ghaemiyeh.com
نام كتاب: النجم الزاهر في صلاة المسافر موضوع: فقه استدلالى نويسنده: كوهكمرى، سيد محمد بن على حجت تاريخ وفات مؤلف: 1373 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: طلوع تاريخ نشر: 1410 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: تبريز- ايران مقرر: سيد ابو الحسن موسوى( مولانا) تاريخ وفات مقرر: 1426 ه ق
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين اما بعد فان من الأمور الواضحة بين المسلمين بل من ضروريات دينهم وجود الفرق بين صلاة الحاضر و المسافر إجمالا و ذلك حيث ثبت القصر بالنسبة إلى صلاة المسافر بخلاف صلاة الحاضر و هكذا الكلام بالنسبة إلى الصوم حيث ثبت الإفطار بالنسبة إلى المسافر دون الحاضر و هذا مما لا اشكال فيه. نعم وقع الخلاف بين العامة و الخاصة في ان ثبوت هذا الحكم للمسافر هل من باب الاذن و الرخصة أو من باب الوجوب و العزيمة فذهب بعض العامة إلى الأول و اما الخاصة فيقولون بالثاني كما يأتي تفصيل ذلك في محله إنشاء الله.
و هي الموضوع في صلاة المسافر و هذا هو المراد من الضرب في الأرض في الآية لا مطلق الضرب. بل ان ذلك من ضروريات دينهم و لم يعرف المخالف في المسألة إلا ما نسب الى داود الظاهري و أصحابه حيث قالوا القصر في كل سفر قريبا كان أو بعيدا. و لما كان هذا المعنى محتاجا الى التحديد من الشرع حتى يرتفع به الإجمال فورد التحديد في الروايات تارة بمسيرة يوم و اخرى ببياض يوم. و من الواضح ان المراد من ذلك هو السير المتعارف لعامة الناس
في زمان صدور تلك الروايات الصادرة عنهم عليهم السلام. و ربما وقع التحديد ايضا بالمرحلة التي يعبر عنه بالفارسية ب (يك منزل) و اما العامة فلهم أقوال كثيرة في المسألة فقال أبو حنيفة السفر الذي يقصر فيه ثلث مراحل أربعة و عشرون فرسخا و اثنان و سبعون ميلا. و قال الشافعي حد السفر مرحلتان ستة عشر فرسخا و ثمانية و أربعون ميلا. و عن بعضهم انه مسيرة يوم و ليلة و من ذلك يعلم انه لو ورد في رواياتنا ما يوافق أحد هذه الأقوال فلا بد من حملها على التقية على ان وقوع التقية في هذا الباب في غاية الندرة. و يشهد على ذلك ما رواه محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال:
بينا نحن جلوس و ابى عند وال لبني أمية إذ جاء ابى فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم في ثلث. و قال قائل منهم يوما و ليلة و قال قائل منهم في روحة فسألني فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه و آله لما نزل عليه جبرئيل قال له النبي (ص) في كم ذاك؟ فقال: في بريد فقال: و أي شيء البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى فيء وعير الحديث (1). عير و وعير جبلان بالمدينة أحدهما من جهة المشرق و الأخر من جهة المغرب و هو وعير و لذا عبر فيه في الرواية بالفيء و ذلك باعتبار رجوع الظل. و الخلاصة ان بعد نقل هؤلاء أقوالهم في مجلس الوالي و حكمه عليه السلام على خلافهم في ذلك المجلس يعلم التحديد الواقعي في السفر صريحا و انه لو ورد عنهم عليهم السلام ما يخالف هذا التحديد مثل ان حد التقصير ثلث مراحل أو يوم و ليلة أو غير ذلك فلا بد من حمله على التقية مثل ما رواه زكريا بن آدم عن ابى الحسن الرضا عليه السلام عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته و امره جائز فيها يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيام و لياليهن فكتب عليه السلام التقصير في مسيرة يوم و ليلة (2)و مثله ما رواه احمد بن ابى نصر البزنطي عن الرضا (ع) قال: سالته عن الرجل يريد السفر في كم يقصر؟ فقال:
في ثلاثة برد (3). و مثله ايضا ما رواه أبو بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال:
لا بأس للمسافر ان يتم الصلاة في سفره مسيرة يومين (1)ثم لما كان من الأمر المسلم عند الإمامية انه لا بد في موضوع القصر من بياض يوم و كان هذا مما يختلف فوقع السؤال عنه في رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام قال:
قلت كم ادنى ما يقصر الصلاة قال: جرت السنة ببياض يوم فقلت له ان بياض يوم يختلف يسير الرجل خمسة عشر فرسخا و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم قال: فقال: انه ليس الى ذلك ينظر اما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و المدينة ثم أومأ بيده أربعة و عشر ميلا يكون ثمانية فراسخ (2)فقد ظهر لك ان الشارع قد جعل للمسافة حدا مخصوصا مضبوطا لئلا يتحيرون عند الاختلاف بل يرجعون اليه كما انه قد جعل حدا معينا في غيره من المقامات كما في الكر و الحيض. ثم لا يخفى ان هذا الحد ليس امرا تعبديا من الشارع بل إرجاع منه الى ما هو المتعارف لعامة الناس في تلك الأزمنة و هو بريد ان و كان في الأول اسما للرسول الذي يرسل معه الكتب و هو في التمدن القديم كان بمنزلة مصلحة البوستة اليوم. و لأجل حركته في برودة الهواء أطلق عليه البريد و كانوا يقسمون المسافات و يجعلون في رأس كل أربعة فراسخ مراكب مهياة لهذا الأمر فإذا كان خبر أو كتاب مما يحب إيصاله لمقصد فحينئذ كان حمله البريد الأول و ركض حصانه بأقصى ما يمكنه حتى يصل الى البريد الثاني فيحمله البريد الثاني حتى يصل الى البريد الثالث و هكذا حتى يصل الخبر أو الكتاب بسرعة إلى المقصد.
ثم ان الفرسخ أربعة أميال و كل ميل أربعة الاف اذرع فالفرسخ اثنى عشر الف ذراع و البريدان أربعة و عشرون ميلا و هو ست و تسعون الف ذراع. ثم لا يخفى ان الاختلاف الواقع في الروايات بالزيادة و النقصان في تحديد الفرسخ انما هو من جهة اختلاف الاصطلاحات الواقعة في تلك العصور فعلى هذا فلا تنافي بين تلك التحديدات. ثم ان مقتضى تحديد الشارع المسافة بالحد المعين ان يكون هذا الحد المعين موضوعا للحكم فيثبت القصر عند وجوده و يرتفع عند عدمه و ظاهر هذا التحديد عدم جواز النقيصة و الزيادة كما هو مقتضى التحديدات الحقيقية
كالحيض و لكن علم بالضرورة عدم كون الزيادة مضرا فيما نحن فيه و التحديد المذكور في الروايات من جهة بيان أقل ما يعتبر في المسافة و اما الزيادة فلا حد لها بالضرورة.
ثم ان روايات الثمانية التي تقرب التواتر أو انها متواترة بالمعنى تكون ظاهرة في كون هذا الحد معتبرا بنحو الامتدادية و مقتضاه عدم كفايته إذا كان ذلك بنحو التلفيق و ان كان مجموع الإياب و الذهاب أكثر من الثمانية فحينئذ يقع التعارض بينها و بين ما دل على وجوب القصر للمسافر بذهاب أربعة فراسخ بقول مطلق. و ذلك لأجل ظهور هذه الطائفة في كفاية الأربعة الامتدادية في وجوب القصر عليه من دون احتياج إلى الزيادة و هذه الطائفة من الاخبار كثيرة جدا فلا بد من الجمع بينهما و يظهر من بعض في مقام العلاج بينهما من الرجوع الى المرجحات السندية فقدم أخبار الثمانية على اخبار الأربعة بطرح أخبار الأربعة و الحكم باعتبار الثمانية الامتدادية و لكن الذي بسهل الخطب هو وجود طائفة ثالثة من الاخبار الشارحة للطائفتين المتقدمتين. و هذه الطائفة أيضا كثيرة جدا. منها رواية سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه (ع) التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا. الحديث (1)فإنها قيدت الأربعة فيها بالذهاب و الإياب و بالجملة ما كان من الروايات لسانه لسان هذه الرواية فكثيرة حيث تدل هذه الطائفة على كفاية الثمانية و لو تلفيقا في وجوب القصر. فبعد وقوع التفسير في نفس الروايات يرتفع التعارض المتوهم بين الطائفتين من دون احتياج في ذلك الى إعمال قاعدة أخرى كما هو واضح فالحاصل بعد كون نفس الأئمة عليهم السلام شارحين لكلامهم و مبينين لمرامهم من الطائفتين المتقدمتين يحصل الجمع.
بينهما و من الواضح ان هذا ليس من قبيل الحكومة الاصطلاحية بل ان هذا أوضح و أبين منها و من هذه الطائفة أيضا ما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال سالته عن التقصير قال: في بريد قلت في بريد؟ قال: انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه (2)و لما كان ذهن الراوي مأنوسا باعتبار البريدين في التقصير فلما سمع من الامام (ع) الحكم بالتقصير في البريد تعجب منه فأجابه
عليه السلام بان الانضمام بالرجوع يجعله بريدين. و بالجملة فالمستفاد من الرواية كفاية البريدين و لو تلفيقا في ثبوت القصر. فتحصل من ذلك انه لا اشكال بحسب الروايات في الحكم بوجوب القصر في صورة التلفيق. و انما الإشكال في ان ثبوت هذا الحكم هل هو في صورة كون الرجوع ليومه كما هو ظاهر رواية محمد بن مسلم فان الظاهر من قضية شغل يومه هو الفعلية أو انه يكفى في ثبوت الحكم المزبور مجرد تحقق البريدين و لو تلفيقا إذا لم يتحقق أحد القواطع من وصوله الى وطنه أو إقامة عشرة أو التردد ثلثين يوما وجهان بل قولان فعلى الأول إذا لم يرجع ليومه فهل يثبت في حقه الإتمام أو انه يتخير بين القصر و الإتمام مطلقا و ان لم يرجع ليومه أيضا أو يتعين القصر عليه في صورة الرجوع ليومه و يتخير بدونه وجوه بل أقوال.
ثم لا يخفى ان القول بالتخيير و ان كان يظهر من بعض الا انه لا وجه للمصير اليه و اما ما يستفاد من التعليل الوارد في رواية محمد بن مسلم من حيث ظهوره في انه لا بد من الرجوع ليومه حتى يجب عليه التقصير فيرد عليه ان القول باعتبار الرجوع ليومه نظرا الى ذيل الرواية ربما لا يلائم صدرها فان ظاهر صدرها هو الإطلاق فارادة عدمه من الذيل ربما يوجب التفكيك في الرواية بين الصدر و الذيل مع انهما صدرا من شخص واحد في كلام واحد و في سياق واحد هذا كله مع قطع النظر عن القرائن الخارجية و الروايات الخاصة الواردة في المقام. و الا فملاحظة سائر الروايات تقتضي رفع اليد عن ظهور فعلية شغل يومه و قد روى زرارة عن ابى عبد الله (ع) قال: سألت: أبا عبد الله (ع) عن التقصير فقال بريد ذاهب و بريد جائي (1)قال و كان رسول الله (ص) إذا اتى ذبابا قصر و ذباب على بريد و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (2)فإنك إذا لاحظت رواية محمد بن مسلم مع هذه الرواية يظهر لك انه لا وجه للبحث في ان المراد من شغل يومه هل هو الفعلية أو الشأنية كما وقع في هذا بعض الاعلام و ذلك لوضوح ان السؤال في الروايتين عن أمر واحد و شيء فأرد فأجاب عليه السلام في إحديهما بالبريد أي في رواية محمد بن مسلم فبعد ما تعجب
من ذلك من جهة انس ذهنه بما سواه و هو البريدان علل ما ذكره أولا بقوله انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه و في رواية زرارة- بعد ما حكم (ع) بالبريد علله قبل سؤال الراوي و استشكاله كما هو دأب هذا الراوي لأجل حدة ذهنه و مزيد دقته بقوله لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ و ذلك بعد ما نقل من فعل رسول الله (ص) شاهدا و دليلا على المطلب. فتحصل من ذلك كله ان المراد من الروايتين سؤالا و جوابا شيء واحد و ان كل واحد منهما ناظر إلى جهة واحدة فالعلة المذكورة في الرواية مع ذكره عليه السلام فعل النبي صلى الله عليه و آله تكون شاهدا قويا على ان المراد من شغل يومه ليس هو الرجوع ليومه. و بالجملة فبعد وقوع التفسير في نفس الروايات و كون بعضها شارحا لبعضها الأخر لا وجه لإعمال قواعد اخرى و إرجاع البحث إلى مسألة أصولية كما لا يخفى. و الحاصل انه لا إشكال في ان المناط في ثبوت التقصير هو كون الشخص مسافرا في قبال الحاضر. و الى ذلك يرجع قوله فقد شغل يومه اى يكون حينئذ مسافرا. و الا فلا خصوصية للاشغال فالتعليل بشغل اليوم لأجل دفع المنافاة بين أخبار الأربعة و الثمانية من دون نظر إلى ان يكون الرجوع ليومه أو لا. و من هنا يظهر ان الاستدلال بالتعليل المزبور باعتبار الرجوع ليومه ضعيف غايته. ثم ان الأمر في أخبار الأربعة إنما يدور بين الإطلاق و الإهمال.
فإن قلنا على الأول فحينئذ لا يكون فرق في ثبوت القصر بين ان يكون الرجوع ليومه أو ليلة أو غير ذلك ما لم يحصل أحد القواطع. و ان قلنا على الثاني فلا يدل ايضا على لزوم الرجوع ليومه. و ذلك ان التعليل في مقام رد ما يتوهم من كفاية الأربعة مطلقا كما هو ظاهر بعض الاخبار و انه لا بد في التقصير اما من ذهاب ثمانية فراسخ أو أربعة فراسخ ذهابا و أربعة فراسخ إيابا. فعلى هذا فلا يستفاد من الرواية وجوب الرجوع ليومه كما هو واضح لان المستفاد منها على النحو الثاني ليس إلا قضية مهملة و هي ثبوت التقصير عند حصول المسافة المزبورة و اما استفادة انه لا بد من الرجوع قبل الليل فلا يستفاد منها نعم مقتضى الإهمال انه لا بد من الاكتفاء على القدر المتيقن و هو القصر فيما إذا سافر أربعة فراسخ و رجع ليومه و اما لو سافر أربعة فراسخ و رجع ليلته أو رجع في سائر الأيام فلا يثبت
فيه القصر و بالجملة فالقائل بالإطلاق انما يكون في سعة من ذلك فما لم يحصل لسفره أحد القواطع لا بد له من التقصير. و اما القائل بالإهمال فهو يضيق دائرة الاخبار و لا يمكن له التقصير في غير صورة الرجوع ليومه. و اما القول بالتخيير بين القصر و الإتمام في الأربعة و ذلك من جهة الجمع بين تلك الاخبار و اخبار الثمانية كما يظهر من بعض فمما لا وجه له حيث انه لا بد في مثله من وجود شاهد على الجمع المذكور اما من نفس الاخبار و اما من الخارج و من البين انتفائه.
هذا كله مع قطع النظر عن الاخبار الخاصة الدالة على ان الرجوع ليومه ليس لازما. و الا فمن نظر الى الاخبار الواردة في خصوص عرفات و غيرها يعلم بان الرجوع ليومه ليس لازما في ثبوت القصر. و نحن بعون الله و منه نذكر بعض هذه الاخبار فنقول: منها صحيحة معاوية بن عمار انه قال لأبي عبد الله عليه السلام ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات. فقال: ويلهم أو ويحهم و اى سفير أشد منه لا تتم أو لا تتموا كما في بعض النسخ (1)فإن قرئت جملة لا تتم مجهولا يكون نائب الفاعل لفظ الصلاة و ان قرئت معلومة تكون خطابا لمعاوية بن عمار هذا على تقدير كون الصيغة مفردا و اما على تقدير كونها جمعا يكون المخاطب هو أهل مكة. ثم ان لفظة ويلهم أو ويحهم و ان لم تدل على تعين القصر الا ان ما بعدها يدل على وجوب القصر تعيينا كما هو واضح. ثم ما وقع من الفقيه الوجيه الهمداني في مصباحه من نقل الرواية عن معاوية بن وهب فهو سهو منه كما لا يخفى. و منها صحيحته الأخرى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا (2)و الظاهر من الرواية بيان حكم أهل مكة و انهم إذا رجعوا و الفرض انهم لم يدخلوا منازلهم فلا بد لهم من التقصير و اما إذا فرض دخولهم منازلهم فلا بد لهم من الإتمام و في هذا إشارة إلى الخلاف الواقع بينهم في انه هل يعتبر في الإتمام من الدخول في البلد و الوطن أو الدخول في البيت و المنزل. و الرواية تدل على الثاني. ثم من الواضح ان بين مكة و عرفات مقدار أربعة فراسخ من المسافة أو أزيد منها و واضح أيضا انهم إذا ذهبوا الى عرفات لم يرجعوا ليؤمهم منها.
و يفهم من الروايات انه لا بد لهم من التقصير إذا كان الرجوع قبل ثلاثة أيام و الظاهر انه لا خصوصية لذلك و ذكر الثلاثة في الرواية انما هو من باب المثال و عليه فلا فرق بين ان يكون الرجوع قبل الثلاثة أو قبل العشرة. فلا بد في كل منهما من التقصير. و بالجملة فمناط التقصير هو كون الشخص مسافرا فما لم يقطع سفره بأحد القواطع فلا بد له من التقصير. ثم ان ما دل من الروايات على انه لا بد من الإتمام في منى و عرفات فلا بد من الحمل على التقية كما يشهد على ذلك ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: حج النبي صلى الله عليه و آله فأقام بمنى ثلاثا يصلى ركعتين ثم صنع ذلك أبو بكر و صنع ذلك عمر ثم صنع ذلك عثمان ست سنين. ثم أكملها عثمان أربعا فصلى الظهر أربعا ثم تمارض ليشد (ليسد) بذلك بدعته. فقال للمؤذن: اذهب الى على عليه السلام فقل له:
فليصل بالناس العصر. فأتى المؤذن عليا عليه السلام فقال له: ان أمير المؤمنين عثمان يأمرك ان تصلى بالناس العصر. فقال: اذن لا أصلي إلا ركعتين كما صلى رسول الله صلى الله عليه و آله فرجع (فذهب) المؤذن فأخبر عثمان بما قال على عليه السلام فقال: اذهب اليه و قل له: انك لست من هذا في شيء اذهب فصل كما تؤمر. فقال عليه السلام: لا و الله لا افعل. فخرج عثمان فصلى بهم أربعا فلما كان في خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه و قتل أمير المؤمنين (ع) حج معاوية فصلى الناس بمنى ركعتين الظهر ثم سلم فنظر بنو أمية بعضهم الى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان ثم قالوا قد قضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوه. فقاموا فدخلوا عليه فقالوا أ تدري ما صنعت ما زدت على ان قضيت على صاحبنا و أشمت به عدوه و رغبت عن صنيعه و سنته. فقال: ويلكم اما تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه و آله صلى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلى صاحبكم ست سنين كذلك. فتأمروني ان ادع سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل ان يحدث. فقالوا لا و الله ما نرضى عنك الا بذلك. قال: فاقبلوا فانى متبعكم (مشفعكم) و راجع الى سنة صاحبكم فصلى العصر أربعا فلم يزل الخلفاء و الأمراء على ذلك الى اليوم. فقد علم من هذا الحديث الشريف ان الإتمام انما هو من مبتدعات عثمان. ثم ان أهل
مكة يشاركون مع سائر المسافرين الذين سافروا إليها في وجوب القصر عليهم إذا سافروا الى عرفات. و ذلك لوضوح ان ما بين مكة و عرفات مقدار أربعة فراسخ من المسافة كما قلنا سابقا فيكون حينئذ مجموع الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ فيتحقق حد السفر شرعا فيثبت القصر حينئذ. و على هذا لا يبقى بين أهل مكة و من قصد الإقامة فيها عشرة أيام من سائر المسافرين فرق كما هو واضح. و اما المقام الثاني فهو ان بين أهل مكة و سائر المسافرين فرقا في ثبوت الحكم. و هو ان أهل مكة إذا أرادوا الدخول الى منازلهم أو بلدهم فلا بد لهم من الإتمام إذا دخلوا منازلهم أو بلدهم على اختلاف الواقع بين العلماء كما يأتي بيانه إنشاء الله و ذلك لانقطاع سفرهم بالدخول و ايضا لا بد لأهل مكة من الإتمام إذا خرجوا منها ثانيا إلى منى و ذلك لعدم تحقق المسافة المعتبرة بين مكة و منى فثبت الإتمام في حق أهل مكة بخلاف سائر المسافرين قالوا جب عليهم هو القصر كما لا يخفى. و من ذلك يظهر ان ما يدل من الاخبار على وجوب الإتمام في حقهم ايضا فمحمول على التقية. ثم ان الرواية الواردة في مقام بيان بدعة عثمان لا مساس لها لما نحن بصدده و هو وجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ و لم يرجع ليومه و ان يظهر من بعضهم التمسك بها على ذلك. فإنها واردة في مورد غير أهل مكة من المسافرين كما هو الظاهر. و الوجه في تقصير النبي صلى الله عليه و آله ايضا صلوته بمنى انما كان ذلك اى كونه (ص) مسافرا. و في هذا المورد قد أتم صلوته عثمان و أنكر عليه على عليه السلام. و اعتذر هو بأني تأهلت من مكة و قد سمعت عن رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: ان من تأهل من بلدة فهو بحكم أهلها. و حيث أبطلوا عليه هذه المقالة اعتذروا عن قبله بأنه اشترى في مكة و طائف أملاكا و ان من كان له ملك في موضع فله ان يتم صلوته فيه ما دام مالكا. و على كل حال فمن راجع اخبار عرفات يعلم بان فيها غنى و كفاية على المطلب و انه لا فرق بين الرجوع ليومه و غيره ما لم ينقطع سفره بأحد من القواطع. و منها رواية إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصلاة. فلما صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على
أربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم الا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم و هم لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون. هل ينبغي لهم ان يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم قال: ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا. و ان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة (ما أقاموا فإذا انصرفوا) قاموا أو انصرفوا فإذا مضوا فليقصروا. (1)
و رواه الصدوق في (العلل) بسنده عن محمد بن أسلم (مسلم) نحوه و زاد قال:
ثم هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا. قال: لان التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقل من ذلك فإذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد ساروا سفر التقصير. و ان كانوا ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة. قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه إذ ان مصرهم الذي خرجوا منه. قال: بلى. انما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم و ان السير يجد بهم. فلما ان جائت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا. و رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن أسلم (مسلم) مثله مع الزيادة (2)فيدل هذا الخبر الشريف على ان من كان من قصده الذهاب الى رأس أربعة فراسخ و يريد الرجوع بعد مضى أيام فلا بد له من تقصير صلوته و من الواضح ان لفظة أيام تشمل الثلاثة و أزيد و حينئذ لا بد له من التقصير ما لم يحصل له إقامة عشرة أيام حيث انه يصدق في حقه انه مسافر شرعا. و مقتضى ذلك ثبوت القصر في حقه ما لم يحصل أحد من قواطع السفر. ثم ان ثقة الإسلام الكليني قد روى هذا الخبر المزبور في الكافي إلى نصفه و ترك نصفه الأخر من قوله ثم قال: و هل تدري كيف صارت هكذا الى آخر الحديث. و ذلك لانه لو كان يذكر الذيل لكان يستفاد منه خلاف فتواه لذهابه الى تعين القصر في أربعة فراسخ مطلقا و ان تمام الموضوع في السفر هو هذا المقدار من المسافة. و من هنا اقتصر في الكافي على نقل أخبار الأربعة و لم يذكر أخبار الثمانية. و الا لم يكن من دأب الكليني ذلك بل كان هو رحمه الله يذكر الأحاديث بعباراتها و ألفاظها من دون تصرف و تقطيع
فيها و لذا كان ما فعله في المقام من التقطيع بمكان من الغرابة. نعم قد رأينا مثل ذلك كثيرا من الصدوق رحمه الله حيث يذكر كثيرا بعض الحديث و يترك بعضه الأخر. ثم لا يخفى ان ما ذكرنا من عدم ذكر الكليني ذيل الحديث ليس من باب القدح و الطعن عليه. بل شأنه أجل و ارفع من ذلك. و ليس سمو مقامه و علو قدره بأقل من مصنفي كتب الرجال كالشيخ و النجاشي و غيرهما حتى يحتاج الى توثيقاتهم. بل هنا نكتة لطيفة دقيقة و هي ان الكليني رحمه الله صنف كتابه الكافي و التزم فيه بذكر الأحاديث الصحيحة. و ذلك انه صنف كتابه هذا إجابة لسؤال من سأله ان يجمع له كتابا يكون حاويا للروايات الصحيحة.
فجمع له الكافي. و من الواضح ان الأصوليين قد بينوا في الأصول بأن الانجبار في الرواية يكون على وجهين. الأول كون عمل المشهور جابرا لدلالة الرواية و مضمونها بان يكون مضمون الرواية طبق فتوى المشهور و ان كان السند ضعيفا و الثاني ان يكون جابرا لسند الرواية كما ان الصحيح قد يطلق في لسان القدماء على الخبر الذي يقطع أو يظن بصدور مضمونه عن الامام و لو من حيث مطابقته للأخبار الكثيرة الصحيحة من حيث السند و ان كان نفس الخبر ضعيفا بحسب السند مثل هذا الخبر. و حيث ان صدره مطابق للأخبار الدالة على الاكتفاء في التقصير بأربعة فراسخ فلا يعد الخبر من الضعاف من حيث الصدر بخلاف الذيل فإنه يدل على اعتبار الثمانية و بالجملة فالخبر يكون من الصحاح صدرا عند الكليني لا ذيلا. و قد ذكرنا ان بناء الكليني على تدوين الأخبار الصحيحة بخلاف العلامة المجلسي فان بنائه في البحار على تدوين اخبار الشيعة بأجمعها مما وصلت يده اليه صحيحا كان أو ضعيفا حفظا من ضياعها. و مما ذكرنا ايضا يظهر وجه ما فعله الصدوق من تقطيع الأحاديث و ذكر بعض الحديث و ترك بعضه الأخر هذا. و قد يستدل لوجوب الإتمام على مريد الرجوع لا ليومه بما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام قال:
سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي الحاجة (حاجة) انتفع بها أو يضرني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأني لا أدرى أصوم أو أفطر. فقال
لي فاخرج فأتم (و أتم) الصلاة و صم فانى قد رأيت القادسية فقلت له: كم ادنى ما يقصر فيه الصلاة. قال: جرت السنة ببياض يوم فقلت له: ان بياض يوم يختلف يسير (مختلف فيسير) الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم. قال: فقال: انه ليس الى ذلك ينظر. اما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و مدينة. ثم أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ (1)و فيه: ان الرواية ليس لها مساس على المطلب. فإنه من الاخبار الواردة في المرور إلى الضيعة و كونها بمنزلة الوطن كما يأتي تفصيله فيما بعد إنشاء الله مضافا الى ان الرواية تدل بإطلاقها على وجوب الإتمام لمن كان مريدا للرجوع ليومه و لغيره لا لخصوص أحدهما. و الإنصاف أن ملاحظة صدر الرواية و ذيلها التي ذكرها في الوسائل تقطيعا كما هو دابه في نقل الروايات تشهد على ما ذكرنا. و ان الرواية من الروايات الواردة في المرور إلى الضيعة و ان المرور إليها كالمرور الى الوطن فيكون من أحد القواطع هذا مع كونها معارضا لموثقة ابن بكير التي ورد فيها الأمر بالتقصير لمن خرج من الكوفة إلى القادسية (2)و هكذا لا وجه للاستدلال برواية عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سالته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع. قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (3): فان التأمل الصادق فيها يعطي انها انما وردت في مقام اشتراط وجوب القصد في المسافة. فعلى هذا تكون الرواية أجنبية عن المقام. و تشهد على ما ذكرنا رواية صفوان قال: سالت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد ان يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر. قال: لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما يريد ان يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه ان ينوي من الليل سفرا و
الإفطار فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد ان أصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك (1).
و موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في حاجة له و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك فتمادى به المضي حتى تمضى به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلوته؟ قال يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله (2)و المراد انه يقصر في الرجوع كما هو واضح هذا. و بقي هنا شيء و هو انه يعتبر في ثبوت القصر وحدة السفر. فان من الواضح ان الحكم في الوحدة و و الكثرة يكون تابعا لوحدة الموضوع و كثرته و هذا حال كل عرض بالنسبة إلى موضوعه. ثم ان الوحدة المذكورة في المقام لا بد و ان تكون أما حقيقية أو اعتبارية و على الثاني المعتبر اما هو العقل أو الشرع أو العرف. و التحقيق ان الوحدة الحقيقية مما لا سبيل إليه في المقام. فان اتصال كل جزء من اجزاء السير مع آخر و عدم طرو العدم بينها كما يتفق ذلك في المسافرة مع السيارات أو الطائرات ليس شرطا في ثبوت القصر. بل ان من عادة المسافرين هو النزول في أثناء أسفارهم للاستراحة و غيرها. و بالجملة فالقطع حاصل لنا بعدم اعتبار هذا النحو من الوحدة شرعا في المقام. و اما الوحدة الاعتبارية فإن كان المعتبر هو العقل فهذا ايضا كسابقه. فان المورد ليس من قبيل الموضوعات العقلية و لا مساس له بالعقل.
فيبقى ان يكون المعتبر هو اما الشرع و اما هو العرف و على كل منهما فاما ان يكون تحقق هذه الوحدة أما بوحدة القصد و اما بوحدة المقصد اما وحدة المقصد فلا توجب وحدة السفر. إذ من الواضح ان في صورة المسافة التلفيقية للمسافر مقصدان. أحدهما رأس الأربعة و الأخر منزله. بل ربما لا مقصد له أصلا كما إذا أمر المتطبب على المريض بمشيه ثمانية فراسخ فخرج هو عن منزله بقصد سير هذا المقدار من المسافة. فإنه لا إشكال في وجوب القصر عليه و ان لم يكن له مقصد أصلا. فالتحقيق ان وحدة السفر انما هو بوحدة القصد بان يكون من قصده سير ثمانية فراسخ و ان لم يكن له مقصد معين. ثم إذ قلنا بان المعتبر في وحدة السفر هو اعتبار العرف و نظره و الشارع انما هو أمضاه فحينئذ يمكن التمسك بإطلاق
الثمانية و إثبات حكم القصر في كل مورد يشك فيه في مدخلية شيء آخر في الموضوع و ذلك لمعلومية ما هو الموضوع في نظر العرف فلا بد من التقصير حينئذ ما لم يعلم بطرو أحد من القواطع. و اما إذا كان المعتبر هو نظر الشارع و اعتباره كما هو كذلك في غير واحد من الموضوعات التي أخذ الشارع فيها طريقة على حده فحينئذ لا يمكن التمسك بالإطلاق في موارد الشك كما لا يخفى. ثم في الفقه المنسوب الى مولانا الرضا عليه السلام انه قال فيه: فان كان سفرك بريدا واحدا و أردت ان ترجع من يومك قصرت لان ذهابك و مجيئك بريدان. الى ان قال: و ان سافرت الى موضع مقدار اربع فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار فإن شئت أتممت و ان شئت قصرت. و ان كان سفرك دون اربع فراسخ فالتمام عليك واجب. و لكن التحقيق عدم حجية الفقه الرضوي عندنا فلا يكون دليلا على التخيير. و مما ذكرنا ظهر انه لا وجه للقول بأنه لا يصح التمسك بإطلاق روايات البريد و ذلك من جهة وقوع الإجمال و الإهمال فيها و ذلك لما عرفت سابقا من ان أول ما نزل به جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه و آله هو البريد ثم بين موضوعه بأنه ما بين ظل عير الى فيئى و عير فيستفاد من ذلك كون الرواية في مقام البيان كما لا يخفى. و يدل على المطلب أيضا صحيحة أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام انى خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلي في رجوعي بتقصير أم بتمام. و كيف كان ينبغي ان أصنع؟ فقال ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلى بالتقصير لأنك كنت مسافرا الى ان تصير الى منزلك. قال: و ان كنت لم تسرفى يومك الذي خرجت فيه بريدا فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تؤم من مكانك ذلك. لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت و عليك إذ أرجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك (1)و قد أشار الإمام عليه السلام
1) ب 5/ 1
الى بيان موضوع التقصير بقوله لأنك كنت مسافرا. إلخ و لا يخفى ان الظاهر من الرواية أيضا هو ان الرجوع انما حصل له في الليل. و بالجملة: فقد تحصل مما ذكرنا ان الثمانية أعم من الامتدادية و التلفيقية. فإذا حصل للمسافر هذا الحد يجب عليه التقصير إلا إذا طرء عليه أحد القواطع نعم ربما يقال باعراض المشهور عن إطلاق الثمانية حيث انهم قالوا بتعين القصر فيمن أراد الرجوع ليومه و بالتخيير في غيره. و لكن يرده فتوى الكليني بخلافه إذ المختار عنده كفاية الأربعة مطلقا في التقصير و ان تمام الموضوع عنده في وجوب التقصير هو تحقق هذا المقدار من المسافة سواء كان الرجوع في يومه أو بعده أو لم يرجع أصلا فلا وجه حينئذ للقول بأن الرواية معرض عنها. و ان أبيت عن ذلك و قلت ان نقل الرواية أعم من كون مضمونها فتوى له أم لا فحينئذ نقول: يكفى لما ذكرنا فتوى الشيخ الأقدم ابن ابى عقيل على التقصير صريحا قال العلامة في المختلف: و قال ابن ابى عقيل: كل سفر كان مبلغه بريدان و هو ثمانية فراسخ أو بريدا ذاهبا و جائيا و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول عليهم السلام إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و غاب عنه منها صوت الأذان ان يصلى صلاة السفر ركعتين. انتهى على ان أعراض المشهور انما يرجع الى جهة الدلالة في الرواية لا السند فيها. فان سند الرواية مما لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه و انما ذهبوا الى التخيير من جهة الجمع بين الروايات و هذا مما لا يضر على المطلب. و المضر انما هو في صورة ثبوت الأعراض بالنسبة إلى السند. و أنت إذا عرفت ان ضم الروايات بعضها ببعض يكفي في الدلالة على ثبوت التقصير فقد عرفت انه لا وجه لما ذهب اليه المشهور. فالحق في المسألة هو ثبوت القصر سواء كان الرجوع ليومه أو لغيره. ثم هل يعتبر في المسافة التلفيقية كون الذهاب أربعة دون الإياب مع فرض كون المجموع من الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ أو يعتبر كون كل واحد من الذهاب و الإياب أربعة أو انه لا يعتبر ذلك لا في الذهاب و لا في الإياب بل المعتبر هو تحقق الثمانية كيف ما اتفق وجوه بل أقوال و الأقوى هو الأول و هو اختيار المحقق في الشرائع و عليه ايضا فتوى المشهور و
يدل عليه ان المستفاد من الروايات هو اعتبار البريد في المسافة التلفيقية و هو الذي نزل به جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه و آله عند نزول آية التقصير فيعلم من مجموع تلك الاخبار انه لا بد من اعتبار خصوصية الأربعة في ترتب الحكم و وجوب تقييد المسافة التلفيقية بها. و انما الكلام في أنها هل اعتبرت في الذهاب و الإياب كليهما كما هو مقتضى الجمود على ظاهر الروايات أو انه لا بد من اعتبارها في الذهاب فقط بعد فرض كون المجموع ثمانية فراسخ فإذا فرض كون الذهاب خمسة و الإياب ثلاثة لكفى ذلك في ترتب حكم القصر عليه و هذا هو الحق في المسألة. إذ من الظاهر ان الزائد على الأربعة في الذهاب ليس خارجا عن حكم السفر و ليس هو كالسفر بلا قصد أو كسفر المعصية بل ان له دخلا في ترتب الحكم. و اما البريد في الرجوع فهو انما اعتبر من جهة تتميم حد السفر و هو ثمانية فراسخ و هذا التفصيل و ان كان خلاف الظاهر في بادى النظر الا انه لا بد من الالتزام به. و ذلك من جهة وقوع التفسير في الروايات الكثيرة بأن بالرجوع يصير السفر ثمانية فراسخ. و بالجملة: فالمستفاد منها ان اعتبار البريد في الرجوع انما هو من أجل تتميم الثمانية و الا فلا خصوصية للبريد في الرجوع بخلاف الذهاب كما عرفت آنفا. ثم ان اعتبار البريد في الذهاب دون الإياب انما هو فيما كان للشخص مقصد معين حتى يتحقق الذهاب و الإياب بملاحظته. و اما إذا لم يكن له مقصد معين بل كان قصده نفس السير فالاعتبار حينئذ بنفس ثمانية فراسخ. لكن التحقيق إمكان فرض الذهاب و الإياب في هذا الفرض أيضا فإنه كلما بعد عن الموضع الذي خرج منه يصدق حينئذ الذهاب كما انه يصدق الإياب بقربه اليه. و اما المسافة المستديرة ايضا فيجيء هذا الاحتمال فيها أيضا. فإنه إذا خرج من نقطة من الدائرة فما لم يصل الى النقطة المقابلة لتلك النقطة يصدق عليه كونه ذاهبا و إذا تجاوز عن تلك النقطة المقابلة يصدق عليه كونه جائيا. و بعبارة أخرى فإذا فرض ان قطر الدائرة فيما نحن فيه يمتد و يمر من النقطة التي هي مبدء سيره حتى يصل الى النقطة المقابلة للنقطة الاولى فبتجاوزه عن النقطة الثانية يكون جائيا كما انه ما لم يصل إليها يكون ذاهبا هذا. و اما إذا كان من قصده السير من نقطة منها إلى
نقطة أخرى ثم الرجوع منها إلى الأولى ففرض الذهاب و الإياب في هذه الصورة أوضح من ان يخفى. هذا تمام الكلام في المقام و الله المستعان.
و هذا مما لا اشكال فيه إجماعا. فلو كان سيره بمقدار المسافة لكن بلا قصد أو يسير فرسخا مع القصد ثم في رأس هذا الفرسخ بد إله أن يسير فرسخا آخر و هكذا الى تمت الثمانية فلا يشمله حكم السفر من القصر و تدل عليه رواية صفوان المتقدمة قال: سالت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد ان يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ نهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ. انما خرج يريد ان يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموقع الذي بلغه و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار. فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد ان أصبح من السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك (1). و اما ذيل الحديث الذي يستفاد منه ان جواز الإفطار يتوقف على كون القصد في الليل فهو لا يضر بما نحن فيه و التفكيك بين الصدر و الذيل بوقوع العمل بأحدهما و عدمه في الأخر غير عزيز في الروايات. و اعتبار قصد السفر ليلا في جواز الإفطار مما صار محلا للبحث بين الأصحاب و تدل عليه أيضا رواية أبي ولاد (2)المتقدمة أيضا حيث ان المستفاد منها ان ثبوت القصر عليه انما هو من جهة سيره أربعة فراسخ مع القصد ذاهبا ثم الرجوع الى الكوفة ثانيا. و انه لو لم يكن سيره أربعة فراسخ لم يكن عليه القصر. ثم لا فرق بين خصوصيات القصد من كونه إلى جهة واحدة أو جهات متعددة. فالمعتبر هو تحفظ أصل هذا القصد و ان كان ملفقا من الذهاب و الإياب بأن يكون المجموع بعد رجوعه عن قصده الأول ثمانية فراسخ كما هو مقتضى رواية أبي ولاد هذا. و اما الكلام في التابع فنقول: اعلم ان عنوان التابع مما ليس منه عين و لا أثر في عناوين الأدلة و ليس له حكم على حده. و
إما إيراد الأصحاب له في كتبهم و البحث عنه انما هو من أجل ان التابع هل يمكن له القصد أم لا فعلى هذا فالبحث عن بعض الفروع الراجعة إلى المسألة انما هو من جهة تحقق إمكان القصد و عدمه. فالمناط في المسألة انما هو يدور مداره بأنه هل يمكن أم لا فإذا علم التابع بان متبوعه يسير ثمانية فراسخ فمن أجل انه يصح منه قصد الثمانية يجب عليه التقصير. و هذا من غير فرق بين ان يكون في جميع الثمانية تابعا لمتبوعه أو يكون في بعضها تابعا و في بعضها الأخر مستقلا لوجود المناط في كل من الصورتين. و على هذا فلا بد من الحكم بالتقصير في حق الأسير و المكره حيث لا إشكال في استناد السير إليهما مع قصد هما الثمانية.
فمن أجل تحقق السير منهما بمقدار الثمانية و تحقق ذلك منهما لا بد لهما من التقصير و يشهد على ما ذكرنا ما روى من فعل الرضا عليه السلام في سفره الى خراسان. فإنه صلوات الله عليه مع كونه مكرها في سيره كان يقصر صلاته في أثناء سفره. و اما من ينتظر الرفقة فيما دون المسافة فإن كان جازما بمجيء الرفقة أو عازما على السفر مع عدم تيسر الرفيق أيضا فحينئذ لا إشكال في ثبوت القصر عليه كما هو واضح. و اما ان كان من قصده السفر على فرض تيسر الرفيق بان كان سفره معلقا على وجود الرفيق على رأس فرسخ أو فرسخين مثلا أو يريد محطة السكة الحديدية الواقعة على رأس فرسخ ليسافر بالقاطرة على فرض ان يدركها و الا فينصرف عن السفر فيتم و إذا كان المعلق عليه حاصلا في هذا الموضع فلا بد عليه من احتساب مبدء سيره منه. فان كان الباقي مسافة فيجب عليه التقصير و الا فلا بد عليه من الإتمام. فان الواجب المشروط ما لم يوجد شرط وجوبه لم يكن واجبا. و من الواضح ان وجود المعلق عليه في الواقع مما لا اثر له شرعا. بل الذي لا بد منه في المقام هو قصد المسافة في جميع الثمانية. و غير خفي ان القصد و الإرادة من الكيفيات النفسانية القائمة بالنفس و هو لا يحصل الا مع القطع بوجود الرفيق أو وصوله بالقاطرة المفروض كونهما على رأس الفرسخ مثلا. ثم لا بأس بنقل كلام المحقق الهمداني في مصباحه في المقام فنقول قال قدس سره و لو تيسر له الرفقة فعزم على السفر اعتبر في جواز الترخص له بلوغ ما بقي من الذي أراد قطعه مع الرفيق مسافة لعدم اعتبار ما قطعه أولا حال خلوه عن الجزم كما
صرح به في الجواهر بل قد يلوح من كلماتهم التسالم عليه حيث جعلوه كطالب الآبق و البهائم على وجهه الذي يجب عليه التمام و ان قطع مسافات فان تم إجماعهم عليه كما ليس بالبعيد فهو و الا ففي بعض صوره لا يخلو من اشكال و هو فيما إذا كان مقصوده من حين أخذه بالسير قطع هذه المسافة التي لا يستقيم له قطعها الا مع الرفيق برجاء ان يلحقه رفيق عند رأس فرسخين مثلا فإنه بعد ان تيسر له الرفيق و قطعها صدق عليه انه قطع مجموعها عن قصد كما انه لو احتمل كون زيد ملفوفا باللحاف فقده نصفين بقصد قتل زيد على تقديره وجوده تحت اللحاف و صادف الاحتمال للواقع فإنه يصدق عليه انه قتل زيدا عن قصد.
نعم قبل ان تيسر له الرفيق لم يكن واثقا بوصوله الى مقصده. و الحاصل: ان السير الواقع على هذا الوجه ليس عاريا عن القصد بل عن الجزم بتحققها و كون العزم ايضا كالقصد شرطا في سببية البريدين بحيث يعتبر في جواز الترخيص بلوغ ما بقي من الذي أراد قطعه مع الرفيق مسافة يحتاج الى دليل و لم نقف على ما يدل عليه عدا ما تقدمت الإشارة إليه من ظهور كلماتهم في التسالم عليه فهذا عمدة المستند له و الا فلا يخلو عن تأمل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
و يرد عليه ان الواقع في الروايات ليس هو القصد حتى يقال انه يصدق في المورد انه قطع مجموع هذه المسافة عن قصد بل الواقع فيها هو لفظ الإرادة كما يشهد على ذلك رواية صفوان المتقدمة الواردة فيمن خرج من بغداد يريد ان يلحق صاحبه حيث سال فيها أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال عليه السلام: لا يقصر و لا يفطر لانه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما يريد ان يلحق صاحبه. و من الواضح ان الإرادة، لا تكون الا مع الجزم و على هذا فلا وجه للبحث عن صدق القصد و عدمه في مورد المسألة و لا يثمر في ذلك رجاء اللحوق بالرفيق الذي وقع في كلامه شيئا. ثم ان القصد ربما يستعمل و يراد منه الإرادة كما في باب النية حيث يذكرونها و يقولون النية هي القصد. و ربما يستعمل و يراد منه العمد كما في مثال القتل الذي ذكره هو رحمه الله. و لا يخفى ان اختلاف استعمال القصد بحسب الموارد صار منشأ للخلط و الاشتباه الواقع في كلامه. مسألة: قال في مصباح الفقيه: لو قصد مسافة ثم تردد في أثنائها تم عاد الى الجزم فهل
يعتبر كون الباقي بنفسه مسافة أم يكفي بلوغها بضمه الى السابق وجهان من ذهاب حكم ما قطعه بالتردد فإنه يجب عليه حينئذ التمام كما وقع التصريح به في خبر إسحاق بن عمار المتقدم. و من ان هذا لا يقتضي سقوط ما قطعه عن الاعتبار بل ذهاب حكمه بعروض التردد فإذا عاد الى الجزم زال اثر تردده. و هذا هو الأظهر كما جزم به في الجواهر و غيره إذ لا دليل على اعتبار استمرار القصد بحيث لا يتخلل في أثنائه تردد بل مقتضى إطلاقات أدلة التقصير في بريدين خلافه انتهى و لا يخفى عليك انه قدس سره عبر عن عدم كون العدول عن قصد المسافة مضرا بعدم كون استمرار القصد معتبرا مع ان الأليق هو التعبير بالأول.
فإن استمرار القصد انما هو من شروط التقصير. ثم يظهر من السيد الفقيه اليزدي قدس سره الإشكال في صورة الانضمام قال في العروة (مسألة 23) لو تردد في الأثناء ثم عاد الى الجزم فاما ان يكون قبل قطع شيء من الطريق أو بعده ففي الصورة الأولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة و لو ملفقة و كذا ان لم يكن مسافة في وجه لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع و اما في الصورة الثانية فإن كان ما بقي مسافة و لو ملفقة يقصر ايضا و الا فيبقى على التمام. نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود الى الجزم بعد إسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد مسافة ففي العود الى التقصير وجه لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع. انتهى و التحقيق انه لا وجه للإشكال في المقامين. و ذلك لوضوح ان المعتبر في المقام هو قصد ثمانية فراسخ. فإذا تحقق هذا المعنى لا بد من الحكم بالتقصير و اعتبار عدم تخلل الترديد في الأثناء مما لا دليل عليه بل ان ما نحن فيه نظير الصلاة فإنه لا بد فيها من إتيانه بالاجزاء و الشرائط التي اعتبرها الشارع فيها مقارنا بالنية التي يعتبر استمرارها في الصلاة فإذا فرض خلو بعض الآنات الواقعة في الصلاة من النية مع عدم إتيان شيء من الأفعال في تلك الحال فحينئذ لا إشكال في عدم كونه مضرا بالصلاة. و كذا الحال فيما إذا اتى في حال خلوه من النية بعض الأفعال فحينئذ يكون هذا البعض باطلا لعدم كونه مقارنا بالنية و لكن لا يوجب ذلك بطلان الصلاة بل لا بد للمكلف من إتيانه ثانيا. و اما البطلان في الصوم إذا كان في بعض الآنات مترددا فيه
فهو من أجل أن خلو الصوم في بعض الآنات عن النية توجب نقصانه عن الحد الذي اعتبره الشارع فيه. و مما ذكرنا كله ظهر انه لا وجه للإشكال في المسألة كما يراه السيد اليزدي في العروة. و ربما أورد في المقام بان مع طرو الترديد في الأثناء يبطل ما قطعه سابقا و بعد ذلك لا يتصور كونه منضما الى اللاحق حتى يكون المجموع من السابق و اللاحق مسافة. و أجابوا عنه انه لم يبطل من رأسه حتى لا يتصور الانضمام في المقام بل الذي صار باطلا انما هو حكمه و هو يعود مع زوال الترديد إذا كان المجموع منهما مسافة. و لكن لا يخفى عليك انه لا وجه لما ذكر اشكالا و جوابا. و ذلك لوضوح عدم كون السابق باطلا لا أصلا و لا حكما بل ان حاله حال الصلاة إذا حصل للمكلف ترديد من إتمامها في الأثناء حيث انه لا تتصف الأفعال السابقة بالبطلان و يكون انضمامها بالافعال اللاحقة صحيحا إذ أزال الترديد الحاصل في البين. و يظهر من المحقق الهمداني قدس سره ان احتمال الاحتساب قوى جدا فيما لو كان ما قطعه في حال التردد واقعا بعنوان الجزئية كما لو سلكه بقصد عدم تخلفه من رفيقه على تقدير استقرار عزمه على السير لا لغرض آخر كتحصيل الماء و نحوه. و فيه ان مع الترديد كيف يتصور الجزم لإرادة السفر ثمانية فراسخ حتى يقال باحتسابه من السفر. بل التحقيق انه لا بد من عده خارجا عن الجزئية. لا يقال: ان من الأمر الواضح في الأذهان و المرتكز فيها ان الحكم لا بد و ان يكون تابعا لموضوعه في الوحدة و التعدد مع انه لا بد في المقام من التقصير في القطعة الاولى و الأخيرة من المسافة و التمام في القطعة الواقعة في الأثناء. فإنه يقال: لا مانع من الالتزام على ما ذكر بعد ما دل الدليل عليه. الا ترى انه لا بد للمسافر من الإتمام إذا لم يتجاوز حد الترخص فإذا تجاوز ذلك لا بد له من التقصير مع ان السابق على حد الترخص جزء من المسافة بلا اشكال. و هذا بخلاف المقام فان الحكم بالإتمام فيما قطعه مترددا من جهة خروجه عن الجزئية. فعلى هذا فلا اختلاف في الحكم و موضوعه في المقام من حيث الوحدة و التعدد و قد عرفت سابقا ان وقوع الترديد في الأثناء أيضا ليس مضرا على المطلب. فإنه ليس من القواطع حتى لا يصح الانضمام و بالجملة فالأقوى في المسألة هو القصر في القطعة اللاحقة و ان كان الاحتياط في الجمع
بين القصر و التمام (مسألة) لو سافر مترددا سبعة فراسخ ثم في رأس السبعة عزم على ان يسافر على قرية في رأس الثمانية ثم الرجوع عنها الى وطنه فإنه لا اشكال بناء على المختار عندنا من الحكم بالإتمام في ذهابه إلى القرية لأنه كما حققنا سابقا انه يعتبر في المسافة التلفيقية من اعتبار البريد في الذهاب و اما على مختار السيد العلامة اليزدي فلا بد من الحكم بالتقصير فإنه يرى في وجوب القصر على المسافر بلوغ المجموع ثمانية فراسخ من غير اعتبار الأربعة في الذهاب.
و عنون بعضهم كالمحقق الحائري في صلوته هذا شرطا رابعا لان الثالث من الشروط عنده و عند جماعة من الاعلام قدس الله أسرارهم هو استمرار القصد و لكن عنون سيدنا العلامة أدام الله ظله على رؤس المسلمين كذلك تبعا للمحقق في الشرائع حيث كان عنوان بحثه هذا الكتاب الذي توجهت انظار المتأخرين اليه و جعلوا مدار بحثهم على ترتيبه و كتبوا عليه شروحا كثيرة. و ناهيك في ذلك كتاب الجواهر الذي عجز الدهر عن إتيان مثله.
قال المحقق في الشرائع. فلو عزم على مسافة و في طريقه ملك له قد استوطنه ستة أشهر أتم في طريقه و في ملكه. و كذا لو نوى الإقامة في بعض المسافة. و لو كان بينه و بين ملكه أو ما نوى الإقامة فيه مسافة التقصير قصر في طريقه خاصة. إلخ ثم المراد من القاطع هو ما يمنع من تحقق صدق السفر سواء أ كان ذلك من جهة مروره الى بلده أو من جهة غيره من القواطع و ما ذكره القدماء رضوان الله عليهم من المصاديق انما هو من جهة تبعيتهم للروايات. و من محسنات كتبهم انهم كانوا يذكرون مسائل الفقه على طبق مضامين الروايات بل على طبق عباراتها و من ذلك تعد عباراتهم بمنزلة الروايات. نعم ربما ألفوا كتبا أخر في محيط أوسع من محيط الشيعة للاحتجاج فيها على العامة و إفهاما على انهم ليسوا بعاجزين عن مشى طريقتهم. بل لهم القدرة على استنباط الأحكام من بطون الأدلة و استخراج أحكام الفروعات منها التي تتجدد بمرور الزمان مع اجتنابهم من اعمال القياس و الاستحسان. و قبل الاستدلال بالروايات لا بد لنا من تمهيد
مقدمة و هي ان الظاهر بحسب نظر العرف و الشرع إذا كان في بلده أو قريب منه أو في أرض و ضيعة له لا يعد مسافرا سواء أقلنا ان الوطن موضوع عرفي رتب الشارع عليه حكما شرعيا. أو انه موضوع شرعي تابع لاعتبار الشارع و جعله. و على كل حال لما كان الوطن بحسب مصاديقه و صغرياته موردا لعروض الاختلاف فتصدى الشارع لبيان تحديده ككثير من الموضوعات كالماء الكثير حيث حدده الشارع بالكر. فما ورد من تحديده بالاستيطان بستة أشهر فهو من هذا الباب حتى يرتفع الخلاف و بالجملة: لا اشكال ان الشخص ما دام في الوطن لا يعد مسافرا إذ السفر ضد الحضر و ذلك من غير فرق بين ان يكون تحققه حقيقيا أو تنزيليا كما ورد في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: من قدم مكة قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة. (1)الحديث فالإمام عليه السلام في مقام بيان نفى الحكم بنفي موضوعه اى كونه مسافرا و جعل المقيم عشرة أيام بمكة من أهلها تنزيلا. و اى تعبير أحسن من قوله (ع) و هو بمنزلة أهل مكة. و فرق واضح بين نفى الحكم بلسان نفى الموضوع و نفى الحكم بنفسه. ثم ان المسافر إذا مر في رأس الأربعة على وطنه ثم ذهب بعده أربعة فراسخ أخرى فحينئذ لا ينضم اللاحق من المسافة على السابق منها بالمرور على الوطن و هذا بخلاف حصول الترديد أو المعصية في أثناء المسافرة كما فيما إذا قطع اثنى عشر فرسخا و حصل الترديد أو المعصية في أربعة منها في الأثناء فإنه لا يحصل القطع بحصول الترديد أو المعصية في الأربعة المتوسطة و ان كان لا يثبت الحكم الارفاقى من القصر في الأربعة المذكورة. و ذلك لما عرفت من وضوح الفرق بين التصرف في الموضوع و التصرف في الحكم فالمرفوع في صورة حصول الترديد و المعصية هو الحكم و فيما إذا قام فيه عشرة أيام هو موضوعه اعنى كونه مسافرا إذا عرفت هذا فاعلم أن للوطن إطلاقات الأول هو مسقط رأس الإنسان و محل اقامة آبائه. الثاني الوطن الاتخاذى و هو الذي اتخذه دار اقامة على الدوام. الثالث الوطن الشرعي و لكن في ثبوته اشكالا. و منشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الروايات الواردة في الضيعة و الأرض المملوكة و الموضع الذي أقام فيه ستة أشهر.
1) ب 3/ 3
ثم ان الروايات الواردة في الوطن على طوائف. الأولى: ما يدل على وجوب الإتمام إذ أمر على ضيعته أو أرضه أو بلد له فيه دار بل له فيه نخلة واحدة و تلك الروايات كثيرة جدا. منها رواية إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض و انما ينزل قراه و ضيعته قال:
إذا نزلت قراك و أرضك فأتم الصلاة و إذا كنت في غير أرضك فقصر (1)و منها رواية عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج من منزله يريد منزلا آخر أو ضيعة له اخرى قال: ان كان بينه و بين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر و ان كان دون ذلك أتم (2)و منها رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سالته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي حاجة انتفع بها أو يضرني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأني لا أدرى أصوم أو أفطر فقال لي: فاخرج فأتم (و أتم) الصلاة فإني قد رأيت القادسية الحديث (3)و منها رواية عمار بن موسى عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها قال: يتم الصلاة و لو لم يكن له الا نخلة واحدة و لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها (4).
الطائفة الثانية ما يدل على وجوب التقصير الا فيما اقام فيه عشرة أيام. منها صحيحة على بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن رجل يمر ببعض الأمصار و له بالمصر دار و ليس المصر وطنه. أ يتم صلاته أم يقصر؟ قال:
يقصر الصلاة و الصيام مثل ذلك إذ أمر بها (5)و منها رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من اتى ضيعته ثم لم يرد المقام عشرة أيام قصر.
و ان أراد المقام عشرة أيام أتم الصلاة (6)و منها رواية موسى بن حمزة بن بزيع قال قلت لأبي الحسن عليه السلام جعلت فداك ان لي ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة أقصر أو أتم؟ فقال: ان لم تنو المقام عشرة أيام فقصر (7)و هاتين الطائفتين مع قطع النظر عن وجود شاهد جمع بينهما
لا بد من اعمال قواعد باب التعارض بينهما من الأخذ بأقواهما إذا كان الأقوى موجودا و الا فالتخيير لكن سياقهما يمنع من التخيير. الطائفة الثالثة روايات شارحة للطائفتين المذكورتين. منها رواية على بن يقطين عن ابى الحسن الأول عليه السلام انه قال: كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير (1)و منها روايته الثانية قال قلت: لأبي الحسن الأول عليه السلام الرجل يتخذ المنزل فيمر به أ يتم أم يقصر؟ قال: كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك ان تتم فيه (2)و الرواية الاولى في مقام بيان الحكم في المسألة و الثانية في مقام بيان موضوع حكمها. و منها روايته الثالثة قال: قلت: لأبي الحسن الأول عليه السلام ان لي ضياعا و منازل بين القرية و القريتين الفرسخ و الفرسخان و الثلاثة.
فقال: كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير (3)و لا يخفى عليك ان هذه الروايات صريحة في اعتبار صدق الوطن على الملك و الا فلا يكون المرور إلى الضيعة و نحوها قاطعا للسفر. فلسان هذه الروايات هو الشارحية و الحكومة لما دل بنحو الإطلاق ان المرور الى الملك قاطع للسفر. الطائفة الرابعة ما ورد في بيان معنى الاستيطان و انه عبارة عن كل منزل يقيم فيه الإنسان ستة أشهر كما يشهد على ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن عليه السلام قال: سالته عن الرجل يقصر في ضيعة فقال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام الا ان يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: ان يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها (4)فيكون لسانها لسان الشارحية و الحكومة للطائفة الثالثة الدالة على اعتبار الاستيطان في الملك.
هذا كله ما يقتضيه المشي الأصولي في المقام و اما مع غض النظر عنه. فنقول:
ان الروايات الواردة في الملك متعارضة جدا و كيف يمكن الجمع بين حكم القصر و الإتمام مع اتحاد الراوي فيهما و هو على بن يقطين. و التحقيق في المسألة ان يقال ان الناس كان بأيديهم فتوى ابن عباس حيث قال: إذا مر في طريقه ببلد له فيه مال أو أهل أتم الا ان يكون مارا (5)و أتم عثمان ايضا صلاته بمنى
و لما أنكروا عليه عمله هذا قال: انى تأهلت بمكة لما قدمت و انى سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول من تأهل ببلدة فإنه يصلى صلاة مقيم و لما أبطلوا عليه هذه المقالة اعتذروا عن قبله بأنه كان لعثمان ارض بمنى. و قال مالك:
انه إذا مر بقرية فيها أهله أو ماله أتم إذا أراد ان يقيم فيها يوما و ليلة (1)و اما الإمامية لما سألوا عن أئمتهم عن حكم المسألة فأجابوهم بالإتمام الذي رواه مخالفونا عن رسول الله صلى الله عليه و آله و أفتوا به. الا انهم عليهم السلام قيدوا الحكم المزبور بصورة الاستيطان ثم بينوا المراد منه بأنه ما يقيم فيه ستة أشهر. و كان هذا خوفا من المخالفين و تقية منهم فبينوا الحكم على نحو لا يخالف الواقع و لم يشائوا ان يكذبونهم فيما رووا عن رسول الله صلى الله عليه و آله حتى ينجر الأمر إلى النزاع و التشاجر. و العجب ان كل واحد من على بن يقطين و موسى بن حمزة بن بزيع و محمد بن إسماعيل بن بزيع كانوا من وزراء الشيعة و كانت بأيديهم ضياع و أراض و قرى و قدراء و اعمل الخلفاء و الناس على الإتمام في المسألة فسألوا عن الأئمة عن حكم المسألة فأجابوهم بوجوب التقصير.
و اما ما يدل على الإتمام كموثق عمار بن موسى عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها. قال يتم الصلاة و لو لم يكن له الا نخلة واحدة و لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها (2)فيحمل على التقية إذ هو معارض صريح لروايات التقصير. و لا يمكن ان يكون ما دل على اعتبار الاستيطان شارحا و حاكما لمثل هذه الرواية التي حكم فيها بالإتمام و لو فيما لم يكن له الا نخلة واحدة ثم تكراره عليه السلام بقوله بأنه لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها. بقي الكلام في اعتبار الوطن الشرعي الذي ذهب المشهور اليه. قال في مفتاح الكرامة اختلف الأصحاب فيما ينقطع به السفر هل هو مجرد الملك أو خصوص المنزل فالمشهور بين المتأخرين كما في الذخيرة و الكفاية و المصابيح و الحدائق الاكتفاء بمجرد الملك و لو نخلة واحدة بشرط الاستيطان ستة أشهر و هو خيرة العلامة و المحقق و من تأخر عنهما كما في المدارك و المصابيح ايضا. و في التذكرة لو كان له في أثناء المسافة ملك قد استوطنه
ستة أشهر انقطع سفره بوصوله اليه و وجب عليه الإتمام عند علمائنا سواء عزم على الإقامة فيه أولا (1)انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم انه قد ذهب المشهور في رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى إرادة الماضي من المضارع من لفظة يستوطنه و لفظة يقيم إذ لا يمكن إبقاء المضارع فيها على ظاهره على مقالتهم. و لكن لا يخفى عليك ان ارادة الماضي من المضارع يوجب ارتكاب ما هو خلاف الظاهر منه. فلا بد من تصحيح معنى الرواية على وجه لا يتوجه عليه اشكال. فنقول: قد صرح علماء الأدب في الصرف ان المضارع قد يذكر و يؤخذ فيه معنى (الإرادة) و على هذا يكون المراد من لفظة (يقيم) في الرواية (انه يريد البناء على الإقامة) و ليس المراد من ذلك ان الإرادة بمعناها الاسمي مأخوذة فيها بل انهم عبروا عن المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي في مقام التفهيم و من الواضح ان لكل واحد من المشتقات و من جملتها المضارع له مادة و هيئة. و ما يدل على انتساب المبدء الى الذات انما هو الهيئة و ذلك من غير فرق بين أنحاء المشتقات من كون المبدء في بعضها حرفة و صناعة و في بعضها الأخر قوة و ملكة أو بالفعل فإن الهيئة في الجميع تدل على الانتساب. و من هذا يظهر ان أخذ الإطلاق من لفظة (يقيم) بمعناها الحرفي (أي يريد الإقامة) غير صحيح جدا.
و ذلك لما حقق في الأصول ان أخذ الإطلاق من المعاني الحرفية بمكان من البطلان.
فلا بد على هذا في أخذ الإطلاق منها من إرجاعها إلى المعنى الاسمي و بالجملة فلا إشكال في انه لا بد في صدق الوطن و تحقق الإقامة من الفعلية و لا يكون تحققهما الا بالعمل الخارجي من اتخاذه منزلا معدا للإقامة لا مثل منزل معد للاستيجار على الغير و مجرد ارادة اتخاذه لا يكفى فيما ذكر. بل لا بد من التلبس بالفعل كما لا يخفى. فظهر انه لا يمكن ان يقال بأن إطلاق يقيم يشمل صورة إرادته الإقامة و ان لم تحصل الإقامة بالفعل كما انه لا يمكن ذلك في لفظة يستوطنه ايضا حتى تشمل صورة إرادة اتخاذه وطنا و ان لم يتخذ وطنا معدا للاقامة بالفعل. و الخلاصة: انه لا وجه لثبوت الوطن الشرعي و ان توهمه المشهور. و منشأ هذا التوهم كما قلنا الأخبار الدالة على الإتمام في الملك ثم تقييده
1) ج 3 ص 559 و 560
بإقامة ستة أشهر كما يدل عليه بعضها فيتخيل ان الوطن العرفي لا يشترط فيه الملك و لا إقامة ستة أشهر بخلاف الوطن الشرعي. و لكن قد عرفت سابقا ان الروايات الواردة في الملك قد صدرت عن تقية فلا يبقى الا اعتبار المنزل كما هو واقع في بعضها. و هذا مما لا محيص عنه فان التوطن من دون مسكن و منزل مما لا يتصور. و اما ما ذكر من التحديد بستة أشهر فإنما هو من جهة انها الأصل في تقسيم السنة حيث انها بالطبع مقتضى قضية التقسيم في السنة بالنسبة الى من كان له وطنان فمقتضى الأصل في المقام هو التقسيم بالنصف كما ان من كان له ثلاثة أوطان هو التقسيم بالثلث. و هذا نظير قولهم الأصل في الأشياء هو الاستدارة و الا فلا موضوعية لستة أشهر. و اما سؤال الراوي في الرواية فليس عن معنى الاستيطان و ليس الامام عليه السلام أيضا في مقام شرح هذا المفهوم شرعا أو عرفا بل انه عليه السلام في مقام بيان ما يتحقق به الاستيطان بالنسبة إلى الوطن لمن كان له وطن آخر. ثم ان الواقع في الروايات هو لفظة يستوطنه و هي تدل كما عرفت على فعلية الاستيطان و تجدده و لكن الواقع في كلمات الفقهاء لفظة استوطنه كما في الشرائع حيث قال: الوطن كل موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا متوالية كانت أو متفرقة. إلخ مع انه في مقام تعريف الوطن العرفي. ثم ان الوطن على ما تشهد به اللغة و الاستعمالات الصحيحة ليس هو مجرد مسقط رأس الإنسان و مسكن آبائه، بل المراد منه محل اقامة الإنسان و مقره و مأواه سواء انطبق عليه المعنى الأول أم لا. و في القاموس (الوطن) محركة و يسكن منزل الإقامة و مربط البقر و الغنم ج أوطان و وطن به يطن و اوطن اقام و أوطنه و وطنه و استوطنه اتخذه وطنا. إلخ قلت: و اى تعبير أحسن من التعبير ب (دار الإقامة) كما في بعض الروايات. و قد قالوا السفر خلاف الاستيطان و المقام. و بالجملة ان انقسام الوطن الى الوطن العرفي و الشرعي مما لم يثبت في الأدلة كما عرفت. إذ الواقع فيها هو الوطن العرفي الأعم من الأصلي و الاتخاذى. و لا ترى أيضا في كلمات القدماء الى زمان المحقق منه عينا و لا أثرا بل ان عبائرهم كلها في مقام بيان الوطن العرفي هذا هو الشيخ الأجل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قال في كتابه النهاية و من خرج الى ضيعة
له و كان له فيها موضع ينزله و يستوطنه وجب عليه الإتمام فان لم يكن له فيها مسكن وجب عليه التقصير (1)و قال الفحل العظيم المحقق المدقق محمد بن إدريس المعروف بابن إدريس في كتابه السرائر و السفر خلاف الاستيطان و المقام.
فاذن لا بد من ذكر حد الاستيطان وحده ستة أشهر فصاعدا سواء كانت متفرقة أو متوالية. فعلى هذا التقرير و التحرير من نزل في سفره قرية أو مدينة و له فيها منزل أو مملوك قد استوطنه ستة أشهر أتم (2)و قال شيخ الفقهاء و الجامع بين طريقتي القدماء و المتأخرين في الفقه نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق في كتاب المعتبر مسألة: إذا استوطن منزلا ستة أشهر فصاعدا أتم إذا مر به و قصر ان كانت مسافة. و قال الشافعي: لا يلزمه إتمام لأن النبي صلى الله عليه و آله و أصحابه مروا في حجهم بمكة و لهم فيها مساكن و لم يتموا لنا.
انه لا بد من حد الاستيطان و حيث لم يحده الشرع قدرناه استيطانا. و من اقام في ملكه هذا القدر فقد مر عليه فصلان مختلفان فقضى العرف بأنه وطن و أيد ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع. إلخ و أنت ترى ان هذه العبارات كلها في مقام بيان الوطن العرفي. فراجع كلماتهم حتى تقف على أزيد من ذلك. و لله الحمد.
و لو كان السفر سفر المعصية لا يقصر. و لا يخفى ان البحث في الشرط السابق كان راجعا الى الموضوع و انه هل يرتفع موضوع السفر حقيقة أو حكما بأحد من القواطع أم لا. و اما المقام فالبحث فيه راجع الى حكمه بعد تحقق موضوعه. ثم ان للمسألة أقساما. منها ما يكون السفر بنفسه حراما بان تكون الحركات الاينية متصفة بالحرمة و يحمل عليه الحرام بالحمل الشائع الصناعي و ذلك كالفرار من الزحف و إباق العبد من مولاه و سفر الزوجة بدون اذن زوجها و الرسالة من قبل الظالم و غيرها. و منها ما يكون السفر بنفسه مباحا و لكن كانت الغاية فعلا محرما. و لا يخفى ان الروايات دالة في الصورتين على وجوب
الإتمام. و بعد دلالتها على الحرمة في المقامين لا فرق بين ان نذهب بحرمة مقدمة الحرام أم لا كما وقع البحث عنه في الأصول. و من الروايات الواردة في الباب ما رواه عمار بن مروان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول:
من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله أو رسول لمن يعصى الله أو طلب عدو أو شحنا؟؟؟ أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين (1)و منها ما رواه ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام قال لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق (2)و مقابله انه لو كان في سبيل باطل لا يفطر. اذن لا يثبت في حقه القصر أيضا للملازمة بينه و بين الإفطار. و منها رواية حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ* قال الباغي باغي الصيد و العادي السارق ليس لهما ان يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين و ليس لهما ان يقصرا في الصلاة (3)و منهما موثقة سماعة قال:
سالته عن المسافر (الى ان قال) و من سافر قصر الصلاة و أفطر الا ان يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد أو الى قرية له تكون مسيره يوم يبيت إلى أهله لا يقصر و لا يفطر (4). و غيرها من الروايات. نعم قد خالف في هذا الحكم بعض الفقهاء من العامة كأبي حنيفة حيث ذهبوا الى ثبوت القصر في مطلق السفر (5)و منها ان لا يكون نفس السفر و لا غايته محرما لكنه يرتكب في أثنائه فعلا محرما.
و التحقيق في هذا القسم ان ارتكاب المعصية فيه لا يؤثر في حرمة السفر و لا يكون السفر مصداقا للحرمة بل يكون ذلك نظير حرمة النظر إلى الأجنبية في الصلاة. فارتكاب المعصية في الأثناء أجنبي عن مفهوم السفر. و منها. بان حصلت المعصية بنفس السفر و لكن لا من حيث كونه سفرا بل من حيث جهة أخرى ملازمة له كما لو ركب دابة مغصوبة أو كان مشيه في طريق مغصوب. فإنه يتحقق
1) ب 8/ 3
2) ب 8/ 1
3) ب 8/ 2
4) ب 8/ 4
5) قال في البداية و النهاية- و منهم من اجازه (أي التقصير) في كل سفر قرية كان أو مباحا أو معصية و به قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و أبو ثور ج 1 ص 122. و قال الشيخ في الخلاف و قال قوم سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء ذهب إليه الأوزاعي و الثوري و أبو- حنيفة و أصحابه ج 1 ص 230
بسفره انه تصرف في مال الغير فيصدق حينئذ على الحركات الخاصة الصادرة منه التي بها يتقوم مفهوم السفر كونها تصرفا في مال الغير. فقد يقال فيه بالإتمام من أجل اتحاد مفهوم السفر مع مفهوم التصرف في مال الغير مصداقا كالصلاة في المكان المغصوب. و قد يقال بامتناع اتحاد الصلاة و الغصب مصداقا كما بينوا في الأصول. فإن اتحاد مقولتين مختلفتين مصداقا كالوضع و الأين مما لا يمكن عقلا كما حقق في محله. و لك ان تقول ان الامتناع المذكور انما هو في المقولات الحقيقية. و اما إذا كان أحد الشيئين أو أحدهما من الأمور الاعتبارية فلا مانع من اجتماعهما فيكون شيء واحد مصداقا لهما و من هذا القبيل الصلاة و الغصب. و التحقيق في المقام ان يقال ان هيهنا أمورا ثلاثة.
الأول: تلك الحركات الاينية التي هي من الأمور المقولية. و الثاني: الغصب و هو من الأمور الاعتبارية و هو يحصل من تصرف مال الغير من غير اذنه. و الثالث:
السفر و هو أيضا أمر اعتباري و هو البعد عن الأهل و الوطن و انتقاله منه الى مكان آخر و من الواضح ان الدابة المغصوبة و نظائرها لا يكون التصرف فيها الا تصرفا في مقدمات السفر فحرمتها غير مؤثرة في حرمة نفس السفر. و لا اتحاد في البين و كذلك المشي في طريق مغصوب فإنه أيضا لا يوجب حرمة السفر و ان قيل بالحرمة من أجل استلزامه الاتحاد و هو كما ترى. و بالجملة فالمحرم في الأدلة هو السفر بما هو سفر و إن أمكن القول ببطلان الصلاة في مكان مغصوب. فان البطلان فيها انما هو من جهة ان مثل الركوع و السجود فيها لما كان تصرفا في ملك الغير كان مبغوضا و حراما فلا يصلح كونهما مقربا للمولى سبحانه فتبطل الصلاة. و لكن قال صاحب القوانين بكونها مبغوضا من جهة و محبوبا من جهة أخرى و تصح صلاته فيثاب من أجل هذه الجهة و يعاقب من جهة تصرفه في ملك الغير. و لكنه كما عرفت ان ما ذهب اليه هذا المحقق مما لا يمكن القول به من جهة عدم قابلية مثل الركوع أو السجود باتصافه بالمقربية التي لا بد منها في العبادات إذ كيف يمكن ان يكون الوجود الخاص الذي هو أمر وحداني مصداقا للجهتين مع كون المأتي به امرا عباديا الذي يعتبر فيه التقرب الى الله مع كون هذا الوجود بنفسه مبغوضا عنده سبحانه.
و هذا بخلاف الحركات الاينية في السفر. إذ لم يعتبر اتصافها بالمقربية.
فلا مانع من ان تكون تلك الحركات بعنوان انها تصرف في ملك الغير مبغوضة.
لعدم كون السفر بما هو هو محرما و مبغوضا. و على هذا فالقول بوجوب القصر في المسألة لا يخلو من قوة (1)و منها ان يكون السفر مستلزما لترك الواجب كما إذا كان مديونا و سافر مع مطالبة الديان أو وجب عليه تعلم العلم و استلزم السفر تركه و تنظر الشهيد الثاني في الحكم بالإتمام لاقتضاء ذلك عدم ترخص السفر إلا للأوحدي لاستلزام سفر سائر الناس غالبا لترك واجب من الواجبات هذا. ثم انه لا وجه للحكم بالإتمام في المسألة. فإن وقوع المضادة بين السفر و ترك جملة من الواجبات لا يقتضي النهي عن السفر و اتصافه بالحرمة فإن ذلك يتوقف على مسألة اقتضاء الأمر بأحد الضدين النهى عن الضد الأخر أو كون ترك أحدهما مقدمة لضده الأخر فيجب تركه بناء على وجوب المقدمة.
و لكن قد حقق في الأصول عدم تمامية كل منهما. و فصل بعضهم في تقريب وجوب الإتمام بين ان يسافر لأجل التخلص من أداء الدين أو تعلم العلم الواجب و بين ان يسافر لا لأجل مثل ما ذكر من الدواعي و الأغراض الا انه عرض في سفره ترك جملة من الواجبات قهرا من غير ان يقصد من سفره ذلك. ففي الصورة الأولى جعل ترك الواجب غاية للسفر و لا ريب في حرمته فيجب الإتمام و هذا بخلاف الصورة الثانية- و فيه ان الروايات الواردة في وجوب الإتمام فيما كانت الغاية فيه فعلا محرما ليس إطلاق فيها حتى يقال بأخذه فيقال كل سفر حرمت غايته يجب التمام فيه بل المذكور فيها موارد خاصة كالصيد و تشييع السلطان الجائر و سعاية المسلم و إضراره و غيرها و غاية ما يؤخذ من تلك الموارد من الجامع هو الجامع الحقيقي بينها الذي هو الغاية الحقيقية فلا وجه للتعدي منها الى غيرها من اللوازم لعدم شمول تلك الاخبار لها. و يمكن تقريب الإتمام بوجه آخر. بان يقال ان ترك الواجب يحصل بنفس السفر فيكون نفس السفر معصية و حراما كالفرار من الزحف. و فيه: انه فرق بين كون السفر بما هو سفرا حراما و بين كون حرمته بما هو سبب لترك الواجب. و الواقع في الأدلة من الحكم بالإتمام
1) قلت بعون الله و منه ان ما افاده سيدنا العلامة أدام الله ظله محل تأمل بل منع. و ذلك لاتحاد السفر وجودا فيما نحن فيه مع تلك الحركات الاينية المبغوضة المحرمة فيكون هذا السفر بوجوده الخارجي مصداقا للحرمة و هذا من غير فرق بين انحصار الطريق في الطريق المحرم سلوكه و عدم انحصاره فيه. إذ هو باختياره هذا الطريق في الصورة الثانية جعل سفره هذا مصداقا للحرمة لاتحاده مع تلك الحركات الاينية في الوجود الخارجي كما لا يخفى. س. 1. م
هو الصورة الاولى لا الثانية. فقد ظهر من هذا كله ان الأقوى من المسألة هو القصر.
و منها بان كانت الغاية ملفقة من الطاعة و المعصية مثل من سافر للزيارة و لإضرار مسلم و قصد كل واحد منهما فهل يجب القصر حينئذ نظرا الى غايته المباحة أو التمام نظرا الى غايته المحرمة. أو يؤخذ ما هو الأقوى منهما أو يجب الجمع بينهما أو لا بد من تقديم ما قصده أو لا منهما أو مطلقا وجوه. و قد اضطربت كلماتهم في المقام. و التحقيق: ان حكم المسألة يختلف باختلاف المباني فلا بد من ملاحظة ان القيد المأخوذ في الحكم هل هو أمر وجودي أو أمر عدمي و على كل منهما هل القيد إنما أخذ في كل واحد من القصر و الإتمام أو في القصر فقط و اما الإتمام فهو على مقتضى الأصل في الصلاة. ثم يقع الكلام في ان القيد هل أخذ بنحو الشرطية أو المانعية. بكون الإباحة شرطا في القصر و المعصية مانعا عنه.
و هذا نظير البناء في الجواز و المنع في مسألة اللباس المشكوك على القول بشرطية المأكولية أو مانعية غير المأكول. و ربما يستظهر من بعض عبائر الأصحاب كون الإباحة شرطا في القصر حيث عدوا في مقام شروط القصر كون السفر سائغا كما انه يستظهر من بعضها الأخر كون حرمة السفر أو غايته مانعا من ثبوت القصر. و على كل حال ليس نظر الأصحاب إلى تحقيق الشرطية أو المانعية. فإذا قال العلامة قدس سره مثلا يشترط كذا في كذا إجماعا لا يستفاد منه انه في مقام إثبات الشرطية و نفى المانعية بل ان كلامه يصلح لكلا المعنيين و قد يظهر من بعض الروايات في النظر البدوي انه يعتبر من وجود القيد في كل واحد من القصر و الإتمام كما تدل عليه رواية أبي سعيد الخراساني قال: دخل رجلان على ابى الحسن الرضا عليه السلام بخراسان فسألاه عن التقصير. فقال لأحدهما وجب عليك التقصير لأنك قصدتني. و قال للآخر وجب عليك التمام لأنك قصدت السلطان (1)و لكن بعد التأمل في الرواية يعلم ان القيد راجع الى التقصير. فان سؤالهما انما كان عن القصر فكان الجواب ايضا راجعا اليه. ثم ان ملاحظة بعض الروايات تعطى كون المعصية مانعا من ثبوت القصر. و اما ثبوت الإتمام معها فليس من أجل مدخلية المعصية في الإتمام بل من جهة عدم صلاحية السفر
1) ب 8/ 9
حينئذ للحكم الارفاقى فثبت الإتمام حينئذ قهرا فثبوته من باب ثبوت أحد الضدين الذين لا ثالث لهما. ثم الظاهر كون المعصية مانعا بنحو الإطلاق فإذا كان للسفر غاية أخرى مباحة فوجودها كالعدم. ثم المقام من صغريات أخذ حكم في موضوع حكم آخر كان بنحو تمام الموضوع أو جزئه. و لا ريب في صحته. و الممتنع هو أخذه في موضوع نفسه لا في موضوع حكم آخر كالمقام. فان موضوع حكم القصر و هو ثمانية فراسخ أخذ فيه عدم كون السفر و غايته محرما. ثم المراد من الإباحة هل هي الإباحة بمعناها الواقعي أو الأعم منه و من التنزيلي. و يترتب عليه ثمرات كثيرة. منها انه لو سافر بقصد قتل شخص توهم كونه مسلما محقون الدم.
ثم انكشف له فيما بعد كونه كافرا مهدور الدم أو على العكس فعلى كون المعتبر في المعصية هو وجودها الواقعي يكون حكمه هو القصر في الأول و الإتمام في الثاني.
و كذا الحكم في صورة الشك فان وظيفته الإتمام بحكم الظاهر. و لا يخفى ان المسألة تختلف باختلاف المباني. و توضيح ذلك. ان الإتمام لما كان مترتبا على كون السفر أو غايته معصية فلا بد في الإتمام من ثبوت المعصية حتى يرتفع الحكم الارفاقى الثابت للمسافر من غير فرق بين المصادفة للواقع و عدمها. فإذا سافرا معتقدا كون السفر أو غايته معصية و لم تتحقق المعصية في الواقع فبناء على حرمة التجري لا بد من الإتمام. و اما بناء على عدم حرمته كما هو المختار عندنا فلا. فان القطع مما لا حكم له. إذ الحكم انما هو ثبت للواقع المنكشف بالعلم. فعليه فالحكم الثابت للمتجرى هو القصر لعدم تحقق المعصية حقيقة فإن المعصية انما هي مخالفة الحكم الشرعي واقعا و الفرض عدم تحقق المخالفة في صورة التجري و اما سائر الأمارات غير القطع فربما يقال بإفادتها حكما ظاهريا عند التخالف المسمى عندهم بالحكم الواقعي الثانوي. ثم إذا التزمنا بالتوسعة في المعصية المأخوذة في رافعية القصر للمسافر و انها أعم من مخالفة الحكم الواقعي أو الظاهري يكون حكم الإتمام و القصر دائرا مدار الإمارة في كون مؤداها هل هو المعصية أم لا. و اما على القول بعدم ثبوت حكم ظاهري في مؤدى الامارة كما هو المختار عندنا فلا. بل الحكم حينئذ يدور مدار الواقع المنجز بالأمارة فإذا ثبت وجود المعصية في الواقع المنجز بقيام الامارة فيرتفع القصر و الا فلا بد من القصر. و من ذلك يظهر حكم الأصول
الشرعية من استصحاب الحرمة أو الإباحة و غيره فعلى المختار من عدم حكم ظاهري في موردها يدور الحكم مدار الواقع و مثلها أيضا الأصول العقلية كقبح العقاب بلا بيان فإن أثرها التنجز عند الإصابة و العذر عند المخالفة.
قد ذكر الفقهاء انه لا بد في ثبوت القصر من اعتبار الإباحة أو عدم المعصية في السفر بنحو الاستمرار. فكون الإباحة شرطا في ثبوت القصر أو كون المعصية مانعا عن ثبوته مما لا يوجب فرقا في السفر بين الابتداء و الاستدامة. فبطرو المعصية للسفر في أي جزء كان من الطرفين أو الوسط لا بد من الإتمام فلو خرج بقصد الحرام ثم عدل في الأثناء إلى قصد الطاعة فلا بد في ثبوت القصر من كون الباقي مسافة شرعية. و لتوضيح المقام نذكر مقدمة و هي انه لو فرضنا موضوعا عاما حكم عليه المولى بشيء من الأحكام ثم اخرج منه بعضا فلا يخفى على المتأمل ان هذا الخارج يتصور على أنحاء. الأول: ان يكون خروجه موضوعيا بحسب الحقيقة و الواقع بان لم يكن بعد من افراد العام حقيقة. و الثاني: ان يكون خروجه موضوعيا لكن لا حقيقيا بل تنزيليا. و الثالث: ان يكون خروجه حكميا و هو الذي يعبر عنه بالتخصيص. و هنا قسم رابع و هو خروج إطلاقي بأن يكون الخارج داخلا تحت عنوان المطلق و مصداقا له و مشمولا لحكمه الا انه قيد الإطلاق ببعض الحالات كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قيد إكرامهم بعدم كونهم في حال القيام أو في يوم الجمعة. و اما ففيما نحن فيه فالخارج بنحو الخروج الموضوعي كالذي يمر الى وطنه فهو خارج عن عموم من سافر قصر و أفطر فإنه لا يعد عند العرف مسافرا ما دام في الوطن فبوصوله الى الوطن ينقطع سفره بحسب الحقيقة و الواقع عندهم. و الخارج بنحو الخروج التنزيلي كالذي يمر الى ضيعته على القول بقطع سفره به أو الذي يمر الى وطنه الشرعي بناء على ثبوته. و مثال الخروج الحكمي أي التخصيص كان يقال من سافر قصر و أفطر إلا المكاري مثلا. و المثال للقسم الرابع بان يقال المسافر قصر و أفطر إلا في حال كون سفره معصية أو قصر و أفطر في حال كون سفره طاعة و مباحا. و بالجملة فلا فرق في ذلك سواء قلنا بمانعية
المعصية أو شرطية الطاعة و الإباحة فلازم ما ذكرنا إذا سافر الشخص مسافة بعضها في المعصية و بعضها في الطاعة ترتب حكم كل بعض عليه فيتم في حال المعصية و يقصر في حال الطاعة و ان لم يكن مقدار المسافة في صورة الطاعة بمقدار المسافة الشرعية. ثم لما كان الموضوع في المقام و هو السفر مقيدا بقيدين. أحدهما اعتبار كونه ثمانية فراسخ. و ثانيهما عدم كون السفر معصية. فحينئذ هل يتقيد الموضوع أولا بالثمانية ثم بعدم كونه معصية أو على العكس. أو ان كل واحد من القيدين وردا على الموضوع معا. هذا. و قد يقال ان لازم كون الثمانية مقدما على القيد الأخر من عدم كونه معصية أو كونه مباحا كون التقييد بالقيد الثاني راجعا الى التقييد ببعض الحالات فحينئذ يلزم لكل مقدار من المسافة حكمه من الإتمام أو القصر. بخلاف لو قلنا بتقديم الإباحة أو عدم المعصية على الثمانية فحينئذ ينعكس الأمر و يصير ان السفر المشروط بالإباحة أو عدم المعصية يعتبر ان يكون مسافة. و لازم هذا التقرير اعتبار الاتصال في المسافة المشروطة بالإباحة. و لا يخفى ان المسألة من المسائل العلمية العويصة التي ينبغي ان نتعرض لها مفصلا الا ان الحال لا تساعده فلنكتفى لها إجمالا فإن الميسور لا يسقط بالمعسور. فنقول:
المستفاد من الأدلة الشرعية كون الثمانية راجعا الى الموضوع و قيدا له كالروايات التي ذكرناها سابقا الدالة على كون السفر بريدين أو ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم. و اما اعتبار عدم كونه معصية فمن الممكن ان يكون راجعا الى الحكم.
فالمعنى ان من سافر ثمانية فراسخ قصر و أفطر إلا في حال كونه معصية. فالحكم الارفاقى من القصر ثابت له الا في حال المعصية. و يلزم على هذا التقريران من سافر مسافة بعضها في معصية و بعضها الأخر في طاعة أن يتم في البعض الأول و يقصر في البعض الثاني فيترتب على كل واحد منهما حكمه من القصر و الإتمام.
فإن قلت: كيف يمكن إرجاع قيد عدم المعصية في قوله عليه السلام من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله الحديث (1)الى الحكم. و اما إرجاع قيد المسافة إلى الموضوع اعنى السفر مع ان اعتبار عدم المعصية من جهة الاستثناء في الرواية و هو قرينة متصلة بخلاف قيد المسافة فهو انما يستفاد من دليل آخر و هو قرينة منفصلة. قلت: ان قوله عليه السلام من سافر
1) ب 8/ 3
إلخ و ان كان مطلقا بحسب اللفظ لكنه يشير الى معنى معهود في الروايات و هو الذي يعبر عنه بمسيرة يوم أو بالبريدين أو بثمانية فراسخ. فالمراد من المسافر هو المسافر الشرعي المعهود. هذا بناء على البحث عن المسألة بنظر الذوق الأصولي.
فالمسألة المركبة من المعصية و الطاعة يترتب على كل واحد منهما حكمه من الإتمام و التقصير و لا يعتبر كون الباقي مسافة كما اختاره الفاضل النراقي و اما المشهور من الفقهاء اعتبروا عدم عدما قطعه بقصد الحرام جزء من المسافة و اما ما قبله و ما بعده فلا مانع من انضمام أحدهما بالاخر. قال في المستند بعد ما ذكر ان المسألة ذات قولين. أحدهما اعتبار كون الباقي بنفسه مسافة و الأخر كفاية بلوغ مجموع ما قبل المعصية و ما بعدها المسافة. الأظهر الثاني لأنه قصد أولا الثمانية فكان عليه القصر في جميع هذه المسافة خرج منه ما خرج بقصد المسافة فيبقى الباقي.
و منه يظهر القصر لو لم يكن الباقي مع ما قبل المعصية مسافة أيضا إذا كان المجموع مسافة فتأمل انتهى. و لا يخفى ان الحق مع المشهور حيث قالوا بعدم صحة احتساب ما قطعه بقصد الحرام جزء من المسافة و اما ما قبله و ما بعده فلا مانع من الانضمام كما عرفت و ذلك من جهة دلالة الروايات عنهم عليهم السلام على ما ذهب اليه المشهور أضف الى ذلك كونه موافقا لما يقتضيه النظر الأصولي الدقيق ايضا.
بيانه انك قد عرفت ان المعصية إنما أخذت بنحو المانعية عن ترتب الحكم الارفاقى من التقصير. و من الواضح ان مرتبة المانع متأخرة عن مرتبة الشرط و المقتضى فكيف من تأخره عن نفس الموضوع و عليه فالمعصية مانعة عن اقتضاء المسافة و إيجابها التقصير و ما يكون مانعا يمتنع ان يكون جزء للمقتضي أو الشرط و عليه فلا بد ان تكون المسافة خالية عن المعصية و ان قلنا بكون عدم المعصية قيدا للحكم لا الموضوع. نعم ليست المعصية بمثل المرور الى الوطن حيث يحتاج بعده إلى إنشاء مسافة أخرى. فيصح فيما نحن فيه انضمام ما قبلها الى ما بعدها بحيث يكون المجموع مسافة شرعية. و اما قطعه بقصد الحرام فلا يعد جزءا منها كما لا يخفى.
و اما الروايات فيستفاد منها ما ذهب اليه المشهور فمنها ما رواه عمار بن مروان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من سافر قصر و أفطر الا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله الحديث (1)و منها موثقة سماعة قال:
1) ب 8/ 3
سالته عن المسافر (الى ان قال) و من سافر فقصر الصلاة و أفطر الا ان يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد الحديث (1)و بالجملة: فالمستفاد من الروايات ان كل واحد من القصر و الإتمام إنما يترتب على السفر فموجب الإتمام هو سفر المعصية لا المعصية في السفر. فعلى هذا لو كان سفره سفر طاعة و رجع منها إلى المعصية فمجرد الرجوع لا يوجب ان يترتب حكم المعصية على سفره بل لا بد من شروعه بسفر المعصية و الا فما دام لم يكن متلبسا بالشروع في سفر المعصية و كان في منزله لا يحكم عليه بوجوب الإتمام و الصوم. و ما خرج عن ابى الحسن عليه السلام ان صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم.
فإذا رجع إليها قصر (2)ناظر الى ما ذكرنا.
اعلم انه قد اختلفت عباراتهم في المقام فبعضهم كالمحقق ذكر عنوان المسألة بما ذكر و بعضهم عبر بان لا يكون كثير السفر و ثالث بان لا يكون السفر عمله و غير ذلك من التعبيرات الواقعة في كلماتهم.
و اما الروايات ففيها ايضا وقعت تعبيرات مختلفة الا ان عنوان ان لا يكون سفره أكثر من حضره أو عدم كونه كثير السفر فليس مذكورا فيها أصلا. و المذكور في كثير منها جملة من العناوين الخاصة كالمكاري و الملاح و الكرى و الاشتقان و البريد.
و عبر في بعض الروايات عنوانا كليا بنحو التعليل مثل قوله عليه السلام ان بيوتهم معهم أو لأن منازلهم معهم أو بعد ذكر جملة من العناوين الخاصة قال: و اى سفر عليهم. و بالجملة فالذي ينبغي ان يقال انه لا بد لنا أولا من النظر الى الروايات ثم ملاحظتها مع كلمات الأصحاب فان لم يكن اختلاف بينهما فهو و الا فإن كان الحكم المستفاد من الروايات مخالفا لفتاويهم و كان ما أفتوا به بالغا حد الإجماع فلا بد حينئذ من رفع اليد عن مدلول الروايات و الأخذ بما أفتوا به و إذا لم يبلغ هذا الحد فلا بد من العمل بالروايات و ان كان مخالفا لفتوى بعضهم.
فنقول: اما الروايات فمنها ما رواه الكليني بسنده عن زرارة قال: قال أبو جعفر
عليه السلام: أربعة يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكرى و الراعي و الاشتقان لانه عملهم (1)و هذه الرواية مروية في الكتب الأربعة بسند صحيح عالي السند. و قال الصدوق بعد نقلها في الفقيه و روى الملاح. و الاشتقان البريد انتهى. و منها ما عن الخصال بسنده عن ابن ابى عمير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم (2)و منها ما رواه الكليني بسنده عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام يتم الصلاة و يصوم شهر رمضان (3)و منها ما رواه الكليني بسنده عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير و لا على المكاري و الجمال و رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم مثله (4)و منها ما رواه الشيخ بسنده عن على بن جعفر عن أخيه موسى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: أصحاب السفن يتمون الصلاة في سفنهم (5)و منها ما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن سليمان الجعفري عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كل من سافر فعليه التقصير و الإفطار غير الملاح فإنه في بيت و هو يتردد حيث يشاء (شاء) (6)و منها ما رواه الكليني بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الاعراب لا يقصرون و ذلك ان منازلهم معهم (7)و منها ما رواه ايضا بسنده عن إسحاق بن عمار قال سالته عن الملاحين و الاعراب هل عليهم تقصير؟ قال: لا بيوتهم معهم و رواه الشيخ بإسناده عن على بن إبراهيم مثله (8)و منها ما رواه الشيخ بسنده عن إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه قال: سبعة لا يقصرون الصلاة الجابي الذي يدور في جبايته و الأمير الذي يدور في امارته. و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق و الراعي و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر.
و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا. و المحارب الذي يقطع السبيل و رواه في الخصال عن جعفر بن على عن جده الحسن بن على عن جده عبد الله
بن المغيرة و رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام مثله (1)و منها ما رواه الشيخ ايضا بسنده عن محمد بن جزك قال: كتبت الى ابى الحسن الثالث عليه السلام ان لي جمالا ولى قوام عليها و لست اخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب علىّ إذا أنا خرجت معهم ان اعمل أ يجب علىّ التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام؟ فوقع عليه السلام إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كل سفر الا الى مكة فعليك تقصير و إفطار. و بإسناده عن سعد عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن جزك مثله. و عنه عن ابى جعفر عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة و ذكر الذي قبله. و رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن جزك قال: كتبت اليه و ذكر نحوه. محمد بن على بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن شرف عن ابى الحسن عليه السلام مثله (2)ثم ان تلك العناوين المذكورة في الروايات ليست بما هي هي موضوع المسألة. بل الموضوع أمر كلي جامع بينها. و الأمر الكلي المذكور في الروايات عنوانان. الأول ان بيوتهم أو منازلهم معهم. و ثانيهما قوله عليه السلام بعد عد جملة من العناوين لانه عملهم. و قبل الشروع في البحث عن العنوانين المذكورين نقول. ان حكم القصر انما هو يثبت للمسافر و هو الذي تغرب عن وطنه إذا سافر المسافة التي حدها الشارع و ليس مطلق الضرب في الأرض كافيا في ثبوت القصر. و لذا لا بد لنا من تقييد الآية الشريفة و إذا ضربتم في الأرض. الاية بالمسافة الشرعية و حيث ان حكم القصر ثابت للمسافر النائي عن الوطن لم يكن هذا الحكم ثابتا في مورد من يدور في بلده و ان كان ذلك شغل يومه أو من يدور حول بلده و لو كان ذلك بقدر الثمانية أو أزيد. فحينئذ نقول: قوله عليه السلام بيوتهم معهم أو ان منازلهم معهم يدل على خروج أمثال الملاحين و الاعراب عن موضوع المسافر و ذلك بخلاف المكارين و أمثالهم فإنهم داخلون في موضوع المسافر الا انهم خارجون عن حكم المسافر تخصيصا و بالجملة فأحد العنوانين أخذ قيدا للموضوع و الأخر قيدا للحكم. و هذا
بخلاف من لم يكن له وطن أصلا كما في السياح الذي لم يتخذ لنفسه وطنا و كان يدور في أطراف العالم شرقا و غربا. و اما مثل الملاحين فاوطانهم و منازلهم معهم. و من الممكن ان نفرض سفينة كبيرة تحتوي على عدد كثير من الإنسان و قد هيئوا فيها لأنفسهم جميع ما يحتاج إليه الإنسان في معيشته و تكون تلك السفينة كأحد البلاد الموجود فيها ما يحتاج إليه الإنسان من المأكولات و الملبوسات و كل ما يحتاج إليه في أمر معيشته. و الفرق بين هذه السفينة و بين البلاد الواقعة على وجه الأرض ان هذه السفينة بلد متحرك بخلاف تلك البلاد.
و من الواضح ايضا عدم الفرق بين كون السفينة كبيرة أو صغيرة مشتملة على عدد كثير من النفوس أو على جماعة قليلة. و ما أحسن ما وقع من التعبير في مورد الملاح كما في الروايات من قوله عليه السلام فإنه في بيت يتردد حيث يشاء.
فعلى هذا لو أراد السياح الذي ليس له وطن سفرا للزيارة أو الحج لا يصدق عليه انه مسافر- إذ ليس له وطن حتى يخرج عنه ليصير مسافرا. و هذا بخلاف من كان بيته معه. فإنه ان أراد سفر الزيارة أو الحج و خرج عن موضعه بهذا القصد يصدق في حقه انه مسافر كما لا يخفى. ثم بقي الكلام في معنى الاشتقان الواقع في روايات الباب كما عرفت فنقول: الاشتقان معرب دشتبان و قد اختلفت العبائر في تفسيره و على كل حال فهو ممن تغرب عن وطنه لأجل عمله و مهنته و يجب عليه التمام في السفر إذا كان سفره بالغا حد المسافة كما ان الراعي أيضا كذلك. فان المراد منه من خرج عن موطنه لأجل عمله و لا بد فيه ايضا من تقييد الإطلاق بالمسافة الشرعية. فإن الذي يرعى الانعام حول بلده و كان ذلك دون المسافة فهو خارج عن حكم القصر موضوعا.
ثم ان الظاهر من تفسير الاشتقان بالبريد كما في رواية الفقيه التي مر ذكرها انه من كلام الصدوق حيث فسره بذلك إذ ذكر ذلك بعد قوله و روى الملاح كما هو واضح. و لكن الظاهر من رواية الخصال ان التفسير المزبور من كلام الامام عليه السلام كما يشهد بذلك وقوعه في وسط الرواية- فإنه قال فيها خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم و ذكر في الأمالي أيضا ما يشعر الى ذلك حيث قال: في عداد ما
عده من مذهب الإمامية ما هو لفظه و الذين يجب عليهم التمام في الصلاة و الصوم في السفر المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم. و لكن في كتاب معاني الأخبار الذي صنفه لذكر الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في تفسير معاني الروايات لم يذكر ذلك و هذا يوهن كون التفسير المذكور في الاشتقان من الامام (ع).
ثم ان الاشتقان لما كان فيه مصطلحات عديدة باختلاف البلاد و الأمكنة صار ذلك منشأ لوقوع الاختلاف في تفسيره فقال بعضهم انه أمير البيادر و بعضهم انه البريد كما في رواية الصدوق و الى غير ذلك. ثم ان هنا اشكالا لا بأس بالإشارة اليه و هو ان المستفاد من رواية الخصال خمسة يتمون في سفر أو حضر لكون السفر مهنة و عملا لهؤلاء. و الإرفاق الذي ثابت للمسافر من القصر غير ثابت في حقهم إذ بعد كون السفر عادة لهم لا يكون فيه تعب و مشقة. و لا يخفى ان الحكم المزبور من الإتمام في غير الملاح انما يثبت لهؤلاء المذكورين في الرواية سواء تحقق موضوع السفر في حقهم و هو المسافة الشرعية أم لا الا ان الملاح حيث لم يكن له وطن أصلا أو انه في بيت يتردد معه دائما فلا يتحقق معه السفر الشرعي لما عرفت ان السفر هو تغرب الإنسان عن موطنه و هو منتف في حقه فإذا فمن اين صار السفر مهنة و عملا للملاح. و يمكن ان يجاب عنه أولا بأن عد الملاح في سياق الأربعة المذكورة انما هو من باب التغليب و ان لم يصدق في حقه انه المسافر. و ثانيا ليس جميع الملاحين كذلك. إذ من الملاحين من له موطن خارج السفينة في أحد البلاد و له دار و أهل يعيشون فيه فإذا خرج عن بلده و موطنه للاشتغال بعمله و مهنته يصدق حينئذ في حقه انه مسافر فيرتفع الاشكال على هذا الفرض ثم ان البدوي الذي يعيش في فلاة من الأرض و يطلب مواضع القطر و منبت الشجر ليس عدم تقصيره من أجل كون السفر عملا له.
بل ان بيته و منزله معه فليس له مقر معلوم ليتخذه وطنا لنفسه. و هذا وضع أهل البادية الذي عليه عزمهم ما عاشوا في الدنيا. فلا يتصور السفر في حقهم و انما سفرهم فيما إذا فارقوا عن منازلهم و يتباعدوا عنها لزيارة أو حج مثلا. و هنا قسم آخر من البدوي له وطن يستقر فيه فصل الشتاء مثلا. ثم يخرج منه في بقية
أيام السنة ليطلب مواضع القطر و الكلاء فيصدق عليه انه مسافر و ان سفره عمل له. فالملاح الذي له موطن خارج السفينة ان خرج عن موطنه و بلده للاشتغال بعمله يكون نظيره.
إذا عرفت هذا فاعلم انه إذا اخترنا عدم خصوصية لتلك العناوين الواقعة في الروايات كالمكاري و الكرى و الاشتقان و غيرها خلافا لبعض فقهائنا من القدماء حيث اقتصروا في الحكم بالإتمام على صدق تلك العناوين المنصوصة فالقدر الجامع حينئذ هو كون السفر عملا و مهنة له. و الضمير في قوله عليه السلام لانه عملهم يرجع الى السفر. و من المعلوم ايضا ان المراد من السفر هو السفر الشرعي أعني كونه ثمانية فراسخ فيدور الحكم مدار كون هذا السفر عملا و مهنة للشخص سواء صدق عليه أحد العناوين المذكورة أم لا. و اما رجوع الضمير الى السير فغير صحيح جدا. فالتاجر الذي يدور في تجارته في الشوارع و الأزقة من بلده يصدق عليه انه يدور في تجارته الا ان ذلك غير مراد قطعا فلا بد ان يراد من الضمير هو السفر.
كما هو مذكور في صدر الرواية كما ان رجوع الضمير الى كل واحد من مبادي العناوين المذكورة أيضا غير مقصود جدا إذ من الظاهر كون المكاراة مثلا بما هي هي مما لا يقضى الإتمام بل الذي يقتضي الإتمام اشتمالها على السفر مكررا حتى يعد السفر عملا و عادة له. فلا يكون السفر بالنسبة إليه تعبا و مشقة كما هو كذلك في غير المكاري ايضا فبمناسبة الحكم و الموضوع يعلم ان ما هو صار سببا للإتمام في حق هؤلاء انما هو كون السفر صادرا عنهم مكررا و صيرورته عادة لهم من غير مدخلية للحرف المذكورة في الروايات في وجوب الإتمام. ثم انك إذا عرفت ان مرجع الضمير في الرواية هو السفر فهل المراد منه هو الأعم من السفر العرفي و الشرعي أو المراد منه هو السفر الشرعي أعني ثمانية فراسخ و لو تلفيقا الصحيح هو الثاني ضرورة ان المنساق من النصوص و الفتاوى هو الإتمام على من كان السفر عملا و مهنة له في صورة بلوغ سفره حد المسافة الشرعية الذي لولا العملية لكان موجبا للقصر.
فمن كان عنده بعض الدواب و استعملها في الاحتطاب و غيره من مسافة فرسخ أو فرسخين لا يجب عليه حكم التمام و يكون خارجا عن موضوع الأدلة و ان فرضنا صدق المكاري مثلا عليه عرفا هذا بالنظر الى الأصول و القواعد. و اما
الروايات فهي تشهد على ما ذكرنا مثل ما رواه إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الأيام أ عليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: نعم (1)و روايته الأخرى عنه عليه السلام ايضا قال:
سالته عن المكارين الذين يكرون الدواب و قلت: يختلفون كل أيام كلما جائهم شيء اختلفوا. فقال: عليهم التقصير إذا سافروا (2). فان الظاهر من الروايتين ان المراد من الاختلاف فيهما هو التردد الى ما دون المسافة الشرعية و من البعيد حملهما على ان المفروض وجوب القصر بعد إقامة عشرة فصاعدا.
ثم المراد من قوله عليه السلام لانه عملهم حيث علل وجوب الإتمام على المكاري و الكرى و الراعي و الاشتقان هو اشتغالهم و عملهم بالفعل و لا يكفى مجرد التسمية. فمن يطلق عليه اسم المكاري و كانت له دواب يستعملها في عمل المكاراة و ايضا له خدمة و غلمان يختلفون في تلك العملية من دون ان يلازمهم هو بنفسه و لا يخرج معهم في سفرهم فلو اتفق انه سافر معهم للحج أو للزيارة يجب عليه عندئذ القصر و ان كان يطلق عليه اسم المكاري في العرف كما تدل على ما ذكرنا رواية محمد بن جزك السابقة عن ابى الحسن الثالث عليه السلام قال: كتبت الى ابى الحسن الثالث عليه السلام ان لي جمالا و ان لي قوام عليها و لست اخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب علىّ إذا أنا خرجت معهم ان اعمل أ يجب علىّ التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام. فوقع عليه السلام إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كل سفر الا الى مكة فعليك تقصير و إفطار (3)كما ان من لم يصدق في حقه اسم المكاري أو غيره من العناوين المنصوصة كمن له مزرعة فيسافر كل يوم أو أكثر الأيام إلى بلد ليبيع أجناسه من الخضروات و الفواكه و الحبوب و كان سفره بالغا حد المسافة الشرعية فيجب عليه الإتمام و ان لم يصدق عليه عنوان المكاري أو غيره من العناوين المنصوصة.
ورد في جملة من الروايات ان المكاري إذا جدّ به السير يقصر. فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: المكاري و الجمال إذا جدّ بهما السير فليقصرا (1)و منها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكارين الذين يختلفون. فقال: إذا جدّوا السير فليقصروا (2)و منها مرسلة عمران بن محمد الأشعري عن بعض أصحابنا يرفعه الى ابى عبد الله عليه السلام قال: الجمال و المكاري إذا جدّ بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين و يتما في المنزل (3)و منها ما رواه الكليني مرسلا قال: و في رواية أخرى المكاري إذا جدّ به السير فليقصر. قال: و معنى جدّ به السير جعل المنزلين منزلا (4)و منها ما رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سالته عن المكارين الذين يختلفون الى النيل هل عليهم إتمام الصلاة قال: إذا كان مختلفهم فليصوموا و ليتموا الصلاة الا ان جدّ بهم السير فليفطروا فليقصروا (5)و عن الشهيد في الذكرى حملها على ما إذا أنشأ المكاري و الجمال سفرا غير صنعتهما. أو على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة و يكون جدّ به السير عبارة عن قصد المسافة.
انتهى كلامه.
قلت: المراد من جدّ به السير هو سرعة السير الخارج عن السير المعتاد للمكارين بحيث يوجب المشقة و العنف فحكم الشارع من أجل ذلك بالتقصير.
و ما ذكره الكليني من التقصير في صورة جعل المنزلين منزلا فهو من باب ذكر المصداق و الا فلا خصوصية لما ذكره و المعنى الذي ذكرنا مما لا ريب فيه الا انه خلاف مذهب المشهور. و توهم ان تلك الروايات بناء على ما ذهبنا اليه من المعنى تكون مما اعرض المشهور عنها فاسد جدا. فان عدم ذهابهم الى ما ذكرنا ليس من باب اعراضهم عن تلك الأخبار المستفيضة التي بعضها من الاخبار الصحيحة سندا بل المنشأ لذلك هو الاختلاف في فهم المراد منها. و كونهم في
مقام التوجيه يشهد على عدم طرحهم إياها و كون تلك الاخبار موردا لعنايتهم فتصدوا لبيان ما هو المراد منها من الاحتمالات الواقعة فيها.
يشترط في المكاري و شبهه ان لا يكون سفره المتلبس به بالفعل مسبوقا بإقامة العشرة. و قال المحقق ضابطه ان لا يقيم في بلده عشرة أيام. و مستند المسألة روايات منها ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن أبي إسحاق إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سالته عن حد المكاري الذي يصوم و يتم قال أيما مكار أقام في منزله أو البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام و التمام ابدا. و ان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة فعليه التقصير و الإفطار (1)و منها ما رواه بإسناده عن سعد عن إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال: المكاري ان لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم بالليل و عليه صوم شهر رمضان. فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام و أكثر قصر في سفره و أفطر (2)لا يقال: ان الرواية متضمنة لحكم لم يقل به أحد و هو التفصيل بين صلاة الليل و النهار إذا أقام خمسة أيام أو أقل حيث حكم بالتقصير في النهار و الإتمام في الليل الا الشيخ في بعض كتبه (3)
1) ب 12/ 1 الوسائل
2) ب 12/ 6 الوسائل
3) قال قدس سره: في النهاية و لا يجوز التقصير للمكاري و الملاح و الراعي و البدوي إذا طلب القطر و النبت و الذي يدور في جبايته و الذي يدور في امارته و من يدور في التجارة من سوق الى سوق و من كان سفره أكثر من حضره فهؤلاء كلهم لا يجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيام. فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام وجب عليهم التقصير. و ان كان مقامهم في بلدهم خمسة أيام قصروا بالنهار و تمموا الصلاة بالنيل. الجوامع الفقهية ص 251.
و هذا يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار فإنه يقال: عدم عمل الأصحاب ببعض الرواية لا يوجب سقوط بعضها الأخر عن الاعتبار الذي عملوا به كما نبهنا على ذلك في أمثال المقام. و هنا رواية ثالثة رواها الصدوق بسند صحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر قصر في سفره و أفطر (1). ثم ان مورد الاستشهاد في الرواية هو قوله (ع) فان كان له مقام. إلخ فإنه يستفاد من هذه الفقرة ان الحكم بالإتمام يرتفع بإقامة عشرة أيام الثابت له بعنوان كونه مكاريا فيجب القصر فهل ان ثبوت القصر عندئذ من باب الخروج الموضوعي لكون الإقامة المذكورة قاطعة للسفر و بعد ارتفاع السفر عن المكاري يصير هو كسائر الناس من وجوب القصر عليهم فحينئذ فالحكم بالتمام ثانيا يتوقف على تحقق موضوعه فلو قلنا انه يحتاج إلى كثرة السفر و الكثرة تحصل بالثلاث فلا بد من الإتمام في سفره الثالث كما في كثير الشك في الصلاة حيث يتحقق موضوعه بالدفعة الثالثة و ان يصدق اسم المكاري عليه حتى في السفر الأول لكون الاعتناء بكثرة السفر لا المكاراة و تتفرع على ذلك نية الإقامة عشرة أيام في غير بلده و اما بلده فالقاطع فيه نفس إقامة عشرة أيام من دون اعتبار النية لكونها قاطعة مطلقا و عن العلامة ان السفر للمكاري مثبت للإتمام و الإقامة عشرة أيام نافية له و قاس ذلك بالطهر و الحيض. و التحقيق مع انه قياس باطل ان الإقامة ليست رافعة لحكم الإتمام من أجل كونها قاطعة. بداهة على هذا الفرض لا حاجة الى إقامة عشرة أيام فإن المرور الى الوطن قاطع مطلقا. و قد قلنا سابقا ان عنوان المكاري و شبهه إنما أخذ قيدا للحكم دون الموضوع فمع تحقق الإقامة يرتفع حكم الإتمام و المتيقن من ذلك هو السفر الأول فلا بد فيه من التقصير و هذا حكم تعبدي من الشرع و عليه الإجماع. و اما في السفر الثاني فهل المرجع هو عموم ما دل على وجوب الإتمام مثل قوله عليه السلام أربعة يجب عليهم التمام و قد عد منهم المكاري فيدل
1) ب 12/ 5
ان حكمه هو الإتمام و خرج عن عموم هذه الكلية السفر الأول و بقي الباقي تحت العموم. أو ان المرجع هو استصحاب حكم المخصص أو العمومات الأولية المثبتة للحكم على المكلفين مع قطع النظر عن العوارض و الطواري من سفر و غيره وجوه. ثم ان الحكم الثابت للمكاري من الإتمام في صورة و القصر في صورة أخرى ليس من أجل خصوصية ثابتة له. بل الحكم ثابت لأمر جامع فكما ان ترتب الحكم من الإتمام على الأربعة أو أزيد لأمر جامع بينها و ليس من أجل خصوصية ثابتة لتلك العناوين الخاصة بل الحكم المزبور ثابت لما هو الجامع بينها كعملية السفر فهكذا في المقام. فالموضوع هو أمر كلي جامع. و قد رتب الشارع عليه حكمين مختلفين على التقديرين. فعلى تقدير عدم الإقامة فعليه التمام و على تقدير الإقامة فيجب القصر فعلى هذا ليس بين المكاري و شبهه في صورة الإقامة فرق و هذا بخلاف ما إذا قلنا ان القصر ثابت لخصوص المكاري بما هو مكاري فحينئذ لا يتعدى منه الى غيره و يدور الحكم مدار صدق موضوعه و هو المكاري. فإن قلنا ان المراد من المكاري ما هو بمعناه اللغوي فيعم الحكم حينئذ للجمال و الملاح بل البريد. و ان قلنا ان المراد منه معناه العرفي فلا بد حينئذ من الاقتصار على المعنى العرفي. و هذا نظير ما إذا قال المولى أكرم زيدا و علمنا ان وجوب إكرامه ليس بما هو زيد. بل الحكم ثابت له بما هو عالم فيكون ما هو الموضوع حينئذ هو العالم. و هذا مما لا اشكال فيه. و انما الإشكال في بعض المصاديق كالبدوي الذي بيته معه و الملاح فإنه في بيت يتردد حيث يشاء فلا يتصور السفر في حقهما.
و انما سفرهما ان يفارقا عن منازلهما من أجل الزيارة و الحج و توقفهما عشرة أيام أو أزيد كشهر ربما كان امرا متعارفا لأمثالهما و لا يخرجهما ذلك عن صدق اسمهما عليهما كما هو واضح. ثم لا بد من التعرض للتفصيل بين صلاة الليل و النهار إذا أقام خمسة أيام أو أقل حيث حكم بالتقصير في النهار و الإتمام في الليل و هذا التفصيل مما لم يذهب إليه الأصحاب إلا الشيخ كما عرفت. و في الرواية إشكال آخر و هو ان قوله عليه السلام أو (قل) يشمل اليوم و اليومين و من الواضح انه لا يجب القصر إذا سافر بعد ذلك و الحال ان مقتضى الرواية هو القصر. و التحقيق ان المراد من التقصير بالنهار هو سقوط النوافل النهارية
و من الإتمام ليلا هو ثبوت النوافل الليلية و إطلاق صلاة الليل على نوافله مما هو مصطلح في الروايات. نعم لو كان المذكور في الرواية هو لفظ الفريضة لم يكن للاحتمال المذكور مجال إذ الفريضة في مصطلح الاخبار لا تطلق على النوافل كاليومية فحينئذ يرتفع الاشكال من دون ان نحتاج الى طرح الفقرة المذكورة و يكون المراد من تقصير الصلاة بالنهار سقوط النوافل النهارية و من (أتم صلاة الليل) ثبوت نوافله كما يساعده الاعتبار أيضا. فإن المسافر يتخلص في الليل من مشقة السفر نوعا فلا يصعب عليه إتيان النوافل الليلية بخلاف النهار. و لا يخفى ان التوجيه المذكور في الرواية و ان كان لا يخلو من خلاف الظاهر الا انه ليس ببعيد مع سلامة الفقرة المذكورة من الاشكال.
في خروجه من البلد و عدم وصوله إليه في رجوعه الى البلد. و اعتبار حد الترخص في الحكم المزبور مما لا اشكال فيه بين الأصحاب. و انما الإشكال في تحديده. فهل الحد كل واحد من توارى الجدران و خفاء الأذان فأيهما حصل كفى في وجوب القصر كما هو الأشهر بل المشهور بين القدماء. أو لا بد من اعتبارهما معا. أو ان الشرط أحد الأمرين و كون الأخر معرفا له وجوه بل أقوال منشأ الاختلاف اختلاف الاخبار ثم لا يخفى ان المذكور في رواية محمد بن مسلم ان الشرط هو توارى المسافر من البيوت اى عدم رؤية أهلها و ما ذكره المشهور هو توارى الجدران من المسافر و بينهما تفاوت فاحش.
و على كل حال فلا بدلنا أولا من النظر الى الروايات ثم البحث عن المسألة.
فنقول: فمنها صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الرجل يريد السفر (فيخرج) متى يقصر قال: إذا توارى من البيوت. الحديث. (1)
و منها صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سالته عن التقصير قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم. و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك (2)و منها ما رواه عمرو
بن سعيد قال: كتب اليه جعفر بن محمد (أحمد) يسأله عن السفر في كم التقصير؟
فكتب عليه السلام بخطه و انا أعرفه قد كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا سافر أو خرج في سفر قصر في فرسخ. الحديث (1)و منها عن ابى سعيد الخدري قال: كان النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا سافر فرسخا قصر الصلاة (2)و لا يخفى ان فعل النبي و الوصي صلوات الله عليهما من التقصير في فرسخ ليس من أجل خصوصية للفرسخ بل الوجه فيه ان في هذا المقدار من السير يقطع الإنسان بوصوله الى حد الترخص فيجب عليه القصر من أجل تحقق هذا الشرط هذا. و اما المستفاد من الروايتين الأولتين فالظاهر منهما كون كل واحد من توارى المسافر من البيوت و خفاء الأذان سببا تاما في وجوب القصر مع ان بينهما تفاوتا فاحشا فان خفاء الأذان يتحقق قبل تواريه من البيوت بكثير سيما إذا قلنا بمقالة المشهور من ان الشرط في المقام هو توارى البيوت من المسافر دون توارى المسافر من البيوت. ثم لا يخفى ان مفهوم الشرط في كل واحد من الروايتين يدل على كون واحد من خفاء الأذان و توارى المسافر من البيوت سببا تاما فيقع التعارض بين مفهوم كل واحد منهما مع منطوق الأخر.
فإن الظاهر من الصحيحة الأولى انتفاء التقصير ما لم يتوار من البيوت سواء سمع الأذان أم لم يسمع فتتحقق المعارضة بين مفهوم هذه الصحيحة و منطوق الفقرة من صحيحة ابن سنان و غيرها مما دل على سببية خفاء الأذان للتقصير مطلقا كما ان مقتضى إطلاق الفقرة الاولى من هذه الصحيحة التي هي بمنزلة المفهوم للفقرة الثانية تدل على وجوب الإتمام لدى سماع الأذان من غير فرق بين ان يكون ذلك قبل توارى البيوت أو بعده فيعارضها بناء على تقدير خفاء البيوت قبل خفاء الصوت منطوق الصحيحة الاولى.
و قد يقال: بان مقتضى الجمع بينهما رفع اليد عن مفهوم الصحيحة الأولى بمنطوق الفقرة الثانية من الصحيحة الثانية و تخصيص الفقرة الاولى من هذه الصحيحة التي هي بمنزلة التصريح بمفهوم الفقرة الثانية منها بمنطوق الصحيحة الأولى فيكون محصل المجموع هو ما فهمه المشهور من سببية كل منهما لترتب الجزاء بشرط ان لا يسبقه الأخر.
و اعترض على هذا الجمع شيخنا الأعظم الأنصاري قدس سره بان هذا الجمع حسن لو كان المقام مقام بيان السبب للتقصير فيحمل على تعدد السبب كما في نظائره لكن المقام مقام بيان التحديد و الحمل على تعدد الحد غير مستقيم بين الأقل و الأكثر. و لعله لذا عكس المتأخرون الجمع بين الصحيحتين فاعتبروا خفاء الأمرين.
و قال المحقق الهمداني ان الذي يقتضيه التحقيق انه لا معارضة بين الصحيحة الاولى و الثانية. إذ العادة قاضية بأن توارى الشخص من البيوت فضلا من توارى جدران البلد عنه أخص من خفاء الأذان و هذه الصحيحة لا تدل على انتفاء التقصير ما لم يبلغ هذا الحد الا بالمفهوم الذي غايته الظهور فلا يصلح معارضا للصحيحة الثانية التي هي نص في إناطة الحكم وجودا و عدما بسماع الأذان و عدمه. فقضية الجمع بينهما حمل الصحيحة الأولى على ارادة بيان تحديد تقريبي ببيان الموضوع الذي يتحتم عنده التقصير من غير ان يقصد به الانتفاء عند الانتفاء على الإطلاق. فالحد الحقيقي هو بلوغه الى موضع لا يسمع فيه الأذان و اما خفاء الجدران فمهما تحقق فقد وجب حاله التقصير و لكن لا من حينه بل من حين خفاء الأذان المتحقق قبله في العادة انتهى كلامه (1)و الذي أفاده قدس سره فهو نظير ما ذكرنا من فعل النبي و الوصي صلوات الله و سلامه عليهما من التقصير في الفرسخ. فان ذكر الفرسخ في الروايتين ليس من باب الموضوعية بل الوجه فيه كما ذكرنا سابقا ان في صورة تحقق الفرسخ يحصل للمسافر اليقين بوصوله حد الترخص. فهكذا فيما نحن فيه حيث لم يكن المسافر سفره دائما وقت الأذان حتى يعلم بأنه وصل حد الترخص أم لا. فذكر الشارع علامة لذلك و هي توارى المسافر عن البيوت فإذا تحقق هذا يحصل اليقين حينئذ انه وصل الى حد الترخص بحيث لو أذنوا في البلد لم يسمع أصواتهم. فالتحديد الواقعي يحصل بخفاء الأذان و توارى المسافر من البيوت أو توارى البيوت من المسافر ذكر معرفا و علامة لذلك. و يرده ان ما افاده قدس سره يخالف لما هو الظاهر من الروايات و عبائر الأصحاب فإن الظاهر منهما كون كل واحد منهما سببا مستقلا كما يشهد بذلك كون عطف أحدهما إلى الأخر بلفظ (أو). و التحقيق: ان المسألة تتوقف على حل اشكال صعب في المقام. فلا بد لنا صرف عنان الكلام الى تحقيقه
1) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 751
فنقول: إذا قلنا ان مبدء حساب المسافة المعتبرة شرعا من الثمانية هو سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه فحينئذ إذا تجاوز المسافر عن سور البلد فقد تجاوز عن مبدء حساب المسافة فإن الفرض ان مبدء المسافة هو سور البلد فالوصول اليه هو الوصول الى مبدء المسافة. فالقول بعدم جواز القصر له ما لم يصل الى مبدء الترخص مما لا يجتمع مع هذا الفرض فلا بد ان يكون مبدء المسافة هو حد الترخص و الا فجواز القصر يتوقف على مجرد تجاوزه عن سور البلد في الخروج كما انه لا بد من القصر ما لم يصل الى سور البلد عند العود و ان تجاوز عن حد الترخص. و هنا اشكال آخر ايضا و هو امتناع جعل أمرين مختلفين معرفا و علامة لبعد خاص سواء كان الاختلاف بينهما بالعموم و الخصوص من وجه أو ان أحدهما عاما و الأخر خاصا و على كل حال فالسبب اما هما أو أحدهما بمعنى ان أيا منهما تحقق يجب القصر من دون ملاحظة تحقق الأخر هذا. و اما الجواب عما ذكرنا فيحتاج الى تمهيد مقدمة. بيان ذلك ان كل شيء أخذ موضوعا لحكم سواء كان موضوعا عرفيا أو شرعيا قد يكون له توابع تكون خارجة عن حقيقة الموضوع الا انها تكون داخلة في حكم موضوعه مثلا ان الدار اسم لما أحاطت به الجدران من العرصة و البنا و لها ايضا توابع داخلة في حكمها كمجرى الماء و حريمها و طريقها و مفتاحها فإنها و ان كانت خارجة عن حقيقة الدار الا انها داخلة في حكمها. و من هنا كانوا يصرحون في اسناد المعاملات بان زيدا مثلا باع داره لفلان بكذا مع انتقال جميع توابعها الشرعية و العرفية. و هكذا الأمر في البلد فان البلد اسم لما أحاط به السور و اما خارج السور فليس معدودا من اجزاء البلد الا ان البلد له توابع يكون حكمها حكمه. و التابع أمر عرفي لا بد من أخذه من العرف الا انه يترتب عليه حكم شرعي كما يترتب على نفس المتبوع الحكم المزبور. فإذا نقول: لو خرج المسافر من بلده و وصل الى حد يسمع صوت أذان بلده و يرى بيوته أو يرونه اهله يصدق عندئذ انه في بلده و كذا الحال عند العود من السفر و لو كان خائفا في الطريق يزول خوفه و الحكم المزبور عندهم ليس الا من جهة كون هذا المقدار من البعد تابعا للبلد فما دام لم يتجاوز عن الحد المزبور في الخروج فهو في حكم بلده
و كذا عند العود. فإذا وصل الى حد يعد من توابع البلد يطلقون حينئذ انه وصل الى البلد و بالجملة فتوابع البلد كاجزائه عند العرف. الا ان ترتب الحكم الشرعي على المسافر من الإتمام في الصورة المزبورة يحتاج الى الدليل من الشرع.
فالحكم بالإتمام فيما لم يتجاوز عن حد الترخص و كذا عند العود إذا وصل الى هذا الحد من أجل دلالة الدليل من الشرع. و لذا ترى ان محل الإقامة عشرة أيام ليس كذلك عندهم. فقد حكموا بان المسافر إذا خرج من محل الإقامة لا بد له من القصر بمجرد خروجه منه لعدم اعتبار حد الترخص فيه. نعم الحق بعضهم محل الإقامة بالوطن فاشترطوا فيه ايضا تجاوز المسافر عن الحد المزبور في القصر. و على كل حال فسريان حكم الموضوع لتوابعه العرفية تارة بالملازمة الواقعة بينه و بينها عند العرف فلا يحتاج الى التصريح بدخول تلك التوابع تحت حكم المتبوع و اخرى ليس الأمر بتلك المثابة بل في شمول حكمه لها خفاء و غموض فيحتاج الى التصريح اما من العرف كما في بعض المعاملات أو من الشارع كما في المقام. فان الوطن موضوع للإتمام و مبدء احتساب المسافة أيضا سور البلد أو آخر البيوتات و مع ذلك حكم الشارع بالإتمام ما لم يخرج من توابع البلد اعنى حد الترخص و كذا في العود الى الوطن فيتم صلاته إذا وصل حد الترخص و كذا في العود الى الوطن فيتم صلاته إذا وصل حد الترخص. و من هنا يقال ان المسافر لو خرج من وطنه فما دام لم يتجاوز عن حد الترخص كان عليه الإتمام و إذا جاز عنه يقصر ثم لو عاد في أثناء سفره الى حد الترخص لاعوجاج في الطريق فيتم ثانيا و إذا خرج بعد ذلك من حد الترخص ثانيا فيقصر ايضا و يكفي في ذلك كون الباقي بضميمة ما قطعه أولا مسافة كما هو المختار عندنا و لا يحتاج القصر الى كون الباقي مسافة كما ذهب اليه بعض الاعلام. نعم إذا دخل في أثناء الطريق وطنه فحينئذ يلزم كون الباقي مسافة بلا إشكال لأن المرور الى الوطن قاطع للسفر.
و ما ذكرنا نظير ما كان سفره في الأثناء معصية فيجب عليه حينئذ الإتمام بعد ما كان الواجب عليه أولا القصر فإذا اتصف سفره بعد ذلك بالإباحة فيقصر ثانيا من غير نظر الى كون الباقي مسافة إذا كان مجموع الطرفين مسافة كما قويناه سابقا و على كل حال فلا منافاة بين احتساب المسافة من سور البلد أو آخر البيوت و
بين عدم جواز القصر إذا لم يتجاوز عن توابع البلد. فالمعيار في القصر و التمام هو الخروج عن توابع البلد و عدمه. فما دام المسافر يسمع صوت الأذان أو يرى جدرانه لم يخرج من توابع البلد التي تعد عرفا كاجزائه مع كون مبدء المسافة المعتبرة هو سور البلد أو أخر البيوت فلا إشكال في كونه مسافرا بعد شروعه في السير في المسافة المعتبرة و ان كان ذلك قبل الوصول الى حد الترخص. نعم قبل وصوله اليه يكون بحكم المقيم شرعا. فما ذكره بعض الأكابر من ان وجوب التمام على المسافر قبل الوصول الى حد الترخص من باب التخصص و الخروج الموضوعي لا التخصيص و الخروج الحكمي مما لا وجه له مع ذهابه الى ان في صورة الشك في الوصول الى حد الترخص و وجوب القصر عليه كان المرجع عمومات وجوب القصر. و لا يخفى ما في كلامه من التناقض البين إذ بناء على عدم تحقق السفر عرفا قبل الوصول الى حد الترخص يكون مرجع الشك الى الشك في أصل تحقق السفر و يكون الشك المزبور من مصاديق الشبهات المصداقية فالتمسك بعمومات القصر حينئذ من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية و هو كما ترى. (ثم) يقع البحث في انه كيف يعقل جعل حدين مختلفين لشيء واحد و على فرض كونه معقولا هل هو على وجه التخيير أم لا بد من تحقق الحدين و الذي ينبغي ان يقال هو ان الوطن لما كان موضوعا للإتمام و كانت له توابع عرفا التي حكمها حكمه فحدها الشارع بحدين لئلا يقع الخلاف و يكون الرجوع الى أمر مضبوط معين. و حيث ان الحدين من الأمور الاعتبارية التي زمام أمرها بيد المعتبر و هو في المقام الشارع فحينئذ لا يحتاج المقام الى وجود جامع بينهما. فإن الأمور الاعتبارية لا يكون بينهما جامع مقولى كما حققناه في محله عند تصوير الجامع. و اما الجامع الاعتباري فلا مانع من اعتباره. و يكون ما نحن فيه نظير السفر. فإنه عبارة عن مطلق الضرب في الأرض عرفا فحده الشارع تارة بثمانية فراسخ و تارة ببياض يوم و اخرى بغيرهما. و التحقيق ان كل واحد من الحدين المذكورين في حد الترخص أخذ على نحو الموضوعية من غير ان يقع التنافي بينهما سواء كانت النسبة بينهما من قبيل العموم و الخصوص من وجه أو من قبيل العموم و الخصوص المطلق أو التساوي. و التنافي إنما يتصور على تقدير كونهما من
قبيل المعرف لشيء واحد فمع اختلافهما يحصل التنافي بينهما بخلاف كون كل واحد منهما مأخوذا على نحو الموضوعية كما إذا أراد المولى إكرام زيد و كان ما هو الملاك و المناط في إكرامه جهتان كونه عالما و كونه هاشميا فالموضوع لإكرامه هو العنوانان فيجب ذكرهما و ان انحصر مصداقهما في زيد و بالجملة فكل واحد من العنوانين موضوع للحكم بإكرامه فهكذا المقام. فذكر الحدين من خفاء الأذان أو خفاء المسافر من البيوت كما هو المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم أو خفاء البيوت من المسافر كما في عبائر المشهور مما لا اشكال فيه. فان الحدين أخذا بنحو الموضوعية لا المعرفية فأيهما تحقق من الحدين يجب القصر من دون ملاحظة تحقق الأخر. و اما على فرض كونهما معرفين لحد خاص فيقع الكلام في انه هل يكفي أحدهما على وجه التخيير في وجوب القصر أو انه لا بد من تحقق أحدهما تعيينا أو يعتبر من اجتماعهما في وجوب القصر و الا فلا بد من الإتمام وجوه. اما كفاية أحدهما تعيينا فهو مما لا وجه له بعد كون كل واحد مرويا صحيحا و تلقى الأصحاب كل واحد منهما بالقبول. نعم بناء على ما يظهر من بعض القدماء من نقل أحد الحدين فلا اشكال فيه سواء كان ذلك لكون الحد الأخر مطروحا عنده أو لأجل عدم الظفر فيه بالرواية. فيبقى الاحتمالان الآخران. و حاصل الكلام في المقام هو ما افاده المحقق صاحب الكفاية. قال قدس سره: إذا تعدد الشرط مثل إذا خفي الأذان فقصر و إذا خفي الجدران فقصر فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بد من التصرف و رفع اليد عن الظهور اما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الأخر فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين و اما برفع اليد عن المفهوم فيهما فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شيء آخر في الجزاء بخلاف الوجه الأول فإن فيهما الدلالة على ذلك. و اما بتقييد إطلاق الشرط في كل منهما بالاخر فيكون الشرط هو خفاء الأذان و الجدران معا. فإذا خفيا وجب القصر و لا يجب عند انتقاء خفائهما و لو خفي أحدهما. و اما بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما بان يكون تعدد الشرط قرينة على ان الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان و لعل العرف يساعد على الوجه الثاني كما ان العقل ربما يعين هذا الوجه بملاحظة ان الأمور
المتعددة بما هي مختلفة لا يمكن ان يكون كل منهما مؤثرا في واحد فإنه لا بد من الربط الخاص بين العلة و المعلول و لا يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان و لذلك ايضا لا يصدر من الواحد الا الواحد فلا بد من المصير الى ان الشرط في الحقيقة واحد و هو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم و بقاء الشرط في كل منهما على حاله و ان كان بناء العرف و الأذهان العامية على تعدد الشرط و تأثير كل شرط بعنوانه الخاص فافهم.
و اما رفع اليد عن المفهوم في خصوص أحد الشرطين و بقاء الأخر على مفهومه فلا وجه لان يصار اليه الا بدليل آخر الا ان يكون ما أبقى على المفهوم أظهر فتدبر جيدا. انتهى كلامه رفع مقامه.
ان رواية عبد الله بن سنان الواردة في سماع الأذان قد رواها الشيخ في التهذيب هكذا. قال: سالته عن التقصير قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع الأذان فأتم و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع الأذان فقصر. و إذا قدمت من سفر فمثل ذلك. و في الاستبصار اقتصر بنقل الذيل فقط و زاد الكاف في لفظة (سفر) و قد نقل بعضهم كلتا الروايتين. فوقع الخلاف في أنهما روايتان أو رواية واحدة. و بناء على الوحدة أيضا هل الصادر هو ما في التهذيب أو ما في الاستبصار.
و ان ما في التهذيب هو المنقول بالمعنى و قد أضاف المفهوم في رواية التهذيب كما قيل. و الحق كونهما رواية واحدة و ان المجموع هو من ألفاظ الرواية. و قد نقل الشيخ الرواية في كتابيه بسند واحد الا ان نظره في كل واحد منهما غير ما هو في الأخر. ففي التهذيب كان نظر الشيخ تطبيق فتاوى المفيد في كتابه المقنعة على الروايات لان التهذيب هو شرح كتاب أستاذه المفيد. و اما في الاستبصار نقلها في باب كان عنوانه الرجوع عن السفر فقد ذكر فيه مورد حاجته و هو ذيل الرواية في المقام. إذ نظر الشيخ في الاستبصار ذكر ما يتعلق بالأحاديث المختلفة مفردا على طريق الاختصار و صرف العناية إلى وجه الجمع بينها. و نقل في الوسائل الرواية بتمامها من التهذيب كما هو الظاهر. و زاد فيها لفظة الكاف في كلمة (سفر) و قد
عرفت انتفائها في رواية التهذيب و انما هي مذكورة في الاستبصار. الا ان الظاهر ان اضافة الكاف في كلمة (سفر) في الوسائل من اشتباه النساخ. و يشهد لذلك ان النسخ المصححة من الوسائل فاقدة لصدر الرواية و في بعض النسخ الصدر مذكور في الحاشية دون المتن. و في (الوافي) نقل الرواية بدون الكاف كما في التهذيب الا انه ذكر في الحاشية ان الرواية مذكورة في الاستبصار أيضا كذلك و قد عرفت الاختلاف بين التهذيب و الاستبصار و ما اشتهر من ان الاستبصار قطعة من التهذيب و ان كل ما في الاستبصار موجود في التهذيب مما لا وجه له.
قال المحقق قدس سره: إذا نوى الإقامة في بلد عشرة أيام أتم. و لا يخفى على المتأمل انه جمع في عبارته المذكورة النكات المستفادة من اخبار الباب منها. ان مجرد إقامة عشرة أيام لا يكفى من الإتمام بل لا بد فيها من النية. و المراد منها ليس معناها الاصطلاحي كما هو واضح من صدور الفعل عن العزم الناشي عن اختيار المكلف. بل المراد هو مطلق العزم بالبقاء و لو بأسباب قهرية خارجة عن اختياره كما في صورة نزول الثلج و حصول برودة شديدة في الهواء أو عدم الأمن في الطريق بحيث يتيقن انه يبقى عشرة أيام. و منها: كون الإقامة المذكورة عشرة أيام كاملة. فلو عزم على إقامة عشرة أيام إلا ساعة أو أقل لم يكف ذلك في الإتمام و لا عبرة بالمسامحة العرفية و منها انه يعتبر في الإقامة المذكورة كونها في مكان واحد و قد عبر عن هذا الشرط بالإتيان بلفظة (بلد) بالتنكير. فلو عزم الإقامة في مكانين أو أكثر لا يوجب ذلك الإتمام. ثم لا يخفى ان الاخبار في المسألة مستفيضة لو لم تكن متواترة فمنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال قلت له:
أ رأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له ان يكون مقصرا. و متى ينبغي ان يتم فقال: إذا دخلت أرضا فأيقنت ان لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة. و ان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين ان يمضي شهر فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة و ان أردت أن
تخرج من ساعتك. (1)و منها صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة فإن تركه رجل جاهلا فليس عليه اعادة (2)و منها صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: إذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيام فأتم الصلاة حين تقدم. و ان أردت المقام دون العشرة فقصر. و ان أقمت تقول: غدا أخرج أو بعد غد و لم تجمع على عشرة فقصر ما بينك و بين شهر.
فإذا تم الشهر فأتم الصلاة. قال: قلت: إذا دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان و لست أريد ان أقيم عشرا. قال: قصر و أفطر. قلت: فان مكثت كذلك أقول:
غدا أو بعد غد فأفطر الشهر و اقصر؟ قال: نعم هذا (هما) واحد. فإذا قصرت أفطرت. و إذا أفطرت قصرت (3)و منها صحيحة على بن جعفر عن ابى الحسن عليه السلام. قال: سالته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان عليه صوم؟ قال: لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام و إذا أجمع على مقام عشرة أيام صام و أتم الصلاة. قال و سالته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان و هو مسافر يقضي إذا أقام في المكان؟ قال: لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام (4)و لا يعارضها من الاخبار الا ما قد يتوهم من رواية أبي أيوب قال سال محمد بن مسلم أبا عبد الله عليه السلام و انا اسمع عن المسافران حدث نفسه بإقامة عشرة أيام قال: فليتم الصلاة. فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم و ان كان اقام يوما أو صلاة واحدة.
فقال له محمد بن مسلم: بلغني انك قلت: خمسا. فقال: قد قلت ذلك. قال أبو أيوب: فقلت انا جعلت فداك يكون أقل من خمسة أيام. قال: لا (5)ثم ان قوله عليه السلام قد قلت ذلك يحتمل ان يكون المراد منه الإشارة الى ان الحكم في المسألة هو ما قلته أولا من دون تعرضه إلى كفاية الخمسة في الإتمام. فالحكم في المسألة هو الإتمام إذا نوى اقامة عشرة أيام. و يؤيد هذا الاحتمال إتيان لفظة (قد) الموضوعة للتحقيق و لفظة (ذلك) الموضوعة للإشارة البعيدة. نعم المذكور
في بعض النسخ هو لفظة (ذاك) بدل (ذلك) الا ان المذكور في أكثرها هو لفظة (ذلك). و هنا احتمال آخر في الرواية و هو ان المراد من قوله عليه السلام (قد قلت ذلك) في جواب الراوي تصديق ما بلغ اليه من كفاية الخمسة في الإتمام و الإشارة إلى انه قال ذلك من أجل التقية. فإن ذلك مذهب بعض العامة كما ذهب إليه الشافعي و قال: ان نوى مقام أربعة سوى بيوم دخوله و خروجه أتم (1)ب 15/ 12
(2)و لا يخفى انه إذا انضم يوم الدخول الى يوم الخروج يكون المجموع خمسة. و لو أبيت عما ذكرنا فنقول حينئذ ان خبر أبي أيوب في كفاية خمسة أيام مما أعرض الأصحاب عنه. فلا يصلح للمعارضة مع اخبار الباب. و بناء على المعارضة لا بد لنا من اعمال المرجحات و من الواضح ان من المرجحات كون الحكم في المسألة مخالفا للعامة فيحمل الخبر على التقية. و حمل الشيخ حكم الخمسة على من كان بمكة أو المدينة. و استشهد على ذلك في التهذيب بما رواه عن ابن محبوب عن على بن السندي عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم قال: سالته عن المسافر يقدم الأرض فقال: ان حدثته نفسه ان يقيم عشرا فليتم و ان قال: اليوم أخرج أو غدا اخرج و لا يدرى فليقصر ما بينه و بين شهر. فان مضى شهر فليتم. و لا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة و المدينة. و ان أقام بمكة و المدينة خمسا فليتم (3)و هذا الاحتمال الذي ذكره الشيخ قريب جدا سيما بعد كون السائل في الروايتين هو محمد بن مسلم و عدم اختلاف بينهما من حيث الصدر الا اختلافا يسيرا غير مخل بالمقصود. و على كل حال فقد ظهر مما ذكرنا عدم معارضة الخبر المزبور مع تلك الأخبار الكثيرة المستفيضة لو لم نقل بتواترها الدالة على وجوب الإتمام إذا نوى المسافر إقامة عشرة أيام و لا يكون في أقل من ذلك- ثم ان وجوب الإتمام للمقيم عشرة أيام اما من أجل خروجه عن موضوع المسافر حقيقة كما هو الحال في الحاضر أو من أجل خروجه عن موضوعه تنزيلا لا حقيقة. فالشارع نزل المقيم
عشرة أيام منزلة الحاضر مع كونه مسافرا حقيقة و اما من أجل خروجه عن موضوعه بنحو التخصيص الفردي كأنه قال: المسافر غير المقيم عشرة أيام يجب عليه التقصير نظير ان يقال أكرم العلماء غير الفساق بان يكون مرجعه الى وجوب إكرام العلماء العدول و حرمة إكرام العلماء الفساق و في جميع هذه الأقسام الثلاثة يكون مقيم العشرة خارجا عن موضوع المسافر لا عن حكمه. الا ان القسم الأول منها غير متصور إذ المقيم عشرة أيام ليس خارجا عن موضوع المسافر حقيقة بخلاف القسمين الأخيرين فإنهما محتملان في المقام. و هنا قسم آخر و هو كونه خارجا عن حكم المسافر لا عن موضوعه. فمقيم العشرة مسافر حقيقة الا ان الشارع أخرجه عن حكم المسافر و هو التقصير. إذا عرفت هذا فاعلم: انه تختلف الثمرة باختلاف الأقسام المذكورة و إليك بعض الأمثلة فمنها انه لو سافر إلى أربعة فراسخ بقصد الرجوع ثم صادف انه عزم على إقامة عشرة أيام و بعد العشرة رجع الى وطنه فبناء على الخروج الموضوعي لا يقصر عند رجوعه لعدم تحقق المسافة المعتبرة في الرجوع. و اما بناء على الخروج الحكمي فيقصر لانه مسافر على كل حال. و انما حكم الشارع عليه بوجوب الإتمام ما دام انه مقيم. و بعد انضمام أربعة فراسخ راجعا إلى أربعة فراسخ ذاهبا يكون المجموع ثمانية فراسخ فيجب القصر. و منها- بناء على الخروج الموضوعي يجب اعتبار حد الترخص إذا أراد الرجوع من بلد الإقامة إذا فرضنا كون سفره من بلد الإقامة إلى المقصد ثمانية فراسخ. و اما على الحكمي فلحاظ حد الترخص فليس بلازم إذا قلنا بعدم شمول الدليل في اعتباره بالنسبة إلى الخروج الحكمي. فلا بد لنا من تحقيق ما هو المناط في المقام من الخروج الموضوعي أو الحكمي من الرجوع الى الروايات و العمل على طبقها. فنقول: فمنها صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال:
من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير. فإذا زار البيت أتم الصلاة و عليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر. و من الواضح ان ذكر مكة في الرواية من باب المثال. و يستفاد من الرواية ان المقيم عشرة أيام يجب عليه الإتمام في الصلاة من أجل كونه بمنزلة أهل مكة. فالرواية دالة بالصراحة على الخروج
الموضوعي. و ان مقيم العشرة انما يجب عليه الإتمام من جهة كونه خارجا عن موضوع المسافر و يترتب حينئذ على مقيم العشرة جميع ما من الأحكام و الآثار لأهل مكة مضافا الى تفريع الامام عليه السلام على التنزيل المذكور أحكاما ثلاثة بلفظة (فا) يشهد على الخروج الموضوعي. فالأول تفريعه عليه السلام على التنزيل المذكور بأنه إذا خرج من مكة إلى منى وجب عليه التقصير. و ذلك انه إذا خرج للوقوف في العرفات ثم إلى منى يبلغ سفره حينئذ حد المسافة أي بريدين فيحب عليه التقصير. الثاني انه إذا زار البيت أتم الصلاة. و الوجه فيه كون المقيم عشرة أيام بمنزلة أهل مكة. فأهل مكة يتمون الصلاة لأن مكة بلدهم و مقيم العشرة أيضا يتم لانه بمنزلتهم. الثالث عليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر. و ذلك ان المسافة من مكة إلى منى أقل من بريد فأهل مكة يتمون في منى فهكذا المقيم عشرة أيام الذي هو بمنزلتهم. و مما ذكرنا ظهر ان الاشكال على عموم التنزيل بان التنزيل في الرواية راجع الى وجوب الإتمام لمقيم العشرة في بلد الإقامة فقط من دون كونه ناظرا الى جميع الأحكام و الآثار لأهل مكة ليس في محله هذا و لكن يمكن ان يقال ان التنزيل المذكور في الرواية راجع الى وجوب الإتمام لمقيم العشرة. فإن التنزيل المذكور في الرواية انما وقع بعد الحكم بالإتمام لمقيم العشرة و ظهوره فيما ذكرنا واضح جدا. و الأخذ بالإطلاق في اللفظ انما يصح فيما لم يكن في البين ما ينصرف اليه اللفظ كما في المقام.
مع انه يلزم من الأخذ بعموم التنزيل ما هو مخالف لما هو المسلم بينهم. و هو انه لو فرضنا ان مقيم العشرة إذا سافر من بلد الإقامة ثم رجع الى البلد المذكور ثانيا من دون ان ينوي إقامة عشرة أيام يلزم حينئذ بمقتضى الأخذ بعموم التنزيل إتمام الصلاة فيه و الحال انه لا بد له من التقصير الا ان يقال ان ذلك انما خرج بالدليل. و قد يقال كما عن بعض الاعلام ان إتمام الصلاة إذا زار البيت من أجل خصوصية للمكان لأن الإتمام بمكة أحب من التقصير. و فيه ان ذلك يوجب اختصاص الحكم بمكة مع انه عليه السلام حكم بالإتمام في منى أيضا هذا. و الذي يقتضي التحقيق في المقام هو عدم العموم للتنزيل المذكور بل التنزيل
راجع الى وجوب الإتمام لمن نوى اقامة عشرة أيام في بلد. و اما الأحكام المذكورة بعد الحكم المزبور من الإتمام فأحكام مستقلة غير متفرعة على التنزيل المذكور.
اما الحكم بالإتمام في منى فإنما هو صادر عن تقية حيث ان عثمان بعد ما زار البيت و رجع الى منى أتم صلاته بمنى بعد ما صلاها بمنى ركعتين اربع سنين (1)و مما يدل ايضا على ان الحكم بالإتمام بمنى صدر عن تقية ما ورد في بعض الروايات من ان الصلاة مع الامام بمنى اربع ركعات و إذا صلاها منفردا صلى ركعتين (2)و بالجملة فلا ريب في ان الإتمام بمنى صدر عن تقية. و الا فليس الإتمام في منى من أجل كونها من الأمكنة الثابتة فيها التخيير و كون الإتمام فيها أحب من التقصير. و اما الإتمام بمكة فمن أجل ان الإتمام بمكة أحب من التقصير. و اما التقصير في خروجه إلى منى لبلوغ سفره حينئذ بريدين لانه يذهب أولا الى عرفات للوقوف فيها. ثم منها إلى منى فيجب عليه التقصير من دون ربطه الى التنزيل المذكور. و اما الإتمام إذا نوى اقامة عشرة أيام فهو من أجل دلالة الدليل على الإتمام لمقيم العشرة فهو حينئذ بمنزلة الحاضر. و قد ذكرنا ان ذكر مكة في الرواية من باب المثال. فالمستفاد من الصحيحة المذكورة هو الخروج الحكمي.
الا ان هنا تقريرا آخر. و هو ان الوطن بحسب لغة العرب و عرفهم عبارة عن مقر الإنسان و مأواه و محل سكونته فله مصداق حقيقي و هو ما اتخذه مقرا لنفسه بنحو الاستمرار و الأبد و له مصداق تنزيلي بحسب تحديد الشرع كما هو كذلك في المكان الذي نوى فيه اقامة عشرة أيام. أو المكان الذي تردد عزمه فيه حتى مضى شهر فلا بد حينئذ من الإتمام. و بالجملة فأقامه عشرة أيام تكون قاطعا
1) و عن انس كما في مسند احمد ج 1/ ص 45 ما هو لفظه: صلى رسول الله ص الصلاة بمنى ركعتين و صلاها أبو بكر بمنى ركعتين و صلاها عثمان بن عفان بمنى ركعتين اربع سنين ثم أتمها بعد
2) اخرج الشيخان و غيرهما بالإسناد عن عبد الله بن عمر (رض) قال: صلى بنا رسول الله (ص) بمنى ركعتين و أبو بكر بعده و عمر بعد ابى بكر و عثمان صدرا من خلافته (رض) ثم ان عثمان صلى بعد أربعا فكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا و إذا صلى وحده صلى ركعتين صحيح البخاري ج 2 ص 54. صحيح مسلم ج 2 ص 260 مسند احمد ج 2 ص 148 سنن البيهقي ج 2 ص 126
للسفر فلا بد في اختيار السفر بعدها على قصد المسافة الشرعية و لا يكفى فيه انضمام اللاحق بالسابق في تحقق المسافة الشرعية. بل يمكن استفادة القاطعية أيضا بناء على التخصيص الفردي و ان لم نقل بالخروج الموضوعي و لو تنزيلا و قد يستفاد ذلك من الروايات كصحيحة زرارة المروية في الكافي و التهذيب عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: أ رأيت من قدم. إلخ و قد مر ذكرها في صدر البحث. و من الواضح ان السائل كان يعلم إجمالا ان المسافر على قسمين. قسم من المسافر يجب عليه الإتمام و قسم يجب عليه التقصير. فأراد أن يبين الامام عليه السلام تفصيل ذلك و انه في أي مورد يجب عليه الإتمام و في أي مورد يجب عليه التقصير فأجاب عليه السلام عن ذلك بأنه يجب عليه الإتمام إذا تقين بإقامة العشرة و يجب عليه التقصير إذا لم يتيقن بالإقامة و تردد في عزمه حتى مضى شهر فعندئذ يجب الإتمام. ثم انا نقول في توضيح المقام ان المولى إذا قال أكرم العلماء لا الفساق فهذا يتصور على نحوين. فتارة أن الفساق خارجون عن وجوب الإكرام أي يجب إكرام العلماء الا الفساق منهم فالفساق خارجون عن حكم وجوب الإكرام و هذا خروج حكمي صرف. و اخرى ان الفساق لا يجب إكرامهم من أجل التخصيص الفردي فيكون الموضوع للإكرام العلماء العدول كما إذا قال أكرم العلماء العدول و لا تكرم العلماء الفساق و الفرق بينهما بمكان من الوضوح.
ثم ان العموم الأفرادي تارة يستتبع العموم الاحوالى و اخرى لا يستتبع ذلك. ففي الخروج الحكمي الصرف يحصل التقييد للإطلاق الاحوالى فلا يكون مخصصا للافراد فيشمل في المقام عموم الحكم بالتقصير لجميع المسافرين في جميع الحالات في أسفارهم و يحصل التقييد للإطلاق الاحوالى المذكور في بعض الحالات كما في حال إقامة عشرة أيام و بعد إقامة العشرة يكون المقيم مشمولا لعموم الحكم بالقصر. و اما الخروج الفردي فالخارج في هذا الفرض من ابتداء الأمر هو المقيم عشرة أيام و ليس هنا إطلاق أحوالي حتى يقال بعد زوال الإقامة بعشرة أيام لا بد من التمسك بعموم الحكم بالقصر.
و لو شككنا في المقام في كيفية الخروج في المقام بأنه هل هو بنحو التخصيص الفردي أو الحكمي فالاستصحاب يقتضي الإتمام بعد عدم بقاء العام في عمومه.
و إذا شككنا في بقاء العموم و عدمه يكون ما نحن فيه من مصاديق الشبهات المصداقية فلا بد من الرجوع الى الأصول و هو يقتضي الإتمام لكن التحقيق انه لا وجه للتمسك بالاستصحاب أو الاشتغال فان التمام هو مقتضى الأصل الاولى فلا بد بعد زوال الإقامة المذكورة في وجوب القصر من قصد المسافة الشرعية الجديدة. و لا نعني من القاطعية إلا هذا.
في انه يعتبر حد الترخص فيه إذا خرج منه أولا. بل يختص اعتباره بخصوص الخارج من بلده و وطنه وجهان بل قولان اقويهما الثاني. فإن غاية ما يمكن الاستدلال على الأول وجوه. الأول: ان مقتضى عموم التنزيل المستفاد من رواية زرارة المتقدمة هو مساواة المقيم عشرة أيام مع أهل البلد في جميع الأحكام و الآثار التي منها اعتبار حد الترخص في وجوب القصر عليه إذا أراد الخروج من بلد الإقامة. الثاني:
هو التمسك بإطلاق أدلة اعتبار حد الترخص. فإن إطلاق تلك الأدلة يشمل للمقيم أيضا. فإن قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم (1)و قوله عليه السلام في صحيحة حماد إذا سمع الأذان أتم المسافر (2)يشملان بإطلاقهما للمقيم ايضا. الثالث: استصحاب حكم وجوب التمام إذا خرج من بلد الإقامة إلى مسافة جديدة و أراد ان يصلى أثناء سفره قبل وصوله الى حد الترخص و شك في انه هل يجب عليه الإتمام أو التقصير فيستصحب وجوب الإتمام. و في الكل نظر. اما الوجه الأول فقد ظهر مما ذكرنا ان استفادة عموم التنزيل من الرواية بمكان من الضعف و الفتور. بل غاية ما يستفاد من التنزيل المذكور كون المقيم عشرة أيام في بلد كاهل ذلك
البلد في وجوب التمام عليه و يتوقف وجوب القصر عليه على إنشاء سفر جديد.
و اما كونه بمنزلتهم في جميع الأحكام و الآثار فلا يستفاد منه كما لا يخفى. و اما الثاني ففيه أولا ان أدلة حد الترخص منصرفة عن المقيم عشرة أيام و ثانيا ان تلك الأدلة في مقام الإثبات لأصل حد الترخص من دون نظر لها على انه في أي مورد و لأي مسافر. فلا إطلاق للأدلة الدالة على اعتباره. فلا يصح التمسك حينئذ لاعتباره في مورد مقيم العشرة من جهة الإطلاق. الا ان يستدل على اعتباره في المورد بما أسلفناه سابقا من ان فناء البلد لما كان في حكم البلد عرفا و فرضنا ان الشارع أيضا أمضاه و حدده بأمر مضبوط لكي لا يقع فيه الاختلاف.
فيثبت حينئذ في بلد الإقامة أيضا اعتبار حد الترخص. و اما إذا قلنا ان اعتبار حد الترخص أمر تعبدي شرعي صرف قد اعتبره الشارع بمقتضى أدلة دالة على اعتباره فهي حينئذ منصرفة إلى الوطن من بلد و قرية و غيرهما. فلا إطلاق لها لما نحن فيه. و اما الثالث: ففيه منع جريان الاستصحاب في المقام. فإن الإتمام انما كان ثابتا للمقيم. فإذا خرج من مكان الإقامة فقد صار غير مقيم فقد تبدل الموضوع فلا يجرى الاستصحاب. و هل يلحق بالوطن في اعتبار حد الترخص دخولا أيضا أم لا وجهان بل قولان. استدل للأول بعموم التنزيل المستفاد مما دل على ان المقيم بمكة بمنزلة أهلها فإن مقتضى ذلك مساواتهما في جميع الأحكام و الآثار التي منها وجوب التقصير في العود الى البلد ما لم يبلغوا حد الترخص. و فيه ما عرفت من منع العموم المذكور بل المنساق منه انه بمنزلة أهل مكة في وجوب الإتمام فقط. و حيث قد بسطنا الكلام فيه فلا نعود اليه. و قد يستدل ايضا على اعتباره بإطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك و إطلاق قوله عليه السلام في صحيحة حماد إذا سمع الأذان أتم المسافر. و لا يخفى ما في الاستدلال المذكور من النظر. اما الصحيحة الأولى فلظهورها فيمن نزل منزله و وطنه فلا إطلاق لها حتى تشمل لمن يدخل محل إقامته عشرة أيام. و اما الصحيحة الثانية أيضا لا يمكن الأخذ بالإطلاق فيها أيضا. فإن مقتضاها وجوب الإتمام على المسافر في كل موضع يسمع فيه الأذان سواء يقدم من سفره الى وطنه أو محل الإقامة عشرة أيام أو غيرهما
و هذا مما لا يمكن الالتزام به كما لا يخفى. ثم انه قد تحصل مما ذكرنا ان الإتمام في محل الإقامة مما لا اشكال فيه و لا ريب يعتريه الا انه لا بد لنا من التكلم في مواضع من فروع المسألة حتى يتضح الحال. فنقول: اما الأول: لا يخفى ان المنساق من اقامة العشرة في النصوص و الفتاوى هو إقامة العشرة التامة كما انه لا بد من وحدة المكان في الإقامة المذكورة أيضا. و اما المسامحات العرفية فلا تجدي شيئا في المقام. فإن الذي لا بد لنا هو أخذ مفاهيم الألفاظ من العرف. و اما في تطبيقها على مصاديقها لا بد فيه من الدقة العقلية فلا يكفي في تحقق الإقامة المذكورة نقص ساعة أو ساعتين من أجل المسامحة العرفية. فالمن مثلا عند القميين يساوي أربعين سيرا و هو ستة عشر مثقالا صيرفيا. و المثقال عبارة من أربعة و عشرين حمصة. فإذا فرضنا نقصان المن المذكور بمقدار حمصة يوجب ذلك عدم صدق المن المذكور عليه تحقيقا. فلا يترتب عليه الأثر المترتب المطلوب على المن لو فرضنا ترتب حكم و اثر عليه. و بالجملة فالشارع بشارعيته ليس شانه التصرف في مفاهيم الألفاظ الدائرة بين العرف. نعم بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية فلا مانع للشارع من وضع ألفاظ خاصة لمعان خاصة كما هو كذلك بناء على ما ذكر في لفظ الصلاة و غيرها من الماهيات الشرعية التي لم يكن يعرفها العرف. فإذا أراد الشارع استعمال لفظ خاص في معنى خاص و كان له اصطلاح جديد فيه خلاف ما عليه العرف لا بد له من التنبيه و التصريح بذلك.
فان البيع في الآية الشريفة (أحل الله البيع و حرم الربا.) ليس معناه مخالفا لما هو عند العرف. الا ان الشارع له ان يجعل له أحكاما خاصة لمصاديقه فيجعل قسما منه حلالا و قسما آخر منه حراما. و هكذا الدم فليس فيه للشارع اصطلاح جديد. فمفهومه مأخوذ من العرف الا ان الشارع حكم فيه بالنجاسة. فموضوع النجاسة هو الدم في نظر العرف فإذا صدق على شيء انه دم يترتب عليه حكم النجاسة. نعم إذا فرضنا وجود اجزاء صغار منه بالدقة العقلية بعد زوال عينه و أثره في نظر العرف فهذا مما لا يقدح في مقام التطهير. فان ما هو الموضوع هو الدم في نظر العرف لا ما هو الدم في نظر العقل. نعم إذا فرضنا بقاء الدم بمقدار رأس ابرة عند العرف فهذا يوجب الحكم بالنجاسة.
الثاني: المستفاد من النصوص و فتاوى الأصحاب من اقامة العشرة كونها متوالية لياليها المتوسطة دون الليلة الأخيرة و الاولى. و يصدق في تحققها متوالية تامة حقيقة من دون نقص و مسامحة عرفية إذا حصلت الإقامة من ابتداء اليوم الأول إلى غروب اليوم العاشر. ثم المراد من اليوم في المقام هل هو يوم الصوم حتى يكون ابتدائه من أول طلوع الفجر أو يوم الأجير حتى يكون ابتدائه من أول طلوع الشمس الأقوى عندي هو الثاني و ان كان الأول هو الأحوط. و على كل حال فلا يجزى الناقص. و بالجملة فالعشرة بما هي هي مأخوذة في المقام. و بعبارة أخرى فالعشرة بما أنها مرتبة خاصة من العدد اعتبرت في موضوع المسألة.
لا بما انها مراتب متعددة حاصلة من عدد آحادها حتى يبلغ عدد تلك المراتب هذا المقدار. و لا بما أنها مركبة من مرتبة و مرتبة من العدد كخمسة و خمسة حتى يكون مجموعهما عشرة فإذا عزم بإقامة العشرة في مكان بان يقيم خمسة أيام أولا ثم يسافر يوما مثلا ثم يرجع و يقيم خمسة أيام ثانيا حتى يكون المجموع عشرة أيام لا يكفي في المقام هذا. ثم ظهر مما ذكرنا انه لا يجزى الناقص و لو بساعة لعدم الصدق حينئذ كما نبهنا عليه في الموضع الأول من فروع المسألة و قلنا انه لا بد بعد أخذ المفهوم من العرف من تطبيقه على المصاديق بالدقة العقلية فأمر المفهوم في الألفاظ راجع الى العرف و تطبيقه على مصاديقها راجع الى العقل و هو لا يقبل التسامح جدا. و هل يكتفى بتلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر كما إذا نوى الإقامة من زوال أول يوم الى زوال اليوم الحادي عشر. أم يعتبر عشرة أيام تامة كاملة من دون تكسير و تلفيق. فلا يحتسب يومي الدخول و الخروج من العدد إذ لم يكونا من أول طلوع الشمس وجهان بل قولان و اختار في المدارك الثاني لأن نصفي اليومين لا يسمى يوما فلا تتحقق إقامة العشرة تامة. و اعترض عليه شيخنا الأعظم الأنصاري بقوله: و هو و ان كان تصديقا للحقيقة الا انه تكذيب للعرف حيث يفهمون من مثل المقام ارادة المقدار كما في التحديد بالأشهر انتهى كلامه و رفع مقامه. و استحسنه المحقق الهمداني قدس سره و قال: و هو حسن كما يتضح ذلك بمراجعة العرف في باب الإجارات و الخيارات و غير ذلك من الموارد التي تقدر في العرف و الشرع بالأيام و الشهور.
و لكن الاحتياط بالجمع بين القصر و الإتمام لدى التلفيق مما لا ينبغي تركه.
انتهى كلامه. قلت: و ما ذكره من كفاية التلفيق في المقام هو الأقوى في المسألة.
روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن احمد عن الصهباني عن على بن مهزيار عن محمد بن إبراهيم الحضيني قال: استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الإتمام و التقصير. قال: إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام و أتم الصلاة. قلت انى أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة (أيام) قال: انو مقام عشرة أيام و أتم الصلاة (1). قال المحدث الجليل الفيض الكاشاني في الوافي بيان: في تمكنه من نية الإقامة في المسألة الثانية إشكال لأنه لا بد له من الخروج الى عرفات قبل مضى العشرة أيام و ما في التهذيبين من رفع الاشكال كما يأتي أشد إشكالا (2).
انتهى.
و التحقيق: ان هذه الرواية بناء على صحة سنده في مقام بيان الحكم الواقعي تحت ستر التقية. فإن التخيير في الأمكنة الأربعة و منها مكة كان امرا ثابتا عند الشيعة. و اما العامة فمن قال بالتخيير فقد قال بالتخيير في جميع الأمكنة من دون خصوصية لبعض دون بعض. بل كان الفرق بين الأمكنة في التخيير امرا مستنكرا عندهم. و اما الشيعة إذا دخلوا مكة فكثيرا ما كانوا يصلون صلاتهم قصرا بحسب ما هو المرتكز في أذهانهم من وجوب القصر في السفر. و كانوا لا يصلون معهم بل يخرجون من المسجد و كان خروجهم من المسجد حال انعقاد جماعاتهم من مستقبح الأمور عندهم و اعتذارهم بأنهم مسافرون. فلذا لا يصلون معهم الصلاة تماما مما لم يكن عذرا مقبولا عندهم فأمر الإمام عليه السلام بالإتمام في مكة بقوله (انو مقام عشرة أيام و أتم الصلاة) من أجل ما ذكر حيث كان إظهار الخصوصية للامكنة الأربعة معرضا لاستنكار العامة فحذرا لاشاعة أمر
المسألة كانوا عليهم السلام في مقام إخفاء أمرها و لا يذكرون تلك الخصوصية إلا لبعض بطائنهم من الأصحاب. فقد بين عليه السلام في الرواية الحكم الواقعي و هو الإتمام الذي هو أفضل فردي الواجب المخير في تحت ستر التقية بما هو مورد قبول أمثال السائل و هو كفاية النية الصورية في إقامة العشرة. و لا يزال كذلك حال العوام حتى اليوم. فترى انهم يقصدون بلدة (قم) للزيارة و يتمون صلاتهم فيها. و يقولون انا قصدنا العشرة مع علمهم بأن إقامتهم فيها أقل من العشرة. و يظنون ان قصد إقامة عشرة أيام و لو صوريا تخييليا كاف في وجوب الإتمام. و سنتعرض للرواية المذكورة أيضا عند البحث في ثبوت التخيير في الأمكنة الأربعة إنشاء الله فانتظر. الثالث: المنساق من النصوص و صريح فتاوى الأصحاب اعتبار وحدة المكان في العزم على الإقامة من بلدة أو قرية أو ضيعة أو مجتمع بيوت في بادية و نحوها. فلو أراد إقامة خمسة أيام مثلا في هذا البلد و خمسة في بلد آخر قريب منه كبغداد و الكاظمين مثلا لا يرتفع به حكم القصر. و لا ينافي ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة عن عبد الرحمن بن الحجاج البجليّ قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل (الرجل) يكون له الضياع بعضها قريب من بعض يخرج فيقيم فيها. يتم أو يقصر؟ قال: يتم (1)عن التهذيب و الفقيه (فيطوف) بدل فيقيم و على ان الواقع في الرواية هو كلمه (فيطوف) فالأمر أوضح. فلا دلالة فيها على ان الإتمام انما هو من أجل الإقامة. بل الأمر بالإتمام يمكن ان يكون لأمر آخر كنزوله إلى الضيعة. أو كونه حال خروجه الى ضياعه غير قاصد للمسافة الشرعية. و اما بناء على ان الواقع فيها هو كلمه (فيقيم) فلا دلالة فيها ايضا على المدعى. إذ يمكن ان يكون المراد من الإقامة إقامة اليوم و اليومين كما في رواية البزنطي قال: سالت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج الى ضيعته و يقيم اليوم و اليومين و الثلث أ يقصر أم يتم؟ قال: يتم الصلاة كلما اتى إلى ضيعة من ضياعه (2). فلا دلالة للرواية على انه لا بد من الإتمام في صورة إقامة العشرة في مجموع الضياع و بالجملة فالرواية مضطربة متنا من حيث
ان الواقع فيها كلمة (فيطوف) أو (فيقم) و على التقديرين ايضا لا تدل على خلاف ما عليه النصوص و فتاوى الأصحاب كما عرفت
الى بعض حدود ما يتعلق بالبلد من الأمكنة من بساتينه و مزارعه و مقابره و نحوها من الأمكنة التي يتعارف وصول أهل البلد إليها من حيث انهم أهل ذلك البلد. أو انه لم يقدح ذلك في الإقامة. بل إذا لم يكن خروجه الى حد الترخص بل الى ما دون المسافة. و المسألة تحتاج الى بسط في المقام فنقول: قد اختلفت كلماتهم في المقام. و المحكي عن الفاضل التوني كون الاعتبار بسور البلد. فان البلد اسم لمجتمع دوره و ما أحاط سورة. فلا يجوز الخروج عن خطة سور البلد.
و عن جماعة كون ذلك موكولا الى العرف. و قال المحقق الأردبيلي في محكي شرح الإرشاد ما لفظه. و هل يشترط في نية الإقامة ان يكون في بلد بحيث لا يخرج الى محل الترخص. أو يكفي عدم السفر إلى مسافة أو يحال الى العرف بحيث قال مقيم في هذه البلدة. فلا يضر السير في البساتين و الأسواق البعيدة من منزله و غير ذلك. و قد صرح الشهيد في البيان بالأول الى ان قال: الظاهر من الاخبار هو الإطلاق من غير قيد. و لو كان مثل ذلك شرطا لكان الاولى بيانه في الاخبار و الا يلزم التأخير و الإغراء بالجهل. فيمكن تنزيله على العرف بمعنى انه جعل نفسه في هذه العشرة من المقيمين في البلد بان هذا موضعه و مكانه و محله مثل اهله فلا يضر السير في الجملة إلى البساتين و التردد في البلد و حواليه ما لم يصل الى موضع بعيد بحيث يقال انه ليس من المقيمين في البلد. و كذا لو تردد كثيرا و دائما في المواضع البعيدة في الجملة. و لا يبعد عدم ضرر الخروج الى محل الترخص أحيانا لغرض من الأغراض مع كون المسكن و المنزل في موضع معين لصدق إقامة العشرة عرفا المذكورة في الروايات. انتهى. و قال الفخر: فيما حكى عنه في بعض الحواشي المنسوبة إليه من عدم البأس في خروج المقيم الى ما دون المسافة سواء كان ذلك في نيته من ابتداء الإقامة أو
عرض له في الأثناء و سواء نوى اقامة عشرة أيام مستأنفة أو لا.
انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم: أن هيهنا جهتين. الجهة الاولى هو ان الحكم الثابت للبلد من الإتمام هل يتعدى الى توابعه المتصلة عرفا أو الى حد الترخص أم لا. فإذا قلنا بان الحكم الثابت للبلد يثبت لتوابعه أيضا فحينئذ فثبوت الحكم على التوابع ليس بنحو الاستقلال. بل من أجل التبعية. فعلى هذا فلا وجه لثبوت الحكم فيما هو خارج عن التوابع العرفية. فالتوابع المتصلة العرفية ليست من البلد حقيقة. بل ثبوت الحكم لها من جهة التبعية. و اما حد الترخص فيمكن ان يقال فيه ان الحكمة في جعله هو تحديد التوابع العرفية بذلك لئلا يختلفوا في تشخيصها بل يكون لهم أمر مضبوط يرجعوا اليه و هو حد الترخص فعلى هذا لا مانع من ثبوت الحكم بالإتمام لمن خرج عن بلد الإقامة في الأثناء ما لم يبلغ ذلك حد الترخص بخلاف ما إذا قلنا ان التحديد بحد الترخص انما ثبت من الشارع تعبدا في مورد الوطن خاصه فالحكم المزبور من الإتمام في بلد الإقامة لا يتعدى الى توابعه. و قد أسمعناك ما هو الحق في المقام في هذا المعنى فلا نعيد. و صفوة القول: هو ان ملاك الاتحاد في الحكم في البلد و توابعه هو تبعيتها له- فيلزم إذا من حفظ موضوع التبعية عرفا أو شرعا. فلا يجوز حينئذ جريان الحكم المزبور فيما هو خارج عن البلد و توابعه كما هو واضح الجهة الثانية: ان يقال ان مقيم العشرة إذا خرج عنه في الأثناء إذا كانت مدة الإقامة قليلة جدا يجب عليه الإتمام لصدق الإقامة عرفا. و قد اتخذ مقيم العشرة ذلك البلد في هذه الصورة منزله و مستقره و محط رحله و موضع نومه.
و شاع في المحاورات العرفية قولهم أقمنا في سفرنا كذا في منزل كذا أو في البلد الفلاني خمسة أيام أو عشرة أيام أو شهرا و يريدون منه ما ذكرنا من كونه منزلا و مستقرا لهم. و من ذلك ترى ان جماعة من الفقهاء قد أفتوا بوجوب الإتمام فيما كان خروجه الى ما دون المسافة أو ما دون حد الترخص في مدة يسيرة لقضاء حوائجه ثم العود الى محل إقامته ثانيا و ذلك لصدق الإقامة العرفية عشرة أيام في هذا الفرض. و بهذا التقرير ظهر انه لا ربط بين الجهتين في ما هو مناط الحكم من الإتمام إذ المناط في الجهة الاولى في الخروج الى بعض حدود البلد هو صدق
التبعية عليها لبلد الإقامة. و لازم ذلك هو ملاحظة موضوع التبعية. و في الجهة الثانية ان المناط هو صدق الإقامة العرفية. و قد وقع الخلط بينهما في كلام بعض الاعلام فلا تغفل.
ثم انهم اختلفوا في المقدار اليسير من الزمان الذي لا يضر بالإقامة العرفية على أقوال. فمنها عدم القادحية بالإقامة المذكورة إذا كان من نيته الخروج في تمام النهار و الرجوع الى محل إقامته قبل الليل. و منها: عدم القدح في الإقامة إذا كان من نيته الخروج في تمام النهار و مقدار من الليل إذا كان نومه في محل الإقامة. و منها: تقديره بنصف اليوم. و منها تقديره بساعة أو ساعتين. و بالجملة:
فالمناط في الجهة الثانية هو صدق الإقامة العرفية و ان كان من نيته الخروج الى ما دون المسافة مع الرجوع ليومه أو ليلته. بل قد لا يكون الخروج إلى المسافة أيضا مضرا بالإقامة في هذه الأعصار بالوسائل الحديثة كالسيارات و الطائرات و السكك الحديدية في مدة قليلة. و يشهد بذلك حال الإقامة في البلاد المستحدثة في هذه الأعصار في وسط البحار التي تعارف نقل أطعمتها و أمتعتها من البر الذي بينه و بينها مسافة بالمراكب الدخانية في مقدار قليل من الزمان بحيث صار البر بواسطة هذه الأسباب بمنزلة السوق لها. فان من سافر الى بعض تلك البلاد فما لم يرتحل منه يقال له عرفا انه أقام بذلك البلد في هذه المدة. و ان جرت عادته بان يخرج منه كل يوم الى البر و يشترى طعامه و شرابه. إذا عرفت هذا فاعلم: أن للإقامة استعمالات و إطلاقات. الأول: انه يقال اقام زيد في بلد كذا اى جعل هذا البلد مركزا لنفسه و موضع رحله و إقامته و استراحته كالدراويش الذين جعلوا بلدا مركزا لأنفسهم و وضعوا فيه رحالهم ثم يسافرون منه كل يوم الى القرى القريبة و البعيدة إلى دون المسافة بل أزيد ثم يجيئون الليل مركزهم للنوم و الاستراحة. و مثلهم من أهل الحرف و التجارات من كان محل عمله بلد آخر فيخرج هو كل يوم من بلده الى محل عمله و يرجع ليلا بلده الذي هو مركزه و محل نومه و استراحته فإذا سئل عنه عن موضع إقامته يقول انا مقيم البلد الفلاني و يريد ذلك البلد الذي هو مركزه و موضع رحله و محل نومه (1)الثاني: المراد منها هو التوطن. يقال اقام زيد في بلد
1) الظاهر ان من كان كذلك لا يصدق عليه عرفا ما دام في محل عمله انه مسافر فيتم صلاته فيه- س. ا. م
كذا اى توطن فيه. الثالث: المراد منها العزم بإقامة العشرة في مكان و ان خرج في الأثناء إلى المسافة بل أزيد في مدة قليلة ثم يرجع الى محل إقامته. و لا يخفى ان إطلاق الإقامة عشرة أيام في هذا الفرض ليس إطلاقا حقيقيا بل انما هو بالمسامحة العرفية. و قد مر منا مرارا عدم الاعتبار بالمسامحات العرفية في ترتب الأحكام على موضوعاتها كما يشهد على ذلك عدم التزامهم بتلك المسامحات في موارد الآثار المهمة فإنهم لا يلتزمون بترتبها على موضوعاتها بتلك المسامحات فلا بد في تطبيق تلك الآثار على موضوعاتها من الدقة العقلية. فإذا وقف أحد لمقيمي بلدة من الفقهاء ثمرة بستان به يشمل هذا الوقف المواطنين منهم في البلد و من جعل ذلك البلد مركزا لنفسه و موضع رحله و محل نومه و استراحته و ان كان عمله في بلد آخر. و اما من عزم بإقامة العشرة في ذلك البلد و خرج الى ما دون المسافة بل أزيد في مدة قليلة ثم يرجع الى محل إقامته فلا يشمل له. فان القسم الأول و الثاني صدق الإقامة فيهما صدق حقيقي من غير تطرق التسامح العرفي في هذا الصدق بخلاف القسم الثالث فإن إطلاق الإقامة عشرة أيام في هذا القسم ليس على النحو الحقيقة بل هو بالتسامح العرفي (1). و قد وقع الخلط و الاشتباه فيما بينهم بين الأقسام الثلاثة و تخيلوا ان مورد البحث كالموردين الأولين. مع ان المراد من الإقامة في المورد هو الإقامة الفعلية. و لازمه عدم جواز خروجه في أثناء الإقامة. و مما يشهد على تسامحهم هو أخذ قلة الزمان مصححا في صدق الإقامة العرفية. و مقتضى ذلك لو خرج المقيم عن بلد الإقامة في مورد البحث و سافر لقضاء بعض حوائجه مقدار خمسين فرسخا ثم رجع الى بلد الإقامة و ذلك في مدة ساعة وجوب الإتمام في حقه لعدم كون الخروج كذلك مضرا. لصدق الإقامة العرفية الا انه كيف يتجرء الفقيه على الإفتاء بالإتمام في الفرض المزبور. و هذا يشهد بان صدق الإقامة عرفا انما هو من باب المسامحة
1) بل و ان كان عازما على إقامة العشرة و عدم خروجه عنه فإنه لا يكون المورد مشمولا للوقف لانصراف الوقف المذكور عن المورد كما لا يخفى. س. ا. م
و الحال انه لا عبرة بالمسامحات العرفية في أمثال المقام كما مر مرارا. و يدل على ما ذكرنا من كون المراد من الإقامة في المقام هو الإقامة الفعلية نفس اخبار الباب كصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام حيث حكم الامام عليه السلام بالإتمام فيمن أيقن بإقامة العشرة أيام بقوله (و ان لم تدر ما مقامك فيها تقول غدا أخرج أو بعد غد اخرج فقصر) فبقرينة وقوع الخروج في الرواية مقابل المقام يعلم ان المراد من الخروج هو الخروج الفعلي. و لازم ذلك عدم جواز الخروج الى ما دون المسافة و ان كان ذلك في زمان يسير جدا لمنافاته مع الإقامة الفعلية.
و اما جواز الخروج الى حد الترخص أو التوابع المتصلة عرفا فإنما هو من باب التوسعة في الحكم من أجل سريان حكم البلد اليه تبعا لا بالتسامح العرفي في صدق الإقامة حينئذ و الا فلا اعتبار بالتسامحات العرفية في مقام تطبيق المفاهيم على مصاديقها كما مر مرارا. و من أجل ما ذكرنا لو عزم بدوا إقامة خمسة أيام في البلد و خمسة أيام في توابعه لا يجب عليه حكم الإتمام لانتفاء التبعية حينئذ. بخلاف ما لو عزم إقامة العشرة في البلد فخرج في أثنائها الى بعض توابعه المتصلة لقضاء حاجة مثلا ثم رجع الى محل الإقامة فيجب الإتمام من أجل التبعية لا من جهة صدق الإقامة العرفية.
ثم: ان المحقق الهمداني قدس سره بعد ما ذكر ما هو التحقيق عنده من صحة صدق الإقامة العرفية على من خرج الى ما دون المسافة و الرجوع ليومه أو ليلته و عدم كونه منافيا للإقامة العرفية بل جوز الخروج إلى المسافة أو أزيد أيضا في هذه الأعصار عند قطعها بالسيارة أو بالسكة الحديدية أو غيرهما من الوسائل الحديثة و عدم كون ذلك منافيا للإقامة العرفية قال بما لفظه: كما يشهد بذلك ملاحظة حال الإقامة في البلاد المتجددة في هذه الأعصار في وسط البحر التي تعارف نقل أطعمتها و اشربتها من البر الذي بينه و بينها مسافة بالمراكب الدخانية في مدة يسيرة بحيث صار البر بواسطة هذه الأسباب بمنزلة السوق لها.
فان من سافر الى بعض تلك البلاد ما لم يرتحل منها يقال له عرفا انه أقام بذلك البلد في هذه المدة و ان جرت عادته بان يخرج كل يوم الى البر و يشترى طعامه و شرابه.
ثم: استشكل في ذلك بأنه كيف يجدى هذا الصدق في إجراء حكم إقامة العشرة على مثل هذه الإقامة لعدم معهودية مثل هذه الإقامة المتخللة بسفر غير مخل بصدقها في تلك الأعصار أيضا كي يتناولها إطلاق لفظها فيرجع في حكمها الى عموم ما دل على التقصير في السفر المقتصر في تخصيصها على القدر المتيقن مما يستفاد من نصوص الإقامة. إلخ و يرد عليه بأنه لو قلنا بانصراف أدلة الإقامة عن مثل هذه الإقامة لعدم معهودية ذلك في الأعصار السابقة مع صدق الإقامة العرفية و كونها سببا للإتمام.
فلقائل ايضا ان يقول بانصراف أدلة القصر عن مثل تلك الاسفار المتداولة في هذه الأزمنة في مدة قليلة بقدر المسافة أو أكثر بالوسائل الحديثة من الطائرات و السيارات و غير ذلك لعدم معهودية مثل هذه الأسفار في زمان صدور أدلة القصر. فترى انهم يسافرون في مدة ستة ساعات بل أقل من طهران الى جدة بالطائرة. فحينئذ فكما لا وجه لا دعاء الانصراف في أدلة القصر عن مثل هذه المسافرات المتداولة في أزمنتنا بتلك الوسائل الحديثة في مدة قليلة حد المسافة أو أكثر. فهكذا لا معنى لا دعاء الانصراف في أدلة الإقامة عن مثل هذه الإقامة و التحقيق ان حكم القصر تعلق على طبيعة ثمانية فراسخ بأي نحو كان بالإبل أو البغال أو الحمير أو بالطائرة أو السيارة أو السكة الحديدية و غيرها. فلا وجه لمثل تلك الانصرافات كما هو واضح لكل من تأمل و تدبر.
فإن عزم على العود و اقامة عشرة مستأنفة أتم ذاهبا و عائدا و في البلد بلا خلاف يعتد به بل إجماعا مستفيضا نقله ان لم يكن متواترا. فنقول: في توضيح المقام قد مر منا ان الإقامة قاطعة للسفر فلا يضم لاحقها بسابقها و ان الإقامة تخصيص فردي و ان لم نقل بعموم المنزلة لا انها توجب تقيدا للحكم. فمقيم العشرة بعد ما تحققت الإقامة إذا خرج عن محل الإقامة و سافر الى محل آخر و كان بين محل الإقامة و مقصده ثمانية فراسخ و لو تلفيقا و كان عازما على العود الى محل
الإقامة و استئناف إقامة عشرة أخرى فلا إشكال في انه يقصر ذاهبا و عائدا و في المقصد و لو كان عازما على إقامة عشرة أيام في غير محل الإقامة الأولى فكذلك إذا كان سفره ثمانية فراسخ و لو بالتلفيق في الذهاب و المقصد و الإياب منه الى محل إقامته الجديدة. و مثله لو كان عازما لموطنه. فكلما تحققت كبرى المسألة فلا إشكال في ترتب صغرياتها كما هو واضح. و كذا لا إشكال في انه لو تحققت كبرى عدم القصر تترتب صغرياتها عليها في وجوب الإتمام كما إذا لم تكن بينه و بين مقصده مسافة شرعية و كان من عزمه المقام في ذلك المقصد عشرة أيام فيتم صلاته ذاهبا و عائدا و في المقصد. و كذلك لو كان عازما للعود الى محل الإقامة الاولى و لم يكن بينهما مسافة و لو تلفيقا و كان عازما على استئناف إقامة العشرة ثانيا فحينئذ يجب عليه الإتمام ذاهبا و عائدا و في المقصد و في نفس محل الإقامة.
و بالجملة. فلا إشكال في كبرى القصر أو الإتمام في المسألة. و انما الإشكال في بعض المصاديق المشتبهة و في كونه من صغريات اى منهما. فلا بد لنا من التعرض لبعض تلك الأمور. فنقول: و منها ما كان بين محل الإقامة و مقصده فرسخان مثلا و كان حين الخروج عازما على العود اليه من دون ان يكون عازما على إقامة العشرة فيه ثانيا فمن المتحمل بقائه فيه عشرة أيام أو أقل أو أكثر الا انه عازم إجمالا بذهابه الى وطنه. فقد اضطربت فيه الأقلام و زلت فيه الاقدام ففي المسألة وجوه بل أقوال. فمنهما. إذا فرض كون المجموع من إيابه و ذهابه ثمانية فراسخ بان كان من بلد الإقامة إلى المقصد فرسخان و بضميمة العود من المقصد الى بلد الإقامة يصير المجموع أربعة فراسخ و كان من محل الإقامة إلى وطنه أربعة فراسخ ايضا فيصير حينئذ مجموع تلك المسافرة ثمانية فراسخ فلا بد له من التقصير في ذهابه و إيابه و مقصده و موضع إقامته و بعد الخروج منه الى ان يصل الى وطنه و أول من تعرض للمسألة و اختار هذا القول هو الشيخ الأجل الطوسي قدس سره في المبسوط. قال فيه ما لفظه إذا خرج حاجا إلى مكة و بينه و بينها مسافة يقصر فيها الصلاة و نوى ان يقيم عشرا قصر في الطريق. فإذا وصل إليها أتم. فإن خرج الى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشرة أيام إذا رجع الى
مكة كان له القصر لانه نقض مقامه لسفر بينه و بين بلده يقصر في مثله. و ان كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيام بمكة أتم بمنى و عرفة و مكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر. هذا على قولنا بجواز التقصير بمكة. و اما ما روى من الفضل في الإتمام بها فإنه يتم على كل حال غير انه يقصر فيما عداها من عرفات و منى و غير ذلك الا ان ينوي المقام عشرا فيتم حينئذ على ما قدمناه (1)انتهى كلامه رفع مقامه. و منها القول بلزوم الإتمام في المسألة إذا كان عازما الى المقصد الذي بينه و بين محل الإقامة فرسخان على الفرض. ثم بالعود الى محل الإقامة يكون مجموع المسافة من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ. و اما انضمام سفره من محل الإقامة إلى وطنه فغير صحيح جدا. إذ ليس هو عازما فعلا على التفصيل بذهابه الى وطنه حتى يحكم بانضمام ذلك الى الأربعة فيكون المجموع ثمانية.
و منها: التفصيل في المسألة فيتم في الذهاب و المقصد و يقصر في العود منه الى محل الإقامة و فيه و في الخروج منه حتى يصل الى وطنه إذا كان مجموع ذلك مسافة. و بالجملة: انه إذا عزم على الإقامة في غير بلده عشرة أيام و صلى فيه فريضة تامة ثم خرج منه الى ما دون المسافة لأمر قد بدا له. فان عزم على العود و الإقامة في ذلك البلد عشرة أيام مستأنفة أتم ذاهبا و عائدا و مقصدا و في ذلك البلد بلا خلاف يعتد به بل إجماعا لانقطاع سفره الأول و عدم حدوث سبب آخر موجب للقصر كما انه لو عزم على الخروج من بلد الإقامة الى ما دون المسافة لقضاء حاجته و العود منه الى وطنه و كان من قصده في العود العبور من بلد الإقامة إلى وطنه من دون عزمه على الإقامة فيه مستأنفة فلا إشكال حينئذ في لزوم القصر لو كان المجموع مسافة حيث انه من حين الخروج من بلد الإقامة كان قاصدا لوطنه تفصيلا فيذهب الى ما دون المسافة لقضاء الحاجة و هو فرسخان مثلا من بلد الإقامة ثم العود منه الى وطنه يمر عائدا من محل الإقامة من دون عزم الإقامة فيه. بل من أجل انه أحد المنازل في تلك المسافرة فيكون المجموع ثمانية فراسخ بعد ما كان مقدار المسافة من بلد الإقامة إلى وطنه أربعة. و هذا مما
1) ط المكتبة المرتضوية ص 138/ ج 1
لا كلام فيه.
و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل كلام الشيخ في المبسوط على ما ذكره في مفتاح الكرامة (1)و قد تبعه عليه المتأخرون و ان عمم بعضهم العبارة من غير تخصيص بمكة زادها الله تعالى شرفا و ظاهرهم اعتبار عشرة جديدة في موضعه الذي نوى فيه الإقامة بعد خروجه الى ما دون المسافة و ظاهرهم ان نية إقامة ما دون العشر في رجوعه كلا نية انتهى.
و لا يخفى ان القول بالتقصير في الإياب و موضع الإقامة دون الذهاب و المقصد نظرا الى ان تلبسه بقطع المسافة المعتبرة شرعا انما هو من حين الأخذ في الإياب و اما الذهاب و المقصد فإنما يتجه التقصير فيهما لو صح الضم المذكور مع ان الظاهر من الأدلة عدم صحة هذا الضم إلا إذا كان الذهاب أربعة فراسخ مع رجوعه ليومه على الخلاف المتقدم.
و فيه: ان المورد ليس من مصاديق المسافة التلفيقية حتى يقال بعدم الانضمام المذكور لكون الذهاب أقل من الأربعة. بل المورد من المسافة الامتدادية.
فإن المناط في صدق الذهاب و الإياب هو حصول القرب و البعد بالنسبة إلى الموضع الذي خرج منه. فقد يستفاد من اخبار التلفيق ان في المسألة التلفيقية يكون بعضها مبعدا من حضره و بعضها مقربا له. بخلاف المسافة الامتدادية يكون جميعها مبعدا من حضره. و اما ففيما نحن فيه فبمجرد شروعه في السفر فقد خرج عن حضره بحيث لو فرض رجوعه اليه ثانيا في أثناء تلك المسافرة لا يعد ذلك المكان حضرا و مقرا له. بل تكون نسبته إليه كنسبة سائر البلدان الواقعة في مسيره. فلا تكون تلك المسافة مركبة من الذهاب و الإياب بل تكون من مصاديق المسافة الامتدادية الواقعة بين حضرين فلا تكون مشمولة لاخبار التلفيق.
ثم لا بد لنا من الكلام في ان المستفاد من الروايات هل هو كفاية القصد الإجمالي الارتكازي في التقصير أم لا بد من تحقق القصد التفصيلي من حين الشروع في السفر. فبناء على الأول يتم على ما هو المختار عند الشيخ و تابعيه. و على الثاني فلا. و لا يخفى ان المستفاد من روايات الباب هو الثاني و انه لا يكفى
1) كتاب الصلاة ص 590
صرف القصد الإجمالي فمنها: موثقة عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سالته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك. ثم ينزل في ذلك الموضع. قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (1)فظاهر الرواية لو لم يكن صريحها انه لا بد في التقصير من ارادة الثمانية من حين الشروع في السفر. و سيره من منزله أو قريته انما يوجب القصر إذا كان ذلك مع القصد التفصيلي المسافة المعتبرة شرعا و هكذا غيرها من الروايات الدالة على هذا المعنى و اما ففي المسألة المبحوث عنها فإنه يريد فعلا بالتفصيل ما دون المسافة لقضاء حاجة له و ليس له فعلا قصد الثمانية.
و الحال انه لا بد في وجوب القصر من القصد التفصيلي على ما يستفاد من روايات الباب من حين شروعه في السفر. فمن عزم على إقامة عشرة أيام في مشهد عبد العظيم «شهررى» و بعد ما تحققت الإقامة المذكورة و لو بإتيان صلاة واحدة تامة بدا له الخروج الى طهران لأخذ جواز السفر لزيارة العتبات العاليات و لا يدرى ايضا كم مقامه في طهران فحين خروجه من ذلك المشهد ليس له قصد تفصيلي للعود الى وطنه بل يعلم إجمالا بحسب الارتكاز عوده الى وطنه. و اما الان فقصده هو طهران و لا يكفى هذا القصد الإجمالي في انضمام الذهاب إلى الإياب. نعم إذا كان قصده من ابتداء الأمر الخروج عن محل الإقامة قصدا تفصيليا فلا يضر ذلك إذا حصلت له الغفلة في أثناء تلك المسافرة عن قصده التفصيلي ما لم يحصل لسفره أحد من القواطع. لا يقال: أ ليست النية الإجمالية الارتكازية كافية في الصلاة و الوضوء و الغسل و غيرها فإنه يقال: نعم لا إشكال في كفاية النية إذا كانت في بدو الشروع فيها قاصدا لاتيانها تفصيلا و عروض النية الإجمالية الارتكازية في أثنائها ليس مخلا ما لم يحصل أحد من مبطلاتها.
فالذي هو الشرط فيها هو وجود النية التفصيلية حين شروعه بتلك الأعمال. و اما استمرارها من أولها إلى أخرها فليست شرطا فيها. و قد يتمسك في كفاية القصد
1) الوسائل ب 4/ 3
الإجمالي في وجوب القصر بصحيحة أبي ولاد الحناط. قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام انى كنت نويت حين دخلت المدينة ان أقيم بها عشرة أيام و أتم الصلاة. ثم بدا لي بعد ان لا أقيم بها فما ترى لي أتم أم أقصر؟ قال: ان كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك ان لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا و أتم و ان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة (1)بتقريب ان المستفاد من الصحيحة كون مجرد قصده للخروج عن محل الإقامة كافيا في ثبوت القصر فلا يحتاج الى القصد التفصيلي كما هو المراد. و فيه ان الصحيحة لا تدل على ذلك بل دلالتها على خلاف ذلك أدل. فإن الظاهر منها ان المراد من الخروج مفارقته عن محل الإقامة و الارتحال عنه قاصدا لوطنه قصدا تفصيليا فهو قاصد من بدو خروجه تفصيلا لوطنه هذا.
و الأقوى في المسألة هو التفصيل بلزوم الإتمام في الذهاب و المقصد و القصر في الإياب إلى وصوله بوطنه إذا كانت المسافة بين المقصد و الوطن ثمانية فراسخ أو أزيد إذ انه فعلا قصد المقصد لا وطنه تفصيلا. و اما الوطن فقصده اليه إجمالي ارتكازي. و قد مر منا عدم كفاية هذا القصد الإجمالي في وجوب القصر. ثم انه لا يضر الترديد في الإقامة في بلد الإقامة ثانيا. فان قصد الإقامة يقينا هو المانع و القاطع لسفره. و اما الترديد فلا يوجب ذلك قطعا. و ليس بلد الإقامة الذي لم يعزم فيه على إقامة العشرة في إيابه كنفس الوطن حيث ان العبور من الوطن قاطع للسفر قطعا. اما بلد الإقامة انما يكون قاطعا إذا قصد إقامة العشرة فيه ثانيا.
فهل حكمها حكم المسألة الثانية أم لا. فنقول: ان مورد البحث في المسألة هو كون قصده التفصيلي المقصد و قصده الإجمالي الارتكازي هو الوطن.
و انه هل يجب عليه في هذه الصورة القصر أو التمام أو لا بد من التفصيل على
1) ب 18/ 1
ما مر في المسألة السابقة. و قوله عليه السلام في صحيحة أبي ولاد و ان كنت دخلت المدينة إلى قوله عليه السلام فليس لك ان تقصر حتى تخرج عنها هل يشمل لما نحن فيه فيكون الخارج عن بلد الإقامة في أثناء إقامته بعد الإتيان بصلاة واحدة بتمام مثل الخارج عنه بعد تمامية إقامة عشرة أيام على ما بيناه في المسألة الثانية أم لا. و الذي لا بد لنا هو بيان ما هو الأصل في المسألة مع قطع النظر عن تلك الصحيحة. فنقول: المستفاد من الأدلة الدالة على لزوم الإتمام لمقيم العشرة هل هو ثبوت الإتمام بمجرد نية الإقامة بكون المناط حدوثها فقط. أو كون النية المذكورة علة لوجوب الإتمام حدوثا و بقاء. فعلى الأول ينقطع سفره بمجرد تحقق النية المذكورة بخلاف الثاني لأن المناط على هذا الفرض نية الإقامة حدوثا و بقاء إلى تمامية عشرة أيام كما هو الحق في المقام. فإن الأدلة ظاهرة كلها في الإقامة الفعلية فلو زالت النية في الأثناء و بدا له الخروج فلا يثبت حينئذ حكم المقيم في هذه الصورة بحسب الأدلة الأولية فلازمها القصر عليه فكون هذه المسألة في ترتب آثار المقيم عشرة أيام الذي تمت إقامة العشرة في حقه مما يحتاج الى دليل.
فإذا فالقول بانقطاع السفر السابق على الإقامة في صورة خروجه الى ما دون المسافة في أثناء إقامته محل اشكال بل منع. و الأدلة العامة كلها ظاهرة في المسألة السابقة. و عموم التنزيل كقوله عليه السلام «من قدم مكة قبل العرفة بعشرة أيام فهو بمنزلة أهل مكة» لا يشمل لما نحن فيه لو قلنا به. و ما ذكرنا سابقا في وجوب الإتمام لمقيم العشرة من ان ذلك من أجل كون المقيم خارجا عن موضوع المسافر. أو من أجل خروجه عن موضوعه بنحو التخصيص الفردي مما لا يحتمل في المقام. لظهور الأدلة سواء قلنا بالخروج الموضوعي أو التخصيص الفردي انما هو فيمن عزم على إقامة العشرة و تحققت الإقامة و تمت العشرة ثم بدا له بعد تماميتها الخروج الى ما دون المسافة كما هو المفروض في المسألة السابقة. و شمولها لما نحن فيه مشكل جدا. و اما القول بكون ما نحن فيه كالمسألة السابقة للإجماع المركب و عدم القول بالفصل فيرد عليه أنه ثبت القول بالفصل بفتوى جماعة من الاعلام في ما نحن فيه بعدم انقطاع السفر بالإقامة المذكورة كما هو مقتضى صحيحة أبي ولاد بكونها مخصصا لحكم السفر بلزوم الإتمام ما لم يخرج عن بلد الإقامة في صورة إتيانه بصلاة فريضة
واحدة تامة. فإذا خرج يجب عليه القصر فيضم السابق على إقامته في ذلك البلد على اللاحق بعدها و ان كان خروجه الى ما دون المسافة بعد كون المجموع من السابق و اللاحق ثمانية فراسخ أو أزيد. و ما عن جماعة من الاعلام من ان المقيم في المسألة كالمقيم في المسألة السابقة في خروجه عن موضوع المسافر فيجب عليه الإتمام بعد الإتيان بصلاة فريضة واحدة بتمام و يستحب له الإتيان بالنوافل الساقطة حال السفر و يصح صومه لو نوى الصوم ثم عدل بعد الزوال كمن صام ثم سافر بعد الزوال. ففيه: ان ذلك لا يوجب كونه خارجا عن موضوع المسافر. بل من الممكن كونه كذلك من أجل التخصيص الحكمي. كمن عزم المسافة الشرعية ثم بعد سيره مقدار الفرسخين أو ثلاثة فراسخ عدل عن سفره فرجع الى وطنه. فما اتى من الصلاة قصرا قبل عدوله لا إشكال في صحته مع انه ليس مسافرا شرعا على عكس ما نحن فيه فكذا فيما نحن فيه نلتزم بمقتضى صحيحة أبي ولاد بالتخصيص الحكمي و يجب عليه الإتمام ما دام لم يخرج عن البلد فتحصل مما ذكرنا كله عدم ثبوت القاطعية في المورد بحسب الأدلة الأولية. فما لم يحصل له البداء في إقامته يجب عليه الإتمام و بمجرد حصول البداء انتفى الموضوع فلا يجب الإتمام حتى قبل الخروج. غاية ما في الباب إذا اتى بصلاة فريضة واحدة بتمام يجب عليه الإتمام في هذه الصورة. و لو لا دلالة الصحيحة على ذلك كان مقتضى القاعدة هو وجوب القصر في هذه الصورة أيضا. فظهر ان استفادة القاطعية من الصحيحة محل اشكال بل منع. فغاية ما يستفاد من الصحيحة هو الخروج الحكمي في المقام لا الخروج الموضوعي. و استفادة القاطعية أيضا من الآثار كوجوب الإتمام في صورة إتيانه بصلاة فريضة تامة و صحة صومه على ما ذكرنا و استحباب الإتيان بالنوافل الساقطة حال السفر ممنوعة جدا كما نبهنا على ذلك لعدم استلزام ذلك الخروج الموضوعي بل يجتمع ذلك مع القول بالخروج الحكمي أيضا كما هو واضح.
و لكن الأقوى ان الصحيحة تدل على الخروج الموضوعي لا الحكمي حيث ان الصحيحة في مقام التفصيل بين الإتيان بصلاة فريضة تامة و عدمه و في مورد الإتيان بصلاة فريضة تامة قد حكم بعدم لزوم القصر ما دام لم يخرج من المدينة
بقوله فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها و هذا التعبير في معنى انك لست مسافرا حتى يجب عليك التقصير و الا فلو كان المراد منه التخصيص الحكمي كان حق التعبير كذلك «فيجب عليك الإتمام. أو لا يجب عليك التقصير» فالتعبير بقوله «فليس لك ان تقصر.» كالصريح في نفى الموضوع بلسان نفى الحكم كأنه قال: ان وظيفتك ليس التقصير لأنك لست مسافرا و من البديهي ان من لم يكن مسافرا فهو مقيم. و لعمري ان استفادة القاطعية من الصحيحة بمكان من الوضوح و البداهة مضافا الى ان قوله عليه السلام و ان كنت حين دخلتها على نيتك التمام الى قوله عليه السلام ان شئت فانو المقام عشرا و أتم و ان لم تنو المقام فقصر ما بينك و بين شهر. إلخ ظاهر فيما ذكرنا من الخروج الموضوعي فيما صلى فيها صلاة فريضة تامة. فإن قوله عليه السلام ان شئت فانو المقام ظاهر في هذا المعنى أنك أيها السائل إذا لم تصل صلاة فريضة واحدة بتمام فأنت مسافر حينئذ تكون بالخيار ان شئت فانو المقام فأتم أو لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر. فقد يستفاد من ذلك انه إذا شاء فيه المقام و أتم الصلاة يجعل نفسه مقيما بنية الإقامة عشرا و إتيانه بفريضة واحدة تامة. كما انه ان لم يشأ المقام فيكون مسافرا الى شهر و بعد مضى شهر حصل القاطع لسفره. فكما ان الإتيان بفريضة واحدة تامة قاطع للسفر و هكذا مضى شهر أيضا إذا لم ينو المقام قاطع لسفره فيستفاد من الصحيحة ان القاطع تارة يكون بنية المقام عشرة أيام بعد ما تمت العشرة في الخارج و اخرى يكون بإتيان فريضة واحدة تامة إذا عدل بعده عن إقامته و ثالثة بمضي شهر إذا لم ينو المقام عشرة أيام. و ما عبر في مورد مضى الثلاثين بقوله عليه السلام فأتم فهو من باب بيان الموضوع ببيان حكمه و هذا غير عزيز كما لا يخفى. و يترتب على قاطعية تلك الأمور الثلاثة فروع كثيرة مستنبطة منها و لا مجال لنا لبسط الكلام فيها.
فالخروج في الموارد المذكورة انما يكون خروجا موضوعيا. و مما يتفرع على نية إقامة العشرة إذا فرض عدم حصولها خارجا و لم يصل ايضا صلاة فريضة واحدة تامة هو وجوب التمام ما دام لم يعزم على الخروج في الأثناء. فالخروج حينئذ خروج حكمي. فوجوب التمام مترتب على مجرد حصول النية المذكورة. فما دام
موضوع نية الإقامة عشرة أيام باق يجب عليه الإتمام من باب التخصيص الحكمي و إذا انتفى هذا الموضوع لطرو البداء بالخروج لا يجب عليه الإتمام بل الواجب عليه هو القصر إلا إذا صلى صلاة فريضة تامة فحينئذ يحصل القاطع و يترتب عليه آثاره. و مثله ما إذا حصلت نية الإقامة عشرة أيام و تمت و لم يصل فريضة أصلا بعصيانه في طول إقامته في محل الإقامة و قد تحققت منه الإقامة عشرة أيام بتمامها خارجا صدق القاطعية فيخرج المقيم حينئذ عن موضوع المسافر. و اما في مورد نية الإقامة و حصول البداء في الأثناء بالخروج لو صلى فريضة تامة يحصل القاطع ايضا. فلا يستشكل في المقام بان بعد كون القاطع موقوفا على إتيان فريضة تامة أو بتمامية العشرة فيمن عزم على إقامتها كيف يحكم بترتب آثار القاطعية من بدو الأمر مع كون الحكم مقدما على موضوعه فإنه يقال: انا قد بينا لك ان ما هو الموجب لوجوب الإتمام هو مجرد نية العشرة. و اما ما هو الموجب للقاطعية هو تحقق الموضوع خارجا كمضي عشرة أيام فيمن نوى اقامة العشرة.
أو إتيان صلاة فريضة تامة فلا يلحق سفره السابق الى اللاحق إذا كانت المسافة من محل الإقامة إلى وطنه أو المقصد الذي نوى فيه اقامة عشرة أيام أقل من الثمانية.
و مما ذكرنا يظهر لك حال بعض الفروع المتفرعة على المسألة. ثم لما كان مورد الرواية هو صلاة فريضة تامة. فالتعدي عنها في القاطعية كالصوم أو الإتيان بالنوافل الساقطة في السفر و غيرهما غير صحيح إذ المتيقن في المقام هو الاقتصار بالمورد بعد كون ذلك على خلاف الأصل. نعم عن جماعة من الفقهاء كفاية الصوم و النوافل المزبورة في القاطعية. فإن الصلاة على مذاقهم انما ذكرت من باب كونها أحد المصاديق للقاطعية من دون خصوصية لها في ذلك فبالغاء الخصوصية يسري الحكم الى الصوم و غيره من الآثار الثابتة على الإقامة. و لا يخفى انه لا يمكن مجرد الإتيان بصلاة فريضة واحدة تامة من دون ترتب إتيانها على نية الإقامة عشرة أيام كما في صورة الغفلة و السهو أو الإتيان بها قضاء. و إذا شرع بالصلاة بنية الإتمام فبدا في أثنائها الخروج لا يترتب لها اثر و لا يحصل القطع بها حيث ان مقتضى النص هو صلاة فريضة بتمام. و هل يجب عليه إتمامها التي تلبس بها بنية الإتمام أم يجب قطعها و استينافها ثانيا قصرا أو لا بد من التفصيل
بين ما كان ذلك قبل ان يقوم للثالثة فيأتي قصرا و بعد قيامه للثالثة فيأتي تماما. أو يفصل بين ما لو كان ذلك قبل دخوله في ركوع الثالثة فيقصر و بعد دخوله في ركوعها فيتم وجوه. و لو نوى الإقامة عشرة أيام و صام ثم بعد الزوال بدا له الخروج قبل الإتيان بصلاة فريضة واحدة تامة هل يكون هذا مثل من صام الحاضر في وطنه و سافر بعد الزوال فيجب عليه إتمام صومه مع ان الفرض عدم إتيانه بصلاة فريضة واحدة تامة غاية ما في الباب دخول وقتها فقط أم لا. و قد ذكر الشهيد الثاني قدس سره في محكي الروض إلحاق الصوم الواجب إذا رجع عن نيته بعد الزوال بالفريضة التامة و استدل على ذلك بالروايات الدالة على ان من سافر في شهر رمضان بعد الزوال وجب عليه إكمال صومه كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام انه سال عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم قال: فقال: ان خرج من قبل ان ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم. و ان خرج بعد الزوال فليتم صومه (1)و صحيحة محمد بن مسلم عنه عليه السلام إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به من شهر رمضان الحديث (2)و لا يخفى ان لزوم إكمال الصوم انما هو من أجل ثبوت الملازمة بين الصلاة و الصوم لما ثبت من ان كلما قصرت أفطرت و بالعكس فبعد الزوال قد ثبت حكم إتمام الصلاة فيثبت حينئذ إكمال الصوم ايضا و لا دخل لوجودها الخارجي.
/ أو عزم على الخروج و لكن لم يتهيأ قصر ما بينه و بين شهر و هو ثلاثون يوما ثم يتم و لو يوما أو صلاة واحدة و تعليق الحكم على الشهر هو الموجود في أكثر النصوص و كثير من الفتاوى بل الأكثر على ما قيل كما وقع التصريح به في صحيحة محمد بن مسلم و غيرها. و اما رواية حنان عن أبيه عن ابى جعفر عليه السلام قال: إذا دخلت
البلدة فقلت اليوم أخرج أو غدا اخرج فاستتممت عشرا فأتم (1)فلا تخلو عن المناقشة لقصورها عن المكافئة مع تلك الروايات أولا و احتمال وقوع التصحيف فيها ثانيا قال في الوسائل بعد نقل هذه الرواية ما لفظه. و في رواية أخرى بهذا الاسناد فاستتممت شهرا فأتم (2).
و لا يخفى ان ما عبر في الوسائل بقوله و في رواية أخرى غير صحيح. إذا الظاهر اتحاد الروايتين. فقد ذكر الشيخ الرواية في كتابيه التهذيب و الاستبصار.
و الواقع في التهذيب لفظة «عشرا» و في الاستبصار لفظة «شهرا» فالمظنون بل المقطوع وقوع التصحيف في عبارة التهذيب. و الصحيح ما نقله في الاستبصار.
و العجب من صاحب الوسائل حيث تصدى في مقام الجمع بينهما بأن الأولى مخصوصة بمن نوى العشرة و الثانية بمن لم ينو لما مضى و يأتي. مع ان الرواية صريحة في أنها صدرت في مورد الترديد و انه عازم للخروج اما اليوم أو غدا.
و مع هذا كيف يمكن حمل الرواية على ناوي الإقامة عشرا.
ثم المعتبر في المقام هل هو الشهر الهلالي كما عن الأكثر أو عد ثلاثين يوما كما عن جماعة و هو المحكي عن أكثر كتب المتأخرين. و عن التذكرة أيضا التصريح بأن العبرة بها لا بما بين الهلالين و ان نقص عنها. و تبعه في ذلك غير واحد ممن تأخر عنه. فعلى هذا لو كان ابتداء تردده في أول يوم من الشهر الهلالي إلى الهلال الأخر و اتفق نقصان الشهر لا يتم صلاته حتى يكمله من الشهر القابل.
و لا يخفى ان منشأ الاختلاف بينهم هو اختلاف الروايات و المذكور في روايات المسألة بأجمعها هو لفظ «الشهر» إلا في رواية محمد بن مسلم على أحد النقلين. فإن المروي عنه في المسألة روايتان. الاولى: ما رواه هو بنفسه فالمذكور فيه لفظ الشهر. فقد رواه الشيخ بسنده عن محمد بن مسلم قال: سالته عن المسافر يقدم الأرض. فقال: ان حدثته نفسه ان يقيم عشرا فليتم و الا قال اليوم أخرج أو غدا اخرج و لا يدرى فليقصر ما بينه و بين شهر فان مضى شهر
فليتم. الحديث (1)و الثانية: ما رواه أبو أيوب الخزاز قال: سال محمد بن مسلم أبا عبد الله عليه السلام. و انا اسمع عن المسافر ان حدث نفسه بإقامة عشرة أيام. قال: فليتم الصلاة فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم. الحديث (2).
و قد تعرضوا في مقام الجمع بينهما بوجوه. فمنها ان لفظ الشهر الواقع في تلك الروايات مجمل حيث ان لفظ الشهر يتردد مفهومه بين ان يراد منه ما بين الهلالين و ان يراد منه عد ثلاثين يوما. و لفظ ثلاثين الواقع في رواية أبي أيوب الخزاز مبين. فيرتفع بهذه الرواية الإجمال الواقع في لفظ الشهر الواقع في تلك الروايات. و هذا الوجه عندي هو الأقوى.
و منها: ان الروايات المتعرضة للشهر من قبيل المطلق و رواية أبي أيوب المتعرضة لعد ثلاثين يوما من قبيل المقيد. فيلزم حمل المطلق على المقيد.
و فيه: ان جعل المقام من قبيل المطلق و المقيد غير صحيح. فان المطلق يشمل بإطلاقه للمقيد كالرقبة. فإنها تشمل بإطلاقها الرقبة المؤمنة و الكافرة. فيصح تقييدها بالمؤمنة. و اما ما نحن فيه فمن قبيل المتباينين. فان الشهر ربما يطلق و يراد منه الزمان المحدود بما بين الهلالين و ان نقص يوما. و ربما يطلق و يراد منه ثلاثون يوما و هو عدد أيام الشهر الذي ليس بناقص. فهما حد ان مخصوصان متباينان. و منها: التفصيل و هو الاكتفاء بما بين الهلالين و ان كان ناقصا لو كان الترديد حاصلا من أول الشهر و الاعتبار بالثلاثين إذا كان ذلك في غيره. و فيه: ما عرفت آنفا من ان الاعتبار بعد ثلاثين يوما. حيث ان هذا اللفظ الواقع في رواية أبي أيوب من قبيل المبين الرافع لإجمال لفظ الشهر الواقع في روايات الباب. فعلى هذا لا موجب للفرق بين كون تردده في أول الشهر أو في أثنائه فإن فرض مبدء تردده في أول يوم من وروده البلدة. و اتفق كونه أول الشهر و كان الشهر ناقصا فلا بد من إكماله بيوم من الشهر القابل ثم بعد مضى ثلاثين يوما في مورد البحث ينقطع سفره السابق كصورة الإقامة
عشرة أيام. فيحتاج في ثبوت القصر ثانيا على قصد المسافة المعتبرة شرعا. و لا يكفى انضمام السفر اللاحق على السفر السابق و الذي يدل على القاطعية في الموردين هو دليل التنزيل الذي جعل المقيم عشرة أيام و هكذا المتردد ثلاثين يوما بمنزلة أهل مكة كما ذكرنا ذلك سابقا. و قلنا ان المستفاد من دليل التنزيل هو الخروج الموضوعي و ان المقيم عشرة أيام خارج عن موضوع المسافر لا عن حكمه. و ان معنى قوله عليه السلام في صحيحة أبي ولاد فليس لك ان تقصر. هو انك لست مسافرا حتى يجب عليك القصر. و الا فإن كان المراد من ذلك هو التخصيص الحكمي كان حق التعبير ان يقول يجب عليك إتمام الصلاة. أو لا يجب عليك القصر. فالمقام من قبيل نفى الموضوع بلسان نفى الحكم. فكان الامام عليه السلام قال: ان وظيفتك ليس هو القصر لأنك لست مسافرا. و من الواضح ان عدم كونه مسافرا يساوق كونه مقيما و لو بدليل التنزيل. أضف الى ذلك ان استفادة القاطعية على هذا النحو من ذيل الصحيحة أوضح و اجلى مما ذكر. حيث قال عليه السلام: ان كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك ان لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا و أتم. و ان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة (1)فقد ذكر القواطع الثلاثة في سياق واحد و أسلوب فأرد. و حكم بعدم القصر تارة و بالإتمام تارة أخرى و التعبير بالإتمام انما هو من باب بيان الموضوع بلسان بيان الحكم كما أشرنا إليه سابقا. و ظهور الرواية في ان وجوب الإتمام في الموارد الثلاثة انما هو من واد واحد و هو عدم كون الشخص مسافرا مما لا يخفى.
نبل هو من ضروريات المذهب. و قد وقع التصريح بوجوب التقصير في السفر كوجوب الإتمام في الحضر
1) ب 18/ 1
فيما رواه الصدوق في الفقيه صحيحا عن زرارة و محمد بن مسلم انهما قالا: قلنا:
لأبي جعفر عليه السلام ما تقول: في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي؟ فقال:
ان الله عز و جل يقول «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ.» فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا: قلنا:
انما قال الله عز و جل «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ» و لم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك التمام في الحضر؟ قال عليه السلام: أ و ليس قد قال الله «إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا.» أ لا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان الله عز و جل ذكره في كتابه و صنعه نبيه صلى الله عليه و آله و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي صلى الله عليه و آله و ذكر الله في كتابه. الحديث (1)و غير ذلك من الروايات الدالة عليه و لا حاجة الى الاستقصاء بعد وضوح الحكم في المسألة. و لا يخفى ان قولهما و لم يقل افعلوا دليل على ان المرتكز في أذهانهم كون صيغة الأمر دالا على الوجوب. و اما العامة فقد وقع الخلاف فيما بينهم. فالأكثر ذهب الى كونه رخصة لا عزيمة. ثم اختلفوا فمنهم من قال: التقصير أفضل كالشافعي. و منهم من قال: الإتمام أفضل (2)و منهم من ذهب الى ان التقصير عزيمة كأبي حنيفة. و قد استدلوا على كون القصر رخصة بالآية الشريفة و إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ان تقصروا. لكون نفى الجناح ظاهرا في الجواز. و قد ظهر لك من الصحيحة ان نفى الجناح هنا كنفي الجناح في السعي فهو لا ينافي الوجوب بعد ما قامت الأدلة الدالة على الوجوب في الموردين.
و التعبير بنفي الجناح في الموردين مع كونهما واجبا من أجل نكتة موجودة فيهما. اما آية السعى فإنما قال سبحانه فيها فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا مع كونه واجبا لانه كان على الصفا صنم يقال له إساف. و على المروة صنم يقال له نائلة و كان المشركون إذا طافوا بهما مسحوهما فتحرج المسلمون عن الطواف بهما لأجل الصنمين. فانزل الله تعالى هذه الآية. فالاية في مقام توهم الحرج
و البأس.
و اما في آية القصر. فلان التقصير كان مظنة أن يخطر ببالهم ان عليهم نقصانا فيه فرفع عنهم هذا التوهم بقوله «لا جناح» الاية لتطيب أنفسهم و يطمئنوا اليه.
ثم ان أول من استشكل في دلالة الآية على وجوب القصر هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. فذكر ذلك على النبي (ص) فقال (ص) تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (1)و بالجملة: فلا إشكال في كون القصر فرضا واجبا بعد دلالة الأدلة الكثيرة عليه. فمنها ما رواه زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: سمى رسول الله صلى الله عليه و آله قوما صاموا حين أفطر و قصر عصاة و قال: هم العصاة إلى يوم القيامة. و انا لنعرف أبنائهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا (2)و منها ما عن الخصال عن السكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: ان الله اهدى الى و الى أمتي هدية لم يهدها الى أحد من الأمم كرامة من الله لنا. قالوا: و ما ذاك يا رسول الله؟
قال: الإفطار في السفر و التقصير في الصلاة. فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله عز و جل هديته (3)و غير ذلك من الروايات المتضافرة. و انما الرخصة و التخيير في بعض مصاديق السفر. بان تكون المسافة أربعة فما زاد و لم تبلغ الثمانية و لم يرد الرجوع. ليومه أو ليلته. فإنه مخير بين القصر و الإتمام على قول بل نسب الى المشهور بين القدماء. و تقدم البحث فيه مفصلا و ما يقتضيه التحقيق فيه فراجع. أو يكون قد سافر بعد دخول الوقت فإنه يتخير حينئذ بينهما على قول
محكي عن خلاف الشيخ (1)أو يكون المسافر في أحد المواطن الأربعة مكة و المدينة و المسجد الجامع بالكوفة و الحائر الحسيني. و مما يدل على كون القصر في السفر عزيمة لا رخصة شدة نكير الصحابة على عثمان حين أتم صلاته بمنى. (2)
مكة و المدينة و المسجد الجامع بالكوفة و الحائر على ساكنه السلام. فان المسافر فيها يكون بالتخيير. الا ان الإتمام أفضل على ما نسب الى المشهور و عن السيد المرتضى في جمل العلم و العمل لا يقصر في مكة و مسجد النبي (ص) و مسجد الكوفة و مشاهد الأئمة القائمين مقامه عليهم السلام.
و عن الصدوق تعين القصر ما لم ينو المقام عشرة أيام. و الأفضل ان ينو المقام حتى يتم صلاته و عن صفوان و ابن ابى عمير و غيرهما من أصحابنا المعاصرين
1) الخلاف مسألة 14 من كتاب صلاة المسافر.
2) عن شرح مسلم للنووي في المجلد الخامس ص 195 انه قال: اختلف العلماء في تأويلهما «اى عثمان و عائشة» فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا و الإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين و هو الإتمام. و قيل لان عثمان امام المؤمنين و عائشة أمهم فكأنهما في منازلهما. و أبطله المحققون بأن النبي كان اولى بذلك منهما و كذلك أبو بكر و عمر. و قيل لان عثمان تأهل بمكة و أبطلوه بأن النبي سافر بأزواجه و قصر. و قيل فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا لئلا يظنوا ان فرض الصلاة ركعتان ابدا حضرا و سفرا.
للأئمة الأطهار عليهم السلام ايضا وجوب القصر (1).
و لا يخفى ان منشأ الاختلاف في المسألة هو اختلاف الروايات. فلا بد لنا من ملاحظة الروايات الواردة عنهم عليهم السلام حتى يتبين حكم المسألة.
فنقول: ان الروايات الواردة في المقام على طوائف.
الطائفة الأولى: روايات تدل بإطلاقها على الإتمام في المواطن الأربعة. كرواية مسمع عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: كان ابى يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما و يقول: ان الإتمام فيهما من الأمر المذخور (2)و رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام ان من الأمر المذخور الإتمام في الحرمين (3)و مرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكة و المدينة و مسجد الكوفة و حائر الحسين عليه السلام (4)و صحيحة حماد بن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن حرم الله و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم أمير المؤمنين عليه السلام و حرم الحسين بن على عليه السلام (5)و رواية عمرو بن مرزوق قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الحرمين و عند قبر الحسين عليه السلام قال: أتم الصلاة فيهن (6)و رواية أبي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: تتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة و حرم الحسين عليه السلام (7)و غيرها من الروايات الدالة على الإتمام.
«الطائفة الثانية» و هي التي تدل على القصر كرواية معاوية بن عمار قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قدم مكة فأقام على إحرامه قال: فليقصر
1) عن كتاب كامل الزيارات عن ابيد عن سعد بن عبد الله قال: سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد مكة و المدينة و الكوفة و قبر الحسين عليه السلام و الذي يروي فيها؟ فقال: انا اقصر و كان صفوان يقصر و ابن ابى عمير و جميع أصحابنا يقصرون
2) ب 25/ 2
3) ب 25/ 20
4) ب 25/ 26
5) ب 25/ 1
6) ب 25/ 30
7) ب 25/ 25
الصلاة ما دام محرما (1)و رواية عمار بن موسى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الحائر قال: ليس الصلاة إلا الفرض بالتقصير و لا تصل النوافل (2)و صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام مكة و المدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم. قلت: روى عنك بعض أصحابنا انك قلت لهم: أتموا بالمدينة لخمس. فقال: ان أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته (3)و لا يخفى ان التعارض الواقع بين الطائفتين هو التباين فلا بد حينئذ من الحكم بالتخيير كما هو مقتضى الجمع العرفي مضافا الى ما يدل على ذلك من الاخبار «الطائفة الثالثة» و هي التي تدل على التخيير و ان المسافر فيها مخير بين القصر و الإتمام ان شاء قصر و ان شاء أتم كرواية على بن يقطين قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن التقصير بمكة. فقال: أتم و ليس بواجب الا انى أحب لك ما أحب لنفسي (4)و رواية عمران بن حمران قال: قلت لأبي الحسن أقصر في المسجد الحرام أو أتم؟ قال: ان قصرت فلك. و ان أتممت فهو خير. و زيادة الخير خير (5)و رواية على بن يقطين عن ابى الحسن عليه السلام في الصلاة بمكة قال: من شاء أتم و من شاء قصر. و رواية الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: قلت له: انا إذا دخلنا مكة و المدينة نتم أو نقصر. قال: ان قصرت فذلك. و ان أتممت فهو خير تزداد (6). و هذه الطائفة لها الحكومة على الطائفتين السابقتين فتكون شارحة لهما و ان كل واحد من القصر و الإتمام في تلك الأمكنة انما هو بالتخيير.
«الطائفة الرابعة» و هي تدل على التخيير الموضوعي. بخلاف سابقتها فإنها كانت ظاهرة في الدلالة على التخيير الحكمي كما عرفت فمقتضى هذه الطائفة ان المسافر في الأماكن المذكورة مخير بين إدخال نفسه في موضوع المقيم بأن ينوي إقامة عشرة أيام فيتم صلاته و بين إدخال نفسه في موضوع المسافر فيقصر.
فهذه الطائفة حاكمة على الطائفة السابقة. فتدل على ان المراد من التخيير الذي
دلت عليه الطائفة السابقة انما هو التخيير الموضوعي لا الحكمي. فهو مخير بين جعل نفسه مقيما بنية الإقامة و عدمه الا ان الأفضل هو نية الإقامة ليتم صلاته كما ذهب اليه الصدوق و حمل ما دل على أفضلية الإتمام فيها على الاستحباب باختيار الإقامة في تلك الأماكن الشريفة. فعلى هذا لا فرق بين تلك الأمكنة و غيرها من سائر البلدان على مقالة الصدوق و تابعيه الا من جهة استحباب الإتمام باختيار نية الإقامة في تلك الأمكنة الشريفة. و مما يدل على ما ذكرنا رواية على بن حديد قال: سالت الرضا عليه السلام فقلت ان أصحابنا اختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصر و بعضهم يتم. و انا ممن يتم على رواية قد رواها أصحابنا في التمام. و ذكرت عبد الله بن جندب انه كان يتم. فقال: رحم الله ابن جندب. ثم قال: لي: لا يكون الإتمام الا ان تجمع على إقامة عشرة أيام وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد: و كان محبتي أن تأمرني بالإتمام (1)و صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع قال: سالت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكة و المدينة تقصير أو تمام. فقال:
قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام. (2)
و بالجملة: فلا منافاة بين ما ذهب اليه الصدوق بمقتضى هذه الطائفة و الطائفة الثالثة الظاهرة في التخيير الحكمي بعد كون هذه الطائفة الأخيرة شارحة لسابقتها كما عرفت فلو لا حظنا هذه الطوائف بعضها مع بعض يكون ما ذهب اليه الصدوق هو الحق في المسألة. إلا ان اخبار الباب ليست منحصرة فيها. فان هنا طوائف أخرى فلا بد لنا من إمعان النظر فيها و ضم بعضها الى بعضها الأخر حتى يتبين حكم المسألة. فمنها طائفة أخرى و هي.
«الطائفة الخامسة» و هي تدل على ان المسافر بمجرد الدخول فيها يتم صلاته و ان لم ينو إقامة عشرة أيام. بل و ان كان دخوله إليها مارا كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التمام بمكة و المدينة فقال: أتم و ان لم تصل فيها إلا صلاة واحدة (3)و رواية عثمان بن عيسى
قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن إتمام الصلاة و الصيام في الحرمين.
فقال: أتمها و لو صلاة واحدة (1)و رواية جعفر بن محمد بن قولويه في المزار عن قائد الحناط عن ابى الحسن الماضي عليه السلام قال: سالته عن الصلاة في الحرمين فقال: أتم و لو مررت به مارا (2)و هذه الطائفة تدل على خلاف ما ذهب اليه الصدوق. و تؤيد مقالة المشهور.
«الطائفة السادسة» و هي تدل على كفاية نية المقام عشرة أيام و ان كانت النية المزبورة نية صورية بأن يعلم الداخل فيها انه بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أيام يسافر و لا تتحقق له الإقامة عشرة أيام. و مع ذلك فينوي إقامة عشرة أيام بزعمه و هذا نظير ما يستفتي عنا كثيرا ما بأني أريد اقامة يومين أو أو ثلاثة أيام مثلا في بلدة «قم» أو غيرها من سائر البلدان و أنوي إقامة عشرة أيام فهل أتم صلاتي أم لا و من المعلوم ان نية الإقامة عشرة أيام في الفرض المزبور ليست إلا أمرا صوريا و موضوعا خياليا. و مع ذلك لا مانع من كون تلك النية الكذائية الصورية ذات أثر شرعي و يكون ذلك من خصوصيات الأماكن الأربعة و ان لم نقل به في غير الأماكن المزبورة. و مقتضى الجمع بين هذه الطائفة و الطائفة السابقة انه بمجرد الدخول بالأماكن المزبورة يتم صلاته و لو لم يصل إلا صلاة واحدة.
و لكن إذا تحقق منه ما ذكرنا من النية الصورية لكونها بمقتضى هذه الطائفة كنية المقام عشرة أيام على نحو القطع و الجزم يصير حينئذ كمقيم العشرة. و من الممكن ايضا حمل كلام الصدوق على هذا المعنى من انه يتم إذا تحقق منه نية الإقامة عشرة أيام و لو على هذا النحو. فالحاصل انه لا فرق في نية الإقامة عشرة أيام بين كونها على نحو القطع و الجزم و بين كونها صورية و خيالية. و يدل على ما ذكرنا ما رواه الشيخ عن محمد بن إبراهيم الحضيني قال: استأمرت أبا جعفر في الإتمام و التقصير قال: إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام و أتم الصلاة. قلت:
انى أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة (أيام) قال: انو مقام عشرة أيام و أتم الصلاة (3)و قال الشيخ رحمه الله باعتبار هذه النية. و يكفى ما ذهب
إليه في عدم ثبوت اعراضهم عن اعتبار النية المذكورة المستفادة من الرواية.
هذا غاية التوجيه في كفاية النية المذكورة في الإتمام. و سيأتي بعض الكلام عن قريب فيما يرتبط بالمقام عند البحث في الرواية.
«الطائفة السابعة» و هي تدل على ان ما ذكروا عليهم السلام من الأمر بالإتمام كان له سر و حكمة فمن أجل ذلك أمروهم بالإتمام و لم يكونوا عليهم السلام في مقام بيان الحكم الواقعي. فتكون هذه الطائفة حاكمة و شارحة للطائفة الخامسة و السادسة. فينقلب حينئذ ما ذكرنا من الحكم بالإتمام في صورة العزم الصوري بالإقامة عشرة أيام و ان لم يصل إلا صلاة واحدة أو بمجرد المرور إليها كصحيحة معاوية بن وهب. قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التقصير في الحرمين و التمام. فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام. فقلت: ان أصحابنا رووا عنك انك أمرتهم بإتمام. فقال: ان أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بإتمام (1)و ايضا صحيحته الأخرى المروية في العلل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام مكة و المدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم. قلت: روى عنك بعض أصحابنا انك قلت لهم أتموا بالخمس. فقال: ان أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته (2)فيستفاد من الصحيحتين على فرض تعددهما أو من الصحيحة على فرض اتحادهما و كونهما رواية واحدة ان الأمر بالإتمام كان من أجل حكمة و سر فيه كما قلنا فتكون هذه الطائفة حاكمة على الطائفة الخامسة و السادسة كما لا يخفى. و اما الطوائف الأربعة السابقة فقد عرفت ان مقتضى الجمع العرفي بينها هو التخيير الموضوعي كما ذهب اليه الصدوق بمعنى انه مخير بين إدخال نفسه في موضوع المسافر فيقصر و عدمه و ان كان الإتمام أفضل. فلا فرق حينئذ بين الأماكن المزبورة و سائر البلدان الا من جهة أفضلية الإتمام باختيار الإقامة في الأماكن الأربعة.
«الطائفة الثامنة» و هي تدل على خلاف ما يستفاد من الطائفة السابقة
و على ان الإتمام فيها انما هو حكم واقعي من دون ملاحظة عنوان آخر في المقام حتى يكون سببا للإتمام كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت: لأبي الحسن عليه السلام ان هشاما روى عنك انك أمرته بالتمام في الحرمين و ذلك من أجل الناس؟ قال: لا. كنت انا و من مضى من آبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة و استترنا من الناس (1)هذه هي الطوائف الموجودة في المسألة و قد تعرضنا لها بتفكيك كل طائفة عن الأخرى حتى لا يختلط الأمر في المقام كما وقع ذلك لبعض الاعلام. و إذ اعرفت ما ذكرنا فاعلم انك إذا تأملت في اخبار الباب يظهر لك ان الحق في المسألة هو ما ذهب اليه المشهور بان المسافر في المواطن الأربعة مخير بين الإتمام و القصر. و الأفضل هو الإتمام. و المراد من التخيير هو التخيير الحكمي لا الموضوعي الذي نسب الى الصدوق قدس سره. و اختلاف الاخبار في الباب انما نشأ من ملاحظة اختلاف الظروف و المقتضيات و الأشخاص و السائلين بحسب شئونهم و حالاتهم. و الا فلا تنافي بينها بحسب اللب و الواقع. و الاخبار الآمرة بالإتمام و ان كانت ظاهرة في الوجوب التعييني الا انه يرفع اليد عن ظهورها بقرينة بعض الاخبار الأخر الدالة على التخيير و ان الإتمام هو الأفضل.
و كون الأمر بصيغته و مادته ظاهرا في الوجوب التعييني انما هو فيما لم تكن قرينة على الخلاف كما هو واضح. و ما يدل على ان الإتمام فيما ينوي إقامة عشرة أيام ليس منافيا لما ذكرنا من التخيير و ان الإتمام هو الأفضل. فإن الظاهر من الاخبار الآمرة بالإتمام وجوبه على سبيل التعيين و انما يرفع اليد عن هذا الظهور فيما إذا لم يعزم الإقامة عشرة أيام بمقتضى الأخبار الدالة على التخيير. و في صورة إقامة العشرة يبقى هذا الظهور بحاله. فالإتمام على سبيل التعيين انما يكون إذا عزم الإقامة عشرة أيام. و يظهر من بعض الاخبار ان أمرهم بالإتمام كان من أجل الناس و سدا لباب الفتنة و الفساد. و هذا لا ينافي كونه مخيرا في الواقع بين الإتمام و القصر كقوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة «ان أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس
1) ب 25/ 6
يستقبلونهم و يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام» و في صحيحته الأخرى المتقدمة أيضا «إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلذا قلته» و بالجملة: لما كان الخروج من المسجد حال انعقاد جماعاتهم امرا مستنكرا و قبيحا عند العامة و مظنة كونهم ممن لا يصلون (1)أمرهم عليه السلام بالإتمام. و اعتذارهم بأنهم مسافرون و لذا لا يصلون معهم مما لا يعد مقبولا عندهم (2)هذا. و لكن قد بينوا عليهم السلام لبعض أصحابهم الذين يعدون من أصحاب السر عندهم الحكم الواقعي من غير ستر و قناع. و ان الإتمام هو الأفضل كما في صحيحة على بن مهزيار قال: كتبت الى ابى جعفر عليه السلام ان الرواية قد اختلفت عن آبائك عليهم السلام في الإتمام و التقصير في الحرمين فمنها بان يتم الصلاة و لو صلاة واحدة و منها ان يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام. و لم أزل على الإتمام فيها الى ان صدرنا في حجنا في عامنا هذا. فان فقهاء أصحابنا أشاروا على بالتقصير إذا كنت لا انوى مقام عشرة أيام فصرت الى التقصير. و قد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك فكتب الى بخطه قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فإني أحب لك إذا دخلتهما ان لا تقصر و تكثر فيهما الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة انى كتبت إليك بكذا و أجبتني بكذا.
فقال: نعم. فقلت اى شيء تعني بالحرمين فقال: مكة و المدينة (3). ثم ان ما ذهب إليه أصحابنا الإمامية من وجوب القصر للمسافر ما لم ينو إقامة عشرة أيام كان امرا معروفا ظاهرا لا عند أنفسهم فقط. بل حتى عند العامة أيضا حيث كانوا يعلمون ان مذهب الشيعة في السفر القصر وجوبا ما لم ينو مقام عشرة أيام. و اما ثبوت التخيير في المواطن الأربعة فلم يكن امرا معروفا شائعا حتى عند أنفسهم.
فإنه كان من الأسرار المودعة عند اهله. و لذا كانوا عليهم السلام في مقام إخفاء
امره. فجهل العامة بتلك الخصوصية الثابتة للأماكن الأربعة و كونها من مخزون علم الله دعت الحاجة الى إخفاء أمرها. فإن إظهارها كان معرضا لاستنكار العامة.
فحذرا لاشاعة أمرها كانوا عليهم السلام يخفونها حتى من الشيعة لاختلاطهم بالعامة إلا للأوحدي منهم الذين يعدون من أصحاب السر لديهم كما بينه الامام عليه السلام لعلى بن مهزيار في صحيحته المتقدمة. و اما الذين ليسوا كذلك و لم يصلوا مرتبتهم في تحمل أسرارهم ذكروا لهم الإتمام بعنوان آخر كقوله عليه السلام في رواية محمد بن إبراهيم الحضيني المتقدمة قال: إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام و أتم الصلاة. و ذكر عليه السلام الحكم بالإتمام أيضا في رواية أبي شبل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أزور قبر الحسين؟ قال: نعم زر الطيب و أتم الصلاة عنده. قلت: بعض أصحابنا يرى التقصير. قال: انما يفعل ذلك الضعفة (1)و من المحتمل قريبا ان المراد من الضعفة هم الذين لم يصلوا مرتبة أصحاب السر من الشيعة. فلا استبعاد ان لا يعد أمثال صفوان و محمد بن ابى عمير و أمثالهما من أكابر الأصحاب من أصحاب السر مع جلالتهم علما و عملا كما يشهد لما ذكرنا ما رواه محمد بن سنان عن عدة من أهل الكوفة كتبوا الى الصادق عليه السلام فقالوا له: ان المفضل يجالس الشطار و أصحاب الحمام و قوما يشربون الشراب فينبغي ان تكتب اليه فتأمره ان لا يجالسهم. فكتب الى المفضل كتابا و ختمه و دفع إليهم و أمرهم أن يدفعوا من أيديهم إلى يد المفضل فجائوا بالكتاب الى المفضل منهم زرارة و عبد الله بن بكير و محمد بن مسلم و أبو بصير و حجر بن زائدة و دفعوا الكتاب الى المفضل. ففكه و قرأه. فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم. اشتر كذا و كذا و اشتر كذا و كذا و لم يذكر فيه قليلا و لا كثيرا مما قالوا فيه. فلما قرء الكتاب دفعه الى زرارة و دفع زرارة الى محمد بن مسلم حتى دار الكتاب على الكل فقال المفضل ما تقولون قالوا: هذا مال عظيم حتى ننظر و نجمع و نحمل إليك ثم ندرك الانزال بعد نظر في ذلك و أرادوا الانصراف فقال المفضل حتى تغدوا عندي فحبسهم لغدائه و وجه المفضل الى
1) ب 25/ 12
أصحابه الذين سعوا بهم فجائوا فقرء عليهم كتاب ابى عبد الله عليه السلام فرجعوا من عنده و حبس المفضل هؤلاء ليتغدوا عنده فرجع الفتيان و حمل كل واحد منهم فحضروا و احضروا ألفي دينار و عشرة الاف درهم قبل ان يفرغ هؤلاء من الغداء فقال لهم المفضل تأمروني أن اطرد هؤلاء من عندي تظنون ان الله يحتاج الى صلاتكم و صومكم (1)فتأمل فيما فعل الصادق عليه السلام من اعمال حكمة عملية في إرسال الجماعة المذكورين الى المفضل مع كفاية واحد منهم حيث عابوا على المفضل مجالسته مع هؤلاء الفتيان المنسوبين بفعل بعض المنكرات و تأمل في اعمال المفضل أيضا حكمة عملية حيث فهم مراد الامام عليه السلام و كلف الجماعة الحاملين كتابه عليه السلام بتهيئة مال ليشتري به ما طلبه الصادق (ع) فاعتذروا بأنه لا يمكن لهم تحصيله في الوقت فاستمهلوه. فأرسل الى جماعة الفتيان فأراهم كتاب ابى عبد الله عليه السلام فهيئوا هذا المال الكثير قبل فراغ الجماعة من غدائهم ففهمهم المفضل بعمله هذا سر مجالسته مع هؤلاء الفتيان المتفانين في حب مولانا الصادق عليه السلام.
فيستفاد من هذه القضية كون المفضل من أصحاب السر. و هذا لا ينافي كون زرارة و محمد بن مسلم و أمثالهما مع جلالتهم ان لا يكونوا من أصحاب السر. و ممن بين الامام له الحكم الواقعي من أفضلية الإتمام على بن يقطين قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن التقصير بمكة فقال: أتم و ليس بواجب الا انى أحب لك ما أحب لنفسي (2).
و ربما أمروا بالإتمام في مورد نية الإقامة عشرة أيام لما ذكرنا سابقا من كون الإتمام من الأسرار المودعة عند أهلها. فدعت الحاجة الى إخفاء أفضلية الإتمام في تلك الأمكنة حتى من الشيعة خوفا من إشاعة هذا الحكم لعدم خصوصية لها عند العامة فلو ظهر لكان امرا مستنكرا قبيحا عندهم. ففي رواية محمد بن إبراهيم الحضيني المتقدمة قال: إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام و أتم الصلاة.
قلت: انى أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام قال: انو مقام عشرة
أيام و أتم الصلاة فلم يذكر الإتمام إلا في صورة الإقامة عشرة أيام. و لما سال ثانيا إني أقدم مكة قبل التروية. إلخ أعرض عن سؤاله الثاني و أجاب بما أجاب به أولا عن سؤاله الأول. حيث لم يشاء ان يذكر ثبوت أفضلية الإتمام فإن نية المقام عشرة أيام مع العلم بعدم الإقامة مما لا اعتبار بها فلا بد من القول حينئذ بإعراض الأصحاب عن ذلك فتأمل (1)و على كل حال فقد ظهر مما تلونا عليك كون المسافر في الأماكن الأربعة بالتخيير بين الإتمام و القصر و الأفضل هو الإتمام على ما نسب الى المشهور و ان اختلاف أجوبة الأئمة عليهم السلام انما هو بحسب اختلاف حالات الأشخاص و السائلين و الا فلا تنافي بينها بحسب الواقع كما لا يخفى على المتأمل.
بقي الكلام في موضوع المسألة من حيث الضيق و السعة لاختلاف النصوص في تعيين المراد من المواطن الأربعة فنقول: قال المحقق الهمداني قدس سره في مصباحه بعد ما ذكر ان أصل الحكم مما لا ريب فيه. انما الإشكال في تعيين خصوص المواطن لاختلاف النصوص في ذلك. إذ بين مشتمل على لفظ الحرم في الأربعة مع الإضافة الى الله و رسوله (ص) و أمير المؤمنين (ع) و الحسين (ع) و آخر بالحائر و الحرمين بمكة و المدينة و مسجد الكوفة بالكوفة و لا ريب ان قضية الضوابط ثبوت الحكم في الأوسع مكانا من هذه الألفاظ لدى صحة مستنده ضرورة عدم منافاة ثبوته في الأضيق له. بل ربما يكون مؤكدا شبه التنصيص على الحكم في بعض افراد العام مع عدم المخالفة في الباقي هكذا قيل. و هو صحيح
1) و من الممكن ان يقال ان الأصحاب لم يفهموا من قوله (ع) ثانيا انو مقام عشرة أيام دلالة على كفاية النية الصورية، فحيث لا دلالة للرواية على المطلب فلم يذهبوا إلى كفاية النية المذكورة فلم يثبت اعراضهم من الرواية فالقول بالإعراض فرع دلالتها على المطلب نعم إذا قلنا بدلالة الرواية على كفاية النية المذكورة فحينئذ لا مانع من القول باعتبارها كما ذهب اليه شيخ الطائفة على ما عرفت سابقا و ان فرض ان ما استفدنا نحن من الرواية هو خلاف ما استفادة المشهور منها الا ان دلالتها على اعتبار النية الصورية المذكورة بعيد جدا س. ا. م
لو لم يكن ما دل على ثبوته في الأضيق دالا على ان هذا من خصائص ذلك المكان و ليس كذلك إذ المنساق من قوله عليه السلام تتم الصلاة في أربعة مواطن في المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) و مسجد الكوفة و حرم الحسين (ع) ارادة بيان مخالفة حكم المسافر في هذه الأماكن بهذا الحكم و عدم تعديه عنها. فلا بد حينئذ في مقام الجمع بينه و بين ما دل على ثبوته في الأوسع مما وقع فيه التعبير عن تلك المواطن بلفظ مكة و المدينة و الكوفة اما من رفع اليد عن ذلك الظهور و جعل النكتة في تخصيص المساجد بالذكر شرفها و كونها معدة للصلاة و غلبة وقوع الصلاة فيها و نحوها. أو تقييد إطلاق مكة و المدينة و الكوفة بمساجدها و ليس الأول أولى من الثاني بالنظر الى ما يقتضيه الجمع بين الاخبار مضافا الى موافقته للأصل و هو الاقتصار في رفع اليد عن عموم القصر في السفر على المتيقن و لكن ربما يؤيد الأول أي رفع اليد عن ظهور ما وقع فيه تخصيص المساجد بالذكر في الاختصاص بالنسبة إلى مسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله اشتهار تعليق هذا الحكم في الاخبار بالحرمين و تفسيرهما بمكة و المدينة كما نص عليه في صحيحة ابن مهزيار التي هي في حد ذاتها ظاهرة في إرادة مطلق الحرم المفسر بهذا التفسير انتهى ما أردنا نقله و لا يخفى ان ما ذكره قدس سره من اشتهار تعليق الحكم المزبور في الاخبار بالحرمين و تفسيرهما بمكة و المدينة كما نص عليه في صحيحة ابن مهزيار. إلخ مبنى على ما رواه في الكافي حيث لم يتعرض فيه لحكم منى. و اما بناء على ما رواه في التهذيب فلا يصح ما ذكره فقد وقع فيه التعرض ل (منى) بقوله عليه السلام إذا توجهت من منى فقصر الصلاة فإذا انصرفت من عرفات إلى منى و زرت البيت و رجعت الى منى فأتم الصلاة تلك الثلاثة. و قال بإصبعه. ثلاثا فيظهر بناء على رواية التهذيب كون السائل مرددا في ان الحكم المزبور هل هو ثابت لنفس مكة أو لما هو أوسع منها فيشمل (منى) أيضا. و لم يكن تردده في ثبوته للمسجد أو جميع البلد. فالرواية تكون مجملة لا يمكن لنا إثبات الحكم المزبور في جميع بلد مكة و المدينة. ان قلت:
ان استفاده الإطلاق و ثبوت الحكم المزبور. في جميع مكة و المدينة من دون اختصاصه بالمسجد انما هو من جهة الاخبار الكثيرة الدالة على التخيير في مكة
و المدينة لا خصوص المسجد فقط مع قطع النظر عن صحيحة ابن مهزيار. قلت:
نعم. الا ان ما يدل من الاخبار على الأوسع من نفس البلد أيضا كثيرة كوقوع لفظ الحرم في غير واحد من الاخبار الشريفة مضافا الى الله أو الى رسوله أو التعبير بالحرمين و لا يخفى أن دائرة الحرم أوسع من دائرة نفس البلد لشموله ما هو خارج عن البلد ايضا بكثير. فكما لا يصح ان يقال بأخذ الإطلاق في لفظ الحرم فهكذا لا يصح ان يقال بأخذ الإطلاق في لفظ مكة و المدينة و لا أقل يكون ذلك موجبا لطرو الترديد في أخذ الإطلاق فيؤخذ بالقدر المتيقن في الحكم المخالف لعمومات التقصير و بالجملة: ان مقتضى الأخذ بالقدر المتيقن هو ثبوت أفضلية الإتمام في نفس مسجد الحرام و مسجد النبي و مسجد الكوفة لا نفس مكة و المدينة و الكوفة و لا سيما بقرينة قوله عليه السلام قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما. حيث يستفاد منه ان موضع التخيير كان امرا مرتكزا عندهم. و هو نفس المسجد لا ما يصدق عليه الحرم أو مكة أو المدينة فإن ما هو خارج عن المسجد لم يكن موضع الخوف و التقية. لعدم اقامة جماعاتهم في خارجه. و هذا شاهد قوى على ان مورد الحكم المزبور هو إتيان الصلاة في المسجد لا في كل موضع البلد أو الحرم. و ان كان المناط في أفضلية الإتمام هو صدق الحرم يلزم حينئذ كون النجف ايضا موردا لثبوت الحكم المزبور لانه يشمل النجف ايضا (1)فتحصل ان المناط في الثلاثة
1) غاية ما في الباب عدم كون الفقرة الدالة على الإتمام في الثلاثة أيام بمنى في رواية التهذيب حجة لعدم كونه معمولا به عند الأصحاب و ذلك لا يقتضي عدم حجية ما وقع من تفسير الحرمين بمكة و المدينة على ما هو الظاهر. و ما وقع من التعبير بحرم أمير المؤمنين (ع) في بعض الروايات لا يشمل النجف إذا الظاهر أن المراد منه هو الكوفة كما ورد من التعبير في بعض الروايات من أن مكة حرم الله و المدينه حرم رسول الله (ص) و الكوفة حرم أمير المؤمنين (ع) ثم مما يشهد على عموم الحكم للبلدين مكة و المدينة ما في رواية حماد عن ابى عبد الله عليه السلام من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن بمكة و المدينة و مسجد الكوفة و الحائر. إذ التعبير بالبلدين ثم العدول عن ذلك الى التعبير بالمسجد من الكوفة شاهد قوى على عموم الحكم لهما كما عن بعض الأجلة. ثم ان ما ذكره سيدنا الأستاذ من ان موضع التخيير كان امرا مرتكزا. إلخ فقيه ان انعقاد جماعاتهم لم يكن منحصرا بالمسجد الحرام. بل كما كان انعقاد جماعاتهم فيه كان في غيره ايضا من مساجد البلد. و وقوع الخوف و التقية كان فيها ايضا. نعم كون المسجد الحرام ذا أهمية عظيمة في انعقاد الجماعات مما لا ينكر كما لا يخفى. س. ا. م
هو صدق المسجدية. بل مجرد الشك في ذلك كاف في ذلك من غير التماس دليل آخر. و لقد أجاد الكلام في المعتبر حيث قال: و ينبغي ان ينزل الخبر المتضمن لحرم أمير المؤمنين عليه السلام على مسجد الكوفة أخذا بالمتيقن انتهى و قد وقع ايضا التعبير بالمسجد في عدة من الاخبار فحينئذ لا يمكن الأخذ بإطلاق لفظ مكة و المدينة و الكوفة. فإن هذا التعبير لو لم يكن دليلا على كون المراد من المواطن الثلاثة هو المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) و مسجد الكوفة فلا أقل يكون موجبا للشك و الترديد في ان ثبوت الحكم المزبور هل هو في تلك المساجد خاصة أو فيما هو أوسع منها فيشمل جميع بلد مكة و المدينة و الكوفة أو الأوسع من ذلك فيشمل ما صدق عليه الحرم فلا يبقى لنا وثوق بالأخذ بالإطلاق لا بالنسبة بإطلاق مكة و المدينة و الكوفة و لا بالنسبة إلى الحرم. و اما الحائر. فلم يقع التعبير به في شيء من الروايات إلا في مرسل حماد و مرسل الصدوق و الظاهر اتحادهما و في بعضها بعند قبر الحسين أو عند الحسين عليه السلام و كل هذه الألفاظ لا يخلو من إجمال. و اما عند قبر الحسين (ع) فالقدر المتيقن منه ما حول القبر الشريف و اما الحائر فهو ايضا مجمل كما لا يخفى. قال في السرائر و المراد بالحائر ما دار سور المشهد و المسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه.
لان ذلك هو الحائر حقيقة. لأن الحائر في لسان العرب. الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه. قد ذكر ذلك شيخنا المفيد في الإرشاد في مقتل الحسين عليه السلام لما ذكر من قتل معه من اهله. فقال: و الحائر محيط بهم الا العباس عليه السلام فإنه قتل على المسناة و بالجملة فلإجمال الألفاظ المزبورة لا بد من الاقتصار على ما هو القدر المتيقن منها.
لعدم الدليل الموجب للتعدي.
فما عن السيد و ابن الجنيد من إلحاق سائر المشاهد بها لعله لما يظهر من بعض الاخبار من كون الحكمة في ثبوت الحكم المزبور فيما ذكر انما هو شرف تلك البقاع فتعم سائر المشاهد ايضا. و فيه انه مجرد اشعار لا يصلح ان يكون دليلا في المسألة و ليست الحكمة المزبورة علة مستنبطة حتى يمكن التعدي بها الى سائر المشاهد أيضا.
لاختصاص الأدلة بالصلاة دون الصوم. بل يشعر إضراب أبي الحسن (ع) عن الجواب عن الصوم و اقتصاره في الجواب على الصلاة في موثق عثمان بن عيسى المتقدم سابقا بعدم إتيان الحكم المزبور في الصوم. و اما ما دل على الملازمة بين الإفطار و التقصير فهو منصرف عن مثل المقام إذ المتبادر هو ثبوت الملازمة بين الإفطار و التقصير فيما تعين القصر بحسب تحقق موضوعه ذاتا. لا فيما ثبت التخيير بعنوان آخر ثانوي لجهة من الجهات الخارجة عما يقتضيه نفس السفر من حيث هو هو.
مطلقا أو لا بد فيه من التفصيل بين ما لو صلى الفريضة خارجا عنها و بين ما لو صلاها فيها. فتسقط في الأول دون الثاني أو هي تابعة للفريضة فإن اختار إتمام الفريضة جاز الإتيان بنافلتها و الا لم يجز وجوه بل أقوال و التحقيق الوجه الأخير. و الأولى الإتيان بالنافلة لا بقصد التوظيف و قد تقدم الكلام في ذلك في أوائل كتاب الصلاة عند البحث عن النوافل.
ايضا كادائها مطلقا أو بشرط إيقاعها في تلك الأماكن أم يتعين القصر مطلقا وجوه لا يخلو الأخير عن القوة. فإن صلاة المسافر شرعت قصرا و جواز الإتمام حكم ثابت فيها حال أدائها و هو ناش عن خصوصية المكان فلا مدخلية بأوصاف الفعل كما و كيفا حتى يعمه عموم التشبيه في قوله عليه السلام من فاتته فريضة فليمضها كما فاتته و من ذلك يظهر حكم قضاء الصلوات الفائتة في الحضر لو أراد ان يقضيها في الأماكن المزبورة من عدم ثبوت التخيير في قضاء تلك الصلوات فيها هذا. و قد تقدم منا البحث في المسألة في مبحث قضاء الصلوات مفصلا. إلا انا أردنا هيهنا الإشارة الى ما هو المختار في المسألة إجمالا.
قال قدس سره ما لفظه. لو لم يبق من الوقت الا مقدار اربع ركعات فالظاهر وجوب قصر الصلاتين لتقعا في الوقت و كذا لو بقيت بمقدار خمس ركعات فان عموم من أدرك ركعة لا يدل على جواز ذلك تعمدا كما عرفته في محله. فما عن بعض من احتماله أخذا بعموم من أدرك ضعيف. و أضعف منه احتمال جواز إتمام العصر و قضاء الظهر في الصورة الأولى.
فإن أدلة التخيير لا تنصرف الى مثل المقام. و لو سلم فالتخيير الذاتي الذي هو مفاد تلك الأدلة لا ينافي التعيين العرضي كما في سائر موارد التخيير هكذا قرره شيخنا المرتضى قده و الاولى ان يقال ان جواز التلبس بأداء العصر في هذا الوقت موقوف على عدم صحة فعل الظهر قبلها و ليس كذلك لانه لو اتى بظهر مقصورة قبلها تقع صحيحة جزما فلم يسقط عنه التكليف بأدائها كي يتنجز في حقه الأمر بالعصر قبل الخروج عن عهدتها فلا يجوز له فعل العصر تامة كانت أو مقصورة حتى يخرج عن عهدة الظهر أو يختص الوقت بالعصر بحيث لا يصح أداء الظهر قبلها و هو في حق المسافر الذي يجوز له التقصير ليس الا بمقدار
أداء ركعتين من آخر الوقت لا غير. و أدلة التخيير لا تقتضي وسعة وقت الاختصاص كما لا يخفى انتهى كلامه رفع مقامه. قلت: و الذي يقتضيه التحقيق في المقام ان يقال: ان ما نحن فيه ان كان من باب تبديل الموضوع فكان له ان يجعل نفسه مقيما فيأتي بالعصر تماما ثم يقضى الظهر. و لكن المورد ليس من باب تبديل الموضوع حيث ان المسافر في تلك الأماكن مع كونه مسافرا كان مخيرا بين الإتمام و القصر فلا يصح قياس ما نحن فيه بمن عزم الإقامة عشرة أيام بعد ما كان عازما على عدم الإقامة فلا بد له من الإتمام أو بالعكس بان كان عازما على الإقامة عشرة أيام ثم رجع عن عزمه من قبل ان يتم صلاة واحدة فلا بد له من التقصير. و ذلك من جهة تبديل الموضوع حقيقة الذي كان امره راجعا اليه. و اما ما نحن فيه فليس من هذا الباب قطعا. فان المكلف في الأماكن المزبورة مخير في الحكم لا في الموضوع على الفرض. فالأقوى هو ما ذهب اليه المحقق الهمداني لعدم كون ما نحن فيه من باب تبديل الموضوع حتى يصح إتيان العصر تماما. مع ان ما دل على التخيير في تلك الأماكن منصرف عن مثل المقام كما لا يخفى.
أعاد على كل حال في الوقت و خارجه بلا خلاف و لانه قد زاد في فرض الله كما في رواية الأعمش الاتية.
و اما إذا كان جاهلا بالتقصير فلا اعادة و لو كان الوقت باقيا كما هو المشهور بل عن بعض دعوى الإجماع عليه و حكى عن الإسكافي و الحلبي القول بأنه يعيد في الوقت لا في خارجه و ان كان ناسيا أعاد في الوقت و لا يقضى لو خرج الوقت على المشهور و مقتضى الأصل الاولى في المقام هو الإعادة في جميع الصور عامدا كان أو جاهلا أو ناسيا الا ان الدليل قام على عدم وجوب الإعادة في الجاهل بالتقصير و ان كان الوقت باقيا. و اما الناسي فيعيد في الوقت لا في خارجه و لتوضيح المقام نذكر جملة من الاخبار فنقول:
منها ما رواه الشيخ بإسناده عن زرارة و محمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر عليه السلام رجل صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال: ان كان قرأت عليه
آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد و ان لم يكن قرأت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه و رواه الصدوق بإسناده عن زرارة و محمد بن مسلم (1)و الظاهر ان المراد من تفسير الآية تفسيرها على وجه يستفاد منها تعين وجوب القصر على المسافر. لا ان المراد ما توهمه العامة منها كون القصر في السفر رخصة لا عزيمة.
و منها ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (ع) في حديث شرائع الدين قال: و التقصير في ثمانية فراسخ و هو بريدان و إذا قصرت أفطرت و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته. لانه قد زاد في فرض الله عز و جل (2)و منها ما رواه الكليني بإسناده عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى و هو مسافر فأتم الصلاة. قال ان كان في وقت فليعد.
و ان كان الوقت قد مضى فلا. و رواه الشيخ بإسناده عن الكليني مثله و بإسناده عن سعد عن محمد بن الحسين مثله (3)و منها رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: سالته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر اربع ركعات قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد. و ان لم يذكر حتى يمضى ذلك اليوم فلا اعادة عليه (4)و المراد من مضى اليوم مضى وقت الصلاة كما في رواية العيص. فليس الحكم مختصا بالصلاة النهارية كالظهر و العصر حتى لا يكون الحكم جاريا في صلاة العشاء إذا صلى اربع ركعات نسيانا. و بالجملة فالمستفاد من الاخبار الشريفة هو وجوب الإعادة على العامد دون الجاهل بالقصر مطلقا في الوقت و في خارجه و دون الناسي في الوقت لا في خارجه.
بقي فيما نحن فيه إشكال عقلي و هو كيف يقال باختصاص الحكم اى وجوب التقصير بالعالمين به مع انه بظاهره دور صريح و مع ان مقتضاه معذورية الجاهل من حيث المؤاخذة أيضا لا في خصوص الحكم الوضعي مع ان ظاهر كلماتهم بل
صريح بعضهم كونه آثما بترك التقصير. و من هنا يتولد اشكال آخر و هو كيف يجتمع الاذن في ترك الإعادة في سعة الوقت مع صحة المؤاخذة عليه. و نظير هذه المسألة قد تقدم في مسألة الجهر و الإخفات. فإن معذورية الجاهل بالحكم في تلك المسألة مما لا اشكال فيه. و لكن قد يشكل في تعلقه من حيث اقتضائه اشتراط وجوب الجهر و الإخفات بالعلم به و هو محال لانه دور صريح. و قد يجاب عنه بان من الممكن ان يكون المأتي به في حال الجهل مشتملا على مصلحة ملزمة في حد ذاته. و ان يكون الواجب الواقعي مشتملا على تلك المصلحة مع مصلحة زائدة و خصوصية أخرى. فالحكم بالصحة انما هو لاشتمال المأتي به على تلك المصلحة الملزمة و اما استحقاق العقاب فمن أجل تفويت المكلف المصلحة الزائدة و الخصوصية الأخرى حيث كان واجبا عليه رعايتها و كان تفويت تلك المصلحة مستندا الى تقصيره في ترك التعلم. فطبيعة الصلاة عند الجهل بوجوب القصر مشتملة لمصلحة ملزمة في حد ذاتها و الصلاة المقصورة مشتملة عليها و على زيادة لا يمكن استيفائها عند استيفاء أصل المصلحة في الفرض المذكور. فإذا فرض ان المكلف صلى تماما لجهله بالحكم و حصل منه قصد القربة فيحكم حينئذ بالصحة و بعدم وجوب الإعادة. و كونه مستحقا للعقاب انما هو من جهة تفويته تلك المصلحة الزائدة من غير عذر من حيث تقصيره في ترك التعلم. هذا. و قد يجاب عنه ثانيا كما عن الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدس سره من الالتزام بالترتب في المقام بان الواجب على المكلف أولا هو الصلاة قصرا. و على فرض تركه فالواجب هو الصلاة التامة. فلا منافاة بين الحكم بصحة المأتي به و ثبوت العقاب من جهة تركه الواجب الأول. و لكن خير السبيل في دفع الاشكال المزبور هو سلوك ما يستفاد من كلمات الأئمة الطاهرين عليهم السلام. فان التدبر في كلماتهم يعطى لنا ان الجواب الصحيح ما هو؟ من دون تشبث باعمال بعض المحسنات العقلية. فنقول: المستفاد من كلمات الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ان القصر هدية من الله تعالى لعباده و صدقة و كرامة منه سبحانه عليهم في السفر امتنانا على الأمة. و يجب علينا الأخذ بتلك الهدية و قبولها كما يجب علينا الأخذ بجميع أو أمره و نواهيه و قد يكون عدم أخذها موجبا للعصيان من حيث
كونه ردا لهديته سبحانه و ان لم يكن نفس العمل المأتي به في حد ذاته مبغوضا لكونه واجدا للمصلحة الملزمة. و من هنا سمى رسول الله صلى الله عليه و آله قوما صاموا حين أفطر و قصر عصاة و قال: هم العصاة إلى يوم القيامة الحديث (1)فان عدم أخذ تلك الهدية يكون امرا قبيحا و مبغوضا كما لا يخفى. و في رواية ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه و آله ان الله عز و جل تصدق على مرضى أمتي و مسافريها بالتقصير و الإفطار. أ يسر أحدكم إذا تصدق بصدقة ان ترد عليه (2)و في رواية السكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: ان الله اهدى الى و الى أمتي هدية لم يهدها الى أحد من الأمم كرامة من الله لنا. قالوا: و ما ذاك يا رسول الله؟ قال: الإفطار في السفر و التقصير في الصلاة. فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله عز و جل هديته (3)فقد تحصل ببركة كلماتهم صلوات الله عليهم ان القصر هدية و صدقة منه الى العباد فان كان المكلف عالما بوجوب القصر عليه تعينا و مع ذلك أتم صلاته عالما عامدا فحينئذ رد على الله تعالى هديته و لم يقبل صدقته فلا تكون صلاته صحيحة مقبولة لانطباق عنوان القبيح على صلاته و بذلك تخرج عن كونها مأمورا به.
فإن العبادة لا بد و ان تكون امرا محبوبا لا امرا مبغوضا و مصداقا للقبيح كما هو واضح. و يشهد لما ذكرنا ملاحظة حال العرف. فإذا اهدى أحدهم الى أحد منهم هدية فردها فقد يكون ذلك توهينا منه بالنسبة اليه و يعد ردها فعلا قبيحا و منكرا. فما بالك حينئذ لمن يرد على الله عز و جل هديته. و ما ذكرنا من كون الفعل المأتي به متصفا بعنوان القبيح انما هو في صورة إتمام الصلاة عالما و عامدا بخلاف صورة الجهل و النسيان. فلا يتصف الفعل حينئذ بالعنوان المذكور. و لا تكون فعله توهينا لمقام الربوبية من حيث عدم التفاته بان في الإتمام تفويتا لهديته سبحانه. و لمكان اشتمال الفعل حينئذ على المصلحة الملزمة يتصف الفعل المذكور من الإتمام بالصحة. ان قلت: يلزم على ذلك
عدم وجوب الإعادة للناسي أيضا إذا تذكر في الوقت قلت: الالتزام بعدم وجوب الإعادة في الصورة المذكورة و ان كان بمكان من الإمكان. الا انه لا مناص من الالتزام بالإعادة من جهة دلالة بعض النصوص على ذلك. و اما الالتزام بصحة المؤاخذة في صورة الجهل فمن جهة ترك التعلم. فان الواجب على المكلف في السفر هو تعين القصر. و الفرض انه في صورة الجهل أتم صلاته لا عالما و عامدا حتى تكون صلاته باطلة. بل جهلا. فقد ترك أخذ هديته سبحانه من جهة تركه التعلم بان الواجب عليه هو القصر تعينا. فصحة مؤاخذته من جهة تركه التعلم الواجب. و هذا لا ينافي صحة صلاته لاشتمالها على المصلحة الملزمة كما عرفت.
و يلحق الصوم بالصلاة فيما ذكرنا من الحكم. فمن كان عالما بوجوب الإفطار في السفر فصام عالما عامدا فصومه باطل. فقد رد على الله هديته فيكون صومه مصداقا للمبغوضية. فلا يمكن اتصافه بالقربة. و هذا بخلاف كونه جاهلا. فلا يصدق عليه ذلك حينئذ كما لا يخفى.
بل كان قصده الإتمام. فسلم في الثانية بزعم كونها أربعة فقد نسب الى المشهور عدم صحة صلاته و وجوب الإعادة عليه و هذا مما لا اشكال فيه بناء على اختلاف ماهية الصلاتين من المقصورة و التامة. و لكن التحقيق كما ذهبنا اليه سابقا عدم اختلاف جوهري بينهما. و لا فرق بينهما إلا بزيادة الركعتين الأخيرتين و عدمها. فلا اختلاف بينهما بحسب الماهية. بل الاختلاف بينهما انما هو بالطول و القصر و أحسن التعابير في المقام هو التعبير بالقصر و التمام كما في الروايات. و على هذا لو قصر الجاهل بوجوب القصر اتفاقا مع كون قصده اربع ركعات بما انها كذلك و مقيدا بتلك الخصوصية فاللازم حينئذ الحكم بالبطلان كالصورة السابقة. نعم لو كان نظره من ذلك امتثال الأمر الواقعي المتوجه اليه من الإتيان بطبيعة الظهر مثلا من دون تقييدها بالخصوصية المذكورة. و لكن تخيل ان مصداق تلك الطبيعة بالنسبة إليه أربع ركعات فصلى قصرا اتفاقا فصلاته حينئذ
صحيحة. فإنه اتى بما هو واجب عليه في نفس الأمر من الصلاة المقصورة بداعي الأمر القربى. فلا خلل في عمله و لا في نيته. و نظير ذلك ما إذا اقتدى بالإمام الحاضر في صلاته و تخيل انه زيد فبان انه عمر و مع كون عمر و ايضا عادلا و من البديهي عدم لزوم قصد التمامية و القصر من أول الأمر. و لذا لو شرع في الصلاة في مواضع التخيير و لم يقصد الإتمام و القصر. بل كان مرددا ان يتم أو يقصر ثم قصر أو أتم فصلاته صحيحة جدا هذا. و اما إذا اتى بالقصر من باب الاتفاق مع كونه قاصدا للتمام من الأول تشريعا فحينئذ لا إشكال في بطلان صلاته لقبح التشريع في العمل و كونه متصفا بالمبغوضية بالقصد المزبور و لكن هذه الصورة خارجة عن فرض المسألة. فإن الظاهر ان مقصودهم من عنوان المسألة التعرض لحكم من زعم لشبهة من جهل أو سهو أو نسيان انه مكلف بالإتمام فقصد بفعله الخروج عما في عهدته على ما يراه من التمام فقصر من باب الاتفاق. و هنا فروع قد تعرض لها المحقق قدس سره و قد تعرضنا لبعضها فيما أسلفناه من ابحاثنا و لا نرى في التعرض لها تفصيلا كثير فائدة. فمنها: ان الاعتبار في القضاء هل بحال فوات الصلاة أي آخر الوقت الذي يتحقق عنده صدق اسم الفوت أو حال الوجوب و قد تكلمنا في مبحث قضاء الفوائت حول المسألة تفصيلا فلا نعيد و منها: إذا دخل الوقت و هو حاضر و لم يصل ثم سافر و الوقت باق ففي المسألة أقوال: فقيل انه يتم بناء على اعتبار وقت الوجوب. و قيل يقصر لكون الاعتبار في القضاء بحال الأداء و قيل بالتفصيل فيتم في السعة و يقصر في الضيق. و قد تعرضنا للمسألة تفصيلا في مبحث القضاء و منها: من دخل في صلاة بنية القصر ثم عن له الإقامة أتم بلا خلاف على الظاهر. و صحة هذه الصلاة بناء على ما ذهبنا اليه من عدم الاختلاف بين المقصورة و التامة بحسب الماهية أمر واضح.
و اما بناء على ما ذهب اليه المشهور من وجود الاختلاف بينهما بحسب الحقيقة و ان ماهية المقصورة غير ماهية التامة فصحة صلاته عندئذ من جهة العدول من القصر إلى الإتمام. و يمكن تقريب الصحة على مبنى المشهور بوجه آخر ايضا.
و هو ان يقال ان المكلف لما شرع في صلاته بنية القصر فقد وقع ما اتى من الصلاة صحيحا الى بدو الإقامة و لا دليل للحكم بالبطلان بمجرد تبدل قصده من القصر
الى التمام. ثم بدا له الإقامة فتوجه إليه أمر آخر و هو الأمر بالإتمام فامتثل به ايضا. فلا وجه للبطلان. غاية الأمر تكون صلاته مركبة من القصر و التمام. و الالتزام به مما لا بأس به بعد دلالة الدليل على صحة الصلاة المذكورة. و يدل على الصحة مضافا الى الأصل و إطلاقات أدلة الإقامة خصوص صحيحة على بن يقطين انه سأل أبا الحسن الأول عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر. ثم يبدو له في الإقامة و هو في الصلاة قال: يتم إذا بدت له الإقامة (1)و رواية سهل عن أبيه قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يخرج في سفر تبدو له الإقامة و هو في صلاته أ يتم أم يقصر؟ قال: يتم إذا بدت له الإقامة (2)و منها: لو نوى الإقامة عشرا و دخل في صلاته فعن له السفر قبل ان يتم صلاته فهل يجب عليه إتمام هذه الصلاة التي تلبس بها بنية الإتمام أو انها باطلة فيجب قطعها و استينافها قصرا و قد تردد في الحكم المحقق حيث قال: و فيه تردد. أقول. بناء على المختار من كون المقصورة و التامة مما لا اختلاف بينهما بحسب الماهية لا بد من إتمام الصلاة المذكورة قصرا لو لم يفت محل العدول بان لم يدخل في ركوع الثالثة.
و الا فالصلاة باطلة لاستلزامها الزيادة الركنية. و اما بناء على مبنى المشهور من اختلاف ماهية القصر و الإتمام و ان العدول عن كل واحد منهما إلى الأخر مخالف للأصل ففيه الوجهان. الأول: انه لا يرجع الى التقصير بل لا بد له من الإتمام فإن الصلاة على ما افتتحت بصيغة المخاطب أو بصيغة المجهول. و فيه ان الرواية مختصة بما عدي المورد كما حققنا في محله. و ايضا انه دخل فيها دخولا مشروعا على حسب ما كان مكلفا به في الواقع حين تلبسه بالصلاة و هو يقتضي الاجزاء و لا دليل لرفع اليد عن ذلك. و الثاني: يجب قطعها و استينافها قصرا لتبدل الموضوع فلا وجه لبقاء الحكم المزبور من وجوب التمام بعد ارتفاع موضوعه كما انه لا وجه للعدول ايضا و ان لم يفت محل العدول لاختلاف القصر و التمام بحسب الماهية عندهم كما عرفت. هذا تمام الكلام في المقام و الحمد لله و قد تمت هذه الرسالة الشريفة المسماة ب «النجم الزاهر في صلاة المسافر» بيد مؤلفها الأقل
ابى الحسن الموسوي التبريزي ابن العلامة السيد على بن الفقيه الجليل المرحوم السيد محمد الشهير ب (مولانا) تقريرا لبحث فقيه عصره آية الله العظمى السيد محمد الحجة الحسيني الكوهكمرى التبريزي دام ظله في سنة 1369 ه. ق في بلدة قم حرم الأئمة و عش آل محمد صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.