تحفه الانفس و شعار سکان الاندلس

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: تحفة الانفس و شعار سكان الاندلس

نويسنده: ابن هذيل، على بن عبد الرحمن

محقق / مصحح: نبهان، عبد اله احمد / صالح زغل، محمد فاتح

موضوع: جغرافياى شهرها

زبان: عربى

تعداد جلد: 1

ناشر: مركز زايد للتراث و التاريخ

مكان چاپ: العين

سال چاپ: 1425 ه. ق

نوبت چاپ: اول

اشارة

المقدّمة

حفل التراث العربي بالكثير من الكتب التي تحدّثت عن الخيل و الفروسية، و هي مجال تراثيّ خصب في معارفه، و قيمه العربية و الإسلامية، التي يسعى مركز زايد للتراث و التاريخ بمدينة العين إلى تحقيقها و نشرها.

و يعدّ كتاب (تحفة الأنفس، و شعار سكان الأندلس) من المؤلفات المهمة في مجال الخيل و الفروسية؛ فمؤلّفه علي بن عبد الرحمن بن هذيل الأندلسي من أكثر علماء عصره- القرن الثامن الهجري- إجادة للتأليف في مجالات الخيل، و ما يتصل بها من مظاهر الفروسية، و أهميتها في تربية النفوس، و صون الحرمات.

و في هذه النشرة جهد علميّ رصين، يظهر الكتاب في حلّة جديدة، مستخرجة من نشرة بعناية (لويس مرسييه) التي ظهرت بطريقة التصوير الفوتو غرافي لنسخة مكتوبة بالخطّ المغربيّ سنة 1930 م، صوّرها مرسييه، و ألحق بها عددا من الصفحات، ضمّنها تصويبات، لما وقع في النسخة المغربية من تصحيفات.

و قد وجد المركز ما يوجب نشر (تحفة الأنفس، و شعار سكان الأندلس) لندرة وجود نسخة مرسييه، و لأهمية وجود هذا الكتاب بين أيدي القرّاء و الباحثين في التراث العربي و الإسلاميّ، و لا سيّما الأندلسيّ منه.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين

المحققان

المؤلف و الكتاب‌

المؤلف:

اشارة

هو علي بن عبد الرحمن بن هذيل الأندلسي، لا نعرف عنه شيئا ذا بال مع أن له عددا من الكتب المطبوعة، و قد ضنت المصادر الأندلسية و المشرقية التي نعرفها بذكر أخباره، فلم نقع له على أي ترجمة أو مجموعة أخبار، و قد سألنا الصديق الدكتور محمد رضوان الداية- و هو من المتبحرين في الأدب الأندلسي و تاريخ الأندلس و تراثها- عن ابن هذيل فأخبرنا أنه لم يقع له أيضا على ترجمة في المصادر التي طال تنقيبه و بحثه فيها، و قد كان ابن هذيل في الجزء الثاني من كتابه في الباب السادس عشر المعقود لذكر الرماح في حلية الفرسان و في نهاية الفصل الأخير منه قد قال:

و من أبدع ما قيل فيه- أي الرمح- قول شيخنا القاضي الشريف أبي القاسم الحسني- رحمه الله.

و أصمّ ممطول الكعوب إذا اقتضى‌مهج الكماة فدينه لا يمطل

متوقّد حتى أقول: أذابل‌بيديّ منه أم ذبال مشعل

لو لا التهاب النصل أينع عوده‌مما يعلّ من الدماء و ينهل

فاعجب له إن النجيع بطرفه‌رمد و لا يخفى عليه مقتل

و شيخه الذي يشير إليه و ينشد أبياته هو الشريف الغرناطي محمد بن محمد بن أحمد بن محمد الحسيني أبو القاسم، من فضلاء الأندلس و أدبائها و قضاتها ولد بسبتة سنة 697 ه/ 1297 م، و بها نشأ، ثم ولي

ديوان الإنشاء بغرناطة ثم القضاء و الخطابة فيها، و ولى قضاء وادي آش، ثم أعيد إلى غرناطة و بها توفي و هو في قضائها، و كانت وفاته سنة 760 ه/ 1359 م، فإذا كان هذا القاضي شيخ ابن هذيل فإن هذا الأخير كان بلا شك من رجال القرن الهجري الثامن، و قد ترجم للحسيني لسان الدين في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة.

آثاره:

اشارة

و إذا كنا قد فقدنا أي أثر لترجمة لابن هذيل فإن الرجل قد ترك مجموعة من الأعمال وجد بعضها طريقه إلى النشر في عصرنا، و قد قامت أعماله و ما فيها من الفوائد مقام ترجمته و أخباره، و الإنسان على كل حال يعرف بأعماله. و نذكر الآن أعماله منسوقة على الحروف:

•

الأبواب: انظر الفوائد.

•

تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس- سيرد الكلام عليه.

•

تذكرة من اتّقى: ذكره ابن هذيل في كتابه المطبوع: عين الأدب و السياسة ص 222.

حلية الفرسان و شعار الشجعان:

هذا الكتاب هو في حقيقته الجزء الثاني من كتاب «تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس» و قد أفرده مؤلفه بعنوان مستقل و وضع له مقدمة تشبه إلى حد كبير مقدمة تحفة الأنفس. و قد طبع مستقلا غير ما مرة فقد نشره لويس مرسيه‌Mercier عام 1922 م بباريس بطريقة التصوير عن نسخة مكتوبة بالخط المغربي، ثم نشره المرحوم محمد عبد الغني حسن في دار المعارف بمصر عام 1952 م، ثم نشره مركز زايد للتراث و التاريخ بتقديم من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، عام 2002 م.

و يتألف هذا الكتاب من عشرين بابا معظمها يتعلق بالخيل و ما يتصل بها من اللغة و النسب و الفرسان و خصصت بعض الأبواب الأخيرة للسيف و الرمح و الترس.

عين الأدب و السياسة و زين الحب و الرياسة:

و هو كتاب مؤلف من أربعة أقسام، و قد قسم كل قسم منها إلى فصول و سنذكر عناوين الأقسام لأنها تدل على موضوعات الكتاب.

1- من الأحاديث و الحكم و الأمثال التي يقوى الشاهد بها و يعظم الاستدلال.

2- في السؤدد و المروءة و مكارم الأخلاق و مداراة الناس و التأدب معهم في حالي الغنى و الإملاق.

3- في طرف من الحكايات و الآداب الصادرة عن أولي الألباب و الأحساب.

4- في جمل من الوصايا و المواعظ الحسان العظيمة الفائدة و المنفعة لكل إنسان.

و قد طبع هذا الكتاب بمطبعة الاعتماد بمصر سنة 1303 ه/ 1885 م و له طبعة أخرى على هامش كتاب «غرر الخصائص الواضحة» لجمال الدين الوطواط (ت 718 ه) في المطبعة الأدبية بمصر سنة 1900 م، كما طبع في مطبعة البابي الحلبي بالقاهرة سنة 1938 م، ثم نشرته دار الكتب العلمية ببيروت و صدرت طبعته الثانية عام 1985 م، و طبعاته هذه غير محققة.

الفوائد المسطرة في علم البيطرة أو الأبواب:

طبع في مدريد سنة 1935 م و قد علق ناشر كتاب عين الأدب في طبعة دار الكتب العلمية على هذا الكتاب بقوله: هناك بعض الشكوك حول نسبة كتاب الفوائد المسطرة في علم البيطرة. و أجدر بهذا أن يكون من تأليف يحيى بن أحمد بن هذيل الطبيب.

كمال البغية و النيل:

ذكر مرسيه أن ابن هذيل ذكره في كتابه عين الأدب و السياسة.

مقالات الأدباء:

ذكره في كتابه عين الأدب و السياسة ص 262.

و هكذا نرى أن هذا الرجل المجهول في كتب التراجم قد ترك تراثا أدبيا جيدا يعتمد الجمع و الاصطفاء و الترتيب كما لاحظنا في كتبه التي تيسر لنا الاطلاع عليها، و قد صرح بذلك في غير ما موضع من كتبه، قال في مقدمته لكتاب «عين الأدب و السياسة»:

«فإن التأليف غير موقوف على زمان، و التصنيف ليس بمقصور على أوان، لكنها صناعة ربما قصرت فيها سوابق الأفهام، و سبيل ربما حادت عنها أقدام الأوهام، قال بعض الحكماء: لكل شي‌ء صناعة، و صناعة التأليف صناعة العقل .. و الذي عليه في التأليف المدار، و هو حسن الانتقاء و الاختيار، مع الترتيب و التبويب و التهذيب و التقريب .. و فضيلة هذا التأليف هي في جمع ما افترق، مما تناسب و اتسق، و اختيار عيون و ترتيب فنون، من أحاديث نبوية، و مكارم أدبية، و حكم باهرة، و أبيات نادرة، و أمثال شاردة، و أخبار واردة، و وصايا نافعة، و مواعظ جامعة،

و مروءات سرية، و سياسات سنية، و معان مستظرفة، و حكايات مستطرفة، و جميع ذلك مطرد بكل شعر جزل، سهل، برى‌ء من الغزل و الهزل»، و لا يعدم القارى‌ء مثل هذا الكلام، في مقدمة تحفة الأنفس و مقدمة حلية الفرسان، فالرجل كان بارعا في اختراع الأبواب ثم في ملئها بمختاراته من كتب الأدب و الحديث و غيرها من كتب الثقافة التي كانت معروفة و كثيرة في عصره.

الكتاب:

عنوان الكتاب كما ذكره في مقدمته ص 8: «تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس» و قد ذكر على نحو مختصر في كتابه عين الأدب و السياسة فقال ص 296 و ص 298: و من المنقول من كتابنا «تحفة الأنفس» و قد سطر اسم المؤلف في أول المخطوط الذي اعتمدناه، فلا شك لدينا في نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه.

أما قيمة الكتاب فتكمن في أنه كان استجابة ثقافية لأوضاع البلاد الأندلسية، و ما اعتراها من مد و جزر في ساحة الحروب، و من وهن و ضعف في مجال السياسة، فأراد المؤلف التذكير بأهمية الجهاد و كونه العماد الذي تقوم عليه دولة الإسلام، لذلك نراه يقول: «و ذلك هو الذي أوجب على العبد تأليف هذا الكتاب و تلخيصه و تهذيبه و تمحيصه عند ما لاذ به و تمسك بفاضل مذهبه في الجهاد و الرباط و ما ينتظم بذلك من أي قرآنية، و أحاديث نبوية، و مسائل فقهية، و تواريخ علمية، و صناعة فروسية، و آثار ملوكية، و شجاعة طبيعية، و حكمة سياسية، و مكيدة حربية، و أبيات شعرية، و جلاء و كفاح، و خيل و سلاح، و ما يختار و يحمد من صفاتها، و يكره و يذم من شياتها، و جميع ما يختص بأحوال المركوب، و يتضمن تعليم الركوب، و تتميم المطلوب» و قدم المؤلف كتابه إلى أمير المؤمنين الغني

بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن نصر في آخر أيام بني الأحمر. و كانت ولاية الغني بالله الثانية عام 763 ه/ 1362 م و واضح أن حديث المؤلف يشمل الكتاب بقسميه، و نحن إنما نعنى الآن بالقسم الأول الذي اتجه إلى الجهاد و الرباط فقط دون الخيل و السلاح. و قد جعل المؤلف هذا القسم في عشرين بابا شاملة لأحكام الجهاد، و ما قيل في التحريض عليه، و جامعة لما اتصل به من أخبار الشجاعة و الإقدام و وصايا أمراء الجيوش و ما يتصل بذلك من شرح لأساليب الحرب و أشكال القتال.

هذا و قد جمع المؤلف مادة كتابه من عدد من المصادر منها ما هو موجود لدينا الآن و منها ما هو مفقود لم نقع له على أثر، فمما هو موجود و رجعنا إليه و وثقنا الأخبار منه كتاب السيرة النبوية لابن هشام و كتاب العقد لابن عبد ربه و كتاب سراج الملوك للطرطوشي و كتاب الحماسة لأبي تمام و كتاب مروج الذهب للمسعودي أما كتاب ابن يونس في فقه الجهاد و كتاب راحة القلوب و الأرواح في الخيل و السلاح و ما يماثلها مما هو مذكور في مقدمة المؤلف فلم نقع لها على أثر مع الأسف.

النسخ المعتمدة في التحقيق:

1- نسخة الأسكوريال (س):

كتبت هذه النسخة بخط أندلسي و جاءت في 271 صفحة مشتملة على كتاب تحفة الأنفس بقسميه، و لم يذكر اسم الناسخ و لا تاريخ النسخ، لكننا وجدنا في الصفحة الثانية تمليكا يفيد بأن هذه النسخة كانت

متداولة عام 821 ه، أي في زمن قريب من عصر المؤلف و سنذكر ها هنا نص التمليك مصححين ما ورد فيه من أغلاط الإملاء و النحو:

«الحمد لله وحده، اشترى هذا السفر بثلاثة ذهب عبيد الله، أقل عبيده و أكثرهم ذنوبا و عصيانا، راجيا عفو الله سبحانه و غفرانه (كلام مطموس) تاب الله عليه و لطف به و غفر الله له و لوالديه، و أماته الله على الإيمان و الإسلام و لمن قرأ و قال: آمين آمين و صلى الله على سيدنا محمد و على آله (كلام مطموس) عنه في أواخر المحرم عام أحد و عشرين و ثمان مائة».

احتل القسم الأول من الكتاب 123 صفحة، كان من المفروض أن تشتمل على عشرين بابا، لكن أبوابا سقطت منها و لم يتنبه عليها مرقم صفحات الكتاب، فقد سقط منها الباب الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و السادس عشر .. و قمنا باستدراك هذه الأبواب من نشرة مرسيه.

2- نشرة مرسيه (م):

كان لويس مرسيه‌Louis Mercier المستشرق الفرنسي قد نشر القسم الثاني من «تحفة الأنفس» بعنوان مستقل هو «حلية الفرسان و شعار الشجعان» في باريس عام 1922 م مصورا عن مخطوطة بخط مغربي، و ألحق بها صفحات من الأغلاط التي وقعت مع تقديم اجتهاد في تصحيحها، ثم قام عام 1933 بنشر القسم الأول بعنوان «تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس» و قال في مقدمته «فدونك ذلك الجزء الأول تحت عنوانه الحقيقي، و خطابه الخاص به نشرته بوسيلة الفتوغرافية مثل ما سبق مني للحلية حتى تقوم لديك النسخة محل الأصل المغربي المخطوط».

جاءت صورة هذا المخطوط في 87 صفحة في كل صفحة خمسة و عشرون سطرا متوسط كلمات السطر خمس عشرة كلمة كتبت بخط مغربي، و اشتملت على الأبواب العشرين تامة و قد وضع عنوان بخط كبير لكل باب، و ألحق مرسيه بالكتاب اثنتي عشرة صفحة على أنها جدول للخطأ و الصواب.

عملنا في الكتاب:

اعتمدنا في تحقيقنا للكتاب مخطوطة الأسكوريال (س) لأنها النسخة الأم و هي الأقدم كما بدا لنا، و بعد نسخها عارضناها بنشرة باريس التي رمزنا لها بالحرف (م) و أثبتنا الفروق بين المخطوطتين، و استدركنا الأبواب الساقطة من نسخة الأسكوريال بالأبواب تامة كما جاءت في نشرة باريس،. ثم عمدنا إلى الأخبار فحرصنا على ربطها بمرجعيتها التي كانت عماد المؤلف، و قارنا نص الأخبار بأصولها فصححنا ما احتاج إلى تصحيح و قومنا ما احتاج إلى تقويم، و ترجمنا لأعلام الكتاب و خرجنا الآيات الكريمة و معظم الأحاديث الشريفة و وضعنا له الفهارس اللازمة حتى يأتي كصنوه الجزء الأول في دقة التخريج و جمال الإخراج.

و بصدوره يكون كتاب تحفة الأنفس قد صدر تاما بعنوانين، يحمل القسم الأول العنوان الأصلي للكتاب، و يحمل القسم الثاني عنوان «حلية الفرسان و شعار الشجعان».

و إنه لمن الواجب الذي تمليه أخلاقية العمل العلمي أن نتقدم بخالص الشكر و التقدير إلى سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان- نائب رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله لرعايته هذا العمل و تبنيه و تقديمه يد العون. و إلى مركز زايد للتراث و التاريخ ممثلا بمديره الدكتور حسن

محمد النابودة على جهوده و خدمته للعلم و العلماء. و حسبنا أننا بذلنا ما نستطيع من جهد في إخراج هذا العمل في هذا المستوى الذي نرجو أن يكون به لائقا.

المحققان

نماذج من صفحات المخطوطات المعتمدة في التحقيق‌

صفحة العنوان من طبعة مرسيه

الصفحة 1 من نشرة لويس مرسيه

الصفحة 2 من نشرة لويس مرسيه

الصفحة 45 من نشرة لويس مرسيه

الصفحة 46 من نشرة لويس مرسيه

الصفحة الأخيرة من نشرة لويس مرسيه

من نشرة لويس مرسيه

الصفحة الأولى من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة الثانية من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 55 من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 56 من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 71 من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 72 من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 122 من مخطوطة الأسكوريال

الصفحة 123 من مخطوطة الأسكوريال

تحفة الأنفس و شعار سكّان الأندلس لعليّ بن عبد الرّحمن بن هذيل الأندلسي منه علماء القرن الثّامن الهجري

مقدمة المؤلف‌

(س 3) (م/ 1) بسم الله الرحمن الرحيم صلى اللّه على سيّدنا و مولانا محمد و على آله و صحبه و سلّم.

قال عبد الله الفقير إلى رحمته عليّ بن عبد الرحمن بن هذيل وفّقه الله:

الحمد لله المنعم بسوابغ المنن و الآلاء، المحسن بجلائل القسم و النعماء، الذي أكرمنا بالإسلام و هدانا برحمته إلى دار السلام، و أخرجنا إلى نور الهدى من ظلم الشّرك و الردى، و جعلنا ممّن وفّق لطاعته و بكتابه اقتدى.

و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد عبده و رسوله نبيّ الملاحم، و متمّم المكارم الذي ختم به النبيين و نسخ بشريعته شرائع الأولين و الآخرين، فمحا- عليه السلام- بسيوف حزبه المجاهدين مقال الملحدين، و كفّ بأوليائه المهتدين أكفّ المارقين و مكر المعتدين، و أظهر على كلّ ثنية وفد الله و ركبه، و أشعر دينه القيّم شرق المعمور و غربه، صلاة تنظم في سلكها أهله الطاهرين و صحبه، و سلّم كثيرا.

أما بعد:- كتب الله النصر المؤيّد، و العزّ المؤبّد، و الثناء المخلّد، للمقام الكريم/ (س 4) السنيّ الجليل، الطاهر العليّ، مقام مولانا و ملجئنا و منجانا، و عصمة ديننا و دنيانا، ظهير الدين و عماد المؤمنين، و خليفة ربّ العالمين، (قمر السّعد و صفوة بيت الملك الرفيع المجد، ذي الآثار العليّة و المآثر الجهاديّة) الشهير المناقب، العالي المراتب، أمير المسلمين الغنيّ بالله أبي عبد الله محمد(1)ابن الهمام الأوحد الأشرف الأمجد، المثيل الخطير، الشهير الكبير، الكريم المآثر، السامي المفاخر، أمير المسلمين


1) تولّى مملكة بني الأحمر عام 797 ه و هو السلطان الحادي عشر من ملوك الدولة النصرية.

المقّدس أبي الحجّاج يوسف ابن مولانا الهمام الأعلى، الأوحد الأسمى، الأشهر الأكبر الأرضى، المجاهد الأمضى، حامي حمى الإسلام، و صدر الملوك و علم الأعلام، أمير المسلمين المقدس أبي الوليد إسماعيل بن نصر، وارث الفخر الأنصاريّ، و منتهى الشرف العربيّ، و ناهيك من شرف صميم، و منتمى كريم، و فخر كبير، و علاء شهير، و مجد ما فوقه مرتقى لمجد، و لا مجال لحمد، و قدر رفع الله محلّه على الأقدار، و جعل نجاره من السادة الأخيار، البررة الأنصار، الذين ثبتوا مع رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- عند الفرار، و كابدوا من أجله حدّ الذّوابل و ذلق الشّفار: سؤدد يكلّ في وصفه القرطاس و القلم، و تعجز/ (س 5) عن حصره العرب و العجم/ (م 2).

فما جازه مجد و لا حلّ دونه‌و لكن يصير المجد حيث يصير(1)

أجارة بيتينا أبوك غيورو ميسور ما يرجى لديك عسير

ص 480- 481، ديوان أبي نواس« أحمد عبد المجيد الغزالي» المجلد الثاني، الناشر دار الكتاب العربي- بيروت- بلا تاريخ.

ملك الدنيا الذي وقع عليه الإصفاق، و التأم به الاتّفاق، و تحدّثت بسيره الجميلة الرفاق، فتشوّفت إليه الشام و العراق، اليمن مكتنف بسلطانه، و الظفر مبتسم عن سنانه، و النّجح عاقد لوائه، و الحمد نسج ردائه، إذا خفق لواؤه، أذنت بالنصر هيجاؤه، و إن غزا قوما أو نهد إلى بلد، تقدّمه جيشان من الرعب و العدد، و لو لم يقد جحفلا، لكان بنفسه في الحروب متكفلا، و كيف لا؟!! و هو قد سلب البغاة الأمر قسرا، و أكسب الطغاة من


1) هذا البيت لأبي نواس من قصيدته التي مدح بها الخصيب أمير مصر و أولها:

خوفه ذعرا، فتحصنّا برقاقه و بواتره، و تحبّسنا بمحاسنه و مفاخره، حين نهج- أيّده الله- طريق الدين من أمم، و اقتدى بالنبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- و أصحابه خير الأمم، فجعل شعاره الجهاد، و شيمته سلوك سبيل الرشاد، فأثجمت بعدله سحائب الخيرات، و أنجمت بعوامله غياهب الملمّات، و تفرّج من الزمان أدهمه، و انبلج عمود الأمان و لاح مبسمه، و عادت به جزيرة الأندلس في حرز من نزغات الفتن، و حفظ من لزبات الإحن، فحمى حماها، و ذبّ عن أرجائها و فصم رداها، و حصد شوكة أعدائها و وطى‌ء الروم/ (س 6) و كفّها من غلوائها، و ذللّها بعد استيلائها، و خرّب ديارها، و شتّت أحوالها، و قتل حماتها و أبطالها، فعظيمهم من أجله يتوقّع الحتوف في كلّ لحظة، و يستجلب العطوف بكلّ لفظة، فالخوف بين ضلوعه كالصلّ، و الثكل في أحشائه كالنّصل، لا يرى من الليل سترا حالكا إلّا ظنّه جيشا فاتكا، و لا من النهار ثغرا ضاحكا إلا توهّمه عضبا باتكا، و قد حمّ لذلك حمامه و تشعّب نثره و نظامه، و أتى على ضوئه ظلامه، و بكى عليه رمحه و حسامه.

و اتّضح بهذا القطر الأندلسيّ دين الإسلام ببركة دولة هذا البطل الهمام، معمور الأرجاء، موفور النّعماء، مضمون النماء، مصون السرّاء، محجوب الضراء،

فالحمد لله الذي شرف دولته على جميع الدّول، و جعل ملوك الأرض لها كالأتباع و الخول، فهم تحت طاعتها يمرحون، و في مورد عنايتها يكرعون، و إليها في مهماتهم يفزعون.

أبقاها الله تعالى في ذروة العزّ المكين، و الحرز الأمين، و التّوفيق الواضح المستبين بمنّه و فضله و كرمه و طوله.

فإنّ أعظم الفوائد قدرا، و أشرف المعاني ذكرا، و أنجح المساعي أمرا، أن يرفع فنّ من العلم نبيل إلى مقام ملك جليل، لا سيّما إذا كان ذلك فيما يتعلّق بصفة الملك/ (س 7) الغالبة عليه، و يختصّ بسجيته المنوطة به، و قطره الراجع حكمه إليه، فيتضاعف/ (م 3) شرف الموضوع، و يبهر كمال المصنوع، و يكرم جوهر المطبوع، و ذلك هو الذي أوجب على العبد تأليف هذا الكتاب و تلخيصه و تهذيبه و تمحيصه عند ما لاذ به و تمسّك بفاضل مذهبه في الجهاد و الرّباط و ما ينتظم بذلك من أي قرآنية، و أحاديث نبويّة، و مسائل فقهية، و تواريخ علمية، و صناعة فروسية، و آثار ملوكيّة، و شجاعة طبيعية، و حكمة سياسيّة، و مكيدة حربية، و أبيات شعرية، و جلاد و كفاح، و خيل و سلاح، و ما يختار و يحمد من صفاتها و يكره و يذمّ من شياتها، و جميع ما يختصّ بأحوال المركوب، و يتضمن تعليم الركوب، و تتميم المطلوب إن شاء الله، لنقضي بذلك من حقّ مولانا- أيده الله- بعض ما وجب، و إن كان المؤلفون بجميع فنونهم ينسلون إليه من كلّ حدب، فإني اعتمدت على مقصد شريف، و منزع يوجب لقاصده التنويه و التشريف.

و جمعت هذا الكتاب من جملة تواليف، و انتقيته من غير ما تصنيف ككتاب ابن يونس في فقه الجهاد، و كتاب ابن المنذر أيضا في الجهاد و كتاب سيرة أجواد الأنجاد في مراتب الجهاد، و كتاب يقظة الناعس لتدريب المجاهد/ (س 8) الفارس، و كتاب تهذيب الإمعان في الشجاعة و الشجعان، و كتاب راحة القلوب و الأرواح في الخيل و السلاح، و كتاب سياسة ابن حزم، و كتاب سراج الملوك و نظم السلوك، و كتاب العقد، و كتاب مروج الذهب، و كتاب

ابن أبي حزام، و كتاب الدمياطي في الخيل و كتاب الحميدي، و كتاب رسالة الفرس، و كتاب الحماسة، إلى غير ذلك من التواليف التي (كأنها) لنزارة المنقول منها هنا لم تكتب، و من الأجزاء التي لصغر حجمها لم تنسب. فجاء بحمد الله تعالى في فنّه مجموعا كافيا، و في معناه أسلوبا شافيا، تذكرة لمن عني بالجهاد و تبصرة لأرباب الطّعان و الجلاد، و تنبيها للفارس، و عونا للبطل الممارس، و سمّيته: «تحفة الأنفس و شعار سكّان الأندلس» و قسمته على قسمين جامعين لفوائد غريبة، و معان صحيحة غير سقيمة و لا معيبة، يشتملان على أربعين بابا، فالقسم الأول في الجهاد و الرّباط و ما يتعلق بهما و يحتوي على عشرين بابا:

•

الباب الأوّل منه: في فضل الجهاد و ما أعدّ الله للمجاهد و الشهيد في سبيله.

•

الباب الثاني: في الرباط و فضله و ما خصّت به من ذلك جزيرة الأندلس.

•

الباب الثالث: في فرض الجهاد.

•

الباب الرابع: فيما يفعله الغازي عند خروجه/ (س 9) إلى الجهاد.

•

الباب الخامس: في مشاركة الغازي/ (م 4) و معاونته و تجهيزه.

•

الباب السادس: فيما يجب على الأمير أن يفعله في السّفر.

•

الباب السابع: في امتثال الغازي أمر إمامه و أمير عسكره و قائد جماعته.

•

الباب الثامن: في حكم ولاة الثغور و ذكر الصّوائف.

•

الباب التاسع: في وصايا أمراء الجيوش.

•

الباب العاشر: في التحريض على الجهاد.

•

الباب الحادي عشر: فيما يجوز فعله في الغزو، و ما لا يجوز فعله فيه.

•

الباب الثاني عشر: فيما يجب عمله عند إرادة اللقاء.

•

الباب الثالث عشر: في القتال و المزاحفة إليه و ما قيل في التحرّف و الانحياز.

•

الباب الرابع عشر: في مصابرة العدو و مواقفته عند اللقاء.

•

الباب الخامس عشر: في المبارزة.

•

الباب السادس عشر: في الشجاعة و الإقدام.

•

الباب السابع عشر: في صفة الحرب و تدبيرها و المكيدة.

•

الباب الثامن عشر: في الفروسية و التجنّد.

•

الباب التاسع عشر: في ذكر مشاهير فرسان العرب في الجاهلية و الإسلام.

•

الباب العشرون: في الأمور المحصنة من التغرير، و الداعية إلى النصر في الحرب.

•

و القسم الثاني في الخيل و السلاح/ (س 10) و ما يتعلّق بهما و يحتوي أيضا على عشرين بابا:

•

الباب الأول منه: في خلق الخيل و أوّل من اتخدها و انتشارها في الأرض.

•

الباب الثاني: في فضائل الخيل و ما جاء في ارتباطها.

•

الباب الثالث: في حفظ الخيل و صونها و الوصية بها.

•

الباب الرابع: فيما تسمّيه العرب من أعضاء الفرس و عدد ما في ذلك من أسماء الطير.

•

الباب الخامس: فيما يستحب في أعضاء الفرس من الصفات و ما يستحسن أن يكون شبيها به من الحيوان.

•

الباب السادس: في ألوان الخيل و ذكر الشّيات و الغرر و التّحجيل و الدوائر.

•

الباب السابع: فيما يحمد من الخيل و صفة جيادها و أسماء العتاق و الكرام منها.

•

الباب الثامن: في عيوب الخيل خلقة و عادة.

•

الباب التاسع: في اختيار الخيل و اختبارها و الفراسة فيها.

•

الباب العاشر: في تعليم ركوب الخيل على اختلاف حالاته.

•

الباب الحادي عشر: في المسابقة بالخيل و الحلبة و الرّهان.

•

الباب الثاني عشر: في أسماء خيل رسول/: (م 5) الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و فحول خيل العرب و مذكوراتها.

•

الباب الثالث عشر: في ذكر ألفاظ شتّى و تسميات أشياء تختصّ بها الخيل.

•

الباب الرابع عشر: في ذكر نبذة من الشعر في إيثار العرب الخيل على غيرها و إكرامها لها و افتخارها بذلك.

•

الباب الخامس عشر: في ذكر/ (س 11) السيوف.

•

الباب السادس عشر: في ذكر الرماح.

•

الباب السابع عشر: في ذكر القسيّ و النّبل.

•

الباب الثامن عشر: في ذكر الدروع.

•

الباب التاسع عشر: في ذكر التّرسة و شبهها.

•

الباب العشرون: في السلاح و العدّة على الإطلاق.

و هو آخر أبواب القسم الثاني و به تمّت الأربعون بابا، جعل الله ذلك من المقاصد النافعة، و كتبها عنده في النيّات الصالحة الشّافعة فهو وليّ التوفيق و الهادي إليه.

القسم الأول‌

اشارة

الباب الأول في فضل الجهاد و ما أعد الله للمجاهد و الشهيد في سبيله‌

اشارة

في فضل الجهاد و ما أعدّ الله للمجاهد و الشهيد في سبيله‌

[في فضل الجهاد و معناه لغة و اصطلاحا]

و كتاب الله سبحانه أفضل راشد و أصدق شاهد يشهد، و لا شي‌ء أعظم ممّا عظّمه الله تبارك و تعالى، و قد دلّنا على تجارة رابحة، و صفقة بالفوز و النجاح راجحة، فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَ أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(1).

و الجهاد في اللغة العربية مأخوذ من الجهد، و من ذلك قولهم: بلغ جهده و مجهوده و جهده الأمر إذا استنفد/ (س 12) وسعه و طاقته(2)

و بلغ المشقّة أيضا. و جاهد العدوّ مجاهدة و جهادا قاتله. و الجهاد شرعا قتال من ليست له ذمة من الكفار. عن الوسيط.

، قال الله العظيم: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ(3)أي دافعوا عن دينه و قاتلوا في سبيله بغاية القدرة و منتهى القوّة.

1) سورة الصف 61/ 10، 13

2) في العربية: جهد يجهد جهدا: جدّ، و يقال: جهد في الأمر، أي طلب حتى وصل إلى الغاية.

3) سورة الحج: 22/ 78.

و المأمور به من ذلك شرعا هو الصّبر على حرب العداة وردع البغاة و قتال الطّغاة و حبس النفس على مكارهها الدينية في العاجل لتنال بذلك درك مسارّها، و دفع مضارّها في الآجل.

[ذكر الآيات التي تحض على الجهاد]

قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1).

و قال تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(2).

(م 6) و قال عزّ و جلّ: وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً(3).

و قال جلّ و علا: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا(4).

و قال تعالى: وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً، وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ(5).

و قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ،


1) سورة البقرة: 2/ 218.

2) سورة النساء: 4/ 74.

3) سورة النساء: 4/ 95 و الآية بتمامها:« لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة و كلا وعد الله الحسنى و فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما».

4) سورة العنكبوت: 29/ 69 و تتمة الآية:\i« وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»\E.

5) سورة الحج: 22/ 58، 59.

يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ(1).

و قال تبارك و تعالى و ذكر أحوال المجاهدين: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ (س 13) فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ(2).

و قال تعالى: وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ(3).

و قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ(4).

و قال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(5).


1) سورة المائدة: 5/ 54.

2) سورة التوبة: 9/ 120، 121 و بداية الآية 120 قوله تعالى:\i« ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ ...»\E.

3) سورة محمد: 47/ 4، 5، 6 و بداية الآية الرابعة:\i« فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، ذلِكَ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَ الَّذِينَ ..»\E.

4) سورة الصف: 61/ 4.

5) سورة التوبة: 9/ 111.

و قال سبحانه في الشهداء: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ(1)و الآي في ذلك و الدلالات كثيرة.

[الأحاديث و الآثار المروية في الجهاد]

و مما روي في المجاهدين و الجهاد من الآثار و ورد في مشهور الأخبار ما روي عن أبي ذرّ(2)أن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قيل له: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: إيمانّ بالله و جهاد/ (س 14) في سبيله.

و روي أنه- صلّى اللّه عليه و سلم- قال لرجل سأله: لو قمت الليل و صمت النهار ما بلغت نوم المجاهد.

و في رواية أخرى: ما بلغت غبار شراك نعل المجاهد.

و سئل- صلّى اللّه عليه و سلم- أيّ الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد في سبيل الله بماله و نفسه.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد.


1) سورة آل عمران: 3/ 169، 172.

2) أبو ذر( ت: 32 ه: 652 م): جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفار من كنانة من خزيمة، من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يضرب به المثل في الصدق، هاجر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و سلم إلى بادية الشام و جاء إلى دمشق في أيام عثمان و ولاية معاوية، ثم استدعاه عثمان إلى المدينة و نفاه إلى الربذة من قرى المدينة، و توفي بها. عن الأعلام: 2: 140- الإصابة 7/ 60.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها(1).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: (م 7) ما اغبّرت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النار(2)

و عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم):« و الذي نفسي بيده ما تغبّرت قدما عبد قط و لا وجهه في شي‌ء أفضل عند الله من الصلاة المفروضة من الجهاد في سبيل الله عز و جل.

عن الطبراني في المعجم الكبير 20: 75: 114.

و عن رافع بن خديج قال: سمعت أبا عيسى يقول: سمعت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: من اغبّرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار.

انظر البخاري: باب المشي إلى الجمعة 2: 390: 907 و الترمذي في كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل من اغبّرت قدماه في سبيل الله 4: 170: 1632 كما ورد الحديث في سائر كتب الحديث و السنن.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: عينان لا تمسّهما النار، عين بكت في جوف الليل من خشية الله، و عين باتت تحرس في سبيل الله(3)

4070 الحديث نفسه بدون كلمة( أبدا) الترمذي 8: 4070.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت


1) الحديث في فيض القدير 10/ 5007 برقم: 7286 و تتمته: و لقاب أحدكم أو موضع قدّه في الجنة خير من الدنيا و ما فيها، و لو اطّلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا و لأضاءت ما بينهما، و لنصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها. و قد أحال محققه إلى مسند أحمد 3: 264 و البخاري 6: 2796 و مسلم 3: 1880 و الترمذي 4: 1651 و ابن ماجة 2: 2755 عن أنس. و القاب: القدر. و القدّ: السوط.

2) ورد هذا الحديث بطرق متعددة و ألفاظ مختلفة كما في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 1: 325 برقم: 110، 111، 112، 113، 114، 115، 116، 117 فعن أبي أمامة: ما من رجل يغبارّ وجهه في سبيل الله إلا أمّنه الله دخان النار يوم القيامة. عن الطبراني في المعجم الكبير 8: 114 برقم: 4782 و ابن عدي في كتاب الكامل 2: 587.

3) الحديث في فيض القدير 8: 4069 برقم: 5647 عن أبي يعلى في مسنده 7: 4346 و الترمذي 4: 1639 عن ابن عباس و فيه: عينان لا تمسهما النار أبدا. و في فيض القدير 8:

بآيات الله، لا يفتر من صيام و لا قيام و لا صلاة حتّى يرجع المجاهد في سبيل الله(1)

كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل الجهاد 4: 164 برقم: 1619 و أحمد في المسند 2: 424، 459 و أبو عوانة في صحيحه 5: 44، 45 و ابن حبان في صحيحه 1585- زوائد. و البيهقي في السنن الكبرى 9: 158 و في شعب الإيمان 2 ق. 89 ب و للحديث طرق أخرى ..

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: لا يجتمع الإيمان و الشّحّ في جوف رجل مسلم، و لا يجتمع غبار الجهاد و دخان جهنّم في جوف رجل مسلم(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: لا يجتمع كافر و قاتله في النار أبدا(3).

و روي أنه- صلّى اللّه عليه و سلم-: لم يكن يتلثم من الغبار في سبيل الله(4).


1) الحديث مشهور في كتب الحديث في أبواب الجهاد، و قد ورد مختصرا في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 1: 182 برقم: 29 و قال محققه: أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في المصنّف 5: 287 و سعيد بن منصور في السنن 2320 و من طريقهما مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة 3: 1498، 1499 و اللفظ له، و أخرجه مسلم من طريق أخرى و الترمذي في جامعه:

2) هذا الحديث أورده ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد 1: 339 برقم: 119 بلفظ .. في جوف امرى‌ء مسلم، و أورد في رواية أخرى عن عائشة برقم 120 قالت: سمعت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: لا يجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في جوف عبد مؤمن أبدا. و في رواية أخرى عن أبي هريرة: في جوف عبد أبدا. قال محقق كتاب الجهاد: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 2: 453، 1932 و أخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد 30 و من طريقه الترمذي في جامعه في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله 4: 171 برقم 2311 و النسائي في سننه، كتاب الجهاد: باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه 6: 12 و محمد بن سري في كتاب الزهد 465 و أخرجه الطيالسي في مسنده: 3443.

3) الحديث ذكره فيض القدير 11: 6514 برقم 9949 و عنه: مسند أحمد 2: 297 و مسلم في كتابه 3: 1891 و أبو داود 3: 2495 و البيهقي في سننه 9: 165 عن أبي هريرة.

4) في سنن النسائي برقم: 3062 و 3063 عن أبي هريرة عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: لا يجتمع غبار في سبيل الله عز و جل و دخان جهنم في منخري مسلم أبدا. و ذكر ابن ماجة في كتاب الجهاد 2764 قول الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) لا يجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في جوف مسلم ..

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من لم يغز و لم يحدّث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق(1)

56 و أبو داود 2502 و النسائي 6: 8 كلهم في باب الجهاد عن أبي هريرة.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: (س 15) من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله تعالى و فيه ثلمة(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: لموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود(3).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماوات و الأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة و أعلاها، و فوقه عرش الرحمن و منه تفجّر أنهار الجنّة(4).


1) الحديث في كتاب الجهاد عن أبي هريرة 1: 311 برقم: 98 من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة و في المصدر نفسه ص 312 برقم 99 مثله عن أبي أمامة. و الحديث بلفظه الذي ورد عليه في تحفة الأنفس ورد في جواهر البحار 2: 751 برقم 1524 و عنه: مسند أحمد 2: 374 و صحيح مسلم 13:

2) الحديث في فيض القدير 11: 6007 برقم 9012 و قال محققه هو في الترمذي 4: 1666 و ابن ماجة 2: 2763. و الثلمة: النقصان.

3) الحديث في شرح السير الكبير 1: 10 و في جواهر البحار 2: 762 و لفظه: موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود قال محققه: رواه ابن حبان 1583 بالموارد عن أبي هريرة أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، و انصرف الناس و أبو هريرة واقف فمرّ به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يقول:( و ذكر الحديث).

4) هناك قطعة من الحديث في نهاية الأرب 6: 188. و الحديث في مسند أحمد 2: 335 و 339 بسنده عن أبي هريرة و في البخاري باب الجهاد 4: 19، 20 بلفظ: مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة و أعلى الجنة، أراه فوق عرش الرحمن، و منه تفجر أنهار الجنة.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من جاهد في سبيل الله خالص النفس طيب المال كتب الله تعالى له كلّ قطرة عرق مثل جبل أحد في وزن الحسنات، و كلّ نفس يتنفّسه أو حركة يتحركها إلى عشر أمثالها حسنات، و لم يكتب عليه الملكان الحافظان ما قاله أو فعله من شي‌ء حتّى ينصرف، فإذا عاد إلى منزله عاد كالجنين يقع من بطن أمّه.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: ما جميع أعمال البّر في الجهاد إلّا كتفلة تفلها أحدكم في بحر لجيّ.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله و تصديق كلمته بأن يدخله الجنّة أو يردّه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من غنيمة و أجر(1)

60909 و مسلم في كتاب الإمارة برقم: 3485.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من جرح جرحا في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- لن يكلم أحد في سبيل الله- و الله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة (س 16) و جرحه يثعب دما، اللون لون الدم، و الريح ريح المسك(3).


1) الحديث في الموطا: كتاب الجهاد برقم: 850 و ذكره البخاري في كتاب التوحيد برقم:

2) الحديث في سنن النّسائي: كتاب الجهاد. حديث رقم: 3090 و فيه:« فعليه طابع الشهداء».

3) في البخاري 4: 22 باب من يخرج في سبيل الله عز و جل: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: و الذي نفسي بيده لا يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة و اللون لون الدم و الريح ريح المسك و مثله عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري في السيرة النبوية 2: 612 في أخبار« يوم أحد» عند ما أشرف الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) على قتلى أحد.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا و له ما في الأرض من شي‌ء إلا الشهيد يتمنّى أن يرجع فيقتل عشر مرّات لما رأى من الكرامة(1).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من طلب الشّهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء و إن مات على فراشه(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- للشهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة من دمه، و يرى مقعده من الجنّة، و يجار من عذاب القبر، و يأمن من الفزع الأكبر، و يوضع تاج الوقار على رأسه، الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، و يزوّج ثنتين و سبعين زوجة من الحور العين، و يشفّع في سبعين من أقربائه(3).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: الشهيد يشفّع في سبعين من جيرانه حتّى إنّ الجيران


1) صحيح البخاري( باب الجهاد): تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا: عن أنس بن مالك. عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: ما أحد يدخل الجنة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة 4: 26. و انظر السيرة النبوية 5: 629.

2) الحديث في فيض القدير 11: 5900 برقم: 8836 من طلب الشهادة بصدق أعطيها و لو لم تصبه. عن مسلم في صحيحه 3: 1908 عن أنس و هناك رواية عن سهل بن حنيف و عن معاذ بن جبل. انظر الترمذي 4: 1654 و النسائي 6: 3162 و أبو داود 5: 1520.

3) ورد الحديث في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 2: 532، 533 عن المقدام بن معدي كرب عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) قال:« إن للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، و يرى مقعده من الجنة، و يحلّى حلّة الإيمان، و يزوّج من الحور العين، و يوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، و يزوّج ثنتين و سبعين زوجة من الحور العين، و يشفّع في سبعين إنسانا من أقاربه». و انظر التوسع في تخريجه في الكتاب المذكور.

ليختصمون في قرب الجوار، يقول هذا: أنا أقرب منك جوارا، و يقول هذا:

أنا أقرب منك جوارا(1)

1586 و قال فيه: حديث حسن صحيح غريب. و انظر السنن لأبي داود: كتاب الجهاد برقم:

2160 و ابن ماجة: كتاب الجهاد برقم: 2789.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: الشهيد لا يجد ألم الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من قاتل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، فإن و قصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأيّ حتف كان فهو شهيد(3).

و وقع في بعض الأخبار أنّ الله لا يضحك في يوم الحساب إلّا للغزاة في سبيله و الكريم القليل ذات اليد(4).

و لو أردنا التقصّي لخرجنا إلى الإطالة، فإنّ فضل الجهاد/ (س 17) عظيم و ثوابه عند اللّه جسيم، و هو أزكى الأعمال الموجبة لجنته و أكثرها و لوجا باب رضوانه و مغفرته، و الآثار فيه لا تحصى كثرة و شهرة.


1) ذكر معنى هذا الحديث السابق و مثله في سنن الترمذي: كتاب فضائل الجهاد برقم:

2) في جواهر البحار 1: 456 برقم: 849 و فيه: الشهيد لا يجد مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها. و ذكر محققه أنه في النسائي 6: 31 و الترمذي 1529 و ابن ماجة 2802 و الدارمي 2413 و ابن حبان 1613 عن أبي هريرة.

3) في سنن أبي داود برقم: 2138 باب الجهاد. و تتمة الحديث: و إنّ له الجنة.

4) ورد في كتاب الجهاد 1: 395 برقم: 140 عن أبي سعيد الخدري يرفع الحديث قال: ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام من الليل يصلّي، و القوم إذا صفّوا في الصلاة، و القوم إذا صفّوا في قتال العدو. و انظر تعليقات محقق كتاب الجهاد.

الباب الثاني في الرباط و فضله و ما خصت به من ذلك جزيرة الأندلس‌

اشارة

في الرباط و فضله و ما خصّت به من ذلك جزيرة الأندلس‌

[الصبر و الرباط لغة و اصطلاحا]

قال الله العظيم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1).

الصبر في اللغة هو الحبس، و المصابرة منه، و ذلك حبس النفس على مقارعة المخالفين و ممانعة المنازعين(2).

و الرّباط هو الثبوت و اللزوم و هو من ربط النفس على الأمر، أي تثبيتها عليه و إلزامها إيّاه(3).

و المندوب إليه من ذلك شرعا ملازمة الثغور و الثبوت بها على السّار و المحذور(4)(فرباط الرجل نفسه هو أن يترك وطنه و يلزم ثغرا من الثّغور


1) سورة آل عمران 3: 200.

2) جاء في القاموس المحيط:« صبر» الصبر: الحبس، و صبر الإنسان و غيره على القتل أن يحبس و يرمى حتى يموت. و الصبر نقيض الجزع. و قال التهانوي: التصبر هو حمل النفس على المكاره و تجرّع المرارة، و الصبر هو ترك الشكوى إلى غير الله، و الصبر: انتظار الفرج من الله.

3) في القاموس المحيط:« ربط» الرباط ما ربط به. و ملازمة ثغر العدو كالمرابطة، و واحد الرباطات المبنية. و المرابطة أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره، و كلّ معدّ لصاحبه فسمّي المقام في الثغر رباطا. و انظر تفصيل القول في الرباط في شرح السير الكبير 1: 6 و ما بعدها.

4) من هنا يبدأ سقط في م.

المخوفة لمعنى الحفظ و تكثير السواد، و أمّا من كان وطنه الثّغر فليست إقامته به رباطا، رواه ابن حبيب(1)عن مالك(2)، و وجه ذلك أن يحبس نفسه و يقيم لهذا الوجه خاصة، فإن أقام لغير ذلك فإنّه بمنزلة سائر تصرفاته فلم يربط نفسه لمدافعة العدوّ، قال الإمام أبو الوليد الباجّي(3)رضي الله عنه: و عندي أنّ من اختار المقام و الاستيطان بالثّغر و موضع الخوف للرّباط خاصّة و أنّه لو لا ذلك لأمكنه المقام بغير ذلك البلد أنّ له حكم الرّباط(4)(س 18).

و فرائض الرّباط:

1- النيّة

2- و الزاد الحلال.

3- و العدّة.

4- و المعقل.


1) ابن حبيب( 174- 238 ه- 790- 853 م): عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الألبيري القرطبي أبو مروان، عالم الأندلس و فقيهها في عصره، أصله من طليطلة، من بني سليم أو من مواليهم، ولد في البيرة، و سكن قرطبة وزار مصر، ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بقرطبة، كان عالما بالتاريخ و الأدب، رأسا في فقه المالكية، له تصانيف كثيرة. الأعلام 4: 157.

2) مالك( 93- 179 ه- 712- 795 م): مالك بن أنس الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، و أحد الأئمة الأربعة، و إليه تنسب المالكية، مولده و وفاته في المدينة كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء و الملوك، و شي به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطا انخلعت لها كتفه. له« الموطا» و مصنفات أخر. عن الأعلام 5: 257.

3) الباجي( 403- 474 ه- 1012- 1081 م): أبو الوليد الباجي، سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي، فقيه مالكي كبير، من رجال الحديث، أصله من بطليوس‌Badajoz ، و مولده في باجةBeja بالأندلس، رحل إلى الحجاز سنة 426، فمكث ثلاثة أعوام و بالموصل عاما و في دمشق و حلب مدة، و عاد إلى الأندلس فولي القضاء في بعض أنحائها و توفي بالمريةAlmeria له كتب عديدة منها شرح موطا مالك. عن الأعلام 3: 125.

4) انتهى السقط في م.

[ذكر الأحاديث الواردة في الرباط و ما يتصل به]

قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا و ما فيها)(1)

أحال محققه إلى مسند أحمد 5: 339 و البخاري 6: 2892 و الترمذي 4: 1664 عن سهل ابن سعد. و انظر أحاديث مماثلة في شرح السير الكبير 1: 6، 8.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- رباط يوم و ليلة خير من صيام شهر و قيامه، و إن مات جزي عليه عمله الذي كان يعمله و أجري عليه رزقه و أمن العثار(2).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر و يصوم نهارها لا يفطر(3)

انظر كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 2: 699 برقم: 308 و 309 و الحديث في مسند أحمد 5: 441 و هناك رواية أخرى في كتاب الجهاد 2: 700 و تخريجه ثمة.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-: من رابط فواق ناقة حرّمه الله على النار(4)

و خص الناقة بالذكر لكثرة تداولهم لحلبها فهو أقرب للتعميم و الحديث في فيض القدير 11:

5807 برقم: 8692 ضعيف جدا، أخرجه العقيلي في الضعفاء 1: 22- 3: 143 عن عائشة في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 1: 378 برقم 135 عن أبي هريرة و فيه: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فله الجنة، و في ص 379 عن معاذ بن جبل: وجبت له الجنة ... و انظر تخريج الحديث ثمة.

.

1) في فيض القدير 7: 3360 برقم: 4394 رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما عليها، و موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا و ما عليها، و الروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا و ما عليها.

2) الحديث في فيض القدير 7: 3261 و آخره فيه: و أمن من الفتّان و أخرجه مسلم في صحيحه 3: 1913 عن سلمان و انظر روايات أخر عن سلمان في شرح السير الكبير 1: 6.

3) روي مثله بطرق متعددة عن سلمان عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: رباط ليلة أو يوم و ليلة أفضل من صيام شهر و قيامه صائما لا يفطر و قائما لا يفتر و إن مات مرابطا أجري عليه صالح عمله حتى يبعثه الله و وقي عذاب القبر.

4) الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- من رابط يوما في شهر رمضان في سبيل الله كان أفضل من عبادة ستمئة سنة، و لا يدرك أحد فضله إلا من كان على مثل حاله/ أو زاد عليه.

و عن عصمة بن راشد عن أبيه قال: سمعت قوما من أصحاب رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يفصّلون الرّباط على الجهاد. قال: فقلت لأبي: و لم ذلك؟

قال: لأنّ في الجهاد شروطا كثيرة ليست في الرّباط.

و قال ابن عمر(1)

الإصابة 4: 107 برقم: 4825 و نكت الهميان: 183 و الأعلام 4: 108.

: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين و الرّباط لحقن دماء المسلمين، و حقن دماء المسلمين أحبّ إليّ من سفك دماء المشركين.

و قال أبو هريرة(2): لحرس ليلة أحبّ إليّ من صيام ألف يوم أصومها و أقوم ليلها في المسجد الحرام و عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم.

و عن أبي عطية(3)أنّ رجلا توفي على عهد رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فقال


1) عبد الله بن عمر 10 ق. ه- 73 ه- 613- 692 م: عبد الله بن عمر بن الخطاب من أعزّ بيوتات قريش في الجاهلية، كان جريئا جهيرا نشأ في الإسلام، و هاجر إلى المدينة مع أبيه و شهد فتح مكة و مولده و وفاته فيها. أفتى الناس في الإسلام ستين سنة. غزا إفريقية مرتين، و كفّ بصره في آخر حياته و توفي بمكة و هو آخر من توفي فيها من الصحابة.

2) أبو هريرة 21 ق. ه- 59 ه- 602- 679 م: عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة، صحابي، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث و رواية له، نشأ يتيما ضعيفا في الجاهلية، و قدم المدينة، و كان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) بخيبر فأسلم سنة 7 ه و لزم صحبة النبي و روى عنه الكثير ولي إمرة المدينة مدة، و استعمله عمر على البحرين ثم عزله، و كان أكثر مقامه في المدينة و توفي فيها. عن الأعلام 3: 308.

3) أبو عطية: صحابي ذكره في الإصابة 7: 131 برقم: 760 و قال: غير منسوب، ذكره الطبراني و غيره في الصحابة.

بعضهم: (س 19) يا رسول الله، لا تصلّ عليه، فقال- صلّى اللّه عليه و سلم- هل منكم من أحد رآه على شي‌ء من أعمال الخير. قال: فقال رجل: حرس معنا يا رسول الله ليلة كذا و كذا. قال: فصّلى رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- عليه و مشى إلى قبره، فجعل يحثو عليه التراب و يقول: إنّ أصحابك يظنّون أنّك من أهل النار و أنا أشهد أنّك من أهل الجنّة(1).

و عن مكحول(2)

تهذيب التهذيب 10: 289 و الأعلام 7: 284.

عن عليّ بن أبي طالب(3)

الإصابة 4: 269 برقم: 5682 و الأعلام 4: 295.

رضي الله عنه أنه قال:

لصلاة الرجل متقلدا سيفه في سبيل الله فضل على صلاته بغير تقليد بسبعين ضعفا، و لو قلت: بسبعمئة ضعف لكان كذلك(4).

و سنّة المرابط في سبيل الله التقليد كما أنّ السنّة للمعتكف الصيام.


1) الحديث في الإصابة 7: 131 قال: و أخرج البغوي و أبو أحمد الحاكم من طريق إسماعيل بن عياش و الطبراني من طريق بقيّة، كلاهما عن بجير ابن سعد عن خالد بن معدان عن أبي عطية .. و ذكر الحديث ..

2) مكحول ت: 112 ه- 730 م: مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل، أبو عبد الله، الهذليّ بالولاء، فقيه الشام في عصره، من حفاظ الحديث. أصله من فارس و مولده بكابل، ترعرع بها و سبي و صار مولى لامرأة بمصر من هذيل فنسب إليها فأعتق و تفقّه و رحل في طلب الحديث إلى العراق فالمدينة و طاف كثيرا من البلدن و استقر في دمشق و توفي فيها.

3) عليّ بن أبي طالب 23 ق. ه- 40 ه- 600- 661 م: أبو الحسن، أمير المؤمنين، رابع الراشدين، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان سنة 35 ه قتله غيلة عبد الرحمن بن ملجم المرادي في 17 رمضان سنة 40 ه.

4) ورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة عن علي ففي اللآلى‌ء المصنوعة 2: 135 بسنده عن علي مرفوعا: صلاة الرجل متقلدا سيفه تفضل على صلاته غير متقلد سبعمائة ضعف، إن الله تعالى يباهي بالمتقلد سيفه في سبيل الله ملائكته، و هم يصلّون عليه مادام متقلده. و قريب منه في الفوائد المجموعة 208 و كذلك في تذكرة الموضوعات 120 و مثله في كتاب الموضوعات 2: 226.

و عن معاذ بن جبل(1)رضي الله عنه قال: الطّاعم في سبيل الله كالصائم سرمدا في غيره، و حسنة من حسنات المرابط كجميع حسنات العابد.

قال ابن حبيب: الرّباط هو شعبة من شعب الجهاد و بقدر خوف أهل ذلك الثّغر و تحرّزهم من عدوّهم يكون كثرة ثوابهم.

و قال ابن عمر: اغزوا مادام الغزو حلوا خضرا قبل أن يكون مرّا عسرا، ثم يكون تماما ثم يكون رماما ثم يكون حطاما فإذا انتكأت المغازي و كثرت العزائم و استحلّت الغنائم فخير جهادكم الرباط.

تفسير ذلك: الثمام: الرطب من النبات. و الرمام: اليابس و الحطام:

الذي ينكسر و ينحطم. و قوله: انتكأت: تباعدت و قوله: العزائم: يريد حمل السلطان بشدّة الأمر عليهم.

و العزم فيما يشقّ عليهم لبعد المغزى و قلّة/ (س 20) عونهم عليه و غير ذلك.

و إن أسمى ثغر نالت به الهمم العلية مراتب و أقدارا، و أكرم تربة رفع الإيمان بها علما و منارا، و حلّى بها الدين الحنيفيّ منبرا و رسم دينارا، تربة لبست الجهاد في سبيل الله شعارا/ (م 10) و استوجبت


1) معاذ بن جبل 20 ق. ه- 18 ه- 603- 639 م: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال و الحرام، و هو أحد الستة الذين جمعوا القرآن الكريم على عهد النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و هو فتى و آخى النبي بينه و بين جعفر بن أبي طالب، و شهد العقبة مع الأنصار السبعين و شهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلها مع رسول الله، و بعثه رسول الله بعد غزوة تبوك قاضيا و مرشدا لأهل اليمن كان من أحسن الناس وجها و أسمحهم كفا مات بعد وفاة أبي عبيدة بطاعون عمواس بالأردن.

بخصائصها المنيفة حظوة عند الله و إيثارا، فعزّت جنابا و كرمت أنصارا.

جزيرة الأندلس أزكى تربة راقت صفحة و محيّا، و فازت بمدخور فضل الشهادة أعمار أهلها مماتا و محيا، فخبرها طريف، و أمرها على سائر الأقطار منيف، لأنّها بين بحر زخّار، و عدوّ جرّار، ملازمين أهلها في الليل و النهار، و الروم بها أمم كثيرة مختلفة لا يعلمهم إلا الله تعالى، و الحرب بينهم و بين المسلمين على قلّتهم بالإضافة إليهم لم تزل سجالا، تارة حال نصر و اقتدار، و تارة حال تمحيص و اختبار، فسبحان العزيز القهّار الذي كلّ شي‌ء عنده بمقدار.

[الإشادة بالأندلس]

روي عن عائشة(1)رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم:

سينقطع الجهاد و الرباط إلا بجزيرة يقال لها الأندلس بالمغرب الأقصى، المرابط فيها أفضل من شهيد يتشحّط في دمه.

و روي أيضا عنها أنها قالت: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم: أفضل رباط على وجه الأرض جزيرة الأندلس، شرقيّها عدوّ و غربيّها عدوّ و قبليّها عدوّ و جوفيّها/ (س 21) عدوّ.

و روى ابن عباس(2)

كف بصره في آخر عمره فسكن الطائف و توفي بها. عن الأعلام 4: 95.

رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يوما من

1) عائشة 9 ق. ه- 58 ه- 613- 678 م: عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش، أفقه نساء المسلمين و أعلمهن بالدين و الأدب. تزوجها النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) في السنة الثانية بعد الهجرة، و كانت أحب نسائه إليه و أكثرهن رواية للحديث، و كان لها موقف من خلافة عليّ و حاربته في موقعة الجمل. و توفيت في المدينة- الأعلام 3: 240.

2) ابن عباس 3 ق. ه- 68 ه- 619- 687 م: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة و نشأ في بدء عصر النبوة، و لازم الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) و روى عنه الأحاديث الصحيحة و شهد مع علي موقعة الجمل و موقعة صفين.

مسجده فأشار بيده مسلّما تلقاء المغرب، فقيل له: على من يا رسول الله؟

فقال: على ناس من أمتي يكونون بالمغرب الأقصى بجزيرة يقال لها الأندلس، إليها آخر ما ينتشر هذا الدين، رباط يوم فيها أفضل من رباط عامين في ثغور غيرها، حيّها مرابط و ميتها شهيد، تحشرهم السّحاب يوم القيامة من وراء البحر الكافر، فتمطرهم على المحشر كما يمطر الماء(1)

و قد أوّل ابن حزم هذا الحديث بأن المراد به الفتوحات البحرية الأولى( صقلية و أقريطش) و الفتوحات التي تلتها و منها الأندلس. عن رسالة ابن حزم في فضل الأندلس و ذكر رجالها و الحديث المذكور في هذه الحاشية مما رواه مسلم 2: 104.

.

و روي عن شهر بن حوشب(2)

تهذيب التهذيب 4: 369- الأعلام 3: 178.

أنه قال: ما من بقعة من الأندلس إلا و لها ثواب لا يدركه العاملون، يبعث الله أهل الأندلس يوم القيامة على حدة لا يخالطهم أحد قد تجلّلهم النور و البهاء، و هم رؤساء المجاهدين.

ألا بمثل هذه المزيّة و هذه الآثار تنافس البقاع البقاع و تفاخر الأمصار الأمصار، مزيّة ما فوقها بغية لمختار، و أثرة إليها تنصرف آمال البررة الأخيار .. جعلها الله تعالى من كلأته و عصمته في أوفى ذمّة و أمنع جوار.


1) الأحاديث التي ورد فيها ذكر« الأندلس» صراحة لا تصح، و غاية ما هناك أن تستشف إشارات إلى ذلك كما في حديث« أنس بن مالك أن خالته أم حرام بنت ملحان زوجة أبي الوليد عبادة بن الصامت أخبرته أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) نام ثم استيقظ و هو يضحك. فقالت له بنت ملحان: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة. و أنه نام مرة أخرى و فعل كفعله الأول. فلما قالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين» و قد توفيت أم حرام في قبرس.

2) شهر بن حوشب 20- 100 ه- 641- 718 م: شهر بن حوشب الأشعري، فقيه قارى‌ء من رجال الحديث، شامي الأصل، سكن العراق، و كان يتزيّا بزيّ الجند و يسمع الغناء بالآلات، و ولي بيت المال مدة، و هو متروك الحديث. و كان ظريفا.

الباب الثالث في فرض الجهاد و ما قيل في ذلك‌

اشارة

في فرض الجهاد و ما قيل في ذلك‌

[وجوب الجهاد]

اشارة

لا خلاف بين الأمّة في وجوب الجهاد، و أنّه فرض على الكفاية، فمن أدلّة الفرضيّة قوله/ (م 11) تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ(1)فقيل في (كتب): (فرض). و قوله سبحانه: انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(2).

(س 22-) فقيل في قوله: «خفافا و ثقالا» أي شبابا و شيوخا، و قيل:

أغنياء و فقراء، و قيل: ركبانا و مشاة، و قيل: ذوي عيال و غير ذوي عيال،(3)و قال جلّ ذكره: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً(4)و قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابهم على الله(5)

قال محمد بن الحسن الشيباني: فكان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يقاتل عبدة الأوثان و هم قوم لا يوحّدون الله. فمن قال منهم: لا إله إلا الله. كان ذلك دليلا على إسلامه.

.

1) سورة البقرة 2/ 216.

2) سورة التوبة 9/ 41.

3) انظر نهاية الأرب 6: 153 و هو ينقل عن الأحكام السلطانية للماوردي. و التفسير في الأحكام السلطانية: 30.

4) سورة التوبة 9/ 123.

5) في شرح السير الكبير 1: 150 برقم: 153 ذكر عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على الله.

[الجهاد فرض كفاية]

و من أدلّة الكفاية قوله سبحانه: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ(1)فجعل تعالى طائفة للجهاد و أخرى لغيره من الأعمال، و منها قوله عزّ و جلّ: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(2)ثم قال سبحانه: وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى(3)ففرّق بين الحسنيين و باين بين المثلين، فمن حيث المفاضلة في الأجر فهمت صورة الكفاية، كما فهم من تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة جواز صلاة الفرد(4)

1038.

، و لا يعلم لرسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- غزوة خرج فيها إلا وقد تخلّف عنه فيها رجال، و كذلك تخلّف رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- عن سرايا أخرجها، ثبت عنه أنه قال: «لو لا أن أشقّ على أمتي لأحببت أن لا أتخلّف خلف سريّة تخرج في سبيل الله و لكن لا أجد ما أحملهم عليه/ (س 23) و لا يجدون ما يتحمّلون عليه فيخرجون و يشقّ عليهم أن يتخلّفوا بعدي، فلوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثمّ أحيا(5).

1) سورة التوبة 9/ 122.

2) سورة النساء 4/ 95 و الآية بتمامها:« لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم. فضّل الله المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة و كلا وعد الله الحسنى، و فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما».

3) انظر الحاشية السابقة.

4) قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم): صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة- صحيح البخاري، كتاب الأذان. برقم 609 و صحيح مسلم: كتاب المساجد و مواضعه برقم:

5) الحديث في الموطّا: كتاب الجهاد: باب الترغيب في الجهاد 2: 40 ص 465 مع خلاف في بعض الألفاظ و أخرجه البخاري في 56- كتاب الجهاد، 119 باب الحبائل و الحملان و مسلم في 33 كتاب الإمارة و 28 باب فضائل الجهاد و الخروج في سبيل الله برقم: 103، 106.

و عن أبي سعيد الخدري(1)أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم قال في غزوة غزاها بني لحيان: يبعث من كلّ رجلين رجل و الأجر بينهما(2).

ففي تخلّفه صلّى اللّه عليه و سلم عن الخروج إلى الجهاد مع السرايا مع إذنه في أن ينبعث من كل رجلين رجل، دليل على أنّ فرض الجهاد ساقط عن الناس إذا قام به منهم من فيه الكفاية.

فدلّ كتاب الله سبحانه و الأخبار الواردة عن رسوله صلّى اللّه عليه و سلم على أنّه إن قام بالجهاد بعض المسلمين سقط فرضه عن الباقين. و سنذكر بعد حيث يتعيّن فرضه إن شاء الله تعالى(3)

و الحاصل أن الأمر بالجهاد و بالقتال نزل مرتبا ... و ذكر ترتيب ذلك و انتهى إلى أن المسلمين أمروا بالقتال مطلقا لإعزاز الدين و قهر المشركين فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين .. لأنه بدون سائر الأشغال لا يتم أمر الجهاد، فلهذا كان فرضا على الكفاية.

.

[فائدة الجهاد و فروضة و أحكامه]

و فائدة القيام به: سدّ الثغور و عمارتها و حراستها و حفظها بالمنعة و العدد.

و قد ناط الشّارع به فروضا و أحكاما، فمن فروضه:

النية لقول الله عزّ و جل: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ


1) أبو سعيد الخدري 10 ق. ه- 74 ه- 613- 693 م: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجيّ، أبو سعيد، صحابيّ، كان من ملازمي النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و روى عنه أحاديث كثيرة. غزا اثنتي عشرة غزوة. و توفي بالمدينة. الإصابة 3: 85 برقم: 2189 و الأعلام 3: 87.

2) عن أبي سعيد الخدري أن الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) بعث إلى بني لحيان فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما و الأجر بينهما» عن صحيح مسلم.

3) انظر شرح السّير الكبير 1: 187 و نورد ما فيه مختصرا: قال أبو حنيفة رحمه الله: الجهاد واجب على المسلمين، إلا أنهم في سعة من ذلك حتى يحتاج إليهم، فكان الثوري يقول: القتال مع المشركين ليس بفرض، إلا أن تكون البداية منهم فحينئذ يجب قتالهم. قال السرخسيّ:

الدِّينَ(1)و لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: «إنّما (م 12) الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى».(2)

إنما الأعمال بالنيات، و لكل امرى‌ء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و إلى و رسوله فهجرته إلى الله و إلى رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.( باب النية) قال النووي: و هذا حديث صحيح متّفق على صحته مجمع على عظم موقعه و جلالته و هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. و كان السلف و تابعوهم من الخلف- رحمهم الله تعالى- يحبّون استفتاح المصنفات بهذا الحديث.

.

و منها: العدّة لقول الله سبحانه: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ(3)الآية ...

و منها: الثّبات عند اللقاء لقول الله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا(4)و قوله: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ(5).

و من أحكامه و قيل من سنّته التحريض لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم خوطب به فقيل (س 24) له يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ(6)و فعله صلّى اللّه عليه و سلم في مواطن، و سنفرد له بعد ذلك بابا إن شاء الله.

فقتال الكفّار واجب على ما تقدّم لا يعدل عنه إلا بإجابتهم إلى الدّخول


1) سورة البيّنة 98/ 5.

2) هذا حديث مشهور ذكره النووي أول الأربعين و يكثر الاستشهاد به في مجالات شتى. قال ابن ماجه 2: 1413 برقم: 4227 عن عمر و هو يخطب الناس فقال: سمعت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يقول:

3) سورة الأنفال 8/ 60 و تتمتها:\i« تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ»\E.

4) سورة الأنفال 8/ 45\i« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»\E.

5) سورة الأنفال 8/ 15.

6) سورة الأنفال 8/ 65.

في الإسلام أو بذل الجزية لنا في دارنا(1). قال أبو عمر بن عبد البّر(2): يجب على الإمام إغزاء طائفة من المسلمين إلى العدوّ في كلّ سنة مرة، يخرج معهم بنفسه أو يؤمّر عليهم من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام و يزعهم و يكفّ أذاهم و يظهر دين الله عليهم و يقاتلهم حتّى يدخلوا في الإسلام و يعطوا الجزية.

و سئل ابن عبّاس رضي الله عنه في الغزو مع الإمام لا يريد إلا الدّنيا(3)فقال: قاتل أنت على حظك من الآخرة.

قال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم: الجهاد ماض مذ بعث الله نبيّه إلى آخر عصابة تقاتل الدجّال لا ينقصه جور من جار و لا عدل من عدل(4).

[المهادنة و أحكامها]

و لا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو إليها، قال الله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ(5).


1) انظر شرح السير الكبير 1: 189« و لا ينبغي أن يدع المشركين بغير دعوة إلى الإسلام، أو إعطاء جزية إذا تمكن من ذلك».

2) أبو عمر ابن عبد البر 368- 463 ه- 978- 1071 م: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النميري القرطبي المالكي أبو عمر، من كبار حفّاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب. ولد بقرطبة و رحل رحلات طويلة في غربي الأندلس و شرقيّها و ولي قضاء لشبونة و شنترين و توفي بشاطبة، و له مؤلفات كثيرة مطبوعة منها الاستيعاب في معرفة الأصحاب و كتاب بهجة المجالس و أنس المجالس. عن الأعلام 8: 240.

3) سقطت( إلا) من م.

4) استدل في شرح السير الكبير 1: 160 بهذا الحديث أنه لا يترك الجهاد بجور الأمراء ثم أورد حديثا بمعناه: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أصل الإسلام ثلاثة: الكف عمّن قال لا إله إلا الله أن تكفّروه بذنب و لا تخرجوه من الإسلام بعمل، و الجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال، و الإيمان بالأقدار كلها.

5) سورة محمد 47/ 35 و انظر شرح السير الكبير 1: 190.

[فرض الجهاد، وجوبه و سقوطه]

و قد يتعيّن فرض الجهاد في بعض الأحيان لسببين(1)

\i« انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا»\E( التوبة 9/ 41) و ما يفوته بترك هذه الفريضة لا يمكنه استدراكه، و ما يفوته بالخروج بغير إذن الوالدين يمكنه استدراكه بعد هذا، فيشتغل بما هو الأهم، و لأن الضرر في تركه الخروج أعم، فإذ ذلك يتعدى إليه و إلى والديه و إلى غيرهم من المسلمين.

:

أحدهما: أمر الإمام بالخروج للغزو فمن عيّنه تعيّن عليه.

و الثاني: أن يفجأ العدوّ قوما لهم قوة على مدافعته فيتعيّن عليهم دفاعه و قتاله، فإن لم يستقلّوا بذلك لزم من قاربهم أن يخرج إليهم، فإن لم يستقلّ الجميع وجب على من علم بضعفهم و طمع في إدراكهم و عونهم المضيّ إليهم حتّى يندفع (س 25) عنهم العدوّ.

و يسقط الوجوب عن الصبيّ و المجنون و المرأة و المريض و الأعمى و الأعرج الذي يعجز عن المحاربة و الركوب و حبس السلاح عند الحاجة إلى ذلك.

و كذلك يسقط بالفقر و عدم نفقة الذهاب و الإياب و بالرقّ إلا بإذن السيّد(2)

لأن فرضية الخروج عند النفير العام كفرضية الصوم و الصلاة و ذلك مستثنى للعبد مما ملكه عليه مولاه.

و بالأبوين إلّا بإذنهما إلّا أن يفجأ العدوّ مدينة أو محلّة أو يقع النّفير أو يكون الابن قد أوجبه على نفسه في وقت معيّن فلا يجوز المنع بوجه و لا يحتاج إذن جدّ و لا جدّة. و إن كان الأبوان كافرين فهما في ذلك

1) جاء في السير الكبير و شرحه 1: 199 برقم: 236، فأما إذا جاء النفير عاما فقيل لأهل مدينة: قد جاء العدو يريدون أنفسكم أو ذراريكم أو أموالكم، فلا بأس بأن يخرج بغير إذن والديه قال السرخسي: لأن الخروج في مثل هذه الحالة فرض عين على كل واحد، قال تعالى:

2) في شرح السير الكبير 1: 199 برقم: 237، و لا ينبغي للعبد أن يجاهد بغير إذن مولاه ما لم يكن النفير عاما، فإذا كان ذلك، فله أن يخرج و ليس لمولاه أن يمنعه من ذلك. قال السرخسي:

كالمسلمين إلّا أن يعلم أنّ منعهما لغير حاجتهما بل ليوهنا الإسلام و لا يعينا المسلمين، فلا يمتنع و إن كرها(1).

و قيل للأوزاعي(2): ما تقول في رجل غزا بإذن والديه، فاشترطا عليه أن لا يقاتل، فلقوا العدوّ، قال: لا طاعة (م 13) للوالدين في ترك الفرائض و الجمع و الحجّ و القتال، و لا يسقط الوجوب لخوف لصوص و قطّاع طريق و مخيفي سبيل لأنّ قتالهم أهمّ، قال أبو إسحاق بن شعبان: هم أحقّ بالجهاد من الرّوم، و أمّا إن وطئ الكفّار دار المسلمين فيجب على كلّ من له منّة قتالهم بغاية إمكانه و نهاية قدرته و طاقته حتى العبد و المرأة إن لم يستغن عنهما(3).


1) انظر هذه الأحكام المشار إليها في شرح السير الكبير 1: 190- 197.

2) الأوزاعي 88- 157- 707- 774 م: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي من قبيلة الأوزاع، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه و الزهد، و أحد الكتّاب المترسلين، ولد في بعلبك، و نشأ في البقاع، و سكن بيروت و توفي بها، و عرض عليه القضاء فامتنع. له كتاب السنن و المسائل. عن الأعلام 3: 320.

3) قال في شرح السير الكبير: 1: 201 و ما بعدها: و كذلك الغلمان الذين لم يبلغوا إذا أطاقوا القتال فلا بأس بأن يخرجوا و يقاتلوا في النفير العام، و إن كره ذلك الآباء و الأمهات. و عند تحقق الضرورة بوقوع النفير عاما لا بأس للمرأة أن تقاتل بغير إذن وليها و زوجها.

الباب الرابع فيما يفعله الغازي عند خروجه إلى الجهاد

اشارة

فيما يفعله الغازي عند خروجه إلى الجهاد (س 26) يبدأ بإخلاص النيّة كما تقدّم أولا، و يعتقد الجهاد في سبيل الله و قتال من كفر باللّه لتكون كلمة الله هي العليا و كلمة الذين كفروا السّفلى، و ليكون الدين واحدا، و يؤكّد صلاح النيّة و نقاء الطّوية بطيب المكتسب و أكل الحلال و تجديد التّوبة من كلّ ما سبق من الذّنوب، و إظهار التنّدم على ما فات من حقوق الله تعالى، و تحلّل من له مظلمة في عرض أو مال أو نفس إن وجد سبيلا إلى ذلك، و إلّا فليستغفر الله عزّ و جلّ و ليعمل صالحا ما استطاع، قال الله العظيم: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(1).

[تفعيل القول فيما يسبق الغزو]

اشارة

و الجهاد محلّ لقاء الله سبحانه و باب الدار الآخرة.

كان أبو الدرداء(2)رضي الله عنه يقول: يا أيّها الناس عمل صالح قبل الغزو، فإنّما تقاتلون بأعمالكم(3).


1) سورة الكهف 18/ 110.

2) أبو الدرداء ت 32 ه- 652 م: عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، أبو الدرداء، صحابي، من الحكماء الفرسان القضاة. كان قبل البعثة تاجرا بالمدينة ثم انقطع للعبادة، و لما ظهر الإسلام اشتهر بالشجاعة و النسك. ولّاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، و هو أول قاض بدمشق، و هو أحد الذين جمعوا القرآن الكريم حفظا على عهد النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). مات بالشام. عن الأعلام 5: 98.

3) انظر عيون الأخبار 1: 107 و نهاية الأرب 6: 159.

و قد روي ذلك عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه(1)

الإصابة 4: 279 برقم 5731 و الأعلام 5: 45.

.
[ذكر الآيات و الأحاديث و الخطب في ذلك]

و من خطب بعض العلماء في مثل ذلك:

اعلموا- رحمكم الله- أنّه لا يصلح الجهاد بغير اجتهاد، كما لا يصلح السّفر بغير زاد، فقدّموا مجاهدة القلوب قبل مباشرة الحروب، و مغالبة الأهواء قبل محاربة الأعداء، و بادروا بإصلاح السرائر فإنّها من أنفس العدد و الذخائر، و ادّخروا صلاح الأعمال عدّة لدفع الشدائد و الأهوال، فبالعمل الصالح يقبل الدعاء، و يصرف البلاء، و يأنس المؤمن في قبره (س 27) و يأمن في حشره، ثمّ يوطّن نفسه على المرتبة العليا و الدّرجة العظمى و هي الشهادة، فبذلك يبلغ منازل الشهداء، و إن فاز بالسّلامة و الغنيمة.

روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنّه قال: من طلب الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، و إن مات على فراشه(2). و قد تقدّم ذكر هذا الحديث في بابه.

و الله تعالى يعصم المسلم من أن يخرجه الطّمع في عرض الدّنيا عن ذلك، قال الله العظيم: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ(3).


1) عمر بن الخطاب 40 ق. ه- 23 ه- 584- 644 م: عمر بن الخطاب بن نفيل القرشيّ العدويّ أبو حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، أول من لقب بأمير المؤمنين، الصحابي الجليل الشجاع الحازم، صاحب الفتوحات، يضرب بعدله المثل، كان في الجاهلية من أبطال قريش و أشرافهم. أسلم قبل الهجرة بخمس سنين و شهد الوقائع. بويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر سنة 13 ه. قتله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غيلة بخنجر في خاصرته و هو في صلاة الصبح.

2) تقدم ذكره. و هو في الترمذي 4: 183 برقم: 1653 بلفظ: من سأل و كذلك في صحيح مسلم.

3) الأنفال 8/ 67.

روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم ندب إلى قتل يهودي فقال له رجل: يا رسول الله، إن قتلته إلي حماره؟ و كان عليه السلام إذا سئل شيئا لا يقول فيه (م 14) لا، فقال له: نعم. فذهب الرجل فقتله اليهوديّ، فقيل: طوبى له، قتل في سبيل الله. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: بل في سبيل الحمار(1).

و نعيذ المسلم بالله أن يقاتل حبّا للمحمدة في الدنيا أو ليقال: شجاع أو بطل، أو يكون غضبا لغير الله، أو عصبيّة و حميّة في غير سبيل الله.

فقد روي أنّ الرجل ليوقف بين يدي الله عزّ و جلّ يوم القيامة فيقول له:

ما ذا عملت فيما علمت؟ فيقول: أي ربّ، قاتلت فيك حتّى قتلت. فيقول له:

كذبت، بل فعلت ذلك ليقال فقد قيل. اذهبوا به إلى النار(2)

باقي مسند المكثرين برقم: 7928.

، أو كما ورد في الحديث.

بل يجب أن يكون جهاد المسلم و قتاله لإعزاز دين الله تعالى و نصر كلمته (س 28) و حماية الإسلام و الذبّ عن المسلمين ابتغاء وجه الله عزّ و جل.

قال رجل لعبادة بن الصّامت(3): أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد وجه الله و محمدة المسلمين فقال: لا شي‌ء لك، فأعاد عليه ثلاث مرّات، و في كلّ ذلك يقول: لا شي‌ء لك، ثمّ قال في الثالثة: إنّ الله عزّ و جلّ يقول:


1) لم نقع على هذا الحديث.

2) الحديث في مسلم: كتاب الإمارة برقم: 3527 و في النسائي: الجهاد برقم 3086 و مسند أحمد:

3) عبادة بن الصامت 38 ق. ه- 34 ه- 586- 654 م: عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، صحابي، من الموصوفين بالورع، شهد العقبة، و كان أحد النقباء، و بدرا و سائر المشاهد، ثم حضر فتح مصر، و هو أوّل من ولي القضاء بفلسطين، و مات بالرملة أو بيت المقدس. و كان من سادات الصحابة. عن الأعلام 3: 258.

أنا أغنى الشركاء عن الشّرك، من عمل عملا فأشرك معي شريكا تركت نصيبي لشريكي(1)

أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته و شركه. و ذكره ابن ماجة في كتاب الزهد برقم: 4192 و 4193.

.

و حكى الله سبحانه عمّن رضي عنه من المؤمنين في إخلاص العمل قولهم: لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً(2)و في حديث عبد الله بن عمر حين سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم قال: يا عبد الله بن عمر، على أيّ حال قاتلت بعثك الله على تلك الحال(3).

و من حديث أبي هريرة في غزوة أحد حين سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم الناس يقولون: فلان أجرأ و فلان كذا فقال: إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل. و فيه: فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نيّاتهم و على قدر عقولهم.

و قد خرجنا بذكر هذا كلّه عمّا تضّمنه هذا الباب لكنّ الكلام متعلّق بعضه ببعض و المسائل تتداخل فيضطرّ لذكرها للاستشهاد بها و لتكميل الفائدة و تتميم المعنى.

و يجب على المسافر أن يتحرّى أداء أمانة إن كانت عنده و قضاء دين إن كان عليه و حلّ أجله، و أن لا يخرج إلّا بإذن ربّ الدّين فإنّ له منعه من


1) صحيح مسلم: كتاب الزهد و الرقائق. برقم: 5300 قال عليه السلام: قال الله تبارك و تعالى:

2) سورة الإنسان 76/ 9.

3) انظر سنن أبي داود: كتاب الجهاد برقم: 2157 و هو جزء من الحديث.

الخروج، و إن كان لم يحلّ (س 29) أجله لم يمنعه فإن قدّر حلوله في سفره فلربّ الدّين أن يوكّل من يقبضه حيث حلّ أجله و يمنعه من وجهته، فإن كان معسرا لا يقدر على القضاء فله الخروج بغير إذن ربّ الدّين(1).

و روي أن الشهيد يغفر له كلّ شي‌ء إلا الدّين(2)

و انظر تفصيل الحكم في ذلك الموضع المشار إليه.

. و قد تقدّم القول في ذكر الأبوين و السيّد في عبده.

و من السنّة أن يأتي إخوانه يسّلم عليهم و يستدعي دعاءهم تبرّكا بهم و يرتجي بذلك خيرا، و عليهم إذا قدم أن يأتوه، ثم له الخروج بنفسه و ماله و هو الأفضل، و يجوز بجعالة من متطوّع بها أو معونة يرفده بها من يبتغي الشّركة في الأجر، و للمسترزق الخروج بمال من بيت مال المسلمين، ثم عند العزم فليستعن بالله (م 15) تعالى فهو خير معين، و ليركع ركعتين عند خروجه.

روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال: من صلّى ركعتين تطوّعا حين يخرج غازيا في سبيل الله فهلك في وجهته تلك، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، و كتب الله له عدد شعر رأسه و سائر جسده حسنات.


1) انظر تفصيل الأحكام في هذا الأمر في شرح السير الكبير 4: 1448 و ما بعدها.

2) في شرح السير الكبير 4: 1450، الفقرة 2808: و استدل على أن المقام( عدم الخروج) أفضل له بما قاله النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) في القتل في سبيل الله إنه كفارة ثم قال: إلا الدين فإنه مأخوذ به.

و إنّ كان الجهاد في أهل بغي أو ضلالة أو لصوص و قطعة طريق و مخيفي سبيل فينوي في ذلك طاعة الله سبحانه في تأمين السّبل و ردع الباغي و قمع الضّال، و جمع الكلمة، و الحضّ على الألفة، و استدعاء النّافر، و استنزال الشارد وردّ الخارج إلى السنّة، و المفسد إلى الإصلاح.

[ذكر بعض الأدعية المستحسنة]

و عند ما يضع رجله في ركابه، أو يقدّم الراجل قدمه للخروج فليقل:

بسم الله، اللهم يسّر (س 30) لنا في سفرنا هذا التّقوى، و من العمل ما ترضى، اللهمّ ازو لنا الأرض، و هون علينا السّفر، و اطو لنا بعيده، اللهمّ أنت الصاحب في السّفر، و الخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من و عثاء السّفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في الأهل و المال(1)

آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. عن صحيح مسلم: باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج و غيره ..

.

فإذا استوى الفارس على ظهر فرسه أو الرّاكب على دابّته فليقل:

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ(2)فقد فعل ذلك كلّه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم.


1) قال الإمام النووي في كتابه الأذكار: 198 روينا في صحيح مسلم في كتاب المناسك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفره كبّر ثلاثا ثم قال:« سبحان الذي سخّر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون» اللهم إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ و التقوى، و من العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا و اطو عنّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، و الخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنظر و سوء المنقلب في المال و الأهل. و إذا رجع قالهنّ و زاد فيهن:

2) سورة الزخرف 43/ 13.

و أحسن الخروج إلى الغزو يوم الخميس (كان ذلك من فعله عليه السلام(1)

و قال السرخسي في شرح السير الكبير 1: الخروج في سائر الأيام جائز من غير كراهة ..

و الخروج في رمضان جائز. و قد رد السرخسي بقوله هذا على من قال إنه ينبغي اختيار الخميس و السبت اعتمادا على ما روي« اللهم بارك لأمتي في بكورها سبتها و خميسها» شرح السير الكبير 1: 65.

، روي عن كعب بن مالك(2)أنّه قال: لقلّما كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس، فكان يخرج يوم الخميس) باكرا و يصلّي ركعتين عند ذلك، و قد تقدّم حديث ابن عباس في ثواب الركعتين. و كان يرجع يوم الاثنين باكرا فيصلّي ركعتين في المسجد، ثمّ يحدّث أصحابه ساعة، ثم يدخل.

1) جاء في كتاب عيون الأخبار 1: 122« قال: حدثني محمد بن عبيد قال: حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري قال: كان أحبّ الأيام إلى رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أن يعقد فيه رايته يوم الخميس، و كان أحب إلى رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أن يسافر فيه يوم الخميس»

2) كعب بن مالك ت 50 ه- 670 م: كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري السّلمي الخزرجي، صحابي، من أكابر الشعراء، من أهل المدينة، اشتهر في الجاهلية، و كان في الإسلام من شعراء النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). شهد أكثر الوقائع ثم كان من أصحاب عثمان، و أنجده يوم الثورة و حرّض الأنصار على نصرته، عمي في آخر عمره و عاش سبعا و سبعين سنة. الإصابة 5: 308 برقم: 7427 و الأعلام 5: 228.

الباب الخامس في مشاركة الغازي و معاونته و تجهيزه‌

اشارة

في مشاركة الغازي و معاونته و تجهيزه‌

[ذكر الآثار التي تحض على تجهيز الغازي و معاونته]

روى زيد بن خالد(1)أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا(2).

و عن عبد الله بن عمرو بن العاص(3)أنّه قال: ما من عبد يناول أخاه شيئا فينتفع به في غزو إلا (س 31) كان له حصنا حصينا من جهنّم بعيدا.

و عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: سمعت رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يقول: من أظلّ رأس غاز أظلّه الله في ظلّه يوم القيامة، و من جهّز


1) زيد بن خالد( ت 78 ه- 697 م): زيد بن خالد الجهني المدني، صحابي، شهد الحديبية، و كان معه لواء جهينة يوم الفتح، له 81 حديثا، توفي في المدينة عن 85 سنة. الإصابة 3: 27 برقم: 2889 و الأعلام 3: 58.

2) و تتمته: و من خلفه في أهله فقد غزا. انظر جواهر البحار 2: 716 برقم: 1447 و البخاري 6: 389: 390 و مسلم 13: 39- 4 و الترمذي 1493.

3) عبد الله بن عمرو بن العاص 7 ق. ه- 65 ه- 616- 684 م: من قريش، صحابي، من النساك، من أهل مكة، كان يكتب في الجاهلية و يحسن السريانية، و أسلم قبل أبيه فاستأذن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في أن يكتب ما يسمع منه فأذن به، و كان كثير العبادة، حتى قال له النبي( صلّى اللّه عليه و سلم): إن لجسدك عليك حقا، و إن لعينيك عليك حقا، و كان يشهد الحروب و الغزوات و يضرب بسيفين، و حمل راية أبيه يوم اليرموك، و شهد صفين مع معاوية، و ولاه معاوية الكوفة مدة قصيرة، و لما ولي يزيد امتنع عبد الله من بيعته و انزوى- في إحدى الروايات بجهة عسقلان- منقطعا للعبادة، و عمي في آخر حياته. و اختلف في مكان وفاته. الإصابة 4: 111 برقم 4838 و الأعلام 4: 111.

غازيا حتى يستقلّ كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع .. الحديث(1).

و عن محمد بن كعب القرظي(2)

197 برقم: 8530.

عن كعب أنّه قال: من سقى غازيا شربة من ماء سقاه اللّه من الرّحيق المختوم يوم القيامة، و من احتشّ لدابّة غاز في سبيل الله أعطاه الله كتابه بيمينه.

و عن عليّ بن أبي/ (م 17) طالب رضي الله عنه أنه قال: من سقى لغاز فرسا أو حسّه أو جلّله أو مسح خدّه أو قام إليه بمخلاته فتحت له ثمانية أبواب الجنة، فيقال له: ادخل من أيّها شئت.

و روي أنّ ابن عمر أخرج شيئا ليعطيه الغزاة فأبوا أخذه، و كان فيهم عامر بن عبد الله بن الزبير(3)فقال: ما أنت بالّذي ينفس عليه بالجنّة، بل نأخذه فإن احتجنا إليه أنفقناه، و إن استغنينا عنه وجّهناه وجهه، فأخذ و أخذ القوم، فشكر له ذلك ابن عمر.


1) الحديث في كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 1: 297 برقم: 92 قال محققه: أخرجه أحمد في المسند 1: 20 و ابن ماجة في سننه: كتاب الجهاد: من جهز غازيا 2: 921 برقم: 2758 و الحاكم في المستدرك 2: 89 و البيهقي في السنن الكبرى 9: 172 و أبو يعلى في مسنده 1: 217: 253 و معنى قوله: حتى يستقل أي حتى يقدر على الغزو و لا يبقى محتاجا إلى شي‌ء من آلاته و أسبابه عن حاشية السندي على سنن ابن ماجة 2: 172. و انظر تفصيل التخريج في كتاب الجهاد في الموضع المذكور أعلاه.

2) محمد بن كعب القرظي ت 108 ه: حليف الأنصار، تابعيّ مشهور، أبوه من بني قريظة و أمه من بني النضير و ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة- الإصابة 6:

3) ورد ذكر عامر بن عبد الله بن الزبير عرضا في طبقات ابن سعد 5: 183 و لم يذكر في نسب قريش و إنما فيه: عامر بن حمزة بن عبد الله بن الزبير و كان من سروات آل الزبير و جلدائهم في العقل و البيان، أنظر نسب قريش 241 و لم يذكر لعبد الله بن الزبير ولدا باسم عامر.

و روي أنّ عبد الله بن رواحة(1)قال: لأن أشيّع رفقة غادية في سبيل الله أورائحة حتّى أبلغ معهم منزلهم، و أردّ عليهم دوابّهم و أنفض أحلاسهم أحبّ إليّ من أجر حجّة أو عمرة.

و عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: من صحب رفقة غزاة فخفّ لهم في كفّ دوابّهم و نفض أحلاسهم فله من الأجر في كلّ يوم و ليلة/ (س 32) أفضل من حجة مبرورة.

و عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال: أدنى ما ينقلب به مشيّع الغازي في سبيل الله سبعون ضعفا أدناها مغفرة تجمع بينه و بين إبراهيم خليل الرحمن في مقعد صدق. فقيل: ما للغازين؟ قال: هيهات هيهات، انقطع العلم عند ثواب الله تعالى لهم(2).

و عن سحنون(3)عن ابن وهب(4)قال: أخبرني مسلمة بن عليّ


1) عبد الله بن رواحة ت 8 ه- 629 م: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري، من الخزرج، أبو محمد، صحابي، يعد من الأمراء و الشعراء الراجزين، كان يكتب في الجاهلية، و شهد بدرا و أحدا و الخندق و الحديبية، و استخلفه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) على المدينة في إحدى غزواته و صحبه في عمرة القضاء، و له فيها رجز، و كان أحد الأمراء في وقعة مؤتة( بأدنى البلقاء من أرض الشام) فاستشهد فيها. عن الأعلام 4: 86.

2) ابن ماجة. كتاب الجهاد. باب تشييع الغزاة.

3) سحنون 160- 240 ه- 777- 854 م: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون، قاض فقيه، انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب، كان زاهدا لا يهاب سلطانا في حق يقوله، أصله شامي، من حمص، و مولده في القيروان، ولي القضاء بها سنة 234 و استمر إلى أن مات أخباره كثيرة جدا و كان رفيع القدر، عفيفا، أبيّ النفس، روى المدوّنة في فروع المالكية عن عبد الرحمن بن قاسم عن الإمام مالك، عن الأعلام 4: 5.

4) ابن وهب 125- 197- 743- 813 م: عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري، أبو محمد، فقيه من الأئمة من أصحاب الإمام مالك، جمع بين الفقه و الحديث و العبادة، و له كتب منها: الجامع في الحديث و الموطأ في الحديث و كان ثقة حافظا مجتهدا. مولده و وفاته بمصر- عن الأعلام 4: 144.

الخشنّي عن مروان بن سالم يرفعه قال: صافحوا الغزاة في سبيل الله، فإنّه من صافح غازيا في سبيل الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-. من سلّم على مجاهد سلّمت الحور العين عليه، و من أعان المجاهد بكلمة أو زوّده بتمرة وضع الله البركة في ماله، و حرّم جسده على النار

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم-. من أعطى مجاهدا رمحا أو ترسا أعانه بها، يجي‌ء يوم القيامة و أجنحة الملائكة تحفّه و الملائكة ترعاه، فإذا مرّ على جهنّم لم يعلم بمروره عليها، و لا ارتاع من مهول منظرها.

قال ابن حبيب: و جاءت الرغائب فيمن أنفق في السبيل أو أعان بماله.

و قال: نفقة الخارج أفضل.

قال زيد بن أسلم(1): نفقة الخارجين (في سبيل الله(2)) كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ(3).

قال ابن حبيب: و من أعطى الغازي شيئا من غير مسألة، فأكثر العلماء لا يرون بأخذه بأسا.


1) زيد بن أسلم ت 136 ه- 753 م: زيد بن أسلم العدوي العمري، مولاهم، أبو أسامة أو أبو عبد الله، فقيه مفسر من أهل المدينة، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، و استقدمه الوليد ابن يزيد في جماعة من فقهاء المدينة إلى دمشق مستفتيا في أمر، و كان ثقة كثير الحديث، له حلقة في المسجد النبوي، و له كتاب في التفسير رواه عنه ولده عبد الرحمن. عن الأعلام 3: 56.

2) عبارة( في سبيل الله) ساقطة من س.

3) عبارة( و الله يضاعف لمن يشاء) ساقط من س و الآية من سورة البقرة 2: 261.

فإن احتاج إليه أنفقه و إلّا فرّقه في السبيل و قد تقدّم فعل/ (س 33) عامر مع ابن عمر و قوله له رضي الله عنهما.

الباب السادس فيما يجب على الأمير أن يفعله في السّفر

اشارة

فيما يجب على الأمير أن يفعله في السّفر (م 18)

[الرفق بتسيير الجيش و الآثار الواردة في ذلك]

يجب على الأمير أن يسير جيشه و جمعه بسير أضعفهم، و في ذلك الرّفق الذي يبلغ به الضعيف و يتوفّر عليه جلد القويّ، و في خلاف ذلك استهلاك الضعيف و استفراغ جلد القويّ(1)

و انظر الشروط المفروضة على قائد الجيش في نهاية الأرب 6: 152 نقلا عن الأحكام السلطانية للماوردي: 35.

.

قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-: إنّ الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى، و شرّ السير الحقحقة(2).

و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم: سيروا بسير أضعفكم(3)

سيروا على سير أضعفكم .. قال السخاوي: لا أعرفه بهذا اللفظ.

قال محقق الكتاب: تمام كلام السخاوي في المقاصد الحسنة ص 247، و لكن معناه في قوله( صلّى اللّه عليه و سلم) لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين أمّره على الطائف: يا عثمان تجاوز في الصلاة و اقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير و الصغير، و السقيم و البعيد و ذا الحاجة، و هو عند الشافعي في« سننه» و الترمذي و قال: حسن و ابن ماجة 1: 316 و اللفظ له و صححه ابن خزيمة و الحاكم في« المستدرك» 1: 199 و 201 و قال إنه على شرط مسلم. و نحوه عند الحارث ابن أبي أسامة عن أبي هريرة رفعه: يا أبا هريرة إذا كنت إماما فقس الناس بأضعفهم و في- لفظ: بأضعفهم فإن فيهم ... قال المحقق: قلت: روى مسلم 4: 186 و أبو داود 1: 146 و النسائي 2: 23 و ابن ماجة 1: 316 و اللفظ للنسائي:« عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال:

قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم و اقتد بأضعفهم» و معنى اقتد بأضعفهم أي راع ضعفه في طول القيام و القراءة حتى كأنك تقوم و تركع على ما يريد، فتكون كالتابع له.

. و قال عليه السلام:

1) أصل ذلك ما ورد في رسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: و ترفّق بالمسلمين في مسيرهم و لا تجشمهم مسيرا يتعبهم، و لا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم و السفر لم ينقص قوتهم فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس و الكراع. العقد 1: 130.

2) الحديث في نهاية الأرب 6: 152 و هو في الجامع الصغير. و المنبتّ: المنقطع و هو أيضا في الأحكام السلطانية للماوردي 35. و الحقحقة: أرفع السير و أتعبه للظهر أو اللجاج في السير، أو السير أول الليل، أو أن يلج في السير حتى تتعب راحلته أو تنقطع. عن القاموس المحيط.

3) ورد الحديث في كتاب: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص 112 برقم: 158 بلفظ:

«الضعيف أمير الرّفقة»(1)

« المضعف أمير الرفقة». يريد أن من ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره، و الثاني أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها و ظهورهم التي يمتطونها، فلا يدخل في خيل الجهاد ضخما كبيرا و لا ضرعا صغيرا و لا حطما كسيرا و لا أعجف زارحا هزيلا، لأنها لا تقي و ربما كان ضعفها و هنا، و يتفقد ظهور الامتطاء و الركوب، فيخرج منها ما لا يقدر على السير و يمنع من حمل زيادة على طاقتها.

، يريد أنّ من ضعف أو ضعفت دابّته التي تحمله، كان على القوم أن يسيروا بسيره، و يتفقّد ذلك الإمام، و يحبس على الناس بسير دابّته.

و روي: أقطف القوم دابة أميرهم.

و لا بأس إذا كان القوم كلّهم أقوياء و احتاجوا إلى جدّ السير و الإسراع أن يفعلوا ذلك، فقد سار ابن عمر و سعيد بن أبي هند و كانا من خير الناس من المدينة إلى مكة في ثلاثة أيام، و هي عشرة أيام على السير المعتاد.

[تفقد الخيل و المتاع]

و عليه أن يتفقّد خيلهم التي يجاهدون عليها، و ظهرهم التي يمتطونها و تحمل أثقالهم و أمتاعهم، فيخرج من خيل جهادهم القحم الكبير و الحطم الكسير، و الضرع الصغير، و الأعجف الهزيل، فإنّها لا تغني، و ربما كان الضعيف من ذلك و هنا في العسكر (س 34) و يردّ من لا يقدر على


1) الضعيف أمير الرفقة. قال الماوردي في الأحكام السلطانية: 35 و روي عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال:

السير، و يمنع أن يحمل على الظهر ما لا يطيقه، و يوكّل بالسّاقة(1)رجالا في الدخول إلى دار الحرب و في الخروج يلحقون من تخلّف و يقفون على الضعيف(2).

كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يقول: ابغوني في الضّعفاء فإنّما ترزقون بهم و تنصرون بضعفائكم(3)

أخرجه أحمد في مسنده 5: 198 و أبو داود 3: 594 و الترمذي 4: 1702 و النسائي 6: 3179 و ابن حبان 7: 133 و الحاكم في المستدرك 2: 106 عن أبي الدرداء. و قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. و صححه الألباني في صحيح الجامع.

.

و من له دابّة لا فضل فيها تحبسه عن الناس نزعوها عنه أو نزعوه عنها و ألحقوه بالناس و إن رأوا ذبحها ذبحوها و لا ضمان عليهم فيها.

[مراعاة أمر المقاتلة و ترتيب المسؤولية]

و عليه(4)أن يراعي أمر المقاتلة من المسترزقة و المطوّعة و يعرّف على كلّ فريق من يثق به من العرفاء و النّقباء ليعرف من قبلهم أحوال جنده و يبلّغون عمّن لديهم إلى الأمير ما يحتاجون إليه، و عن الأمير إليهم الأوامر و النّواهي، و يدعونهم عند الحاجة فذلك أسرع في الحثّ على الجهاد و أهبة الاستعداد. و قد فعله النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم. و يأخذهم بامتثال أوامره و نواهيه فيما يراه من النظر لهم في حربهم و غير ذلك من مصالحهم، فمن عصاه فله أدبه بحسب حاله، و لا يغلظ و لا يفرط فيوحشهم قال تعالى:

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ


1) الساقة: مؤخرة الجيش.

2) النقل بتصرف عن الأحكام السلطانية للماوردي: 35.

3) ورد الحديث في فيض القدير 1: 154 برقم: 58 بلفظ: أبغوني في الضعفاء فإنما ترزقون و تنصرون بضعفائكم. و الذي في أصلنا: أبقوني و هو تصحيف و عن محقق فيض القدير قال:

4) النقل عن الأحكام السلطانية ص 36 و ما بعدها بتصرف.

حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(1).

و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: «خير دينكم أيسره»(2)فإن كان الأمير الأعلى فله ذلك على (س 35) الإطلاق في كل زمان و مكان، و إن كان أميرا خاصّا على عسكر بعينه أو سرية (م 18) أو التوجّه إلى ثغر بعينه فله ذلك في عسكره أو سريّته أو مصافة ثغره، فإذا استقرّ في ثغره فله فيه مثل ذلك.

و لا يتعدّى من أمّر عليه في خصوص أو عموم و سيأتي حكم وليّ الثّغر بعد إن شاء الله.

[وضع شعار لكل طائفة]

و عليه أن يجعل لكلّ طائفة شعارا يتداعون بها و يتميزون عند الاجتماع فيه، و يهتدي به من ضلّ عن أصحابه و يرجع به إلى قومه في حال القتال أو غيره، فيكون بذلك التعاون و التّصابر(3).

روي أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم جعل شعار المهاجرين: «يا بني عبد الرحمن» و شعار الخزرج: «يا بني عبد الله» و شعار الأوس: «يا بني عبيد الله» و سمّى خيله: يا خيل الله(4)و كان من شعار الصحابة يوم حنين: «يا أصحاب سورة البقرة».


1) سورة آل عمران 3: 159.

2) في الجامع الصغير 2: 10 خير دينكم أيسره، عن أحمد و عن البخاري في الأدب المفرد عن محجن بن الأدرع و الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين. و عن الطبراني في الأوسط و ابن عدي في الكامل عن أنس، و ورد في شرح السير الكبير 1: 238 خير دينكم اليسر.

3) النقل عن الأحكام السلطانية للماوردي 36 بتصرف.

4) النقل عن الأحكام السلطانية 36.

و قال عليه السلام: إذا لقيتم العدوّ فشعاركم «حم. لا ينصرون»، أي اللهمّ.

و قال سحنون: الشّعار من الأمر القديم.

قال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: يا منصور(1)

قال السرخسي: معناه قد ظفرت بالعدو فاقتل من شئت منهم، و هذ كان شعار النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر، و كان شعاره يوم أحد: أمت أمت.

قال محمد: و عن عائشة رضي الله عنها قالت: جعل رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن. و الخزرج يا بني عبد الله. و الأوس: يا بني عبيد الله. و قال لهم رسول الله ليلة في حرب الأحزاب: إن بيتم الليلة فشعاركم: حم. لا ينصرون.

و كان شعارهم يوم حنين: يا أصحاب سورة البقرة و به ناداهم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) حين ولّوا منهزمين فقال: يا أصحاب سورة البقرة! إليّ أنا عبد الله و رسوله سائر اليوم. و جعل يتقدم في نحر العدو، فرجع إليه المسلمون حين سمعوا صوته.

و في رواية: كان شعارهم يومئذ: حم لا ينصرون. فلما ثاب المسلمون- أي رجعوا إليه- تولّى المشركون. فقال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم): انهزموا و ياسين. قال السرخسي: فالحاصل أن الشعار هو العلامة، فالخيار في ذلك إلى إمام المسلمين، إلا أنه ينبغي له أن يختار كلمة دالة على ظفرهم على العدو بطريق التفاؤل. فقد كان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يعجبه الفأل الحسن.

قلت: و قد ورد في شرح السيرة النبوية 2: 890 أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) كان يقول يوم حنين: يا معشر أصحاب السّمرة.

.

[وجوب تصفح الجيش و إخراج غير الموثوقين منه]

و عليه أن يتصفّح جيشه، و يخرج من عنده تخذيل للمجاهدين أو عين للمشركين أو إرجاف بالمسلمين، و قد ردّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم عبد الله بن أبيّ ابن


1) جاء في شرح السير الكبير 1: 74 برقم: 59: قال محمد رحمه الله: و ينبغي أن يتخذ كل قوم شعارا إذا خرجوا في مغازيهم حتى إن ضل رجل عن أصحابه نادى بشعارهم، و كذلك ينبغي أن يكون لأهل كل راية شعار معروف، حتى إن ضل رجل عن أهل رأيته نادى بشعاره فيتمكن من الرجوع إليهم، و ليس ذلك بواجب في الدين، حتى لو لم يفعلوا لم يأثموا، و لكنه أفضل و أقوى على الحرب، و أقرب إلى موافقة ما جاءت به الآثار على ما روي عن سنان ابن وبرة الجهني قال: كنا مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في غزوة المريسيع و هي غزاة بني المصطلق، و كان شعارنا: يا منصور أمت.

سلول(1)في بعض غزواته بتخذيله للمسلمين(2)، و كذلك يتحرّز ممّن بينه و بين العدوّ عهد أو مراسلة و مكاتبة، و يستخبر الثقات المأمونين المعروفين بالنّصيحة و الورع إن كان من هذه صفته في قومه (س 36) عمّا يسمعونه و يخبرونه من عامّة العسكر.

و قد جاء في الحديث بيان عقوبة فاعل ذلك، و هو في حديث الظعينة التي أطلع الله نبيّه صلّى اللّه عليه و سلم على خبرها، فأرسل إليها و أمر بأخذ الكتاب منها، و أن يخلى سبيلها إن دفعته، و إن منعته قتلت، فأخرجته من عقاصها فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة(3)

الإصابة 1: 314 برقم: 1533 و الأعلام 2: 159 و السيرة النبوية 1: 503 و 2: 850.

إلى ناس من المشركين أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم. فقال: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش و لم أكن من أنفسها، و كان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكّة يحمون بها أهلهم و أموالهم،

1) عبد الله بن أبيّ ت 9 ه- 630 م: عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب المشهور بابن سلول، و سلول جدته لأبيه من خزاعة. هو رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، و أظهر الإسلام بعد وقعة بدر و لما تهيأ النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) لوقعة أحد انخزل عبد الله بن أبيّ و كان معه 300 رجل، و عاد بهم إلى المدينة، و فعل ذلك يوم التهيؤ لغزوة تبوك، و كان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم و كلما سمع سيئة نشرها و له في ذلك أخبار و لما مات صلّى عليه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) فنزلت« و لا تصلّ على أحد منهم» و كان عملاقا يركب الفرس فتخط إبهاماه في الأرض. عن الأعلام 4: 65 و أخباره في السيرة النبوية في غزوة أحد و تبوك و غيرهما.

2) النقل من الأحكام السلطانية: 37.

3) حاطب: 35 ق. ه- 30 ه- 586- 650 م: حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي، شهد الوقائع كلها مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و كان من أشد الرماة في الصحابة، و كانت له تجارة واسعة، بعثه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) بكتابه إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، و مات في المدينة، و كان أحد فرسان قريش و شعرائها في الجاهلية.

فأحببت إذ فاتني ذلك في النّسب أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، و ما فعلت ذلك كفرا و لا ارتدادا.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: قد صدقكم.

فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.

قال: إنّه قد شهد بدرا، و ما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَ ما أَعْلَنْتُمْ، وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ(1). ففي هذا الخبر ما يدلّ على أنّ من كاتب العدوّ (س 37) قتل، لأنّ علّة إبقاء (م 19) حاطب: تصديق النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم إيّاه في عذره و لا يصحّ ذلك لغيره، و أنه كان من أهل بدر و قد ورد فيهم ما ورد.

و فيه أيضا: أن لا يوالى كافر و لا يلقى إليه بمودّة، قال سحنون: و من قاتل أهل الحرب قتل و لم يستتب، و ماله لورثته.

و قال غيره: يجلد و يطال حبسه و ينفى من الموضع الذي يقرب من العدوّ.


1) سورة الممتحنة 60: 1- 4: و خبر حاطب مع ما ورد فيه من الحديث و الآيات في السيرة النبوية 2: 849، 850، 851 و انظر الأحكام السلطانية: 47، 48.

و روي أنّ عينا من المشركين جاء إلى رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم فلمّا طعم انسلّ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم: عليّ بالرّجل، اقتلوه، فابتدره القوم، فسبقهم سلمة ابن الأكوع(1)فقتله فنفّله النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم سلبه(2).

فعلى هذا كله يجب على الأمير تصفّح جيشه و استعراض قومه و استنفاض عسكره.

[وجوب أن يكون القائد أسوة و وجوب المشاورة]

و عليه أن يكون أسوة لأهل عسكره جهده في أحواله و أقواله، و أن يشاور أهل الرأي و الحنكة، قال الله تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ(3)و اختلف الناس في هذا الأمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلم مع ما أيده الله به من التوفيق، و أعانه به من التأييد، فقيل: إنّه ليستقرّ له الأمر الصحيح فيعمل عزمه، و قيل: ذلك لما في المشاورة من الفضل و النّفع و الأدب مع الأصحاب، و قيل: إن ذلك ليستنّ به المسلمون و يتبعه به المؤمنون، و إن كان عن مشاورتهم غنيّا، قال الحسن(4): ما تشاور قوم إلّا هدوا لأرشد أمرهم(5).


1) سلمة بن الأكوع ت 74 ه- 693 م: سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي، من الذين بايعوا تحت الشجرة، غزا مع النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) سبع غزوات منها الحديبية و خيبر و حنين و كان شجاعا بطلا راميا عدّاء، و هو ممن غزا إفريقية في أيام عثمان. توفي بالمدينة. عن الأعلام 3: 113 و الإصابة 3: 118 برقم: 3382.

2) البخاري: الجهاد و السير. حديث برقم: 2823.

3) سورة آل عمران: 3: 159.

4) ربما كان يريد الحسن البصري 21- 110 ه- 642- 728 م و اسمه الحسن بن يسار أبو سعيد، تابعي، إمام البصرة و حبر الأمة في زمنه، و هو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد بالمدينة و شب في كنف عليّ بن أبي طالب، و استكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية و سكن البصرة و عظمت هيبته في القلوب. عن الأعلام 2: 226.

5) الأحكام السلطانية: 43.

[وجوب استدناء أهل الفضل و الاعتماد على الخبراء]

و عليه أن يستدني أهل الفضل و الدّين و النصيحة من المسلمين و (س 38) يقرّب من أهل الثغور و شبههم أهل البصائر و الممارسة للحرب و المعرفة بالجهات و الطّرق و الأرض التي يقصدها، و يحسن إليهم و يطيّب نفوسهم، و يعدهم بالثّواب على الصّدق في كل حال، ليأمن في ذلك من كذب المخبر و غشّ النّصيح، فإنّه لا رأي لكذوب و لا ثقة بمغلوب و لا نصح لموتور، و لا حرمة لمهجور.

و يستخبر أهل السّير في السّير، فما خاف أن يوقع و هنا في عسكره كتمه و ينظر في التخلّص منه، و ما كان تقوية لقلوب قومه، و بشارة بمأموله أذاعه و أفشاه و نشط ما استطاع و بشّر النفوس بما يشعر به من الظّفر و يخيّل من أسباب النصر، و يقلّل العدوّ في أعين المسلمين ليكونوا أجرأ عليهم و أنشط في قتالهم، قال الله تعالى: وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ(1)و يكون ذلك بسياسة و تحذير من المكائد و تخويف من الخذلان لئلا يغتّر الناس باحتقار العدوّ (فيقع التواكل من بعض الجيش على بعض، فيجد العدوّ فيهم فرصة و لو كان قليلا)(2).

نعوذ بالله من الخذلان، فإنّ قلب الإنسان إذا دخله الخوف شغله الحذر، و إذا اتّسع له الأمن استلبته الغرّة(3).

و عليه أن يعد أهل البصيرة و البلاء بثواب الله إن كانوا من أهل الآخرة، و بالجزاء و النّفل إن كانوا من أهل الدّنيا، و ثواب الآخرة الجنّة


1) سورة الأنفال 8: 42.

2) ما بين المعقوفتين ساقط من م.

3) في س: العزة.

و ثواب الدنيا الغنيمة، قال الله العظيم وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها(1)/ (م 20).

و عليه/ (س 39) أن لا يمايل من ناسبه أو صاحبه أو قاربه أو وافق رأيه و مذهبه على من باينه في شئ من ذلك، فيكون ذلك داعية إلى تفريق الكلمة و التّشاغل بالتقاطع و المضاغنة و الاختلاف، بل يداري و يرفق و يظهر التسوية في القرب و التكافؤ في الحكم، و التجافي عن التخصيص بالعتب و الذمّ. بل يشمل فيما يكره بأن يقول: ينبغي أن لا يفعل كذا، و فيما يجب:

يجب أن يفعل كذا، كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم إذا كره بعض الأمور قام خطيبا ثم قال: ما بال قوم يفعلون كذا ثمّ ينهى عموما أو يأمر عموما. و قد فعل ذلك عمر رضي الله عنه و هو حسن في النّظر(2).

و قد أغضى رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم عن المنافقين و هم أضداد في الدّين و أعداء المسلمين، لكنّهم لمّا استتروا بالإسلام و اتّسموا بصحبة خير الأنام، أجرى عليهم حكم الظاهر(3)، حتى قال له بعض أصحابه: «دعني أقتل هذا المنافق- يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلول- فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: أخاف أن يقال: محمد يقتل أصحابه»(4)فعلّمنا بذلك المداراة و الصبر على الأذى و احتمال المكروه مخافة اختلاف الظنون و اقتحام الأهواء على السرّ المكنون. و فيه صلّى اللّه عليه و سلم الأسوة الحسنة، فكثّر بهم العدد و شدّ بهم الشوكة، و كمّل بهم العدّة، و وكلهم في ضمائرهم و سرائرهم إلى علّام


1) سورة آل عمران 3: 145 و النقل عن الأحكام السلطانية: 43.

2) انظر الأحكام السلطانية: 37.

3) الأحكام السلطانية: 37.

4) انظر الخبر بتفصيله في السيرة النبوية: 2: 761.

الغيوب(1)، ما لم يظهر منهم التخذيل عن الجهاد، و يبدو عليهم/ (س 40) مخيل الإفساد، فحينئذ يجب إخراجهم إلى حيث تؤمن غائلتهم كما تقدّم، قال الله تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ(2)قيل: إنّ المراد بالريح: الدولة، و قيل: القوة، و ضرب لها المثل بالرّيح لقوّتها(3)، و قيل: يحتمل أن يكون للنصر ريح من قبل الله عزّ و جلّ تهبّ بأمره حيث شاء.

[الحرص على جمع الكلمة و وجوب المعاملة العادلة]

و عليه أن يأخذ جيشه بما أوجب الله تعالى من حقوقه و أمر به من حدوده، حتى لا يكون بينهم تجاوز في دين، و لا تحيّف في حقّ، فمن جاهد عن الدّين (فهو) أحقّ الناس بالتزام حدوده و القيام بأحكامه و الفصل بين حلاله و حرامه(4).

[وجوب النهي عن الفساد و التشاغل بأمور الدنيا]

روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم قال: انهوا جيوشكم عن الفساد فإنّه ما أفسد جيش قطّ إلّا سلّط عليهم الرّجلة، و انهوا جيوشكم عن الغلول، فما غلّ جيش قطّ إلا قذف الله الرعب في قلوبهم، و انهوا جيوشكم عن الزّنى فما زنى جيش قطّ إلا سلّط عليهم الموتان(5)

روي حارث بن نبهان عن أبان بن عثمان عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: أنهوا جيوشكم عن الفساد، فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم الرعب، و انهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غلّ جيش قط إلا سلط الله عليهم الرّجلة، و انهوا جيوشكم عن الزنى، فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط الله عليهم الموتان. و انظر نهاية الأرب 6: 158 و الموّطا، الجهاد: برقم 870.

.

1) الأحكام السلطانية: 37.

2) سورة الأنفال 8: 46.

3) الأحكام السلطانية: 37.

4) الأحكام السلطانية: 44.

5) الحديث في الأحكام السلطانية: 44 بهذه الرواية.

و الرجلة: موت الدوابّ و الخيل. و الموتان: الوباء الذي يموت فيه عامّة الناس.

و عليه أن ينهى جيشه عن التّشاغل بالتجارة و الزراعة، فإنّ ذلك يصرف هممهم عن مصابرة العدوّ و صدق النيّة في الجهاد(1).

روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنّه قال: بعثت مرحمة و مرغمة، و لم أبعث تاجرا و لا زارعا، و إنّ شرّ هذه الأمة التجار و الزّارعون إلّا من شحّ على دينه(2)

3154« بعثت مرحمة و ملحمة و لم أبعث تاجرا و لا زارعا ألا و إن شرار الأمة التجار و الزارعون إلا من شح على دينه» عن ابن عباس. قال محققه: أخرجه أبو نعيم في الحلية 4: 72 و الديلمي في مسند الفردوس 2: 1918 عن ابن عباس. و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع 2340.

(م 21).

و غزا نبيّ (س 41) من الأنبياء عليهم السلام فقال: لا يغز معي رجل بنى بناء لم يكمله، و لا رجل تزوّج امرأة و لم يدخل بها، و لا رجل زرع زرعا و لم يحصده(3).

و عليه النظر في حراسة جيشه من غرّة العدوّ، بأن يستنفض المكامن و المراصد و يرتّب الطلائع على الموارد و المقاصد و يتخيّر المنازل بحسب الأحوال في كلّ زمان و مكان، و لا يغفل عن أوطإ الأرض نزلا و أكثرها مرعى و ماء و منافع، و أحرسها أكنافا و أطرافا، و يحرس حراسة يأمن بها عسكره في الأنفس و الرّحال، و تسكن إليه النفوس في حال الدّعة و أخذ


1) الأحكام السلطانية: 44.

2) الحديث بهذه الرواية في الأحكام السلطانية: 44 و روايته في فيض القدير 5: 2597 برقم:

3) هذا الخبر في الأحكام السلطانية: 44.

الأهبة و التّهيئة لوقت المحاربة، فيكون ذلك أعون على المنازلة و أقوى على المراقبة.

[إعداد ما يحتاج إليه الجيش و تعرف أحوال الناس في العسكر]

و عليه إعداد ما يحتاج إليه الجيش من زاد و علوفة، يفرّق ذلك عليهم في وقت الحاجة إذا نفد زادهم لتسكن نفوسهم إليه و يثقوا بمادّة يستغنون عن طلبها فيكونوا على المحاربة أوفر و لمنازلة العدوّ أقوى و أصبر.

و عليه أن يتعرّف أحوال عدوّه و يتسمّع مع السّاعات و في كلّ الأحيان أخبارهم حتّى يعرف أحوالهم و يعلم مقاصدهم و أغراضهم، و يجتهد في إذكاء العيون، و بثّ الرّصد، و بعث من يثق به في الاستعلام بعادة العدوّ، و يتحرّز من مكرهم و خدعهم، و يلتمس الغرّة في الهجوم عليهم إن رأى ذلك فرصة و تبيّن له منهم غفلة، فإنّ الحرب خدعة، و أيسر الغفلة و التأنّي عند ذلك صرعة/ (س 42).

و عليه أن يتعرّف أحوال الناس في عسكره، و هل يحتاجون إلى الخروج في غارة أو معتلفة فيندب لذلك و يحوط الخارجين في البعوث بتأمير الموثوق به في نجدته و سياسته و دربته و علمه بالجهات، فإنّ أكثر ما يصابون في ذلك من الاسترسال و عدم الامتثال، و إن رأى المنع من ذلك لخوف من غرّة أو جهل بمكامن العدوّ نادى بالنّهي عن الخروج حتّى يعيّن أميرا و يندب جماعة تكون ردءا للمعتلفة، و لا يكون الخروج لشي‌ء من ذلك إلّا بإذن و تحت نظر أمير و جماعة، لأنّ ركوب الخطر في إهمال ذلك عظيم.

الباب السابع في امتثال الغازي أمر إمامه و أمير عسكره و قائد جماعته‌

اشارة

في امتثال الغازي أمر إمامه و أمير عسكره و قائد جماعته‌

[وجوب طاعة الغازي أمر إمامه و الآثار الواردة في ذلك]

يجب على الغازي امتثال أمر إمامه أو أمير عسكره أو قائد جماعته، و أن لا يخالفه في شي‌ء من أمره ما استطاع ممّا يوافق سنّة في عمل أو تدبير في رتبة أو حيلة أو مكيدة على عدوّ أو نظر في بعث طليعة أو سرّية أو رائد أو حراسة لجانب أو كمين لغارة أو تجريد جريدة لشغل جهة أو جلب عير أو قوت أو غنيمة و أشباه ذلك من الوجوه التي للأمير النظر فيها، قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ/ (م 22) وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ(1)فقيل في أولي الأمر: إنّهم الولاة الأمراء، قاله أبو هريرة و ابن عباس و غيرهما(2). و قيل: هم أصحاب السرايا.

و قال زيد بن أسلم: هم السلاطين.

و قال جابر(3)/ (س 43) بن عبد الله: هم أهل العلم و الفقه و الخير


1) سورة النساء 4: 59.

2) النقل عن الأحكام السلطانية 48 و فيه: و في أولي الأمر تأويلان: أحدهما أنهم الأمراء، و هذا قول ابن عباس رضوان الله عليه، و الثاني أنهم العلماء و هذا قول جابر بن عبد الله و الحسن و عطاء.

3) جابر 16 ق. ه- 78 ه- 607- 697 م: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي، صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). روى عنه جماعة من الصحابة، له و لأبيه صحبة، غزا تسع عشرة غزوة. و كانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم. الإصابة 1: 222 برقم: 1022 و الأعلام 3: 104.

و الدّين. و قاله مجاهد(1)و قتادة(2)و أبو العالية(3)

الإصابة: 7: 141 برقم: 829.

، و قيل غير ذلك.

و الأكثر على أنّهم الأمراء و السلاطين و اختاره أهل النظر لقول رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- سيليكم بعدي ولاة، البرّ ببرّه و الفاجر بفجوره فاسمعوا و أطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ، و صلّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم و لهم، و إن أساؤوا فلكم و عليهم. رواه أبو هريرة(4).

و روي أنه- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: على المرء المسلم الطاعة فيما أحبّ و كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا طاعة(5)

2257.

.

و أنّه- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: لا يزال الناس بخير ما استقام لهم هداتهم و ولاتهم.

فالهداة: العلماء. و الولاة: الأمراء.


1) مجاهد 21- 104 ه- 642- 722 م: مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، تابعيّ، مفسّر، من أهل مكة أخذ التفسير عن ابن عباس. تنقل في الأسفار و استقر في الكوفة. عن الأعلام 5: 278.

2) قتادة ت 23 ه- 644 م: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري الظفري الأوسي، صحابي، بدري من شجعانهم، كان من الرماة المشهورين. شهد المشاهد كلها مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و كانت معه يوم الفتح راية بني ظفر، و توفي بالمدينة و هو ابن 65 سنة. له سبعة أحاديث و هو أخو أبي سعيد الخدري. الأعلام 5: 189 و الإصابة 5: 229 برقم: 7070.

3) أبو العالية ت 90 ه أو 93 أو 96 ه: أبو العالية الرياحي مولاهم- اسمه رفيع بن مهران، أدرك الجاهلية، و أسلم بعد وفاة الرسول، و قدم في خلافة أبي بكر. كان عالما بالقرآن.

4) حديث أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط و فيه: عبد الله بن محمد بن عروة. و هو ضعيف جدا.

5) الحديث في صحيح البخاري، الأحكام، حديث برقم: 6611 ورد بلفظ: ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة و انظر: صحيح مسلم- الإمارة- برقم: 3423، و الترمذي، الجهاد. برقم: 1629، و النسائي، البيعة. برقم: 4135، و أبو داود. الجهاد. برقم:

و في حديث أبي ذرّ قال: أوصاني رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- بثلاث: أحدها أن أسمع و أطيع و لو لعبد مجدّع الأطراف(1)

اسمع و أطع و لو لعبد مجدّع الأطراف. و إذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف، و صلّ الصلاة لوقتها و إذا وجدت الإمام قد صلّى فقد أحرزت صلاتك و إلا فهي نافلة، و انظر رواية أخرى في المسند 15: 549 برقم: 21393.

.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- في حديث آخر: و إن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا و أطيعوا. و في رواية: إلّا أن يأمر بمعصية فلا سمع فيها و لا طاعة(2).

[لا يخرج العسكر بغير إذن إمامه إلا لضرورة]

و في كتاب ابن الموّاز(3):

قلت: أ يغزى بغير إذن الإمام؟

قال: أمّا الجيوش و العساكر فلا خروج لهم إلّا بإذن الإمام و توليته عليهم. و قد أرخص لأهل الثغور ممّن يقرب العدوّ و يجدون الفرصة، و يبعد عنهم إذن الإمام فمهّل مالك في ذلك، فأمّا سرية تخرج من عسكر فلا يجوز لهم ذلك. قال عبد الملك(4): و هم عاصون خرجوا ببدعة و رغبوا عن


1) في مسند أحمد 15: 523 برقم: 21321 عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي عليه السلام بثلاثة:

2) الحديث في البخاري كتاب الأحكام 4 و مسلم في كتاب الإمارة: 36، 37 و الترمذي: جهاد 28 و ابن ماجة: جهاد 39 ... و في مسند أحمد 4: 69، 70 و 5: 381 و 6: 412- 413 جاء في مسند أحمد 4: 70 عن يحيى بن حصين عن أمه قالت: سمعت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يخطب في حجة الوداع يقول: يا أيها الناس، اتقوا الله و اسمعوا و أطيعوا و إن أمّر عليكم عبد حبشيّ مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله عز و جل.

3) ابن المواز ت 281 ه- 894 م: محمد بن إبراهيم بن زياد المواز أبو عبد الله، فقيه مالكي، من أهل الإسكندرية، انتهت إليه رئاسة المذهب في عصره. من تصانيفه: الموازية. لم تطبع عن الأعلام ...

4) هو عبد الملك بن حبيب، و يرد ذكره في كتابنا باسم: ابن حبيب ... و قد تقدمت ترجمته.

سنّة رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- (س 44) و الأئمة بعده، و لا أرى أن ينفّلوا، و لا ينفّل إلّا من أطاع، و يؤدّبون على قدر أحوالهم بما يراه الإمام.

و قد نهى النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- أصحابه عن القتال و هم مستقبلو العدوّ، فقاتل رجل، فأمر- صلّى اللّه عليه و سلم- من ينادي: لا تحلّ الجنّة لعاص(1).

و سئل مالك في العدوّ ينزل بساحل المسلمين أيقاتلونهم بغير إذن الإمام؟

فقال: إن قرب منهم استأذنوه، و إن بعد قاتلوهم و لا يتركوهم.

قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: إذا نهى الإمام عن القتال لأمر فيه مصلحة فلا يحلّ لأحد أن يقاتل إلّا أن يغشاهم العدوّ و تدهمهم منه قوة، فلا بأس بقتالهم قبل إذنه.

و روى أشهب(2)

ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لو لا طيش فيه. قيل: اسمه مسكين. و أشهب لقب له. مات بمصر. تهذيب التهذيب 1: 359 و الأعلام 1: 333.

عن مالك في الجيش بأرض العدوّ يحتاج بعضهم ..

فخرجت جماعة إلى قرية و أخرى كذلك فربما قتل بعضهم أو أسر؟

قال: لا ينبغي أن يخرجوا إلا في كنف و منعة و ما جاؤوا به فلا ينبغي أن يبيعوه.

قيل: فإنّا نعتلف و لا نستأذن الإمام.


1) في شرح السير الكبير 1: 63 برقم: 173. قوله« لا تحلّ الجنّة لعاص» أمر رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) بأن ينادى به يوم خيبر حين نهاهم عن القتال فقيل: استشهد فلان. فقال عليه السلام: أبعد ما نهيت عن القتال؟ قالوا: نعم. فقال: لا تحلّ الجنّة لعاص.

2) أشهب 145- 204 ه- 762- 819 م: أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي أبو عمرو، فقيه الديار المصرية في عصره، كان صاحب الإمام مالك. قال الشافعيّ:

قال: لو كان بإذنه كان أحبّ إليّ إن استطعتم، و لكنّ الناس أكثر من ذلك، فإن خرجتم ففي كثرة و عدّة(1).

[وجوب المشاورة و الطاعة]

فلذلك كلّه يجب طاعة (م 22) الأمير فيما يأمر به و ينهى عنه و أن لا ينازع، قال الله تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ(2)و قد أمر عمرو بن العاص(3)جيشه في عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم أن لا يوقدوا نارا في ليلة باردة، فلمّا قدموا شكوا ذلك، فقال عمرو: كان في أصحابي قلّة فكرهت أن يراهم (س 45) العدوّ. فأعجب ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم.

و إذا أمرهم الأمير بأمر يخاف فيه الهلكة و أجمعوا على أنه خطأ فلهم أن يسألوه عنه و يناظروه عليه، فإمّا أن يبين لهم صوابه فيرجعوا إليه أو يبين له الزلل فيرجع هو عنه.

و قد رجع الصحابة إلى أبي بكر الصدّيق(4)في قتال أهل الردّة


1) انظر شرح السير الكبير 1: 174 برقم: 186 إلى 195.

2) سورة الأنفال 8: 46 و انظر أحكام الطاعة في شرح السير الكبير 1: 165 و ما بعدها و في الأحكام السلطانية: 48.

3) عمرو بن العاص 50 ق. ه- 43 ه 574- 664 م: عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أبو عبد الله، فاتح مصر، و أحد عظماء العرب و دهاتهم و أولي الرأي و الحزم و المكيدة فيهم، كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، و أسلم في هدنة الحديبية و ولاه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) مرة جيش« ذات السلاسل» و أمدّه بأبي بكر و عمر، ثم استعمله على عمان، ثم كان من أمراء الجيوش في الجهاد بالشام في زمن عمر، و هو الذي افتتح قنسرين و صالح أهل حلب و منبج و أنطاكية و ولاه عمر فلسطين ثم مصر فافتتحها و عزله عثمان. و لما كانت الفتنة بين عليّ و معاوية كان عمرو مع معاوية، فولاه معاوية على مصر سنة 38 ه و أطلق له خراجها ست سنين فجمع أموالا طائلة و توفي بالفسطاط، الإصابة 5: 2 برقم: 5177 و الأعلام 5: 79.

4) أبو بكر 51 ق ه- 13 ه 573- 634 م: أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان( أبي قحافة) بن عامر القرشي، أول الخلفاء الراشدين و أول من آمن برسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) من الرجال- - ولد بمكة و نشأ سيدا من سادات قريش و غنيا و عالما بالأنساب. بويع بالخلافة يوم وفاة النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) سنة 11 ه فحارب المرتدين و افتتحت في أيامه بلاد الشام و قسم كبير من العراق، و توفي بالمدينة، عن الأعلام 4: 102.

و إنقاذ جيش أسامة(1). و إذا اختلفوا فرأى بعضهم رأي الأمير فليرجع إليه من خالفهم، و ليتّهم رأي نفسه حتى يرى الأمر البيّن.

و إذا نادى منادي الأمير: يكون فلان و جنده في الميمنة، و فلان و جنده في الميسرة و كذلك في المقدّمة و في السّاقة فلا يتعدّ أمره، و من تعدّاه من غير عذر فللإمام تأديبه إذا رأى ذلك نظرا و بقدر ما يرى من حاله و بحسب زمانه و مكانه و دواعي الترغيب و الترهيب(2).

و إذا كان رجل في العسكر و سمع النداء: السلاح السلاح فليلبس سلاحه و لا يذهب نحو الصوت و لكن إلى الأمير ليسمع أمره و نهيه، إلّا أن يخاف العدوّ على الموضع الذي ضربوا فيه فليقصد الموضع. و إن كان النداء ليلا فليمض إلى مضرب الإمام.

و إذا نادى منادي الإمام: الصلاة جامعة، فلا يتخلّف أحد إلّا من يحفظ الرّحال: رجل أو اثنان في كل رحل.


1) أسامة 7 ق. ه- 54 ه 615- 674 م: أسامة بن زيد بن حارثة من كنانة عوف، أبو محمد، صحابي جليل، ولد بمكة و نشأ على الإسلام لأن أباه كان أول الناس إسلاما، و كان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يحبه حبا جما، و ينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن و الحسين، و هاجر مع النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، و أمّره رسول الله قبل أن يبلغ العشرين من عمره فكان مظفرا موفقا، و لما توفي رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) رحل أسامة إلى وادي القرى فسكنه ثم انتقل إلى دمشق في أيام معاوية، فسكن المزة و عاد بعد ذلك إلى المدينة فأقام إلى أن مات بالجرف. و في تاريخ ابن عساكر أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) استعمل أسامة على جيش فيه أبو بكر و عمر، الإصابة 1: 29 برقم: 89 و الأعلام 1: 291.

2) انظر النص في شرح السير الكبير 1: 168 برقم: 172.

و إن نادى الزموا السّاقة لزمها كلّ امرئ إلا مستضعف(1).

و إن نادى منادي الإمام: من أراد العلف فليخرج تحت لواء فلان، فلا ينبغي أن يتعدّى ذلك و لا يفارقون اللواء مفارقة يغيب (س 46) فيها بعضهم عن بعض(2).

و إذا بعث سرية و قال: لا تخرج إلا ثلاثمئة فلا ينبغي أن يتجاوز ذلك، فإن خرج أكثر فغنموا فللإمام منع الذين تعدّوا من سهامهم أدبا لهم إن ظهر له ذلك(3).

فهذا كلّه مما يجب علمه على الخاصة و العامة.


1) انظر الأحكام في شرح السير الكبير 1: 169 و ما بعدها.

2) شرح السير الكبير 1: 177 و ما بعدها.

3) شرح السير الكبير 1: 179 برقم: 197.

الباب الثامن في حكم ولاة الثغور و ذكر الصّوائف‌

اشارة

في حكم ولاة الثغور و ذكر الصّوائف‌

[تخير رجال الثغور و مدهم بما يحتاجونه]

ينبغي للإمام أن يتخيّر للثّغور رجالا من أهل الورع و الصّرامة، شجعان النفوس، و إن لم يكونوا يحسنون الفروسيّة، ذوي سياسة و كتمان لأسرارهم، و صبر و مداراة، مجدّين ليس لشي‌ء من الهزل إليهم طريق، ذوي أنفة و حيل و قوّة على الأسفار و الحركة، ما ئلين إلى خشونة العيش، علماء بأحكام الجهاد و المصالحة و أحكام الفي‌ء و الخمس و المغانم و الأنفال.

و يجري على والي كلّ ثغر ما يقوم به و بأعوانه و دوابّه على التوسّع في ذلك. و يتفقّد تحصين الثّغور و بنيانها و إدرار الأرزاق على الأدلّاء و الجواسيس (م 24) و صلاتهم.

[تكثير رجال الثغور و وجوب تبديل الجند كل ستة أشهر]

و يكثّر بالجند في كلّ ثغر من أهله و سكّانه، و يأخذهم بتعلّم العمل بالسّلاح من السيف و الرّمح و الرّمي و الفروسية و الجري رجّالة، و استجادة الخيل و اتخاذها و تخفيف سروجها و لجمها، و أن لا يكون فيها فضّة و لا ذهب أصلا، لكن بما لا بدّ منه من الحديد لئلا يثقلها ذلك عند الجري.

و ليكن عند أمير كلّ ثغر جند مندوبون مدالون في كلّ ستة أشهر بغيرهم يقوى بهم على (س 47) من تصعّب و تمنّع من إنفاذ الحقّ عليه من أهل ثغره، فقد كان مع رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم المهاجرون الأوّلون و الأوس و الخزرج يتبارون في الطاعة، و يؤخذ الحقّ من بعضهم لبعض. و يكون

لأولئك المندوبين منازل ينزلونها معدّة لهم لئلا ينزلوا على أهل البلدة فيثقلوا عليهم، و تزاح عللهم في أرزاقهم لئلا يتعدّوا على مال أحد و لا على طعامه و لا على ثماره و لا على ما شيته.

و ليكن وكد الأمير أن لا يغفل منع من أراد إيقاع شرّ أو عصبيّة بين الطّوائف المذكورة، بين الجند البلديّ و الجند المندوب فيعاقبه و يخرجه عن البلد و لا بدّ. و لا يميل بعصبيّة إلى طائفة دون أخرى، فهذه طريقة البقاء و السّلامة، و في تعدّيها الدّمار الشّامل و الهلاك العاجل.

و يكثّر في كل ثغر الأدلّاء الثّقات، و لا يكونوا إلا مسلمين و لا بدّ.

[الاهتمام بالتجسس و طرد الجنود غير الأكفاء]

و يكثّر من الجواسيس، و إن أمكن أن لا يكونوا إلّا كفارا فهو أولى مثل تجار اليهود و مسافري النّصارى لأنّها مرتبة غدر لا عزّ فيها فينبغي أن يصان المسلمون عنها، و لكن يجري عليهم أرزاقا يغنون بها عن التصرّف للمعاش في غير ذلك الطريق، و لا يسقط عنهم الجزية، و يستظهر في معرفة صدقهم من كذبهم بأن يكونوا جماعة كبيرة لا يعرف بعضهم بعضا، و هذا كلّه بخلاف الأدلاء، لأنهم- نعني الأدلاء- ينبغي أن يكونوا مكرّمين لأنّهم يشاورون في العظائم، و ينبغي أن تجرى عليهم الأرزاق الواسعة، و يكون الجند كله (س 48) مزاح العلل، متى دعوا النّفير أسرعوا للوقت و لم يترددوا، و يعترض والي الثّغر جنده إن أمكن في كلّ جمعة، و إلّا مرّتين في الشهر، و يعترض سلاحهم و خيلهم، فمن رآه مقصّرا في استجادة الفرس و السّلاح حرمه عطاءه، فإن ازدجر و إلّا أسقطه و ألحق غيره مكانه، و من رآه مهتبلا لفرسه و سلاحه أكرمه و أعانه على ذلك.

و ينبغي أن يطرح من الجند كلّ مهذار و كلّ محرّك لأطماعهم و كلّ مستزيد لا يقنع و كلّ جبان.

و ينبغي أن يجتنبوا اللذات جملة و إن كانت مباحة، و أمّا الفواحش فلا تباح لأحد أصلا، لأنّه لا سبيل إلى الانتفاع في الحرب بكلّ مائل إلى اللذّات و الانخراق في الملابس و الحلي، و واحد من أهل البصائر و الجد خير من ألف من أهل البطالة و الصّلف، بل كلّما كثرت هذه الطبقة الخسيسة كانوا أضّر على من استنصر بهم لأنّهم مؤونة بلا معونة مائلين إلى كلّ طمع.

[الرتب العسكرية]

و يجعل على كلّ ثمانية من الجند ناظرا و يعقد له عقدة، و على كلّ خمسة نظّار عريفا و يعقد له بندا (م 25) و على كلّ خمسة عرفاء نقيبا و يعقد له لواء، و على كلّ خمسة نقباء قائدا و يعقد له علما، و على كلّ خمسة قوّاد أميرا و يعقد له راية إن كثر الجند.

و يرتّب لهم أرزاقا معلومة لكلّ طائفة على قدر الكفاية لا يطمع أحد منهم أن يزاد فيها فلس فما فوقه، فمن أبلى منهم و أراد الأمير أو الإمام الإحسان إليه وصله صلة غير مرتبة، لأنّه إن تعدّى (س 49) هذا العمل انفتحت له أبواب الطّمع التي لا يقدر فاتحها على غلقها أبدا بل يؤدي ضمانا و لا بدّ إلى الهلكة و هلاك الناحية التي هم فيها و هلاكهم.

و إنّما رتّبنا الرتبة التي ذكرنا لأنّ العدد إذا كثر لم يقدر الأمير، فكيف الإمام، على مباشرتهم و لقائهم بنفسه، لكن يأمر الإمام أو الأمير الواسع النظر أمراءه، و يأمر كلّ أمير منهم قوّاده، و يأمر كلّ قائد منهم نقباءه، و يأمر كلّ نقيب منهم عرفاءه، و يأمر كلّ عريف منهم نظّاره، و يأمر كل ناظر منهم فرسانه و رجّالته، فيتمّ كلّ أمر- و إن عظم- من ساعته.

و قد كان للمسلمين في أيّام رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم عرفاء و نقباء و رؤساء

فيرفعون إليه عليه السلام أمور من إلى أيديهم، و يتولّون جمعهم إذا احتيج إليهم.

و لا يفتر والي الثغر في الغزو و مداولة جنده في ذلك، و كلّ ما غنم خمّسه، فعزل الخمس و رفعه إلى الإمام ليضعه حيث أمر الله تعالى في كتابه، ثمّ ينفّل من رأى تنفيله على حسب ما فعل رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم لا يتعدّى شيئا صحّ عنه عليه السّلام في ذلك. و يقسم الغنيمة حيث غنمت، فمن وقع في سهمه شي‌ء دفع إليه و كلّف حمله.

[واجبات الإمام في فتح البلاد و الصوائف]

و ليجتهد في افتتاح البلاد، فكلّ بلد فتحه فليقسمه على مفتتحيه، فإن رأى أن يستطيب نفوسهم ليتركوا الأرض للمسلمين فلا بأس بذلك، فمن طابت نفسه عن سهمه فله أجره، و من أبى أعطاه حصّته من الأرض المفتتحة (س 50) لا يحلّ غير ذلك أصلا و إن كان في المال سعة فليدخل الأمير معه دوابّ للجرحى و المرضى.

و واجب على الإمام أن لا يغفل الصّوائف في كلّ عام، ففيها قمع العدوّ و عزّ الإسلام، و حسم طمع ولاة الثّغور عن التغلّب و التعزّز الذي هو سبب الدمار و البوار.

و أمر الصّوائف كما ذكرنا في ولاة الثغر سواء سواء إلا أنّهم تسقط ولاية ولاتها برجوعهم عنها.

و ليدخل مع أمير الصّائفة الأطباء و أهل صناعة الجير و البناؤون و النجاجرة لآلات القتال و فتح الحصون و تسهيل الطّرق للعسكر و الحدادون و السلاح من السيوف و التّراس و المطارد و القسيّ و النّبل و غير ذلك ممّا يحتاج و يفتقر إليه.

الباب التاسع في وصايا أمراء الجيوش‌

اشارة

في وصايا أمراء الجيوش‌

[كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح]

كتب عمر بن عبد العزيز(1)رضي الله عنه إلى الجرّاح(2):

إنّه بلغني أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم كان (م 26) إذا بعث جيشا أو سريّة قال:

اغزوا باسم الله، و في سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا و لا تغدروا و لا تمثّلوا، و تقتلوا امرأة و لا وليدا. فإذا بعثت جيشا أو سريّة فمرهم بذلك(3).

[وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان]

و لمّا وجّه أبو بكر الصدّيق(4)رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان(5)إلى الشّام شيّعه راجلا، فقال له يزيد: إمّا أنّ تركب و إمّا أن


1) عمر بن عبد العزيز( 61- 101 ه- 681- 720 م): ابن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو حفص، الخليفة الصالح، ولد و نشأ بالمدينة، و ولي إمارتها للوليد ثم استوزره سليمان بالشام، و ولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 ه فبويع في مسجد دمشق و لم تطل مدته إذ اقتصرت على سنتين و نصف. و أخباره في عدله و حسن سياسته كثيرة. عن الأعلام 5: 50.

2) الجراح بن عبد الله الحكمي: الأمير، أبو عقبة، ولي البصرة، و له ترجمة في تاريخ ابن عساكر، و كان من صلحاء الأمراء و مجاهديهم، توفي في حدود العشرين و مئة عن الوافي بالوفيات ج 11.

3) الوصية في العقد الفريد 1: 128.

4) سبقت ترجمته.

5) يزيد بن أبي سفيان ت 18 ه 639 م: يزيد بن صخر( أبي سفيان) بن حرب، الأمويّ، أبو خالد، أمير صحابي، من رجالات بني أمية شجاعة و حزما، أسلم يوم فتح مكة، و استعمله النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) على صدقات بني فراس و كانوا أخواله، ثم استعمله أبو بكر على جيش و سيّره إلى الشام، و خرج معه يشيّعه راجلا، و لما استخلف عمر ولّاه فلسطين، ثم ولي دمشق و خراجها و افتتح قيسارية، و هو أخو معاوية، له وقائع كثيرة و أثر محمود في فتوح البلاد الشامية. توفي بدمشق بالطاعون و هو على الولاية. الأعلام 8: 184 و انظر الإصابة 6: 341 برقم: 9266.

أنزل. فقال: ما أنت بنازل و لا أنا براكب. إنّي احتسبت خطاي هذه في سبيل الله، ثم قال: إنّك (س 51) ستجد قوما حبسوا أنفسهم للّه فذرهم و ما حبسوا أنفسهم له،- يعني الرهبان- و ستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم، فاضرب ما فحصوا عنه بالسّيف.

ثم قال له: إنّي أوصيك بعشر:

لا تقتلنّ امرأة و لا هرما و لا وليدا و لا تقطعنّ شجرا مثمرا و لا تعقرنّ شاة و لا بعيرا إلّا ما أكلتم و لا تحرقنّ نخلا و لا تخربنّ عامرا و لا تغلّ و لا تجبن(1).

[وصية الصديق لخالد بن الوليد]

و قال أبو بكر رضي الله عنه لخالد بن الوليد(2)و قد وجّهه لحرب(3):

سر على بركة الله، و إذا دخلت أرض العدوّ فكن بعيدا من الحملة فإنّي لا آمن عليك الجولة، و استظهر بالزّاد، و سر بالأدلّاء، و لا تقاتل بمجروح


1) وصية أبي بكر في العقد الفريد 1: 128، 129 و آخرها و لا تبخس بدلا من و لا تجبن.

2) خالد بن الوليد( ت 21 ه 642 م): ابن المغيرة المخزومي القرشي سيف الله، الفاتح الكبير، الصحابي، كان من أشراف قريش في الجاهلية، يلي أعنة الخيل، و شهد مع مشركيهم حروب الإسلام بل عمرة الحديبية، و أسلم قبل الفتح( فتح مكة) هو و عمرو بن العاص سنة 7 ه، فسرّ به رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و ولاه الخيل، و لما ولي أبو بكر وجّهه لقتال مسيلمة، و من ارتد من أعراب نجد، ثم سيّره إلى العراق سنة 12 ه ففتح الحيرة و جانبا عظيما منه، و حوّله إلى الشام و جعله أمير من فيها من الأمراء و لما ولي عمر عزله عن قيادة الجيوش بالشام و ولّى أبا عبيدة بن الجراح، فلم يثن ذلك من عزمه، و استمر يقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تمّ لهما الفتح سنة 14 ه فدعاه عمر ليوليه فأبى و مات بحمص في سورية. كان مظفرا خطيبا فصيحا يشبه عمر بن الخطاب في خلقه و صفاته، قال أبو بكر: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد. روى له المحدثّون 18 حديثا و أخباره كثيرة. الأعلام 2: 300.

3) في العقد 1: 129: حين وجهه لقتال أهل الردة.

فإنّ بعضه ليس منه، و احترس من البيات فإنّ في العرب غرة. و أقلل من الكلام فإنّما لك ما وعي عنك، و اقبل من الناس علانيتهم و كلهم إلى الله في سريرتهم. و أستودعك الله الذي لا تضيع و دائعه(1)

و إذا أتاك كتابي فأنفذه فإنما أعمل على حسب إنفاذه، فإذا قدمت عليك و فود العجم فأنزلهم معظم عسكرك و أسبغ عليهم النفقة و امنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين، و لا تلجنّ في عقوبة فإن أدناها وجع و لا تسرعن إليها و أنت تكتفي بغيرها كما زاد بعد قوله« و كلهم لله في سريرتهم- سرائرهم» قوله: و لا تجّسس عسكرك فتفضحه و لا تهمله فتفسده. و ذكرت في العقد الفريد 1: 129 كما وردت في تحفة الأنفس.

.

[كتاب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس]

فكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس مع ابن بقيلة الغسّاني(2):

الحمد لله الذي فضّ حزمتكم، و فرّق جمعكم و أوهى بأسكم، و سلب ملككم و أذلّ عزّكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فابعثوا إليّ بالرّهن و اعتقدوا منّا الذّمّة، و أجيبوا إلى الجزية و إلّا و الله الذي لا إله إلا هو لأسيرنّ إليكم بقوم يحبّون الموت كما تحبّون الحياة، و يرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا(3).


1) ذكرت هذه الوصيّة في عيون الأخبار 1: 108، 109 على أنها مما أوصى به أبو بكر يزيد بن أبي سفيان حين وجهه إلى الشام، و زاد فيها- أي ابن قتيبة- بعد قوله:« ما وعي عنك» ما يلي:

2) ابن بقيلة الغساني ت 12 ه- 633 م: عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة الغساني، معمّر، من الدهاة، من أهل الحيرة( في العراق) له شعر و أخبار، يقال: إنه باني قصر الحيرة، عاش زمنا طويلا في الجاهلية و أدرك الإسلام، و ظل على النصرانية، و اجتمع به خالد بن الوليد في الحيرة. و وقع اسمه في بعض المصادر( كالعقد) ابن نفيلة و هو خطأ من النساخ. ففي أمالي المرتضى: كان بقيلة يدعى ثعلبة أبا الحارث، و خرج في بردين أخضرين فقيل له: ما أنت إلا بقيلة. عن الأعلام 4: 153.

3) نص رسالة خالد في العقد الفريد 1: 129، 130.

[قول لعمر بن الخطاب عند عقد الألوية]

و كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية:

بسم الله الرحمن الرحيم و بالله و على عون/ (س 52) الله امضوا بتأييد الله و النصر و لزوم الحّق و الصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله و لا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين، و لا تجبنوا عند اللقاء، و لا تمثّلوا عند القدرة، و لا تسرفوا عند الظّهور، و لا تقتلوا امرأة و لا هرما و لا وليدا، و توقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان(1)و عند شنّ الغارات(2)

و وصية عمر هذه في عيون الأخبار: 107، 108 و العقد الفريد 1: 128.

.

[كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد]

و كتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقّاص(3)و من معه من الأجناد:

أما بعد، فإنّني آمرك و من معك بتقوى الله على كلّ حال، فإنّ تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، و أقوى المكيدة في الحرب. و آمرك و من معك، أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي من احتراسكم من عدوّكم(4)، فإنّ ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، و إنّما ينصر المسلمون على عدوّهم


1) زاد في عيون الأخبار 1: 107، 108 و عند حمّة النهضات- أي شدتها و معظمها.

2) زاد في عيون الأخبار 1: 106: و لا تغلّوا عند الغنائم، و نزّهوا الجهاد عن عرض الدنيا و أبشروا بالرّياح في البيع الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم.

3) سعد بن أبي وقاص( 23 ق. ه- 55 ه- 600- 675 م): أبو إسحاق، الصحابي الأمير، القرشي الزهري، فاتح العراق و مدائن كسرى، و أحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة، و أول من رمى بسهم في سبيل الله و أحد العشرة المبشرين بالجنة، و يقال له: فارس الإسلام. أسلم و هو ابن سبع عشرة سنة و شهد بدرا و افتتح القادسية، ولي الكوفة لعمر و أمره عثمان زمنا ثم عزله، فعاد إلى المدينة و فقد بصره. و توفي بها. له في كتب الحديث 271 حديثا انظر الأعلام 3: 87 و تهذيب التهذيب: 3: 483 و الإصابة 3: 83 برقم: 3586.

4) في العقد 1: 130 منكم من عدوكم.

بمعصية عدوّهم لله(1)، و لو لا ذلك لم تكن لنا بهم قوّة لأنّ عددنا ليس كعددهم و لا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم/ (م 27) الفضل علينا في القوة، و إن لم(2)ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.

و اعلموا أنّ عليكم في سفركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، و لا تعملوا بمعاصي الله و أنتم في سبيل الله، و لا تقولوا إنّ عدوّنا شرّ منّا فلن يسلّطوا(3)علينا و إن أسأنا، فربّ قوم(4)سلّط عليهم شرّ منهم، كما سلّط على بني إسرائيل لمّا عملوا بمعاصي الله كفرة المجوس فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا(5). فسلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا/ (س 53) و لكم.

و ترفّق بالمسلمين في مسيرهم، و لا تجشّمهم سيرا يتعبهم، و لا تقصّر بهم عن منزل يرفق بهم حتّى يبلغوا عدوّهم و السير لم ينقص قوّتهم، فإنّهم سائرون إلى عدوّ مقيم حامي الأنفس و الكراع.

و أقم بمن معك في كل جمعة يوما و ليلة، يكن ذلك لهم راحة، يجمّون(6)فيها أنفسهم و يرمون أسلحتهم و أمتعتهم، و نحّ منازلهم عن قرى أهل


1) في العقد 1: 130 و إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله.

2) في العقد: و إن لا.

3) في العقد: فلن يسلّط.

4) في العقد: قد سلّط.

5) سورة الإسراء 17/ 5.

6) يجمّون: يريحون و في العقد: يحيون.

الصلح و الذمّة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، و لا يرزؤوا(1)واحدا من أهلها شيئا فإنّ لهم حرمة و ذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصّبر عليها، فكما صبروا لكم ففوا لهم(2)، و لا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، و إذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك و بينهم و لا يخف عليك أمرهم و ليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئنّ إلى نصحه و صدقه، فإنّ الكذوب لا ينفعك خبره و إن صدق في بعضه، و الغاشّ عين عليك و ليس عينا لك. و ليكن منك عند دنوّك من أرض العدوّ أن تكثر الطلائع و تبثّ السرايا بينك و بينهم فتقطع السرايا أمدادهم و مرافقهم(3)، و تتبع الطلائع عوراتهم.

و انتق للطلائع أهل الرأي و البأس من أصحابك و تخيّر لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوّك(4)كان أول من يلقاهم أهل القوّة(5)، و اجعل أمر السرايا إلى أهل الاجتهاد و الصبر على الجلاد، و لا تخصّ بها أحدا بهوى فيضيع من رأيك و أمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصّتك. و لا تبعثنّ طليعة و لا سريّة في وجه/ (س 54) تتخوّف فيه عليها(6)ضيعة و نكاية، فإذا عاينت العدوّ فاضمم إليك أقاصيك و طلائعك و سراياك، و اجمع إليك مكيدتك و قوّتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال، حتّى تبصر عورة عدوّك و مقاتله، و تعرف الأرض كلّها كمعرفة أهلها(7)،


1) في العقد: و لا يرزأ أحد من الرزء و هو المصيبة.

2) في العقد: فما صبروا لكم فتولّوهم خيرا.

3) في العقد: و موافقهم؟!

4) في العقد: عدوا.

5) في العقد: كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك.

6) في العقد: تتخوف عليها فيه غلبة أو ضيعة أو نكاية.

7) في العقد: كمعرفة أهلها بها.

فتصنع بعدوّك كصنيعه بك(1)، ثم أذك أحراسك على عسكرك و تحفّظ من البيات جهدك(2)، و كلّ أسير أتيت به ليس له عهد فاضرب عنقه(3)لترهب بذلك عدوّ الله و عدوّك، و الله وليّ أمرك و من معك و وليّ النصر لكم على عدوّكم و هو(4)المستعان(5).

[خبر معاوية مع عبد الرحمن بن خالد و سفيان بن عوف]

قال العتبي(6):

جاشت الروم و غزوا المسلمين برا و بحرا، فاستعمل معاوية(7)

بعد مقتل عثمان بن عفان اختلف معاوية مع علي بن أبي طالب، و قال أهل الشام بإمامة معاوية. و بويع خليفة للمسلمين بعد مقتل عليّ و سمّي ذلك العام( 40 ه) بعام الجماعة. دامت له الخلافة إلى أن بلغ الشيخوخة فعهد بها إلى ابنه يزيد و مات في دمشق. و تمت في أيامه فتوحات كثيرة. عن الأعلام 7: 261- الإصابة 6: 112 برقم: 8062.

على

1) في العقد: فتصنع بعدوك كصنعه بك.

2) في العقد: و تيقظ من البيات.

3) في العقد: و لا تؤتى بأسير ليس له عقد؟ إلا ضربت عنقه.

4) في العقد: و الله المستعان.

5) نص كتاب عمر في العقد 1: 130، 131، 132.

6) العتبّي( ت 228 ه- 842 م): محمد بن عبيد الله بن عمرو أبو عبد الرحمن الأموي، من بني عتبة بن أبي سفيان، أديب، كثير الأخبار، حسن الشعر من أهل البصرة، و وفاته فيها، له تصانيف منها: أشعار النساء أحببن ثم أبغضن و الأخلاق و أشعار الأعاريب و الخيل قال ابن النديم: كان العتبي و أبوه سيدين أديبين فصيحين. و قال ابن قتيبة: الأغلب عليه الأخبار و أكثر أخباره عن بني أمية، و هو غير العتبي المؤرخ محمد بن عبد الجبار. عن الأعلام 6: 258، و قد نقل عنه صاحب العقد في مواضع عدة.

7) معاوية 20 ق. ه- 60 ه- 603- 680 م: معاوية بن أبي سفيان( صخر بن حرب) القرشي الأموي، مؤسس الدولة الأموية في الشام، و أحد دهاة العرب المتميزين الكبار، كان حليما فصيحا و قورا ولد بمكة و أسلم يوم الفتح( 8 ه) و كان يعرف القراءة و الحساب فجعله رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في كتّابه. ولّاه أبو بكر قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء و عرقة و جبيل و بيروت و جعله عمر واليا على الأردن ثم ولّاه دمشق بعد موت يزيد بن أبي سفيان ثم جمع له عثمان الديار الشامية كلها و جعل ولاتها تابعين له.

الصّائفة(1)عبد الرحمن بن خالد بن الوليد(2)فلمّا كتب له عهده قال:

ما أنت صانع بعهدي؟ قال: أتخذه إماما لا أعصيه. قال: اردد إليّ عهدي.

ثمّ بعث إلى سفيان/ (م 28) بن عوف الغامدي(3)

و ذكره في الأعلام باسم سفيان بن عوف الأزدي الغامدي. الإصابة 3: 106 برقم: 3316 و الأعلام 3: 105.

فكتب له عهده ثم قال: ما أنت صانع بعهدي؟ قال: أتخذه إماما ما أمّ الحزم، فإذا خالفه خالفته. فقال معاوية: هذا الذي لا يكفكف بكفله من عجلة و لا يدفع بظهره من خور، و لا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال(4).

[وصية عبد الملك لأحد الأمراء]

و أوصى عبد الملك بن مروان(5)

و له مآثر كثيرة في الإسلام. و كان صاحب علم و حديث. الأعلام 4: 165.

أميرا سيّره إلى أرض الرّوم فقال:

أنت تاجر الله لعباده فكن كالمقارض الكيّس الذي إن وجد ربحا أتجر


1) الصائقة: الغزو في الصيف.

2) عبد الرحمن بن خالد( ت 46 ه- 666 م): ابن الوليد. كان يؤمر على غزو الروم أيام معاوية و شهد معه« صفين» و كان عظيم القدر عند أهل الشام، و ذكر أن ابن أثال الطبيب قد قتله بالسم بحمص. الإصابة 5: 68 برقم: 6203.

3) ورد اسمه في النسختين س و م: العامري و قد صوّبناه من الإصابة و الأعلام و هو سفيان بن عوف الأسلمي أو الغامدي- كما ذكر في الإصابة- صحب النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و كان له بأس و نجدة و سخاء. كان مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام حين افتتحت. ولّاه معاوية الصائفتين فظفر و اشتهر، ثم سيّره بجيش إلى بلاد الروم فأوغل فيها إلى أن بلغ أبواب القسطنطينية فتوفي في مكان يسمى الزنداق. نعاه معاوية إلى الأمصار و الأجناد فبكى الناس عليه في كل مسجد.

4) الخبر في العقد الفريد 1: 132 و الثفال: البطي‌ء.

5) عبد الملك بن مروان( 26- 86 ه- 646- 705 م): عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد، من أعاظم الخلفاء و دهاتهم، نشأ في المدينة فقيها واسع العلم متعبدا ناسكا، استعمله معاوية على المدينة و هو ابن 16 سنة. انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة 65 ه فضبط أمورها، و اجتمعت عليه كلمة المسلمين بعد مقتل مصعب و عبد الله ابني الزبير.

و إلّا تحفّظ برأس المال، و لا تطلب الغنيمة حتى تحوز(1)السلامة و كن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوّك عليك(2).

و كان/ (س 55) زياد(3)

و قام بأعمال جليلة. عن الأعلام 3: 53، و الإصابة 3: 42 برقم: 2981.

يقول لقوّاده:

تجنّبوا اثنتين لا تقاتلوا فيهما العدوّ: الشتاء، و بطون الأودية(4).

[خبر الوليد مع عباد بن زياد]

و أغزى الوليد بن عبد الملك(5)

و دفن بدمشق، عن الأعلام 8: 121.

جيشا في الشتاء فغنموا و سلموا فقال لعبّاد(6): يا أبا حرب، أين رأي زياد من رأينا؟ قال: يا أمير المؤمنين قد أخطأت و ليس كلّ عورة تصاب(7).

1) في العقد: حتى تحرز.

2) الخبر في العقد: 1: 132.

3) زياد( 1- 53 ه- 622- 673 م): زياد ابن أبيه، أمير، من الدهاة القادة الفاتحين، الولاة، من أهل الطائف، أدرك النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و لم يره، و أسلم في عهد أبي بكر، و كان كاتبا للمغيرة بن شعبة ثم لأبي موسى الأشعري أيام إمرته على البصرة، ثم ولاه علي بن أبي طالب إمرة فارس، و لما توفي علي امتنع زياد على معاوية و تحصن في قلاع فارس. و تبين لمعاوية أن زيادا أخوه من أبيه( أبي سفيان) فكتب إليه بذلك، فقدم زياد عليه و ألحقه معاوية بنسبه سنة 44 ه فكان عضده الأقوى و ولّاه البصرة و الكوفة و سائر العراق. فلم يزل في ولايته إلى أن توفي.

4) الخبر في العقد 1: 132.

5) الوليد بن عبد الملك 48- 96 ه- 668- 715 م: ابن مروان، أبو العباس، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 86 ه، فوجه القواد لفتح البلاد، و امتدت في زمنه حدود الدولة العربية إلى بلاد الهند فتركستان فأطراف الصين شرقا، و كان و لوعا بالبناء و العمران و حفر الآبار و إصلاح الطرق، و هو أول من أنشأ المستشفيات في الإسلام، و بنى المسجد الأقصى في القدس و مسجد دمشق الكبير المعروف بالجامع الأموي و كانت وفاته بدير مرّان من غوطة دمشق.

6) عباد ت 100 ه- 718 م: عباد بن زياد ابن أبيه، أبو حرب، أمير، كانت إقامته بالبصرة، ولّاه معاوية سجستان سنة 53 ه، فغزا بلاد الهند، و كان في الشام أيام عبد الملك بن مروان. تهذيب التهذيب 5: 93 و الأعلام 3: 257.

7) الخبر في العقد 1: 132.

[خبر دريد بن الصمة مع مالك بن عوف في حرب هوازن يوم حنين]

و قال دريد بن الصمّة(1)لمالك بن عوف النّصري(2)

و كانت له دار في دمشق تعرف بدار بني نصر. عن الأعلام 5: 264.

قائد هوازن يوم حنين(3):

يا مالك، إنّك قد أصبحت رئيس قومك، و إنّ هذا يوم له ما بعده من الأيّام. مالي أسمع رغاء البعير و نهاق الحمير و بكاء الصغير(4)؟

قال: سقت مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم.

قال: و لم ذلك؟

قال: أردت أن أجعل خلف كلّ رجل أهله و ماله ليقاتل عنهم.

فأنقض به(5)دريد ثم قال: راعي ضأن و الله، و هل يردّ المنهزم شي‌ء؟!!


1) دريد: ت 8 ه- 630 م: دريد بن الصمة الجشميّ البكري من هوازن، شجاع، من الأبطال الشعراء المعمرين في الجاهلية، كان سيد بني جشم و فارسهم و قائدهم، و غزا نحو مئة غزوة لم يهزم في واحدة منها. و عاش حتى ذهب حاجباه عن عينيه، و أدرك الإسلام و لم يسلم، فقتل على دين الجاهلية يوم حنين( 8 ه) و كانت هوازن خرجت لقتال المسلمين فاستصحبته معها تيمنا به و هو أعمى. فلما انهزمت جموعها أدركه ربيعة بن رفيع السلمي فقتله. و له أخبار كثيرة، و الصّمة لقب أبيه معاوية بن الحارث. الأعلام 2: 339 و الأغاني 10: 3 و السيرة النبوية 2: 884.

2) مالك بن عوف ت 20 ه- 640 م تقريبا: مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النصري، من هوازن، صحابي من أهل الطائف. كان رئيس المشركين يوم حنين. قاد هوازن كلها لحرب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان من الجرارين( و لم يكن الرجل يسمّى جرارا حتى يرأس ألفا) ثم أسلم و شهد القادسية و فتح دمشق. و كان شاعرا رفيع القدر في قومه. استعمله النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) عليهم.

3) يوم حنين سنة 8 ه. انظر السيرة النبوية 2: 884.

4) في السيرة: و يعار الشاء.

5) فأنقض به أي زجره من الإنقاض، و هو أن تلصق لسانك بالحنك الأعلى ثم تصوت في حافتيه من غير أن ترفع طرفه عن موضعه. أو هو التصويت بالوسطى و الإبهام كأنك تدفع بهما شيئا، و ذلك حين تنكر على غيرك قولا أو عملا. عن حاشية العقد 1: 133.

إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك، و يحك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن(1)إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم و عليا قومهم ثم الق الصّبّاء(2)على متون الخيل، فإن كانت لك لحقك من وراءك، و إن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك و مالك.

قال: لا و الله لا أفعل، إنك قد كبرت و ذهل عقلك.

قال دريد": هذا يوم لم أشهده و لم يفتني، ثمّ أنشأ يقول:

يا ليتني فيها جذع‌أخبّ فيها و أضع

أقود وطفاء الزّمع‌كأنّها شاة صدع(3)

و الصّدع: ليس بالعظيم و لا الحقير.

[وصية قتيبة لأصحابه]

و كان قتيبة بن مسلم(4)يقول/ (س 56) لأصحابه:


1) بيضة هوازن: جماعتهم.

2) الصبّاء جمع صابى‌ء، يريد المسلمين. كانوا يسمونهم بهذا الاسم لأنهم عندهم صبؤوا عن دينهم، أي خرجوا من دين الجاهلية إلى الإسلام. عن حاشية العقد 1: 133.

3) الخبر و الشعر في السيرة النبوية 2: 885. و الجذع: الصغير السن بلا تجربة أخبّ و أضع من الخبب و الوضع و هما ضربان من السير. و وطفاء الزمع: الفرس طويلة الشعر. و الشاة: الوعل.

4) قتيبة بن مسلم 49- 96 ه- 669- 715 م: قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين الباهلي، أبو حفص، أمير، فاتح، من مفاخر العرب، كان أبوه كبير القدر عند يزيد بن معاوية، و نشأ هو في الدولة المروانية، فولي الري في أيام عبد الملك و خراسان في أيام ابنه الوليد، و وثب لغزو ما وراء النهر فتوغل فيها و افتتح كثيرا من المدائن كخوارزم و سجستان و سمرقند و غزا أطراف الصين، و ضرب عليها الجزية .. و اشتهرت فتوحاته فاستمرت ولايته ثلاث عشرة سنة و هو عظيم المكانة مرهوب الجانب، و لما استخلف سليمان و كان يكره قتيبة، فأراد قتيبة الاستقلال بما في يده، و جاهر بنزع الطاعة، و اختلف عليه قادة جيشه فقتله وكيع بن حسان التميمي بفرغانة، و كان مع بطولته دمث الأخلاق، داهية، طويل الروية، راوية للشعر، عن الأعلام 5: 189.

إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار و قصّروا الشّعور، و الحظوا الناس شزرا، و كلّموهم رمزا و اطعنوهم و خزا(1).

[وصية سعيد بن زيد لبنيه]

و كان سعيد بن زيد(2)يقول لبنيه:

قصّروا الأعنّة، و اشحذوا الأسنّة، تأكلوا القريب و يرهبكم العدوّ(3).

[خبر عيسى بن موسى مع المنصور]

و قال عيسى بن موسى(4)

فأقام بالكوفة إلى أن توفي. عن الأعلام 5: 109.

: لما وجّهني المنصور(5)إلى المدينة

1) انظر الخبر في عيون الأخبار 1: 141 و العقد 1: 134.

2) سعيد بن زيد 22 ق. ه- 51 ه- 600- 671 م: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي، أبو الأعور، صحابي، من خيارهم، هاجر إلى المدينة، و شهد المشاهد كلها إلا بدرا، و كان غائبا في مهمة أرسله بها النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). و هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و كان من ذوي الرأي و البسالة. و شهد اليرموك و حصار دمشق، و ولّاه أبو عبيدة دمشق. مولده بمكة و وفاته بالمدينة. الإصابة 3: 96 برقم: 3254 و الأعلام 3: 94.

3) الخبر في العقد 1: 134.

4) عيسى بن موسى 102- 167 ه- 721- 783 م: عيسى بن موسى بن محمد العباسي، أبو موسى، أمير من الولاة القادة، و هو ابن أخي السفاح، كان يقال له« شيخ الدولة» ولد و نشأ في الحميمة، و كان من فحول أهله و ذوي النجدة و الرأي منهم، و له شعر جيد، ولّاه عمه الكوفة و سوادها سنة 132 ه و جعله وليّ عهد المنصور، فاستنزله المنصور عن ولاية عهده سنة 147 و عزله عن الكوفة و أرضاه بمال و فير و جعل له ولاية عهد ابنه المهدي. فلما ولي المهدي خلعه سنة 160 ه بعد تهديد و وعيد و كان ولي العهد لا يخلع ما لم يخلع نفسه و يشهد الناس عليه.

5) المنصور أبو جعفر 95- 158 ه- 714- 575: عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، ثاني خلفاء بني العباس، و أول من عني بالعلوم من ملوك العرب، كان عارفا بالفقه و الأدب، مقدما في الفلسفة و الفلك محبا للعلماء، ولد في الحميمة من أرض الشراة قرب معان. و ولي الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح سنة 136 ه و هو باني مدينة بغداد، أمر بتخطيطها سنة 145 ه، كان بعيدا عن اللهو و العبث، كثير الجد و التفكير، و هو والد الخلفاء العباسيين. و قد قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه. توفي ببئر ميمون من أرض مكة محرما بالحج. عن الأعلام 4: 117.

لمحاربة بني عبد الله بن الحسن(1)جعل يوصيني و يكثر فقلت: يا أمير المؤمنين إلى متى توصيني؟

إني أنا السّيف الحسام الهندي‌أكلت جفني و فريت غمدي

فكلّ ما تطلب عندي عندي(2)


1) عبد الله بن الحسن 70- 145 ه- 690- 762 م: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، تابعي، من أهل المدينة، قال الطبري: كان ذا عارضة و هيبة و لسان و شرف، و كانت له منزلة عند عمر بن عبد العزيز، و لما ظهر العباسيون قدم مع جماعة من الطالبيين على السفاح و هو بالأنبار، فأعطاه ألف ألف درهم، و عاد إلى المدينة، ثم حبسه المنصور عدة سنوات من أجل ابنيه محمد و إبراهيم و نقله إلى الكوفة فمات سجينا فيها كما حققه الخطيب البغدادي. عن الأعلام 4: 78.

2) الخبر مع الرجز في العقد الفريد 1: 134 و فيه إني أنا ذاك. و انظر أيضا العقد 5: 87.

الباب العاشر في التحريض على الجهاد

اشارة

في التحريض على الجهاد/ (م 29)

[وجوب تحريض الإمام للناس على الجهاد]

ينبغي للإمام أن يحضّ الناس و يحرّضهم على الجهاد، فقد أمر الله تعالى بذلك نبيّه- صلّى اللّه عليه و سلم- فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ(1)

[الرسول م يحرض على الجهاد]

و كان النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- يحرّض و يقول يوم بدر:

و الذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلّا أدخله الله الجنّة(2).

و روي أنه- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: لا يتقدّم أحدكم إلى شي‌ء حتّى أكون أنا دونه، فدنا المشركون، فقال- صلّى اللّه عليه و سلم- قوموا إلى جنة عرضها السماوات و الأرض. فقال عمير بن الحمام(3)من بني سلمة و بيده تمرات يأكلهنّ:

بخ بخ، ما بقي بيني و بين أن أدخل الجنّة إلّا أن يقتلني هؤلاء القوم/ (س 57) فقذف بالتّمرات من يده و أخذ السيف و قاتل حتّى قتل و هو يقول:

ركضا إلى اللّه بغير زادإلا التّقى و عمل المعاد

و الصبر في الله على الجهادفكلّ زاد عرضة النّفاد

غير التّقى و البرّ و الرشاد(4)


1) سورة الأنفال 8: 65.

2) الخبر في السيرة النبوية 1: 459« أخبار وقعة بدر» و في الأحكام السلطانية 41.

3) عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد الأنصاري السلمي، ذكر فيمن شهد بدرا انظر أخباره في الإصابة 5: 31 برقم: 6025 و السيرة النبوية 1: 459- 527.

4) الخبر مع الرجز في الأحكام السلطانية: 41 و الإصابة 5: 31.

و التحريض من أفعال البرّ، و أعمال الخير، و أسباب الثبوت عند اللقاء، و من باب التعاون على البرّ و التّقوى، و كان يقال: محرّض واحد خير من مئة مقاتل.

[عمر يشجع الخطباء على التحريض]

و روي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى الخطباء و الشعراء أعطياتهم و أمرهم أن يلحقوا بجيوش المسلمين بالشّام ليحرّضوا و يحضّوا.

[جواز التحريض للشهادة بشرطين]

و يجوز للإمام أن يعرّض للشهادة من الرّاغبين فيها من يعلم أنّه إن قتل في المعركة أثار أحد أمرين:

1- إمّا تحريضا للمسلمين على القتال حميّة له.

2- و إمّا تخذيلا للمشركين بالجرأة عليهم في نصر الدين.

[من تحريض الإمام علي لأصحابه]

و مما ذكر من التحريض ما روي أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه سمع يحرّض الناس و هو يقول: عباد الله، اتّقوا الله و غضّوا الأبصار و اخفضوا الأصوات و أقلّوا الكلام و وطّنوا أنفسكم على المنازلة و المبارزة و المعانقة و المكادمة و اثبتوا، وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1)وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(2)، اللهمّ ألهمهم الصبر و أنزل عليهم النصر/ (س 58) و أعظم لهم الأجر.

و سمع في حرب يقول لأصحابه:

أ ما تخافون مقت الله، حتّى متى؟! ثمّ انفتل إلى القبلة فرفع يديه فقال:


1) سورة الأنفال 8: 45.

2) سورة الأنفال 8: 46.

يا الله، يا رحمن، يا واحد، يا إله محمّد، اللهمّ إليك نقلت الأقدام و رفعت الأيدي، و مدّت الأعناق و شخصت الأبصار و طلبت الحوائج، نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا و تشتيت أهوائنا. ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين. ثمّ قال لهم: سيروا على بركة الله، ثم نادى: لا إله إلا الله و الله أكبر كلمة التقوى.

و سمع أيضا و هو يقول:

انّ الله قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، إيمان بالله و رسوله و جهاد في سبيله، و جعل ثواب ذلك/ (م 30) مغفرة الذّنوب و مساكن طيبة في جنّات عدن، و رضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم. و أخبركم بالذي يجب في ذلك فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ(1)فسوّوا صفوفكم- رحمكم الله- كالبنيان المرصوص، و قدّموا الدارع و أخّروا الحاسر، و عضّوا على الأضراس فإنّه أنبا للسيوف عن الهام، و أربط للجأش، و أسكن للقلوب، و أميتوا الأصوات، فإنّه أوّل الوقار، و راياتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم الحامين الذّمار الصّبر عند نزول الحقائق، و أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم و يضربون أمامها قدما، و ليقاتل/ (س 59) كلّ رجل منكم قرنه، و ليواس أخاه بنفسه و لا يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة و يأتي به الدناءة، و أن لا يكون هذا كهذا، و هذا يقاتل اثنين و هذا ممسك بيده قد خلّى قرنه عليه هاربا منه و قام ينظر إليه، من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنّما مردّكم إليه قال تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ


1) سورة الصف 61: 10، 13.

الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا(1)و الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآجلة، فاستعينوا بالصدق عند اللّقاء، و الصّبر عند البلاء، فإنّ بعد الصبر ينزل النصر.

[تحريض لأبي الهيثم الأنصاري و غيره]

و حرض أبو الهيثم الأنصاري(2)

و توفي في خلافة عمر. و قيل: شهد صفين مع علي. و قتل بها سنة 37 ه. و كان شاعرا، و له قصيدة في رثاء النبي( صلّى اللّه عليه و سلم)، الإصابة 6: 20 برقم: 7595 و الأعلام 5: 258.

و كان من أصحاب رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- عقبيّا بدرّيا، فجعل يسوّي الصفوف و يقول: يا معاشر المسلمين، إنّه ليس بين الفتح العاجل، و الجنة في الآجل إلا ساعة من نهار، فأرسفوا أقدامكم و سوّوا صفوفكم و أعيروا جماجمكم، و استعينوا باللّه و اصبروا إنّ الله مع الصابرين و إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين.

و حرّض آخر فقال:

يا أيها الناس، غضّوا الأبصار، و عضّوا على النواجذ، ثم استقبلوا القوم بهامكم، و شدّوا شدّة قوم موتورين قد وطّنوا أنفسهم على الموت، و طيّبوا عباد الله بدمائكم دون دينكم، فإنّ الفرار فيه سلب العزّ و ذلّ الحياة/ (س 60) و الممات، و عار في الدنيا و الآخرة.

ثم اختصّ بالقول عصابة من قومه فقال:

عضضتم بصمّ الجندل، ما أرضيتم ربّكم و لا نصحتم له في عدوّكم.


1) سورة الأحزاب 33: 16.

2) أبو الهيثم الأنصاري ت 20 ه- 641 م: مالك بن التّيهان الأنصاري الأوسي أبو الهيثم، صحابي، كان يكره الأصنام في الجاهلية، و يقول بالتوحيد هو و أسعد بن زرارة، و كانا أول من أسلم من الأنصار بمكة، و هو أحد النقباء الأثني عشر. شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها.

و كيف ذلك و أنتم أبناء الحرب، و أصحاب الطّعن و الضّرب الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، و لا تطلّ دماؤهم، فاتّقوا الله و اصدقوا عدوّكم، إنّ الله مع الصادقين. فعمل ذلك الكلام فيهم و شدّوا شدّة رجل واحد، و ضاربوا أعداءهم حتّى أزالوهم عن مواقعهم.

[خبر تحريض النعمان بن مقرن لأصحابه]

و يروى أنّ النّعمان بن مقرّن(1)كان الأمير في غزاة نهاوند حين برز إليه جموع الكفر، و تعبّا الفريقان و تهيؤوا و تأهّبوا أهبة لم ير مثلها، و وافق ذلك يوم جمعة، فجعل النعمان يحرّض الناس و يعدهم و ينشّطهم و يذكرهم و يتثاقل عن مناشبة الحرب، و يثبط عنها، فرمي المسلمون بالنّشّاب/ (م 31) و كثرت فيهم الجراحات و هو يلوي الناس، فعذله المغيرة بن شعبة(2)و ندبه إلى مناشبة الحرب، و الإذن للمسلمين في المزاحفة فقال النّعمان: ربّما أشهدك الله مثلها مع النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- شهدته إذا لم يقاتل أوّل النهار انتظر حتّى تهبّ الأرواح و تحضر الصّلوات و قد دنا الزّوال


1) النعمان بن مقرّن ت 21 ه- 642 م: النعمان بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عمرو، صحابي فاتح، من الأمراء القادة الشجعان، كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة، سكن البصرة، ثم تحول عنها إلى الكوفة، و وجهه سعد بن أبي وقاص بأمر عمر إلى محاربة الهرمزان، فزحف بجيش الكوفة إلى الأهواز و هزم الهرمزان و تقدم إلى تستر فشهد وقائعها و عاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية، ثم ولاه عمر غزو أصفهان ففتحها و هاجم نهاوند فاستشهد فيها، و نعاه عمر إلى الناس في مسجد المدينة. و كانت وقعة نهاوند سنة عشرين للهجرة. انظر البلدان و فتوحها و أحكامها للبلاذري 349 و ما بعدها، الأعلام 8: 42.

2) المغيرة بن شعبة 20 ق. ه- 50 ه- 603- 670 م: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبو عبد الله، أحد دهاة العرب و قادتهم و ولاتهم، صحابي، يقال له: مغيرة الرأي، ولد في الطائف و ذهب إلى الإسكندرية،( في الجاهلية) و عاد إلى الحجاز، أسلم سنة 5 ه و شهد الحديبية و اليمامة و فتوح الشام و ذهبت عينه باليرموك، و شهد القادسية و نهاوند و همدان و غيرها، و ولّاه عمر البصرة ففتح عدة بلاد ثم عزله ثم ولّاه الكوفة، و أقرّه عثمان ثم عزله، و لما حدثت الفتنة بين عليّ و معاوية اعتزلها المغيرة. ثم ولّاه معاوية الكوفة و بقي فيها إلى أن مات. عن الأعلام.

و هذا يوم الجمعة، ثم كلّم الناس و حرضهم فمن قوله بعد حمد الله و الثناء عليه و الصلاة على النبي- صلّى اللّه عليه و سلم-:(1)

أيها الناس، أنتم حزب الله و أنصار دينه و أتباع نبيّه محمد- صلّى اللّه عليه و سلم- (س 61) و حملة كتابه و القائمون بحدوده، و أهل الصّلاة و الصيام و ذادة الإيمان و الإسلام، شرّفكم الله بنبيّه المصطفى، و اختار لكم دينه المرتضى، و وهبكم العقول الراجحة و النيّات الصادقة، و القلوب الثابتة. و إنما برزتم إلى حزب الشيطان و أهل الضّلالة و البهتان، و ذادة الأصنام و الأوثان، دعاهم رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- إلى الهدى و النّور فجانبوه، و صرخ بهم الشيطان إلى الردى و الغرور فاتّبعوه بآراء ساقطة و عقول خاسرة، و قلوب طائرة، و قد برزتم إليهم و برزوا إليكم، و إنّ الله ناظر إليكم و مطّلع عليكم، فاستحيوا منه أن يكون حزب الشيطان و ذادة الأصنام و الأوثان، أجدّ على الباطل و البهتان، و أصبر على النّزال و الطّعان من حزب الرحمن و ذادة الإسلام و الإيمان، و حملة السّنن و القرآن، و إنّما يتربّصون بكم إحدى الحسنيين، و نحن نتربّص بهم أن يصيبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا.

يا معشر المسلمين، إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون، و ترجون من الله ما لا يرجون، إنّي مكبّر لكم ثلاث تكبيرات، فإذا كبّرت الأولى فليصلح كلّ واحد منكم من شأنه و يشدّ على نفسه و فرسه.

و إذا كبّرت الثانية فلينظر كلّ رجل منكم موقع سهمه و موضع عدوّه و مكان فرصته. و إذا كبّرت الثالثة فاحملوا على اسم الله و اصبروا إنّ الله مع الصابرين/ (س 62).


1) انظر مجمل هذه الأقوال و الأخبار في كتاب: البلدان للبلاذري 349 و ما بعدها و العقد 1: 98.

و روي أنّه قال:

إنّي هازّ لكم الراية ثلاثا ... ثم ذكر ما رتّبه، ففعل الناس ذلك و طلبوا الصفّ الأوّل، ثم حملوا عند الثالثة على العدوّ فتطاعنوا و تجالدوا من الزّوال إلى ثلث الليل، فهزم اللّه العدوّ و أخذتهم السيوف و ذهبوا على وجوههم، و صدّهم المسلمون عن جسر كان هنالك راموا العبور عليه فتردّى منهم كثير، و قتل منهم أمم و أصاب المسلمون غنائم كثيرة(1)، قيل: إنه قسم للرجل و لفرسة ثلاثة و ثلاثون ألفا، و للراجل أحد عشر ألفا.

قال ابن نافع: و بذلك مضت السّنّة(2).

و روي أنّ النّعمان قال عند ما ذكر هزّ الراية و قوله: فإنّي حامل فاحملوا و إن قتل أحد فلا يلوينّ أحد على أحد، و إن قتلت أنا فلا تلووا، و إنّي داع إلى الله بدعوة، فعزمت على كلّ امرى‌ء مسلم لمّا أمّن عليها. ثم قال: اللهمّ ارزق النعمان اليوم شهادة تنصر المسلمين، فأمّن القوم و فعل ما ذكر فكان أوّل صريع رحمه الله(3).

[مما كان يحرض به من الكلام البليغ]

و مّما كان يحرّض به قديما من الكلام المختصر البليغ قولهم:

يا خيل الله اركبي و أبشري بالجنّة. و فيه من المعنى الجسيم و الحّظ/ (م 32) العظيم الإضافة إلى الله تعالى تشريفا و تكريما، و تحت ذلك النسبة إلى نصر دين الله، قال الله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ


1) انظر العقد 1: 98.

2) جاء في كتاب الخيل لأبي عبيدة: 13 بسنده قال: قسم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) خيبر فجعل للفرس سهمين و لفارسه سهما. فكان للرجل و فرسه ثلاثة أسهم و هناك أحاديث أخرى في الموضع نفسه. و انظر نهاية الأرب 9: 376 و السيرة النبوية 2: 810 ذكر مقاسم خيبر.

3) البلدان: 350.

يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ(1)و فيه اليقين بالبشارة بالجنّة. كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يقول في تحريضه: قوموا إلى جنة عرضها السماوات و الأرض.

قال عبد الله بن قيس(2)/ (س 63): كنا في غزاة فلقينا العدوّ و قيل:

يا خيل الله اركبي و أبشري بالجنة. فركب الناس و ركبت، و إذا بفتى أمامي يعاتب نفسه يقول:

يا نفس ألم أشهد مشهد كذا و كذا فقلت لي: أهلك عيالك، فأطعتك و رجعت، و الله لأعرضنّك اليوم على الله قبلك أوردّك.

فقلت: لأرمقنّ هذا الفتى حتّى أنظر ما يصنع. فلحقنا العدوّ فجعل يحمل على المشركين فيكون في أوّل الناس، فإذا حمل المشركون على المسلمين كان في حماتهم، فلم يزل كذلك حتّى رأيته صريعا، فعددت فيه و في فرسه ستين ضربة أو طعنة رحمه الله.

و من كلام بعض المحرّضين:

أيّها الناس، قد جدّت بكم الحرب فجدّوا، و شمّرت عن ساقها فشدّوا،


1) سورة محمد 47: 7.

2) عبد الله بن قيس ت 53 ه- 673 م: عبد الله بن قيس الحارثي، حليف بني فزارة، أمير البحر في صدر الإسلام، كان مقيما في الشام و أراد معاوية غزو قبرس فولّاه قيادة الغزاة سنة 27 ه فتقدم يريدها فالتقى بعبد الله بن سعد قادما من مصر لغزوها، فصالحهما أهلها على سبعة آلاف دينار يؤدونها كل سنة، و بقي عبد الله على البحر، فغزا خمسين غزاة صيفا و شتاء، لم يغرق من جيشه أحد و لم ينكب. و قتله الروم و هو يطوف في أحد المرافى‌ء متخفيا، دلتهم عليه امرأة كانت تتسول فأعطاها فعرفته فراسة. عن الإصابة 3: 94 برقم: 6335 و الأعلام 4: 114 و هناك آخر باسم عبد الله بن قيس الهمداني الحمصي. له ذكر في الفتوح و كان يوم اليرموك. الإصابة 5: 94 برقم: 6336.

و أعدّت لكم مكايدها فاستعدّوا، و أخلصوا نيّاتكم و أسرار ضمائركم، و غيروا غيرة الرجال في حمى ذماركم، و كونوا على عدوّكم يدا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً(1)فاصبروا إنّ الله مع الصابرين، و اعلموا أنّ الله مع المتّقين، و اتقوا الله يا عباد الله جهدكم، و لا يكثرنّ في ثوابه زهدكم، و أجيبوا دعوته فقد دعاكم، و جاهدوا في سبيله يعطكم رضاكم، و انصروا الإسلام يرفع الله لكم الأعلام، و قد وعدكم النصر، و ذخر لكم الأجر، و جعلكم ردءا للمسلمين و ظهيرا على أعداء الله الكافرين، وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(2)و احمدوا الله الذي خصّكم بهذه الفضيلة/ (س 64) و آثركم بهذه الموهبة الجليلة، فتوكّلوا عليه، و استعينوا بتقواه و طاعته و اضرعوا إليه في أن يؤيّدكم بنصره و كفايته، فهو سبحانه يصرف السوء عن عباده المؤمنين، و يجعل دائرة السوء على القوم الكافرين، قال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه:

جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم‌لدى الرّوع قوما ما أعفّ و أكرما

و أطيب أخبارا و أفضل شيمةإذا كان أصوات الرجال تغمغما(3)

لنا الراية الحمراء يخفق ظلهاإذا قيل قدّمها حضين تقدما

و رقم القصيدة 278 و رواية البيتين فيها مع العلم أن ثانيهما هنا ورد قبل الأول:

و أحزم صبرا حين يدعى إلى الوغى‌إذا كان أصوات الكماة تغمغما

جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم‌لدى البأس خيرا ما أعف و أكرما


1) سورة الكهف 18: 20.

2) سورة آل عمران 3: 139.

3) البيتان من قصيدة منسوبة للإمام علي و هي في ديوانه 127 و أولها:

[الأسلوب المطلوب في التحريض]

و مما ينبغي للمحرّض أن يستعمله في ذلك الكلام الفصيح القريب من فهم عامّة زمانه و أهل مكانه، و يستطيبه الجمهور مع موافقة الألفاظ الشرعية التي ترغّب في الآخرة و تزهّد في الدنيا، و تقوّي القلوب و تشدّ النفوس، و تنبّه على قوّة اليقين، و تحضّ على الدرجة العليا، و تبيّن فضل الشهادة، و توقظ الهمم، و تغرس الشجاعة في القلب، و تثمر الأنفة من العار، و تعلّم الحياء من الله تعالى، و تعلّم أنه حاضر لا يغيب، و شاهد لا يغفل، و رقيب على كل نفس، و ناظر لكلّ فعل/ (م 33) و ربما استعمل البليغ في تضاعيف كلامه نظر الجليل سبحانه إلى الفئتين و اطلاعه على الفريقين، و مباهاته الملائكة بأهل الثبات و الصبر، وجوده على الصابرين بالنصر، و يذكر ما في الفرار من المقت العاجل و الآجل و ما في الثبات من العزّ الثابت غير الزائل، و حنو البهائم على أولادها، و الطير على أفراخها، و أنّ الذبّ عن الأطفال/ (س 65) و العيال من أفعال كرام الرّجال، و أنّ المسلم ألوف عطوف حامي الذمار كريم الجوار، و أنّ أهل الدين الواحد كالجسد الواحد، و الحرّ لا يسلّم أولياءه كما لا يفارق أعضاءه، و كذلك يعظّم الإسلام و أهله، و يقبّح فرع الكفر و أصله، و يذكر عزّة المسلم عند الحفيظة و الحقيقة، و ذلّة الكافر إذا تخلّل فريقه، قال الله تعالى بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ(1)أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ(2)و قال سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ(3)و من الشعر اللائق بذلك قول الجحّاف بن حكيم(4):


1) سورة المائدة 5: 54.

2) سورة الفتح 48: 29.

3) سورة المائدة 5: 54.

4) الجحّاف بن حكيم ت نحو 90 ه- 709 م: الجحّاف بن حكيم السّلميّ، فاتك، ثائر، شاعر، كان معاصرا لعبد الملك بن مروان، و غزا تغلب بقومه فقتل منهم كثيرين، فاستجاروا بعبد الملك فأهدر دم الجحاف، فهرب إلى الروم فأقام سبع سنين. و مات عبد الملك فأمنه الوليد فرجع. عن الأعلام 2: 113.

نعرّض للطّعان بكلّ ثغرخدودا لا تعرّض للّطام

شهدن مع النبيّ مسوّمات‌حنينا و هي دامية الحوام

و وقعة راهط شهدت و حلّت‌سنابكهنّ بالبلد الحرام(1)

و قال الجحاف بن حكيم السّلميّ:

شهدن مع النبي مسومات‌حنينا و هي دامية الكلام

و غزوة خالد شهدت و جرت‌سنابكهن بالبلد التهام

نعرض للطعان إذا التقيناوجوها لا تعرّض للّطام

و لست بخالع عني ثيابي‌إذا هز الكماة و لا أرامي

و لكني يجول المهر تحتي‌إلى العلوات بالعضب الحسام

و الأبيات في الحماسة منسوبة للجحاف و لغيره، انظر شرح المرزوقي 1: 1321 برقم: 21 و نسبت للحريش بن هلال.

فيذكر المشاهد و كرم المعاهد التي يعطف عليها و يحنّ إليها، و كما يقال:

و ضربة السيف في عزّ مصاولةألذّ من ضرب(2)للحرّ في ذلّ

و ممّا ينبغي أن يكون عليه المحرّض: الاعتزاز بالله و الإخلاص في أمر الله، و الشدّة على أعداء الله، و لا سيّما إن قام في أهل كرم و دين و حفيظة و يقين، قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ(3)و قال النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم-/ (س 66): و الذي نفسي بيده إنّ


1) الأبيات في السيرة النبوية 2: 879 و فيها:

2) الضّرب: العسل.

3) سورة آل عمران 3: 185.

نفسا لن تموت حتّى تستكمل رزقها و أجلها فاتّقوا الله و أجملوا في الطّلب(1)

أيها الناس، اتقوا الله و أجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها. فاتقوا الله و أجملوا في الطلب، خذوا ما حل. و دعوا ما حرم.

. فهذا قسم مبرور و تجارة مع الله لن تبور.

[قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي]

و أنشد بعضهم قول لقيط الإياديّ(2)

بيروت 1998 م. و انظر في أخباره أيضا: رغبة الآمل 5: 99 الشعر و الشعراء: 151- 154 ط.

الحلبي. المؤتلف و المختلف: 175 و ذكر أبو الفرج أن لقيطا جعل عنوان الكتاب:

كتاب في الصحيفة من لقيطإلى من بالجزيرة من إياد

بأن الليث كسرى قد أتاكم‌فلا يشغلكم سوق النّقاد

و النقاد: الغنم الصغار

:

يا أيّها الراكب المزجي مطيّته‌إلى الجزيرة مرتادا و منتجعا(3)

بل أيها الراكب المزجي على عجل‌نحو الجزيرة مرتادا و منتجعا

و قبله:- - 1-

يا دار عمرة من محتلّها الجرعاهاجت لي الهمّ و الأحزان و الوجعا


1) الحديث في سنن ابن ماجة: كتاب التجارات 2: 2144 ص 725 و لفظه: قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم):

2) لقيط بن يعمر الإيادي ت 250 ق. ه تقريبا- 380 م شاعر جاهلي فحل، من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية و اتصل بكسرى سابور ذي الأكتاف، فكان من كتابه و المطلعين على أسرار دولته، و من مقدمي تراجمته، و القصيدة العينية المذكور قسم منها كبير في كتابنا هي من غرر شعره، بل إن أبا الفرج الأصفهاني قال: ليس يعرف له شعر إلا هذه القصيدة و قطع من الشعر لطاف متفرقة، و كان لقيط قد وجّه بالقصيدة العينية إلى قومه بني إياد ينذرهم بأن كسرى وجه جيشا لغزوهم، و سقطت القصيدة في يد أوصلتها إلى كسرى فسخط على لقيط و قطع لسانه ثم قتله، و انظر خبر قبيلة إياد مع كسرى في الأغاني 22/ 393 و انظر الأعلام 5/ 244 أما القصيدة العينية فقد رواها ابن الشجري في مختاراته كما أوردها المرزوقي في أماليه و ذكر قسما منها أبو الفرج في الأغاني. و سنعتمد في المقارنة رواية المرزوقي. أمالي المرزوقي: 242 و القصيدة في ديوانه بتحقيق د. محمد التونجي دار صادر.

3) المزجي: الذي يسوق مطيته، و الارتياد و النجعة: طلب الكلأ و هذا البيت هو البيت التاسع من القصيدة و روايته عند المرزوقي:

أبلغ إيادا و عمرا في سراتهم‌أني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا(1)

و التخليل: التخصيص. و السراة جمع سري و هو الشريف.

يا لهف نفسي إن كانت أموركم‌شتّى، و أصبح أمر الناس مجتمعا(2)

إنّي أراكم و أرضا تعجبون بهامثل السفينة تغشى الوعث و الطّبعا(3)


1) رواية المرزوقي: أبلغ إيادا و خلل في سراتهم.

2) رواية المرزوقي: .. و أحكم أمر الناس فاجتمعا.

3) هذا البيت ليس في رواية المرزوقي و لا الأغاني.

أ لا تخافون قوما لا أبالكم‌أمسوا إليكم كأمثال الدّبا سرعا(1)(م 34)

في كلّ يوم يسنّون الحراب لكم‌لا يهجعون إذا ما غافل هجعا(2)

أبناء قوم نآووكم على حنق‌لا يشعرون أضرّ الله أم نفعا

أحرار فارس أبناء الملوك لهم‌من الجموع جموع تزدهي القلعا

فهم سراع إليكم بين ملتقطشوكا و آخر يجني الصاب و السّلعا

لو أنّ جمعهم راموا بهدّته‌شمّ الشماريخ من ثهلان لا نصدعا

و قوله: نآووا: أي تألبوا و تجمعوا.

و تزدهي: من ازدهيت فلانا إذا تهاونت به. و القلع: السحاب العظيم.

و الصاب: شجر مرّ له عصارة بيضاء كاللبن بالغة المرارة.

و السلع: شجر مرّ ينبت في اليمن و هو من الفصيلة العنبية. و كنّى بالصاب و السلع عن السلاح.

و الهدّة: الصوت الشديد تسمعه من سقوط ركن أو حائط أو ناحية جبل، و هي الجبلة. يريد كثرة عددهم.

و الشماريخ: جمع شمراخ( بكسر الشين) و هي رؤوس الجبال. و الصدع: الشق.

و ثهلان: جبل ضخم بالعالية. و ثهلان جبل لبني نمير بن عامر بن صعصعة بناحية الشريف به ماء و نخيل. و يضرب بثهلان المثل في العلو. معجم البلدان: ثهلان.

الشروح عن محقق أمالي المرزوقي و كذلك في سائر الأبيات.

خزر عيونهم كأنّ لحظهم‌حريق نار ترى منه السّنا قطعا(3)

لا الحرث يشغلهم بل لا يرون لهم‌من دون بيضتكم ريّا و لا شبعا(4)

و أنتم تحرثون الأرض عن سفه‌في كلّ معتمل تبغون مزدرعا(5)

و المعتمل: موضع العمل. و المزدرع: موضع الزرع.


1) الدّبا: أصغر ما يكون من الجراد و النمل. و السّرع- بفتح السين و كسرها- نقيض البطء.

2) هذا هو البيت السابع عشر في رواية المرزوقي و قبله:

3) خزرت العين: صغرت و ضاقت خلقة، و تخازر: ضيّق عينيه ليحدد النظر.

4) البيضة هنا كناية عن عقر الدار و محلة القوم.

5) في المرزوقي، و أنتم تحرثون الأرض عن عرض.

و تلبسون ثياب الأمن ضافيةلا تفزعون و هذا الليث قد جمعا(1)

و تلقحون حيال الشّول آونةو تنتجون بذات القلعة الرّبعا

و الإلقاح: إنزاء الفحل على الناقة، يقال: ناقة حائل و نوق حيال إذا ضربها الفحل و لم تحمل.

و الشّول: جمع شائل و هي الناقة ترفع ذنبها للفحل تطلب اللقاح.

ذات القلعة أو دار القلعة: المنزل إذا لم يكن مستوطنا. و القوم على قلعة: أي رحلة. و لعله أراد بالقلعة الموضع الذي في البادية أو القرية التي دون حلوان العراق. و لعله أراد مرج القلعة الذي بينه و بين حلوان منزل و هو من حلوان إلى جهة همدان

« معجم البلدان: القلعة. و مرج القلعة».

و في المرزوقي: و تلبسون ثياب الأمن ضاحية.

مالي أراكم نياما في بلهنيةو قد ترون شهاب الحرب قد لمعا(2)

أنتم فريقان هذا لا يقوم له‌هصر الليوث و هذا هالك صقعا

و قد أظلّكم من شطر ثغركم‌هول له ظلم تغشاكم قطعا

و هصر الليوث: افتراسها، و الصقع: الضرب، و صقع به الأرض: صرعه.

و في المرزوقي: و قد ترون شهاب الحرب قد سطعا و البلهنية: الرخاء و سعة العيش

و قد أظلّكم من شطر ثغركم‌همّ له ظلم تغشاكم قطعا(3)

صونوا جيادكم و اجلوا سيوفكم‌و جدّدوا للقسيّ النّبل و الشّرعا(4)

و اشروا بلادكم في حرز أنفسكم‌و حرز نسوتكم لا تهلكوا هلعا (س 67)(5)

و اشروا من شرى يشري شراء و شرى: ضد باع. و التلاد: المال القديم. و الحرز المكان الذي يحفظ فيه. الهلع: الجزع و شدة الخوف.


1) هذا هو البيت الثاني بعد العشرين في المرزوقي و قبله:

2) هذا هو البيت الخامس بعد العشرين برواية المرزوقي و قبله:

3) ورد هذا البيت قبل البيت السابق في رواية المرزوقي.

4) اجلوا سيوفكم: اصقلوها. من جلا الصيقل السيف جلوا و جلاء إذا صقله و النبع: شجر ينبت في قلة الجبل تتخذ منه القسيّ و السهام، و يقال: فلان صليب النبع أي شديد المراس، و هو من نبعة كريمة: ماجد أصيل. و الشرع- بكسر الشين و فتحها- جمع شرعة و هي وتر القوس و العود.

5) في المرزوقي: و اشروا تلادكم.

هيهات لا مال من زرع و لا إبل‌يرجى لغابركم إن أنفكم جدعا(1)

و لا يدع بعضكم بعضا لنائبةكما تركتم بأعلى بيشة النّخعا

أذكوا العيون وراء السرح و احترسواحتى ترى الخيل من تعدائها رجعا

فإن غلبتم على ضن بداركم‌فقد لقيتم بأمر حازم فزعا

لا تلهكم إبل ليست لكم إبل‌إنّ العدوّ بعظم منكم فزعا

و بيشة: قرية غنّاء في اليمن. و النّخع: قبيلة من الأزد.

و أذكوا العيون: أرسلوا الطلائع لكشف العدو. و السرح: شجر كبار لا ترعى و إنما يستظلّ به و التوراء: العدو. رجعا من الرجع و هو ترجيع الدابة يديها في السير.

و الغابر: الآتي. و جدع الأنف: قطعه و هذا كناية عن الإذلال.

لا تثمروا المال للأعداء إنّهم‌إن يظهروا يحتووكم و البلاد معا(2)

و يحتووكم: يستولون عليكم.

يا قوم إنّ لكم من إرث أوّلكم‌مجدا قد اشفقت أن يودي و ينقطعا(3)

و الله ما انفكّت الأموال مذ أبدلأهلها إن أصيبوا مرة تبعا

و معنى قوله: يودي: يذهب و يهلك.

و ما يردّ عليكم عزّ أوّلكم‌إن ضاع آخركم أو ذلّ و اتّضعا(4)

يا قوم بيضتكم لا تفجعنّ بهاإني أخاف عليها الأزلم الجذعا(5)

و لا يغرنكم دنيا و لا طمع‌أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا

و الزماع هو المضاد في الأمر و العزم عليه.

و البيضة: الحمى و الحوزة. و الأزلم الجذع هو الدهر لأنه جديد أبدا، و يريد به هنا كسرى.

-


1) هذا البيت هو الخامس بعد الثلاثين برواية المرزوقي و قبله:

2) في المرزوقي: و التلاد معا. و التلاد المال القديم.

3) هذا البيت هو الثامن بعد الثلاثين في المرزوقي و قبله:

4) الاتضاع هنا بمعنى الذلّ.

5) هذا هو البيت الحادي و الأربعون عند المرزوقي و قبله:

يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراعلى نسائكم كسرى و ما جمعا(1)

هو الجلاء الذي تبقى مذلّته‌إن طار طائركم يوما و إن وقعا

هو الفناء الذي يجتث أصلكم‌فشمروا و استعدوا للحروب معا

و قلّدوا أمركم لله دركم‌رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده‌و لا إذا عض مكروه به خشعا

لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه‌همّ يكاد أذاه يحطم الضلعا

مسّهد النوم تعنيه أموركم‌يؤمّ منها إلى الأعداء مطّلعا

ما زال يحلب درّ الدهر أشطره‌يكون متّبعا يوما و متّبعا

و ليس يشغله مال يثمّره‌عنكم و لا ولد يبغي له الرّفعا

حتى استمرت على شزر مريرته‌مستحكم السنّ لا قحما و لا ضرعا

كمالك بن قنان أو كصاحبه‌زيد القنا يوم لاقى الحارثين معا

إذا عابه عائب يوما فقال له‌دمّث لنفسك قبل اليوم مضطجعا

فساوروه فألفوه أخا علل‌في الحرب يختبل الرئبال و السّبعا

مستنجدا يتحدى الناس كلّهم‌لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا

هذا كتابي إليكم و النذير لكم‌فمن رأى مثل ذا رأيا و من سمعا

لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل‌فاستيقظوا إن خير القول ما نفعا

و يجتث أصلكم: يقتلعه من الجذور. و شمروا: خفوا و انهضوا.

و لله دره: للتعجب أي لله عمله. و رجب الذراع: واسع القوة عند الشدائد و مضطلع أي قوي مجرّب.

الريث: الإبطاء و المعنى أنه لا ينام إلا بمقدار ما يدعى فيجيب.

و مسهد النوم صفة لقوله: رحب الذراع و السهاد الأرق.

و المطّلع: الموضع الذي تشرف منه.

و قوله: حلب الدهر أشطره أي مرت عليه ضروب من خيره و شره، و أصل ذلك أخلاف الناقة، لها خلفان قادمان و خلفان آخران، فكل خلفين شطر.

و الرّفع جمع رفعة و هي خلاف الضعة.

و الشزر: فتلك الحبل مما يلي اليسار و ذلك أشدّ لفتله. و المريرة من إمرار الحبل: شدة فتله.

و القحم: الشيخ الهرم، و الضّرع: الرجل الضعيف.

دمث الشي‌ء: إذا مرسه حتى يلين.- - ساوروه: و اثبوه. و العلل: الشرب بعد الشرب تباعا و هو هنا مجاز و معناه أنه لا يسأم الحرب.

يختبل أي يهلك و يصرع. و الرئبال: الأسد و الذئب الخبيث.

مستنجدا: أي مجترئا .. يقال: استنجد على فلان: اجترأ عليه بعد أن كان يهابه.

و الحسب: ما يعدّه المرء من مناقبه أو شرف آبائه. و قارع معناها غالب.

الدّخل: الغش.

هذه الشروح مقتبسة من تعليقات محقق أمالي المرزوقي.


1) الغير: جمع غيور و هو الذي يغار على زوجه و أهله و قد ورد بعد هذا البيت في المرزوقي خمسة عشر بيتا هي:-

[قصيدة لبعض المتأخرين في الحض على الجهاد]

و أنشد بعض المتأخرين:

جاهد تصل للعيش من باب الردى‌و اقبس بنار الحرب أنوار الهدى

و إذا أردت لباس حلّة سندس‌فالق الأعادي بالحسام مجرّدا

فالحور تستحيي إذا ما لم تشم‌خدّ المهنّد بالنجيع مورّدا

و الربّ يضحك من شهيد حاسرلا يبتغي لبس الدلاص مسرّدا

هو يخلع الجثمان في يوم الوغى‌كيف الدروع؟ لقد تعطّر و اهتدى

يا من يريد على الإله وفادةاجعل مطيتك الجهاد المجهدا

و صل المهنّد بالضّراب لتجتني‌صدرا برمّان النهود منهّدا

أو عانق السّمر الطوال فبعدهابيض تحاكيها الغصون تأوّدا

عجبا لأحوال الشهيد فإنّه‌في لمحة من دهره بلغ المدى (م 35)

لا يجتني ثمر الأسنّة و القناإلا و يسقط عندها مثل الندى (س 68)

و مثل هذا القول كثير قديما و حديثا.

الباب الحادي عشر فيما يجوز فعله في الغزو و ما لا يجوز فعله فيه‌

اشارة

فيما يجوز فعله في الغزو و ما لا يجوز فعله فيه‌

[جواز القتال في كل وقت و في الشهر الحرام]

قال سحنون: أجمع العلماء على جواز القتال في الشهر الحرام و قال إنّ الكفّ عنه كان أوّل الإسلام حتى قتل ابن الحضرميّ(1)فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ(2).

قال مالك: خرج النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- عام الحديبية في الشهر الحرام، و لم أسمع أنّ أحدا قال: لا يقاتل في الشهر الحرام(3).

[صنفا المشركين و موقف المسلمين من كل منهم]

فإذا(4)وصل عسكر المسلمين إلى بلاد العدوّ فالمشركون صنفان:

صنف بلغته الدعوة بالإسلام فامتنعوا و قاتلوا فيجوز قتالهم و قتلهم غرّة و بياتا و مصافّة و على كلّ حال، و صنف لم تبلغهم الدعوة، و قلّما يوجدون اليوم، إلّا أن يكونوا وراء من يقاتلنا في أقاصي بلاد الروم و ما يبعد عن المسلمين، فهؤلاء لا يقاتلون حتّى يدعوا إلى الإسلام و تقام الحجّة عليهم،


1) ابن الحضرمي: المقصود به: مالك بن عباد و كان تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه قتلوه و أخذوا ماله فثارت الثارات بين بكر و خزاعة إلى أن حجز بينهم الإسلام. انظر تفصيل ذلك في السيرة النبوية 2: 842 ذكر الأسباب الموجبة المسير إلى مكة و ذكر فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان.

2) سورة البقرة 2: 217.

3) خرج رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في ذي القعدة إلى مكة معتمرا في آخر سنة ست للهجرة انظر السيرة النبوية 2: 776.

4) النقل عن الأحكام السلطانية للماوردي: 37.

قال الله العظيم: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)فقيل في الحكمة: إنها أمور النبوّة و إلقاء المعجزات و إظهار الحجّة. و قيل: هي القرآن؛ و قيل في الموعظة الحسنة قولان:/ (س 69).

أحدهما: بالقرآن في لين من القول.

و الثاني: ما فيه من الأمر و النهي(2).

و جادلهم بالتي هي أحسن: أن يبيّن لهم الحقّ و توضّح عليهم الحجة.

فإن قتلهم الأمير قبل ذلك غرّة و بياتا ضمن ديات نفوسهم، و كانت على الأصحّ من مذهب الشافعيّ(3)كديات المسلمين، و قيل: بل كديات الكفّار على اختلافها(4).

و قال أبو حنيفة(5): لا دية على الأمير في قتلهم و نفوسهم هدر. فإن أعجلونا عن الدعوة قاتلناهم قبلها(6).


1) سورة النحل: 16: 125

2) الأحكام السلطانية: 38.

3) الشافعي 150- 204 ه 767- 820 م: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة، و إليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة بفلسطين و حمل منها إلى مكة و هو ابن سنتين، و زار بغداد مرتين و قصد مصر سنة 199 و توفي بها و قبره معروف الآن بالقاهرة. عن الأعلام 6: 26.

4) النقل من الأحكام السلطانية: 38.

5) أبو حنيفة 80- 150 ه- 699- 767 م: النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة، ولد و نشأ بالكوفة، و كان يبيع الخز و يطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس و الإفتاء و أريد على القضاء فرفض، فحبسه أبو جعفر المنصور إلى أن مات. كان أبو حنيفة قويّ الحجة و من أحسن الناس منطقا، كريما في أخلاقه جوادا حسن المنطق و الصورة. قال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة .. الأعلام 8: 36.

6) النقل عن الأحكام السلطانية: 38.

و في حديث ابن عون(1)عن نافع(2)و قد كتب إليه يسأله عن دعاء المشركين فقال: إنّما كان ذلك في أوّل الإسلام، فحيث قلنا بالتوقف عنهم و دعائهم إلى الإسلام فأمكنوا من ذلك، فإن أجابوا كفّ عنهم، و إن أبوا طولبوا بالجزية، فإن أجابوا طولبوا بالانتقال إلى حيث ينالهم سلطاننا و الإقامة على حكم يمكّن قهرهم أو على ما يراه الإمام مصلحة، فإن أجابوا تركوا على شرطهم و أخذوا بالجزية، و إن أبوا عن ذلك قوتلوا كمن بلغته الدعوة، غرّة و بياتا و قتلا و تغريقا، و في إضرام النار عليهم خلاف.

[تحريق المشركين أيجوز أم لا يجوز]

روي أنّ أبا بكر الصّديق رضي الله عنه حرق قوما من أهل/ (م 36) الرّدة(3). و قيل لعلّ ذلك قبل أن يبلغه النهي. فإن كان فيهم أسارى من المسلمين لم يجز تحريقهم و ترسل المجانيق و العرّادات على حصونهم و قلعهم في الحصار، و إن كان فيهم نساء و صبيان- و قد أرسل النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- على (س 70) أهل الطائف منجنيقا-، و تهدم عليهم بيوتهم إن ظهر ذلك للإمام نظر(4)

و جاء في شرح السير الكبير 4: 1554 قد بيّنا أنه لا بأس بتحريق حصونهم و تغريقها ماداموا ممتنعين فيها، سواء كان فيها قوم من المسلمين أسراء أو مستأمنين أو لم يكونوا، و الأولى لهم إذا كانوا يتمكنون من الظفر بهم بوجه آخر ألا يقدموا على التغريق و التحريق.

.

1) ابن عون: ت 151 ه: عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون الخزار البصري رأى أنس بن مالك. كان من سادات أهل زمانه عبادة و فضلا و ورعا و نسكا و صلابة في السنة. تهذيب التهذيب 3: 211 برقم: 4080.

2) نافع ت 99 ه- 717 م: نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل من قريش من كبار الرواة للحديث. تابعي ثقة من أهل المدينة. كان فصيحا، عظيم النخوة، جهير المنطق، يفخم كلامه، و فيه تيه، و كان ممن عنه و يفتى بفتواه .. تهذيب التهذيب 10: 404 و الأعلام 7: 352.

3) الأحكام السلطانية: 53.

4) الأحكام السلطانية: 52 و قد ورد في السيرة النبوية 2: 683 أمر إجلاء بني النضير، قال ابن هشام: و ذلك في شهر ربيع الأول، قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) بقطع النخيل و التحريق فيها فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد و تعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل و التحريق فيها؟ و إنما كان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يعاقبهم على غدرهم و على نقضهم المواثيق. و هناك خلاف حول تاريخ هذا الحديث. انظر فتح الباري- - بشرح صحيح البخاري ط دار الفكر- بيروت 7: 329- 335 و في السيرة 2: 919 في ذكر غزوة الطائف أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف فأرسل إليه رسول الله: إما أن تخرج و إما أن نخرب عليك حائطك. فأبى أن يخرج فأمر رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) بإخرابه.

[حكم المتترسين بالمسلمين أو بالنساء و الأطفال]

و إن تترّسوا بأسارى مسلمين لم نقصد الترس و إن خفنا منهم، لأنّ دم المسلمين لا يباح بالخوف إلّا أن يكون ذلك في صفّ القتال، و لو تركناهم لا نهزم المسلمون و عظم الشرّ و خيف استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور أهل القوّة من المسلمين، وجب علينا الدفع حينئذ و لم نراع الترس على ذلك(1).

و يجب التحرّز من قتل مسلم في أيديهم، فمن علم بأنّه مسلم فقتله لزمه الدّية و الكفّارة، و إن لم يعلم أنه مسلم لزمه الكفّارة وحدها(2).

و إن تترّسوا بنسائهم و أطفالهم توقّي قتل النساء و الأطفال، و عمد إلى قتل المقاتلة، فإن لم يوصل إليهم إلّا بقتل نسائهم و أطفالهم جاز ذلك(3)،

[لا يجوز الاستعانة بالمشركين]

و لا يستعان بأحد من المشركين و لا ببعضهم على بعض، قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- إنّا لا نستعين بمشرك(4)

و ما ذلك إلا نظير الاستعانة بالكلاب على قتال المشركين. أما إذا كان المشركون أهل منعة و لا يقاتلون تحت راية الإسلام فإنه يكره الاستعانة بهم. و قد رد النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) ابن أبيّ حين عرض عليه أن يخرج فيقاتل معه قال: لا، إنا لا نستعين بمشرك .. قال محمد بن الحسن: و عندنا، إذا رأى الإمام الصواب في ألا يستعين بالمشركين لخوف الفتنة فله أن يردّهم. شرح السير الكبير 4: 1423 برقم: 2753 و انظر الأحكام السلطانية: 60.

. و قيل: إنّ هذا في الصفّ و الزّحف و شبه

1) الأحكام السلطانية: 41، 42.

2) الأحكام السلطانية: 42.

3) الأحكام السلطانية: 41- 42.

4) إنا لا نستعين بمشرك: جاء في سنن الترمذي 4: 128 برقم: 1558 عن عائشة أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) خرج إلى بدر، حتى إذا كان بحرّة الوبر لحقه رجل من المشركين يذكر منه جرأة و نجدة فقال النبي( صلّى اللّه عليه و سلم): تؤمن بالله و رسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك.- - و في شرح السير الكبير 4: 1432 برقم: 2751 و لا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم.

ذلك مما يخاف فيه غشّهم و لا يؤمن خذلانهم و مكرهم، و أمّا في الخدمة و الهدم و رمي المجانيق و الصنعة فلا بأس بذلك. و قيل: لا بأس أن يقوم الإمام بمن سالمه منهم على من لم يسالمه من الحربيين و يأمرهم بالنكاية، و كذلك بأهل الذمّة، و يجوز استئجارهم إذا جوّزنا الاستعانة بهم، و كذلك يجوز استئجار المسلمين من القاعدين و المتطوعين، و للإمام أن يرغبهم و يعينهم بالسلاح و شبهه و بما رآه. و يجوز استئجار العبد بإذن سيّده/ (س 71) و يستعان بالأحرار البالغين و بالمراهقين إن كان فيهم منّة.

[الرسول يعرض أطفال الأنصار كل عام]

روي أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، و عرض عليه من بعد سمرة بن جندب الفزاري(1)

الإصابة 3: 130 برقم: 3467 و الأعلام 4: 139.

فردّه لصغر سنّه. فقال سمرة: يا رسول الله، لقد أجزت غلاما ورددتني و لو صارعته لصرعته. قال: فصارعه إذن. قال سمرة:

فصارعته فصرعته فأجازني رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- في البعث(2).


1) سمرة بن جندب ت 60 ه- 679 م: سمرة بن هلال الفزاري، من الشجعان القادة، نشأ في المدينة، و نزل البصرة، فكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، و لما مات زياد أقرّه معاوية عاما أو نحوه ثم عزله، و كان شديدا على الحرورية، و له رواية عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم).

2) في السيرة النبوية 2: 588 في غزوة أحد قال ابن هشام: و أجاز رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ- - سمرة بن جندب الفزاري و رافع بن خديج أخا بني حارثة و هما ابنا خمس عشرة سنة. و كان قد ردّهما فقيل له: يا رسول الله، إنّ رافعا رام فأجازه. فلما أجاز رافعا قيل له: يا رسول الله، فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه.

[حكم قتال العبيد و الاستعانة بهم]

و يستعان بالعبيد إن أذن سادتهم. روي أنّ عبدا قاتل مع رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فقال له رسول الله: أأذن لك سيّدك؟ قال: لا، قال: لو قتلت لدخلت النار. قال سيّده: هو حرّ يا رسول الله. فقال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- الآن فقاتل(1).

[ما يجوز أن يفعله المسلمون بأرض عدوهم]

و يجوز تحريق أرض العدوّ و زرعهم و عقر دوابّهم إن لم يمكن أن يملكها المسلمون، و كذلك قطع شجرهم و تخريب بلادهم، و فعل كلّ ما ينكيهم إذا رأى الإمام في ذلك صلاحا و استعجالا بإسلامهم أو ليضعفهم به فيعين ذلك على الظّفر بهم عنوة أو صلحا، فإن لم ير ذلك/ (م 37) نظرا للمسلمين تركه.

و قد قطع النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- كروم الطائف فكان سببا لإسلامهم و أمر في بني النضير(2)بقطع نوع من نخلهم يقال له: الأصفر يرى نوى التمرة منه من وراء لحائها، و كانت النخلة أحبّ إليهم من الوصيف فحزنوا له.

و لمّا كان ذلك عظم في صدور المسلمين فقالوا: يا رسول الله، هل لنا فيما قطعنا من أجر و علينا فيما تركنا من وزر؟؟


1) جاء في شرح السير الكبير 4: 1455 برقم: 2824 و العبد لا يغزو بغير إذن مولاه إذا لم يكن النفير عاما، لأن خدمة المولى و طاعته فرض عليه بعينه. و عند النفير العام لا بأس بأن يخرج إلى ذلك المكان بغير إذن مولاه لأنه يدفع بخروجه عن نفسه و عن مولاه و عن سائر المسلمين.

2) انظر شرح السير الكبير 4: 1467 و الأحكام السلطانية 52، 53 و السيرة النبوية 2: 683 أمر إجلاء بني النضير.

فأنزل الله عزّ و جلّ/ (س 72) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ(1)

و في« لينة» أربعة أقوال: أحدها: أنها النخلة من أي الأصناف كانت .. و هذا قول مقاتل.

و الثاني: أنها كرام النخل. و هذا قول سفيان.

و الثالث: أنها الفسيلة لأنها ألين من النخلة.

و الرابع: أنها جميع الأشجار للينها بالحياة.

و يكره تحريق النّخل و تغريقها إلّا أن يكثر انتفاع العدوّ بها و يؤثّر فيهم فقدها فيجوز ذلك(2).

و يجوز تغوير مياههم و قطعها عنهم و إن كان فيهم نساء و أطفال لأنّه أقوى الأسباب في ضعفهم و الظّفر بهم. و إذا استسقى منهم عطشان كان الأمير مخيّرا بين سقيه أو منعه كما هو بين قتله أو تركه إذا أسره، و من قتل منهم واراه عن الأبصار، و قد أمر النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- بإلقاء قتلى بدر في القليب، و هي البئر غير المطويّة(3)،

[ما لا يجوز أن يفعله المسلمون بعدوهم]

و لا يحرق بالنّار منهم حيّ و لا ميّت.

روي أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: (لا تعذّبوا عباد الله بعذاب الله)(4)و تحريق الأموات لا فائدة فيه من ألم و لا نكاية، و في المثل: (الشاة المذبوحة لا تألم للسّلخ) و قد نهي عن المثلة(5)و الحرق أشدّ منها.


1) سورة الحشر: 59: 5 جاء في الأحكام السلطانية بعد ذكر هذه الآية ص 53 ما يلي:

2) الأحكام السلطانية: 53 و شرح السير الكبير 4: 1467 برقم: 2855.

3) انظر خبر إلقاء قتلى المشركين في القليب في السيرة النبوية 1: 468 في أخبار وقعة بدر.

4) الحديث في فيض القدير: 12: 6442 برقم: 9830: لا تعذبوا بعذاب الله. عن ابن عباس. قال محققه: أخرجه البخاري 6: 3017 و أبو داود 4: 4351 و الترمذي 4: 1458 و النسائي 7: 4071 و ابن ماجة 2535 و الحاكم 3: 539 و ورد في سنن أبي داود 4: 126 برقم: 4351: حدثنا أحمد ابن محمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أيوب عن عكرمة أن عليا عليه السلام أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: لا تعذبوا بعذاب الله. و كنت قاتلهم بقول رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) فإن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) قال: من بدّل دينه فاقتلوه. فبلغ ذلك عليا عليه السلام فقال: ويح ابن عباس.

5) الشاة المذبوحة لا تألم السلخ. ذكره الميداني في مجمع الأمثال 2: 211 في الأمثال المولدة- - جاء في السيرة النبوية 2: 611 في أخبار غزوة أحد أن الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) نهى عن المثلة. و فيه عن سمرة بن جندب قال: ما قام رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في مقام قط ففارقه حتى يأمرنا بالصدقة و ينهانا عن المثلة.

و لا يجوز حمل رؤوس الكفّار من بلد إلى بلد، و لا إلى الولاة، و قد كرهه أبو بكر(1)و قال: هذا فعل أهل العجم و به قال سحنون. و قيل: يجوز ذلك(2)

و استدل على ذلك بأن عبد الله بن مسعود حمل رأس أبي جهل إلى الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) و لم ينكر عليه ذلك. و جاء محمد بن مسلمة إلى رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) برأس كعب بن الأشرف فلم ينكر عليه ذلك. انظر شرح السير الكبير، الموضع السابق.

.

و في كتاب الشرف(3)أنّ أوّل رأس علق في الإسلام رأس أبي عزّة(4)

لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك و تقول: خدعت محمدا مرتين و أمر به عاصم بن ثابت فضرب عنقه.

السيرة النبوية 1: 486، 487( غزوة بدر) و 2: 616، 636( غزوة أحد) و الأعلام 5: 80.

، جعل في رمح و حمل إلى المدينة، و يحتمل أن يكون ذلك إلى نظر الإمام على ما يراه بحسب الحال.

1) جاء في شرح السير الكبير 1: 110 برقم: 105 و ذكر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس يناق البطريق. فأنكر ذلك. فقيل له: يا خليفة رسول الله، إنهم يفعلون ذلك بنا فقال: فاستنان بفارس و الروم؟!! لا يحمل إليّ رأس، إنما يكفي الكتاب و الخبر.

2) قال السرخسي في شرح السير الكبير: 110 و أكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه إذا كان في ذلك كبت و غيظ للمشركين أو فراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك.

3) الشرف الوافي: هو عنوان الشرف الوافي في الفقه و التاريخ و النحو و العروض و القوافي لشرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني المعروف بابن المقري المتوفى عام 837 ه و هو كتاب عجيب لا يغني وصفه عن مشاهدته. طبع بمؤسسة دار العلوم بالدوحة بقطر بلا تاريخ بمراجعة عبد الله إبراهيم الأنصاري بعنوان« الشرف الوافي» ثم صحح العنوان في الطبعة الثانية إلى« عنوان الشرف الوافي».

4) أبو عزة ت 3 ه- 625 م: عمرو بن عبد الله بن عثمان الجمحي، شاعر جاهلي، من أهل مكة، أدرك الإسلام و أسر على الشرك يوم بدر، فأتي به إلى النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول الله، لقد علمت، مالي من مال، و إني لذو حاجة و عيال، فامنن عليّ و لك ألا أظاهر عليك أحدا،- - فامتن عليه فنظم قصيدة يمدحه بها( السيرة 1: 487) ثم لما كان يوم أحد دعاه صفوان بن أمية سيد بني جمح للخروج فقال: إن محمدا قد منّ عليّ و عاهدته أن لا أعين عليه، فلم يزل به يطمعه حتى خرج و سار في بني كنانة و اشترك مع عمرو بن العاص( قبل إسلامه) في استنفار القبائل، و نظم شعرا يحرض به على قتال المسلمين، فلما كانت الوقعة( أحد) أسره المسلمون، فقال: يا رسول الله، امنن عليّ، فقال النبي( صلّى اللّه عليه و سلم): لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

و لا يجوز قتل النساء و الصبيان في حرب و لا غيرها مالم يقاتلوا، فإن قاتلوا قتلوا مقبلين و تركوا مدبرين. و روي أن النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- نهى عن قتل الوصفاء و العسفاء. فالوصفاء: المماليك، و العسفاء(1)/ (س 73) الأجراء.

فإن شكّ في بلوغ الصبيّ كشف عن مؤتزره و اعتبر نبات شعر العانة منه.

و قيل: لا يقتل إلا المحتلم و لا يقتل الشيخ الفاني و لا الرهبان أهل الصوامع و الدّيارات خارج المدينة، إلّا أن يكون منهم ذو رأي و تدبير و يخشى منه أذيّة فيقتل، و قد يكون الرأي أنكى من القتال(2). و قد قتل دريد ابن الصّمة في حرب هوازن يوم حنين و قد جاوز مئة سنة من عمره، و رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يراه و دريد يقول حين قتل(3):


1) في السيرة النبوية 2: 900، 901 في يوم حنين: قال ابن إسحاق: و حدثني بعض أصحابنا أن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) مرّ يومئذ بامرأة قد قتلها خالد بن الوليد و الناس متقصفون عليها فقال: ما هذا؟ فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد .. فقال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا.

2) انظر تفصيل القول في ذلك في شرح السير الكبير 4: 1554 و الأحكام السلطانية 41 و ما بعدها.

3) انظر الخبر في السيرة النبوية 2: 896( يوم حنين في سنة ثمان بعد الفتح).

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى‌فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد

فلّما عصوني كنت فيهم و قد أرى‌غوايتهم، إنّي إذن غير مهتد

و قد قيل: يقتلون على الجملة. و على القول بتركهم فيترك لهم من أموال معاشهم قدر الكفاية، فإن كانت أكثر أخذ ما زاد على الكفاية.

و في المترهّبات من النّساء قولان:

أحدهما: أسرهنّ إذ الرهبانيّة/ (م 38) تختص بالرجال.

و الثاني: تركهنّ لانقطاعهنّ عن أهل الكفر.

و لا يقتل المعتوه و لا الأعمى و لا الزّمن، إلّا أن يكون الأعمى و الزّمن من ذوي الرأي و يخشى منهما إذاية فيقتلان. و قيل: لا يقتلان على حال(1).

و لا يقتل المسلم أباه الكافر إلّا أن يضطره أو يخافه على نفسه، و سيرد ذلك و بعض ماورد فيه في باب المبارزة إن شاء الله(2).

و من قتل من لم يبح له قتله، فإن كان في دار الحرب قبل أن يصير مغنما فليستغفر الله و لا شي‌ء عليه، و إن كان بعد أن صار مغنما فعليه قيمته يجعله في المغنم.

و لا يمنع الجيش من التبسّط في أطعمة العدوّ و ما داموا في الحرب لحاجتهم إلى ذلك من القوت و اللحم و الشعير للعلوفة و شبه ذلك(3).


1) انظر شرح السير الكبير 4: 1415 باب من يكره قتله من أهل الحرب من النساء و غيرهم.

2) انظر شرح السير الكبير 1: 106 باب قتل ذي الرحم المحرم. و سيأتي التعليق على هذا الموضع في باب المبارزة.

3) انظر شرح السير الكبير 4: 1174 باب ما يأخذه الرجل في دار الحرب فيكون أهل العسكر فيه شركاء و ما لا يكون. و الأحكام السلطانية 54.

[جواز ذبح الأنعام و أكل الطعام و أخذ بعدوهم]

و يجوز ذبح الأنعام للأكل و منعه بعضهم، و الجواز أكثر و أشهر. فعلى الجواز ينتفع ذابحها بجلودها إن احتاج إليها، فإن استغنى عنها ردّها إلى المغنم، و يجوز الأكل لمن معه طعام و لمن لا طعام له، و لكن بقدر الحاجة، فإن فضل منه شي‌ء بعد الرجوع إلى دار الإسلام و تفرّق الجيش تصدّق به إن كان كثيرا، و ينتفع به إن كان يسيرا(1).

قال ابن حبيب: من السنّة أن لا يقسم مطعم و لا مشرب، و من أصابه أحقّ به إلّا أن يواسي فيه أو يكون فيه فضل عن حاجته، و له أن ينفق منه إلى منصرفه، فما فضل تصدّق به، و لا ينفقه في أهله إلا التّافه مثل يسير من قديد و كعك و الحجّة في ذلك حديث الجراب(2):

روي أنّ رجلا غنم جراب شحم في محاصر خيبر فنازعه فيه صاحب المغانم. فقال الرجل: لا و الله حتّى أذهب به إلى أصحابي. فقال النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- خلّ بين الرجل و بين جرابه يذهب به إلى أصحابه(3)

و حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن مغفل المزنيّ قال: أصبت من في‌ء خيبر جراب شحم فاحتملته على عاتقي إلى رحلي و أصحابي قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته( لعلها بناصيته) و قال: هلم هذا نقسمه بين المسلمين، قال: قلت: و الله لا أعطيكه؛ قال: فجعل يجاذبني الجراب. قال: فرآنا رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و نحن نصنع ذلك. قال: فتبسم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم: لا أبالك، خل بينه و بينه قال: فأرسله، فانطلقت به إلى رحلي و أصحابي فأكلناه.

.

و قال ابن القاسم(4)

و في أصلنا: ابن القاسم و سالم( أو و سلام) و قد حذفناها لأنه ينقل عن ابن القاسم وحده عادة.

في الرجل يغنم الطعام و الودك من منازل الرّوم فيقدم على أهله فيأكله في القرار:

1) انظر شرح السير الكبير 4: 1184 برقم: 2205.

2) السيرة النبوية 2: 802 و سنورد الحديث بتمامه في التعليق التالي.

3) الخبر بتمامه كما ورد في السيرة النبوية 2: 802( نبذ من ذكر وادي القرى) قال ابن إسحاق:

4) ابن القاسم 132- 191 ه- 750- 806 م: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة- - العتيقي المصري أبو عبد الله، و يعرف بابن القاسم، فقيه، جمع بين الزهد و العلم و الفقه. تفقه بالإمام مالك و نظرائه، مولده و وفاته بمصر. له المدونة: طبعت في ستة عشر جزءا و هي من أجل كتب المالكية رواها عن الإمام مالك. عن الأعلام 5: 323.

لا بأس بذلك، و كرها له بيعه، و قال محمد: يتصدّق منه حتّى يبقى اليسير فيأكله مع أهله.

و ليس على الناس استئمار الإمام في كلّ ما وجد من بقر و غنم، و لو نهاهم السلطان عن إصابة/ (س 75) ذلك ثم اضطروا إليه لكان لهم أكله.

و لو أخذ الناس حاجتهم من ذلك و فضلت فضلة فضمّها صاحب المغنم لكان للنّاس أكل ذلك إن احتاجوا إليه، أو من احتاج منهم، و لا بأس بأكل طعام العدوّ قبل الدعوة فيمن يدعى منهم. و لا بأس بما لتّ من السّويق بسمنهم و عسلهم، فإذا لم يقدروا على البقر بالذّبح أو النّحر فلهم عقرها و يأكلون ماذكّوا مما لم يبلغ المقاتل، و المعرقبة أسلم في ذلك إن أمكنهم، و لا يجوز النهبة في ذلك و لا بأس بخبز الرّوم. و لا يؤكل خبز المجوس و لا ما ذكّاه المجوس، و ما كان ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام.

قال ابن حبيب: و العلف كالطّعام في الإباحة، فمن خرج بفضلة منه إلى دار المسلمين فلا بأس به إن كان يسيرا و إن كان ماله باب تصدّق به.

و قد تقدّم ذكر ما يقدم به على أهله من الطعام/ (م 39) و من جهل فباع شيئا ممّا ذكر ردّ ثمنه إلى المغنم. ورد ذلك عن عمر رضي الله عنه، و المشتري أعذر فيه من البائع، و ليعلم صاحب المغانم، قال ابن القاسم:

و إن باع الغازي طعاما من غير غاز بطعام غيره أو بعلف فلا بأس به.

قال: و لهم أن يضحّوا بغنم العدوّ و لا يتعدّى ذلك إلى غيره من الملبوس و المركوب، فإن دعت إلى ذلك ضرورة كان مسترجعا إلى المغنم مع بقائه، فإن هلك احتسب من سهم أخذه من المغنم، و كذلك السلاح. قال مالك:

ينتفع بذلك كلّه إن احتاج إليه حتى يقفل ثم يردّه إلى المغنم، قال ابن القاسم/ (س 76) و إن كانت الغنيمة قد قسمت فأرى أن يبيع ذلك و يتصدّق بثمنه. و للمغانم أحكام ليس هذا موضعها.

الباب الثاني عشر فيما يجب عمله عند إرادة اللقاء

اشارة

فيما يجب عمله عند إرادة اللقاء

[وجوب تقديم الطلائع و الرواد و اختيار موضع المعركة]

يجب على الأمير تقديم الطلائع لحومة العدوّ، و الروّاد لاختيار المنازل قبل المنازلة كما فعل النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- و سلم ليلة يوم بدر حين نزل على أدنى ماء بدر إلى المدينة فقال له الحباب بن المنذر:(1)

السيرة النبوية 1: 454( أخبار وقعة بدر) الإصابة 1: 316 برقم: 1547- الأعلام 2: 163.

يا رسول الله أ رأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه أو نتأخّر عنه؟ أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟

فقال عليه السلام: بل هو الحرب و الرأي و المكيدة.

فقال: إنّ هذا ليس بمنزل فانهض بنا حتّى نأتي أدنى ماء من القوم فتنزله و نغوّر ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملأه، فنشرب و لا يشربون.

فاستحسنه رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و فعله(2).

[اختيار علو الأرض و دمثها]

و كذلك إن استطاع أن يأخذ علوّ الأرض و دمثها و يجتنب الوعر عند المدافعة و السبخة، و يتخيرّ أوفقها لقوائم خيله و أقدام رجاله. و في رسالة


1) الحباب بن المنذر ت 20 ه- 640 م: الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي ثم السّلميّ، صحابي من الشجعان الشعراء، يقال له: ذو الرأي. و هو صاحب المشورة يوم بدر أخذ النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) برأيه. و كانت له في الجاهلية آراء مشهورة، و هو الذي قال عند بيعة أبي بكر يوم السقيفة« أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجّب» فذهبت مثلا. مات في خلافة عمر و قد زاد على الخمسين.

2) انظر الخبر في السيرة النبوية 1: 454.

عمر رضي الله عنه المذكورة قبل في باب وصايا أمراء الجيوش ما يقوّي ذلك و يشهد له.

[تعبئة الرسول م لأصحابه ليلة بدر]

و روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه و ذكر غزوة بدر قال:

و بات رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يدعو و يقول:

اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فلمّا طلع الفجر قال:

الصلاة عباد الله(1). فأقبلنا من تحت الشّجر/ (س 77) و الحجف، فحثّ أو حضّ على القتال.

و قال عبد الرحمن بن عوف(2): عبّأنا رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- ليلة بدر ليوم بدر.

و روي أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: إن بيّتم فليكن شعاركم: «حم لا ينصرون»(3)

حم، لا ينصرون. و في شرح السير الكبير 1: 74 عن عائشة رضي الله عنها قالت: جعل رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن. و الخزرج: يا بني عبد الله، و الأوس: يا بني عبيد الله. و قال لهم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة في حرب الأحزاب. إن بيّتم الليلة فشعاركم:

حم. لا ينصرون. و هو قسم للتأكيد أن الأعداء لا ينصرون.

.

1) السيرة النبوية 1: 459 و كتاب الأذكار 187 عن البخاري و مسلم.

2) عبد الرحمن بن عوف 44 ق. ه- 32 ه- 580- 652 م: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد الزهري القرشي، صحابي من أكابرهم و هو أحد العشرة المبشرين، و أحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم و أحد السابقين إلى الإسلام. قيل: هو الثامن. شهد بدرا و أحدا و جرح يوم أحد( 21) جراحة و أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، كان يحترف التجارة، فاجتمعت له ثروة كبيرة. أوصى بألف فرس و خمسين ألف دينار في سبيل الله. توفي بالمدينة- الإصابة 4: 176 برقم 1571 و الأعلام 3: 321.

3) في السيرة النبوية 2: 708 و كان شعار أصحاب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الخندق و بني قريظة:

[يجب عدم الاغترار بكثرة العدد]

و عن صهيب(1)أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- كان يحرّك شفتيه بشي‌ء يوم حنين بعد صلاة الفجر. فقالوا: يا رسول الله، إنّك تحرّك شفتيك بشي‌ء؟

فقال: إنّ نبيّا ممن كان قبلكم .. ثم قال كلمة معناها: أعجبته كثرة أمّته فقال: لن يروم أحد هؤلاء بشي‌ء. فأوحى الله إليه أن خيّر أمّتك بين إحدى ثلاث:

1- إمّا أن أسلّط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم.

2- و إمّا أنّ أسلّط عليهم الجوع.

3- و إمّا أن أرسل عليهم الموت.

فقالوا: أمّا الجوع و العدوّ فلا طاقة لنا بهما، و لكن الموت/ (م 40) فأرسله الله عليهم فمات في ليلة واحدة سبعون ألفا، و أنا أقول: اللهمّ بك أحاول و بك أصول و أقاتل(2).


1) صهيب 32 ق. ه- 38 ه- 592- 659 م: صهيب بن سنان بن مالك من بني النمر بن قاسط، صحابي من أرمى العرب سهما، و له بأس، و هو أحد السابقين إلى الإسلام، كان أبوه من أشراف الجاهليين ولّاه كسرى على الأبلّة« البصرة» و كانت منازل قومه في أرض الموصل على شط الفرات مما يلي الجزيرة و الموصل و بها ولد صهيب، فأغارت الروم على ناحيتهم فسبوا صهيبا و هو صغير فنشأ بينهم فكان ألكن، و اشتراه منهم أحد بني كلب و قدم به مكة فابتاعه عبد الله بن جدعان التيمي، ثم أعتقه، فأقام بمكة يحترف التجارة إلى أن ظهر الإسلام فأسلم« و لم يسبقه إلا بضعة و ثلاثون رجلا» فلما أزمع المسلمون الهجرة إلى المدينة كان صهيب قد ربح مالا وفيرا من تجارته، فمنعه مشركو قريش و قالوا: جئت صعلوكا حقيرا فلما كثر مالك هممت بالرحيل؟! قال: أرأيتم إن تركت مالي تخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجمع. فبلغ النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك فقال: ربح صهيب، ربح صهيب، و شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها. و توفي في المدينة و كان يعرف بصهيب الرومي- الإصابة 3: 354 برقم 4099 و الأعلام 3: 210.

2) مسند أحمد 4: 332.

(و عن النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- كان إذا غزا قال: اللهمّ أنت عضدي و نصيري بك أحاول و بك أصاول و أقاتل)(1).

[وجوب ترتيب الجيش في مصاف الحرب]

و على الأمير ترتيب جيشه في مصافّ الحرب و تعديل صفوفه و تفقّدها من الخلل، قال الله العظيم مخاطبا لنبيّه الكريم: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ(2)و قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ(3)فيضمّ كلّ شكل إلى شكله، و كذلك الجنس و النوع إلى جنسه و نوعه، و يستكفي كلّ جهة من يراه أهلا لذلك و كفئا من أهل البسالة و السياسة/ (س 78) و يمدّ الجهة التي يخاف أن يميل العدوّ إليها بعدد يكون ردءا و عونا لها و يجعل ساقة(4)تحمي ظهر العسكر لئلا يختاله العدو من خلفه.

و في حديث أبي هريرة لما حضر فتح مكة قال: جعل النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى و الزّبير(5)


1) في الأذكار 188 و فيه كما في سنن أبي داود و الترمذي و النسائي عن أنس: بك أحول و بك أصول و بك أقاتل و عضدي أي عوني، و أحول: احتال أو أمنع و أدفع.

2) آل عمران 3/ 121.

3) سورة الصف 61: 4.

4) السّاقة: مؤخرة الجيش

5) الزبير بن العوام 28 ق. ه- 36 ه- 594- 656 م: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشرين، أسلم و له 12 سنة و شهد بدرا و أحدا و غيرهما. و كان على بعض الكراديس في اليرموك و شهد الجابية مع عمر بن الخطّاب. و جعله عمر فيمن يصلح للخلافة من بعده، و كان موسرا كثير المتاجر. قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل بوادي السباع على سبعة فراسخ من البصرة. عن الأعلام 3- 43 و تهذيب التهذيب 3: 318 و المعارف 219.

على المجنبة اليسرى، و استعمل أبا عبيدة(1)على الساقة في بطن الوادي(2).

[وجوب جعل راية لكل جماعة و ذكر أخبار الرايات]

و كذلك يجعل لكلّ طائفة راية يرجعون إليها و يتعارفون بها و يدافعون عنها، و يعدّ مع كلّ راية جماعة ممّن يثق به من أهل الشّجاعة و الدّين.

فالرايات هي أرواح العساكر(3)، و بثباتها ثبات أفئدة الجماهر، و لذلك أمر النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- في غزوة مؤتة(4)أمرا فقال: إن أصيب زيد(5)

الإصابة 2: 24 برقم 2884 و الأعلام 2: 57.

فعلى الناس جعفر(6)فإن أصيب جعفر فعليهم عبد الله بن رواحة الأنصاريّ

1) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشيّ، الأمير القائد فاتح الديار الشامية، و الصحابي، أحد العشرة المبشرين. قال ابن عساكر: داهيتا قريش: أبو بكر و أبو عبيدة و كان لقبه أمين الأمة. ولد بمكة و هو من السابقين إلى الإسلام، و شهد المشاهد كلها. توفي في طاعون عمواس و دفن في غور بيسان.- عن الأعلام.

2) السيرة النبوية 2: 857.

3) شرح السير الكبير 1: 71، 72 و الفرق بين اللواء و الراية هو أن اللواء لا يكون إلا واحدا في كل جيش، أما الراية فهي علم لأصحاب القتال و كل قوم يقاتلون عند رايتهم، و إذا تفرقوا في حال القتال يتمكنون من الرجوع إلى رايتهم.

4) غزوة مؤتة كانت في جمادى الأولى سنة ثمان.

5) زيد 8 ه- 629 م: زيد بن حارثة بن شراحيل( أو شرحبيل) الكلبي، صحابي، اختطف في الجاهلية صغيرا، و اشترته خديجة بنت خويلد فوهبته إلى النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) حين تزوّجها فتبناه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) قبل الإسلام و أعتقه و زوّجه بنت عمته، و استمر الناس يسمّونه زيد بن محمد حتى نزلت آية( ادعوهم لآبائهم) و هو من أقدم الصحابة إسلاما، و كان النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) لا يبعثه في سرية إلا أمّره عليها، و كان يحبه و يقدمه و جعل له الإمارة في غزوة مؤتة فاستشهد فيها.

6) جعفر ت 8 ه- 629 م: جعفر بن أبي طالب( عبد مناف) بن عبد المطلب بن هاشم، صحابي، من شجعانهم، يقال له: جعفر الطيار، و هو أخو علي بن أبي طالب و كان أسنّ من علي بعشر سنين، و هو من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم قدم على النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بخيبر سنة 7 ه و حضر وقعة مؤتة بالبلقاء من أرض الشام فنزل عن فرسه و قاتل حتى قتل. الإصابة 1: 248 برقم 1162 و الأعلام 2: 125.

فلمّا دنوا من العدوّ و رأوا كثرته و قوّته قالوا: نكتب إلى رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- بخبر العدوّ و عدده فيأمرنا و يمدّنا. فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم، إنّ التي تكرهون التي خرجتم تطلبون- يعني الشهادة- و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوّة، و ما نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين إمّا ظهور و إمّا شهادة(1).

فوافقه الجيش كلّه على هذا الرأي و نهضوا، فلمّا لقوا المشركين اقتتلوا فقتل الأمير الأوّل ملاقيا بصدره الرماح و الراية في يده، فأخذها جعفر ابن أبي طالب و اقتحم عن فرسه و قيل عقرها، فقاتل على الراية حتّى قطعت يمينه فأخذ الراية بيساره/ (س 79) فقطعت فاحتضنها بصدره حتّى قتل عليها- رضي الله عنه- و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة، فقال النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- أعاره الله جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء- فأخذ الرّاية بعده عبد الله بن رواحة فقاتل حتّى قتل ثمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين.

و إنّما القصد من هذا الحديث ثبات الراية و المحافظة عليها و كيف السنّة في أمرها، و أنّ الذي يتولّى إمساكها يجب أن يكون من له إقدام و شجاعة و علم بالحرب و دين لا يفلّه خور مريرة و لا عور بصيرة، فحيث انتقلت الراية انتقلت معها القلوب، و إن أدبرت تبعها نفس الجلد/ (م 41) و الهيوب، و ذلك الذي حمل زيد بن الخطّاب(2)في حرب


1) انظر أخبار غزوة مؤتة في السيرة النبوية 2: 828 و ما بعدها.

2) زيد بن الخطاب ت 12 ه- 633 م: زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى القرشي العدويّ، أبو عبد الرحمن، صحابيّ، من شجعان العرب في الجاهلية و الإسلام، و هو أخو عمر ابن الخطاب، و كان أسنّ من عمر، و أسلم قبله و شهد المشاهد ثم كانت راية المسلمين في يده يوم اليمامة فثبت إلى أن قتل و حزن عليه عمر حزنا شديدا- الإصابة 3: 27 برقم 2891 و الأعلام 3: 58.

اليمامة(1)و بيده راية خالد بن الوليد أن يصيح بأعلى صوته و قد غلب العدوّ على الرجال: أمّا الرجال فلا رجال، و أما الرجال فلا رجال، اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فرار أصحابي، و مما جاء به مسيلمة الكذّاب(2).

و تقدّم بالرّاية في نحر العدوّ و هو يضارب بسيفه حتى قتل- رحمه الله- فأخذها سالم مولى أبي حذيفة(3)فقال المسلمون: يا سالم إنّا نخاف أن نؤتى من قبلك فقال: بئس حامل القرآن أنا إذن إن أتيتم من قبلي.

و نادت الأنصار ثابت بن قيس(4)و هو يحمل رايتهم: يا ثابت الزمها فإنّما ملاك القوم الراية. فتقدّم سالم فحفر برجليه حتّى بلغ أنصاف ساقيه، و فعل ثابت كذلك فكان النّاس يتفرّقون يمينا و شمالا و هما قائمان حتّى قتلا- رحمهما الله- و بقيت الراية بعد سالم حتى رفعها يزيد


1) انظر خبر اليمامة في كتاب البلدان و فتوحها و أحكامها للبلاذري: 103.

2) مسيلمة الكذاب ت 12 ه- 633 م: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، متنبى‌ء من المعمّرين، ولد و نشأ في اليمامة في القرية المسماة اليوم بالجبيلة بقرب العيينة بوادي حنيفة في نجد، و تلقب في الجاهلية بالرحمن. لما وفد بنو حنيفة على الرسول أتى معهم مسيلمة و لم يقابل الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) بل بقي خارج مكة. و لما عاد راسل الرسول على أن يكون شريكه و كان ذلك في أواخر سنة 10 ه و توفي الرسول. فلمّا انتظم الأمر لأبي بكر انتدب له أعظم قواده خالد بن الوليد فقضى عليه و استشهد عدد كبير من المسلمين- عن الأعلام 7: 226.

3) سالم ت 12 ه- 633 م: سالم بن معقل، أبو عبد الله، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، صحابي، من كبارهم و كبار قرائهم، فارسي الأصل، أعتقته ثبيتة زوج أبي حذيفة صغيرا، و تبناه أبو حذيفة و زوّجه ابنة أخ له، و هو من السابقين إلى الإسلام كان يؤم المهاجرين الأولين قبل الهجرة في مسجد قباء و فيهم أبو بكر و عمر، شهد بدرا و كان معه لواء المهاجرين يوم اليمامة فاستشهد و قد سبقه مولاه أبو حذيفة فأوصى أن يدفن بجانبه- الإصابة 3: 56 برقم: 3046 و الأعلام 3: 73.

4) ثابت بن قيس ت 12 ه- 633 م: ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي الأنصاري، صحابي كان خطيب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و شهد أحدا و ما بعدها من المشاهد و في الحديث: نعم- - الرجل ثابت. و دخل عليه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و هو عليل فقال: أذهب الباس ربّ الناس عن ثابت بن قيس بن شماس. قتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر. الإصابة 1: 203 برقم: 900 و الأعلام 3: 98.

ابن قيس(1)و كان بدريا فحملها/ (س 80) حتى قتل- رحمه الله- و في هذه الحرب صعد عمّار بن ياسر(2)على صخرة و قد قطعت أذنه، و كان ينادي بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أمن الجنّة تفرّون، أنا عمّار بن ياسر هلمّوا إلى فعل ذلك. حتى فتح الله على المسلمين.

فهكذا يتخيّر الرجال، و بمثل هؤلاء يقتدى، و لشبههم في الإقدام و الدّين تملّك الرايات التي إليها يرجع و عنها يدفع و لا يصلح لذلك إلا من باع نفسه من الله سبحانه و عامل ببذلها مولاه عزّ و جلّ فنعم المولى و نعم النصير.

[وجوب حفظ السيوف]

و في هذه الحرب فائدة يجب ذكرها، و ذلك أنّ بني حنيفة لمّا أقبلوا نحو عسكر خالد سلّوا سيوفهم و ساروا بها مسلولة من بعد، فقال خالد لأصحابه: أبشروا فإنّهم ما سلّوا سيوفهم إلّا ليهيبوا بها، و إنّه لجبن منهم


1) يزيد بن قيس: ذكره ابن هشام في السيرة النبوية 2: 813 في تسمية الداريين( بني عبد الدار) الذين أوصى لهم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) من خيبر. و لم أجد اسمه في البدريين- الإصابة 6: 346 برقم: 9297.

2) عمار بن ياسر 57 ق. ه- 37 ه- 567- 657 م: عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني، أبو اليقظان، صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي، و هو أحد السابقين إلى الإسلام و الجهر به هاجر إلى المدينة و شهد بدرا و أحدا و الخندق و بيعة الرضوان و كان النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) يلقبه بالطّب المطيّب، و هو أول من بنى مسجدا في الإسلام( مسجد قباء بالمدينة) ولاه عمر الكوفة، فأقام زمنا و عزله عنها، و شهد الجمل و صفين مع علي و قتل في صفين و عمره 93 سنة. الإصابة 4: 273 برقم: 5699 و الأعلام 5: 36.

و فشل. فقال له مجاعة بن مرارة(1)و كان من أشراف بني حنيفة أسيرا عند خالد: كلّا و الله، و لكنها الهندوانية و الغداة باردة، و ما فعلوه إلّا لتسخن متونها بحرّ الشّمس. فلمّا دنوا من المسلمين نادوا: إنّا نعتذر إليكم من سلّنا سيوفنا، و الله ما سللناها تهيّبا منكم و لا جبنا عنكم، و لكنها الهندوانية و الغداة باردة فخفنا تحطّمها فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نبلغكم(2).

ففي هذا تنبيه على حفظ السيوف و تعليم الجرأة على مواطن الخوف، قال المعري(3)

و لما مات وقف على قبرة( 84) شاعرا يرثونه. كان يملي كتبه على كاتبه علي بن عبد الله ابن أبي هاشم. لم يأكل اللحم مدة خمس و أربعين سنة. من كتبه ديوان سقط الزند و ديوان لزوم ما لا يلزم و رسالة الغفران و رسالة الملائكة و الصاهل و الشاحج و غير ذلك. عن الأعلام 1: 157.

:

و إن ضربت بسيف الهند في ومدفسيف إفرنجة المخبوّ للشّبم(4)

أعدد لكلّ زمان ما يشاكله‌إنّ البراقع يستثبتن بالشّبم.

و الشبم هنا كل خيطين في البرقع تشده المرأة إلى قفاها. و الشبم في البيت الثاني هو البرد لزوم ما لا يلزم 2: 452.


1) مجاعة بن مرارة( ت 45 ه- 665 م): من سادة بني حنيفة، صحابي، كان بليغا حكيما من رؤساء قومه في اليمامة، أقطعه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) أرضا بها. و تزوّج خالد بن الوليد ابنته. و له شعر فيه حكمة. عن الأعلام 5: 277- و الإصابة 6: 42 برقم 7716.

2) انظر الخبر في كتاب« البلدان و فتوحها و أحكامها» للبلاذري: 104 و هو بألفاظ مقاربة.

3) المعري( 363- 449 ه- 973- 1057 م): أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، شاعر فيلسوف، ولد و مات في معرة النعمان( جنوبي حلب) كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيرا فعمي في السنة الرابعة من عمره، قال الشعر و هو ابن إحدى عشرة سنة، رحل إلى بغداد سنة 398 ه فأقام بها سنة و سبعة أشهر. و هو من أهل بيت علم كبير في بلده.

4) من مقطوعة للمعري في بيتين هذا ثانيهما و قبله:

و الومد: الحرّ. و الشبم: البرد.

و روي أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-/ (س 81) قال يوم بدر: إذا أكثبوكم فارموهم، و لا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم(1).

و في حرب اليمامة أيضا كانت الأنصار ترى أنّ دخول الأعراب بينها و الحشو من الناس يوهنهم بالفرار و إدخال الخلل، إذ لا يخاف الحشو من العار ما يخافه الصميم و أهل الأحساب و يقولون: إنّما نؤتى من قبل هذا الحشو، حتّى نادوا أميرهم: أخلصنا أخلصنا فأمرهم بذلك، فنادت كلّ فرقة بأهلها: الأنصار بالأنصار، و المهاجرين بالمهاجرين و طيّى‌ء بطيّى‌ء و غيرهم/ (م 42) و منهم من نادى: يا أهل القرآن، و آخرون ينادون: يا أهل سورة البقرة ... فتجيب كلّ فرقة أهلها، و تقصد كلّ طائفة رايتها.

[تقديم الثقات من أهل الجلد]

و على الأمير بعد تثقيف عسكره بتقديم الثقات من أهل الحزم و الجلد و الدّين على المقدّمة و الميمنة و الميسرة و القلب و السّاقة خلفه. و عليه أن يتفقّدهم و يتفقّد الصفوف و الجماعات و يطوف عليهم و يقوّي نفوسهم بما يعد به من النصر و الظّفر و يرغّب في الثواب العاجل و الآجل، و قد كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يفعل ذلك، فيبث الأمير في القوم من يذكّرهم و يهوّن أمر العدوّ عليهم و يقلّله لتقوى بذلك النفوس، و لا يغفل الحذر لئلا يتراخى الناس بالاستهانة بل يخلط التأنيس بالتحذير و الابتسام بالتعبيس حتى


1) الخبر في سيرة ابن هشام 1: 458 و فيه: قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس و دنا بعضهم من بعض، و قد أمر رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم و قال: إن أكثبكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» و أكثبكم أي كثروا عليكم.

تكون الاستهانة بالجزالة و الاستكانة في البسالة. و يذكرهم أنّ العدوّ ناس مثلنا و خلق لا يزيدون علينا، و نحن أولى بالحقّ و الثبات و الصبر و الدّين ديننا و الحجة الواضحة بأيدينا.

الباب الثالث عشر في القتال و المزاحفة و ما قيل في التحرف و الانحياز

اشارة

في القتال و المزاحفة و ما قيل في التحرّف و الانحياز

[وجوب الصبر و آيات قرآنية]

قال الله تعالى وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ(1)فهزموهم بإذن الله. و قال جلّ ذكره وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(2)و روي أنّ النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: ثنتان لا تردّان: الدعاء عند الأذان، و الدعاء عند البأس حين يلحم بعضه بعضا. و في رواية: و تحت المطر(3).


1) سورة البقرة 2: 250. و جالوت المذكور كان محاربا قويا في زمن الملك داود، تحدى جيش بني إسرائيل أن يرسلوا له أحد أبطالهم لمقاتلته، فتطوع داود لذلك، و كان كل سلاحه نبلا و خمسة حجارة. و رغم ذلك تقدم واثقا من أنه على الحق، و رمى الحجر الأول فأصاب جالوت في جبهته فقتله ثم قطع رأسه. وردت القصة في القرآن الكريم في سورة البقرة و جاء فيها أن داود هو الذي قتل جالوت. و كان طالوت ملك بني إسرائيل قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته و يشاطره نعمته و يشركه في أمره فوفى له. ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله من النبوة العظيمة. و لهذا قال تعالى: و آتاه الله الملك و الحكمة« البقرة 2/ 251» أي الملك الذي كان بيد طالوت. و الحكمة أي النبوة.- عن الموسوعة العربية العالمية 8: 132.

2) سورة آل عمران 3/ 147، 148.

3) الحديث في فيض القدير 6: 2855 برقم: 3565 عن سهل بن سعد. قال محققه أخرجه أبو داود في سننه 3: 2540 و ابن حبان في صحيحه 1764 و أخرجه الحاكم في المستدرك 1: 198 و البيهقي في سننه 3: 360 و الدارمي في سننه 1: 1200 و ابن خزيمة في صحيحه 1: 419 عن سهل بن سعد. قال الحاكم: تفرد به موسى بن يعقوب و وافقه الذهبي و صححه الألباني في صحيح الجامع 1: 3079، و الرواية بزيادة« و تحت المطر» في فيض القدير 6: 2855 برقم 3566 و انظر كتاب الأذكار للنووي: 188.

[وجوب الثبات عند لقاء العدو]

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- لا تمنّوا لقاء العدوّ و اسألوا الله العافية، فإذا ألفيتموهم فاثبتوا و اذكروا الله. و روي فاصبروا و اعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف. فإذا صاحوا فعليكم بالصّمت و السكينة و لا تنازعوا فتفشلوا، فإذا أتوكم فاثبتوا و أكثروا ذكر الله و عليكم بالأرض و قولوا: اللهّم أنت ربّنا و ربّهم، و نواصينا و نواصيهم بيدك و إنما يغلبهم لنا أنت، فاهزمهم لنا، و إذا غشوكم غضوا أبصاركم و احملوا على بركة الله(1)

147 و الديلمي في مسند الفردوس 2: 2432 عن أبي موسى و قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم .. و انظر كتاب الجهاد لابن أبي عاصم 138 برقم 9 و الحديث في البخاري و مسلم .. و هو في كتاب أمثال الحديث للرامهرمزي ص 118 برقم 81 و قال: و هذا حث منه على الجهاد، و معناه أن حامل سيفه في سبيل الله مطيعا لله به يصل إلى الجنة.

.

[آداب اللقاء في كلام لعلي و سحنون]

قال سحنون: و يكره الخفّة و الطيش عند الفزع في العسكر، و ينبغي التثّبت و السّكينة و ترك العجلة حتّى يتيسّر الأمر. و روي نحوه عن النبي- صلّى اللّه عليه و سلم-(2)

و عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال: اتّقوا الله و غضّوا الأبصار و أقلّوا الكلام و أميتوا الأصوات، فإنّه أولى بالوقار، و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب/ (م 43) ريحكم، و اصبروا إنّ الله مع الصابرين(3).


1) انظر الأذكار للنووي 188 و كتاب الجهاد 139 برقم 10 و ذكر أنه في البخاري و مسلم و انظر عيون الأخبار 1: 123. أما قوله« الجنة تحت ظلال السيوف» فقد ورد وحده في فيض القدير برقم 3643 عن أبي موسى( صحيح) و ذكر محققه أنه في مسند أحمد 4: 396، 410، 411 و الحاكم في المستدرك 2: 70 و القضاعي في مسند الشهاب 1: 81 و ابن عدي في الكامل 2:

2) في مسند أحمد 5: 202 عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد قال: كنت ردف رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) عشية عرفة، فلما وقعت الشمس دفع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) فلما سمع حطمة الناس خلفه قال: رويدا أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع .. و انظر إعراب الحديث 58 برقم 15.

3) انظر كلاما بهذا المعنى في العقد 1: 97 و عيون الأخبار 1: 108 و جاء في شرح السير- - الكبير 1: 89 برقم 81 و لا يستحبّ رفع الصوت في الحرب من غير أن يكون ذلك مكروها من وجه الدين، و لكنه فشل، فإن كان فيه تحريض و منفعة للمسلمين لا بأس به.

قال سحنون: يكره رفع الصوت عند اللقاء، و أمّا إن كان تحريضا و إحياء لقلوب المسلمين و نفعا لهم فلا بأس به.

[تخير وقت القتال]

و قال النعمان بن مقرّن: شهدت مع النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتّى تزول الشمس و تهبّ الرياح. و قد تقدّم هذا.

و من سماع ابن القاسم قال: قلت لمالك: هل بلغك أنّ النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- كان يتخيّر قتال العدوّ بعد الزوال؟

قال: ما بلغني ذلك و ما كان قتاله أهل خيبر إلّا في أوّل النهار حين خرجوا بمساحيهم و مكاتيلهم و كذلك يوم أحد.

[إعلام الفارس نفسه و تسويم الخيل]

و يعلم الرجل الباسل الشجاع بما يتشهّر به في الصفوف و يتميّز به في الجيوش، مثل ركوب الأبلق و الأدهم في الشّقر و الشّهب، و ركوب الأشقر و الأشهب في الدّهم، و منع ذلك أبو حنيفة. قال القاضي أبو الحسن الماوردي(1)

طبقات الشافعية الكبرى 3: 303 و الأعلام 4: 327.

: و ليس لمنع ذلك وجه(2).

1) الماوردي 364- 450 ه- 974- 1058 م: علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي، أقضى قضاة عصره من العلماء الباحثين أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، ولد في البصرة و انتقل إلى بغداد و ولي القضاء في بلدان كثيرة ثم جعل« اقضى القضاة» في أيام القائم بأمر الله العباسي، و كان يميل إلى مذهب الاعتزال .. و له المكانة الرفيعة عند الخلفاء. نسبته إلى بيع ماء الورد و وفاته ببغداد.

2) النقل عن الأحكام السلطانية: 38.

و روي أن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال يوم بدر: تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت(1)

155.

. «و السمة: العلامة»

و كان أبو دجانة(2)

138.
139. و انظر أخباره في السيرة النبوية 2: 589( غزوة أحد) و الأحكام السلطانية: 40.الأنصاريّ له عصابة حمراء إذا عصبها في الحرب علم الناس أنّه سيقاتل فيبلي و ذلك بمحضر النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- و لا بأس بلباس الحرير للرجال عند اللقاء، أجازه مالك و غير واحد من صاحب و تابع و ذلك لإرهاب العدوّ و مباهاته

و روي أن النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- أعطى الزّبير ساعدي ديباج ليقاتل بهما، و لبسه أنس بن مالك في قتال فارس، قال ابن القاسم: و لا بأس أن يتّخذ منه راية في أرض العدوّ(3).


1) الحديث في الأحكام السلطانية 38 و في نهاية الأرب نقلا عن نهاية ابن الأثير« سوّموا فإن الملائكة قد سوّمت» أي اعملوا لكم علامة يعرف بها بعضكم بعضا- انظر نهاية الأرب 6:

2) أبو دجانة ت 11 ه- 632 م: سماك بن خرشة الخزرجي البياضي الأنصاري المعروف بأبي دجانة، صحابي، كان شجاعا بطلا له آثار جميلة في الإسلام، شهد بدرا، و ثبت يوم أحد، و أصيب بجراحات كثيرة و استشهد باليمامة، كانت له مشية عجيبة في الخيلاء يضرب بها المثل، نظر إليه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) في معركة و هو يتبختر بين الصفين فقال: هذه مشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا المكان و كان يقال له ذو المشهرة و هي درع يلبسها في الحرب و ذو السيفين لقتاله يوم أحد بسيفه و سيف رسول الله ..- الإصابة 7: 57 برقم 371 و الأعلام 3:

3) جاء في شرح السير الكبير 4: 1425 برقم 2755 أن أبا حنيفة كره الديباج و الحرير المصمت في الحرب، و لم ير أبو يوسف و محمد رحمهما الله بذلك بأسا في الحرب محتجا بحديث أبي هريرة:« لا بأس بلبس الحرير و الديباج في الحرب» فبظاهره أخذ و قال أبو حنيفة: تأويله الملحم و هو ما يكون سداه غير حرير و لحمته حرير و هذا لا بأس بلبسه في الحرب و إن كان يكره لبسه في غير الحرب، فأما ما يكون سداه حريرا و لحمته غير حرير فلا بأس بلبسه في الحرب و غير الحرب، و عليه أيضا يحمل حديث الزبير أنّ له يلمق الديباج يلبسه في دار- - الحرب( اليلمق: القباء المحشو) فأما إذا كان حريرا مصمتا فذلك مكروه على ما روي أن الوليد بن أبي هشام كتب إلى ابن محيريز يسأله عن يلامق الحرير و الديباج في الحرب، فكتب إليه أن كن أشدّ ما كنت في الحرب كراهية لما نهى رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) عند التعرض للشهادة.

قال ابن حبيب: و استحبّ أهل العلم تسويم الخيل عند اللقاء لقوله سبحانه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ(1)أي معلمين. قال مجاهد: كانت خيلهم معلمة في أذنابها بالصّوف الأبيض.

و قال غيره: سيما الملائكة العمائم و سيما خيلهم الصوف الأبيض. و قيل:

إنّ خيلهم يوم بدر كانت بلقا(2).

قال ابن إسحاق: لمّا قدم المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب(3)من غزوة بدر قال له أبو لهب(4): هلّم إليّ فعندك لعمري الخبر فجلس إليه فقال: يا بن أخي كيف كان أمر الله(5)؟

قال: و الله ما هو إلّا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف


1) سورة آل عمران 3: 125

2) انظر السيرة النبوية 1: 464( أخبار وقعة بدر).

3) المغيرة بن الحارث ت 20 ه- 641 م: المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبو سفيان الهاشمي القرشي، أحد الأبطال الشعراء في الجاهلية و الإسلام، و هو أخو رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) من الرضاع، كان يألفه في صباهما، و لما أظهر النبي الدعوة إلى الإسلام عاداه المغيرة و هجاه و هجا أصحابه. أسلم عام الفتح و شهد فتح مكة و وقعة حنين و أبلى بلاء حسنا. و رضي عنه النبي و صار يقال له: أسد الله و أسد الرسول. مات بالمدينة و صلّى عليه عمر. عن الأعلام.

4) أبو لهب 2 ه- 624 م: عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم. من قريش، عم رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و أحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، و من أشد الناس عداوة للمسلمين في الإسلام. كان غنيا عتيا، كبر عليه أن يتبع دينا جاء به ابن أخيه، فآذى أنصاره و حرض عليهم، و قاتلهم، و نزل القرآن بذمه. كان أحمر الوجه مشرقا فلقّب في الجاهلية بأبي لهب. مات بعد وقعة بدر بأيام و لم يشهدها. عن الأعلام 4: 12.

5) في السيرة النبوية 2: 476 كيف كان أمر الناس؟ و انظر الخبر ثمة.

شاؤوا، و يأسروننا كيف شاؤوا، و لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء و الأرض، و الله ما تليق شيئا و لا يقوم لها شي‌ء.

و كان أبو رافع(1)مولى رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- جالسا إلى طنب الخباء، فرفع الطّنب و قال: تلك و الله الملائكة.

و عن محمد بن السائب(2)قال: لمّا كانت ليلة العقبة أو ليلة بدر قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- لمن معه: كيف تقاتلون؟

[كلام عاصم في كيفية القتال]

فقام عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح(3)فأخذ الفرس و أخذ النّبل فقال: أي رسول الله، إذا كان القوم قريبا من المئتي ذراع أو نحو ذلك كان الرمي بالقسيّ، و إذا دنا القوم حتّى تنالنا و تنالهم الرماح كانت المداعمة بالرماح حتى تقصف، فإذا تقصفت وضعناها و أخذ السيف فتقلّده و استلّه و قال/ (م 44) و كانت المجادلة بالسيوف.

قال: فقال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- بهذا أنزلت الحرب، من قاتل فليقاتل قتال عاصم

و قد تقدّم ذكر قتال العدوّ إذا ترّسوا الأسارى و النساء و الأطفال، فانظره هناك.


1) أبو رافع: لرسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) موليان يعرف كل منهما بأبي رافع، فأحدهما قبطي، اختلف في اسمه و لم يشهد بدرا. أما أبو رافع الآخر فقد كان عبدا لأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية فقد أسلم و هاجر. الإصابة 7: 65، 66 برقم 389 و رقم 394.

2) في الأصل: الحسن بن السائب و هو غلط و الصواب ما أثبتناه. و المقصود به محمد بن السائب الكلبي.

3) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح: صحابي جليل، أبلى بلاء حسنا، أبو سليمان، من السابقين الأولين، شهد بدرا و أحدا مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و اسشهد يوم الرجيع، و رثاه حسان ابن ثابت. الإصابة 4: 3 برقم 2340 و الأعلام 3: 248 و السيرة النبوية 2: 666 و ما بعدها أخبار يوم الرجيع و يومها أطلق على عاصم: حمي الدّبر.

[الانهزام و عدم جوازه و الفرق بينه و بين الانحياز]

و لا يجوز الانصراف من صفّ القتال إن كان فيه انكسار، و إن لم يكن فيجوز أن يكون متحرّفا لقتال في استراحة أو مكيدة، و متحيّزا إلى فئة يتقوّى بها و يتظافر معها، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ(1)الزحف: الدنوّ، و المزاحفة: التداني و المعنى- و الله أعلم- الأمر بأن لا يفرّ المؤمنون من الكفّار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.

و قيل: المعنى أن لا فرار عند المواقعة و أن لا نفار عند المشاقة و قيل: إنّ هذا على العموم، و قيل: إنّه على الخصوص، و تولية الأدبار كناية عن الهزيمة. و المتحرّف و المتحيّز قريب في المعنى. و ذلك القصد إلى جهة يغلب على الظنّ المعونة فيها و التقوّي بها.

و قال الضحاك(2): المتحرّف: المتقدّم من أصحابه ليظفر بعورة العدوّ.

و المتحيّز: الراجع إلى أميره و أصحابه. و قيل: إنّما التحرّف و التحيّز في مراوغة الحرب، فإنّها طلب و هرب و كرّ و فرّ. و الله أعلم.

و معنى: باء بغضب من الله: رجع به و حمله. و أمّا التحيّز إلى فئة فسواء قربت الفئة أو بعدت.


1) سورة الأنفال 8: 15، 16.

2) الضحاك ت 180 ه- 796 م: ربما كان يريد به الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني القرشي، علّامة قريش بأخبار العرب و أيامها و أشعارها في المدينة. كان من أكبر أصحاب مالك بن أنس.

روي أنّ عمر رضي الله عنه قال لأهل القادسية حين انهزموا: أنا فئة لكلّ مسلم(1)، و لم ير ذلك مالك رحمه الله. فلا يجوز الانهزام من المثلين فما دون ذلك، و قد كان الله تعالى فرض في أوّل الإسلام قتال عشرة من الكفرة فقال سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا(2)ثمّ خفّف ذلك لقوّة الإسلام و كثرة أهله، و فرض على كلّ رجل قتال رجلين بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(3)فحرم الانهزام من المثلين فأقلّ و هو مذهب مالك و أصحابه، و أنّ الفرار من الكبائر و نحوه.

و عن ابن عبّاس أنّ الآية محكمة و حكمها باق إلى اليوم و عن الحسن و قتادة و الضحاك أنها مخصوصة بأهل بدر و الله أعلم. و يجوز إذا زادوا على ذلك و لم يجدوا إلى المصابرة سبيلا.

روي أنّه لما رجع جيش مؤتة تلقّاهم رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فجعل المسلمون يحثون التراب عليهم و يقولون: يا فرّار و رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يقول: ليسوا بالفرّار و لكنّهم الكرّار إن شاء الله(4).


1) الأحكام السلطانية: 45 و نهاية الأرب 6: 160

2) الأنفال 8: 65.

3) الأنفال 8: 66.

4) انظر الخبر في السيرة النبوية 2: 836 و ورد بعد هذا الكلام في السيرة قوله( صلّى اللّه عليه و سلم): أنا فيئكم و الصواب: أنا فئة لكم إذ لا معنى للفي‌ء في هذا السياق. و عنه اقتبس عمر بن الخطاب قوله المذكور أعلاه. و معناه: أنه لا يجوز للمقاتل أن يترك القتال و يولّي إلا لاستراحة أو لمكيدة ثم يعود إلى القتال و إما أن يتحيز إلى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم سواء قربت الفئة أو بعدت. و انظر الكلام في ذلك في الأحكام السلطانية 45 و نهاية الأرب 6: 160.

و اختلف في المعتبر بالمثليّة: هل النظر إلى صورة العدد إذ هو ظاهر الآية و به قال ابن القاسم و جمهور أصحاب/ (م 45) مالك. أو النظر إلى القوّة و الجلد إذ هو المقصود و عليه المعوّل في المدافعة. رواه ابن الماجشون(1). و هذا إن علمت القوة و الجلد، فإن جهل ذلك اعتبر العدد بلا خلاف و اختلف فيمن عجز عن مصابرة اثنين و أشرف على القتل إن ثبت، هل يجوز انهزامه؟ فقالت طائفة: لا يجوز و إن قتل للنصّ على ذلك.

و قالت طائفة: يجوز ناويا التحرّف و التحيّز على قول عمر: أنا فئة لكل مسلم، فيسلم من القتل. و من تأثّم خلاف النصّ فلن يعجز عن النيّة إن عجز عن المصابرة.

و قال أبو حنيفة: النصّ منسوخ و الاعتبار به التفضيل، و عليه أن يقاتل ما أمكنه و ينهزم إذا عجز عن المصابرة و خاف القتل. و في هذا المذهب على هذا القول أنّ الانهزام لا يكون إلّا بعد القتال لقوله: يقاتل ما أمكنه و ينهزم إذا عجز عن المصابرة فلا ينهزم على ذلك و لا يجوز له إلّا بعد القتال و إلّا فلا و بذلك يتبيّن العجز.

ثم النظر في الانهزام يحتمل وجوها:

منها أنّه لا يقطع بالنجاة في انهزامه و لا يظنّ به السلامة فلا يجوز إذ لعلّه يقتل مدبرا و لا ينجيه الفرار

و منها أنه قد يكون مع جماعة يجني عليها بفراره الخلل و الفشل إن فرّ عنها وحده فيكون سببا لقتلهم، فإنّ الجماعة بعضها ببعض و لذلك


1) ابن الماجشون 212- 827 م: عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله التيمي بالولاء، أبو مروان، ابن الماجشون فقيه مالكي فصيح، دارت عليه الفتيا في زمانه و على أبيه قبله، أضرّ في آخر عمره و كان مولعا بسماع الغناء في إقامته و ارتحاله. عن الأعلام 4: 160.

قال الله تعالى: كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ(1)و قال النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- «يد الله على الجماعة ما ائتلفت قلوبهم»(2)فمن فرّ عرّض الباقين للقتل و ذلك لا يحلّ.

و منها أن تفرّ الجماعة بأسرها للعجز عن المصابرة، فإن طمعوا في النجاة جاز على وجه التحيّز و الامتناع و إن لم يطمعوا في النجاة لم يجز الفرار(3).

و أمّا إن انحاز بالجمع قائده أو أميره أو رئيس يجتمع إليه فذلك جائز كما فعل خالد بن الوليد يوم مؤتة لمّا قتل الأمراء قبله فلم يعنّفه النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- لأنّ فعل ذلك على وجه النظر و الحكم لغلبة الظنّ بالسلامة و الله أعلم(4).

و أمّا ما يفعله أهل الفشل و الخور و الخذلان في هذا الزمن من الانهزام عند رؤية العدوّ قلّ أو كثر قبل التّلبّس بالقتال و مدافعة الأبطال و تعريض الضّعفاء لما قد جرت به العادة الرّذلة من القتل و الأسر فهذا ما


1) سورة الصف 61: 4.

2) ورد الحديث في شرح السير الكبير: يد الله مع الجماعة فمن شذّ شذّ في النار. شرح السير الكبير 1: 33.

3) انظر هذه الأحكام في نهاية الأرب 6: 160 و ما بعدها و الأحكام السلطانية 45. و في شرح السير الكبير 1: 123- 125.

4) يوم مؤتة استشهد أولا زيد بن حارثة ثم استشهد جعفر بن أبي طالب ثم استشهد عبد الله بن رواحة« ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، و حاشى بهم، ثم انحاز و انحيز عنه، حتى انصرف بالناس». انظر السيرة النبوية 2: 833( ذكر غزوة مؤتة).

لا يجوز لمسلم بوجه، و فيه معرّة الحال و سوء مظنّة المآل و الله يعصم مما يصم. و لم ير مالك- رحمه الله- ما جاء عن عمر رضي الله عنه من التحيّز إليه في قوله: أنا فئة لكلّ مسلم و قال: الأحبّ أن لا يتحرّفوا إلى فئتهم إلّا عن خوف الهلكة و قاله عبد الملك.

قال ابن الموّاز: و إنما الانحياز إلى أولى جيشه الأعظم الذي دخل معه، و ربّما كانت سريّة دون سريّة فتنحاز المقدمة إلى التي خلفها ثم ينحازوا عن أكثر من مثليهم إلى فئتهم حتّى يبلغ الانحياز إلى الجيش الأعظم و واليهم الأكبر.

و أمّا الانحياز عن المثلين و في الغلبة طمع فلا يجوز، و لا يمكن لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف و التولّي، و لهم الثبوت لأكثر من المثلين بأضعاف كثيرة.

قيل لمالك: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: أحبّ إليّ/ (م 46) أن ينصرفوا إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، و إن لم يجدوا فلهم أن يقاتلوا حتّى يقتلوا، فمن احتسب نفسه على الله فهو الشهيد، و من ثبت حتى قتل و هو يجد منصرفا و قد علم أنّه إن ثبت قتل فيرجى له أفضل الشهادة و إنّما هي لمن أيقن بالموت قبل أن يموت فاحتسب نفسه و آثر لقاء الله، كما فعل الرجل الذي كانت بيده تمرات يأكلهنّ فقال: ما بيني و بين الجنّة إلا هذه التمرات، فرمى بها من يده و قاتل حتى قتل(1).

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- ثلاثة يحبّهم الله حبا


1) هو عمير بن الحمام في غزوة بدر. انظر السيرة النبوية 1: 459.

شديدا .. الحديث، و فيه: و رجل في فئة في سبيل الله فانهزموا فصبر و استقبل العدوّ بنحره و قال: اللهمّ أنّي قد اخترتك اليوم. فيقول الله تعالى لملائكته: ما ذا يريد عبدي- و هو أعلم- انهزم أصحابه و بقي، فيقولون:

ربّنا يرجو رحمتك و يخشى عذابك. فيقول: ما كنت لأعذّبه و قد جاد لي بنفسه، أشهدكم أنّي قد غفرت له ذنوبه و أبحته الجنة بحذافرها، ينزل حيث شاء منها(1).

و أمّا من حمل وحده على الجيش فقال أشهب عن مالك: أخاف أن يكون ألقى بيده إلى التّهلكة. و ليس ذلك سوى من كان في الجيش الكثيف فيحمل وحده مضطرّا فهذا خفيف و الآخر غير مضطر. و أمّا من يحمل يريد السّمعة و التحدّث في الشجاعة فلا، و الشهيد من احتسب نفسه على الله.

و في كتاب ابن حبيب: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة و الجيش إذا كان ذلك لله، و كانت فيه شجاعة و نجدة و قوّة.

و مثل ذلك قال ابن القاسم: أن يحمل على عشرة آلاف إذا كانت غلبته قوة و ليس ذلك من الإلقاء إلى التّهلكة، و إنما نزلت وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(2)

أحدهما: أن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) لما أمر بالتجهيز إلى مكة قال ناس من الأعراب: يا رسول الله بماذا نتجهز فو الله ما لنا زاد و لا مال. و الثاني أن الأنصار كانوا ينفقون و يتصدقون فأصابتهم سنة فأمسكوا فنزلت. و في المراد بالتهلكة ههنا أربعة أقوال:- - أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله.

و الثاني: أنها ترك القعود عن الغزو شغلا بالمال.

و الثالث: أنها القنوط من رحمة الله.

و الرابع: أنها عذاب الله.

في ترك الإنفاق في الجهاد. قال أبو أيوب

1) في فيض القدير ثلاثة أحاديث بهذا المعنى عن أبي ذر 6: 2845 برقم: 3549 و هو صحيح و عن أبي ذر 6: 2846 برقم: 3551 و عن ابن مسعود 6: 2847 برقم: 3552.

2) سورة البقرة 2: 195، جاء في زاد المسير 1: 202، 203: هذه الآية نزلت على سبب فيه قولان:

الأنصاري:(1)نزلت حين أردنا أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد بعد ما نصر الله نبيّه و ظهر الإسلام فأنزل الله تعالى: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(2).

و قال أشهب في قوم نفروا في طلب العدو، فأدركهم واحد من المسلمين أن يحمل عليهم إن احتسب نفسه و لم يرد الفخر فذلك حسن و إلّا فلينحرف إلى أصحابه و قال عن مالك: من لقى العدوّ عشرة أو أكثر أيقاتلهم أو ينصرف إلى عسكره إذا أمكنه(3)؟

قال: ذلك واسع، و أحبّ إليّ أن ينصرف إن لم تكن فيه قوة على قتالهم.

قال محمد: و من أحاط به العدوّ و هو وحده و يدعى إلى الأسر فله أن يقاتل و له أن يستأسر.

قال ابن القاسم: و لا يحلّ للنّاس إن فرّ إمامهم أن يفرّوا من مثلي


1) أبو أيوب ت 52 ه- 672 م: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة من بني النجار، صحابي، شهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد، و كان شجاعا صابرا تقيا محبا للغزو و الجهاد، عاش إلى أيام بني أمية و كان يسكن المدينة، فرحل إلى الشام، و لما غزا يزيد القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية صحبه أبو أيوب غازيا فحضر الوقائع، و مرض، فأوصى أن يوغل به في أرض العدو. فلما توفي دفن في أصل حصن القسطنطينية. عن الأعلام.

2) سورة البقرة 2: 195

3) جاء في شرح السير الكبير 4: 1512 برقم: 2963 و لو أن مسلما حمل على ألف رجل وحده فإن كان يطمع أن يظفر بهم أو ينكأ فيهم فلا بأس بذلك لأنه يقصد بفعله النيل من العدو.

عدوّهم. قال: و من فرّ من الزّحف عن المثلين لم تقبل شهادته إلّا أن يتوب فتظهر توبته. و في كتاب ابن سحنون قال عقبة بن عامر: الفرار الأعظم من الزّحف إذا التقت الفئتان. و قال أهل العراق: لا يفرّ اثنا عشر ألفا من العدوّ و إن كثر لقول النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلّة/ (م 47)(1).

و قال سحنون: لا أعرف هذا، و قد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفا و العدوّ مئة ألف. فرأى أبو عبيدة و خالد القتال، و قال غيرهما:

ننحاز إلى فئة و نشاور أمير المؤمنين. ثم عزم أبو عبيدة على القتال.

و روى ابن وهب عن ربيعة(2): و سئل عن أهل مدينة حاصرها العدوّ فضعفوا عن القتال و ليس عندهم ما يكفيهم، أيخرجون فيقاتلون أم يصبرون حتّى يموتوا جوعا أو يقتلوا؟ قال: بل يخرجون أحبّ إليّ.

و قال في كتاب ابن سحنون: و إن بلغ بهم الجوع و العطش مبلغا لا قوّة لهم به على القتال، فإن طمعوا في الأسر نجاة و معاذة و قد عرف ذلك من العدوّ في غيرهم فليخرجوا إليهم، و إن كان القتل فليصبروا للموت جوعا و عطشا. و قيل: هذا إذا غلب على الظنّ أن إحدى الميتتين أخفّ و أهون


1) شرح السير الكبير 1: 124 برقم 124 و انظر قوله( صلّى اللّه عليه و سلم): لن نغلب اليوم من قلة» في السيرة النبوية 2: 890( يوم حنين).

2) ربيعة ت 136 ه- 753 م: ربيعة بن فروخ التيمي بالولاء المدني، أبو عثمان، إمام حافظ، فقيه مجتهد، كان بصيرا بالرأي فعرف ب« ربيعة الرأي» و كان من الأجواد و به تفقه الإمام مالك. و كان ربيعة صاحب الفتوى بالمدينة- تهذيب التهذيب 3: 258 و الأعلام 3: 17.

طلبت. كأهل مركب قاتلهم العدوّ فأضرم النار عليهم فلهم الفرار من الحرق إلى الغرق لأنه أخفّ موتا و الله أعلم(1).

[عقر خيل العدو]

و يجوز عقر خيل العدوّ إذا قاتلوا عليها، و منع من ذلك بعضهم، و قد عقر حنظلة بن الراهب(2)يوم أحد فرس أبي سفيان بن حرب و استعلى عليه ليقتله فبدر إليه ابن شعوب(3)و هو يقول:

لأحمينّ صاحبي و نفسي‌بطعنة مثل شعاع الشمس

ثم طعن حنظلة فقتله و استنقذ أبا سفيان فخلص و هو يقول:

و ما زال مهري مزجر الكلب منهم‌لدن غدوة حتّى دنت لغروب

أقاتلهم طرا و أدعو بغالب‌و أدفعهم عني بركن صليب

و لو شئت نجّتني حصان طمرّةو لم تجعل النعماء لابن شعوب

فجاوبه ابن شعوب حين لم يشكره فقال:

و لولا دفاعي يابن حرب و مشهدي‌لألفيت يوم النعف غير مجيب

و لو لا مكرّ المهر بالنّعف قرقرت‌ضباع عليه أو ضراء كليب(4)


1) انظر تفصيل القول في ذلك في كتاب شرح السير الكبير 4: 1509 برقم: 2955 و ما بعدها.

2) حنظلة بن الراهب هو حنظلة بن أبي عامر، أنصاري من الأوس و يعرف بغسيل الملائكة كان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب و اسمه عمرو أو عبد عمرو و لم يسلم و أسلم حنظلة و حسن إسلامه و استشهد في أحد. عن الإصابة 2: 44 برقم: 1859 و السيرة النبوية 2: 595.

3) ابن شعوب هو شداد بن الأسود كان من أبطال المشركين يوم أحد و قد دافع عن أبي سفيان ابن حرب و كان على و شك أن يقتل على يد حنظلة بن الراهب في أحد. انظر الخبر في السيرة 2: 595، 596.

4) انظر الخبر مع الشعر في السيرة النبوية 2: 595، 596.

و أما إذا أراد المسلم عقر فرس نفسه فلا يجوز له مادام فيه قوّة و رجاء لما في الفرس من المنّة و القوّة لفارسه في الدفاع به و الكرّ و الفرّ إلّا أن يعلم أنّه قد أحيط به و لا منجى له عليه، و يخاف أن يتقوّى به العدوّ، فيجوز له ذلك كما فعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزاة مؤتة حيث اقتحم عن فرسه فعقرها و قاتل على الراية حتّى قتل(1). و هو أوّل من عقر فرسه في الإسلام. و كان أحفظ لدينه من أن يفعل ما يمنع منه الشرع و لم ينكر ذلك عليه أحد.


1) الخبر بلفظه في السيرة النبوية 2: 832( ذكر غزوة مؤتة).

الباب الرابع عشر في مصابرة العدوّ و مواقفته عند اللقاء

اشارة

في مصابرة العدوّ و مواقفته عند اللقاء (م 48)

[وجوب المصابرة و الطاعة]

على الأمير و من معه من حقوق الله تعالى مصابرة العدوّ و إن تطاولت بهم المدّة ما كانت لهم القوة، قال الله العظيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1)و في ذلك أقوال:

أحدهما: اصبروا على طاعة الله و صابروا عدوّ الله، و رابطوا في سبيل الله.

و الثاني: اصبروا على دينكم، و صابروا الوعد الذي وعدتكم، و رابطوا عدوّي و عدوّكم.

و الثالث: اصبروا على الجهاد و صابروا العدوّ و رابطوا بملازمة الثّغر.

و قد ذكرنا تفسير الصبر و الرباط و ما معناهما في اللغة. و قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(2)و حقيقة الصبر هي الصبر على إمضاء الحقائق و إن شقّت، و احتمال المكاره في ذات الله و إن جلّت، و الثّبات في جميع الشدّة من غير جزع و لا خور إلا رضى و تسليما.


1) سورة آل عمران 3: 200.

2) سورة الأنفال 8: 45، 46.

قال بعض حكماء الفرس: كما أنّ الحديد يعشق المغنطيس فكذلك الظّفر يعشق الصبر فاصبر تظفر.

و قال نهشل بن حرّي(1):

و يوم كأنّ المصطلين بحرّه‌و إن لم تكن نار قيام على الجمر

صبرنا له حتّى تبوخ و إنّماتفرّج أيام الكريهة بالصبر(2)

«معنى يبوخ يخبو»

[ذكر بعض أهل الثبات و العزيمة و بعض أخبارهم]

و لنذكر هنا بعض أهل الثبات و العزيمة و من يقتدى بهم من أهل الشّيم الكريمة، فمصابرة العدوّ آكد حقوق الجهاد و أعزّ طرق الإعداد بالله و الاعتماد.

روي أنّ خالد بن الوليد قال: انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف و بضعة عشر رمحا، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانية صبرت في يدي.

و قاتل قتادة بن النعمان يوم أحد حتى أصيبت عينه فسألت حدقته فردّها النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- و قال: اللهمّ اكسه جمالا. فكانت أحسن عينيه و أصحهما(3).


1) نهشل بن حريّ ت 45 ه- 665 م: نهشل بن حرّي بن ضمرة الدارمي، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية و عاش في الإسلام، و كان من خير بيوت بني دارم، أسلم و لم ير النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و صحب عليا في حروبه و كان معه في وقعة صفين. و بقي إلى أيام معاوية و كان أبوه حريّ شاعرا و جدّه ضمرة بن ضمرة كان شاعرا. عن الأعلام 8: 49.

2) البيتان في عيون الأخبار 1: 25 و العقد 1: 107 و الحماسة 189 بشرح المرزوقي.

3) خبر قتادة في السيرة 2: 600، 601( أخبار غزوة أحد).

و روي أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال يوم أحد: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع(1)

الإصابة 3: 77 برقم: 3147.

الأنصاريّ؟ فقال رجل: أنا.

فذهب بين القتلى، فقال له سعد: ما شأنك؟

فقال الرجل: بعثني رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- لآتيه بخبرك.

قال: فاذهب فأقره السلام مني و أخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة و أني قد أنفذت مقاتلي، و أخبر قومي أنّهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و واحد منهم حيّ(2).

و قيل إنّ الرجل(3)كان أبيّ بن كعب(4)و أنه قال له: اقرأ على قومي السلام و قل لهم: يقول لكم سعد: الله الله و ما عاهدتم عليه رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- ليلة العقبة فو الله مالكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيّكم و فيكم عين تطرف. قال: فلم أبرح حتى مات(5).


1) سعد بن الربيع ت 3 ه- 625 م: سعد بن الربيع بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، صحابي من كبارهم. كان أحد النقباء يوم العقبة، و شهد موقعة بدر و استشهد يوم أحد.

2) انظر الخبر في السيرة النبوية 2: 610( غزوة أحد).

3) ذكر محقق السيرة نقلا عن مغازي الواقدي أن الرجل هو محمد بن مسلمة و يقال: أبيّ بن كعب. السيرة 2: 609 و عنه: مغازي الواقدي 1: 292.

4) أبيّ بن كعب ت 22 ه- 642 م: أبي بن كعب بن قيس من بني النجار من الخزرج، صحابي جليل شهد العقبة و بدرا، كتب لرسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و زعم الزركلي في الأعلام أن أبيّا كان حبرا من أحبار اليهود قبل الإسلام، و لعله اختلط عليه أبي بن كعب بشخص آخر اسمه« كعب الأحبار» و لم يكن أبي من اليهود. اختلف في سنة وفاته و قيل: إنه مات في خلافة عمر سنة 22 ه- و قيل بعد ذلك. المعارف 261 و سير أعلام النبلاء 1: 280 و تهذيب التهذيب 1: 188، و الأعلام 1: 82.

5) السيرة النبوية 2: 610( غزوة أحد).

و روي أن عكرمة(1)ترجّل يوم اليرموك لمّا اشتدّ الأمر و عظمت المحنة فقاتل قتالا شديدا حتّى قتل، فوجد فيه/ (م 49) بضع و سبعون بين طعنة و ضربة و رمية.

و روي أنّ زيد بن سهل(2)و هو أبو طلحة الأنصاريّ كان من فرسان الصحابة و من الرّماة و كان يقول:

أنا أبو طلحة و اسمي زيدو كلّ يوم في سلاحي صيد

و قتل يوم حنين عشرين كافرا و أخذ أسلابهم و كان يحبو بين يدي النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- و يقول: نفسي لنفسه الفدا و وجهي لوجهه الوقا، ثم نثر كنانته بين يدي النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- و قال عليه السلام: صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة. و روي: من مئة(3)و كان هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص(4)من الأبطال البهم الفضلاء الأخيار و يعرف بالمرقال لأنّه كان


1) عكرمة 13 ه- 634 م: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي من صناديد قريش في الجاهلية و الإسلام، كان هو و أبوه من أشد الناس عداوة للنبي( صلّى اللّه عليه و سلم). و أسلم عكرمة بعد فتح مكة، و حسن إسلامه فشهد الوقائع و ولي الأعمال لأبي بكر و استشهد في اليرموك و عمره( 62) سنة و جاء في الحديث: لا تؤذوا الأحياء بسبب الموتى. قال المبرد: فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة. الإصابة 4: 258 برقم: 5632 و الأعلام 4: 244.

2) أبو طلحة الأنصاري 36 ق. ه- 34 ه 585- 654 م: زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، صحابي، من الشجعان، الرماة المعدودين في الجاهلية و الإسلام مولده في المدينة، و لما ظهر الإسلام كان من كبار أنصاره، فشهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد، و كان جهير الصوت. و كان ردف رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يوم خيبر و توفي في المدينة، و قيل ركب البحر غازيا فمات فيه. الإصابة 3: 28 برقم 2899 و الأعلام 3: 59.

3) الحديث في الجامع الصغير 2: 123 عن أنس. و عن جابر: لصوت أبي طلحة بالجيش خير من ألف رجل و الحديث أيضا في فيض القدير 10: 4984 برقم 7246 و أحال محققه إلى مسند أحمد 3: 112 و المستدرك 3: 352 و في فيض القدير برقم 7247: لصوت أبي طلحة بالجيش خير من ألف رجل، عن جابر.

4) هاشم بن عتبة- المرقال: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، صحابي، خطيب من الفرسان- - يلقب بالمرقال و هو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، أسلم يوم فتح مكة و نزل الشام بعد فتحها، فأرسله عمر مع ستة عشر رجلا من جند الشام مددا لسعد بن أبي وقاص في العراق و شهد القادسية مع سعد و أصيبت عينه يوم اليرموك فقيل له: الأعور، و فتح جلولاء، و كان مع عليّ بن أبي طالب في حروبه. و تولى قيادة الرجالة في صفين فقتل في آخر أيامها. الإصابة 6: 275 برقم: 8913 و الأعلام 8: 66 و له ذكر في يوم جلولاء. انظر كتاب البلدان و فتوحها للبلاذري 306 و ما بعدها.

يرقل في الحرب، ففقئت عينه يوم اليرموك، ثم أرسله عمر رضي الله عنه مع خيل العراق إلى سعد، فشهد القادسية و أبلى فيها بلاء حسنا، و قام منه في ذلك اليوم مالم يقم من أحد و كان سبب الفتح على المسلمين و كان يقول:

أعور عيني أهله علّاقد صالح الحياة حتّى ملّا

لا بدّ أن يعدّ أو يفلّا

و ضرب في الحرب فقطعت رجله فجعل يقاتل من دنا منه و هو بارك و يقول:

الفحل يحمي شوله معقولا

و قاتل حتى قتل رحمه الله.

و كان أبو بكر رضي الله عنه يقول له: كنا ننتفع من الشيخ برأيه و من الشابّ بنجدته فاصبر و صابر.

و روي أن أبا عامر الأشعري(1)لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من


1) أبو عامر الأشعري من الصحابة الشجعان و الخبر المذكور هنا هو في السيرة النبوية 2: 900 قال ابن إسحاق: و بعث رسول الله في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري و هو ابن عمه فقاتلهم، ففتح الله على يديه و هزمهم. و يزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله انظر السيرة 2: 898- 900.

المشركين فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر فقتله، ثم لم يزل يفعل ذلك بهم واحدا بعد واحد حتى قتل التسعة و بقي العاشر، فتجاولا و أبو عامر يدعوه و يقول: اللهمّ اشهد. فقال: اللهمّ لا تشهد عليّ. فكفّ عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، و كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- إذا رآه يقول: هذا شريد أبي عامر(1).

و يروى أنّ أبا جهل(2)بن هشام قال يوم بدر: اللهمّ دينك القويم و أياديك الحسنة، أيّنا كان أحبّ إليك فانصره اليوم على صاحبه، ثمّ أقبل يرتجز و يقول:

ما تنقم الحرب العوان منّي‌بازل عامين حديث سنّي

لمثل هذا ولدتني أمي(3)

فكان أوّل من لقيه معاذ بن عمرو بن الجموح(4)قال: سمعت القوم- و أبو جهل في مثل الحرجة- يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلمّا رأيته جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلمّا أمكنني حملت عليه فضربته


1) السيرة النبوية 2: 900

2) أبو جهل ت 2 ه- 624 م: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عداوة للنبي( صلّى اللّه عليه و سلم) في صدر الإسلام، و أحد سادات قريش و أبطالها و دهاتها في الجاهلية، سودته قريش و لم يطرّ مشاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول. أدرك الإسلام و كان يقال له: أبو الحكم فدعاه المسلمون أبا جهل. قتل في موقعة بدر. انظر السيرة النبوية 1: 529 و الأعلام 5: 86.

3) انظر الخبر و الرجز في السيرة النبوية 2: 465.

4) معاذ بن عمرو ت 25 ه- 645 م: معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد من بني كعب بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، شجاع، صحابي شهد العقبة و بدرا. ضرب أبا جهل ببدر فقطع ساقه فضربه عكرمة فقطع يده و بقي يقاتل إلى آخر النهار. و عاش إلى خلافة عثمان. الإصابة 6: 109 برقم 8046 و الأعلام 7: 258 و السيرة النبوية 1: 465.

ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبّهتها حين طاحت إلا بالنّواة تطيح من تحت المرضخ قال: و ضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدة من جنبي و أجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامّة يومي و إنّي لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي و تمطيت بها حتّى طرحتها. و عاش معاذ بعدها حتى كان زمن عثمان رضي الله عنه.

و من ذلك ما ذكر في حرب اليمامة مع خالد/ (م 50) بن الوليد حين حاربوا حربا لم ير قطّ مثلها و انهزم المسلمون حتى زال خالد عن فسطاطه فقطع بالسيوف. ثمّ إنّ المسلمين تداعوا فقال ثابت بن قيس:

بئس ما عوّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين ثمّ جالد بسيفه حتّى قتل و جالد زيد بن الخطاب حتى انكشف الناس عن رحالهم و قاتل حتّى قتل. ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك، و كان إذا حضر الحرب أخذه نافض حتّى يضبطه الرجال، ثمّ يفيق فيبول بولا أحمر ثمّ يثور كأنّه الأسد فلا يقوم له شي‌ء، ففعل ذلك ثمّ قاتل القوم و ضرب قوما لا يرفع له شي‌ء إلّا هزّه فثاب إليه الناس و رجعت إليهم أفئدتهم، و رجع المسلمون حتى ألجؤوا العدوّ إلى حديقة الموت و فيها عدوّ الله مسيلمة الكذّاب فقال البراء: يا معشر المسلمين: ألقوني عليهم في الحديقة. فقال الناس:

لا تفعل، فقال: و الله لتطرحنّني عليهم فيها، فاحتمل حتى أشرف على الجدار ثمّ اقتحم الحديقة فقاتلهم حتّى فتحها الله للمسلمين، و قتل مسيلمة عدوّ الله، قتله وحشي(1)مولى جبير بن


1) وحشيّ ت 25 ه- 645 م: وحشيّ بن حرب الحبشي أبو وسمة، مولى بني نوفل، صحابي، من سودان مكة، كان من أبطال الموالي في الجاهلية، و هو قاتل الحمزة عم النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). قتله يوم أحد، رماه بحربة، ثم وفد على النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) مع وفد أهل الطائف بعد أخذها، و أسلم فقال له النبي( صلّى اللّه عليه و سلم): غيّب عني وجهك يا وحشيّ، لا أراك. و شهد اليرموك و شارك في قتل- - مسيلمة، و زعم أنه رماه بحربته التي قتل بها حمزة. و كان يقول: قتلت بحربتي هذه خير الناس و شر الناس. و سكن حمص فمات بها في خلافة عثمان. عن الأعلام و انظر السيرة النبوية 2:

مطعم(1)

1087 و السيرة 2: 585 و الأعلام 2: 112.

و هو الأصحّ مّما قيل و الله أعلم. و قتل يومئذ من المسلمين ألف و مئتا رجل، و قتل من بني حنيفة أتباع مسيلمة في الفضاء سبعة آلاف و في حديقة الموت سبعة آلاف و في الطّلب نحو منها(2).

و ذكر أنّ ثابت بن قيس- رحمه الله- قاتل في ذلك اليوم و صابر فقطعت رجله و سقطت في الأرض و أخذها و رمى بها قاتله فقتله ثم استشهد رحمه الله.

و في تلك الحرب قاتلت أم عمارة الأنصاريّة(3)و اسمها نسيبة حتّى


1) جبير بن مطعم ت 59 ه- 679 م: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، أبو عدي، صحابي، كان من علماء قريش و سادتهم، توفي بالمدينة و عدّه الجاحظ من كبار النسابين. و في الإصابة: كان أنسب قرشي لقريش و العرب قاطبة. الإصابة 1: 235 برقم:

2) انظر البلدان و فتوحها للبلاذري: 103 و ما بعدها.

3) أم عمارة الأنصارية ت 13 ه- 634 م: نسيبة بنت كعب بن عوف المازنية الأنصارية، من بني النجار، صحابية، اشتهرت بالشجاعة، تعد من أبطال المعارك، تزوجها في الجاهلية زيد بن عاصم المازني، و لما ظهر الإسلام أسلمت و شهدت بيعة العقبة و أحدا و الحديبية و خيبر و حنينا و سمعت من رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أحاديث، و كانت تخرج إلى القتال فتسقي الجرحى و تقاتل، و أبلت يوم أحد بلاء حسنا و جرحت اثني عشر جرحا بين طعنة رمح و ضربة سيف، و كانت ممن ثبت مع رسول الله حين تراجع الناس، و قد شوهدت في ذلك اليوم تقاتل أشد القتال و أمها معها تعصب جراحها و كان رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) إذا حدث عن يوم أحد و ذكر أم عمارة يقول: ما التفت يمينا و لا شمالا إلا رأيتها تقاتل دوني. و حضرت حرب اليمامة فقاتلت قتال الأبطال و قطعت يدها و جرحت فانصرفت إلى المدينة تداوي جراحها، فكان أبو بكر و هو خليفة يعودها و يسأل عن حالها. الإصابة 8: 198 برقم: 1049 و 8: 262 برقم: 1420 و الأعلام 8: 19.

أصيبت يدها، و جرحت يومئذ اثني عشر جرحا من طعنة و ضربة. و كانت قد شهدت بيعة العقبة و شهدت أحدا مع زوجها زيد بن عاصم(1)

30 برقم: 2905 و انظر الإصابة 2: 321 برقم: 1579.

و ابنيها حبيب(2)و عبد الله(3)

4679.

فيما ذكر ابن اسحاق، ثم شهدت مع ابنها عبد الله اليمامة ففعلت ما ذكرناه.

و روي أنها أتت النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- فقالت: ما أرى كلّ شي‌ء إلّا للرجال و ما أرى النساء يذكرن فأنزل الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ الآية. إلى قوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً(4). و روي أن عليّ بن بكّار رئي في بلاد الروم يحمل على العدو فيطعن و يحمل فيطعن حتّى دخل عليه علج فطعنه في بطنه فخرج تربه(5)فنزل عن فرسه فأخذه بيده وردّه في بطنه و شدّه، ثم ركب و أخذ رمحه و جعل يحمل على العدو، فلم يزل يقتل حتى قتل ثلاثة عشر رجلا. و ذكر في كتاب حياة القلوب أنه طعن فخرجت مصارينه على قربوس سرجه فردّها في بطنه و شدّها بعمامته و فعل ما ذكر. و كان يقول:

نفق عندي عشرون و مئة فرس ما منها فرس إلا اشتريته بمالي.


1) زيد بن عاصم بن عمرو الأنصاري المازني شهد العقبة و بدرا و أحدا، الإصابة 3:

2) حبيب بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني، شهد العقبة و أحدا و الخندق و المشاهد. قتله مسيلمة في حروب الردة. فلما كان يوم اليمامة خرج أخوه عبد الله بن زيد و أمه و كانت نذرت ألا يصيبها غسل حتى يقتل مسيلمة و أمه أم عمارة نسيبة. الإصابة 1: 321 برقم 1579.

3) عبد الله بن زيد بن عاصم 7 ق. ه- 63 ه- 616- 683 م: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب النجاري الأنصاري. صحابي، من أهل المدينة، كان شجاعا، شهد بدرا و أحدا و غيرها و قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة. قتل في وقعة الحرة. الأعلام 4: 98 و الإصابة 4: 72 برقم:

4) سورة الأحزاب 33: 35.

5) هكذا وردت، و المقصود الأحشاء.

و روي أنه كان إذا دخل أرض الرّوم لا يضحك، فقيل له: يا أبا الحسن، ما نراك تضحك؟ فقال: إنما نغزوا غضبا لله و الغضبان لا يضحك.

و في غزوة القادسية حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشّريد(1)معها بنوها، أربعة رجال، فقالت لهم من أوّل الليل: يا بنيّ إنكم أسلمتم طائعين و هاجرتم مختارين، و الله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لبنو رجل واحد كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم و لا فضحت خالكم، و لا هجّنت حسبكم و لا غيّرت نسبكم، و قد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، و اعلموا أنّ الدار الباقية خير من الدار الفانية، و الله عزّ و جلّ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(2)فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله فاغدوا إلى قتال عدوّكم مستبصرين و على أعداء الله تعالى مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، و اضطرمت لظى على سياقها، و جللت نارا على أرواقها، فتيمموا على وطيسها و جالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم و الكرامة في دار الخلد و المقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قبولها، فلمّا كان الصبح باكروا مراكزهم و قال أوّلهم:


1) الخنساء ت 24 ه- 645 م: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السلمية، من بني سليم من قيس عيلان من مضر، أشهر شواعر الحرب، من أهل نجد، عاشت أكثر عمرها في العصر الجاهلي و أدركت الإسلام فأسلمت و وفدت على رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) مع قومها من بني سليم. و كان رسول الله يستنشدها شعرها و يعجبه، و كان لها أربعة بنين استشهدوا في حرب القادسية سنة 16 ه. الإصابة 8: 34 برقم: 200 و الأعلام 2: 86.

2) سورة آل عمران 3: 200

يا إخوتي إنّ العجوز النّاصحه‌قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه

مقالة ذات بيان واضحه‌فباكروا الحرب الضروس الكالحه

فأنتم بين حياة صالحه‌أو ميتة تورث غنما رابحه

و تقدّم فقاتل حتى قتل، ثمّ حمل الثاني و هو يقول:

إنّ العجوز ذات حزم و جلدو النظر الأوفق و الرأي السّدد

قد أمرتنا بالسداد و الرّشدنصيحة منها و برّا بالولد

فباكروا الحرب حماة في العددإمّا لفوز بارد على الكبد

أو ميتة تورثكم غنم الأبدفي جنّة الفردوس و العيش الرّغد

ثم تقدّم فقاتل حتّى قتل ثم حمل الثالث و هو يقول:

و الله لا نعصي العجوز حرفاقد أمرتنا حربا و عطفا

نصحا و برّا صادقا و لطفافبادروا الحرب الضّروس زحفا

حتّى تلفّوا آل كسرى لفّاأو تكشفوهم عن حماكم كشفا

إنّا نرى التقصير عنهم ضعفاو القتل فيهم نجدة و عرفا

ثم قاتل حتّى قتل ثمّ حمل الرابع و هو يقول:

لست للخنسا(1)و لا للأكرم

و لا لعمرو ذي السّناء الأقدم/ (م 52)

إن لم أرد في الحرب جيش الأعجم‌إمّا لفوز عاجل أو مغنم

أو لوفاة في السبيل الأكرم

ثمّ قاتل حتّى قتل رحمهم الله تعالى. فبلغ الخنساء الخبر فقالت:

الحمد لّله الذي شرّفني بقتلهم و أرجو أن يجمعني الله بهم في مستقرّ رحمته.


1) في الأصل: ليست للخنساء. و به ينكسر الوزن.

و كان عمر رضي الله عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكلّ واحد مئة درهم حتّى قبض(1).

فبهذه الأوصاف يوصف الرجال، و لمثل قصدهم تخلص الأعمال، و بكريم صفاتهم يستحقّ اسم الرجوليّة و تحمد الذكوريّة. فطوبى لمن بذل في سبيل الله قراضه و تجره، و احتسب عند من لا يضيع عنده مثقال حبة من خردل أجره، و وجّه إلى مرضات الله مقاصده و أغراضه، و جعل الجهاد في سبيله قبلته و إمامه، و صيره بداته و ختامه، و ترك التسويف و التعليل و اشترى الكثير بالقليل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ، وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(2).


1) خبر الخنساء و رجز أولادها في الإصابة: النساء برقم 353 ص 66، 67 و نقله بتمامه عمر رضا كحالة في ترجمتها في كتابه: أعلام النساء.

2) سورة التوبة 9: 111

الباب الخامس عشر في المبارزة

اشارة

في المبارزة

[أخبار المبارزة يوم بدر]

روي أنّ قول الله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ(1)إلى آخر الآية .. نزلت في الذين بارزوا يوم بدر و هم ستة من قريش ثلاثة مؤمنون: عبيدة ابن الحارث بن المطّلب(2)

5367 و السيرة النبوية 1: 330 و الأعلام 4: 198.

، و حمزة بن عبد المطّلب(3)و عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم، و ثلاثة كافرون عتبة(4)

1) سورة الحج 22/ 19 و تمامها: يصب من فوق رؤوسهم الحميم.

2) عبيدة بن الحارث 62 ق. ه- 2 ه- 562- 624 م: عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أبو الحارث، من أبطال قريش في الجاهلية و الإسلام، ولد بمكة و أسلم قبل دخول النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) دار الأرقم، و عقد له النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) ثاني لواء عقده بعد أن قدم المدينة و بعثه في ستين راكبا من المهاجرين فالتقى بالمشركين و عليهم أبو سفيان ابن حرب في موضع يقال له« ثنية المرة» و كان هذا أول قتال جرى في الإسلام ثم شهد بدرا و قتل فيها. الإصابة 4: 209 برقم:

3) حمزة بن عبد المطلب 54 ق. ه- 3 ه 556- 625 م: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم أبو عمارة من قريش، عم النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و أحد صناديد قريش و سادتهم في الجاهلية و الإسلام. ولد و نشأ بمكة، و كان أعز قريش و أشدها شكيمة. أسلم و أظهر إسلامه، و هاجر مع النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و حضر موقعة بدر و قتل في موقعة أحد و دفنه المسلمون في المدينة. الإصابة 2: 37 برقم 1822 و الأعلام 2: 278.

4) عتبة بن ربيعة 2 ه- 624 م: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد، كبير قريش و أحد ساداتها في الجاهلية كان موصوفا بالرأي و الحلم و الفضل، خطيبا نافذ القول، نشأ يتيما في حجر حرب بن أمية، و أول ما عرف عنه توسطه للصلح في حرب الفجار بين هوازن و كنانة، و قد رضي الفريقان بحكمه و انقضت الحرب على يده و كان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة و أبو طالب، فإنهما سادا بغير مال، أدرك الإسلام و طغى فشهد بدرا مع المشركين. و كان ضخم الجثة عظيم الهامة. قتل يوم بدر. السيرة النبوية 1: 457، 458 و الأعلام 4: 200.

و شيبة(1)ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة(2). و كان سبب ذلك أنّ الأسود بن عبد الأسد المخزومي(3)حلف قبل القتال بآلهتهم ليشربنّ من الحوض الذي صنعه محمد و ليهدمنّ منه، فلمّا دنا من الحوض برز إليه حمزة بن عبد المطّلب فضرب رجله فقطعها و هو دون الحوض، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض و هدم منه ليبرّ قسمه، فتبعه حمزة فقتله في الحوض فكان أوّل قتيل من المشركين. فاحتمى له المشركون فانتدب منهم الثلاثة المذكورون للمبارزة، كما يذكر بعد إن شاء الله.

[الدعوة إلى المبارزة و حكم ذلك و ذكر أخبار المبارزات]

و روى أشهب عن مالك: و سئل عن الرجل بين الصّفّين يدعو إلى المبارزة فقال: إن صحّت نيته فلا بأس، و قد فعل فيما مضى.

و قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالمبارزة و ذلك


1) شيبة بن ربيعة ت 2 ه- 624 م: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس من زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام و قتل على الوثنية، و هو أحد الذين نزلت فيهم الآية\i« كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ»\E و هم سبعة عشر رجلا من قريش، اقتسموا عقبات مكة في بدء ظهور الإسلام و جعلوا دأبهم في موسم الحج أن يصدوا الناس عن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم). و لما كانت وقعة بدر حضرها شيبة مع مشركيهم و نحر تسع ذبائح لإطعام رجالهم. و قتل في بدر. السيرة النبوية 1: 457 و ما بعدها. الأعلام 3: 181.

2) الوليد بن عتبة بن ربيعة من فرسان قريش، قتله عليّ بن أبي طالب في المبارزة يوم بدر. انظر السيرة النبوية 1: 458.

3) الأسود بن عبد الأسود المخزومي من فرسان قريش قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر. السيرة النبوية 1: 457، 531. قال ابن إسحاق: خرج الأسود بن عبد الأسود المخزومي و كان رجلا شرسا سيى‌ء الخلق فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم( أي حوض المسلمين يوم بدر) أو لأهدمنه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه و هو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو دما أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد- زعم- أن تبر يمينه، و اتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

على قدر النيّة و لا يجوز الاستبداد بها إلّا بإذن الإمام، فإن أذن جازت إجابة من دعا إليها بشرطين:

دهما: أن يكون ذا نجدة و بأس و شجاعة، علم من نفسه أنه لا يعجز عن مقارنة قرنه.

و قال مالك: إن خاف الضعف فلا يبارز، فربّ ضعيف يقتل فيهدّ (م 53) الناس و يوهنهم. و سيرد ما في عضده و معونته إن خيف عليه الغلبة.

و الشرط الثاني أن لا يكون زعيم الجيش فيؤثر في المسلمين فقده فإنّ فقد الزعيم المدبّر في الحرب يفضي إلى الهزيمة، و قد قيل: إنّ إقدام النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- على المبارزة كان قد وثق نصر الله له، و أيقن بإنجاز ما وعده به، و قد علم من ذلك ما لا ينبغي لغيره:

فممّا ورد من ذلك ما وقع ببدر حين برز عتبة بن ربيعة و ابنه الوليد و أخوه شيبة فبرز إليهم من الأنصار عوف(1)و معاذ(2)ابنا عفراء و عبد الله بن رواحة فقال القرشيّون ليبرز إلينا اكفاؤنا فما نعرفكم، فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم. برز علي بن أبي طالب إلى


1) عوف بن عفراء ت 2 ه- 624 م: عوف بن الحارث و هو عوف بن عفراء أخو معاذ و معوذ، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا، و هو الذي قال للرسول( صلّى اللّه عليه و سلم): يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟؛ قال: أن يراه قد غمس يده في القتال حاسرا. فنزع عوف درعه و تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا. انظر الإصابة 5: 42 برقم: 6087 و السيرة النبوية 1: 460( وقعة بدر) و قد قتل أخوه معوذ في بدر أيضا. السيرة 1: 466.

2) معاذ بن عفراء ت 2 ه- 624 م: هو معاذ بن الحارث بن رفاعة النجاري الأنصاري الخزرجي المعروف بابن عفراء و هي أمه، شهد العقبة و بدرا و قيل إنه جرح ببدر فمات من جراحه، عن الإصابة 6: 107 برقم: 8034.

الوليد فقتله، و برز حمزة إلى عتبة فقتله و برز عبيدة بن الحارث إلى شيبة فاختلفا ضربتين أثبت كلّ واحد منهما صاحبه فمات شيبة لوقته، و احتمل عبيدة حيّا قد ندرت(1)رجله فمات بعد بالصّفراء في طريق المدينة(2)و ذلك كلّه بمحضر النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- مع ضنّه بأصحابه و إشفاقه على قرابته.

و دعا في حرب الخندق(3)عمرو بن عبد ود(4)إلى البراز فلم يجبه أحد، ثم دعا في اليوم الثاني فلم يجبه أحد، ثم كذلك في اليوم الثالث.

فلمّا رأى الإحجام عنه و الحذر منه قال: يا محمد، ألستم تزعمون أنّ قتلاكم في الجنّة أحياء عند ربّهم يرزقون و أنّ قتلانا في النّار يعذّبون، فما يبالي أحدكم أن يقدم على كرامة من ربه أو يقدم عدوّه إلى النار و أنشأ يقول:

و لقد بححت من النداء بجمعهم هل من مبارز

و وقفت إذ حين المشججع موقف القرب المناجز

إني كذلك لم أزل‌متسرّعا نحو الهزاهز

إنّ الشجاعة في الفتى‌و الجود من خير الغرائز


1) ندرت رجله: سقطت.

2) انظر الخبر في الأحكام السلطانية: 38.

3) كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس للهجرة. أخبارها في السيرة النبوية 2: 700.

4) عمرو بن عبد ودّ ت 5 ه- 627 م: عمرو بن عبد ودّ العامري من بني لؤي من قريش، فارس قريش و شجاعها في الجاهلية أدرك الإسلام و لم يسلم، و عاش إلى أن كانت وقعة الخندق، فحضرها و قد تجاوز الثمانين، فقتله عليّ بن أبي طالب. و لم يشتهر اشتهار غيره من فرسان الجاهلية كعامر بن الطفيل و بسطام و غيرهما لأن هؤلاء كانوا أصحاب غارات و نهب و أهل بادية. الأعلام 5: 81. السيرة 2: 729.

فقام عليّ رضي الله عنه فاستأذن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فأذن له في المبارزة و قال: اخرج يا عليّ في حفظ الله و عياذه، فخرج و هو يقول:

أبشر أتاك مجيب صوتك يا بن ودّ في الهزاهز

ذو نيّة و بصيرةيرجو الغداة نجاة فائز

إنّي لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز

من طعنة نجلاء يمشي ذكرها عند الهزاهز

ثم تجاولا و ثارت عجاجة اختفتهما عن الأبصار ثمّ انجلت عنهما و عليّ رضي الله عنه يمسح سيفه بثوب عمرو و هو قتيل(1).

و منع أبو حنيفة أن يدعو المسلم إلى البراز مبتدئا، و رأى/ (م 54) ذلك بغيا.

و عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال لابنه الحسن(2): يا حسن لا تدعونّ أحدا لمبارزة، فإذا دعيت إليها فأجب، فإنّ الداعي باغ، و الباغي مصروع(3).


1) الخبر في السيرة النبوية 2: 729 و لكن بدون هذا الشعر و هو بتمامه مع الشعر في الأحكام السلطانية: 38.

2) الحسن بن علي 3- 50 ه- 624- 670 م: الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو محمد، ولد في المدينة، و أمه فاطمة الزهراء، و هو أكبر أولادها و أولهم، كان عاقلا حليما محبا للخير، فصيحا، من أحسن الناس منطقا و بديهة. دخل أصبهان غازيا مجتازا إلى غزاة جرجان و معه عبد الله بن الزبير. بايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة أربعين لكنه خلع نفسه و سلم الأمر إلى معاوية، و أقام بالمدينة إلى أن توفي.

3) عيون الأخبار 1: 128 و فيه: يا بني لا تدعونّ أحدا إلى البراز، و لا يدعونّك أحد إليه إلا أجبته فإنه بغي.

و جوّزه الشافعي و رآه إظهار قوّة في الدين و نصرة له.

و روي أنّ النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- ظاهر بين درعين يوم أحد(1)و أخذ سيفا فهزّه و قال: من يأخذ هذا بحقّه؟ فقام إليه عمر بن الخطّاب فقال: أنا أخذه بحقّه فأعرض عنه، ثم هزّه الثانية و قال: من يأخذ هذا بحقّه؟ فقام الزبير ابن العوّام و قال: أنا آخذه بحقّه، فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما. ثم هزّه الثالثة و قال: من يأخذ هذا بحقّه؟ فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: و ما حقّه يا رسول الله؟

قال: أن تضرب به في العدوّ حتّى ينحني، فأخذه منه، و أعلم بعصابته الحمراء و مشى إلى الحرب و هو يقول:

أنا الذي أخذته برقّه‌إذ قيل: من يأخذه بحقه

قبلته بعدله و صدقه‌للقادر الرحمن بين خلقه

المدرك القابض فضل رزقه‌من كان في مغربه أو شرقه

ثم جعل يتبختر بين الصّفين فقال النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- إنّها لمشية يبغضها الله تعالى إلّا في هذا الموطن، و دخل الحرب مبتدئا بالقتال و هو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي‌و نحن بالصّفح من النخيل

ألّا أزال الدهر في الكبول‌أضرب بسيف الله و الرسول(2)


1) في السيرة النبوية 2: 603 قال ابن إسحاق: و نهض رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) إلى صخرة في الجبل ليعلوها، و قد كان بدّن رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و ظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض( صلّى اللّه عليه و سلم) لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به.

2) الخبر في السيرة النبوية 2: 589، 590 على نحو مقارب. و لم يرد فيها الرجز الذي على القاف و الخبر بتمامه مع الرجز منقولا عن ابن إسحاق كتاب الأحكام السلطانية للماوردي: 40.

و قد بارز أنس بن مالك مرزبان الدارة و أخذ منطقته و سوارية، فقوّمت بثلاثين أو أربعين ألفا.

و روي أنه خرج بطريق يدعو إلى البراز يوم أجنادين(1)

البلدان للبلاذري: 133.

فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب(2)فاختلفا ضربات ثم قتله عبد الله و لم يعرض لسلبه، ثم برز آخر يدعو إلى البراز فبرز إليه أيضا عبد الله ابن الزبير فتشاوكا بالرمح ساعة ثم صارا إلى السيفين، فحمل عبد الله عبد على البطريق و هو دارع فضربه على عاتقه و هو يقول: خذها و أنا ابن عبد المطلب فأثبته و قطع سيفه الدرع في منكبه و ولّى الروميّ منهزما.

فعزم عمر رضي الله عنه على عبد الله ألّا يبارز فقال: ما أجدني و الله أصبر، فلمّا اختلطت السيوف و أخذ بعضها بعضا وجد بين عشرة من الروم قتلى و هو قتيل رحمه الله.

و روي أنّ القعقاع بن عمرو(3)بارز في حرب


1) كانت وقعة أجنادين يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة.

2) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ت 13 ه: ابن هاشم و هو ابن عم النبي( صلّى اللّه عليه و سلم)، كان ممن ثبت يوم حنين، قتل بأجنادين سنة 13 ه. قال الواقدي: و كان أول قتيل من الروم المبارز لعبد الله بن الزبير فقتله عبد الله، ثم برز آخر فقتله، ثم وجد في المعركة قتيلا و حوله عشرة من الروم قتلى. عن الإصابة 4: 68 برقم: 4672. و انظر كتاب البلدان للبلاذري: 132.

3) القعقاع بن عمرو ت 40 ه- 660 م: القعقاع بن عمرو التميمي، أحد فرسان العرب و أبطالهم في الجاهلية و الإسلام، له صحبة، شهد اليرموك و فتح دمشق و أكثر وقائع أهل العراق مع الفرس، و سكن الكوفة، و أدرك وقعة صفين فحضرها مع علي، و كان يتقلد في أوقات الزينة سيف هرقل ملك الروم و يلبس درع بهرام ملك الفرس، و هما مما أصابه من الغنائم، و كان شاعرا. الإصابة 5: 244 برقم: 7121 و الأعلام 5: 201.

القادسية(1)عظيما من عظماء الفرس و بطلا من أبطالها فاجتلدا بسيفيهما فقتله القعقاع و انكسرت الأعاجم لذلك و نادى القعقاع ثانية فخرج إليه رجلان من عظمائهم فانضمّ إلى القعقاع الحارث بن ظبيان(2)فضرب القعقاع أحدهما فأذرى رأسه و فعل ابن ظبيان مثل ذلك بالآخر. و جعل القعقاع يقول للمسلمين: باشروهم بالسيوف فإنّما يحصد الناس بها.

و لمّا تطاردت الخيل و الفرسان خرج رجل من الفرس فنادى للمبارزة فانتدب إليه عمرو بن معديكرب(3)فبارزه و اعتنقه ثمّ جلد به الأرض فذبحه ثمّ التفت إلى الناس فقال: إنّ الفارسيّ إذا فقد فرسه فإنّما هو تيس.

و في تلك الحرب خرج رجل من العجم حتّى إذا كان بين الصفّين هدر و شقشق و نادى: من يبارز؟ فخرج رجل يقال له: بشير بن علقمة(4)و كان قصيرا دميما فقال: يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرجل فلم يجبه


1) كان يوم القادسية في آخر سنة ست عشرة. البلدان للبلاذري: 299 و كان قتال القادسية يوم الخميس و الجمعة و ليلة السبت و هي ليلة الهرير، و إنما سميت ليلة صفين بها. البلدان: 302.

2) الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم اللات، كان من أبطال القادسية يوم أغواث. انظر خبره في تاريخ الطبري 3: 543.

3) عمرو بن معديكرب ت 21 ه- 642 م: عمرو بن معد يكرب بن ربيعة بن عبد الله الزبيدي، أبو ثور، فارس اليمن، وفد على المدينة سنة 9 ه في عشرة من بني زبيد فأسلم و أسلموا و عادوا. فلما توفي النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) ارتد عمرو في اليمن، ثم رجع إلى الإسلام فبعثه أبو بكر إلى الشام، فشهد اليرموك و فقد إحدى عينيه، و بعثه عمر إلى العراق فشهد القادسية، و كان عصيّ النفس أبيها فيه قسوة الجاهلية. له شعر جيد. توفي على مقربة من الري و قيل: مات عطشا يوم القادسية. الإصابة 5: 18 برقم: 5965 و الأعلام 5: 86.

4) بشير بن علقمة و ذكره ابن حبيش باسم: بشر بن علقمة في سياق سرده للخبر الوارد في كتابنا هذا. انظر غزوات ابن حبيش 2: 188.

أحد. فقال: أما و الله لو لا أن تردّوني لخرجت إليه، فلمّا رأى أنّ أحدا لم يتهيّأ لمبارزته تقدّم فلّما رآه الفارسيّ هدر و نزل إليه فاحتمله و جلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه و مقود فرسه مشدود بمنطقته، فلمّا سلّ السيف حاص الفرس حيصة شديدة فجبذ المقود فقلبه عنه فقام بشير فافترسه فجعل أصحابه يصيحون، فقال: صيحوا ما بدا لكم فو الله لا أتركه حتّى أقتله و أسلبه، فذبحه و أخذ سلبه، فنفّله سعد(1)جميع السّلب فباعه باثني عشر ألف درهم.

و إذا بارز مسلم كافرا فهل يعان إن ضعف أم لا؟

روي في ذلك عن سحنون قولان:

•

المنع لأن العهد أن لا يقاتله إلا واحد.

•

و الجواز كما لو أسر لوجب تخليصه.

و قال أشهب: و أمّا لو كانوا جماعة ثلاثة أو أربعة أو أكثر، خرجوا مبارزة لمثلهم لجاز معونة بعضهم لبعض على كل حال مثل أن يفرغ أحد من قرنه ثمّ يعين صاحبه كما فعل حمزة و عليّ و عبيدة يوم بدر حين قطع شيبة رجل عبيدة، فكرّ حمزة و عليّ على شيبة فقتلاه و استنقذا صاحبهما(2).

[حكم مبارزة الرجل أبيه]

قال سحنون: كره مالك و غيره من أصحابنا أن يبارز الرجل أباه الكافر و أن ينتدبه أو يقتله، قال سحنون: إلّا أن يضطرّ و يخافه على


1) أي سعد بن أبي وقاص.

2) السيرة النبوية 1: 458

نفسه فله ذلك. و قد قيل: إنّ الجدّ للأب أو للأم كالأب، و ليس كذلك عندنا، و قد تنازع الناس في الأب فكيف غيره(1)

قال السرخسي: لقوله تعالى:\i« وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً»\E( لقمان 31/ 15) فالمراد الأبوان إذا كانا مشركين بدليل قوله تعالى:\i« وَ إِنْ جاهَداكَ»\E( لقمان 31/ 15) و ليس من المصاحبة بالمعروف البداية بالقتل، و أما إذا اضطره إلى ذلك فهو يدفع عن نفسه، و هو مأمور بالبداية بنفسه في الإحسان إليها و دفع شر القتل عنها أبلغ جهات الإحسان. ثم الأب كان سببا لإيجاد الولد، فلا يجوز للولد أن يجعل نفسه سبب إعدامه بالقصد إلى قتله، إلا أن يضطره إلى ذلك، فحينئذ يكون الأب هو المكتسب لذلك السبب بمنزلة الجاني على نفسه، على ما هو الأصل أن الملجأ بمنزلة الآلة للملجى‌ء، و لهذا لا يحبس الأب بدين الولد و يحبس بنفقته لأنه إذا منع نفقته فقد قصد إتلافه. ثم استدل محمد رحمه الله في الكتاب بما روي: أن حنظلة بن أبي عامر و عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول رضي الله عنهما استأذنا رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في قتل أبويهما فنهاهما عن ذلك و عن عمير بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، إني لقيت أبي في العدو، فسمعت منه مقالة لك سيئة فقتلته. فسكت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم). و في هذا دليل على أنه لا يستوجب بقتله شيئا إذا قتله لأن النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) لم يأمره بشي‌ء. و السكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة إليه لا يجوز. و أول الوجوه أن لا يقصده بالقتل، و لا يمكنه من الجوع إذا تمكن معه في الصف، و لكنه يلجئه إلى موضع و يستمسك به حتى يجى‌ء غيره فيقتله. انظر شرح السير الكبير 1: 106، 107.

.

و أتى أبو عبيدة برأس أبيه إلى رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و قد نزلت لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ(2)

و لما كان أبو عبيدة ببدر يوم الوقعة جعل أبوه يتصدى له، و جعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر أبوه قصده قتله أبو عبيدة فأنزل الله تعالى:\i« لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ\E- - \i مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ..»\E و كان الواقدي ينكر هذا و يقول: توفي أبو أبي عبيدة قبل الإسلام. و قد رد بعض أهل العلم قول الواقدي.

.

1) قال محمد بن الحسن في السير الكبير: و لا بأس بأن يقتل الرجل من المسلمين كل ذي رحم محرم منه من المشركين يبتدى‌ء به إلا الوالد خاصة، فإنه يكره له أن يبتدى‌ء والده بذلك، و كذلك جده من قبل أبيه أو من قبل أمه و إن بعد إلا أن يضطره إلى ذلك.

2) المجادلة 58/ 22 و تمام الآية: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه، و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون» أما ما يتعلق بأبي عبيدة فقد جاء في أسد الغابة 3: 128 برقم: 2705:

و روي أنّ أبا حذيفة بن عتبة(1)بن عبد شمس و كان من فضلاء الصحابة شرفا و سابقة و هجرة دعاه أبوه يوم بدر إلى المبارزة و فيه تقول أخته:

فما شكرت أبا ربّاك في صغرحتى شببت شبابا غير معجوب

قال مالك: و لا بأس بقتل الرجل ذوي رحمه من الكفّار مبارزة و غيرها.

و روي أنّ محيصة بن مسعود(2)

انظر السيرة 2: 581 و الإصابة 6: 68 برقم: 7819.

قتل رجلا من اليهود بأمر النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- و كان أخوه حويّصة أسنّ منه و لم يكن أسلم، فجعل يضرب محيصة و يقول له: أي عدوّ الله، قتلته؟!! أما و الله لربّ شحم في بطنك من ماله!!

فقال/ (م 56) له محيصة: أما و الله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك.

قال: لو أمرك بقتلي لقتلتني؟!

قال: نعم، و الله لو أمرني بقتلك لضربت عنقك.


1) أبو حذيفة بن عتبة 42 ق. ه- 12 ه- 578- 633 م: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، صحابي هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة و شهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلها و قتل يوم اليمامة. و هو خال معاوية بن أبي سفيان. الإصابة 7: 42 برقم: 263 و الأعلام 2: 171.

2) محيصة بن مسعود الأنصاري. قال ابن هشام: محيّصة و يقال محيصة ورد خبر له في السيرة فحواه أنه قتل يهوديا بأمر الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) فجرى له على يد أخيه ما هو مذكور هنا.

قال حويّصة(1): و الله إنّ دينا بلغ بك هذا لعجب. فأسلم حويصة لذلك فقال محيصة:

يلوم ابن أمّي لو أمرت بقتله‌لطبّقت ذفراه بأبيض قاضب

حسام كلون الملح أخلص صقله‌متى ما أصوّبه فليس بكاذب

و ما سرّني أني قتلتك طائعاو أنّ لنا ما بين بصرى و مأرب(2)


1) حويّصة بن مسعود: أنصاريّ، شهد أحدا و الخندق و سائر المشاهد، انظر السيرة النبوية 2: 581 و 814 و الإصابة 2: 48 برقم 1877.

2) الخبر مع الشعر في السيرة النبوية 2: 581، 582.

الباب السادس عشر في الشجاعة و الإقدام‌

اشارة

في الشجاعة و الإقدام‌

[شجاعة رسول صلّى اللّه عليه و سلم]

كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- أشجع الناس، و كان يتعوّذ بالله من الجبن(1).

قال بعض العلماء: جسم الحرب الشّجاعة(2).

و قالت الحكماء: أصل الخير كلّه في ثبات القلب(3).

فالشجاعة هي أمّ الخصال الشريفة، و من فقدها لم تكمل فيه خصاله.

قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق(4).

و كان عليه السلام من الشجاعة و النجدة بالمكان الذي لا يجهل، حضر


1) كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يتعوذ من خمس: من الجبن و البخل و سوء العمر و فتنة الصدر و عذاب القبر. ذكره السيوطي في فيض القدير 9: 4843 برقم 6972 و قال محققه: أخرجه أبو داود في سننه 2: 1539 و النسائي في سننه 8: 5458 و ابن ماجة في سننه 2: 3844 عن عمر و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع 4533. أما قوله: سوء العمر فهو عدم البركة فيه بقوة الطاعة و الإخلال بالواجبات. و أما فتنة الصدر فهي ما ينطوي عليه الصدر من نحو حسد و غل و عقيدة زائفة.

2) سراج الملوك 2: 689

3) في سراج الملوك 2: 667: قالت الحكماء: أصل الخيرات كلها في ثبات القلب، و منه تستمدّ جميع الفضائل، و هو الثبوت و القوة على ما يوجبه العدل و العلم.

4) الحديث في شرح السير الكبير 1: 97 و جاء في فيض القدير 4: 2206 برقم 2584: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق. قال محققه: أخرجه أحمد 2: 381 و ابن سعد 1: 151 و البخاريّ في الأدب المفرد 273 و الحاكم في مستدركه 2: 613 قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم و وافقه الذهبي. و ذكره البيهقي في شعب الإيمان 6: 7978 عن أبي هريرة. و صححه الألباني في صحيح الجامع 1: 2349.

المواقف الصعبة و الحروب الكبار فثبت إذ فرّ الكماة، و أقبل إذ أدبر الأبطال الحماة، كل شجاع سواه قد أحصيت له فرّة(1). و كلّ نجدة غيره قد حفظت عنه جولة، و حضر- صلّى اللّه عليه و سلم- قبل النبوّة حرب الفجار(2)و هو ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة فيما ذكر(3).

و روي أنّه- صلّى اللّه عليه و سلم- قال في ذلك: كنت أنبل على عمومتي إذ(4)أردّ عليهم نبل عدوّهم إذا رموهم بها(5).

قال ابن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أشجع و لا أنجد و لا أجود و لا أرضى من رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-(6).

و قال عليّ رضي الله عنه: إنّا كنّا إذا حمي النّاس و احمرّت الحدق اتّقينا برسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فما يكون واحد أقرب إلى العدوّ منه، و لقد رأيتني يوم بدر و نحن نلوذ بالنبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- و هو أقربنا إلى العدوّ، و كان من أشدّ الناس يومئذ بأسا.

و قيل: كان الشجاع هو الذي يقرب منه- صلّى اللّه عليه و سلم- إذا دنا العدوّ لقربه منه.


1) انظر أخبار فرار بعض الشجعان العقد 1: 138 و ما بعدها.

2) انظر في حرب الفجار: السيرة النبوية 1: 124 و العقد الفريد 5: 251 و ما بعدها.

3) انظر السيرة النبوية 1: 124 و العقد 1: 253 و قد كانت حرب الفجار قبل مبعث النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- بست و عشرين سنة. و قد شهدها النبيّ- صلى الله عليه و سلم- و هو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه. عن العقد.

4) في السيرة: أي أردّ ...

5) السيرة النبوية 1: 124، 125.

6) سنن الدارمي: المقدمة: الحديث برقم 59 قال ابن عمر: ما رأيت أحدا أنجد و لا أجود و لا أشجع و لا أضوأ و أوضأ من رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم).

و قال أنس(1)

مولده بالمدينة و أسلم صغيرا و خدم النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أن قبض، ثم رحل إلى دمشق و منها إلى البصرة فمات فيها و هو آخر من مات بالبصرة من الصحابة. عن الأعلام 2: 24.

: كان النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس، و أجود الناس و أشجع الناس. لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلقنا من قبل الصوت فتلقّاهم رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- راجعا قد سبقهم إلى الصوت و استبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عري و السيف في عنقه و هو يقول: لن تراعوا لن تراعوا(2)

فرس أبي طلحة.

.

و سأل رجل البراء(3)

ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم ففعلوا فأدركوه و قد قتل عشرة منهم. كان على ميمنة أبي موسى الأشعري يوم فتح تستر فاستشهد على بابها الشرقي و قبره فيها و هو أخو أنس بن مالك. الأعلام 2: 47.

: أفررتم يوم حنين عن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-

قال: لا، كرّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- لم يفرّ، ثم قال: لقد رأيته- صلّى اللّه عليه و سلم/ (م 57) على بغلته البيضاء و أبو سفيان أخذ بلجامها و النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- يقول:

أنا النبيّ لا كذب‌أنا ابن عبد المطّلب


1) أنس بن مالك 10 ق. ه- 93 ه- 612- 712 أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجّاري الخزرجي الأنصاري، أبو ثمامة، أو أبو حمزة صاحب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و خادمه.

2) في كتاب الخيل لأبي عبيدة 115 ... عن أنس بن مالك قال: كان فزع بالمدينة فركب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) فرسا كان لأبي طلحة فلما رجع- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: لم نر شيئا غير أنا وجدناه بحرا أي:

3) البراء بن مالك- ت 20 ه- 641 م: ابن النضر بن ضمضم النجّاري الخزرجي، صحابي، من أشجع الناس، شهد أحدا و ما بعدها مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و كتب عمر إلى عماله: لا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة يقدم بهم. و كان في مظهره ضعيفا، قتل مئة شخص مبارزة عدا من قتل في المعارك. نقل ابن الجوزي أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك على ترس و قال:

قيل: فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.

و عن العباس(1)رضي الله عنه قال: لمّا التقى المسلمون و الكفّار و ولّى المسلمون مدبرين فطفق النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- يركض بغلته نحو الكفّار و أنا أخذ بلجامها أكفّها إرادة أن لا تصرع، و أبو سفيان أخذ بركابه ثم نادى: يا المسلمون.

قيل: و كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- إذا غضب- و لا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شي‌ء.

و لمّا رآه أبيّ بن خلف(2)

و كان يهدد الرسوله( صلّى اللّه عليه و سلم) و حاول قتل الرسول ه( صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد فقتله الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) بيده ذلك اليوم. السيرة النبوية 2: 602 و 601 و 636.

يوم أحد و هو يقول: أين محمد- لا نجوت إن نجا- و قد كان يقول للنبي- صلّى اللّه عليه و سلم- حين افتدي يوم بدر: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا(3)من ذرة أقتلك عليها. فقال له النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- أنا أقتلك إن شاء الله. فلمّا رآه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- فاعترضه رجال من المسلمين. فقال النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- هاكذا- أي

1) العباس بن عبد المطلب 51 ق. ه- 32 ه- 573- 653 م: ابن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، من أكابر قريش في الجاهلية و الإسلام، و جدّ الخلفاء العباسيين و هو عمّ الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم)، كان محبا لقومه سديد الرأي واسع العقل، مولعا بإعتاق العبيد، و كانت له سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام( و هي أن لا يدع أحدا يسبّ أحدا في المسجد و لا يقول فيه هجرا) أسلم بمكة و كتم إسلامه و أقام بمكة يكتب لرسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) أخبار المشركين ثم هاجر إلى المدينة و شهد وقعة حنين و فتح مكة. توفي بالمدينة الإصابة 4: 30 برقم 4498 و الأعلام 3: 262. و الأخبار المشار إليها هي في غزوة حنين.

2) أبيّ بن خلف ت 3 ه- 625 م: أبيّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان يحارب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و يتعرّض له و يمنع الناس من مجالسته. و كان من سادة قريش.

3) الفرق: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة أصع أو ستة عشر رطلا عن حواشي السيرة 2: 602.

خلّوا عن طريقه- و تناول الحربة من الحارث بن الصمّة(1)فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير(2)الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ(3)منها عن فرسه مرارا. و قيل بل كسر ضلعا من أضلاعه، فولّى نحو قريش و هو يقول:

قتلني محمد. ثم احتقنت طعنته فمات لعنه الله(4).

قال عمران بن حصين(5)

الإصابة 5: 26 برقم 6005 و الأعلام 5: 70.

: ما لقي رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- كتيبة إلا كان أوّل من يضرب. قال مالك بن عوف النّصري حين أسلم:

ما إن رأيت و لا سمعت بمثله‌في الناس كلّهم بمثل محمّد

أوفى و أعطى للجزيل إذا اجتدي‌و متى تشأ يخبرك عمّا في غد

و إذا الكتيبة عرّدت أنيابهابالسمهريّ و ضرب كلّ مهنّد

فكأنّه ليث على أشباله‌وسط الهباءة خادر في مرصد(6)

و الهباءة: الغبار الذي يثور عند اشتداد الحرب.

و اعلم أنّ الشجاعة هي اعتقاد القوّة على دفع المعترض بحسب


1) الحارث بن الصّمة ت 2 ه- 624 م: الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك من بني عمرو ابن مالك بن النجار، و هو من أهل بدر، كسر بالروحاء فردّه النبيّ( صلّى اللّه عليه و سلم) و ضرب له بسهمه ثلاثة نفر. الإصابة 1: 294 برقم 1423 و السيرة النبوية 1: 523.

2) في السيرة النبوية 2: 602: تطايرنا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها.

3) تدأدأ: تقلّب عن فرسه فجعل يتدحرج. السيرة 2: 602.

4) انظر الخبر في السيرة النبوية 2: 601، 602.

5) عمران بن حصين ت 52 ه- 672 م: عمران بن حصين بن عبيد أبو نجيد الخزاعي، من علماء الصحابة، أسلم عام خيبر سنة 7 ه و كانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة، و بعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم و ولاه زياد قضاءها و توفي بها و هو ممن اعتزل حرب صفين.

6) الخبر مع الشعر في السيرة النبوية 2: 927، 928 و السمهريّ: الرمح، و المهنّد: السيف.

الإمكان، و صورتها تظهر بالمغالبة و الصبر و لذلك قال الأحنف(1)

تهذيب التهذيب 1: 191 و الأعلام 1: 276.

و قد سئل عنها فقال: صبر ساعة(2)و سئل أبو جهل عنها فقال: الصبر على حدّ السيوف فواق ناقة(3)- و ذلك ما بين الحلبتين من مهلة-.

قال بعضهم: الشجاعة هي فضيلة قوة الغضب، و يعني بالفضيلة الاعتدال و هو استعمال تلك الصورة حيث ينبغي، و استعمالها حيث لا ينبغي هو طرف الجور و التهوّر حتّى إنه ربّما ألقى بيده إلى التهلكة.

و طرف التقصير و الذلّ هو الجبن و معناه الخوف من غلبة المعترض و الإلقاء بيد الذلّ مع إمكان الغلب، و ذلك أنّ تلك الصورة إمّا أن تكون طرفا أو واسطة و الطرف مذموم. و هو أحد شيئين: إمّا إفراط/ (م 58) و جور و إمّا تقصير و ذلّ. و الواسطة هي صورة الخير و خير الأمور أوسطها. فإذا صحّ هذا فإنّما يحمد الفعل إذا صدر عن الرأي فيسمّى حينئذ حزما و معناه فعل ما ينبغي كما قال أبو الطيب المتنبي(4):


1) الأحنف بن قيس 3 ق. ه- 72 ه- 619- 691 م: الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المرّي السعدي المنقري التميمي أبو بحر، سيد تميم و أحد العظماء الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين، يضرب به المثل في الحلم ولد في البصرة و أدرك النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و لم يره و وفد إلى عمر حين آلت الخلافة إليه في المدينة فاستبقاه عمر و مكث عاما و أذن له فعاد إلى البصرة و شهد الفتوح في خراسان، و اعتزل الفتنة يوم الجمل و شهد صفين مع علي ثم وفد على معاوية و ولي خراسان و كان صديقا لمصعب بن الزبير فوفد عليه بالكوفة و توفي عنده.

2) سراج الملوك 2: 667.

3) سراج الملوك 2: 667.

4) المتنبي 303- 354 ه- 915- 965 م: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم، له الأمثال السائرة و الحكم البالغة، ولد في الكوفة و نشأ بالشام و تنقّل في البادية. و سجنه لؤلؤ أمير حمص لادّعائه النبوة، حتى- - تاب ثم خرج و اتصل بسيف الدولة سنة 337 ه- فمدحه ثم مضى إلى مصر فمدح كافورا الإخشيدي ثم هجاه ثم اتجه إلى العراق و فارس و قتل في طريق عودته من شيراز بعد أن مدح عضد الدولة. عن الأعلام 1: 115.

الرأي قبل شجاعة الشجعان‌هو أوّل و هي المحلّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةبلغت من العلياء كلّ مكان

و لربّما طعن الفتى أقرانه‌بالرأي قبل تطاعن الأقران

لو لا العقول لكان أدنى ضيغم‌أدنى إلى شرف من الإنسان

و لما تفاضلت الرجال و دبّرت‌أيدي الكماة عوالي المرّان(1)

قال عليّ رضي الله عنه: رأي الشيخ خير من جلد الغلام(2).

و قالوا: الحذر زمام الشجاعة و التهوّر عدوّ الشدة

ذكر أبو الفرج قدامة(3)

الخراج و نقد الشعر و جواهر الألفاظ و كلها مطبوعة. عن الأعلام 5: 191.

أنّ عناصر الفضائل الإنسانية أربعة: العقل و العفّة و العدل و الشجاعة و جعل من أقسام الشجاعة: الحماية و الدفاع و الأخذ بالثأر و النّكاية في العدوّ و المهابة و قتل الأقران و السير في المهامه و القفار(4)و ركوب الأخطار و تقحّم الأهوال، فالشجاعة هي أحد العناصر الأربعة من الفضائل الإنسانية، و هي في المرتبة العليا منها لما تدلّ عليه من كمال الذكوريّة و ما تقتضيه من الهيبة و حماية الحوزة و الظّفر بالعزّ.

1) ديوان المتنبي: العرف الطيب 2: 251، 252 و الأبيات مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة.

2) العقد الفريد 1: 62 و فيه: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام و انظر نهاية الأرب 6: 75.

3) أبو الفرج قدامة ت 337 ه- 948 م: قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي، أبو الفرج، كاتب من البلغاء الفصحاء المتقدّمين في علم المنطق و الفلسفة، كان في أيام المكتفي بالله العباسي و أسلم على يديه و توفي ببغداد، يضرب به المثل في البلاغة. له كتب منها:

4) انظر كلام قدامة الذي ينتهي عند كلمة القفار في نقد الشعر 67، 68.

أو ليس من أعظم فضائلها أنّ الممالك العظيمة و الدّول الكبار التي يضطرّ الخلق إلى وجودها إنّما تقوم و تثبت بأصحاب تلك الصّفة. و هذا دين الإسلام المؤيّد بنصر الله الذي غلب على الممالك جميعا و بلغ من أقصى الشرق إلى نهاية الغرب، هل ذلك ممّا قام بغير الشّجاعة و العزّة و الفتوّة.

كتب أنو شروان(1)إلى مرازبته: عليكم بأهل الشجاعة و السخاء فإنّهم أهل حسن الظنّ بالله(2).

قال بعضهم: الشّجعان عند اللقاء ثلاثة(3):

(فالأول)- رجل إذا التقى الجمعان و تقارب الزّحفان و اكتحلت الأحداق بالأحداق برز من الصفّ إلى وسط المعترك يحمل و يكرّ و ينادي:

هل من مبارز فهو أشرفهم(4).

و الثاني- إذا ناشب القوم الحرب و صاروا حرجة مختلطين لا يدري أحد من أين يأتيه الموت، فيكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللبّ، لم يخامره الدهش و لا خالطته الحيرة، فيتقلّب تقلّب القائم على نفسه المالك لأمره، و هذا أحزمهم(5)

و عبارة« و هذا أحزمهم» ليست في سراج الملوك.

.

و الثالث- إذا انهزم أصحابه لزم السّاقة و ضرب في وجه العدوّ


1) أنوشروان هو كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان. انظر نهاية الأرب 15: 215 و ما بعدها.

2) الخبر في العقد 1: 100.

3) النقل من سراج الملوك 2: 671 و فيه: و اعلم أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه:

4) عبارة« فهو أشرفهم» ليست في سراج الملوك.

5) عبارة سراج الملوك: و الثاني: إذا التحم القوم و اختلطوا، و لم يدر أحد من أين يأتيه الموت ...

و حال بينه و بين أصحابه و رجّى الضّعفاء و قوّى قلوبهم، و أمدّهم بالكلام الجميل، و شجّع نفوسهم، فمن وقع أقامه، و من وقف حمله، و من كردس(1)عن فرسه كشف عنه حتّى ييأس العدوّ منه و هذا أحمدهم.

و عن هذا قالوا: المقاتل وراء الفارّين كالمستغفر/ (م 59) من وراء الغافلين(2).

[شجاعة مسلمة بن عبد الملك]

قال هشام بن عبد الملك(3)

كان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه. عن الأعلام.

لأخيه مسلمة بن عبد الملك(4): أبا سعيد، هل دخلك ذعر قطّ لحرب أو عدوّ؟

قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، و لم يغشني ذعر فيسلبني رأيي.

قال هشام" صدقت هذه و الله الشّجاعة(5).


1) كردس: هنا بمعنى وقع و هي في المعجم بمعنى كردس القائد الخيل أو الجيش أي جعله كراديس.

2) و بعد ذلك: و من أكرم الكرم الدفاع عن الحرم. سراج الملوك 2: 671 و قد نقل عنه بتصرف.

3) هشام بن عبد الملك 71- 125 ه- 690- 743 م: هشام بن عبد الملك بن مروان من ملوك الدولة الأموية بالشام، ولد في دمشق و بويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 ه. و خرج عليه زيد بن علي بن الحسين سنة 120 ه بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة، فوجّه إليه من قتله و فلّ جمعه، و نشبت في أيامه حرب هائلة مع خاقان الترك في ماوراء النهر انتهت بمقتله و استيلاء العرب على بعض بلاده اجتمع في خزانته من المال مالم يجتمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية في الشام. و بنى الرصافة قرب الرقة، و كان يسكنها في الصيف و توفي فيها.

4) مسلمة بن عبد الملك ت 120 ه- 738 م: مسلمة بن عبد الملك بن مروان، أمير قائد من أبطال عصره، من بني أمية في دمشق، يلقب بالجرادة الصفراء، له فتوحات مشهورة. سار في مئة و عشرين ألفا لغزو القسطنطينية في دولة أخيه سليمان. و ولاه أخوه يزيد إمرة العراقين ثم أرمينية. و غزا الترك و السند سنة 109 و مات بالشام. الأعلام 7: 224.

5) انظر الخبر في عيون الأخبار 1: 172 و العقد الفريد 1: 104

و قال عمرو بن معد يكرب:

الفزعات ثلاث، فمن كانت فزعته في رجليه فذلك الذي لا تقلّه رجلاه.

و من كانت فزعته في رأسه فذلك الذي يفرّ عن أبويه، و من كانت فزعته في قلبه فذلك الذي يقاتل(1).

و الأخلاق الطبيعية هي التي تصحب الإنسان في كافّة أموره، و هي عسيرة الانتقال أو ممتنعته، و ذلك لأنّها من مقتضى تركيب الجسم و كيفية المزاج، فإنّ الحكمة التي لا تفاوت فيها قضيت بمناسبة الحامل لمحموله و إتباع العرض لجوهره. فأمّا الأخلاق المتصنّعة و العرضيّة فلا اعتبار بها، فقد نجد الجبان ربّما شجع و البخيل ربّما سخا.، هؤلاء ليسوا في مثل هذا جارين على ما توجبه طبائعهم و تقتضيه كيفيّة أمزجتهم، لكن الأمور حادثة إذا قدّر عدمها بطل ذلك التصنّع، و النفس أقوى شي‌ء إذا وجدت سبيل الحيلة، و هي أضعف شي‌ء إذا يئست من الحيلة.

[الأمور المشجعة]

فمن الأمور المشجّعة توهّم الخلاص قريبا، و توهّم الأمر المخوف إمّا مفقودا و إمّا بعيدا. و منها أن يتوهّم العدة التي يلقى بها الأمر المخوف قريبة منه، و منها أن يتخيّل أنّ له أعوانا كثيرة أو قوما يمنعونه أن ينال بشرّ، و منها أن يكون قد أشرف على الأمر العظيم مرارا كثيرة و تخلّص منه فإنّ هذا يكسبه شجاعة التجربة.

قال خالد بن الوليد عند موته- رحمة الله تعالى عليه- لقد لقيت


1) الخبر في العقد 1: 138.

كذا و كذا زحفا و ما في جسدي موضع شبر إلا و فيه ضربة أو طعنة أو رمية ثمّ ها أنذا أموت حتف أنفي(1)، فلا نامت أعين الجبناء(2).

قال قطريّ بن الفجاءة(3)

اختلف في مقتله. عن الأعلام 5/ 200 و قد جمع الدكتور إحسان عباس شعر قطريّ ضمن كتاب« شعر الخوارج» و الأبيات في الكتاب المذكور ص 112 برقم 109 و في الحماسة بشرح المرزوقي 1/ 136 برقم 20

:

لا يركنن أحد إلى الإحجام‌يوم الوغى متخوّفا لحمام

فلقد أراني للرماح دريئةمن عن يميني تارة و أمامي

حتّى خضبت بما تحدّر من دمي‌أحناء سرجي بل عنان لجامي

ثمّ انصرفت و قد أصبت و لم أصب‌جذع البصيرة قارح الإقدام(4)

الشاب الحدث و القارح: هو الذي انتهى سنه و معنى البيت كما فسّره أبو العلاء المعري أنه قد كان لم يزل شجاعا فإقدامه قارح و بصيرته محدثة لأنه كان فيما سلف لا يرى رأي الخوارج ثم تبصّر في آخر أمره فعلم أنهم على الحق. عن محقق شعر الخوارج و في شعر الخوارج بيتان بعد هذه الأبيات و هي في الحماسة أربعة أبيات.

و كذلك عدم التجربة أيضا مشجع للجهل بما في ذلك الأمر من


1) في العقد 1: 139: أموت حتف أنفي كما يموت العير.

2) الخبر في العقد 1: 139 و في عيون الأخبار 1: 165.

3) قطري بن الفجاءة ت( 78 ه- 697 م): قطري( أبو نعامة) ابن الفجاءة و اسمه« جعونة» ابن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي من رؤساء الأزارقة( من الخوارج) و أبطالهم، من أهل( قطر) كان خطيبا فارسا شاعرا استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير( ت 71 ه) لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله. و بقي قطريّ ثلاث عشرة سنة يقاتل و يسلّم عليه بالخلافة و إمارة المؤمنين، و الحجّاج يسيّر إليه جيشا بعد جيش و هو يردّهم و يظهر عليه، و كانت كنيته في الحرب أبا نعامة( و نعامة فرسه) و في السلم أبا محمد. كان فصيحا مفوّها سيدا عزيزا.

4) الأبيات في شعر الخوارج 112 برقم 109 و معنى قوله: لا يركنن أي لا يميلن و الإحجام النكوص. و الدريئة هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن. و أحناء السرج: نواحيه و الجذع:

المخاطر، و مثال ذلك ما يعرض للذين يركبون البحر عند ارتجاجه و هوله، فإنّ الذين لم يجرّبوا أهوال البحر يكونون شجعانا لجهلهم بالعواقب، و الذين لهم تجربة به يكونون أيضا شجعانا لما اتّفق لهم من السلامة قبل ذلك.

قال عليّ رضوان الله عنه: من فكر في العواقب لم يشجع(1). فإذا كان ترك التفكّر فيها مشجّعا فالجهل بها أحرى، قال ابن علّفة(2)

أنه كان أصاب دما فهدم بلال داره. و اشتقاق« ناشب» من قولهم: رجل ناشب: أي ذو نشب.

عن حاشية الحماسة بشرح المرزوقي 1: 67.

(م 60):

إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه‌و أعرض عن ذكر الحوادث جانبا

و لم يستشر في رأيه غير نفسه‌و لم يرض إلا قائم السيف صاحبا(3)

سأغسل عني العار بالسيف جالباعليّ قضاء الله ما كان جالبا

انظر الأبيات مع شرحها في شرح المرزوقي للحماسة 1: 67 برقم 10 كذلك ذكرها ابن قتيبة في عيون الأخبار 1: 187. 188.

و مما يشجع أن يعتقد الإنسان أنّه أفضل من الذي يغالبه، و الغضب أيضا مما يشجّع، و ممّا يحرك الغضب أن يكون مظلوما غير ظالم فإنّ المظلوم يشجّعه الغضب و ثقته بأنّ الله ينصر المظلومين، و كذلك أيضا يحرّك الغضب بذكر الضغائن و الأحقاد.


1) قول عليّ في العقد 1: 97.

2) هذه الأبيات لسعد بن ناشب بن مازن بن عمرو بن تميم و هو شاعر إسلامي كان من شياطين العرب، و هو صاحب يوم الوقيط في الإسلام بين تميم و بكر بن وائل( انظر العقد 5: 182) و انظر خزانة الأدب 3: 444 و سمط اللالئ: 792 و الشعر و الشعراء 677 و في شرح التبريزي:

3) البيتان هما الثامن و التاسع من الحماسية العاشرة التي ذكرها أبو تمام برقم( 10) و هي تسعة أبيات أولها:

كان أبو مسلم(1)

كان أبو مسلم فصيحا بالعربية و الفارسية مقداما داهية حازما راوية للشعر قصير القامة أسمر اللون رقيق البشرة، حلو المنظر، طويل الظهر قصير الساق، لم ير ضاحكا و لا عبوسا، خافض الصوت في حديثه قاسي القلب. عن الأعلام 3: 337.

صاحب الدولة العباسية يقول لقوّاده: أشعروا قلوبكم الجرأة فإنّها من أسباب الظّفر، و أكثروا ذكر الضغائن فإنّها تبعث على الإقدام، و الزموا الطاعة فإنّها حصن المحارب، و إذا عرض لكم أمران أحدهما أقرب إلى الموت فآثروه(2).

و مما يشجّع قول العرب: الشجاع موقّى و الجبان ملقّى(3)، قالوا- و اعتبر ذلك- فإنّ من يقتل مدبرا أكثر ممن يقتل مقبلا. و لذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لخالد بن الوليد: احرص على الموت توهب لك الحياة(4)قال الحصين بن الحمام(5)

الأعلام 2: 262. سمط اللالئ 226 خزانة الأدب 2/ 9.

:

1) أبو مسلم( 100- 137 ه- 718- 755 م): أبو مسلم الخراساني، عبد الرحمن بن مسلم، مؤسس الدولة العباسية، و أحد كبار القادة، ولد في( ماه البصرة) مما يلي أصبهان، اتّصل بإبراهيم الإمام( من بني العباسي) فأرسله إلى خراسان داعية فاستمال أهلها و استولى على نيسابور فخطب باسم السفاح العباسي و شارك في هزيمة مروان بن محمد، و ارتفع شأن أبي مسلم و بلغ منزلة عالية فقتله أبو جعفر المنصور.

2) النص إلى هنا في عيون الأخبار 1: 134.

3) في مجمع الأمثال: الشجاع موقى 2: 161 برقم 1949 قال: و ذلك أنّه قلّ من يرغب في مبارزته- أي مبارزة الشجاع- خوفا على نفسه، و هذا كما يقال: احرص على الموت توهب لك الحياة. و انظر شرح الحماسة للمرزوقي 1: 197.

4) عيون الأخبار 1: 126.

5) الحصين بن الحمام ت نحو( 10 ق. ه- 612 م): ابن ربيعة المرّي الذبياني أبو يزيد، شاعر فارس جاهلي، كان سيد بني سهم بن مرّة( من ذبيان) و يلقب« مانع الضيم» في شعره حكمة، و هو ممن نبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية. مات قبل ظهور الإسلام. و قيل: أدرك الإسلام.

تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدّما

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناو لكن على أقدامنا يقطر الدما(1)

نفلّق هاما من رجال أعزّةعلينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

و الأبيات في الحماسية بشرح المرزوقي 1: 197 برقم 41.

و كذلك يشجع طلب التخلّص إذا انقطعت الآمال، فمن أمثالهم في ذلك: مكره أخوك لا بطل(2)

و قد أورد مؤلف تحفة الأنفس القصة موجزة.

. و أصله أنّ بيهسا الفزاريّ الملقّب بنعامة حين قتل إخوته طلب بثأرهم، و كان له خال يكنى أبا حشر، فقال له بيهس: اخرج بنا إلى موضع كذا، و كتمه ما يريد به، ثم مضى به إلى الذين يطلبهم، فهجم به عليهم فجأة ثم قال: ايه أبا حشر، ضربا أبا حشر فلمّا رأى أبو حشر أنّه قد نزلت به البليّة جعل يذبّ عن نفسه و يقاتلهم بجهده. فقال الناس: ما أشجعه حين قدم على هؤلاء.

فعندها قال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل، أي ليس هذه الشجاعة مني و لكن حملت عليها.

و مّما يشجّع أيضا اعتقاد التمدّح و التشرّف بالموت في القتال كما قال عبد الله بن الزبير بن العوّام: إنّا و الله لا نموت حتفا و لكن قعصا بأطراف الرماح و موتا تحت ظلال السيوف(3).


1) البيتان من حماسية وردت في ثلاثة أبيات، و ثالثها:

2) ورد هذا المثل في مجمع الأمثال للميداني 3: 341 برقم 4117 و يريد أنه محمول على ذلك- أي الشجاعة- لا أنّ في طبعه شجاعة. يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه. و قصة المثل وردت بالتفصيل في مجمع الأمثال 1: 268 برقم 771 عند تفسيره للمثل: ثكل أرأمها ولدا.

3) قال ابن الزبير ذلك لما أتاه خبر مقتل أخيه مصعب بن الزبير، فخطب و قال: إن يقتل فقد- - قتل أبوه و أخواه و عمه، إنّا و الله لا نموت حتفا، و لكن نموت قعصا بأطراف الرماح و موتا تحت ظلال السيوف و إن يقتل مصعب فإنّ في آل الزبير خلفا منه. العقد الفريد 1: 101 و يقال: مات قعصا إذا أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه.

و قال السّموأل(1)

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه‌فكل رداء يرتديه جميل

و هي من أجود الشعر. و السموأل هو الذي ضرب به المثل في الوفاء، الأعلام 3: 140 معاهد التنصيص 1: 388 السمط 595 و انظر مجمع الأمثال 3: 446 برقم 4432 و فيه المثل: أوفى من السموأل و فيه قصة المثل.

:

و ما مات منّا سيّد في فراشه‌و لا طلّ منّا حيث كان قتيل

تسيل على حدّ الظّبات نفوسناو ليست على غير الظبات تسيل(2)

و قال الآخر:

إنّا لمن معشر أفنى أوائلهم‌قيل الكماة: ألا أين المحامونا(3)(م 61)

و يروى عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: بقيّة السيف أنمى عددا و أنجب ولدا. فاستدلّ على صدقه عليه السلام بأبنائه و ما عمل السيف فيهم و في آل الزّبير و كثرة أعدادهم و نموّهم(4).

و كذلك يشجّع خوف الذمّ بالفرار كما قال معاوية بن أبي سفيان:


1) السموأل( ت 65 ق. ه- 560 م): السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي، شاعر جاهلي حكيم، من سكان خيبر شمالي المدينة، كان يتنقّل بينها و بين حصن له سمّاه« الأبلق» أشهر شعره لاميته التي مطلعها:

2) البيتان هما العاشر و الحادي عشر من الحماسية( 15) و هي التي أولها البيت المذكور في التعليق السابق. انظر شرح الحماسة للمرزوقي 1: 117 برقم 15.

3) هذا البيت الثامن من الحماسية 14 و هي لبشامة بن جزء النهشلي أو ابن حزن و يبدو أن الشاعر إسلامي انظر شرح الحماسة 1: 100. 107 برقم 14.

4) الخبر في العقد 1: 102، 103 و أشار محققوه إلى أن الخبر في البيان و التبيين 2: 168.

لقد رأيتني ليلة الهرير بصفّين(1)و قد أثبتّ بفرس أغرّ محجّل بعيد البطن من الأرض و أنا أريد الهرب لشدّة البلوى فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة(2):

أبت لي شيمتي و أبى بلائي‌و أخذي الحمد بالثّمن الربيح

و إقحامي على المكروه نفسي‌و ضربي هامة البطل المشيح

و قولي كلّما جشأت و جاشت‌رويدك تحمدي أو تستريحي

لأدفع عن مآثر صالحات‌و أحمي بعد عن عرض صحيح(3)

قال المبرد في الكامل: 53: المشيح: الحامل الجاد، يقال: أشاح يشيح إذا حمل. و انظر أيضا الكامل 2: 351.

فأمّا عليّ بن أبي طالب فروي أنّه كان يخرج كلّ يوم بصفّين حتّى يقف بين الصفّين و يقول:

أيّ يوميّ من الموت أفريوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه‌و من المقدور لا ينجي الحذر(4)


1) صفّين: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، و كانت حرب صفين بين علي بن أبي طالب و معاوية سنة 37 ه. و قد صنف في أخبارها نصر بن مزاحم كتابا كاملا نشر في مصر بتحقيق عبد السلام هارون. و ليلة الهرير من ليالي القادسية و استعير الاسم هنا لبيان شدة القتال.

2) عمرو بن الإطنابة( ت؟): هو عمرو بن عامر بن زيد مناة الكعبي الخزرجيّ، شاعر جاهلي فارس، كان أشرف الخزرج، اشتهر بنسبته إلى أمه الإطنابة بنت شهاب من بني القين. و في الرواة من يعدّه من ملوك العرب في الجاهلية، كانت إقامته بالمدينة، و كان على رأس الخزرج في حرب لها مع الأوس. و هو الذي استشهد معاوية بأبياته يوم صفّين. عن الأعلام 5: 80 و السمط: 575.

3) الشعر مع الخبر في عيون الأخبار 1: 126 و قد زاد فيها بيتا خامسا و الخبر مع هذا الشعر نفسه في العقد 1: 104، 105 و هناك خلاف في رواية بعض الألفاظ. و معنى قوله: جشأت و جاشت أي تطلعت و نهضت جزعا و كراهة.

4) انظر الخبر و الشعر في العقد الفريد 1: 105 و تكرر ذكر الشعر فيه 5: 274.

فشجّعه رضي الله عنه الأمن من الأجل أنّه لا يأتيه قبل وقته، فهذا أشرف و أقوى من الذي ذكرناه عن معاوية، و ذلك أنّ اعتقاد هذا مشجّع في كلّ حين، فالمرء به شجاع أبدا مع أنه على حزم و حقّ و معرفة بالعاقبة و عمل بما ينبغي.

و أمّا الخوف من الذم فليس اعتقاده مستصحبا في كلّ موضع، فربّما قرر المرء مرة أنه لا يدركه ذمّ، فإذا اعتقد ذلك صنع ما هو أحسن له في الحال و أيضا فإنّه لم يخل من خوف الموت و استحباب الحياة، و اعتقاد هذا ضعف و إن كان قد فضّل السلامة من الذمّ على السلامة من الموت، و هو بعد ذلك كلّه تصنّع من أجل الناس لا من أجل نفسه و التصنّع للناس ضعف، و كانت شجاعة عليّ رضي الله عنه طبعا لا يتكلّف.

قيل له: أتقتل أهل الشّام بالغداة و تظهر بالعشيّ في إزار ورداء؟! فقال: بالموت تخوّفوني!! و الله ما أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت عليّ(1). و قال عنترة(2)

و قتله الأسد الرهيص أو جبار بن عمرو الطائي. عن الأعلام 5: 91 و الأغاني 8: 237 و خزانة الأدب 1: 62.

:

بكرت تخوّفني الحتوف كأنني‌أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

فأجبتها إنّ المنيّة منهل‌لا بدّ أسقى بكأس المنهل

فاقني حياءك لا أبالك و اعلمي‌أنّي امرؤ ساموت إن لم أقتل(3)


1) انظر الخبر في العقد 1: 102 و الكامل.

2) عنترة ت نحو 22 ق. ه- نحو 600 م: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسيّ، أشهر فرسان العرب في الجاهلية، و هو من أهل نجد، كان من أحسن العرب شيمة و من أعزّهم نفسا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، و في شعره رقة و عذوبة، و قل أن تخلو قصيدة من قصائده من ذكر عبلة ابنة عمه التي كان يحبها. و شهد حرب داحس و الغبراء.

3) الأبيات في العقد 1: 106.

و قال قطريّ بن الفجاءة:

أقول لها و قد طارت شعاعامن الأبطال و يحك لا تراعي(1)

فإنّك لو سألت مزيد يوم‌على الأجل الذي لك لم تطاعي(2)

فصبرا في مجال الهول صبرافما نيل الخلود بمستطاع(3)

و لا ثوب البقاء بثوب عزّفيطوى عن أخي الخنع اليراع(4)

سبيل الموت غاية كلّ حيّ‌فداعيه لأهل الأرض داع

و من لا يعتبط يسأم و يهرم‌و تسلمه المنون إلى انقطاع(5)

و ما للمرء خير في حياةإذا ما عدّ من سقط المتاع

و تجد تخريج الأبيات في شعر الخوارج: 109.

و قال النّمر بن تولب العكليّ(6)

سلا عن تذكره تكتماو كان رهينا بها مغرما

و القصيدة في كتاب شعراء إسلاميون و فيه شعر النمر بن تولب ق 38 ص 378 و ما بعدها نقلا عن منتهى الطلب.

:

إذا أنت لا قيت في نجدةفلا تتهيّبك أن تقدما

فإنّ المنيّة من يخشهافسوف تصادفه أينما

و إن تتخطّاك أسبابهافإنّ قصاراك أن تهزما

و لو أنّ من حتفه ناجيالألفيته الصّدع الأعصما


1) طارت شعاعا: أي تفرقت و انتشرت من الخوف. عن شعر الخوارج ص 108.

2) في شعر الخوارج: ... بقاء يوم.

3) في شعر الخوارج: ... في مجال الموت.

4) أخو الخنع: الذليل. و اليراع: الجبان عن شعر الخوارج: 109.

5) يعتبط: يموت من غير غير علة. يسأم: يملّ من الهرم و تكاليفه و قد ورد بعد هذا البيت بيت سابع هو:

6) النمر بن تولب:( ت نحو 14 ه- 635 م): شاعر مخضرم، عاش عمرا طويلا في الجاهلية، و كان فيها شاعر( الرباب) و لم يمدح أحدا و لا هجا، كان من ذوي النعمة و الوجاهة، جوادا وهّابا لماله، أدرك الإسلام و هو كبير السن فأسلم و حمل كتاب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) لقومه، و عدّ في المعمّرين. و كان أبو عمرو بن العلاء يسمّيه: الكيّس لحسن شعره. عن الأعلام 8: 48 و الإصابة برقم 8804. و أبياته من قصيدة أولها:

و قال أبو الطيّب:

و لو أنّ الحياة تبقى لحيّ‌لعددنا أضلّنا الشّجعانا(1)

(و قال آخر):

جمع الشجاعة و الخضوع لربّه‌ما أحسن المحراب في المحراب(2)

و بقوة(3)القلب يصبر الجليس على أذى الجليس و جفاء الصاحب، و بقوّة القلب تلتقى الكلمة العوراء و الفعلة الزلّاء ممّن جاءت، و بقوّة القلب تنفذ كلّ رويّة و عزيمة أوجبها العقل و العدل و الحزم. و بقوّة القلب يضحك الرجال في وجوه الرجال و قلوبهم مشحونة بالضغائن و الأحقاد كما قال أبو ذرّ: إنّا لنكشّر في وجوه أقوام و قلوبنا تلعنهم(4). و قال عليّ رضي الله عنه: إنّا لنصافح أكفّا نرى قطعها. و ليس الصبر/ (س 82) و الشجاعة و قوّة النفس أن يكون المرء مصرّا في المحال لجوجا في الباطل، و لا أن يكون جلدا عند الضّرب صبورا على الجهل، مصمّما على التغرير و التهوّر، فإنّ هذه صفة الخنازير و الحمير، و لكن أن يكون صابرا على أداء الحقوق، صبورا على سماعها و إلقائها إليه، غالبا لهواه، مالكا لشهواته، ملتزما للفضائل بجهده، عاملا في ذلك على الحقيقة التي


1) العرف الطيب: 2: 347.

2) البيت في سراج الملوك 2: 669 غير منسوب. و المحراب الأولى بمعنى الشجاع الخبير بالحرب، و المحراب الثانية بمعنى مقام الإمام في المسجد.

3) النقل عن سراج الملوك 2: 669.

4) ذكر محقق سراج الملوك أن هذا الحديث أخرجه البخاري عن أبي الدرداء في كتاب الأدب باب المداراة مع الناس ج 10 ص 527 من فتح الباري.

لا يحيله عنها حياة و لا موت حتّى يكون عنده الموت على الخير الذي أشار به العلم و أوجبه العدل، خير من البقاء على ما أوجبه رفض العلم و العدل، كما قال عليّ لابنه الحسين رضي الله/ (م 63) عنهما: و ما يبالي أبوك أنّ الخلق خالفوه إذا كان على الحقّ، و هل الخير كلّه للحق إلّا بعد الموت(1).

[شجاعة أبي بكر]

و نختم هذا الباب بصاحبي رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و متولّيي الخلافة بعده، و نذكر محلّهما من الشجاعة.

روي عن محمد بن عقيل(2)قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب فقال:

أيّها الناس، أخبروني بأشجع النّاس.

قالوا: أنت يا أمير المؤمنين.

قال: أما إني ما بارزت أحدا إلّا انتصفت منه و لكن أخبروني بأشجع الناس.

قالوا: لا نعلم، فمن؟

قال: أبو بكر الصدّيق إنّه لّما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- عريشا فقلنا: من يكون مع رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟

فو الله ما دنا أحد إلّا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم-/ (س 83) لا يهوي إليه أحد إلّا أهوى إليه، فهو أشجع الناس(3).


1) انتهى النقل من سراج الملوك 2: 670.

2) محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي روى عن أبيه. تهذيب التهذيب 5: 208 برقم 7270.

3) خبر وجود أبي بكر مع رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في عريش واحد في السيرة النبوية 1/ 459.

[شجاعة عمر]

و روي أن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- كان يقول قبل إسلام عمر بن الخطّاب:

اللهّم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب(1).

قال ابن مسعود(2): فلقد كنّا ما نصلّي عند الكعبة حتّى أسلم عمر.

فلمّا أسلم قاتل قريشا حتّى صلّى عند الكعبة و صليّنا معه. فكان إسلامه فتحا و هجرته نصرا و إمامته رحمة(3).

فمن الشجاعة تستمدّ جميع الفضائل و هي الثبوت و القوّة على ما يوجبه العلم و العدل

و لا بدّ من حتف يلاقيك يومه‌فلا تجزعن من موتة هي ما هيا


1) الخبر في السيرة النبوية 1: 231.

2) ابن مسعود: 32 ه- 653 م: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من أكابرهم فضلا و عقلا و قربا من رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو من أهل مكة و من السابقين إلى الإسلام، و أول من جهر بقراءة القرآن بمكة، و كان خادم رسول الله الأمين و صاحب سره و رفيقه في حله و ترحاله و غزواته يدخل عليه في كل وقت. توفي بالمدينة أيام خلافة عثمان. عن الأعلام.

3) هذه العبارة الأخيرة: كان إسلام عمر فتحا ... الخ ذكرت في العقد 4: 270 مروية عن القاسم ابن عمر.

الباب السابع عشر في صفة الحرب و تدبيرها و المكيدة فيها

اشارة

في صفة الحرب و تدبيرها و المكيدة فيها

[فضيلة الصبر و الشجاعة]

الحرب ثفالها الصبر، و قطبها المكر، و مدارها الاجتهاد، و ثقافها الأناة، و زمامها الحذر. و لكلّ شي‌ء من هذه ثمرة، فثمرة الصبر التأييد، و ثمرة المكر الظّفر، و ثمرة الاجتهاد التوفيق، و ثمرة الأناة اليمن، و ثمرة الحذر السلامة، و لكل مقام مقال، و لكلّ زمان رجال، و الحرب سجال، و الرأي فيها أبلغ من القتال(1).

[وصف الحرب]

و قالوا: جسم الحرب الشجاعة، و قلبها التدبير، و عينها الحذر، و جناحها الطاعة، و لسانها المكيدة و قائدها الرفق و سائقها النصر، قيل لعنترة الفوارس: صف لنا الحرب فقال: أوّلها شكوى و وسطها نجوى، و آخرها بلوى(2).

و قال غيره:

و إذا لم يكن من الموت بدّفمن العجز أن تكون جبانا(3)

صحب الناس قبلنا ذا الزمان‌و عناهم من شأنه ما عنانا

انظر العرف الطيب بشرح ديوان أبي الطيب 2: 346.

و قال عمرو(4)بن أبي أمامة يوم قتلته مراد بواد يقال له


1) النص في العقد 1: 93.

2) كلام عنترة في العقد 1: 94.

3) البيت لأبي الطيب المتنبي من قصيدة أولها:

4) هو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس و سيرد خبره في التعليق التالي.

قضيب(1)

أعمرو بن هند ما ترى رأي معشرأماتوا أبا حسّان جارا مجاورا

عن معجم البلدان 4: 369« قضيب» و انظر معجم ما استعجم 2: 1080 و لم أقع على المثلين في مجمع الأمثال. و الشعر في العقد 3: 131 و جاء في العقد 5: 282: قالت عائشة: و كان عامر بن فهيرة يقول: و أنشدت الرجز المذكور.

و صاحبهم هبيرة بن عبد يغوث/ (م 64) المرثدي فخرج عمرو عليهم بسيف و هو يقول:

لقد عرفت الموت قبل ذوقه‌إنّ الجبان حتفه من فوقه

كلّ امرى‌ء مقاتل عن طوقه‌و الثّور يحمي جلده بروقه

فقوله: من فوقه يعني من السماء بقدر.

[الحياة و الموت بقدر]

و قد قالوا: لكلّ أحد يومان لا بدّ له منهما: أحدهما لا يعجل عليه، و الثاني: لا يقصّر عنه، فما الجبان و الفارّ.

قال بعضهم و يروى لمعاوية:


1) يوم القضيب كان بين الحارث و كندة، و في هذا الوادي أسر الأشعث بن قيس و فيه جرى المثل« سأل قضيب بماء أو حديد» و كان من خبره أن المنذر بن امرئ القيس تزوج هند بنت آكل المرار فولدت له أولادا منهم عمرو بن هند ثم تزوّج أختها أمامة فولدت له ابنا سمّاه عمرا، فلما مات المنذر ملك بعد ابنه عمرو بن هند و قسم لبني أمه مملكته، و لم يعط ابن أمامة شيئا. فقصد ملكا من ملوك حمير ليأخذ له بحقّه فأرسل معه« مرادا» فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما لنا نذهب و نلقي بأنفسنا للهلكة. و كان مقدم مراد المكشوح( هبيرة بن عبد يغوث المرشدي) و نزلوا بواد يقال له« قضيب» من أرض قيس عيلان، فثار المكشوح و من معه بعمرو بن أمامة و هو لا يشعر فقالت له زوجته: يا عمرو أتيت أتيت، سال قضيب بماء أو حديد فذهبت مثلا. و كان عمرو في تلك الليلة أعرس بجارية من مراد، فقال عمرو: غيري نفّري. أي أنك قلت ما قلت لتنفريني به فذهبت مثلا، و خرج إليهم فقاتلهم فقتلوه و انصرفوا عنه فقال طرفة يرثيه و يحرض عمرا على الأخذ بثأره:

أكان الجبان يرى أنّه‌يدافع عند الفرار الأجل

فقد تدرك الحادثات الجبان‌و يسلم منها الشجاع البطل(1)

أما أبو العباس المبّرد فقد نسبهما في الكامل 2: 302 لمعاوية و رواية المبرد مطابقة لما ورد في تحفة الأنفس أما في عيون الأخبار فالرواية:

أكان الجبان يرى أنه‌سيقتل قبل انقضاء الأجل

و كذلك في شرح الحماسة 1: 197 ذكرهما المرزوقي في سياق شرحه للحماسية 41 و لم ينسبهما و اكتفى بقوله: و قال آخر ..

و في المعنى لبعضهم:

و قد يلتقي الجمعان و الموت فيهمافيقتل من ولّى و يسلم من حمل

قال جرير بن الخطفى(2)في مدحه للحجّاج(3):

قل للجبان إذا تأخّر سرجه‌هل أنت من شرك المنيّة ناج

فقال له الحجّاج: جرّأت علينا الناس يا بن اللخناء!!

فقال: و الله أيّها الأمير ما ألقيت لها بالا إلّا وقتي هذا(4)

هاج الهوى لفؤادك المهتاج‌فانظر بتوضح باكر الأحداج.

.

1) في عيون الأخبار 1: 165 قال: و كان معاوية يتمثل بهذين البيتين كثيرا و ذكر البيتين.

2) جرير 28- 110 ه- 640- 728 م: جرير بن عطية الخطفى من بني يربوع من تميم، ولد و مات باليمامة و كان هجّاء مرّا لم يثبت أمامه غير الفرزدق و الأخطل. و كان عفيفا من أغزل الناس شعرا. الأغاني 8: 3. الأعلام 2: 119.

3) الحجاج( 40- 95 ه- 660- 714 م): الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي أبو محمد، قائد داهية سفّاك خطيب، ولد و نشأ بالطائف، انتقل إلى الشام و لحق بروح بن زنباع( ت 84 ه) نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته ثم مازال يظهر حتّى قلّده عبد الملك أمر عسكره. هزم عبد الله بن الزبير و قتله. ثم قمع ثورة في العراق، و دامت له الإمارة عشرين سنة و بنى مدينة واسط و بها توفي و هو أول من ضرب درهما عليه( لا إله إلا الله) تهذيب التهذيب 2: 210 و الأعلام 2: 168.

4) الخبر مع الشعر في العقد 1: 1065105 و هو في ديوانه بشرح الصاوي ص 89 و أول القصيدة:

و قال الشدّاخ(1):

قاتل القوم يا خزاع و لا يدخلكم من قتالهم فشل

فهم مثلكم لهم شعر في «م» الرأس لا ينشرون إن قتلوا(2)

أكلما حاربت خزاعة تحدوني كأنّي لأمهم جمل

و الأبيات في الحماسة بشرح المرزوقي 1: 196 برقم 40.

يقول: الناس كلّهم سواء، فلا يخفى أحد عن أحد.

و أضعف جميع الأسباب الشجاعة رجاء المجازاة بالمال كما قال أبو دلامة(3): كنت مع مروان(4)

عن الأعلام 7: 208.

أيام الضحاك الحروريّ(5)فخرج

1) الشدّاخ: يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر من كنانة، أحد حكام العرب من قريش في الجاهلية، كان يقال له: الشدّاخ. قال ابن حبيب: سمّي بذلك لشدخه الدماء بين قريش و خزاعة، و كانت قريش قاتلت خزاعة و أرادوا إخراجها من مكة، فتراضى الفريقان بيعمر فحكم بينهم و ساوى بين الدماء على ألّا تخرج خزاعة من مكة .. سمّي بالشدّاخ لما شدخ من الدماء و وضع منها. الأعلام 8: 205 السيرة النبوية 1: 88 قال: شدخت الدماء تحت قدمي أي وطئتها حتى تنكسر. و انظر معجم الشعراء الجاهليين: 181.

2) البيتان هما الأول و الثاني و ثالثهما:

3) أبو دلامة ت 161 ه- 778 م: زند بن الجون الأسدي بالولاء أبو دلامة، شاعر مطبوع من أهل الظرف و الدعابة، أسود اللون، جسيم و سيم، كان أبوه عبدا لرجل من بني أسد و أعتقه، نشأ في الكوفة و اتّصل بالخلفاء من بني العباس فكانوا يستلطفونه و يغدقون عليه صلاتهم و له في بعضهم مدائح، الأغاني 10: 235 و الأعلام 3: 49، 50.

4) مروان 72- 132 ه 692- 750 م: مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي، أبو عبد الملك القائم بحقّ الله، و يعرف بالجعديّ و بالحمار، آخر خلفاء بني أمية، غزا سنة 105 ه فافتتح قونية و غيرها و ولاه هشام بن عبد الملك على آذربيجان و أرمينية و الجزيرة سنة 114 ه فافتتح فتوحات و خاض حروبا كثيرة، فلما قتل الوليد بن يزيد و ظهر ضعف الدولة في الشام، دعا الناس و هو بأرمينية لمبايعته فبايعوه و جرت أحداث كثيرة انتهت بهزيمته أيام العباسيين في معركة الزاب. قتل مروان في بوصير من أعمال مصر و حمل رأسه إلى السفاح العباسي.

5) الضحاك الحروري ت 129 ه- 746 م: الضحاك بن قيس الشيباني، زعيم حروريّ من الشجعان الدهاة، خرج مع سعيد بن بهدل سنة 126 ه في 200 مقاتل من حرورية- - الجزيرة، و مات سعيد سنة 127 ه فخلفه الضحاك و بايع له الشراة، فقصد أراضي الموصل ثم شهر زور، و اجتمعت عليه الصّفرية« فرقة من الخوارج» حتى صار في أربعة آلاف فسار إلى العراق و استولى على الكوفة و حاصر واسطا فصالحه عاملها و كاتبه أهل الموصل فاحتّلها ثم هزمه مروان بن محمد بنواحي كفر توتا و كان من علماء الخوارج. عن الأعلام 3: 215.

فارس منهم فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم ثان ثم ثالث فانقبض الناس عنه، فجعل يدنو كالفحل المغتلم. فقال مروان: من يخرج إليه و له عشرة آلاف؟

فلمّا سمعت بالعشرة آلاف هانت عليّ الدنيا و سخوت بنفسي في سبيل العشرة آلاف و برزت إليه فإذا عليه فرو قد بلّه المطر فارمعلّ، ثم أصابته الشمس فاقفعلّ، و له عينان تقدحان كأنهما جمرتان، فلمّا رآني فهم الذي أخرجني، فأقبل نحوي يرتجز و يقول:

و خارج أخرجه حبّ الطمع‌فرّ من الموت و في الموت وقع

من كان ينوي أهله فما رجع

فلمّا رأيته قنّعت رأسي و ولّيت هاربا و مروان يقول من هذا الفاضح لا يفوت حتى دخلت/ (م 65) في غمار الناس(1).

قالت الحكماء: على مقدار الصبر على المصائب تكون شجاعة النفس.

[كلام للطرطوشي في فضيلة الشجاعة]

و قال الإمام أبو بكر الطرطوشي(2): إنّ كل كريهة تدفع أو مكرمة


1) الخبر في العقد 1: 143 و عيون الأخبار 1: 183.

2) أبو بكر الطرطوشي 451- 520 ه- 1059- 1126 م: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهدي الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي و يقال له ابن أبي رندقة، أديب من فقهاء المالكية الحفّاظ من أهل طرطوشةTortosa بشرقي الأندلس، تفقّه ببلاده و رحل إلى المشرق سنة 476 ه فحجّ وزار العراق و مصر و فلسطين و لبنان و أقام مدة في الشام و سكن الإسكندرية، و كان زاهدا لم يتشبث من الدنيا بشي‌ء من كتبه سراج الملوك. الأعلام 7: 133- 134، و النص المذكور في سراج الملوك 2: 668.

تكتسب لا تتحقق إلا بالشجاعة و قوّة النفس و ثبات القلب(1). ألا ترى أنك إذا هممت أن تمنح شيئا من مالك خار طبعك و وهن قلبك و عجزت نفسك فشححت به. فإن حقّقت عزمك و قوّيت نفسك و قهرت عجزك أعطيت ما ضننت به من مالك(2)، فعلى قوّة القلب و ضعفه تطيب النفس بإخراجه أو تكره إخراجه(3). و على هذا النمط جميع الفضائل فمتى ما لم تقارنها قوة النفس لم تتحقّق فكانت مخدوعة.

روي عن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- أنه قال:

الشجاعة و الجبن غرائز يضعها الله فيمن يشاء من عباده(4).

فالجبان يفرّ عن أبيه و أمّه، و الشّجاع يقاتل عمّن لا يؤوب به إلى رحله.

فبقوّة القلب يصبر المرء على امتثال الأوامر و بقوة القلب ينتهي عن اتباع الهوى و التضمّخ بالرذائل(5).

و قال غيره:

الحرب شعثاء عابسة، شوهاء/ (س 84) كالحة، حرون في حياض الموت، شموس في الوطيس، تتغذى بالنفوس(6).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معديكرب:


1) عبارة« و قوة النفس و ثبات القلب» ليست في سراج الملوك.

2) عبارة سراج الملوك: أخرجت المال المضنون به.

3) عبارة سراج الملوك: و على قدر قوة القلب و ضعفه تكون طيبة النفس بإخراجه أو كراهية النفس لإخراجه مع إخراجه.

4) الحديث في سراج الملوك.

5) نهاية النص في سراج الملوك.

6) سراج الملوك 2: 688- 689.

صف لنا الحرب. قال: مرّة المذاق إذا شمّرت عن ساق، من صبر فيها عرف، و من نكل عنها تلف، ثم أنشأ يقول:

الحرب أوّل ما تكون فتيّةتسعى بزينتها لكلّ جهول

حتّى إذا حميت و شبّ ضرامهاعادت عجوزا غير ذات حليل

شمطاء جزّت رأسها و تنكّرت‌مكروهة للشمّ و التّقبيل(1)

و قالوا: الحرب أوّلها الكلام و آخرها الحمام.

[وصف الحرب]

قال نصر بن سيّار(2)صاحب خراسان في كتابه إلى مروان بن محمّد الجعديّ لمّا ظهرت الدعوة بخراسان يصف الحرب و مبتدأ أمرها:

أرى خلل الرّماد و ميض جمرفيوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النار بالعودين تذكى‌و إنّ الحرب أوّلها الكلام

فقلت من التعجب ليت شعري‌أأيقاظ أميّة أم نيام

فوقع التغافل و التّهاون من مروان و كان منه ما كان(3).


1) الخبر مع الشعر في عيون الأخبار 1: 127 و العقد 1: 93، 94 و الشعر في سراج الملوك 2:

2) نصر بن سيّار 46- 131 ه- 666- 748 م: نصر بن سيّار بن رافع بن حرّي بن ربيعة الكناني، أمير من الدهاة الشجعان كان شيخ مضر بخراسان، و ولي بلخ ثم ولي إمرة خراسان سنة 120 ه و غزا بلاد ما وراء النهر، ففتح حصونا و غنم مغانم كثيرة و أقام بمرو، و قويت الدعوة العباسية في أيّامه، فحذر بني أمية بالشام فلم يأبهوا للخطر، فلما خرج أبو مسلم خرج نصر من مرو، و أصبح يتنقل من مكان إلى آخر ينتظر النجدة و مات بساوة. عن الأعلام 8: 23.

3) الخبر مع الشعر في عيون الأخبار 1: 128 و العقد 1: 94 و سراج الملوك 1/ 230.

فمثل العداوة و العدوّ مثل النار إن تداركت أوّلها سهل إطفاؤها و إن تركتها حتى يستحكم ضرامها صعب مرامها و تضاعفت بليّتها.

فمن حزم المرء أن لا يحتقر عدوّا و إن كان ذليلا و لا يغفل عنه و إن كان حقيرا، فالشرّ تحقره و قد ينمى(1)(س 85).

و في حكمة سليمان بن داود عليهما السلام: الشرّ حلو أوّله، مرّ آخره(2).

فالحرب كالنار تكون شعلة ثم ترجع سعيرا. فإذا قاتلت فلا تبذل مهجتك و قوّتك من أوّل وهلة/ (م 66) لئلا يأتي معظمها فتعجز و تكلّ، و لا تنشب في حرب و إن وثقت بشدّتك حتّى تعرف وجه التخلّص منها فمن استضعف عدوّه فقد اغترّ، و من اغترّ بقوّته فقد وهن، و الحازم يحذر عدوّه على كلّ حال، المواثبة إن قرب و الغارة إن بعد، و الكمين إن انكشف، و الاستطراد إن ولّى.

[وجوب الحذر من العدو]

و قد قالوا: لتكن أشدّ ما تكون من عدوّك حذرا ما كنت عند نفسك أكثر قوة و عددا، فليس من القوّة التورّط في الهوّة. قال هدبة العذري(3)

عن الأعلام 8: 78.

:

و لا أتمنّى الشرّ و الشرّ تاركي‌و لكن متى أحمل على الشرّ أركب

و لست بمفراح إذا الدهر سرّني‌و لا جازع من صرفه المتقلّب(4)


1) سراج الملوك 2: 677.

2) العقد 1: 94

3) هدبة العذريّ ت 50 ه 670 م: هدبة بن خشرم بن كرز من بني عامر بن ثعلبة، من سعد هذيم من قضاعة، شاعر فصيح مرتجل راوية، من أهل بادية الحجاز بين تبوك و المدينة، و ذكر صاحب الأغاني أن هدبة كان راوية الحطيئة. قتل في آخر حياته رجلا و هرب ثم استسلم لوالي المدينة سعيد بن العاص فحبسه ثلاث سنوات ثم سلمه إلى أهل القتيل فقتلوه.

4) البيتان في العقد 1: 99

و قد جمع الله تبارك و تعالى تدبير الحرب كلّها في آيتين من كتابه(1)العزيز فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(2).

[تدبير الحرب و العمل بها]

قيل لأكثم بن صيفي(3): صف لنا العمل في الحرب. قال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم فلا جماعة لمن اختلف عليه، و اعلموا أنّ كثرة الصياح من الفشل، و ربّ عجلة/ (س 86) تعقب ريثا، فتلبثوا فإنّ أحزم الفريقين الركين(4).

و قالت عائشة رضي الله عنها يوم الجمل(5)و سمعت منازعة القوم و كثرة صياحهم: المنازعة في الحرب خور، و الصياح فيها فشل.


1) في سراج الملوك 2: 690: قال بعض الحكام: قد جمع الله تعالى آداب الحرب في قوله تعالى .. و ذكر الآيتين و كذلك في عيون الأخبار 1: 108.

2) 593 و هو مولى جبير بن مطعم.

3) أكثم بن صيفي ت 9 ه- 630 م: بن رباح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية التميمي، حكيم العرب في الجاهلية، و أحد المعمرين، عاش زمنا طويلا و أدرك الإسلام و قصد المدينة في مئة من قومه يريدون الإسلام، فمات في الطريق، و لم ير النبي( صلّى اللّه عليه و سلم)، و أسلم من بلغ المدينة من أصحابه. و هو المعني بالآية\i« وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»\E عن الأعلام 2: 6.

4) الخبر في العقد 1: 97 و تمام القول في العقد: و ربّ عجلة تعقب ريثا، و ادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل و تحفظوا من البيات و ورد أيضا في سراج الملوك 2: 690 على النحو التالي: و استوصى قوم أكثم بن صفيّ في حرب أرادوها فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، و اعلموا أن كثرة الصياح فشلّ، و لا جماعة لمن اختلف، و تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين. و انظر عيون الأخبار 1: 108. انظر أخبار يوم الجمل في العقد 4: 313.

5) العقد 1: 97 و تمام قولها: و ما برأيي خرجت مع هؤلاء.

و قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه لمّا نظر إلى عسكر النبي- صلّى اللّه عليه و سلم- أ ما ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمّظون تلمّظ الحيّات(1)

و ورد في سراج الملوك 2: 690: و قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترون أصحاب محمد جثيا على الرّكب كأنهم خرس يتلمظون تلمظ الحيات.

و معنى قوله: يتلمظون ... أي يخرجون ألسنتهم كالحيات كناية عن الغيظ و التحفّز

.

[تصريف الحيلة في نيل الظفر]

قال الله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ(2)فقوله سبحانه «ما استطعتم» مشتمل على ما في مقدور البشر من العدّة و الآلة و الحيلة، و فسّر النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- القوّة بالرمي(3).

و كان بعض الصحابة إذا أراد الغزو لا يقصّ أظفاره و يتركها عدّة و يراها قوّة(4).

قال مسلمة بن عبد الملك: ما أخذت أمرا قطّ بحزم فلمت نفسي فيه و إن كانت العاقبة عليّ و لا أخذت أمرا قط وضيّعت الحزم فحمدت نفسي فيه و إن كانت العاقبة لي(5).

و كان بعض أهل التمرّس بالحرب يقول لأصحابه: شاوروا في حروبكم الشجعان من أولي العزم و الجبناء من أولي الحزم، فإنّ الجبان لا يألو برأيه ما يقي مهجكم، و الشجاع لا يعدو ما يشدّ به نصرتكم ثمّ خلصوا


1) الخبر في العقد 1: 97 و عيون الأخبار 1: 108

2) الأنفال 8/ من الآية 60.

3) جاء في سراج الملوك: 678: فقوله تعالى\i« مَا اسْتَطَعْتُمْ»\E مشتمل على كل ما في مقدور البشر من العدة و الآلة و الحيلة. و فسّر النبيّ( صلّى اللّه عليه و سلم) القوة، فمّر على أناس يرمون فقال: ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي»

4) سراج الملوك 2: 678.

5) العقد 1: 122.

من الرأيين نتيجة تحمل عنكم معرّة الجبناء و تهوّر الشجعان، فتكون أنفذ من السهم الوالج و من الحسام الدالج(1).

قال عمرو بن العاصي لمعاوية: و الله- يا أمير المؤمنين- ما أدري أشجاع أنت أم جبان؟!! فقال:

شجاع إذا ما أمكنتني فرصةو إن لم تكن لي فرصة فجبان(2)

قال بعض الحكماء: انتهز الفرصة فإنها خلسة و ثب عند رأس الأمر، و لا تثب عند/ (س 87) ذنبه، و إياك و العجز فإنه أوطأ مركب(3).

و قال شبيب الحروريّ: الليل يكفيك الجبان و نصف الشجاع، و كان إذا أمسى يقول لأصحابه: أتاكم المدد(4).

و قيل لبعضهم: أيّ المكيدة في الحرب أحزم؟

قال: إذكاء العيون، و إفشاء الغلبة و استطلاع الأخبار، و إظهار السرور و إماتة الفرق، و الاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمستنصح و لا استنصاح لمستغشّ، و إشغال الناس عمّا هم فيه من الحرب بغيره(5).

قال حبيب بن أوس(6):


1) العقد: 1: 123.

2) الخبر و الشعر في العقد 1: 99.

3) العقد 1: 98.

4) العقد 1: 97.

5) عيون الأخبار 1: 112 و العقد 1: 122. و الفرق: الخوف.

6) حبيب بن أوس 188- 231 ه- 804- 846 م: هو أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، الشاعر الأديب، أحد أمراء البيان، ولد في جاسم من قرى حوران بسورية و رحل إلى مصر، و استقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه و قدّمه على شعراء وقته، فأقام في العراق، ثم ولي بريد الموصل، فلم يتمّ سنتين حتّى توفي فيها، كان يحفظ كثيرا من الشعر و ترك تصانيف منها كتاب الحماسة و الوحشيات و نقائض جرير و الأخطل إضافة إلى ديوانه.

و الحرب تركب رأسها في مشهدعدل السفيه فيه بألف حليم

في ساعة لو أنّ لقمانا بهاو هو الحكيم لكان غير حكيم(1)

يا ربع لو ربعوا على ابن هموم‌مستسلم لجوى الفراق سقيم

قد كنت معهودا بأحسن ساكن‌منا و أحسن دمنة و رسوم

ديوانه 2: 136 ق 158 و العقد 1/ 95

و لقمان المذكور مذكور في القرآن الكريم في سورة سميت باسمه و ذكر القرطبي في تفسيره 14: 59 في تفسير سورة لقمان في الآية الثانية عشرة أقوالا عدة في لقمان و نسبه و خلاصة القول أنه كان وليا و لم يكن نبيا، فقد كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى- و هي الصواب في المعتقدات و الفقه و الدين و العقل- قاضيا في بني إسرائيل و كان في أيام النبي داود، و كان يوازر داود بحكمته.

قال الأحنف بن قيس:

ما قلّ سفهاء قوم قطّ إلّا ذلّوا، فأكرموا سفهاءكم فإنّهم يكفونكم العار و النّار(2).

[تنظيم الجيش]

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي(3)رحمه الله تعالى: و الشأن كلّ الشأن في الحرب انتخاب الأمراء و استجواد القوّاد و أصحاب الألوية(4)، فقد قالت حكماء العجم: أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد، فلا ينبغي أن يقّدم على الجيش إلا الرجل ذو البسالة و النجدة و الشجاعة و الجرأة، ثبت الجنان، صارم القلب جريئة، رابط الجأش صادق البأس قد توسّط الحروب، و مارس الرجال و مارسوه، و نازل


1) البيتان هما 37 و 38 من قصيدة مدح بها أبو تمام أبا إسحاق المصعبيّ و أولها:

2) الأحنف بن قيس سبقت ترجمته. الأعلام 1: 276 و تهذيب التهذيب 1: 191.

3) العقد 1: 95.

4) سراج الملوك 2: 679 و قد نقل صاحب التحفة النص بتصرّف و لن نذكر إلا الفروق التى لها أهمية ما في سراج الملوك: الشأن كلّ الشأن في استجارة القوّاد و انتخاب الأمراء و أصحاب الولاية.

الأقران (و نازلوه)(1)و قارع الأبطال، عارفا بمواضع الفرص، خبيرا بمواقع القلب و الميمنة و الميسرة من الحروب، و ما الذي يجب سدّه(2)بالحماة و الأبطال من ذلك، بصيرا بصفوف العدوّ و مواضع الغرّة و مواقع العدّة و مواضع/ (س 88) الشدّة، فإنه إذا كان كذلك و صدر الكلّ عن رأيه كان جميعهم كأنّهم مثله، فإن رأى لقراع الكتائب وجها و إلّا ردّ الغنم إلى الزّريبة(3)، فإنّ الحرب خدعة، و آخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب و قرع(4)الجيوش بعضها على بعض.

فلنبدأ بتصريف الحيلة في نيل الظّفر:

فأوّل(5)ذلك أن يبثّ جواسيسه في عسكر عدوّه يستعلم أخباره مع الساعات، و يستعلم رؤساءهم و قادتهم و ذوي الشجاعة منهم و يدسّ إليهم و يعدهم وعدا جميلا و يوجّه إليهم بضروب الخداع، و يقوّي أطماعهم في أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة و الولايات السنيّة، فإن رأى وجها لمعاجلتهم بالهدايا و التّحف فعل ذلك و سامهم الغدر لصاحبهم و اعتزاله وقت اللقاء، و ينشئ على ألسنتهم كتبا مدلّسة إليه و يبثّها في عسكرهم، و يكتب على السهام أخبارا مزوّرة و يرمي بها في جيوشهم، و يضرب


1) زيادة من سراج الملوك.

2) في سراج الملوك: يجب شحنه.

3) في سراج الملوك: و اعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء.

4) في سراج الملوك: و حمل الجيوش ...

5) النقل عن سراج الملوك 2: 681 بشي‌ء من التصرّف.

بينهم بما فيه الشرّ من ذلك، فإنّ جميع ما ذكرنا تنفق فيه الأموال و الحيل، و اللقاء تنفق فيه الأرواح و الرؤوس.

و وجوه(1)الحيل لا تحصى، و الحاضر فيها أبصر من الغائب، و لله درّ المهلّب لمّا كتب إليه الحجّاج يستعجله في حرب الأزارقة، جاوبه بأن قال: إنّ من البلاء أن يكون/ (م 68) الرأي عند من يملكه لا عند من يبصره.

و من الحزم(2)المألوف عند سوّاس الحروب أن يكون حماة الرجال و كفاة الأبطال في القلب، فإنه مهما انكسر/ (س 89) الجناحان فالعيون ناظرة إلى القلب، فإذا كانت راياته تخفق و طبوله تدقّ، كان حصنا للجناحين يأوي إليه كلّ منهزم، فإذا انكسر القلب تمزّق الجناحان، مثال ذلك أنّ الطائر إذا انكسر إحدى جناحيه ترجى عودته و لو بعد حين، و إن انكسر رأسه ذهب الجناحان، فلا يضرّ انكسار جناحي العسكر مع ثبات القلب، فإنّ الفارّين يتراجعون إلى القلب و يكون الظّفر لهم. و قلّ عسكر انكسر قلبه فأفلح أو تراجع إلّا أن تكون مكيدة من صاحب الجيش فيخلي القلب قصدا و تعمّدا و لا يغادر به كبير أمر، حتّى إذا توسّط العدوّ و اشتغل بنهبه أطبقت عليه الجناحان، فقد فعله رجال من أهل الحرب.


1) النقل عن سراج الملوك 2: 682.

2) النقل عن سراج الملوك 2: 683- 684.

[الكمين]

و من أعظم(1)المكايد في الحروب الكمين، و لا يحصى كثرة كم عسكر استبيحت بيضته و فلّ غربه بالكمين، و ذلك أنّ الفارس لا يزال على جهة من الدفاع و حمى الذّمار حتّى يلتفت فلا يرى وراءه بندا منشورا و لا يسمع ضرب الطّبل، فحينئذ همّته خلاص نفسه، و لتكن همّتك وراء ذلك.

[أثر الشجعان في نيل النصر]

و مدار الحرب في اصطناع الشجعان و اختيار الأبطال، فاصطنع ذوي البسالة و الإقدام و الحماة و الكماة، و لا عليك أن لا يكثروا، و بعيد عليك أن يكثروا، و لا تنس قول الشاعر:

و الناس ألف منهم كواحدو واحد كالألف إن أمر عنا

بل قد جرّب ذلك فوجد الواحد خيرا من العشرة الآلاف و سأحكي لك من/ (س 90) ذلك ما تقضي فيه بالعجب، فهم في الجيش و إن قلّوا كالإنفحة(2)في اللبن.

فمن(3)ذلك لمّا التقى المستعين الصغير ابن هود(4)مع الطّاغية ابن رذمير النصرانيّ- قصمه الله- على مدينة و شقة من ثغور بلاد


1) النقل من سراج الملوك بشي‌ء من التصرّف 2: 684- 685.

2) الإنفحة- بتشديد الحاء المهملة و تخفيفها- مادة تستخرج من معدة الرضيع من العجول و الجداء أو نحوهما بها خميرة تجبّن اللبن( عن محقق سراج الملوك).

3) سراج الملوك 2: 685.

4) ابن هود ت 503 ه- 1109 م: أحمد( المستعين) بن يوسف( المؤتمن) ابن أحمد( المقتدر) ابن سليمان بن محمد بن هود، رابع ملوك الدولة الهودية( من دول الطوائف بالأندلس) و كان مقام ملوكها في سرقسطة. ولي بعد وفاة أبيه سنة 478 ه و كان من الغزاة، و له وقائع مع الإفرنج، و كانت في أيامه وقعة وشقةHuesca سنة 489 ه- 1096 م قتل فيها نحو عشرة آلاف من جيشه و استمر في الإمارة إلى أن قتل شهيدا في معركة لدفع العدو بظاهر سرقسطة. عن الأعلام 1: 273.

الأندلس- جبرها الله- و كان العسكران كالمتكافئين، كلّ واحد منهما يراهق عشرين ألف مقاتل بين خيل و رجال، فمن حضر الوقيعة من الأجناد قال: لمّا دنا اللقاء قال الطاغية ابن رذمير لمن يثق بعقله و مراسته للحروب من رجاله: استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، من غاب منهم و من حضر؟

فذهب ثمّ رجع فقال: فيهم فلان و فلان حتّى عدّ سبعة رجال، فقال:

انظر الآن من في عسكري من الرجال المعروفين بالشجاعة و من غاب منهم، فعدّوهم فوجدوهم ثمانية رجال لا يزيدون. فقام الطاغية ضاحكا مسرورا و هو يقول: يا بياضك من يوم.

[علة النصر و علة الهزيمة]

ثمّ تناشبا الحرب فلم تزل المضاربة بين الفريقين، و لم يولّ واحد منهم دبره و لا تزحزح عن مقامه حتّى فني أكثر العسكرين و لم يفرّ واحد منهم.

و لمّا كان وقت العصر نظروا إلينا ساعة ثمّ حملوا علينا (م 69) حملة واحدة و داخلونا مداخلة و فرّقوا بيننا، و صرنا شطرين، و حالوا بيننا و بين أصحابنا و صاروا بيننا، فكان ذلك سبب و هننا و ضعفنا، و لم تقم الحرب إلا ساعة و نحن في خسارة معهم. فأشار مقدّم العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه فكسر عسكر (س 91) المسلمين و تفرّق جمعهم، و ملك العدوّ مدينة و شقة. فليعتبر ذو الحزم و البصيرة في جمع يحتوي على أربعين ألف مقاتل، و لا يحضر من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر. و ليعتبر بضمان العلج بالظّفر و الغنيمة لمّا زاد في أبطاله رجل واحد(1).


1) انتهى النص في سراج الملوك.

قال(1): و سمعت أستاذنا القاضي أبا الوليد الباجي(2)- رحمه الله- قال: بينما المنصور بن أبي عامر(3)في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع فرأى جيوش المسلمين بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن يساره، قد ملؤوا السهل و الجبل. فالتفت إلى مقدّم العسكر- و كان رجلا يعرف بابن المصحفيّ(4)- و قال: كيف ترى هذا العسكر أيّها الوزير؟

قال ابن المصحفيّ: أرى جمعا كثيرا و جيشا واسعا.


1) النقل من سراج الملوك 2: 686، 687.

2) أبو الوليد الباجي سبقت ترجمته.

3) المنصور بن أبي عامر 326- 392 ه- 938- 1002 م: محمد بن عبد الله بن عامر بن محمد بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري القحطاني، أبو عامر، المعروف بالمنصور بن أبي عامر، أمير الأندلس في دولة المؤيد الأموي، و أحد الشجعان الدهاة، أصله من الجزيرة الخضراء، قدم قرطبة شابا طالبا للعلم فبرع و استخلف على قضاء كورة( ريّة) ثم عهد إليه بوكالة السيدة( صبح) أم هشام المؤيد، فولي النظر في أموالها و ضياعها و عظمت مكانته عندها و ولي الشرطة و السكة و المواريث و أضيف إليه القضاء بإشبيلية، و لما مات المستنصر الأموي كان المؤيد صغيرا، و خيف الاضطراب، فضمن ابن أبي عامر لأم المؤيد سكون البلاد و استقرار الملك لابنها و قام بشؤون الدولة و غزا و فتح و دامت له الإمرة 26 عاما غزا فيها بلاد الإفرنج 56 غزوة لم ينهزم له فيها جيش، و كانت الدعوة في أيامه للمؤيد( و هو محتجب عن الناس) و الملك لابن أبي عامر لم يضطرب عليه شي‌ء منه أيام حياته لحسن سياسته و عظم هيبته. مات في إحدى غزواته بمدينة سالم. و كان محبا للعمران عن الأعلام 6: 226.

4) ابن المصحفي ت 372 ه- 982 م: جعفر بن عثمان بن نصر، أبو الحسن، الحاجب المعروف بالمصحفي، وزير، أديب أندلسيّ، من كبار الكتّاب، و له شعر كثير جيد، أصله من بربر بلنسية، استوزره المستنصر الأموي إلى أن مات، و ولي جزيرة ميورقة في أيام الناصر، و لما ولي الحكم استوزره و ضمّ إليه ولاية الشرطة و آلت الخلافة إلى هشام المؤيد بن الحكم، فتقلّد حجابته و تصرّف في أمور الدولة، و قوي عليه المنصور بن أبي عامر، فاعتقله و ضيّق عليه، ثم صادره في ماله، ثم قتله و بعث بجسده إلى أهله. الأعلام 2: 125.

فقال له المنصور: لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة و البسالة.

فسكت ابن المصحفيّ، فقال له المنصور: و ما سكوتك؟!!

أليس في هذا الجيش ألف مقاتل؟

قال: لا.

فتعجّب المنصور ثم عطف عليه فقال: فبهم خمسمئة مقاتل.

قال: لا

قال: فحنق المنصور ثم قال: أفيهم مئة رجل؟

قال: لا

قال: أفيهم خمسون من الأبطال؟

قال: لا

فسبّه المنصور و استخفّ به و أمر به فأخرج على أقبح صفة.

فلمّا توسطوا بلاد المشركين اجتمعت الروم و تصافّ الجمعان فبرز علج من الروم شاك في السلاح يكرّ و يفرّ و يقول:

هل من مبارز. فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج ففرح المشركون و صاحوا (س 92) و اضطربت لها المسلمون. ثم جعل العلج يمرح بين الصفّين و ينادي:

هل من مبارز: اثنين لواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا

ساعة فقتله العلج، و جعل يكرّ و يحمل و ينادي: هل من مبارز: ثلاثة بواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج. فصاح المشركون و ذلّ المسلمون و كادت تكون كسرة.

فقيل للمنصور: ما لها غير ابن المصحفيّ، فبعث إليه فحضر فقال له المنصور: ألا ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟

قال: بعيني ما جرى

قال: فما الحيلة فيه

قال: و ما الذي تريد؟

قال: أن يكفى المسلمون شرّه

قال: نعم إن شاء الله

ثم قصد إلى رجال يعرفهم فاستقبله رجل من رجال الثغور على فرس قد قشرت أوراكها هزالا و هو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، و الرجل في نفسه و حليته غير متصنّع، فقال له ابن المصحفيّ: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم؟

قال: قد رأيته

قال: فماذا ترى فيه؟

قال: أتريد رأسه الآن؟

قال: نعم

فحمل القربة إلى رحله و لبس لأمة حربه و برز إليه فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا إليهم من تحت الغبار (م 70) يركض فرسه

و لا يدرون ما هنالك، و إذا الرجل يحمل رأسي العلج. فألقى الرأس بين يدي المنصور. و قال له ابن المصحفيّ: عن هؤلاء الرجال أخبرك أنّه ليس في عسكرك منهم ألف و لا خمسمئة و لا مئة و لا خمسون و لا عشرون و لا عشرة.

قال: فردّ المنصور المصحفيّ إلى منزلته و أكرمه(1).

و اعلم(2)- أرشدك الله- أنّ الله سبحانه قد أوضح لنا في كتابه علّة النصر/ (س 93) و علّة الهزائم و الفرار فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ(3)يعني إن تنصروا دين الله و رسوله، و أمّا الفرار فبغلبة المعاصي، قال الله العظيم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ(4)أي بشؤم ذنوبهم و تركهم المركز الذي رسمه لهم الرسول- صلّى اللّه عليه و سلم- و ذلك أنّه رتّب- عليه السلام- الرّماة يوم أحد على ثلمة الجبل ليمنعوا قريشا أن يخرجوا عليهم كمينا من تلك المواضع. ثم التقى المسلمون و الكفّار فقال الرماة: لا تفوتنا الغنائم، فأقبلوا على الغنائم و تركوا المركز الأوّل. فخرجت خيل المشركين من هنالك و أقبلوا على المسلمين فكانت مقتلة أحد(5).

و ليخف(6)قائد الجيش العلامة التي هو مستعلم بها، فإنّ عدوّه إن


1) انتهى الخبر في سراج الملوك.

2) سراج الملوك 2: 691.

3) سورة محمد 47 الآية 7.

4) سورة آل عمران 3/ الآية 155.

5) انظر السيرة 2: 625( ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن).

6) سراج الملوك 2: 691.

استعلم حليته و ألوان خيله و رايته قصد قصده، و كذلك لا يلزم خباءه كي لا يلتمس عدوّه غرّته. و إذا سكنت الحرب فلا يمش في النّفر اليسير من قومه خارج عسكره، فإنّ عيون عدوّه قد أذكيت. و على هذا الوجه كسر المسلمون جيوش إفريقية عند فتحها و ذلك أنّ الحرب سكنت في وسط النهار، فخرج مقدّم العدوّ يمشي خارج العسكر يتميّز عساكر المسلمين، فجاء الخبر إلى عبد الله بن أبي سرح(1)و هو جالس في قبّته، فخرج لوقته و وجّه من وثّقه من رجاله، فحمل على العدوّ فقتل الملك و كان الفتح و سيأتي ذكر ذلك بعد إن شاء الله.

و لمّا(2)عبر طارق(3)مولى موسى (س 94) بن نصير(4)

كان شجاعا عاقلا لم يهزم له جيش قط. عن الأعلام 7: 330.

إلى بلاد

1) عبد الله بن أبي سرح ت 37 ه- 657 م: عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، فاتح إفريقية، فارس بني عامر من أبطال الصحابة، أسلم قبل الفتح، و كان من كتّاب الوحي، و كان على ميمنة عمرو بن العاص حين فتح مصر، و ولي مصر سنة 25 ه فاستمرّ نحو 12 عاما زحف في خلالها إلى إفريقية بجيش فيه نفر من كبار الصحابة، فافتتح طرابلس الغرب و طنجة. و غزا الروم بحرا و ظفر بهم في معركة ذات الصواري سنة 34 ه. اعتزل الحرب بين علي و معاوية و مات بعسقلان و هو يصلّي. عن الأعلام.

2) سراج الملوك 2: 692.

3) طارق 50- 102 ه- 670- 720 م: طارق بن زياد الليثيّ بالولاء، فاتح الأندلس، أصله من البربر، أسلم على يد موسى بن نصير، فكان من أشدّ رجاله، و لمّا تمّ لموسى فتح طنجة و ولّى عليها طارقا سنة 89 ه فأقام فيها إلى سنة 92 ه. ثم أرسله موسى على رأس حملة إلى الأندلس فتمّ له فتحها، و التقى موسى في طليطلة عام 93 ه ثم استدعاهما الوليد إلى الشام سنة 96 ه. عن الأعلام 3: 217.

4) موسى بن نصير 19- 97 ه- 640- 715 م: موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد اللخمي بالولاء، أبو عبد الرحمن، فاتح الأندلس، أصله من وادي القرى بالحجاز، نشأ موسى في دمشق و ولي غزو البحر لمعاوية. غزا قبرس و بنى بها حصونا و ولي أعمالا جليلة لبني أمية، و ولي إفرّيقية سنة 88 ه و أقام بالقيروان، ثم أرسل طارق بن زياد إلى الأندلس و تبعه في حملة عام 93 و فتح عددا من المدن، عاد إلى دمشق سنة 96 ه و حجّ مع سليمان و مات بالمدينة.

الأندلس ليفتحها، و موسى إذ ذلك بإفريقية، خرجوا بالجزيرة الخضراء و تحصّنوا في الجبل العظيم الذي يسمّى اليوم بجبل الفتح و جبل طارق نسبة إليه و هو في ألف و سبعمئة رجل، و طمعت الروم فيهم فاقتتلوا ثلاثة أيّام و كان على الرّوم تدمير استخلفه لذريق ملك الروم. و كان قد كتب إلى لذريق يعلمه بأنّ قوما لا يدرى أمن أهل الأرض أم من أهل السماء قد وصلوا إلى بلادنا و قد لقيتهم فلتنهض إليّ بنفسك.

فأتى لذريق في تسعين ألف زمام، و لقيهم طارق، و على خيله مغيث الروميّ(1)مولى الوليد بن عبد الملك، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشدّ قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدّة فقام يعظهم و يحضّهم على الصبر و يرغّبهم في الشهادة و بسط/ (م 71) في آمالهم ثم قال:

أين المفرّ؟ البحر من ورائكم، و العدوّ أمامكم، فليس إلا الصبر منكم، و النصر من ربّكم، و أنا فاعل شيئا فافعلوا كفعلي، و الله لأقصدنّ طاغيتهم، فإمّا أن أقتله و إمّا أن أقتل دونه.

فاستوثق طارق من خيله و كان قد عرف حلية لذريق و علامته، و فعل ما قال، فقتل الله لذريق بعد قتل ذريع في العدوّ، و حمى الله المسلمين فلم يقتل منهم كبير شي‌ء، و انهزمت الرّوم و أقام المسلمون يقتلونهم ثلاثة أيام.

و أخذ طارق رأس لذريق و بعث به إلى موسى بن نصير، و بعث به


1) مغيث الرومي ت 100 ه- 718 م: مغيث الرومي، فاتح قرطبة، و هو ليس برومي في الحقيقة، و تصحيح نسبه أنه مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني، سبي من الروم و هو صغير، فأدّبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، و قد أنجب مغيث في الولادة و صار منه« بنو مغيث» الذين نجبوا في قرطبة. تعلّم مغيث الفروسية و أفصح بالعربية و وجهه عبد الملك إلى الأندلس غازيا مع طارق بن زياد فقدّمه طارق لفتح قرطبة فافتتحها ب 700 فارس و عاد مع طارق إلى دمشق في عهد سليمان، ثم عاد إلى الأندلس. الأعلام 7: 276.

موسى إلى الوليد بن عبد الملك فهذا ما يتأتّى على الملوك من لزومهم مكانا واحدا في الحرب.

و اعلم(1)أنّ القدماء قالوا: للكثرة الرعب، و للقلّة النصر. قال (س 95) الله العظيم وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(2)فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب و مع الإعجاب الهلاك.

قال النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- خير الأصحاب أربعة، و خير الطلائع أربعون، و خير السرايا أربعمئة، و خير الجيوش أربعة آلاف، و لن يغلب جيش يبلغون اثني عشر ألفا من قلّة إذا اجتمعت كلمتهم(3).

[كلام لموسى بن نصير في شجاعة الأمم]

سأل سليمان بن عبد الملك(4)موسى بن نصير حين قدم من الأندلس فقال: أيّ الأمم كانوا أشدّ قتالا لك؟

قال: هم أكثر من أن أصفهم لك

قال: فأخبرني عن الرّوم(5)


1) النقل من سراج الملوك 2: 698.

2) سورة التوبة 9/ 25.

3) في كتاب شرح السير الكبير 1: 67 عن ابن عباس، و آخره: إذا كانت كلمتهم واحدة و في سنن الترمذي: 209، 279 تح إبراهيم عطوة عوض. و في عيون الأخبار 1: 111 و قد ذكره صاحب سراج الملوك دون أن ينسبه إلى النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) 2: 698.

4) سليمان بن عبد الملك 54- 99 ه- 674- 717 م: سليمان بن عبد الملك بن مروان، أبو أيوب، الخليفة الأموي، ولد في دمشق و ولي الخلافة، يوم وفاة أخيه الوليد سنة 96 ه و كان بالرملة، و لم يتخلّف عن مبايعته أحد كان عاقلا فصيحا طموحا إلى الفتح. و في عهده فتحت جرجان و طبرستان. جهز جيشا و أرسله إلى القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة. توفي في( دابق) بين حلب و المعرّة. خلافته سنتان و ثمانية أشهر إلا أياما عن الأعلام 3: 130.

5) الروم: الإسبان، و الإفرنج: الفرنسيون و سائر الأوروبيين.

قال: أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، و نساء في مواكبهم، إن رأوا فرصة افترصوها، و إن رأوا غلبة فهم أوعال تذهب في الجبال لا يرون الهزيمة عارا.

قال: فأخبرني عن البربر:

قال: هم أشبه الناس بالعرب لقاء و نجدة و صبرا و فروسية و سماحة غير أنّهم أغدر الناس لا وفاء لهم و لا عهد.

قال: فأخبرني عن الإفرنج:

قال: هنالك العدد و العدّة و النجدة و التجلّد و الشدّة و البأس

قال: فأخبرني كيف كانت الحرب بينك و بينهم أكانت لك أم عليك؟

قال: أما هذا فو الله ما هزمت لي راية قط، و لا بدّد جمعي و لا نكب المسلمون معي منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين. فضحك سليمان و عجب من قوله.

[الطرطوشي يذكر كيفية من كيفيات الحرب]

و ذكر الطرطوشيّ(1)في كتابه كيفيّة من كيفيّات الحرب قال: و هو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، و هو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدوّنا، و ذلك أن يتقلّد(2)/ (س 96) الرجّالة بالدّرق الكاملة و الرماح الطّوال و المزارق(3)المسنونة النافذة، فيصفّوا صفوفهم و يركزوا مواخر رماحهم خلف ظهورهم في الأرض و صدورها شارعة إلى العدوّ و هم جاثون في


1) النقل من كتاب سراج الملوك 2: 698.

2) في سراج الملوك: نقدّم.

3) المزارق و المزاريق جمع مزراق و هو الرمح القصير.

الأرض(1)، كلّ رجل منهم قد ألقم ركبته اليسرى الأرض، و ترسه قائم بين يديه، و خلفهم الرماة المختارون الذين تمزّق سهامهم الدروع، و الخيل خلف الرماة، فإذا جاءت الرّوم على المسلمين لم تتزحزح الرجّالة عن هيئتها و لا قام رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدوّ رشقتهم الرّماة بالسهام/ (م 72) و الرجّالة بالمزارق، و صدور الرماح تلقاهم فيأخذوا يمنة و يسرة فتخرج خيل المسلمين فتنال منهم ما شاء الله تعالى.

قال بعضهم(2)في معترك الحرب(3)

75، 76 و نهاية الأرب 6: 191، 192.

:

و معترك تهزّ له المناياذكور الهند في أيدي ذكور

لوامع يبصر الأعمى سناهاو يعمى دونها طرف البصير

و خافقة الذوائب قد أنافت‌على حمراء ذات شبا طرير

تحوّم حولها عقبان موت‌تخطّفت القلوب من الصدور

بيوم راح في سربال ليل‌فما عرف الأصيل من البكور

و عين الشمس ترنو في قتام‌رنوّ البكر من خلف السّتور(4)

فكم قصّرن من عمر طويل‌به، و أطلن من عمر قصير

قال ارسطاطاليس(5)للإسكندر(6)

لما بلغ العشرين مات والده فأصبح ملكا على مكدونيا. و في عام 334 ق. م هزم الإسكندر الفرس و فتح آسيا الصغرى ثم فتح صور و غزة و مصر و في عام 331 ق. م هزم الفرس هزيمة ساحقة و في عام 326 ق. م اتجه نحو الهند حتى وصل إلى سهولها الغنية. أصيب الإسكندر بحمى الملاريا في بابل و مات في 13/ 6/ 323 ق. م ... عن الموسوعة العربية العالمية 2: 21، 23.

: اعلم أن الحرب جسد و روح

1) عبارة سراج الملوك: فيصفّوا صفوفهم، و يركّزوا مراكزهم، و رماحهم خلف ظهورهم في الأرض، و صدورهم شارعة إلى عدوّهم و هم جاثمون في الأرض.

2) هو ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد المتوفى سنة 328 ه صاحب كتاب العقد الفريد.

3) الأبيات في العقد الفريد 1: 96 و في شعر ابن عبد ربه ص 163 ق 125 و في يتيمة الدهر 2:

4) و بعده يأتي البيت الأخير:

5) أرسطاطاليس 384- 322 ق. م: فيلسوف و معلم و عالم يوناني، يعدّ هو و أستاذه أفلاطون أهم فيلسوف بين جميع فلاسفة اليونان القدماء. و قد ألّف بالعربية عدد من الكتب عنه و ترجمت كتبه إلى العربية قديما و حديثا انظر الموسوعة العربية العالمية 1: 506.

6) الإسكندر المكدوني 356- 323 ق. م: ملك مكدونيا( الإسكندر الأكبر) هو أحد كبار- - القادة العسكريين. فتح كثيرا من بلاد العالم المتمدن المعروفة آنذاك و نقل إليها الأفكار الإغريقية. أبوه فيليب الثاني و أمه أولمبياس. تربّى الإسكندر مفعما بأحلام البطولة، و كان يحفظ الإلياذة و يحمل معه نسخة منها. تتلمذ و هو في سن الثالثة عشرة على أرسطوطاليس.

تقوم من ضدين يتغالبان، فروحهما اعتقاد الغلبة و الظفر، من كلّ واحد (س 97) من الفريقين، و جسمهما تلاقي الفئتين، فإذا لم يقع اعتقاد الظّفر منهما ماتت الحروب، و بقي الحرب مادام التكافؤ، و فناؤه بغلب إحدى الطائفتين. فليكن همّك في إقامة همّة جيشك، و الإيقاع في نفوسهم أنك غالب و أنّ عندك دلائل بذلك، و أرهم برهانات تقوّي بها نفوسهم، و ألّف كلمتهم و عدهم بالصّلات و الكسوة و أوف بذلك. و توعّد من كعّ و أحجم منهم بمؤلم العقوبة و التمثيل و الفضيحة، و إن أمكنك أن تكون أمورك كلّها في الحروب خدائع فافعل.

[الحرب خدعة]

و كان المهلّب يقول لبنيه: عليكم في الحرب بالمكيدة فإنّها أبلغ من النجدة(1).

و فسّر بعضهم النجدة فقال: النجدة هي الجرأة على الإقدام عند ازورار الأقدام.

و عن أسامة بن زيد الليثي(2)قال: كان النبيّ- صلّى اللّه عليه و سلم- إذا غزا أخذ طريقا و هو يريد أخرى و يقول: الحرب خدعة(3).


1) العقد 1: 122.

2) هكذا ذكر في العقد 1: 127 و المعروف في الصحابة هو أسامة بن زيد. و قد سبقت ترجمته.

3) جاء في شرح السير الكبير 1: 118: ذكر عن سعيد بن ذي حدّان قال: أخبرني من سمع عليا رضي الله عنه يقول: قال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) الحرب خدعة أو خدعة- بالنصب- و كلاهما لغة قال السرخسيّ: و فيه دليل على أنه لا بأس للمجاهد أن يخادع قرنه في حالة القتال، و أن ذلك لا يكون غدرا منه و الخبر المذكور في كتابنا هو في العقد 1: 127.

و كان مالك بن عبد الله الخثعميّ(1)و هو على الصائفة يقوم في الناس كلّما أراد أن يرحل، فيحمد الله تعالى و يثني عليه ثمّ يقول: إنّي دارب بالغداة إن شاء الله درب كذا و كذا فيتفرّق الجواسيس عنه بذلك، فإذا أصبح سلك بهم طريقا أخرى، و كانت الروم تسمّيه الثعلب(2).

قال ابن الكلبي(3): لمّا فتح عمرو بن العاصي قيساريّة(4)سار حتّى نزل على غزّة(5)، فبعث إليه علجها أن أرسل إليّ رجلا من أصحابك أكلّمه ففكّر عمرو و قال: ما لهذا أحد غيري. قال: فخرج حتى دخل على العلج فكلّمه فسمع كلاما (س 98) لم يسمع قطّ كلاما مثله.

فقال له العلج: حدّثني هل في أصحابك أحد مثلك؟

قال: لا تسل عن هواني عليهم إذ بعثوني إليك و عرّضوني لما عرّضوني له و لا يدرون ما تصنع بي.

قال: فأمر لي بجائزة و كسوة، و بعث إلى البوّاب:


1) في أصلنا: عبد الله بن مالك الخثعمي و الصواب ما أثبتناه كما ورد في العقد 1: 127 و نهاية الأرب 6: 176 و مالك هو ابن عبد الله بن سنان بن سرح الخثعمي أبو حكيم المعروف بمالك السرايا و مالك الصوائف. تابعيّ، من كبار القادة، من أهل فلسطين ولي الصوائف زمن معاوية ثم يزيد ثم عبد الملك و مات غازيا في أرض الروم، فكسر المسلمون على قبره أربعين لواء حدادا عليه- عن الأعلام 6: 263.

2) الخبر في العقد 1: 127 و نهاية الأرب 6: 176.

3) ابن الكلبي ت 204 ه- 819 م: هو هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو المنذر، مؤرخ عالم بالأنساب و أخبار العرب و أيامها كأبيه. من أهل الكوفة و وفاته فيها. الأعلام 8: 87.

4) قيساريّة: بلد على ساحل الشام، تعدّ في أعمال فلسطين، بينها و بين طبرية ثلاثة أيام، كانت قديما من أعيان أمهات المدن واسعة الرقعة طيبة، كثيرة الخير و الأهل و ذكر ياقوت أنها في أيامه هي أشبه بالقرى منها بالمدن. عن معجم البلدان 4: 478.

5) غزة: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر و هي من نواحي فلسطين غربي عسقلان معجم البلدان 4: 229.

إذا مرّ بك (م 73) فاضرب عنقه و خذ ما معه.

فخرج من عنده، فمرّ برجل من النّصارى من غسّان فعرفه فقال له:

يا عمرو، قد أحسنت الدخول فأحسن الخروج. ففطن عمرو لما أراده فرجع فقال له الملك: ما ردّك إلينا؟

قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمّي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم فتعطيهم هذه العطية الجزيلة، فيكون معروفك عند عشرة خيرا من أن يكون عند واحد.

قال: صدقت، عجّل بهم. و بعث إلى البوّاب أن خلّ سبيله.

فخرج عمرو و هو يلتفت، حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها أبدا.

فلما صالحه عمرو دخل عليه العلج فقال له: أنت هو!!

قال: نعم، على ما كان من غدرك(1).

و ذكروا أنّ ملكا من ملوك العجم كان معروفا ببعد الغور و يقظة الفطنة و حسن السياسة، و كان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجّه إليه من يبحث عن أخباره و أخبار رعيّته قبل أن يظهر محاربته فيكشف عن ثلاث خصال من خلاله، فكان يقول لعيونه: انظروا هل ترد على الملك أخبار رعيّته على حقائقها أم يختدعه عنها المهدي ذلك إليه، و انظروا إلى الغنيّ في أيّ صفّ هو من رعيته؟ أفي (س 99) من اشتدّ أنفه و قلّ شرهه أم في من قلّ أنفه و اشتدّ شرهه. و انظروا إلى أيّ صنفي رعيّته القوّام بأمره، أممّن نظر ليومه و غده أم ممّن شغله يومه عن غده؟


1) الخبر في العقد 1: 124.

فإن قيل له: لا يختدع عن أخباره، و الغنى فيمن قلّ شرهه و اشتدّ أنفه، و القوّام بأمره ممّن نظر ليومه و غده ... قال: اشتغلوا عنه بغيره، و إن قيل له ضدّ ذلك قال: نار كامنة تنتظر موقدا و أضغان مزمّلة تنتظر مخرجا، اقصدوا له، فلا حين أحين من سلامة مع تضييع، و لا عدوّ أعدى من أمن أدّى إلى اغترار(1).

فمن جاور عدوّه كأهل هذا القطر، و ساكنه بنحو هذا القرب، قمن أن يوقظ عين بصيرته، و يذكي قلب حزامته، و يكون بالحيلة أوثق منه بالشدّة، و بالحذر أفرح منه بالنّجدة، و يعلم أنّ الحرب حرب، و ترك الحذر فيها عطب، و إن كان الحذر لا ينجي من القدر، كما أنّ الصبر من أسباب الظّفر، و لينتهز الفرصة عند إمكانها، و لا يؤخرها في وقتها و إبانها.

و لا بأس أنكى من تثبّت حازم‌و لا درع أوقى للنفوس من الصّبر


1) الخبر في العقد 1: 126.

الباب الثامن عشر في الفروسية و التجنّد

اشارة

في الفروسية و التجنّد

[ذكر أحاديث نبوية في فضل التجند]

قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي الموت مظانّه(1).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- طوبى لعبد آخذ بعنان (س 100) فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، و إن كان في السّاقة كان في السّاقة، و إن استأذن لم يؤذن له، و إن شفع لم يشفّع(2).

و قال عليه السلام: (م 74) ارموا و اركبوا(3)

كل شي‌ء يلهو به الرجل باطل إلا رمي الرجل بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق. و من ترك الرمي بعدما علمه فقد كفر الذي علمه ... عن أحمد و الترمذي و البيهقي في شعب الإيمان عن عقبة بن عامر .. و انظر شرح السير الكبير 1: 113 و العقد 1: 189 و عين الأدب: 298.

.

و عرضت عليه- صلّى اللّه عليه و سلم- الخيل و عنده عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ(4)فقال عليه السلام لعيينة: أنا أفرس بالخيل منك(5).

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- لو أنّ هذه الأمة انتهت عند ما أمرت لأكلوا غير زارعين لأنّ الله تعالى جعل أرزاقها في سنابك خيلها و أسنّة رماحها.


1) ورد الحديث في عين الأدب و السياسة 892 نقلا عن تحفة الأنفس. و هو في البخاري و مسلم و ابن ماجة و غيرها

2) الحديث في عين الأدب و السياسة 298.

3) ارموا و اركبوا: في الجامع الصغير 1: 39 ارموا و اركبوا و أن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا.

4) عينية بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو مالك. أسلم قبل الفتح و شهد فتح مكة و حنينا و الطائف. كان من المؤلفة قلوبهم، ارتد في عهد أبي بكر، ثم عاد إلى الإسلام و كان فيه جفاء سكان البوادي. سماه الرسول( صلّى اللّه عليه و سلم) بالأحمق المطاع، يعني في قومه، و عاش إلى خلافة-

5) عين الأدب: 298.- عثمان و له ذكر في شعر النابغة الذبياني- الإصابة 5: 55 برقم: 6146 و خزانة الأدب 1: 73، 74 و قد أعطاه الرسول مئة من الابل انظر الخبر في السيرة النبوية 2: 930.

و قال- صلّى اللّه عليه و سلم- جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، و جعل الصّغار و الذلّة على من خالف أمري(1).

[عمر بن الخطاب يحث على تعلم الفروسية و الرماية و السباحة]

و كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل حمص:

علّموا أولادكم السّباحة و الرماية و الفروسية و اخشوشنوا، و انزوا على الخيل نزوا(2)

و انظر عيون الأخبار 1: 132. و عين الأدب: 298.

.

و يروي عنه أنّه قال: لن تزالوا أصحّاء ما نزعتم و نزوتم. يعني نزعتم بالقسيّ و نزوتم على ظهور الخيل(3).

و قال أسلم مولاه: رأيت عمر يمسك بأذن نفسه ثم يمسك بأذن فرسه فينزو عليه(4).


1) في فيض القدير 5: 2594 برقم 3152 بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له. و جعل رزقي تحت ظل رمحي، و جعل الذل و الصغار على من خالف أمري و من تشبه بقوم فهو منهم. عن ابن عمر قال محققه و هو في المسند 2: 50 و أبو يعلى في مسنده 4: 528 كنز. و أبو نعيم في تاريخ أصبهان 29 و الديلمي في الفردوس 2: 1921 و البيهقي في شعب الإيمان 2: 1199 و أخرجه الطبراني في الكبير 5: 267 عن ابن عمر و صححه الألباني في صحيح الجامع 1: 2831. و عين الأدب: 298.

2) خبر نزو عمر على الخيل في عيون الأخبار 1: 133 و في شرح السير الكبير 1: 113 و ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: علموا أولادكم السباحة و الفروسية و مروهم بالاحتفاء بين الأغراض. و في العقد 1: 190 ائتزروا و ارتدوا و انتعلوا و احتفوا و ارموا الأغراض و ألقوا الرّكب، و انزوا على الخيل نزوا، و عليكم بالمعدّية أو قال: بالعربية و دعوا التنعم و زيّ العجم.

3) العقد الفريد 1: 90 و فيه: لن تخور قواكم ما نزوتم و نزعتم يعني: نزوتم على ظهور الخيل و نزعتم بالقسي. و انظر عيون الأخبار 1: 132. و عين الأدب: 298.

4) الخبر في عيون الأخبار 1: 133 و فيه: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذنه( أي أذن فرسه) اليمنى و بيده اليسرى أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه و يثب فكأنما خلق على ظهر فرسه. و انظر عين الأدب: 299.

و كان يقال قديما: العزّ في صدور الصفوف(1).

و قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- الجنة تحت ظلال السيوف(2).

[فضائل الفروسية و أفضل الفرسان]

و الفروسيّة أفضل مدارجها، و أكرم معارجها، و ارتباط الجياد أعزّ اعتدادا و أقوى لذلك استنجادا، فبها تشنّ الغارات و تدرك الثارات، فيجب على الفارس أن يشمّر عن ساعد الجدّ و العزم/ (س 101) و يكشف عن ساق الحذر و الحزم فيأخذ نفسه في كل حين بالاستعداد و التأهّب للجهاد، و ينظر قول من عرف الحرب و باشر فيها الطعن و الضرب فقال:

و أعددت للحرب أوزارهارماحا طوالا و خيلا ذكورا

قال بعض السّلف:

غزا المسلمون أرض الرّوم فمرّ فارس منهم إلى جانب صومعة راهب، فقال الراهب: يا صاحب الفرس أمن المتطوّعة أنت أم من أهل الديوان؟

قال: بل من المتطوّعة.

قال له: و مالك و الديوان؟! فإنّا نجدهم في بعض كتبنا أنّهم عدّة الله في الأرض.

عن ابن عبّاس أنّ رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قال: إنّ مثل الذين يغزون من أمّتي و يأخذون الجعل و ينفقونه على عدوّهم كمثل أمّ موسى ترضع ولدها و تأخذ أجرها(3).


1) عين الأدب: 299.

2) الحديث في كتاب أمثال الحديث للرامهرمزي 118 برقم 81 قال: و هذا حث منه على الجهاد و معناه أن حامل سيفه في سبيل الله مطيعا لله به يصل إلى الجنة. و هو في فيض القدير برقم: 3643 و ثمة تخريجه مفصلا في الحاشية و انظر عين الأدب: 299.

3) الحديث بسنده في عيون الأخبار 1: 134.

قال ابن محيريز(1): أصحاب العطاء أفضل من المتطوّعة لما يروعون.

و قال مكحول: روعات البعوث تقي روعات يوم القيامة(2).

قال الطرطوشيّ- رحمه الله-(3)

اعلم أنّ الجند هم عدد الملك و حصونه و معاقله و أوتاده، و هم حماة البيضة و الذابّون عن الحوزة، و الدّافعون عن العورة، و هم جنن الثغور و حرّاس الأرض و العدّة للحوادث، و أمداد المسلمين و الحدّ الذي يلقى العدوّ، و الشّوكة عليه، و السهم الذي يرمى به، و السلاح المدفوع في نحره، و بهم يذبّ عن الحريم، و يؤمن السبيل، و تسدّ الثغور.

قال أبو ذرّ الخشني(4)

و له شعر. أصله من مدينة جيان، ولد و نشأ فيها و تحوّل في العدوة و الأندلس، و ولي القضاء في جيّان في أيام المنصور، و استقر بفاس و توفي فيها. عن الأعلام 7: 249.

:

بقاء الدّين و الدّنيا جميعابكلّ مقاتل ثبت الجنان (س 102) (م 75)

إذا شهدوا الحروب رأيت أسداتهشّ كرامة نحو الطّعان

هم بيض و في الأيمان بيض‌فما تدري من السيف اليماني(5)

[كيفية تقدير مقدار الأعطيات للجند]

و للإمام إعطاء جنده من بيت المال على ما يراه من النظر، و بحسب ما عند الرجل من المنّة و الغناء و الإبلاء. قال الإمام أبو محمد بن حزم(6)-


1) ابن محيريز: عبد الله بن محيريز ت 99 ه و في سنة وفاته خلاف، و قد روى عن عدد من الصحابة انظر تهذيب التهذيب 3: 251 برقم: 4176. و الخبر في عين الأدب: 299.

2) انظر عين الأدب: 299.

3) النص في سراج الملوك 2: 492.

4) أبو ذر الخشني ت 604 ه- 1208 م: مصعب بن محمد بن مسعود الخشني الجياني الأندلسي، أبو ذر، و يعرف كأبيه بابن أبي الركب قاض من العلماء بالحديث و السير و النحو.

5) الأبيات في عين الأدب: 300.

6) أبو محمد بن حزم 384- 456 ه- 994- 1064 م: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم- - الظاهري أبو محمد، عالم الأندلس في عصره و أحد أئمة الإسلام، ولد بقرطبة و كانت له و لأبيه من قبله الوزارة و تدبير المملكة، فزهد فيها و انصرف إلى العلم و التأليف فكان من صدور الباحثين فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب و السنة بعيدا عن المصانعة، و انتقد كثيرا من العلماء و الفقهاء، فتمالؤوا على بغضه و أجمعوا على تضليله، و حذروا سلاطينهم من فتنته، و نهوا عوامهم على الدنو منه، فأقصته الملوك و طاردته، فرحل إلى بادية،( لبلة) من بلاد الأندلس فتوفي فيها و له مصنفات كثيرة. عن الأعلام 4: 254.

رحمه الله- يرزق الإمام جندا يكونون حواليه في موضع سكناه و في الثغور التي لا يستقلّ أهلها بأنفسهم على عدوّهم، يقوى بهم على دفاع من أراد الفساد أو عند إنفاذ الحقّ عليه، و لا يكون ذلك الجند إلّا من خيار الناس و أهل الدين و الحظّ الصالح من العلم من أهل الجد و من ذوي الأحساب الذين يأنفون من الفرار، و يكون فيهم العدد الصالح من أبناء المهاجرين و الأنصار- رضي الله عنهم- فهم أحقّ الناس بالبرّ و الرّفعة و بالدّفع عن الدّين و عن الخلافة، و يكون فيهم أيضا من جميع قبائل العرب، و قطعة من أبناء من أسلم من العجم من أهل الدين و العلم أيضا، فواحد من ذوي البصائر ممّن يقاتل ديانة و حفيظة خير و أغنى في الحوزة من ألف لا يقاتلون إلا طمعا، و قد تقدّم قبل ذكر رتبهم و نظارهم ليدفع ببعضهم تعصّب سائرهم و تزاح عللهم في السلاح الكامل المنتخب و الخيل الفرّه و الجنائب المعدّة، و الزوامل لما لا بدّ منه. و يطرح ما أمكن أن يستغنى عنه من آلات أهل السّرف. و يأمر الإمام نظّارهم بتعاهدهم بإقامة الصلوات و السؤال عن الدين و اجتناب (س 103) الفواحش، و لا يكون شغلهم إلا هذا و التدرب في العمل بالسلاح و على الخيل و المسابقة بها و على الإقدام، و لا يكن فيهم ذمّيّ أصلا و لا من لا يدري فرائض الإسلام و لا رقيع و لا خليع و لا كثير الشّغب بطول لسانه، فليبعد أهل هذه الصّفة و ليوقعوا تحت الرّقبة الشديدة. فمن مات من الجند أو قتل أجري على

مخلّفيهم ما يسعهم و لا يضيعون معه فإنهم ماتوا في خدمة المسلمين، و قد قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- «من ترك كلّا أو ضياعا فإليّ أو عليّ» و من شاخ منهم أو زمن أجري عليه ما يقوم به و بعياله على السّعة، و حذف له ما كان يجري عليه من أجل فرسه و سلاحه و مؤونة سفره.

و على الجند مع ذلك الجدّ عند اللقاء و الصبر عند البلاء، فإن كانت لهم الغلبة فليمعنوا في الطّلب، و إن تكن عليهم فليقصروا الأعنّة و ليجمعوا الأسنّة و ليذكروا أخبار غد.

[من هو الفارس؟ كلام لصعصعة بن صوحان]

قال عبد الله بن عباس لصعصعة بن صوحان(1): من الفارس فيكم؟ حدّ لي حدّا أسمعه منك فإنك تضع الأشياء مواضعها يا بن صوحان.

قال: الفارس من قصر أجله في نفسه، و ضغم على أصله بضرسه، و كانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت الحرب، و اشتدّ بالأنفس الكرب و تداعوا للنّزال و تراجعوا للقتال و تخالسوا المهج و اقتحموا بالسيوف اللّجج.

قال: أحسنت و الله يا بن صوحان، إنّك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء ما ورثت هذا عن كلالة. زدني.

قال: نعم، الفارس كثير الحذر مديد النّظر (م 76) يلتفت بقلبه و لا يدير خرزات صلبه.


1) صعصعة بن صوحان ت 56 ه- 676 م: صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث العبدي، من سادات عبد القيس، من أهل الكوفة، مولده في دارين قرب القطيف، كان خطيبا بليغا عاقلا، له شعر، شهد صفين مع عليّ، و له مع معاوية مواقف. نفاه المغيرة من الكوفة إلى جزيرة أوال في البحرين فمات فيها عن نحو سبعين عاما. عن الأعلام.

قال: (س 104) أحسنت و الله يا بن صوحان الوصف. فهل في مثل هذه الصفة من شعر؟

قال: نعم، لزهير بن جناب(1)الكلبيّ في ابنه عمرو حيث يقول:

فارس تكلأ الصحابة منه‌بحسام يمرّ مرّ الحريق

لا تراه لدى الوغى في مجال‌يعقل الطرف لا و لا في مضيق

من يراه يخله في الحرب يوماأنّه أخرق مضلّ الطريق

فإذا الحرب أوقدت و تلظّت‌و أغصّت كماتها بالرّيق

عمّم السيف كلّ قرن كميّ‌باسل البأس هبرزيّ عريق

[ثمانية أخلاق للفارس]

و ينبغي للفارس أن تكون فيه ثمانية أخلاق من أخلاق البهائم:

شجاعة الأسد، و حملة الخنزير، و روغان الثعلب، و صبر الكلب على الجراحة، و غارة الذئب، و حراسة الكركيّ، و حذر الغراب، و سمن يعدو، و هي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب و الشقاء.

و ينبغي للإمام أن يجعل أيام أسفار جنده أكثر من أيام دعتهم أو على السواء، و لا تكون أيام الدّعة إلا بمقدار ما لا يضرّ تواتر الأسفار بأبدانهم و عيالهم(2).

قيل للمهلّب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟

قال: فارسا كان يخرج إلينا في كلّ غداة فيقف و يقول:


1) زهير بن جناب الكلبي ت نحو 60 ق. ه- 564 م: من بني كنانة بن بكر، خطيب قضاعة و سيدها و شاعرها و بطلها و وافدها على الملوك في الجاهلية، كان يدعى الكاهن لصحة رأيه، و عاش طويلا، وقائعه تناهز المئتين. أشهرها أيامه مع بكر و تغلب. عن الأعلام 3: 51.

2) النقل عن سراج الملوك 2: 680.

و سائلة بالغيب عنّي و لو درت‌مقارعتي الأبطال طال نحيبها

إذا ما التقينا كنت أول فارس‌يجود بنفس أثقلتها ذنوبها (س 105)

ثمّ يحمل فلا يقوم له شي‌ء إلا أقعده، فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك(1).

[ما يأخذ به الفارس نفسه من ثقافة وعدة]

اشارة

و أولى ما يأخذ به الفارس نفسه بعد استفراه المركوب و إحكام الركوب مطالعة كتب السّير و الغزوات و استحضار ما وقع في ذلك لكماة الشعراء من الأبيات.

[أشعار في الفروسية]

قال عمرو بن معد يكرب الزّبيدي(2)

و الأبيات أيضا في العقد 1: 121.

و المقلّص: الفرس الطويل القوائم المشمر. و الصرّيخ: المستغيث. و قتير الدرع مساميرها.

و القصيدة في الأغاني في ترجمة عمرو بن معديكرب.

:

أعاذل عدّتي بدني و رمحي‌و كلّ مقلّص سلس القياد

أعاذل إنّما أفنى شبابي‌إجابتي الصريخ إلى المنادي

مع الأبطال حتّى سلّ جسمي‌و أقرح عاتقي حمل النّجاد

و يبقى بعد حلم القوم حلمي‌و يفنى قبل زاد القوم زادي

و من عجب عجبت له حديث‌بديع ليس من بدع السداد

تمنّى أن يلاقيني قبيس‌وددت و أينما مني ودادي

تمنّاني و سابغة قميصي‌كأنّ قتيرها حدق الجراد (م 77)

و سيف لابن ذي قينان عندي‌تخيّر نصله من عهد عاد

فلو لا قيتني للقيت ليثاهصورا ذا ظبى و شبا حداد


1) الخبر في العقد 1: 103 و انظر شعر الخوارج ص 139 ق 140 ب 1- 2.

2) الأبيات في شعره المجموع بعنوان: شعر عمرو بن معد يكرب ص 110 ق 23 و البدن: الدرع.

و لاستيقنت أنّ الموت حقّ‌و صرّح شحم قلبك عن سواد

أنا المرء الذي حدّثت عنه‌أبيّ في الشدائد ليث عاد

خفيّ الحسّ أخرس غير نكس‌و لا متعلم قتل الوحاد

و فارس بهمة و رئيس جيش‌تخوّف باسمه شوس الأعادي (س 106)

فمن ذا عاذري من ذي سفاه‌يريد بنفسه شرّ المراد

أريد حياته و يريد قتلي‌عذيرك من خليلك من مراد

و قال السّموأل بن عادياء(1):

و إنّا لقوم ما نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر و سلول

يقرّب حبّ الموت آجالنا لناو تكرهه آجالهم فتطول

و ما مات منّا سيّد في فراشه‌و لا طلّ منّا حيث كان قتيل

تسيل على حدّ الظبات نفوسناو ليست على غير السيوف تسيل

و أيّامنا مشهورة في عدوّنالها غرر معلومة و حجول

و أسيافنا في كلّ غرب و مشرق‌لها من قراع الدّارعين فلول

معوّدة أن لا تسلّ نصالهافتغمد حتّى يستباح قتيل(2)


1) السموأل- نحو 65 ق. ه- 560 م: تقدمت ترجمته.

2) الأبيات من أبيات له في الحماسة بشرح المرزوقي 1: 111 ق: 15 و الأبيات المختارة هنا هي: 8، 9، 10، 11، 18، 19، 20 معنى قوله: و لا طلّ منّا حيث كان قتيل أي لم يبطل دم قتيل منا حيث كان. و يقال: طلّ دمه يطلّ طلا إذا أهدر. و المراد بالظبات: السيوف. و قوله: لها غرر معلومة و حجول أي إن وقعاتنا مشهورة في أعدائنا معلومة، فهي بين الأيام كالأفراس الغر المحجلة بين الخيل يعرف بلاؤنا فيها. و التحجيل في الخيل: ابيضاض مواضع الحجل و هو القيد و الخلخال.

و قال أبو سعيد المخزوميّ(1):

في الخيل و الخافقات البيض لي شغل‌ليس الصّبابة و الصهباء من شغلي

سل الجرادة عنّي و هي تحملني‌هل فاتني بطل أو خمت عن بطل

و هل شأني إلى الغايات سابقهاو هل فزعت إلى غير القنا الذّبل

ذنبي إلى الخيل كرّ في جوانبهاإذا مشى الليث فيها مشي مختبل

ولي من الفيلق الجأواء غمرتهاإذا تقحّمها الأبطال بالحيل

كم جانب خشن صبّحت عارضه‌بعارض للمنايا مسبل هطل (س 107)

و غمرة خضت أعلاها و أسفلهابالطّعن و الضّرب بين البيض و الأسل

و ما يريدون لو لا الجبن من رجل‌بالليل مشتمل بالجمر مكتحل (م 78)

لا يشرب الماء إلّا من قليب دم‌و لا يبيت له جار على وجل(2)

و قال بكر بن النطّاح(3)

مات ابن نطّاح أبو وائل‌بكر، فأضحى الشعر قد ماتا

عن الأعلام 2:

:

و من يفتقر منّا يعش بحسامه‌و من يفتقر من سائر الناس يسأل

و نحن وصفنا دون كلّ قبيلةبشدّة بأس في الكتاب المنزّل

إنّا لنلهو بالسيوف كما لهت‌فتاة بعقد أو سخاب قرنفل(4)


1) لم نقع له على ترجمة و هو مذكور في كتاب الأمالي للقالي و العقد و غيرهما.

2) 690 و تنسب لامرئ القيس و لعمرو بن معدي كرب. و ورد في ديوان امرئ القيس بشرح السكري 2: 731.

3) بكر بن النطاح ت 192 ه- 808 م: من بني حنيفة، أبو وائل، شاعر غزل من الفرسان، من أهل اليمامة انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد و اتصل بأبي دلف العجليّ فجعل له رزقا سلطانيا عاش به إلى أن توفي. و رثاه أبو العتاهية بقوله:

4) البيتان الأول و الثالث في الأغاني 19: 39 ط دار الثقافة.

و قال قطريّ بن الفجاءة المازني(1):

يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت به‌مهري من الشّمس و الأبطال تجتلد(2)

و ربّ يوم حمى أرعيت عقوته‌خيلي اقتسارا و أطراف القنا قصد(3)

و يوم لهو لأهل الخفض ظلّ به‌لهوي اصطلاء الوغى و ناره تقد

مشمّرا موقفي و الحرب كاشفةعنها القناع و بحر الموت يطّرد

و ربّ هاجرة تغلي مراجلهانحرتها بمطايا غارة تخد(4)

تجتاب أودية الأفزاع آمنةكأنها أسد تقتادها أسد

فإن أمت حتف أنفي لم أمت كمداعلى الطعان و قصر العاجز الكمد

و لم أقل لم أساق الموت شاربه‌في كأسه و المنايا شرّع ورد(5)

و قال بعضهم:

و إنّا لضرّابون للهام في الوغى‌و أسيافنا في حومة الموت شرّع (س 108)

و أبطال أبطال و فرسان غارةحماة كماة سربها لا يفزّع

و إنّا لمثل الشمس بل نحن فوقهافطرف الأعادي دوننا يتقطّع

و إنّا لورّادون كلّ حفيظةترى الموت في أطلالها يتضجّع


1) قطريّ ت 78 ه- 697: تقدمت ترجمته و الأبيات في شعر الخوارج: 105.

2) العقاب: الراية.

3) العقوة: الساحة. و في شعر الخوارج: اقتصارا أي دون مجاوزة أما( اقتسارا) فتعني القهر و الغلبة. و القصد: المكسّرة.

4) تخد: تسرع في المشي. و قد ورد في شعر الخوارج بعد هذا البيت قوله:

5) الأبيات في شعر الخوارج 109، 110 برقم 107 و قد أخذنا الشرح من حواشي التحقيق. و هي أيضا في الأمالي للقالي 1: 265.

و أنشد المبرّد(1)

و الخبر المذكور في كتاب الكامل 2: 120 و في الكامل ط الدالي 3: 1074.

لرجل من بني أميّة:

إذا ما وترنا لم ننم عن تراتناو لم نك أوغالا نقيم البواكيا(2)

و لكننا نمضي الجياد شوازباو نرمي بها نحو التّرات المراميا(3)

و قال أبو دلف(4):

سيفي بليلي قبسي‌و في نهاري أنسي

إنّي فتى عوّدني‌مهري ركوب الغلس

يحمدني سيفي كمايحمد كرّي فرسي(5)(م 79)

و قال النابغة الجعدي(6)

و أخباره كثيرة- عن الأعلام 5: 207.

:

1) المبّرد: 210- 286 ه- 826- 899 م: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس المعروف بالمبرد، إمام العربية ببغداد في زمنه و أحد أئمة الأدب و الأخبار. مولده بالبصرة و وفاته ببغداد. من أشهر كتبه: الكامل، و المقتضب، و التعازي و المراثي، و الفاضل ..

2) و ترنا: قتل منّا قتيل، و التّراث جمع ترة و هي الذّحل و الثأر. و الأوغال جمع و غل و هو من الرجال النذل الضعيف. عن رغبة الآمل 7: 73 نقلا عن المحقق الدالي.

3) الشوازب من الخيل: الضامرة. و الترات سبق شرحها في التعليق السابق.

4) أبو دلف 226 ه- 840 م: أبو دلف العجلي القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل من بني عجل من لجيم أمير الكرخ و سيد قومه، و أحد الأمراء الأجواد الشجعان الشعراء، قلّده الرشيد العباسي أعمال« الجبل» ثم كان من قادة جيش المأمون، و أخبار أدبه و شجاعته كثيرة و للشعراء فيه أماديح، و له مؤلفات منها سياسة الملوك و البزاة و الصيد. و كان عالما بصناعة الغناء يقول الشعر و يلحنه، توفي في بغداد. الأعلام 5: 179 و الأغاني 8: 248.

5) الأبيات في العقد 1: 103 بغير الترتيب الذي وردت عليه.

6) النابغة الجعدي ت نحو 50 ه- 670 م: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة الجعدي العامريّ، أبو ليلى، شاعر مفلق صحابي، من المعمّرين، اشتهر في الجاهلية، و سمي النابغة- - لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر، ثم نبغ فقاله. و كان ممن هجر الأوثان و نهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام، و وفد على النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) فأسلم و أدرك« صفّين» فشهدها مع علي ثم سكن الكوفة، فسيره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها و قد كف بصره و جاوز المئة.

و نحن أناس لا نعوّد خيلناإذا ما التقينا أن تحيد و تنفرا

و تنكر يوم الرّوع ألوان خيلنامن الطّعن حتى تحسب الجون أشقرا

فليس بمعروف لنا أن نردّهاصحاحا و لا مستنكرا أن تعقرا

نحلّي بأرطال اللجين سيوفناو نعلو بها يوم الهياج السّنوّرا

بلغنا السماء مجدنا و فعالناو إن لنرجو فوق ذلك مظهرا(1)

و قال محمد بن عبد الله بن طاهر(2)(س 109):

لست لريحان و لا راح‌و لا على الجار بنبّاح

فإن أردت الآن لي موقفابين أسياف و أرماح

ترى فتى تحت ظلال القنايقبض أرواحا بأرواح(3)


1) ديوانه: 78( ق 26 ب) و الأبيات المختارة هنا هي الأبيات 71، 70، 72- 73 و البيت الرابع هنا مذكور في الرواية الأولى للقصيدة برقم 85 و قد سقط من الرواية الثانية و انظر تخريج القصيدة في ديوانه: 54.

2) محمد بن عبد الله بن طاهر 209- 253 ه- 804- 867 م: محمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي، أمير، حازم، من الشجعان، من بيت مجد ورئاسة ولي نيابة بغداد أيام المتوكل العباسي و توفي بها، له في فتنة المعتز بالله أخبار كثيرة أورد ابن الأثير بعضها، و كان فاضلا أديبا جوادا. قال الخطيب: كان مألفا لأهل العلم و الأدب. و قال الشابشتي لما مات محمد بن عبد الله بن طاهر اشتد وجد المعتز عليه و كان يرى أن الأتراك يهابونه من أجله ورثاه- عن الأعلام 6: 222.

3) الأبيات في العقد الفريد 1: 103.

و قال عبد الله بن المعتزّ(1):

يا ربّ حرب تخطّيت القنا قصدافيها و خضت المنايا ثمّ لم أخم

بحيث تستكره الأبطال موقفهاو يحرز النفس غرب الصّارم الخذم

إذ لا ظلال لنا إلا صوارمناو لا مشارب إلّا من حياض دم

أنتاب ثمّ المنايا في مواطنهاحتّى تنال يدي أفعال منتقم

فسل قنا الخطّ هل روّيت أكعبه‌من الدّماء غداة الجحفل النّهم

لصرف أركان صرف الدهر أيسر من‌صرفي غداة الوغى عن منتهى قدم

و لي حسام يهاب الدهر شفرته‌أمضى و أعضب من حدّيه عضب فم

تأبى لي الذمّ كفّ غير جامدةيغنيك عارضها عن عارض الدّيم

و قال أبو فراس الحمداني(2)

بعد وفاة سيف الدولة تملك حمص و سار ليتملك حلب فقتله أحد أتباع سعد الدولة ابن سيف الدولة في صدد على مقربة من حمص- عن الأعلام 5: 155.

و الأبيات التي أوردها صاحب تحفة الأنفس هي أبيات مختارة من قصيدة لأبي فراس تبلغ أربعين بيتا و أولها:- -

ضلالا ما رأيت من الضلال‌معاتبة الكريم على النوال

و إنّ مسامعي عن كل عذل‌لفي شغل بحمد أو سؤال

و هي في ديوانه( حسب الرواية المغربية) ص 175 و ما بعدها.

:

1) عبد الله بن المعتز 247- 296 ه- 861- 909 م: عبد الله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل ابن المعتصم بن الرشيد العباسي، أبو العباس، الشاعر المبدع، خليفة يوم و ليلة، ولد في بغداد و أولع بالأدب و صنّف كتبا كالبديع و طبقات الشعراء، آلت الخلافة في أيامه إلى المقتدر العباسي و كان طفلا فبايع القواد ابن المعتز، لكن غلمان المقتدر و ثبوا به فخلعوه و سلّموه إلى مؤنس فخنقه. و له ديوان شعر كبير. الأعلام 4: 118- الأغاني 10: 374.

2) أبو فراس 320- 357 ه- 932- 968 م: الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي أبو فراس الحمداني، أمير، شاعر فارس، و هو ابن عم سيف الدولة. له وقائع كثيرة قاتل بها بين يدي سيف الدولة. و كان سيف الدولة يحبه و يجلّه و يستصحبه في غزواته و يقدّمه على سائر قومه، و قلّده منبجا و حرّان و أعمالها فكان يسكن بمنبج( بين حلب و الفرات) و يتنقل في بلاد الشام، و جرح في معركة مع الروم فأسروه سنة 351 ه فامتاز شعره في الأسر برومياته، و بقي في القسطنطينية أعواما ثم فداه سيف الدولة بأموال عظيمة.

بأطراف المثقّفة العوالي‌تعززنا بأوساط المعالي(1)

و ما تحلو مجاني العزّ يوماإذا لم تجنها سمر العوالي(2)

و تلقى دونها سغب المنايابمرّ الطّعن في مرّ المجال

كذا دأبي و دأب سراة قومي‌على العلّات في شرف الفعال (س 110)

و من عرف الحروب و مارسته‌أطاب النفس بالحرب السّجال (م 80)

و من ورد المهالك لم ترعه‌رزايا الدهر في أهل و مال

ألم أثبت لها و الخيل فوضى‌بحيث تخفّ أحلام الرجال

تركت ذوابل المرّان فيهامخضّبة محطّمة الأعالي

و عدت أجرّ رمحي عن مقام‌تحدّث عنه ربّات الحجال

فقائلة تقول: جزيت خيرالقد حاميت عن حرم المعالي

و قائلة تقول: أبا فراس‌أعيذ علاك من عين الكمال

و مهري لا يمسّ الأرض زهواكأنّ ترابها قطب النّبال(3)

كأنّ الخيل تعرف من عليهاففي بعض على بعض تعال

علينا أن نعاود كلّ يوم‌رخيص عنده المهج الخوالي

فإن عشنا ذخرناها لأخرى‌و إن متنا فموتات الرجال


1) في الديوان: تفرّدنا.

2) قرأها محقق الديوان: إذا لم نجنها سمر العوالي.

3) في الديوان: قطب النصال.

و قال بعض بني قيس بن ثعلبة(1)

قال بعض بني قيس بن ثعلبة و يقال إنها لبشامة بن جزء النهشلي، و نقل محقق الكتاب عن خزانة الأدب 3: 515 أن هذا الشاعر إسلامي كما يظهر من شرح المبرد لأبياته، و نسب ابن قتيبة الأبيات في الشعر و الشعراء إلى نهشل بن حري و في عيون الأخبار 1: 190 إلى بشامة و كذلك في الكامل 1: 66 و الأبيات من قصيدة في الحماسة بلغت اثني عشر بيتا ذكر منها صاحب تحفة الأنفس البيت السادس و ما بعده و مطلع القصيدة.

إنا محيّوك يا سلمى فحييناو إن سقيت كرام الناس فاسقينا

:

إنّا لنرخص يوم الروع أنفسناو لو نسام بها في الأمن أغلينا(2)

بيض مفارقنا تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيدينا(3)

أما بياض المفارق فإنما هو لاعتياد لبس المغافر و البيض( الخوذ) و غليان المراجل يكون كناية عن الضيافة كما يمكن أن يكون كناية عن الحرب.

إنّا لمن معشر أفنى أوائلهم‌قيل الكماة: ألا أين المحامونا(4)

لو كان في الألف منّا واحد فدعوامن فارس خالهم إياه يعنونا

إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم‌حدّ الظباة وصلناها بأيدينا(5)(س 111)


1) جاء في الحماسة بشرح المرزوقي 1: 100 برقم 14.

2) أغلينا: وجدت غالية أو جعلت غالية. يقول: نبتذل أنفسنا في الحروب و لا نصونها، و لو عرض علينا إزالتها في غيرها لامتنعنا. و هذا لحرصهم على تخليد الذكر الجميل و الإبانة عن محل النفس في الشجاعة. عن شرح المرزوقي 1: 105.

3) بيض مفارقنا و يروى بيض معارفنا( الوجوه) و المراد من ذلك نقاء العرض و انتفاء الذم و العيب.

4) معنى البيت: إني لمن قوم أهلك أسلافهم قول الأبطال لهم: ألا أين الذابّون و المحامون؟ فكانوا يتقدمون و يفنون. عن المرزوقي 1: 107.

5) الكماة: الفرسان. و حدّ الظبات: حد السيوف و معنى البيت: إذا الأبطال تباعدوا عن المصادمة و المكافحة مخافة أن ينالهم حدّ السيوف مددنا أبواعنا إليهم بها أو وصلناها.

و لا تراهم و إن جلّت مصيبتهم‌مع الرجال على من مات يبكونا(1)

و نركب الكره أحيانا فيفرجه‌عنّا الحفاظ و أسياف تواتينا(2)

و قال أبو زهير الحمداني(3)

عن شرح ديوان أبي فراس لابن خالويه: 87.

:

و قد علمت بما لاقته منّي‌قبائل يعرب و ابنا نزار

أتيناهم بأرماح طوال‌تبشّرهم بأعمار قصار(4)

و قال أبو العشائر الحمداني(5):

أأخا الفوارس لو شهدت مواقعي‌و الخيل بي تحت العجاجة تنحط

لقرأت فيها ما تخطّ يد الوغى‌و البيض تشكل و الأسنّة تنقط(6)


1) يصف تعوّدهم للثكل، و إلفهم المصائب و القتل، و أن قلوبهم قد مرنت عليها حتى قست، فلا يبكون مع البكاة على من قتل منهم. شرح المرزوقي 1: 109.

2) يجوز أنه أراد بالسيوف رجالا كأنهم السيوف مضاء و نفاذا، و الأول أولى. و إنما يصف خطارهم بمهجهم و ركوبهم المهالك و رميهم بأنفسهم المرامي المعطبة، فيقول: إذا فعلنا ذلك في الوقت بعد الوقت وسعت المضايق عنا محافظتنا على الكرم و صبرنا على الشدائد و استعمالنا المطاوعة لنا- شرح المرزوقي 1: 109 و الأبيات في الكامل 66.

3) أبو زهير الحمداني: قال ابن خالويه: أبو زهير المهلهل بن نصر بن حمدان أفرس العرب و أشعرها. له ذكر في كل موقف شريف. و له شعر مليح أكثره في مكاتبات الأمير أبي فراس.

4) البيتان في يتيمة الدهر 1: 104.

5) أبو العشائر الحمداني: قال ابن خالويه: أبو العشائر يحيى بن علي بن حمدان رحمه الله، كبسته عساكر الإخشيدية مع يأنس المؤنسي و هو منصرف بأنطاكية من الميدان و أصابته نشابة في وجهه أخرج نصلها بعد أيام، فشد في أوساطهم فلم يزل يضرب و يحتمي حتى تخلص و أسر و توفي في الأسر- عن شرح ديوان أبي فراس ص 89.

6) البيتان في يتيمة الدهر 1: 104.

و قال سعيد بن جودي (م 81)(1)

يا بني مروان خلّوا ملكناإنما الملك لأبناء العرب

و قال: كان قيامه بأمر العرب سبع سنين و لم ينتظم لهم أمر بعده. و قال في موضع آخر: قتل غدرا و ذلّت العرب بعد مقتله و هانت على المولدين المناضلين لهم بحاضرة البيرة. و انظر رثاء المقدم بن المعافى لسعيد بن جودي في نفح الطيب 3: 538- عن الأعلام 3: 95.

:

الدرع قد صارت شعاري فماأبسط- حاشاها- لتهجاع

و السيف إن قصّره صانع‌طوّله يوم الوغى باعي

و ما كميتي لي بمستقصرإذا دعاني للّقا داع

هذا الذي أسعى له جاهداكلّ امرى‌ء في شأنه ساع(2)

و أشعار الأبطال و الكماة من الرجال لا تحصى في هذا المعنى لكثرتها، و لا تخفى عن أحد لشهرتها، لكن في ذكرها ما يبعث على الإقدام، و يحمل على ورود مناهل الحمام.

قال هارون الرشيد:

نعم العون على الخير الشعر، لقد رأيتني و أنا ببلاد الرّوم و قد ضاقت


1) سعيد بن جودي ت 284 ه- 897 م: سعيد بن سليمان بن جودي بن إسباط بن إدريس السعدي من هوازن، أبو عثمان أمير ثائر في الأندلس، يعدّ من أدباء الملوك، كان شجاعا بطلا جوادا خطيبا شاعرا، ترأس القيسية بعد مقتل سوار بن حمدون سنة 277 ه و استولى على حاضرة البيرة فأقطعه الأمير عبد الله بن محمد كورتها و قتله بعض أصحابه غيلة بسبب امرأة- كما في كتاب الحلّة السيراء- و يقول ابن حيان في« المقتبس» إنه استخف بأصحابه حتى دبّر عليه كبيران منهم حيلة قتلاه بها و نسبوه إلى أنه أسرّ الخلاف للأمير عبد الله و عزوا إليه أبياتا من الشعر جعلوها ذريعة إلى قتله منها:

2) الأبيات في شعره المجموع في كتاب« سعيد بن جودي السعدي الألبيري الأندلسي: سيرته و مجموع شعره ص 87، 88 نقلا عن الحلة السيراء 1: 157 لابن الأبّار.

عليّ الأرض بما رحبت شدة، إذ خطرت لي أبيات مالك بن عوف النّصريّ:

و إذا اشتكى مهري إليّ حرارةعند اختلاف الطعن قلت له: اقدم

إنّي بنفسي في الحروب لتاجرتلك التجارة لا انتقاد الدرهم

فلما تمثّلت بهذا سكّنت من جأشي، ثم عدت إليها، و حملت و حمل المسلمون فما قضيت الأبيات حتّى فتح الله علينا.

فالإقدام ليس يدني من الوفاة، و لا الإحجام يزيد في الحياة، و الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز و الظهور، و الهالك المصدور خير من الناجي الفرور:

و هل يحمل الضّيم الفتى و هو آخذبقائم سيف أو عنان لجام

الباب التاسع عشر في ذكر مشاهير فرسان العرب في الجاهلية و الإسلام‌

اشارة

في ذكر مشاهير فرسان العرب في الجاهلية و الإسلام في الخبر أن الشجاعة عشرة أجزاء، تسعة في العرب، و واحد في سائر الناس.

[ذكر فرسان العرب في الجاهلية]

و كان فارس العرب في الجاهلية ربيعة بن مكدم(1)من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة و كان يعقر على قبره في الجاهلية، و لم يعقر على قبر أحد غيره، و كان بنو فراس بن غنم بن مالك بن كنانة أنجد العرب، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، و فيهم يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأهل الكوفة: يا معشر أهل الكوفة: من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب، أبدلكم الله بي من هو شرّ لكم و أبدلني بكم من هو (س 113) خير منكم، وددت و الله أنّ لي بجمعكم و أنتم مئة ألف ثلاث مئة من بني فراس بن غنم(2).

و من فرسان العرب في الجاهلية:

•

عنترة الفوارس

•

و عتيبة بن الحارث بن شهاب(3)


1) ربيعة بن مكدم: نحو 85- 62 ق. ه- نحو 534- 558 م: ربيعة بن مكدّم بن عامر بن حرثان من بني كنانة، أحد فرسان مضر المعدودين في الجاهلية و هو الذي حمى الظعن بعد مقتله. انظر سمط اللآلئ 910 و بلوغ الأرب للآلوسي 2: 144 و الأعلام 3: 17

2) الخبر بتمامه في العقد 1: 116.

3) عتيبة بن الحارث .. التميمي، فارس تميم في الجاهلية، كان يلقب« سمّ الفرسان» و« صياد الفوارس» و يضرب به المثل في الفروسية. قال ابن أبي الحديد: كانوا يعدّون أبطال- - الجاهلية ثلاثة: عامر بن الطفيل و بسطام بن قيس و عتيبة بن الحارث. قتله ذؤاب بن ربيعة- بالتصغير، بن عبيد. الأعلام 4: 201.

•

و أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة(1)

•

و زيد الخيل(2)

•

و بسطام بن قيس(3)

•

و الأحيمر(4)

الأحيمر السعدي، شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية، كان لصا فاتكا ماردا من أهل بادية الشام، أتى العراق و قطع الطريق، فطلبه أمير البصرة( سليمان بن علي) ففرّ فأهدر دمه و تبرأ منه قومه و طال زمن مطاردته فحنّ إلى وطنه و نظم قصيدته:

لئن طال ليلي بالعراق لربماأتى لي ليل بالشآم قصير

و منها البيت:- -

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى‌و صوّت إنسان فكدتّ أطير

و تاب بعد ذلك عن اللصوصية.


1) أبو براء ت 10 ه- 631 م: عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، أبو براء، فارس قيس، و أحد أبطال العرب في الجاهلية، و هو خال عامر بن الطفيل. سمّي« ملاعب الأسنّة» أدرك الإسلام و قدم على رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم). الإصابة 4: 16 برقم 4417 و الأعلام 4: 255.

2) زيد الخيل ت 9 ه- 630 م: زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا من طيى‌ء، كنيته أبو مكنف، من أبطال الجاهلية، أدرك الإسلام و وفد على النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) سنة 9 ه في وفد طيى‌ء فأسلم و سرّ به رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و سمّاه« زيد الخير» مات و هو راجع على ماء يقال له« فردة» الإصابة 3: 34 برقم 2935.

3) بسطام بن قيس ت 10 ق. ه- 612 ه: بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، أبو الصهباء، سيد شيبان، و من أشهر فرسان العرب في الجاهلية، يضرب المثل بفروسيته، و كان يقال: أغلى فداء من بسطام بن قيس، أسره عيينة بن الحارث، فافتدي باربعمئة ناقة و ثلاثين فرسا، و أدرك الإسلام و لم يسلم، و قتله عاصم بن خليفة الضبيّ يوم السّقيفة بعد البعثة النبوية. قال الجاحظ: بسطام أفرس من في الجاهلية و الإسلام. الأعلام 2: 51 و مجمع الأمثال 2: 430 برقم 2713.

4) ذكر الزركلي الأحيمر السعدي نقلا عن السمط 195 على أنه من مخضرمي شعراء الدولتين الأموية و العباسية و الخبر الذي ورد عنه في عيون الأخبار 2: 88 يفيد هذا و وصفه ابن عبد ربه في فرسان الجاهلية و مؤلفنا ينقل عنه فمن هنا ورد التوهم و الأحيمر السعدي توفي نحو سنة 170 ه- 787 م و قد أورد الزركلي ترجمته في الأعلام 1/ 277 على هذا النحو:

• و عامر بن الطّفيل(1)
•

و سليك المقانب(2)

•

و عمرو بن معد يكرب

•

و عمرو بن عبد ودّ. و غيرهم.

[ذكر الفرسان في الإسلام]

و في الإسلام:

•

علي بن أبي طالب

•

و عمه حمزة بن عبد المطلب

•

و الزبير

•

و طلحة(3)


1) عامر بن الطفيل 70 ق. ه- 11 ه- 554- 632 م: ابن مالك بن جعفر العامري، من بني عامر بن صعصعة، فارس قومه، و أحد فتّاك العرب و شعرائهم و ساداتهم في الجاهلية. كنيته أبو علي، ولد و نشأ بنجد، خاض المعارك الكثيرة، و أدرك الإسلام شيخا، فوفد على رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) يريد الغدر به فلم يستطع و رجع و لم يسلم فمات في الطريق.

خزانة الأدب 1: 471- 474 رغبة الآمل 2: 176 و 8: 165، 243 و الأعلام 3: 252.

2) سليك المقانب ت نحو 1، ق. ه- 605 م: السليلك بن عمير بن يثربي بن سنان السعديّ التميمي. و السّلكة أمه، فاتك، عدّاء، شاعر أسود، من شياطين الجاهلية، يلقّب بالرئبال. كان أدلّ الناس بالأرض و أعلمهم بمسالكها. له وقائع و أخبار. قتله أسد بن مدرك الخثعمي. عن الأعلام 3: 115.

3) طلحة بن عبيد الله 28 ق. ه- 36 ه- 596- 656 م: طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، أبو محمد، صحابي، شجاع من الأجواد و هو أحد العشرة المبشرين- - و أحد الستة أصحاب الشورى، و أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. قال ابن عساكر: كان من دهاة قريش و من علمائهم. و يقال له: طلحة الجود و طلحة الخير و طلحة الفياض و كل ذلك لقّبه به رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) في مناسبات مختلفة. شهد أحدا و ثبت مع رسول الله و بايعه على الموت فأصيب بأربعة و عشرين جرحا. شهد الخندق و سائر المشاهد. قتل يوم الجمل و كان بجانب عائشة و دفن في البصرة- الأعلام 3: 229.

•

و عبد الله بن خازم السلمي(1)

•

و طليحة الأسدي(2)

•

و عباد بن الحصين(3)

•

و عمير بن الحباب(4)


1) عبد الله بن خازم ت 72 ه- 691 م: عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصّلت السّلمي البصري، أبو صالح، أمير خراسان، له صحبة، كان من أشجع الناس، أسود اللون كثير الشعر، يتعمم بعمامة خزّ سوداء يلبسها في الجمع و الأعياد و الحرب، و يقول: كسانيها رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم). قال البغدادي: هو أحد غربان العرب في الإسلام. له فتوحات و غزوات. وليّ إمرة خراسان لبني أمية و استمر عشر سنين. و في أيامه كانت فتنة ابن الزبير، فكتب إليه ابن خازم بطاعته، و أقرّه على خراسان، فبعث إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته فأبى فلما قتل مصعب بن الزبير بعث إليه عبد الملك برأسه فغسله و صلى عليه ثم انتقض عليه أهل خراسان فقتلوه و أرسلوا رأسه إلى عبد الملك. الإصابة 4: 60 برقم 4632 و العقد 1: 117 و الأعلام 4: 84.

2) طليحة الأسدي 21 ه- 642 م: طليحة بن خويلد الأسدي، من أسد خزيمة، متنبئ شجاع، من الفصحاء، يقال له« طليحة الكذاب» كان من الشجعان، قدم على النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) في وفد بني أسد سنة 9 ه فأسلم و أسلموا، و لما رجعوا ارتد طليحة و ادعى النبوة و كثر أتباعه. هزمه خالد ابن الوليد، ففر إلى الشام، ثم أسلم بعد أن أسلمت أسد و غطفان كافة و وفد على عمر فبايعه و خرج إلى العراق و حسن بلاؤه في الفتوح و استشهد بنهاوند الأعلام 3: 230.

3) عباد بن الحصين ت نحو 85 ه- 705 م: عباد بن الحصين بن يزيد بن عمرو الحبطي التميمي، أبو جهضم، فارس تميم في عصره، ولي شرطة البصرة أيام ابن الزبير و كان مع مصعب أيام قتل المختار، و شهد فتح كابل مع عبد الله بن عامر، و أدرك فتنة ابن الأشعث و هو شيخ مفلوج، و رحل إلى كابل فقتله العدو هناك. المعارف 182 و رغبة الآمل 3: 66 و الأعلام 3: 257.

4) عمير بن الحباب 70 ه- 690 م: عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، رأس القيسية في- - العراق، و أحد الأبطال الدهاة، كان ممن قاتل عبيد الله بن زياد مع إبراهيم بن الأشتر بالخازر ثم أتى إلى قرقيسيا خارجا على عبد الملك بن مروان، و تغلب على نصيبين، و اجتمعت عليه كلمة قيس كلها، و نشبت بينه و بين اليمانية و بني كلب و تغلب وقائع منها يوم ماكسين و يوم الثرثار الأول و يوم الثرثار الثاني ... و قتل عمير يوم الحشاك قتلته فيه بنو تغلب.

•

و رجال من الأنصار(1)

•

و الأشتر النخعيّ(2)

و ولاه علي على مصر فقصدها فمات في الطريق و هو من الأجواد. الأعلام 5: 259.

•

و قطريّ بن الفجاءة

•

و الحريش بن مالك السعديّ(3)

•

و شبيب الحروري. و غيرهم(4)

قالوا: ما استحيا شجاع قط أن يفرّ عن عبد الله بن خازم و قطري ابن الفجاءة صاحب الأزارقة.


1) في العقد 1: 118 و رجال الأنصار أشجع الناس ...

2) الأشتر النخعي ت 37 ه- 657 م: مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر، أمير، من كبار الشجعان، كان رئيس قومه، أدرك الجاهلية، و أول ما عرف عنه أنه حضر خطبة عمر بالجابية و سكن الكوفة و كان له نسل فيها و شهد اليرموك و ذهبت عينه فيها، و كان ممن ألّب على عثمان و حضر حصره بالمدينة و شهد يوم الجمل و أيام صفّين مع علي.

3) الحريش. ذكر في الإصابة 1/ 479 و غيره حريش بن هلال القريعي و قال: ذكر له أبو تمام أبياتا في الحماسة ثم ذكر بيتين مما نسب إلى الجحاف بن حكيم و قد مرّت الأبيات في موضع سابق و لم نقع على الحريش بن مالك.

4) شبيب الحروري 26- 77 ه- 647- 696 م: شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس الشيباني، أبو الضحاك، من الأبطال، و هو أحد كبار الثائرين على بني أمية، كان داهية طماحا إلى السيادة، خرج على الحجاج، و نادى بنفسه خليفة فبايعه 120 رجلا، و هزم جيوش الحجاج، و لم يستطع الحجاج التغلب عليه إلى أن أنجده عبد الملك بجيش من الشام بقيادة سفيان بن الأبرد الكلبي، و قتل أصحاب شبيب و نجا هو مع قليل منهم. فمر بجسر دجيل في نواحي الأهواز فنفر به فرسه و عليه الحديد الثقيل. فألقاه في الماء فغرق. الأعلام 3: 157 و انظر العقد 1: 117- 118.

و قالوا: ذهب حاتم(1)بالسخاء و الأحنف بن قيس بالحلم، و خريم(2)

أنعم من خريم. كان معاصرا للحجاج الثقفي و له معه خبر. انظر الأعلام 2: 304 و مجمع الأمثال 3: 411 برقم 4315« أنعم من خريم».

بالنعمة، و عمير بن الحباب بالشدّة، و كان شبيب الحروري يصيح في جنبات الجيش فلا يلوي أحد على أحد. و فيه يقول الشاعر:

إن صاح يوما حسبت الصخر منحدراو الريح عاصفة و الموج يلتطم

و لمّا قتل أمر الحجّاج بشقّ صدره، فإذا له فؤاد مثل فؤاد الجمل، فكانوا إذا ضربوا به الأرض ينزو كما تنزو المثانة المنفوخة(3).

و قال عبد الله بن الزبير: التقيت بالأشتر النخعي يوم الجمل فما ضربته حتّى ضربني (س 114) خمسا أو ستّا ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق و قال: و الله لو لا قرابتك من رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- ما اجتمع منك عضو إلى آخر الدهر. و كان عبد الله بن الزبير من مشاهير الفرسان(4).


1) حاتم الطائي ت 46 ق. ه- 578 م: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عديّ، فارس، شاعر، جواد، جاهلي، يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، وزار الشام فتزوج ماوية بن حجر الغسانية و مات في عوارض( جبل في بلاد طيى‌ء) عن الأعلام 2: 151 و خزانة الأدب 1: 494- 2: 164 و العقد 1: 117.

2) خريم بن خليفة بن الحارث بن خزيمة الغطفاني المرّي يضرب به المثل في التنعّم فيقال:

3) الخبر مع الشعر في العقد 1: 117، 118 و انظر العقد 3: 69

4) الخبر في العقد 1: 119، 120.

و ذكر متمّم(1)بن نويرة أخاه مالكا(2)و جلده فقال: كان يخرج في الليلة الصّنّبر عليه الشملة الفلوت بين المزادتين النّضوحين على الجمل الثفال معتقل الرمح الخطّي قالوا: و أبيك إنّ هذا لهو الجلد(3).

كتب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى النعمان بن مقرن و هو على الصائفة: أن استعن في حربك بعمرو بن معد يكرب و طليحة الأسدي و لا تولّهما من الأمر شيئا، فإنّ كلّ صانع أعلم بصناعته.

و كان خارجة بن حذافة(4)أحد فرسان قريش يعدل بألف فارس.

كتب عمرو بن العاصي إلى عمر رضي الله عنه يستمدّه بثلاثة آلاف


1) متمم بن نويرة ت 30 ه- 650 م: متمم بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو نهشل، شاعر فحل، صحابي، من أشراف قومه، اشتهر في الجاهلية و الإسلام. و كان قصيرا أعور. أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك. سكن متمم المدينة أيام عمر. عن الأعلام 5: 274.

2) مالك بن نويرة ت 12 ه- 634 م: مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو حنظلة، فارس، شاعر من أرداف الملوك في الجاهلية، يقال له: فارس ذي الخمار، و ذو الخمار فرسه، و في أمثالهم« فتى و لا كمالك»( مجمع الأمثال برقم 2762) و كانت فيه خيلاء، و له لمة كبيرة. أدرك الإسلام و أسلم، و ولاه رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) صدقات قومه، و لما صارت الخلافة إلى أبي بكر اضطرب مالك في أموال الصدقات و فرقها، و قيل: ارتد، فتوجه إليه خالد بن الوليد و قبض عليه و أمر ضرار بن الأزور فقتله. عن الأعلام 5: 267.

3) الخبر في العقد 1: 120 و الصنبر: البرد الشديد. و المزادتان النضوحتان: قربتا الماء، و الجمل الثفال: البطي‌ء. و الرمح الخطيّ: منسوب إلى الخط، و هي بلدة بالبحرين تنسب إليها الرماح الجيدة. و انظر عيون الأخبار 4: 31 ففيه حديث لمتمم يصف نفسه لعمر بن الخطاب.

4) خارجة بن حذافة ت 40 ه- 660 م: خارجة بن حذافة بن غانم من بني كعب بن لؤي، صحابي، من الشجعان، كان يعد بألف فارس. أمد به عمر بن الخطاب عمرو بن العاص فشهد معه فتح مصر و ولي شرطته. و اتفق أن عمر اشتكى بطنه ليلة الائتمار بقتله و قتل علي و معاوية فاستخلف خارجة على الصلاة بالناس، فقتله عمرو بن بكر الذي انتدب لقتل عمرو بن العاص. و قال قاتله لما علم خطأه: أردت عمرا و أراد الله خارجة. الأعلام 2/ 293.

فارس فأمدّه بخارجة بن حذافة و الزبير بن العوّام و المقداد بن الأسود(1).

و قتل خارجة- رحمه الله- بمصر، قتله الخارجيّ الذي أراد قتل عمرو بن العاصي و هو يظنّه عمرا. فقال: أردت عمرا و أراد الله خارجة(2).

و كان المقداد بن عمرو البهرانيّ(3)تبنّاه في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث الزهري فكان يقال له: المقداد بن الأسود، و كان من الفرسان الأبطال و المهاجرين الأولين، و هو الذي قال لرسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و الله لا نقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى(4): اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا ها هنا (س 115) قاعدون(5). و لكننا نقاتل من بين يديك و من خلفك و عن يمينك و عن شمالك(6).


1) المقداد بن الأسود 37 ق. ه- 22 ه- 587- 653 م: المقداد بن عمرو و يعرف بابن الأسود الكندي البهراني الحضرمي، أبو معبد أو أبو عمرو- صحابي، من الأبطال- هو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام، و هو أول من قاتل على فرس في سبيل الله. و كان في الجاهلية من سكان حضر موت و اسم أبيه عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي. و وقع بين المقداد و ابن شمر بن حجر الكندي خصام فضرب المقداد رجله بالسيف و هرب إلى مكة فتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري. فصار يقال له: المقداد بن الأسود إلى أن نزلت الآية.\i« ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ»\E شهد بدرا و غيرها و سكن المدينة و توفي على مقربة منها الأعلام 7: 282.

2) الخبر في العقد 4: 360.

3) المقداد بن عمرو البهراني هو المقداد بن الأسود. انظر خبره في السيرة: 449.

4) الأسود بن عبد يغوث. انظر خبره في السيرة 1: 449.

5) سورة المائدة 5/ 24.

6) انظر الخبر في السيرة النبوية 1: 449( أخبار وقعة بدر).

و الزّبير بن العوّام هو أوّل رجل سلّ سيفه في الله. قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- لكلّ نبيّ حواريّ و حواريّي الزّبير(1)

و مناسبة الحديث أنّ رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير:

أنا. و أخرجه مسلم في الفضائل عن جابر و لفظه: ندب رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم): لكل نبي حواري و حواريّ الزبير. و انظر إعراب الحديث للعكبري: 230 برقم 221.

. و الحواريّ الناصر.

و روي أنّ أميّة بن خلف(2)سأل عبد الرحمن بن عوف يوم بدر و أمية أسير عنده قبل أن تقتله الأنصار فقال: من الرجل منكم المعلم بريش نعامة في صدره؟

قال: قلت: ذلك حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله و عمّ نبيّه. قال: ذلك و الله الذي فعل بنا الأفاعيل(3).

و كان أبو بكر- رضي الله عنه- إذا ذكر يوم أحد يقول: ذاك يوم كلّه أو جلّه لطلحة. و قتل طلحة يوم الجمل فتمثّل فيه عليّ رضي الله عنه بقول (م 83) الشاعر:


1) أخبار الزبير مبثوثة في السيرة، أما الحديث فقد ورد في فيض القدير 4: 2097 برقم 2431 على هذا النحو: إن لكل نبي حواريا و إن حواري الزبير. قال محققه: صححه الألباني في صحيح الجامع 1: 2154 و أخرجه البخاري في صحيحه 6: 2846 و الترمذي في سننه 5: 3745 عن جابر و في 5: 3744 عن علي و أخرجه الحاكم في المستدرك عن الزبير و قال: صحيح على شرط الشيخين و وافقه الذهبي و الحواري: الوزير و الناصر و الخليل و خاصة الأصحاب.

2) أمية بن خلف 2 ه- 624 م: أمية بن خلف بن وهب من بني لؤي أحد جبابرة قريش في الجاهلية و من ساداتهم، أدرك الإسلام و لم يسلم، و هو الذي عذب بلالا الحبشي في بداءة ظهور الإسلام. أسره عبد الرحمن بن عوف يوم بدر، فرآه بلال فصاح بالناس يحرضهم على قتله فقتلوه. قتله رجل من الأنصار من بني مازن. السيرة النبوية 1: 531 و الأعلام 2: 22.

3) الخبر في السيرة النبوية 1: 463.

فتى كان يعطي السيف في الحرب حقّه‌إذا ما هو استغنى و تشقى به الجزر

و روي عن رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- أنّه قال: منّا خير فارس في العرب.

قالوا: من هو يا رسول الله قال: عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الأزور(1): ذلك منّا يا رسول الله. قال: ليس منكم و لكنه منّا، شهد مع رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- سائر المشاهد و استشهد في يوم بزاخة(2)قتله طليحة(3).

و كان يقال للأخرم الأسدي(4): فارس رسول الله، كما كان يقال لأبي قتادة الأنصاري(5)

خير فرساننا أبو قتادة. انظر السيرة النبوية 2: 754 و تهذيب التهذيب 6: 410 برقم 10186.

.

و كان خالد بن الوليد من فرسان العرب و شجعانهم، روي أنّ رسول


1) ضرار بن الأزور ت 11 ه- 633 م: ضرار بن مالك( الأزور) بن أوس بن خزيمة الأسدي، أحد الأبطال في الجاهلية و الإسلام، كان شاعرا مطبوعا له صحبة، و قاتل يوم اليمامة أشد قتال حتى قطعت ساقاه، فجعل يحبو على ركبتيه و يقاتل و الخيل تطؤه و مات بعد أيام في اليمامة. الإصابة 3: 269 برقم 4267 و الأعلام 3: 215.

2) يوم بزاخة: بزاخة ماء لبني أسد بن خزيمة التقى عليه خالد بن الوليد و طليحة بن خويلد الأسدي المرتد و هزمهم خالد. ثم عاد طليحة إلى الإسلام. البلاذري. البلدان: 112- 113.

3) انظر السيرة النبوية 1: 468.

4) الأخرم الأسدي ت 6 ه- 627 م: و اسمه محرز بن نضلة بن عبد الله بن مرة، من بني غنم من أسد بن خزيمة، صحابي، من الشجعان، يعرف بالأخرم الأسدي، أبو نضلة، شهد بدرا، و قتله عبد الرحمن بن عيينة الفزاري في غزوة ذي قرد. انظر خبره في غزوة ذي قرد في السيرة النبوية 2: 754 و الإصابة 1: 22 برقم 56 و 6: 48 برقم 7740 و الأعلام 5: 284.

5) أبو قتادة ت 54 ه: أبو قتادة الأنصاري السلمي فارس رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) و اسمه الحارث بن ربعي، و قيل: النعمان و قيل: عمرو .. و المشهور: الحارث بن ربعي بن بلدمة قال النبي( صلّى اللّه عليه و سلم):

الله- صلّى اللّه عليه و سلم- ذكره فقال: نعم عبد الله، و نعم أخو العشيرة، سيف (س 116) من سيوف الله(1)، سلّه الله على الكفّار و المنافقين. و كان رجلا عظيما جلدا مهيبا لا ينظر إليه رجل إلا ملأ صدره، و إليه كانت القبّة و الأعنّة في الجاهلية.

فأمّا القبّة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به جيوشهم. و أمّا الأعنّة فإنّه كان يكون على خيل قريش في الحروب. و كان على خيل رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- يوم الحديبية(2)و لم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- أعنّة الخيل فيكون في مقدّمتها في محاربة العرب.

و كان عمّار بن ياسر العنسيّ من الفرسان الأبطال، شهد جميع المشاهد مع رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- و قتل بصفّين و هو يقول: أيّها الناس، هل من رائح إلى الجنّة تحت العوالي. و كان رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- قد قال له:

تقتلك الفئة الباغية(3).


1) في عارضة الأحوذي جزء من هذا الحديث 3: 234.

2) لم يكن خالد قد أسلم يوم الحديبية، بل إنه كان في خيل قريش كما في السيرة النبوية 2: 777 فقد قال بشر بن سفيان الكعبي: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور و قد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، و هذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم.« العوذ المطافيل: الإبل ذات الألبان».

3) تقتلك الفئة الباغية: جاء في السيرة النبوية 1: 346( مقام رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة و منازله بها و بناء مسجده) قال ابن إسحاق: فدخل عمار بن ياسر و قد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلوني يحملون عليّ ما لا يحملون. قالت أم سلمة زوج النبي( صلّى اللّه عليه و سلم): فرأيت رسول الله( صلّى اللّه عليه و سلم) ينفض وفرته بيده و كان رجلا جعدا، و هو يقول: ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية. و في الجامع الصغير: و في الجامع الصغير: عمار تقتله الفئة الباغية 2: 66 عن أبي نعيم في الحلية عن أبي قتادة. و انظر العقد 4: 341.

و كذلك قتل عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي(1)

الإصابة 4: 39 برقم 4550 و الأعلام 4: 73.

بصفّين و كان من مشاهير الفرسان، فتمثّل فيه معاوية بقول حاتم الطائي:

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّهاو إن شمّرت يوما به الحرب شمّرا

كليث هزبر كان يحمي ذماره‌رمته المنايا قصدها فتفطّرا(2)

و لمّا غطّاه عبد الله بن عامر(3)بعمامته و واراه قال له معاوية: لقد واريت كبشا من كباش القوم و سيّد خزاعة غير مدافع.

و كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى همدان و غناها في الحرب يوم صفّين يقول (س 117):

ناديت همدان و الأبواب مغلقةو مثل همدان سنى فتحة الباب

كالهندوانيّ لم تفلل مضاربه‌وجه جميل و قلب غير و جّاب(4)

لهمدان أخلاق و دين يزينهم‌و أنس إذا لاقوا و حسن كلام

فلو كنت بوابا على باب جنّةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام


1) عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي 37 ه- 657 م: صحابي، كان من الدهاة الفصحاء، انتهت إليه السيادة في خزاعة. أسلم يوم الفتح، شهد حنينا و الطائف و تبوك. و قاتل مع عليّ بصفّين، فكان قائد الرجالة، و كاد يصل إلى معاوية فتكاثر عليه أصحاب معاوية فقتل.

2) البيت الأول في ديوان حاتم الطائي ص 256 ق 68 ب 20 و البيت الثاني من فوائت الديوان.

3) عبد الله بن عامر 4- 59 ه- 625- 679 م: عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة الأموي، أبو عبد الرحمن، أمير فاتح، ولد بمكة، و ولّي البصرة في أيام عثمان سنة 29 ه فوجه جيشا إلى سجستان فافتتحها صلحا و افتتح بلادا كثيرة حتى كابل. شهد وقعة الجمل مع عائشة و لم يحضر صفّين. ولّاه معاوية البصرة ثلاث سنين بعد اجتماع الناس على خلافته ثم صرفه عنها. فأقام بالمدينة و مات بمكة بعرفات. كان شجاعا سخيا وصولا لقومه رحيما محبا للعمران. قال الإمام علي: ابن عامر سيد فتيان قريش. الإصابة 5: 61 برقم 6175 و الأعلام 4: 94.

4) الخبر في العقد الفريد: 3: 390 و نسب إليه( إلى علي) صاحب العقد في الموضع نفسه أنه قال:- -

و سأل عمر رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب فقال: يا أبا ثور أيّ العرب أبغض إليك أن تلقاه(1)؟

قال: أمّا من قومي:

فوداعة من همدان

و عطيف من مراد،

و بلحارث من مذحج

و أمّا من معدّ:

فعديّ من فزارة

و مرّة من ذبيان

و كلاب من عامر

و منان من بكر بن وائل

و شنّ من عبد القيس

و الأرقم من تغلب

ثمّ لو جلت على مياه معدّ ما خفت هيج أحد ما لم يلقني حرّاها أو عبداها.

قال: أمّا حرّاها فعامر بن الطّفيل و عتيبة بن الحارث (م 84) بن شهاب و أمّا عبداها فعنترة الفوارس و سليك المقانب.


1) أسماء القبائل التي يذكرها ابن عبد ربه في العقد 3: 312 و ما بعدها في« كتاب اليتيمة في النسب و فضائل العرب».

و سئل المهلّب: من أشجع الناس و أفرسهم؟

فقال: ثلاثة:

ابن الكلبية(1)

و أحمر قريش(2)

و راكب البغلة(3)

فابن الكلبية مصعب بن الزبير أفرد في سبعة و أعطي الأمان و ولاية العراقين فأبى و مات كريما.

و أحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قطّ إلا كان في سرعانها.

و راكب البغلة عبّاد بن الحصين ما كنّا في كربة قطّ إلّا فرّجها.


1) ابن الكلبية- مصعب 26- 71 ه- 647- 690 م: مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أحد الولاة الأبطال في صدر الإسلام، كان عضد أخيه عبد الله في توطيد ملكه بالحجاز، ثم أرسله أخوه إلى البصرة سنة 67 ه فقصدها و ضبط أمورها و قتل المختار الثقفيّ، ثم عزله عبد الله عنها مدة سنة و أعاده في أواخر سنة 68 ه و أضاف إليه الكوفة و أحسن سياستها. وجه إليه عبد الملك بجيوشه فهزمها مصعب، ثم خرج له بنفسه و عرض عليه عرضا سخيا على أن يتراجع عن القتال فأبى مصعب، و قتل في معركة دير الجاثليق، قتله زائدة بن قيس السعدي و بمقتله نقلت بيعة أهل العراق إلى بني أمية بالشام. الأعلام 7: 247.

2) أحمر قريش عمر بن عبيد الله 22- 82 ه- 642- 701 م: عمر بن عبيد الله بن معمر ابن عثمان التيمي القرشي، سيد بني تيم في عصره، من كبار القادة الشجعان الأجواد. كان من رجال مصعب بن الزبير أيام ولايته بالعراق. و ولي له بلاد فارس و حرب الأزارقة سنة 68 ه و كان قبل ذلك على البصرة، أرسله عبد الملك بن مروان لقتال أبي فديك الخارجي سنة 73 ه فقتل من أصحابه نحو ستة آلاف و أسر ثمانمائة و عاد بعد ذلك إلى عبد الملك فكان من جلسائه. عن الأعلام 5: 54.

3) عباد بن الحصين: سبقت ترجمته.

فقال له الفرزدق(1)و كان حاضرا: و يحك فأين أنت عن عبد الله بن خازم السّلمي و عبد الله بن الزبير؟

فقال: و يحك إنّما ذكرنا الإنس و أمّا الجنّ فلم نذكرهم.

و عبد الله بن الزبير من الفرسان الشجعان، كان فيمن انتدب لغزو إفريقية (س 118) مع عبد الله بن أبي سرح و هو الذي قتل جرجير ملك إفريقية. و كان جرجير في حين القتال قد أبرز ابنته لجيوشه و جعلها على ديدبان خشب في عدّة من خدمها في الحلي و الحلل سافرة عن وجهها، و حلف لهم بالمسيح و النصرانية: لا قتل عبد الله بن أبي سرح رجل منكم إلّا زوّجته إيّاها و أنزلته في المنزلة التي لا يطمع فيها أحد غيره. فحرّض بذلك الروم تحريضا شديدا. و إنّ عبد الله بن أبي سرح لمّا انتهى إليه ما فعل جرجير نادى في أهل عسكره:

و الله لا قتل أحد منكم جرجيرا إلا نفّلته ابنته و ما معها. ثمّ زحف بمن معه من المسلمين فاستحرّ القتال و اضطرمت الحرب، و كان المسلمون عشرين ألفا، و جرجير في مئة و عشرين ألفا، فضاق بالمسلمين أمرهم و اختلفوا على ابن أبي سرح في الرأي، فدخل فسطاطه يخلو بنفسه و يفكّر في أمره. قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير و الناس على مصافّهم و هو خلف أصحابه منقطعا منهم على برذون أشهب، و معه جاريتان له تظّللانه من الشمس بريش الطواويس، فأتيت فسطاط ابن أبي


1) الفرزدق: ت 113 ه- 732 م: همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق، شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، و هو صاحب الأخبار مع جرير و الأخطل، كان شريفا في قومه، عزيز الجانب، و كان أبوه من الأجواد الأشراف و كذلك جدّه. عن الأعلام 8: 93، و للدكتور شاكر الفحام كتاب كبير عن الفرزدق صحح فيه الكثير مما قيل في أخباره. طبع في دار الفكر بدمشق.

سرح فقال: ما الخبر؟ فقصصت عليه القصة و قلت له: أخرج و اندب الناس لأني أخشى الفوت.

فخرج و قال: أيّها الناس انتدبوا مع ابن الزّبير إلى عدوّكم.

قال: فتسرّع إليّ جماعة اخترت منهم ثلاثين فارسا ثم قلت لهم: إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني فإنّي سأكفيكم ما أمامي (س 119) إن شاء الله تعالى.

قال: فحملت في الوجه الذي هو فيه و ذبّوا عني و اتّبعوني حتّى خرقت صفوفهم إلى أرض خالية فضاء بيني و بينه، فو الله ما حسبني إلا رسولا حتّى رأى ما رأى من السلاح فثنى برذونه هاربا، فأدركته فطعنته فسقط، فرميت بنفسي عليه فقطعت رأسه و رفعته على رمحي، و جال أصحابه جولة، و حمل المسلمون في ناحيتي و كبّروا و قتلوهم كيف شاؤوا.

و لمّا تنازع المسلمون في قتله و ابنته تنظر فيهم قالت: ما للعرب يتنازعون؟ فقيل لها: في قتل أبيك، فبكت و قالت: قد رأيت الذي قتل أبي.

فقال عبد الله بن أبي سرح لعبد الله بن الزبير: لم كتمتنا يا أبا بكر قتلك إياه؟ فقال: قد علم (م 85) الذي قتلته له. فنفّله ابن أبي سرح ابنة الملك جرجير.

فيقال إنّه اتّخذها أمّ ولد، و كان ابن الزبير في ذلك الوقت ابن بضع و عشرين سنة. و قتل- رحمه الله- في الكعبة في أيام عبد الملك بن مروان، حصره الحجّاج سبعة أشهر و قتله بعد قتال شديد في خبر طويل لا يسع شرحه هنا.

و رجال الأنصار أشجع الناس و أفرسهم، قال عبد الله بن عباس:

ما سلّت السيوف، و لا زحفت الزّحوف، و لا أقيمت الصفوف حتى أسلم أبناء قيلة يعني الأوس و الخزرج و هم الأنصار(1).

قال رسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- للأنصار: إنّكم لتقلّون عند الطّمع و تكثرون عند الفزع.

و قال معاوية يوما: يا معشر الأنصار، ما تطلبون عندي؟ فو الله لقد كنتم قليلا معي كثيرا عليّ. و لقد فللتم حدّي يوم صفّين حتّى رأيت المنايا تتلظّى من أسنّتكم.

فقال له قيس بن سعد(2): أمّا فلّنا حدّك يوم صفّين فأمر لا نعتذر منه.

و كانت بيعة الأنصار لرسول الله- صلّى اللّه عليه و سلم- على الموت.

قال غيلان بن جرير(3): قلت لأنس بن مالك: يا أبا حمزة أرأيت اسم الأنصار؟ اسم سمّاكم الله به أم أنتم كنتم تسمّون به أنفسكم؟


1) الخبر في العقد 1: 118.

2) قيس بن سعد ت 60 ه- 680 م: قيس بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي المدني، وال صحابي، من دهاة العرب ذوي الرأي و المكيدة في الحرب و النجدة و أحد الأجواد المشهورين، كان شريف قومه غير مدافع، و من بيت سيادتهم، و كان يحمل راية الأنصار مع النبيّ و يلي أموره. و في البخاريّ أنه كان بمنزلة الشرطيّ من الأمير. صحب عليا في خلافته فاستعمله على مصر سنة 36- 37 ه و عزل بمحمد بن أبي بكر و عاد إلى عليّ فكان على مقدمته يوم صفين ثم كان مع الحسن بن علي حتّى صالح معاوية، فرجع إلى المدينة و توفي بها في آخر خلافة معاوية، و قيل: هرب من معاوية سنة 58 ه و سكن تفليس فمات فيها و لم يكن في وجهه شعر و كان من أطول الناس و أجملهم. الأعلام 5: 206.

3) غيلان بن جرير أبو زيد المعولي الأزدي البصري العتكي الطيبي توفي سنة 129 ه- تهذيب التهذيب 8: 253 عن موسوعة رجال الكتب التسعة 3: 231 برقم 7215.

قال: بل اسم سّمانا الله به(1). قال حسّان بن ثابت الأنصاري(2):

سّماهم الله أنصارا بنصرهم‌دين الهدى و عوان الحرب تستعر

و سارعوا في سبيل الله و اعتزمواللنّائبات و ما خاموا و ما ضجروا

و النّاس إلب علينا فيك ليس لناإلّا السيوف و أطراف القنا وزر

نجالد الناس لا نبقي على أحدو لا نضيّع ما توحي به السّور

و ما يهزّ جناة الحرب ناديناو نحن حين تلظّى نارها سعر

كما رددنا ببدر دون ما طلبواأهل النفاق و فينا ينزل الظّفر

و نحن جندك يوم النعب من أحدإذ حرّبت بطرا أحزابها مضر

فما ونينا و ما خمنا و ما خبروامنّا عثارا و كلّ الناس قد عثروا(3)

و قال كعب بن زهير(4):


1) في جمع الفوائد 2: 651: غيلان بن جرير: قلت لأنس: أ رأيتم اسم الأنصار؟ أكنتم تسمّون به أم سماكم الله تعالى؟ قال: بل سمّانا الله. و كنا ندخل على أنس يحدثنا بمناقب الأنصار و مشاهدهم.

2) حسان بن ثابت ت 54 ه- 674 م: حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، الصحابي شاعر النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية و الإسلام، من سكان المدينة، مدح الغساسنة و ملوك الحيرة قبل الإسلام. كان شاعر الأنصار في الجاهلية و شاعر النبيّ في النبوة و شاعر اليمانين في الإسلام، و كان شديد الهجاء. لم يشهد مع النبيّ( صلّى اللّه عليه و سلم) مشهدا لعلة أصابته. الأعلام 2: 175- الإصابة 2: 8 برقم 1699 و للدكتور إحسان النص كتاب: حسان بن ثابت الأنصاري. ط دمشق.

3) القصيدة في ديوانه برقم 129 و الأبيات مختارة منها و قدّم لها محقق الديوان بقوله: و قال حسان لبني سليم يوم قدّمهم رسول الله يوم فتح مكة.

4) كعب بن زهير 26 ه- 645 م: كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المضرّب، شاعر عالي الطبقة من أهل نجد له ديوان شعر طبع مرارا، كان ممن اشتهر في الجاهلية،- - و لما ظهر الإسلام هجا النبيّ( صلّى اللّه عليه و سلم) فهدر دمه، فجاءه كعب مستأمنا و قد أسلم، و أنشده لاميته( بانت سعاد) فعفا عنه النبي( صلّى اللّه عليه و سلم) و خلع عليه بردته. الإصابة 5: 302 برقم 7405 و الأعلام 5: 226.

من سرّه كرم الحياة فلا يزل‌في مقنب من صالحي الأنصار (س 121)

ورثوا المكارم كابرا عن كابرإنّ الخيار هم بنو الأخيار

المكرهين السمهريّ بأذرع‌كسوالف الهنديّ غير قصار

و الناظرين بأعين محمرّةكالجمر غير كليلة الأبصار

و البائعين نفوسهم لنبيّهم‌للموت يوم تعانق و كرار (م 86)

يتطهّرون يرونه نسكا لهم‌بدماء من علقوا من الكفّار

دربوا كما دربت ببطن خفيّةغلب الرقاب من الأسود ضوار

و إذا حللت ليمنعوك إليهم‌أصبحت عند معاقل الأغيار

لو يعلم الأقوام علمي كلّه‌فيهم لصدّقني الذين أماري(1)

و لو تعرضنا لنأتي بما قيل في تقريظ الأنصار و مدحهم و افتخاراتهم و التعريف بفرسانهم و أبطالهم واحدا واحدا لخرمنا نظام التأليف و خرجنا عن مقصود التصنيف لا تّساع مجال القول في ذلك.


1) أبيات مختارة من أبيات أوردها ابن هشام في السيرة النبوية 2: 944 و انظر القصيدة كاملة في ديوان كعب- ط بيروت 1987 ص 19- 23.

الباب العشرون في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى النّصر في الحرب‌

اشارة

في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى النّصر في الحرب‌

[نصائح و توجيهات في صناعة الحرب]

اعلم أنّ عماد كلّ صناعة، و ثبات كلّ جماعة، القيّم العالم بالسياسة، المتحمّل للرياسة. فيجب أن يكون صاحب الجيش مطبوعا في صناعته، شجاعا في إقدامه، جبانا في تحرّزه، صادقا في نيّته، مستيقظا في حركته، ذكيا في بديهته، رؤوفا في رعيته، فإذا اجتمع (س 122) لمقدّم الجيش ما ذكرناه تولّد في فكره من أنواع الحيل و وجوه المكايد في حال يتصرّف فيها من محاربة عدوّه ما يكون مؤدّيا للظّفر.

فأول هذه الصفات السياسية: لين في غير ضعف، و شدة في غير عنف، و حسن السياسة يولّد الرياسة، قدّم الخوف على الرجاء، احذر العجل تأمن الزلل، تقحّم الحرب يشجّع القلب، من تهيّب عدوّه جهّز إلى نفسه جيشا، الهزيمة تحلّ العزيمة. الحيل أبلغ من العمل. الرأي السديد أجرأ من الأيّد الشديد. أظهر خلاف عزمك مورّيا عنه. احسم الأراجيف من جواسيس عدوّك. شدّة الصبر فاتحة النصر. توقّ مشاورة الجاهل. لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته.

خلّ العدوّ حتّى يزحف إليك. ارتصد الفرص حتّى يقال أبطأ. التأخّر بعد التمكّن هزيمة. التسرّع في غير قوّة يورث النكث. يسير النكث يكسر معظم العسكر. دار القلوب بما يقوّيها. قدّر زحفك و زحف العدوّ إليك. قدّم

أهل الظنّة أمامك. احذر العدوّ الباطن. احذر الإخلال بالمراكز. لا تجرّئك ورطة سلمت منها على معاودة مثلها. احذر كيد الجواسيس. أطع الكبير يطعك الصغير. احذر كيد المستأمنة إليك. اعمل على أنّ كلّ من في عسكرك عليك. خالف الإعجاب تجد الصواب. الطف في الأمر قبل إرهاق المكر.

قدّم أهل الشجاعة أمامك. لا تنس وضع الكمين عند اللقاء. (س 123) احذر كمين عدوّك، في هذه الحال لا ترض (م 87) أن تأخذ من عدوّك مثل الذي تعطيه.

قوة النفس في الحرب أبلغ من قوّة البدن. كن في عسكرك مجهولا عند لقاء العدوّ. لا تستضعف العدوّ فتفتر. لا تستهزئ بأوليائك فتهون على أعدائك. إن بخلت بالمال على إخوانك جدت به على أعدائك.

لا تدع المقدّمة المنكوبة تدخل العسكر إلّا في ستر. لا تحارب بمن لا يخافك. لا تحارب بمن لا يرجوك. لا تحارب بمن لا يحتاج إليك. لا تبلغ في آثار المنهزمين. احذر التعريض للنهّب إلا بعد الإبلاغ في النكاية. تفقّد تعبئتك عند المواقعة. لا تهمل التعبئة عند المناوشة فإنّ فساد التعبئة من أعظم الخلل. بذل الأمان عند دفعك على العدوّ فرصة. احذر اختلاف أصحابك. استمل رؤساء عدوّك. لا تجعل النهر وراءك عند الزحف. إذا حاربت عدوّك فعدّه كفؤا. بالغ في الهزيمة ثم تعرّض للغنيمة. من خفر ضمانه بطل أمانه. أخّر الحرب ما استطعت فإنّ النّفقة فيها من النفوس فإن لم يكن منها بدّ فاجعلها آخر النهار. الأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة. ربّ مكيدة أبلغ من نجدة. ربّ كلمة هزمت عسكرا. النصر مع

التدبير. التدبير قبل التدمير. التقدير قبل التغرير. الحذر أنصح ذوّادك و أمتع أجنادك مع معونة الله تعالى لك. التفكّر في العاقبة عند التلبّس بالحرب أمارة الجزع. الجهل في الحرب أحزم من العقل. الفكرة تصلح الرأي قبل التحام الحرب و تفسده بعده.

المراجع‌

مراجع التحقيق منسوقة على الحروف- الإحاطة في أخبار غرناطة- لسان الدين بن الخطيب. تح محمد عبد الله عنان/ الخانجي- القاهرة 1977 م.

•

الأحكام السلطانية- الماوردي- دار الكتب العلمية- بيروت 1982 م.

•

الأذكار- النووي. البابي الحلبي- القاهرة 1955 م.

•

أسد الغابة- ابن الأثير- ط- كتاب الشعب- القاهرة.

•

الإصابة- ابن حجر- تح البجاوي- مط- نهضة مصر 1971- 1972 م.

•

إعراب الحديث النبوي- العكبري- تح عبد الإله نبهان- دار الفكر- دمشق 1989 م.

•

الأعلام- خير الدين الزركلي- دار العلم للملايين- بيروت 1980 م.

•

الأغاني- أبو الفرج الأصفهاني- دار الكتب المصرية و الهيئة العامة، القاهرة.

•

الأمالي- أبو علي القالي- دار الجيل- بيروت 1987 م.

•

أمالي المرزوقي- المرزوقي أحمد بن محمد- تح د. يحيى وهيب الجبوري- دار الغرب الإسلامي- بيروت 1995 م.

•

البلدان و فتوحها و أحكامها- البلاذري- تح د. سهيل زكار- دار الفكر- بيروت 1992 م.

•

تاريخ الرسل و الملوك- ابن جرير الطبري- تح محمد أبو الفضل إبراهيم- دار المعارف بمصر.

•

تذكرة الموضوعات- محمد طاهر بن علي الهندي- إدارة الطباعة المنيرية بمصر- 1343 ه.

•

تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي محمد بن أحمد- دار الكتب المصرية 1966 م.

•

كتاب الجهاد- ابن أبي عاصم- تح مساعد بن سليمان الراشد الحميد- مكتبة العلوم و الحكم- المدينة المنورة 1989 م.

•

جامع الأحاديث- السيوطي- جمع و ترتيب عباس صقر و أحمد عبد الجواد- دار الفكر- بيروت 1994 م.

•

جواهر البحار في الأحاديث الصحيحة القصار- جمع و شرح عبد الله بن عبد القادر التاليدي- دار البشائر الإسلامية- بيروت 1998 م.

•

حلية الفرسان و شعار الشجعان- ابن هذيل- مركز زايد للتراث و التاريخ- العين 2002 م

•

الخيل- أبو عبيدة- تح محمد عبد القادر أحمد. مط النهضة العربية- القاهرة 1986

• ديوان امرى‌ء القيس و ملحقاته- بشرح أبي سعيد السكري. تح د.

أنور عليان أبو سويلم و د. محمد علي الشوابكة. مركز زايد للتراث و التاريخ. العين 2000 م.

•

ديوان أبي تمام- تقديم و شرح د. محيي الدين صبحي- دار صادر بيروت 1997 م.

•

ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي و أخباره- دراسة و تحقيق د. عادل سليمان جمال. الخانجي- القاهرة 1990 م.

•

ديوان حسان بن ثابت- تح د. وليد عرفات. دار صادر- بيروت 1974 م.

•

ديوان الحماسة بشرح المرزوقي- تح أحمد أمين و عبد السلام هارون. مط لجنة التأليف و الترجمة و النشر بالقاهرة 1967 م.

•

ديوان أبي فراس الحمداني حسب الرواية المغربية- إعداد د.

محمد بن شريفة. صدر عن مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري. الكويت 2000 م.

•

ديوان أبي فراس الحمداني بشرح ابن خالويه حسب المخطوطة التونسية- إعداد د. محمد بن شريفة. صدر عن مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري. الكويت 2000 م.

•

ديوان لقيط بن يعمر- تح د. محمد التونجي- دار صادر. بيروت 1998 م.

•

ديوان المتنبي- العرف الطيب بشرح ديوان أبي الطيب- ناصيف اليازجي- دار صادر. بيروت.

•

ديوان ابن المعتز- دار صادر- بيروت.

•

ديوان النابغة الجعدي- تح د. واضح الصمد. دار صادر. بيروت 1998 م.

•

سراج الملوك- الطرطوشي. تح محمد فتحي أبو بكر. الدار المصرية اللبنانية 1994 م.

•

سعيد بن جودي السعدي الألبيري الأندلسي (سيرته و مجموع شعره)- جمع و تحقيق د. محمد رضوان الداية.

مركز جمعة الماجد بدبّي و دار الفكر بدمشق 1997 م.

•

السيرة النبوية- ابن هشام. بشرح الوزير المغربي. تح د. سهيل زكار. دار الفكر- لبنان 1992 م

•

شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن بشرح السرخسي- ج 1 و 2 و 3 بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ج 4 و 5 بتحقيق عبد العزيز أحمد. معهد المخطوطات العربية بالقاهرة:

1971 م.

•

شرح صحيح مسلم المسمى إكمال المعلم بفوائد مسلم- للقاضي عياض تح. د. يحيى إسماعيل. دار الوفاء- المنصورة- 1998 م.

•

شعر الخوارج- جمع و تقديم د. إحسان عباس. دار الثقافة- بيروت 1974 م.

•

شعر ابن عبدربه الأندلسي- صنعة د. محمد أديب عبد الواحد جمران- مكتبة العبيكان- الرياض 2000 م.

•

شعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي- جمعه و حققه مطاع طرابيشي- مجمع اللغة العربية بدمشق 1985 م.

•

شعراء إسلاميون- د. نوري حمودي القيسي- عالم الكتب. بيروت 1984 م.

•

الطبقات الكبرى- ابن سعد. تح د. إحسان عباس. دار صادر.

بيروت.

•

عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي- إعداد هشام سمير بخاري. دار إحياء التراث العربي- بيروت.

•

العقد الفريد- ابن عبدربه- تح أحمد أمين و أحمد الزين و إبراهيم الأبياري دار الكتاب العربي- بيروت 1982 م.

•

عين الأدب و السياسة- ابن هذيل الأندلسي- دار الكتب العلمية- بيروت 1985 م.

•

عيون الأخبار- ابن قتيبة- دار الكتب المصرية 1925 م.

•

الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة- الشوكاني تح عبد الرحمن بن يحيى و عبد الوهاب عبد اللطيف. مطبعة السنة المحمدية- القاهرة.

•

فيض القدير شرح الجامع الصغير- المناوي- تح حمدي الدمرداش محمد، مكتبة نزار مصطفى الباز. مكتبة الرياض 1998 م.

•

القاموس المحيط- الفيروزآبادي. ط بولاق.

•

الكامل- للمبرد ط. بيروت. و طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق د. محمد أحمد الدالي. بيروت.

•

كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم- التهانوي. بإشراف د. رفيق عجم مكتبة لبنان- ناشرون. بيروت 1996 م.

•

اللآلى‌ء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة- السيوطي. دار المعرفة- بيروت 1981 م.

•

لزوم ما لا يلزم- أبو العلاء المعري- دار صادر- بيروت.

•

لسان العرب ابن منظور- طبعة دار صادر- بيروت.

•

مجمع الأمثال- الميداني- تح محمد أبو الفضل إبراهيم- البابي الحلبي- القاهرة 1977.

•

مسند أحمد- شرحه وضع فهارسه حمزة أحمد الزين. دار الحديث- القاهرة 1995 م.

•

المصنوع في معرفة الحديث الموضوع- علي القاري الهروي المالكي. تح عبد الفتاح أبو غدّة- الرياض- القاهرة 1984 م.

•

معجم البلدان- ياقوت- دار صادر- بيروت.

•

معجم الشعراء الجاهليين- د. عزيزة فوال بابتي- دار صادر- بيروت 1998 م.

•

المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي- أ. ي و نسنك و ي. ب منسنغ. مط بريل 1969 م ليدن- هولاندة.

•

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن- أحمد فؤاد عبد الباقي- ط دار الشعب- معجم ما استعجم من أسماء البلاد و المواضع. عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي تح مصطفى السقا. عالم الكتب- بيروت.

•

معجم ما استعجم من أسماء البلاد و المواضع- عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي- تح مصطفى السقا. عالم الكتب- بيروت.

•

موسوعة رجال الكتب التسعة- د. عبد الغفار سليمان البنداري و سيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية. بيروت 1993 م.

•

الموسوعة العربية العالمية- ط 2. الرياض 1999 م.

•

الموضوعات- ابن الجوزي. تح عبد الرحمن أحمد محمد عثمان.

المكتبة السلفية المدينة 1966 م.

•

نسب قريش- المصعب الزبيري. تح ليفي بروفنسال. دار المعارف بمصر 1982 م.

•

نقد الشعر- قدامة بن جعفر. تح كمال مصطفى- الخانجي بالقاهرة 1978 م.

•

نفح الطيب- المقّري. تح د. إحسان عباس. دار صادر- بيروت.

•

الوافي بالوفيات- الصلاح الصفدي. ج 11- إعداد د. شكري فيصل النشرات الإسلامية. فرانز شتاينر شتوتغارت 1991 م.

•

الوسيط- مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1993 م.

•

يتيمة الدهر- أبو منصور الثعالبي. تح محمد محيي الدين عبد الحميد- التجارية الكبرى القاهرة. 1956 م.

الفهارس العامة

اشارة

1.

فهرس الآيات القرآنية الكريمة

2.

فهرس الأحاديث الشريفة

3.

فهرس الأثر

4.

فهرس الأمثال

5.

فهرس الشعر

6.

فهرس الأعلام

7.

فهرس الأمم و الجماعات و القبائل

8.

فهرس الأماكن

9.

فهرس الأيام و الغزوات و الحروب

10.

فهرس الكتب المذكورة في تحفة الأنفس

11.

فهرس المصطلحات و الألفاظ الخاصة

12.

فهرس أبواب الكتاب

فهرس الآيات القرآنية الكريمة

الآية/ اسم السورة/ رقم السورة/ رقم الآية/ الصفحة

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا/ البقرة/ 2/ 218/ 64

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ/ البقرة/ 2/ 126/ 85

وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ/ البقرة/ 2/ 250/ 211

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ/ البقرة/ 2/ 217/ 181

وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ/ البقرة/ 2/ 195/ 222، 223

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ/ آل عمران/ 3/ 169، 172/ 66

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا/ آل عمران/ 3/ 200/ 75، 229، 238

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كُنْتَ/ آل عمران/ 3/ 159/ 115، 116

وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ/ آل عمران/ 3/ 159/ 120

وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ مَنْ يُرِدْ/ آل عمران/ 3/ 145/ 122

وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ/ آل عمران/ 3/ 139/ 169

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ/ آل عمران/ 3/ 185/ 171

وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ/ آل عمران/ 3/ 121/ 200

وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا/ آل عمران/ 3/ 147، 148/ 211

يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ/ آل عمران/ 3/ 125/ 215

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ/ آل عمران/ 3/ 155/ 300

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ/ النساء/ 4/ 74/ 64

وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ/ النساء/ 4/ 95/ 64

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي/ النساء/ 4/ 95/ 86

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ/ النساء/ 4/ 59/ 129

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ/ المائدة/ 5/ 54/ 64، 65

فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ/ المائدة/ 5/ 24/ 342

وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ/ الأنفال/ 8/ 60/ 88، 290

إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا/ الأنفال/ 8/ 45/ 88، 162، 229، 289

إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ/ الأنفال/ 8/ 15/ 88

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ/ الأنفال/ 8/ 65/ 88، 161، 218

تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ/ الأنفال/ 8/ 67/ 96

وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ/ الأنفال/ 8/ 42/ 121

وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ/ الأنفال/ 8/ 46/ 123، 133، 162، 229

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا/ الأنفال/ 8/ 15، 16/ 217

الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً/ الأنفال/ 8/ 66/ 218

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ/ التوبة/ 9/ 120، 121/ 65

انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ/ التوبة/ 9/ 41/ 85

قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا/ التوبة/ 9/ 123/ 85

وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْ لا/ التوبة/ 9/ 122/ 86

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ/ التوبة/ 9/ 111/ 65، 240

وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ/ التوبة/ 9/ 25/ 303

ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ/ النحل/ 16/ 125/ 182

فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا/ الإسراء/ 17/ 5/ 149

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا/ الكهف/ 18/ 110/ 95

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ/ الكهف/ 18/ 20/ 169

وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ/ الحج/ 22/ 78/ 63

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا/ الحج/ 22/ 58، 59/ 64

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ/ الحج/ 22/ 19/ 243

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا/ العنكبوت/ 29/ 69/ 64

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ/ الأحزاب/ 33/ 16/ 163، 164

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ/ الأحزاب/ 33/ 35/ 237

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ/ الزخرف/ 43/ 13/ 100

وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَ/ محمد/ 47/ 10، 13/ 65

فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ/ محمد/ 47/ 4، 5، 6/ 89

إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ/ محمد/ 47/ 35/ 167، 168، 300

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ/ الفتح/ 48/ 7/ 170

ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى/ الحشر/ 59/ 29/ 187

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي/ الممتحنة/ 60/ 5/ 119

وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ/ الأنفال/ 8/ 1- 4/ 121

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ/ الصف/ 61/ 42/ 63

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا/ الصف/ 61/ 4/ 65، 163، 200، 220

لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً/ الإنسان/ 76/ 9/ 98

وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ/ البيّنة/ 98/ 5/ 87، 88

فهرس الأحاديث النبوية الشريفة

أول الحديث الصفحة

أ أذن لك سيدك؟ قال: لا قال: لو قتلت لدخلت النار 186

ابغوني في الضعفاء فإنما ترزقون بهم و تنصرون 115

أخاف أن يقال: محمد يقتل أصحابه 122

إذا أكثبوكم فارموهم، و لا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم 206

إذا لقيتم العدو فشعاركم" حم. لا ينصرون" 117

ارموا و اركبوا 313

أعطى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم الزبير ساعدي ديباج ليقاتل بهما 214

أفضل رباط على وجه الأرض جزيرة الأندلس، شرقيها 81

أقطف القوم دابة أميرهم 114

اللهم اكسه جمالا 230

اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فلما 198

اللهم أنت عضدي و نصيري بك أحاول و بك أصاول 200

اللهم يسر لنا في سفرنا هذا التقوى، و من العمل ما ترضى 100

أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا 85

إن بيّتم فليكن شعاركم:" حم لا ينصرون" 198

أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا فأشرك معي 98

أنا أفرس بالخيل منك 313

أنا أقتلك إن شاء الله 260

إن الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع و لا 113

إن الله لا يضحك في يوم الحساب إلا للغزاة في سبيله، و الكريم 72

إن رجلا توفي على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم فقال بعضهم: يا رسول 78

إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله 69

إن مثل الذين يغزون من أمتي و يأخذون الجعل و ينفقونه على 315

إن نبيا ممن كان قبلكم: ثم قال كلمة معناها أعجبته كثرة أمته 199

إنا لا نستعين بمشرك 184

إنكم لتقلّون عند الطمع و تكثرون عند الفزع 351

إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموطن 248

إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى 88

إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل، فإذا كان يوم 98

انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما أفسد جيش قط إلا سلط 123

أوصاني رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم بثلاث: أحدها أن أسمع و أطيع و لو 131

أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله و جهاد في سبيله 66

أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد في سبيل الله بماله 66

بعثت لأتمم مكارم الأخلاق 257

بعثت مرحمة، و مرغمة، و لم أبعث تاجرا و لا زارعا و إن شر 124

بل هو الحرب و الرأي و المكيدة 197

بهذا أنزلت الحرب، من قاتل فليقاتل قتال عاصم 216

تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت 214

تقتلك الفئة الباغية 345

تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا 70

ثلاثة يحبهم الله حبا شديدا .. و رجل في فئة في سبيل الله 221، 222

ثنتان لا تردّان: الدعاء عند الأذان، و الدعاء عند البأس 211

جعل رزقي تحت ظل رمحي، و جعل الصغار و الذلة على من 314

الجنة تحت ظلال السيوف 315

الجهاد ماض مذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال 89

الحرب خدعة 306

خلّ بين الرجل و بين جرابه يذهب به إلى أصحابه 191

خير الأصحاب أربعة، و خير الطلائع أربعون، و خير السرايا 303

خير دينكم أيسره 116

رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر 77

رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما فيها 77

رباط يوم و ليلة خير من صيام شهر و قيامه، و إن مات جزي 77

روي أن عينا من المشركين جاء إلى رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم فلما طعم 120

سيروا بسير أضعفكم 113

سيليكم بعدي ولاة، البر ببره و الفاجر بفجوره فاسمعوا و أطيعوا 130

سينقطع الجهاد و الرباط إلا بجزيرة يقال لها الأندلس بالمغرب 81

الشجاعة و الجبن غرائز يضعها الله فيمن يشاء من عباده 286

الشهيد لا يجد ألم الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة 72

الشهيد يشفع في سبعين من جيرانه حتى إن الجيران 71

صافحوا الغزاة في سبيل الله، فإنه من صافح غازيا في سبيل 108

صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة 232

الضعيف أمير الرفقة 114

طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة 313

ظاهر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بين درعين يوم أحد 248

على المرء المسلم الطاعة فيما أحب و كره إلا أن يؤمر بمعصية 130

عينان لا تمسهما النار، عين بكت في جوف الليل 67

قام رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يوما من مسجده فأشار بيده مسلّما تلقاء 81، 82

قوموا إلى جنة عرضها السماوات و الأرض 161، 168

كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم أشجع الناس، و كان يتعوذ بالله من الجبن 257

كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يعرض غلمان الأنصار في كل عام فمرّ به 185

كنت أنبل على عمومتي إذ أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم 258

لا تحل الجنة لعاص 132

لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله 187

لا تمنّوا لقاء العدو و اسألوا الله العافية، فإذا ألفيتموهم فاثبتوا 212

لا يتقدم أحدكم إلى شي‌ء حتى أكون أنا دونه 161

لا يجتمع الإيمان و الشح في جوف رجل مسلم، و لا يجتمع غبار 68

لا يجتمع كافر و قاتله في النار أبدا 68

لا يزال الناس بخير ما استقام لهم هداتهم و ولاتهم 130

لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها 67

لكل نبيّ حواريّ و حوارييّ الزبير 343

للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة و يرى 71

لم يكن صلّى اللّه عليه و سلم يتلثم من الغبار في سبيل الله 68

لموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند 69

لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة 224

لن يكلم أحد في سبيل الله و الله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا 70

لو أن هذه الأمة انتهت عند ما أمرت لأكلوا غير زارعين لأن 313

لو قمت الليل و صمت النهار ما بلغت نوم المجاهد أو ما بلغت 66

لو لا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف سرية 86

ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا و له ما في 71

ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار 67

ما بال قوم يفعلون كذا (ثم ينهى عموما أو يأمر عموما) 122

ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد 66

ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كتفلة تفلها أحدكم في بحر 70

ماذا عملت فيها علمت؟ فيقول: أي رب، قاتلت فيك حتى 97

ما من عبد يناول أخاه شيئا فينتفع به في غزو إلا كان له 105

مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات 67، 68

من أظل رأس غاز أظله الله في ظله يوم القيامة، و من جهز 105، 106

من أعطى مجاهدا رمحا أو ترسا أعانه بها، يجي‌ء يوم القيامة 108

من ترك كلا أو ضياعا فإليّ أو عليّ 318

من جاهد في سبيل الله خالص النفس طيب المال كتب الله تعالى 70

من جرح جرحا في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء 70

من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا 105

من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله 313

من رابط فواق ناقة حرّمه الله على النار 77

من رابط يوما في شهر رمضان في سبيل الله كان أفضل من عبادة 78

من سلّم على مجاهد سلّمت الحور العين عليه، و من أعان 108

من طلب الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء و إن مات على 71، 96

من قاتل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، فإن و قصه 72

من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله تعالى و فيه ثلمة 69

من لم يغز و لم يحدّث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق 69

من يأتيني بخبر سعد بن الربيع الأنصاري؟ فقال رجل أنا 231

ندب رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم إلى قتل يهودي فقال له رجل: يا رسول 97

نعم عبد الله، و نعم أخو العشيرة، سيف من سيوف الله، سلّه 345

هذا شريد أبي عامر 234

و الذي نفسي بيده إن نفسا لن تموت حتى تستكمل 171، 172

و الذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا 161

و إن أمّر عليكم عبد حبشي فاسمعوا و أطيعوا. 131

يا عبد الله بن عمر، على أي حال قاتلت بعثك الله على تلك 98

يبعث من كل رجلين رجل و الأجر بينهما 87

يد الله على الجماعة ما ائتلفت قلوبهم 220

فهرس الأثر

الأثر الصفحة

ابن عباس: أدنى ما ينقلب به مشيّع الغازي في سبيل الله سبعون ضعفا أدناها مغفرة تجمع بينه 107

ابن عمر: اغزوا مادام الغزو حلوا خضرا قبل أن يكون مرّا عسرا، ثم يكون ثماما ثم يكون 80

عصمة بن راشد عن أبيه: سمعت قوما من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم يفضلون 78

معاذ بن جبل: الطاعم في سبيل الله كالصائم سرمدا في غيره، و حسنة من حسنات المرابط 80

ابن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، و الرباط لحقن دماء المسلمين، و حقن دماء 78

ابن عباس: قاتل أنت على حظك من الآخرة 89

ابن رواحة: لأن أشيّع رفقة غادية في سبيل الله أو رائحة حتى أبلغ مهم منزلهم و أردّ عليهم 107

أبو هريرة: لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم أصومها و أقوم ليلها في المسجد الحرام 78

علي بن أبي طالب: لصلاة الرجل متقلدا سيفه في سبيل الله فضل على صلاته بغير تقليد 79

نبي من الأنبياء: لا يغز معي رجل بنى بناء لم يكمله، و لا رجل تزوج بامراة و لم يدخل بها، و لا 124

محمد بن كعب القرضي: من سقى غازيا شربة من ماء سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة 106

علي بن أبي طالب: من سقى لغاز فرسا أو حسّه أو جلله أو مسح خده أو قام إليه بمخلاته 106

عمر بن الخطاب: من صحب رفقة غزاة فخفّ لهم في كف دوابهم و نفض أحلاسهم فله من 107

ابن عباس: من صلى ركعتين تطوعا حين يخرج غازيا في سبيل الله فهلك في وجهته تلك 99

شهر بن حوشب: ما من بقعة من الأندلس إلا و لها ثواب لا يدركه العاملون، يبعث الله أهل 82

أبو الدرداء: يا أيها الناس، عمل صالح قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم. 95

فهرس الأمثال‌

المثل الصفحة

احرص على الموت توهب لك الحياة 269

الحرب خدعة 306

الشاة المذبوحة لا تألم السلخ 187

مكره أخوك لا بطل 270

فهرس الشعراء

اسم الشاعر/ القافية/ عدد الأبيات/ البحر/ الصفحة

أبو الطيب المتنبي/ الثاني/ 2/ كامل/ 263

أبو الطيب المتنبي/ الشجعانا/ 1/ خفيف/ 275

أبو الطيب المتنبي/ جبانا/ 1/ خفيف/ 281

أبو العشائر الحمداني/ تنحط/ 2/ كامل/ 329

أبو دجانة سماك بن خرشة/ بحقه/ 6/ رجز/ 248

أبو دجانة سماك بن خرشة/ النخيل/ 4/ رجز/ 248

أبو دلف/ أنسي/ 3/ مجزوء الرجز/ 324

أبو ذر الخشني/ الجنان/ 3/ وافر/ 316

أبو زهير الحمداني/ نزار/ 2/ وافر/ 329

أبو سفيان بن حرب/ لغروب/ 3/ طويل/ 225

أبو سعيد المخزومي/ شغلي/ 9/ بسيط/ 322

أبو فراس الحمداني/ المعالي/ 15/ وافر/ 327

أحمد المعري/ للشّبم/ 1/ بسيط/ 205

ابن عبد ربه الأندلسي/ ذكور/ 6/ وافر/ 305

ابن علفة/ جانبا/ 2/ طويل/ 268

الجحاف ابن حكيم/ للطام/ 3/ وافر/ 171

الحصين بن الحمام/ اتقدما/ 2/ طويل/ 270

السموأل/ قتيل/ 2/ طويل/ 271

السموأل/ و سلول/ 7/ طويل/ 321

الشداخ/ فشل/ 2/ خفيف/ 284

الضحاك الحروري/ وقع/ 3/ الرجز/ 285

المبرد/ البواكيا/ 2/ طويل/ 324

المهلب بن أبي صفرة/ نحيبها/ 2/ طويل/ 320

النابغة الجعدي/ و تنفرا/ 5/ طويل/ 325

النمر بن تولب العكلي/ تقدما/ 4/ متقارب/ 274

بشامة بن جزء النهشلي/ المحامونا/ 1/ بسيط/ 271

بعض الشعراء/ الهدى/ 10/ كامل/ 178

بعض الشعراء/ حمل/ 1/ طويل/ 283

بعض الشعراء/ شرّع/ 4/ طويل/ 323

بكر بن النطاح/ يسأل/ 3/ طويل/ 322

جرير بن الخطفي/ ناج/ 1/ كامل/ 283

حاتم الطائي/ شمرا/ 2/ طويل/ 346

حبيب بن أوس/ حليم/ 2/ كامل/ 292

حسان بن ثابت الأنصاري/ تستعر/ 8/ بسيط/ 352

دريد ابن الصمة/ و أضع/ 4/ مجزوء الرجز/ 155

دريد ابن الصمة/ الغد/ 2/ طويل/ 190

زيد بن سهل/ صيد/ 2/ رجز/ 232

زهير بن جناب/ الحريق/ 5/ خفيف/ 319

سعيد بن جودي/ لتهجاع/ 4/ سريع/ 330

شاعر/ ذل/ 1/ بسيط/ 171

شاعر/ البارحة/ 6/ رجز/ 239

شاعر/ السدد/ 8/ رجز/ 239

شاعر/ الأقدم/ 5/ رجز/ 239

شاعره/ معجوب/ 1/ بسيط/ 253

شاعر/ المحراب/ 1/ كامل/ 275

شاعر/ ما هيا/ 1/ طويل/ 277

شاعر/ الأجل/ 2/ متقارب/ 283

شاعر/ عنا/ 1/ رجز/ 295

شاعر/ الصبر/ 1/ طويل/ 309

شاعر/ ذكورا/ 1/ متقارب/ 315

شاعر/ يلتطم/ 1/ بسيط/ 340

شاعر/ الجزر/ 1/ طويل/ 344

شداد بن الأسود (ابن شعوب)/ الشمس/ 2/ رجز/ 225

شداد بن الأسود (ابن شعوب)/ مجيب/ 2/ طويل/ 225

عبد الله بن المعتز/ لم أخم/ 8/ بسيط/ 326

علي بن أبي طالب/ و أكرما/ 2/ طويل/ 169

علي بن أبي طالب/ الهزاهز/ 4/ مجزوء الكامل/ 247

علي بن أبي طالب/ قدر/ 2/ رمل/ 272

علي بن أبي طالب/ الباب/ 2/ بسيط/ 346

عمرو بن أبي أمامة/ فوقه/ 4/ رجز/ 282

عمرو بن الإطنابة/ الربيح/ 4/ وافر/ 272

عمرو بن عبد ودّ/ مبارز/ 4/ مجزوء الكامل/ 246

عمرو بن معد يكرب/ جهول/ 3/ كامل/ 287

عمرو بن معد يكرب/ القياد/ 15/ وافر/ 320، 321

عمرو بن هشام (أبو جهل)/ سنّي/ 3/ رجز/ 234

عمير بن الحمام/ المعاد/ 5/ رجز/ 161

عنترة بن شداد/ بمعزل/ 3/ كامل/ 273

عيسى بن موسى/ غمدي/ 3/ رجز/ 157

قطري بن الفجاءة/ لحمام/ 4/ كامل/ 267

قطري بن الفجاءة/ لا تراعي/ 6/ وافر/ 274

قطري بن الفجاءة/ تجتلد/ 7/ بسيط/ 323

قيس بن ثعلبة/ أغلينا/ 7/ بسيط/ 328، 329

كعب بن زهير/ الأنصار/ 9/ وافر/ 353

لقيط الإيادي/ و منتجعا/ 20/ بسيط/ 172، 177

مالك بن عوف النصري/ محمد/ 4/ كامل/ 261

مالك بن عوف النصري/ اقدم/ 2/ كامل/ 331

معاوية بن أبي سفيان/ فجبان/ 1/ طويل/ 291

محمد بن عبد الله بن طاهر/ بنباح/ 3/ سريع/ 325

محيصة بن مسعود/ قاضب/ 3/ طويل/ 254

نصر بن سيار/ ضرام/ 3/ وافر/ 287

نهشل بن حري/ الجمر/ 2/ طويل/ 230

هارون الرشيد/ لجام/ 1/ طويل/ 331

هاشم بن عتبة أبي وقاص/ ملا/ 3/ رجز/ 233

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص/ معقولا/ 1/ رجز/ 233

هدبة العذري/ أركب/ 2/ طويل/ 288

فهرس الأعلام‌

الشخصية الصفحة

إبراهيم الخليل 107

أبي بن خلف 260

أبي بن كعب 231

أحمر قريش 348

الأحنف بن قيس 262، 292، 340

الأحيمر 336

الأخرم الأسدي (محرز بن نضلة) 344

أرسطاطاليس 305

أسامة بن زيد 134، 306

ابن اسحاق 215، 237

أبو إسحاق بن شعبان 91

الإسكندر 305

أسلم (مولى عمر) 314

إسماعيل بن نصر أبو الوليد 52

الأسود بن عبد الأسد المخزومي 244

الأسود بن عبد يغوث الزهري 342

الأشتر النخعي 339، 340

أشهب بن عبد العزيز 132، 222، 223، 244، 251

أكثم بن صيفي 289

أمية بن خلف 343

أنس بن مالك 214، 235، 249، 259

أنو شروان 264

الأوزاعي 91

أبو أيوب الأنصاري (خالد بن زيد) 222، 223

الباجي أبو الوليد 76، 297

البراء بن مالك 235، 259

بسطام بن قيس 336

بشير بن علقمة 250، 251

بطريق يوم أجنادين 249

ابن بقيلة الغساني 147

أبو بكر الصديق 133، 145، 146، 183، 188، 233، 269

بكر بن النطاح 322

بيهس الفزاري (نعامة) 270

تدمير 302

ثابت بن قيس 203، 235، 236

جابر بن عبد الله 129

جالوت 211

جبير بن مطعم 235، 236

الجحاف بن الحكيم 170

الجراح بن عبد الله الحكمي 145

الجرادة (اسم فرس) 322

جرجير 249

جرير بن الخطفي 283

جعفر بن أبي طالب 201، 202، 226

أبو جهل (أبو الحكم عمرو بن هشام) 234، 262، 277

حاتم الطائي 340، 346

الحارث بن الصمة 261

الحارث بن ظبيان 250

حاطب بن أبي بلتعة 118، 119

الحباب بن المنذر 197

ابن حبيب (عبد الملك بن حبيب) 76، 80، 108، 131 132، 192، 215، 222

حبيب بن أوس (أبو تمام) 291

حبيب بن زيد بن عاصم 237

الحجاج بن يوسف الثقفي 283، 294، 350

أبو حذيفة (بن عتبة بن ربيعة) 203، 253

الحريش بن مالك السعدي 339

ابن أبي حزام 55

ابن حزم 54، 316

حسان بن ثابت 352

الحسن 120، 218

الحسن بن علي بن أبي طالب 247

الحسين بن علي بن أبي طالب 276

أبو حشر 270

الحصين بن الحمام 269

ابن الحضرمي (مالك بن عباد) 181

حمزة بن عبد المطلب 243، 244، 246، 251، 337، 343

حنظلة بن الراهب 225

أبو حنيفة 182، 213، 219، 247

حويصة بن مسعود الأنصاري 253، 254

خارجة بن حذافة 341، 342

خالد بن الوليد 146، 147، 200، 202، 203، 204 220، 224، 230، 235، 266، 269

خريم بن خليفة الغطفاني 340

الخنساء بنت عمرو بن الشريد 238، 240

الدجال 89

أبو دجانة الأنصاري 214، 248

أبو الدرداء 95

دريد بن الصمة 154، 155، 189

(أبو دلامة) زند بن الجون الأسدي 284

أبو دلف العجلي (القاسم بن عيسى) 324

الدمياطي 55

أبو ذر 66، 131، 275

أبو ذر الخشني 316

أبو رافع (مولى رسول الله) 216

ربيعة الرأي 224

ربيعة بن مكدم 335

رجل من بني أمية 324

الزبير بن العوام 200، 214، 248، 337، 342، 343

زهير بن جناب الكلبي 319

أبو زهير الحمداني 329

زياد ابن أبيه 153

زيد بن أسلم 108، 129

زيد بن حارثة 201

زيد بن خالد 105

زيد بن الخطاب 202، 235

زيد الخيل 336

زيد بن سهل (أبو طلحة) 232

زيد بن عاصم 237

سالم بن معقل (مولى أبي حذيفة) 203

سحنون 107، 117، 119، 181، 212، 213، 224

ابن سحنون 224

سعد بن الربيع الأنصاري 231

سعد بن أبي وقاص 148، 233، 251

سعيد بن جودي 330

أبو سعيد الخدري 87

سعيد بن زيد 156

أبو سعيد المخزومي 322

سعيد بن أبي هند 114

أبو سفيان بن حرب 225، 259، 260

سفيان بن عوف الغامدي 152

سلمة بن الأكوع 120

سليك المقانب 337، 347

سليمان بن داود 288

سليمان بن عبد الملك 303

سمرة بن جندب الفزاري 185

السموأل 271، 321

الشافعي 182، 248

شبيب الحروري 291، 339، 340

(الشداخ) يعمر بن عوف بن كعب 284

(ابن شعوب) شداد بن الأسود 225

شهر بن حوشب 82

شيبة بن ربيعة 244، 245، 246، 251

صعصعة بن صوحان 318، 319

صهيب الرومي (ابن سنان) 199

الضحاك بن عثمان الأسدي 217، 218

الضحاك بن قيس 284

ضرار بن الأزور 344

طارق بن زياد 301، 302

الطرطوشي (أبو بكر) 285، 292، 304، 316

طلحة بن عبيد الله 337، 343

(أبو طلحة الأنصاري) زيد بن سهل 232، 259

طليحة الأسدي 338، 341، 344

عائشة بنت أبي بكر 81، 289

عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح 216

أبو العالية الرياحي 130

أبو عامر الأشعري 233، 234

عامر بن الطفيل 337، 347

عامر بن عبد الله بن الزبير 106، 109

عامر بن مالك (أبو براء) 336

عباد بن الحصين 338، 348

عباد بن زياد ابن أبيه 153

عبادة بن الصامت 97

العباس بن عبد المطلب 260

عبد الله بن عباس 81، 89، 99، 101، 107، 129، 218، 315

ابن عبد البر القرطبي أبو عمر 89

عبد الرحمن بن خالد بن الوليد 152

عبد الرحمن بن عوف 198، 343

عبد الله بن أبي ابن سلول 117، 118

عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي 346

عبد الله بن الحسن 157

عبد الله بن خازم 338، 339، 349

عبد الله بن رواحة 107، 201، 202، 245

عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب 106، 249، 270، 340، 349، 350

عبد الله بن زيد بن عاصم 237

عبد الله بن أبي سرح 301، 349، 350

عبد الله بن عامر 346

عبد الله بن عمرو بن العاص 105

عبد الله بن قيس 168

عبد الله بن المعتز 326

عبد الملك بن مروان 350

أبو عبيدة (عامر بن عبد الله) 201، 224، 252

عبيدة بن الحارث بن المطلب 243، 246، 251

عتبة بن ربيعة 243، 245، 246، 290

(العتبي) محمد بن عبيد الله 151

عتيبة بن الحارث 335، 347

عثمان بن عفان 235

أبو عزة (عمرو بن عبد الله) 188

أبو العشائر الحمداني (يحيى بن علي) 329

عصمة بن راشد 78

أبو عطية (من الصحابة) 78

عقبة بن عامر 224

عكاشة بن محصن 344

عكرمة بن أبي جهل 232 و 235

ابن علفة 268

علي بن أبي طالب 79، 106، 162، 169، 198، 245، 247، 258، 263، 268، 271، 272، 273، 275، 276، 337، 343

عمار بن ياسر 204، 345

أم عمارة الأنصارية (نسيبة) 236

عمر بن الخطاب 96، 105، 107، 119، 148، 162، 192، 198، 219، 233، 240، 248، 249، 277، 286، 314، 341

ابن عمر (عبد الله بن عمر) 78، 80، 98، 106، 109، 114، 258

عمر بن عبد العزيز 145

عمر بن عبيد الله (أحمر قريش) 348

عمران بن حصين 261

عمرو بن الإطنابة 272

عمرو بن أبي أمامة (عمرو بن المنذر) 281

عمرو بن العاص 105، 133، 307، 308، 341، 342

عمرو بن عبد ود 246، 247، 337

عمرو بن معد يكرب 250، 266، 286، 320، 337، 341، 347

عمير بن الحباب 338، 340

عمير بن الحمام 161

عنترة بن شداد 273، 281، 335، 347

عوف بن عفراء 245

ابن عون (عبد الله بن عون) 183

عيسى بن موسى 156

عيينة بن حصن 313

غيلان بن جرير 351

فراس بن غنم 335

أبو فراس الحمداني 326

الفرزدق 349

ابن القاسم (عبد الرحمن بن قاسم) 191، 192، 193، 213، 214، 219، 222، 223

قبيس 320

أبو قتادة الأنصاري (الحارث بن ربعيّ) 344

قتادة بن النعمان 130، 218، 230

قتيبة بن مسلم 155

قدامة بن جعفر (أبو الفرج) 263

قطري بن الفجاءة 267، 274، 323، 339

القعقاع بن عمرو 249، 250

أحد بني قيس بن ثعلبة 329

قيس بن سعد 351

ابن ذي قينان 320

كسرى 177

كعب بن زهير 352

كعب القرظي 106

كعب بن مالك 101، 106

ابن الكلبي 307

لذريق 302

لقيط الإيادي 172

أبو لهب 215

(ابن الماجشون) 219

مالك بن أنس 76، 131، 132، 181، 193، 213، 214، 221، 223، 245، 251، 253

مالك بن عبد الله الخثعمي 291

مالك بن عوف النصري 154، 261، 331

مالك بن نويرة 341

الماوردي 213

المبرد 324

متمم بن نويرة 341

المتنبي أبو الطيب 262، 275

مجاعة بن مرارة 205

مجاهد بن جبر 130

محمد بن الحسن الشيباني 192، 223

محمد بن أبي الحجاج يوسف 51، 52

محمد بن السائب 216

محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم يكاد يذكر صلى الله عليه و سلم في كل صفحة من صفحات الكتاب

محمد بن عبد الله بن طاهر 325

محمد بن عقيل الهاشمي 276

محمد بن كعب القرظي 106

ابن محيريز (عبد الله) 316

محيصة بن مسعود الأنصاري 253، 254

مرزبان الدارة 249

المرقال (هاشم بن عتبة) 232

مروان بن سالم 108

مروان بن محمد الجعدي 284، 285، 287

المستعين الصغير ابن هود 295

ابن مسعود (عبد الله) 277

أبو مسلم الخراساني 269

مسلمة بن عبد الملك 265، 290

مسلمة بن علي الخشني 107، 108

مسيلمة الكذاب 203، 235، 236

ابن المصحفي 297، 300

مصعب بن الزبير (ابن الكلبية) 348

معاذ بن جبل 80

معاذ بن عفراء 245

معاذ بن عمرو بن الجموح 234، 235

معاوية بن أبي سفيان 151، 152، 271، 273، 282، 291، 346، 351

المعري (أبو العلاء) 205

المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب 215

المغيرة بن شعبة 165

المقداد بن الأسود (المقداد بن عمرو) 342

مكحول بن أبي مسلم 79، 316

ابن المنذر 54

المنصور أبو جعفر 156

المنصور بن أبي عامر 297، 298، 299، 300

المهلب بن أبي صفرة 294، 306، 319، 348

ابن المواز 131، 221

موسى عليه السلام 342

أم موسى 315

موسى بن نصير 301، 302، 303

النابغة الجعدي 324

ابن نافع 167

نافع بن جبير 183

نسيبة (أم عمارة) 236

نصر بن سيار 287

النعمان بن مقرن 165، 167، 213، 341

النمر بن تولب العكلي 274

نهشل بن حري 230

هارون الرشيد 330

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص 232

هبيرة بن عبد يغوث 282

هدبة العذري 288

(أبو هريرة) 78، 98، 129، 130، 200، 221

هشام بن عبد الملك 265

ابن هود المستعين الصغير 295

أبو الهيثم الأنصاري 164

وحشي بن حرب الحبشي 235

الوليد بن عبد الملك 153، 303

الوليد بن عتبة 244، 245، 246، 302

ابن وهب 107، 224

يزيد بن أبي سفيان 145

يزيد بن قيس 203، 204

ابن يونس (له كتاب فقه الجهاد) 54

فهرس الأمم و الجماعات و القبائل‌

الأمم و الجماعات و القبائل الصفحة

آل الزبير 271

أبناء قيلة 351

أبناء المهلب 306

الأراقم من تغلب 347

الأزارقة 294، 319

أصحاب الألوية 292

أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم 53

أصحاب مالك 218

أصحاب موسى 342

الأطباء 142

الأطفال 216

الأعاجم 250

الأعراب 206

الإفرنج 304

الأنصار 185، 203، 206، 317، 350، 351، 352، 353

أهل الآخرة 121

أهل الاجتهاد و الصبر 150

أهل الأندلس 82

أهل بدر 119

أهل البصائر و الممارسة للحرب 121

أهل البطالة و الصلف 141

أهل البغي و الضلالة 100

أهل الثغور 131

أهل الحرب 150

أهل حمص 314

أهل الخاصة 150

أهل خيبر 213

أهل الدنيا 121

أهل الذمة 150

أهل الرأي و القياس 150

أهل الردة 133

أهل السّرف 317

أهل سورة البقرة 206

أهل السّير 121

أهل الشام 273

أهل الصلح 149، 150

أهل صناعة الجير 142

أهل الطائف 183

أهل العراق 224

أهل العلم 244

أهل الفشل و الخور و الخذلان 220

أهل الفضل و الدين و النصيحة 121

أهل القادسية 218

أهل القرآن 206

أهل القوة 150

أهل الكوفة 335

أهل المدينة 259

أهل النظر 130

الأوس 116، 139، 351

إياد 173

البربر 304

بعض الحكماء 291

بعض الصحابة 290

بعض العلماء 257

بلحارث بن مذحج 347

البناؤون 142

بنو إسرائيل 149

بنو أمية 287

بنو حنيفة 204، 205، 236

بنو سلمة 161

بنو عبد الله بن الحسن 157

بنو فراس بن غنم 335

بنو لحيان 87

بنو النضير 186

بنو هاشم 245

تجار اليهود 140

جمهور أصحاب مالك 219

جيوش إفريقية 301

جيوش المسلمين 162

الحدادون 142

حزب الله 166

حزب الشيطان 166

الحكماء 257، 285

حكماء العجم 292

حكماء الفرس 230

خزاعة 284، 346

الخزرج 116، 139، 351

ذو الرأي 190

رجال الأنصار 339، 350

الرهبان 146، 189

الروم 81، 91، 151، 152، 191، 192 298، 303، 315، 330

السادة 186

سلول 321

شن من عبد القيس 347

الصبيان 189

الطبقة الخسيسة 141

طي 206

عاد 320

عامر 320

العبيد 186

العجم 250، 317

عدي من فزارة العرب 327

العرب 52، 269، 345، 350

عسكر المسلمين 181

عطيف من مراد 347

غلمان الأنصار 185

فارس 214

الفرس 230، 250

فضلاء الصحابة 253

قتلى بدر 187

قريش 217، 227، 261، 277، 300، 341، 345

الكافرون 169

كلاب من عامر 347

اللصوص و قطاع الطرق 100

المترهبات 190

المجوس 192

مراد 281، 321

المرازبة 264

مرة من ذيبان 347

مسافرو النصارى 140

المسلمون 81، 91

المشركون 181

معد 347

الملائكة 215، 222

المنافقون 122

منان من بكر وائل 347

المهاجرون 116، 118، 139، 206، 317، 342

النجاجرة لآلات القتال 142

النساء 189، 216

همدان 346

هوازن 154، 155

وداعة من همدان 189

الولاة 188

فهرس الأماكن‌

المكان الصفحة

أجنادين 249

أحد 98، 213، 225، 230، 237، 248، 260، 300، 343، 352

أرض الروم 152، 238، 315

إفريقية 301، 302، 349

الأندلس 53، 75، 81، 82، 296، 302، 303

أنهار الجنة 69

أوطاس 233

بدر 117، 118، 161، 197، 198، 206، 214، 215، 216، 218، 234، 243، 245، 253، 276، 290، 343، 352

البر و البحر 151

بزاخة 344

بصرى 254

بلاد الروم 181، 237، 330

بلاد المشركين 298

جبل طارق 302

جبل الفتح (طارق) 302

الجزيرة 172

الجزيرة الخضراء 302

الحجر الأسود 69

الحديبية 181، 345

حديقة الموت 235، 236

حمص 314

حنين 154، 171، 189، 199، 259، 303

الحوض (في موقعة بدر) 244

خراسان 287، 319

الخندق (حرب الخندق) 246

خيبر 191، 213

ساحل المسلمين 132

الشام 52، 145، 162

صفين 272، 345، 346، 351

الطائف 183، 186

العراق 52، 224

العقبة (ليلة العقبة) 216، 231، 237

غزة 307

الفردوس 69

القادسية 218، 232، 238، 250

قرى أهل الصلح و الذمة 149

القليب (قليب بدر) 187

قيسارية 307

كروم الطائف 186

الكعبة 277

الكوفة 335

مؤتة 201، 218، 220، 226، 230

مأرب 254

المدينة 114، 156، 188، 246، 259

المسجد الحرام 181

المغرب الأقصى 82

مكة 105، 118، 200

منازل الروم 191

منعرج اللوى 190

النعف 225

نهاوند 165

الهند 305

وادي قضيب 281، 282

وشقة 295، 296

اليرموك 224، 232، 233

اليمامة 203، 206، 235، 237

فهرس الأيام و الغزوات و الحروب‌

الأيام و الغزوات و الحروب الصفحة

يوم أجنادين 249

يوم أحد 98، 213، 225، 230، 237، 248، 260

يوم أوطاس 233

يوم بدر 187، 197، 198، 206، 214، 234، 243، 245، 253، 260، 276، 290

يوم بزاخة 344

يوم الجمل 289، 343، 340

يوم الحديبية 181، 345

يوم حديقة الموت 235، 236

يوم حنين 154، 171، 189، 199، 249، 259

يوم الخندق 246

يوم خيبر 191، 213

يوم صفين 272، 345، 346، 351

يوم حرب الفجار 258

يوم فتح مكة 200

يوم القادسية 218، 233، 238، 250

يوم ليلة الهرير بصفين 272

يوم مؤتة 201، 218، 220، 226، 230

يوم النعف 225

يوم نهاوند 165

يوم اليرموك 224، 232، 233

اليمامة (حرب اليمامة) 203، 206، 235، 237

فهرس الكتب المذكورة في تحفة الأنفس‌

الكتاب الصفحة

تهذيب الإمعان في الشجاعة و الشجعان 54

كتاب الجهاد لابن المنذر 54

كتاب ابن حبيب 222

كتاب ابن أبي حزام 55

كتاب الحماسة 55

كتاب حياة القلوب 237

كتاب الخيل (للحميدي) 55

كتاب الخيل (للدمياطي) 55

كتاب راحة القلوب و الأرواح في الخيل و السلاح 54

كتاب (رسالة) الفرس 55

كتاب ابن سحنون 224

سراج الملوك و نظم السلوك (للطرطوشي) 54، 304

كتاب السياسة (لابن حزم) 54

كتاب سيرة أجواد الأنجاد في مراتب الجهاد 54

كتاب الشرف (عنوان الشرف الوافي) 188

كتاب العقد 54

كتاب فقة الجهاد لابن يونس 54

مروج الذهب (المسعودي) 54

كتاب ابن الموّاز 131

كتاب يقظة الناعس لتدريب المجاهد الفارس 54

فهرس المصطلحات و الألفاظ الخاصة

الشخصية الصفحة

الرصّد 125

الزحف 217

زعيم الجيش 245

الساقة 115، 134، 135، 201

السرايا (السرية) 129، 135، 150، 303

السهم 142

الشعار 116، 117

الصائفة (الصوائن) 142، 152

الصبر 75

الصلة غير المرتبة 141

طليعة (طلائع) 129، 150، 303

العامة 135

العرادات 183

العرفاء 115

العريف 141

عسكر 116، 121، 134، 151

العصبية 140

العقدة 141

العلم 141

العلوفة 125

العين (العيون) 120، 125

الغرّة 182

الغنيمة 142، 153

الفئة 345

قائد الجماعة 141

القبة 345

الكفارة 184

العصبية 140

الأدلاء 139، 140، 146

الأعنّة 318، 345

الإمام 224

الأمير 120، 141، 200

البند 141

البيات 135

التنفيل 142

الجزية 140

الجند البلدي 140

الجند المندوب 140

الجهاد 115

الجواسيس 139، 140

الجيوش 303

الحاسر 163

الخاصة 135

الخمس 142

دار الإسلام 191، 192

دار الحرب 190

الدارع 163

الدية 184

الراية (الرايات) 141، 163، 201، 202، 214

الرباط 75، 76

اللواء 141

المتطوعة 315

مذهب الشافعي 182

المزاحفة 217

المسترزق 99، 115

المصابرة 218

مصاف الثغر 116

المطوعة 115

المغناطيس 230

منادي الأمير 134

منادي الإمام 135

المنجنيق 183

الناظر 141

النقباء 115

النقيب 141

والي الثغر 140، 142

فهرس أبواب الكتاب‌

•

المقدمة 7

•

المؤلف و الكتاب 9

•

نماذج من صفحات المخطوطات المعتمدة في التحقيق 19

•

مقدمة المؤلف 39

•

القسم الأول 47

•

الباب الأول: في فصل الجهاد و ما أعد الله للمجاهد و الشهيد في سبيله 49

•

في فضل الجهاد و معناه لغة و اصطلاحا 51

•

ذكر الآيات التي تحض على الجهاد 52

•

الأحاديث و الآثار المروية في الجهاد 54

•

الباب الثاني: في الرباط و ما خصت به من ذلك جزيرة الأندلس 61

•

الصبر و الرباط لغة و اصطلاحا 63

•

ذكر الأحاديث الواردة في الرباط و ما يتصل به 65

•

الإشادة بالأندلس 69

•

ذكر الآثار التي ورد فيها ذكر الأندلس 69

•

الباب الثالث: في فرض الجهاد و ما قيل في ذلك 71

•

وجوب الجهاد 73

•

الجهاد فرض كفاية 74

•

فائدة الجهاد و فروضة و أحكامه 75

•

المهادنة و أحكامها 77

•

فرض الجهاد، وجوبه و سقوطه 78

•

الباب الرابع: فيما يفعله الغازي عند خروجه إلى الجهاد 81

•

تفعيل القول فيما يسبق الغزو 83

•

ذكر الآيات و الأحاديث و الخطب في ذلك 84

•

ذكر بعض الأدعية المستحسنة 88

•

الباب الخامس: في مشاركة الغازي و معاونته و تجهيزه 91

•

ذكر الآثار التي تحض على تجهيز الغازي و معاونته 93

•

الباب السادس: فيما يجب على الأمير أن يفعله في السفر 99

•

الرفق بتسيير الجيش و الآثار الواردة في ذلك 101

•

تفقد الخيل و المتاع 102

•

مراعاة أمر المقاتلة و ترتيب المسؤولية 103

•

وضع شعار لكل طائفة 104

•

وجوب تصفح الجيش و إخراج غير الموثوقين منه 105

•

وجوب أن يكون القائد أسوة و وجوب المشاورة 108

•

وجوب استدناء أهل الفضل و الاعتماد على الخبراء 108

•

الحرص على جمع الكلمة و وجوب المعاملة العادلة 111

•

وجوب النهي عن الفساد و التشاغل بأمور الدنيا 111

•

إعداد ما يحتاج إليه الجيش و تعرف أحوال الناس في العسكر 113

•

الباب السابع: في امتثال الغازي أمر إمامه و أمير عسكره و قائد جماعته 115

•

وجوب طاعة الغازي أمر إمامه و الآثار الواردة في ذلك 117

•

لا يخرج العسكر بغير إذن إمامه إلا لضرورة 119

•

وجوب المشاورة و الطاعة 121

•

الباب الثامن: في حكم ولاة الثغور و ذكر الصوائف 125

•

تخير رجال الثغور و مدهم بما يحتاجونه 127

•

تكثير رجال الثغور و وجوب تبديل الجند كل ستة أشهر 127

•

الاهتمام بالتجسس و طرد الجنود غير الأكفاء 128

•

الرتب العسكرية 129

•

واجبات الإمام في فتح البلاد و الصوائف 130

•

الباب التاسع: في وصايا أمراء الجيوش 131

•

كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح 133

•

وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان 133

•

وصية الصديق لخالد بن الوليد 134

•

كتاب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس 135

•

قول لعمر بن الخطاب عند عقد الألوية 136

•

كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد 136

•

خبر معاوية مع عبد الرحمن بن خالد و سفيان بن عوف 139

•

وصية عبد الملك لأحد الأمراء 140

•

خبر الوليد مع عباد بن زياد 141

•

خبر دريد بن الصمة مع مالك بن عوف في حرب هوازن يوم حنين 142

•

وصية قتيبة لأصحابه 143

•

وصية سعيد بن زيد لبنيه 144

•

خبر عيسى بن موسى مع المنصور 144

•

الباب العاشر: في التحريض على الجهاد 147

•

وجوب تحريض الإمام للناس على الجهاد 149

•

الرسول م يحرض على الجهاد 149

•

عمر يشجع الخطباء على التحريض 150

•

جواز التحريض للشهادة بشرطين 150

•

من تحريض الإمام علي لأصحابه 150

•

تحريض لأبي الهيثم الأنصاري و غيره 152

•

خبر تحريض النعمان بن مقرن لأصحابه 153

•

مما كان يحرض به من الكلام البليغ 155

•

الأسلوب المطلوب في التحريض 158

•

قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي 160

•

قصيدة لبعض المتأخرين في الحض على الجهاد 166

•

الباب الحادي عشر: فيما يجوز فعله في الغزو و ما لا يجوز فعله فيه 167

•

جواز القتال في كل وقت و في الشهر الحرام 169

•

صنفا المشركين و موقف المسلمين من كل منهم 169

•

تحريق المشركين أيجوز أم لا يجوز 171

•

حكم المتترسين بالمسلمين أو بالنساء و الأطفال 172

•

لا يجوز الاستعانة بالمشركين 172

•

الرسول يعرض أطفال الأنصار كل عام 173

•

حكم قتال العبيد و الاستعانة بهم 174

ما يجوز أن يفعله المسلمون بأرض عدوهم 174

•

ما لا يجوز أن يفعله المسلمون بعدوهم 175

•

جواز ذبح الأنعام و أكل الطعام و أخذ بعدوهم 179

•

الباب الثاني عشر: فيما يجب عمله عند إرادة اللقاء 183

•

وجوب تقديم الطلائع و الرواد و اختيار موضع المعركة 185

•

اختيار علة الأرض و دمثها 185

•

تعبئة الرسول م لأصحابه ليلة البدر 186

•

يجب عدم الاغترار بكثرة العدد 187

•

وجوب ترتيب الجيش في مصاف الحرب 188

•

وجوب جعل راية لكل جماعة و ذكر أخبار الرايات 189

•

وجوب حفظ السيوف 192

•

تقديم الثقات من أهل الجلد 194

•

الباب الثالث عشر: في القتال و المزاحفة و ما قيل في التحرف و الانحياز 197

•

وجوب الصبر و آيات قرآنية 199

•

وجوب الثبات عند لقاء العدو 200

•

آداب اللقاء في كلام لعلي و سحنون 200

•

تخير وقت القتال 201

•

إعلام الفارس نفسه و تسويم الخيل 203

•

كلام عاصم في كيفية القتال 204

•

الانهزام و عدم جوازه و الفرق بينه و بين الانحياز 206

•

رض بعض حالات تقع في الحرب 208

•

عقر خيل العدو 213

•

الباب الرابع عشر: في مصابرة العدو و مواقفته عند اللقاء 215

•

وجوب المصابرة و الطاعة 217

•

ذكر بعض أهل الثبات و العزيمة و بعض أخبارهم 218

•

الباب الخامس عشر: في المبارزة 229

•

أخبار المبارزة يوم بدر 231

•

الدعوة إلى المبارزة و حكم ذلك و ذكر أخبار المبارزات 232

•

حكم مبارزة الرجل أبيه 239

•

الباب السادس عشر: في الشجاعة و الإقدام 243

•

شجاعة رسول صلّى اللّه عليه و سلم 245

•

تعريفات للشجاعة و الجبن 245

•

درجات الشجاعة 246

•

شجاعة مسلمة بن عبد الملك 253

•

الأمور المشجعة 254

•

شجاعة أبي بكر 264

•

شجاعة عمر 265

•

الباب السابع عشر: في صفة الحرب و تدبيرها و المكيدة فيها 267

•

فضيلة الصبر و الشجاعة 269

•

وصف الحرب 269

•

الحياة و الموت بقدر 270

•

كلام للطرطوشي في فضيلة الشجاعة 273

•

وصف الحرب 275

•

وجوب الحذر من العدو 276

•

تدبير الحرب و العمل بها 277

•

تصريف الحيلة في نيل الظفر 278

•

تنظيم الجيش 280

•

الكمين 283

•

أثر الشجعان في نيل النصر 283

•

علة النصر و علة الهزيمة 284

•

كلام لموسى بن نصير في شجاعة الأمم 291

•

الطرطوشي يذكر كيفية من كيفيات الحرب 292

•

الحرب خدعة. 294

•

الباب الثامن عشر: في الفروسية و التجند 299

•

ذكر أحاديث نبوية في فصل التجند 301

•

عمر بن الخطاب يحث على تعلم الفروسية و الرماية و السباحة 302

•

فضائل الفروسية و أفضل الفرسان 303

•

كيفية تقدير مقدار الأعطيات للجند 304

•

من هو الفارس؟ كلام لصعصعة بن صوحان 306

•

ثمانية أخلاق للفارس 307

•

ما يأخذ به الفارس نفسه من ثقافة وعدة 308

•

أشعار في الفروسية 308

•

الباب التاسع عشر: في ذكر مشاهير فرسان العرب في الجاهلية و الإسلام 321

•

ذكر فرسان العرب في الجاهلية 323

•

ذكر الفرسان في الإسلام 325

•

الباب العشرون: في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى النصر في الحرب 343

•

نصائح و توجيهات في صناعة الحرب 345

•

المراجع 349

•

الفهارس العامة 359

•

فهرس الآيات القرآنية الكريمة 361

•

فهرس الأحاديث النبوية الشريفة 364

•

فهرس الأثر 369

•

فهرس الأمثال 370

•

فهرس الشعراء 371

•

فهرس الأعلام 375

•

فهرس الأمم و الجماعات و القبائل 387

•

فهرس الأماكن 392

•

فهرس الأيام و الغزوات و الحروب 395

•

فهرس الكتب المذكورة في تحفة الأندلس 396

•

فهرس المصطلحات و الألفاظ الخاصة 397(787)

تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس

تحفة الأنفس و شعار سكان الأندلس

المقدمة

المؤلف و الكتاب

المؤلف: ..... ص : 9

آثاره: ..... ص : 10

حلية الفرسان و شعار الشجعان: ..... ص : 10

عين الأدب و السياسة و زين الحب و الرياسة: ..... ص : 11

الفوائد المسطرة في علم البيطرة أو الأبواب: ..... ص : 12

كمال البغية و النيل: ..... ص : 12

مقالات الأدباء: ..... ص : 12

الكتاب: ..... ص : 13

النسخ المعتمدة في التحقيق: ..... ص : 14

1 - نسخة الأسكوريال(س): ..... ص : 14

2 - نشرة مرسيه(م): ..... ص : 15

عملنا في الكتاب: ..... ص : 16

نماذج من صفحات المخطوطات المعتمدة في التحقيق

مقدمة المؤلف

القسم الأول

الباب الأول في فضل الجهاد و ما أعد الله للمجاهد و الشهيد في سبيله ..... ص : 49

في فضل الجهاد و معناه لغة و اصطلاحا ..... ص : 51

ذكر الآيات التي تحض على الجهاد ..... ص : 52

الأحاديث و الآثار المروية في الجهاد ..... ص : 54

الباب الثاني في الرباط و فضله و ما خصت به من ذلك جزيرة الأندلس ..... ص : 61

الصبر و الرباط لغة و اصطلاحا ..... ص : 63

و فرائض الرباط: ..... ص : 64

ذكر الأحاديث الواردة في الرباط و ما يتصل به ..... ص : 65

الإشادة بالأندلس ..... ص : 69

الباب الثالث في فرض الجهاد و ما قيل في ذلك ..... ص : 71

وجوب الجهاد ..... ص : 73

الجهاد فرض كفاية ..... ص : 74

فائدة الجهاد و فروضة و أحكامه ..... ص : 75

المهادنة و أحكامها ..... ص : 77

فرض الجهاد، وجوبه و سقوطه ..... ص : 78

الباب الرابع فيما يفعله الغازي عند خروجه إلى الجهاد ..... ص : 81

تفعيل القول فيما يسبق الغزو ..... ص : 83

ذكر الآيات و الأحاديث و الخطب في ذلك ..... ص : 84

ذكر بعض الأدعية المستحسنة ..... ص : 88

الباب الخامس في مشاركة الغازي و معاونته و تجهيزه ..... ص : 91

ذكر الآثار التي تحض على تجهيز الغازي و معاونته ..... ص : 93

الباب السادس فيما يجب على الأمير أن يفعله في السفر ..... ص : 99

الرفق بتسيير الجيش و الآثار الواردة في ذلك ..... ص : 101

تفقد الخيل و المتاع ..... ص : 102

مراعاة أمر المقاتلة و ترتيب المسؤولية ..... ص : 103

وضع شعار لكل طائفة ..... ص : 104

وجوب تصفح الجيش و إخراج غير الموثوقين منه ..... ص : 105

وجوب أن يكون القائد أسوة و وجوب المشاورة ..... ص : 108

وجوب استدناء أهل الفضل و الاعتماد على الخبراء ..... ص : 109

الحرص على جمع الكلمة و وجوب المعاملة العادلة ..... ص : 111

وجوب النهي عن الفساد و التشاغل بأمور الدنيا ..... ص : 111

إعداد ما يحتاج إليه الجيش و تعرف أحوال الناس في العسكر ..... ص : 113

الباب السابع في امتثال الغازي أمر إمامه و أمير عسكره و قائد جماعته ..... ص : 115

وجوب طاعة الغازي أمر إمامه و الآثار الواردة في ذلك ..... ص : 117

لا يخرج العسكر بغير إذن إمامه إلا لضرورة ..... ص : 119

وجوب المشاورة و الطاعة ..... ص : 121

الباب الثامن في حكم ولاة الثغور و ذكر الصوائف ..... ص : 125

تخير رجال الثغور و مدهم بما يحتاجونه ..... ص : 127

تكثير رجال الثغور و وجوب تبديل الجند كل ستة أشهر ..... ص : 127

الاهتمام بالتجسس و طرد الجنود غير الأكفاء ..... ص : 128

الرتب العسكرية ..... ص : 129

واجبات الإمام في فتح البلاد و الصوائف ..... ص : 130

الباب التاسع في وصايا أمراء الجيوش ..... ص : 131

كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح ..... ص : 133

وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان ..... ص : 133

وصية الصديق لخالد بن الوليد ..... ص : 134

كتاب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس ..... ص : 135

قول لعمر بن الخطاب عند عقد الألوية ..... ص : 136

كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد ..... ص : 136

خبر معاوية مع عبد الرحمن بن خالد و سفيان بن عوف ..... ص : 139

وصية عبد الملك لأحد الأمراء ..... ص : 140

خبر الوليد مع عباد بن زياد ..... ص : 141

خبر دريد بن الصمة مع مالك بن عوف في حرب هوازن يوم حنين ..... ص : 142

وصية قتيبة لأصحابه ..... ص : 143

وصية سعيد بن زيد لبنيه ..... ص : 144

خبر عيسى بن موسى مع المنصور ..... ص : 144

الباب العاشر في التحريض على الجهاد ..... ص : 147

وجوب تحريض الإمام للناس على الجهاد ..... ص : 149

الرسول م يحرض على الجهاد ..... ص : 149

عمر يشجع الخطباء على التحريض ..... ص : 150

جواز التحريض للشهادة بشرطين ..... ص : 150

من تحريض الإمام علي لأصحابه ..... ص : 150

تحريض لأبي الهيثم الأنصاري و غيره ..... ص : 152

خبر تحريض النعمان بن مقرن لأصحابه ..... ص : 153

مما كان يحرض به من الكلام البليغ ..... ص : 155

و من كلام بعض المحرضين: ..... ص : 156

الأسلوب المطلوب في التحريض ..... ص : 158

قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي ..... ص : 160

قصيدة لبعض المتأخرين في الحض على الجهاد ..... ص : 166

الباب الحادي عشر فيما يجوز فعله في الغزو و ما لا يجوز فعله فيه ..... ص : 167

جواز القتال في كل وقت و في الشهر الحرام ..... ص : 169

صنفا المشركين و موقف المسلمين من كل منهم ..... ص : 169

تحريق المشركين أيجوز أم لا يجوز ..... ص : 171

حكم المتترسين بالمسلمين أو بالنساء و الأطفال ..... ص : 172

لا يجوز الاستعانة بالمشركين ..... ص : 172

الرسول يعرض أطفال الأنصار كل عام ..... ص : 173

حكم قتال العبيد و الاستعانة بهم ..... ص : 174

ما يجوز أن يفعله المسلمون بأرض عدوهم ..... ص : 174

ما لا يجوز أن يفعله المسلمون بعدوهم ..... ص : 175

جواز ذبح الأنعام و أكل الطعام و أخذ بعدوهم ..... ص : 179

الباب الثاني عشر فيما يجب عمله عند إرادة اللقاء ..... ص : 183

وجوب تقديم الطلائع و الرواد و اختيار موضع المعركة ..... ص : 185

اختيار علو الأرض و دمثها ..... ص : 185

تعبئة الرسول م لأصحابه ليلة بدر ..... ص : 186

يجب عدم الاغترار بكثرة العدد ..... ص : 187

وجوب ترتيب الجيش في مصاف الحرب ..... ص : 188

وجوب جعل راية لكل جماعة و ذكر أخبار الرايات ..... ص : 189

وجوب حفظ السيوف ..... ص : 192

تقديم الثقات من أهل الجلد ..... ص : 194

الباب الثالث عشر في القتال و المزاحفة و ما قيل في التحرف و الانحياز ..... ص : 197

وجوب الصبر و آيات قرآنية ..... ص : 199

وجوب الثبات عند لقاء العدو ..... ص : 200

آداب اللقاء في كلام لعلي و سحنون ..... ص : 200

تخير وقت القتال ..... ص : 201

إعلام الفارس نفسه و تسويم الخيل ..... ص : 201

كلام عاصم في كيفية القتال ..... ص : 204

الانهزام و عدم جوازه و الفرق بينه و بين الانحياز ..... ص : 205

عقر خيل العدو ..... ص : 213

الباب الرابع عشر في مصابرة العدو و مواقفته عند اللقاء ..... ص : 215

وجوب المصابرة و الطاعة ..... ص : 217

ذكر بعض أهل الثبات و العزيمة و بعض أخبارهم ..... ص : 218

الباب الخامس عشر في المبارزة ..... ص : 229

أخبار المبارزة يوم بدر ..... ص : 231

الدعوة إلى المبارزة و حكم ذلك و ذكر أخبار المبارزات ..... ص : 232

حكم مبارزة الرجل أبيه ..... ص : 239

الباب السادس عشر في الشجاعة و الإقدام ..... ص : 243

شجاعة رسول صلى الله عليه و سلم ..... ص : 245

شجاعة مسلمة بن عبد الملك ..... ص : 253

الأمور المشجعة ..... ص : 254

شجاعة أبي بكر ..... ص : 264

شجاعة عمر ..... ص : 265

الباب السابع عشر في صفة الحرب و تدبيرها و المكيدة فيها ..... ص : 267

فضيلة الصبر و الشجاعة ..... ص : 269

وصف الحرب ..... ص : 269

الحياة و الموت بقدر ..... ص : 270

كلام للطرطوشي في فضيلة الشجاعة ..... ص : 273

وصف الحرب ..... ص : 275

وجوب الحذر من العدو ..... ص : 276

تدبير الحرب و العمل بها ..... ص : 277

تصريف الحيلة في نيل الظفر ..... ص : 278

تنظيم الجيش ..... ص : 280

الكمين ..... ص : 283

أثر الشجعان في نيل النصر ..... ص : 283

علة النصر و علة الهزيمة ..... ص : 284

كلام لموسى بن نصير في شجاعة الأمم ..... ص : 291

الطرطوشي يذكر كيفية من كيفيات الحرب ..... ص : 292

الحرب خدعة ..... ص : 294

الباب الثامن عشر في الفروسية و التجند ..... ص : 299

ذكر أحاديث نبوية في فضل التجند ..... ص : 301

عمر بن الخطاب يحث على تعلم الفروسية و الرماية و السباحة ..... ص : 302

فضائل الفروسية و أفضل الفرسان ..... ص : 303

كيفية تقدير مقدار الأعطيات للجند ..... ص : 304

من هو الفارس؟ كلام لصعصعة بن صوحان ..... ص : 306

ثمانية أخلاق للفارس ..... ص : 307

ما يأخذ به الفارس نفسه من ثقافة وعدة ..... ص : 308

أشعار في الفروسية ..... ص : 308

الباب التاسع عشر في ذكر مشاهير فرسان العرب في الجاهلية و الإسلام ..... ص : 321

ذكر فرسان العرب في الجاهلية ..... ص : 323

ذكر الفرسان في الإسلام ..... ص : 325

الباب العشرون في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى النصر في الحرب ..... ص : 343

نصائح و توجيهات في صناعة الحرب ..... ص : 345

المراجع

الفهارس العامة

فهرس الآيات القرآنية الكريمة ..... ص : 361

فهرس الأحاديث النبوية الشريفة ..... ص : 364

فهرس الأثر ..... ص : 369

فهرس الأمثال ..... ص : 370

فهرس الشعراء ..... ص : 371

فهرس الأعلام ..... ص : 375

فهرس الأمم و الجماعات و القبائل ..... ص : 387

فهرس الأماكن ..... ص : 392

فهرس الأيام و الغزوات و الحروب ..... ص : 395

فهرس الكتب المذكورة في تحفة الأنفس ..... ص : 396

فهرس المصطلحات و الألفاظ الخاصة ..... ص : 397

فهرس أبواب الكتاب ..... ص : 401