ghaemiyeh.com
سرشناسه : اصفهاني، ابوالحسن، ۱۳۲۴ - ۱۲۴۶
عنوان و نام پديدآور : صلاه المسافر/ تقرير ابحاث ابوالحسن الموسوي الاصفهاني؛ تاليف حسين الموسوي العلوي الخوانساري
مشخصات نشر : قم: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳.
مشخصات ظاهري : ص ۲۵۲
فروست : (موسسه النشر الاسلامي التابعه لجماعه المدرسين بقم المشرفه۷۳۹)
شابك : بها:۲۱۵۰ريال
يادداشت : كتابنامه بصورت زيرنويس
موضوع : نماز مسافر
موضوع : فقه جعفري -- رساله عمليه
شناسه افزوده : موسوي علوي خوانساري، حسين، ۱۳۶۸ - ۱۲۷۸. محرر
شناسه افزوده : جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي
رده بندي كنگره : BP۱۸۷/۴/الف۶ص۸ ۱۳۷۳
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۵۳
شماره كتابشناسي ملي : م۷۴-۴۲۳
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين أبي القاسم محمد المصطفى و على آله الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
و بعد، فلا يخفى على ذوي العلم و الفضيلة ما لكتب التقريرات التي يسطّرها الأفاضل من أهل التحقيق و التدقيق في الحوزات العلمية من دور مهمّ في عكس آراء الفقهاء و المجتهدين و نقل أنظارهم الاستدلالية في حقلي الفقه و الأصول التي اتبعوا فيها نفوسهم الشريفة و بذلوا أعزّ ما عندهم في سبيل تحصيلها و تنقيحها حتى أضحت مراجعة كتب التقريرات احدى الوسائل و الطرق لمعرفة الأعلم و تشخيصه من بين المجتهدين و الفقهاء المتصدّين للمرجعية و الزعامة العامّة. و قد عرفت الحوزات العلمية الشيعية بهذا الفنّ من التصنيف و على مدى عصور متمادية.
و على ضوء هذه التقريرات و درجة الدقّة في نقل آراء المقرّر له و إنظاره و ما يبديه المقرّر من مناقشة لرأي أستاذه و مدى عمق الملاحظات المطروحة يمنح المقرّر عادة درجة الاجتهاد من مشايخه في الفقه و الأصول.
و الكتاب- الماثل بين يديك- هو تقريرات فقهية لمباحث فقيه الطائفة و مرجع الشيعة الإمامية في وقته آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن
الأصفهاني- قدّس سرّه الشريف- كتبها و قرّرها أحد الأعلام المجتهدين من تلامذته و طلابه العالم الفاضل آية اللّه السيّد حسين العلويّ الخوانساري تغمّده اللّه برحمته الواسعة.
و وفاء للعهد الذي اتخذته المؤسّسة على عاتقها في إحياء علوم أهل البيت عليهم السلام و خدمة الحوزات العلميّة و تخليد تراثها الفكري تلقّت مشروع طبع هذه التقريرات و نشرها بالقبول متقدّمين بالشكر الجزيل و الثناء الجميل لولد المقرّر الفاضل حجّة الإسلام السيّد مرتضى العلوي الخوانساري على ما تفضّل به علينا من إعطاء نسخة هذه التقريرات الخطّية و نسخ خطّية لكتب أخرى سائلين اللّه عزّ شأنه له و لنا المزيد من التوفيق في خدمة العلم و أهله إنه خير موفّق و معين.
مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة
بسم اللّه الرحمن الرحيم هو سماحة آية اللّه الحاج السيد حسين ابن العلامة ميرزا محمد مهدي ابن آية اللّه العظمى السيد علي ابن مير أبو القاسم ابن السيد علي ابن السيد حسين ابن مير علي حسين ابن السيد حسين ابن السيد هاشم ابن السيد باقر ابن السيد رضا ابن السيد سليمان ابن السيد قاسم ابن السيد عبد اللّه ابن السيد يحيى ابن السيد زكريّا ابن السيد زين العابدين ابن السيد مهدي ابن السيد رضا ابن السيد صالح ابن السيد محمد بن القصير بن محمود بن حسين بن حسن بن أحمد ابن سند بن حسن بن عيسى بن يحيى بن حسن بن عبد اللّه ابن مولانا الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام.
ولد في مدينة خوانسار في سنة 1278 ه. شمسي في بيت علم و تقوى.
والده هو العلامة المرحوم آقا ميرزا محمد مهدي العلوي الخوانساري، و كان من التلامذة المبرّزين للعلمين الآيتين الآخوند الخراساني و السيد محمد كاظم اليزدي.
و قد كتب تقريرات في الأصول (دورة كاملة تقريرات كفاية الأصول) و الفقه (عدة رسائل فقهية) لدروس هذين العلمين (و هي الآن فعلا موجودة) و قد كان فقيها متضلعا و أصوليا متبحّرا و ذو أفكار بيّنة و شجاعة علمية خارقة.
و قد عاد الى خوانسار بأمر من أستاذه المرحوم الآخوند و ذلك بعد إتمام مرحلة التحصيل و تسلّم منصب فقيه العدلية و دكّة القضاء منشغلا بقضاء حوائج الناس و حلّ الخصومات و المنازعات.
و لم تدم الأيام حتى وقعت حادثة في منطقة «فريدن» فقد تعرّض عدّة من البهائيين لبعض المسلمين و اعتقل أحد وجهاء تلك المنطقة و أودع السجن فاضطرّ السيد للسفر الى تلك المنطقة و التدخل في القضية فوفّق لإطلاق سراحه.
و تقديرا لهذا العمل الكبير نصب الحاكم في تلك المنطقة وليمة و دعا السيد إليها، و بعد رجوعه من الوليمة تمرّض فعاد الى خوانسار (و يحتمل قد دسّ إليه السمّ من قبل الأيادي البهائية) و للأسف الشديد- و في أهمّ فترة من عمره و التي كان بالإمكان أن يقدم فيها الكثير من الخدمات الجليلة للإسلام و المسلمين- فارقت روحه الدنيا الفانية و عمره لا يتجاوز الخامسة و الثلاثين سنة. و شيّعت جنازته تشييعا مهيبا حضره أهل خوانسار و شخصيات البلد و بحضور والده آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد و دفن خلف السوق القديم الخوانسار في منطقة تبعد 500 م باتجاه الجنوب الغربي من مقبرة آية اللّه السيد حسين الخوانساري أستاذ الميرزا القمّي، و قد كتب على لوح القبر: «نابغة الدهر العلّامة الثاني.»
و قد كان المترجم له حينذاك في سنّ السابعة أو الثامنة من عمره، و على هذا يكون قد افتقد نعمة الأب و هو في بدايات حياته، فتكفّله جدّه المرحوم آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد.
أمّا المرحوم السيد علي المجتهد فقد كان معروفا في حياته و لحدّ الآن ب «آقا سيد علي مجتهد» و قد فتح عيناه على الدنيا في سنة 1252 ه. ق. و والده آقا ميرزا أبو القاسم، و قد كان مثالا في التقوى و الورع و مشهورا بالعلم و الفضيلة، و اشتهر بلقب آقا ميرزا أبو القاسم المجاب إشارة إلى ردّ السلام عليه من قبل الروضة المقدّسة و الحرم المطهر لسيد الشهداء عليه السلام و التي وقعت في إحدى
زياراته لكربلاء المقدّسة و في حضور جمع من مرافقيه و أصحابه في سفره الروحاني ذاك. و قد كتب على لوح قبره: «سلمان عصره و فريد دهره».
و قد ترعرع السيد علي المجتهد في إحضان هكذا أب، فأكمل دراسته الابتدائية في خونسار، و لأجل تحصيل الكمال و الارتقاء العلمي و العملي قصد أصفهان فصار من مريدي و أتباع الفقيه النبيه و العارف المجاهد الشيخ محمد تقي المعروف ب «آقا نجفي» و كان من جملة زملائه في الدرس المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي قدّس سرّه، و قد نقل عنه خاطرة جميلة كما نقلها السيد المجتهد هو أيضا، و هي أنّه كان يحضر في الصفّ الأول في صلاة الجماعة بإمامة «آقا نجفي» ثمانون مجتهدا مسلّم الاجتهاد، واحد منهم السيد محمد كاظم اليزدي، و كذا واحد منهم السيد المشار إليه و قد تعلّق به «آقا نجفي» و شمله برعايته الخاصّة حتى نقل عنه أنّه وصفه في أحد الأوامر- التي أصدرها و أرسلها إليه لاحقا- بالعالم العامل حجّة الإسلام. (1).
و بعد الاستفادة من محضر الأساتيذ الكبار في عصره توجّه صوب النجف الأشرف، فكان من أساتذته فيه الحاج الشيخ محمد باقر الأصفهاني و آية اللّه السيّد حسين الكوة كمري قدّس سرّهما. و قد فقد بصره في النجف الأشرف و عجز الأطباء في بغداد عن مداواته و آيسوه من رجوع الباصرة إليه ثانية، و طبقا لما حكاه هو للمرحوم الوالد أنّه عوفي تماما و عاد بصره إليه ببركة الاكتحال بتربة الحرم المطهر لأمير المؤمنين عليه السلام. و العجيب أنّه- و حتى اللحظات الأخيرة من عمره- كان يتمتّع بقوّة الباصرة بحيث كان قادرا على قراءة الفقرات و الكلمات الناعمة.
و قد شملته في إحدى المرّات يد العناية المباشرة لبقيّة اللّه الأعظم أرواحنا له
1) راجع مجلّة الحوزة: العدد السادس السنة السادسة.
الفداء، فبلغ درجة مهمة في السير و السلوك و العرفان، كما أخبر هو عن ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام. (و هناك قصة عجيبة في خصوص هذه القضية). و قبل الموت بلحظات أنشد هذه الأبيات:
مضى الدهر و الأيام و الذنب حاصل و جاء رسول الموت و المرء غافل
و بعد سنوات من الجد و الاجتهاد و السعي في نشر المعارف الإسلامية- و في وقت و بعد وفاة السيد اليزدي (قدّس سرّه) رجع إليه بعض علماء خوانسار و بإجازته بقوا على تقليدهم السابق- ودّع الدار الفانية و ذلك في سنة 1337 ه. ق و عرج الى الديار الحقّة الأبدية.
و العجيب أنّه لما أرادوا دفنه تشاور علماء المدينة فيما بينهم فاتّفق رأيهم على دفنه في قبر والده «مير أبو القاسم مجاب» باعتبار أنه قد مضى على دفنه سبعون عاما، و قد جرت العادة انعدام الأجساد و تحوّلها الى رميم في هكذا مدّة.
و لكن، و كما ينقل والدي نفسه حيث قال: كنت حاضرا في ذلك اليوم و شاهدت عندما شقّوا القبر أنهم وجدوا بدن والده «مير أبو القاسم مجاب» و بعد سبعين سنة ليّنا طريا و كأنّه قد دفن الآن، و لأجل ذلك دفنوا المرحوم الى جوار قبر والده، و هو الآن من المزارات المعروفة لأهل خوانسار، و قد كتب على لوح قبره: «محيي آثار الطريقة الجعفرية فقيه أهل بيت العصمة و الطهارة آية اللّه العظمى الآقا سيد علي مجتهد».
و كان المترجم له- سماحة آية اللّه العلوي- و بعد وفاة والده تحت رعاية جدّه المعظّم المرحوم آقا سيد علي المشار إليه آنفا، فأكمل المقدّمات و السطوح الوسطى في خوانسار على يديه و في محضره. و بعد وفاة جدّه المعظّم شدّ راحلا إلى أصفهان فواصل دراسته، و درس السطوح العالية فيها على يد علماء فطاحل نظير السيد محمد باقر درچهاى و آقا مير محمد صادق و السيد علي النجفآبادي.
و درس الكفاية عند الحاج آقا رحيم أرباب.
ثم آب راجعا الى خوانسار فدرس الحكمة و العرفان عند الفيلسوف الربّاني و الحكيم الصمداني المرحوم الآخوند ملا محمد علي حكيم إيماني المعروف ب «آخوند حكيم» و الذي كان- بتعبير والده- بحرا في العلم. (و الظاهر أنّ الامام الراحل الخميني الكبير قدّس سرّه كان قد استفاد أيضا من محضره عندما كان في خوانسار و لمدة ستة أشهر استفادات علمية).
ثم لأجل الارتقاء في المراقي العلمية توجّه صوب النجف الأشرف على مشرّفها آلاف التحية و الثناء و بقي فيها سبع سنوات مستفيدا من أساتذة كبار مثل آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني و الشيخ آقا ضياء الدين العراقي و الميرزا النائيني و غيرهم قدّس اللّه أسرارهم. و قد وردت عبارة في إجازة المرحوم الشيخ ضياء الدين العراقي له ما هذا لفظها: «فصار بحمد اللّه من العلماء الأعيان و ممّن يشار إليه بالبنان» و كذا في فقرة من إجازة المرحوم الميرزا النائيني هكذا لفظها: «و يحرم عليه التقليد فيما اجتهد».
و في سنة 1344 ه. ق قرّر دورة الأصول للمرحوم الميرزا النائيني فأتمّها، و كذلك رسالة تحقيقية في صلاة المسافر، و الظاهر أنّه عاد الى خوانسار في سنة 1348 ه. ق فأحيا المدرسة العلمية الموجودة فيها، و هي من البنايات الصفوية، و قد بنيت بإشارة من الآقا حسين الخوانساري، فشرع فيها نشاطاته العلمية و العملية و تربية التلاميذ و طلاب العلوم الدينية مضافا الى حلّ مشكلات الناس و المراجعين.
قال رحمه اللّه: في يوم من الأيام أصابني فقر شديد و جوع، و ضاقت بي الأمور فوق الحدّ، و كان هناك مجموعة من الخبز اليابس و الذي كان يصعب عليّ أكله، فوضعته في كيس و صمّمت في نفسي أن اذهب الآن إلى جوار مولى
الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام و أشكو إليه ما نزل بي و الى متى أبقى أنا على هذه الحالة و اتحمّل هذه المرارات، و فعلا حملت كيس الخبز اليابس و وضعته تحت العباءة و اتّجهت إلى الروضة الحيدرية المقدّسة و في الأثناء و على فاصلة مائتين متر تقريبا عن الحرم المطهّر اعترض مسيري شخص و ناداني باسمي قائلا: ليس من اللازم أن تشكو قصّة كيس الخبز اليابس و الذي أخفيته تحت عباءتك الى المولى عليه السلام، فهو عليه السلام طالما كان يأكل من هذا الخبز اليابس فارجع. فتأثّرت كثيرا بهذا الكلام و رجعت الى المدرسة، فالتفتّ الى نفسي فجأة و قلت: يا ترى من كان هذا الشخص و كيف اطّلع على نيّتي؟؟! حادثة ثانية: قال رحمه اللّه: في يوم من أيّام الدراسة في النجف الأشرف نزل بي جوع شديد و آلمني و لمدّة ثلاثة أيام لم أكن أملك حتى الخبز، فضعفت عن الحركة و فقدت نشاطي، فألقيت نفسي في إحدى زوايا الغرفة، و كان الوقت قبل الغروب بقليل، فسمعت شخصا خلف باب الغرفة يناديني، ففتحت الباب، فإذا برجل بيده صرّة مملوءة بالأموال، فوضعها أمامي و قال لي: خذ، فقلت: لا احتاج الى ذلك، فكرّر عليّ القول: خذ، فأجبته: لا احتاج، فأقسم عليّ قائلا: بأمّك الزهراء أقسم عليك إلّا أن أخذت. و لكونه أقسم عليّ أخذت منها خمسة عشر تومانا لنفسي و خمسة عشر تومانا لطالبين يدرسان عندي، ثمّ ذهب فلم تمرّ لحظات حتى خرجت خلفه، فسألت من طلبة المدرسة: أين ذهب هذا الرجل؟ و هل أعطاكم شيئا من المال؟ فقالوا: إنّنا لم نر أحدا أصلا.
من أهمّ سجاياه انقطاعه عن الخلق و التوجّه بإخلاص للّه عزّ شأنه، و لأجل هذا ما تعلّقت نفسه بأي شخص أو شخصية من الشخصيّات، و في مقام الأمر
بالمعروف و النهي عن المنكر- و خاصّة ما يتعلّق بالمسؤولين في الإدارات الحكومية- كان يتكلّم باقتدار و شجاعة، لا يخاف في اللّه لومة لائم.
و كان للسيد العلويّ رحمه اللّه علاقة خاصّة بالشباب و كان يقضي في الغالب ساعات عديدة من يومه معهم. و كان متحلّيا بالفضائل الأخلاقية و متخلّيا عن الرذائل النفسانية، و كما قال هو عن نفسه: خلوت و بحمد اللّه من ثلاث صفات: الحسد و الغيبة و الكذب.
و كان الفقيد السعيد متواضع جدا بحيث كان مصداقا واقعيا للحديث الشريف المروي عن الصادق عليه السّلام: «. لم ير أحدا إلّا و يقول هو خير منّي».
و كان قسمه و يمينه معروفة و مشهورة في الأثير، و كان إذا رفعت إليه قضية أو خصومة و يصل الأمر إلى مرحلة اليمين يصيب أطراف النزاع الخوف من مغبّة ذلك.
و كان غالبا إذا ما رأى الفلاحين و العمّال يسألهم الدعاء، و قد شوهد مرّات عديدة يقبّل أياديهم و يقول: إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يقبّل هذه الأيدي.
أمّا علاقته بمراجع التقليد فكان لا يذكرهم إلّا بالاحترام و التقدير، و كان يعتقد أنّ المرجعية أمر إلهيّ لا بدّ من تأييده من قبل الناحية المقدّسة على صاحبها آلاف الثناء و التحية.
و كان يشمل برعايته الفقراء و المحتاجين على حدّ المقدور، و كان ذلك ديدنه و فعله المستمر في حياته.
في عهد الشاه البائد كانت ترفع الكثير من قضايا الناس إلى المكاتب
و المحاكم الشرعية و من جملتها مكتبه الشرعي، و أتذكّر أنا أنّه إذا دار ذكر المحاكم و مراكز الشرطة كان يقول: الرجوع إليهم يكون بمثابة تأييد الظلم و الركون الى الظالمين، و إذا أردت أن تأخذ حقّك عن طريق هؤلاء فقد أخذت بالطاغوت و فعلت حراما. و على هذا الأساس كان يمنع الناس من الرجوع الى المحاكم الرسمية. و كان هو لأجل عدم حضوره في هكذا مجالس يتعرّض للأذية و الضغط من قبل السلطات الجائرة.
و كان لا يجيزنا- و نحن طلاب في المدارس الابتدائية و المتوسّطة و الثانوية- في الاشتراك في احتفالات الرابع من آبان و التاسع منه، و هما يوما تولّد الشاه و ولي العهد، و كذا في الاحتفالات و المراسيم الشاهنشاهية، و كان يعتقد بحرمتها.
قبل انتخابات السادس من بهمن أصدر السيد الخوانساري رضوان اللّه عليه بيانا حرّم فيه الانتخابات و وزّعها على شكل منشورات الى الأمصار، و من جملتها مدينة خوانسار، فأعطاها لأحد الطلبة و أمر بإلصاقها على الجدران، و في الساعة الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم طرقت باب الدار فذهبت لفتحه و إذا برئيس الناحية في المدينة و رئيس قوّات الدرك و أحد كبار البلد فقالوا:
أيقظ السيد من النوم نريد اللقاء معه، فذهبت و أيقضت السيد فجلسوا معا و بعد تبادل السلام و التحية المتعارفة أخرج رئيس الناحية منشورا من المناشير من جيبه و قال: إنّ هذا المنشور قام بلصقه على الجدران أحد طلبتكم، فقال السيد: طلابي يعرفون تكليفهم الشرعي، فاشتدّت لهجة رئيس الناحية محاولا للضغط على السيد، ثمّ قال: إنكم مخالفون للإصلاحات الشاهنشاهية و لأجل ذلك تشتركون في مثل هذه الأعمال. فرأيت والدي ردّ عليه بعنف و بصوت عال جدّا و بعبارة حقّر فيها الشاه و والده قائلا إصلاحات!! أيّ إصلاحات!!؟ الإصلاحات المخالفة للقرآن!! قوموا و ولّوا عني و اخرجوا من
بيتي الساعة و افعلوا كلّ ما تريدون. طبعا القصّة طويلة حضرت فصولها و شاهدت شخصيّاتها، و كان رحمه اللّه من شدّة غضبه و انفعاله يأكل البرتقال مع قشره.
و كيف كان فقد أخرجهم من المنزل بعد أن هددوه و لما خرجوا وقف والدي على طرف باحة الدار و قال لي: برأيك ما ذا سيفعلون؟ وهنا و في الساعة الثانية عشر تقريبا طرقت باب الدار فذهبت لفتحه فرأيت رئيس قوّات الدرك فسأل: أين السيد؟ فخفت و لكن لمّا كان والدي واقفا طرف باحة الدار وقع بصره عليه و دخل فوقع على قدميه يقبّلها و هو يقول: سيّدنا لا تدعوا عليّ و لا تلعنّي فأنا لست من هؤلاء (الظالمين).
و بعد عدّة أيام من انقلاب السادس من بهمن قام قائم مقام «گلپايگان» مع مجموعة كبيرة من رؤساء الدوائر الحكومية بزيارة السيد، فطرح القائم مقام عدّة أسئلة و سمع أجوبتها ثم قال السيّد جناب القائم مقام: إنّ الحكومات على ثلاثة أقسام. حكومة تريد تحمّل رغباتها الناس و يقال لها الحكومة الاستبدادية و هذه حكومة لا دوام لها، و حكومة تريد تحقيق رغبات الشعب و هذه الحكومة أيضا تكون غير موفّقة لأنّ حاجيات الشعب و رغباته كثيرة، و حكومة تجعل في نصب عينها إصلاح المجتمع و نحن نعبّر عن هذه الحكومة بالحكومة الإسلامية و هي حكومة يكتب لها الدوام و الثبات.
و كان للسيد- على رغم كبر سنّه- حضور فعّال في مسيرة الثورة الإسلامية المباركة،: و كان له دور مهمّ في ترسيخ دعائم الحكم الجمهوري الإسلامي في المنطقة.
1- نقل لي أحد المثقفين ما نصّه: كنت و لمدة طويلة أذكر «يا حيّ يا
قيوم» بدل «بحول اللّه و قوته أقوم و أقعد» و لا أدري هل إنّ عملي هذا صحيح أم لا، الى أن وفّقت في أحد الأعياد من التشرّف بزيارة السيّد، و كان الناس يتواردون عليه و يقبّلون يديه و يجلسون في المجلس و يصغون الى كلماته، و كان السيد يتكلّم حول موضوع معين، و لكن لمّا ذهبت إليه لتقبيل يديه قطع كلامه و بدون أن أسأله أيّ سؤال قال: قل «بحول اللّه» و لا تقل «يا حيّ يا قيّوم».
2- بعد وفاة السيد جاء شخص و قال: أريد أن أحدّثكم بقضية مرتبطة بالسيد، قلت له: تفضّل، فقال: أنا من أهل خوانسار و لكن محلّ إقامتي الان في طهران، و قبل عدّة سنوات تشرّفت بزيارة السّيد لإعطاء الوجوهات الشرعية، و بعد المحاسبة بقي في ذمّتي مبلغ يعادل سبعة آلاف تومان على أن أوفيه له. و بعد مدّة تركت خوانسار و نسيت أن أبي للسيد الدين الذي في ذمّتي، فرأيت في إحدى الليالي السيد في الرؤيا و هو يقول: أعطني أموالي، فقلت له في عالم الرؤيا: على عيني يا سيدنا. و استيقظت و بقيت جالسا لمدّة نصف ساعة ثم نمت فرأيت السيّد ثانية في الرؤيا و هو يقول مجدّدا: أعطني أموالي:
فاستيقظت و للمرّة الثالثة نمت فرأيت السيد أيضا في الرؤيا و هو يطالبني بالأموال. فما أن أصبح الصباح حتى أخذت المبلغ المطلوب و سافرت من طهران قاصدا خوانسار، فلمّا تشرّفت بخدمته و بعد السلام عليه و قبل أن أتكلم بشيء قال فورا: نعتذر للمزاحمة عرضت لي حاجة.
من آثاره المهمّة إحياء و تعمير المدرسة العلمية في خوانسار بنيت (مدرسة علمية علوي مريم بيگم) في زمان السيد حسين الخوانساري الذي كان رئيسا للوزراء و بأمر من مريم بيگم الصفوي، و قد ترعرع فيها و تربّى مجموعة من العلماء و الفطاحل
منهم الميرزا القمّي و آية اللّه العظمى الگلپايگاني و آية اللّه الصنعاني الخوانساري و الامام الخميني و غيرهم قدّس اللّه أسرارهم.
و قد خرّبت هذه المدرسة و تحوّلت إلى أطلال خاوية. فتصدّى السيد- بعد رجوعه من النجف الأشرف- لتعميرها و تجديد بنائها مع المحافظة على هويّتها الأصيلة، فتحوّلت الى مدرسة معمورة، و جعل السيد درسه فيها، و لغلاقته الخاصّة بالاسم المبارك لأمير المؤمنين علي عليه السلام سمّاها باسمه (مدرسة علوي).
و المدرسة الآن عامرة يسكنها عشرون طالبا و هو غاية ما تسعه من الطلاب الذين في مستوي دراسة السطوح في الحوزة العلمية. و في هذه المدرسة مكتبة تحوي ما يقارب على ألفي كتاب و أغلبها تعدّ من المصادر المهمّة مضافا الى وجود خمسين نسخة خطّية قديمة و قد نظم السيد رضا المختاري فهرسا مستقلا لها، و قد طبع في مجلّة «آينه پژوهش».
المرحوم آية العلوي كرّس ستين عاما تقريبا من عمره الشريف لتدريس العلوم الدينية في مرحلة المقدمات و السطوح و بعضها في مرحلة الخارج في الفقه. و تتلمذ على يديه طلاب أفاضل و كان قد خصّص في كلّ يوم ساعة من وقت الطلاب لقراءة القرآن، بحيث كان كلّ واحد من الطلبة مكلّفا بقراءة آية من القرآن، و ترجمتها و شرح تراكيبها الصرفية. مضافا الى ما كان يلقيه على الطلبة من البحوث الأخلاقية و التفسيرية و كان حافظا لإشعار حافظ الشيرازي و كثيرا من أشعار مولوي، و كان له اطّلاع و معرفة باللغة الفرنسية و كان حافظا لكثير من الأدعية من قبيل دعاء كميل و دعاء الصباح و دعاء السمات و زيارة عاشوراء و غيرها، و كان مداوما عليها.
و كانت جلسته في صلاة الجماعة جلسة علمية و كان يتعرّض لشرح
أحاديث أصول الكافي قبل الصلاة و لم تخلو جلساته من الأحاديث و المباحث العلمية أو الاشعار، و كان يرتّل آيات القرآن بدموع جارية و كان طالما يؤكّد على هذه الآيات و يستشهد بها في محافل مختلفة و مناسبات متفاوتة.
«وَ أَنْ لَوِ اسْتَقٰامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً» (1).
و «إِنّٰا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» (2).
و «مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (3).
و «إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (4).
و «أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللّٰهَ يَرىٰ» (5).
و «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ» (6).
«إِنّٰا كُنّٰا نَسْتَنْسِخُ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (7).
و كذلك سورة العصر.
رسالة تحقيقه في صلاة المسافر.
رسالة في تقريرات أصول الميرزا النائيني.
و كان- مضافا الى ذلك- له علاقة خاصّة بسيد الشهداء عليه الصلاة و السلام، حيث كان يعقد مجلس العزاء الحسيني في كلّ يوم جمعة و لمدّة أربعين عاما، و في سنة 1366 ه. ش تعرّضت خوانسار لسيل شديد فخرّب بيته و المدرسة و المسجد، فلما تشرّفت بخدمته قال لي: أجّروا غرفة و أقيموا مجلس
العزاء الحسيني.
و قبل عدّة سنوات زار مدينة خوانسار آية اللّه الحاج السيد محمد تقي الخوانساري رحمه اللّه، و كان قد استفتى شخص من السيد العلوي حول مسألة معيّنة كتابة فأجابه السيد العلوي: يجب كذا، فأخذ استفتاؤه و عرض على السيد الخوانساري، فقال: هل السيد العلوي كتب: يجب.؟! إذا كان كذلك فهذا حكم و يجب عليّ أيضا أطاعته.
في صباح اليوم الذي توفي فيه الامام الخميني- قدّس سرّه- عجلت في زيارة والدي على خلاف عادتي السابقة في زيارته و ذلك لأجل الالتحاق و المشاركة في مراسيم العزاء فبمجرّد وقع بصره عليّ سألني: ولدي العزيز كيف حال الإمام و هل عندك خبر جديد عنه؟ و لم أكن أريد مفاجأته بخبر ارتحاله دفعة واحدة فقلت: لا أعلم شيئا لكن المذياع عطّل برامجه و لا يبثّ غير تلاوة القرآن الكريم. فما أن قلت هذا حتى قال لي: ولدي العزيز إنا أيضا أموت و قد كنت مع الإمام الليلة الماضية في عالم الرؤيا و ساحدّثك عن هذا المنام إذا بقيت في الحياة.
و لم تدم الأيام ففي يوم 21/ 4/ 1368 ه. ش و بعد مرور ثمانية و ثلاثين يوما عن رحلة الامام قدّس سرّه و في حال جريان ذكر «لا إله إلّا اللّه» على لسانه المبارك فارقت روحه الدنيا الى حيث لقاء المعبود عزّ شأنه.
و كان لأهل خوانسار علاقة وثيقة و محبّة شديدة تجاهه، فحضر الناس و خرجت المدينة عن بكرة أبيها لتشييعه و حضور جنازته، و قد أقيم أكثر من خمسين مجلس فاتحة في نقاط مختلفة من المدينة و القرى المحيطة بها و في طهران و أعلن الحداد الرسمي من قبل محافظ أصفهان في مدينة خوانسار.
و بقلوب منكسرة و دموع جارية شيّع الناس و المسؤولون الفقيد الى مثواه الأخير في جوار جدّه الأجلّ المرحوم آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد، و روضته الآن تعدّ من الأماكن التي يقصدها الناس للزيارة و التبرّك، و هناك مطالب كثيرة لا يسع المجال للتحدّث عنها فنكتفي بهذا القدر سائلين اللّه تعالى أن يتغمّد سيدنا الوالد برحمته و يسكنه فسيح جنّاته و الحمد للّه ربّ العالمين.
مرتضى العلوي الخوانساري
عزيزنا القاري: الكتاب الماثل بين يديك هو تقريرات فقهية لأبحاث الخارج للحبر الأجلّ فقيه الطائفة و ملاذها آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدّس اللّه سرّه، و قد سطّرتها يراعة العالم الفاضل و المحقّق المدقّق السيد حسين العلوي الخوانساري طيّب اللّه رمسه. و موضوع هذا التقرير «البحث في صلاة المسافر» و قد تفضّل علينا بالنسخة الخطّية الوحيدة لهذه التقريرات ولد المقرّر حجّة الإسلام السيّد مرتضى العلوي الخوانساري دامت تأييداته، و هي ذات خطّ جميل و واضح إلّا في بعض الموارد المشوّشة أو المحذوفة نتيجة تغيّرات الزمان فاعتمدناها في تحقيق هذا الكتاب بعد أن قمنا باستنساخها و مقابلتها و من ثمّ تقويم متنها و تخريج الآيات و الأحاديث و الأقوال. و بالنسبة للكلمات غير الواضحة أو المصحّفة فقد قمنا بتثبيت ما يقوي احتمال صحّته و الإشارة الى ذلك في الهامش.
و الجدري بالذكر أنه لم يتوفّر لدينا أكثر من هذا البحث فاقتصرنا عليه آملين من المولى عزّ شأنه التفضّل علينا بالقبول، و الحمد للّه ربّ العالمين.
بِسْمِ اللّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم
المقصد السادس في صلاة المسافر
المقصد السادس (1)في صلاة المسافر و تنقيح البحث يتمّ برسم مباحث:
الأوّل (2)لا إشكال في وجوب القصر على المسافر
، و هكذا الإفطار في الجملة، و كونه عزيمة لا رخصة، و ما يظهر عن بعض العامّة (3)من كونه رخصة لظهور «لا جناح» في قوله عزّ اسمه في آية الصوم (4)فيه ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، لأنّه مضافا بورود بناء اللفظ في آية الحجّ (5)مع وجوب الطواف، و استعمال هذه الكلمة في نفي البأس و الوجوب كليهما الأخبار الدالّة على كونه عزيمة (6). فبعد صراحة الأخبار في ذلك و إجماع الإماميّة عليه يغنينا عن التكلّم في دلالة «لا جناح» على الرخصة أو العزيمة.
الأوّل (1)المسافة
و هي الضرب في الأرض ثمانية فراسخ. و ما عن بعض العامّة بكفاية مجرّد الضرب في الأرض (2)لإطلاق الآية الشريفة (3)، أو اعتبار أزيد من ثمانية من يوم و ليلة و يومين أو ثلاثة أيّام كما عن بعض آخر منهم (4)، بين إفراط و تفريط، و يدلّ على خلافهما الأخبار المتكاثرة بل المتواترة (5)، فلا إشكال في فسادهما، إنّما الكلام في أنّ المدار على خصوص ثمانية فراسخ، أو يكفي السير في اليوم و إن لم يبلغ ثمانية فراسخ. و لكنّ الأقوى خصوص ثمانية فراسخ، فإنّ مسير يوم و إن ورد في الروايات لأنّه موجب للتقصير إلّا أنّ التأمّل في مجموعها يوجب القطع بأنّ مسير اليوم تحديد لثمانية، لا أنّه موجب للتقصير في عرضها، فيكون
مسير يوم نظير خمسة عشر رضعة و ارتضاع يوم و ليلة في أنّهما كاشفان عن إنبات اللحم و شدّ العظم الّذي هو موجب للحرمة.
و بالجملة: و إن كان ظاهر بعضها أنّ نفس سير اليوم موجب للقصر بلغ ما بلغ فهو في عرضها، إلّا أنّ الظاهر من المجموع أنّه في طول ثمانية فراسخ و بيان له، لأنّ الغالب بالنسبة إلى المتعارف تحقّق ثمانية بسير يوم، فمسير يوم جعل موجبا للقصر لكونه أمارة على تحقّق ثمانية، لا كونه بنفسه هو تمام الموضوع و عنوان خاصّ في عرض الآخر.
و يتّضح ما ذكرنا بذكر الأخبار الواردة في الباب: فعن فضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنّه سمعه يقول: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله و لا فرق بينهما» (1). و هذه الرواية و إن كان ظاهرها أنّ المدار على مسير اليوم- و إنّما وجب القصر في سير ثمانية فراسخ لأنّها مسير يوم- إلّا أنّه معلوم أنّ كون ثمانية فراسخ مسيرة يوم حكمه للجعل لا أنّ اليوم هو الموضوع، فالمدار على الثمانية لكونه مسيرة يوم نوعا.
و يشهد لهذا ما ورد في العلل (2)و عيون الأخبار (3)زيادة على ما
تقدّم من قوله عليه السّلام: «و قد يختلف المسير» فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ، و سير الفرس عشرين فرسخا، و إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ، لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل، و هو الغالب على المسير، و هو أعظم السير الّذي يسيره الجمّالون و المكارون» (1). فإنّ هذه الزيادة تدلّ على أنّ سير يوم من حيث هو لا أثر له، لاختلاف السائر في البطء و السرعة. فالمناط هو الثمانية، لأنّ نوع القوافل يسيرون ثمانية فراسخ في اليوم.
و عن الرضا عليه السلام في جواب زكريّا بن آدم: «التقصير في مسير يوم و ليلة» (2)، و عن أبي أيّوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
سألته عن التقصير، قال: فقال: «في بريدين أو بياض يوم» (3).
و هذان الخبران ظاهران في اعتبار اليوم بناء على فعل الواو في الأوّل بمعنى «أو».
و كيف كان، الخبر الثاني بلحاظ العطف ب «أو» ظاهر في أنّ مسير يوم مقابل للبريدين. و لكنّه لا يخفى أنّ مقتضى سائر الأخبار المصرّحة فيها بأنّ مسير اليوم إذا كان ثمانية فراسخ فهو الموجب للتقصير توجب التصرّف في هذا الخبر، بأن يكون المراد منه: أنّه إذا كان المقدار معلوما فهو، و إلّا يجعل السير في بياض يوم كاشفا عن المقدار، لأنّ نوع
القوافل تسير في بياض يوم ثمانية فراسخ.
و يشهد لذلك رواية سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: «في مسيرة يوم، و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ» (1). و هكذا رواية ابن الحجّاج عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث قال: قلت: كم أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ قال: «جرت السنّة ببياض يوم»، فقلت له: إنّ بياض يوم يختلف، يسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم، فقال: «إنّه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت سير هذه الأثقال بين مكّة و المدينة، ثمّ أومأ بيده، أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ» (2). ثمّ يشهد لما ذكرنا سائر الأخبار المذكورة في الوسائل (3).
فالأقوى أنّ المدار على الثمانية الّتي هي بريدين، و هي عبارة عن أربعة و عشرين ميلا، فإنّ كلّ فرسخ شرعيّ ثلاثة أميال، فالتقصير لا يجوز إلّا في ثلاثة أميال، أي لا يجوز أقلّ من هذا المقدار، و لا يعتبر زيادة على هذا المقدار، فما ورد من طرقنا على خلاف ما ذكرنا في طرفي الزيادة و النقيصة إمّا موجّه بما يرجع إلى ما ذكرناه، و إمّا محمول على التقيّة، فما ورد أنّه يقصّر في البريد (4)يحمل على من أراد الرجوع ليومه، كما أنّ ما ورد من تحديد البريد بستّة أميال و بفرسخين (5)لا بدّ أن يحمل على
الفرسخ الخراسانيّ الّذي هو ضعف الفرسخ الاصطلاحيّ، لأنّ الراوي خراسانيّ.
و بالجملة: لا إشكال في أنّ المتّبع هو الثمانية الّتي فسّرت بالبريدين أو بأربعة و عشرين ميلا، كما أنّ بياض اليوم محمول على ما هو المتعارف من سير القوافل بأنّهم يسيرون في اليوم مقدار ثمانية فراسخ. و يدلّ عليه مضافا إلى ما تقدّم ما ورد عن الباقر عليه السلام في صحيح محمّد بن مسلم و زرارة: «قد سافر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان، أربعة و عشرين ميلا، فقصّر و أفطر فصار سنّة» (1).
ثمّ هل الفرسخ الّذي هو عبارة عن ثلاثة أميال تحقيقيّ كسائر التحديدات الشرعيّة كالكرّ و نحوه، أو تقريبيّ و المدار على ما يعدّ عرفا أنّه فرسخ؟ وجهان، و الأقوى هو الثاني، لأنّ التحديد التحقيقيّ إنّما يعتبر فيما يمكن إحرازه لعامّة المكلّفين، كالكرّ فإنّه و إن كان تحديدا للماء الكثير الّذي لا يستقذر بالنجاسة إلّا أنّه حيث يمكن إحرازه لعامّة المكلّفين بتحديده بثلاثة أشبار و نصف في مثله فيمكن اعتبار هذا المقدار تحقيقا، و أمّا ما لا يمكن إحرازه إلّا بالآلات أو رصد فلا يمكن جعله موضوعا لنوع المكلّفين.
و يشهد لما ذكرنا ما عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سئل عن حدّ الأميال الّتي يجب فيها التقصير،
1) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 491.
فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جعل حدّ الأميال من ظلّ عير إلى ظلّ و عير، و هما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظلّ عير إلى ظلّ و عير، و هو الميل الّذي وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليه التقصير» (1). فإنّ جعل الحدّ بين الجبلين إنّما يتمّ لو كان التحديد تقريبيا كما هو واضح، لأنّ التحديد التحقيقيّ إنّما يتمّ لو يذرع بين الجبلين كما ذرعته بنو أميّة، ثمّ يذرع كلّ مسافة يسير فيها المسافر، إلّا أن يأخذ بالمتيقّن و يتمّ في غيره.
و بالجملة، لا يمكن أن يكون المدار على ثمانية فراسخ تحقيقيّ مع اختلاف الذراع و الأصابع و الشعيرات الّتي حدود الأميال بها. هذا مضافا باختلاف ما ورد في تفسير الميل من أهل اللغة (2)، و ما ورد في رواية زرارة عن الصادق عليه السلام في كون كلّ ميل ألفا و خمسمائة ذراع (3)، و ما ورد عنه عليه السلام في كون الميل ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع (4). و هذان الخبران و إن وجب إرجاعهما إلى أمر واحد- لأنّه لا يمكن الأخذ بكلا التحديدين- إلّا أنّه يدلّان على أنّه ليس المدار على التحقيق، و إلّا لجعلوا عليهم السلام التحديد بأمر لا يمكن أن يتفاوت، كما في الأشبار و الأرطال في الكرّ.
هذا مع أنّ الفرسخ و إن حدّد بثلاثة أميال إلّا أنّ الميل لم يحدّد في
الأخبار، فيرجع إلى ما يسمّيه العرف، و الظاهر أنّ الموضوع له للميل تقريبيّ، لأنّهم فسّروه بمدّ البصر من الأرض (1)، أو بمقدار يتميّز به الفارس من الراجل. و معلوم أنّ هذا المعنى- بحسب الموضوع- هو المعنى الشامل لمقدار خاص لا يضرّ الزيادة و القلّة يسيرا، و ليس من قبيل المنّ و الحقّة اللذين وضعا لمقدار خاصّ لا يصدق على غيره إلّا بالمسامحة.
ثمّ إنّه هل يعتبر الثمانية الامتداديّة، أم يكفي التلفيق من أربعة ذاهبا و أربعة جائيا، إمّا مطلقا أو فيما إذا قصد الرجوع ليومه و إلّا فالتخيير بين القصر و الإتمام؟ أقوال، و قبل تنقيح الأقوال و بيان ما هو الأقوى لا بدّ من ذكر الأخبار الواردة في الباب، فنقول: هنا طوائف ثلاث: منها ما تقدّم ممّا ظاهره الثمانية الامتداديّة، منها ما يدلّ على التلفيق سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد، و منها ما يدلّ على كفاية التلفيق إذا قصد الرجوع. ثمّ الطائفة الثانية بين ما هو ظاهر في كفاية الأربع في التقصير و بين ما يعتبر فيه الرجوع، فبعد حمل ما هو ظاهر في كفاية الأربعة على ما إذا قصد الرجوع لعدم العمل بكفاية ما هو ظاهر في كفاية الأربع مع أنّها مطلقات فيقيّد بما إذا قصد الرجوع تصير النتيجة:
أنّ الأخبار على طوائف ثلاث:
فالطائفة الثانية، مثل رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (2)، و رواية زيد
الشحّام قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «يقصّر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلا» (1)، و عن معاوية بن وهب قال:
قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أدنى ما يقصّر فيه الصلاة، قال:
«بريد ذاهبا و بريد جائيا» (2)، و عن المروزيّ، قال: قال الفقيه:
«التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا» (3)، و عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن التقصير، قال:
«في بريد» قلت: بريد؟ قال: «إنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (4).
و أمّا الطائفة الثالثة: ففي الفقه الرضويّ قال: «فإن كان سفرك بريدا واحدا و أردت أن ترجع من ذلك قصّرت، لأنّ ذهابك و مجيئك بريدان. إلى أن قال: فإن لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار، إن شئت أتممت و إن شئت قصرت» (5). و استدلّوا أيضا بما روى محمّد بن مسلم، فإن قوله عليه السّلام: «فقد شغل يومه» يشعر بأنّ الموضوع ما إذا كان الثمانية حاصلة من الرجوع في اليوم، و هكذا رواية ابن وهب فإنّها مشعرة كذلك.
إذا عرفت ذلك فنقول: الأقوى أنّ الملفّق من الثمانية حكمه حكم
الثمانية الامتداديّة، سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد. أمّا عدم اعتبار خصوص الثمانية الامتداديّة فلأنّ غاية ما يدلّ عليه الأخبار ظهور الثمانية في الامتداديّة، فلا يعارض ما هو حاكم عليها، و يدلّ صريحا أنّ حكم الملفّق حكم الامتداديّة، فالقول باعتبار خصوص الامتداديّة كما حكي عن أبي المكارم (1)لا مدرك له، كما أنّ التخيير بين القصر و الإتمام كما عن الشيخ في كتابيه المعدّين للأخبار (2)لا وجه له، لأنّ التخيير فرع التكافؤ، و عدم إمكان الجمع بحسب الدلالة، و قد عرفت أنّ صريح الأخبار جعل الملفّق في حكم الامتداد، فلا تعارض بين الطائفتين، و لم يدلّ دليل خاصّ على التخيير في الأربعة الملفقة حتّى فيمن أراد الرجوع ليومه، بل صريح الأخبار الواردة في حكم أهل مكّة هو تعيين القصر حتّى لمن لم يرد الرجوع ليومه، فعن معاوية بن عمّار أنّه قال لأبي عبد اللّه عليه السلام: إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات، فقال عليه السلام: «ويحهم- أو ويلهم- و أيّ سفر أشدّ منه، لا تتمّ» (3). و هكذا غيره من الروايات الدالّة على وجوب القصر و تعيينه.
و بالجملة، لم يدلّ دليل على التخيير لمن أراد الرجوع في يومه، و أمّا التخيير لمن لم يرد الرجوع ليومه- كما هو المشهور بين القدماء- فلا مدرك
له سوى الرضويّ (1)، و هو لا يعارض المطلقات المتقدّمة، بل المصرّحة في تعيين القصر لمن لم يرد الرجوع كما في الأخبار الواردة لأهل مكّة، فإنّهم لا يرجعون ليؤمهم مع أنّه وجب عليهم القصر، فراجع الأخبار (2).
و بالجملة، مقتضى الجمع بين الأخبار أنّ الثمانية الملفّقة في حكم الثمانية الامتداديّة، و هذا مضافا بصراحة بعضهما في هذا المعنى شهادة الآخر فيه، فإنّ قوله عليه السلام: «فقد شغل يومه» (3)كالصريح في أنّ مقدار شغل اليوم من المسافة هو الموجب للقصر، سواء كان امتداديّا أو تلفيقيّا، و سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد، فإنّ حكم من لم يقصد الرجوع حكم من سافر في الثمانية الامتداديّة في ثلاثة أيّام أو أزيد.
ثمّ إنّ الاكتفاء في بعض الأخبار بالأربعة من دون ضمّ الرجوع إليه إنّما هو لأنّ الأربعة الامتداديّة كما هو ظاهرها مستلزم لأربعة أخرى، و يشهد له رواية محمّد بن مسلم (4)، فإنّ الإمام عليه السلام أجابه عن حدّ التقصير- أوّلا- بالأربع، و لمّا كانت الثمانية ارتكازيّا له تعجّب من هذا و قال: بريد؟ فأجابه عليه السلام- ثانيا- بأنّه كلّ أربع مستلزم لأربع، فقد يتمّ مقدار بياض يوم. فهذه الرواية شاهد للجمع بين الأربعة و الثمانية، فكلّ منهما بمعنى واحد، و لا تعارض بينهما أصلا، فلا وجه للتخيير في غير الثمانية للامتداديّة.
ثمّ لا دلالة في غير الرضويّ بأنّ الأربعة الملفّقة موجب للقصر إذا قصد الرجوع ليومه، و إلّا فالتخيير- كما هو المشهور بين القدماء- لا مدرك له سوى الرضويّ، و حيث إنّه لا يقاوم سائر الروايات الصريحة في عدم اعتبار الرجوع لليوم فالأقوى هو كفاية التلفيق مطلقا، لأنّ الرضويّ حجّة إذا علم أنّه مرويّ عن الإمام عليه السلام، و الظاهر أنّ هذا المضمون هو فتوى أحمد بن محمّد بن عيسى الّتي صارت منشأ فتوى الفقهاء.
و بالجملة، مع صراحة أخبار الباب في أنّ غير مريد الرجوع ليومه يجب عليه التقصير كما في أخبار باب مكّة (1)، بل يظهر من التواريخ أنّ التمام من بدع عثمان- عليه اللعنة- و تبعه معاوية- لعنه اللّه عليه- بعد أن صلّى أوّلا القصر (2)، فلا وجه لما ذهب إليه المشهور من القدماء، كما عرفت أنّه لا وجه لما ينسب إلى شيخ الطائفة من التخيير في الأربعة الملفّقة. و العجب من الروضة (3)أنّه نسب التخيير مطلقا إلى جماعة، و في خصوص الصلاة إلى خبرين، لأنّه ليس في الأخبار ما يدلّ على التخيير، حتّى فيمن أراد الرجوع ليومه.
إن قلت: لعلّ وجهه، إمّا من باب تعارض أخبار الثمانية و أخبار
الأربعة، فبعد التكافؤ المرجع هو التخيير، أو من جهة أنّ أخبار الثمانية نصّ في وجوب القصر عند تحقّق ثمانية و ظاهر في اعتبار الامتداد، و أخبار الأربعة نصّ في كفاية الأربعة الملفّقة للتقصير و ظاهر في تعيين القصر، فيدخل ظاهر كلّ على نصّ الآخر ينتج التخيير في الأربعة الملفّقة.
و بعبارة أخرى، التحديد بين الأقلّ و الأكثر ينتج أنّ للمكلّف الأخذ بالحدّ الأكثر فيصلّى تماما و بالأقلّ فيصلّي قصرا، ففيما دون الثمانية الامتداديّة لا يتعيّن عليه القصر.
قلت: أمّا كون مدركه يعارض الأخبار فقد عرفت أنّه فرع التكافؤ، و بعد عدم المنافاة بين دليل الحاكم و المحكوم لا تصل النوبة إلى التخيير، لأنّ الأربعة الملفّقة و إن لم تكن سير ثمانية فراسخ حقيقة إلّا أنّها هي حكم، فبعد توسعة الموضوع في دليل الحاكم، و جعل المدار على سير الثمانية الأعمّ من الامتداديّة و الملفقة فلا تعارض رأسا.
و أمّا كون الملاك هو الجمع الدلالي (فأوّلا) هذا الجمع في كلّ مورد قيل به- حتّى في مثل ثمن العذرة سحت (1)و لا بأس ببيع العذرة (2)- لا يخرج عن الجمع التبرّعي أو التورّعي، لأنّ كلّ كلام مشتمل على مفاد واحد، و اشتماله على نص من جهة و ظهور من جهة ليس إلّا تحليليّا، فحمل ظاهر أحدهما على نصّ الآخر ممّا لا يرجع إلى محصّل.
و أمّا (ثانيا) فلأنّه لو كانت المتعارضتان من قبيل التحديد بين الأقلّ و الأكثر، بأنّ ورد نصّ على أنّ حدّ التقصير هو الثمانية و نصّ آخر على أنّه هو الأربعة مطلقا و لو لم يقصد الرجوع رأسا، لكان لهذا الجمع وقع، و أمّا بعد حمل الأخبار الأربعة على الأربعة الملفّقة، و حكومة أدلّة الأربعة الملفّقة على الأدلّة الظاهرة في الثمانية الامتداديّة فلا وقع لهذا الجمع أصلا. هذا مع ما عرفت في أنّ في الأخبار الملفقة ما هو نصّ في تعيين القصر.
و العجب من أستاذ الأساتيذ شيخنا الأنصاريّ (في حاشية نجاة العباد) (1)أنّه جعل الإتمام هو الأقوى لو لم يرد الرجوع ليومه، بعد أن احتاط الجمع بين القصر و بينه، لأنّ كون الإتمام متيقّنا لو كان الأمر من الدوران بين التعيين و التخيير لا نعرف له وجها، إلّا أن يكون- قدّس سرّه- نظره إلى قصور أخبار التلفيق عن الشمول لما لم يقصد الرجوع ليومه، أو إعراض الأصحاب عنها. و لكنّه لا يخفى ما في كليهما.
و كيف كان، فالمدار على الملاحظة الأدلّة لا الأقوال، و بعد عدم إعراض الأصحاب عنها فالمدار على ما يستفاد من مجموع الأدلّة، و بعد حمل الأخبار الأربعة المطلقة على المقيّدة- كما يشهد له عدّة أخبار- ينتج أنّ حد التقصير بحيث لا يجوز فيه التمام هو الثمانية الأعمّ من الامتداديّة و التلفيقيّة.
1) نجاة العباد: كتاب الصلاة ج 1 ص 180.
، و يختصّ بالأربعة ذاهبا و جائيا فما زاد، أو يفصّل بين ما إذا كان الذهاب أزيد من الإياب فيقصّرون (1)، ما إذا كان الذهاب ثلاثة و الإياب خمسة فيتمّ، و الأوسط هو الوسط.
أمّا الأوّل فلا مدرك له أصلا سوى ما يتوهّم من مثل رواية محمّد بن مسلم (2)أنّه جعل المدار على شغل اليوم، فإذا ذهب فرسخا و رجع سبعة فقد شغل يومه، و لكنّه فاسد بلا إشكال، لما عرفت أنّ شغل اليوم هو بنفسه ليس من موجبات القصر، بل لأنّ فيه يتحقّق الثمانية، و عرفت أنّ الثمانية ظاهرة في الامتداديّة- و إلّا عمّمنا ما في الملفقة أيضا، لظهور الأخبار المعمّمة- ينحصر موردها بالأربعة ذاهبا و الأربعة جائيا.
فلو كان أحد الطرفين أقلّ من ذلك فلا يدلّ على أنّه مثل الثمانية الامتداديّة دليل، بل في العلل أنّ أبا الحسن عليه السلام قال: «هل تدري كيف صار هكذا؟» قلت: لا، قال: «لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقلّ من ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (3)فهذا يدلّ على أنّ الأقلّ من الأربع في الطرفين لا يكفي، إلّا أن يقال: إنّ الظاهر منه
عدم كفاية الأقلّ من الثمانية، لا عدم كفاية الأقل من الأربعة ذاهبا و الأقلّ منها جائيا. نعم ليس في الأخبار ما يدلّ على كفاية مطلق التلفيق، فالقول بكفاية مطلق التلفيق ممّا لا وجه له.
هذا مع أنّ السفر إنّما يتحقق بمقدار خاصّ من البعد، و مجرّد الخروج عن حدّ الترخّص أو الوصول إلى نصف فرسخ لا يعدّ مسافرا و لو رجع سبع و نصف.
نعم، هذا التعديل لا يجري فيما إذا كان الذهاب خمسة و الإياب ثلاثة، لأنّ البعد تحقّق فلو قلنا بأنّ الربعة ذهابا الربعة إيابا إنّما هو من باب المثال فإنّما يوجب التعدّي عمّا إذا كان الذهاب أزيد من الإياب، و أمّا إذا كان بالعكس فلا يمكن التعدّي إليه بلا إشكال. مع أنّه بعد صراحة ما في العلل (1)و محاسن البرقيّ (2)لا وجه للقول بكفاية مطلق التلفيق.
و بالجملة، لم يدلّ الدليل على كفاية التلفيق إلّا إذا كان كلّ من الذهاب و الإياب أربعة، و لو قيل بالتعدّي إلى ما كان الذهاب خمسة- مثلا- و الإياب ثلاثة فلا وجه للتعدّي إلى العكس.
و الأزيد (3)و من هذه
الجهة قلنا بأنّ الثمانية الملفّقة لا يعتبر فيها قصد الرجوع ليومه. و بالجملة، المدار على سير ثمانية فراسخ و لو في أيّام متعدّدة.
نعم، لا بدّ أن يصدق عليه عنوان المسافر، فلو خرج عن هذا العنوان- كما لو سافر كلّ يوم فرسخا له، للمشقّة عليه، أو كونه على عكس الماء، أو في الوحل و الثلج و نحوهما، بل للتنزّه و نحو ذلك، كمن يدخل في مضيف بعد أن خرج من الآخر المتقارب له- لا يدخل في عنوان المسافر.
، فإنّ اعتبار حدّ الترخّص إنّما هو لتخصيص حكم المسافر لا لبيان موضوع السفر، فإنّه يتحقّق غالبا بالخروج عن المنزل بقصد المسافرة و لو لم يخرج عن سوره، فضلا عمّا إذا خرج عن سورة، ففي موثّقة عمّار «لا يكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1).
و بالجملة، لا يؤخذ مبدأ المسافة من حدّ الترخّص، و لا ملازمة بين عدم جواز التقصير قبل حدّ الترخّص، و كونه هو مبدأ المسافة كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا فرق- فيما ذكرنا- بين البلاد المتّسعة و غيرها، و لا بين أهل القرى و البوادي، فيؤخذ مبدأ الثمانية لو قيل بتحقّق السفر بالخروج عن خطّة البلد عن الخطّة حتّى في البلاد المتّسعة مثل أصبهان و تبريز، و لا
1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 504.
اعتبار بالمحلّة إذا كانت متّصلة بمحلّة أخرى، بل و لو كانت منفصلة بنهر و شط كالحلّة و بغداد. نعم، إذا كانت البلدة منفصلة المحالّ، بحيث عدّ كلّ محل بلدة غير محلّة أخرى، فالحكم على المحلّة، كما أن بالنسبة إلى أهل البوادي لو خرج عن الحيّ و العشيرة الّتي سمّيت باسم واحد، فالمبدأ يؤخذ منه.
و بالجملة، المدار على الخروج عن البلد و ما بحكمه لا الخروج عن المحلّة. نعم، لو قلنا بأنّه يتحقّق صدق المسافرة بالخروج عن الدار فالحكم واحد.
و بالجملة، مجرّد وسعة البلد لا يوجب أن يؤخذ مبدأ المسافة من المحلّة، و يلاحظ حدّ الترخّص بالنسبة إليها أيضا، بل الحكم في المتّسعة و غيرها واحد بالنسبة إلى المبدأ و حدّ الترخّص، إلّا إذا عدّ كلّ محل بلدة و لو سمّي المجموع باسم واحد، كالهنديّة في عراق العرب، و الكزار في عراق العجم، و لنجان في أطراف أصبهان، و خوانسار بالنسبة إلى محالّها الثلاثة، فإنّ كلّ محلّة غير الأخرى، و هكذا جرفاوقان فإنّها و إن كانت اسما لمجموع القرى و نفس البلدة إلّا أنّ كلّ قرية منها غير الأخرى، و كلّ واحد غير نفس البلدة. و أمّا أصبهان فهي و إن كانت وسيعة إلّا أنّ محالّها متّصلة، نعم كلّ قرية منها غير الأخرى.
، بأن سافر على نحو الدائرة، فحكمه حكم الطولي فيجب القصر، و لا إشكال فيه، لصدق المسافة، إنّما الإشكال في أنّه يعدّ الثمانية الامتداديّة مطلقا، أو الملفّقة مطلقا، أو
يفصل بين ما إذا كان له في البين مقصد فمن خروجه عن خطّة البلد إلى المقصد يعدّ ذهابيّا، و من خروجه منه إلى بلده يعدّ إيابيا، فيعتبر أن يكون كلّ منهما أربعا، بناء على ما تقدّم من اعتباره فيهما، و يثمر الثمرة أيضا في الرجوع ليومه و عدمه.
و بالجملة، لو لم يكن له مقصد في محيط الدائرة، بل ليس له إلّا السير على نحو الدائرة، فيعدّ المجموع مسافة امتداديّة و إلّا فيعدّ تلفيقيّة، و ذلك ظاهر بالمراجعة إلى العرف.
و أمّا القول بأنّ الوصول إلى مقابل قطر الدائرة الّذي هو مقابل لبلده ذهابيّ و السير عنه إلى بلده إيابي و لو لم يكن له في رأس القطر مقصد فممّا لا يساعده العرف، لأنّ كلّ نقطة يمكن أن يجعل مبدأ القطر، و لا خصوصيّة للقطر الّتي مقابل البلد بالخطّ المستقيم.
و أمّا القول بأنّ كل الدائرة ذهابيّ و لو كان في وسطها بلدة تكون هي مقصد المسافر فممّا لا وجه له.
و على أيّ حال، فطريق الاحتياط واضح و إن كان الأقوى أنّ هذا النحو من السير لا يعدّ من الثمانية التلفيقيّة، لا لما ينسب إلى الشهيد (1)- قدّس سرّه- من اعتباره الرجوع من نفس الخطّ الّذي ذهب إليه، فإنّ هذا دعوى بلا دليل، لأنّ قوله عليه السّلام: «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2)يشمل ما إذا رجع عن غير الخطّ الّذي ذهب
عنه، بل لأنّ أخبار التلفيق لا يشمل هذا المقدار من البعد بين الخطّ الذهابيّ و الإيابيّ. و على هذا فلا يفيد وجود المقصد في البين في شمول أخبار التلفيق لهذه الصورة.
هذا مع أنّه يلزم- بناء عليه- اختلاف الذهاب و الإياب باتّحاد المقصد و تعدّده، لأنّه لو تعدّد المقصد فلا بدّ أن يجعل منتهى الذهاب آخر المقاصد، و هذا واضح فساده، فالحقّ أنّه لو جعل هذا من المسافة التلفيقيّة فمنتهى الذهاب هو المسامت لقطر الدائرة المقابل لنقطة السير، و مبدأ الإياب هو منتهى الذهاب و منتهى نقطة السير، و قلنا: إنّ طريق الاحتياط واضح.
، و أمّا العدل الواحد فلا دليل على حجّيّة قوله في الموضوعات مطلقا.
و يلحق به في المقام الشياع و لو لم يفد العلم، و ذلك لما تقدّم في صدر المبحث أنّ أصل التحديد تقريبيّ لا تحقيقيّ، ثمّ حمل سائر المواضع على التحديد التقريبيّ ليس إلّا تقريبا في تقريب، و ذلك لأنّه لو جعل الحدّ بين الجبلين- و هما العير و الوعير- فمع عدم ذرعهما يكون نفس الحدّ تقريبيّا، ثمّ استكشاف سائر المواضع و الموارد في أنّه بمقدار بين الجبلين ليس إلّا تقريبيّا، فيستفاد منهما أنّ المدار على ما يسمّى في العرف فرسخا، فإذا شاع بين الناس بأنّه بين النجف و كربلاء ثلاثة عشر فرسخا فالمدار على ما شاع.
ثمّ إنّ في الشبهة الحكميّة- كما لو شكّ في كفاية التلفيق، أو في اعتبار الرجوع ليومه- يجب الفحص عن الأدلّة أو عن فتوى مجتهده أو الاحتياط، و أمّا في الشبهات الموضوعيّة- كما في مورد تعارض البيّنتين و نحوه- فلو توقّف رفع الشبهة على مجرّد السؤال و نحوه فيجب، لعدم صدق الشبهة في مورد يمكن حصول العلم بالنظر و نحوه، ففي نحو هذه الموارد لا يجوز الرجوع إلى الأصول العمليّة.
و أمّا لو توقّف رفعها على أزيد من ذلك فحيث قد تبيّن في محلّه أنّ في الشبهات الموضوعيّة لا يجب الفحص، فالمرجع هو الأصول العمليّة، لأنّ المورد و إن كان من مورد العلم الإجمالي إلّا أنّه يؤثّر في التخيير لو لم يكن أحد طرفيه موافقا للأصل، و في المقام الأصل هو التمام و ذلك بتقريبين:
أحدهما: هو الاستصحاب الموضوعيّ، و هو عدم صيرورته مسافرا، فإنه قبل ذلك لم يكن مسافرا، فإذا شكّ في أنّه صار مسافرا فالأصل بقاؤه على هذا العنوان، و هذا ليس مثبتا، لأنّه لم يرتّب الأثر، أي التمام على عنوان الحاضر، بل التقصير رتّب على المسافر، و كلّ من كان متّصفا بنقيض هذا العنوان فعليه التمام. و على هذا فلا مجال لاستصحاب وجود التمام، لأنّ الاستصحاب الحكميّ مع الشكّ في الموضوع غير جار، و مع إحرازه بالاستصحاب فيرتّب عليه الحكم فلا نحتاج إلى استصحاب الحكم.
و ثانيهما: أنّ كلّ حكم علّق على أمر وجوديّ، ففي مورد الشكّ في
وجود المعلّق عليه لا بدّ من إحرازه، و إلّا يبنى على ضدّه أو نقيضه، و ذلك كالاعتصام المعلّق على الكرّ أو كونه جاريا أو مطرا و نحو ذلك، فإنّه لو لم يحرز الكرّيّة يحكم بنجاسته بالملاقاة، لا من باب قاعدة المقتضى و المانع فإنّها ليست قاعدة مبنيّة على أساس، بل لأنّ تعليق الحكم على قيد يدلّ بلازم الخطاب عرفا على أنّ مورد الشكّ مبنيّ على عدم حصول القيد و عدم الحكم، لا من باب استعمال اللفظ في الحكم الواقعيّ الظاهريّ فإنّه باطل، بل من باب الملازمة العرفيّة المستفادة من التعليق، و إلّا فاللفظ مستعمل في الحكم الواقعيّ. و من هذا القبيل تعليق الحلّيّة و الرخصة على طيب النفس، ففي الشكّ في رضا المالك لا يجوز له التصرّف، و في المقام الترخيص في القصر، و التسهيل على المسافر علّق على سير المسافة الخاصّة، فمع الشكّ في حصولها يبنى على عدمه.
، و الأقوى هو الوجوب، فإنّ الإجزاء مبنيّ على أحد من الوجهين، و كلاهما لا دليل عليه:
الأوّل: قاعدة الإجزاء المعروفة كلّيّة، و قد بيّنّا في الأصول أنّ مقتضى المذهب عدم الإجزاء، لا سيّما مع انكشاف الخلاف القطعيّ.
الثاني: أنّ حكم القصر مترتّب في المقام على الواقع و على ما قام عليه الطريق كليهما، فيدور القصر إمّا على الثمانية الواقعيّة، و إمّا على ما أحرز أنّه ثمانية إمّا بالبيّنة أو بالشياع الظنّي، و هذا و إن لم يكن تصويبا
باطلا- لأنّ التصويب في الموضوعات لا دليل على بطلانه، لا سيّما في موضوع خاص- إلّا ان الدليل على الإلحاق لا بدّ أن يكون قطعيّا، فإدخال الشياع الظنّيّ- و نحوه- في الموضوع الواقعيّ ممّا لا وجه له.
نعم، هنا شيء تقدّم الإشارة إليه، و هو أنّ الموضوع في المقام ليس تحقيقا، بل المدار على ما يعدّ في العرف أنّه ثمانية فتبيّن الخلاف في المقام، لا بدّ أن يلاحظ بالنسبة إلى هذا النحو من الموضوع لا الثمانية الواقعيّة، ففي مورد وجب القصر، و لو علم أنّه لا يبلغ الثمانية التحقيقيّة لا إشكال أنّه لو انكشف عدم كونه كذلك لا يجب الإعادة و القضاء، فمحلّ الكلام أنّه لو تبيّن عدم كونه ثمانية عرفا، و الأقوى وجوب الإعادة و القضاء و لو اعتمد على أمارة ظاهريّة، كالبيّنة و نحوها من الشياع الظنّيّ.
و على هذا ظهر حكم عكس المسألة، و هو ما لو صلّى تماما ثمّ تبيّن كون ما قصد سيره مسافة، فإنّ الاستصحاب و إن كان مدركا له إلّا أنّه ليس حجّة مع تبيّن الخلاف في الواقع، فالأقوى وجوب الإعادة و القضاء في هذه الصورة أيضا.
الشرط الثاني (1)قصد المسافة
فمجرّد قطعها من دون قصد لا يوجب التقصير، فالهائم الّذي لا مقصد له، أو طالب الغريم أو الآبق الّذي يقصد الرجوع متى وجده لا يقصّر و إن زاد سفره على أضعاف المسافة، و الدليل عليه مضافا بأنّ القاعدة الأوّليّة المستفادة من مجموع أحكام المسافر يقتضي ذلك- فإنّ وجوب التقصير بعد الخروج عن حدّ الترخّص لا يعقل إلّا أن يكون قاصدا للمسافة، و إلّا لا بد أن يكون الحكم موقوفا على بلوغ المسافة خارجا- الأخبار الخاصّة، ففي مرسلة صفوان قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتّى بلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ من بغداد، أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصّر؟ قال: «لا يقصّر و لا يفطر، لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنّما خرج يريد أن يلحق
1) أي الشرط الثاني من شروط التقصير.
صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الّذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار» (1)، و تقدّم في صدر المبحث موثّقة عمّار، فإنّ قوله عليه السلام: «لا يكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (2)ظاهر في أنّه يراد منه: حتّى يقصد سير ثمانية من منزله أو قريته. و في موثقة الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يخرج في حاجته و هو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك يتمادى به المضيّ حتّى يمضي به ثمانية فراسخ، كيف يصنع في صلاته؟ قال:
«يقصر و لا يتمّ الصلاة حتّى يرجع إلى منزله» (3)فإنّ الرواية ظاهرة في حكم الرجوع، حيث أنّه يقصد المسافة.
و بالجملة، مجرّد قطع المسافة لا يوجب التقصير بل تقدّم أنّه لا يمكن الالتزام به مع وجوب القصر بمجرّد الخروج عن حدّ الترخّص.
، فهل يعتبر كون مقصوده بنفسه مسافة أو يكفي بلوغها و لو بضمّ الرجوع إلى الذهاب لو كان كلّ منهما أربعا، لأنّه لا خصوصيّة لهذه الصورة بحيث يكفي فيه مطلق التلفيق؟.
فلو سافر ستّة فراسخ بلا قصد، أو يقصد خصوصها من دون قصد الرجوع، ثمّ بدا له سير فرسخ مع قصد الرجوع فلا موجب للتقصير، لأنّه و إن أنشأ قصد سير ثمانية فراسخ فرسخا ذهابيّا و سبعة إيابيّا إلّا أنّ التلفيق إنّما يكفي لو كان كلّ من الذهاب و الإياب أربعا، لما تقدّم أنّه لا دليل على كفاية مطلقة. و في حكم هذه الصورة من حيث عدم الإلحاق ما لو سافر سبعة فراسخ بلا قصد ثمّ قصد فرسخا مع قصد الرجوع، فإنّ هذا الفرسخ لا يضمّ إلى الإياب و إن كان بنفسه مسافة، بل يقصّر بعد الرجوع، و ذلك لأنّ قصد نفس الفرسخ لا أثر له في تحقّق المسافة، و القصر إنّما يشرع بعد تحقّق قصد نفس المسافة و هو يتحقّق بالشروع في الرجوع، فلو سافر ثمانية فراسخ بلا قصد، ثمّ بدا له سير فرسخ أو فرسخين أو ثلاثة مع الرجوع، فلا يجوز له القصر إلّا عند الرجوع، لأنّ الثمانية بلا قصد كالعدم، و ذهاب فرسخ أو فرسخين أو ثلاثة بنفسه ليس مسافة، و ضمّها إلى الإياب إنّما يفيد لو كان كلّ من الذهاب و الإياب بريدا، فقصد ما هو أقلّ من بريد لا أثر له.
، أي لا بدّ من استمرار قصد قطع المسافة، فلو عدل عنه في الأثناء يرجع إلى حكم الحاضر، و كذا لو تردّد في الأثناء.
و يدلّ عليه ما في العلل عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام عن قوم خرجوا في سفر لهم، فلمّا انتهوا إلى الموضع الّذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا، فلمّا أن صاروا
على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلّف منهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أيّاما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة، أو يقيموا على تقصيرهم؟ فقال: «إن كان بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصّروا»، ثمّ قال عليه السلام: هل تدري. إلى آخره الّذي تقدّم ذكره في الشرط الأوّل (1).
و صحيحة أبي ولّاد قال: قلت لأبي عبد اللّه: إنّي خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، و هو من الكوفة على نحو عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصّر الصلاة، ثمّ بدا لي في الدليل الرجوع إلى الكوفة، فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أو تمام، فكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: «إن كنت سرت في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير، فإنّك كنت مسافرا إلى أن تصير إلى منزلك، قال: و إن كنت لم تسر في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم (2)من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الّذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى
منزلك» (1).
فإنّ هاتين الروايتين تدلان على أنّ الترديد أيضا في حكم العزم على العدم في انقلاب حكم القصر إلى التمام، و لا يضرّ اشتمال الثانية على وجوب إعادة ما صلاه قصرا الّذي ينافي مع صحيحة زرارة (2)الّتي هي المعمول بها عند الأصحاب من عدم وجوب الإعادة، و على الفوريّة في القضاء الّتي لا نقول بها، لأنّ عدم العمل ببعض مضمونها لا يضرّ بحجيّتها في الباقي، مع أنّه يمكن حملها على الاستحباب كما حملوا عليه رواية المروزيّ عن الفقيه، قال عليه السلام: «التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا. إلى أن قال: و إن كان قصر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» (3).
و بالجملة، كما يعتبر القصد في الابتداء كذا يعتبر في الأثناء، لأنّه لم يجعل القصر دائرا مدار مجرّد قصد الثمانية في خبر من الأخبار، بل على قطعها مع قصدها و إن تبعيّا اختياريّا أو مجبوريّا بل اضطراريّا، بحيث لو لم تكن صحيحة زرارة لقلنا: إنّ مقتضى القاعدة إعادة ما صلاه قصرا إذا رجع عن نيّته أو تردّد، حتّى لو قلنا بأنّ الأمر الظاهريّ موجب للإجزاء، لأنّه ليس ما صلاه قصرا مطابقا للأمر الظاهريّ، بل أمر خياليّ لم يقل أحد بكونه موجبا للإجزاء، فلو لم يستمرّ قصده يجب عليه التمام.
نعم، يشكل ذلك أنّه لو كان المدار على القطع مع القصد كيف يجب عليه القصر بمجرّد الخروج عن محلّ الترخّص، و سيجيء إن شاء اللّه تعالى ما يدفع به الإشكال.
نعم إذا بلغ مقدار أربعة فراسخ و أراد الرجوع، أو مقدار ثمانية، فترديده في الزائد لا يضرّ بالقصر، فمحلّ الكلام ما إذا عدل أو تردّد قبل بلوغ الأربعة. و كذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة و قبل الوصول إلى الثمانية مع العزم على عدم العود أو مع التردّد، و ذلك لأنّه مع العزم إلى العود ينقلب قصد المسافة الامتداديّة إلى التلفيقيّة، فإذا تردّد أو عزم على العدم بعد بلوغ أربعة فراسخ فهذا الترديد أو العزم على العدم و إن أضرّ بقصد الثمانية الامتداديّة إلّا أنّه لا يضرّ بموجب القصر الّذي هو أعمّ من الثمانية الامتداديّة و التلفيقيّة، فمع العزم على العود يبقى على القصر، فما عن المحصول من أنّ التلفيق يكفي إذا قصده من أوّل السفر لا وجه له، لأنّه لا فرق بين الأمرين في تحقّق موضوع القصر.
و من ذلك يظهر أنّه يكفي في قصد الثمانية الامتداديّة قصد نوعها و إن رجع عن شخص خاص، فلو قصد في أوّل السفر بلدا مخصوصا به يتحقّق المسافة، فبدا له في الأثناء و قصد بلدا آخر يبلغ ما بقي من الوصول إليه مع ما سلف منه مقدار المسافة قصّر بلا إشكال، لأنّ المدار على قصد ثمانية فراسخ، و لم يرجع عن هذا القصد و إنّما رجع عن قصد بلد مخصوص، و هذا لا يضرّ بما هو موضوع للقصر، فما عن الروض (1)من
1) روض الجنان: كتاب الصلاة ص 385.
أنّ المدار على المسافة الشخصيّة لا وجه له.
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- في حاشية النجاة (1)استشكل فيما لو عدل عن قصده بعد بلوغ الأربعة عن التقصير لو لم يرجع ليومه، مع أنّه أفتى بالتمام فيما لو كان من أوّل الأمر قاصد السير أربعة مع عدم قصد الرجوع. و لعلّ وجهه ورود الروايات الخاصّة في المقام، كرواية إسحاق بن عمّار. و الأقوى هو القصر في كلتا المسألتين، و تقدّم وجهه.
بل يكفي و لو كان من جهة التبعيّة للغير، كالزوجة و الخادم و العبد إن علموا بقصد متبوعهم المسافة و كانوا عازمين على المتابعة، و لا أن يكون عن اختيار بل يكفي و لو كان مجبورا على السفر، كالمكره، بل و لو كان مضطرّا في السير كأن تشدّ يداه و رجلاه و حمل إلى السفر مع علمه بأنّ ما يوجّه إليه مسافة.
أمّا المكره فواضح، لأنّه قاصد للسفر و إن كان قصده ناشئا عن داع غير اختياري، و لم يعتبر في أدلّة القصر إلّا قصد المسافة، بل نفس سير ثمانية فراسخ كما في قوله عليه السلام: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ» (2)، و نحو ذلك مثل قوله: قال: سألته عن التقصير، قال:
فقال: «في بريدين أو بياض يوم» (3)، و قوله عزّ من قائل:
«و إن كنتم عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ» (1).
فالمضطرّ، و إن لم ينسب إليه الفعل إلّا أنّه يصدق في حقّه كونه على سفر، بل يمكن استفادة ما ذكرنا من مناسبة الحكم و الموضوع، و هي أنّ المدار في التقصير على البعد الخاصّ من البلد، و هو حاصل و لو لم يكن عن اختيار، و حيث أنّ البعد عن البلد يوجب المشقّة و التعب فناسب التخفيف على العباد وجوب القصر عليهم، كذا قال بعض الأساطين (2).
و بالجملة، أدلّة الباب على طوائف ثلاث:
الأولى: ما رتّب الحكم فيه على نفس تحقّق المسافة، كالآية الشريفة (3)و ما ساق مساقها.
و الثانية: ما رتّب الحكم فيه على إيجاد المسافة، كقوله عليه السلام: «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا» (4)و نحو ذلك.
و الثالثة: ما رتّب فيه على نيّتها و إرادتها، كقوله عليه السلام:
«و ليس يريد السفر ثمانية» (5)، و قوله عليه السلام: «لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا» (6).
أمّا الطائفة الأولى فصريحة في أنّه لو تحقّق منه المسافة مع علمه بها فحكمه القصر و لو كان مضطرّا في صدور السير منه.
و أمّا الثانية فكذلك أيضا، لما ظهر في محلّه أنّ هيئته غير فعل الأمر و النهي، وضعت لنسبة العرض إلى محلّه، و لم توضع لخصوص الفعل الاختياريّ، و لا وجه لانصرافه إليه أيضا، للآية بعد عموم الأفعال، لأفعال السجايا و الأفعال الازمة، و عدم أخذ الاختياريّة في مادّة الفعل و لا في هيئته و لا في مجموع المركّب، فيشمل الأفعال الخارجة عن تحت الاختيار، بل حكمهم بالضمان في حال النوم و نحوه ليس إلّا لعموم الفعل.
و أمّا الثالثة فلأنّ الإرادة و النيّة تارة تعتبر من حيث أنّها من الصفات النفسانيّة، و أخرى انفعال النفس عنها و توطينها نحو المراد، و ثالثة من حيث الجهتين، و في المقام بمناسبة الحكم و الموضوع، و أنّ السفر في نوعه موجب للتعب و المشقّة يناسب أن يكون وجه اعتبارها توطين النفس عنها، فمع العلم بأنّه يحمل قهرا إلى ثمانية فراسخ يجب عليه القصر، فإنّه المناسب للمسافر، و هو الموجب للتسهيل عليه، فعلى هذا لا يمكن التمسّك بحديث الرفع (1)، لرفع أثر الفعل المكره عليه و المضطر إليه، لأنّ رفع أثرهما خلاف المنّة في المقام.
1) من لا يحضره الفقيه: باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه ح 132 ج 1 ص 59 (مع تغير في ألفاظ الحديث).
و حاصل الكلام: أنّ نفس العلم بتحقّق المسافة منه كاف في لزوم القصر و إن لم يكن مستقلا في القصد و لا مختار فيه و لا في السير، في مقابل الجاهل بتحقّق سير هذا المقدار منه و المردّد. فلو علم أنّ المتبوع يقصد المسافة، و كان التابع قاصدا للتبعيّة يجب عليه القصر، و أمّا لو لم يعلم بذلك فلو أمكنه السؤال عنه فيجب على ما تقدّم أنّ الشبهة الموضوعيّة لا يجب الفحص عنها لو احتاج الفحص إلى أزيد من السؤال و نحوه، مثل النظر و الاستماع و أمثالهما، لا ما إذا ارتفعت الشبهة بالسؤال و النظر و نحوهما. نعم لا يجب على المتبوع إعلامه و لا إخباره بعد السؤال، لعدم دليل عليه.
ثمّ لو انكشف أنّ المتبوع كان قاصدا للمسافة فلا يجب عليه القصر إلّا إذا كان الباقي مسافة، لأنّه و إن قصد ما قصد متبوعة إلّا أنّه حيث لا يعلم بقصد متبوعة، إمّا لاعتقاده بعدم قصده المسافة أو لشكّه في ذلك، فيكون كمن قصد غريمه و لا يعلم بمكانه، فقياسه بمن قصد بلدا معيّنا و اعتقد عدم بلوغه مسافة، فبان في أثناء الطريق أنّه مسافة كما في العروة (1)لا وجه له، لأنّه فرق بين أن يكون المقصود معيّنا و بلوغه مقدار المسافة مجهولا، و بين أن يكون المقصود مجهولا، و مجرّد كون مقصود المتبوع في الواقع معيّنا لا يفيد، لصدق تعيين قصد التابع، كما أنّ كون الغريم في بلد خاص في الواقع لا يفيد، لصدق تعيّن قصد طالبه.
1) العروة الوثقى: فصل في صلاة المسافر ج 1 ص 731 مسألة 20.
و بالجملة، حيث لا يعلم التابع أنّ المتبوع قاصد لأيّ مكان من الأمكنة فلا وجه لأن يكون القصر عليه واجبا.
و بالجملة، وجوب القصر على التابع يتوقّف على أمرين:
أحدهما: علم التابع بقصد المتبوع المسافة، فلا يكفي قصده الواقعيّ و لو انكشف في أثناء الطريق.
الثاني: بناؤه على التبعيّة، فلو علم بمفارقته أو ظنّ أو شكّ يبقى على التمام و لو كانت التبعيّة واجبة عليه، كالزوجة و العبد.
أمّا مع العلم فواضح، و أما مع الظنّ و الشكّ فلأنّه معهما لا يمكن أن يتحقّق منه قصد المسافة، لأن السفر إنّما يتحقّق بقصده إمّا عن جزم أو وثوق و اطمئنان بتحقّقه، و مع احتمال رجوعه عنه قبل وصوله إلى أربعة فراسخ احتمالا عقلائيّا، لا يعقل أن يتحقّق منه قصده فيجب عليه التمام. و قد ذكرنا في بحث النيّة اعتبار الجزم فيما يرجع اختياره إليه، و إنّما لم يعتبر الجزم فيما يكون فسخا لقصده، و ناسخا لإرادته، كالموانع الّتي يحتمل تحقّقها في الأثناء، فاحتمال وجود المانع من الموت و الزحام و نحوهما لا يضرّ بالجزم.
و أمّا كونه مردّدا في إتمام الصلاة و لو لم يعرض عارض فهذا ينافي قصد الامتثال، فالمسافر الّذي لا يكون جازما بمتابعة متبوعه بل يبني على التخلّف عنه مهما أمكن لا يكون قاصدا للسفر. نعم، إذا احتمل في البين عروض ما يوجب فسخ عزمه فهذا لا يضرّ بقصده.
و بالجملة، مع عدم الوثوق بطيّ المسافة كيف يمكن أن يقال
يجب عليه التقصير، بل ينحصر مورده بما إذا بنى جزما على المتابعة من حيث الجهة الراجعة إليه و إن احتمل احتمالا بعيدا بعروض ما يمنعه عن طيّ المسافة، كمن يصلي في المشاهد المشرّفة في غير مورد الزحام و يحتمل الزحام اتّفاقا، فإنّ هذا الاحتمال كاحتمال المرض و الموت مع عدم وجود آثارهما لا يضرّ بالجزم و العزم، فإنّ الزائد على هذا المقدار لا يمكن أن يعتبر و إلّا يمتنع الامتثال غالبا بل دائما.
، و لا كلام في ذلك لو بقي على العزم على العدم أو على تردّده، إنّما الإشكال في أنّه لو عاد إلى قصده الأوّل، فهل يعتبر كون الباقي بنفسه مسافة، أو يكفي بلوغها بضمّه إلى السابق مطلقا، أو بإسقاط ما تخلّل في البين في حال العزم على العدم أو التردّد، أو فيما إذا لم يقع منه سير في حال التردّد أو العزم على العدم؟ وجوه أو أقوال.
أمّا اعتبار كون الباقي بنفسه مسافة فلما يتوهّم أن حكم ما قطعه أوّلا زال من جهة العزم على العدم أو التردّد، فلو عزم على الذهاب ثانيا فهذا السفر جديد لا بدّ أن يكون بنفسه مسافة. و لا يخفى أنّ هذا القول يناسب اعتبار السفر الشخصيّ في لزوم القصر، و يناسب أن يكون قائله قائلا في سفر المعصية بما قاله في المقام، أي لو رجع عن قصد المعصية يجب أن يكون الباقي مسافة.
و كيف كان، فلا وجه له أصلا، لعدم دليل على اعتبار الاستمرار في القصد بحيث لا يتخلّل في أثنائه تردّد أو عزم على العدم، بحيث يكون
حكمه حكم الصوم، مع أنّ إطلاق قوله عليه السلام في ذيل رواية إسحاق بن عمّار: «فإذا مضوا فليقصّروا» (1)يشمل ما لو كان الباقي بعد المضيّ أقلّ من المسافة.
و أمّا كفاية ضمّ ما بقي إلى ما سبق، حتّى المقدار المتخلّل في الأثناء الّذي هو طرفي النقيض مع الوجه الأوّل فلما يتوهّم من عود ما كان سببا للقصر، فيكفي تحقق المسافة من مجموع ما مضى و ما بقي و المتخلّل، و لكنّه فاسد، لأنّ ما وقع في الأثناء من السير بلا قصد أو مع قصد عدم سير المسافة كيف يمكن إلحاقه بما قبله و ما بعده؟! و هذا لا يستقيم إلّا أن يكون نفس قطع المسافة موجبا للقصر لا قصدها.
و أمّا كفاية ضمّ ما بقي إلى ما سبق بإسقاط ما سار في حال التردّد أو العزم على العدم، كما جزم به صاحب الجواهر (2)، و أفتى به في نجاة العباد (3)، فمبنيّ على أن يكون قصد المسافة الّتي بين أزيد من الثمانية من قبيل الكلّيّ في المعيّن بحيث كلّما نقص- ما عدا الثمانية- لا يضرّ بالثمانية. ففي المقام حيث أنّه قصد من الأوّل سير أزيد من الثمانية، فما تخلّل في البين من السير الواقع في حال التردّد لا يضرّ بقصد ثمانية، و هو و إن تردّد في الأثناء إلّا أنّه لما رجع إلى قصده الأوّل، فإذا كان ما بقي مع ما سبق مسافة فيتعيّن أن يكون كلّيّ الثمانية منطبقا على المجموع الملفّق.
و لكنّه لا يخفى أنّ من قصد سير أزيد من ثمانية المسافة الموجبة للقصر تتحقّق بأوّل وجودها، و لا معنى أن يكون من قبيل الكلّي في المعيّن، و لذا لا إشكال في أنّه بعد تحقّق سير ثمانية لا يضرّ التردّد، بل لو نوى الإقامة و عدل عنها قبل أن يصلّي تماما يجب عليه القصر و إن بقي في هذا المحلّ، فضلا عمّا لو سافر ثانيا.
و بالجملة، كما لا إشكال في أنّه بعد التردّد لو عزم على السفر الّذي هو بنفسه مسافة يجب عليه القصر إلّا أن ينوي الإقامة أو يتردّد ثلاثين يوما، فإذا كان القصر عليه واجبا ينكشف أنّ المسافة تتحقّق بأوّل وجودها. ففي المقام و إن رجع إلى قصده الأوّل إلّا أنّ المنويّ حيث وقع مقدارا منه بلا قصد ففي الباقي إلى ما سبق لم يدلّ دليل على كفاية، للشكّ في شمول إطلاقات الثمانية للثمانية الّتي وقع قطعه بلا قصد بين أجزائها، و كفاية ضمّ ما سبق إلى ما سيأتي يحتاج إلى دليل.
نعم، لو لم يقع منه سير في حال التردّد أو العزم على العدم فالأقوى كفاية كون المجموع مسافة، و هو رابع الوجوه، لأنّ المنويّ وقع مجموعه عن قصد، و لا يعتبر في قصد أجزاء المركّب إلّا وقوع كلّ جزء تبعا عن قصد الكلّ. و أمّا بقاء قصد الكلّ حين إتيان كلّ جزء فلا يعتبر، بل لا يمكن اعتباره، لأنّ ما وقع من الأجزاء لا يمكن بقاء قصد إتيانه حين قصد ما بقي، فإنّ كلّ قدم هي جزء من سير اثني عشر ألف قدما إذا تحقّق فينقطع القصد به.
فبالنسبة إلى المنويّ إذا رجع إلى قصده الأوّل فيقع ما بقي على طبق
ما قصده أوّلا، و لم يدلّ دليل على أنّ حكم سير ثمانية حكم الصوم في اعتبار استمرار القصد و قاطعيّة التردّد أو الجزم على العدم. و أمّا بالنسبة إلى القصد فهو و إن رجع عن قصده إلّا أنّه لم يدلّ دليل على اعتبار استمراره كذلك، و لا على اعتبار القصد الشخصي، بل مقتضى الإطلاقات كفاية سنخ هذا القصد.
هذا مع ما عرفت من شمول ذيل موثّقة إسحاق بن عمّار (1)للمقام، فالإنصاف أنّ هذه الصورة لا وجه للاستشكال فيه، بل الأقوى إلحاق الصورة السابقة بها و إن استشكل فيها شيخنا الأستاذ (2)- مدّ ظلّه العالي- فتدبّر جيّدا.
الشرط الثالث (1)أن لا ينقطع سفره بأحد القواطع
و هذا الشرط تارة يكون شرطا لأصل شرعية القصر، و أخرى شرطا لاستمراره، بمعنى أنّه لو نوى في أوّل سفره الإقامة في أثناء السفر قبل وصوله إلى ثمانية فراسخ أو المرور إلى وطنه فيجب عليه التمام من أوّل السفر، و أمّا لو لم يكن هذا من نيّته أوّلا و لكنّه عرض له فقصد الإقامة مثلا فيجب عليه التمام حين عروض هذا القصد.
و على هذا فلو تردّد في الإقامة و الرحيل في أثناء الطريق ثلاثين يوما ينقطع سفره أيضا، و سيجيء في محلّه أنّ قصد إقامة عشرة أيّام و تردّد ثلاثين قاطع الموضوع السفر لا لحكمه. و على أيّ حال لا يتصوّر كون تردّد ثلاثين يوما مانعا عن قصد أصل السفر، لأنّه لا معنى لعزم التردّد. فعلى هذا ما يعتبر لأصل القصد و الترخيص للقصر أمران:
الأوّل: أن لا يكون قاصدا لإقامة عشرة أيّام في أثناء الطريق، أي
1) أي الشرط الثالث من شروط التقصير.
قبل طيّ المسافة، و أمّا لو كان قاصدا للإقامة بعد سير ثمانية فراسخ فلا يضرّ بالقصر.
و الثاني: أن لا يكون قاصدا لمروره على وطنه في أثناء الطريق.
و أمّا ما يعتبر لاستمرار القصد فثلاثة بضمّ بقائه تردّدا ثلاثين يوما في أثناء الطريق بالأمرين المتقدّمين.
فهنا مقامات:
و هو بمعناه العرفيّ واضح، و هو مسقط الرأس، و الوطن الاتّخاذي، و يظهر من بعض الأساطين (1)أنّ له معنى ثالثا، و هو الوطن الشرعيّ، فإنّ الطبقة الوسطى من الأساطين ألحقوا بالوطن العرفيّ الوطن الشرعيّ، و هم بين طوائف: طائفة تفسّر الوطن الشرعيّ بالوطن الأصل الّذي نشأ فيه بعد إعراضه عنه، و هم بين من يعتبر فيه بقاء دار له و بين من يكتفي بوجود ضيعة له و عقار حتّى نخلة، و بين من لا يعتبر هذا أيضا بل لو نزل عند أهله أو بني أعمامه في وطنه الأصليّ يتمّ و طائفة أخرى تفسّر الوطن الشرعيّ بالوطن الاتّخاذي الّذي أعرض عنه بعد أن جعله مقرّا لسكانه مع قيامه فيه ستّة أشهر متوالية أو متفرّقة مع وجود دار له فيه أو عقار و لو نخلة، و أمّا لو لم يكن له دار أو عقار أو كان و أخرجه عن ملكه فيخرج عن حكم الوطن. و طائفة ثالثة- و هم المشهور من هذه الطبقة- تفسّره بالمكان الّذي أقام فيه الإنسان ستّة أشهر
1) كشف الغطاء: كتاب الصلاة ص 256 س 22.
متوالية أو متفرّقة مع وجود ملك له فيه، سواء اتّخذه مقرّا له أولا، و سواء كان وطنه الأصليّ أو لا، كان للتجارة أو لتحصيل العلم أو لغيرهما.
فعلى هذا للوطن معان ثلاثة: الوطن الأصليّ، و الوطن الاتّخاذي، و لا يخفى في صدق الوطنيّة على كليهما من دون شرط كما سيجيء، و الثالث: الوطن الشرعيّ بمعانيه المذكورة.
و بالجملة، محصّل ما يستفاد من مجموع الكلمات: أنّ الوطن الشرعيّ يفسّر لمعان ثلاثة مع الاختلاف في قيود كلّ واحد من هذه المعاني، بحيث صار اعتبار كلّ القيود أو بعضها منشأ للأقوال الثمانية، و ذكر كلّها في المستند (1)مع مدركها، و الاختلاف بينهم نشأ من اختلاف الأخبار، و هي بين طوائف كثيرة يطّلع عليها الناظر في الوسائل (2)، و جعلها في الحدائق (3)ثلاث عشرة طوائف.
و عمدة المدرك في المسألة صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ قال عليه السلام: «لا بأس به ما لم ينو مقام عشرة أيّام إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه»، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال:
«أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر، فإذا كان كذلك يتمّ متى
دخلها» (1). و لا يخفى أنّ هذه الصحيحة في مقام بيان حكم ذي الوطنين، و أنّ كلّ من له وطنان يبقى فيه ستّة أشهر في كلّ سنة إذا دخل وطنها يتمّ، و ذلك لظهور قوله عليه السلام: «إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه» في استيطانه الفعليّ، أي إذا كان متلبّسا بهذه المادّة و كان يتّخذ هذا المكان وطنها فيقيم. و يؤيّده قوله عليه السلام: «أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر»، فإنّ «يقيم» أيضا ظاهر في التلبّس بالإقامة و تجدّدها، و مقتضى دلالة فعل المضارع على التلبّس و التجدّد اعتبار إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة، فيصير مفاد المجموع أنّ من له وطن يقيم فيه كلّ سنة ستّة أشهر إذا دخل فيه يتمّ صلاته. فالرواية في بيان حكم من كان ذو الوطنين، و ليس ناظرا إلى من دخل في منزل كان مقيما فيه سابقا ستّة أشهر، إلّا إذا جعل «يقيم» بمعنى «أقام».
و بالجملة، قد استدلّ بهذه الصحيحة لأقوال ثلاثة، الأوّل: لحكم ذي الوطنين، الثاني: لحكم الوطن الشرعيّ، الثالث: لحكم الوطن العرفيّ، و هو أيضا يطلق على أمرين، أحدهما: ما نشأ فيه و كان مسقط رأسه و مسقط رأس آبائه و أجداده، و ثانيهما: ما اتّخذه وطنا، و الظاهر أنّه يصدق عليه الوطن بمجرّد الاتّخاذ، و لا يتوقّف على بقائه فيه في الجملة، فضلا عن توقّفه فيه ستّة أشهر، كما لا يعتبر في الوطن الأصليّ.
و جماعة من العلماء (2)استدلّوا بهذه الصحيحة على اعتبار إقامة ستّة
أشهر في الوطن الاتّخاذي، و أنّه لا يكفي مجرّد الاتّخاذ في صدق الوطنيّة. و لا يخفى أنّ كونها دليلا لهذا القول موقوف على أن يجعل «يقيم» بمعنى «ما أقام».
ثمّ المستدلّ بها للوطن الشرعيّ أيّد ما استفاده منها بسؤال الراوي عن الإمام عليه السلام بالاستيطان، و لو كان المراد منها الوطن العرفيّ لم يكن موضوعه مخفيّا لابن بزيع، و لكنّه لا يخفى أنّه لو حمل على ذي الوطنين فخفاؤه على مثله و أعظم منه لا غرو فيه.
و على أيّ حال، لا إشكال في أنّ من اتّخذ مكانا وطنا له، و بنى على استيطانه مدّة عمره، فإذا دخل فيه أو مرّ عليه يتمّ صلاته و لو لم يكن يقصد إقامة عشرة أيّام فيه، لأنّ هذا صار وطنا له بمجرّد الاتّخاذ، كالوطن الّذي نشأ فيه و لم يعرض عنه، و لا وجه لاعتبار إقامته ستّة أشهر كما أفاده الشهيد (1)- قدّس سرّه- و تبعه جماعة أخرى (2).
و بالجملة، استدلوا بهذه الصحيحة لأقوال ثلاثة:
الأوّل: لحكم ذي الوطنين كما هو ظاهرها، فتدلّ على أنّ من له وطنان يقيم في كل منهما ستّة أشهر في كلّ سنة يتمّ في كلّ منهما إذا دخل فيهما و لو لم يقصد إقامة عشرة أيّام، و هذا المعنى هو الّذي يحكي عن الصدوق (3)في تفسير الرواية، و يستظهر من جماعة من المتأخّرين،
كصاحب المدارك (1)و صاحب المعالم (2)و الفاضل الجواد (3)و المجلسيّ (4)و الفيض (5)و الأستاذ (6)و غيرهم على ما حكي عنهم.
ثمّ بناء عليه، فهل يشمل من كان له أوطان متعدّدة، أو يختصّ بذي الوطنين، بمعنى من كان في الشتاء في مكان و في الصيف في مكان آخر؟ وجهان، و الظاهر خروج من كان له أوطان متعدّدة أزيد من ثلاثة، فمن كان له في كلّ بلد أو قرية زوجة يقيم عندها شهرين أو ثلاثة لا يشمله الصحيحة و إن أقام في أوّل الأمر عند كلّ واحدة منهما ستّة أشهر أو أزيد.
و أمّا بالنسبة إلى الثلاثة فمحلّ شكّ، لاحتمال كون الستّة أشهر من باب المثال، و احتمال خصوصيّة فيها لا يشمل ذا الأوطان. نعم، اعتبار ستّة أشهر من دون زيادة و نقصان لا خصوصيّة له قطعا، لأنّ المقصود من الرواية حكم من كان له منزل شتويّ و صيفيّ كما هو المتعارف في أكثر البلدان، و يقال للمنزلين بالفارسيّ «إيلاق» و «قشلاق»، فلو كان دأبه بقاءه في أحد المنزلين خمسة أشهر و في الآخر
1) مدارك الأحكام: كتاب الصلاة ج 4 ص 444.
2) لا يوجد لدينا.
3) الفاضل الجواد هو الشيخ جواد الكاظمي له كتب لا توجد عندنا منها 1- الفوائد العلية في شرح الرسالة الجعفريّة 2- شرح على كتاب الدروس و ينقل عن شرح دروسه في الحدائق 3- غاية المأمول في شرح زبدة الأصول.
4) ملاذ الاخبار: باب الصلاة في السفر ج 5 ذيل 23 ص 392.
5) كتاب الوافي: ب 17 باب من يخرج الى ضيعته أو يمر فيها ج 7 ص 162.
6) لم نعثر عليه.
سبعة يشمله الصحيحة.
كما أنّه لا وجه لاعتبار المنزل أو الضيعة، فإنّ مورد السؤال و إن كان فيمن له ضيعة و مورد الجواب أيضا صرّح بأن يكون له فيها منزل إلّا أنّه من المعلوم أنّ اعتبار المنزل ليس لبيان القيديّة، بل لأنّ طبع من كان يقيم في كلّ سنة ستّة أشهر أن ينزل في محلّ، و هذا و إن استشكل عليه شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- في كتاب الصلاة، بل اعتبر المنزل الملكيّ لقوله: لو لم يرد منه ملكيّة المنزل لم يكن وجه لاعتبار المنزل في الاستيطان في الضيعة، لأنّ الاستيطان فيها لا يكون إلّا في منزل، فكان يكفي قوله: إلّا أن يستوطنها (1)، إلّا أنّ الظاهر عدم اعتبار المنزل فضلا عن المنزل الملكي، لأنّ السكون في الضيعة لا يلازم السكون في المنزل، لإمكان نصب خيمة، بل يمكن البقاء فيها بلا خيمة و كوخ و إن كان صعبا، خصوصا في الشتاء. نعم طبع المنازل في كلّ سنة في مكان خاص أن يكون له فيها منزل. و على أيّ حال، لا يقتضي المنزل الملكي، و أشار إليه- قدّس سرّه- إلى هذا بقوله:
فافهم:
و الثاني: لحكم المنزل الاتّخاذيّ، أي الوطن العرفيّ، و استند إلى الشهيد (2)و أكثر من تأخّر عنه (3)الاستدلال بهذه الصحيحة باعتبار
إقامة ستّة أشهر فيه مع عدم اعتبارهم الملك، فإنّ الأدلّة الدالّة بإطلاقها في الإتمام فيما يستوطنه من المنازل يقيّد بهذه الصحيحة الدالّة على أنّ الوطن ما أقيم فيه ستّة أشهر، و إنّما لم يعتبروا في الوطن الأصليّ إقامة ستّة أشهر لأنّ الرواية تدلّ على الوطن الاتّخاذ كما هو مفاد باب الاستفعال، و إنّما لم يعتبروا الملك في الوطن الاتخاذيّ لما ذكرنا من أنّ الاعتبار المنزل أخذ فيها باعتبار اقتضاء إقامة ستّة أشهر، طبعا ذلك لا لكونه مقيّدا. و لا يخفى أنّ الاستدلال بهذا لهذا القول يتوقّف على جعل فعل المضارع في «يستوطنه» و «يقيم» بمعنى الماضي، و سيجيء وجهه.
الثالث: لقول المشهور من الطبقة الوسطى، و هو أنّ كلّ من أقام في بلد ستّة أشهر مع كونه ذا منزل ملكي فهذا البلد وطن له شرعا، فيتمّ فيه إذا مرّ عليه و نزل فيه.
و وجه الاستدلال لهذا القول بهذه الصحيحة ما أفاده شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- في كتاب الصلاة (1)، و حاصله: أنّ الاستيطان هو المنزل الاتّخاذيّ، و هذا المعنى ينحصر في الماضي و الاستقبال إذ بعد الاتّخاذ لا يصدق إلّا أنّه اتّخذ، و قبله لا يصدق إلّا أنّه سيتّخذ، و بعد عدم كون الاستقبال مرادا منه قطعا، لأنّ من ليس له منزل اتّخذه وطنا و إنّما يتّخذه بعد ذلك لا يمكن أنّ يتمّ فيه، فلا بدّ أن يراد منه
1) كتاب الصلاة: في أحكام المسافر ص 420.
الماضي، و وجه عدم إمكان إرادة الحال هو أنّ التلبّس بالاتّخاذ ليس أمرا تدريجيّا حتّى يصدق التلبّس بانقضاء شيء منه و بقاء شيء آخر منه.
ثمّ بناء عليه و إن دلّت الصحيحة على الاتّخاذ الدائميّ إلّا أنّه ليس مرادا قطعا، لأنّ مفروض السائل عبور الرجل من أهله و وطنه الدائميّ إلى ضيعته، فلا ينبغي أن يراد منه الاستيطان الدائميّ في الضيعة، إذ لا معنى لاستثناء هذا عن الفرض المستثنى منه فتنحصر فيما أفاده المشهور، و هو كلّ مكان أقام فيه ستّة أشهر مع كونه ذا منزل ملكي فيه، فإنّ هذا في حكم الوطن الأصليّ و الوطن الاتّخاذيّ الدائميّ.
ثمّ إنّه- قدّس سرّه- لمّا تفطّن بأنّ الإقامة يمكن فيه التلبّس الفعليّ فيكون بمعنى الحال كما هو الأصل في المعنى المضارع- بناء على ما حرّرنا في محلّه من أنّه وضع للنسبة التلبسيّة المساوقة للحال، و إرادة الاستقبال منه يتوقّف على دخول «سين» أو «سوف» عليه. ثمّ بعد كونه ظاهرا في الحال يكون ظاهرا في تجدّد التلبّس، فيصير مفادها منطبقا على ما أفاده الصدوق (1)و من تبعه من المتأخّرين (2)- أجاب بأنّه و إن أمكن فيه ذلك إلّا أنّه حيث يكون تفسيرا للاستيطان المصدريّ المعرّى عن الزمان، فالتلبّس الفعليّ في «يقيم» لا يلاحظ إلا بالنسبة إلى ستّة أشهر، لا أنّ إقامة ستّة أشهر يلاحظ التلبّس بها متجدّدا حتّى يكون
شاهدا لتفسير الصدوق و من تبعه. هذا و لكنّه لا يخفى عليك ما فيه.
أمّا (أوّلا) فلأنّ ما أفاده بأنّ التلبّس الفعليّ لا يمكن أن يراد في الاتّخاذ لأنّه آنيّ، إنّما يصحّ لو كان المصدر هو الاتّخاذ و وردت هيئة الاستفعال على هذه المادّة. و في المقام المادّة هي الوطن و صيغة الاستفعال وردت على هذه المادّة، و الاتّخاذ الّذي هو معنى حرفيّ مستفاد من الصيغة لم ترد الصيغة عليه، لكون الاتّخاذ آنيّا.
(و ثانيا) يمكن التلبّس الفعليّ بالاتّخاذ بلحاظ معناه الاسم المصدريّ، و إن لم يمكن بالنسبة إلى معناه المصدريّ فإنّ المأخوذ وطنا أمر تدريجيّ، فإرادة الحال من قوله: «يستوطنه» لا محذور فيه.
(و ثالثا) لو سلّمنا ذلك فالإقامة لا إشكال أنّها أمر تدريجيّ، و أمّا ما أفاده في دفع إفادة «يقيم» التجدّد و الاستمرار من باب أنّ الفعل هنا مسبوك بالمصدر هو يكون «لا يقيم»، فيصير التعبير بمنزلة قوله:
كون محلّ نزول له يقيم، فالمؤوّل بالمصدر هو: يكون و متعلّقه، أي اسمه و خبره، لا كلّ فعل واقع بعده.
ثمّ إنّ ما أفاده في دفع ما هو ظاهر الرواية من كون الاستيطان مقرّا دائميّا، فإنّ اتّخاذ محل وطنا غير اتّخاذه محلا للنزول للتجارة و نحوها بقوله: لأنّ هذا ينافي مفروض السؤال و هو عبور الرجل من أهله و وطنه إلى ضيعته، ففيه:
أوّلا: أنّ هذا لا ينافي كون مقصود الإمام عليه السلام في الجواب بيان الوطن العرفيّ الاتّخاذي بعد إعراضه عن وطنه الأصليّ.
و ثانيا: إذا كان المراد «ذو الوطنين» فيمكن أن يعبر الرجل عن أهله، و يمرّ و ينزل على وطنه و إلى أهله أو داره و ضيعته. ثمّ إنّه بناء على دلالتها على الوطن الشرعيّ
، لأنّ اللام في المقام ظاهر في الملكيّة و إن كان في غير المقام مفيدا لمطلق الاختصاص، لأنّ الإضافة تختلف باختلاف الأشياء الّتي تقع طرف الإضافة، كما أنّ الظرف في قولك:
زيد في الدار مفاده غير مفاده في قولك: ضرب زيد في الدار، فإنّ في الأوّل هو نفس المقولة و هي الأين. و في الثاني متمّم المقولة، فكون الملك للّه سبحانه، و كونه ملكا لزيد، و كونه ملكا للفقراء، على أنحاء مختلفة، فالوقف على الفقراء لا يفيد إلّا اختصاص ما للفقراء دون ملكيّة الرقبة، كقولك: الجلّ للفرس، و هذا بخلاف ما إذا قيل:
الملك لزيد، فإنّه ظاهر في ملكيّة الرقبة.
و ما ذكرنا من أنّه لو كانت الرواية في مقام بيان حكم ذي الوطنين لا تدلّ على اعتبار الملك لا ينافي ما ندّعيه في المقام، لأنّه لو كان المراد منها الوطن الشرعيّ فلا بدّ من اعتبار كلّ قيد مذكور فيها تعبّدا، و هذا بخلاف ما لو حملناها على الوطن العرفيّ، فإنّ القيود المأخوذة فيه يمكن أن تكون جارية مجرى العادة، فلا يمكن استفادة دخلها في الموضوع.
، فإنّ كلّ مدّة تؤخذ في موضوعات الأحكام كشهر و شهرين و نحوهما ظاهر في التوالي، فما في الحدائق- أنّ الحكم بالتمام في الأخبار المتقدّمة علّق على مطلق
استيطان المدّة المذكورة و هو أعمّ من أن يكون مع التوالي أو التفريق (1)- لا وجه له. هذا مع أنّ غير صحيحة ابن بزيع لم يدلّ على اعتبار استيطان هذه المدّة، فإنّ روايتي عليّ بن يقطين (2)و رواية الحلبيّ (3)لا تدلّ إلّا على اعتبار الاستيطان و السكون، سواء كان الاستيطان ستّة أشهر أو أقلّ.
و بالجملة، ظاهر أخذ مدّة قيد الحكم هو التوالي إلّا أن يقوم على خلافه دليل.
، فلو خرج عنه لم يترتّب عليه الحكم، و لا إشكال فيه، بناء على حمل الصحيحة على ما حملوها عليه.
ثمّ إنّ هنا فروعا أخر لا وجه للتعرّض بها، بناء على ما تقدّم من الصحيحة، منها، قولهم: بكفاية إقامة ستّة أشهر متفرّقة و لو لم يصلّ في هذه المدّة صلاة تماما، بأن يبقى تسعة أيّام- مثلا- ثمّ يسافر ثمّ يرجع و يبقى مقدارا، و هكذا إلى أن يبلغ ستّة أشهر. و لا يخفى أنّه لو قلنا بالوطن الشرعيّ فالاكتفاء بإقامة ستّة أشهر من دون قصد إقامة لا دليل عليه أصلا مع أنّه من أصله فاسد.
لا يخفى أنّ صاحب «الجواهر» جعل الوطن الشرعيّ في «نجاة
العباد» (1)هو الوطن الاتّخاذيّ للمقرّ الدائميّ إذا كان له فيه ملك و جلس فيه حال الاتّخاذ المزبور ستّة أشهر و لو متفرّقة، و أعرض عنه و نقل هذا المعنى في الجواهر (2)عن الأستاذ في «بغية الطالب» (3)، بل يظهر منه على ما حكاه عنه أنّ الوطن الشرعيّ الّذي يلتزمون به هو هذا المعنى، لا مجرّد إقامة ستّة أشهر في مكان له فيه ملك مع عدم اتّخاذه وطنا دائميّا. و لكنّه لا يخفى عليك أنّ ما يظهر من أهل هذا القول- و هم الطبقة الوسطى- هو مجرّد إقامة ستّة أشهر في محل يكون له فيه ملك و إن لم يجعله وطنا دائميّا. نعم، بعد هذا المعنى و عدم استفادته من الأخبار أوجب جعل محلّ كلامهم الوطن الاتّخاذيّ للمقرّ الدائميّ.
و على أيّ حال، لا دليل على الوطن الشرعيّ بأيّ معنى أريد منه، سواء قلنا بأنّه الوطن الأصليّ الّذي أعرض عنه، أو الوطن الاتّخاذيّ الّذي أعرض عنه، أو المحلّ الّذي أقام فيه ستّة أشهر، فإنّ الأخبار بأجمعها بين طوائف ثلاث:
(الطائفة الأولى) يجعل وجوب التمام مدار وجود ملك و لو نخلة، سواء كان سكن فيما فيه الملك أو لم يسكن، و سواء نوى فيه الإقامة أو لم ينو، كصحيحة محمّد بن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل سافر من أرض إلى أرض، و إنّما ينزل قراه
و ضيعته، قال: «إن نزلت قراك و ضيعتك فأتمّ الصلاة، و إن كنت في غير أرضك فقصّر» (1). و كرواية البزنطيّ قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج إلى ضيعته و يقيم اليوم و اليومين و الثلاث، أ يقصّر أم يتمّ؟ قال: «يتمّ الصلاة كلّما أتى ضيعة من ضياعه» (2).
و بهذا المضمون رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام (3)، و كصحيحة ابن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرجل يكون له الضياع، بعضها يقرب من بعض، يخرج ليقيم فيها، يتمّ أو يقصّر؟ قال: «يتمّ» (4). و كموثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يخرج في سفر فيمرّ بقرية له أو دار فينزل فيها، قال: «يتمّ الصلاة و لو لم يكن إلّا نخلة واحدة» (5). و كصحيحة عمران بن محمّد قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ فربّما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام، فأتمّ الصلاة أم أقصّر؟ فقال:
«قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة» (6).
(و الطائفة الثانية) ما يجعل وجوب التمام مدار السكون و جعله وطنا
1) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 520.
2) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 17 ج 5 ص 523.
3) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 18 ج 5 ص 524.
4) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 523.
5) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 521.
6) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 14 ح 5 ص 523.
أو مدار إقامة عشرة، و صريحة في عدم كفاية المنزل و الضيعة في وجوب التمام، كصحيحة الحلبيّ في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل في الطريق، يتمّ الصلاة أو يقصّر؟ قال: «يقصّر، إنّما هو المنزل الّذي توطنه» (1)، فإنّ قوله: «توطنه» ظاهر في كونه من باب الإفعال لا من باب التفعيل، لكونه متعدّيا، و سيجيء، أنّ باب الإفعال يعتبر أن يكون المادّة الواردة عليها هذه الهيئة قصد، فمعنى الكلام: تجعله وطنا، فالوطنيّة تعتبر في التمام، و مجرّد إقامة مدّة و لو أزيد من ستّة أشهر ليس ممّا جعل وطنا.
و صحيحة عليّ بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به، أ يتمّ أم يقصّر؟ فقال: «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل، و ليس لك أن تتمّ فيه» (2). و هكذا صحيحة سعد و فيها: «إن كان ممّا يسكنه أتمّ الصلاة فيه، و إن كان ممّا لم يسكنه فليقصّر» (3)و رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «من أتى ضيعة له ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصّر» (4)، و نظيره رواية موسى بن حمزة بن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام (5).
(و الطائفة الثالثة): ما يجعل وجوب التمام مدار الوطن الّذي توطّن
1) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 522، و فيه: عن حمّاد بن عثمان.
2) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 521.
3) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 522.
4) وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 525.
5) وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 526.
في (1)ستّة أشهر، كصحيحة ابن بزيع (2).
و لا يخفى أنّ الطائفة الأولى ما يمكن حملها على ما إذا توطّن في الملك و المنزل، كما لو كان مطلقا من هذه الجهة- كالصحيحة الأولى- فلا بدّ من حمله على ذلك. و حاصل الحمل: أنّ كلّ منزل من المنازل التي اتخذتها وطنا إذا سافرت من وطنك غير هذا إلى هذا الوطن فأتمّ، و ما لا يمكن حملها على ذلك فليحمل على التقيّة، لأنّ القائلين بالوطن الشرعيّ أيضا لا يقولون بكفاية وجود ضياع- من دار أو نخلة أو قرية- لوجوب الإتمام لو لم يسكن فيه ستّة أشهر.
و أمّا الطائفة الثانية، فظاهر الاستيطان و السكون هو الوطن العرفيّ، و حيث أنّ فرض السؤال العبور من الوطن إلى الوطن، فمحمولة على ذي الوطنين. نعم، بعضها ظاهر أنّه ذا الأوطان حكمه حكم ذي الوطنين، كقوله عليه السلام: «كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه» (3)، إلّا أنّه ليس ظهور يقاوم ظهور صحيحة ابن بزيع (4)في اعتبار إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة، فإنّ اعتبار الستّة و إن كان تقريبيّا لا خصوصيّة فيها، بل يكفي إقامة خمسة أشهر في بلده و سبعة في أخرى، إلّا أنّ ظهورها في اعتبار ما هو المتعارف من الشتويّ و الصيفيّ لا يخلو من وجه.
و على أيّ حال، لو قلنا بكفاية إقامة أربعة أشهر في كلّ سنة فظهوره في اعتبار قصد التوطّن الدائميّ كذلك لا إشكال فيه، لأنّ السكون المقابل للمضيّ، و التوطّن المقابل للسفر و المقابل للبقاء من غير قصد توطّن هو المقصود من الأخبار، فإنّ المسكن و الوطن عرفا هو هذا المعنى لا الاستقرار في مكان.
ثمّ إنّ الشهيد جمع بين الوطن الشرعيّ و العرفيّ، فاعتبر في الوطن الاتّخاذي أيضا الاستيطان ستّة أشهر، قال في الذكرى: و هل يشترط هنا- أي في الوطن الاتّخاذيّ- الاستيطان ستّة أشهر؟ الأقرب ذلك، لتحقّق الاستيطان الشرعيّ مضافا إلى العرفيّ (1)، و هو غير بعيد، لأنّ الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبرا مع وجود الملك فمع عدمه أولى، انتهى. كأنّه جمع بين الأخبار.
و لا يخفى أنّ الأخبار إمّا واردة في الوطن الشرعيّ فهو لا يعتبر فيه اتّخاذه وطنا بل يكفي مجرّد إقامة ستّة أشهر مع الملك، و إمّا واردة في الوطن الاتّخاذيّ و هو لا يعتبر فيه الملك، فكيف يعتبر فيه إقامة ستّة أشهر مع ما عرفت أنّ المحلّ الّذي أخذ مقرّا دائميّا يصدق عليه الوطن بمجرّد الاتّخاذ، و لا يتوقّف في الصدق على البقاء في الجملة، فضلا عن اعتبار ستّة أشهر فيه؟
ثمّ لا يخفى من الأولويّة الّتي ادّعاها، لأنّ اعتبار السّتة في مورد
1) ذكره الشيعة: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ص 257 س 12.
الملك لا يلازم اعتبارها في الوطن الاتّخاذيّ و لو لم يكن له فيه ملك، لأنّ التملّك لا يلازم الوطنيّة، فاعتبر في وجوب الإتمام الّذي هو تكليف للحاضر البقاء ستّة أشهر معه، و أمّا الوطن الاتّخاذيّ فهو وطن حقيقة، فلا وجه لاعتبار بقاء ستّة أشهر إلّا أن لا يصدق عليه الوطن بمجرّد الاتّخاذ، و عليه لا خصوصيّة لستّة أشهر، بل كلّما يوجب صدق الوطنيّة بعد الاتّخاذ فهو المعتبر.
و بالجملة، التأمّل في الكلمات يوجب القطع بأنّ الأقوى ما عليه الوحيد (1)قدّس سرّه.
و قلنا في أوّل البحث أنّ انقطاع السفر بها يكون على وجهين:
الأوّل: أن يقصد الإقامة في ابتداء نيّة السفر في أثناء المسافة، الثاني:
أن يعرض له قصد الإقامة في الأثناء بعد ما كان قاصدا للمسافة ابتداء، فالأوّل قاطع لأصل السفر، و الثاني لاستمراره.
ثمّ إنّ هذه الهيئة مع قطع النظر عن القرائن الأخر هي بظاهرها تدلّ على اعتبار وقوع المادّة عن القصد إليها و العلم بها، لأنّ باب الأفعال يقتضي أن يكون المادّة المجرّدة الواردة عليها هذه الهيئة المزيدة عليها واقعة عن اختيار الّذي في المقام هو الأعمّ من الإرادة المستقلّة و التبعيّة، بل توطين النفس بها، فإنّ باب الأفعال ظاهر في إيجاد المادّة
1) مصابيح الظلام (مخطوط): في صلاة المسافر ج 1 ص 164.
و إصدارها عن علم، فإذا أضيف هذا الإصدار إلى النفس بأن قيل:
أقام نفسه، فظاهر الإقامة في مقابل المشي كما هو المناسب في المقام لا المقابل للقعود هو أن يكون صدور هذا السكون و التوقّف عن التفات و إرادة، فمجرّد وقوع إقامة عشرة أيّام من دون علم به لا يقطع السفر.
هذا مضافا إلى دلالة الأخبار على هذا المعنى، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ من أجمع على الإقامة، و بعضها على أنّ من أراد الإقامة، و بعضها على من أيقن لنا (1)له ببلدة مقاما و نحوها، و ظاهر الإجماع هو العزم، و هكذا ظاهر الإرادة، و ظاهر هما أن تكون إقامة ناشئة عن الاختيار، بحيث إذا كان محبوسا في بلدة لا يكون عازما و مريدا لها، إلّا أنّ بعد ما عرفت سابقا أنّ الإرادة قد يراد منها ما منطبع في النفس منها و هو التوطين، و لا سيّما مع قوله عليه السلام: «إذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقاما عشرة أيّام فأتمّ الصلاة» (2).
ثمّ قد تقدّم سابقا أنّ الإجماع أو العزم المعتبر في الأفعال هو العزم من قبل نفسه، لا العزم المطلق حتّى من قبل فاسخ العزم و رافعه، لأنّه لا يمكن أن يكون الشيء مقيّدا بعدم رافعه، لأنّ الرافع ما يرفع الشيء بعد وجوده، فإذا كان من قيود وجوده فيستحيل وجوده. هذا مضافا بأنّه لو اعتبر العزم حتّى من قبل الموانع الخارجيّة فيستحيل عادة تحقّق
العزم من أحد، لأنّ احتمال الموت و نحوه ليس منسدّا.
و بالجملة، الإقامة مشتملة على مسائل، بعضها ممّا لا إشكال فيه أو لا ينبغي أن يستشكل، و بعضها محلّ كلام ففيها جهتان:
، فمجرّد التوقّف الاتّفاقيّ عشرة أيّام في محلّ واحد لا يكفي، لكونها قاطعة.
، فضلا عن كونها عن كره، و فضلا عن كونها تبعيّة، لأنّه بعد ما قلنا بكفاية العلم بها فلازمه أن تكون مجرّد توطين النفس على الإقامة و لو من جهة القهر و الحبس و نحوهما كافيا في قاطعيتها، فعلى هذا لو أكره على إقامة عشرة أيّام، أو قصدها تبعا لقصد زوجها أو سيّده و مستأجره و نحوهم تكون قاطعة.
إذا كان بعيدا لا يضرّ بالعزم إذا كان عازما من الجهات الراجعة إلى نفسه.
، و النزاع هنا هو النزاع في مبدأ المسافة، فيقال في البلاد المتّسعة أنّه يعتبر أن يكون محلّ الإقامة هو المحلّة من البلدة لا الإقامة في مجموعها، و لكنّ الأقوى عدم الفرق بين البلدة المتّسعة و غيرها بعد اتّحاد البلدة بحسب الصدق و لو كان بين محلاتها شطّ فاصلا، كجانبيّ الحلّة و بغداد. نعم لو كانت المحلات منفصلة كجانبي قسطنطنية فالإقامة في مجموع الجانبين لا تقطع السفر.
و بالجملة، المدار على وحدة المحلّ، و هذا يختلف بالنسبة إلى البلاد و القرى و البراري، فأصفهان بلدة واحدة، و كلّ قرية منها غير الأخرى، و هكذا في البريّة محلّ خيام عشيرة غير محلّ خيام عشيرة أخرى.
و بالجملة، يشرط وحدة محلّ الإقامة، فلو قصد الإقامة في أمكنة متعدّدة عشرة أيّام لم ينقطع حكم السفر أو نفسه، كما لو قصد الإقامة في النجف و الكوفة أو في قرى متعدّدة، و لو جمعها اسم واحد فإنّ دخولها تحت جامع لا أثر له بعد كونها متعدّدة. فعلى هذا لو قصد الإقامة في بلدة و في مزارعها الخارجة عن خطّة البلد فلا ينقطع السفر بها، لأنّ المدار إذا كان على محل واحد ليس الخارج عن سور البلد متّحدا مع البلد.
نعم، لو قصد الإقامة في البلدة و بنى على الخروج عن سورها في بعض الأيّام، كالزائر المقيم في النجف الأشرف إذا قصد الخروج إلى وادي السلام أو الى بركة الماء فلا يضرّ بالإقامة، و سيجيء إن شاء اللّه عن قريب.
، فنقول: لا إشكال أنّ القيام الّذي هو مبدأ الإقامة لا يراد في المقام المقابل للجلوس، بل لا بدّ أن يراد منه، إمّا الملازم للهيئة الحاصلة من عروض العرض بمحلّه و هو الوقوف و الاستقرار في مكان، و إمّا المقابل للارتحال و الرواح، و الظاهر في باب المسافرة الّتي هي الرحيل من مكان إلى مكان أن تكون الإقامة مقابلة لهذا المعنى. فعلى هذا لا ينافي الإقامة الخروج إلى بعض البساتين، بل إلى حدّ الترخّص، بل إلى ما دون الأربعة و إن كان
قصدها هذا من أوّل الأمر، فمن قصد الإقامة في النجف الأشرف و كان من نيّته في أوّل القصد الخروج في أثناء الإقامة إلى مسجد الكوفة لا تضرّ هذه النيّة بقصده الإقامة. و هذا لا ينافي ما ذكرنا من المسألة الأولى أنّه يعتبر في الإقامة أن يكون محلّها واحدا، لأنّه فرق بين أن ينوي الإقامة في النجف الأشرف إلّا أنّه كان قاصدا للخروج إلى الكوفة للزيارة و نحوها، فإنّ في الصورة الأولى محلّ الإقامة متعدّد بخلافه في الثانية، و التداخل بين المسألتين أوجب هذا التوهّم.
نعم، لو قلنا بأنّ الإقامة عبارة عن الوقوف و السكون في محلّ، فلو كان من قصده أوّل الأمر الخروج في أثنائها من خطّة البلد فلا يتحقّق منه القصد، و أمّا مع ظهورها في عدم الارتحال فما لم يقصد المسافرة في أثنائها لا يضرّ بتحقّق نيّة الإقامة في محل واحد.
و صرّح بما ذكرنا فخر المحقّقين (1)، و الفيض (2)، و الوحيد البهبهانيّ (3)، بل العلامة في جواب المسائل المهنّائيّة (4)على ما حكي عنهم و غيرهم. و ما أفاده صاحب الجواهر (5)- قدّس سرّه- بأنّه لا صراحة في كلام العلامة و لا في كلام السائل- بأن كان قصد المقيم في الحلّة من أوّل الأمر الخروج إلى زيارة الحسين عليه السلام، بل و لا أنّ الخروج
إلى كربلاء كان في أثناء الإقامة فيدخل في المسألة الأخرى، و هي أنّ المقيم إذا خرج إلى ما دون المسافة و قد قصد العود دون الإقامة، فهل يقصّر ذهابا و إيابا و في المقصد و محلّ الإقامة أو يتمّ؟- فغير وجيه، لما يظهر من التاريخ أنّ الشريف العلويّ كان من قصده زيارة الحسين عليه السلام في عرفة و الأمير عليه السلام في الغدير من أوّل الأمر و سافر إلى العراق لهذا القصد، و إنّما أقام في الحلّة لأنّها كانت في ذاك الزمان مركز الأعلام، مثل العلامة و غيره قدّس اللّه أسرارهم.
هذا مع أنّ المسألة الأخرى لها جهتان: جهة منها داخلة في هذه المسألة، و هو أنّه لو كان المقيم من أوّل قصده كان ناويا للخروج إلى ما دون المسافة لغرض يرجع في يومه أو و لو مع المبيت ليلة واحدة، فهذا لا يضرّ بقصده الإقامة، فيتمّ في الذهاب و الإياب و المقصد و محلّ الإقامة.
و جهة أخرى داخلة في المسألة الأخرى، و هو أنّه لو تحقّقت الإقامة و تمّت العشرة أو صلّى تماما فبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة و المبيت أزيد من يوم و ليلة، أو بدا له الخروج إلى ما دون المسافة و قلنا بأنّ الخروج إلى ما دون المسافة مبطل للإقامة فحكمه ما ذا؟
و بالجملة، النزاع في المسألة الآتية في أنّه إذا بطلت الإقامة حكمه ما ذا؟ و في المقام أنّ الخروج إلى ما دون المسافة هل يبطل الإقامة أو لا؟
و كيف كان بعده، استفدنا من الروايات أنّ الإقامة الّتي هي
موضوع للتمام هي المعنى المقابل للرحيل، فلا ينافي القصد إلى الخروج إلى ما دون المسافة من أوّل الأمر. هذا مع ما سيظهر في محلّه أنّ الإقامة قاطعة لموضوع السفر، لأنّ المقيم متوطّن في وطنه الصغير، فإذا كان هو حاضرا فلا يضرّ تردّده إلى ما دون المسافة.
ثمّ إنّه يدلّ على ما ذكرنا رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل قدم مكّة قبل التروية بأيّام، كيف يصلّي إذا كان وحده أو مع إمام، فيتمّ أو يقصّر؟ قال: «يقصّر إلّا أن يقيم عشرة أيّام قبل التروية» (1)، فإنّ إطلاق ذيلها يشمل ما لو نوى الخروج إلى زيارة قبور آل أبي طالب عليهم السلام، بل لا ينفكّ عادة قصد الخروج عن خطّة البلد في مثل مكّة للمقيم عشرة أيّام.
و رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب التقصير، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة، و عليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر» (2)، فإنّ قوله عليه السلام: «و هو بمنزلة أهل مكّة» يدلّ من جهة عموم المنزلة أنّه بمنزلتهم في أنّ محلّ الإقامة وطن له، فيدلّ على قاطعيّة الإقامة للسفر، و يدلّ أيضا على أن نيّة الخروج لا يضرّ بالإقامة، لأنّه إذا صار بمنزلة أهل مكّة، فكما أنّ أهل مكّة لا يقصّرون في مورد الخروج إلى ما دون المسافة فكذلك
المقيم، و يدلّ أيضا على وجوب القصر عند الخروج إلى أربعة فراسخ و لو مع عدم العود ليومه، فإن خروجه إلى منى ليس إلّا لامتثال أعماله بعد الفراغ عن قضاء نسك عرفات و المشعر، و بين مكّة المعظّمة و عرفات أربعة فراسخ، و يدلّ على أنّه يتمّ بعد حدّ الترخّص كما سيجيء، و يدلّ ذيله أيضا على أنّه لو خرج إلى منى الّذي بينه و بين مكّة فرسخ يتمّ مع أنّه كان المقيم في مكّة قاصدا للخروج إلى منى من أوّل قصده الإقامة في مكّة بعد عوده من عرفات و المشعر و منى.
ثمّ إنّ هاهنا روايات أخرى تدلّ على الحكم المتقدّم، بل تدلّ على أنّ الخروج إلى عرفات أيضا لا يضرّ بالإتمام، مع أنّه لو كان من قصده ذلك من أوّل قصده الإقامة و بينها و بين مكّة أربعة فراسخ، إلا أنّها غير معمول بها مع احتمال اختصاصها بمكّة، كما سيجيء في أنّ لها و للمدينة المنوّرة أحكاما خاصّة. و على أيّ حال، في تحقّق الإقامة المقابلة للرحيل لا يضرّ القصد إلى الخروج إلى ما دون المسافة.
نعم، في صحيحة محمّد بن مسلم: «و إن أقام بمكّة و المدينة خمسا فليتمّ» (1)، و في رواية الخزّاز عن محمّد بن مسلم (2)ما يدلّ على كفاية الخمس في جميع الأماكن.
و لكنّه لا يخفى مع صراحة الأخبار بعدم كفاية الأقلّ من العشرة فلا
بدّ من طرح ما يدلّ على الأقلّ، أو حمله على خصوص مكّة و المدينة كما يشعر عليه رواية محمّد بن إبراهيم الحصينيّ قال: استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الإتمام و التقصير، قال عليه السلام: «إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام و أتمّ الصلاة»، فقلت له: إنّي أقدّم مكّة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال: «انو مقام عشرة أيّام و أتمّ الصلاة» (1)، فإنّ قوله عليه السلام: «انو مقام عشرة أيّام و أتمّ الصلاة» مع أنّ من قصده الخروج إلى عرفات الّتي بينه و بين مكّة المشرّفة أربعة فراسخ يدلّ على أنّ التلفيق في العشرة لا يضرّ في خصوص مكّة.
و على أيّ حال، كفاية مقام خمسة في سائر البلدان لا يمكن القول به مع عدم العمل من الفقهاء على مضمون ما يدلّ عليه.
ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ المراد بالعشرة هي العشرة المتوالية لا المتفرّقة، و على هذا يدخل الليالي المتوسّطة قهرا لا من جهة دخول الليل في مفهوم الدليل كما قد يدّعى، بل لأن التوالي لا يمكن إلّا بدخولها، و لذا نقول: يخرج الليلة الاولى و الليلة الأخيرة لتحقّق عشرة أيّام بدونهما، فلو نوى الإقامة أوّل الليل فلا يحسب مدّة الإقامة من أوّل الليل، بل يجب في تحقّق الإقامة أن يكون مقيما عشرة أيّام، لأنّ الليل غير اليوم، لأنّ اليوم في غير يوم الصوم عبارة من طلوع الشمس إلى الغروب، و لا يدخل فيه أوّل الفجر إلى أوّل طلوع الشمس، فضلا عن
1) وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 15 ج 5 ص 546.
دخول الليل في مفهومه بأن يكون عبارة عن أربع و عشرين ساعة. كما أنّه لا يكفي بعض اليوم و لو كان أزيد من نصفه، فإنّ العرف و إن أطلق عليه «اليوم» إلّا أنّه إطلاق تسامحيّ، لا من باب أنّه مفهوم الدليل.
، لأنّ عدم كفاية يوم أو يومين إلى تسعة أيّام في الإقامة ليس إلّا من باب اعتبار التوالي في العشرة، و إلّا لكان اللازم التفصيل بين ما إذا انضمّ إلى يوم أو يومين أو خمسة أيّام أخر في وقت آخر و ما لم ينضمّ، فعدم كفايتها مطلقا شاهد على اعتبار التوالي في الشعرة.
، فالليل غير داخل في مفهومه، و لذا يعطف الليل على اليوم في كلّ ما كان المدار على أربعة و عشرين ساعة، كباب الرضاع فيقال: يوم و ليلة، و هكذا باب القسمة بين الزوجات، فاعتبار الإقامة في الليالي المتوسّطة إنّما هو لاعتبار الاتّصال في الأيّام، فلو سافر في الليل إلى أربعة فراسخ و رجع قبل طلوع الشمس لا يتّصل إقامة اليوم الواقع قبله باليوم الواقع بعده، و على هذا فلا يعتبر أن يكون نيّة الإقامة في أوّل الليل. نعم، لو نواها أوّل الليل و كان من قصده بقاء عشرة أيّام كاملة يجب عليه التمام من أوّل الليل. و هذا لا ينافي خروج الليل من مفهوم اليوم، لأنّه وجب عليه التمام من حيث صار قاصدا للإقامة لا من حيث اعتبار دخول الليل في مفهوم اليوم.
و هكذا الحكم في باب الاعتكاف، فلو نواه أوّل الليل يجب أن يجدّد النيّة عند طلوع الفجر، لأنّ الليلة كالأخيرة خارجة، و إنّما دخلت الليلتان المتوسّطتان لاعتبار الاتّصال كما لا يخفى.
، و لا يكفي إقامة عشرة ليال و لا الملفّق من اليوم و الليل. فلو نوى الإقامة في أوّل الليل يجب أن يكون قاصدا لبقاء عشرة أيّام لا تسعة أيّام، و هكذا لو نوى الإقامة نصف الليل فلا يكفي قصد بقاء تسعة أيّام و نصف يوم، لاحتمال دخل خصوصيّة النهاريّة في موضوع الحكم، و مجرّد توافق الليل مع النهار في مقدار المكث لا يوجب سراية حكم اليوم إلى الليل.
، لا في ابتداء الإقامة و لا في انتهائها، فلا يكفي أقلّ من عشرة أيّام و لو ساعة واحدة، و المسامحات العرفي (1)لا أثر لها بعد كون اليوم عندهم هو المقدار الخاصّ.
، لأنّه و إن كان لليوم خصوصيّة إلّا أنّ الظاهر في ما ورد الحكم على اليوم أنّ المقصود هو المقدار من البياض النهاريّ. فلو نوى الإقامة أوّل الزوال فيكفي تحقّق الموضوع كونه قاصدا للإقامة إلى أوّل الزوال في اليوم الحادي عشر.
و هكذا الحكم في أيّام العدّة و الحيض و الطهر، و إنّما خرج الاعتكاف
1) كذا في الأصل، و الصحيح «العرفيّة».
و نحوه عن هذا الحكم لاعتبار خصوصيّة فيه، كالصوم و نحوه الموجب لاعتبار اتّصال اليوم.
، لأنّ ظاهر اليوم بل الموضوع له فيه هو يوم الإجاريّ، فاعتبار اليوم الصوميّ إنّما هو لدليل خارجيّ، فلو قيل في باب التراوح و الاعتكاف بأنّ مبدأ اليوم هو طلوع الفجر فإنّما هو بقرينة خارجيّة، بل يظهر في كثير من الأخبار أنّ بين الطلوعين خارج من الليل و النهار (1).
، و الأقوى هو الأوّل، و ذلك لأنّ كلّ موضوع له أفراد مختلفة و مصاديق مشكّكة، إذا حدّده الشارع بحد فيكون المحدود هو الموضوع واقعا كما في الكرّ و السفر و نحوهما، فإنّ الماء الكثير الّذي يعدم القذارة بنظر العرف يختلف باختلاف القذارات، فربّ ماء يوجب أن يكون معدما للقذر و ربّما لا يعدمه، بل إنّما لا يتحمّله، و ربّ ماء يتحمّله أيضا، فإنّ الماء في الحبّ يتنفّر الطبع منه إذا وقع فيه قمل و لا يتنفّر من الذباب، فإذا لم يكن للكثرة حدّ منضبط فإذا جعل الكرّ ميزانا لما لا يستقذر شرعا فلا وجه لأن يقال: إنّ الكرّ في حكم الماء الكثير.
و هكذا إذا لم يكن للسفر ميزانا منضبطا بل يطلق على الأقلّ و الأكثر، فإذا حدّده الشارع بسير ثمانية فراسخ فيكون المسافر في هذا المقدار هو المسافر حقيقة، و هكذا الحكم عن الخروج من المسافرة ليس له في
1) روضة الكافي: في حديث نصراني الشام مع الباقر (ع) ح 94 ج 8 ص 122.
العرف ميزان منضبط. نعم، له قدر متيقّن به يخرج يقينا عن عنوان كونه مسافرا، كما أنّه في الطرف الآخر الّذي لا يخرج عن عنوان المسافرة أيضا قدر متيقّن كإقامة يومين أو ثلاثة أيّام.
و بالجملة، بين المتيقّن من الطرفين مصاديق مختلفة بنظر العرف كاختلاف نظرهم بين الباني على الإقامة و المتردّد فيها، فإنّ بينهما فرقا في نظرهم، فيعتبرون في المتردّد إقامة أيّام زائدة على الباني على الإقامة، فإذا حدّد الشارع الموضوع بالنسبة إلى القاصد بعشرة أيّام و بالنسبة إلى المتردّد بثلاثين يوما فهذا هو الموضوع الحقيقيّ العرفيّ في مقابل السفر، فلا يقال: كيف يكون عشرة أيّام موجبا لخروج قاصد الإقامة فيه عن كونه مسافرا عرفا مع أنّ العشرة إلّا ساعة حكمها حكم العشرة التامّة بنظر العرف، لما ذكرنا أنّ العرف و إن لم يفرّق بينهما- بل قد يطلق على قاصد إقامة تسعة أيّام، بل أقلّ منها أنّه غير مسافر- إلّا أنّ الاختلاف إذا صار منشأ لأن يجعل الشارع موضوعا مضبوطا فالاختلاف بينهما يكون ظاهرا.
و بالجملة، قاصد الإقامة عشرا و المتردّد ثلاثين يوما بعد الثلاثين يخرج عن كونه مسافرا حقيقة، أو يعدّ محلّ الإقامة وطنا صغيرا له.
هذا مع أنّه لو أغمضنا عن ذلك و قلنا: إنّ الشارع ليس في مقام تحديد ما يتحقّق به الوطن عرفا إلّا أنّه لا إشكال في أنّه ليس مطلق سير ثمانية فراسخ ما يتحقّق به موضوع القصر، بل الثمانية الّتي لا يمرّ في أثنائها إلى الوطن، و لا يقيم في أثنائها عشرة أيّام مع القصد، و لا يكون
في أثنائها متردّدا في الإقامة و الرحيل إلى ثلاثين يوما، فإذا كان من وجب عليه القصر من كان قاصدا للثمانية الّتي لم يتخلّل بينها هذه القواطع فالقاصد من كان قاصدا للثمانية الّتي لم يتخلّل بينها هذه القواطع فالقاصد لإقامة عشرة أيّام و إن لم يكن متوطّنا إلّا أنّه ليس بمسافر يجب عليه القصر أيضا، فتترتّب الثمرة الّتي ترتّب على النزاع في كون الإقامة قاطعة للسفر أو لحكمه، فيحكم بأنّه يجب عليه التمام و إن أبطل الإقامة أو بطلت بوجه ما لم ينشئ سفرا جديدا، لأنّه لا يعتبر في وجوب التمام كونه متوطّنا أو حاضرا، لأنّ المقام واجب على كلّ من لم يجب عليه القصر و إن لم يكن معنونا بعنوان أنّه حاضر أو متوطّن لما ذكرنا من أصالة التمام، و كلّما لم يتحقّق موضوع القصر فيجب عليه التمام.
هذا مع أنّه صحيحة أبي ولاد (1)تدلّ على أنّ المسافر إذا نوى الإقامة و صلّى صلاة فريضة واحدة بتمام فليس له أن يقصّر حتّى يخرج من المدينة، و الخروج في المقام عبارة عن المسافرة، لا مجرّد الخروج عن البلد.
و بالجملة، في الثمرة المترتّبة على النزاع كاف مثل هذه الرواية، و ما ذكرنا من أنّ قاصد الإقامة عشرة أيّام ليس مسافرا يجب عليه القصر، و تقدّم أنّ في رواية زرارة (2)ما هو صريح في هذا المعنى، فإنّ قوله عليه السلام: «و هو بمنزلة أهل مكّة» دالّ على أنّه مثلهم في أنّ الخروج إلى
ما دون المسافة لا يوجب عليه التقصير، فما لم ينشئ سفرا جديدا يتمّ، و لا معنى لأنّ يقال: إنّ التشبيه بلحاظ وجوب التمام لا سائر الآثار، و ذلك لأنّه عليه السلام بعد ما قال: «وجب عليه التمام» قال: «و هو بمنزلتهم».
ثمّ لا يخفى أنّه- بناء على ما ذكرنا- لا فرق بين أن يكون في ابتداء سفره قاصدا لإقامة عشرة أيّام في أثناء سفره أو بدا له في أثناء السير، و لا فرق بين أن يكون قاطعا للمسافة ثمّ بدا له كذلك أو في أثناء المسافة في أنّ الإقامة على أيّ حال قاطعة ما قبلها عمّا بعدها، لأنّ نتيجة اشتراط موضوع القصر بالسفر الّذي لم يقع في أثنائه إحدى القواطع أن كلّما تحقّقت إحداها ينقطع ما قبله عمّا بعد (1)بعده، فرجوع حكم القصر يتوقّف على مسافة مستقلة، و هذا واضح، فتدبّر.
و على هذا، فلو بدا للمقيم بعد تحقّق الإقامة أو بعد صلاة التمام الخروج إلى ما دون المسافة، فلو قصد إلى محلّ الإقامة و استئناف إقامة عشرة أخرى فلا إشكال في وجوب التمام عليه في الذهاب و المقصد و الإياب، كما أنّ الحكم كذلك لو قصد إقامة عشرة أخرى في غير محلّ الإقامة، مثل ما إذا أراد إقامة عشرة أيّام في الكوفة من كان مقيما في النجف الأشرف.
و أمّا لو لم يقصد إقامة عشرة أخرى في محلّ الإقامة أو في غيره، بل
1) كذا في الأصل، و الظاهر أنّ «بعد» زائدة.
كان عازما على العود إلى محلّ الإقامة و المكث فيها أقلّ من عشرة أيّام، فهل يجب القصر عليه بمجرّد الخروج فيجب عليه في الذهاب و الإياب و المقصد و محلّ الإقامة، أو لا يجب عليه إلا بعد الإياب؟ و الأقوى أنّه لا يجب القصر بمجرّد الخروج، أي لا يضمّ الباقي إلى ما سبق، بل لا بدّ في رجوع حكم القصر إلى مسافة جديدة و هي تتحقّق بعد العود.
و أمّا مجرّد الخروج فلا يجوز له القصر إلّا إذا قلنا بأنّ الإقامة قاطعة للحكم، فيكون المقام عكس ما تقدّم فيما لو عزم على العود أو تردّد في أثناء المسافة في ضمّ الباقي إلى ما سبق لو عاد إلى قصده السابق إذا لم يتخلّل بينهما، و إنّما استشكلنا فيما لو سار حال التردّد أو العزم على العدم من جهة اعتبار الاستمرار في المنويّ لا في النيّة. و أمّا في النيّة فلم يدلّ دليل على اعتبار الاستمرار فيه بأن يكون نيّة المسافرة كنيّة الصوم، فهنا مسألتان لا ينبغي الإشكال فيهما:
الأولى: ضمّ الباقي إلى ما مضى لو تردّد في أثناء السير.
الثانية: عدم الضمّ لو بطلت الإقامة. و هنا مسألة مشكلة، و هي:
لو قصد المعصية في أثناء السير ثمّ ندم و عاد إلى قصده الأوّل، في أنّه هل ينقطع السفر أو لا؟ و سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى حكمه.
و على أيّ حال، حيث اعتبر في الثمانية عدم وقوع الإقامة في أثنائها و لا المرور إلى الوطن و لا التردّد في إلقاء و المسافرة ثلاثين يوما، فإذا وقعت هذه الأمور يخرج عن كونه موضوعا للقصر فلا وجه لضمّ الباقي إلى ما سبق، فلا وجه، لأن يجب عليه القصر بمجرّد الخروج، مع أنّ
هنا قاعدتين إجماعيّتين في الجملة و إن خالف فيها من خالف:
الأولى: أنّ ناوي الإقامة بعد تحقّق الصلاة منه تامّة قد انقطع سفره، فلا يجدّد له حكم المسافر إلّا بإنشاء سفر جديد.
و من بدا له الخروج إلى ما دون المسافة ينشئ السفر بعد العود، فإنّه و إن كان عازما على عدم الإقامة بعد الخروج لا في محلّ الإقامة الأولى و لا في غيره إلّا أنّ هذه القطعة الّتي يقطعها فعلا ليست داخلة فيما يريد سيره، فهذه القطعة بمنزلة ما إذا وقعت قطعه بلا قصد سفر، كمن بنى في رواحة إلى الكوفة زيارة المسجد ثمّ عوده إلى النجف الأشرف ثمّ بعد ما وصل إلى الكوفة قصد المسافرة إلى كربلاء، فلو لم يكن بين الكوفة و كربلاء ثمانية فلا يفيد ضمّ المقدار الّذي سارة من النجف إلى الكوفة. نعم، بعد عزمه المسافرة من الكوفة إلى كربلاء يجب عليه القصر إذا كان مسافة بمجرّد التلبّس بالسفر، أي لا يلاحظ حدّ الترخّص بالنسبة إليه، ففي مسألتنا هذه يجب عليه القصر إذا خرج من المقصد و شرع في العود، حكم هذا الخطّ في حال الذهاب الّذي يرجع منه إلى محلّ الإقامة حكم من قصد من الكوفة الذهاب إلى كربلاء و مشى يمنة و يسرة كمن مشى من الكوفة إلى مسجد السهلة، أي كما أنّ مجرّد القصد المسافرة لا يفيد- لجواز القصر، بل لا بدّ من التلبّس بالسفر، فمع عدم تلبسه به لو ذهب يمينا و شمالا لا يقصّر- فكذلك في المقام في أنّ مجرّد قصده المسافرة بعد العود لا يوجب القصر في الذهاب و المقصد، فإنّ الخطّ الذهابيّ كالخطّ إلى اليمين و الشمال في تلك
المثال، فلا يقاس هذا الخطّ بالسير إلى اليمين و الشمال في أثناء السفر.
الثانية: أنّ الذهاب لا يضمّ إلى الإياب إلّا إذا كان أربعة فراسخ كما تقدّم. ففي مسألتنا كون الإياب مسافة لا يفيد، لوجوب القصر في الذهاب.
و بالجملة، ما لم ينشئ المقيم سفرا جديدا لا يمكن أن يرجع إلى حكم القصر، فلا يقاس المقام بما لو تردّد في أثناء السفر أو عزم على العدم ثمّ رجع إلى قصده في أنّه يضمّ الباقي إلى ما سبق، لا سيّما مع عدم سيره في حال التردّد أو العزم على العدم، لأنّ في تلك المسألة لم يدلّ دليل على قاطعيّة الترديد أو قصد الخلاف للسير الثمانية المنويّة، و هذا بخلاف مسألتنا هذه، فإنّه لو لم نقل بأنّ الشارع في مقام تحديد الموضوع العرفيّ المقابل للسفر إلّا أنّه لا إشكال في أنّ السفر الّذي يوجب القصر قيّد بأن لا يقع في أثنائه أحد القواطع، فمع وقوعه يخرج عن الموضوع الّذي يجب القصر فيه، فلا يمكن أن يرجع الحكم السابق و يضمّ المقدار الّذي يسير إلى المقدار الّذي سارة قبل وقوع أحد القواطع.
ثمّ إنّه لو لم يتمّ ما ذكرناه و شكّ في أنّ الإقامة قاطعة للحكم أو للموضوع، فهل المورد من موارد التمسّك بالعام و هو المتحصّل من الأدلّة من أنّ كلّ مسافر يقصّر، أو يرجع إلى استصحاب حكم المخصّص؟
فالحقّ أنّه ليس من مورد التمسّك بالعام، لأنّ مورد التمسّك به ما إذا كان الدليل دالا على أنّ كلّ مسافر في كلّ رباعيّة يصلّيها في أثناء سفره يقصّر، فإذا خرج من هذه العموم البراعيّات الواقعة في حال الإقامة
و شكّ بعد بطلان الإقامة بأنّ حكم هذه الرباعيّات حكم الخارج أو حكم الباقي تحت العام فيقال: يتمسّك بالعموم، لأنّه شكّ في تخصيص زائد.
و أمّا لو لم يكن الدليل كذلك، بل دلّ على أنّ المسافر يقصّر، و دلّ دليل آخر على أنّ هذا الحكم مستمرّ ما دام مسافرا أو ما لم ينو الإقامة عشرة أيّام، فلو خرج عنه أيّاما و شكّ في مقدار التخصيص فالمرجع هو استصحاب حكم المخصّص، لأنّ هذا العموم الدالّ على أنّ حكم المسافر يستمرّ ما دام مسافرا، أو ما لم ينو الإقامة لا يحرز موضوعه، و أنّ هذا الشخص حكمه حكم المسافر أوّلا.
و قد تعرّض الشيخ مرتضى الأنصاريّ- قدّس سرّه- في التنبيه العاشر من الاستصحاب في الأصول (1)، و في خيار الغبن في الفقه (2)الفرق بين مورد التمسّك بالعام و مورد التمسّك باستصحاب حكم المخصّص، و إجماله مع توضيح منّا: أنّه لو كان الزمان ظرفا لمتعلّق الحكم بحيث ورد الحكم على المتعلّق في كلّ يوم فهنا محلّ التمسّك بالعموم، و أمّا لو كان الزمان ظرفا لنفس الحكم بأن دلّ دليل خارجيّ من عموم الحكمة أو من قوله عليه السلام: «حلال محمّد صلى اللّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة» (3)، فهنا محلّ
التمسّك بالاستصحاب، لأنّ نفس الحكم حيث لا يمكن أن يتعرّض بقاء نفسه فلا محالة يدلّ على استمراره دليل آخر، كدليل الحكمة الّذي مفاده أنّ تشريع الأحكام إن ما لغيت فلا محالة من استمراره أو مثل قوله:
«حلال محمّد صلّى اللّه عليه و آله. إلخ». و معلوم أنّ هذا الدليل الدالّ على استمرار الحكم يدلّ على أنّ الحكم لو كان فهو مستمرّ، ففي مورد الشكّ في أصل كونه و تحقّقه هذا الدليل الخارجيّ لا أثر له.
و بالجملة، لو لم يكن الزمان ظرفا للمتعلّق فلا مجال للتمسّك بالعامّ، و هذا لا إشكال فيه، و إنّما الإشكال في تمييز الموارد التي يكون الزمان ظرفا للحكم عن الموارد الّتي يكون الزمان ظرفا للمتعلّق، فنقول: جميع الأحكام الوضعيّة الزمان ظرف للحكم، لأنّه ليس فيها متعلّق حتّى يؤخذ الزمان ظرفا له، فقوله: «الخمر حرام»، و «البول نجس»، و «العقد لازم»، و نحو ذلك عموم الحكمة يقتضي دوام الحكم، و أمّا الأحكام التكليفيّة، سواء كانت من النواهي أو الأوامر، و سواء كانت من العقائديّة أو الأعمال الجارحيّة، يمكن ثبوتا أن يكون الحاكم مستمرّا، و أن يكون متعلّقه مستمرّا.
أمّا النواهي فواضح، لإمكان أن يكون حرمة شرب الخمر مستمرة، و أن يكون شرب الخمر مستمرّا حراما. و أمّا الأوامر فالأصول العقائديّة أيضا كذلك، لإمكان أن يكون وجوب الاعتقاد هكذا مستمرّا، أو الاعتقاد المستمرّ واجبا.
و أمّا الجوارحيّة فقد يتوهّم أنّه لا يمكن أن يكون التكليف الوجوبيّ
مستمرّا و إلّا لزم أن يكون الإنسان دائما مشغولا بفعل الصلاة مثلا، و لكنّه فاسد، لأنّ استمرار كلّ شيء تابع لكيفيّة جعل متعلّقه، فلو جعل وجوب صلاة الظهر في الزوال من كلّ يوم، فمعنى استمراره أنّ الوجوب في أوّل الظهر من جميع الأيّام باق، فتقطيع الامتثال لا يضرّ بالاتّصال.
و أمّا إثباتا، فحيث أنّه لو كان الزمان ظرفا للمتعلّق يمكن أخذه في نفس الدليل الوارد على حكم المتعلّق، سواء كان بلفظ «دواما» أو «استمرارا» أو «كلّ يوم» و نحو ذلك، فإذا لم يؤخذ في الدليل فنستكشف عدم دخله فيه.
ثمّ إذا علمنا بأنّ تشريع الحكم إنّما لغو- كما هو كذلك في الأحكام الوضعية و النواهي- فبدليل الحكمة نستكشف دوامه. و معلوم أنّ دليل الحكمة يقتضي أن يكون الزمان ظرفا للحكم لا للمتعلّق، لأنّ أنّ دليل الحكمة يقتضي أن يكون الزمان ظرفا للحكم لا للمتعلّق، لأنّ المتعلّق معنى أفراديّ و دليل الحكمة تجري في الجمل، لأنّه لا معنى لأن يقال:
الحكمة تقتضي دوام الخمر أو دوام الشرب.
فتحصّل: أنّه لو وصلت النوبة إلى قرينة الحكمة فهي تقتضي أن يكون الزمان ظرفا للحكم، فلا يبقى مجال للتمسّك بعموم العامّ، بل المرجع هو استصحاب حكم المخصّص. ففي مسألتنا هذه، لو قيل بأنّ المقيم ليس مسافرا موضوعا فالمرجع هو أصالة التمام، من غير فرق بين أن يكون الزمان في باب المسافر ظرفا للحكم أو للمتعلّق، لأنّه ما لم ينشأ السفر ليس مسافرا، فبطلان الإقامة لا أثر له، لأنّ هذا الشخص و إن لم
يكن حاضرا فعلا إلّا أنّه لا يعتبر في موضوع التمام إلّا عدم كونه مسافرا، و هذا العنوان: ما لم ينشأ السفر الجديد حاصل له.
و أمّا لو شكّ بأنّ الإقامة قاطعة لحكم السفر أو لموضوعه، فلو دلّ الدليل على أنّ المسافر في كلّ صلاة رباعيّة يصليها في أثناء سفره يقصّر فالمرجع هو العموم، لأنّه خرج منه الصلوات الّتي يصلّيها في حال الإقامة دون غيرها، و لا مجال هاهنا للرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص، لأنّه من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر و أمّا لو دلّ الدليل على أنّ هذا الحكم مستمرّ فالمرجع هو استصحاب حكم المخصّص لا الرجوع إلى العموم العامّ، لأنّ قوله: «يستمرّ حكم القصر ما دام مسافرا إلّا إذا نوى الإقامة» لا يحرز موضوعه و أنّه مسافر حتّى ببطلان الإقامة يرجع إلى حكم القصر، فالمرجع هو استصحاب حكم المخصّص.
و لا يقال: إنّ موضوع التمام هو الإقامة و المفروض أنّها بطلت بقصد الخروج فلا معنى لاستصحاب حكمها، لأنّا نقول: إنّ الموضوع في صحيحة أبي ولّاد (1)هي المكلّف المقيم، فجعل الإقامة موضوعا للتمام في بعض الأدلّة لا يضرّ بالاستصحاب، لأنّ مقتضى هذه الصحيحة أنّ الناوي لمقام عشرة أيّام إذا صلّى صلاة فريضة بتمام فليس له أن يقصر حتّى يخرج من المدينة الّتي نوى المقام فيها، فلو شكّ أنّ مطلق الخروج
1) وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 532.
موجب للقصر أو الخروج بإنشاء سفر جديد فالمرجع هو استصحاب حكم التمام.
ثمّ إنّ هذا كلّه في مقام الثبوت، و أمّا مقام الإثبات فجميع الأدلّة الواردة في المقام مطابقة الآية الشريفة «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ» (1)في أنّه لم يؤخذ في متعلّق الحكم عموم بل رتّب الحكم على المسافر، فلو اقتضت الحكمة أن يكون الحكم مستمرّا ما دام مسافرا ففي مورد الشكّ بأنّه مسافر أو ليس مسافرا، فلا مناص إلّا إلى الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص، لأنّ عموم الحكمة لا يحرز موضوعه.
و حاصل الكلام: أنّ البحث في المقام تارة في الصغرى و أنّه بماذا يبطل الإقامة، و اخرى في الكبرى و أنّه بعد بطلان الإقامة فالحكم ما ذا؟
أمّا في الصغرى فقد تقدّم سابقا أنّ مجرّد الخروج إلى ما دون المسافة لا يبطل الإقامة، سواء طرأ بعد نيّة الإقامة و الصلاة تماما أو كان من قصده ذلك في ابتداء القصد، لأنّه لو جعل المقيم محطّ رحله و مأواه مكانا خاصّا لا أمكنه متعدّدة فخروجه من مأواه و وطنه الصغير لا يضرّ بقصده إقامته، سيّما إذا كان الإقامة في بلد بحسب طبعها يقتضي الخروج عنها إلى ما دون المسافة، كالمقيم في النجف الأشرف و كربلاء
1) النساء: 101.
و الكاظميّة، فإنّ الخروج إلى الكوفة و إلى زيارة الحرّ و إلى زيارة النوّاب بحسب الطبع يقتضيه الإقامة أو التوطّن في هذا البلد، بل لو خرج كلّ يوم لا يضرّ بقصد إقامته، و هكذا في سائر البلاد.
نعم، قد يستشكل في المبيت إلى ما دون المسافة، و تقدّم أنّ المبيت ليلة واحدة لا يضرّ بأن يكون مأواه غير محلّ مبيته. نعم، أزيد من ليلة واحدة محلّ إشكال، بل المبيت أربع ليال و أزيد يضرّ بالإقامة قطعا.
فعلى هذا المقيم في بلد تارة يخرج إلى ما دون المسافة و يعود إليه من دون أن يجعل محلّ إقامته منزلا من منازل سفره بل يرجع إليه لكونه محطّ رحله و مأواه الّذي بنى على إقامته فيه، فهذه يتمّ في الذهاب و المقصد و الإياب و محلّ إقامته، لأنّه لم يبطل إقامته، و أخرى يخرج إليه بحيث أعرض عن محلّ إقامته و أخذ أثاثه و ما معه من لوازم سفره و إنّما يرجع إلى محلّ إقامته لشغل له كاكتراء مركوب و نحوه، فهذا سيجيء حكمه. و لا يبعد أن يكون صغير من الكبير الّتي هي محلّ البحث، فلنرجع إلى الكبرى فنقول: لو بطلت الإقامة، كما لو قصد المقيم في النجف المبيت في الكوفة أزيد من الليلتين
، و هذا لا إشكال في أنّه يبقى على حكم التمام إلى أن ينشئ سفرا جديدا.
و في حكمه لو قصد الإقامة في غير بلد الإقامة ممّا لا يكون بينه و بينه مسافة.
و لا وجه لما ذهب إليه صاحب «المحصول» (1)و الشيخ المرحوم
1) لم نعثر عليه.
الشيخ محمّد طه نجف على ما حكى عنهما الأستاذ- مدّ ظلّه- إلى وجوب القصر بمجرّد الخروج عن محلّ الإقامة إلّا على أن يكون هذا المقدار من السير منضمّا إلى السفر السابق، و هذا قد انعقد الإجماع على خلافه كما عرفت أنّه لو لم يكن الشارع في مقام تحديد الموضوع العرفيّ المقابل للسفر، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ السفر الموجب للقصر هو الّذي لم يقع في أثنائه أحد القواطع.
و على أيّ حال، انقطع حكم السفر السابق فلا يمكن أن يضمّ هذه القطعة إلى السابق، و المفروض أنّها ليست مسافة مستقلّة، لوقوع القاطع بينها و بين ما يلحقها.
، و الأقوال المعتدّ بها في هذه الصورة ثلاثة أقوال: القول بوجوب التمام مطلقا، و القصر مطلقا، و التفصيل بين الذهاب و المقصد فالتمام و الشروع في العود فالقصر.
و لكنّه لا يخفى أنّ الأوّل مرجعه إلى نزاع الصغرويّ، و هو أنّ مجرّد الخروج إلى ما دون المسافة لا يضرّ بالإقامة، كما لو خرج إلى ما دون المسافة لشغل يرجع في يومه أو و لو بعد مبيت ليلة واحدة من دون إعراض عن محلّ الإقامة، و أمّا إذا بطلت الإقامة بأن أعرض عنها و رجع إلى محلّ الإقامة لشغل عرض له- كاكتراء مركوب و نحوه- بحيث كان
محلّ إقامته كأحد المنازل الواقعة في السفر، أو فرضنا قصد الخروج إلى ما دون المسافة- للاعتكاف و نحوه- و إن لم يعرض على محلّ إقامته فلا وجه للقول بالتمام مطلقا.
و بالجملة، في الصغرى الّتي داخلة تحت الكبرى لا وجه للقول بالتمام، فينحصر القول فيها بوجوب القصر مطلقا و التفصيل. و لكنّه لا يخفى أنّ القول بالقصر مطلقا مبنيّ على أحد أمرين: إمّا بالقول بانضمام هذه القطعة بالسفر السابق مع أنّ القائل به لا يلتزم به و إلّا لزم أن يقول بالقصر فيها و لو قصد الإقامة عشرة أيّام في بلد الإقامة، و إمّا القول بانضمام الذهاب إلى الإياب و لو كان أقلّ من أربعة فراسخ.
و الظاهر أنّ القائل به لا يلتزم به مطلقا، فإنّ الشيخ و الحلبيّ و من تبعهما- قدّس اللّه أسرارهم- لا يفتون بالقصر في مجرّد التلفيق، فعلى هذا لا وجه لهذه القول أيضا. فالأقوى هو التفصيل، لا لما تقدّم من أنّ هذه القطعة بمنزلة القطعة الواقعة بلا قصد، فإنّ هذا الوجه لو تمّ ليتمّ فيما إذا لم يعرض عن محلّ الإقامة، و إنّما بطلت الإقامة بقصد المبيت للاعتكاف و نحوه- في الخارج عن محلّ الإقامة، بل لأنّ الذهاب لا يضمّ إلى الإياب إلّا إذا كان أربع فراسخ، فكون الإياب مسافة لا يفيد، للزوم القصر في الذهاب و المقصد.
و بالجملة، المعرض عن محلّ الإقامة و إن أنشأ السفر فعلا إلّا أنّه ما لم يتلبّس بالإياب لا يجوز له القصر، فهذه القطعة الذهابيّة بمنزلة القطعة الواقعة بلا قصد، أو القطعة الواقعة قبل الضرب في الأرض يمنة و يسرة،
و ليست كالقطعة الواقعة في أثناء السفر، للفرق بينهما، فإنّ ما يقع في أثناء السير حتّى المكث يجب القصر حاله، فضلا عن السير الواقع يمينا و شمالا، بخلاف ما وقع في ابتداء القصد من دون التلبّس بالسفر، فإنّ في هذا الحال يجب التمام.
و على هذا فكلّ سير وقع قبل التلبّس بالسفر فالذهابيّ منه لا يجوز فيه القصر، و كلّ سير وقع بعد التلبّس به، سواء كان قبل الخروج عن حدّ الترخّص أو بعده يجب فيه القصر مطلقا.
نعم، هذا بناء على أنّ مبدأ المسافة هو سور البلد، و لو جعلنا مبدأها من حدّ الترخّص فالسير الواقع قبل حدّ الترخّص كالسير الواقع قبل التلبّس بالسفر، بل يمكن أن يقال: إنّ السير الواقع قبل حدّ الترخّص ملحق بالسير الواقع قبل التلبّس بالسفر و لو قلنا بأنّ مبدأ المسافة هو سور البلد إذا أعدم هذا السير و رجع إلى المحلّ الّذي سار منه.
و بعبارة أخرى: من خرج من النجف الأشرف- مثلا- و قصد إلى كربلاء و قبل وصوله إلى حدّ الترخّص مشى إلى مسجد السهلة أو الكوفة، فتارة يمشي إلى السهلة و منها إلى كربلاء من دون رجوعه إلى المحلّ الّذي مشى منه إلى السهلة، و أخرى يرجع إليه، فإذا لم يرجع إليه فيقصّر في الطريق الّذي يمشي إلى السهلة إذا وصل إلى حدّ الترخّص بينه و بين النجف و لو لم يكن من أوّل خروجه قاصدا إلى زيارة مسجد السهلة، لما تقدّم سابقا من أنّ قصد المسافة الشخصيّة لا يعتبر في القصر، بل لو تبدّل هذا القصد بقصد مسافة أخرى و السير إلى مقصد
آخر لا يضرّ في وجوب القصر، فجعله طريق كربلاء معوجّا لا يضرّ بالتقصير، فهنا يقصّر إلى الذهاب إلى السهلة أيضا كما يقصّر منها إلى كربلاء أمّا إذا رجع إليه فحيث تقدّم أنّ الذهاب الّذي يعدمه لا يلحق بالإياب، فهذا الذهاب لا يجوز فيه القصر، و لا يقاس بالذهاب الّذي يقع بعد خروجه عن محلّ الترخّص، فلا فرق بين مكثه و مشيه، فالذهاب يمنة و يسرة ليس بأدون من المكث، و هذا بخلاف الذهاب الواقع قبل حدّ الترخّص، فإنّه حيث أنّه يعدمه فلا يمكن أن يلحق بالإياب، فلا يجوز له التقصير إلّا بعد العود و إن خرج عن محلّ الترخّص، فإنّ الخروج عن محلّ الترخّص موجب للقصر إذا كان سيره إلى هذا المحلّ محسوبا من المسافة، و أمّا إذا لم يكن محسوبا منه لأنّه يعدمه فلا أثر له.
ثمّ إنّ المقصد و هو نفس مسجد السهلة أو الكوفة حكمه حكم الذهب في أنّه يجب أن يتمّ فيه، و لا يلحق بالإياب، لأنّه و إن كان واقعا في أثناء السفر إلّا أنّ السفر الّذي يعدمه في حكم ما إذا لم يسافر بعد، و كما تقدّم أنّه لو خرج غيرنا و للمسافرة ثمّ بدا له في الكوفة أن يسافر إلى كربلاء، فما لم يتلبّس بالسفر لا يجوز له القصر و إن كان خارجا عن حدّ الترخّص، لأنّ المفروض أنّ هذه القطعة الّتي قطعا وقعت بلا قصد، فقصده الخروج لا يفيد، لوجوب القصر ما لم يخرج، ففي المقام حيث انّ هذه القطعة بمنزلة العدم، فقصده العود و المسافرة لا يفيد، لوجوب القصر ما لم يشرع في العود، فتأمّل جيّدا.
و هنا يظهر حكم فرع آخر، و هو أنّه لو تكرّر ممّن خرج عن محلّ الإقامة الذهاب و الإياب، فلا يجوز له القصر إلّا في الإياب الأخير دون الأوّل و إن أبطل الإقامة، و ذلك لأنّ الإياب الّذي يعدمه بالذهاب ثانيا لا يحسب من المسافة. نعم، هذا إذا قصد التكرار من أوّل الأمر، و أمّا إذا بدا له بعد العود من الذهاب فيقصّر على هذا في الذهاب أيضا فضلا عن الإياب، لأنّ هذا الذهاب واقع في أثناء التلبّس بالسفر بعد الخروج عن حدّ الترخّص.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه لو لم يبطل الإقامة فحكمه التمام مطلقا، سواء كان متردّدا في الإقامة ثانيا في محلّ الإقامة أو في غيره أو لم يكن بل كان عازما على عدم إقامة مستأنفة. و أمّا لو أبطلها فحكمه التمام في الذهاب و المقصد و القصر في الإياب و محلّ الإقامة لو لم يكن قاصدا للتكرّر، و إلّا فالقصر في الإياب الأخير، فالقول بالتمام مطلقا و القصر كذلك لا وجه له، كما أنّ التفاصيل المنقولة عن الشهيد الثاني من رسالته المعمولة في هذه المسألة بنتائج الأفكار (1)بيّن صور المسألة بحسب أوضاع محلّ الإقامة و المقصد و الوطن لا أثر لها، فلنرجع إلى:
، و عن العود إلى محلّ الإقامة و عدمه، كما إذا لم يكن معه لوازم السفر فخرج إلى ما دون المسافة غافلا، و هذا لا إشكال فيه أنّه ما دام غافلا، فحكمه
1) لا توجد لدينا.
التمام، لأنّه لم يقصد المسافة، و أمّا إذا التفت، فتارة يبطل الإقامة بأن يقصد بقاءه في الخارج عن محلّ الإقامة مقدارا يبطل الإقامة فيجب عليه القصر حين الشروع في العود لو لم يقصد إقامة مستأنفة، و أخرى لم تبطل الإقامة فحكمه التمام مطلقا.
فعلى هذا لا أثر له في الغفلة، كما أنّ الحكم كذلك لو كان عازما على السفر و كان غافلا عن العود و عدمه، بأنّه لو التفت قبل الصلاة فيتمّ في الذهاب و المقصد و يقصّر في العود و محل الإقامة، لما ذكرنا أنه لا يضمّ الذهاب إلى الإياب مطلقا.
، و لا يخفى أنّ مع عزمه على المسافرة فلا محالة أعرض عن محلّ الإقامة فأبطلها، إلّا أنّه مع ذلك لو لم يصل و عزم على العود إلى محلّ الإقامة فما لم يشرع في العود يجب عليه التمام، لما ذكرنا من أنّ الذهاب في جميع صور المسألة لا يضمّ بالإياب، فلا فرق بين الغفلة و التردّد و النسيان، و إنّما الكلام في المقصد، و قد تقدّم أنّه في حكم الذهاب، لأنّه ما لم يتلبّس بالعود فيكون على حكمه السابق، و أمّا إذا بقي متردّدا فليقصّر حتّى في الذهاب، لأنّه متلبّس بالسفر و يشكّ في إبطال ذهابه، فلا يقاس هذا بصورة أخرى و هو ما لو خرج عن محلّ الإقامة متردّدا في العود مع تردّده في الإقامة في محلّ الإقامة على تقدير العود، أو جزمه بها على العود، لأنّ مرجع هذه الصورة إلى التردّد في المسافرة، لأنّ المسافرة الّتي يتخلل بينها الإقامة ليست بمسافرة على المختار، أو لا يجب فيها القصر.
و على أيّ حال، مع تردّده في الإقامة أو بنائه عليها على تقدير العود لم يجزم على المسافرة الّتي لا يتخلّل بينها الإقامة.
أنّ مدركها هو الإجماع على عدم ضمّ الذهاب إلى الإياب (1)، فاعتذر عن القائلين بالقصر- فيما لو قصد العود لكن لا إلى محلّ الإقامة بل إلى مكان آخر محاذية في الجهة، بينهما مقدار محلّ الترخّص أو أزيد- بأنّ دعوى الإجماع على عدم ضمّ الذهاب إلى الإياب بحيث يشمل المقام على وجه يستكشف منه قول المعصوم عليه السلام واضحة المنع (2). و لا يخفى ما فيه، لأنّ أصل مسألة عدم ضمّ الذهاب إلى الإياب ليس إجماعيّا، فضلا عن أن يكون المدرك في الموارد الّتي يشكّ أنّها من مصاديق ما هو الّذي انعقد عليه الإجماع أوّلا، بل المدرك ما ذكرنا من أنّ ظاهر أدلّة القصر أنّ موضوعه المسافة الامتداديّة، و إنّما ثبت كفاية التلفيق في مورد خاصّ، و في غير هذا المورد لم يقم دليل على كفايته، فعمدة المدرك هو هذا كما لا يخفى.
الثاني: يحكى عن بعض المتأخّرين (3)أنّه يحتسب الذهاب من المسافة دون العود
إذا لم يكن محلّ الإقامة واقعا في أثناء الطريق، أي المسافة المقصودة، و العكس إذا كان كذلك، فالمقيم في النجف
الأشرف إذا خرج بعزم المسافة إلى كربلاء من طريق الماء، أي من طريق الكوفة، فإذا كان قاصدا للرجوع من الكوفة إلى النجف ثمّ من النجف إلى الكوفة فمبدأ المسافة يحسب من خروجه أوّلا من النجف إلى الكوفة، لأنّه واقع في طريق مقصوده، و أمّا في عوده من الكوفة إلى النجف فلا يحسب من المسافة المقصودة، لأنّه يعدمه برجوعه ثانيا من النجف إلى الكوفة، و هذا بخلاف من خرج بعزم المسافرة إلى كربلاء من طريق الحماد، فلو كان قاصدا للكوفة ثمّ العود منها إلى النجف ثمّ إلى كربلاء فمبدأ المسافة العود من الكوفة، لأنّ العود هنا هو واقع في طريق مقصوده، و هو أوّل مبدأ مسافرته دون ذهابه من النجف إلى الكوفة فإنّه يعدمه بالعود. و لكنّه لا يخفى أنّ هذا داخل فيما تقدّم أنّ المتكرّر ذاهبا و جائيا مبدأ مسافته في المقام هو العود الأخير لا العود الذي يعدمه، فإنّ مقتضى ذلك أنّ مبدأ المسافة في المقام هو الخروج ثانيا من النجف إلى الكوفة لا الخروج أوّلا، فإنّ عدم احتساب العود من الكوفة إلى النجف جزء للمسافة و إن كان حقّا إلّا أنّ الذهاب من النجف أوّلا إلى الكوفة حكمه حكم العود، لأنّ كلا منهما يعدم، فالذهاب الأوّل يعدم بالعود، و العود بالذهاب الثاني، و ذلك واضح فتدبّر.
و على هذا فلا وجه لوجوب القصر عليه بمجرّد الخروج في الصورة الأولى و وجوبه في الشروع في العود في الثانية، لعدم الفرق بينهما.
و من هنا ظهر أنّه لا يمكن القول بالقصر مطلقا و جعل الصورة الأولى مقياسا، لما عرفت أنّ الحكم في المقيس عليه ليس هو القصر.
، بل يتوقّف قاطعيّتها إلى قصدها، إنّما الكلام في أنّه هل مقتضى العمومات الأوّليّة مع قطع النظر عن صحيحة أبي ولاد (1)هي قاطعيّة مجرّد القصد فيكون القصد مأخوذا موضوعيّا و معنى اسميّا، أو قاطعيّته مع تحقّق إقامة عشرة أيّام فيكون ملحوظا طريقيّا و معنى حرفيّا؟
فلو قصد الإقامة و بقي تسعة أيّام ثمّ عزم على السفر فلم يتحقّق منه القاطع، وجهان، و الإنصاف أنّه لا يمكن استفادة خصوص كلّ واحد منهما من أخبار الباب، لأنّ بعضها ظاهر في كفاية مجرّد قصد الإقامة، مثل قوله عليه السلام: «إذا أجمع على مقام عشرة أيّام» (2)، و قوله عليه السلام: «و أنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام» (3)و نحو ذلك ممّا رتّب الحكم فيها على نفس العزم و النيّة و الإرادة و الإجماع، و بعضها ظاهر في نفس الإقامة مع القصد، كرواية ابن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض، يخرج فيقيم فيها، يتمّ أو يقصّر؟ قال عليه السلام «يتمّ» (4)، و نحوها ممّا رتّب الحكم على اليقين بالإقامة الظاهر في أنّ اليقين أخذ طريقيّا، بل يمكن دعوى أنّ ما رتّب الحكم فيه على النيّة و الإجماع و نحوهما أيضا
ظاهر في أنّه حيث يعلم ببقائه عشرة أيّام فهو يقصد بقاءه، و إلّا نفس القصد بنفسه ليس به خصوصيّة، و لكنّ الإنصاف أنّه بعد ما تقدّم من أنّ إقامة عشرة أيّام بنفسها ليست قاطعة لموضوع السفر، فلا بدّ إمّا من جعل القاطع مجموع الأمرين، أو خصوص نيّة الإقامة، و الظاهر من الأخبار عدم اعتبار استمرار النيّة في قاطعيّتها للسفر، و مقتضى ذلك أنّه لو بدا له السفر بعد نيّة الإقامة فلا يكشف عن عدم حصول قاطع السفر بل البداء رافع.
و بالجملة، ظاهر الأخبار (1)أنّ في موضوع وجوب القصر اعتبر أن لا ينوي المقام عشرة أيّام، فمجرّد تحقّق النيّة منه يرفع الموضوع، فحصول البداء عن هذه النيّة لا يكشف عن عدم تحقّق الرافع أصلا،: بل غايته أنّ هذا البداء من حين حصوله يرفع الرافع. ثمّ إنّ ثمرة النزاع تظهر فيما لم يشمله صحيحة أبي ولّاد، لأنّه لو كان نيّة الإقامة بنفسها رافعة لموضوع السفر فيجب عليه التمام في المورد الّذي لا يشمله الصحيحة، و أمّا لو لم تكن نفس النيّة كافية بل النيّة الّتي تبعتها الإقامة أو الصلاة تماما ففي مورد الشكّ يجب عليه القصر.
و كيف كان، فلا بدّ من ذكر الصحيحة و إن تقدّم بعض منها، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيّام و أتمّ الصلاة، ثمّ بدا لي بعد أن لا أقيم بها، فما ترى لي أتمّ أم أقصّر؟ قال: «إن كنت دخلت المدينة و حين صلّيت بها
1) وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 524.
صلاة واحدة فريضة بتمام فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها، و إن كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام عشرا و أتمّ، و إن لم تنو المقام عشرا فقصّر ما بينك و بين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة» (1). و لا يخفى صراحة هذه الرواية في وجوب التمام على من صلّى صلاة واحدة بعد نيّته المقام و إن بدا له الخروج إلى المسافة ما لم يخرج، فإنّ أبا ولّاد كان من أهل الكوفة و بدا له الخروج من المدينة المنوّرة إمّا إلى مكّة و إمّا إلى الكوفة، و على أيّ حال بدا له المسافرة، فقال عليه السلام: ما لم تتلبّس بالرحيل إذا صلّيت صلاة المسافرة، تامّة بعد النيّة يجب عليك التمام.
و لا يعارضها صلاة فريضة تامّة بعد النيّة يجب عليك التمام.
و لا يعارضها رواية حمزة بن عبد اللّه الجعفريّ قال: لمّا أن نفرت من منى نويت المقام بمكّة فأتممت الصلاة حتّى جاءني خبر من المنزل فلم أجد بدّا من المصير إلى المنزل، و لم أدر أتمّ أم أقصّر، و أبو الحسن عليه السّلام يومئذ بمكّة فأتيته فقصصت عليه القصّة، قال: «ارجع إلى التقصير، لأنّها غير معمول بها» (2)فمطروحة أو مؤوّلة، و إن كان التأويل بعيدا فحملها الشيخ على أنّه يرجع إلى التقصير بعد المسافرة (3)، أو على أنّ المراد من الصلاة فيها هي النافلة لا الفريضة، أو على عدم
قصد المقام عشرا.
و كيف كان، بعد كون صحيحة أبي ولّاد (1)هي المعمول بها فلا يعارضها ما ينافيها، فالمهمّ بيان ما هو ظاهر الرواية، و المحتملات فيها ثلاثة:
الأوّل: أن يكون المدار على خصوص الصلاة الفريضة التامّة.
الثاني: أن يكون من قبيل ذكر الخاصّ و إرادة العامّ، و هذا على نحوين، لأنّه إمّا يكون كناية عن مطلق الشروع في العمل المشروط صحّته، بالإقامة من صلاة نافلة الظهرين و الدخول في صوم و صلاة جمعة و نحوها، و إمّا أن يكون كناية عن عام أضيق دائرة من السابق، بأن يكون كناية عن عمل مشروط صحّته بالإقامة مع وجوب الإتمام عليه، كما إذا صام إلى بعد الزوال ثمّ عدل عن نيّة الإقامة أو وصل في الصلاة إلى ركوع الثالثة و نحو ذلك، و الأقوى هو الأوّل و إن ادّعى الإجماع على خلافه في المصابيح (2)، و ليس دعواه الإجماع ممّا يمكن طرحه، لاحتمال تشرّفه بحضور الإمام عليه السّلام كما هو المسلّم من جلالته- قدّس سرّه- و سماعه حكم المسألة منه عليه السلام، و نقله بلفظ الإجماع لئلّا يكذّب.
و بالجملة، كونه من قبيل ذكر الخاصّ و إرادة العامّ يحتاج إلى قرينة قطعيّة دالّة على عدم خصوصيّة للخاص، و لولاها يجب الاقتصار على ما
هو المتبادر من الرواية فيحتمل أن تكون الرواية في مقام تقييد الإطلاقات الدالّة على أنّ نيّة الإقامة قاطعة للسفر، فمفادها أنّ مجرّد نيّة الإقامة غير كافية، بل يتوقّف ترتيب آثار الإقامة على الصلاة التامّة، فإلحاق ما لا يجوز على المسافر بالصلاة الفريضة التامّة لا دليل عليه.
و يحتمل أن تكون الرواية في مقام بيان حكم الرجوع عن النيّة كما هو ظاهر السؤال، فيجيب الإمام عليه السلام بأنّه لو عدل قبل الصلاة فيعود إلى حكم سفره السابق، و لو عدل بعد الصلاة فهو في حكم من لم يرجع فلا يقصّر إلّا بإنشاء سفر جديد و التلبّس به فحاصل الاحتمال أنّها في مقام تقييد الإطلاقات الدالّة على أنّ نيّة الإقامة قاطعة للسفر من هذه الجهة، و هو تلازم القاطعيّة مع رجوع القصر إلى التلبّس بالسفر لا مجرّد قصد السفر، فيقول عليه السلام: إنّ نيّة الإقامة موجبة لعدم رجوع حكم القصر إلّا بالتلبّس، إلّا فيما إذا عدل قبل الصلاة فإنّه لا يحتاج إلى التلبّس، و حاصل هذا المعنى: أنّ نيّة الإقامة و إن كانت موجبة للتمام- سواء عدل عنها أو لم يعدل- إلّا أنّه مخصّص بما إذا عدل قبل الصلاة، فإنّه يجب عليه التقصير و إن انقطع سفره.
و الأوّل بعيد جدّا، إلّا أنّه لو كان التقييد متّصلا لكان الأمر كذلك، لأنّ الجمع بين ما دلّ على أنّ موضوع القصر إنّما يتحقّق فيما إذا لم ينو في أثناء المسافة إقامة عشرة أيّام، و بين صحيحة أبي ولاد (1)الدالّة
1) وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 532.
على أنّ النيّة مضرّة بموضوع القصر إذا لم يعدل عنها يقتضي أن يكون القاطع لموضوع السفر النيّة الّتي لم يتعقّبها الرجوع. فعلى هذا، الرجوع عن النيّة كاشف عن عدم تحقّق القاطع حتّى بعد الصلاة أيضا.
نعم، ثبت تعبّدا أنّ المصلّي تماما مع أنّه عاد سفره السابق يجب عليه القصر ما لم يتلبّس بالسفر، فكلّ ما شك أنّه ملحق بالصلاة فالأصل عدم الإلحاق، لأنّه بعد ما بطلت نيّة الإقامة من الأصل لكشف الرجوع عنه فيبقى على حكمه السابق و هو القصر. و أمّا إذا كان التقييد منفصلا- كالمقام- فغاية ما يقتضيه التقييد أنّ الرجوع قبل الصلاة في حكم عدم تحقّق القاطع، و لا يقتضي تقييد القاطع بعدم الرجوع فلا يكشف عن أنّ مع الرجوع لم يتحقّق القاطع، بل مقتضى ذلك أنّ الرجوع ناقل، و من حينه يرتفع أثر قاطع موضوع السفر.
هذا مع أنّ ظاهر السؤال ليس في مقام حكم الرجوع من حيث أنّه كاشف أو ناقل، لما عرفت من أنّ أبا ولاد كوفيّ، فإمّا أراد الخروج إلى مكّة أو إلى الكوفة، فمفروض سؤاله هو إنشاء السفر الجديد، فالإمام عليه السلام في مقام بيان أنّ الصلاة التامّة حكمها حكم بقاء نيّة الإقامة، فما لم يخرج من المدينة لا يجوز له القصر.
و بالجملة، إلحاق الشروع في كلّ ما لا يجوز على المسافر بالصلاة الفريضة التامّة يتوقّف على القطع بعدم خصوصيّة لها و إلّا يكون من القياس، و ما أفاده الشهيد الثاني- قدّس سرّه- في روض الجنان (1)
1) روض الجنان: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ص 396.
للإلحاق مطلقا لا يستقيم.
أمّا وجه إلحاق العمل الّذي إذا شرع فيه يجب عليه إتمامه، فمحصّل ما أفاده أنّه من نوى الإقامة و صام ثمّ سافر بعد الزوال فإمّا أن يجب عليه الإفطار أو لا، لا سبيل إلى الأوّل، للأخبار الدالّة على وجوب المضيّ على الصوم بعد الزوال و إن خرج من بيته مسافرا، فتعيّن الثاني، و حينئذ فلا يخلو إمّا أن نحكم بانقطاع حكم الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال و قبل الخروج لا سبيل إلى الأوّل، لاستلزامه وقوع الصوم الواجب سفرا و صحّته بلا نيّة الإقامة، و هو غير جائز إلّا في موارد خاصّة، كالصوم المنذورة، و نحوه كبدل الهدي، فتعيّن عدم انقطاع حكم الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال، سواء سافر أو لم يسافر، إذ لا مدخل للسفر في صحّة الصوم و تحقّق الإقامة، بل حقّه أن يتحقّق مع عدمه، و قد عرفت عدم تأثير السفر في صحّة الصوم، فإذا لم يسافر بقي على التمام إلى أن يخرج.
و فيه: أنّه لا مانع من اختيار انقطاع حكم الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال، و استلزامه صحّة الصوم بلا نيّة الإقامة لا محذور فيه، لأنّ الصوم يعتبر فيه الحضور أو الإقامة ابتداء و استدامة إلى الزوال، و أمّا اعتبار استدامتها بعد الزوال فلا دليل عليه حتّى يستكشف منه عدم انقطاع الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال.
و أمّا وجه إلحاق مطلق ما لا يصحّ من المسافر الشروع فيه تماما إلّا بعد نيّة الإقامة هو أنّه بعد ما دخل فيه صحيحا، لأنّه نوى الإقامة، فإذا
قلنا بأنّ الرجوع عن الإقامة مبطل لها فيلزم أن يبطل العمل أيضا مع عموم قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ (1)، فمن جهة حرمة الإبطال لا بدّ من الالتزام بأنّ الرجوع عن الإقامة لا أثر له، و مجرّد جواز إبطال الصوم بالمسافرة قبل الزوال لا يوجب جواز إبطالها بالرجوع عن الإقامة قبل الزوال.
و فيه: أنّه من قبيل التمسّك بالعموم مع الشكّ في المصداق، لأنّ الإبطال يحرم فيما لو كان العمل صحيحا من غير جهة الإبطال، و في المقام لو قلنا بأنّ العدول عن الإقامة يبطلها فلا يبقى العمل صحيحا حتّى يحرم إبطاله.
فالعمدة في المقام استفادة حكم الفروع المتفرّعة في الباب من نفس مدلول الرواية، فلو قلنا بأنّ العدول كاشف عن عدم تحقّق القاطع للسفر فمقتضاه أنّه لو نوى الإقامة و لم يصلّ في مجموع الوقت- إمّا تعمّدا أو نسيانا- ثمّ رجع عنها بعد خروج الوقت قبل القضاء أن يكون القضاء واجبا عليه قصرا، فإذا وجب القصر بالنسبة إلى القضاء مع أنّه فات الصلاة عنه في مورد قصد الإقامة فلازمه وجوب القصر بالنسبة إلى كلّ ما يصلّيها بعد الرجوع.
و أمّا لو قلنا بأنّ العدول ناقل كما هو المختار على ما تقدّم من الفرق بين التقييد بالمتّصل و المنفصل، فإنّ المتّصل يوجب عدم انعقاد الظهور
1) محمد: 33.
للمطلق إلّا بمقدار المتيقّن، و أمّا المنفصل فعكس ذلك، لأنّه لا يوجب رفع الظهور عن المطلق إلّا بالمقدار المتيقّن منه، و المتيقّن من صحيحة أبي ولاد (1)أنّه في مقام بيان حكم بعد الصلاة تماما، و حكم الرجوع قبل الصلاة في وقتها- في أنّه لا يحتاج القصر إلى التلبّس، و ليست ناظرة إلى أنّ الرجوع كاشف أو ناقل، و لا إلى أنّ الرجوع قبل الصلاة في خارج الوقت- حكمه ما ذا؟
فبالنسبة إلى نفس القضاء فمقتضى استمرار التمام عليه، لبقاء نيّة الإقامة إلى آخر الوقت، و عدم استفادة بطلانها من الأوّل من دليل من الأدلّة أن يكون التمام واجبا عليه، و أمّا بالنسبة إلى سائر الصلاة الواجبة عليه فالإنصاف أنّ استفادة حكمها من الرواية مشكل، لظهورها مع فعليّة التمام بمجرّد وجوب التمام عليه، و استقراره كذلك لا يندرج فيها، سواء تركها عمدا أو نسيانا.
نعم، لو قضاها خارج الوقت ثمّ عدل فيجب عليه التمام في سائر الفرائض ما لم يتلبّس بالسفر، لصدق أنّه صلّى فريضة بتمام.
و إذا ظهر حكم هذا الفرع فلنرجع إلى حكم سائر الفروع:
فمنها: ما إذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الإقامة لشرف البقعة- كمواطن التخيير- لغفلته عن نيّة الإقامة، و الأقوى شمول الحكم له، لأنّ المفروض أنّه نوى ما هو وظيفته، و تخيّله بأنّه أحد فردي التخيير لا يضرّ بقصده، و ما يتخيّل من أنّ ظاهر الرواية إتيان الفريضة التامّة
1) وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 532.
عن نيّة الإقامة و الموصلي تماما في مواطن التخيير و إن كانت صلاته صحيحة لتحليل داعيه فإنّ الموارد من أظهر موارد الخطأ في التطبيق، إلّا أنّه لم يأت بما هو وظيفته عن داعي كونه ناويا للإقامة فاسد، فإنّه لم تتقيّد الرواية بأن يكون الإتمام بهذا الداعي، و ما أفاده في الروض (1)من أنّ التمام كان سائغا له بحكم البقعة فلم تؤثّر نيّة المقام، ففيه أنّ نيّة المقام تؤثر في المقام ... (2)واقعا، غاية الأمر هو نسي المؤثر و أتى بالتمام لداع آخر و بعد فرض أن صلاته صحيحة، لأنّ هذا الداعي المتحقّق مع قصد ما هو المأمور به واقع لا يضر بقصده، فتكون في حكم ما أتى بها بداعي نيّة الإقامة.
و منها: ما لو نوى الإقامة عشرا في أثناء الصلاة الّتي نواها ابتداء قصرا ثمّ أتمّها تماما ثمّ رجع، و الأقوى كونها ملحقة بما إذا وقع مجموع الصلاة بعد النيّة و قبل الرجوع.
و لا وجه لإلحاق الروض (3)هذه الصورة بالصورة السابقة في الإشكال، أمّا (أوّلا) فلما عرفت أنّ السابقة لا إشكال فيها، أمّا (ثانيا) فللفرق بينهما، فإنّ في الأولى لم يقع التمام بنيّة الإقامة و لم تؤثّر فيه، و هذا بخلاف الصورة الثانية فإنّ المفروض أنّ الإتمام من أثر الإقامة. نعم، في أوّل الشروع لم يكن آتيا بها عن نيّة الإقامة، و ليس
في النصّ إلّا اعتبار إتيان الفريضة التامّة بعد نيّة الإقامة. نعم، مورد السؤال كان فيمن صلّى بعد النيّة لأنّه دخل المدينة ناويا ثمّ صلّى، و لكنّ المدار على عموم الجواب.
و منها: ما لو صلّى تماما بعد النيّة غافلا عن نيّة الإقامة ثمّ رجع، و الأقوى كونه كمن كان ملتفتا بعد فرض صحّة صلاته، لأنّه أتى بما هو وظيفته بعد نيّة الإقامة و رجع بعد الصلاة، فيشمله الصحيحة.
و منها: ما لو نوى الإقامة ثمّ نسي عن (1)النيّة فصلّى به نيّة القصر ثمّ أتمّ أربعا ناسيا ثمّ رجع، و الأقوى عدم كفاية هذه الصورة، لأنّ هذه الصلاة باطلة، فإنّ التمام و القصر ماهيّتان متباينتان، و لا يجري الخطأ في التطبيق فيهما كما ذكرنا ذلك في أوّل أحكام الصلاة في باب النيّة.
و منها: ما لو أتمّ الصلاة لنسيان كونه مسافرا ثمّ نوى الإقامة بعدها ثمّ رجع، و الأقوى كون هذه الصلاة في حكم العدم، لأنّ الإقامة ليست شرطا متأخّرا لصحة التمام و لا كاشفا عنها، و مجرّد قيام الدليل على أنّه لو لم يتذكر إلّا بعد خروج الوقف لا يجب عليه القضاء لا يلحقه بالتمام في جميع الآثار، و ذلك واضح.
و منها: لو صلّى تماما ناسيا مع التفات كونه مسافرا و إلى أنّ حكمه التقصير، و بالجملة: أتمّها غافلا ثمّ بعد الصلاة عزم الإقامة ثمّ رجع
1) كذا في الأصل، و الظاهر أنّ «عن» زائدة.
عن عزمه، و الأقوى عدم تأثيرها في وجوب الإتمام أصلا، بل هذا القسم في عدم التأثير أظهر من سابقه، لأنّ هذه الصلاة ليست مجزئة أصلا، سواء تذكّر في الوقت أو بعد الوقت، و مجرّد نيّة الإقامة بعدها لا أثر لها، سواء بقي على الإقامة أم لا كما في المقام.
فتحصّل: أنّ كلّ مورد أتمّ الصلاة على طبق ما هو وظيفته فيلحق بما إذا كان التمام به نيّة الإقامة، و كلّ مورد لم يكن كذلك فالإلحاق لا وجه له، فعدّ الروض (1)جميع الصور ذا وجهين لا وجه له، فراجع.
هذا كلّه حكم أقسام الصلاة الواجبة، و أمّا الصوم الواجب فتارة (2)يلاحظ بالنسبة إلى نفسه، فلا إشكال في أنّه لو عدل عن نيّة الإقامة بعد الفراغ منه فهذا الصوم صحيح على ما تقدّم من أنّ العدول ناقل، لأنّه وقع في حال الإقامة، و العدول عنها لا يضرّ ما تقدّم و إنّما يؤثّر في ما يأتي، و لو عدل بعد الزوال فحكمه حكم ما إذا عدل بعد الغروب، و ما أفاده في الروض (3)قد عرفت ما فيه. و أمّا لو عدل قبل الزوال فصحته مبنيّ على أن تكون الصحيحة في بيان ذكر الخاصّ و إرادة العامّ، بمعنى أن الشروع في كلّ ما لا يصحّ من المسافر كاف لترتيب آثار الإقامة بعد العدول عنها، فيكون كالقيام في الركعة الثالثة، و سيجيء حكمه.
و أمّا بالنسبة إلى الصلاة و سائر آثار الإقامة، فلو قلنا بأنّ الصحيحة
كناية عن الشروع في كل ما لا يصحّ من المسافر فلا إشكال في أنّ الشروع في الصوم كاف لترتيب آثار الإقامة و لو عدل عنها قبل الزوال، فضلا عمّا إذا عدل عنها بعد الزوال أو بعد الغروب و لو منعنا عن ذلك كما هو كذلك، لعدم القطع بإلغاء الخصوصيّة، فكفايته عن آثار الإقامة للصلوات المتأخّرة عن العدول- و للصوم كذلك- ممنوع.
نعم، هنا شيء لا يبعد أن يكون موجبا لإلحاق الصوم التامّ بالصلاة التامّة، و هو أنّ ظاهر ذيل الصحيحة، و هو قوله عليه السلام:
«و إن لم تنو المقام عشرا فقصروا ما بينك و بين شهر» (1)عدم اختصاص القصر بالنسبة إلى الصلاة مع ارتكازيّة اتّحاد حكمها مع الصوم، فيكون الصدر أيضا كذلك، فتأمّل. فإنّ كونهما متّحدي الحكم إجماعا غير ظهور الرواية في ذلك، و هي ليست إلّا في مقام بيان الصلاة، و يشهد له قوله عليه السلام بعد ذلك: «فإذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة» (2).
و أمّا الصوم المندوب و النوافل المرتّبة فلا تؤثّر في بقاء حكم الإقامة لو عدل عنها قبل الصلاة الفريضة، لعدم القطع بكون الرواية كناية عن إتمام كلّ ما لا يجوز على المسافر.
بقي هنا فروع أخر لا بأس بالتعرّض عنها(3):
إلّا إذا كانت الرواية كناية، و قد عرفت منعها. نعم، لا يبعد أن يقال: إنّ قوله عليه السلام: «و صلّيت بها فريضة تامّة» (1)ليس ظاهرا في وقوع الصلاة بل المضيّ في أمثال هذه الموارد مستعمل في مجرّد التلبّس، و من تلبّس بما لا يجوز على المسافر من الصلاة التامّة يصدق عليه أنّه صلّى فريضة واحدة بتمام، فتأمّل. و على هذا، فشمولها لمن دخل في الركوع الثالث لا إشكال فيه.
، إلّا أنّه لا شبهة أنّ مجرّد مضيّ الوقت مع النيّة بلا تعلّق وجوب تكليف عليه لا يفيد، لبقاء أثر الإقامة، فلو نوى الإقامة قبل الوقت ثمّ أغمي عليه أو جنّ أو حاضت و عدل عنها بعد الوقت فيجب عليه القصر، لعدم تأثير نيّة الإقامة في القضاء، فلا وجه لبقاء أثر نيّة الإقامة بعد العدول.
، و أمّا إذا أتمّها فعدل فلا أثر للعدول و إن لم يصلّ في تمام العشرة لعذر مسقط للتكليف، كالحيض و نحوه، لأنّ اعتبار فعل الصلاة تماما إنّما هو للرجوع قبل إتمام العشرة المنويّة، و أمّا بعدها- فسواء رجع أو لم يرجع، و سواء صلّى أو لم يصلّ- فوجب عليه التمام إلى أن يتلبّس بالسفر الجديد.
1) وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب صلاة المسافر قطعة من ح 1 ج 5 ص 532.
، فتارة يقع الشكّ في الوقت و اخرى في خارج الوقت، فلو كان في الوقت فلا إشكال في أنّه لم يحرز بأصل من الأصول إتيان الصلاة، فيرجع إلى القصر و يقصّر في هذه الصلاة الّتي شك في إتيانها.
و أمّا لو كان الشكّ بعد الوقت فمقتضى قاعدة الشكّ بعد الوقت أنّه لا يجب عليه إعادة الصلاة، و لكنّ الإشكال في أنّه هل تترتّب آثار الإقامة مع الصلاة تماما على هذه الصلاة الّتي حكم بإتيانها بمقتضى قاعدة الحائل أم لا؟ الأقوى أنه تترتّب عليها لا من باب كون القاعدة أمارة لا أصلا لكونها أصلا على ما حقّق في الأصول، بل لأنّ الأثر مترتّب على إتيان ذات الصلاة لا على لوازمها، و الصلاة بعد فرض كونها مأتيّا بها بحكم القاعدة يتحقّق موضوع آثار الإقامة، لأنّها مترتّبة على نيّة الإقامة المحرزة بالوجدان، و الصلاة تماما عن نيّة الإقامة المحرزة بالتعبّد، فتحقّق كلا الجزئين.
و بعبارة أخرى: كون القاعدة أمارة أو أصلا إنّما يثمر في إثبات اللوازم، و أمّا مثبتيّة نفس المؤدّى فلا إشكال في أنّه من أثر نفس اعتبار الأصل، فإذا كان مفاد الأصل تحقّق الصلاة فيرتّب عليه جميع الآثار.
فعلى هذا لو صلّى به نيّة (1)التمام، و بعد السلام شكّ في أنّه سلّم على
1) كذا في الأصل، و الصحيح: «بنيّة».
الأربع أو على الاثنتين، فاقتضاء قاعدة الفراغ أنّه سلّم على الأربع يلازم كفاية هذه الصلاة لترتيب آثار الصلاة التامّة، فالعدول بعده عدول بعد الصلاة تماما.
نعم، لو شكّ في أثناء الصلاة بين الاثنتين و الأربع و بنى على الأربع، ثمّ قبل إتيان صلاة الاحتياط عدل عن نيّة الإقامة، فهذا لا يكفي عن الصلاة التامّة، لأنّ البناء على الأربع ليس معناه وقوع الأربع، بل عدم لزوم إتيان ركعتين موصولتين.
نعم، إذا شكّ بين الثلاث و الأربع يدخل في المسألة السابقة، و هو كفاية الدخول في الركوع الثالث عن الصلاة التامّة و عدمها.
، فتارة كلّ منهما مجهول التاريخ و أخرى أحدهما معلوم التاريخ، فإذا كان كلّ منهما مجهول التاريخ فحيث أنّ الأصل في كلا الطرفين متعارض مع الآخر فيرجع إلى حكم القصر و ينبئ على صحّة صلاته، أمّا صحّتها فلقاعدة الفراغ، و أمّا الرجوع إلى حكم القصر، لأنّ الشرط في البقاء على التمام هو وقوع الصلاة قبل العدول و هو مشكوك.
و أمّا لو كان أحدهما معلوم التاريخ، فلو كان تاريخ العدول معلوما فالحكم كالسابق، و هو واضح بالنسبة إلى بقاء حكم القصر، و أمّا صحّة الصلاة فلأنّ استصحاب تأخّرها لا يثبت وقوعها بعد العدول، فقاعدة الفراغ محكمة. و لو كان تاريخ الصلاة معلوما فقد يتوهّم أنّه
يترتّب عليها أثر الإقامة، و لكنّه لا يخفى أصالة تأخّر العدول لا يثبت أنّه وقع الصلاة قبل العدول، بل لو كان لنفس تأخّر العدول أثر يرتّب عليه لا لازمه. فعلى هذا لا فرق بين مجهولي التاريخ و العلم بتاريخ أحدهما في أنّ مقتضى القاعدة صحّة الصلاة و الرجوع إلى القصر بالنسبة إلى الآثار الباقية.
نعم، يتولّد هنا علم إجماليّ، و هو العلم إمّا بوجوب إعادة الصلاة، و إمّا العلم بلزوم ترتيب آثار الصلاة تماما، فالحكم بصحة الصلاة و الرجوع إلى القصر بعد ذلك لا يجتمعان، و مقتضى العلم الإجماليّ هو إعادة الصلاة قصرا، و الجمع بين القصر و الإتمام في الصلوات المتأخّرة، فتأمّل، فافهم.
، ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوها فرجع هو أيضا عن قصده، فالأقوى وجوب التمام عليه ما لم يسافر.
و ما أفاده في العروة- من أنّه لو قيّد قصده بقصدهم فيرجع إلى التقصير و لو كان اعتقاده داعيا له إلى القصد فيتمّ (1)- لا يرجع إلى محصّل، لأنّ القصد حيث أنّه إنشاء لا يعقل أن يكون مقيّدا بقصد.
نعم، يمكن أن يكون الإنسان بانيا على البقاء مطلقا، و أن يكون بانيا عليه إن لم يرتحلوا، و لكن بعد اعتقاده ببقائهم فلا محالة قاصد للبقاء.
1) العروة الوثقى: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 1 ص 761.
و إذا كان شاكّا فلا يتمشّى منه القصد، فكونه قاصدا و مع هذا كان قصدها معلّقا لا معنى له، فتأمّل جيّدا.
قد تقدّم في أوّل بحث القواطع أنّ التردّد ليس من قواطع أصل السفر، و إنّما هو من قواطع استمراره، و لذا لم يعدّ في أغلب المتون هذا من القواطع و إنّما ذكروه في أحكام السفر.
، و قد تقدّم أنّه قاطع للموضوع كالإقامة و المرور على الوطن، غاية الفرق بينه و بين الإقامة أنّه قاطع له من جهتين: الأولى: من جهة كون الشارع في مقام تحديد الموضوع العرفيّ، و يحدّده بالنسبة إلى الجازم بعشرة أيّام، و بالنسبة إلى المتردّد بشهر و الثانية: أنّه قيد موضوع القصر بما إذا لم يبق قاصد المسافة في أثناء سفره في محل واحد متردّدا إلى شهر، بأن يقول: أخرج اليوم أو غدا.
نعم، الوجه الثالث الدالّ على قاطعيّة نيّة الإقامة عشرة أيّام لموضوع السفر- و هو خبر أبي ولاد (1)- لا يجري في المقام. نعم، نظير خبر أبي ولاد رواية أبي بصير في المقام، ففي ذيلها: «فإذا بلغ الشهر فأتمّ الصلاة
1) وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 525.
و الصيام و إن قلت: ارتحل غدوة» (1)فإنّ الارتحال عبارة عن الخروج إلى المسافة لا الخروج إلى ما دون المسافة، و هكذا قوله: «هم بمنزلة أهل مكّة» في موثّق إسحاق بن عمّار (2)يجري بالنسبة إلى المتردّد.
و على أيّ حال، يكفيه الوجهان الأوّلان، لا سيّما الثاني منهما فإنّه غير قابل للمناقشة.
، و الأقوى هو الثاني مطلقا، فإنّ الشهر فإن كان معناه- لغة بل عرفا- هو بين الهلالين، سواء كان ثلاثين يوما أو تسعة و عشرين يوما، فهو مشترك معنويّ بين المصداقين، و ثلاثون هو مصداقه الكامل، إلّا أنّ صريح حسن؟؟؟ علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيّوب قال: سأل محمّد بن مسلم أبا جعفر عليه السلام و أنا أسمع عن المسافر إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيّام، قال: «فليتمّ الصلاة، فإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعدّ ثلاثين يوما ثمّ ليتمّ و إن أقام يوما أو صلاة واحدة. إلخ» (3)يوجب تقييد الشهر بثلاثين يوما، فكون جميع الروايات ما عدا الحسنة ظاهرا في كفاية مطلق الشهر لا أثر له.
ثمّ لا ينافي حمل المطلق على المقيّد رواية ابن وهب، و في ذيله:
«إذا دخلت بلدا أوّل يوم من شهر رمضان و لست أدري أن أقيم عشرا، قال: «قصّر و أفطر»، قلت: فإن مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد، فأفطر الشهر كلّه و أقصّر؟ قال: «نعم، هما واحد، إذا قصّرت أفطرت، و إذا أفطرت قصّرت» (1)، فإنّ الإمام عليه السلام في مقام دفع ما توهّمه السائل و تعجّب منه أنّه كيف يمكن أن يفطر الإنسان في جميع الشهر، و ليس في مقام بيان أنّ الشهر هو بين الهلالين، و أنّه لو كان تسعة و عشرين فيتمّ بعدها.
و بالجملة، ظهور الحسنة في اعتبار الثلاثين و عدم كفاية الأقل منه غير قابل للإنكار فيقيّد ما هو الدالّ على كفاية الشهر.
ثمّ لو قيل بكفاية الشهر فالفرق بين ما إذا وقع التردّد أوّل الشهر أو وسطه باعتبار الثلاثين لا وجه له، لأنّ حمل كفاية الشهر على الصورة الأولى و اعتبار الثلاثين على الثانية يحتاج إلى شاهد، فلو قلنا بكفاية ما بين الهلالين، فلو كان ابتداء التردّد في الثاني من الشهر فلا بدّ من كفاية تسعة و عشرين، إذا كان الشهر ناقصا فليتمّ في الثاني من الشهر الآتي، لأنّ كلّ ما ورد الحكم على عنوان الشهر فالمدار عليه كان ناقصا أو تامّا، كان مبدأ الحكم أوّل الشهر أو وسطه، لأنّ الشهر عبارة عن مقدار بياض بين الهلالين لا عن خصوصيّة ابتداء الرؤية إلى ابتداء رؤية هلال الشهر الآتي، و إلّا لو كان كذلك فلا يكفي للثلاثين يوما أيضا،
1) وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 17 ج 5 ص 528 و فيه: «لست أريد».
فمع كفايته كما هو المسلّم فلا بدّ من الالتزام بكفاية مقدار بين الهلالين، فلو كان مبدأ تردّده أوّل الفجر من اليوم الثاني فمنتهاه آخر اليوم من اليوم الأوّل من الشهر الثاني لا اليوم الثاني منه حتّى يكون المقدار ثلاثين يوما، فالتفصيل لا وجه له.
، و الظاهر أنّه اتّفاقيّ، بل الحكم مطرد على كلّ ما ورد الحكم على الشهر كما عرفت، فالتلفيق لا يضرّ
، و هو اعتبار الإقامة في محل واحد، و حكم الخروج إلى ما دون المسافة، و حكم بطلان الإقامة و العود إلى محلّ الإقامة، و التوقّف على إنشاء سفر جديد، و التلبّس به في عود القصر.
و تنقيح البحث عنه يتمّ برسم مسائل:
من أن يكون واجبا أو مستحبّا أو مباحا أو مكروها، فهذا مقابل لخصوص الحرام، فمرجع هذا الشرط إلى أن لا يكون السفر معصية، ثمّ المراد من كون السفر معصية على ما يستفاد من النصوص و الفتاوى أعمّ من أن يكون نفس السير معصية، كالفرار من الزحف و الإباق و النشوز، أو كان السير مباحا و لكن يسير لغاية محرّمة، كالسرقة و السعاية على ضرر بقوم من المسلمين و نيل المظالم من الجائر، و نحو ذلك، كما إذا كان العبد قاصدا الإباق بعد ذلك و هكذا الزوجة، أي إذا كانا مأذونين من السيّد و الزوج في السفر و لكنّهما قصدا المعصية بعد ذلك.
و يظهر من الروض (1)اختصاص الحكم بالثاني، و تبعه المقدّس
1) روض الجنان: في صلاة السفر ص 388.
البغداديّ على ما حكي عنه في الجواهر (1)، و استدلّ في الروض على الاختصاص بأنّه لو يشمل الحكم ما إذا كان نفس السفر معصية لم يتحقّق الترخّص إلّا لأوحديّ من الناس، لاستلزام السفر للمعصية نوعا. و يظهر من قائل مجهول الاسم اختصاص الحكم بالأوّل (2)، لأنّه لو كانت غاية السفر محرّمة فيدخل السفر في مقدّمة الحرمة الّتي ليست محرّمة بلا إشكال، و لكنّه لا يخفى ما فيهما.
أمّا في الثاني فلأنّه اجتهاد في مقابله النصّ، فعن عمّار بن مروان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر و أفطر إلّا أن يكون رجلا سفره إلى صيد، أو في معصية اللّه، أو رسولا لمن يعصي اللّه، أو في طلب عدوّ أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين» (3)، و عن سماعة قال: سألته عن المسافر. إلى أن قال: «و من سافر قصّر الصلاة و أفطر إلّا أن يكون رجلا مشيّعا لسلطان جائر، أو خرج إلى صيد» (4)و في الحديث: «سبعة لا يقصّرون الصلاة.
إلى أن قال: «الرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الّذي يقطع السبيل» (5)، و عن أبي سعيد الخراسانيّ قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا عليه السلام بخراسان فسألاه عن
1) جواهر الكلام: كتاب الصلاة في اعتبار كون السفر سائغا ج 14 ص 258.
2) انظر جواهر الكلام: كتاب الصلاة في اعتبار قطع السفر. ج 14 ص 260.
3) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 509.
4) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 510.
5) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 510.
التقصير، فقال لأحدهما: «وجب عليك التقصير، لأنّك قصدتني»، و قال للآخر: «وجب عليك التمام، لأنّك قصدت السلطان» (1)، و لا يخفى دلالتها على أنّه لو كان غاية السفر محرّمة يجب التمام على الناوي لها.
و أمّا في الأوّل فمضافا بشمول الأخبار له- لكون السفر معصية اللّه سبحانه- أنّ ما أفاده من لزوم اختصاص القصر بالأوحديّ من الناس ففيه: أنّه فرق بين ما إذا كان نفس السفر من حيث عنوان ذاته محرّما، و أن يكون مستلزما للحرام، و محلّ الكلام هو الأول لا الثاني، فنشوز الزوجة و إباق العبد نفس مسافرتهما نشوز و إباق، لأنّ بهما يتحقّق النشوز و الإباق، لا أنّ النشوز و الإباق غاية للسفر. نعم، يمكن ذلك أيضا كما تقدّم، فعلى هذا جميع ما كان السفر ملازما لمعصية أو كان حرمته من باب اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضدّ فخارج عن الأخبار، بل أكثر الفتاوى، فالسفر للفرار عن الدين و لترك الجمعة بعد وجوبها و لترك الوقوف بعرفات و نحو ذلك ليس سفر معصية، فلا وجه لعدّ أمثال ذلك من قبيل النشوز و الإباق. نعم، لو فرضنا أنّه صار السفر علّة تامّة لمخالفة أداء الدين، بحيث لو كان في بلده لأوفاه و لو خوفا على عرضه فيدخل في سفر المعصية.
و على أيّ حال، عدّ الخروج لترك الجمعة من سفر المعصية،
1) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 510.
و هكذا السفر لترك التعلّم من أفراد سفر المعصية لا وجه له. أمّا الأوّل، فلما ذكروه شرّاح روضة البهيّة على قوله- قدّس سرّه- و يحرم السفر إلى مسافة توجب تفويت الجمعة بعد الزوال على المكلّف بها، لتفويته الواجب و إن أمكنه إقامتها في طريقه، لأنّ تجويزه- على تقديره- دوريّ، فأوردوا عليه بأنّه على هذا التقدير يلزم من تحريم السفر عدم تحريمه، لأنّه متى حرم السفر لم يسقط الجمعة، فلو لم تسقط فلا وجه لتحريمه (1).
و هذا الإشكال و إن أجاب عنه المحقّق السلطان- قدّس سرّه- بأنّه مغالطة، إذ العلّة للحكم بتحريم السفر هو تفويت الجمعة على تقدير جواز السفر، و هذا المعنى- أي استلزام جواز السفر تفويت الواجب كان باقيا في حال التحريم أيضا غير زائل حتّى يلزم بزواله زوال التحريم، و ليس علّة التحريم المذكور فوت الواجب مطلقا حتّى يقال:
إنّه زائل حال التحريم، فإنّ زواله حينئذ بسبب التحريم، و يكفي للحكم بالتحريم أنّه لو لم يكن التحريم لزم الفوات (2)، انتهى.
و الصواب (3)أن يقال: إنّ السفر لو كان بنفسه معصية فهو غير مستلزم لفوات الجمعة، و أمّا لو كان بنفسه جائزا فهو مستلزم لفواتها.
و أمّا الثاني، فلأنّ تارك التعلّم إنّما يكون عاصيا بتركه لا بالسفر،
إلّا إذا كان ضدّا له و قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، بل بناء على القول به أيضا لا يدخل في موضوع الأخبار، لأنّ ظاهر قوله عليه السلام: «في معصية اللّه» أن يكون السفر محرّما نفسيّا، فدخول المحرّم الغيريّ لا وجه له. فعلى هذا، فلو قلنا بامتناع اجتماع الأمر و النهي فالمسافرة في أرض الغير أو على الدابّة المغصوبة و إن كانت محرّمة إلّا أن هذه لا تدخل في موضوع الأخبار، أي لا تشملها الأدلّة، لأنّ هذه لا تدخل في موضوع الأخبار، أي لا تشملها الأدلّة، لأنّ ظاهرها أن يكون نفس السفر معصية لا ما إذا اتّحد مع عنوان محرّم أو صار ملازما له. ثمّ إنّه لو قلنا بأنّ قضاء الصوم المضيّق يوجب وجوب الإقامة و حرمة السفر إلّا أنّه مع ذلك هذه الحرمة المستلزمة لتفويت الواجب لا يشملها الأخبار.
و حاصل الكلام: أنّ الأخبار تشمل صورتين (إحداهما) ما إذا كانت غاية السفر محرّمة، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة أو للزنا و نحوها. (و ثانيهما) ما إذا كان نفس السفر حراما، كالفرار من الزحف و نحو ذلك، و أمّا لو لم يكن داخلا في إحدى الصورتين فلا يوجب و إن استلزم سفره تفويت واجب أو اتّفق فعل محرّم- كالغيبة و نحوها- في أثناء سفره.
، فكما أنّه لو كان في ابتداء سفره قاصدا للمعصية يتمّ فكذلك لو قصدها في أثناءه، سواء كان قبل قطع المسافة أو بعده، لأنّ مقتضى تقييد موضوع القصر- بأن لا يكون السفر معصية- أنه لو عرض هذا القيد في الابتداء و الأثناء
يجب عليه التمام، لأنّ هذا القيد كسائر القيود، كنيّة الإقامة و نحوها.
و بعبارة أخرى: بعد تقييد أدلّة القصر بإباحة تقييدها أنّه كلّما ارتفع القيد ارتفع موضوع القصر، و لازم ذلك أمران:
أحدهما: خروج القطعة الّتي طواها معصية عن السابقة، سواء كان بعد طيّ المسافة أو قبله، و لازمه تبدّل حكم المسافر، و كونه ممّن صلّى قبل ذلك قصرا لا يوجب بقاءه على القصر.
و ثانيهما: توقّف رجوع التقصير إلى إنشاء سفر جديد، و سيجيء ذلك.
فما أفاده شيخنا الأنصاريّ في حاشية النجاة على قول صاحب الجواهر: فلو كان ابتداء سفره طاعة فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخّصه و إن كان قد قطع مسافات.، من قوله: فيه تأمّل مع قطع المسافة الموجبة للقصر (1)، لا نعرف وجهه، و لو كان مقصوده أنّه لو قصد المسافة طاعة ثمّ نوى المعصية فقبل تلبّسه بسفر المعصية لا يتمّ بمجرّد النيّة، ففيه: أنّه- قدّس سرّه- لا يعتبر التلبّس حتّى لو نوى المعصية بعد قطع المسافة. نعم سيجيء أنّ الحقّ هو التفصيل بين الصورتين، و هو- قدّس سرّه- في كتابه و إن لم يفرّق بينهما إلّا أنّه رجوعه عمّا فيه (2).
و على أيّ حال، لا إشكال أنّ قصد المعصية كقصد الإقامة، و عرفت أنّه يوجب تبدّل حكم المسافر ابتداء و استدامة، و السرّ في ذلك
أنّه لو قيل: كلّ سفر نوى الإقامة في أثنائه يتبدّل حكمه صادق على ما إذا كان من نيّته ذلك في ابتداء السفر أو بدا في أثنائه كان ذلك قبل قطع المسافة أو بعده، لأنّ مرجع هذا الكلام إلى أنّ كلّ صلاة يصلّيها المسافر في سفره فإنّما يقصّر فيه ما لم يتحقّق فيه أحد القواطع، و هذا شامل لما إذا تحقّق بعد المسافة.
و توضيح البحث في هذه المسألة يتوقّف على تنقيح أمور:
فيكون الحكم ما داميّا، أي ما دام عاصيا يتمّ و ما دام مطيعا يقصّر من غير نظر إلى كون البقيّة مسافة أو لا، و من غير فرق بين توقّف المسافة على هذه القطعة المتخلّلة بين الطاعتين و عدم توقّفه أو لا، بل لا بدّ من إخراج القطعة القاطعة لموضوع ما يجب فيه القصر؟ وجهان، و الأقوى هو الثاني.
أمّا كفاية المجموع من الطاعتين بانضمام القطعة المتخلّلة بينهما فلا وجه لاحتماله أصلا، لأنّ هذا السير بعد كونه محرّما فوجوده كالعدم، فلا يمكن أن يحتسب من المسافة، و مجرّد قصد قطع ثمانية فراسخ لا يفيد بعد استثناء هذه القطعة بالدليل المنفصل فضلا عن الدليل المتّصل، كرواية عمّار و سماعة المتقدّمتين (1). هذا مع أنّه لو كان مجرّد قصد ثمانية فراسخ كافيا في القصر و لو كان مقدارا منها معصية لزم القول فيما
1) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 509 و ح 4 ص 510.
لو كان في أوّل السفر قاصدا للمعصية ثمّ عدل عن قصدها إلى الطاعة بانضمام الباقي إلى ما مضى و عدم احتياج البقيّة إلى المسافة، و لا قائل به بلا إشكال إلّا في العروة (1)، فإنّه اكتفى بالتلفيق فيما لو كان سفر معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة.
و بالجملة، لو قطع في حال المعصية مقدارا من المسافة فلا يضمّ هذا المقدار إلى البقيّة، فلو توقّف المسافة عليه فالحكم التمام و لو قصد الطاعة، و لا ينافي ذلك إطلاق مرسلة السيّاريّ عن أبي الحسن عليه السلام «أنّ صاحب الصيد يقصّر ما دام على الجادّة، فإذا عدل عن الجادّة أتمّ و إذا رجع إليها يقصّر» (2)، لكونها بهذا الإطلاق غير معمول بها.
نعم، لو كان الباقي مع ما سبق بإسقاط هذه القطعة المتخلّلة مسافة فاحتمال كفاية الضمّ لا يخلو من قائل، كما نسب في الروض (3)إلى الذكرى، و أفتى به في النجاة (4)كما في العروة (5)، و لكنّه لو كان المدرك هذه المرسلة فالأقوى عدم كفايتها في المقام، لأنّها مضافا إلى كونها مرسلة و لم يعمل بها عملا يخرجها عن الضعف مجملة من حيث الدلالة، تارة من جهة لفظ الجادّة لإمكان أن يكون المراد منها الجادّة
الشرعيّة، و اخرى من جهة ظهورها في كون صاحب الصيد بانيا من أوّل سفره على المعصية، و حملها على ما إذا بدا له في الأثناء بعيدها (1).
و كيف كان، فما أفاده شيخنا الأنصاري- قدّس سرّه- من قوله:
فكما أنّ عنوان المسافر موضوع للحكم يرتفع بارتفاعه فكذلك هذه الخصوصيّة و هي كونه مسافرا بسفر حق و متلبّسا به أو مسافرا بسفر باطل و متلبّسا به موضوعان للقصر و الإتمام، يدور مدارهما وجودا و ارتفاعا، ففيه: أنّه لو ارتفع موضوع القصر بالتلبّس بالسفر الحرام فعوده يتوقّف على سفر جديد، و مجرّد أنّه قصد ابتداء الأمر مسافة محلّلة لا يوجب ضمّ الباقي إلى ما مضى مع تخلّل ما قطع موضوع القصر، فلا يقاس قصد المعصية بالتردّد في السير أو الجزم بالعدم ثمّ تجدّد قصد السير في انضمام ما سبق إلى الباقي بعد إسقاط القطعة المتخلّلة في حال الترديد أو الجزم بالعدم، لأنّه لم يقيّد موضوع القصر بأن لا ينوي الخلاف في أثناء السير. نعم، هنا كلام- سيأتي- في أنّ حكم البابين حكم واحد.
ثمّ إنّه- بناء على ما ذكرنا- لا فرق في وقوع المعصية في خطّ المسافة أو في غيره، كما لو ذهب للمعصية يمنة و يسرة، لأنّ السير الّذي يعدمه و إن لم يحسب من المسافة إلّا أنّه لا إشكال في أنّ مجرّد قصد المعصية
1) كذا في نسخة الأصل، و الظاهر أنّ «ها» زائدة. إذ أنّ الشيخ حملها على من سافر بغير قصد الصيد ثمّ بدا له فعدل عن الطريق للصيد.
و التلبس بها يوجب انقطاع حكم المسافر، فعدم كون المعصية واقعا في الخطّ لا يوجب بقاء حكم الطاعة، هذا مع أنّ عوده يحسب من المسافة، مع أنّ الذهاب أيضا قد يحسب من المسافة إذا ذهب معوّجا و قوسيّا بأن لم يرجع من الخطّ الّذي ذهب منه، بناء على ما تقدّم من عدم اعتبار قصد المسافة الشخصية، بل كفاية النوعيّة، فتبدّل القصد من المسافة الشخصيّة إلى غيرها لا يضرّ بقصد المسافة.
و بالجملة، كلّ جزء من السير إذا أردنا أن نضمّه إلى سائر الأجزاء لاعتبار المسافة إذا وقع عن معصية فليتمّ فيه و لو لم يتوقّف المسافة عليه بالفعل، لكون الباقي أزيد، فلا فرق بين كون هذا الجزء من نفس الخطّ المقصود أو من غيره، فاحتمال أن يكون هذا الجزء من قبيل السكونات الواقعة في أثناء السفر من أنّه يجب القصر فيها لا وجه له.
ثمّ بناء على هذا لا فرق بين هذا الواقع في حواشي الجادّة و بين ما إذا وقع في نفس الجادّة من أنه لا بدّ أن يكون الباقي مسافة و لو ملفّقة من أربع ذهابا و أربع عودا، و التلفيق من السابق و اللاحق لا يصحّ في كلا القسمين إلّا إذا اعتمدنا على رواية السيّاريّ (1).
، فكما أنّ كون السفر سائغا شرط لحدوث القصر فكذا بقاؤه عليه شرط لاستدامته، فلو كان في أوّل سفره لم يقصد المعصية و إنّما بدأ له في
1) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 512.
الأثناء انقطع ترخّصه و إن قطع مسافات، و الظاهر أنّ هذا اتّفاقي أيضا كما يظهر من شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- في كتاب الصلاة (1)، فلا يمكن أن يكون حاشيته على النجاة من جهة التفصيل في المسألة بل هو- قدّس سرّه- يردّ توهّم الفرق.
و بالجملة، كلّ جزء من أجزاء السفر إذا وقع عن عصيان يجب فيه التمام و لو بعد قطع مسافات، لأنّه لا بدّ أن يكون بحيث إذا انضمّ إليه سائر الأجزاء التأمت منه المسافة، سواء كان يتوقّف الضمّ فعلا إليه كما قبل المسافة أو شأنا كما بعد المسافة، فمجرّد تحقّق موضوع القصر قبل ذلك لا يوجب أن يبغى حكم القصر و لو ارتفع بعد ذلك.
بل يكفي مجرّد النيّة، أو تفصيل بين قطع المسافة قبله فلا يعتبر و بعده فيعتبر؟ وجوه، و الأقوى هو الأخير.
و توضيح ذلك: أنّ نيّة الخلاف تارة توجب رفع الشرط عن موضوع أحد الضدّين، و اخرى توجب إدخال المنويّ في موضوع الضدّ الآخر، فلو توقّف وجوب التمام على إدخال المسافر في العاصي بسفره فمعلوم أنّ مجرّد نيّة المعصية لا تجعل الناوي عاصيا بسفره.
و أمّا لو كان وجوب التمام مترتّبا على السفر الّذي لم يتحقّق فيه شرائط القصر فلا محالة من القول بالتفصيل، و ذلك لأن قبل قطع
1) كتاب الصلاة: في صلاة المسافر ص 394.
المسافة لو نوى المعصية فقهرا يرتفع موضوع القصر، لأنّ موضوع القصر هو السفر الّذي لم ينو فيه المعصية، فلو ذهب فرسخين- مثلا- عن طاعة ثمّ نوى المعصية فهذه النيّة بنفسها توجب رفع شرط موضوع القصر، لأنّ مجرّد النيّة و إن لم تجعل المسافر عاصيا بسفره ما لم يتلبّس به إلّا أنّه حيث اشترط في موضوع القصر أن لا يكون السفر عن قصد المعصية و لا يعقل أن تكون المعصية الخارجيّة قيدا للقصر فيكون نيّة المعصية كالتردّد الحاصل في أثناء المسافة أو العزم على العدم، فكما أنّ نفس التردّد رافع لشرط القصر و يتمّ بمجرّد حصول هذا الترديد و لو لم يتلبّس بالسير مع الترديد فكذلك في المقام، لأنّه ليس وجوب التمام بمجرّد الترديد إلّا لارتفاع موضوع القصر، لأنّ موضوعه قطع المسافة عن قصد طاعة، فإذا كان موضوعه مقيّدا بأن يكون عن قصده طاعة فمجرّد قصد المعصية يرتفع موضوعه.
و أمّا لو حصلت هذه النيّة بعد قطع المسافة فمجرّد ذلك لا يرفع موضوع القصر، لتحقّقه قبل ذلك، واجدا لجميع قيوده، فارتفاعه ملازم في المقام لدخول الناوي في عنوان ضدّ موضوع القصر، و هو المتلبّس بالسفر عن المعصية، و ما أفاده شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- وجها، لعدم الفرق، غير وجيه.
أمّا الوجه الأوّل، و هو قوله- قدّس سرّه- إنّ السابق و إن كان سفرا مستقلا مباحا إلّا أنّه قد انقض التلبّس به مع فرض اعتباره مستقلا، كما أنّ المقدار الباقي الّذي هو السفر في معصية إذا لوحظ مستقلا لم
يتحقّق التلبّس به بعد، فالّذي يصحّ دعوى التلبّس به فعلا هو المجموع من الماضي و الباقي الملحوظ سفرا واحدا، و لا يخفى أنّه سفر باطل (1)ففيه: أنّه و إن أنقض التلبّس بالماضي و لكن رفع حكم القصر يتوقّف:
إمّا على فقد شرطه، أو على دخوله في موضوع ضدّه، و المفروض أنّ نفس النيّة لا ترفع موضوعه لتحقّقه قبل ذلك، و لا يدخل الناوي في موضوع ضدّه، لعدم تلبّسه به.
و أمّا الوجه الثاني، و هو قوله: استفيد من الروايات- كرواية الفضل الواردة في علّة التقصير- أنّ تقصير الصلاة في المنزل لأجل الجزء المتأخّر من السفر لا المتقدّم، و لهذا لو دخل إلى بلده أو حصل أحد القواطع وجب التمام، و المفروض أنّ الجزء المتأخّر لكونه إلى المعصية لا يوجب الترخّص (2). ففيه: أنّ هذا الوجه و إن كان لطيفا في نفسه إلّا أنّه ليس بحيث يمكن الاعتماد عليه، لأنّ رواية الفضل الواردة في علّة التقصير اثنتان، و ليست كلّ واحدة منهما صريحة في ذلك، أولاهما:
قول أبي الحسن الثاني عليه السلام: «لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، لأنّ كلّ يوم بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم» (3)، و لا يخفى عدم كونها ناظرة إلى هذا المعنى. و ثانيهما: قوله عليه السلام: «و إنّما قصّرت الصلاة في السفر لأنّ الصلاة المفروضة أوّلا إنّما
هي عشر ركعات، و السبع إنّما زيدت فيها بعد، فخفّف اللّه عنه تلك الزيادة لموضع سفره و تبعه و نصبه و اشتغاله بأمر نفسه وضعنه و إقامته، لئلّا يشتغل عمّا لا بدّ له من معيشته، رحمة من اللّه. إلخ» (1)، و لا يخفى أنّ منشأ التقصير و إن كان التعب و المشقّة و لكنّهما يحصلان بضمّ المجموع لا الباقي وحده، فوجوب القصر في المنزل إنّما هو لمشقّة السفر لا لمشقّة الباقي.
، فهل يعتبر كون الباقي مسافة مطلقا أو إذا تخلّل بين القصدين المباحين سير، أو لا يعتبر مطلقا، أو تفصيل بين الموارد؟ وجوه أيضا، فالكلام يقع من جهتين:
(الاولى) في اعتبار كون الباقي مسافة، فنقول: تارة يرجع إلى قصد الطاعة من كان في ابتداء سيره قاصدا للمعصية، و اخرى من كان قاصدا للمعصية في أثناء سيره.
ثمّ هذا قد يكون قبل قطع ثمانية فراسخ، و أخرى بعد قطعها.
ففي الصورة الأولى: تقدّم أنّه لا بدّ أن يكون الباقي مسافة بلا إشكال، بل عليه الإجماع، و وجهه واضح، لأنّ ما قطعه أوّلا لا يحتسب من المسافة، فمبدأ سفره الّذي يقصّر فيه هو حين قصده الطاعة.
و أمّا الصورة الثانية: فإذا عاد إلى الطاعة قبل قطعه مقدار فالأقوى ضمّ الباقي إلى ما سبق، لأنّ المفروض أنّه لم يقع منه شيء إلّا نيّة
1) وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 540.
المعصية، و الأخبار الدالّة على اعتبار الطاعة في السفر لا تدلّ إلّا على اعتبار الطاعة في السير، و المفروض أنّ جميع أجزاء السير وقع عن طاعة، و لا تدلّ على أنّ نفس النيّة ممّا يكون حدوثها كافيا في بقاء حكم التمام، و لا في انقطاع السابق عن اللاحق، فنيّة المعصية كالتردّد الحاصل في أثناء السفر أو العزم على العدم مع عدم طيّ مقدار حال التردّد.
و بالجملة، نيّة المعصية صارت موجبة لرفع شرط موضوع القصر، فإذا ندم و تاب يعود الشرط ثانيا، فيكفي كون المجموع من السابق و اللاحق مسافة، و أمّا لو تاب و ندم بعد قطعه مقدارا فاعتبار هذه القطعة و جعلها جزء من المسافة لو لم تتم إلّا بها فلا وجه لاحتماله أصلا، و تقدّم أنّ ما هو ظاهر العروة (1)لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ هذه القطعة لو لم تضرّ بضمّ اللاحق إلى السابق إلّا أنّه لا يمكن عدّها من المسافة لعدم تحقق موضوع القصر، إلّا إذا كان المتقدّم عليها مع المسافة، و مجرّد سير ثمانية فراسخ ليس موضوعا للقصر. و تقدّم نظير هذا الاحتمال في التردّد في الأثناء.
و بالجملة، فخروج هذه القطعة لا إشكال فيه، إنّما الكلام في ضمّ أحد طرفيها إلى الآخر، و الظاهر اتّحاد الإشكال فيه مع الإشكال المتقدّم في التردّد، و هو أنّه ليس لنا إطلاق يدلّ على أنّ كلّ مسافة
1) العروة الوثقى: في صلاة المسافر ج 1 ص 736.
موجبة للقصر لا من باب انصراف الأدلّة إلى المسافة المستمرّة غير المتخلّلة بين أجزائها إحدى القواطع أو إحدى الموانع من التقصير، فإنّه و إن كان كذلك إلّا أنّه يمكن منعه و دعوى أنّه بدويّ، بل من باب أنّ تقييد التقصير بتقييد متّصل يوجب خروج هذه الصورة عن موضوع التقصير، لأنّ المتيقّن من الباقي تحت الإطلاق هو المسافة الّتي لم يقع في أثناءها سير في حال المعصية أو عن معصية و لو منعنا عن هذا و قلنا: إنّ نتيجة التقييد أنّ نفس السير الواقع عن معصية خارج عن حكم التقصير، و أمّا كونه موجبا لانفصال الطرفين كنيّة الإقامة فلا يظهر من التقييد، و لكنّه لا أقلّ من الشكّ في شمول إطلاقات الأدلّة الموجبة للتقصير لها، فالمرجع هو أصالة التمام. نعم، لو كان الباقي مسافة و لو تلفيقيّة فلا إشكال في القصر.
و أمّا الصورة الثالثة: و هي ما إذا ندم عن المعصية بعد قطع المسافة الموجبة للتقصير، فقد تقدّم أنّه لا يرجع إلى التمام إلّا بعد التلبّس بالمعصية، فلو عزم على المعصية و تاب من دون تلبّس بها فيبقى على القصر، فإذا تلبّس بها و ندم فالحكم في جهة الإشكال هو الحكم قبل قطع المسافة، فلو لم يكن الباقي مسافة فالرجوع إلى القصر محلّ إشكال فيرجع إلى أصالة التمام، و إنّ منعناها فالحكم هو الاحتياط. و على هذا فيمكن دعوى اتّحاد قصد المعصية مع التردّد في جهة الإشكال.
و أمّا (الجهة الثانية) فلا إشكال في أنّه في الصورة الأولى: يتوقّف القصر على التلبّس بالسفر المباح، فمجرّد الندم لا يوجب التقصير،
و ذلك واضح. و نظيره ما تقدّم من أنّه لو قطع مقدارا من المسافة بلا قصد ثمّ قصد السفر فما لم يتلبّس به لا يقصّر، و كونه في أوّل السفر عاصيا نظير كونه بلا قصد.
و أمّا الصورة الثانية: فلا إشكال أنّه بمجرّد قصد الطاعة يرجع حكم القصر، كما قلنا إنّه بمجرّد قصد المعصية يتمّ، فلا التمام يتوقّف على التلبّس بالمعصية، و لا القصر يتوقّف على التلبّس بالطاعة.
و أمّا الصورة الثالثة: فحكمه حكم الصورة الأولى، لما عرفت أنّه لا يتمّ إلّا بعد التلبّس بالمعصية، فلا يقصّر أيضا إلّا بعد التلبّس بالسفر المباح، لأنّه ما لم يتلبّس لا يصدّق أنّه متلبّس بالسفر المباح، و مجرّد النيّة لا يفيد، سواء قلنا بتوقّف الرجوع إلى القصر إلى مسافة جديدة أو قلنا بكفاية مجموع المباح عن السابق و اللاحق لأنّه ما لم يتلبّس بالسفر لا يصدق عليه موضوع القصر.
، فتارة كلّ من داعي الطاعة و المعصية مستقلّ في الموجبيّة، و أخرى كلّ منهما جزء لها، و ثالثة أحدهما تبع للآخر. ففي الصورتين الأولتين لا إشكال في وجوب التمام عليه، كما لا إشكال فيما إذا كان داعي الطاعة تبعيّا، لأنّ المستفاد من الأخبار أن يكون من شرط القصر ممحضيّة السفر للإطاعة، أي الجواز، فمع ضمّ المعصية إليه يخرج عن الإباحة، إنّما الإشكال فيما لو كان قصد المعصية تبعيّا، و لكنّ الأقوى وجوب القصر فيه، لأنّه يستند السفر عرفا إلى ما كان هو المقصود
بالأصالة.
نعم، ظاهر الفقه الرضويّ من قوله: «و سائر الأسفار الّتي ليست بطاعة، مثل طلب الصيد، و النزهة، و معاونة الظالم، و كذلك الملاح و الفلاح و المكاري» (1)أنّ ضمّ المعصية إلى الطاعة كالرياء في العبادات، و لكنّه مضافا بعدم صراحته في هذا المعنى ليس معمولا به.
و على أيّ حال، لا إشكال في أنّ في الصور الثلاث يتمّ في السفر، لأنّ الطاعة المنضمّة أو التبعيّة لا اقتضاء بالنسبة إلى القصر، فلا يزاحم ما فيه اقتضاء التمام.
ثمّ إنّه قد ينشأ سفر في سفر، فإذا كان طارئا كمن أنشأ أوّلا سفر الزيارة ثمّ بعد وصوله إلى مقصده قصد سفر المعصية، فلا إشكال في أنّ كلا من السفرين يتبعه حكمه.
و أمّا لو كان من أوّل سفره قاصدا كذلك، فهذا على قسمين: قسم يكون سفر الطاعة من مقدّمات سفر المعصية، بحيث لو لم يقصد بغداد للمعصية لم يسافر من النجف إلى كربلاء للزيارة، و هذا لا إشكال في أنّ مجموع السفر سفر المعصية، و أمّا لو لم يكن كذلك بحيث كان كل منهما مقصودا بالأصالة كمن كان قاصدا للزيارة، فيتبع أيضا كلّ سفر حكم نفسه، فإنّ سفر الزيارة و إن كان خارجا من مقدّمات سفر المعصية إلّا أنّ المسافر إلى كربلاء لم يجعله في قصده مقدّمة له، فلا وجه
1) فقه الامام الرضا (عليه السلام): باب صلاة المسافر و المريض ص 161.
لأن يتمّ فيه، فتدبر ذلك.
المسألة الرابعة: هل العود من سفر المعصية في حكم نفس السفر كما عن المحقّق القمّيّ (1)أو أنّه يقصّر فيه؟ وجهان
و الأقوى هو الثاني لو لم يكن من قصده أيضا المعصية في العود، لعدم دخوله في عموم الأخبار، فإنّ المشيّع للسلطان مشيّع له ما دام معه، فإذا فارقه و رجع إلى محلّه لا يدخل في تحت هذا العنوان، و هكذا القاصد للسرقة في بلدة كذا ذهابه من بلده إلى هذه البلدة نشأ من غاية محرّمة، و أمّا بعد قضاء و طره أو يأسه ممّا قصده فرجوعه إلى بلده ليس لغاية محرمة فلا وجه لوجوب التمام عليه، و عدّه العرف جزء من سفر المعصية لا أثر له، أمّا أوّلا: فلمنعه، و أمّا ثانيا، فلأنّ نظرهم متّبع في تعيين المفاهيم لا في تشخيص المصاديق، و قيل بأنّ العود داخل مفهوما في الذهاب، أو يستفاد حكمه من الأخبار من باب التبعيّة- كاستفادة أحكام التوابع في سائر الأبواب- لكان له وجه، و لكنّه لا داخل فيه مفهوما، و لا هو من التوابع خارجا أو عرفا بحيث لا يكون بينهما تفكيك حكما.
و بالجملة، لا ينبغي التأمّل في أنّ العود عن سفر المعصية ليس في حكم الذهاب، نعم ما لم يتلبّس بالعود لا يرجع إلى التقصير، سواء تاب أو لم يتب، لأنّ مجرّد قصد العود نظير ما تقدّم أنّ من خرج إلى مكان بلا قصد المسافرة ثمّ بدا له المسافرة فما لم يتلبّس لا يقصّر و إن
1) لم نعثر عليه.
كان خارجا عن حدّ الترخّص، لأنّ القصر مرتّب على الضرب في الأرض لا على قصده.
، لا لقوت نفسه و عياله و لا للتجارة، و منشأ عدّه منه صراحة الأخبار في ذلك، كما عن حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى:
«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ» قال: «الباغي باغي الصيد، و العادي السارق، و ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصّرا في الصلاة» (1)، و عن زرارة عن الباقر عليه السلام سألته عمّن يخرج بأهله بالصقور و البزاة و الكلاب يتنزّه الليلة و الليلتين و الثلاثة، هل يقصّر؟ قال: «إنّما خرج في لهو، لا يقصّر» (2)قلت: الرجل يشيّع أخاه اليوم و اليومين في شهر رمضان، قال: «يفطر و يقصّر، فإنّ ذلك حقّ عليه» (3)، و في خبر ابن بكير عن الصادق عليه السّلام: «إنّ التقصيد مسير باطل، لا يقصّر الصلاة فيه» (4)، و في خبر عبيد بن زرارة عنه عليه السلام: «يتمّ، لأنّه ليس بمسير حقّ» (5)، و عن عمران بن
محمّد بن عمران القمّيّ عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين، يقصّر أو يتمّ، قال: «إن خرج لقوته أو قوت عياله فليفطر و يقصّر، و إن خرج لطلب الفضول فلا، و لا كرامة» (1).
و لا يخفى صراحة بعضها، و ظهور الآخر في كونه سفر معصية، فما عن المقدّس البغداديّ (2)من أنّ هذا التنزّه كسائر التنزّهات و التفرّجات في الفياض و الرياض و الأدوية العطرة و الأندية الخضرة الّتي لا إشكال في إباحتها، كأنّه اجتهاد في مقابل النصّ، لأنّ نفس التصيّد و إن لم يكن حراما إذا كان في البلد، و التنزّه و إن لم يكن حراما إذا لم يكن للصيد إلّا أنّه يمكن أن يكون اجتماعهما موجبا للحرمة.
و بالجملة، خروج بعض أفراد التنزّه عن الإباحة ليس أمرا غريبا حتّى يستبعد عنه، و تحمل الأخبار الصريحة على ضرب من التسامح، فالأقوى كونه محرّما، و التقصير فيه ممنوعا كسائر الأفراد (3)المحرّمة.
ثمّ لا يخفى أنّه لو كان الصيد لقوت نفسه أو عياله يجب عليه القصر، لرواية عمّار (4)المفصّلة بينه و بين ما خرج لطلب الفضول، و هذه الرواية مقيّدة، للإطلاقات الدالّة على أنّ سفر الصيد مطلقا يجب
فيه التمام كخبر ابن بكير (1)و خبر حماد (2)، كما أنّها مبنيّة لإجمال ما يدلّ على التمام إذا كان حول البلد كخبر العيص عن الصادق عليه السلام عن الرجل يتصيّد، فقال: «إن كان يدور حوله فلا يقصّر، فإن كان تجاوز الوقت فليقصّر» (3)، فإنّ المراد منه أنّه كان التصيّد لقوته، فإذا تصيّد فيما لم يخرج عن المسافة فليتمّ، و أمّا إذا خرج الوقت الّذي هو عبارة عن الخروج عن محلّ الترخّص فليقصّر، لأنّه مسافر، و لا فرق بعد كونه مسافرا بين استمراره ثلاثة أيّام و عدمه، فما عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيّام، و إذا جاوز الثلاثة لزمه» (4)مؤوّل بضرب من التأويل، أو محمول على التقيّة، لمنافاته لسائر الأخبار، و إعراض الأصحاب عنه.
ثمّ إنّه إذا كان للتجارة فإذا كان السفر لها عملا له فيجب عليه التمام بالنسبة إلى الصوم و الصلاة، و يدلّ عليه ما في أصل زيد النرسيّ (5)، و هذا الأصل و إن لم يظفر به صاحب الوسائل إلّا أنّه من الأصول المعتبرة كما يظهر من صاحب المستدرك (6)قدّس سرّه. و على
1) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 512.
2) وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 509.
3) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 512.
4) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 511.
5) أصل زيد النّرسي (الأصول الستة عشر) ص 50.
6) مستدرك الوسائل: ب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 6 ص 532.
أيّ حال، التاجر الّذي يدور في الأسواق كالملاح و المكاري، و سيجيء أنّه يجب عليهم التمام، و أمّا لو لم يكن السفر عملا له فوجوب القصر بالنسبة إلى الصوم لا إشكال فيه.
و ما في الرضويّ (1)من وجوب التمام عليه في الصلاة و الصيام محمول على من كان السفر شغلا له، إنّما الكلام بالنسبة إلى الصلاة، و المشهور بين القدماء (2)وجوب التمام عليه، و بين المتأخّرين (3)عكس ذلك، و مدرك القدماء غير معلوم إلّا ما في الرضويّ من قوله: و روي أنّ عليه الإفطار في الصوم، و يظهر منه أنّ في الصلاة يجب عليه التمام.
و ما في المبسوط (4)أنّه منسوب إلى رواية أصحابنا مع أنّه لم يذكرها في كتب الأحاديث، و كذا ما في السرائر (5)من أنّ أصحابنا أجمعوا على ذلك فتيا و رواية مع أنّه لم يظفر أحد بهذه الرواية، لا يمكن الاعتماد عليهما إلّا أن يكون مقصودهما هو الفقه الرضويّ.
و بالجملة، بعد عدم كونه سفر المعصية فمقتضى إطلاقات القصر هو القصر في الصلاة و الصوم. نعم، للخروج عن شبهة الخلاف،
1) فقه الرضا (عليه السلام): باب صلاة المسافر و المريض ص 162.
2) منهم ابن حمزة في الوسيلة: كتاب الصلاة في بيان أحكام السفر ص 109، و ابن البراج في المهذب:
3) منهم المحقق في المعتبر: كتاب الصلاة 2 ص 471، و العلّامة في تذكرة الفقهاء: كتاب الصلاة ج 1 ص 193 س 13.
4) المبسوط: كتاب صلاة المسافر ج 1 ص 136.
5) السرائر: كتاب الصلاة في باب صلاة المسافر ج 1 ص 327.
فالاحتياط بالنسبة إلى الصلاة هو الجمع.
و لو كان سفر الجائر طاعة، لصدق قوله عليه السلام: «إلّا أن يكون رجلا مشيّعا لسلطان جائر» (1)، بل يتمّ و لو لم يكن مشيّعا له إذا عدّ سفره إعانة للظالم في ظلمة، لقوله عليه السلام: «أو رسولا لمن يعصي اللّه» (2)، بل قيل (3)بالتمام و إن لم يكن إعانة له في ظلمة إذا أعدّ نفسه لامتثال أمره فأمره فسافر امتثالا لأمره. و لا يبعد شموله قوله عليه السلام: «أو رسولا لمن يعصي اللّه» لهذه الصورة بدعوى إطلاقه له، و لمّا إذ كان أرسله للأمر الّذي هو معصية إليه، و يظهر من قول أبي الحسن عليه السلام لصفوان الجمّال (4)أنّ مجرد حبّ بقاء الجائر أيضا.
معصية، فإطاعة أوامره معصية بطريق أولى.
، فلو كان هناك أصل موضوعيّ، أي الأصل الرافع للشك- كاستصحاب الحلّيّة أو لحرمة، أو استصحاب بقاء الإذن من المولى أو الزوج، أو بقاء المنع منهما- فالمدار عليه، و أمّا لو لم يكن كذلك فالأصل هو الإباحة، سواء كانت الشبهة موضوعيّة أو حكميّة، إلّا أن يكون من موارد الاحتياط،
كباب الدماء و الأعراض و الأموال.
ثمّ هل المدار في الحلّيّة و الحرمة على الواقع، أو على الاعتقاد، أو أحد الأدلّة الشرعيّة من الطرق و الأمارات و الأصول لو لم يكن هناك اعتقاد؟ وجهان، و لا يبعد أن يقال: إنّ المقام من صغريات ما إذا رتّب الأثر على نظر المكلّف لا على الواقع، كباب الوكالة و الولاية، و ما يحذو حذوهما من متولّي الأوقاف، و الناظر على أمر الميّت، و اعتقاد المطلق في عدالة الشاهدين، و نحو ذلك ممّا كان الاعتقاد أخذ موضوعيّا، فإنّه و إن كان طريقا إلى متعلّقه إلّا أنّ جهة حجيّته ليس صرف الطريقيّة، و على هذا لو حصل العلم فهو، و إلّا فالمرجع هو الأدلّة الشرعيّة، سواء صادفت الواقع أو لا.
و يشهد لهذا المعنى في الجملة قوله عليه السلام في رواية عمّار: «أو في معصية اللّه» (1)، فإنّ المعصية هو المخالفة عن اعتقاد. نعم، هذه الرواية لا تفيد في جميع الصور، لأنّه لو فرض أنّه اعتقد أنّ السفر معصية و لم يكن في الواقع كذلك فلا بدّ من التمسّك بذيل حرمة التجرّي، و أمّا بناء على أن يكون المدار على الاعتقاد أو الاعتماد على الأصول و الأمارات فالقول بحرمة التجرّي و عدمها لا أثر له، إلّا أنّ الإشكال في كون المقام من صغريات ما إذا رتّب الأثر على نظر المكلّف، مع أنّه لا يمكن الالتزام به في أصل عنوان السفر و الحضر، لأنّ المدار فيهما على
1) وسائل الشيعة: كتاب الصلاة ب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 509.
الواقع لا على الاعتقاد، و لذا لو اعتقد بأنّ مبدأ بلد إلى مبدإ بلد آخر ثمانية فراسخ و قصّر ثمّ انكشف الخلاف فيجب الإعادة عليه. و ما تقدّم من الإجزاء فيما سافر مقدارا ثمّ تردّد في السير على ما هو مضمون خبر زرارة (1)لا يفيد في المقام، لأنّه كان قاصدا لثمانية فراسخ فقصّر على طبق قصده ثمّ تردّد، لا فيما إذا توهّم مقدارا أنّه مسافة أو ليس مسافة فقصّر أو أتمّ.
و بالجملة، و إن كان الأستاذ- دام ظلّه- مال بل رجّح كون المقام من صغريات باب الوكلاء و الأمناء إلّا أنّه مشكل جدّا كما لا يخفى. ثمّ على ما أفاده- مدّ ظلّه- ما فرق بين العمل الّذي أتى به قبل كشف الخلاف أو العمل الّذي لم يأت به، فإذا اعتقد أنّ السفر معصية و لم يصلّ إلى أن خرج الوقت ثمّ انكشف أنّه لم يكن معصية فيجب عليه القضاء تماما، لأنّه كان مكلّفا به، و لا يخفى أنّ الاحتياط طريق النجاة و إن كان الأقوى المدار على الواقع.
1) وسائل الشيعة: كتاب الصلاة باب 23 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 541.
الشرط الخامس (1)أن لا يكون السفر عملا له
و لا يخفى أنّ هذا التعبير أحسن ممّا يقال: أن لا يكون سفره أكثر من حضره كما في الشرائع (2)و الإرشاد (3)و نحوهما، فإنّ هذا التعبير مستفاد من الأخبار دون كثرة السفر. هذا مع أنّه لا وجه لعدّ من كان بيته معه داخلا في كثير السفر، فإنّ هذا عنوان آخر، بل هو في الحقيقة ليس بمسافر، لأنّه ليس له محلّ خاصّ، بل يطلب القطر و النبت، كالأعراب و الغرباء العجم.
و بالجملة، المدار في هذا الشرط اعتبار أن لا يتّخذ السفر عملا له.
ثمّ البحث فيه يقع عن جهات:
، فالمكاري في حول البلد و المحتطب و نحوهما لا يدخل في هذا العنوان، فلو سافر بحدّ المسافة
الشرعيّة وجب عليه القصر و إن سافر لإكراء دابّته أو للاحتطاب، إلّا إذا صار الاكتراء أو الاحتطاب في المسافة عملا له، و ذلك لأنّ المستفاد من الأخبار أنّ المناط في وجوب التمام على المكاري كون السفر عملا له لا لكونه مكاريا. هذا مضافا بصراحة خبر إسحاق بن عمّار أو خبرين منه عن أبي إبراهيم عليه السلام عن الّذين يكرون الدواب و يختلفون كلّ الأيّام أ عليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال عليه السلام: «نعم» (1)في أنّ من يروح و يجيء في كلّ يوم إذا سافر يجب عليه التقصير.
و بالجملة، المدار على كون السفر عملا له كما يستفاد من رواية زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، و الكري، و الراعي، و الاشتقان، لأنّه عملهم» (2)فإنّ الضمير يرجع إلى السفر، و هكذا في رواية ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه عليه السلام (3).
، فمثل الحملداريّة العراقيّة لا يتمّون في السفر، لأنّهم و إن اتّخذوا السفر عملا لهم إلّا أنّهم لا يسافرون إلّا في ثلاثة أشهر أو في أربعة في كلّ سنة.
فلا يدور تحقّق
هذا العنوان مدار كثرة السفر، لصدق هذا المعنى بمجرّد جعل المسافرة عملا له. نعم يعتبر التلبّس به، و أمّا مجرّد القصد فلا يكفي.
و بالجملة، إذا كان المدار على الاتّخاذ فيكفي في صدق هذا العنوان التلبّس بالسفر الذي جعله عملا له. نعم، مقتضى ما ورد في رواية هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام من قوله: «المكاري و الجمّال الّذي يختلف و ليس له مقام يتمّ الصلاة و يصوم شهر رمضان» (1)اعتبار تعدّد السفر، و ذلك لأنّ الاختلاف عبارة عن الذهاب و الإياب، ففي السفر الأوّل لا يتحقّق هذا المعنى مع أنّ قوله عليه السلام: «ليس له مقام» ظاهر في أنّ الاتخاذ موضوع للتمام إذا لم يقم عشرة أيّام في بلد، فإنّ المقام عبارة عن الإقامة المعهودة في باب السفر، فإذا فرض أنّ الإقامة ترفع أثر الاتخاذ في الأسفار اللاحقة فلا حجّة ترفع أثره في السفر الأوّل، فمن كان في بلده أو غيره عشرة أيّام اتّخاذ السفر عملا له لا يوجب الإتمام، لأنّ ما كان رافعا للأثر الإتمام، فكونه رافعا له أولى.
و بالجملة، اعتبار التعدّد إنّما نشأ عن اعتبار الاختلاف و عن قاطعيّة الإقامة، فلا إشكال في أنّ السفر الأوّل ليس موضوعات لوجوب الإتمام و لو طال سنة، لعدم صدق الاختلاف. نعم، يقع الإشكال فيما لو تعدد منه السفر من دون رجوع إلى وطنه، كمن أكرى دابّته من
1) وسائل الشيعة: كتاب الصلاة باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 515.
النجف إلى بغداد ثمّ منه إلى حلب ثمّ منه إلى الشام. و هكذا، فإنّ المدار لو كان على الاختلاف بما هو ظاهره ليس هذا داخلا في الموضوع، لأنّ ظاهر الاختلاف أن يكون يروح و يرجع، بل لو قيل: بأنّ المدار على الكثرة لا يتحقّق هذا العنوان بمجرّد تعدّد محلّ الكراء و المقصد الّذي يكري إليه، بل يظهر من الروض (1)أنّ اعتبار تعدّد السفر لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في أنّه هل يكفي الانفصال بين الأسفار بالانفصال الشرعيّ أو المركّب من الحسّي و الشرعيّ، أم يعتبر الانفصال الحسّي بأن يروح و يرجع إلى وطنه العرفيّ؟
و أمّا إذا سافر من أهله إلى وطنه الشرعيّ ثمّ منه إلى وطن شرعي آخر ثمّ رجع إلى أهله ثمّ سافر أو سافر من أهله إلى أوطان شرعيّة أو إلى محل قصد فيه المقام و لم يبق فيها عشرة أيّام و لم يصلّ بعد النيّة صلاة واحدة بتمام ففيه إشكال. و نحن لمّا أنكرنا الوطن الشرعيّ فلا نتعرّض له، و لكنّه لو كان ذو الوطنين فسافر من أحدهما إلى الآخر ثمّ منه إلى مقصد آخر فهذا يعدّ سفرا ثانيا بلا إشكال، و هكذا لو سافر من وطنه الى مقصد ثمّ نوى الإقامة و لم يبق فيها إلّا مقدار يومين، أو نوى الإقامة و لم يصلّ فيها ثمّ ارتحل فهذا الارتحال يعدّ سفرا ثانيا، ثمّ لو سافر إلى مقصد آخر ثمّ نوى الإقامة و قبل أن يصلّي تماما ارتحل فيعدّ هذا سفرا ثالثا، لما تقدّم من أنّ نيّة الإقامة بنفسها قاطعة، و الصلاة التامّة تؤثّر إلى
1) روض الجنان: صلاة المسافر ص 389.
بعد الرجوع لا من جهة توقّف القاطعيّة عليها. و على أيّ حال، لو كان المدار على الكثرة فيتحقّق بمجرّد السير من وطن إلى وطن ثمّ منه إلى آخر، و هكذا بنيّة الإقامة، إلّا أنّ الاختلاف ظاهر في الرواح و المجيء.
و بالجملة، لو كان المدار على تعدّد الأسفار الّتي يتمّ الصلاة بينها أو موجبة للإتمام و إن لم يصلّ فلا إشكال في تعدادها بالمرور على الوطن العرفيّ و الشرعيّ، و المحلّ الّذي نوى الإقامة و لو لم يصلّ فيه، و أمّا لو كان المدار على التعدّد المتخلّل بنيّة العود إلى وطنه- كما هو ظاهر لفظ «الاختلاف»- فلا بدّ من الاقتصار عليه.
فتحصّل: أنّ الاحتمالات في المسألة ثلاثة: اعتبار الرجوع إلى وطنه، و كفاية التعدّد بفصل ما يوجب التمام، و كفاية مطلق التعدّد و لو لم يفصل بين الأسفار ما يوجب التمام. و الظاهر من الاختلاف هو المعنى الأوّل، إلّا أنّه قد أطلق على مطلق الرواح في الرواية الثانية من إسحاق ابن عمّار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عليه السلام عن المكارين الّذين يكرون الدواب و قلت: يختلفون كلّ أيّام، كلّما جاءهم شيء اختلفوا، فقال عليه السلام: «عليهم التقصير إذا سافروا» (1)، فإنّ قوله عليه السلام: «كلّما جاءهم شيء اختلفوا» ظاهر في أنّ مجرّد التلقّي لأمر الرواح له يصدق عليه الاختلاف، هذا مضافا إلى ما في خبر السكونيّ: «سبعة لا يقصّرون: الجابي الّذي يدور في جبايته،
1) وسائل الشيعة: كتاب الصلاة باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 518.
و الآمر الّذي يدور في إمارته، و التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق. إلى آخره» (1)، فإنّ قوله عليه السلام: «يدور في تجارته من سوق إلى سوق» يدلّ على كفاية التعدّد بهذا النحو، و لا يتوقّف على الرجوع ثمّ المشي إلى سوق آخر، و لا إشكال أنّ جميع من كان السفر عملا له بحكم واحد، كان تاجرا أو مكاريا، إلّا أن يقال: إنّ الاختلاف في الروايتين يوجب تقييد هذه المطلقات.
و على أيّ حال، لا وجه لما أفاده الشهيد في الروض (2)تبعا للذكرى (3)لأنّ الفصل بما يوجب التمام لا خصوصيّة له إلّا إذا صدق به الاختلاف.
، و لا بين صلاة النهار أو الليل، و الروايات الدالّة على الفرق غير معمول بها.
، و هذا الشرط إنّما يستفاد من رواية هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام (4)، و من رواية السند بن ربيع (5)من
تقييد وجوب التمام على المكاري و الجمّال بقيد وجوديّ و هو الاختلاف، و قيد عدميّ و هو الإقامة، و من مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن حدّ المكاري الّذي يصوم و يتمّ، قال: «أيّ مكار أقام في منزله أو في البلد الّذي يدخله أقلّ من مقال عشرة أيّام وجب عليه الصيام و التمام أبدا، و إن كان مقامه في منزله أو في البلد الّذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير و الإفطار» (1)، و من رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «المكاري إذا لم يستقرّ في منزله إلّا خمسة أيّام أو أقل قصّر في سفره بالنهار و أتمّ صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان، فإن كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره و أفطر، الخبر» (2)، و هذه الرواية و إن كانت منافية- صدرها و ذيلها- للمدّعى إلّا أنّ هذا لا ينافي دلالتها على أنّ إقامة عشرة في غير بلده موجب لانقطاع حكم التمام، مع أنّ صدرها غير معمول بها، و ذيلها و إن اعتبر في القصر رجوعه إلى منزله و إقامة عشرة فيه إلّا أنّ الذيل غير مرويّ في غير الكافي (3)، فإنّ الشيخ رواها بإسقاط قوله: «و ينصرف. إلى قوله: أو أكثر» (4).
و على أيّ حال، تكفي الروايات الثلاثة للمدّعى، إنّما الكلام في أنّه هل المدار على مجرّد توقّف عشرة أيّام مطلقا منويّة أو غير منويّة في بلده، أو مطلقا كما في العروة (1)، أو المدار على الإقامة العشرة المنويّة مطلقا، أو العشرة المطلقة في بلده و المنويّة في غير بلده؟ و الأقوى هو التفصيل، فيصير محصّله أنّ المدار على التمام في الصوم و الصلاة عشرة أيّام. و على هذا فلو بقي متردّدا في غير بلده ثلاثين يوما لا ينقطع حكم عمليّة السفر، بل يتوقّف على بقائه أربعين يوما حتّى يتمّ عشرة أيّام بعد الثلاثين لو لم يكن السفر عملا.
و بالجملة، المسافر الّذي عمله السفر و إن يتمّ مطلقا في بلده أو غير بلده، سواء قصد الإقامة أو كان متردّدا، إلّا أنّ المستفاد من الروايات أنّ وجوب الإتمام مشروط بأن لا يكون ممّن صلّى تماما عشرة أيّام، فلو كان قبل اتّخاذه السفر عملا له كان ممّن وظيفة التمام و صلّى تماما عشرة أيّام، سواء كان في بلده أو في غير بلده مع نيّة الإقامة أو مع بقائه متردّدا أربعين يوما، فاتّخاذه لا يوجب أن يكون في السفر متمما، و هكذا لو طرأ هذا المعنى في الأثناء، فإنّ به يخرج عن موضوع من يجب عليه التمام بعد ذلك، فالسفر بعد عشرة أيّام ممّن صلّى تماما في العشرة يوجب القصر.
ثمّ لا يخفى أنّه لو اعتبرنا إقامة عشرة أيّام بنيّة أو بلا نيّة فالاكتفاء
1) العروة: كتاب الصلاة صلاة المسافر الثاني من قواطع السفر ج 1 ص 751.
بثلاثين يوما في غير بلده لا وجه له، لأنّ غاية الأمر أنّ الثلاثين بحكم نيّة الإقامة موجبة لإتمام الصلاة و كثرة السفر، أو عملية السفر لا تنقطع إلّا بإقامة عشرة، فلا بدّ من إقامة عشرة بعد الثلاثين. نعم، لو كان متردّدا ثلاثين في حكم إقامة العشرة لقلنا بكفايتها بالقاطعيّة، و لكنّه أنّى لنا بإثبات ذلك؟! و بالجملة، الحقّ هو التفصيل بين البلد و غيره، فيكفي في البلد مجرّد إقامة عشرة أيّام، و في غيره يعتبر: إمّا إقامة عشرة أيّام عن نيّة، و إمّا بقاؤه أربعين يوما، و هذا هو الموافق لما ذهب إليه الأساطين (1)، و وجه استفادته من الأخبار.
أمّا في غير البلد، لأنّ ظاهر الإقامة و المقام هو القيام عن نيّة، فإنّ باب الإفعال ظاهر في صدور المادّة عن الفاعل عن قصد، فإنّ «أقام» معناه جعل نفسه قائما، و بعد صراحة خبر يونس و عبد اللّه بن سنان (2)بإقامة عشرة، و ظهور خبري إسحاق بن عمّار (3)أيضا بإقامة عشرة، لأنّ المقام هو الإقامة المعهودة في باب السفر لا مجرّد الإقامة و لو يوما أو يومين، فينطبق المجموع على اعتبار العشرة المنويّة في غير البلد.
و مقتضى ذلك اعتبار عشرة أيّام بعد الثلاثين و لو بغير نيّة، لأنّ التردّد
بهذا المقدار مثل نيّة الإقامة فلا بدّ من بقاء عشرة أيّام بعده.
ثمّ إنّه مضافا إلى ما ذكرنا من أنّ مادة الأفعال ظاهرة في صدورها عن قصد دعوى الإجماع على اعتباره في غير البلد من جملة الأساطين، كما في صلاة أستاذ الأساتيذ شيخنا الأنصاريّ (1)- قدّس سرّه- فما أفاده في العروة (2)من كفاية إقامة عشرة أيّام و لو بدون النيّة حتّى في غير بلده لا وجه له.
ثمّ إنّ كفاية إقامة عشرة أيّام في بلده و لو من دون نيّة هو الاتّفاق عليها، مع أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أن المدار في القاطعيّة المنويّة في غير البلد هو كون نيّة الإقامة قاطعة للسفر فيرتفع بها الكثرة، غاية الأمر مشروطة ببقائها عشرة أيّام، و لا شبهة، أنّ المرور على الوطن بنفسه موجب لانقطاع السفر، فلا يتوقّف انقطاعه ببقائه فيه عن نيّة، فإذا تحقّق موجب التمام و مضى عليه عشرة أيّام فينقطع به الكثرة.
و حاصل الوجه: هو أنّه و إن لم يكن الجمع بين اعتبار النيّة و عدمه في كلام واحد إلّا أنّ خروج البلد عن اعتبار النيّة في البقاء فيه إنّما هو للإجماع، أو لدليل آخر و هو القطع بأن اعتبار النيّة إنّما هو لإتمام الصلاة عشرة أيّام و لو لم يكن السفر عملا له، و لا شبهة أنّ إتمام الصلاة عشرة أيّام يتحقّق في البلد بلا نيّة، و في غير البلد بعد تردّد الثلاثين
أيضا، و أمّا في غير البلد قبل ثلاثين فلا يتحقّق موجب التمام إلّا مع النيّة، هذا مع أنّه يستبعد غاية البعد أنّ المكاري في غير البلد يتمّ عشرة أيّام و يقصّر بعد ذلك و لو لم يسافر، لأنّه لو قلنا بكفاية بقاء عشرة أيّام في غير البلد بلا نيّة لزم أن يقال: إنّه بعد عشرة أيّام لو بقي أيّاما أن يقصّر و لو قبل خروجه من هذا البلد الّذي بقي فيه عشرة أيّام، لأنّ المفروض تحقّق قاطع الكثرة بعد العشرة، و كونه مسافرا فلا يتوقّف القصر على الخروج.
و بالجملة، ما ذهب إليه الأساطين هو المتّبع، و لا يلزم على ما افادوه الفرق بين الأيّام الّذي يبقى المسافر في غير بلده، لأنّه لو اعتبرنا النيّة ففي العشرة في غير البلد فما دام فيه يبقى على التمام، لأنّ قاصد الإقامة يتمّ كلّما بقي في محلّ الإقامة، و هكذا المتردّد بعد الثلاثين، و هكذا المقيم في الوطن، فتدبّر جيّدا.
، بمعنى أن لا يخرج إلى ما دون المسافة أم لا؟ و الأقوى هو الثاني، لما عرفت سابقا أنّ مجرّد الخروج إلى ما دون المسافة لا يبطل الإقامة، لا سيّما في بلد، فإنّ المتوطّن لا يصير مسافرا بمجرّد الخروج إلى ما دون المسافة، فلا يضرّ.
و بالجملة، حكم المقام حكم ما تقدّم سابقا، و لا خصوصيّة في المقام حتى يقال باعتبار التوالي. نعم، يضرّ الخروج إلى المسافة في كلا البابين، فيعتبر في تحقّق القاطع بقاء عشرة مستأنفة.
، و رواية عبد اللّٰه بن
سنان (1)غير معمول بها، فإنّها تدلّ على كفاية أقلّ من خمسة أيّام في تحقّق القاطع، مع أنها مستلزمة، لعدم تحقّق كثير السفر رأسا، لأنّ كلّ مكّار و جمّال يبقى بين أسفاره يوما أو يومين.
و على أيّ حال، لا شبهة في ضعف هذا القول، و كذا القول في التفصيل بين صلاة النهاريّة فتقصّر و الليليّة فيتمّها إذا أقام خمسة أيّام.
فيجب القصر بعدها و التمام في السفر الثاني، أو رافعة لموضوع الكثرة فلا يرجع إلى التمام إلّا في السفر الثالث أو الرابع؟ وجهان، و الأقوى هو الثاني، لأنّ العمليّة كما لا تكون موضوعا لوجوب التمام- بل الموضوع له هو العمليّة مع الاختلاف من دون إقامة- فكذلك ينقطع الموضوع بمجرّد إقامة عشرة أيّام، لأنّ الموضوع لو قيّد بمن يختلف و ليس له مقام فمجرّد كون السفر عملا له لا يوجب أن يرجع حكم التمام في السفر الثاني.
و ما في الجواهر (2)من أنّ المقيّد مجمل و المتيقّن منه هو السفرة الاولى و أمّا السفرة الثانية فيرجع إلى حكم من كان السفر عملا له، ففيه: أنّ القيد و إن لم يكن مبيّنا بالنسبة إلى انقطاع حكم عمليّة السفر إلّا أنّ أصل تقييد العملية بعدم الإقامة يقتضي أن يكون موضوع من وجب.
عليه التمام هو المكاري الّذي لم يقم عشرة أيّام، فإذا أقام لا بدّ أن يختلف ثانيا حتّى يجب عليه التمام.
هذا، مع أنّ مقتضى وجوب القصر على كلّ مسافر أن يكون المرجع هو هذا العموم لا وجوب التّمام الّذي يعتبر فيه أمور ثلاثة: عملية السفر، و الاختلاف، و عدم الإقامة، فلا يبقى شكّ حتّى يكون المرجع هو استصحاب التمام، مع أنّ هذا الاستصحاب استصحاب حكميّ لا يجري مع الشكّ في الموضوع، لأنّ المراد منه: إمّا استصحاب وجوب التمام الّذي كان له قبل الإقامة، و إمّا استصحاب وجوب التمام الّذي كان له حين الإقامة.
أمّا الأوّل، فلأنّ التمام كان واجبا له من جهة تحقّق الشرائط، و هو العمليّة و الاختلاف و عدم الإقامة، فلا يمكن إجراؤه لمن سافر بعد الإقامة، مع أنّ في السفر الأوّل يقصّر بلا إشكال.
و أمّا الثاني، فلأنّ التمام الّذي وجب عليه من جهة كونه في وطنه أو من جهة نيّة الإقامة في غير وطنه لا يمكن إجراؤه لمن كان مسافرا بعد الإقامة مع انقطاع وجوب التمام في السفر الأوّل، فما أفاده في الجواهر من أنّ المرجع هو استصحاب حكم التمام الثابت له في منزله أو ما بحكمه لا نتعقّله.
نعم، لو قلنا بجريان الاستصحاب الكلّيّ في القسم الثالث لا مانع من جريانه في المقام، لاحتمال مقارنة فرد آخر مع هذا الفرد الّذي نقطع بارتفاعه و هو عملية السفر فإنّهما- كالبقاء في الوطن- موجبان
للتمام، فارتفاع التوطّن لا يوجب عدم جريان الموجب الآخر للتمام في السفر الثاني، و لكنّ الأقوى عدم جريانه كما قرّر في الأصول.
هذا، مع ما أفاده من معارضة ذلك باستصحاب حكم التقصير بإقامة العشرة، و ما أجاب عنه بأنّه يجب الاقتصار في الخروج عن حكم اليقين الأوّل بيقين و ليس هو السفرة الأولى، ففيه: أنّه يجب الاقتصار عن حكم اليقين الثاني أيضا يقين، و هو ليس إلّا السفرة الثالثة أو الرابعة دون السفرة الثانية، و لا يبعد أن يكون وجه التأمّل في كلامه راجعا إلى ما ذكرنا.
و على أيّ حال، لا مجال لاستصحاب التمام، و لا لاستصحاب حكم القصر في السفر على ما أفاده شيخنا الأنصاريّ (1)، و قال- قدّس سرّه-: هذا لم ينقطع بعوده من السفرة الاولى إلى بلده، لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق الشرط، و ذلك لما أورده عليه بأنّ الشرط في استصحاب القضيّة الشرطيّة و الحكم التعليقيّ هو عدم كون الشكّ مسبّبا عن تعيين الشرط المعلّق عليه، كاستصحاب عدم النسخ فإنّ الشك في النسخ ليس إلّا من جهة طروّ المانع فيستصحب الحكم المعلّق عليه، كوجوب القصر على المسافر، و وجوب الصلاة على من بلغ، و نحوهما. و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الشكّ في ثبوت القصر في السفرة الثانية سبب عن كون الشرط المعلّق عليه حكم القصر هو
1) كتاب الصلاة: صلاة المسافر ص 429.
خصوص السفرة الأولى أو السفرة غير المتحقّق للكثرة ليشمل السفرة الثانية.
و بالجملة، لا مجال لاستصحاب التمام و لا لاستصحاب حكم القصر كما أفاده، بل الحقّ ما اختاره أخيرا تبعا للشهيد (1)، و هو أنّ التمام على الاختلاف غير المقرون بالإقامة، فإذا تحقّقت الإقامة فلا يجوز الإتمام إلّا إذا حدث اختلاف غير مقرون بالإقامة، و هذا المعنى لا يتحقّق إلّا بالسفر الثالث أو الرابع.
ثم لا يخفى أنّ ما جعله مبنى الوجهين- و هما الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص، أو الرجوع إلى إطلاقات وجوب التمام على كثير السفر من سكوت رواية الإقامة من حيث الأزمان أو من حيث الأفراد لا نتعقّله، لأنّه لا إشكال في أنّ السفر الأوّل لو طال سنة يجب القصر فيه، و إنّما الكلام في السفر الثاني، فرواية الإقامة ليست ساكتة من حيث الأزمان، فلو كان إطلاقات التمام على كثير السفر شاملة للسفرة الثانية فلا مجال للرجوع إلى استصحاب التمام و إن كانت موافقة له، لأنّه لا مجال للأصل مع الدليل، و لو لم تكن شاملة فتصل النوبة إلى استصحاب التمام، و قد عرفت أنّها غير جارية.
و لو قيل: إنّ المرجع في مقام الشك هو أصالة التمام، فنقول:
لا تصل النوبة في المقام إليها، لأنّ الوظيفة في المقام: إمّا الرجوع إلى
1) الذكرى: صلاة المسافر ص 258.
حكم كثير السفر، و إمّا الرجوع إلى حكم المسافر مطلقا، لأنّ هذا الشخص على أيّ حال غير خارج عن كونه مسافرا، فلا يمكن الرجوع إلى أصالة التمام الّتي هي المرجع في الشكّ في الحضر و السفر، فتأمّل جيّدا.
كما لو صار المكاري تاجرا، أو بدّل حميره بالبغال، أو بغال بالجمال- لا يرجع إلى القصر، لأنّ المدار على عملية السفر لا الكيفيّات و الخصوصيّات.
في موضوع من كان السفر عملا له بل هو عنوان مستقلّ، و إنّما لم يعدّوه شرطا مستقلا لكونه في الحقيقة خارجا عن كونه مسافرا. و على
1) وسائل الشيعة: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 515.
أيّ حال، من كان بيته معه لا يقصّر، لأنّ القصر واجب على من خرج من بلده مسافرا، و هذا لم يخرج عن بلده، بل بلده كلّ موضع كان فيه العشب و الماء و نحوهما. هذا مضافا إلى الأدلّة الواردة فيه، فأصل الحكم لا إشكال فيه، و لا إشكال في أنّه لو سافر بغير الحال الأوّل- كما لو لم يأخذ بيته معه و سافر للحجّ أو الزيارة أو غيرهما- يجب عليه القصر، لدخوله في عنوان المسافر، إنّما الإشكال فيما لو سافر لاختيار المنزل أو لطلب محلّ القطر و العشب. و الأقوى وجوب القصر عليه و إن استشكل شيخنا الأنصاريّ- قدّس سرّه- في حاشية النجاة (1)، و السيّد في العورة (2)، لخروجه عن عنوانه الّذي كان له، و احتمال دخوله في توابع عنوانه لا وجه له. نعم، لو كان بيته معه و يسافر مع رحله لطلب القطر و اختياره فيجب عليه التمام.
و بالجملة، المدار على هذا العنوان عموما و خصوصا، فيتعدّى من البدويّ إلى الغربتي (3)، و يخصّص بما إذا كان بيته معه، و أمّا لو سافر بعنوان آخر أو لإحراز محل مناسب للنزول فيجب عليه القصر.
، لعدم دخوله في من كان بيته معه، و لا من كان السفر عملا له.
نعم، السائح في الأرض الّذي لم يتّخذ منها وطنا يتمّ، فإنّ المعرض
عن الوطن يخرج عن وطنه ثمّ يسافر، و أمّا السائح الّذي بنائه على السياحة ما عاش فليس له وطن حتّى يقال: خرج عن وطنه مسافرا، فيدخل في مناط من كان بيته معه، أي لا يدخل في عنوان المسافر.
الشرط السادس (1)الوصول إلى حدّ الترخّص
و هذا الشرط في الابتداء و الانتهاء، أي شرط للقصر في ابتداء السفر و في الرجوع عنه، فلو وصل إلى حدّ الترخّص يتمّ. ثمّ هل يلحق بالوطن محلّ الإقامة خروجا و دخولا، و هكذا الموضع الّذي تردّد فيه ثلاثين يوما خروجا؟ وجهان.
، و الأقوى أنّه لا يجوز له القصر إلّا بوصوله إلى حدّ الترخّص، و الدليل على هذا، الأخبار الواردة فيه (2).
نعم، الأقوال في المسألة خمسة:
الأوّل: وجوب القصر بمجرّد الخروج عن المنزل، و ينسب إلى والد الصدوق (3)، و لكنّه على فرض صدق النسبة اتّفق الأصحاب على
خلافه، و المرسل (1)الدالّ بإطلاقه على وجوب القصر بمجرّد الخروج من المنزل لا بدّ أن يؤوّل أو يقيّد.
الثاني: وجوب القصر بخفاء الأذان و الجدران معا.
الثالث: التخيير بين اعتبار أحدهما، أي يكفي أحدهما.
الرابع: اعتبار خصوص خفاء الأذان.
الخامس: اعتبار خصوص خفاء الجدران.
و القول الثاني و الثالث مشهوران بين الأصحاب، و منشأهما الجمع بين الأخبار، ففي صحيح ابن مسلم قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام:
رجل يريد السفر فيخرج، متى يقصّر؟ قال: «إذا توارى من البيوت» (2)، و في صحيح ابن سنان سألته عن التقصير، فقال: «إذا كنت في الموضع الّذي لا تسمع الأذان فقصّر، و إذا قدمت من سفرك مثل ذلك» (3).
ثمّ إنّ البحث تارة يقع من حيث المسألة الأصوليّة، و أخرى من الجهة الفقهيّة، فنقول: (أمّا الجهة الأولى) فقد قيل: إنّه لو تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء فالتوفيق بينهما بأحد الوجوه الخمسة:
الأوّل: عدم ثبوت المفهوم لواحد من قضايا الشرطيّة، و نتيجته في
المقام ثبوت القصر بأحد الأمرين، و إمكان تحقّقه بأمر آخر لو لم نقل بالمفهوم، فلازمه أن لا يكون المتكلّم في مقام بيان انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط، بل إثبات القصر بأحدهما، فيمكن ثبوته على فرض ثبوت شرط آخر.
الثاني: جعل الشرط هو الجامع بينهما.
الثالث: كون الشرط أحدهما و الآخر دالا عليه.
الرابع: تقييد كلّ شرط بالآخر فينتج نتيجة العطف بالواو، فيجب القصر عند اجتماع الشرطين و لا يجب بانتفاء أحدهما.
الخامس: تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فينتج نتيجة العطف ب «أو» و ثبوت أحدهما كاف للقصر، و لكنّه لا ينتفي بانتفاء المجموع.
و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل أنّه في الوجه الأوّل انتفاء المجموع أيضا لا يلازم انتفاء الجزاء، بخلاف هذا الوجه الّذي نقول بثبوت المفهوم غاية الأمر يقيّد إطلاقه، فإنّ الشرط يصير أحدهما لا غير. نعم، الوجه الثاني مع هذا الوجه مشتركان في النتيجة.
إذا عرفت ذلك فنقول: الوجه الأوّل لا وجه له، لأنّ بمجرّد تعدّد شرطين أو ثلاثة لا يستكشف عدم كون المتكلّم في مقام البيان، و كذلك الوجه الثاني و الثالث.
أمّا الثاني، فلأنّ مجرّد جامع انتزاعيّ- كالبعد عن البلد و نحوه- لا يفيد لجعل الشرطيتين أو الشروط من باب التخيير العقليّ، بل لا بدّ أن يكون هناك جامع قريب عرفيّ.
و أمّا الثالث، فلأنّه لا يمكن في المقام جعل أحدهما أصلا و الآخر دالا عليه و إن أمكن ذلك في نشر أسباب الحرمة في الرضاع بأن يجعل إنبات اللحم و شدّ العظم أصلا و ارتضاع يوم و ليلة أو خمس عشرة رضعة طريقا إليه، فانحصر التوفيق بأحد الوجهين الأخيرين المشهورين بين الأصحاب في المسألة الفقهيّة، و الأقوى منها هو الأخير، فإنّ الإطلاق في مقابل العطف بالواو أقوى من الإطلاق الّذي في مقابل العطف ب «أو»، فإنّ استفادة السببيّة المستقلّة و الانحصار و إن كان كلّ منهما بالإطلاق إلّا أنّ تقييد السبب و جعله جزء السبب خلاف ظاهر السببيّة، بخلاف تقييد العلّة و رفع اليد عن ظهورها، فإنّ نفس تعدّد الشرط يكفي لبيان عدم الانحصار.
و بتعبير آخر: انحصار إنّما في طول الاستناد لا في عرضه، لأنّ بعد ظهور الشرطيّة في استناد الجزاء إلى الشرط لا إليه و لا إلى غيره بالاشتراك و وصف الاجتماع يصحّ أن يقال في ظهورها بانحصار السبب بهذا الشرط، لا أنّه أو غيره سبب فلا تصل النوبة إلى حفظ الانحصار إلّا بعد إثبات أصل السببيّة و بعد أن أثبتنا السببيّة، و أنّ الشرط ليس له شريك و جزء في التأثير، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور الحصر، و هذا الظهور يرتفع بمجرّد دليل آخر دالّ على أنّ شيئا آخر أيضا يترتّب عليه الجزاء، فالأقوى بحسب المسألة الأصوليّة كفاية كلّ واحد من السببين لوجوب القصر.
(و أمّا الجهة الثانية) فالحقّ اعتبارهما معا، و ذلك لأنّ أقوائيّة
إطلاق المقابل للعطف بالواو ليست بمرتبة توجب تقييد الإطلاق المقابل للعطف ب «أو»، و ما ذكر للترجيح ليس إلّا اعتباريّا، لا يوجب الظهور الّذي يعتمد عليه، و تقييد المفهوم في كل منهما لا يمكن إلّا بالتصرّف في المنطوق، فإنّ المفهوم تابع للمنطوق و ليس قضيّة مستقلّة حتّى يقال: إطلاق الشرط يتمّ دون إطلاق المفهوم، فالأمر يدور بين أحد الإطلاقين، للعلم الإجماليّ، بأنّ ظهور القضيّة في سببيّة الشرط وحده، لترتّب الجزاء عليه، أو ظهورها في الانحصار غير مقصود، و الوجه الاعتباريّ لا يوجب انحلال العلم الإجماليّ- بأن يكون ظهورها في السببيّة متيقّنة، و ظهورها في الانحصار مشكوكة- حتّى يقال بكفاية أحد السببين لوجوب القصر، فمقتضى العلم الإجماليّ اعتبار اجتماعهما معا، فإذا تحقّق أحدهما دون الآخر، فلو صلّى يجب الجمع بين القصر و الإتمام، أو يصبر حتّى يتحقّق كلاهما. نعم، مقتضى الاستصحاب في الخروج عن المنزل هو التمام، و في الدخول إليه هو القصر.
و على أيّ حال، سواء قلنا: بأنّ المورد مورد الاستصحاب أو الاحتياط، فالاكتفاء بأحدهما لا دليل عليه، مع أنّه يمكن أن يقال:
إنّ كلا من الخفاءين أمارتان لما هو الموجب للقصر أو التمام، و هو البعد عن البلد أو القرب إليه، فما لم يتحقّق هذا الّذي هو الموضوع للحكمين لا يكفي تحقّق أحد الأمارتين، لعدم العلم بتحقّق ذي العلامة، بل مع اختلاف مراتب الخفاء و عدمه دعوى القطع بأنّ المدار ليس على خصوصيّة فيهما، بل على الأمر الّذي هما علامتان له ليست مجازفة.
و يشهد له صحيحة ابن سنان (1)فإنّه عليه السلام عبّر عن حدّ الترخّص بالموضع الّذي لا يسمع فيه الأذان، و هكذا في الموثّق المتقدّم في منتظر الرخصة فقال عليه السلام: «أ ليس قد بلغوا الموضع الّذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم» (2)فإنّ ظاهرها أنّ هذا الموضع وجب فيه التقصير لأنّه بعيد عن البلد. و على أيّ حال، فمقتضى العلم الإجماليّ بأحد التقييدين هو الاعتبار باجتماعهما معا.
ثمّ لا يخفى أنّ التخيير الّذي يتصوّر في المقام هو الاكتفاء بأحد الأمرين، بمعنى تقييد الإطلاق الّذي في مقابل العطف ب «أو» فيرتفع ظهور الشرطيّة في الانحصار لا التخيير في المسألة الأصوليّة، بمعنى الأخذ بأحدهما و طرح الآخر، لأنّ هذا التخيير مورده عدم إمكان الجمع الدلالي، و في المقام: إمّا يقيّد ظهور الشرطيّة في السببيّة المستقلّة لترتّب الجزاء عليها، و إمّا يقيّد ظهورها في الانحصار، فلا مجال لطرح أحدهما و الأخذ بالآخر.
و بالجملة، الأمر يدور بين أحد التقييدين، و جعل كل منهما سببا موقوف على أن تكون المرجّحات الاعتباريّة مرجّحا في مقام الأخذ بالظهور، كالمرّجحات الّتي تذكر في دوران الأمر بين تقييد المادّة و تقييد الهيئة، و المقام نظير ذاك، لأنّه لو قيّد إطلاق الشرطيّة- الظاهر في كون الشرط سببا مستقلا- لا يبقى مجال لإطلاقها في الانحصار، كما أنّ تقييد
الهيئة موجب لبطلان التمسك بإطلاق المادّة. هذا مع أنّ كون المقام- مقام التحديد- ينافي أن يكون كلّ واحد منهما حدّا، فلا بدّ أن يجعل الحدّ مجموع الأمرين بالمعنى المتقدّم، و هو أن يكون المدار على حدّ خاص لا يتحقّق باجتماعها.
و على هذا، لا يمكن أن يقال: يكتفى بأحدهما ما لم يعلم مخالفة الآخر له، بل لا بدّ أن يعلم الموافقة، و لا يبعد أن يقال: هذان الأمران متوافقان واقعا، و ذلك لأنّ خفاء الأذان عبارة عن عدم تميّز كون الصوت أذانا أو غيره لا خفاء فصوله، و أمّا خفاء الجدران فله مراتب متفاوتة، لأنّه يمكن أن يكون المدار على عدم تمييز صورة البيوت، و أنّ هذا بيت زيد أو عمرو، و أن يكون المدار على عدم تميّز صورة البيوت، أو على عدم تميّز شبحه، و نحو ذلك من المراتب، فيؤخذ بالمرتبة المطابقة لخفاء الأذان، فلا يتصوّر التفكيك بين الأمرين حتّى يقال بالاكتفاء بأحد الحدّين و عدمه، قال في الروض: المعتبر خفاء صورة الجدران لا شبحه، و سماع صوت الأذان و إن لم تميّز فصوله، و يعتبر فيهما الحاسّة المعتدلة، كما يعتبر الصوت و البناء المعتدلان (1)، انتهى. و لا يخفى أن موضع خفاء صورة الجدران هو موضع خفاء صورة الأذان، فاتّحد الأمران.
و كيف كان، فالجمع بين الأمرين هو الأقوى في المقام و إن قلنا بأقوائيّة ظهور الشرطيّة في الاستقلال من حمل الشرط على أنّه جزء
1) روض الجنان: صلاة المسافر ص 392 س 24.
السبب في غير المقام، و يؤيّد ذلك رواية قرب الإسناد (1)أنّ عليّا عليه السلام كان إذا خرج مسافرا لم يقصّر من الصلاة حتّى يخرج من احتلام البيوت، و إذا رجع لم يتمّ حتّى يدخل احتلام البيوت، فإنّ الاحتلام- و في بعض النسخ: الأحلام- عبارة عن الأجسام كما في القاموس (2)، و المراد حتّى يخرج من محلّ خفاء الأجسام.
و كيف كان، فالظاهر أنّ كلا من هذين الحدّين علامتان لأمر آخر و هو البعد، فالمدار عليه.
ينبغي التعرض لها و إن ظهرت إجمالا ممّا تقدّم.
، و ذلك لما ظهر أنّ المدار على البعد الخاصّ الحاصل بخفاء الصوت الّذي لم يتميّز أنّه أذان أو غيره، و معلوم أنّ ما ورد من هذه التحديدات ينزل على المتعارف من السماء، و على المتعارف من الصوت، بل تقدّم أنّه ليس للأذان و السماع خصوصيّة أصلا، و لذا جعل المدار في رواية عبد اللّه بن سنان على الموضع الّذي لا تسمع فيه الأذان (3).
، لأنّه إذا كان المدار على خفاء صورة البيوت لا أشباحها لا يتفاوت خفاء الصور بين المرتفع
و المعتدل.
نعم، لا عبرة بخفاء البلد المنخفض، لأنّه يخفى عن المسافر بأدنى بعد، و بعد ما عرفت أنّ المدار على البعد الخاصّ، فلا أثر لخفاء جدران البلد المنخفض، كما أنّه لا أثر للخفاء من جهة الحائل، كالخفاء من جهة عمى المسافر، و إطلاق الأخبار منزّل على الخفاء من جهة البعد لا الخفاء المطلق، مع أنّه يرى البيوت بعد ذلك إذا بعد عن الحائل.
، فإنّ خفاء الخيام مثل خفاء البيوت، و على ما ذكرنا لا نحتاج إلى تقدير أصلا، لأنّه ليست للبيوت و الأذان موضوعيّة حتّى يكون المدار عليهما فيقدّر فيما لا يكون للمسافر بيت و لا أذان البيت و الأذان، و ما عن المقدّس البغداديّ (1)من اعتبار خفاء نفس الصوت لعلّه يشهد لما ذكرنا من [أنّ] (2)الأذان لا خصوصيّة فيه، بل هو تمثيل الصوت الرفيع، فيجب خفاء أصل الصوت لا عدم التمييز بين الأذان و غيره.
، لقوله عليه السلام في الموثّق المتقدّم: «أذان مصرهم» (3)، و أمّا لو كانت البلدة متّسعة فالمدار على أذان آخر البلد في ناحية المسافر، و السرّ في الفرق بين البلاد ما عرفت
من أنّ المدار على البعد الخاصّ، فلو اكتفى بأذان البلد في البلد المتّسع للزوم وجوب القصر على من لم يخرج عن البلد. نعم، إذا كانت البلدة المتّسعة منفصلة المحالّ، و كانت كالقرى المتقاربة فالمدار في خفاء الأذان و الجدران خفاء أذان المحلّة و بيوتها لا أذان آخر البلدة و بيوتها.
و بالجملة، إذا كان بلده متّسعا و كانت محلّاتها متّصلة فالمدار على أذان آخر البلد، لأنّه إذا سمعه يصدق أنّه يسمع أذان مصره، فخفاء أذان محلّته لا أثر له، كما أنّ بالنسبة إلى محلّ الإقامة في مثل هذا البلد أيضا لا يعتبر أن يقصد إقامة محلّة خاصّة، و أمّا لو كانت محلاتها منفصلة فكأنّها بلاد متعدّدة، و كلّ بلدة يعتبر حكم نفسها، و لا بدّ أن يحمل كلمات الأعلام على ما ذكرنا، و إلّا فلو قيل: إنّ البلد الوسيع المدار على محلّته مطلقا و لو كان المحاليل (1)متّصلة فيرد عليه ما أورد عليه صاحب الحدائق (2)، و للزم أن يقصّر المسافر قبل خروجه عن سور البلد.
، و الموافق لعليّ بن بابويه (3)في المسألة الأولى هنا جماعة من الأصحاب، كالسيّد المرتضى (4)و ابن جنيد (5)، و جماعة من المتأخّرين من الأخباريّين (6)،
1) كذا في الأصل، و الصحيح: «محلّات».
2) الحدائق: كتاب الصلاة صلاة المسافر ج 11 ص 305.
3) نقله عنه في المختلف: كتاب الصلاة المسافر ج 3 ص 111.
4) نقله عنه في المعتبر: كتاب الصلاة صلاة المسافر ج 2 ص 474.
5) نقله عنه في المختلف: كتاب الصلاة المسافر ج 3 ص 111.
6) الحدائق: كتاب الصلاة صلاة المسافر ج 11 ص 412، مفاتيح الشرائع: كتاب الصلاة 19 مفتاح اعتبار التواري عن الجدران و عدمه ج 1 ص 26.
و مستندهم الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ المسافر يقصّر حتّى يرد منزله، مثل رواية عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتمّوا، و إذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا» (1)، و رواية العيص عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «لا يزال المسافر مقصّرا حتّى يدخل بيته» (2)، و خبر إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون مسافرا ثمّ يدخل و يقدم فيدخل بيوت الكوفة، أ يتمّ صلاة أم يكون مقصّرا حتّى يدخل أهله؟
قال: «بل يكون مقصّرا حتّى يدخل أهله» (3)، و في معناها عدّة من الأخبار (4)، و لكنّه لا يخفى أنّ مطلقاتها يقيّد بالخبر المتقدّم عن ابن سنان، و في آخره: «و إذا قدمت من سفرك» فمثل ذلك (5)، و بما في محاسن البرقيّ عن حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر» (6)فإنّهما يدلان على أنّ الإياب حكمه حكم الخروج من المنزل، و ما ليست قابلة للتقييد يؤوّل المنزل فيه بمحلّ رؤية الجدران و سماع الأذان، أو يحمل على التقيّة، لأنّ القدماء من الأصحاب- الّذين عملهم المرجع في الانجبار، و إعراضهم المدار على
1) وسائل الشيعة: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 506.
2) وسائل الشيعة: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 508.
3) وسائل الشيعة: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 508.
4) وسائل الشيعة: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 507.
5) وسائل الشيعة: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 506.
6) المحاسن: 33 باب جمل من التقصير ح 127 ج 2 ص 371.
الضعف- أعرضوا عن هذه الأخبار، و لم يفرّقوا بين الخروج و العود، فالأقوى ما عليه المشهور من أنّه إذا وصل إلى حدّ الترخّص يتمّ.
الظاهر أن يكون بالنسبة إلى الخروج حكمه حكم الوطن مطلقا، و بالنسبة إلى الدخول حكمه حكمه، بناء على أن يكون محلّ الإقامة وطنا صغيرا له، أي بناء على كونها قاطعة لموضوع السفر على الوجه الأوّل من الوجوه المتقدّمة.
أمّا في المسألة الخروج لشمول الأخبار له، فإنّ قوله عليه السلام:
«إذا كنت في الموضع الّذي تسمع الأذان» (1)، و قوله عليه السلام:
«إذا سمع الأذان أتمّ المسافر»، و نحوهما يشمل المقيم أيضا، و دعوى انصراف الأخبار إلى المسافر عن وطنه لا وجه له، مضافا بما تقدّم أنّ محلّ الإقامة أيضا وطن له.
و على أيّ حال، لو لم نقل بهذا أيضا- دعوى الانصراف بلا موجب فإنّ سؤال محمّد بن مسلم: «رجل يريد السفر فيخرج متى يقصّر؟» (2)يشمل من خرج عن موضع الإقامة، فإنّ المقيم و إن كان مسافرا إلّا أن سفره بعد الإقامة يعدّ سفرا آخر، و لذا قيل بتحقّق الكثرة بالسفر بعد الإقامة، فإنّه غير السفر قبلها، فلو سأل بأنّ الرجل يريد السفر فيشمل سؤاله عن المسافر الّذي يريد سفرا آخر.
و أمّا بالنسبة إلى الورود إلى محلّ الإقامة، فالأقوى أنّه لو قلنا بأنّ محلّ الإقامة وطن عرفا، فحكمه حكم الوطن في أنّه يتمّ المسافر قبل وصوله إلى الموضع الّذي يقصد فيه الإقامة إذا وصل إلى مكان يسمع فيه أذان محلّ الإقامة أو يرى بيوته، و أما لو لم نقل بذلك فلا، بل يقصّر حتّى يصل إليه، و ذلك لأنّ الأخبار لا تشمل ذلك، فإنّ قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: «و إذا قدمت من سفرك» فمثل ذلك (1)ظاهر في من ينزل إلى منزله، و رواية حمّاد «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر» (2)و إن كان مطلقا إلّا أنّ شموله لكلّ مسافر توجب وهن إطلاقه، لأنّ المسافر الّذي يرد على كلّ موضع يسمع فيه الأذان لا يجب عليه الإتمام مطلقا.
ثمّ إنّ الموضع الّذي تردّد فيه ثلاثين حكمه حكم محلّ الإقامة، فإذا خرج عنه لا يقصّر حتّى يخرج من محلّ الترخّص، و الدليل عليه الدليل المتقدّم في محلّ الإقامة، فإنّهما مشتركان في الدليل في المقام و في القاطعيّة. نعم، لا يتصوّر بالنسبة إليه حكم الورود فإنّ المسافر لا يمكن أن يقصد مكانا يتردّد فيه ثلاثين يوما، و ذلك واضح.
و بالجملة، المتردّد ثلاثين يوما في مكان إذا خرج عنه فلا يقصّر بمجرّد الخروج، فإنّه كالمقيم حكمه حكم المتوطّن، و الأقوى أنّ المقيم حكمه بالنسبة إلى الورود أيضا حكم الوطن، فإنّ الإقامة قاطعة
للموضوع، مع أنّه لو لم نقل بها فيكفي في اشتراكها معه في الحكم ما دلّ على أنّ المقيم في مكّة بمنزلة أهل مكّة، فإنّ عموم المنزلة يقتضي اشتراكه معه في جميع الأحكام.
و ما يقال من أنّ الدليل التنزيل يدلّ على أنّ «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام يتمّ، لأنّه بمنزلة أهل مكّة» (1)، و «قدم» فعل ماض يدلّ على النسبة التحقيقيّة، و لازمه أنّه بمنزلتهم بعد وروده في مكّة لا بمجرّد وصول حدّ الترخّص، ففيه: أنّه لا بدّ من إرادة الإشراف بالقدوم من لفظ «قدم»، لأنّ هذه اللفظة وردت في صحيحة ابن سنان أيضا الّتي هي الأصل، و قوله عليه السلام: «و إذا قدمت من سفرك» مثل ذلك ليس معناه بعد القدوم بلا إشكال، فكذلك القدوم في مكّة لمن أراد الإقامة فيها أيضا كذلك.
، فليس لطالب الغريم و الآبق و لا للعاصي سفره، و لا لمن قصد المسافرة بعد خروجه عن حدّ الترخّص حدّا إذا قصدوا ثمانية فراسخ أو أربعة تلفيقيّة، بل يجب عليهم القصر بمجرّد الضرب في الأرض، لإطلاق الأدلّة من غير معارض، لعدم شمول أدلّة المقام لهم، فإنّ رواية محمّد بن مسلم قد اعتبر في سؤاله أمرين، فيسأل أنّه رجل يريد السفر فيخرج متى يقصّر؟ (2)و الخروج في هذا المورد متحقّق قبل إنشاء السفر
بعد الضرب في الأرض موجب للقصر.
، ثمّ في الأثناء وصل إليه، فإن كان قبل القيام للركعة الثالثة أتمّها قصرا و لا إعادة، و نيّة التمام لا تضرّ في المقام، لكون القصر و الإتمام من قبيل الأقلّ و الأكثر، و في حدّ المشترك مشتركان، مع أنّه دلّ الدليل بأنّه لو بدا للمسافر الإقامة في أثناء الصلاة أتمّ، و من هذا الدليل يستكشف أنّ نيّة القصر لا تضرّ بالإتمام، فنيّة الإتمام أيضا لا تضرّ بالقصر. و لو كان في حال القيام في الركعة الثالثة فيجلس و يتمّ قصرا، و لا يضرّ هذه الزيادة كما في غير المقام.
و أمّا لو كان بعد ركوع الركعة الثالثة فتبطل صلاته، و احتمال وجوب الإتمام ثمّ الإعادة قصرا لا وجه له، لعدم شمول ما دلّ على أنّ الصلاة على ما افتتحت للمقام، فراجع الأخبار.
ثم إنّه- ممّا ذكرنا- ظهر حكم العود، فلو شرع في الصلاة بنيّة القصر ثمّ وصل إلى الحدّ قبل السلام فيتمّها و صحّت، كما لو شرع فيها بنيّة القصر ثمّ بدا له الإقامة.
، إمّا لاعوجاج الطريق، كراكب السفينة من بغداد إلى البصرة فإنّ دجلة تدور بحيث يرجع المسافر إلى محاذاة حدّ الترخّص من المكان الّذي ركبه في ابتداء السفر، و إمّا لحاجة و نحو ذلك، فتارة ليسافر عن وطنه، و أخرى عن محلّ الإقامة و نحوه.
ففي الأوّل، تارة يعلم بأنّه يرجع إلى محلّ الترخّص و أخرى جاهل به، فلو كان عالما فلا يجوز له القصر مطلقا إلّا إذا كان الرجوع بعد بلوغ أربعة فراسخ، و إلّا يتمّ حال الرجوع إلى حدّ الترخّص، و قبله، لأنّه لو كان عالما به فلا يجب هذه القطعة من مسافته، بل من بلوغه حدّ الترخّص بعده، و ذلك كمن كان من أهل النجف فيمشي إلى الكوفة ثمّ يرجع منها إلى النجف ثمّ يسافر ثانيا من النجف، و كونه قاصدا للمسافرة في أوّل الأمر لا أثر له بعد علمه بأنّه يهدم مقدارا من السير، ففي ذهابه إلى الكوفة و عوده لا يجوز له القصر بلا إشكال، فلو كانت المسافة متوقّفة على احتساب هذه القطعة فلا تحتسب أصلا، و ذلك واضح.
ثمّ لا فرق بين علمه برجوعه إلى بلده و رجوعه إلى حدّ الترخّص لأنّه على أيّ حال إذا علم بأنّه يهدم مقدارا من المسافة ففي هذا المقدار لا يجوز له القصر، خصوصا بالنسبة إلى الذهاب. نعم، يحسب الإياب من المسافة إذا لم يهدمه، بأن سافر إلى طريق آخر و لم يرجع إلى ما عاد عنه.
و أمّا لو كان جاهلا فالصلاة الّتي صلاها قصرا لا يجب إعادتها، لأنّه في حكم من قصد المسافة فصلّى قصرا ثمّ بدا له العود. و قد تقدّم أنّ صحيحة زرارة تدلّ على عدم وجوب الإعادة.
و أمّا في الثاني فمبنيّ على مسألة الإقامة، و قد تقدّم أنّه لو أعرض عن محلّ الإقامة فيجب عليه القصر في العود إذا قصد الرجوع إلى محلّ الإقامة لو لم يرجع من محلّ الإقامة إلى هذا الطريق الّذي عاد منه، و إلّا يجب
عليه القصر من خروجه من محلّ الإقامة ثانيا، لأنّ العود الّذي يعدمه بالذهاب ثانيا لا يحسب من المسافة.
و بعبارة أخرى: لو تكرّر منه الذهاب و الإياب فالأخير من الذهاب مبدأ سفره، فلا يجوز له القصر قبل ذلك، فبناء عمل المختار حكم المقيم حكم المتوطّن في صورة العلم و الجهل، فمع علمه بالعود لا يجوز له القصر.
، للاستصحاب، فيبقى على التمام في الذهاب إلى حدّ يتيقن ببلوغه الى حدّ الترخّص.
نعم، يرد هنا إشكال، و هو أنّه يعلم إجمالا ببطلان إحدى صلاتي التمام و القصر في المكان الخاصّ الّذي يتمّ فيه في الذهاب بمقتضى الاستصحاب، و يقصّر في الإياب بمقتضى الاستصحاب، و لكنّه يدفعه- مضافا إلى ما دلّ في باب المسافر و الحاضر في أنّ ما أتاه على طبق وظيفته الفعليّة لا يجب عليه الإعادة كما في صحيحة زرارة المتقدّمة- ما تقدّم منّا أنّ كلّ موضوع لوحظ فيه نظر المكلّف متّبعا فيه فلا واقع له إلّا ما هو محرز له، فإذا كان الترخّص المحرز هو الموضوع لوجوب القصر و الإتمام، فلو لم يحرز الموضوع فلا قصر في الأوّل و لا تمام في الثاني.
نعم، بناء على هذا لا يحتاج وجوب التمام في الذهاب و القصر في الإياب إلى الاستصحاب، لأنّ الإحراز وجدانا غير حاصل.
ثمّ إنّه لو شكّ في أنّ الموضوع هو الحدّ الواقعيّ أو الحدّ المحرز فمقتضاه أيضا عدم تأثير العلم الإجماليّ، أي لا يعلم إجمالا بمخالفة إحدى الصلاتين، لأنّه أتى ما هو وظيفته و يشكّ في وجوب إعادة أحدهما.
، و كذلك تسقط النوافل النهاريّة، و أمّا النوافل الليليّة فلا تسقط إلّا نافلة العشاء على إشكال فيها، منشأه احتمال كونه نافلة الوقت لا نافلة العشاء، أي صلاة العشاء، فإتيانها رجاء للمطلوبيّة لا إشكال فيه، لأنّ موضوع حسن الاحتياط عقلا متحقّق حتّى لو قامت الأمارة على سقوطها، فضلا عن المقام.
و بالجملة، كلّ مورد لم يدلّ دليل قطعيّ على شيء فإتيان الشيء لاحتمال كون الأمارة مخالفة للواقع برجاء المطلوبيّة حسن عقلا. نعم، مورد حسن الاحتياط فيما لو قامت الأمارة على وجوب شيء و احتمل وجوب أمر آخر إنّما هو بعد العمل بمؤدّى الأمارة لا قبله، و لذا اختلف العلمان أستاذ الأساتيذ شيخنا الأنصاريّ (1)و المحقّق الشيرازيّ (2)
مكّة المشرّفة، و المدينة المنوّرة، و مسجد الجامع بالكوفة، و الحائر الحسيني على مشرّفه الصلاة و السلام.
و تنقيح البحث يظهر في ضمن فروع:
، و الأقوال فيه ثلاثة: قول بثبوته و هو المشهور قديما و حديثا، و قول بتعيّن القصر إلّا إذا نوى المقام فيها عشرة أيّام، و هو منسوب إلى الصدوق (1)و اختاره بحر العلوم (2)تبعا لأستاذه الوحيد و ادّعى في مصابيحه (3)أنّه المشهور بين القدماء، و قول بتعيّن التمام و هو المنسوب الى ظاهر كلام العلمين ابن الجنيد (4)و علم الهدى (5)قدّس سرّهما، و لكنّ الأقوى ما عليه المشهور، للجمع بين الأخبار الكثيرة، بل صراحة بعضها بالتخيير، فإنّه لو لا ذلك لكان مقتضى التعارض بين الأخبار الدالّة على وجوب القصر و الدالّة على وجوب الإتمام هو التخيير، فمع وجود شاهد الجمع من نفس الأخبار لا
إشكال في المسألة، و نحن نذكر تيمّنا من كلّ واحد من الطوائف الثلاث:
فمها دلّ على التمام: صحيح ابن الحجّاج قال: سألت أبا عبد اللّه عن التمام بمكّة و المدينة فقال: «أتمّ و إن لم تصلّ فيها إلّا صلاة واحدة» (1)، و عن حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال: «من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه، و حرم رسوله، و حرم أمير المؤمنين عليهما السلام، و حرم الحسين بن عليّ عليهما السلام» (2).
و ممّا دلّ على وجوب القصر: ما عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل قدم مكّة فأقام على إحرامه، قال:
«فليقصّر الصلاة ما دام محرما» (3)، و عن ابن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكّة و المدينة، تقصير أو تمام، فقال: «قصّر ما لم تعزم على مقام عشرة أيّام» (4).
و ممّا دلّ على التخيير: ما عن عليّ بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام في الصلاة بمكّة، قال: «من شاء أتمّ، و من شاء قصّر» (5)، و عن الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم قال: قلت له: إنّا إذا دخلنا
مكّة و المدينة نتمّ أو نقصّر؟ قال: إن قصّرت فذلك، و إن أتممت فهو خير تزداد» (1).
ثمّ إنّ ما نسبه بحر العلوم (2)إلى الشهرة بين القدماء لا مدرك له إلّا عمل جملة منهم على القصر، و العمل لا يدلّ على تحتّم القصر، بل يشهد في نفس مدركه أنّ التمام أيضا كان معروفا بينهم، فعن ابن قولويه في كامل الزيارة عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه قال: سألت أيّوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد- مكّة و المدينة و الكوفة و قبر الحسين عليه السلام- الأربعة و الّذي يروي فيها، فقال: أنا أقصّر، و كان صفوان يقصّر، و ابن أبي عمير و جميع أصحابنا يقصّرون (3). و في مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام يدلّ على أنّه كان يصلّي في الحرمين تماما و إنّما أشار فقهاء أصحابنا عليه بالتقصير، و في ذيلها: قال عليه السلام: «فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر» (4).
و بالجملة، إشارة أصحابنا إليه بالتقصير و عملهم عليه لا يدلّ على تحتّم القصر مع أنّ جلالة ابن مهزيار تمنع عن كونه متما مع عدم معروفيّة التخيير.
و بالجملة، وجوب القصر و عدم جواز التمام إلّا بنيّة الإقامة قول
ضعيف، و حمل ما يدلّ على جواز التمام على التقيّة لا وجه له بعد شيوع مذهب أبي حنيفة في لزوم القصر (1)، و مذهب الشافعيّ في التخيير (2)، بل حمل نصوص القصر على التقيّة أولى من العكس، و التعليل الدالّ في بعض الأخبار بأنّ أمرتهم بالتمام لأنّهم كانوا يقصّرون و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس يستقبلونهم و يدخلون المسجد فأمرتهم بالتمام (3)لا يدلّ على أنّ الأمر بالتمام كان للتقيّة، لأنّ الاتّقاء كان يمكن بأمرهم بالبقاء في المسجد و الصلاة مع الجماعة قصرا، بل في نفس هذا التعليل يشهد بأن الأمر بالإتمام لم يكن للتقيّة، فإنّ إتمامهم يلازم لعلم الجماعة به مع أنّ مذهبهم كان قصرا أو تخييرا. هذا مع أنّ الأمر بالإتمام في حرم الحسين عليه السلام ينافي التقيّة بلا إشكال، لأنّهم عليهم السلام كانوا يجهدون بخفاء حضور شيعتهم عنده.
ثمّ إنّه لا يمكن حمل أخبار التمام على التقيّة لقول العامّة بالإتمام في مطلق السفر من جهة استفادة الرخصة (4)من قوله عزّ و جلّ: «لا جناح عليكم. إلى آخر الآية المباركة» (5)، و ذلك لأنّ التعليل الوارد له
1) المبسوط للسرخسي: كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر ج 1 ص 237، و المغني لابن قدامة: كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر. ج 2 ص 99، الشرح الكبير: كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر ج 2 ص 109، المجموع: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 4 ص 337- 338.
2) مختصر المزني: باب صلاة المسافر. ص 24- 25، المجموع: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 4 ص 334- 339.
3) وسائل الشيعة: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 34 ج 5 ص 551.
4) المجموع: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 4 ص 334- 339.
5) البقرة: 236.
و هو «مشرف البقعة» ينافي الحمل على التقيّة.
و بالجملة، مع وضوح وجوب القصر على المسافر مع الشرائط المتقدّمة و وضوح وجوب التمام على ناوي إقامة العشرة فكثرة السؤال عن حكم هذه الأماكن الأربعة تكشف عن أنّ لها خصوصيّة ليست لغيرها من الأماكن، فالقول بوجوب القصر فيها إلّا إذا نوى الإقامة لا وجه له.
، و ينسب إلى العلمين المرتضى (1)و ابن الجنيد (2)الإلحاق، و لكن الأقوى عدم الإلحاق، فإنّ تعليل الإتمام في صحيحة ابن مهزيار (3)لشرف البقعة ليس بحيث يمكن استفادة العلّيّة، فإنّ قوله عليه السلام: «قد علمت- يرحمك اللّه- فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما» على أنّ كلّ مكان له فضل يجوز أن يتمّ المسافر فيه، و الرضويّ و إن توهّم دلالته على ذلك- حيث قال: «إذا بلغت موضع قصدك من الحجّ و الزيارة و المشاهد و غير ذلك ممّا قد بينته لك فقد سقط عنك السفر و وجب عليك الإتمام» (4)- إلّا أنّه لا يمكن الأخذ بظهوره، لأنّ قوله: «و غير ذلك ممّا قد بيّنته لك» و هو سائر الأسفار المباحة من
قصد الصديق و الأخ لم يقل أحد بأنّه يجوز التمام فيه، فلا بدّ من حمله على نيّة الإقامة. هذا مع أنّ العمل الّذي يوجب جابريّة السند لا يتحقّق من عمل العلمين على فرض صدق النسبة.
قول بالتوسعة الّتي يستفاد من جملة من الأخبار و هو الحرمين و حرم أمير المؤمنين و الحائر (1)، و قول في مقابل هذا و هو نفس المسجدين في الأوّلين و خصوص مسجد الكوفة و عند قبر الحسين عليه السلام، و قول متوسّط بينهما و هو مكّة و المدينة و الكوفة و كربلاء، و هنا قولان آخران، الأوّلان: البلدان و جامع الكوفة و الحائر، الثاني: المساجد الثالثة و الحائر.
و كيف كان، فمقتضى القاعدة الأصوليّة الأخذ بالمعنى الأعمّ، أي المشتمل على التوسعة، لعدم التنافي بين المطلق الانحلاليّ و المقيّد، و مقتضاه التخيير حتّى في خارج المدينة و مكّة، فإنّ الحرم أوسع من البلاد، أمّا في مكّة فلأنّه بريد في بريد، و أمّا في المدينة فلأنّ حدّه من عائر الى و عير، كما في بعض الأخبار أنّ لا بيتها حرم. نعم، في بعض الأخبار يطابق البلد مع الحرم (2). نعم، في بعض الأخبار يطابق البلد مع الحرم، ففي رواية حسّان بن مهران عن أمير المؤمنين: «مكّة حرم اللّه، و المدينة حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الكوفة حرمي» (3).
و كيف كان، فمقتضى القاعدة هو ثبوت التخيير فيما هو أوسع، لعدم التنافي بين العامّ و الخاصّ، إلّا أنّه لما ثبت من الخارج أنّ حرم النبيّ و الأمير- صلوات اللّه عليهما و آلهما الطاهرين- لا يشتركان في الحكم مع حرم اللّه سبحانه في سائر الآثار- من حرمة قتل صيدهما، و قطع شجرهما، و كونهما بلد الأمن و الأمان، و غير ذلك- فلا يمكن الأخذ بهذه التوسعة، فلا بدّ أن يراد خصوص مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و مسجد الكوفة، و حيث إنّ حرم اللّه سبحانه متّحد في السياق معهما فلا بدّ أن يراد منه مسجد الحرام لا مطلق الحرم.
و على أيّ حال نفس البلد، و بناء على اختلافها مع الحرم لا دليل على ثبوت التخيير فيها، لأنّه إمّا لا بدّ من الأخذ بالتوسعة، و إمّا بخصوص المساجد و ما دار عليه سور مشهد الحسين عليه السلام، فالأخذ بالمتوسّط بينهما لا وجه له.
هذا مع أنّ اشتمال البلاد على دور الكفّار و المنافقين موجب، لعدم إمكان الالتزام بالتخيير فيها حتّى في مثل دار شمر بن ذي الجوشن و عبد اللّه بن أبيّ و نحوهما من الكفّار و المنافقين، فمن هذه الجهة الأخذ بالمتيقّن هو الأحوط، بل الأقوى، و إن كان من جهة العموم لا محل للأخذ بالمتيقّن.
و بالجملة، لو لا التعليل الوارد في بعض الأخبار من أنّ وجه الإتمام في هذه الأماكن الأربعة هو شرف بقاعها (1)، و أنّ التمام لفضل
1) لم نعثر عليه.
الصلاة في الحرمين (1)، و لو لا أنّ إطلاق الحرم على غير حرم اللّه سبحانه بوجه من التوسّع لقلنا: إنّ محلّ التخيير هو الأوسع، إلّا أنّ بعد هاتين القريتين لا بدّ من الأخذ بالمتيقّن، و هو في مكّة و المدينة و الكوفة مساجدها، و المراد منها ما هو الموجودة في زماننا، لأنّ الأخبار الواردة عن الأئمّة الطاهرين- سلام اللّه عليهم أجمعين- متأخرة عن التغييرات الّتي حدثت من الأمويّين، و التعميرات الواقعة بعد قضيّة القرامطة، فالمسجد الحرام- الّذي هو المسجد فلا- و مسجد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و مسجد الجامع بالكوفة الّذي وراؤه قبر مسلم بن عقيل عليه السلام محلّ التخيير، بل المسجد في الكوفة لم يزدد من الزمان الّتي وردت الروايات لو لم نقل بصيرورة جزء منه، و هو جانب الغربيّ و الشماليّ خارجا منه. و على أيّ حال هذا الّذي- هو الموجود فعلا يصحّ التخيير فيه.
و أمّا في كربلاء فالمتيقّن الّذي ليس محلا للشكّ هو عشرين ذراعا، بل خمسة و عشرين من القبر المطهّر من جميع الجهات الأربع، و ذلك لأنّ عشرين ذراعا و إن ورد في رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق إلّا أنّه قال عليه السلام: «قبر الحسين عليه السلام عشرون ذراعا مكسرا، روضة من رياض الجنّة» (2)، فإنّ المكسر عبارة عن ضرب عشرين في
مثله، فيحتمل أن يكون أربعمائة دراع من كلّ جانب، و يحتمل أن يكون مجموع حول القبر أربعمائة ذراع بأن يكون عشرين من كلّ طرف، و أمّا خمسة و عشرين من كلّ جهة فهو المرويّ عن الحسن بن محبوب (1). و على أيّ حال، فالمتيقن هو عشرون ذراعا من كلّ جانب، و جعل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- خمسة و عشرين هو المتيقّن.
و كيف كان فما ورد في هذا المقام من محلّ التخيير بين طوائف ثلاث: طائفة دلّت بأنّه عند قبر الحسين عليه السلام، و طائفة دلّت بأنّه الحائر، و طائفة بأنّه حرم الحسين، و الحرم و إن حدّ في بعض الأخبار بأنّه خمسة فراسخ من أربعة جوانب (2)إلّا أنّ إطلاق الحرم- كما في إطلاقه على حرم الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و الأمير عليه السلام- لا بدّ أن يكون بضرب من العناية، و نحو من التوسّع.
و أمّا الحائر فهو و إن اختلفت التفاسير فيه إلّا أنّه يظهر من آداب الزيارة أنّه قريب إلى المشهد المقدّس فقال عليه السلام في خبر الحسين بن ثوير: «حتّى تصير إلى باب الحائر ثمّ تقول: السلام عليك.
إلخ» (3)، و المراد منه هو الحرم الّذي دائر في ألسنتنا مقابل الرواق و الصحن الشريفين.
و بالجملة، بعد اختلاف التفاسير في معنى الحائر، و اختلاف
الروايات في حدّ الحرم، فيصيران مجملان، و المتيقّن منه هو الحضرة المقدّسة، و هو ما دار عليه سور المشهد المقدّس في زماننا هذا، فيدخل المسجد الواقع عقيل الرأس في محلّ التخيير، لأنّه لا يزيد عن خمسة و عشرين ذراعا، و يخرج منه الصحن الشريف و إن دخل في الحائر على بعض معانيه، و هو ما حار فيه الماء. و بالجملة، حيث أنّ التمام خلاف القاعدة فالمتيقّن منه ما ذكرنا.
و على أيّ حال، لا شبهة أنّ التمام في هذه المواضع أفضل كما يظهر من الأخبار، و لكنّ القصر أحوط، خروجا عن شبهة الخلاف، فإنّ احتمال تعيّن التمام لا وجه له، فيدور الأمر بين التخيير و تعيّن القصر.
، لأنّه تخيير شرعيّ ثبت من الأدلّة، فله أن يتمّ في صلاة الظهر و يقصّر في العصر، و بالعكس.
ثمّ لو عيّنه هل يجوز له العدول في الأثناء، أو يجب البقاء على ما عيّنه؟ الأقوى عدم وجوب التعيين، و جواز العدول إلى غير ما عيّنه، و ذلك لإطلاق الأخبار، فإنّه يشمل كلا الأمرين، فإنّ قوله عليه السلام: «من شاء أتمّ و من شاء قصّر» (1)، و كذا قوله: «إن قصّرت فلك، و إن أتممت فهو خير» (2)يشمل ما لو قصد أوّلا ذات صلاة الظهر، و كذا يشمل ما
لو عيّن أوّلا القصر ثمّ قبل السلام الواجب بدا له الإتمام، أو عيّن أوّلا الإتمام ثمّ قبل الركوع في الركعة الثالثة بدأ له القصر، و ورودهما جوابا عن سؤال أصل التخيير في الحرم لا ينافي الأخذ بإطلاق الجواب.
نعم لا يبعد أن يدّعى أنّ الخبرين و نحوهما ليسا في مقام بيان التخيير من حيث العدول و من حيث النيّة، بأن يجعل المنويّ هو الحدّ المشترك بين الإتمام و القصر- كصلاة الظهر و العصر و نحوهما- إلّا أنّ الظاهر شمولها لجميع الصور، فتأمّل.
و لكنّ الّذي يسهل الخطب أنّ القصر و الإتمام و إن قلنا بأنّهما ماهيّتان متباينتان و مقتضى التباين هو لزوم تعيين النيّة و عدم جواز العدول إلّا أنّه لا نسلّم أنّ كلّ متباين لا بدّ من أن يعيّن بالنيّة و لا يمكن العدول من مباين إلى غيره، بل التعيّن لازم إذا لم يكن بينهما مائز إلّا بالقصد- كالظهر و العصر- لا مثل المقام الّذي هو مميّز إن خارجا بالتسليم على الركعتين أو الدخول في الركعة الثالثة، فما كان تمييزه بأمر تكون خارجي لا يلزم تعيّنه في ابتداء الشروع.
و بالجملة، و إن قلنا: بأنّهما متباينان و لم نتصوّر التخيير بين الأقلّ و الأكثر، بل قلنا: بأنّ الأقلّ بشرط لا عدل مع بشرط شيء فلا محالة متباينان، إلّا أنّ التباين عقلا لا ينافي الاتّحاد عرفا، كما أنّه قد يكون بين الشيئين اتّحاد عقلا و اختلاف عرفا كالأمة و العبد، و المدار في النيّة على الاشتراك في الصورة عرفا، فلو نوى صلاة الظهر و لم يعيّنها قصرا أو تماما صحّ المنويّ، فيصحّ أن يسلّم على الركعتين، و أن يلحق
بهما ركعتان أخريان. و أمّا مسألة العدول عمّا نوى فعل فرض التباين فلا بدّ من شمول أدلّة الباب له، فتأمّل.
ثمّ إنّ محلّ البحث فيما لو كان ملتفتا إلى ما نوى و عدل عنه إلى غيره، و أمّا لو نوى التمام فسلّم على الركعتين ساهيا، أو نوى القصر فأتمّه ساهيا فالحكم بالصّحة مشكل إلّا أن يستفاد من أدلّة التخيير كفاية إتيان أحد الفردين خارجا و إن لم يلتفت إليه إلى الفراغ منه إذا كان ناويا للصلاة، أو يدّعي أولويّة هذا القسم من صورة العدول.
ثمّ إنّه لو قلنا بأنّهما ماهيّتان متباينتان فلا إشكال في صحّة الإتمام مطلقا، و لو كان عليه فريضة مقضية و قلنا بعدم صحّة التطوّع لمن عليه فريضة فإنّ الركعتين الأخيرتين ليستا بتطوّع، و أمّا لو قلنا بأنّ التخيير من قبيل التخيير بين الأقلّ و الأكثر فكذلك أيضا، لعدم اندراج المقام في باب التطوّع لمن عليه الفرض قطعا و إن قلنا بأنّ الأخيرتين نفل و تطوّع، و هذا واضح جدّا.
مطلقا سواء صلّى قصرا، أمّ تصحّ إذا صلّى تماما، أم تسقط مطلقا؟
وجوه، و الأقوى صحّتها مطلقا، للأخبار الدالّة على أنّ عند قبر الحسين عليه السلام و الحرمين و لو كان المسافر مقصّرا يتنفّل ما قدر عليه (1)، بل في خبر عليّ بن أبي حمزة عن العبد الصالح عليه السلام قال: و سألته
1) وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 552.
عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين عليه السلام و مشاهد النبيّ و الحرمين تطوّعا و نحن نقصّر، فقال: «نعم، إذا ما قدرت عليه» (1)، و لا وجه لحمل الأخبار على غير الرواتب من النوافل، لاستبعاد السؤال عنها مع ورود الإطلاقات و العمومات باستحباب النافلة مطلقا.
و بالجملة، لا ينبغي الإشكال في أنّ وجه السؤال ثبوت التخيير في هذه الأماكن، و ارتكازيّة سقوط النافلة للصلاة المقصورة في السفر، فيتوهّم أنّ صحّة التخيير يلازم صحّة النافلة فيسأل عنها، فإذا أجاب الإمام عليه السلام بصحّة النافلة فيدلّ على صحّة الراتبة. هذا مع أنّ في خبر عليّ بن أبي حمزة سئل عن نافلة النهار، و هي كالصريحة في نافلة الظهرين، و لا ينافي ما فيه من مشهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، لإمكان حمله على مسجده صلّى اللّه عليه و آله، و حمل الحرمين على حرم اللّه سبحانه و حرم الأمير.
فكيف كان من التأمّل في الأخبار و التعليلات الواردة بأنّ الزيادة في الصلاة خير و زيادة الخير خير (2)، و ممّا دلّ على أنّه لو صلحت النافلة في السفر لتمّت الفريضة تستفاد الملازمة بين صحّة الإتمام و صحّة النافلة و لو صلّى الفريضة قصرا، بل و لو صلّى الفريضة في خارج هذه الأماكن كما ينسب إلى الشهيد في الذكرى (3). و لكنّه لا يخفى أنّه حيث
ورد النهي في رواية عمّار بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه عن الصلاة في الحائر، قال: «ليس الصلاة إلّا الفرض بالتقصير، و لا تصلّ النوافل» (1)، فإتيانها رجاء للمطلوبيّة لا بأس به، و أمّا لقصد الأمر فمشكل و إن كان ظاهر عدّة من الأخبار صحّته، فتأمّل.
على نحو ما فاتت و لو في أماكن التخيير، فإذا فاتت سفرا فلا يتخيّر بين التمام و القصر و لو قضاها في أماكن التخيير، لعدم شمول الأخبار له، و أمّا لو فاتت في أماكن التخيير، فتارة يقضيها في هذه الأماكن، و أخرى في غيرها. ثمّ في الأوّل، تارة يقضيها بعد خروجها (2)عنها و عوده إلى المحلّ الّذي فاتت فيه أو في مثل هذا المحلّ، كما لو فاتت في مسجد الكوفة و أراد أن يقضيها في الحائر، و يقضيها من دون خروجه عنه، و الأقوى في الجميع وجوب قضائها قصرا.
أمّا فيما إذا قضاها في غير هذه الأماكن فالأمر أوضح، لاحتمال مدخليّة البقاع المتبرّكة في التخيير و لو بالنسبة إلى ما فات فيها. نعم، الشبهة الموجبة لبقاء حكم التخيير في القضاء حتّى في غير هذه الأماكن هي ما يستفاد من أدلّة القضاء من وجوب القضاء على نحو ما فات، و الدليل يشمل ما إذا قضاها في غير أماكن التخيير، لأنّ مقتضى دليل مطابقة القضاء لما فات أن يكون التخيير الّذي كان في الفائت ثابتا في
قضائه في كلّ مكان أدّاه. و لكنّه لا يخفى أنّ الظاهر من الأدلّة هو أنّ الواجب هو القصر، و إنّما ثبت التخيير لفضل الصلاة في هذه الأماكن، و معلوم أنّه لا فضيلة في غير هذه الأماكن، فيجب القصر، لأنّه الفائت الأصليّ.
و أمّا في نفس هذه الأماكن فبناء على ما تقدّم- من أنّ الواجب الفائت الأصليّ هو القصر- وجوب قضائها قصرا، سواء قضاها في محل آخر من أماكن التخيير أو في نفس محلّ الفوت، و سواء خرج منه و رجع إليه أو بقي فيه إلى أن فات وقته و أراد القضاء. نعم، لو لم يخرج منه فلا يبعد جواز التخيير في القضاء بدعوى شمول أدلّة التخيير لهذه الصورة، لأنّ الصلاة المقضيّة كأنّها هي الّتي وجب عليه إتيانها مخيّرا، فيبقى التخيير إلى أن يؤديها، فتأمّل.
، و الأقوى هو الاختصاص، لعدم دليل على ثبوت الملازمة بينهما حتّى في هذا الحكم، هذا مع ما عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن إتمام الصلاة و الصيام في الحرمين فقال: «أتمّها و لو صلاة واحدة» (1)، فإنّ من جواب الإمام عليه السلام يظهر الاختصاص، لأنّ السؤال كان عن كليهما و أجاب عليه السلام عن الصلاة. هذا مضافا بتصريح الحكم في الصلاة في جميع أخبار الباب،
1) وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 17 ج 5 ص 547.
و لو كان الحكم مشتركا لذكر لا محالة في إحدى الروايات على نحو يعمّها.
حتّى في صلاة العصر، لأنّ قاعدة من أدرك يختصّ بما إذا ضاق الوقت اتّفاقا، فلا يجوز عمدا تفويته، فعلى هذا لو لم يبق إلّا مقدار سبع ركعات فلا يجوز له إتمام الظهر، بل يقصّر فيه و يتخيّر في العصر.
، قيل: بأنّه لا تصحّ صلاته و أعاد قصرا (1). و قبل تفصيل الصور في المسألة ينبغي أن يعلم أنّ المختار هو صحّة عبادة تاركي طريقي الاجتهاد و التقليد إذا طابق عمله الواقع مع تمشيّ قصد القربة منه، سواء كان هناك طريق لو تفحّص عنه لكانت وظيفته العمل به ظاهرا- كما لو كانت هناك بيّنة تدلّ على أنّ هذا المقدار من السير ليست مسافة و هو لم يعلم بها أو لم يعلم بحجيّتها فصلّى قصرا باعتقاده أنّه مسافة و تبيّن كونها كذلك واقعا- أو لم يكن هناك طريق معتبر- كما لو قلّد أمّه مثلا و طابق عمله الواقع- ففي كلتا الصورتين يصحّ عمله، لأنّ المدار على الواقع و هذا حكم عقليّ غير قابل للتخصيص، فالصور الّتي نقول بصحّة صلاة المسافر إذا صلاها قصرا لا بدّ أن تكون من صغرويّات هذه الكبرى، و هي صحّة عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد إذا طابق عمله الواقع و تمشّى منه قصد
1) شرائع الإسلام: كتاب الصلاة في القصر ج 1 ص 135.
القربة.
إذا عرفت ذلك فلا يخفى أنّ للمسألة صورا ينبغي التعرّض لها:
الأولى: أن يكون عالما بالحكم و الموضوع إجمالا و لكنّه شرع في الصلاة غافلا عن علمه بكليهما مع قصد المأمور به، و سلّم على القصر غافلا أيضا، و هذا لا إشكال في صحّته، فضلا عمّا كان حين الشروع ملتفتا و حين التسليم غافلا.
الثانية: أن يكون عالما بالحكم و الموضوع و لكنّه قصد التمام نسيانا ثمّ سلّم على ركعتين ناسيا، و هذا بناء على أن لا يكون القصر و الإتمام من مقوّمات الفعل حتّى يجب نيّتهما كما في الجواهر (1)، و المفروض عدم تعدّد ما في الذمّة حتّى يجب تشخّصه بالنيّة، فلا موجب للبطلان أيضا، لأنّ نيّة التمام لغو لا أثر لها، إلّا أنّ الحقّ بطلان الصلاة حتّى لو التفت قبل التسليم و سلّم عن التفات على ركعتين، لأنّ القصر و الإتمام بالنسبة إلى الحاضر و المسافر ماهيتّان متباينتان، و ليس مميّزهما صرف التسليم على ركعتين و عدم التسليم عليهما.
نعم، في باب تخيير المسافر في الأماكن الأربعة الحكم كذلك و لكنّه في غير ذلك، و لا بدّ من تحقّق القصر نيّته حين الشروع، و وقوعه خارجا لا أثر له، سواء التفت قبل التسليم أو لم يلتفت، و إنّما سلّم على ركعتين غفلة.
1) جواهر الكلام: كتاب الصلاة في حكم المسافر الذي قصر اتفاقا ج 14 ص 352- 353.
الثالثة: أن يكون جاهلا بالحكم مع علمه ببلوغ ما قصد سيره مسافة فبنى على أن يأتي بالتمام فسلّم على ركعتين غفلة، و الأقوى وجوب الإعادة عليه، لأنّه لم يأت بما نواه، فبعد الصلاة لو علم الحكم فإذا كان في الوقت يعيدها قصرا، لارتفاع جهله فيخرج عن موضوع من صحّ منه التمام، و إذا كان خارج الوقت فقد يقال بوجوب التمام عليه، لأنّ ما فات منه هو التمام، لأنّ الجاهل بالحكم في هذه المسألة حكمه الواقعيّ هو التمام، و يمكن أن يقال بوجوب القصر عليه، لأنّه و إن كان حكمه الواقعيّ في حال الجهل التمام إلّا أنّ التمام و القصر بالنسبة إلى الجهل و العلم كالاختلاف بين النائب و المنوب عنه في الذكوريّة و الأنوثيّة بالنسبة إلى الجهر و الإخفات، فالقاضي الّذي علم بوجوب القصر على المسافر لا يجوز له أن يتمّ، و إن كان لو أتى المكلّف بحال الجهل كان مكلّفا بالتمام.
هذا مضافا بما نقّحناه في الأصول من أنّ القضاء و إن لم يكن بالأمر الأوّل فإنّ الواجب المقيّد بوقت لا يمكن أن يبقى بعد انتفاء قيده، إلّا أنّه ليس بأمر جديد، بمعنى أن يكون واجبا بملاك الآخر، بل الحقّ هو الجمع بين المعنيين، و هو أنّ ملاك الأمر الأوّل اقتضى وجوبه بعد الوقت، و مرجع هذا المعنى إلى أنّ دليل القضاء يوجب التوسعة في الوقت، فهو في الحقيقة يأت المأمور به في هذا الزمان، و لا إشكال في أنّه لو علم بالحكم في الوقت قبل أن يصلّي يوجب عليه القصر، فكذلك لو علم به بعد خروج الوقت، لأنّ من دليل القضاء إذا استفيد
التوسعة في الوقت فمقتضاه اتّحاد حكم الموسّع مع الموسّع فيه.
الرابعة: أن يكون عالما بالحكم و جاهلا بأنّ قصده سيره مسافة، و هذا على قسمين، لأنّه قد ينسى عمّا هو معتقده فينوي القصر و يأتي به، و أخرى لا ينسى عمّا هو اعتقاده فينوي على ما هو تكليفه على طبق اعتقاده و هو التمام و يسلّم على القصر غفلة.
و أمّا الأولى فتارة يعتقد عدم المسافة من دون فحص عمّا هو معتقد العرف، و اخرى يرى خطأ العرف، فإذا لم يتفحّص و اعتقد عدم المسافة فنسي و صلّى قصرا ثمّ تبيّن أنّ معتقد العرف كان خطأ واقعا فصلاته باطلة، لأنّ الواقع و إن كان مسافة إلّا أنّه ما لم يعتقد خطأ العرف كان تكليفه في الواقع هو التمام، لما بينّا في صدر المسألة أنّ المدار في المسافة ليس على الواقع ما لم ينكشف خطأ العرف. نعم، لو انكشف يتبدّل حكمه و يصير حكمه هو الواقع، و سيجيء توضيحه أيضا.
و أمّا إذا اعتقد خطأ العرف و نسي و صلّى ما هو تكليفه في الواقع و هو القصر فصحّت صلاته و إن لم يأت بما هو وظيفته بحسب معتقده.
و أمّا لو اعتقد عدم المسافة فنوى الإتمام فسلّم اتّفاقا على ركعتين فيجب عليه الإعادة قصرا، بل حكم هذا الجاهل في وجوب القصر عليه أظهر بالنسبة إلى القضاء، لأنّ ما فات منه واقعا هو القصر.
نعم في الصورة الّتي فلنا أنّ الجاهل بالموضوع كجاهل الحكم يجب عليه التمام، فحكم المسألتين حكم واحد، و لكنّه قد عرفت أنّ العلم و الجهل ليسا كسائر الخصوصيّات الّتي يجب أن يكون القضاء مطابقا لما
فات، بل بالعلم يتبدّل الحكم. هذا مع أنّ الرواية الآتية الدالّة على وجوب التمام على الجاهل هي بنفسها تدلّ على أنّ من فاتت عنه الصلاة إذا يريد أن يقضيها و علم أنّ حكم المسافر القصر يجب أن يقضي قصرا، لأنّه داخل في من قرئت عليه آية التقصير (1)، فتأمّل.
نعم، وجوب الإعادة في الوقت لا يخلو من إشكال، بناء على ما أفاده في الجواهر (2)من أنّ نيّة القصر و الإتمام ليس من مقوّمات الفعل، لأنّ في السابقة حكم الجاهل كان في الواقع هو، فإذا نوى ما هو تكليفه و لكنّه لم يأت به بل أتى تكليف العالم وجب عليه الإعادة.
غاية الأمر، لو علم بالحكم قبل أن يصلّي يصلي قصرا، لتبدّل عنوانه، و هذا بخلاف الجاهل بالموضوع، فإنّ تكليفه الواقعيّ كان هو القصر فإذا أتى به فلا يجب عليه الإعادة. نعم، نوى التمام الّذي هو غير وظيفته، و لكن تقدّم أنّ هذه النيّة لا تضرّ بالعبادة، لأنّها ليست من مقوّماتها، بل المقوّم لها أصل النيّة و المفروض حصولها.
الخامسة: مع اعتقاده بأنّ تكليفه الإتمام ثمّ تبيّن أن تكليفه كان في الواقع القصر، و هذا لا إشكال في فساده، لعدم تمشيّ قصد القربة منه، فيجب عليه الإعادة أو القضاء قصرا. نعم، لو فرض إمكان تمشيّ قصد القربة منه فلا إشكال في صحّته.
و على أيّ حال، هذا القسم ليس داخلا في مثل عبارة الشرائع (1)و نحوه (2)، و لو قصّر المسافر اتّفاقا لم تصحّ صلاته، لأنّه داخل في تعمّد القصر.
، و لكن تصحّ صلاته، فلا إعادة عليه لا في الوقت و لا في خارجه.
و الكلام في هذه المسألة تارة في البحث عن المسألة الأصوليّة، و هي:
كيف يجتمع العقاب مع الصحّة، لأنّ العقاب فرع مخالفة الأمر و الصحّة فرع موافقته؟ و أخرى عن الفقهيّة.
(أمّا الأصوليّة) فقد أجيب عن الإشكال بأجوبة مذكورة في رسائل شيخنا الأنصاريّ (3)، و الحقّ أن يقال: إنّه يمكن أن يكون لقيد خاص، ملاك للقيّدية في حال و مصلحة نفسيّة في جميع الحالات، فيكون التسليم على ركعتين قيدا للعالم به بنتيجة التقييد، و واجبا نفسيّا على كلّ مكلّف، فإذا لم يسلّم الجاهل على ركعتين فقد خالف الواجب النفسيّ و لكنّه أتى بالمكلّف به، لكون التكليف المشترك بين القصر و الإتمام- و هو ركعتان- واجبا واقعا.
و بعبارة أخرى، المكلّف به في الواقع هو الركعتان، ثمّ يحرم الإتيان بالركعتين الأخيرتين منضمّا إلى الأوليين بالتحريم النفسيّ لكلّ
مسافر، ثمّ يجعل الركعتين مانعتين للعالم بالتحريم النفسيّ. لكنّه لا يخفى أنّه لو كان الواجب مشتركا بين الركعتين واقعا على هذا النحو للزم القول بالصحّة في المسألة السابقة- و هي لو قصّر اتّفاقا- مع أنّهم لا يلتزمون به.
و بالجملة، هذا الجاهل بوجوب القصر على المسافر لو نوى الإتمام و قصّر من باب الاتّفاق تفسد صلاته، مع أنّه لو كان مخيّرا لا وجه لفساده، بل يقال: بأنّه لو نوى القصر تفسد صلاته أيضا، سواء نواه عمدا- فإنّه تشريع، لأنّه مع اعتقاده بوجوب التمام على المسافر لا يمكن له نيّة القصر- أو نواه نسيانا، لأنّه لم يعتمد على ما نواه على طريق من الطرق الشرعيّة الّتي تدلّ على وجوب القصر، فبطلان صلاته في جميع هذه الصور لا يجتمع مع ما قلناه.
نعم، بناء على ما أجاب به كاشف الغطاء (1)يرتفع الإشكال، لأنّ ما أفاده من صحّة الخطابين ترتّبا و إن لم يستقم من باب صحّة الترتّب عقلا، إلّا أنّه يصحّ من دليل خاص يدلّ على الترتّب، فمن حكم المشهور بالعقاب و الصحّة يستفاد أنّ الحكم الواقعيّ أوّلا هو القصر، و لو قصّر في التعلّم فحكمه الإتمام، و على هذا فيستقيم الفرع المتقدّم، و هو أنّه لو قصّر الجاهل بوجوب القصر اتّفاقا يفسد صلاته، لأنّه لم يأت بما هو وظيفة الجاهل.
1) كما في فرائد الأصول: البراءة، خاتمة الكلام في الجاهل العامل قبل الفحص ص 524.
ثمّ إنّ هذا كلّه لو قلنا بالعقاب و الصحّة إلّا أنّه لم يعلم من مذهب المشهور أنّه معاقب لترك تكليف نفسي، فإنّ تقرير السيّد لأخيه و للنرسي (1)لا يدلّ على أنّه اعترف بالعقاب على مخالفة الواجب النفسيّ، بل لعلّه التزم بالعقاب على ترك التعلّم.
و محصّل الكلام: أنّ المشهور حيث اعترفوا بالعقاب على ترك الخطابات الطريقيّة، سواء صادفت الواقع أو لم تصادف، غاية الأمر أنّهم في صورة عدم المصادفة، يلتزمون بالعقاب من جهة قبح التجرّي، فلا يمكن استكشاف المخالفة النفسيّة من الاعتراف بالعقاب. فعلى هذا لمّا أنكرنا العقاب على مخالفة الخطابات الطريقيّة فلا نسلّم العقاب في المقام، فلنا أن نختار فيه أنّ العالم بوجوب القصر يجب عليه القصر بنتيجة التقييد، و أمّا الجاهل بوجوبه على العالم بالقصر فيجب عليه التمام بالتقييد اللحاظي. فعلى هذا يكون المسافر على نوعين: العالم بوجوب القصر، و الجاهل بوجوبه، فحكم الجاهل هو التمام واقعا، فلو قصّر اتّفاقا لنسيانه أن حكمه القصر تفسد صلاته، لأنّه لم يأت بما هو وظيفته و لو تمشّى منه قصد القربة.
و بالجملة، من الالتزام بالعقاب لا يمكن استكشاف أنّه هناك خطاب خولف، فلا وجه للالتزام بما أفاده كاشف الغطاء (2)، مع أنّه بناء عليه لا بدّ من الالتزام بتعدّد العقاب لو ترك الجاهل القصر
و الإتمام كليهما، و الالتزام به بعيد، فالصواب أن يقال بالتنويع مع عدم الالتزام بالعقاب رأسا، و لو لم يكن بدّ من الالتزام به فلا بأس بأن يقال: و إن كان المسافر على نوعين: عالم بحكم القصر و جاهل به، إلّا أنّه يحرم إدخال الشخص نفسه عن اختيار في موضوع من وجب عليه التمام، كحرمة من أدخل نفسه في موضوع من يجب عليه التيمّم، فتأمّل.
(و أمّا الفقهيّة) فالدليل في المقام هو صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر عليه السلام: رجل صلّى في السفر أربعا، أ يعيد أم لا؟ قال: «إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه» (1)، و لا إشكال في ظهورها في نفي القضاء و الإعادة كليهما، و المراد من التفسير له إمّا لكونه عجميّا و لا يعرف اللسان، و إمّا لكونه متخيّلا أنّ ظاهر الآية الشريفة في قوله عزّ من قائل: «و لا جناح» (2)هو الرخصة، فالمراد أنّه لو علم بوجوب القصر في السفر فليعد و إلّا فلا، و لا يعارضها إلّا رواية العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة، قال: «إن كان في وقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى (3)فلا، فإنّ هذه الرواية تدلّ
التفصيل، و صحيحة الحلبيّ قلت لأبي عبد اللّه عليه آلاف التحيّة و الثناء و السلام: صلّيت الظهر أربع ركعات و أنا في سفر، قال:
«أعد» (1)، و مثله المرويّ عن الخصال: «و إن لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّه تعالى» (2)، فإنّها تدلّ على الإعادة في الوقت و في خارجه.
و لكنّه لا يخفى أنّ الرواية الأولى محمولة على النسيان بقرينة رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات، قال: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، و إن لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه» (3)، مع أنّه على فرض شمولها للجهل و النسيان فتخصّص بصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم (4)لأنّها أخصّ منها، و على فرض كون النسبة بينهما العموم من وجه باعتبار اختصاص رواية العيص بالإعادة في الوقت و اختصاص الصحيحة بالجاهل، إلّا أنّه لا إشكال في أنّ مادّة الاجتماع و هو إعادة الجاهل في الوقت داخل في الصحيحة، لاتّفاق الأصحاب على عدم وجوب الإعادة على الجاهل مطلقا، ما عدا الإسكافيّ (5)و الحلبيّ (6)
1) وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 6 ج 5 ص 531.
2) الخصال: أبواب المائة فما فوقه ح 9 ص 604.
3) وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 530.
4) وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 531.
5) مختلف الشيعة: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ح 3 ص 115- 116.
6) الكافي في الفقه: باب تفصيل أحكام الصلاة الخمس ص 116.
فإنّهما ألحقا الجاهل بالناسي.
و اما صحيحة الحلبيّ على فرض شموله للجاهل بأن يكون سؤاله عن قضيّة فرضيّة لا عن قضية راجعة إلى نفسه- لجلالة قدره- بأن يكون متمّا عمدا أو جهلا، فالنسبة بينهما و بين صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم بالأعمّ المطلق فتخصّص بها، و على فرض كون النسبة الأعمّ من وجه بأن لم يجعل الظهر من باب المثال فتخصّص صحيحة الحلبيّ بالظهر و أعمّ من الجهل و النسيان، و صحيحة الفاضلين تختصّ بالجهل و أعمّ من الظهر و غيره، إلّا أنّه لا إشكال بأظهريّة صحيحة الفاضلين في مادّة الاجتماع و هو وقوع الظهر تماما جهلا، و مقتضاه عدم وجوب إعادته، مع أنّ ظهور صحيحة الحلبيّ في النسيان لا يبقي مجالا للتعارض، فضلا عمّا هو واضح في أنّ الظهر لا خصوصيّة و إنّما هو من باب المثال.
و أمّا بالنسبة إلى المرويّ في الخصال فلا إشكال في أنّه أعمّ من صحيحة الفاضلين و من صحيحة العيص فيخصّص بهما، و يخرج الجاهل و الناسي عن عموم قوله عليه السلام: «لم تجز»، فيختصّ بالعامد و الناسي إذا تذكّر في الوقت.
، كمن جهل انقطاع كثرة السفر بإقامة عشرة و انقطاع سفر المعصية بقصد الطاعة و نحوهما فأتمّوا جهلا؟
قولان، و الأقوى هو الاختصاص، لأنّ ظاهر النصّ و هو قوله عليه
السلام: «إن قرئت عليه آية التقصير و فسّرت له» (1)هو الجاهل بأصل الحكم، مع أنّ هذا هو المتيقّن منه، بل الأقوى أنّ الجاهل بالخصوصيّات يدخل فيمن قرئت عليه آية التقصير، لأنّ الآية الشريفة في مقام بيان تشريع أصل القصر على المسافر، لا في بيان سائر أحكام المسافر، من وجوب القصر على المطيع في سفره، و على من انقطع كثرة سفره، و على من نوى الإقامة و رجع عن نيّته قبل الصلاة تماما، و نحو ذلك.
، و لا يبعد الإلحاق، فإنّه مضافا إلى عموم قوله عليه السلام:
«و إن لم يكن قرئت عليه» صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، و قد أجزأ عنه الصوم» (2)، و بهذا المضمون صحيحة الحلبيّ (3)، و يدلّ عليه خبر عيسى عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (4)، و قريب منه
رواية ليث (1)، و بهذا الأخبار تخصّص العمومات، مثل قوله عليه السلام في خبر معاوية بن عمّار: «إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزئه و عليه الإعادة» (2)، و نحو ذلك من العمومات.
، و الأقوى عدم الإلحاق، لأنّه لا دليل عليه إلّا ما يقال: إنّ ظاهر قولهم: إنّ الجاهل غير معذور إلّا في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام هو صحّة التمام في موضع القصر و بالعكس، و إلّا رواية منصور عن الصادق عليه السلام: «إذا أتيت بلدة و أزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، فإن تركه رجل جاهلا فليس عليه إعادة» (3)، و لكنّه لا يخفى ما في كليهما.
أمّا قولهم: فلا يستفاد منه الإجماع على كلتا المسألتين في كلا الشقّين مع مخالفة جم غفير في كفاية القصر موضع التمام. و أمّا الرواية فليست معمولا بها من القدماء و أكثر المتأخّرين، و إنّما عمل بها قليل من المتأخّرين (4).
ثمّ إنّ هذا كلّه على القول به إنّما هو في صحّة القصر مقام التمام في الصلاة الّتي يمكن أن تكون مقصورة كالرباعيّة، و إلّا ما لا يجوز قصره
كالمغرب و الفجر بأن صلّى المغرب ركعتين أو صلّى الصبح ركعة جاهلا فلا إشكال في فساده و وجوب الإعادة في الوقت و خارجه.
أمّا الصبح فلأنّه لا دليل عليه، و لم يقل به أحد، و أمّا المغرب فإنّه و إن دلّ عليه خبر محمّد بن إسحاق عن أبي الحسن عليه السلام في المرأة الّتي صلّت المغرب ركعتين في سفرها، قال: «ليس عليها قضاء» (1)إلّا أنّه غير معمول به، و يعارضه الأخبار الصريحة في أنّ المغرب ليس فيه تقصير (2)، فهذا مطروح أو مؤوّل بحمل الكلام على الاستفهام الإنكاريّ، أو حمل المرأة على غير البالغة، و نحوهما من المحامل و إن كانت بعيدة.
و احتمل شيخنا الأستاذ (3)- مدّ ظلّه العالي- الإلحاق، نظرا إلى أنّ الاعتقاد في المقام له موضوعيّة، فحيث أنّه توهّم أنّ مقدار السير ليس مسافة و صلّى تماما فلا إعادة عليه، لأنّ المدار في المقدار على نظر السائر، و أيّد ذلك بما في المسالك (4)من أنّه لو أتمّ لجهله بالمسافة فلا إعادة مطلقا، لاقتضاء الأمر الناشئ من الأمر باستصحاب الإجزاء،
1) وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 531.
2) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ح 3 و 6 و 7 و 8 و ج 3 ص 60 و 61، ب 24 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ح 5 و 6 و 7 و 10 ج 3 ص 64 و 65، و ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 531.
3) لم نعثر عليه.
4) مسالك الافهام: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 1 ص 49 س 40.
فإنّ كلامه و إن كان في مورد الشكّ فعمل بالإتمام من جهة الأمر الظاهريّ، إلّا أنّ مقتضى كلامه أنّه لو لم يشكّ و اعتقد جهلا مركّبا بعدم المسافة فيجزئ أيضا، و الإجزاء لا يصحّ إلا أن يكون للاعتقاد موضوعيّة، و إلّا لا وجه لإجزاء الأمر الخياليّ.
و لكنّه لا يخفى فيما أفاده من أنّه لم يعلم في باب المسافر أنّ للاعتقاد دخلا في الموضوع، لا نفيا و لا إثباتا، فلو دلّ دليل على الإجزاء فهو، و إلّا فمقتضى القاعدة وجوب الإعادة حتّى فيما إذا عمل بالقصر في موضع التمام، و بالعكس من جهة الأمر الظاهريّ إذا انكشف الخلاف، فضلا عمّا عمل بخلاف تكليفه الواقعيّ من دون استناد إلى أمر ظاهريّ و هو الأمر الخياليّ. و على هذا، فما أفاده في الجواهر من وجوب الإعادة في الوقت دون القضاء في خارج الوقت و إن فرط في الفحص لعدم صدق اسم الفوت (1)لا وجه له، لأنّ الفوت ليس إلّا عدم امتثال ما هو المأمور به واقعا، فلا بدّ من الإجزاء بالنسبة إلى القضاء دون الإعادة من قيام دليل دلّ على التفصيل.
ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (2)قوّى أخيرا ما تقدّم منّا الإشارة إليه و هو أنّه لا دليل على دخل النظر و الاعتقاد في باب القصر و الإتمام، بل المدار على ما هو ظاهر الأدلّة من أنّ حكم القصر و التمام مرتّب على العناوين الواقعيّة كسائر موضوعات الأحكام.
نعم، أصل عنوان البحث إنّما هو: لو اعتقد على خلاف ما هو الموضوع عرفا ثمّ تبيّن بالذرع و نحوه أنّه لم يكن كذلك، و هكذا لو عدّ العرف مقدارا خاصّا غير مسافة ثمّ انكشف أنّه مسافة فلا يجب عليه الإعادة و القضاء، لما تقدّم في صدر البحث أنّ الموضوع الشرعيّ في باب المسافة هو الموضوع العرفيّ، و التحديدات الواردة في الباب منزّلة على ما عدّه العرف مسافة أو غير مسافة، فالمدار على ما هو في أنظارهم كذا، بل بعد التحديد بالذرع و نحوه ليس المدار على الواقع و إن احتمله شيخنا الأستاذ، و حاصل ما أفاده: أنّ تحديد المسافة ثمانية فراسخ في أوّل الإسلام، و تحديد ثمانية بالمسافة بين ظلّ عير الى في و عير (1)يكشف عن أنّه لم يكن المدار على الثمانية التحقيقيّة، بل الأعمّ منها و ممّا عدّه العرف ثمانية، فجعل الشارع نظر العرف طريقا إلى إحرازها مع إعمال جهة موضوعيّة فيه، بمعنى أنّه جعل توسعة في الثمانية، فما لم يحرز الثمانية الواقعيّة فالمدار على ما يراه العرف ثمانية، و إذا أحرز الواقع فيتبدّل الحكم و يكون الواقع هو المدار. و لا يخفى أنّ إقامة البرهان على هذه الدعوى مشكلة، فتأمّل جيّدا.
، ذهب- قدّس سرّه- في العروة (2)
في أغلب المسائل باتّحاد حكم ناسي الموضوع و الحكم، و لكنّ الأقوى كونه جاهلا بالحكم، لأنّ ناسي الموضوع يمتنع توجّه الخطاب إليه، لعجزه عن امتثاله، بخلاف الجاهل فإن توجّه التكليف إليه لا محذور فيه، و ليس هو عاجزا عن الامتثال حين الجهل.
نعم فرق بين الجاهل و ناسي الحكم في مقامنا، فإن الجاهل البدويّ يدخل فيمن لم تقرأ عليه آية التقصير (1)فتصحّ صلاته تماما، بناء على ما تقدّم أنّ الجاهل في هذا الباب مكلّف بالتمام واقعا، و لا عقاب عليه أيضا، لأنّ وجوب التعلّم إنّما هو حكم طريقيّ لا عقاب على مخالفته.
و أمّا ناسي الحكم فحيث أنّه قرى عليه آية التقصير و نساها فليس معذورا، فيجب عليه الإعادة في الوقت، و القضاء في خارجه، فليس له حكم الجاهل البدويّ و لا الناسي، و ذلك واضح.
، فهل المدار في وجوب القصر أو التمام على زمان الوجوب، أو زمان الأداء أو فرق بين القصر و الإتمام، فالأوّل على زمان الوجوب، و الثاني على زمان الأداء، أو يتخيّر بينهما في كليهما، أو يتمّ مع السعة و يقصّر مع الضيق إمّا مطلقا أو فيما إذا كان أوّل الوقت مسافرا مع السعة و يقصّر مع الضيق إمّا مطلقا أو فيما إذا كان أوّل الوقت مسافرا فحضر؟ وجوه، بل أقوال، و الأقوى أنّ المدار على زمان الأداء، و هذا
1) النساء: 103.
هو المشهور أو الأشهر.
ثمّ إنّ التفصيل بين القصر و الإتمام، و جعل الحكم في الأوّل مدار زمان الوجوب و في الثاني مدار الأداء كما عليه الشهيدان (1)، و بعبارة أخرى: إذا كان حاضرا فسافر يجب عليه التمام، و إذا كان مسافرا فحضر يجب عليه التمام، إنّما هو مبنيّ على جعل القصر نظير التكليف الاضطراريّ، و أنّ التكليف الأوليّ هو التمام. فعلى أيّ حال يجب التمام، نعم لو كان في جميع الوقت مسافرا فيقصّر.
و كيف كان، لا بدّ أوّلا من ذكر الأخبار الدالّة على هذه الأقوال، ثمّ بيان الجمع بينها. فمما يدلّ على المختار: صحيح إسماعيل بن جابر، قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في السفر فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي، فقال: «صلّ و أتمّ الصلاة»، قلت:
فدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلا أصلّي حتّى أخرج، فقال: «فصلّ و قصّر، فإن لم تفعل فقد خالفت و اللّه رسول اللّه» (2)، و صحيح محمّد بن مسلم في حديث قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس، فقال:
إذا خرجت فصلّ ركعتين» (3)، و الرضويّ «فإن خرجت من منزلك
و قد دخل عليك وقت الصلاة في الحضر و لم تصلّ حتّى خرجت فعليك التقصير، و إن دخل عليك وقت الصلاة في السفر و لم تصلّ حتّى تدخل أهلك فعليك التمام» (1)، و خبر الوشّاء قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: «إذا زالت الشمس و أنت في المصر و أنت تريد السفر فأتمّ، فإذا خرجت بعد الزوال قصّر العصر» (2).
و لا يخفى صراحة صحيحة إسماعيل و الرضويّ في المدّعى، و ظهور صحيحة محمّد بن مسلم و خبر الوشّاء فيها أيضا، لأنّ قوله: حين تزول الشمس، أي حين دخل وقت الصلاة، و هكذا ظهور خبر الوشّاء في أنّ قوله عليه السلام: «فأتمّ» أي في المصر، فإن مفاده: أنّ صلاة الظهر حيث أنّك في المصر حين زوال الشمس فأتمّها، لأنّك لم تسافر بل تريد السفر، و أمّا العصر فقصّره، لأنّك تصليها في السفر من جهة استحباب التفريق. و أمّا حمل هذه الأخبار على الخروج قبل زمان يسع فعل الصلاة و ما يحتاجه من الشرائط ففي غاية البعد، خصوصا في صحيحة إسماعيل و الرضويّ.
ثمّ إنّ صحيح محمّد بن مسلم مرويّ في الكتب الثلاثة من المشايخ (3)، و الكافي رواه بطريق آخر غير طريق الشيخ و الصدوق، فلا
1) فقه الرضا (ع): ب 21 صلاة المسافر و المريض ص 162.
2) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 537.
3) تهذيب الأحكام: ب 2 في فرض الصلاة في السفر ح 1 ج 2 ص 12، و ب 23 في الصلاة في السفر ح 75 ج 3 ص 224، و ب 57 في حكم المسافر و المريض في الصيام ح 51 ج 4 ص 320، من لا يحضره الفقيه: باب الصلاة في السفر ح 1266 ج 1 ص 435، الكافي: باب 78 من يريد السفر.
إشكال في صحّة سنده و الاطمئنان بصدوره، و لا إشكال في ظهوره في المدّعى بل صراحته، لأنّ من زوال الشمس إذا خرج المسافر من منزله إلى وصوله إلى حدّ الترخّص يسع الصلاة مع جميع شرائطه، و لا وجه لحمله على خروجه من حدّ الترخّص حين زوال الشمس.
و ممّا يدلّ على المختار أيضا: صحيحة العيص قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها، قال: «يصلّيها أربعا»، و قال: «لا يزال يقصّر حتّى يدخل بيته» (1). و لا يخفى صراحتها في المدّعى، نعم لا بدّ من تخصيص ذيله و هو قوله عليه السلام: «لا يزال حتّى يدخل بيته»، بوصوله إلى حدّ الترخّص.
و ممّا يدلّ على أنّ المدار على وقت الوجوب: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن الرجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم و هو يريد [أن] (2)يصلّيها إذا قدم إلى أهله فنسي أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها، قال: «يصلّيها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل و هو مسافر، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك» (3). و لا يخفى صراحتها على أنّ المدار على وقت الوجوب بناء على
تبعيّة القضاء للأداء.
و أصرح منه في ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره و قد دخل وقت الصلاة و هو في الطريق، فقال: «يصلّي ركعتين، و إن خرج إلى سفره و قد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعا» (1)، و يظهر من رواية بشير النبّال (2)، و صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم (3)، و صحيحة زرارة.
نعم، صحيحة زرارة معارضة بصحيحة أخرى منه، ففي إحديهما:
عن أحدهما أنّه قال في رجل مسافر نسي الظهر و العصر في السفر حتّى دخل أهله، قال: «يصلّي أربع ركعات» (4)، و في الأخرى: عن أحدهما أنّه قال لمن نسي الظهر و العصر و هو مقيم حتّى يخرج قال:
«يصلّي أربع ركعات في سفره»، و قال: «إذا دخل على الرجل وقت صلاة و هو مقيم ثمّ سافر صلّى تلك الصلاة الّتي دخل وقتها عليه و هو مقيم أربع ركعات في سفره» (5)، و حمل الاولى على قراءة المجموع من الظهر و العصر أربع ركعات بعيد.
و كيف كان، مدرك هذا القول أيضا لا يخلو عن قوّة سندا و دلالة و إن كان القول الأوّل أقوى من كلتا الجهتين و كثرة الروايات، مضافا
إلى كونها مشهورا بين القدماء و المتأخّرين عملا، فلا بدّ من حمل الثانية على التقيّة و نحوها، لأنّ عمل القدماء على طائفة من الأخبار مع كون معارضها بمرأى و مسمع منهم يوجب قوّة سند لها، و وهن معارضها، فالمتّبع هو الأولى.
و ممّا يدلّ على التّفصيل بين السعة و الضيق رواية إسحاق بن عمّار قال سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمّ، و إن كان خروج الوقت فليقصّر» (1). و لا يخفى أنّها مضافا باختصاصها على من كان مسافرا فحضر- و لا دليل على التفصيل في العكس- عدم صراحتها فيه، لاحتمال أن يكون المراد من الإتمام الصلاة في المنزل، و من القصر الصلاة في السفر، أي إذا لم يخف فوت الصلاة فلا يصلّيها في السفر بل يدخل منزله و يتمّ و إلّا فيصلّي في الطريق قصرا.
و يشهد لهذا الحمل صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما- و في نسخة: عن أبي عبد اللّه عليه السلام- في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل و ليتمّ، و إن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ و ليقصّر» (2).
و ما يدلّ على التخيير خبر منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد اللّه
يقول: «إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فإن شاء قصّر و إن شاء أتمّ، و الإتمام أحبّ إليّ» (1). و لا يخفى عدم صراحته في التخيير، بل يحتمل أن يكون المراد: إن شاء صلّى في السفر قصرا و إن شاء صبر حتّى يدخل أهله فيصلّي تماما كما ذكره العلّامة في المنتهى (2)، و ليس هذا الاحتمال ممّا يكون بعيدا، مع أنّه لم ينقل القائل به إلّا الشيخ في بعض كتبه (3).
و على أيّ حال، لا يدلّ على التخيير فيما كان أوّل الوقت حاضرا ثمّ سافر، نعم التخيير في كلتا المسألتين من جهة الجمع بين الأدلّة لو لم نرجّح ما دلّ على أنّ المدار على حال الأداء لا إشكال فيه.
ثمّ إنّ التفصيل بين حال الوجوب و حال الأداء- فيقال: بأنّ المدار على حال الوجوب لو كان أوّل الوقت حاضرا فسافر، و على حال الأداء لو كان بالعكس- لم يدلّ عليه دليل، فما اختاره الأساطين، كالعلّامة في بعض كتبه (4)و الشهيدين (5)لا وجه له. نعم، تقدّم أنّ مدرك ذلك كون القصر كالتكليف الاضطراريّ، فالتمام هو الأصل، مع أنّ بعض
1) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 536.
2) منتهى المطلب: كتاب الصلاة فيما لو دخل عليه الوقت و هو مسافر ج 1 ص 396 س 24.
3) لم نعثر عليه.
4) منتهى المطلب: كتاب الصلاة فيما لو سافر. ج 1 ص 395 س 31 و فيما لو دخل. ج 1 ص 396 س 15.
5) اللمعة الدمشقية: كتاب صلاة المسافر ج 1 ص 376، الروضة البهية: كتاب الصلاة في صلاة المسافر ج 1 ص 376.
الأخبار الدالّة على المختار شاهد على أنّ المسافر إذا دخل أهله يتمّ كصحيحة العيص (1)، و بعض الأخبار الدالّة على أنّ المدار على زمان الوجوب تدلّ على أنّ الحاضر لو سافر يتمّ (2)، فأخذوا لكلّ من طرفي التفصيل طائفة من أخبار البابين.
نعم روي في البحار عن كتاب محمّد الحضرميّ ما يدلّ على التفصيل قال: إذا خرج الرجل مسافرا و قد دخل وقت الصلاة كم يصلّي؟ قال: «أربعا»، قال: قلت: فإن دخل وقت الصلاة و هو في السفر، قال: «يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله، و إن وصل العصر فليصلّ أربعا إذا وصل أهله» (3)مع أنّه دخل وقت العصر في السفر بناء على المختار. نعم، يمكن المناقشة فيه بأنّه يدلّ على أنّ المدار على وقت الوجوب لا على التفصيل، لأنّه ليس لقوله عليه السلام: «يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله» مفهوم، و إنّما حكم بوجوب إتمام القصر، بناء على أنّ وقت العصر إنّما هو بعد القدمين أو أربعة أقدام.
و عليّ أيّ حال، ليس مستند التفصيل هذه الرواية، لأنّ القائلين به لم يعتمدوا على هذا الكتاب، و لا على الراوي الّذي ينقل عنه محمّد الحضرميّ، فلا وجه له أصلا.
ثمّ إنّه لا وجه لحملهم الأخبار الدالّة على أنّ الحاضر إذا دخل عليه وقت الصلاة ثمّ سافر يقصّر الصلاة على ما إذا لم يسع وقت الصلاة مع الشرائط.
أمّا (أوّلا) فلأنّ التقييد بلا موجب، لأنّه لو كان المدار على زمان الوجوب فلا بدّ من الأخذ به تعبّدا، وسع وقت الصلاة أم لا، فضلا عن وقت الشرائط، لأنّه يمكن أن يتعبّدنا الشارع بأنّه إذا دخل الوقت، أي إذا أدرك جزء منه و سافر يجب عليه التمام، سواء كان بمقدار الصلاة أم لا، لأنّ الأخبار الدالّة على أنّ المدار على وقت الوجوب لم يقيّد فيها بأن يكون الوقت واسعا، فلا وجه لحمل الأخبار الدالّة على الخلاف على ما إذا لم يسع الوقت، فلا وجه لقياس المقام بذوي الأعذار، فإنّ الحائض- مثلا- و إن لم تجب عليها الصلاة إلّا إذا أدركت الوقت بمقدار يسع الصلاة مع الشرائط على خلاف في الشرائط لأنّه مع الفارق فإنّ باب ذوي الأعذار حيث يفوت الصلاة بعد ذلك فوجوب القضاء يتوقّف على تعلّق التكليف في أوّل الوقت، و أمّا الحاضر إذا سافر فيتبدّل تكليفه الحضريّ إلى السفريّ و بالعكس، فيمكن أن يقال بعدم تبدّل التكليف بمجرّد إدراك جزء من الوقت.
و أمّا (ثانيا) فلأنّ التقييد ممتنع في جملة من الأخبار، كالرضويّ (1)و صحيحة إسماعيل بن جابر (2)و خبر الوشّاء (3)، فإنّ فرض السؤال فيها
كونه حين دخول الوقت في الأهل، و لا شبهة أنّ الوقت إلى وصوله حدّ الترخّص يسع أزيد من صلاة واحدة مع جميع شرائطها.
و بالجملة، هذا التفصيل لا مدرك له، فالعمدة في الباب وقوع التعارض بين ما يدلّ على أنّ العبرة بوقت الأداء مطلقا، و ما يدلّ على أنّ العبرة بوقت الوجوب، و قلنا: إنّ الأقوى هو الأوّل، لكثرة العمل، مضافا إلى قوة الدلالة. هذا مضافا بأنّ الإطلاق غير معلوم القائل، فإنّ الأساطين (1)من الطبقة المتوسّطة لم يعملوا بها بالنسبة إلى المسافر إذا حضر، بل قالوا: بأنّ المدار فيه على وقت الفعل لا الوجوب فالمتعيّن طرحها، و احتمال حملها على التقيّة بعيد، لأنّ أغلب المخالفين مجوّزون القصر و الإتمام كليهما في السفر. نعم حمل أصل الاختلاف على التقيّة على ما يستفاد من كلماتهم عليهم السلام: «نحن ألقينا الخلاف بينكم» (2)لا بأس به، و لكن هذا المعنى لا يفيد لطائفة دون أخرى.
نعم على ما ينقل من مالك أنّه قائل بتعيّن القصر في السفر في أصل صلاة المسافر (3)، و قائل بأنّ المدار على وقت الوجوب في هذه المسألة (4)، فيتعيّن حمل الأخبار الدالّة على أنّ المدار على وقت الوجوب
على التقيّة المصطلحة. و على هذا فالحلف الّذي في صحيحة إسماعيل بن جابر (1)وقع من الإمام عليه السلام يكشف عن أنّ ما ورد منهم عليهم السلام مخالفا لهذا القول هو المحمول على التقيّة، لا أن يكون الحلف شاهدا على أنّ كون المدار على وقت أداء الفعل هو المحمول على التقيّة، لأنّه لم ينقل من أحد من المخالفين هذا القول، لأنهم بين من يقول بالتخيير في أصل صلاة المسافر، و من يقول بتعين وجوب القصر و تعيّن وقت الوجوب في المقام، بل الحقّ و المتعيّن هو قول المشهور.
و كيف كان، فالأقوى أنّه بالنسبة إلى الأداء المدار على وقت الفعل، و أمّا القضاء فهل يبتنى على الأقوال في الأداء، أو يمكن اختيار القول بأنّ العبرة في الأداء على وقت الفعل و أمّا القضاء فيتخيّر بين القصر و الإتمام؟ وجهان، و اختار الأخير في العروة، و علّله بأنّه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت، و المفروض أنّه كان مكلّفا في بعضه بالقصر و في بعضه بالتمام (2). و لكنّه لا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة هو الأوّل، لأنّ ما فات منه هو الصلاة في آخر الوقت، فإنّ أوّل الوقت تبدّل تكليفه إلى سنخ آخر أدائيّ، و ما فات منه هو التكليف الّذي خرج وقته. و بعبارة أخرى: قبل خروج الوقت كان مكلّفا بتكليف قصريّ أو تماميّ، و ما فات يجب أن يقضيه دون ما تعلّق به التكليف في زمان.
نعم، لو كان مخيّرا في الوقت بين القصر و التمام كلا في عرض الآخر لصحّ القول بالتخيير طولا على فرض المحال، كما قال به في العروة (1)في بعض الفروض: التخيير بين الوضوء و التيمّم لصحّ القول بالتخيير في القضاء، و أمّا مع عدم القول بالتخيير لا عرضا و لا طولا بل قيل بتبدّل التكليف من القصر إلى الإتمام أو العكس فلا معنى للتخيير في القضاء، و تعليله: لأنّ الفائت هو التكليف في مجموع الوقت، و المفروض كونه مكلّفا في بعضه بالقصر و في بعضه بالتمام لا يستقيم إلّا من قبيل الصفة بحال متعلّق الموصوف، لأنّ كون التكليف فائتا في مجموع الوقت إنّما هو باعتبار جزئه الأخير.
هذا كلّه بمقتضى القواعد الكلّيّة، و أمّا بحسب النصوص الخاصّة فليس في البين دليل يدلّ على أنّ العبرة بحال الفعل في الأداء و التخيير في القضاء، لأنّ صحيحة زرارة (2)في قوله: فنسي حين قدم إلى أهله، من الأخبار الدالّة على أنّ العبرة بحال الوجوب، فقوله عليه السلام:
«يصلّيها ركعتين، لأنّ الوقت دخل و هو مسافر» لا يدلّ على أنّه كان الفائت هو التمام، و يصلّي قضاءه قصرا، لأنّ أوّل الوقت كان مكلّفا به.
و بالجملة، بالمراجعة إلى الأخبار يظهر أنّه لا وجه لما أفاده في العروة. ثمّ إنّه بناء على ما حملنا عليه صحيحة زرارة لا يبقى للقول- بأنّ
المدار في الأداء على وقت الفعل و في القضاء على وقت الوجوب- دليل كما اختاره في السرائر (1)حاكيا ذهاب جماعة من القدماء عليه، و تقدّم أيضا أنّ مقتضى القواعد كون القضاء تابعا في الحكم للأداء، و بعد ما عرفت من أنّ الأداء يدور مدار وقت الفعل فالتفصيل بين القضاء و الأداء لا وجه له، و عليك بالتأمّل التامّ.
1) السرائر: كتاب الصلاة في أحكام صلاة المسافر ج 1 ص 332.