ghaemiyeh.com
نام كتاب: تنزيه الابصار و الافكار فى رحلة سلطان زنجبار
نويسنده: ابنسعيد، زاهر
محقق / مصحح: شتيوى، احمد
موضوع: شرح حال
زبان: عربى
تعداد جلد: 1
ناشر: وزاره التراث و الثقافه
مكان چاپ: عمان
سال چاپ: 1979 م
نوبت چاپ: اول
فنّ وصف(1)
(Relation de Voyage ) و كذا في الإنكليزية وجدنا:(Relation of the events ) و(Narrative of visit )
الرحلة فنّ قديم، عرفه العرب منذ أن دعاهم الإسلام إلى الضرب في الأرض(2)، و تبليغ الرسالة إلى الناس كافة(3). هو فنّ- إذا كان بعض الدارسين يلصقه بالجغرافيا، بل يدمجه فيه(4)- مستقلّ بشخصيته و خصائصه العلمية عن الجغرافيا(5)هو فنّ- و إن كان آخرون(6)انظر أيضا: غريب( جورج): أدب الرحلة تاريخه و أعلامه، دار الثقافة، بيروت، ط 3/ 1979.
يحشرونه ضمن الأدب(7)- منفصل بأسلوبه و لغته. و هو فنّ ازدهر1) نلاحظ أن الكتاب العرب يستعملون مصطلح" رحلة" استعمالا مشتركا، فهي تعني" عملية السفر و الحركة في المكان" كما تعني" وصف تلك الحركة" و هذا يؤدي إلى اضطراب في الفهم ذلك أنه ليس كل رحالة وصافا، فعدد الرحالة العرب- و خصوصا المغاربة و الأندلسيين- أكبر بكثير ممن تركوا لنا أوصافا. فالمقري( ت 1041/ 1631) يعرّف بعدد 307 علما رحلوا إلى المشرق( نفح الطيب، الجزء 2) بينما عدد الأوصاف التي ذكرها لهم لا تتجاوز العقد، و الصحيح هو أن نميز ما يكتبه الرحالة- متحدثا عن سفره- بمصطلح" وصف" لأن وصف الرحلة له دوافع منها: وصف المسالك، و الاعتبار و إثارة الشوق، و التعريف بالكسب العلمي و الاقتداء، و الإعلام، و تدوين أخبار الملوك، و غير ذلك، بينما الرحلة- أي السفر نفسه- له دوافع أخرى، فوصف الرحلة إذا هو الكتاب الذي نقرأه. و نجد في اللغة الفرنسية مصطلحا يؤدي هذا المعنى و هو:
2) قال تعالى:\i هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها\E. الملك 67/ 15.
3) قال تعالى:\i يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ\E. المائدة 5/ 67.
4) حسين: أدب الرحلة ص 6- 8.
5) بسطنا القول في هذه المسألة في رسالة الدكتوراه:" مظاهر الحضارة من خلال رحلات المغاربة و الأندلسيين و ثقافتهم في القرنين 6 و 12 للهجرة" كلية الآداب بمنوبة تونس 1988، المقدمة( مرقونة).
6) انظر مثلا: حسين: أدب الرحلة ص 8- 9 و نلاحظ أن مصطلح" أدب الرحلة" هو المتداول في الحديث عن" وصف الرحلة".
7) إن كلمة" أدب"- عند العرب- ذات مدلول عام، فهي تعني السيرة" سواء تعلقت هذه بهذا الجانب أو ذاك من الحياة الفردية أو الاجتماعية أو فنّ العيش بصفة عامة، أو تصرفات القلب، أو أخيرا مواقف الفكر" و نحن لا نذهب هذا المذهب، و إنما نعتبر" الأدب" تلك اللغة التي يعبّر بها المبدع عن خوالج النفس و اضطراب الفكر في أسلوب فنّي رفيع. لمزيد الإطلاع عن مفهوم الأدب راجع: ميكال: الأدب ص 66 و ما بعدها.
و إذا كانت الرحلات منحصرة في هذا العصر- عصر المحافظة(3)- في البلاد العربية أساسا(4)، فإنّها ستعرف في القرن الثالث عشر (19 م) وجهة جديدة، و هي أوروبا. فقد أخرجت حملة بونابارت الاستعمارية على مصر سنة 1210/ 1798- العرب من قوقعتهم، و حرّكت فيهم حبّ الاطلاع على ما حقّقته أوروبا من نهضة أدّت بها إلى التقدّم(5).
لقد أراد العرب الكشف عن سرّ قوتها.
كان وصف الرحلات من أهمّ مظاهر الإحياء و الدعوة إلى النهضة. و إذا اعتبرنا الطهطاوي(6)
Rifaa Bey al TAHTAWI: E. I. 2: VIII/ 325- 4) Ohrenberg(
أبا وصف الرحلة إلى أوروبا، فلا نجانب الحقيقة.1) دواعي الرحلة تختلف- كما ذكرنا- عن دواعي وصف الرحلة، فالمغاربة- مثلا- كانوا يرحلون لأسباب منها: الحج، الدراسة، السياحة، السفارة. انظر نصّار: أدب الرحلة ص 17- 49، و رسالتنا: المقدمة
2) قمنا بجرد للأوصاف التي تركها الرحالة المغاربة و الأندلسيون، المخطوط منها و المطبوع، إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، راجع رسالتنا: المدونة.
3) من نتائج بحثنا التي توصلنا إليها أن مصطلح" الانحطاط" الذي يطلق على تاريخ العرب بين القرنين 6- 12 للهجرة ليس دقيقا. و الأدق هو مصطلح" الحفاظ" أو" عصر المحافظة". و هذا المصطلح أكثر حيادية و موضوعية. و هو يقابل ما عند الأوروبيين" القرون الوسطى" راجع رسالتنا: مظاهر الحضارة، الخاتمة.
4) هذا لا يعني أنه لم تتم رحلات إلى خارج البلاد العربية: فقد سافر التمكروتي إلى تركيا سنة 997/ 1589 و وصف رحلته تحت عنوان" النفحة المسكية في السفارة التركية"، و الغزّال سافر إلى اسبانيا سنة 1179/ 1766 و وصف رحلته تحت عنوان" نتيجة الاجتهاد في المهادنة و الجهاد"( دار الغرب الإسلامي 1981) و غير ذلك.
5) اهتمت نازك سابايارد بدراسة أوصاف الرحالة العرب إلى أوروبا تحت عنوان" الرحالون العرب و حضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة" مؤسسة نوفل، بيروت ط 1/ 1979
6) رفاعة( 1216/ 1801- 1290/ 1873): تعلم بالأزهر، و صار واعظا بالجيش المصري ثم صحب بعثة الطلبة إلى فرنسا سنة 1826 فتعلم الفرنسية و ترجم عدة مؤلفات و وصف مشاهداته في كتابه" تخليص الابريز في تلخيص باريز". سعى إلى إصلاح التعليم و تولى رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، له عدة مؤلفات. انظر: كحالة: معجم: 4/ 168- 9، 13/ 387، و فصل:
ذلك أن وصف رحلته المعنون" تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي طبع أول مرة ببولاق سنة 1834 يعدّ فتحا جديدا، و نموذجا متّبعا.
و لم يبق وقت طويل حتى ظهر وصف آخر للشدياق(1)
انتقل إلى مصر و مالطة و تونس و أوربا و القسطنطينية. شارك في إصدار الرائد التونسي. و أصدر صحيفة الجوائب في تركيا. له:
الواسطة في أخبار مالطة، الجاسوس على القاموس، الساق على الساق. انظر: كحالة: معجم: 2/ 41، 13/ 365، و فصل:Faris al - SHIDYAK :E .I .2 :II /008 (Karam ).
تحت عنوان" كشف المخبأ في فنون أروبا" طبع بتونس سنة 1866(2).و لم تمرّ سنة واحدة حتى نشر خير الدين(3)
Khayr al- Din PASHA: E. I. 2: IV/ 3511- 5) Van Kricken(
" أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك" سنة 1867 في تونس أيضا(4).و ظهر في السنة نفسها وصف آخر لمرّاش(5)
Marrash: E. I. 2: IV/ 895- 9) Tomiche(
يحمل عنوان" رحلة إلى باريس" طبع في بيروت.لقد حازت هذه الأوصاف، و غيرها كثير، على حظ واسع من التعريف و الدراسة، و لاقت رواجا عند القرّاء، و عناية عند الباحثين، و مازال يعاد طبعها.
1) هو فارس( 1219/ 1804- 1304/ 1887): سمى نفسه أحمد عند ما أسلم. كاتب، معجمي، صحافي، شاعر، لبناني.
2) و ظهرت له طبعة ثانية في القسطنطينية سنة 1299/ 1881.
3) بعضهم يعرّفه بخير الدين التونسي، و بعضهم بخير الدين باشا( 1238/ 1823- 1308/ 1890): شركسي الأصل، صار مملوكا في اسطنبول ثم نقل إلى بلاط باي تونس. و صار له شأن سياسي. سافر إلى أوربا و أقام فيها عدة سنوات. ألف إثرها كتابه المشهور. تولى الوزارة الأولى في تونس، و الصدارة العظمى في اسطنبول. انظر: كحالة: معجم 4/ 133، و فصل:
4) أعاد منصف الشنوفي تحقيق الكتاب، و وضع له مقدمة تحليلية، مع جداول، و ملحقات، و فهارس. و قال في شأنه:" من أبرز الكتب التي حررت في القرن التاسع عشر. و هو في باب التحرير السياسي أدخل، و إن حشره مؤرخو الآداب في باب( وصف) الرحلة اغترارا بعنوانه، و تهاونا بمقدمته التي حوت من الآراء الجوهرية الخطيرة ما يجعل منها مرحلة حاسمة في مراحل التفكير السياسي في العالم العربي الإسلامي الحديث". أقوم المسالك: ص 23( المقدمة)
5) ( 1252/ 1836؟- 1290/ 1873) من رجال النهضة في سوريا شارك في تجديد الحركة الأدبية و كان من دعاة الإصلاح السياسي و الاجتماعي، له عدة مؤلفات: انظر: كحالة: معجم 8/ 61، و فصل:
و إذا كانت هذه الأوصاف قد نالت ما نالت من الرعاية، فإنّ وصفا آخر ظهر سنة 1878، صاحبه زاهر بن سعيد(1)، و عنوانه" تنزيه الأبصار و الأفكار في رحلة سلطان زنجبار" بقي نكرة رغم أنه طبع مرتين. فلقد أصابه غبن لأسباب مجهولة(2).
هذا الوصف مرّ بمرحلتين في تأليفه:
المرحلة الأولى: و هو عمل ابن سعيد مذكّرات دوّن فيها مشاهداته أثناء صحبته للسلطان برغش(3). هذه" الرّقع التي دبّجها السيد زاهر بن سعيد كاتب السلطان" هي الأساس في تأليف هذا الوصف(4).
المرحلة الثانية: و هي تدخّل لويس صابنجي(5)بعدّة أعمال حوّلت تلك" الرّقع" وصفا متماسكا، و هو المنشور الآن.
1) لقبه النخلي، تولى الكتابة الخاصة للسيد ماجد، ثم لابنه السيد برغش في زنجبار( المغيري: جهينة ص 328) و نلاحظ أنه صاحب السلطان برغش في رحلته إلى أروبا سنة 1875، و دوّن أهم أخبار تلك الرحلة.
2) وضعت سابايارد ثبتا" بأسماء الرحالين في القرنين التاسع عشر و العشرين و كتبهم في الرحلة"( الرحالون: ص 481- 50) و لم تورد" تنزيه الأبصار" و كذلك فعل الشنوفي رغم أنه أورد" الرحلة النحلية" للويس صابونجي( كذا) و مكان طبعها الآستانة( أقوم: المقدمة)" و هو وصف رحلته حول العالم سنة 1871 و دامت 3 سنوات"
3) هو برغش بن سعيد البوسعيدي( ح 1287/ 1870- 1305/ 1888) قال فيه المغيري:" هو آخر سلاطين زنجبار اسما و معنى" و قال فيه أيضا:" نادرة سلاطين زنجبار" له أعمال جليلة إلا أنه قام ببناء القصور و غرس البساتين و كثرة الحاشية و البذخ و الإسراف في المصاريف" كل ذلك اقتداء ببعض زعماء الهند التي نفي إليها قبل تولي السلطنة و تقليدا للتمدن الأوروبي بعد رحلته إليها.( انظر: جهينة: ص 327- 360). أما أخته سالمة فوصفته" بالقسوة و شدة العقاب" و أنه خاضع للقنصل البريطاني.( انظر مذكرات: ص 306- 316). و قد لخص السالمي القول فيه:" و لبرغش بن سعيد مآثر حسنة إلا) أنه خلط عملا صالحا و آخر سيئا". انظر: تحفة: 1/ 229، و أيضا الفصلين:Barghash :E .I .2 :I /3401 (Becker ),N .E .B :I /598
4) انظر خاتمة النص المحقق: ص 169
5) أورده الشنوفي: صابونجي و كذا ورد في طبعة" تنزيه الأبصار" سنة 1985( على الغلاف الخارجي و نظيره في الداخل) و ورد في الطبعة نفسها صابنجي( خاتمة الكتاب) و تحت صورته ورد" رسم القس يحيى لويس صابنجي" مؤلف هذا الكتاب: و هو لويس بن يعقوب بن ابراهيم صابنجي( 1254/ 1838- 1350/ 1931) باحث أتقن عدة لغات من ديار بكر أصدر مجلة" النحلة" في بيروت ثم انتقل إلى لندن و أصدر جريدتين و هما:" الاتحاد العربي" و" الخلافة" ثم انتقل إلى الآستانة، له عدة مصنفات. انظر عنه: الزركلي: الأعلام: 247- 8
و هذه الأعمال من أهمّها(1):
أ- تأليف الكتاب، و ترتيبه ممّا سمعه صابنجي، و وعاه، و ممّا اقتطفه" من الرّقع التي دبّجها السيد زاهر".
ب- الرجوع إلى" صحف الأخبار الانقليزية و النشرات الفرنساوية" فيما قالت عن السلطان، و ممّا نقلته" من الخطب الفصيحة في المحافل، و المجالس، و الولائم، و قاعات السّرور و الحبور." و قد قام صابنجي بترجمة تلك الخطب، و تلخيصها.
ج- إضافة" فوائد علمية و تاريخية مما نيط بالبلاد التي خطرها (السلطان) و الأمم التي عاشرها و الأماكن التي طاف فيها و التّحف التي رآها"(2).
د- إلحاق" تصاوير بهية تشخّص مناظر البلاد و صور الرجال ذوي المناصب و الأمجاد".
ه- توزيع مادة الوصف و تقسيمها إلى خمسين بابا(3)، و وضع لها مقدّمة و خاتمة.
هذه أهم الأعمال التي قام بها صابنجي في إعداد هذا الوصف قبل أن يتولى
و يجب التنويه بالجهد الذي بذله هذا المصلح في نشر هذا الوصف نشرة تعتبر في وقتها ممتازة لما اتصفت به من ترتيب، و دقّة، و تحقيق، و إيضاح(4).
1) انظر" خاتمة الكتاب": ص 169
2) وجدنا أن صابنجي يعود إلى المصادر أحيانا، و من ضمنها: الخطط للمقريزي( لم يصرح بذلك) و الصحيح للفيروز آبادي( صرّح بذلك)
3) سها الكاتب فكرر رقم البابين 24، 25 و أسقط رقم 43، فجاء عدد الأبواب عنده من حيث الأرقام 47 بابا بينما هي 50( خمسون).
4) لمزيد الاطلاع راجع بحثنا:" رحلات سلطانين عمانيين زنجباريين إلى أوروبا" مجلة مركز الوثائق و الدراسات الإنسانية، جامعة قطر.
إن" تنزيه الأبصار" وصف يسد فراغا في أوصاف الرحلة في القرن 19. ذلك أن رحالة هذا القرن تميّزوا بآراءهم الاصلاحية و بتنبيه العرب إلى ضرورة النهضة،" و إيقاظ الغافلين من رجال السياسة و سائر الخواص و العوام ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية و الخارجية و ذكر ما تأكّد معرفته من أحوال الأمم الإفرنجية"(1). كان هؤلاء الرحالة" مثاليين" لم ينتبهوا إلى" فارق" جوهري يفصل بين عقلية العربي و عقلية الغربي، ألا و هو" حبّ العمل".
لقد توهّم الرحّالة مثل هذه المقولة:" أساس جميع ذلك (التمدّن) حسن الإمارة المتولّد منه الأمن، المتولّد منه الأمل، المتولّد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأروباوية بالعيان"(2).
هذه المقولة تمثّل- في نظر السلطان برغش- الهرم مقلوبا: فقد كشف- على عكس المصلحين الآخرين- عن أخطر ما يؤدّي إلى ضعف الأمّة. إنّ" حسن الإمارة" لا يعني شيئا إذا كان المجتمع يكرّس الكسل، و يأنف من العمل. و قد عبّر السلطان عن موقفه- هذا- في مناسبات عدّة. منها قوله، و هو يخاطب الإنكليز:" أودّ لو أن أقدر (على أن) أرسل قوما من شعبي (...) ليتعلّموا من عملة معاملكم منافع الشغل و الجهد"(3).
لقد أدرك السلطان برغش- و هو يمارس دوره السياسي- أنّ" الحريّة" لا تصنع وحدها" النهضة"، ثم" التقدم"، ما لم يكن المجتمع متحفزّا للبذل و الجهد، طموحا لتحقيق المعالي، ساعيا إلى العزّ و السؤدد.
هذا الطرح الواقعي تميّز به" تنزيه الأبصار". و هذا يشفع للعناية به. و ليس هذا فحسب، و إنّما هو وصف يتوفر على مظاهر أخرى من الأهمية، مثل التعرّف على أسباب تقدّم
1) خير الدين: أقوم: ص 84. و هذا القول يلخص مفهوم النهضة عند عامة الإصلاحيّين الذين يقولون بالأخذ عن أوروبا أسباب النهضة.
2) خير الدين: أقوم: ص 89.
3) تنزيه: ص 129، و قد توسعنا في بحث مفهوم النهضة عند السلطان في:" النهضة في نظر السلطان برغش من خلال وصف( تنزيه الأبصار)" مجلة: كلية الإنسانيات و العلوم الاجتماعية، جامعة قطر، سنة 2002.
بريطانيا، و الوقوف على وسائل النقل و مسالكه المتنوّعة، و اكتشاف بعض دهاليز السياسة الاستعمارية، و غير ذلك.
ذكرنا أن" تنزيه الأبصار" ظهر سنة 1878، ثم تكلفت وزارة التراث القومي و الثقافة بسلطنة عمان. بإعادة طبعه سنة 1985، و أوكلت أمر مراجعته إلى دكتور. فجاءت هذه الطبعة في مظهر قشيب، إلا أنّ التدقيق فيها و مقارنتها بالأصل كشف لنا أن المراجع لم يحترم حرمة النص و تصرف فيه كما يظهر من الملاحظات التالية:
أ- تغيير كلمة بكلمة للتّسهيل- على ما يبدو- مثل: (دقال: قلاع، قنة: قمة، أوائل: أدوات)
ب- تغيير جمل كاملة، مثل قوله:" فباشروا يبدون أصوات الصفير بأوائل البخار" التي عوضها بقوله:" فأخذوا في إطلاق أصوات الصفير" (ص 14)، و قوله" أعدموني ثمرة بأسي و حطوا مقامي عند أعدائي" التي عوضها بقوله:" إطلاق أصوات ثمرة انتصاري" (ص 29)
ج- إسقاط بعض الجمل: مثل قوله:" فكان قد أنشأها الملك غليوم الرابع بهذه الرسم" (ص 59)
د- إضافة كلمات بين قوسين بعد الكلمات الأصلية بنيّة الإيضاح: مثل قوله:
" الجرمانية (الألمانية)" ص 76، و قوله:" باراكويا (بورما)" ص 77
ه- تحريف كلمات، مثل" البارونسية" إلى" البارونة" ص 77، و" الدوقيسة" إلى" الدوقة" ص 74
و فضلا عن ذلك فإنّ المراجع لم يقم بتحقيق النص تحقيقا علميا مما حدا بنا القيام بهذه المهمة، و قد تمثّل جهدنا في الأعمال التالية:
1- تصحيح النصّ: تمّ ذلك بالمقابلة بين نسختي الطبعتين:
أ) الطبعة الأولى: (و هي طبعة سنة 1878) تتكوّن من 92 صفحة، كل صفحة فيها عمودان، و مقاسها 29* 22، و هي في عداد المخطوط بما أنها مفقودة في المكتبات التجارية و مراكز البحث العلمي. أما الصورة التي تمكنا من الحصول عليها فهي من نسخة ملك لوزارة التراث القومي بسلطنة عمان، و هي محفوظة ضمن المخطوطات تحت رقم 3506. و قد تحصلت عليها الوزارة بدورها من مالكها الأصلي: سيف بن عبد العزيز بن محمد سالم بن سيف الرواحي العبسي(1).
و قد جعلنا هذه النسخة أصلا رمزنا اليه بالحرف (أ)
ب) الطبعة الثانية: (و هي طبعة 1985) تتكوّن من 240 صفحة، و مقاسها 5، 24* 16، مجلّدة. إلا أنّ أوراقها سريعة الانفكاك.
و قد اعتبرنا هذه النسخة فرعا، رمزنا اليه بالحرب (ب)
سعينا إلى إعداد نصّ أصلي كما أراده صاحبه دون التدخّل في تصحيح لغته الإملائية، أو تقويم تراكيبه، أو تدقيق مصطلحاته، لأن القيام بمثل هذا العمل يخلّ بالنصّ، و يناقض الأمانة العلمية. فهذا الوصف هو ابن عصره. فقد كان صابنجي يبذل جهدا كبيرا في محاولة وصف المخترعات بلغة عربية نام أهلها قرونا، فضلا عن كونها لم تتوفّر بعد على رصيد من مصطلحات الصناعة الحديثة.
2- توفير جهاز علميّ يساعد على فهم النصّ، يتمثّل في الجوانب التالية:
1) ورد في الصفحة الأخيرة بقلم الحبر هذا التملك:" للعبد( كذا) للّه تعالى أفقر الورى لربه في يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا ما( كذا) أتى اللّه بقلب سليم عبده الضعيف سيف ... بيده"
أسماء من حضروا المآدب دون تمييز. و قد انتبه إلى ذلك، فاعتذر أحيانا كثيرة، كقوله:" و من جملة نساء الأعيان حضر الوليمة نحو 52 سيدة أغفلنا ذكر اسماءهن خشية الملل" (ص 80).
شرح الغريب من الألفاظ و المصطلحات المختلفة مع ضبط أصولها في لغتها الأصلية.
تخريج ما تيسّر من النصوص الشعرية و النثرية التي أوردها الكاتب، و يجب الاعتراف بأنّ المصادر و المراجع لم تكن متيسّرة في الظروف التي تمّ فيها التحقيق.
3- وضع كشّافات للأعلام و المصطلحات:
هذا ما أمكن القيام به في تحقيق هذا النصّ القيّم. و هو جهد المقلّ الذي يسعى، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصفّ 2- 3)
تونس في: 18/ جمادى 2/ 1426- 25/ 7/ 2005
د. أحمد الشتيوي
صفحة الغلاف الخارجية
الصفحة الأولى من طبعة صابنجي
الصفحة الأخيرة من طبعة صابنجي
صفحة الغلاف الثانية
جلالة سلطان زنجبار المعظم
لك الفخر يا من قد تفرّد بالسّخاو أسّس ملكا بالسّعادة و البها
جلست على كرسي الأمان مظفّراسبحان من أعطاك ملكا قد زها
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين. مالك يوم الدين. الذي بسط الأرض مهادا. و وضع الجبال لها أوتادا. و أرسل في حزونها الأنهار جلابا. و مدّ على سطحها من الغمر بحورا عبابا. و جعل الأسفار نزهة لذوي الأبصار. و باعثا على اكتساب المعارف و كشف خبايا الأسرار. و أوحى إلى نوح عليه السّلام صنعة إنشاء السفن و سيّرها في البحار. و علّم بنيه مدّ سكك الحديد لدرج القطار.
و أرشدهم إلى رصد النجوم هداية لهم في الليل المدلهم. و كشف لهم خبايا المغنطيس عناية منه لما فيها من النفع المهم. و قال لعباده أن اسلكوا في الأرض بالطول و العرض. و جولوا البلاد.
و عاشروا العباد. و أفرجوا ما في قلبكم من الغمّ. بالجوب في البرّ و القلع في اليمّ. و داووا(1)من العقل الكلوم. بشرب كوثر العلوم. و في ذلك قال الإمام علي(2)
ALI: E. I. 2: I/ 183- 6) Vaglieri(
رضي اللّه عنه: (الطويل)تغرّب عن الأوطان في طلب العلاو سافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ و اكتساب منافعو علم و آداب و صحبة ماجد
و لا جرم أن في الأسفار فوائد جمة غير هذه: منها ما قاله موسى عليه السلام:" لا تلوموا السفر فإني أدركت فيه ما لم يدركه أحد"، يريد أن اللّه كلّمه و هو مسافر عن الأوطان.
و قال المأمون(3):" لا شيء ألذّ من السفر، فإنه يشدّ الأبدان، و ينشّط الكسلان، و يشهّي الطعام"، إلى غير ذلك. و لهذا كان الناس في الأسفار مذاهب: فمنهم من سافر في طلب العلم و المعارف و اكتساب الفوائد. و منهم من أراد منها الزهد و العبادة. و منهم من قصدها في طلب
1) ب: داوا
2) هو علي بن أبي طالب( 23 ق. ه/ 600- 40 ه/ 661)، أبو الحسن رابع الخلفاء الراشدين، ابن عمّ الرسول صلى اللّه عليه و سلم و صهره، نسب إليه: نهج البلاغة، و ديوان شعر. الزركلي: الأعلام 4/ 295 و فصل:
3) هو عبد اللّه بن هارون الرشيد( 170/ 786- 218/ 833) سابع الخلفاء العباسيين. الزركلي: الأعلام 4/ 142.
الرزق و اكتساب المعاش و حشد الأموال. و منهم من طمع منها بنوال الفخر و الأمجاد، كقول حسن بن علي الطائي(1): (البسيط)
إنّ العلى حدّثتني(2)و هي صادقة
فيما تحدّث أنّ العزّ في النّقل
لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
و منهم من عمل الرّكاب، و طاف ما أمكنه الوصول إليه من بقاع الأرض بالسياحة حتى يشاهد حال البلدان و الدّول في الحال، و يثبّته في مؤلفات جديدة يوضّح فيها ما شاهد من رحلاته، و لا يبالي بمشقات السفر و عوارض الاغتراب و البعد عن الأهل و الوطن. كل ذلك له نفاسة(3)ما هو فيه من خدمة أبناء عصره بتحقيق أخبار البلاد الشاسعة حتى يصير هذا الاغتراب عن الأهل و الأتراب ديدنا له لا يتناءى(4)عنه و يقضي فيه حياته، و يقول مصعب العقلى: (الطويل)
إذا كان أصلي من تراب فكلهابلادي و كل العالمين(5)أقاربي
و لهذا قد تصدّى كثير من متبصّري المسلمين و الفرنجة(6)من أهالي أوروبا و غيرها للسياحة(7)لإفادة أبناء جنسهم عن(8)أحوال الأمم التي لم تكن على نحو مألوفاتهم، و بذلك يتحققون معنى سعة أرض اللّه و كثرة جنود ربك و اختلاف ألوان الناس و ألسنتهم، و يخلّدونها في بطون الأوراق لإفادة أمم جميع الآفاق.
أمّا الملوك و السلاطين ففيهم من سافر طمعا في الاكتشاف على بلاد اللّه الواسعة الفلا، الكثيرة الكلا، و النظر إلى ما فيها من الخيرات و أسباب التّمدن و الحضارة و المعارف و الصّنائع، إلى غير ذلك من بواعث الخيرات و النجاح ليزداد خبرة، و يستعين بها على نقل ما فيها من المحاسن إلى ممالكه كما فعل بطرس الأكبر(1)ملك الروسية، و غيره من الملوك و السلاطين.
فبناء على ما ذكرنا، صمّم السيد الهمام، و القرم القمقام، السلطان بن السلطان بن السلطان بن الإمام: برغش بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد سعيد، على مبارحة ملكه الرّغيد، و تجشّم مشقة الأسفار، و الخروج إلى بلاد أوروبا الغنيّة بكنوز المعارف، و الصنائع، و أسباب الحضارة و العمران، ليرى ما فيها مما يستحقّ نقله إلى بلاده، و إن كان ملكه على جانب عظيم من الخصب و العمران، فإنه قد شاد فيه حصون الحضارة على أركان العدالة، و صارت رعاياه ترتع على مروج الخصب و السّلام، و تضحك عن ثغر بسّام.
غير أن السلطان برغش- أعزّ اللّه شأنه- قد جبل على طبع جليل يشتاق إلى طلب المعالي و الفلاح. و من حسن دأبه الأثيل إذا سمع بمفخرة لم يأل جهدا عن امتطاء سنامها و الفوز بنوالها. و لهذا عزم على الأسفار، و الجولان في الأمصار، و كتب يقول إلى جلالة فيكتوريا(2)
Victoria: N. E. B: 21/ 943- 05, G. E: 02/ 18521
" ملكة بريطانية" و" سلطانة الهند الفخيمة" أنه يريد زيارة البلاد الأوروبيّة. فهشّت، و بشّت جلالة الملكة إلى رؤياه، و أرسلت تستقدمه برسالة و دادية. فلبّاها السيد برغش بحسن القبول، و إتمام المأمول.1) و يعرف أيضا: بطرس الأول( 1672- 1725): كانت له علاقات مع الغربيين الذين شجعوه على محاربة الإسلام( تركيا) و حاكى أوروبا في تحديث بلاده. 1421/ 2:Pierre 1 er :P .R .
2) هي فيكتوريا الأولى، ملكة بريطانيا العظمى و إرلندة من 1837 إلى 1901، و إمبراطورة الهند من 1876 إلى 1901، أدركت الدولة في عهدها الاتساع و القوة. انظر الفصلين:
و لّما كنت ممّن تشرّف بصحبة جلالة السلطان في هذه الرحلة الزهية، و رأيت بمرأى العين ما حصل لجلالته من العز و الجاه في تلك البلاد السعيدة، و سرّحت نظري بما فيها من المفترجات و التحف النفيسة التي تتوق إليها العقول، و ترتاح إلى استماع أخبارها النفوس، عوّلت على جمع ذلك في كتاب برأسه سمّيته:
" تنزيه الأبصار و الأفكار، في رحلة سلطان زنجبار"
فالمأمول ممّن يقف على هذا المؤلّف الصغير المنظر، الكبير المخبر، أن يغتفر كثير صوابي في قليل خطئي(1). فإن اللّه يأبى العصمة لكتاب غير كتابه. هذا، و إني قد عملت الفكرة في وضعه على طريقة سهلة المناولة، يتيسّر لكل من يسرّح نظره في رياضه أن ينزّه أفكاره بأخباره، و قد جاء مصداقا لقول الشاعر: (الكامل)
إن رمت في الدنيا نزاهة سايحفانظر إلى هذا المصنّف دارسا
من ليس يطمع أن يراها ماشيافأنا الضّمين بأن يراها جالسا
فعليّ السّعي به، و على اللّه النّجاح.
1) أ- ب: خطائي
رسم العالم العامل و الفقيه الفاضل الدكتور جرجس باجر خليل سعادة السيد برغش سلطان زنجبار
منظر مدينة زنجبار
لما عزم(1)جلالة السلطان على السفر بالسلامة تهيّأت له باخرة إنكليزية اسمها" كوكوناده" و اسم قبطانها" أندرسن". فاختار السلطان- أعزه اللّه- بضعة أنفار من حشمه يرافقونه في رحلته. و هم السّادات:
حمود بن أحمد
و حمد بن سليمان(2)
و محمد بن أحمد
و ناصر بن سعيد
و الفاصل في الدعاوى الشرعية الشيخ محمد بن سليمان
و تارياتوين كبير تجار أهل الهند المقيمين في جزيرة زنجبار
و القبطان(3)
Capitain: N. E. B: 2/ 738, P. R: 942
محمد بن خميسو الكاتب زاهر بن سعيد
و عبيد بن عوض قابض المالية
و غيرهم من الخدمة مجموعهم تسعة عشر رجلا.
1) أ: عزمت.
2) هو حمد بن سليمان البو سعيدي، هكذا عرفه المغيري، و اكتفى بذكر أنه من" رجال مشورته". انظر: جهينة ص 333، 361
3) القبطان( جمعها قباطين) كلمة لاتينية، و تعني( منذ سنة 1723) الربان المكلف بقيادة سفينة عسكرية. و القبطان درجة عسكرية. و هي عند الإنكليز أعلى درجة في سلّم ضباط العسكرية و البحرية. انظر:
كان سفر جلالة السلطان من زنجبار نهار السبت في اليوم الأول من ربيع الآخر سنة 1292 (8 مايو 1875). و عند ركوبه الباخرة شيّعه كبار مملكته و أرباب دولته و قناصل الدّول بأجمعها. و أطلقت له المدافع من حصون العاصمة و من بارجة الإنكليز التي كانت في المرفأ.
و في الساعة الرابعة و عشر دقائق أقلعت السفينة و سافر السلطان- أعزه اللّه- على بركات اللّه- تعالى- مصحوبا بقنصل(1)جنرال(2)دولة بريطانية مستر جون كيرك(3)
883/ 6:Kirk ,Sir John :N .E .B
الذي أمرته جلالة الملكة أن يرافق السلطان ذهابا و إيابا. فساروا، و طابت لهم الرّيح، و صفا الجو، وراق البحر.و ما زالوا يقلعون في راحة و سرور حتى أقبلوا على سراج فوق منارة على رأس مدخل بندر(4)
Bandar: E. I. 2: 1/ 3101) Huart(
عدن(5)Aden: N. E. B: 1/ 59, Aden: E. I. 2: 1/ 081- 2) Lofgren(
.1) قناصل( مفرده قنصل): كلمة لاتينية، لها عدة معان، و المقصود هنا( منذ سنة 1690) الموظف المكلف من حكومة بلاده بحماية مصالحها القومية و المسؤول عن القيام بالأعمال الإدارية في بلد أجنبي. 376:Consul :P .R .
2) قنصل جنرالConsul general : قنصل عام: و هو موظف أعلى درجة من القنصل و أقل درجة من السفير.
3) السّير( 1812- 1922): فيزيائي اسكتلندي، عالم طبيعة و إداري بريطاني في زنجبار. كانت له علاقات مودة مع السلطانين سعيد و برغش، و كان يدافع عن أفريقيا الشرقية ضد الألمان و المصريين. فصل:
4) بندر( ج بنادر): لفظة فارسية انتقلت إلى التركية ثم إلى العربية و تعني أساسا الميناء البحري. فصل:
5) مدينة بها ميناء تقع في جنوب ساحل الجزيرة العربية، حكمها الإنكليز سنة 1837. الفصلان:
و لمّا اتفق وصولهم إلى المدخل قبل طلوع الفجر خشي القبطان من المرور به ليلا حذرا من تصادف الأخطار. فأمسك عن ذلك لشدة حزمه حتى الصباح. و كان ذلك صباح نهار الأحد فدخل القبطان حينئذ بالباخرة بندر عدن، و قد نشر علم السلطان في أعلى دقلها(1).
و لما رست الباخرة أتى أعيان البلد و تجّارها و وكيل الباخرات الإنكليزية السيد كاواجي الفارسي الأصل و غيرهم من أكابر عدن ليسلّموا على سعادة السلطان. ثم حضر قبطان العساكر الإنكليزية إلى باخرة سعادة السلطان و سلّم عليه. ثم تصافحا، و انصرف. و كان بمرسى عدن عدة سفن أجنبية و بوارج حربية إنكليزية، و من جملتها بارجة اسمها جلاصجوه(2)كان فيها أمير البحر(3)، فأمر بإطلاق 21 مدفعا إجلالا لحضرة السلطان كما يطلق لكل ملك له شأن.
و في الساعة السادسة من النهار قدم والي عدن و أمير البحر الإنكليزي و معه قباطين البوارج و كبير العساكر المقدّم ذكره لمواجهة السلطان و تبليغه التهاني بوصوله إلى بلادهم سالما غانما. فترحّب السلطان بهم، و أكرم مثواهم، و ترفّق بهم غاية الرفق كمألوف عادته. ثم انصرفوا و هم يثنون على رقة جانبه.
و في الساعة العاشرة من نهار ذلك اليوم حضر قنصل جنرال دولة جرمانيا(4)لمواجهة السلطان في الباخرة، فاقتبله السيد برغش بمزيد العز و الإكرام و أضافه.
فباتوا ليلتهم في المركب.
1) الدقل: السارية الأعلى من سواري الباخرة
2) اسم مدينة اسكتلندية كبيرة. فصل: 29/ 5:Glasgow :N .E .B
3) هو المسؤول على السفن البحرية. و انتقلت الكلمة إلى الفرنسية(Amiral ) و إلى الإنكليزية(Admiral ) منذ القرن 13 م، و هي تعني في هاتين اللغتين أعلى درجة عسكرية بحرية. فصل: 103/ 1:Admiral :N .E .B
4) هي دولة ألمانيا التي وحّدها بسمارك سنة 1871. و كانت لها أطماع في أفريقيا الشرقية. و وجود القنصل العام يوضح الصراع بين الدّول الأوربية. فصل: 217/ 5:Germany :N .E .B
نزل جناب السلطان يوم الاثنين من اليوم العاشر (18 مايو) من السفر إلى زيارة والي البلد و معه تسعة أنفار من حشمه، و عند بلوغه البر أطلق الجنود 21 مدفعا إجلالا و ترحابا بقدومه إلى بلادهم و علم السلطان منشورا يخفق فوق رؤوسهم. ثم سار السلطان إلى دار الوالي، و ردّ له الزيارة، فتلقّاه الوالي بمزيد العز و الإكرام. ثم خرجوا جميعا و أرباب الدولة تكتنفهم. و ذهبوا إلى مكان يسمى" طواهى". ثم ركبوا على جواري الخيل (عربيات)(1)و العساكر الخيالة تسير من أمامهم و وراءهم، و دخلوا مدينة عدن يريدون الفرجة.
و عدن مدينة من مدن البلاد العربية على شط بحر الهند، و لها مرساة أمينة للسفن.
كانت لها تجارة واسعة بين الشرق و الغرب، لكنها الآن في انحطاط. و الأراضي التي حولها جديبة يابسة. و هي بيد الإنكليز محطّا لمراكبهم الجارية بين الهند و السويس(2)
353/ 11:Suez :N .E .B
. و قد أقاموا فيها استحكامات منيعة. و حفروا صهاريج عميقة عظيمة منقورة في الكهوف نقرا محكما تصبّ فيها مياه الأمطار المنحدرة من الجبال و تحفظ طول السنة، و منها يستقي الناس الماء القراح.و بعد أن طاف السلطان، و من معه مدينة عدن، و رأوا منها ما كان أهلا للفرجة، رجعوا إلى الباخرة في الساعة الخامسة.
كانت الدولة البريطانية أعدت لحضرة السلطان برغش في عدن باخرة أخرى من بوارج الدولة، فانتقل إليها في قارب جميل تخفق في مؤخرته الراية الزنجبارية. و كان قد رافقه كثيرون من أرباب الدولة البريطانية و أعيان البلد و تجارها يشيّعونه بالسلامة. و بعد أن قضوا فروض الوداع عادوا إلى البرّ. و أقلعت الباخرة الحاملة للسلطان، و سافرت في حراسة الرحمن. فطابت لها الريح. و صفا الجو، وراق البحر. و ما زالوا يقلعون و هم في أرغد عيش. و إذا ببارجة إنكليزية حاملة أمير البحر قادمة فعرف الأمير باخرة السلطان و أمر بإطلاق 21 مدفعا على سبيل السلام و التوديع لجلالته. ثم ساروا الليل بطوله حتى انكشف لهم نور فوق منارة قد شادتها الدولة البريطانية هداية للسفن في مرورها ليلا في مضيق مدخل باب المندب(1)
365/ 7:Bab el Mandeb :N .E .B
.و في اليوم الثاني عشر(2)(20 مايو) من السفر صادفت باخرة السلطان مركبا عظيما ذا أربعة دقال(3)يخاله الناظر إليه قّنّة(4)جبل عال. و بعد غياب الشمس بثلث ساعة(5)مرّت السفينة بنور آخر على منارة مشيدة في شعب يدعى أبو الكيزان.
و في ليلة الأحد مرت الباخرة بمنارة الأشرف و هي مشيدة في شاطئ برّ أفريقية(1)تجاه شاطئ برّ الشام حذاء جبل سينا بقرب بركة فرعون و هي التي غرق فيها فرعون بفرسانه و مركباته.
و في الساعة السابعة من الليلة المذكورة مرت(2)السفينة بمنارة رأس غارب.
و نهار الأحد مرّت بمنارة الزعفران.
و بعد خمسة أيام(3)(25 مايو) وصلت الباخرة بندر السويس، و هي بلدة واقعة شرقي مدينة القاهرة بمصر على مدخل خليج السويس عند منتهى البحر الأحمر. و قد أنشأ الفرنساويون فيها معامل لصالح خليج السويس و السهر على حفظه في أحسن حال. و أهلها من العرب و المصريين و الفرنساويين و غيرهم من الأجانب.
و بعد أن رست باخرة حضرة السلطان بنصف ساعة أتى قبطان من مراكب حضرة خديو(4)مصر و صعد إلى الباخرة و طلب علما من أعلام جلالة السلطان لينشره في مركبه، فأعطي له، و هو(5)أرسله مع واحد من أتباعه، و نشره في دقل مركب الخديو. ثم أطلق الملاحون المصريون 21 مدفعا سلاما لحضرة السلطان.
و في أثناء ذلك طلب قبطان مركب الخديو مواجهة الإمام(6)برغش. فخرج السلطان إلى ظهر الباخرة و قابل القبطان بالبشاشة و الإكرام. ثم انصرف. ثم أتى بعده قبطانان آخران من
1) كتابة اسم القارة بالتاء يذكرنا بالاسم الذي أطلقه العرب على تونس عند ما فتحوها، فصل:Ifrikiya .E .I .2 :III /7401 (Talbi ) و نلاحظ أن الاسم يجب أن يرسم بالألف( على عكس ما يفعله المشارقة)
2) أ: مرة.
3) أ، ب: ساعات، و الصحيح ما أثبتنا. و الأدلة على ذلك:* أن ابن سعيد لا يؤرخ بالساعة* ثم ما يقتضيه السفر من احتياط و حذر في البحر الأحمر* و أخيرا ما ذكره الرحّالة صراحة أثناء العودة( انظر: الباب 50).
4) الخديو: مصطلح فارسي يعني: أمير، وال، لقب منحه السلطان العثماني لوالي مصر إسماعيل باشا فصل::E .I .2 Khdiw :V /4 (Vatikiotis )
5) ب: ثمّ.
6) ورد في وصف برغش: الإمام، السيد، السلطان، الملك، و غير ذلك.
قباطين المراكب الخديوية و سلّما على جلالة السلطان. ثم انصرفا(1). ثم أتى بعدهم قنصل دولة بريطانية الفخيمة و جناب السيد دي لاسبس(2)ناظر شركة خليج السويس(3)
) Compagnie Universelle du Canal MARITIME DE Suez(
انظر: فصل:Lesseps
و سلما على سعادة السلطان. ثم انصرفا.ثم حضر بعدهم حاكم بندر السويس المسمى حسن بك، و رحب بقدوم السلطان. ثم انصرف و هو يثني على ما ناله من الإكرام من سعادة السيد برغش الذي كان يبش بوجه جميع الذين تشرّفوا بمواجهته حتى سمعت قوما يقولون:" بارك اللّه في سلطان متصف بهذه السّجايا و الخصال الحميدة. فكأنه ملاك و ليس ببشر(4)".
في الساعة العاشرة من نهار يوم الأحد سافرت باخرة سعادة السلطان من مرسى السويس حتى إذا مرت ببارجة سعادة الخديو أمر قبطانها بإطلاق 21 مدفعا إكراما لحضرة السلطان. و كان ملاحو البارجة قد صعدوا إلى الدقال(1)و رؤوس السواري و هم يبدون أصوات الابتهاج و التسليم على سعادة السيد برغش. و كان السلطان قائما في صدر باخرته يرد السلام عليهم بلطفه و انسه المعهودين(2). و في أثناء ذلك أخذت باخرة السلطان بالدخول إلى خليج السويس، و فيما كانت السفينة مارة بالخليج صادفت سفينة أخرى كانت مقبلة من بورت سعيد.
و لما كان الخليج ضيّقا لا يسمح لمرور باخرتين بجانب بعضهما اقتضى(3)لإحدى السفينتين أن تلتجئ إلى المرفأ و ترسو في محطات معينة لها حتى تسمح للسفينة الأخرى أن تمر في منتصف الخليج.
و قد رتّب المحافظون على الخليج قوانين و قواعد لمرور المراكب: فقد عيّنوا مراسي تقف فيها المراكب الواردة من جهة بورت(4)سعيد و مراسي تقف فيها المراكب الواردة من جهة السويس. فلما أقبلت السفينة من جهة بورت سعيد كانت باخرة سعادة السلطان قد وصلت إلى المرسى المعيّن لتوقيف المراكب الواردة من السويس، فمال بها القبطان إلى المرسى و ربطها
الملاحون إلى الشاطئ حتى مرّت الباخرة الآتية من بورت سعيد، و لبثت باخرة سعادة السلطان في ذلك المرسى نحو ساعة زمانية.(1)
ثم حلّوا حبال الباخرة، و أطلقوا سبيلها، و سارت حتى غروب الشمس. و لضيق الخليج لا يسمح للمراكب أن تسافر فيه ليلا. و لا يسمح أيضا للبواخر أن تسافر في الخليج نهارا أكثر من خمسة أميال في الساعة.
و لمّا كانت باخرة السلطان راسية في محطة مبيتها مرّ بها نهار الاثنين صباحا مركب كبير ذو أربعة دقال. و مركب آخر ذو دقل واحد قد أعدّته شركة الخليج لإنقاذ المراكب إذا جرى لها عارض في مرورها بالخليج.
و في الساعة الأولى من نهار الاثنين أقلعت باخرة السلطان أنجرها(2)و سافرت. ثم وصلت إلى المرسى الخامس حيث يأخذ الخليج بالانفراج و التنفس عن ضيقه الأول.
صورة بندر قناة السويس
خريطة خليج السويس
و كان في هذا المرسى آلة يسمونها كرّاكة(1)تحفر قرار الخليج و تحمل رماله و تقذفها بقوة البخار(2)إلى سفن أخرى صغيرة تدنو منها و تحمل ذلك الطين إلى الساحل. و هكذا تنقّي باطن الخليج. و لا يسمح المحافظون على الخليج لأحد أن يرمي في مياهه أقذارا من المراكب و لا رمادا و لا فحما و لا غيره.
و بعد برهة و جيزة دخلت باخرة السلطان بحيرة التمساح و هي بحيرة مستديرة في منتصف الخليج كما ترى رسم ذلك في خريطة الخليج و على ساحل هذه البحيرة قد اختط المهندسون مدينة جديدة سمّوها" الإسماعيلية"(3)تيمنا باسم إسماعيل باشا خديو مصر. و في(4)البحيرة كراكات كثيرة كالتي سبقنا إلى ذكرها لأجل تنقية(5)قعر الخليج من الرمال التي تقذفها إلى باطنه الرياح و يأتي بها التيار من البحر المتوسط. ثم أخذت باخرة السلطان تمر بالمرسى السادس و هو على ساحل جزيرة صغيرة في البحيرة المذكورة.
1) هي في الأصل سفينة عالية ذات حمولة كبيرة، و هي هنا سفينة لتنقية المياه العميقة في قناة السويس.
2) البخار تحول إلى طاقة صناعية عند ما صار يدير الآلات بالضغط عوض العضلات و ما كان يتحقق ذلك لو لا استعمال الفحم الحجري استعمالا صناعيا و مكثفا و قد تم ذلك في أوائل القرن 19. فصل: 4348/ 7:Energie G .E
3) نسبة إلى الخديو إسماعيل، و تأسست سنة 1863 شمال غربي بحيرة التمساح التي تم ربطها بخليج السويس 415/ 6:Ismailiyah :N .E .B و البحر الأحمر. فصل:
4) هذه: ساقطة في ب
5) ب: كالتي سبق أن ذكرناها و ذكرنا أنها اعدت لتنقية ...
و في أثناء ذلك رأى سعادة السلطان دخانا قد ارتفع من البرّ. ثم سار بسرعة البرق. و كان ذلك دخان فابور(1)" سكة الحديد المصرية"(2). و كانت هذه أول مرة شاهد فيها جناب السيد برغش و حشمه فابور سكة الحديد. ثم قبل وصول الباخرة إلى المرسى السابع مرت بمنارة في شكل عامود من حديد ارتفاعها أربعون قدما (فوتا)(3). و لما بلغت الباخرة إلى المرسى السابع أخذ الخليج يضيق رويدا رويدا حتى صار كما كان قبل بحيرة التمساح.
و من المرسى السابع إلى البرّ قنطرة من حديد (جسر) يمرّ فوقها الناس من المرسى إلى البرّ. و هناك أيضا ماء حلو من ترعة النيل و أوائل(4)بخارية لتطهير الماء من أقذاره و إرساله في أقنية إلى مدينة الإسماعيلية التي مر بنا ذكرها.
و ما زالت الباخرة تمرّ من مرسى إلى مرسى حتى وصلت إلى مرسى بهيج المنظر انقطع فيه منظر الرمال القاحلة، و ظهرت(5)آثار الخضار و الأشجار و تدفق المياه بين الرياض و الأزهار و بقرب هذه البقعة من الأرض الطريق المؤدية إلى بيت المقدس (أوروشليم). و بجانب هذه المحطة بركة الملاحة التي ذكرها السيد حمود(6)بن أحمد في كتابه (و) أنّ ضمانها يبلغ ثلاثمائة ألف ريال في السنة.
1) نطق عربي للكلمة الفرنسية(Vapeur ) و هي اختزال للكلمة:Locomotive a vapeur : و هو القطار الذي يسير بالبخار، ثم وقع التوسع في معنى هذه الكلمة فصارت تعني الباخرة و هي تسير بالبخار أيضا، كما تعني المحرّك عموما. فصل 3135/ 5:Vapeur :G .E و نلاحظ أن فابور أو وابور تنطق في شمال إفريقيا: بابور.
2) أول خط سكة حديد يربط القاهرة بالإسكندرية، تم إنشاؤه سنة 1857 و هناك خط القاهرة- بور سعيد و خط القاهرة- السويس. فصل: 4171/ 7:Egypte :G .E
3) هكذا في أوب: و القدم: مقياس طول إنكليزي يساوي: 48، 30 سم. فصل: 539.Foot :O .R .E :p
4) ب: أدوات، و الأوائل جمع من استعمال الكاتب، مفرده آلة و هي تعني المحرك.
5) أ: ظهر
6) أ: حموده
و ما زالت الباخرة تسير حتى قطعت كل مراسي الخليج و هي 12 مرسى. و وصلت إلى بورت سعيد(1)
1452/ 2:Port Said :P .R
بعد غياب الشمس بساعة. و طول الخليج من السويس إلى بورت سعيد 85 ميلا و أعداد الأميال مرقومة على ألواح موضوعة على جسور خشبية تدل المار بها على عدد الأميال التي قطعها في سيره. و قطعت الباخرة الحاملة جلالة السلطان هذه المسافة في مدة 12 ساعة و نصف ثم ألقت أنجرها(2)في مرسى بورت سعيد، و باتت هنالك.و في الساعة الثانية من صباح اليوم الثامن عشر (26 مايو) من سفر سعادة السلطان أتى إبراهيم بك(3)
1159/Bey :E .I .2 :I
والي مدينة بورت سعيد و معه حسن بك قبطان بارجة الخديو (منور)(4). ثم جناب محمد قبطان وكيل سعادة الخديو(5)، و غيرهم من أعيان البلدة، و صعدوا إلى المركب، و سلموا على جلالة السلطان و بلّغوه التهاني بوصوله بالسلامة. فتلقّاهم بالترحيب و البشاشة كمألوف عادته الغراء. ثم انصرفوا إلى حال سبيلهم.الباب السادس(1)في السفر من بورت سعيد إلى ليسبون
في الساعة الثامنة و نصف من صباح ذلك النهار رفعت باخرة السلطان أنجرها من مرسى بورت سعيد. و سافرت في كنف الرحمن حتى إذا عادلت بارجة من بوارج حضرة الخديو (منور) أمر قبطانها بإطلاق 21 مدفعا لجلالة السيد برغش. ثم نشر أعلاما كثيرة في دقال(2)البارجة، و أمر جنوده البحريين بالاصطفاف على سطح البارجة، و هم حاملو السلاح. ثم رفعوا أصواتهم بالدعاء و السلام لحضرة السلطان. و كان قوم من الجنود البحريين يعزفون بآلات موسيقة. فقام جناب السيد و من معه، و أقبلوا نحو بارجة الخديو، وردوا السلام على قبطانها و على من فيها من الضباط. و ما زال الفريقان يشيران إلى بعضهما بالتحية و السلام حتى افترقا. و سافرت باخرة سعادة السيد على بركة اللّه تعالى.
و لما كان اليوم 22 (30 مايو) من أيام السفر عادلت(3)باخرة سعادته جزيرة مالطة(4)و لكنها لم تعرج على مرساها.
و في اليوم الرابع و العشرين (2 يونيو) عادلت(5)جزيرة مسينا من بلاد الإيتليان(6)و كذلك لم تعرج عليها. و كان الجوّ مدّة هذا السفر بطوله صاحيا و البحر هادئا غير أنّه في ليلة
اليوم الخامس و العشرين احتبكت(1)الغيوم في الجو، و أظلمت الدنيا، و لاح و ميض البرق من المغرب، و تراكم السحاب، و عصفت الرياح، و هطلت الأمطار، و تعالت الأمواج من ذلك البحر العجاج، و غدقت(2)على سطح السفينة، و طفحت عليها. و دام الحال على هذا المنوال إلى اليوم السادس و العشرين.
ثم احتبك(3)الضباب بالأكثر(4)، و أظلم الجو في قلب النهار حتى عجز البحارة عن رصد ما يمر بهم من السفن، فخشوا(5)من أن تمرّ بهم سفينة تصدم باخرة السلطان، و هم لا يرونها من شدة الضباب و الظلام، فباشروا يبدون أصوات الصّفير أوائل (أنجين)(6)البخار لينبهوا من كان وراءهم و من كان أمامهم سائرا(7)في تلك البحار حتى يحترسوا على(8)أنفسهم من مصادمة سفنهم.
و لما كان مساء ذلك النهار انكشف ذلك الضباب و انجلى الظلام عن وجه البحار بأمر اللّه تعالى صاحب العزة و الاقتدار.
و في الليلة السابعة و العشرين (5 يونيو)، مرّت باخرة السلطان بمضيق جبل طارق(9)
253/ 5:Gibraltar :N .E .B
.و جبل طارق حصن منيع على مدخل البحر المتوسط تدخل السفن من مضيقه إلى بحر الأوقيانوس الاتلنتيك(10).
1) ب: اشتدت
2) ب: اندفعت إلى
3) ب: اشتد
4) بالأكثر: ساقطة في ب
5) أ، ب: خشيوا
6) ب: و الظلام فأخذوا في إطلاق أصوات ...( و أنجين هي تعريب للكلمةEngin )
7) ب: يعج
8) ب: يجنبوا
9) هو جبل في أقصى جنوبي إسبانيا و منه دخل طارق بن زياد هذه البلاد و فتحها، و هو الآن تابع لبريطانيا. فصل:
10) نطق حرفي للكلمة الأجنبية:Ocean Atlantic و تعني المحيط الأطلسي/ الأطلنطي.
و هذا الجبل صخر عظيم يبلغ ارتفاعه 1439 قدما (فوتا) و فيه مغارات(1)واسعة منقورة في الصخر الأصم و محصنة بالمدافع و غيرها من الأسلحة(2)فهي(3)حصون طبيعية قد زادتها استحكاما القوى العقلية و دراية الإنكليز في الفنون الحربية. و لم يزل هذا الجبل إلى الآن في يد الدولة البريطانية منذ أخذته من مملكة أسبانيا سنة 1709. و قد أفرغت(4)مملكتا(5)أسبانية و فرنسة(6)جهدهما في أخذ هذا الحصن المنيع من يد الإنكليز فلم تستطيعا(7)أخذه. و سميّ هذا الجبل باسم" جبل الطارق"(8)نسبة إلى القائد العربي طارق بن زياد(9)الذي دخل بلاد أسبانيا من جهة هذا الجبل و فتحها في الجيل الثامن في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان(10)
الأعلام 8/ 121. و فصل: 111/Al - Walid :E .I :VIII
و هو سادس الخلفاء الأمويين.و في اليوم السابع و العشرين قرب الغروب عادلت(11)باخرة السلطان محطة السلك البرقي على ساحل بلاد أسبانيا، فطلب المتوظفون في إدارة السلك من قبطان باخرة السلطان أن يخبرهم بمن كان في باخرته. و كان خطابهم مع القبطان برفع رايات مختلفة الألوان و النّقوش.
1) أ: مغاير
2) أ: غير أصلحة
3) ب: كما أنها
4) ب: حاولت
5) أ: مملكتي ...
6) ب: اسبانيا و فرنسا
7) أ: يستطيعو على
8) نطق حرفي للكلمةGibraltar
9) قائد بربري( 50/ 670- 102/ 720) أسلم على يدي موسى بن نصير شارك في فتح الأندلس. الزركلي: الأعلام 3/ 217 و فصل: 3- 242/TariK b .Ziyad :E .I .2 :X
10) الوليد( 48/ 668- 98/ 715) ولي الحكم سنة 86/ 705. وجّه قواده للفتوحات، و في عهده تمّ فتح اسبانيا الزركلي:
11) ب: واجهت
و كل راية ذات نقش تدل على كلام(1): فمتى طلب القبطان شيئا نشر على رأس الدقل(2)الرّاية التي تدلّ على مطلوبه فيفهمها الناظر إليها من بعيد و يرفع له الراية التي تدل على جواب مطلوبه.
و هذا علم جزيل الفائدة للقباطين يتمكنون به من مساعدة بعضهم في حدوث الأخطار. فإذا عرض لمركب حادث مهلك أو كان مشرفا على الغرق أو محتاجا إلى مؤونة و رأى قبطانه مركبا آخر مارّا على مسافة بعيدة عنه لا يصل صوته إلى مسامع قبطانه ليستغيثه بالكلام أخذ بطلب إغاثته بواسطة إشارات الرايات، و حصل منه على الفرج.
فبهذه الطريقة أفهم قبطان باخرة السلطان المتوظفين في إدارة التلغراف(3)أنه حامل في مركبه جلالة السيد برغش سلطان زنجبار، و أنه يريد الذهاب إلى مدينة ليسبون(4)و يكون وصوله إليها في وقت كذا إن شاء اللّه تعالى. ففهم المتوظفون في إدارة التلغراف كلامه، و أرسلوا ذلك الخبر بسلك الإشارة إلى مدينة ليسبون.
و بلغ ملك البورتكال(5)خبر وصول سعادة السلطان برغش إلى ليسبون في أقرب وقت، و أمر باستحضار قصر جميل لسكنى سعادته عند وصوله بالسلامة.
و في اليوم الثامن و العشرين و كان نهار الجمعة وصلت الباخرة إلى ميناء مدينة ليسبون.
1) هو التلغراف
2) ب: الراية
3) هو نقل الكتابة على مسافات بعيدة بواسطة آلة بصرية أو كهربائية. أول محاولات هذا الاختراع تمت سنة 1792 لكن مورس الأمريكي( 1791- 1872) هو الذي طوّره، فصل: 7- 11735/ 19:Telegraphie :G .E
4) نطق حرفي للفظة الفرنسيةLisbonne و هي لشبونة عاصمة البرتغال، تقع على المحيط الأطلسي( و بالرتغالية و الإنكليزية:Lisboa )- فصل: 392/ 7:Lisboa :N .E .B
5) نطق حرفي للفظةPortugal أي: البرتغال
و بعد أن ألقت أنجرها أتى طبيب الصّحة بأمر(1)الحكومة، و سأل القبطان عن صحة أهل الباخرة، فأجاب القبطان أن سعادة السيد برغش و من معه في غاية الصحة و العافية. ثم أخرج قرطاس الشهادة و عرضه على طبيب الصحة فتيقن الطبيب أن باخرة سعادته قد سافرت من بلاد ليس فيها و باء معد، و أن جميع من كان فيها سالمون. فكتب ذلك في كتابه. و انصرف إلى حال سبيله(2)
1375:Quarantaine :P .R
.صورة مدينة ليسبون
ثم أتى بعده نفران من حرّاس المدينة و سألوا القبطان عمّا عنده من البارود. فقال:
" عندنا شيء يكفينا لإطلاق مدفعين فقط" قالوا: لا تسمح شريعة المملكة أن يدخل مركب إلى مرسى بلادها و هو حامل شيئا من البارود، و نحن نحفظه عندنا إلى وقت رحيلكم قال القبطان:
" حبّا و كرامة". ثمّ أمر البحارة أن يسلّموا حراس البلد ما فضل عندهم من البارود، ففعلوا.
و بعد ذلك دخلت الباخرة إلى قلب المرسى. و كان فيه عدة مراكب منها ستة لدولة الإنكليز. و لما عادلت(1)باخرة السلطان في مرورها بارجة من بوارج الإنكليز أطلقت تلك البارجة 21 مدفعا لسلام حضرة السلطان. فكان البادئ بإطلاق المدافع مركب كبير(2)ذو خمسة دقال(3)و كان حاملا(4)أمير البحر الإنكليزى. ثم تبعه باقي المراكب الإنكليزية، و رفعوا علم السلطان على دقال(5)مراكبهم إكراما له. و كذلك لما مرت باخرة سعادته بجانب بارجة الدولة البورتيكيزية(6)(منور) أمر قبطانها البورتكيزي بإطلاق 21 مدفعا لجلالة السلطان و نشر علمه على دقل(7)بارجته الحربية.
ثم ألقت الباخرة أنجرها(8). و بعد ذلك أطلقت البارجة الأميريكانية 21 مدفعا لسلام السلطان. ثم تبعتها بارجة دولة أوستريا(9)(منور) و أطلقت كذلك 21 مدفعا.
و في الساعة الرابعة من نهار ذلك اليوم قدم إلى باخرة السلطان أمير البحر البورتكيزي و وزيره و معاونه و سلّموا على سعادة السيد و هنأوه بوصوله بالسلامة. فرحّب بهم جناب
السيد و قابلهم باللطف و البشاشة. ثم قالوا:" قد أرسلنا إليك مولانا ملك البورتكيز بالنيابة عن جلالته لنطلب إلى سعادتك أن تشرّف بلاده بنزولك إلى البرّ، و قد أعد لجلالتك قصرا من قصوره لكي تكون سعادتك في ضيافته مدة إقامتك في عاصمة ملكه. و ها نحن مأمورون أن نتمثل بأمر سعادتك". فرحّب بهم السيد برغش، و قال:" بارك اللّه فيكم و في جلالة ملككم.
إنّنا لننزل إن شاء اللّه تعالى في الساعة التاسعة، و نتشرّف بمصافحة جلالة ملككم المعظم".
و فيما كان السلطان يخاطب أولئك السفراء و إذا بأمير البحر الإنكليزي الأول و معه الأمير الثاني و بقية قباطين الإنكليز قد أقبلوا ليسلّموا على سعادته، فتلقاهم جناب السيد بالسرور و الترحاب. و بعد أن قضوا واجبات السلام انصرفوا إلى حال سبيلهم.
ثم عاد السلطان إلى سفراء ملك البورتكيز و أعاد عليهم كلامه الأول. ثم ترخصوا من سعادته بالانصراف، فودّعهم، و انصرفوا إلى ملكهم و هم حاملون إليه بشارة قدوم السلطان برغش إلى تخت ملكه.
و في الساعة التاسعة من نهار ذلك اليوم وصل وزير ملك البورتكيز في فلك (ماشوه)(1)يديرها اثنا عشر نوتيا و هي مزينة بالأثاث و الأقمشة. و كانت في معيته فلك أخرى يديرها أربعة و عشرون نوتيا و كانت كذلك مزيّنة بالأرناج و السنيري(2). فنزل جناب السيد برغش في أفخر الماشوّات رتبة مع خمسة أنفار من وزرائه، و نزل باقي حشمه في الفلك الثاني، و ساروا إلى البرّ حتى إذا خرجوا إلى المدينة و جدوا جواري الخيل (عربيات) متأهبة على السّاحل لتحملهم.
و كانت عساكر البورتكيز قائمين صفوفا صفوفا، و هم رافعون السّلاح في سلام جلالة السلطان. فركب السيد برغش و وزير البورتكال في عربية(3)تجرها أربعة رؤوس من الخيل،
و ركب السيد حمود بن أحمد و السيد حمد بن سليمان و مسترجون كيرك قنصل جنرال دولة الإنكليز في عربية ثانية تجرها كذلك أربعة رؤوس من الخيل، و ركب باقي حشم السلطان في جواري(1)يجرها رأسان من الخيل، فسارت جواري الحشم أولا. ثم تبعها بالترتيب الجاري(2)الذي كان حاملا للسّيدين محمد بن أحمد و ناصر بن سعيد. ثم أردفه الجاري الحامل(3)للسيّد حمود بن أحمد و حمد بن سليمان و جناب الدكتور كيرك قنصل جنرال الدولة البريطانية. ثم تبعهم فرسان البورتكيز. ثم سارت في أثرهم المركبة الحاملة لسعادة السلطان برغش و وزير ملك البورتكال حتى وصلوا إلى دار الملك و هو قصر عالي البنيان راسخ الأركان. و كانت الجنود مصطفة أمام القصر و هي رافعة السّلاح.
فلمّا(4)وصل السلطان عزف الجنود بآلات الموسيقة و رحبوا بقدومه، و خرج ملك البورتكال و معه جلالة الملكة، و هي لابسة أفخر الحلل، و عليها من الزينة و الجواهر ما يبهر النواظر، فتلقت جلالة السلطان بالحشمة و الترحاب.
و بعد أن انقضت واجبات السلام و الرّسميات صافح السلطان ملك البورتكال و قرينته.
ثم ركب في مركبته و سارت الجنود به و بحشمه إلى القصر المهيأ لهم.
و بعد أن حلّ ركابهم في المنزل العظيم وصل جلالة ملك البورتكال و معه ثلاثة من الوزراء الكبار فصعدوا القصر، و دخل الملك إليه و قال له:" قد أعددت هذا المنزل لجلالتك لتقيم فيه أنت و الحشم ما دمتم مشرّفين عاصمة ملكي. و قد أتيت أريد زيارتك و تبليغك التهاني بوصولك سالما غانما إلى بلادي. و هذه عاصمة ملكي تحت أمرك، و وزرائي في خدمتك، و قد أوصيتهم أن يطوفوا بك المدينة و يفرجوك على ما فيها من التحف و النوادر".
فشكره السلطان على مآثره و جزيل فضله، و اعتذر إليه من (عدم)(1)إطالة الإقامة في بلاده، و قال إنه مصمّم على السفر في تلك الليلة نفسها.
أما مدينة ليسبون عاصمة مملكة البورتكال فهي مبنية على جانبي نهر تاغوس(2)بالقرب من مصبّه. و فيها أبنية فاخرة جميلة و قصورها أجمل قصور أوروبا. و شوارعها متساوية، و جميع طرقها واسعة مرصوفة بحجارة، و قد جعلوا في وسطها طريقا عريضة تمرّ فيها المركبات و الخيل. و على طرفيها طريق لا يمرّ فيها إلا الناس المشاة فقط. و بيوت المدينة مبنية على طبقات عديدة من خمس إلى ستّ طبقات، تحفّ بها بساتين و جنائن تتخللها سواقي المياه الصافية.
و بعض جدران المنازل منقّشة(3)بالفخّار الصيني، و أنواع الأرناج(4)المختلفة و فيها 140 كنيسة(5)و 75 ديرا للرّهبان و الرّاهبات، و لها مكتبة فيها 80000 مجلّد و سكانها نحو 260000 نفس(6).
لما عزم السيد برغش على السفر من ليسبون أتى الرجلان اللذان استلما البارود من الباخرة عند وصولها إلى الميناء و سلّماه لرجال باخرة السلطان، و في أثناء ذلك أمر السيد برغش أمين صندوقه بأن ينعم عليهما بصلة في نظير أتعابهما، فقبلاها بمزيد الشكران، و أثنيا على مكارم السلطان و انصرفا.
ثم أمر القبطان برفع أنجر(1)الباخرة نهار السبت 29 الشهر (7 يونيو)، فسارت بكنف الرحمن. و ما زالت سائرة حتى غرّة هلال" جمادى الأولى".
و في اليوم الثالث منه وصلت الباخرة إلى جزيرة بريطانية. ثم سارت من هناك و وصلت إلى ميناء بورتسموت(2)نهار الأربعاء. و حال وصولها أطلقت بارجة حربية إنكليزية كانت في الميناء 21 مدفعا إجلالا لسعادة السلطان، و نشروا بيرقه في دقال(3)البارجة إلى نهاية إطلاق المدافع.
ثم سارت باخرة السيد من هناك تريد مدينة لندن. و كانت في سيرها تمرّ بسفن و بواخر لا تحصى منها قادمة من لندن تريد الذهاب إلى أقطار العالم، و منها قادمة من أقطار الدنيا تريد الذهاب إلى لندن. و ما زالت سفينة السيد تسير سيرا هنيئا حتى وصلت إلى ميناء اسمها
كريفزند(1)و هي عند مصبّ نهر التيمس(2)
671/ 2:Thames River :N .E .B
، فرست الباخرة فيها، و كانت الباخرة الكبيرة لا تصلح للصعود بنهر التيمس لصغره.و كانت الدولة البريطانية قد جهّزت باخرة صغيرة اسمها (ريفركوين)(3)، و أرسلت فيها عدّة(4)رجال من أصحاب المناصب ليلاقوا سعادة السلطان، و يبلغوه تهاني جلالة الملكة فيكتوريا بوصوله سالما غانما إلى بلادها. و كان من جملة هؤلاء الرجال القس جرجس باجر الفقيه(5)، و كانت قد اختارته جلالة الملكة ترجمانا لسعادة السلطان لما كان بينه و بين سعادة السيد برغش من المودّة القديمة.
و كانت تلك الباخرة مزيّنة كلها برايات مختلفة الألوان تخفق في دقالها(6). و كانت راية الإنكليز منشورة في مؤخر الباخرة، و راية السلطان الحمراء منشورة في دقل الباخرة الأوسط(7).
فلمّا دنت الباخرة الصغيرة من الباخرة الكبيرة صعد رجال الملكة إلى باخرة السلطان، و حيّوه بالسلام، و رحّبوا(8)بقدومه. فتلقّاهم السلطان بالعزّ و الترحاب، و شكر لهم و لجلالة الملكة كرمها و عنايتها به غاية العناية.
ثم طلب إليه رجال الدولة أن ينتقل إلى الباخرة التي أعدتها له الدولة، فأجاب طلبهم بلطف و شكران. ثم نشروا رايته في دقال(9)الباخرة حذاء راية الدولة البريطانية، و أخذوا يسيرون
1) نطق حرفي للكلمة:Gravesend : و هي بلدة في مدخل نهر التيمس. فصل: 425/ 5:Gravesend :N .E .B
2) هو أكبر أنهار إنكلترا يصب في بحر الشمال، طوله 338 كلم. و عليه تقع لندن. فصل:
3) نطق حرفي للكلمةRiver Queen ( ملكة النهر).
4) أ: عمدة
5) وصفه ابن سعيد أيضا بالقس و الفقيه و خليل السلطان، انظر صورته.
6) ب: جوانبها
7) ب في وسط الباخرة
8) أ: ترحبوا
9) ب: ساري
في نهر التيمس حتى إذا عادلوا(1)بارجة من بوارج الدولة البريطانية أطلقت المدافع سلاما لجلالة السلطان. ثم لمّا مرّت بجانب وليج مارشس(2)أطلق الجنود 21 مدفعا من الحصن سلاما لسعادة السيد برغش.
و لمّا وصلت الباخرة إلى مكان يدعى فيسكارد(3)كانت هناك بارجة إنكليزية، فاصطف الجنود على ظهرها و سلّموا على السلطان برفع السلاح. و كان مقدّم(4)الجنود القبطان بالمر يذكر مودّة السلطان له و هو في زنجبار لمّا كان قبطانا في بارجة الدولة البريطانية المسماة برشن.
فلما درى(5)السلطان بوجوده أمر بتوقيف الباخرة و أخذ يخاطبه بمودّة و لطف. فسرّ القبطان من ذلك غاية السرور، و شكر لجلالة السلطان حسن مودته له و لطفه معه.
و بعد انقضاء التحيات مخرت السفينة حتى إذا مرّت حذاء قلعة لندن(6)
459/ 7:Tower of London :N .E .B
أطلق الجنود 21 مدفعا سلاما لجلالته. و ما زالت الباخرة تسير هنيئا(7)حتى بلغت لندن.و لا يخفى أن هذه العاصمة مبنية على ضفّتي نهر التيمس و هو يمرّ بوسطها بتعاريج كثيرة و يقسمها إلى شطرين. و عليه عشرة جسور: منها (ما بني)(8)من حجارة و منها ما بني من حديد تسير عليه الناس و الخيل. و جسور أخرى كثيرة تمرّ من فوقها أرتال سكك الحديد و من
تحتها السفن و البواخر ذهابا و إيابا. و عرض هذا النهر في قلب المدينة يختلف من 230 ذراعا إلى نحو 430 ذراعا و معظم عرضه عند الجسر الحجري العظيم المسمّى (واترلو)(1).
فمرّت باخرة السلطان- أعزّه اللّه- أولا بجسر لندن و هو من أعظم جسورها. باشر بناءه المهندس جون ريني و أولاده سنة 1821 و انتهى منه سنة 1831. و قد وضع في أساسه المدافع التي اغتنمها الإنكليز في حرب بينينسولا. و له خمس قناطر من حجر إهليليجية(2)الشكل و اتساع(3)القنطرة الوسطى نحو 46 ذراعا و علوها فوق الماء نحو 9 أذرع و يبلغ طول الجسر نحو 283 ذراعا. و بلغت نفقة بنائه نحو 50 مليون من الفرنكات(4).
ثم مرّت باخرة سعادة السيد برغش بجسر آخر صغير. ثم وصلت إلى جسر آخر من حجر اسمه (ابلاك فرايرس)(5)معناه:" الرهبان السود". فكان بقربه دير يسكنه رهبان يلبسون ملابس سود فسمّي الجسر باسم" الرهبان السود" و هو جسر عظيم شاده المهندس روبرت ملنى سنة 1760، و فرغ(6)من بنائه سنة 1769. و له تسع قناطر و طوله نحو 303 أذرع.
ثم وصلت الباخرة إلى جسر (واترلو) الذي سبق ذكره. و هو من أجمل الجسور التي بنيت في العالم كله. باشروا بناءه على هندسة السيد رالف دود في 11 تشرين الأول (أكتوبر)
1) هو جسر يحمل اسم المعركة الشهيرة بين الإنكليز و نابليون بوبنارت( الأول) و انتهت بخسارته الفادحة و قد تمت المعركة في واترلو بيلجيكا. 1903/ 2:Waterloo :P .R
2) ب: هلالي
3) أ: وسع
4) نلاحظ أن الكاتب يستعمل عدة عملات نقدية مثل الفرنكات( الفرنسية) و الليرة( الإيطالية) و الجنيه( الإنكليزي)
5) تأسس دير الرهبان السود في القرن 13 من جالية الدومنيكان. فصل: 262/ 2:Blackfriars :N .E .B
6) أ: فرغ من: ساقط
سنة 1811 و سمّوه بهذا الاسم تذكارا لانتصار الإنكليز على نابليون الأول(1)في الواقعة الشهيرة التي جرت بين الدوق ويلنكتن(2)و نابليون الأول بقرب مدينة واترلو.
و الجسر المذكور مبنيّ على تسع قناطر إهليليجية(3)الشكل، عرض كل قنطرة نحو 36 ذراعا، و علوها نحو 12 ذراعا، و عرض سطح الجسر 22 ذراعا، و طوله نحو 420 ذراعا. و إذا أضفنا إليه القناطر المبنية على شاطئيه خارج الماء بملاصقته بلغ طوله نحو 800 ذراعا. و بلغت نفقة بنائه نحو 25 مليونا من الفرنكات.
ثم مرت السفينة تحت هذا الجسر و سارت حتى وصلت جسر جارين كروس. و هو جسر عظيم مؤسس على سبعة عواميد، خمسة منها مصنوعة من حديد و مغروسة في قرار النهر على عمق عظيم. و علو القناطر عن مساواة الماء نحو 10 أذرع و كان قد رسم هندسة بنائه السيد برونل(4)
576/ 2:Brunel ,Isambard :N .E .B
، و كمّل بناءه في 18 نيسان (ابريل) سنة 1840. و هو جسر عريض تمرّ في وسطه أرتال سكك الحديد و لا يسمح للخيل بالمرور من فوقه. و أما البشر فمسموح لهم المرور به عن جانبيه. فسارت بارجة السلطان من تحته حتى وصلت إلى الجسر المسمّى و يستمنستر. و هو جسر عظيم جديد البناء يشغل محل جسر قديم كان قد عني بهندسته السيد لابيلى السويزي بين سنة 1738 و 1750. أما الجسر الحاضر فقد عني بهندسته المهندس باج. و هو قائم على دعائم من حديد مظفورة من 233 قضيبا من حديد و مغروسة على عمق ثمانية أذرع في أرض صماء تحت الماء في قرار النهر. و يبلغ عرض أكبر قناطره نحو 70 ذراعا و كل قناطره مبنية على شكل1) هو نابليون بونبارت( 1769- 1821) بطل فرنسا المشهور، حارب الدول الأوربية و بدأ الاستعمار في مصر( 1798- 1801) ثم صار إمبراطور فرنسا من 1804 إلى 1814. فصل: 8371/ 14:Napoleon I :G .E
2) هو أرتور( 1769- 1852) جنرال، و سياسي بريطاني، حارب كثيرا في الهند و انتصر على نابليون في واترلو سنة 1809، تولى عدّة مناصب سياسية، فصل: 12770/ 20:Willington (Arthur ,Duc de ):G .E
3) ب: هلالية
4) إزمبار( 1806- 1859): مهندس بريطاني في الميكانيكا و المدنية له أعمال عظيمة مثل سكة الحديد و الجسور، فصل:
إهليليجي (بيضاوي). و كمل بناؤه سنة 1862 عيسوية. و هو محاذ دار الندوة الكبرى(1)
Dar al Nadwa: E. I. 2: II/ 821) Paret(
بلندن حيث يجتمع نواب الأمة و شرفاء المملكة(2)لمعاطاة الأحكام و مصالح الأمة و هي الدار المعروفة باسم (برلمنت)(3).و سوف نطيل الشرح بوصفها في بابها و نطبع رسمها إن شاء اللّه.
و لما وصلت باخرة سعادة السلطان إلى هذا الجسر أمر القبطان بإلقاء أنجرها(4). و كان شعب لندن قد سبق و عرف بوصول سعادة السلطان في الساعة المعينة. فاجتمع الناس أفواجا أفواجا إلى الميناء ليشاهدوا أميرا من أول أمراء العرب قد أتى يريد زيارة بلادهم، و كانوا قد فرشوا أرض القصر حيث مرّ السلطان بطنافس و بسط من جوخ أحمر. و اصطفت فرقة من الجنود الشرفية تحت إمرة الأمير الاي فريمانتل و القائد برتى و الملازم مانسفليد في سلام سعادة السلطان. و كانت فرقة أخرى من الجنود تعزف بآلات الموسيقة العسكرية تحت إدارة السيد فريد كودفراي.
و كان قوم من رجال الدولة قد قدموا إلى الشاطئ لملاقاة جلالته، و هم السيد الشريف بورك من أعضاء مجلس النواب، و ثاني كاتم أسرار وزارة الخارجية، و الأميرال(5)كليفورد، و سار بارتل فراير، و سار كنناوي عضو من أعضاء مجلس النواب، و لورد جون مانرس عضو من أعضاء مجلس النواب، و القبطان الشريف اكرطن كاتم أسرار الوزارة البحرية، و السيد
1) يقصد كما ذكر بعد حين البرلمان و نلاحظ أن الكاتب استعمل مصطلحا عربيا قديما يعود إلى العصر الجاهلي لأن" دار الندوة" كانت في مكة قرب الكعبة تناقش فيها قضايا قريش. فصل:
2) يقصد اللوردات
3) نطق حرفي للكلمة الإنكليزية:Parliament المأخوذة من الفرنسية القديمةParlement ، و هو المؤسسة التشريعية الأهلية للمملكة المتحدة. فصل: 160/ 9:Parliament :N .E .B
4) ب: مرساها
5) ب: الأمير
كليمنت هيل من إدارة وزارة الخارجية، و حضرة القس جرجس باجر الفقيه، و حضرة الدكتور كريستي و غيرهم كثيرون من أعضاء مجلس الشورى و مجلس الأعيان.(1)
فلمّا رست باخرة السلطان صعد إليها السيد بورك و سار بارتل فراير، و غيرهم كثيرون، و صافحوا جلالة السلطان، و ترحّبوا(2)بقدومه، و بلغوه تحيات جلالة الملكة. فقابلهم السيد بسرور و بشاشة، و شكر لهم ما أبدوه نحوه من الإكرام و الإعزاز. ثم نهض السيد بورك المومأ إليه و قال لجلالة السلطان باللغة الإنكليزية ما تعريبه:" قد أمرني اللورد داربي وزير الخارجية أن أبلغ سعادتك باسم جلالة الملكة التهنئة بوصولك إلى بلادها سالما غانما. و تؤمّل بأن تسرّ سعادتك بزيارة المملكة البريطانية. فإنها ترغب في أن سعادتك تشاهد كل ما في ملكها من النفيس و المليح و المفيد. و لهذا قد أصدرت أمرها إلى رجال دولتها أن يعيّنوا رجالا من(3)ملكها يحسنون التكلم باللغة العربية ليكونوا في خدمة سعادتك مدة إقامتها(4)في هذه البلاد. و هؤلاء الرجال الأمناء هم الدكتور كيرك و القس جرجس باجر الفقيه و السيد كليمنت هيل. فكل ما اشتهته نفس سعادتك مر حضرة الدكتور كيرك(5)وكيل جلالة الملكة فيكون أمرك مطاعا على الرأس و العين".
فلمّا ترجم الدكتور باجر هذا الكلام بالعربية لسعادة السلطان شكر السيد بورك على مكارمه الأثيلة، و قال:" بارك اللّه في جلالة الملكة، و أدام عزّها بالمجد و الإقبال".
و فيما كان السيد برغش ينطق بهذه العبارة ثارت عاصفة شديدة فوق المدينة، و هطل مطر غزير كادت تطفح الازقة من فيض مياهه. ثم خرج السلطان من السّفينة إلى البر. و كان السيد بورك و حضرة الفقيه باجر و السيد داوز عن شماله. و كان حشمه يتبعونه حسب مقامهم
حتى إذا وصلوا إلى رأس الدّرج الموصل إلى جسر و يستمنستر ضجّ الشعب المزدحم فوق الجسر بأصوات السرور و الفرح، و كشفوا قلانسهم عن رؤوسهم حسب عوائدهم، و سلّموا على السلطان و رحّبوا بقدومه.
و كانت الموسيقة(1)تعزف بألحان الأمّة البريطانية(2)، و الجنود مصطفّة في سلامه. فسار بحشمه حتى إذا وصلوا إلى صحن دار الولاية كانت هناك عربيات(3)تجرّها الخيول مهيأة لركوب السلطان و حشمه.
فركبوا، و ساروا إلى المنزل الذي أعدته الدّولة لسعادة السلطان.
و كان هذا منزلا عظيما رحبا جدّا مشيدا على قارعة طريق رحب و بإزائه أكبر بستان بلندن يعرف بهيد بارك(4)، و اسم المنزل ألكزاندرا هوتل(5). و هو من أشهر منازل لندن و أعظمها فخرة(6)و زينة و اتّساعا. و موقعه في حصّة(7)المدينة التي يسكنها أعيان الأمة و الأمراء و الشرفاء.
فلما(8)وصل السلطان إلى هذا المنزل خرج الخدم صفوفا إلى لقائه، و هم يمتثلون أمره، و يقومون بخدمته حتى دخل إلى القاعة الكبرى، و استراح من تعب السّفر في اليوم الحادي عشر من يونيو سنة 1875 (6 جمادى الأولى 1292).
و في اليوم الثاني زاره اللورد داربي و سلّم عليه و لبث يتفاوض مع السلطان زمانا طويلا في أمور السياسة.
قالت جريدة التيمس(1)
780/ 11:Time (the ):N .E .B
:" من جملة سلاطين المشرق و أمرائهم الذين شرّفوا بلادنا بحضورهم هو السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار. فهو رجل ذو هيبة و وقار تلوح على هيئته سمات البشاشة و اللطف. و قد سرّت الأمة بمشاهدة هذا الحاكم الأفريقاني(2)الذي هو من أعزّ ضيوفها و أجلّهم مقاما. و هو أول أمير عربي خاض البحار، و أتى يريد زيارة جزيرتنا هذه. فهو مستحق إكرامنا لأجل صفاته الحميدة و مآثره الجليلة، و لأجل غايات سياسية لا بدّ لأمة الإنكليز من مراعاتها. فهذا الأمير الأفريقي متصف بمزايا و خلال حميدة، و متسلسل من(3)نسل عربي شريف قديم النسب و الحسب. و قد قصد بلادنا يريد الارتباط بودنا. فمن الواجب علينا أن نمدّ إليه يمين الوداد، فإنه إمام همام قد قام حقّ القيام بكل ما وعد به من إبطال تجارة الرقيق، و تحمّل خسائر باهظة، و عانى مشقات شديدة، و عرّض نفسه و ملكه لأخطار عظيمة من جرّاء إبطال هذه التجارة الذميمة كما شهد له بذلك سربارتل فراير.فلو كان مقام أمير من الأمراء موقوفا على سعة أملاكه و امتداد سلطته إلى مسافة بعيدة من الأميال الجغرافية كان مقام السيد برغش مقام السلطان العثماني أو مقام شاه إيران أو خديو مصر. فإنّ ملك السلطان برغش يمتد إلى عرض 12 درجة من العرض الجغرافي و ذلك عبارة عن 660 ميلا. و أما بالطول الجغرافي فلا يعرف حدّ لسلطته. و منذ 40 سنة قد انفتحت أبواب
تجارة واسعة في أملاكه الأفريقية الشرقية، و فاض الثراء في أراضيه، و عن قريب سيضحى ملكه من أعظم ممالك الشرق لأنه الطريق الوحيد لمرور القوافل للتجارة مع أواسط قارة أفريقية العظيمة.
أما باعتبار صفاته الطبيعية الخارجة فهو رجل مهيب قد بلغ سن الأربعين، تلوح عليه سمات الرقة و الكرم العربيين، و هو ذو عقل حاذق يحبّ مراعاة كل ما يشاهد و يدقّق في حقائقه بعين البحث و الإدراك. و له اطلاع واف في العلوم العربية، و قد ارتقى إلى درجات التمدّن، و خلع عنه رداء التعصب، و طرق سبل العدالة و الإنصاف. و قد أضحت الأمة البريطانيّة مدينة(1)له بإعطائه إيّاها ما اقترحته عليه. فوجب عليها أن تقوم بإكرامه حقّ القيام، و تمدّ إليه يد الوداد و المساعدة ليكمّل(2)ما باشر به من الإصلاح و التمدّن في بلاده.
و قد نشرت جريدة الديلي تلغراف(3)
فصل: 850/ 3:Daily Telegraph :N .E .B
و غيرها مقالات طويلة في مدح السيد برغش و وصف أملاكه و عظم أهميتها وسعيه على قدم النجاح. و قد استوفى المؤلفون البارعون الكلام عن هذه المملكة السعيدة منهم القبطان برطن(4)667/ 2:Burton ,Sir :N .E .B
في كتابه عن زنجبار، و حضرة الدكتور باجر في تاريخه عن سليل بن رزيق، و السيد بالكراف في كتابه عن البلاد العربيّة الشرقية، و سار بارتل فراير في مخابراته مع الدولة البريطانية المجموعة إلى كتاب الدولة المسمى" بالأزرق"، و غيرهم من العلماء الذين ساحوا في البلاد الأفريقية و العربية. و قد لخّصنا عن تواليفهم المطوّلة ما يأتي:1) أ: مديونة
2) أ: لتكميل
3) هذه إحدى أشهر ثلاثة صحف لندنية مع التايمز و الجارديان، تم اصدارها سنة 1855. تعتبر من الصحف الراقية في مقالاتها.
4) هو السير ريشار( فرنسيس)( 1821- 1890) مستكشف و مستشرق اكتشف بحيرة طنجنيقة و غيرها، نشر 43 جزءا تتحدث عن استكشافاته و 30 جزءا ترجمت منها ألف ليلة و ليلة و غيرها. فصل:
" أفريقية قارة واسعة رحبة قد اشتهرت بالحضارة و العمار منذ عهد الرومانيين(1)
1550/ 2:Rome :P .R
. غير أنها زمانا مديدا مجهولة عند الأوروبيين، و كانوا يزعمون أنها بلاد قفرة يسكنها قوم همج من الزنوج الخشني الطباع. فلما تيسر للبورتكيز(2)أن يسيحوا حول" رأس الرجاء الصالح"(3)اكتشفوا(4)تلك البلاد، و رأوا أهلها على جانب من الحضارة و التمدن خلافا للسكان على الشواطئ الغربيّة. فإن العرب الذين حافظوا على العلوم من عهد قديم و سلموها إلى الأوروبيين كانوا قد حلّوا في أفريقية الشرقية، و شادوا فيها حصون العلوم، و وسّعوا نطاق الحضارة في بلادهم.ففي القرن السابع من التاريخ المسيحي أقلع خمسون أعرابيا برفقة بعض من الفرس يريدون الاكتشاف على سواحل أفريقية الشرقية فعثروا على ميلند و مومباسا، و زنجبار. و أقاموا فيها، و فتحوا(5)تجارة واسعة مع الهند و بلاد فارس بالعاج و الذهب. ثم استظهر البورتكيز على العرب و أخذوا منهم هذه البلاد الغنيّة. أما عرب عمان فكانوا أشد بأسا ممن يجاورهم و كانوا أوّل من فتح باب التجارة و الحضارة في تلك الجهات. و كانت مدينة مسقط(6)
438/ 8:Muscat :N .E .B
عاصمة ملكهم في1) تنسب الحضارة الرومانية إلى العاصمة روما عاصمة ايطاليا التي أسسها رومولوسRomulus سنة( 753 ق م) و قد عمل على نشأتها الإمبراطور أغسطسAugustus ( ح 14 ق م- 14 م) الذي غزا حوض البحر الأبيض المتوسط، انحلت في الغرب سنة 473 و في الشرق( الإمبراطورية البيزنطية) سنة 1453. فصل:
2) ب: للبرتغاليين
3) هو بالإنجليزيةCape of good Hope ، و بالفرنسيةCap de bonne esperance ، و يسمى أيضاCape Province هو أقصى رأس في القارة الأفريقية( في جنوب افريقيا). وصل اليه البحّار البرتغالي برتولوميو دياز(B .Diaz ) سنة 1488 استقر فيها التجار الألمان سنة 1652 ثم انتقلت ملكيته إلى بريطانيا سنة 1814 الخ .. فصل:Cape 825/ 2:of good hope :N .E .B
4) أ: اكتشفوا على
5) ب: بدعوا
6) عاصمة عمان تقع في جميع عمان تحيط بها جبال بركانية، احتلها البرتغاليون سنة 1508، و بنوا فيها حصنين. فصل:
البلاد العربية. ثم استولى ألبوكرك(1)على مسقط سنة 1508 ميلادية و لبثت في يد البورتكيز إلى سنة 1648. ثم وقع النزاع على عمان بين البورتكيز و أهل هولندا و العجم فدامت الحرب بينهم سجالا، و لم يتمّ لأحد منهم الاستيلاء على عمان زمانا طويلا"
قال المؤرخ بالكراف ما ترجمته:" و لما ثقل نير هؤلاء الأجانب على ساكني(2)عمان استحمست أهاليها، و خلعت نير جورهم، و نهضت من كبوتها، و شبّت كنار الغضب من تحت رمادها، و نهضت لمحاربة هؤلاء الأجانب، و استظهرت عليهم، و جعلت نفس خسائرها رأس مال لإنشاء تجارة واسعة صارت سبب غناها المؤبد(3).
و من المحقق أن شعب عمان تمكّن من طرد الأجانب من بلاده، و حمل على الأجانب حملة الإبطال، و غزا منهم ما كانوا قد غزوه من زمان مديد.
ففي سنة 1741 قام أحمد بن سعيد حاكم صحار و حارب العجم الذين أرادوا غزو بلاده، و كسرهم، و شتّت شملهم. و سرّت الأمة العمانية بشهامته و جراءته و انتخبه القوم إماما عليهم و واليا على عمان.
ثم قام بعده ابن ابنه سعيد بن سلطان، و استوى على عرش الملك سنة 1803 و له من العمر 14 سنة، و ملك على أراض واسعة في أفريقية بأيدي جيوشه البرية و البحرية و سفنه التجارية، و جمع بين التجارة و المحاربة معا، و حذا حذو الإنكليز في سياسته. فكانت سفنه تسير إلى أقصى البلاد بحجّة التجارة. و إذا تجاسر أحد على مقاومتها و التعرض لتجارها أثاروا عليه حربا، و استظهروا عليه، و غزوا بلاده، و ملكوا عليها. و كان الإمام سعيد بن سلطان المومأ إليه يودّ الإنكليز كل المودة و يؤثر أن يحذو حذوهم في دقائق السياسة و طرائق التجارة، و كان يهاب
سطوتهم كثيرا(1)، و لهذا تحالف معهم، و حارب أعداءه القاطنين في سواحل خليج العجم. و لما اشتهر بالبأس و الفراسة و الشجاعة أهداه والي ولاة الهند سيفا ثمينا سنة 1820".
قال القبطان برطن في كتابه عن زنجبار ما ترجمته:" قد اتصف الإمام سعيد بن سلطان بصفات حميدة رفعت مقامه بين الأمراء المسلّطين(2). فإنه قد تساهل بحسن مآثره السنية مع دول أوروبّا و سمح للتجار الأوروبيين و الهنود أن يقيموا في بلاده، و يوسّعوا فيها نطاق التجارة و الحضارة و الفلاح، و سمح لعمارة إنكليزية مؤلفة من ثلاث فرقيطات(3)
448Fregate :P .R :p
و أربع كورفيتات(4)و تسع سفن و 20 سفينة تجارية أن تقيم و تسير في البحور التابعة لملكه"." ثم اكتسب حبّ الإنكليز باتفاقه(5)مع دولتهم في عهد كبير وزرائهم لورد بالمرستن(6)
94/ 9:Palmerston ,Henry John Viscount :N .E .B
على إبطال تجارة الرقيق من سواحل أفريقية الشرقيّة. و قد تحقق عندنا أن هذا الأمير تكبد خسائر عظيمة في مالية ملكه من جراء إبطال تجارة الرقيق. فكان دخل المملكة نحو ألف ريال سنويا من المكوس التي كانت تدفع على الرقيق عند مرورهم ببلاده. ثم رفض قبول ألفي ليرة إنكليزية (باون)، قدمتها له الدولة البريطانية سنة 1822 عن يد القبطان مورسبي تعويضا(7)عما حلّ بماليته من الخلل لأجل إبطال تجارة الرقيق"1) و كان ... كثيرا: ساقط في ب
2) ب: الأمراء المتمدنين.
3) مفرده فرقيطة أوفرقاطة تعريب للكلمة اللاتينيةFregata و هي سفينة حربية أخف من المركب و أسرع منه. فصل:
4) مفرده كورفيتة تعريب للكلمة الفرنسيةCorvette و هي: سفينة حربية وسط بين الفرقيطة و البريكBrick و صارت الآن تستعمل لحرب الغواصات. فصل: 272Corvette :P .L :p
5) أ- بتواطئه
6) هو الفيكونت هنري( 1784- 1865) سياسي بريطاني تولى وزارة الخارجية عدة مرات، و الوزارة الأولى( 1855- 1858 و 1859 و 1865) و كان يمثل القومية البريطانية. فصل:
7) أ: وعدا ذلك اعتفى من قبول ...
" ثم أثار الفرس حربا على عمان و استظهروا على جيوش الإمام سعيد بن سلطان.
و استولوا على أملاكه(1)في بلاد فارس و لكن(2)العمانيين أعادوا الكرة، و حملوا على الفرس و استرجعوا منهم مدينة بندر عباس(3)
فصل: 860/ 1:Bandar Abbas :N .E .B
سنة 1854"." ثم تعرض الإنكليز لوالي عمان و أجبروه على عقد معاهدة سلمية مع شاه العجم سنة 1856. فشقّ هذا الأمر على السّيد سعيد بن سلطان، و مات كمدا و هو شيخ طاعن بالسنّ.
فإنه قال، رحمه اللّه:" حاببت الإنكليز، و راعيت ذمامهم، و أعددتهم حصنا لصيانة ملكي و قيام و جاهتي، و هم(4)خانوا عهدي، و أعدموني ثمرة بأسي، و حطّوا مقامي عند أعدائي(5)".
" ثم مات هذا البطل الهمام عن 15 ولدا. و جرى بينهم نزاع طويل على ملك أبيهم. و لما قصد الإنكليز حسم الدعوى بينهم سأل سار بارتل فرير السيد برغش السلطان الحالي عن شرائع الخلافة في مملكة جدوده حتى يستسنّ بها في فصل الدّعوى، فقال السيد برغش أعزه اللّه في جوابه:" إن سألت أيها السار الأكرم عن سنة الخلافة فينا، فما عندنا سنّة نحتكم عندها سوى سنّة سيفنا، فمن كان منّا أطول سيفا كان أولى بالخلافة". و بناء على ذلك خلف بكر(6)
السالمي: تحفة: 2/ 230- 235، الزركلي: الأعلام: 2/ 102
1) أ: ملاكهم
2) أ: أما
3) ميناء في طريق هرمز في جنوب ايران استقر به العرب و الزنوج الأفارقة. أنشأه شاه عباس الأول سنة 1623 تعويضا لميناء هرمز الذي احتله البرتغاليون سنة 1514. دخله العمانيون سنة 1793 و استرده الفرس سنة 1868 بعد صراعات عديدة.
4) من" و أعددتم" إلى" وهم" ساقط في ب.
5) من" أعدموني" إلى" أعدائي" ساقط في ب و عوضه بقوله" حرموني ثمرة انتصاري"
6) المقصود هو السلطان ثويني بن سعيد: حكم مسقط بعد أبيه( ح. 1273/ 1856- 1282/ 1866) سار سيرة حسنة.
السيد سعيد أباه في الملك، و حكم في مسقط. أما ماجد ابنه(1)
المغيري: جهينة: ص 285 و ما بعدها
الرابع فملك على زنجبار. ثم نهض تركي الابن الثالث وادّعى في مسقط أنه الأولى بالملك. ثم قام السيد برغش(2)الابن الخامس و قال: إنّه الأحق بالملك على زنجبار. فنهض لمقاومته الكولونل ريكبي سفير دولة بريطانية الذي كان مقيما بزنجبار وقتئذ و أرسله إلى ممباي(3)348/ 2:Bombay :N .E .B
"." ثم دخل طمع الملك قلب حاكمي مسقط و زنجبار، و قاما لمحاربة بعضهما يريد كل منهما الاستبداد(4)بالملك على مسقط(5)و زنجبار. فاعترضهما لورد كانينك(6)
804/ 2:Canning ,Charles :N .E .B
والي ولاة الهند.و أقام سار ويليم كوغلان(7)و الفقيه جرجس باجر لفصل الدعوى بين هذين الأميرين. فأبرما الحكم بفصل حكومة مسقط من حكومة زنجبار، و فرضا على حاكم زنجبار- السيد ماجد- أن يدفع كل سنة مبلغا من النقود إلى أخيه الأكبر حاكم مسقط على سبيل الجزية. و في أثناء ذلك لبث السيد برغش مقيما في الهند بحاضرة ممباي حتى أكّد للإنكليز بشهامته المعهودة أنه لا يتعرض لأخيه ماجد و لا ينازعه في الملك. فسمحوا له بالإياب إلى أوطانه. فرجع بالسلامة و قام بكلامه حق القيام(8)".
1) هو أول من استقل بحكم زنجبار( ح. 1273/ 1856- 1287/ 1870) وصف الناس حكمه بأنه جعلهم في منزلة إخوته.
2) تولى الحكم بعد أخيه ماجد و كان قبل ذلك أعلن الحرب على أخيه فنفاه الإنكليز إلى بومباي. المغيري: جهينة: ص 294- 296
3) هو الاسم الصحيح لبومباي عاصمة مهارشترا في الهند و مدينة تجارية و مالية. فصل:
4) ب: الاستئثار
5) يرسم الكاتب: مسقاط و مسقط
6) هو الفيكونت شارلز( 1812- 1862): رجل دولة و كان الوالي العام على الهند أثناء انتفاضة سنة 1857. فصل:
7) هو المقيم السياسي في عدن و كان رئيس بعثة التحقيق في النزاع بين الأخوين. المغيري: جهينة: ص 287
8) ب:" و كان عند وعده فلم يتعرض لأخيه بسوء" عوض: و قام ...
" و لمّا توفي أخوه ماجد سنة 1870 خلفه في ملك زنجبار، و استوى على تخت السلطنة بلا معارضة. أما ملكه فيمتد إلى مسافة 660 ميلا من طونجى(1)على حدود أملاك البورتكيز عند رأس دلغادو(2)جنوبا إلى وارشيق".
" وعدا ذلك قد اتسع الآن نطاق ولايته إلى نحو 300 ميل في البرّ بأفريقية، و رايته تخفق في انيايمبي ببلاد السودان، و أملاكه تتاخم أملاك خديو مصر. و لسعادته جنود من العرب منتظمة و مدربة في الفنون الحربية بعناية قوّاد من الإنكليز، و فرقة من الجنود المقدمة(3)في فن الموسيقي العسكرية باعتناء أساتذة ماهرين من أهل البورتكيز".
و شعب المملكة مكوّن من خليط الهنود و العرب و الزنوج.
و أحسن أراض في ملكه جزيرة زنجبار، و هي جيدة التربة كثيرة الخصب، يجلّلها خضار دائم السنة بطولها، و تخترقها أنهر ذات مياه غزيرة، و تهطل فيها الأمطار أربعة أضعاف ما يهطل في بريطانيا.
و من مآثر السيد برغش الحسنة التي زادت في غنى المملكة و رفاهية الرعية هو أنه علّم شعبه زرع القرنفل بعد أن كان قد تغافل الناس عنه.
و من محاصيل جزيرة زنجبار الجوز الهندي، و الأرز، و قصب السكر، و الورد، و الذرة، و المانكو، و كل أصناف الأثمار بكثرة.
و جميع طرقات الجزيرة مغطاة بأشجار البورتقال، فيمرّ الإنسان بها و روايح الأزهار عابقة به من كل ناحية.
و في أوقات هبوب الريح المانسون(1)من شمالي الجزيرة يقصدها التجّار من الهند و البلاد العربية و جزيرة ماداكسكار(2)و خليج العجم(3). و قد أضحت زنجبار أعظم بندر في الدنيا لتجارة العاج و البخور الجاوي، و هو صمغ عطر جدا.
الباب التاسع في حضور السيد برغش سباق خيل الرهان في أسكوت(1)
قد اعتاد الإنكليز على اتخاذ بعض أيام من أيام السنة يقيمون فيها مشهدا لسباق خيل الرّهان. فاتفق قيام مشهد بقرية اسكوت على بعد 8 أميال(2)من لندن بعد وصول سعادة السلطان برغش إلى لندن بيومين.
فأرسل لورد داربي(3)بالنيابة عن الدولة البريطانية يستدعي سعادة السيد برغش إلى حضور ذلك المشهد لعلمه بأن سعادة السيد برغش يسرّ بمشاهدة الخيل الأصيلة كونه عربيا قحا قد نشأ في بلاد العرب السعيدة التي هي بلاد الخيل الأصيلة.
و يقر الإنكليز أنفسهم بأن الخيل العربية تفوق أصائل الخيل الإنكليزية في الخفة و سرعة السّير في الجري(4). و قد أطنب سار فرنسيس دويل في مدح خيل العرب الأصيلة فقال في قصيد نظمه سنة 1827 عيسوية ما ترجمته" يفضّل الأعرابي جواده على امرأته و يعزّه كحياته".
فاقتبل السيد برغش دعوة لورد داربي. و خرج بحشمه إلى المشهد المذكور للفرجة. و كانت الطرقات غاصّة بالناس و الخيل و العربيات. و على جانبي الطريق منازل عامرة و قصور باذخة و بساتين مزهرة. فلما وصل السيد برغش إلى محل السباق و استوى على مكان كانت الدّولة
أعدّته له و لحشمه رأى تلك البقعة من الأرض غاصة بثلاثين ألف من الرجال و النساء قد اجتمعوا للفرجة من أماكن مختلفة.
و من عوائد أصحاب خيل الرهان أنهم يختارون رجالا خفيفي البدن و يفرضون عليهم الأكل و الشرب بقانون و تقتير إلى مدّة معلومة حتى ينحف جسمهم، و يجف لحمهم، و يخفّ ثقلهم. ثم يجعلونهم يركبون خيل الرهان، و يحثونها على الجري يوم السّبق.
و لما استوى السباق، و أطلق العنان للخيل، اندفعت اندفاع البرق من كبد السحاب، و طارت طير السهام من القوس. و كان فيها جواد اسمه دونكاستر يعدّه الإنكليز من أجود خيل بلادهم، و قحم(1)باقي خيل الرهان، و بلغ الغرض قبل الجميع، و نال صاحبه خطر(2)الرهان.
هذا رسم الجواد دون كاستر و مشهد السباق كما حضره السيد برغش
فلما رأى السلطان ما بدا من ذلك الجواد الأصيل طفح السرور على قلبه، و قال" بارك اللّه في هذا الجواد فإنه من جياد الخيل، و يضارع أحسن الجياد العربية". قيل: إن ذلك الجواد
عزيز جدا على صاحبه قد اشتراه بعشرة آلاف ليرة إنكليزية.(1)و قد طبعنا رسم هذا الجواد و مشهد السبق كما حضره السيد برغش أعزه اللّه.
و من عوائد الإنكليز أنه إذا استوى السبق و انتصب جعلوا يتراهنون مع بعضهم على مبالغ وافرة من الليرات. فمنهم من يعتقد أن الجواد الفلاني يحوز قصب السبق(2)، و منهم من يعتقد عكس ذلك، فيقع الرهان بينهم، و يبلغ قدره تارة نحو ألوف من الليرات.
و كذلك من ديدن الإنكليز أنهم يتفاخرون في جودة خيلهم و سرعة جريها. و كلما زار بلادهم ملك أو سلطان أقاموا له مشهدا لسبق خيل الرهان كما فعلوا لسعادة السلطان برغش.
و لما أتى قيصر الرّوسية بلاد الإنكليز سنة 1844 هيّأوا له كذلك مشهد السباق إكراما له.
و كان السباق عند العرب من الأمور المشهورة. فكانوا يعقدون حلبة، و يختارون عشرة رؤوس من جياد(3)الخيل يسمونها خيل السباق. و كان اسم أولها" السابق" المعروف بالمجلّي(4)أيضا، ثم المصلّي، ثم المسلّي، ثم التّالي، ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الخطيّ، ثم المؤمّل، ثم اللطيم، ثم السّكيّت. و كانوا يضعون لها سبقا أو خطرا(5)يتراهنون عليه يحوزه صاحب الجواد المجلّي.
قال مكاتب الديلى تلغراف:" وددت لو أن تمكّنني الفرصة من المثول (بين يدي) حضرة السيد برغش لأتشرف بمشاهدته و أستقصي من سعادته عن أمور كثيرة في أحوال أفريقية بحسب كوني عضوا من أعضاء الجمعية الجغرافية الملوكية(1)، فاستعنت على نوال مرغوبي بواسطة صديقي الخاص سار بارتل فرير و صديقه حضرة القس باجر الفقيه، و كلاهما من أخص محبّي سعادة السلطان. فقصدت قصر سعادته نهار الجمعة 11 جوان (حزيران) فقابلني(2)الخدم بغاية العزّ و الإكرام و أدخلوني قاعة فسيحة مزينة بأثاث فاخر ملوكي، فجلست أنتظر تشريف سعادة السلطان".
" و بعد بضع دقائق، و إذا بخادم فتح باب القاعة و دخل سعادته بهيبة و وقار، فنهض كل من كان في القاعة إجلالا لمقام السلطان(3). فاستقبلتنا سعادته بلطف و بشاشة لا مزيد عليهما.
ثم جلس على كرسي كان منصوبا له، و أمرنا بالجلوس، فامتثلنا لأمره(4)، و جلسنا بين يديه.
فرفعت نظري إلى سعادته، فرأيت سمات(5)الهيبة و الوقار موسومة(6)في جبهته الغراء، و عيناه
السّوداوان(1)تلمعان لميع كوكب الصبح، و الابتسام يلوح على شفتيه، فرحّب(2)بنا بكل أنس و بشاشة حسب دأبه المعهود".
" فاستأذنت(3)من سعادته بالتكلم بين يديه، فأومأ لي أن أقول ما بدا لي، فقلت:
" كيف رأيت أيها المولى(4)هذه البلاد؟ و هل طابت نفس سعادتك بمناظر مدينة لندن؟". قال، و هو يتبسم بأعذب ابتسام:" و أي نفس لا تطيب بحسن مناظر هذه الحاضرة الجميلة، و بحدائقها النضرة، و بقصورها الباذخة، و شوارعها المتسعة، (و) بجمال أهلها البديع(5)، و لطف أخلاقهم المأنوسة؟ فإني قد أضحيت ممنونا غاية الامتنان للأمة الإنكليزية لأجل ما أبدته نحوي من العز و الإكرام و اللطف. بارك اللّه فيها و أيّد دولتها طول الزمان".
فقلت له:" إن ما قدّمته الأمة و الدولة البريطانية في حقّ سعادتك من الإكرام و العزّ هو بعض من واجباتها و فروضها، و ممّا هي مدينة(6)به لسعادتك لأجل إمدادك إيّاها حق الإمداد(7)في إبطال تجارة الرقيق من أفريقية. و إن جرائد لندن كلها قد حثّت الدولة و الأمة البريطانية على تقديم الإكرام الواجب لسعادة أمير و سيد نبيل قد زادها شرفا بزيارة بلادها".
فقال لي السلطان في جوابه:" بارك اللّه في بلادكم السعيدة و عمّر دياركم الفريدة، فإني رأيت في هذه الحاضرة العظيمة منازل كبيرة جدا، و جميلة البناء كأنها قصور ملوك أعزاء. و قد قيل لي إنها منازل قد أعدها أصحاب الخير. منها للفقراء و البائسين، و منها مستشفيات
للمرضى و المقعدين. فطابت بذلك نفسي، واتسع صدري و قلت: هذه حسنة كبيرة عند(1)اللّه! ثم لمّا جلت شوارع هذه المدينة العظيمة، و طفت ضواحيها الجميلة، و رأيت قصورها الباذخة، و درت بين جنائنها و حدائقها النضرة تعجبت من كبرها و اتساعها. و قلت: حقا هذه مدينة من أعظم مدن الدّنيا كلها كبرا و أكثرها سكانا و أحسنها خلقا و أجملها منظرا!".
قلت:" و هل تحسب سعادتك أن الإنكليز أجمل الناس خلقا و أحسنهم منظرا؟"
قال:" الناس طرّا من نسل حضرة أبينا آدم عليه السّلام، و إنما اختلاف الأراضي التي سكنها البشر و اختلاف المعيشة و الأقاليم قد أوجبت الاختلاف في هيئاتهم و أخلاقهم. و هذا أمر اللّه يجريه في خلقه. و قد قدّر على كل خليقة أمرا، و لا بدّ من تنفيذه".
قلت:" أصبت أيها المولى(2)بحسن رأيك، و عسى تصبح بلادك يوما من الأيام مثل لندن و أحسن منها. و قولي هذا لا يخامره اشتباه. فإن بلادك السعيدة لا ينوبها ما ينوب لا(3)لندن من كثافة الضباب و سواد الدّخان الحالك".
فتبسم السيد و قال:" إن شاء اللّه الحقّ سبحانه و تعالى يستجيب دعاءك".
ثم عرضت بين يدي سعادة السيد برغش بعض أسئلة عن مستر استانلي(4)
213/ 11:Stanley :N .E .B
الأميريكاني السايح المشهور و عن رئيس النخّاسين المدعو ميرامبو الذي كان يحاول منع إبطال تجارة الرقيق في أفريقية، فاستحسن السيد سؤالي(5)و قال:" قد بذلت وسعي بطيبة الخاطر في مساعدة مستر استانلي و جميع الإنكليز الذين ساحوا في أفريقية. و أودّ لو أنّ يرجع مستر استانلي مارّاببلادي، و أؤمل أن يكون سعيه مقرونا بالنّجاح. أما رئيس النخاسين المدعو ميرامبو، فقد انكسرت شوكته الآن بهمّة ملك أوكندا(1)
8924/ 15:Oughanda :G .E
. و قد أرسل سفيرا إلى زنجبار يطلب العفو عمّا فرط منه في الماضي و يعد بصرف همّته إلى إبطال تجارة الرقيق ما استطاع".فقلت:" ليس بخاف على الدولة البريطانية ما قاسته(2)سعادتك من العناء و الأخطار في إبطال(3)تجارة الرقيق، و إدخال الإصلاح في بلادك السعيدة. و لهذا قد أضحت الدولة ممنونة لسعادتك غاية الامتنان".
قال السيد في جوابه:" إنّي قاسيت مشقات باهظة و عرّضت(4)نفسي لأخطار مهولة بإدخال الإصلاح الأوروبي في قوم لم يعتادوا عليه. و هذا يجري في كل أمة سواء كانت متمدّنة تمام التمدّن أو غير متمدّنة. فإنّ تغيير عوائد القوم من أصعب الأمور التي يجريها رجال الإصلاح. و لا بدّ لكل مصلح من أن يتذرّع بالجرأة و يقتحم الأخطار. و من لا يقتحم الأهوال لا ينل الآمال".
قال المكاتب المذكور:" فتعجبت من حكمة أقوال السيد برغش. و قلت: إنّ من زينته هذه الحكمة جدير بأن يستولي على رقاب العباد، و يصلح البلاد".
قال السلطان في جوابه:" حبّذا قولك! و لكن دون ذلك أهوال! و الأقوال ليست كالأفعال! و مجرّد الكلام لا يقوم بأعباء الأمور المهمّة. فأنتم- يا معشر الإنكليز- تكتفون بالثناء عليّ لأجل ما قاسيته من الأخطار و خسرته من الأموال بسبب إبطال تجارة الرقيق، و أنا
أعاني المشقات، و اقتحم الأخطار، و أخسر الأموال. و لكن تقول العرب: من يكتفي بالشفقة على المسكين ليس كمن يمدّ إليه يد المساعدة. فإن بين الحالتين بونا عظيما".
قلت:" صدقت أيها السّيد الكريم. و نحن معشر الإنكليز ندرك حقّ الإدراك عظم هذه المخاطر كلها و لا بدّ لنا من بذل المال و الاقتدار في سبيل الخير و إدخال الفلاح في بلاد أفريقية إن شاء اللّه".
فقال السلطان في ختام كلامه:" بارك اللّه فيكم و عظّم أجركم في الدنيا و الآخرة".
كان نهار السبت 14 جون (حزيران) (9 جمادى الأولى) نهارا شديد المطر. فاضطر السيد برغش إلى ملازمة قصره. و في الساعة الرابعة بعد الظهر قدم حاكم لندن إلى قصر سعادة السلطان يريد زيارته، فقابله بالترحاب و البشاشة. و لبثا يتفاوضان ساعة زمانية. ثم انصرف اللورد حاكم لندن مسرورا و شاكرا من لطف سعادة السلطان.
ثم بعد ذلك بنصف ساعة قدم لورد بيكنسفيلد أيضا يريد زيارة السلطان، و كان مصحوبا بكاتم سره الخصوصي مستر مونتاكوكوري. فقابلهما السيد برغش بكل سرور و بشاشة.
و لما كانت هذه الزيارة من كبير وزراء الدولة البريطانية زيارة سلام رسمي فلم يلبث لورد بيكنسفيلد زمانا طويلا لدى السلطان.
و بعد انصرافه قدم لزيارة السلطان لورد بوشام خولي دائرة الملكة.
ثم الأمير إسكندر أحمد خان باريكزي الأفغاني. و الكولونل لويس بللي و سار بورروسن و الدكتور لورتنر ناظر المدرسة العالية في لاهور بالهند، و غيرهم كثيرون من أصحاب المناصب العالية. نقتصر على ذكر أسمائهم خشية الإسهاب(1).
1) من" نقتصر" إلى" الإسهاب" ساقط في ب
الباب الثاني عشر في زيارة السلطان للبرنس أف ولس وليّ العهد(1)
فصل: 378/ 4:Edward VII :N .E .B
قصد السيد برغش زيارة وليّ عهد الدولة البريطانية في 15 جون (يونيو) في موكب حافل. فاستقبله ولي العهد بلطف و بشاشة لا مزيد عليهما. فسرّ السّلطان غاية السّرور. و قال إلى بعض من محبيه الثقاة:" لما التقيت بولي العهد في مدخل الدار رأيت لوايح السرور و البشاشة تلوح على وجهه الأغرّ فعلمت أنه يقابلني ليس مقابلة رسمية بوجه عبوس كعادة رجال السياسة، بل مقابلة و دادية(2)و قلبية".
و لما أحضر البرنس وليّ العهد حضرة الأميرة قرينته المصونة و حضرة أخته الكريمة الأميرة أليس و زوجها الشّريف ليسلّموا عليّ غدق(3)السرور على قلبي بمشاهدتهم، و بما رأيته منهم من اللطف و البشاشة. و ازددت فرحا و سرورا لمّا سألني ولي العهد إن كنت أحب أن أرى أنجاله المحروسين، فقلت: حبّذا هذا، فإنه تمام المرغوب!
فظننت أن وليّ العهد يريد أن يحضر إليّ واحدا من أنجاله. و لكن أخذ الفرح مني كل مأخذ لمّا رأيت جميع أنجال الأمير واقفين أمامي كحور الجنان في حشمة و كمال لا مزيد عليهما.
و لا أقدر أعبّر عن شعائر فؤادي لما رأيت هؤلاء الأمراء الحديثي السنّ يقبّلون والدهم واحدا بعد واحد بحنوّ غريب، و يعانقونه معانقة حلوة.
و كان وليّ العهد يمد ذراعيه الأبوية إلى أصغرهم و يرفعه عن الأرض و يقرّبه إلى فمه ليطبع على شفتيه العذبتين قبلة الحب الأبوي. فتحركت حينئذ شعائر الحنو في صميم فؤادي و كادت الدموع تطفح من عيني حنوّا. فقلت في قلبي:" اللهمّ بارك هذه العائلة السعيدة، و احفظ بيمينك العزيزة هؤلاء الأنجال المحروسين".
و تضاعف سروري لما جلس هؤلاء الحور إلى جانبي واحدا بعد الآخر بلطف و أنس و ثقة تعهد في الأطفال الأبرياء. و لم يستغربوا منظر رجل أعرابي مكتس بملابس عربية لم يشاهدوها عمرهم بطوله قبل ذلك الوقت، و كانت الحشمة و الكمال قد ضاعفت محاسنهم، و زيّنت أشخاصهم.
و بعد أن تمليّت من مشاهدتهم سألني ولي العهد ما الذي سرّني بلندن أكثر. قلت في جوابي له: قد سررت غاية السرور بكل ما رأيته في مملكة جلالة الملكة. و لكن منظر أنجالك الأمراء المحروسين قد زادني سرورا لم أشعر به قبلا(1)عمري بطوله. فتبسم وليّ العهد تبسما حلوا و قال:" هذا من فرط لطفك و حبك أيها السيد الكريم". و قلت:" كلا أيها الأمير، و إنما قولي هذا قول جدّ. و قد انطبعت في مرآة عقلي صورة ما رأيته من منزلك العامر من السعادة و لطف أنجالك المحروسين، و لا تزول هذه الصورة المحبوبة من عقلي".
ثم قال:" و لمّا رأيت بعضا من أنجالك مرتدين بملابس على زيّ ملابس البحرية خطر ببالي أنّ مجد الدولة البريطانية و عزّها و فخرها قائم في حبّها قوّة الجنديّة البحريّة حتى جعلت أنجال ملوكها يتوشّحون بملابس البحرييّن. و الآن أنا ألتمس من الحقّ- سبحانه و تعالى- أن يؤيّد هذه الدّولة، و يطيل عمر جلالة الملكة والدتك الفخيمة، و يحفظك عزّا لأنجالك هؤلاء المحبوبين، و يضاعف فرحك بهم، و يجعلهم فخرا لك و للدولة البريطانية".
1) ب: إبان
و بعد أن لبث سعادة السيد يخاطب ولي العهد زمانا نهض و استرخص(1)منه بالانصراف.
فتوادعا، و تصافحا.
ثم خرج السيد برغش بحشمه و ركبوا مركبتهم و رجعوا إلى منزلهم في كنف الرحمن.
رسم البرنس أف ولس و عائلته
1) أ: سعادة السيد تخاطب ... نهضت و استرخصت
بستان الحيوانات بلندن حديقة كبيرة(1)
فصل: 378/ 4:ZOO :N .E .B
قد جمعوا فيها من كل أقطار الدنيا جميع أجناس الحيوانات البريّة و البحريّة و الطيور و الهوام و الحشرات و الدبائب و الحيات العظيمة. و ليس في باريس، و لا في العالم كله بستان يحتوي على كل أجناس الحيوانات(2)مثل هذا البستان.و ليس هذا البستان من مشروعات الدولة البريطانية، بل تشكلت شركة بلندن سنة 1826 بمبلغ وافر من رأسمال، و باشر أعضاؤها بصرف المال بسخاء جزيل، و استأجروا رجالا، و جعلوا لهم رواتب وافرة، و أرسلوهم إلى جميع أقطار الدنيا حتى يجلبوا منها كل نوع من الحيوان و الطير و السمك الغير معهود في أوروبا.
و أنفقوا في بادئ الأمر نحو 500000 فرنك حتى جمعوا نحو 1500 حيوان من أجناس و أنواع مختلفة من أعظم الأفيال و الحيات و السباع و النمورة و الدببة(3)إلى أصغر الحشرات. و قد بنوا لكل حيوان مكانا على معزل عن غيره. و أقاموا لها خداما يعتنون في تقديم القوت لها و تنظيفها و المحافظة عليها.
و لمّا كان هذا البستان من الفرج(4)المشهورة بلندن صمّمت الدولة البريطانية على أن تعرض على سعادة السلطان أن يصرف بضع ساعات في الفرجة على هذه الحيوانات الغريبة
الأجناس. فحضر رجال الدولة إليه نهار الخميس 17 جون (حزيران) أي يونيو، و التمسوا منه أن يشرّف ذلك البستان بزيارته إيّاه، فسرّ بطلبهم، و ركب في معيتهم، و ذهبوا إلى البستان.
فلمّا دخلوه أخذوا يفرّجونه على الحيوانات بأنواعها متنقلين من محلّ إلى آخر.
فإنّ أصحاب هذا البستان قد بنوا بيوتا من حجر و قرميد و خشب لكلّ نوع من أنواع الوحوش الضارية: كالسباع و النمورة و الضباع و الخيل و البغال و الحمير و الغزلان و الأفيال و خنازير بحر النيل و سباع البحر و الزرافة(1)و الدببة و الذئاب و الأرانب و الثعالب و القنافد و التماسيح و وحيد القرن و القندس (كلب الماء) و الثعابين(2)و الحيات و الأفاعي و النسور و الصقور(3)و الحمام و اليمام و الطاووس و طيور الفردوس و كل أنواع طيور السماء و أسماك البحار.
و قد سرّ السلطان بمشاهدة هذه الحيوانات و حسن ترتيب مساكنها و نظافتها و حسن الاعتناء في القيام بمعاشها.
و بعد أن فرغ السيد الكريم من الفرجة على هذه الحيوانات شكر أصحاب البستان، و أعرب لهم عن سروره بما رآه من حسن اعتنائهم.
ثم خرج في حشمه و رجال الدولة البريطانية يريد الذهاب إلى إدارة البوسطة(4)
638/ 9:Postal system :N .E .B
البريطانية للفرجة على هذه الإدارة التي لا نظير لها في حسن الإتقان بأوروبّا كلها.قصد السيد برغش الفرجة على إدارة البوسطة في 18 جون بعد الظهر. و كان الدكتور كيرك قنصل الدّولة البريطانية في خدمته بمنزلة ترجمان.
و كان شعب غفير من الإنكليز علموا من إشاعات الجرائد بقدوم سعادة السلطان إلى إدارة البوسطة، فاجتمعوا في الشوارع التي كان مارّا بها السلطان ليتشرفوا بمشاهدة سعادته.
و لكن خابت آمال كثيرين منهم. فإن عاصفة شديدة قصفت(1)على لندن، و هطلت أمطار غزيرة أجبرت المتفرجين على الفرار و الالتجاء إلى منازلهم.
أمّا السلطان و رجال الدولة فكانوا في عربة مغطاة سترتهم من صبيب الأمطار حتى وصلوا إلى باب إدارة البوسطة.
و لا يخفى أن محل إدارة البوسطة بلندن هو من الأبنية العظيمة. باشر الإنكليز بناءه سنة 1814 و فرغوا من عماره سنة 1829. و هو بناء عظيم يبلغ طوله 160 ذراعا و عرضه نحو 40 ذراعا و علوه نحو عشرين ذراعا ونيف. و في واجهة البناء رواق مبنيّ على ستة عواميد.
و قد شادوا هذا البناء بطريقة غريبة تصونه من الحريق، و وضعوا في خلال البناء أقنية عظيمة يجلبون بها مياها غزيرة بمعدات بخارية إلى داخل البناء إذا عرض له خطر الحريق. و فيه مخادع عديدة لاستقبال الرسائل و توزيعها. فكان يدخل إلى هذه الإدارة نحو 60000 رسالة كل يوم سنة 1836. ثم صار يدخلها 160000 رسالة كل يوم سنة 1842. ثم صار يدخلها 375000 رسالة كل يوم سنة 1861. و أمّا الآن فيدخلها كل يوم نحو 500000 رسالة ونيف.
1) ب: هبت
و يتضاعف عدد هذه الرسائل كل سنة نهار عيد سان فالنتين(1)في 14 شباط فبرواري (أي فبراير) و هو نهار يتراسل فيه المحبون برسائل عشقية(2)و هزلية حتى يبلغ عدد هذه الرسائل ذلك النهار نحو 1000000، و جميعها تمرّ بهذه الإدارة، و توزّع إلى أربابها بلندن و في الخارج في ذلك النهار بعينه، ماعدا الجرائد التي لا يسعنا استيفاء عددها في هذا الباب.
فلما وصل السيد برغش و حشمه إلى باب إدارة البوسطة خرج إلى ملاقاته اللورد جون مانرس و مستر اسكودامور و أدخلوهم أولا إلى مخدع أوائل الرسائل التلغرافية. فوقف السلطان في صحن هذه الحجرة الكبيرة و هو ينظر بسرور عظيم إلى 1000 شاب منصبّين على ارسال الرسائل التلغرافية إلى جميع بلاد الدّنيا بسرعة البرق.
و كان في رفقة سعادة السيد برغش زعيم الدّين حمد بن محمد. و قد تعجب كثيرا لما رأى واحدا من أولئك الشبان قد أرسل رسالة برقية إلى عدن و استرجع جوابها في برهة بضع دقائق يقول فيها مرسلها ما حرفيته:" الطقس في عدن صحو، و الريح خامدة".
ثم بعث شاب آخر من أولئك المستخدمين فى الإدارة برسالة إلى باريس في حضور سعادة السيد برغش، فأتاه الجواب حالا يقول:" عاصفة شديدة قصفت(3)على باريس و الجوّ معتكر جدا".
ثم طلب اللورد جون مانرس إلى سعادة السلطان أن يخاطب بالتلغراف واحدا من رجال دولته بعدن، فقال:" استفهموا من وكيلي قواسجي دينشو ليعلمني ما عنده من الأخبار
الواردة من زنجبار أخيرا". فامتثل واحد من الشبان المستخدمين بالتلغراف لأمر سعادته، و أرسل يستفهم من الوكيل بعدن.
فلم تمرّ دقائق قليلة إلا و أتاه الجواب من الوكيل المومأ إليه يقول فيه:" ما جدّ عندنا خبر مهمّ نرفعه إلى سعادتك إلا الخير. و اليوم أرسلنا رسائل سعادتك إلى زنجبار صحبة الباخرة كوكوناده". فسرّ السيد غاية السّرور بذلك، و أثنى على مدير التلغراف، و شكر له مكارمه.
ثم طلب مستر إسكودامور إلى سعادة السلطان أن يشرّف محلّ الآلة الهوائية. فسار السلطان إلى مكان الآلة. و أخذ مستر اسكودامور يشرح لسعادته أحوال هذه الآلة و منافعها.
و هى آلة بخارية تضغط الهواء ضغطا شديدا ضمن قناة توضع فيها الرّسائل التلغرافية، فيدفعها الهواء ضمن القناة، و يوصلها إلى بقية إدارات البوسطة الكائنة في حصص لندن على مسافة اثني عشر ميلا ونيف.
ثم بعد أن تفرّج السيد برغش على كل ما كان من الغرائب و النفيس في إدارة البوسطة طلب إليه اللورد جون مانرس أن يحرر اسمه في سجلّ الإدارة، و هو سجل يدوّن فيه اسمه(1)كل ملك و سلطان يدخل إدارة البوسطة البريطانيّة للفرجة، ففتح السيد برغش السجلّ المذكور ليحرّر اسمه فيه، فرأى في وجه الصحيفة اسم شاه العجم، و اسم امبراطور البرازيل(2)
236/ 9:N .E .B
و غيرهما. فتناول قلما و كتب في السجل ما حرفيته:" أنا السّيد برغش بن سعيد دخلت دار إدارة البوسطة للفرجة في 17 جون (حزيران) سنة 1875".و لما فرغ السيد من كتابة ذلك بخطّه الشريف شكره على ذلك اللورد جون مانرس، فقال له السلطان في جوابه:" قد سررت غاية السرور بوضع اسمي بخطّي في هذا السجلّ على سبيل التذكار".
ثم خرجوا من هناك إلى حجرة السّفرة، و تناولوا فيها شيئا من الأطعمة الفاخرة.
ثم رجع السلطان و حشمه إلى منزلهم في سرور و حبور.
منظر إدارة التلغراف و البوسطة العمومية بلندن
الباب الخامس عشر في زيارة السلطان لقصر البلور(1)
قصر البلور من المفترجات المشتهرة(2)في بلاد الإنكليز. و موقعه في ضواحي لندن على مسافة عشرة أميال من قلب المدينة، و يسافر كل يوم من لندن إلى قصر البلور 25 رتلا من محطة لندن بريدج و 21 رتلا من محطة فيكتوريا و مجموع ذلك 46 رتلا من أرتال سكك الحديد تحمل المتفرجين من لندن إلى قصر البلوّر يوميا. و في أيام الأحد و الأعياد يتضاعف عدد الأرتال فيبلغ نحو المائة رتل. و أجرة الدخول إلى القصر شلين واحد. و أجرة سكة الحديد ذهابا و إيابا شلين و نصف.
باشر الإنكليز تشييد هذا القصر سنة 1852. و دام بناؤه نحو سنتين، و هندسته طبق هندسة قصر المعرض الذي جرى بلندن سنة 1851. و سمّي بقصر البلور لكونه مشيّدا على قوائم و دعائم من حديد مغطاة من أسفل إلى فوق بألواح من البلور السميك و طوله نحو 1059 مترا أي نحو ميل، و فيه من الأعمدة 3500 عامود.
و قد جمع الإنكليز فيه كل ما عندهم من التحف التي تستأهل الفرجة، و حوله بستان واسع و فيه من جميع أصناف الأشجار التي تنبت في أقاليم الدنيا المختلفة، و في قلب القصر مرسح(3)لقيام الملاعب يسع نحو 5000 نفس.
و يشغل هذا القصر مع ما حوله من الحدائق نحو 80 فدانا من الأرض. و لا يسعنا أن نستوفي وصف ما في هذا القصر من التحف و المفترجات(4)الغريبة من جميع أصناف النبات
و الحيوان و الطيور و الأسماك و الزهور و التصاوير و غرائب الصنائع و تقليد تحف اليونان القدماء و الرومانيين و المصريين و الآشوريين و الأفريقيين و الحبشيين و أهالي الجزائر المتوحشة و الإيطاليين و الفرنساويين و غيرهم.
ففي اليوم الثاني عشر من شهر جون (حزيران) حسن بأعين الدولة البريطانية أن تستدعي سعادة السلطان إلى الفرجة على قصر البلور، فأصدرت الأوامر اللازمة إلى المأمورين بأن يزينوا القصر بنفس الزينة التي أجروها يوم زار القصر السلطان عبد العزيز(1)و خديو مصر و شاه العجم. فنصبوا رايات جميع الأمم داخل القصر و خارجه.
و كان علم السلطان برغش يخفق في أعلى قبة القصر، و على رأس الأرغن الكبير(2)، و كانت طغرة زنجبار منقوشة في وسط العلم و في قلبها كتابة بالقلم العربي" يا فتاح".
و كان ذلك النهار نهارا صاحيا من نوادر أيام لندن، و الشمس ساطعة بعز أشعتها. فركب السلطان المركبة و رجال الدولة البريطانية في خدمته و حشمه الزنجباريون في معيته، و ساروا إلى القصر.
و كانت جرائد لندن قد سبقت، و أذاعت زيارة السلطان لقصر البلور، فدرى الناس بذلك، و بادروا من كل فج عميق بأمل مشاهدة أمير عربي قد شرّف بلادهم، فاجتمع إلى القصر نحو مائة ألف نفس ونيف من الرجال و النساء و الصّبيان.
و لما وصل السيد برغش إلى القصر استقبله الشعب المتجمّع بغاية الترحيب(3)و السرور، و كشفوا قلانسهم عن رؤوسهم، و حيّوه بأشرف سلام. و كانت الموسيقة العسكريّة تصدح
بالأنغام العذبة، و الجنود مصطفين صفوفا في سلام سعادته. فدخل السيد القصر باحتفال عظيم، و أتى مرسح اللعب و استوى الملهى. و كان فيه من المغنين نحو 300 صوت(1). فغنّوا أغاني مطربة عديدة بأشهر الأنغام الأوروبية. من جملتها غناء مشهور من أغاني الأوبرا الإيتليانية الذي مطلعه" موسى بمصر".
و لشدّة سرور سعادة السلطان بهذا الغناء- فضلا عمّا سواه- أمر بإعادة الغناء ثانية.
و هو حقيقة غناء مطرب في الغاية، و قد سمعته مرارا عديدة، و أنا أفضّله على جميع أغاني الأوبرا.
و بعد نهاية الغناء سار رجال الدولة بسعادة السلطان إلى الرّواق المعروف" برواق الملكة".
و كانوا قد أعدّوا فيه سفرة فاخرة متفننة بالأطعمة اللذيذة، فجلس السيد و من معه على السفرة، و تناولوا الطعام.
و في أثناء ذلك قدّم مدير القصر إلى سعادته كتابا يحتوي على تصاوير القصر منقولة عن الأصل بتصوير الفوتوغراف على قطع كبير بأجمل صناعة.
ثم خرجوا إلى صحن القصر و كانت ينابيع المياه تطفح بألعاب مختلفة تفنّن بها مدير و القصر.
و في نحو الساعة التاسعة من ذلك النهار صعد السيد إلى مكان عال كانوا قد أعدّوه له، و زينوه بأفخر الزينات ليشاهد اللعب(2)الناريّة التي كانوا استحضروا عليها.
و كان من جملة النقوش التي رسموها بالبارود طغرة سعادة السلطان" يا فتاح" بخط عربي جميل. فلما أشركوا النار بالبارود اشتعلت النقوش و ظهرت كلمة" يا فتاح" في قلب
الرسم مشتعلة بنور مختلف الألوان و الأرناج(1). فضجّ الشعب سرورا برؤية ذلك، و استحسن السلطان غاية الاستحسان مهارة مستر بروك الذي رسم تلك النقوش بلعب نارية، و أثنى عليه ثناء جزيلا.
و بعد أن صرف السيّد برغش نهاره بالسرور و الطّرب رجع إلى قصره سالما غانما.
رسم قصر البلور من الخارج مع ما في حدائقه من ينابيع المياه المتدفقة
1) الأرناج: ساقطة في ب
الباب السادس عشر في زيارة سعادة السلطان برايطن(1)
518/ 2:Brighton :N .E .B
خرج السيد برغش في حشمه يريد الفرجة على مدينة برايطن و ما فيها من الأحواض الحاوية جميع أنواع الأسماك. و برايطن مدينة على ساحل البحر تبعد عن لندن نحو واحد و خمسين ميلا تقطعها سكة الحديد في برهة ساعة و 25 دقيقة. و في سيرها تمر بقبو تحت الأرض اسمه" اكليتن" طوله 2020 ذراعا. ثم يلحق به قبو آخر تحت الأرض اسمه" ياتجم" طوله 432 ذراعا.
و هذه المدينة من منتزهات الإنكليز يقصدها الناس أيام الصّيف للتفسيح(2)و الاستحمام بمياه البحر. و فيها من السكان نحو 80000 نفس و يزداد عددهم أيام الصيف إلى نحو 100000 نفس. و قد أضحت هذه المدينة ضاحية من ضواحي لندن. و قد بنوا منازل جميلة على ساحل البحر على مسافة ثلاثة أميال، و شادوا سورا واطيا لردع أمواج البحر عنها.
و قد أقاموا في ساحة أستين تمثالا من نحاس للملك جورج الرابع بهذا الاسم. و بقربها عين ماء اسمها فيكتوريا. و قد بنوا جسرا من حديد يمتدّ من البرّ إلى قلب البحر فوق المياه على مسافة 350 ذراعا، و يبلغ عرضه نحو 4 أذرع، و هو راكز على أعمدة من حديد مغروسة في صخر تحت قاع البحر. و هو معدّ لمنتزهات الشعب.
و في أيام الصّحو تعزف فوقه آلات الموسيقة لتنزيه الناس. و قد أشادوا على ساحل البحر دارا واسعة مسقوفة بزجاج سميك، و جعلوا فيها أحواضا واسعة مغطاة بألواح من البلور،
و ملؤوها بماء البحر، و جمعوا إليها جميع أنواع الأسماك الصغيرة و الكبيرة و الأصداف و السلاحف(1)و السرطان و الكركدن البحري و التماسيح و سمك الحيات إلى غير ذلك من سكان البحور. فيتوارد الناس إلى هذه الدار ليتفرجوا على هذه الحيوانات الجميلة الألوان.
و لما وصل السيد برغش إلى محطة سكّة الحديد استقبله بعزّ و إكرام حاكم المدينة مستر بريدجن و سار كروي بروز و مستر استيفن ناظر شركة دار الأسماك و اللورد ويليم لينوكس و الشريف هومبراون و مستر مكميلان و سار ألبرت ساسون و أولاد أخويه مستر أرثور و روبين ساسون.
ثم ركب السّيد برغش في عربية مكشوفة، و سار إلى دار الأسماك، و كان الشعب يتقاطر أفواجا، و يزاحم عربة سعادته من وراء و من قدام، و يرفعون قلانسهم عن رؤوسهم، و يضجون بأصوات الفرح و التهليل، و يرحبون بقدومه. و لما وصلوا إلى دار الأسماك، رأوا أبوابها و أسطحتها مزينة برايات الدّول. و كان علم السّلطان الأحمر يخفق فوق جدران تلك الدّار من كل جهاتها. و كانت العساكر الملوكيّة مصطفّة في سلام السّلطان.
و لما دخل السيد إلى دار الأسماك للفرجة رافقه المعلّم هنري لي الطبايعي(2). و صار يشرح له عن طبائع أنواع الأسماك المختلفة فردا فردا. و كان الفقيه جرجس باجر يترجم إلى السلطان كل ما كان يقوله المعلم هنري لي. و كان ناظر الأسماك أعطى أوامر للخدم(3)أن يطعموا الأسماك قوتها اليومي عند مرور سعادة السلطان بأحواض السمك. فسرّ السيد برغش غاية السرور، و انحظ كثيرا من سباع(4)البحر و سمك كلب البحر الذي هجم على سرطان و عضه.
و فيما كان سائرا من حوض إلى آخر سمع بعضا من خدمه يتكلمون بصوت جهير، و هم يتفرجّون على الأسماك. فالتفت إليهم بوقار و رزانة ملوكية، و وضع أصبعه على شفتيه مشيرا إليهم بذلك أن يلزموا الصمت. فلحظ ذلك على سعادته رجل من الإنكليز الواقفين، و استحلى ذلك من سعادته، و قال:" للّه درّ هذا السلطان! فإنه قد جمع في شخصه المبجّل(1)جميع الأوصاف الملوكية الحميدة". و سرّ بذلك جميع الحاضرين.
و قد طبعنا صورة مدينة برايطن و منظر الجسر الحديد الممتد فوق البحر.
و كانت دار الأسماك كلها مزينة بالزهور الجميلة.
و بعد فروغ سعادته من الفرجة على الأسماك استدعاه حاكم المدينة إلى مأدبة الطعام.
و بعد ذلك حضر المصوّر مستر لمباردي و صوّر سعادته بتصوير النور.
ثم بعد ذلك استدعاه سار ألبرت ساسون التاجر المشهور إلى داره الفسيحة، و أولم له وليمة فاخرة.
ثم حضر حاكم المدينة، و طلب إلى سعادته أن يحضر إلى قصر الفرجة لاستماع أنغام الموسيقة العذبة، فأجاب السلطان طلب(2)الحاكم، و ذهب في رفقته. و كانت تلك الموسيقة من أحسن الموسيقات التي تدقّ في المرسح الملوكي بلندن.
و في ختام ذلك أهداه ناظر دار الأسماك كتابا يحتوي على تصاوير فوتوغراف فيها رسم دار الأسماك و ما ضمّته(3). و في أثناء ذلك نهض سار كوردي بروز و ألقى خطابا استرحب فيه بتشريف سعادة السلطان ذلك المحفل الجميل(4). و في خاتمة الخطاب أو عز (السلطان) إلى صديقه جرجس باجر الفقيه أن يترجم شعائر سعادته إلى ذلك الشعب الحافل، و يشكر سار كوردي
بروز على ما أجاد به من الاسترحاب(1)و الإكرام. فنهض القس جرجس باجر المومأ إليه و قال:
" أيها السادات الكرام، و يا أيتها السيدات المصونات اللواتي زيّنّ هذا الحفل بجمالهن البديع، قد كلفني سعادة السلطان أن أترجم لكم بالإنكليزي شعائر امتنانه من حسن مكارمكم و ترحابكم بقدومه إلى هذا المحفل النضير: فإنه قد سرّ غاية السرور من رؤياكم و رؤيا هؤلاء الأولاد الذين هم عزّ بريطانيا و مجدها المستقبل. و قد سرّه أيضا منظر(2)السيدات المخدرات اللواتي ترحبن(3)بقدومه غاية الترحيب، و لهذا وجب على سعادته أن يشكر لهن غاية الشكر على ذلك و يثني على جميع الحاضرين الذين خصوه بالعز و الإكرام". ثم ختم الدكتور باجر خطابه بقوله:" قد احتشم(4)السيد برغش عن إطالة الكلام فعليّ أن أتّبع(5)مثال سعادته في الامتناع عن الإطناب في القول".
فنهض ساركوردي بروز، و قال في جوابه على خطاب الدكتور باجر:" لا بأس إذا أمسك(6)السلطان عن إطالة الكلام أما الدكتور باجر فلا يليق به أن يحتشم و يقصّر(7)في الكلام فإنه من أوّل علماء الإنكليز المتضلعين في اللغة العربية". ثم تمادى بالكلام و أثنى على مآثر سعادة السلطان و شكر همّته السنية لمساعدته تجار الإنكليز على توسيع نطاق التجارة و الحضارة في أفريقية الشرقيّة.
و بعد أن صرف السلطان نهاره بالسرور و الابتهاج عاد في رجاله و خدمه إلى قصره بلندن سالما غانما.
منظر مدينة برايطن و جسر الحديد الممتد فوق البحر
عاد رئيس أساقفة كنتربري في محفل من زعماء الدين سعادة السيد برغش في قصره و تلوا بين يديه خطابا صرّحوا به عن شدّة رغبتهم في توسيع نطاق الحضارة بأفريقية، و طلبوا إلى سعادته أن يمدّ إليهم يد المساعدة في إجراء(1)مقاصدهم الحميدة.
و كان القسّ جرجس باجر الفقيه يترجم منطوق الخطاب لسعادة السيد. و في ختام ذلك قال السلطان أيّده اللّه:" قد استوعبت خطابكم- أيها السادات- و سررت بما عندكم من الغيرة على نجاح بلادي، و أني لأفرغنّ مجهودي في مساعدتكم ما استطعت. و اسأل الحقّ- سبحانه و تعالى- أن يؤيّدني- و إيّاكم- على إجراء ما فيه الخير لعباده". فشكروا له هممه السنيّة، ثمّ استأذنوه بالانصراف.
و بعد ذلك خرج السيد برغش في حشمه يريد زيارة سعادة الدوق اف ايدنبره و قرينته ابنة ملك الروسية. و بعد أن لبث لدى الدوق برهة من الزمان في أنس و مسامرة ودّعه(2)و خرج إلى قصره برفقة كبير وزرائه و حشمه.
ثم خرج بعد الظهر ثانية في رفقة الدكتور باجر و الدكتور كيرك قنصل جنرال دولة بريطانية بزنجبار و وزرائه حمد بن سليمان و حمود(3)بن أحمد و ناصر(4)بن سعيد و محمد(5)بن
سليمان و مسترهيل كاتم أسرار وزارة الهند، و ذهب إلى بستان آلكساندرا يريد الفرجة و التفسيح(1)على معرض الخيل. و سرّ غاية السرور بمشاهدته تلك الخيل الأصيلة. و بعد أن صرف بضع ساعات في الفرجة عاد إلى قصره.
و في أثناء ذلك قدم الدّوق أف إيدنبره- ثاني ولد الملكة- في رفقة القومندان لورد رمزي يريد إعادة الزيارة لسعادة السلطان.
و بعد انصراف الدوق المومأ إليه خرج السيد برغش في حشمه إلى دار لادي داربي قرينة اللورد داربي ناظر الخارجية سابقا. و كانت لادي داربي المومأ إليها أولمت لسعادة السلطان وليمة فاخرة، و كانت ليلة صفاء و حظ سرّ بها السيد برغش سرورا عظيما. فكان في تلك الوليمة عدد وافر من كبراء الإنكليز و شرفائهم مع خواتينهم المخدرات و بناتهم الكريمات.
و في غد ذلك النهار قدم كثيرون من شرفاء المدينة، و سلّموا على سعادة السلطان. منهم دوق أف ريشمند، و الكونت مونستر سفير دولة جرمانيا، و أرل أف مالمسبري، و أرل أف كارنرفن و لورد هموند، و سار شارلس أدرلي من أعضاء مجلس الشورى و الكولونل(2)تيلر من أعضاء مجلس الشورى، و الاميرال سار آلكسندر ميلن و ريل أميرال سار ليوبولد هيث، و الشريف برسي ويندهام، و سار برسي بارل من أعضاء مجلس الشورى، و الكولونل بورن في وزارة الهند، و غيرهم.
و في غد ذلك النهار أولم سار بارتل فراير وليمة فاخرة دعا إليها سعادة السلطان. و كانت مأدبة حافلة بالمسرات و الحبور. و عند رجوع السلطان إلى قصره قدم إليه رجال من وجوه الشعب الإنكليزي قد شكّلوا لجنة ديدنها السّعي إلى إبطال تجارة الرقيق من أفريقية(3).
و كان من جملتهم سارجون كنوي من أعضاء مجلس الشورى، و مستر ريتشارد من أعضاء مجلس الشورى، و مستر كوربت من أعضاء مجلس الشورى، و مستر دنكان مكلرن من أعضاء مجلس الشورى، و مستر شارلس وينكفيلد، و مستر صمويل كورني، و مستر ادورد استورج، و القس بوزاكوت كاتم أسرار اللجنة. فرحّب(1)السيد بقدومهم غاية الترحاب ببشاشته المعهودة، و في أثناء ذلك السّلام نهض القس بوزاكوت، و تلا خطابا بين يدي سعادة السيد فيما يخصّ(2)تجارة الرقيق. و كان ذلك الخطاب مكتوبا في ورق منقّش. و هذا ترجمته:
" إلى سعادة السيد برغش أيده اللّه،
أما بعد فليس بخاف على سعادتك، قد انعقدت من سنين عديدة جمعية مؤلفة من رجال إنكليز(3)و غير إنكليز غرضها إبطال الرّقّ من الدنيا و إلغاء التجارة ببني آدم. و نحن الحاضرون هنا من جملة أعضاء هذه الجمعية. فلما علمنا بقدوم سعادتك إلى بلادنا سررنا غاية السرور بوصولك إلينا سالما و غانما. و قد أتينا الآن نقدّم لسعادتك التهاني و نرحّب بمجيئك إلى بلادنا، و نغتنم الفرصة لتقديم الشكر لسعادتك على عقد معاهدة مع الدولة البريطانية سنة 1873 لأجل إبطال تجارة الرقيق من سواحل أفريقية و من أملاك زنجبار قاطبة(4)".
" و لا يخفى على سعادتك ما غدق على(5)قلبنا من الفرح لمّا رأينا اهتمامك الزائد في إتمام ما وعدت به الدولة البريطانية، و لم تحفل بالمتاعب التي تحملتها و خسائر الدراهم التي تكبّدتها.
و لا ريب في أن لك في عين اللّه حسنة كبيرة على ذلك. أمّا نحن فقد صرفنا الهمّة إلى النظر في مصالح تجارة الرقيق زمانا طويلا فوجدنا (أنّه) لا نجاح فيها، و (أنّه) لا يصدر عنها غنى(6)ثابت.
و لا تفلح أمة و لا تحصل على نجاح تام إلا باعتصامها بعقائد الدين و نواميس الطبيعة و التمسك بعروة المساواة البشرية، و سعادتك قد وطدت أساس هذه المآثر بسعيك في إبطال تجارة الرقيق الذميمة و ترويج تجارة جديدة و توسيع نطاق الحضارة الحميدة".
" و لم يبق على سعادتك سوى أن تصرف همتك إلى استئصال الرقّ و فتح مواني(1)ممالكك البحرية و أنهرها العظيمة لسير السفن الأوروبية ترويجا لمصالح شعبك و مصالح التجار أجمعين، فيكثر الغنى في بلادك السعيدة، و تعمر مملكتك المخصبة، فإنها ذات تربة حسنة لا مثيل لها. فإن فعلت هذا ذخرت(2)لك اسما شريفا في صحف التاريخ، و خلّدت ملكك، و نلت من اللّه- سبحانه و تعالى- ثوابا عظيما في الدنيا و الآخرة".
" أما السياح الذين طافوا في بلاد أفريقية، فقد نقلوا إلى جمعيتنا أخبارا يعزّ(3)علينا أن نسرد ذكرها على مسامع سعادتك. فقد قالوا: إن أكثر النخّاسين يجتمعون إلى زنجبار، و يجهّزون سفنهم في أسواقها، و يسافرون منها بحرا في طلب الرّقيق، و متى نالوا ما تمنّوا من صيد أولئك الزنوج المنكودي الحظ رجعوا إلى زنجبار، و نفقت(4)تجارتهم في أسواقها. فلا يخامرنا ريب في أن هذا لا يسرّ سعادتك، و لا تطيب نفسك الكريمة بهذه الأرباح الذميمة، و أنك لتفرغن جهدك في إبطال هذه المنكرات القبيحة التي (ليس)(5)فيها خير للأمة و الملك".
" و نطلب إلى اللّه- سبحانه و تعالى- أن يطيل عمرك بالسعد و الإقبال و يؤيدك في عمار تلك البلاد لترى بعينيك نجاحها و فلاحها في عز و أمان. آمين".
فلما انتهى الخطيب من كلامه نهض الدكتور باجر و قرأ رقعة من الرّقّ على لسان سعادة السلطان في جواب الخطاب السابق ذكره. و هذه ترجمة فحواها:
" أيها السادات أعضاء الجمعية البريطانية و الخارجية المؤلفة لإبطال تجارة الرقيق صانكم اللّه".
" أما بعد فشكرا لكم على ترحيبكم بقدومنا إلى بلادكم السعيدة. و نحن قد سررنا كثيرا بمشاهدتكم. أما إبطال تجارة الرقيق من أملاكنا فلا بد منها، و إن شاء اللّه صرفنا(1)تمام الهمّة إلى القيام بما وعدنا به الدولة البريطانية. و لكن لا يخفى على فطنتكم الزكية- أيها السادات الكرام- أن تجارة الرقيق قد تأصّلت و تشعّبت في أقطار أفريقيا الواسعة من أجيال قديمة، و لا يتيسر لنا استئصالها حالا في برهة و جيزة من الزمان. و لنا ثقة تامة في أن جمعيتكم الغيورة و الشعب البريطاني معا قد أدركتم ما قاسيناه من العناء و المشقات في هذه المسألة و ما خسرناه من الأموال من جراء ذلك. و مازلنا نصرف الهمّة إلى إقناع شعبنا باستماع نصائحنا و السلوك بحسب مشورتنا ابتغاء إرضاء الأمة البريطانية العظيمة. فإنها- لا جرم(2)- قد سعت في إصلاح بلادنا و توسيع نطاق الحضارة في ملكنا بسخاء و همّة علياء. فنكرّر الثناء على مآثركم الحميدة و لا ننسى مكارمكم العميمة.
حرر بلندن لأربعة عشر خلت من جمادى الثانية سنة 1292 هجرية"
ثم طوى القس جرجس باجر رقعة الرّقّ و سلمها إلى رئيس الجمعية. و في أثناء ذلك خطب خطبة و جيزة من تلقاء نفسه قال فيها:
" أيها السادات الكرام قد صدق السيد برغش فيما قال، و أصاب غاية الصواب في إيراده(3)على مسامعكم كثرة المصاعب التي ألّمت بسعادته و الخسائر التي تكبّدها، فانه خسر
نحو 10000 ليرة سنويا من جراء إبطال تجارة الرقيق من بلاده. و ليس بخاف عليكم ما لسعادته من البلاد الواسعة مساحة و الشاسعة مسافة و أملاكه في أصل البر تبعد عن سواحل البحر و البنادر، و يصعب على رجاله السعي في أثر النخاسين و جلابة الرقيق في تلك القفار العسيرة المفاوز. و من يطالع خريطة تلك البلاد لا يدرك ما يدركه من جاب بنفسه تلك القفار التي ليست سهلة ملسة كما يراها الناظر مرسومة على القرطاس".
ثم نهض السارجون كنواي و شكر لسعادة السلطان اقتباله(1)لأعضاء تلك الجمعية و قال:" قد عرفنا حقّ المعرفة ما قاساه السيد برغش من العناء و تكبّده من الخسائر. و قد صمّمت تلك الجمعية على صرف الهمّة في تسهيل كل المصاعب و تعويض كل الخسائر".
فلما عرضت ترجمة هذا الكلام على سعادته قال:" حبّذا ما قلت أيها السار الجليل! و هذا غاية ما نتمناه". قال هذا، و ودع أعضاء الجمعية المومأ إليها، و صرفهم بسلام.
و في الساعة الرابعة بعد الظهر خرج السلطان يريد بستان أورسيل لوج و يمبلدن(2)
693/ 12:Wimbledon :N .E .B
، و كان السار بارتل فراير قد أولم لسعادته في ذلك البستان وليمة فاخرة.و لما وصل إلى البستان لاقاه(3)السار بارتل فراير بغاية الترحاب و البشاشة، و سار بسعادته إلى السيدة لادي بارتل قرينته، فسلّمت على سعادته بلطف و أنس لا مزيد عليهما.
و كان في ذلك البستان كثيرون من الأشراف و وجوه الشعب البريطاني مدعوّين إلى تلك الوليمة المفعمة سرورا و حبورا.
فصرف السيد برغش يومه و عاد إلى قصره في أمان الرحمن.
خرج السيد برغش في رجاله من لندن نهار الخميس 21 جون (حزيران) (16 جمادى الأولى) يريد زيارة جلالة الملكة فيكتوريا في قصرها المشيد في قرية ونزر(1)، و هى تبعد عن لندن نحو خمسة و عشرين ميلا، و يبلغ عدد سكان هذه القرية نحو 10000 نفس، و يسافر كل يوم من لندن إلى قرية ونزر 32 رتلا من أرتال سكك الحديد، و نهار الأحد يزداد عدد هذه الأرتال حتى يبلغ نحو 46 رتلا.
و قد خرج السلطان من لندن بعد الظهر، و كان في رفقته أخص وزرائه: أحمد بن سليمان، و حمود بن أحمد(2)و محمد بن أحمد، و ناصر بن سعيد، و محمد بن سليمان، و تاريا توين(3)، و الدكتور كيرك، و اللورد داربي وزير الخارجية، و الشريف سار بارتل فراير، و الدكتور جرجس باجر، و مستر كليمنت هيل كاتم أسرار وزارة الخارجية. و وصلوا إلى قرية ونزر بعد الظهر بساعتين و نصف.
و كان شعب غفير قد اجتمع في محطة سكة الحديد ليسلّموا على سعادة السلطان رغما عن المطر و عواصف الطقس. و كانت جنود الملكة مصطفين في سلام سعادتهن و هم حاملو راياتهم الشرفيّة و الموسيقة تعزف بألحان رخيمة. و كانت خمس عربات من عربات الملكة واقفة في انتظار سعادته على باب المحطة، و كانت العربة المعيّنة لركوب السلطان ذات أربعة رؤوس خيل مطهّمة.
و كان قد قدم إلى محطة سكة الحديد الكولونل جاردينر نيابة عن جلالة الملكة ليلاقي سعادة السلطان. فلما وصل السيد برغش إلى المحطة استقبله الكولونل المومأ إليه، و رحّب بقدومه.
و كان الشعب يصرخ بأصوات الفرح:" أهلا و سهلا و مرحبا بسعادة سلطان زنجبار!".
فردّ السيد برغش السلام عليهم بيده يمينا و شمالا. و لمّا ركب العربة سلّم الجنود عليه برفع السلاح، و طفقت الموسيقة تصدح بأنغام عذبة. و في مرورهم بشوارع القرية شاهدوا بناء مدرسة إيتون العظيمة و فيها 700 شاب من طلبة العلم. ثم وصلوا إلى قصر الملكة.
و بناء هذا القصر من غرائب الأبنية، و موقعه على تلّ عال فوق شط نهر التيمس، و يشغل من الأرض مساحة 13 فدانا و مشهد أسواره و ما حوله من البروج و المنائر يدهش العقل و يحيّر الأبصار.
و يبلغ علو أحد بروجه نحو 45 ذراعا. و يكشف الناظر من فوقه نحو 12 مقاطعة من الأرض، و يمتد النظر إلى قبة كنيسة بولس الحواري(1)
209/ 9:Paul ,the Apostle :N .E .B
بلندن. و يسكن هذا الحصن حاكم قرية ونزر.و للقصر أربعة أبواب: اسم الأول باب الملك هنري الثامن(2)، و اسم الثاني باب سان جرجيس(3)، و اسم الثالث باب الملك جورج الرابع(4)، و اسم الرابع باب الملكة اليصاباث(5).
1) قديس عمل على نشر المسيحية برحلاته المتتالية( ت 62 أو 68). فصل:
2) ملك إنكلترا( ح. 1509- 1547) عاصر بداية النهضة. فصل: 840/ 5:Henri VIII :N .E .B
3) قديس( 330- 389) دافع عن عقيدة التثليث. فصل: 482/ 5:Gregory of Nazianus ,Saint :N .E .B
4) أ، ب: جرجيس، و الصحيح ما أثبتنا، و جورج الرابع هو ملك المملكة المتحدة، و بريطانيا العظمى و إرلندا و ملك هنوفر( 1820- 1830). فصل 196/ 5:George IV :N .E .B
5) هي اليزابيت الأولى ملكة إنكلترا( ح. 1558- 1603) عرف عصرها باسمها لما فيه من أحداث. فصل:Elizabeth 454/ 4:I :N .E .B
فمن دخل القصر من باب الملك هنري الثامن رأى معبدا مشيّدا على اسم سان جرجيس أمر بإنشائه الملك إدورد الرابع(1)سنة 1474 عيسوية (ميلادية). و بناء هذا المعبد من أجمل المعابد المشيدة في بلاد الإنكليز، و فيه قبور أشهر ملوك الإنكليز منها تربة(2)الملك ادورد الرابع، و عليها تمثاله من الفولاذ، و تربة الملك هنري السادس(3)، و تربة الملك هنري الثامن، و غيرهم من أمراء الإنكليز القدماء ذوي الصيت الشائع.
و في القصر نحو 10 حجرات رحبة و مزينة بأفخر الأثاث الثمين. منها حجرة حراس الملكة.
و فيها أشياء ثمينة و تحف قديمة منها: درع من الفولاذ الدّمشقي، و تمثال القبطان نلسن(4)
588/ 8:Nelson Horatio ,Viscount :N .E .B
المشهور و تصاوير حروبه و انتصاراته، و تمثال الدّوق ويلنكتن الذي قهر نابليون الأول، و غيرهم من رجال الإنكليز القدماء. ثم حجرة سان جورج(5)و هى من الأبنية الحديثة العهد يولم فيها ملوك الإنكليز و لائمهم الفاخرة، و قد صوّروا فيها إحدى عشرة صورة من تصاوير ملوك الإنكليز القدماء.ثم حجرة الرقص و هى مزينة بأفخر الأثاث و أثمنها في القصر، فإن ما فيها من الكراسي و الموائد مصنوعة من خشب ثمين مصفّح(6)بالذهب الإبريز على نمط الكراسي و الموائد الموجودة في قصر فرسايل(7)بفرنسا، و فيها تحف عديدة لا يسعنا ذكرها في هذا الباب.
1) ملك إنكلترا على فترتين( 1461- 1470) و( 1471- 1483). فصل: 377/ 4:Edward IV :N .E .B
2) ب: تربة( قبر)
3) ملك إنكلترا( 1422- 1464) و( 1470- 1471) ملك زاهد. فصل: 377/ 4:Henri VI :N .E .B
4) هوراتيو( 1758- 1805) قبطان بحار بريطاني له نشاط بحري كبير، و حارب نابليون. فصل:
5) عاش في القرن الثالث تقريبا، و صار سيد قديسي إنكلترا، حتى نسجت حوله أساطير منذ ق 6، و تحول في القرن الرابع عشر إلى حامي المملكة المتحدة. فصل: 198/ 5:George ,Saint :N .E .B
6) ب: مغطى
7) هو قصر فرساي سيأتي الحديث عنه
ثم حجرة واترلو، و هي بجانب حجرة الرقص. و قد صوّروا في جدران هذه الحجرة تصاوير حرب نابوليون الأول و انكسار جيشه في موقعة واترلو. ثم حجرة العرش الملوكي، و هي بجانب حجرة رواق واترلو، فيها تصاوير من الطراز الثاني قليلة الاعتبار، و داخلها حجرة الملك، و فيها إحدى عشرة صورة من الطراز الأول، صنع المصوّر الماهر روبين(1)
224/ 10:Rubens ,Peter Paul :N .E .B
. و في قاعة الشورى الملوكية 35 صورة غالية الثمن، صنع المصورين البارعين كارلو ماراتي(2)815/ 7:Maratti ,Carlo :N .E .B
الإيتلياني و برميسان و كويدو(3)549/ 5:Guido da Siena :N .E .B
و كورشبين و كوارج و اندريا ديل سارتو(4)380/ 1:Andrea ,del Sarto :N .E .B
و ليونارد دي فينشي(5)فصل: 278/ 7:Leonardo ,da Vinci :N .E .B
و كاروفالور و كارلو دولشي(6)و انيبال كاراشي(7)و دومينيكي(8)535/ 2:Dominiquin ,Zampieri :P .R
و رمبراند(9)1018/ 9:Rembrandt ,H .V .R :N .E .B
و تينيارس(10)و هبلين و كسبار بوسين و كلاود لوران(11)1088/ 2:Lorrain ,Claude :P .R
و ليلي و نيلر.1) رسام( 1577- 1640) جمع بين النزعة الانسانية و الدينية في لوحاته. فصل:
2) رسام( 1625- 1713) من زعماء مدرسة روما في أواخر القرن 17 و من أعلام الباروك، و له أسلوبه. فصل:
3) كويدو:( القرن 13 م) من رسامي النهضة في إيطاليا له رسوم في الكنائس. فصل:
4) اندرياديل سارتو:( 1486- 1530) رسام ايطالي له أعمال عديدة منها رسوم في الكنائس. فصل:
5) ليوناردو دي فينشي:( 1452- 1519)، رسام ايطالي، نحات، معماري، مهندس. اشتهر بلوحته موناليزا( الجوكندا).
6) كارلو دولشي:( 1616- 1686) رسام ايطالي له أعمال دينية. فصل: 154/ 4:Dolci ,Carlo :N .E .B
7) أنيبال كراشي: من أسرة من الرسامين( 1560- 1609) أسّسوا مدرستهم المشهورة في بولوني" أكاديميا الطبيعة" التي أثرت تأثيرا حاسما في الرسم، و تخرج فيها عديد الرسامين. فصل: 340/ 2:Carrache ,Carraci :P .R
8) زمبيري( 1581- 1641) رسام درس في مدرسة بولوني له أعمال عديدة. فصل:
9) رامبراند:( 1606- 1669) رسام ألماني يتميز بجمال لوحاته و ثراء ألوانها. فصل:
10) تينيارس( 1610- 1690) رسام بلجيكي باروكي. فصل: 631/ 11:Teniers ,David :N .E .B
11) كلاودلوران( 1600- 1682) رسام، مصور، نقاش، له أعمال عديدة. فصل:
و مخدع الملك مزيّن أيضا بأربعين صورة من الطراز الأول قد صورها أبرع المصورين الإيتليانيّين، منهم: برميسان و كويدو و كارلو و اسفينولت و جرشين و نينتوت و كاميللو بروكاشيني. و بعض تلك التصاوير صنع لمصورين من غير الإيتليانيين، منهم بروغل(1)و وفرمانس و أدريان فان در ويلد(2)و فان در نير الجرمانيين و أدورد تنيار و روبين و غيرهم. و في مخدع الملكة 40 صورة من التصاوير القديمة من الطراز الثاني أقلّ اعتبارا من تصاوير مخدع الملك.
ثم حجرة للمصور الماهر فان ديك(3)فيها من أجمل تصاوير الدّنيا و أحسنها صورة الملك شارلس الأول(4)، و تصاوير عديدة تمثل الملكة هانريتّا، و صورة أولاد الملك شارلس، و صورة المصوّر الماهر فان ديك المومأ إليه.
هذه هي المخادع و القاعات التي يباح للزوار أن يدخلوها.
أمّا مخادع الملكة مقرّ مسكنها الحالي فليس فيها شيء مما يستحق الاعتبار، ما عدا خزانة كتب الملكة و حجرة الاستقبال فإنهما مزينتان بأفخر الأثاث.
ثم حذاء واجهة القصر الشمالية سطح طوله 570 ذراعا مشيّد على قواعد عالية من حجر عظيمة البناء يمتدّ نظر الواقف على السّطح إلى مسافة بعيدة و يكشف وادي نهر التيمس
1) بروغل( 1525- 1569) أكبر رسام بلجيكي فلامنكي في عصره استمرت مدرسته في التأثير إلى القرن 18 و له ابنان رسامان. فصل: 570/ 2:Brugel ,Lieter :N .E .B
2) أدريان: رسام ايطالي عاش في القرن 17 اشتهر برسم المشاهد الايطالية. فصل: 1842/ 2:Adrian :P .R
3) فان ديك:( 1599- 1641) أكبر الرسامين الفلامنكيين في القرن 17 بعد روبانRubens كانت الارستقراطية ترغب فيه. فصل: 12422/ 20:Van Dyck ,Antoine :G .E
4) شارلس الأول( 1600- 1649) ملك بريطانيا و إرلندا( 1625- 1649) حدث في عهده الصراع بينه و بين البرلمان انتهى بقتله. فصل: 112/ 3:Charles I :N .E .B
و التلال المرتفعة فيه نحو جهة الشمال. و بجانبه سطح آخر اسمه" الشرقي" تنزل منه الملكة إلى بستانها المزين بالزّهور و الأشجار و تماثيل عديدة من الرّخام و النحاس.
أما اسطبلات قصر ونزر فكان قد أنشأها الملك غليوم الرابع(1)
787/ 2:Guillaume IV :P .R
بهذا الاسم، و أنفق(2)على بنائها مليون و سبعمائة و خمسين ألفا من الفرنكات. أمّا الحديقة الصغيرة المختصة بالعائلة الملوكية فهي واقعة على ضفة نهر التيمس، و محيطها نحو أربعة أميال، و مساحة أرضها نحو 200 فدان. و في وسط هذه الحديقة تمثال الأمير ألبرت المرحوم زوج الملكة فيكتوريا الحاضرة نحته المعلم ماروكتتى الإيتلياني.أمّا البستان الكبير فطوله نحو ثلاثة أميال، و عرضه من ثلاثة إلى خمسة أميال، و تبلغ مساحة أرضه نحو 300 فدان. و فيه ألوف من الغزلان ترتع في رياضه، بلا عارض، و هو بالأحرى شبيه بغاب وسيع، و في وسطه طريق تمر به الخيل و العربات للتفسيح و التنزيه تظلله أشجار من الجانبين على مسافة ثلاثة أميال من باب القلعة إلى" تل الثلج" (سنوهيل) المنصوب عليه تمثال عظيم من نحاس للملك جورج الثالث(3)بهذا الاسم.
و بعد تل الثلج تشاهد أبنية على هندسة منازل أهل الصّين و اليابون لمنتزهات العائلة الملوكية مشيد حول بحيرة ماء صاف واسعة جدا و مظللة بأشجار عالية. و حولها تلال مزهرة و مروج نضرة يرتاح الناظر إليها.
منظر قصر ملكة الإنكليز في قرية ونزر و ما حوله من البساتين و مجاري المياه
فلما وصل جناب السيد برغش و رجاله إلى قاعة الاستقبال قدمت جلالة الملكة فيكتوريا و ابنتها الأميرة لويسة زوجة الماركيز أف لورن و الأميرة بياتريس أصغر بنات الملكة و سلّمن على سعادة السلطان في حجرة الاستقبال التي كان قد عني أهل القصر بتزيينها أحسن زينة، فكانت جدرانها مغطّاة بتصاوير مطرّزة على طنافس ثمينة، و أرضها مزينة بتماثيل جميلة كان قد نحتها النحات الماهر غرينلين جيبون(1)الشهير.
ثم حضر رجال الدولة و حريمهم بأفخر الملابس، و هنّ مزينات بمصاغ من الذهب و اللؤلؤ و الألماس(2)، و على رؤوسهن تيجان مرصعة بحجارة كريمة، و في معاصمهن أسوار من الذهب الإبريز منضدة بحجارة كريمة، و سلّمن على سعادة السلطان بألطف سلام، و رحّبن بقدومه باحتشام و بشاشة.
و بعد أن لبثوا مدّة من الزمان يتسامرون مع سعادة السلطان بأنس و حبور استدعوا سعادته إلى قاعة السّفرة، و كانوا قد أعدّوا فيها من الأطعمة الفاخرة و المحالي(1)النفيسة، فجلسوا مع سعادة السلطان على تلك السّفرة المتفننة بالأطعمة اللذيذة، و تناولوا منها ما طابت به نفوسهم.
و في أثناء ذلك نهضوا عن السّفرة، و أخذ اللّورد شامبرلين أمين دار الملكة سعادة السلطان و رجاله و دار بهم في القصر، و فرّجهم على جميع القاعات و المخادع التي سبق أن ذكرناها(2).
و في الساعة الرابعة بعد الظهر توادع(3)جناب السيد مع جلالة الملكة و الأميرات بناتها، و خرج من القصر، و رجع إلى لندن برتل مخصوص كانت جلالة الملكة أمرت بتجهيزه لسعادته.
و ثاني يوم صباحا خرج جناب السيد برغش في رجاله برفقة محبّه حضرة جرجس باجر الفقيه يريد زيارة دوق أف كامبريدج.
و في السّاعة الثامنة بعد الظهر خرج جناب السلطان في رجاله ثانية يريدون الفرجة على تياترو(4)جلالة الملكة.
و بعد أن صرفوا ليلتهم بالسّرور و الحبور رجعوا إلى منزلهم.
و في صباح ذلك النهار قدم إلى قصر سعادة السلطان نجل امبراطور يابون، و الأمير هودوكا ناكيس سفير دولة يابون، و كاتم أسرار السّفارة، و الشريف كلادستون(5)دوق أف
1) كذا في أ، ب. و لعلها الحلاوى
2) أ: التي أسبقنا إلى ذكرها
3) ب: ودع
4) نطق حرفيّ للكلمة الإيطاليةTheatro و تعني المسرح.
5) هو الفيكونت الأول( 1854- 1930) رجل السياسية الشهير. أول حاكم عام لبريطانيا العظمى في اتحاد جنوب افريقيا، و قد قام بأعمال أخرى. و نلاحظ أنه كان أثناء زيارة السلطان برغش سنة 1875 طالبا جامعيا. فصل:Gladstone ,1 st 292/ 5:Viscount :N .E .B
بدفرد، و اللورد سدناي، و الورد جالوي، و اللورد سالبرن، و الشريف سار شارلس مورري، و سار مونتكمري، و الجنرال ملكلم، و مستر برسفرد هوب من أعضاء دار الندوة، و سلّموا على سعادة السّلطان، و رحبوا بقدومه، و قيّدوا أسماءهم في كتاب الذين زاروا سعادة السلطان برغش. ثم انصرفوا شاكرين من لطف سعادته.
و بعد انصراف سعادته من القصر جرى الكلام بينه بين رجاله على ما أبدته جلالة الملكة من اللطف و الإكرام في حقّ سعادته. فإنّ جلالة الملكة طلبت إلى سعادة السيد برغش بأن يجلس بجانبها على كرسيّ جميل كانت الخدم أعدّته له، فجلس عليه بوقار ملوكي، و أخذ يتفاوض مع الملكة باللغة العربية، و حضرة الدكتور باجر يترجم كلامه إلى الملكة بالإنكليزي.
فقال السيد برغش أعزه اللّه:" قد رأيت بعيني الآن ما كنت أشتهي عليه من نعومه أظفاري، و تشرّفت بالنظر إلى محيّا ملكة الإنكليز وجها بإزاء وجه(1). فكان أبي- تغمده الرحمن برحمته- يحكي لنا- و نحن صغار- عن الملكة فيكتوريا و يقول: إنّه يودّ لو تسمح له المقادير بمشاهدة الملكة الجليلة. و لكن قضى نحبه و لم يقض وطره".
" أمّا الذي زادني رغبة في مشاهدة ملكة الإنكليز فهو من الأمور المستغربة: فإني رأيت كثيرين من الإنكليز سواء كانوا من القوّاد أو من الجنود أو من التجار يمدحون غاية المديح هذه الملكة المعظّمة، و يثنون عليها كل الثناء، و يودّونها ودادا لا حدّ له. و لم أشاهد باقي الأمم يودّون ملوكهم و ملكاتهم وداد الإنكليز لملكتهم. فهذا جعلني أزداد رغبة في مشاهدة الملكة التي (هي) أشبه بحجر المغناطيس، تجذب إليها قلوب الدّاني و القاصي".
" و حسبك شاهدا على ذلك ما رأيته بالأمس في قصر البلور. فإن الناس- طرّا- لمّا سمعوا الموسيقة تصدح بغناء الملكة نهضوا جميعا(2)، و كشفوا عن رؤوسهم إجلالا لذكر اسم
الملكة. لعمري لم يحرّضهم أحد على القيام. و إنما قاموا من تلقاء أنفسهم لشدة تودّدهم إلى ملكتهم المعظمة".
و لا جرم أنها عزّ الأمة البريطانية، و مجد المملكة، و أصل نجاح الشعب، و فلاحه. فمن لا يؤخذ من جانبيّ الدّهشة و التعجب عند ما يرى امرأة جالسة على كرسي مملكة عظيمة لا تغرب الشمس على سلطانها، و هى تحكم، و تسوس، و لا يجرى في الملك شيء بدون أمرها؟
فسبحان من أعطى هذه المرأة حكما! و علّمها الجلوس على العرش! و أيّدها على سياسة الملك! و جعل الأمة تنقاد إليها انقياد البنين لا انقياد العبيد! فهي تسحر الناظر إليها- ليس بعظمة سطوتها و تلال الجواهر التي تسطع عليها و حواليها من كل جهة- و إنما تجذب القلوب إليها بلطف و أنس لا مزيد عليهما، و لا مثيل لهما. و هذا اللسان قاصر عن وصف جميع محاسنها. صانها المولى، و أبقاها ذخرا للملك، و عزا لأمّة الإنكليز. آمين".
رسم جلالة الملكة فيكتوريا ملكة الانكليز و سلطانة الهند
صورة الملكة لويزة ابنة ملكة الإنكليز
الباب التاسع عشر في زيارة سعادة السلطان لدوق أف كمبريج(1)
خرج السيد برغش- أيّده اللّه- في حشمه يريد زيارة دوق اف كمبريج في منزله. فخرج الدوق إلى لقائه، و رحّب بقدومه. ثم أتى به إلى قاعة الاستقبال، و جلسا يتفاوضان برهة من الزمان.
و كان الدّوق لابسا الملابس الرسمية في زيّ سرّ عسكر الجنود البريطانية لأنه كبير قواد العساكر، و هو ابن عم الملكة فيكتوريا، ولد سنة 1819، و له راتب سنوي من الدولة بمنزلة أمير من أمراء العائلة الملوكية 12000 ليرة، و له أيضا راتب سنوي 4432 ليرة بمنزلة كونه كبير قواد العساكر البريطانية، و له أيضا رواتب سنوية غير ما ذكرنا يبلغ إيراده السنوي نحو 20000 ليرة. و منذ وفاة أبيه إلى الآن نال من الأمة الإنكليزية نحو 400000 ليرة انكليزية.
و بعد أن لبث السيد برغش- أعزه اللّه- يتفاوض مع الدوق بواسطة ترجمان استأذن من الدوق بالانصراف، و شكر له مكارمه، و حسن ترحابه بقدومه. ثم خرج يريد الإياب إلى منزله.
و فيما هم كانوا سائرين قال السيد برغش لكبير وزرائه:
" ما رأيك في هذا الدوق؟ عندي هو جندي بطل، و كل شعرة من شعره دليل على جبروته. و لكن لهذا الجندي البطل قلب حنون أيضا. فاني رأيته يودّ أهله مودة قلبية، و سار بي من حجرة الاستقبال إلى حجرة درسه، و أراني هناك كتبه و تواليفه و صور أولاد أخته، و هو يجلّ الملكة غاية الاجلال. فإن كان قائد الجنود الإنكليزية هو هذا البطل، فلا عجب أن تكون جنوده غير مقهورة. فعزّ الجنود قائدهم. بارك اللّه فيه و في أمّته".
1) Duc of Cambridge
في اليوم 24 من جون (حزيران) (19 جمادى الأولى) خرج السيد برغش- أعزه اللّه- في حشمه يريد الفرجة على دار الندوة بلندن. فلمّا بلغ الدار لاقاه الماجيور جوست و الكولونل فورستر. و اقتادا سعادته إلى رواق الشرفاء و الأعيان.
و كان أعضاء المجلس من اللوردات و الشرفاء جالسين على كراسيهم بترتيب، و هم يتباحثون في أمور السياسة و مصالح الأمة. و كان وقت دخول سعادة السلطان سار هاركورت جونستن يخطب في المجلس، و يطلب من أعضاء الديوان أن يتفقوا على إبطال السنّة المفروضة في الأمراض الوبائية. و كان السيد برغش- أعزه اللّه- جالسا في أعلى مكان من دار الشورى ينظر إلى الأعيان و أعضاء المجلس و رجال السياسة. و كان جناب الدكتور باجر و الدكتور كيرك يترجمان لسعادة السلطان ما كان يتفاوض به أعضاء مجلس النواب.
و كان في غرفة من غرف المجلس جماعة منصبّين على الكتابة، فسأل سعادة السلطان عن حال أولئك الرجال، و عمّا كانوا يفعلونه. فقال له جناب الدكتور باجر:" إن الرجال الجالسين في تلك الغرفة هم مكاتبو الغازيطات(1)و النشرات اليومية يحضرون كل يوم دار الندوة ليسمعوا مفاوضات نواب الأمّة و ينقلوها خطّا. ثم يسلّموها لرجل من رجال التلغراف القائم بالباب، و هو يرسلها حالا إلى أرباب الجرائد، فيطبعونها، و ينشرونها في برهة نصف ساعة، و أحيانا تذاع خطب أعضاء المجلس في المملكة كلها قبل انقضاء الجلسة نفسها و خروج أعضاء المجلس
1) مفرده غازيطة(Gazetta )، و تعني عند ظهورها سنة 1600 قطعة نقدية استعملت لشراء صحيفة، ثم صارت تعني الصحيفة أو الدورية نفسها فالغازيطات هي الصحف. فصل: 855/ 1:Gazette :P .R
من الديوان، و كثيرا ما يرى الخطباء خطبهم التي تلوها في المجلس منذ بضع دقائق مطبوعة في الجرائد التي تباع على باب دار الندوة.
ثم لم يلبث السيد زمانا طويلا في مجلس الشورى ليرى انشقاق آراء الخطباء و نواب الأمة كمألوف العادة. و لكنه خرج في رجاله، و دخل مخدعا مظلما: و هو الديوان الذي سجل الوزراء فيه قضية الحكم بالموت على شارلس الأول ملك الإنكليز(1). و كان الفقيه جرجس باجر يتلو على سعادته أسماء الملوك و الملكات(2)و رجال السياسة الذين حكم عليهم بالموت في ذلك المجلس في أعصار(3)مختلفة.
و كان ذكر تلك الحوادث المكربة(4)يؤثّر تأثيرا عظيما في نفس سعادة السلطان و رجاله.
و لما كانت دار الندوة بلندن (البارلمنت) من الأبنية الفاخرة المشهورة رأينا أن نطبع رسمها في هذا الكتاب و نصف ما فيها من المجلس و الأماكن المشهورة في تواريخ الأمة البريطانية.
و تتألف دار الندوة من مجلسين كبيرين: أحدهما مجلس الأعيان و الشرفاء(5)و يحضره اللوردات و الأمراء، و ثانيهما مجلس نواب الأمة تحضره رجال تنتخبهم الأمة لينوبوا عنها في الذبّ عن مصالحها. و يضم(6)مجلس الأعيان نحو 450 عضوا منهم 30 عضوا من زعماء الدين و الباقون من اللوردات.
و في هذا المجلس من الغرائب التي لا يدركها إلا القليلون تستحق الذكر. منها تشترط الشريعة البريطانية على النساء اللاتي يحضرن مجلس الأعيان بحجة الفرجة أن يجلسن في غرفات عالية و ينظرن إلى الأعضاء من وراء مشبك من نحاس. كذلك تشترط على رئيس المجلس أن يجلس على كيس محشوّ(1)من الصوف(2)و ليس على كرسي كباقي أعضاء المجلس، و ذلك ليتذكر هو و قومه(3)أن ثراء(4)بلادهم صادر عن تجارة الصوف و منسوجاته. و كذلك المكان الذي يجلس عليه رئيس المجلس فوق كيس الصوف لا تحسبه الشريعة البريطانية من ملحقات المجلس و إن كان ضمن القاعة نفسها، و لهذا إذا قام الرئيس ليخطب في المجلس ترتّب عليه أن ينزل عن كيس الصوف، و يدخل دائرة كراسي الأعضاء، و يتلو خطابه عليهم هناك.
أما البارلمنت فعلى أصول القانون الأساسي يجب أن يتغير وزراؤه و أعضاؤه كل سبعة أعوام مرّة. و لكن قد جرت العادة بتغييرهم أحيانا قبل ختام السنين السبع(5). و متى مسّت الحاجة إلى تغييرهم قدمت الملكة بموكب حافل إلى دار الندوة، و اللوردات و الشرفاء و الأعضاء مجتمعون فيها. ثم تستوي على عرش منصوب في صدر القاعة، و على يمينها وليّ العهد، و على شمالها ثاني أولادها.
رسم دار الندوة أو البارلمنت بلندن
و في ذيل العرش كراسي مخصوصة يجلس عليها زعيم دينهم رئيس أساقفة كنتربري(1)
328/ 2:Canterbury
، و رئيس أساقفة يورك(2). ثم يجلس بعدهم باقي الأساقفة.و يجلس اللوردات الذين لهم صوت في الانتخاب على كراسي في آخر القاعة قبالة(3)العرش، و اللوردات الذين لم يبلغوا السنّ المطلوبة لصحة إعطاء الصوت بالانتخاب يجلسون وراء العرش.
و أما نواب الأمة فيلبثون واقفين على الساق في مؤخر القاعة.
و يتألف مجلس النواب من 658 نفسا منهم 471 من الإنكليز العريقين، و 29 من شعب الغولواء(1)
565/ 2:Wales :N .E .B :21 /164 ,Galles (pays des ):G .E
، و 53 من أهل سكوتلند(2)565/ 2:Ecosse :P .R
، و 105 من أهل إيرلندا(3).و هؤلاء الأعضاء ينتخبهم أهل البلاد المذكورة من المدن و القرى الخاضعة للمملكة البريطانية المتحدة، و يشترك مع هؤلاء الأعضاء زعماء المدارس الكبار أو كسفود(4)
28/ 9:Oxford :N .E .B
و كامبرج(5)761/ 2:Cambridge ,University of :N .E .B
و دبلين(6)248/ 4:Dublin ,University of :N .E .B
. و كل من ملك عقارا في المملكة بقيمة أربعين شلينا و صاعدا له حقّ في إعطاء صوته بانتخاب نواب الأمة (أو المبعوثان)(7)انظر: الخوند: الموسوعة 6/ 205
. و كذلك كل من كان له مدخول سنوي من أملاكه بقيمة عشر ليرات و صاعدا. و من كان له عقارات يدفع عليها رسمها للميري(8)بمبلغ خمسين ليرة و صاعدا له حقّ في الانتخاب. و الذين لهم منازل في المدن و القرى يستأجرونها بقيمة عشر1) هم سكان بلاد الغال، و هي الجزء الثالث المكون لبريطانيا العظمى( بالإضافة إلى انقلترا و الإيكوس) و هو اصغرها و الأقلّ سكانا. و تقع بلاد الغال في آخر الجزيرة. فصل:
2) هو الاسم الإنكليزي للايكوس(Ecosse ) و هو الجزء الأعلى من بريطانيا العظمى. فصل:
3) هي الجزيرة الغربية المحاذية لجزيرة بريطانيا العظمى. فصل: 898/ 2:Irlande :P .R
4) هي جامعة تأسست سنة 1542 ثم تطورت في القرون اللاحقة و هي أولى جامعات المملكة المتحدة تأسيسا. فصل:
5) هي جامعة مستقلة ذات تعليم عال بعيدة عن لندن 80 كلم شمالا. تم تأسيسها سنة 1284. فصل:
6) أقدم جامعة في ارلندة، اسمها الأصلي( جامعة التثليث:(Trinity college ، أسستها الملكة اليزابت الأولى سنة 1591 الغيت منها الدروس الدينية سنة 1873، لها مكتبة ثرية بالمخطوطات. فصل:
7) هذا المصطلح تركي و هو يعني أحد المجلسين اللذين يتكون منهما المجلس العمومي العثماني الذي تمّ انشاؤه في 24/ 12/ 1876 و مجلس المبعوثان ينتخب الأهالي أعضاءه، أما المجلس الآخر فتعين الدولة أعضاءه و يسمى مجلس الأعيان.
8) الميرة: طعام المسافر، و المقصود بالميري: الضريبة التي تأخذها الدولة
ليرات سنويا لهم كذلك صوت في انتخاب الأعضاء. و أضف إلى هؤلاء كل من كان حرّا متمتعا بامتيازات المدنية البريطانية.
أما في ايرلندا و اسكتلند فالصفات المطلوبة في المنتخبين تختلف عن الصفات المطلوبة في الإنكليز العريقين.
ثم يترأس على مجلس النواب رجل يوصف بالخطيب، و يجلس في أقصى القاعة، و لا يحقّ له أن ينتخب أحدا إلا إذا وجد عدد المنتخبين من الطرفين متوازيا، فينتخب حينئذ من يشاء حتى يرجح عدد أصوات أحد الطرفين.
ثم ينهض وزراء الملكة و يعرضون على أعضاء البارلمنت المسائل الواجب قيام البحث فيها(1). و لكل عضو من أعضاء دار الندوة حقّ في إلقاء ما يستحسنه من المسائل و الاقتراحات على مجلس النواب. ثم يخطب إثنان من الأعضاء خطبتين فيما نيط بأغراضهما و اقتراحاتهما.
و بين خطبة و خطبة برهة من الزمان يتمكن فيها الأعضاء من إمعان النظر في صواب اقتراحات الخطيبين أو عدم صوابها. فإذا رفض الأعضاء اقتراحات الخطيب الأول بعد أول مباحثة فيها(2)امتنع على ذلك الخطيب إعادة اقتراحاته بنفسها في تلك الجلسة. و لكن متى خطب الخطيب الثاني اجتمع الأعضاء إلى واحد، و أخذوا يتباحثون في اقتراحاته بندا بندا. و متى فرغوا من البحث فيها(3)دوّن الكاتب آراءهم في رقّ.
ثم يقوم خطيب ثالث، و يعرض على الأعضاء اقتراحاته. فإن استصوب الأعضاء اقتراحاته صدّروها بعنوان، و أرسلوها صحبة معتمد إلى مجلس اللوردات الأعلى، و متى دخل المعتمد ذلك المجلس نهض رئيسه، و نزل عن كرسيه إلى درابزون القاعة، و استلم العرض من المعتمد.
ثم يعرض الرئيس تلك الاقتراحات ثانية على اللوردات، و يباشرون مناقشتها. فإن رفضوا قبولها أدرجت في طي النسيان، و باد ذكرها مع الدّويّ. و إن استصوبوها أعلموا بقبولها مجلس النواب. و إذا اعترض بعض من اللوردات على بند من بنود الاقتراحات أعلموا(1)بذلك مجلس النواب الأدنى. و بعد ذلك ينتخب مجلس اللوردات و مجلس النواب رجالا يتبصّرون في كنه المسألة و يحلّون مشاكلها. و متى زالت الموانع اقتضى التوقيع عليها من جلالة الملكة. و ليس لجلالتها حقّ رفض التوقيع على تلك الاقتراحات المصادق عليها من مجلسي اللوردات و نواب الأمة. و من تمّة تصدر الملكة براءة(2)في إجراء(3)تلك الاقتراحات.
و قد جرت العادة من قديم الزمان إلى الآن أن ينادي حاجب مجلس البرلمنت بتوقيع الملكة على تلك الاقتراحات ليس باللغة الإنكليزية بل باللغة الفرنساوية القديمة. فإذا كانت الشريعة المقترح(4)إجراؤها عائدة على خير الأمة قاطبة، نادى الحاجب بصوت جهير في نادي أعضاء المجلس، و قال:" قد صدر أمر الملكة بهذا". و إذا كانت الشريعة لا تعمّ الأمّة نادى الحاجب، و قال:" فليكن لكم كما تشتهون".
ثم من جملة أصول البارلمنت البريطاني: لا يحل لخطيب أن يكتب خطابه في رقعة؛ ثم يتلوه. و لكن متى أراد عضو من الأعضاء أن يخطب في المجلس نهض عن كرسيّه و وجه خطابه شفاها إلى رئيس المجلس وحده.
هذا ما كان من أمر البارلمنت و أعضائه و أصوله.
و لنرجع إلى الكلام على بناء دار الندوة و نقول: كان قصر البارلمنت القديم قد احترق برمته سنة 1834 فعوّل رجال الدولة البريطانية على بناء دار عظيمة تليق بأمة غنية بالمال و قوية بالرجال، و باشر المهندسون ببنائها على هندسة موسيو شارلس باري سنة 1837.
و يشغل هذا البناء نحو ثلاثة فدادين من الأرض ونيف و فيه أكثر من 500 حجرة ما عدا أحد عشر رواقا يشغلها المأمورون و الموظفون و أرباب المناصب العالية.
و قد أنفقت الأمة على بنائه 60 مليونا من الفرنكات، و يبلغ طول واجهته التي من ناحية نهر التيمس نحو 300 ذراعا، و فيها نوافذ و طاقات عديدة على شكل هندسة الغوطيين(1)، و بينها محاريب قد وضعوا فيها تماثيل ملوكهم من عهد غليوم الغازي(2)
667/ 12:William I :N .E .B
إلى عهد الملكة فيكتوريا الحاضرة.و في زاوية الواجهة الوسطى قد شادوا بناء مربّعا على شكل منارة، يبلغ ارتفاعه نحو 100 ذراع ونيف، و قد وضعوا في أعلاه ساعة كبيرة(3)دقاقة مموهة بالذهب، و جعلوا فوقها مصباحا من نور المغنيسيوم يقارب ضوء النور الكهربائي. و على قنّة(4)المنارة شهب(5)مذهّبة يبلغ ارتفاعها نحو 30 ذراعا ونيف.
1) هي جزء من الفن القوطي الذي انتشر في أوروبا بين القرنين الثاني عشر و النهضة. و كلمة قوطي أطلقت أول مرة في القرن 16 لوصف الهندسة الوسطية(Medievale ) في شمال الآلب(Les Alpes ) لمقابلة الأشكال الكلاسيكية للعصر القديم التي أحيتها إيطاليا. فصل: 94- 5487/ 9:Gothique (art ):G .E
2) هو وليام( 1088- 1087) تولى الحكم سنة 1066 تمكن من احتلال فرنسا، و له أثر كبير في تاريخ إنكلترا و فرنسا. فصل:
3) هي الساعة الموضوعة على برج ملاصق لبناية البرلمان تم وضعها سنة 1859 و ناقوسها يزن 13 طنا. فصل:Big Ben 205/ 28:N .E .B
4) أ: قلة، ب: قمة
5) أ، ب: أشهب
و جرس هذه الساعة أكبر من جميع أجراس بلاد الإنكليز. و كان قد عني بتركيب دواليب هذه الساعة و أوائلها مستر إيرى(1)الفلكي البارع ناظر مرصد كرينج في ضواحي لندن، و جعلها تدل على جميع حركات الزمان من ثوان و دقائق و أرباع و أنصاف و ساعات و أشهر و أعوام(2).
و قد شادوا في واجهة القصر الجنوبية برجا مربّعا اسمه برج فيكتوريا و هو أعلى برج على سطح الكرة الأرضية و أمتن بناء، يبلغ عرض واجهته نحو 40 ذراعا، و يبلغ علوه نحو 120 ذراعا، و دام بناؤه نحو 17 سنة. و قد صمدوا على جانبي القصر الملوكي من الجهة الغربية تمثالي أسدين كبيرين و من حجر، و فوقهما راية الدولة الإنكليزية و رموز الجزيرة البريطانية، و هي تماثيل سان جورج وليّ(3)الإنكليز و سان أندريا وليّ أهل اسكوتلندا و سان بتريك وليّ أهل ايرلاندا. و تحت هذه قد وضعوا تمثال الملكة فيكتوريا الحالية. و البرج الوسطاني(4)هو أوطى من بقية البروج، و يبلغ ارتفاعه نحو 100 ذراع.
و في جانب هذا القصر قاعة فسيحة شامخة البناء، فيها مجلس القضاء للفصل في الدعاوي. و قد صمّمت الدولة على هدم هذا المجلس و شادت دارا عظيمة البناء في شارع استراند لقيام الدعاوي فيها، و جعلها دار الحكم و القضاء. و يزعم البعض أن دار البارلمنت
1) هو جورج بدال( 1801- 1892) عالم انكليزي، و سابع فلكي ملكي( 1835- 1881) أعاد تنظيم مرصد غرينويش الملكي، له أعمال فلكية هامة. فصل: 180/ 1:Airy ,Sir george Biddell :N .E .B
2) أ: أعوام و أدوار
3) كلمة ولي هنا تعني حامي المدينة أو الشعب. و هؤلاء القديسون يحمون- في اعتقاد الإنكليز و الاستكلنديين و الارلنديين- بلدانهم من كل شر. و هذا المعتقد نجد له شبيها في بعض المدن الاسلامية مثلا: مراكش و أولياؤها السبعة و تونس و وليها سيدي محرز
4) ب: الوسطاني( الأوسط)
تفوق سرايات باريس(1)و البلجيك(2)و غيرها، و هذا وهم منهم. و لمّا تريد الملكة الحضور إلى دار الندوة تدخل القصر من الباب الملوكي الذي بجانب برج فيكتوريا السّابق ذكره. و في منتهى دهليز الباب قاعة فسيحة معدّة للملكة و للخواتين(3)الشريفات اللاتي يلبسن الملكة ملابسها الملوكية قبل الدخول إلى دار الندوة.
و على شمال دهليز البرج المربع رواق من حجر اسمه رواق النورمان لأنهم قد وضعوا فيه تماثيل ملوك الإنكليز النورمانيين(4)
فصل: 765/ 8:Norman :N .E .B
و بجانبه الرواق الملوكي و فيه تماثيل و تصاوير من جملتها صورة الدوق ويلينكتن الذي قهر نابوليون الأول، و هو يقابل بلوخر(5)في وقعة وترلو. ثم قد أقاموا فوق قنطرة تمثال الملكة فيكتوريا، و على يمينها و شمالها تمثالا الرحمة و العدل.و قد صوّروا على أعلى جدران القاعة صور الملوك و الملكات. منها صورة الملك هنري الثامن بهذا الاسم، و صور جميع نسائه، و صورة الملكة ماري(6)، و صورة الملك فيليب
1) المقصود قصر فرساي الذي بناه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر بين 1662- 1665 ثم أضيف اليه بناءات أخرى، و هو الآن جزء منه قصر الرئاسة و الباقي متحف. فصل: 12551/ 20:Versailles :G .E
2) المقصود قصر المدينة(Hotel de ville ) أشهر بناء في بروكسال تم بناؤه بين 1402- 1454، يتميز بعلوه( 96 مترا) دمّره الفرنسيون ثم أعيد بناؤه سنة 1695. فصل: 2057/ 4:Bruxelles :G .E
3) الخاتون لفظة تركية تعني لقب المرأة ذات المكانة الرفيعة. فصل:Khatun :E .I .2 :IV /3311
4) هم جزء من الفيكنيغ، أقاموا بشمال فرنسا و أسسوا دولة النورماندي ثم توسعوا إلى ايطاليا و صقلية و إنكلترا و وايلز الخ ...
5) هو جبهارد( 1742- 1819) قائد عسكري بروسي، شارك في حروب نابليون و انتصر عليه في وترلو. فصل:Blucher , 297/ 2:Gebhard :N .E .B
6) لعلها ماري الأولى( 1516- 1658) أول ملكة حكمت إنكلترا( 1553- 1558) و هي التي ضيقت على البروتستان في محاولة احياء الكاتوليكية الرومانية في بلادها. فصل: 899/ 7:Mary I :N .E .B
الثاني(1)
368/ 9:Philippe II :N .E .B
، و صورة الملكة ماري استوارت(2)، و صورة الملكة اليصاباث، و صورة الملكة ماري دي جيز(3)901/ 7:Mary of Lorraine :N .E .B
، و صورة الملك فرنسيس الثاني، و غيرهم.أما القاعة التي يجتمع فيها اللوردات للشورى فهي على هندسة قوطية و سقفها و جدرانها مموهة بالذهب و بألوان مختلفة و طولها نحو 35 ذراعا و عرضها نحو 20 ذراعا و علوها نحو 18 ذراعا، و فيها اثنتا عشرة طاقة للنور، و عليها ألواح من الزجاج الملون و مصور عليه تصاوير الملوك و الملكات بالترتيب التاريخي من عهد الملك غليوم الغازي إلى عهد الملكة فيكتوريا الحالية. و في منتصف هذه القاعة موجود الكيس المحشو صوفا الذي يجلس عليه رئيس مجلس الأعيان. و أما كراسي باقي اللوردات فهي مصفوفة ثلاثة أدوار على طرفي القاعة دور أوطى من دور. و أقصى طرف القاعة الشمالي معيّن لنواب الأمة.
و متى استوت الملكة علي العرش نادى المنادي بصوت جهير و قال:" قد استوت الملكة على العرش فهلموا أيها النواب إلى المثول بين يديها(4)". و في أثناء ذلك يبادر نواب الأمة إلى قاعة دار الندوة، و يلبثون واقفين بين يدي الملكة. أما اللوردات فيجلسون على كراسيهم.
أما القاعة المختصة بنواب الأمة فيبلغ طولها نحو 30 ذراعا، و عرضها نحو 20 ذراعا، و علوها نحو 17 ذراعا. و ليست مزينة بنقوش مثل قاعة اللوردات و الشرفاء. و كراسي أعضاء المجلس مصطفة دور أوطى من دور على شبه دائرة غير صادقة. و في هذه القاعة أماكن يجلس عليها مكاتبو صحف الأخبار المفوّضون(5).
و في هذه الدار الذائعة الصيت قد جرت حوادث تاريخية مهمة: منها أن الملك ادورد الثالث(1)بهذا الاسم اقتبل الملك جان(2)الذي استأسره الأمير نوار(3)في حرب بواتيار(4). و منها أن أوليفيار كرومويل(5)العاتي اتخذ لنفسه في هذه القاعة تسمية" السيد المحامي عن الوطن" و بعد أربع سنين قطع الشعب رأسه(6)
473/ 2:Cromwell ,Olivier :P .R
، و علقوه على خشبة في هذه القاعة نفسها بين أربعة جماجم من أعوانه و هم برادشو وايريتون و ويليام والس و توماس مور. و منها أيضا أن المحامي سمرس و الكونت سترافورد(7)حكم عليهما بالموت في هذه القاعة. و منها أنّ القضاة الذين حكموا على كثيرين من المعارضين بقطع رؤوسهم كانوا جالسين في هذه القاعة. و منها أيضا أن وارن هاستينك(8)حكم عليه بالموت(9)جهارا في هذه القاعة. و من ثمة كانت دار الندوة هذه شهيرة ببنائها و بتاريخ الحوادث التي جرت فيها.1) عاش( 1312- 1377) ملك إنكلترا( 1327- 1377) شارك في حرب المائة عام ضد فرنسا. فصل:
2) هو جان الثاني( 1319- 1364) ملك فرنسا( 1350- 1364)، أسره الأمير نوار(Noir ) في مدينة بواتي. فصل:Jean 932/ 2:II ,le Bon :P .R
3) هذا بالفرنسية( الأسود(Noir و بالإنكليزية(The black Prince ) و هي شهرة الأمير ادوارد( 1330- 1376) أمير بلاد الغال، أشهر جنرالات حرب المائة سنة بين بريطانيا و فرنسا أسر ملك فرنسا جان الثاني في بواتي سنة 1356. فصل: 380/ 4:Edward ,the black Prince :N .E .B
4) مدينة فرنسية شهيرة بالأحداث التاريخية التي وقعت فيها و منها هزيمة المسلمين سنة 732 م و منها اسر ملك فرنسا جان الثاني سنة 1356. فصل: 1435/ 2:Poitiers :P .R
5) عسكري و سياسي و برلماني انكليزي( 1599- 1658). فصل: 748/ 3:Cromwell ,Olivier :N .E .B
6) وجدنا أن كرومويل مات ميتة طبيعية، راجع الحاشية أعلاه و أيضا. فصل:
7) نفذ فيه حكم الاعدام سنة 1641. فصل: 1708/ 2:Straffort :P .R
8) إداري،( 1732- 1818) حكم البنغال ثم الهند. برّئت ساحته بعد محاكمة شهيرة( 1788- 1795). فصل:Hastings , 3- 742/ 5:Warren :N .E .B
9) هذا خطأ لم يحكم عليه بالإعدام بل وقعت تبرئته و انعزل
و في هذه الدار مخادع و غرف كثيرة غير التي ذكرناها، و قد اختصرنا في وصفها مخافة الإسهاب و الملل. و إنما نقول: إن من ينظر إلى دار الندوة من ظاهرها يراها كثيرة النقوش و الزخرفة. و لكن رطوبة هواء النهر الذي يجري على طولها و دخان لندن الأسود قد أثّرا في حجارتها الرخوة، و أضرّا بها، و صارت دار الندوة مع كبرها و عظمتها تبدو في عين(1)الناظر سوداء يستنكف(2)الغريب من النظر إليها.
أما الإنكليز و غيرهم من أمم أوروبا فيعتبرون ذلك السواد فيها ضربا من الزينة التي تزيد في اعتبارها بناء على أن ذلك يجعلها تبدو(3)قديمة عهد. و كل شيء زاد قدما زاد اعتبارا في أعين أهل أوروبا.
أما أهل المشرق فلم يعبأوا بهذا، و إنما يعتبرون الأشياء بحسب استحقاقها و قدرها الذاتي لا بحسب العوارض الطارئة عليها.
أما نحن فلا نتعرّض لذمّ أهل أوروبا و لا نلوم أهل المشرق في هذا الصدد. فلكل من الفريقين حجج يستند إليها في إثبات رأيه، و ما على الذوق جدال.
خرج السيد برغش في جماعة من وزرائه مصحوبا بخليله جرجس باجر الفقيه و الدكتور كيرك يريد الفرجة على مستشفى سانتوماس. و هو من أكبر مستشفيات لندن. و ربما هو أعظم مستشفى في الدنيا. فلما بلغ السيد في موكبه الحافل باب المستشفى خرج إلى لقائه سار فرنسيس هيكس أمين صندوق المستشفى و مستر والكر المدير و مسترجون سيمون(1)و جميع أطباء المستشفى و استرحبوا بقدومه.
ثم أدخلوه أولا قاعة المصابين بالرّمد. ثم إلى القاعة التي أنشأتها السيدة ناينتنغال الكريمة من مالها لخدمة(2)المستشفى. ثم فرّجوه على(3)إلى القاعة التي وضعت أساسها جلالة الملكة سنة 1868.
و كان في القاعة حجر منقوشة عليه وصايا موسى النبي (عم)(4)بالقلم الإنكليزي، فترجمها الفقيه باجر إلى سعادة السلطان بالعربي. و فيما كان السلطان يتفقد ما في القاعة لاحت منه التفاتة إلى تمثال الملكة المصمود(5)في الصدر، فسرّ(6)بمشاهدته، و أثنى على مهارة مستر نوبل الذي أتقن نحته.
1) فيزيائي انكليزي( 1816- 1904) يعتبر زعيم الخدمات الصحية العامة تولى عدة أعمال منها المدير المسؤول على الصحة في لندن( 1848- 1855) و مسؤول الحكومة المركزية( 1855- 1876) و نشاطه أدى إلى صدور القانون العام للصحة سنة 1875. فصل: 821/ 10:Simon ,Sir John :N .E .B
2) أ: الخدمات
3) ب: اصطحبوه
4) لم ترد في ب
5) ب: الموجود
6) فاستعرفه و سر
ثم صعد سعادته إلى الرواق الأعلى و هو أضيق من الرواق التحتي، فتعجب السيد من إتقان بنائه المحكم، و من اتساعه(1)الذي يبلغ نحو 900 قدم ونيف، و مع اتساعه(2)و علوه لا يستند سقفه إلى عمد.
ثم سار إلى قاعتي فيكتوريا و ألبرت. فواحدة منهما معدّة للمرضى الرجال و الثانية معدّة للأطفال. و من هناك خرج إلى المنظرة التي تشرف على نهر التيمس و دار البارلمنت. و بعد أن تفقد مخادع المرضى، و رأى ما هي عليه من السّعة و النّظافة و حسن الترتيب سرّ بذلك غاية السّرور، و قال:" ما هذه دار مرضى، بل منازل تباري قصور الملوك!"
ثم التفت واحد من وزرائه إلى مدير المستشفى، و قال له:" لابد من نفقة وافرة للقيام بأعباء هذا المستشفى العظيم". قال المدير في جوابه:" يبلغ دخل الدّار 30000 ليرة في السنة، و كلها تنفق في سبيل اللّه".
و فيما كان السلطان- أعزّه اللّه- مارّا بمخادع المرضى كان المصابون ينظرون إليه بأعين الارتياح و السرور، و روح المحبة(3)تشفّ عن وجوههم التي قد علاها الصفار و شوهها السّقام.
و ما زاد سعادة السلطان سرورا كان ما نظره من أصناف الملاعب التي يحضرها خدّام المستشفى لتسلية الأولاد و الأطفال المرضى، فالتفت السيد إلى سار فرنسيس هيكس، و أثنى على هممه الخيرية، و حسن سعيه في الاستحضار على كل ما يخفف(4)على المرضى و المصابين أثقال أسقامهم، و قال:" لا جرم(5)أن هذه حسنة كبرى عند اللّه(6)".
و من غريب ما اتفق في أثناء ذلك من الحوادث هو أنه ريثما كان السلطان- صانه اللّه- خارجا من المستشفى ليدخل مركبته، و إذا بلوح من الزجاج السميك الذي كان يغطي سقف مدخل المستشفى هبط إلى الأرض و تحطم على درج الباب قبل وصول سعادته إليه.
و كان الباعث على ذلك أن أحد الخدم رغب في أن يرى سعادة السلطان و هو خارج من الباب فقفز من إحدى الطاقات إلى السطح المسقوف بألواح الزجاج ليشرف على مركبة السلطان، فانكسر اللوح من عزم ثقل الخادم، و سقط محطما إلى الأرض. و بلطفه تعالى لم يمسّ سعادته شيء من الخطر في تلك الحادثة.
أصدرت جلالة الملكة فيكتوريا أمرها السّامي باتخاذ مأدبة غناء ملوكية إكراما لسعادة السلطان في قصرها المسمى بوكينكهام(1)
600/ 2:Buckingham ,Palace :N .E .B
. ثم أرسلت كتابا إلى سعادة السلطان تعرض عليه(2)تشريف وليمتها بحضوره. فأجاب السّيد دعوتها بلطف و شكران. و حضر هذه المأدبة الأمير أف ولس ولي العهد و قرينته، و كان في خدمتها السّيدة لادي ايميلي كينكسكت و السيدة الشريفة أستونر و لورد كولفيل و لورد سوفيلد و الشريف وود و ملازم الأميرالاي تيسدال.ثم حضرت أيضا جلالة ملكة نذرلند(3)و في خدمتها البارونيسة الشريفة لمبرج و البارونيسة ديدم و البارون فان سيمونشاف و البارون و يكورلين.
ثم حضر أيضا الأمير كريستين شلسيك هولستين و الأميرة قرينته و كان في خدمتهما القبطان الشّريف ايليوت ولادي(4)سوسان لسلي مليفل الشريفة.
ثم حضرت أيضا الأميرة لويسة ابنة جلالة الملكة فيكتوريا و زوجها الماركيز أف لورن و في خدمتهما لادي صوفيا مكنمارا و الأميرالاي ليندسي الشريف.
ثم حضر كذلك الأميرة دوق أف ايدينبرة ثاني أولاد جلالة الملكة و زوجته الدوقيسة ابنة قيصر الروسية(5)و كان في خدمتهما لادي ماري بطلر و القومندان لورد رمزي.
ثم حضر أيضا الأمير دوق أف كننوت ثالث أولاد الملكة و كان في خدمته القبطان فيزجيرالد.
ثم حضرت أيضا الأميرة غراندوقيسة أف مكلمبرج أستراليز و في خدمتها لادي كارولين كست الشريفة.
ثم حضرت أيضا الدوق الشريف أف تك و زوجته الأميرة الدوقيسة ابنة الملكة.
و بعد هؤلاء الأمراء و الأميرات وصل السيد برغش سلطان زنجبار- أعزه اللّه- و في حشمه حمود بن أحمد(1)و حمد بن سليمان و محمد بن أحمد و ناصر بن سعيد و الدكتور كيرك و الفقيه جرجس باجر و مستر كليمنت هيل.
ثم حضر بعدها أمير لينجن و الأمير سكس و يمر و كونتيسة دونبرج و سعادة ماهرجاه دوليب سنج و زوجته ماهراني و الكونت اكليشن و الكونتيسة زوجته.
و كانت الأميرة أف ولس زوجة ولي العهد لابسة ثوبا من الحرير الأبيض بلون العاج على أطرافه سيور من القطيفة السمراء منضدة بالورد. و كان على رأسها تاج من الألماس(2)و في عنقها قلادة من اللؤلؤ و الألماس. و كانت حاملة على صدرها نيشان فيكتوريا و ألبرت و نيشان كاثرينا ملكة الروسية و نيشان عائلة دانيمركا الملوكية.
و كانت الأميرة شلسيك هولستين مرتدية ثوبا من الحرير الأبيض بلون أغبر، و على أطرافه سيور مزركشة من نسيج بلاد الصين، و على رأسها تاج منضّد بألماس و حجارة لازورد، و في عنقها قلادة من الألماس، و كانت حاملة على صدرها نيشان فيكتوريا و ألبرت،
و نيشان سانت كاثرينا الروسية، و نيشان دولة البورتكيز، و نيشان سكس كوبرج، و نيشان عائلة غوتا(1)الملوكية، و النيشان البروسياني.
و بعد أن اجتمع المدعوون و استوى المحفل باشر المغنيون بالغناء و العزف بآلات الموسيقة، و كان عدد المغنيين(2)و العازفين بالآلات نحو 160 شخصا و نيفا. و كان قد صار انتخابهم من بين أشهر المغنيين بلندن، و كانت موسيقى الملكة في معيتهم.
و هذا فهرس الأغاني التي غنوا بها في تلك المأدبة:
أوّلا: فاتحة الغناء اسمها" شافي شاس".
ثانيا: غناء مزدوج مطلعه" هناك نصافح بعضنا" و كلامه باللغة الإيتليانية(3). غنى به السيد روتا و السيدة زاره. و هو غناء مقتطف من الأوبرا الإيتليانية المعروفة باسم" دون جوفاني(4)".
ثالثا: مادريغال(5)
1127Madrigal :P .R :p .
مطلعها" نرتع في وادي الزهور" و كلامها بالإنكليزي، عنّى بها جمع غفير.رابعا: هوى(6)
43Air :P .R :p .
مطلعه" سعدا لك يا بلاد العرب المحبوبة" غنت به السيدة ترابللى بتيني.و كلام الغناء(7)بالإيتلياني.
1) هي عائلة شهيرة تنسب إلى المدينة الألمانية. فصل: 382/ 5:Gotha :N .E .B
2) ب: المطربين
3) ب: بالإيطالية
4) أ: جوفانني
5) لفظة من أصل إيطالي( 1542) تعني قطعة صوتية موسيقية متعددة الأصوات موضوعها دنيوي. فصل:
6) ترجمة لكلمة(Air ) و هي قطعة موسيقية كتبت خصيصا لصوت واحد مصحوبة بكلمات. فصل:
7) أ: الغنى، ب: المغني
خامسا: مادريغال مطلعها" أيها الملاك اللابس جسما بشريا" غنت به السيدة ادلينا باتي و السيد نيكولينى و كلامها بالإيتلياني.
سادسا: هوى مطلعه" يا ليلة هادية" غنت به السيدة تيسيان باللغة الإيتليانية.
سابعا: هوى مطلعه" نفسها الحزينة" و كلامه باللغة اللاطينية غنى به السيد نيكولينى.
ثامنا: هوى باللغة الإيتليانية مطلعه" الآن أنا وحدي" مقتطف من الأوبرا الإيتليانية المعروفة باسم" فراديافولو" غنت بها السيدة زارا.
تاسعا: مقالة حماسية غنى بها جمع غفير. و كان كلامها باللغة الجرمانية(1).
عاشرا: غناء إيتلياني اسمه برينديزى و مطلعه" السر" مقتطف من الأوبرا الإيتليانية المسماة" لوكراسيا بورجيا" غنت به السيدة حنّه دي بيلوكا.
حادي عشر: غناء اسمه" رومانزا" مقتطف من الأوبرا المسمّاة" لافافوريتا" و مطلعها" لكل هذه المحبة" و كلامها بالإيتلياني غنى به السيد روتا.
ثاني عشر: غناء مزدوج مقتطف من الأوبرا الإيتليانية المسماة" سيميراميدا" (ملكة بابل) مطلعه" يا له من يوم تعيس فقدت فيه حبيبي" غنت به السيدة تيسان و السيدة تريبلى بتتيني.
1) ب: الجرمانية( الألمانية)
ثالث عشر: غناء إيتلياني مطلعه" أيها الطيف اللطيف" غنت به السيدة ادلينا باتي.
رابع عشر: غناء مزدوج مقتطف من الأوبرا الإيتليانية المسماة" ايل تروفاتوري" مطلعه" إذا أشقاك التعب يا أماه" و هو غناء رخيم يحن له قلب الجلمود غنت به السيدة حنه دي بيلوكا و السيدة نيكوليني.
خامس عشر: غناء مثلث الأصوات مقتطف من الغناء المعروف باسم" الزيجة السريّة" و كلامه بالإيتلياني و مطلعه" أحنيت له برأسي تحية و سلاما" غنت به السيدة أدلينا باتي و السيدة زاره و السيدة تريبللي.
سادس عشر: خاتمة الغناء كانت مقامة الدولة البريطانية و كلامها بالإنكليزي مطلعها" اللهمّ احفظ الملكة" عزفت به الموسيقة الملوكيّة بإدارة السيد كوزين.
أما رجال السياسة الذين حضروا هذه المأدبة الشائقة مع حريمهم فهذه أسماؤهم:
سفير الدولة العثمانية موسوروس باشا و ابنته السيدة موسوروس و باقي رجال السفارة العثمانية. ثم سفير دولة أوستريا و المجر و كاتم سرّه و باقي رجال السفارة. ثم سفير دولة جرمانيه و زوجته الكونتيسة ماري مونستر و باقي رجال السفارة. ثم سفير الدولة الروسية و من لاذ به من رجال سفارته. ثم سفير دولة هوندوراس(1)و زوجته السيدة غوتيرس و السيدة بريتشارد و السيدة سيلفا فيررو و باقي رجال السفارة. ثم سفير دولة سالفادور و غواتيمالا و السيدة قرينته.
ثم سفير دولة الدانيمرك و زوجته السيدة دي بوللو و السيدة غوش و باقي رجال السفارة.
ثم سفير دولتي سويد و نروج و البارونيسة هو كشيلد و الكونتيسة استيبوك و باقي رجال السفارة. ثم(2)سفير دولة البيرو و زوجته السيدة غالفز و السيدة المونتى و باقي رجال السفارة. ثم سفير دولة البورتكيز و زوجته دوقيسة سالدنها و الفيكنتيسة دوبرات و السيدة أكويلينان و باقي
رجال السفارة. ثم سفير دولة نذرلند(1)و زوجته الكونتيسة دبيلاند و السيدة رويسنور و معتمد السفارة.
ثم سفير جمهورية البلاد المتحدة(2)و ابنتاه السيدتان شنك و السيدة هوفمان و باقي رجال السفارة. ثم سفير البلجيك و زوجته البارونيسة(3)سولفينس و باقي رجال السفارة. ثم سفير دولة إيران البهية ميرزا ملكم خان و زوجته الأميرة ملكم خان و السيدة داديان و باقي رجال السفارة.
ثم سفير دولة البرازيل و زوجته البارونيسة ديبانيدو و السيدة دي موتا و السيدة الفيكونتيسة دي كاستللو الفو و باقي رجال السفارة. ثم سفير دولة باراكويا(4)و أتباعه. ثم سفير دولة اليابون و رجال سفارته. ثم سفير دولة الاسفنيول و رجال سفارته.
ثم سفير دولة فرنسة(5)و زوجته الفيكونتيسة دي لاطور دوبين و باقي رجال السفارة. ثم سفير جمهورية أرجنتين بأميريكا الجنوبية و زوجته السيدة اليفار و باقي رجال سفارته.
ثم وكيل دولة مملكة هيتيان و وكيل مملكة كوستاريكا. ثم وكيل دولة إيتاليا و زوجته السيدة مرتينو و باقي رجال السفارة. ثم كاتم سر سفارة مملكة اليونان و وكيل السفارة.
ثم الماركيز دازيليو و الكونتيسة ايليونورا والكونت نيسلورد و البارونيسة دي هوجل و البارونيسة باولين دي هوجل و السيد روبرت شنك و البارون غرافينيز و السيد انجلي و البارون
فان سيمونشاف و البارونيسة ليمبورج و البارونيسة ديدم و البارون و يكورلين و السيدة سكوبوليف و ابنتها.
ثم حضر هذه الوليمة الشائقة لورد كارينس و زوجته لادي كارينس و لورد لفتينانت و السيدة دوقيسة ابركرن ولادي جيورجينا هميلتن و الجنرال لورد استراثنيرن و كان حاملا عصا من ذهب في خدمة الملكة و ملازم الأميرالاي ايوارت حاملا عصا من فضة في خدمة الملكة.
ثم حضر أيضا رئيس أساقفة كنتربري و يورك و ارماغ و دبلين. و حضر أيضا دوق ريشمند و دوق نورفك و دوق ويلينكتن و دوق روكسبرغ و دوق بكلش و دوق اركيل و دوق بوفورت و دوق بدفرد و دوق منجستر و دوق مارلبروه و دوق نورثمبرلند و دوق سانتالبانس و دوق سثرلند و دوق غرافتن.
و حضر من الدوقيسات(1)الشريفات دوقيسة رشمند و دوقيسة ويللنكتن و داوجر أثهول و دوقيسة ركسبرغ و دوقيسة بكلش و دوقيسة أرجيل و دوقيسة بوفورت و دوقيسة بدفرد و دوقيسة منجستر و دوقيسة مارلبره و داوجر مارلبروه و دوقيسة نورثمبرلند و دوقيسة سانتالبانس و دوقيسة سثرلند.
ثم حضر الماركيز سالصبرى و زوجته المركيزة. ثم المركيز انكلازي و زوجته المركيزة. ثم المركيزباث و زوجته المركيزة. ثم المركيز كونينهام و زوجته المركيزة.
ثم المركيز دروغيدا و زوجته المركيزة و المركيز هرتينكتن و زوجته المركيزة. ثم المركيز لوثيان و زوجته المركيزة. ثم المركيز اورمند و زوجته المركيزة. ثم المركيز سليجو و المركيزة ورشستر. ثم المركيز ايلى و المركيزة و ترفرد و المركيزة ايليسبري و المركيزة لويسة و اتفرد و المركيزة داوجر هنتلي.
1) ب: الدوقات( و نلاحظ أن المحقق يكتبها في المفرد: دوقة)
ثم حضر من جملة الشرفاء ارل ملمسبرى وارل داربي وارل بوشامب وارل برادفرد وارل هر دويك وارل برسي وارل شروسبرى وارل اررول وارل دنمور وارل جرزى وارل رودن وارل مونت شارلس وارل مكلسفيلد وارل مورتن وارل امهرست وارل بسبوروه وارل شارلمونت وارل اكلارندن وارل كوبر وارل كرافن وارل دلكيث وارل دارتموث وارل دارتري وارل دنبيه وارل ديفن وارل ددلي وارل دفرين وارل درهام وارل أفينكهام وارل ايلجن وارل فيتزوليام وارل جاللوى وارل جراي وارل هاروبي وارل هوم وارل كنمار وارل ليفن و مرفيل وارل لنجفرد وارل مورلي وارل نورمانتن وارل رافنسورت وارل روسالين وارل شفيلد وارل اسبنسر وارل ستير وارل سترافورد وارل استراثمور وارل سيدني وارل تنكرفيل وارل فيرولام وارل و ستمرلند وارل زنتلند وارل لنسدل.
و حضر المأدبة من جملة السيدات الشريفات الملقّبات بالكونتيسات الكونتيسة مالمسبري و الكونتيسة دربى زوجة لورد داربي و الكونتيسة بوشامب و الكونتيسة برادفرد و الكونتيسة هارويك و الكونتيسة برسى و الكونتيسة شروسبرى و الكونتيسة كاليدن و الكونتيسة اررول و الكونتيسة كنسبوره و الكونتيسة مونت ادكم و الكونتيسة مايو و الكونتيسة دنمور و الكونتيسة مونت شارلس.
ثمّ الكونتيسة مكفيلد و الكونتيسة مورتن و الكونتيسة ابردين و الكونتيسة امهرست و اشبرنهام(1)و بسبروه و كلارمونت و كوبر و كرافن و دالكيث و دارتموث و افنكهام و فيتزويليان و كاللواى و جراى و هوم و كنمار و ليفن و ملفيل و لنغفرد و الداوجر مورلى و تورمنتن و الداوجر روسى و روسلين و كربروه و شفيلد و اسبنسر و استير و استرافرد و استراثمور و سيدني و تنكفيل و فيرولام و وستمرلند و زتلند و لنسلد.
1) نلاحظ توقف استعمال اللقب في بقية الفقرة
ثم حضر أيضا هذه الوليمة بعض من السادات الشرفاء الملقبين باسم فيكنت. منهم الفيكنت برينكتن و زوجته و الفيكنت هاوردن و الفيكنت بريدبرت و زوجته و الفيكنت ايفرسلي و الفيكنت كنتربري و زوجته و الفيكنت انفيلد و زوجته و الفيكنت هاليفكس و زوجته و الفيكنت نيوبورت و زوجته و الفيكنت نيوري و الفيكنت استراسفرد و زوجته و الفيكنت سدلى و الفيكنت والدن و زوجته و الفيكنتيسة كليفدن و شيوتن و فوربس و استرانغفرد.
و من جملة الأساقفة حضر أسقف كارايل و أسقف ايلى و أسقف هر فرد و أسقف ليشفيلد و أسقف اكسفرد و أسقف روشستر و أسقف و ينشلستر.
و من جملة البارونيسات حضرت السيدة البارونيسة بردة كوتس المشهورة بالكرم و السخاء و الثراء.
و من جملة اللوردات حضر لورد تندردن و هنري سمرست و اسكلمرسديل و ابركمبي و شرشل و سفيلد و كولفيل و لورد ادورد كافانديش و متشن و ابردار و آشلى و بلفيد و شارلس بروس و والنر كمبل و كاريو و كارينكتن و اكلنتن و كتستول و بيبلاكوير و دنمان و ذيتابلي و دوغلاس و ابيوري و اجرتن و اليوت.
ثم لورد ازلنكتن و اوثر فيتز جيرالد و فيتز هودينج و جرافيل و همند و هذرلى و هوارد و لرجان و ميدلتن و نورثويك و اوهاجن و بنرهنن و بنزاز و ارجن و ريدسدل و رندلشام و شارلس رسل و سلبرن و ونلوك و ولفرتن و روتسلى و لندسبروه.
و من جملة السيدات الملقبات بلقب لادي حضرت الوليمة لادي مركريت سيسيل ولادي نورثكوت و غوردن لينوكس و لادي جوهر مانرس وادرلي و لوسي هيكس بيش، و غيرهن لا حاجة إلى ذكر أسمائهن، و كان عددهم 185 سيدة.
و من جملة السادات الشرفاء و الوزراء حضر الوليمة لورد بيكنسفيلد و كان اسمه يومئذ مستر ديزرائلي، و غيره كثيرون بلغ عددهم 85 رجلا، لا حاجة إلى ذكر أسمائهم مفصّلا.
و من جملة السيدات الملقبات بلقب" هونورابل" حضر منهنّ 57 و لا حاجة إلى ذكر أسمائهن بالتفصيل.
و من جملة السادات الملقبين(1)بلقب" سار" حضر سار سلوين ايبتسن و سار ماللت و مالنس و هول و هوكر و جنز و جرالد واوين و ارمسترونج و هوج و كلند و بنرمن و بشنان و بكستن و جراى اكرتن و غوش و هولند و جمس و كرسلك و نيتلى و لوك و مليس وارمسدن و سار داود ساسون ووين و كريسي.
و من جملة السادات الملقبين بلقب" بارون" حضر البارون ديست و الباورنيسة زوجته. ثم البارون دي روشيلد أغنى الناس مالا و زوجته البارونيسة.
و من جملة زعماء الدين الملقبين بلقب" ديان" حضر الوليمة ديان سانتبول و ديان و ستمنستر و ديان ونزر.
و من جملة القسيسين(2)حضر الوليمة قس برش و قس بروثيرو و القس لورد اونيل و القس لورد جون ثين و القس ليك اونسلو و القس باسيل بوبوف و القس جرجس باجر الفقيه.
و من جملة السادات و الحائزين رتبة دكتور حضر الوليمة اكلند و الدكتور كيرك.
و من جملة الأعيان و الرجال الممتازين حضر الوليمة نحو 27 مع حريمهم.
و من جملة نساء الأعيان حضر الوليمة نحو 52 سيدة أغفلنا(3)ذكر أسمائهن خشية الملل.
و من جملة بنات الأعيان و الأكابر العازبات حضر الوليمة 52 ابنة و لا حاجة لذكر أسمائهن.
و من جملة الحائزين رتبة" قبطان" حضر لورد كليفرد قبطان عمارة الدولة البريطانية الملوكية، و القبطان نلسن و القبطان دويل و القبطان كلين و القبطان هود و القبطان اولدفيلد.
ثم حضر أيضا القومندان لورد رامزى.
و من جملة الحائزين رتبة" جنرال" حضر الوليمة 26 جنرالا ضربنا صفحا عن ذكر أسمائهم.
و من جملة الحائزين رتبة" كولونيل" (أميرالاي) حضر 25 منهم مع الماجيور إسترلينك و بيكرد و أرمسبى و القبطان شين و فيس و كمبل و غوست و غيرهم(1).
و دامت الوليمة نحوست ساعات و بعد اختتامها انصرف الجميع إلى منازلهم بسرور و حبور.
1) - أ: و لا غيرهم
خرج السيد برغش- أعزه اللّه- في بعض من حشمه يريد زيارة لورد ماير حاكم لندن.
و كانت هذه أول زيارة رسمية زار بها قلب المدينة مركز الأشغال و التجارة.
و كان في معيته خليله حضرة جرجس باجر الفقيه و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل.
و كان وصولهم إلى دار الحكم وقت الظهر في 25 جون (20 جمادى الأولى).
و كان على باب دار الحكم الفرقة 93 من جنود استكلندة(1)مصطفة في سلام سعادته تحت قيادة الماجيور(2)نينتنغال في درج الدار.
و لما دنا السيد من باب القاعة استقبله مستر وين كاتم سرّ حاكم لندن و مستر وينزر حامل سيف الحكم و الماجيور كي حامل قضيب الملك و الماجيور كمبل مشير لندن، و أدخلوا سعادة السلطان إلى قاعة الاستقبال الرسمية.
و في دخوله نفخت الجنود بالأبواق تسليما على سعادته و ترحابا بقدومه. فلما سمع السيد صوت تلك الأبواق التفت إلى خليله جرجس باجر الفقيه، و قال له و هو يتبسم:" قد ذكّرتني هذه الأبواق بما سمعته مرارا في زنجبار".
و كان في قاعة الاستقبال لورد ماير و زوجته والدرمن و الشريف إيليس و مستر شريفشو و الشريف ايلليوت و الشريف سدويك. و بعد أن سلّم السيد على حاكم لندن، و أظهرا سرورهما من مشاهدة بعضهما بعضا عرض حاكم لندن على سعادته أن في نيّة عمدة مدينة
لندن أن يقدم لسعادته عرضا في 22 جولاي (تموز)(1)في قاعة كيلد هول و أن لورد ماير نفسه يريد أن يتخذ(2)لسعادته مأدبة في دار الحكم، و يطمع في أن يشرّف بحضوره إليها. فأجاب السلطان دعوته بلطف و شكران، و أثنى على مكارمه العميمة.
ثم صافحه و انصرف بسلام.
بعد خروج سعادة السلطان من دار الحكم قصد الفرجة على بنك أف إنكلند المحاذي دار الحكم. فلمّا دخل إليه استقبله مدير و البنك، و ساروا به يفرّجونه على ما في البناء من النقود و الخزائن و الذهب و الفضة و النحاس. فأدخلوا سعادته أولا إلى قاعة طبع أوراق البنك، فسرّ السيد غاية السرور بما رأى فيها من الأوائل التي كانت تطبع أوراق بنك بقيمة خمسة ليرات (باون) و أوراق بقيمة عشرين روبيّة لحكومة الهند.
و لفرط سروره بتلك الأوائل الغريبة التركيب أخذ السيّد يستقصى في أحوالها، و يستفهم من مدير البنك عن تفاصيلها باعتناء شديد، فأخذ المدير يشرح لسعادته عن أحوال تلك الأوائل بتفصيل.
ثم ساروا بسعادته إلى قاعة عدّ النقود، و هناك عرضوا على سعادة السلطان أن يوقّع اسمه الشريف على ورقة بنك بمبلغ 1000 ليرة. فتناولها السيد، و كتب فيها اسمه الكريم بخطّه. ثم سلّمها إلى مدير البنك. فتناولها المومأ إليه و شكر لسعادته ذلك.
ثم دخل السيد قاعة وزن الذهب و النقود، و رأى فيها آلة صغيرة عجيبة التركيب تزن الليرات من تلقاء ذاتها و تفرّق الليرات الناقصة من الكاملة. ثم ترمي بالناقصة إلى جهة و الكاملة إلى جهة أخرى.
و من غرائب هذه الآلة أنها تقف بضع ثوان عندما تزن الليرة لإتقان عيارها، فالتفت السيد- أعزه اللّه- إلى خليله جرجس باجر الفقيه و قال له و هو يمزح:" أرى هذه الآلة كأنها تفتكر عندما تزن الليرة لتتحقق ثقلها قبل طرحها إلى جهة من الجهتين".
و كان على الخوان(1)كومة من الليرات مهيأة للوزن. فالتفت واحد من حشم سعادة السلطان، و سأل مدير البنك:" ما قدر هذا الذهب المتكدس على الخوان؟" قال له المدير في جوابه:" يبلغ نحو 40000 ليرة". فتبسم السّائل، و قال:" هذا يوازي ما تملكة يديّ من المال".
ثم ساروا بسعادته من هناك إلى قاعة أوراق البنك و الصّكوك الكائنة في كهف تحت الأرض. و في دخول سعادته إلى هذه الخزنة عرض مدير البنك عليه أوراق بنك قدرها مليون ليرة (باون)، و فرّجه أيضا على كومة أخرى من أوراق البنك بمبلغ ملايين من الليرات ممّا يدهش العقل.
ثم أدخلوا سعادته إلى قاعة أخرى من قاعات ذلك الكهف كان فيها صندوق من حديد كبير الحجم. ففتحه المدير. فرأى السيد فيه صرّات عظيمة من الذهب. فتناول المدير منها صرّة و سلّمها لسعادته. فتناولها السيد، و قال:" كم في هذه الصرة من النقود؟" قال المدير:" ألف ليرة". فتبسم السلطان و قال:" ما حاجتنا بمشاهدة غير هذا الصّندوق، فليأخذ كل منا صرّة و يخرج و هو خير فرجة و غنيمة!".
و كانت أشغال البنك سائرة على مألوف العادة بدون أن يحصل توقيف فيها حين كان السلطان يتفقد أحوال البنك و مخادعه. و كان الناس قد اجتمعوا من كل فج عميق إلى ساحة البنك يريدون مشاهدة سعادته. و كان حرّاس البنك ساهرين على حفظ الهدوء و الترتيب و منع القلاقل و الازدحام.
هذا ما كان من سعادة السيد و فرجته على بنك إنكلند.
1) ب: الجانبين
أما ما كان من أحوال هذا البنك فنقول: إنّه أعظم بنوك(1)الدنيا و أوفرها غنى(2)و مالا و هو خزنة العالم بأسره. و أعظم أغنياء البشر شرقا و غربا يستودعون رؤوس أموالهم و فضلات دراهمهم في هذا البنك.
أما بناؤه العظيم فهو على طبقة واحدة و تحته أقبية و كهوف صخرية و يشغل من الأرض مسافة ثلاثة فدادين. و طول واجهته الجنوبية تبلغ نحو 120 ذراعا و الغربية 140 ذراعا و نيف.
و في هذا البناء مخادع شتّى للمديرين و المتوظفين و الكتبة و غيرهم، و ثمانية أروقة فسيحة.
و قد شادوا هذا البناء بهندسة محكمة من صخر أصمّ، لا تؤثر فيه النار إذا عرض عليه حريق(3). أما قاعة الصرافة، أو دفع النقود، فهي فسيحة جدا و موضوع في صدرها تمثال الملك غليوم الثالث بهذا الاسم. و في أعلى هذه القاعة وضعوا سنة 1812 ساعة كبيرة عجيبة التركيب و الأوائل(4)و لها ستّ عشرة مينا(5)، و كل مينا مصمودة(6)في مخدع من مخادع البنك على بعد و معزل عن آلة الساعة. و قد وصلوا بين دواليب الساعة و بين كل مينا بسلك كهربائي يبلغ طوله 225 ذراعا و نيفا، فتنقل الكهربائية(7)حركات دواليب الساعة إلى المخادع المصمودة(8)فيها المينا، و تدير(9)العقارب على ساعات الوقت بضبط و إحكام لا يعتريه خلل.
أما القبو الصخري فهو تحت قاعة الدفع، و قد جعلوا فيه صندوقا عظيما من الحديد يسمونه (المخدع المنيع) يحفظون فيه الذهب و الفضة و الدراهم الموضوعة أمانة في هذا البنك، و هي في مكان أمين لا خوف عليها من سارق ينقب، و لا نار تحرق. و ينزلون إلى هذا القبو كما ينزل حفارو المعادن إلى قلب الأرض في جبّ عميق. و الى جانب هذا القبو أقبية أخرى فيها قضبان و أقراص من فضة و ذهب لضرب الدراهم. وقبو آخر فيه أوراق بنك لم تخرج بعد إلى أيدي الناس. وقبو آخر فيه أوراق بنك قد دفعت قيمتها، و لكنها تحفظ هناك عشر سنين قبل أن تحرق.
أما أشغال البنك فهي تحت إدارة رئيس عام و نائبه. و تحت أيديهم 24 مأمورا. و لا يلبثون في تلك الوظائف أكثر من سنة و في ختامها ينفصلون. و تنتخب الحكومة خلافهم. و لا يسمح لمن يوظف في إدارة هذا البنك أن يتعاطى(1)تجارة أو مصلحة أخرى لخاصّته(2)، أو يتاجر في أوراق البنك أو الحوّالات أو خلافها، بل يفرض عليهم أن يقنعوا(3)بما لهم من الرّاتب لمعاشهم.
أمّا رأس مال هذا البنك فكان في بداية أمره 1200000 ليرة (باوند) و لكن من تاريخ سنة 1816 قد بلغ 14606500 ليرة.
ثم خرجوا بالسيد من البنك، و ساروا به إلى دار السكة التي تضرب فيها الدراهم. و في ذهابهم كان الشعب يتقاطر أفواجا ليرى سعادة السلطان، و كانوا إذا رأوه حيّوه بأشرف تحيّة و سلام. و لما وصل إلى دار السكة خرج إلى لقائه مستر فريمنتل مدير (دار) السّكة و معاوناه مستر روبرتس و مستر هيلن و أدخلوه إلى أماكن الشغل. ثم طلبوا إليه أن يدوّن اسمه الشريف في سجل الزوار حسب العادة، ففعل.
ثم ساروا به إلى أتون النار حيث يصهرون الذهب و الفضة و باقي المعادن. و أخرج الفعلة بوتقة كبيرة فيها من النحاس المصهور، و أفرغوها في القوالب المعدة لها أمام سعادته. ثم انتقلوا من هناك الى مكان سكب قضبان الفضة و الذهب توطئة(1)لسكّ الدراهم و الدنانير. ثم ساروا إلى مكان قطع القضبان أقراصا في شكل صحائف مستديرة استعدادا لضربها ليرات، و ضرب الزّنجير على دائرها(2). و كانت الآلة تضرب، ثمّ تطبع 600 ليرة في برهة دقيقة من الزمان. ثم ذهبوا به إلى مكان ضرب الشلينات و دراهم النّحاس، فرآها، و سرّ بطريقة شغلها، و عملها غاية السرور.
و بعد أن فرغ السيد من الفرجة على كل ما كان يستحق النظر إليه، شكر لمدير السكة و أعوانه حسن مكارمهم و صافحهم، و ودعهم. و خرج بحشمه إلى مرسى المراكب حيث صرف بقية نهاره في الفرجة على حسن الميناء و مرساها و ترتيبها. ثمّ عاد مسرورا غانما إلى قصره.
اليوم السادس و العشرون من شهر جون (حزيران) (21 جمادى الأولى) كان السيد برغش في منزله، فقدمت عليه عمدة جماعة المرسلين، و في مقدمتهم لورد شيشستر.
و كانت العمدة مؤلفة من الشريف آرثور كينرد من أعضاء مجلس النواب و مستر هابيل سميث من أعضاء مجلس النواب و مستر هولت من أعضاء مجلس النواب و سار فاول بكستن و القبطان الشريف ماود و القسّ المحترم ريط و مستر ادورد هتشنسن كاتم سر الجمعية و غيرهم.
و كان في معية سعادة السلطان الدكتور كيرك و جرجس باجر الفقيه و مستر كليمنت هيل.
فنهض لورد شيشستر، و تلا خطابا باللغة الإنكليزية ترجمه إلى العربية الفقيه جرجس باجر إلى سعادة السلطان. و هذا ملخص ذلك الخطاب.
قال:" قد أنشأت جماعة المرسلين مدارس و منازل لتهذيب الزنوج في سواحل أفريقية الشرقية منذ أربعين سنة و أكبر مراكزها في جزيرة ممباسا على مسافة مائة ميل من جزيرة زنجبار.
و لها مركز آخر في أصل البرّ على مسافة نحو 30 ميلا من الساحل".
" و قد اقتصر هؤلاء المرسلون على تعليم الزنوج و تهذيبهم، و لم يتعرّضوا إلى العرب و المسلمين. و واحد من هؤلاء المرسلين اسمه ربمان قد برع في إتقان لغة الزنوج حتى صار كواحد منهم في لهجة اللسان و أوسعهم علما في جوامع الكلام. و الثاني منهم الدكتور أكراب قد نبغ في سياحته في قارة أفريقية و اكتشف فيها أمورا مهمة في فنّ الجغرافية. و قد ذكر سار
بارتل فرير في مخابراته مع الدولة البريطانية المحفوظة في" كتاب الدولة الأزرق(1)
297/ 2:Blue Book ,The :N .E .B
" عن سعي هؤلاء المرسلين في تهذيب الرقيق المعتوقين و تعليمهم واجبات الانسانية في ظل ظليل سعادة السيد برغش سلطان زنجبار و ما يليها"." و قد ذهب المرسل ابرايس من ناصيق إلى ممباسا لينشئ محلا يأوي إليه الرقيق المعتوقون، و قد أخذ معه سبعة رجال ليساعدوه في هذا العمل المبرور. و قد عوّلوا على تعليم أولئك الرقيق المعتوقين صناعة الحراثة و الزراعة و باقي الصنائع اللازمة لقيام المعيشة و نجاح التمدّن".
" و قد وعدت هذه الجمعية جلالة الملكة أن يعتني أولئك المرسلون بتهذيب(2)جميع الرقيق الذين يسلّمون لعنايتها، و أن يعلموهم جميع الصنائع اللازمة عفوا(3). ثم كان حاكم ممباسا أن تعرض للمرسلين و أنكر عليهم قطعة من الأرض طولها نحو مسافة ميل كان يحتاج إليها المرسلون لإنشاء مدرسة. و لكن لمّا عرض الدكتور كيرك هذه المسألة على سعادة السيد برغش أمر السيد بأن يرسل خبرا إلى حاكم ممباسا أن لا ينغّص على المرسلين، و لا ينكر عليهم شيئا مما يحتاجون إليه. و بحسن مساعي السيد زالت جميع المصاعب".
" و لم يقتصر سعادة السلطان على هذه المكارم، بل أمر أن تعفى- من المكوس و الضرائب- جميع الأمتعة و البضائع التي يستجلبها المرسلون من أوروبا إلى بلاده لحاجة المدارس و لوازم المرسلين. و لهذا حقّ على هذه الجمعية أن تشكر لسعادة السلطان هذه المكارم العميمة، و تطلب إلى الحق- سبحانة و تعالى- أن يطيل عمر سعادته بالإقبال و العزّ".
" ثم لا يخفى على ذوي الألباب أن نطاق التجارة قد اتسع غاية الاتساع منذ عني السيد- أعزه اللّه- بتحرير الرّقيق و إبطال تجارتهم من بلاده. و الدليل على ذلك واضح: فان بلد لاغوس(1)
101/ 7:Lagos :N .E .B
لم يكن فيها تجارة أصلا لمّا كان النخّاسون يتردّدون إليها بالرقيق. و من بعد إبطال تجارة الرقيق صار يدخل إليها و يخرج منها أموال بقيمة مليون ليرة كل سنة".انتهى ملخصا.
فلمّا اطّلع السيد برغش على فحوى هذا الخطاب كتب في جوابه رقعة بالعربي ثم ترجمها جرجس باجر الفقيه إلى اللغة الإنكليزية، و عرض على العمدة المذكورة أمر سعادته.
و لمّا كان جواب سعادة السلطان غير حاضر لدينا في أصله العربي، اقتصرنا على ترجمته من الإنكليزى إلى العربي، و أثبتناه في هذا الباب و هذا ملخصه:
" أيها السادات العمدة الكرام قد سررنا غاية السرور بالعرض الذي قدمتموه لنا و بترحابكم بوصولنا إلى بلادكم السعيدة، فنسأل الحق- سبحانه و تعالى- أن يسبغ عليكم و على جميع المحسنين إنعامه و يجزل ثوابكم".
" و أمّا نحن فلا يخفى علينا سعيكم الحسن و غيرتكم في إصلاح شأن الرّقيق الذين قد سعينا في تحريرهم، و مازلنا نسعى جهدنا بعونه تعالى. أما تقديمكم الشكران لنا على مساعدتنا المرسلين في بلادنا فهو حسناتكم الجميلة، فإنّ ما فعلناه، إلى الآن، و ما سوف نفعله في المستقبل بعونه تعالى، فهو لوجه اللّه الكريم، و عسى يكون ذلك حسنة عند(2)اللّه جل جلاله، و عمّ نواله، و هو حسبنا، و نعم الوكيل.
حرّر في محروسة لندن في 26 جون 1875
(الإمضاء)
السيد" برغش بن سعيد"
و في أثناء ذلك نهض شيشستر و قدّم إلى سعادة السلطان كتابا مموّهة حواشيه بمحلول الذهب يحتوي على خرائط رسم الأرض، فتناولها السيد منه بشكر جميل و لطف أثيل. ثم قدّم له (رئيس)(1)عمدة المرسلين كتابا نفيسا يحتوى على أخصّ لغات الزنوج الخاضعين لملك سعادته، فحاز أيضا حسن القبول في أعين السيد، أعزه اللّه و أبقاه.
و بعد ذلك نهض رجال العمدة و تصافحوا مع سعادته، و انصرفوا.
1) أضفنا هذه الكلمة حتى يستقيم المعنى، لأن كلمة" عمدة" تعني الأشخاص المعتمدين، أي لجنة.
الباب السادس و العشرون(1)في فرجة السلطان على معبد" وستمنسترأباي"(2)
607/ 12:Westminster Abbey :N .E .B
بعد انصراف عمدة المرسلين خرج السيد وقت الظهر يريد الفرجة على معبد اسمه" وستمنسترأباي". فلما وصل إليه خرج إلى استقباله زعيم الدين ديان استانلي. و هو لابس ثوبه الرسمي في زي تلامذة مدرسة اكسفرد. و كان في رفقة سعادته أخصّاءه: السيد حمود بن حمد و السيد محمد بن حمد و السيد ناصر بن سعيد و الشيخ محمد بن سليمان و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. أما الفقيه جرجس باجر فلم يكن- هذه المرّة- في رفقة سعادته. و كان الدكتور كيرك يترجم للسلطان ما مسّت إليه الحاجة.
فساروا بسعادته في أروقة المعبد و صحنه، و صاروا يتفرّجون على ما فيه من النقوش و حجارة القبور و تماثيل ملوك الإنكليز القدماء و الرجال الأدباء و العلماء و الأفاضل، و شاهدوا فيما بين هذه التماثيل تمثال الفاضل فوكس و ويلبرفرس(3)و قبر داود ليفينكستون(4)الذين ضحوا بحياتهم لإبطال تجارة الرّقيق في أفريقية. و فيما كان السيد يجول في صحن المعبد لاحت منه التفاتة إلى مجموع صور كانت معلقة على جدران المعبد فنظر إلى واحدة منها و تعرّف عليها فهي فوتوغراف جبل موسى (طور سينا).
1) أ: الباب" الرابع و العشرون"، و هو خطأ
2) كنيسة في ضاحية لندن الكبرى أسستها الملكة اليزابات الأولى سنة 1560، و وراء تأسيسها أسطورة. فصل:
3) وليام( 1759- 1833) رجل سياسة قضى حياته في العمل على استصدار قوانين تبطل تجارة الرقيق. و قد صدر فعلا قانون سنة 1833 بعد وفاته بشهر. فصل: 654/ 12:Wilberforce ,William :N .E .B
4) استكلندي( 1813- 1873) مستكشف و منصرّ في البلاد الأفريقية. فصل:
ثم فى ختام الفرجة غنّى المغنّون مقامة الدولة البريطانية على دقات موسيقى الأرغن، و خرج السيد من المعبد بعد أن لبث برهة من الزمان أمام تمثال شكسبير الشّاعر الإنكليزي(1)
690/ 10:Shakespeare ,William :N .E .B
.هذا ما كان من فرجة سعادة السلطان.
أما ما كان من أمر هذا المعبد، و أصل تاريخ بنائه، و ما طرأ عليه من الحوادث و التقلبات فقصّته غريبة تستحقّ الذكر في هذا المقام. فنقول:" أنشئ هذا المعبد في القرن السابع للميلاد أي في صدر الاسلام. ثم ردم. ثم جدّد بناءه الملك ادورد الكنفسر الملقب" بالمعترف"(2)
374/ 4:Edward ,Saint Edward ,The Confessor :N .E .B
في أواسط القرن الحادي عشر(3)للميلاد. ثم عني بتوسيعه و زينته باقي الملوك الذين خلفوه. منهم: هنري الثالث(4)بهذا الاسم، و ادورد الثاني(5)بهذا الاسم، و ادورد الثالث(6)بهذا الاسم، و ريشارد الثاني(7)بهذا الاسم، و ريشارد الثالث(8)بهذا الاسم، و هنري السابع(9)بهذا الاسم، و هنري الثامن(10)بهذا الاسم.و هندسة بناء المعبد غوتية، على شكل صليب محرابه نحو الشرق و بابه نحو الغرب. و قد شادوا فوق باب المعبد برجين عاليين بهندسة غوتية غير صادقة، و هى أقرب إلى هندسة يونانية.
1) وليام( 1564- 1616) شاعر انكليزي، و مسرحي و ممثل، يعرف بشاعر الإنكليز القومي، و يرى بعضهم أنه أعظم شعراء الزمان له آثار عديدة منها: هملت( 1600) عطيل( 1605) الملك لير( 1606). فصل:
2) عاش بين( 1003- 1066) و حكم إنكلترابين( 1042- 1066). فصل:
3) أ، ب: الثاني عشر، و الصحيح ما أثبتنا.
4) عاش بين( 1207- 1272) ملك إنكلترا( 1216- 1272). فصل: 837/ 5:Henry III :N .E .B
5) عاش بين( 1284- 1327) ملك إنكلترا( 1307- 1327). فصل: 375/ 4:Edward II :N .E .B
6) عاش بين( 1312- 1377) ملك إنكلترا( 1327- 1377). فصل: 376/ 4:Edward III :N .E .B
7) عاش بين( 1357- 1400) ملك إنكلترا( 1377- 1399). فصل: 43/ 10:Richard II :N .E .B
8) عاش بين( 1452- 1485) ملك إنكلترا( 1461- 1483). فصل: 44/ 10:Richard III :N .E .B
9) عاش بين( 1457- 1509) ملك إنكلترا( 1487- 1509). فصل: 839/ 5:Henry VII :N .E .B
10) عاش بين( 1491- 1547) ملك إنكلترا( 1509- 1547). فصل: 840/ 5:Henry VIII :N .E .B
و هذا خلل جعل هندسة البرجين لا تطابق هندسة بناء المعبد بتمامه. و أجمل جهة من بناء هذ المعبد جهته الشمالية المسماة" باب سليمان" (عم)(1).
أما داخل هذا المعبد فلا اعتبار له عند العلماء و العقلاء و أرباب الفنون، لأنه ذو تعاريج لم تتقن صناعة الهندسة في بنائها. فمنها ضيّقة، و منها واسعة على غير نظام، و منها واطية السقف. و الحيطان مغطاة بتماثيل و حجارة منقوشة منها بالقلم اللاطيني. و منها الإنكليزي.
و جميعها بلا ترتيب و لا ذوق في فنّ الهندسة و الزينة. و ليس فيها نوافذ و طاقات كافية لملعب(2)الهواء و تغييره، و هذا يجعل مناخ المعبد سقيما رطبا ذا عفونة تسبّب صداعا في الرأس لمن يبقى في ذلك المعبد مدة قصيرة من الزّمان. و يبلغ طول هذا المعبد من الشرق إلى الغرب نحو 140 ذراعا و عرض رواقه من 25 إلى 61 ذراعا و علو سقفه عن الأرض 31 ذراعا.
لا يخفى على من له إلمام بأحوال(1)بلاد الإنكليز أنهم قوم يحافظون على عوائد جدودهم، و يتمسكون بها غاية التمسك. فكان قدماء الإنكليز قد قسّموا أهل الحرف و الصنائع على أصناف، و كان لكل صنف لجنة و رئيس بمنزلة شيخ يتولى أمرها.
و كان السمّاكون صنفا من هذه الأصناف. و كان شيخ هذا الصنف مفوضا من الحكم أن ينزل كل يوم إلى سوق السمك، و يتفقد أحوال السمك قبل أن يعرض على البيع. و كان من واجباته أن يختار أحسن السمك و يرخّص ببيعه. و ما لا يستحسنه كان يأمر بحرقه و إتلافه. و كان أعضاء صنف السمّاكين يقيمون مأدبة شائقة كل سنة يحضرها جميع باعة السمك و أصحابهم.
و كان رئيس اللجنة أو شيخها يعطى لكل من حضر المأدبة علبة مملوءة من الحلوى ليأخذها معه إلى امرأته دلالة على أنه قد صرف ليلته في تلك المأدبة، و ليس في شيء آخر يسوء امرأته.
أما الآن فرؤساء لجنة بيّاعي السمك قد جمعوا أموالا وافرة، و صاروا من أغنياء بلاد الإنكليز و أكبر تجارها، و اتخذوا لهم أعوانا يرسلونهم إلى السوق ليتفقدوا أحوال السمك المعروض للبيع، و يسبروا صالحه من فاسده. و مازال هؤلاء السماكون على عوائد جدودهم يتخذون مأدبة شائقة(2)كل سنة، يحضرها أكابر المملكة و شرفاؤها و أمراؤها، و تارة أولاد الملوك و بناتهم أيضا.
و لما كان السيد برغش- أعزه اللّه- بلندن اتخذ هؤلاء السمّاكون المأدبة المألوفة. و كلّفوا إلى سعادة السلطان أن يشرّف تلك الوليمة بحضوره إليها. فأجاب السيد طلبتهم(3). و فيما هم
على السّفرة نهض شيخ الأصناف، و رفع كأسه، و كلّف المدعوين أن يشربوا كأس الهناء بسرّ سعادة السلطان، فنهض الجميع، و حبّذوا السيد ثانيا و ثالثا، و شربوا اقداح الصفاء، و هم يدعون لسعادته بطول العمر و الإقبال. و في أثناء ذلك أو عز السيد إلى خليله جرجس باجر الفقيه أن يشكر لرئيس اللجنة و للحاضرين على مكارمهم. فنهض الفقيه المومأ إليه و خطب خطبة و جيزة قال فيها ما ملخصه:
" أيها السادات الأماجد قد أو عز إليّ السيد أن أشكر لكم عن لسان سعادته، و أقول إن تذكار هذه الوليمة لن يبرح من باله عمره بطوله. و قد أحيط علما بأن لجنتكم هذه قديمة عهد، قد ذكرها أكبر شعرائكم شكسبير الخنذيذ(1)، و أنكم قد عانيتم كل العناء في توسيع نطاق التجارة البريطانية شرقا و غربا. و لكن يأسف السلطان كل الأسف على أنّ مساعيكم الحميدة لم تصل بعد إلى بلاده السعيدة. و لهذا يطلب إلى عمدة هذه اللجنة القابضين على زمام تجارة واسعة في الممالك البريطانية أن يصرفوا عنان العناية إلى إدخال أسباب التجارة إلى بلاده أيضا، و هو لا يقصّر عن مدّ يد المساعدة لهم في كل ما تمسّ إليه الحاجة لتوسيع نطاق الحضارة في أفريقية".
فلما قال الفقيه المومأ إليه هذا حبّذه جميع السامعين.
ثم استتلى كلامه(2)و قال:" لا يخفى على سعادة السيد أن تجّار الإنكليز أصحاب همة عالية. يقتحمون جميع المصاعب. و يخوضون البحار. و يطوفون القفار. و يحملون أسباب الحضارة و التجارة إلى أقاصي الأرض بأسرها. و لهذا له ثقة تامة بهمتكم- أيها السادات العمدة الكرام- أن تسعوا في نجاح تلك البلاد التي جعلها الحقّ- سبحانه و تعالى- تحت ولاية سعادته و تبذلوا الهمّة في إصلاح شأن أولئك الناس الخاضعين لصولجان حكمه".
و لما نطق الفقيه بهذا الكلام قاطعه الحاضرون و قالوا:" حبّذا! حبّذا!"
ثم بعد ذلك ببرهة، نهض سار بارتل فرير، و خطب خطبة و جيزة في مدح سعادة السلطان، و فيما أجراه من الإصلاح في مملكته و عتق(1)الرقيق و الاعتناء(2)بترقي أحوالهم و تهذيبهم، و قال من جملة ما قال هذا السار الشريف:
" إذا قابلنا حالة زنجبار مع حالة بلاد الإنكليز رأينا أن سعادة السيد برغش- أيده اللّه- قد فاق الإنكليز في مساعيه الحسنة من جهة عتق الرقيق. فإن الدولة البريطانية صرفت سنين عديدة و دراهم وافرة قبل أن تمكنت من عتق الرقيق الذين كانوا في مستعمراتها و لم تنجح مساعيها و تفوز بوطرها إلا منذ بضع سنين فقط. و الشيوخ الذين ما زالوا أحياء منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا يشهدون لنا بما عانته الدولة البريطانية من التعب و المصاعب في تحرير الرقيق في البلاد التابعة لها. أما السيد برغش- أيده اللّه- فقد نجح في إلغاء تجارة الرقيق و عتقهم في بلاده في برهة قصيرة من الزمان، و إن قاسى مشقات عظيمة. و مع هذا كله لم يكن تحت أمر سعادته أموال وافرة و ذهب و ضاح مثلما كان تحت أمر الدولة البريطانية. فلا جرم(3)إذا كان لسعادة السيد برغش فضل عظيم في هذا الأمر أكثر من الدولة البريطانية القوية بالمال و الرجال".
" وزد على هذا كله أن سعادة السيد- صانه المولى- عرف حقّ المعرفة بحذق عقله الراجح أن ما تطلبه منه الدولة البريطانية فيما يختص(4)بإبطال تجارة الرقيق كان من أصعب الأمور و أشدها خطرا على ملكه. و كان جميع رجال دولته يرون في اقتراحات الدولة البريطانية خراب بلادهم. أما السيد- صانه اللّه- فصمم على الانقياد إلى اقتراحات الحكم الإنكليزى عليه، و فضّل خسارة المال و احتمال المشقات على خسارة صداقة الدولة البريطانية التي كان هو وجدوده الكرام قد عنوا غاية العناية في اكتسابها. بعد كل هذه المصاعب و المشقات، مازال
هذا البطل الهمام و السيد القمقام(1)محافظا على عهوده، و مكملا و عوده، و منصرفا إلى العناية باصلاح شؤون رعاياه، و توسيع نطاق الحضارة في بلاده. و إذا أردتم- أيها السادات الحاضرون في هذا المحفل- أن تتأكدوا صدق مقالي، اسألوا الدكتور كيرك قنصل جنرال دولة بريطانيا الحاضر بيننا، و هو يسرد على أسماعكم كلّ ما أجراه السيد برغش من الإصلاح في ملكه.
فرفع الحاضرون أصواتهم جميعا، و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي سعيدا سلطان زنجبار المعظم!".
ثم استأنف(2)سار بارتل فرير كلامه، و قال:" إن السيد برغش لم يقتصر فقط على إجراء شروط المعاهدة التي عقدها مع الدولة البريطانية، بل قد بذل وسعه تلبيا في إبطال تجارة الرقيق من أصل البرّ أيضا(3). فمن كان متصفا بصفات السيد برغش الحميدة، و أتى مدينة لندن أكبر مدن الدنيا، لا بد من أن يرحّب بقدومه كل انكليزي يحبّ العمران، و يعرف مقام هذا السلطان، و يثني على مساعيه الخيرية ما تلألأ الفرقدان و تعاقب الملوان".
ثم أردف سار بارتل فرير في كلامه، و قال:" أيها السادات الكرام، انظروا إلى هذا الشيخ المهيب الجالس عن يمين سعادة السلطان، و هو الشيخ حمد(4)بن سليمان كبير وزراء السيد برغش و أعظم مشيريه و اسألوه: ما ذا كان رأيه في بادئ الأمر لما اقترحت الدولة البريطانية على سعادة السلطان إبطال تجارة الرقيق؛ فإن هذا الشيخ الجليل لما أحيط علما بهذه الاقتراحات استصعبها و حسبها علة خراب المملكة و سبب خسارة عظمى له و لجميع أغنياء بلاده لأنه صاحب أراض واسعه و عقارات وافرة، و كان مستوليا على عدد غفير من الرقيق
يحرثون أراضيه، و يزرعونها، و يجمعون غلالها. فلما ورى(1)بأنّ الدولة البريطانية تريد إبطال الرقيق و تحريرهم. زعم أن ذلك سيترتب عليه خراب دياره لا سمح اللّه. و لكن لمّا رأى ما آلت إليه بلاد زنجبار من الصلاح و النجاح عقيب(2)إبطال تجارة الرقيق قال: ما كنت أظن أن تضحى عاقبة هذا التغيير حميدة و مفيدة كل هذه الإفادة!"
" و الآن(3)ما بقي لنا سوى أن نطمع في همة و عناية تجار الإنكليز من أصحاب الثروة و الغنى(4)أن يقصدوا بلاد زنجبار بأموالهم الوافرة و ينشئوا فيها بيوت تجارة واسعة: فإنها أحسن بلاد أفريقية موقعا، و أغناها محاصيل، و أخصبها تربة. و فيها مرافئ عديدة أمينة للسفن و المراكب، و يقصدها أكبر تجار بلاد الهند و غيرها. و لها وال حكيم ذو همّة عالية، و رأي سديد، يسهر ليلا و نهارا على نجاح بلاده، و خير رعاياه. و لا خير في حاكم لا يشابه سعادة السيد برغش في الحزم و العزم. فلله درّه من حاكم عادل، و وال كامل! خلّد اللّه ملكه على دعائم المجد و الإقبال ما تعاقبت الأيام، و توالت الأجيال!"
و في ختام هذا الخطاب هتف جميع الحاضرين بصوت الحبور و قالوا:" حبّذا! حبّذا السيد برغش سلطان زنجبار! فليحي منصورا بالعز و الفخر! آمين".
و في أثناء ذلك ختمت الوليمة في سرور و حبور و خرج السلطان بحشمه يريد منزله بعد أن ودع عمدة لجنة السماكين و زعماءها. و في الغد أرسلت(5)العمدة إلى سعادة السلطان والى كل من كان معه في الوليمة صناديق مملوءة من الحلوى حسب عادة لجنة السماكين القديمة التي أسلفنا ذكرها.
الباب الثامن و العشرون(1)في حضور سعادة السلطان وليمة لورد داربي
أقام لورد داربى الذي كان وقتئذ وزير الخارجية مأدبة شائقة اكراما لسعادة السيد برغش. ثم طلب(2)إلى سعادته أن يشرّف تلك الوليمة بحضوره. فأجاب السلطان- أعزه اللّه- طلب لورد داربي بلطفه المعهود. و شرّف المأدبة بحضوره، و معه ثلاثة من رجاله الأخصاء و الفقيه جرجس باجر و مستر كليمنت هيل.
و لما بلغ دار الوليمة خرج إلى لقائه لورد داربي، و رحب بقدومه. ثم أدخله الدار، فنهضت زوجته لادي داربي، و سلّمت على سعادة السلطان، و رحّبت بتشريفه منزلها العامر.
و بعد نهاية العشاء قدم كثيرون من الشرفاء و أصحاب المناصب إلى دار لورد داربي ليحظوا بمشاهدة سعادة السلطان و يستأنسوا بلطفه.
و كان من جملة من حضر تلك الليلة جلالة ملكة نذرلند(3)و حشمها و موسوروس باشا سفير الدولة العثمانية و سفير دولة أوستريا(4)و سفير دولة جرمانيا(5)و سفير دولة هندوراس و زوجته السيدة غوتيارز و الصبية بريدشارد و سفير دولة دانيمرك و زوجته و السيد دي بوللو و سفير مملكة البلجيك و زوجته البارونيسة دى سولفينس و سفير دولة الاسفنيول و السيد جافرد سفير دولة فرنسا و سفير جمهورية سان سلفادور و زوجته الدوقيسة أف سلدنها. و وكيل دولة ايطاليا و زوجته السيدة مرتينو و سفير دولة يابون و السيد فيس الفيكنت و زوجته الفيكنتيسة دي كاستللوالفو و البارونيسة دي هوجل و البارونيسة باولينا دى هوجل. ثم قدم أيضا إلى
الوليمة دوق أف نونورذ مبرلند و الدوقسية أف بيدفرد. ثم السيدة لادي روسل و الدوقيسة زوجة دوق أف ويلنكتن و المركيز تافيستوك و المركيز أف لنسدون و السيدة لادي ايملى فيتزموريس وارل كمبردن وارل ستار و السيدتان دالريمبل و غيرهم كثيرون من أعيان الإنكليز و شرفائهم. و يبلغ عددهم نحو 200 نفس و نيف و كان من جملتهم أيضا لورد بيكنسفيلد و مستر جلادستون و المركيز صالسبرى و غيرهم و كانت ليلة حافلة شائقة.
و في ختام الوليمة انصرفت جلالة ملكة نذرلند. ثم خرج بعدها السيد برغش بحشمه و عاد إلى منزله سالما غانما. و خرج في أثره لورد داربي إلى المركبة و شيّعه بلطف و وداد لا مزيد عليها.
عقدت الجمعية الجغرافية الملوكية محفلا حافلا فى 29 جون (حزيران) (24 جمادى الأولى) اكراما لسعادة السيد برغش أعزه اللّه. و كان الماجيور جنرال سار هنري رولنسن يرأس هذا الاحتفال العظيم، و حضره عدد غفير من الأعيان و العلماء و الأدباء و السيدات المخدرات.
و في الساعة التاسعة و النصف قدم السلطان و في معيته الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك. و عند دخوله قاعة الاجتماع حبّذه(1)جميع الحاضرين في ذلك المحفل، و حيّوه بأصوات الحبور و السرور، و استقبله رئيس الجمعية و معاونه بإكرام لائق بسعادته و أجلسوه في أرفع منزلة.
ثم حضر أيضا هذا المحفل سفراء سلطان مراكش السيد عبد اللّه فنيش و الحاج عبد الرحمن قومندار(2)طنجير(3)و السيد عبد السلام العريشى من أركان حرب سلطان مراكش.
ثم حضر ايضا سفير دولة يابون و في معيته باقي رجال السفارة. ثم حضر لورد هوطن و سار رثفرد الكوك و الأميرال كولينسن و الجنرال ريكبي و سار جيورج بوين حاكم فيكتوريا و الدكتور كاربنترن و غيرهم كثيرون لم نذكر(4)أسماءهم جميعا خشية الاطالة و الملل.
و بعد أن جرت مفاوضات علمية في الاكتشافات الجغرافية في قطب الأرض الشمالي، و في أواسط أوستراليا(1)
1245/ 3:Australie G .E
الغربية نهض الماجيور جنرال سار هنري رولنسن، و خطب خطبة و جيزة، قال فيها ما ترجمته ملخصا:" أيها السادات الكرام يرحب بقدوم سعادة السيد برغش إلى هذه البلاد جميع(2)سكان لندن العظمى و لكن يحق على أعضاء هذه الجمعية الجغرافية الملوكية أن ترحب بقدومه أفضل ترحاب حال كون سعادته عضوا من أعضاء هذه الجمعية، و قد شرّفها هذه الليلة بحضوره السعيد و قد صرف عنان العناية(3)بمساعدة جميع السياح الذين أرسلتهم هذه الجمعية للسياحة في أفريقية، و اكتشاف خبايا تلك القارة الواسعة".
فلما سمع هذا الكلام جميع الحاضرين رفعوا أصواتهم بسرور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي سلطان زنجبار!"
ثم استتلى(4)سار رولينسن خطابه، و قال:" لو لا عناية السيد برغش و مساعدته لما تمكنت هذه الجمعية الجغرافية من ارسال مدد و نجدة و مؤونة إلى رجالها السائحين في داخل قارة أفريقية". فهتف الحاضرون ثاني مرة بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي السيد برغش الكريم عمرا مديدا!"
ثم مضى الخطيب في كلامه، و قال:" لا يخفى عليكم- أيها السادات- أن صلات الحبّ و الوداد بين زنجبار و بريطانيا كانت من عهد أجداد السيد الكرام: ففي بدء القرن التاسع
عشر عقدت الدولة البريطانية عهدة ودادية(1)مع حكام تلك البلاد، و من ذلك العصر إلى الآن مازال أولادهم و أولاد أولادهم إلى عهد هذا السيد الشريف الحاضر بيننا يحافظون على صداقة الدولة البريطانية". فأعاد الحاضرون أصوات التحبيذ ثالثا و رابعا.
ثم استكمل الخطيب كلامه، و قال:" إن السيد برغش- أعزه اللّه- لم يقتصر على تمهيد السبيل إلى مصالح الإنكليز السياسية في بلاده فقط، بل قد عني غاية العناية(2)في توسيع نطاق الحضارة و التجارة في مملكته السعيدة، و راعي ذمام الإنكليز و قبل، بتمام القبول، اقتراحات الدولة البريطانية فيمانيط بإبطال تجارة الرقيق من بلاده. و لهذه البواعث كلها حقّ علينا- نحن معشر الإنكليز- أن نثني على همم هذا السلطان الجليل، و أنه لفرض واجب على(3)هذه الجمعية الجغرافية التي قد تشرفت بحضور سعادته أن تشكره على هذه المنة العظيمة".
" و ما زاد هذه الجمعية امتنانا هو: لا جمعية سواها قد حصلت على شرف يوازي شرفها الحالي، فإن سعادة السلطان برغش- أعزه اللّه- قد اقتصر على أن يكون عضوا من أعضاء الجمعية الجغرافية وحدها فقط. و قد حصر هذا الشرف كله في جمعيتنا الملوكية". فضجّ السامعون بأصوات الحبور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! للّه در هذا العضو الشريف! و سعدا لهذه الجمعية فقد حازت ملء العز و الشرف!"
ثم طلب سار رولنسن إلى الجنرال ركبي الذي كان سفير الدولة البريطانية سابقا في زنجبار أن يتلو على أسماع الحاضرين ما شاهده في زنجبار من مساعي السيد برغش الحميدة و ما في بلاده من الخيرات و الخصب و الفلاح. فنهض الجنرال ركبي، و أخذ يشير إلى سعة مملكة زنجبار و حدودها كما كانت مرسومة في خريطة رسم الأرض المعلقة على جدار القاعة. و قال:
" إن لزنجبار أهمية عظمى في الحال و الاستقبال لنجاح أفريقية كلها، فإنّ هذا كله منوط بإرادة السيد برغش، وقاه اللّه. و من دون حسن إرادته لا يتيسر لأحد أن يبادر لاصلاح تلك القارة و تهذيب قومها. وزد على ذلك أن أراضي زنجبار لا مثيل لها في خصب التربة على سطح البسيطة بأسرها. و أول من عني في ادخال الاصلاح و التمدن في زنجبار كان والد(1)السيد برغش المغفور له. و لما كان الولد سر أبيه حذا السيد برغش حذو والده و أفرغ همته في إكمال ما كان قد باشره والده المغفور له".
" و مما لا قدرة لنا على إنكاره هو أنّ بلاد الإنكليز في احتياج عظيم إلى بعض محاصيل زنجبار، فإنها أعظم بندر في الدنيا لتجارة العاج (سن الفيل)، و لتجارة القرنفل، و الصمغ، و السكر، و القطن، إلى غير ذلك. و لنا أن نقول قولا لا يخشى عليه من منكر أن غلال زنجبار و تجارتها لا حدّ لها و لا نهاية. و الأنهر التي تسقي أراضيها قد عني بتعميقها، و صارت تصلح لسير السفن. و قد صرف السلطان- أيده اللّه- همته إلى فتح الطرقات في داخل الجزيرة لتسهيل الأسفار و نقل الأموال. و لنا ثقة تامة في همم سعادته العلية ألا يألو جهدا في(2)إتمام ما باشر من أجل خير المملكة، و نفع العالم أجمعين". فهتف حينئذ جميع الحاضرين، و قالوا:" أيد اللّه سعادته السيد سلطان زنجبار! و حفظه في عين الدنيا طويلا ليرى بعينيه نجاح بلاده و رسوخ ملكه على دعائم العزّ و الإقبال! آمين".
ثم أوعز سعادة السلطان إلى حضرة باجر الفقيه أن يشكر لأولئك السادات لطفهم و مكارمهم. فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" قد أوعز إليّ السلطان أن أعرب لكم- أيها السادات الكرام- عمّا في نفسه من الشكر الجميل لأفضالكم. و لكن قلت له: إن من عادتنا- نحن معشر الإنكليز- إذا أراد خطيب أن يخطب في قوم، و كان بينهم من السيدات الكريمات، وجب عليه أن يوجّه خطابه أوّلا إلى السيدات قبل الرجال، فما رأيك أيها السلطان في هذا
الأمر؟ هل أستسنّ بسنّة أهل المشرق الذين يفضلون ذكر الرجال على النساء أم أحذو حذو الإنكليز في ذكر السيدات قبل الرجال؟ فقال لي السيد بحذقه و ذكائه المعهودين:" أ نحن في الشرق أم في بلاد الإنكليز؟ أما يجب علينا أن نستسنّ بسنّة القوم الذين نحن مقيمون في بلادهم؟ فوجّه خطابك إذا- أيها الفقيه- أولا إلى السيدات. ثم أردفهن بذكر الرجال، فنكون مثل باقي الناس و لا بأس". فلمّا سمعت ذلك السيدات الحاضرات في المحفل رفعن أصواتهن بسرور، و قلن:" حبّذا! حبّذا سيّد اللطفاء و سلطان الظرفاء!"
ثم طفق الفقيه المومأ إليه يخطب، و استهل خطابه بذكر السيدات، و قال:" أيتها السيدات الكريمات، و أيها السادات الكرام: قد أثّر مديحكم- غاية التأثير- في نفس سعادته و لم ينس عمره بطوله ما إسديتموه إليه من الثناء و الترحاب بالتحبيذ و التبجيل و قال: لو كانت كل جوارحه لسانا لما قام حقّ(1)القيام بتقديم الشكران على أفضالكم الأثيلة، و لو لا ضيق الوقت لكان أوعز إليّ أن أطيل الخطاب في الردّ على ما أبديتموه نحو سعادته من التعظيم و التفخيم". قال هذا و طأطأ برأسه إكراما للحاضرين ثم جلس.
ثم نهض رجل من أعضاء الجمعية الجغرافية، و قال:" قد بلغ مسامع أعضاء هذه الجمعية أن أهالي زنجبار يقتلون الأفيال عند قنصها ليخرجوا أسنانها و باقي عظامها و يتاجروا بها. و كان حقهم أن يستحيوا(2)الأفيال عند قنصها و يستخدموها في مهمات العيشة بعد قلع أسنانها".
فترجم الفقيه باجر كلام ذلك الخطيب لسعادة السلطان. فقال السيد في جوابه بحذق و ذكاء:" قل أيها الفقيه لحضرة الخطيب: أن اللّه سبحانه و تعالى لا يسأل مخلوقا عن شيء لا يعرفه، و لا يطالبه يوم الدين بأمر لم يدر طريقة عمله بصواب. و نحن معشر الافريقانيين لا نعرف طريقة قنص الأفيال دون قتلها، فليأت هذا الخطيب البارع إلى أفريقية و يعلمنا طريقة
قنص الفيل و قلع أسنانه و إخراج عظمه للتجارة و لعمل الأواني العاجية من دون قتله. و إن اعترض علينا، و قال:" إن الإبقاء على(1)الأفيال خير من التجارة بأسنانها و عظامها"، قلنا له:" حرّم أوّلا على أمتك اتخاذ العاج قلما(2)للتجارة، فتكسد سوقه، و يكف الإفريقانيون عن قنص الأفيال و قتلها". فلما ترجم الفقيه باجر كلام سعادة السلطان و أملاه على رؤوس الحاضرين أفرطوا من الضحك و السرور، و هتفوا بأعلى أصواتهم، و قالوا:" نعم الجواب ما أجاد به السيد برغش الهمام! فإن وجد الناس طريقة سهلة جديدة لقنص الأفيال، و استخراج عظامها دون قتلها، تمكنوا من استخدام الأفيال بمنزلة عجلات و مركبات لنقل الأموال عليها.
و لكن هيهات! فإن إخراج عظم حيوان، و الإبقاء على حياته ضرب من المحال". فقهقه الحاضرون ضحكا من ذلك.
و لما فرغوا من الضحك استأنف سار رولنسن كلامه، و قال:" أيتها السيدات المصونات، و يا أيها السادات الكرام، قد حقّ علي أن أطلب اليكم أن ترفعوا أصواتكم، و تدعوا لسعادة السلطان بطول البقاء و الإقبال، و تشكروا لسعادته تشريفه هذا المحفل الشائق بحضوره الجليل.
و بما أنه عازم على الإياب إلى أوطانه السعيدة عن قريب بالسلامة يجب على كل من حضر هذا المحفل، و على كل من افتخر بكونه إنكليزيا أن يشيع سعادته بسلام، و يصحبه بقلبه و عواطفه و حبه إلى زنجبار، و يتمنى له و لملكه تمام النجاح و الإقبال. آمين".
و في أثناء ذلك نهض السيد برغش في حشمه و صافح زعيم المحفل سار رولنسن و باقي رجال عمدة الجمعية. و انصرف إلى منزله سالما غانما و ذكر ذلك المحفل العلمي مطبوع في صحائف فؤاده اللبيب.
الباب الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأسلحة في ويليج(1)
من دخل معمل الأسلحة في ويليج كأنه دخل معامع الحروب بعينها. فانه يشاهد في عرصة المعمل مدافع ضخمة منها مشققة و منها مكسورة و منها معطلة من كثرة الاستعمال.
و هذا المشهد المكرب يذكّره بانكسار الجيوش، و هزيمة عددهم و أوائل(2)دفاعهم و دمار ديارهم. و لكن متى توغل المرء في مخادع المعمل رأى هناك أوائل ضخمة تعجز عن تحريكها جبابرة نمرود(3)فتحركها قوة البخار العظيمة، و تصهر المعادن في بوتقة ضخمة تحاكي حوضا من نار. ثم ترفعها من الأتون بكلاليب عظيمة ثم تسبكها في قوالب معدة لها(4)في قلب الأرض. ثم تخرج من بطونها مدافع عظيمة الحجم لا تتفرقع، و دواليب متينة لا تتكسر، و أسلحة جهنمية لا تقهر. و كل هذا الشغل العظيم يتولى أمر إدارته الكولونل كمبل و الكولونل فيلد و الماجيور متلند و أعوانهم.
و كلما ازدادت الأمة البريطانية اقتدارا ازداد معمل أسلحتها كبرا و اتساعا. و كان هذا كله غير خاف على إدراك سعادة السيد برغش. و كان يود أن يرى بعينيه ما قد أدركه بعقله الراجح.
فأظهر رغبته في الذهاب إلى ويليج لمشاهدة عجائب معمل الأسلحة المقدم ذكره.
و لما درى(1)قوم من الأعيان أن سعادته السلطان عازم على الذهاب إلى ويليج سبقوه إلى هناك طمعا في أن يشاهدوا سعادته. و انتخبوا لأنفسهم محلات تمكنهم من مشاهدة سعادة السلطان بسهولة. و لما كانت الساعة الثانية بعد الظهر وصل السلطان في حشمه إلى معمل الأسلحة و كانت فرقة من الجنود مصطفة على باب مسبك المدافع في سلام سعادته. ثم خرج لورد يوستاس سيسيل و الماجيور جنرال سار ادى مدير المعمل و الكولونيل كمبل و الماجيور متلند و مستر كينك و لاقوا سعادة السلطان بالترحاب و السرور، و كان في معيته وزراؤه و حضرة باجر الفقيه و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل و أدخلوهم إلى قاعة الاستقبال.
و بعد أن استراح السيد و حشمه برهة من الزمان، ساروا به إلى أماكن الشغل فدخلوا أولا مخدعا واسعا كان فيه حديد مخروط معدّ لعمل المدافع و أخذ المدير يشرح لسعادة السيد عن طريقة استحضاره. و لما كان السيد- أعزه اللّه- ممن يحب الصنائع و الفنون سرّ غاية السرور بكل ما كان يسمعه من المدير. ثم خرجوا من هناك و دخلوا الحجرة التي فيها المطرقة العظيمة التي يحركها البخار بقوة خمسين طن (طولوناطة)(2). و كانت هذه المطرقة المهولة ترتفع، و تنحط بقوة ترتج من تحتها الأرض، و تطرق أنبوبا محمّى(3)بالنار، معدّا لعمل مدفع ثقله واحد و ثمانون طنا. و كان ذلك أعظم مدفع عمل في الدنيا. و كانت المطرقة تنقضّ عن علو 12 قدما بخفة و سرعة على ذلك الجبل المعدني الخارج من أتون النار المتأججة انقضاض الصاعقة على جبل من مغناطيس، مع أن ثقلها كان نحو أربعين طنا. و كانت كمّاشة (كلّبتان) من حديد معلقة في الهواء بأوائل(4)تديرها قوة البخار، يبلغ كبرها 50 ضعف كماشات القدماء. و كانت هذه الكماشة تقبض على أنبوب المدفع من تلقاء ذاتها، و تقلبه تحت ضربات المطرقة لإتقان هندامه.
ثم صعدوا(1)بسعادة السيد و رجاله إلى مكان عال كانوا قد أشادوه من الخشب المدهون بألوان و نقوش شرقية لما زار ذلك المعمل قيصر الروسية. و من علو هذا المكان كان السيد و رجاله يتفرجون على طريقة صهر المعادن و سبكها و تطريقها و هندامها. و فيما كان الناس واقفين ينتظرون بدء الشغل- و لم يشاهدوا شيئا سوى مطرقة مهولة، و كماشة عظيمة، و سندان ضخم- إذا بباب الأتون فتح، و انبعث منه لهيب جهر العيون كأنه برق أومض من كبد السحاب. و اندفعت حرارة شديدة من قلب الأتون خالها المتفرجون جبلا من نار قد انفجر و هاج في وجوههم حتى اضطروا إلى ستر أعينهم و وجوههم من شدة سعيرها مع أنّهم كانوا على بعد مسافة ثلاثين ياردة من الأتون. و لكن ما الحاجة بالحضور إلى هذا المعمل الجهنمي إذا كان الناظر يغمض عينيه و يستر وجهه و لا يرى ما قد أتى لمشاهدته؟. فلا بد إذا من كشف الوجوه و فتح العيون، و إن تلظت بالحرارة، و شاطت أهداب العيون بتشعع اللهيب المنبثق، و تجعد الرأس و اللحى(2)من أجيج النار.
و بعد هنيهة رأوا الكماشة المعلقة في الهواء قد دفعتها قوة البخار إلى قلب الأتون. ثم قبضت على جبل من الحديد المحمر احمرار الجمر المتقد و أخرجته من الأتون، و وضعته على السندان الضخم، و كان الهواء المحيط بهذه الكتلة العظيمة من الحديد يتأجج ملتهبا. و إذا بالمطرقة العظيمة هبطت على ذلك الجبل الناري من علو 12 قدما (فوت) و صارت تطرقه طرقا متواترا بقوة تتزعزع لها الجبال. و مضى الطرق مستديما عليه حتى تندمج مسام ذلك الحديد، و يتهندم شكله، و يستحيل مدفعا متقونا و معدا لهلاك الأبرياء من عباد اللّه.
فلما رأى السيد- أجاره اللّه- ذلك المشهد المهول، قال لحشمه:" هلمّوا بنا إلى الصلاة: فقد انفتحت في وجوهنا أبواب جهنم و نارها، و العياذ باللّه منها".
ثم ساروا بسعادة السيد من هناك إلى مكان خرط الحديد، فأخرج العملة(1)قضيبا من حديد محمّى(2)، طوله نحو ثلاثة أقدام، و سمكه نحو أربعة أقدام مربّعة، و ركّبوه على المخرطة حالا، و صارت الآلة تدور بقوة البخار، و تخرط القضيب بسرعة تكاد تخطف البصر، و بسهولة غريبة كأنها تخرط قضيبا من الحطب، و كانت الشرارات تتطاير منها تطاير البرق من قلب الغمام، و تملأ الهواء المحيط بها كأنجم تتناثر في ليلة دهماء.
ثم ساروا بسعادة السلطان إلى مخزن المدافع. فشاهد فيها أصنافا كثيرة كبيرة: منها عيار كلته(3)تسعة طولونات، مركّب على دواليب عالية. و منها ما كان عياره 25 طنا. و منها ما كان عياره(4)ستة عشر طنا. فتعحب السيد و من كان معه من تلك الأسلحة المهلكة لبنى آدم التي قد أفرغت فيها العقول الذكية ما عندها من البراعة بحجة التمدن و ما ذاك لعمري إلا أقصى درجة من التوحش قد جمّله الطمع البشري برداء التمدن و التقدّم! و كان خيرا لو يفرغ المرء قوى عقله في اختراع أوائل(5)للعمران، و يزهد فيما يهلك الإنسان و الحيوان. و لكن طبع المرء أقرب إلى الشر من الخير.
فلما نظر السيد- أعزه اللّه- إلى تلك المدافع و الكلل و القنابر و التوربيد و غيرها من الأسلحة المهلكة(6)قال متبرءا:" العياذ باللّه من شرها و شر الشيطان الرجيم! ولي ثقة بكم- يا معشر الإنكليز- أن لا تستخدموا هذه الأوائل المهلكة بحجة الغزو و الطمع في إهلاك الأبرياء، و إنما تتخذونها لصيانة الملك و حماية الضعيف و نجاة المظلوم". فلما ترجم كلام سعادة السلطان إلى الحاضرين بالإنكليزي صفقوا بأيديهم علامة السرور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! نعم المقال!".
ثم خرجوا من هناك، و دخلوا بسعادته إلى معمل البواريد(1)و المكاحل. و كانت رايات جميع الدول منصوبة على سطحه، وراية الدولة الزنجبارية تخفق بينها. و كانت درج المدخل مفروشة برايات الدولة البريطانية، فسار السيد و حشمه، و مشوا فوقها.
و لما دخلوا المخدع رأوه مزينا بالأسلحة و المكاحل، فقال واحد من حشم السيد:" إني أرى هذا المكان كأنه بارجة حربية!" فقال السيد:" و قد طرقني هذا الفكر بعينه". ثم خرجوا من هناك و ساروا إلى مخزن عدد الخيل و سروجها و ما نيط بها. و كانت كلها موضوعة بترتيب حسن و نظام جميل يرتاح إليه الناظر. و فيما كان السيد سائرا في صحن ذلك المخدع كان نحو مائة نفس من الرجال و النساء و الأولاد مصطفين عن يمينه و شماله(2)فلاحت منه التفاتة إلى بعض من البنات الصغار و كن لابسات ملابس بيضاء زادتهن حسنا و جمالا فوقف السيد- أعزه اللّه- و التفت إلى من كان إلى جانبه، و أشار بيده إلى الفتيات، و قال:" يا للعجب كل العجب اني أرى ملائكة السلام تجول في عرصات الحرب، و هي آمنة، لا خوف عليها". ثم طلب السيد بلطفه المعهود أن يحضروا إليه أولئك الفتيات، فأحضروهن إليه. و كنّ على جانب عظيم من الحشمة و الأدب و التهذيب، و أخذت كل منهن تصافح يد سعادته بيدها اللطيفة(3)، و تسلّم عليه بلغتها الإنكليزية، و ماء الملاحة يقطر من شفتيها العذبتين(4)، فتبسّم السيد في وجههن بأنس و سرور، و دعا لهنّ بطول العمر و الإقبال. فشكرن سعادته لطفه و على ما حزن من الشرف العظيم(5)من لدن مكارمه. ثم انصرفن إلى أبويهنّ و هنّ يطربن فرحا(6).
ثم خرجوا بالسيد من هناك، و أدخلوه مخدعا كانت فيه مدافع الميتراليوز(1)و هي مدافع مركبة من أنابيب عديدة، فأحضروا إلى سعادته واحدا من هذه المدافع ليراه. فلما نظر إليه تعجب، و قال لحضرة باجر الفقيه:" من كم أنبوب مؤلف هذا المدفع؟" قال الفقيه في جوابه:
" مؤلف من أثنتي عشر أنبوبا. و من الغرائب أن واحدا من أهالي أشانتي(2)لما رأى هذا المدفع وقت حرب الإنكليز مع الأشانتيين يئس من القتال و ذبح نفسه مخافة أن يقع قتيلا بإطلاق ذلك المدفع". قال السيد:" لا عجب في ذلك: فإنّ الموت البارد خير من الموت المحرق".
ثم ساروا بالسيد من هناك، و أخذوا يفرّجونه على بقية حوانيت الصنائع و النجارة و الحدادين و السرّاجين و الخراطين و بقية الأوائل(3)اللازمة لعمل العدد و المهمات الحربية. فسرّ السلطان من مشاهدتها لشدة حبّه الصنائع و عمل الأوائل، و قد أنشأ لنفسه معملا لها في زنجبار. ثم بينما كانوا مارين بحانوت خراطة سلك الحديد عرض واحد من الحاضرين جانبا من خراطة الشريط المبروم على سعادة السلطان فنظر اليه، و قال، و هو يتبسم:" هذا يصلح أن يكون ضربا من الأسوار". ثم أوعز إلى واحد من حشمه أن يحافظ على تلك الخراطة تذكارا لزيارته معمل الأسلحة.
و دامت تلك الزيارة نحو ساعتين من الزمان و لما فرغوا من الفرجة شكر السيد برغش- زاده المولى لطفا- لمدير معمل الأسلحة مكارمه. و استعذر(4)له المدير عما عاناه من المشقة في تلك المدّة. ثم صافحه و ركب مركبته و سار في حشمه يريد منزله العامر. فخرجت الموسيقة
1) هو سلاح آلي يسمح بإطلاق الرصاص بصفة مستمرة أو متقطعة على الإنسان و المدرعات الخفيفة. و قد ظهر في القرن 15 م في شكل أنابيب متعددة تطلق النار في وقت واحد، و في القرن 18 تم صنعه من أنبوب واحد عند ما تم اكتشاف الخرطوشية الدوارة. فصل: 8052/ 13:Mitrailleuse :G .E .
2) هم شعب جنوب غانا بمحاذاة بلاد الطوغو و ساحل العاج، كانت له إمبراطورية، دخل في حروب مع بريطانيا سنة 1824 انتهت بالاستعمار. فصل: 20- 619/ 1:Aschanti :N .E .B
3) ب: الأدوات
4) ب: اعتذر
العسكرية في إثره، و هي تعزف بمقامة الدولة البريطانية، و أطلقت له الجنود 21 مدفعا علامة الوداع. ثم رافقته كتيبة من الجنود الشرفية إلى ظاهر مدينة ويليج. ثم رجعت.
و عاد السيد- أيده اللّه- مسرورا إلى منزله و تذكار ما شاهده في نهاره مطبوع في عقله.
رسم صورة المركيز صالسبري
أولم المركيز صالسبري وليمة شائقة لسعادة السيد برغش في 30 حزيران (جون). و دعا السيد(1)و رجال سعادته أن يحضروها فأحاب السيد دعوته بلطفه المعهود. و كان من جملة الذين حضروا الوليمة برفقة سعادته السيد حمود بن أحمد و السيد حمد بن سليمان و السيد ناصر بن سعيد و حضرة باجر الفقيه و حضرة الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل.
و كان المركيز صالسبري دعا أيضا إلى تلك الوليمة صاحب الدولة موسوروس باشا سفير الدولة العثمانية و لورد شانسلر و زوجته لادي كرنس و دوق أف بوكينكهام و السيدة المركيزة ريبون و لورد داربي و الكونتيسة زوجته و لورد سلبرن و زوجته لادي سلبرن و السيدة لادي مرغريت بومنت و الشريف جلادستون و زوجته و مستر ديزرايلي و سار بارتل فرير و زوجته و سار سيمور فيتزجرلد وديان و سمنستر و مستر برسفرد هوب و مستر الدرسن و كان على سفرة الطعام 28 نفسا.
و كانت المركيزة صالسبري تفرغ جهدها في إكرام سعادة السلطان و رضاه و كانت ليلة حظ و صفاء سر بها سعادته غاية السرور. و في أثناء العشاء شكر السلطان- أعزه اللّه- المركيز صالسبري على مكارمه العميمة و انصرف بسلام.
1) أ: و كلف اليه و إلى رجال
قد أضحت زيارات سعادة السيد برغش بلندن مما تتداوله الرواة و تسجله(1)صحف التاريخ لنفع الخلفاء. أما سعادته فقد اطلع حق الإطلاع مدة إقامته بلندن على أحوال هذه العاصمة التي لا مثيل لها في الكبر على وجه الأرض، و عرف عوائد الإنكليز و اصطلاحات هيئاتهم الاجتماعية و ما هم عليه من التمدن و الاستقامة. و قد انطبع في ذهنه جميع ما رآه و سمعه مدة إقامته في بلاد الإنكليز لأنه كان يراقب باهتمام عظيم كل ما كان يقع تحت نظره، و يسأل عنه، و يستقصي في أصوله.
و كان من عادته أن يقول:" قد أتيت بلاد الإنكليز رغبة في الإطلاع على ما فيها من أسباب الحضارة و العمران حتى أتقنها و أجعلها دستورا لي في سياسة ملكي و عمرانه". و لا جرم(2)فإنه قد أصاب عين الصواب، و نال الأجر و الثواب، و صار مصداقا لما قاله الحسن البصري(3)
Hasan al Basri: E. I. 2: III/ 742) Ritter(
رضي اللّه عنه:" من خرج من بيته في طلب باب من العلم حفته الملائكة بأجنحتها وصلت عليه الملائكة في جو السماء و السباع في البر و الحيتان في البحر و أتاه اللّه أجر اثنين و سبعين صديقا".و لا غرو أن سعادة السيد يود نجاح بلاده و خير رعاياه، و يحب نشر العلوم و المعارف فيهم، لأنه قد أدرك ما قاله محمد (عم)" إن اللّه- عز و جل- و ملائكته و أهل السماوات
و الأرض(1)، حتى النملة في جحرها، و حتى الحوت، ليصلّون على معلّم الناس الخير"(2).
و درى كذلك بأن العلوم و المعارف ركن الحضارة و دعائم العمران، و لهذا صرف همته العلية إلى نشر المعارف في ملكه و رفع مقام العلماء و الأدباء و أحب مجالستهم كما قال عمر رضي اللّه عنه:" لا تفارقوا مجالس العلماء فإن اللّه لم يخلق على وجه الأرض أكرم من مجالسهم". و قد سند هذا القول محمد (عم) فقال" من زار عالما فكأنما زارني. و من جالس عالما فكأنما جالسني.
و من جالسني في الدنيا أجلسه اللّه تعالى معي يوم القيامة في الجنة". و روى الحسن قال:" مثل العلماء كمثل النجوم إذا بدت اهتدوا بها، و إذا أظلمت تحيروا. و موت العالم غصة في الأنام لا يسدها شيء ما اختلفت الليالي و الأيام".
و قد ولع السيد برغش- أعزه اللّه- بالعلم و الدرس و المطالعة، و جمع في خزانة كتبه جميع المؤلفات العربية المطبوعة في مصر و غيرها من البلاد. و قد باشر بدرس اللغة الإنكليزية.
و أنجد أصحاب النشرات العربية: و هو يطالع الجوائب(3)و النحلة(4)و نشرة مصر(5)
نعمان: دليل: ص 397
و الرائد التونسي(6)و غيرها. و يحب الاطلاع على ما في النشرات الإنكليزية من المواد المهمة. و يجل الغني و الفقير على حد سواء. فإن الجميع خلقه اللّه. و لا فرق عند اللّه- عز و جل- بين الفقير و الغني سوى بحسن الأعمال.1) أ، ب: الأرضين
2) الترمذي السنن 4/ 154( رقم 2826)( و دار الفكر، بيروت ط 8/ 1983)
3) جريدة أصدرها في الآستانة أحمد فارس الشدياق سنة 1860 باللغة العربية ثم انتقلت إلى مصر عام 1883 ثم حلت محلها جريدة" القاهرة". نعمان: دليل: ص 111
4) مجلة أصدرها الدكتور لويس صابنجي في بيروت سنة 1870 و هي أسبوعية علمية صناعية تاريخية لغوية. ثم نقلها إلى لندن ثم القاهرة. أول مجلة في البلاد العربية تفهرس موادها في كل عدد يصدر منها نعمان: دليل: ص 362.
5) لعلها الوقائع المصرية التي أصدرها محمد علي باشا سنة 1828 في القاهرة باللغتين العربية و التركية لم تكن منتظمة الظهور.
6) جريدة أصدرها محمد الصادق باي تونس عام 1860، و هي رسمية باللغة العربية و أسبوعية، مازالت تصدر إلى الآن باسم الرائد التونسي للجمهورية التونسية. نعمان: دليل: ص 152
و للسيد أيضا رغبة شديدة في إيجاد الوسائط التي تساعده على تقدم(1)بلاده و تعميم الفلاحة و الزراعة في ملكه و استخراج ما فيها من المعادن و الكنوز. و لما كان بلندن رأى يوما كومة من الفحم المعدني في معمل الأسلحة، فالتفت إلى من كان معه، و أشار بيده إلى كومة الفحم، و قال:" هذا ألماسكم الحقيقي، يا معشر الإنكليز، و هذا أصل غناكم و مصدر ثروة بلادكم، و قد أدركتم ذلك حق الإدراك، و تخللتم أحشاء الأرض وقاع البحار، و أخرجتم كنوزها، فاغتنيتم بها، و أغنيتم شعوب الأرض، و صرتم أغنى أمة على وجه البسيطة. فكم و كم من معادن الفحم في بلادي! و لكن يا للأسف لم تزل هذه الكنوز موصودة(2)في وجوه شعبي، و مطمورة في قلب الأرض إلى الآن، فلوساقتكم المقادير إلى بلادي، و عنيتم بإخراج ما فيها من المعادن لازددتم غنى(3)، و أغنيتم أمتي، و عمرتم مملكتي".
ثم من دأب(4)هذا السيد الجليل أنه يحب الحرية و المساواة بين البشر. و قد حمله حب الحرية على عتق الرقيق و إبطال تجارتهم من بلاده. و ما يدلنا على حبه للحرية و العدالة هو ما قاله يوم كان بلندن و هو يتمشى في إحدى جنائنها: فإنه رأى الإنكليز يترددون على الحدائق و الجنائن و هم في حبور و سرور، فالتفت إلى وزرائه الذين كانوا في معيته، و قال:" انظروا إلى هذا الشعب السعيد، و إلى ما هم عليه من الحرية و الغبطة! انظروا إلى أولادهم و بناتهم كيف يمرحون طربا و هم آمنون لا خوف عليهم، و لا هم يجزعون! و ما هذا إلا نتيجة العمران و إجراء العدالة و الإنصاف فيهم. فقد سبقونا إلى هذه الغبطة. فعلينا أن نقتفي آثارهم، و نجدّ في تحصيل ما أدركوه منذ أجيال عديدة عسانا ندرك ما أدركوه، و نكون نعم المفلحين!
الباب الثالث و الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمدينة بيرمنكهام(1)
23/ 2:Birmingham :N .E .B
عرف أهل بيرمنكهام من صحائف الأخبار أن من نية سعادة سلطان زنجبار القدوم إلى مدينتهم بقصد الفرجة على ما فيها من المعامل و الصنائع. فاستعدوا لملاقاته خير استعداد، و خرج منهم جمع غفير إلى محطة سكة الحديد ينتظرون قدومه بالسلامة.
فلما كانت الساعة الواحدة بعد الظهر وصل السلطان إلى محطة بيرمنكهام. و كانوا قد فرشوا أرض المحطة بالجوخ الحمر، و فرشوا الدرج بطنافس جميلة. و قبل أن ينزل السيد من أرتال(2)السكة الحديد، تقدم والي البلد ألدرمن بيكس، و دخل إلى السيد و سلّم عليه، و رحب بقدومه. ثم استأذنه(3)أن ينزل، و يشرّف المدينة، فأجاب السيد طلبه. و نزل مع من كان في معيته. و كان حضرة باجر الفقيه يترجم بين سعادة السلطان و بين والي البلد. ثم نزل بعده وزراؤه السيد حمود بن حمد و السيد حمد بن سليمان و حضرة تاريا توين(4)و حضرة الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. ثم صعدوا درج المحطة المفروش بالطنافس.
و كان الشعب قد تقاطر بازدحام ليرى سعادة السيد، و يسلّم عليه. فلما رأوه مارّا كشفوا عن رؤوسهم حسب عوائد الإنكليز، و سلّموا عليه، و رحّبوا بقدومه إلى بلدتهم بالسلامة. و كان السلطان- زاده اللّه لطفا- يرد السلام عليهم بأنس و بشاشة و يشكر لهم على مكارمهم.
و لما دخل السيد دار المحطة كان الخدم قد هيأوا سفرة متفننة بالمآكل، فجلس السلطان و رجاله و تناولوا الطعام. و كان الشعب لا زال واقفا خارج الدار يريد مشاهدة سعادته ثانية.
و كانوا أيضا قد هيأوا مركبة ملوكية تجرها أربعة رؤوس خيل. فخرج السيد بعد الطعام، و ركب فيها مع السيد حمود بن حمد و الدكتور كيرك و والي بيرمنكهام. و ركب باقي رجال سعادته في ثلاث مركبات مفتوحة. و كان الشعب مصطفا في الشوارع التي مر بها السلطان رغبة في مشاهدته. و كان إذا مرت مركبته كشف الناس قلانسهم عن رؤوسهم و حيوه بألطف سلام و حبذوه(1)بأعلى أصواتهم، و كان السلطان يرد السلام عليهم بأنس و بشاشة، و كان حراس المدينة يحافظون على الترتيب و الهدوء و منع القلاقل من جراء ازدحام الشعب.
و لما وصل السيد إلى محل مسترهنري اوسلر، خرج مدير المحل و أتباعه إلى ملاقاته، و سلموا عليه، و أدخلوه قاعة فسيحة حوت من كل فن خبرا، و احتوت على أصناف البلور المنقوش و الملوّن بأرناج(2)مختلفة، فرآها السيد، و تفرّج عليها، و سرّ من مشاهدة أواني من البلور الأحمر و ثريات جميلة الصنعة كانت معلقة في سقف المحل برسم البيع، و كان بينها ثريّتان تفوقان البقية حسنا و جمالا، و كانت الواحدة منهما مصنوعة في زي الثريات الشرقية، فيها 32 مصباحا من الزيت أو الشمع. و كان لثانيتها 24 مصباحا من الغاز الهيدروجيني.
ثم ساروا بالسيد إلى محل شغل البلور و عمل الثريات، فرأى هناك ثريات بيضا و حمرا و خضرا. و تفرج على طريقة عمل الثريات من بدء خشونة البلور إلى آخر درجة من صقله و هندامه و نقشه و حفره و تركيبه و عمله ثريات.
و بعد أن أدخلوه إلى جميع محلات شغل البلور و عمل الثريات و الأواني و الأقداح و غيرها التفت إلى رجاله مسرورا و قال و هو يمزح:" الآن صرت أعرف كل أسرار البلور و طريقة عمله".
و فيما كان خارجا من محل الشغل كانت صبية من اللاتي يشتغلن في المحل تشتهي أن ترى سعادته و تتملى بمشاهدته، فخطر لبالها أن تخفي نفسها وراء مصراع باب القاعة التي كان السيد سيخرج منها، فلما دنا من الباب لاحت منه التفاتة إلى مصراع الباب، فرأى وراءه شخصا يبص(1)بعينيه و يسترق النظر إليه، فدرى(2)بأن الصبية تطمع في مشاهدة سعادته. و إنما الحياء ألجأها إلى التخفي، فدنا من مصراع الباب، ورده قليلا حتى جعل الصبية(3)تنظر إلى سعادته مليّا و تشفي غليلها، و تفتخر على رفيقاتها بأنها شاهدت سلطان زنجبار أحسن من جميعهن.
ثم خرجوا بالسيد من هناك، و ساروا إلى معمل البواريد و المكاحل شغل مرتيني هنري، و بعد أن تفرّج على طريقة عملها بأوائل(4)البخار، طلب مدير المعمل إلى سعادة السلطان أن يشرّفه بكتابة اسم سعادته في كتاب الزوار، ففعل.
ثم سافروا- من هناك- إلى محل آخر اسمه أستن للفرجة على معرض أموال(5)و بضائع مختلفة الأصناف، و كانت الموسيقة تعزف بالألحان الرخيمة، و لما مرّ السلطان بقربها عزفت بمقامة الدولة البريطانية.
و بعد أن تملّى السيد من الفرجة على ما كان في ذلك المعرض، و أراد الخروج هطل مطر غزير كاد يبلّ ملابسه الرقيقة. فإنه كان وقتئذ لابسا رداء في زي جبة من الشال الأسود، و على زيقها و أكمامها نقش بالقصب و الحرير الملون، و عليه ثوب أبيض من الكتان الخالص، و في يده خاتم ثمين من الذهب الإبريز بحجر زمرد كريم جدا، و كان حاملا سيفا نفيسا و خنجرا قبضته من الفضة النقية. و كان غطاء رأسه عمامة مزركشة و متمنطقا(1)بشال كشميري غال مزركش بالذهب، و معلقة فيه ساعة من ذهب في سلسلة من الذهب الإبريز الخالص. فلما اشتد المطر استعجل السيد إلى مركبته فركبها و عاد برجاله إلى منزله بالسلامة.
1) أ: نطاق حقويه
خرج السيد برغش- أعزه اللّه- نهار السبت 5 جولاي (تموز) (30 جمادى الأولى) يريد الفرجة على معمل الأواني الذهبية و الفضية. و خرج في معيته وزراؤه و والي بيرمنكهام و الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك و باقي أتباعه.
و كان شعب المدينة قد عرف ساعة خروج السيد من منزله فاجتمع الناس أفواجا إلى باب الدار، و شحنوا الأزقة و الشوارع يريدون النظر إلى سعادته.
فلما خرج السيد و ركب مركبته رفعوا أصواتهم و حبذوه(1)طويلا و ما انقطعت أصواتهم كل تلك المدة حتى وصلت المركبة إلى معمل الأواني الذهبية.
و لما نزل السيد و رجاله من مركباتهم استقبله(2)مستر ايلينكتن و مستر رولاسن مدير المعمل، و سلم على سعادة السلطان بألطف سلام، و رحب بقدومه.
ثم دخلوا به إلى أماكن الشغل ليفرّجوه على ما في ذلك المعمل العظيم من الأواني الذهبية و الفضية و غيرها. و في مرورهم بدهليز المحل رأوا تماثيل ملوك الإنكليز القدماء معروضة(3)عن يمين الدرج و شماله بترتيب حسن. فلما وصلوا إلى قاعة الفرجة رأوا فيها ما يدهش العقل و يشد البصر. فإن طول هذه القاعة يبلغ مائة قدم (فوت). و عرضها مناسب لطولها. و في وسطها و على مدار أطرافها موائد عليها صناديق من بلور ضمنها أواني ذهبية
و فضية ذات نقوش جميلة شغل أساتذة ماهرين. فصار مدير المعمل يسير بسعادة السلطان بين صناديق تلك الأواني و يفرجه على أجمل ما كان بينها. و كان من جملة ذلك إناء جميل الصنعة كان مستر بيتردني قد أوصى بعمله ليقدمه هدية لمن يحوز قصب السبق من الجنود المتطوعة في بلدته دمبرتن(1)
268/ 4:Dumbarton :N .E .B
.ثم فرّجوه على أغصان من الصنوبر الطبيعي مموّهة بالذهب و الفضة بصنعة غريبة مثل التي كان أهداها صاحب ذلك المعمل إلى الأميرة زوجة وليّ عهد بريطانيا.
ثم فرّجوه على كأس من فضة ناصعة كان قد أوصى بعمله أصحاب سباق الخيل ليهدوه من يحوز قصب(2)السبق في بلدة برايطن، و يبلغ ثمنه نحو 400 ليرة (باوند) و نيف. و كان منقوشا على ظاهره رسم نقوش و تصاوير جميلة و بينها صورة الملك جورج الرابع بهذا الاسم و رسم سباق الخيل. و كان على حرف الكأس تمثال امرأة جميلة المنظر جالسة في إناء من فضة في شكل صدف البحر.
ثم فرّجوه على أواني سفرة مذهبة جميلة كانوا عملوها ليهدوها ملك بورما(3)بالهند.
ثم ساروا به إلى مخدع المصاغ و الحلي الذهبية. فشاهد هناك من أصناف الزينة النسائية ما يحير العقول بجمال صنعته. ثم فرّجوه على أواني مموهة بالفضة مصنوعة على زيّ(4)أواني المصريين القدماء و اليونانيين و الرومانيين و الإيتليانيين و اليابونيين و غيرها مما يرتاح إليه الناظر.
و كان بين هذه الأواني ترس مموه بالفضة مصنوع على زي ترس ميلتن(1)الشاعر الإنكليزي الذايع الصيت. و كانوا قد عنوا بعمله ليرسلوه إلى معرض باريس سنة 1867. فسرّ السيد بجماله و حسن إتقان صنعته.
ثم فرّجوه على إناء ثمين بديع الشغل كان قد عرض في معرض فيانا سنة 1873. و هو إناء لم يصنع مثله إلى الآن في الحسن و الجمال و إتقان الصنعة، و لبثوا يشتغلون في صياغته ست سنين و أنفقوا عليه 6000 ليرة (باوند).
ثم فرّجوه على أواني أخرى من ذهب كانت قد عرضت كذلك في معرض فيانا. و مما يميز هذه الأواني الذهبية عن غيرها من جنسها هو أن الأواني الذهبية التي يصنعها الصياغ في الدنيا كلها إذا تعرضت لرطوبة الهواء مدة من الزمان أكمد(2)لونها، أما هذه الأواني التي صاغها مستر ايلينكتن فلا يضعف رونقها و لا يكمد(3)لونها و لو تعرضت لرطوبة الهواء زمانا طويلا. فإنه قد اخترع طريقة جديدة يطلى بها الذهب تجعله لا يتأثر من رطوبة الهواء.
ثم ساروا به إلى محل طلي الأواني و تمويهها بواسطة الكهربائية، و فرّجوه على طلي أواني عديدة، فسرّ السيد غاية السرور بذلك لأن سعادته عنده في زنجبار آلة كهربائية(4)يتسلى بها في امتحانات كهربائية.
ثم كان والي بيرمنكهام قد استحضر على بعض نقود، فسلّمها إلى سعادة السلطان، فأخذها، و طلاها في نفس الإناء الكهربائي الذي كان ولي عهد بريطانيا طلى فيه بعض النقود
لما زار هذا المحل. ثم تناولها السيد مطلية بالذهب، و دفعها لرجاله ليحافظوا عليها على سبيل التذكار.
ثم فرّجوه على قوة الكهربائية و شدتها بامتحان بسيط: و ذلك أنهم تناولوا قطعة من سلك الحديد، و أدنوها من الآلة الكهربائية، فاحترق السلك الحديدي في طرفة عين من شدة حرارة الكهرباء كما يحترق خيط كتان من لهيب النار.
فلما رأى السيد كل ما كان في ذلك المحل من الأواني و الذهب و الفضة و غيرها قال:" حقيق بأن تسمّى هذه المدينة (بيرمنكهام)(1)
234/ 2:Birmingham :N .E .B
لأنها بير- من- هام بالغنى أي هي ينبوع ثروة الإنكليز الذين يهيمون بالذهب فضلا عن غيرهم".و في أثناء ذلك طلب مستر ايلينكتن إلى سعادة السلطان أن يتكرم بتدوين اسمه الشريف في سجل المتفرجين فأجاب السيد طلبه، و تناول قلما و كتب اسمه بالعربي" برغش بن سعيد".
ثم شكر لمدير المحل ما تكلفه من العناء و خرج برجاله، و ركب مركبته، و رجع إلى منزله.
1) هذه المدينة من أشهر المدن الإنكليزية في مجالي التجارة و الصناعة. فصل:
سافر السلطان- حفظه اللّه- من بيرمنكهام نهار الاثنين 5 جولاي (تموز) يريد الفرجة على مدينة ليفربول، و كان في رفقة سعادته السيد حمود بن حمد و السيد حمد بن سليمان و السيد ناصر بن سعيد و الشيخ محمد بن سليمان الفاصل للدعاوى الشرعية و تاريا توين التاجر الهندي و الدكتور كيرك جنرال الدولة الإنكليزية و الفقيه جرجس باجر و مستر هيل. فركبوا في قطار سكة الحديد، و ساروا به على بركات اللّه.
و كان الناس قد بلغهم من صحف الأخبار وقت سفر السلطان، فاجتمعوا إلى محطات سكة الحديد ليشاهدوا سعادته و يرحبوا بقدومه. فلما وصل السيد بالسلامة إلى محطة سكة الحديد بليفربول كان المأمورون قد بسطوا أرض المحطة بطنافس إلى باب الدار التي كانوا قد هيأوها لسكنى سعادته. و كانوا قد وضعوا كراسي على الجانبين لجلوس الأعيان و الأكابر الذين كانوا قد حضروا إلى المحطة لاستقبال سعادته. و كان قد اجتمع في المحطة أناس كثيرون لا يحصى عددهم، و لضيق المكان صعد كثيرون إلى ظهر أرتال السكة ليغتنموا مشاهدة سعادة السيد.
و في غضون ذلك أتى والي البلد لفتنت كرنل ستابل لملاقاة السلطان، و كان صحبته الوالي ناظر المدينة مستر جون بيرسن و مستر جون والكر والي ليفربول سابقا و غيرهم كثيرون من أعيان البلد.
و لما وقفت أرتال(1)السكة الحديد في المحطة، خرج منها مستر هيل أولا، و كلف والي البلد أن يرافقه ليدخل به إلى سعادة السلطان، ففعل، و دخل، و رحّب بقدومه، و استأذن إليه أن يخرج، و يشرّف البلد بحضوره.
فلما خرج السلطان طفقت الموسيقة تعزف بمقامة جديدة كان قد نظمها مستر بيردهول معلم الموسيقة و سماها المقامة الزنجبارية إجلالا لسعادته. فسار السيد مصحوبا بوالي المدينة و رجاله إلى الدار المعدة له و لحشمه، و لبثوا فيها نحو ساعتين من الزمان ليرتاحوا من تعب الطريق.
و في غضون ذلك كان قد اجتمع أهل المدينة من الرجال و النساء و الأولاد ما لا يحصى عددهم، و ملأوا الأزقة و الشوارع، و هم ينتظرون خروج سعادته من الدار ليشاهدوا وجهه الأنور. و في أثناء ذلك كان بعض من رجال سعادته واقفين في شرفة(2)عالية من الدار يتفرجون على الناس المجتمعين، فرءاهم بعض من السيدات، و رفعن مناديلهن البيضاء، و صرن يخفقن إياها في الهواء علامة السلام على رجال السلطان، و هن يبتسمن في وجوههن بلطف و بشاشة.
فرد رجال سعادته السلام عليهن بأيديهم بأنس و حشمة.
ثم حضرت فرقة من الشرطة(3)و اصطفوا في الطريق لمنع الناس من الازدحام. ثم فرشوا طنفسة حمراء من باب دار السلطان إلى آخر الدرج حتى رصيف الزقاق. و في أثناء ذلك أتت مركبة والي المدينة تجرها أربعة رؤوس خيل مطهمة فيها السيد، و مركبتان أخريان لرجاله.
و ساروا، و هم قاصدون دار الولاية، و الشعب بازدحام يحبّذهم، و يرحّب بقدومهم.
فلما وصل السلطان إلى دار الولاية خرج إلى لقائه والي البلد و أعوانه، و أدخلوا سعادته قاعة الاستقبال، و كان فيها شعب غفير من الرجال و النساء لابسات ملابس بيضاء فاخرة. و لما مرّ سعادة السلطان بين صفوفهم، نهضن في سلام سعادته، و سلّمن عليه بألطف تحية و سلام، فردّ السيد السلام عليهن بأنس و بشاشة.
ثم أجلسوا سعادة السيد في صدر القاعة على كرسي مجلل بالحرير الأحمر المنقوش بالذهب كما كان يفعل قدماء الإنكليز لملكتهم اليصابات الشائعة الصيت. فلما استوى السيد على ذلك العرش تقدم والي البلد إليه، و استأذنه بتلاوة خطاب عن لسان الأمة. فأجاب السلطان طلبته بسرور و بشاشة. فنهض حينئذ واحد من العمدة و تلا خطابا فصيحا باللغة الإنكليزية. و هذا ملخص ترجمته:
" أيها السيد الجليل و الإمام النبيل، قد حق علينا- نحن والي مدينة ليفربول و وجوه شعبها- أن نهنئ سعادتك بوصولكم إلينا بالسلامة، و نرحب بك و بتشريفك مدينتنا في هذا النهار السعيد. فقد سررنا غاية السرور بمجيئك إلى بلاد الإنكليز لعلمنا علم اليقين أن حبك الخالص لهذه الأمة جعلك تتجشم متاعب الأسفار، و تحضر إلينا لكي توطد علاقات هذا الحب بين دولتك و بين دولتنا البريطانية، و تجعل مصالح الأمتين شيئا واحدا.
أما نحن- معشر الإنكليز جملة مع جلالة ملكتنا الفخيمة- فقد أضحينا ممنونين لمكارم سعادتك لأجل ما صرفته من حسن العناية إلى إبطال تجارة الرقيق و عتقهم و الاهتمام بتهذيبهم(1)، و لنا ثقة تامة في شهامة سعادتك بأن تبطل هذه التجارة الذميمة في سواحل أفريقية الشرقية كلها. ثم نؤمل أن تسرّ سعادتك بالفرجة على ما في هذه المدينة من المنتزهات(2)و الجنائن و التحف و المعامل، و تدخر ذكرها في خزنة عقلك الراجح و تذكر محبيك المخلصين
الذين تشرفوا في هذا النهار بمشاهدة سعادتك الجليلة(1). حرر بحاضرة ليفربول في 5 جولاي (تموز) سنة 1875
(الإمضاء)
ريتشرد فيل ستابل"
و فيما كان الخطيب يتلو الخطبة كان الفقيه جرجس باجر يترجم جملة بجملة إلى سعادة السلطان عربيا.
و كان هذا الخطاب مكتوبا على قرطاس أبيض كبير وزيري محفوف بمخمل حرير وردي اللون و مزركش بالذهب، و كانت حواشي القرطاس منزّلة(2)بصياغة من الذهب بصنعة جميلة. و كانت طغرة مدينة ليفربول منقوشة في صفحة من ذهب في صدر القرطاس. و على دائره برواز من ذهب مجمّل بنقوش جميلة و معقودة في أطرافه ضمات من خيوط ذهبية (شراريب). و كان الخط جميلا جدا قد عنوا في كتابته بالقلم الإنكليزي القديم الذي كان يستعمله قدماء الإنكليز في الحجج و المكاتبات الملوكية في عهد الملك هنري الثامن. و كانوا قد رسموا على هوامش القرطاس زهورا جميلة ملونة بألوان ناصعة و بمحلول الذهب.
و في ختام تلاوة الخطاب عرض الخطيب ذلك القرطاس على سعادة السلطان فتناوله السيد بلطف و شكران، و سرح نظره في حسن خطه، و في ما كان فيه من النقوش الزهية. ثم سلّمه إلى واحد من وزرائه للمحافظة عليه.
ثم أوعز إلى الفقيه باجر أن يترجم شعائر الشكران و الامتنان لوالي المدينة الأفخم، و لشعبها ذي اللطف و الإكرام. فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" قد أملى علي السيد خطابا
بالعربية شكرا لكم على ما أسديتموه إليه من التكريم و التعظيم و التبجيل في مدينتكم المحروسة، مما لم يسبق أن فعلتم مثله للملوك(1)أو السلاطين الذين حطوا ركابهم في هذا البلد من قبله. و ها أنذا أتلو على مسامعكم ترجمة خطاب سعادته بالإنكليزية:
" إلى صاحب السعادة و الشرف والي ليفربول، و أعوانه، و شعب هذه المدينة قاطبة أدامهم اللّه بالعز و الإقبال".
" أما بعد فقد حقّ علينا أن نشكر لكم غاية الشكران على ترحابكم بقدومنا إلى مدينتكم المحروسة. و قد امتلأ قلبنا سرورا لمشاهدتكم و التمتع بأنسكم".
أجاب الشعب: حبّذا! حبّذا!
ثم استأنف الفقيه خطابه، و قال:" قد هاجرت الحضارة و المعارف من بلادنا الشرقية إلى بلادكم الغربية منذ عهد قديم. و لما طال اشتياقنا إليها، و أبت أن تعود إلى أوطاننا أتينا قاصدين حماها، و طالبين عودها إلينا. و قد صمّمنا على نقل شيء منها، و إن تعذر لدينا الحصول عليها برمتها. و نؤمل بأن يكون هذا الشيء القليل بمنزلة خميرة، نضيفها إلى عجين النجاح في بلادنا، فتخمر العجينة بأسرها، و تترقّى زنجبار مع تمادي الزمان إلى درجة التمدن و العمران الذي نراه اليوم يزيّن بلاد الإنكليز السعيدة، و يرفع مقامها بين الأمم".
أجاب الشعب ثانية: حبّذا! حبّذا!
ثم أردف الفقيه، يقول:" و لا يخفاكم- أيها السادات- أنّ دولتنا قد حافظت على مودة الدولة البريطانية منذ مائة عام. و ليس في قلبنا رغبة أشد من رغبتنا في المحافظة على هذه المودة نحن و أولادنا و خلفاؤنا من بعدنا إلى ما شاء اللّه".
أجاب الشعب ثالثة: حبّذا! حبّذا!
1) أ: المحروسة ما لم تسبقوه إلى مثله و إكراما إلى الملوك
ثم مضى الخطيب يقول:" أما ما أشرتم إليه من جري إبطال تجارة الرقيق في بلادنا فقد تجشمنا أتعابا عظيمة و خسائر باهظة، و صرنا عرضة لأخطار مبرحة طمعا في حب البشرية، و خير الناس، و رضى اللّه، و مؤاخاة الدولة البريطانية التي اقترحت علينا هذه الاقتراحات المهمة".
أجاب الشعب رابعا: حبّذا! حبّذا!
ثم أردف الخطيب مقاله، و قال:" و قد ألقينا همّنا على اللّه- سبحانه و تعالى- في كل ما فاجأنا من المصاعب، و توكلنا على قدرته العظيمة، و لنا ثقة تامة في عنايته- تعالى- أن يديم لنا التأييد و القدرة على تكميل إرادته، و عمل ما فيه الصلاح لعباده".
" و لما كان من دأب اللّه- جلّ جلاله- أن لا يرسل الإمداد من السماء كما ينزل المطر على الأرض، بل يوعز إلى القوي بمساعدة الضعيف، فلنا ثقة به- تعالى- أن يوعز إلى دولة بريطانية القوية أن تمدّيد المساعدة إلى دولة زنجبار الضعيفة، و تأييدها على تعميم أسباب الحضارة و العمران".
أجاب الشعب خامسا: حبّذا! حبّذا!
ثم استكمل الخطيب كلامه، و قال:" قد شاع صيت مدينتكم ليفربول المحروسة في جميع الأقطار، و اشتهر ذكرها في الأمصار، و ذاع اسمها حتى في زنجبار. و اليوم نشاهد بأعيننا عظمة هذه المدينة، و جمالها، و حسن مينائها، و كثرة بوارجها و سفنها، و اتساع تجارتها، و مجد سكانها، و لطف أهلها، فحقّ علينا أن نفتخر بهم، و نقتفي آثارهم، إذا كنا نود أن نكون من المفلحين".
" و لكن لا يكفي زنجبار أن تتشرف باستماع ذكر ليفربول فقط، بل تحتاج إلى رجال ليفربول أن يشرفوها بما عندهم من الوسائط و أسباب العمران، و يرسلوا إليها عمدة تجارهم و مهندسيهم و أرباب صنائعهم النفيسة فيسعون في فلاحة أراضيها الواسعة، و إخراج ما فيها
من المعادن، و تعميم الصنائع إلى غير ذلك. فيعود ذلك خيرا عليهم و على زنجبار و على ما حولها من الأراضي في أصل البرّ".
أجاب الشعب سادسة: حبّذا! حبّذا!
ثم ختم الخطيب كلامه، و قال:" فليكن يقينا عندكم- أيها السادات الشرفاء- أن تذكار هذا النهار، و ما حزناه منكم من الإكرام لن يمحي من عقلنا ما حيينا، و نطلب إلى الحق- سبحانه و تعالى- أن يحرس مدينتكم هذه من الآفات و يصون أهلها بالعز و الأمجاد. آمين.
(الإمضاء)
" السيد برغش بن سعيد"
و في أثناء ذلك نهض الجميع و سلموا على سعادته و صافحوه و توادعوا معه.
ثم خرج السيد برجاله، و ركبوا مركباتهم، و رجعوا إلى منزلهم مسرورين غانمين، و الشعب يهتف بأصوات الحبور:" حبّذا! حبّذا سلطان زنجبار!"
أرسل والي مدينة ليفربول غدوة(1)نهار الثلاثاء يطلب إلى سعادة السيد أن يشرّف دار الولاية حتى يسير في صحبته إلى مرفأ السفن، و يفرّجه على ميناء المدينة و على ما فيها من البواخر و السفن المصطفة فيها على مسافة ستة أميال، و هي لا جرم(2)أعظم ميناء و أكبرها في الدنيا. فأجاب السيد طلبته بسرور، و ركب مركبته، و خرج في رجاله إلى دار الولاية.
و عند وصوله إليها خرج إلى لقائه والي البلد و أعوانه، و سلّموا على السلطان و أدخلوه بعز و إكرام. و بعد أن لبث برهة من الزمان للراحة نهض، و نهض الوالي و رجاله، و ركبوا مركباتهم، و ساروا إلى ساحل البحر، و كان الشعب قد تقاطر إلى هناك لمشاهدة سعادته و إكرامه.
و كان الوالي قد أمر أن يهيئوا باخرة جميلة لركوب سعادته ليسير فيها بحرا، و يتفرج على الميناء. فركبها مع رجاله. و فيما هم سائرون جرى حادث مكرب في البحر كدر صفاء كأس سعادته و من كان معه. و ذلك أن باخرة عظيمة كانت خارجة من الميناء تريد الذهاب إلى نيويورك بأمريكا الشمالية، و كانت سفينة صغيرة مشحونة بالسكر فيها خمسة رجال و امرأتان.
فصدمت الباخرة تلك السفينة صدمة مهولة أغرقتها في قعر اللجة(3)في طرفة عين. فبادر الناس إلى نجاة أولئك السبعة أنفار و أخرجوهم أحياء. و غرقت السفينة برمّتها مع ما كان فيها من
السكر. و تعطلت الباخرة الكبيرة من شدة الصدمة، و رجعت إلى الميناء لإصلاح ما ترك عليها من الكسر.
ثم سار السيد إلى معمل السفن و معه السادات ليردس و بودلر. و شاهد هناك تعويم مراكب جديدة. ثم تفرج على بقية الميناء، و رجع بالسلامة إلى منزله.
و في مساء ذلك النهار اتخذ والي المدينة مأدبة شائقة لسعادة السلطان حضرها كثيرون من أعيان البلد و أكابرها. و فيما هم على سفرة الطعام، نهض والي البلد و طلب(1)إلى المدعوين أن يشربوا كأس الهناء بسرّ(2)سعادة ضيفهم الجليل سلطان زنجبار. و قال:" قد حقّ على أهل العالم المتمدّن أن يرفعوا مقام هذا السلطان النبيل و يشكروه على ما خوّل البشرية من الحرية و الفلاح، و على اتفاقه(3)مع دولة بريطانيا على إبطال تجارة الرقيق في أفريقية. و أنتم تعرفون حقّ المعرفة- أيها السادات- الخسائر المالية التي حاقت بدولته من جرّاء ذلك، و المشقات التي عاناها في الانتصار على المصاعب التي نشأت في ملكه بسبب ذلك. و هذا الفعل الحميد خلّد ذكر سعادته في تاريخ الأمم المتمدنة". (أجاب المدعوّون: حبّذا! حبّذا!)
ثم استتلى الوالي خطابه، و قال:" لا يخفاكم- أيها السادات- كم و كم من الملايين من الليرات الذهبية أنفقت دولتنا البريطانية على تحرير الرقيق و إبطال تجارتهم من العالم! و كم و كم من السنين و الأعوام صرفنا في ذلك حتى بلغنا المراد!"
" أما سعادة السيد برغش فتحمل هذه الخسائر هو وحده، و نجح في نوال المرغوب في وقت قصير، و صار له علينا في هذا الأمر فضل عظيم، و قد صمم- بعونه تعالى- على صرف الهمة إلى استئصال هذه التجارة الذميمة تماما من بلاده".
" و قد أحطتم علما- أيها السادات- بما في مملكة ضيفنا الجليل من الغنى و المحاصيل و المعادن و الخضار الدائم و بساتين النارنج (برتقال) و غيرها من الكنوز المدفونة في تربة تلك البلاد السعيدة. و أنتم تعلمون- علم اليقين- أن إخراج هذه الكنوز الثمينة من قلب الأرض يحتاج إلى مبالغ وافرة من النقود. و قد سمعتم مرارا عديدة من فم سعادته أنه يرغب من صميم قلبه في أن يرى شعب هذه المملكة البريطانية مشمرا عن ساعد الهمّة و الجدّ و مقبلا على بلاده، و ساعيا في توسيع نطاق الفلاحة و الزراعة و التجارة و المعارف إلى غير ذلك. و أنا لي ثقة أكيدة في أهل ليفربول المشهورين بعلو الهمة و الإقدام و فتح أبواب التجارة في الدنيا بأسرها أن يغتنموا هذه الفرصة النادرة و يفتحوا أبوابا واسعة للتجارة في زنجبار".
قال هذا والي ليفربول، و رفع كأس المدام، و طلب إلى المدعوين أن يحذوا حذوه، و يشربوا أقداح الهناء بسرّ صحّة(1)سلطان زنجبار المعظم. فنهض الجميع إجلالا لسعادته، و قالوا:" حبّذا! حبّذا ضيفنا الجليل سلطان زنجبار!"
و في أثناء ذلك نهض السيد برغش، و تلا خطبة فصيحة بالعربية شكر بها لوالي ليفربول مكارمه العميمة و على ضيافته المنيفة. ثم أوعز إلى الفقيه باجر أن يترجم خطابه إلى الإنكليزي و يتلوه على أسماع الحاضرين. فامتثل الفقيه المومأ لأمر سعادته، و نهض، و قال:
" أيها الوالي الأفخم كرنل ستابل، و أنتم أيها السادات و السيدات المصونات قد أوعز إلي السيد أن أترجم لكم خطابه، و ذلك فرض علي، فأصغوا سمعا إلى ما أفصح به، و أجاد".
فقال:" قد رأيت في مدينتكم المحروسة أمورا ملأت قلبي حبورا، و أيقنت منها شدة سروركم القلبي بزيارتي بلادكم السعيدة. و لكن لو تمكنتم من فتح قلبي لرأيتموه يفيض سرورا بمشاهدتكم مما يعجز عن وصفه اللسان. فما لي سوى أن أشكر لكم هذا الإكرام العظيم الذي أسديتموه إليّ بلطف لا مزيد عليه. و لا غرو، فأنتم حقيقون بأن تفتخروا ببلادكم السعيدة،
1) ب: في صحة
و تتباهوا بعوائدكم الحميدة. فياليتني كنت في منزلة تحاكي منزلتكم الرفيعة حتى كنت أباريكم في الافتخار بمملكتي. و لكن شتان ما بين الثريا و الثرى!(1)فإن مجد بلادكم خلقه التمدن. و قد نشأ في حضن المعارف، و بلغ أشده في تقاريع الدهور و الأعصار".
" و أما زنجبار فقد ولدت في حضن الخشونة، و ما زالت في مهد الطفولة. و كم من الأيام و الأعوام يقتضي لها أن تشبّ و تكبر؟ و لكن كيف تشب و تكبر، و ليس لها من لبان المعارف قطرة؟ و كيف تتقوّى و تعتزّ، و ليس لها من قوت التمدّن شذرة؟ لكن إن احتضنتها بريطانيا احتضان الأم لولدها(2)و أرضعتها لبان المعارف و التمدن و الفلاح شبّت على طبع أمّها(3)، و حذت حذوها، و رقيت(4)أوج المعالي، و جلست عن يمين ربيبتها(5)و استوت على عرش العز و الأمجاد".
" و قد سررت بما رأيت في مدينتكم- هذه- من العمران و تمام الحرية. و لكن ما بلغتم هذه الدرجة الرفيعة من الفلاح حتى تجشمتم عرق العمل قربة(6)، و تجرعتم غصص المصاعب شربة بعد شربة".
" أمّا أنا فقد خضت بحر الأخطار وحدي، و عاركت الدهر بساعدي و زندي، و أنا أضعف منكم بالمال و الرجال، و إنما اعتصمت بالقدرة العلياء، و قلت:" فإذا عزمت فتوكّل على اللّه"(7). و بعونه- تعالى- تجرأت على إلغاء تجارة أنشأتها الأمة و أثبتتها السنّة(8). و من له
إلمام في كنه ذلك أدرك- حقّ الإدراك- ما دون استئصالها من المصاعب و الأخطار و الخسائر.
و لكن قد زالت الآن- بحوله تعالى- أكبر هذه المصاعب و ما عدت أشتهي على اللّه شيئا سوى أن يديم لي وداد الدولة البريطانية ما حييت، و أن يوطد دعائم هذه الصلات الحبيبة على أسس الخلوص و الاستقامة".
" و أمّا ما أسديتموه إليّ- هذه الليلة- من العزّ و الإكرام فقد انطبع في عقلي و قلبي طبعا، لا يمحيه كرور الزمان، و لا تدرس آثاره من نفسي آفة النسيان، فاقبلي أيتها الأمة البريطانية العزيزة عربون ودادي و شكري: (الكامل)
فلأشكرنّك ما حييت و إن أمتفلتشكرنّك أعظمي من قبرها
فلما ختم السيد خطابه هذا الفصيح هتف الحاضرون بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا سيد الفصحاء سلطان زنجبار!" ثم رفعوا أقداحهم، و رشفوا عقارها بسرّ سعادته. أما السيد- أعزه اللّه- فلم يلمس الخمر، و لكن مراعاة لمسايرة الحاضرين صبّ ماء زلالا في كأس، و رفعها إلى فمه، و قال:" إني أشرب بسرّكم(1)- أيها السادات- كأسا من الماء القراح الخالص عنوانا لخلوص ودادي لكم".
فقال الجميع:" حبّذا! حبّذا!"
ثم ختمت الوليمة و نهض السيد و توادع مع الحاضرين، و تصافح مع والي البلد، و ركب مركبته، و رجع في رجاله إلى منزله بالسلامة.
1) ب: بشرفكم
الباب السابع و الثلاثون في سفر السلطان إلى منشستر(1)
759/ 7:Manshester :N .E .B :
لبث السيد برغش بليفربول ثلاثة أيام. ثم خرج منها الى منشستر يريد الفرجة على ما فيها من معامل القطن و الغزل و الخام و الجوخ إلى غير ذلك. و كان وصوله إليها بسكة الحديد نهار الجمعة 9 جولاي (تموز) (4 جمادى الثانية 1292) صباحا.
و خرج أهل المدينة إلى لقائه، و قابلوه بمزيد الترحاب كما قابلوا شاه العجم يوم زار مدينتهم. فإن الشعب كان قد عرف من صحف الأخبار أن وصول سعادة السلطان إلى مدينتهم يكون نهار الجمعة قبل الظهر بساعة. فتقاطرت الناس أفواجا أفواجا إلى محطة سكة الحديد.
و قدم والي المدينة و أعوانه لملاقاة سعادته، و رحبوا بتشريفه مدينتهم. و كان في صحبة السلطان السيد ناصر بن سعيد كبير(2)وزرائه و أربعة من مستشاريه السيد حمد بن سليمان و السيد حمود بن أحمد(3)و السيد محمد بن أحمد(4)و الشيخ محمد بن سليمان و حضرة تارياتوين و الدكتور كيرك و الفقيه جرجس باجر و مستر كليمنت هيل و باقي خدم سعادته.
و كانت عمدة مدينة منشستر قد هيأت مركبة ملوكية تجرها أربعة رؤوس خيل مطهمة لركوب سعادته، فركبها في صحبة والي المدينة، و سار جوزف هيرون، و كاتم سره مستر بيرش قاصدين الدار المعدة لسكنى سعادته. و كان الناس قد اجتمعوا أفواجا إلى ساحة الدار ليسلموا على سعادته.
و لما وصل السيد صرخ الشعب بأصوات الحبور و الترحيب:" أهلا و سهلا بسعادة سلطان زنجبار!". فدخل السيد الدّار، و استراح فيها نحو 20 دقيقة من الزمان. ثمّ أحضروا له المركبة ثانية، و طلبوا إليه أن يخرج إلى المدينة ليتفرّج عليها. فأجاب طلبتهم، و ساروا به أولا إلى معمل القطن كما فعلوا بشاه العجم يوم زار مدينتهم.
و كانت الأزقة مملوءة بالناس، و هم مسرورون بمشاهدة سعادته، و يكشفون قلانسهم عن رؤوسهم، و يسلّمون عليه بألطف سلام أينما سار. و كان السلطان- أعزّه اللّه- يردّ عليهم السلام تارة بإحناء رأسه، و أخرى بحركة يده.
و لما وصلوا إلى معمل القطن خرج إلى ملاقاة سعادته مستر ريشارد هورث صاحب المعمل، و سلّم عليه، و رحّب بتشريفه معمله. ثم دخلوا بالسلطان و أتباعه إلى أماكن الشغل، و فرّجوه على طريقة حلج القطن، و غسله، و نسجه، و كل ما أنيط به حتى يصير خاما. و كان الفقيه باجر يترجم لسعادة السلطان كل ما كان يشرحه صاحب المعمل لسعادته عن طريقة العمل. و في أثناء ذلك توقفت أوائل البخار عن الشغل مدة، و صار هدوء عظيم، و أخذ العملة يغنون بمقامة الدولة البريطانية ترحابا بتشريف سعادته معملهم.
و لما قضى السيد الفرجة، و أراد الخروج طلب إليه صاحب المعمل أن يشرفه بوضع اسم سعادته في كتاب الزوار تذكارا لزيارته الشريفة، فأجاب السيد طلبته بلطف، و كتب اسمه بالعربي:" برغش بن سعيد". فشكر صاحب المعمل لسعادته ذلك. و بعد أن توادعا خرج السلطان من المعمل. و الناس من الداخل و الخارج يحبذونه.
ثم ساروا بسعادته من هناك إلى دار التحف. و كان والي سالفرد يشرح لسعادة السلطان عمّا كان في تلك الدار من التحف النفيسة، و ما زالوا حتى حانت ساعة الغداء(1)، فخرجوا من
1) لم يرد في النص حديث عن الغداء.
هناك، و ساروا إلى دار التجارة، و كانت الناس قد ملأت الأزقة و الشوارع حتى كاد يتعسر مرور مركبة سعادته في الطريق من شدة ازدحام الناس.
و لما وصل السيد و رجاله إلى دار التجارة و صعد الدرج رأى جمعا غفيرا من الرجال و النساء و الأولاد قد اجتمعوا إلى ساحة دار التجارة يريدون مشاهدته، و هم يصرخون صراخا عاليا استرحابا بسعادته. و كان الشعب يتماوج من شدة الازدحام تماوج بحر عجاج متلاطم بالأمواج. و لما دخل السيد دار التجارة رأى منها ما سرّه غاية السّرور، و تعجب من سعتها و علوها و حسن بنائها و إتقان نقوشها، و قال:" هذه الدار، نعم الدار!" و لا غرو أن اتساع تجارة منشستر في الدنيا تحتاج إلى دار واسعة مثل هذه. و بعد أن قضى الفرجة على ما كان من التحف في تلك الدار خرج منها و ركب مركبته، و رجع في رجاله إلى منزله، و شعب المدينة محدق به من وراء و من قدام، و هم يحبذونه الطريق بطوله.
أرسل والي منشستر يرجو سعادة السلطان أن يشرّف دار الولاية. فإنّ عمدة المدينة عازمة(1)على تقديم فروض الترحاب الرسمي لسعادته. فأجاب السيد طلبته، و ركب مركبته، و سار في رجاله إلى دار الولاية.
و كانت العمدة قد صرفت عنان العناية إلى تزيين دار الولاية زينة تليق بملك جليل، و فرشوا أرضها بطنافس قرمزية و أوراق الغار و أصناف الزهور الجميلة، و كانوا قد خصصوا في قاعة الاستقبال أماكن عالية لجلوس السيدات حرم أعيان البلد.
فلما وصل السيد إلى دار الولاية رأى الناس مزدحمين عليها ازدحاما غريبا، و قطعوا الطريق على مرور مركبته و مركبات رجاله. فمست الحاجة إلى حضور الشرطة و حراس المدينة لمنع الناس من الازدحام و فتح الطريق لمرور سعادته و رجاله. و كان الشعب لا ينفك من الصياح و التحبيذ لسعادته إلى أن هطل مطر غزير ملأ أفواههم بماء الغمام، و سدّ حناجرهم عن الصياح، و بلّ ثيابهم حتى اضطروا إلى الفرار. و كانت فرقة من العساكر الخيالة قد رافقت سعادة السلطان من المنزل إلى دار الولاية.
و لما دخل السيد قاعة الاستقبال نهض الجميع في سلامه، و رحبوا بقدومه، و صافحوه، و هنأوه بالسلامة. أما السيدات اللاتي كنّ حاضرات فسلّمن عليه بنشر مناديلهن البيضاء و تحريكها بأيديهن علامة السرور كمألوف عادة نساء الإنكليز. و أما سار جوزف هيرون فلما رأى ما فعلته النساء من نشر مناديلهن، قال:" إن سعادة السلطان قد سرّ بتحريك مناديل
1) عازمة تعود على عمدة المدينة و هي تعني مسؤولي البلدية
السيدات علامة السلام عليه. و لكن عندي أنه يفضّل أن يسمعهن يسلمن عليه بأصواتهن العذبة أكثر من تحريك مناديلهن الصامتة". فصرخت السيدات حينئذ بأصوات رخيمة:" حبّذا! حبّذا سلطان زنجبار!"
ثم أجلسوا السيد على كرسي، و جلس والي المدينة إلى يمينه. ثم جلس باقي الوزراء حسب مراتبهم. و في أثناء ذلك نهض والي المدينة، و قال لسعادة السلطان:" قد قرّ قرار أعيان المدينة و أكابرها أن يعرضوا على سعادتك خطاب التهنئة رسميا في هذا المحفل، فإن حسن بأعين دولتك قبول ذلك فيتلوه، و إلا فلا". قال السيد في جوابه:" حبا و كرامة!". فنهض سار جوزف هيرون، و تلا خطاب التهنئة الرسمية بالإنكليزي و هذه ترجمته ملخصا:
" إلى سعادة السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار و ما يليها من أصل البرّ، أدام اللّه مجده و إقباله آمين".
" أما بعد فنحن والي منشستر و أعيانها و أكابرها نتشرف بتقديم التهاني الرسمية لسعادتك، و نرحّب قلبيا بتشريفك مدينتنا. و نحن بالأصالة عن أنفسنا و بالوكالة عن عموم شعب هذه الحاضرة نعرض على سعادتك ما نشعر به من السرور و الفرح بمشاهدة سلطان جليل مثلك. كوننا واثقين غاية الثقة بأن زيارتك هذه لنا تكون باعثا على توطيد صلات الوداد بيننا أشد توطيدا و سببا لخير بلادنا و بلادك سوية. و لنا أمل بأن يتسع نطاق التجارة فيها و تكثر أسباب الحضارة و العمران في ظل ظليل سعادتك و همتك العلية، و ترى بعينيك نجاح المملكة، و عزها، و أنت رافل في ثوب السعادة و الإقبال. آمين"
فلما سمع السيد الخطاب بتمامه أوعز إلى الفقيه جرجس باجر أن يترجم خطابه العربي إلى الإنكليزي ردا على خطاب والي المدينة. فنهض الفقيه المومأ إليه، و شكر لوالي المدينة
و أعوانه ما أسدوه إليه من الإكرام في ذلك المحفل الحافل، و أثنى على شعب المدينة كافة لأجل حسن الملاقاة التي لا قوه بها إلى ذلك مما نقتصر عن ذكره خشية الملل.
ثم نهض مستر براونينك، و تلا خطابا عن لسان مجلس تجارة مدينة منشستر قال فيه ما ترجمته ملخصا:
" إلى سعادة السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار، أعزه اللّه".
" أما بعد فنحن رؤساء مجلس التجارة نترحب بقدوم سعادتك إلى هذه المدينة مركز تجارة العالم في الأصناف القطنية، و قد علمنا أن والدك المغفور له سلطان زنجبار كان صاحب أراض واسعة مخصبة يعتني بحراثتها و فلاحتها و يستغل محاصيلها و يبعث بها إلى أوروبا، و ما كان يحجر على الأموال الداخلة إلى ملكه".
" و يسرّنا أن نرى الولد سرّ أبيه، و يحذو حذوه في هذه الشمائل الحميدة. و قد صرنا في غاية الامتنان لسعادتك لأجل ما وعدت به أمتنا البريطانية. و لا شك أنك تفي بوعدك الصادق، و تبطل تجارة الرقيق تماما، و تعضد التجار في بلادك على فتح أبواب جديدة للأشغال و الأرباح و المعامل التي عليها مدار عزّ المملكة و جاهها و قوتها".
" و اتساع دائرة الأشغال يفتح سبيلا للأهالي أن يوظفوا في دوائر مختلفة، و يفتح باب الرزق في وجوههم، و تسعد أحوالهم، و تقوى عزائمهم على المحاماة عن الوطن و الملك".
" و لنا ثقة تامة بأن زيارة سعادتك هذه البلاد تكون باعثا على توثيق عروة الحب و الوداد بين دولتي بريطانيا و زنجبار، و تكونان مثل أختين متحابتين تعضد كبراهما الصغرى في جميع الملمّات. فنسأل الحق- سبحانه و تعالى- أن يستجيب دعاءنا هذا، و يسبغ على سعادتك و على ملكك و شعبك فيض الخيرات و البركات و الإقبال. آمين".
و لما فرغ الخطيب من كلامه أوعز السلطان إلى الفقيه جرجس باجر بأن يشكر له على خطبته الفصيحة، و يعد الحاضرين بأن السلطان لا يقصّر في شيء من كل ما وعد به، و يؤمل بأن أمة الإنكليز أيضا لا تخرم بوعدها مع دولة زنجبار. و كما أن أمة الإنكليز ترحّب اليوم بقدوم سعادته إلى بلادها هكذا، سوف يترحب السلطان بقدوم تجار الإنكليز إلى بلاده متى شرفوها و حملوا إليها كنوز تجارتهم و أموالهم النفيسة. فصرخ الجميع بصوت الحبور و قالوا:
" حبّذا! حبّذا!"
ثم نهض السلطان، و صافح الوالي و باقي رجال العمدة، و خرج من قاعة الاستقبال.
أقام والي منشستر مأدبة شائقة لسعادة السيد برغش ليلة النهار الذي قدموا له الخطب.
و حضر أيضا تلك الوليمة قوم كثيرون من أعيان البلد.
و لما كان السيد على سفرة الطعام، نهض الوالي، و خطب خطبة فصيحة أثنى فيها(1)على سعادة السلطان. و هذه ترجمتها ملخصا:" أيها السادات الكرام، إنّي أكلف إليكم- هذه الليلة- أن تشربوا معي كأس الهناء بسرّ هذا السيد الجليل سلطان زنجبار المعظم الذي قد شرّف محفلنا البهيج بحضوره السعيد"
" و لا شك أن ضيفنا الكريم هذا قد قصدنا من أقصى بلاد الشرق ليرى بعينيه هذه المملكة التي و إن كانت صغيرة في مساحة أرضها غير أنها فسيحة جدا في غناها، و جاهها، و عزها، و سطوتها، و امتداد ملكها، من مشرق الشمس إلى مغربها. هذه المملكة قد أضحت ترقص(2)فرحا و حبورا بمشاهدة ملك من ملوك أفريقية الكبرى، فهو لا شك ملك زيّنته أشرف خصال الملوك، و جمّلته الطبيعة بعقل راجح و قلب سليم، و الدليل الأعظم على رجحان عقله الثاقب هو قدومه إلى هذه البلاد ليرى ما فيها من العمران و النجاح و يتخذ منه وسيلة لنشره في بلاده".
" و ما يدلنا على سلامة قلبه الشفوق الرؤوف هو سعيه بإبطال تجارة الرقيق من بلاده و تحرير عباد اللّه من نير الرقّ و الاعتناء بتهذيبهم(3)و إصلاح شؤونهم، و قد سرّت أمة الإنكليز قاطبة بحسن مساعي هذا السيد الشهم الهمام، مع أن كثيرين نهضوا ضده، و قاوموا إبطال
تجارة الرقيق من بلاده. و لكنه انتصر عليهم بحزمه و ذكاء عقله الراجح و همته العلية، و أقنعهم بأن نجاح البلاد و سعادتها قائمة ليس في تجارة الرقيق الذميمة، بل في الحرية و المساواة بين عباد اللّه، و نشر المعارف، و إدخال الصنائع، و تحسين أحوال الزراعة، و إجراء العدالة و الإنصاف بين الأبيض و الأسود، و المسلم و النصراني، و العربي و العجمي، و لأن جميع البشر خلقه اللّه، و هم من أب و أم واحدة و أصل واحد، و ليس لهم ما يفتخرون به على بعضهم سوى الطين و الماء".
" فمن زيّنته هذه المزايا الحميدة، و جمّلته هذه الخصال المجيدة، كان حقيقا بأن يملك على البلاد، و يسوس العباد، و يخلد ذكره، ليس فقط في صحف التاريخ، بل في قلوب الناس أجمعين إلى دهر الداهرين؛ فهلموا إذا أيّها السّادات هذا و اشربوا معي كأس الهناء و السرور بسرّ هذا(1)السلطان الجليل الذي أوردت على أسماعكم شطرا من صفاته الحميدة". فنهض الجميع، و حبذوا السيد برغش، و شربوا كأسات المدام بسرّه(2).
و لما فرغوا من التحيات أوعز السلطان إلى محبه جرجس باجر الفقيه أن يترجم شعائر قلب سعادته إلى الحاضرين.
فنهض الفقيه باجر، و قال:" أيها السادات الكرام قد أمرني السيد بأن أترجم لكم خطابه هذا ردا على خطاب سعادة الوالي الأفخم، فقال: قد أضحيت غريق بحر الامتنان لكم هذه الليلة السعيدة. فقد غمرتموني بالأفضال و المكارم و التبجيل. و قد أضحيت مخجولا ممّا بالغ به و اليكم الأفخم في تقريظي و تعداد صفات أكاد لا أعهد في نفسي بذرة منها. فقد أفحمت في الجواب".
" و منذ تشرفت بحضوري إلى بلادكم لم أفتر عن تقديم الشكران لمكاركم العميمة. و الآن قد فرغ ما كان في جعبة عقلي و قاموس لغتي العربية من الكلام للتعبير عمّا في صميم قلبي من الشكران على أفضالكم، فأطلب إليكم أن تعذروني إذا رأيتموني هذه الليلة مقصرا في الكلام.
و لكني أكرر تقديم الشكران لكم ألفا في ألوف من المرات".
" و ممّا يجب عليّ أن أقرّ به- في محفلكم هذا الجليل- هو أني قد سررت غاية السرور بمدينتكم هذه، و أضحيت غريقا في بحر أفضال شعبها الكريم الذي غمرني بالإكرام و العزّ و التحبيذ و الترحاب. و كل هذا يفوق استحقاق شخصي الحقير".
فلما قال هذه الفقرة الأخيرة صرخ الشعب و قال:" كلا، كلا، أنت تستحق أكثر ممّا قلنا و فعلنا إجلالا لسعادتك".
ثم استأنف الفقيه خطابه على لسان السيد، و قال:" امتلأ قلبي حبورا بينما كنت اليوم أطوف المدينة أريد الفرجة على ما فيها من التحف، فرأيت العملة الذين يشتغلون في معامل القطن و غيرها يتزاحمون في الأزقة ليشاهدوني و هم لابسون ملابس الشغل. و قد أشارت إليهم صحيفة الأخبار أنهم تقاطروا أفواجا إلى الشوارع، و هم لابسون ثيابا مبقعة بأقذار المعامل. و لكن تلك البقع في ملابس العملة هي عندي أثمن من الجواهر الكريمة، و هي أشرف من نواشين الشرف التي تعلق على صدور الملوك".
" فلولا تلك البقع في ملابس العملة لما تيسّر للملوك لبس و حمل نواشين الشرف على صدورهم. فيا ليت كان في مملكتي رجال من العملة على طراز رجال مدينتكم هذه! فإن رفاهية معاش الأغنياء قائمة في اجتهاد العملة، و هم أيدي و أرجل الأمة و المملكة و بدونهم لا يتيسر لهما السير على قدم النجاح. و أود لو أن أقدر (على أن) أرسل قوما من شعبي إلى مدينتكم هذه ليتعلموا من عملة معاملكم منافع الشغل و الجهد و يرجعوا إلي و هم لابسون ثيابا عليها بقع المعامل، و أنا أضيف إليها نواشين شرف منضدة بالجواهر الكريمة".
فلما قال هذا صرخ جميع الحاضرين بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا!"
ثم ختمت الوليمة، و توادع السيد مع الوالي و أعوانه. و تصافحوا. ثم خرج في رجاله، و ركبوا مركباتهم، و رجعوا إلى منزلهم في سرور و حبور.
و في الغد ركب السيد قطار سكة الحديد و عاد إلى لندن سالما غانما.
كتب حاكم لندن كتابا لطيفا إلى سعادة السيد برغش يستقدمه إلى دار الحكم ليخلع عليه امتيازات لندن القديمة و حريتها كما جرت العادة مع الملوك و السلاطين الذين يزورون لندن.
فأجاب السيد طلبه بلطفه المعهود، و كان قد اجتمع إلى دار الولاية والي لندن و أعوانه و رجاله، و هم لابسون ملابسهم الرسمية. و كانت قد حضرت أيضا السيدة زوجة والي لندن في صحبة كثيرات من حرم الشرفاء، و هنّ لابسات أفخر الملابس و مزينات بأجمل الحلي و المجوهرات.
فلما وصل السيد إلى دار الولاية خرج إلى لقائه مستر ستابلتن و مستر فيلبس و غيرهما، و سلموا عليه، و أدخلوا دار الولاية بعز و إكرام. و كان في صحبة السيد وزراؤه و رجاله و المحب جرجس باجر الفقيه. و لما استوى السلطان على الكرسي المعد له نهض والي لندن، و خطب خطبة و جيزة في مدح سعادة السلطان و تعداد صفاته الحميدة التي جعلته أهلا لإكرام أمة الإنكليز قاطبة، و عزيزا عند الناس أجمعين. ثم نهض كاتم أسرار الوالي، و قرأ رقعة قال فيها ما ترجمته ملخصا:
" أيها الإمام الجليل و السلطان النبيل السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار و ما يليها، أدام اللّه مجدك و إقبالك. آمين".
" أما بعد فقد حسن بأعيننا نحن- والي لندن القديمة و شرفاؤها- أن نخلع على سعادتك امتيازات لندن و حريتها التي قد جرت العادة أن نخلعها على الملوك و السلاطين المتحابين لدولتنا البريطانية إجلالا لمقامهم و طمعا في توطيد صلات الوداد الوثيقة بيننا و بينهم".
" و لما كانت أسباب التمدن قد سهّلت وسائط الأسفار، و فتحت الطرقات، و قرّبت أهل العالم إلى بعضهم بعضا، حصلنا اليوم على شرف عظيم بقدوم سعادتك إلى بلادنا، و لنا أن نفتخر بك- أيها السيد- أكثر من افتخارنا بالسلاطين الذين سبقوك إلينا".
" فإنك- أنت- أول سلطان عربي الأصل و النسب قد شرّف بلادنا. أنت و إن كنت من أمة عربية قديمة العهد فقد أتيتنا اليوم بما لم تأته قبلك الأوائل. فأنت قد تفرّدت بحبّ الإنسانية، و فتحت أبواب الحرية في وجوه قوم طال ما نكبوا بمصائب الرق و العبودية. و أنت أول سلطان عربي عقد معنا معاهدة على إبطال تجارة الرقيق. و أنت أول من سطر اسمه الشريف في صحف تاريخ الحرية الأفريقية. و أنت أحق من سواك بنوال شرف حرية لندن القديمة و امتيازاتها المنيفة. و لهذا نطلب من الحقّ- سبحانه و تعالى- أن يديم لنا بقاءك بالعز و الإقبال، و يوطد ملكك على دعائم المجد ما اختلفت الأيام و الليالي. آمين".
فلما فرغ الخطيب من كلامه أوعز السلطان إلى محبه باجر الفقيه أن يترجم إلى اللغة الإنكليزية خطابه الآتي ردا على خطاب الوالي.
فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" أيها الوالي الشريف، و يا أيها السادات الكرام، قد تشنفت آذاننا بسماع خطابكم البديع، و سررنا غاية السرور بما أسديتموه إلينا من الإكرام و التحبيذ الذي لا نشك بأنه صادر من صميم قلبكم السليم. و نحن نحتسب كل هذا فخرا عظيما لنا و لذريتنا العربية من بعدنا".
" و لا ريب أن شهرة مدينتكم لندن و حريتها ذائعتان في سواحل أفريقية الشرقية كما هي معروفة في الدنيا بأسرها. و نحن نقبل بفرح لا مزيد عليه شرف امتيازات لندن و حريتها التي من نيتكم أن تخلعوها علينا لتوطيد صلات الوداد بيننا و بين دولتكم الفخيمة. و هذا غاية ما نتمناه، و سوف نبذل همتنا إلى المحافظة على هذا الودّ الذي اكتسبه لنا أجدادنا بعناء و تعب شديدين".
" أمّا مسألة تحرير الرقيق في بلادنا فإننا نراها قد أخذت بمجامع قلوبكم، و شغفت عقولكم، و أينما توجّهنا، و حيثما حللنا رأينا لسان أمتكم لا يفتر عن النطق بها. و لا عجب في ذلك. فإنكم تتذكرون ما قاساه جدودكم من العناء و ما أنفقته أمتكم من الدينار الوضاح في سبيل تحرير الرقيق من بلادكم و بلاد بقية الأمم".
" و إننا مسرورن غاية السرور بهذا كله لأننا نراكم تعتبرون قدر المصاعب التي تحملناها في هذه المسألة، و تدركون قيمة الدراهم التي خسرناها من جراء ذلك. و ما نتمناه علاوة على هذه الامتيازات(1)كلها هو أنكم لا تقفون عند هذا الحدّ، و تقتصرون على إظهار المعروف بالكلام الداوي فقط، بل أن تقرنوا القول بالعمل، و تفتحوا ليس أفواهكم فقط، بل خزائن أموالكم و تبذلوها في تحرير الرقيق بأفريقية كما بذل جدودكم خزائن أموالهم في تحرير الرقيق ببلادكم".
" و أنتم تعلمون- علم اليقين- أنّ من قال و فعل كان نعم الرجل! فنسأل المولى- سبحانه و تعالى- أن يأخذ بيدكم و بيدنا، و يقدّرنا على ما فيه خير لعباده، فهو السميع المجيب. آمين".
فلما انتهى الفقيه من تلاوة خطاب السلطان حبّذه جميع الحاضرين طويلا. ثمّ نهضوا من المحفل و ساروا بسعادة السلطان إلى بيت السفرة. و كانوا قد هيأوا له و لرجاله و لكثيرين من الأعيان وليمة فاخرة. فجلسوا جميعا. و تناولوا الطعام في هناء و صفاء. و لا حاجة إلى وصف ما كان على السفرة من فنون الأطعمة الفاخرة. فإن في الإشارة كفاية.
و بعد الطعام، تلا الوالي خطبة أخرى فصيحة كلّف بها المدعوين أن يشربوا كأسات الهناء بسرّ سعادة السلطان. ففعلوا جميعا. و هم يصرخون بأعلى أصواتهم:" حبّذا! حبّذا!"
و في ختام الوليمة، شكر السلطان لوالي لندن، و لزوجته، و لجميع من حضر الوليمة من الأعيان. و توادع معهم. و خرج في رجاله راجعا إلى منزله، و خرج والي لندن معه إلى باب الدار
1) أضاف( ب): المتاعب. و السياق يقتضي ما أضفنا أو قريبا منه
يشيعه. فرأوا جمعا غفيرا من الناس قد اجتمعوا إلى ساحة دار الولاية يريدون أن يشاهدوا سعادة السلطان، و يسلموا عليه. فلما رآهم السيد و هو خارج قال لوالي لندن:" هل بقي أحد- في مدينة لندن العظمى- لم يحضر هذه الليلة الى هذه الساحة؟ فإني لم أعهد من ذي قبل جمعا غفيرا مثل هذا."
فقال الوالي في جوابه:" قد انطبع- أيها السيد- حبك الخالص في قلوب أمة الإنكليز، و كلما ازدادوا نظرا إليك ازدادوا حبا لك. و قد أدركوا أن ساعة الفراق قد دنت، و أنهم يطمعون في أن يتزودوا منك بنظرة عند الوداع". فقال السيد:" بارك اللّه فيكم و فيهم، و أدام لي حبكم هذا، فهو أصل مناي و غاية مطمعي".
ثم تصافح السيد مع الوالي، و ركب مركبته، و انصرف بأتباعه في كنف الرحمن.
لما دنا وقت سفر سعادة السلطان من لندن أقام له وليّ عهد دولة بريطانيا وليمة شائقة في جنينة شيزيك على سبيل الوداع. و دعا إليها الأمراء و الشرفاء و اللوردات و البارونات و المركيزات و غيرهم من رجال الدولة و السياسة و السفراء ما بلغ عددهم نحو 400 نفس من الرجال و النساء أغفلنا ذكر أسمائهم فردا فردا خشية الملل.
و كان في صحبة السلطان وزراؤه و أتباعه الدكتور كيرك و الفقيه جرجس باجر و مستر هيل و غيرهم. و صرفوا نهارهم في تلك الجنينة بالصفاء و السرور، و هم محاطون بزهور الطبيعة، و أناقة نساء الشرفاء و الخواتين اللاتي كنّ نخبة سيدات بلاد الإنكليز. و كانت ملابسهن الفاخرة و زينة ما عليهن من الجواهر الكريمة قد زادتهن حسنا و بهجة.
و بعد أن تفسحوا، و تنزهوا ساعات طويلة، و هم في أنس و حبور، تناولوا الطعام على سفرة متفننة بالأطعمة الملوكية. ثم شكر السلطان لولي العهد مكارمه العميمة، و ما ناله في مملكته من العز و الإكرام و حسن الضيافة، و توادع معه، و صافحه. ثم ركب مركبته، و انصرف برجاله إلى منزله. و هو في غاية الامتنان.
نشرت صحيفة" التيمس" الإنكليزية نهار سفر السيد برغش من لندن إلى فرنسا فصلا طويلا عدّدت فيه حسن خصاله الحميدة و امتداد ملكه بأفريقية حتى نقطة خطّ- الاستواء، و ما لسعادته من الهمة على إجراء الإصلاح و توسيع نطاق الحضارة و التجارة في بلاده. و قد ترجمناه من الإنكليزي إلى العربي ملخصا.
قالت النشرة المومأ إليها:
" قد ولعت أمتنا الإنكليزية في بسط الكلام عن الملوك و السلاطين الذين يشرفون بلادنا من حين إلى حين. و لكن تشريف سلطان زنجبار المعظم قد أخذ بمجامع قلب الأمة قاطبة، و هشّ له كل وجه، و نطق بمدحه كل لسان، و تأصّل ذكره الحميد في قلب كل إنسان. و ذهل الناس عن ذكر سواه كأن لا قبله و لا بعده أتانا و يأتينا من حاباه"
" كنا قد تشرّفنا- منذ عامين- بزيارة جلالة شاه العجم، وارتاحت أمتنا إلى ملك تأصّل ذكر ملكه في عقولها من نعومة أظفارها. فمنظر شاه العجم الذي كان يتشعشع شخصه بأحجار الألماس و الزمرد و الجواهر الكريمة كتشعشع قلب الأطلس بالنجوم و الكواكب المنيرة ذكر أمة الإنكليز بمملكة فارس(1)العظيمة و بملكها داريوس الكبير(2)و بعزه و سطوته و اقتداره و حروبه مع اسكنر المقدوني ذي القرنين(3)".
1) عرفت هذه المملكة عدة أطوار و تكونت فيها عدة إمبراطوريات منها إمبراطورية فارس الأولى( 550 ق م- 331 ق م) و إمبراطورية الساسانيين( 224 م- 651 م). فصل: 6422/ 11:Iran :G .E
2) هو داريوش الثالث( ح. 336 ق م- 330 ق م) حاربه الاسكندر. فصل 887/ 3:Darius III :N .E .B
3) و سمي أيضا اسكندر الأكبر، و اسكندر الثالث( 356 ق م- 323 ق م) ملك مقدونيا( 336 ق م- 323 ق م) كتان عسكريا متفوقا حتى وصل إلى الهند و ايران. فصل: 240/ 1:Alexandre III :N .E .B
" أما الآن فقد انمحى ذكر هذا الشاه الجليل من عقول الأمة كأنه لم يأت و لم نره أبدا.
و بردت محبة الإنكليز له منذ رأوه يميل إلى حب الروسية و يطمع في مواخاتها فضلا عن دولتهم".
" ثم كان الشاه قد وعد الدولة البريطانية- يوم كان بلندن- أنّ من نيته فتح بلاده لتجارة الإنكليز، و إدخال العمران و الإصلاح في ملكه بسعي رجال الإنكليز. و لكن أضحت مواعيده برقا خلبا(1)و سحابة لا ماء فيها. و رأينا- نحن أيضا- أن دوننا و دون بلاد فارس حائل عظيم يقطع وصالنا معها ممالك(2)غير متحابة معنا. فبردت حينئذ همة الأمّة، و خمدت مطامح رجال السياسة".
" أما سعادة السيد برغش الذي قد حان يوم فراقه، و دنت ساعة رحيله بالسلامة من بلادنا، فليست منزلته منزلة شاه العجم، و لكن مقامه في أعين أمتنا الإنكليزية أرفع من مقام الشاه، و ذكره أحب إلينا، و بلاده أشد أهمية. و موقع مركزها الجغرافي يزيد آمالنا بأنها تضحى- يوما من الأيام- أكثر اتساعا من بلاد فارس".
" و قد اشتهرت بلاد السيد برغش- من قديم العصور- بالخصب، و الغنى(3)، وجودة التربة و المعادن. و قد ذكرها الشاعر ميلتن الإنكليزي في ديوانه البديع المسمى" بالفردوس المفقود". فقال في قصيدة منه:" رفع الملاك مخائيل آدم عليه السلام إلى قبة السماء و أطلعه على مملكة نجوس و مرسى اركوكو و بلاد ممباسا و أكويلو و مالند". و كانت هذه البلاد قبل اندراس آثارها من المملكة(4)الخاضعة الآن لسلطان زنجبار".
" و لكن لا ينحصر ملك السيد برغش في حدود هذه البلاد فقط، بل يمتد إلى ما شاء اللّه في أصل البرّ من أفريقية، و أراضي بلاده تصلح لزراعة كل ما تنبته بلاد المنطقة الحارة الشديدة الخصب، و فيها مراسي كثيرة للسفن تسهّل على التجار نقل المحاصيل و الغلال منها إلى جهات الدنيا".
" و في أواسط قارة أفريقية بحيرات وسيعة عظيمة تصلح لسير السفن و المراكب اكتشفها السياح في هذه الأيام الأخيرة، و هذه البحيرات تحت أمر سعادة السيد. و قد توغلت جنوده في تلك الجهات. و نصبت خيامها إلى جوار بعض البحيرات. و كان إسماعيل باشا- خديو مصر- قد طمع في توسيع ملكه، و أرسل جوقا من جنوده الى أواسط أفريقيا، و أمرهم أن يفتحوا تلك البلاد، و يستولوا عليها الى خط الاستواء. و لكن اضطر أخيرا الى سحب(1)جنوده و الكفّ عمّا خامره قلبه من الطمع و حب الفتوحات. فإنّ الخديو لا يتيسر له الوصول إلى نقطة خط الاستواء من دون أن يغزو بلاد السيد برغش الواقعة بين الديار المصرية و نقطة خط الاستواء، و رجال السياسة في أوروبا لم يسمحوا لسعادة خديو مصر أن يسطو على بلاد السيد برغش، و يغزوها".
" أما السيد فلا يوجد له عائق يصده من فتح تلك البلاد الواسعة حتى نقطة خط الاستواء. و قد أخذت جنوده في التوغل في غربي القارة. و لنا معرفة تامة باتساع تلك البلاد.
و ندرك حق الإدراك أن للسيد برغش حقا في توسيع ملكه إلى ما شاء اللّه من دون أن يعترض له عارض. و قد اطلعنا من الاكتشافات الأخيرة التي أتانا بها السياح الأفريقانيون(2)أن تلك البلاد التي كانت مجهولة عند علماء رسم الأرض قديما هي بلاد سعيدة مخصبة تسكنها قبائل قابلة للتمدّن و الحضارة. و مناخها ليس بسقيم كما كان يزعم القدماء، و هي تصلح لسكنى الأوروبيين أيضا إذا اختاروا الإقامة فيها، وسعوا في توسيع نطاق الزراعة و التجارة و الفلاحة".
" و لنا ثقة راهنة بأن أهل الحزم من الإنكليز و غيرهم لا يلبثون طويلا أن يدخلوا تلك البلاد و يستعمروها(1)في ظل ظليل سعادة السيد برغش سلطانها العادل، و لنا أمل أيضا بأن تضحى مملكة زنجبار بعد مائة عام مملكة واسعة تشمل أراضي فسيحة، و تمتد إلى أقصى بلاد الزنوج. و متى دخلت تلك الأراضي في حوزة سلطان زنجبار ترقّى سكانها إلى طبقات الحضارة، و عكفت على اكتساب المعارف و الاشتغال بالصنائع و الاعتناء بالحراثة و التولع بالتجارة. و صارت أمة عزيزة بالرجال و غنية بالمال. و قد ذكر لنا سار برتل فرير أشياء كثيرة عن بلاد زنجبار و أحوالها في كتاب رحلته يوم تفقد تلك البلاد. و لا ريب أن السار المومأ إليه قد أصاب عين الصواب فيما قاله".
1) ب: يعينوها
الباب الثالث و الأربعون في سفر سعادة السلطان من لندن الى كاليس(1)
2153/ 4:Calais :G .E .
سافر السيد برغش في صحبة رجاله من لندن الى بندر كاليس اليوم الحادي عشر من جمادى الثانية (أيار) (16 جولاي 1875) و كان ذلك نهار الخميس. و كان في صحبته المحب جرجس باجر الفقيه و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. و لما وصلوا إلى محطة جارين كروس كانت قطار سكة الحديد (جاري البخار) حاضرة، فركبوها، و ساروا في كنف الرحمن، و بعد ثلاث ساعات وصل السيد و رجاله بالسلامة إلى بندر دوفر(2)الموجود في آخر حدود جزيرة بريطانيا.
و لما نزل السيد من جاري البخار لاقاه وجوه البلد بعز و إكرام لا مزيد عليهما.
ثم هيأوا مركبا بخاريا اسمه" فيكتوريا"، و هو من أسرع المراكب جريا، يسير 18 جيرة في الساعة، و قوة بخاره تعادل قوة 200 حصان. فركبوا فيه بعد ما شيعهم الإنكليز، و ركب في صحبة سعادة السلطان ثلاثة أنفار من الإنكليز، و هم الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك و مستر كليمنت. و ساروا بالسلامة. و طابت لهم الريح، و راق البحر. و بعد ساعة من الزمان قطعوا الخليج و وصلوا إلى بندر كاليس من بنادر بلاد فرنسة وقت الغروب.
و لما وصلوا إلى الميناء لاقاهم رجال الفرنسيس و أكابر البلد و كثيرون من العساكر، و طلبوا إلى سعادة السلطان أن ينزل، و يشرّف بلادهم. فأجاب طلبتهم، و نزل. و حال خروجه إلى البر أطلقوا 21 مدفعا إجلالا لسعادته.
ثم أنزلوهم في دار فسيحة، و أكرموهم غاية الإكرام. و باتوا هناك مدة للراحة. و بعد ذلك ركبوا قطار سكة الحديد، و ساروا إلى باريس.
أمّا الرجال الثلاثة من الإنكليز الذين رافقوا سعادة السلطان إلى كاليس فودعوه، و رجعوا إلى لندن بالسلامة.
أما السيد و أتباعه فوصلوا إلى باريس في اليوم الثاني عشر من جمادى الثانية و كانت الدولة الفرنساوية أرسلت جوقا من العساكر، و بعضا من أكابر الدولة لملاقاة سعادته.
فلما نزل السلطان من جاري الدخان(1)سلّم عليه أولئك الرّجال، و رحبوا بقدومه.
و كان المارشال مكمهون(2)رئيس الجمهورية الفرنساوية قد أرسل مركبته لسعادة السلطان، فركبها صحبة رجاله، و فرقة من الفرسان محاطة به من قدّامه و من ورائه.
ثم ساروا بالسيد و رجاله، و أنزلوهم في دار جميلة البناء وسيعة غاية الاتساع ذات طبقات عديدة، و مزينة بالفرش الثمينة، فدخلها السيد صحبة رجاله، و استراح فيها.
و بعد صلاة العصر وصل المارشال مكمهون لمواجهة السلطان، فسلم عليه و رحّب بقدومه. ثم تقدم وزير الخارجية أيضا، و سلم على سعادته، و صارت الوزراء و الأكابر و أعيان الأمة يتردّدون على سعادته، و يهنئونه بوصوله إلى بلادهم بالسلامة، و قضى نهاره في مقابلة الناس و ردّ السلام.
و لما أصبحوا ثاني يوم أتى رجال الدولة إلى سعادته، و طلبوا أن يخرج في صحبتهم ليفرّجوه على ما في بلدهم من التّحف و الفرجات، فأجاب طلبتهم، و خرج في مركبته، و معه وزراؤه و رجاله.
فساروا إلى المدرسة الكلية الكبيرة(1)و هي دار وسيعة، فيها محلات كثيرة للكتب و للمعلمين، و فيها قبة كبيرة. و قيل إن فيها من الكتب نحو 290000 كتاب، منها 90000 مجلد بخط قلم، و البقية من المطبوعات. و فيها كتب قديمة بالقلم الكوفي و غيره.
ثم ساروا بهم من هناك إلى دار التصاوير(2)، و فرّجوهم على ما فيها من أعمال المصورين المشهورين.
ثم دخلوا بهم مخدع المسكوكات القديمة. ثم دار الأسلحة القديمة و الدروع التي كانت الجنود تلبسها في العهد القديم.
ثم فرّجوه على دار التماثيل الحجرية، فرأوا فيها تماثيل كبيرة الحجم قديمة العهد من زمن الجاهلية، كانوا قد وجدوها في قلب الأرض و يبلغ ارتفاع بعض منها نحو 17 ذراعا.
ثم ساروا بهم إلى دار الطبّاعة و فرّجوهم على طريقة طبع الكتب، و طبع النشرات، و على طريقة قطع الورق بالآلات. فشاهدوا آلة تقطع في ساعة من الزمان ثمانية عشر ألف طبق من الورق.
1) المقصود جامعة الصربون، و هي في الأصل مؤسسة خيرية لصاحبها صربون، قصد ايواء الطلبة و المعلمين الفقراء، و كان ذلك سنة 1257، ثم تحولت إلى كلية دينية سنة 1554 و قد أعيد بناؤها سنة 1885. فصل::Sorbonne (la )G .E .:5 /0682
2) المقصود متحف: اللوفر، و هو المتحف الوطني الفرنسي بباريس كان في الأصل قصرا من قصور العائلة المالكة، و لم يتخذ هذه الصفة إلا سنة 1791. فصل: 7346/ 12:Louvre (MUSEE Du ):G .E .
ثم فرّجوه على طريقة جمع الأحرف إلى قوالب، و وضعها على المطابع، و مسحها بالحبر، و كبس الورق عليها بآلات عجيبة تدوّرها قوة البخار.
ثم فرّجوه على طريقة تجليد الكتب. و كان في دار الشغل نحو 1000 نفس و نيف.
و بعد أن تفرجوا على كل ما كان يستحق الفرجة رجعوا بالسلامة إلى منزلهم.
خرج السيد برغش في وزرائه نهار الأحد 14 جمادى الثانية (19 جولاي) يريد ردّ السلام على المرشال مكمهون. و كان المرشال مقيما في قصر ملوك فرنسة القدماء الكائن في بلدة اسمها فرسايل تبعد عن باريس نحو 15 ميلا. فركب السيد مركبته و سار إلى القصر، و وصل إليه بالسلامة، فخرج رجال الدولة إلى لقاء سعادته، و رحبوا بقدومه، و سلموا عليه، و دخلوا به إلى القصر، فلاقاه المرشال مكمهون بالعز و الإكرام، و رحّب بقدومه.
و بعد أن فرغوا من السلام و الخطاب نهضوا، و أخذوا يفرجون السلطان و رجاله على ما كان في ذلك القصر الجميل من الأبنية و المنازل و المخادع و الصور و التماثيل و الأثاث و الأواني الثمينة الباقية هناك من عهد الملوك القدماء. و حيطان القاعة و سقفها مصورة أحسن تصوير و من يراها كأنه يرى الحرب قائمة على الساق أمام عينيه.
و تجاه هذا القصر جنينة عظيمة ذات أشجار و أزهار متنوعة و أحواض فيها تماثيل من حجر منها في صورة بنى آدم، و منها في صورة سمك، و منها في صورة غير حيوانات البحر ينفجر الماء من أفواهها و صدورها على علوقامات كثيرة، و ينزل إلى الأحواض كالمطر أو يتساقط على الدرج، و يظهر للناظر كأنه شلالات بحر النيل.
و يوجد في هذه الجنينة محل على دائرته عقود و في وسطه براحة(1)و في داخل العقود طريق يمشون فيها دائرة على تلك البراحة، و على دائرة العقود من الخارج أشجار و أزهار. و في وسط كل عقد ثوارة من الماء. و متى سار المتفرجون بتلك الطريق إلى تحت العقود يقوم الماء عليهم
1) ب: استراحة
مثل السور. و من جملة ذلك حوض عظيم عليه أنواع مختلفة من الصور، و تحتها نحو 90 ثوارة.
و على جانب الحوض مغارات داخلها تصاوير قديمة من خيل البحر و غيرها. و ينصب الماء هناك من فوق جبل و يتشعّب شعبا كثيرة تنحدر من شط(1)
فصل: 1645.Seine (LA ):P .R :p
مدينة باريس على مسافة خمسة أميال.و قد أتقنوا صنعة اللعب بهذه المياه إتقانا محكما: فإنهم متى أرادوا أوقفوا جريانها في طرفة عين، و متى أرادوا أجروها بلمحة نظر. و إذا أجروا المياه على ما ذكرنا مدة نهار واحد كلفتهم ثمانية آلاف فرنك على ما قيل.
و لما رجعوا من فرسايل إلى باريس فرّجوهم على دار الولاية أو قصر الدولة(2): و هو قصر عظيم من أعظم القصور التي رأوها في سفرهم. و كان فيها نقوش و زخاريف كثيرة و صور جميلة من جملتها صورة كاثرينا دى ميديشى(3)التي أمرت ببناء ذلك القصر. و جانب من ذلك القصر يشرف على شط ماء عذب اسمه السين يمر في شط مدينة باريس، و عليه جسور كثيرة يمر عليها الناس من جهة إلى جهة أخرى. و الجانب الثاني من القصر يشرف على جنينة التوليري(4)العظيمة الجميلة الأشجار و الأزهار و ثوّارات المياه و التماثيل الحجرية إلى غير ذلك.
ثم فرّجوهم على خزنة السلاح، و كان فيها من الأسلحة أصناف كثيرة، لا يسعنا ذكرها في هذا الباب قد جمعوها من عهد قديم، و هم يعتنون بها كثيرا، و يعتبرون الأسلحة القديمة، و يفتخرون بها. و قد أضافوا إليها جميع أصناف الأسلحة الجديدة أيضا.
1) المقصود النهر الذي يشق باريس، نهر السين(Seine ) نهر فرنسا الشهير و هو الثاني طولا( 776 كلم) و الأهم اقتصاديا.
2) المقصود قصر التويلري الذي أمرت ببنائه دي ميديسيس سنة 1564 و هو يقع على السين بين متحف اللوفر و قصر الشان اليزي. و استمر بناؤه عدة سنوات و على مراحل. هدم هذا القصر سنة 1882 عدا جناحين منه. فصل:Tuileries 1806.(palais des ):P .R :p
3) هذا هو الاسم الايطالي لكاترين دي مديسيس، و هي من أسرة ايطالية شهيرة( 1519- 1589) تولت ملك فرنسا بعد موت زوجها، و كانت راعية للفنون، فواصلت بناء قصر اللوفر و شرعت في بناء قصر التويلري. فصل:Catherine de 349/ 2:Medecis :P .R
4) أي التويلريLes Tuileries
و بعد أن تفرّجوا على ما كان في ذلك القصر من التحف المستحقة الفرجة خرجوا بالسيد و رجاله، و ساروا بهم إلى قبر نبوليون بونابرتي الكبير.
سار رجال الدولة الفرنساوية بسعادة السيد برغش إلى المزار الموجود فيه قبر نبوليون الأول بهذا الاسم. و هو بناء شامخ عليه قبة عالية مصفّحة بالذهب يراها الناظر من كل جهة.
فلما دخلوا المزار انكشف لهم اتساعه و حسن بنائه. و أرضه مبلطة بالرّخام. و في صدر القاعة غرقة في هيئة محراب كبير فيه بركة، و في وسطها تابوت من حجر الرخام المنحوت ضمنه عظام(1)سلطانهم الكبير(2)نبوليون المذكور. و حوله تصاوير موضوعة على دائرة القبر.
و كان هذا السلطان شديد البأس من عهد شبابه. فإنّه قهر أعظم ملوك الإفرنج و له من العمر 21 سنة، و كان ينزل معامع الحروب في مقدّمة الجيش، و يقتحم نار المدافع، و يهجم على صفوف الأعداء، و يفتك بهم. و ما قام قائد جيوش بعد الإسكندر ذي القرنين مثل نبوليون الأول. و كان ذا عقل ثاقب، و قلب سليم، و علم واسع. فرض فرائض(3)
الفصل: 423/ 2:Code civil :P .R ، و الفصل: 2008/ 5:Codification :G .E و نلاحظ أن هذا القانون حظي بعناية رفاعة الطهطاوي فعرّبه. و يكون بذلك قد فتح الباب على معرفة القوانين الوضعية في البلاد العربية.
عادلة استسنّ(4)بها اليوم دولة الإنكليز و باقي دول أوروبا. و كان شجاعا لا يهاب الموت.1) نلاحظ أن نابليون قد أحرقت جثثه و دفن رمادها في مقبرة الأنفليد(Les Invalides )
2) يعني الإمبراطور
3) المقصود القانون المدني للفرنسيين(Code Civil des Francais ) و هو مجموع 36 قانونا تتعلق بالحقّ المدني شرّعه نابليون في 21 مارس 1804، و هو يتكون من 2281 فصل تتحدث عن: 1) الأفراد 2) الممتلكات و انتقالها 3) الممتلكات و طرق الحصول عليها. و قد عرف هذا القانون بقانون نابليون(Code Napolean ) و أثر على القوانين في أوروبا.
4) ب: تقتدي
و ما ذكره الأصمعي عن بسالة عنتر(1)و حماسته و جرأته في معامع الحروب ما هو سوى نقطة في بحر بسالة نابوليون المومأ إليه. و لو لا خيانة قواد جيشه و امرأته لما كان تمكن الإنكليز من قهره. و ما زالت إلى اليوم رايات الدول التي قهرها منصوبة حول قبره، و هي تسع رايات.
ثم فتح رجال الدولة الفرنساوية بابا صغيرا كان إلى جانب قبر نبوليون إجلالا لسعادة السيد برغش، و أدخلوه إلى مخدع لا يدخله أحد سوى الملوك و السلاطين، و فرّجوهم هناك على سيف السلطان نبوليون و كمّته(2)و نيشانه(3)و هي ما زالت محفوظة على حال حسنة بلا تغيير إلى الآن.
ثم خرجوا بالسيد و رجاله من هناك، و ساروا بهم إلى محل عمل الزوالي(4)و عمل الأواني الصينية و الفناجين، و غير ذلك من أعمال الصناع الغريبة التي يحتار العقل من سرعة عملها و حسن نقشها.
و بينما كان سعادة السلطان في معمل الفناجين فرّجوه على فنجان صغير من الفخار الصيني، فاستحسن شغله، و سألهم عن قيمته، فقالوا: ثلاثون ريالا.
و لما كان اليوم الثالث من وصولهم إلى باريس أتى رجال الدولة إلى سعادة السلطان، و طلبوا إليه أن يخرج في معيتهم ليفرّجوه على بستان مجمع الحيوانات. فأجاب طلبتهم، و خرج في رجاله معهم، فساروا به إلى البستان المذكور. و هو بستان عظيم متسع طولا و عرضا، و فيه محلات مخصوصة لأنواع الحيوانات المختلفة.
و من جملة الحيوانات الموجودة هناك جمال بيض ذات سنامين، و أفيال. و كان هناك فيل صغير وضع سائسه مزمارا في خرطومه، فصار ينفخ فيه و يزمر. و كان كذلك بقر أبيض له أذيال طويلة كأذيال الخيل. و طير النعام يجرّ مركبة كالخيل. ثم حمير من نوع حمار الوحش. و كلاب و غنم و كلها قد طوّعوها لتجرّ مركبات صغيرة. و في هذا البستان جميع أنواع الحيوانات و الطيور، لا يسعنا ذكر أجناسها و أنواعها في هذا الباب.
و لما كان نهار الجمعة فرجوا سعادة السلطان على سرداب في بطن الأرض تجتمع إليه مياه المدينة التي تصعد إلى البيوت و المنازل، و سرداب آخر تجتمع إليه فضلات المياه المستعملة في البيوت بعد الغسل و غيرها، و من السيول و غيرها، و هو سرداب طويل متشعّب في طرقات باريس من أسفلها، و علوه نحو قامتين، و عرضه نحو عشرة أذرع، و يسير فيه الماء حتى يصبّ في نهر باريس.
و كان نزولهم إلى هذا السرداب من كوة صغيرة. ثم هبطوا منها إلى درجه(1)حتى وصلوا إلى السرداب، فركبوا مركبات من حديد تجرّها أوادم، و تمشي على وجه العامد(2)و الماء يجري من تحتها.
و بعد أن ساروا بها مدة طويلة نزلوا منها و ركبوا قوارب صغارا تجري على الماء في ذلك العامد(3)، و كان في القوارب مصابيح يستضيئون بها في ظلام السرداب. و في هذا المكان علامات يستدلون بها على حصص(4)المدينة المبنية فوق السرداب. فإذا وصلوا إلى علامة قالوا لهم: نحن الآن تحت المحلة الفلانية من مدينة باريس. و لبثوا يسيرون بالسيد و رجاله في ذلك السرداب حتى خرجوا منه من طريق آخر.
ثم ساروا بالسيد و رجاله إلى محل اسمه" شيركوس"(5)، و هو مكان ملهى تلعب فيه الخيل و الرجال و النساء و الأولاد. و هو على شكل دائرة حولها كراسي يجلس عليها المتفرجون، و في قلب الدائرة ميدان ممهّد. فأتوا بحصان، و أدخلوه تلك الدائرة، و خرج إليه رجل في يده سوط، و صار يحرّك السّوط، و يفرقعه في الهواء و الحصان يدور يمينا و شمالا، و يقدم، و يدبر على هواء(6)قرع السوط كأنه في معركة من معارك أهل الفروسية(7).
ثم أبرزوا أربعة جياد، و صاروا يديرونها في ذلك الميدان على هوى الحصان الأول. ثم بعد حين أضافوا إليها حصانين آخرين، و لاعبوا الجميع على قرع السياط إقبالا و إدبارا و هجوما. ثم أضافوا إليها حصانين آخرين حتى صارت ثمانية حصن، و صاروا يلعبون الجميع
سوية. و من حسن إتقان تطبيع تلك الحصن كانت تجول في ذلك الميدان الضيّق المجال من دون أن تصادم بعضها (بعضا) عند الإقبال و الإدبار يمينا و شمالا.
ثم أوقفوا حصانين في صفّ واحد، و خرج رجلان، و صارا يركضان في دائرة الميدان حتى وصلا إلى قرب الحصانين، فقفزا إلى الهواء فوق الحصانين، و اندفعا يقلبان على أم رأسهما في الهواء قلبات متتابعة حتى انتهيا إلى قرب الأرض و وقعا على رجليهما.
ثم أضافا إلى الحصانين حصانا ثالثا، و قفزا عليه كما قفزا على الحصانين الأولين، و ما زالا يزيدان الحصن، و يقفزان عليها حتى اصطف الثمانية حصن، الواحد إلى جانب الآخر.
و صارا يقفزان عليها، و هما يقلبان قلبات متواترة في الهواء على أمّ رأسهما.
ثم خرج رجلان، و انتصب كل منهما على فرس، و قبضا على ثوب. و جاء الرجلان اللذان يقحمان، و قحما(1)من فوق الثوب المقبوض. ثم ركب رجل على أكتاف رجل آخر، و صار الرجلان يقحمان(2)فوق الرّاكب على أكتاف الآخر.
ثم دخل الميدان رجلان آخران و امرأتان، و صاروا يخيّلون(3)بسرعة عظيمة، و هم يلعبون على ظهر الخيول، و الحصن ترقص في طرب، و الناس يزمرون لها بالمزمار، و يضربون بالطبل، و هي ترقص على كسر(4)الألحان كأنها من بني آدم.
ثم برزت امرأة إلى الميدان، و قدّامها حصان مسروج، و لما انتهت إلى وسط الميدان قحمت(5)على الحصان، و هو يجري بسرعة، و استوت على ظهره، و دارت في الميدان، و هي
تارة تجلس، و أخرى تميل بجسمها: تارة إلى اليمين و أخرى إلى الشمال، و آونة تقف على رجل واحدة و رجلها الأخرى في الهواء، و تارة على كفل الحصان و هو في أكمل شوط.
ثم وقف ثلاثة رجال في أيديهم ثلاث حجلات (طارات من خشب) مثل الدوائر، فدارت المرأة بالحصان في الميدان حتى إذا حاذت الحجلة الأولى قحمت فوقها على ظهر الحصان، ثم نزلت من الجهة الثانية على ظهره، و هو يجري جريا سريعا، و استقلت برجليها على ظهره، ثم قحمت الحجلة الثانية و الثالثة، و الحصان في أتمّ الشوط، و هي لا تتغير عن مركز ظهر الحصان.
ثم أتوا بثلاث(1)حجلات أخرى ملصوق عليها قرطاس رقيق، ففعلت المرأة مثل فعلها الأول، و قحمت على الحجلة، و خزقت القرطاس حيث دخلت منه، و نفذت، و هبطت على ظهر الحصان، و هو يجري، و هي ملتفة على نفسها مثل كرة. فصفّق الحاضرون لها طربا لحسن فروسيتها(2).
ثم أخرجوا ستّ دوابّ، و عليها ستة قرود (سبلان) راكبة، و صارت تبدو في الميدان و كأنها من بني آدم، و لم يكن أحد يسوس الحصن سوى القرود، و كانت ماسكة على عنان الخيل كفرسان ماهرين في فنّ الفروسية(3)، فتعجّب الحاضرون من نباهة تلك الحيوانات.
ثم جاء رجل، و صعد إلى خشبة معلقة في الهواء بحبال، و صار يلعب عليها و يتلوّى، و كان تارة يتعلق بأطرافها برجليه، و تارة بيده الواحدة، و أخرى برجله الواحدة، و رأسه منكّس إلى أسفل، و آونة يدور على محور الخشبة كالدولاب، ثم يقبض عليها تارة بكوعيه،
و أخرى بعساقيل رجليه، و هو غير متمسك بشيء. فطرب الحاضرون من حسن براعته، و صفقوا له بأيديهم.
و ما زالوا يلعبون ألعابا كثيرة مثل هذه حتى فرغوا من اللعب.
و انصرف الناس مسرورين. و خرج السيد في رجاله و رجع إلى منزله بالسلامة.
طلب رجال دولة فرنسة من سعادة السلطان أن يطيل مدة إقامته بباريس ليفرّجوه على جميع ما في هذه المدينة الجميلة من التحف العجيبة. أما سعادة السيد فكان عازما على الرجوع إلى أوطانه السعيدة و قال لهم:" بارك اللّه فيكم أيها السادات الكرام، و حرس مدينتكم هذه من جميع الآفات. و إنها لعمري نعم المدينة! و قد صدق من قال: إن باريس عروس الدنيا، تفوق جميع مدن العالم جمالا و حسنا و بهجة، تقرّ عين الناظر برؤيتها، و تسرّ النفوس بحدائقها و منتزهاتها. و هي نزهة الدنيا، ذات أنهار جارية، و ثوارات ماء نافرة، و أشجار مثمرة، قطوفها دانية، و أزهارها نضرة، و قصورها شامخة عالية، و طرقاتها معتدلة ساوية. فإذا لبث الإنسان فيها- عمره بطوله- لا يسلوها. و لكن مهمّات المملكة تدعوني إلى الرجوع، و إني أشكر لكم مكارمكم العميمة و أسأل الحقّ- سبحانه و تعالى- أن يؤيّد ملككم على دعائم العزّ و الإقبال.
آمين".
و لما كان اليوم 22 جمادى الثانية (27 جولاي) خرج السيد بعد صلاة العصر فشيّعته أرباب الدولة و أكابر البلد إلى محطة سكة الحديد. و رافقته العساكر الخيالة أيضا.
و قبل غياب الشمس بنصف ساعة قام قطار سكة الحديد من باريس، و سار السيد و رجاله في كنف الرحمن الليلة بطولها.
و لما أصبح الصباح و أضاء بنوره الوضاح، دخلوا مدينة ليون(1)، وصلّوا الفجر فيها.
1) مدينة تقع في وسط فرنسا على نهري الرونRhone و السونSaone و هي ثالث مدينة فرنسية. فصل:Lyon : 1109/ 2:P .R
ثم سافروا بعد نصف ساعة و وصلوا إلى مدينة مرسيليا(1)
1161/ 2:Marseille :P .R
بعد ست ساعات.و كان رجال الدولة هناك قد بلغهم خبر قدوم سعادته فخرجوا إلى لقائه بفرقة من العساكر الخيالة، و أحاطوا بسعادته إحاطة الهالة بالقمر، و الأكمام بالزهر و الثمر. ثم ركبوا المركبات المعدّة لهم، و ساروا قاصدين المنزل المهيأ لهم، و العساكر الخيالة مكتنفة(2)بهم من خلف و من قدام. و كانت الدولة الفرنساوية قد أقامت موسيو(3)سفريه ترجمانا لسعادة السلطان، فرافقه إلى مرسيليا.
و لما وصلوا إلى الدار، وارتاحوا من تعب السفر تواردت أرباب الدولة و أعيان المدينة، و سلّموا على سعادته، و رحّبوا بقدومه الشريف.
و لما كان نهار الأربعاء 24 جمادى الثانية (29 جولاي) حضر أرباب الدولة إلى سعادته، و طلبوا إليه أن يخرج في صحبتهم ليفرّجوه على ما في مدينتهم من التحف، فأجاب السيد طلبتهم، و خرج، فساروا به إلى معمل السكر، و فرّجوه على طريقة تحليل السكر، و استقطاره، و تصفيته، و سبكه قوالب، و تقطيعه قطعا صغارا. و كل ذلك بواسطة الآلات البخارية.
ثم ساروا به من هناك إلى محل المراكب، و فرّجوه عليها.
ثم رجعوا بسعادته إلى المنزل.
و في اليوم 25 من جمادى الثانية (30 جولاي) ركب السلطان في مركب بخاري فرنساوي، و شيّعه جميع أرباب الدولة و أكابر البلد و سافر بالسلامة من مرسليا.
و وصل إلى نابل (نابولي)(1)في 27 من الشهر (1 أغسطس)، و هي بلدة من بلاد ايطاليا.
ثم سافر السيد و رجاله منها بعد الظهر. و توجهوا قاصدين مدينة الإسكندرية.
فلما وصلوا بالسلامة إلى ثغرها نشر القبطان بيرق سعادة السلطان في دقل سفينته، و كانت بالمرسى خمس سفن حربية من سفن سعادة الخديو إسماعيل باشا، فنشرت البيارق في دقالها، و صعدت عساكرها البحرية إلى سطح المراكب، و أطلقوا 21 مدفعا سلاما على سعادة السلطان. و كذلك أطلقت العساكر البرية من البرّ 21 مدفعا إكراما لسعادته و ترحابا بقدومه.
و لما رست سفينة السلطان وافى إليها صاحب الدولة محمد توفيق باشا(2)وليّ العهد، و صاحب السعادة حسين باشا أخوه ولدا حضرة الخديو المعظم، و كان في صحبتهما صاحب السعادة شريف باشا، و حسن باشا محافظ الإسكندرية، و غيرهم من المأمورين، و سلّموا على سعادة السلطان بالنيابة عن سعادة الخديو.
ثم طلبوا إليه أن ينزل معهم إلى البرّ. فنزل، و نزل معه من رجاله الأخصاء عشرة أنفار.
فلما وصلوا إلى البرّ، و خرجوا من الزورق أطلق الجنود 21 مدفعا إجلالا لسعادته.
و لما قربوا من سراية(3)رأس التين اصطف- لاستقبال السلطان- صفّان من العساكر، و رفعوا السلاح، و نشروا العلم، و آلة الموسيقة العسكرية تترنم ترحيبا بقدوم سعادته.
1) مدينة ايطالية بحرية(Napoli ). فصل: 1272/ 2:Naples :P .R
2) حكم( 1296- 1879- 1308/ 1892) أتقن عدة لغات و أنشأ نظام الشوري و المحاكم الأهلية و تعاون مع الإنكليز في تنظيم الدولة و المالية و الإدارة. فصل:Tawfik Pasha :E .I .2 :X /883 (Hopwood )
3) لفظة فارسية تعني المسكن، القصر. فصل:Saray :E .I .2 :IX /44 (Blair )
ثم خرج الخديو المعظم إلى لقاء السلطان، فقابله في أسفل درج السراية و رحّب بقدومه ترحيبا يسفر عن خلوص المودّة. ثم صعد معه إلى ديوان رحيب، و جلسا يتحدثان نحو نصف ساعة. ثم توادعا.
و خرج السلطان في رجاله و رجال سعادة الخديو، و ساروا إلى القصر الذي كانوا قد هيأوه لسكنى سعادته: و هو قصر فاخر لائق بمقامه. و أقاموا واحدا من المأمورين ملازما لسعادته يقوم بكل ما يلزم من الخدمات. و عيّنوا له فرقة من العساكر الخيالة و المشاة تلازم القصر الذي كان مجمّلا بأفخر الأثاث و مزيّنا بأحسن الفرش.
فلما استقر السلطان في المنزل وافى الخديو المعظم و وليّ عهده مصحوبين بأرباب الدولة، وردوا السلام على سعادته، و لبثوا يتوانسون بحضرة السلطان مدّة من الزمان. ثم توادعوا معه، و انصرفوا إلى دار الولاية.
ثم وافى أكابر البلد و أعيانها و قناصل الدول الأجنبية، و سلّموا على سعادته. و كان من جملة المأمورين الذين عينتهم دولة الخديو لخدمة سعادة السلطان والي الإسكندرية وقتئذ المسمى حسن باشا، و العالم الفاضل المسمّى علي الليث(1)، و نفران من القرّاء يقرآن القرآن بعشر قراءات، و غيرهم.
و لما كان نهار الخميس 3 رجب الأصبّ(2)(6 أغسطس) خرج السلطان يريد زيارة صاحبة العصمة أمّ الخديو المصونة في قصرها بالرملة.
و بعد أن قضى واجبات السلام على سعادتها رجع، و سار إلى زيارة شريف باشا و إسماعيل صديق باشا. ثم عاد إلى منزله بالسلامة.
ثم خرج بعد العصر ثانية، و سار إلى زيارة سعادة محمد توفيق باشا وليّ عهد الخديو و أخيه حسن باشا. و في أثناء رجوعهم من الزيارة ساروا إلى ساحة المنشيّة: و هي ساحة جميلة أنشأها الخديو المعظّم في قلب مدينة الإسكندرية، و نصب في وسطها تمثال محمد علي باشا صاحب مصر، و هو راكب على حصان، و نصب فيها أشجارا يجتمع الناس إلى ظلّها ليسمعوا أنغام الموسيقة التي تعزف في أوقات معلومة.
ثم رجعوا بعد الغروب إلى منزلهم بالسلامة.
و لما كان اليوم السادس من رجب (9 أغسطس) أقام الخديو المعظم وليمة شائقة لسعادة السلطان و أصحابه الأخصّاء. و لكن عرض للخديو مرض أعاقه عن حضور الوليمة بنفسه، فأقام ابنه وليّ العهد نائبا عنه.
فحضر السلطان و رجاله تلك الوليمة، و حضرها عدد وافر من رجال الدولة و رؤساء البلد من جملتهم حسن باشا ناظر الجهادية. و كان رجال الخديو يكرمون السلطان و رجاله إكراما لا مزيد عليه.
و كانوا قد أقاموا لكل رجل من رجال سعادته أنيسا يؤنسه و يتولاه(1)في الطعام، و كانوا قد أخذوا مأخذ الإفرنج في ترتيب سفرة الطعام، و كتبوا اسم كل واحد في قرطاس و وضعوه في إناء ليعرف الرجل المكان المعدّ له على السفرة.
و كانت الموسيقة تعزف بالأنغام خارج الدار في جنينة مزينة بالأشجار و الأزهار حتى فرغوا من الطعام.
و عقب(2)ذلك نهضوا و شربوا القهوة.
ثم انصرف كل منهم إلى منزله بسرور و حبور.
عزم السيد برغش على السفر من الإسكندرية إلى مصر في اليوم السابع من رجب (10 أغسطس)، فقام منها في رجاله بعد صلاة الظهر، و ركبوا قطار سكة الحديد، و بعد 6 ساعات وصلوا مصر القاهرة بعد المغرب بنصف ساعة. ثم نزلوا في دار فسيحة للرّاحة.
ثم حضر(1)أرباب الدولة إلى سعادته و طلبوا إليه أن يخرج معهم ليفرّجوه على زينة البلد تلك الليلة. فإنّ من عادتهم أن يزيّنوا المدينة ليلا بالمصابيح فرحا بفيض النيل(2)الذي عليه مدار خصب أراضيهم و حسن غلالها. فأجاب السلطان طلبتهم و خرج معهم، فساروا به إلى النيل في صحبة رجاله.
ثم ركبوا مركبا، و ساروا في النيل يتفرّجون على ما أعده أهل مصر من الزينة. و بعد أن فرغوا من الفرجة باتوا تلك الليلة في السفينة. و بات أهل مصر في أكمل زينة و سرور.
و كانت مصابيح كثيرة معلّقة في سفينة السلطان و مشاعل عديدة موقودة في البرّ حذاء سراية الخديو. و كانوا قد اتخذوا ألعابا من البارود تتطاير في الهواء على هيئات مختلفة.
و لما أشرق ضوء الصّباح، و تلألأ بنوره الوضّاح، وافى رجال الخديو إلى سعادة السلطان، و أخرجوه إلى مكان فيض النيل. فلما نزلوا إلى البرّ رأوا ميدانا واسعا قد اجتمعت إليه العساكر النظامية. و عند وصول السيد إليهم رفعوا أسلحتهم للسّلام على سعادته. ثم
ساروا به إلى خيمة كانوا قد ضربوها على شط النيل. و كان قد اجتمع جمع غفير من أهل مصر للفرجة على ذلك الموسم.
و لبث السلطان هناك إلى أن دنت ساعة فيضان النيل، فارتفع ماؤه إلى القياس المعيّن له.
و هذا القياس عامود من رخام منصوب في مكان من النهر ينحصر الماء فيه. و هو مفصّل على اثنين و عشرين ذراعا، و كل ذراع منقسم على 24 قسمة متساوية تعرف بالأصابع. فإذا استوى الماء 19 ذراعا في الفيض كان غاية ما تمنّوه من طيب العام و خصب الأرض وجودة الغلال.
و تارة يرتفع الماء أكثر من 19 ذراعا، و ربّما هذا أضرّ بالأراضي، و سبّب فيها الطوفان. و آونة لا يرتفع إلى 19 ذراعا. و المتوسّط عندهم ما استوى إلى 17 ذراعا، و هو أحسن مما زاد عليه.
أمّا مخرج هذا النهر فقد عني السيّاح كثيرا بالإطلاع عليه: منهم السايح ليفينكستن الإنكليزي، و استانلي الأمريكاني و غيرهما. و زعموا أنهم وجدوا أصل مخرجه.
غير أنه من المعلوم أن ينابيع مياهه إلى جنوبي بلاد دارفور، و يصبّ فيه أنهر و نهيرات من بلاد الحبش. و قبل دخوله إلى مصر تعترض جريانه صخور، فيحدث نوع من الشلالات، و تسمى جنادل النيل: الأول منها في بلاد دنكلة من النوبة، و الثاني في بلاد النوبة الداخلة في حكم مصر و هو أقوى الثلاثة، و الثالث عند دخول النيل إلى مصر بقرب أسوان. و من أسوان إلى القاهرة يجري بين جبلين شرقيهما ممتدّ إلى البحر الأحمر، و غربيهما ينتهي إلى الصحراء الكبيرة.
و الوادي الحادث بين هاتين السلسلتين ينفرج إلى جهة الشمال و أراضيه مروية بماء النيل عند فيضه. و عند ما ينتهي النيل إلى مكان يقال له (بطن البقرة) ينقسم إلى شطرين: أحدهما
يصبّ في البحر المتوسط بقرب مدينة رشيد(1)
Rashid: E. I. 2: VIII/ 834) Atiya(
، و الآخر يأخذ إلى دمياط(2)Dimyat: E. I. 2: II/ 292) Holt(
، و الأراضي بينهما يقال لها" الدلتا" عند اليونانيين و الإفرنج. و أما عند العرب فاسمها" البحيرة".و لما يكون نهر النيل على حالته الاعتيادية لا يصلح لركوب سفينة و سقها(3)أكثر من 1200 قنطار من مدخله إلى الجندل الأول. و لكن عند فيضه يصير عمقه نحو 40 قدما، و تجري فيه السفن الكبيرة حتى القاهرة. و أما علّة(4)فيضه فهي وقوع الأمطار الغزيرة في الجبال المجاورة لمخرجه. و قد أشار إلى ذلك الأمير تميم بن المعزّ(5)بقوله: (السريع)
أما ترى الرّعد بكى و اشتكىو البرق قد أومض و استضحكا
فانظر إلى غيم كصبغ الدّجىأضحك وجه الأرض لّما بكى
و انظر لماء النيل في مدّهكأنّه الصندل قد مسّكا
و يبتدئ فيض النيل عند الانقلاب الصيفي(6)و يصل إلى أعلى درجة الارتفاع
عند الاعتدال الخريفي(7)، فيستمر إلى ذلك عدّة أيام. ثم يأخذ في التناقص إلى الانقلاب الشتوي(8).
1) مدينة متوسطية تقع على الضفة الغربية لبحيرة النيل( الدلتا) ازدهرت في عهد محمد علي باشا. فصل:
2) مدينة متوسطية تقع على الضفة الشرقية لبحيرة النيل( الدلتا) عانت من الحروب الصليبية. فصل:
3) ب: حمولتها
4) ب: أسباب
5) أحد الفاطميين( 337/ 948- 374/ 985) أبوه المعز صاحب الديار المصرية و المغرب، مال إلى الأدب، و لم يحكم. له ديوان مطبوع. الزركلي: الأعلام 2/ 88، و فصل:Tamim :E .I .2 :X /171 - 2 (Smoor )
6) أي يوم 21/ 6( أطول نهار و أقصر ليل)
7) أي يوم 21/ 9( اعتدال النهار و الليل)
8) أي أي يوم 21/ 12( أطول ليل و أقصر نهار)
و بعد انحدار الماء من الأراضي تبقى مكتسية(1)بطين أسود علك(2)، فيه دسومة كثيرة، يسمّى" الإبليز" و هو يدمّلها(3)، و يقوّيها على تغذية النبات و الزروع. و كلما زاد فيض النيل زاد الخصب في بلاد مصر. و في ذلك قال أبو الحسن المعروف بابن الوزير(4): (من الوافر)
أرى أبدا كثيرا من قليلو بدرا في الحقيقة من هلال
فلا تعجب، فكل خليج ماءبمصر مسبّب لخليج مال
زيادة إصبع في كل يومزيادة أذرع في حسن حال
و قال المؤرخ عبد اللطيف البغدادي(5)
Abdellatif: E. I. 2: 1/ 47) Stern(
في كلامه على نيل مصر:" اتفق أن زيادة النيل بلغت في سنة ست و تسعين و خمس مائة للهجرة 12 ذراعا و 21 أصبعا. و هذا المقدار نادر جدّا فإنه لم يبلغنا- منذ الهجرة إلى الآن- أنّ النيل وقف على هذا الحد قطّ إلا في سنة 356 فإنه وقف دون هذا المقدار بأربعة أصابع. و أما على ثلاثة عشر ذراعا و أصابع فإنه وقع ستّ مرّات في هذه المدة الطويلة. و أما 14 ذراعا فإنه وقع(6)نحو 20 مرّة. و أما 15 ذراعا فأكثر من ذلك كثيرا"." و زعم أقباط الصعيد أنهم يتكهنون على مقدار الزيادة في السّنة من طين معلوم الوزن، ينجّمونه في ليلة معروفة، و يزنونه غدوة، فيجدونه قد زاد، فيحكمون من مقدار زيادته على مقدار زيادة النيل. و قوم يتكهنون من حمل النخل. و قوم من تعسيل النحل. و رأيت أن بعض(7)
1) ب: مكتسبة
2) علك: ساقط في ب
3) دمل الأرض: أصلحها بالدمال أي الزبل
4) وجدنا عدة أعلام يحملون هذا الاسم دون: ابو الحسن
5) يعرف بابن اللباء:( 557/ 1162- 629/ 1231) عالم متعدد الاختصاصات، له عدة تصانيف منها: الدرة المضيئة في فضل مصر و الاسكندرية و أخبار مصر. كحالة: معجم: 6/ 15- 16، و فصل:
6) أ: صلح
7) أ، ب: و رأيت لبعض من شرح ...
من شرح الثمرة لبطليموس(1)
فصل:Batlamiyus :E .I .2 :1 /0011 (PLESSNER )
الحكيم ذكر في تفسير الكلمة الأخيرة التي يقول في أولها" النيازك" أنّ:" النّيازك شهب تظهر في الجو ليلا و تتساقط سقوط النجوم. و هي تدل على جفاف الأبخرة، فإذا كانت في جهة واحدة دلت على رياح تعرض في تلك الجهة، و إذا كانت شائعة في الجهات كلها دلت على جفاف الأرض و يبوسة الهواء و قلة وقوع الأمطار. و نتج من ذلك نقصان في فيض النيل".و عندي أن هذا التعليل يقارب الصدق، فإن أصل المطر بخار يتصاعد من الأراضي الرطبة و مستنقعات المياه و من الأنهار(2)و البحار بشدّة حرارة الشمس. ثم يتكاثف في الجوّ، و يتكوّن منه الندى و المطر. و ذلك أن البخار يعلو في الهواء و يتكاثف و يستحيل غيوما. و هذه الغيوم لا تبعد أن تذهب بها الرّيح إلى طبقات الهواء، فتبرد في الكليّة، و تستحيل إلى ماء، و تنصبّ مطرا. و ما كان من هذه الغيوم دفع إلى أعلى الجبال الشامخة، و انحدر إليها ثلجا، و منه تتكون كثبان الجليد المخلّدة. و من هذه الثلوج و هذه الأمطار تتولد العيون، و تتربى السواقي، و البرك و الأنهر. ثم تسقي الأراضي و ينصبّ ما فضل عنها إلى البحار. و هناك تستحيل من جديد إلى بخار، و ترجع إلى سيرتها(3)الأولى. و هذا الترتيب يدوم بلا انقطاع ما دامت الشمس و الأرض على الحالة التي هما فيها الآن.
و لما فرغ السلطان من الفرجة على زيادة النيل سار به رجال الدولة المصرية إلى قصر جميل كانوا قد أعدوه لسكناه: و هي دار كبيرة ذات طبقات عديدة مزخرفة و مفروشة بأثاث فاخر و مزينة بثريات جميلة و قناديل كبيرة، و فيها من الكراسي و الأسرّة المموّهة بالذهب إلى غير ذلك مما يليق بمقام الملوك. و حول الدار جنينة واسعة ذات أشجار عالية و أزهار نضرة.
و مصمود(1)أمام الباب تمثال إبراهيم باشا(2)والد الخديو، و هو راكب على حصان. و كانت العساكر محافظة على تلك الدار من داخل و من خارج.
و لما استقرّ السلطان فيها، و استراح مدة من الزمان، طلب إليه رجال الدولة المصرية أن يخرج معهم ليفرّجوه على ما في المدينة من المنتزهات و التحف. فأجاب طلبتهم، و خرج. فساروا به أولا إلى بستان الأزبكيّة(3): و هو بستان كبير محفوف بالأشجار و الأزهار، و فيه بركة ماء متسعة كان المرحوم محمد علي باشا- صاحب مصر- يجلس عليها للمؤانسة مع حرمه.
و قيل: إنه كان له قارب صغير يجعله في البركة، و تنزل فيه بعض من جواريه و يقذفن به حول البركة.
و بعد أن فرغوا من الفرجة على تلك الدار، و ما فيها من التحف ساروا به ثاني يوم إلى خزانة الكتب(4)و مدرسة الطبّ. فرأوا فيها تلاميذ كثيرين من طلبة العلم و المريدين. و في خزانة الكتب هذه مصاحف كبيرة الحجم و قديمة العهد، و فيها كتب الفقه و الفرائض و الطب و التفاسير و النحو و الصرف و الفلسفة و الهندسة و الكيمياء و الشعر و الآداب إلى غير ذلك من كتب العلوم القديمة و المستجدّة، و مصمود(5)- في بعض غرف الدار- ثلاث صور: واحدة صورة لمحمد علي باشا، و الثانية صورة ولده إبراهيم، و الثالثة صورة الخديو إسماعيل باشا.
و في غرفة أخرى آلات علم الطبيعيات: منها آلة كهربائية تتركب من دولاب و لوح من البلور،
1) ب: مقام
2) هو ابن محمد علي باشا( 1204/ 1790- 1264/ 1848) كان قائدا عسكريا تمكن من الاستلاء على بلاد الشام ثم عادت إلى الباب العالي. تولى حكم مصر في حياة ابيه مدة 7 أشهر. الطعمي: معجم: ص ص 8- 9، الزركلي: الأعلام: 1/ 70
3) حي من أحياء القاهرة. ورد في كتاب" القاهرة في ألف عام"( 969- 1969):" و بعد ما كانت الأزبكية حيا مزدحما بالبيوت ذات المشربيات التقليدية أصبحت تضم مباني مبنية على الطراز الفرنسي" ص 29، زكي: موسوعة: ص 11- 12
4) المقصود المكتبة الوطنية التي ستحمل اسم: دار الكتب، اسسها الخديوي اسماعيل سنة 1870 بدرب الجماميز، ثم نقلت إلى أماكن أخرى. زكي: موسوعة: ص 107، و فصل:Ismail Pasha :E .I .2 :IV /291
5) ب: و معلّق
فإذا دار الدولاب بسرعة، و دنا الإنسان منها سرت الكهربائية من الآلة إلى جسمه، و شعر برجّة شديدة.
أما المدرسة ففيها من جميع أصناف العلوم العربية و الإفرنجيّة، و فيها مريدون كثيرون يدرسون العلوم العقلية و الصناعية و الطبية و اللغوية، و كل ما يحتاج إليه روح العصر من التمدن.
ثم ساروا من هناك إلى مدرسة البنات، و حضروا فحصهن و اختبارهنّ في فنّ الحساب و الجغرافية و التاريخ و الموسيقة و اللغات العربية و التركية و الإنكليزية و الفرنساوية و غيرها. ثم فرّجوه بعد ذلك على مدرسة الخياطة و التطريز(1)و الزركشة بالحرير و القصب(2)إلى غير ذلك.
و لما فرغوا من الفرجة على ما كان في تلك المدرسة خرجوا، و ساروا بسعادة السلطان إلى منزله.
و في اليوم الثاني خرجوا بالسيد و رجاله، و ساروا إلى معمل الأسلحة، و فرّجوه على طريقة عمل الأسلحة بجميع أصنافها.
ثم ساروا إلى دار الطباعة ببولاق(3)
فصل:Bulak :E .I .2 :1 /9921 (Jomier )
، و تفرّجوا على طريقة طبع الكتب و جميع آلات المطبعة.ثم فرّجوا السيد على طريقة عمل القرطاس من الأثواب البالية و الخرق و ورق الموز و على جميع الآلات التي تشتغل (لصناعة)(4)القرطاس حتى يخرج كاملا يصلح للكتابة.
1) أ، ب: النقش، و الصحيح ما أثبتنا
2) ثياب مقصّبة: مزينة بالشريط المطروق من الذهب و الفضة
3) قرية صغيرة قرب القاهرة، و بها وضع بونابرت مطبعته أثناء حملته على مصر. ثم تأسست بها أول مطبعة مصرية سنة 1821. و كان يشرف عليها مجموعة من الفنيين الذين تعلموا في ميلانو، ثم تحولت ملكيتها إلى مؤسسة خاصة سنة 1862.
4) إضافة يقتضيها السياق
ثم ساروا بالسيد و رجاله إلى بستان مجمع الحيوانات، و فرّجوهم على ما في ذلك البستان من الحيوانات الغريبة. و البستان في مكان يسمّى الجزيرة، و فيه قصر للخديو جميل البناء مزيّن بالأثاث الفاخر و الأسرّة و الكراسي و الموائد المموّهة بالذهب و قناديل و ثريّات ثمينة و مرايا كبيرة(1)
ص 79 و ما بعدها
. و في البستان حيوانات من كل الأصناف، و كان بينها جاموس ذكر عجيب الخلقة ذو ستّ قوائم: اثنتان من قدام و أربع من وراء، بخلقة كاملة. و هذا من فلتات الطبيعة.و لما كان اليوم الثاني عشر (17 أغسطس) ساروا بالسيد إلى دار التّحف(2)، و فرّجوه على الأصنام القديمة التي وجدوها تحت الأرض من عهد قدماء المصريين و الفراعنة. و هذه الأصنام- مع كثرة عددها و عظم صورها- أمر يفوق الوصف و يتجاوز التقدير. و كذلك إتقان أشكالها و إحكام هيآتها و المحاكاة بها الأمور الطبيعية فموضع التعجب بالحقيقة. فمن ذلك صنم ارتفاعه سوى(3)قاعدته نيف و ثلاثون ذراعا. و مداه من جهة على تلك النسبة. و هو حجر واحد من الصّوان الأحمر، و عليه من الدّهان كأنه لم يزده تقادم الأيام إلا جدّة.
و العجب كل العجب كيف حفظ فيه- مع عظمه- النظام الطبيعي و التناسب الحقيقي الذي عنه يحصل حسن الهيئة و ملاحة الصورة. و قد أحكم في هذه الأصنام إحكاما و أي إحكام! فمن ذلك مقادير الأعضاء في نفسها. ثم نسب بعضها إلى بعض. فإنك ترى الصنم قد ابتدأ بانفصال صدره عن عنقه عند الترقوة بتناسب بليغ. ثم يأخذ الصدر بارتفاع الترائب إلى الثندوتين، فيرتفعان عمّا دونها و يفرزان عن سائر الصدر بنسبة عجيبة، ثم يعلوان إلى حد الحلمة.
1) كان الخديوي اسماعيل مغرى بمحاكاة قصور أوروبا و حدائقها و نمط حياتها مما أدى إلى ديون عريضة. الطعمي: معجم:
2) أسسها إسماعيل باشا مع جمعية جغرافية( تقليدا للجمعية الجغرافية الملكية في بريطانيا) تحت رئاسة عالم الآثار الفرنسي ماريات(Mariette Pasha ). زكي: موسوعة ص 226. فصل:Ismail Pacha ( أعلاه)
3) ب: عند
ثمّ تصوّر الحلمة مناسبة لتلك الصورة الهائلة. ثم تنحدر إلى الموضع المطمئن عن القصّ و فرجة الزّور وزرّ القلب و إلى تجعيد الأضلاع و التوائها كما هو موجود في الحيوان الحقيقي. ثم تنحدر في مقاط الأضلاع و مراق البطن و التواء العصب و عضل البطن يمينا و شمالا، و توترها و ارتفاعها و انخفاض ما دون السرّة ممّا يلي الاقراب. ثم تحقيق السرّة و توتر العضل حولها. ثم الانحدار إلى الثّنّة و الحالبين و عروق الحالب و الخروج منه إلى عظمي الوركين. و كذلك انفصال الكتف و اتصاله بالعضد. ثم بالساعد و انفصال حبل الذراع و الكوع و الكرسوع و إبرة المرفق و نهري مفصل الساعد من العضد و عضل الساعد و رطوبة اللحم و توتر العصب، و غير ذلك مما يطول شرحه.
و قد صوّر كفّ بعضها قابضا على عمود قطره شبر كأنه كتاب. و صورة الغضون و الأسارير التي تحدث في جلدة الكف مما يلي الخنصر عند ما يقبض الإنسان كفه. أما حسن أوجهها و تناسبها فعلى أكمل ما في القوى البشرية أن تفعله و أتمّ ما في المواد الحجرية أن تقبله.
و لم يبق إلا صورة اللحم و الدّم. و كذلك صورة الأذن و حتارها و تعارجها على غاية التمثيل و التخييل. و اتخاذ الأصنام قد كان في ذلك الزمان شائعا في الأرض، عامّا في الأمم.
و ما زالت الملوك تراعي بقاء هذه الآثار، و تمنع من العبث بها و إن كانوا أعداء لأربابها.
و هم يفعلون ذلك لمصالح: منها لتبقى تلك الأصنام تاريخا ينتبه به على الأحقاب. و منها أن تكون شاهدة للكتب المنزّلة. و منها أنها تدل على شيء من أحوال من سلف و سيرتهم و توفّر علومهم و صنائعهم و فكرهم، و غير ذلك. و هذا كله مما تشتاق النفس إلى معرفته و تؤثر الإطلاع عليه.
ثم ساروا بالسيد و رجاله إلى مكان كانت فيه جثث موتى المصريين القدماء، و قد لفّت بنسيج من القنّب(1)، لعلّه يكون على الميّت منها زهاء ألف ذراع. و قد كفّن كل عضو على انفراده كاليد و الرجل و الأصابع في قمط دقاق. ثم تلفّ جثة الميت حتى يرجع كالحمل العظيم.
و يوجد بعض موتاهم في توابيت من خشب الجمّيز الثخين، و يوجد بعضهم في نواويس من حجارة، إمّا رخام و إمّا صوان، و بعضهم في أزيار مملوءة عسلا.
و هؤلاء الموتى قد يوجد على جباههم و عيونهم و أنوفهم ورق من الذهب كالقشر. و ربما وجد قشر من الذهب على جميع الميت كالغشاء. و ربما أوجد عنده الالة التي كان يزاول بها العمل في حياته. و قد وجدوا عند ميّت منهم آلة المزيّن(2): مسنّ و موسى. و عند آخر آلة الحائك.
و يظهر من حالهم أنه كان من سنتهم أن يدفنوا مع الرجل آلته و ماله. و يوجد في أجواف هؤلاء الموتى و أدمغتهم شيء يسمّونه" المومياء" و يشاهد أيضا داخل العظام، و قد تشرّبته، و سرى فيها حتى صارت كأنها جزء منه. و هذه المومياء سوداء كالقار(3): إذا اشتد عليه حرّ الصيف يجري، و يلصق بما يدنو منه. و إذا طرح على الجمر غلى و دخّن. و شمّت منه رائحة القار(4)أو الزّفت، و الغالب أنه زفت. و كان حكماء المصريين يخلطونها، و يصبّرون(5)بها جثث موتاهم لتصبر على ممرّ الزمان. و قد صبرت، و صبر الزمان على ممرّها.
ثم خرجوا بالسيد و رجاله من دار التّحف، و ساروا بهم إلى مدرسة الطبّ(6)و فرّجوهم على محلّ كانوا قد جمعوا فيه تصاوير الأمراض و الأوجاع و الآفات في تصاوير من شمع يخالها
الناظر إليها كأنها أيد و أرجل و أنوف و قلوب طبيعية مصابة بمرض من الأمراض، و يفعلون ذلك بقصد أن يسهّلوا على طلبة علم الطب معرفة الأوجاع و طريقة علاجها.
ثم دخلوا بالسيد إلى معمل الكيمياء، و هو مكان يحلّلّون فيه الطبايع، و يركّبونها، و يغيّرون ألوانها. و علم الكيمياء- عند علماء هذا الزمان- خلاف علم الكيمياء الذي كان عند القدماء، فإن ذلك كان ضربا من الخرافات: كان يزعم صاحبه أنه يستطيع أن يقلب الرّصاص إلى فضّة، و النحاس إلى ذهب. و ما أحد منهم قدر(1)أن يفعل هذا الانقلاب حتى انقلب دماغه، و مات يائسا.
و لما كان اليوم الثالث عشر (18 أغسطس) ساروا بسعادة السلطان إلى الإسماعيلية في ظاهر البلد، و هناك عرضوا على سعادته جنود الجيش المصري، و هم يمارسون فنون الحرب بإطلاق البنادق و المكاحل و المدافع و الهجوم و الدفاع، و كأنهم في معمعة الحرب و القتال. ثم باشر الجنود في ممارسة إطلاق المدافع و المكاحل على الغرض و الهدف: فمن أصاب نقطة الغرض أو قرب منه رفعوا له علما دلالة على أنه أصاب، و إن أخطأ لم يرفعوه. ثم تفرّج السلطان و رجاله على العسكر، و هم يمارسون فنّ المسايفة(2)و علم الطّعان.
ثم رجعوا إلى منزلهم.
و كان الخديو عاد تلك الليلة من الإسكندرية، فسار السلطان في رجاله، و سلّموا عليه.
و بعد ذلك قدم الخديو و وليّ عهده و ابنه حسن باشا إلى منزل السلطان لردّ السلام، فقابلهم السلطان بلطف و ترحاب. ثم خرج الخديو من لدن السيّد، و انصرف إلى قصره بالسلامة.
و لما كان اليوم الرابع عشر (19 أغسطس) ساروا بسعادة السلطان و رجاله، و فرّجوهم على قلعة مصر(1). و هي قلعة كبيرة أمر ببنائها صلاح الدين يوسف بن أيّوب على يدي قراقوش(2)، و كان خصيّا روميّا سامي الهمة، و كان يتولى عمائر مصر، و هو الذي بنى السور(3)من الحجارة محيطا بالفسطاط و القاهرة و ما بينهما و بالقلعة التي على جبل المقطّم(4).
فلما بنى القلعة أنبط فيها البئرين الموجودين اليوم، و هما أيضا من العجائب(5)و ينزل إليهما بدرج، نحو ثلاثمائة درجة، فنزلوا بسعادة السيد إلى هذه البئر على عمق ربعها، و فرّجوه على طريقة استقاء الماء منها.
و يزعم قوم من الذين ليس لهم إلمام بعلم التاريخ أن سيدنا يوسف- عليه السلام- كان قد سجن في هذه البئر. و هذا خطأ: فإن هذه البئر لم تنبط(6)إلا في عهد صلاح الدين يوسف بن أيوب كما أسلفنا الى ذلك.
و قد شاد(7)محمد علي باشا صاحب مصر مسجدا عظيما في هذه القلعة. و هو مبنيّ بحجر الرخام الأصفر و مزيّن بثريات جميلة و قناديل عديدة. و لما توفّي أقاموا له ضريحا في قبة إلى جانب باب المسجد(8)و ما زال قبره هناك إلى اليوم، و حوله مصابيح و قناديل و شموع، و على دائرة القبة اسم محمد و أبي بكر و عمر و عثمان و علي و فاطمة و الحسن و الحسين.
1) تسمى أيضا: قلعة الجبل و هي القلعة التي أمر ببنائها صلاح الدين على جبل المقطم سنة 579/ 1176 و تم بناؤها سنة 604 و صارت دار مملكة مصر. المقريزي: الخطط: 2/ 203
2) هو قرقواش الأسدي. المقريزي: 2/ 203
3) أمر ببنائه صلاح الدين أيضا سنة 566. المقريزي: الخطط: 1/ 379
4) هذا الجبل يمر على جانبي النيل إلى النوبة. المقريزي: الخطط 1/ 184، زكي: موسوعة ص 214
5) هما في الحقيقة بئران يستقبلان الماء من النيل عبر السواقي. المقريزي: الخطط 2/ 229
6) ب: لم تنبط( تنشأ)
7) أ، ب: أشاد
8) دفن محمد علي باشا بجامعه بالقلعة. الطعمي: معجم ص 364
ثم خرجوا من القلعة، و ساروا إلى الدار التي كان قد بناها محمد علي باشا لنفسه و هي دار رحبة محفوفة بالجنائن تشرف على مدينة القاهرة.
و لمّا كان وقت العصر سار السيد و رجاله إلى زيارة ضريح الحسين بن علي بن أبي طالب(1)
Al- Husayn: E. I: III/ 472) Lammens(, E. I. 2: III/ 042- 3) Vaglierie(
. و هو ضريح مزيّن بأفخر الزينات. قيل: إن التابوت المدفونة فيه عظام الحسين(2)هو من فضة. و قد شادوا عليه قبّة ذات بنيان فاخر، و جلّلوا الضريح بأصناف الديباج، و حول التابوت شماعدين كبيرة تتّقد فيها شموع بيضاء من الشمع. و القبة كلها مزيّنة بالنقوش الذهبية، و أرضها و حيطانها من الرخام المجزّع الغريب الصّنعة و البديع الترصيع. و في صدر المسجد حجر شديد السّواد و البصيص يلمع كالمرآة، و الزوّار يتزاحمون على القبر، و يتبركون به، و يمسحونه بكسوتهم.ثم ساروا بسعادة السيد و رجاله إلى زيارة الجامع الأزهر(3)، و المسجد الذي بناه السلطان حسن(4)و فيه قبره من تاريخ خمسمائة و ثمان و خمسين سنة. ثم فرّجوهم على المسجد(5)
1) الحسين هو ابن فاطمة الزهراء( 9/ 624- 61/ 680) استشهد في معركة مع جيش يزيد بن معاوية و أرسل رأسه و نساؤه و أطفاله إلى دمشق، و لا يعلم حيث دفن. الزركلي: الأعلام: 2/ 243. الفصلان:
2) هذا الضريح أنشئ عام 549/ 1154 في أيام الخليفة الظافر بأمر اللّه، و جدده الخديوي عباس اسماعيل زكي: موسوعة ص 342
3) تاريخ بنائه( 970 م- 972 م) بناه جوهر الصقلي للفاطميين لتدريس الفقه الشيعي. زكي: موسوعة ص 11- 13 و فصل:Al Azhar :E .I .2 :1 /318 (Jomier )
4) هو مسجد و مدرسة للمذاهب الأربعة، يوجدان بشارع القلعة المقريزي: الخطط 2/ 316، زكي: موسوعة ص 302- 306
5) يسمى أيضا: تاج الجوامع، و الجامع العتيق: هو أول مسجد أسس بديار مصر بعد الفتح الاسلامي سنة 21/ 641. و كان وقتئذ مشرفا على النيل و كانت مساحته 50 ذراعا* 20 ذراعا و فرشه الحصى ... تم تجديده عدة مرات. المقريزي: الخطط 2/ 246- 256، زكي: موسوعة: ص 322- 4
المنسوب إلى عمرو بن العاص(1)
451/ 1:Amr b .Al As :E .I .2
، و قبر الإمام الشافعي(2)المسند في الحديث، أحكام القرآن. كحالة: معجم 9/ 32- 34
و هو العالم محمد بن إدريس، و على قبره حجر كبير منقوش عليه بالقلم العربي" هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي أمين اللّه". و قد كتبوا حول القبّة آيات من القرآن الشريف بمداد الذهب و باقي أسماء الصحابة إلى الحسن(3)Al Hasan: E. I: III/ 472) Lammens(, E. I. 2: III/ 042- 3) Vaglierie(
و الحسين.و لما فرغ السيد من زيارة تلك المساجد رجع بالسلامة إلى منزله.
منظر مدينة القاهرة و القلعة و نهر النيل و أهرام الجيزة
1) عمرو بن العاص( 50 ق ه/ 573- ه/ 663) أحد عظماء العرب أسلم في هدنة الحديبية تولى امارة الجيش في عدة غزوات و كان من أمراء الفتح في الشام و مصر الزركلي: الاعلام 5/ 79، فصل:
2) صاحب أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنة( 150/ 757- 204/ 819) نشأ بمكة، أقام بمصر و بها توفي من تصانيفه:
3) عاش بين 3/ 624- 50/ 670) خامس الخلفاء الراشدين و أخرهم و ثالث لأئمة الاثني عشر عند الإمامية. تنازل عن الخلافة لمعاوية بعد ستة أشهر. الزركلي: الأعلام 2/ 199. الفصلان:
لما كان اليوم الخامس عشر (20 أغسطس) بعد صلاة الفجر خرج السيد و رجاله يريدون الفرجة على أهرام مصر(1)
موسوعة الفراعنة: الأسماء، الأماكن، الموميات. ترجمة د. محمود ماهر طه، دار الفكر للدّراسات و النشر و التوزيع، القاهرة ط 1991، بوزنر( جورج): معجم الحضارة المصرية القديمة، ترجمة أمين سلامة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992.
. و هي من بقايا آثار المصريين القدماء، و قد أكثر الناس من ذكرها و وصفها. و هي كثيرة العدد. و كلها ببرّ الجيزة، و على سمت مصر القديمة، و تمتدّ في نحو مسافة يومين، و بعضها كبار، و بعضها صغار، و بعضها طين و لبن، و أكثرها حجر، و بعضها مدرّج، و أكثرها مخروط أملس. و قد كان منها بالجيزة عدد كثير، لكنها صغار، فهدمت في زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب(2)كما ذكرنا(3).و أما الأهرام الموصوفة بالعظمة فثلاثة أهرامات موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط، و بينها مسافة يسيرة، زواياها متقابلة نحو المشرق، و اثنان منها عظيمان جدّا(4)، و في قدر واحد. و بهما أولع الشعراء، و شبّهوهما بنهدين قد نهدا في صدر الديار المصرية.
1) أغرم الغربيون بآثار الفراعنة و أهرامهم و اهتموا بدراستها منذ حملة نابليون. و للاطلاع يراجع مثلا: فيرنوس( باسكال):
2) الملك الناصر( 532/ 1138- 589/ 1193) مؤسس الدولة الأيوبية، و هازم الصليبيين. الزركلي: الأعلام 8/ 220 فصل:Salah al Din :E .I .2 :VIII /019 - 4 (Richards )
3) نقل الكاتب هذا الكلام عن المقريزي: الخطط 1/ 111
4) اثنان عظيمان: أحدهما الأكبر و هو من بناء فرعون من الأسرة الرابعة و هو خوفو( ح. 2538 ق م- 2516 ق م) يبلغ ارتفاعه 6، 146 م و طول ضلعه 9، 230 م. أما الهرم الثاني فهو من عمل خفرع( ح. 2509- 2484 ق م) و يبلغ ارتفاعه 143 م، و ضلع قاعدته 9، 203 م. فيرنوس: موسوعة ص 77، زكي: موسوعة ص 17، بوزنر: معجم ص 113، 4- 233Ancient :pp
و زعم صاحب القاموس(1)
كحالة: معجم 12/ 118
من باب الخطأ، و قال:" الهرمان بناءان أزليان بمصر بناهما إدريس (نوح) عليه السلام لحفظ العلوم فيهما عن الطوفان، أو بناء سنان بن المشلشل، أو بناء الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم. و فيها كل طب و سحر و طلسم(2)". و لعمري هذا غلط من جملة أغلاط صاحب القاموس. و هذان الهرمان متقاربان جدا و مبنيان بالحجارة البيض. و أما الثالث فينقص عنهما بنحو الربع، لكنه مبني بحجارة الصّوان الأحمر المنقّط الشديد الصلابة، و لا يؤثر فيه الحديد إلا في الزمن الطويل، و هو صغير بالقياس إلى ذينك.و قد سلك المصريون في بناية الأهرام طريقا عجيبا من الشكل و الإتقان، و لذلك صبرت على ممرّ الزمان، بل على ممرّها صبر الزمان. فإن الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، و العقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها، و الأنفس النّيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، و الملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل حتى أنها كادت تحدّث عن قومها، و تخبر بحالهم، و تنطق عن علومهم و أذهانهم، و تترجم عن سيرتهم و أخبارهم، و ذلك أن وضعها على شكل مخروط يبتدئ من قاعدة مربّعة و ينتهي إلى نقطة، و من خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه، و هو يتساند على نفسه، و يتواقع على ذاته، و يتحامل بعضه على بعض، فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها.
و من عجيب وضعه أنه شكل مربّع قد قوبل بزواياه مهابّ الرّياح الأربع، فإنّ الريح تنكسر سورتها عند مصادمتها الزاوية، و ليست كذلك عند ما تلقى السطح.
و هذه الأهرام ترى على بعد 20 ميلا. و علوّ الأكبر منها نحو 500 قدم، و فيه مدخل يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيّقة، و سراديب(3)متنافذة، و آبار، و مهالك، و غير ذلك.
و المسلوك فيه المطروق كثيرا فزلاقة تفضي إلى أعلاه، فيوجد فيه بيت مربّع فيه ناووس من حجر. و هذا المدخل ليس هو الباب المتّخذ له في أصل البناء، و إنما هو منقوب نقبا صودف اتفاقا. و ذكر أن المأمون هو الذي فتحه(1).
فولج رجل من رجال السيد برغش هذا الهرم صحبة بعض من أهل مصر. فسارت بهم الطريق إلى مكان مظلم لا يلجه أحد إلّا بمصباح يستصبح به، ثم صعدوا إلى البيت المربّع الذي أسلفنا ذكره.
و في هذا الهرم خفافيش كثيرة، و يعظم فيه الخفاش حتى يكون في قدر الحمام، و فيه طاقات و روازن نحو أعلاه، و كأنها جعلت مسالك للرّيح و منافذ للضوء.
و في القرى المجاورة للأهرام قوم قد اعتادوا ارتقاء الهرم بلا كلفة. فلما دروا(2)بقدوم سعادة السيد برغش إلى الأهرام بادروا إليه، و أرادوا أن يرتقوا بسعادته إلى الهرم، و يستووا على سطحه، فأبى السيد، و لكن بعض من رجاله رقوا الهرم بمشقّة عظيمة. و بعد أن تفرّجوا عليه نزلوا. و دخلوا مغائر(3)بقرب الأهرام كانت مدافن لملوك المصريين أو للثيران المقدّسة(4)
التي كانوا يعبدونها تحت اسم أفيس(1)
بونزر: معجم ص 3، 36- 35Ancient :pp
. ثم شاهدوا بقرب الأهرام تمثالا كبيرا له رأس إنسان على جثة حيوان من ذوات الأربع طوله 125 قدما، و هم يدعونه أبا الهول(2).و لما فرغ السيد برغش و رجاله من الفرجة على الأهرام ذهبوا(3)إلى دار كان قد تهيأ لهم فيها شيء من الطعام، فدخلوها، و أكلوا، و استراحوا.
ثم رجعوا إلى مصر بالسلامة.
و في اليوم السادس عشر (21 أغسطس) من الشهر سار السيّد برغش في رجاله إلى مشاهدة قصر النيل(4)و القناطر الخيرية(5)
زكي: موسوعة ص 216
. و لما وصلوا إلى القلعة السعيدية أطلق الجنود منها 21 مدفعا إكراما لسعادة السلطان. و لما تفرج على القلعة أطلقوا له كذلك 21 مدفعا وداعا.و في عصر ذلك اليوم سار السيد برغش إلى تهنئة الخديو بعيد مولده، و كان ذلك النهار ختام السنة السابعة و الأربعين من عمره. ثم عاد السيد إلى منزله بالسلامة.
1) هو أبيس(Apis ) الثور المقدس الذي يرمز إلى الخصوبة أساسا، فعبده الناس في" منف"، ثم استعار ذلك الثور قرص الشمس من رع و حمله بين قرنيه. و بعد ذلك اندمج أبيس في اوزيريس فتكون منهما إله جنائزي. و منذ ذلك التاريخ اتخذ موت العجل أبيس أهمية بالغة، فصار يدفن بجنازة رسمية وسط العباد المؤمنين الذين يحضرون الهدايا. و بمجرد موته يولد من جديد فيبحث الكهنة في الحقول حتى يتعرفوا اليه بعلامات خاصة: بقع سوداء في جلده الخ. فيتوّج في الحظيرة المقدسة:
2) هو عند المصريين أسد له رأس إنسان، أضخم تماثيله الموجود بالجيزة، و هو أقدمها. أمر خفرع بنحته في تل من الحجر الجيري طوله 70 م ليحرس الممرات الغربية التي يختفي فيها الشمس و الأموات. بونزر: معجم: ص 2- 3 8- 276Ancient :pp
3) أ: اعتزلوا
4) كان سعيد باشا( ح. 1854- 1863) كثير التنقل بعساكره من مصر إلى الاسكندرية ثم إلى مريوط و إلى قصر النيل بالقشلاق الذي أعده هناك لعسكره. الطعمي: معجم ص 194( و نلاحظ أن قشلاق لفظة تركية تعني قشلة و هي تعريب للفظة الاسبانية(Castle ) التي تعني ثكنة.
5) القناطر الخيرية: تعتبر الحجر الأساس في نظام الريّ الحديث في مصر، شرع في انشائها سنة 1847، و أكملت سنة 1861.
و لا يسعنا هنا أن نذكر ما رآه و شاهده السيد برغش من التحف و الفرج في الديار المصريّة: فإنها بلاد قد اشتهرت منذ قديم الزمان، و ملك عليها ملوك كثيرون من أهلها، و تسلّط عليها أكثر الدول المشتهرة القديمة. و أول من غزاها من الغرباء بختنصر(1)ملك بابل. ثم أضيفت إلى مملكة فارس و مادي(2)في عصر كمبيز(3)بن قورش(4)، قبل تاريخ الميلاد بخمسمائة و 25 سنة. ثم فتحها(5)الإسكندر بن فيلبس المقدوني الموصوف بذي القرنين(6)و بعد وفاته قامت فيها الدولة البطليموسية(7)و بقيت حتى أخذها الرومانيون قبل تاريخ الميلاد بمدة و جيزة(8)، جزءا من المملكة الشرقية، حتى فتحها(9)عمرو بن العاص(10)في خلافة عمر بن الخطاب(11).
1) المقصود: بختنصر الثاني( 630 ق م- 562 ق م) و( ح 605 ق م- 562 ق م) قد تمكن هذا الملك من الانتصار على الفراعنة سنة 606 ق م. فصل: 575/ 8:Nebuchadrezzar II :N .E .B
2) هي ميديا: مقاطعة في شمال غربي ايران. فصل: 1382/ 3:Babylone :G .E
3) ب: كمبيز( قمبيز)
4) ( ح. 525 ق م- 522 ق م) ثاني ملوك فارس و ميديا. حكم مصر مدة عامين. و بذلك أسس الأسرة السابعة و العشرين( 27) و كان أبوه قورشCyrus الشهير قد وحّد من قبل كلا من إيران و الأناضول و إمبراطورية بابل. و في عام 525 سحق جيشه الملك المصري باسماتيك الثالث. فنصّب الكهنة قمبيزGambyse فرعونا على البلاد فيرنوس: موسوعة ص 211
5) أ: استفتحها.
6) دخل مصر عام 331 ق م و أعلن نفسه ابنا مختارا للآله آمون، شيد الاسكندرية في مصر ثم رحل ليغزو الشرق حيث توفي في بابل. فيرنوس: موسوعة ص 47
7) دولة البطالمة أسسها- عند انقسام إمبراطورية الاسكندر- القائد المقدوني بطليموس بن لاجوسLagos . لقبه المصريون بالفرعون البطلمي سنة 309 ق م و لقد حمل اسم بطليموس هذا أربعة عشر ملكا من خلفائه على عرش الاسكندرية و استمر حكم الاسرة إلى سنة 30 ق م: فيرنوس: موسوعة ص 89- 92
8) غزوها سنة 30 ق م و قضوا على البطالمة، فيرنوس: موسوعة ص 158
9) أ: استفتحها
10) فتحها سنة 19/ 640 و صار واليا عليها سنة 38/ 659. فصل:Amr أعلاه.
11) كان خليفة بين 13/ 634 و 23/ 644. الزركلي: الأعلام 5/ 45
و كانت تابعة للخلفاء العباسيين إلى سنة 968 حتى قامت فيها الدولة الفاطمية التي بقيت إلى سنة 1171 ميلادية.
ثم ملك عليها السلطان صلاح الدين الأيوبي(1)
Misr: E. I. 2: VII/ 641
.ثم أضيفت إلى المملكة العثمانيّة سنة 1517.
و لما كانت سنة 1798 تسلطت عليها الدولة الفرنساوية تحت لواء نابوليون بونابرتي و بقيت في يده إلى سنة 1801.
ثم رجعت إلى المملكة العثمانية حتى استقل فيها محمد علي باشا الذي تسلط على الديار الشاميّة من أثناء سنة 1820 إلى سنة 1840.
ثم عادت إلى أيدي آل عثمان. و بقى محمد علي باشا مستقلا في مصر. و لم تزل إلى الآن(2)بيد نسله.
و في أيام المصريين القدماء كانت العلوم و الفنون عند كهنتهم الذين كانوا قد اصطلحوا على نوع من الخط(3)بالعلامات و الرسوم و صور بعض الحيوانات يعرف الآن بالقلم المصري القديم(4)
EcritureG. E 2/ 8804) Ecriture de l'Egypte Antique(
. و ما زالت هذه الكتابات منقوشة و محفورة في صخور الآثار القديمة و الأهرام و غيرها.و كان قد فقد الناس معرفة قراءتها. فقام رجل فرنساوي من مدّة بضع سنين اسمه
شمبوليون(1)، و اهتدى إلى فكّها بحذق(2)عقله. و علّم الناس قراءتها، و صنّف لها قاموسا و صرفا و نحوا. و حذا حذوه أخوه(3)
Ecriture
، و سهّل على المتعلمين طريقة درسها و قراءتها.أما مدينة القاهرة(4)فقد بناها المعزّ، و جعلها مقر الملك إلى اليوم. و هي مبنية بجوار مصر القديمة(5)
موسوعة ص 245، 436.King :Historical p ، و فصل:Misr
التي هي منف(6)، و كانت مقرّ سكنى الفراعنة(7)، و قد جاء ذكرها في القرآن الشريف عن موسى عليه السلام:" و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها(8)". و منه قوله" فخرج منها خائفا يترقّب(9)". لأن مسكنه كان بقرية بالجيزة(10)قريبة من المدينة تسمى دموه.و لما فرغ السلطان و رجاله من الفرجة على الأهرام و ما فيها سار بهم رجال الخديو بالسلامة إلى القاهرة.
1) جان فرنسوا( 1790- 1832 م) اختصاصي الآثار المصرية أتقن اللاتينية و اليونانية و العبرية و القبطية و الفارسية و السنسكريتية و العربية. تمكن- اعتمادا على حجر رشيد( لوحة مكتوب عليها الكتابة المصرية القديمة عثر عليها في مدينة رشيد)- من فك رموز تلك الكتابة و صار متخصصا بها و له فيها عدة كتب منها: موجز نظام الهيروغليفية( نشره سنة 1824). فصل: 2561/ 5:Champollion :G .E
2) أ: بحذاقة
3) أ، ب: ولده و الصحيح هو أخوه الأكبر جاك( 1778- 1867) الذي قام بنشر أعمال أخيه المخطوطة. فصل:
4) هذا هو الإسم الذي أطلقه الفاطميون على المدينة التي أسسوها قرب الفسطاط( من تأسيس عمرو بن العاص) سنة 362/ 973 و قد قام بهذا العمل جوهر الصقلي. و كانت القاهرة- أول الأمر- مدينة الحكومة فقط. فصل:Misr
5) هو البناء الواقع بين جامع عمرو بن العاص( الفسطاط) و يمين ضفة النيل- يوجد فيه حصن بابليون الروماني. زكي:
6) Memphis : تقع عند رأس الدلتا على بعد 20 كلم تقريبا من مدينة القاهرة الحديثة على الضفة الغربية للنيل. و هي عاصمة الاقليم الأول لمصر السفلى. كانت أكبر مركز ديني. فيرنوس: موسوعة ص 250- 2
7) أطلق هذا الاسم( أي البيت العظيم) على الأسر الحاكمة لمصر و عددها ثلاثون من عام 2000 ق م إلى 341 ق م قبل سقوط مصر تحت الحكم الفارسي. فيرنوس: موسوعة ص ص 25- 47، 176 إلخ
8) سورة القصص 28/ 15
9) سورة القصص 28/ 21
10) الجيزة منطقة تقع على الضفة الغربية للنيل تجاه القاهرة تعرف بأهرامها الكثيرة. زكي: موسوعة ص 80
عزم السيد برغش على السفر من الديار المصرية في اليوم التاسع عشر من الشهر (24 أغسطس). و لكن حدثت وفاة الأميرة زينب ابنة الخديو في 17 الشهر، و عظمت المصيبة في مصر عند أهلها و أقاربها. ثم خرجوا بجنازتها إلى المقبرة في موكب حافل، و بعد ذلك أقاموا لها العزاء، فرأى السيد- أعزه اللّه- أن يؤخر سفره إلى بعد انقضاء أيام العزاء بثلاثة أيام.
و لما كان اليوم 22 من رجب (27 أغسطس) خرج السيد في رجاله إلى محطة سكة الحديد. و كان الخديو و ابنه محمد توفيق باشا وليّ العهد و ابنه حسين باشا ناظر الجهادية قد سبقوا سعادة السيد إلى محطة سكة الحديد، فتوادع السيد معهم، و ركب قطار سكة الحديد، و قام من القاهرة و سار على بركات اللّه.
و بعد خمس ساعات وصل قطار سكة الحديد إلى الزقازيق، فخرج السيد في رجاله إلى دار كانت هناك، و كانوا قد أعدوا له و لرجاله سفرة فاخرة فأكلوا. ثم ركبوا. و قام بهم القطار إلى مدينة السويس.
و لما وصلوا إليها أطلقت الجنود 21 مدفعا ترحابا بقدوم سعادة السيد. و لما خرج السلطان من مركبة سكة الحديد لاقاه والي السويس و حافظ المدينة و كبراؤها، و رحبوا به و بأصحابه، و ساروا بهم إلى ساحل البحر. ثم ركبوا قوارب قطعوا بها البحر إلى بارجة كان قد أعدها الخديو لسعادة السلطان لتحمله إلى عدن، ثم إلى زنجبار. فدخلها السيد و أصحابه، و باتوا فيها ليلتهم.
و لما أصبحوا سافروا من السويس في 23 رجب (28 أغسطس).
و سارت بهم البارجة إلى باب المندب في خمسة أيام (28 رجب 1292 (2 سبتمبر 1875)). ثم وصلوا إلى بندر عدن في الساعة الثانية من النهار.
و لما دخلوا المرسى أطلقت البوارج البريطانية 21 مدفعا ترحابا بوصول سعادة السلطان بالسلامة. و بات السيد و رجاله في الباخرة تلك الليلة.
و لما أصبح أتت قوارب من بوارج الإنكليز، و أخرجت سعادته و رجاله إلى البرّ. و أطلقوا له 21 مدفعا. ثم اصطفت العساكر إجلالا لسعادة السلطان. و أتى والي البلد و رؤساء العساكر، و سلّموا على سعادته، و ساروا به إلى دار والي البلد. و لما استراح قليلا قال له الوالي:" قد أمرتني الدولة البريطانية أن أهيئ لسعادتك دارا تليق بمقامك، و قد فعلت ما أمرت به، فأطلب إلى سعادتك أن تشرّفها بنزولك فيها". فأجاب السيد:" حبّا و كرامة". و سار إليها برجاله. و أقاموا بها إلى حين سفرهم من عدن.
و كان سعادة الخديو أمر قبطان الباخرة التي حملت السلطان أن يسير به حتى زنجبار في بارجة الخديو. و لكن سعادة السلطان اعتذر للقبطان، و شكر له و لأفضال سعادة الخديو.
و قال: إن من نيته الإقامة في عدن مدة من الزمان في انتطار الدكتور كيرك الذي تخلّف عن سعادته بلندن لإنهاء بعض أشغال الدولة، و لا يحبّ أن يحجز بارجة الخديو زمانا طويلا بعدن.
و من ثمة كتب السلطان كتابا إلى الخديو يشكره على أفضاله العميمة، و رخّص للقبطان بالإياب إلى مصر.
ثم وصل الدكتور المومأ إليه في شعبان، و التقى(1)بالسيد. و كانت جلالة ملكة الإنكليز قد أرسلت صحبة قبطان الباخرة رسم صورتها إلى سعادة السلطان. فأتى القبطان، و طلب مقابلة سعادته، و دخل عليه، و سلّمه صورة الملكة، فتناولها السلطان بعزّ و إكرام، و أنعم
1) أ: تواجه
على القبطان بنيشان من الرتبة الثالثة من" الكوكب الدرّي"، و أنعم على قبطان بارجة الخديو بنفس النيشان من الرتبة الثالثة. و كذلك أنعم على قبطان المركب الذي ركب فيه من مرسيليا إلى الإسكندرية، و على قبطان الباخرة التي ركب فيها من زنجبار بنواشين من الرتبة الثالثة من" الكوكب الدري".
و كان السلطان قد أنعم بهذا النيشان أيضا على أرباب السياسة و أصحاب المناصب في باريس و مرسيليا و الإسكندرية و البورتوغال، كل على حسب مرتبته.
ثم سافر سعادة السلطان من عدن محفوفا بالسلامة في 9 شعبان، و شيّعه رجال الدولة، و أطلقوا 21 مدفعا توديعا له. و سارت باخرته في أمن الرحمن، وصفا له الجو، وراق البحر حتى وصل بالسلامة إلى أوطانه السعيدة، و اشرف على زنجبار المجيدة في اليوم الثامن عشر من شعبان (1292) (20 سبتمبر 1875).
و لما خرج إلى البرّ أطلق الجنود من قلعة البلد 21 مدفعا ترحابا بوصول سعادته بالسلامة.
و خرج أهل البلد و أرباب المناصب إلى ملاقاة سعادته، و سرّوا بقدوم سيدهم الكريم، و مولاهم العظيم- أيده اللّه- و خلّد ملكه على دعائم العزّ و المجد و الإقبال. آمين.
رسم القس يحيى لويس صابنجي مؤلف الكتاب
قال العبد الحقير(1)، المعتصم بربه القدير، القسّ يحيى لويس صابنجي بن يعقوب بن يعقوب بن يوسف الرهاوي الآخذ للعلم الشريف عن أساتذة المدرسة الكبرى بحاضرة رومية العظمى، و عضو من أعضاء الجمعية العلمية الآسيوية الملوكية، و منشئ نشرة" النحلة الأدبية" بعاصمة لندن المحمية:
" هذا ما تيسر لي جمعه و تأليفه و ترتيبه في هذا الكتاب ممّا سمعت به أذني، و وعاه ذهني، و اقتطفته من الرّقع التي دبّجها السيد زاهر بن سعيد، كاتب السلطان، و وقفت عليه من صحف الأخبار الإنكليزية و النشرات الفرنساوية في ما ناله السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار و ما يليها من العزّ و الإكرام يوم خرج من ملكه السعيد يريد السياحة شرقا و غربا، و ما تلاه من الخطب الفصيحة في المحافل و المجالس و الولائم و قاعات السّرور و الحبور بنادي أرباب الدول و الشرفاء و الخواتين المخدرات.
و كانت جميع هذه الخطب محفوظة في صحف الأخبار الإنكليزية، فترجمتها إلى العربي، و أثبتّها في كتاب هذه الرحلة. و قد تحريت الاختصار في تأليفه، و ترتيبه. و أضفت إليه فوائد علمية، و تاريخية مما نيط بالبلاد التي خطرها، و الأمم التي عاشرها، و الأماكن التي طاف بها، و التّحف التي رآها.
و سلكت- في تصنيفه- مسلكا سهل المطالعة، قريب المناولة، و جلوته بتصاوير بهية تشخّص مناظر البلاد، و صور الرجال ذوي المناصب و الأمجاد، عسى يحوز القبول بأعين سعادة السيد برغش، أعزه اللّه، و أبقاه.
1) ب: الكريم
و إنّي أناشد كلّ من وقف على هذا الكتاب، و خاض في عبابه، أن يغضّ الطرف عمّا يعثر عليه من الخطأ في أبوابه و إعرابه، و أن يغتفر قليل أخطائه في كثير صوابه. فإن الإنسان محلّ النسيان و إن استوعب العلم من عبابه. و اعتصم بكتبه و أربابه. و أية عصمة يرجوها ابن آدم في إنشائه و خطابه، و اللّه يأبى العصمة لكتاب غير كتابه؟"
تم الكتاب بعون الملك الوهّاب(1)
1) هذه الجملة ساقطة في ب.
القرآن الكريم
بوزنر (جورج): معجم الحضارة المصرية القديمة، تعريب: أمين سلامة،
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992
الترمذي (أبو عيسى): السنن، دار الفكر، بيروت، ط 8/ 1983
حسين (حسني): أدب الرحلة عند العرب، دار الأندلس، ط 2/ 1983
خير الدين (التونسي): أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق منصف الشنوفي، الدار التونسية للنشر، تونس 1972
الزركلي (خير الدين): الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت ط 7/ 1986
زكي (عبد الرحمان): موسوعة مدينة القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ط 8/ 1987
سالمة (بنت السلطان سعيد): مذكرات أميرة عربية، تعريب: عبد المجيد القيسي وزارة التراث القومي و الثقافة، سلطنة عمان (1974؟)
السالمي (نور الدين): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، مكتبة السالمي، مسقط سلطنة عمان 1995.
الشتيوي (أحمد): رحلات سلطانين عمانيين زنجباريين إلى أوروبا، مجلة مركز الوثائق و الدراسات، جامعة قطر
الشتيوي (أحمد): مظاهر الحضارة من خلال رحلات المغاربة و الأندلسيين و ثقافتهم بين القرنيين 6/ 12 و 12/ 18. رسالة دكتوراه الدولة، مرقونة، كلية الآداب تونس 1988.
الشتيوي (أحمد): النهضة في نظر السلطان برغش من خلال وصف" تنزيه الأبصار" مجلة: كلية الإنسانيات و العلوم الاجتماعية، جامعة قطر 2002
الطعمي (محي الدين): معجم باشوات مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1992
فيرنوس (باسكال): موسوعة الفراعنة: الأسماء، الأماكن، الموميات تعريب:
محمود ماهر طه، دار الفكر للدراسات و النشر و التوزيع، القاهرة، 1991.
الفيروزآبادي: (محي الدين): القاموس المحيط، مكتبة البابي الحلبي، مصر، ط 2/ 1952
كحالة (عمر): معجم المؤلفين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
المغيري: (سعيد): جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، وزارة التراث القومي و الثقافة، سلطنة عمان، ط 2/ 1986
المقريزي (تقي الدين): الخطط، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ط 2/ 1987
ميكال (أندريه): الأدب العربي، تعريب ونّاس و من معه، الشركة التونسية لفنون الرسم، تونس، 1400/ 1979
نصّار (حسين): أدب الرحلة، مكتبة لبنان، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط 1/ 1994
نعمان (ناجي): دليل الصحافة العربية، دار النعمان للثقافة، بيروت 1988
فهرس الأعلام
فهرس الأعلام الجغرافية
فهرس الشعوب و الدول
فهرس الألقاب و الوظائف
مصطلحات الحضارة
الموضوع رقم الصفحة
الفاتحة 18
الباب الأول: في التأهب إلى السفر 25
الباب الثاني: في السفر من زنجبار 27
الباب الثالث: في خروج حضرة السلطان إلى بندر عدن 29
الباب الرابع: في سفر حضرة السلطان من عدن 31
الباب الخامس: في السفر من السويس 35
الباب السادس: في السفر من بورت سعيد إلى ليسبون 41
الباب السابع: في سفر السلطان من ليبسون إلى لندن 51
الباب الثامن: فيما نشرته جرائد لندن عن سعادة السيد برغش 59
الباب التاسع: في حضور السيد برغش سباق خيل الرهان في اسكوت 69
الباب العاشر: في زيارة أصحاب الجرائد لسعادة السلطان 73
الباب الحادي عشر: في زيارة حاكم لندن و لورد بيكنسفيلد و غيرهم لسعادة السلطان 79
الباب الثاني عشر: في زيارة السلطان للبرنس أف ولس وليّ العهد 81
الباب الثالث عشر: في زيارة سعادة السلطان لبستان الحيوانات 85
الباب الرابع عشر: في زيارة السلطان لإدارة البوسطة 87
الباب الخامس عشر: في زيارة السلطان لقصر البلور 91
الباب السادس عشر: في زيارة سعادة السلطان برايطن 95
الباب السابع عشر: سعادة السيد برغش و شرفاء لندن 101
الباب الثامن عشر: في زيارة سعادة السلطان لجلالة الملكة فيكتوريا 107
الباب التاسع عشر: في زيارة سعادة السلطان لدوق أف كمبريج 119
الباب العشرون: في زيارة سعادة السلطان لدار الندوة 121
الباب الحادي و العشرون: في زيارة سعادة السلطان لمستشفى سانتوماس 135
الباب الثاني و العشرون: في حضور سعادة السلطان مأدبة الملكة 139
الباب الثالث و العشرون: في زيارة سعادة السلطان للورد ماير حاكم لندن 151
الباب الرابع و العشرون: في زيارة سعادة السلطان لبنك أف انكلند 153
الباب الخامس و العشرون: في قبول سعادة السيد برغش لعمدة المرسلين 159
الباب السادس و العشرون: في فرجة السلطان على معبد" و ستمنستر أباي" 163
الباب السابع و العشرون: في حضور سعادة السيد مادبة لجنة فيشمنجر 167
الباب الثامن و العشرون: في حضور سعادة السلطان وليمة لورد داربي 173
الباب التاسع و العشرون: في حضور سعادة السلطان للجمعية الجغرافية الملوكية 175
الباب الثلاثون: في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأسلحة في ويليج 181
الباب الحادي و الثلاثون: في حضور سعادة السلطان وليمة المركيز صالسبري 189
الباب الثاني و الثلاثون: في شعائر سعادة السلطان بلندن 191
الباب الثالث و الثلاثون: في زيارة سعادة السلطان لمدينة بيرمنكهام 195
الباب الرابع و الثلاثون: في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأواني الفضية و الذهبية في بيرمنكهام 199
الباب الخامس و الثلاثون: في سفر سعادة السيد إلى مدينة ليفربول 203
الباب السادس و الثلاثون: في فرجة سعادة السلطان على ميناء ليفربول 211
الباب السابع و الثلاثون: في سفر سعادة السلطان إلى منشستر 217
الباب الثامن و الثلاثون: في تشريف سعادة السلطان لدار الولاية بمنشستر 221
الباب التاسع و الثلاثون: في حضور السلطان وليمة والي منشستر 225
الباب الأربعون: في خلع امتيازات لندن و حريتها على سعادة السلطان 229
الباب الحادي و الأربعون: في حضور سعادة السلطان وليمة وليّ عهد بريطانيا 233
الباب الثاني و الأربعون: في ما خلّفه السلطان من الذكر الحميد في قلوب الإنكليز 235
الباب الثالث و الأربعون: في سفر سعادة السلطان من لندن إلى كاليس 239
الباب الرابع و الأربعون: في زيارة سعادة السلطان للمرشال مكمهون ببلد فرسايل 243
الباب الخامس و الأربعون: في فرجة سعادة السلطان على قبر نبوليون الأول 247
الباب السادس و الأربعون: في فرجة سعادة السلطان على بستان مجموع الحيوانات و غيره من أماكن بمدينة باريس 249
الباب السابع و الأربعون: في سفر سعادة السلطان من باريس 255
الباب الثامن و الأربعون: في سفر سعادة السلطان من الإسكندرية إلى مصر 261
الباب التاسع و الأربعون: في فرجة سعادة السلطان على أهرام مصر 275
الباب الخمسون: في سفر سعادة السلطان من الديار المصرية 283
خاتمة الكتاب 287
تنزيه الأبصار و الأفكار فى رحلة سلطان زنجبار
تنزيه الأبصار و الأفكار فى رحلة سلطان زنجبار
مقدمة التحقيق
تعريف بوصف تنزيه الأبصار : ..... ص : 7
أهمية هذا الوصف: ..... ص : 9
التحقيق: ..... ص : 10
الفاتحة
الباب الأول في التأهب إلى السفر
الباب الثاني في السفر من زنجبار
الباب الثالث في خروج حضرة السلطان إلى بندر عدن
الباب الرابع في سفر حضرة السلطان من عدن
الباب الخامس في السفر من السويس
الباب السادس في السفر من بورت سعيد إلى ليسبون
الباب السابع في سفر السلطان من ليسبون إلى لندن
الباب الثامن فيما نشرته جرائد لندن عن سعادة السيد برغش
الباب التاسع في حضور السيد برغش سباق خيل الرهان في أسكوت
الباب العاشر في زيارة أصحاب الجرائد لسعادة السلطان
الباب الحادي عشر في زيارة حاكم لندن و لورد بيكنسفيلد و غيرهم لسعادة السلطان
الباب الثاني عشر في زيارة السلطان للبرنس أف ولس ولي العهد
الباب الثالث عشر في زيارة سعادة السلطان لبستان الحيوانات
الباب الرابع عشر في زيارة السلطان لإدارة البوسطة
الباب الخامس عشر في زيارة السلطان لقصر البلور
الباب السادس عشر في زيارة سعادة السلطان برايطن
الباب السابع عشر سعادة السيد برغش و شرفاء لندن
الباب الثامن عشر في زيارة سعادة السلطان لجلالة الملكة فيكتوريا
الباب التاسع عشر في زيارة سعادة السلطان لدوق أف كمبريج
الباب العشرون في زيارة سعادة السلطان لدار الندوة
الباب الحادي و العشرون في زيارة سعادة السلطان لمستشفى سانتوماس
الباب الثاني و العشرون في حضور سعادة السلطان مأدبة الملكة
الباب الثالث و العشرون في زيارة سعادة السلطان للورد ماير حاكم لندن
الباب الرابع و العشرون في زيارة سعادة السلطان لبنك أف انكلند
الباب الخامس و العشرون في قبول سعادة السيد برغش لعمدة المرسلين
الباب السادس و العشرون في فرجة السلطان على معبد وستمنسترأباي
الباب السابع و العشرون في حضور سعادة السيد مأدبة لجنة فيشمنجر
الباب الثامن و العشرون في حضور سعادة السلطان وليمة لورد داربي
الباب التاسع و العشرون في حضور سعادة السلطان للجمعية الجغرافية الملوكية
الباب الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأسلحة في ويليج
الباب الحادي و الثلاثون في حضور سعادة السلطان وليمة المركيز صالسبري
الباب الثاني و الثلاثون في شعائر سعادة السلطان بلندن
الباب الثالث و الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمدينة بيرمنكهام
الباب الرابع و الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأواني الفضية و الذهبية في بيرمنكهام
الباب الخامس و الثلاثون في سفر سعادة السيد إلى مدينة ليفربول
الباب السادس و الثلاثون في فرجة سعادة السلطان على ميناء ليفربول
الباب السابع و الثلاثون في سفر السلطان إلى منشستر
الباب الثامن و الثلاثون في تشريف سعادة السلطان لدار الولاية بمنشستر
الباب التاسع و الثلاثون في حضور السلطان وليمة والي منشستر
الباب الأربعون في خلع امتيازات لندن و حريتها على سعادة السلطان
الباب الحادي و الأربعون في حضور سعادة السلطان وليمة ولي عهد بريطانيا
الباب الثاني و الأربعون في ما خلفه السلطان من الذكر الحميد في قلوب الإنكليز
الباب الثالث و الأربعون في سفر سعادة السلطان من لندن الى كاليس
الباب الرابع و الأربعون في زيارة سعادة السلطان للمرشال مكمهون ببلد فرسايل
الباب الخامس و الأربعون في فرجة سعادة السلطان على قبر نبوليون الأول
الباب السادس و الأربعون في فرجة سعادة السلطان على بستان مجموع الحيوانات و غيره من أماكن بمدينة باريس
الباب السابع و الأربعون في سفر سعادة السلطان من باريس
الباب الثامن و الأربعون في سفر سعادة السلطان من الإسكندرية الى مصر
الباب التاسع و الأربعون في فرجة سعادة السلطان على أهرام مصر
الباب الخمسون في سفر سعادة السلطان من الديار المصرية
خاتمة الكتاب
المصادر و المراجع
\G\200 I\G\000 - باللغة العربية ..... ص : 289
\G\200 II\G\000 - باللغة الأجنبية: ..... ص : 291
الفهارس
محتويات الكتاب