكر في ضمن مسائل

المسألة الاولى في الشرط الأوّل و هو قصد المسافة،

اشارة

كما عن غير واحد، أو المسافة بنفسها، بجعل القصد شرطا آخر كما عن آخرين، و امّا اعتبار المسافة، مع تعقيبه بشرط ثان و هو قصد المسافة كما في الشرائع (1)، و الصحيح هو الأول، لوضوح أنّ المسافة لو كانت بنفسها شرطا، للزم تحققها بالتلبس بها في وجوب التقصير، مع أنّه لا شبهة في عدم اعتبار فعلية التلبس بمقدار نفس المسافة في لزوم القصر حدوثا- كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و لا يجدي ضمّ الاعتبار بمعنى التقدير أو الإحراز إلى المسافة، كما في الشرائع، فإنّه إن كان مغنيا عن القصد- كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى- كان اعتبار القصد بعده بجعله شرطا آخر لغوا، و إن كان يجب القصد بخصوصه كان متقوما بالإحراز فيلغوا اعتباره في قباله، فيلزم إمّا لغوية الشرط الأول، و إمّا لغوية الشرط الثاني. و حيث إنّ قصد المسافة ينحلّ الى حيثيتين، لكل منهما آثار، و للمسافة تقدم طبيعي على قصدها، فنذكر المسافة بما لها من الآثار، ثمّ نعقّبه بذكر القصد و آثاره.

في تحقيق المسافة

اشارة

فنقول: أمّا المسافة ففيها أمور ينبغي التنبيه عليها.

[الأمر الأوّل] في تحديد المسافة

و الأخبار فيه مختلفة، ففي بعضها إناطة الحكم بمسيرة يوم و بياض يوم (2)، و في بعضها إناطته بثمانية فراسخ (3)، و في بعضها بأحد الأمرين من مسيرة يوم أو ثمانية فراسخ (4). و لذا ذهب إلى كل منها بعض الأصحاب فالشهيد الثاني إلى


1) شرائع الإسلام: ص 39.

2) الوسائل: ج 5، ص 493

3) الوسائل: ج 5، ص 490

4) الوسائل: ج 5، ص 492،

الأول (1)و الأول إلى الثاني (2)و صاحب المدارك (3)إلى الثالث.

و لا بد في تنقيح المقام من تقديم مقدمة هي:

إن المستفاد من الأخبار أن المراد بمسير اليوم ليس مطلقة كيفما اتفق، بل مسير معتدل لا ينفك عن قطع ثمانية فراسخ، ففي الفقيه: «لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة و القوافل و الأثقال» (4)و في حسنة الكاهلي: «إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء (5)و الدابة الناجية (6)، فإنما وضع على سير القطار» (7).

و في صحيحة ابن الحجاج: «جرت السنة ببياض يوم، فقلت له عليه السلام: انّ بياض اليوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم، و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم، فقال (عليه السلام): اما انّه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت مسير هذه الأثقال بين مكة و المدينة؟ ثمّ أومى بيده أربعة و عشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ» (8)و في ذيل رواية العيون (9)و العلل (10)«و قد يختلف المسير فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ و سير الفرس عشرون فرسخا، إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل و هو الغالب على المسير و هو أعظم المسير الذي


1) روض الجنان، ص 383.

2) الدروس ص 50.

3) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام ذيل قوله: و اما الشروط فستة ص 276.

4) الوسائل، ج 5 ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 1 الفقيه، ج 1، ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، الحديث 1.

5) سفا: يسفو، سفوا، أسرع في المشي (أقرب الموارد).

6) الناجية: مؤنث الناجي، الناقة السريعة، تنجو بمن ركبها (أقرب الموارد).

7) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. مع اختلاف يسير. القطار من الإبل بالكسر: قطعة على نسق واحد (أقرب الموارد).

8) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15 مع اختلاف يسير.

9) عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 113، الباب 34، الحديث 1 مع اختلاف بين ألفاظ الحديث.

10) علل الشرائع، ج 1، ص 266، الباب 182، الحديث 9 مع اختلاف بين ألفاظ الحديث.

يسيرة الجمّالون و المكاريون» (1)و هذه الروايات صريحة في إرادة المسير بسير معتدل يوافق ثمانية فراسخ و لا يتخلّف أحدهما عن الآخر، و مسير يوم أقلّ من ثمانية، ليس من السير المعتدل الذي هو موضوع الحكم، و السير السريع في بعض اليوم إذا كان ثمانية فراسخ هو مسير يوم بالسير المعتدل، فهو داخل في موضوع الحكم. فهذه الروايات قرينة على المراد من مسيرة يوم الظاهرة إطلاقا في جميع أنحاء المسير كما فهمه الراوي، و قال:

«إنّ بياض يوم يختلف». و هذا غير تنزيل إطلاق مسير يوم على الغالب الموافق لثمانية، فيحكم بتعيّن الثمانية وافقت مسير يوم أم لا، فإنّ التنزيل على الغالب يوجب تيقنه لا تعيّنه، فيبقى الغير الغالب مسكوتا عنه و لا يوجب تعيّن الثمانية مطلقا، لأنّ إطلاقها أيضا منزّل على الغالب الموافق لمسير يوم، فالثمانية في بعض اليوم مسكوت عنها، فراجع ما أفاده الشيخ العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة المسافر (2).

و حيث عرفت موافقة مسير يوم لثمانية فراسخ بمقتضى النصوص. فاعلم أنّ الأمر في هذين العنوانين يدور بين أمور، إمّا كونهما معرّفين للشرط، و إمّا كونهما شرطا و ملاكا للحكم، إمّا تعيينا و إمّا تخييرا، و امّا كون أحدهما المعين شرطا و الآخر معرفا له، لا مجال للأول، فإنّه إنّما يعقل كونهما معرّفين إذا كان ما يقبل أن يكون شرطا كما في خفاء الأذان و خفاء الجدران، بالنسبة إلى البعد المخصوص عن البلد في نظر الشارع، و أمّا السير، فهو امّا متكمّم بالكمية الزمانية الغير القارة، و امّا متكمّم بالعرض بالكميّة القارة المكانية المساحية، و مع قطع النظر عن الكمية الاتصالية من الوجهين لا يبقى إلّا طبيعة السير المهملة اللامتعيّنة بأحد التعينين، و هي مع أنّها ليست موضوع الحكم لا يعقل أن تكون إحدى الكميتين معرّفة لها، بل منوّعة لها، و لا سبيل إلى الثاني، لأنّه مع فرض الملازمة بين العنوانين كما عرفت، يغني شرطية


1) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 2.

2) كتاب الصلاة صفحة 389

أحدهما عن الآخر و يلغو شرطية الآخر. كما إذا كان استقبال الجنوب شرطا فإنّه يلغو شرطية استدبار الشمال، و كما لا يعقل شرطيتهما معا تعيينا، كذلك لا يعقل شرطية كليهما تخييرا، فإنّ شرطية أحدهما إلى بدل إنّما تعقل في مورد انفكاك أحدهما عن الآخر لا في مورد تلازمهما، فينحصر الأمر في الثالث و هو كون أحدهما المعين شرطا و الآخر معرّفا. و هذا و إن لم يكن له ثمرة عملية، إلّا أنّ الظاهر شرطية مسير يوم و معرفيّة «الثمانية فراسخ»، لتعذر معرفة موافقة المسير لما هو المعتبر من سير القطار بين الحرمين. فكذا جعلوا له معرّفا يسهل تناوله و معرفته. و إنّما قلنا بأنّ الظاهر شرطية مسير يوم لقوله (عليه السلام): «جرت السّنة ببياض يوم» (1). و لما في رواية الفقيه: «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم إلخ» (2). فإنّ ترتيب وجوب التقصير في مسيرة يوم يكشف عن أنّه ليست حكمة و غاية محضة، بل واجب بالأصالة، و انّ وجوب التقصير في ثمانية فراسخ، لأجل وجوب التقصير في مسيرة يوم، بل الأمر كذلك في قوله (عليه السلام): «إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ» (3)، فإنّه كاشف عن أنّ العبرة بمسيرة يوم، و إنّما عرّفت بثمانية فراسخ لكذا و اللّه أعلم. هذا كله في الأخبار المعينة لمسيرة يوم تارة، و للثمانية فراسخ أخرى و قد عرفت تلازمهما و أمّا الأخبار الظاهرة في التخيير كروايات: زرارة (4)و محمد بن مسلم (5)و أبي أيوب (6)و أبي بصير (7)، فمقتضاها التقابل بين الأمرين لمكان العطف بأو، و هو مناف لتلازمهما و توافقهما الذي دلت عليه النصوص، و قد حملها الشيخ المحقق


1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 15.

2) الوسائل، ج 5، ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1. من لا يحضره الفقيه، ج 1 ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، ح 1.

3) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

4) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

5) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

6) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

7) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

الأنصاري (1)(قدّس سرّه) على التقابل بحسب علم المكلف، مع أنّهما لو كانا متلازمين واقعا و علمت الملازمة لكانا متلازمين علما لا متقابلين علما، فإنّ تقابلهما علما معناه إنّ العلم بأحدهما لا يجامع العلم بالآخر، أو أنّه ينفك العلم بأحدهما عن العلم بالآخر. و الظاهر أنّ التقابل بلحاظ السبق و اللحوق علما، و السبق و اللحوق متقابلان، و لا منافاة بين التلازم واقعا و علما، و التقابل بين سبق العلم بأحدهما و لحوق العلم بالآخر كما في العلّة و المعلول، فإنّهما متلازمان واقعا و علما، لكنه ربما ينتقل من العلة الى المعلول، و ربما ينتقل من المعلول إلى العلة. فالإنسان بحسب مباديه العلمية ربما يعلم أنّه ثمانية فراسخ فينقل العلم بالتلازم إلى أنّه مقدار مسير يوم بالسير المعتدل، و ربما بحسب تجربته مرارا يعلم أنّ المسافة مقدار مسير يوم بالسير المعتدل فينتقل إلى أنّه ثمانية فراسخ مساحة، و الغالب هو الأوّل، و لذا جعلت الثمانية حدّا و معرّفا. و الظاهر من قوله (عليه السلام): «بياض يوم أو بريدان» (2)و إن كان التخيير بين الأمرين بنفسهما لكنه لمّا كان في مقام استعلام المسافة الموجبة للقصر و تعريفها فلذا جعلنا التقابل بلحاظ السبق و اللحوق علما، بل إذا جعلنا الشرط نفس إحراز مسيرة يوم لا القصد و الإرادة، أو نفس المسافة فوجوده الواقعي عين وجوده العلمي، و حينئذ فملازمة الموصوف بالمعرّفية لا بدّ و أن يكون إحراز ثمانية فراسخ، لاستحالة التلازم بين الوجود العلمي لشي‌ء، و الوجود الواقعي لشي‌ء آخر، فتدبره فإنّه حقيق به.

الأمر الثاني في شمول الثمانية فراسخ للامتداية و التلفيقية

و مختصر القول فيه: إنّ ظاهر أخبار (البريدين) و (الثمانية فراسخ) هي الامتدادية حتى بملاحظة بعض ما ورد في التلفيق، كرواية سليمان بن حفص:


1) كتاب الصلاة، ص 389.

2) الوسائل، ج 5، ص 492. الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 11.

«التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا» (1)فإنّ لتقابل يقتضي كون البريدين امتداد بين لا جامعا بين الأمرين، فإنه لا تقابل بين الكلي و فرده. مضافا الى أنّ «الثمانية فراسخ» ظاهره في هذه المرتبة من العدد حقيقة بين المبدء و المقصد، ففرض المبدء تارة مبدأ، و أخرى مقصدا، لا يوجب أن يكون بينهما ثمانية فراسخ إلّا بالاعتبار لا بالحقيقة، مثلا بين النجف و كربلاء اثنا عشر فرسخا سواء لو حظ المبدء من النجف أو من كربلاء، و فرض النجف تارة مبدءا و اخرى منتهى لا يوجب أن يكون ما بين البلدين أربعة و عشرين فرسخا، و عليه فإذا أضيف الى هذا العدد شي‌ء فقيل: سر، أي بقدر عشرين فرسخا، كان ظاهرا في مطلوبية السير المضاف إلى هذا العدد حقيقية لا إليه و لو بالاعتبار، فكذا إذا جعل شرطا لحكم.

لا يقال: إذا ذهب أربعا و رجع أربعا فقد سار حقيقة ثمانية فراسخ، و إن لم يصدق على ما بين المبدء و المقصد أنّه ثمانية فراسخ، و العبرة بالسير المتكمّم بهذه الكمية لا بنفس المساحة المكانيّة.

لأنا نقول: حقيقة السير و إن كان متكمّما بهذه الكمية لكن المساحة الموجبة لهذه الكمية، ليست ثمانية بالذات، بل ثمانية بالعرض، لفرض كونها مقوّمة لثمانية قطع من قطعات السير، و المفروض ظهور الثمانية في هذا العدد بالذات لا بالعرض، فهو كما إذا قيل: امسح شيئين فمسح شيئا مرّتين، فإنّ تعدد المسح حقيقي، و تعدد المقوّم له اعتباري. مضافا إلى أنّ ظاهر قوله «يخرج في سفره. إلخ» (2)يراد به الخروج من بلده الى غيره و هو السفر. و من الواضح أنّ البعد عن الوطن مثلا لا يعقل أن يغيّى بالقرب الى وطنه، فمنتهى البعد هو منتهى ثمانية فراسخ و هو منتهى مسيرة يوم من بلده، فلا تعمّ الثمانية المنتهية إلى بلده فتدبر.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ أدلة اعتبار الثمانية لا إطلاق لها بحيث يشمل التلفيقية،


1) الوسائل، ج 5، ص 495. الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

2) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 16.

و إنّما التلفيق يستفاد من أخبار أخر، و هي كثيرة.

و مجمل الكلام فيه: أنّ جملة من الصحاح صريحة في أنّ أدنى ما يقصّر فيه بريد، و هي أربعة فراسخ. ففي صحيحة زرارة «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (1). و في صحيحة أبي أيوب «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ قال (عليه السلام): بريد» (2). و في صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن التقصير، فقال (عليه السلام): في أربعة فراسخ» (3)و في صحيحة زيد الشحام «قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يقصر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلا» (4). إلى غير ذلك ممّا يؤدّي هذا المعنى، و منافاته لما سبق من اعتبار الثمانية رأسا واضحة، و لا استبعاد أن تكون الأربعة أدنى ما يوجب القصر، فهو تخفيف بعد التخفيف في أصل القصر إلّا أنّه لا يعقل ان يكون الأكثر سببا للقصر على حدّ سببية الأقل المأخوذ لا بشرط، فلا بد من حمل أخبار الأربعة على الرخصة و أخبار الثمانية على العزيمة.

إلّا أنّه هناك طائفة من الأخبار شارحة لكلتا الطائفتين.

منها: صحيحة معاوية بن وهب «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): بريد ذاهبا و بريد جائيا» (5).

و منها: مصححة سليمان بن حفص «قال: قال الفقيه (عليه السلام): التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و بريد جائيا» (6)الخبر. و غاية ما يستفاد منهما إلحاق الملفّق بالامتدادي في الحكم.


1) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل، ج 5، ص 497، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

3) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

4) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير.

5) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

6) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

و منها: صحيحة زرارة: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير، قال (عليه السلام): بريد ذاهب و بريد جائي» (1)«و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا أتى ذبابا قصّر. و ذباب على بريد و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (2).

و منها موثقة ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: سألته عن التقصير، قال (عليه السلام): في بريد، قلت بريد؟ قال (عليه السلام): إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (3). و يظهر من هاتين الروايتين أنّ الثمانية الملفقة ليست موضوعا آخر للحكم على حدّ موضوعيّة الثمانية الامتداديّة، بل الاعتبار في المسافة بالعنوان الجامع، فالثمانية الامتدادية و الملفّقة شرط بعنوان كونهما ثمانية فراسخ من دون خصوصية للامتداديّة، كما أنّه شرط أو معرّف باعتبار جامع آخر و هي: «مسيرة يوم» فإنّ المراد «بشغل اليوم» استيعابه بالسير فيكون الاعتبار بكونه بمقدار سير يوم من دون نظر الى الامتداد.

و حيث عرفت أنّ باب هذين التعليلين باب إدراج الصغرى تحت كبرى كليّة، هي عنوان الشرط، تعرف قوّة القول بالتلفيق كيفما اتفق و لو كان مسافة الذهاب أقلّ من أربعة مع تتميمها ثمانية بالإياب من طريق أبعد. فإن توهّم كون التعليل حكمة، مدفوع بأنّ التعليل بعنوان حصول الشرط، و هو العنوان الجامع بين الامتداد و التلفيق، و لا يعقل أن يكون عنوان الشرط حكمة للاشتراط. فحديث دوران الأمر بين كونه حكمة و علة ناقصة، أو علّة تامة، غير صحيح هنا بالخصوص و إن أمكن في غيره.

و لا يتوهم منه صحة التردّد مرارا في حصول الثمانية التي هي شرط، لان ظاهر التعليل حصول الشرط بالذهاب من منزله و الإياب إليه لا بذهابات و إيابات.

و ما ورد من أنّ أدنى التقصير بريد فبالنظر إلى الغالب من اتحاد طريق الذهاب


1) الوسائل، ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 14 و 15 و ذباب جبل قرب المدينة على نحو بريد. مجمع البحرين.

2) الوسائل، ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 14 و 15 و ذباب جبل قرب المدينة على نحو بريد. مجمع البحرين.

3) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

و الإياب، فإنه إذا كان أقلّ من بريد كان المجموع أقلّ من الثمانية.

و لا يتوهّم أنّ الجامع طبيعي البريدين المنطبق على الامتداديين و الملفق منهما، بشهادة قوله (عليه السلام)- في مقام التعليل-: «لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين» (1)و سائر أنحاء التلفيق ليس من الملفّق من بريدين، فإنّه توهّم فاسد لوضوح أن البريد معرّف معروف لأربعة فراسخ لا أنّه بعنوانه شرط، و لذا قال (عليه السلام):- في مقام التعليل-: «لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فأوضح عنوان الجامع بقوله: «ثمانية فراسخ». و ما ذكرنا في هذا العنوان الجامع من اقتضاء اعتبار مطلق التلفيق جار في التعليل الآخر بقوله (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2)بناء على إرادة شغل مقدار يوم و لو من أيام، فإن الملفق بأي نحو كان، شاغل لمقدار يوم. هذا و الأحوط الاقتصار على التلفيق من أربعة ذهابية و أربعة إيابية الملحوظتين لا بشرط من حيث الزيادة.

(أدلة القول بعدم اعتبار الرجوع ليومه)

الأمر الثالث بعد صحة التلفيق هل يعتبر كون الرجوع ليومه أو لا يعتبر؟
(أدلة القول بعدم اعتبار الرجوع ليومه)

فيه خلاف عظيم و أقوال كثيرة، و أنهاها بعض أعلام السادة (قدّس سرّه) (3)إلى العشرة، و العمدة هو القول بالإثبات و النفي مطلقا.

و ما يمكن أن يقال في وجوب القصر على مريد الرجوع و لو لا ليومه أمور:

منها: إطلاقات أخبار التلفيق (4)، لوضوح كونها في مقام تحديد المسافة و لم يقيّد فيها الرجوع المتمم للحد بكونه في يوم الذهاب. و يؤكّده إدراج الملفق تحت عنوان


1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9 مع اختلاف يسير.

3) الظاهر مؤلف مفتاح الكرامة في ج 3، ص 503.

4) الوسائل: ج 5، ص 494 الى 499، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر.

جامع بينه و بين الامتدادي و لا يعقل مع وحدة الجامع و عدم اعتبار كون الفراسخ الامتدادية في يوم واحد أن يختلف هذا الجامع بالصدق على المتصل و المنفصل في الامتدادي و عدم الصدق، إلّا على خصوص المتصل في التلفيقي. كما لا يعقل اختصاص التعليل بقوله (عليه السلام): «لأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ» (1)بخصوص الرجوع ليومه لأنّ الرجوع يحقق الثمانية عقلا، سواء كان في يوم الذهاب أو في غيره.

و أمّا التقابل بين بريدين و بريد ذاهبا و بريد جائيا فمن باب تقابل الفردين لجامع واحد لا من باب أنّ كل واحد منهما شرط مستقل ينوب أحدهما مناب الآخر. فلا تجب مساواة أحدهما للآخر في جميع الجهات، لصراحة التعليل باندراج الملفق تحت جامع ينطبق عليه و على الامتدادي.

و منه يتضح أنّ هذا المعنى أجنبيّ عن الحكومة و التنزيل- حتى يتوهم أنّ تنزيل الملفق منزلة الامتدادي في الشرطية لا يقتضي الاشتراك في سائر الآثار- و ذلك لأنّ معنى الحكومة الحكم على الملفق بعنوان أنّه امتدادي، فهو ملفق حقيقة و امتدادي عنوانا، كتنزيل الظن منزلة العلم بعنوان أنّه علم. و من البيّن أنّه ليس لسان التعليل أنّ الملفّق مسافة امتدادية عنوانا بل هو ثمانية فراسخ و هي الشرط، فتدبره جيدا.

و الإنصاف قوة الإطلاقات فمنعها مكابرة. إلّا أن الدعوى تقييدها بموثّقة محمد بن مسلم (2)، بل هي من أقوى أدلة القائلين باعتبار الرجوع ليومه. و مورد الحاجة منها قال (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه». بتقريب أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «شغل يومه» هو فعلية الشغل، و لا يكون الرجوع المنضم إلى الذهاب شاغلا فعليا ليوم المسافر إلّا إذا اتصل إيابه بذهابه و إلّا لم يكن شاغلا بالفعل، بل بالإمكان و التقدير.


1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

و تنقيح المقام: إنّ ظاهر الروايات المفسّرة لمسيرة يوم بسير الأثقال بين مكة و المدينة (1)، و إن كان إشارة إلى مسير معتدل في يوم واحد تام، إلّا أنّه ليس مقتضاه تعيّن القصر على من سار سيرا معتدلا في يوم واحد تام، لوضوح اختلاف سير المسافرين بالسرعة و البطؤ و الاعتدال، و بكونه في يوم أو أيام أو في ساعات من أيام. فلا محالة يكون السير المشار إليه مقياسا لأنحاء السير المختلف في الكيفيّة و الكميّة الزمانية، و مقتضاه تقدير السير بنحو الاعتدال، و إن كان الواقع سريعا أو بطيئا، و تقدير اليوم الواحد التام و إن كان الواقع متكمما بساعات من أيام.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ مقتضى قوله (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2)و إن كان فعليّة شاغلية السير الملفّق ليوم واحد تام عند فعلية السير الملفّق، لمقدار يوم واحد لا لنفسه، و لذا لا شبهة في أنّه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا في نصف يوم لسرعة سيره كان موجبا للقصر مع أنّه غير شاغل ليوم واحد فعلا بل ليوم واحد تقديرا، و هو المراد بمقدار يوم لا نفسه. مضافا إلى أنّ ظاهر هذا التعليل كظاهر التعليل الآخر من حيث إرادة اندراج الملفّق تحت عنوان مسيرة يوم تارة، و عنوان ثمانية فراسخ أخرى، لا أنّه موضوع آخر موجب للقصر حتى يقال لا يضر انفكاكه عن السير الامتدادي في أيام.

و دعوى أنّ نفس الشغل المساوق للمشقة يقتضي تعيّن الرجوع ليومه فإنّه الذي يظهر معه مشقة السير.

مدفوعة بأنّ الشغل لا بمفهومه يقتضي المشقة و لا بلازمه، لأنّ الشغل ينسب إلى الخير و الشر، و الأمر الهيّن و الشاق، و لا حاجة إلى الجواب بأنّه حكمة لا يجب إطرادها، بل شغل اليوم بالسير يزيد على التلبس بالسير بخصوصية كون السير مانعا عن التلبس باضداده. و كما أنّ شغل يوم واحد تام بالسير يلازم عدم إمكان


1) الوسائل: ج 5، ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

التلبس بأضداده في نفس ذلك اليوم، كذلك التلبس في نصفين من يومين يمنع عن التلبس بأضداده في مقدار يوم واحد. فالعمدة في الباب هو التصرف في اليوم بإرادة مقداره دون نفسه، و إلّا فقضية الفعلية في الشاغلية، أو اقتضاء الشغل بمفهومه أو بلازمه- كما أطنب فيه الباحثون عن المسألة- أجنبية عن المقصود. و اللّه المسدّد.

و منها: أخبار عرفات (1)و هي كثيرة مشتملة على تشديد بالغ على المتمّين في هذا السفر، إلّا أنّ جملة منها مشتملة إمّا صدرا أو ذيلا على ما يرد عليه بعض الاعتراضات، و يكفي في الباب بعض الروايات الخالية عن تلك المحاذير كصحيحة معاوية بن وهب (2)«إنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات، فقال (عليه السلام): ويحهم أو ويلهم و أيّ سفر أشدّ منه لا تتمّ» (3)و في نسخة أخرى لا تتموا. و موثقة معاوية بن عمّار «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): في كم التقصير؟ فقال (عليه السلام): في بريد ألا ترى أنّ أهل مكّة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير» (4). و قد تضمن هذا الخبر الشريف للموضوع و حكمه. و أمّا ما في بعضها: «ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقصّروا» (5)فربما يعترض عليه بما محصله- بتوضيح منّى- إنّ حجّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل الهجرة ليس مرتبطا بالمقام فإنّ آية التقصير نزلت في المدينة، و أول سفر قصّر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه سفره إلى ذي خشب و هو بريدان من المدينة فقصّر و أفطر كما نصّ بكل ذلك الأخبار. و أمّا حجّة بعد الهجرة فلم يحجّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا حجة الوداع، و قيل إنّه ثبت بالأخبار و نص أهل السير و الآثار أن خروجه لحجة الوداع كان يوم السابع و العشرين من ذي القعدة، و في صحيحة معاوية بن عمار: «في أربع بقين من ذي


1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر.

2) و الصحيح «معاوية بن عمّار».

3) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

4) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

5) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

القعدة) (1)و دخل مكة في أربع من ذي الحجة بحيث لم يبق له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مجال للإقامة بها، فقصره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مستند إلى سفره من المدينة لا إلى سفره من مكة. قيل و لم يلزم انقطاع سفره بورود مكة لأنّه لم يبق له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ملك بها لأنّ عقيلا باع داره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):- حين قيل له أ تنزل دارك غدا؟

و هل ترك لنا عقيل دارا؟ (2)و يمكن اختيار الشق الثاني.

و دفع الإشكال بأنّ المرور إلى الوطن كاف في انقطاع السفر و لم يشترط في الوطن الأصلي أن يكون للمتوطن ملك كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و من البعيد جدا إعراضه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن هذا الوطن العزيز مع كمال العلقة القلبية منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به فتدبر.

و بالجملة فمن المسلّم بالأخبار و الآثار أنّ المسافة من مكّة الى عرفات أربعة فراسخ، كما أنّه من المسلّم عدم الرجوع ليومه للسواد الأعظم مع الترتيب المنتظم للحاج من حيث الخروج يوم التروية و البيتوتة بمنى ليلة عرفة، و الخروج في نهارها إلى عرفات، و البقاء فيها إلى الغروب و البيتوتة بمشعر الحرام، و إتيان جملة من المناسك يوم العيد، مع عدم تعيّن زيارة البيت في يوم العيد، فلا رجوع ليومه بوجه.

فهذه الأخبار بعد التقييد بأخبار التلفيق من أقوى الأدلة على عدم اعتبار الرجوع ليومه و لا إعراض عنها.

و توضيح المقام: إنّ أخبار عرفات كالأخبار السابقة المتضمنة للبريد ظاهرة في أنّ أربعة فراسخ حدّ السفر، و كون المورد هنا ممّا له الرجوع لغير يومه، لا يقتضي اعتبار أصل الرجوع فالمائز بين هاتين الطائفتين أنّ هذه الطائفة يتعيّن في موردها الرجوع دون تلك الطائفة. فهذه الأخبار بنفسها معارضة لظاهر أخبار الثمانية الامتدادية، و لظاهر أخبار التلفيق، و لظاهر ما يدّعى دلالته- مما سيأتي إن شاء اللّه


1) الوسائل، ج 8، ص 150، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.

2) كتاب أخبار مكة، الجزء الثاني، ص 162، و كذا في السيرة الحلبية.

تعالى- على اعتبار الرجوع ليومه.

و وجوه الجمع بينها و بين أخبار الثمانية الامتدادية، و اخبار التلفيق ثلاثة:

أحدها: أنّ كلا من الثمانية و الأربعة حدّ لتعيّن القصر، و شبهة التخيير بين الأقل و الأكثر، و عدم تأثير للزائد مع تأثير الأقل، مدفوعة بأخد الأقل بشرط لا بالنسبة إلى حدّ الأكثر، فالأربعة في ضمن الثمانية لا أثر لها حتى لا يبقى مجال لتأثير الأكثر بل الأربعة ال «بشرط لا» يستحيل تحققها في ضمن الأكثر لتباين اعتباري بشرط لا و بشرط شي‌ء، و عليه فما ذا قصد الثمانية امتداديّة أو ملفقة تعيّن القصر عليه لهذا السبب بالخصوص، و إذا قصد ما دون الثمانية أي الأربعة بشرط عدم بلوغ الثمانية أيضا تعيّن عليه القصر. فلا تصرف في شي‌ء من الظهورين.

ثانيها: حمل أخبار الثمانية مطلقا على تعيّن القصر بنحو العزيمة، و أخبار عرفات على الرخصة، إذ ليس مقتضى التحديد بالثمانية إلّا تعيّن القصر، و مفهومه ارتفاع تعيّن القصر بعدم بلوغ المسافة ثمانية فراسخ لا وجوب الإتمام تعيينا، فلا ينافي الرخصة في القصر بمقتضى هذه الأخبار، فلا تصرف إلّا في أخبار (الأربعة فراسخ) برفع اليد عن تعيّن القصر، فيتخير في الأربعة بين القصر و الإتمام، حيث لا يمكن الالتزام بتعيّنهما معا للشبهة السابقة.

ثالثها: التخيير بين الأخذ بأخبار الثمانية و طرح أخبار الأربعة فيتم، و الأخذ بأخبار الأربعة و طرح ما ينافيها فيقصّر، نظرا إلى تكافؤهما، و البناء على التخيّر في الخبرين المتعارضين دون التساقط في مورد التعارض.

و الجواب أمّا عن الوجه الأول: فإن التعليل بقوله (عليه السلام): «لأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ» (1). ظاهر في أنّ الثمانية الملفّقة عين موضوع الحكم لا موضوع آخر، و ظاهر قوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» (2)اي مقداره كذلك فيعلم أنّ الاقتصار على الأربعة لأنّ رجوعه أيضا أربعة، و المجموع هو السبب الوحيد


1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

لتعيّن القصر، لا أنّ الأربعة مأخوذة بشرط لا و أنّها سبب آخر.

و أمّا عن الوجه الثاني: مضافا إلى ما عرفت، فهو مناف لهذا التشديد العظيم، «و الطعن على عثمان، و امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إتيان القصر أربعا بعد أن صلى عثمان الظهر أربعا حتى أنّ المحكي في الصحيح انّ معاوية اعترف عند أصحابه بأن السنّة إتيان الصلاة قصرا و أنّ الإتمام خلاف ما سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (1)فإرجاع هذه التشديدات إلى الالتزام بالإتمام لا إلى نفس الإتمام، في غاية الانحراف عن جادة الإنصاف.

و أمّا عن الوجه الثالث: فقد اتّضح من شاهد الجمع المخرج لهما عن التعارض فلا تصل النوبة إلى التخير بين الخبرين. فتدبر جيدا.

و أمّا إذا لوحظت نسبة أخبار عرفات بعد إرادة الأربعة ذهابا، و الأربعة إيابا- مع ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى مما استدل به على تعيّن الإتمام مع عدم الرجوع ليومه، فربما يقال بأنّ المرجع بعد تكافؤهما، عمومات أخبار الثمانية الامتدادية، نظرا إلى أنّ مقتضى التحديد وجوب الإتمام مع عدم الثمانية الامتدادية و المتيقّن في تخصيصها الثمانية الملفّقة مع الرجوع ليومه، فيبقى غيره تحت عموم المفهوم، إلّا أنّ الظاهر مع التكافؤ و التساقط الرجوع إلى إطلاقات أخبار التلفيق لابتلاء المقيّد لها بالمعارض، فالإطلاقات على حالها. و أمّا بناء على عدم التساقط في الخبرين فهل يجب الجمع بينهما بالتصرف فيهما أو في أحدهما، فلا تصل النوبة إلى الترجيح أو التخيير مع إمكان الجمع نظرا إلى أنّ كلا من الدليلين نصّ في الجواز و ظاهر في التعيين فيرفع اليد بنصوصية كل منهما عن ظاهر الآخر؟ أو أن الجمع- الذي هو أولى من الطرح- إذا لم يوجب التصرف في كلا المتعارضين؟ و تمام الكلام في محله.

هذا كله في الوجه الثاني من وجوه الاستدلال.

و منها: الأخبار الخاصة الواردة في موارد مخصوصة، و أوضحها دلالة على المقصود


1) الوسائل، ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

ما رواه البرقي في المحاسن (1)، و الصدوق في العلل (2)، بل في الكافي (3)إلى حد التعليل الآتي عن إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا إلى سفر فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو ثلاثة فراسخ أو أربعة فراسخ تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم، و هم لا يستقم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال (عليه السلام): إن كان بلغوا مسافة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة أقاموا أو انصرفوا فاذا مضوا فليقصّروا.

ثمّ قال (عليه السلام): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال (عليه السلام): لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقل من ذلك، فاذا كانوا ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (4).

و هذا الخبر صريح في الرجوع لغير يومه سؤالا و جوابا، و بملاحظة التعليل ظاهر في أنّ ضم الإياب إلى الذهاب هو الموجب لتعيّن القصر، و حيث إنّ قاطع الأربعة جازم بأنّ سفره ثمانية، إمّا لرجوعه إلى بلده أو لمضيّه الى مقصده فلا يضره التردد بين الأمرين مع انحفاظ الجامع في البين، و قد تقدم سابقا إنّ الذي يجب فصده هو الجامع المنطبق على الثمانية الامتدادية و التلفيقية و الخصوصيات غير دخيلة فلا يجب قصدها، و لا يضرّ قصد خلافها من أوّل الأمر، و لا التردّد فيها في الأثناء. و أمّا رمي الخبر بضعف السند مع كونه مرويّا في الكافي و المحاسن و العلل فاظنّه من جهة محمد بن


1) المحاسن، ص 213، كتاب العلل من المحاسن، الحديث 29 مع اختلاف يسير.

2) علل الشرائع ص 367 الحديث 1. مع اختلاف في بعض ألفاظ الحديث.

3) الفروع من الكافي المجلد 3. ص 433. باب حد المسير الذي تقصر فيه الصلاة. الحديث 5. مع اختلاف يسير.

4) الوسائل، ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

أسلم الجبلي في السند، مع أنّه ذكر الشيخ في فهرسته: (ابن الجبلي له كتاب أخبرنا به أبو عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه)، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، و محمد بن الحسن عن سعد، و الحميري، و محمد بن يحيى، و أحمد بن إدريس عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عنه) (1). و منه يظهر قوّته مع أنّ ضعفه إنّما هو لرميه بالغلوّ، و من الواضح أنّ الغلوّ في الصدر الأول عند أرباب الحديث ليس من الغلوّ الموجب للفسق أو الكفر فإنّهم يرون انّ نفي السهو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الغلو و اللّه أعلم.

و يقرب من الرواية المتقدمة صحيحة عمران بن محمد «قال قلت: لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلا، خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ قال (عليه السلام): قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة» (2).

و تقريب الدلالة أن الرجوع من الضيعة إلى منزله مفروض بملاحظة تحديد إقامته بما دون العشرة و كون الرجوع لغير يومه أيضا كذلك و لا ينافي هذه الفقرة إلّا أمره (عليه السلام) بالإتمام في الضيعة فإنّه لا محالة، بملاحظة كفاية الأربعة فما زاد في التقصير كما هو ظاهر جملة من الأخبار المحدّدة بالبريد، و إلّا فينقطع سفره بالوصول إلى ضيعته.

و أحسن توجيه لها حملها على التقية لعدم اشتراط الاستيطان عند العامة فلا ينقطع السفر بذلك واقعا و المفروض هو الرجوع لغير يومه فتدبر.

و أيضا يقرب من الرواية المتقدمة صحيحة أبي ولّاد بملاحظة تعليله (عليه السلام) بقوله: «لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك». (3)فإنه إشارة إلى مناط السفر بقطع ثمانية فراسخ و لو ذهابا و إيابا، و هذا التعليل لا يعقل إناطته


1) الفهرست: ص 130. و بدل محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، ابن بابويه عن أبيه.

2) الوسائل: ج 5، ص 523، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14. مع اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

بالرجوع ليومه.

و أمّا سائر الروايات فدلالتها على عدم اعتبار الرجوع ليومه إنّما هي بالإطلاق.

هذا كله فيما استند إليه القائل بعدم اعتبار الرجوع ليومه.

[أدلّة القول باعتبار الرجوع ليومه]
اشارة

و أمّا ما استند اليه القائل باعتبار الرجوع فهي روايات:

الأولى: موثقة محمد بن مسلم

بملاحظة التعليل بقوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» (1). و قد تقدّم تقريبه مع دفعه.

الثانية: موثقة سماعة

«قال: سألته عن المسافر في كم يوم يقصر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ، و من سافر قصّر الصلاة و أفطر إلّا أن يكون رجلا مشيّعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد أو الى قرية له، يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر و لا يفطر» (2).

و تقريبها: إنّ الظاهر من الاستثناء ثبوت الموجب للقصر من حيث المسافة في الموارد المستثناة، و باعتبار عروض المانع لا يجب القصر و لا يجوز الإفطار و لا يكون كذلك في الفقرة الأخيرة إلّا بفرض المسافة فيها أقلّ من الثمانية امتدادا و إلّا لو بلغت الثمانية الامتدادية وجب القصر و الإفطار في الطريق و إنّما ينقطع الحكم بالوصول الى قريته ففرض القصر و الإفطار في الطريق لو لا المانع لا يتحقق إلّا بكون المسافة تلفيقيّة و هي في حدّ ذاتها يوجب القصر و الإفطار لكنه لوقوع المرور بالملك في أثنائها لا يجوز فيها القصر و الإفطار.

إذا عرفت ذلك فنقول: انّ تقييد مسيرة اليوم بقوله (عليه السلام): «يبيت إلى أهله».


1) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

2) ذكر صدر الحديث في الوسائل، ج 5، ص 492، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.و ذيله في الباب 8 الحديث 4.

يدلّ على اعتبار الرجوع ليومه الذي لازمه بيتوتة إلى أهله و لو كفى الرجوع مطلقا لما كان وجه لتقييد «مسيرة اليوم» بحيثية البيتوتة في الأهل، و ليس ذلك من باب الاستناد الى مفهوم الوصف، بل من باب الاعتماد على مفهوم الحدّ في مقام تحديد المسافة الموجبة للقصر فعلا، و لعدم القصر فعلا.

و الجواب عنها ما مري مرارا من أنّ مقام التحديد مقام إعطاء المقياس و الميزان و إرادة مقدار يوم، و ليس ما في الرواية بأقوى من قوله (عليه السلام): «جرت السنة ببياض يوم» (1)فإنه لا يراد منه وقوع السير في النهار بحيث يعود ليلا إلى منزله في المسافة التلفيقيّة فكذا المراد هنا أنّ المسافة التلفيقيّة بمقدار بحيث إذا ذهب و رجع بات عند أهله، مع أنّ تمام النظر إلى أنّه لا يقصّر و لا يفطر لمروره بقريته في مسافته الملفّقة لا في مقام الحكم بالقصر و الإفطار ليدقق النظر في قيود الكلام بملاحظة مقام التحديد.

الثالثة: ما حكاه بعض علماء العامة

حيث قال روي عن علي (عليه السلام): «إنّه خرج الى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه» (2). نظرا إلى أنّه لو لا دخله في الحكم لما ذكره الراوي و إلّا لكان بمنزلة، ثمّ أكل، أو شرب، أو نام.

و هي بعد فرض كون مقصده النخيلة دون الأنبار الذي أغار عليها عساكر الشام، و مع الغض عن كونها عامية لا حجية لها، مدفوعة بأن ذكر الرجوع ليومه ليس لدخله في القصر، بل لما حكي في هذه القضيّة أنّه (عليه السلام) لمّا غضب من تخاذل أصحابه خرج ماشيا إلى النخيلة فلحقه الأشراف و قالوا: نكفيك المئونة، فرجع (عليه السلام) من يومه.


1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

2) البحار، ج 89، ص 15، الباب 1 من أبواب القصر و أسبابه و أحكامه، ينقله عن الحسين بن مسعود في شرح السنّة.

الرابعة: ما حكي عن الصدوق في المقنع مرسلا،

الرابعة: ما حكي عن الصدوق في المقنع (1)مرسلا،

قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى سوقا يتسوّق و هي من منزله على أربع فراسخ فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، و إن ركب السفن لم يأتها في يوم، قال (عليه السلام): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صومه، و يفطر صاحب السفن» (2).

و حيث إنّ ظاهر صدوره مخالف إمّا للمشهور إذا أريد عدم الاكتفاء بالأربعة ذهابا و الأربعة إيابا و إمّا مخالف للمجمع عليه إذا أريد كفاية التلفيق، و اعتبار عدم الرجوع ليومه في القصر مع أنّه إما يعتبر الرجوع ليومه في القصر أو لا يعتبر. و القول باعتبار عدمه فيه خلاف الإجماع فلذا حاول جماعة لدفع الاشكال بوجوه:

منها: ما عن البحار (3)و الوسائل (4)بتقريب أنّ مورد الخبر كما يفصح عنه الجواب خصوص الصوم، و فيه: يمكن الذهاب و الإياب في يوم واحد قبل الزوال لقلة المسافة على الدابة، فالرجوع ليومه معتبر في إتمام الصوم بالنسبة إلى راكب الدابة دون صاحب السفينة المفروض فيه أنّه لا يصل معها الى السوق في يوم لبعد المسافة.

و يندفع: بان فرض الذهاب أربعة و الإياب أربعة على الدابة في نصف يوم فرض بعيد، خصوصا مع قضاء حاجته من السوق، مع أنّ المفروض في الخبر هو رجوعه ليومه لا رجوعه قبل الزوال من يومه.

و منها: ما في الوسائل (5)و هو حمله على الخروج بعد الزوال، فإنّه يجب عليه إتمام الصوم.

و فيه: أولا: انّ الخروج بعد الزوال لا يختص براكب الدابة، بل يجري في


1) المقنع ص 17 باب تقصير المسافر في الصوم. إلّا أنّه ذكر «على سبع» بدل «على أربع».

2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

3) البحار: ج 89، ص 13.

4) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر في ذيل حديث 13.

5) نفس المصدر السابق.

راكب السفينة أيضا.

و ثانيا: إنّ خروجه بعد الزوال و رجوعه ليومه، فيه الاستبعاد المتقدم، و خروجه بعد الزوال في يوم و رجوعه قبل الزوال في يوم آخر و إن كان معقولا و موجبا للصوم في كلا اليومين، إلّا أنّه غير مفروض في الجواب.

و منها: حمله على اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية بوجهين:

أحدهما: بدعوى تقدير أداة النفي على قوله: «يرجع من يومه»، بقرينة أنّ السؤال عن المتسوّق الذي لا يرجع من يومه، و حيث إنّ المقام بملاحظة القرينة المزبورة لا يلتبس النفي فيه بالإثبات صح حذف حرف النفي، كما في باب القسم، مثل قوله تعالى «تَاللّٰهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» (1)أي لا تفتؤا بمعنى لا تزال، حيث إنّ القسم على الإثبات لا بد من أن يكون مقرونا باللام و النون، فيقال: «تاللّه لأفعلنّ» فمع عدم اللام و النون يعلم أن القسم على النفي، فلا مانع من حذف أداة النفي لعدم الالتباس.

و فيه: إن كان عدم الالتباس كافيا في الحذف كلية صحت الدعوى المزبورة، إلّا أنّه غير معلوم إلّا في مورد القسم فالتعدي إلى غيره مشكل جدا.

ثانيهما: إبقاء قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (2)، على حاله، و الاكتفاء في عدم الرجوع من يومه بقرينة السؤال المتضمن للذهاب الى السوق للتسوّق المستلزم لعدم الرجوع في يوم ذهابه إليه عادة، نظير أخبار عرفات المفروض فيها عدم الرجوع ليومه. و حينئذ فالمراد من قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (3)، كقوله (عليه السلام) «بيت إلى أهله» (4)تحديد المسافة بكونها بحيث يمكنه الرجوع من يومه. و عليه فمعناه إنّ راكب الدّابة الذي يتمكن من الرجوع ليومه و لا يرجع يتم صومه، فلا تصرّف في شي‌ء من أجزاء هذه الفقرة للدلالة على اعتبار


1) يوسف: 85.

2) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

3) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

4) الوسائل: ج 5 ص 492، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

الرجوع ليومه، إلّا في قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (1)، بالتصرف الشائع في نظائر المقام بقرينة كونه في مقام تحديد المسافة، و إعطاء الميزان و المقياس الذي لا يراد منه فعليّة البيتوتة، أو فعليّة الرجوع من يومه.

و أما صاحب السفينة فإنّما يجب عليه الإفطار لبلوغ المسافة ثمانية امتدادية لما في الأنهار من الدورات و الاعوجاجات الموجبة لبعد المسافة بالإضافة إلى البرّ، لا لما في حركة السفينة من البطوء بالإضافة إلى سير الدابة، و ما في السؤال (2)من تحديد المسافة بأربعة فراسخ لما هو المعتاد في التحديدات من ملاحظة البعد بين البلد و المقصد بالنسبة إلى البرّ، إلّا مع انحصار الطريق في البحر.

و منه يظهر إنّ دعوى كون المسافة من طريق الماء أربعة، و إنّه لمكان بطؤ سير السفينة لا يتمكن من طيّ المسافة إلّا في يوم أو أزيد و إنّ الموجب للقصر هو التلفيق بالرجوع لغير يومه و إنّ المسافة بحسب البرّ أقلّ من أربعة فلذا يجب الإتمام و إن رجع ليومه.

مدفوعة بما عرفت، مع أنّ التقييد بقوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (3)مما لا حاجة إليه إلّا تنبيها على الحكم بالأولوية، بمعنى أنّه يجب عليه الإتمام إذا رجع ليومه، فضلا عمّا إذا لم يرجع ليومه كما هو مفروض السؤال.

و بالجملة فهذه الرواية بملاحظة ما ذكرنا أحسن ما في الباب، و لا ينبغي إدراجها في المؤول في قبال النصّ و الظاهر لئلا يصح الاستدلال بها إذ لا تصرّف فيها بموجب عقلي، لمنافاته لما هو المشهور، أو لما هو المجمع عليه، صونا للكلام حتى يعدّ من المؤوّل. إلّا أنّه لا يكافؤ ظهورها في اعتبار الرجوع ظهور أخبار عرفات في عدم اعتباره، و لا سنده من حيث إرساله للصحاح و الموثقات الواردة في تلك الروايات و اللّه أعلم.


1) الوسائل، ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 13.

2) الوسائل، ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 13.

3) نفس المصدر السابق.

الخامسة: ما رواه عمّار كما في التهذيب

«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ، فيأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة لا يجوز ذلك، ثمّ ينزل في ذلك المنزل (الموضع) قال (عليه السلام): لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة» (1).

بتقريب: إنّ موجب الإتمام إمّا عدم سير ثمانية امتدادية و هو خلاف النصوص المصرّحة بكفاية التلفيق، و إمّا عدم الرجوع في يومه المفروض في الرواية الصريحة في النزول في القرية و لا أقل من يوم.

و يندفع بان الجواب الذي هو كالتعليل لوجوب الإتمام لا يعقل ان يكون منوطا بعدم الرجوع ليومه، فان الملفّق من فراسخ الذهاب و الإياب، ثمانية و أزيد سواء رجع ليومه أو لا، لما مرّ من استحالة دوران كونه ثمانية مدار الرجوع ليومه فان الملفّق ثمانية على أي حال، فلا يمكن تنزيل الجواب على عدم الرجوع ليومه.

نعم ظاهره إن الخروج لأجل الحاجة فتمادى به السير إلى خمسة فراسخ أو ستة، فالمفقود في هذا الفرض قصد المسافة و هو المعتبر في التكليف بالقصر دون قطعها بمجرده، كما يؤكده روايته الأخرى «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك يتمادي به المضي حيث يمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال (عليه السلام): يقصّر إلخ» (2)فالمورد في كليهما خال عن القصد، لكن حيث أنّ مسافة الذهاب أقل من ثمانية في الأول فلا يقصّر في إيابه و حيث إنّها ثمانية في الثاني فيقصّر في إيابه.

و بالجملة الموجب للإتمام ليس عدم كفاية التلفيق، و لا عدم الرجوع ليومه، بل عدم القصد.


1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. التهذيب، ج 4، ص 225، الباب 56 باب حكم من أفطر. الحديث 36

2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

السادسة: ما رواه الشيخ
• و نسبه بعض الفحول الى العيص بن القاسم و تبعه بعض المشايخ و لم يعلم له وجه- بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضرّني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر؟ فقال (عليه السلام): فاخرج و أتم الصلاة و صم فإنّي قد رأيت القادسية الخبر» (1). و القادسيّة على خمسة فراسخ تقريبا من الكوفة. و مع كفاية التلفيق كما هو المنصوص و المشهور لا موجب للصيام و الإتمام إلّا عدم الرجوع ليومه كما هو المفروض في السؤال بحسب العادة.

و يندفع بانّ الموجب هو المرور بالملك و المنزل كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى و لذا أورد في موثقة ابن بكير بالإضافة إلى نفس القادسيّة الأمر بالقصر «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القادسيّة أخرج إليها أتمّ أم أقصر؟ قال (عليه السلام) و كم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال (عليه السلام): قصّر» (2)هذه جملة القول في أدلة العاملين باعتبار الرجوع ليومه، و قد عرفت حالها بالإضافة إلى نفسها و بالنسبة الى أخبار عرفات و نحوها.

و أمّا ما في كتاب الفقه (3)المنسوب الى مولانا الرضا (عليه السلام) من التخيير بين القصر و الإتمام مع عدم الرجوع ليومه كما هو المحكي عن المشهور بين المتقدّمين، فيجاب عنه. أولا: بعدم معلوميّة النسبة إليه (سلام اللّه عليه). و ثانيا:

بأقوائية سائر ما ورد عنهم (سلام اللّه عليهم) سندا و دلالة فيرد علمه إليه (صلوات اللّه عليه).


1) الوسائل، ج 5، ص 521، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 التهذيب، ج 1، ص 222 باب حكم المسافر و المريض في الصيام، الحديث 24.

2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

3) فقه الرضا، ص 161.

الأمر الرابع [لا فرق في المسافة بين الاستقامة و الاستدارة]

كما لا فرق في المسافة بين الامتداد و التلفيق كذلك لا فرق فيها بين الاستقامة و لاستدارة لإطلاق الأدلة.

نعم ينبغي التكلم في أمرين: أحدهما: تحقيق مناط البعد، هل هو خلط السير أو قطر الدائرة؟ و ثانيهما: تحقيق الذهاب و الإياب في الحركة المستديرة و إنهما يتبعان الوصول الى المقصد و الخروج عنه أو الوصول إلى النقطة المسامتة لمبدء الحركة و هو رأس القطر و التجاوز عنه.

و قد ذكر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1)صورا ثلاثة:

إحداها: ما إذا لم يقصد المسافر إلّا طيّ المسافة المستديرة، فحكم بانّ مناط البعد هو قطر الدائرة دون خط الحركة على محيط الدائرة، و إنّ الحركة على أحد القوسين ذهابية و على الآخر إيابية.

و ثانيتها: ما إذا كان له مقصد على رأس القطر، أو على نصف القوس، فحكم بأنّ مناط البعد هو خط الحركة دون قطر الدائرة، و إنّ الحركة إلى المقصد ذهابية، و إنّ الحركة بعد الخروج إيابيّة سواء كان في قوس الحركة الذهابيّة أو في القوس الآخر.

و ثالثتها: ما إذا كان له مقاصد متعددة فجعل خطّ الحركة مناط البعد دون القطر و استظهر أنّ الحركة إلى آخر المقاصد كلّها ذهابية و إن كان قريبا من مبدء الحركة.

و تحقيق المقام: امّا في الصورة الأولى فنظر الشيخ (قدّس سرّه) في جعل قطر الدائرة مناطا للبعد ليس توهّم أن الحركة المستديرة يقتضي جعل قطرها مناطا، كيف و قد حكم بخلافه في الصورتين الأخيرتين، و لم يتوهّم و لا يتوهّم أحد أنّ أقصر


1) في صلاة المسافر صفحة 412.

الخطوط هو مناط بين البلد و المقصد و هو هنا قطر الدائرة، كيف و الكل ذهبوا إلى حصول المسافة بسلوك الطريق الا بعد إذا كان طريقان للبلد، بل نظره (قدّس سرّه) الى أنّ الشخص ليس له في هذه الصورة مقصد يلاحظ بعده عن البلد، و لا منتهى الحركة مقصده لأنّه عين مبدء الحركة، فلا يعقل أن تكون حركته لأجل الكون في مبدء الحركة لحصوله قبل الحركة، بل نفس الحركة على وجه الاستدارة مقصودة، ففرضه المرور على قطر الدائرة و هو بعدها على وجه الاستدارة، فمروره الأول على القطر ذهاب، و مروره الثاني على ما يحاذي الأول إياب.

و يندفع بأنّ لزوم المقصد من قرية أو ضيعة و نحوهما بلا ملزم، بل المسافرة يتحقق بالحركة بمقدار ثمانية فراسخ و طبع الحركة يقتضي ما منه الحركة و ما إليه الحركة، غاية الأمر إن ما إليه الحركة في الحركة المستقيمة غير ما منه الحركة، و في الحركة المستديرة متّحد مع ما منه الحركة.

نعم الفرض تارة يتعلّق بالوصول إلى ما إليه الحركة كما في الحركة المستقيمة غالبا، و أخرى يتعلّق بنفس الحركة المستديرة، كما إذا أراد مساحة الأرض بنحو الاستدارة ليحدث فيها بستانا أو قرية محيطها كذا و كذا فرسخا و تفاوت الأغراض لا يوجب تفاوتا في ناحية الحركة المستقيمة و المستديرة، و لا فيما إذا كان على أحد قوسي المستديرة مقصد أولا.

و مما ذكرنا يتبيّن إنّ مقدار الحركة المعتبرة شرعا يلاحظ دائما بالنسبة إلى نفس خط السير، مستقيما كان أو مستديرا، لا الى قطر الدائرة فيما إذا لم يقصد محلا مخصوصا على أطراف الخط المستدير.

و يتفرع على سقوط قطر الدائرة عن كونه مناطا للبعد المعتبر في المسافة شرعا: إنّ الحركة في هذه الصورة كلها ذهابية إذ لم يقصد النقطة المسامتة لنقطة المبدء حتى يكون التجاوز عنها إيابا و رجوعا، بل قصد السير المنتهي الى مبدء الحركة لفرض قصد الحركة اليه بنحو الاستدارة، فالحركة بين المبدء و المنتهى المقصودة بالذات ذهاب لا إياب له. و عليه فاذا كان مجموع محيط الدائرة تسعة فراسخ كانت المسافة المعتبرة متحققة بلا تلفيق حتى يعتبر فيها الرجوع ليومه على القول به، و إن كان قطر

الدائرة ثلاثة فراسخ و هو ثلث المحيط.

و أمّا الصورة الثانية: و هي ما إذا كان له مقصد على رأس قطر الدائرة فلا إشكال في أنّ خط السير هو مناط البعد من البلد الى المقصد كما لا إشكال في أنّ التجاوز عن رأس القطر رجوع و إياب. ففي المثال المتقدّم يبتني على التلفيق و الرجوع ليومه. إنّما الإشكال في أنّ المقصد إذا كان في نصف القوس فهل يتمم بالباقي من القوس، حتى تكون الحركة على القوس كلّه حركة ذهابيّة فتتحقق المسافة المعتبرة بنحو التلفيق المسلّم، أو تكون الحركة الذهابية مقصورة على الحركة إلى المقصد و هي أقلّ من أربعة فراسخ، فلا يتحقق التلفيق من أربعة ذهابية و أربعة إيابية؟.

و مبني المسألة على أنّ الإياب لا يتحقق إلّا بالمرور على ما يحاذي خط الذهاب ليكون مرورا ثانيا، أو يتحقق بمجرد التجاوز عن المقصد بأي وجه اتفق، و أمّا أنّ صورة السير بعد المقصد صورة الذهاب، و لذا يتوهّم أنّ الوصول الى رأس الدائرة و النقطة المسامتة لنقطة المبدأ مقصد ثان، فلا يجدي شيئا بعد سقوط قطر الدائرة عن كونه ملاكا للبعد من البلد، و بعد كون جميع أجزاء الحركة مقصودة، و جميع الوصولات الى حدود المسافة مقصودة، إلّا أنّه أجنبي عن المقصد في قبال بلد الحركة، و عن البعد الملحوظ بين المبدأ و المقصد.

و التحقيق في المبنى هو الثاني، و هو أنّ الخروج عن المقصد بقصد السير الى البلد رجوع الى بلده، و لذا لو سار بخط مستقيم من بلده الى مقصده ثم عاد من مقصده الى بلده بنحو التربيع فان السير في الخط الفوقاني و التحتاني ليس مرورا على ما يحاذي خط الذهاب فلا بدّ من أن لا يكون إيابا، و الالتزام به في الخط الفوقاني بجعله ذهابا إن أمكن. لكنه لا يمكن في الخط التحتاني فإنّه ذهاب محض الى بلده، و الذهاب الى البلد بعد الذهاب منه رجوع و إياب جزما.

و بالجملة الظاهر كما يحكم به العرف على ما أفاده الشيخ الأجل (1)(قدّس


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري ص 413.

سرّه) إنّ الحركة من المقصد الى المنزل رجوع اليه.

و منه يتبين حال الصورة الثالثة، و أنّ الحركة من المنزل الى مقاصد متعددة حركة ذهابية، و إن كان بعض المقاصد واقعا على طرف القوس التالي من قوسي الدائرة، و كون صورته الرجوع الى المنزل لا اعتبار به بعد سقوط قطر الدائرة عن الاعتبار، فلا عبرة بصورة الذهاب في الفرض المتقدّم، كما لا عبرة بصورة الرجوع في هذا الفرض.

لا يقال: إذا كان الذهاب و الإياب قصديّا أمكن دعوى أنّ السير إلى النقطة المسامتة لنقطة المبدأ بقصد الرجوع و بعنوانه و إن كان أمرا واقعيّا، فلا مجال لجعله رجوعا مع كونه كسابقه من التوجّه إلى النقطة المسامتة، و كذا الأمر في التجاوز عن النقطة المسامتة فإنّه إنّما يكون ذهابا إذا قصد عنوانه، و إلّا فهو توجّه إلى مبدء الحركة و هو الرجوع.

لأنا نقول: ليس المناط في ما اخترناه قصديّة الذهاب و الإياب، بل ملاكه أن البعد المعتبر شرعا قد اعتبر بين المنزل و المقصد. فالحركة نحو المقصد ذهاب واقعا و إن لم يقصد عنوانه، و الحركة منه و التوجه الى المنزل تربيعا أو استدارة رجوع و إياب عن المقصد، و قد عرفت أنّه لا فرق في المقصد بين أن يكون في طرف القوس الأول أو القوس الثاني.

الأمر الخامس إذا كان للبلد طريقان أحدهما أبعد يبلغ المسافة،

و الآخر أقرب لا يبلغ المسافة، فلا إشكال- على المشهور- في جواز سلوك الأبعد خلافا للقاضي (1)(رحمه اللّه) «فلم يجوّزه نظرا إلى أنّه كاللاهي بسفره» (2).

و توضيح المقام: إنّ اللهو تارة في قبال ما ليس فيه غرض عقلائي، و أخرى يراد


1) المهذب: ج 1، ص 107 و ظاهر عبارته في الجواهر التقصير مطلقا. جواهر الفقه المطبوع في ضمن الجوامع الفقهية ص 414.

2) كما نسبه اليه المدارك في ص 277.

به الباطل في قبال الحقّ، فإن أريد به الأول فلا واسطة بين الفرض العقلائي و غيره، فلا محالة ما كان فيه غرض عقلائي ليس بلهو، و ما لم يكن فيه غرض عقلائي بل غرض شخصي فهو لهو، و إلّا فالفعل الاختياري لا يصدر عن غير داع و غرض، و عليه فاذا فرض أنّ الأغراض العقلائيّة مترتبة على الرخصة في التقصير فلا محالة يرد محذور أخذ الرخصة في موضوع نفسها، فيرد إمّا الدّور كما هو المشهور في نظائره، و إمّا محذور الخلف من تأخّر المتقدمة بالطبع و تقدّم المتأخر بالطبع كما هو التحقيق.

فما أفاده بعض الأعلام (قدّس سرّه): «من أن قد يتعلّق غرض صحيح عقلائي بنفس الرخصة في قصر الصلاة و ترك الصيام، كما ربما يتّفق ذلك في شهر رمضان لمن يشق عليه الصيام أو يخاف من ضرره، أو يقصد التخلص من صوم يوم يظن كونه عيدا» فغير وجيه على هذا الوجه، إذ لا يندفع عنه المشقة و الضرر و صوم العيد إلّا إذا كان مرخصا في سفره. فكيف يعقل أن يناط بها الرخصة في سفره؟

و بالجملة السفر بهذه الأغراض و إن لم يكن لهوا إلّا أنّ السفر بها لا يعقل أن يكون محكوما بالرخصة. و إن أريد به الثاني، فالسفر المحكوم بالإتمام الموصوف بكونه باطلا كالسفر للتنزه بالاصطياد في قبال التكسب به فالسفر الخالي عن مثله محكوم بالقصر و يترتب عليه تلك الأغراض الصحيحة، و ليس المراد بالحق أن يترتّب عليه عنوان راجح، بل مجرد عدم كونه باطلا، فالسفر لمجرد الفرار عن الصوم و لو لا بتلك العناوين المزبورة سفر غير لهوي، و يترتب عليه التقصير.

و الظاهر أنّ المراد باللهو كما يساعده الأخبار الآتية- في محلها- هو الباطل المقابل للحق، لا الخالي عن الغرض العقلائي. كيف و جملة من الأغراض المتداولة كالتصيّد للتنزه من الأغراض العقلائيّة إلّا أنّ المؤمن في شغل من ذلك كما في الخبر (1).


1) مستدرك الوسائل ج 1، ص 502، الباب 7 ان من خرج الى الصيد. الحديث 1.

الأمر السادس [في ثبوت المسافة]

تثبت المسافة التي تكلّمنا فيها بالعلم و بالبينة، على ما هو المعروف بل المجمع عليه، و إن كان يناقش في النص على حجّيتها عموما في غير مورد النزاع، و حكم الحاكم مطلقا كما حكي عن ذخيرة المحقق السبزواري (1)(قدّس سرّه) و قد صدقه صاحب الحدائق (2)(رحمه اللّه) في دعوى عدم ورود النصّ على الكلّيّة. إلّا أنّ رواية مسعدة بن صدقة المعروفة الواردة في الكافي و التهذيب، في ذيلها: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة» (3)مضافا الى ورود الدليل على اعتبارها في موارد خاصة بحيث يستفاد منها المفروغية عن حجيتها في نفسها كما في ما ورد في الجبن الذي يحتمل فيه الميتة حيث قال (عليه السلام): «حتى يجيئك شاهدان يشهدان إنّ فيه الميتة» (4)، فإن مورد السؤال و إن كان هو الجبن إلّا أنّ قوله (عليه السلام) في الجواب: «كلّ شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان بان فيه ميتة» (5)، يراد منه يشهدان بحرمته موضوعا و إلّا فلا يمكن أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء لك حلال» (6)كل جبن لك حلال. و كذا ما ورد في باب العدالة بقوله (عليه السلام): «من لم تره بعينك يرتكب معصية و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر و العدالة» (7)فإن ظاهره المفروغيّة عن اعتبار شهادة الشاهدين لا أنّ الفسق ذا خصوصيّة مقتضية


1) ذخيرة المعاد ص 407.

2) الحدائق، ج 11، ص 309.

3) الوسائل: ج 12، ص 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. فروع الكافي، ج 5، ص 313، كتاب ال باب النوادر، الحديث 40، التهذيب ج 7، ص 226 كتاب التجارة، باب من الزيادات، الحديث 9.و فيها: «يستبين لك غير ذلك أو.».

4) الوسائل، ج 17، ص 91، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

5) نفس المصدر السابق.

6) نفس المصدر السابق.

7) الوسائل، ج 18، ص 292، الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 13 مع اختلاف يسير.

لاعتبار البينة عليه، و كذا ما ورد في باب ثبوت الهلال و لو في غير مورد حكم الحاكم كقوله (عليه السلام): «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو تشهد عليه بيّنة عدل من المسلمين» (1)و في آخر: «فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه إلخ» (2)نعم مثل قوله (عليه السلام): «لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (3)بحمل إرادة حكمه (عليه السلام) بالهلال بشهادة العدلين. الى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع بحيث تطمئن النفس بإلغاء خصوصيات الموارد هذا.

و أمّا ثبوتها بإخبار عدل واحد، أو اخبار الثقة فمورد التأمّل و الاشكال لعموم آية النبإ (4)الواردة في الموضوع، و لسيرة العقلاء التي هي العمدة في حجيّة خبر الثقة.

و من الواضح أنّ العقلاء بحسب بنائهم العملي لا يفرّقون بين الحكم و الموضوع، و يؤكّده اعتبار خبر الثقة في الموضوعات في موارد.

منها: ما ورد في الاخبار بعزل الوكيل كقوله (عليه السلام): «و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه» (5)الخبر.

و منها: ما ورد في الاخبار بالوصية حيث قال الراوي: «فأتاني رجل مسلم صادق فقال ..» (6)الى آخر الخبر المروي في الوسائل في آخر كتاب الوصية.

و منها: ما ورد في باب استبراء الأمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، «في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول: إنّي لم أطأها فقال (عليه السلام): إن وثق به فلا بأس أن يأتيها» (7)و في آخر: «إن كان عندك أمينا فمسّها» (8). و من تقييد القبول بالوثاقة و الأمانة يعلم أنّه بما هو خبر الثقة حجة، لا بما هو إخبار ذي


1) الوسائل: ج 7، ص 191، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

2) الوسائل: ج 7، ص 183، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7.

3) الوسائل: ج 7، ص 207، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

4) الحجرات: 6.

5) الوسائل: ج 13، ص 286، الباب 2 من أبواب أحكام الوكالة، الحديث 1.

6) الوسائل: ج 13، ص 482، الباب 97 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.

7) الوسائل: ج 13، ص 38 الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

8) الوسائل: ج 13، ص 39 الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 3.

اليد، و إلّا لما كان وجه للتقييد في الجواب.

و منها: ما ورد في باب الوقت باعتبار أذان الثقة (1)و لعلّ المتتبع يقف على غير هذه الموارد المسطورة أيضا هذا.

و للمانع عن اعتباره في الموضوعات حصر الطريق في البيّنة في رواية الجبن و رواية مسعدة بن صدقة فيكون ردعا عن بناء العقلاء في الموضوعات و تقييد الإطلاق أنّه البناء من حيث التعدد فيها.

و ربما يجاب عن الروايتين بأنّ الحصر في البيّنة لخصوصيّة المورد من حيث فرض اليد فيها، فلا يرفع اليد عنها إلّا بالبيّنة لا بمطلق الحجة و هو في خبر الجبن لاستيلاء بايعه عليه، و في رواية مسعدة بالإضافة الى الثوب المشترى و المملوك المشترى، لاستيلاء بايعهما عليه وجيه، بخلاف الزوجة فإنه لا استيلاء لأحد عليها بحيث يكون استيلاء ملكيا. و ملك الانتفاع لو كان كافيا فهو للزوج، و الكلام في صحة الشراء و صحة التزويج مع الشكّ في كونها أخته من الرضاعة مثلا.

لا يقال: كما أنّ ملك المشتري للثوب و المملوك مستند إلى اشترائه لا الى يده، كذلك ملك البائع غير مفروض الاستناد الى يده فلا مانع من الأخذ بالكلية.

لأنّا نقول: لا بدّ من كون ملك البائع مستندا الى يده فإنّه لو لا اليد لكان ملكه، إمّا بعلم المشتري- و المفروض احتمال السرقة مثلا- و إمّا بقيام البيّنة عند المشتري و مثلها لا يرفع اليد عنها بمجرد قيام البيّنة على خلافها، فيعلم من الأخذ بالبيّنة بمجرد قيامها على أنّه سرقه، أنّ الملك مستند الى اليد، فإنها التي لا تقاوم البيّنة.

و بالجملة فرفع اليد عن ذيل رواية مسعدة الحاصرة في العلم و البينة مشكل جدا إلّا باستفادة الكلية من موارد اعتبار خبر الثقة المتقدمة ليكون مخصصا لتلك الكلية الحاصرة في العلم و البيّنة. و أمّا إدراج خبر الثقة في الاستبانة بجعلها أعم من العلم و العمي مع مقابلتها بالبيّنة التي هي طريق علمي فأشكل، فالاحتياط في المقام بالجمع لا يترك.

و امّا ثبوت المسافة بالشياع الظني بإخبار جماعة يفيد الظن بالمسافة، فعن الشيخ


1) الوسائل: ج 4، ص 618، الباب 3 باب جواز التعويل في دخول الوقت على أذان الثقة.

الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة: «إنّ الأظهر اعتبار الشياع هنا و إن احتمل منعه بناء على الأصل» (1)انتهى.

و ربما يقال بأن الظن الحاصل منه أقوى مما تفيده البينة، إلّا أنّ الدليل على اعتبار الشياع مقصور على غير ما نحن فيه و هو قوله (عليه السلام): «خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم، أو ظاهر الحال: الولايات و المناكح و الذبائح و المواريث و الشهادات» (2)الخبر، و لم يعلم أن حجية البينة شرعا لإفادتها الظن حتى يتمسك بالأولوية، و قوله (قدّس سرّه): «اعتبار الشياع هنا»، يشعر بخصوصية للمقام و لعلّه بملاحظة أنّ المسافات و الأماكن يكفي فيها الشياع، كما ورد في باب المواقيت في الحج حيث قال (عليه السلام): «يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس و الاعراب عن ذلك» (3)و كما ورد في السعي في وادي محسّر حيث قال (عليه السلام): في جواب ابنه «لا أعرفه سل الناس» (4).

و الإنصاف: أنّ الشياع المفيد للوثوق في أمثال هذه المقامات هو الطريق المتعارف لمعرفتها و الاحتياط لا يترك.

الأمر السابع [في وجوب الفحص على الشاك في المسافة و عدمه]

هل الشاك في المسافة يجب عليه الفحص حتى يتمكن من إجراء الأصل الذي يقتضيه المقام؟ أو لا يجب عليه الفحص لكون الشبهة موضوعية؟

و المعروف فيها، جواز إجراء الأصل قبل الفحص، أو فرق بين الشبهة الموضوعية الوجوبية و التحريمية، كما يظهر من الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (5)بالفحص في الأولى دون الثانية. و العمدة في وجه المنع عن إجراء إلزامه


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 390.

2) الوسائل: ج 18، ص 290، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 3 مع اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 8، ص 228، الباب 5 من أبواب المواقيت حديث 1.

4) الوسائل: ج 10، ص 47، الباب 14 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

5) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 390.

عقلا و نقلا قبل الفحص، الخدشة في الدليل العقلي. و دعوى الانصراف في الدليل النقلي.

أمّا الأول: فبملاحظة أنّ وجود الحجة واقعا إذا كان بحيث يصل إذا تفحّص عنه كاف في تمامية الحجة و قطع عذر العبد. فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان غير محرز قبل الفحص لاحتمال البيان المصحح للعقوبة. و الوجه في صلوحه لقطع العذر، إنّ الوصول الذي معه يكون مخالفة التكليف ظلما على المولى، فيستحق به العقوبة، هو وصوله العادي، و هو قهرا متقوّم بمقدار من الفحص عادة، إذ ما كان له طريق متعارف لا يصل قهرا إلّا بمقدار متعارف من الفحص.

و أمّا الثاني: فلما قيل من انصراف لفظ الشكّ و عدم العلم عن مورد يمكن فيه تحصيل العلم بالفحص العادي، بل إذا أريد من العلم الحجة القاطعة للعذر، كان حال الدليل النقلي حال العقلي.

و التحقيق: إنّ التكليف حقيقيّا كان أو طريقيّا متقوم بالوصول، و كونه بحيث إذا تفحّص عنه لوصل، لا يحقق إلّا إمكان الوصول، لا فعلية الوصول. فالتكليف الواقعي الذي عليه طريق واقعي لا يقبل الباعثيّة فعلا، و إنّما يمكن باعثيّة التكليف بإمكان الفحص عن طريقه. و كذا التكليف الطريقي الذي لا أثر له إلّا إيصال الواقع أو تنجيزه، فإنّه مع عدم وصوله فعلا كيف يكون إيصالا للواقع بالفرض أو منجزا له.

نعم ربما يكون الطريق بحدّ يعدّ واصلا، نظير المرتكزات في النفس، فإنّها و إن لم تكن معلومة تفصيلا بالفعل، بل إنّما يتفصّل بالتوجه و التأمل في ما في خزانة النفس لكنّه لا يعد مثله جاهلا بالمسألة، بل غافلا عن علمه بها. فكذا من كانت عنده بيّنة يمكنه السؤال عنها فإنّ مثله لا يعدّ فاقدا للطريق، و هكذا في نظائره من الطرق المعلومة بأدنى توجه و فحص. و أمّا في غير ذلك مما يحتاج حقيقة إلى الفحص و البحث حتى يظفر بالطريق لو كان، فلا ملزم به مع عدم وصول الواقع بوصول طريقه حقيقة. و منه يتضح أنّ إطلاق الأدلة النقلية إنّما ينصرف عن مثله لا عن ما يحتاج الى فحص و بحث بالغ حقيقة. و بقية الكلام في الأصول.

و أمّا الاستناد الى العلم الإجمالي بأحد الأمرين من القصر و الإتمام في وجوب الفحص و المنع عن إجراء الأصل قبل الفحص، فغير معقول لتوقف تأثير العلم الإجمالي في التنجير على عدم انحلاله بأصل غير معارض فلا يعقل أن يمنع عن جريانه، فإنّ هذا المعنى متساوي النسبة الى ما قبل الفحص و بعده لو لا دليل آخر على عدم جريان الأصل قبل الفحص. كما أنّ الاستناد إلى أدلة الحرج فيما إذا كان الفحص حرجيا إنّما يصح إذا كان وجوب الفحص شرعيا لا ما إذا كان عقليا، أو لقصور في دليل البراءة عقلا أو نقلا، فتدبر.

الأمر الثامن [في الشاك في المسافة مع عدم الطريق]

هل الشاك في المسافة مع عدم الطريق تكليفه الجمع بين القصر و الإتمام للعلم الإجمالي؟ أو هناك أصل يقتضي تعين الإتمام فينحل العلم الإجمالي؟

لا شبهة في أنّ المسافة المشكوكة لا أصل فيها بحيث يعيّن بلوغها الثمانية أو عدم بلوغها كما أنّه لا أصل يعيّن أنّ قصدها قصد المسافة الشرعية أولا، إلّا أنّه لا حاجة الى شي‌ء منها في نفي القصر و إثبات الإتمام حتى بعنوان الشك في رافعية القصد الموجود، و أنّه مجرى الأصل كالشك في وجود الرافع، مع أنّ رفع الرافعية بالأصل لا يكون إلّا بنحو العدم المحمولي، و بنحو السالبة بانتفاء الموضوع الذي هو محل الكلام، و مورد النقض و الإبرام.

بل التحقيق أن يقال: إنّ عمومات التكليف بالإتمام المخصصة بما عدا المسافر لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثة: إمّا أن يكون التخصيص موجبا لإخراج عنوان المسافر منها من دون أن يوجب تعنون العام بعنوان وجودي أو عدمي- كما عليه شيخنا الأستاذ (1)(قدّس سرّه)- و مجرد تردد المشكوك بين الداخل تحت العام و الخارج عنه هو المانع عن الاستدلال به. و إمّا أن يكون التخصيص موجبا لتعنونه بعنوان


1) في كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 725 تحت عنوان الثالث يشترط في التقصير العلم بالمسافة.

عدمي، و هو من لم يكن مسافرا. و إمّا أن يكون موجبا لتعنونه بعنوان وجودي، و هو كونه حاضرا، الذي هو ضد عنوان المسافر. و على أيّ حال فمقتضى الأصل هو الإتمام لليقين بعدم كونه مسافرا قبل قصد هذه المسافة المشكوكة و الآن كما كان، و لليقين بكونه حاضرا قبل هذا القصد و الآن كما كان، فيتعبّد بحكمه و هو الإتمام.

نعم بين العنوان العدمي و الوجودي فرق، و هو إنّ التعبد بعدم كونه مسافرا، كما إنّه تعبّد بعدم موضوع القصر كذلك تعبّد بما هو عنوان للعام، فكما ينفي به وجوب القصر كذلك يثبت به وجوب الإتمام تعبّدا، بخلاف ما إذا كان العام معنونا بعنوان وجودي، فإنّ نفي موضوع القصر لا يوجب إثبات موضوع الإتمام إلّا بناء على الأصل المثبت، فلا بد من إثبات موضوع التمام بإجراء الأصل فيه. و أمّا نفي وجوب القصر بعد إجراء الأصل في موضوع الإتمام فلا حاجة فيه إلى إجراء الأصل الموضوعي، لأنّ نفس وجوب الإتمام تعبدا يمنع عن فعلية ضده، فوجوب القصر فعلا محال بعد فرض المضادّة شرعا بين وجوب الإتمام و وجوب القصر على مكلف واحد في وقت واحد. فلا حاجة الى التّعبّد بنفيه، و لو بنفي موضوعه. و هذا المعنى غير جار في طرف التّعبّد بعدم وجوب القصر ليكون لازمه وجوب الإتمام فعلا، لأنّ لازم كونهما متضادّين عدم اجتماعهما لا عدم ارتفاعهما، و الإجماع على الملازمة إنّما هو بالإضافة إلى الواقع، و إنّه لا يخلو الواقع عن أحد أمرين: وجوب القصر، أو وجوب الإتمام، لا في مقام التعبد مع عدم وجوب ملاكه، و مع وجود ملاكه لا حاجة فيه الى الإجماع على الملازمة، بل يجري الأصل الموضوعي في كليهما.

فتدبره جيدا. و من جميع ما ذكرنا تبيّن جريان الأصل على أيّ حال، فينحل العلم الإجمالي المقتضي للجمع. هذا تمام الكلام في بيان المسافة، و ما يختص بها من الأحكام.

[في أحكام قصد المسافة]

اشارة

و أمّا قصدها المتأخّر عنها طبعا و لذا أخّرنا البحث عنه. فتحقيق الحال فيما يتعلق به ببيان أمور

الأمر الأول في أصل اعتبار القصد،

في قبال مجرد سير ثمانية فراسخ من دون تعلّق القصد الكلي بها أوّلا و إن صدرت جزئيات السير بالإرادة، و ما يدل عليه صريحا مرسلة صفوان المنجبرة بعمل المشهور «قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى يبلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ، أ يفطر إذا أريد الرجوع و يقصّر؟ قال (عليه السلام): لا يقصّر و لا يفطر لأنّه خرج من منزله، و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق، فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا الخبر» (1)و هو صريح في دخل قصد المسافة، و أنّه مع عدمه لا تقصير و أنّه حيث لم يقصد لا يقصّر لا أنّه حيث إنّه لم يقطع المسافة لا يقصّر لفرض قطع المسافة تلفيقا. و يمكن استفادة اعتباره من موثقتي عمّار المتقدمتين (2)في مسألة الرجوع ليومه كما قرّبناه هناك فراجع.

و أمّا ما استند اليه العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (3)من رواية منتظر الرفقة (4)و صحيحة أبي ولاد (5)فمبنيّ على استفادة اعتبار القصد الذي هو شرط آخر فيدل بالملازمة على اعتبار حدوثه. و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى الكلام فيهما.

و أمّا ما عن العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة «من أنّ للمسافة التي هي شرط تأثيرا في العبادات فيعتبر فيها النيّة كما في العبادات» (6)فهو وجه اعتباري لا


1) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 1. مع اختلاف يسير.

2) صفحة 50 و 52. من الاستنساخ.

3) صفحة 392.

4) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

5) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

6) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

اعتبار به، لأنّ شرائط الواجب لا يجب أن تكون عن قصد، كما في التستّر في الصلاة، و الاستقبال فيها فضلا عن شرائط التكليف فتدبّر.

الأمر الثاني [في المراد بقصد المسافة]

هل المراد بقصد المسافة هو العزم و الإرادة الكلية التي تنبعث منها الإرادات الجزئيّة، المحرّكة للعضلات نحو قطع المسافة، أو الأعم منه و من الجزم بحصول قطع المسافة كالأسير الذي يعرف المقصد و لا قصد له؟ و ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه): عموم الفتوى باعتبار القصد، و إن إطلاق الحكم بالقصر على المكره محمول على غير مسلوب القصد. و ظاهر بعض أعلام العصر (قدّس سرّه) في مصباحه: «دعوى التسالم على القصر في الأسير الذي عرف المقصد، و علم أنّهم يسيرون به لا محالة، مع أنّه لا قصد له على السير و لا على متابعتهم.

و دعوى أنّ قصد المسافة كقصد الإقامة، فإنّه ليس المراد منه القصد الحقيقي» (2).

و ظاهر الفاضل النراقي (3)(قدّس سرّه): الإجماع على القصر في الأسير المسلوب منه القصد مع معرفة المقصد و الظاهر أنّ الحق في فتوى الجماعة مع الشيخ الأجل (قدّس سرّه) فهذا العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة (4)صرح بعدم التقصير و إن عرف المقصد. قال (قدّس سرّه): «الأسير في أيدي المشركين إن عرف المقصد و قصده ترخص و إن عزم على الحرب متى قدر على التخلص، لم يترخص و لو لم يعرف المقصد لم يترخص في الحال لعدم علمه بالمسافة، و إن ساروا به المسافة لم يقصّر إلّا في الرجوع». انتهى.

فإنّه (قدّس سرّه) لم يكتف بمجرد معرفة المقصد، و أمّا كفاية اليقين بالإقامة من دون قصدها فسيأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى.


1) كتاب الصلاة: ص 391.

2) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: ص 733.

3) مستند الشيعة: ج 1، ص 563.

4) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

و ربما يستدل بإطلاقات أدلة المسافة من أن التقصير «في بريدين أو بياض يوم» (1)، خرج منها ما إذا لم يكن جزم و عزم فإنه المتيقن و بقي الباقي تحتها، و كذلك ربما يستدل بإطلاق قوله (عليه السلام): «الفريضة في السفر ركعتان» (2).

و يندفع بانصرافها الى ما هو المتعارف من قطع المسافة من قصد و عزم، مع أن الاولى غير مسوقة إلّا لبيان تحديد المسافة المعتبرة، مع أن الإطلاقات غير متقيّدة بمقيّد لبّي، أو مجمل دائر بين الأكثر و الأقل ليؤخذ في تقييدها بالمتيقن، بل مقيدة بمثل «لا يريد» في مرسلة صفوان (3)الظاهر في الإرادة التي هي غير العلم و الجزم مفهوما و مصداقا. فلا مجال للتمسك بالإطلاقات، و لا أظن كما قيل بالإجماع على وجوب القصر. فالمسألة من حيث ملاحظة أدلتها واضحة، إلّا أنّها من حيث دعوى التسالم و الإجماع على طرفي النقيض مشكلة، و الاحتياط بالجمع لا ينبغي تركه.

و لا يخفى عليك أن موضوع المسألة هو الأسير الذي لا يتمكن من الهرب من أيدي المشركين- مثلا- كما قيده به بعض الأعلام (قدّس سرّه) لان من يتمكن من الهرب منهم، و من ترك المسير معهم فالمسير معهم بترك الهرب المقدور مقدور، فلا يمكن صدور أحدهما منه إلّا بالاختيار. فالمسير الى المقصد المعلوم لا محالة عن قصد، و إن لم يكن عن طيب طبعي كما في المكره. و حيث إن موضوع البحث هو مسلوب القصد الذي لا يكون قابلًا للقصد، فيمكن المناشقة في إطلاق الفتاوى باعتبار القصد، فإنه لا معنى لاعتبار القصد إلّا فيمن يتمكن منه و لم يقصد طي المسافة بتمامها، بل قصد السير شيئا فشيئا كما في طالب الآبق و الغريم، فالإطلاق مسوق لاعتبار القصد الكلي في قبال قصد المسافة شيئا فشيئا. و منه تنقدح الخدشة في الدليل المقيّد، بتقريب أنّ عدم الإرادة لوحظ في قبال الإرادة بنحو العدم


1) الوسائل: ج 5، ص 49، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

2) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير.

3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

و الملكة، لا بنحو السلب و الإيجاب. فعدم إرادة ثمانية فراسخ ممن له القابلية للإرادة في قبال ما فرضه السائل من إرادة طيّ المسافة شيئا فشيئا للحوق بصاحبه في الطريق.

و عليه فكما أنّ إطلاقات الفتاوى مخدوشة كذلك دلالة المقيد على التقييد بقول مطلق. و قد عرفت حال إطلاقات القصر أيضا. فمقتضي الأصل هو الإتمام، كما أنّ الأحوط الجمع كما عرفت.

الأمر الثالث لا فرق في القصد الذي هو ملاك القصر بين كونه بالاستقلال و كونه بالتبع

بأنحاء التبعيّة الاختيارية و الإكراهية و الواجبة و غيرها، إذ المفروض تحقق القصد من التابع، كما يتحقق من المتبوع، و إنّما الفرق بينهما في الغاية الموجبة للقصد، فما يوهم من كفاية قصد المتبوع عن قصد التابع في بعض الكلمات لا بدّ من تأويله، إذ كلّ منهما مكلف بالقصر المشروط بالقصد. و التبعية ليست ملاكا شرعيّا آخر للقصر، بل لا يعقل انفكاك قصد المتابعة على أي تقدير عن قصد قطع المسافة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

ثم إنّ التابع إذا علم قصد المتبوع للمسافة أو علم مقصده كفى كل منهما في قصده للمسافة الواقعية المحكوم على قاصدها بالقصر. و إن لم يعلم أحدهما و جهل القصد و المقصد فالمعروف أنه محكوم بالإتمام واقعا، معلّلين له بفقد الشرط و هو قصد المسافة الواقعية، أعني ما هو مسافة بالحمل الشائع.

و يمكن أن يقال: إن معرفة القصد أو المقصد لا تخلو إمّا أن يكون لتعلق القصد بثمانية فراسخ بعنوانها، و إمّا أن يكون لتعلق القصد إجمالا بالثمانية بالحمل الشائع، فإن كان الفرض هو الأول فاللازم عدم كفاية معرفة المقصد حتى في المتبوع فإنها بمجردها لا تحقق قصد الثمانية بعنوانها مع أنّ الظاهر منهم كفاية قصدها الإجمالي، مع أنّه لا موجب لجعل قطع المسافة من العناوين القصدية كعنوان التعظيم و نحوه، و إن كان الفرض هو الثاني فمعرفة المقصد لا موضوعية له، بل لتحقيق تعلق القصد

بالمسافة الواقعية.

و عليه فحيث إن المفروض في التابع إناطة قصده بقصد متبوعه واقعا فاذا كانت المسافة مقصودة للمتبوع تفصيلا أو إجمالا كانت مقصودة للتابع إجمالا، و المفروض كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا في المتبوع فليكن كذلك في التابع لتعين الواقع و تعلق القصد به. و ربما ينتقض بطالب الغريم و طالب الآبق كما في الجواهر (1).

و تقريبه: إن طالب الغريم يقصد اللحوق به في محله. فاذا فرض أنّ الغريم في رأس ثمانية فراسخ- مثلا- واقعا فقد تعلق قصده بقطع ثمانية فراسخ واقعا مع أنه لا قصر نصا و فتوى. فيعلم منه عدم كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا بهذا النحو.

و يندفع بأن الفارق بين ما نحن فيه و طالب الغريم هو أنّ الطالب للغريم ليس له قصد المسافة الواقعية منجّزا- و على أي تقدير- بل من عزمه بطبعه أنه متى وجده رجع. و لذا لو عين مكانه تفصيلا لكنه عزم على الرجوع إذا صادفه في طريقه لم يكن عزمه على قطع المسافة منجّزا. فكيف إذا تعيّن المقصد واقعا بخلاف ما نحن فيه فإنه قاصد عين ما قصده متبوعه منجّزا من دون تعليق و تقدير، غاية الأمر أنه لم يعلم بما قصده و بمقصده فيكون كما إذا عيّن المقصد و لم يعلم أنه مسافة شرعية أم لا.

فان قلت: أ ليس من المحتملات في حق المتبوع العزم على الرجوع في الأثناء منجزا أو معلّقا، فلا محالة يكون التابع قاصدا للرجوع إذا رجع متبوعه، أو قصد رجوعه فيكون عزم التابع تقديريا، و لا يخرج العزم التقديري عن التقديرية بعدم حصول المعلّق عليه واقعا، فحال قصد التابع حال قصد طالب الغريم و الآبق؟

قلت: حيث إنّ المفروض تمحّض قصد التابع في التبعية فلا يعقل استقلاله و تفرده بقصد أمر لم يقصده المتبوع. و عليه فمقتضى قصد التبعية إنه إذا كان المتبوع قاصدا للمسافة منجّزا، كان التابع كذلك فيجب عليهما القصر واقعا. و إذا كان قاصدا لما دون المسافة أو للمسافة معلّقا كان التابع كذلك، فلا يجب عليهما القصر


1) الجواهر: ج 14، ص 239.

واقعا. فتفرّد التابع بعزم تقديري أو تنجيزي خلف فتدبّره جيدا. إلّا أن ظاهر المشهور خلافه كما مر، و لم أظفر بمفت صريحا بكفاية القصد الإجمالي للتابع في القصر، و إن كان الظاهر من بعض الفروع من بعض أعلام السادة (قدّس سرّه) (1)ذلك.

ثم إنّه يتفرع على ما ذكرنا من الكفاية و عدمها على المشهور أمور:

منها: إنّه بناء على عدم الكفاية، حكم التابع واقعا هو وجوب الإتمام واقعا لفقد شرط القصر واقعا، فلا موجب للاستخبار من المتبوع، فإنه إنما يجب من حيث توقف إجراء الأصل على الفحص و حيث لا استناد الى الأصل فلا معنى للفحص بالاستخبار من المتبوع بخلاف ما إذا قلنا بالكفاية، فإن احتمال وجوب القصر واقعا باحتمال وجود شرطه واقعا قائم، فيجب الفحص حتى يتمكن من إجراء أصالة الإتمام ظاهرا. و عليه فما ذكره في الجواهر (2)و غيره في غيره من جريان الوجهين في الفحص عن الشبهة الموضوعية كما في مسألة الشك في مقدار المسافة المقصودة في غير محله، بعد اختياره صريحا لعدم كفاية القصد الإجمالي، و تصريحه بفقد شرط التقصير واقعا.

[و] منها: إنّه إذا لم يعلم التابع بقصد المتبوع و تبيّن في أثناء السير أنه قاصد للمسافة، فعلى الكفاية يحتسب مبدأ المسافة من مبدأ السير، و على عدمها يحتسب من حين معرفة القصد.

و منها: ما إذا اعتقد التابع أنّ المتبوع قاصد لما دون المسافة فقصده كذلك ثم تبين في الأثناء أنه قاصد للمسافة. فمقتضى الكفاية إنه من باب الخطاء في التطبيق لتعلق قصده واقعا من حيث تمحضه في التبعية بعين ما قصده واقعا و مقتضى عدمها إنّ الاعتبار بقصد المسافة من حين تبين الخطاء.

و العجب من بعض أعلام السادة (3)(قدّس سرّه) مع حكمه باعتبار العلم


1) الظاهر هو السيّد في العروة في مسألة 20 من فصل صلاة المسافر.

2) الجواهر: ج 14، ص 239.

3) ربما يكون صاحب العروة في مسألة 17 و 20 من مسائل فصل صلاة المسافر.

بقصد المتبوع واقعا، حكم هنا بكفاية القصد الإجمالي في وجوب القصر واقعا.

الأمر الرابع هل العلم بمفارقة المتبوع أو الظن بها أو احتمالها يمنع عن قصد التابع لقطع المسافة بتمامها؟

و هذا العنوان الذي تفرد به بعض أعلام السادة (1)(قدّس سرّه) في قبال الأمر الآتي و هو العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول أو مظنونه أو مشكوكه المعنون في كلمات القوم يحتمل أحد أمرين:

الأول: العلم بمفارقته للمتبوع اختيارا لموجب أقوى من موجب قطع المسافة بتمامها بناء على أن العلم ينفك عن العزم على المفارقة فعلا كما يظهر من صاحب الجواهر (2)في بعض كلماته في المقام.

و الثاني: العلم بمفارقة المتبوع قهرا.

أمّا الأول: فمع العلم بالمفارقة عن عزم لموجب أقوى من موجب العزم على قطع المسافة بتمامها لا يعقل انقداح العزم على قطع المسافة، لأنّه من المعلول بلا علة، لا من باب كون العزم اللاحق مناقضا للعزم السابق حتى يتخيّل أنّه من العلم بالناقض في المستقبل، أو يتخيّل أنه مناقض لاستمرار القصد لا لأصله، بل العزم بالفعل لا بد من تعلقه بقطع المسافة بتمامها، لا الى حال حصول موجب المفارقة، و مع فرض أقوائيّة موجب المفارقة لا موجب بالفعل لمثل هذا الموضوع.

و منه يظهر حال الظن بالمفارقة و احتمالها، فان الموجب للمفارقة على الفرض أقوى، فمع احتماله لا يؤثر احتمال الموجب الأضعف للتأثير فضلا عما إذا كان الموجب للمفارقة مظنونا، فإنه لو فرض هناك فعلان متضادان في عرض واحد و كان مصلحة أحدهما أقوى من مصلحة الآخر فلا محالة يؤثر احتمال ما فيه مصلحة أقوى دون ما فيه احتمال مصلحة أضعف، فضلا عمّا إذا كان الأقوى مظنونا


1) الظاهر صاحب العروة حيث ذكر حكم المفارقة و التعليق في مسألة 19 من مسائل صلاة المسافر.

2) الجواهر: ج 14، ص 237.

و الأضعف موهوما.

نعم ربما أمكن أن يقال: إن الموجب لقطع المسافة إن كان مظنونا و موجب المفارقة موهوما تتعارض قوة مقام الثبوت مع قوة مقام الإثبات، فلا يمكن الحكم بتّا بترجيح أحد الأمرين. و في مثله فالأحوط الجمع بين القصر و الإتمام.

و أمّا الثاني: و هو العلم بالمفارقة قهرا، أو الظن بها، أو احتمالها، ففي صورة العلم بوجود المانع القهري عن قطع المسافة لا موجب للعزم على المسافرة بالتبع، لأنّ موجبه إمّا التصديق العلمي أو الظني أو الاحتمالي، و مع عدمه بمراتبه لا يعقل انقداح العزم و القصد، و في صورة الظن بوجود المانع ليس إلّا التصديق الاحتمالي و هو كاف في الدعوة، فإنّه لا يجب أن يكون الداعي و الباعث على العزم خصوص التصديق العلمي، بل الظن و الاحتمال، بل الوهم كاف للدعوة، كما يظهر بمراجعة إقدامات العقلاء فإنّ احتمال الفائدة يدعوهم أحيانا كالعلم و الظن بها، بل الفائدة الموهومة إذا كانت لها أهميّة كافية في الباعثية. و الفرق بين الصورتين من العلم بالمفارقة أن مقتضيات العزم على قطع المسافة بتمامها في هذه الصورة محفوظة، و التصديق بها بمراتبه كاف في الدعوة بخلاف الصورة المتقدمة، فإن مقتضى العزم على طيّ المسافة على أي حال مغلوب لمقتضى العزم على المفارقة، فلا يجدي كفاية احتمال الفائدة في الدعوة مع احتمال فائدة أقوى في ضده.

الأمر الخامس هل العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول،

أو مظنونه أو محتمله، أو موهومة يمنع عن تحقق العزم على المتابعة و قطع المسافة المعتبرة شرعا أم لا؟

و تحقيقه إنّ العزم التعليقي إن كان بمعنى حصول العزم بعد تحقق المعلّق عليه المعلوم أو المظنون أو المحتمل فلا عزم أصلا على المفارقة فعلا في قبال العزم على المتابعة و قطع المسافة، فيدخل تحت العنوان المتقدم من العلم أو الظن بالمفارقة لفرض العلم أو الظن بحصول موجبها. و قد مرّ الكلام فيه. و إن كان بمعنى تعلق العزم الفعلي بالمفارقة عند العتق أو الطلاق فحينئذ لا فرق بين كون ذلك الأمر

المعلق عليه معلوما أو مظنونا أو محتملا أو موهوما، لأن العزم التعليقي بهذا المعنى لا يجامع العزم المنجز بالمتابعة و قطع المسافة بتمامها فيوجب تعليقية العزم على قطع المسافة جزما، و المفروض عدم كفاية العزم الغير المنجز في وجوب القصر، و إلّا لوجب على طالب الغريم الذي هو عازم على اللحوق بغريمه و لو بقطع مسافة أو مسافات. فالتفصيل بين مراتب المعلق عليه من حيث العلم بحصوله أو الظن به، أو احتماله لا يلائم التعليقية بهذا المعنى. و حيث إنّ الصحيح هي التعليقية بالمعنى الثاني ففي جميع الصور لا يجب القصر. نعم إذا قطع بعدم حصول المعلق عليه فلا معنى للعزم على المفارقة تعليقا من عاقل شاعر حتى ينافي العزم على المتابعة و قطع المسافة بتمامها.

الأمر السادس [في السير لا بقصد المسافة المعتبرة حتى بلوغ ثمانية فراسخ]

إذا سار لا بقصد المسافة المعتبرة، لا امتداية و لا تلفيقية حتى بلغ ثمانية فراسخ فقصد المسافة، فهل يكفي ضمّ مقدار من الذهاب إلى الإياب؟ بل إذا حصل قصد المسافة قبل حصول الثمانية فهل له ضم ما بقي من الذهاب إلى الإياب، بحيث يكون مجموعهما ثمانية فراسخ أم لا؟

لا ريب في كونه من جزئيات مسألة التلفيق المطلق، و لو لم يكن الذهاب أربعة و قد تقدم قوّته إلّا أنّه خلاف المشهور، بل ربما ادعى عليه، الإجماع، إلّا أنّه ربما يفصل بين ما إذا كان الرجوع بنفسه مسافة فله ضمّ مقدار من الذهاب، و ما إذا لم يكن بنفسه مسافة فلا يضم، كما حكي عن المحدث الكاشاني (1)(رحمه اللّه)، و مال إليه في الحدائق (2). و ما استند اليه المحدث المذكور: موثقتا عمّار (3)مدعيا أنّ إحداهما مبيّنة للأخرى. أمّا الموثقة المبيّنة فهي هكذا: «قال عمّار سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة و هو لا يريد السفر فيمضي في


1) الوافي: ج 2، ص 27، باب حدّ المسير الذي يقصر فيه.

2) الحدائق: ج 11، ص 331.

3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 و 3.

ذلك فيتمادى به المضي حتى يمضي ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال:

يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله» و ظاهرها إن تكليفه بعد بلوغ الثمانية القصر من حينه الى أن يرجع. لا من حين رجوعه، لعدم مناسبته لجعل الرجوع غاية، و لازمه القصر في ذلك الموضوع و في ذهابه و في إيابه.

و أمّا الموثقة الأخرى فهي هكذا: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك، ثم ينزل في ذلك الموضع، قال: (عليه السلام) لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة» (1). و الرواية و إن تضمنت حكم سير الأول و الثاني بإتمام الصلاة فيها كما اعترف به المحدث، إلّا أنه من حيث تعليق كونه مسافرا على قطع ثمانية فراسخ يدعى أنّه بقطعه هذه المسافة صار مسافرا بملاحظة ما في الموثقة المتقدمة الآمرة بالتقصير من حينه لا من حين الرجوع.

و الجواب عن الموثقة الأولى إن قطع المسافة التي تمادى به السير ليس بنفسه من موجبات القصر، بل من حيث إنه قاصد للرجوع، و المسافة ثمانية. و ظاهر السؤال أنه تمادى به السير و انتهى الى ذلك المحل، فما بعده مسافة الرجوع و هو سفر شرعي ابتدائي، يعتبر فيه كل ما يعتبر في المسافرة شرعا من الخروج عن حد الترخّص، و من عدم التلفيق بذهاب أقل من أربعة فراسخ فلا مجال للإطلاق أو جعل مبدأ التقصير حال بلوغ الثمانية، بل مبدأه الرجوع و الأخذ فيه الى أن يصل الى منزله، فليس المراد من قوله: «حتى يرجع»، حتى يأخذ في الرجوع، حتى ينافيه جعله غاية، لوضوح أن الحكم ينتهي بحصول الغاية، بل المراد من الرجوع الوصول الى المنزل، فلا يأبى عن كون مبدأ الأخذ في العود.

و منه تبين حال الموثقة الثانية فإن السؤال فيها حيث كان عن حال ما صدر من السير الأول و الثاني، لا من تكليفه فعلا كما هو كذلك في الموثقة الاولى فلا محالة


1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

يراد من الجواب أن ما صدر منه من السير مجموعا و إن كان أزيد من الثمانية، إلّا أنّه لا يجدي إلّا مع قصدها من الأول المفقود في مفروض السؤال. فتعليق المسافة الشرعيّة على قطع الثمانية يراد منه ذلك، لا أنّ قطع الثمانية خارجا يوجب صيرورته مسافرا فيما بعدها قهرا لقصد العود، فاذا صار مسافرا من حيث قصده للعود قهرا لا مانع من ضم مقدار من الذهاب، فإنه مسافر شرعا و تكليفه القصر.

و في كتاب الصلاة للشيخ الأجلّ (1)(قدّس سرّه) حمل الأمر بالإتمام على تكليفه الفعلي، غاية الأمر أن إطلاقه مقيد بما إذا رجع الى منزله، و لذا جعل الموثقة الاولى الآمرة بالتقصير فعلا معارضة للموثقة الثانية. و عليه فيبطل مبني الاستدلال للتفصيل، لكنه خلاف الظاهر، و خلاف ما فهمه الأصحاب.

[في اعتبار استمرار القصر]

المسألة الثانية في الشرط الثاني من شرائط وجوب القصر

اشارة

و هو استمرار القصد على قطع المسافة المعتبرة. و تمام الكلام فيه برسم أمور:

الأمر الأول في الدليل على اعتباره،

و قد تفرّد الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (2)بالاستدلال بأمرين:

أحدهما: ما لفظه: «لان الظاهر من أدلة تحديد المسافة و إن التقصر في بريدين أو ثمانية فراسخ وجوب التقصير في سفر مقدار سيره بريدان فيدل على التلبس بسفر مسافته بريدان، فكلّما يتحقق وصف التلبس بالسفر الكذائي تحقق موضوع التقصير،


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 391.

2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: 414.

و المفروض إنه مع زوال القصد و نيّة الرجوع أو التردّد لا يصدق عليه أنّه يتلبس بالسفر المقدّر بالمقدار المذكور» انتهت عبارته (قدّس سرّه).

و تقريبه إنّ قاطع المسافة متلبّس في كل حين بذلك المقدار من السير لا بسير ثمانية فراسخ إلّا باعتبار قصده في كل حين لثمانية فراسخ فاذا لزم تلبسه في وجوب القصر من أول سفره إلى آخره لزم قصد الثمانية من أوّله إلى آخره.

و يندفع أوّلا: بأنّه لا دلالة له على اعتبار أصل القصد فضلا عن استمراره، لان موضوع الحكم إذا كان سير ثمانية فراسخ فقط كانت الكمّية المزبورة كمّا متّصلا للمجموع، فليس له إلّا تلبّس واحد خارجا. و وجوب القصر على قاطع هذه المسافة في كلّ حين مراعى بحصول هذه الكميّة خارجا من دون اعتبار قصد أصلا، و لزوم التلبّس في كلّ حين أول الكلام حتى يستنتج منه لزوم القصد في كلّ حين.

و ثانيا: بعد فرض الفراغ عن أنّ السير المتكمم بالكمّية المزبورة لا أثر له كما في طالب الغريم، و إن تلبّسه بالسفر يدور مدار القصد، إلّا أنّ المتيقن أن السير الخاص لا بدّ أن يكون مقصودا من أول الأمر، فالتلبّس القصدي شرط في مبدئه لا في جميع أجزائه.

ثانيهما: ما أفاده في موضع آخر و هو ما ذكره (عليه السلام) في ذيل رواية عمّار:

«لا يكون الرجل مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1)و المعنى بقرينة السؤال حتى يسير مع القصد (2)و من البيّن أنّ السؤال لم يكن إلّا عن سير خمسة فراسخ بلا قصد الرجوع، و إلّا لكانت الثمانية التلفيقية مقصودة و الجواب لا يفيد أزيد من اعتبار قصد الثمانية من الأوّل في قبال عدمه من الأوّل كما في السؤال. فالجواب إذا حمل على أن السير لا بدّ من أن يكون مقصودا بكمّية خاصة لا يقتضي معيّة القصد للسير حتى يستفاد منه استمرار القصد.

و استدل غير واحد من الأصحاب بالتعليل الوارد في ذيل رواية إسحاق بن عمّار


1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 392.

المرويّة في العلل و المحاسن و هو هكذا قال (عليه السلام): «أو تدري لم صار هكذا؟ قلت لا قال (عليه السلام): لان التقصير لا يكون إلّا في بريدين، و لا يكون في أقلّ من ذلك، فلمّا كانوا ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا، كانوا قد ساروا سفر التقصير، و ان كانوا قد ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (1)الخبر.

و هذا بمجرده لا يدل على اعتبار الاستمرار إذ كما أنّ القصد شرط كذلك سير أربعة فراسخ حتى يكون بالرجوع ثمانية. فمن الممكن أن يكون الفارق أن ما قطعه البالغ أربعة عن قصد ابتداء حيث كان يرجع أربعة فقد حصلت المسافة المعتبرة، و إلّا فلا، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام): «لأنّ التقصير لا يكون إلّا في بريدين» و مجرد ذكر الإرادة في قوله (عليه السلام): «و أرادوا أن ينصرفوا» لا يدل على دخل الإرادة المذكورة في وجوب القصر، فإنّه من المتعارف في التعبير عن الأفعال الاختيارية. نعم في فقرة أخرى بعد التعليل و هي «قلت: أ ليس قد بلغوا إلخ» شهادة على اعتبار الاستمرار كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى بيانه عن قريب.

و مما ذكرنا يتبين الإشكال في التعليل الوارد في صحيحة أبي ولّاد، و هو:

«لأنّك كنت مسافرا إلى ان تصير الى منزلك» الخبر. أي برجوعك لا بقصد الرجوع، فما نسب الى المحقق السبزواري (2)(قدّس سرّه) في الذخيرة «من أن الحجة على اعتبار الاستمرار غير واضحة عندي». و كذا ما نسب (3)الى صاحب المدارك من أنّ الأصحاب لم يوردوا عليه دليلا، ليس منهما من باب الغفلة عن الخبرين أو عن دلالتهما و إن كان الحكم مشهورا بل أدعي عليه الإجماع.


1) العلل: ج 2، ص 367، الباب 89، الحديث 1، المحاسن، ج 2، ص 312، الحديث 29. الوسائل ج 5، ص 510، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) ذخيرة المعاد: ص 407.

3) الناسب هو صاحب الحدائق: بقوله في ج 11، ص 334: و العجب من جملة من الأصحاب و منهم صاحب المدارك، حيث انّهم ذكروا هذا الشرط و لم يوردوا عليه دليلا حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الأصحاب. و حجّتهم عندي غير واضحة.

الأمر الثاني هل الاعتبار بالاستمرار على قصد المسافة الشخصيّة أو يعم النوعيّة؟

كالعدول من فرد إلى فرد، أو من نوع إلى نوع، و مجموع صوره أربعة:

العدول من فرد من الامتدادي إلى فرد آخر منه، و العدول من فرد من التلفيقي إلى فرد آخر منه، و العدول من الامتدادي إلى التلفيقي، و العدول من التلفيقي إلى الامتدادي. و إطلاقات أدلة القصر في بريدين الظاهرة في خصوص الامتدادي تقتضي العدول من فرد منه إلى فرد آخر منه فقط. و إطلاقات أدلة التلفيق أيضا تقتضي العدول من فرد منه إلى فرد آخر منه فقط. و رواية إسحاق بن عمّار (1)و صحيحة أبي ولّاد (2)تقتضيان العدول من الامتدادي إلى التلفيقي فقط، فيبقى العدول من التلفيقي إلى الامتدادي بلا دليل. نعم في التعليل المسوّغ للتلفيق دلالة عليه بقوله (عليه السلام): «و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (3)فإنه كما مرّ من باب إدراج المورد تحت كبرى كلية، و هي إنّه: كلّ من كان سفره ثمانية فراسخ بما هي ثمانية فراسخ يجب عليه القصر. فتعمّ جميع أنحاء العدول، و كذا التعليل المسوغ للعدول في رواية إسحاق بن عمّار فان الظاهر منه إنّ العبرة في سفر التقصير بسير بريدين بما هو كذلك، فيعمّ جميع أنحاء العدول.

و نسب إلى الروض «اختصاص استمرار القصد بالمسافة الشخصيّة فلا يسوغ العدول من فرد إلى فرد، فضلا عن العدول من نوع إلى نوع» (4).

و تقريبه: أنّه إذا قصد فردا من المسافة فالجامع يكون مقصودا أيضا بالعرض، لوجود الكلي بوجود فرده، إلّا أنّ الفرد واسطة في العروض، بل الجامع الماهوي، أي الواحد الجنسي، أو الواحد النوعي لا وجود له أصلا لا بالذات و لا بالعرض، بل


1) الوسائل: ج 5، ص 510، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

4) روض الجنان: ص 385.

الموجود بالعرض حصة من الجامع موجودة بوجود فرده، و لذا قيل: إن إنسانية زيد مغايرة وجودا لانسانية عمرو.

و منه يتبيّن الخدشة في الإطلاقات المقيدة بالإرادة الظاهرة في ما هو بالحمل الشائع إرادة، و لا تكون كذلك إلّا إذا كانت موجودة بالذات و أمّا الموجود بالعرض فليس موجودا بالحقيقة بل بالعرض و العناية.

ثمّ يستثني مما ذكرنا ما إذا قصد الجامع ابتداء فإنه موجود بالذات، كما إذا قصد قطع ثمانية فراسخ من دون تعيين بالفعل، و تعينه فيما بعد من باب تشخص ما قصده بالعناية. و ينحصر حينئذ تعميم القصد إلى الموجود بالذات، و الموجود بالعرض في الأدلة المسوغة للعدول. و التعميم من حيث الحصة و الجامع أيضا في ما ورد فيها من التعليل، فمن يناقش في تلك الأدلّة سندا أو دلالة، و يناقش في التعليل من أنّه حكمة لا علة، فله الاقتصار على قصد المسافة الشخصية و استمراره، لكنك قد عرفت صحة الاستدلال بالتعليل. و عليه فليس معنى الاستمرار بقاء القصد الموجود فإنّه فرع الوحدة، بل مجرد كون السير مقصودا ثانيا على حد كونه مقصودا أوّلا.

الأمر الثالث [في الجزم على الذهاب بعد التردد في الأثناء]

إذا تردد في الأثناء قبل- بلوغ أربعة فراسخ، ثم عاد إلى الجزم على الذهاب قبل قطع المسافة في حال التردد، ففيه و جهان: و الا وجه القصر، سواء كان ما بعد التردد بنفسه مسافة أم بضمّ ما قطعه قبل التردد و ذلك لما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى من أنّ السفر العرفي لا يتعدد إلّا بتخلل القاطع، و هو أحد الأمور الآتية: من المرور إلى الوطن، أو الإقامة، أو التردد ثلاثين على المعروف، نظرا إلى أن الحضور في الوطن و ما نزل منزلته ضدّ السفر و هو البروز إلى خارج الوطن المستلزم للبعد عن الوطن و التغرّب و الغيبوبة عنه. فما لم يحصل ما هو ضدّ السفر فهو على وحدته. غاية الأمر أن الشارع اعتبر في مقام إيجاب القصر على المسافر عرفا أمورا: ككون المسافة ثمانية فراسخ، و قصدها من أول الأمر، و استمراره. فمتى

تحققت هذه الشرائط حدث وجوب القصر و بقي على حاله، و متى لم تتحقق فان لم يتحقق ما هو شرط حدوثه كقصد الثمانية لم يحدث الوجوب، و إن لم يبق بحصول العزم على الرجوع، أو التردد في ذهابه و إيابه ارتفع وجوب القصر، فيجب الإتمام حال العزم على الرجوع، و حال التردد مع انحفاظ وحدة السفر كما مرّ، و إذا عاد العزم على الذهاب تحقق شرط بقاء الحكم بالقصر لما مرّ سابقا من أنّ استمرار القصد المشروط به بقاء الحكم بالقصر ليس استمرارا حقيقيا، بل المقصود أن يكون قاصدا لما قصده أوّلا، و إلّا فليس القصد في كلّ زمان شرطا لبقاء الحكم في زمان آخر حتى يكون وجوب القصر فيما بعد التردّد فاقدا لشرطه، بل وجوب القصر في كلّ زمان مشروط بقصد الثمانية المقصودة أوّلا في ذلك الزمان لا قبله و لا بعده.

و المفروض أنه بعد زوال التردد قاصد لقطع تلك الثمانية كما فيما لم يحصل له التردد و ما ذكرنا ليس من باب شرطية قصد الثمانية في حال السير و عدم شرطيته في جميع أكوان المسافر، بل نقول لسانه شرط في جميع أكوان المسافر، إلّا أنّه شرط لبقاء الحكم في ذلك الزمان، و لذا يجب القصر على المسافر في حال سكونه إذا كان قاصدا لقطع ثمانية فراسخ، دون من لم يكن قاصدا بل مترددا، و شرطية العزم في الكون السابق للقصر في اللاحق لا دليل عليه أصلا. و عليه فلا مانع من ضمّ ما بعد التردد إلى ما قبله.

و توهّم: أنّ وجوب الإتمام على المتردد إذا كان باقيا على سفره كان تخصيصا لدليل القصر على المسافر، و بأصالة عدم التخصيص يستكشف عدم كونه مسافرا.

مدفوع: أوّلا: بأن كونه مسافرا عرفا مما لا شكّ فيه، و عدم كونه واجدا لشرط القصر أيضا لا شكّ فيه، و لا عموم و لا إطلاق بعد التقييد بالشرائط المعتبرة في وجوب القصر على المسافر عرفا بحيث يشمل حال التردد، حتى يكون إيجاب الإتمام على المتردد تخصيصا في دليل وجوب القصر.

و ثانيا: قد حقق في محله بأن أصالة عدم التخصيص لا يشخّص إن زيدا الذي نهي عن إكرامه هو زيد الجاهل دون زيد العالم، فراجع باب العام و الخاص من الأصول.

و مما ذكرنا تبيّن ان إطلاق قوله (عليه السلام): «فاذا مضوا قصّروا» (1)في رواية منتظر الرفقة موافق للقاعدة فلا مانع من الأخذ به. كما أنه اتضح حال فرض آخر من فروض المسألة، و هو ما إذا قطع مقدارا من المسافة مترددا فإن ضمّ ما بعد زوال التردّد إلى ما قبله إذا كان المجموع مسافة بإسقاط ما تخلل بينهما لا مانع منه.

نعم ضم ما في حال التردد غير صحيح إلّا إذا كان يسيرا بحيث يعدّ عرفا أنّه قطع ثمانية فراسخ عن قصدها.

الأمر الرابع [في إجزاء ما صلاه قصرا قبل التردد]

هل يجزي ما صلاه قصرا قبل التردد، و قبل بلوغ أربعة فراسخ أم يجب تداركها؟.

المشهور هو الأوّل، و مرجع الأمر إلى أنّ بقاء القصد الى بلوغ أربعة فراسخ، أو نفس بلوغ أربعة فراسخ شرط متأخر لوجوب القصر من أوّل الأمر أم لا. و ما يمكن الاستناد إليه لما هو المشهور من الاجزاء أمران:

أحدهما ما في ذيل رواية منتظر الرفقة بعد حكمه (عليه السلام) بالإتمام حال التردد قبل بلوغ أربعة فراسخ و هو هكذا: «قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال (عليه السلام): بلى إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم و إنّ السير سيجدّ (2)بهم فلما جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا» (3).

و تقريبه: انّ السائل فهم التنافي بين وجوب الإتمام حال التردد و وجوب القصر واقعا قبله، لاشتراك الصورتين في كون السير أقل من بريد، و أفاد وجوب القصر ببيان ملزومه و هو البلوغ إلى حدّ الترخص، فقوله: «أ ليس قد بلغوا. إلخ» مقتضاه أ ليس بلغوا الموضع الذي يجوز فيه القصر مع أنّه أقل من بريد، فكيف يجب


1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10 مع اختلاف يسير.

2) و الجد بالسير: الإسراع فيه و الاهتمام بشأنه، يقال جد بسيرة إذا اجتهد فيه. مجمع البحرين.

3) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

عليه الإتمام في مثله عند التردد؟ فأجاب «بقوله (عليه السلام):

بلى». تقرير ما فهمه من لازم بلوغ حد الترخص و هو جواز القصر، إلّا أنّه بيّن الفارق بوجدان شرط القصر في ما قبل التردد، و هو العزم على المسير و عدم التردد في مسيره ثمانية فراسخ، بخلاف صورة التردد الذي هو ضدّ العزم، فما هو شرط بقاء القصر مفقود. و أمّا حمل السؤال على منافاة وجوب الإتمام لفعل القصر من المسافرين، و حمل الجواب على أنّهم معذرون لاعتقادهم الأمر به و لا أمر واقعا بملاحظة قوله (عليه السلام): «إنّما قصّروا إلخ»- ففي غاية البعد، فإنّ بلوغ حد الترخص الذي اقتصر عليه السائل ملزوم لجواز القصر لا لفعل القصر، و أيّ ارتباط لفعل المسافر بحكم الامام (عليه السلام) حتى يتوهّم التنافي بينهما، بخلاف جواز القصر و وجوب الإتمام. و ما معنى قوله (عليه السلام): بلى الصريح في تقرير لازم بلوغهم لحدّ الترخص، لا أنّه نعم قصّروا خارجا، و أيّ مناسبة لكون المعتقد للأمر و لا أمر معذورا بالإمام (عليه السلام) المعدّ لتبليغ الأحكام.

و بالجملة فهذه الفقرة سؤالا و جوابا ظاهرة فيما ذكرنا، و هي موافقة لقاعدة الأصل في شرطية شي‌ء لشي‌ء، من كونه شرطا مقارنا لا شرطا متأخّرا.

و لا بدّ للقائل بعدم وجوب القصر واقعا على من يحصل منه التردد فيما بعد و هو في أقل من بريد، من الالتزام بالشرط المتأخّر الذي هو معركة للآراء إمّا بجعل العزم في الآن اللاحق شرطا لوجوب القصر في السابق، و إمّا بجعل بلوغ أربعة فراسخ خارجا شرطا لوجوبه من أوّل الأمر.

و أمّا ما عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة بقوله: «لأنّ المتبادر من الأدلة المفيدة لإناطة الحكم بهذا الموضوع الواقعي إناطة الحكم بتحقق الموضوع في اعتقاد المكلّف المسبب عن عزمه» (1). انتهى كلامه (قدّس سرّه).

فغرضه (قدّس سرّه)، انّ الشرط حيث إنّه قصد الثمانية لا نفس الثمانية فوجودها في أفق القصد و الوجدان لازم لا وجودها خارجا، لا أن العلم جزء الموضوع


1) ص 415- بتغيير يسير و هو: بدل (لأن)، (إلّا أنّ).

ليقال ما الفرق بين هذا الموضوع و سائر الموضوعات؟ حيث إن ظاهرها إنّها بما هي موضوعات لا بما هي معلومات.

ثانيهما: صحيحة زرارة «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا، و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال (عليه السلام): تمّت صلاته و لا يعيد» (1)و تقريبها: أنّ المسؤول عن حاله غير من انصرف في حاجة، و إلّا لم يقل:

«و انصرف بعضهم». و قوله: «فلم يقض له الخروج» اي لم يقدّر له. و في الحدائق (2)فلم يطق الخروج بيان لحال الرجل المسؤول عن حكم صلاته لا أنّه تفريع على قوله انصرف بعضهم في حاجة فإنّه لا مجال للتفريع بعد صراحة الانصراف في رجوعه فتكون الصحيحة نظير رواية منتظر الرفقة (3)، فإنّه حيث إنّ بعضهم انصرف الى بلده، صار انصرافه موجبا لتوقف رفقائه، و لم يتمكّنوا من الخروج الى سفرهم الذي قصدوه فحكم (عليه السلام) على الرجل الذي توقف عن عزمه بصحة صلاته التي صلاها قبل هذه الحالة. و ربما يجعل هذه الفقرة متمما لقوله: «انصرف بعضهم» و إن السؤال عن حال صلاة الرجل من حيث احتمال كون صلاته بجماعة مع الامام بفرض كونه المنصرف، أو بفرض كونه واسطة في الاتصال بالإمام الغير المنصرف. و صحة صلاته جماعة مع من كانت صلاته فاسدة واقعا، أجنبية عما نحن فيه، إلّا أنّ هذا الاحتمال في غاية البعد. فالصحيحة كما فهمه كل من تعرّض له من الأصحاب و هم أرباب الأفهام المستقيمة و الأذواق السليمة من أدلّة الباب، و اللّه أعلم بالصواب.

و أمّا مستند القول بفساد الصلاة واقعا و وجوب تداركها فروايتان:

إحداهما: رواية المروزي و هي هكذا «التقصير في الصلاة بريدان أو بريد


1) الوسائل: ج 5، ص 541، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) لم نعثر عليه في الحدائق.

3) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

ذاهبا و بريد جائيا، و البريد ستة أميال، و هو فرسخان، فالتقصير في أربعة فراسخ، فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثنى عشر ميلا و ذلك أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين و بنيّته الرجوع، أو فرسخين آخرين قصّر، و إن رجع عمّا نوى عند بلوغ فرسخين و أراد المقام فعليه التمام، و إن كان قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» (1).

و موضع الاستدلال هي الفقرة الأخيرة. لكن لا يخفى عليك أنّ الفراسخ و الأميال المذكورة فيها هي الخراسانية، و هي ضعف الفرسخ و الميل الشرعيتين، فالرجوع عن النية مفروض بعد بلوغ أربعة فراسخ شرعيّة، فلا بدّ من حمل الرجوع عن النية على نية الإقامة دون التردد في الرجوع و الذهاب، فإنّ قصد الثمانية محفوظ فيه و حكمه القصر كما صرّح به قبلا في هذه الرواية.

و عليه فإن كان التقصير بعد بلوغ الأربعة و قبل نية الإقامة خرج مورد الرواية عن مسألتنا هذه المبنيّة على شرطية استمرار القصد الى آخر المسافة لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى- انّ الإقامة قاطعة للسفر، و الاستمرار يلاحظ في السفر الواحد لا الاثنين- فعدم استمرار القصد هنا سالبة بانتفاء الموضوع، فمورد الرواية مناسب للشرط الآتي و هو عدم قطع السفر بنية الإقامة، أو المرور إلى الوطن. نعم يشتركان في أمر آخر و هو عدم قطع المسافة المعتبرة واقعا هنا و هناك و المعروف في ألسنة الأصحاب انّ قصد الثمانية شرط لا قطعها. فعدم صحة الصلاة هناك و هنا مبني على اشتراط قطع الثمانية خارجا بنحو الشرط المتأخّر، و لا أظنّ أن يلتزم به القائل ببطلان القصر في الموردين.

ثانيهما صحيحة أبي ولّاد و موضع الاستشهاد هكذا: «و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فإن عليك أن تقضي كلّ صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم- أي تبرح- من مكانك ذلك لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصّرت» (2)


1) الوسائل: ج 5، ص 465، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

2) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

الخبر. و الرواية ظاهرة الدلالة في وجوب القضاء بل في فوريته و قوله (عليه السلام) «عليك» و قوله (عليه السلام) «وجب» و إن كانا ظاهرين في الوجوب، و قوله (عليه السلام) «تمت صلاته و لا يعيد» (1)في صحيحة زرارة نصّا في عدمه، و اللازم حمل الظاهر في الوجوب على الاستحباب، إلّا أنّه فرّق بين مثل هذه و رواية المروزي (2)، فإنّ قوله في الثانية «أعاد الصلاة» لا مانع من حمله على الاستحباب، بخلاف هذه الصحيحة فإنّها معلّلة بعدم بلوغه الموضع الذي يجوز فيه القصر، أي عدم قطع البريد الذهابي، لا عدم بلوغ حدّ الترخص، فإنّه من البعيد عادة أن يسير يوما في الماء (3)و لا يجوز حدّ الترخص، فتكون الصحيحة بملاحظة تعليلها معارضا صريحا لصحيحة زرارة، بل للتعليل الوارد في رواية منتظر الرفقة (4)، بل لإطلاق أدلة اعتبار حدّ الترخص كقولهم (عليهم السلام) «إذا خفي الأذان فقصّر» (5)من دون تقيّد بقطع المسافة تماما أو استمرار القصد إلى انتهاء المسافة.

نعم يمكن الجمع بين هذه الصحيحة المعلّلة و روايات اعتبار حدّ الترخص بجعله مبدءا لوجوب القصر إذا كان واقعا يقطع المسافة تماما أو ينتهي قصدها إليها، في قبال وجوب القصر من أول الأمر مراعى بأحد الأمرين فلا يلغوا الاشتراط بالتجاوز عن حدّ الترخص مع اعتبار قطع المسافة تماما و إنّما ينافيه إذا كان قطع المسافة تماما- مثلا- شرطا مقارنا، لا شرطا متأخّرا.

و أمّا التعليل الوارد في الصحيحة و تعليل رواية منتظر الرفقة فهما متنافيان لأنّ مقتضى الأول عدم مشروعية القصر مع عدم قطع المسافة المعتبرة تماما واقعا و مقتضى الثاني مشروعيته مع عدم بلوغ المسافة بتمامها، و مع تعارض الصحيحتين


1) الوسائل: ج 5، ص 541، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

3) ليس في خ ل.

4) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

5) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 شرطية مفهومها ما ذكره في المتن.

تبقى إطلاقات أدلة اعتبار حدّ الترخص و جواز القصر على حالها من حيث إطلاقها سليمة. فإن ما يمكن أن يكون مقيّدا لها مبتلى بمعارض صريح، و طريق الاحتياط واضح.

المسألة الثالثة [في اعتبار عدم المرور بالوطن و ما نزل منزلته]

اشارة

في الشرط الثالث و هو أن لا يقصد المرور بالوطن أو الإقامة قبل بلوغ الثمانية.

و هذا أمر آخر غير اعتبار استمرار قصد الثمانية إلى آخر المسافة و ذلك لأنّ مبني هذا الشرط على أنّ المرور بالوطن قاطع للسفر و موجب لكون ما بعده سفرا آخر، و استمرار قصد الثمانية شرط في كلّ سفر، فمرجع هذا الشرط الى اعتبار وحدة السفر و إن قصد الثمانية في السفر الواحد شرط، فلا يجدي قصد الثمانية في سفرين بحلول القاطع الموجب للاثنينيّة، فعدم استمرار القصد في السفرين من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

توضيحه: انّ السفر كما أشرنا إليه سابقا هو عرفا البروز عن المنزل الى المقصد و لازمه البعد عن المنزل و التغرب عنه فالمرور اليه و الحضور فيه ضد السفر عرفا و لا محالة يكون قطع المسافة بعده سفرا آخر و قصد الثمانية يعتبر في كلّ سفر كسائر شرائط وجوب القصر و بهذه الملاحظة يكون المرور الى الوطن قاطعاً و بملاحظة شرطية وحدة السفر يكون عدمه شرطا لوجوب القصر فالقاصد للمرور الى الوطن غير قاصد للمسافة المعتبرة في سفره و هذا المعنى في المرور الى الوطن حقيقي و في المرور الى محل الإقامة تنزيلي.

بيانه: أن جميع الأخبار الواردة في باب إقامة العشرة و وجوب الإتمام في تلك المدّة غير مجدية لاعتبار قاطعيّة الإقامة بل حالها حال العزم على الرجوع أو التردد في الأثناء من حيث فقدان شرط بقاء القصد فيكون المرور الى محل الإقامة من جزئيات عدم استمرار القصد في قطع تمام الثمانية فلا بدّ من دليل يدل على اعتبار قاطعيتها و كون السفر سفرين.

و الذي يمكن الاستدلال به على أنها قاطعة موضوعا اعتبارا و تنزيلا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (عليه السلام): «من قدم مكة قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة و عليه إتمام الصلاة، إذا رجع الى منى حتّى ينفر» (1). فإنّ مقتضى تفريع التقصير على الخروج من مكة كونه سفرا جديدا لا متمم السفر الأول الممتد من منزله إلى مكة و من مكة الى عرفات و إلّا لم يكن معنى التنزيل المقيم منزلة أهل مكة لعدم دخل للإقامة في وجوب التقصير عند خروج المقيم الى عرفات و لم يكن تعريضا بمن لا يرى الخروج من مكة بنفسه سفرا موجبا للقصر مع كونه بريدين ذهابا و إيابا.

و مما ذكرنا يتضح فساد ما حكي عن الفاضل النراقي (2)(قدّس سرّه) حيث أشكل على المرور بالوطن بانّ العرف لا يفرق بين المرور و بالوطن و عدمه سيّما إذا كان مارا من حواليه، و أشكل على المرور بمحل الإقامة بأنّ العرف لا يفرّق بين الإقامة عشرة أيام و الإقامة تسعة أيام و نصف في كون السفر واحدا غير متعدد في الأولى كالثانية.

وجه وضوح السفاد أمّا في الأول: فهو أن السفر عن الوطن إذا كان ضد الحضور فيه فلا يعقل أن يكون مسافرا عرفا و بعيدا عن وطنه و مع ذلك يكون حاضرا فيه غير غائب و لا بعيد عنه. و أمّا في الثاني: فإنه لو لا التنزيل لم يكن بينهما فرق في وحدة السفر عرفا و إن افترقا في الإتمام تارة و عدمه أخرى، إلّا أنّ الفارق بينهما تنزيل المقيم منزلة المتوطن في كون سيره من محل إقامته سفرا جديدا كما عرفت استفادته من الصحيحة.

ثم إنّه حيث إنّ المقام مقام بيان الشرائط الموجبة للقصر فالمراد أن يكون المكلّف قاصدا لثمانية فراسخ في سفر واحد لا في سفرين فقاصد المرور الى الوطن


1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) في المستند ج 7 صفحة 564.

و قاصد الإقامة غير قاصد لثمانية فراسخ في سفر واحد.

و منه تبين أنّ وجه الاقتصار على خصوص المرور الى الوطن و الإقامة في الأثناء مع أنّ التردد ثلاثين يوما عندهم من القواطع. حيث إنّه لا يعقل قصد البقاء متردّدا ثلاثين يوما فلا مجال لاستكشاف عدم قاطعيته بعدم ذكره هنا.

نعم في إقامة الدليل على تنزيل المتردد منزلة المتوطن إشكال، لما عرفت في نظيره من أنّ أدلة وجوب الإتمام على المتردد كوجوبه على المقيم لا دلالة لها على قاطعية التردد للسفر موضوعا و إنّما غايتها ارتفاع حكم القصر عنه و هو لازم أعم فلا بدّ من دليل يدل على التنزيل كما ورد في باب الإقامة و إن المقيم بمنزلة أهل مكة و ربما يستدل لهذا الأمر برواية إسحاق بن عمّار (1)«قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكة إذا زاروا عليهم إتمام الصلاة؟ قال (عليه السلام): نعم و المقيم الى شهر بمنزلتهم». نظرا إلى أنّ أهل مكة حيث سافروا سفر التقصير فلذا سأل الراوي أنه عند زيارتهم للبيت هل ينقطع سفرهم فيجب عليهم الإتمام أم هم على سفرهم. و المقيم المتردد الى شهر إذا كان بمنزلتهم كان ينقطع سفره بإقامة شهر مترددا.

و الجواب ان فرض التردد الى شهر في المقيم بمكة إمّا أن يكون قبل الخروج إلى منى و عرفات، أو بعد الخروج. لا مجال لفرضه قبل الخروج إذ لا تردد لمن ورد مكة لإعمال الحج سواءا كان بشهر أو أقل. ففرض نية الخروج عن مكة قبل انقضاء الحج بعيد في الغاية. و فرض تردّده بعد الخروج الى عرفات شهرا لا يلائم فرض زيارة البيت بعد شهر إذ العادة على الزيارة في أيام العيد و التشريق أو بعد النفر من منى، بل لا يجوز تأخيرها عن آخر ذي الحجة لجميع أصناف الحاجّ.

و أمّا فرض إقامته جزما قبل الخروج في التروية ليوافق ما ورد في باب المقيم عشرا من أنه إذا زار البيت أتم الصلاة فهو مع أنّ تحديده الى شهر بلا موجب، يخرج عن مورد البحث و هي: «الإقامة مترددا ثلاثين يوما».


1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 مع اختلاف يسير.

فالإنصاف إنه لا دليل يعتمد عليه في قاطعية التردد. نعم المشهور على ذلك بل قيل لا خلاف معتد به في المسألة. ثم إن ما يتعلق بالوطن من الأقسام و الأحكام و ما يتعلّق بالإقامة و التردد ثلاثين يوما من الشرائط و الأحكام سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في البحث عن قواطع السفر تبعا لغير واحد من الأعلام.

نعم ينبغي التعرض في المقام لأمرين:

أحدهما: أنّه لو تردد في أوّل سفره بين قطع المسافة مستقيما أو مارّا إلى وطنه أو مقيما في الأثناء.

و المراد بالتردد أحد أمرين:

الأوّل: تردده في الأمرين من حيث وجود المقتضي لأحدهما المساوي للمقتضي في الآخر، و من الواضح إن ذلك يوجب عدم انقداح العزم الى أحد الأمرين فلا عزم له على قطع المسافة مستقيما كما لا عزم له على المرور الى الوطن أو الإقامة في الأثناء فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب القصر لعدم شرطه.

الثاني: أن يكون عازما بحسب غرضه الباعث له على السفر الى مقصده لكنه يحتمل المرور الى وطنه و يحتمل عدمه لاحتمال وجود مقتض فيما بعد للمرور و عدمه و هنا كما يمكن احتمال المرور الى الوطن أو احتمال الإقامة كذلك احتمال بقائه قهرا مترددا بخلاف التردد بالمعنى الأول فإنه يستحيل وجود مقتض فعلا لبقائه مترددا كما يستحيل عزمه على بقائه متردّدا و قد تقدم في مسألة مفارقة التابع عن متبوعه الفرق بين المفارقة الاختارية و القهريّة و هنا كذلك لأنّ الغرض الباعث على قطع ثمانية فراسخ و إن كان محفوظا سواء مرّ الى وطنه أو أقام في الأثناء إلّا أنّ باعثيته على العزم على قطع ثمانية متصلة أي الثمانية في سفر واحد أضعف من باعثية الغرض المرتب على المرور بوطنه أو على الإقامة في الأثناء و لا يعقل تأثير الأضعف دون الأقوى فلا يعقل انقداح العزم المنجز على السير الخاص أي ثمانية فراسخ في سفر واحد بخلاف الإقامة القهرية أو المرور الى الوطن قهرا فإن مقتضى العزم غير مزاحم بمقتضى المرور و الإقامة من تلقاء شخص المسافر، بل مانع عن

ترتب المعزوم عليه على العزم و بقية الكلام في المسألة السابقة فراجع.

ثانيهما: إذا قصد المرور بالوطن أو الإقامة في الأثناء ثم عدل عنهما و قصد المسافة مستقيما و كان مقدار المسافة المعتبرة و لو تلفيقا، قصّر على المباني المتقدمة. و إذا قصد المسافة مستقيما ثم عدل و عزم على المرور أو الإقامة ثم عدل الى قصد المسافة مستقيما، فينضم ما بعد قصد المسافة مستقيما الى ما قبله سواءا كان العدول بعد قطع شي‌ء من المسافة أو لا، غاية الأمر بإسقاط ما تخلل من قطع المسافة بعزم المرور أو الإقامة كما تقدم الوجه فيهما في مسألة التردد أو العزم على الرجوع قبل أربعة فراسخ لان العزم على القاطع غير قاطع بل مانع عن ترتب حكم القصر لعدم استمرار قصد ثمانية فراسخ مستقيما فتدبّر.

المسألة الرابعة [في كون السفر سائغا]

اشارة

في الشرط الرابع لوجوب القصر و هو كون السفر سائغا مباحا فلو كان حراما أتمّ. و تنقيح المقام ببسط الكلام في أمور:

الأمر الأوّل [في أن السفر لغاية محرمة غير محرم]

إن ظاهر العنوان كما في الشرائع (1)و غيره يوهم دوران الأمر قصرا و إتماما مدار إباحة السفر و حرمته مع أن السفر لغاية محرمة غير محرم، لما تقرر في محله من الفرق بين مقدمات الواجب و مقدمات الحرام، فان المطلوب في الواجب و هو لا يوجد إلّا بوجود مقدماته جميعا و المطلوب في الحرام تركه و هو حاصل بترك مقدمته الأخيرة و لو مع إتيان جميع مقدمات وجوده إلّا المقدمة الأخيرة فلا تحرم إلّا المقدمة الأخيرة إلّا أن يراد من العنوان أعم مما يكون حراما بنفسه أو حراما بغايته، فيكون


1) الشرائع: ص 39.

الوصف (1)في الثاني بلحاظ متعلقة لا بلحاظ نفسه. و لا بدّ من ذلك لأن السفر لغاية محرمة منصوص سواءا كان السفر من قبل غايته حراما أم لا، بل ربّما لا يكون غايته أيضا حراما كما في الصيد لهوا لا للقوت فإنه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى لا دليل على حرمة مطلق اللهو. نعم «المؤمن في شغل عن ذلك» (2)، كما في الخبر، بل سيجي‌ء إن شاء الله تعالى أنّ مطلق مقدمية السفر للحرام لا يوجب القصر، بل فيما إذا كان غاية لسفره كما هو ظاهر النصوص. فلو سافر للزيارة- مثلا- مع القطع بأنه ينال مالا حراما من ظالم بحيث لو لم يذهب لا يناله لكنه سافر للزيارة لا لهذه الغاية كان سفره موجبا للقصر و إن كان واقعا مقدمة للحرام.

الأمر الثاني إنّ السفر المبحوث عنه على أقسام،

منها: ان يكون معنونا بعنوان محرم، و هو المراد من كونه محرما بنفسه، و إلّا فالسفر بذاته و بطبعه لا حرمة له. و منها: أن يكون مقدمة لغاية محرمة. و منها: أن يكون ملازما للحرام. و منها: أن يقع فيه الحرام اتفاقا و من باب المقارنة. لا شبهة في سببية الأوّلين للتقصير، كما لا شبهة في عدم سببية الأخير. و إنّما الكلام في موردين:

أحدهما: في إقامة الدليل على سببية السفر المحرم بنفسه للقصر بتوهّم أن النصوص المستفيضة في المقام موردها السفر لغاية محرمة و إنه لا دليل على سببية غيره كما نسب الى بعض الأجلّة (قدّس سرّهما).

ثانيهما: في سببية السفر المستلزم للحرام و عدمها فيقصر.

أمّا الأوّل: فربما يستدل له بالفحوى و هو إنّما يصح إذا كان السفر لغاية محرمة، محرما بالتبع حتى يتوهم أنه إذا كان المحرم بالتبع موجبا للقصر فالمحرم بالأصالة أولى بذلك، و أمّا إذا لم يكن كذلك كما مرّ الوجه فيه فلا فحوى فإنه ليس ملاك سببيّة


1) «الموضوع خ ل».

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 ان من خرج الى الصيد. الحديث 1.

السفر لغاية محرمة حرمته حتى يكون المحرم بنفسه أولى، بل الملاك كونه ذا غاية محرمة. و ما نحن فيه لا يساويه فضلا عن كونه أقوى ليكون أولى.

نعم يمكن الاستدلال له برواية عمّار بن مروان «قال: سمعته (عليه السلام) يقول: من سافر قصر و أفطر إلّا أن يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية اللّه، أو رسولا لمن يعصي اللّه أو في طلب عدوّ أو بشحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين» (1).

بتقريب أنّه ربما يقال المعصية في السفر و ربما يقال السفر في المعصية. فالسفر على الأول مشتمل على المعصية و على الثاني المعصية مشتملة على السفر، و لا يكون إلّا بانطباق عنوان محرّم على السفر، فكأنّ السفر منطو في المعصية كما هو مقتضى ظرفية المعصية. و أمّا السفر لغاية محرّمة فهو سفر للمعصية أو الى معصية، و على فرض التوسّع في الظرفية فالسفر المحرّم أظهر أفراده. و أمّا عطف قوله (عليه السلام) «أو رسولا إلخ»، فالعطف بما هو غير مناف لإرادة السفر إلى المعصية من قوله (عليه السلام) «أو في معصية اللّه» فإن عطف الخاص على العام أمر متعارف و العطف بأو الظاهر في المقابلة و إن كان مقتضيا لذلك، إذ لا تقابل بين الجامع و أفراده، إلّا أنه يمكن أن تكون المقابلة باعتبار السفر إلى معصية اللّه بما هو حق للّه تعالى، و السفر لما له مساس بحقوق المؤمنين و المسلمين و استدل له أيضا بقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة «إلّا أن يكون مشيّعا لسلطان جائر» (2)حيث إنّ التشييع عنوان للسير عقيب المسافر لا غاية مترتبة عليه، و ليس التشييع فعلا توليديا من السير ليكون للسير نحو من المقدمية، فإن كون شي‌ء عقيب شي‌ء و هو ملاك المشايعة و التشييع و إن كان لا يوصف به الأفعال فإن الأفعال بما هي حركات مقدرة بالزمان و إن كانت قابلة للسبق و اللحوق الزمانيين لكنها غير قابلة للسبق و اللحوق المكانيين فإنهما من خواص الأجسام فإنها التي يعرضها مقولة الكون الأيني فيوصف


1) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) الوسائل: ج 5، ص 510، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

بالسبق الرتبي الوضعي، إلّا أن الأفعال القائمة بالكائن في المكان توصف بكونها فيه بالعرض، فيوصف بالسبق الرتبي الوضعي بالعرض، فيوصف الفعل و هو السير ممن هو عقيب شخص آخر بكونه عقيب سيره و هو التشييع، و إلّا فالسير ليس شرطا لوقوع شخص عقيب شخص، بل الأمر بالعكس لانتهاء كل ما بالعرض الى ما بالذات.

و أمّا الاستدلال بما ورد من التعليل لوجوب الإتمام في صيد اللهو بأن ذلك «سير باطل»، أو «مسير باطل» (1)، نظرا إلى أن السفر المحرّم بذاته مسير باطل كالسفر لغاية محرّمة، فيمكن منعه بأنه ليس كلّ فعل محرّم يوصف بأنه باطل، بل الفعل لغاية غير مرضية هو الموصوف بأنه باطل كالسفر لغاية التنزه بالتصيّد. فالفعل الباطل ما لا يترتب عليه الأثر المرغوب منه.

و أمّا الثاني: و هو السفر المستلزم للحرام كالسفر المستلزم لترك أداء الدين الواجب، و سببية مثله للإتمام مبني على أحد أمرين: إمّا مقدميّة فعل الضد لترك الضد. و إمّا شمول بعض العناوين للأعم مما كان بذاته حراما أو بغايته، أو مستلزما للحرام.

أمّا مسألة المقدمية فيورد عليها:

أوّلا: بمنع المقدمية خصوصا مقدمية فعل الضد لترك الضد فإن كون ترك شي‌ء مقدمة شرطية لفعل شي‌ء و إن كان معقولا، إلّا أن مقدميّة فعل شي‌ء ترك ضده فهي غير معقولة، لأن الترك لا ينبعث عن الفعل ليكون الفعل مقدمة سببية، و الترك لا يحتاج الى فاعل و قابل ليعقل له مصحح فاعلية الفاعل و متمم قابلية القابل و هو معنى الشرطية.

و ثانيا: بمنع الحرمة لما مرّ من أنّ مقدمات الحرام ليست بمحرّمة بل المقدمة الأخيرة منها.

و ثالثا: بمنع تأثير الحرمة التبعية، إذ لا عصيان في المقدمة، فلا يندرج تحت عنوان


1) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

السفر في معصية اللّه، و لكن العمدة نفي المقدمية رأسا. و إلّا فقد عرفت أن صيرورة المقدمة محرمة غير لازمة لان موضوع الإتمام هو السفر لغاية محرمة، سواء اتصف السفر بأصل الحرمة أم لا.

لا يقال: منع مقدمية خصوص الفعل لترك الضد غير مجد هنا، إذ لنا أن نقول إن نفس السفر ضد للحضور الذي هو شرط أداء الدين على الفرض، فاداء الدين واجب، و ترك السفر الذي هو ضد له بالعرض مقدمة له فهو واجب. و بابه حينئذ باب مقدمية ترك الضد لفعل ضده، لا مقدمية فعل الضد لترك ضده.

لأنا نقول: لا يوجب ذلك كون السفر لغاية محرمة إلّا باعتبار أن فعل السفر مقدمة لترك أداء الدين المحرم حتى يندرج تحت عنوان السفر لغاية محرّمة، و إلّا فمجرد حرمة السفر عرضا لوجوب تركه لا ينتج كون السفر لغاية محرّمة.

نعم هذا التقريب يجدي في دفع الإيراد الثاني فتدبر. مع انّك قد عرفت سابقا إن مجرد المقدمية للحرام لا يوجب الإتمام، بل كما هو ظاهر النصوص إذا كان السفر لغاية محرمة فمجرد كون السفر مستلزما لترك الواجب لا بقصد ترك الواجب، بل بقصد الزيادة لا يوجب الإتمام.

نعم ربما يستثني من موارد الاستلزام مع عدم البناء على مقدمية الضد ما إذا كان السفر فرارا من أداء الدين فإنه حينئذ يكون السفر مقدمة لترك الواجب، حيث لا يتمكن من ترك الواجب إلّا بسفره.

و يندفع بأنّ ذلك لا يوجب انقلاب ما ليس بمقدمة مقدمة، غاية الأمر انه لا يمكن من ترك أداء الدين في الحضر حيث يجبر عليه و يستوفي منه الدين بخلاف ما إذا سافر فإنه لا يمكن إجباره على الواجب الذي يكون تركه ملازما لسفره.

و أمّا مجرد الفرار عن التكليف فالحكم بقبحه بلا وجه، إذ ليس الفرار عن الامتثال إلّا ترك الواجب، كما أنّ عنوان التوصل بشي‌ء إلى الحرام مع عدم المقدمية ليس من العناوين المحرمة نفسا حتى يوجب الإتمام من حيث حرمة نفس السفر. هذا كله في نفي المقدمية.

و أمّا مسألة شمول بعض عناوين الأدلّة لمورد الاستلزام كعنوان «السفر

الباطل» و «المسير الباطل». فمدفوعة بأن قيام الباطل بشي‌ء حلولا أو صدورا يوجب اتصاف ذلك الشي‌ء بالباطل. و أمّا مع عدم القيام بنحو فالسفر ملازم للباطل لا أنّه باطل. و أوضح منه عدم صدق السفر في المعصية فان ملازمة السفر للمعصية كمقارنته للمعصية فالمعصية في أثناء السفر لا أن السفر منطو في المعصية، و لذا لا أظن أن يقول أحد بكون السفر المقارن لمعصية في أثنائه موجبا للإتمام.

الأمر الثالث فيما وقع فيه النزاع في كونه حراما بنفسه أو بغايته أو لا؟.

منها: الركوب على الدابة المغصوبة حتى قال في الجواهر (1): «بحرمة السفر و لو كان نعل الدابة مغصوبا» نظرا الى أن هذا السير الشخصي حرام.

و التحقيق انّ هنا أمورا ثلاثة:

أحدها: الأكوان النسبية القائمة بالمسافر و تلك الأكوان المتعاقبة هي المقوّمة للسفر و قطع المسافة.

ثانيها: الأكوان النسبية القائمة بالدابة.

و ثالثها: ركوب الدابة. و الأوّلان من مقولة الأين، و الأخير من مقولة الجدة، و هي هيئة إحاطة الراكب بالمركوب، و المقولات متباينات وجودا و ماهية. و ببرهان اتحاد الإيجاد و الوجود بالذات مع اختلافهما بالاعتبار نقول: إنّه لا يمكن أن يكون إيجاد الكون النسبي المتعاقب متحدا مع إيجاد الهيئة، و لا إيجاد فرد من مقولة مع فرد آخر منها. نعم ركوبه على الدابة المغصوبة مقدمة لسيرة، فإنه بركوبه يسير لا أنّه بسيرة يركب فالسير الخاص لا بنفسه معنون بعنوان الغصب، و لا هو مقدمة للغصب، بل الغصب مقدمة للسير. و ما لا يجوز فيه القصر ما كان حراما بذاته أو بغايته، لا ما كان له مقدمة محرمة.

و منها: ما إذا نقل المغصوب من مكان الى مكان بحمله في سفره، و قد عرفت أن


1) الجواهر: ص 260.

لكل من الناقل و المنقول كونا نسبيّا على التعاقب، فلا يعقل أن يكون نقله عين سيره للبرهان على اتحاد الإيجاد و الوجود بالذات فكون نقله تصرفا في المغصوب غير ضائر لأن النقل و السير فعلان متقارنان، لا النقل مقدمة للسير، و لا السير مقدمة للنقل، و كلّ منهما مستقل بالإرادة.

و منها: ما إذا مشى في أرض مغصوبة فتارة تكون الأرض مغصوبة فقط دون الفضاء. و أخرى يكون الفضاء مغصوبا.

أمّا الأول: فلا يوجب حرمة السفر لا لأن السفر لا بدّ من أن يكون بعنوانه حراما لا بعنوان آخر ينطبق عليه فإنه بلا وجه، فان السفر بما هو مباح بذاته و إنّما يحرم من حيث انطباق عنوان محرم عليه كعنوان الإباق، أو عنوان الفرار من الزحف، أو عنوان تشييع السلطان، و منه عنوان الغصب، بل لأن المشي على أرض مغصوبة و إن كان تصرّفا في الغصب إلّا أنه مقدمة للسفر لا عنوان له، لان السفر كما مرّ متقوم بالأكوان النسبية المتعاقبة و المشي على الأرض كالركوب في السفينة في الماء، و الركوب في الطيارة في الهواء مقدمة لحصول السير و هي الأكوان النسبية المضافة إلى المكان و هو البعد المجرد، و تلك الأكوان النسبية لا اتحاد لها مع المشي المحرّم و لا متقوّمة به.

و أمّا الثاني: فهو موجب لحرمة السفر، لان تلك الأكوان النسبية متقومة بالنسبة إلى المكان بالمعنى المتقدمة، فالكون النسبي الواحد سفر في نفسه و محرم، لكونه عين الكون في المكان المغصوب، فعدم الإتمام في المشي على الأرض لا بدّ من أن يحمل على مغصوبية الأرض فقط.

و منها: ما إذا كان لابسا للمغصوب في سفره أو حاملا له، فالأقوى أيضا القصر لأنّ الكون النسبي المتعاقب القائم باللابس و الحامل غير الكون النسبي القائم باللباس و المحمول، و يستحيل اتحاد فرد من مقولة مع فرد آخر، و ليس الكون القائم باللابس و الحامل مقدمة للكون النسبي القائم باللباس و المحمول حتى يكون السفر مقدمة للحرام، بل هما متقارنان. و إرادة السير الموجبة لتحققه توجب تحقق مقارنة الذي هو معه فالسفر مقارن للغصب لا معنون به، و لا مقدمة له.

و التحقيق: أن الأكوان النسبية المتعاقبة القائمة بالشخص هي حركاته الاينية التي لازمها البعد عن المنزل و القرب من المقصد و هي حقيقة السفر المتقومة بتلك الحركات في الأين. و حركات اللباس و المحمول تابعة لحركات اللابس و الحامل.

و ليست التبعية إلّا للمقدميّة و لذا جعلت حركة اليد علّة تامة لحركة المفتاح، فنفي المقدمية بلا وجه.

نعم ليست حرمة المقدمة مناطا لوجوب القصر كما هي مناط عدم صحة الصلاة في اللباس المغصوب، لعدم اجتماع الحرمة و الوجوب مطلقا بل الملاك كون السفر لغاية محرمة و من الواضح إن سفر اللابس للمغصوب ليس إلّا لأجل تجارة أو زيارة لا لأجل تحريك المغصوب كي يكون السفر لغاية محرمة. فتدبّره فإنه حقيق به.

الأمر الرابع التابع للجائر يتصور على أقسام:

منها: أن يكون سفره بقصد الإعانة له على جوره، كما في سفره الى الحكومة في بلد.

و هذا سفر لغاية محرمة يجب فيه الإتمام.

و منها: أن لا يكون سفر الحاكم إلى معصية، بل إلى زيارة، لكن التابع يتبعه بعنوان أنه من جنده و أعوانه و ممتثلا لأمره، فإنه و إن كان تقلد هذا المنصب حراما كحرمة تقلد الحاكم و السلطان لهذا المنصب الذي لا يليق به، لكنه بمجرده لا يوجب حرمة سفره إلّا باعتبار أن نفس الحركة بعنوان تقوية شوكته حرام، فإنه ليس بأقلّ من تشييع السلطان، و لا من قصد السلطان إعظاما له و إن لم يقصد نيل المظالم منه كما ورد كلا الأمرين في الخبر. فالسفر حينئذ بنفسه حرام، لانطباق محرم عليه لا لكونه لغاية محرمة. و به يفترق عن مجرد المعيّة لأحد في الطريق للحاكم، و عمن امتثل أمره بالسفر معه للزيارة لا من حيث كونه من جنده المقوّين لشوكته.

و منها: ما إذا تبعه لكونه أجيرا له على الطبخ له أو سائر الأعمال المتعلقة بالحاكم بما هو إنسان بشري يحتاج إلى تلك الأعمال فإن إجارته صحيحة و العمل

له جائز فالسفر معه لا لغاية محرمة، و لا هو محرم بانطباق عنوان محرم عليه.

الأمر الخامس [في حكم الراجع من سفر المعصية]

الراجع من سفر المعصية إذا لم يتصف بعنوان محرم، أو لم يكن لغاية أخرى محرمة لا موجب للإتمام فيه. و هو من القضايا التي قياساتها معها و مجرد إطلاق سفر المعصية على الذهاب و الإياب من باب المسامحة العرفية بعد وضوح أنّ مسوّغ الإتمام منحصر في أحد الأمرين لا اعتبار به.

و التفصيل بين التوبة فيقصر و عدمها فيتم كما عليه غير واحد أيضا بلا وجه.

فإنّ التوبة لا يوجب كون السابق ملحقا باللاحق ليكون المجموع سفرا مباحا، لاستحالة انقلاب الشي‌ء عمّا وقع عليه، و إنّما التوبة ترفع أثر المعصية و هي العقوبة، كما أن ترك التوبة لا يوجب إلحاق اللاحق بالسابق ليكون المجموع سفرا محرما، لان ترك التوبة و إن كان معصية بناءا على وجوبها شرعا لا عقلا، لكنه ليس عنوانا منطبقا على السفر، و لا غاية مقصودة من السفر، بل معصية مقارنة للسفر المباح. و لا يجري هنا حديث استلزام السفر لترك الواجب لعدم المضادّة بين السفر و التوبة، كما كان بين السفر و ترك أداء الدين.

لكنه هذا كله إن كان الرجوع مسافة تامة، و إلّا فالإتمام مستند الى عدم قصد الثمانية لا الى كون السفر معصية، كما أنه لا أثر للتوبة حتى تتحقق مسافة ملفّقة.

الأمر السادس فيما إذا أنشأ سفرا مباحا ثمّ عدل الى قصد المعصية أو [بالعكس]

أنشأ سفر المعصية ثم عدل الى قصد الطاعة أو عدل عن الطاعة إلى المعصية ثم عدل إلى الطاعة، و بالعكس.

و تنقيح المقام يتمّ برسم مباحث:

الأوّل: إذا أنشأ سفرا لمباح ثم قصد غاية محرمة مثلا. و الكلام فيه تارة: في بقائه على التقصير أو يتم حال قصد المعصية. و اخرى: في أنّ إتمامه منوط بالتلبس

بالسير لغاية محرمة، أو يكفي مجرد قصد المعصية في الإتمام و لو قبل التلبس بالسير؟.

أمّا الكلام في الأول: فغاية ما يمكن أن يقال في وجه بقائه على القصر: ان شرائط القصر قد وجدت بتمامها من دون نقص، و ان الإتمام لا شرط له حتى يتوهم أنّه كما وجد شرط وجوب القصر وجد شرط وجوب الإتمام، و هو حرمة السفر، بل وجوب الإتمام في موارده لانتفاء شرط وجوب القصر، فالعدول عن المعصية شأنه انه لا يحسب سفرا مسوغا للقصر و لا متمما لما يجب فيه القصر، و المفروض عدم الحاجة الى كليهما، لانّ مسوّغ القصر موجود و هو استجماع السفر المباح لجميع شرائط القصر فلا حاجة الى مسوّغ آخر في هذا الجزء، و لان المفروض بلوغ المسافة المباحة لحدها الشرعي و هي ثمانية فراسخ فلا حاجة الى التتميم، و اشتراط الإباحة في الثمانية لا بشرط الزيادة لا يوجب اشتراطها في الزيادة، فإن معنى اللابشرطية عدم دخل الزيادة وجودا و عدما فيما ثبت للثمانية، لا أن مقتضاها ثبوته للزيادة. فإن معنى الإطلاق اللابشرطي القسمي رفض القيود، لا الجمع بين القيود.

و الجواب عنه: ان اشتراط الإباحة و عدم قصد غاية محرّمة، إن كان في المسافة الخاصة التي قصدها شرط، بحيث يكون شرطا في شرط وجوب القصر فالأمر كما أفاده المتوهم، و إن كان هو كسائر الشرائط شرطا في السفر العرفي من المنزل الى المقصد بحيث كانت الشرائط كلها متساوية النسبة إلى الموضوع المترتب عليه وجوب القصر، فاللازم إباحة السفر العرفي بتمامه لا خصوص مقدار المسافة الخاصة المعتبرة شرعا، كما هو مقتضى الأدلة، لأن مقتضى إطلاق دليل القصر في السفر قبل ملاحظة تقييده بما اعتبره الشارع شرطا لترتب القصر هو موضوعية السفر العرفي، و كما أن الشارع اعتبر فيه أن يكون ثمانية فراسخ، و أن يكون مقصودة من أول الأمر، و أن يستمر على قصده، و أن يتجاوز عن حد الترخص، كذلك اعتبر فيه أن يكون لا لغاية محرمة مثلا، فاذا انتفى شرط من هذه الشرائط، فإن كان شرطا للحدوث كقصد المسافة التي لا تنقص عن ثمانية فراسخ، و كالتجاوز عن حد الترخص، لم يحدث وجوب القصر، و إن كان شرطا للبقاء فقط، كاستمرار

القصد، أو شرطا للحدوث و البقاء معا فلا محالة ينتفي المشروط بانتفائه. و ما ذكرنا هي العمدة في دفع الاشكال، و إلّا فمجرد خروج السفر الغير السائغ و تقييد أدلة وجوب القصر غير واف بدفع الإشكال.

فإن قلت: مجرد كون الشرط قيدا لسفره العرفي لا يجدي، لإمكان كونه حيثية تعليلية لحدوث القصر، لا حيثية تقييدية لموضوعه حتى يدور بقاء الحكم مدار بقائه.

و ظاهر الأدلة اعتباره في إنشاء السفر فلا يعمّ ما إذا كان في أثنائه.

قلت: بعد تسليم أن الشرائط مأخوذة و معتبرة في السفر العرفي، فظاهر دليل إباحة السفر العرفي إباحة السفر بما هو، لا بجزء من السفر العرفي، فالسفر في معصية اللّه ما اتّصف بكونه في المعصية ما دام كونه سفرا. و ظهور الأدلة في إنشاء السفر لا ينافي كون الإباحة شرطا لحدوثه و بقائه فلا ندعي أنه شرط لبقاء الحكم وحده حتى يقال إنّه خلاف الظاهر، بل نقول شرط لحدوثه و بقائه. و لازم شرطية الإباحة لبقاء الحكم أنه إذا تبدلت المعصية إلى غيرها، أو من غير المعصية إليها لزم لكل منهما حكمه. هذا كله في عدم بقاء المسافر على القصر بعد تبدل الإباحة بالحرمة.

و أمّا الثاني: و هو اعتبار التلبّس بالسير بعد العدول إلى المعصية و عدم اعتباره.

فمبنى المسألة على أن السفر متقوم بخصوص السير حتى لا يكون مجرد قصد المعصية محققا للتلبس بالسفر الحرام، أو أن السفر حالة مستمرة من المنزل الى المقصد سواء كانت الحالة حالة السير أو حالة السكون. و مقتضى اعتبار قاطعية القواطع الثلاثة للسفر و اقتضائها تعدد السفر بحصولها في الأثناء، هو اعتبار هيئة الاتصال و الاستمرار في السفر، و إلّا فتعدد السير بتخلل السكون مما لا شكّ فيه، حصل أحد القواطع أم لا.

و التحقيق: أنّه كذلك إذ السفر هو البروز من المنزل الى المقصد و البعد عنه و التغرب عنه و هي حالة مستمرة الى أن يحصل ما يجعله بروزا آخر من المنزل.

و ما نزل منزلته. فاذا اتصف بروزه في حال من الأحوال بعنوان حرام أو بقصد غاية محرمة كان في هذه الحالة متلبّسا بالسفر المحرم، فيجب عليه الإتمام قبل التلبس بالسير. مضافا الى أن وجوب القصر في حال السكون كما أنّ الغالب فعل الصلاة في

تلك الحال مع وضوح أن القصر حكم المسافر يشهد بأنه في تلك الحال مسافر، و إلّا لكان مقتضاه علّيّة سيره المتقدّم لوجوب القصر فيما بعده لا شرطية السفر بنحو الشرط المقارن، لوجوب القصر كما هو الأصل في الشرطية.

و دعوى أن مجموع السير المتخلل بينه السكون هو الموجب للقصر، و إلّا فحقيقة السفر متقومة بالسير، غير ضائرة بما نحن فيه، لأنّ الفرض صدق السفر و المسافر عرفا أو حقيقة في حال السكون. و أمّا استفادة اعتبار التلبس بالسير مما ورد بعنوان انه «سير باطل»، أو «مسير باطل» كما في أخبار سفر الصيد فمدفوعة بأنه نظير ما ورد في أصل التقصير في السفر بأنه «مسيرة يوم» أو «بريدين»، فان نفس السير لا شرطية له بل المراد أن يكون المقصود مسيرة يوم أو مسيرا غير باطل، فاذا قصد ثمانية فراسخ تحقق الشرط، كما أنه إذا تحقق قصد مسير باطل تحقق ما اعتبر عدمه في وجوب التقصير، و من البين ان قاصد السير الباطل يجب عليه الإتمام، لا السائر سيرا باطلا. مضافا الى ما عرفت من أن وجوب الإتمام غير مشروط بشي‌ء و إنّما الشرائط لوجوب القصر، و مع انتفاء أحدها ينتفي وجوب القصر، و يجب الإتمام. و عليه فمع انتفاء قصد السير المباح لتبدله بقصد السير المحرم أو لغاية محرمة، ينتفي وجوب القصر في تلك الحالة فالاستدلال بقوله (عليه السلام): «إلّا أن يكون رجلا سفره في صيد أو في معصية اللّه الخبر» (1)و بأشباهه بدعوى أنه لم يتحقق منه سفر في معصية اللّه، مدفوع بأنّه لا حاجة الى حدوث سفر في معصية اللّه في وجوب الإتمام، بل الى عدمه في وجوب القصر.

فتدبر جيدا و اللّه أعلم.

المبحث الثاني: إذا أنشأ سفرا محرّما أو لغاية محرمة ثم عدل إلى الطاعة، و الثاني بمقدار المسافة و لو لمنفعة، وجب القصر لوجود جميع الشرائط الموجبة للقصر، و لا يجري فيه بعض ما توهّم في عكسه إلّا توهم ظهور الأدلة في إنشاء السفر و إحداثه مباحا أو حراما في اقتضاء القصر و الإتمام و قد تقدّم دفعه.


1) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

نعم بناء على انتهاء سفر المعصية بزوال قصد المعصية و حدوث موجب القصر بمجرد قصد الطاعة، يبقى الكلام في اعتبار حد الترخص هنا و مع اعتباره يلغو حديث كفاية قصد الطاعة أو لزوم التلبس بالسفر، إذ مع اعتبار حد الترخص يكون التلبس لازما لا لاعتباره في تحقق السفر، بل في تحقق وجوب القصر.

و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى أنّ حد الترخص في السفر من المنزل و ما نزل منزلته من الإقامة و التردد ثلاثين يوما لا في كل مبدأ لما يجب فيه القصر. و إطلاق قوله (عليه السلام) «فاذا مضوا قصّروا» في خبر منتظر الرفقة (1)بعد حصول التردد الموجب للإتمام شاهد على عدم اعتبار حد الترخص في نظير المقام مما هو مبدأ وجوب التقصير. و بقية الكلام فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

المبحث الثالث: فيما إذا أنشأ سفرا مباحا ثم قصد عنوانا محرما أو غاية محرمة ثم عدل الى ما قصده أوّلا من الغاية المباحة مثلا ففي لزوم كون الباقي مسافة شرعية، أو كفاية كون السابق و اللاحق المباحين بإسقاط المتخلل في البين مسافة، أو كفاية كون المجموع مما سار بقصد الطاعة و المعصية مسافة وجوه، بل أقوال.

وجه الأول: ما تقدم من توهم اعتبار استمرار القصد حقيقة بضميمة اعتبار إباحة المقصود المعتبر فيه الاستمرار.

و وجه الثاني: ما تقدم من عدم الدليل على اعتبار استمرار القصد حقيقة، بل اللازم كون ثمانية فراسخ مقصودة، و قطعها عن قصدها الى الآخر لبقاء السفر على وحدته بعدم تخلل أحد القواطع الثلاثة فراجع ما تقدم.

و وجه الثالث: أن المجموع مسافة مقصودة، و الإباحة و الحرمة يوجبان تبعّض المسافة في أحكامها من القصر و الإتمام فما دامت هذه المسافة مباحة يجب القصر، و إذا حرمت وجب الإتمام و إذا كانت مباحة أيضا وجب القصر و قوّاه الفاضل النراقي (قدّس سرّه) (2)و مال اليه بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) (3)لو لا مخافة


1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) مستند الشيعة: ج 1، ص 575.

3) الظاهر مصباح الفقيه ص 743.

الإجماع فراجع.

و أوسط الأقوال هو الأوسط. و اندفاع الوجه الأول واضح مما مر. و يندفع الوجه الأخير بأن اجتماع الشرائط في موجب القصر لازم و لا يكفي وجودها متفرقة فلا يجدي قصد الثمانية في كلّ جزء و الإباحة في بعض الأجزاء، و معنى شرطية الإباحة بقاء بحيث يدور وجوب القصر مدارها هو شرطيتها في كلّ ما يتقوم به المسافة المعتبرة في التقصير لا أنه شرط في بعض المسافة المحكومة بالقصر. و أمّا كفاية مجرد العدول ثانيا الى قصد غاية مباحة أو مع التلبس بمقدار من السير المباح فحال ما نحن فيه حال مسألة العدول من قصد غاية مباحة إلى غاية محرمة كما تقدم الوجه فيه نفيا و إثباتا. و عن الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1)«اعتبار التلبس هنا بجزء من السير المباح دون ما تقدم لتحقيق صدق أنه متلبّس بالسفر المباح» و هو منه غريب بعد اختياره «ان جميع أكوان المسافر حالات سفرية و إن الوحدة محفوظة بعدم تخلل القاطع» (2)فان مقتضاه إنه بمجرد عدوله إلى غاية مباحة يصدق عليه إنه فعلا في حالة سفر مباح.

نعم لو كان (قدّس سرّه) ملتزما بعدم اعتبار التلبس بالسير في خصوص ما إذا عدل من الطاعة إلى المعصية دون عكسه لأمكن إصلاح كلامه بوجه آخر و هو ما قدمنا من أن وجوب الإتمام غير مشروط بشي‌ء إلّا انتفاء موجب القصر. فالسفر المباح إذا انقضى بانقضاء السير المباح فقد لزم الإتمام بخلاف ما إذا عدل من المعصية إلى الطاعة (3)فإن مجرد قصده لا يجعله مسافرا بسفر مباح فيتضح ما أفاده هنا من لزوم التلبس بالسير المباح لكنه مبني آخر غير مبناه من كون جميع أكوان المسافر من سيره و سكوته حالات سفرية فراجع.

ثمّ إنه بناء على ما تقدّم من وحدة السفر و عدم تعدده إلّا بتخلل أحد القواطع الثلاثة لا فرق في العدول بين تبدّل الغاية المباحة و عكسها و بين بقاء تلك الغاية


1) ص 433.

2) في صفحة 432.

3) «إلى الطاعة من المعصية خ ل»

المباحة على حالها و حدوث غاية أخرى محرمة في أثناء السفر بقصد الغاية المباحة المحفوظة فان توهم أنه إنشاء سفر جديد، فلا بدّ فيه من التلبس بمقدار من السير المغيّر لعنوان السفر المباح أيضا كما عن الشيخ الأجل (قدّس سرّه) خلاف مبناه و خلف لما بنينا عليه و إن كان (قدّس سرّه) حكم بضعف الوجه الذي ذكره من عدم صدق التلبس بسفر المعصية إلّا بعد التلبس بمقدار من السير في المعصية فراجع (1).

و رواية السياري (2)الواردة في باب الصيد غير منافية لما ذكرنا كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

الأمر السابع إذا كان للسفر غاية مباحة و غاية محرمة،

فإن كانت إحدى الغايتين مستقلة في الدعوة و الأخرى تبعا محضا، كما إذا كانت الغاية الباعثة هي التجارة لكن من عزمه أن يرتكب بعض المعاصي هناك، أو كانت الغاية الباعثة هي السعاية على مؤمن لكن من عزمه أن يتجر بشي‌ء هناك فالحكم للغاية الباعثة. و أمّا التابع الذي لا دعوة له أصلا لا مستقلا و لا مشتركا مع الغاية الباعثة فلا تأثير له في القصر و لا في الإتمام و إنّما الكلام فيما إذا كان منهما في حد نفسه مستقلا في الدعوة بحيث لو كان وحده لأثّر في قطع المسافة، و لو لم يكن لم يقطع المسافة أو كان كلاهما مشتركين في التأثير.

و التحقيق: ان الحكم يدور مدار وجود الغاية المحرمة لما عرفت سابقا انّ وجوب الإتمام غير مشروط بشي‌ء، بل القصر مشروط، و بانتفاء أحد الشرائط يجب الإتمام و الذي هو شرط وجوب القصر ليس كون الغاية مباحة، بل عدم كون السفر لغاية محرمة كما هو مقتضى تقييد الإطلاقات بان لا يكون السفر لغاية من الغايات المحرمة و حيث إن المفروض وجود الغاية المحرمة المؤثرة إمّا مستقلا أو مشتركا


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 433.

2) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

و عدم تأثير للغاية المباحة في صورة الاستقلال فضلا عن صورة الاشتراك فاللازم الحكم بالإتمام مطلقا من دون حاجة الى بعض الاعتبارات و الاستحسانات كما عن بعض أجلة العصر (رحمه اللّه).

الأمر الثامن إذا سافر من تنجز عليه وجوب صلاة الجمعة

فالمعروف انّ سفره حرام لكونه مفوّتا للواجب المنجّز، و مقتضى حرمة سفره وجوب الإتمام عليه و إن سفره كلا سفر و وجوب صلاة الجمعة عليه في مثل هذا السفر، فيلزم من كونه مفوّتا للواجب عدم كونه مفوّتا للواجب كما يلزم من حرمته عدم حرمته لعدم الموجب لها إلّا تفويت الواجب و المفروض عدم التفويت.

و الكلام تارة في المبنى و هو لزوم التفويت بسفره حتى يحرم لكونه مفوّتا، و اخرى فيما رتب على هذا المبنى من المحذور المحال.

أمّا الكلام في الأول: فهو ان السفر ضد الحضور الذي هو شرط للواجب فهو ضد للشرط بالذات و للمشروط بالعرض، و وجود الضد ملازم لعدم الشرط و المشروط لا مقدمة لهما، و كون هذا اللازم تارة يمكن تداركه كما في ترك أداء الدين مع المطالبة و المسافرة و اخرى لا يمكن تداركه كما في فعل الجمعة حيث إنه يفوت مع السفر و لا يمكن تداركه، لا يخرج الاستلزام عن كونه كذلك، و لا يجعل غير المقدمة مقدمة، و لا يقاس بإهراق ماء الوضوء، فإنه إعدام لما يتقوم به الوضوء لا أنه ضد له و عليه فتفويت الجمعة حرام ملازم للسفر فالسفر مباح و لا يلزم منه محذور.

و أمّا الكلام في الثاني: فمختصر القول فيه ان السفر الذي لا يجوز فيه فعل الجمعة هو السفر الذي يجوز فيه التقصير دون مجرد قطع ثمانية فراسخ خارجا، و مثل هذا السفر هو المفوّت للجمعة الواجبة و مثل هذا التفويت هو المحرم. و ما يترتب على شي‌ء يستحيل أن يكون مانعا عنه لان فرض مانعيته فرع وجوده و فرض وجوده المترتب على وجود شي‌ء فرع وجود ذلك الشي‌ء فكيف يمكن أن يكون مانعا عن وجوده، فمثل هذه الحرمة المتأخرة عن جواز التقصير المأخوذ في السفر بمرتبتين لا

يعقل أن يكون مانعا عن جواز التقصير فيستحيل أن تعمه أدلة وجوب الإتمام في السفر الحرام و عليه فالسفر حرام و تفويت الجمعة حرام إلّا أن مثل هذا السفر المحرم يجب فيه التقصير و لا يعقل أن يجب فيه الإتمام، فلا يلزم محذور لزوم عدم التفويت من وجوده، و لا محذور عدم الحرمة من وجودها.

الأمر التاسع إذا نذر الإتيان بصلاة تامّة في يوم معين

فله صور:

الأولى: أن ينذر الصلاة التامة على النحو الواجب عليه من كونه مشروطا بالحضور حدوثا و بقاء فيتأكد وجوبها، و له تبديل الحضور بالمسافرة فلا يلزم منه حنث لنذره مع سفره، و إنّما يحنث إذا كان حاضرا و لم يصلّ الصلاة التامة.

الثانية: أن ينذر الصلاة التامة حضرا بحيث يكون الخاص منذورا له، فيحل نذره الى نذر الإتمام و ترك المسافرة فيحنث بمجرد تبديل الحضور بالمسافرة و قطع المسافة الخاصة و تمكنه من إتمام صلاته المفروضة في السفر الحرام لا يجدي لأن المفروض تقيدها بالنذر بخصوص الحضور المضاد للمسافرة العرفية، فلا يلزم منه المحذور المحال المتقدم.

و الثالثة: أن ينذر الإتمام المشروط بترك السفر الذي يجوز فيه التقصير في نفسه مع قطع النظر عن النذر، فيحنث بمجرد السفر الشرعي و لا يلزم منه محذور لان حنث نذره مستند الى فوات الشرط بنفس السفر لا إلى حرمة الحنث الناشئة من قبل النذر.

و الرابعة: أن ينذر الإتمام المشروط بالحضور في قبال السفر الذي يجوز فيه القصر حتى بلحاظ النذر، و شرط مثله محال لعدم التمكن من السفر الذي يجوز فيه القصر حتى بلحاظ حكم النذور فتركه غير مقدور فلا يصح النذر في نفسه مع ان الحرمة المترتبة على النذر لا يعقل أن تؤخذ في موضوعه و في هذه الصورة حيث لا ينعقد النذر لا يحرم السفر و لا حنث أصلا.

و مما ذكرنا تبين إن المحذور المتقدم في المسألة المتقدمة غير جار في شي‌ء من

فروض النذر و إن حرم السفر في الصورة الثانية و الثالثة و وجب إتمام ما عدا المنذور فيه فما عن بعض اجلة العصر (رحمه اللّه) من إجراء حكم المسألة السابقة من حيث المحذور المحال في نذر الإتمام في يوم معين بلا وجه في تمام صور النذر كما عرفت.

الأمر العاشر هل المدار في حرمة الغاية أو نفس السفر،

على الحرمة الواقعية أو على الأعم من الواقعيّة و الظاهرية أو على الأعم من الواقعية و الاعتقادية؟ وجوه، و يمكن أن يقال إن الحلّيّة و الحرمة و إن كانتا واقعيتين و لا اعتبار بالحرمة الاعتقادية و لا الظاهرية المخالفة للواقع، إلّا أن السفر لغاية محرمة، يكفي في موضعيته لوجوب الإتمام كون العلة الغائيّة ما اعتقده حراما.

و توضيحه: ان ترتب الغاية المحرمة على السفر واقعا ليس مناطا للإتمام ما لم يكن علة غائيّة له، فلو سافر للزيارة و نال مالا حراما بحيث لو لا سفره لما ناله فان السفر محكوم بالقصر قطعا حتى مع الالتفات إذا لم يكن باعثا على سفره. كما أن عدم ترتب الغاية المحرمة ليس مناطا للقصر كما إذا سافر للسرقة فلم يظفر بالقافلة ليتمكن من السرقة فإنه و إن لم يصدر منه هذه الغاية المحرمة، إلّا أن العلة الغائيّة الباعثة على سفره. هذا حيث كان عنوان غاية محرمة يجب عليه الإتمام. و السرّ فيه ان الباعثية للغاية لا موطن لها إلّا في أفق النفس لا في الخارج فوجودها خارجا و عدمها على حد سواء فلا وجودها خارجا ملاك باعثيتها، و لا عدمها خارجا مضرّ بعليتها في أفق النفس و إذا كان كذلك فأيّ فرق بين أنحاء تخلّف الغاية، فتارة لا مال ليسرقه، و اخرى المال ماله فلا يتحقق السرقة. و كذا إذا سافر لنيل مال من ظالم فتارة لا يصادف الظالم لينال منه، و اخرى لم يكن ظالما ليكون نيل المال من الظالم. و ليست الغاية المحرمة بما هي محرمة مناطا للحكم، بل نيل المال من الظالم و السعاية على مؤمن و سرقة مال الغير و أشباهها مناط الحكم. و كل هذه العناوين مقصودة و لها الباعثية له على السفر. فعدم صدور الحرام للتخلف بأحد الوجوه معنى،

و عدم عليته الغائيّة معنى آخر. و الكلام هنا في الثاني كما أن مورد البحث في باب التجري هو الأوّل، بل أمر العناوين المحرمة المنطبقة على سفره كذلك، فان ترتبها الواقعي و عدمه مناط حرمة السفر واقعا و عدمها، إلّا أن مناط وجوب الإتمام قصد تلك العناوين بسفره، فلو سافر بعنوان تشييع الظالم فقد قصد عنوانا محرما بسفره، و إن تخلف عنه العنوان إمّا لعدم اللحوق بالظالم ليكون سيره عقيب سيرة، أو لعدم كونه ظالما. فالمراد من السفر في معصية اللّه تعالى السفر بقصد أحد عناوين المعاصي.

و أمّا ما قيل من صدق المعصية بمخالفة النهي الشرعي الظاهري فلا يتم إلّا على الموضوعية. و أمّا على الطريقية فلا بدّ من أن يكون الحكم المماثل المجعول مقصورا على صورة مصادفة الواقع. و أمّا ترتب العقاب على مخالفته كترتبه على التجري لاشتراكهما مع المعصية الحقيقية من حيث الخروج عن زي الرقيّة و رسم العبوديّة فهو أمر آخر غير كون السفر محرما أو معصية. فتدبّر.

و على هذا يقوى القول بوجوب الإتمام عند تخلف الغاية أو عنوان الحرام.

و الاحتياط لا يترك على اي حال.

الأمر الحادي عشر إذا سافر في شهر رمضان بقصد المعصية ثم عدل الى قصد الطاعة

فإن كان العدول قبل الزوال وجب الإفطار لأنه مسافر قبل الزوال بقصد الطاعة، و إن كان العدول بعد الزوال ففيه وجهان:- كما عن بعض أجلة العصر (رحمه اللّه).

أحدهما: الإتمام نظرا الى أن سفره قبل العدول كلا سفر فهو من حين عدوله مسافر لا يمشي في المعصية فيجب عليه الإتمام كمن أنشأ السفر المباح بعد الزوال.

ثانيهما: الإفطار نظرا إلى أنّه مسافر على الفرض قبل الزوال فما دام على المعصية يصوم و ما دام على الطاعة يفطر، و إن أدلة السفر بعد الزوال لا تعمه لظهورها فيمن سافر بعد الزوال.

و التحقيق ما مرّ منّا مرارا من أن الإتمام غير مشروط بشي‌ء، بل القصر. و من

أن اجتماع الشرائط متفرقة في سفر واحد لا أثر له بل مجتمعة، و عليه فنقول: وجوب الإفطار زيادة على وجوب القصر في الصلاة وجب الإفطار و مع انتفاء بعضها لا يجب، و أمّا السفر بعد الزوال سواءا كان واجدا لشرائط القصر أم لم يكن واجدا لها، فهو موجب الإتمام لانتفاء شرط الخروج قبل الزوال. فالعدول إذا كان بعد الزوال لا أثر له، حيث إنّ ابتداء السفر فيه أيضا لا أثر له. و أمّا ضم الخروج قبل الزوال الى العدول بعد الزوال فهو لا يوجب استجماع السفر لشرائط الإفطار، إذ حال حصول هذا الشرط لم يكن الشرط الآخر موجودا و حال العدول لا خروج قبل الزوال ليجب الإفطار. و منه تبين الخلل في كلا الوجهين المذكورين.

و إذا سافر في شهر رمضان سفرا سائغا فعدل إلى المعصية، فإن كان قبل الزوال و قبل الإتيان بمفطر وجب إتمام الصوم لا لأنه كالمسافر الذي حضر قبل الزوال، لعدم الدليل على مثل هذا التنزيل بل لأن جواز الإفطار لمن سافر قبل الزوال مشروط بأن لا يكون لغاية محرمة حدوثا و بقاء، و انتفاء الشرط قبل الزوال يوجب انتفاء جواز الإفطار. و ليس وجوب الصوم في السفر مشروطا بكونه محرّما حتى يقال إنّ ظاهر أدلته وجوب الصوم في السفر الذي مجموعه محرّم لما مرّ آنفا.

الأمر الثاني عشر إذا سافر طلبا للصيد

فهو على أنحاء ثلاثة: فتارة يطلب الصيد لهوا للتنزّه، و أخرى لقوته و قوت عياله، و ثالثة للتجارة و طلب زيادة المال لا للتكسّب لقوت العيال.

أمّا الأول: و هو طلب الصيد لهوا فهو بهذا العنوان منصوص كما في صحيحة زرارة (1)و غيرها. و البحث عن أنه داخل في السفر لغاية محرمة أم لا، أجنبي عما نحن فيه لأنه بعنوان موجب للإتمام سواء كان هذا اللهو أو مطلق اللهو حراما أم لا. و إن كان ظاهر عنوان الشرائع (2)إدراجه في سفر المعصية حيث مثّل له باتباع


1) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الشرائع: ص 32.

الجائر و صيد اللهو، بل ربما يستشعر ذلك من تعبيرهم (عليهم السلام): «بأنه مسير باطل» (1)و «سفر باطل» (2)و «مبتغي باطل» (3)إلّا أنّ معاملة الخروج الى الصيد للسفر في معصية اللّه كما في صحيحة حماد (4)و تغيير التعبير بقولهم (عليهم السلام): «مسير باطل» و تعليلهم (عليهم السلام) «بأن المؤمن لفي شغل من ذلك، شغله طلب الآخرة عن الملاهي» (5). كل ذلك شاهد على عدم الحرمة و اللّه العالم و بهذه الطائفة من الاخبار تقيد المطلقة الآمرة بالإتمام في سفر الصيد.

و توهم التفصيل من بعض الاخبار كخبر عبد اللّه بن سنان عن الرجل يتصيد فقال (عليه السلام): «إن كان يدور حوله فلا يقصر، و إن كان تجاوز الوقت فليقصر» (6).

مدفوع بأنه من الاخبار المطلقة من حيث القصر في سفر الصيد لعدم تقيده باللهو. و مراده (عليه السلام): إن طالب الصيد إن كان يدور حول بلده فعليه الإتمام لعدم السفر، و إن كان تجاوز حد الترخص وجب عليه القصر لصدق الوقت و الميقات على المحدود بحد زماني أو مكاني و من الثاني مواقيت الحاج و منه قوله تعالى «وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ» (7)فان الظاهر ارادة جبل الطور المعين للمكالمة. و من الأول مواقيت الصلاة و منه قوله تعالى «فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (8).

نعم يجب تقييد وجوب القصر بما إذا لم يكن للتنزه و اللهو، و ليس من الاخبار المشكلة التي يجب ردها إلى أهله كما عن بعض أجلة العصر (قدّس سرّه)


1) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

4) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

5) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

6) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

7) الأعراف: 142.

8) الأعراف: 143.

نعم من الاخبار المشكلة رواية أبي بصير: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيّام و إذا جاوز الثلاثة لزمه» (1)و هو محمول على التقية من أولي الشوكة المتعادين للتنزه بالتصيّد عن الثلاثة، و حيث إنّ غرضهم مجرد التنزّه لا جمع الصيد فلا يتجاوز سفرهم غالبا عن الثلاثة، و حيث إن غرض المتكسب بطلب الصيد جمع الصيد لئلا يحتاج كل يوم إلى السفر، فلذا يتجاوز سفره لجمع الصيد عن الثلاثة و اللّه أعلم.

و من الاخبار المنافية بظاهرها للأخبار المطلقة و المقيدة رواية السيّاري و فيها «صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة و إذا عدل عن الجادة أتمّ، و إذا رجع الى الجادة قصر» (2)فإنه إن خرج لطلب القوت قصّر سواء كان على الجادة أو ذهب عنها يمينا و شمالا و إن خرج لاهيا أتمّ سواء كان على الجادة أم لا، و لذا حملت الجادة على جادة الحق لا جادة الأرض، بمعنى إن كان سفره سفر حق قصر و إذا عدل عن الحق إلى الباطل بطلب اللهو و التنزه أتم. و الاولى حملها على من خرج لغاية أخرى مباحة و في أثناء الطريق بدا له الذهاب في طلب الصيد الذي هو عادة اللهو، لان المفروض إن سفره لغاية أخرى. و عليه فاذا عدل عن الطريق للصيد لهوا أتم، و إذا رجع قصر. و المراد من الرجوع الى الجادة الرجوع من ذهابه في طلب الصيد لا وصوله إلى الجادة لينافي ما مرّ من أن الراجع من سفر المعصية يقصّر. كما أن المتعارف ممن يطلب الصيد للتنزّه رجوعه مقارنا للعزم عليه لا لاشتراط القصر بالتلبس بالرجوع لينافي ما قوّيناه من انقطاع الحكم بالإتمام بمجرد تبدّل قصد المعصية بقصد الطاعة.

و أمّا الثاني: و هو طلب الصيد لقوته و قوت عياله، فوجوب القصر في سفره منصوص في صحيح عمران بن محمد بن عمران «قال (عليه السلام): إن خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و يقصّر» (3)و كذا في المنقول من كتاب زيد النرسي (4)


1) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

3) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

مضافا الى خروجه عما حكم عليه بالإتمام من طلب الصيد يريد به لهو الدنيا.

و أمّا الثالث: و هو طلب الصيد للتجارة و زيادة المال فهو محل الخلاف بين المتقدمين و المتأخرين، فالمتقدمون على التفصيل بإتمام الصلاة و الإفطار، و المتأخرون على القصر و الإفطار، كما هو مقتضى الملازمة المتفق عليها نصا و فتوى.

و ما يمكن أن يكون مستندا للتفصيل ما أرسله الشيخ في المبسوط من أنه «روى أصحابنا إنّه يتم الصلاة و يفطر الصوم» (1)و قد نصّ بذلك ابن إدريس الذي لا يعمل بخبر الواحد بقوله: «روى أصحابنا بأجمعهم: أنه يتم الصلاة و يفطر الصوم» ثم قال: «و كل سفر، أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه إلّا هذه المسألة فحسب، للإجماع عليه» (2)و ليس للمتأخرين إلّا قاعدة الملازمة الكلية القابلة للتخصيص بمثل هذا المرسل المنجبر بشهرة القدماء مستندين إليه في مقام الفتوى، و لم يعلم من المتأخرين إعراض عنه بل مستندهم قاعدة الملازمة.

و أمّا ما في الفقه المنسوب الى مولانا الرضا (سلام اللّه عليه) في باب صلاة السفر (3)من التفصيل بين الصلاة و الصوم المذكور فهو معارض بما في باب الصوم حيث قال: «و إن كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة و الصوم» (4)، فيبعد أن يكون مستند القدماء في التفصيل هذا الكتاب مع ما فيه من الاضطراب.

كما أن صحيح عمران بن محمد بن عمران أيضا مناف للتفصيل و موافق لما في صوم الفقه الرضوي حيث قال: «قلت له الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم قال (عليه السلام) إن خرج لقوته أو قوت عياله فليفطر و يقصر و إن خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة» (5)أي لا يقصر و لا يفطر بناء على إرادة فضول المال لمقابلته مع الفوت و الحاجة، لكنه بهذا التعميم لم يقل به أحد فيمكن


1) المبسوط: ج 1، ص 136، كتاب صلاة المسافر.

2) السرائر: كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر، ص 73

3) فقه الرضا: ص 162، باب صلاة المسافر.

4) فقه الرضا: ص 208، باب نوافل شهر رمضان و دخوله.

5) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

إدراجه في ما أعرض عنه الأصحاب. و أمّا إذا أريد بالفضول ما لا ينبغي صدوره من المؤمن فهو مساوق لصيد التنزه كما يناسبه قوله (عليه السلام) «و لا كرامة» و إلّا فصيد التجارة و لو كان موجبا للإتمام ليس من الباطل، فإنّ طلب زيادة المال مباح، بل ربما يكون راجحا.

و الإنصاف أن المسألة غير صافية من الاشكال، و ليس القول بالتفصيل ضعيفا جدا كما أفاده بعض المشايخ (قدّس سرّه) فلا ينبغي ترك الاحتياط في الصلاة، فتدبّر.

المسألة الخامسة [في اعتبار ان لا يكون بيته معه]

في الشرط الخامس و هو أن لا يكون بيته معه، و الظاهر من غير واحد من أرباب الكتب إدراجه في الشرط الآتي مع أنه بعنوانه منصوص بتعليل هو كالكبرى الكليّة المغايرة لكبرى الشرط الآتي، و مقتضى الاعتبار أيضا ذلك، إذ من كان بيته معه و منزله معه كما في النصوص فهو غير مسافر لأنه غير بارز عن منزله و لا بعيد، و لا متغرّب عنه كيف و منزله معه فهو في منزله حال سيره كحال سكونه، فليس هذا الشرط في الحقيقة شرطا في السفر الموجب للقصر، بل محقق للسفر. فاعتبار عدمه للتنبيه على أنه بدونه لا يكون مسافرا حقيقة، بخلاف سائر الشرائط فإنها شرائط لوجوب القصر في السفر المفروغ عن سفريّته و الأصل في هذا المسمى بالشرط ما في الصحيح: «الأعراب لا يقصّرون و ذلك ان منازلهم معهم» (1)و في آخر: «عن الملّاحين و الأعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: لا، بيوتهم معهم» (2).

و لا يخفى عليك أن مقتضى هذا العنوان المأخوذ موضوعا للحكم دوران الحكم مداره. و اختلاف الأغراض و الغايات للسير، أجنبي عن اختلاف موضوع الحكم.


1) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

فمن كان بيته معه يتمّ و إن كان سيره للزيارة أو لغيرها، و من لم يكن بيته معه يقصّر و إن كان سيره لتحقيق حال المكان الصالح من حيث الماء و الكلاء. و ما في بعض الاخبار: «و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر» (1)فهو ليس تحديدا للموضوع المحكوم بالإتمام بحيث لو لا طلب الماء و الكلاء لم يجب عليه الإتمام، بل لبيان أنه لا منزل له كغيره، بل منزله بيته فيرتحل بمنزلة إلى مواضع الماء و الكلاء، و مجرد كونه في أرض كذا لا يجدي في صيرورتها منزلا له، كما لا يكون سكناه في العراق مثلا مصححا للمنزلية إلّا بعد اتخاذ محل مخصوص منزلا و مقرا لنفسه. و في بعض الأخبار إلحاق الملاحين بالأعراب (2)، و في بعضها «أصحاب السفن يتمّون الصلاة في سفنهم» (3)و كلاهما محمول على من لا منزل له إلّا سفينته كما هو المتعارف في أصحاب السفن الكبار التي فيها عيالهم و ما يتعيشون به، لا مطلق من كان ملاحا أو صاحب السفينة إلّا باندراجه في الشرط الآتي و كون السفر عملا له لا من حيث كون السفينة منزلا له، كما نص به في رواية الخصال عن ابن أبي عمير (4).

المسألة السادسة [في اعتبار كون السفر عملا له]

اشارة

في الشرط السادس و هو على ما عن غير واحد أن لا يكون كثير السفر، و عن المحققين كما هو المستفاد من الاخبار أن لا يكون السفر عملا له، و كونه شرطا لحدوث القصر أو شرطا لبقائه و استمراره، فيه خلاف، فان كان بالإضافة إلى الكثرة من قبيل السلب المقابل للإيجاب كان شرطا للحدوث مطلقا، فإن كل


1) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

3) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

4) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12، و في الخصال ج 1، ص 302- باب الخمسة (خمسة يجب عليهم التمام في السفر).

مسافر لم يكن معنونا بأحد تلك العناوين الآتية، في سفره يقصر لأنه غير كثير السفر، و إن كان من قبيل العدم المقابل للملكة فلا يتصوّر عدم الكثرة إلّا فيمن شأنه كثرة السفر. فالمسافر سفرتين لم يكن معهما إقامة العشرة كثير السفر، و المسافر الذي تحقق منه السفر لكنه إمّا لم يتعدد و إمّا كان بينهما إقامة فهو غير كثير السفر.

و في مثله ربما يتوهم أن عدم الكثرة شرط لاستمرار القصر، كما نقل عن المقاصد العليّة (1)بتخيل انه مع السفرة الأولى يجب عليه القصر، و كذا في الثانية، فإذا أقام بعدهما استمر قصره و إلّا انقطع و ثبت الإتمام مع انّك قد عرفت سابقا أن الحدوث و البقاء يلاحظان بالإضافة إلى سفر واحد و ذلك الواحد، الذي يترتب منه القصر هي السفرة الثالثة، فإنه مع اختلال السفرتين بالإقامة يحدث لها القصر و إلّا فيحدث له الإتمام. و منه تبيّن أنّه لا يعقل أن يكون هذا الشرط شرطا لاستمرار القصر، إذ مع الإقامة بعد السفرتين يتعدّد السفر شرعا فلا استمرار، و مع عدمها يحدث وجوب الإتمام.

فما عن الشيخ الأجل (2)(قدّس سرّه): من توجيه الاستمرار بإرادة السفر الشرعي، غير مفيد، فإنه و إن اتّحد السفر شرعا بعدم القاطع و تعدّد بتعدّد المقاصد إلّا أنّه لا يعقل معه استمرار القصر لما مرّ.

نعم من يقول بكفاية اتخاذ أحد العناوين الآتية حرفة في وجوب الإتمام له أن يتعقّل شرطية ذلك حدوثا و بقاء لإمكان الاتخاذ حرفة في ابتداء السفر و في أثنائه و حينئذ فعدمه ابتداء شرط لحدوث القصر، و عدمه بقاء شرط لبقائه.

و كيف ما كان فتنقيح المرام في هذا الشرط بتوضيح الكلام في أمور:

الأمر الأول [في أنّ كثرة السفر إنّما هو من كلمات الأصحاب دون أخبار الباب]

إنّ كثرة السفر بما هي أو كون سفره أكثر من حضره إنّما هو في كلمات


1) المقاصد العلية: ص 120، في بحث صلاة المسافر.

2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 392.

الأصحاب دون أخبار الباب، بل المدار في أخبار الباب على أحد أمرين: إمّا تحقّق عناوين المكاري و الجمّال و التّاجر الذي يدور في تجارته و نحوها كما هو مفاد جملة منها، و إمّا كون السفر عملا له كما هو مقتضى جملة من النصوص منها قوله (عليه السلام): «أربعة يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، و الكرى، و الراعي، و الاشتقان (1)لأنه عملهم» (2)و لا منافاة بين الطائفتين إذ مجرد الحكم بالإتمام في الطائفة الاولى لا يأبى عن أن يكون باعتبار نفس تلك العناوين، أو باعتبار اندراجها تحت جامع كما هو مقتضى الطائفة الثانية، و التعليل فيها بمنزلة الكبرى الكلّية التي ذكرت لإدراج تلك العناوين فيها، بل غيرها أيضا ممن يكون السفر عملا له. و عليه فالمدار في هذا الشرط على أن لا يكون السفر عملا له، لا على عدم كثرة السفر، و لا على عدم اتصافه بأحد تلك العناوين بما هي.

الأمر الثاني [المدار في وجوب الإتمام على كون السفر عملا لمن يتم]

بعد ما عرفت من أنّ المدار على الكليّة المستفادة من التعليل، فهل المراد منه أن كل من كان السفر عملا له يتم، أو أنّ كلّ من كان تلك المبادئ من المكاراة و التجارة و نحوها عملا له يتم إذا سافر في عمله و يترتب عليهما ثمرات سننبّه عليها إن شاء اللّه تعالى.

و الذي فهمه الأصحاب هو الأول. و الذي قوّاه بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) هو الثاني. و لعله لذكر المبادئ في ضمن، مشتقاته المذكورة في الرواية فيصح رجوع الضمير في قوله (عليه السلام) «لأنه عملهم» إليها دون السفر الذي لم يذكر فيها و الصحيح هو ما فهمه الأصحاب لأن قوله (عليه السلام) «لأنه عملهم» تعليل بأمر واحد متساوي النسبة الى جميع الذوات المعنونة بتلك العناوين، و ليس ذلك إلّا السفر فإنه عمل الكل. و أما المبادئ فكل مبدء عمل لواحد منهم و إرجاع


1) قيل هو الأمير الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، و قيل الاشتقان، البريد، و في الذكرى: أمير البيدر، و البيدار الموضع الذي يداس فيه الطعام، مجمع البحرين مادة شقن.

2) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، مع اختلاف يسير.

الضمير الى عنوان المبدأ بالحمل الاوّلي ممّا لا ينبغي التفوّه به. و تقوّم تلك العناوين بالسفر مصحّح جعل السفر عملا لهم، و إلّا فالسفر بما هو ليس عملا لأحد.

الأمر الثالث [الكلام فيما به تتحقق عملية السفر]

بعد ما عرفت من أن المدار في وجوب الإتمام على كون السفر عملا لمن يتم، يقع الكلام فيما به تتحقق عملية السفر.

و توضيحه: انّ السفر و إن كان عملا من الأعمال إلّا أنّه لا يراد قطعا من عمليّة السفر هذا المعنى و إلّا لكان كل مسافر كذلك، بل لا يصدق كون شي‌ء عملا له و شغلا له إلّا باتخاذه حرفة له، و اتخاذ عمل حرفة و إن كان قصديّا إلّا أنه ليس تمام حقيقة القصد، بل لا بدّ من التلبّس بما اتخذه حرفة له حتّى يكون محترفا خارجا. و لا يخفى أيضا أن اتخاذ عمل حرفة لا يكون إلّا بالعزم عليه طول السنة أو معظمها- مثلا- فلا معنى لاتخاذ المكاراة في سفر واحد أو اثنين حرفة، فالتكرر مما يتقوّم به الاحتراف و اتخاذ عمل حرفة، و من البين أن كون العمل المكرر حرفة أمر، و اعتبار تكرر العمل المتّخذ حرفة مرتين أو ثلاث في وجوب الإتمام أمر آخر، مع وضوح أنّه لو عزم على المكاراة في سفرتين أو ثلاث أو أربع- فقط- لا يحقق الاحتراف، و لا يوجب الإتمام. بل لا بدّ من البناء على العمل المكرر في طول السنة أو معظمها على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى. و اعتبار التكرر بهذا المعنى خارجا غير صحيح، لأنّه إن كان بنحو الشرط المتقدم أو المقارن لزم عدم الإتمام إلّا بعد مضي السنة أو معظمها، و إن كان بنحو الشرط المتأخّر لزم بطلان الإتمام واقعا مع عدم التكرر خارجا في السنة مثلا، مع أنه من المتّفق عليه صحة الإتمام بعد ثلاث سفرات واقعا و إن أعرض بعده عن المكاراة مثلا. فيعلم من جميع ذلك أنّ المسوّغ للإتمام اتخاذ العمل المكرر حرفة مع تلبّسه بالعمل الذي اتخذه حرفة، و اعتبار أزيد من ذلك يحتاج الى دليل.

و ما يستند إليه في اعتبار التكرر خارجا روايتان:

إحداها: مكاتبة ابن جزك «قال: كتبت الى أبي الحسن الثالث (عليه

السلام) أنّ لي جمالا و لي قوّاما عليها و لست أخرج فيها إلّا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع، فما يجب عليّ إذا أنا خرجت معهم أن أعمل؟

أ يجب عليّ التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام؟ فوقّع (عليه السلام) إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كلّ سفر إلّا في طريق مكة فعليك القصر و الإفطار» (1).

و الجواب: أن ظاهرها الملازمة و الخروج معها في كلّ سفر، فإن أريد به الملازمة و الخروج خارجا بحيث يكون شرطا لحدوث وجوب الإتمام فقد عرفت أنه بجميع أنحاء الشّرطيّة من المقارن و المتقدم و المتأخر غير صحيح لأنه خلاف المتفق عليه بين الأصحاب، و إن أريد به الملازمة و الخروج في مقام اتخاذ المكاراة حرفة في قبال اتخاذ نفس كري الدّواب حرفة من دون الخروج معها فهذا غير مفيد لاعتبار السفرتين أو الثلاث. و ظاهر السؤال يساعد الثاني حيث إنه غير عازم على الخروج إلّا في طريق مكة- مثلا- و هذا غير مفيد في اتخاذ السفر شغلا و حرفة، و أمّا إذا أريد الملازمة و الخروج خارجا بعد اتخاذ العمل المكرّر حرفة بحيث تكون الملازمة و الخروج شرطا لحدوث وجوب الإتمام و لبقائه فهو غير ضائر بنا، لأن مقتضاه أن الخروج في السفرة الأولى شرط للحدوث، و الخروج بعدها شرط للبقاء، فلا دلالة له على اعتبار السفرتين أو الثلاث في حدوث وجوب الإتمام.

ثانيتها: صحيحة هشام و هي: «المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام، يتمّ الصلاة و يصوم شهر رمضان» (2).

و تقريبها: أن الاختلاف هو التردد إلى الشي‌ء بالذهاب و الإياب ثمّ العود إليه، فتدل على اعتبار السفرتين في حدوث وجوب الإتمام.

و الجواب: أن الاختلاف المأخوذ في موضوع الحكم غير مختص بمرّة، بل ما دام مكاريّا، فحاله حال الرواية الاولى من حيث كون اختلاف خارجا شرطا مقارنا


1) الوسائل: ج 5، ص 518، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4، مع اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

أو متقدّما أو متأخّرا، غير صحيح و اتخاذ العمل الذي يختلف فيه غير مجد في اعتبار السفرتين أو الثلاث خارجا.

نعم اعتبار الاختلاف خارجا شرطا للحدوث و البقاء، يجدي في اعتبار السفرتين، و ليس كاعتبار الخروج مع الدّواب بحيث يتحقق بالسفرة الأولى إلّا أن اعتبار الاختلاف بقاء كاعتباره حدوثا، يقتضي تحقق سفرتين في البقاء أيضا زيادة على اعتباره في الحدوث بمعنى الإتمام في السفرة الثالثة، ثمّ في الخامسة، ثمّ في السابعة، و هكذا، و لا يقول به أحد. و لو جعلنا ما يتقوّم به الاختلاف في المرتبة الأولى مقوّما في المرتبة الثانية و هكذا، اندفع المحذور و وجب الإتمام، بقاء لتحقّق الاختلاف دائما، إلّا أنه لا يقول أحد بلزوم أصل الاختلاف في غير المرتبة الأولى حتى يكتفي في تحقّقه في سائر المراتب بجعل المقوّم له في كلّ مرتبة مقوما له في مرتبة تليها.

فالمظنون قويّا أن المراد من الاختلاف هو ما عبّر عنه في الرواية الأولى بالملازمة و الخروج مع الدّواب في كلّ سفر، و التعبير بالاختلاف في المكاري لنكتة، و هي أن الغالب أن المكاري يشتغل بالمكاراة في طريق خاص كالمكاراة من النجف الى كربلاء، فتكرر العمل ملازم للاختلاف. و اتضح من جميع ما ذكرنا أن المحقّق لعملية السفر اتّخاذه شغلا و حرفة و التلبس به فقط فيتم في السفرة الثانية، بل لو لا مخافة مخالفة المشهور كان مقتضى القاعدة الإتمام في السفرة الأولى، لأنّ الأصل في الشرط أن يكون شرطا مقارنا، لا شرطا متقدّما حتى لا يجب الإتمام إلّا بعد التلبس زمانا إذ لم ينقل القول بالإتمام في السفرة الأولى إلّا من ابن فهد في الموجز (1)، و ربما ينسب الى ابن إدريس (2)أيضا.

نعم من يجعل المدار على كثرة السفر فأوّل مراتب الكثرة هي السفرات الثلاث. و حينئذ إن كانت الكثرة بنحو الشرط المقارن وجب الإتمام في السفرة


1) لم نعثر على كتاب الموجز لأنه عزيز الوجود.

2) كتاب السرائر: ص 79.

الثالثة، و إن كانت بنحو الشرط المتقدم وجب الإتمام بعد تحقق السفرات الثلاث بعديّة زمانية فيتم في السفرة الرابعة. لكنك قد عرفت أن الكثرة بما هي لا دليل على اعتبارها، و ان المعتبر كون السفر عملا و شغلا و حرفة، و قد مرّ ما يحققه. فتدبّر جيدا.

و ينبغي التنبيه على فروع.

منها: إنه لو احتطب مثلا فيما دون المسافة بحيث صار حرفة و شغلا له ثم سافر الى ما يبلغ المسافة للاحتطاب فهل يتم أو يقصر؟ مقتضى ما مرّ من أن الاعتبار بعملية السفر و هو المقابل للحضر، عدم الإتمام إلّا بعد الاحتطاب الى ما يبلغ المسافة، فمجرد اتخاذ الاحتطاب الى ما دون المسافة حرفة لا يحقّق كون السفر عملا له. و بعبارة أخرى مقتضى المناسبة بين الحكم و الموضوع إن السفر الموجب للقصر إذا صار عملا و شغلا له يجب الإتمام فيه، لا أنه إذا صار شي‌ء آخر حرفة له يوجب الإتمام في سفره، فلا عبرة بمجرد صدق عناوين المكاري و الخطّاب في كونه موجبا للإتمام في سفره، بل إذا صارت هذه العناوين المتقومة بالسفر شغلا له يوجب الإتمام.

و مما ذكرنا تبيّن إن ذكر الراعي و التاجر الذي يدور في تجارته لا يدل على عدم اعتبار المسافة في وجوب الإتمام في سفره نظرا الى أن الراعي للمواشي لا يحتاج دائما إلى قطع المسافة، و كذا التاجر الذي يدور في تجارته. و وجه عدم الدلالة إن المدار كما مرّ على عملية السفر و إن السفر الذي يوجب القصر إذا كان عملا له لتقوّم رعية و تجارته و مكاراته و جبايته به يوجب الإتمام. فهذه العناوين إنّما توجب الإتمام بعد تحقق جميع الشرائط المعتبرة في القصر و منها قصد المسافة.

و منها: إنّه إذا كان الاحتطاب شغلا له فصارت المكاراة شغلا له من دون تخلّل الإقامة، فهل يبقى على التمام أو يقصر الى أن تصير المكاراة حرفة له و متلبّسا بها فيتم في السفرة الثانية؟ و حيث إن المدار على عملية السفر، لا على خصوصيات العناوين المزبورة و المفروض تحقّق عمليّة السفر فله الإتمام في أول سفرة للمكاراة بخلاف ما إذا جعل المدار على عملية المبادي و قد بيّنا فساد مبناه سابقا.

و منها: ان الاعتبار في صيرورة السفر شغلا له، هل على عملية السفر في تمام السنة أو في معظمها؟ أو يكفي عملية السفر في الصيف أو الشتاء مثلا؟ و لا ريب في أن صيرورة عمل حرفة له لا يتقوم إلّا بتكرر العمل فيما يتعارف فيه ذلك الشغل، فإن التجارة في الأسواق، أو جباية الأموال، أو حفظ البيادر (1)، أو رعي المواشي ليست في تمام السنة، بل في أوقات مخصوصة، فلا اعتبار بتمام السنة أو معظمها.

و منها: أن المقوّم لكون العمل حرفة و شغلا هل هو تكرر العمل أو مزاولته (2)في معظم السنة و لو بامتداده و طوله كما كان من المتعارف من حمل الحجيج من إيران إلى العراق إلى مكة المكرمة بحيث كان شاغلا لمعظم السنة مع عدم تكرر العمل و لا ريب في أن السفر الذي لم يتعدد و لو بتعدد المقاصد، سفر واحد و إن طالت مدّته، و لا يصدق على الباني عليه في سنة واحدة أنه اتخذ المكاراة لحمل الحجيج حرفة له، و إنّما يصدق عليه بملاحظة تكرره في السنين فإن الأعمال تختلف من حيث التكرر فربما يتكرر في شهر و أخرى، في سنة و ثالثة في السنين و الحرفة متقومة بالتكرر لا باشتغال السنة و لو بسفر واحد من جميع الجهات، كما عرفت من عدم صدق اتّخاذه حرفة إذا كان بناؤه على سفر واحد شاغل للسنة.

و منها: بعد ما عرفت من لزوم التكرر في اتخاذ الشي‌ء حرفة فهل التكرر بتعدد السفر حقيقة أو يكفي فيه تعدد المقاصد؟ لا ريب في أن التّعدد الحقيقي لا يكون إلّا بالرّجوع الى موطنه و منزله أو بالإقامة عشرة أيام، و لا ريب في أن إقامة العشرة ترفع حكم الكثرة فكيف يعقل أن ينوط بها الكثرة، كما لا ريب في أن الرجوع الى المنزل غير لازم كما في الجابي الذي يدور في جبايته، و الأمير الذي يدور في إمارته، و التاجر الذي يدور في تجارته فإنهم يتمّون و إن لم يرجعوا بعد كل جباية أو إمارة أو تجارة إلى منازلهم. و عليه فالمكاري الذي يكري دوابه الى كربلاء- مثلا- إذا كرى


1) مرّ معنى البيدر في حاشية رقم (1) من ص 308.

2) و المزاولة: مثل المحاولة و المعالجة، و تزاولوا، تعالجوا. مجمع البحرين مادة زول.

دوابه الى بغداد ثم الى سامراء مثلا- يكون حكمه على المشهور حكم كثير السفر لتعدد السفر بتعدد المقاصد لا بتعدده حقيقة.

و منها: أن المكاري إذا سافر للحج أو للزيارة لا بعنوان المكاراة يجب عليه التقصير لا لأنّه ليس في هذا السفر مكاريا لفرض عدم كري دوابه، و ذلك لان كري الدواب ليس مناطا للإتمام، و لذا لا شبهة في أن المكاري إذا حمل الغير و متاعه مجانا وجب عليه الإتمام، بل لان الملاك كون الخروج مع الدواب شغلا و عملا له، و سفره الى الحج و الى الزيارة على الفرض ليس بعنوان الملازمة لدوابه و لذا لو كان قصده الزيارة بتبع خروجه مع دوابه، وجب عليه الإتمام. و منه تبيّن حال ما إذا سافر لحمل عياله أو متاعه فإنه من حيث كون سفره بعنوان الخروج مع دوابه و ملازمته لها يكون سفره سفرا فيما هو شغله و عمله، كما إذا حمل متاع الغير مجانا كما مرّ.

و منها: أن عمليّة السفر هل هي مقصورة على ما يكون حرفة كالمكاراة و التجارة و الجباية و أشباهها؟ أو مجرد تكرر العمل كاف في عملية السفر؟ فإذا بنى على زيارة الحسين (عليه السلام) في كل ليلة جمعة فقد بنى على العمل المكرر المتقوّم بالسفر من دون أن يكون حرفة بخلاف ما إذا صار أجيرا للزيارة في كلّ جمعة- مثلا- فإن إعداد نفسه للإجارة اتّخاذ لها حرفة، و مقتضى صدق عملية السفر على ما إذا بنى على العمل المكرر الحكم بالإتمام في مثله، إلّا أن الظاهر من كون السفر عملا و شغلا عرفا كونه معدودا من الأشغال المذكورة في الرواية من المكاراة و الجباية و التجارة و نحوها، فالتعدي إلى مطلق البناء على العمل المكرر في غاية الإشكال، كما أن مقتضى القصر على كثرة السفر بما هي كما هو ظاهر عبارات الأصحاب الحكم بالإتمام، لكنّك قد عرفت أن الكثرة بما هي لا اعتبار بها.

الأمر الرابع [يعتبر في المكاري و غيره عدم الإقامة عشرة أيام]

اشارة

المعروف بل قيل إنّه مقطوع به بين الأصحاب أنه يعتبر في الإتمام على المكاري و غيره عدم الإقامة عشرة أيام فهي مانعة عن تحقق الكثرة أو رافعة لها بعد تحققها،

و يكفي في أصل اعتباره مرسلة يونس (1)المنجبر إرسالها بعمل الأصحاب، و لا يلتفت إلى ما عن هكذا الأصل بعض المتأخرين من الخدشة في سندها، أو الخدشة في دلالة بعض الاخبار المستدل به هنا.

إنّما الكلام في أمور ينبغي التنبيه عليها:
أحدها: أنّ الإقامة المذكورة هل هي رافعة لحكم كثرة السفر؟

و هو مقتضى شرطية عدمها أو أنها رافعة للموضوع اعتبارا و تنزيلا؟ و مقتضاه كون عدمها مقوّما للموضوع اعتبارا شرعا، و يترتب على كون الإقامة رافعة للموضوع كون المسافر بعد الإقامة كالمبتدئ بالسفر لا بدّ في إتمامه من سفرتين أو ثلاث على الخلاف. و على كون الإقامة رافعة للحكم بقاء الموضوع على حاله، و المتيقن من شرطيّة عدم الإقامة شرطيّة عدمها لترتب الحكم على لسفرة الاولى دون الثانية و الثالثة، فيتمسك بإطلاق ما دل على وجوب الإتمام على كثير السفر. و الظاهر من روايات الباب هو الأول، إذ لا دلالة لها إلّا على أنّ المقيم يجب عليه القصر في سفره و يرتفع عنه وجوب الإتمام، فيفيد شرطية عدم الإقامة لوجوب الإتمام على المكاري مثلا.

و الثاني يتوقف على تنزيل المكاري مع الإقامة منزلة من لم يكن مكاريا، نظير تنزيل المقيم في أخبار عرفات منزلة أهل مكة بعنوانه في لسان الاخبار، مضافا الى أن ظاهر التعليل بقوله (عليه السلام) «لأنه عملهم» (2)، أن الكبرى الكليّة من كان عمله السفر يتم، و لا يزول هذا العنوان إلّا بالإعراض عن الحرفة لا بإقامة العشرة، فمع انحفاظ العنوان و قصور دليل الشرطية في غير السفرة الأولى يجب العمل بتلك الكبرى الكلية و أمّا ما في صدر المرسلة بقوله «سألته عن حد المكاري ..

إلخ» (3)، فليس سؤالا عن الحدّ المصطلح المتكفل لبيان حقيقة الشي‌ء و ما يتقوّم به حتى يستكشف منه أن للمكاري حقيقة عند الشارع غير ما عند العرف، بل شروط الشي‌ء عرفا من حدوده كما هو واضح، مع أنّ التعبير بالحد في سؤال الراوي لا في


1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

3) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

جواب الامام (عليه السلام).

و عن شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة المسافر تقوية الوجه الثاني، أعني رافعية الإقامة للموضوع شرعا و إنه لا بدّ بعد الإقامة من تحقق سفرتين أو ثلاث كالابتداء، بدعوى استفادته من صحيحة هشام المتضمنة لقوله (عليه السلام) «يختلف و ليس له مقام» (1)فإنه علّق وجوب التمام على الاختلاف الغير المقرون بالإقامة فإذا تحققت الإقامة فلا يجوز الإتمام، إلّا إذا حدث اختلاف غير مقرون بالإقامة لأن اختلاف السابق قد قرن بها (2)انتهى كلامه رفع مقامه. و استظهر (قدّس سرّه) في موضع آخر (إن قوله (عليه السلام): «و ليس له مقام» (3)قيد لقوله (عليه السلام): «يختلف») (4). و عليه فالموضوع عنده هو الاختلاف الخاص و قد زال جزما. إلّا أنه خلاف الظاهر جدا. فإن الظاهر إنّ قوله (عليه السلام) «المكاري الذي يختلف و ليس له مقام» إنّ كونه يختلف، و كونه ليس له مقام، كلاهما وصف للمكاري، لا أن الثاني لو حظ من شئون الأوّل و قيوده حتى يكون الاختلاف اختلافا خاصّا تلبس به المكاري لينتج ما أفاده (رحمه اللّه). فزوال أحد الوصفين لا ربط له بزوال الآخر.

ثم اعلم أنه بناء على ما اخترناه من أن اتخاذ العمل حرفة و التلبس به كاف في وجوب الإتمام، فإن جعلنا التلبس به بنحو الشرط المقارن لوجوب الإتمام كانت الإقامة دائما رافعة لحكم الكثرة، و إن جعلناه بنحو الشرط المتقدم لوجوب الإتمام فيما بعد التلبّس فهي دافعة تارة و رافعة أخرى، فإذا تحققت بعد التلبّس بالسفرة الأولى كانت مانعة عن وجوب الإتمام في الثانية، و إذا تحققت بعد السفرتين و أزيد كانت رافعة لحكم الإتمام.

لا يقال إذا بنيت على كفاية اتّخاذ العمل حرفة و التلبّس به، فما الفرق بين السفرة الاولى و الثانية بعد الإقامة؟ و حينئذ يلغو اعتبار شرطية عدم الإقامة لوجوب


1) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) كتاب الصلاة: ص 396.

3) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

4) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

الإتمام في ما بعدها.

لأنا نقول شرطية عدم الإقامة كما هو ظاهر دليلها عدم الإقامة بعد التلبس بالسفر، و السفرة الأولى خارجة موضوعا، فلا مانع من الحكم بالإتمام في السفرة الأولى دون الثانية بعد الإقامة، فكان تخلل الإقامة رافع للحكم.

ثانيها: لا شبهة في أن الإقامة في غير منزلة كالإقامة في منزله في الجملة

لوجهين:

أحدهما: التصريح به في المرسلة (1)، بل و في بعض الصحاح أيضا.

ثانيهما: ما ذكره شيخنا العلّامة الأنصاري (2)(قدّس سرّه) من عموم المنزلة الثابتة بقوله (عليه السلام) في أخبار عرفات: «من كون المقيم بمكة عشرة أيام بمنزلة أهل مكة». و إذا كان المقيم في غير بلده بمنزلة أهل ذلك البلد ترتب عليه جميع آثاره. و منها إنه إذا أقام عشرة أيام انقطع عنه حكم كثرة السفر.

و فيه أوّلا: إن الإقامة الموجبة لانقطاع حكم كثرة السفر مترتبة على كون المقيم أهلا للبلد و عليه فموجب التنزيل و صيرورة المسافر بمنزلة أهل البلد حيث إنّه نية الإقامة فقط لا الإقامة المنوية أو الإقامة بما هي. فنقول إنّ نية الإقامة في غير البلد الحقيقي إن كانت دخيلة في انقطاع حكم كثرة السفر جاء المحذور لأن الواحد و هي النية لا يعقل أن تكون محقّقة للاهلية و مقومة لما يترتب على الأهلية و إن لم تكن دخيلة في انقطاع كثرة السفر، فالدليل أخصّ من المدعى، لان الإقامة إن كانت مع النية كانت كالإقامة من أهل البلد و إلّا فلا. مع أن الإقامة في غير البلد بلا نيّة رافعة لحكم كثرة السفر على الفرض فكيف يمكن أن يكون مدركه عموم التنزيل.

و لا يخفى عليك ان محذور كون نية الإقامة محقّقة للأهلية و مقوّمة للإقامة المنويّة ليس مجرد عدم المعيّة الطبعية بين الأهلية و نية الإقامة المقوّمة لها ليقال بأن المقارنة الزمانية كافية، بل لأن الشي‌ء الواحد لا يعقل أن يوصف بالتقدم الطبعي، و التأخر الطبعي بالنسبة إلى شي‌ء واحد، للزوم اجتماع المتقابلين و ما نحن فيه كذلك، فإن


1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) كتاب الصلاة ص 396.

نيّة الإقامة متقدّمة على الأهليّة طبعا لكونها علّة لها، و هي متأخرة عن الأهليّة لكونها مقومة للإقامة المنوية، و الأهلية متقدمة عليها تقدم الشرط على مشروطه، و لا يعقل تعدد نية الإقامة لتكون إحداهما متقدّمة على الأهلية و الأخرى متأخرة عنها، إذ لا يعقل انبعاث الفعل عن قصدين، فتدبّر فإنه حقيق به.

و ثانيا: ان دليل التنزيل لا يعقل أن يعمّ انقطاع السفر، و انقطاع كثرة السفر، لأن المراد بالمقيم بمكة بمنزلة أهلها إمّا ناوي الإقامة و إمّا المقيم عن نية و لا ثالث، لأن الإقامة المجردة لا يقطع أصل السفر حتى يكون بمنزلة أهل البلد، فإن أريد منه ناوي الإقامة فهذا الموضوع لا أثر له إلّا انقطاع السفر، و لا يتوهم كفاية ذلك في المقام لأن الناوي إذا صار بمنزلة الأهل يترتب عليه حكم من أقام في بلده عشرة أيام، و ذلك لان ذلك الدليل متكفل للإقامة في البلد الحقيقي. و أمّا أنّ الإقامة في البلد التنزيلي أيضا كذلك فهو موقوف على ترتيب هذا الاثر بنفس دليل التنزيل، و المفروض أن موضوعه ناوي الإقامة و لا أثر له إلّا انقطاع السفر. و إن أريد منه المقيم خارجا عن نيّة فهو موضوع لانقطاع كثرة السفر لا لأصل السفر لعدم دخل الإقامة في انقطاع أصل السفر و لا جامع بين الموضوعين حتى يجمع بين الحكمين.

و التحقيق أن الخدشة في عموم التنزيل من حيث كون سوق الرواية لانقطاع أصل السفر صحيحة، إلّا أن دعوى عدم المعقولية مدفوعة بأن ناوي الإقامة بما هو و إن كان لا يترتب عليه إلّا انقطاع سفره، لكنه له أحكام تعليقية مترتبة على موضوعاتها كنفس أهل البلد، و منها إن ناوي الإقامة إذا أقام ينقطع كثرة سفره.

ثالثها: لا شبهة في عدم اعتبار النيّة في الإقامة في البلد،

بل ادعي عليه الإجماع من غير واحد، و أمّا الإقامة في غير البلد فهي محل الكلام بين الأعلام من حيث اعتبار النية فيها و عدمه، و ما يمكن الاستناد إليه لكفاية الإقامة المجردة عن النيّة، إطلاق المرسلة (1)خصوصا مع تقابل الإقامة في غير البلد مع الإقامة في البلد مع


1) أي مرسلة يونس، الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

الجزم بعدم اعتبار النية في الثانية، و لا يمكن الاستناد الى عموم التنزيل لنفي اعتبار النية نظرا الى أن إقامة أهل البلد لا تتوقف على النيّة في نفي حكم كثرة السفر، و ذلك لأن صيرورته بمنزلة أهل البلد متوقفة على نية الإقامة فيلزم من ترتيب هذا الأثر و هي كفاية الإقامة بلا نية ما يشبه استلزام وجود الشي‌ء لعدمه و هو محال، فترتيب هذا الأثر عليه محال، و لا يعقل مع كون الموضوع ناوي الإقامة إطلاق الإقامة من حيث وجود النية و عدمها، فلا يعقل اقتضاء التنزيل لكفاية الإقامة المجردة ثبوتا و إثباتا.

و عن غير واحد منهم شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) الاستناد في اعتبار النية إلى دعوى الملازمة بين انقطاع كثرة السفر و انقطاع السفر قائلًا: «إن الإقامة مع عدم النية سفر شرعا و ليس إلّا كمكث المسافر في أثناء سفره و لا ينقطع به نفس السفر و لا كثرته» (1)، بل عن بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) «إنه لا يمكن أن تكون الإقامة الغير المخرجة عن كونه مسافرا مانعة عن تحقق الكثرة» و الإنصاف ان كلّه جزاف، فان المكاري إذا أعرض عن عمله في أثناء سفره ينقطع عنه كثرة السفر، و عملية السفر، و لا ينقطع سفره، و كذا العكس، فان الداخل إلى بلده ينقطع سفره و لا ينقطع الكثرة. هذا في دعوى الملازمة بين الانقطاعين كلية. و أمّا الملازمة بين الانقطاعين بخصوص الإقامة، فالإقامة في البلد بنفسها قاطعة للكثرة دون أصل السفر، فإنه بحضوره ينقطع سفره لا بالإقامة.

و دعوى الملازمة بين انقطاع كثرة السفر بالإقامة مع أصل انقطاع السفر، بتقريب ان المراد من الرواية انه إن كان مقامه في منزله أو فيما هو بحكم منزله، مدفوعة بأن الظاهر من الرّواية، الإقامة في غير بلده من دون تقييده بكونه بحكم منزله، فدعوى الملازمة بلا بيّنة، و منه يعرف أن التّشكيك في إطلاق المرسلة و دعوى انصرافه إلى الإقامة عن نية لشبهة الاستلزام غير وجيه.

نعم حيث إن المشهور على اعتبار النيّة في الإقامة في غير البلد و مستند أصل


1) كتاب الصلاة: ص 428.

الحكم هي المرسلة المحتاجة إلى الانجبار بعمل الأصحاب و استنادهم إليها، فلا جابر لها مع عدم النية، فلا يمكن الركون في نفي اعتبار النية إلى الإطلاق. و عليه فاللازم الرجوع الى أدلة عملية السفر حيث لا حجة على تقييدها بالإقامة المجردة. نعم إن كانت الإقامة قاطعة للموضوع لا رافعة للحكم كانت الشبهة موضوعية و اللازم إجراء أصالة بقاء الموضوع فيتّحد مع الأول في الأثر، و طريق الاحتياط واضح.

رابعها: في حكم المتردد ثلاثين يوما في غير بلده

من حيث رافعية حكم كثرة السفر. و لا بدّ من تمهيد مقدمة هي: ان وجوب الإتمام فقط أمر لا يلازم انقطاع السفر الموجب لكون السفر الواقع بعده مشروطا ببلوغ المسافة، بخلاف وجوب الإتمام فقط فان سفره متمّم السفر الأول، و لا مانع من أن يكون السفر الواحد محكوما تارة بالقصر، و اخرى بالإتمام، كما أن انقطاع السفر بمجرده غير صيرورته أهلا للمحل ليترتب عليه حكم أهل البلد من انقطاع حكم كثرة سفره بالإقامة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المسألة كما عن شيخنا الأعظم (1)(قدّس سرّه) «وجوها، بل أقوالا ثلاثة»: القول بكفاية الثلاثين مترددا في انقطاع السفر و كثرته معا. و القول بلزوم إقامة العشرة بعده. و القول بعدم الكفاية مطلقا.

أمّا القول بالكفاية مطلقا فهو مبني على عدم اعتبار النية في الإقامة القاطعة لحكم الكثرة بمقتضى إطلاق المرسلة، فمن حيث تحقّق الثلاثين ينقطع أصل السفر، و من حيث تحقق العشرة في ضمنها تنقطع كثرة السفر، و إنّما لا نقول بانقطاع الكثرة بمجرد إقامة العشرة بلا نية للملازمة المدّعاة بين انقطاع السفر و انقطاع كثرته، و محقّقة تارة نية الإقامة مع تعقبها بها، و اخرى العشرة في ضمن الثلاثين.

و أمّا القول بلزوم إقامة العشرة بعد الثلاثين متردّدا بعد الاستناد إلى المرسلة بضميمة دعوى الملازمة، فالوجه فيه إنّا لا نقول بلزوم انقطاع كثرة السفر بعد انقطاع أصله إلّا أنه لا أقل من المعيّة بين موجبهما، و من المعلوم انقطاع السفر بتمام الثلاثين و كلّ عشرة تفرض في الثلاثين لا معيّة لها مع تمام الثلاثين، فلا بدّ من


1) كتاب الصلاة: ص 428.

الالتزام بانقطاع كثرة السفر قبل انقطاع أصله و هو مناف للملازمة المدعاة هنا.

و أمّا لزوم النية في هذه العشرة الواقعة بعدها فيختلف من حيث اختلاف المدرك، فان استندنا في قاطعية الإقامة في غير المنزل إلى المرسلة مع التحفظ على انجبارها باستناد الأصحاب، فلا بدّ من النية، لا لدخلها في قاطعيّة السفر حتى يكتفى بقاطعيّة الثلاثين، بل لدخلها في قاطعيّة الكثرة في غير المنزل، حيث لا جابر للمرسلة بدون النية، و إن استندنا الى عموم المنزلة المدعاة بقولهم (عليهم السلام):

«و المقيم الى شهر بمنزلتهم» فينقطع سفره بالثلاثين مترددا، و تنقطع كثرته بكونه أهلا للبلد تنزيلا فيترتّب عليه حكمهم و هي قاطعيّة الإقامة بما هي لكثرة السفر.

و لا يرد عليه شي‌ء من المحاذير الواردة على نية الإقامة لانقطاع السفر بالثلاثين المتقدمة على الإقامة من دون فرض النيّة، فلا مانع ثبوتا و لا إثباتا.

نعم إذا قلنا بأنّ اعتبار النيّة، عند المشهور، و عدم العمل بإطلاق المرسلة، بسبب ارتكاز الملازمة بين انقطاع السفر و انقطاع كثرته، فلذا اقتصروا في الإقامة الابتدائية على الإقامة مع النية، فالمرسلة أيضا كدليل المنزلة، لأنّ المفروض حصول انقطاع السفر بالثلاثين متردّدا، فلا مانع حينئذ من العمل بإطلاق المرسلة.

و أمّا القول بعدم كفاية الثلاثين حتى مع الإقامة عشرا، فالوجه فيه عدم صحة التمسّك بدليل المنزلة هنا لما في الخبر المتكفّل لها من وجوه الاشكال كما قدمناه في المباحث السابقة، و عدم تعرض المرسلة إلّا للإقامة الابتدائية لا مطلق الإقامة و لو بعد التردد ثلاثين يوما، و الاشكال الأول في محله دون الثاني خصوصا إذا كان مع النية و اللّه أعلم.

خامسها: هل عدم إقامة العشرة شرط في خصوص المكاري

كما هو ظاهر جميع نصوص الباب؟ أو يعمّ سائر أصناف كثير السفر؟ أمّا بناء على أن تلك العناوين المذكورة في الروايات بما هي موضوعات لوجوب الإتمام، فمن الواضح أنّ تقييد بعضها بقيد لا يقتضي تقيد بقيّة العناوين. و أمّا إذا قلنا بأنها بما هي من حصص الجامع المستفاد من قولهم (عليهم السلام) «بأنه عملهم» (1). فنقول: إن الجامع إذا


1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

قيّد بقيد فلا محالة يسري في جميع حصصه، و أمّا إذا كان المفروض تقييد حصة من حصص الجامع فلا موجب لسريانه إلى سائر الحصص.

و دعوى أن المكاري قيّد بعدم الإقامة من حيث كونه كثير السفر و عمله السفر نظير وجوب الإتمام المرتّب على تلك العناوين من حيث عمليّة السفر، مدفوعة بأن ظاهر كل عنوان جعل موضوعا لحكم، انه بما هو عنوان موضوع له لا بما هو معرّف لعنوان آخر، و في ترتيب الحكم على العناوين المذكورة قامت القرينة على المعرّفية للتعليل بعملية السفر، و مثله غير موجود في تقييد المكاري، فالتحفّظ على ظاهره يقتضي عنوانيّته لمثل هذا التقييد لا معرفيته.

نعم ربما أمكن استفادة المعرّفية و الحكم بالسريان بمناسبة الحكم و الموضوع، بتقريب: ان ظاهر التقييد أن يكون المقيد بما هو موضوع الحكم، و الموضوع من كان عمله السفر، و الحصة بما هي حصة لا دخل لها في وجوب الإتمام حتى يكون القيد للحصة بما هي حصة، فيكون القيد للحصة بما هي وجود الجامع فالقيد للجامع فتدبّر.

ثم إنّه بعد القول بالاختصاص هل يعم المكاري للملاح و الأجير أم لا؟.

فنقول من الواضح ان مادة المكاراة لغة و إن كانت قابلة للإضافة إلى الدابّة و الى السفينة و الى النفس، إلّا أن المتفاهم من المكاري عرفا من يكري الدواب دون كلّ من يكري ما يتقوم بالسفر، و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «المكاري و الكري و الراعي إلخ» (1)مع ان الكريّ هو الأجير للسير فالمقابلة بينه و بين المكاري كاشفة عن اختصاص المكاري بكري الدواب و كذا قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم «ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، و لا على المكاري و الجمّال» (2)فيستفاد منها أيضا المقابلة بين الملاح و المكاري.


1) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

سادسها [في أن المكاري إذا لم يقم عشرة أيام أتم]

إذا لم يقم عشرة أيام، بل أقلّ منها، و إن كان أقلّ من خمسة أتم على ما هو المعروف بل لم ينقل القول بخلافه إلّا ممّن لا يعتني بالمشهور، بل بما ادّعي الإجماع عليه، و إن كان خمسة فما فوقها فالمشهور أيضا إنّه يتم مطلقا بل، عن السرائر دعوى الإجماع عليه (1). و عن الشيخ (قدّس سرّه) و أتباعه كالقاضي و ابن حمزة انه يقصر نهارا و يتم ليلا، و يصوم شهر رمضان (2). و من الواضح أنّ تقصيره نهارا من لوازم انقطاع كثرة سفره، كما أنّ إتمامه ليلا و صيام شهر رمضان من لوازم بقائه على كثرة سفره.

و مستند الشيخ (قدّس سرّه) رواية عبد اللّه بن سنان المروية بطريقين: أحدهما:

صحيح و هي هكذا «المكاري إذ لم يستقر في منزله إلّا خمسة أيام و أقل قصر في سفره في النهار و أتم بالليل و عليه صوم شهر رمضان» (3)و مقتضى الجمع بينها و بين رواية يونس (4)بالجمع الدلالي الواضح بتخصيص عمومها أو تقييد إطلاقها، مما لا ريب فيه لا من حيث الخصوص و العموم، من حيث اختصاصها بالاستقرار في المنزل، لأن الإقامة في غير بلده منصوص عليها في رواية يونس فالنسبة بينهما من هذه الجهة التباين، و لا من حيث كون الخمسة في قبال أقلّ من عشرة نسبة الخاص الى العام لاشتمال الرواية على الأقل من خمسة فجميع مراتب الأقل من عشرة محكومة بالقصر في قبال رواية يونس القاضية بالإتمام، بل من حيث اختصاصها بالقصر في النهار في قبال المرسلة القاضية بالإتمام بإطلاقها، كما أن نسبتها إلى الأدلة الحاكمة بالملازمة بين القصر و الإفطار أيضا بالخصوص و العموم لكن الرواية غير معمول بها عند المشهور.


1) السرائر: ص 76.

2) المبسوط: ج 1، كتاب صلاة المسافر، ص 141.

3) الوسائل: ج 5، ص 519، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، مع اختلاف يسير.

4) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

المسألة السابعة [في اعتبار حد الترخص في القصر]

اشارة

في الشرط السابع و هو بلوغ حد الترخص و هو أولى من بعض العبارات الناصّة على شرطيّة خفاء الجدران و خفاء الأذان فإنهما معرّفان، و الشرط هو بلوغ البعد الخاص من محل المسافرة.

و تنقيح الكلام في هذا الشرط برسم أمور:

الأمر الأوّل [حول رواية محمد بن مسلم المتضمنة للتواري عن البيوت]

ان روايات الباب جميعا متضمّنة لمعرفيّة عدم سماع الأذان إلّا صحيحة محمد بن مسلم المتضمّنة للتواري من البيوت «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج متى يقصّر؟ قال (عليه السلام): إذا توارى من البيوت» (1).

و حيث لا معنى للتواري عن البيوت نظرا الى أن التواري عن الشخص اختفائه عنه بحيث لا يراه، و عدم الرؤية من باب العدم المقابل للملكة فلا يتصوّر إلّا ممّن شأنه الرؤية، و غير الحيوان من الجماد و النبات لا يوصف بها حتى يوصف بعدمها، و لذا جعلوه من باب القلب، أي توارت البيوت عنه فلا يراها. و بعضهم أبقاه على حاله بإرادة أهل البيوت، أي بحيث لا يراه أهل البيوت.

أقول: مقتضى كون التواري علامة للمكلف على البعد الخاص، أن اللازم اعتبار عدم رؤيته كاعتبار عدم سماعه. و توجيه التواري عن البيوت بالتواري عن أهلها غير وجيه، إذ لا يعلم المكلف بعدم رؤية أهلها إيّاه إلّا بالتّلازم بين عدم رؤيتهم إيّاه، و عدم رؤيته إياهم، فجعل العلامة عدم رؤيتهم إياه يشبه الأكل من القفا، بل كان اللازم جعل تواري البيوت عنه علامة بعدم رؤيته لها أو


1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

لأهلها.

و يمكن أن يقال بإبقاء الرواية على حالها من دون التزام بالقلب و لا بتقدير الأهل، بتقريب ان السفر هو البروز من البلد الى المقصد بالغيبة عنه في قبال حضوره، فما دام لم يتجاوز ذلك البعد الخاص يكون حاضرا غير غائب عن بلده، فالمراد بتواريه عن البيوت غيبته عنها، و لازمها عدم رؤيته لها، و التواري و إن كان بين اثنين إلّا أن نسبته الى خصوص المسافر، لأنه المسافر عن بلده في قبال الحاضر فيه، فيناسب نسبة الغيبة و التواري إليه لا الى بلده أو أهله، فهذه العلامة كما أنها معرّفة للبعد الذي هو شرط وجوب القصر، منبّهة على مناط الحكم أيضا و لا حاجة الى ما أفاد شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه): «من أن تخصيص التواري بالمكلّف، بملاحظة أنه السبب لإيجاد البعد دون البيوت و أهلها» (1).

و مما ذكرنا يتّضح أن ما في كلمات المشهور من أنّ الشرط عدم رؤية البلد- مثلا- ليس مبنيّا على القلب و لا على مجرد الملازمة بين تواري الشخص و تواري البلد. و سيجي‌ء ان شاء اللّه تعالى ملاك التّواري عن البيوت بحيث يجامع عدم سماع الأذان.

الأمر الثاني [في أن أحد الأمرين من خفاء الجدران و خفاء الأذان كاف في معرفة بلوغ الحد الخاص]

نسب الى المشهور بين المتقدمين أن أحد الأمرين من خفاء الجدران و خفاء الأذان كاف في معرفة بلوغ الحد الخاص. و نسب الى المشهور بين المتأخرين لزوم اجتماعهما. و عن بعضهم الاقتصار على خفاء الجدران. و عن آخر الاعتماد على خفاء الأذان. و منشأ الاختلاف تفاوت أنظارهم في الجمع بين الاخبار. و لا يخفى أن تعارض الاخبار و الجمع بينها بتفاوت الانظار لا يكاد يوجّه إلّا بملاحظة انفكاك كل واحد من الأمرين من الآخر، أو انفكاك أحدهما بالخصوص عن الآخر و إلّا فليس للبحث ثمرة عمليّة، إذ مع فرض الملازمة و عدم الانفكاك خارجا يجب


1) كتاب الصلاة: ص 435.

القصر سواءا كان كلّ منهما علامة و معرفا أو كانا معا معرفا و عليه فنقول: إن جميع الوجوه المذكورة في باب الجمع بين الاخبار غير مربوطة بما نحن فيه، و ذلك لأنّ خفاء الجدران و خفاء الأذان ليسا سببين أو شرطين لوجوب القصر، بل كما مرّ الشرط هو البعد الخاص عن البلد مثلا، و خفاء الجدران معرف كخفاء الأذان.

و معرّفيّة شي‌ء عن تحقق البعد الخاص لا يكون إلّا بملازمة وجوده لوجوده و مع انفكاك أحد المعرّفين عن الآخر يستحيل ملازمة كل بينهما لوجود ذلك البعد الخاص لا تعيينا و لا تخييرا، إذ مع فرض وحدة البعد الخاص كيف يعقل أن يكون المنفكّان في الوجود كلاهما ملازما لوجود البعد الخاص تعيينا، و مع عدم ملازمة أحدهما واقعا للبعد الخاص كيف يعقل أن يكون عدلا و بدلا عمّا يلازمه و كذلك يستحيل أن يكونا معا معرّفا واحدا للبعد الخاص لأنّ الفرض عدم ملازمة كلّ منهما للبعد الخاص فكيف يكون اجتماع ما لا يلازم مع مثله محدثا للملازمة بين المجموع و البعد الخاص فجزئيّة كلّ منهما للمعرّف غير معقولة، و لا يقاس بباب الحدود حيث إن المعرّف مؤلّف من أمرين، و ذلك لأن الماهية النوعية متقوّمة بطبيعي الجنس و الفصل، فلا بدّ من أن يكون معرّفها مبينة لذاتياتها غاية الأمر أن الذاتيات ملحوظة في طرف المحدود بنحو الجمع و الإجمال، و في طرف الحد بنحو الفرق و التفصيل، بخلاف ما نحن فيه فان المعرفية بمعنى كاشفيّة وجود شي‌ء عن آخر مباين له ماهية و وجودا لمجرد الملازمة بينهما في الوجود. هذا إذا انفك كلّ منهما عن الآخر، و إذا انفك أحدهما بالخصوص عن الآخر فلا محالة يكون أحدهما ملازما لبعد أزيد ممّا يلازمه الآخر، و لا محالة يكون أحد البعدين من الزائد و الناقص شرطا، فالحد الملازم للزائد قد اعتبر فيه أزيد مما يقتضيه الشرط إن كان البعد الناقص شرطا و الحد الملازم للناقص قد أخلّ فيه الشارع إن كان البعد الزائد شرطا فيستحيل معرفيتهما معا تعيينا و تخييرا و بنحو الجزئيّة لمعرّف واحد إذ ليس كل منهما معرفا للزائد و لا للناقص على الفرض. و ليس الشرط أحد البعدين حتى يكون المعرف أحد الأمرين و ليس المعرف للزائد و المعرف للناقص معرفا واحدا للزائد و لا للناقص، و لا معنى لان يكون الجامع بين المعرّفين معرّفا للجامع بين البعدين، فالشرط هو الجامع

و المعرف هو الجامع و ذلك لأنه لا جامع بين الزائد و الناقص إلّا طبيعيّ البعد عن البلد و هو ليس بشرط إجماعا حتى يكون الجامع بين الأمرين معرّفا.

و من جميع ما ذكرنا يتضح انه بناء على عدم الملازمة بين المعرفين لا تصل النوبة إلى الجمع بين الاخبار بالوجوه المذكورة في الأصول من تقييد مفهوم كل من القضيّتين الشّرطيتين بمنطوق الأخرى، أو تقييد إطلاق منطوق كلّ منهما، بجعلهما معا شرطا، أو جعل الجامع شرطا، فان هذه الوجوه كلها مناسبة لمقام السبب و الشرط لا لمقام المعرفية فلا بدّ على هذا المبنى من تعيين المعرّف الملازم للبعد الخاص الذي هو في الحقيقة شرط وجوب القصر و كثرة أخبار خفاء الأذان و اشتهاره في الصدر الأول كما يظهر من خبر منتظر الرفقة (1)و عدم وضوح دلالة خفاء البيوت، يوجب الاعتماد على خصوص خفاء الأذان وجودا و عدما بل ربّما يقال كما عن بعض الأساطين (قدّس سرّه) «إن خبر تواري الرجل عن البيوت لمجرد التنبيه على ملاك الحكم لا أنه معرف» لكنه بعيد.

الأمر الثالث [في انفكاك أحد المعرّفين عن الآخر]

لا ريب في أن انفكاك أحد المعرّفين عن الآخر لأحد أمرين:

الأوّل: تفاوتهما في المرتبة بأن يلاحظ سماع الأذان بما هو صوت عال مع رؤية البيوت متميزة بخصوصيّاتها أو سماع الأذان متميزة فصولها مع رؤية البيوت بما هي بيوت، فضلا عن رؤية أشباحها، و من البيّن أنّ خفاء الأذان ينفك حينئذ عن خفاء البيوت، لكن هذا أجنبي عن انفكاك أحد المعرّفين عن الآخر، لأنّ كل مرتبة ملازمة لبعد خاص، و إنّما الانفكاك يتصور فيما إذا لوحظا في مرتبة واحدة و مع ذلك ينفك أحدهما عن الآخر، و عليه فامّا لا ملازمة بينهما، و لا ملازمة أصلا لأحدهما بالخصوص مع البعد الخاص، و امّا لا انفكاك.

الثاني: تفاوتهما بلحاظ العوارض، كما إذا كان الهواء مخالفا يمنع عن سماع


1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

الأذان، أو الهواء مظلما يمنع عن رؤية الجدران فالملازمة بينهما مع اتحاد المرتبة محفوظة إلّا أن فعلية أحدهما دون الآخر لعارض و قد اتفقت الكلمة على أنه لا عبرة بالعوارض، بل يقدر الهواء معتدلا و قوة السامعة و الباصرة على حد التوسط.

و مما ذكرنا يتضح أنه لا بد من ملاحظة المعرّفين في مرتبة واحدة كسماع الأذان متميزة الفصول مع رؤية البيوت متميزة الخصوصيات، أو سماع الأذان بما هو صوت عال و رؤية البيوت بما هي بيوت لا بخصوصياتها و هكذا في باقي المراتب كما أن اللازم ملاحظة المتساويين في المرتبة بنفسهما مع قطع النظر عن العوارض الغير المنافية لتلازمها المبني على التقدير. فتبين ان دعوى أن أمارية كلّ منهما غالبية أو الملازمة بين الأمارتين غالبية، غفلة واضحة فإنه إمّا لا ملازمة أو هي دائمية، كما أن دعوى الاعتبار بكل منهما مع عدم العلم بتخلّف الآخر، و انه مع العلم لا بدّ من اجتماعهما أيضا، بلا وجه، إذ لا يعقل مع التساوي في المرتبة و عدم ملاحظة العوارض، علم بالمخالفة أو شكّ فيها.

نعم حيث إنّ كلّ مرتبة ملازمة لبعد خاص. يقع الكلام في أن أيّة مرتبة من المراتب جعلت معرفة للبعد اللازم شرعا؟ فان استظهرنا مرتبة خاصة من الاخبار فهو، كما لا يبعد أن يكون المراد من سماع الأذان سماعة بما هو صوت عال، و أن يكون المراد من رؤية البيوت رؤيتها بما هي بيوت لا بما هي أشباح، و لا بما هي متميزة الخصوصيات، و هاتان المرتبتان متحاذيتان. و إن منع الاستظهار المزبور فمرجع الشكّ دائما إلى الشكّ في أنه أيّ مرتبة من البعد شرطا واقعا، فالأقل منه متيقّن و الباقي مشكوك. فان كان هناك إطلاق كقوله تعالى «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» (1)و قوله تعالى: «و إن كان على سفر» (2)أو ما في الروايات، صح التمسك بإطلاقها لدفع الشك في التقييد الزائد، و إن منع الإطلاق كان المرجع استصحاب بقائه على ما كان من الحضور و عدم السفر إن كان الموضوع مشكوكا


1) النساء: 101.

2) البقرة: 185، و الآية هكذا: «. وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ.».

و إلّا فاستصحاب وجوب الإتمام، إن كان الموضوع هو المسافر عرفا مع صدقه عليه حقيقة.

الأمر الرابع هل بلوغ حد الترخص شرط في كلّ من يجب عليه القصر

حتى يعمّ المسافر من منزله، و من محل إقامته، و من محل تردده ثلاثين يوما، و القائم الذي قصد المسافة، و المتردد الذي زال تردده و عزم على قطع المسافة، و القاصد للحرام بعد تبدل قصده الى قصد المباح، لاشتراك الكل في حدوث وجوب القصر في حقهم؟ أو شرط في حق من أنشأ السفر فيختص بالمسافر من منزله، و من محل إقامته، و من محل تردده، لاشتراك الكلّ في أحداث السفر لفرض كون المرور بالوطن، و محل الإقامة، و التردد ثلاثين يوما من قواطع السفر موضوعا و لو شرعا لا مجرد تبدل وجوب الإتمام بوجوب القصر؟ أو هو شرط في خصوص من أنشأ السفر من منزله فإنه لا منافاة بين كون سفر المقيم و المتردد سفرا جديدا و عدم اعتبار حد الترخص في سفرهما؟ و لا ريب في أنه لا إطلاق يقتضي اعتباره في كل من حدث في حقه وجوب القصر.

نعم ربما يدعى الإطلاق في من أنشأ السفر مثل صحيحة محمد بن مسلم «قال قلت: الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال (عليه السلام): إذا توارى عن البيوت» (1)فإنه يعم كلّ من أراد إنشاء السفر سواءا كان من منزله، أو من محل إقامته، أو من محل تردده ثلاثين يوما، و لا يعمّ من كان مسافرا قبلا، و لم يجب عليه القصر لفقد شرط.

و أمّا صحيحة عبد اللّه بن سنان فلا إطلاق لها، بل مورد السؤال هو من سافر من بلده كما يظهر من ذيلها حيث قال (عليه السلام): «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (2)فإنه لا قدوم من السفر إلّا الى بلده فيعلم منه أنّ صدرها متكفل لاعتبار


1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

حد الترخص في السفر من المنزل و ذيلها لاعتباره في العود إليه. و أمّا ما عدا صحيحة ابن مسلم من الاخبار فجميعها مقيدة بالخروج من المنزل فيدور الأمر بين ورود الإطلاق مورد الغالب، أو القيد مورد الغالب. و المعروف الالتزام بالتقييد و حمل الإطلاق على الغالب و إن كان التحقيق أن الغلبة لا تجدي في التقييد فلا تمنع عن انعقاد الإطلاق، كما أن غلبة القيد لا يمنع التقييد لظهور القيد في نفسه، في دخله في موضوع الحكم إلّا أن نتيجة إثبات الإطلاق للمطلق و التقييد لذي القيد فيعامل معهما معاملة المطلق و المقيد، و عليه فلا موجب لاعتبار حد الترخص في غير المسافر من منزله.

و أمّا الخدشة في أصل الإطلاق بظهور «يريد السفر» (1)في البدأة به فلا يعم من يريد تجديد السفر، فمدفوعة بأنه بناء على ذلك لا يعمّ من سافر من وطنه فمرّ بوطن آخر له، فان السفر من الثاني ليس من الابتداء بالسفر، كما أن دعوى تبادر السفر من منزله من قوله: «يريد السفر» لم يعلم له موجب.

نعم يمكن أن يقال إن الدليل و إن كان مقصورا على السفر من المنزل، إلّا أن عموم التنزيل في خصوص المقيم يقتضي اعتباره في حقه إلّا أن يقال: إن ظاهر قوله (عليه السلام): «و هو بمنزلة أهل مكة» (2)كونه مسافرا جديدا لا أن سفره متمم سفره من بلده فلا نظر له إلّا إلى أنّ الخروج الى عرفات سفر موجب للتقصير. و الذي يهوّن الخطب ان حد الترخص لم يقيد في شي‌ء من أخباره بالمنزل حتى يكون مقيدا لإطلاق المجرد عنه و إنّما هو مورد و مفروض في بعضها، فهي قاصرة عن اعتباره في غيره و حينئذ يجدي الإطلاق في اعتباره في محل الإقامة و محل التردد فالعمدة إثبات الإطلاق و نفيه، و دعوى الإطلاق لا يخلو عن إشكال، لا لبعض ما قدمناه، بل لان الظاهر من قوله: «يريد السفر» إرادة إنشاء السفر، و المقيم بمنزلة أهل البلد شرعا لا عرفا. فمن سافر من محل الإقامة مسافر بسفر جديد شرعا و هو على سفره الذي


1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

أنشأه من وطنه عرفا فلا معنى لتنزيل قوله يريد السفر على إرادة إنشاء السفر الأعم من كونه سفرا إنشائيا حقيقة و سفرا إنشائيا تنزيلا و شرعا و منه تبين حال قوله (عليه السلام): «إذا سمع الأذان أتم المسافر» (1)فإنه لا شكّ في أن المراد من أنشأ السفر لا أن المسافر و لو بقاء إذا سمع الأذان يتمّ إلّا أن المنسوب إلى الأكثر حيث إنه إلحاق محل الإقامة و محل التردد بالمنزل فالاحتياط لا ينبغي تركه.

و عن بعض أجلة العصر تسليم الإطلاق، لكنّه ادعى عدم مقاومته لإطلاق أدلة وجوب القصر على المسافر مع كون الأول أخص من الثاني نظرا إلى أن ظهور هذا المطلق في شمول المقيم أضعف من ظهور (2)إطلاق أدلة القصر في شموله للمقيم.

و الميزان في التقديم أقوائيّة أحد الظهورين لا العموم و الخصوص. ثمّ ادعى حكومة أدلة اعتبار حد الترخص على أدلة القصر فلا تلاحظ الأقوائيّة. و نظره (رحمه اللّه) في الحكومة كما صرح به ان قوله: «متى يقصر» (3)و قوله: «سألته عن التقصير» (4)ناظر إلى أدلة وجوب التقصر على المسافر.

أقول: أمّا دعوى أضعفيّة ظهور أدلة حد الترخص في الشمول للمقيم من ظهور أدلة القصر في شمولها له فلا موجب له أصلا، إذ كما أن قوله: «يريد السفر» (5)ظهوره في السفر من منزله، أقوى من ظهوره فيما يعمّ محل إقامته، كذلك ظهور قوله «المسافر يقصر» (6)الشامل لمن بلغ حد الترخص و من لم يبلغه، و للمسافر من منزله أو محل إقامته، فإن ظهوره في المسافر البالغ حد الترخص عن منزله أو محل إقامته أقوى من ظهوره في الأعم من البالغ و غيره، و إنّما لا يتفاوت ظهوره في من خرج عن وطنه أو عن محل إقاته في أصل القصر لا من حيث بلوغهما لحدّ الترخص و عدمه.


1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

2) «بحذف ظهور خ ل».

3) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

4) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

5) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

6) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

و أمّا دعوى الحكومة فما أفاده (قدّس سرّه) من النظر، محل النظر، فان قوله «متى يقصر» (1)و «سألته عن التقصير» (2)ناظران الى وجوب القصر ثبوتا لا الى وجوبه إثباتا حتى يكون ناظرا إلى أدلة وجوب القصر. و أمّا عدم الحكومة بالمعنى الآخر و هي إثبات الموضوع أو نفيه تنزيلا و عنوانا فهو واضح لعدم تكفل أدلة اعتبار حد الترخص لذلك إلّا على الوجه الذي أشرنا إليه سابقا من أن قوله (عليه السلام): «إذا توارى عن البيوت» (3)بيان للميّة الحكم و انه ما لم يبعد عن البيوت فهو كأنه حاضر غير غائب عن وطنه فتدبّر جيدا.

الأمر الخامس هل يعتبر بلوغ حد الترخص في العود الى المنزل في البقاء على القصر،

أو لا يعتبر فيبقى على القصر الى أن يرد منزله؟ و ليس للقول باعتباره إلّا ما في ذيل صحيحة عبد اللّه بن سنان حيث قال (عليه السلام): «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (4).

و في قباله أخبار، و فيها الصحيح انه يبقى على حكمه الى أن يرد منزله كقوله (عليه السلام) في رواية العيص: «و لا يزال يقصر حتى يدخل بيته» (5)و مما رواه الصدوق: «إذا خرجت من منزلك فقصّر الى أن تعود إليه» (6)و في رواية حماد:

«المسافر يقصر حتى يدخل المصر» (7)فيجاب عنها بتقييدها بما إذا لم يسمع الأذان، كما أن روايات القصر بمجرد الخروج من المنزل مقيدة بذلك.

و لا يخفى أنّ كيفية التصرف في الاخبار المسوغة للقصر بالخروج من المنزل


1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

4) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

5) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

6) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

7) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

مختلفة فتارة يقال إن الخروج من المنزل مطلق من حيث سماع الأذان و عدمه فيقيّد بعدمه، و أخرى أن الخروج من المنزل بلحاظ البعد عنه، له مراتب و الشارع بمقتضى أخبار الحدّ جعل مرتبة من الخروج مسوغة للقصر، و لا يجري شي‌ء منهما في طرف الدخول في المنزل، إذ لا يعقل إطلاق فيه من حيث سماع الأذان و عدمه، و ليس الدخول في المنزل كالخروج منه ذا مراتب حتى يحمل على مرتبة من الدخول بحيث يساوق الحدّين، و ثالثة يتصرّف في الخروج من المنزل بالتوسعة في المنزل كما أشرنا إليه ان من لم يكن متواريا من البيوت فهو كالحاضر فيها و غير غائب عنها، و حينئذ يجري هذا التصرف في طرف الدخول أيضا فإن الداخل في حد الترخص كأنه داخل في منزله و غير غائب عنه فيمكن الجمع بين أخبار التحديد و هذه الاخبار المغيّاة بالدخول في المنزل فقط. و أمّا سائر الأخبار فغير قابلة لهذا التوجيه.

منها: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «إن أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا» (1)فان الشرطية الثانية في حد ذاتها و إن كانت مطلقة من حيث سماع الأذان فيمكن تقييدها بما إذا لم يسمعوا الأذان، لكن بملاحظة مقابلتها للشرطية الأولى المفروضة في صورة زيارة البيت التي هي كالمقسم للشرطيتين، لا إطلاق لها حتى يعقل التقييد. و حينئذ لا يعقل التوجيه المتقدم و التوسعة في المنزل، كيف و المفروض دخول مكة و زيارة البيت.

و منها: رواية علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عن الرجل يكون بالبصرة و هو من أهل الكوفة و له بالكوفة دار و عيال فيخرج فيمرّ بالكوفة و هو يريد مكة ليتجهز منها و ليس من رأيه أن يقيم أكثر من يوم أو يومين قال (عليه السلام):

يقيم في جانب الكوفة و يقصّر حتى يفرغ من جهازه، و إن هو دخل منزله فليتم الصلاة» (2)و بمضمونها موثقة ابن بكير (3).


1) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

2) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

3) الوسائل: ج 5، ص 507، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

و منها: موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «قال: سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أ يتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال (عليه السلام): بل كون مقصّرا حتى يدخل أهله» (1).

هذا و من الواضح أن هذه الروايات غير قابلة للتصرف في الدخول في المنزل و الأهل، و حملها على التقية بلا موجب، إذ المنقول من الأئمة الأربعة عدم كفاية الخروج من المنزل حدوثا، و عدم لزوم الدخول فيه بقاء، بل لا بدّ عندهم من الخروج من البلد، و عدم الدخول فيه و إن لم يقولوا بالتحديد بخفاء الأذان و الجدران، كما أن الاعراض عن الروايات بعد عمل جملة من القدماء و غير واحد من المتأخرين غير معلوم، فليس في المسألة إلّا موافقة صحيحة ابن سنان (2)للمشهور و مخالفته هذه الروايات التي هي بين صحيح و موثق، للمشهور.

و الإنصاف أن المسألة مورد الاحتياط.

و يمكن أن يقال بعدم المعارضة بين الاخبار، و ذلك لان صحيحة عبد اللّه بن سنان لم يتكفل ذيلها إلّا للقدوم العودي و الرجوعي من السفر دون مطلق المرور الى الوطن و الدّخول فيه، و موثقة ابن بكير، و رواية علي بن رئاب، بل و رواية معاوية بن عمّار موردها المرور الى الوطن مجتازا منه. فالروايات غير واردة على مورد واحد، إلّا أنّها بضميمة عدم القول بالفصل متعارضة. مضافا الى أن موثقة إسحاق بن عمار غير مقصورة على الاجتياز و المرور فهي كافية للمعارضة.

الأمر السادس هل ناوي الإقامة في بلد قبل دخوله في البلد

و بلوغه حد الترخص يكون كالمتوطن في انقطاع سفره، أو لا بدّ من الدخول في البلد في انقطاع السفر؟ و العمدة في إلحاقه بالمتوطن أمران:


1) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 5، ص 525، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

أحدهما: ذيل صحيحة ابن سنان (1)المتكفّل لحكم الدخول في البلد بعد بيان حكم الخروج منه، و التسوية بين الخروج و الدخول في اعتبار حد الترخص.

و ثانيهما: عموم المنزلة المستفادة من قوله (عليه السلام): «من قدم مكة بعشرة أيّام قبل التروية فهو بمنزلة أهلها» (2)، فكما أن أهلها إذا دخلوا حد الترخص يجب عليهم الإتمام كذلك ناوي الإقامة بها.

و الظاهر عدم تماميّة الدليلين. امّا الأوّل فإن المراد من قوله (عليه السلام):

«و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» (3)هو القدوم العودي لا مطلق القدوم حتى يعم القدوم البدئي و لذا قلنا سابقا إنه لا إطلاق لصدر الصّحيحة فإنّ القدوم العودي يختص بأهل البلد، فصدرها متكفل لحكم المسافر من بلده لا الأعم منه و من المسافر من محل إقامته.

و العجب من بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) حيث استدل بإطلاق صدرها للمقيم الخارج و استظهر عدم إطلاق ذيلها.

و أمّا الثاني فالجواب عنه يتوقف على مقدمة هي أنّ حدود البلد على قسمين:

حدّ عرفي و هو ما كان من توابع البلد عرفا بحيث يعدّ الدخول فيه دخولا في البلد عرفا، و الخروج عنه خروجا عن البلد عرفا. و حدّ شرعي و هو حد الترخص بحيث يكون الدخول فيه حضورا في البلد شرعا و الخروج عنه غيبة عن البلد و مساوقا للسفر شرعا. و من البيّن أن أدلة اعتبار حد الترخص قسم منها لا دلالة له إلّا على شرطية التجاوز عن الحد لوجوب القصر فقط كقوله (عليه السلام): «و إذا لم يسمع الأذان قصر» (4)من دون دلالة على التنزيل المزبور. و قسم منها يمكن استفادة التنزيل منه كقوله (عليه السلام): «إذا توارى عن البيوت» (5)بناء على إرادة الغيبة عن البلد


1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

3) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

4) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

5) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

في قبال الحضور فيه فيدل، بالالتزام على أن هذا الحد حد لحضور الداخل فيه، و لغيبة المتجاوز عنه شرعا. و من الواضح ان مريد السفر عن بلده هو الحاضر في بلده تارة و الغائب عنه اخرى، و كون حضور الأهل و غيبتهم دائرا مدار البلوغ لهذا الحد و عدمه لا يجدي للمقيم إلّا بتنزيل المقيم منزلة أهل البلد حتى يكون حضوره كحضورهم، و غيبته كغيبتهم، و لا تنزيل إلّا بلسان قوله (عليه السلام): «و من قدم مكة.» إلى قوله «فهو بمنزلة أهلها» (1)فالمقيم في البلد لتحقق موضوعه يعمه التنزيل فيكون خروجه عن الحد غيبة له كالأهل، و بقاؤه فيه حضورا له كالأهل.

و أمّا ناوي الإقامة قبل دخول البلد فليس دخوله في حد الترخص دخولا في البلد حقيقة، لأن المفروض أنه ليس حدا عرفيّا له، و ليس دخولا فيه تنزيلا، لأنّ التنزيل مع فرض شمول الدليل له المتوقف على تحقق موضوعه فكيف يعقل تحقق موضوعه به فهذا هو الفارق بين خروج المقيم من البلد، و دخول ناوي الإقامة في حد الترخص. فتدبّر فإنه حقيق به.


1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

المقام الثاني في قواطع السفر و أحكامه

اشارة

فهنا مطلبان:

المطلب الأول في قواطع السفر

اشارة

و هي ثلاثة:

القاطع] الأول: الوطن

اشارة

و هو و إن كان لغة مجرد الإقامة في محل لأمر ما، كما عن فقه اللغة للثعالبي (1)قال: كلّ مقام قامة الإنسان لأمر ما موطن، كقولك: إذا أتيت مكة فوقفت في تلك المواطن فادع اللّه لي، و يقال: الموطن، المشهد من مشاهد الحرب، و منه قول طرفة:

على موطن يخشى الفتى عنده الردى متى تعترك فيه الفرائض ترعد

أقول: و منه قوله تعالى «نَصَرَكُمُ اللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ» (2)إلّا أنه مع ذلك فالوطن في العرف هو المقرّ الدائمي للإنسان و هو قسمان:

أحدهما: الوطن الأصلي الذي هو مسقط رأسه و ما نشأ فيه أبا عن جدّ.

ثانيهما: الوطن الاتخاذي، و هو المحل الذي يتخذه الغريب وطنا و مسكنا دائميا له، و لا كلام في شي‌ء منهما، و لا في عدم اعتبار الملك فيهما، و عدم ذكر الأول في الاخبار لكمال وضوحه. إنّما الكلام في الوطن الشرعي الذي هو ثالث الأقسام عند المشهور.


1) فقه اللغة: ص 4.

2) التوبة: 25.

و تنقيح الكلام فيه و فيهما برسم أمور:

منها: ان أخبار الباب طوائف أربعة:

إحديها: الأخبار الآمرة بالإتمام عند مرور المسافر الى ضيعته و قريته كصحيحة إسماعيل بن الفضل «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل سافر من أرض إلى أرض و إنّما ينزل قراه و ضيعته، قال (عليه السلام): إن نزلت قراك و ضيعتك فأتمّ الصلاة، و إن كنت في غير أرضك فقصّر» (1)و بمضمونها روايات أخر كرواية البزنطي (2)و موثقة عمّار (3).

ثانيتها: الأخبار النافية للإتمام في عين ذلك الموضوع كرواية موسى بن حمزة بن بزيع قال» قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة أقصّر أم أتم؟ فقال (عليه السلام) إن لم تنو المقام عشرة أيام فقصر» (4)و بمضمونها رواية عبد اللّه بن سنان (5).

ثالثتها: الأخبار الدالة على عدم كفاية المرور بالضيعة، و لزوم الاستيطان في الإتمام كصحيحة علي بن يقطين قال «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الرجل يتخذ المنزل فيمر به أ يتم أم يقصر؟ فقال: كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل، و ليس لك أن تتم فيه» (6)و بمضمونها صحاح أخر لعلي بن يقطين و غيره، و ظاهرها لزوم الاستيطان العرفي و هو اتخاذ المحل و المنزل مقرا دائميا له.

رابعتها: خصوص صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، قال (عليه السلام):


1) الوسائل، ج 5، ص 520، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 مع اختلاف يسير.

2) الوسائل، ج 5، ص 523، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.

3) الوسائل، ج 5، ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

4) الوسائل، ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

5) الوسائل، ج 5، ص 525، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

6) الوسائل، ج 5، ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه، فقلت:

ما الاستيطان؟ فقال (عليه السلام): أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتمّ متى دخلها» (1)و هذه الصحيحة هي مدرك الوطن الشرعي. و الجمع بين الطوائف الثلاث المتقدمة واضح بتقييد إطلاق النفي و الإثبات في الاولى و الثانية، بالاستيطان العرفي و عدمه. و يبقى الكلام في الجمع بين هذه الصحيحة (2)و الطائفة الثالثة الظاهرة في لزوم الاستيطان العرفي و هو يتوقف على بيان مفاد الصحيحة. فنقول: محتملاتها ثلاثة أحدها: ما فهمه المشهور من حصول الاستيطان شرعا بإقامة ستة أشهر في المنزل المملوك. ثانيها: حصوله بإقامة ستة أشهر دائما، أي في كل سنة فيساوق الاستيطان العرفي. ثالثها: أن يكون قيد ستة أشهر قيدا للنية و الاتخاذ لا للمنوي و المتخذ، بمعنى أنه ينوي الإقامة الأبديّة و يبقى على نيّته ستة أشهر فيساوق الوطن العرفي في وجه، و يفارقه في وجه آخر.

و حيث إن الظاهر من قوله (عليه السلام): «أن يقيم ستة أشهر» (3)هي الإقامة الخارجية الفعلية دون نية الإقامة، فلا يصح إلّا الاحتمال الأول لأن الإقامة الخارجية ستة أشهر في كلّ سنة دائما، امّا أن يكون شرطا بنحو الشرط المتقدم، أو الشرط المقارن، أو الشرط المتأخّر، لا سبيل إلى الأول و إلّا لم يجب الإتمام إلّا عند انقضاء العمر، و لا سبيل للثاني إذ لا مقارنة إلّا للإقامة في حال الإتمام، و لا سبيل الى الثالث لعدم معقوليّة الشرط المتأخّر في نفسه، و عدم إمكان الالتزام به هنا، إذ لو أعرض عنه بعد إقامته مدة مديدة، كشف عن بطلان ما أتمه من الصلوات من أوّل الأمر، كما هو مقتضى الشرط المتأخر، و لا يمكن الالتزام بشرطيّة الإقامة ستة أشهر في السنة الأولى بنحو الشرط المتقدّم، و في البقية بنحو الشرط المتأخّر لوحدة الدليل و وحدة الجعل، و عليه فالجمع بين هذه الصحيحة و الطائفة المتكفلة


1) الوسائل: ج 5، ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) و هي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع.

3) الوسائل: ج 5، ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

للاستيطان العرفي (1)بأحد وجهين: من شارحية الصحيحة لها، و من تقييد إطلاقها لها. و الشارحية على قسمين:

أحدهما: كون الصحيحة مفسرة للاستيطان المذكور في تلك الاخبار كما هو المعروف، فيورد عليه بأنه خلاف ظواهرها المستقرة في الوطن العرفي، و لا طريق إلى معروفيّة الوطن الشرعي حتى يستكشف بهذه الصحيحة أنّ الاستيطان هناك هو المعنى المعروف عندهم.

ثانيهما: الشارحية بمعنى التنزيل الموضوعي، فلا ينافي ظهور تلك الاخبار في الاستيطان العرفي بإقامة ستة أشهر فرد آخر من الاستيطان تنزيلا، كما يقال: الظن علم مع بقاء العلم المغيّى به الحكم على حاله من الظهور في العلم الوجداني، فإنه بعد السؤال بقوله: ما الاستيطان؟ يكون قوله (عليه السلام): «أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر» (2)إثباتا لفرد من الاستيطان المعروف معناه تنزيلا.

و أمّا تقييد تلك المطلقات فهو أيضا على وجهين:

أحدهما: تقييد إطلاقها من حيث ضم ضميمة إلى الاستيطان العرفي، و مقتضاه تضييق دائرة الاستيطان العرفي بإقامة ستة أشهر كما هو مذهب جماعة على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، و هو خلاف ظاهر الصحيحة، فإن ظاهرها أنّ الإقامة المذكورة بقيودها هي بنفسها استيطان لا أنها قيد للاستيطان العرفي.

ثانيهما: تقييد إطلاقها من حيث تعيّنه و عدم عدل و بدل له. و هذه الصحيحة مثبتة لما هو عدل و بدل للاستيطان العرفي، فكل من الطائفتين متكفّل لصنف من الاستيطان الذي يغيّى عن الصنف الآخر، و هذا النحو من التقييد لا محذور فيه أصلا. و بما ذكرنا يتوجه قول المشهور بالوطن الشرعي في قبال الأصلي و الاتّخاذي.

و قد عرفت عدم صحة شرطية الإقامة المزبورة في كلّ سنة، فلا مجال حينئذ لاستظهار التجدّد من الفعل المضارع كما هو المعروف، بعد عدم إمكان الشرط


1) و هي الطائفة الثالثة.

2) نفس المصدر السابق من الوسائل.

المتأخر في نفسه و فيما نحن فيه.

هذا كلّه إذا أريد من قوله «يقيم» (1)الإقامة الخارجية، و أمّا إذا أريد منه نية الإقامة فهو قابل لأن يراد منه نية إقامة ستة أشهر مرة، أو في كل سنة، و لا موقع لاستظهار التجدد من المضارع أيضا. إذ الإقامة تجدد دون النية، فالتجدد في المنوي لا في النية، بل لا يكفي نية إقامة ستة أشهر في هذه السنة، ثم يتعقبها في السنة الآتية نية أخرى، و هكذا فان مثلها لا يحقق الوطن العرفي. و منه تعرف أن استفادة الوطن الاتخاذي العرفي من هذه الصحيحة مخالفة لظاهر «يقيم» من حيث صرفه إلى نية الإقامة، و لظاهر إطلاق «ستة أشهر» من حيث حمله على ستة أشهر في كلّ سنة، و من حيث عدم اعتبار هذا العدد في الاستيطان العرفي بل مجرد اتخاذه مقرا دائميّا و لو بان يكون شهرين فيه، و الثاني في وطنه الأصلي كاف في الاستيطان، و كونه من باب المثال أو من باب الغلبة خلاف الظاهر.

و الإنصاف أن الصحيحة أوفق بمقالة المشهور من حملها على الاستيطان العرفي.

و منها: اعتبار الملك في الوطن الشرعي،

و البحث فيه في موردين:

أحدهما: في اعتباره في المنزل الذي يقيم فيه ستة أشهر في قبال القول بكفاية الإقامة فيما اتخذه منزلا لنفسه في طريق مروره.

ثانيهما: في اعتباره مع الإقامة ستة أشهر و لو لم يكن الملك قابلًا للسكنى. فلو قلنا به كان فردا آخر من الوطن الشرعي، فإن أحد فرديه الإقامة فيما اتخذه منزلا، كان مملوكا له أم لا، و الآخر الإقامة في محل له ملك كان قابلًا للسكنى أم لا، و مستند اعتبار ملكية المنزل الذي يقيم فيه صحيحة ابن بزيع (2)لا من حيث دلالة اللام في قوله (عليه السلام): «له منزل» على الملكية حتى يقال إن اللام لمطلق الاختصاص، بل لقوله (عليه السلام): «له فيها منزل يستوطنه» (3)و قوله (عليه السلام) ثانيا: «له فيها منزل يقيم فيه» (4)فقد اعتبر الإقامة في منزله في ضيعة لا


1) نفس المصدر السابق.

2) تقدمت ص 277.

3) نفس المصدر السابق.

4) نفس المصدر السابق.

في مطلق المنزل. فتكرار قوله فيها مرتين يدل على خصوصية ملكية المنزل. و العادة قاضية بكون منزله في ضيعته مملوكا له كضيعته، لا أن غيره بنى منزلا في ضيعته، و عليه فمجرد الإقامة فيما اتخذه منزلا من دون كونه مملوكا له لا أثر لها.

و مستند كفاية الملك مع الإقامة في غيره موثقة عمّار حيث قال: «و لو لم يكن له إلّا نخلة واحدة» (1)بعد تقييدها بإقامة ستة أشهر بما دل عليها إذ لا قائل منّا بكفاية مجرد علاقة الملكيّة في الوطنيّة من دون إقامة، و إنّما ينسب ذلك الى مالك، و لذا حملت الموثقة كغيرها من المطلقات على التقيّة، إلّا أن قبول هذه الموثقة للتقييد بعيد، إذ المقيد لها إن كان أخبار الاستيطان العرفي فلا قائل باعتبار الملك فيه، و إن كان صحيحة ابن بزيع فظاهرها كما عرفت الإقامة في الملك، لا الإقامة في بلد له فيه ملك، إلّا أن يقال إن الاستيطان عرفا لا ينسب الى الدار و المنزل، بل الى البلد و المحل، و إنّما ينسب الى المنزل بالعرض فأخبار استيطان المنازل يراد بها استيطان ذلك البلد أو المحل، فكذا الصحيحة فإن قوله (عليه السلام): «له فيها منزل يقيم فيه» تفسير لقوله (عليه السلام): «له فيها منزل يستوطنه» فلا يراد إلّا الإقامة في محل الملك لا في المملوك. فالاحتياط في مثله لا يترك، خصوصا مع ذهاب المشهور اليه.

و أمّا سائر ما قيل في إقامة (الستة أشهر) من كفاية كونها متفرقة للإطلاق، و من لزوم كون الإقامة المزبورة بنحو توجب التمام فلا وجه له.

أمّا الأول: فلأنّ المنصرف منه في أمثال المقام كثلاثة الحيض، و ثلاثة الخيار، و عشرة الإقامة، في موردها هو التوالي.

و أمّا الثاني: فلانة لا موجب له إلّا ظهور «يقيم» في إقامة العشر في ذلك، مع أن الكلام هناك مسوق لإيجاب التمام بها دون ما نحن فيه فإنه موجب للإتمام بعد تحققها في سفره الى هذا المحل، و التعبير بكونها قاطعة للسفر ليس بلحاظ هذا السفر الذي يقيم عنه، بل بلحاظ أسفاره فيما سيأتي، و هكذا و اللّه العالم.


1) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

و منها [هل يسقط عن الوطنية بمجرد الإعراض]

أن الوطن الأصلي هو ما نشأ فيه الإنسان و أبوه وجده- مثلا- و لم يعتبر فيه الملك بلا خلاف، إنّما الكلام فيما إذا أعرض عنه و كان له ملك فيه فهل يسقط عن الوطنية بمجرد الإعراض أم لا يسقط إلّا بزوال الملك أيضا؟ و لا يخفى ان مثله إذا كان معتبرا فيه اتخاذه وطنا و لو ارتكازا و لو بالتبعيّة، فيتصور فيه الإعراض الذي حقيقته رفع اليد عن اتخاذه، غاية الأمر ان الاتخاذ تفصيلي تارة، و ارتكازي أخرى، و أمّا إذا كان مثله وطنا قهريّا و لو لم يخطر بباله اتخاذه مقرا دائميّا فلا معنى لحقيقة الإعراض عنه، و الاكتفاء فيه بمجرد هجره و تركه مشكل، و إلّا لكان مهاجرة النبي إعراضا فيختل به أخبار حج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سفره إلى عرفات فإنه مع إعراضه (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم الملك لما حكي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أنّه قال (صلّى اللّه عليه و آله): «و هل ترك لنا عقيل دارا» (1)يكون سفره إلى عرفات تتمة سفره من المدينة لا سفرا جديدا بانقطاع سفره الأوّل بوصوله إلى مكة و عدم الإقامة فيها.

نعم يمكن أن يقال إن حقيقة الاعراض و إن كانت في قبال الاتخاذ إلّا أن هجره الدائمي بمعنى تركه الى الآخر لا تركه لضرورة الوقت كما كان من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يسقطه عن الوطنيّة شرعا.

و أمّا بقاء حكم الوطن مع بقاء الملك و لو مع الهجر و الاعراض فقد استند الشيخ الأجل (2)(قدّس سرّه) في صلاته الى وجهين:

أحدهما ما حكاه الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى (3)«من أن الصحابة لما دخلوا مكة قصّروا لخروج أملاكهم» فيدل على أنه لو بقيت أملاكهم لم يقصّروا.

ثانيهما: دعوى الفحوى فان الاستيطان الشرعي و هي إقامة ستة أشهر مع بقاء الملك إذا كان موجبا لبقاء حكم الوطنيّة فالوطن الأصلي مع بقاء الملك حكمه


1) السيرة الحلبية.

2) كتاب الصلاة: ص 419.

3) الذكرى، في بحث الشرط الثاني من شرائط التقصير، و ليس لصفحات الكتاب أرقام. (الطبعة الحجرية).

كذلك بالأولوية القطعيّة.

أمّا فعل الصحابة فلا حجيّة له، و أمّا الأولويّة فمدفوعة بأن الوطن الشرعي كان متقوّما حدوثا بالملك و الإقامة فيه ستة أشهر، و الإقامة تنقضي بانقضاء مدّتها و أثر الوطنية بعد انقضائها، فبقاء الوطنية منوط ببقاء موجبها و ليس هو إلّا الملك فإنّه القابل للبقاء بخلاف الوطن الأصلي فإنّ تقوّمه لم يكن عند تحققه بالملك، فليس بقائه إلّا بعدم الهجر و الإعراض، فمع الهجر لا أثر لبقاء الملك، كما لم يكن أثر لحدوثه، فكونه علّة مبقية للوطنية يحتاج الى دليل، فلا مساواة فضلا عن الأولوية القطعية، و المسألة إن لم تكن إجماعية لا بدّ فيها من الاحتياط.

و منها [حكم الوطن المستجد و الاتخاذي]

أن وطن المستجد و الاتخاذي، لا شبهة في أنّ حكم الوطن الأصلي في وجوب الإتمام، و في انقطاع السفر بالوصول إليه، إمّا لشمول أخبار الاستيطان الظاهر في اتخاذ محل مقرا دائما له، و إمّا لشمول أخبار من خرج من منزله و بلده و أهله بأنه كما يكون كذلك أصليا كذلك يكون اتّخاذيا، و مورد أخبار الاستيطان و إن كان أثناء المسافرة من محلّه إلّا أنه مورد لا مقوم للاستيطان فدعوى ان هذه الاخبار أجنبية عن اتخاذ محل دارا لإقامته غير مسموعة.

نعم إن فسرت هذه الاخبار بالاستيطان الشرعي سقطت عن الدلالة على حكم الاستيطان العرفي.

و أمّا اعتبار الملك فيه، و اعتبار إقامة ستة أشهر في محل الاتخاذ، فتوضيح القول فيها: أمّا اعتبار الملك فليس له موجب شرعا، كما لا موجب له عرفا حيث إن مفهوم الاستيطان غير متقوم بملكيّة ما يتخذه مقرا دائميا، خصوصا مع أن المتعارف اتخاذ البلد مقرا دائميا له و أخبار الاستيطان و إن كان موردها غالبا الملك، إلّا أنه لم يعلم منها أنّ الملك مقوّم له شرعا بل ظاهر قوله (عليه السلام): «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل» (1)ان العبرة بكون المحل منزلا له و هو متقوم بالاستيطان و اتخاذ المنزل مقرا دائميا حتى يكون منزلا له ليكون حضوره فيه حضور


1) الوسائل: ج 5 ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

المسافر منزله فالعبرة به لا بكون ما اتخذه مقرا ملكا له.

و أمّا اعتبار إقامة ستة أشهر فيه فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبارها أمور:

أحدها: ان الوطن العرفي ما لم يكن وطنا شرعيا لا أثر له و هو مغالطة، فإن اللازم أن يكون ما يراه العرف ملكا أو مالا أو وطنا ممضى شرعا، و أخبار الاستيطان و المنزل و نحوها دليل الإمضاء، و عدم كونه وطنا شرعيا بالمعنى المقابل للوطن العرفي غير ضائر.

ثانيها: ما في المدارك (1)من دعوى الأولوية نظرا الى أن إقامة ستة أشهر إذا كانت لازمة مع وجود الملك فمع عدمه بالأولويّة، و هو بظاهره بلا جامع حتى يتحقق بلحاظه الأولوية، و لعل المراد أن المحل الذي كان ملكا إذا اعتبر فيه الإقامة المزبورة، فالمحل الذي ليس بملك اولى باعتبار الإقامة فيه، و هو لا يجدي إلّا بلحاظ ذات المحل لا بلحاظ الذي اتخذه مقرا دائميا فإنه لا مساواة فضلا عن الأولوية.

ثالثها: تقييد إطلاق أخبار الاستيطان العرفي بصحيحة ابن بزيع (2)، و الظاهر انه ليس نسبة الصحيحة إلى تلك الاخبار نسبة المقيد الى المطلق حتى يحمل المطلق على المقيد، فإن الصحيحة متكفلة لنفس الإقامة، لا للاستيطان العرفي المتقيد بالإقامة حتى تكون نسبتها نسبة المقيد الى تلك الاخبار. و منه تعرف ان نسبة تلك الاخبار أيضا ليست نسبة المقيد إلى الصحيحة المطلقة من حيث اتخاذ المنزل مقرّا دائميا حتى يقال لا عبرة بالإقامة المزبورة ما لم يتخذ المنزل مقرا دائميا.

فإن قلت: و إن لم تكن نسبة الاخبار الى الصحيحة و لا نسبة الصحيحة الى الاخبار، نسبة المقيد الى المطلق إلّا أنّ قوله (عليه السلام): في صحيحة علي بن يقطين «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل» (3)يعم بإطلاقه ما إذا أقام في المنزل ستة أشهر، و قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع «أن يكون له منزل


1) المدارك: ص 278 تحت عنوان توضيح الشرط الثالث من شرائط التقصير.

2) الوسائل: ج 5 ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

3) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

يقيم فيه ستة أشهر» (1)يعمّ بإطلاقه ما إذا اتخذه مقرا دائميا أم لا، فالاطلاقان متعارضان و لا بدّ من علاجهما و إلّا سقط كلّ منهما و لم يثبت بهما لا وطن عرفي و لا وطن شرعي بنحو الاستقلال.

قلت: حيث إن ظاهر الصحيحة جعل الإقامة المزبورة استيطانا حيث قال السائل: «ما الاستيطان فقال (عليه السلام): أن يكون له منزل يقيم فيه ستة أشهر» (2)فالإقامة المزبورة يترتب عليها الحكم بعنوان أنه استيطان، فيكون وطنا تنزيلا، و الصحيحة بمنزلة الحاكم على تلك الأخبار، فكأنه قال: كلّ منزل لا تستوطنه حقيقة أو تنزيلا فهو ليس لك بمنزل، و لا تعارض بين الحاكم و المحكوم فتدبر جيدا.

و منها [في أن المدار في الإتمام على الوطن الأصلي أو الاتخاذي أو الشرعي]

أن ظاهر غير واحد أن المدار في الإتمام على أحد الأمور المزبورة من الوطن الأصلي، و الاتخاذي، و الشرعي، فالمقيم في بلد بلا قصد التوطن خارج عن الأقسام و إن بقي فيه مدة متمادية، و يمكن أن يقال كما قيل إن المدار في الإتمام و في انقطاع السفر بالوصول إليه مجرد كون البلد بلده، كما يستفاد من أخبار باب صلاة المسافر من التعبير بوصوله إلى أهله، أو خروجه من منزله و عوده اليه، و أشباه ذلك، و لا ريب في أنّ من كان بيته معه لا وطن له بأحد الوجوه و مع ذلك له الحضور و السفر، و قد ورد في باب حج التمتع (3): أنّه فريضة من لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام و إنّ من أقام به سنتين كان داخلا في الحاضر. فمنه و من أشباهه يعلم أن ملاك الإتمام كون الشخص مضافا إلى بلد- مثلا- و أنه محله و بيته و منزله لا الى عنوان الوطنيّة و اللّه أعلم.

[القاطع الثاني: الإقامة]

اشارة

الثاني من قواطع السفر نية إقامة عشرة أيّام.


1) الوسائل، ج 5 ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) الوسائل، ج 5 ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

3) الوسائل، ج 8 ص 191، الباب 9 من أبواب أقسام الحج.

و فيه مباحث:

[المبحث] الأول في موضوع هذا القاطع
اشارة

و فيه أمور:

أحدها [المقوم للإقامة]

إن المقوم له أعم من النية المساوقة للعزم و من اليقين العادي المساوق للجزم و إن لم يكن من مبادي الإرادة كما يتضح بمراجعة روايات الباب، ففي بعضها: «إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيّام إلخ» (1)، و في بعضها «إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيام إلخ» (2)و في بعضها «فأزمعت المقام» (3)و في آخر «تريد المقام» (4)و في آخر «إذا أجمع على مقام عشرة أيام» (5).

و من الواضح أن إجماع الرأي و الإرادة أخص من اليقين العادي لشموله لما إذا أيقن بمقامه قهرا لكونه أسيرا و هو أوسع من الجزم الذي هو من مبادي الإرادة.

و من الواضح أيضا انه ليس هناك موجبان للإتمام: نية الإقامة، و اليقين لها، بل هناك موجب واحد و هو ثبوت المقتضي لبقائه إمّا من تلقاء نفسه و إمّا من الخارج فلا ينافي احتمال حصول المانع من تأثير المقتضي بأحد المعنيين، و أمّا حديث تعليق العزم على شي‌ء و ما يشبهه من القصد التفصيلي و الإجمالي فحاله حال قصد المسافة، و قد فصّلنا القول فيه سابقا فراجع.

ثانيها: ان أخبار هذه المسألة كلّها متكفلة لوجوب الإتمام فقط

من دون دلالة على القاطعية للسفر موضوعا تنزيلا، و الدليل منحصر في رواية «من قدم مكة قبل التروية بعشرة أيام فهو بمنزلة أهلها» (6)فالاستدلال لعنوان القاطعية بهذه الأخبار


1) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

2) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 16.

3) الوسائل: ج 5، ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

4) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 16.

5) الوسائل: ج 5، ص 524، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

6) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10 مع اختلاف يسير.

و توهّم أن التنزيل في هذه الرواية لا عموم له فلا يفيد إلّا وجوب الإتمام، مدفوع بان نفس هذه الرواية المتكفلة للتنزيل، متكفلة لحكمين: من وجوب الإتمام، و من وجوب القصر للخروج الى عرفات بعنوان التفريع على كونه كأهل مكة، و لو لم يكن كذلك لما كانت له الدلالة على أن الخروج الى عرفات سفر جديد موجب للقصر لاحتمال أن القصر لكونه متمّما لسفره من بلده الى مكة.

ثالثها: يعتبر في الإقامة وحدة المحل

فلا أثر للإقامة في محلّين بحيث يعدان كذلك عرفا، و هل هو لاقتضاء الإقامة عرفا؟ أو لأنّ مورد الروايات هو البلد؟ حتى قوله (عليه السلام): «إذا دخلت أرضا» (1)فإن المراد موضع مخصوص منها و إلّا فلا معنى لقوله فيما بعد: «و إن لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد» فان ظاهره الخروج من محل خاص منها، لا الخروج من الأرض مع أن مورد السؤال «أ رأيت من قدم بلدة؟». و بالجملة لا شبهة في أن مورد الأخبار هي الإقامة في محل خاص. و أمّا بالنظر الى اقتضاء الإقامة فهي منسوبة بالذات الى الدار التي هي مسكنه و مقرّه، و بالعرض الى المحلة و الى البلد و الى القطر العراقي، و الى جزيرة العرب و إلى آسيا و هكذا. إلّا أن الإقامة هنا كالإقامة في الوطن لا يراد منها إلّا الإقامة في البلد، إذ لا فرق بين جعل البلد مقرا دائميا لنفسه أو مقرا في ستة أشهر أو عشرة أيام. فلا خصوصية في نظر العرف للدار و المحلة في باب جعل محل محطّ رحله و موضع قراره و استقراره. و أمّا الأمر في البلدان الكبار جدا فمشكل إذا لم يكن محلاته منفصلة كالقرى المتقاربة و الاحتياط في مثله لا يترك، لعدم إمكان الجزم بأحد الطرفين.

رابعها [في أن صدق العرفي هو المدار في الكفاية التلفيق و كفاية عشرة أيام]

ان كفاية التلفيق و كفاية عشرة أيام بلياليها المتوسطة دون الاولى و الأخيرة لا منشأ لهما إلّا الصدق العرفي، و إلّا فما أفاده في المدارك: «من أنّ نصفي اليومين لا يسمى يوما» (2)صحيح. و لقد أجاد الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في رده


1) الوسائل: ج 5 ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

2) المدارك: ص 283 تحت عنوان و لو نوى الإقامة.

حيث قال: «إنه تصديق للحقيقة و تكذيب للعرف» (1)كما ان اليوم إذا كان عبارة عن مجموع الليل و النهار فلا بد من إدخال الليلة الأولى أو الأخيرة، و إن كان عبارة عن خصوص النهار فالليالي كلها خارجة، و لا مدفع له إلّا أنّ مقتضى نسبة الإقامة إلى عشرة أيام عرفا ما ذكرنا و هو أنّ مبدأه أول نهار اليوم الأول و منتهاه آخر نهار اليوم العاشر، و إذا كان في مورد التلفيق فمبدؤه- مثلا- زوال اليوم الأول، و منتهاه زوال اليوم الحادي عشر فتكون الليالي المتوسطة عشرا. و منه تعرف انه ليس المدار على مقدار عشرة أيام بلياليها المتوسطة كما هو واضح.

خامسها: المشهور اعتبار التوالي المفسّر بعدم نية الخروج عن حد الترخص

في مرحلة نية الإقامة، فالنية المقرونة بنية الخروج لا تؤثر في وجوب الإتمام بل يبقى على القصر، و جملة ما استندوا إليه في ذلك أمور:

منها: تبادر النية المحضة من النص. من لزوم النقص في العشرة المنوية، كما ليس له أن ينوي تسعة أيام و نصف مثلا.

و منها: ما عن الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في تحريراته في الصلاة حيث قال (قدّس سرّه): «كلّ مكان يجوز قصد إقامة شي‌ء من العشرة فيه لا يقدح قصد الخروج إليه في الأثناء و إلّا فلا. إلخ» (2)و حاصله دعوى الملازمة بين قصد الإقامة فيهما و قصد الإقامة في أحدهما و الخروج الى الآخر.

و منها: ان التجاوز عن حد الترخص من المقيم مبطل للإقامة، فنيّة التجاوز في ضمن نية الإقامة تبطلها.

و الجواب عن كلّ هذه الوجوه مبني على مقدمة هي: ان الإقامة تارة بمعنى اللبث في محل، فالخروج عن المحل و عن ما هو محسوب منه ضدّ اللبث فيه، و قصدهما قصد المتنافيين، و أخرى بمعنى جعل محل مقرا و مستقرا لنفسه و محطا لرحله كالإقامة فيما يتّخذه دارا لإقامته دائما، إذ لا فرق بين الإقامتين إلّا بالدوام و عدمه، و ضد الإقامة بهذا المعنى، الارتحال عنه و تركه، و لا يكون ذلك إلّا بإنشاء سفر جديد و به


1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 400.

2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 400.

تنحل جميع تلك الوجوه إذ ليس للإقامة حقيقة شرعية ليدعى انها خصوص اللبث المضاد للخروج، بل معناها العرفي ما ذكرناه، و لا يقاس قصد جعل محل واحد مقرا و مستقرا و الخروج الى ما دون المسافة لحاجة، بقصد جعل محلين مقرا لنفسه و مستقرا له، كما أن جعل محل مقرا له لا يقتضي دوام اللبث فيه فلا ينافيه الخروج عنه نهارا و القرار فيه ليلا- مثلا- فلا يلزم نقص العشرة.

نعم لو خرج عنه ليلا و نهارا لزم النقص في العشرة حيث لم يتصف يوم منها بالقرار و الاستقرار فيه.

و أمّا ناقضيّة التجاوز عن حد الترخص للإقامة، فمدفوعة بأن التجاوز حد لمن سافر من بلده أو محل إقامته، و لا يدور هذا المعنى مدار قاطعيّة الإقامة لموضوع السفر و رافعيّتها لحكمه، فان البناء على كونها رافعة لوجوب القصر فقط، و بقائه على كونه مسافرا أيضا على نحوين: فتارة يخرج عن محل الإقامة مرتحلا عنه و متمما لسفره الأول عودا على بدء فهذا هو الذي يجب عليه القصر عند تجاوزه عن حد الترخص.

و أمّا من لم يرتحل عنه و هو باق على بنائه على أن المحل مقره و مستقره، فلا موجب لتحديد خروجه بعدم بلوغ حد الترخص حيث لا سفر منه و لو بعنوان العود على سفره.

فالتحقيق: انّ نية الخروج الى ما دون المسافة لا ينافي نية الإقامة بالمعنى الذي ذكرنا التي هي الإقامة العرفية في البلد في قبال الرّحلة عنه فتدبّر جيدا.

سادسها [في اعتبار توالي العشرة و اتصالها]

بعد البناء على عدم مانعية نية الخروج الى ما دون المسافة لنية الإقامة هل يعتبر توالي العشرة و اتصالها؟ أم يكفي كونها متفرقة بحيث إذا خرج و لم يرجع الى اليوم الآخر كفى إكمال العشرة بيوم آخر؟ مقتضى ما تقدم من المشهور في مسألة الإقامة ستة أشهر متوالية كانت أم متفرقة، للإطلاق، فلا بدّ من القول به هنا إلّا أن الظاهر اعتبار التوالي و عدم الانفصال كما في غير هذا المورد من الموارد التي أخذ في موضوع الحكم عدد خاص من الأيام أو الشهور و اللّه العالم.

المبحث الثاني [في موضوع الإقامة]
اشارة

إذا نوى الإقامة ثم عدل عنها بطلت الإقامة إلّا إذا صلّى فريضة واحدة تامة.

و تنقيح الكلام برسم أمور في المقام:

أحدها: بيان أنحاء ما يتصور من شرطية نية الإقامة

في المقام و تأثير العدول و دخل فريضة تامة في بقاء الأحكام فنقول: إن نية الإقامة تارة رافعة لأحكام السفر، و اخرى قاطعة لموضوعه، أمّا إذا قلنا بأنها رافعة للأحكام فنية الإقامة تارة شرط حدوثا و بقاء و أخرى حدوثها شرط لثبوت الأحكام حدوثا و بقاء فان كانت شرطا و بقاء فليس للعدول شأن إلّا ارتفاع نية الإقامة، و بزوال الشرط يزول المشروط و هو وجوب الإتمام- مثلا- و حينئذ ففعل صلاة تامة المقارنة لشرطها و هي نية الإقامة حالها، شرط بدلا عن نية الإقامة عند ارتفاعها فالعدول بعد الصلاة لا أثر لها، فبقاء الأحكام تارة مستند إلى نية الإقامة، و اخرى إلى فعل صلاة تامّة و لا محذور في هذا الفرض و إن كانت النية بحدوثها شرطا لثبوت الأحكام حدوثا و بقاء، فبقاء النية لا أثر له حتى يكون العدول بعنوان ارتفاعها و بعنوان زوال الشرط، فإن النية الحادثة يستحيل ارتفاعها و انقلابها عما هي عليه، و الباقية إلى زمان العدول لا شرطية و لا أثر لها شرعا، بل يكون بعنوان نفسه رافعا لأثر تلك النية من حين تحققه لا من حين تحققها، فإنه من قبيل الشرط المتأخر المستحيل بطبعه. و فعل صلاة تامة قبل العدول مانع متقدم عن تأثير العدول، و أمّا كون نية الإقامة شرطا حدوثا و إناطتها في بقاء الأحكام بفعل الإتمام، فهو محال لأن وجوب الإتمام لا يعقل أن يكون مشروطا بنفس الإتمام، لأن ذلك طلب الحاصل من وجه، و عليّة الشي‌ء لنفسه من وجه آخر كما أن كون النية المستمرة شرطا لحدوث الأحكام و بقائها أيضا محال، لكون بقاء النية شرطا متأخرا لحدوث الأحكام من الأول. فالفرض الصحيح بحسب مقام الثبوت ما فرضناه أوّلا و ثانيا.

و أمّا إذا قلنا بأن نية الإقامة قاطعة لموضوع المسافر كما هو المعروف، فربما ينسبق الى الذهن إنه لا معنى لشرطية نيّة الإقامة حدوثا و بقاء لان انقطاع السفر ليس

تدريجيّا حتى تكون نية الإقامة في كل آن قاطعة للسفر في ذلك الآن. و عليه فلا معنى للعدول لأنه لا يحقّق السفر بعد ارتفاعه و لا معنى لا بقاء انقطاع السفر بفعل صلاة تامة.

و امّا إناطة تأثير حدوث الإقامة في انقطاع السفر بفعل صلاة تامة فهو في حكم إناطة وجوب الإتمام بفعل الإتمام، كما أن إناطة تأثير نيّة الإقامة في انقطاع السفر، بعدم العدول بعدها حتى لا يرد محذور كون العدول محققا للسفر فهو التزام بالشرط المتأخر، و لازمه بطلان الأعمال السابقة على العدول إلّا الصلاة التامة المانعة عن تأثير العدول، إلّا أن كل ذلك مبني على كون نية الإقامة قاطعة للسفر حقيقة كالورود الى الوطن.

و أمّا إذا كان قاطعاً تنزيلا بمعنى أن ناوي الإقامة بمنزلة الحاضر شرعا في جميع أحكامه حتى في اعتبار المسافة عند ارتحاله، و به يمتاز عن كونها رافعة لأحكام السفر. و عليه فالحضور له الحدوث و البقاء فهو ما دام ناويا للإقامة باق على حضوره، و إذا ارتفعت النية ارتفع الحضور إلّا إذا صلّى تماما فإنه بها يبقى على حضوره و إن زال سببه الأول.

و منه يعرف أنه يتصور على هذا الشق أيضا صورة أخرى و هي: تأثير النية بحدوثها فقط في الحضور تنزيلا الى أن يرتحل و يكون العدول رافعا لأثرها من حينه لا من حينها و تكون الصلاة التامة مانعة عن تأثير العدول، بل لعلّ هذه الصورة أبعد من المحذور من الصورة الأولى لان مقتضى صحيحة أبي ولاد (1)هو وجوب الإتمام بعد فعل صلاة تامة لا كونها مبقية لحضوره كما كانت النية مقتضية له بخبر من قدم مكة قبل التروية إلى قوله: «فهو بمنزلة أهلها» (2)و إذا لم يكن تنزيل في الصحيحة للفريضة التامة منزلة النية في اقتضائها للحضور التنزيلي لم يكن سفره بعد العدول سفر الحاضر حتى يعتبر فيه المسافة، بل حاله حال الشق الأول من كون النية رافعة


1) الوسائل: ج 5 ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5 ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

للاحكام، بخلاف الصورة الثانية من الشق لثاني فان الحضور التنزيلي إلى الآخر بمقتضى نفس النية و شأن الصلاة التامة المانعية عن تأثير العدول في رفع الحضور، فسفره بعد العدول الواقع بعد فريضة تامة سفر عن حضور من دون حاجة الى تنزيل آخر فافهم و تدبّر.

ثانيها: هل مقتضى الأخبار شرطية نية الإقامة حدوثا و بقاء

لحدوث أحكام الحاضر و بقائها؟ أو شرطية حدوث نية الإقامة فقط لحدوث الأحكام و بقائها؟

فعلى الأول يكون ارتفاع الأحكام بالعدول على القاعدة دون الثاني.

فنقول: ظاهر ما عدا صحيحة أبي ولاد هو الثاني، و هي شرط نية الإقامة حدوثا، فان ظاهر قوله (عليه السلام) «إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام إلخ» (1)، هو حدوث اليقين لا استمراره، و كذا ظاهر قوله (عليه السلام): «إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيام» (2)فإن الظاهر حدوث حديث النفس بالإقامة لا استمرار حديث النفس، و كذا ظاهر قوله (عليه السلام) «فأزمعت المقام و أردت» (3)و «أجمع على مقام عشرة أيام» (4)فإن ظاهرها جميعا هو حدوث هذه الصفات دون استمرارها.

نعم لو كان الموضوع ناوي الإقامة، صح أن يقال إن ظاهره دوران الحكم مدار التلبّس بالعنوان.

و أمّا صحيحة أبي ولّاد فظاهرها اعتبار الاستمرار، فإنها نظير صحيحته الأخرى الواردة في اعتبار استمرار قصد المسافة، فإن استمرار النية إلى زمان البداء، مفروض فيها، و إنّما سأل عن اعتبار بقائها لكونه شرطا في بقاء أحكام الإقامة أو يكفي حدوثها فأجاب (عليه السلام): بان الحكم يزول بالبداء إلّا مع فعل فريضة تامة، فيعلم منه بالالتزام اعتبار بقاء النية في بقاء أحكام الإقامة إلّا مع فعل


1) الوسائل: ج 5 ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

2) الوسائل: ج 5 ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

3) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

4) الوسائل: ج 5 ص 524، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

فريضة تامة.

و يتفرع على ما ذكرنا ان مجرد زوال نية الإقامة كاف في ارتفاع الأحكام سواء جزم بعدم الإقامة أو تردد، بخلاف ما إذا كان حدوث النية شرطا و العدول مانعا، فإنه ربما يتأمّل في التّعدي عن الجزم بعدم الإقامة لظهور الصحيحة سؤالا و جوابا في الجزم بالعدم، لقول السائل «فبدا لي أن لا أقيم» (1)و قول الامام (عليه السلام) «حتى بدا لك أن لا تقيم» (2)مع أنه على هذا المبنى أيضا يصح التعميم لقوله (عليه السلام): بعد فرض البداء في آخر الصحيحة «و إن لم تنو المقام عشرا فقصّر ما بينك و بين شهر» (3)الخبر.

ثالثها [في أن بقاء النية إلى تمامية صلاة فريضة تامة شرط في بقاء أحكام الحاضر]

ظاهر صحيحة أبي ولّاد (4)ان بقاء النية إلى تمامية صلاة فريضة تامة، شرط في بقاء أحكام الحاضر، و إن فعل صلاة فريضة تامة هو الموجب لبقاء أحكام الحاضر، فالعدول في أثناء الفريضة التامة باق على تأثيره في ارتفاع أحكام الحاضر لفرض عدم بقاء الشرط إلى تمامية الصلاة، و الشرطية الثانية في الصحيحة حيث قال (عليه السلام): «و إن كنت حين دخلتها على نية التمام و لم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم» (5)الخبر، و إن كانت موهمة لقصر تأثير العدول على العدول قبل فعل الصلاة رأسا فيبقى العدول في الأثناء مسكوتا عنه، فلا العدول قبل الصلاة حتى يؤثر و لا العدول بعدها حتى لا يؤثر، لكن الشرطيّة الثانية تصريح بمقتضى الشرطية الاولى، و هو ان مناط التّأثير و عدمه وقوع العدول بعد فعل صلاة تامة و عدمه، مضافا الى إطلاق قوله (عليه السلام) «و لم يصلّ» (6)أي لم يصلّ تماما بحيث يصدق على ما أتى به أنه صلاة تامة و إن أتى بما ليس مصداقا للصلاة التامة لفرض كون العدول في الأثناء و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى ان وجوب هذه الصلاة لما ذكروه من الوجوه الضعيفة، لا دخل له بتأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر و عدمه، بخلاف العكس و هو ما إذا قلنا إن


1) الوسائل: ج 5 ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5 ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3) نفس المصدر السابق.

4) نفس المصدر السابق.

5) نفس المصدر السابق.

6) نفس المصدر السابق.

العدول في الأثناء كالعدول بعد الصلاة لا أثر له فإنّه بنفسه مقتض لوجوب الإتمام إذ المفروض أن المشروع في الصلاة كالإتيان بها تماما فهو في هذه الحال مأمور بالتمام.

رابعها [في دوران تأثير العدول و عدمه مدار فعل فريضة تامة و عدمه]

ظاهر صحيحة أبي ولاد دوران تأثير العدول و عدمه مدار فعل فريضة تامة و عدمه فلا أثر لغيرها من الفرائض اليومية، و لا لسائر الواجبات المنوطة بالإقامة كالصوم و النوافل النهاريّة.

و ربما يبرهن على كونها كالفريضة التامة، بتقريب أن فعل النافلة قبل العدول حيث إنها مقارنة لشرطها و هي نية الإقامة و الحضور فهي صحيحة لا باطلة، و إذا صحت كشفت عن كون المتنفّل حاضرا غير مسافر لعدم مشروعية النافلة من المسافر، و إذا كان غير مسافر فالعدول ليس من موجبات السفر.

و جوابه ما مرّ من أن نية الإقامة شرط حدوثا و بقاء فمع ارتفاعها ليس بحاضر لانتفاء ما به الحضور و المفروض عدم الإتيان بما جعله الشارع بدلا عن نيّة الإقامة و هي الصلاة التامة و مع انتفاء الحضور حقيقة و تنزيلا يجب القصر كما هو مقتضى ذيل الصحيحة فراجعها.

خامسها [في أن نية الإقامة لا تمنع عن العدول]

المستفاد من الصحيحة (1)ان نية الإقامة لا تمنع عن العدول إلّا إذا صارت عمليا بخصوص الفريضة التامة فلا بدّ من ارتباط الفريضة التامة بالإقامة و يترتب عليه فروع:

منها: ما إذا صلّى صلاة تامة في أماكن التخيير لشرف البقعة فإنّه و إن كان ناويا للإقامة واقعا، و تصدق طبيعة الفريضة التامة حيث إن الإتمام واقعا مأمور به، إلّا أنه غير مربوط بنية الإقامة و ليس الإتمام عملا بنية الإقامة.

و منها: ما إذا قضى فائتة تامة فإنه من مصاديق الفريضة التامة إلّا أنه أجنبي عن نية الإقامة فإنه يجب عليه قضاء ما فات كما فات، نوى الإقامة أم لا. و منه يظهر سريان الإشكال إلى قضاء رباعيّة فائته بعد نية الإقامة فإن التمامية مستندة


1) أي صحيحة أبي ولاد التي مرّ عنوانها قريبا.

الى اقتضاء التدارك لا الى اقتضاء الإقامة حتى يكون القضاء عملا بما نوى، إلّا أن يفرق بأنه عمل بنية الإقامة بواسطة إذ لو لم ينو الإقامة لما وجب عليه الإتمام أداء و قضاء.

و منها: ما إذا صلّى تماما غافلا عن نية الإقامة جريا على عادته في بلده، فان وجوب فريضة تامة و صدقها على ما أتى به واضح، لكنه أجنبي عن التلبس بما يترتب على الإقامة حتى تكون نية الإقامة عمليا إلّا أنه يمكن أن يقال إنه تلبّس بما هو عمل الحاضر و لحضوره أتم، و إن عمل عن وجه حضوره فتدبر.

سادسها [في أن إناطة تأثير البداء و عدمه بإتيان الفريضة التامة و عدمها]

ظاهر الصحيحة (1)إناطة تأثير البداء و عدمه بإتيان الفريضة التامة و عدمها لا بمجرد استقرارها في الذمة، فدعوى عدم تأثير العدول إذا ترك الفرض عمدا أو نسيانا استنادا الى مجرد الاستقرار في الذمة، لا شاهد لها.

و العجب الالتزام به من جامع المقاصد (2)مع اعترافه بمخالفته لظاهر النص.

و أمّا دعواه انه موافق للقواعد فقاعدة شرطية النية حدوثا فقط المستفادة من الاخبار و إن كانت مقتضية لعدم تأثير العدول، إلّا أنّ الصحيحة صريحة في إناطة البقاء على الإتمام بفعل صلاة تامة و ان العدول لا أثر له بعدها لا بعد استقرارها في الذمة فتدبّر.

نعم المناقشة في عدم شمول قوله (عليه السلام): «لم يصلّ»، لترك الصلاة عمدا أو نسيانا غير بعيدة نظرا الى أنّ سوق هاتين الشرطيّتين في الصحيحة بلحاظ فعل الصلاة طبعا، و عدم فعلها طبعا لسعة الوقت لا لتعمد الترك، أو عروض النسيان، و عليه فالعدول بعد الاستقرار و الترك العمدي أو النسيان غير مشمول للصحيحة، فنيّة الإقامة مؤثرة في وجوب الإتمام، و المقيد لها الترك الطبعي دون غيره فتأمّل.

سابعها [في صحة صوم من صام ناوي الإقامة قبل فريضة تامة]

إذا صام ناوي الإقامة قبل فريضة تامة صح صومه لما مرّ من أن نية


1) أي صحيحة أبي ولاد.

2) جامع المقاصد: ص 148، في بحث صلاة المسافر.

الإقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامة و أمّا إذا صام و عدل في أثناء الصوم فالكلام فيه تارة من حيث تأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر و عدمه، و قد مرّ أنه يؤثر حيث إنه قبل فريضة تامة، و أخرى من حيث صحة نفس الصوم و فيه وجوه بل أقوال: قول بصحته مطلقا، و قول ببطلانه مطلقا، و قول بالتفصيل بين العدول قبل الزوال، فلا يصح و بعد الزوال فيصح.

أمّا وجه الصحة مطلقا فهو إن نية الإقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامة، و لا بعدم العدول فيما بعد. و عليه فينعقد الصوم صحيحا و حيث إن الصوم لا يتبعّض صحة و فسادا فلا بدّ من صحته الى الآخر و ليس مثل الصلاة فإنه مع عدم التجاوز عن الركعتين يجب عليه إتمامها قصرا، و مع التجاوز لا يمكن إتمامها قصرا لفرض التجاوز، و لا تماما لتبدل حضوره بسبب العدول و لا تعمّ الصحيحة للصوم لان موردها تأثير العدول في القصر و الإتمام، و لا تعمّ أخبار السفر قبل الزوال لان ظاهرها إنشاء السفر قبل الزوال لا مجرد زوال حضوره.

و أمّا وجه البطلان مطلقا: فلان الحضور التّنزيلي ليس بأقوى من الحضور الحقيقي فكما أنه إذا سافر قبل الزوال ينكشف بطلان صومه من الأول فكذا مع زوال نية الإقامة قبل الزوال، فلا موجب للالتزام بانعقاده صحيحا حتى يرد محذور التبعض، فحيث إنه يكون العدول هادما للأثر من حينه و الصوم لا يتبعض، نقول بأنه يجب الالتزام بعدم انعقاده حيث إنه غير قابل لإتمامه مع زوال نية الإقامة قبل الزوال. و الصحيحة و إن كانت في مورد الصلاة إلّا أنه بالملازمة بين القصر و الإفطار، و الإتمام و الصيام، يكون حال الصوم حال الصلاة. و أمّا عدم صحة إتمامه بعد الزوال فلقصور أدلة الإتمام بعد الزوال لظهوره في إنشاء السفر بعده لا تبدّل حضوره بعد الزوال.

و أمّا وجه التّفصيل بين العدول قبل الزوال و العدول بعده فنقول: مقتضى الصحيحة بضميمة الملازمة بين القصر و الإفطار، ثبوت الإفطار بالعدول قبل فريضة تامة، و لم يقيّد هذه الملازمة إلّا بالسفر بعد الزوال، فالعدول قبل الزوال مؤثر في بطلان الصوم لمكان الملازمة، لا لاخبار السّفر قبل الزوال حتى يناقش في

شمولها لتبدل الحضور بالعدول. و أمّا صحته مع العدول بعد الزوال مع المناقشة في شمول أخبار السفر بعد الزوال، فلما مرّ منا سابقا من أن الإتمام و الصيام غير مشروط بشي‌ء في هذه الأبواب، بل كل مكلّف مستجمع للشرائط يجب عليه الإتمام و الصيام إلّا إذا سافر، و من البيّن ان صحة الصوم غير مشروط بالسفر بعد الزوال، فإن الصائم يجب عليه إتمام صومه إذا لم يسافر قبل الزوال سواءا سافر بعد الزوال أو لم يسافر فلا حاجة الى تكلّف تعميم السفر بعد الزوال لزوال الحضور التنزيلي بالعدول بعد الزوال.

و أمّا ما عن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة من الاستدلال للإتمام فيما نحن فيه بفحوى ما دل على وجوب إتمام الصوم إذا خرج بعد الزوال (1)فمبني على ما ذكرنا فإن إنشاء السفر إذا لم يكن مانعا عن إتمام الصوم، فزوال الحضور أولى بعدم كونه مانعا.

نعم لو كان إنشاء السفر بعد الزوال شرطا في صحة الصوم تماما لم يكن تبدّل الحضور مساويا له فضلا عن كونه أولى.

ثامنها: إذا صلّى بنية القصر ثم بدا له في أثنائه الإقامة

أتمها لصحيحة علي بن يقطين حيث قال (عليه السلام): «يتم إذا بدت له الإقامة» (2)و لا يكشف عن اتحاد القصر و الإتمام بالنوع لإمكان كون القصريّة و التماميّة كالظهريّة و العصريّة فإنهما متباينان نوعا و لذا يجب قصد عنوان الظهريّة و العصريّة أمّا تفصيلا أو إجمالا و مع ذلك إذا صلّى بعنوان العصريّة ثم تذكّر عدم الإتيان بالظهر ينوي الظهر و يبني على كونها ظهرا فيتمها ظهرا. فيعلم أنّ عنوان الظهرية ينطبق على المأتي به سواءا نواها تفصيلا أو إجمالا أو في الأثناء إذا نسي قصدها من الأول، فكذا التمامية و القصرية فتدبّر.

و أمّا إذا نوى الإقامة و صلّى بتلك النية ثم عدل في أثنائها فقد تقدم ان هذا


1) كتاب الصلاة: ص 401.

2) الوسائل: ج 5، ص 534، الباب 20 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

العدول مؤثر في رفع أثر نية الإقامة، إذ العدول الذي لا أثر له، ما كان بعد فريضة تامة إلّا أنّ الكلام في صحة هذه الصلاة لا في تأثير العدول و عدمه.

و المعروف انه إذا عدل قبل الدخول في الركعة الثالثة يجب عليه إتمامه قصرا لأنه مسافر مكلّف بالقصر و متمكن من القصر على الفرض بعد استفادة إمكان ذلك، إمّا باتحدهما بالنوع أو تبدل أحد العنوانين بالآخر ما دام للتبدل سبيل. و أمّا إذا دخل في الركعة الثالثة فلا يتمكن من إتمامها قصرا لمكان الزيادة، و لا يتمكن من إتمامها تماما لأنه مسافر لفرض العدول قبل فريضة تامة و لا دخل لاتحادهما نوعا بما نحن فيه إذا بعد فرض كون المكلف المسافر مكلفا بالقصر يجب مطابقة المأتي به للمأمور به و إن لم يجب قصد عنوانه، أو كفى البناء في الأثناء على غير العنوان المنوي أوّلا.

نعم ربما يناقش في شمول أدلة السفر و القصر فيه لمثله بدعوى انه مقصور على من لم يصلّ رأسا، و أمّا من صلّى تماما في بيته أو وصل الى حد بحيث لا يمكنه التقصير فهو كمن صلّى و أدّى الوظيفة، فلا قصر حيث لا صلاة قابلة للتقصير فيها.

و ربما يستند في ذلك الى إطلاق أخبار نية الإقامة الظاهرة في أنه بمجرد حدوث النية يجب عليه الإتمام و لم يقيد في صحيحة أبي ولّاد إلّا بالعدول قبل الصلاة و هو لا يعمّ العدول في الأثناء، و حيث لا تقييد فيؤخذ بإطلاق تلك الاخبار و يحكم بوجوب الإتمام و هذه عمدة ما اعتمده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة المسافر.

إلّا أنك عرفت سابقا وجه النظر فيه و حيث إن وجوب الإتمام مذهب غير واحد من الأعلام خصوصا من مثل الشيخ الأجل (قدّس سرّه) فرعاية الاحتياط قوية جدا و اللّه أعلم.

المبحث الثالث في حكم من نوى الإقامة و خرج الى ما دون المسافة.
اشارة

و اعلم انّه ربما يعنون المسألة بأنه نوى إقامة العشرة و تمت العشرة فخرج الى

ما دون المسافة، و ربما يعنون المسألة بأنّه عزم على إقامة العشرة فخرج الى ما دون المسافة كما هو الغالب في متون الكتب الفقهية.

أمّا العنوان الأوّل فلا حاجة فيه الى التقييد بفعل صلاة تامة لان التقيد (1)به بمقتضى الصحيحة إنّما هو في مورد العدول عن النية، و بعد تمامية العشرة المنوية لا مورد للعدول عن النية، و العزم على العود و عدمه لا ربط له بالعدول كما يتضح إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا العنوان الثاني فيجب التقييد فيه، إذ مع عدم فعل الصلاة يجب عليه القصر بمجرد عدوله و إن لم يخرج الى ما دون المسافة فلا يجري فيه البحث عن القصر و الإتمام بما لهما من الأقسام، و مع عدم العدول الى زمان الخروج و إن وجب عليه الإتمام لما مرّ من استحالة إناطة تأثير نية الإقامة بعدم العدول أو بفعل صلاة تامّة، لكن سفره إذا كان بعنوان عدم العود فهو عدول يجب عليه القصر من حين ذهابه على أيّ تقدير و لا يجري فيه هذا البحث الذي لا شبهة عند المشهور في عدم القصر في الذهاب و المقصد.

و بالجملة إنّما يجري هذا البحث إذا تساوى الخروج في الأثناء مع الخروج بعد العشرة في أقوال المسألة و أقسامها إذا تساويا في استقرار وجوب التمام بحيث لم يكن فيه مجال للعدول، إما بمضي العشرة، و إمّا بفعل صلاة تامة.

ثمّ إن تنقيح الكلام في هذا المقام الذي اضطربت فيه كلمات الأعلام و اعترف غير واحد بأنه من مهمات المسائل

و أمهات المعاضل برسم أمور:
أحدها [أن نية الإقامة قاطعة لموضوع السفر]

ان نية الإقامة كما مرّ الكلام فيها قاطعة لموضوع السفر اعتبارا و تنزيلا بمقتضى خبر «من قدم مكة» (2)إلى قوله عليه السلام «فهو بمنزلة أهلها» (3)و عليه يبتني هذا البحث، و إلّا فهو مسافر حقيقة و إنّما ارتفع حكمه في برهة من الزمان، فاذا خرج من محل الإقامة كان خروجه خروج المسافر بسفره الأول و هذا متمم سفره


1) «التقييد خ ل»

2) الوسائل، ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

3) الوسائل، ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

فيجب عليه القصر بمجرد خروجه ذهابا و إيابا الى أن يصل الى وطنه و يرافقه الظهور البدوي من صحيحة أبي ولاد حيث جعل غاية وجوب الإتمام مجرد الخروج من محل الإقامة. و لعل من ينسب اليه القصر مطلقا يذهب هذا المذهب.

ثانيها [في أن ضم الذهاب إلى الإياب مشروط بأن لا يكون الذهاب و الإياب أقل من أربعة]

انّه قد تقدم في مسألة التلفيق ان ضم الذهاب إلى الإياب مشروط بان لا يكون الذهاب و الإياب أقل من أربعة، بل قد تقدم ان الإياب و إن كان وحده بالغا للمسافة الشرعية لا يضم اليه الذهاب إذا كان أقل من أربعة، و ان مبدأ القصر حين الأخذ في الإياب. و كلا الحكمين مما عليه المشهور، بل ربما يدعى عليه الإجماع. فالقول بالقصر في الذهاب بعد الاعتراف بقاطعيّة النية للسفر موضوعا، لا يصح إلّا مع القول بالتلفيق مطلقا كما قرّبناه سابقا و لم نذهب اليه لدعوى الإجماع من غير واحد على خلافه.

نعم من يذهب الى التلفيق فيما إذا كان الإياب وحده مسافة كالمحقق الكاشاني (1)(رحمه اللّه)، له أن يقول بالقصر هنا في مثل هذا الفرض برجوعه الى محل الإقامة من طريق أبعد يبلغ المسافة.

ثالثها [في أن الإقامة ليست مجرد المكث في مكان]

أن الإقامة كما قدمنا ليست مجرد المكث في مكان، بل اتخاذ محل مقرا و مستقرا و محطا لرحله، و يقابله الارتحال عنه لا مجرد الخروج عن ذلك المحل، و كما أن الخروج عنه بمجرده لا ينافي بقاء الإقامة كذلك مجرد العود اليه بعد الارتحال عنه ليس عودا إلى مقره و مستقره بل عود الى ممرّه الى وطنه. و عليه إذا خرج من محل إقامته لا بقصد الارتحال الذي هو ضد الإقامة ليس مسافرا بسفر جديد، و كذا إيابه ليس سفرا الى محل إقامته حتى يحتسب جزءا من المسافة بضمّه إلى المسافة من محل إقامته إلى وطنه بخلاف ما إذا ارتحل عن محل إقامته فإنه مسافر بسفر جديد من محل إقامته إلى مقصده و منه الى بلده مارّا الى محل إقامته.

و مما ذكرنا يتضح ما في بعض كلمات الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) «من أنّ الإياب إلى محل الإقامة و منه الى وطنه سفر واحد، و ليس السفر الفلاني عنوانا


1) الوافي: ج 2، ص 27، باب حدّ السير الذي يقصر فيه.

حتى يقال إنه مسافر الى محل الإقامة، و منه الى وطنه. و المفروض أن كلا منهما لا يبلغ المسافة» (1). هذا و قد عرفت إنّا لا ندعي أن السفر يعتبر فيه قصد الوجه و العنوان، بل خروجه إذا لم يكن ارتحالا من محله و مقره ليس إنشاء لسفر جديد، و ليس إيابه أيضا إنشاء لسفر جديد، بل إنشاء السفر إنّما هو من محل إقامته إلى وطنه، فإنه عين الارتحال من محل الإقامة، فإذا لم يبلغ المسافة بين محل الإقامة و الوطن ثمانية فراسخ لا يقصّر.

رابعها: أن الارتحال تارة حقيقي

كما إذا خرج معرضا عن مقره و مستقره، و أخرى حكميّ كما إذا خرج من دون إعراض عنه لكنّه عاد اليه من طريق أبعد يبلغ المسافة فإنه قهرا تنقطع الإقامة على ما هو المشهور بين الأصحاب من كون السفر الشرعي قاطعاً للإقامة، و هو أيضا مقتضى الاعتبار لان السفر ضد الحضور، كما أن الارتحال ضد الإقامة، و مع تخلل السفر المضاد للحضور المتحقق بنية الإقامة لا يعقل بقاء الحضور، و المفروض عدم حضور آخر بنيّة الإقامة الجديدة، و لا يقاس بالسفر من الوطن و العود إليه، فإن العود الى الوطن حضور آخر لإبقاء الحضور الأول، إلّا أن يقوم دليل على أن ناوي الإقامة في محل كلما حضر فيه كان حكمه الإتمام، كما ربما يستفاد من خبر المنزلة حيث قال (عليه السلام): «من قدم مكة قبل يوم التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فاذا زار البيت أتم الصلاة، و عليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر» (2)فان ظاهره ان تخلّل السفر الموجب للقصر لا يقطع الإقامة، و إلّا فلا موجب غير الإقامة السابقة للإتمام فيعلم منه أن كلّ حضور في محل الإقامة موجب للإتمام كالحضور في الوطن فهو تنزيل للمقيم منزلة أهل البلد بقول مطلق في جميع الآثار إلّا أن هذه الفقرة من الرواية غير معمول بها، و لذا أوّلوها بتأويلات تقرب من سبعة أوجه كما ذكرها بعض الأساطين (قدّس سرّه) في رسالته


1) كتاب الصلاة: ص 440 تحت عنوان اختلفوا فيما إذا خرج المسافر.

2) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

المعمولة في الرجوع ليومه.

خامسها [الملاك في الارتحال الموجب للقصر بشرائطه]

هل الملاك في الارتحال الموجب للقصر بشرائطه، هو عنوانه المساوق للاعراض المتقوم بالعزم على عدم العود اليه بما هو مقرّه و إن عاد إليه من حيث إنّه ممرّه؟ فلا أثر لتردده في العود أو ذهوله عنه، أو الملاك عدم البناء على الإقامة الذي هو نقيض ما يتقوم به الموجب للتمام و هو البناء على كونه مقرا له؟ فذاك المعنى الذي كان حدوثا موجبا للإتمام يكون بقاؤه موجبا لبقائه. و بعبارة أخرى هل ملاك القصر ضد نية الإقامة أو نقيضها؟ فعلى الأول لا يضر التردد و على الثاني يضره إذ لا بناء مع التردد و الذهول و لا ريب في أن ملاك القصر إنشاء سفر جديد لأن المفروض إمّا مضي العشرة أو فعل صلاة تامة، فلا معنى للعدول عن النية أو لا أثر له، فلا يقاس بقاء موجب الإتمام بحدوثه، و من البيّن أنه مع التردد في العود و عدمه لا جزم بإنشاء سفر جديد و هو أيضا ظاهر صحيحة أبي ولّاد حيث جعلت فيها غاية وجوب الإتمام الخروج الظاهر في الارتحال و رفع اليد عن المقر و المستقر، و لا يكون ذلك إلّا مع إنشاء سفر جديد.

و التحقيق ان العود الى محل الإقامة بما هو عود لا أثر له فلا أثر للتردد فيه، بل الأثر للعود الى محل الإقامة بما هو مقرة و مستقرة في قبال العود اليه بما هو ممرّه واحد منازله الى بلده. و العود بهذا العنوان متقوم بالعزم على كون المحل مقرا له بقاء كما كان حدوثا و العود المتقوم بالعزم المزبور غير قابل للتردد، فما هو قابل للتردد لا أثر له و ما له أثر غير قابل للتردد. و أمّا العود بما هو ممرّ له فهو ليس شرطا للقصر، بل إذا عاد لا بعنوان أنه عود إلى مقرّه كان قاصدا لثمانية فراسخ من مقصده الى بلده من دون ما يوجب انقطاع مسافة المقصد الى محل الإقامة عن المسافة منه الى بلده سواءا مرّ الى محل إقامته أم لا. و عليه فالمتردد حيث لا عزم له على العود الى محل الإقامة بما هو مقره و مستقره فهو قاصد للمسافة الشرعيّة من حين إيابه الى بلده فيجب عليه القصر.

و أمّا الصحيحة الحاكمة بوجوب الإتمام بعد صلاة تامة سواءا عدل أم لم يعدل فهي متكفلة لحكم المكلف قبل خروجه و إنشاء السفر، و امّا أنّ إنشاء السفر

بما ذا فهو أجنبي عن مدلول الصحيحة فتدبّر جيدا.

إذا عرفت ما رسمناه من الأمور تعرف حكم المسألة بجميع شئونها و أنّ المقيم يجب عليه الإتمام في ذهابه على أي تقدير لعدم ضمّ الذهاب إلى الإياب و انّه يتم في مقصده لكونه تابعا له، و أنّه يجب عليه الإتمام في إيابه إلى محل إقامته إذا كان عازما على العود اليه بما هو مقره، و كذا في محل الإقامة لعدم الارتحال الحقيقي و الحكمي، و انّه يتعين عليه القصر في إيابه الى بلده إذا كان بالغا للمسافة، و إلّا لكان حكمه الإتمام، كما أنه إذا خرج عن محل الإقامة مرتحلا عنه أو رجع عن المقصد من طريق أبعد بحيث يبلغ المسافة فحكمه في الصورتين القصر من حين الأخذ في الإياب، هذا ما يقتضيه القواعد المسلمة أو الموافقة للتحقيق. و لا عبرة بدعوى الإجماع و غيره في المقام، كما يتّضح حاله بالتدبر في كلمات الأعلام.

فروع
[الفرع] الأول: إذا وجب على المسافر صوم يوم معين باستئجار أو نذر هل تجب الإقامة عليه ليؤدي الواجب أم لا؟.

أمّا الإجارة فحيث إنها لا تتعلق بعمل في يوم معين على تقدير الحضور لأنّ العمل على تقدير لا يملك إلّا على تقدير، و التعليق في عقود المعاملات باطل، فلا محالة يكون العمل في هذا اليوم مملوكا لا على تقدير، فيجب الوفاء بعقد الإجارة فتجب الإقامة تحصيلا للوفاء و أداء لما يملكه المستأجر عليه.

و أمّا النذر فله صور:

الاولى: أن يكون المنذور صوم هذا اليوم سفرا أو حضرا حيث يصح النذر مع الإطلاق فلا تجب الإقامة لإمكان تأدية الواجب بالصوم في السفر.

الثانية: أن ينذر صوم يوم معين على الوجه المشروع في ذاته فيتبدّل استحبابه المشروط بالحضور بالوجوب، فيجب عليه صوم ذلك اليوم على تقدير الحضور، و لا يجب تحصيل شرط الوجوب لاستحالته.

الثالثة: أن ينذر صوم ذلك اليوم عن حضور، فالمنذور أمر خاص متقيد بالحضور فيجب تحصيل القيد و هو الحضور بنيّة الإقامة فتدبّر.

[الفرع] الثاني [في حكم من كان عليه الظهران و هو مسافر]

من كان عليه الظهران و هو مسافر لم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات فهل له الإقامة حتى يتمحّض الوقت للعصر و يقضي الظهر بعد الوقت أم لا؟ و لا شبهة في أن الحضور شرط لوجوب الإتمام، و السفر لوجوب القصر، و تبديل الموضوع في حدّ ذاته جائز، إلّا أن تحصيل شرط الوجوب غير واجب، لكن تفويت شرط التكليف بعد حصوله إذا كان مفوتا للتكليف غير جائز، فمن كان حاضرا و عليه الظهران و لم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات لا يجب عليه المسافرة تحصيلا لشرط الوجوب، بخلاف ما لو كان مسافرا في الفرض فان شرط وجوب الصلاتين قصرا محقّق، و تبديله يوجب تفويت الظهر المستقر وجوبها التي لا بدل لها بتفويت شرطه.

إلّا أن يقال: إذا كان الشرط شرطا حدوثا و بقاء و لأجله يجوز له تبديل الموضوع، لا لدليل آخر حتى يستظهر منه ما إذا لم يستلزم تفويت التكليف فلا مانع من تفويت شرط القصر و تبديله بشرط الإتمام لفرض إناطة بقاء وجوب القصر ببقاء السفر و لا يعقل اقتضاء وجوب القصر إبقاء شرطه.

و نظيره ما إذا كان المسافر عند رجوعه الى وطنه قريبا من حد الترخص و عليه الظهران و لم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات فإنه لا يجوز له التجاوز المفوت للظهر على القول بحرمة التفويت.

و يمكن أن يقال إن الحضور و السفر شرط لوجوب الإتمام و القصر و ليس شي‌ء منهما شرطا لأصل التكليف بالصلاة، و التبديل جائز حيث يتبدّل الإتمام بالقصر أو القصر بالإتمام لا حيث يفوت أصل التكليف بالظهر مثلا و لذا يحرم عليه السفر إذا كان مفوتا لأصل الصلاة رأسا، و كذا الحضور و الإقامة إذا فرض تفويت أصل التكليف بهما و هذا هو الأقوى.

[الفرع] الثالث [في حكم من عدل و شك في أنه صلى أم لم يصل]

إذا عدل و شكّ في أنه هل صلّى قبله حتى لا يؤثر، أو لم يصلّ حتى يؤثّر؟

مقتضى ما قدمنا من أن نية الإقامة شرط حدوثا و بقاء، و ان فعل صلاة تامة موجب لبقاء الحضور عند زوال نية الإقامة، هو البناء على عدم فعل الصلاة فلا موجب لبقاء الحضور لارتفاع النية جزما و عدم ما يوجب بقاءه شرعا تعبدا بالأصل، و كذا إذا قلنا بأن النية شرط حدوثا لبقاء التكليف بالإتمام و ان العدول رافع لأثرها ما لم يمنع عنه مانع و هو فعل صلاة تامة، فإنه مع عدم المانع عن تأثيره شرعا بالأصل يؤثر العدول أثره.

[الفرع] الرابع: إذا أيقن بالعدول و بفعل صلاة تامة و شكّ في المتقدم منهما

فهل يرجع الى القصر أو يبقى على التمام؟ و استصحاب عدم العدول الى ما بعد فعل الصلاة و استصحاب عدم فعل الصلاة الى ما بعد العدول متعارضان، بل كل منهما في حدّ ذاته من الأصل المثبت، فإن موضوع الحكم بالإتمام بقاء فعل صلاة تامة مقترنة بنية الإقامة، و عدم العدول الى ما بعد الصلاة لا يثبت اقترانها بالنية لا وجدانا و لا تعبدا و لا يقاس بما إذا شكّ في العدول فبنى على عدم العدول و صلّى، فإن اقتران الصلاة بالنية الباقية تعبدا وجداني، بخلاف ما نحن فيه و موضوع الحكم بالقصر هو العدول قبل صلاة تامة، و استصحاب عدم الصلاة الى ما بعد العدول لا يثبت كون العدول قبل فعل صلاة تامة، فكون العدول قبل الصلاة لا وجداني و لا تعبدي، و يندفع الثاني بأن مضمون الصحيحة انه: «إذا لم تصلّ صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم» (1)و من البيّن أن استصحاب عدم الصلاة الى حال البداء كاف في تحقق هذا الموضوع كما يمكن دفع الأول بأنه لا يستفاد من


1) أي صحيحة أبي ولّاد: الوسائل: ج 5، ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

الصحيحة تقيد فعل الفريضة بنية الإقامة، بل مجرد معيتهما في الزمان كاف و عدم العدول تعبدا، و فعل الصلاة في ذلك الزمان المتعبّد فيه ببقاء النية كاف في تحقق الموضوع، فلا إشكال إلّا من حيث معارضة الأصلين. و إمّا استصحاب بقاء الحضور أو استصحاب وجوب الإتمام فيمكن دفعه بأن بقاء الحضور كبقاء وجوب الإتمام مشروط شرعا بفعل صلاة تامة قبل العدول أو مع نية الإقامة و هذا المعنى متيقن العدم بعد نية الإقامة، و مع التعبد بعدم الشرط لا معنى لاستصحاب المشروط و إن لم يعلم به حال هذه الصلاة المأتي بها من حيث الاقتران بالنية أو بالعدول، و لا يعارض بأصالة عدم العدول قبل الصلاة فإن موضوع الحكم بالقصر كما عرفت عدم فعل الصلاة إلى أن يتحقق العدول و هو مطابق للأصل فتدبّر جيدا.

و مما ذكرنا تبيّن أن الأقوى هو الحكم بالقصر و أمّا حكم نفس الصلاة المأتي بها من حيث الصحة و الفساد فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ الحاكمة على الأصل المقتضي لعدم حصول شرط التمام.

[الفرع] الخامس: إذا صلّى ثم عدل فشكّ في صحة صلاته و بطلانها

و لو من جهة الشك في الركعات فقاعدة الفراغ تقضي بصحة صلاته، و العدول بعد الصلاة الصحيحة شرعا مشمول للصحيحة، إذ من الواضح أن قوله (عليه السلام): «إذا صلّيت صلاة فريضة واحدة بتمام» (1)أعمّ مما كانت صحيحة وجدانا أو تعبّدا، إذ قلّما يتفق عدم الحاجة الى إجراء أصل أو أصول في الحكم بصحة الصلاة، فالعدول بعد الصلاة الصحيحة وجداني لا بقاعدة الفراغ تعبدا حتى يبني على أماريتها، بل أماريتها أجنبية عن العدول الأجنبي عن الصلاة، فإن ارتكاز الإرادات المنبعثة عن الإرادة التفصيلية في أول العمل لا يقتضي إلّا إتيان الأجزاء و الشرائط في مواقعها


1) الوسائل: ج 5، ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير.

دون العدول بعد الصلاة الأجنبي عن كونه جزء أو شرطا لها.

نعم في شمول الصحيحة لما إذا حكم الشارع بوجود الصلاة كما في الشكّ بعد الوقت فضلا عن اقتضاء قاعدة الشكّ بعد الوقت لوقوع العدول بعد الصلاة إشكال، إذ ظاهر الصحيحة فعل الصلاة خارجا لا بناء من الشارع على وجودها.

و قد عرفت أنّ أمارية هذه القاعدة كقاعدة الفراغ أجنبيّة عن مثل العدول.

السادس: إذا شكّ بين الأقل و الأكثر و بنى على الأكثر و سلّم، فعدل قبل صلاة الاحتياط، أو نسي جزءا. يجب تداركه بعد الصلاة فعدل قبل التدارك فهل يؤثر عدوله أو لا؟ الظاهر ابتناؤه على أنّ صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي واجب مستقل يتدارك به الصلاة التي فرغ عنها بالتسليم، و لا يضر فعل المنافي على هذا المبنى، فالعدول بعد الفراغ عن الصلاة، أو حقيقة متممة الصلاة على تقدير الحاجة إليه، فالعدول في الأثناء. و المبنى الأول و إن كان مختار المحققين إلّا أنّ المسألة غير صافية عن الاشكال فيجب رعاية الاحتياط في المقام بالجمع بين القصر و الإتمام.

[القاطع الثالث: مضيّ الثلاثين مترددا]

اشارة

الثالث من القواطع للسفر على المعروف مضي ثلاثين يوما مترددا، و الكلام فيه في موارد.

أحدها: يعتبر وحدة المحل في مضي ثلاثين يوما مترددا،

لأنّ الظاهر انّ مورد الإقامة عشرة أيام هو مورد التردّد ثلاثين يوما، و قد مرّ اعتبار وحدة المحل في الاولى.

و أمّا الخروج الى ما دون المسافة في أثناء الثلاثين فحاله حال نيّة الخروج في نيّة الإقامة، لا بدّ من أن يكون بمقدار لا ينافي بقاءه مترددا ثلاثين يوما في محل بحيث لا ينقص عن ثلاثين يوما عرفا، لقلّة زمان الخروج- كما مرّ في نية الإقامة- كما أنّ تتميم الناقص بما يزيد على الثلاثين كنية التتميم في نية الإقامة لاعتبار الاتصال و التوالي في قبال التفرق في كلا الموردين، فلا يجدي تتميم الناقص، و لا يعقل إجراء ما ذكرنا في أثناء الإقامة عن الخروج الى ما دون المسافة، فإن نية الإقامة قاطعة للسفر فيتصور كون خروجه تارة بإنشاء سفر جديد و الارتحال، و أخرى بعنوان العود

إلى محل الإقامة، فإنّ المتردد في أثناء الثلاثين مسافر حقيقة، و مع عدم تخلل العدم لا يعقل إنشاء سفر جديد، كما أنّه حيث لا إقامة، و لا ما بحكمها، فلا يعقل الارتحال، فلا يعقل الخروج لا بعنوان إنشاء سفر جديد، و لا بعنوان الارتحال، فان عدمهما بنحو العدم بالنسبة إلى الملكة، لا السلب المقابل للإيجاب.

ثانيها [في اعتبار مضيّ ثلاثين يوما]

ظاهر جملة من الروايات، اعتبار مضيّ شهر مترددا، و ظاهر بعضها اعتبار مضيّ ثلاثين يوما. و من الواضح أنّ الشهر هو ما بين الهلالين، و لا جامع بينه و بين ثلاثين يوما بالنسبة الى ما بين الهلالين. و أمّا بالنسبة إلى العدد فلا جامع بين مراتب العدد، فلا جامع بين ثلاثين و تسعة و عشرين. فلا مناص من كون الشهر حقيقة في خصوص ما بين الهلالين مجازا في خصوص الثلاثين، أو مشتركا لفظيا بينهما. و من الواضح انّ رواية الثلاثين صالحة لأن تكون قرينة على التّجوّز، أو على التعيين، خصوصا بملاحظة قوله (عليه السلام): «فليعدّ ثلاثين يوما» (1)فإنّه لا عدّ إلّا في العدد، و لا عدّ فيما بين الهلالين بما هو بين الطلوعين، فلا يمكن دعوى إرادة الشهر منه بلحاظ أنّ الغالب كونه ثلاثين مع أنّه لا غلبة، و على فرضه فلا غلبة في مرحلة الاستعمال. مضافا الى دعوى الاتفاق على أنّ الشهر في مقام التلفيق و الكسر يعتبر ثلاثين يوما، و إنّ محل الخلاف ما إذا كان مبدء تردده أوّل الشهر، و لا يمكن تنزيل إطلاقات الشهر على هذا الفرد النادر، كما لا يمكن التحفّظ على إرادة ما بين الهلالين مطلقا فتدبّر.

ثالثها [جريان تمام ما ذكر في الإقامة في مسألة الخروج الى ما دون المسافة]

ظاهر الكلمات جريان تمام ما ذكر في الإقامة في مسألة الخروج الى ما دون المسافة فيما بعد مضي ثلاثين يوما و انقطاع السفر به، فمع إنشاء السفر الجديد يقصر بشرائطه، و مع عدمه و العزم على العود في محل تردده لا يقصّر على التفصيل المتقدم، إلّا أنّ الكلام في قاطعيّة مضيّ الثلاثين للسفر موضوعا لما مرّ في أخبار الإقامة، أنّ مجرد الأمر بالإتمام المشترك هناك و هنا لا يدلّ إلّا على ارتفاع القصر، و هو حكم السفر، و أنّ قاطعيّة موضوع السفر تحتاج إلى تنزيل مضي


1) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

الثلاثين منزلة التوطن و الأهليّة في البلد، كما دلّ عليه خبر «من قدم مكة إلخ» على تنزيل المقيم منزلة أهل مكة، و لا دليل على التنزيل هنا إلّا صحيحة صفوان «قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكة إذا زاروا البيت، عليهم إتمام الصلاة؟ قال (عليه السلام): نعم و المقيم إلى شهر بمنزلتهم» (1)و يرد على الاستدلال بها أنّ المراد بالمقيم إن كان المقيم عن نيّة فهو أجنبيّ عن المقام، مع أنّه لا موجب للتحديد بالشهر بعد كفاية العشرة، و إن كان المقيم إلى شهر مترددا فإن أريد الإقامة شهرا قبل الخروج إلى عرفات فهو سفر قاطع للإقامة، فكيف يرتب عليها إتمام الصلاة عند زيارة البيت؟ و إن أريد الإقامة شهرا بعد العود من عرفات فلا أثر لإقامته مترددا إلّا بعد مضيّ ثلاثين، فكيف يمكن الإتمام في زيارة البيت مع أنّه لا يجوز تأخير الزيارة عن شهر ذي الحجة في جميع أقسام الحج. فهذا التنزيل بلحاظ هذا الحكم المذكور الذي هو المتيقن من آثار التنزيل لا يمكن القول به و المصير اليه، فلا بدّ من تأويل الرواية أو ردّ علمها إلى أهله (سلام اللّه عليهم). و أمّا استفادة القاطعيّة من اقتران مضيّ الثلاثين بالإقامة في الأخبار لوحدة السياق فإنّما تصح إذا استفيدت قاطعيّة الإقامة من نفس الأمر بالإتمام لا من دليل خارج مختص بها.

نعم الظاهر عدم الخلاف في قاطعيّة التردد المزبور و اللّه العالم.

المطلب الثاني في أحكام المسافر

اشارة

و فيها مباحث:

الأول [في سقوط الوتيرة]

لا شبهة في القصر في الرباعيّات من اليومية، و لا في سقوط نوافل الظهرين. إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء مع كونها مقصورة. و مقتضى ما ورد من «أنّ الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب» (2)، سقوط نافلة


1) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

2) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

العشاء و كذا ما ورد بعد السؤال عن صلاة النافلة بالنهار في السفر: «يا بني لو صلحت النافلة لتمّت الفريضة» (1)فيستفاد منه أنّه إذا لم تتم الفريضة لا تصلح النافلة. و في قبال هذه الروايات ما هو بمنزلة الحاكم عليها رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) «قال: و إنّما صارت العتمة مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين و إنّما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع» (2). فهذه الرواية نصّ في عدم سقوط الوتيرة. مع بيان عدم المنافاة لما دلّ على سقوط نوافل الرباعيات بعدم كونها من النوافل المرتبة بل هي مكملة للعدد. فلا ينبغي الإشكال في عدم السقوط، و المناقشة في سند الرواية مدفوعة: بأنّ عبد الواحد و علي بن محمد القتيبي الواقعين في السند من مشايخ الإجازة المعتمدين عليهم.

نعم المشهور على السقوط، بل ادعى ابن إدريس الإجماع عليه (3)، فعدم السقوط هو الأقوى و إن كان الأحوط إتيانهما رجاء، و اللّه أعلم بأحكامه.

الثاني: هل يجوز الإتيان بالنوافل في الأماكن الأربعة

التي يجوز فيها الإتمام للمسافر أم لا؟ أم يدور مدار اختيار الإتمام و عدمه؟ مقتضى عمومات أدلة سقوطها و إطلاقاتها سقوطها في هذه الأماكن كغيرها، كما أن مقتضى الملازمة بين تمامية الفريضة و صلاحية النافلة ثبوتها و لا يخلو كلا الأمرين من الإشكال، فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام): «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب فإنّ بعدها أربع ركعات» (4)إرادة حكم السفر بما هو، لا بلحاظ العوارض كشرف البقعة، و كذا ظاهر قوله (عليه السلام). «يا بني لو صلحت النافلة في السفر لتمت الفريضة» (5)المستفاد منها لو تمت الفريضة لصلحت النافلة، فإنّ الملازمة


1) الوسائل: ج 1، ص 60، الباب 21 من أبواب عداد الفرائض الحديث 4. باختلاف يسير.

2) الوسائل: ج 3، ص 70، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض الحديث 3.

3) السرائر: ص 39، باب أعداد الصلاة و عدد ركعاتها.

4) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 مع اختلاف يسير.

5) الوسائل: ج 3، ص 60، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض الحديث 4.

أيضا بلحاظ طبع السفر، و ان السفر بما هو كما يقتضي قصر الفريضة يقتضي سقوط نافلتها. فالكلام في قوة أنّه لكنه لا تتم الفريضة فلا تصلح النافلة إلّا أنّه متى تمت الفريضة صلحت النافلة، فالعبارة كما لا تدل على سقوط النافلة بلحاظ جهة غير السفر كذلك لا يدل على ثبوتها بثبوت الفريضة تامة لغير جهة السفر كشرف البقعة. و أمّا الباب الذي عقده في الوسائل لحكم التطوع في الأماكن الأربعة فأقوى ما فيه ما نصّه: «و سألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين (عليه السلام) و مشاهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الحرمين تطوعا و نحن نقصر قال: نعم ما قدرت عليه» (1)و بمضمونه عدة روايات بتقريب أن وجه السؤال ارتكاز سقوط النوافل المرتبة النهارية بتبع (2)قصر الرباعيات في ذهنه، و كما أن شرف البقعة قد اقتضى جواز الإتمام، فهل يقتضي مشروعية النافلة أو أنه حكم مخصوص بالفريضة و لا مقتضى لارتكاز سقوط مطلق التطوع بالنهار حتى يسأل عن ثبوته لشرف البقعة، إلّا أنه ينافيه ضم مشاهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الى الحرمين في غير واحد من الروايات، مع أنه لا يجوز إتمام الفريضة في تلك المشاهد، فيعلم منه توهم سقوط مطلق التطوع النهاري و ارتكازه في ذهنه. و يندفع بان الضم لتوهم تمامية الفريضة في تلك المشاهد لا توهم سقوط مطلق التطوع النهاري و إلّا لم يكن لذكر هذه الأماكن وجه في سؤاله.

و بالجملة إطلاق السؤال و الجواب لمطلق التطوع مرتبا كان أولا مما لا ينبغي الريب، و قصره على غير الرواتب خصوصا مع قيد النهار المخصوص بالرواتب خلاف الإنصاف، و أمّا الرواية الدالة على أنه لا تقصير و لا نافلة في الحائر فهي من أدلة القول بالتقصير في قبال القول بالتخيير و لا بد من علاجه. و عليه فالأوجه هو الثبوت، و الأحوط إتيانها رجاء.

الثالث [في جواز قضاء النافلة لمن سافر بعد الزوال]

إذا دخل عليه الوقت و هو حاضر فسافر بعد زوال الشمس فلا ريب


1) الوسائل، ج 5، ص 552، الباب 26 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) «يتبع خ ل»

في جواز قضاء النافلة في السفر للأدلة الدالة على استحباب قضائها في السفر عموما و خصوصا، و هل له مع بقاء وقتها أن يصلّيها في السفر أم لا؟ مقتضى العمومات بل مقتضى الملازمة عدمه فإنه حيث لا يجوز إتمام الفريضة لا تصلح نافلتها، و لو صلحت النافلة لتمّت الفريضة، إلّا أنه ربما يستدل لجواز أدائها سفرا بموثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: سئل عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله ثم خرج في سفره. قال: يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين لأنه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى، و سئل فإن حضرت الاولى؟ قال: يصلي أربع ثم يصلي بعد النوافل ثمان ركعات لأنه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى. الخبر» (1)إلّا أن هذه الرواية بمضمونها غير معمول به، لأنه جعل مدار (2)القصر و الإتمام على وقت الفضيلة دون وقت الوجوب أو الأداء، إلّا أن يؤخذ بصدر الرواية الظاهرة في فعل النافلة أداء و يترك ذيلها، و الاحتياط لا ينبغي تركه.

الرابع [في حكم النافلة لمن دخل عليه الوقت و هو مسافر]

إذا دخل عليه الوقت و هو مسافر فهل له فعل النافلة إذا كان بانيا على إتيان فريضتها تماما في وطنه أو محلّ إقامته؟ لا (3)موجب له إلّا بتخيل أنه «متى تمت الفريضة صلحت النافلة» و قد عرفت أن مورد السؤال حيث كان عن فعل النافلة النهارية في السفر أجاب (عليه السلام) «بأنه لو صلحت النافلة في السفر» (4)أي حيث لا تتم الفريضة في السفر فلا تصلح النافلة في السفر لا في مقام بيان فعل النافلة مع إتمام الفريضة، و لو فرض الملازمة الكلية أيضا كان مقتضاها الملازمة بين التنفّل و الإتمام في السفر و السقوط و القصر في السفر لا التنفّل في السفر و الإتمام في الحضر، و لا تقاس هذه المسألة بما تقدم مع كونه منصوصا لان من يقول بان الاعتبار بحال تعلّق التكليف وجوبيا أو ندبيا، له أن يقول بما تقدّم


1) الوسائل، ج 3، ص 62، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.

2) «مبدأ خ ل»

3) «أو خ ل»

4) الوسائل، ج 3، ص 60، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.

و ليس له القول بفعل النافلة هنا، إذ لا تكليف بها في السفر فلا موهم لمشروعية فعلها إلّا بتبعيّة النافلة لا تمام الفريضة و قد عرفت ما فيه.

نعم من كان حاضرا و صلّى العشاء تماما أمكن توهم جواز فعل نافلتها في السفر بدعوى أن الاعتبار بحال تعلّق التكليف كما يستفاد من الموثقة المتقدمة.

الخامس في حكم الإتمام في موضع القصر

اشارة

و تمام الكلام برسم أمور:

منها: في حكم الإتمام في موضع القصر عالما عامدا

و لا خلاف فتوى و نصا في بطلانه، و لا يتصور التعمد إلى الإتمام مع العلم بوجوب القصر إلّا بالتشريع بأحد نحوين: إمّا بالتشريع في أصل الأمر بالإتمام، فلا تنعقد صحيحة لعدم الأمر حقيقة، و امّا بالتشريع في تطبيق المأتي به على المأمور به فلا تقع صحيحة لمخالفة المأتي به للمأمور به. و منه يعرف أن الاستناد الى الوجه الثاني في بطلان الصلاة يناسب الوجه الثاني من التشريع، و عليه ينطبق أيضا ما في خبر الخصال «و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لأنه قد زاد في فرض اللّه عز و جل» (1)فان الاستناد في البطلان إلى إضافة الركعتين و زيادتهما على فرض اللّه عز و جل يناسب التشريع في التطبيق و إتيان الأخيرتين بعنوان كونهما من الصلاة المفروضة حتى تتحقق الزيادة في فرض اللّه عز و جل.

و منها: ما إذا أتمّ جاهلا بالحكم و لو عن تقصير
اشارة

و الظاهر كما هو المعروف بين الأصحاب صحة الصلاة و عدم لزوم الإعادة مع التزامهم باستحقاق العقاب على ترك القصر، و يدل على الصحة و عدم الإعادة صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا:

قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) «رجل صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال (عليه السلام): إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه» (2)و ليس في قبالها إلّا خبر الخصال


1) الخصال: باب الواحد الى المائة، (خصال من الشرائع) ص 604 كما في الوسائل، ج 5، ص 532، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

2) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

و صحيحة العيص (1). أمّا بالنسبة إلى خبر الخصال فهي أخص منه مطلقا فتقدم عليه بالأخصية و النصوصية. و أما بالنسبة إلى صحيحة العيص فهي أخص من وجه، لعموم صحيحة العيص من حيث العلم و الجهل و عموم صحيحة زرارة المتكفلة لنفي الإعادة في الجاهل من حيث الوقت و خارجه فيتعارضان في مادة الاجتماع و هي الإعادة في الوقت.

و توضح الجواب يتوقف على مقدمة هي: أنّ لزوم الإعادة ليس إلّا لبقاء الأمر و عدم سقوطه بالمأتي به، كما أن عدمه لسقوط الأمر قطعا، و أمّا عدم الإعادة في خارج الوقت فهو تارة لموافقة المأتي به للمأمور به فلا خلل فيه حتى يتدارك بالقضاء، و أخرى لتقيد مصلحة المأمور به بمصلحة الوقت، فمع خروج الوقت لا يمكن التدارك و من الواضح أن عدم الإعادة في خارج الوقت مع لزوم الإعادة في الوقت كما هو مقتضى صحيحة العيص كاشف عن أن عدم الإعادة في خارج الوقت لعدم إمكان التدارك لا لعدم الحاجة الى التدارك، فهي بهذه الملاحظة ظاهرة في بطلان الإتمام في موضع القصر. و أمّا صحيحة زرارة (2)المفصلة بين قراءة آية التقصير و تفسيرها و عدمها المستفاد منها التفصيل بين العالم و الجاهل فهي نص في معذورية الجاهل وضعا، و عدم معذورية العالم وضعا المعبر عنهما بالإعادة و عدمها، و عدم الإعادة في خارج الوقت لا يلازم المعذوريّة حتى يكون بين العالم و الجاهل تقابل كما هو نص الصحيحة. فلا إشكال حينئذ في تقدم صحيحة زرارة على صحيحة العيص فتدبر جيدا.

[وجوه تصحيح صحة الإتمام من الجاهل]

نعم في صحة الإتمام من الجاهل، و عدم الإعادة قصرا مع استحقاق العقوبة إذا قام مقصرا إشكال، لان مقتضى صحة الإتمام موافقته للمأمور به، و مقتضى استحقاق العقوبة مخالفته له و تفويته إياه و كيف لا تجب الإعادة تداركا لما فات منه دفعا للعقوبة، فلا بدّ من الوجه المصحح للإتمام، و من الوجه المانع عن وجوب


1) الوسائل: ج 5، ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

الإعادة (1)الوجه المصحح لاستحقاق العقوبة و ما وقفت عليه من وجوه الحل أربعة:

أحدها: ما عن شيخنا الأستاذ (2)(قدّس سرّه) «من أنّ القصر مشتمل على مصلحة قوية شديدة لزومية بحيث يكون أصلها لزوميا أيضا» أي مصحح للإيجاب، و إنّما لم يؤمر بتحصيله لاندكاكه في المصلحة القوية، و قد استكشفنا من الحكم بعدم الإعادة و من قوله (عليه السلام) «تمت صلاته» (3)في باب الجهر و الإخفات المشترك مع المقام في الاشكال و حله، أن الإتمام في حال الجهل مشتمل على أصل المصلحة، و لأجله حكم بصحته لاستيفاء المصلحة اللزومية، و إنّما لا يجب الإعادة لأن شدة المصلحة و قوتها غير قابلة للاستيفاء بعد استيفاء أصلها، و إنّما يستحق العقوبة لأنه فوّت على نفسه المصلحة القوية الملزمة بحدها، و حيث إن تلك المصلحة القوية مصلحة واحدة قائمة بخصوص القصر فلا يلزم أن يكون من باب الواجب في الواجب، ليرد عليه بعض المحاذير الآتية و لا يرد على هذا الوجه إلّا ما يتخيل من أن مبناه في علّية المأتي به للغرض منه أنها مراعاة بالاقتصار عليه و إلّا فله التبديل فيستقر الامتثال على الفرد الثاني، فتارة يستحب التبديل حتى يستقر الامتثال على الفرد الأفضل و اخرى يجب حتى يستوفي المصلحة القوية دفعا للعقاب عن نفسه.

و يندفع باستكشاف العلّيّة التامة و عدم صحة التبديل في خصوص المقام من الدليل الدال على عدم لزوم الإعادة ثانيها: ما عن بعض أعلام العصر (قدّس سرّه) في مصباحه (4)في باب الجهر و الإخفات من أن الطبيعة الجامعة بين القصر و الإتمام لها مصلحة و خصوص القصر لها مصلحة أخرى فيتأكد طلب القصر لانبعاثه عن مصلحتين فاذا أتى بالقصر فقد امتثل الواجبين و أحرز المصلحتين، و إذا أتى بالإتمام فقد أتى بالجامع الذي له مصلحة لزومية و لا تجب الإعادة قصرا لأن مصلحة القصر إنّما تستوفى إذا أتى بالقصر امتثالا


1) (من خ ل)

2) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 761 تحت عنوان فيما لو أتم المسافر جاهلا.

3) الوسائل: ج 4، ص 766، الباب 26 من أبواب القراءة الحديث 1.

4) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: ص 316 تحت عنوان المسألة الرابعة.

للأمر بالجامع و المفروض سقوط الأمر بالجامع فيصح الإتمام لفرض كونه ذا مصلحة ملزمة، و لا تجب الإعادة لعدم بقاء المحل و يستحق العقوبة لتفويت المصلحة اللزومية، و في هذا التقريب محذوران: (الأوّل) أن القصر إذا أتى بها بداعي أمرها لكفى في الامتثال و في استيفاء ما فيها من المصلحة اللازمة للتقرب و لو لم يلتفت الى الجامع بين القصر و الإتمام فضلا من أن يكون بصدد امتثال الأمر بالجامع. و الثاني أن لازمه استيفاء مصلحة الجامع بفعل الإتمام عمدا مع أنه لا شبهة في بطلانه عمدا.

ثالثها: ما عن بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) و هو عين الوجه الثاني بإضافة كون مصلحة الجامع مقصورة على الجهل بالحكم الواقعي فرارا من المحذور الثاني المتقدم آنفا، و حيث لا مصلحة للجامع إلّا في حال الجهل، فالعالم ليس له الإتمام متعمدا، و عدم إمكان الإعادة عنده (رحمه اللّه) أيضا مستند الى أن مصلحة القصر مقيدة بما إذا أتى بالجامع المطلوب بالكيفية الخاصة، و لا جامع مطلوب بعد إتيان الجامع، إلّا أنه فيه محذور آخر و هو ان مصلحة القصر و إن كانت قابلة للتقيد بمصلحة الجامع لكنها لا يعقل أن تكون متقيدة بمصلحة الجامع حال الجهل بحكم القصر، فكما لا يعقل أن تكون المصلحة الموجبة لوجوب القصر متقيدة بالجهل بوجوب القصر كذلك لا يعقل أن تكون متقيدة بمصلحة اخرى متقيدة بالجهل بنفس هذا الحكم المنبعث عن تلك المصلحة.

رابعها: ما عن بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه) على ما حكي عنه و هو أن الجهر و الإخفات من باب الواجب في القراءة الواجبة لا شرط لها، و كذلك التسليم على الركعتين واجب في طبيعة الصلاة مع الاعتراف بان الكل من باب الشرط بالإضافة إلى الحكم الواقعي و إن كان لها جهة نفسية أيضا إلّا أنها مندكة في شرطيتها، و عليه ففي حال الجهل إذا أتى بالإتمام فقد أتى بالواجب و ترك ما هو واجب في الواجب، و الواجب في الواجب المأتي به لا تدارك له. و من البيّن ان هذا بمجرده لا يوجب فوات القصر بقول مطلق، إذ كما أن في التسليم جهة نفسية كذلك له جهة التقيدية، و عدم تداركه من الجهة الاولى لا يوجب عدم التدارك من الجهة

الثانية فلا بد له من الالتزام باختصاص جهة التقييد بخصوص العالم بحكم القصر مع أن مبني الاشكال و وجوه الحل على الاعتراف بالحكم المشترك و عدم تقيد الحكم بوجه بالعالم، و اللّه العالم.

[في المراد من الجاهل]

ثمّ إنّه هل المراد من الجاهل هنا خصوص الغافل المعتقد أن حكمه الإتمام؟ أو يعمّ الشاكّ المتردد؟ ظاهر بعض أجلة العصر (رحمه اللّه) خصوص الأول.

و ظاهر إطلاق الكلمات من دون تعرض للتفصيل هو الأعم.

و لا يخفى ان الجهل و إن كان يقابل العلم، تقابل العدم للملكة، لا تقابل السلب مع الإيجاب إلّا أنّ الحكم هنا غير معلق على عنوان الجهل في النصوص، و التعليق هنا على عدم العلم المقابل للعلم تقابل السلب مع الإيجاب و إن كان يقتضي العموم، إلّا أنه ربما يدعى انصرافه الى خصوص الغافل المعتقد للخلاف، لكن صحيحة زرارة (1)المفصّلة بين قراءة آية التقصير و تفسيرها، و عدم القراءة و عدم العلم بها، ظاهرة في العموم فإن الإمام (عليه السلام) لم يكتف بمجرد القراءة الموجبة إلى الالتفات بل ضم إليها تفسيرها الموجب للعلم بإرادة وجوب القصر من قوله تعالى «لا جناح عليكم» (2)الظاهر في مجرد الترخيص. فالأظهر في خصوص باب القصر و الإتمام تعميم الجهل للشك، و التردد في أصل وجوب القصر.

[حكم من جهل بخصوصيات الحكم]

ثمّ إنّ هذا كله في الجهل بأصل الحكم و أمّا الجهل بخصوصيات الحكم فلا مدرك لإلحاقه بالجاهل بأصله إلّا أمران:

أحدهما: ما في بعض أخبار الصوم و هو «من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (3)، و في آخر «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر و إن صامه بجهالة لم يقضه» (4)بناء على إطلاق الجهالة و الملازمة بين الصوم و الصلاة. و الظاهر أن الرواية الأولى كالثانية الظاهرة في الجهل بالإفطار في السفر في شهر رمضان لا


1) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

2) النساء: 101، و الآية هكذا: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ.».

3) الوسائل: ج 7، ص 128، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5.

4) الوسائل: ج 7، ص 128، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6.

الجهل بالخصوصيات مع أن كلية الملازمة غير معلومة.

و بالجملة مساق هذه الاخبار مساق غيرها حيث قال (عليه السلام): «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن ذلك فعليه القضاء و إن لم يبلغه فلا شي‌ء عليه» (1).

ثانيهما: ما عن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة «من دعوى فحوى معذورية الجاهل بالخصوصية بالنسبة إلى الجاهل بأصله» (2)و هو كذلك إن كان الملاك للمعذورية هو الجهل إلّا ان ظاهر صحيحة زرارة خصوصية للجهل بأصله، فإن ظاهر آية التقصير هو الرخصة في القصر فهو المحتاج الى التفسير، و الجهل به يوجب العذر لا مطلق الجهل بالحكم أو الجهل بخصوصياته. و عليه فمقتضى القاعدة الأولية وجوب الإعادة و القضاء.

و منها: الجهل بموضوع السفر مع العلم بحكمه.

و مدرك إلحاقه بالجهل بالحكم أيضا أولوية الجاهل بالموضوع بالمعذورية من الجاهل بالحكم، إلّا أنّك عرفت خصوصية الجهل بالحكم هنا مع أنّ الأولوية إنّما هو في المعذورية تكليفا لا المعذورية وضعا، و نحن لا ندعي انّ الجاهل المقصر بالحكم ممّن يعذر تكليفا، و أنّ الجاهل بالموضوع لا يعذر فيه من حيث الإثم، و عليه فهل يجب الإعادة في الوقت؟

و القضاء في خارجه؟ كما هو مقتضى القاعدة الأولية، أو لا يجب القضاء؟ كما في صورة نسيان الموضوع؟ و ما يمكن الاستناد إليه صحيحة العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى و هو مسافر فأتم الصلاة قال: إن كان في وقت فليعد و إن كان الوقت قد مضى فلا» (3)نظرا إلى إطلاق صدرها من حيث الشمول للجاهل و الناسي خرج الجاهل بأصل الحكم بصحيحة زرارة (4)المتقدمة و بقي الباقي و منه الجاهل بالموضوع و منه يعرف حال الجاهل بخصوصيات


1) الوسائل: ج 7، ص 127، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2.

2) كتاب الصلاة: ص 403.

3) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

4) الوسائل: ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

الحكم لاندراجه في إطلاق الصحيحة، و لا تنافيها صحيحة الحلبي «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): صلّيت الظهر أربع ركعات و أنا في سفر قال: أعد» (1)بناء على شمول الإعادة للتدارك في الوقت و خارجه وجه عدم المنافاة ظهور حال الحلبي من حيث جلالة شأنه و وفور علمه في أنه لا يتعمد الإتمام و لا يجهل الحكم أو خصوصياته أو موضوع الحكم و يصلي تماما فلا محمل له إلّا النسيان لموضوع السفر فتدبّر.

و منها: نسيان موضوع السفر

و هو الظاهر من رواية أبي بصير (2)المتكفلة لحكم النسيان بعنوانه فيعيد في الوقت دون خارجه، و مقتضى إطلاق صحيحة العيص أيضا ذلك، و أمّا صحيحة الحلبي فلو سلّم شمول قوله (عليه السلام) «أعد» للإعادة في خارج الوقت للزم تقييده بالخبرين المتقدمين و لا أقل من خبر أبي بصير المتكفل لحكم النسيان بعنوانه، و أمّا نسيان الحكم فهو و إن كان ينصرف عنه قوله «ينسى فيصلّي» في رواية أبي بصير إلّا أن إطلاق صحيحة العيص كاف في إلحاقه بناسي الموضوع و لا يرجع الى القاعدة الأولية الحاكمة بالإعادة و القضاء و أمّا إلحاقه بالجاهل بالحكم في الصحة نظرا إلى أنه حال النسيان لا يعلم بوجوب القصر عليه و لو من باب السلب المقابل للإيجاب لعدم تعقل العدم المقابل للملكة فيه لعدم الالتفات. ففيه أنه لا دليل لنا بهذا العنوان حتى يتوهم شموله لناسي الحكم، و إنّما الدليل صحيحة زرارة (3)و هذا على الفرض ممّن قرئت عليه آية التقصير و فسرت له و لا يمكن إدراجها في الشرطية الثانية بتوهم أنه داخل في قوله (عليه السلام) «و لم يعلمها» و ذلك مضافا الى تقابل الشرطيتين أن قوله (عليه السلام): «و لم يعلمها» بعد قوله (عليه السلام): «و إن لم يكن قرئت عليه» عدم عليّة العلم بمضمون الآية بعد التفسير و لذا نسبه الى الآية لا الى الحكم، و لا يصدق على الناسي انّه لم يعلم مضمون الآية بعد القراءة و التفسير و إن صدق عليه أنه بالفعل لم يعلم بالحكم.


1) الوسائل، ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2) الوسائل، ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

3) الوسائل، ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

و مما ذكرنا تعرف حكم من أتم في السفر سهوا جريا على العادة في الحضر من دون جهل بالحكم و موضوعه و لا نسيان لهما فإنه مندرج تحت إطلاق صحيحة العيص لو لم نقل أن مثله هو المتعارف دون النسيان الحقيقي و اللّه أعلم.

السادس: في حكم من قصّر في مورد الإتمام.

و مقتضى القاعدة البطلان، فيجب الإعادة في الوقت، و القضاء في خارجه من دون فرق بين الجهل بالحكم أو نسيان الموضوع.

نعم ورد في مصححة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام بها عشرة أيام فأتم الصلاة و إن تركه رجل جاهلا فليس عليه الإعادة» (1)و الرواية صحيحة صريحة و لا معارض لها بالخصوص، و ندرة العامل بها لا يسقطها عن الحجية، و ليس المراد من ترك الإتمام تركه فقط حتى يقال إنه لا يصدق تركه إلّا بالترك في تمام الوقت جاهلا فلا دلالة للصحيحة إلّا على سقوط القضاء، بل المراد من ترك الإتمام فعل القصر بدلا عن الإتمام فيكون حالها حال صحيحة زرارة في عكس المسألة، و إلّا فلو لم يكن المراد ذلك بل الترك فقط لزم هذا المدعي أن يلتزم بسقوط القضاء عمن لم يصلّ أصلا لصدق ترك الإتمام في تمام الوقت مع أنه لا يقول به أحد نعم يجب الاقتصار على مورد الصحيحة و هو القصر للجهل بأصل حكم الإقامة فقط، و استفادة الكلية من ضم بعض الاخبار الواردة في حكم الجاهل الى بعضها الآخر و إلغاء خصوصية الموارد، و دعوى أنّ الجاهل في باب القصر و الإتمام معذور كما نقله صاحب الحدائق (2)(رحمه اللّه) عن بعض مشايخه المحققين دونه خرط القتاد.

السابع [في أن الجاهل بالقصر هل تصح منه الصلاة القضائيّة كالأدائية أم لا؟]

الجاهل بحكم القصر كما تصح منه الصلاة الأدائية تماما كذلك تصح منه في تلك الحال القضائيّة تماما أم لا؟ و مورد صحيحة زرارة و إن كان أداء


1) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2) الحدائق: ج 11، ص 436.

فريضة الوقت على الظاهر، إلّا أن الظاهر من إناطة الصحة و البطلان بقراءة آية التقصير و تفسيرها و عدمهما هو صحة الإتمام منه مكان القصر الواقعي من دون خصوصية للأداء، بل منه يستفاد التعميم من وجه آخر و هو أنه لو قضى الفائتة منه سفرا في الحضر تماما مع بقاء جهله كان كذلك، فان الكل لجهله بحكم القصر لا لجهله بحكم القضاء و أن قضاء ما فات كما فات، و الفائتة منه واقعا هي القصر.

الثامن: الجاهل بحكم القصر لو لم يصلّ أصلا و ارتفع جهله بعد الوقت

فهل يجب قضاء ما فاته قصرا أم يكفي تماما نظرا إلى أنه الفائت منه و لو تخييرا؟ و لا ريب في أن الحكم المشترك هو وجوب القصر و انه الفائت بجميع المباني المتقدمة في مقام الثبوت، فإنه لم يستوف بالإتمام ما لا يمكن معه استيفاء، و لا استوفى مصلحة الجامع حتى لا يقبل استيفاء مصلحة القصر، و لا أتى بالواجب حتى لا يبقى محل للواجب في ذلك الواجب فقد فاته ما فيه المصلحة القوية اللازمة الاستيفاء، أو ما فيه مصلحتان لزوميتان، و الإتمام قضاء، لا يوجب استيفاء تلك المصلحة القوية، و لا المصلحتين اللزوميتين، بخلاف القصر، فيتعين القصر، مع أنه لا دليل على استيفاء الإتمام بعد رفع الجهل لمرتبة من المصلحة أو لمصلحة الجامع، بخلاف القصر فإنها على أي حال يتدارك بها ما فات. و منه يعرف حكم نسيان الموضوع في الوقت مع ترك الصلاة رأسا فإنه يقضيها قصرا لعين ما مرّ.

نعم بناء على ما قدمناه من كاشفية عدم القضاء عن تقيد مصلحة الصلاة بمصلحة الوقت يرد السؤال عن الفرق بين ترك الصلاة رأسا و الصلاة تماما بعد فرض بطلان الصلاة تماما. و لا بدّ من أن يجاب بأن أصل مصلحة القصر غير متقيد بمصلحة الوقت، بل الإتمام يستوفي مقدارا من المصلحة، و بقيتها متقيدة بمصلحة الوقت، و لذا لا يمكن تداركها بالقضاء، و أمّا إذا لم يستوف المصلحة رأسا فلا مانع من استيفاء المصلحة التامة في خارج الوقت.

التاسع [في حكم الجاهل بالقصر الذي ارتفع جهله في أثناء الصلاة]

إذا أتم الجاهل بالقصر أو الناسي فارتفع جهله أو تذكر في أثناء الصلاة فإن كان بعد التجاوز عن محل القصر فلا إشكال في عدم إمكان إتمام الصلاة صحيحة، و إن كان قبل التجاوز فهل يصح إتمامها قصرا أو لا يصح أيضا؟

و مبني المسألة على أن القصريّة و التمامية منوعة لطبيعة الصلاة و أن القصر و التمام نوعان متباينان فتجب نية القصر و الإتمام في محلها، و لا يجوز العدول عن أحدهما إلى الآخر إلّا بدليل، أو هما نوع واحد، فان سلّم على الركعتين وقع قصرا، و إن سلّم على الأربع وقع تماما. و مسألة تخلف الداعي من الثاني دون الأول، فإنه أجنبي عنه و عن الخطأ في التطبيق، و مدار تعدد النوع و وحدته ليس على اندراجهما تحت طبيعي جامع و عدمه، بل على تعددهما بحدودهما الواقعة في حيز الخطاب أو تعددهما بالعنوان المأمور به و عدم تعددهما من كلتا الجهتين.

بيانه: أنّ الأمر لا يدعو إلّا الى ما تعلق به، و المتعلق تارة معنون بعنوان قصدي تفصيلي كعنوان التعظيم و السخرية، فإذا أمر المولى بالانحناء لزيد تعظيما، و لعمرو سخرية، فاشتبه على المأمور ان المأمور بتعظيمه زيد أو عمرو، و كذا المأمور بسخريته فانحنى على ما أراده المولى منه لا يقع منه تعظيم و لا سخرية. و اخرى معنون بعنوان يتحقق بالقصد اليه تفصيلا و إجمالا كعنوان الظهرية و العصرية فإنهما كما يتحققان بقصدهما تفصيلا كذلك إذا قصد ما تعلق به الأمر أوّلا، و ما تعلق به الأمر ثانيا، بل استكشفنا من صحة العدول من العصر الى الظهر ان عنوان الظهرية كما يتعنون بها الفعل من الأول، كذلك يتعنون بها بالبناء عليها في الأثناء في خصوص صورة النسيان، و ثالثة يتعدد متعلق الأمر بما له من الحد كالصلاة التي يسلّم فيها على الركعتين، و الصلاة التي يسلّم فيها على الأربع بداهة مباينة الماهية بشرط لا، و الاقتصار على الركعتين و الماهية بشرط شي‌ء و زيادة الركعتين عليهما، و ليست القصرية و التمامية إلّا كون الصلاة محدودة تارة بحد، و اخرى بحدّ آخر شرعا، مضافا الى اختلاف آثارهما الكاشف عن اختلافهما بنوع من الاعتبار شرعا. و عليه فلا أمر بالمشترك بين الحدين حتى يدعو الأمر إلى المشترك، و تعيينه بإضافة الركعتين تارة، و عدم الإضافة أخرى. و مع دعوة الأمر بأحد الحدين، لا يمكن إتيان الآخر تتميما لما أتى به بداعي أمره المحدّد لما يدعو إليه الأمر الآخر. و عليه ينطبق ما قيل: «إنّ كلّ ما يتعين في العمل، يتعين في النيّة، و ما لا يتعين في العمل، لا يتعين في النيّة» فإنّ التسليم على الركعتين، يتعين في مقام العمل على طبق الأمر بالقصر، فيتعين في مقام

النيّة. و منه تعرف عدم اعتبار نية الأداء و القضاء، إذ الصلاة بعد دخول الوقت، يقع في الوقت لا محالة، و في خارجه كذلك. فمع تعينها لا حاجة إلى التعيين، إلّا لوجه آخر، كما إذا كانت عليه فائتة الظهر و دخل وقت الحاضرة، فإنّه لا بدّ من التعيين، لا لاعتبار الأدائيّة و القضائيّة، فإنّ اعتبارهما على فرضه، لا يدور مدار الوحدة و التعدّد كالظهر و العصر، فإنّه يجب عليه قصدهما، و إن فرض وحدتهما و عدم الشريكة لهما.

و مما ذكرنا تبين أنّه لا مجال لإتمام الصلاة قصرا بعد نيّة التمام، و لو مع إمكان التسليم على الركعتين، و انّه أجنبي عن مسألة الخطأ في التطبيق و الاشتباه في المصداق، و عن مسألة تخلف الداعي و التقييد، كما عن بعض أعلام السادة (قدّس سرّه) (1)في العروة.

ثمّ إنّه يتضح مما ذكرنا، حكم ما ذكره في الشرائع: «من أنّ المسافر إذا قصر اتفاقا، لم يصح، و أعاد قصرا» (2)، فإنّ مبناه، ما ذكرنا، سواءا دخل في الصلاة لا بنية الإتمام بل قاصدا به الطبيعة المشتركة فسلّم على الركعتين غفلة، أو دخل بنية الإتمام فسلّم كذلك، فإنّ وجه بطلان الصلاة، تارة عدم نية القصر، و اخرى نية الخلاف، كما أنّ مبني الصحة عدم اعتبار نيّة القصر، فلا يضر عدمها كما لا يضر نية خلافها. و أمّا الاستناد في البطلان إلى عدم صدور القصر عن قصد مع الالتزام بوحدة القصر و الإتمام، نوعا فلا يرجع إلى محصل، إذ بعد البناء، لم يقع إلّا التسليم سهوا و غفلة. و لا موجب لبطلان الطبيعة المشتركة، بل غايته إعادة السلام عن قصد و الاقتصار على القصر أو تتميمها مع بقاء الجهل و النسيان بإضافة الركعتين و سجدة السهو للسلام الواقع سهوا.

فرع: قد عرفت أنّه لو ارتفع جهله أو تذكر في الوقت تجب الإعادة، لأنّ المفروض بطلان صلاته، و كذلك يجب القضاء إذا كان الجهل أو النسيان مستمرا


1) العروة الوثقي: في ذيل المسألة السابعة من مسائل أحكام صلاة المسافر.

2) شرائع الإسلام: ص 40، في ذيل الشرط السادس.

في الوقت، و لا مجال لقياسه بالمتم ناسيا، لأنّ الدليل المسقط للقضاء، مختص بصورة الإتمام ناسيا لا القصر ناسيا. و إن كان في موضع القصر و فرض البطلان، فرض بقاء المصلحة بتمامها على حالها من دون استيفاء لمقدار منها، فلا ينبغي الريب في قضاء الفائت قصرا، و إن كان لو أتمّ جاهلا أو ناسيا سقط عنه القضاء، فلا أثر للأمر الظاهري الشرعي، فضلا عن الظاهري العقلي، مع بقاء الحكم المشترك في حال الجهل و النسيان، مع بقاء مصلحته بتمامها على حالها.

العاشر [في تخيير المسافر في الأماكن الأربعة]

اشارة

المشهور تخيير المسافر في الأماكن الأربعة بين القصر و الإتمام، و قيل بتعين القصر، و قيل بتعيّن الإتمام. و ما ورد في هذا المضمار من الأخبار، طوائف أربع:

الاولى: «إنّ الإتمام في الحرمين و في المواطن الأربعة، من مخزون علم اللّه، و من الأمر المذخور» (1)و ظاهرها، أنّ نفس إتمام الصلاة فيها من الأمر المخزون و المذخور، لا استحباب الإقامة. ثمّ الإتمام من المذخور، لا من حيث أنّ الإتمام حينئذ فيها لا مزيّة له على غيرها ليكون من الأمر المذخور، لاندفاعه بأنّ استحباب الإقامة مقدمة للإتمام مزيّة لهذه الأماكن على غيرها، فيصح أن ينسب إليها أنّها من المخزون و المذخور، بل لما عرفت من ظهور الإسناد في أنّ نفس الإتمام كذلك.

الثانية: ما مضمونه «الأمر بالإتمام و لو صلاة واحدة» (2). و في آخر «و لو مررت به مارا» (3)الصريح في أنّ الإتمام ليس من حيث الإقامة، بخلاف سائر الروايات الظاهرة في الأمر بالإتمام، فإنّها قابلة للتقييد بنيّة الإقامة بمقتضى الطائفة الرابعة الآتية.

الثالثة: ما اشتملت على ما مضمونه «إن شاء أتمّ، و إن شاء قصّر» (4)و في


1) الوسائل: ج 5 ص 543، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2) نفس المصدر ص 544، الحديث 5. و الحديث 17.

3) نفس المصدر ص 550. الحديث 31.

4) نفس المصدر ص 545. الحديث 10. و الحديث هكذا: (من شاء أتم و من شاء قصّر).

آخر «إن قصّرت فذاك و إن أتممت فهو خير» (1)و هذه الطائفة و ان كانت ظاهرة في كون الإتمام بما هو عدل و بدل للقصر، إلّا أنها قابلة للتقييد بنية الإقامة بملاحظة ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

الرابعة: ما مضمونه «الأمر بالتقصير ما لم ينو إقامة العشرة» (2). و في آخر «لا يكون الإتمام إلّا أن يجمع على إقامة عشرة أيام» (3). و عليه فالمعارضة حقيقة بين هذه الطائفة و الطائفة الثانية، و إلّا فالأمر بالإتمام و التخيير بين القصر و الإتمام، كلاهما قابل للتقييد بنيّة الإقامة، إذ ليس فيهما إلّا ظهور إطلاقي قابل للتقييد، و ليس بين الثانية و الرابعة جمع دلالي، إلّا بحمل قوله (عليه السلام):

«لا يكون الإتمام إلّا أن يجمع على إقامة عشرة أيام» على أنّه لا يتعين الإتمام إلّا بنية الإقامة، و الأمر بالتقصير و إن كان ظاهرا في التعيين، إلّا أنه كالأمر بالإتمام في الاخبار المقتصر فيها على الإتمام من حيث الظهور في التعيين، فإنّه قابل للتصرف فيه بحمله على بيان أحد فردي التخيير، لأظهرية أخبار التخيير في التخيير، من أخبار خصوص القصر و خصوص الإتمام في التعيين.

لا يقال ظاهر السؤال عن أنّه يقصّر أو يتمّ، و إن كان عن تعين أحد الأمرين، إلّا أنّ الجواب بقوله (عليه السلام): «قصّر ما لم تقوم على مقام عشرة أيام» (4)يقتضي أنه لا يتعين الإتمام إلّا بنية الإقامة و يتعيّن القصر بدونها، فلا مجال للتصرف في ظهور «قصّر» على الأمر به تخييرا.

لأنّا نقول: لا ننكر الظهور في التعيين، إلّا أنّ الجمع بينه و بين أخبار التخيير، يقضي بالتصرف بإرادة الأمر بالقصر تخييرا، فيكون محصّل الخبر، انّه يتخير بين القصر و الإتمام، إلّا أن ينوي الإقامة، فيتعين الإتمام.


1) نفس المصدر ص 545. الحديث 11. و في الحديث ان قصّرت (فلك) بدل (فذاك).

2) نفس المصدر ص 550. الحديث 32.

3) نفس المصدر ص 551. الحديث 33.

4) نفس المصدر ص 550. الحديث 32.

و أمّا حمل الأخبار الآمرة بالقصر، معينا على التقية، أو حمل أخبار التمام بملاحظة بعض الأخبار على التقية. فتوضيح الكلام ببيان مقدمة هي:

إنّ مذهب أبي حنيفة هو القصر مطلقا، و مذهب جماعة آخرين، هو التخيير بين القصر و الإتمام مطلقا، مع أفضليّة الإتمام لما فيه من تحمل المشقة، إلّا أنّ الأمر بالقصر، ليس للتبعية عن أبي حنيفة، كما أنّ الأمر بالإتمام، ليس لموافقة الآخرين، بشهادة صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، «قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) إنّ هشاما روى عنك إنّك أمرته بالتمام في الحرمين و ذلك من أجل الناس، قال (عليه السلام): لا، كنت أنا و آبائي إذا وردنا مكة، أتممنا الصلاة و استترنا من الناس» (1). فيعلم منه أنّ الإتمام في الحرمين، على خلاف الناس، و لذا كانوا (عليهم السلام) يستترون منهم. و السرّ في ذلك و اللّه أعلم انّ اختصاص الحرمين بمزية التخيير و أفضلية الإتمام، لم ترد به آية و لا رواية عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل لم يكن منه أثر إلى زمان الصادق (عليه السلام)، و لذا لا تجد في الاخبار مع كثرتها رواية به عن الباقر (عليه السلام) الذي يستند إليه أدلة الأحكام غالبا، و عمل الأئمة و شيعتهم على القصر في هذه المواطن كغيرها.

فالإتمام في خصوص هذه المواطن، جهارا معرض للتشنيع، فإنّه عمل لا دليل عليه من الكتاب و السنة النبويّة عند الجمهور، فلذا كانوا يستترون عن الناس دفعا للتشنيع، و أمروا شيعتهم و أجلاء أصحابهم بالتقصير لهذه الجهة، لا لأجل موافقة أبي حنيفة، و لأجله جعلوا الإتمام من مخزون علم اللّه، و من الأمر المذخور، و أمروا به أحيانا، إظهارا للحق. و ربما علّموا بعض شيعتهم طريق دفع التشنيع. حيث قال (عليه السلام) في مكاتبة إبراهيم بن شيبة: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحب إكثار الصلاة في الحرمين، فأكثر فيهما و أتمّ» (2). فكان الإتمام، نوع من إكثار الصلاة.


1) الوسائل، ج 5 ص 544، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2) المصدر السابق، ص 547 الحديث 18.

و في آخر «قد علمت يرحمك اللّه فضل الحرمين» (1). و بالجملة أخبار التمام، لا يمكن حملها على التقيّة، و أخبار تعيين القصر، لنكتة دفع التشنيع، لا لموافقة أبي حنيفة. و أمّا ما في بعض أخبار التمام، كصحيحة معاوية بن وهب «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين و التمام؟ قال (عليه السلام): لا يتمّ حتى يجمع على مقام عشرة أيام. فقلت إنّ أصحابنا رووا عنك انّك أمرتهم بالتمام! فقال: إنّ أصحابك كانوا يدخلوا المسجد فيصلون و يأخذون نعالهم فيخرجون و الناس يستقبلونهم يدخلون المسجد، فأمرتهم بالتمام» (2). فالجواب عنه انّ ما ذكر فيها من التعليل، مختص بمورده، و لا يمكن أن يكون علة للأمر بالتمام في هذه الأخبار الكثيرة. مع تعليله بفضل الحرمين، و انّه من الأمر المذخور، و انّه زيادة الخير. إلى غير ذلك من التعبيرات المضادة للتقية. مع أنّ التعليل المذكور في الصحيحة، تعليل موجب للتمام معيّنا، لا الإتمام الذي هو عدل للقصر. كيف و الإتمام إذا كان لدفع الضرر، وجب على التعيين. و لا يبعد أن يكون عذرا صوريا في جواب السائل الذي أمره بالقصر، معيّنا لما مرّ من الوجه فيه. و قد نفى (عليه السلام) كون الأمر بالإتمام لأجل الناس في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، و أنّ الإتمام على خلاف ما عليه الناس فتدبّر.

و بالجملة أخبار التخيير و أفضليّة الإتمام، أكثر عددا و أوضح دلالة، مع موافقتها للمشهور. فهي مشهورة رواية و عملا، بل لازم تقديم غيرها عليها، طرح بعضها رأسا من دون تأويل، و إن كانت أخبار التقصير أوفق بالقواعد، و اللّه أعلم بحقائق أحكامه.

فروع
أحدها: هل التخيير في هذه الأماكن، استمراري، أم لا،

بمعنى أنه لو نواها


1) المصدر السابق: ص 544 الحديث 4.

2) الوسائل: ج 5 ص 551، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 34.

قصرا، صح له العدول إلى الإتمام، و بالعكس، مع عدم التجاوز عن محل العدول؟.

الظاهر ابتنائه على ما قدمناه، من أنّ القصر و الإتمام نوعان متباينان باعتبار حدهما شرعا أم لا، و لكنّه مع ذلك، قال باستمرار التخيير هنا من اختار تباينهما نوعا، و أنّه يجب تعيين القصر و الإتمام في مقام النية. و لعله لمكان التخيير المسقط للتعيين. فإذا لم تتعين الزيادة على الركعتين في مقام العمل كما هو المفروض، لم تتعين في مقام النية. فقد أو كل الشارع أمر إتمامه و عدمه اليه.

و يندفع، بأنّ التخيير بين خاصيتين، لا يلازم رفع اليد عن الخصوصية، بل لازمه، رفع اليد عن تعيّن (1)إحدى الخصوصيتين. فهو مختار في التعيين، لا مرفوع عنه التعيين و المراد من تعينه في مقام العمل، اعتباره شرعا في مقام العمل، لا التعين المقابل للتخيير.

و منه يعلم حكم من نوى القصر فأتم غفلة، فإنّه بناء على ما قدمناه، لا يصح ما وقع، لعدم قصد التمام. فراجع ما قدمناه في نظير المسألة.

نعم، من يرى رجوع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي، و أنّ الجامع بين القصر و الإتمام هو المطلوب في مثل المقام، له قصد الجامع، و أمر التعيين بيده عملا. و أنّ ما نواه أوّلا، يتعين عليه، و لا ينافي كون القصر و الإتمام في موارد تعينهما، نوعين متباينين من حيث حدّهما.

ثانيها: هل قضاء ما فاته في هذه الأماكن، كالأداء

من حيث التخيير مطلقا، أو في خصوص هذه الأماكن أو يتعين عليه القصر؟.

و ينبغي تقديم مقدمة هي: أنّ أدلة التخيير بين القصر و الإتمام هنا، أدلة تكليف المسافر في هذه الأماكن. و دليل التكليف معينا كان أو مخيرا، إذا كان موقتا، لا يطلب به إلّا الفعل في الوقت، و لا ينحل إلى طلب الفعل بذاته. و أن يكون في الوقت، حتى يكون دليل التخيير هنا دليلا على التخيير في خارج الوقت في هذه


1) «تعيين خ ل».

الأماكن. و يشهد له عنوان قضاء ما فات، إذ لا فوت و لا تدارك، إلّا باعتبار تقييد المطلوب بالطلب الأوّل بالوقت. و دليل القضاء، يكشف عن تعدد المطلوب ملاكا، لا أنه قرينة على مقام الإثبات. و انّ الذي أنشأه أوّلا، يتعدد فيه الطلب.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ المدار على دليل القضاء، و أن خصوصيّة المكان، من شئون الصلاة، حتى يقتضي تدارك ما فات كما فات إتيان الصلاة تماما في تلك الأمكنة. أو ليست من شئون العمل، فلا يدخل في التشبيه بداهة أنه إذا فاتت الصلاة في المسجد أو في الدار، لا يجب قضائها في أحدهما. و مبني هذا الأمر، على أنّ خصوصية المكان، حيثية تقيدية للمطلوب، أو حيثية تعليلية للطلب.

و لا ينبغي الريب في أنها ليست حيثية تقييدية للمطلوب، و إلّا لوجب الدخول في هذه الأماكن، تحصيلا للصلاة المستحبة، بحيثية وقوعها في هذه الأماكن، بل حيثية تعليلية قطعا. بمعنى أنّه متى فرض الكون في هذه الأماكن، يجب القصر أو الإتمام.

و مقتضى تعليلية الحيثية للطلب: أنّه ليست من شئون الفعل فيجب القضاء تخييرا، و لو في غير هذه الأماكن. إلّا أن يقال: إنّ غاية كون الحيثية تعليلية و شرطا للوجوب عدم لزوم تحصيلها، و كون التقييد بها بعد حصولها جعليا لكونه قهريا، إلّا أنّ دخل التقيد في فرض الحصول في صيرورة الإتمام ذا مصلحة معقول، بل ربما لا يشكّ الإنسان في أنّ شرافة المكان، أثّرت في فضيلة الإتمام. فحصول مصلحة الإتمام، المساوية لمصلحة القصر، مشكوك بالإتمام في خارج هذه الأماكن. و لا يعقل تكفل دليل «اقض ما فات كما فات» (1)لما يشكّ في أنّه كما فات.

و منه يعرف أنّ الأحوط لو لم يكن أقوى الاقتصار في باب القضاء تماما على تلك الأماكن.

و أمّا دعوى الاقتصار على القصر، فمنشؤها، احتمال تقيد مصلحة الإتمام التي بها صارت عدلا للقصر، بمصلحة الوقت فلا يمكن تداركها في خارجه. و هذا


1) الوسائل: ج 5 ص 359، الباب 6 من أبواب قضاء الصلاة، الحديث 1 مع تفاوت في اللفظ.

الاحتمال في غير ما نحن فيه. و إن كان ملغى بنفس دليل القضاء، لأنّ مبني القضاء على إلغاء ذلك، إلّا أنّ إلغاء هذا الاحتمال هنا، لا يكون إلّا بإطلاق دليل القضاء، لما إذا كان للفائتة فردان تخييرا، و ربما يناقش في الإطلاق، و الأقوى ثبوته، و إن كان رعاية الاحتياط بالاقتصار على القصر مما لا ينبغي تركه.

ثالثها [في حكم من بقي له من الوقت أربع ركعات]

إذا بقي من الوقت أربع ركعات، فهل هو على تخييره حتى يصح منه العصر إتماما ثمّ يقضي صلاة الظهر، أم يتعين عليه القصر فيهما؟ و لا منشأ للأوّل إلا إطلاق أدلة التخيير، إلّا أنّ الظاهر، تعين الثاني، إذ دليل التخيير متكفّل للتخيير بين القصر و الإتمام صحيحا بشرائطهما، و من الشرائط: ترتب العصر على الظهر، و لا يعقل التخيير بين القصر و الإتمام في العصر الفاقد لشرطه فيتعين القصر فيهما، الواجدين للشرائط فتدبّر.

الحادي عشر: إذا سافر بعد دخول الوقت

هل يجب عليه الإتمام اعتبارا بحال التعلق، أو يجب عليه القصر اعتبارا بحال الأداء؟ فيه قولان مشهوران و منشؤهما اختلاف الاخبار و بعضها من الطرفين و إن كان قابلًا للتأويل، إلّا أنّ بعضها الآخر من الطرفين غير قابل للتأويل.

فمن الأوّل رواية بشير النبال «قال: خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) حتى أتينا الشجرة فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا نبّال، قلت: لبيك، قال: إنّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعا غيري و غيرك، و ذلك أنّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج» (1)و هي مضافا الى ظهوره الغير القابل للتصرف، معللة بما هو كالضابط. و منه أيضا موثقة عمّار (2)المتقدمة في أوائل أحكام المسافر في المبحث الثالث (3)فراجع. و منه ما في صحيحة زرارة «إذا دخل على الرجل وقت صلاة و هو مقيم ثم سافر صلّى تلك الصلاة التي دخل وقتها و هو


1) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

2) الوسائل: ج 3 ص 62، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض الحديث 1.

3) ص 373.

مقيم أربع ركعات في سفره» (1)و هي في غاية الصراحة في أنّ العبرة بحال تعلق الوجوب من دون قبول تأويل.

و من الثاني الدال على أنّ العبرة بحال الأداء بحيث لا يقبل التأويل صحيحة إسماعيل بن جابر «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يدخل عليّ وقت الظهر و أنا في السفر فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي، فقال صلّ و أتمّ الصلاة، قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتّى أخرج فقال: فصلّ و قصّر، و إن لم تفعل فقد و اللّه خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2).

منه صحيحة محمد بن مسلم «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس قال (عليه السلام): إذا خرجت فصلّ ركعتين» (3)و لا يخفى أن حمل ما تقدّم من أخبار القول الأوّل على التقية كما حكي عن بعضهم، بلا وجه، لأنّ القول الأوّل ينسب إلى أحد قولي الشافعي، و الباقون على أنّه كسائر المسافرين يجوز له القصر. و من الواضح تأخر عصر الشافعي عن عصر الباقر و الصادق (عليهما السلام) فلا معنى لحمل الأخبار على التقية، و أمّا ما في آخر صحيحة إسماعيل بن جابر من قوله (عليه السلام): «و إن لم تفعل فقد و اللّه خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (4)فلا دلالة له على الخلاف منهم لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في هذه المسألة، و ظنّي و اللّه أعلم أنّه إشارة إلى عدم تعيّن القصر عندهم، و انّها ليست بعزيمة بل رخصة كما وردت بمثل هذا المضمون عدة من الروايات. منها: صحيحة زرارة «و فيها سمّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قوما صاموا حين أفطر و قصّر، عصاة قال: (عليه السلام) و هم


1) الوسائل: ج 5 ص 537، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14.

2) نفس المصدر الحديث 2. كلمة (الظهر) غير موجودة في الوسائل، و كلمة أهلي موجودة بعد ادخل، و بدل (و إن) فإن.

3) نفس المصدر الحديث 1- إلّا ان في الوسائل (فقال).

4) نفس المصدر الحديث 2.

العصاة إلى يوم القيامة و إنا لنعرف أبنائهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا» (1). و منه تعرف أنّ هذه الصحيحة المؤكّدة بالقسم نص في المطلوب مع موافقته للكتاب و السنة، مضافا إلى اختلاف مضامين الأخبار المعارضة لها، حيث إنّ ظاهر بعضها أنّ العبرة بوقت الوجوب، و ظاهر بعضها الآخر كموثقة عمّار (2)أنّ العبرة بوقت الفضيلة، و لا قائل بمضمونها كما حكي.

فالرجحان، دلالة، و سندا و اعتضادا بالكتاب و السنة لأخبار القول الثاني.

و لو فرض التكافؤ فالمرجع عمومات القصر و إطلاقاتها، و لا مجال للتخيير بين القصر و الإتمام لصراحة الأخبار في التعيين قصرا أو تماما، و كيف يحمل على التخيير مع قوله (عليه السلام): و إن لم تفعل فقد و اللّه خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (3)كما لا مجال للتخيير بين الخبرين لفرض موافقة الكتاب و السنة التي هي من مرجحات أحد الطرفين.

نعم ربما يناقش في الإطلاقات بأنّ المراد منها الحاضر حال وجوب الإتمام، و المسافر حال وجوب القصر، و أجاب عنه في الجواهر: «بأنّ الظاهر الحاضر حال الأداء، و المسافر حال الأداء» (4)و ينبغي أن يراد منه أن الحضور شرط لوجوب الإتمام حدوثا و بقاء، و السفر شرط لوجوب القصر حدوثا و بقاء و إلّا فلا معنى لتقيد شرط الوجوب بالأداء و إلّا رجع الأمر إلى طلب الحاصل.

و بالجملة الظاهر من ترتب الحكم على عنوان هو موضوع الحكم، انحفاظ ذلك العنوان ما دام ذلك الحكم باقيا، لا لأنّه إن أريد الحاضر في الزمن السابق و المسافر سابقا فهو مجاز، بتخيل استعماله في ما انقضى عنه المبدأ، و ذلك لأنّ الإطلاق إن كان بلحاظ حال التلبس لم يكن مجازا بل التجوز فيما إذا قيل مسافر فعلا بلحاظ قيام المبدأ به قبلا فتدبّر.


1) الوسائل: ج 5 ص 539، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

2) الوسائل: ج 3 ص 62، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.

3) الوسائل: ج 5 ص 535، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

4) الجواهر: ج 14، ص 354.

و مما ذكرنا تبين حال عكس المسألة و هو ما إذا دخل عليه الوقت و هو مسافر إلّا أنّ المشهور هنا هو الإتمام إذا دخل أهله بل في السرائر «انّه لا خلاف فيه منّا و لا من مخالفينا» (1)، و لم يعلم للمعرفة وجه مع دلالة بعض الاخبار الدالّة على أنّ العبرة بحال الوجوب على حكم المسألتين كصحيحة محمد بن مسلم (2)و بقية الأخبار مختصة بالمسألة الأولى.

نعم في هذه المسألة ما حكم فيها بالإتمام إذا دخل كصحيحة العيص (3)و ما حكم فيها بالتفرقة بين ما إذا خرج الحاضر فيتم، و ما إذا حضر المسافر فلا يقصر كرواية المحاربي «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا خرج الرجل مسافرا و قد دخل وقت الصلاة كم يصلّي؟ قال: أربعا قال: قلت، و إن دخل وقت الصلاة و هو في السفر؟ قال: يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله و إن وصل المصر فليصل أربعا» (4)و عليه فيهون الخطب في هذه المسألة في الجملة، و إلّا فمع صحيحة محمد بن مسلم (5)الدالة على أنّ حكم التقصير في الحضر لا فائدة في وجوب بعض ما يختص بتلك المسألة، و بعض ما يختص بهذه المسألة، أو ما يظهر منه الفرق بينهما فتدبّر جيدا.

و أمّا ما ورد في هذه المسألة بالخصوص من التخيير كصحيحة منصور بن حازم (6)، أو بالفرق بين سعة الوقت فيتم، و ضيق الوقت فيقصّر، فكلاهما محمول على التخيير بين القصر في الطريق و الإتمام في الحضر مع سعة الوقت، و إلّا قصّر في الطريق بشهادة صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال (عليه السلام): إن كان لا يخاف أن


1) السرائر: ص 74.

2) الوسائل: ج 5 ص 534، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3) الوسائل: ج 5 ص 535، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 503، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

5) الوسائل: ج 5 ص 534، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

6) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

يخرج الوقت فليدخل و ليتمّ، و إن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ و ليقصّر» (1)، و اللّه أعلم.

الثاني عشر [الكلام فيما إذا كان الاعتبار بحال الأداء و خرج الوقت بعد حضوره]

لا شبهة في أنّه إذا فاتته الصلاة في السفر بأن تركها في السفر الى أن خرج وقتها و هو في السفر، أنّه يقضيها قصرا، و كذا إذا فاتته في الحضر في تمام الوقت يقضيها تماما، و كذا لا شبهة في أنّ العبرة في الأداء إذا كان بحال الوجوب، فالفائت منه هو ما وجب عليه أدائه، و إنّما الكلام فيما إذا كان الاعتبار بحال الأداء و خرج الوقت بعد حضوره فإنّه ربما يقال بالتخيير بين قضائه قصرا و تماما نظرا إلى أنّ الملاك في القضاء فوت الواجب في مجموع الوقت لا في جزئه الأخير، إذ لا تكليف بالفعل في كلّ جزء جزء من الوقت حتى يقال إنّ ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير بترخيص من الشارع فلا قضاء له بل المكلف به هو الفعل في مجموع الوقت و كما يصدق عليه أنّه ترك الإتمام في مجموع الوقت كذلك يصدق عليه أنّه ترك القصر في مجموع الوقت فلا موجب لتخصيص الفوت بخصوص الترك في آخر الوقت هكذا أفاد بعض الأعلام (قدّس سرّه).

و الجواب: انّ الواجب الموسع و إن كان كالكون المتوسط بين المبدأ و المنتهى لا كالحركة القطعية المبنية على تقطع الزمان فالواجب طبيعي الصلاة بين الحدّين من الزوال الى الغروب لا أفرادها المحدودة بحدود زمانية بنحو التخيير الشرعي فلذا لا خصوصية للفوت في الجزء الأخير بل المناط فواتها بين الحدين إلّا أنّه لا شبهة في تبدل التكليف بتبدل موضوعه، فالمسافر يجب عليه القصر وجوبا موسّعا بين الحدين ما دام مسافرا، و الحاضر يجب عليه الإتمام بين الحدّين ما دام حاضرا، و مع تبدّل السفر بالحضور لا تكليف بالقصر ليكون له فوت، و كذلك مع تبدّل الحضور بالسفر لا تكليف بالإتمام ليكون له فوت، و إنّما يكون لهما فوت مع عدم تبدّلهما بين الحدّين و إنّما يصدق فوات التكليف ببقاء التكليف الى زمان انقضاء وقته.

و منه يندفع ما قيل من أنّ الفوت كالأداء فكما أنّه إذا صلّى القصر في السفر


1) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

كان أداء كذلك إذا تركه يكون فوتا، و كما أنّه إذا صلّى التمام في الحضر كان أداء، كذلك إذا تركه يكون فوتا، و كما لا اختصاص للأداء بآخر الوقت كذلك لا اختصاص للفوت بآخر الوقت لمكان التقابل بين الأداء و الفوت.

وجه الاندفاع: انّ فرض الأداء فرض انقطاع التكليف المنافي لفرض التبدل، و مع فرض التبدل لا أداء للتكليف السابق و لا فوت، فهما متقابلان بلحاظ بقاء التكليف في تمام الوقت فتدبره فإنه حقيق به. و هذا آخر ما أردنا إيراده فيما يتعلق بصلاة المسافر. و نسئل اللّه جل جلاله العفو عن الجرائم و الجرائر و الحمد للّه أوّلا و آخرا و الصلاة على نبيّة و آله باطنا و ظاهرا.

20 جمادى الاولى 1359.