ghaemiyeh.com
نام كتاب: تاريخ دمشق، ابن قلانسى
نويسنده: ابن قلانسى، حمزه بن اسد
تاريخ وفات مؤلف: 555 ه. ق
محقق / مصحح: زكار، سهيل
موضوع: جغرافياى شهرها
زبان: عربى
تعداد جلد: 1
ناشر: دار حسان
مكان چاپ: دمشق
سال چاپ: 1403 ه. ق
نوبت چاپ: اول
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لقد كان للفتح الاسلامي للشام، أعظم الآثار على هذه البلاد، من ذلك تثبيت طابع العروبة فيها، و تبديل البنى الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العمرانية، فعلى صعيد السياسة الداخلية و الخارجية تحول دور القبائل العربية من الهامش الى الصميم، و على صعيد المدن، نجد قبل الفتح أن مدينة القدس كانت أهم مدن جنوبي بلاد الشام، تتلوها دمشق، و أن أنطاكية كانت أهم مدن الشمال و أبرزها دورا، تتلوها قنسرين، لكن بعد الفتح، و بسبب انتشار الاسلام، و انسلاخ البلاد عن الامبراطورية البيزنطية، و قيام الحروب الدائمة معها، ثم قيام السلطان الأموي في الشام، كل هذا أدى الى تقهقر القدس حيث تقدمتها دمشق، و تخلفت في ذات الوقت مدينة بصرى، و اضمحل دورها كثغر تجاري لبلاد الشام على بوابات شبه جزيرة العرب، و تأخرت أنطاكية في الشمال و وصلت قنسرين الى حالة الاحتضار، و تقدمت حلب و تبعتها معرة النعمان.
و وضح هذا الحال في العصر الأموي، و توطدت أركانه، و بعد قيام الخلافة العباسية، و انشغالها المطلق بمشاكل خراسان و بلاد ماوراء النهر، و اهمالها للحدود مع بيزنطة، و قيام نظام الثغور و العواصم صارت حلب مركز
شمال الشام سياسيا و اقتصاديا و عقائديا و ثقافيا، و غدت دمشق هي المسؤولة عن جنوب الشام.
و تنافست كل من حلب و دمشق، و وضح للعيان أن أحداث الشام باتت تدور على محورين أساسيين واحد في الشمال (حلب) و آخر في الجنوب، (دمشق)، و يمكن تعقب جذور هذه القضية الى العصر الأموي، فبعد وفاة يزيد بن معاوية حدث صراع شديد على الخلافة و السلطة و انقسم الشام الى معسكرين: واحد تزعمته قبائل كلب في الجنوب، و آخر تزعمته قبائل كلاب في الشمال، و كانت كلب قبائل يمانية الأصل، و كلاب عدنانية، و في معركة مرج راهط انتصرت كلب على كلاب، و أعيد تأسيس الحكم الأموي، بزعامة الفرع المرواني، لكن الشام انقسمت بشكل فعلي الى دارين: دار في الجنوب لكلب و من لف لفها و دار في الشمال لكلاب و من قاربها بالنسب، و فصل بين هاتين الدارين خط عرضاني انطلق شرقا و غربا من بلدة الرستن على العاصي.
و عندما دب الضعف في قلب الخلافة العباسية كانت الأجزاء الشمالية من بلاد الشام بزعامة حلب، من أقدم البلدان التي أعلنت انفصالها، و قامت فيها دولة مستقلة هي الدولة الحمدانية بزعامة سيف الدولة الحمداني.
و من حلب حاول سيف الدولة مدّ سلطانه الى الأجزاء الجنوبية من الشام، فدخل دمشق، لكنه لم يتمكن من الاحتفاظ بها، فقبل استقلال حلب، كانت مصر الاسلامية قد استقلت عن جسم الدولة العباسية، و قامت فيها الدولة الطولونية، و مارست الدولة الطولونية السياسة الخارجية التقليدية لمصر المستقلة بالحاق الشام، و قد نجحت- مع الدول التي تلتها في حكم مصر- في الاحتفاظ بالجزء الجنوبي من الشام، و أخفقت في البقاء في الشمال.
و في حلب أقام سيف الدولة بلاطا حاكى فيه بلاط بغداد، و حوى هذا البلاط عددا كبيرا من العلماء في كل فن مع الشعراء و الأدباء، و شهدت بلاد
الشام بشكل عام نشاطا ثقافيا كبيرا و متميزا، حيث عبر عن دور الشخصية الشامية العربي، و عبرت كل من حلب و دمشق عن شخصيتها بالاتجاه نحو انتاج تواريخ محلية، و بالفعل جاء الى الوجود عدد من المؤرخين منهم من عاش في المعرة أو مدينة حلب فأرخ لمدينة حلب و الجزء الشمالي من البلاد مع مناطق الجزيرة، و منهم من عاش في دمشق أو اهتم بها، فكتب في تاريخها إنما مع التعلق بالديار المصرية و الاهتمام بها، و إذا كنا لسنا في موضع عرض لمراحل حركة التدوين التاريخي في الشام يكفي أن نذكر أن هذه الحركة وصلت الذروة على يدي ابن عساكر حين كتب تاريخ دمشق ثم ابن العديم حين كتب «بغية الطلب في تاريخ حلب» إنما يلاحظ هنا بأن هذين الكتابين العملاقين قد صنفا حسب نمط كتب التراجم، و ما جاء في بدايتي كل منها من عرض تاريخي حسب الوقائع و الحوليات، شمل أخبار فتوح الشام ليس إلّا، و تميز ابن العديم عن ابن عساكر بأنه صنف كتابا مفردا أوقفه على العرض التاريخي الإخباري لمدينة حلب، و هو كتابه «زبدة الحلب من تاريخ حلب» و لم يفعل ابن عساكر هذا، لطبيعة منهجه و ثقافته، فهو إمام بالحديث في الدرجة الأولى، و لذلك جاء كتابه الذي صنفه لدمشق مهتما بطبقات المحدثين و العلماء، و موليا قليل الاهتمام لمن سواهم، و خاصة رجال السلطة.
إن هذه الثغرة بالنسبة لدمشق قد جرى تداركها من قبل ثلاثة أجيال من المؤرخين: اثنان من العراق، و ثالثهما و هو المهم من دمشق الشام، و أول هؤلاء المؤرخين هو ثابت بن سنان، الذي كان واحدا من أفراد آل الصابئ، الأسرة التي اشتهرت بالطب فنبغ منها عدد من الأطباء خدموا الخلفاء العباسيين و رجال دولتهم، و يذكر بعض من ترجم لثابت بأنه كان مختصا بخدمة الخليفة الراضي (322- 329 ه/ 934- 940 م) و أنه كان بارعا بالطب، تولى تدبير المارستان في بغداد، و خدم عددا من الخلفاء بعد الراضي، و من المرجح
أن ثابتا قد توفي سنة 365 ه/ 975 م، و كان ثابت بن سنان كمعظم بقية آله متميزا الى جانب كونه طبيبا باهتمامه بالتاريخ و تدوينه، و قد كتب عددا من التواريخ أشهرها واحد ذيل به- مع شيء من التداخل- على تاريخ الطبري، و له أيضا كتاب «مفرد في أخبار الشام و مصر في مجلد واحد».
و بعد وفاة ثابت جاء هلال بن المحسّن بن ابراهيم الصابىء، و هو قريبه حيث أن جده ابراهيم هو ابن أخت ثابت، لذلك ذكرت بعض المصادر تجاوزا بأن ثابت هو خال هلال بن المحسن، و كان هلال في بداية حياته على عقيدة أهل الصابئة ثم دخل الاسلام، و قد ولي ديوان الانشاء في بغداد، و عاش فترة تاريخية هامة جدا، عاصر أحداثها و عرف أخبارها عن كثب و بشكل وثائقي، فقام بتدوينها في عدد من الكتب مفردة مثل كتابه في تاريخ الوزراء، أو جاءت كذيل لكتب ثابت بن سنان، ففي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي نقرأ: «و كان هلال من كبار العلماء الأدباء، و له التاريخ الذي ذيله على تاريخ ثابت بن سنان، و بدأ به من سنة احدى و ستين و ثلاثمائة الى سنة سبع و أربعين و أربعمائة»، و أكد هذا القفطي في تاريخ الحكماء حيث قال: «ثم كتاب هلال ابن المحسّن بن ابراهيم الصابىء، فإنه داخل كتاب خاله ثابت و تمم عليه الى سنة سبع و أربعين و أربعمائة، و لم يتعرض أحد في مدته الى ما تعرض له من أحكام الأمور، و الاطلاع على أسرار الدول، و ذلك أنه أخذ ذلك عن جده لأنه كان كاتب الانشاء و يعلم الوقائع، و تولى هو الانشاء أيضا، فاستعان بعلم الأخبار الواردة على ما جمعه، ثم يتلوه كتاب ولده غرس النعمة محمد ابن هلال، و هو كتاب حسن الى بعد سنة سبعين و أربعمائة».
في الحقيقة إن ثابت بن سنان أنهى كتابه بحوادث سنة 365 ه، و أن هلال ابن المحسّن ابتدأ كتابه الذي ذيل به على تاريخ ثابت بحوادث سنة 360 و أنهاه بأخبار سنة 447 ه، فقد كتب ابنه غرس النعمة محمد بن هلال في مقدمة
كتابه في التاريخ الذي دعاه باسم «عيون التواريخ» و الذي أرخ به للفترة الممتدة ما بين 448 الى 479 ه، و جعله بمثابة ذيل لتاريخ أبيه، ذكر الأسباب التي حدت به الى تأليفه بقوله: «و بعد، فكان أبي وصىّ إليّ لما أحس بقدوم الوفاة، و يئس من أيام الحياة، و لمعت له لوامع المنية، و قرعت سمعه قوارع البلية، رغبة في زيادة الذكر و نمائه و انتشاره و بقائه، بصلة كتاب التاريخ الذي ألفه الى آخر سنة سبع و أربعين و أربعمائة تأليفا يعجز عنه من يروم مثله، و يفتضح فيه من يتعاطى فضله، إذ هو السحر الحلال، و العذب الزلال، و الصادر عن أوحد دهره، و فريد عصره، و شرع فيه و قد أتت عليه سنة (ولد هلال سنة 359 ه)، جرب فيها الأمور و مارسها، و خبرها و لابسها، و أنا عار من جميع صفاته، و خال من سائر سماته.
و ابن اللبون إذا ما لز في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
لكن قوله مستمع، و مرسومه متبع، و أمره مطاع، و رأيه غير مضاع ....
و في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، و في يوم الأربعاء سادس عشر رمضان توفي والدي، الرئيس أبو الحسن، هلال بن المحسن بن ابراهيم بن هلال، و مولده الأحد، النصف من شوال سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة، فانتقض السؤدد بمصابه، و انثلم الفضل بذهابه».
لسوء الحظ أن معظم مواد التراث التاريخي لأسرة آل الصابىء هي بحكم المفقود، و لقد أكثر سبط ابن الجوزي النقل من تواريخ كل من ثابت و هلال، و قام باحدى نسخ كتابه مرآة الزمان بنقل جميع محتوياته كتاب غرس النعمة، و قد استخرجت هذا الكتاب من مخطوطتين في باريس و استانبول و حققته و سأدفعه للنشر قريبا إن شاء اللّه تعالى و يسر.
هذا و وصلنا كتاب مخطوط صغير جاء بمثابة مختصر لتاريخ ثابت بن سنان، ضمنه مختصره أخبار القرامطة، و يتألف هذا المخطوط من إحدى
و ثلاثين ورقة من قطع 19 5 ر 13 سم في كل صفحة (وجه) ما بين 20- 23 سطرا، في كل سطر ما بين 7- 8 كلمات، و هذه النسخة هي بحوزة المستشرق البريطاني برنارد لويس، و كان قد حصل عليها من القاهرة أثناء إعداده لاطروحة الدكتوراه، و قد تفضل فأعارني نسخة عنها، قمت- بعد استئذانه- بنشرها ضمن محتويات كتابي أخبار القرامطة.
و نسخة الاستاذ لويس هذه قد كتبت من قبل ثلاثة نساخ على الأقل، و قد تم الفراغ من كتابتها «في سلخ شوال سنة ألف و سبع و خمسين» (27 تشرين الثاني سنة 1647 م) و قد نسخت كما يبدو عن نسخة من تاريخ ثابت تم نسخها في «سلخ جمادي الأولى سنة سبع و سبعين و خمسمائة» (11- تشرين الأول سنة 1181) و نسخت هذه النسخة- كما صرح- عن مسودة المؤلف.
إن خط هذه المخطوطة هو نسخي مقروء، و حالة المخطوطة حسنة، إنما يبدو أن المستوى الثقافي لنساخها و معرفتهم بقواعد اللغة العربية كان ضعيفا، لهذا تبعثرت الأخطاء النحوية و الاملائية في كل مكان.
و يمكن تقسيم المعلومات التي تتضمنها إلى قسمين: قسم وردت معظم رواياته في تاريخ الطبري، و قسم وقعت أحداث رواياته بعد وفاة الطبري، فقام ثابت بتدوين أخبار هذه الأحداث، و جلّ الأخبار في هذا القسم من عصر ثابت، و عندما نقرأ هذا القسم نلاحظ أمرا مدهشا، حيث أن الكتاب يروي أخبار القرامطة إبتداء من «سنة مائتين و ثمان و سبعين من الهجرة» حتى «سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة» بشكل كامل التسلسل سنة تلو أخرى، ثم يقفز فيبدأ بأخبار «سنة ستين و ثلاثمائة».
و لا ندري بشكل مؤكد سبب هذا، لكن لدى قراءة المواد الأخيرة و مقارنتها بالمواد الأولى، نجد أن المواد الأولى تولي قرامطة البحرين و العراق
الاهتمام الأكبر، في حين أن المواد الأخيرة موقوفة على نشاط القرامطة في الشام و صراعاتهم مع الخلافة الفاطمية في الشام و مصر.
إن هذا يدفعنا الى الافتراض بأن الذي جمع مواد مخطوطة الأستاذ لويس، جمعها من كتابين لعلهما: تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيل به على تاريخ الطبري، و كتابه الآخر الذي أوقفه على تاريخ الشام و مصر، و يبدو أن الكتاب الأول كان مبتورا، فهو بالأصل «مسودة المؤلف» و أن الذي تولى عملية الاختصار لم يتنبه الى الخرم الكبير، و لا الى طبيعة المواد المروية و الاختلاف الذي لحقها، أو أنه تنبه لكنه لم يخبرنا.
و مهما يكن الحال فإن المواد المتأخرة من مخطوطة الاستاذ لويس تتوافق، لا بل تتطابق تماما مع محتويات تاريخ ابن القلانسي عن دمشق، و هو بيت القصيد في مقدمتنا هذه.
لنحاول أولا التعرف الى شخصية ابن القلانسي و من ثم نعود للربط بينه و بين تواريخ آل الصابىء.
ترجم لابن القلانسي عدد من المؤرخين يتصدرهم ابن عساكر ثم ياقوت و بعده الذهبي، و لما ذكره ابن عساكر مكانة خاصة للزمان و المكان، و مما قاله عنه ابن عساكر: «حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التميمي، المعروف بابن القلانسي، العميد كانت له عناية بالحديث، و كان أديبا له خط حسن و نثر و نظم ... و صنف تاريخا للحوادث بعد سنة أربعين و أربعمائة الى حين وفاته، و تولى رئاسة ديوان دمشق مرتين».
و قال عنه ياقوت: «حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى، المعروف بابن القلانسي التميمي الأديب الشاعر، المؤرخ، كان من أعيان دمشق و من أفاضلها المبرزين، ولي رئاسة ديوانها مرتين، و بها توفي سنة خمس و خمسين، و له تاريخ للحوادث، ابتدأ به من سنة إحدى و أربعين و أربعمائة الى حين وفاته، و كانت له عناية بالحديث، و له كتب عليها سماعه».
و قد أورد كل من ابن عساكر و ياقوت نماذج من شعر من ابن القلانسي، لكنهما و إن ذكرا تاريخ وفاته لم يحددا تاريخ مولده أو سنّه حين الوفاة، و قد تولى الذهبي ذلك فبين أنه جاوز الثمانين أثناء وفاته و كان دون التسعين، و عن الذهبي نقل كل من أبي المحاسن في النجوم الزاهرة و اليافعي في مرآة الجنان.
و جرت العادة لدى كثير من الأوائل الاشارة الى أنفسهم في مصنفاتهم، حيث يمكن في أيامنا استخراج المعلومات من هذه الاشارات، و فيما يختص بابن القلانسي لم يشر الى نفسه قط في مصنفه أو تحدث عن دور من أدواره سيما و أنه كان من كبار رجالات الدولة في دمشق، نعم هناك اشارات غير مباشرة الى بعض مواقفه السياسية و تذوقه للأدب، فهو قد ضمن كتابه عدة قصائد من نظمه، كما أثبت بعض نصوص الوثائق الديوانية الواردة الى دمشق لاعجابه بصياغتها.
و لئن انعدمت اشاراته لنفسه فهناك بعض الاشارات لأفراد من أسرته، من ذلك أنه ذكر في حوادث سنة 539: «و في يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة، توفي الأخ الأمين أبو عبد اللّه محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن أربع و ثمانين سنة، بعلة الذرب، و دفن بتربة اقترحها خارج باب الصغير من دمشق، و كان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة و التصون و الديانة، و لزوم داره، و التنزه عن كل ما يوتغ الدين، و يكره بين خيار المسلمين، غير مكاثر للناس، و لا معاشر لهم، و لا متخلط بهم».
و على أهمية هذه الاشارة كم كنا نتمنى لو أنه ذكر الفارق بالسن بينه و بين أخيه.
و من ثنايا مواد ابن القلانسي نرى بأن أسرته كانت من كبار أسر دمشق، و أعظمها مكانة، فهو قد تحدث في وقائع سنة 548 ه عن الاضطرابات في دمشق، و بين أن هذه الاضطرابات انتهت حينما «ردّ- سلطان دمشق- أمر الرئاسة (رئاسة دمشق) و النظر في البلد ... الى الرئيس رضي الدين
أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، و طاف في البلد مع أقاربه، و سكن أهله، و سكنت الدهماء، و لم يغلق في البلد حانوت و لا اضطرب أحد، و استبشر الناس قاطبة من الخاص و العام و العسكرية و عامة الرعية».
و احتفظت أسرة آل القلانسي بمكانتها العالية في دمشق لعدة قرون فقد تحدث كل من ابن كثير، و ابن طولون و بدران عن «الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين بن غالب بن المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي ابن حمزة التميمي الدمشقي، ابن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع و أربعين و ستمائة، و سمع الحديث من جماعة و رواه ... و له رئاسة باذخة، و أصالة كثيرة، و أملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا، و لم يزل مع صناعة الوظائف الى أن ألزم بوكالة بيت السلطان، ثم بالوزارة».
و ابن القلانسي هذا هو حفيد لمؤرخنا، و هو الذي بنى دار الحديث القلانسية في صالحية دمشق، و لعله بناها على تربة جده المؤرخ، ذلك أنه دفن في سفح جبل قاسيون.
و على العموم نجد أن ما جاء في كتب التراجم و في ثنايا تاريخ ابن القلانسي عبارة عن مواد مقتضبة، فهي و ان تحدثت عن ثقافته العالية و اهتمامه بالحديث فإنها لم تذكر اسم واحد من أساتذته و لا من تأثر بهم ثقافيا، و لا عن سلوكه و نشاطاته و صفاته الخلقية و الخلقية، و غير ذلك من الأمور التي بودنا لو عرفناها.
و مهما يكن الحال فان كتابه في التاريخ و عمله في ديوان «الانشاء» بمثابة رئيس له تدل على علو ثقافته و تمكنه من ناصية اللغة، و من المفيد هنا أن نشير إلى أنه و إن شابه أهل عصر في اهتمامه بالصنعة و المترادفات، إلا أنه لم يسرف في ذلك كما أسرف العماد الأصفهاني و سواه و لا شك أن رئاسته للديوان جعلته وسط أخبار الوقائع و الأحداث مع شيء من المشاركة، و مكنته من الاطلاع
على الوثائق الرسمية على مختلف أنواعها سيما و أنه تسلم ديوان الحساب (الخراج) لفترة من الزمن، جامعا بينه و بين ديوان الانشاء (الرسائل).
و مرّ بنا قول ابن عساكر ثم ياقوت أنه بدأ مصنفه في التاريخ بحوادث ما بعد سنة أربعين أو احدى و أربعين حسب تحديد ياقوت، و هذا التحديد فيه شيء من الوهم، لعل مرده الى النساخ، فابن القلانسي بدأ كتابه بحوادث سنة/ 448 ه/ و صرح بأنه صنع «مذيلا»، و في العادة قد «يبنى المذيل» على ذيل، و الذيل يأتي بمثابة ملحق بكتاب أساسي.
و نعود الآن إلى ما سلف ذكره عن ثابت بن سنان و هلال بن المحسن، فثابت كتب كتابا بالتاريخ أوقفه على مصر و الشام و وقف به مع أحداث سنة/ 365 ه/ و هي سنة وفاته، و جاء من بعده هلال بن المحسّن فكتب ذيلا على تاريخ ثابت تداخلت بعض سنيه، حيث بدأه بحوادث سنة/ 360/ و وقف به حتى نهاية سنة/ 447/.
و لا يصرح ابن القلانسي باعتماده على كتابي ثابت بن سنان و هلال بن المحسّن أو على واحد منهما على الأقل، كل ما هنالك أنه في سياق حديثه عن ولاية «حيدرة بن مفلح» لدمشق، و هو أحد الولاة الفاطميين قال:
«و استمرت عليه الأيام في الولاية الى سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، التي بني هذا المذيل عليها، و عادت سياقة الحوادث منها، و إيراد ما فيها، و تجدد بعدها».
و البحث التاريخي هو الذي قاد الى الافتراض بأن ابن القلانسي بنى «مذيله» على كتابي ثابت بن سنان و هلال بن المحسن، أو على واحد منهما فمن شبه المؤكد أن مصنف ابن القلانسي بشطريه «الأساس» و «المذيل» يبدأ بحوادث سنة/ 360/ و بهذه السنة بدأ هلال كتابه، و من المسلم به أن ما كتبه هلال عن أخبار السنوات/ 360- 365 ه/ و هي السنوات التي
تداخل بها كتابه مع كتاب ثابت هناك تطابق بالمواد، مع اختلاف بالتفاصيل، و هذا ما نلاحظه حينما نقارن مواد السنوات المتداخلة بين تاريخ ثابت بن سنان و تاريخ الطبري، لهذا ليس من المستبعد أبدا أن يكون ابن القلانسي اعتمد على تاريخ هلال بن المحسن دون سواه.
و تبقى الأمور في حدود الفرضية، فتاريخ هلال بن المحسن هو بحكم المفقود، و مصنف ابن القلانسي وصلتنا منه نسخة خطية واحدة محفوظة في مكتبة البودليان في أكسفورد برقم (125Hunt ) و هذه النسخة قد بتر من أولها مقدار أربع عشرة ورقة، و لا شك أن هذه الأوراق قد حوت خطبة الكتاب مع بعض المواد الاخبارية، و لئن تمكنت من تدارك المواد الاخبارية المفقودة من مختصر كتاب ثابت بن سنان، تبقى المسألة الأساسية معلقة.
من هذا نخلص الى القول أن مخطوطة البودليان تحوي قسمين من المعلومات الاخبارية، القسم الأول منها حتى سنة 448 من تصنيف هلال بن المحسن لوحده أو مع ثابت بن سنان، و القسم الثاني حتى نهاية الكتاب من تصنيف ابن القلانسي، و القضية التي تواجهنا الآن هي: هل نقل ابن القلانسي مواد آل الصابىء نقلا حرفيا، أم عدل فيها اختصارا و زيادة و نقصانا؟.
إن من يقرأ مخطوطة البودليان يلحظ بعض الفوارق باللغة و العرض بين شطري الكتاب، إنما رغم ذلك يخيل أن ابن القلانسي تدخل بمواد الشطر الأول و أعاد صياغتها، و هنا لربما حذف بعض المواد و أضاف موادا من عنده، مما تجمع لديه من مصادر و وثائق محلية.
لقد دعا ابن القلانسي ما صنفه باسم «المذيل» و لما كانت محتويات مخطوطة البودليان تحوي الأصل و المذيل، فقد بات من المفترض أن نطلق على الكتاب اسم «تاريخ دمشق» ثم لذهابنا الى الافتراض بأن جميع محتويات الكتاب من صياغة ابن القلانسي و روايته (بالوجادة أو غير ذلك من الطرق) فقد بات من المسوغ نسبة الكتاب بأجمعه الى ابن القلانسي.
يؤرخ مصنف ابن القلانسي لقرنين من الزمن هما من أهم القرون، و بالنسبة لكثير من الأحداث هو المصدر المتفرد، في هذين القرنين جرت أحداث الصراع القرمطي الفاطمي على الشام، و أعقب ذلك الحكم الفاطمي للشام، و كان حكما لم يعرف الاستقرار لأسباب داخلية فاطمية، و لمقاومة أهل الشام لهذا الحكم، و ابن القلانسي يروي لنا سيرة المقاومة الشامية، و هي سيرة لشعب دمشق و شعب الشام أجمع، سيرة لمنظمات هذا الشعب و فئاته الاجتماعية و قبائله، سيرة لعمران دمشق و خططها، و هنا يقتضي أن ننوه أن هذه مزية تفرد بها ابن القلانسي الى أبعد الحدود.
صحيح أن الكتاب أوقفه صاحبه بالأصل على دمشق لكنه يولي مع دمشق اهتماماته بقية أجزاء الشام، ثم بقية أجزاء الوطن العربي و العالم الاسلامي، فمواده عن كل من الخلافتين الفاطمية و العباسية لها مكانة خاصة، بل أكثر من هذا نجده يتقصى أخبار المغرب الأقصى و يقدم لنا رواية ذات مكانة خاصة حول المهدي بن تومرت و تأسيس دولة الموحدين.
و على مكانة مواد ابن القلانسي حول العصر الفاطمي، فإن الذي يفوقها أهمية هو ما رواه حول دخول الشام تحت السلطان السلجوقي، ثم أحداث الحروب الصليبية زمن الحملتين الأولى و الثانية، و هي أحداث عاصرها و كان شاهد عيان لها، و لأهمية هذه الروايات تمت ترجمتها الى كل من الانكليزية و الفرنسية.
و ابن القلانسي مؤرخ ثقة يمكن الاعتماد على رواياته، و قد أوضح منهجه في كتابه بقوله: «قد انتهيت في شرح ما شرحته من هذا التاريخ، و رتبته و تحفظت من الخطأ و الخطل و الزلل فيما علقته من أفواه الثقات، و نقلته و أكدت الحال فيه بالاستقصاء و البحث، الى أن صححته الى هذه السنة المباركة، و هي سنة أربعين و خمسمائة، و كنت قد منيت منذ سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة و الى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب اثباته في هذا
الكتاب، من الحوادث المتجددة في الأعمال، و البحث عن الصحيح منها في جميع الأحوال، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضا في الأوراق، ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار، و تعلم حقيقته من الحوادث و الآثار، و أهملت فيما ذكرته من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم، و في هذا الأوان، باستيفاء ذكر نعوتهم المقررة، و ألقابهم المحررة، تجنبا لتكريرها بأسرها، و الاطالة بذكرها، و لم تجر بذلك عادة قديمة، و لا سنة سالفة في تاريخ يصنف، و لا كتاب يؤلف، و إنما كان الرسم جاريا في القديم باطراح الألقاب و الإنكار لها، بين يدي ذوي العلوم و الآداب، فلما ظهرت الدولة البويهية الديملية، و لقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة بن بويه، ثم أخوه و تاليه في الولادة و السعادة بركن الدولة أبي علي، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين، و كل منهم قد بلغ من علو المرتبة و المملكة، و نفاذ الأمر في العراق و خراسان و الشام الى أوائل المغرب ما هو مشهور، و ذكره في الآفاق منشور، و لما علا قدر الملك عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم، و ظهر سلطانه، و علا شأنه و ملك العراق بأسره و ما ولاه من البلاد و المعاقل، و خطب له على المنابر، زيد في نعوته في أيام المطيع للّه أمير المؤمنين رحمه اللّه: تاج الملة، و لم يزد أحد من أخوته: مؤيد الدولة صاحب أصفهان، و فخر الدولة صاحب الري و ما ولاهما، و انضاف إليهما على اللقب.
و لم يزل الأمر على ذلك مستمرا الى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق، و قويت شوكة الترك، و انخفضت الدولة البويهية و اضمحلت و انقرضت، و لقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق، و اجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام الامام الخليفة القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين رحمه اللّه ب: السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم، ركن الدنيا و الدين، غياث المسلمين، بهاء دين اللّه، و سلطان بلاد اللّه، و مغيث عباد اللّه، يمين خليفة اللّه، طغرلبك.
ثم زاد الأمر في ذلك، الى أن أضيف الى ألقاب ولاة الأطراف: الدين و الاسلام، و الأنام و الملة، و غير ذلك، بحيث اشترك في هذا الفن الخاص و العام، لا سيما في هذا الأوان».
إن هذا النص الفريد في كتاب ابن القلانسي فيه أكثر من دليل، ليس على منهج المؤلف و دقته و تحريه و نوعية مصادره فحسب، بل على عمق في فهم التاريخ الاسلامي و مشاكله، و نظرة ثاقبة واعية لأحداثه، و قد تأثر بهذه النظرة عدد من المؤرخين و السياسيين المسلمين، فهذا ما نشهد صداه في كتاب الكامل لابن الأثير، و عدد آخر من المصنفات الاسلامية العربية و الفارسية سواء.
و مع أن ابن القلانسي يشير بأنه كان يجمع مواد كتابه على شكل مذكرات يومية، فإن ما يؤسف له هو طابع الاختصار لديه، فقد عقدت مقارنة بينه و بين و ليم الصوري و هو من معاصريه، و كلاهما كتب عن حوادث الحروب الصليبية، واحد في القدس باللاتينية و آخر في دمشق بالعربية، و مع أن ابن القلانسي انفرد بذكر أخبار بعض الحوادث إلّا أنه إذا اجتمع مع وليم على قص خبر حادثة، فالتفاصيل لدى وليم أكبر منها عند ابن القلانسي.
و هذا لا يقلل من قيمة ابن القلانسي، خاصة إذا تذكرنا أنه المصدر العربي الوحيد الذي وصلنا، و قام برواية الأخبار من وجهة نظر عربية صريحة و منصفة، و فيها اعتدال كبير، و هذه صفات افتقر إليها و ليم الصوري و غيره من المؤرخين غير العرب مثل آنا كومينا، مؤرخة الحملة الصليبية الأولى بالاغريقية، و المؤرخ السرياني المجهول الذي أرخ للحملتين الأولى و الثانية و ميخائيل السرياني.
و لهذا لاقى كتاب ابن القلانسي عناية خاصة، و كان أن أقدم المستشرق ه. أمدروز على تحقيقه و نشره سنة 1908 لحساب مؤسسة برل في ليدن هولنده، و قد طبع نصه في بيروت في مطبعة الآباء اليسوعيين، و قامت منذ
قرابة العقدين من السنين مكتبة المثنى في بغداد بإعادة طبعه بطريقة تصوير الأوفست، و نفذت نسخ الكتاب من الأسواق منذ سنين عديدة.
لقد بذل المستشرق أمدروز جهده في تحقيق نص الكتاب فنال بعض التوفيق، و كان حظه من الاخفاق أكبر، علما بأنه ألحق بالمتن عددا من الحواشي المهمة استقى غالبيتها من تاريخ ميافارقين للفارقي و مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي.
و مرد الاخفاق الى أنه لا يوجد في العالم إلّا نسخة خطية واحدة من الكتاب، و هذه النسخة على وضوح خطها النسخي، و رغم نظافتها و خلوها من التطبيع و خروم الأوراق و الأسطر، و الاضطراب، فإن متنها قد انتشرت فيه التصحيفات بشكل رهيب، لا يستطيع المرء التنبه إليها إلّا بكل صعوبة يضاف الى هذا أن الناسخ- الذي لا نملك ترجمة لحياته- كان عاجزا عن قراءة الأصل الذي اعتمده، لذلك لم يكتف بأعمال التصحيف بل تجاوز جملا برمتها، و لهذا فمتن الكتاب فيه من الثغرات ما لا يمكن احصاؤه، و عندما أقدم أمدروز على نشر الكتاب أخفق في التنبه الى تصحيفات النص و ثغراته كما أخفق في قراءة الكثير من الكلمات بشكل صحيح، و لهذا جاءت طبعته مشوشة النص، و قامت الحاجة الى اعادة تحقيق الكتاب و نشره.
و منذ أكثر من عشرين عاما كنا نتحدث عن وجود حاجة ماسة الى إعادة تحقيق جميع الكتب التي سبق نشرها في أوروبا، و أن هناك حاجات مسيسة للاهتمام بتاريخ بلاد الشام في العصور الاسلامية، فالطالب عندما يدرس العصر الأموي يعرف ما كان يجري بالكوفة و لا يدري ما كان يجري في دمشق دار الخلافة، و مقر نشاطاتها، و لكم يتمنى المرء لو تم انشاء مركز للدراسات الشامية يلحق بجامعة دمشق أو بغيرها من المؤسسات الثقافية، و يعمل على جمع مصادر تاريخ بلاد الشام، و احياء نصوص هذه المصادر أو التعريف بها، و حبذا لو
أقدمت مجلة الدراسات التاريخية التي تصدر في دمشق عن لجنة «كتابة التاريخ العربي» على فتح ملف دائم للحديث عن تاريخ الشام مع المصادر.
و كنت قد عرفت تاريخ ابن القلانسي منذ زمن بعيد، و توثقت صلاتي به في العشرين سنة الماضية منذ عملي في اعداد أطروحة الدكتوراه و أثناء بحثي في التاريخ الفاطمي و أخبار القرامطة و العصر السلجوقي و الحروب الصليبية، و أخيرا اتخذت قرارا بأن أعمل في أسرع وقت على اعادة تحقيق الكتاب و نشره، و في احدى الأمسيات كنت أحدث بعض الأصدقاء عن هذه النية، و أنني سأراسل مكتبة البودليان للحصول على شريط مصور للمخطوط، و هنا أخبرني الصديق أحمد ابش، أن لديه نسخة من هذا الشريط، و تفضل مشكورا باعارتي اياها، حيث أخرجت عنها صورة مطبوعة، و لا بد من الاشارة هنا الى السيد ابش هو شاب دمشقي يعمل جاهدا في سبيل جمع مصادر تاريخ دمشق، و إني أنتظر له مستقبلا جيدا في خدمة تاريخ هذه المدينة الخالدة.
و أثناء عملي في تحقيق الكتاب و الاشراف على طباعته لاقيت التشجيع و العون من عدد من الأصدقاء أخص منهم الأخ عبد الهادي حرصوني، كما أن بعض طلابي قدموا لي مشكورين بعض المساعدات في إعداد فهارس الكتاب، ذلك أنني ألحقت الكتاب بفهارس فنية للأعلام مع فهارس للمحتويات و ثلاث خرائط اثنتان لدمشق المدينة و دمشق و المناطق القريبة منها، و ثالثة لمسرح عمليات الحروب الصليبية، و هنا أعود لأتوجه بالشكر الى أصحاب مطابع دار الملاح و العاملين فيها لما بذلوه من جهود في سبيل اخراج الكتاب بشكل صحيح لائق، و للصديق الزميل الأستاذ فواز بكدش لتفضله بتصميم غلاف الكتاب.
و لا بد لي من أشير في نهاية هذه المقدمة بأنه على الرغم من اعترافي بجميع المساعدات التي قدمت لي، فإن مسؤولية الكتاب أتحملها لوحدي و أنني بذلت
أثناء التحقيق كل طاقاتي، وعدت الى سلسلة عريضة من المصادر التاريخية و الجغرافية و سواها مع عمليات السبر و البحث عن بعض المواقع على الطبيعة، و تابعت ذلك و الكتاب قيد الطباعة، و أسوق هنا المثل التالي، فلقد مرّ بي في (ص 39) ذكر نبع اسمه الفوار، و بحثت عن موقع هذا النبع في المصادر فلم أهتد الى ذكر له، و سألت فأخبرت أنه اسم لواحد من ينابيع بلدة الحمة المحتلة، و هذا ما أثبته في الحاشية، و بعد هذا تبين لي أن هذا و هم، و الصحيح أنه نبع قائم على طريق دمشق خان أرنبه، و أنه يبعد عن خان أرنبه مسافة/ 15/ كم و على مسافة/ 4/ كم من معسكر للطلائع.
و هذا المثل فيه عبرة كبيرة، إن الباحث ينشد الكمال، لكن من المحال الوصول الى هذا الهدف، و إن للبحث العلمي بداية لكن ليس له نهاية، لهذا أتوجه الى جميع القراء بالدعوة الى ارشادي الى ما أخفقت في قراءته أو تحديده أو شرحه، فالكتاب الآن هو ملكهم و محتوياته فيها تاريخهم ممثلا بأعظم مدن التاريخ و أروعها دورا، دمشق دار العروبة و الاسلام.
و الحمد للّه و الصلاة و السلام على الانسان الكامل سيدنا و نبينا و هادينا محمد رسول اللّه و على آله و صحبه و سلم تسليما.
دمشق 20 شوال 1403 ه
30 تموز 1983 م
سهيل زكار
الموضوع رقم الصفحة
مقدمة المحقق
سنة ستين و ثلاثمائة 1
ولاية ظالم بن موهوب العقيلي 9
ولاية ألفتكين المعزي 21
ولاية قسام التراب 38
سنة تسع و ستين و ثلاثمائة 41
سنة احدى و سبعين و ثلاثمائة 44
ولاية بكجور لدمشق 48
سنة احدى و ثمانين و ثلاثمائة 58
ولاية القائد منير الخادم و منجوتكين 68
ولاية القائد سلمان بن فلاح 82
ولاية بشارة الاخشيدي 87
ولاية القائد تميم بن اسماعيل المغربي 93
ولاية القائد ختكين الداعي 94
ولاية القائد طزملت بن بكار 95
ولاية القائد مفلح اللحياني 101
ولاية القائد حامد بن ملهم 107
ولاية الأمير وجيه الدولة أبي المطاع 112
ولاية أمير الجيوش الدزبري 116
ولاية القائد ناصر الدولة 134
ولاية القائد طارق الصقلبي 136
ولاية رفق المستنصري 139
ولاية الأمير المؤيد عدة الامام 140
سنة ثمان و أربعين و أربعمائة 141
سنة تسع و أربعين و أربعمائة 142
سنة خمسين و أربعمائة 142
سنة احدى و خمسين و أربعمائة 150
سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة 150
سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة 152
سنة أربع و خمسين و أربعمائة 153
سنة خمس و خمسين و أربعمائة 154
ولاية أمير الجيوش بدر الجمالي 154
ولاية الأمير حيدرة بن منزو 155
سنة سبع و خمسين و أربعمائة 156
سنة ثمان و خمسين و أربعمائة 157
ولاية أمير الجيوش الثانية 157
سنة ستين و أربعمائة 158
ولاية الأمير بارزطغان 158
سنة احدى و ستين و أربعمائة 161
ولاية معلى بن حيدرة بن منزو 161
سنة اثنتين و ستين و أربعمائة 165
سنة ثلاث و ستين و أربعمائة 166
سنة أربع و ستين و أربعمائة 168
سنة خمس و ستين و أربعمائة 169
سنة ست و ستين و أربعمائة 170
سنة سبع و ستين و أربعمائة 171
سنة ثمان و ستين و أربعمائة 174
ولاية الأمير رزين الدولة 174
سنة تسع و ستين و أربعمائة 176
سنة سبعين و أربعمائة 181
سنة احدى و سبعين و أربعمائة 182
سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة 183
سنة أربع و سبعين و أربعمائة 184
سنة خمس و سبعين و أربعمائة 185
سنة ست و سبعين و أربعمائة 188
سنة سبع و سبعين و أربعمائة 190
سنة ثمان و سبعين و أربعمائة 192
سنة تسع و سبعين و أربعمائة 194
سنة ثمانين و أربعمائة 196
سنة احدى و ثمانين و أربعمائة 196
سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة 197
سنة ثلاث و ثمانين و أربعمائة 198
سنة أربع و ثمانين و أربعمائة 199
سنة خمس و ثمانين و أربعمائة 199
سنة ست و ثمانين و أربعمائة 202
سنة سبع و ثمانين و أربعمائة 206
سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة 212
سنة تسع و ثمانين و أربعمائة 216
سنة تسعين و أربعمائة 216
سنة احدى و تسعين و أربعمائة 220
سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة 222
سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة 223
سنة أربع و تسعين و أربعمائة 224
سنة خمس و تسعين و أربعمائة 227
سنة ست و تسعين و أربعمائة 229
سنة سبع و تسعين و أربعمائة 231
سنة ثمان و تسعين و أربعمائة 236
سنة تسع و تسعين و أربعمائة 241
سنة خمسمائة 243
سنة احدى و خمسمائة 255
سنة اثنتين و خمسمائة 260
سنة ثلاث و خمسمائة 264
سنة أربع و خمسمائة 274
سنة خمس و خمسمائة 284
سنة ست و خمسمائة 290
سنة سبع و خمسمائة 298
سنة ثمان و خمسمائة 304
سنة تسع و خمسمائة 306
سنة عشر و خمسمائة 314
سنة احدى عشرة و خمسمائة 316
سنة اثنتي عشرة و خمسمائة 318
سنة ثلاث عشرة و خمسمائة 319
سنة أربع عشرة و خمسمائة 322
سنة خمس عشرة و خمسمائة 323
سنة ست عشرة و خمسمائة 328
سنة سبع عشرة و خمسمائة 330
سنة ثماني عشرة و خمسمائة 336
سنة تسع عشرة و خمسمائة 338
سنة عشرين و خمسمائة 341
سنة احدى و عشرين و خمسمائة 344
سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة 347
ذكر تاج الملوك بوري 350
ذكر ما حدث من الباطنية بدمشق 351
سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة 356
سنة أربع و عشرين و خمسمائة 360
سنة خمس و عشرين و خمسمائة 364
سنة ست و عشرين و خمسمائة 369
ذكر أيام شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل 372
سنة سبع و عشرين و خمسمائة 374
سنة ثمان و عشرين و خمسمائة 382
سنة تسع و عشرين و خمسمائة 386
سنة ثلاثين و خمسمائة 396
سنة احدى و ثلاثين و خمسمائة 406
سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة 413
سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة 420
سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة 424
سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة 428
سنة ست و ثلاثين و خمسمائة 429
سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة 431
سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة 433
سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة 434
سنة أربعين و خمسمائة 440
سنة احدى و أربعين و خمسمائة 444
سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة 458
سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة 462
سنة أربع و أربعين و خمسمائة 471
سنة خمس و أربعين و خمسمائة 480
سنة ست و أربعين و خمسمائة 484
سنة سبع و أربعين و خمسمائة 492
سنة ثمان و أربعين و خمسمائة 495
سنة تسع و أربعين و خمسمائة 503
سنة خمسين و خمسمائة 509
سنة احدى و خمسين و خمسمائة 511
ذكر زلازل سنة احدى و خمسين و خمسمائة 514
سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة 518
سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة 536
سنة أربع و خمسين و خمسمائة 541
سنة خمس و خمسين و خمسمائة 547
ص: 1
و في سنة ستين و ثلاثمائة(1)
في ذي القعدة وصل القرامطة إلى دمشق، و نصبوا على أسوارها السلالم، و تعلقوا بها و فتحوها قصدا، و أوقعوا بأهلها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و شنعوا بأهلها و قتلوا و اليها جعفر بن فلاح، و سبب ذلك أنهم لما رأوا أن جعفرا استولى على الشام أهمهم أمره و أزعجهم و قلقوا، لأنهم كانوا قرروا مع ابن طغج أن يحمل إليهم في كل عام ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملكها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على المسير إلى الشام، و صاحبهم وقتئذ الحسن بن أحمد بن بهرام القرمطي فأرسل إلى عز الدولة بختيار يستمد منه المعونة بالسلاح و المال، فأجابه الى ذلك و استقر الحال أنهم إذا ساروا الى الكوفة سائرين الى الشام حملوا الذي استقر، فلما وصلوا الكوفة أوصل اليهم ذلك و ساروا الى دمشق، و بلغ خبر وصولهم الى جعفر، فاحتقرهم و استهان بهم «و لم يدر المخبأ له و لم يصل اليه قول القائل: «إذا كان عدوك نملة فلا تنام له»، و قد تقتل النملة الثعبان و الأسد»(2)و لم يحتط(3)و يحترز منهم و لم يعمل لهم حسابا، فكبسوه بظاهر دمشق(4)
و لخمس خلون من صفر من هذه السنة، أمر المؤذنين بجامع دمشق أن يؤذنوا- بحي على خير العمل، و كذا بالمساجد، و كان ينزل بمكان يقال له الدّكة بين نهري يزيد و تورا، و قيل هي فوق يزيد قريبا من دير مران، فجاء أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي الى دمشق و يلقب بالاعصم، و كان جعفر مريضا، فخرج فقاتله فقتله القرمطي في ذي القعدة و قيل في شوال.
و قتلوه من حيث لا يشعر بهم و غنموا ماله1) بداية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت بن سنان.
2) يبدو أن هذه الجملة مقحمة في الأصل.
3) في الأصل- يحتاط- .
4) في مرآة الزمان- مخطوطة أحمد الثالث- 11/ 88- و: و فيها 360 ه) و توفي جعفر بن فلاح أحد قواد المصريين، و أول أمير ولي لهم دمشق، و كان فيمن خرج مع جوهر من المغرب، و شهد معه فتوح مصر، ثم بعثه جوهر إلى الشام، فتغلب على الرملة سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، و أقام بدمشق.
ص: 2
و أنعامه من ناطق و صامت(1).
1) اصطدم الفاطميون أثناء فتحهم لدمشق بجماعات الأحداث فيها، الذين شكلوا نوعا من أنواع المليشيات الشعبية البلدية، و كان محمد بن عصودا من بين زعماء أحداث دمشق الذين تصدوا لجعفر بن فلاح، و عندما أخفق بالمقاومة غادر دمشق إلى الأحساء حيث استنجد بقرامطتها، و من حسن الحظ أن المقريزي حفظ لنا في كتاب المقفى تراجم لجعفر بن فلاح و الحسن الاعصم زعيم القرامطة، و ترجمة الأعصم نشرتها في كتابي أخبار القرامطة، أما ما جاء عن علاقة جعفر ابن فلاح بالقرامطة فهاكم هو:( من مخطوطة مجلد برتو باشا في استانبول:
ص: 3
و بعد ملكهم لدمشق أمنوا من بقي من أهلها، و عزموا المسير الى الرملة و استولوا على جميع ما بينهما، فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ساروا منها الى يافا، فتحصنوا بها، و ملك القرامطة الرملة بعد قتال شديد و خسائر جمة، و بعد استتباب الأمر لهم قصدوا المسير الى مصر و تركوا على يافا من يحصرها.
و عند دخولهم مصر اجتمع عليهم خلق كثير من العرب و غيرهم من الجند و الإخشيدية و الكافورية، فنزلوا بفناء مدينة الشمس على مقربة من مصر قريبا من قرية البلسم أو البيلسان و تعرف «بعين» شمس، و اجتمع جند جوهر
ص: 4
الصقلبي قائد المعز لدين اللّه، و خرجوا اليهم، فاقتتلوا غير مرة فلم يظفروا بهم في جميع تلك الأيام، و ما حصل منهم من الفظائع من قطع الطريق و النهب و السلب و سطوهم على القرى و هتكهم الأعراض يعجز القلم عن وصفه لعنهم اللّه.
ثم انهم تقدموا و زحفوا و حصروا عسكر جوهر و ضايقوهم و حصروهم حصارا شديدا، ثم ان جند جوهر خرجوا يوما من مصر و حملوا على القرامطة من الميمنة فانهزم من بها من العرب و غيرهم، و قصدوا خيام القرامطة فنهبوها و كبسوهم فيها فاضطروا الى الهزيمة، و ولوا الأدبار راحلين إلى الشام، فنزلوا الرملة ثم حصروا يافا حصارا شديدا و ضيقوا على من بها، فسير القاهد جوهر نجدة من عسكره لأصحابه المحصورين بها، و معهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل القرامطة مراكبهم اليها فأخذوا مراكب جوهر و لم ينج منها غير مركبين، فغنمهما مراكب الروم.
و للحسن بن بهرام زعيم القرامطة شعر فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين اللّه العلوي الفاطمي الافريقي يقول:
زعمت رجال الغرب أني هبتهافدمي إذا ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دمييروي ثراك فلا سقاني النيل
و في صباح الغد أخذ جند جوهر يرمون القرامطة بقوارير النفط، و أعملوا فيهم السلاح حتى اضطروهم الى الجلاء عن الحصار، و رحلوا الى الشام فتبعوهم، و واصلهم المعز و جوهر بالنجدات حتى أجلوهم عن بعض القرى و المدن(1)
311، مزيدا من التفاصيل هاكم هي: ... ورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم القرمطي الى دمشق، و قتل جعفر بن فلاح، و استيلاء القرامطة على دمشق، و قصدهم مصر، فتأهب جوهر لقتالهم، و حفر جوهر خندقا، و عمل عليه بابين من حديد، و بنى القنطرة على الخليج ظاهر القاهرة، و حفر خندق السري بن الحكم، و فرق السلاح على العساكر، فوجد رقاعا في الجامع العتيق فيها التحذير منه فجمع الناس و وبخهم فاعتذروا له فقبل عذرهم، و نزل القرامطة عين شمس في المحرم سنة احدى و ستين، فاستعد جوهر و ضبط الداخل و الخارج.
و في مستهل ربيع الأول التحم القتال بين القرامطة و بينه على باب القاهرة، فقتل من الفريقين جماعة و أسر كثير، ثم استراحوا في ثانيه، و التقوا في ثالثه، فاقتتلوا قتالا كثيرا قتل فيه ما شاء اللّه من الخلق، و انهزم القرمطي يوم الأحد ثالث ربيع الأول، و نهب سواده، و مر على طريق القلزم- السويس حاليا- و نودي في مدينة مصر: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم و خمسون خلعة و خمسون سرج محلى على دوابها، و ثلاث جوائز ...
.1) جاء في ترجمة جوهر الصقلبي، في كتاب المقفي للمقريزي- مجلد برتو باشا:
ص: 5
و في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة تقوى القرامطة، و عزموا أن يعودوا لمحاربة المعز الفاطمي العلوي صاحب مصر و افريقية، فتجمعت جموعهم و ساروا من الإحساء، و في مقدمتهم زعيمهم الحسن بن أحمد قاصدين ديار مصر فنزلوا بها و حصروها، فلما سمع المعز لدين اللّه قصد القرامطة قبل وصولهم الى مصر، كتب اليهم كتابا(1)، يذكر فيه فضل نفسه و أهل بيته، و أن دعوة القرامطة كانت له و آبائه من قبله، و توعدهم و هددهم و سير الكتاب اليهم، فكتبوا اليه «جوابك: وصل الذي قل تحصيله، و كثر تفصيله، و نحن حاضرون اليك على إثره و السلام». و ساروا حتى وصلوا عين شمس فخيموا بها، و أنشب القتال، و حصروا مصر حصرا شديدا، و أفسدوا و نهبوا القرى و قطعوا السبيل، و كثرت جموعهم، و التف حولهم من العرب و قطاع الطريق جمع كبير، و كان ممن حضر معهم و انضم اليهم الأمير حسان بن الجراح الطائي أمير العرب ببادية
1) أنظره في نص المقريزي في اتعاظ الحنفا بين نصوص كتابي أخبار القرامطة.
ص: 6
الشام، و معه جمع عظيم، فلما رأى ذلك المعز استعظم الأمر، و تحير و ارتبك في أمره، فجمع حاشيته و وزراءه(1)
...(2)و تحصنوا بالسور و عظم الأمر على المعزّ و تحيّر في أمره و لم ينفعه كتابه إليه و لا ترهيبه عليه و لم يقدم على الظهور بعسكره اليه(3)
و الأحداث هي منظمة شبه عسكرية شعبية بلدية، و كان من بين زعماء أحداث دمشق مقدم اسمه محمد بن عصودا، تصدى فيمن تصدى لجعفر بن فلاح إنما عندما أخفق هرب من دمشق يريد الأحساء و قد رافقه ظالم بن موهوب( أو مرهوب) العقيلي، و هناك في عاصمة دولة القرامطة أطلع الحسن الأعصم زعيم القرامطة على حوادث الشام الجديدة، و كان للقرامطة أتاوة سنوية كبيرة يأخذونها من الاخشيدية حكام الشام قطعت بالاحتلال الفاطمي، لهذا و لأسباب كثيرة ساق الأعصم جيوشه إلى الشام بعدما نال تشجيع و مساعدة بغداد، فأوقع بقوات ابن فلاح و قتل ابن فلاح نفسه ثم توجه نحو مصر و حاصر القاهرة دون نجاح، حيث انسحب القرمطي عائدا إلى الشام، و عند ارتفاع خطر القرامطة، راسل جوهر الصقلبي الخليفة المعز لدين اللّه الفاطمي و دعاه إلى القدوم الى مصر فلبى الدعوة، سنة 362 ه/ 973 م، و في سنة 363 ه وصل القرامطة مجددا الى مصر و حاصروا المعز، و طال الحصار على المعز، و كتب الى القرمطي رسالة مطولة بالغة الأهمية، و لقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في كتابي أخبار القرامطة، دمشق 1981، كما أنني نشرت في ملاحق كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية، ط. دمشق 1975، ص: 313- 348 ترجمه كل من جعفر بن فلاح و جوهر الصقلبي من مخطوطة كتاب المقفي للمقريزي.
، و كان حسان بن جراح الطائي(4)62، 190، 387، 404.
بعسكره مع القرمطي، و كان قوته و شدته به،1) نهاية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت، حيث تتطابق المعلومات بعد ذلك.
2) نهاية سقط من أول الكتاب مقداره أربع عشرة ورقة.
3) إثر احتلال جوهر الصقلبي لمصر وجه القائد جعفر بن فلاح نحو الشام فاصطدم ببقايا القوى الاخشيدية في فلسطين فقهرها، و من ثم أخذ الطريق نحو دمشق فاصطدم في منطقة حوران بقبائل عقيل مستعينا عليها ببني مرة و فزارة ثم وصل دمشق فاصطدم الفاطميون بأهل المدينة يتقدمهم أحداث المدينة.
4) حسان بن علي بن جراح أمير قبائل في فلسطين، انظر كتابي أخبار القرامطة:
ص: 7
و نظر المعز في أمره فإذا ليس له به طاقة، فأعمل فكرته و رويته في أمره و شاور أهل الرأي من خاصته و جنده في أمره فقالوا: ليس فيه حيلة غير فلّ عسكره، و ليس يقدر على فلّه إلّا بابن جراح، فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم عسكره، فأجابهم إلى ذلك، ثم نظروا في كثرة المال فاستعظموه، فضربوا دنانير من صفر و طلوها بالذهب و جعلوها في أكياس، و جعلوا في رأس كل كيس منها يسيرا من دنانير الذهب الخلاص، و حملوها الى ثقة ابن جراح، و قد كانوا توثقوا منه و عاهدوه على الوفاء، و ترك الغدر إذا وصل المال إليه، فلما عرف وصول المال إليه عمل في فلّ عسكر القرمطي، و تقدم إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران، و نشبت الحرب.
فلما اشتد القتال ولّى ابن جراح منهزما و تبعه أصحابه، فكان في جمع كثيف، فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم في عسكره بعد الاستظهار و القوة، و تحيّر في أمره، و لزمه الثبات و المحاربة بعسكره و أجهد نفسه في القتال حتى يتخلص، و لم يكن له بهم طاقة، و كانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب، و قد قويت نفوس المغاربة بانفلال ابن جراح، فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره و طلبوا معسكره، فظفروا بمن فيه، و أسروا منه تقدير ألف و خمسمائة رجل، و انتهبوا سواده و ما فيه، و ضربوا أعناق من أسروه، و ذلك في شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.
ثم جرّدوا في طلب القرمطي القائد أبا محمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل فاتبعه و تثاقل في سيره خوفا من رجوعه عليه، و تم القرمطي على حاله في انهزامه حتى نزل على أذرعات(1)، و انفذ أبا المنجا في طائفة من
1) هي مدينة درعا الحالية في سورية.
ص: 8
الجند إلى دمشق، و كان ابنه قبل ذلك واليا عليها(1)
أنظر أخبار القرامطة: 190- 191.
، و رحل القرمطي في البرية طالبا بلده الاحساء، و نيته العود، و رحل أبو محمود مقدم عسكر (7 ظ) المغاربة(2)عند معرفته ذاك و نزل باذرعات في منزل القرمطي.ص: 9
ذكر ولاية ظالم بن موهوب(1)العقيلي لدمشق في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة من قبل المعز لدين اللّه
وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي الى دمشق واليا عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة عقيب نوبة القرمطي، فدخلها و تمكن أمره في ولايتها و تأثلت حاله في إيالتها، و توفرت عدته و عدته، و اشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا و ولده صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما، و حبسهم و أخذ أموالهم و استغراق أحوالهم.
و اتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل الى دمشق في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة، و نزل بالشماسية(2)
126، غوطة دمشق ص: 236.
، فخرج ظالم متلقيا له و مستبشرا به، و مبتهجا بنزوله، و مستأنسا بحلوله لما كان مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق و نزوله عليها، ثم أن ظالما أنزل أبا محمود المقدم الدكة المعروفة(3)و حمل اليه أبا المنجا صاحب القرمطي المعتقل المعروف بالنابلسي(4)أنظر أخبار القرامطة: 190.
الذي كان هرب من الرملة متقربا اليه و إلى المغاربة1) هو ابن مرهوب في بعض نقول المقريزي في كتاب المقفى، و يبدو أن الادارة الفاطمية قد كسبته إلى صفها بعدما كان إلى جانب القرامطة، لتفتت القوى المساندة للقرامطة و لتستفيد من قوى عقيل في الشام الجنوبي ضد القرامطة و القوى المحلية.
2) عند مسجد القدم، كان المأمون أقام بها مرصدا فلكيا، و في ياقوت أنها محلة من دمشق. أنظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق. ط. دمشق 1956 ص:
3) موضع بظاهر دمشق فوق نهر يزيد، يعرف الآن باسم الدواسة. غوطة دمشق ص: 232.
4) أبو بكر النابلسي، وصفه القاضي عبد الجبار الهمذاني برئيس فقهاء الشام.
ص: 10
بذلك، فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب و حملهما الى مصر، فلما وصلا الى المعزّ لدين اللّه أمر بحبس أبي المنجا و ولده و قال للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة و واحدا في الروم؟ فاعترف بذلك، فأمر بسلخه، فسلخ وحشي جلده تبنا و صلب.
و لما نزل القائد أبو محمود المقدّم على دمشق في عسكره اضطرب الناس و قلقوا، و امتدت أيدي المغاربة في العيث و الفساد في نواحي البلد، و أخذ من يصادف في الطرقات و المسالك و كان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجّا قد أخذ انسانا و قتله، فظهر الغوغاء و حملة السلاح، و قتلوا أصحاب المسالح، و كثر من يطلب الفتن من العوام، و طمعت المغاربة في نهب القرى و أخذ القوافل ظاهر البلد، و لم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه فيهم، و لم (8 و) يقبلوا أمره و لا امتثلوا زجره.
و كان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد، و قد عرف ظالم أن الرعية تكره المغاربة (فكثر) في (البلد)(1)الفساد و قطع الطريق على الصدّار و الورّاد، و امتنع السفار من المجيء و الذهاب، و عدلوا في ذلك عن نهج الصواب، و نزح أهل القرى منها إلى البلد، و خلت من أهلها و استوحش ظاهر البلد و باطنه.
فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب القصّارين من ناحية الميدان(2)فكثر الصائح في البلد، و خرج الناس بالسلاح، و ثارث الأحداث، و خرج أصحاب ظالم و وقع القتال، و ظالم يظهر
ص: 11
أنه يريد الصلاح و الدفع عن البلد، و لم يكاشف في الأمر(1)، و وجد الناس حجة للمقال و الشكوى لما يجري عليهم، فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلّة(2)قد أقبلت من حوران، فأخذوها و قتلوا منها ثلاثة نفر، فجاء أهل القتلى و حملوهم و طرحوهم في الجامع(3)فكثر الناس عليهم و بالغوا في المقال و الانكار لأجلهم، و غلقت الأسواق، و مشى الناس بعضهم إلى بعض، و نفرت قلوبهم، و استوحشوا و خافوا.
فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية(4)، إلى اللؤلؤة، فقال قائل: كان بالأمس آخر النهار قوم من المغاربة و من البادية في جنينة في القنوات(5)فقتلت المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد، و قد وقع بينهم حرب و قد ثارت الفتنة بباب الجابية(6)فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاث ابن عم لأبي محمود، فظهر القوم من غد في طلب الرجل، و كان مسكنه في ناحية قينية،
1) أي لم يكاشف أبا محمد العداء. أنظر كتابي أخبار القرامطة: 64.
2) تتبع الحرجلة الآن ناحية الكسوة في محافظة دمشق، و هي الى الشرق من الكسوة تبعد عنها/ 8 كم/ و عن دمشق/ 28 كم/. التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية، ط. دمشق 1968 ص 13.
3) من المرجح المراد به« الجامع الأموي».
4) كانت مقابل الباب الصغير: الأعلاق الحظيرة، قسم دمشق ط. دمشق، 1956 ص: 152.
5) من أشهر مناطق مدينة دمشق ما تزال تحمل هذا الاسم.
6) معروف مكانه في دمشق على مقربة من القنوات ما يزال يحمل هذا الاسم، منه كان الانطلاق إلى الجابية، أشهر مناطق تجمع القبائل العربية في جنوب الشام، و الجابية الآن على مقربة من بلدة نوى في حوران، و لم أهتد إلى معرفة ورد بن زياد هذا. أنظر تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 187.
ص: 12
فأقبلوا يريدون بيته، و انتشرت خيلهم و رجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة و القنوات إلى باب الجابية و باب الحديد(1)، فظفروا بالقصارين عند باب الحديد، فأخذوا ما كان معهم من الثياب، فصاح الناس: «النفير»، و لبسوا السلاح، و خرج أصحاب ظالم مع الرعية، و زحفت المغاربة حتى بلغوا قريبا من سور البلد و ليس في مقابلتهم من يذودهم و يدافعهم، فنفر إليهم أهل البلد من (8 ظ) كل ناحية و نشب القتال، و نكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية، و قصدوا الباب الصغير و امتد الناس خلف المغاربة و صعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة و طرحوا النار فيها فاحترقت، و هي أول نار طرحت في البلد و زحفت الرعية و أصحاب ظالم إلى المغاربة و ضايقوهم مضايقة ألجؤوهم إلى الصعود فوق مسجد ابراهيم، و كان ذلك منهم جهلا و اغترارا و كان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق(2)
دمشق 1954: 2/ 158.
شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث و أصحاب ظالم فانهزموا من المرج الى خلف المرمى، و تبعتهم المغاربة، فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار الإمارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردى، و أمر بغلق باب الحديد(3)، و رتب قوما من أصحابه على جسر باناس لئلا ينهزم الناس، فلما شاهد انهزام الناس و المغاربة في إثرهم ضرب بيده على فخذه، ثم استدعى رمحه، و عبر الجسر و معه فرقة من أصحابه، و حمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد، و صاح الناس في الميدان «النفير»، فانهزم ظالم و أصحابه و جاءت المغاربة نحو الفراديس، و دخلوا الدروب، و ملكوا السطوح و طرحوا النار في الفراديس(4)دمشق 1379: 42.
، و كان هناك من البنيان1) ذكره ابن عساكر في تاريخه: 2/ 186 بقوله:« هو الآن خاص بالقلعة التي أحدثت غربي البلد».
2) كان تحت المنارة الغربية للمسجد الأموي، تاريخ دمشق لابن عساكر ط.
3) في موقع قلعة دمشق حاليا، سمي بذلك لأن كله حديد. تاريخ دمشق: 2/ 186.
4) محلة من محال دمشق، كان لها باب خاص نسب إليها، حيث منطقة العمارة حاليا. تاريخ دمشق: 2/ 186. منادمة الأطلال لعبد القادر بدران ط.
ص: 13
الرفيع الغاية في الحسن و البهاء ما لم ير مثله، و هو أحسن مكان كان بظاهر دمشق، و امتدت النار مشرقة حتى بلغت مسجد القاضي(1)فأتت على دور لبني حذيفة و أخذت النار قلة، فأتلفت ما كان بين الفاخورة و حمام قاسم و كنيسة مريوحنا(2)
تاريخ دمشق: 2/ 20.
و حين انهزم الناس و تكامل العسكر في المرج و الميدان، و ارتفع صياح المغاربة، و انهزم من على السطح من الرماة و النظارة، و امتدوا الى القنوات و دخلوا باب الحديد، و انتشروا، فلما عرفوا انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشمّاسية(3)في طلبه، فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى(4)و الصغرى و القنوات و قينية(5)و أقبل الليل، و بات الناس على أسوأ حال و أشدّ خوف عظيم، و أعظم و جل، و تمكنت النار في تلك الليلة (9- و)، فأحرقت درب الفحامين، و درب القصارين، ثم أخذت مغربة إلى مسجد معاوية(6)، و أحرقت درب السماقي و ما حوله إلى حمام العجمي(7)، ثم أخذت في زقاق المشّاطين و القنوات و قويت النار في اللؤلؤة الكبرى و الصغرى، و بلغت الى ناحية المشرق، واتت على الرصيف جميعه، و كانوا في وقت تمكنهم من باب الحديد، قد طرحوا النار في دار عمرو(8)بن مالك، و دار ابن طغج بن جفّ، فقويت1) انظر الأعلاق الخطيرة لابن شداد، قسم دمشق، ط. دمشق 1956: 157.
2) تحدث ابن عساكر عن بناء الجامع الأموي من قبل الوليد بن عبد الملك، و هدم كنيسة مر يوحنا فقال:« و أعطاهم- النصارى- الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد، الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس».
3) عند مسجد القدم. غوطة دمشق: 236.
4) هي محلة الحلبوني الحالية بدمشق. غوطة دمشق: 243.
5) كانت القينية مقابل الباب الصغير. غوطة دمشق: 242.
6) من أرض قينية على طريق المزة و داريا. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 152.
7) في منطقة العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 300.
8) أنظر ابن عساكر: 2/ 137.
ص: 14
النار في أخشاب و بطاين سقوف منقوشة، و ظهر لها في الليل ألسنة عالية و شرر عظيم، و كذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع، و ألقوا النار أيضا في باب الحديد، و المظلمة بإزاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب(1)
الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 123.
و وصلوا الى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل(2)و وجدوا بين أيديهم من الرعيّة من منعهم دخول الزقاق، و دخل قوم من الرعية المظلمة و أدركوا (النار) و أطفؤوها، و قويت النار في دار ابن مالك فاحترقت و ما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك، ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن طغج و ما يليها إلى قصر عاتكة(3)و سوق الجعفري و الحوانيت، و التقت على قصر(4)غوطة دمشق: 253- 254.
حجاج، و أشرق الصبح و قد خلا المكان و اجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب و الفسقار(5)و النّواحي المعروفة بباب الحديد، و عملوا على المحاربة عن الدروب و الأزقة و أبواب الدور، فما لاح الصباح بضيائه إلا و قد بنوا حائط باب الحديد، و سدوا الباب و أتى اللّه بالفرج.و قد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو و لعب و زفن(6)و فرح و سرور بأخذ البلد من عدوهم، ينظرون الى النار تعمل في جنباته، و قد أتت عليه، فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد، و كان الناس قد غدوا إلى الميدان، و صعدوا السطح ينظرون نزول العسكر، و قد حارت عقول كثير من
1) من المعتقد أن محلة حجر الذهب كانت حيث العصرونية الآن شرقي القلعة.
2) لم أقف عليها في المصادر المتوفرة.
3) من أحياء دمشق الآن خارج باب الجابية يطلق عليه الآن« قبر عاتكة». غوضة دمشق: 256- 257.
4) محلة كبيرة في ظاهر باب الجابية نسبت إلى الحجاج بن عبد الملك بن مروان.
5) من المعتقد أنه سوق مدحت باشا الحالي. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 93.
6) الزفن: اللعب و الدفع. النهاية لابن الأثير.
ص: 15
الناس من الخوف، فلما نظرت الدبادبة من كان على السطح، انحدر العسكر، و قد علت الأصوات بالنفير، فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام، و عدد الحرب و آلاتها و خرج قوم بمثل حربة (9 ظ) و عصا و فاس و كساء و مقلاع، و حمر عليها حجارة، و اشتد الناس في القتال، و نزل القائد أبو محمود في عسكره، فضرب في الميدان خيمة و أصبح الناس في شدة عظيمة، و بلية هائلة (و اجتمع الأشراف)(1)و ظهروا من البلد، و قد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار و المستورين يطلبون من اللّه تعالى الفرج، فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم، فنفرت من الصياح خيل هناك، فقيل لهم: أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد، فأذن لهم فلما حضروا لديه، و سلموا عليه، أحسن الرد عليهم، و بشّ بهم و قال: ما حالكم و ما الذي جاء بكم؟ فشكوا إليه أحوالهم، و الإضرار بهم، و المضايقة لهم، و خضعوا و ذلوا له و لطفوا به، فقال: ما نزلت في هذا المكان لقتالكم، و إنما نزلت لأردّ هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم- يعني أصحابه- و ما أوثر قتال رعية، فشكروا و دعوا له و أثنوا عليه، و انصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه، و جاؤوا إلى خيمته و اختلطوا بأصحابه و قد خف الخوف و الوجل عنهم، و دخلت المغاربة البلد لقضاء حوائجهم، و عاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله.
و ولى الشرطة لرجلين يقال لهما حمزة المغربي و الآخر يقال له ابن كشمرد من الاخشيدية، فدخلا في جمع كثير من الخيل و الرجالة فطافا في البلد بالملاهي و الزفن، و جلسا في مجلس الشرطة، و طاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد و السلاح ممن يريد الفساد و إثارة الفتن، و وجد الطائف الدروب قد ضيقت،
1) من المقدر وجود سقط بالأصل، و لعل ما أثبت بين الحاصرتين فيه تقويم و ايضاح.
ص: 16
فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشقّ هذا الأمر عليه و ضاق له صدره، فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى(1)، يريد باب الصغير في جمع وافر، و وصل إلى سوق(2)الغنم، فوجد درب سوق الغنم مسدودا، فعظم ذلك عليه، و غضب لأجله، و عاد إلى ورائه منكفئا حتى دخل من ناحية البطّاطين(3)فشكا إلى أبي محمود، فقال:
إن القوم على ما هم عليه من العصيان و الخلاف، و كثرت الأقوال في مجلسه و لم يكن صاحب رأي سديد و لا تدبير حميد و لا حسن سياسة، و استدعى مشايخ البلد إليه (10 و) فدخلوا عليه فتوعدهم و أغلظ القول لهم، و قال:
إن لم يفتح هذا الباب و إلّا فأنتم مقيمون على الخلاف و العصيان، فقالوا:
أيها القائد لم يسدّ هذا الباب لعصيان و لا خلاف، و إنما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد و لا يؤثره من أهل الفساد و من يؤثر إثارة الفتنة و العناد، فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام و إن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه و لأحرقنه و لأقتلن كل من أصادفه فيه، فقالوا: نحن نطيع أمرك و لا نخالفه إذا استصوبت ذلك.
و خرجوا من عنده متحيرين في أمرهم و لا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس و أمور السلطان، فصاروا إلى باب الصغير، و اجتمع اليهم أهل الشرّة و غيرهم، و فيهم المعروف بالمارود رأس شطّار الأحداث، و أحاطوا بهم و سألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب، فقال بعضهم: يفتح و لا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب البلد،
ص: 17
و قال قوم من أصحاب السلاح بالضد، فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب و إن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة و غيرهم، أو ثارث منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك و سببه، ثم إنهم فتحوه من وقتهم، فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين، و قال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود، و ما قال أهل الشره، و قد فتح الباب بأمركم، و لسنا نأمن أمرا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه، ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين، و أعملوا الرأي فيما بينهم، و قالوا: الصواب أن نأمرهم بسده، و كان ذلك منهم رأيا سديدا و تدبيرا (سليما)(1)و جرى بين رجل من أكابر المغاربة و رجل من أهل الشرة منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب عليه، فرفع البلدي سيفه و ضرب المغربي فقتله في سوق(2)البقل، فغلظ الأمر و اضطرب البلد، و غلقت حوانيت الأسواق، و ثار العسكر بسبب المقتول، فعند ذلك وجدت المشايخ الحجّة في سدّ الباب لهذا الحادث، و انتهى الخبر الى القائد أبي محمود، ففرّق السلاح في أصحابه، و ثار أهل البلد و تأهبوا للمحاربة، و أصبح العسكر منحدرا يريد باب الصغير، (10 ظ) و كان عندهم العلم بتفريق السلاح، و الاستعداد للحرب، فتيقّظ الناس، فاحترزوا الى حين ارتفع النهار، و فتح الناس حوانيتهم و كان المعروف بابن المارود رأس الأحداث قد عرف هو و أصحابه أن قصد العسكر باب الصغير لأجلهم(3)، و صاح الناس «النفير»، و ارتفعت الأصوات و تقدمت الرجالة، و انتشروا في سوق الدواب،(4)و عبروا الجسر و طرحوا النار في الطاحون قبليّ الجسر، و انتشروا في الطريق و المقابر يشاهدون
1) فراغ في الأصل، مقدار كلمة، و لعل ما وضعته بين حاصرتين يفي بالمعنى.
2) أنظر تاريخ دمشق: 2/ 62. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 103.
3) يستخلص من هذا الخبر و أخبار أخرى سيوردها ابن القلانسي حول الأحداث أن منطقة الباب الصغير كانت أشبه بقاعدة تجمع لقوى أحداث دمشق أو بمثابة ثكنة لهم.
4) أنظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 155.
ص: 18
النار في دور عند مسجد الخضر، و امتدت الأحداث و الرعية في المقابر و وقع «النفير» في الأسواق، و كانوا في غفلة، فصاح فيهم صايح: أما يستيقظ من هو غافل، أما ينتبه من هو راقد، فغلقت حوانيت الأسواق و أضحى الناس من استشعار البلاء على ساق (و قدم)(1)و نزل القائد أبو محمود في محراب المصلى و كانت رجالته منتشرة في المقابر، فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية، و المحاربة على باب الصغير، و كان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي، فقال له: اللّه اللّه أيها القائد في الحرم و الأطفال و أتقياء الرجال، و لم يزل يخضع له و يلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد، و عاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة و كف عن القتال، و دخل صاحب النظر إلى البلد، و انتشر الفساد في سائر الضياع و الجهات، و طرحت النار في الأماكن و الحارات، و ثارت الفتنة و اشتدت النار، و عظم الخوف و فني العدد الكثير من الفريقين، و لم تزل الحرب متصلة مدة صفر و ربيع الأول، و بعض ربيع الآخر، و تقررت المصالحة(2)و الموادعة إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و صرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايته.
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
2) كانت المصالحة سنة و أربع و ستين و ثلاثمائة، و ذكر ثابت بن سنان:« ثم استقر الرأي بين الدمشقيين و القائد أبي محمود على اخراج ظالم من البلد و يخلفه جيش بن الصمصامة، و هو ابن أخت أبي محمود» و كان« قدم إلى القاهرة فيمن قدم إليها مع المعز، و خرج مع خاله أبي محمود ابراهيم بن جعفر ابن فلاح الى الشام». أنظر أخبار القرامطة: 64- 65. مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 345.
ص: 19
لما استقر الصلح و الموادعة بين أهل دمشق و القائد أبي محمود مقدم العسكر المصري المعزي على ما تقدم شرحه، و خمدت نار الفتنة بعض الخمود، و ركدت ريحها بعض (11 و) الركود و سكنت نفوس أهل البلد و اطمأنت القلوب بين الفريقين اعتمد القائد أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق و حمايتها و لمّ ما تشعث منها بالفتنة المتصلة، لما رجاه عنده من الكفاية و الصرامة، و قدره فيه من النهضة و الشهامة، فدخلها واليا و نزل بقصر الثقفيّين(1)في الدار المعروفة بالروذبادي، و أقام بها أياما.
فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر المغاربة بالفراديس فعاثت فيه، فثار الناس عليها و قتلوا من لحقوه منهم، و صاروا إلى قصر الثقفيّين، فهرب منهم جيش ابن الصمصامة الوالي في أصحابه فانتهبوا ما كان لهم فيه، و أصبح القائد منحدرا من العسكر في جمع كثير، و قصد جهة من البلد، و كبس موضعا كان قد سلم و وجد فيه أربعة من أهله فأخذ رؤوسهم و طرح النار فيه فاحترق، و قال القائد أبو محمود: إن أهل الشرّة في موضع يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد، فقصدهم من ناحية الباب(2)الصغير و المقابر، فوقع «النفير» فقاتلتهم الأحداث و الرعية أشد قتال، و قد غلظ الأمر عليهم في أخذ رؤوس من يظفرون به، و نشبت الفتنة و الشر بينهم منذ أول جمادي اولى، و نشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم الى أن أقبل الليل،
ص: 20
فاضطرب البلد و اشتد خوف أهله و وجلهم، و خربت المنازل، و ضعفت النفوس، و انقطعت المواد، و استدت بالخوف المسالك و الطرقات، و بطل البيع و الشراء، و قطع الماء عن البلد، و عدم الناس القني و الحمامات، و مات ضعفاء الناس على الطرقات، و هلك الخلق الكثير من الجوع و البرد في أكثر الجهات، و انتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ولاية القائد ريّان الخادم عقيب هذه الفتنة في بقية سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.
قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين اللّه بما يجري على أهل دمشق من الحروب، و إحراق المنازل، و النهب و القتل و السلب، و إخافة المسالك، و قطع الطرقات، و أن القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف أهل الفساد و المنع (11 ظ) لمن يقصد الشر من أهل العيث و العناد، و لذلك فقد خربت الأعمال، و اختلت الجهات، و ترادفت الأنباء بذلك إليه و تواترت الأخبار بجلية الحال عليه، فأنكر استمرار مثل ذلك، و أكبره و استبشعه، و كتب إلى القائد ريّان الخادم والي طرابلس يأمره بالمسير الى دمشق، لمشاهدة حالها، و كشف أمور أهلها، و المطالعة بحقيقة الأمر فيها، و أن يصرف القائد أبا محمود عنها، فامتثل القائد ريّان الأمر في ذلك، و سار من طرابلس، و وصل إلى دمشق، فشاهدها و كشف أحوال أهلها و أمور الرعية بها، و تقدم الى القائد أبي محمود بالانكفاء عنها، فرحل عن دمشق الى الرملة في عدّة خفيفة من عسكره، و بقي الأكثر مع القائد ريّان، و كان ذلك بقضاء اللّه و تقديره و نفاذ حكمه، و تمادت الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور الفتكين التركي المعزي البويهي الواصل(1).
1) الواصل من العراق.
ص: 21
ولاية ألفتكين(1)المعزي لدمشق في بقية سنة أربع(2)و ستين و ثلاثمائة و ما بعدها و شرح السبب في ذلك
قد مضى ذكر ما جرى عليه أمر القائد ريان المعزي(3)الخادم في تولية أمر دمشق، و ما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها، و اتصال الحروب بها، و ما اعتمده من النظر في تسديد أحوالها و تدارك إصلاح اختلالها بعد ذلك، و تسكين نفوس من بها، و وافق هذه الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن و الوقائع بين الديلم و الأتراك و ما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار ابن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي، و ما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور و ردّ الأمر في التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور ألفتكين المعزي و الرئاسة عليهم، لسكونهم الى سداده و جميل فعله في الأعمال، و اقتصادهم و اعتمادهم عليه في إخماد ثائرة الفتنة، و سكنت نفوس الأجناد ببغداد.
و في ذي القعدة من سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة وردت الأخبار بخلع المطيع للّه و استخلاف ولده الطائع للّه عند اشتداد الفتنة بين الديلم و الأتراك، و أقام على هذه (12 و) الحال برهة خفيفة، ثم ثارت الفتنة و اتصلت الحوادث،
1) يرد رسم هذا الاسم في المصادر بأشكال مختلفة: منها هفتكين، بغتكين، ألفتكين، ألبتكين، و الصحيح هو« ألب تكين أي عبد جلد» و يجوز القول ألف بدلا من ألب فالباء و الفاء سواء في الأسماء المعربة عن التركية. انظر ديوان لغات الترك، تأليف محمود الكاشغري. ط. الآستانة: 1333 ه: 1/ 346- 347.
2) في الأصل ثلاث و هو خطأ واضح، انظر أخبار القرامطة: 64- 65.
3) ألفتكين المعزي و ريان المعزي، أما الأول فنسبة إلى معز الدولة البويهي، و أما الثاني فنسبة الى المعز لدين اللّه الفاطمي.
ص: 22
و زاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب الفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين(1)الغلمان، و وصل أولا إلى ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت، فأقام بها أياما قلائل، و سار منها الى دمشق و الأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملّكها و الغلبة عليها و التحكم فيها، فنزل بظاهرها، و خرج إليه شيوخها و أشرافها و خدموه و أظهروا السرور به، و سألوه الإقامة عندهم، و النظر في أحوالهم، و كف الأحداث الذين بينهم، ودفع الأذيّة المتوجهة عليهم منهم، فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثّق منهم و توثقوا منه بالأيمان المؤكدة و المواثيق المشددة على الطاعة و المساعدة، و دخل البلد و أحسن السيرة و قمع أهل الفساد و أذلّ عصب ذوي العيث و العناد، و قامت له هيبة في الصدور، و صلح به ما كان فاسدا من الأمور، و كانت العرب قد استولت على سواد البلد و ما يتصل به، فقصدهم و أوقع بهم، و قتل كثيرا منهم، و ظهر لهم من شجاعته و شهامته و قوة نفس من في جهته و جملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته و النزول على حكمه، و العمل بإشارته و أمر بتقرير إمضاء الاقطاعات القديمة، و ارتجاع ما سوى ذلك، و أحسن التدبير و السياسة في ترتيب العمال في الأعمال، و أنعم النظر في أبواب المال و وجوه الاستغلال، فاستقام له الأمر، و ثبتت قدمه في الولاية، و سكن أهل دمشق إلى نظره.
و كاتب المعز مكاتبة على سبيل المداجاة و المغالطة و المدامجة و التمويه و الانقياد له و الطاعة لأوامره، فأجابه بالاحماد له و الارتضاء بمذهبه، و الاستدعاء له الى حضرته، ليشاهده و يصطفيه لنفسه، و يعيده إلى ولايته بعد ذلك مكرما مولى مشرّفا، فلم يثق إلى ذلك، و لا سكنت نفسه إليه و امتنع من الإجابة إلى ما بعثه عليه.
1) أي كبار الغلمان، و من أجل حوادث الصراع التركي الديلمي انظر تجارب الأمم لمسكويه، ط. القاهرة 1915: 316- 343، و وصل ألفتكين الى الشام عام 364 ه.
ص: 23
و وافق أن المعز لدين اللّه اعتل العلة التي قضى فيها نحبه و صار إلى رحمة ربه في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة و كان مولده بالمهدية(1)، و عمره خمس و أربعون سنة، و مولده سنة تسع عشرة (12 ظ) و ثلاثمائة، و مدة أيامه في الخلافة ثلاث و عشرون سنة و ستة أشهر و أمه أم ولد، و نقش خاتمه «بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم»، و كان عالما فاضلا شجاعا جاريا على منهاج أبيه في حسن السيرة و انصاف الرعية(2)، ثم عدل عن ذلك و تظاهر بعلم الباطن، ورد من كان باقيا من الدعاة في أيام أبيه و أذن لهم في الاعلان بمذهبهم، و لم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب(3)، و قام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور العزيز باللّه، مولوده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة.
و لما عرف حال الحاجب ألفتكين جهز إليه عسكرا كثيرا مع القائد جوهر المعزي، و يجري الأمر بينهما على ما هو مشروح في موضعه، و اتفق خروج ابن الشمشقيق(4)متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور، فاستولى على
1) معروفة بالجمهورية التونسية بناها المهدي سنة 300 ه/ 913 م على شاطيء البحر الأبيض المتوسط، و أرضها بالأصل أشبه« بجزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصل بزند». انظر كتابي العصر العباسي منذ القرن الرابع و حتى سقوط بغداد، ط. دمشق 1982، ص: 231: 231- 238.
2) تردد بعض المصادر أن المنصور اسماعيل أوقف النشاط الدعوي و تظاهر بالتقرب إلى أهل السنة و ذلك أثناء تصديه لثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي.
3) يريد بهذا قدوم المعز من تونس إلى مصر بعدما تعرضت للخطر القرمطي.
4) هو الامبراطورJOhn I Tzimisces و لفظة شمشقيق لفظة أرمنية معناها القصير( 969- 976)، و كان ابن الزيات مقدم أهل طرسوس التي كانت أعظم مدن الثغور، و قد أفرد ابن العديم في المجلدة الأولى من كتابه بغية الطلب فصلا خاصا حول مدينة طرسوس، أهم ما فيه مواد نقلها عن أبي عثمان الطرسوسي( ت في مطلع القرن الخامس) صاحب كتاب سير الثغور، و طرسوس الآن قائمة داخل الحدود التركية و غالبية سكانها عرب يتقنون العربية، في محراب مسجدها دفن الخليفة المأمون العباسي.
ص: 24
أكثرها ودعت أبا بكر بن الزيات الضرورة إلى مصالحته و الدخول في طاعته و المسير في عدة وافرة من أهل طرسوس و الثغور في خدمته، و فعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك، فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص و افتتحها و انتقل عنها إلى بعلبك و ملكها، و أراد قصد دمشق، و كتب ابن الزيات الى ألفتكين و أهل دمشق يعرفهم قوة متملّك الروم، و أنهم لا يقدرون على مقاومته، و لا يتمكنون من محاربته، و يشير عليهم بالدخول في طاعته و النزول على حكم إشارته، و أصغى ألفتكين و أهل البلد إلى ذلك، و علموا أن فيه المصلحة، و قرروا ما يستكفونه به ليصبحوا في كنف السلامة، و يأمنوا شرّ العساكر الواصلة إليهم، و كتب إليه بقبول الاشارة و ردّ الأمر إليه فيما يدبره، و العمل فيه بما يراه و يستصوبه، فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم، و قال له: قد وردت كتب ألفتكين و أهل دمشق بالإنقياد للملك إلى ما يرومه منهم، و يرسم حمله إليه من الخراج عن بلدهم و سألوا أمانه، و حسن الرأفة و المحاماة عنهم، فقال له: قد قبلت طاعتهم، و أمرت بايمانهم على نفوسهم و أموالهم، و رضيت منهم بالخراج، و أنفذ إليهم صليبا بالأمان، و أنفذ(1)ابن الزيات إليهم مع المعروف بالدمشقي صاحبه، و كان من وجوه (13- و) الطرسوسين، فتلقوه بالمسرة و الاكرام و الشكر الزائد عن حسن السفارة و جميل الوساطة، و أشار ابن الزيات على ألفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي و عدة، و أفضل ترتيب و هيئة، و استصحب أشراف البلد و شيوخه، و لقيه فأقبل عليه و أكرمه و الدمشقيين فيما خاطبهم به من الجميل، و عاملهم به من وكيد العناية و مرضي الرعاية، و توسط ابن الزيات ما بينه و بينهم على تقرير مائة ألف درهم.
1) في الأصل:« فأنفذه» أي الصليب، و هذا يفيد تكرار العبارة، و لا يتفق مع سياق الخبر و بقيته، و لعل ما أثبتناه هو الصواب.
ص: 25
و سار ابن الشمشقيق(1)
تاريخ الامبراطورية البيزنطية( بالانكليزية) تأليف أ. أ. فازلييف- كندا 1952: 1/ 309- 310.
إلى دمشق لمشاهدتها، فلما وصل إليها و نزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها، و تقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها، و ترك الإعتراض لشيء من عملها، و دخل ألفتكين و الشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة و جمعها، و تحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها، و حملوا إليه ما جاز حمله، و حصل المال المقرر له في بدره، و خرج ألفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبا و الطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه، فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه، و قد كانت الحال تأكدت بين ألفتكين و ابن الزيات فتلقاه و وصاه بالتذلل له و الزيادة في التعظم له، و التقرب إليه و أعلمه أن ذلك ينفق عليه، ففعل ألفتكين ما أشار به، و ترجل له هو و أصحابه، و ابن الزيات، عند قربهم منه، و قبلوا الأرض مرارا، فسر الملك بذلك و أمرهم بالركوب، فركبوا و أسند إلى ألفتكين، و سأله عن حاله فأجابه جوابا استرجعه حجة فيه، و كان الملك فارسا يحب الفرسان، فلعب الفتكين و ابن الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه، و شاهد من فروسية الفتكين1) قاد هذا الامبراطور أول جيش بيزنطي توغل في أعماق بلاد الشام منذ الفتح الاسلامي، و قد تحدث في رسالة بعث بها إلى أشوت الثالث ملك أرمينية عن أهداف حملته فبين أنها أهداف صليبية بحتة، ذلك أنه أراد احتلال القدس أو حسب تعبيره أراد تحريرها من المسلمين، لكن كما قال:« لولا وجود المسلمين المغاربة الذين يعيشون هناك و لو لا اعتصامهم في القلاع الساحلية لدخلنا بيت المقدس و صلينا للرب في الأماكن المقدسة». هذا و تحدث يحيى بن سعيد الأنطاكي عن حملة الامبراطور البيزنطي و وصوله إلى دمشق فذكر أنه« قاطع أهلها على ستين ألف دينار يحملونها إليه في كل عام، و كتب عليهم بذلك كتابا و أخذ خطوط الأشراف، و أخذ جماعة منهم رهينة، و استدعى خروج ألفتكين إليه فخرج في أربعة غلمان فأكرمه الملك، و ضرب له مضربا مفردا و أفطر عنده في تلك الليلة فخلع عليه الملك و وهب له ما أخذ به خطوط أهل دمشق من المال و أطلق أيضا الرهائن، و حمله على فرس بسرج و لجام». انظر تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ط. بيروت: 1909 ص: 145- 146.
ص: 26
ما أعجبه، فتقدم إليه بالزيادة في اللعب و التفرد به ففعل، و التفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على ألفتين، و قال: هذا غلام نجيب و قد أعجبني ما شاهدته منه في حسن أفعاله و جميع أحواله، فأعلم ابن الزيات ألفتكين، فترجل و قبل الأرض و شكره و دعا له، فأمره بالركوب فركب و قال لابن الزيات: عرّفه أن ملكي(1)قد وهب له الخراج و ترك طلبه منه، فأعاد ألفتكين الترجل و الشكر (13 ظ) و الدعاء، و عاد الملك إلى بلاطه و ألفتكين معه أثناء مسيره يلعب و يرى بالزوبين(2)، و الملك شديد التوفر عليه، حتى إذا نزل أحضره و خلع عليه، و حمله على شهري، و استهداه الملك الفرس الذي كان تحته، و السلاح الذي عليه الرمح، فعاد و أضاف اليه عشرين فرسا بتجافيفها و عدة رماح و شيئا كثيرا من أصناف الثياب و الطيب و التحف التي يتحف بها مثله، فشكره الملك على هذا الفعل، و قبل الفرس و آلته، ورد ما سوى ذلك و كافأه على الهدية بأثواب ديباج كثيرة، و صياغات و شهاريّ و بغلات.
و سار على طريق الساحل فنزل على صيدا، و خرج إليه أبو الفتح بن الشيخ، و كان رجلا جليل القدر، و معه شيوخ البلد، و لقوه و قرروا معه أمرهم على مال أعطوه إياه و هدية حملوها إليه، و انصرف عنهم على سلم و موادعة، و انتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه، فقاتلهم و افتتح الثغر عنوة و نهبه و سبى السبي الكثير منه، و توجه الى جبيل فاعتصم أهلها عليه، و جرى أمرها مجرى بيروت، و نزل على طرابلس فأقام عليها تقدير أربعين يوما يقاتل أهلها
1) أي ملك ابن الزيات الامبراطور نفسه صاحب الخطاب حسب الطريقة البيزنطية في الرسوم، أو لعل الامبراطور لم يرد نفسه، ذلك أنه حكم باسم ولدي الامبراطور رومانوس الثالث و هما باسيل الثاني و قسطنطين الثامن، أنظر كتاب أوربا في العصور الوسطى لسعيد عبد الفتاح عاشور. ط. القاهرة 1966 ص: 422- 426.
2) حربة ذات رأسين، باللغة الفارسية.
ص: 27
و يقاتلونه، فبينما هو على ذلك إذ دسّ اليه خال بسيل و قسطنطين سما فاعتل منه، و رحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك، و قطع ما كان في بساتينها من شجر التين و هو يجري هناك مجرى النخل في البصرة، و حفزه المرض الذي لحقه و استخلف البرجي(1)البطريق على منازلتها و توجه الى القسطنطينة، و توفي بعد أن افتتح البرجي أنطاكية في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة.
و ورد(2)الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين اللّه صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان مولده بالمهدية على أربع ساعات و أربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و عمره خمس و أربعون سنة، و تقلد الأمر بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و مدة أيامه بمصر ثلاث سنين، و انتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز باللّه، و قد تقدم ذكر ذاك إلا أن هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية.
و قيل أن المعز كان (14 و) مغرى بعلم النجوم، و النظر فيما يقتضيه أحوال مولده و أحكام طالعه، فحكم له بقطع فيه و استشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض و يتوارى فيه إلى حين زوال الوقت و تقضّيه، فعمل على ذلك، و أحضر قواده و كتابه، و قال لهم: إن بيني و بين اللّه تعالى عهدا في وعد وعدنيه، و قد قرب أوانه، و جعلت ولدي نزارا ولي العهد بعدي، و لقّبته العزيز باللّه، و استخلفته عليكم، و على تدبير أموركم مدة غيبتي، فالزموا الطاعة له و المناصحة و اسلكوا الطريق الواضحة، فقالوا له: الأمر أمرك و نحن عبيدك و خدمك، و وصى إلى العزيز بما أراد، و جعل
ص: 28
جوهرا مدبره و المشار إليه في الأمور و تنفيذها بين يديه، و نزل إلى السرداب الذي اتخذه، و أقام فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأوا غماما سائرا ترجلوا الى الأرض و أوموا إليه بالسلام بقدر ذاك، ثم خرج بعد ذلك و جلس للناس، فدخلوا إليه على طبقاتهم و خدموه بأدعيتهم و ما أقام على هذه الحال الّا مديدة و اعتل علته التي قضى فيها نحبه(1)
146، ذكر أن وفاة المعز كتمت مدة ثمانية أشهر.
.و قام العزيز باللّه في منصبه، و قد كان ألفتكين (بدمشق)(2)و القرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا الى دمشق في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كان الذي وافى منهم اسحق و كسرى و جعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية، و وافى معهم كثير من العجم، و أكرمهم ألفتكين، و حمل إليهم الميرة، و خرج نحوهم، و أقاموا على دمشق أياما و رحلوا متوجهين الى الرملة، و كان أبو محمود ابراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا، فلما نزلوا الرملة شرعوا في القتال، و لما أمن ألفتكين من ناحية مصر و الرملة عمل على أخذ ثغور الساحل، وسا فيمن اجتمع إليه، و نزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليا و معه رؤوس من المغاربة، و معهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم
1) فكرة الغيبة في هذه الرواية مقبولة، بصرف النظر عما أحاط بها هنا من أخبار، و فكرة الغيبة موجودة لدى معظم فرق الشيعة، فالكيسانية اعتقدوا بغيبة محمد بن الحنفية، و بعدهم رأى الاثنا عشرية و ما زالوا يرون أن الامام الثاني عشر تغيب في غار في سامراء و أنه مهدي الزمان و سيظهر عندما يحين الوقت، و كذلك اعتقد الدروز بغيبة الحاكم بأمر اللّه، و الجديد المختلف في غيبة المعز هنا ان غيبته كانت محدودة المدة محدودة الهدف، و هي هنا مرتبطة بمكانة الامام الدينية لدى الاسماعيلية و بما ورد في القرآن الكريم عن غيبة النبي موسى عليه السلام، هذا و مفيد أن نشير هنا أن يحيى بن سعيد الأنطاكي:
2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق و يتضح المعنى، فالقرامطة كاتبوا ألفتكين« بأنهم قاصدون الشام»، و لم يقوموا لا هم و لا ألفتكين بالكتابة للعزيز الفاطمي.
ص: 29
ذكره في دمشق، فقاتلوه و كانوا في كثرة و طمعوا في ألفتكين، و امتدوا خلفه و نزل على نهر و طفت الرعية من صيدا، و خرج منهم خلق كثير، و قال ألفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس، و تبعوهم، فحملت عليهم الأتراك، و رمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور (14 ظ) و أقبلوا باللتوت(1)عليهم و داسوهم بالخيل عليها التجافيف(2)
النهاية لابن الأثير.
، فانهزموا و أخذهم السيف، و كان ظالم ابن موهوب معهم، فانهزم إلى صور و أحصي القتلى فكانوا أربعة آلاف، و طمع في أخذ عكا و توجه نحوها.و قد كان العزيز باللّه كاتب ألفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين اللّه من الاستمالة، و وعده بالاصطناع إذا(3)أخذت عليه البيعة، و ظهرت منه الطاعة، فأجابه فيه جوابا فيه بعض الغلظة، و قال: هذا بلد أخذته بالسيف و ما أدين فيه لأحد بطاعة و لا أقبل منه أمرا، و غاظ العزيز هذا الجواب منه، و أحفظه و استشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس(4)
القاهرة 1924 ص: 19- 23.
وزيره فيما يدبّر أمر1) في الأصل« أقلبوا» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه و اللتوت جمع لت و هو العمود أو ما ناظره بالفارسية.
2) هو شيء من سلاح يترك على الفرس بغية الأذى، و قد يلبسه الانسان أيضا.
3) في الأصل« و أخذت» و هو غير مستقيم المعنى و لعل ما أثبتناه هو الصواب.
4) عراقي الأصل من يهودها، قدم الرملة و عمل بها ثم توجه إلى مصر حيث التحق بكافور الأخشيدي، فنفق عنه و أعلن اسلامه فاستوزره، توجه بعد وفاة كافور إلى افريقية فالتحق بالفاطميين و رافق جيوشهم التي فتحت مصر، و في مصر وضع أسس نظام الادارة الفاطمي بشكل يكاد يكون علميا، كما كتب في الدعوة الاسماعيلية و أسهم في اعادة تنظيمها، تسلم الوزارة الفاطمية أكثر من مرة، و توفي في أيام العزيز، و المثير في أمره أن وثائق الجنيزا اليهودية المصرية المعاصرة له تشير إليه باسم الأخ يعقوب مما يدفع إلى القول بأنه تمسك باليهودية و تظاهر بالاسلام. انظر كتاب« يهود في الحياة الاقتصادية و السياسية للاسلام الوسيط» تأليف والتر فيشل( بالانكليزية) ط. لندن 1968 ص: 45- 68. مجتمع البحر الأبيض المتوسط، تأليف س. د. جويتين( بالانكليزية) كاليفورنيا 1967 ص: 33- 34. الاشارة إلى من نال الوزارة لعلي بن منجب الصيرفي ط.
ص: 30
ألفتكين به، فأشار باخراج القائد جوهر إليه مع العساكر، فأمر بالشروع في ذلك و ترتيب الأمر فيه.
و عرف ألفتكين ذلك و ما وقع العزم عليه، فجمع وجوه أهل دمشق و أشرافها و شيوخها، و قال لهم: قد علمتم أنني لم أتوسطكم و أتولى تدبيركم إلا عن رأيكم و مرادكم، و قد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به، و أنا منصرف عنكم و داخل إلى بلاد الروم، و عامل على طلب موضع أكون فيه، و أستمد ما أحتاج إليه منه، لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم، و تصل به المضرة إليكم، و كان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد، و لأنهم أمويون، و لقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم، فقالوا: اما اخترناك لرئاستنا، و سياستنا على أن (لا) نمكنك من تركنا و مفارقتنا أو نألوك جهدا من نفوسنا و مساعدتنا و نفوسنا دونك، و بين يديك في المدافعة عنك، و جددوا له التوثقة على الطاعة و المناصحة.
و فصل جوهر في العسكر الكثيف(1)من مصر بعد أن استصحب أمانا من العزيز باللّه لألفتكين، و خاتما و دستا من ثيابه و كتابا إليه بالعفو عنه، و عمّا فرط منه، فلما حصل بالرملة كاتب ألفتكين بالرفق و الملاطفة، و أن يبلغ له ما يريد و أعلمه ما قرّره له مع العزيز باللّه، و أخذه أمانه المؤكد و التشريف الفاخر، و أشار عليه في أثناء ذلك بترك إثارة الفتنة و أن يطلب صلاح الحال من جهته و أقرب طرقه، فلما وصل الكتاب إليه و وقف عليه، أجابه عنه بالجميل من (15 و) الجواب، و المرضيّ من الخطاب، و الشكر على ما بذله له من نفسه، و غالطه في المقال و احتجّ عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه
1) ذكر المقريزي في كتابه المقفي في ترجمة جوهر الصقلبي:« و سار من القاهرة في عسكر لم يخرج الى الشام قبله مثله، بلغت عدتهم عشرين ألفا». أنظر كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية ص: 242.
ص: 31
و تدبيره عليه، و كان كاتب ألفتكين المعروف بابن الخمّار، و هو يرى غير رأي المغاربة، و يزري عنده على اعتقادهم، و يقرّر في نفسه وجوب قتالهم، و وقف جوهر على كتابه فعلم أنه مصرّ على الحرب، فسار إليه حتى إذا قرب منه، و وصل إلى دمشق نزل في العسكر بالشماسيّة، و برز إليه ألفتكين في أصحابه و من حشده من العرب و غيرهم، و نشبت الحرب بين الفريقين، و اتصلت مدة شهرين، و قتل فيها عدد كثير من الطائفتين، و ظهر من شجاعة ألفتكين و الغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس، و تحصّلت لهم الهيبة القوية في القلوب، و أشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن أحمد القرمطي(1)، و استدعائه للاجتماع به على دفع المغاربة، ففعل و سار الحسن متوجها إليه في عسكره، و عرف جوهر خبره، فعلم أنه متى حصل بين عدوّين ربما تمّ عليه مكروه منهما، فرجع إلى طبرية، و وصل الحسن بن أحمد إلى ألفتكين، و اجتمعا و تحالفا، و تعاقدا و سارا في أثر جوهر، فاندفع منهما إلى الرملة، و أقام بها، و أنفذ رحله و أثقاله إلى عسقلان، و كتب إلى العزيز يعرّفه بصورة الحال و يستأذنه في قصد عسقلان إن دعته إلى ذلك ضرورة، و وافى ألفتكين و الحسن بن أحمد القرمطي و نزلا على الرملة، و نازلا جوهرا و قاتلاه، و اجتمع إليهما من رجال الشام و عربها تقدير خمسين ألف فارس و راجل، و نزلوا بنهر الطواحين(2)على ثلاثة فراسخ من البلد و لا ماء لأهله إلا منه، فقطعاه عنهم، و احتاج جوهر و عسكره إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج و غناء له قليل، و مادّته إلى نفاد، و رأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام و مقاومة القوم، فرحل إلى عسقلان في أول الليل، و وصل إليها في آخره، و تبعه ألفتكين و القرمطي إليها، و نزلا عليها و حاصراه فيها، و ضاقت الميرة به،
ص: 32
و غلت الأسعار عنده، و كان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في البحر، و اشتدّت الحال حتى أكلت المغاربة و أهل البلد الدواب الميتة، و ابتاعوا الخبز إذا وجدوه (15 ظ) حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزّي، و كان جوهر شجاعا مبارزا، و ربّما خرج و تقدّم و إذا وجد فرصة من ألفتكين دعاه إلى الطاعة و بذل له البذول المرغّبة فيسترجعه ألفتكين و يسترجله و يهم أن يقبل منه و يجيبه، ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد و ابن الخمّار الكاتب، و يمنعناه و يخوّفانه و يحذّرانه، و زاد الضيق و الشدّة على المغاربة، و تصوّر جوهر العطب إن لم يعمل الحيلة في الخلاص، فراسل ألفتكين سرا و سأله القرب منه و الاجتماع معه، ففعل ذلك ألفتكين و وقفا على فرسيهما فقال له جوهر: قد علمت ما يجمعني و إياك من حرمة الاسلام و حرمة الدين، و هذه فتنة قد طالت و أريقت فيها الدماء، و نحن المأخوذون بها عند اللّه تعالى، و قد دعوتك إلى الصلح و الموادعة و الدخول في السلم و الطاعة، و بذلت لك كل اقتراح، و إرادة و احسان و ولاية فأبيت إلّا القبول ممّن يشبّ نار الفتنة و يستر عنك وجه النصيحة، فراقب اللّه تعالى، و راجع نفسك و غلّب رأيك على هوى غيرك، فقال له ألفتكين: أنا و اللّه واثق بك و بصحة الرأي و المشورة منك، لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه و لا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي، فقال له: إذا كان الرأي و الأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلا على الأمانة و ما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر و امتنع الصبر و أريد أن تمن عليّ بنفسي و بهؤلاء المسلمين الذين معي و عندي، و تذمّ لي لأمضي و أعود إلى صاحبي شاكرا، و تكون قد جمعت بين حقن الدماء، و اصطناع المعروف، و عقدت عليّ و على صاحبي منّة تحسن الأحدوثة عنك فيها، و ربّما أملت المقابلة لك عنها، فقال له ألفتكين: أفعل و أمنّ على أن أعلّق سيفي و رمح الحسن بن أحمد على باب عسقلان و تخرج أنت و أصحابك من
ص: 33
تحتهما، فرضي جوهر بذلك و تعاهدا و تصافحا عليه، و أخذ ختم ألفتكين رهنا على الوفاء به و افترقا، و عاد ألفتكين إلى عسكره و جوهر إلى البلد، و أنفذ جوهر إلى ألفتكين ألطافا كثيرة و مالا فقبل ذلك منه و كافأه عليه، و أنفذ ألفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه و بين جوهر، (16 و) فركب الحسن إليه و قال له: لقد أخطأت فيما فعلته و بذلته، و جوهر هذا ذو رأي و حزم و دعاء و مكر و قد استقلّك بما عقده معك، و سيرجع إلى صاحبه و يحمله على قصدنا، ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا، و من الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو و أصحابه جوعا و تأخذهم بالسيف، فقال له ألفتكين: قد عاهدته و حلفت له و ما استجيز الغدر به، و علقا السيف و الرمح و خرج جوهر و أصحابه تحتهما، و وصل إلى مصر و دخل على العزيز باللّه و شرح له الحال و استفحال أمره و من معه، فقال له: ما الرأي؟ قال: إن كنت تريدهم فاخرج بنفسك إليهم و الّا فإنهم واردون على أثري.
فأمر العزيز بإخراج الأموال و وضع العطاء في الرجال، و برّز برزوا كليا و استصحب الخزائن و الذخائر و توابيت آبائه على عادة القوم في ذلك، و سار جوهر على مقدّمته، و وردت الأخبار على ألفتكين و الحسن و القرمطي بما جرى، فعادا إلى الرملة، و جمعا العرب و اتفقا و احتشدا و تأهبا و استعدّا، و ورد العزيز في العساكر، و نزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة و ألفتكين و القرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران، و بات العسكران على إعداد للحرب، و باكراها و قد اصطفّ كل منهما ميمنة و قلبا و ميسرة، و جال ألفتكين بين الصفّين يكرّ و يحمل و يطعن و يضرب، فقال العزيز لجوهر: أرني ألفتكين: فأشار إليه و قيل أنّه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا، و عليه كذاغند أصفر، و هو يطعن تارة بالرمح و يضرب أخرى بالسيف و الناس يتحامونه و يتّقونه، فأعجب العزيز ما رأى منه و من هيئته، و على رأسه المظلّة و وقف و أنفذ إليه ركابيا
ص: 34
يختص بخدمته يقال له نميرة و قال له: قل: يا ألفتكين أنا العزيز و قد أزعجتني عن سرير ملكي، و أخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي و أنا مسامحك بجميع ذلك، و صافح لك عنه، فاترك ما أنت عليه ولذ بالعفو (16 ظ) مني فلك عهد اللّه و ميثاقه أني أو منك و أصطفيك و أنوّه باسمك، و أجعلك إسفهسلّار(1)عسكري، و أهب لك الشام بأسره و أتركه في يدك، فمضي نميرة الركابي إليه و أعاد الرسالة عليه، فخرج بحيث يراه الناس، و ترجّل و قبّل الأرض مرارا، و مرّغ خدّيه عليها معفّرا، و قال له: قل لأمير المؤمنين لو تقدّم هذا القول منك لسارعت إليه و أطعت أمرك، فأما الآن فليس إلا ما ترى، و عاد نميرة و قال ذلك للعزيز، فقال له: ارجع إليه و قل له يقرب مني، و يكون بحيث أراه و يراني، فإن استحققت أن يضرب في وجهي بالسيف فليفعل، فمضى نميرة و قال له ذلك، فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين و أنابذه بالحرب، و قد خرج الأمر عن يدي، ثم حمل على الميسرة فكسرها و قتل كثيرا ممن كان فيها، و شاهد العزيز ما جرى، و كان في القلب فراسل الميمنة بالحملة و حمل هو و المظلّة على رأسه، فانهزم ألفتكين و القرمطي و وضع السيف في عسكريهما، فقتل منه نحو عشرين ألف رجل و مضى الحسن القرمطي هاربا على وجهه، و عاد العزيز إلى معسكره، و نزل في مضاربه، و جلس الأسرى بحضرته، و العرب تجيئه بمن يقع في أيديها من أصحاب ألفتكين، و الخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك، و قد بذل لمن يجيئه بألفتكين مائة ألف دينار، و كان ألفتكين يميل إلى المفرج بن غفل بن الجراح و يتمرده لأنه كان وضيء الوجه صبيحه، و شاع ذلك عنه فيه و اتفق أن انهزم، فطلب ساحل البحر و معه ثلاثة من غلمانه رفقائه و به جراح، و قد كدّه العطش فلقيته سريّة من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه و قال له: احملني إلى
1) فارسية تعني القائد العام.
ص: 35
أهلك، ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنى(1)أنزله فيها و أحضره ماء و فاكهة، و وكل به جماعة من أصحابه، و بادر إلى العزيز فتوثّق منه في المال الذي بذله في ألفتكين، ثم عرّفه حصوله في يده، و أخذ جوهرا و مضى فسلمه إليه، و ورد المبشرون إلى العزيز بحصوله، فتقدم بضرب نوبة من مضاربه و فرشها، و إعداد ما يحتاج إلى إعداده من الآلات (17 و) للاستعمال فيها، و إحضار كل من حصل في الأسر منسوبا إليه فأحضر، و أومنوا و كسوا، و رتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته، و وصل ألفتكين و قد خرج العسكر لاستقباله، و هو غير شاكّ في أنه مقتول، فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة، و كانت قريبا من مضاربة و بين يديه مختار الصقلبي صاحب الصقر في جماعة من الخدم و الصقالبة يمنعون الناس منه، و يحولون بينه و بينهم، فلما رأى القوّاد و الصقالبة و المغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم و قبلوا الأرض، ففعل ألفتكين مثل ذلك، و دخل المضارب المعدّة له فشاهد أصحابه و حاشيته على ما كانوا عليه من الحال، و العمل في خدمته، و حمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه، فرمى نفسه الى الأرض و رمى ما على رأسه و عفر خديه على التراب، و بكى بكاء شديدا(2)سمع منه نشيجه، و قال: ما استحققت الإبقاء عليّ فضلا عن العفو الكريم و الاحسان الجسيم، و لكن مولانا أبى إلا ما تقتضيه أعرافه الشريفة و أخلاقه المنيفة، و امتنع من الجلوس في الدست و قعد بين يديه، و أتاه بعد ساعة أمين الدولة
1) ذكرها ياقوت في معجمه فقال: قرية بفلسطين فيها قبض على ألفتكين المعزي و حمل إلى العزيز.
2) أورد يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه ص: 154- 155، و المقريزي في ترجمته لجوهر، معلومات تتوافق مع معلومات ابن القلانسي و تختلف و هي جميعا متكاملة مفيد العودة إليها. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 342- 343. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي. ط القاهرة 1967: 1/ 236- 246.
ص: 36
الحسن بن عمّار، و هو أجلّ كتّابه و جوهر و معهما من الخدم على أيديهم الثياب، فسلّما عليه و أعلماه رضى العزيز عنه و تجاوزه عن الهفوة الواقعة منه، و ألبسه جوهر دستا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب، و قال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سوء الاستشعار، و عدت إلى حال السكون و الانبساط، فجدّد الدعاء و تقبيل الأرض، و شكر جوهرا على ما ظهر منه في أمره، و عاد الحسن و جوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه، و واصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة و الملاطفة في الفواكه و المطاعم، و تقدم من غد إلى البازياريّة و أصحاب الجوارح بالمصير الى باب مضربه، و راسله بالركوب الى الصيد تأنيسا له، و قاد إليه عدّة من دواب بمراكبها فركب و هو يشاهد القتلى من أصحابه، و عاد من متصيّده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع، و النفاطون بالمشاعل، و نزل في (17 ط) مضاربه، فلما كان في الليل ركب العزيز إليه و دخل عليه، فبادر إلى استقباله و تقبيل الأرض و تعفير خديه بالتراب، فأخذ العزيز بيده و أمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات، ثم جلس فسأله عن خبره و خاطبه بما سكن نفسه، و قال له: ما نقمت عليك إلا أنني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحيي مني فأبيت، و قد عفوت الآن عن ذلك، وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به، و سأصطنع لك اصطناعا يسير ذكره، و أفعل معك فعلا أزيد على أملك و أمنيتك فيه، فبكى ألفتكين بين يديه، و قال: قد تفضّلت يا أمير المؤمنين عليّ تفضلا ما استحققته و لا قدرته، و أرجو أن يوفقني اللّه بخدمتك و مقابلة نعمتك، و أنس ألفتكين بعد ذلك و خاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة و التقريرات المتتابعة، و نزلوا على مقاديرهم، و رتبهم في مواضعه، و استحجبه العزيز، و جعله من أخص خاصته و أقرب صاحب من خدمة حضرته.
و كان العزيز قد أنفذ النّجب بالرسل و الكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي، فلحقوه بطبرية، و أعادوا عليه الرسائل بالصفح عمّا جرى منه،
ص: 37
و الدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه و يصطفيه، و التماس ما يريده ليبلغه له، و يرجع إلى بلاده فأقام على أمره، و ترددت المراسلات إليه و منه، و الوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له و لأصحابه، تحمل إليه في كل سنة، و يكونوا على الطاعة و الموادعة، و حمل إليه مال سنة و أضيف اليه ثياب كثيرة و خيل بمراكب، و توجه إليه جوهر و قاضي الرملة، فاستحلفاه للعزيز على الوفاء و المصالحة، و أخذا له المواثيق المشدودة المؤكدة، و أعطياه المال و الخلع و الحملان و انصرف إلى الأحساء(1)، و عاد العزيز إلى مصر و ألفتكين حاجبه، و لم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات.
و وصل العزيز الى مصر و القاهرة، فدخلها و نزل في قصره و أنزل ألفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير، و ركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه، و وافاه فيمن وافاه أبو الفرج (18 و) يعقوب ابن يوسف بن كلّس الوزير، بعد أن لاطفه و هاداه، و زاد أمر ألفتكين بين يدي العزيز، و تكبر على ابن كلس الوزير، و امتنع من قصده، و الركوب إليه و أمره العزيز فلم يفعل، و تدرجت الوحشة بينهما حتى قويت و استحكمت، و أعمل الحيلة الوزير في الراحة منه، و دسّ إليه سما فقتله به، و لما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا عليه، و اتهم ابن كلس و اعتقله نيفا و أربعين يوما صح له خمسمائة ألف دينار، و وفقت الأمور باعتزاله النظر فيها، فأعاده العزيز و جدّد اصطناعه و استخدامه.
1) ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا 1/ 249« أن العزيز لما سار من الرملة بألفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح» أمير قبائل طيء، و لا شك أنه استهدف من وراء ذلك أن تقوم طيء حليفة القرامطة فيما مضى بالدفاع عن فلسطين و بالتالي حماية حدود مصر من القرامطة، لكن هذه القبائل نشطت ضد الفاطميين لتحقيق مطامح خاصة بها.
ص: 38
المقدم ذكره و السبب في غلبته على الأمر في سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة و ما آل أمره إليه السبب في غلبة قسّام على ولاية دمشق أن ألفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه و قدمه و اعتمد عليه و سكن في كثير من أمره إليه، فصار له بذلك صيت يخشى به و يرجى له، و اتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد ألفتكين و فراغه من شجعان الرجال، و كان فيه المعروف بحميدان قد وليه(1)، و أمر فيه و نهى و أخذ و أعطى، ففسد الأمر بين قسّام و بين حميدان، فصار حميدان من تحت حكم قسّام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث و استيلائه على البلد، فطرده قسّام عن الولاية و نهب أصحابه ما كان في داره، و خرج هاربا، فتمكن قسّام من البلد، و استقامت حاله فيه و اجتمعت إليه الرجال، و كثر ما في يده و قويت شوكته و تضاعفت عدته و عدته، و ولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير و هو ضميمة لقسّام، و اتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الديلم و العرب من بني حمدان، و هروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية و الجبال إلى أن خرج الى حوران، فقصد دمشق و نزل عليها فمنع قسّام من دخول أحد من رجاله إليها، و وصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد، فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق، فكلم العامل قسّاما في ذلك فأذن له فيه، و دخل أصحابه (18 ظ) البلد و قد كان طمع أن يوليه العزيز، و كان قسّام قد خاف من ذلك و سعى قوم بينهما، و كان أبو تغلب نازلا بالمزة(2)،
ص: 39
فأقام بها شهورا فشق على قسّام مقامه و ظن أنه يلي البلد، فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب أبي تغلب في باب الجابية، و كان نشوانا، فجرد سيفه و قال: إلى كم يكون هذا العيّار، فعظم ذلك على قسّام و تخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه و من معه، ففسد الأمر بينهما بهذا السبب، و تقدم قسّام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب، فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلا و قتلوا منهم جماعة، و عاد من أفلت منهم الى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم و دوابهم، فلم يتمكن أبو تغلب من شيء يفعله، و كتب الى مصر بذلك، فلما وقف ابن كلس الوزير على الكتاب أنهاه إلى العزيز، فعلم العزيز أن هذا من تدبير الوزير و حيله، و كتب قسّام إلى مصر يذكر أن أبا تغلب قد حصر دمشق و مد يده في الغوطة، و خرج من مصر غلام لابن كلس يقال له الفضل بن أبي الفضل في عسكر كثيف للحيلة على أبي تغلب و إهلاكه، و نزل الرملة و أوصل الى ابن جراح سجلا بولاية الرملة و قال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير اليها ليأخذها بسيفه، و أنا معين لك عليه، و كان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوّار(1)و نزل عليه، و سار الفضل، و نزل طبرية و راسل أبا تغلب في الاجتماع معه، و كان الفضل يهوديا أولا، و كان أبوه طبيبا، فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية، فأعلم ذلك، فقال:
كلّ منا على سرير، فاجتمعا في طبرية و جلس كل منهما على سرير، و جرت بينهما محاورات على أن الرملة ولاية لأبي تغلب و يقلع ابن جرّاح منها «و أنا معين لك عليه» و قرر ذلك في نفسه، و سار الفضل الى دمشق يجبي الخراج و يفضّه في الجند، و زاد في العطاء، و زاد في جنده و عسكره، و سار عن دمشق و أخذ طريق الساحل، و شرع أبو تغلب في أمره، و توجه نحو الرملة و قد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي، فهرب ابن جرّاح (19 و) منها، و جعل يحشد العرب و يحشد ثقة بمعونة الفضل له، و كذلك
1) هو أحد ينابيع بلدة الحمة- المحتلة- .
ص: 40
أبو تغلب مثله أيضا، فلما توجه الفضل على الساحل و نزل على عسقلان، و قصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره، و سارت بنو عقيل و شبل بن معروف و اصطفوا لقتال الطائيين(1)و أبو تغلب واقف في مصافّه، و عاد الفضل و اجتمع مع ابن الجرّاح بعسكره، و كان معه مغاربة كثيرة، فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جرّاح؟ فقال: على هذا جرت الموافقة بيني و بينه، فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جرّاح حملوا يريدون الدخول معهم، فقالوا لابي تغلب: إحمل في إثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر، فبقي متحيرا و علم أن الحيلة قد تمّت عليه، فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه و ساروا مع أصحابهم، و أقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه، ثم انهزم هو، فلم يدر في أي طريق يأخذ، و كانت عدته في الغابة جميعها، و ذكر انه لم يتقدّم اليه رجل إلا ضربه، و لم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جرّاح يقال له منيع فصاح إليه: يا انسان اسمع مني أنا أنجو بك، و ظن أن كلامه حق، فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت عليّ لنجوت بك، و كان يتكلم معه و هو يقرب منه و بيده رمح، فطول الرمح و هو يكلمه و هو يظن ألا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء، فطعن عرقوب فرسه، فوقف به الفرس فأخذه و سار به الى ابن جراح، فأركب جملا و أشهر بالرملة و قتله و أحرقه، و ذلك في صفر سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و خلت الديار لابن جراح، و أتت بنو طيء على الناس(2)، و شملهم البلاء منهم.
و كان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا شديدا لأنه كان عازما على انفاذ العساكر إلى مصر، فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه و بين أخيه و اشتغاله به سنة تسع و ستين و ثلاثمائة(3).
ص: 41
فيها خرج العسكر المصري مع القائد سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف من المغاربة، و وصل إلى دمشق فصادف قسّاما قد غلب عليها، فنزل في بستان الوزير (19 ظ) بزقاق الرمان(1)، و عسكر حوله في دور هناك، فثقل أمره على قسّام، و طال مقامه في غير شيء، و قلّت نفقته و رام أن يظهر صرامة فيتمكن من البلد، فقال لقسّام: لا يحملن أحد سلاحا، فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من يتولاها و يمنع من خفارة تؤخذ منها و حمل السلاح فيها، فأعلم قسّام ذلك، فقال: لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا على ما كنتم عليه، و ثار قسام و من معه الى الجامع، و صاروا إلى البستان الذي فيه سلمان فأخرجوهم، و خرج سلمان و أصحابه الى الدكة، و نزل على نهر يزيد، و قسام جالس في الجامع و لم يشهد الحرب مع أصحابه، و قد أحضر المشايخ، و كتب بما جرى إلى مصر، و عمل محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب و قاتله ليكون لك معونة على ما يريده»، فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه، و أنفذ رسله و كتابه إلى سلمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق، فرحل عنها و كان مقامه بها شهورا من سنة تسع و ستين و ثلاثمائة و رجع القائد أبو محمود إلى دمشق، و لما تمّ للفضل ما دبره على أبي تغلب و وافق الاغراض عزموا على إعمال الحيلة على ابن جرّاح لأن أمره كبر و شرّه ظهر،(2)و توجه الى قسّام ليعمل أيضا عليه، و أظهر أنه يريد المسير الى
1) قرب العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 141.
2) شكل نشاط أمراء طيء من آل الجراح في فلسطين خطرا كبيرا على الخلافة الفاطمية، و قد نلحظ مشاعر الادارة الفاطمية تجاه هذا الخطر في وصية يعقوب ابن كلس للخليفة العزيز عندما زاره و هو على فراش الموت حيث قال له فيما قال:« سالم الروم ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و السكة، و لا تبق على مفرج بن دغفل متى اعترضت لك فيه فرصة» أنظر الاشارة الى من نال الوزارة: 23.
ص: 42
حمص و حلب ليأخذهما، و جمع بني عقيل و نزل بظاهر دمشق، و علم ابن الجراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره و أمر أصحابه بالرحيل، و ركب أصحاب الفضل و أخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس، و سار ابن جرّاح عن دمشق، و انضمت بنو عقيل إلى الفضل مع شبل و ظالم في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة و بطل كل ما أراد الفضل عمله من الحيلة على ابن جراح و قسّام، و رحل عن دمشق في طلب ابن جرّاح، و جدّ في طلبه فبعد عنه، و كتب ابن جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل بالكف عنه، و عاد الفضل الى مصر و عاد ابن جراح الى فلسطين فأخربها و أهلك من فيها، و كان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئا يأكله فلا يجده، و مات الناس بالجوع، و خربت الأعمال.
و أمّا دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر، و كان بكجور قد ولي حمص من قبل سعد (20 و) الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فواصل إليها الغلة مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام، و عمرت الطرقات، و جعل فيها من يخفر سالكيها، و كانت العرب قد طمعت في عمل دمشق و أفسدت الغوطة، و كان بها القائد أبو محمود و اليها في ضعف، و هو ضميمة لقسّام فهلك في دمشق في سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة:
قارا و يبرود و معلولا و التينة و صيدنايا و المعرة و تلفيتا(1)و غيرها من ضياع جبل سنير(2)فحماها من العرب و الحرامية، و حسنت حال دمشق بذلك، و كاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة السلاح، فاجتمع إليه حين فعل
ص: 43
ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد، و كانوا حوله إذا ركب من داره، فقهر بهم المغاربة، و استظهر عليهم في سنة سبعين و ثلاثمائة(1).
و فيها وردت الأخبار بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم الاثنين ثامن شوال، و كتم أمره، و كانت مدته بالعراق خمس سنين و نصفا، و انتهى ذلك إلى الوزير ابن كلس، فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك، و خلع عليه، و أمنوا بعد وفاته و عملوا على الخروج إلى الشام(2).
1) قامت دولة الفاطميين على عواتق قبيلة كتامة البربرية، ولدى سيطرة الخلافة الفاطمية على الشمال الافريقي ازداد حجم جيشها بدخول بربر من غير كتامة فيه، كما اشترى الخلفاء عددا صغيرا من الأرقاء الصقالبة و استخدموهم في الجيش و وصل بعض هؤلاء إلى مراتب قيادية مثل جوهر، و عندما فتحت مصر و بعد انتقال الخليفة المعز إليها ظل عماد الجيش الفاطمي البربر، و برهن هذا الجيش عن عجزه في حروب الشام و الصراع مع القرامطة، مما دفع الخليفة العزيز إلى التفكير بتجنيد بعض الأتراك و سواهم، و لهذا رأينا مدى حرصه على ألفتكين، و من هنا نفهم كيف حدث اغتيال ألفتكين بسرعة مدهشة، و يلاحظ نجاح العزيز في تأسيس كتائب من الترك و الديلم، و قيامه بتجنيد كميات كبيرة من زنوج أفريقية، و منح هذا التنويع بعض الفوائد للخلافة الفاطمية إنما سبب لها العديد من الأزمات الخطيرة أيضا.
2) كان عضد الدولة أعظم رجالات الدولة البويهية، و لقد أخذ ملك بني بويه بعد وفاته في الانحدار وقوتهم بالضعف، و المفيد الاشارة إليه هنا أن وفاة عضد الدولة كانت سنة 372 ه/ 983 م و ليس سنة 370 كما ورد هنا. أنظر مسكويه: 2/ 380- 417. ذيل تجارب الأمم: 3/ 53- 75. المنتظم لابن الجوزي: 7/ 38- 118. تاريخ ابن خلدون. ط بيروت: 4/ 947- 975.
ص: 44
فيها وقع الاهتمام بتجهيز العساكر المصرية إلى ابن جرّاح، و قد اشتهر أمره بإرتكاب العيث و الفساد و إخراب البلاد، فلما سار العسكر من مصر، القائد بلتكين التركي(1)
1/ 256.
و كان فيها أعجام و مغاربة و من كل الطوائف، فنزل الرملة، و أجفل ابن جرّاح، و كان قد قوي أمره و صار معه جند يرمون بالنشّاب، و خلق عظيم، و سار معه بشارة(2)والي طبرية و اجتمع إليه من العرب من قيس و غيرها جمع كثير و نشبت الحرب بين الفريقين، و كان بلتكين المقدم قد خرج على ابن جراح من ورائه بعد اشتداد الحرب، فانهزمو و أخذهم بالسيف و أسر ابن جرّاح و أفلت و نهب عسكره، و قصد أرض حمص في البرية، و قصد أنطاكية و استجار بصاحبها فأجاره و أمنه، و صادف خروج بارديس من قسطنطينة في عسكر عظيم يريد أرض الإسلام فخاف ابن جرّاح، و كاتب بكجور خوفا على نفسه(3)، و كان القائد بلتكين (20 ظ) المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة (اثنتين)(4)و سبعين و ثلاثمائة، و كان على1) هو من رجالات ألفتكين، و ورد اسمه في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي: 163« تلتكين» و لعل صورته هنا ولدى يحيى بن سعيد تصحيف« ألبتكين» و مفيد أن نشير هنا أن المقريزي يؤرخ لقدومه سنة 472. انظر اتعاظ الحنفا:
2) بشارة الخادم من غلمان الحمدانية فر من حلب إلى مصر مع عدد من الغلمان فانتدب لولاية طبرية. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 255. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 306- 308.
3) ذكر يحيى بن سعيد: 163- 164، أن ابن دغفل التجأ إلى أنطاكية و كتب إلى الامبراطور باسيل الثاني ملتمسا منه النجدة؛ و بين الأنطاكي أن الامبراطور بعث الدمشق بردس الفوقاس.
4) في الأصل:« سبعين و ثلاثمائة» و هو خطأ صوابه ما أثبتناه و تداركناه بين حاصرتين. انظر اتعاظ الحنفا: 1/ 256، و لاحظ سياق الخبر.
ص: 45
العسكر منشا بن الغرّار اليهودي، فتلطف أمر قسام فلم يتمكن من ذلك، و كان بدمشق مع قسّام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال، و قد كان ولي البلد بعد مهلك خاله القائد أبي محمود في سنة سبعين، و لما نزل القائد بلتكين مقدّم العسكر المصري على المزة و جده رجلا أحمق، فلم يحفل به و دخل على منشا الكاتب، فقال: إني قضيت حق هذا القائد و لم يجيء إليّ و لم يقض حقي، و أنا الوالي، فهزأ به منشا و قال له: نعم أنت الوالي، و ظن إنما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد، و قالوا: تخرج أنت و من معك إلى ظاهر البلد، فخرج هو و من معه، فعسكر نحو مسجد ابراهيم عليه السلام، و كان عسكر بشارة نازلا في ذلك المكان، و كانت المراسلة بينهم و بين قسّام أن يسلم البلد و يكون هو آمنا على نفسه و من معه، فعلم قسّام أنهم إن بقوا في البلد أهلكوه و من معه، فقال لا أسلم البلد، و ضبط أصحابه.
فلما كان يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة وقع بين قوم من أصحاب قسّام و قوم من أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة، و أقبل في غد أصحاب جيش بن الصمصامة، فخرج أصحابه إليهم فطردوهم، ثم نشبت الحرب و أحرق ربض باب شرقي، و أطلقت النار في عدة مواضع و ملكوا الشاغور، و دخلت الأتراك على خيلهم في البطّاطين و أحرقوا سقيفة و عدّة مواضع و مساجد و عمها الخراب بعد ما كانت عليه من حسن العمارة، و اشتد بالناس الخوف و المضرة، فاجتمع الناس و كلموا قسّاما بأن يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه فلان لهم و ذل بعد تحيره و تبلده، و قال: افعلوا ما شئتم، و كان اجتماع الناس لطفا من اللّه تعالى، فخرجوا إليه و خاطبوه، فصرف أصحابه عن القتال و عن الأبواب، و انصرف أصحاب قسّام إليه فوجدوه خائفا، فأخذ كل لنفسه، و رجع المشاريخ إلى قسّام فقالوا له: قد أجاب القائد الى ما تحب و أمنك على نفسك و أصحابك،
ص: 46
فخاطبوه بذلك و هو ساكت حائر و قد بان ذلك في وجهه، فلما رأوه كذلك خافوا أن يعود عن تسليم البلد، (و اجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد احترقت داره و هم كثير بقسام: انتقم اللّه ممن أذلنا و أحرق دورنا و شتتنا و تركنا مطرحين على الطريق، فوجب قلبه من سماع صياحهم و قال:
أسلم البلد)(1)على أمان لي و لأصحابي (21 و) فعاد المشايخ إلى بلتكين القائد و أعلموه الخطاب و الجواب فأجابهم إلى ما طلب، و قال لهم: نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا اليوم، فقالوا: افعل ما تحب و توثر فولى البلد حاجبا يقال له خطلخ في خيل و رجل فدخل المدينة من يومه، و كان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و الدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه، و لم يعرض لقسّام و لا لأحد من أصحابه، و تفرق أصحابه عنه، و أقام يومين و استتر، و قيل هرب فصاروا إلى داره و أخذوا ما فيها و حولها من دور أصحابه، و طلب، فلم يوجد، و نودي عليه و بذل لمن يظهره خمسون ألف درهم، و لمن يدل على مكان (أولاده)(2)عشرون ألفا، فقال لهم قائل: «هو في كنيسة اليهود بين البطاين» فجاؤوا إلى الديّان و قالوا: نريد أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها بالنار فإن قسّاما فيها، فأصعدهم، و دار بهم فيها فلم يروا أثرا و لا عرفوا له خبرا، فلما أخذت امرأته و ولده، قالت لمن سمع منها: ما تنتظر يا مشوم، و كان عند رجل في الحائر(3)و لم يفطن به أحد، فخرج في الليل إلى العسكر، فوقف على خيمة منشا الكاتب، و قال: رجل يريد أن يدخل الى الرئيس، فقالوا: و من هو، قال: قسام، فدخل عليه على غير أمان، فبعث إلى القائد بلتكين فأعلمه
ص: 47
فأخذه إليه و أدخله عليه، و حملوه إلى خيمة، و قالوا له: مدّ رجلك، فقال:
ما أفعل أنا جئتكم بأمان، فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به، فمدّ رجله فقيد و حمل إلى مصر، فعفي عنه لما جاءهم في الامان، و كان قسّام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا(1)من قوم يقال لهم الحارثيون بطن من العرب نشأ بدمشق، و كان يعمل في التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار من مقدّمي الأحداث و حملة السلاح و طالبي الشر، فصار من حزبه و تزايد أمره إلى ما انتهى إليه.
1) ما زال قبره معروفا بها باسم سيدي قسيم.
ص: 48
ولاية بكجور لدمشق و السبب في ذلك في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة(1)
تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ط. بيروت: 3/ 287- 288.
كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر أنه كان غلاما مملوكا لقرغويه أحد غلمان سيف الدولة (21 ظ) ابن حمدان صاحب حلب، و كان قرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة، و منع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها، و دفعه عنها، فسار أبو المعالي إلى حماة و رفنية(2)و كان ينزل مهما(3)في عسكره، و كانت الروم قد خربت حمصا و أعمالها و نزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه(4)فلقي مولاه أبا المعالي، و سار معه، و نزل على حمص و شرع في عمارتها و لمّ شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة على غفلة من أهلها و غرة ممن بها و اجتهد رقتاش في عمارتها و تحصينها و أبو المعالي يقوي أمره بها و يشد شوكته فيها، و كان قرغويه قد استناب بكجور في حلب، فلما قوي أمره قبض على مولاه و حبسه في قلعة حلب و ملك البلد و أقام تقدير ست سنين(5)، و كوتب أبو المعالي من حلب و أطمع في
1) في الأصل« اثنتين و سبعين» و هو خطأ يخالف ما سبق و يعارض روايات بقية المصادر لهذا اقتضى التقويم، انظر زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم ط دمشق 1951: 1/ 177- 178. اتعاظ الحنفا: 1/ 258- 259.
2) كانت عبارة عن بليدة صغيرة ذات قلعة صغيرة غربي حماه، على مرحلة منها، اندثرت و قام مقامها بارين أو بعرين- تقويم البلدان لأبي الفداء. ط باريس 1840: 258- 259.
3) كذا في الأصل و لعلها تصحيف« بهما».
4) قلعة صغيرة مستطيلة لها منعة في ذيل الجبل، و هي عن أفامية في جهة الشمال و الغرب على نحو مرحلة- تقويم البلدان: 260- 261.
5) تفاصيل هذا كله عند ابن العديم في زبدة الحلب: 1/ 157- 170.
ص: 49
تملك البلد في رجال قرغويه، و أن يكونوا عونا له على أمره، فجمع بني كلاب و من أمكنه و نهض صوب حلب و نزل على معرة النعمان فملكها و أخذ منها غلاما كان غلب عليها يقال له زهير(1)فقتله، و سار عنها فنزل حلب سنة ست و ستين و ثلاثمائة فأقام عليها تقدير أربعة أشهر، ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها، و تحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه، فقال بكجور: أريد يتوسط بيني و بينك وجوه البلد من بني كلاب، فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما، و أخذوا له العهد و الميثاق و الأمان على نفسه و ولده و ماله و أنه لا يغدر به و يوليه حمصا على أنه ينحدر من القلعة و يسلمها، و لا يأخذ منها شيئا الا ما لا بد منه، فأجابه إلى ذلك، فولاه حمصا لما نزل من القلعة و سلمها، و وفى له بكل ما عاهده عليه، و سار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة، و صرف همه إلى عمارتها و كان أمره كل يوم فيها الى الزيادة بعد الدخول إليها في الضعف، و اتفق له أن أعمال دمشق من حوران و البثنية قد اختلت و خربت على ما تقدم ذكره من قلّة القوت بها و غلاء السعر فيها، و جلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد و كثر الناس عنده.
و كان في بكجور جور، و كان مجتهدا في العمارة (22 و) و أمن السبل و الطرق، فلما انقطعت الغلات عن دمشق، و مات بها كثير من الناس جوعا من أهل حوران و البثنية و رغب الناس الجالبون منها في حمل الغلّة إلى دمشق، مكّنهم من ذلك، و حمى لهم الطرق في تردّدهم بادين و عائدين، فحسن حال حمص، و كثر السفر إليها و منها، و كانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق، و كان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف و قسّام غالب عليه، و اتفق وفاة أبي محمود ابراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره و حماها من العرب،
1) هو زهير الحمداني في زبدة الحلب: 1/ 170- 171.
ص: 50
و حسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة، و كان بكجور يكاتب العزيز باللّه بمصر و ورد الجواب عليه بأن «تصير الى بابنا لنوليك دمشق»، و كان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب و الرامح، و جمع الجمع الكثير و أخرجهم الى حرب ألفتكين و جرى من أمره ما ذكر في موضعه.
فلما كان في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب، و بين بكجور، و راسله بأن يخرج من بلده(1)فكتب بكجور إلى العزيز يسأله إنجاز الوعد بولاية دمشق، ودعت الحاجة إلى عود القائد بلتكين مقدّم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس و قتله، و قادت الضرورة العزيز إلى أن ولّى بكجور دمشق، و كتب الى بلتكين و منشا كاتب الجيش بأن يسلّم البلد الى بكجور و يرحل عنه، و قد كان كتب أيضا كتابا الى العزيز «أن أنفذ إليّ عسكرا لآخذ لك حلب»، و أطمعه في ذلك، فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم و نزل على حلب و حصرها مدة يسيرة، فظهر دمستق الروم بارديس و نزل على أنطاكية و عزم على كبس بكجور، على حلب، فكتب اليه ابن جرّاح يحذره فرحل عن حلب، و تبعه عسكر الروم في إثره و تمّ بكجور و نزل على حمص و حمل ما كان له إلى بعلبك، و نزل في جوسية(2)في جمع عظيم، و نزل ملك الروم(3)ميماس حمص، و لم يعرض للبلد و دخل المدينة و شاهد (22 ظ) الكنيسة و رحل عنها متوجها الى البقيعة(4)يريد طرابلس،
ص: 51
و أنفذ إلى أهل حمص رسولا يقول لهم نريد مالا يحمل إلينا، فقالوا: هذا بلد خراب ليس فيه مال، فرجع و نزل عليها و قال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن، فخرج قوم و أقام قوم فدخل عسكره فنهب و سبى و أحرق الجامع و مواضع من البلد، و تحصّن قوم بالمغاير، فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان، و لم يعرض للعرب و لا لمن هرب إليها، و كان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و هي النوبة الثانية للروم، و قيل إن أبا المعالي بن سيف الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة، فأنفذ إلى ملك الروم يسأله إخراب حمص.
و رجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين، و بقي بكجور و أصحابه منتظرا أن يرحل بلتكين عن دمشق و يسير اليها، و كان السبب في تأخر ولاية دمشق أن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلّم دمشق إلى بكجور، و عرف بكجور ذاك فكتب (إلى العزيز)(1)يذكر بأمره و إنجاز وعده، فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق و يعصي فيها، قال: نحن استدعيناه لذلك و وعدناه به، فقال:
قد كان ذاك و الحزم أن لا يولّى، فقال له: لا بد من ذلك، فكتب الوزير إلى منشا بن الغرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من المال له و لرجاله، و سلم ولاية دمشق إليه، فسلّم بلتكين البلد إليه و عاد متوجها الى مصرفي يوم الأحد مستهل رجب سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة، و كانت ولاية بلتكين دمشق خمسة شهور، و دخل بكجور البلد واليا في يوم السبت سابع رجب من السنة، و قد عرف أن الذي أخر الولاية الوزير ابن كلس، فحقد بكجور عليه، و كان لابن كلس نائب في عمله و ضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي، و كان يكتب إليه بأخبار البلد، فقال بكجور: هذا عين عليّ، و تقدّم بقتله
1) في الأصل« و عرف العزيز ذاك و كتب يذكر بأمره و انجاز وعده» و في هذا اضطراب و تداخل و لعل ما أثبتناه هو الصواب.
ص: 52
فقتل، فلما بلغ ذلك الوزير عظم عليه و اغتمّ له(1)، و أعلم الوزير العزيز و قال: هذا مبدأ عصيان بكجور، و قد تمكن من البلد و جاء معه ابن جراح، و هو عدوّ، فلما كان في سنة سبع و سبعين عزم الوزير على العمل على قتل بكجور (28 و) فأنفذ إلى غلام نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق أن «احتل على قتل بكجور»، و لم يكن النصراني من أهل ذاك، فقال: لا يتم هذا الأمر إلا برجل من الجند من أصحابه يعين على هذا الأمر، فكتب رقعة بما يريد إلى بعض أصحاب بكجور، فلما وصلت الرقعة إليه و نظر ما فيها فظن أن بكجور دسها إليه ليبلوه بها فأوصل الرقعة إلى بكجور، فوقف عليها، و قال: أريد من جاءك بها، فقال: إنما أوصلتها اليك لأبرأ من أمرها و لا أكتمها عنك، فلم يقبل قوله و لجّ في طلبه، و قال له: إن الذي أوصل الرقعة أجير لابن أخي الكويس العطار، فوجه قبض عليه و على الأجير و وضع العقوبة على العطار، و قال: أريد الصبي، و قبض على قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم(2)و نفاهم، و كان فيهم ثلاثة من أهل العلم و الفضل يقال لأحدهم ابن الخطابي، و الآخر الخلادي، و الثالث المستولي، و أخرج ابن الكويس بعد ما صفّي و معه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح صلب، و ماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة سبع و سبعين، و بلغ الخبر الوزير ابن كلس فعظم عليه، و ازداد حنقا و أعلم العزيز ذاك، و اتفق أن يخرج إليه عسكر و معه (ابن) جرّاح(3)و شرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه، و جار في البلد جورا عظيما، و لم يخل من القتل و الصلب و الفتك فجرد إليه في سنة ثمان و سبعين القائد منير الخادم في عسكر كثيف، و أصدرت
ص: 53
الكتب إلى ولاة الأعمال بالمسير معه، و لمّا عرف بكجور ذلك أنفذ إلى العرب و جمع و حشد و استقبل العسكر، فالتقيا و صدقوا القتال و كثر في بني كلب(1)الطعن و الجراح، و بشارة و منير المقدمان قائمان في أصحابهما عليهما الحديد، فحملوا جميعا على الكلبين فهزموهم و ألجوهم الى حيطان داريا فرجعوا و من معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين، فخاف بكجور على نفسه أن يؤخذ فراسلهم بأنه يسلّم البلد و يرحل عنه، و قد كان كوتب القائد نزال و الي طرابلس بالمسير و النزول على دمشق، و كان عسكره ستة آلاف فسار فلما (23 ظ) عرف بكجور انفصاله قلق و خاف و ذلّ، و راسل منشا بن الغرار الكاتب «بأني عازم على المسير من هذا البلد و أريد أن أكون على عهد و أمان و لا أتبع بمضرة»، فأجيب إلى ما التمس، و جمع ماله و سلاحه و خاف من الرجعة و الحيلة أن تقع عليه من البلد فأخفى أمره و ستر مسيره، فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة سار خائفا وجلا نحو الشرق، و أخذ مع الجبل و سار معه ابن الجراح الى حصن حوارين(2)
و تبعد حوارين الآن عن حمص/ 75 كم، و هي تتبع اداريا ناحية القريتين.
فأخذ ما كان له و أخفى أمره، فلما عرف خبره نهض في إثره القائد منير من غد و نزل على البلد، ففرح الناس به، و توجه بكجور إلى الرقة، و تخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاثمائة رجل فصاحوا «عزيز يا منصور» فأمنوا.و لما نزل منير القائد على دمشق أصبح القائد نزال نازلا معه في يوم الخميس، فلامه الناس على ما اعتمده من التثاقل، و نفذت المطالعات إلى مصر
1) في الأصل« كلاب» و هو خطأ فكلاب كانت ديار حلب ديارها، و أما كلب فكانت ديار دمشق ديارها، و يؤكد هذا سياق بقية الخبر، و أخبار أخرى كثيرة خاصة لدى الحديث عن التحالف بين صالح بن مرداس أمير كلاب و سنان بن عليان أمير كلب، و حسان بن المفرج أمير طئ.
2) قرية من قرى حمص من جهتها الشرقية الجنوبية. تقويم البلدان: 83.
ص: 54
بشرح الحال، فأنكر الوزير ابن كلس فعل منشا و إهماله بكجور حتى نجا، و أشخصه إلى مصر مع المستأمنة من أصحاب بكجور، و قال له: خليت بكجور خوفا على نفسك، أما كان معك(1)عسكر فيه كفاية؟ فقال: لم يكن غير ما فعلته، لأن نزالا تأخر عنا و تثاقل، و كان بكجور في قوة و كثرة من العرب و غيرهم، و هم أصحاب دروع و جواشن و خيل سبّق، فلم يقبل عذره و عزله عن تدبير العسكر، و كان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ولاية دمشق فيتمكن من دمشق، فأنفذ رسولا إليه يقول له: ما أردنا رحيلك عن البلد، و إنما إنفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده و عناده، و ما كان من ضياع و غلات فلك إفعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حاجة، فحمل بكجور ما كان له بدمشق، و أقام بالرقة منقطعا ليس له سلطان يستند إليه، و كان بالرقة يراسل كرديا يقال له باذ(2)قد غلب على ميّافارقين، و يراسل أبا المعالي بن سيف الدولة بحلب أن يردّه إلى العمل الذي كان في يده من حمص، فلما كان في سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة خرج عسكر صاحب بغداد إلى باذ الكردي المقدم ذكره لغلبته على الموصل و ديار ربيعة فكسر و انهزم عسكره و أصحابه، و عرف بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد الدولة أبا المعالي يسأله تولية حمص فأجابه الى ذلك.
و كان ابن كلس يسأل (24 و) عن أخباره بالرقة خوفا منه، فلما عرف الوزير ذلك قال: يجاورنا بكجور في حمص فيطمع في الديار، فأرسل إلى غلام له يقال له ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص فيأخذ من بها من أصحاب
1) في الأصل« معه» و هو خطأ يدل عليه سياق الخبر، و صوابه ما أثبتناه.
2) ظهر بين الأكراد و قادهم في عمليات قادته إلى دخول الموصل و التفكير بالزحف على بغداد، اصطدم أثناء نشاطه ببقايا الحمدانيين و بقبيلة عقيل و قتل سنة 380 ه/ 990 م، و قد نجم عن نشاطه فيما نجم قيام الدولة المروانية في ميافارقين. انظر ذيل تجارب الأمم: 3/ 176- 178. تاريخ الفارقي:
ص: 55
بكجور، فسرى في البرية فلم يشعر به حتى أتاهم، و كان أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية، فأنفذ إليهم من حذّرهم و اتفق لهم أنهم حملوا و خرجوا من حمص هاربين، فلما حصلوا بأحمالهم بظاهر البلد أدركتهم السرية، فأخذتهم و رجعت إلى دمشق، و فسد أمر بكجور مع المغاربة و مع أبي المعالي، فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحبّ، و كان الوزير ابن كلس يضرّب بينهما و يطمع كل واحد منهما في صاحبه، و كان الوزير ابن كلس يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر و حيلة و دهاء و ذكاء و فطنة و كان في قديم أمره خرج إلى الشام، فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار، فلما اجتمعت الأموال التي للتجار كسرها و هرب الى مصر في أيام كافور الاخشيدي صاحب مصر، فتاجره و حمل إليه متاعا كثيرا و (صار)(1)يحال بماله على ضياع مصر، و كان إذا دخل ضيعة عرف غلتها و ارتفاعها و ظاهر أمرها و باطنها، و كان ماهرا في أشغاله لا يسأل عن شيء من أمورها إلا أخبر به عن صحة، فكبرت حاله و خبّر كافور بخبره و ما فيه من الفطنة و السياسة، فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا، فبلغه ما قال كافور فطمع في الوزارة فدخل جامع مصر في يوم الجمعة، و قال: أنا أسلم (على) يد كافور، فبلغ الوزير ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه و ما طمع فيه فقصده و خاف منه، فهرب إلى المغرب و قصد يهودا كانوا هناك مع أبي تميم المعز لدين اللّه أصحاب أمره، فصارت له عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر، فسار معه اليها، فلما توفي المعز و أصحابه اليهود و ولي العزيز باللّه استوزره في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة و كان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلّس كبير الهمّة، قوي النفس و المنة، عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز، و قام به و استصحّه، فعوّل عليه و فوض أمره إليه، و كانت أموره مستقيمة بتدبيره، فلما اعتل علّة الوفاة ركب إليه العزيز عائدا فشاهده على حال اليأس، فغمه أمره، و قال له: وددت بأنك
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 19- 20.
ص: 56
تباع، فأبتاعك بملكي، أو تفتدى و أفديك بولدي (24 ظ) فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى و قبّل يده و تركها على عينه، و قال: أما ما يخصني يا أمير المؤمنين فلا لأنك أرعى بحقي من أن أسترعيك إياه و أرأف على من أخلفه من أن أوصيك به، لكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك، قال: قل يا يعقوب فقولك مسموع و رأيك مقبول، قال: سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و السكة، و لا تبق على المفرج بن دغفل بن الجرّاح متى عرضت لك فيه فرصة، و توفي في ذي الحجة سنة ثمانين و ثلاثمائة فأمر العزيز أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه، و حضر جنازته و صلى عليه و ألحده بيده في قبره، و انصرف عنه حزينا بفقده، و أغلق الدواوين و عطّل الأعمال أياما (و استوزر أبا الحسن علي بن عمر العداس سنة، ثم استوزر أبا الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات)(1)بعده مديدة، ثم صرفه و قلد عيسى بن نسطورس، و كان نصرانيا من أقباط مصر، و فيه جلادة و كفاية، فضبط الأمور و جمع الأموال و وفّر كثيرا من الخراج، و مال إلى النصارى فقلّدهم الأعمال و الدواوين و اطرح الكتّاب المتصرفين من المسلمين و استناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشا بن ابراهيم بن الغرار، فسلك مسلكه في التوفر على اليهود، و عيسى مع النصارى مثله، و استولى أهل هاتين الملتين على الدولة، فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعة و سلمها إلى امرأة و بذل لها بذلا على اعتراض العزيز و رفع الظلامة إليه و تسليمها إلى يده، و كان مضمون الرقعة: «يا أمير المؤمنين بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، و اليهود بمنشا بن الغرار، و أذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري»، و كان العزيز على بغلة سريعة في المشي، و إذا ركبها تدفقت كالموج
1) أصاب النص سقط لم يتنبه له الناسخ، و أضيف ما بين الحاصرتين من كتاب الاشارة إلى من نال الوزارة: 24- 25. الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي للدكتور محمد حمدي المناوي. ط القاهرة 1970: 305.
ص: 57
و لم تلحق، فوقفت له المرأة في مضيق، فلما قاربها رمتها إليه، فسارع الركابي الى أخذ الرقعة على العادة، و غاصت المرأة في الناس و وقف العزيز عليها، و أمر بطلب المرأة فلم توجد و عاد إلى قصره منعم الفكر في أمره، فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد اللّه محمد بن النعمان، و كان متقدما عنده في خواصه و أهل أنسه، فأعطاه الرقعة و قال له: قف عليها، فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر؟
قال: مولانا أعرف بوجه الرأي و التدبير، فقال: صدقت كاتبتها نبهتنا على ما كنّا على غلط فيه و غفلة (25 و) عنه، و تقدّم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس و سائر الكتّاب النصارى و إنشاء الكتب الى الشام بالقبض على منشا بن الغرار و المتصرفين من اليهود، و أن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتّاب المسلمين، و يعول في الاشراف عليهم على القضاة في البلاد، ثم ان عيسى طرح على ست الملك بنت العزيز، و كان يحبها حبا شديدا(1)و لا يرد لها قولا، و استشفع بها في الصفح عنه، و تجديد الاصطناع له، و حمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، و كتب إلى العزيز رقعة يذكر فيها بخدمته، و حرمته فرضي عنه و أعاده إلى ما كان عليه، و شرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه و أعماله.
1) أي العزيز.
ص: 58
كان بكجور قد خاف من عيسى بن نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه لأسباب تقدمت بينه و بينه أوجبت ذاك، فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب و كثرة ارتفاعها و أنها دهليز العراق، و إذا حصلت له كان ما بعدها في يده، و أن العسكر الذي بها قد كاتبه و بذل الطاعة له و المساعدة، و يستدعي منه الانجاز و المعونة، فأجابه بكل ما أراد، و كتب إلى نزّال والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان و لا معاودة استئمار، و كان نزال هذا من وجوه قواده، و صنائع عيسى الوزير و خواصه، فكتب إليه عيسى سرا بأن «تتقاعد ببكجور، و تظهر له المساعدة و المسارعة و تستعمل معه التعليل و المدافعة، فإذا تورط مع مولاه و قاربه تأخر عنه و أسلمه»، فلم يشك بكجور في مسير نزّال إليه و سار عن الرقة، و كتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون و صولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد، فأجابه نزّال و وعده، و نزل بكجور على بالس(1)و فيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب و عدّة من الديلم، فقاتلهم و قاتلوه و رحل بكجور، و تباطأ نزّال في مسيره و واصل مكاتبة بكجور في منزل بعد منزل و قرب الأمر عليه في وصوله إليه، و أقام بكجور على بالس خمسة أيام، فلما لم يجد فيها مغمزا فارقها و طلب حلب، و كان أبو المعالي كاتب بسيل(2)عظيم الروم و أعلمه عصيان بكجور (25 ظ) عليه،
ص: 59
و سأله مكاتبة البرجي صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه متى دعته حاجة إلى انجاده و معونته، فكاتب عظيم الروم بذاك، و أكد القول عليه، فلما وافى بكجور، كاتب سعد الدولة البرجي، فرحل و نزل مرج دابق و هو على فرسخين من حلب، و وصل بكجور إلى النقرة و نزل في ناحية تعرف بالناعورة، و امتد عسكره إلى تلّ اعرن و منها الى حلب أربعة فراسخ، و برز سعد الدولة في غلمانه و أصحابه فكانوا ستة آلاف رجل من الروم و الأرمن و الديلم و الأتراك، و لم يكن معه من عسكر العرب الا عمرو بن كلاب و عدتهم خمسمائة رجل إلا أنهم أولو بأس و قوة، و من سواهم من بطون العرب بني كلاب مع بكجور، بعد أن حصل حرمه و أولاده في القلعة بحلب، و لما برز و سار عسكره، و كان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه، أعجبه ما رأى من عدته و عدته فنزل الى الأرض و صلى و عفّر و دعا اللّه بنصره و ادالته من بكجور و غدره، و فعل أصحابه مثل فعله، و اجتمعوا إليه، و قالوا له: نفوسنا بين يديك و اللّه لنبذلنّها في طاعتك و المدافعة عنك، فشكرهم و قال لهم: أنتم الأولاد و العدة، و هذه الدولة لكم و أنا فيها واحد منكم، و استدعى كاتبه المعروف بالمصيصي و أمره أن يكتب إلى بكجور يستعطفه و يذكره اللّه و يخوفه و يبذل له أن يقطعه من باب حمص إلى الرقة، و يدعوه إلى الكف و الموادعة، و رعاية حق الرق و العبودية، و يعلمه أنه متوقف عن حربه و لقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ما يعول عليه، و سار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب، و عسكر الروم بإزائه و وافى رسول سعد الدولة إلى بكجور، فأوصل اليه الكتاب، فلما وقف عليه، قال له: قل له الجواب ما تراه عيانا لا ما أرسل اليك كتابا، فعاد الرسول و أعاد على سعد الدولة قوله و أعلمه أنه سائر على أثره، فتقدم سعد الدولة الى الموضع المعروف بدير الزبيب، و قدم على مقدمته شجعان غلمانه و أنجادهم من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم، و قد جعل بكجور على مقدمته يارخ
ص: 60
و رشيقا (26 و) غلامية في مائة غلام، و وقع التطارد و كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه و طعن و جرح خلع عليه و أحسن إليه، و كان بكجور بضدّ ذلك بخلا، و إذا عاد إليه رجل على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا في أمره، و قد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور و أمنهم و أرغبهم و وعدهم الاقطاعات الكثيرة و العطايا الفاضلة الفائضة و ألا يؤاخذهم بالانحياز إلى بكجور و الحصول معه، فلما حصلت أماناته و توقيعاته في أيديهم، عطفوا على سواد بكجور فنهبوه، و انصرفوا عنه و استأمنوا إلى سعد الدولة، و نزلوا عليه، و رأى بكجور ما تمّ عليه من تقاعد نزّال و غدر العرب و تأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا كاتبوه و وعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه، فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف بابن المغربي(1)، و قال له:
غرّرتني و أوهمتني أن العزيز يجئني و يعاونني، و أن العرب تخلص لي و تناصحني، و أن العرب توافيني و يستأمنوا إليّ، و ما كان لشيء من ذلك حقيقة فما الرأي الآن، فإن بإزائنا عسكرا عظيما لا طاقة لنا به؟ قال: صدقت أيها الأمير فيما قلته و و اللّه ما أردت غشّك و لا فارقت نصحك، و الصواب مع هذه الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة و تكاتب العزيز بما عاملك به نزّال و تعاود استنجاده، فإنه ينجدك و يستظهر في أمرك، و كان في عسكر بكجور قائد من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفّاني، فقال له و قد سمع ما جرى بينه و بين ابن المغربي، فقال: ما عندك فيما قاله و أشار به، فقال له: هذا كاتبك يقول إذا جلس في دسته: الأقلام تنكّس الأعلام، فإذا
1) علي بن الحسين المغربي الكاتب، من وجوه الدولة الفاطمية أيام الحاكم بأمر اللّه، كان من أصحاب سيف الدولة الحمداني، ترك مدينة حلب في أيام سعد الدولة بن سيف الدولة، التحق بمصر سنة 381 ه، فولي نظر الشام و تدبير الرجال و الأموال سنة 383، و صار من جلساء الحاكم، ثم تغير عليه فقتله سنة 400. ه/ 1010 م. الاشارة إلى من نال الوزارة: 47. زبدة الحلب: 1/ 188.
ص: 61
حقّت الحقائق أشار علينا بالهرب، و إذا هربنا فأيّ وجه يبقى لنا عند الملوك، و زوجة من يهرب اليوم طالق ليس الا السيف فإما لنا و إما علينا، و سمع ابن المغربي ما قاله ابن الخفّاني، فخاف بكجور، و قد كان واقف بدويا من شيوخ بني كلاب يعرف بسلامة بن بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة، و بذل له ألف دينار على ذلك، فلما استشعر من بكجور ما استشعره، سامه (26 ظ) تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله إلى الرقة.
و عمل بكجور على ما فيه من قوة النفس، و فضل الشجاعة على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من مصافّه، و يهجم عليه بنفسه، و من يقتحمه معه من صناديد غلمانه و يوقع به، و اعتقد أنه إذا فعل ذلك و كبس الموضع و انهزم الناس، ملك(1).
فاختار من غلمانه من ارتضاه و وثق به بحسن البلاء منه و قال لهم: قد تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه، و حصلنا على شرف الهزيمة، و ذهاب النفوس، و قد عزمت على كذا و كذا، فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم و الأثر لكم، فقالوا: نحن طوعك و ما نرغب بنفوسنا عن نفسك، و بادر واحد ممن سمع الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي، فاستأمن إليه، و أعلمه بالصورة، فأسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة، و أخذ الراية من يده، و وقف في موضعه، و قال: تهب لي يا مولاي هذا المكان اليوم، و تنتقل إلى مكاني عنه، فإن بكجور أيس من نفسه و قد حدثها بأن يقصدك و يقع عليك، و يوقع بك، و يجعل ذلك طريقا إلى فل عسكرك، و قد عرفت ذلك من جهة لا أشك فيه(2)،
ص: 62
و سيفعل و لئن أفديك بنفسي و أكون وقاية لك و لدولتك أولى من التعريض بك، فانتقل سعد الدولة و العمارية(1)في ظهره و الراية في يده، و جال بكجور في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات و الخوذ و بأيديهم السيوف و على خيلهم التجافيف و حمل في عقب جولته حملة أفرجت له بها العساكر و اللتوت و لم يزل يضرب بالسيف حتى وافى الى لؤلؤ فضربه على الخوذة في رأسه و وقع لؤلؤ إلى الأرض، و حمل العسكر على بكجور، و بادر سعد الدولة الى مكانه مظهرا نفسه لغلمانه، فلما رأوه قويت نفوسهم و ثبتت أقدامهم، و اشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور جهده و وسعه، و لم يبق له قدرة و لا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه صوب حلب، و استولى القتل و الأسر على أصحابه و تم على الهزيمة، و قد رمى عن نفسه جوشنه و عن فرسه تجافيفه و قد فعل من كان معه مثل فعله، و كان الفرس الذي تحته من الخيول التي أعدها لمثل (27 و) ما حصل فيه و ثمنه عليه ألف دينار، و وافى إلى رحا تعرف بالقيريمي على فرنسخ من حلب مقابلي(2)قنسرين، و لها ساقية تحمل إليها سعتها قدر ذراعين(3)في سمك ذراع، فحمل الفرس على أن يعبرها خوضا و وثبا فلم يكن فيه و أجهده، و وقف به و ناداه غلمانه: «إن الخيل قد أدركتنا»، و لحقهم عشرة فوارس من العرب فأرجلوهم عن دوابهم، و سلبوهم ثيابهم، و لم يعرفوا بكجور و عادوا عنهم، و بقي بكجور و غلمانه عراة فلجأوا إلى الرحا و استجاروا بصاحبها فأدخلهم إليها، و جاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان الذين في الرحا ما يغنمونه منهم، فطالبوا صاحبها بتسليمهم فأعلمهم أنهم عراة، فقالوا: إن شاهدنا هم على ما ذكرت تركناهم و إلا أحرقنا الرحا،
1) غالبا ما كانت عبارة عن دمية أو ما يشبهها تمثل سيدة- ظعينة- مزينة بالذهب و الحلي المختلفة توضع على ظهر جمل و يجلس تحت ثوبها أو خلفه أحد السادة يحركها حركات خاصة، و يلتف حولها الفرسان للدفاع عنها و القتال دونها، و ما تزال عادة حمل العمارية قائمة، شاهدتها مرارا في مدينة حماه.
2) كذا بالأصل و قد تكون تصحيف« مما يلي».
3) في زبدة الحلب: 1/ 179« على نهر قويق».
ص: 63
ففتح الباب و أخرجهم إليهم فلما رأوا حالهم خلوا عنهم، و مضى بكجور و غلمان معه من غلمانه إلى براح(1)فيه زرع حنطة، فطرح نفسه فيه، و مرّ قوم من العرب، فظنوا أن معهم ما يفوزون به، فعدلوا إليهم، و كان فيهم رجل من قطن يعرفه بكجور، فقال له: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أذمم لي حتى أعرّفك نفسي، فأذم له، قال له، أنا بكجور فاصطنعني و احملني إلى الرقة فإنني أوقر بعيرك ذهبا و أعطيك كل ما تقترحه، قال: أفعل، فأردفه و حمله إلى بيته و كساه قميصا و فروا و عمامة، و كان سعد الدولة قد بث الخيل في طلب بكجور و نادى:
«من أحضر بكجور فله مطلبه»، فلما حصل بكجور في بيت البدوي ساء ظنه به، و طمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه، و استشار ابن عم له في أمره، فقال له: هو رجل بخيل، فربما غدر و لم يف بوعده، و الصواب أن تقصد سعد الدولة و تأخذ منه عاجلا ما يعطيك، فركب البدوي إلى عسكر سعد الدولة و صاح «نصيحة» فأحضر إلى حضرته، فقال له: ما نصيحتك؟ قال: ما جزاء من يسلم بكجورا؟ قال: حكمه، قال: فهو عندي و أريد عنه مائتي فدان زراعة و مائة ألف درهم و مائة راحلة تحمل حنطة، و خمسين قطعة ثيابا، قال سعد الدولة: و كل ذلك لك، قال: وثق لي منه، و عرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي، فتحامل و هو مثخن بالضربة التي أصابته، و مشى متوكّيا على غلمانه حتى حضر بين يدي (27 ظ) سعد الدولة، فقال: يا مولاي ما يقول هذا؟
قال: يقول إن بكجور عنده، و قد طلب ما أجبناه إليه، و هو ماض لإحضاره، فقبض لؤلؤ على يد البدوي، و قال له: أين أهلك؟ قال: في المرج على فرسخ، فاستدعى جماعة من الغلمان و قدم عليهم إقبالا الشفيعي و أمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلّة، و يقبضوا على بكجور و يحملوه و هو قابض على يده، و البدوي يستغيث بسعد الدولة، ثم تقدم الى سعد الدولة و قال: يا مولانا لا تنكر عليّ فعلي، فإنه كان مني عن استظهار في خدمتك،
1) الأرض الظاهرة- النهاية لابن الأثير.
ص: 64
و لو عاد هذا البدوي إلى أهله و أحس بكجور بما فيه لأعطاه الرغائب على تخليصه و لا نأمن أن يقبل ذاك منه، و الذي طلبه هذا البدوي مبذول له، و ما ضرّنا الإحتياط في التمسك به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ، و نفي له بما وعدناه، فقال: أحسنت يا أبا محمد للّه درك، و لم يمض ساعات حتى عادت النجب مبشرة بحصول بكجور، و وافى بعدها إقبال الشفيعي و هو معه، فوقف به من وراء السرادق، و استأذنه في إدخاله إليه و أنفذ سعد الدولة إلى لؤلؤ و قال له: ما رأيك في بكجور؟ قال: ضرب عنقه لوقته لو جاءت سناء الزينة ستّ الناس- يعني أخت سعد الدولة- و استوهبته منك فوهبته لها لكان لنا شغل مجدد، فأمر سعد الدولة فرجا العدلي و كان سيافه فضرب عنقه و عنق ابن الخفاني، و كان قد حصل في الأسر و حملهما إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة فصلبهما بأرجلهما، و سار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها و فيها سلامة الرشيقي و أبو الحسن المغربي، و أولاد بكجور و حرمه و أمواله، و أرسل سلامة بتسليم البلد فأجابه «فإني عبدك و عبد عبدك إلا أن لبكجور عليّ عهودا و مواثيق لا مخلص لي عند اللّه منها إلا بأحد أمرين إما أن تذمّ لأولاده على نفوسهم و أموالهم و تقتصر فيما تأخذه على آلات الحرب و العدد، و تحلف لي و لهم على ذلك، و إما أن أبلي عذرا عند اللّه عز و جل فيما عقدته لبكجور» فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه، و حلف له يمينا عملها أبو الحسن ابن المغربي، و كان سعد الدولة قد أباح دمه، فهرب الى الكوفة، و أقام بمشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام، و لما توثق سلامة (28 و) سلم حصن الرافقة، و خرج القوم و معهم من المال و الرحل الشيء الكثير، و سعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه و بين (يديه)(1)ابن أبي حصين القاضي، فقال له: ما ظننت
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستعيم الخبر، و في زبدة الحلب: 1/ 180- 181« وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين ... و كان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن اسحق».
ص: 65
أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأموال و الأثقال، فقال له: أي شيء اعتقد الأمير في ذاك؟ قال له: و هل بقي في هذا الأمر موضع اعتقاد؟
قال له ابن أبي حصين: إن بكجور و أولاده مماليك، و كل ما ملكوه فهو لك و لا حرج عليك فيما تأخذه منه و لا حنث في الأيمان التي حلفت بها، و مهما كان فيها من وزر و إثم فعليّ دونك، فلما سمع هذا القول منه، غدر بهم و تقدم بردهم و القبض عليهم و جميع ما معهم، و كتب أولاد بكجور إلى العزيز بما تم عليهم و على و الدهم، و سألوه مكاتبة سعد الدولة بالكف عنهم و الإبقاء عليهم، فكتب إليه كتابا يتوعده فيه و يأمره بإزالة الاعتراض عن المذكورين و تسييرهم إلى مصر موفورين، و يقول له في آخره: «إنك متى خالفتنا في ذلك و احتججت فيه، كنا الخصوم له، و جهزنا العسكر إليك»، و أنفذه مع فائق الصقلبي أحد خواصه، و سيره على نجيب، فوصل فائق إليه و قد عاد من الرقة و هو بظاهر حلب، و أوصل إليه الكتاب، فلما وقف عليه جمع وجوه قواده و غلمانه و قرأه عليهم، ثم قال لهم: ما الرأي عندكم فيه؟ قالوا: نحن عبيدك و غلمانك و مهما أمرتنا به و ندبتنا له، كانت عندنا الطاعة و المناصحة فيه، و تقدم عند ذاك باحضار الرسول، فلما مثل بين يديه أمر باعطائه الكتاب، و لطمه حتى يأكله، فقال له: أنا رسول و ما عرف من الملوك معاملة الرسل بمثل ذلك و هذا الفعل ما لا يجوز، فقال له: لا بدّ أن تأكله، فلما مضغه قال له: عد إلى صاحبك و قل له: لست ممن تخفي أخبارك عنه، و تمويهاتك عليه، و ما بك حاجة إلى تجهيز العساكر إليّ فإنني سائر إليك ليكون اللقاء قريبا منك، و خبري يأتيك من الرملة.
و قدم سعد الدولة قطعة من عساكره أمامه إلى حمص، و عاد فائق إلى العزيز فعرفه ما سمعه و شاهده فأزعجه ذلك، و بلغ منه، و أقام سعد الدولة بظاهر حلب أياما على أن يرتب أموره و يتلو من تقدمه من عسكره، فاتفق أن عرض له قولنج شفي منه، و كان له طبيبان (28 ظ) عارفان أحدهما
ص: 66
يعرف بالتفليسي و الآخر يوانيس، فأشارا عليه بدخول البلد و ملازمة الحمام فامتنع عليهما، و قال لهما: أنا بإزاء وجه أريد قصده و إذا عدت وقع الارجاف بي و كان في العود طيرة عليّ، ثم زاد ما يجده، فدخل فعالجاه فأبل و استقل و كتب إلى أصحابه يذكر عافيته، فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله و هنوه بالسلامة، و كان المستولي على أمره و المقدم عنده في رأيه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره، فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج(1)
زبدة الحلب: 1/ 180- 181.
، زين له البلد ليركب فيه من غد و يعود إلى العسكر، فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى إنفراد و كان يتحظاها و يقومها على سواها من سرياته و هن أربعمائة جارية، فتتبعتها نفسه، و واقعها فلما فرغ سقط عنها و قد جف نصفه، و بادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته، فدخلت إليه و هو يجود بنفسه، و استدعت طبيبيه فحضرا و شاهداه، و تعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه(2)، و أشارا بسجر(3)الند و العنبر حوله إلى أن يفيق قليلا و تثوب قوته، فلما كان ذلك عادا إليه، و قال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لآخذ مجستك، فأعطاه اليسرى، فقال: يا مولانا اليمين، فقال:يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينا، و مضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلّد
1) لم يذكر المؤلف من قبل أكلة الفروج هذه، فلعل الأصل ألم به سقط، ولدى العودة إلى المصادر الأخرى لم أجد لها ذكرا، و رأيت في مخطوط مرآة الزمان، وفيات سنة 381« و كان مستولي على أمره لؤلؤ الكبير و قد ذكرناه، و زين البلد، و لم يبق إلا أن يصبح فيركب، و كان له أربعمائة سرية ...» و يستفاد من جملة الخبر أن سعد الدولة بعد اصابته بالقولنج أدخل البلد لمعالجته داخل الحمّام و أنه أطعم بعد شفائه لحم فروج، و أستبعد أن يكون قد ألم بالعبارة أي تصحيف كالقول:« اليوم الثالث من ابلائه عزم على الخروج، فزين له ...» انظر تاريخ يحيى بن سعيد: 174. ذيل تجارب الأمم: 216.
2) أي سألا عن السبب فأوضح لهما.
3) في الأصل« بشجر الند» و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه، أي أشارا باحراق الند.
ص: 67
عهده أبا الفضائل ولده، و وصى إلى لؤلؤ الكبير به و بأبي الهيجاء ولده الآخر، و ست الناس أخته، و حمل تابوته إلى الرقة و دفن في المشهد ظاهرها.
و نصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر، و أخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و تراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب و استأمن منها الى العزيز باللّه وفيّ(1)الصقلبي في ثلاثمائة غلام، و بشارة الاخشيدي في أربعمائة غلام (و رباح السيفي)(2)و قوم آخرون فقبلهم و أحسن إليهم، و ولي بشارة طبرية و رقي عكا و رباحا قيسارية، و قد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز و صار بعد المكاتبة إلى حضرته، فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظّم أمر حلب عنده، و كبّر في نفسه أحوالها، و هون عليه حصولها(3)(29 و).
ص: 68
قد تقدم من شرح السبب في ولاية القائد منير دمشق ما فيه كفاية عن إعادة القول فيه، و من دخوله في يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة، و لما توفي الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس كان قد بقي له من أصحابه على ماله و مال السلطان رجل يعرف بابن أبي العود الصغير، و كان شديد المعاندة للقائد منير الوالي يرفع عليه إلى مصر بأنه عاص يكاتب سلطان بغداد و صاحب حلب، فلما كثرت سعايته إلى العزيز اصطنع بعض غلمانه الأتراك رجلا يقال له منجوتكين، فقدمه و أعطاه مالا و آنية و سلاحا و رجالا و ولاه الشام، فلما صحّ عند منير الخادم ذاك من ابن أبي العود أنفذ إليه من قتله و كاشف بالعصيان و الخلاف للضرورة القائدة له إلى ذلك، و كان لابن أبي العود عند العزيز رتبة متمكنة و منزلة متمهدة، فلما خرج العسكر مع منجوتكين من مصر و وصل إلى الرملة، و وصل إليه بشارة والي طبرية في عسكره، و وصل إلى دمشق و كان منير قد جمع رجالة من أحداث البلد من حمّال السلاح و طلاب الشر و الفساد و استعد للحرب و تأهب للقاء.
و بلغ منجوتكين و هو بالرملة أن أهل دمشق يريدون القتال مع منير الوالي فجمع النفّاطين بالرملة على أن يسيروا معه إلى دمشق لحرقها، فلما وصل نزّال(1)الى دمشق من طرابلس أخذ في الجبال عرضا، فخرج من مرج عذراء و أرسل إلى منير «إني لم أصل إلا لإصلاح أمرك»، فعلم منير أنه يريد
1) يفيد هذا أن القاهرة كتبت إلى و اليها في طرابلس لمساندة حملتها ضد دمشق.
ص: 69
الحيلة عليه و المكر به ليصل العسكر من الرملة و يحيط به، و قد كان نفذ كتاب ابن أبي هشام(1)من دمشق إلى منشا بن الغرار كاتب الجيش، يقول:
«جدّوا في السير لأخذ البلد»، و كان مراده بذاك المداراة من خوف الشر، فلما وصل الكتاب إلى منشا أنفذه الى العزيز منجوتكين(2)و وقف عليه فوجد فيه خلاف ما ذكر عن أهل دمشق فنهاهم عن احراقها، و سار منجوتكين من الرملة و قرب من طبرية، و جمع منير (29 ظ) عسكره، و خرج يريد نزالا، فالتقوا بمرج عذراء، فانهزم منير، و أتت المغاربة على الرّجالة الذين كانوا معه، و ذلك في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان سنة احدى و ثمانين فلما انهزم منير أخذ في الجبال حتى أخرج إلى أرض جوسية يريد قصد حلب، فخرج عليه عرب من الأحلاف فأخذوه و وصلوا به إلى دمشق، فوجدوا منجوتكين قد نزل عليها فسلموه إليه لطلب الجائزة، فشهره على جمل و قرن به قردا و معه من أصحابه نحو من مائة رجل على الجمال و عليهم الطراطير لأنهم انقطعوا فأخذهم و الي بعلبك يقال له جلنار، فأرسلهم إلى منجوتكين.
و أقام منجوتكين بدمشق بقية سنة احدى و ثمانين فقوي بها، و صار عسكره ثلاثة عشر ألفا، فعم الناس البلاء في جميع الأحوال، و صارت أفعالهم و سيرتهم إباحة الأموال و الأنفس و سوء الأعمال، ثم إنهم طمعوا في ملكة حلب بحكم موت أبي المعالي بن سيف الدولة صاحبها، و قد كان العزيز لما انتدب منجوتكين أكرمه و عظمه و أمر القواد و طبقات الناس بالترجل له و توفيته من الحق ما يوفى عظماء الأمراء و الاسفهسلارية، و استكتب له أحمد بن محمد القشوري و ولي الشام، و ضمّ إليه أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي ليقوم بالأمر و التدبير و لما وصل الى حلب و كان نزوله عليها في ثلاثين ألفا من
ص: 70
أصناف الرجال، و تحصن أبو الفضائل ابن سعد الدولة و لؤلؤ بالبلد، و أغلقا أبوابه و استظهرا بكل ما أمكنهما الاستظهار به، و قد كان لؤلؤ عند معرفته بتجهيز العساكر المصرية إلى حلب كاتب بسيل عظيم الروم، و مت إليه بما كان بينه و بين سعد الدولة من المساعدة و المعاقدة، و بذل له عن ولده السمع و الطاعة و الجري على تلك العادة، و حمل إليه هدايا و ألطافا كثيرة، و سأله المعونة و النصرة، و أنفذ بالكتاب و الهدايا ملكونا(1)السرياني و وصل إليه و هو بازاء ملك البلغر و على قتاله، فقبل ورد فيه، و كتب إلى البرجي(2)صاحب أنطاكية من قبله بأن يجمع عساكر الروم و يقصد حلب و يدفع المغاربة عنها فسار البرجي إليه في خمسة آلاف(3)رجل و نزل بالموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية و حلب، فعرف منجوتكين (30 و) و ابن المغربي ذلك، فجمعا القواد و المعرفين خبر الروم و استشارهم فيما يكون العمل به و الاعتماد عليه، فأشار ذوو الرأي و الحصافة منهم بالانصراف عن حلب و قصد الروم و الابتداء بهم و مناجزتهم لئلا يحصلوا بين عدوين، و وقع العمل على ذلك و ساروا مع عدة أخرى كثيرة انضافت إليهم من أهل الشام و بني كلاب، و نزلوا تحت حصن أعزاز، و قاربوا الروم، و بينهم النهر المعروف بالمقلوب(4)و هو نهر يجري مجرى الفرات في قرب من عرضه، فلما بصر المسلمون بالروم رموهم بالنشاب و ناوشوهم القتال، و حصل الناس و الروم على أرض واحدة و منجوتكين يردهم فلا يرتدون، و أنزل اللّه النصر و ولت الروم و أعطوا ظهورهم، و ركبهم المسلمون، و نكوا فيهم النكاية الوافية قتلا و أسرا و فلا و قهرا، و أفلت
ص: 71
البرجي في نفر قليل(1)، و ملك عسكرهم و سوادهم، و غنمت منهم الغنائم الوافرة من أموالهم و كراعهم و سوادهم، و قد كان معهم ألفا راجل من رجّالة حلب جرّدهم لؤلؤ مع عدة وافرة من الغلمان، فقتل منهم تقدير الثلاثمائة غلام، و عاد فلهم إلى حلب، و جمع من رؤوس قتلى الروم نحو عشرة آلاف رأس أنفذت الى مصر، و شهرت بها، و تبع منجوتكين الروم إلى انطاكية، و أحرق ضياعها، و نهب رستاقاتها، و انكفأ راجعا الى حلب، و كان وقت استغلال الغلات، فأنفذ لؤلؤ من أحرق ما قرب من البلد منها لمضرّة العسكر المصري، و قطع مادة الميرة عنهم و التضييق في الأقوات عليهم، و رأى لؤلؤ أن قد بطل عليه ما كان يرجوه من معونة الروم و قد أظلّه من عسكر مصر ما لا طاقة له به، فكاتب أبا الحسن بن المغربي و القشوري و أرغبهما بالمال، و بذل لهما منه ما وسّع لهما فيه، و سألهما المشورة على منجوتكين بالإنصراف إلى دمشق و المعاودة إلى حلب في العام المقبل و تصيّر السبب في هذا الرأي ما عليه الأمر من عدم الميرة، و تعذر الأقوات و العلوفات، فطاوعاه و وعداه، و خاطبا منجوتكين في ذلك، فصادف قولهما منه تشوفا إلى دمشق إلى خفض العيش فيها، ضجرا من طول السفر، و مباشرة الحرب فكتب و كتبت الجماعة الى العزيز باللّه إليه الحال في تعذر الأقوات و أنه لا قدرة للعسكر (30 ظ) على المقام مع هذه الصورة و يستأذنونه في الإنكفاء الى دمشق، فقبل أن يصل الكتاب و يعود الجواب رحل منجوتكين عائدا.
و عرف العزيز ما كان منه فغاظه ذلك و وجد أعداء ابن المغربي طريقا الى الطعن عليه و الوقيعة فيه، فصرفه و قلّد صالح بن علي الروذباري موضعه، و أنفذه و أقسم العزيز أنه يمدّ العسكر بالميرة من غلات مصر، فحمل مائة ألف تليس و التليس قفيزان بالمبدل، في البحر إلى طرابلس، و منها على الظهر
1) في مرآة الزمان المزيد من التفاصيل الهامة عن المعركة فيها توضيح لكيفية عبور نهر العاصي( حوادث سنة 381).
ص: 72
إلى أفامية، و عاد منجوتكين في العسكر في السنة الثانية إلى حلب و نزل عليها، و صالح بن علي المقدم معهم، و كان يوقع للغلمان بجراياتهم و قضيم دوابهم إلا أفامية و يمضون خمسة و عشرون فرسخا و يعودون بها، و أقاموا ثلاثة عشر شهرا، و بنوا الحمامات و الأسواق و الخانات، و أبو الفضائل و لؤلؤ قد تحصنا بالبلد و قد اشتد الأمر بها و فقدت الأقوات عندهما، و كان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة بثلاثة دنانير و يبيعه على الناس بدينار واحد رفقا لهم، و يفتح الباب و يخرج من الناس من أراد من الفقراء من الجوع و طول المقام، و قد كان أشير على منجوتكين بتتبع من يخرج و قتله ليمتنع الناس من الخروج و يزيد ضيق الأمر عليهم فلم يفعل.
و عند ذلك أعاد لؤلؤ ملكونا الذي أرسله أولا إلى بسيل ملك الروم إليه مجددا له السؤال بالإنجاد على ما دهمه من عسكر مصر و الاسعاد، و أعلمه أنه لم يبق فيه رمق إن لم يبادر بمعونته و نصرته، و أنه متى أخذت حلب و ملكت فأنطاكية لاحقة بها(1)، و كان بسيل متوسطا بلد البلغر، فقصد ملكونا إليه و أوصل إليه الكتاب و أعاد عليه ما يحمله من الرسائل إليه، و قال له: متى قصدت أيها الملك هذا الخطب بنفسك لم يقف أحد من عساكر المغاربة بين يديك و استخلصت حلب و حفظت أنطاكية و سائر أعمالها، و إن تأخرت ملك جميع ذلك.
فلما سمع ملك الروم ما قاله الرسول المذكور سار من وقته طالبا حلب، و بينه و بينها مسيرة ثلاثمائة فرسخ فقطعها في ستة عشر يوما في ثلاثة آلاف فارس و راجل من الروم و الروسية و البلغر و الخزر، و كان الزمان ربيعا و قد سرّح العسكر المصري كراعه في المروج لترتبع فيها، فهجمت الروم على العسكر على غفلة و غرة، فأرسل (31 و) لؤلؤ إلى منجوتكين يقول له: إن
1) يضيف صاحب مرآة الزمان« و متى أخذت أنطاكية أخذت قسطنطينية»( حوادث سنة 381 ه).
ص: 73
عصمة الاسلام الجامعة بيني و بينك و بين عساكرك تبعثني على إنذارك، و هذا عسكر الروم قد أظلّكم في الجمع الكثير، فخذوا لأنفسكم و تيقنوا لأمركم و لا تهملوا حذركم، و وردت جواسيس منجوتكين و عيونه من الجهات و الطلائع عليه بمثل ذلك، فأحرق الخزائن و الأسواق و رحل في الحال منهزما، و أشار العرب عليه بأن ينزل أرض قنسرين و يملك الماء و يستدعي كراعه من مروج أفامية، و يثبت للقاء العدو و يحرضه على بذل الجهد و استفراغ الوسع في الجهاد، فلم يفعل، و امتدت به الهزيمة إلى دمشق.
و وافى ملك الروم فنزل على باب حلب و شاهد من موضع منزل المغاربة ما هاله و عظم في عينه، و خرج إليه أبو الفضائل و لؤلؤ و خدماه، و رحل في اليوم الثالث إلى الشام، و نزل على شيزر و فيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة، فقاتله في الحصن يوما واحدا و لم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد و آلات الحرب و أقوات المقام على الحصار، فراسله بسيل و بذل له الأمان على نفسه و من معه في الحصن، و أن يعطيه مالا و ثيابا على تسليمه، فسكن إلى ذلك و سلمه، و وفى له بسيل بجميع ما بذله من المال و الأمان و العطاء، فرتب في الحصن نوابه و ثقاته، و سار قاصدا إلى طرابلس الشام، و افتتح في طريقه حمصا، و سبى منها و من رفنية و أعمالها ما يزيد على (عشرة آلاف ثم نزل على)(1)ثغر طرابلس، و هو بري بحري متين القوة و الحصانة شديد الامتناع على منازله، و أقام عليه نيفا و أربعين يوما يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه، فلم يتم له فيه أمر و لا مراد فرحل عنه قافلا الى بلاد الروم.
و انتهت الأخبار بذلك إلى العزيز باللّه فعظم ذلك عليه، و أمر بالاستنفار إلى الجهاد و النداء في الغزاة و سائر الأجناد فنفر الناس، و خرج مستصحبا
1) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان( حوادث سنة 381) و لمزيد من التفاصيل حول حصار طرابلس انظر تاريخ يحيى بن سعيد: 176.
ص: 74
لجميع عساكره و ما يحتاج إليه من عدده و أمواله و ذخائره و معه توابيت آبائه و أجداده على العادة في مثل هذه الحال، و قيل إن كراعه كان يزيد على عشرين ألف رأس خيلا و بغالا و جمالا و حميرا، و سار مسافة عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس(1)و أقام بظاهرها، و عارضته علل مختلفة من نقرس و قولنج و حصى في المثانة، و اشتدّ به الأمر و كان (31 ظ) الأطباء إذا عالجوا مرضا من هذه الأمراض بدوائها زاد في قوة الأخرى و استحكامها و كان محتاجا الى الحمّام لاجل القولنج و لم يكن في منزله إلا حمام لرجل من أهلها، فاشتد به فيه و بات للضرورة فيه و أصبح و القوة تضعف و الألم يشتد و يتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام، يوم الاثنين الثامن و العشرين من شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة، و عمره إثنتان و أربعون سنة، و نقش خاتمه «بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو المنصور» و مولده في القيروان سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و مدة أيامه إحدى و عشرين سنة و ستة أشهر و أربعة و عشرين يوما، و كان حسن السيرة مشتغلا بلذاته محبا المصيد متغافلا عن النظر في كثير مما كان أسلافه ينظرون فيه من إظهار علم الباطن و حمل الناس عليه، و توفي رحمه اللّه و هو مستمر على ذلك.
ثم ولي الأمر بعده ولده أبو علي المنصور الحاكم بأمر اللّه، و كان معه، فعهد إليه في الأمر، ورد تدبير أمره إلى برجوان الخادم مربيه و حاضنه، و كان عهد إليه أمر الحرم و القصور لثقة العزيز به، و سكونه إليه، و وصّى إليه بما اعتمد فيه عليه، و حدّثت ستّ الملك ابنة العزيز نفسها بالوثوب على الأمر و اجلاس ابن عمّها عبد اللّه و كانت مسمّاة عليه، فأحسّ برجوان بذلك فقبض عليها و حملها مع ألف فارس إلى قصرها بالقاهرة، و دعا الناس
1) قصبة الحوف في مصر و لها أشجار و نخيل كثير. تقويم البلدان: 118- 119.
ص: 75
إلى بيعة الحاكم و أحلفهم على الطاعة، و أطلق الأرزاق و ذلك في شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة و انكفأ الحاكم من المخيم إلى قصره بالقاهرة و عمره عشر سنين و ستة أشهر.
و تقدم أبو محمد الحسن بن عمار، و كان شيخ كتامة و سيدها و لقب بأمين الدولة و هو أول من لقب في دولة مصر، و استولى على الأمر و بسط يده في الإطلاق و العطاء و الصلات بالأموال و الثياب و الحباء و تفرقة الكراع، و كان في القصر عشرة آلاف جارية و خادم، فبيع منهم من اختار البيع، و أعتق من سأل العتق، و وهب من الجواري لمن أحب و آثر، و انبسطت كتامة و تسلطوا على العامة و مدوا أيديهم إلى حرمهم و أولادهم، و غلب الحسن بن عمار على الملك، و كتامة على الأمور، و هم الحسن بقتل الحاكم (32 و) و حمله على ذلك شيوخ أصحابه، و قالوا: لا حاجة لنا إلى إمام نقيمه و نتعبد له، فحمله صغر سنه و الاستهانة بأمره على إقلال الفكر فيه، و أن قال لمن أشار عليه بقتله: و ما قدر هذه الوزعة(1)حتى يكون منها ما نخاف، و برجوان في أثناء ذلك يحرس الحاكم و يلازمه و يمنعه من الركوب، و لا يفسح له في مفارقة الدور و القصور، و قد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان و عاضده في الرأي و الفعل، و صارا على كلمة سواء في كل ما ساء و سرّ و نفع و ضرّ، و تظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة والده العزيز به إلى أن تمت السلامة لهما فيه.
و أما منجوتكين و ما كان منه بعد نوبة الروم فإنه أقام بدمشق على حاله في ولايتها، و زاد أمر الحسن بن عمار و كتامة، و قلت مبالاتهم بالسلطان، فكتب برجوان إلى منجوتكين يعرفه استيلاء المذكورين على الأمور و غلبتهم على الأموال و تعديهم الى الحرم و الفروج و قبيح الأعمال و رفعهم المراقبة للخالق
1) دويبة صغيرة من الزواحف سامة برصاء. لسان العرب.
ص: 76
و الحشمة من المخلوقين، و إبطالهم رسوم السياسة و إضاعة حقوق الخدمة، و أنهم قد حصروا الحاكم في قصره و حالوا بينه و بين تدبير أمره، و يدعوه إلى مقابلة نعمة مولاه العزيز عنده بحفظ ولده، و الوصول إلى مصر و قمع هذه الطائفة الباغية، و قال: إن الديلم و الأتراك و العبيد الذين على الباب يساعدونه على ما يحاول فيهم، و يكونون معه أعوانا عليهم، فامتثل منجوتكين ما في الكتاب عند وقوفه عليه، و سارع إليه، و ركب إلى المسجد الجامع في السواد، و جمع القواد و الأجناد و مشايخ البلد و أشرافه و فيهم موسى العلوي، و له التقدم و الميزة، و أذكرهم بحقوق العزيز و ما كان منه من الإحسان إلى الخاص و العام، و حسن السيرة في الرعية، و اعتقاد الخير للكافّة، و خرج من ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصطناع و التقدم و الاصطفاء، و التعزير(1)للتمويه باسمه و ما يلزمه في خدمته حيا و ميتا، و مناصحته معدوما و مفقودا و موجودا، و قال: و إذ قبضه اللّه إليه و نقله إلى ما اختاره له و ارتضاه، و حكم به و أمضاه، فإن حقوقه قد انتقلت إلى نجله و سليله الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين، و هو اليوم ولي النعمة و قائم مقام العزيز باللّه رحمة اللّه، في استحقاق الطاعة و المناصحة (32 ظ) و الخدمة، و قد تغلب على الملك الحسن بن عمار و كتامة، و صار أخواننا المشارقة بينهم كالذمة بين المسلمين، و ما يسعنا الصبر على هذه الصورة و تسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلطة، و خرق ثيابه السود، و بكى البكاء الشديد، فاقتدى الناس به في تخريق الثياب و البكاء، ثم قالوا: ما فينا إلا سامع لك مطيع لأمرك و مؤثر ما تؤثر و باذل مهجته في طاعة الحاكم و خدمته و خدمتك، و مهما رسمت لنا من خدمة و بذل نفس و مكنة كنا إليه مسارعين، و لأمرك فيه طائعين إلى أن تبلغ مناك و تدرك مبتغاك في نصرة مولانا، فشكرهم على هذا المقال و قوى عزائمهم و آراءهم على المتابعة له، و العمل بما يوافقه،
1) الاعانة و التوقير و النصر و منع الجاني أن يعاود الذنب- النهاية لابن الأثير.
ص: 77
و عاد إلى داره و وضع العطاء في الرجال، و برّز إلى ظاهر دمشق، و قد اشتملت جريدة الاثبات على ستة آلاف من الأجناد السائرين معه خيلا و رجلا، و كتب إلى الحسن بن عمار على أجنحة الطيور و مع أصحاب البريد بشرح ذلك الحال.
فلما وقف على الخبر عظم عليه و قلق، و جمع وجوه كتامة، و أعاد عليهم ما ورد من خبر منجوتكين، و ما هو مجمع عليه في بابهم، و قال:
ما الرأي عندكم؟ قالوا: نحن أهل طاعتك و المسارعون الى العمل باشارتك، و أظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم و جرى مجرى ألفتكين المعزي البويهي، و ندب الناس لقتاله و تقدم إلى الخزّان في خزائن أموال العزيز بإطلاق الأموال، و إلى العرّاض(1)بتجريد الرجال و الإنفاق فيهم، و أحضر برجوان و شكر العضدي و قال لهما: أنا رجل شيخ، و قد كثر الكلام عليّ و القول فيّ، و ما لي غرض إلا في حفظ الأمر للحاكم، و مقابلة اصطناع العزيز و إحسانه إليّ، و أريد مساعدتكما و معاضدتكما، و أن تحلفا لي على صفاء النية و خلوص العقيدة و الطوية، فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له و الإجابة الى ما سأله منهما، و استأنف معهما المفاوضة و المشاورة و الاطلاع لهما على مجاري الأمور و وجوه التدبير في الجمهور و استمالة المشارقة.
و ندب أبا تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، و قدمه و جعله اسفهسلار الجيش، و أمره بالمسير الى الشام، و أطلق له كل ما التمسه من المال و العدد و الرجال و السلاح و الكراع، و أسرف في ذلك إلى حد لم يقف عنده، و جرد (33 و) معه ستة عشر ألف رجل من الخيل و الرجال و برّز الى عين شمس و كان عيسى بن نسطورس الوزير على حاله في الوزارة، فبلغ ابن عمار عنه ما أنكره، فقبض عليه و نكبه، و قتله، و سار سلمان بن فلاح من مصر،
1) كانت وظيفة العارض من أهم الوظائف العسكرية.
ص: 78
و رحل منجوتكين إلى الرملة فملكها و أخذ أموالها، فتقوى بها، و كان معه المفرج بن دغفل بن الجراح، و سنان بن عليان(1)، و نزل سلمان عسقلان، و سار منجوتكين حتى نزل بظاهرها، و تقابل الجيشان، فلما كان بعد ثلاثة أيام من تقاربهما و تقابلهما ضرب كل واحد منهما مصاف عسكره، و عمل على مناجزة صاحبه، و استأمنت العرب من أصحاب ابن جراح و ابن عليان إلى سلمان، فاستظهر و قتل من أصحاب منجوتكين أربعة قواد في وقت واحد، و انهزم منجوتكين و قتل من الديلم عدة كثيرة لأنهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر الجميز و اختفوا به، فكان المغاربة ينزلونهم منهم و يقتلونهم تحتها، و أحصيت القتلى، فكانوا من أصحاب منجوتكين ألفي رجل.
و سار سلمان إلى الرملة و قد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم و الأموال و الكراع، و بذل لمن يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار و مائة ثوب، فانبثت العرب في طلبه، و أدركه علي بن جراح، فأسره و حمله إلى سلمان، فأخذه منه و أعطاه ما بذل له، و حمله مع رؤوس القتلى من أصحابه إلى مصر، فشهرت الرؤوس و أبقى على منجوتكين الحسن بن عمار و اصطنعه، و استمال المشارقة به، و نزل سلمان طبرية.
و كان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة، و نهبوا دار منجوتكين و خزائنه و ما فيها من مال السلطان و عدده، فأنفذ أخاه عليّا إليها في خمسة آلاف رجل، فلما وصلها ناوش أهلها و ناوشوه، و اعتصموا بالبلد، و منعوا الدخول إليه، و كتب إلى سلمان أخيه يعلمه مخالفتهم و عصيانهم، و يستأذنه في منازلتهم و قتالهم، فأذن له في ذلك و أعلمه مسيره إليه، و كتب إلى موسى العلوي و الأشراف و الشيوخ بالإنكار عليهم بتسلط العامة فيما ارتكبوه من النهب و الافساد، و تقاعدهم عن الأخذ على أيديهم و الردع لهم، و التوعد بالمسير
1) أمير قبائل كلب، و سيرد المزيد من أخباره.
ص: 79
إليهم، و المقابلة لهم بما يقتضيه الرأي، فلما وقفوا على ما ذكره، خافوا و خرجوا إلى أخيه علي، و لقوه و أعلموه أنهم على الطاعة و الإنكار لما أجرى إليه (33 ظ) الجهالة، فركب علي و حارب أهل دمشق و زحف إلى باب الحديد و النفاطون معه، فانهزموا منه، و ملك البلد، و طرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب، و هو أجلّ موضع في البلد، و قتل خلقا من رجاله، و عاد بعد ذلك إلى معسكره، و وافى من غد أخاه سلمان في عسكره، فأنكر عليه احراق ما أحرق، و بلوغه في الإفساد ما بلغ، و تلقاه الأشراف و الشيوخ و الناس، و شكوا إليه ما لحقهم و تلف من دورهم و أملاكهم و أموالهم، فأمنهم، و كف المغاربة عنهم، و أظهر اعتقاده الجميل فيهم، و كتب المناشير بالصفح عن الجناة و إيمان الكبير و الصغير منهم، و رفع الكلف و المؤن عنهم، و إفاضة العدل و الانصاف فيهم، و قرئت في المسجد الجامع على رؤوس الأشهاد، فسكنت إلى ذلك النفوس، و اطمأنت به القلوب، و رجعوا إلى ما كانوا عليه، و اختلط المغاربة بهم و ركب القائد سلمان إلى الجامع في يوم الجمعة بالطيلسان على البغل السندي، و خرق في البلد بالسكينة و الوقار و بين يديه القراء، و قوم يفرقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة و الحاجة، و كان لهذا القائد سلمان نفس واسعة و صدر رحب، و قدم في الخير متقدمة، و رغبة في الفعل الجميل مشهورة، و مقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمار، و لما صلى عاد إلى القصر الذي بني بظاهر البلد، و نزل فيه و قد استمال قلوب الرعية و العامة بما فعله و أظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه و إطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة و الجنايات السالفة، و استقام له الأمر و استقرت على الصلاح الحال، و صلحت أحوال البلد و أهله بما نشر فيه من العدل و حكم به من الإنصاف و أحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ولاتها الجائرين، و استبدل بهم من شيوخ كتامة و قوادها، ورد
ص: 80
إلى علي أخيه ولاية طرابلس الشام، و صرف عنها جيش بن الصمصامة، فمضى جيش المذكور إلى مصر من غير أن يقصد القائد سلمان و يجتمع معه.
و كان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضا إلا أن سلمان كان سيء الرأي فيه لعداوة بينه و بينه، فلما حصل جيش بمصر (34 و) قصد برجوان سرا و طرح نفسه عليه، و أعلمه بغض أهل الشام للمغاربة و استيحاشهم منهم، فأولاه برجوان الجميل قولا و وعدا، و بذل له المعونة على أمره و تأمل برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن عمار و كتامة، و ما خافه على نفسه منهم، و أن مصر و القاهرة قد خلتا إلا من العدد الأقل منهم، و امكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك و المشارقة، و قال لهم: قد عرفتم صورتكم و صورة الحاكم مع هؤلاء القوم، و أنهم قد غلبوا على المال، و غلبوكم، و متى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم، و ضعف شوكتهم، سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه و استدراك الغاية منه، و أوثقهم على الطاعة و المساعدة فبذلوها له و وثقوا له في كل ما يريده، و أحس الحسن بن عمار بما يريد برجوان، و شرع فيه و في الفتك به، و سبقه إلى ما يحاوله فيه، و رتب له جماعة في دهليزه، و واقفهم على الإيقاع به و بشكر إذا دخلا داره، و كان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار، فصاروا إليه و أعلموه ما قد عمل عليه، و اجتمع برجوان و شكر و تفاوضا الرأي بينهما في التحرز مما بلغهما و قررا أن يركبا، و يركب على أثرهما من الغلمان جماعة، «فإن أحسوا و أحسينا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا و في ظهورنا من يمنع منّا» فرتبا هذا الأمر و ركبا إلى دار الحسن، و كانت في آخر القاهرة مما يلي الجبل، فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا و عادا مسرعين، و جرد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم، و دخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه و يستصرخان به، و ثارث الفتنة و اجتمع الأتراك و الديلم و المشارقة و عبيد الشراء بالسلاح على باب
ص: 81
القصر، و برجوان يبكي و يقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده، و ارعوا فيه ما تقدّم من حقه، و هم يبكون لبكائه.
و ركب الحسن بن عمار في كتامة و من انضاف إليهم من القبائل، و غيرهم و خرج إلى الصحراء و تبعوه و تبعه وجوه البلد، فصار في عدد كثير، و فتح برجوان خزائن السلاح، و فرّقه على الغلمان و الرجال، و أحدقوا و من معهم بالقصر من المشارقة و العامة (34 ظ) بقصر الحاكم، و على أعلاه الخدم و الجواري يصرخون، و برز منجوتكين و بارجتكين و ينال الطويل، و خمسمائة فارس من الغلمان، و وقعت الحرب بينهم و بين الحسن إلى وقت الظهر، و حمل الغلمان عليه، فانهزم، و زحفت العامة إلى داره فانتهبوها، و فتحوا خزائنه، و تفرقوا ما فيها، و التجأ الحسن إلى بعض العامة فاستتر عنده، و تفرق جميع من كان معه، و فتح برجوان باب القصر، و أجلس الحاكم و أوصل إليه الناس، و أخذ له بيعة مجددة على الجند، فما اختلف عليه أحد و كتب الامانات لوجوه كتامة و قواد الدولة، و راسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم، فحضرت الجماعة و أعطت أيمانها على السمع و الطاعة، فاستقام الأمر لبرجوان، و كتب الكتب إلى أشراف دمشق و وجوه أهلها، يأمرهم بتطييب نفوسهم، و يبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح و الإيقاع به، و كتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور، و الإعانة لهم عليه.
ص: 82
قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق، و السبب لذلك، و ما آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء و الكفاية، و لما وردت المكاتبات من مصر عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة للحاكم بأمر اللّه بما يطيب قلوب أهل البلد، و يبعثهم على الوثوب على سلمان، و كان هذا القائد المذكور مشهورا بالكفاية و الغناء، و توقد اليقظة في أحواله و المضاء، لكنه كان مستهترا بشرب الراح و استماع الغناء، و التوفّر على اللذة، و لما وردت الملطفات(1)المصرية بما اشتملت عليه في حقّه و هو منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة و المشارقة إلى قصره و هجومهم عليه، فخرج هاربا على ظهر فرسه، فنهبت خزائنه و أمواله و عدده، و أوقعوا بمن كان في البلد معه من كتامة، و قتلوا منهم عدة وافرة، و عادت الفتنة ثائرة، و اقتسم رؤساء الأحداث حال البلد، و كان يكتب لبرجوان فهد بن إبراهيم النصراني، فلما صار الأمر (35 و) إليه استوزره، و كان من أبناء القبط بريف مصر، و استكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسائل، و لم يزل برجوان يتلطف للحسن ابن عمار إلى أن أخرجه من استتاره، و أعاده إلى داره و أجراه على رسمه في راتبه و اقطاعاته بعد أن شرط عليه إغلاق بابه، و ألا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه، و لا يشرع في فساد على الحاكم، و لا على برجوان، و أخذ العهد عليه بذلك و استحلفه بأوكد الأيمان و بالغ في التوثق منه.
1) في الأصل:« المطلقات» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و الملطفات الرسائل السرية.
ص: 83
و كان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة سبع و ثمانين قد عصوا و أمّروا عليهم رجلا ملّاحا من البحرية يعرف بالعلاقة، و قتلوا أصحاب السلطان.
و اتفق أن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة و نهب ما كان في السواد، و أطلق يد العيث في البلاد، و انضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في عسكر كثير إلى الشام، و نزوله على حصن أفامية، فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة، و قدمه و جهز معه ألف رجل، و سيره إلى دمشق و أعمالها و بسط يده في الأموال، ورد إليه تدبير الأعمال، فسار جيش و نزل على الرملة و الوالي عليها وحيد الهلالي و معه خمسة آلاف رجل، و وافاه ولاة البلد و خدموه و صادف القائد أبا تميم سلمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضا جميلا، و ندب أبا عبد اللّه الحسن بن ناصر الدولة و ياقوت الخادم و من معه من عبيد الشراء لقصد صور و منازلتها و فتحها، و كان قد وليّ جماعة من الخدم السواحل، و أنفذوا إليها، و أنفذ في البحر تقدير عشرين مركبا من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور، و كتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير اليه في أصطوله، و الى ابن الشيخ والي صيدا بمثل ذلك، والى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور، و وقعت الحرب بينها و بين أهلها، و استجار العلاقة بملك الروم، و كاتب يستنصره و يستنجده، و أنفذ إليه عدّة مراكب في البحر مشحونة بالرجال المقاتلة، و التقت هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالروم، و ملكوا مركبا من مراكبهم و قتلوا من فيه، و كانت عدتهم (35 ظ) مائة و خمسين رجلا، و انهزمت بقية المراكب، فضعفت نفوس أهل صور، و لم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر برّا و بحرا، و نادى المغاربة: «من أراد الأمان من أهل الستر و السلامة فليلزم منزله»، فلزموا ذلك، و فتح البلد، و أسر العلّاقة و جماعة من أصحابه، و وقع النهب و أخذ من الأموال و الرجال الشيء الكثير، و كان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان
ص: 84
الحاكمي و حمل العلّاقة و أصحابه إلى مصر، فسلخ حيّا و صلب بظاهر المنظر(1)، بعد أن حشي جلده تبنا و قتل أصحابه.
و ولي أبو عبد اللّه الحسن بن ناصر الدولة بن حمدان صور، و أقام بها و سار جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح و طلبه، فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طيء(2)و تبعه حتى كاد يأخذه، ثم رماه ابن جراح بنفسه و عجائز نسائه، و عاذ منه بالصفح و طلب الأمان فأمنه، و شرط عليه ما التزمه، و عفا عنه جيش، و كف عنه و استحلفه على ما قرره معه، و عاد إلى الرملة و رتب فيها واليا من قبله، و انكفأ إلى دمشق طالبا لعسكر الروم النازل على أفامية، فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها و رؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة، فأقبل على رؤساء الأحداث و أظهر لهم الجميل، و نادى في البلد برفع الكلف و اعتماد العدل و الأنصاف، و إباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد، فاجتمع إليه الرعية يشكرونه و يدعون له، و سألوه دخول البلد و النزول فيه بينهم، فأعلمهم أنه قاصد الجهاد في الروم، و أقام ثلاثة أيام و خلع على رؤساء الأحداث و حملهم و وصلهم و نزل حمص، و وصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس و المتطوعة من عامتها، و توجه الى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصادف أهله قد اشتد بهم الحصار و بلغ منهم عدم الأقوات، و انتهى أمرهم إلى أكل الجيف و الكلاب، و ابتاع واحد واحدا بخمسة عشرين درهما، فنزل بإزاء الروم و بينه و بينهم النهر المعروف بالمقلوب، و التقى الفريقان و تنازعا الحرب و المسلمون في عشرة آلاف رجل و معهم ألف فارس من (36 و) بني كلاب فحمل الروم على القلب و فيه بدر العطّار و الديلم و السواد فكسروه، و وضعوا السيف في
ص: 85
من كان فيه، و انهزمت الميسرة و فيها ميسور الصقلبي والي طرابلس، و لحقتها الميمنة و فيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم و وحيد الهلالي، و ركب الروم المسلمين، و قتلوا منهم ألفي رجل، و استولوا على سوادهم و سلاحهم و كراعهم، و مال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه، و ثبت بشارة الاخشيدي في خمسمائة غلام، و شاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك، و ابتهلوا إلى اللّه الكريم اللطيف بعباده، و سألوا الرحمة و النصر، و كان ملك الروم قد وقف رابية بين يديه ولدان له، و عشرة نفر من غلمانه، ليشاهد ظفر عسكره و أخذه ما يأخذه من الغنائم، فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد، و عليه كزاغند و خوذة و بيده اليمنى خشت(1)و باليسرى العنان وحشت آخر، فظنه الدوقس مستأمنا له و مستجيرا به، فلم يحفل به و لا تحرز منه، فلما دنا منه حمل عليه و الدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين(2)الذي في يمناه رمية أصابت خللا في الدرع، فوصل إلى جسده، و تمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتا، و صاح الناس «ان عدو اللّه قد قتل، فانهزمت الروم، و تراجع المسلمون، و عادت العرب، و نزل من كان في الحصن فأعانوهم و استولى المسلمون على الروم فقتلوهم و أسروهم، و كانت الوقعة في مرج افيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في إثر رجل، و من جانبه بحيرة أفامية و نهر المقلوب، فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة، و تصرم النهار و قد احتز من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس، و بات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم اللّه اياهم من الكفاية و وهب لهم من الظفر، و وافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة، فمنهم من رد و منهم من باع
ص: 86
بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحد من العرب إلا ما عرفه، و كان مأخوذا منه فلم (36 ظ) يجد الا ما أخذه أصحابه، و حصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين، فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة آلاف دينار و أخذهما إليه، و أقام على حصن أفامية أسبوعا، و حمل إلى مصر عشرة آلاف رأس و ألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية، و نهب الرساتيق، و أحرق القرى و انصرف منكفئا إلى دمشق، و قد عظمت هيبته فاستقبله اشرافها و رؤسائها و أحداثها مهنئين و داعين له، فتلقاهم بالشماسية و زادهم من الكرامة و خلع عليهم (و على)(1)وجوه الأحداث، و حملهم على الخيل و البغال، و وهب لهم الجواري و الغلمان، و عسكر بظاهر البلد، و خاطبوه في الدخول و الجواز في الأسواق، و قد كانوا زينوها إظهارا للسرور به، و التقرب إليه، فلم يفعل، و قال: معي عسكر و إن دخلت دخلوا معي، و لم آمن أن يمدوا أيديهم الى ما يثقل به الوطأة منهم، و التمس أن يخلوا له قرية على باب دمشق تعرف ببيت لهيا(2)
ص: 224 فقال: تسمى بيت ألاهيه، كانت من أعمر القرى، أشبه ببلدة، و هي على طريق بغداد القديم بين البساتين حوالي جسر ثورة، في البقعة التي يقوم عليها المستشفى الانكليزي في القصاع- مستشفى الزهراوي حاليا.
ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك.ص: 87
و السبب الداعي إلى ذلك و ما آلت إليه الحال لما تقرر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى الشام، لتلافي ما حدث فيه، و تدبير الأعمال و تسديد الأحوال و الدفع لشر الروم الواصلين إلى أعماله، اقتضت الحال و السياسة رد ولاية دمشق بعد إخراج القائد أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح منها على ما تقدم الذكر له إلى القائد بشارة الاخشيدي، فسار و وصل إليها و دخلها و نزل في قصر الولاة(1)بها، و شرع في البناء فيه، على عادة الولاة في ذلك في يوم الاثنين النصف من شوال سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة و توجه القائد بشارة الوالي المذكور مع جيش بن الصمصامة إلى الجهاد في الروم، فلما أظفر اللّه بهم، و نصر عليهم، و انكفأ المسلمون منصورين ظافرين مسرورين، و عاد بشارة الوالي في الجملة، صادف الأمر قد ورد من مصر بصرف القائد بشارة عن ولاية دمشق و إقرارها على القائد جيش بن محمد (37 و) بن الصمصامة(2).
قد تقدم شرح السبب في إخراج القائد جيش في العسكر من مصر إلى الشام ما كفى و أغنى، و ما كان منه في التدبير في افتتاح ثغر صور، و كسر عسكر الروم، و العود إلى دمشق و صرف بشارة عن ولايتها.
ص: 88
و اتفق ذاك و قد قوض الصيف خيامه، و طوى بعد النشر أعلامه، و الشتاء قد أقبل بصره و هريره و قرّة و زمهريرة، فالتمس من أهل دمشق على ما تقدم ذكره اخلاء(1)بيت لهيا، فأجيب إلى ما طلب، فنزل فيها و شرع في التوفر على استعمال العدل، و رفع الكلف و احسان السيرة و المنع من الظلم، و استخص رؤساء الأحداث و قدمهم و استحجب جماعة منهم، و جعل يعمل لهم السمط في كل يوم يحضرهم للأكل عنده و يبالغ في تأنيسهم و استمالتهم بكل حال، فلما مضت على ذلك برهة من الزمان أحضر قواده و وجوه أصحابه، و تقدم إليهم بالكون على أهبة و استعداد لما يريد استخدامهم، و توقع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه و العمل به، و قسم البلد و كتب إلى كل قائد بذكر الموضع الذي يدخل فيه، و يضع السيف في مفسديه، ثم رتب في حمام داره مائتي راجل من المغاربة بالسيوف، و تقدم إلى المعروف بالباهري العلوي و كان من خواصه و ثقاته بأن يراعي حضور رؤساء الأحداث الطعام فإذا أكلوا و قاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه أغلق عليهم بابه، و أمر من رتّب في الحمام بوضع السيف في أصحابهم، و كان كل رجل منهم يدخل و معه جماعة من الأحداث معهم السلاح، و حضر القوم على رسمهم، فبادر جيش بالرقاع إلى قواده، و جلس معهم للأكل، فلما فرغوا نهض فدخل في حجرته و نهضوا الى المجلس و أغلق الفراشون بابه، و كانت عدتهم اثني عشر رجلا يقدمهم المعروف بالدهيقين، و خرج من بالحمام فوضعوا السيف في أصحابهم فقتلوهم بأسرهم، و كانوا تقدير مائتي رجل، و ركب القواد و دخلوا البلد و قتلوا فيه (37 ظ) قتلا ذريعا و ثلموا السور من كل جانب، و فتحوا أبوابه و رموها، و أنزل المغاربة دور الدمشقيين، و جرد إلى الغوطة و المرج قائدا يعرف بنصرون و أمره بوضع السيف في من بها من الأحداث، فيقال أنه قتل ألف رجل منهم لأنهم كانوا كثيرين، و دخل دمشق فطافها فاستغاث الناس و سألوا العفو
1) موقع حي القصاع الحالي بدمشق.
ص: 89
و الإبقاء، فكف عنهم و رتب أصحابه المصالح(1)في المحال و المواضع، و عاد إلى القصر في وقته فاستدعى الأشراف استدعاء حسن معه ظنّهم فيه، فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين أيديهم، و أمر بصلب كل واحد منهم في محلته، حتى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم و حملهم إلى مصر، و أخذ أموالهم و نعمهم، و وظّف على أهل البلد خمسمائة ألف دينار.
و جاءه أمر اللّه تعالى الذي لا يدفع نازله، و لا يرد واصله، فهلك، و كان سبب هلاكه ناسور خرج في سفله، و لم يزل يستغيث من الألم، و يتمنى الموت و يطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكّن و لا يمكّن، و يسأل في قتله فلا يقتل إلى أن هلك على هذه الحال(2)
و نتن جميع جسده، فصار يصيح: و يحكم اقتلوني، أريحوني، إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة تسعين و ثلاثمائة، و كان مقامه على دمشق ستة عشر يوما. انظر كتابي: مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص: 347.
، و كانت مدة هذه الولاية و الفتنة تسعة شهور، و قيل إن عدة من قتل من الأحداث ثلاثة آلاف رجل.مكانه(3)، و انتهى الخبر إلى مصر بهلاكه، فقلد ولده محمد بن جيش و قد استقامت الأمور بمصر و الشام، و استمال برجوان المشارقة و استدعاهم من البلاد، فاجتمع عنده منهم تقدير ثلاثة آلاف رجل، و كان يواصل النظر في قصر الحاكم نهاره أجمع إلى أن ينتصف الليل و يجاوز الانتصاف، و يوفي السياسة حقها، و بين يديه أبي العلاء فهد بن إبراهيم من يمشي الأمور و يحسن تنفيذها.
1) كذا في الأصل و لعلها مصحفة صوابها« المسالح».
2) روى المقريزي سببا آخر لوفاته فقال: و كان به طرف جذام، فتزايد به حتى تمعط سقط) شعره و رشح بدنه و اسود، ثم اتحتت سحنة وجهه، و داد كله.
3) الذي ذكره المقريزي هو أن جيش أوصى بتركته إلى الحاكم، فحملها ابنه أبو عبد اللّه إلى قصر الخلافة، فقام الحاكم بالاطلاع على الوصية و منح ما تركه جيش لأولاده- المصدر أعلاه: 347- 348.
ص: 90
و راسل برجوان بسيل ملك الروم على لسان أبي العلاء، و دعاه إلى المهادنة و الموادعة، و حمل إليه هدايا سلك فيها سبيل التألّف و الملاطفة، فقابل بسيل ذلك منه بأحسن قبول، و تقررت الموادعة عشر سنين، و أنفذ بسيل في مقابلة الهدية ما جرت به عادة مثله.
و صلحت الحال مع العرب و أحسن إلى بني قرّة و ألزمهم شرائط الطاعة و سيّر عسكرا إلى برقة و طرابلس الغرب فأخذها و عول في ولايتها على يانس الصقلبي، و كان لفرط اشفاقه على الحاكم يمنعه من الركوب في غير وقت ركوبه و العطاء لغير (38 و) مستحقة، و فعل و ذلك يفعله من باب السياسة و الحفظ لنفسه و هيبته و ماله، و هو يسر ذلك في نفسه(1)أنه من الاساءة إليه و التضييق عليه، و كان مع الحاكم خادم يعرف بزيدان الصقلبي(2)و قد خص به و أنس إليه في شكوى ما يشكوه من برجوان إليه، و إطلاعه على ما يسره في نفسه له، و زاد زيدان في الحمل عليه و الإغراء به، و قال له فيما قال: إن برجوان يريد أن يجري نفسه مجرى كافور الاخشيدي، و يجريك مجرى ولد الاخشيدي في الحجر عليك و الأخذ على يدك، و الصواب أن تقتله و تدبر أمرك منفردا به، فقال له الحاكم: إذا كان هذا رأيك و الصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه، فبذلها له، فلما كان في بعض أيام شهور سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره و تفرّق الناس عنه، للركوب إلى الصيد، و أن يقف له في البستان الذي داخل القصر، فإذا حضر أمر بقتله، فأرسل إليه بالركوب،
1) أي الحاكم.
2) كانت وظيفة زيدان حمل المظلة، و كانت وظيفة سامية لما للمظلة من مكانة خاصة لدى الخلفاء الفاطميين، ذلك أنها كانت من رموز الامامة الخاصة نبعت فكرتها مما جاء في أخبار السيرة أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم كانت تظله غمامة، و ظهر أثر المظلة حتى في الأبنية الدينية، و هذا ما شاهدت آثاره في جامع المهدية في تونس الذي بني أيام المهدي الفاطمي.
ص: 91
و قال: أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه، و أنت بين يدي، فإذا حضر برجوان دخلت البستان و تبعني و كنت في أثره فإذا نظرت إليك فاضربه بالسكين في ظهره، و واقف الخدم أن يضعوا عليه، فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان، فقال للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد و البزاة في مثله لا تصيد، فقال: صدقت و لكنا ندخل البستان و نطوف فيه ساعة و نخرج، و أنفذ برجوان إلى شكر، و كان قد ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس، و المقس ظاهر القاهرة، و يقف عند القنطرة «فإن مولانا يخرج من البستان و يتبعك»، ففعل و دخل الحاكم البستان و برجوان خلفه و زيدان بعده، و كان برجوان خادما أبيض اللون، تام الخلقة، فبدره زيدان فضربه بين أكتافه بسكين أطلعها من صدره، فقال: يا مولانا غدرت، فصاح الحاكم: يا عبيد خذوا رأسه، و تكاثر الخدم عليه فقتلوه، و خرج الخدم الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب، و بغال الموكب و الجوارح، فردوا جميعها، فقال لهم شكر: ما السبب في ذلك؟ فلم يجيبوه، فجاء الناس من هذا الحادث ما لم يكن في الحساب، و عاد شكر بالموكب و شهر (38 ظ) الجند سيوفهم، و هم لا يعلمون ما الخبر، غير أنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن عمار، و رجع أكثرهم إلى دورهم، فلبسوا سلاحهم و وافوا إلى باب القصر، و تميّز المغاربة و المشارقة و أحدق شكر، و من معه من الأتراك و المشارقة بالقصر، و علا على شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف و التراس، و عظم الأمر، و اجتمع القواد و شيوخ الدولة، و أبو العلاء الوزير على باب القصر الزمرد، فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر من منظرة على الباب، و سلم على الناس، فترجلوا عن دوابهم إلى الأرض و قبلوها بين يديه، و ضربت البوقات و الطبول، و فتح باب القصر و استدعى أصحاب الرسائل، و سلمت إليهم رقعة قد كتبها بيده إلى شكر و أكابر القواد، يقول فيها: إنني أنكرت
ص: 92
على برجوان أمورا أوجبت قتله، فالزموا الطاعة و حافظوا على ما فيها في رقابكم من البيعة المأخوذة، فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض و قالوا: الأمر لمولانا.
و استدعى الحسين بن جوهر، و كان من شيوخ الدولة فأمره بصرف الناس فصرفهم، و عاد الحاكم الى قصره، و كل من القواد إلى داره و النفوس خائفة من فتنة تحدث بين المشارقة و المغاربة، و شاع قتل برجوان، و ركب مسعود الحاكمي إلى داره فقبض على جميع ما فيها من أمواله، و جلس الحاكم وقت العشاء الأخير و استدعى الحسين بن جوهر و أبا العلاء فهد بن ابراهيم الوزير(1)، و تقدم إليه بإحضار سائر كتّاب الدواوين و الأعمال، ففعل و حضروا و أوصلهم إليه، و قال لهم: إن هذا فهدا كان أمس كاتب برجوان عبدي و هو اليوم وزيري فاسمعوا له و أطيعوا و وفوه شروطه في التقدم عليكم، و توفّروا على مراعاة الأعمال و حراسة الأموال، و قبل فهد الأرض و قبلوها، و قالوا: السمع و الطاعة لمولانا، و قال لفهد: أنا حامد لك و راض عنك، و هؤلاء الكتاب خدمي فاعرف حقوقهم و أجمل معاملتهم، و احفظ حرمتهم، و زد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته و أمانته، و تقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد و الأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان، فكتب بما نسخته بعد التصدير، و ما جرت العادة (39 و) بمثله في الخطاب:
أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حينا فاستعمله، ثم أسخطه فقتله، و أعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه و تجري على سننك الحميد في خدمته، و مذهبك الرشيد في طاعته و مناصحته، و تسديد ما قبلك من الأمور، و طالعه بما يتجدد لديك من أحوال الجمهور إن شاء اللّه.
و نفذت الكتب بذاك، و استقامت الأحوال على سنن الصواب، و زال ما خيف من الاختلال و الاضطراب.
1) حين تسلم برجوان شؤون الدولة مكان ابن عمار صار كاتبه هو أبو العلاء فهد بن ابراهيم بلقب الرئيس. انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 27.
ص: 93
الملقب بفحل لدمشق في سنة تسعين و ثلاثمائة لما هلك جيش بن محمد بن الصمصامة على ما تقدم الشرح فيه، عقيب إغراقه في الظلم و إيغاله في سفك الدماء و الجور، و كان هلاكه في يوم الأحد لتسع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسعين و ثلاثمائة و كانت مدة ولايته التي هلك فيها على ما صح في هذه الرواية دون ما تقدم ذكره ستة عشر شهرا و ستة عشر يوما، و انتهى الخبر إلى مصر بذاك، وقع الارتياد لمن يختار لولايتها بعد المذكور، فوقع الاختيار على القائد تميم بن اسماعيل المغربي الملقب بفحل، فوصل إليها و أقام بها و أمر و نهى و بقي شهورا من سنة تسعين و ثلاثمائة و عرضت له علّة هلك بها و مضى لحال سبيله، فلما انتهى خبر وفاته إلى مصر وقع الاعتماد في ولايتها على القائد علي بن جعفر بن فلاح و قد كان وليها دفعة أولى.
وصل القائد علي بن جعفر بن فلاح الى دمشق واليا عليها دفعة ثانية، فنزل عليها في يوم السبت لليلتين بقيتا من شوال سنة تسعين و ثلاثمائة و أقام مدة يتولى أمرها و يدبر أحوالها على عادة الولاة، إلا أنه لم يبسط يده في مال و لا تعرض لشيء من استغلال، ثم اقتضت الآراء بمصر أن يصرف عنها و يبدل بغيره في ولايتها.
ص: 94
المعروف بالضيف في سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة وصل القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر اللّه في شهر رمضان من السنة، فدبر أمورها و نظر في أحوال أجنادها، و اقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد و يدافع بأعطياتهم، و يغالطهم و يظهر أمرا من التوفير فلم يتمكن (39 ظ) من بلوغ مرام، و لا نيل أمل، و اتفق أن يكون القائد علي بن فلاح المقدم ذكره مقيما في عسكره في الشماسية بظاهر دمشق، فلما طلبت الأجناد أرزاقها منه، قال لهم: ليس إليّ من أمر أرزاقكم شيء، فكان على تدبير المال و اطلاق الأرزاق رجل من الكتاب نصراني يقال له ابن عبدون، فشغب الجند في العسكر، فثاروا يريدون ابن عبدون، فلحقوا ختكين الوالي في الطريق فنهاهم عن ابن عبدون و شتمهم، و كان رجلا جاهلا أحمق، فرجع إليه قوم من الجند فسألوه فلم يجب إلى ما يوافق أغراضهم و يسكن شغبهم، فثارت الفرسان و الرجالة الى دور الكتاب فانتهبوا ما كان فيها، و نهبوا ما كان في الكنائس، و اجتمع بعد ذلك جماعة من المشارقة و المغاربة فتحالفوا على أن يكونوا يدا واحدة في طلب الأرزاق و المنع ممّن عساه يطالبهم بما فعلوه، و حلف لهم القائد علي بن فلاح على كونه معهم و شده منهم، و انتهى الأمر في ذلك إلى الحاكم فقال: هذا قد عصى و خرج عن مشكور السياسة، و أمر بصرفه عن الولاية و الاستبدال به، و كتب إليه بذلك، فرحل عنها بنفر يسير من أصحابه في شوال من السنة المذكورة، و بقي العسكر في دمشق، فاقتضى الرأي الحاكمي ردّ ولاية دمشق إلى رجل أسود بربري يقال له القائد طزملت بن بكار.
ص: 95
في بقية سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة وصل القائد طزملت(1)
دمشق: 1955، لكن الصفدي نفسه ذكر« و قيل تموصلت» و هذا ما أرجحه لأنه أقرب إلى صيغة الأسماء البربرية.
المذكور إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر اللّه في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة، و كان هذا طزملت عبدا لابن زيري(2)والي القيروان، فولاه طرابلس الغرب فجار على أهلها، و ظلمهم و أخذ أموالهم، فحصل له منهم مال عظيم، فلما انتهى خبر ظلمه إلى مولاه طلبه و التمس إشخاصه إلى القيروان لكشف الأمر، فخافه و انهزم اشفاقا على نفسه و ماله، و وصل إلى مصر و حمل بعض ما كان معه إلى الحاكم، فتمكنت حاله عنده، و تأثلت منزلته منه، و ولاه دمشق فأقام واليا عليها إلى المحرم سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة فصرف عنها بخادم من خدم الحضرة يقال له القائد مفلح اللحياني و سنشرح حاله في غير هذا المكان.و كان في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة قد اجتمع في مصر أبو طاهر محمود ابن محمد النحوي (40 و) و كان من أهل بغداد، و طرأ إلى مصر- و إليه ديوان الحجاز- (و) المعروف بابن العداس المصري- و إليه ديوان الخراج- على الرفع على أبي العلاء فهد بن إبراهيم الوزير و السعاية به إلى الحاكم و عملا عملا بما اقتطعه و ارتفق به، و اشتمل ذلك على جملة كبيرة من المال، و لقيا الحاكم بالعمل و وقفاه عليه، و بذلا له القيام بالأمر و توفير ستة آلاف دينار في كل سنة، فكان فهد يأخذها لنفسه، فقال لهما: أنا أقبض عليه و أقلدكما النظر فيما كان ينظر فيه، فقالا: لا يتم أمر و لا يمشي لنا عمل و فهد حي مأمول
ص: 96
الخروج من محبسه و العود إلى أمره، سيما و كل من بمصر و الشام من الولاة و العمال صنائع برجوان، و قد جرى اصطناعه اياهم على يده، فامتنع عليهما من قبله، و كره قتله، و قال لهما: ما له إليّ ذنب فأقتله به! و راجعاه القول و ألحا عليه فيه، فقال: إذا فعلت ما أردتماه فما التوثقة فيما بذلتماه؟ قالا:
أن نكتب خطنا لك بأننا نكفيك أمورك، و نقوم بتمشيتها على مرادك، و نقيم لك وجه المال الذي ضمنّا استخراجه لك و توفيره من الأعمال، قال: فأيكما يخرج إلى الشام؟ قالا: عبدك ابن النحوي، و يقيم ابن العداس بحضرتك، فقرر ذلك معهما و أخذ به خطهما.
و كان من عادة الحاكم أن يطوف ليلا بمصر و القاهرة، و قد منع التجار و أرباب الدكاكين أن يغلقوا دكاكينهم، أو ينصرفوا عنها إلى منازلهم حتى صار الليل نهارا في معاملاتهم، من اشعال السرج و الشمع، و إضاءة المحال و الأسواق تقرّبا إليه، و يطلق لهم المعونة الكثيرة على ذلك، و يقف على دكاكينهم، و يجتاز بينهم و لا يقدر أحد أن يقوم له أو يقبّل الأرض بين يديه، فلما عاد في تلك الليلة سحرا من طوفه، أمر مسعودا السيفي بأن يمضي إلى فهد بن ابراهيم الوزير يستدعيه، فإذا دخل الحجرة ضرب عنقه و أحضر رأسه، و أن يقبض على أبي غالب أخيه، و كان شريرا مبغضا و إليه ديوان النفقات، فمضى و وجد فهدا في الحمام، فانتظره حتى خرج ثم استركبه و أشعره أنه يراد بخير و انزعج أولاده و أهله و ساءت ظنونهم فيه، و وصل مسعود إلى باب الرهومة، و هو باب من أبواب القصر، فعدل به الى محجّة العطب، فلما رأى فهد ذلك أحس (40 ظ) بالهلاك، فصاح و استغاث و بكى، و لاذ بالعفو، و بكى الناس لما شاهدوه من حاله و عرفوه من الأمر الذي يراد به، و أدخله مسعود إلى الحجرة فأقسم عليه فهد أن يراجع الحاكم في بابه و بذل له ألف دينار، و توفير مثلها، فقال له مسعود: لا سبيل إلى المراجعة بعد ما أمرت به، و ضرب عنقه و أخذ رأسه و حمله إلى حضرة الحاكم، فلما شاهده أمره أن يخرج رأس كل
ص: 97
من يقتله من وجوه الدولة إلى قائد(1)القواد، فلما رآه أسقط مغشيا عليه، و عاد مسعود ليقبض على أبي غالب أخيه فوجده قد هرب، فأعلم الحاكم ذلك فأمر بطلبه حتى ظفر به بعد شهر، و غيّر حليته و حلق لحيته فألحقه بأخيه، و أحضر أولاد فهد، فخلع عليهم، و كتب لهم سجلا بصيانتهم، و حماية دورهم و إزالة الاعتراض عنهم، و عن أسبابهم.
و نظر ابن العداس في الأعمال، و شرع في تهذيب الأمور و توفير الأموال، و توجه ابن النحوي إلى الشام على القاعدة المقررة مع الحاكم، و كان قد أعدّ ما يحتاج إليه من آلة السفر و التجمّل، و استكثر من ذلك، و تناهى فيه، و هابه الناس، و تجنبوه و وصل أولا إلى الرملة، فقبض على العمال و المتصرفين فيها، و عسفّهم و ألزمهم بمائتي ألف دينار، و وضع السوط و العصا في المطالبة، و بث أصحابه و نوابه إلى دمشق و طبرية و السواحل بعد أن واقفهم على أخذ العمال و المتصرفين في الأعمال و مصادرتهم، و خبط الشام، و عسف من فيه بطلب المال، و كان في جملة العمال رجل نصراني يتعلق بخدمة ست الملك أخت الحاكم، و له منها رعاية مؤكدة، فكتب إليها يستصرخ بها، و يشكو ما نزل بالناس من البلاء إليها، و ما شمل الشام و أهله من ابن النحوي، و ما بسط فيه من الظلم و العسف و الجور مما لم يجر بمثله عادة في قديم الأزمان و لا حديثها، فلما وصل الكتاب إليها و وقفت عليه، دخلت على الحاكم، و كان يشاورها في الأمور، و يعمل برأيها، و لا يخالف مشورة لها، فعرضت عليه ما تضمنه الكتاب من الشكوى، و قالت: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذب ابن النحوي و ابن العداس و إعمالهما على فهد، و قتله مساعدة للحسين بن جوهر، و قد أفسد البلاد عليك، و أوحش الناس منك، فإن كنت يا أمير المؤمنين (41 و) تريد أخذ أموال عبيدك فكل يبذلها لك طوعا، و يحملها إلى خزانتك تبرّعا بعد أن يكونوا تحت ظل الصيانة و في كنف الحياطة، هذا و لم تجر عادات آبائك إطلاق المصادرات، فأنكر الحاكم أنه لم يسمح لأحد منهما في ذلك، و كتب إلى وحيد والي الرملة، و كان الحاكم يكتم السر شديدا:
1) الحسين بن جوهر، و هو سيقتل فيما بعد أيضا.
ص: 98
بسم اللّه الرحمن الرحيم يا وحيد سلمك اللّه ساعة وقوفك على هذا الكتاب، اقبض على محمود بن محمد، لا حمد اللّه أمره، و سيره مع من يوصله من ثقاتك إلى الباب العزيز، إن شاء اللّه.
فلما وقفت أخته على التوقيع، قالت: يا أمير المؤمنين، و من هذا الكلب حتى ترفع من شأنه بحمله إلى حضرتك، و بطن الأرض أولى به، فأخذ الكتاب و زاد فيه: بل تضرب عنقه و تنفذ رأسه، و ختم الكتاب ثلاثة ختوم، و أحضر سعيد بن غياث صاحب البريد و دفعه إليه، فبادر به من وقته، و مسافة ما بين القاهرة و الرملة مائة فرسخ، و كانت النوبة توافيها في الساعة الثالثة من اليوم الثالث، و وصل الكتاب إلى وحيد، و كان عادته إلى ابن النحوي دائما و ربما أوصله أو حجبه(1)، فلما وقف على الكتاب قال لدرّي غلامه، الناظر في المعونة(2)، و كان أرمنيا فظا غليظا: اركب إلى محمود- و كان مخيما بظاهر الرملة-، و استأذن عليه فإذا أوصلك فأبلغه سلامي و اسأله الركوب إليّ لأقفه على ما ورد من حضرة السلطان، فإن قال لك: «لم تجر بذلك عادته»، فقل:
كذا أمرت فيما ورد، فمضى درّي إليه، و بين يديه جماعة كثيرة من الرجال، حتى وافى عسكر محمود، و استأذن عليه و دخل إليه، و قال له ما قاله وحيد الوالي، فقال له: لم تجر بذلك العادة فيما تسومنيه، و في غد نجتمع، فأجابه بما قال له وحيد، فلما سمعه ضعفت نفسه و ساء ظنه، و لم يمكنه مخالفته، فركب في موكبه، و توجه إلى دار وحيد، و صار إلى وحيد من أعلمه ركوبه، فتقدم إلى بعض حجابه، و صاحب الخبر بالرملة بأن يتلقاه، فإذا لقياه أنزلاه عن دابته، و ضربا عنقه، و أخذا رأسه، ففعلا ما أمرهما، و حين وصل سوق البزّ صادفاه و أنزلاه بعد تمنّعه، فأوقعا به و قطعا رأسه و حملاه إلى وحيد، فأحضر القاضي
ص: 99
و الشهود و كتب محضرا بأن الرأس رأس محمود، و صيّره و أنفذه مع المحضر إلى صاحب البريد فأسرع (41 ظ) به إلى مصر، و قبض على أصحابه و أسبابه و أمواله و كراعه، و سرّ الناس بهلاكه و تباشروا بما كفوه من شره، و وصل الرأس إلى الحاكم، فأحضر ست الملك فأراها إياه، فدعت له و شكرته على ما كان منه، و أمر مسعود بأن يأخذ ابن العداس من بين يدي قائد القواد الحسين بن جوهر(1)، فتضرب عنقه بحضرته، و يأخذ رأسه و يضيفه الى الرأس ففعل، فلما اجتمع الرأسان بين يديه أمره أن يخرجهما إلى قائد القواد، فأخرجهما إليه، فلما شاهدهما جزع جزعا شديدا، ثم استدعاه الحاكم و سكن منه و أمره أن يستنيب أبا الفتح أحمد بن محمد بن أفلح على النظر في الأمور، فأقام في النظر سنة و نصفا، ثم قتل، و أقيم مقامه يحيى بن الحسين بن سلامة النصراني.
و كثر الكلام على قائد القواد، و الوقائع فيه فتنكر الحاكم عليه، و تغير له، و همّ بالايقاع به، و صرفه عن الوزارة، و عوّل فيما كان إليه على علي بن صالح بن علي الروذباري(2)، و لقبه بثقة الثقات، و ردّ إليه السيف و القلم، فنظر في الأمور، و دبّر الأعمال و حفظ وجوه المال، و الاستغلال تقدير سنتين، ثم تغيّر له و تأول عليه و قتله، و قلد مكانه المعروف بمنصور بن عبدون(3)، و كان
1) شغل الحسين بن جوهر منصب برجوان بعد قتله. انظر الاشارة إلى من نال الوزارة: 28.
2) عراقي الأصل، التحق بخدمة الفاطميين، تقلد ديوان الشام، ثم حل محل ابن جوهر، صرف من عمله بعد قرابة عامين، و ألزم بالبقاء في بيته ثم قتله بعد ثمانية أشهر من عزله في شوال سنة 400 ه، الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 246- 247.
3) كان متسلما لديوان الشام قبل الوزارة، و يلاحظ مما سبق من أخبار رجال الادارة الفاطمية قلة المسلمين منهم، مما اتخذه البعض مطعنا في عقيدة الفاطميين، على أن بعض الباحثين يرى أن السبب هو التخصص و الكفاءة، فالجغرافي المقدسي حين وصف في كتابه أحسن التقاسيم الشام، عد من معائب البلاد أن المال و الادارة بيد أهل الذمة لانصراف المسلمين إلى ما سوى ذلك.
ص: 100
رجلا نصرانيا خبيثا جلدا، و بينه و بين أبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي و والده أبي الحسين علي عداوة قديمة، و مساعاة و وقائع متصلة، لأن أبا القاسم صرف به عن ديوان السواد، فواصل أبو القاسم الوقيعة فيه، و الكلام عليه و على الكتّاب النصارى، إلى أن قبض على جماعتهم، فلما حصلوا في القبض أمر الحاكم بأن يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط، فإن مات رمي به للكلاب، و إن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت، فبذل منهم جماعة مالا عظيما على أن يستبقوا، فلم يقبل منهم و استمرت الشحناء بينهم.
ص: 101
المقدم ذكره و شرح الحال في ذلك لدمشق في سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة وصل القائد أبو صالح مفلح الخادم المعروف باللحياني إلى دمشق واليا عليها في المحرم سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة فتولى أمرها و أمر و نهى في أهلها، و كان القائد طزملت المصروف عنها قد برز إلى داريا فلم يلبث إلا قليلا و اعتل فيها علّة قضى نحبه فيها في يوم الاثنين الثاني من صفر من السنة، و أقام القائد أبو صالح واليا عليها و سائسا لأمور أهلها (42 و) و الأحوال مستقيمة على نهج الصواب و السداد، و قضية المراد إلى أن صرف بالقائد حامد بن ملهم، و سيأتي شرح ذلك في موضعه.
و قيل إن منصور بن عبدون الناظر في الدواوين بمصر، لم يزل بنو المغربي المقدم ذكرهم مستمرين على الوقيعة فيه، و التضريب بالسعاية عليه، و افساد رأي الحاكم فيه، و هو يعتمد فيهم مثل ذلك، و يغريه بهم، و يحمله على قتلهم حتى تقدم إلى جعفر الصقلبي، و كان قد قام مقام مسعود السيفي في القتل أن يحضر عليا و محمدا ابني المغربي، و يدخلهما الحجرة، و يضرب أعناقهما، ففعل ذلك، ثم أمره أن يحضر أبا القاسم الحسين بن علي المغربي و أخويه و يقتلهم، فأما الأخوان فإنهما أخذا بعد ثلاثة أيام و قتلا، و أما أخوهما أبو القاسم الحسين بن(1)علي فاستتر، و أعمل الحيلة في النجاة، و هرب مع بعض العرب،
1) من أكبر شخصيات عصره سياسيا و ثقافيا، حاول اقامة خلافة حسنية في الرملة، و زر في حلب ثم في ميافارقين، ترجم له ابن العديم في بغية الطلب ترجمة مطولة، أورد فيها نص أمان الحاكم له، وصلنا من كتبه قطعة من كتاب« أدب الخواص» الايناس في علم الأنساب، و شرح سيرة ابن هشام، و هي جميعا مصورة لدى.
ص: 102
و حصل بحلّة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح فاستجار فأجاره، و أنشده عند دخوله عليه و ايمانه ممن يطلبه منه ما يستنهض عزيمته فيه من الإجارة له، و الذب عنه، و المراماة دونه:
امّا و قد خيّمت وسط الغابفليقسونّ على الزمان عتابي
يترنّم الفولاذ دون مخيّميو تزعزع الخرصان دون قبابي
و اذا بنيت على الثنيّة خيمةشدّت إلى كسر القنا اطنابي
و تقوم دوني فتية من طيءلم تلتبس أثوابهم بالعاب
يتناثرون على الصّريخ كأنّهميدعون نحو غنائم و نهاب
من كل أهرت(1)يرتمي حملاقهبالجمر يوم تسايف و ضراب
يهديهم حسّان يحمل بزّهجرداء تعليه جناح عقاب
يجري الحياء على أسرة وجههجري الفرند بصارم قضّاب
كرم يشق على التلاد و عزمةتغتال بادرة الهزبر الضّابي
و لقد نظرت إليك يابن مفرجفي منظر ملء الزمان عجاب
و الموت ملتفّ الذوائب بالقناو الحرب سافرة بغير نقاب
فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكاو الذعر يلبس أوجها بتراب
(42 ظ) و رأيت بيتك للضيوف ممهدافسح الظّلال مرفّع الأبواب
يا طيء الخيرات بين خلالكمأمن الشريد و همّة الطلّاب
سمكت خيامكم بأسنمة الرّبامرفوعة للطّارق المنتاب
و تدلّ ضيفكم عليكم أنورشبّت بأجذال قهرن صعاب
متبرجات باليفاع و بعضهمبالجزع يكفر ضوءه بحجاب
كلأتكم ممن يعادي هيبةأغنتكم عن رقبة و جناب
1) مكثر مشداق، النهاية لابن الأثير.
ص: 103
فيسير جيشكم بغير طليعةو يبيت حيّكم بغير كلاب
تتهيّبون و ليس فيكم هائبو توثبون على الرّدي الوثاب
و لكم اذا اختصم الوشيج لباقةبالطعن فوق لباقة الكتاب
فالرمح ما لم ترسلوه أخطلو السيف ما لم تعملوه ناب
يا معن قد اقررتم عين العليبي مذ وصلت بحبلكم أسبابي
جاورتكم فملأتم عيني الكرىو جوانحي بغرائب الاطراب
من بعد ذعر كان احفز أضلعيحتى لضاق به عليّ إهابي
و وجدت جار ابي الندى متحكماحكم العزيز على الذليل الكابي
فليهنه منن على متنزهلسوى مواهب ذي المعارج آب
قد كان من حكم الصنائع شامسافاقتاده بصنيعة من عاب
فلأنظمنّ له عقود محامديتبقى جواهرها على الأحقاب
لا جاد غيركم الربيع و لا مرتغزر اللقاح لغيركم بحلاب
أنا ذاكم الرجل المندد ذكرهكالطود حلّي جيده بشهاب
و لقد رجوت و لليالي دولةأني أجازيكم بخير ثواب
فلما سمع حسان بن الجراح هذه الأبيات، هشّ لها، و جدّد القول له بما سكن جأشه و أزال استيحاشه.
و هذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كان ذا علم وافر و أدب ظاهر، و ذكاء و صناعة مشهورة في الكتابة و مضاء، فأقام عنده ما أقام محترما (43 و) مكرما، و جرى له ما يذكر في موضعه(1)، ثم رحل إلى ناحية العراق، و تقدم
1) قال أبو القاسم المغربي لحسان بن المفرج: إن الحسن بن جعفر الحسني صاحب مكة لا مطعن في نسبه، و الصواب أن ننصبه إماما، فأجابه، فمضى أبو القاسم إلى مكة، و أقنع أميرها و جلبه إلى الرملة حيث أعلنه خليفة باسم الراشد باللّه، و سعى الحاكم بأمر اللّه إلى تدارك الموقف فاشترى حسان بن المفرج، فتخلى عن الخليفة الجديد هذا، و بصعوبة تمت اعادته إلى مكة، و هرب ابن المغربي نحو شمال بلاد الشام.
ص: 104
هناك في الأيام القادرية و وزر للأمير قرواش أمير بني عقيل، و وزر لابن مروان صاحب ديار بكر، و كان مستقلا بصناعتي الكتابة و الانشائية و الحسابية، و حين مرض و أشفي، وصى بحمل تابوته إلى الكوفة و دفنه في المشهد بها، و فعل به ذلك.
ثم تغير الحاكم لمنصور بن عبدون فنكبه و قتله، و قلّد مكانه زرعة بن نسطوس الوزير و لقبه بالشافي، و ذلك في سنة أربعمائة(1).
و في سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة وردت الأخبار بالوقعة الكائنة بين الفضل صاحب الحاكم، و بين أبي ركوة الخارج عليه، و ظفر الفضل به و أخذه و حمله إلى القاهرة و شهره بها و قتله فيها، و قيل إن أبا ركوة لقب غلب عليه بركوة كانت معه في أسفاره على مذهب الصوفية، و اسمه الوليد أموي من أولاد هشام بن عبد الملك بن مروان و لنوبته في ذلك شرح يطول، إلا أن أبا ركوة هذا لما انهزم في الوقعة قصد صاحب النوبة، و تردد من الحاكم إليه بسببه مراسلات إلى أن أنفذه إليه مع أصحابه، و أنفذ معه صاحبا له بهدايا إلى الحاكم، و تسلم أبا ركوة أخو الفضل، و حمله إلى أخيه الفضل، فسار (به) و كان الفضل يقبل يد أبي ركوة و يعظمه تأنيسا لئلا يقتل نفسه قبل إيصاله و إنزاله في مضاربه، و أخدمه نفسه و أصحابه، و كتب (إلى) الحاكم بخبر حصوله و وصوله، و كان الفضل يدخل عليه في غداة كل يوم إلى خركاة قد ضربت له خيمة، و يصحبه و يقبل يده، و يقول له: كيف يا مولاي؟ فيقول: بخير يا فضل أحسن اللّه جزاءك، و يحضره شرابا فيشرب بين يديه، ثم يناوله إياه و يفعل مثل ذلك في طعامه إلى أن وصل الى الجيزة، فلما حصل بها راسله الحاكم بأن يعبر هو و العسكر الذي معه، و ينزل على رأس الجسر، و يصل إلى القاهرة، ففعل ذاك
1) هو ابن الوزير عيسى بن نسطورس، و هو من القلائل الذين أفلتوا من غضب الحاكم، فلم يقتله. انظر الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 248.
ص: 105
و كان لا يمشي خطوات إلا و قد تلقته الخدم بالتشريف و الحملان، و هو ينزل عن فرسه و يقبل الأرض، و يعود إلى ركوبه، و لم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى القصر، و دخل الى القصر على الحاكم، فخدمه و دعا له، و شرح حاله إلى أن ظفر بالعدو، و خرج بعد ذلك الى داره، و تقدم وجوه القواد و شيوخ الدولة بالمصير الى أبي ركوة و مشاهدته، و يقال (43 ظ) أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم، و قد رسم أن يشهر و يطاف به في مصر(1)و اتفق دخول القائد ختكين الداعي، و كان قديما صاحب دواة الملك عضد الدولة، فسلم عليه، و قال له: ألك حاجة إلى أمير المؤمنين؟ فقال له: من أنت؟ قال: فلان، قال: عرفت حالك و سدادك و أريد أن توصل لي رقعة إلى أمير المؤمنين، فقال: اكتبها و هاتها، فاستدعى أبو ركوة دواة من أصحاب الفضل، و درجا، و كتب فيه: يا أمير المؤمنين إن الذنوب عظيمة و الدماء حرام ما لم يحلها سخطك، و قد أحسنت و أسأت و ما ظلمت إلا نفسي، و سوء عملي أوبقني، و أنا أقول:
فررت و لم يغن الفرار و من يكنمع اللّه لا يعجزه في الأرض هارب
و و اللّه ما كان الفرار لحاجةسوى جزع الموت الذي أنا شارب
و قد قادني جرمي اليك برمتيكما أخر ميتا في رحا الموت سارب
و اجمع كلّ الناس أنك قاتليو يا ربّ ظنّ ربّه فيه كاذب
و ما هو إلّا الانتقام تريدهفاخذك منه واجبا لك واجب
1) كانت ثورة أبي ركوة- الذي أدعى أنه من ولد هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل- أعظم الثورات ضد الفاطميين في مصر، تفجرت بين قبائل بني قره في الأراضي الليبية الحالية المصاقبة للحدود المصرية، و قد انضم للثورة قبائل زناته البربرية، و أخفقت أكثر من حملة وجهها الحاكم للقضاء عليها، و يبدو أن بعض المساعدات وصلت إلى أبي ركوة من ملك النوبة، لهذا فرّ إليه عندما أخفقت ثورته، و قام هذا الأخير بتسليم أبي ركوة كيما يغطي على تواطئه معه. انظر تاريخ دولة الكنور الاسلامية للدكتور عطية القوصي- ط. القاهرة 1976: 49- 56.
ص: 106
فمضى ختكين الى الحسين بن جوهر فعرفه ما جرى، و أعطاه الرقعة فوقف عليها الحاكم، ثم ركّب جملا و عليه طرطور، و خلفه قرد معلم يصفعه بالدرة، و كان الحاكم قد جلس في منظرة على باب من أبواب القصر يعرف بباب الذهب، فلما وقف به استغاث و صاح بطلب العفو، فتقدم إلى مسعود السيفي بأن يخرجه إلى ظاهر القاهرة و يضرب عنقه على تل بازاء مسجد زيدان، فلما حمل هناك و أنزل وجد ميتا، فقطع رأسه و حمله إلى الحاكم حتى شاهده، و أمر بصلب جثته، و كان الفضل قد قطع رؤوس من قتل في الوقعة، فقيل إنها كانت ثلاثين ألف رأس، فلما شهرت عبّيت في السلال، و سيّرت مع خدم شهروها في الشام حتى انتهوا بها إلى الرحبة(1)، ثم رميت في الفرات، و قدم الحاكم الفضل و أقطعه و بالغ في اكرامه إلى أن عاده في علة عرضت له دفعتين، فاستعظم الناس فعله معه، فلما عوفي عمل عليه و قتله.
1) رحبة مالك بن طوق على الفرات، خرائبها في أحواز بلدة الميادين الحالية في سورية.
ص: 107
المذكور أولا في سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة (44 و) وصل القائد حامد بن ملهم إلى دمشق واليا عليها لست بقين من رجب من السنة، و قد كان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستوليا على الجند نافذ الأمر في البلد، فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة، و كانت مدة مقامه في الولاية إلى انصرافه و مسيره سنة واحدة و أربعة أشهر و نصف شهر.
ثم تولى الأمر بعده القائد أبو عبد اللّه بن نزال، فدخل إلى دمشق و قرىء سجله على منبر المسجد الجامع، و أقام المدة اليسيرة، ثم وافاه كتاب العزل في يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان سنة أربعمائة، فعزل و ولى غلام القائد منير، فأقام المدة اليسيرة، ثم أتاه كتاب العزل، فعزل، و ولّى القائد مظفر في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول سنة إحدى و أربعمائة فأقام في الولاية ستة أشهر و تسعة أيام، ثم عزل و ولى مكانه القائد بدر العطار، فأقام في الولاية شهرين و عشرة أيام و عزل، و ولّى القائد لؤلؤ و لقب منتجب الدولة و تولى الأمر في يوم الأحد لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى و أربعمائة، و نزل في بيت لهيا و انتقل منها الى الدكة ثم الى مرج الأشعرين(1)، فأقام فيه أياما، و دخل القصر في الليل، فلما أصبح دخل البلد، و قرىء سجل ولايته على منبر الجامع، و وافى كتاب عزله، فعزل و انصرف.
1) كان شمالي قلعة دمشق و هو يشمل سوق التبن، و خان البطيخ، و خان الباشا إلى سويقة صاروجا. غوطة دمشق: 244.
ص: 108
و قيل في أخبار الحاكم بأمر اللّه أنه أمر في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة بهدم بيعة القمامة في بيت المقدس و هي بيعة عند النصارى جليلة في نفوسهم يعظمونها، و السبب في ذلك ما اتصل به من هدم الكنائس و البيع بمصر و الشام و ألزم أهل الذمة الغيار(1)ما قيل أن العادة جارية بخروج النصارى بمصر في كل سنة في العماريات(2)إلى بيت المقدس لحضور فصحهم في بيعة قمامة، فخرجوا في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة على رسمهم في ذلك، متظاهرين بالتجمل الكبير على مثل حال الحاج في خروجهم، فسأل الحاكم ختكين العضدي الداعي، و هو بين يديه، عن أمر النصارى في قصدهم هذه البيعة و ما يعتقدونه فيها، و استوصفه صفتها و ما يدعونه لها، و كان ختكين يعرف أمرها بكثرة تردده الى الشام و تكرره في الرسائل عن الحاكم إلى (44 ظ) ولاتها، فقال:
هذه بيعة تقرب من المسجد الأقصى تعظمها النصارى أفضل تعظيم، و تحج إليها عند فصحهم من كل البلاد، و ربما صار إليها ملوك الروم و كبراء البطارقة متنكرين، و يحملون إليها الأموال الجمّة و الثياب و الستور و الفروش، و يصوغون لها القناديل و الصلبان و الأواني من الذهب و الفضة، و قد اجتمع فيها من ذاك على قديم الزمان و حديثه الشيء العظيم قدره، المختلفة أصنافه فإذا حضروا يوم الفصح فيها، و أظهروا مطرانهم، و نصبوا صلبانهم، و أقاموا صلواتهم و نواميسهم، فهذا الذي يدخل في عقولهم، و يوقع الشبهة في قلوبهم، و يعلقون القناديل في بيت المذبح، و يحتالون في إيصال النار إليها بدهن البلسان و آلته، و من طبيعته حدوث النار فيه مع دهن الزنبق، و له ضياء ساطع و إزهار لامع، يحتالون بحيلة يعملونها بين كل قنديل و ما يليه حديدا ممدودا كهيئة
ص: 109
الخيط متصلا من واحد إلى الآخر، و يطلونه بدهن البلسان طليا يخفونه عن الأبصار حتى يسري الخيط إلى جميع القناديل، فإذا صلوا و حان وقت النزول، فتح باب المذبح، و عندهم أن مهد عيسى عليه السلام فيه، و انه عرج به إلى السماء منه، و دخلوا و أشعلوا الشموع الكثيرة، و اجتمع في البيت من أنفاس الخلق الكثير ما يحمي منه الموضع و يتوصل بعض القوام إلى أن يقرب النار من الخيط فيعلق به، و ينتقل بين القناديل من واحد إلى واحد، و يشعل الكل، و يقدره من يشاهد ذلك أن النار قد نزلت من السماء، فاشتعلت تلك القناديل.
فلما سمع الحاكم هذا الشرح استدعى بشر بن سور كاتب الانشاء، و أمره بأن يكتب كتابا إلى والي الرملة و إلى أحمد بن يعقوب الداعي بقصد بيت المقدس، و استصحاب الأشراف و القضاة و الشهود و وجوه البلد، و ينزلا على بيت المقدس و قصد بيعة قمامة و فتحها و نهبها، و أخذ كل ما فيها و نقضها و تعفيه أثرها، فإذا نجز الأمر في ذلك يعملا به محضرا و فيه الخطوط، و ينفذانه إلى حضرته. و وصل الكتاب اليهما فتوجها للعمل بما مثل إليهما.
و قد كانت النصارى بمصر عرفوا ما تقدم في هذا الباب، فبادروا إلى بطرك البيعة، و أعلموه الحال و أنذروه، و حذروه، فاستظهر باخراج ما كان فيها من الفضة و الذهب و الجواهر و الثياب، و وصل بعد ذلك أصحاب الحاكم (45 و) فأحاطوا بها و أمروا بنهبها، و أخذوا من الباقي الموجود ما عظم قدره، و هدمت أبنيتها و قلعت حجرا حجرا، و كتب بذلك المحضر، و كتبت الخطوط فيه كما رسم و أنفذ إلى الحاكم(1)
و حدثني جماعة من المجاورين بالقدس قالوا: لما فتح صلاح الدين رحمه اللّه القدس، و جاء يوم الفصح جاء بنفسه فدخل القبة، و قال: أريد أشاهد نزول النور، فقال له البطرك تريد أن تضيع عليك و علينا أموالا عظيمة لقعودك عندنا، فإن أردت المال فقم ودعنا، فقام فما بلغ باب القبة حتى صاحوا: نزل النور، فقال بعض الحاضرين:
لقد زعم القسيس أن الههينزل نورا بكرة اليوم أو غد
فإن كان نورا فهو نور و رحمةو إن كان نارا أحرقت كل معبدي
يقربها القسيس من شعر ذقنهفإن لم تحرقها و إلّا اقطعوا يدي
و حدثني جماعة من أصحاب صلاح الدين رحمه اللّه أنه عزم لما أخذ الفرنج عكا على أن يخرب قمامة و يعفي آثارها، و قال: يحضر البطرك و الأقساء و النصارى و يحفر مكان القبر حتى يطلع الماء، و يرمي التراب في البحر، و يقول هذا تراب إلهكم لتنقطع أطماعهم عن زيارته و يستريح منهم، فقال له أعيان دولته إن أطماعهم لا تنقطع بهذا، و ليس مرادهم مكان القبر، إنما هم يعتقدون في نفس القدس، و قمامة عندهم أفضل من غيرها، و ربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية و المساجد التي في بلادهم، و قتلوا من عندهم من المسلمين، ثم إنهم إنما يصانعونك على القدس لأجل قمامه، فإذا فعلت هذا زال ما يصالحونك لأجله، ثم تبطل عليك أموال عظيمة، فتنضر و هم لا ينضرون فسكت عن خرابها.
.1) أثارت مسألة النور هذه خيال الكتاب في الماضي، و قد كتب سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان في حوادث سنة/ 398/: سكنت في البيت المقدس عشر سنين، و كنت أدخل إلى قمامه في يوم فصحهم و غيره، و بحثت عن اشعال القناديل في يوم الأحد عيد النور، و في وسط قمامه قبة فيها قبر يعتقد النصارى أن المسيح- عليه السلام لما صلب دفن فيه، ثم ارتفع إلى السماء، فإذا كان ليلة السبت في السحر دخلوا إلى هذه القبة، فغسلوا قناديلها، و لهم فيها طاقات مدفونة في الرخام، و في الطاقات قناديل قد أوقدوها من السحر، و للقبة شبابيك فإذا كان وقت الظهر اجتمع أهل دين النصرانية، و جاء الأقساء فدخلوا القبة، و طاف النصارى من وقت الظهر حولها يتوقعون نزول النور، فإذا قارب غروب الشمس تقول الأقساء: إن المسيح ساخط عليكم فيضجون و يبكون، و يرمون على القبر الذهب و الفضة و الثياب، فتحصل جملة كثيرة، و يردد القسيس هذا القول و هم يبكون و يضجون و يرمون ما معهم، فإذا غربت الشمس أظلم المكان، فيغافلهم بعض الأقساء، و يفتح طاقة من زاوية القبة بحيث لا يراه أحد، و يوقد شمعة من بعض القناديل، و يصيح قد نزل النور، و رضي المسيح، و يخرج الشمعة من بعض الشبابيك، فيضجون ضجة عظيمة و يوقدون الفوانيس، و يحملون هذه النار إلى عكا و صور و جميع بلد الفرنج حتى رومية و الجزائر، و قسطنطينية و غيرها تعظيما لها.
ص: 110
و شاع هذا الخبر بمصر، فسرّ المسلمون به، و دعوا للحاكم دعاء كبيرا
ص: 111
على ما فعله و رفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه، ففرح بذلك و تقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع و الكنائس، ثم حدث من الأمور و الانكار لمثل هذه الأعمال و الاشفاق على الجوامع و المساجد و المشاهد في سائر الجهات و الأعمال من هدمها، و القصد بمثل العمل لها، فوقف الأمر في هذا العزم(1).
1) أثارت سياسة الحاكم الدينية هذه جدلا كبيرا، و يلاحظ مما قاله ابن القلانسي أنها و إن مورست أولا ضد غير المسلمين، إلّا أن ذلك كان مقدمة فقط، حيث خشي المسلمون بعدها على انفسهم و مساجدهم، و يمكن أن نرى أعمال الحاكم من زاوية التمهيد لإعلان قيامة عظمى حسب مضمون المذهب الاسماعيلي، و القيامة العظمى هي الغاء لجميع الشرائع و الأديان و احلال دين القيامة محلها، و ملاحظ أن الحاكم لاقى صعوبات جمة في سبيل عمله هذا و كان كل ما تمخض عن مجهوداته تأسيس عقيدة التوحيد أو الديانة الدرزية. انظر مادة الحاكم في كتابي مائة أوائل من تراثنا، و كتابي أخبار القرامطة: 40- 42 من مدخل الكتاب.
ص: 112
ابن حمدان لدمشق بالأمر الحاكمي وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان، المعروف بذي القرنين إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة عيد النحر من سنة إحدى و أربعمائة فصلى بالناس القائد لؤلؤ الوالي العيد، و صلى بهم الجمعة الأمير وجيه الدولة، و انصرف القائد لؤلؤ عن الولاية فكانت مدة اقامته فيها ستة أشهر و ثلاثة أيام، و قرىء سجل الولاية على المنبر، و أقام المدة التي أقامها، و وصل القائد بدر العطار إلى دمشق واليا على الغوطتين و الشرطة و جبل سنير(1).
و عزل عنها وجيه الدولة بن حمدان في يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى من السنة، فأقام فيها مديدة، و وصل القائد أبو عبد اللّه بن نزال عقيب وصوله الى دمشق واليا عليها، و نزل في المزة، و دخل القصر في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة، فدامت ولايته إلى أن ورد كتاب عزله عنها، و سار منها في يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة ست و أربعمائة فكانت مدة ولايته ثلاث سنين و ثمانية أشهر و عشرين يوما.
و وصل الأمير شهم الدولة شاتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة سبع و أربعمائة و أقام في الولاية، و وصل القائد يوسف بن ياروخ، و هو ابن زوجة الأمير شاتكين الوالي، إلى دمشق واليا عليها و قرىء (45 ظ) سجلّه بالولاية في ذي القعدة من السنة، و سار شهم الدولة شاتكين الوالي إلى مصر لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعمائة و وصل
1) هو جبل القلمون الحالي، و هو فرع من فروع جبل لبنان الشرقي. انظر غوطة دمشق لكرد علي: 14.
ص: 113
الأمير سديد الدولة أبو منصور والي دمشق واليا عليها، في يوم الأحد لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثمان و أربعمائة فنزل المزة، و دخل القصر في غد ذلك اليوم، فما شعر إلا و كتاب العزل قد وافاه يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر من سنة تسع و أربعمائة فبرز من يومه إلى المزة، و سار من غده.
و وصل كتاب ولي عهد المسلمين عبد الرحمن بن الياس أخي الحاكم، إلى القائد بدر العطار في يوم السبت لليلة خلت من جمادى الأولى سنة عشر و أربعمائة يأمره بضبط البلد، و وصل بعد ذلك أبو القاسم عبد الرحمن، و قيل عبد الرحيم(1)ولي عهد المسلمين ابن الياس بن أحمد بن العزيز باللّه إلى دمشق في يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى سنة عشر و أربعمائة فنزل في المزة، فأحسن تلقيه، و بولغ في إكرامه و الإعظام له، و السرور بمقدمه و كان ذلك يوما مشهودا موصوفا، و دخل القصر في يوم الإثنين مستهل رجب، فاقام فيه إلى يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة و أربعمائة، فلم يشعر إلا و قوم قد جردوا إليه من مصر، فهجموا عليه، و قتلوا جماعة من أصحابه و ساروا به في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول، و عاد بعد ذلك إلى دمشق في رجب سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، و نزل في القصر، و أكثر الناس في التعجب من اختلاف الآراء في تدبير هذه الولايات، و تنقل الأغراض و الأهواء فيها، و لم يشعروا و هم يتعجبون من هذه الأحوال، و استمرار الاختلال إلا و قد وصل من مصر المعروف بابن داود المغربي، على نجيب مسرع و معه جماعة من الخدم في يوم الأحد في يوم عرفة بسجل إلى ولي عهد المسلمين المذكور، و دخلوا عليه القصر، و جرى بينه و بينهم كلام طويل، إلا أنهم أخرجوه من القصر و ضرب وجهه، و أصبح الناس في يوم العيد لم يصلوا صلاة العيد في المصلى، و لا في الجامع، و لا خطب خطيب،
1) و هذا هو الأشهر و ربما الأصح.
ص: 114
و ساروا بولي العهد في اليوم المذكور إلى مصر،(1)
و قال القضاعي: أنها ست الملك أخت الحاكم) لما كتبت إلى دمشق بحمل ولي العهد إلى مصر لم يلتفت، و استولى على دمشق، و رخص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم من شرب الخمر، و سماع الملاهي، فأحبه أهل دمشق، و كان بخيلا ظالما، فشرع في جمع المال و مصادرات الناس، فأبغضه الجند و أهل البلد، فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فقبضوه، و بعثوا به مقيدا إلى مصر، فحبس في القصر مكرما، و أقام مدة. ثم روى أنه اغتال نفسه في رواية و في رواية أخرى قتل بأمر من ست الملك.
فزاد عجب الناس و حاروا فيما هم فيه، و تشاكوا ما ينزل بهم من الأحوال المضطربة (46 و) و الأعمال المختلفة.فوصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى، و كان أديبا فاضلا شاعرا سائسا مدبرا، في يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة و أربعمائة فأقام في الولاية مدة، و وصل الأمير شهاب الدولة شحتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب من ذي القعدة سنة أربع عشرة و أربعمائة، فكانت ولايته سنتين و أربعة أشهر و يومين.
1) ارتبط الاستدعاء الأول لعبد الرحيم بن الياس بمسألة تولية الحاكم له لولاية عهده و الصراعات داخل قصر الخلافة في القاهرة و خارجه حول اعلان القيامة، و أما الاستدعاء الثاني فجاء بعد اختفاء الحاكم بأمر اللّه و اعلان ابنه إماما جديدا باسم« الظاهر»، و معنى هذا نهاية القيامة دين الباطن و العودة إلى الأحكام الظاهرة، هذا و أورد سبط ابن الجوزي حوادث سنة 411) معلومات غنية جمعها من مختلف المصادر حول مشكلة مقتل الحاكم، ثم ختم هذه المعلومات بقوله: و كان ولي عهده الحاكم) بدمشق و اسمه الياس، و قيل عبد الرحمن و قيل عبد الرحيم بن أحمد، و كنيته أبو القاسم، و يلقب بالمهدي، ولاه الحاكم العهد سنة أربع و أربعمائة.
ص: 115
و وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ثالثة في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة و أربعمائة، فأقام في الولاية ما أقام مع اختلاف الأحوال إلى أن تقررت الولاية لأمير الجيوش التزبري(1)في سنة تسع عشرة و أربعمائة.
1) كذا في الأصل« التزبري» و الأشهر« الدزبري» نسبة إلى مولاه الذي كان ضابطا ديلميا، اشتراه في دمشق فنسب إليه، هذا و سبق لي أن تعرضت لشخصية الدزبري و حياته و أعماله في كتابي« إمارة حلب- 1004- 1094 م( بالانكليزية) ص: 129- 139، هذا و سيرد اسمه في بقية الكتاب« الدزبري».
ص: 116
لدمشق في سنة تسع عشرة و أربعمائة و شرح حاله و ابتداء أمره و السبب في توليته، و ذكر شيء من أخباره إلى إنتهاء مدته، بحكم تميزه عن الولاة المذكورين: بالشجاعة و الشهامة، و حسن السياسة، و إجمال السيرة و النصفة في العسكرية و الرعية، و حماية الأعمال بهيبته المشهورة و بفطنته المشكورة، و تشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب، و استقامة الأمور بإيالته على قضية الإيثار و المراد.
هو الأمير المظفر، أمير الجيوش، عدة الإمام، سيف الخلافة، عضد الدولة، شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين، مولده ما وراء النهر في بلد الترك، في البلد المعروف بختل، و سبي منه، و حمل إلى كاشغر، و هرب إلى بخارى و ملك بها و حمل إلى بغداد، ثم إلى دمشق، و كان شتيم(1)الوجه، بيّن التركية، و كان وصوله سنة أربعمائة فاشتراه القائد تزبر»(2)بن أونيم الديلمي، و كان ندبه لحماية أملاكه و صونها من الأذى، فكفاه ذلك بشهامته، و صرامته فاشتهر بذاك أمره، و شاع ذكره، و سئل مولاه أن يهديه للإمام الحاكم بأمر اللّه، و قيل بل وصله الأمر بحمله، فحمل في جملة غلمان في سنة ثلاث و أربعمائة (46 ظ) فاستطرف من بينهم، و جعل في الحجرة، فقهر من بها من الغلمان، و طال عليهم باليقظة و الذكاء، و جعل يلقب كل غلام بما يليق به، فشكوه إلى المتولي فضربه، و تزايد أمره، فأخرج منها في سنة خمس و أربعمائة و لزم الخدمة، و جعل يتقرب إلى الخاص و العام بكل ما يجد السبيل
ص: 117
إليه من التودد و الاكرام، لما يريد اللّه تعالى من اسعاد جده، و إظهار سعده، فارتضى الحاكم مذهبه في الخدمة، و زاد في واجبه، و قوده و سيّره مع سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ست و أربعمائة، و دخل إلى البلد دمشق، و لقي مولاه القائد دزبر، فترجل له و قبّل يده، و صار يتودد إلى الكبير و الصغير، و نزل في دار حيّوس بحضرة زقاق عطاف(1)، ثم عاد إلى مصر، و جرد إلى الريف في السيارة، ثم عاد الى مصر، و لزم الخدمة بالحضرة، و لزم بعلبك واليا عليها، و حسنت حاله فيها، و انتشر ذكره بها، و صادق ولاة الأطراف و كاتب عزيز الدولة فاتكا، والي حلب(2)و هاداه، و لقب منتجب الدولة، و ورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية، و الأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه، و قال: أنقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية، و كان من حسن سياسته فيها، و جميل عشرته لأهلها و حمايته لها، ما ذاع به ذكره، و حسن به صيته، و كثر شكره، و ورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة اثنتي عشرة و أربعمائة قتله غلام له هنديّ قد رباه و اصطفاه، و توثق به و اجتباه، و هو نائم عقيب سكره، بسيفه، و عمل فيه شاعره المعروف بمفضل بن سعد(3)قصيدة رثاه بها، و ذكر فيها من بعض أبياتها:
لحمامه المقضي ربّي عبدهو لنحره المفري حدّ حسامه
1) داخل باب الجابية هي الآن حي الخيضرية- الخيضرية- و الدار التي نزل بها كانت دار والد ابن حيوس أبو الفتيان محمد بن سلطان) أكبر شعراء الشام و مصر في القرن الخامس، و شاعر الدزبري أثناء ولايته في الشام. انظر ديوان ابن حيوس، ط. دمشق 1951: 1/ 6- 7.
2) من أشهر ولاة الفاطميين لحلب، كانت له علاقات جيدة مع أبي العلاء المعري و له صنف:« رسالة الصاهل و الشاحج» و كتاب« القائف» اغتيل في بداية عهد الظاهر. انظر زبدة الحلب: 2/ 215- 221.
3) من شعراء المعرة اختص بعزيز الدولة حتى عرف به فقيل« العزيزي»، انظر زبدة الحلب: 1/ 215- 220.
ص: 118
و كتب الى منتجب الدولة بالمسير إلى الحضرة، فوصلها و ولي فلسطين، و وصل اليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة أربع عشرة و أربعمائة و بلغ حسان ابن مفرج بن الجراح خبره، فقلق له و تخوفه، ثم علا ذكره و ظهر أمره و كثرت عدته و عدته، و قويت شوكته، و جرت له وقائع مع العرب يستظهر فيها عليهم و يثخن فيهم، فكبر بذلك شأنه، ثم حسد و سعي فيه إلى الحضرة، و كوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرّره حسان (47 ظ) بن مفرج بن الجراح و نسب إليه كل قبيح و محال، فاستؤذن في القبض عليه، فأذن في ذلك، فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة سبع عشرة و أربعمائة، و سأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله، لجلالة مكانه، و أطلق من الاعتقال، و وصل إلى الحضرة، و حسنت حالته، و ظهرت هيبته، و ظهرت هيئة إقطاعه و غلمانه و دوابه، و هو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام و سائر الأعمال، و تأتيه بالأخبار و يطالع بها، فكثر تعجب الوزير من يقظته، و مضاء همته و عزيمته.
و كانت العرب بعده قد استولت على الأعمال، و أفسدت الشام، و ملك حسان أملاك الملاك، و اتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم، و ترافع القواد و الولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير، و تقليد الوزارة لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي، فنظر في الأعمال و هذب ما كان مستوليا عليها من الإضاعة و الاهمال، و اقتضت الآراء و صواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام، و وقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة، فاستدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي، و قال له:
ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام و دمشق؟ فقال: فرسي البرذعية و خيمة أستظل بها، فعجب الوزير من مقاله، و استعاد فرسه المذكورة من سعد السعداء، و ردها إليه و أطلق له خمسة آلاف دينار، و أصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظرا في الأموال و نفقة الرجال، و جردت العساكر معه، و لقب بالأمير
ص: 119
مظفر منتجب الدولة، و خلع عليه و خرج إلى مخيمه، و جملة من جرد معه سبعة آلاف فارس و راجل سوى العرب، و سار في ذي القعدة (سنة تسع عشرة و أربعمائة)(1)و ودعه الامام الظاهر لإعزاز دين اللّه، و عيد بالرملة عيد النحر، و سار إلى بيت المقدس، و جمع العسكر، و قصد صالح بن مرداس و حسان بن مفرج، و جموع العرب عند معرفته بتجميعهم، و وقع اللقاء في الأقحوانة(2)، و التقى الفريقان فهزمت جموع العرب، و أخذتهم السيوف، و تحكمت فيهم، و كان صالح بن مرداس على فرسه المشهور، فوقف به من كدّ الهزيمة، و لم ينهض به، فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة، فضربه بالسيف في رأسه و كان مكشوفا (47 ظ) فصاح و وقع و لم يعرفه، و تمّ في طلب فرسه، فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه و عاد يرقص به، فلقيه الأمير عزّ الدولة رافع(3)فأخذه منه، و جاء به إلى الأمير المظفر، فلما رآه نزل عن فرسه و سجد للّه شكرا على ما أولاه من الظفر، و ركب و أخذه بيده، و جعله على ركبته و أطلق للزبيدي(4)الذي جاء به ألف دينار، و لعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار، و أطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه و جوشنه و ألف دينار، و أخذ الغلمان الأتراك الزي لصالح نفسه، و أحسن
1) فراغ بألأصل، ملأته من مختلف المصادر التي تحدثت عن حلف قبائل الشام الثلاث الكبرى: كلب، طيء، كلاب، بزعامة: سنان بن عليان الكلبي، و حسان بن المفرج الطائي، و صالح بن مرداس الكلابي، على اقتسام الشام بعد طرد الفاطميين، انظر كتابي: امارة حلب- ط. بيروت 1971:
2) في منطقة طبرية على مقربة من فيق. معجم البلدان.
3) رافع بن أبي الليل من أمراء كلب، انفصل عن عمه سنان بن عليان، و انضم جهارة إلى صف الفاطميين و اشترك إلى صفهم في معركة الأقحوانة. انظر امارة حلب: 99- 100.
4) أي الرجل« من البادية» الذي تعرف إلى جثة صالح بن مرداس، هذا و يروى أن الذي تولى قتل صالح هو رافع بن أبي الليل بن عليان نفسه.
ص: 120
إليهم، و تقدم بجمع الرؤوس و أنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها، و أوصل رأسه إلى الحضرة، و خلع على الواصلين به، و أعيدوا و معهم الخلع، و زيادة الألقاب للامير المنجب، و قرىء سجله عليه، و صار يكاتب و يخاطب بالأمير المظفر سيف الإمام، و عدة الخلافة، مصطفى الملك، منتجب الدولة.
و قال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس من قصيدة امتدحه بها:
فكم ليلة نام عني الرقيبو نبّهني القمر المرتقب
جمعت بها بين ماء الغمامو ماء الرضاب و ماء العنب
كجود المظفّر سيف الامامو عدته المصطفى المنتجب(1)
و لما توجه عقيب ذلك إلى حلب، و نزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح(2)، و كان قد انهزم و لحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه، و وقع عن فرسه، و مرّ به أحد الأتراك فقطع رأسه و سلمه إلى رافع، و أنفذ من يسلم جثته إلى حماة، فصلبت على الحصن و أمر أمير الجيوش بعد ذاك بإنفاذ ثياب و طيب و تكفين الجثة في تابوت، و دفنها في المسجد، و بقيت فيه إلى سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة و نقلها مقلد بن كامل(3)
انظر امارة حلب: 110، 112، 132، 144.
لمّا ملك حماة إلى قلعة حلب، و أنفذ الرأس و التركي و البدوي مع الشريف الزيدي الى الحضرة، في نصف شعبان سنة تسع و عشرين و أربعمائة، و عاد أمير الجيوش إلى دمشق،ص: 121
و نزل في القصر، و أقام فيها ما أقام، و سار منها إلى حلب و نزل على السعدي(1)و فتحت له أبواب البلد، و دخله و أحسن إلى أهله، و ردّ ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها(2)
لأسيرن فيكم بسيرة العمرين».
، و أمر بقتال القلعة فقوتلت و هو قائم، و راسله مقلّد بن كامل المقيم بها، و سلمها إليه و أقطعه (48 و) عدة مواضع، و سكن في دار عزيز الدولة، و تزوج بنت الأمير منصور بن زغيب، و وصله السجل من الحضرة بإقطاعه حلب، و عاد إلى دمشق و شرع في عمارة الدار بالقصر، ثم بلغه عن الوزير علي بن أحمد الجرجرائي، و عن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه و النفور عنه، فعزم على العود إلى حلب، فظهر له من أجناده ما أنكره، فهمّوا بالقيام عليه، فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر(3)و وصل إلى حلب، و دخلها في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر، و نزل في دار سعد الدولة، و اجتمع بزوجته و ابنته الواصلين من مصر و لازم1) في مرآة الزمان حوادث سنة 429 ه): و سار الدزبري، فنزل على جبل جوشن ظاهر حلب، و أغلق أهل حلب أبوابها و قاتلوه، فاستمالهم و أمنهم، ففتحوا له الأبواب فدخلها، و كان في القلعة المقلد بن كامل ابن عم شبل الدولة، فتراسلا و استقر الأمر على أن المقلد يأخذ من القلعة ثمانين ألف دينار و ثيابا و أواني ذهب و فضة و يسلمها إلى الدزبري، و كانت خديعة، فأجاب الدزبري، فأخذ جميع ما كان في القلعة من الأموال و الذخائر و الجواهر، و ما ترك إلّا ما ثقل حمله، و نزل و مضى إلى حلته، و حصل جمهور ما كان في القلعة، و أخذ عز الدولة ثمال بن صالح أخو نصر، و كا قد انهزم إلى القلعة يوم الوقعة، و أراد أن يعصي فلم يتفق، فأخذ خمسين ألف دينار، و انصرف، و بلغ الوزير بمصر، فعزّ عليه ذلك، مضاف إلى سوء رأي الدزبري، فكانت ولاية شبل الدولة على حلب تسع سنين.
2) في زبدة الحلب: 1/ 256 أن الدزبري اجتاز بطريقه إلى حلب« بمعرة النعمان، فالتقاه أهلها فأكرمهم، و سألهم على أبي العلاء بن سليمان، و قال لهم:
3) ذكر المقريزي في ترجمة الدزبري في كتابه المقفى أن ما نهب من قصر دمشق/ 200/ ألف دينارا.
ص: 122
الشراب، و صحّ عليه جسمه(1)و بلغه وصول سجل من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرىء على المنبر يقال فيه:
أما بعد فإنه قد علم الحاضر، و البادي و الموالف و المعادي، حال أنوشتكين الدزبري الخائن، و أنه كان مملوكا لدزبر بن أونيم الحاكمي و أهداه إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما انتهى إليه، فلما تغيرت نيته، سلبه اللّه تعالى نعمته لقوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»(2).
فشق هذا الأمر عليه، و ضاق صدره لإسقاط نعوته، و قلق لذلك، و أيس من العود إلى دمشق، و قد كان عازما على العود، ثم وصله السجل عن الحضرة صحبة بعض العرب نسخته:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من عبد اللّه و وليه الإمام معد أبي تميم، المستنصر باللّه أمير المؤمنين، إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم الديلمي.
أما بعد فإن اللّه بقضيته العادلة، و مشيئته البالغة لم يك مغيرا «ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ»(3)مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك و أمسك، و استوجبت بذلك مقام الحلول من نحسك، فلا تعجل بعذاب اللّه عندما أسرفت، و وبيل عقابه، عندما خالفت، فإن اللّه تعالى يقول مخاطبا لذوي العقول «فمهّل الكافرين أمهلهم رويدا»(4)و تاللّه لقد جددت بمسيرك إلى حلب، لبعد أملك و انقطاع أجلك، و إنما بقي لك إلا أيام قلائل، و يكثر
ص: 123
لك الندم و تحل بك النقم «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها»(1)و إن مثلك مثل شاة عطشانة و لهانة ضائعة جائعة، نزلت في مرج أفيح، غزير ماءه، كثير عشبه (48 ظ) و مرعاه، فشربت ماء، و أكلت عشبا، فرويت بعد ظمائها، و شبعت بعد جوعها، و استحسنت بعد قبحها، فلما تكامل حسنها، ذبحت «وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»(2)و إن أمير المؤمنين يضرب لك مثلا عن جده المصطفى صلّى اللّه عليه و سلّم، لما أنزل عليه «وَ الضُّحى، وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى» إلى قوله عزّ و جل: «أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى»(3)، فبدلت النعمة كفرا، و وضعت موضع الخير شرّا، و قد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجمع الأموال و اكتنازك لها لأمر يدهمك، أو ليوم ينفعك(4)، أفما قرأت القرآن العظيم، أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى و اعتدى، و ازداد في الطغيان، حيث يقول جلّ و علا:
«فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ»(5)أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة، و نصبوا لها العداوة الشديدة، انظر إلى ديارهم كيف قلّ فيها الساكنون، و كثر عليها الباكون، قال اللّه تعالى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»(6)فاشتغل عن إصلاح العين، و عن خطرك في حساب
1) القرآن الكريم- البقرة: 26.
2) القرآن الكريم- ابراهيم: 25.
3) القرآن الكريم- الضحى: 1- 8.
4) قدر المقريزي في ترجمته للدزبري ثروته بأكثر من مليون دينار، و بين أنه« في آخر عمره، انحرف عن مذهب الاسماعيلية، و كان هذا أعظم أسباب الوحشة بينه و بين أهل الدولة بمصر».
5) القرآن الكريم- القصص: 81.
6) القرآن الكريم- النمل: 52.
ص: 124
الفرقدين، و افتكر في رب المشرقين و رب المغربين، حيث يقول جل جلاله:
«أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ. وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ»(1)و قد عرف أمير المؤمنين بكتاب اللّه الأعلى، الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول:
«وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(2).
فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الإنكار و الوعظ بالآيات و التخويف، عظم الأمر عليه و ضاق صدره لتغير النية فيه، و رأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف و التنصّل مما ظن به، و الاعتذار و الترفق في المقال، و الاعتراف بما شمله قديما و حديثا من الاحسان و الافضال، فكتب بعد البسملة:
كتب عبد الدولة العلوية و الإمامية الفاطمية، و الخلافة المهدية، عن سلامة تحت ظلها، و نعمة منوطة بكفلها، و هو متبرىء إليها من ذنوبه الموبقة، و اسائته المرهقة، لائذ بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين، عن غير إساءة اقترفها، و لا جناية احتقبها، عائذ بكرمها، صابر لحكمها، لقوله تعالى: «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ»(3)و هو تحت خوف و رجاء، و تضرع و دعاء، قد ذلّت نفسه (49 ظ) بعد عزّها، و خافت بعد أمنها، و رسخت بعد رفعتها، «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ»(4)و أي قرب لمن أبعدته، و أي رفعة لمن حططته، و العبد بفخرها شمخ، و بجدها طال و بذخ، فزكت نصبته، و طابت أرومته، و سمت فروعه، و كان كقوله تعالى:
«ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها»(5)فلما أنكرت الدولة حاله، و قبحت أفعاله،
ص: 125
و أزرت عليه، خذله الأنصار، و قلّ بعد الإكثار، فصار كقول الملك الجبار «وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ»(1)، غير أن العبد يتوسل بوكيد خدمته، و قديم نصيحته، و مجاهدته لأعداء الدولة مذكرا قول اللّه تعالى: «وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ، وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ»(2)، و هو مع ذلك معترف بذنوب ما جناها، و إساءة ما أتاها، ذاكرا ما نزّل اللّه في كتابه المبين على سيد المرسلين «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(3)عفا اللّه عن أمير المؤمنين، أهل بيت العفو و الكرامة لجميع الأمم، و فيهم نزلت الآيات و الحكم، قال اللّه تعالى: «وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»(4)و ليس مسير العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه، لقوله تعالى: «قُلْ (مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»(5)و الذين كتب عليهم القتل (يدركهم)(6)إلى مضاجعهم، لكنه بعد توسّله و اعترافه بجرائره و ذنوبه، و تنصّله يرجو قبول توبته، و تمهيد عذره في إنابتهو «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ»(7)و لأمير المؤمنين في كل قول وحد، فقد وعد اللّه المسرفين على أنفسهم فقال تعالى: «قُلْ يا عِبادِيَ
ص: 126
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(1).
و أما ما رقي إلى الحضرة المطهرة عن العبد في كثرة الأموال و جمعها، فذلك طباع ولد آدم في حب اللجين و العسجد، و ما عليه في الدنيا يعتمد، نعوذ باللّه أن يكون ذلك لمضادة أو مقاومة أو مكاثرة أو مقابلة، لكنها معدة للجهاد في أعداء أمير المؤمنين، و مبذوله في نصرة (49 ظ) أوليائه المخلصين، إذ يقول تعالى، و له «الْمَثَلُ الْأَعْلى»(2)«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ»(3)و لقد قرىء على العبد القرآن العظيم فوجده منوطا بطاعة إمام الزمان، و هو ولي العفو و الغفران عن أهل الإساءة و العدوان، مكرّرا لقول الملك الديّان: «وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»(4).
و أنفذ هو الجواب صحبة الرسول الواصل بعد إكرامه، و طلع عقيب ذلك إلى قلعة حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون من جمادى الأولى، و بات ليلة الجمعة، و اقشعر جسمه وقت صلاة الظهر، و اشتدت به الحمّى، فأحضر طبيبا من حلب، و شرح له حاله، فوصف له مسهلا، فلمّا حضر لم تطب نفسه لشربه، و لحقه فالج في يده اليمنى و رجله اليمنى، و زاد قلقه، و قضى نحبه في الثلث الأخير من ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست و ثلاثين و أربعمائة.
ص: 127
و له أخبار محمودة في حسن السيرة و العدل و النصفة و الذكاء و المعرفة، و ذكر المال الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات و العروض، و قيمة الغلات مائة ألف دينار و أخذ له من دمشق و فلسطين مائتا ألف دينار، و كان له مع التجار خمسون ألف دينار، و نهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار، و خلف من الأولاد هبة اللّه من بنت وهب بن حسان، ماتت أمه و عمره أربعون يوما، و أبوه و له شهران و سنة، و أربع بنات إحداهن من بنت الأمير حسام الدولة البجناكي، و ابنه من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل، و ابنتان من جاريتين و هبهما في القصر، فأما هبة اللّه فإنه حمل إلى الحضرة و أكرم بها و كفله رضيّ الدولة غلامه، و عاش ست سنين، و سقط عن فرسه فمات، و البنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين، و البنت من بنت رافع نقلت إلى حلّة أخوالها من بني كلب.
ثم رأت الحضرة في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة نقل أمير الجيوش من تربته بحلب الى تربته ببيت المقدس، فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل، فكان يحطّ بخيمة، و ما يمر ببلد إلا كان وصوله يوما مشهودا، و أخرجت الحضرة ثيابا حسنة و طيبا كثيرا و أمرت الشريف (50 و) أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه و دفنه، و أن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفّي و المشي خلف جنازته، و أن ينادي بألقابه، فنودي بها، و دفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده، فسبحان من لا يزول ملكه، و لا يخيب من عمل بطاعته، المجازي عن إحسان السيرة بالإحسان، و عن السيئات في العقبى و المآل، ذو الجلال و الكمال الغفور الرحيم.
و لما زاد أمر الحاكم بأمر اللّه في عسف الناس، و ما ارتكبه من سفك الدماء، و افاظة النفوس(1)، و أخذ الأموال، و قتل الكتاب و العمّال،
1) أي ازهاق النفوس.
ص: 128
و الفتك بالمقدمين من الوزراء و القواد، و أكابر الأجناد، و عدل عن حسن السياسة و السداد، و زاد خوف خدمه و خواصه منه، و استوحشوا من فعله، و شكا المقدمون و الوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز باللّه، هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه، و أكبرت ما أكبروه، و اعترفت بصحة ما شكوه، و حقيقة ما كرهوه، و وعدتهم إحسان التدبير في كشف شره، و إجمال النظر في أمورهم و أمره، و لم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه، و كفّ أذاه بعدمه، و أعملت الرأي في ذلك و أسرّته في النفس، إلى أن وجدت الفرصة مستهلة، فابتدرتها و الغرّة بادية فاهتبلتها، و رتبت له من اغتاله في بعض مقاصده، و أخفى مظانّه فأتى عليه، و أخفى أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة إحدى عشرة و أربعمائة و قال المغالون في المذهب أنه غائب في سرّه(1)و لا بد أن يؤوب و مستتر في غيبه و لا بدّ أن يرجع إلى منصبه و يثوب، و كان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة، و ولي الأمر و عمره عشر سنين و ستة أشهر و ستة أيام، و فقد في العشر الأول من شوال سنة إحدى عشرة و أربعمائة، و عمره ست و ثلاثون سنة و مدة أيامه خمس و عشرون سنة و شهران و أيام، و نقش خاتمه «بنصر الإله العلي ينتصر الإمام أبو علي»، و كان غليظ الطبع، قاسي القلب، سفّاكا للدماء، قبيح السيرة، مذموم السياسة، شديد التعجرف و الاقدام على القتل غير محافظ على حرمه خادم ناصح و لا صاحب مناصح.
و قام في الأمر بعده ولده أبو الحسن على الظاهر لإعزاز دين اللّه، و أخذت له البيعة (50 ظ) بعد أبيه في يوم عيد النحر من سنة إحدى عشر
1) هذا ما نراه في كتاب رسائل الهند، حيث قيل بأنه ذهب في سياحة طويلة أخذته إلى الشام و من هناك حتى الهند، و هذا الكتاب نشر و وزع بشكل محدد تماما، و هناك أكثر من نسخة خطية منه، واحدة في المتحف البريطاني، كنت رأيتها و استخرجت منها نصا عسكريا نشرته منذ سنوات.
ص: 129
و أربعمائة و استقامت الأمور بعد ميلها، و أمنت النفوس بعد وجلها، و حسنت السيرة بعد قبحها، و ارتضيت السياسة بعد النفور عنها.
و ردّ تدبير الأعمال و النظر فيها و تسديد الأحوال، و لم ما تشعث منها إلى الوزير صفي أمير المؤمنين و خالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، و كتب له السجل بالتقليد من إنشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء، و قرىء بالحضرة على القوّاد و المقدمين في ذي الحجة سنة ثمان عشرة و أربعمائة و نسخته بعد البسملة:
أما بعد، فالحمد للّه مطلق الألسن بذكره، و مجزل النعم بشكره، و مصرف الأمور على حكم إرادته، و أمره الذي استحمد بالطّول و النعماء، و تمجّد بالحكمة و السناء، و ملك ملكوت الأرض و السماء و استغنى عن الظهراء و الوزراء، و أكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم «فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ»(1)فسبحان من نظر لخلقه فأحسن و أنعم، و «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ»(2)يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في الحمد و الشكر، متخصص بشرف الإمامة و نفاذ النهي و الأمر، و يرغب إليه تعالى في الصلاة على نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان، ليكون للعالمين نذيرا، و أعز به الإيمان و جعل له من لدنه سلطانا نصيرا(3)، و انتخب أبانا عليا أمير المؤمنين أخا و وزيرا، و صيّره على أمر الدين و الدنيا منجدا له و ظهيرا، صلى اللّه عليهما، و سلم على العترة الزاكية من سلالتهما سلاما دائما كثيرا.
ص: 130
و إن أحق من عول عليه في الوزارة، و أسند إليه أمر السفارة، و نصب لحفظ الأموال و تمييزها، و سياسة الأعمال و تدبيرها و إيالة طوائف الرجال كبيرها و صغيرها، من كان حفيظا لما يستحفظ من الأمور قؤوما بمصالح الجمهور عليما بمجاري السياسة و التدبير، و لذاك قال يوسف الصديق عليه السلام:
«اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(1)و لو استغنى أحد من رعاة العباد عن وزير و ظهير، يكاتفه على أمره، و يظاهره، لكان كليم اللّه موسى صلى اللّه عليه، و هو القوي الأمين، عنه مستغنيا، و لم يكن له من اللّه جل جلاله طالبا مستدعيا، و قد «قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. (51 و) هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً»(2).
و لما كنت بالأمانة و الكفاية علما. و عند أهل المعرفة و الدراية مقدما، و كان الكتاب على اختلاف طبقاتهم، و تفاوت درجاتهم يسلمون إليك في الكتابة و يقتدون بك في الإصابة، و يشهدون لك بالتقدم في الغناء، و يهتدون بحلمك اهتداء السّفر بالنجم في الليلة الظلماء، و لا يتناكرون الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع، و لا يردّ ذلك راد من الناس أجمعين إلا خصمه وقوع الاجماع هذا، مع المعروف من استقلالك بالسياسة، و استكمالك لأدوات الرئاسة و تدبيرك أمور المملكة، و ما ألف برشد وساطتك من سمو اليمن و البركة، رأى أمير المؤمنين، باللّه توفيقه، أن يستكفيك أمر وزارته، و ينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص إثرته، و يرفعك على جميع الأكفاء بتام تكرمته، و ينوه باسمك تنويها لم يكن لأحد قبلك من الظّهراء في دولته،
ص: 131
فسمّاك بالوزير لمؤازرتك له على حمل الأعباء، و وكد هذا الاسم «بالأجل» لأنك أجلّ الوزراء، و عزّز ذلك «بصفي أمير المؤمنين و خالصته» إذ كنت أعزّ الخلصاء و الأصفياء، و شرّفك بالتكنية تسميقا بك في العلياء، و دعا لك بأن يمتعه اللّه بك و يؤيدك و يعضدك، دعاء يجيبه فيك رب السماء، فأنت «الوزير، الأجل، صفي أمير المؤمنين، و خالصته المحبو بالمن الجسيم «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(1)، و أمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه الأسماء، و تخاطب، و تكتب بها عن نفسك و تكاتب، و رسم ذكر ذلك فيما يجري من المحاورات، و اثباته في ضروب المكاتبات، ليثبت ثبوت الاستقرار و يبقى رسمه على مر الليالي و النهار، فاحمد اللّه تبارك و تعالى على تمييز أمير المؤمنين لك بتشريفه و اختصاصه، و إحلاله إياك أعلى محالّ خواصه، و اجر على سننك الحميد في خدمته، و مذهبك الرشيد في مناصحته، إذ كان قد فوّض إليك أمر وزارته و جعلك الوسيط بينه و بين أوليائه و أنصار دعوته، و ولاة أعمال مملكته، و كتّاب دواوينه، و سائر عبيده و رعيته شرقا و غربا و قربا و بعدا(2)و أمضى توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج و الإنفاق و الإيجاب و الإطلاق، و ناط بك أزمّة الحلّ و العقد و الإبرام (51 ظ) و النقض و القبض، و البسط و الاثبات، و الحط و التصريف و الصرف، تفويضا إلى أمانتك التي لا يقدح فيها معاب، و سكونا إلى ثقتك التي لا يلمّ بها ارتياب، و علما بأنك تورد و تصدر عن علم و حزم، تفوق فيهما كل مقاوم، و لا تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين، و الاحتياط له «لومة لائم»، و جميع ما يوصي به غيرك ليكون له تذكرة، و عليه حجة، فهو مستغنى عنه معك، لأنك تغني بفرط معرفتك عن التعريف، و لا تحتاج مع وقوفك على الصواب، و علمك به الى توقيف، غير أنّ أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر
ص: 132
لرجال دولته دانيهم و قاصيهم، بارك اللّه فيهم، و أن تتوفر على ما يعود بصلاح أحوالهم و انفساح آمالهم، و انشراح صدورهم، و انتظام أمورهم، إذ كانوا كتائب الاسلام و معاقل الأنام، و أنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالإحسان و الإنعام، حتى تحسن أحوالهم بجميل نظرك، و يزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك، و كذلك الرعايا بالحضرة، و أعمال الدولة، فأمرهم من المعني به، و المسؤول عنه، و أمير المؤمنين يأمرك بأن تستشف خيرة الولاية فيهم، فمن ألفيته من الرعية مظلوما أو عزت بنصفته، و من صادفته من الولاة ظلوما، تقدمت بصرفه و حسم مضرته و معرته.
فأمّا الناظرون في الأموال من ولاة الدواوين و العمال، فقد أقام أمير المؤمنين عليهم منك المنقى الزكاء طبا بالأدواء، لا يصانع و لا تطيبه المطامع، و لا ينفق عليه المنافق، و لا يعتصم منه الخؤون السارق، كما أنه لا يخاف لديه الثقة الناصح، و لا يخشى عاديته الأمين في خدمته المجتهد الكادح، و الذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل نفسه على الخطة النكراء في الاحتجان و الارتشاء أحد أمرين: إما حاجة تضطره إلى ذلك، أو جهالة تورده المهالك، فإن كان محتاجا سدّ رزق الخدمة فاقته، و رجا الراجون برءه من مرض الاسفاف و إفاقته، و إن كان جاهلا فالجاهل لا يبالي على ما أقدم عليه، و لا يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه، و من جمع هذين القسمين كانت نفسه أبدا تسفّ و لا تعفّ، و يده تكف و لا تكفّ، و وطأته تثقل و لا تخفّ، فلا ترب من تنزّه و عفّ، و لا أثرى، من رضي لنفسه بدنيء المكسب و أسفّ، و ما (52 و) يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأنّي، و الاجتهاد في إصلاح الفاسد، و إستصلاح المعاند، و استفاءة الشارد بالمعصية الى طاعته، و إعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته، و أمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولا يؤثر عنده(1)في المشرق و المغرب، و يصل إلى الأبعد و الأقرب:
1) كذا في الأصل، و أحسن منها« عنه».
ص: 133
«إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ و الاتفاق»، و لم يوقع إسمها عليك، و يعذق(1)بك أمرها إلا باستيجاب و استحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله، و العبء إلى حامله، و المكفول الى كافله، و كم أفرجت عن الطريق إليها لسواك، و اجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارا له فما عداك، و اللّه يكبت بجميل رأي أمير المؤمنين حسدتك و عداك، و يتولاك بالمعونة على ما قلدك و ولاك، و يمتعه ببقائك كما أمتعه بكفايتك و غنائك، و يخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك و إيثارك، بمنه و كرمه، و السلام عليك و رحمة اللّه، و كتب يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثماني عشرة و أربعمائة.
1) رجل عذق: لبق، و طيب عذق: ذكي. القاموس.
ص: 134
في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري وصل الأمير المظفر، ناصر الدولة، و سيفها، ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان، إلى دمشق واليا في جمادى الآخرة سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة في يوم الأربعاء السادس عشر منه، و قرىء سجله بالولاية بألقابه، و الدعاء له، فيه: «سلمه اللّه و حفظه» و وصل معه الشريف فخر الدولة نقيب الطالبيين أبو يعلى حمزة بن الحسين بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي الجن بن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل، بن جعفر الصادق عليه السلام، فأقام في الولاية آمرا ناهيا إلى أن وصل من مصر من قبض عليه بدمشق، و سيّره معه إلى مصر في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين (52 ظ) و أربعمائة.
و في سنة ست و ثلاثين وردت الأخبار من ناحية العراق بظهور راية السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق، و قوة شوكة الأتراك، و ابتداء دولتهم و استيلائهم على الأعمال، و ضعف أركان الدولة البويهية و اضطراب أحوال مقدميها و أمرائها(1).
و في سنة سبع و عشرين و أربعمائة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الإمام الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر اللّه بالاستسقاء، في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و عمره إثنتان
1) انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 61- 64، 93- 124.
ص: 135
و ثلاثون سنة، و مولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة و مدة أيامه خمس عشرة سنة و ثمانية أشهر و خمسة أيام، و نقش خاتمه «بنصر ذي الجود و المنن ينتصر الإمام أبو الحسن»، و كان جميل السيرة، حسن السياسة، منصفا للرعية، إلا أنه متشاغل باللذة، محبّ للدعة و الراحة، معتمد في إصلاح الأعمال، و تدبير العمال، و حفظ الأموال، و سياسة الأجناد، و عمارة البلاد على الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، لسكونه إلى كفايته، و ثقته بغنائه و نهضته.
ثم تولى الأمر بعده ولده أبو تميم معد المستنصر باللّه أمير المؤمنين، و عمره سبع سنين و شهران، و أخذت البيعة له بعد أبيه في شعبان سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و في أيامه ثارت الفتن من بني حمدان و أكابر القواد، و وجوه العسكرية و الأجناد، و غليت الأسعار، و قلت الأقوات و اضطربت الأحوال، و اختلت الأعمال و حصر في قصره، و طمح في خلعه لضعف أمره، و لم يزل الأمر على هذه الحال إلى أن استدعى أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا إلى مصر في سنة خمس و ستين و أربعمائة فاستولى على الوزارة و التدبير بمصر، و قتل من قتل من المقدمين و الأجناد، و طالبي الفساد، و تمهدت الأمور و سكنت الدهماء، و ألزم المستنصر باللّه القصر، و لم يبق له نهي و لا أمر إلا الركوب في العيدين، و لم يزل كذلك إلى أن توفي أمير الجيوش و انتصب مكانه ولده الأفضل أبو القاسم شاهنشاه(1).
1) حاول ناصر الدولة أن ينفرد بالتحكم بالخلافة الفاطمية كما أنه فكر بالغاء الخلافة، و لهذا وجه الدعوة إلى السلطان السلجوقي ألب أرسلان للقدوم إلى مصر، و قبل محاولة ناصر الدولة هذه كانت مصر قد ساءت فيها المواسم و حلت بها المجاعة مع الأوبئة، كما أعلن المعز بن باديس في تونس الغاء الدعوة الفاطمية، لهذا وجهت القاهرة ضده قبائل هلال و سليم، يضاف إلى هذا كله اخفاق ثورة البساسيري، و قد حسمت هذه الأمور، و وضع حد لمادة الفوضى عندما استولى بدر الجمالي، و هو أرمني الأصل، على مقاليد الأمور، و حكم على الخليفة و الخلافة. انظر ترجمة بدر الجمالي في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 298- 305، و انظر أيضا: 97- 120، 278- 293.
ص: 136
في سنة أربعين و أربعمائة (53 و) وصل الأمير بهاء الدولة و صارمها طارق المستنصري إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين و أربعمائة و قرىء سجل ولايته و الدعاء له «سلمه اللّه و حفظه»، و عند دخوله وقع القبض على الأمير ناصر الدولة بن حمدان الوالي المقدم ذكره و سيّر إلى مصر، و تسلم الأمير طارق الولاية يأمر فيها.
و وردت الأخبار من ناحية مصر في سنة ست و ثلاثين و أربعمائة، بوفاة الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي(1)وزير المستنصر باللّه، في داره آخر نهار الأربعاء السادس من شهر رمضان بعلة الاستسقاء و صلى عليه المستنصر باللّه في القصر، و دفن في دار تجاور دار الوزارة، و قلد مكانه الوزير أبو نصر صدقة بن يوسف الفلاحي و خلع عليه في يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر رمضان من السنة، و قبض على أبي علي بن الانباري صاحب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد، و حمله إلى خزانة البنود و سعى في قتله فيها و دفنه، و ما مضى إلا القليل، و قبض على الوزير أبي نصر بن يوسف الفلاحي، و حمل إلى خزانة البنود في يوم الاثنين الخامس من المحرم سنة أربعين و أربعمائة، و قتل
1) كان الجرجرائي عراقي الأصل من قرية جرجرايا في سواد العراق التحق بمصر، و تقلب بالوظائف حتى ولي الوزارة، و قد مر بنا نص سجل تعيينه بالوزارة، و مكث الجرجرائي بالوزارة سبع عشر سنة و ثمانية أشهر، و هي مدة لم يتمتع بها سواه. انظر الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي:
ص: 137
سحرة يوم الاثنين في المكان الذي قتل فيه ابن الأنباري(1)، و قيل أنه دفن معه في قبره.
و نظر في الوزارة أبو البركات ابن أخي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي و قبض عليه بعد ذلك في ليلة يوم الاثنين النصف من شوال سنة إحدى و أربعين و أربعمائة و فترت الأمور إلى أن استقرت الوزارة لقاضي القضاة أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، و وردت الأخبار من مصر بأن المستنصر باللّه خلع على وزيره قاضي القضاة أبي محمد اليازوري في الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة، خلعا فاخرة كانت غلالة قصبا و طاقا و قميصا دبيقيا و طيلسانا و عمامة قصبا، و حمله على فرس رائع بمركب من ذهب وزنه ألف مثقال، و قاد بين يديه خمسة و عشرين فرسا و بغلا بمراكب ذهب و فضة، و حمل معه خمسون سفطا ثيابا أصنافا، و زاد في نعوته و ألقابه، و خلع على أولاده خلعا تليق بهم، و كتب له سجل التقليد بانشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران(2)، و بالغ في إحسان وصفه و تقريظه و إطرائه و إحماد رأيه، و ما اقتضاه الرأي من (53 ظ) اصطفائه للوزارة و احتبائه، و قرىء بحضرة المستنصر باللّه بين قواده و خدمه و وجوه أجناده و قيل إن هذا الإكرام مقابلة
1) أبو علي الحسن بن علي الأنباري، خلف الجرجرائي، و كان من أصحابه، و أراد السير على منهجه، لكن أم المستنصر بالتعاون مع اليهودي سهل التستري تمكنت من ابعاده و جاءت بالفلاحي الذي كان يهوديا و اسلم، و حين تسلم الوزارة لم يكن له أمر و لا نهي، بل كان كل شيء بيد التستري، و تآمر الفلاحي على التستري فدبر اغتياله، و انتقمت أم المستنصر لقتل حليفها بصرف الفلاحي عن الوزارة و قتله، و استلم الوزارة بعده الجرجرائي( محمد بن أحمد) و أخفق هذا حيث كان عمه قد نجح، و كثرت المصادرات في أيامه مع أعمال البطش فصرف عن الوزارة في منتصف شوال سنة 441 ه. انظر المصدر السابق: 254- 256.
2) 254.
ص: 138
على ما كان منه في التدبير على العرب المفسدين من بني قرة في فلهم، و النكاية فيهم، و حسم أسباب شرّهم و تشتيت شملهم، و نسخة هذا السجل المذكور بعد البسملة(1).
1) ليس بالأصل و لم يرد في السجلات المستنصرية. ط. القاهرة: 1954، كما لم يرد في الاشارة إلى من نال الوزارة: 40- 44. هذا و ترجم له المقريزي في المقفى ترجمة مطولة، إنما لم يقدم لنا فيها نص سجل توليته الوزارة.
ص: 139
في سنة إحدى و أربعين و أربعمائة وصل الأمير عدة الدولة أمير الأمراء رفق المستنصري إلى دمشق، واليا عليها في يوم الخميس الثاني عشر من المحرم سنة إحدى و أربعين و أربعمائة في عدة وافرة من الرجال، و ثروة وافرة من العدد و المال، و قرىء سجله بالولاية و أقام بها مدة يأمر فيها و ينهى، و يحل و يعقد، و يصدر في الأمور و يورد، ثم وصله الأمر من مصر بمسيره إلى حلب لأمر اقتضته الآراء المستنصرية من صرفه عنها، و توليتها للأمير المؤيد، فسار منها و توجه إلى حلب في يوم الخميس السادس من صفر من السنة(1).
1) كلف بالذهاب إلى حلب لانتزاعها من المرداسيين، و قد توجه إليها على رأس جيش قوامه/ 000 ر 30/ ألف من العساكر و قد أخفقت هذه الحملة، و وقع رفق بالأسر بعد اصابته بجراح بالغة جعلته يموت بعد أيام من أسره. انظر كتابي( بالانكليزية) امارة حلب: 142- 147.
ص: 140
في سنة احدى و أربعين و أربعمائة بعد الأمير رفق وصل الأمير المؤيد عدة الإمام، مصطفى الملك، معين الدولة، ذو الرئاستين، حيدرة بن الأمير عضب الدولة حسين بن مفلح، إلى دمشق واليا عليها في مستهل رجب سنة إحدى و أربعين و أربعمائة و حمل معه سديد الدولة ذو الكفايتين أبو محمد الحسين بن حسن الماشكي ناظرا في الشام جمعية:
حربه و خراجه، و قرى منشور الولاية و الدعاء له «سلمه اللّه و حفظه»، فتسلم الولاية في سنة اثنتين و أربعمائة يأمر فيها و ينهى على عادة الولاة، و استقامت له أمور الولاية على ما يؤثره و يهواه و أحسن السيرة في العسكرية و الرعية، فحمدت طريقته، و ارتضيت إيالته، و استمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان و أربعين و أربعمائة التي بني هذا المذيل عليها، و عادت سياقه الحوادث منها، و إيراد ما فيها، و تجدد بعدها.
ص: 141
(54 و) فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانعقاد أمر الوصلة(1)بين الإمام القائم بأمر اللّه، و بين بنت الملك داود أخي السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك، و كان العقد أولا لولده ذخيرة الدين، فلما قضى اللّه عليه بالوفاة، نقل العقد إلى الخليفة القائم بأمر اللّه في يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم من السنة، و وصلت البنت المذكورة من مدينة الريّ إلى بغداد في الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة.
و في هذه السنة ولد الإمام المقتدي باللّه عبد اللّه بن ذخيرة الدين بن القائم بأمر اللّه في ليلة الأربعاء الثاني من جمادى الأولى من السنة(2).
1) أي الزواج بين خديجة ابنة جغري بك و اسمها التركي« أرسلان خاتون» و الخليفة القائم 422- 467 ه/ 1031- 1075 م). و قد أورد تفاصيل ذلك غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن الصابي، في كتابه عيون التواريخ الذي ذيل به على تاريخ أبيه، و كان أبوه قد ذيل على تاريخ خاله ثابت بن سنان، و كان ثابت قد كتب أكثر من كتاب في التاريخ منها كتاب« مفرد في أخبار الشام و مصر في مجلد واحد» و كما هو مرجح فإن ابن القلانسي قد ذيل على كتاب ثابت هذا بعد ما ذيل عليه هلال بن المحسن، و كما فعل ابن القلانسي حين بدأ كتابه بحوادث سنة/ 448 ه/ كذلك فعل غرس النعمة، و هنا يلاحظ أن غرس النعمة أولى حوادث العراق جل اهتمامه و جاء بعد العراق الشام و الجزيرة، و نجد في المقابل ابن القلانسي يهتم بالشام أولا و بمصر ثانيا، و محصلة هذا أنه صنع الآن ذيلان لتاريخ آل الصابىء يتممان بعضهما البعض، انما يختلفان من حيث طول المدة المؤرخ لها؛ و لم يصلنا تاريخ غرس النعمة بشكل مباشر، إنما وصلنا بشكل غير مباشر بكامله في كتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، و هذا الكتاب محقق لدي، و سأدفعه للمطبعة مع ابن القلانسي إن شاء اللّه تعالى؛ و قد أورد سبط ابن الجوزي حادثة الزواج في أخبار سنة/ 448/ ه.
2) ولي الخلافة بعد جده القائم و كانت خلافته ما بين 467- 487 ه/ 1075- 1094 م.
ص: 142
و فيها وردت الأخبار من مصر بقلة الأقوات و غلاء الأسعار، و اشتداد الأمر في ذلك إلى أوان زيادة النيل، فظهر من القوت و وجوده ما طابت به النفوس و صلحت معه الأحوال.
في هذه السنة وردت الأخبار بتسلم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معزّ الدولة(1)
و معز الدولة هو ثمال بن صالح بن مرداس أمير حلب، و جاء تنازل ثمال عن حلب أثناء ثورة البساسيري: انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:
، و حصل فيها في يوم الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة منها، و أقام بها مدة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر باللّه صاحب مصر.و فيها توفي القاضي أبو الحسين عبد الوهاب بن أحمد بن هرون.
فيها وصل الأمير ناصر الدولة، و سيفها ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان إلى دمشق واليا عليها، دفعة ثانية بعد أولى في يوم الإثنين النصف من رجب منها، و أقام يسوس أحوالها و يستخرج أموالها، إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب فتوجّه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة و اتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور و عسكره، و بين جميع العرب الكلابين و من انضم إليهم، فكسرت العرب عسكر(2)ناصر الدولة و استولوا عليهم و نكوا فيهم، و أفلت ناصر الدولة منهزما مجروحا مفلولا و عاد إلى مصر.
ص: 143
و لم تزل الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور (54 ظ) المظفر أبي الحارث أرسلان الفساسيري(1)، و قوة شوكته، و كثرة عدته و غلبة أمره على الإمام القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين، و قهر نوابه و امتهان خاصته و أصحابه، و خوفهم من شره حتى أفضى أمره إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة، و يفعل ما يشاء، و لا يمانع له، و لا يدافع عنه.
و قد شرح الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي(2)، رحمه اللّه في أخبار أهل بغداد، ما قال فيه: و لم يزل أمر القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين مستقيما إلى أن قبض عليه أرسلان الفساسيري في سنة خمسين و أربعمائة، و هو واحد من الغلمان الأتراك عظم أمره(3)، و استفحل شأنه، لعدم نظرائه من الغلمان الأتراك و المقدمين و الأسفهسلارية، إلا أنه استولى على العباد و الأعمال، و مد يده في جباية الأموال، و شاع بالهيبة أمره، و انتشر بالقهر ذكره و تهيبته العرب و العجم و دعي له على كثير من منابر الأعمال
1) أرسلان التركي،« منسوب إلى بسا بلدة بفارس و العرب تسميها فسا، و ينسبون إليها فسوي، و أهل فارس يقولون: بسا بين الباء و الفاء، و ينسبون إليها البساسيري»، بحثت في ثورته في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:
2) صاحب تاريخ بغداد، لم يترجم للبساسيري في كتابه، خرج من بغداد إثر حركة البساسيري خشية على نفسه، ذلك أنه كان من أصدقاء الوزير ابن المسلمة عدو البساسيري الأول، و الكتاب الذي أشار إليه ابن القلانسي هو غير كتاب تاريخ بغداد، انظر موارد الخطيب البغدادي، لأكرم ضياء العمري ط. دمشق 1975: 43، و لحسن الحظ أن ابن العديم حفظ لنا بخط يده رواية الخطيب البغدادي عن ثورة البساسيري، و عليها قمت بضبط نص ابن القلانسي. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 257- 262.
3) في رواية ابن العديم: و كان السبب في ذلك أن أرسلان التركي المعروف بالبساسيري، كان قد عظم أمره.
ص: 144
العراقية(1)، و بالأهواز و نواحيها، و لم يكن القائم بأمر اللّه يقطع أمرا دونه، و لا يمضي رأيا إلا بعد إذنه و رأيه.
ثم صحّ عنده سوء عقيدته، و خبث نيته(2)، و انتهى ذلك إليه من ثقات من الأتراك لا يشك في قولهم و لا يرتاب، و انتهى إليه أنه بواسط قد عزم على نهب دار الخلافة، و القبض على الخليفة، فكاتب السلطان طغرلبك أبا طالب(3)محمد بن ميكائيل و هو بنواحي الري يعرفه صورة حال الفساسيري، و يبعثه على الغدو(4)إلى العراق و يدرك أمر هذا الخارجي قبل تزايد طمعه، و إعضال خطبه.
و عاد الفساسيري من واسط و قصد دار الخلافة في بغداد، و هي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدار اسحق، فهجمها و نهبها و أحرقها و نقض أبنيتها(5)، و استولى على كل ما فيها.
1) في رواية ابن العديم:« لعدم نظرائه من مقدمي الأتراك المسمين الاصفهسلارية، و استولى على البلاد، و انتشر ذكره، و طار اسمه، و تهيبته أمراء العرب و العجم، و دعي له على كثير من المنابر العراقية ...».
2) إثر تحالفه مع الخلافة الفاطمية لخدمة أغراض الدعوة الاسماعيلية في اسقاط الخلافة العباسية.
3) في الأصل: أبا محمد لب، و هو تصحيف قوم من رواية ابن العديم و مما هو مثبت في العديد من المصادر حول طغرلبك، و مفيد هنا الاشارة إلى وجود بعض الفوارق بين رواية ابن العديم و رواية ابن القلانسي.
4) في الأصل: العود، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا أو كما روى ابن العديم« يستنهضه على المسير إلى العراق» ذلك أن طغرلبك لم يكن جاء بغداد بعد.
5) كذا في الأصل و فيه تداخل، و يدل على اضطراب في الرواية، فالبساسيري لم يعد إلى بغداد، و دار الخلافة ليست في المكان المحدد في النص، بل هي دار البساسيري، و دار الخلافة نهبت بعد حوالي ثلاث سنوات، و رواية ابن العديم أصح من هذه الرواية و نصها:« و انفض أكثر من كان مع البساسيري، و عادوا إلى بغداد، ثم أجمع رأيهم على أن قصدوا دار البساسيري، و هي بالجانب الغربي، في الموضع المعروف بدرب صالح، بقرب الحريم الطاهري، فأحرقوها و هدموا أبنيتها».
ص: 145
و وصل السلطان طغرلبك الى بغداد في شهر رمضان سنة سبع و أربعين و أربعمائة و توجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول طغرلبك على الفرات، و كاتب المستنصر بأمر اللّه صاحب مصر، يذكر له كونه في طاعته، و اخلاصه في موالاته، و عزمه على إقامة الدعوة له في العراق، و أنه قادر على ذلك و غير عاجز عنه، فأنجده و ساعده بالأموال، و كتب له بولاية الرحبة.
و أقام السلطان طغرلبك ببغداد سنة كاملة، و سار منها إلى ناحية الموصل، و أوقع بأهل سنجار، و عاد منها (55 و) إلى بغداد فأقام برهة، ثم عاد إلى الموصل، و خرج منها متوجها إلى نصيبين(1)و معه أخوه ابراهيم ينال و ذلك في سنة خمسين و أربعمائة، و حدث بين السلطان طغرلبك و أخيه ابراهيم خلف أوجب انفصاله عنه بجيش عظيم، و قصد ناحية الري، و قد كان الفساسيري كاتب ابراهيم ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على العصيان لأخيه، و يطمعه في الملك، و التفرد به، و يعده المعاضدة عليه، و المؤازرة و المرافدة و الشد منه، و سار طغرلك في أثر أخيه(2)مجدّا، و ترك عساكره من ورائه، فتفرقت غير أن وزيره عميد الملك الكندري و ربيبه أنوشروان و زوجته خاتون وصلوا بغداد في من بقي معهم من العسكر في شوال سنة خمسين و أربعمائة، و اتصلت الأخبار بلقاء طغرلبك و أخيه ابراهيم بناحية همذان، و ورد الخبر بذاك على خاتون و ولدها و الوزير، و أن ابراهيم استظهر عليه و حصره في همذان، فعند ذلك عزموا على المسير إلى همذان لإنجاد السلطان، فحين شاع الخبر بذاك اضطرب
1) هي ديار بكر حاليا في تركية.
2) معنى كلمة« انيال أو نيال» ولي عهد« اليبغو» و هو اليبغو)« لقب من كان بعد الخاقان بدرجتين« و الخان هو الملك الأعظم» للترك و هو الخاقان، و اليبغو هو زعيم الغز، فعلى هذا كان ابراهيم ينال، و هو أخ لطغرلبك، من أمه، حين ثار يطالب بحقه في زعامة السلاجقة، أي أن يكون محل طغرلبك في السلطنة. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، 33، 116- 119.
ص: 146
أمر بغداد إضطرابا شديدا، و خاف من بها، و كثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري.
و توقف الكندري الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه، و همت بالايقاع به و توقف ابنها لتوقّفهما عن المسير و الانجاد للسلطان طغرلبك، فنهضا للجانب الغربي من بغداد، و قطعا الجسور من ورائهما و انتهبت دورهما(1)و استولى من كان مع الخاتون من الغزّ على ما فيها من الأموال و الأمتعة و الأثاث و السلاح، و توجهت خاتون في العسكر إلى ناحية همذان، و توجه الوزير الكندري على طريق الأهواز.
فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار، و سعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور، فلم يحضر الإمام و أذن المؤذن في المنارة، و نزل منها، و أعلم الناس أنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادرت(2)إلى أبواب الجامع، و شاهدت قوما من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس، بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور الظهر أربعا من غير خطبة، و في يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري، و في غدوة يوم الاحد (55 ظ) دخل الفساسيري بغداد و معه الرايات المصرية(3)، فضرب مضاربه على شاطىء دجلة، و اجتمع أهل الكرخ و العوام من أهل الجانب الغربي على مضافرة الفساسيري، و كان قد جمع العيّار و أهل الفساد و أطمعهم في نهب دار الخلافة،
1) في رواية ابن العديم:« فبطل عزم الكندري على المسير، فهمت خاتون بالقبض عليه و على ابنها لتركهما مساعدتها على انجاد زوجها، ففرا إلى الجانب الغربي من بغداد، و قطعا الجسر وراءهما، و انتهبت دارهما».
2) في الأصل« فبادروا» و التقويم من رواية ابن العديم و من سياق الخبر.
3) في الأصل« السود» و هو خطأ صوابه ما أثبتناه من رواية ابن العديم علما بأن السواد شعار بني العباس و البياض شعار الاسماعيلية و بقية أحزاب الشيعة.
ص: 147
و الناس إذ ذاك في ضرّ و جهد، قد توالى عليهم الجدب، و غلاء السعر و عزت الأقوات و أقام الفساسيري بمكانه، و القتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة.
فلما كان يوم الجمعة الثاني(1)دعي للمستنصر باللّه صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور، و زيد في الأذان «حي على خير العمل». و شرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق(2)و كفّ الناس عن المحاربة أيّاما، و حضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة، فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة، و خندق الخليفة القائم بأمر اللّه حول داره، و رم ما تشعث منها، و من أسوار المدينة، فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي و الكرخ(3)، و نهض بهم إلى محاربة الخليفة و نشبت الحرب بين الفريقين يومين، و قتل منهما الخلق الكثير.
و أهل هلال ذي الحجة، فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة، فأضرم النار من الأسواق بنهر معلّى و ما يليه، و عبر الناس لانتهاب دار الخليفة، فنهب منها ما لا يحصى كثرة و عظما، و نفّذ الخليفة الى قريش بن بدران العقيلي(4)، و كان قد ظاهر الفساسيري، فأذم للخليفة في نفسه، و لقيه قريش أمير بني عقيل، فقبل الأرض دفعات، و خرج الخليفة من الدار راكبا، و بين يديه راية سوداء و عليه قباء أسود و سيف و منطقة، و على رأسه
1) في رواية ابن العديم:« الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة».
2) في رواية ابن العديم:« و شرع البساسيري في اصلاح الجسر، فعقده بباب الطاق، و عبر عسكره عليه، و أنزله بالزاهر».
3) في رواية ابن العديم:« أهل الجانب الغربي عموما، و أهل الكرخ خصوصا» ذلك أن جل أهل الكرخ كانوا من الشيعة.
4) في الأصل: مؤنس بن بدر الصقلبي، و هو تصحيف، صوابه ما أثبتنا من رواية ابن العديم و مما هو معروف في المصادر حول ثورة البساسيري و تاريخ الدولة العقيلية بالموصل.
ص: 148
عمامة تحتها قلنسوة و الأتراك (في)(1)أعراضه و بين يديه، و ضرب له قريش خيمة في الجانب الغربي فدخلها و أحدق به خدمه.
و ماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم بن المسلمة الفساسيري و يده قابضة على يده و كمّه، و قبض على قاضي القضاة الدامغاني، و جماعة معه، و حملوا إلى الحريم الطاهري، و قيّد الوزير و القاضي، فلما كان يوم الجمعة الرابع(2)من ذي الحجة، لم يخطب بجامع الخليفة، و خطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر، و في هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغداد.
و لما كان (56 و) اليوم التاسع من ذي الحجة، و هو يوم عرفة أخرج الخليفة القائم بأمر اللّه من الموضع الذي كان فيه، و حمل الى الأنبار و منها إلى حديثة عانة على الفرات، فحبس هناك، و كان صاحب الحديثة الأمير مهارش هو المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه، و كان حسن الطريقة.
و لما كان يوم الإثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة على جمل، و طيف به في محال الجانب الغربي، ثم صلب (حيا)(3)بباب الطاق و خراسان و جعل على فكيه كلابان من حديد (و علق)(4)على جذع، فمات رحمه اللّه بعد صلاة العصر، و أطلق القاضي الدامغاني بمال قرر عليه.
ص: 149
قال أبو بكر الخطيب رحمه اللّه: ثم خرجت يوم النصف من صفر سنة إحدى و خمسين و أربعمائة من بغداد، و لم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه ابراهيم ينال و كسره و قتله، ثم كاتب الأمير قريشا باطلاق الخليفة (و اعادته)(1)إلى داره.
و ذكر أن الفساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طغرلبك متوجه إلى ناحية العراق، و أطلع الفساسيري أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف(2)على ذلك، و جعله السفير بينه و بين الخليفة فيه، و شرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف طغرلبك عن وجهته.
و كاتب طغرلبك مهارشا في أمر الخليفة و إخراجه من محبسه، فأخرجه و عبر به الفرات، و قصد به تكريت في نفر من بني عمه، و قد بلغه أن طغرلبك بشهر زور فلما قطع الطريق عرف أن طغرلبك قد حصل ببغداد، فعاد راجعا حتى وصل النهروان، فأقام الخليفة هناك، و وجّه طغرلبك مضارب في الحال و فروشا برسم الخليفة، ثم خرج لتلقيه بنفسه، و حصل الخليفة في داره، و نهض طغرلبك في عسكر نحو الفساسيري و هو بسقي الفرات، فحاربه إلى أن أظفره اللّه به، و قتله و حمل رأسه إلى بغداد، و طيف به فيها، و علّق بإزاء دار الخلافة(3).
ص: 150
في هذه السنة كان هلاك أرسلان الفساسيري، و عود الخليفة القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين إلى داره على ما تقدم شرحه من أمره.
و فيها أيضا كان ظفر السلطان طغرلبك بأخيه إبراهيم ينال، على باب همذان.
(56 ظ) فيها وصل الأمير المقدم تمام الدولة، قوام الملك، ذو الرئاستين، سبكتكين المستنصري إلى دمشق، و بقي فيها غير وال عليها إلى أن وصل القائد موفق الدولة جوهر الصقلبي من مصر في يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجة سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة، و معه الخلع و سجل الولاية لدمشق بألقابه و الدعاء له: «سلمه اللّه و وفقه»، و الناظر في الأعمال، و حفظ الأموال سديد الدولة أبو عبد اللّه محمد بن حسن الماشكي، على ما كان عليه سبكتين (فأقام)(1)واليا على دمشق إلى أن توفى بها في ليلة الاثنين الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، فكانت ولايته ثلاثة شهور و سبعة عشر يوما.
و في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب محاصرا لها، و مضيقا عليها، و طامعا في تملّكها، و معه منيع بن سيف الدولة(2)، فأقام عليها مدة فلم يتسهل له فيها أرب و لا تيسر طلب، فرحل عنها، ثم حشد بعد مدة و جمع و عاد منازلا لها و مضايقا لأهلها و مراسلا لهم، و تكررت المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها، و تيسر خطبها، فتسلمها
ص: 151
في يوم الاثنين مستهل جمادى(1)الآخرة، و ضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في العساكر المصرية لإنجادها، فخرج منها في رجب سنة اثنتين و نهب حلب بعسكر ناصر الدولة(2)
« أصحاب مكين الدولة قد سبقوك و لم يبق لك و لأصحابك إلّا الاسم بلا فائدة» فامتنع عن النهب، و انسحب نحو الفنيدق حيث تل السلطان، و هناك حدثت معركة الفنيدق. انظر زبدة الحلب: 1/ 278. امارة حلب: 157- 160.
و اتفقت وقعة الفنيدق المشهورة، و انفلال ناصر الدولة و عوده إلى مصر منهزما مخذولا(3)فعاد محمود بجمعه إلى حلب و حصل بها، و أقبل عمه معز الدولة(4)امارة حلب: 161- 162.
و استقام أمره فيها.و في هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه و حشده مدينة الرحبة، و لم يزل نازلا عليها و مضايقا لأهلها و مراسلا لهم إلى أن تسهل الأمر فيها، و سلّمت إليه، و حصل بها في صفر من السنة.
1) في الأصل« يوم الاثنين من جمادى» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا اعتمادا على زبدة الحلب لابن العديم: 1/ 276. انظر أيضا كتابي: امارة حلب( بالانكليزية): 155- 156.
2) في هذه الرواية شيء من اللبس، و جاء في زبدة الحلب لابن العديم و مصادر أخرى أن محمود أدخل مدينة حلب و حاصر في قلعتها مكين الدولة ابن ملهم، ولدى وصول جيش ناصر الدولة انسحب محمود من المدينة، فنزل مكين الدولة و أصحابه إليها فنهبوها، و وصل ناصر الدولة إلى حلب و أراد نهبها فقيل له:
3) وقع ناصر الدولة في أسر محمود و ظل أسيرا حتى سنة 453 حيث أطلق سراحه ثمال بن صالح.
4) في الأصل:« و قتل عمه معز الدولة» و هذا خطأ يوحي بحدوث سقط في الخبر، ذلك أن معز الدولة ثمال بن صالح لم يكن بحلب أثناء سقوطها لمحمود بل كان في مصر، و من هناك صرفه المستنصر و فوض إليه حكم حلب، فأقبل إليها و استطاع انتزاعها من ابن أخيه محمود، انظر زبدة الحلب: 1/ 280- 286.
ص: 152
في هذه السنة وصل الأمير حسام الدولة ابن البجناكي إلى دمشق، واليا عليها في يوم الجمعة الثاني و العشرين من جمادى الأولى منها، و نزل في المزة، و أقام مدة، و ورد الكتاب بعزله، فانصرف عن الولاية، و توجّه نحو حلب في شهر رمضان من السنة.
ثم وصل بعد ذلك عدة الدين و الدولة ناصر الدولة(1)(57 و) بن حمدان إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان من السنة، و حصل بها و قرىء سجل ولايته و أمر فيها و نهى.
و في هذه السنة استقر الصلح و الموادعة بين معز الدولة صاحب حلب و ابن أخيه محمود بن شبل الدولة.
و فيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر للمسير من حلب إلى القسطنطينية رسولا في المحرم منها.
و فيها توفي الأمير معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة، و دفن في المسجد بالقلعة، و ملكها أخوه عطية(2)
1/ 291- 296.
.و في هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة حيدرة بن عضب الدولة إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى، في يوم الإثنين الثامن عشر من ذي القعدة منها، و نزل في أرض المزة و في هذا اليوم سار عدة الدولة ابن حمدان عن الولاية منصرفا إلى مصر، و أقام المؤيد بها في الولاية ما أقام و انصرف عنها معزولا في شهر ربيع الآخر سنة خمس و خمسين و أربعمائة.
ص: 153
في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية و ثغر عكا، من قبل الامام المستنصر باللّه و أمر على جماعة بني سليم و بني فزارة، و فيها توفي القاضي الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابراهيم بن العباس بن الحسن الحسيني بدمشق يوم السبت التاسع و العشرين من شعبان رحمه اللّه.
و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك و قيام ولد(1)(أخيه) ألب أرسلان في المملكة بعده في مدينة الري(2).
ص: 154
وصل الأمير تاج الأمراء المظفر، مقدم الجيوش شرف الملك، عدة الامام، ثقة الدولة، بدر إلى دمشق واليا عليها في يوم الأربعاء الثالث و العشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، و نزل بأرض المزة، و معه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الحسني الزيدي ناظرا في الأعمال و نفقات الأموال، و أقام بها مدة مدبرا لها و آمرا و ناهيا فيها، ثم حدث من أمره بها و الخلف الجاري بينه و بين عسكريتها و رعيتها، و وقعت بينهما محاربات عرف معها عجزه عن المقام بينهم، و الثبات معهم (57 ظ) و خاف على نفسه منهم، فسار عنها كالهارب منها في ليلة الثلاثاء لاربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست و خمسين(1).
و في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب، و حصر عمه عطية فيها، في النصف من شعبان، و قتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق، و لم يتمكن من غرضه فيها، و لا تسهل له أرب منها فرحل عنها.
1) انظر ترجمته في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 298.
ص: 155
لمّا انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هاربا، ندب لولايتها الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان، واليا عليها، و وصل إليها في شهر رمضان من السنة، و أقام بها، و أمر و نهى على عادة أمثاله من الولاة لها.
ثم اقتضى الرأي المستنصري صرفه عنها بشهاب الدولة دري المستنصري، و وصل إليها و تولى الولاية فيها.
و في هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقا لها و لعطية عمه، فاستصرخ(1)بالأمير ابن خان التركي، فأنجده عليه فلما أحس(2)بوصوله، رحل عنها منهزما ثم خاف عطية من الأمير ابن خان، فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه، و رحل ابن خان منهزما، و أنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه، و توجه معه إلى طرابلس، و عاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة.
و فيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق واليا في العشر الأخير من ذي القعدة من السنة، ثم تجدد الرأي في صرفه، فانصرف و توجه إلى الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه، و أقام بها آمرا و ناهيا إلى أن قتل بها في شهر ربيع الآخر سنة ستين و أربعمائة و أقامت دمشق خالية من الولاة إلى أن وصل إليها أمير الجيوش بدر واليا عليها دفعة ثانية في سنة ثمان و خمسين و أربعمائة.
ص: 156
في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب ثالث دفعة، و معه الأمير ابن خان التركي، و أقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان، و لم يزل مضايقا (58 و) لها إلى أن تسهل أمرها، و ملكها، فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق، و لم يدخلها اشفاقا من أحداث حلب، لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه، و النهب لأصحابه.
ص: 157
وصل أمير الجيوش سيف الإسلام بدر إلى دمشق واليا ثانية، و على الشام بأسره في يوم الأحد السادس من شعبان منها و نزل في مرج باب الحديد أياما، و بلغه قتل ولده بعسقلان، فدخل القصر و أقام فيه إلى أن تحركت الفتنة الثائرة بينه و بين عسكرية دمشق و أهلها، و استيحاش كل منهم من صاحبه، فخرج من القصر، و نشبت الحرب بينهم في يوم الجمعة التاسع و العشرين من جمادى الأولى سنة ستين و أربعمائة و قد كان القصر أخرب بعضه في تلك النوبة الحادثة الأولى، و نهب ما كان فيه، فلما عاد بعد ذلك في هذه النوبة، و معه العساكر الجمة من العرب و سائر الطوائف، و نزل على مسجد القدم في رمضان سنة ستين، و اتفق رحيله عنها، فخرج من في البلد من العسكرية و الأحداث إلى القصر فأحرقوا ما كان سالما منه و نقضوا أخشابه بحيث شمله الخراب من كل جهاته.
و في هذه السنة فادى الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح نساء بني حمّاد و النمريين من أسر الروم، و لم يزل مبالغا في ذلك و مجتهدا فيه إلى أن حصلوا في حلب.
فيها وردت الأخبار من ناحية مصر باجتماع العبيد في الصعيد، و كبسهم عسكر الأمير ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان، و انفلال العرب المجتمعة معه، و استظهار العبيد على جانب من عسكره نهبوه، و استولوا عليه، ثم عادوا عليهم و استعادوا ما أخذ لهم و زيادة عليه، و قتل جماعة منهم.
و فيها سأل الأمير ناصر الدولة المستنصر باللّه في حميد بن محمود بن جراح، و حازم بن علي بن جراح فأطلقهما من خزانة البنود، و خلى سبيلهما.
(58 ظ).
ص: 158
وصل الأمير قطب الدولة بارزطغان إلى دمشق واليا عليها في شعبان منها، و وصل معه الشريف السيد أبو طاهر حيدرة بن مستخص الدولة أبي الحسين، و نزل قطب الدولة في دار العقيقي(1)و أقام مدة ثم خرج منها و معه الشريف المذكور في شهر ربيع الأول سنة إحدى و ستين و أربعمائة.
و ورد الخبر بأن أمير الجيوش بدر ظفر بالشريف السيد المذكور، و كان بينهما إحن بعثته على الاجتهاد في طلبه و الارصاد له إلى أن اقتنصه، فلما حصل في يده قتله سلخا، فعظم ذلك على كافة الناس، و أكبروا هذا الفعل و استبشعوه في حق مثله(2)
و قال محمد بن هلال الصابىء لما خرج الشريف و بارز طغان من دمشق يريدان مصر، أشار عليه بارز طغان بن لا يظهر بعمّان البلقاء، لأن بها بدر بن- حازم، و أن يسير في الليل، فلم يقبل، و سار بارز طغان إلى حلة بدر بن حازم و قال: جئنا لتذم لنا و لمن معنا، فقال: و من معكم؟ قالوا: الشريف ابن أبي الجن، فقال: ذم اللّه لكم إلّا الشريف فانه لا بد من حمله إلى أمير المؤمنين، و سار إليه و قبض عليه، و مضى به إلى عكا، فباعه بذهب و خلع و اقطاع، فأركبه أمير الجيوش جملا و قتله أقبح قتلة، ثم سلخ جلده، و قيل سلخه حيا، و صلبه. و لعن أهل الشام بدر بن حازم و العرب، و قالوا: ما هذه عادتهم، و لقد كان الشريف من أهل الديانة و الصيانة و العفة و الأمانة، محبا لأهل العلم، و اصطناع المعروف».
.1) داخل باب الفراديس مكان المدرسة الظاهرية اليوم. مجلة الحوليات الأثرية:
2) كان من خصوم بدر الجمالي، منعه من دخول دمشق، ضمن مسلسل من الحوادث المفجعة في مدينة دمشق أدت إلى احراق الجامع الأموي فيها مع أماكن من المدينة كثيرة و هامة، و قد تحدث غرس النعمة محمد بن هلال الصابىء عن هذه الأحداث بشكل مفصل في أخبار سنة/ 462 ه/ و ترجم للشريف المقتول في وفيات هذه السنة فقال:« حيدرة بن ابراهيم أبو طاهر بن أبي الجن الشريف كان عالما فاضلا، دينا، قرأ القرآن، و سمع الحديث، و لما دخل عسكر بدر الجمالي دمشق هرب منها إلى عمّان البلقاء، فغدر به بدر بن حازم، و كان الشريف قد أطلق أباه حازم من خزانة البنود، و قد ذكرناه.
ص: 159
و في يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى من السنة جاءت زلزلة عظيمة بفلسطين، هدمت أكثر دور الرملة و سورها، و تضعضع جامعها، و مات أكثر أهلها تحت الردم، و حكي أن معلما كان في مكتبه به تقدير مائتي صبي وقع المكتب عليهم، فما سأل أحد عنهم لهلاك أهليهم، و إن الماء طلع من أفواه الآبار لعظم الزلزلة، و هلك في بانياس تحت الردم نحو من مائة نفس، و كذلك في بيت المقدس، و سمع في أيار من هذه السنة رعدة هائلة ما سمع بأعظم منها و لا بأهول من صوتها، فغشي على جماعة من الرجال و النسوان و الصبيان، و طلع في أثرها سحاب هائل، و وقع منه برد شديد الوقع أهلك كثيرا من الشجر، و جاء معه سيل عظيم في بلد الشام قلع ما مر به من الشجر و الصخر، حكي أن ارتفاعه بوادي بني عليم(1)نحوا من ثلاثين ذراعا، و أنه سحب صخرة عظيمة لا يقلّها خمسون رجلا ذهب بها، فلم يعرف مستقرها.
و فيها ورد الخبر بقيام ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان في جماعة من قواد الأتراك و أمراء مصر على المستنصر باللّه بمصر، و أخذهم شيئا كثيرا من المال اقتسموه، و كان أمير الجيوش بدر في مبدأ أمره مقيما بالشام، مظهرا لطاعة المستنصر باللّه، و الموالاة له، و الميل إليه، إلا أنه لا يتمكن من نصرته، و لا يجد سبيلا إلى مؤازرته و معاضدته، و زحف المذكورون إلى دار وزيره
1) على مقربة من دير سمعان المشهور بنواحي حلب. انظرة زبدة الحلب: 1/ 47.
ص: 160
المعروف بابن كدينة فطالبوه بالمال، فقال لهم: و أي مال بقي بعد نهبكم (59 و) الأموال و اقتسامكم الأعمال؟ فألحوا عليه و قالوا: لا بدّ من انفاذك إلى المستنصر باللّه و بعثك له على اخراج المال، و تعريفه في ذلك صورة الحال، فكتب إليه رقعة بشرح القصة، و خرج الجواب عنها بخطة، يقول فيه:
أصبحت لا أرجو و لا أتّقيإلا إلهي و له الفضل
جدّي نبييّ و إمامي أبيو قولي التوحيد و العدل
المال مال اللّه، و العبيد عبيد اللّه، و الإعطاء خير من المنع، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(1)
و في هذه السنة خرج متملك الروم من القسطنطينية الى الثغور(2)
.... و أما محمد بن عصودا فإنه لما انهزم، سار الى الأحساء، هو و ظالم بن مرهوب العقيلي، و حثا القرامطة على المسير الى الشام، فوافق ذلك منهم الغرض، لأن الاخشيدية كانت تحمل في كل سنة الى القرامطة مالا، فلما أخذ جوهر مصر، انقطع المال عن القرامطة فأخذوا في الجهاز للمسير الى الشام.
و كثرت الأخبار بمسير القرامطة الى الشام، و أنهم نزلوا على الكوفة، و كتبوا الى الخليفة ببغداد، فأنفذ اليهم خزانة سلاح، و كتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب عبد اللّه بن ناصر الدولة بن حمدان، من مال الرحبة، و أنهم ساروا من الكوفة الى الرحبة و أخذوا من ابن حمدان المبلغ، فكتب جعفر الى غلامه فتوح و هو على أنطاكية يأمره بالرحيل فوافاه الكتاب مستهل شهر رمضان، فشرع في شد أحماله، و نظر الناس اليه فجفلوا و رموا خيمهم، و أراقوا طعامهم، و أخذوا في السير مجدين الى دمشق، فلما وافوا جعفر أراد أن يقاتل بهم القرامطة، فلم يقفوا، و طلب كل قوم موضعهم، و لم يبالوا بالموكلين على الطرق.
و عندما نزل القرامطة على الرحبة أكرمهم أبو تغلب، و بعث الى الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، المعروف بالأعصم، كبيرهم يقول له: هذا شيء أردت أن أسير فيه بنفسي لكني مقيم في هذا الموضع الى أن يرد إلي خبرك، فإن احتجت الى سيري سرت إليك، و نادى في عسكره من أراد السير من الجند- الاخشيدية و غيرهم الى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه، و قد أذنا له في المسير و المعسكران واحد، فخرج الى القرامطة كثير من الاخشيدية الذين كانوا بمصر و فلسطين، ممن فر من جوهر و جعفر بن فلاح، و كان جعفر لما أخذ طبرية بعث الى أبي تغلب ابن حمدان بداع يقال له أبو طالب التنوخي، يقول له: إنا سائرون اليك فتقيم لنا الدعوة، فلما قدم الداعي على أبي تغلب و هو بالموصل، و أدى الرسالة، قال له: هذا ما لا يتم لأننا في دهليز بغداد، و العساكر منا قريبة، و لكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار، أمكن ما ذكرته، فانصرف بغير شيء.
ثم ان الحسن بن أحمد القرمطي، سار عن الرحبة الى أن قرب من دمشق، فجمع جعفر خواصه و استشارهم، فاتفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البرية قبل أن يتمكنوا من العمارة، فخرج اليهم و لقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم عنه عدة من أصحابه، فولى في عدة ممن معه، و ركب القرامطة أقفيتهم، و قد تكاثرت العربان من كل ناحية، و صعد الغبار، فلم يعرف كبير من صغير، و وجد جعفر قتيلا لا يعرف له قاتل، و كانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين و ثلاثمائة.
فامتلأت أيدي القرامطة بما احتووا عليه من المال و السلاح و غيره، و خرج محمد بن عصودا إلى جثة جعفر بن فلاح، و هي مطروحة في الطريق، فأخذ رأسه و صلبه على حائط داره، أراد بذلك أخذ ثأر أخيه اسحق بن عصودا، و ملك القرامطة دمشق، و ورد الخبر بذلك على جوهر القائد، فاستعد لحرب القرامطة ...
.ص: 161
الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة بن منزو الكتامي، ولي دمشق قهرا و غلبة و قسرا، من غير تقليد في يوم الخميس الثامن من شوال سنة إحدى و ستين و أربعمائة، بحيل نمّقها و محالات اختلقها و لفّقها، و ذكر أن التقليد بعد ذلك وافاه، فبالغ في المصادرات حينئذ و ارتكب من الظلم و مصادرة المستورين الأخيار ما هو مشهور و من العيث و الجور ما هو شائع بين الأنام مذكور، و لم يلق أهل البلد من التعجرف و الظلم و العسف بعد جيش بن الصمصامة في ولايته، ما لقوه من ظلمه، و سوء فعله و قاسوه من اعتدائه و لؤم أصله، و لم تزل هذه أفعاله إلى أن خربت أعمالها، و جلا عنها أهلها، و هان عليهم مفارقة أملاكهم، و سلوّهم عن أوطانهم بما عانوه من ظلمه، و لا بسوه من تعديه و غشمه، و خلت الأماكن من قاطنيها، و الغوطة من فلاحيها، و ما برح لقاه اللّه على هذه القضية المنكرة، و الطريقة المكروهة الى أن أجاب اللّه- و له الحمد و الشكر- دعاء المظلومين، و لقّاه عاقبة الظالمين، و حقق الأمل فيه بالراحة منه، و أوقع بينه و بين العسكرية بدمشق الشحناء و البغضاء، فخاف على نفسه الهلاك و البوار، فاستشعر الوبال و الدمار، فلم يكن له إلا الهرب منهم، و النجاة من فتكهم، لأنهم عزموا على الايقاع به، و النكاية فيه، و قصد ناحية بانياس(1)(59 ظ) فحصل فيها في يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي الحجة سنة سبع و ستين و أربعمائة
1) بانياس الداخل، في هضبة الجولان المحتلة، من أهم المواقع، كانت تعتبر مفتاحا لدمشق، و نقطة دفاع أولى عنها، بجوارها قلعة حصينة تعرف الآن بقلعة« النمرود».
ص: 162
فأقام بها و عمّر ما عمره من الحمام و غيره فيها، ثم خرج منها في أوائل سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة خوفا من العسكر المصري أن يدركه فيها، فيأخذه منها، و حصل بثغر صور عند ابن أبي عقيل القاضي المستولي عليها، ثم صار من صور إلى طرابلس، و أقام بها عند زوج أخته جلال الملك ابن عمار(1)مدة، و أطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال قتلا بالنعال في سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة و ذلك جزاء الظالمين، «وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ»(2).
و في هذه السنة وقع الخلف بدمشق بين العسكرية، و بين أهلها، و طرحت النار في جانب منها فاحترقت، و اتصلت النار منه بالمسجد الجامع من غربيّه فاحترق في ليلة يوم الاثنين انتصاف شعبان من السنة، فقلق الناس لهذا الحادث و الملمّ المؤلم الكارث، و أسف القاصي و الداني لاحتراق مثل هذا الجامع الجامع للمحاسن و الغرائب، المعدود من إحدى العجائب حسنا و بهاء و رونقا و سناء، و كيف أصابت مثله العيون الصوائب وعدت عليه عادية النوائب(3)
و أما أخبار الشام، فإن بدر الجمالي كان قد ورد دمشق واليا على الشام سنة ثمان و خمسين، و وصل عسقلان، و غزا بني سنبس()، و نكا فيهم، و عاد إلى() من فروع قبائل طىء. انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم. ط. القاهرة:
196، ص: 402. الأقحوانة، و جاء أميران أخوان من سنبس، فقتلهما لأجل غارات كانت لهما بالشام قبل وصوله إليه، ثم صار يشق حلل العرب: كلب و طيء و غيرها شقا، و فعل فعلا لم يسبقه أحد إليه حتى وصل دمشق، فنزل قصر السلطان بظاهرها، و أقام سنة و كسر، فأمن الناس لهيبته، ثم قبض على ابن أبي الرضا، خليفة الشريف القاضي، المكنى بأبي الفضل اسماعيل بن أبي الجن العلوي، و على جماعته، و أخذ منهم عشرة آلاف، و وهبها لحازم بن جراح، المفرج عنه من مصر، و كان قد هرب إليه، فأعطاه المال استكفافا له عن معاونة الشريف أبي طاهر بن أبي الجن، المنفذ معه حازم لافساد أمر بدر بالشام، و إثارة أهل دمشق عليه، و لما فعل بدر بالمذكورين ما فعل، ثار أهل دمشق عليه، و أغلقوا أبوابها و حاربوه، و ساعدهم حصن الدولة ابن منزو، و راسلهم مسمار بن سنان الكلبي، و راسلوه و حالفوه، و جاءت عرب مسمار، فأغارت على قصر السلطنة بدمشق بظاهرها، و عادوا لبدر الجمالي و راوحوه، فأنفذ ثقله و أهله إلى صيدا، و مضى خلفهم إليها، و جمع ابن منزو عسكره و عسكر دمشق لقصد بدر، فلما عرف ذلك رجل إلى صور و حاصرها، و متوليها القاضي الناصح، ثقة الثقات، عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد اللّه بن أبي عقيل، فحاصرها أياما و قرب منه ابن منزو، و سار إلى عكا، و أقام أياما دخل فيها بزوجته بنت رقطاش التركي، و مضى إلى عسقلان ثم عاد إلى دمشق) و جاء الشريف ابن أبي الجن من مصر إلى دمشق، و كان أهلها هدموا قصر السلطنة و درسوه، و كان عظيما يسع ألوفا من الناس، و أقام على دمشق سبعة و عشرين يوما، و معه حازم و حميد ابنا جراح اللذان اتفقا مع الشريف على الفتك ببدر، و كان حميد قد طمع من بدر في مثل ما فعله مع حازم، و لما عجز بدر عن دمشق عاد إلى عكا لأن الشريف و العساكر دفعوا عنها، و لما رحل عن دمشق، اختلف العسكر و أحداث البلد، فنهب العسكر بعض البلد، و نادوا بشعار بدر الجمالي، و استدعوا منه صاحبا يكون عندهم فأنقذ إليهم رجلا يعرف بالقطيان في جماعة من أصحابه، فدخل دمشق و هرب الشريف ابن أبي الجن و ولدا ابن منزو، و كان أبوهما قد مات على صور في هذه السنة، فنزل ابنا منزو على الكلبيين، و سار الشريف طالبا مصر، فاجتاز بعمّان البلقاء، و بها بدر بن حازم صاحبها، فقبض على الشريف و باعه من بدر الجمالي باثني ألف دينار، فقتله أمير الجيوش بعكا خنقا.
و بعث بدر الجمالي إلى دمشق علويا يعرف بابن أبي شوية من أهل قيسارية و أمره بمصادرة الشريف أبي الفضل بن أبي الجن أخي المقتول، و جماعة من مقدمي دمشق، و علم أهل دمشق، فثاروا على ابن أبي شوية و أخرجوه، و لعنوا أمير الجيوش و وافقهم العسكر، و بعثوا إلى مسمار بن سنان، و حازم بن نبهان ابن القرمطي(*) أميرا بني كلب، و بذلوا اليهما تسليم البلد فبعث إليهم مسمار يقول: لا يمكنني الدخول الى البلد و تملكه و العسكر جميعه فيه و المغاربة و المشارقة و يجب أن تخالفوا بينهم و تخرجوا المشارقة، ففعلوا و صاروا أحزابا، و كان القتال في غربي الجامع و رمى المشارقة و أهل البلد بالنشاب من دار قريبة من الجامع، فضربت الدار بالنار فاحترقت، و ثارت النار منها إلى الجامع فاحرقته ليلة نصف شعبان هذه السنة، و لما رأى العوام ذلك تركوا القتال و قصدوا الجامع طمعا في تلافيه ليتداركوا ما حدث فيه، ففات الأمر فرموا سلاحهم، و لطموا و استغاثوا إلى اللّه تعالى و تضرعوا، و قالوا: كم نحلف و نكذب و نعد و نحنث، و نعاهد و ننكث، و النار تعمل إلى الصباح، فأصبح الجامع، و لم يبق منه إلّا حيطانه الأربعة، و صاروا أيام الجماعات يصلون فيه على التلال، و هم يبكون، و انهزموا بعد ذلك، و نهبت دورهم و أموالهم، و أنفذ مسمار واليا على دمشق من قبله يعرف بفيتان، و راسل مسمار أهل البلد ثانيا بأن يهبوا و يثبوا على المغاربة فيخرجوهم، و اتفق هو و أهل البلد، فثاروا عليهم، و تأخر مسمار عنهم، و اقتتلوا فظهر عليهم المغاربة و أحرقوا قطعة من البلد، و نهبوا أكثره، و نادوا بشعار بدر الجمالي، و وصل مسمار بعد ذلك إلى باب البلد، و قد فات الأمر الذي ورد له، فراسله المغاربة على أن يمكنهم من المقام في البلد و يعطونه مائة ألف دينار، فرضي و أقام أياما في المكان، و طالبهم بالمال، فلم يعطوه شيئا، و لم يكن له قدرة عليهم، فسار إلى السواد و كان ما نهب المغاربة من دمشق يساوي خمسمائة ألف دينار، و تتبّعوا أحداث دمشق، فقتلوا منهم سبعين حدثا.
و مضى سنان الدولة ولد ابن منزو إلى أمير الجيوش و صالحه و صاهره على أخته، و عاد إلى دمشق واليا عليها من قبل أمير الجيوش و أطاعته المغاربة، و سلموها اليه فدخلها ....
و فيها استولى القاضي مختص الدولة ابن أبي الجن أخو حيدرة المقتول على دمشق و طرد نواب أمير الجيوش، و استولى على صور ابن أبي عقيل، و على طرابلس قاضيها ابن عمار، و على الرملة و الساحل ابن حمدان، و لم يبق لأمير الجيوش غير عكا و صيدا.
(*) كان بنو القرمطي من أسر الزعامة الكلبية، و ليس هناك علاقة واضحة بين هذه التسمية و جماعات القرامطة.
.1) صاحب طرابلس 464- 492 ه/ 1072- 1099 م) و هو الذي سلم معلى بن حيدرة إلى الفاطميين. انظر كتاب طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي للدكتور سيد عبد العزيز سالم. ط. الاسكندرية: 1967 ص: 68- 70.
2) القرآن الكريم- البقرة: 144.
3) الذي قدمه غرس النعمة محمد بن هلال الصابىء عن حوادث دمشق أكثر تفصيلا، و لأهميته قام أمدروز المحقق الأول لكتاب ابن القلانسي بتثبيت رواية غرس النعمة هذه في الحاشية، لكن كما ألم بنص ابن القلانسي التصحيف، كذلك حدث بالنسبة لنص ابن الصابىء، و لقد أبقيت نص ابن الصابىء بعد ضبطه و اعتمدت في عملي على نسختين مخطوطتين من مرآة الزمان، واحدة في باريس و الثانية في استانبول- انظر حوادث سنة 462 ه حيث جاء:
ص: 163
و فيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها، و قلة الأقوات في
ص: 164
أعمالها و اشتداد الحال في ذلك، و اضطرارهم إلى أكل الميتة، و أكل الناس
ص: 165
بعضهم بعضا من شدة الجوع، و قتل من يظفر به، و أخذ ماله و استغراق حاله، و من سلم هلك، و احتاج الأمير و الوزير و الكبير الى المسألة.
و فيها نزل الروم على حصن أسفونا(1)، و ملكوه.
فيها نزل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر المستنصري في العسكر المصري على ثغر صور، محاصرا لعين الدولة ابن أبي عقيل القاضي، الغالب عليه، فلما أقام على المضايقة له و الاضرار به، كاتب القاضي ابن أبي عقيل الأمير قرلو مقدم الأتراك(2)
انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 132- 133، 152- 156.
المقيمين بالشام مستصرخا له و مستنجدا به، فأجابه إلى طلبه و أسعفه بأربه، و سار بعسكره منجدا له و مساعدا، و وصل إلى ثغر صيدا، و نزل عليه في ستة آلاف، فحصره و ضيّق عليه و على من فيه، و كان في جملة ولاية أمير الجيوش المذكور، فحين عرف أمير الجيوش صورة الحال، و وصول الأتراك لانجاد من بصور و اسعاده، قادته (60 و) الضرورة إلى الرحيل عن صور بعد أن استفسد كثيرا من أهلها و العسكرية بها، بحيث قويت بهم شوكته، و زادت بهم عدته، و تلوم عنها قليلا، ثم عاود النزول عليها و المضايقة لها، و أقام عليها في البر و البحر مدة سنة احتاج أهلها مع ذلك إلى أكل الخبز الرطل بنصف دينار، و لم يتم له أمر فيها، لاختلاف الأتراك في الشام فرحل عنها.و في هذه السنة مرض الأمير محمود بن صالح في حلب مرضا شديدا،
ص: 166
و خطب للامام القائم لأمر اللّه على منبر حلب، و قطع الدعوة المستنصرية في تاسع عشر شوال(1)
2/ 17- 18 أنه وضع العساكر على باب الجامع لمنع الناس من مغادرته لدى سماعهم الخطبة للخليفة العباسي، فعندما انتهت الصلاة،« أخذت العامة الحصر التي في الجامع، و قالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليجىء أبو بكر بحصر حتى يصلي عليها الناس».
.و فيها فتح ملك الروم ثغر منبج و أحرقه، و عاد تقدم بعمارته(2)و رحل عنه إلى ناحية منازجرد(3)فعاث في أطرافها إلى أطراف خراسان و بقيت منبج في ملكة هذا الملك، و اسمه على ما ذكر ابن دوجانس(4)، سبع سنين، و دام في الملك على ما حكي ثلاثين سنة.
فيها جمع أتسز بن أوق مقدم الأتراك الغزّ بالشام(5)و احتشد و قصد أرض فلسطين، فافتتح الرملة، و بيت المقدس، و ضايق دمشق، و واصل
1) كان جل أهالي حلب من الشيعة الامامية لذلك لاقى محمود صعوبات كبيرة حين ألغى الدعوة للخليفة الفاطمي و استبدلها بالخطبة للخليفة العباسي و ذلك بسبب تهديد السلاجقة لامارته، و يروى ابن العديم في زبدة الحلب:
2) قام الامبراطور رومانوس بعدة حملات عسكرية استهدف منها احتلال مواقع متقدمة داخل الأراضي الاسلامية ليضع فيها حاميات بيزنطية تتولى رصد جماعات التركمان و منعها من دخول آسية الصغرى، و كان من جملة ما احتله منبج حيث رمم حصنها و وضع فيه حامية بقيت فيه سبع سنين. انظر زبدة الحلب: 1/ 12- 14. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 138- 139.
3) قرب بحيرة وان في تركية حاليا، عندها وقعت المعركة الفاصلة بين البيزنطيين و السلطان ألب أرسلان، كما سنرى.
4) في الأصل:« أليز دوجانس» و أليز زيادة لعلها تصحيف« ابن» فالامبراطور هو رومانوس بن دايجينس و قد حكم فيما بين 1068- 1071 م) و ليس ثلاثين سنة كما ورد في الأصل، انظر كتاب« أربعة عشر حاكما بيزنطيا» لميخائيل بزللوس( ترجمة انكليزية) سلسلة بنكوين 1966 ص: 350- 366.
5) له ترجمة جيدة في كتاب المقفى للمقريزي، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 265- 268.
ص: 167
الغارات عليها و على أعمالها، و قطع الميرة عنها، و رعى زرعها عدّة سنين في كل ربيع لمضايقتها و الطمع في ملكتها، و لم يزل مترددا إلى أن اضطرب أمرها، و خربت المنازل بها، و زاد غلاء الأسعار فيها، و عدم تواصل الأقوات إليها و جلا أكثر أهلها عنها، و استحكم الخلف بين العسكرية المصامدة(1)و الأحداث من أهلها، و كون معلى بن منزو لعنه اللّه قد هرب عنها، و لم يبق فيها من المقدمين على الأجناد غير الأمير زين الدولة زمام المصامدة بها.
و في هذه السنة نزل السلطان العادل ألب أرسلان بن داود- أخي السلطان طغرلبك- بن سلجوق رحمه اللّه على حلب محاصرا و بها محمود بن صالح في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة، و ضايقها إلى أن ملكها بالأمان، فخرج محمود إليه فأمّنه و أنعم عليه و ولاه البلد، و رحل عنه ثالث و عشرين رجب قاصدا إلى بلاد الروم طالبا ملكهم، و قد توجه إلى منازجرد فلحقه و أوقع به و هزمه، و كان عسكره على ما حكي تقدير ستمائة ألف من الروم و ما انضاف اليهم من سائر الطوائف و عسكر (90 ظ) الاسلام على ما ذكر تقدير أربع مائة ألف من الأتراك و جميع الطوائف، و قتل من عسكر الروم الخلق الكثير بحيث امتلأ واد هناك عند التقاء الصفّين، و حصل الملك في أيدي المسلمين أسيرا، و امتلأت الأيدي من سوادهم و أموالهم و آلاتهم و كراعهم و لم تزل المراسلات مترددة بين السلطان ألب أرسلان و بين ملك الروم المأسور إلى أن تقرر اطلاقه و المنّ عليه بنفسه بعد أخذ العهود عليه و المواثيق بترك التعرّض لشيء من أعمال الاسلام، و إطلاق الاسارى، و أطلق و سيّر الى بلده، و أهل مملكته، فيقال أنهم اغتالوه و سملوه(2)و أقاموا غيره في
ص: 168
مكانه لأشياء أنكروها عليه، و نسبوها إليه(1).
في المحرم منها قتل الأمير جعبر صاحب قلعة دوسر، فيها بمكيدة نصبت(2)له و حيلة تمت عليه و غفلة استمرت به.
و فيها ملكت الرقة و استولي عليها، و فيها نهض محمود بن صالح من حلب فيمن حشد من العرب و قصد ناحية عزاز في يوم السبت الثاني و العشرين من رجب للقاء الروم، فاندفعت الروم بين أيدي العرب، و العرب في عدّة قليلة تناهز ألف فارس و قصدوا أنطاكية، و اجتمعوا بها، و عادت العرب إلى حلب(3).
و فيها ورد الخبر من بغداد في شهر ربيع الأول منها بأن الامام الحافظ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب رحمه اللّه توفي يوم الاثنين
1) تعد معركة مناز كرد من معارك التاريخ الكبرى، و سبق لي الاهتمام بهذه المعركة حيث جمعت حولها جميع ما جاء في المصادر العربية و غير العربية من مطبوع و مخطوط، و نشرت هذه النصوص في كتابي مختارات من كتابات المؤرخين العرب. دمشق: 1971، ص: 96- 151، كما قمت بدراسة هذه المعركة في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 143- 152، و مفيد هنا أن أشير إلى أن المصادر العربية بالغت في تقدير تعداد العساكر، فالرقم الذي ذكره ابن القلانسي يقبل منه العشر فقط.
2) قلعة دوسر هي نفس قلعة جعبر، و هي قائمة الآن وسط بحيرة سد الفرات في سورية، و قد تملك هذه القلعة أحد زعماء قبيلة قشير و اسمه جعبر بن سابق، و كان يقوم منها بقطع الطريق على السابلة و بغارات سلب و نهب، فنسبت القلعة إليه، و قد انتزعت هذه القلعة من صاحبها سنة 479 ه/ 1086 م من قبل السلطان السلجوقي ملكشاه أثناء قدومه إلى الشام، حيث حاصرها و أنزل منها صاحبها- جعبر- و قتله، و على هذا لا يمكن اعتماد رواية ابن القلانسي.
3) انظر زبدة الحلب: 2/ 30- 31.
ص: 169
السابق من ذي الحجة منها، و حمل الى الجانب الغربي من بغداد وصلي عليه، و دفن بالقرب من قبة أحمد بن حنبل رحمه اللّه(1).
فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد بن منقذ من حلب خوفا من صاحبها الأمير محمود بن صالح، حين عرف عزمه على القبض عليه، و قصد المعرّة، ثم قصد كفر طاب(2).
فيها ورد نعي الأمير عطية(3)عم الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة.
و فيها ورد سار الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه و حشده من عسكره الى الرحبة.
و في هذه السنة وردت الأخبار باستشهاد السلطان العادل ألب أرسلان ابن داود(4)أخي السلطان طغرلبك، ملك الترك، على نهر جيحون، عند
1) انظر حوله كتابي مائة أوائل من تراثنا- ط. دمشق 1982، ص 388- 392.
2) كانت كفر طاب بلدة ذات شهرة و مكانة كبيرة، بقاياها اليوم قائمة على قرابة/ 2 كم/ إلى الغرب من بلدة خان شيخون على الطريق العام الواصل بين حماه و معرة النعمان فحلب، و كان الأمير علي أخا لمحمود بالرضاعة، صاحب مكانة كبيرة في بلاد الشام، و هو الذي استولى على قلعة شيزر الحصينة، و سبب قيام الأسرة المنقذية ذات الدور الكبير أيام الحروب الصليبية. انظر زبدة الحلب: 2/ 34- 35. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 186- 188.
3) هرب عطية بعد انتزاع حلب منه إلى الأراضي البيزنطية، و جاء بعد معركة منازكرد على رأس قوة بيزنطية يريد مدينة حلب، فأخفق، و من ثم عاد و ذهب إلى القسطنطينية، حيث قيل بأنه« سقط من سطح كان نائما عليه و هو سكران، فمات سنة أربع و ستين» زبدة الحلب: 2/ 31.
4) في الأصل: عبدد، و هو تصحيف صوابه ما أثبتناه، فألب أرسلان هو« ابن جغري بك .... و له و لكل واحد من آبائه اسم آخر بالعربية، و اسمه بالعربية محمد بن داود ...» مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 278.
ص: 170
حصن هناك بيد من اغتاله من الباطنية، المتزيين بطريقة الزهّاد المتصوفة على القضية المشهورة (61 و) و السجية المذكورة(1).
فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن(2)في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر.
و فيها وردت الأخبار من بغداد بزيادة مدّ دجلة، حتى غرق بها عدة أماكن، و هدم عدة مساكن.
و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانتصاب السلطان العادل ملك شاه، أبي الفتح محمد بن السلطان الب أرسلان في المملكة بعد أبيه، و جلوسه على سرير الملك، بعد أخذ البيعة له على أمراء الأجناد، و كافة ولاة الأعمال و البلاد، فاستقامت له الأمور، و انتظمت به الأحوال على المراد و المأثور، و استمر التدبير على نهج الصلاح و سنن النجاح، و سلك في العدل و الانصاف، مسلك أبيه، العادل عن طريقة الجور و الاعتساف، و رتب النواب في الأعمال و الثقات في حفظ الأموال.
1) لا علاقة للباطنية باغتيال ألب أرسلان، ذلك أنه عبر سنة خمس و ستين و أربعمائة نهر جيحون على رأس جيش كبير« فأتاه أصحابه بمستحفط قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، و حمل إلى قرب سريره، و هو مع غلامين، فتقدم بأن يضرب له أربعة أوتاد و تشد أطرافه إليها، فقال: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة؟ فاحتد السلطان ألب أرسلان، و أخذ القوس و النشابة، و حرص على قتله، و قال للغلامين: خلياه، و رماه فأخطأه .... فعدا يوسف إليه، و كان السلطان جالسا على سدة، فنهض و نزل فعثر، و وقع على وجهه، و قد وصله يوسف، فبرك عليه و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته، و دخل السلطان إلى خيمته و هو مثقل، و لحق بعض الفراشين يوسف فقتله بمروة كانت في يده، و قضى ألب أرسلان نحبه». مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 291.
2) قلعة بالجزيرة قرب سميساط. انظر زبدة الحلب: 2/ 42.
ص: 171
و فيها توفي أبو علي الحسين بن سعيد بن محمد بن سعيد العطار بدمشق، في يوم الجمعة من صفر، و كان من أعيان شهودها، و حدث عن جماعة.
فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة القائم بأمر اللّه أبي جعفر عبد اللّه بن الإمام القادر باللّه في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، و أمه أم ولد تسمى قطر الندى رومية، و أدركت خلافته و ماتت في رجب سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة، و كان مولده في الساعة الثالثة من نهار يوم الخميس، و قيل الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة و تولى الأمر بعد أبيه و عمره إحدى و ثلاثون سنة في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة، (و مات)(1)و عمره ست و سبعون سنة، و كانت أيامه أربعا و أربعين سنة و تسعة أشهر و أياما، و كان جميلا مليح الوجه أبيض اللون مشربا حمرة، حسن الجسم أبيض الرأس و اللحية، و رعا متدينا زاهدا عالما(2)، و كان رحمه اللّه قد بلي من أرسلان الفساسيري بما بلي إلى أن أهلكه اللّه و أراحه، بالعزائم السلطانية، حسب ما تقدم به شرح الحال.
و روي عنه أنه لما اعتقل في الحديثة كتب رقعة، و أنفذها إلى مكة حرسها اللّه تعالى مستعديا (61 ظ) إلى اللّه تعالى على الفساسيري، و علقت على الكعبة، و لم تحط عنها إلى أن ورد الخبر بخروجه من الاعتقال من الحديثة، و عوده إلى داره، و هلاك عدوه الفساسيري، و عنوانها:
ص: 172
«إلى اللّه العظيم، من المسكين عبده». و نسخة الاستغاثة(1):
«بسم اللّه الرحمن الرحيم» اللهم إنك العالم بالسرائر، و المطلع على مكنون الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك و اطلاعك على خلقك عن إعلامي(2)، هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك و ما شكرها، و ألغى العواقب و ما ذكرها، أطغاه حلمك و تجبّر بأناتك حتى تعدى علينا بغيا و أساء إلينا عتوا و عدوانا.
اللهم قل الناصر، و اعتز الظالم، و أنت المطلع العالم و المنصف الحاكم، بك نعتزّ عليه، و إليك نهرب من (بين)(3)يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، و نحن نعتزّ بك يا رب العالمين.
اللهم إنّا حاكمناه إليك، و توكلنا في انصافنا منه عليك، و رفعنا ظلامتنا هذه الى حرمك، و وثقنا في(4)كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين، و أظهر اللهم قدرتك فيه، و أرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم.
اللهم فاسلبه عزه، و ملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين، و صل يا رب على محمد و سلم و كرم».
1) أثبت ابن العديم في كتابه( بغية الطلب) نص هذه الاستغاثة في ترجمته للبساسيري، انظر مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 263. و على رواية ابن العديم ضبط نص ابن القلانسي.
2) في رواية ابن العديم زيادة« عن اعلامي بما أنا فيه».
3) زيادة من رواية ابن العديم.
4) في رواية ابن العديم: و قد رفعت ظلامتي الى حرمك، و وثقت في كشفها بكرمك ......
ص: 173
و تولى بعده الأمر ولد ولده الإمام أبو القاسم عبد اللّه(1)بن ذخيرة الدين (بن)(2)القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين، و كان ذخيرة الدين، ولي العهد، فتوفي في حياة أبيه القائم بأمر اللّه، فعقد الأمر لابنه أبي القاسم عبد اللّه، و لقبه المقتدي باللّه، و أخذت له البيعة في شعبان سنة سبع و سبعين و أربعمائة، و عمره تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و أيام.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح، بحلب في جمادى الأولى، و قام في منصبه ولده الأمير نصر بن محمود(3)، و هنّأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان بن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيها:
و قد جاد محمود بألف تصرّمتو إني سأرجو أن سيخلفها نصر(4)
فأطلق له ألف دينار، و قال له: لو كنت قلت «سيضعفها نصر» لفعلت.
1) في الأصل« عبد الرحمن» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.
2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
3) أوصى محمود قبل وفاته بحلب لابنه شبيب، و كان أصغر أولاده، فلم تنفذ وصيته. انظر زبدة الحلب: 2/ 42- 45.
4) القصيدة رائية، لعلها عرفت بالألفية لما جاء فيها، و اختلفت روايات هذا البيت، انظر ديوان ابن حيوس: 1/ 248. زبدة الحلب: 2/ 46.
ص: 174
(62 و) لما هرب معلى بن حيدرة بن منزو(1)لعنه اللّه من ولاية دمشق على القضية (التي سبق)(2)ذكرها اجتمعت المصامدة إلى الأمير رزين الدولة انتصار بن يحيى، زمامهم و المقدم عليهم و اتفق رأيهم على تقديمه في ولاية دمشق، و تقوية نفسه على الاستيلاء عليها، و دفع من ينازعه فيها، و وقع ذلك من أكثر الناس أجمل موقع، و أحسن موضع، و ارتضوا به، و مالوا إليه لسداد طريقته، و حميد سيرته، و كونه أحسن فعلا ممن تقدمه، و أجمل قصدا ممن كان قبله، فاستقر الأمر على هذه القضية، و السجية المرضية في يوم الأحد مستهل المحرم من السنة.
و في هذه السنة اشتد غلاء الأسعار في دمشق، و عدمت الأقوات، و نفذت الغلات منها، و اضطر الناس إلى أكل الميتات، و أكل بعضهم بعضا، و وقع الخلف بين المصامدة و أحداث البلد، و عرف الملك أتسز بن أوق مقدم الأتراك (ذلك)(3)و ما آلت إليه الحال، و كان متوقعا لمثل ذلك، فنزل عليها، و بالغ في المضايقة لها، إلى أن اقتضت الصورة، و قادت الضرورة إلى تسليمها إليه بالأمان، و توثق منه بوكيد الأيمان.
فلما دخلها في ذي القعدة سنة ثمان و ستين و أربعمائة و حصل بها، نزل بأهلها منه قوارع البلاء، بعدما عانوه من ابن منزو لعنه اللّه، و اشتداد البلاء من
ص: 175
إنزال دورهم و إخراجهم منها، و اغتصاب أملاكهم و القبض لها، و استعمال سوء السيرة و خبث النية و السريرة، و تواصلت الدعوات عليه من سائر الناس، و على أصحابه و أتباعه في جميع الأوقات، و أعقاب الصلوات و الرغبة إلى اللّه تعالى ذكره باهلاكه و تعفية آثاره(1).
و في هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأن الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها، قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر، قتله قوم من أتراك الحاضر(2)، و ذاك أنه قبض على مقدمتهم المعروف بالأمير أحمد شاه، و خرج إليهم لينهبهم، فرماه أحدهم بسهم فقتله، و قام في منصبه من بعده أخوه سابق بن محمود بن صالح(3).
و في هذه السنة خطب للامام المقتدي باللّه أبي القاسم عبد اللّه بن الذخيرة بن القائم بأمر اللّه على منبر دمشق، و قطعت الخطبة المستنصرية (62 و)، و نظر الملك أتسز بن أوق في أمور دمشق و أحوالها بما يعود بصلاح أعمالها و وفور استغلالها، و أطلق لفلاحي المرج و الغوطة الغلات للزراعات، و ألزمهم الاشتغال بالعمارات و الفلاحات، فصلحت الأحوال و تواصلت من سائر الجهات الغلات، و رخصت الأسعار، و تضاعف
1) سوغ أتسز مثل بقية التركمان ما أوقعوه بسكان دمشق و سواها من بلاد الشام بمسوغ عقائدي، على أساس أن التركمان كانوا سنّة، و كان أهل الشام شيعة، و على العموم كره أهل الشام أتسز كثيرا، و لعنوه و سموه« أقسيس» و مع ذلك نلاحظ أنه بعد زوال التشيع من دمشق، تبدلت النظرة إلى أتسز، فهذا ابن كثير، و هو من متأخري مؤرخي دمشق قد اعتبره بأنه« كان من خيار الملوك و أجودهم سيرة، و أصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، و أبطل الأذان بحي على خير العمل، و أمر بالترضي عن الصحابة أجمعين، و عمر بدمشق القلعة التي هي معقل الاسلام بالشام المحروس، فرحمه اللّه، و بل بالرحمة ثراه، و جعل جنة الفردوس مأواه». البداية و النهاية: 11/ 112- 113. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 266- 267.
2) الحاضر السليماني حيث محلة السليمانية الآن في مدينة حلب.
3) انظر حول تفاصيل ذلك كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 167- 169
ص: 176
الجذل بذلك و الاستيثار، و طابت نفوس الرعية و أيقنوا بزوال البؤس و البلية، و برز أتسز في عسكره الى نواحي الساحل عازما على قصد مصر و طامعا في تملكها.
فيها جمع الملك أتسز و احتشد، و برز من دمشق، و نهض في جمع عظيم إلى ناحية الساحل، ثم منها إلى ناحية مصر طامعا في ملكتها، و مجتهدا في الاستيلاء عليها، و الدعاء عليه من أهل دمشق متواصل، و اللعن له متتابع متصل(1).
فلما قرب من مصر و أطلت خيله عليها، برز إليه أمير الجيوش بدر في من حشده من العساكر، و من انضاف إليها من الطوائف و العرب، و كان قد وصل إليها و استولى على الوزارة(2)
فلما بلغه الكتاب قال: لبيك، و كررها ثلاثا، و كتب إلى المستنصر يشترط عليه أنه لا يقدم إلّا بعسكر معه، و أنه لا يبقي على أحد من عساكر مصر، فأنعم له بذلك، فسار من عكا بمائة مركب مشحونة بالأرمن و غيرهم من العسكر، فنهاه الناس عن ركوب البحر من أجل أن الوقت شتاء في كانون الأول، فأبى و نزل على دمياط بعد يومين من اقلاعه، فزعم البحرية أنهم لم يعرفوا صحوة تمادت أربعين يوما في الكوانين إلّا هذه، فكان هذا الأمر بدء سعادته، و استدعى تجار تنيس و اقترض منهم مالا، و أقام له سليمان اللواتي بالعليق و غيره من الضيافة، و سار إلى ظاهر قيلوب، و بعث إلى المستنصر يقول له:
لا أدخل إلى القاهرة ما لم تقبض على يلدكوز، فأمسكه، و عبر أمير الجيوش عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ست و ستين و أربعمائة، و دخل على المستنصر، فاستدعاه و قربه، و دعا له و شكر سعيه، و بالغ في كرامته، و قرر أن يكون السفير بينه و بين أمير الجيوش الوزير ابن المغربي كاتب الانشاء، فصار ابن المغربي إليه، و عرفه ما فيه الغرض، و صار من خواصه، و لم يكن عند أهل الدولة علم من أن المستنصر استدعاه، و ظنوا أنه قدم زائرا، فلم يتأخر أحد منهم عن ضيافته، و القيام بما يتعين من كرامته، و قدموا إليه أشياء كثيرة، و حين كملت خدمة الجميع، استدعى الأمراء إلى دعوة صنعها لهم، و قرر مع خواصه أنه إذا بات الأمراء، و جهم الليل، فإنه لا بد لكل واحد منهم أن يصير إلى الخلاء لقضاء حاجته، فمن صار منهم إلى الخلاء يقتل فيه، و وكل بكل أمير واحدا من أصحابه، و جعل له سائر ما هو بيد ذلك الأمير من اقطاع و جار و دار و مال و جواري و غير ذلك، فلما حضر الأمراء عنده، و قام لهم بما يليق بهم ظلوا نهارهم عنده، و هم في أرغد عيش، و باتوا مطمئنين إليه، فلم يطلع الفجر حتى استولى أصحاب أمير الجيوش على بيوت الأمراء، و صارت رؤوس الأمراء بين يديه، فقويت شوكته، و انبسطت يده، و خلت الديار له من كل منازع، فاستدعاه حينئذ المستنصر، و قرره في الوزارة ورد إليه الأمور كلها، و عاهده على ذلك، و كتب له سجل نعت فيه« بالسيد الأجل أمير الجيوش، كافل قضاة المسلمين و هادي دعاة المؤمنين، و صار القاضي و الداعي نائبين عنه يقلدهما هو».
و عرف ما عزم عليه1) هذا الكلام يناقض ما سبقه، و فيه دليل على أن ابن القلانسي اعتمد على روايات متباينة و لم يقم بالتنسيق بينها، بل اكتفى بالنقل بعد حذف الأسانيد و أسماء المصادر، و في مرآة الزمان، حوادث سنة 469 وصف لأحوال دمشق فيه تفاصيل مدهشة منها:« و لم يبق بها من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الفقر و الغلاء و الجلاء، و كان بها مائتان و أربعون خبّازا، فصار بها خبّازان، و الأسواق خالية، و الدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها عشرة دنانير فلا يشتريها أحد، و الدكان الذي كان يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار، و كان الضعفاء يأتون للدار الجليلة ذات الأثمان الثقيلة، فيضربون فيها النار فتحرق، و يجعلون أخشابها فحما يصطلون به، و أكلت الكلاب و السنانير، و كان الناس يقفون في الأزقّة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم و يشوونهم و يأكلونهم، و كان لامرأة داران قد أعطيت قديما في كل دار ثلاثمائة دينار أو أربعمائة، و لما ارتفعت الشدّة عن الناس ظهر الفأر، فاحتاجت إلى سنور فباعت إحدى الدارين بأربعة عشر قيراطا، و اشترت بها سنورا.
2) أورد المقريزي في كتابه المقفى ترجمة لبدر الجمالي تحدث بها عن استيلائه على السلطة في القاهرة، فقال بعدما وصف أخذ أتسز لدمشق و فلسطين:« فلم يزل أمير الجيوش بعكا إلى أن انتهكت حرمة المستنصر بتغلب ناصر الدولة الحسن ابن حمدان إلى أن قتل، فاستطال عليه الأمير يلدكوز و الأتراك و الوزير ابن- أبي كدينة، فكتب إلى أمير الجيوش كتابا من املاء الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المغربي، و هو يومئذ يتولى الانشاء، يستدعيه للقدوم عليه، و انجاده، من جملته: فإن كنت مأكولا، فكن خير آكل، و إلّا فأدركني و لما أمزق.
ص: 177
................ ..........
ص: 178
أتسز(1)، فاستعد للقائه و تأهب لدفع قصده و اعتدائه، وجد في الايقاع به(2)
تمضي أنت و بدر في السفن و نهلك نحن؟ فخرج الجواب: إني معكم مقيم، فإن مضى أمير الجيوش إلى حيث يطلب السلامة، فهاهنا من السفن ما يعمكم، مع أنني واثق من اللّه بالنصر، و عندنا في الكتب السالفة أن هذه الأرض لا تؤتى من الشرق، و من قصدها هلك، فلمّا كان وقت السحر خرج بدر إلى ظاهر القاهرة و العسكر معه، و أقبل أتسز في جحافله و الدبادب و البوقات بين يديه، فرأى بدر ما لم يظن له به طاقة، و كان بدر قد أقام بدر بن حازم من وراء أتسز كمينا في ألفي فارس، فخرج من ورائهم، فأخذ البغال المحملة، و ضرب النار في الخيم و الخركاوات، و استأمن إلى والد شكلي السبعمائة غلام و كانوا في الميسرة، و حمل بدر على الميمنة فهزمها، و حمل السودان على القلب و فيه أتسز، فانهزم و قتل من كان حوله، و تبعهم السودان و العرب أسرا و قتلا إلى الرمل، و غنموا منهم غنائم لم يغنمها أحد قبل ذلك، و كان فيما أخذ ثلاثة آلاف حصان، و عشرة آلاف صبي و جارية، و أما من الأموال و الثياب فمالا يحصى، و أقاموا مدة شهر رجب يحوزون الأموال و الخيل و الأمتعة و الأسارى، و جاء العسكر و أهل البلاد إلى باب القصر، فضجوا بالأدعية، فخرج إليهم جواب المستنصر: قد علمتم ما أشرف من الأمر العظيم، و الخطب الجسيم، الذي لم يخطر في نفوسنا القدرة على دفعه و ردّه حتى كشفه اللّه تعالى، و ما يجب ان يكون في مقابلته إلّا الشكر للّه تعالى على نعمته، و متى وجد انسان على فاحشة، كان دمه و ماله في مقابلة ذلك، ثم وجد بعد ذلك ستة سكارى فأخذوا و خنقوا، و زال ما كان بمصر من الفساد، و لازموا الصلوات و قراءة القرآن- و مضى أتسز في نفر يسير، فلما وصل غزة، ثار أهلها به، و قتلوا جماعة ممّن كان معه، فهرب إلى الرملة فخرج إليه أهلها فقاتلوه و قتلوا بعض من كان معه، فهرب إلى دمشق في بضع عشرة نفسا، فخرج إليه ولده و مسمار أحد أمراء الكلبيين و كان قد استخلفهما بدمشق في مائتي فارس من العرب، و كان وصوله في عاشر رجب، فنزل بظاهرها في مضارب ضربها له مسمار، و خرج إليه أهل البلد فخدموه و هنأوه بالسلامة و شكوه، و شكرهم و أطلق لهم خراج تلك السنة، و أحسن إليهم و وعدهم بالجميل، فقام واحد منهم من الأعيان، فقال: أيها الملك العادل- و به كان يخاطب و يخطب له- قد حلفت لنا و حلفنا لك، و توثقت منّا، و أنا و اللّه أصدقك و أنصحك، قال: قل، قال: قد عرفت أنه لم يبق في البلد عشر العشر من الجوع و الفاقة و الفقر و الضعف، و لم يبق لنا قوة و متى غلقت أبواب هذا البلد من عدو قصده، و رمت منا منعه أو حفظه فإن كنت مقيما بيننا فنحن بين يديك مجتهدون و لك ناصحون، و إن بعدت عنا فلا طاقة لنا بالقتال مع الفقر و الضعف، فلا تجعل للعدو سببا لهلاكنا و مؤاخذتنا، فقال: صدقت و نصحت، و ما أبعد عنكم و لا اخليكم من عسكر يكون عندكم، ثم أقام بدمشق، و جاءه التركمان من الروم، و لم يستخدم غيرهم، و عصى عليه أهل الشام و أعادوا خطبة صاحب مصر في جميع الشام، و قام بذلك المصامدة و السودان، و كان أتسز و أصحابه قد تركوا أموالهم و أولادهم بالقدس فوثب القاضي و الشهود، و من بالقدس على أموالهم و نسائهم، فنهبوها، و قسموا التركيات بينهم و استعبدوا الأحرار من الأولاد و استرقّوهم، فخرج من دمشق فيمن ضوى إليه من التركمان، و وصل إلى قريب القدس، و راسلهم و بذل لهم الأمان، فأجابوه بالقبيح و توعدوه بالقتال، فجاء بنفسه إلى تحت السور، و خاطبهم فسبوه، و قاتلهم يوما و ليلة، و كان ماله و حرمه في برج داود، و رام السودان و المصامدة الوصول إليهم فلم يقدروا، و كان في البرج رتق إلى ظاهر البلد، فخرج أهله منه إليه، و دلوه عليه، فدخل منه و معه جماعة من العسكر، و خرجوا من المحراب، و فتحوا الباب و دخل العسكر، فقتلوا ثلاثة آلاف إنسان، و احتمى قوم بالصخرة و الجامع، فقرر عليهم الأموال حيث لم يقتلهم لأجل المكان، و أخذ من الأموال شيئا لا يبلغه الحصر، بحيث بيعت الفضة بدمشق كل خمسين درهما بدينار، مما كان يساوي ثلاثة عشر درهما بدينار، و قتل القاضي و الشهود صبرا بين يديه، و قرر أمور البلد، و سار إلى الرملة فلم ير فيها من أهلها أحدا، فجاء إلى- غزة و قتل كل من فيها فلم يدع بها عينا تطرف، و جاء إلى العريش فأقام فيه، و بعث سرّية فنهبت الريف و عادت، ثم مضى إلى يافا فحصرها، و كان بها رزين الدولة فهرب هو و من كان فيها إلى صور فهدم أتسز سورها، و جاء كتابه إلى بغداد بأنه على نية العود إلى مصر و أنه يجمع العساكر، ثم عاد إلى دمشق».
، و حصلت العرب و أكثر العساكر من ورائه، و صدقوا الحملة عليه1) في ترجمة أتسز للمقريزي في كتابه المقفى معلومات مفيدة عن حملة أتسز على مصر و محرضاته، و مما جاء فيها:« و كثر عسكره- أتسز- بمن فر إليه من مصر خوفا من أمير الجيوش بدر الجمالي، و حدثته نفسه بأخذ مصر، فسار إليها في سنة تسع و ستين و أربعمائة، و قد صار إليه ناصر الجيوش، أبو الملوك تركان شاه بن سلطان الجيوش يلدكوز، و أهدى إليه ستين حبة لؤلؤ تزيد زنة الحبة منها على مثقال، و حجر من ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، في تحف كثيرة، مما كان قد أخذه أبوه من خزائن القصر، و أغراه بأخذ مصر، و أطمعه في أهلها، فحشد، و هم على حين غفلة، و كان أمير الجيوش قد خرج لقتال العرب بالصعيد، فنزل أتسز في أرياف مصر، و أقام بها شهر جمادى و بعض شهر رجب، و معه نحو الخمسة آلاف، فلما بلغ ذلك أمير الجيوش قدم إلى القاهرة، و استعد إلى لقائه، و خرج في يوم الخميس سابع عشر رجب، و سير المراكب في النيل بالعلوفات و الميرة، و سار في نحو الثلاثين ألفا ما بين فارس و راجل فخافه أتسز و عزم على العودة عن مصر إلى الشام».
2) نقل لنا صاحب مرآة الزمان في أخبار سنة/ 469 ه/ تفاصيل هامة جدا عن حملة أتسز، سبق لأمدروز ناشر ابن القلانسي الأول أن أثبتها في الحاشية، و لقد أبقيتها بعدما ضبطتها على مخطوطتي باريس و أحمد الثالث في استانبول:« و في رجب- 469 ه- عاد أتسز الخوارزمي إلى دمشق منهزما من القاهرة، في خمسة عشر فارسا، و قد نهبت أمواله، و قتلت رجاله، و كان لما تسلم دمشق تصور في عزمه قصد مصر، فجمع من التركمان، و الأكراد و العرب، عشرين ألفا، و وصل إلى الريف، و أقام نيفا و خمسين يوما، يجمع الأموال، و يسبي الحريم، و يذبح الأطفال، و هو يراسل بدر الجمالي، و يطلب المال، و قد انزعج الناس، و كان عسكر مصر بالصعيد، يحارب العبيد، فضمن له بدر مائة و خمسين ألف دينار، و استدعى من كان بالصعيد من العساكر و السودان، و كان مع اتسز بدر بن حازم الكلبي في ألفي فارس، فاستماله بدر، فانتقل إلى القاهرة، و ورد القاهرة ثلاثة آلاف رجل في المراكب لنية الحج، فقال لهم بدر: دفع هذا العدو أفضل من الحج، و أعطاهم المال و السلاح، و قال لوالد شكلي التركماني الهارب من أتسز: كاتب التركمان، فكاتبهم و أفسد منهم نحو من سبعمائة غلام و كانوا كارهين لأتسز من شحه و عسفه، و اتفقوا أن الحرب متى قامت استأمنوا إلى بدر، و صار أتسز إلى القاهرة في- أواخر جمادى الآخرة، فأرسل بدر ألفي فارس يصدمونه، حتى يستأمن من أفسدهم أبو شكلي، فلم يستأمن أحد فكسرهم أتسز، فرجعوا مفلولين إلى القاهرة، و كان التجأ اليها أهل الضياع و الأصقاع و مصر و التجار، فوقفوا على باب القصر باكين صارخين، فخرج من المستنصر خادم فقال: يقول لكم أمير المؤمنين إنما أنا واحد منكم، و عوض ما تتضرعون على بابي و تبكون، فارجعوا إلى اللّه تعالى و تضرّعوا له، و لازموا المساجد و الجوامع، و صوموا و صلوا، و أزيلوا الخمور و المنكرات، فلعل اللّه يرحمني و إياكم، و يكشف عنا ما قد نزل بنا، فعاد الناس إلى المساجد و الجوامع، و خرجت النساء كاشفات الوجوه منتشرات الشعور يبكين و يستغثن، و الرجال يقرأون القرآن، و كان بدر الجمالي قد هيأ المراكب و السفن، إن رأى غلبة نزل فيها إلى الاسكندرية و كذا صاحب مصر، فضج الناس، و قصدوا باب القصر و قالوا:
ص: 179
فكسروه و هزموه، و وضعوا السيوف في عسكره قتلا و أسرا و نهبا، و أفلت
ص: 180
هزيما بنفسه في نفر يسير من أصحابه، و وصل الى الرملة و قد قتل أخوه،
ص: 181
و قطعت يد أخيه الآخر، و وصل بعد الفل الى دمشق، فسرت نفوس الناس بمصابه و تحكم السيوف في أتباعه و أصحابه، و أملوا مع هذه الحادثة سرعة هلاكه و ذهابه.
و في هذه السنة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن الوليد بن الحكم بن سليمان بن أبي الحديد السّلمي، رحمه اللّه.
فيها وردت الأخبار بوصول السلطان تاج الدولة أبي سعيد تتش بن السلطان العادل ألب أرسلان أخي السلطان ملك شاه أبي الفتح، إلى الشام، و اجتماع العرب من بني كلاب إليه، و وصول شرف الدولة مسلم بن قريش إليه من عند أخيه السلطان العادل ملك شاه لمعونته على افتتاح الشام بأمره له في ذلك(1).
و فيها توفي أبو نصر الحسين بن محمد (63 و) بن أحمد بن طلاب الخطيب رحمه اللّه.
1) حدث انشقاق في أوساط قبيلة كلاب قاد إلى صراعات مع سابق بن محمود بن نصر أمير حلب، و أدى إلى ذهاب بعض زعماء القبيلة إلى السلطان ملكشاه« فشكوا حالهم، و سألوا منه أن يعينهم على سابق، فوعدهم، و أقطعهم في الشام، و أقطع الشام أخاه تتش» و قام تتش بمحاصرة حلب، و التحق به و هو على حلب مسلم بن قريش العقيلي أمير الموصل، و تظاهر بمساعدته، و عمل ضمنا على رأب الصدع بين المتصارعين من كلاب و توحيد كلمة القوى العربية ضد التركمان، و نجحت مساعية، مما أجبر تتش على رفع الحصار عن حلب، و التوجه بأنظاره نحو دمشق .... انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 168- 175.
ص: 182
و في هذه السنة نزل عسكر مصر على دمشق مع ناصر الدولة الجيوشي، و أقام عليها مدة يسيرة، و لم يتم له فيها مراد، فرحل عنها عائدا الى مصر.
و فيها نزل تاج الدولة السلطان على حلب، و معه و ثاب و شبيب ابنا محمود بن صالح، و مبارك بن شبل، و رحل عنها في ذي القعدة، ثم نزل عليها ثانية و لم يتم له فيها مراد، فرحل عنها.
في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير مع ناصر الدولة الجيوشي، و نزل على دمشق محاصرا لها و مضيقا عليها(1)، و استولى على أعمالها و أعمال فلسطين، و أقام عليها مدة مضايقا لها، و طامعا في تملكها، و أصر على منازلتها إصرارا اضطر أتسز صاحبها إلى مراسلة تاج الدولة يستنجده، و يستصرخ به، و يعده بتسليم دمشق إليه و يكون في الخدمة بين يديه، فتوجه نحوه في عسكره، فلما عرف ناصر الدولة الخبر، و صح عنده قربه منه رحل عنها مجفلا، و قصد ناحية الساحل، و كان ثغرا صور و طرابلس في أيدي قضاتهما(2)قد تغلبا عليهما، و لا طاعة عندهما لأمير الجيوش، بل يصانعان الأتراك بالهدايا و الملاطفات، و وصل السلطان تاج الدولة إلى عذراء في عسكره لإنجاد دمشق و خرج أتسز إليه و خدمه، و بذل له الطاعة و المناصحة، و سلم البلد إليه، فدخلها و أقام بها مديدة، ثم حدثته نفسه بالغدر باتسز، و لاحت له منه
1) في ترجمة أتسز للمقريزي في كتابه المقفى أن الحصار الثاني كان سنة سبعين فبعدما تحدث عن اخفاق حملة أتسز على مصر ذكر أن بدر الجمالي ندب العساكر« مع ناصر الدولة الجيوشي، و بعثه إلى دمشق فحاصرها أياما، و عاد في سنة سبعين، فلما خاف أتسز من ظفر أهل مصر به، راسل تاج الدولة تتش ابن ألب أرسلان يستنجده، فتحرك لذلك، و سأل أخاه السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان أن يوليه الشام، فأقطعه السلطان أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان الشام».
2) في صور آل عقيل و في طرابلس آل عمار. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 71- 72.
ص: 183
أمارات استوحش بها منه مستهله، فقبض عليه في شهر ربيع الأول منها، و قتل أخاه أولا، ثم أمر بخنقه بوتر في المكان المعتقل فيه، و ملك تاج الدولة دمشق، و استقام له الأمر فيها، و أحسن السيرة في أهلها و فعل بالضد من فعل أتسز فيها، و ملك أعمال فلسطين.
و في هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام(1).
و فيها برز تاج الدولة من دمشق، و قصد حلب في عساكره، و نزل عليها، و أقام عليها أياما، و رحل عنها في شهر ربيع الأول، و عبر الفرات مشرقا، ثم عاد إلى الشام بعد أن وصل إلى ديار بكر في ذي الحجة، و ملك حصن بزاعة و البيرة(2)
هذا و قد أورد ابن العديم في زبدة الحلب هذا الخبر فقال بأن تتش أخذ منبج و حصن الفايا و حصن الدير ثم هاجم عزاز- الزبدة: 2/ 61- 62.
و أحرق ربض عزاز، و رحل عنها عائدا إلى دمشق.(63 ظ) فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب(3)، و فيها رخصت الأسعار في الشام بأسره، و فيها هلكت فرقة من الأتراك ببلاد الروم كانوا غزاة، فلم يفلت منهم أحد.
1) أثناء حصار تتش لمدينة حلب، و لقد نشرت ترجمة أحمد شاه كما أوردها ابن العديم في كتابه بغية الطلب في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، و تحدثت عن دوره في امارة حلب في نفس الكتاب، انظر ص: 166- 173، 251- 253.
2) ذكر ياقوت بزاعه فقال: هي بلدة من أعمال حلب بين منبج و حلب، بينها و بين كل واحدة منهما مرحلة، و وصف البيرة فقال هي بلد قريب سمسياط بين حلب و الثغور الرومية، و هي قلعة حصينة و لها رستاق واسع، و أما عزار فتبعد الآن عن مدينة حلب مسافة/ 46 كم/ و هي مركز منطقة تابعة لمحافظة حلب.
3) جاء تسلم مسلم بن قريش العقيلي لمدينة حلب بعد عدد كبير من الحوادث، بحثتها في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 181- 186، و باستلام مسلم لقلعة حلب أنهى حكم الدولة المرداسية، و شرع في محاولة بسط سيادته على الشام كله و طرد التركمان منه و من الجزيرة.
ص: 184
سنة أربع و سبعين و أربعمائة(1)
فيها ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر، في يوم السبت السابع و العشرين من رجب من الأسقف(2)الذي كان فيه بمال بذله له و أرغبه فيه إلى أن حصل في يده، و شرع في عمارته و تحصينه و الممانعة عنه، إلى أن تمكنت حاله فيه و قويت نفسه في حمايته و المراماة دونه(3)
إني نظرت إلى هذا الحصن، و رأيت أمرا يذهل الألباب، و يطيش العقول يسع ألف رجل، ليس عليه حصار، و لا فيه حيلة لمحتال، فعمدت إلى تل منه قريب يعرف بتل الحسن، فعمرته حصنا، و جعلت فيه عشيرتي و أهلي، و كان بين التل و شيزر حصن يعرف بالخراص، فوثبت عليه و أخذته بالسيف.
و حين ملكته أحسنت إلى أهله و لم أكلفهم إلى ما يعجزون عنه، و خلطت خنازيرهم بغنمي، و نواقيسهم بأصوات المؤذنين عندي، و صرنا مثل الأهل مختلطين، فحين رأى أهل شيزر فعلي مع الروم أنسوا بي، و صاروا يجيئوني من واحد و إثنين إلى أن حصل عندي نحو نصفهم، فأجريت عليهم الجرايات، و مزجتهم بأهلي و حريمهم بحريمي و أولادهم مع أولادي، و أي من قصد حصنهم أعنتهم عليه، و حصرهم شرف الدولة مسلم بن قريش، فأخذ منهم عشرين رجلا فقتلهم، فدسست إليهم عشرين عوضهم، و لما انصرف عنهم جاءوا و قالوا:
نسلم إليك الحصن، فقلت: لا ما أريد لهذا الموضع خيرا منكم، و جرت بينهم و بين و اليهم نبوة، فنفروا منه، و جاءوا إليّ، و قالوا: لا بد من تسليم- الحصن إليك فسلموه إلى و نزلوا عنه، و حصلت فيه، و معي سبعمائة رجل من بني عمي و رجالي، و حصلوا في الربض، و لم يؤخذ لواحد منهم درهم فرد، و أعطيتهم مالا له قدر، و خلعت على مقدّميهم و أعطيتهم واجباتهم لستة أشهر، و قمت بأعيادهم و نواقيسهم و صلبانهم و خنازيرهم.
و سمع بذلك أهل برزية و عين تاب و حصون الروم فجاءتني رسلهم و رغب كلهم في التسليم إليّ، فبينا أنا على تلك الحال، إذ شنت علي الغارات، و جيشت نحوي الجيوش من ناحية مسلم بن قريش غيظا منه، لم تسلمت حصن شيزر، بعد أن حلف لي قبل ذلك، أنني إذا أخذت حصن شيزر، أنه لا يقود إليّ فرسا، و لا يبعث جيشا، و باللّه أقسم لئن لم ينته عني لأعيدنه إلى الروم، و لا أسلمه إليه، و لا إلى غيره أبدا».
.1) ليس في الأصل أخبار سنة ثلاث و سبعين، و لا أدري أمرد ذلك إلى المؤلف أم الناسخ؟
2) من أسقف البارة الذي كان يدين بالطاعة للامبراطورية البيزنطية. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 186.
3) أورد سبط ابن الجوزي خبر سقوط شيزر في أخبار سنة/ 474 ه/، و أثبت عن غرس النعمة محمد بن هلال الصابىء فقرات مطولة من كتاب بعث به الأمير علي بن المقلد- كما يبدو إلى بغداد- تحدث به عن استيلائه على شيزر،« قال محمد بن الصابىء: وقفت على كتاب بخطه أي الأمير علي بن المقلد) منه: كتابي هذا من حصن شيزر، و قد رزقني اللّه تعالى من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق، و من دون هذا الحصن بيض الانوق، و من وقف على حقيقة الحال علم اني هاروت هذه الأمة، و سليمان الجن المردة، و أنني أفرق بين المرء و زوجته، و أستنزل القمر من محله، و أجمع بين الذئب و الغنم.
ص: 185
فيها توجه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام(1)من دمشق، و معه في خدمته الأمير و ثاب بن محمود بن صالح، و منصور بن كامل، و قصد ناحية الروم و أقام هناك مدة، و اتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن قريش، و ما هو عليه من الجمع و الاحتشاد و التأهب و الاستعداد، و اجتماع العرب إليه من بني نمير و عقيل و الأكراد و المولدة و بني شيبان للنزول على دمشق و المضايقة لها، و الطمع في تملكها، فعاد تاج الدولة منكفئا إلى دمشق لما عرف هذا العزم(2)و وصل إليها في أوائل المحرم سنة ست و سبعين و أربعمائة، و ورد الخبر بوصول
1) استخلصت من كتابات هذه الفترة أن عبارة« الشام» غالبا ما صارت تعني الجزء الشمالي من بلاد الشام، علما بأنها كانت ترفق أحيانا بعبارة« الأعلى».
2) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه- :« و فيها سار تتش إلى حلب، فأخذ من غلاتها ما باعه بثمن بخس، عجلة و سرعة، و قيل إن ملك شاه كتب له بمال على ابن قريش فمطله، فسار بنفسه، و باع ما قدر عليه، و أنفذ مسلم أصحابه لحفظ حلب، فغاظ تتش و أقام بجسر الحديد، و ما يقارب حلب، و أمر أرتق بك بشن الغارات على حلب، .... و وردت كتب السلطان إلى أخيه بأن يرجع إلى دمشق و لا يقيم ببلد حلب، و إلى أرتق بك بالعود إلى بابه، ففارقه أرتق بك من جسر الحديد، و سار تتش إلى دمشق، و حل بها و ضعفت نفسه لمفارقة أرتق بك، و عبر مسلم في العرب و الأكراد وراء تتش، فنزل على فرسخين منها».
ص: 186
شرف الدولة في حشده إلى بالس أيضا في المحرم، و وصله جماعة من بني كلاب، و نهض بالعسكر مسرعا في السير إلى أن نزل على دمشق، و وصل إليه جماعة من عرب قيس و اليمن، و قاتل أهل دمشق في بعض الأيام، و خرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق، و حمل على عسكره حملة صادقة فانكشف و تضعضع عسكره، و عاد كل فريق إلى مكانه، و عاد عليهم بحملة أخرى، و انهزمت العرب و ثبت شرف الدولة مكانه و أشرف على الأسر، و تراجع أصحابه، و كان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين على دمشق، و معاضدته بالعسكر المصري على أخذها، فوقع التثاقل عليه بالانجاد و التقاعد عنه بالاسعاد اشفاقا من ميل الناس إليه، و عظم شأنه بتواصلهم و وفودهم عليه فلما وقع يأسه مما أمله و رجاه و خاب ما تمناه، و ورد عليه من أعماله ما شغل خاطره في تدبيره و اعماله(1)
انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 190- 192.
، و تواترت الأخبار بما أزعجه (64 و) و أقلقه، رأى أن رحيله عن دمشق إلى بلاده و عوده إلى ولايته لتسديد أحوالها و إصلاح اختلالها أصوب من مقامه على دمشق، و أوفق من شأنه، فأوهم أنه سائر مقتبلا لأمر مهم عليه، و أرب مطلوب نهد إليه، فرحل عن دمشق، و نزل مرج الصفر و عرف من بدمشق ذلك، فقلقوا لذلك و اضطربوا ثم رحل مشرقا في البرية و جلا، و جدّ في سيره مجفلا و واصل السير ليلا و نهارا فهلك من المواشي و الدواب للعرب ما لا يحصيه عدد، و لا يحصر كثرة من العطش، و تلف و انقطع من الناس خلق كثير، و خرجت به الطريق إلى وادي بني حصين قريبا من سلمية، فأنفذ وزيره أبا العز (بن) صدقة إلى خلف بن ملاعب المقيم بحمص ليجعله بين الشام و بين السلطان تاج الدولة لما يعلمه من نكايته1) لقد كان الذي أزعج مسلم و أقلقه، و جعله يقلع عن متابعة حصار دمشق هو خبر قيام ثورة في حران ضده، و يقول الذهبي:« عصا أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، و أطاعوا قاضيهم ابن جبلة الحنبلي، و عزموا على تسليم حران إلى جبق أمير التركمان، لكونه سنيا و لكون مسلم رافضيا».
ص: 187
في الأتراك و فتكه بمن يظفر به من أبطالهم الفتاك، فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع عليه شرف الدولة، و أكرمه و قرر معه(1)حفظ الشام، و طيّب بنفسه.
و سار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس، و افتتح انطرطوس، و بعض الحصون، و عاد إلى دمشق.
و ورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن ألب أرسلان على حلب في يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و ضايقها إلى أن ملكها مع القلعة(2).
و في يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد أنطاكية للقاء الفردوس ملك الروم(3).
1) سنسمع الكثير من أخبار خلف بن ملاعب و لابن ملاعب ترجمة مطولة في كتاب بغية الطلب لابن العديم، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:
2) ليس مكان هذا الخبر هنا، بل بعد الحديث عن مقتل مسلم بن قريش، و ما استجد إثر ذلك في حلب. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 194- 205.
3) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه- :« لما صعد- مسلم- إلى الشام طالب الفردوس والي أنطاكية بمال الهدنة، و هو ثلاثون ألف دينار، في كل سنة، فلم يحمل إليه شيئا، و كاتبه أهل أنطاكية، و قرروا معه فتحها و تسليمها إليه، و كان من سوء رأي مسلم و تخلفه أنه كان له كاتب نصراني، فكان يدع عنده مكاتباتهم، ثقة به، و تحقق الكاتب فتح أنطاكية، فهرب إليها و مسلم بحلب، و دفع تلك الكتب إلى الفردوس، فلما وقف عليها أحضرهم، و كانوا ثلاثمائة انسان، فقتلهم بين يديه صبرا، و كاشف مسلم، و كتب إلى السلطان بأنه يكاتب صاحب مصر، و ينفذ له الخلع و الأموال، و استقر أن الفردوس يحمل إلى السلطان كل سنة مال الهدنة».
ص: 188
و فيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك(1)بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى حلب(2).
و تقرر(3)الصلح بين شرف الدولة و ابن ملاعب بحمص، و فيها وصل أبو العز بن صدقة، وزير شرف الدولة، في عسكر كثيف، لإنجاد حلب على تاج الدولة، فلما وصل إليها رحل تاج الدولة، في الحال عنها(4).
فيها عمل على مدينة حرّان، و أخذت من ملكة شرف الدولة مسلم بن قريش في سابع صفر، و عاد إليها حين عرف خبرها، فنزل عليها في عسكره،
1) ابن عم لمسلم بن قريش، كلفه مسلم بحكم قلعة حلب، و صار بعد مقتل مسلم و سقوط حلب للسلطان ملكشاه سيدا لقلعة جعبر، مما أهله و آله من بعده إلى شغل دور كبير في أحداث الحروب الصليبية. له ترجمة في كتاب بغية الطلب نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 405- 407.
2) لدى معرفة السلطنة بخبر وجود علاقات بين مسلم بن قريش و الخلافة الفاطمية، بعث إليه الوزير نظام الملك يعاتبه، فأجابه مسلم:« إن كانت الكتب مني إلى صاحب مصر، توجه العتب عليّ، و إن كانت منه إليّ، فاحفظوا صاحبا لكم، يرغب فيه صاحب مصر، و لا تخرجوه عن أيديكم، و ارغبوا فيه، كما رغب فيه غيركم». و بناء على هذا وصلته الخلع السلطانية. مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه.
3) في الأصل« و قرر» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا، ففي مرآة الزمان أخبار سنة 475 ه- :« و عاد مسلم إلى حمص، فخرجت نساء ابن ملاعب و حريمه، فتعلقن بذيل مسلم، فاستحى منهن، و ذم له، و أبقاه على حاله، و لم يطالبه بما تقرر عليه، و استحلفه، و حلف له، و عاد إلى حلب».
4) حصل هذا قبل حملة مسلم بن قريش على دمشق، و في سوق الخبر هكذا مع سواه دليل جديد على طبيعة عمل ابن القلانسي، من أنه أخذ من مصادر مختلفة و أثبت مواده دونما تنسيق.
ص: 189
و ضايقها و واظبها إلى أن افتتحها، و ملكها، و رتب أمرها و احتاط عليها، و اعتمد على الثقات في حفظها(1)
و اتفق أنه استأمن إلى مسلم من أهلها ثلاثة إخوة، فأخذ القاضي أباهم، و كان شيخا كبيرا، فأصعده إلى السور، و قتله، و رمى برأسه إلى مسلم، فلما أحضر الرأس بين يديه، و علم الحال، قال: غدا أفتح البلد إن شاء اللّه تعالى، فهذا بغي أرجو من اللّه النصر في جوابه، و أنفذ إلى العرب و أمرهم بالبكور للقتال، فجاءوا و لبسوا السلاح، و تقدم مسلم و عليه السلاح، و كان قد بعث رجالا في الليل، ينظفون الحجارة من الطريق، لأجل الخيل، فسئل أن يكاتب ابن جبلة، و يعطيه الأمان لئلا يهلك الناس، و ينهب البلد، فلما كتب، أعاد جوابه على رأس الورقة:- السيف أصدق أنباء من الكتب .........
فتقدم إلى العرب بالدخول إلى الفتحة، فما منهم من أقدم، فجمع عبيده و خواصه و هجمها، و تبعته العرب حينئذ، فدخل البلد، و صعد ولد ايتكين السليماني، و نزل من السور، و فتح الباب فأقطعه قرقيسياء، ثم طلب القاضي فوجد في كندوج فيه قطن، فأخذ و ولداه، فقبض على أعيان أهل حران، و نهب البلد إلى آخر النهار، ثم رفع النهب و صلب القاضي و ولديه، و أعيان الحرانيين على السور، و قتل خلقا من العوام، و عاد إلى منازله بأرض الموصل.
.1) نقل سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 476 ه- عن غرس النعمة محمد بن هلال الصابىء خبر ثورة حران و القضاء عليها فقال:« و وصل الخبر إلى مسلم بأن أهل حران عصوا عليه، فرجع كارا إلى حمص، و صالح في طريقه ابن ملاعب و حالفه و أعطاه مضافا إلى حمص: رفنية و سلمية، و أقطع شبيب بن محمود بن الزوقلية حماة، و استخلفه في تلك الأعمال، و عاجل حران، فوصلها يوم الجمعة ثامن ربيع الأول، فوجد قاضيها ابن جبلة الحنبلي قد استغوى أهلها، و أدخل إليها جماعة من بني نمير، مع ولد صغير لمنيع بن وثاب، و أنفذ ابن عطير، أحد وجوه بني نمير إلى جبق أمير التركمان، فكان قريبا، فاستدناهم إليه ليسلم إليهم البلد، و شرع القاضي يعلم مسلما، و يمنيه خديعة منه ليصل التركمان، و علم مسلم فحاربهم، و رمى قطعة من السور، و بينا هو كذلك وصل التركمان، فترك أقواما يقاتلون البلد، و ركب هو بمن معه، فأشرف على التركمان، و اتصل الطراد، و قال للعرب املكوا عليهم النهر، المعروف بالجلاب، و اجعلوه وراءكم، و حولوا بين التركمان و بينه، ففعلوا، و عطشوا و خيلهم، و هجرت الشمس عليهم، فمالوا بجمعهم طالبين رأس الماء، على أن يشربوا، و يسقوا خيولهم، و يعودوا على العرب، فلما عطفوا خيولهم، لم يشك العرب أنها هزيمة، فالقوا نفوسهم عليهم، فانهزموا، فتبعوهم و غنموهم، و قتلوا و أسروا، و أقام مسلم على حصار حران، و كان كلما رمى قطعة من السور، نصب ابن جبلة بإزاء الثلمة مجانيق و عرادات، منعت من يروم القرب منهما، و راسله: إنك كلما رميت قطعة من السور، جعلت مكانها مجانيق و عرادات و رجالا أشد منها، فتوقف عن حربهم، و تربص.
ص: 190
و في هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة (64 ظ) لأسباب أنكرها منه، و أحوال بلغته عنه، فقبض عليه و اعتقله، و أقام أياما، و قرر أمره و أطلقه و طيّب نفسه.
في هذه السنة شرع سليمان بن قتلش(1)في العمل على مدينة أنطاكية، و التدبير لأمرها و الاجتهاد في أخذها و التملّك لها و لم يزل على هذه القضية إلى أن تم له ما أراده فيها، و ملكها سرقة في يوم الأحد العاشر من شعبان، و رتّب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته(2)
« و في سنة سبع و سبعين و أربعمائة 1084 م) شرع سليمان بن قتلمش في العمل على أنطاكية و الاجتهاد في أخذها إلى أن تم له ما أراد، فأسرى من نيقية في عسكره و عبر الدروب، و أوهم أن الفلاردوس( الحاكم البيزنطي لأنطاكية)- استدعاه، و أسرع السير إلى أن وصل أنطاكية ليلا، فقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانية جميعهم لئلا ينذروا به، و علقوا حبالا في شرفات السور بالرماح، و طلعوا مما يلي باب فارس، و حين صار منهم على السور جماعة نزلوا إلى باب فارس و فتحوه، و دخل هو و عسكره من الباب و أغلقوه، و كانوا مائتين و ثمانين رجلا .... و لم يشعر بهم أهل البلد إلى الصباح، و صاح الأتراك صيحة واحدة، فتوهم أهل أنطاكية أن عسكر الفلاردوس قد قاتلوهم فانهزموا، و علموا أن البلد قد هجم، فبعضهم هرب إلى القلعة، و بعضهم رمي بنفسه من السور فنجا»، و بعد أن أصبح سليمان سيد مدينة أنطاكية توارد إليه التركمان، فحاصر قلعة أنطاكية قرابة شهر ففتحها، و اتخذ سليمان أنطاكية مقرا له« و فتح الحصون المجاورة لها بعضها عن طوع، و بعضها عن استدراج» ثم أخذ يتطلع نحو مدينة حلب للاستيلاء عليها. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 198- 199.
.1) مؤسس دولة سلاجقة الروم، كان أبوه قتلمش بن أرسلان بن سلجوق من أبناء عم طغرلبك أول سلاطين الدولة السلجوقية، نشط سليمان لحسابه الخاص في آسية الصغرى، فتمكن من احتلال« نيقية، و هي بلد بالساحل تضاهي أنطاكية،- كما استولى على- جميع ما يليها من طرسوس و أذنه، و مصيصة و عين زربة» أي مناطق الثغور الاسلامية البيزنطية التي كانت بيزنطة قد انتزعتها في منتصف القرن العاشر من امارة حلب، و بعد هذا توجه سليمان بأنظاره نحو أنطاكية التي كانت أيضا قد انتزعتها بيزنطة من إمارة حلب في نفس الفترة. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 39، 62، 107- 110، 196- 198.
2) يقدم لنا ابن العديم رواية مفصلة حول احتلال سليمان لأنطاكية جاء فيها:
ص: 191
و في شهر ربيع الأول من السنة، كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة، و عسكر الأتراك بأرض آمد من ديار بكر، و استظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة فهزموه.
و في رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك شاه بن ألب أرسلان و دخل عليه و وطئ بساطه، فأكرمه و احترمه، و خلع عليه و قرر أمره على ما يهوى من إصلاح أحواله، و الإقرار على أعماله، و إزالة ما كان يخشاه، و عاد مسرورا بما لقي، و محبورا بنيل مبتغاه(1).
1) في سنة 476 ه/ 1083 م فوض ملكشاه إلى الوزير فخر الدولة ابن جهير قيادة جيش سلجوقي نحو الجزيرة، جعل على رأسه آق سنقر قسيم الدولة- الذي كان أول حاكم سلجوقي لحلب- ثم أردفه بجيش آخر بقيادة أرتق، و في محاولة للتصدي لهذه الحملة تحالف مسلم بن قريش مع الدولة المروانية لميافارقين، و عسكر قرب آمد، و تراسل مسلم بن قريش مع ابن جهير لتجنب القتال، و لم يرض هذا التركمان و قالوا:« نحن جئنا من البلاد البعيدة لطلب النهب، .... و ركبوا نصف الليل .. و أشرفوا .. على العرب، و كانوا أضعاف الغزّ فأخذوهم باليد من غير طعن و لا ضرب» و هرب مسلم إلى آمد، و كسب التركمان ما لا يحصى من الغنائم، و قام ابن جهير بمحاصرة مسلم في- آمد، و كتب إلى السلطان ملكشاه بخبر ما حصل، فسارع بالقدوم نحو الموصل، و قبل وصوله تمكن مسلم من النجاة من آمد بعدما دفع مبلغا كبيرا من المال إلى أرتق، و في الموصل سمع ملكشاه بنجاة مسلم، و علم بقيام أخيه تكش بثورة ضده في خراسان، فقرر العودة لتلافي مخاطر الثورة هذه، لذلك راسل مسلم بن قريش و استقبله و صالحه، ثم غادر الموصل نحو أصفهان. انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية.
ص: 192
في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش و بين الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع و العشرين من صفر على نهر عفرين(1)في موضع يقال له قرزاحل فكسر عسكر شرف الدولة، و قتل، و رحل سليمان بعد ذلك في جمعه و نزل على حلب محاصرا لها و مضايقا عليها في مستهل شهر ربيع الأول و أقام منازلا لها مدة، و لم يتهيأ له ما أراده فيها، فرحل عنها في الخامس من شهر ربيع الآخر منكفئا إلى بلاده(2).
1) في الأصل« سفين» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا، انظر مادة عفرين في معجم البلدان. زبدة الحلب: 1/ 91. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 200.
2) في ظهيرة يوم السبت 24 صفر 478 ه/ 21 حزيران 1085 اشتبكت قوات سليمان بقوات مسلم فانتصرت عليها، لأن الشمس كانت في وجوه أصحاب مسلم، و لأن المرتزقة الغز في جيشه مع رجال القبائل تخلوا عنه، و تركوه يعاني مصيره، و لم يصمد معه سوى ستمائة من أحداث حلب، و حاول مسلم الانسحاب إلى حلب، و جهد الاحداث في تغطية انسحابه فسقط منهم أربعمائة، و أخفق مسلم في تأمين طريق للنجاة، و تلقى ضربة أفقدته حياته، و حمل سليمان ابن قتلمش جثة مسلم و أتى بهما فطرحها أمام سور حلب، و كان يأمل بأن تسلم المدينة له، لكن شيئا من هذا لم يحصل. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 199- 201.
ص: 193
و فيها شرع في عمارة قلعة الشريف بحلب، و ترميم ما كان هدم منها، و إعادتها الى ما كانت عليه في حال عمارتها(1).
و فيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بأن الأفرنج استولوا على بلاد الأندلس، و تملكوها، و فتكوا بأهلها، و أن صاحب طليطلة(2)استصرخ بالملثمين و استنجد بهم على الأفرنج، فأجابوه الى الإنجاد، و نهضوا للإغاثة و الإسعاد، و طلب الجهاد، و وصلوا إليه في خلق عظيم، و جيش كثيف، و صاففوا الأفرنج و هم في الأعداد الدثرة، و العدد الغاية في الكثرة، فكسروا عسكر الأفرنج كسرة عظيمة أجلت عن قتل الأكثر منهم، و لم يفلت إلا من سبق جواده، و أخر في أجله بحيث أحصي القتلى فكانوا (65 و) عشرين ألفا، فجمعت رؤوسهم و بني بها أربع منائر للتأذين في غاية الإرتفاع، و أذن المسلمون فيها، و عاد عسكر الملثمين إلى بلادهم سالمين ظافرين مسرورين مأجورين، و امتنعوا من استخلاص ما كان ملكه الأفرنج من بلاد الأندلس، و بقي في أيديهم على حاله.
1) في الأصل« عمارة القلعة الشريف» و في العبارة على هذا الشكل بعض اللبس، فعندما قتل مسلم بن قريش كان ابن عمه سالم بن مالك مقيما في قلعة المدينة متحكما بها، و في نفس الوقت كانت أمور المدينة بيد الأحداث، الذين كان زعيمهم الشريف حسن بن هبة اللّه الحتيتي، و بعد مقتل مسلم لما لم يكن للحتيتي سيطرة على قلعة حلب، و كان بحاجة إلى موقع دفاعي حصين، يتخذه مقرا له، قام ببناء- أو اعادة بناء- قلعة لنفسه و أحداثه داخل المدينة، و لا يزال موقع هذه القلعة معروفا، فأحد أحياء حلب الواقعة جنوبي القلعة الكبيرة يعرف الآن باسم« قلعة الشريف». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 201.
2) كذا بالأصل، و هو خطأ صوابه- اشبيلية- و الخطأ الثاني هنا أن ما يشير إليه كان في السنة التالية، فهو يتحدث عن معركة الزلاقة، حين عبر يوسف بن تاشفين على رأس جيوش المرابطين- الملثمين- إلى الأندلس بناء على دعوة المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية و معاضدة بقية أمراء الأندلس. انظر الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية بتحقيقي. ط. الدار البيضاء: 1979 ص:
ص: 194
فيها تقدم السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح بن السلطان ألب أرسلان رحمه اللّه بإبطال أخذ المكوس من سائر التجار عن جميع البضائع في العراق و خراسان، و حظر تناول شي منها في بلد من البلاد الجارية في مملكته، فكثر الدعاء له من كافة الناس في سائر الأعمال و تضاعف الثناء عليه من الخاص و العام(1).
و فيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بوصول الانبرت ابن ملك الافرنج في عسكره الى مدينة المهدية، و نزوله عليها و مضايقته لها إلى أن ملكها بالسيف قهرا، و قتل رجالها و سبى، كافة من كان بها من أهلها(2)
بيروت 1950: 1/ 432- الحلل الموشيه: 152- 154. خلاصة تاريخ تونس لحسن حسني عبد الوهاب. ط. تونس: 1968: 115.
.و فيها جمع الملك سليمان شاه، بن قتلمش(3)و حشد و قصد بلد حلب، و نزل عليها محاصرا لها و مضايقا عليها و طامعا في تملكها، فوردت عليه أخبار السلطان تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان باحتشاده، و تأهبه لقصدها، و استعداده فرحل عنها، و التقى عسكره و عسكر تاج الدولة في موضع يعرف بعين سليم(4)في يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر، فكسر عسكر تاج الدولة عسكر سليمان، فقتل في الهزيمة، و ملك تاج الدولة عسكره و سواده، و نزل
1) في مرآة الزمان- أخبار سنة 475 ه- أن هذا كان سنة خمس و سبعون و أربعمائة، و أنه اقتصر على قافلة الحج صادرة و واردة.
2) كانت المهدية لتميم بن المعز بن باديس، و قد هاجمها اسطول جنوي في ثلاثمائة سفينة تحمل ثلاثين ألف مقاتل نورماندي و قد ظلت المهدية تحت الاحتلال النورماندي حتى استخلصها الموحدون. انظر البيان المغرب لابن عذاري. ط.
3) في الأصل« شاه بن قتلمش» و أضفنا عبارة سليمان ليتضح السياق.
4) في معجم لبلدان لياقوت: عين سليم على ثلاثة أميال من حلب.
ص: 195
على حلب، و ضيق عليها إلى أن تسلمها في شهر ربيع الأول، سلمها إليه المعروف بابن البرعوني الحلبي(1).
و فيها وصل السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى الشام، و انهزم تاج الدولة من حلب، و ملكها السلطان العادل و دخلها في شهر رمضان، و خرج منها، و قصد أنطاكية، و ملكها وخيم على ساحل البحر أياما، و عاد إلى حلب و عيد بها عيد الفطر، و رحل عنها و قصد الرها، و نزل عليها و ضايقها و ملكها.
1) ضايق سليمان بن قتلمش مدينة حلب، فقام الشريف الحتيتي بتوجيه الدعوة للسلطان ملكشاه ليأتي فيتسلمها، و لما طال أمد وصول السلطان، و ضاق الأمر بالحتيتي راسل تتش و عرض عليه تسليمه المدينة، و لبى تتش فاصطدم بسليمان و قتله، و جاء ليتسلم المدينة فرفض الحتيتي، و أخبره أنه لن يسلمها إلّا للسلطان، و كان الحتيتي قد عهد بأمر أحد أبراج المدينة إلى رجل عرف باسم ابن البرعوني، فقام هذا بمراسلة تتش و اتفق معه على تسليمه البرج، و هكذا تسلم تتش المدينة لكنه ما كاد يدخلها حتى عرف بوصول طلائع جيش أخيه السلطان ملكشاه( كانون أول 1086 م) لهذا آثر الانسحاب من حلب و العودة إلى دمشق، متجنبا الاصطدام بأخيه أو حتى الاجتماع به. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 201- 206.
ص: 196
سنة ثمانين و أربعمائة(1)
في هذه السنة تقررت ولاية حلب للأمير قسيم الدولة أق سنقر من قبل السلطان ملك شاه أبي الفتح، و وصل إليها و أحسن السيرة فيها، و بسط العدل في أهليها، و حمى السابلة للمترددين فيها، و أقام (65 ظ) الهيبة، و أنصف الرعية، و تتبع المفسدين فأبادهم، و قصد أهل الشر فأبعدهم، و حصل له بذلك من الصيت، و حسن الذكر، و تضاعف الثناء و الشكر ما أخباره مذكور، و أجاره فيه منشور، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، و زاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات و الأقطار.
في هذه السنة توجه السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى سمرقند طمعا في ملكتها بعد فراغ قلبه من الشام، و بلاد الروم، و الجزيرة، و الرها، و ديار بكر، و ديار بني عقيل.
و فيها خرج الأمير قسيم الدولة آق سنقر من حلب لتوديع تابوت زوجته خاتون، داية السلطان ملك شاه، و قيل أنها كانت جالسة معه في داره بحلب، و في يده سكّين فأومى بها إليها على سبيل المداعبة و المزاح، فوقعت في مقتلها للقضاء المكتوب عليها، غير متعمد، فماتت و حزن عليها حزنا شديدا، و تأسف لفقدها على هذه الحال، و حملها إلى الشرق لتدفن في مقابر لها هناك في مستهل جمادى الآخرة(2).
1) تعد هذه السنة بداية مرحلة جديدة في تاريخ بلاد الشام، فللمرة الأولى تغيبت القوى العربية عن مسرح السياسة و الحكم و الحرب، و آل هذا كله إلى التركمان.
2) في بغية الطلب لابن العديم ترجمة مطولة لآق سنقر قسيم الدولة، نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، كما أني بحثت في نفس الكتاب في فترة حكم قسيم الدولة بشكل شامل. انظر ص: 207- 228، 269- 277.
ص: 197
و في يوم الثلاثاء، مستهل رجب نزل قسيم الدولة على شيزر و حصرها و نهب ربضها، و ضايقها الى أن تقرر أمرها و الموادعة بينه و بين صاحبها(1)و رحل عنها عائدا الى حلب.
في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشرق بافتتاح السلطان ملك شاه مدينة سمرقند و أسر ملكها(2)، و كانت أخته مع السلطان ملك شاه و له منها ثلاثة أولاد، فجعل الولاية بها لأحدهم و هو الملك أحمد، و أمر بالخطبة له على المنابر، و ذكر أن الملك أحمد المذكور توفي في سنة أربع و ثمانين و أربعمائة، و الابنة منهم زوجها للإمام الخليفة المقتدي بأمر اللّه.
و فيها خرج عسكر مصر منها مع مقدميه، و قصد الساحل، و فتح ثغري صور و صيدا، و كان في صور أولاد القاضي عين الدولة (ابن) أبي عقيل بعد موته، و لم يكن قوة لهم تدفع، و لا هيبة تمنع، فسلموها، و كذلك صيدا، و قرروا أمرهما، ثم رحل العسكر عنهما و نزل على ثغري جبيل و عكا فافتتحهما.
و فيها عمرت منارة الجامع بحلب(3)، و فيها نهض قسيم الدولة صاحب حلب في أثر الحرامية قطاع الطريق، و مخيفي السبيل، فأوقع بهم و استأصل شأفتهم قتلا و أسرا (66 و) فأمنت السابلة، و اطمأنت السافرة، و كتب إلى سائر الأطراف و الأعمال بتتبع المفسدين، و حماية المسافرين، و بالغ في ذلك مبالغة حسن ذكره بها، و عظمت هيبته بسببها، و شاع له الصيت باعتمادها،
ص: 198
و احترز كلّ من كان في ضيعة أو معقل من أن يتم على أحد من المجتازين به أمر يؤخذ به، و يهلك بسببه(1).
في هذه السنة نزل السلطان تاج الدولة على حمص، في عسكره و معه الأمير قسيم الدولة صاحب حلب في عسكره، و الأمير بوزان صاحب أنطاكية و فيها خلف بن ملاعب فضايقوها و صابروها الى أن ملكوها بالأمان، و خرج ابن ملاعب منها، و سلمها و وفوا له بما قرروه معه، و أطلقوا سراحه فتوجه إلى مصر، فأقام بها مدة، و عاد الى الشام، و أعمل الحيلة و التدبير على حصن أفامية الى أن ملكه، و حصل بيده(2).
1) ذكر ابن العديم بأن آق سنقر:« كان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل و كثير، فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم و ناموا، و قام أهل القرية يحرسونهم إلى أن يرحلوا، فأمنت الطرق ..- و نادى أق سنقر- في بلد حلب لا يرفع أحد متاعه و لا يحفظه في طريق لما حصل من الأمن في بلاده .... فخرج يوما يتصيد، فمر على قرية من قرى حلب، فوجد بعض الفلاحين قد فرغ من عمل الفدان، و طرح عن البقر النير، و رفعه على دابة ليحمله إلى القرية، فقال له: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد متاعا و لا شيئا من موضعه؟! فقال له: حفظ اللّه قسيم الدولة قد أمنا في أيامه، و ما نرفع هذه الآلة خوفا عليها أن تسرق، و لكن هنا دابة يقال لها ابن آوى تأتي إلى النير فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها، و نرفعه لذلك، فعاد قسيم الدولة من الصيد، و أمر الصيادين فتتبعوا بنات آوى في بلد حلب، فصادوها حتى أفنوها من بلد حلب». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 210.
2) كذا في الأصل، و الذي حصل أن السلاجقة اقتحموا مدينة حمص و اعتقلوا ابن ملاعب، و سيروه« في قفص حديد إلى السلطان ملكشاه، فأطلق حمص لأخيه تتش، و حبس ابن ملاعب، و بقي في حبسه إلى أن أطلقته خاتون امرأة السلطان ملكشاه» بعد وفاته، فمضى آنذاك إلى مصر. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 217، 380.
ص: 199
في ليلة الثلاثاء التاسع من شعبان من السنة حدث في الشام زلزلة عظيمة هائلة، لم يسمع بمثلها و وافق هذا اليوم كونه من تشرين الأول، و خرج الناس من دورهم خوفا من عودها، و حكي أن دورا كثيرة خربت بأنطاكية، و اضطربت كنيسة السيدة فيها، و هلك خلق كثير بالردم، و انهدم بها تقدير سبعين برجا من سورها، و بقيت على حالها إلى أن أمر السلطان ملك شاه بعمارتها، و لم ما تشعث منها.
و فيها نزل الأمير قسيم الدولة صاحب حلب على حصن أفامية، فملكه، و أبعد خلف بن ملاعب عنها، و رتب نائبه في حفظها، في ثالث رجب، و عاد الى حلب(1).
و فيها وردت الأخبار من المشرق بوفاة الملك أحمد بن السلطان ملك شاه المرتب في مملكة جده في سمرقند، و خطب له على المنابر حسب ما تقدم ذكره، فعاجله القضاء الذي لا يدافع، و المحتوم الذي لا يمانع.
في هذه السنة اقترن المريخ و زحل في برج السرطان، وقت الظهر من يوم الإثنين النصف من شهر ربيع الأول و هو السادس و العشرون من نيسان، و ذكر أهل المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ مبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و إلى هذه الغاية.
1) كذا و في الخبر بعض اللبس: فالذي حدث أن أق سنقر التحق بتتش و ساعده في حملة طرابلس، و أثناء الحصار تخاصم معه و انسحب عائدا نحو حلب، و في طريقه إلى حلب استولى على أفامية التي كانت من أملاك ابن ملاعب، و بعد ذلك سلمها لنصر بن علي المنقذي صاحب شيزر. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 217- 218.
ص: 200
و فيها توجه السلطان العادل (66 ظ) ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولا على قصد مصر لتملّكها، فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره خواجه برزك نظام الملك أبي علي الحسن بن اسحق الطوسي، فقتله رحمه اللّه(1)، و هرب من ساعته، فطلب فلم يوجد و لا ظهر له خبر و لا بان له أثر، فأسف الناس، و تألموا لمصابه و تضاعف حزنهم لفقد مثله، لما كان عليه من حسن الطريقة، و إيثار العدل و النصفة و الاحسان الى أهل الدين و الفقه و القرآن و العلم، و حب الخير، و حميد السياسة، و كان قد اثر الاثارات الحسنة في البلاد من المدارس و الرباطات بالعراق و بلاد العجم، بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف انسان من فقيه إلى غيره، و حزن السلطان ملك شاه عليه، و أسف لفقده، و أسرع السير الى أن وصل الى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة، و أقام مديدة، و خرج إلى المتصيد، و عاد منه و قد وجد فتورا في جسمه، و اشتد به المرض الحاد، فتوفي رحمه اللّه في ليلة الأربعاء السادس من شوال من السنة، و كان بين وفاته، و مقتل خواجه برزك ثلاثة و ثلاثون يوما، و أقام مقامه في المملكة ولده السلطان بركيارق، و انتصب في منصبه، و أخذت له البيعة، و دعي على المنابر باسمه، و استقام أمره و انتظمت الحال على مراده.
و كان السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق الى بغداد، للقاء أخيه السلطان ملك شاه، و الخدمة له، و التقرب إليه، و ورد الخبر عليه بوفاته، فانكفأ راجعا، و نزل على الرحبة و ضايقها، و راسل المقيم بها يلتمس تسليمها إليه فلم يتم له فيها أمر و لا مراد، فرحل عنها الى دمشق، و جمع و حشد و عاد
1) قتل بتخطيط و أمر من حسن الصباح مؤسس الدعوة الاسماعيلية الجديدة، و ربما كان هناك شي من التواطؤ من قبل ملكشاه. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة- ط. بيروت 1971: 62- 63. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 349- 373.
ص: 201
في العسكر إلى الرحبة(1)
ط. بيروت: 1982 ص: 332- 335.
، و قد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب، و مؤيد الدولة يغي سغان(2)صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة، و يبعثهما على المؤازرة و المرافدة، فسارا نحوه، و اجتمعا معه، فقوي أمره بهما، و استظهر بعسكرهما، و نزل على الرحبة و ضايقها الى أن ملكها بالأمان، و أحسن الى أهلها و أجمل السيرة فيها، و كان قد نذر على نفسه أنه متى ملكها بالأمان و القهر شهر فيها السيف، فعند ذاك شهر سيفه عند دخوله إليها، و أغمده عند استقرار أمرها، و وفى بنذره، و رحل عنها بعد أن قرر أمرها، و رتب المستحفظين من قبله فيها قاصدا ناحية (67 و) نصيبين.و قد كان بعد وفاة السلطان ملك شاه قد رجع إبراهيم بن قريش إلى بلاده، و تسلم الموصل و أعمالها، و جمع العرب و الأكراد و نزل في بلاد بني عقيل الموصل و ما والاها، و غلب ولد أخيه شرف الدولة محمدا، و أبعده عن الولاية، و لما وصل تاج الدولة الى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها، و خرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له و المناصحة في الخدمة، فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب إبراهيم بن قريش، فقاتلها و هدم بعض سورها، و ملكها بالسيف، و قتل فيها تقدير ألفي رجل، و قتل كل من التجأ إلى جامعها و مساجدها، و أخذت الحرم، و هتكت البنات و عوقبوا بأنواع العقوبات، إلى أن أظهرن كل مذخور، و أبرزن كل مستور، و فعل في أمرهم ما لا يستحله مسلم، و لا يستحسنه كافر، و أطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال و النسوان إلا من بقي في أيدي الأتراك، و ذلك في صفر سنة ست و ثمانين و أربعمائة، و حكى بعض من حضر هذه الكائنة القبيحة أنه
ص: 202
شاهد امرأة تحت (واحد من)(1)الأتراك يطلب منها الفاحشة، و هي تصيح و تستغيث و تتمنع أشد التمنع «فجئته و حاولت تخليصها منه فلم يفعل، فجرحته فتخلى عنها و إذا بها امرأة من وجوه الأشراف، و أخرجتها الى المخيم الى أن سكنت الفتنة، و أعدتها سالمة إلى دارها دون كل بنت هتكت، و أحرزت ثوابها، و حسن الذكر بين أشراف نصيبين».
في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالبا لابراهيم بن قريش، فلما عرف خبره، جمع و حشد و استصرخ و استنجد، و حصل في خلق عظيم و نزل بهم في المنزل المعروف بشرقي الهرماس، و نزل السلطان تاج الدولة على دارا(2)، فلما كان يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس(3)، و اختلط الفريقان و اشتد القتال، و انكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك و العرب، و عاد كل فريق منهما إلى مكانه، فلما استقر بالعرب المنزل، عاد عسكر تاج الدولة إليهم و هم غارون، و حمل عليهم و هم غافلون، فانهزمت العرب، و أخذهم السيف، فقتل منهم (67 ظ) العدد الكثير، و الأكثر من الرجالة المقيمين في المخيم، و قتل الأمير إبراهيم بن قريش و جماعة من الأمراء، و المقدمين من بني عقيل و غيرهم، و قيل إن تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف رجل، و استولى النهب و السلب و السبي على من وجد في المخيم و امتلأت الأيدي من الغنائم و السواد و المواشي و الكراع، بحيث بيع الجمل بدينار واحد و المائة شاة بدينار واحد، و لم يشاهد أبشع من هذه الوقعة، و لا أشنع
ص: 203
منها في هذا الزمان، و قتل بعض النسوان العرب أنفسهن اشفاقا من الهتيكة و السبي، و لما عادوا بالأسرى و السبي، و حصلوا بشاطىء الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا(1).
و قصد السلطان تاج الدولة ديار بكر، و نزل على آمد و ضايقها و ملكها من ملكة ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة، و ولّا (2)نصيبين عوضا عن الجزيرة و ملك آمد من ابن مروان و تسلم ميافارقين و أعمالها و قرر أمرها(3)و انفذ ولاته إلى الموصل و سنجار، و ملك الأعمال، و انهزم بنو عقيل من منازلهم و بلادهم، و توجهوا نحو السلطان بركيارق بن ملك شاه، و كان علي ابن شرف الدولة مسلم بن قريش و والدته خاتون بنت السلطان محمد بن داود(4)عمة السلطان ملك شاه يشكون ما نزل بهما من السلطان تاج الدولة.
و لما تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ، و ما أمله من ملكة البلاد و طاعة العباد، قويت شوكته و كثرت عدته و عدته، و حدث نفسه بالسلطنة، و توجه إلى ناحية خراسان، و ليس يمر ببلد و لا معقل من المعاقل إلا خرج إليه أهله، و بذلوا له الطاعة و المناصحة في الخدمة، و أمره يستفحل و شأنه يعظم.
و فصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب، و عماد الدولة بزان صاحب الرها مغاضبين، و قصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه مخالفين له و عاصيين عليه، و اقتضت الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر، و نزل على مدينة سروج(5)فملكها و ولّى فيها، و في الجزيرة من ارتضاه من ثقات
1) تعرف هذه المعركة باسم معركة المضيع أيضا. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 222- 223.
2) اصطدم الفاطميون أثناء فتحهم لدمشق بجماعات الأحداث فيها، الذين شكلوا نوعا من أنواع المليشيات الشعبية البلدية، و كان محمد بن عصودا من بين زعماء أحداث دمشق الذين تصدوا لجعفر بن فلاح، و عندما أخفق بالمقاومة غادر دمشق إلى الأحساء حيث استنجد بقرامطتها، و من حسن الحظ أن المقريزي حفظ لنا في كتاب المقفى تراجم لجعفر بن فلاح و الحسن الاعصم زعيم القرامطة، و ترجمة الأعصم نشرتها في كتابي أخبار القرامطة، أما ما جاء عن علاقة جعفر ابن فلاح بالقرامطة فهاكم هو:( من مخطوطة مجلد برتو باشا في استانبول:
3) ابن مروان هو ناصر الدولة منصور بن مروان، و ابن جهير هو الكافي ابن جهير، انظر تاريخ ميافارقين. ط. القاهرة 1959: 233- 237.
4) محمد بن داود هو السلطان ألب أرسلان بن جغري بك.
5) بلد من أرض الجزيرة، و بمقربة من ملطية، و هي رستاق كثير القرى و الكروم في بطن بين جبال. الروض المعطار.
ص: 204
خواصه، و اتصل به خبر وصول الأمير قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب، و مؤيد الدولة ابن صاحب الرها اللذين(1)كانا فارقاه الى السلطان بركيارق، و دخولهما عليه و إكرامه لهما و حسن موقع وصولهما منه و سروره بمقدمهما عليه، و أنهما شرعا في الوقوع في ناحية تاج الدولة و التحذير من (68 و) الاهمال لأمره، و التحريض على معاجلته قبل إعضال خطبه، و تمكنه من الغلبة على السلطنة و الإستيلاء على أعمال المملكة، و أشارا عليه بالمسير في هذا الوقت، و طلبا منه من يسير معهما لإيصالهما الى بلديهما حلب و الرها، فسار معهما لإيصالهما إلى الموصل، و ردّ بني عقيل إليهم و قدم عليا بن شرف الدولة مسلم بن قريش عليهم، و لقبه سعد الدولة، فوصل قسيم الدولة الى حلب في شوال سنة ست و ثمانين و أربعمائة و معه جماعة من بني عقيل، و بعض عسكر السلطان بركيارق بحيث وصل الى حلب، و انتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة، فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات، و قصد بلد أنطاكية و أقام بها، و ورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد، و أن عزمه أن يشتو بها، و أقام تاج الدولة بأنطاكية مدة فقلت الأقوات و ارتفعت الأسعار، و خوطب في العود إلى الشام، فلم يفعل، و عاد الى دمشق آخر ذي الحجة من السنة، و في جملته الأمير و ثاب بن محمود بن صالح و بنو كامل و جماعة من العرب لم يجسروا على الإقامة بالشام خوفا من قسيم الدولة صاحب حلب.
و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير إلى ثغر صور لما عصى واليها الأمير منير الدولة الجيوشي، و قد كان أهل صور أنكروا عصيانه، و كرهوا خلفه لسلطانه أمير الجيوش بدر، و عرف ذلك من نياتهم، فحين اشتد القتال عليها نادوا بشعار المستنصر باللّه و أمير الجيوش، فهجم العسكر المصري على
1) قبل قليل قال بأن عماد الدولة بوزان نفسه لا ابنه مؤيد الدولة هو الذي ذهب برفقة قسيم الدولة إلى بركيارق.
ص: 205
البلد، و لم يدافع عنه مدافع، و لا مانع دونه و لا ممانع، و نهب و أسر منه الخلق الكثير، و أخذ في الجملة منير الدولة الوالي و خواصه و أجناده و حملوا الى مصر في يوم الرابع عشر من جمادى(1)سنة ست و ثمانين و أربعمائة و قطع على أهل البلد ستون ألف دينار أجحفت بأحوالهم، و استغرقت جلّ أموالهم، و لما وصل الوالي منير الدولة و من معه من أجناده و أصحابه، تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ذلك، و لم يعف عن واحد منهم.
و في هذه السنة وردت الأخبار من العراق بابطال مسير الحاج لأسباب دعت إلى ذاك، و الخوف عليهم في مسيرهم، و سار الحاج من دمشق و الشام في هذه السنة صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك السلطان (68 ظ) تاج الدولة بعد العقد له بولايته، و تأكيد خطابه بحمايتهم و وصيته، فلما وصلوا و قصدوا مناسكهم و فروض حجهم، تلوموا عن الانكفاء أياما خوفا من أمير الحرم ابن أبي شيبة(2)إذ لم يصل إليه من جهتهم ما يرضيه، فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله، و نهبهم قريبا من مكة، فعادوا إلى مكة، و شكوا إليه و تضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم، فرد عليهم البعض من جمالهم، و قتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم، فلما أيسوا من رد المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة، فحين بعدوا عنها ظهر عليهم قوم من العرب من عدة جهات، فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم، هذا بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة، و هلك قوم بالضعف و الانقطاع، و جرى عليهم من العرب المكروه، و عاد السالم منهم على أقبح حال، و أكسف بال.
ص: 206
و فيها توفي الإمام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي رحمه اللّه، في يوم الأحد الثامن و العشرين من ذي الحجة بدمشق، و كان وافر العلم متين الدين حسن الوعظ، محمود السمت(1).
في هذه السنة ورد الخبر من العراق بوفاة الخليفة الإمام المقتدي بأمر اللّه، أبي القاسم عبد اللّه بن الذخيرة بن القائم بأمر اللّه، أمير المؤمنين، فجأة في ليلة السبت انتصاف المحرم، و عمره ثمان و ثلاثون سنة و تسعة أشهر و أيام، مولده ليلة الأربعاء الثاني، و يقال الثامن من جمادى الأولى سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، و كانت مدة خلافته تسع عشرة(2)سنة، و خمسة أشهر، و كان حسن السيرة، جميل السريرة، و ولي الأمر بعده وليّ عهده ولده أبو العباس أحمد المستظهر باللّه أمير المؤمنين بن المقتدي باللّه أمير المؤمنين، و بويع له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم من السنة، و استقام له الأمر، و انتظمت بتدبيره الأحوال على قبض السداد، و كنه المراد، و عند ذلك قبض على أخوته و اعتقلهم عنده، و كان السلطان بركيارق عند وفاة المقتدي باللّه رحمه اللّه مقيما ببغداد، و بقي فيها مقيما إلى آخر السنة.
و في شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر، و توجه إلى الشام، و قطع العاصي في شهر ربيع الآخر (69 و)، و تقدم إلى العسكرية برعي الزراعات، و نهب المواشي و العوامل، و لما اتصل الخبر بذاك
ص: 207
الى قسيم الدولة صاحب حلب، شرع في الجمع و الاحتشاد، و التأهب لدفعه و الاستعداد، و أجمع على لقائه، و انتهى الخبر الى تاج الدولة بذاك، و وصول بزان صاحب الرها إليه في عسكره، لإسعاده عليه، و انجاده، و كذلك وصول كربوقا صاحب الموصل و يوسف (بن آبق)(1)صاحب الرحبة في ألفين و خمسمائة فارس، و حصول الجميع في حلب لمعونته و مؤازرته، فرحل من منزله بكفر حمار(2)
انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 20- 275. الباهر في الدولة الأتابكية. ط. القاهرة 1963: 15.
الى الحانوتة، ثم منها الى الناعورة، و غارت الخيل على المواشي بها، و أحرقوا بعض زرعها، و رحل منها إلى ناحية الوادي (وادي بزاعا)(3)و رحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر، و تقديره نحو من عشرين ألفا، و زيادة على ذلك، لكنهم(4)في أحسن زي و هيئة، و أتم آلة و عدة و قطع سواقي نهر سبعين(5)قاصدا عسكر تاج الدولة، و كان بروزه من حلب في يوم الجمعة الثامن من جمادى1) أضيف ما بين الحاصرتين توضيحا. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:
2) كذا في الأصل، و لم أجد هذا الموقع في أي من المصادر الجغرافية على كثرتها، هذا و لاحظت في ترجمة آق سنقر في بغية الطلب أن ابن العديم ينقل رواية مطابقة لرواية ابن القلانسي مع فرق ببعض التفاصيل فقط، و لم يذكر ابن العديم هذا الموقع، و نقل ابن العديم عدة روايات حول المعركة بين تتش و آق سنقر و ناقش متون بعض الروايات و انتهى إلى القول بأن المعركة كانت بموقع اسمه« كارس» من أرض نقرة بني أسد قرب نهر اسمه سبعين.
3) زيد ما بين الحاصرتين من رواية ابن العديم- انظر الحاشية السابقة- مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 272.
4) كذا في الأصل، و يحتمل أنها تصحيف صوابه« كلهم».
5) في الأصل« سفيان» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا، و قال ابن العديم أن سبعين« قرية من قرى حلب من نقرة بني أسد على نهر الذهب» و على هذا فالنهر هو نهر الذهب الذي يصب بمملحة الجبول، و الموقع هو قرية سبعين حيث تمر بعض سواقي هذا النهر. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 271.
ص: 208
الأولى من السنة، و التقى الفريقان غداة يوم السبت تاليه عقيب اقتران المريخ و زحل في برج الأسد، المقدم ذكره بخمسة أيام، و كان عسكرا كربوقا و بزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي، فأقاموا على حالهم(1)، و لم يثق بمن كان معه من العرب، فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى المسيرة، ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئا، فنصر اللّه تعالى تاج الدولة و عسكره عليهم، فانهزمت العرب و عسكر كربوقا و بزان عند الحملة و عسكر يوسف، و تحكمت السيوف فيهم، و أسر قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب و أكثر أصحابه، و حين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة(2)
لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ قال: كنت أقتلك، فقال له تتش: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي» فأمر ....
، فأمر بضرب عنق قسيم الدولة و من اتفق من أصحابه فقتلوا و توجه أكثر الفلّ إلى حلب، و اجتمعوا بأهل البلد و الأحداث، و تقرر بينهم الاعتصام بحلب، و الاستنجاد بالسلطان بركيارق، فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب، و قد اختلفت الآراء فيها بينهم، و حاروا فيما يعملون عليه، فوثب جماعة منهم لم يوبه لهم، و كسروا باب البلد، و نادوا بشعار تاج الدولة، فدخل الأمير و ثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدمته، و بادر الوالي(3)المقيم بقلعة الشريف التي قبلي حلب، بالظهور إلى تاج الدولة، و من باب منها دخل تاج الدولة، و نزل إليه رسول الأمير نوح صاحب (69 ظ) قلعة حلب و زوجته، و توثّقا منه و أخذا الأمان له من تاج الدولة، و عادا إليه و أعلماه بما كان من تقرير الحال، و أخذ الأمان،1) كذا و الصواب بالتثنية.
2) صيغة الجملة هكذا توحي بوجود سقط، هذا و ذكرت المصادر التي تحدثت عن هذه الواقعة بأن« تاج الدولة تتش قال لقسيم الدولة لما حضر بين يديه:
3) في الأصل:« و بادر إلى المقيم» و إلى إما زائدة، و إما- كما رجحت- جزء من كلمة، ففي زبدة الحلب:: 2/ 117« و دخل و ثاب بن محمود في مقدمة أصحاب تاج الدولة إلى حلب، و سكن البلد، فنزل الوالي بقلعة الشريف، و سلهما إلى تاج الدولة فدخلها».
ص: 209
فسلمها إليه، و حصل بها في يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى، و سلمت جميع الحصون إليه من الشام، و كان بزان صاحب الرها في جملة من أسر في الوقعة، فتقدم تاج الدولة بقتله، فضربت عنقه صبرا، و كذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل، كان قد أسر في الوقعة فاعتقل بحلب إلى أن تقرر أمر حلب و رتبت النواب و المستحفظون فيها و قرر أمره.
و رحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات، و قطعه و قصد حرّان فاستعادها، و كذلك سروج و الرها، و قصد ديار بكر، و عدل عن طريق السلطان بركيارق، لأنه كان نازلا بأرض الموصل، طالبا لخاتون زوج السلطان ملك شاه والدة أخيه محمود، و كانت مستولية على أصفهان و جميع الأموال، لمكاتبات و مراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها و بينه، و استقر الملك له و لها، و كانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال و التقود فيها.
و في هذا الوقت حدثت زلازل في يوم و ليلة دفعات لم يسمع بمثلها، في كل زلزلة منها تقيم و تطول بخلاف ما جرت بمثله العادة.
و رحل تاج الدولة عقيب ذلك، و لم يتمكن من الاتمام على سمته، و عرفت خاتون الخبر، فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة، فعرض لها في طريقها مرض حاد، فتوفيت و تفرق عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق و الى غيره، و حين عرف بركيارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان، فدخلها و ملكها، و قد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها و عدم الأقوات فيها، و وصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير، و كذلك من عسكر بركيارق، فتضاعفت عدته، و قويت شوكته و دعي له على منابر بغداد، و وصل إلى همذان، و كاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره
ص: 210
بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام، فسار إلى حلب، و من حلب الى العراق، و معه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و الأمير و ثاب بن محمود بن صالح، و جماعة من أمراء العرب و أتراك حلب القسيمية(1)، و توجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة سبع و ثمانين و أربعمائة.
و في هذه (70 و) السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر، المستولي على أمرها، و أنه أسكت في مرضه هذا، و دام به إلى أن اشتد في جمادى الأولى منها، و توفي في العشر الأول منه، و قد كان الأمر تمهد لولده الأفضل، و استقامت حاله مع المقدمين و سائر الأجناد و العساكرية قبل وفاته، و أطاعوا أمره، و عملوا برأيه، و قيل ان وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى الأولى.
و في هذه السنة أيضا وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر باللّه أمير المؤمنين في العشر الثاني من ذي الحجة، و إن المرض اشتد به، و توفي إلى رحمة اللّه في ليلة عيد الغدير، الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع و ثمانين و أربعمائة(2)، و عمره سبع و ستون سنة و ستة أشهر، و مولده سنة
1) نسبة إلى قسيم الدولة أق سنقر.
2) تذكر مختلف المصادر أن المستنصر أوصى بالامامة من بعده لابنه نزار، ذلك أنه كان أكبر أولاده، و لم ينفذ الأفضل أمير الجيوش وصية المستنصر، و اختار المستعلي، لأنه كان ضعيفا و بلاد سند، و زوجه أخته، و فرضه اماما، و أدى هذا الى فرار نزار الى الاسكندرية حيث حورب و قضي عليه، و الأهم من ذلك أن اسماعيلية ايران و غالبية الشام و أراضي المشرق رفضوا الاعتراف بإمامة المستعلي، مما أدى الى انشطار الدعوة الاسماعيلية الى: نزارية و مستعلية، و عرف النزارية فيما بعد باسم الحشيشية، أو أتباع الدعوة الاسماعيلية الجديدة التي أسسها حسن الصباح. انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة:
ص: 211
عشرين و أربعمائة، و نقش خاتمه «بنصر السميع العليم ينتصر الامام أبو تميم» و مدة أيام دولته ستون سنة و أربعة أشهر، و كان حسن السيرة، جميل السريرة، محبا للعدل و الانصاف، و مني في أكثر عمره من الأجناد بالعناد و الاختلاف، و ولي الأمر بعده ولده أبو القاسم أحمد بن المستنصر باللّه، و لقب بالمستعلي باللّه أمير المؤمنين، و أخذ له البيعة على الأمراء و المقدمين من الأجناد و العسكرية، و أعيان الرعية، الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش، و نصبه في منصب أبيه المستنصر باللّه، و استقامت به الأحوال و انتظمت على غاية الايثار و الآمال.
و خرج أخواه من مصر خفية: عبد اللّه و نزار ابنا المستنصر باللّه، فقصد نزار منهما الاسكندرية، و حصل مع نصر الدولة واليها، و كان من أكابر الغلمان الجيوشية، الذين عوّل عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من بعده دون ولده.
فاستحكم الخلف بينه و بين الأفضل، و جرت بينهما حروب و وقائع، أسفرت عن ظفر الأفضل به، و استقام له الأمر من بعده، و صلحت أحوال مصر و أعمالها، و استقامت بعد اضطرابها و اختلالها.
و أما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة، فإنه تمّ في رحيله إلى مدينة الري، فنزل عليها و ضايقها و ملكها، و استولى على البلاد و الأعمال و المعاقل من الشام والى الريّ، و كان قد أنهض عسكرا مع بني عقيل و نمير إلى أعمال بني عقيل، فاستولوا عليها ما خلا الموصل، و ساءت سيرة الأتراك في الأعمال (75 ظ) و شملها منهم ما عاد عليها بالفساد و سوء الحال، و أنفذوا مواشي أهلها و أموالهم، و استغرقوا بالنهب و ارتكاب الظلم أحوالهم، و أجلوهم عن منازلهم في زمن الشتاء و شدة البرد و سقوط الجليد.
ص: 212
و برز السلطان بركيارق من أصفهان في العسكر، و قصد جهة عمّه السلطان تاج الدولة، و خاف تاج الدولة من أهل الري أن يخامروا عليه إن أقام، فرحل عنها، و نزل في منزل على أربعة فراسخ منها، و وصل السلطان بركيارق في عساكره و خيم بإزائه، و حالت بينهما طوالع الفريقين، و تأهب كل منهما للقاء صاحبه، و رتبت المصافات للحرب، و التقى الفريقان في اليوم السابع عشر من صفر سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، فانفلّ عسكر السلطان تاج الدولة، و تفرّق و نهب سواده و أثقاله، و أسر أكثره، و قتل منه الخلق الكثير و استشهد تاج الدولة رحمه اللّه في الجملة، و قتله(1)بعض أصحاب قسيم الدولة آق سنقر، صاحب حلب، بعد اصطناعه إياه و تقريبه له، و حمل رأسه و طيف به في العسكر، ثم حمل الى بغداد، و طيف به فيها.
فيها ورد الخبر الى الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه تاج الدولة، و انفلال عسكره، و هو نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد الإتمام إلى بغداد، ثم المصير إلى أبيه تاج الدولة، حين استدعاه الى الوصول إليه، فاضطرب لذاك و قلق، و خاف من وصول من يطلبه، فحطّ مضاربه في الحال، و قوضت خيام العسكر في الوقت، و رحل مجدّا في سيره في نفر من سرعان خيله و غلمانه، و ترك باقي عسكره من ورائه، و لم يزل مغذا في قصده إلى أن دخل حلب، و فتح الوزير أبو القاسم(2)النائب في القلعة أبوابها، و أصعده إليها، و أخذوا الأهبة لمن يقصدها.
ص: 213
و وصل إليه من الفلّ أخوه شمس الملوك دقاق(1)
و هذا صحيح فالاسم أصلا بالتركية يلفظ أولا بحرف وسط بين التاء و الدال، لذلك وجد من عربه بدال و من عربه بتاء، و هذه الحال نجدها في غالبية المصادر.
ابن السلطان تاج الدولة، من ناحية ديار بكر، و جماعة من خواص عسكره المفلول، و أقام بحلب مدة يسيرة، و راسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في القلعة و البلد، و قرّر له ملكة دمشق سرّا، فخرج في الحال من حلب من غير أن يعلم به أحد، وجد في سيره ليله و نهاره، فلما عرف الملك فخر الملوك خبره (71 و) أنهض عدة من الخيل في إثره، ففاتهم و لم يعرفوا له خبرا، و لا وجدوا له أثرا، و وصل إلى دمشق و حصل بها و أجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة، و أخذ له العهد على الأجناد و العسكرية، و استقام له الأمر، و استمرت(2)على السداد الأحوال.و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير أصفهذ وصل إلى مكة في أربعمائة فارس من التركمانية، فقاتل أهلها فقهرهم، و ملكها و قتل خلقا كثيرا من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة، و انهزم ابن أبي شيبة، و جميع الأشراف من مكة، و حصل بها و أقام بها مديدة يسيرة و رحل عنها.
و في هذه السنة وردت الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدين طغتكين أتابك من اعتقاله عقيب الكسرة التاجية، و توجه عائدا إلى دمشق، و خرج صاحبه السلّار حصن الدولة بختيار شحنة دمشق نحوه لتلقيه و العود في خدمته، و قد كان هذا الأمير المذكور في حداثة سنة و نضارة غصنه، قد حظي عند السلطان الشهيد تاج الدولة، و رشحه يحجبه و قدمه على أبناء جنسه من خواصه
ص: 214
و بطانته، و سكن إلى شهامته و صرامته و سداد طريقته، و ردّ إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد و حسن التدبير في الصدر و الورد، و الاسفهلارية على عسكريته و استنابه في تدبير أمر دمشق، و حفظها أيام غيبته، فأحسن السيرة فيها، و أنصف الرعية من أهلها، و بسط المعدلة في كافة من بها، فكثر الدعاء له و الثناء عليه، فعلت منزلته و امتثلت أوامره و أمثلته، و لم يلبث أن شاع ذكره بنجابته، و أشفقت النفوس من هيبته، فولاه ميافارقين من ديار بكر و هي أول ولايته(1)و سلم إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق، و اعتمد عليه في تربيته و كفالته، فساس أمرها بالهيبة و التدبير، و أصلح فاسدها في أقرب أوان و مدة، و نكا في جماعة من مقدميها، و وجوه أهلها حين عرف منهم خيانة و مخامرة نكاية قامت بها الهيبة، و استقامت معها أمور الرعية، و تنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع السلطان تاج الدولة إلى الري، و شهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة، و حصل في قبضة الاعتقال، مع من أسر من المقدمين و أقام مدة إلى أن أذن اللّه في الخلاص (71 ظ) وصل إلى دمشق في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، فتلقاه الملك شمس الدولة دقاق و عسكره و أرباب دولته، و بولغ في إكرامه و احترامه، و ردّ إليه النظر في الاسفهسلارية، و اعتمد عليه في تدبير المملكة و سياسة البيضة، و اقتضت الحال فيها بينه و بين الملك و أمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين، و الايقاع به، و تمم عليه الأمر، و قتل و عقدت الوصلة بينه و بين ظهير الدين أتابك و بين الخاتون صفوة الملك والدة الملك شمس الملوك دقاق، و دخل بها، و استقامت له الحال بدمشق، و أحسن السيرة فيها، و أجمل في تدبير أهليها، و بالغ في الذب عنها، و المراماة دونها، و سكنت نفس الملك شمس الملوك إليه، و اعتمد في التدبير عليه.
1) انظر تاريخ ميافارقين: 237- 245.
ص: 215
و قد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلا الى دمشق، و محبا لها، و مؤثرا للعود إليها، و لا يختار عليها سواها، لمعرفته بمحاسنها، و ترعرعه فيها، فجمع و حشد و استنجد بالأمير سكمان بن أرتق، و برز طالبا لدمشق و النزول عليها، و انتهاز الفرصة فيها.
و قد كان الملك شمس الملوك دقاق و العسكر مع الأمير يغي سغان، و الأمير نجم الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا الوقت، فوصل الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب في عسكره، و نزل بظاهر البلد في سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و زحف في العسكر لقتالها، و كان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين الدولة محمد بن الوزير أبي القاسم، و نفر قليل من العسكرية، و انضاف إليهم جماعة من الأجناد و أهل البلد، و أغلقت الأبواب و ارتكبت الأسوار، و صاحوا و رشقوهم بالسهام، و كانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم، و قربوا من السور و باب الصغير، و طلب جماعة من العسكرية و أحداث البلد الخروج إليهم، و الدفع لهم عن البلد، فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد، و الرئيس أمين الدولة أبو محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج، و قاتلوهم على الأسوار و منعوهم من الوصول إليها، و اتفق الأمر المقتضى أن حجز المنجنيق وقع في رأس حاجب الملك رضوان و هو قائم يحرض على الحرب فقتله، فسكنت الحرب و اشتغلوا بأمره، و عادوا إلى مخيمهم لأجله، و لم يتم لهم أمر، و لا تسهل لهم غرض، و بلغهم أن الملك شمس الملوك عائد (72 و) في العسكر إلى دمشق، فرحل في العسكر عائدا إلى حلب، خائبا في الأمر الذي طلب، و طلب في رحيله ناحية مرج الصفر، و طلب حوران، فعاث العسكر في أطرافها، و طلب التوجه إلى بيت المقدس، و عاد شمس الملوك دقاق لما انتهى إليه الخبر في العسكر، و وصل الى دمشق، و تبع عسكر الملك رضوان على إثره، فوصل و تقارب المدى بين الفريقين، و فصل الملك رضوان منكفئا إلى حلب، فوصل إليها في آخر ذي الحجة من السنة.
ص: 216
فيها وصل خلف بن ملاعب، الذي كان السلطان ملك شاه أبو الفتح أخذه من حمص، عند أخذها منه، و اعتقله بأصفهان(1)، و أطلق عند وفاة السلطان المذكور، و توجه إلى مصر.
و فيها ورد الخبر بوفاة أبي مسلم وادع بن سليمان، قاضي معرّة النعمان، و المستولي عليها في آخر صفر منها، و كان له همة مشهورة، و طريقة في اليقظة مشكورة.
و فيها انكفأ الأمير يغي سغان منفصلا عن الملك شمس الملوك دقاق إلى بلده أنطاكية، في المحرم منها.
في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت و هي:
الشمس، و القمر، و المشتري، و الزهرة، و المريخ، و عطارد، و ذكر أهل صناعة النجوم أنهم لم يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج، في قديم الزمان و حديثه، و لا سمعوا ذاك.
و في شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر الملوك رضوان بحلب، استوحش من الملك استيحاشا خاف معه على نفسه، و كان زوج والدته، ففصل عن حلب منكرا لما تم في أمره، و كان أمر التدبير إليه و المعتمد في الحل و العقد فيها عليه، و وصل إلى حمص في عسكره و خواصه، و كان قراجة نائبه فيها، فسلمها إليه، و حصل بها، و شرع في تحصينها، و الإحكام لجهات قلعتها، و نقل أهله إليها، و أمن على نفسه
1) كذا، و سبق أن ذكر المؤلف أن تتش هو الذي أخذ ابن ملاعب، و قد علقنا على ذلك. انظر ص 198.
ص: 217
باستقراره بها(1)، و وصل عقيب انفصاله الأمير يغي سغان من أنطاكية إلى حلب و شرع في التدبير و التقرير بها، و الأمر و النهي في عسكريتها و أهليها، و برز الملك رضوان و يغي سغان من حلب في (72 ظ) العسكر إلى ناحية شيزر، عازما على الاحتشاد، و التأهب و الاستعداد لمعاودة النزول على دمشق، فأقاموا على شيزر تقدير شهر، و وقع الخلف بين مقدمي العسكر، فتفرقوا و عاد كل منهم إلى مكانه، و عاد الملك إلى حلب.
و في هذه السنة ورد على فخر الملوك رضوان كتاب المستعلي باللّه صاحب مصر مع رسوله، يلتمس منه الدخول في طاعته، و إقامة الدعوة لدولته، و كذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل هذه الحال، فأجابهما إلى ما التمساه، و أمر بأن يدعى للمستعلي على المنبر، و للأفضل بعده، و لنفسه بعده، و أقامت الخطبة على هذه القضية تقدير أربع جمع، و كان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري، و النزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق، فوصل الأمير سكمان(2)بن أرتق و يغي سغان صاحب أنطاكية إلى حلب، و أنكرا على الملك الدخول في هذا الأمر، و استبدعاه من فعله، و أشارا عليه بإبطاله و إطراح العمل به، فقبل ما أشير به إليه و أعاد الخطبة الى ما كانت عليه.
و في أول شهر ربيع الأول من السنة، وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من مصر، و نزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان واليه المعروف بالكتيلة، و خروجه عن الطاعة، و الايثار للخلف و العدول عن المخالصة في الخدمة و العود للمبايعة، و لم يزل العسكر منازلها و مضيقا عليها إلى أن
ص: 218
افتتحها بالسيف قهرا، و قتل فيها الخلق الكثير، و نهب منها المال الجزيل، و أخذ الوالي أسيرا من غير أمان و لا عهد، و حمل إلى مصر، فقتل بها.
و في هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الأفرنج من بحر القسطنطينية، في عالم لا يحصى عدده كثرة، و تتابعت الأنباء بذلك، فقلق الناس لسماعها و انزعجوا لاشتهارها، و صحت الأخبار بذاك عند الملك (داود بن) سليمان بن قتلمش و كان أقرب إليهم دارا، فشرع في الجمع و الاحتشاد، و إقامة مفروض الجهاد، و استدعى من أمكنه من التركمان للاسعاد عليهم و الانجاد، فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير، و قويت بذاك نفسه، و اشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم و مسالكهم و سبلهم (73 و) فأوقع بكل من ظفر به منهم، بحيث قتل خلقا كثيرا، و عادوا إليه، و استظهروا عليه، و كسروا عسكره، فقتلوا منهم و أسروا و نهبوا و سبوا، و انهزم التركمان بعد أخذ أكثر دوابهم، و اشترى ملك الروم من السبي خلقا كثيرا، و حملهم إلى القسطنطينية، و تواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الاسلام، فعظم القلق، و زاد الخوف و الفرق، و كانت هذه الوقعة لعشر بقين من رجب.
و في النصف من شعبان توجه الأمير يغي سغان صاحب أنطاكية و الأمير سكمان بن أرتق و الأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية، و قد وردت الأخبار بقرب الافرنج منها، و نزولهم البلانة(1)و خفّ يغي سغان إلى أنطاكية، و سيّر ولده الى دمشق إلى الملك دقاق، والى جناح الدولة بحمص، و إلى سائر البلاد و الأطراف بالاستصراخ و الاستنجاد، و البعث على الخفوف إلى الجهاد، و قصد تحصين أنطاكية، و إخراج النصارى منها.
و في اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الأفرنج على بغراس و أغاروا(2)
ص: 219
على أعمال أنطاكية، فعند ذلك عصى من كان في الحصون و المعاقل المجاورة لأنطاكية(1)، و قتلوا من كان فيها و هرب من هرب منها و فعل أهل أرتاح(2)مثل ذلك، و استدعوا المدد من الأفرنج، و في شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب و أقام طلوعه تقدير عشرين يوما، ثم غاب، فلم يظهر، و كان قد نهض من عسكر الافرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفا، فعاثوا في الأطراف و وصلوا إلى البارة(3)و قتلوا فيها تقدير خمسين رجلا، و كان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لانجاد يغي سغان، فلما نزلت هذه الفرقة المذكورة على البارة، نهضوا نحوهم، و تطاردوا و قتل منهم جماعة، و عاد الافرنج إلى الرّوج(4)، و توجهوا إلى أنطاكية، و غلا سعر الزيت و الملح، و غير ذلك، و عدم في أنطاكية، و تواصل ذلك إليها سرقة، فرخص فيها، و جعل الأفرنج بينهم و بين أنطاكية خندقا لكثرة الغارات عليهم من عسكر أنطاكية، و قد كان الأفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم و وعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية و هي أول مكان فتحوا، فلم يفوا له بذلك و لا سلموها إليه على الشرط(5)
لندن: 1967، ص: 248- 278.
، و افتتحوا في طريقهم بعض الثغور و الدروب.و في هذه السنة وردت الأخبار من (73 ظ) ناحية حلب بفساد حال رئيسها المعروف بالمجن لما كان عليه من التمكن و الغلبة على الأمر، و ارتكاب
1) كثيرون من سكان المنطقة كانوا من غير المسلمين، من الأرمن.
2) حصن منيع في منطقة الثغور كان من أعمال حلب. معجم البلدان.
3) مدينة كانت ذات شهرة كبيرة، فيها آثار كثيرة، و تتبع البارة اداريا لمنطقة أريحا في محافظة ادلب في سورية.
4) من كور حلب المشهورة في غربيها بينها و بين المعرة. معجم البلدان.
5) إن الأميرة آناكومينا أفضل من تحدث عن وصول حشود الصليبيين إلى القسطنطينية و وصف علاقاتهم بالامبراطور ألكسيوس كومنين، ثم قص خبر سقوط نيقية، و كيف آلت ملكيتها إلى البيزنطيين، و قد أودعت هذا كله في كتابها عن حياة أبيها الذي حمل عنوان« الألكسياد». انظر ترجمته إلى الانكليزية- ط.
ص: 220
الظلم، بحيث قبض عليه، و نهبت داره، و قتل مع من قتل من أولاده، و استؤصلت شأفته، و ذلك مجازاة الساعي في قتل النفوس، و سفك الدماء، و ما هي من الظالمين ببعيد، و ذلك في ذي القعدة(1).
و في هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول(2)، و لقب مشيّد الدين، بحلب.
في آخر جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن قوما من أهل أنطاكية من جملة الأمير يغي سغان من الزرّادين عملوا على أنطاكية و واطوا الافرنج على تسليمها إليهم لإساءة تقدمت منه في حقهم و مصادرتهم، و وجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد، مما يلي الجبل باعوه للأفرنج، و أطلعوهم إلى البلد منه في الليل(3)، و صاحوا عند الفجر، فانهزم يغي سغان، و خرج في خلق عظيم، فلم يسلم منهم شخص، و لما حصل بالقرب من أرمناز، ضيعة بقرب من معرة مصرين، سقط عن فرسه على الأرض، فحمله بعض أصحابه و أركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، و عاود سقط، فمات رحمه اللّه.
و أما أنطاكية، فقتل منها و أسر و سبي من الرجال و النسوان و الأطفال ما لا يدركه حصر، و هرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها، و سلم من كتب اللّه سلامته.
ص: 221
و في شعبان منها وردت الأخبار بخروج الأفضل أمير الجيوش من مصر، في عسكر كبير إلى ناحية الشام، و نزل على بيت المقدس، و فيه الأميران سكمان و إيل غازي ابنا أرتق، و جماعة من أقاربهما و رجالهما، و خلق كثير من الأتراك فراسلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس إليه، من غير حرب و لا سفك دم، فلم يجيباه الى ذلك، فقاتل البلد، و نصب عليه المناجيق، فهدمت ثلمة من سوره، و ملكه و تسلم محراب داود من سكمان، و لما حصل فيه أحسن إليهما و أنعم عليهما و أطلقهما و من معهما و وصلوا إلى دمشق في العشر الأول من شوال، و عاد الأفضل في عسكره إلى مصر.
و فيها توجه الأفرنج الى معرة النعمان بأسرهم، و نزلوا عليها في اليوم التاسع و العشرين من ذي الحجة، و قاتلوها و نصبوا عليها البرج و السلالم، و بعد افتتاح الافرنج بلد (74 و) أنطاكية بتدبير الزرّاد، و هو رجل أرمني اسمه نيروز(1)في ليلة الجمعة مستهل رجب، تواصلت الأخبار بصحة ذلك فتجمعت عساكر الشام في العدد الذي لا يدركه حصر و لا حزر، و قصدوا عمل أنطاكية للإيقاع بعسكر الأفرنج، فحصروهم حتى عدم القوت عندهم حتى أكلوا الميتة، ثم زحفوا و هم في غاية من الضعف إلى عساكر الإسلام و هم في الغاية من القوة و الكثرة، فكسروا المسلمين، و فرقوا جموعهم، و انهزم أصحاب الجرد السبق، و وقع السيف في الرجال المتطوعين و المجاهدين و المغاليين في الرغبة في الجهاد، و حماية المسلمين، في ذلك، في يوم الثلاثاء السادس من رجب في السنة(2).
ص: 222
في المحرم منها زحف الأفرنج إلى سور معرة النعمان من الناحية الشرقية و الشمالية، و أسندوا البرج إلى سورها، و هو أعلى منه، فكشفوا المسلمين عن السور، و لم تزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من محرّم، و صعدوا السور، و انكشف أهل البلد عنه، و انهزموا بعد أن ترددت إليهم رسل الافرنج في التماس التقرير و التسليم و إعطاء الأمان على نفوسهم و أموالهم، و دخول الشحنة إليهم، فمنع من ذلك الخلف بين أهلها و ما قضاه اللّه تعالى و حكم به، و ملكوا البلد بعد صلاة المغرب، و قتل فيه خلق كثير من الفريقين، و انهزم الناس إلى دور المعرة للاحتماء بها، فأمنهم الافرنج و غدروا بهم، و رفعوا الصلبان فوق البلد، و قطعوا على أهل البلد القطائع، و لم يفوا بشيء مما قرروه، و نهبوا ما وجدوه، و طالبوا الناس بما لا طاقة لهم به، و رحلوا يوم الخميس السابع عشر من صفر إلى كفر طاب.
ثم قصدوا بعد ذلك ناحية بيت المقدس آخر رجب من السنة، و أجفل الناس منهم من أماكنهم، و نزلوا أولا على الرملة فملكوها عند إدراك الغلة، و انتقلوا إلى بيت المقدس، فقاتلوا أهله، و ضيقوا عليهم، و نصبوا عليه البرج و أسندوه الى السور، و انتهى إليهم خروج الأفضل من مصر في العساكر الدثرة، لجهادهم و الايقاع بهم، و إنجاد البلد عليهم و حمايته منهم، فشدوا في قتاله، و لازموا حربه إلى آخر نهار ذلك اليوم، و انصرفوا عنه، و واعدهم الزحف إليهم من الغد، و نزل الناس عن السور وقت المغرب، (74 ظ) فعاود الأفرنج الزحف إليه، و طلعوا البرج، و ركبوا سور البلد، فانهزم الناس عنه، و هجموا البلد فملكوه، و انهزم بعض أهله إلى المحراب، و قتل خلق كثير و جمع اليهود في الكنيسة و أحرقوها عليهم، و تسلموا المحراب بالأمان في الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و هدموا المشاهد و قبر الخليل عليه السلام.
ص: 223
و وصل الأفضل في العساكر المصرية، و قد فات الأمر، فانضاف إليه عساكر الساحل، و نزل بظاهر عسقلان في رابع عشر شهر رمضان، منتظرا لوصول الإسطول في البحر و العرب، فنهض عسكر الأفرنج إليه، و هجموا عليه في خلق عظيم، فانهزم العسكر المصري إلى ناحية عسقلان، و دخل الأفضل إليها، و تمكنت سيوف الأفرنج من المسلمين، فأتى القتل على الراجل و المطوعة و أهل البلد، و كانوا زهاء عشرة آلاف نفس، و نهب العسكر، و توجه الأفضل في خواصه إلى مصر، و ضايقوا عسقلان إلى أن قرروا عليها بعده للأفرنج عشرين ألف دينار، تحمل إليهم، و شرعوا في جبايتها من أهل البلد، فاتفق حدوث الخلف بين المقدمين، فرحلوا و لم يقبضوا من المال شيئا، و حكي أن الذين قتلوا في هذه الوقعة من أهل عسقلان من شهودها و تنائها و تجارها و أحداثها، سوى أجنادها ألفان و سبعمائة نفس.
في صفر منها ورد الخبر بوصول السلطان بركيارق إلى بغداد، بعد أن جرى بينه و بين أخيه السلطان محمد تبر خلف و حرب، استظهر فيها عليه، و غلبه على مدينة أصفهان و حصل بها.
و توجّه الملك شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة من دمشق في عسكره إلى ديار بكر لتسلمها من المستولي عليها، و وصل إلى الرحبة في البرية، و وصل الى ديار بكر و تسلم ميافارقين، و رتب فيها من يحفظها و يذب عنها.
و في رجب منها خرج بيمند ملك الافرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية، و نزل عليه، و أقام أياما و أتلف زرعه و وصل الخبر بوصول الدانشمند(1)
1) أنوشتكين الدانشمند، و عند ابن العديم حدثت المعركة في أرض مرعش، زبدة الحلب: 2/ 508- 509.
ص: 224
إلى ملطية في عسكره من الأتراك، في خلق عظيم و من عسكر (قلج أرسلان ابن) سليمان بن قتلمش، فعاد بيمند عند معرفة ذاك إلى أنطاكية، و جمع و حشد، و قصد عسكر المسلمين، فنصر اللّه تعالى المسلمين عليه، و قتلوا من حزبه خلقا كثيرا (75 و) و حصل في قبضة الأسر مع نفر من أصحابه، و نفذت الرسل إلى نوابه بأنطاكية يلتمسون تسليمها، في العشر الثاني من شهر صفر سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة.
و فيها وردت الأخبار بأن الآبار غارت في عدة جهات من أعمال الشمال، و المنابع في أكثر المعاقل، و قلت و تقلصت الأسعار فيها.
فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقا كثيرا من التركمان، و زحف بهم إلى أفرنج الرها و سروج، في شهر ربيع الأول و تسلم سروج و اجتمع اليه خلق كثير، و حشد الأفرنج أيضا، و التقى الفريقان، و قد كان المسلمون مشرفين على النصر عليهم، و القهر لهم، فاتفق هروب جماعة من التركمان، فضعفت نفسه و انهزم، و وصل الأفرنج إلى سروج، فتسلموها و قتلوا أهلها و سبوهم، إلا من أفلت منهم هزيما.
(و) في هذه السنة توفي القاضي الفقيه الإمام أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن عقيل بن زيد الشهرزوري الواعظ، رحمه اللّه، يوم الإثنين السابع من المحرم منها.
و في هذه السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا، و أغار عليه فأصابه سهم فقتله، و كان قد عمّر يافا و سلمها إلى طنكري، فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرها الى بيت المقدس، في خمسمائة
ص: 225
فارس و راجل، فجمع شمس الملوك دقاق عند معرفة خبر عبوره، و نهض إليه معه الأمير جناح الدولة صاحب حمص، فلقوه بالقرب من ثغر بيروت، فسارع نحوه جناح الدولة في عسكره فظفر به و قتل بعض أصحابه.
و فيها افتتح الأفرنج حيفا، على ساحل البحر بالسيف، و أرسوف بالأمان، و أخرجوا أهلها منها، و في آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف، و قتلوا أهلها، و نهبوا ما فيها، و أعانهم الجنويون عليها.
و فيها ورد الخبر بقرب السلطان بركيارق من بغداد في عسكره، طالبا للقاء أخيه محمد(1)، فأسر و قتل و أخذ وزيره و جماعة من مقدميه، و أمر بقتلهم، و توجه من وقته إلى ناحية أصفهان، فنزل عليها عند وصوله إليها، و تقرر أمرها بحيث ملكها، و حصل فيها و هي دار السلطنة و استقام (75 ظ) له الأمر بها.
و فيها تقدم الخليفة المستظهر باللّه أمير المؤمنين ببغداد بالقبض على عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره، و على نوابه و أسبابه و مصادرتهم، و قتلهم لأشياء نقمها عليه(2)، و منكرات عزيت إليه.
1) في الأصل:« طالبا للقاء أخيه السلطان بركيارق بعسكر أخيه محمد فأسر و قتل و أخذ وزيره ...» و شكل هذه الجملة المتداخلة يوحي بوجود سقط أو خطأ من الناسخ، ثم إنها تفيد بأن بركيارق هزم و قتل، و أسر وزيره، و هذا ما لم يحدث، فالذي هزم هو السلطان محمد، و الذي أسر و قتل هو وزير محمد« مؤيد الملك أبو بكر عبد اللّه بن نظام الملك» لأنه سبق له أن أوعز بقتل الخاتون زبيدة أم بركيارق. انظر مرآة الزمان- أخبار سنة 494 ه. تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهاني- ط. القاهرة: 190 ص: 79- 81.
2) ذكره سبط ابن الجوزي في وفيات سنة/ 493/ و قال بعدما تحدث عن أعماله و المناصب التي شغلها:« ثم آل أمره إلى أن حبسه الخليفة في داره و أخرج ميتا في شوال، فحمل إلى داره فغسل فيها، و دفن ...»
ص: 226
و في شعبان منها أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك، يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة، و يصل إلى دمشق بماله و حاله، و يسيره إلى بغداد تحت الحوطة و الأمان و الحماية، و جميل الرعاية، فأجابه الى ما اقترحه، و وعده بتحقيق أمله، و ندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري، و كان الملك شمس الملوك دقاق غائبا عن دمشق في ديار بكر، فعاد منها، و دخل إلى دمشق في أول شوال من السنة، و تقررت الحال على ما التمس ابن صليحة، و توجه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة، فتسلمها، و انفصل ابن صليحة عنها، و وصل دمشق بأصحابه و أسبابه و كراعه و دوابه و كل ما تحويه يده من مال و أثاث و حال، فأكرم مثواه، و أحسن لقياه، و أقام ما أقام بدمشق، و سيّر إلى بغداد مع فرقة وافرة من الأجناد، بجميع ما يملكه، و حصل بها، و اتفق له من وشى بماله، و عظم سعة حاله إلى السلطان، فنهب و اشتمل على ما كان يملك.
و أما تاج الملوك فإنه لما ملك ثغر جبلة، و تمكن هو و أصحابه فيها أساؤوا إلى أهله، و قبحوا السيرة فيهم، و جروا على غير العادة المرضية من العدل و الإنصاف، فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمار المتغلب على ثغر طرابلس لقربها منهم، فوعدهم المعونة على مرادهم و إسعادهم بالانفاذ لهم، و أنهض اليهم عدة وافرة من عسكره، فدخلت الثغر، و اجتمعت مع أهله على الأتراك، فقهروهم و أخرجوهم منه، و ملكوه و قبضوا تاج الملوك، و حملوه الى طرابلس، فأكرمه فخر الملك و أحسن إليه، و سيره إلى دمشق، و كتب الى والده أتابك يعرفه صورة الحال، و يعتذر إليه مما جرى.
و فيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين الدولة أبي محمد بن الصوفي، رئيس دمشق و صالحه على جملة من المال يحملها الى خزانته، و أطلقه من الاعتقال، و أقره على رئاسته.
ص: 227
و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف بالعواسي و وصل إلى (76 و) عسقلان لجهاد الأفرنج في أول شهر رمضان، و أقام بحيث هو إلى ذي الحجة منها، و رحل عن عسقلان، و نهض إليه من الأفرنج ألف فارس و عشرة آلاف راجل، و التقى الفريقان فكسرت ميمنة المسلمين و ميسرتهم و تبعوهم، و بقي سعد الدولة المقدم في نفر يسير من عسكره في القلب، فحمل الأفرنج عليه، و طلب الثبات، فعاجله القضاء، و كبا به جواده، و سقط عنه إلى الأرض، فاستشهد مكانه رحمه اللّه، و مضى شهيدا مأجورا، و عاد المسلمون على الأفرنج، و تذامروا عليهم، و بذلوا النفوس في الكرة إليهم، فهزموهم إلى يافا، و قتلوا منهم و أسروا، و غنموا و كانت العقبى الحسنة لهم، و لم يفقد إلا نفر يسير منهم.
و فيها انكفأ الأمير كربوقا صاحب الموصل و الجزيرة عن السلطان بركيارق لمشاهدة أحوال ولايته، و استعادة المخالفين إلى طاعته، فلما وصل إلى مراغة عرض له مرض الموت، و اشتد به، و توفي هناك، و سار إلى ربه،
و في هذه السنة وصل السلطان بركيارق بن ملك شاه إلى بغداد، منهزما من أخيه السلطان محمد في آخرها(1).
و في هذه السنة وردت الأخبار بما أهل خراسان و العراق و الشام عليه، من الخلاف المستمر و الشحناء و الحروب و الفساد، و خوف بعضهم من بعض، لاشتغال الولاة عنهم و عن النظر في أحوالهم بالخلف و المحاربة.
1) تحالف محمد مع أخيه سنجر ضد بركيارق، و قدم الإثنان إلى بغداد، فهرب منها بركيارق إلى واسط ثم إلى الجبل. مرآة الزمان- أخبار سنة 494.
ص: 228
و فيها وصل قمص(1)الرها، مقدم الأفرنج في عسكره المخذول إلى ثغر بيروت، فنزل عليه طامعا في افتتاحه، و حاربه و ضايقه و طال مقامه عليه، و لم يتهيأ فيه مراد فرحل عنه.
و وردت مكاتبات فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يلتمس فيها المعونة على دفع ابن صنجيل النازل في عسكره من الأفرنج على طرابلس، و يستصرخ بالعسكر الدمشقي، و يستغيث بهم، فأجيب إلى ما التمس، و نهض العسكر نحوه، و قد استدعى الأمير جناح الدولة صاحب حمص، فوصل أيضا في عسكره، فاجتمعوا في عدد دثر، و قصدوا ناحية أنطرطوس، و نهد الأفرنج إليهم في جمعهم و حشدهم، و تقارب الجيشان و التقيا هناك، فانفل عسكر المسلمين من عسكر المشركين، و قتل منهم الخلق الكثير، و قفل من سلم إلى دمشق و حمص بعد فقد من (76 ظ) فقد منهم، و وصلوا في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة.
و فيها وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة المستعلي باللّه أمير المؤمنين بن المستنصر باللّه صاحب مصر، في صفر منها، و عمره سبع و عشرون سنة، و مولده سنة ثمان و ستين و أربعمائة، و كانت مدة أيامه سبع سنين و شهرين، و نقش خاتمه «الإمام المستعلي باللّه أمير المؤمنين»، و كان حسن الطريقة، جميل السيرة في كافة الأجناد و العسكرية، و سائر الرعية، لازما قصره كعادة أبيه المستنصر باللّه منكفيا بالافضل سيف الاسلام ابن أمير الجيوش، فيما يريده، بأصالة رأيه و صواب تقديره و امضائه، و قام في الأمر بعده ولده أبو علي المنصور بن المستعلي باللّه أبي القاسم أحمد، و أخذ له البيعة على الأجناد و الأمراء، و كافة الرعايا و الخدم و الأولياء، الأفضل السيد أبو القاسم شاهنشاه
1) كان جوسلين هو كونت الرها، و قد أرخ كاتب سرياني مجهول لمملكة الرها حتى سقوطها، و قمت مؤخرا بترجمة هذا النص مع نصوص أخرى اغريقية و لاتينية عن الحملتين الصليبيتين الأولى و الثانية لنشرها قريبا ان شاء اللّه.
ص: 229
ابن أمير الجيوش، و أجلسه في منصب أبيه عقيب وفاته، و لقب بالآمر بأحكام اللّه، و استقام له الأمر بحسن تدبير الأفضل، و انتظمت به الأحوال على غاية المباغي و الآمال.
و في هذه السنة خرجت العساكر المصرية من مصر، لإنجاد ولاة الساحل في الثغور الباقية في أيديهم منها على منازليهم من أحزاب الأفرنج، و وصلت إلى عسقلان في رجب، و لما عرف بغدوين قمص بيت المقدس وصولهم، نهض نحوهم في جمعه من الأفرنج في تقدير سبعمائة فارس و راجل، اختارهم، فهجم بهم على العسكر المصري، فنصره اللّه على حزبه المفلول، و قتلوا أكثر خيله و رجالته، و انهزم إلى الرملة في ثلاثة نفر، و تبعوه و أحاطوا به، فتنكر و خرج على غفلة منهم، و قصد يافا، و أفلت منهم، فكان قد اختفى في أجمة قصب حين تبع، و أحرقت تلك الأجمة، و لحقت النار بعض جسده، و نجا منها، و حصل بيافا، فأوقع السيف في أصحابه و قتل و أسر من ظفر به في الرملة من رجاله و أبطاله، و حملوا الى مصر في آخر رجب من السنة.
و في هذا الوقت وصلت مراكب الأفرنج في البحر، تقدير أربعين مركبا، و وردت الأخبار بأن البحر هاج بها، و اختلفت أرياحه عليها، فعطب أكثرها، و لم يسلم منها إلا القليل، و كانت مشحنة بالرجال و المال.
(77 و) فيها برز الملك شمس الملوك دقاق و ظهير الدين أتابك من دمشق، في العسكر، و قصد الرحبة، و نزل عليها، و ضايق من بها، و قطع أسباب الميرة عنها، و أضر بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها إلى طلب الأمان له و لأهل البلد، فأمنوا، و سلمت إليه بعد القتال الشديد، و الحرب المتصلة في جمادى الآخرة منها، و رتب أمرها، و ندب من رآه من الثقات لحفظها، و قرر أحوال من بها، و رحل عنها في يوم الجمعة الثاني و العشرين منها، منكفئا إلى دمشق.
ص: 230
و فيها ورد الخبر من حمص، بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك، نزل من القلعة إلى الجامع، لصلاة الجمعة و حوله خواص أصحابه بالسلاح التام، فلما حصل بموضع مصلاه على رسمه، وثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية و معهم شيخ، يدعون له و يستميحونه، في زي الزهاد، فوعدهم، فضربوه(1)بساكينهم، و قتلوه و قتلوا معه جماعة من أصحابه، و كان في الجامع عشرة نفر من متصوفة العجم و غيرهم، فاتهموا، و قتلوا صبرا مظلومين في الوقت عن آخرهم.
و انزعج أهل حمص لهذا الحادث و أجفلوا في الحال، و هرب أكثر سكانها من الأتراك إلى دمشق، و اضطربت الأحوال بها، و راسلوا الملك شمس الملوك بدمشق يلتمسون إنفاذ من يتسلم حمص، و يعتمد عليه في حمايتها، و الذب عنها قبل انتهاء الخبر إلى الافرنج، و امتداد أطماعهم فيها، فسار الملك شمس الملوك و ظهير الدين أتابك في العسكر من دمشق، و وصل إلى حمص، و تسلمها، و حصل في قلعتها، و وافق ذلك وصول الأفرنج إليها، و نزولهم على الرستن لمضايقتها و منازلتها، فحين عرفوا ذلك أحجموا عن القرب إليها و الدنو منها، و رحلوا عنها.
و قد كان المعروف بالحكيم المنجم الباطني، صاحب الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب أول من أظهر مذهب الباطنية في حلب و الشام، و هو الذي ندب الثلاثة النفر لقتل جناح الدولة بحمص، و ورد الخبر بهلاكه بعد الحادثة بأربعة عشر(2)يوما.
1) في ترجمة جناح الدولة حسين لابن العديم جاء« و كان قتله .... بتدبير الحكيم أبي الفتح المنجم الباطني، و رفيقه أبي طاهر، و قيل كان ذلك بأمر رضوان و رضاه». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 378.
2) في بغية الطلب لابن العديم:« و بقي المنجم الباطني بعده أربعة و عشرين يوما و مات». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 378.
ص: 231
و لما رتب شمس الملوك أمر حمص، و قرر أحوالها، و انكفأ عائدا إلى دمشق في أول شهر رمضان، خرجت العساكر المصرية من مصر إلى البر، و الاسطول في البحر مع شرف المعالي ولد الأفضل شاهنشاه، و كتب في استدعاء المعونة على (77 ظ) الجهاد، و بنصرة العباد و البلاد، بإنفاذ العسكر الدمشقي، فأجيب إلى ذلك، و عاقت عن مسيره أسباب حدثت، و صوادف صدفت، و وصل اسطول البحر، و نزل على يافا آخر شوال، و أقام أياما و تفرق الاسطول و العساكر إلى الساحل و كانت الأسعار بها قد ارتفعت، و الأقوات قد قلت، فصلحت بما وصل من الاسطول من الغلة و رخص الأسعار، إلا أن غارات الأفرنج متصلة عليها.
و في ذي القعدة من السنة تواترت الأخبار بخروج قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، من بلاد الروم طالبا أنطاكية، و وصوله إلى قريب من مرعش، و جرى بينه و بين الأمير الدانشمند صاحب ملطية خلف و منازعة، أوجبت عوده عليه، و ايقاعه به، و فل عسكره، و الفتك برجاله، و لما انكفأ بعد ذلك قيل إنه وصل إلى الشام، و أرسل رسوله الى حلب يلتمس الأذن للسفار بالوصول الى عسكره بالمير و الأزواد، و ما يحتاج إليه سائر العسكرية و الأجناد، فسر الناس بذلك و تباشروا به.
في رجب منها وردت الأخبار بوصول مراكب الأفرنج في البحر من بلادهم إلى ظاهر اللاذقية مشحونة بالتجار و الأجناد و الحجاج، و غير ذلك، و أن صنجيل المنازل لطرابلس استنجد بهم على طرابلس، في مضايقتها و المعونة على ملكتها، و أنهم وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها و مضايقتها، فقاتلوها أياما و رحلوا عنها، و نزلوا على ثغر جبيل فقاتلوه و ضايقوه و ملكوه بالأمان، فلما حصل في ملكتهم، غدروا بأهله، و لم يفوا بما بذلوه من الأمان و صادروهم، و استنفذوا أحوالهم و أموالهم بالعقوبات و أنواع العذاب.
ص: 232
و ورد الخبر باجتماع الأميرين: سكمان بن أرتق، و جكرمش صاحب الموصل في عسكرهما (و أنهما) تعاهدا و تعاقدا على المجاهدة في أعداء اللّه الأفرنج، و بذل الطاقة و الاستطاعة في حربهم، و نزلا في أوائل شعبان من السنة برأس العين، و نهض بيمند و طنكري في عسكريهما من ناحية أنطاكية إلى الرها لإنجاد صاحبها على الأميرين المذكورين، فلما قربا من عسكر المسلمين النازلين على الرها، تأهب كل من الفريقين للقاء صاحبه، فالتقوا في تاسع شعبان فنصر اللّه المسلمين عليهم، و هزموهم و قتلوا منهم (78 و) مقتله كثيرة، و كانت عدتهم تزيد على عشرة آلاف فارس و راجل سوى السواد و الأتباع، و انهزم بيمند و طنكري في نفر يسير، و كان نصرا حسنا للمسلمين لم يتهيا مثله، و به ضعفت نفوس الأفرنج، و قلت عدتهم، و فلت شوكتهم و شكتهم و قويت نفوس المسلمين و أرهفت(1)عزائمهم في نصرة الدين، و مجاهدة الملحدين، و تباشر الناس بالنصر عليهم، و أيقنوا بالنكاية فيهم، و الإدالة منهم.
و في هذا الشهر ورد الخبر بنزول بغدوين ملك الافرنج، صاحب بيت المقدس، في عسكره على ثغر عكا، و معه الجنويون في المراكب في البحر و البر، و هم الذين كانوا ملكوا ثغر جبيل في نيف و تسعين مركبا، فحصروه من جهاته و ضايقوه من جوانبه، و لازموه بالقتال إلى أن عجز واليه و رجاله عن حربهم، و ضعف أهله عن المقاتلة لهم، و ملكوه بالسيف قهرا، و كان الوالي به الأمير زهر الدولة بنا(2)الجيوشي قد خرج منه لعجزه عن حمايته، و ضعفه عن المراماة دونه، و أنفذ يلتمس منهم الأمان له و لأهل الثغر، ليأسه من وصول نجدة أو معونة، فلما ملك الثغر تم على حاله منهزما إلى دمشق، فدخلها و أكرمه ظهير الدين أتابك، و أحسن تلقيه، و كان وصوله إلى دمشق في يوم
ص: 233
الخميس لثلاث بقين من شعبان، و تقدم شمس الملوك دقاق و ظهير الدين أتابك في حقه، بما طيب نفسه و أكد أنسه، و أقام بدمشق الى أن تسهلت له السبيل في العود الى مصر، فتوجه إليها عائدا، و وصل إليها سالما، و أوضح عذره فيما تم عليه من الغلبة، فقبل عذره بعد الإنكار عليه، و الغيظ من فعله.
و في هذه السنة عرض للملك شمس الملوك دقاق بن السلطان تاج الدولة، صاحب دمشق، مرض تطاول به، و وقع معه تخليط الغداء، أوجب انتقاله إلى علة الدق، فلم يزل به و هو كل يوم في ضعف و نقص، فلما أشفى و وقع اليأس من برءه، و انقطع الرجاء من عافيته(1)
مدخل إلى الحروب الصليبية 386.
، تقدمت إليه و الدته الخاتون صفوة الملك بأن يوصي بما في نفسه، و لا يترك أمر الدولة و ولده سدى، فعند ذلك نص على الأمير ظهير الدين أتابك في الولاية بدمشق من بعده، و الحضانة لولده الصغير تتش بن دقاق بن تاج الدولة إلى حين يكبر، و إحسان تربيته، و ألقى إليه ما كان في نفسه، و توفي إلى رحمة اللّه في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة(2).و قد (78 ظ) كان ظهير الدين أتابك قبل هذه الحال في عقابيل مرض أشفى منه، و تداركه من اللّه تعالى العافية، و أبل من مرضه، و شرع في إحسان السيرة في العسكرية و الرعية، و أحسن إلى الأمراء و المقدمين من الدولة،
1) أورد ابن عساكر في تاريخه سببا غير هذا لوفاة دقاق حيث قال:« ثم عرض لدقاق مرض تطاول به، و توفي منه في الثاني عشر من رمضان سنة سبع و تسعين و أربعمائة، و إن أمه زينت له جارية، فسمته في عنقود عنب معلق في شجرته، ثقبته بإبرة فيها خيط مسموم، و إن أمه ندمت على ذلك بعد الفوت، و أومأت إلى الجارية أن لا تفعل، فأشارت إليها أن قد كان، و تهرى جوفه، فمات».
2) نقل سبط بن الجوزي عن ابن القلانسي خبر وفاة دقاق و زاد في نقله« و دفن على الشرف الشمالي بدمشق بقبة الطواويس». أخبار سنة- 497- .
ص: 234
و أطلق يده من الخزانة في الخلع و التشريفات و الصلات و الهبات، و أمر بالمعروف، و نهى عن المنكر، و أقام الهيبة على المفسدين المسيئين، و بالغ في الإحسان إلى المطيعين و المحسنين، و تألف القلوب بالعطاء، و استمال الجانح بالتودد و الحباء، و استقامت له الأمور، و أجمع على طاعته الجمهور، و قد كان الملك شمس الملوك قد حمل على الرئيس أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق، إلى أن قبض عليه في سنة ست و تسعين و أربعمائة، و بقي معتقلا إلى أن قررت عليه مصالحة نهض فيها، و قام بها، و بعد ذلك عرض له مرض قضى فيه محتوم نحبه، و صار منه إلى ربه و قام بعده في منصبه ولده أبو المجلي سيف و أخوه أبو الذواد المفرج، و كتب لهما المنشور في الاشتراك في الرئاسة، و أحضرهما ظهير الدين أتابك، عقيب وفاة شمس الملوك، و طيب نفسيهما، و وكد الوصية عليهما في استعمال النهضة في سياسة الرعايا، و إنهاء أحوالهما فيما يستمر عليها من صلاح و فساد، ليقابل المحسن إليها بالإحسان، و الجاني عليها بالتأديب و الهوان، فامتثلا أوامره و عملا بأحكامه.
و كان الملك شمس الملوك رحمه اللّه، قبل وفاته قد سيّر أخاه الملك أرتاش بن السلطان تاج الدولة إلى حصن بعلبك، ليكون به معتقلا عند واليه فخر الدولة- خادم أبيه- كمشتكين التاجي، فرأى ظهير الدين أتابك في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة أن يراسل(1)الخادم المذكور في إطلاقه و إحضاره الى دمشق، فوصل إليها، و تلقاه و أكرمه و بجله و خدمه، و أقامه في منصب أخيه شمس الملوك، و تقدم إلى الأمراء و المقدمين و الأجناد بالطاعة لأمره، و المناصحة في خدمته، و أجلسه في دست المملكة، في يوم السبت لخمس بقين من ذي الحجة سنة سبع و تسعين و أربعمائة فاستقامت بذلك الأمور، و سكنت إليه نفوس الجمهور.
1) في الأصل:« أن أرسل الخادم» و التقويم من مرآة الزمان- أخبار سنة 498- حيث النقل عن ابن القلانسي.
ص: 235
و اتفق للأمر المقضي الذي لا يدافع، و المحتوم الذي لا يمانع، من سعى في إفساد هذا التدبير، و نقض هذا التقرير، فأوحش الملك محيي الدين أرتاش من ظهير الدين أتابك (79 و) و من الخاتون صفوة الملك والده شمس الملوك، و أوقعت أمه في نفسه الخوف منهما، و أوهمته أنهما ربما عملا عليه فقتلاه، و الأمر بالضد مما نقله الواشي إليه و ألقاه، فخاف منهما و حسن له الخروج من دمشق و مملكتها، و العود إلى بعلبك لتجتمع إليه الرجال و العسكرية، فخرج منها سرا في صفر سنة ثمان و تسعين و أربعمائة و خرج ايتكين الحلبي صاحب بصرى إليها هاربا، لتقرير كان بينهما في هذا الفساد، فعاثا في ناحية حوران، و راسلا بغدوين ملك الأفرنج بالاستنجاد به، و توجها نحوه، و أقاما عنده مدة بين الافرنج يحرضانه على المسير إلى دمشق، و يبعثانه على الإفساد في أعمالها، فلم يحصلا منه على حاصل، و لا ظفرا بطائل، فحين يئسا من المعونة، و خاب أملهما في الإجابة، توجها إلى ناحية الرحبة في البرية(1)، و استقام الأمر بعدهما لظهير الدين أتابك، و تفرد بالأمر، و استبد بالرأي، و حسنت أحوال دمشق و أعمالها بإيالته، و عمرت بجميل سياسته، و قضى اللّه تعالى بوفاة تتش ولد الملك شمس الملوك دقاق المقدم ذكره في هذه الأيام و اتفق أن الأسعار رخصت، و الغلات ظهرت، و انبسطت الرعية في
1) أورد سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 498- أنهما عادا من الرحبة إلى بصرى« فخرج طغتكين بالعساكر و نازل بصرى و حصرهما فيها، و اتفق خروج العسكر المصري في عشرة آلاف مع الأمير شمس المعالي ولد الأفضل، و كوتب طغتكين بالمسير معه إلى قتال الفرنج، و كان نازلا على بصرى، فامتنع، ثم رأى تقديم الجهاد، فسار إلى العسكر المصري، و التقى المسلمون و الفرنج، فانهزم عسكر المصريين إلى عسقلان، و عسكر طغتكين إلى بصرى، و وجد أرتاش و ايتكين قد خرجا منها إلى الرحبة، فأمن أهل بصرى، و سلموها إليه، فلم يتعرض لهم، و طيب قلوبهم».
ص: 236
عمارة الأملاك في باطن دمشق، و ظاهرها لإحسان سيرته و إجمال معاملته، و بث العدل فيهم، و كف أسباب الظلم عنهم.
و في هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك بن عمار، صاحبها في عسكره و أهل البلد، و قصدهم الحصن الذي بناه صنجيل عليهم(1)و أنهم هجموا عليه على غرة ممن فيه، فقتل من به و نهب ما فيه، و أحرق، و أخرب، و أخذ منه السلاح و المال و الديباج و الفضة الشيء الكثير، و عاد إلى طرابلس سالما غانما، في التاسع عشر من ذي الحجة، و قيل ان بيمند صاحب أنطاكية ركب في البحر، و مضى إلى الأفرنج يستصرخهم، و يستنجد بهم على المسلمين في الشام، و أقام مدة، و عاد عنهم منكفئا إلى أنطاكية.
فيها عرض لظهير الدين أتابك مرض اشتد به، و لازمه، و خاف منه على نفسه، و أشفق على أهله و ولده و أصحابه و رعيته إن تمّ عليه أمر، و تواصلت مكاتبات فخر الملك بن عمار (79 ظ) و رسله من طرابلس بالاستصراخ و الاستنجاد على الأفرنج النازلين عليها، و البعث على تعجيل إعانته بمن يصل إليه من العساكر، لكشف غمته، و تفريج كربته، و قد كان الأمير سكمان بن أرتق، و الأمير جكرمش صاحب الموصل، قد اتفقا على الجهاد في المشركين، و نصرة المسلمين، فنتج لظهير الدين فكرة، و رأى(2)فيما نزل به من المرض
ص: 237
المخوف أن يرسل (إلى) الأمير سكمان بن أرتق، يستدعي وصوله إلى دمشق في عسكره، ليوصي إليه، و يعتمد في حماية دمشق عليه، و نفذت إليه أيضا مكاتبة ابن عمار، بتحريضه على المسارعة إلى ذلك، و القصد لنصرته، و بذل له مالا جزيلا على معونته و نصرته، فحين وقف على مضمون المكاتبات أجاب إلى المقترح عليه، و سارع إليه، و ثنى عنانه الى دمشق مغذا في سيره، مواصلا لجده و تشميره، و قطع الفرات إلى ما حض عليه و المغارات، فلما وصل إلى القريتين، و اتصل خبره إلى أتابك، لامه أصحابه و خواصه على ما فرط في تدبيره، و عنفوا رأيه فيما استدعاه، و خوفوه عاقبة ما أتاه، و قالوا له: وليت الأمير سكمان بن أرتق دمشق، و أخرجتها من يدك، كيف يكون حالك و أحوالنا، أو ليس قد عرفت نوبة أتسز، لما استدعى السلطان تاج الدولة بن ألب أرسلان، و سلم إليه دمشق، و كيف بادر بإهلاكه و لم يمهله و لا أهله فعند ذلك أفاق لغلطته، و تنبه لغفلته، و ندم ندامة الكسعي(1)و زاده هذا الأمر مرض الفؤاد مع مرض الجسم، و بينما هو و أصحابه من التفكير فيما يعتمد من أمره و يدبر به حاله عند وصوله(2)، و الخبر ورد من القريتين بأن الأمير سكمان ساعة وصوله في عسكره إلى القريتين، و نزوله، لحقه مرض شديد، و قضى منه محتوم نحبه، و صار إلى رحمة ربه، و حمله أصحابه في الحال، و رحلوا عائدين به، فسر أتابك بهذه الحال سرورا زائدا، كان معه بدء سعادته، و عود برئه إلى جسمه و عافيته، فسبحان مدبر الخلق بحكمته
1) الكسعي هو محارب بن قيس و قيل غامد بن الحارث، له قصة ذكرها الميداني في مجمع الأمثال- المثل رقم 4292- و بين في نهايتها أنه كسر قوسه« فندم على كسر القوس، فشد على ابهامه فقطعها».
2) في مرآة الزمان- أخبار سنة 498- أن طغتكين كتب إلى سكمان و هو في القريتين يقول:« تثبت مكانك، فأنا خارج إلى خدمتك، فاتفق أن سكمان مرض ...».
ص: 238
و مسبب الأسباب بقدرته، و قصدوا ناحية الجزيرة، و ذلك في أول صفر من السنة.
و في هذه السنة وردت الأخبار بهلاك صنجيل مقدم الأفرنج النازلين على ثغر طرابلس، في رابع جمادى الأولى، بعد أن كان الأمر استقر بينه و بين فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس من المهادنة، على أن يكون ظاهر طرابلس لصنجيل بحيث لا (80 و) يقطع الميرة عنها، و لا يمنع المسافرين منها.
و في أول السنة ورد الخبر بوصول السلطان محمد تبر بن ملك شاه إلى الموصل، و نزوله عليها و خروج الأمير جكرمش صاحبها إليه، باذلا له الطاعة، و شروط الخدمة، و رحل عنها.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان بركيارق ابن السلطان ملك شاه رحمه اللّه، بنهاوند، بعد أن تقررت الحال بينه و بين أخيه، بحيث تكون مملكة خراسان بأسرها للسلطان أبي الحارث سنجر و أصفهان و أعمالها، و بغداد و ما والاها برسم السلطان بركيارق، و السلطنة له، و أرمينية و أذربيجان و ديار بكر و الموصل و الجزيرة و الشام و ما يليها للسلطان محمد تبر.
و توجهت عساكر السلطان بركيارق بعد وفاته إلى بغداد، و مقدمها الأمير إياز و معه الأمير صدقة بن مزيد بن دبيس، و توجه السلطان محمد إلى بغداد أيضا، فلما عرف الأمير اياز خبره خاف منه على نفسه، فهرب منه و معه ولد السلطان بركيارق، و دخل السلطان محمد بغداد، و وصل إليه الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي، و استقر أمره معه، و عرف إياز أن حاله لا تستقر إلا بالعود الى طاعة السلطان محمد، و الدخول في جملته، و الكون في خدمته، فراسله و التمس الأمان منه، و التوثقة باستحلافه على الوفاء بما عاهده عليه، فأجابه إلى ما رامه منه، و وصل إليه في العسكر مع ولد السلطان
ص: 239
بركيارق، و كان طفلا صغيرا، فانضاف في جملته مع عسكره، فلما كان بعد أيام غدر بإياز، و نكث عهده، و أخلف وعده، و قبض عليه و هو آمن مطمئن بما توثق به من إيمانه و قتله، و جعل سبب هذا الفعل أمورا أسرها في نفسه، و أوردها و احتج بأمور أضمرها و عددها، ليعذر في فعله، و ما هو بمعذور في فعله و لا بمشكور.
و في أول شعبان توجه ظهير الدين أتابك إلى بعلبك في العسكر، و نزل عليها متنكرا على كمشتكين الخادم التاجي واليها، لأسباب انتهت إليه عنه فأنكرها منه، فلما نزل عليه و ضايقه و عرف ما في نفسه، أنفذ اليه يبذل الطاعة و الخدمة، و الانكار لما افتري به عليه، و التنصل مما نسب اليه و الحلف على البراءة مما اختلق من المحال عليه، فصفح له عن ذلك، و رضي عنه، و قرر (80 ظ) أمره، و أوعز بكف الأذية عن ناحيته، و رحل عنها متوجها إلى ناحية حمص، و قصد رفنية، و نزل عليها، و وفد عليه خلق كثير من جبل بهرا(1)، فهجموا رفنية على حين غفلة من أهلها، و غرة من مستحفظها، و قتلوا من بها، و بأعمالها، و الحصن المحدث عليها من الأفرنج، و أحرق ما أمكن إحراقه في الحصن و غيره، و هدم الحصن، و ملكت أبراج رفنية، و قتل من كان فيها، و عاد العسكر إلى حمص.
و في رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب، و جمع خلقا كثيرا، و عزم على قصد طرابلس لمعونة فخر الملك بن عمار على الأفرنج النازلين عليه، و كان الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلموا إليه الحصن، لما شملهم من جور الأفرنج، و تزايد ظلمهم، فلما عرف طنكرى ذلك، خرج من أنطاكية لقصد أرتاح، و استعادتها، و جمع من في أعماله من الأفرنج، و نزل عليها،
1) جبال النصيرية أو العلويين حاليا.
ص: 240
و توجه نحوه فخر الملوك في عسكره لإبعاده عنها، و قد جمع و حشد من أمكنه من عمل حلب، و الأحداث الحلبيين، لقصد الجهاد، فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين، فثبت راجل المسلمين، و انهزمت الخيل، و وقع القتل في الرجالة، و لم يسلم منهم إلا من كتب اللّه سلامته، و وصل الفل إلى حلب و أحصي المفقود من الخيل و الرجل، فكان تقدير ثلاثة آلاف نفس، و حين عرف ذلك من كان في أرتاح من المسلمين، هربوا بأسرهم منها، و قصد الأفرنج بلد حلب، فأجفل أهله منه، و نهب من نهب، و سبي من سبي، و ذلك في الثالث من شعبان، و اضطربت أحوال من بالشام بعد الأمن و السكون(1).
و في هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على عشرة آلاف فارس و راجل مع الأمير شرف المعالي ولد الأفضل، و كوتب ظهير الدين أتابك بالاستدعاء للمعونة و الاعتضاد الى جهاد الكفرة الأضداد، فلم يتمكن من الإجابة إلى المراد، لأسباب عاقته عن المعونة و الاسعاد، و توجه في العسكر إلى بصرى، فنزل عليها عازما على مضايقتها، و فيها الملك أرتاش بن تاج الدولة و ايتكين الحلبي، لأنهما كانا عند الأفرنج على ما شرح من أمرهما أولا، ثم استدرك الرأي و استصوب المسير إلى العسكر المصري للاعتضاد على الجهاد، فسار اليه و وصل (81 و) إلى ظاهر عسقلان، و نزل قريبا منه، و عرف الأفرنج الخبر، فتجمعوا، و قصدوا عسقلان، و التقى الفريقان في رابع عشر ذي الحجة من السنة، فيما بين يافا و عسقلان، فاستظهر الأفرنج على المسلمين، و قتلوا والي عسقلان، و أسروا بعض المقدمين، و انهزم عسكر مصر إلى عسقلان، و عسكر دمشق إلى بصرى، و قيل ان الذين قتلوا من المسلمين
1) هناك مطابقة شبه كاملة بين رواية ابن القلانسي هذه، و ما جاء عند العديم في زبدة الحلب: 2/ 150- 151، و في بغية الطلب يقدم ابن العديم في ترجمة رضوان تفاصيل اضافية. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية:
ص: 241
بإزاء الذين قتلوا من المشركين، و لما عاد ظهير الدين و العسكر الى بصرى، وجد الملك أرتاش و ايتكين الحلبي لما يئسا من نصرة الأفرنج لهما، قد قصدا ناحية الرحبة، و أقاما بها مدة، و تفرقا و راسل المقيمان ببصرى: أنوشتكين و فلوا من(1)ظهير الدين يطلبان منه الأمان، و المهلة لهما بالتسليم مدة اقتراحهما، فأجاب إلى ما التمساه منه، و رحل عنهما، و لما بلغ الأجل منتهاه، و الوعد مداه، سلما بصرى إليه، و خرجا منها، و وفى لهما بما وعدهما من الأمان و الاقطاع، و زاد على ذلك، و أقاما عليه مدة أيامه.
فيها خرج الأفرنج إلى سواد طبرية و شرعوا في عمارة حصن علعال(2)فيما بين السواد و البثنية، و كان من الحصون الموصوفة بالمنعة و الحصانة، فلما عرف ظهير الدين أتابك هذا العزم منهم، أشفق من إتمام الأمر فيه، فيصعب تدارك الأمر و تلافيه، فنهض في العسكر، و قصدهم و هم على غفلة مما دهمهم، فأوقع بهم، و قتلهم بأسرهم، و ملك الحصن بما فيه من آلاتهم و كراعهم و أثاثهم، و عاد إلى دمشق برؤوسهم و أسرائهم و غنائمهم، و هي على غاية الكثرة، في يوم الأحد النصف من شهر ربيع الآخر.
و في هذا الشهر ظهر في السماء من الغرب كوكب له ذؤابة، كقوس قزح، أخذ من المغرب إلى وسط السماء، و قد كان رؤي قريبا من الشمس نهارا قبل ظهوره في الليل، و أقام عدة ليال و غاب.
ص: 242
و في السادس و العشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بقتل خلف بن ملاعب، صاحب أفامية قتله قوم من الباطنية نفذهم إليه المعروف بأبي طاهر الصائغ العجمي، من حلب، و هو الذي قام للباطنية مقام الحكيم المنجم الباطني، بعد هلاكه، بموافقة رجل (81 ظ) من دعاتهم يعرف بابن القنج(1)السرميني، كان مقيما بأفامية، و قدر قرر ذلك مع أهلها، فنقبوا نقبا في السور حتى تمكنوا من الوصول إليه، فلما قربوا منه، و أحس بهم لقيهم فوثب إليه بعضهم فطعنه في جوفه فرمى بنفسه في القلة يريد بعض دور أولاده(2)فطعنه آخر طعنة ثانية فعاش ساعة و مات، و صاح الصائح على القلة و (حين) نادوا بشعار الملك رضوان نجا أولاده و خاصته من(3)السور، و ملكوا عليهم الموضع و قتلوا من قتلوا، و سلم ولده مصبح بن خلف بن ملاعب، و توجه إلى شيزر، و أقام هناك مدة، فأطلق منها.
و وصل طنكري إلى أفامية عقيب هذه الكائنة طامعا فيها، و معه أخ كان لابن القنج الداعي السرميني كان مأسورا في يده، فقرر له شيئا دفعه إليه، فرحل عنه.
و في هذه السنة وصل قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، في عسكر كثير، و قصد الرها، و نزل قريبا منها، فأنفذ أصحاب جكرمش المقيمون بحرّان يستدعونه لتسليمها إليه، فوصل إليهم و تسلمها منهم، و استبشر الناس بوصوله الى الجهاد، و أقام أياما و مرض مرضا أوجب له العود إلى ملطية، و أقام أصحابه بحرّان.
1) في الأصل« بأبي الفتح» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا، و ذلك عن خط ابن العديم في كتابه بغية الطلب في ترجمته لابن ملاعب. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 284.
2) في الأصل« أهله ده» و هي مصحفة صوابها ما أثبتنا من بغية الطلب لابن العديم حيث نفس الرواية.
3) في الأصل:« فجاء أولاده و صاحبه من السور» و في العبارة سقط و تصحيف و تم تقويم ذلك من رواية ابن العديم.
ص: 243
و ورد الخبر بأن مصبح بن ملاعب الذي أفلت من نوبة أفامية التجأ إلى طنكري صاحب أنطاكية، و حرضه على العود إلى أفامية، و أطعمه في أخذها لقلة القوت بها، فنهض اليها، و نزل عليها، و ضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في الثالث عشر من المحرم سنة خمسمائة، فلما حصل ابن القنج السرميني الباطني في يده قتله بالعقوبة، و حمل أبا طاهر الصائغ معه و أصحابه أسرى، و لم يف لهم بما بذل من الأمان، و كان القوت قد نفذ من أفامية، و لم تزل الأسرى في يده إلى أن فدوا نفوسهم بمال بذلوه له فأطلقهم و وصلوا إلى حلب.
و في هذه السنة نهض ظهير الدين أتابك في العسكر إلى بصرى لمشاهدتها عند تسلمها من أيدي المقيمين بها عند انقضاء الأجل المضروب لها، و كان قد خلع على كافة الأمراء و المقدمين و أماثل العسكر الخلع المكملة من الثياب و الخيول و المراكب، بحيث تضاعف الثناء عليه (82 و) و الاعتراف بأياديه، و شاع الخبر بذاك، و تضاعفت رغبة الأجناد في خدمته، و الميل إلى طاعته و الحصول في جملته، فلما حصل على بصرى، (اقطع المقيمين بها(1)) اقطاعا يكفيهما و رجالهما و أجابهما إلى ذلك، و وفى لهما بما قرره معهما حسب ما تقدم به الشرح.
فيها تزايد فساد الأفرنج في أعمال السواد و حوران و جبل عوف، و انتهت الأخبار بذلك و شكا أهلها إلى ظهير الدين أتابك فجمع العسكر، و من انضاف إليه من التركمان، و نهض بهم و خيم في السواد، و كان الأمير عز الملك الوالي بصور قد نهض منها في عسكره إلى حصن تبنين(2)من عمل الأفرنج، فهجم ربضه،
ص: 244
و قتل من كان فيه و نهب و غنم، و اتصل الخبر ببغدوين ملك الأفرنج، فنهض إليه من طبرية، و نهض أتابك إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان الأفرنجية، فقاتله و ملكه، و قتل من كان فيه و انكفأ إلى المدان(1)و عاد الأفرنج إليه، فلما قربوا منه اندفع العسكر إلى ناحية زرّا(2)، و تلاقت طلائع الفريقين و عزموا على المصاف و الالتقاء، و قد قويت نفوس المسلمين، فلما كان من غد ذلك اليوم، ركب العسكر، و قد تأهب للقاء على تلك النية و زحفوا الى موضع مخيمهم، فصادفوهم و قد رحلوا عائدين إلى طبرية، ثم منها إلى عكا فعاد ظهير الدين عند ذلك في العسكر إلى دمشق.
و كانت الأخبار متناصرة في هذه السنة باهتمام السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية المعروفة بشاه دز المجاورة لأصفهان، و الجد في افتتاحها، و حسم أسباب الفساد المتوجه على البلاد من المقيمين بها، و توجه إليها(3)في عساكره الدثرة المتناهية في القوة و الكثرة، و لم يزل منازلها و مضايقها، إلى أن منحه اللّه تعالى افتتاحها و الاظهار على من فيها، و ملكها بالسيف قهرا، و قتل من كان فيها من الباطنية قسرا، و هدمها و أراح العالم من الشر المتصل منها، و البلاء المبثوث من أهلها(4)، و أنشأ كتاب الفتح بوصف الحال فيها الى سائر أعمال المملكة ليقرأ على (82 ظ) المنابر و يستنزل في معرفة كل باد و حاضر أمير الكتاب أبو نصر بن عمر الأصفهاني، كاتب السلطان، و بلاغته في الكتابة معروفة مذكورة، و فصاحته في إنشائه موصوفة
1) لم أجد هذا الموقع في المصادر المتوفرة، و هو لا شك على مقربة من منطقة الشيخ مسكين الحالية في سورية.
2) هي بلدة ازرع الحالية في حوران- انظر معجم البلدان.
3) في الأصل« عنها» و ما أثبتناه أقوم.
4) بنى هذه القلعة السلطان ملكشاه، و قد استولى عليها فيما بعد الزعيم الاسماعيلي أحمد بن عبد الملك بن عطاش، و قد تحدث سبط ابن الجوزي في أخبار سنة- 500- عن سقوطها للسلطان محمد بعد حصار دام سنة.
ص: 245
مشهورة، و ذكرت مضمونه في هذا الموضع، ليعلم من يقف عليه شرح حال هذه القلعة، و ما من اللّه به على أهل تلك البلاد من الراحة من شر أهلها، و أذية المقيمين بها و نسخته بعد العنوان و الطغراء:
بسم اللّه الرحمن الرحيم و هو (إلى) الوزير الأجل مجد الدين شرف الاسلام ظهير الدولة زعيم الملة بهاء الأمة فخر الوزراء أبو المعالي هبة اللّه بن محمد بن المطلب رضي أمير المؤمنين.
أما بعد أطال اللّه بقاء الوزير و ألقابه(1)، و أدام تأييده و تمهيده، و أحسن من عوائده مريده، فإن اللّه تعالى يقول و قوله الحق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ»(2)و لقد آتانا اللّه و له الحمد من هذا الفضل، ما صرنا به أطول الملوك في الاسلام باعا، و أعزهم في الذب عن حريمه أشياعا و أتباعا، و أشدهم عند الحفيظة له بأسا، و أطهرهم من درن الشبهة فيه لباسا، و أقصدهم في اقتفاء الحق المبين أنحاء، و أثقلهم على أعداء اللّه و أعداء الدين المنير و طاءة و انحاء، فلا تتجه عزائمنا لمهم في ذلك إلا حققنا الفيصل، و طبقنا المفصل، و فرينا الفري، و اقتدحنا من الزناد الوري، و أعدنا الحق جذعا و انف الباطل مجدعا، نعمة من اللّه تعالى اختصنا بها من دون سائر الأنام، و أحلنا من التفرد بمزاياها في الذروة و السنام، فالحمد للّه على ذلك حمدا يوازي قدر نعمه، و يمتري المزيد
ص: 246
من مواد كرمه، ثم الحمد للّه على ما يسرنا له من إعزاز الدين، و رفع عماده، و قمع أضداده، و استئصال شأفة الباطنية الناهضين لعناده، الذين استركّوا العقول الفاسدة فاستغووها بأباطيلهم، و استهووها بأضاليلهم، و اتَّخَذُوا (83 و) دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً(1)، بما لفقوه من زخارف أقاويلهم، سيما ما سنّى اللّه من فتح الفتوح، و هيأ أسبابه من النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه دز التي شمخ بها الجبل و بذخ، و كان الباطل باض فيها و فرخ، و كانت قذى في عيون الممالك و سببا إلى التورط بالمسلمين في المهاوي و المهالك، و مرصدا عليهم بالشرارة و النكارة، حيثما ينحونه من المسالك، و فيها ابن عطاش الذي طار عقله في مدرج الضلال و طاش، و كان يري الناس نهج الهدى مضلة، و يتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلّة، و يستبيح دماء المسلمين هدرا، و يستحل أموالهم غررا، فكم من دماء سفكت، و حرم انتهكت، و أموال استهلكت، و ترات تجرعتها النفوس فما استدركت، و لو لم يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم بأصفهان من اقتناص الناس غيلة، و استدراجهم خديعة، و قتلهم إياهم بأنواع العقوبات قتلة شنيعة، ثم فتكهم عودا على بدء بأعيان الحشم و خيار العلماء، و إراقتهم ما لا يعدّ و لا يحصى من محرمات الدماء، إلى غير ذلك من هنات يمتعض الاسلام لها أي امتعاض، و ما اللّه عن المسلم أن يتميز لها براض، لكان حقا علينا أن نناضل عن حمى الدين، و نركب الصعب و الذلول في مجاهدتها و لو إلى الصين.
و هذه القلعة كانت من أمهات القلاع، التي انقطع إليها رؤوس الباطنية كل الانقطاع، فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات و الأقطار، و ترجع اليها نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار في العزة و المنعة مثل مناط الشمس التي (تنال)(2)منها حاسة البصر دون حاسة اللمس، ترد الطرف كليلا، و تعد
ص: 247
العدد الدثر في محاصرتها كليلا، و كأنها و هي أعلى شاهق نزلت على الجبل من حالق، فهي بهذه الصفة مقابلة لبلدة أصفهان، التي هي مقر الملك، و دار الثواء، و أولى البلاد بتطهيرها من اهتياج الفتن و اختلاف الأهواء، و نحن نقيم بها طول هذه المدة المديدة، و ندبر أمرها الى ما يصوبه الرأي من الحيلة و المكيدة، و أمامنا من المستخدمين و أصحاب (83 ظ) الدواوين نفر تصغي إليهم أفئدتهم، فيما كانوا عليه من مخالفة الدين، يتوصلون بمكرهم إلى نقض ما يبرم، و تأخير ما تقدم، و يوهمون أنها من النصائح التي تقبل و تلزم، حتى تطاول دون ذلك الأمد، و بان من القوم المعتقد، و اتضح لنا من صائب التدبير ما يعتمد، و كنا في خلال هذه الأحوال لم نخل هذه القلعة من طائفة تهزهم حمية الدين من الجند، ينتهون من التضييق عليها إلى غاية من الجد، فيتوفرون على محاصرتهم و مصابرتهم، و يتشمرون لمزاولتهم و مصاولتهم، و يقعدون لهم بكل مرصد، و يسدون كل متنزل و مصعد، حتى انقطعت عنهم المواد، و خانتهم المير و الأزواد، و اضطروا إلى أن نزل بعضهم على حكم الامان بعد الاستئمار و الاستئذان، فأمرنا بتخلية سربهم، و إيمان سربهم، و سلم الشطر من القلعة لخلوه من الفئة النازلة، و اعتصم ابن عطاش بقلة أخرى تسمى دالان، مع نخب أصحابه من المقاتلة، و هذه القلة هي أمنع المواضع من القلعة و أحصنها و أوعرها مسلكا و أحزنها، فقد نقل إليها ما كان بقي لهم من الميرة، و سائر ما يستظهر به من السلاح و الذخيرة على أن يلبثوا بها أياما معدودة، فينزلوا و يبذل لهم الأمان مثل ما بذل للأولين، فيتخولوا كل ذلك بوساطة من قدمنا ذكرهم من المستخدمين في الدواوين، و في باطن الأمر خلاف ما يتوهم من الإعلان، و ذلك أنهم قدروا أن ما سلم من القلعة يترك على عمارته و مكانته، و ما امتنع به من القلة لا يقدر عليه لمنعته و حصانته، فهو يتوصلون بتمكنهم من ذلك الجبل، إلى سرقة ما سلموه آنفا ببعض الحيل، هذا و قد كفوا مؤن
ص: 248
من نزل من الأكلة، و عندهم الكفاف لمن بقي من العملة، ففطنا لما عمدوا و عليه اعتمدوا، و أمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفا، و خسفت بها خسفا، و صير سفلها علوا، كما كان علوها خلوا، ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين بالملك و الدين، حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين.
فلم يفلت منهم صاحب و لا مصحوبإن الشقاء على الأشقين مصبوب
و وافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من دالان، فأبوا إلا المطل و الليان، فلما مضت أيام على ذلك، أظهروا التمرد و العصيان، فصاروا كما قال اللّه تعالى «وَ مِنَ (84 و) يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ»(1)فعند ذلك استخرنا باللّه تعالى تجريد العزائم لهذا الجهاد، الذي هو عندنا من أنفس العزائم، و لا نخاف فيها لومة لائم، و أهبنا بمن حضرنا من العساكر المنصورة إلى الاحداق بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء، ثاني ذي الحجة، فنزلوا لفنائها محشدين و لصدق اللقاء متشمرين متجردين، و جرت مناوشة عشية هذا اليوم أثخنت عدة من أولئك القوم، و بات المسلمون ليلتهم تلك على أضم، و الملحدون لحما على وضم، فلما تنفس الصبح و غردت الديوك الصدح، و طوى الليل رداءه، و رفع الفجر لواءه، نصر اللّه الحق و أدال الدين، «فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ»(2)، و عدت جيوش النصر يدا واحدة، و كلمة على التظافر و التظاهر مساعدة، تسطو بالفئة المتحصنة بالقلعة، سطوة الليث الهصور، و كأنهم طاروا بأجنحة الصقور، على صم الصخور، فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها، و أخذها الناصع من لونها، أن أخذوا القلعة عنوة و قهرا، و أجروا من دماء الباطنية الملحدة نهرا، فلم يئل منهم وائل،
ص: 249
و لا أخطأهم من السيوف البواتر وائل، و أمرنا في الحال بهدمها، و التعفية على على ردمها، فلم يبق بها نافخ ضرمه، و لا أثر من نسمه، و لا مدر على أكمه، و أسر ابن عطاش رأس الجالوت، و ولي الطاغوت، الذي كان ممن قال اللّه تعالى فيه: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ»(1)فجعلناه و ولده المقرون به مثلة للنظار، و عبرة لأولي الأبصار، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، و الحمد للّه رب العالمين، هذا الفتح المبين، و العزة التي يتلألأ بها من الدهر الحين، و النعمة التي تمت و عمت و أخنت بالنقمة على أعداء اللّه و رسوله و طمت، و ما ذاك إلا من بركات عقائدنا الناصعة، في موالاة الدولة العباسية، ظاهر اللّه مجدها، و ما يلتزمه في فرضها من فضل المناصحة و المشايعة فيها، نحن نسطو بالأعادي، و نكفي من اعتراض النوائب كل العوادي، و نسوس الدهماء من الحواضر و البوادي.
و هذه البشرى، التي يهنأ بها الإسلام، و ترفع بها من الاشادة بذكرها في الخافقين الأعلام (84 ظ) أمرنا بنشرها في الأقصى و الأدنى لا سيما الدار العزيزة(2)ظاهر اللّه مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها، و يهنأ، و أهبنا بالأمير عز الدولة إلى ايصال هذه البشارة الى الديوان العزيز النبوي، أعلى اللّه جده، فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة، و يعلمه ما نحن بصدده من الاعتراف بقدر هذه النعمة، و هذا الأمير كان من المندوبين أولا و آخرا، لمحاصرة هذه القلعة، فأبلى فيها بلاء حسنا جميلا، و أغنى غناء لم نجد له فيه عديلا، و لذلك ما اختصصناه بهذه المزية، و آثرناه بإبلاغ هذه البشرى الهنية، و المعول تامّ على الاهتمام الوزيري، في القائها إلى المقار المعظمة النبوية، ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات، وعدنا المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات، ما يزلفنا من شريف المراضي، و يفرض لنا من المحامد و المآثر التامة على الأبد اكرم
ص: 250
الأحاظي، و ان يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ثبتها اللّه متعين، حتى يعود و لما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بيّن، و الوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها، و تمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها، و استحمد الينا بما يتكلفه من جميل مساعيه، و يتكلفه له بالاهتزاز و الاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور و يراعيه، إن شاء اللّه تعالى.
و كتب بالأمر العالي شفاها في ذي القعدة سنة خمسمائة.
و في هذه السنة تتابعت المكاتبات إلى السلطان غياث الدنيا و الدين محمد ابن ملك شاه، من ظهير الدين أتابك، و فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس بعظيم ما ارتكبه الأفرنج من الفساد في البلاد، و تملك المعاقل و الحصون بالشام و الساحل، و الفتك في المسلمين، و مضايقة ثغر طرابلس، و الاستغاثة إليه، و الاستصراخ و الحض على تدارك الناس بالمعونة، فندب السلطان لما عرف هذه الحال الأمير جاولي سقاوه، و أميرا من مقدمي عسكره كبيرا في عسكر كثيف من الأتراك، و كتب إلى بغداد، و إلى الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد، و إلى جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال و الرجال على الجهاد، و المبالغة في إسعاده و إنجاده، و أقطعه الرحبة و ما على الفرات، فثقل أمره على المكاتبين، فدافعه ابن مزيد، و سار نحو الموصل يلتمس من جكرمش ما وقّع به عليه، فتوقف عنه فنزل (85 و) على قلعة السن(1)
تقويم البلدان: 288- 289.
و نهبها، و اجتمع إليه خلق كثير، و خرج جكرمش إلى لقائه فظفر به جاولي سقاوه و استباح عسكره، و انهزم ولده إلى الموصل، فضبطها، و توجه وراءه، و قتل جكرمش أباه، و أنفذ رأسه إلى الموصل، فلما عرف ولده ذاك كاتب قلج أرسلان بن قتلمش يستنجده من ملطية، و يبذل له تسليم البلاد و الأعمال1) السن بليدة على دجلة في أعلى تكريت، عندها يصب الزاب الأصغر إلى دجلة.
ص: 251
التي في يده إليه، و كان جكرمش قد جمع مالا عظيما من الجزيرة و الموصل، و كان جميل السيرة(1)في الرعية، عادلا في ولايته، مشهورا بالانصاف في أعمال إيالته، فلما عرف قلج أرسلان بن سليمان ما كتب به إليه ولد جكرمش، أجابه الى ملتمسه، و سار نحوه في عسكره، و وصل الى نصيبين، و استدعى ابن جكرمش من الموصل، فسار إليه، و دخل قلج أرسلان إلى نصيبين، لأنه كان في بعض عسكره و باقيه في بلاد الروم لإنجاد ملك القسطنطينة على الأفرنج، و لما تقارب عسكر قلج من عسكر جاولي سقاوة، و التقت طلائع الفريقين، ظفر قوم من أصحاب قلج بقوم من أصحاب جاولي فقتلوا بعضا، و أسروا بعضا، فرحل جاولي يطلب عسكر قلج، و قد عرف أنه قد انفذ يستدعي بقية عسكره من بلاد الروم، و أنه في قل، و طلب ناحية الخابور، و توجه منها إلى الرحبة، و نزل عليها و ضايقها، و راسل محمدا واليها من قبل الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق- و عنده الملك أرتاش بن تاج الدولة الهارب من دمشق بعد وفاة الملك دقاق أخيه مقيما- بالتسليم إليه، فلم يحفل بمراسلته، و آيسه من طلبته، فأقام عليها مضايقا لها مدة.
و وصل إليه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق، في جماعة وافرة من عسكره التركمان، و استنجد عليها بالملك فخر الملوك رضوان، فوصل إليه في عسكره بعد أن هادن طنكرى صاحب أنطاكية، فلما فصل عن حلب، و عرف جوسلين صاحب تل باشر بعده عن حلب، واصل الغارات على أعمالها من جميع جهاتها، و لم يزل جاولي مقيما على الرحبة منذ أول رجب و الى الثاني و العشرين من شهر رمضان، و زاد الفرات زيادته المعروفة، فركب أصحاب جاولي الزواريق و صعدوا (85 ظ) طالبين سور البلد بمواطأة من بعض أهل
1) في الأصل« الصورة» و هي تصحيف صحح من مرآة الزمان حيث ينقل رواية ابن القلانسي هذه- أخبار سنة- 500 ه- .
ص: 252
البلد، فلم يتهيأ لهم أمر مع من واطأهم، بل هجموا السور، و ملكوا البلد و نهبوه، و صادروا جماعة من أهله، و استخرجوا ذخائرهم بالعقوبة، ثم أمر جاولي برفع النهب، و أمن الناس وردهم إلى منازلهم، و تسلم القلعة بعد خمسة أيام، في الثامن و العشرين من شهر رمضان، و أقر إقطاع محمد واليها عليه و استحلفه، و قبض عليه بعد أيام لأمر بلغه عنه، فأنكره منه، و اعتقله في القلعة، و حصل الملك أرتاش في جملة سقاوة، و لم يتمكن من التصرف في نفسه، و كان محمد هذا الوالي قد راسل قلج أرسلان بن سليمان أولا بالاستصراخ به، و طلب المعونة على دفع جاولي عن البلد، فتوجه نحو الرحبة في عسكره، و بلغه خبر فتحها، فعاد و نزل على الشمسانية(1)و لم يكن في نيته لقاء جاولي، و رحل جاولي و نزل ماكسين(2)و عزم على التوجه إلى ناحية الموصل، و معه فخر الملوك رضوان فاتفق أنهم قصدوا عسكر قلج، فالتقى الفريقان في يوم الخميس التاسع من شوال، و كان الزمان صيفا و اشتدت وقدة الحر، و حميت الرمضاء، فهلك أكثر خيل الفريقين، و حمل عسكر قلج أرسلان على عسكر جاولي، و قصد جاولي قلج أرسلان في الحملة و ضربه بالسيف عدة ضربات، فلم تؤثر فيه، و انهزم عسكر قلج أرسلان، و فصل عنه صاحب آمد وقت الحرب، مع صاحب ميافارقين، و انهزم الباقون، و وقع السيف في أصحاب قلج أرسلان، و سقط قلج مع الهزيمة في الخابور فهلك في الماء، و لم يظهر، و بعد أيام وجد هالكا(3).
1) في الأصل: السمانية و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا مما نقله سبط ابن الجوزي عن ابن القلانسي. و في معجم البلدان: الشمسانية بليدة بالخابور.
2) مدينة بالجزيرة على الخابور، بينها و بين قرقيسيا سبعة فراسخ و بين ماكسين و بين سنجار اثنان و عشرون فرسخا. تقويم البلدان: 282- 283.
3) في تاريخ ميافارقين: 272- 273 في أخبار سنة 498 ه،« و في هذه السنة أنفذ الوزير ضياء الدين محمد الذي كان رتبه الملك بميافارقين) إلى السلطان قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش يستدعيه إلى ميافارقين، و كان الملك سليمان بن قتلمش قد ورد من عند ملكشاه و فتح بلاد الروم، و ملطية و أقصر- و الأصل« آق سرا» أي مدينة بيضاء- و قونية و سيواس، و جميع- ولاية الروم، و بقي فيها، و استبد بها، فلما مات ولي ولده قلج أرسلان، فلما أنفذ إليه الوزير محمد حضر، و دخل ميافارقين في سابع عشرين جمادى الأولى سنة ثمان و تسعين و أربعمائة، و ملك ميافارقين و بقي مدة، و استوزر الوزير محمد، و حضر إلى خدمته أمراء جميع ديار بكر: الأمير ابراهيم صاحب آمد، و السبع الأحمر من أسعرد، و سكمان بن أرتق، و الأمير شاروخ و حسام الدين، و ولى ميافارقين مملوك أبيه خمرتاش السليماني، و كان أتابكه، و خرج من ميافارقين و أخذ معه الوزير محمد، و أقطعه مدينة أبلستين، و أقام بملطية، و جمع العساكر، و عاد نزل إلى باب الموصل، و صافف جاولي سقاوة مملوك السلطان محمد فكسره سقاوة، و عاد منهزما و غرق في الخابور سنة تسع و تسعين و أربعمائة».
ص: 253
و عاد جاولي إلى الموصل(1)
« و قال صاحب تاريخ ميافارقين أن السلطان محمد بعث جاولي لحرب الفرنج، و كتب إلى أمراء البلاد بطاعته، فلما وصل الموصل أنف جكرمش أن يتأمر عليه جاولي، فحاربه فهزمه جاولي، فدخل الموصل مجروحا، فأقام يومين و مات، و استنجد ولده بقلج أرسلان- و قيل اسمه ابراهيم بن سكمان- صاحب آمد، و سار جاولي إلى حلب لينجد رضوان على الفرنج، و جاء قلج فدخل الموصل، و استولى عليها، و خطب لنفسه بعد الخليفة، و أسقط خطبة السلطان محمد شاه، و بلغ جاولي و هو على حلب، فعاد إلى الموصل، فخرج إليه قلج فاقتتلا قتالا شديدا، و أحيط بقلج و بأصحابه، فألقى نفسه في الماء فغرق، و دخل جاولي الموصل، و كان بها مسعود بن قلج أرسلان، و هو صبي، فقبض عليه، و بعث به إلى السلطان، فاعتقله مدة، ثم أفلت، فأتى ملطية و بها بعض مماليك أبيه، فأطاعه، و تقررت له المملكة ببلاد الروم، فمسعود هذا جد ملوك الروم».
، و عاد عنه الملك فخر الملوك رضوان إلى حلب خوفا منه، و أخذ جاولي نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و طالبه بالمال الذي أنفقه في التركمان، فصالحه على جملة يدفعها إليه، و أخذ رهانه عليها إلى أن يؤديها، و أقام له بها فيما بعد.1) يبدو أن الفارقي صاحب تاريخ ميافارقين كتب كتابه هذا أكثر من مرة، و في كل مرة يزيد أو يحذف أو يعدل، فقد نقل عنه سبط ابن الجوزي- أخبار سنة 500 ه- معلومات أعم فائدة مما أثبتناه في الصفحة الماضية و جاء فيها:
ص: 254
و قد كان قلج أرسلان أنفذ بعض مقدمي أصحابه إلى بلاد الروم، في خلق كثير من التركمان، لإنجاد ملك القسطنطينية على بيمند و من معه من الأفرنج الواصلين إلى الشام، فانضافوا إلى ملك الروم و ما حشده من عساكر الروم، فلما اجتمع للفريقين ما اجتمع رتبوا (86 و) المصاف، و التقوا فاستظهر الروم على الأفرنج، و كسروهم كسرة شنيعة أتت على أكثرهم بالقتل و الأسر، و تفرق السالم الباقي منهم عائدين إلى بلادهم، و فصل أصحاب قلج أرسلان الأتراك إلى أماكنهم، بعد أن أكرمهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم.
و لما عاد جاولي سقاوه، عن الرحبة، و نزل على الموصل، راسل أهلها و الجند بها، فلم يمكنهم المدافعة له عنها، و لا المراماة دونها، فسلموها إليه بعد أخذ الأمان منه على من حوته، و كان ولد قلج قد دخلها، فقبض عليه و سيره إلى السلطان محمد، و لم يزل مقيما عنده إلى أن هرب من المعسكر في أوائل سنة ثلاث و خمسمائة، و عاد الى مملكة أبيه ببلاد الروم، و يقال أنه لما وصل إليها عمل على ابن عمه، و قتله و استقام له أمر المملكة بعده.
و في هذه السنة وصل إلى دمشق الأمير الأصفهبذ التركماني من ناحية عمله، فأكرمه ظهير الدين، و أحسن تلقيه، و أقطعه وادي موسى و مآب و الشراة و الجبال و البلقاء، و توجه إليها في عسكره، و كان الأفرنج قد نهضوا إلى هذه الأعمال، و قتلوا فيها و سبوا و نهبوا ما قدروا عليه منها، فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية من الخوف، و سوء الحال عما جرى عليهم من الأفرنج فأقام بها.
و نهض الأفرنج إليه لما عرفوا خبره من ناحية البرية، و نزلوا بإزاء المكان الذي هو نازل به، و أهملوه إلى أن وجدوا الفرصة فيه فكبسوه على غرة، فانهزم في أكثر عسكره، و هلك باقيه، و استولوا على سواده، و وصل إلى عين الكتيبة من ناحية حوران، و العسكر الدمشقي نازل عليها، فتلقاه ظهير الدين متوجعا له بما جرى عليه، و مسليا عما ذهب منه و عوضه، و أطلق له ما صلحت به حاله.
ص: 255
فيها جمع ملك الأفرنج بغدوين حزبه المفلول، و عسكره المخذول، و قصد ثغر صور، و نزل بإزائه، و شرع في عمارة حصن بظاهرها على تل المعشوقة، و أقام شهرا، و صانعه واليه على سبعة آلاف دينار، فقبضها منه و رحل عنه.
و فيها وردت الأخبار بوصول عسكر السلطان غياث الدنيا و الدين محمد إلى بغداد في آخر (86 ظ) شهر ربيع الآخر منها، و أعلن الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد العصيان عليه، خوفا لما بلغه من إفساد شحنة بغداد، (و عميدها حاله معه، و لم يزل السلطان مقيما ببغداد(1)) الى العشرين من رجب فاجتمع اليه تقدير ثلاثين ألف فارس، و اجتمع مع صدقة تقدير عشرين ألفا في الحلة، و بينهما أنهار و مواحل في الحلة، فآثر السلطان مراسلته في تقرير أمره، و الصفح (عنه)(2)و ايقاع مهادنة و موادعة تستقيم معها الأحوال، و تصلح بها الأعمال، فأبى ذلك كافة الأمراء و المقدمين، و امتنعوا عن الإهمال لأمره، و نهضوا إليه، فلما عرف الحال قطع الأنهار، و وصل في جمعه حتى صار بإزائهم، و حمل بعض الفريقين على بعض، و نشبت الحرب بينهم، و كان منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال، فترجل الأتراك عن خيلهم، (و جثوا على ركبهم)(3)و حبوا عليها، و أطلقوا السهام، و شهروا الصفاح، و شرعوا الرماح، و فعل مثل ذلك أصحاب صدقة، و التقى الجيشان، و نظر صدقة إلى أصحابه و السهام قد شكت خيولهم، و قد أشرفوا على الهلاك، و ظن الأتراك أنهم قد انهزموا، فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام، و ضربا بالسيوف، و طعنا بالرماح، فقتلوا منهم
ص: 256
خلقا كثيرا، و قتل الأمير صدقة بن مزيد في الجملة، و وجوه رجاله، و لم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل، و استطار قلبه الخوف و الوجل. و كان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش و ترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق(1)و وصل السلطان غد يوم الوقعة و نزل الحلة.
و لم يكن للعرب صدقة مثله في البيت و التقدم، و إحسان السيرة فيهم، و الانصاف لهم، و الإنعام عليهم، و كرم النفس، و جزيل العطاء، و حسن الوفاء، و الصفح عن الجرائر، و التجاوز عن الجرائم و الكبائر، و التعفف عن أموال الرعية، و إحسان النية للعسكرية، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة و المآثر الحميدة، مطرحا لفرائض الشريعة، متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة، مستحسنا لسب الصحابة رضي اللّه عنهم، فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة، «وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ»(2).
و توجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان (87 و) في أوائل شوال من السنة، و قد قرر مع الأمير مودود و العسكر قصد الموصل، و منازلتها و التضييق عليها، و التملك لها، فرحل مودود و العسكر، و نزل على الموصل، و كان جاولي صاحبها قد أخرج أكثر أهلها منها، و أساء أصحابه السيرة فيها، و ارتكبوا كل محرم منها، و مضى إلى الرحبة و استناب فيها من وثق به من أصحابه، في حفظها، و أقام العسكر السلطاني عليها مدة، و عمد سبعة نفر من أهلها على الموطأة عليها، و فتحوا بابا من أبوابها، و سلموها إلى مودود، و دخلها و قتل مقتلة كبيرة من أصحاب جاولي، و أمن من كان في القلعة، و حملهم و ما كان معهم إلى السلطان.
ص: 257
و في شعبان من هذه السنة اشتد الأمر بفخر الملك بن عمار بطرابلس، من حصار الأفرنج، و تطاول أيامه، و تمادي الترقب لوصول الإنجاد، و تمادي تأخر الاسعاد، فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير أرتق بن عبد الرزاق، أحد أمراء دمشق إليه، ليتحدث معه بما في نفسه، فأجابه الى ذلك، و استأذن ظهير الدين في ذلك، فأذن له، و توجه نحوه و قد كان فخر الملك خرج من طرابلس في البر في تقدير خمسمائة فارس و راجل، و معه هدايا و تحف أعدها للسلطان عند مضيه إليه الى بغداد، فلما وصل أرتق إليه و اجتمع معه، تقررت الحال بينهما على وصوله الى دمشق في صحبته، فوصل إليها و أنزل في مرج باب الحديد بظاهرها، و بالغ ظهير الدين في إكرامه، و تناهى في احترامه، و حمل إليه امراء العسكرية و مقدموه من الخيل و البغال و الجمال و غير ذلك ما أمكنهم حمله و اتحافه به، و كان فخر الملك المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ابن عمه، و وجوه أصحابه و غلمانه، و أطلق لهم واجب ستة أشهر، و استحلفهم و توثق منهم، فأظهر ابن عمه الخلاف له و العصيان عليه، و نادى بشعار الأفضل بن أمير الجيوش بمصر، فلما عرف فخر الملك ما بدا منه كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه، و حمل إلى حصن الخوابي(1)، ففعل ذلك، و توجه فخر الملك إلى بغداد، و معه تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، و قد كان أتابك عرف أن جماعة ممن يحسده في باب (87 ظ) السلطان، و يقع فيه بالسعاية، و يقصده بالأذية و إفساد الحال عند السلطان، فأصحب ولده المذكور من الهدايا و التحف من الخيول، و الثياب، و غير ذلك مما يحسن إنفاذ مثله، و استوزر له أبا النجم هبة اللّه بن محمد بن بديع، الذي كان مستوفيا للسلطان الشهيد تاج الدولة، و جعله مدبرا لأمره، و سفيرا بينه و بين من أنفذ إليه، و توجه في الثامن من شهر رمضان سنة إحدى و خمسمائة،
1) سيكون بين حصون الدعوة الاسماعيلية في منطقة مصياف. انظر تقويم البلدان: 229.
ص: 258
فلما وصلا الى بغداد لقي فخر الملك من السلطان من الاكرام و الاحترام ما زاد على أمله، و تقدم الى جماعة من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته و إنجاده على طرد محاصري بلده، و الايقاع بهم، و الابعاد لهم، و قرر مع العسكر المجرد معه الإلمام بالموصل، و انتزاعها من يدي جاولي سقاوة، ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس، فجرى ما تقدم به الشرح من ذلك، و طال مقام فخر الملك، طولا ضجر معه، و عاد إلى دمشق في نصف المحرم سنة اثنتين و خمسمائة.
فأما تاج الملوك بن ظهير الدين فجرى أمره، فيما نفذ لأجله، على غاية مراده و نهاية محابه، و صادف من السلطان في حق أبيه و حقه ما سره، و عاد منكفئا الى دمشق بعد ما شرف به من الخلع السنية الإمامية و السلطانية، و وصل إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة.
و أقام فخر الملك بن عمار في دمشق بعد وصوله إليها أياما، و توجه منها مع خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى جبلة، فدخلها و أطاعه أهلها، و أنفذ أهل طرابلس إلى الافضل بمصر يلتمسون منه إنفاذ وال يصل إليهم في البحر، و معه الغلة و الميرة في المراكب لتسلم إليه البلد، فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا من قبل الأفضل، و معه الغلة فلما وصل إليها، و حصل فيها، قبض على جماعة أهل فخر الملك بن عمار و أصحابه، و ذخائره و آلاته و أثاثه، و حمل الجميع إلى مصر في البحر.
و في هذه السنة أسرى ظهير الدين أتابك في عسكره إلى طبرية، و فرق عسكره فرقتين نفذ إحداهما إلى أرض فلسطين، و الأخرى غاربها على طبرية، فخرج إليه صاحبها في رجاله المعروف بجر فاس، و هو من مقدمي الأفرنج المشهورين بالفروسية و الشجاعة (88 و) و البسالة، و شدة المراس، يجري مجرى الملك بغدوين في التقدم على الأفرنج، فالتقاه و أحاطت خيل الأتراك
ص: 259
به و بأصحابه، فقتل أكثرهم و أسر هو و جماعة معه، و حملوا إلى دمشق(1)، فأنفذ بعضهم هدية إلى السلطان و قتل جرفاس و من كان معه في الأسر من أصحابه بعد أن بذلوا في إطلاقهم جملة من المال فلم يقبلها.
و فيها تقدم السلطان غياث الدنيا و الدين محمد عند وصوله إلى بغداد برفع المكوس، و إبطال رسمها عن التجار و المسافرين في جميع بلاده، و حظر تناول اليسير منها، فلما عاد إلى أصفهان منها، طمع في التجار، و أخذ منهم المكس على سبيل الخلاف لما أمر، فلما عاد إلى بغداد و انتهى الأمر إليه أنكر ما جرى في مخالفة أمره، و وكد الأمر في إبطال ذلك، و حذر من المخالفة له في سائر البلاد.
و فيها وردت الأخبار من بغداد بوقوع النار في الجانب الشرقي منها، فأحرقت ما يزيد على خمسمائة دار و افتقر أهلها.
و فيها تناصرت أخبار الباطنية بقلعة ألموت و الحصون المجاورة لها في إيغالهم في الفساد، و إفاظة النفوس بالعدوان و الإلحاد، فأنهض السلطان وزيره أحمد بن نظام الملك خواجه برزك، و معه جاولي سقاوه، في عسكر كثيف، فأظفره اللّه بهم، و نصره عليهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و خرب منازلهم و قلاعهم(2).
1) تحدث و ليم الصوري في تاريخه- الترجمة الانكليزية: 1/ 538- 539 عن حمله طغتكين هذه لكنه لم يذكر جرفاس هذا بين رجال ملك القدس أو المدافعين عن طبرية. و أورد سبط ابن الجوزي هذا الخبر فقال:« و فيها أغار طغتكين على طبرية، و بها جرفاس مقدم الفرنجية، و كان من أكبر الملوك، فخرج من طبرية، و التقوا فقتل أتابك منهم مقتلة عظيمة، و أسر جرفاس و خواصه، فبذل في نفسه أموالا عظيمة، فلم يقبل منه، و بعث به و بأصحابه هدية إلى السلطان».
2) انظر كتاب الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 71.
ص: 260
و في هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الأفرنج نحو ثغر صيدا، فنزل عليه في البحر و البر، و نصب البرج الخشب عليه، و وصل الأصطول المصري للدفع عنه، و الحماية له فظهروا على مراكب الجنوية، و عسكر البر، و اتصل بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا، و الذبّ عنها، فرحلوا عنها عائدين إلى أماكنهم.
فيها أنفذ صاحب عرقة(1)إلى ظهير الدين أتابك رسوله، يلتمس منه المعونة على دفع الأفرنج عنها، و إنفاذ من يتسلمها، فندب بعض ثقاته فتسلمها، و أقام واليها(2)، منتظرا وصول العسكر إليها، و الوفاء بما وعد به من الخلع عليه، و الاحسان إليه، فحدث في (88 ظ) الوقت من الثلوج و الأمطار ماعاق المسير إليها، و قل القوت بها، و انقطعت الميرة عنها، فبادر الأفرنج بالنزول عليها، و توجه ظهير الدين عند ذاك إليها، فصادفهم قد أحاطوا بها، و لم يتمكن من دفعهم عنها، و عاد إلى حصن الأكمة(3)، و نزل عليه و قاتله فلما
1) كانت عرقة هي الخط الدفاعي الأول عن طرابلس، تقع على ساحل البحر و تبعد عن طرابلس مسافة اثنتي عشر ميلا، تقويم البلدان: 254- 255.
2) في الأصل« واليا» و هي تصحيف صوابه ما أثبتنا.
3) لم أجد هذا الحصن في المظان المتوفرة، و في الكامل لابن الأثير: 8/ 256 ما يفيد اثباته حول عرقه، فقد ذكر أن حصن عرقه و هو من الحصون المنيعة« انقطعت عنه الميرة لطول مكث الفرنج في نواحيه، فأرسل- صاحبه- إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق، و قال له: أرسل من يتسلم هذا الحصن مني، قد عجزت عن حفظه، و لان يأخذه المسلمون خير لي دنيا و آخرة من أن يأخذه الفرنج، فبعث إليه طغتكين صاحبا له اسمه اسرائيل في ثلاثمائة رجل يتسلم الحصن، فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه اسرائيل في الأخلاط بسهم فقتله، و كان قصده بذلك أن يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال، و أراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه و تقويته بالعساكر و الأقوات و آلات الحرب، فنزل الغيث و الثلج مدة شهرين ليلا و نهارا، فمنعه، فلما زال ذلك سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصونا للفرنج منها حصن الأكمة، فلما سمع» الفرنج ...
ص: 261
عرف الأفرنج ذلك، نهضوا إليه في تقدير ثلاثمائة فارس لانجاد من بالأكمة، فوصلوا إليهم ليلا، فقويت نفوسهم، و اقتضى رأي أتابك الرحيل عنها بحكم من صار فيها منهم، فرحل كالمنهزم، و طمع فيه، و تتبع العسكر، فغنم من الخيل و الكراع غنيمة كبيرة و تفرق العسكر في الشجر و الجبال، و وصلوا إلى حمص على أقبح صفة، و أشنع صورة، من غير لقاء و لا محاربة، و عاد الأفرنج إلى عرقة، و عدم القوت فيها، فملكوها بالأمان.
و فيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة اللّه بن محمد بن بديع الأصفهاني، الذي كان مستوفيا للسلطان تاج الدولة، و كان قد وزر بعده لولده الملك رضوان بحلب، و بقي في الوزارة مدة، في أوائل سنة اثنتين و خمسمائة، و أفسد قلب ظهير الدين أتابك عليه معه ما كان في قلبه في الأيام التاجية، فأمر بالقبض عليه و اعتقاله في القلعة، و حمل ما كان في داره، و قبض أملاكه، و أقام أياما في الاعتقال، ثم أمر بخنقه، فخنق و رمي في جب بالقلعة، ثم أخرج و دفن في المقابر.
و في شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل، الذي كان نازلا على طرابلس، من بلاد الافرنج في جملة ستين مركبا في البحر، مشحونة بالأفرنج و الجنويين، فنزل على طرابلس، و وقع بينه و بين السرداني ابن أخت صنجيل مشاجرة، و وصل طنكري صاحب أنطاكية إليه لمعونة السرداني(1)، و وصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس في عسكره فأصلح بينهم، و عاد السرداني إلى عرقة، و وجد بعض الأفرنج في زرعها، فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله، و لما بلغ الخبر ريمند بن صنجيل، وجه من تسلم عرقة من أصحابه.
1) من أجل النزاع بين وليم جوردان السرديني، و برتراند الابن الأكبر لريموند الصنجيلي و علاقة ذلك بحصار طرابلس، أنظر طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 113- 116.
ص: 262
و نزل الافرنج بجموعهم و حشدهم على طرابلس، و شرعوا في قتالها و مضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الحادي عشر من ذي الحجة (89 و) من السنة، و أسندوا أبراجهم إلى السور، فلما شاهد الجند و المقاتلة و أهل البلد سقط في أيديهم، و أيقنوا بالهلاك و ذلت نفوسهم لا سيما مع اليأس من تأخر وصول الاصطول المصري في البحر بالميرة و النجدة، و قد كانت علة الأصطول أزيحت، و سير و الريح تردّه، لما يريد اللّه تعالى من نفاذ الأمر المقضي، فشد الافرنج القتال عليها و هجموها من الأبراج، فملكوها بالسيف في يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة، و نهبوا ما فيها، و أسروا رجالها، و سبوا نساءها و أطفالها، و حصل في أيديهم من أمتعتها و ذخائرها و دفاتر دار علمها، و ما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده، و لا يحصر فيذكر، و سلم الوالي بها و جماعة من جنده، كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فلما ملكت أطلقوا، و وصلوا إلى دمشق بعد أيام من فتحها، و عوقب أهلها و استصفيت أموالها، و استثيرت ذخائرهم من مكامنها، و نزل بهم أشد البلاء، و مؤلم العذاب(1).
و تقرر بين الأفرنج و الجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد، و ما نهب منه، و الثلثان لريمند بن صنجيل، و أفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به، و كان طنكري لما لم ينل ما أراد من نصرة السرداني، قد عاد و نزل على بانياس و افتتحها و أمن أهلها في شوال من السنة، و نزل على ثغر جبيل و فيه فخر الملك بن عمار، و القوت فيه نزر قليل، فلم يزل مضايقا له و لأهله إلى يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي الحجة، فراسلهم و بذل لهم الأمان، فأجابوه إلى ذلك، فتسلمه بالأمان، و خرج منه فخر الملك بن عمار سالما، و قد وعده بإحسان النظر و الاقطاع.
1) أنظر كتاب طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 117- 131.
ص: 263
و وصل عقيب ذلك الاصطول المصري، و لم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال و مراكب و عدد و غلال لحماية طرابلس، و تقويتها بالغلة الكثيرة و الرجال و المال لمدة سنة، مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل و أهله، و وصل إلى صور في يوم الثامن من فتح طرابلس، و قد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها، و أقام بالساحل مدة و فرقت الغلة في جهاتها، و تمسك به أهل صور و صيدا (89 ظ) و بيروت، و شكوا أحوالهم و ضعفها عن محاربة الأفرنج، و لم يمكن الاصطول المقام، فأقلع عائدا عند استقامة الريح إلى مصر.
و في شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها و المضايقة لأهلها عدة شهور، بعد أن عدم القوت بها، و اشتد الجوع بأهلها.
و فيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد الأفرنج، عائدا إلى مملكته في خلق كثير، و نزل بالقرب من قسطنطينة، و خرج ملكها إليه و معه خلق كثير من التركمان المجاورين له فاقتتلوا أياما، و طلب الروم تقبيحهم بكل نوع إلى أن تفرقوا و تبددوا في البلاد، و أصلح بيمند أمره مع الملك، و دخل عليه و وطىء بساطه، و من معه و كفى اللّه، و له الحمد، أمرهم، و صرف عن الاسلام شرّهم.
و في هذه السنة توفي الأمير أرتق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق بمرض طال به، و كثر ألمه بسببه، إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة اثنتين و خمسمائة.
و فيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة و الموادعة، فاستقر الأمر بينهما، على أن يكون السواد و جبل عوف أثلاثا:
ص: 264
للأتراك الثلث، و للأفرنج و الفلاحين الثلثان، فانعقد الأمر على هذه القضية، و كتب الشرط على هذه النية.
و كان فخر الملك بن عمار، لما ملك الأفرنج جبيل، خرج منها و توجه إلى شيزر، فأكرمه صاحبها سلطان بن علي بن المقلد بن منقذ الكناني، و احترمه، و جماعته، و عرض عليه المقام عنده، فلم يفعل، و توجه إلى دمشق عائدا إلى ظهير الدين أتابك، فأكرمه و أنزله في دار، و أقطعه الزبداني و أعمالها في المحرم سنة ثلاث و خمسمائة.
لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها، و تدبير أعمالها، و تقرير أحوالها، نهضوا إلى رفنية و عرف ظهير الدين ذاك من قصدهم، فنهض في العسكر نحوها لحمايتها، و خيم بإزائهم بحمص، فلم يتمكن الأفرنج من منازلتها و مضايقتها، و ترددت بينه و بينهم مراسلات و مخاطبات، أفضت إلى أن أجاب كل واحد من الفريقين (90 و) إلى تقرير الموادعة على الأعمال، و المسالمة، و استقر الأمر في ذلك على أن يكون للأفرنج الثلث من استغلال البقاع، و يسلم إليهم حصن المنيطرة(1)و حصن ابن عكار(2)، و يكفّوا عن العيث و الفساد في الأعمال و الأطراف، و أن يكون حصن مصيات(3)و حصن الطوفان(4)و حصن الأكراد(5)داخلا في شرط الموادعة، و يحمل أهلها عنها
1) قال ياقوت عن المنيطرة: حصن بالشام قريب من طرابلس.
2) قلعة صغيرة في شمالي لبنان( 25 ميلا تقريبا الى الشمال الشرقي من طرابلس) تربض فوق جرف جبلي على السفوح الشمالية لجبل عكار.
3) قلعة و مدينة صغيرة في وسط سورية الى الغرب من مدينة حماة، تقع فوق تل متدرج الانحدار في الشعاب الشرقية لجبال النصيرية.
4) لم أجد هذا الحصن في المظان حتى أحدد مكانه.
5) تعرف الآن باسم قلعة الحصن تربض في وسط سورية الى الغرب من حمص في منطقة وادي النضارة، موقعها ممتاز فوق ذروة مرتفعة تزيد عن/ 2100 قدم/ و تحيط بها من جميع جهاتها مدرجات متوسطة الانحدار.
ص: 265
مالا معينا في كل سنة إلى الافرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة، فلم يلبثوا على ما تقرر، و عادوا إلى رسمهم في الفساد و العناد.
و فيها توفي الشريف القاضي المكين فخر الملك أبو الفضل اسماعيل بن ابراهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس و العشرين من صفر منها، بدمشق، رحمه اللّه.
و في جمادى الأولى من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان ركن الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه إلى بغداد، و انفاذ كتبه الى سائر البلاد معلما فيها بما هو عليه من قوة العزم على قصد الجهاد، و الأمر لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو الى حين ترد العساكر إلى الشام، و ينضاف إليها و يدبر أمرها، لأنه كان تابع كتبه بالاستصراخ و الاستنجاد على الكفرة الأضداد، فعرضت عوائق عن ذلك عاقت، و موانع عن المراد صدت، و طالت مدة الانتظار، و تزايد طمع الكفار بتأخر العسكر السلطانية، فحملت ظهير الدين أتابك، الحمية الاسلامية، و العزيمة التركية على التأهب للمسير بنفسه إلى بغداد، لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية، و المواقف السلطانية الغياثية، و المثول بها، و الشكوى لما نزل بالمسلمين في الأعمال إليها، من تملك البلاد، و قتل الرجال، و سبي النساء و الأطفال، و حديثهم بينهم بالطمع في الإمتداد إلى تملك الأعمال الجزرية و العراقية، و تأهب للمسير، و استصحب معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس، و خواص أصحابه، و ما أمكنه من الخيول العربية السبّق، و طرف مصر من أجناس اللباس، و ما يصلح لتلك الجهات من التحف و الهدايا من كل فن له قيمة وافرة و توجه في البرية على طريق السماوة و استناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري، و وصاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة (90 ظ) في الذب و الحماية و إحسان السيرة في الرعية، و المغالظة للأفرنج، و الثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود.
ص: 266
فلما سار، و حصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البرية، وافى الخبر بما شاع من المرجفين ببغداد، من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لأمراء عيّن عليهم، و وقعت الإشارة في ذلك إليهم، فأحدث هذا الخبر وحشة أوجبت عوده من طريقه، و اعتمد على فخر الملك بن عمار، و من عول عليه من ثقاته في الإتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف و الهدايا، و المناب عنه في إنهاء ما دعاه إلى العود من طريقه، فوصل فخر الملك الى بغداد بما صحبه، فصادف من الابتهاج بمقدمه و التأسف على عود أتابك، و لم يصل و يشاهد ما زاد على الأمل، و ظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا حقيقة له، و تواصلت الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس، و شرح الصدور و الاعتذار من إشاعة المحال، و أكاذيب الأخبار.
و قد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي المياه، قد اتصل به أن كمشتكين الخادم التاجي، الوالي ببعلبك قد راسل الأفرنج بالتماس المصافاة منهم، و بعثهم عن شن الغارات على الأطراف، و أنه قد سيّر أخاه بايتكين الخادم التاجي إلى السلطان، للتوصل بالمحال إلى إفساد الحال، فحين سمع ظهير الدين هذا الخبر و نفوذه، ندب جماعة من العسكر، و قرر معهم المصير إلى المسالك و الطرقات التي لا بد من عبوره فيها، لمسكه و حمله إليه، فلم يقف لبايتكين المذكور على خبر، و سار ظهير الدين في العسكر من طريقه، و كتب إلى تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك، و النزول عليها، فسارع الى امتثال أمره، و سار إليها و نزل عليها على غفلة من أهلها و غرة ممن بها، ثم أرسل الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة، و تسليم الموضع إليه، و يحذره من الاستمرار على المخالفة و العصيان، و يخوفه الإقامة على ما يفضي إلى سفك الدماء، و بالغ في الاعذار له و الإنذار، فلم يجب إلى المراد و الايثار، و أصر على الخلف و الانكار، و وافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر، و من جمعه من الرجالة، و زحف إلى بعلبك مقاتلا لها، و نصب
ص: 267
عليها المناجيق، و شرع في عمل آلة الحرب و النقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها (91 و) و ترامى إليه من أحداث أهلها و أجنادها جماعة أحسن إليهم، و خلع عليهم، و زحف إلى سورها، و قاتل من عليه، فقتل جماعة منهم، فحين شاهدوا الجد في القتال، و الصبر على النزال، جنحوا إلى الدخول في الطاعة، و التمس الخادم الإقالة، و بذل تسليم البلد و الحصن على شرط اشترطه، و اقطاع عينه، و طلب بعض المقدمين للحديث معه و التوثق لنفسه، فنفذ إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة، فتقررت الحال على ما اقترحه و سلم البلد و الحصن الذي هو غاية في المنعة و الحصانة، و من العجائب المذكورة، و القلاع المشهورة، و خرج إليه، و جرى على عادته الجميلة في الصفح عمن أساء إليه، و أظهر العصيان عليه، و عوضه عن بعلبك حصن صرخد، و هو مشهور بالحصانة و المنعة أيضا(1)، و أعاد إليه ما كان قبض عنه من ملك و إقطاع(2)بدمشق، و سلم ظهير الدين أتابك، بعلبك إلى ولده تاج الملوك بوري، فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها، و قرر أحوالها، و كانت مدة المقام في منازلتها خمسة و ثلاثين يوما و سلمت و تسلمت في اليوم الثاني و العشرين من شهر رمضان سنة ثلاث و خمسمائة و أمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك، و تسويغ بعض خراجها(3)أهلها، و أعاد عليهم أملاكا كانت قد اغتصبت في قديم الزمان، و كثر له الدعاء، و تواصل
1) ترسم الآن« صلخد» و هي مركز منطقة تابعة لمحافظة السويداء، و قد وصفها أبو الفداء في تقويم البلدان: 258- 259 بقوله: و هي بلدة صغيرة ذات قلعة مرتفعة و كروم كثيرة، و ليس لها ماء سوى ما يجمع من الأمطار في الصهاريج و البرك ... و من شرقيها تسلك طريقا تعرف بالرصيف الى العراق.
2) في الأصل« الى دمشق» و هو غير مستقيم قوم من مرآة الزمان- أخبار سنة- 503- حيث نقل رواية ابن القلانسي هذه.
3) في الأصل« بعض خراج أهلها» و هو غير مستقيم المعنى، و في مرآة الزمان عن ابن القلانسي:« و حط بعض الخراج» لذا تم التقويم.
ص: 268
عليه الثناء و عاد منكفيا إلى دمشق، و ورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنة.
و ورد الخبر بوفاة الأمير ابراهيم ينال صاحب آمد، و كان قبيح السيرة فيها، مذكورا بالظلم في أهلها، و كان جماعة من أهلها قد جلوا عنها لأجل (ظلمه) المستمر عليهم، و اساءته إليهم، فسرت النفوس بفقده، و أمل من بعده الصلاح و قام مقامه ولده، فكان أصلح منه سريرة، و أحسن طريقة.
و في هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية في حشده و لفيفه المخذول، إلى الثغور الشامية فملك طرسوس و ما والاها، و أخرج صاحب ملك الروم منها، و عاد إلى أنطاكية، ثم خرج إلى شيزر و قرر عليها عشرة آلاف دينار، مقاطعة تحمل اليه بعد أن عاث في عملها، و نزل على حصن (91 ظ) الأكراد فتسلمه من أهله و توجه إلى عرقة، و كان الملك بغدوين و ابن صنجيل قد نزلا على ثغر بيروت برا و بحرا، فعاد طنكري إلى أنطاكية، و سار جوسلين صحب تل باشر(1)إلى ثغر بيروت لمعاونة النازلين عليه من الأفرنج، و يستنجد بهم على عسكر الأمير مودود النازلين على الرها، و شرع الأفرنج في عمل البرج، و نصبه على سور بيروت، فحين نجز و زحفوا به كسر بحجارة المناجيق و أفسد، فشرعوا في عمل غيره، و عمل ابن صنجيل برجا آخر، و وصل في الوقت من اصطول مصر في البحر تسعة عشر مركبا حربية، فظهروا على مراكب الأفرنج و ملكوا بعضها، و دخلوا بالميرة الى بيروت، فقويت بها نفوس من فيها من الرعية، و أنفذ الملك الى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم، فوصل منها إلى بيروت أربعون مركبا مشحنة بالمقاتلة، فزحف الأفرنج في البر و البحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي و العشرين من شوال، و نصبوا
1) يعرف الآن باسم« تل باجر» و هو تابع اداريا لمنطقة جبل سمعان، احدى مناطق محافظة حلب.
ص: 269
على السور برجين اشتدوا في القتال، فقتل مقدم الاصطول المصري، و خلق كثير من المسلمين، و لم ير الأفرنج من ما تقدم و تأخر أشد من حرب هذا، و انخذل الناس في البلد و أيقنوا بالهلكة، فهجم الأفرنج على البلد آخر نهار هذا اليوم، فملكوه بالسيف قهرا و غلبة و هرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من أصحابه (ثم أمسك)(1)و حمل إلى الافرنج فقتل و من كان معه، و غنموا ما كان استصحبه من المال، و نهب البلد و سبي من كان فيه، و أسر و استصفيت أموالهم و ذخائرهم، و وصل عقيب ذلك من مصر ثلاثمائة فارس نجدة لبيروت، فحين حصلوا بالأردن خرجت عليهم فرقة من الأفرنج يسيرة العدد، فانهزموا منهم إلى الجبال، فهلك منهم جماعة.
فلما تقرر أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الأفرنج، و نزل على ثغر صيدا، و راسل أهله يلتمس منهم تسليمه، فاستمهلوه مدة عينوها، فأجابهم إلى المهلة بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار تحمل إليه مقاطعة، و كانت قبل ذلك ألفي دينار، و رحل عنها الى بيت المقدس للحج.
و في هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد(2)كنجة (92 و) و ما قاربها، و أكثروا العيث و الفساد في نواحيها، و انتهى الخبر بذلك إلى السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه، فأنهض إليهم عسكرا وافر العدد، فأوقع بهم و شردهم، و عن الفساد و العيث أبعدهم بالفتك فيهم، و طردهم و دوخ بلادهم، و أخرب أعمالهم، فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم، و قامت الهيبة بإهلاكهم، و عاد العسكر السلطاني ظافرا غانما.
ص: 270
و في هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم من كافر ترك على من صادفوه في الأعمال، و وصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال، و أعاثوا فيها، و اتصل الخبر بالسلطان المعظم أبي الحارث سنجر بن ملك شاه، سلطان خراسان، فأنهض إليهم أميرا كبيرا من مقدمي عساكر خراسان، في عدد دثر من الأتراك، فظفر بهم و كسرهم، و قتل منهم خلقا كثيرا، (فأقبلوا)(1)عائدين خاسرين مفلولين.
و في ثامن ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة، و أقام إلى آخر ذي الحجة، ثم غاب.
و فيها كاتب السلطان غياث الدنيا و الدين الأمير سكمان القطبي، صاحب أرمينية و ميافارقين، و شرف الدين مودود صاحب الموصل يأمرهما بالمسير في العساكر إلى جهاد الأفرنج، و حماية بلاد الموصل، فجمعا و احتشدا، و نهضا و نزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف إليهما، و خلق كثير من المتطوعة، و وصل إليهما أيضا الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في خلق كثير من التركمان، و اجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الأفرنج، و اتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها و مضايقتها، إلى أن يسهل اللّه افتتاحها بحكم حصانتها و منعتها.
فرحلوا بأسرهم و نزلوا عليها في العشر الثاني من شوال، و أحاطوا بها من جهاتها كالنطاق، و منعوا الداخل و الخارج بالمسير إليها، و كان القوت بها قليلا، فأشرف من بها على الهلاك، و غلا بها السعر، و طالت مدة الحصر لها، و التضييق عليها، و حين عرف الأفرنج صورة هذه الحال، شرعوا في الجمع و الإحتشاد، و التأهب للذب عنها، و الاستعداد، و اتفقت الكلمة بينهم على
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق. انظر ما ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان- أخبار سنة 53. ه.
ص: 271
هذه الحال، و اجتمع (92 ظ) طنكري صاحب أنطاكية و ابن صنجيل صاحب طرابلس، و الملك بغدوين و مقدمو ولاة الأعمال من الأفرنج، و تعاهدوا و تعاقدوا على الثبات في الحرب و المصابرة و اللباث، فلما استقرت الأحوال بينهم على البينة رحلوا بأسرهم إلى ناحية الرها.
و اتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك، و عرف صورة الحال فيما تقرر بينهم، فسار من دمشق في العسكر و خيم على سلمية، و عرف أن الافرنج قد قصدوا في طريقهم رفنية، و فيها الأمير شمس الخواص واليها، و أنهم لما نزلوا عليها ظهر إليهم في خيله و قتل منهم جماعة، و وصل الى المخيم بسلمية، و اجتمع إليه خلق كثير من الشام، و وصل الخبر بحصول الأفرنج على الفرات عازمين على قطعه (قصد) الرها، فرحل أتابك في الحال و توجه إلى ناحية الرقة و قلعة جعبر، و قطع الفرات و تلوم هناك إلى أن عرف خبر الافرنج، أنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الاسلامية و طلائعهم في سائر الجهات و المسالك إلى الفرات.
و لما عرف المسلمون قرب الأفرنج منهم، اتفقت الآراء فيما بينهم على الإفراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات، و رحلوا عن الرها في آخر ذي الحجة منها، و نزلوا أرض حران على سبيل الخديعة و المكر، و كانت حران قد حصلت للأمير مودود، و سلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن أرتق، و توقف المسلمون عن لقاء الأفرنج إلى أن يقربوا منهم، و يصل إليهم عسكر دمشق، و فطن الأفرنج لهذا التدبير و الاتفاق عليه، فخافوا و استشعروا الهلاك و الخذلان، و أجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطئ الفرات، و بلغ المسلمين خبرهم، فنهضوا في إثرهم و أدركهم سرعان الخيل و قد قطع الفرات بعضهم من مقدميهم، فغنم المسلمون سوادهم و أثقالهم، و أتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلا و أسرا و تمزيقا في الفرات، و امتلأت الأيدي من الغنائم
ص: 272
و الأسلاب و السبي و الدواب، و لم يتمكن المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم بحكم اشتغالهم بأمر الرها، و العود إليها، و كانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف الحال، و رتبوا جماعة من الأرمن لحفظها، و حملوا إليها ما صحب العسكر الواصل من الأقوات تقوية لها، و خرج بغدوين الرويس (93 و) صاحبها عنها، و توجه صحبة الأفرنج المنهزمين، و أقام عسكر الإسلام على الفرات أياما نازلا بإزائهم، و رحل طالبا للعود إلى منازلة الرها، و عرف ظهير الدين أتابك خبر عودهم على تلك الصفة، فعاد منكفئا إلى عمله لحمايته منهم، بعد أن نفّذ شطرا وافرا من معسكره إلى النازلين على الرها لمعونتهم، و وصل إلى دمشق و أقام من كان أنهضه من عسكره الى الرّها الى أن خلت البلاد منهم و أذن لهم في العود إلى أماكنهم بعد إكرامهم و الإحسان إليهم(1).
و ترددت بين أتابك ظهير الدين، و بين الأمير شرف الدين مودود مراسلات، أفضت إلى استحكام المودة بينهما، و اتفاق الكلمة، و تأكيد أسباب الألفة، فطال مقام عسكر الاسلام على الرها لامتناعها و حصانتها، و قل تواصل الميرة إلى المخيم، و عدم وجودها، فدعتهم الحاجة إلى العود عنها، فتفرقوا بعد أن رتبوا من يقيم على حرّان لحصر الرها.
و حدث لنجم الدين ايل غازي بن أرتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر تجدد بينهما، فأجفل من حران إلى ماردين، فقبض سكمان على ابن أخيه بلك، و حمله معه إلى بلده مقيدا.
و بعد تفرق العساكر الاسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين الرويس صاحبها، و حصل بها، و الغارات متواصلة على أطرافها، و قد كان الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب لما عرف هزيمة الأفرنج خرج إلى اعمال حلب،
1) كان جمع العساكر الاسلامية موسميا خاضعا لقواعد الاقطاع العسكري.
ص: 273
و استعاد ما كان غلب الأفرنج عليه منها، و غار على عمل أنطاكية، و غنم منه غنيمة وافرة، و لما عرف خبر عودهم عاد إلى حلب، و وصل الأفرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب، و قتلوا و أسروا خلقا كثيرا، و عاد طنكري و نزل على الأثارب(1)
ط. بيروت: 1980.
، و ملكها بعد طول حصرها و المضايقة لها، و ذلك في جمادى الآخرة من السنة، و آمن أهلها، و خرج منها من أراد الخروج، و أقام من آثر المقام، و استقرت الموادعة بعد ذلك بين الملك فخر الملوك رضوان و بين طنكري، على أن يحمل إليه الملك من مال حلب في كل سنة عشرين ألف دينار مقاطعة، و عشرة أرؤس خيلا، و فكاك الأسرى، و استقرت على هذه القضية.و فيها وصل الملك بغدوين صاحب (93 ظ) بيت المقدس الى ناحية بعلبك و عزم على العيث و الإفساد في ناحية البقاع، و ترددت المراسلة بينه و بين ظهير الدين أتابك في هذا المعنى، الى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلث من استغلال البقاع للأفرنج، و الثلثان للمسلمين و الفلاحين، و كتبت بينهما المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة، و رحل عائدا إلى عمله، و قد فاز بما حصل في يده و أيدي عسكره من غنائم بعلبك، و البقاع.
و وردت الأخبار فيها بوصول بعض ملوك الأفرنج في البحر، و معه نيف و ستون مركبا مشحونة بالرجال لقصد الحج و الغزو في بلاد الإسلام، فقصد بيت المقدس، و توجه إليه بغدوين و اجتمع معه، و تقرر بينهما قصد البلاد، فلما عادا من بيت المقدس نزلا على ثغر صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع و خمسمائة و ضايقوه برا و بحرا، و كان الاصطول المصري مقيما على ثغر صور، و لم يتمكن من إنجاد صيدا، فعملوا البرج و زحفوا به إليها، و هو ملبس بحطب الكرم و البسط و جلود البقر الطرية، ليمنع من الحجارة و النفط، و كانوا إذا أحكموه على هذه الصورة نقلوه على بكر تركب تحته
1) هي قلعة حصينة بين حلب و أنطاكية. اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير.
ص: 274
في عدة أيام متفرقة، فإذا كان يوم الحرب و قرب من السور، زحفوا به و فيه الماء و الخل لطفي النار، و آلة الحرب.
فلما عاين من بصيدا هذا الأمر، ضعفت نفوسهم، و أشفقوا من مثل نوبة بيروت، فأخرج إليهما قاضيها و جماعة من شيوخها، و طلبوا من بغدوين الأمان، فأجابهم الى ذلك، و أمنهم و العسكرية معهم على النفوس و الأموال، و إطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، و استحلفوه على ذلك و توثقوا منه و خرج الوالي و الزمام و جميع الأجناد و العسكرية، و خلق كثير من أهل البلد، و توجهوا الى دمشق لعشر بقين من جمادى (الأولى)(1)لسنة أربع و خمسمائة، و كانت مدة الحصار سبعة و أربعين يوما، و رتب بغدوين الأحوال بها و الحافظين لها، و عاد إلى بيت المقدس، ثم عاد بعد مدة يسيرة الى صيدا، فقرر على من أقام بها نيفا و عشرين ألف دينار، فأفقرهم و استغرق أحوالهم، و صادر من علم أن له تنبه منهم.
(94 و) في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من تنيس(2)و دمياط و مصر ببضائع و أموال جمة، كانوا قد ضجروا و ملّوا طول المقام، و تعذر مسير الاصطول في البحر، و حملوا نفوسهم على الخطر، و أقلعوا في البحر، فصادفتهم مراكب الأفرنج، فأخذتهم و حصل في أيديهم من الأمتعة و المال ما يزيد على مائة ألف دينار، و أسروهم و عاقبوهم، و اشتروا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق و غيرها.
ص: 275
و أما بغدوين فإنه لما عاد من صيدا، قصد عسقلان، و غار عليها، و كان واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين، فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه، و يرحل عنه و يكف الأذية عن عسقلان، و كان شمس الخلافة أرغب في التجارة من المحاربة، و مال إلى الموادعة و المسالمة و إيمان السابلة، و قرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة و ثلاثة شهور، و انتهى الخبر بذلك الى الأفضل صاحب مصر في شوال، فأنكر هذه الحال، و أسرها في نفسه، و لم يبدها لأحد من خاصته، و جهز عسكرا كثيفا إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس الخلافة، فلما قرب من عسقلان و عرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل، و جاهر بالعصيان عليه، و أخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه من الأفضل لما يعلمه من الأمور التي أنكرها عليه، و نقمها منه، و مراسلته لبغدوين يلتمس منه المصافاة و المعونة بالرجال و الغلال، و إن دهمه أمر، و حزبه خطب، سلم إليه عسقلان فطلب منه العوض عنها، فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من تمام هذا الأمر، فكاتبه بما يطيب نفسه، و غالطه و أقطعه عسقلان و أقر إقطاعه بمصر عليه، و أزال الاعتراض لشيء من ماله في ديار مصر من خيل و تجارة و أثاث، و خاف شمس الخلافة من أهل البلد، فاستدعى جماعة من الارمن فأثبتهم في عسقلان، و لم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة أربع و خمسمائة، فأنكر أمره أهل البلد، و وثب عليه قوم من كتامة و هو راكب فجرحوه، و انهزم إلى داره فتبعوه و أجهزوا عليه، و نهبوا داره و ماله، و تخطفوا بعض دور (94 ظ) الشهود و العامة، و انتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر إلى البلد، فأطاع أمره من به، و أنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر، و أنهوا جلية حاله، فحسن موضع ذلك منه و موقعه، و أحسن الى الواردين بهذه البشرى، ثم تقدم بمطالبة القوم القاتلين بما نهبوه من داره، و استولوا عليه من ماله، و مال أهل البلد،
ص: 276
و اعتقالهم، و قبض جماعة من أهل البلد، و حملهم إلى مصر، و لما وصلوا اعتقلوا فيها.
و في هذه السنة هبت بمصر و أعمالها ريح سوداء، و طلع سحاب أسود أخذ بالأنفاس و أظلمت منه الدنيا، حتى لم يبصر أحد يده، و الريح تسفي الرمل في مقل الناس و وجوههم، حتى يئسوا من الحياة، و أيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه، و الخوف مما نزل بهم، و لما تجلى ذلك السواد، عاد إلى الصفرة، و الريح بحالها، ثم انجلت الصفرة، و ظهرت للناس الكواكب، و ظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت، و خرج الناس من منازلهم و أسواقهم إلى الصحراء، و ركدت الريح، و أقلع السحاب، و عاد الناس إلى منازلهم سالمين من الأذى، و كانت مدة هذه الشدة منذ صلاة العصر الى صلاة المغرب.
و فيها وصل السلطان غياث الدين محمد بن ملك شاه من همذان إلى بغداد، في جمادى الأولى منها، و وردت الكتب و الرسل إليه من الشام بإنهاء الحال، و ما جرى من الافرنج بعد عودهم عن الفرات، و نوبة صيدا و الأثارب و أعمال حلب.
و لما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من أهل حلب، و جماعة من الصوفية و التجار و الفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد، فاستغاثوا و أنزلوا الخطيب عن المنبر، و كسروه، و صاحوا و بكوا لما لحق الاسلام من الأفرنج، و قتل الرجال و سبي النساء و الأطفال، و منعوا الناس من الصلاة، و الخدم و المقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من إنفاذ العساكر، و الانتصار للاسلام من الأفرنج و الكفار، و عاودوا في الجمعة الثانية المصير إلى جامع الخليفة، و فعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء و الضجيج و الإستغاثة و النحيب.
ص: 277
و وصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة، أخت السلطان، و زوجة الخليفة إلى بغداد من أصفهان، و معها من التجمل و الجواهر و الأموال و الآلات، و أصناف المراكب و الدواب و الأثاث (95 و) و أنواع الملابس الفاخرة، و الخدم و الغلمان و الجواري و الحواشي، ما لا يدركه حزر فيحصر، و لا عدّ فيذكر، و اتفقت هذه الاستغاثة، فتكدر ما كان صافيا من الحال و السرور بمقدمها، و أنكر الخليفة المستظهر باللّه أمير المؤمنين ما جرى، و عزم على طلب من كان الأصل و السبب ليوقع به المكروه، فمنعه السلطان من ذلك، و عذر الناس فيما فعلوه، و أوعز إلى الأمراء و المقدمين بالعود إلى أعمالهم، و التأهب للمسير الى جهاد أعداء اللّه الكفار.
و في جمادى الآخرة منها، وصل رسول متملك الروم بهدايا و تحف و مراسلات، مضمونها البعث على قصد الأفرنج، و الايقاع بهم و الاجتماع على طردهم من هذه الأعمال، و ترك التراخي في أمرهم، و استعمال الجدّ و الاجتهاد في الفتك بهم قبل إعضال خطبهم و استفحال شرهم، و يقول إنه قد منعهم من العبور الى بلاد المسلمين، و حاربهم، فان طمعوا فيها، بحيث تتواصل عساكرهم و امدادهم الى البلاد الاسلامية احتاج إلى مداراتهم و إطلاق عبورهم و مساعدتهم على مقاصدهم و أغراضهم، للضرورات القائدة إلى ذلك، و يبالغ في الحث و التحريض على الإجتماع على حربهم، و قلعهم من هذه الديار بالاتفاق عليهم.
و في هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت المقدس الهدنة المستقرة بين أتابك و بينه، و كتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في عسكره، ليجتمع معه في طبرية، و جمع و حشد، و رحل إلى ناحية بيت المقدس لتقرير أمر كان في نفسه، فحدث له في طريقه مرض أقام به أياما، ثم أبل منه و أفاق، و قصد في حشده ناحية البثنية من حوران، و قد اطرح كل
ص: 278
من في الشام، و لم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم، فنهض ظهير الدين أتابك عند معرفته قصده في عسكره، و نزل في المنزل المعروف برأس الماء(1)، ثم رحل عنه إلى اللجاة، و نهض الأفرنج في إثره الى الصنمين(2)، ففرق أتابك العسكر عليهم من عدة جهات، و بث في المعابر و المسالك خيلا تمنع من حمل الميرة إليهم، و ضايقهم مضايقة ألجأتهم الى الدخول في حكم المسالمة و الموادعة، و ترددت المراسلات في ذلك (95 ظ) إلى أن استقرت الحال بينهما على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عوف و السواد و الحياينة مضافا إلى ما في يده، و من هذه الأعمال التي يليها في أيدي العرب من آل جراح، و كتب بينهما هذا الشرط، و رحل كل منهما منكفئا الى عمله في آخر ذي الحجة منها.
و قد كان الأمر تقرر مع السلطان غياث الدنيا و الدين على إنهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد، و التقدم الى الأمراء بالتأهب للمسير الى الجهاد، فتأهبوا لذلك، و كان أول من نهض منهم الى أعمال الأفرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود، صاحب الموصل، في عسكره إلى شبختان(3)
« فما بلغني منها أن الأمير مودودا سار الى الغزاة بالشام، ففتح في طريقه قلاعا من شبختان كان للفرنج» و شبختان كما يستنتج من ياقوت هي في بلاد الأرمن في ديار ربيعة. انظر زبدة الحليب: 2/ 158.
فافتتح تل قراد(4)تل قراد: حصن مشهور في بلاد الأرمن من نواحي شبختان.
و عدة حصون هناك بالسيف و الأمان1) اسمه الآن نبع الثريا قرب قرية فقيع بحوران بين جاسم و نوى، جرت مياهه الى قرية الشيخ مسكين و يبعد عن دمشق مسافة/ 70 كم/.
2) على الطريق الدولية التي تصل دمشق بدرعا، و تبعد عن دمشق حوالي/ 15/ ميلا.
3) في الأصل سنجتان، و قد ضبطه أمدروز/ سنجتان/ و لم أجد لهذا الموقع من ذكر في المصادر الجغرافية و وجدت في الباهر لابن الأثير: 17« شبختان» حيث قال:
4) في الأصل:« تل مراد» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا ففي معجم البلدان:
ص: 279
و وصل إليه الأمير أحمد يل(1)
254.
في عسكر كثيف الجمع، و كذلك تلاه الأمير قطب الدين سكمان القطبي من بلاد أرمنية و ديار بكر، فاجتمعوا في أرض حران، و كتب إليهم سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر، و شروعه في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر، و حمل الغلال إليه، و يستصرخهم و يبعثهم على الوصول إلى جهته، فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام، و قطعوا الفرات في النصف من المحرم سنة خمس و خمسمائة، و نزلوا على تل باشر في التاسع عشر من المحرم، و أقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان، و كان قد أمر من السلطان بالتقدم عليهم، فوصل إليهم في بعض عسكره، و به مرض من علة النقرس، و سكمان القطبي أيضا مريض، و الآراء بينهما مختلفة، و قاتل المطوعة و السوقة هذا الحصن و نقبوه، فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمد يل الكردي يلاطفه بمال و هدية، و يبذل له الكون معه، و الميل إليه، و كان أكثر العسكر مع أحمد يل، و سأله الرحيل عن الحصن و ينزل إليه، فأجابه إلى ذلك، على كراهية من باقي الأمراء، و اشتد مرض سكمان القطبي، و عزم أحمد يل على العود طمعا منه في أن السلطان يقطعه بلاد سكمان، و كان قد عقد بينهما وصلة و صهر، فعادوا عن تل باشر إلى حلب، و نزلوا عليها، و عاثوا في أعمالها و فعلوا أقبح من فعل الأفرنج في الفساد، و توقعوا خروج (96 و) الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم، أو خدمة ينفذها لهم، فلم يلتفت الى أحد منهم، و أغلق أبواب حلب، و أخذ رهائن أهلها الى القلعة، و رتب الجند و أحداث الباطنية و الطائعين لحفظ الأسوار، و منع الحلبيين من الصعود إلى السور، و أطلق الحرامية في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر(2)مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 292- 294.
.ص: 280
و قد كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء، و عبورهم الفرات قد كاتبوه بالوصول إليهم، ورد التدبير فيما يعتمدونه عليه إليه، و وصل إليه كتاب السلطان بمثل هذه الحال، فاقتضت الصورة، و صائب الرأي أن ينهض في العسكر نحوهم للاعتضاد على الجهاد، و تقوية النفوس على حماية هذه البلاد من أهل الشرك و الإلحاد، و جمع من أمكنه من رجال حمص و حماة و رفنية و سائر المعاقل الشامية، و سار إليهم و وصلهم على ظاهر حلب، فتلقوه بالإكرام و المزيد في الإحترام، و قويت بوصوله النفوس، و اشتدت الظهور، و سروا بحصوله عندهم سرورا، ظهر منهم و شاع عنهم، فلم ير منهم عزيمة صادقة في جهاد، و لا حماية بلاد.
و أما سكمان القطبي فإن المرض اشتد به، و اشفي منه ففصل عنهم و عاد إلى بلده(1)، و ورد الخبر بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات(2)
و بقي قراجا ثلاثة أيام، و استوزر المعين، و خلع عليه ورد الأمور إليه ...
ثم ان السلطان نفذ طلبه و استدعاه، فمضى إليه و أعطاه ولاية فارس و شيراز و المعين معه وزيره. فنفذ السلطان واليا اسمه الرزبيكي فدخل ميافارقين في سنة تسع و خمسمائة و في ولايته تطاولت الايدي على ميافارقين و بلدها و أخذوا منه من كل جانب و خرب أكثره، و كان قد أخذ منه في ولاية أتابك خمرتاش مواضع كثيرة فأخذ منه الأمير سكمان بن أرتق بلد حزة لحصن كيفا من قاطع شط ساتيدما الى باب الشعب الى شط أرزن مقدار مائة ضيعة، و أخذ لماردين نجم الدين ايلغازي بلد الحناضلة من قاطع دجلة الى جبل الصور مقدار ثمانين ضيعة، و أخذ الأمير فخر الدولة ابراهيم صاحب آمد مقدار ثلاثين ضيعة من شرقي نهر الحو، و أخذ الأمير شاروخ صاحب حاني رأس الجسر الأعلى، و أخذ الأمير أحمد صاحب ابن مروان( و هو ابن الامير نظام الدين) بلغ الهتاخ، و أخذت السناسنة مقدار ثلاثين قرية من غاب الجوز و ما حوله داخل رأس السلسلة، و أخذ حسام الدولة صاحب أرزن خمسا و عشرين قرية من بين النهرين، و كان ذلك لاختلاف الولاة و تغير الدول.
و قال أيضا ان في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة نفذ السلطان الى الرزبيكي رسولا يأمره أن يسلم ميافارقين الى نجم الدين ايلغازي، فحضر و سلمها إليه، و ملكها و خرج الرزبيكي و نزل على الروابي، و أقام ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع وصله رسول من السلطان يأمره أن لا يسلم، فوجد الأمر قد فات، و استقر نجم الدين بميافارقين، و أظهر العدل و الإنصاف و الإحسان الى الناس.
، و أما1) في الأصل« ولده» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.
2) سكمان القطبي هو صاحب ميافارقين، و كان قبل ذلك يمتلك أخلاط، و تحدث الفارقي في تاريخه: 274- 278 عن تسلمه لميافارقين ثم مشاركته في حملة مودود حتى وفاته، و رواية الفارقي لها أهمية خاصة لأن حوادثها وقعت في منطقة هو مؤرخها، يقول الفارقي:« و في الخميس العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسمائة نزل الأمير سكمان صاحب أخلاط الى ميافارقين و حاصرها، و كان تشرين الأول من السنة، و حاصرها و ضايقها و كانت شتوة صعبة، و بقي يحاصرها سبعة أشهر، ثم سلمها إليه أتابك خمر تاش بعد ذلك في شوال سنة اثنتين و خمسمائة، و دخل ميافارقين .. و أقام بميافارقين، و أزال عنهم الكلف و المؤن و الأعشار و الأقساط و أسقط دار الضرب، و ما كان جدده المحتسب و أتابك و اتخذوه من الرسوم، و حط عن الناس أشياء كثيرة، و أطلق الحشر للسور، و أجرى الناس على أملاكهم، و خفف عنهم من الخراج، و أزال عنهم جميع أسباب الظلم، و نزل في القصر واليا مملوكه غزغلي و سلم البلد الى خواجا أثير الدولة أبو الفتوح، و بقي الناس معه على كل خير ... و في سنة أربع و خمسمائة نزل الأمير سكمان الى ميافارقين، و قصد الرها و معه عساكر عظيمة فمات هناك، و وصل تابوته الى ميافارقين، و حمل الى أخلاط و دفن بها ... و في سنة ست و خمسمائة وصلت خاتون زوجة الأمير سكمان، و ولده الأمير إبراهيم الى ميافارقين، و عزل غزغلي عن الولاية، و ولي السديد أبو سعد الحويلي الوزارة، و ولى ميافارقين أخوه أبو منصور المعين، و استقر متوليا، ... و في سنة سبع و خمسمائة قتل الأمير ابراهيم بن سكمان الوزير السديد في ولاية منازجرد، و أظهر أخوه المعين العصيان بميافارقين و بقي مدة متحكما في البلد ... و في آخر سنة ثمان و خمسمائة وصل قراجا الساقي مملوك السلطان محمد الى باب ميافارقين، و نزل على الروابي، و بقي مدة، و المعين متولي البلد و هو لا يظهر إلا أنه عابر و هو ينتظر من يلحقه من أصحابه، و لا يراسل المعين و لا يكلمه، و أخرج له المعين الإقامة و الضيافة، و كان كل يوم يركب الى الصيد، و يعبر على باب البلد، فعبر ذات يوم كعادته على باب المدينة بباب الحوش، و هجم على الباب، و قطع بسيف كان بيده السلسلة، و دخل فوثب إليه بعض الخراسانية فجذب سيفه، و صاح فيه الأمير فدخل الى داخل البلد، و معه جماعة فوقف داخل الباب، فوثب الى بين يديه رجل حداد، و مشى بين يديه الى باب القصر، و وقعت الصيحة، و غلق باب القصر، و اجتمع الناس، و بقوا ساعة، ففتح المعين باب القصر، و دخل عز الدين قراجا الى ميافارقين في آخر سنة ثمان و خمسمائة و نزل المعين الى دار العجمية، و ملك قراجا البلد، و دخل أصحابه و رحله و ثقله و زوجته، و كانت جارية للسلطان محمد، و كان معها ابنة السلطان تسمى فاطمة خاتون صغيرة، و هي التي تزوجها الخليفة المقتفى في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة و لقد حضرت لما دخلت إليه الى دار الخلافة في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة ببغداد ...
ص: 281
برسق فإنه كان يحمل في المحفة و لا يتمكن من فعل و لا قول، أما أحمد يل
ص: 282
فإن عزمه قوي على العود بسبب بلاد سكمان و طمعه في اقتطاعها من السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى الشام، فرحلوا في آخر صفر و نزلوا معرة النعمان، فأقاموا على ذلك المنهاج الأول، و امتار العسكر من عملها ما كفاهم، و قصروا عن جملة من العلوفات و الأقوات، و ظهر لظهير الدين من سوء نيّة المقدمين فيه ما أوحشه منهم، و نفّر قلبه من المقام بينهم، و ذكر له أن الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء في العمل عليه، و الايقاع به، فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود، و تأكدت المصافاة و المعاهدة بينهما، و حمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا لهم و التحف، و الحصن العربية السبق، و الأعلاق المصرية (96 ظ) و قوبل ذلك منه بالاستكثار له و الاستطراف و الشكر و الاعتراف، و وفى له مودود بما بذله، و ثبت على المودة، و جعل أتابك يحرضهم على قصد طرابلس، و يعدهم حمل ما يحتاجون إليه من المير من دمشق و عملها، و إن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده، فلم يفعلوا و تفرقوا أيدي سبأ، و عاد برسق بن برسق و أحمد يل، و تبعوا عسكر سكمان القطبي، و تخلف منهم الأمير مودود مع أتابك، فرحلا عن المعرة و نزلا على العاصي.
ص: 283
و لما عرف الأفرنج رحيل العساكر، و تفرقهم اجتمعوا، و نزلوا أفامية بأسرهم: بغدوين، و طنكري، و ابن صنجيل، بعد التباين و المنافرة و الخلف، و صاروا يدا واحدة و كلمة متفقة على الاسلام و أهله، و ساروا لقصدهم، فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه و جماعته، و اجتمع مع أتابك و مودود، و حرّضهما على الجهاد، و هون عليهما أمر الأفرنج، فرحلوا و قطعوا العاصي، و نزلوا في قبلي شيزر، و صار سوق العسكر في سوق شيزر، و نزل عسكر مودود حول شيزر، و بالغ ابن منقذ و جماعته في الخدمة و المواصلة بالميرة، و أصعد أتابك و مودود و خواصهما إلى حصن شيزر، و باشر خدمتهما بنفسه و أسرته، و نزل الأفرنج شمالي تل ابن معشر و دبر أمر العسكر أحسن تدبير، و بثت الخيل من جميع جهاتهم تطوف حولهم، و تجول عليهم، و تمنع من الوصول إليهم، و ضيقوا عليهم و حلأوهم عن(1)الماء و ذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه و جوانبه من قبليه، فما يدنو منه من الأفرنج شخص إلا و قد قتل، و طمع الأتراك فيهم و سهل أمرهم عليهم، و كانت خيل المسلمين مثل خيل الأفرنج إلا أن راجلهم أكثر، و زحف الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه، فهجمت الأتراك عليهم من غربيهم و نهبوا جانبا من عسكرهم، و ملكوا عدة من خيامهم و أثقالهم، و جالوا حولهم، فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به، و رجعوا منه، و ذلك في شهر ربيع الأول، و اشتد خوف الأفرنج من الأتراك، و أقاموا ثلاثة أيام لا يظهر أحد منهم، و لا يصل إليهم شخص، و عاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر، فرحل الأفرنج إلى أفامية و لم ينزلوا فيها، بل تعدوها، و تبعهم المسلمون عند معرفة (97 و) رحيلهم، و تخطفوا أطرافهم، و من ظفروا به سائرا على آثارهم، و عادوا إلى شيزر، و رحلوا إلى حماة، و استبشر الناس بعود الأفرنج على هذه الحال.
1) أي صدوهم و نفوهم. النهاية في غريب الحديث و الأثر لابن الأثير.
ص: 284
و (فيها) استحكمت المودة بين ظهير الدين أتابك، و بين الأمير مودود.
و في هذه السنة جمع بغدوين الملك من أمكنه جمعه من الأفرنج، و قصد ثغر صور، فبادر عز الملك و اليه و أهل البلد بمراسلة ظهير الدين أتابك بدمشق يستصرخون به و يستنجدونه، و يبذلون تسليم البلد إليه، و يسألونه المبادرة و التعجيل بإنفاذ عدة وافرة من الأتراك تصل اليهم سرعة لمعونتهم و تقويتهم، و إن تأخرت المعونة عنهم قادتهم الضرورة الى تسليمه إلى الأفرنج، ليأسهم من نصرة الأفضل صاحب أمر مصر، فبادر أتابك بانفاذ جماعة وافرة من الأتراك بالعدد الكاملة تزيد على المائتين فرسانا رماة أبطالا، فوصلت إليهم، و أتت أهل صور رجالة كثيرة من صور و جبل عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة من دمشق، وصلوا إليهم، و حصلوا عندهم، و شرع أتابك في إنفاذه عدة أخرى، فحين عرف بغدوين ما تقرر بين أتابك و أهل صور، بادر النزول عليها فيمن جمعه و حشده في اليوم الخامس و عشرين من جمادى الأولى سنة خمس و خمسمائة، و تقدم بقطع الشجر و النخل، و بنى بيوت الإقامة عليها، و زحف إليها، فقاتلها عدة دفعات، و يعود خاسرا لم ينل منها غرضا، و قيل إن أهل صور رشقوا في بعض أيام مقاتلتها في يوم واحد بعشرين ألف سهم.
و خرج ظهير الدين من دمشق حين عرف نزولهم على صور، و خيم ببانياس و بث سراياه و رجالة الحرامية في أعمال الافرنج، و أطلق لهم النهب و القتل و السلب و الإخراب و الحرق طلبا لإزعاجهم و ترحيلهم عنها، فتدخل العدة الثانية إلى صور، فلم يتمكن من الدخول، و نهض ظهير الدين الى الحبيس(1)الذي
1) كذا في الأصل، و في مرآة الزمان- أخبار سنة 505 ه- « الجيش، و في الكامل لابن الأثير: 8/ 284، في أخبار سنة/ 512 ه/ أخذ الفرنج حصنا من أعمال طغتكين« يعرف بالحبس، و يعرف بحصن جلدك، سلمه اليهم المستحفظ به، و قصدوا أذرعات» و هذا يفيد وجود هذا الحصن قرب درعا، و مفيد هنا الاشارة الى القسم القديم من درعا، و هو أشبه بالقلعة يدعوه السكان هناك« الكرك» أي الحصن ..
ص: 285
في السواد و هو حصن منيع لا يرام، فشد القتال عليه، و ملكه بالسيف قهرا، و قتل من كان فيه قسرا، و شرع الافرنج في عمل برجي خشب للزحف بهما الى سور صور، و زحف ظهير الدين إليهم عدة دفعات ليشغلهم بحيث يخرج (97 ظ) عسكر صور فيحرق البرجين، و عرف الأفرنج قصده في ذلك، و خندقوا عليهم من جميع الجهات، و رتبوا على الخندق الرجال بالسلاح لحفظه، و حفظ الأبراج، و لم يحفلوا بما يفعل و ما يجري على أعمالهم من الغارات عليها، و الفتك بمن فيها، و هجم الشتاء فلم يضر بالأفرنج لأنهم كانوا نزولا في أرض رملة صلبة، و الأتراك بالضد من ذلك قد كابدوا من مقامهم شدة عظيمة، و مشقة مؤلمة، إلا أنهم لا يخلون من غارة و فائدة، و قطع ميرة عن الأفرنج و مادة، و أخذ ما يحمل إليهم.
و قطع الأتراك الجسر الذي كان يعبر عليه إلى صيدا لتقطع المادة أيضا عنهم فعدلوا عند ذلك إلى استدعاء الميرة في البحر من جميع الجهات، ففطن ظهير الدين لذلك، و نهض في فريق من العسكر إلى ناحية صيدا، و غار على ظاهرها، فقتل جماعة من البحرية، و أحرق تقدير عشرين مركبا على الشط، و هو مع ذلك لا يهمل إصدار الكتب الى أهل صور بتقوية قلوبهم، و تحريضهم على استعمال المصابرة للأفرنج، و الجد في قتالهم.
و تم عمل البرجين و كباشهما التي تكون فيهما في تقدير خمسة و سبعين يوما، و شرع في تقديمهما، و الزحف بهما في عاشر شعبان، و قربا من سور البلد، و اشتد القتال عليهما، و كان طول البرج الصغير منهما نيفا و أربعين ذراعا، و الكبير يزيد على الخمسين ذراعا.
و لما كان أول شهر رمضان خرج أهل صور من الأبراج بالنفط و الحطب و القطران و آلة الحرق، فلم يتمكنوا من الوصول إلى شيء منهما، فألقوا النار قريبا من البرج الصغير بحيث لم يتمكن الافرنج من دفعها فهبت ريح، و ألقت النار على البرج الصغير، فاحترق بعد المحاربة الشديدة عليه، و المكافحة
ص: 286
العظيمة عنه و نهب منه زرديات كثيرة و طوارق و غير ذلك، و اتصلت النار بالبرج الكبير، و اتصل الخبر بالمسلمين بأن الافرنج قد هجموا خربة البلد، للاشتغال بحريق البرج، فانثنوا عن المقاتلة على الأبراج، و شد الأفرنج عليهم و كشفوهم عن البرج، و أطفأوا ما علق به من النار، و رتبوا عدة وافرة من أبطالهم لحفظ البرج و المنجنيقات من جميع الجهات (98 و)، و واظبوا الزحف إليها إلى آخر شهر رمضان، و قربوا البرج الى بعض أبراج البلد، و طمّوا الثلاثة الخنادق التي أمامه، و عمد أهل البلد الى تعليق حائط البرج الذي بإزاء برج الأفرنج، و أطلقوا النار فيه، فاحترق التعليق، و سقط وجه الحائط في وجه البرج فمنع من تقديمه الى السور و الزحف به، و صار الموضع الذي قصدوه قصيرا و أبراج البلد تحكم عليه، و بطل تقديمه من ذلك الوجه، و كشف الأفرنج الردم و جروه إلى برج آخر من أبراج البلد، و دفعوه إليه، و قربوه من سور البلد، و صدموا بالكباش التي فيه السور، فزعزعوه و وقع منه شيء من الحجارة، و أشرف أهل البلد على الهلاك، فعمد رجل من مقدمي البحرية عارف بالصندقة(1)من أهل طرابلس له فهم و معرفة بأحوال الحرب إلى عمل كلاليب حديد لمسك الكبش، إذا نطح به السور من رأسه و من جانبه بحبال يجذبها الرجال حتى يكاد البرج الخشب يميل من شدة جذبهم بها، فتارة تكسره الأفرنج خوفا على البرج، و تارة يميل أو يفسد، و تارة ينكسر بصخرتين تلقيان عليه من البلد مشدودة إحداهما الى الأخرى، فعملوا عدة
1) في مرآة الزمان- أخبار سنة 505 ه- :« فتحيل واحد من المسلمين له خبرة بالحرب، فعمل كباشا في أخشاب، تدفع البرج الذي يلصقونه بالسور، ثم تحيل في حريق البرج الكبير فاحترق، و خرج المسلمون فأخذوا منه آلات و أسلحة فحينئذ يأس الفرنج، فرحلوا و أحرقوا جميع ما كان لهم من المراكب على الساحل و الأخشاب و العمائر و العلوفات و غيرها، و جاءهم طغتكين فما سلموا إليه البلد فقال: أنا ما فعلت ما فعلت إلا للّه تعالى لا لرغبة في حصن و لا مال، و متى دهمكم عدو جئتكم بنفسي و رجالي، و رحل عنهم».
ص: 287
من الكباش، و هي تكسر على هذه الصفة واحدا بعد واحد، و كان طول كل واحد منها ستين ذراعا معلقا في البرج الخشب بحبال في رأس كل واحد من الكباش حديد يزيد وزنه على عشرين رطلا، فلما طال تجديد الكباش، و قربوا البرج من السور، عمد هذا الرجل البحري المقدم ذكره إلى خشبة طويلة جافية قوية أقامها في برج البلد الذي بإزاء برج الأفرنج، و في رأسها خشبة على شكل الصليب طولها أربعون ذراعا تدور على بكر بلولب كيف ما أراد متوليها، على مثال ما يكون في الصواري البحرية، و في طرف الخشبة التي تدور سهم حديد، و في طرفها الآخر حبال مدارة بها على ما يريد متوليها، و كان يرفع فيها جرار القذر و النجاسة، ليشغلهم بطرح ذلك عليهم في البرج عن الكباش، و ضاق الأمر بالناس، و شغلهم ذلك عن أمورهم و أشغالهم، و عمد البحري المذكور إلى سلال العنب و القفاف، فيجعل فيها الزيت و القير (98 ظ) و السراقة(1)و القلفونية و قشر القصب، و يطلق فيها النار، فإذا علقت بذلك وقع ذلك في الآلة المذكورة حتى يوازي برج الأفرنج، فتقع النار في أعلى البرج، فيبادروا بإطفائها بالخل و الماء، فيبادر برفع أخرى، و مع هذا يرمي أيضا بالزيت المغلي في قدور صغار على البرج، فيعظم الوقيد، فلما كثرت النار، و حمل بعضها بعضا، و قويت قهرت الرجلين المتولين لرأس البرج، و قتل أحدهما و انهزم الآخر، و نزل منه فتمكنت النار من رأسه، و نزلت إلى الطبقة الثانية من رأسه، ثم إلى الوسطى، و عملت في الخشب، و قهرت من كان حوله في الطبقات، و عجزوا عن إطفائها، و هرب كل من فيه و حوله من الأفرنج، و خرج أهل صور إليه، فنهبوا ما فيه، و غنموا من السلاح و الآلات و العدد ما لا يحده وصف.
فعند ذلك وقع يأس الافرنج منه، و شرعوا في الرحيل عنه، و أحرقوا البيوت التي كانت قد عمروها في المنزل لسكناهم، و أحرقوا كثيرا من المراكب
1) لعل المراد« نشارة الخشب».
ص: 288
التي كانت لهم على الساحل، لأنهم كانوا أخذوا صواريها و أرجلها و آلاتها للأبراج، و كانت عدتها تقدير مائتي مركب كبارا و صغارا، منها تقدير ثلاثين مركبا حربية، و حملوا في بعضها ما خف من أثقالهم، و رحلوا في العاشر من شوال من السنة، و كانت مدة إقامتهم على محاصرة صور أربعة أشهر و نصف شهر، و قصدوا عكا و تفرقوا إلى أعمالهم.
و خرج أهل صور و غنموا ما ظفروا به منهم، و عادت الأتراك المندوبون لإسعادهم إلى دمشق، و قد فقد منهم في الحرب نحو عشرين رجلا، و كان لهم فيها الجراية و الواجب في كل شهر، و لم يتم على برج من أبراج الأفرنج في القديم و الحديث مثل ما تم على هذا البرج من إحراقه من رأسه إلى أسفله، و الذي أعان على هذا هو تساوي البرجين في الارتفاع، و لو طال أحدهما على الآخر لهلك أقصرهما، و كان عدد المفقودين من أهل صور أربعمائة نفس، و من الأفرنج في الحرب أيضا على ما حكى الحاكي العارف تقدير ألفي نفس و لم يف أهل صور بما كانوا بذلوه لظهير الدين أتابك من تسليم البلد إليه، و لم يظهر لهم في ذلك قولا، و قال: إنما فعلت ما فعلت للّه تعالى و للمسلمين، لا لرغبة (99 و) في مال و لا مملكة، فكثر الدعاء له، و الشكر بحسن فعله، و وعدهم أنه متى دهمهم خطب مثل هذا سارع إليه، و بالغ في المعونة عليه، و عاد إلى دمشق بعد مكابدة المشقة في مقابلة الأفرنج، إلى أن فرج اللّه عن أهل صور، و شرع أهل صور في ترميم ما شعثه الأفرنج من سورها، و أعادوا الخنادق إلى حالها، و رسمها بعد طمها، و حصنوا البلد، و تفرق من كان فيه من الرجالة.
و في الثاني من شعبان ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل(1)صاحب
1) كذا في الأصل: بدران، و هو تصحيف صوابه برتران. انظر تاريخ طرابلس 146- 149، و يلاحظ أن تعريب ابن القلانسي لأسماء قادة الصليبيين متفق على العموم مع القاعدة التي اعتمدها المؤرخون العرب.
ص: 289
طرابلس بعلة لحقته، و أقام ابنه في الأمر من بعده، و هو طفل صغير كفله أصحابه، و دبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية، و جعلوه من خيله(1)و أقطعه انطرطوس و صافيتا، و مرقية(2)
29 أنها كانت بين بانياس و طرطوس.
و حصن الأكراد.و في هذه السنة حدث بمصر الوباء المفرط، بحيث هلك به خلق كثير، يقال تقدير ستين ألف نفس.
و فيها ورد الخبر من ناحية العراق بوصول السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملكشاه(3)إلى بغداد في جمادى الأولى منها، و أقام بها مدة ثقل فيها على أهلها، و ارتفع معها السعر إلى أن رحل عنها، فصلحت الحال، و رخص السعر.
و فيها وردت الأخبار بوصول الامير شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره، و نزوله على الرها و رعيه لزرعها في ذي القعدة منها و أقام عليها الى المحرم سنة ست و خمسمائة و رحل عنها الى سروج و رعى زرعها، و هو في غفلة غير متحفظ من عدو يطرق و مسلم يرهق، و لم يشعر إلا و جوسلين صاحب تل باشر في خيله من الأفرنج، و دواب العسكر منتشرة في المرعى، هجم عليها من ناحية سروج، على حين غفلة من مودود و أصحابه، فقتلوا منهم جماعة، و استاقوا أكثر كراعهم، و قتل بعض المقدمين، و استيقظ من كان من المسلمين غافلا، و تأهبوا للقائه، فعاد الى حصن سروج.
ص: 290
و في هذه السنة انتقل تاج الملوك بوري بن أتابك إلى دار الملك شمس الملوك دقاق في قلعة دمشق في المحرم منها.
و فيها ورد الخبر بوفاة قراجه الوالي بحمص بعلة طالت به، و كان فيها هلاكه، و قد كان مؤثرا للظلم، مشاركا للحرامية و قطاع الطريق، و أقيم في مكانه (99 ظ) ولده خيرخان بن قراجه، تابعا في الظلم لأفعاله، ناسجا في العدوان و الجور على منواله.
فيها اشتد خوف أهل صور من عود الأفرنج إلى منازلتهم، فأجمعوا أمرهم مع عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها، على تسليمها إلى ظهير الدين أتابك، بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة، و معاضدته إياهم في تلك الشدة، و ندبوا رسولا و ثقوا به و سكنوا إليه في الحديث مع ظهير الدين أتابك في هذا الباب، و وصل إلى بانياس و واليها الأمير سيف الدولة مسعود، فتحدث معه، و سار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال بمحضر منه، فصادف ظهير الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة، لتقرير الحال فيما بينه و بين فخر الملوك رضوان، صاحب حلب، فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر الأمر إلى حين عود ظهير الدين من حماة، فيبادر بغدوين بالنزول على صور، و يفوت الغرض المطلوب فيها، فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق، المصير معه إلى بانياس، و انتهاز الفرصة في تسليم صور إليه، فأجاب الى ذلك، و توجه معه إلى بانياس، و تم مسعود الى صور، و معه من يعتمد عليه من العسكر، و لم ينتظر وصول أتابك، و وصل إليها و حصل بها، و انتهت الحال في ذلك الى أتابك، فأنهض فرقة وافرة من الأتراك الى صور تقوية لها، فوصلت إليها و حصلت بها، و استقر أمر الأتراك فيها، و حمل اليهم من دمشق ما أنفق فيهم، و طيب نفوس أهل البلد و أجروا
ص: 291
على الرسم في اقامة الدعوة و السكة على ما كانت عليه لصاحب مصر، و لم يغير لهم رسم.
و كتب ظهير الدين أتابك الى الأفضل بمصر يعلمه: «إن بغدوين قد جمع و حشد للنزول على صور، و ان أهلها استنجدوا بي عليه، و التمسوا مني دفعه عنهم، فبادرت بإنهاض من أثق بشهامته لحمايتها، و المراماة دونها إليه، و حصلوا فيها، و متى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها، و يذب عنها، و يحميها بادرت بتسليمها إليه، و خروج نوابي منها، و أنا أرجوا أن لا يهمل أمرها، و إنفاذ الاصطول بالغلة إليها، و التقوية لها».
و حين عرف بغدوين هذا الخبر رحل في (100 و) الحال من بيت المقدس إلى عكا، فوجد الأمر قد فات، و حصل بها الأتراك، فأقام بعكا و وصل إليه من العرب الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه «ان القافلة الدمشقية قد رحلت من بصرى إلى ديار مصر، و فيها المال العظيم، و أنا دليلك إليها، و تطلق لي من أسر من أهلي»، فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة، و اتفق أن بعض بني هوبر تخطف بعضها، و خلصت منهم، و وصلت إلى حلة بني ربيعة، فمسكوها أياما و أطلقوها بعد ذلك، و خرجت من نقب عازب(1)و بينه و بين بيت المقدس مسافة يومين للفارس، فلما حصلت بالوادي أشرفت الأفرنج عليها، فهرب من كان بها، فالذي صعد منها الجبل سلم، و أخذ ماله، و أخذت العرب أكثر الناس، فاشتمل الأفرنج على ما فيها من الأمتعة و البضائع، و تتبعت العرب من أفلت منهم فأخذوه، و حصل لبغدوين منها ما يزيد على خمسين ألف دينار و ثلاثمائة أسير، و عاد إلى عكا، و لم يبق بلد من البلاد إلا و قد أصيب بعض تجاره في هذه القافلة.
1) في الأصل« غارب» و هو تصحيف قوم من معجم البلدان، و المقصود هنا صحراء النقب.
ص: 292
و فيها توفي القاضي أبو عبد اللّه محمد بن موسى البلاساغوني التركي، في يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة بدمشق، رحمه اللّه، و هو معزول عن قضائها، و لازم منزله(1).
و في هذه السنة وصل ابن الملك تكش بن السلطان ألب أرسلان أخي السلطان العادل ملك شاه، إلى حمص هاربا من ابن عمه السلطان غياث الدنيا و الدين محمد، و لم يمكنه المقام بحمص و لا حماة فتوجه إلى حلب، و كان فخر الملوك رضوان صاحب حلب في الدركاه السلطانية، فأشفق من المقام بحلب، فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية فاستجاره فأجاره، و أكرمه و أحسن إليه، و اجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع طنكري، فأقام عنده، و خرج طنكري من أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية كريسيل(2)، مقدم الأرمن و كان قد هلك طمعا في تملك بلاده، فعرض له مرض في طريقه أوجب عوده إلى أنطاكية، فاشتد به المرض، فهلك في يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة، و قام في الأمر بعده ابن أخيه سير رجال(3)فتسلم أنطاكية و أعمالها، و استقام له (100 ظ) الأمر فيها، بعد أن جرى بين الافرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم القسوس، و طلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة،
1) من كبار علماء الفقه الحنفي، ولي القضاء في دمشق، كان متعصبا لمذهبه مما أثار الشافعية ضده. مرآة الزمان- أخبار سنة 506 ه- .
2) كذا في الأصل، و قد لحق الاسم تصحيف، فهو« طوروس الأول» 1100- 1123) بارون دولة أرمنية الصغرى التي قامت مع نجاح الحملة الصليبية الأولى، و تمركزت في المنطقة الواقعة فيما بين طرطوس و عين زربة. انظر القلاع أيام الحروب الصليبية ط. دمشق 982: 31- 34. صفحات من تاريخ الأمة الأرمنية لعثمان الترك، ط حلب 1960: 134- 135.
3) يرسمه ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 163« روجار» و هو أصح من رسم ابن القلانسي لأن أصل الاسمROGER .
ص: 293
فأجابه إلى ذلك، و مبلغها عشرون ألف دينار، و الخيل، و طلب مقاطعة شيزر، فأجاب صاحبها إليها، و هي عشرة آلاف دينار، و تواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال دمشق، و انقطعت الطريق، و قلت الأقوات بها و غلا السعر فيها، و تتابعت كتب ظهير الدين أتابك إلى الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال في هذه الأعمال، و بعثه على الوصول اليه للاعتضاد على دفع المردة الأضداد، و الفوز بفضيلة الجهاد، و كان مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا و الدين، بشناعات من المحال لفقها الحسدة الأعداء، أوجبت استيحاشه منه و بعده عنه، قيل في جملتها أنه عازم على الخلاف و العصيان، و أن يده و يد أتابك قد صارت يدا واحدة، و آراؤهما متوافقة، و أهواؤهما متوافقة، فلما عرف ذلك سير ولده و زوجته إلى باب السلطان بأصفهان للتنصل و الاعتذار، و إبطال ما رقي إليه من المحال، و التبرىء مما افتري عليه و عزي إليه، و الاستعطاف له، و الإعلام بأنه جار على ما ألف منه على إخلاص الطاعة و العبودية و المناصحة في الخدمة، و الاهتمام بالجهاد.
ثم جمع عسكره من الأتراك و الأكراد و من أمكنه، و توجه إلى الشام، و قطع الفرات في ذي القعدة من السنة، فحين اتصل خبره ببغدوين الملك قلق لذلك، و انزعج لخبره، و كان جوسلين صاحب تل باشر قد اختلف هو و خاله بغدوين الرويس، صاحب الرها، و صار مع بغدوين صاحب بيت المقدس، و أقطعه طبرية، و اتفقا على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك يبذل المصافاة و المودة، و يرغبه في الموادعة و المسالمة، و يسلم إليه حصن تبنين المجاور لحصن هونين(1)و جبل عاملة، و يتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في
1) فراغ بالأصل، و جميع الذين تعرضوا لهذا الموضوع لم يأت واحد منهم على ذكر هذه التفاصيل حتى وليم الصوري: 1/ 497- 500، اكتفى بذكر أسباب الخلاف بين بلدوين صاحب الرها و جوسلين صاحب تل باشر، فبين أنها أسباب مالية، و وصف القاء القبض على جوسلين و طرده الى مملكة القدس، و كذا فعل ابن الأثير في الكامل: 8/ 265- 266. الباهر: 17- 19، و رسم الناسخ في هذه الصفحة اسم الحصن الأول مرة« ثمانين» و مرة ثانية« تمنين» و حيث أن المنطقة هي جبل عاملة وجدت في كل من الأعلاق الخطيرة- قسم الأردن: 152. و صبح الأعشى: 4/ 151- 152: هونين و تبنين« حصنان» بنيا بعد الخمسمائة بين صور و بانياس بجبل عاملة» و هنا رجحت أن يكون اسم« ثمانين، تمنين» مصحف صوابه تبنين، و بناء على هذا قدرت أن الاسم الساقط هو: هونين.
ص: 294
السواد، و نصف السواد، و يضمن عن بغدوين الوفاء بذلك، و الثبات على المودة، و المصافاة و ترك التعرض لشيء من أعمال دمشق، و لا يعرض هو لشيء من أعمال الافرنج، فلم يجب إلى ذلك، و نهض من دمشق في العسكر للقاء الأمير مودود، و الاجتماع به، على الجهاد، فاجتمعا بمرج سلمية، و اتفق رأيهما على قصد بغدوين (101 و) و سارا و قد استصحب أتابك جميع العسكر، و من كان بحمص و حماة و رفنية، و نزلا يوم عيد النحر بقدس(1)و رحلا منها الى عين(2)الجر بالبقاع ثم منها الى وادي التيم، ثم نزلا بانياس، و نهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية تبنين(3)فلم يظفر منها بمراد و عادت.
و وصل إليها بغدوين، و قد كان لما يئس من إجابة أتابك إلى الموادعة، واصل الغارات و الفساد في الشام الى أن وصل عسكر المسلمين الى عمله، و بالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود و إعظامه و إكرامه، و ما حمله إليه و إلى مقدمي عسكره، و خواصه من أنواع الملبوس، و المأكول، و المركوب، ثم نهضوا معلمين على النزول على الإقحوانة، و وصل إلى بغدوين سير رجال صاحب أنطاكية، و صاحب طرابلس، و أجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر
ص: 295
الصّنّبرة(1)
معجم البلدان.
، ثم يقطعون الى الإقحوانة للقاء المسلمين، و قد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر، و المسلمون لا يعلمون بذلك، و أنهم عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل، فسبق الأتراك إلى نزولهم في الاقحوانة، و قطع بعض عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات و الزرع، فصادفوا الافرنج قد ضربوا خيامهم، و قد تقدم بغدوين للسبق إلى هذا المنزل، و نزل صاحب أنطاكية و صاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه.و نشبت الحرب بين المتعلفة و بين الأفرنج، و صاح الصائح، و نفر الناس، و قطعوا الجسر، و هم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية، فوقف أتابك على الجسر، و تسرع خلق كثير من العسكر إلى قطع الجسر، و قطع الأمير تميراك بن أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر، و نشبت الحرب بين الفريقين من غير تأهب للقاء، و لا ضرب خيام و لا استقرار في منزل، و لا مجال، و اختلط الفريقان، فمنح اللّه الكريم، و له الحمد، المسلمين النصر على المشركين بعد ثلاث كرّات، فقتل فيها من الأفرنج تقدير ألفي رجل من الأعيان، و وجوه الأبطال و الشجعان، و ملكوا ما كان نصب من خيامهم، و الكنيسة المشهورة(2)، و أفلت بغدوين بعد ما قبض، و أخذ سلاحه، و ملكت دواب الرجالة، و ما كان لهم، و غرق منهم خلق كثير في البحيرة(3)، و اختلط الدم و الماء، و امتنع الناس من الشرب منها أياما حتى صفت منه، و راقت، و التجأ من نجا من الأفرنج (101 ظ) إلى طبرية، و أكثرهم جرحى، و ذلك في يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة سبع و خمسمائة، و بعد انفصال الأمر
ص: 296
وصل باقي الأفرنج أصحاب طنكري و ابن صنجيل، فلاموه على التسرع و فندوا رأيه، و نصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية، و في غد يوم الوقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية، و أشرفوا على الأفرنج بناحية طبرية و عزموا على النزول إليهم و الإيقاع بهم، فخافهم الافرنج و أيقنوا بالهلاك و أقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم، و انكفأوا إلى معسكرهم، و طلع الافرنج إلى الجبل و تحصنوا به لصعوبة مرتقاه، و هو من غربي طبرية، و الماء ممتنع على من يكون فيه، فعزم المسلمون على الصعود إليه و مواقعتهم، و استدعى أتابك العرب الطائيين و الكلابيين(1)و الخفاجيين، فوصلوا في خلق كثير بالزادات و الروايا و الابل لحمل الماء، و صعدت الطلائع إلى الجبل من شماله، و عرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس و الراجل، و علم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله و أماراته، و العدو قد ذل و انخزل(2)و فل و انخذل، و سرايا الاسلام قد بلغت في النهيض إلى أرض بيت المقدس و يافا و أخربت أعمالهم و دوختها، و استاقت عواملها و مواشيها، و غنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود، و دامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر.
و عقيب هذه النوبة، وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة، خلاف ما كان قرره، و بذله فأنكر ظهير الدين أتابك و شرف الدين مودود ذلك منه، و أبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه، و إقامة الخطبة له، و ذلك في أول شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسمائة، و سيرا رسولا الى السلطان غياث الدنيا و الدين الى مدينة أصفهان، بالبشارة بهذا الفتح، و معه جماعة من أسارى الأفرنج، و رؤوسهم و خيولهم و طوارقهم، و مضاربهم، و أنواع سلاحهم.
ص: 297
ثم إن العسكر رحل من المنزل الى وادي المقتول(1)و نزل الافرنج عند ذلك عن الجبل إلى منزلهم، و التجأوا الى جبل في المنزل، و تواصلت إليهم ميرهم و أزوادهم و امدادهم من أعمالهم، فعاد إليهم عسكر الأتراك من منزلهم جرائد في بضع عشرة كردوسا، و لزموا أياما يرومون أن يخرجوا إليهم، فلم يظهروا للحرب، و لازم بعضم (102 و) بعضا الفارس و الراجل في مكان واحد، لا يظهر منهم شخص، و جعل الأتراك يحملون عليهم فيصيبون منهم بالنشاب ما يقرب منهم، و يمنعون الميرة و العلوفة عنهم، و قد أحدقوا بهم كالنطاق أو هالة بدر الآفاق، فاشتد الأمر بهم فرحلوا عن منزلهم في ثلاثة أيام تقدير فرسخ عائدين، فلما كان الليل قصدوا الجبل الذي كانوا أولا عليه ملتجئين إليه و محتمين به، و واظب المسلمون قصدهم و التلهف على ما يفوت منهم، و من غنائمهم بالاستمرار على الاحجام عن ظهورهم، على أن مقدمي العسكر يمنعونهم من التسرع إليهم و الإقدام في منزلهم عليهم، و يعدونهم بفرصة تنتهز فيهم، فطال أمد المقام، و ضاقت صدور أصحاب مودود لبعد ديارهم، و تأخر عودهم، و تعذر أوطارهم، فتفرق أكثرهم و عادوا إلى بلادهم، فاستأذن آخرون في العود فأذن لهم، و عزم مودود على المقام بالشام، و القرب من العدو ينتظر ما يصله من الأمر السلطاني، و الجواب عما أنهاه و طالع به، فيعمل بحسبه، و لم يبق في بلاد الأفرنج مسلم، إلا و أنفذ يلتمس الأمان من أتابك، و تقرير حاله، و وصل إليه بعض ارتفاع نابلس، و نهبت بيسان، و لم يبق بين عكا و القدس ضيعة عامرة، و الأفرنج على حالهم في التضييق عليهم، و الحصر على الجبل.
و اقتضى الرأي عود أتابك و مودود، فعادا إلى دمشق في الحادي و العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسمائة، و نزل مودود في حجرة
1) لم أجده في المصادر.
ص: 298
الميدان الأخضر، و بالغ أتابك في إكرامه و احترامه و إعظامه، بما يجد إليه السبيل، و تأكدت المودة بينهما و المصافاة، و تولى خدمته بنفسه و خاصته، و واصلا صلاة الجمعة جميعا في مسجد الجامع بدمشق، و التبرك بنظر المصحف الكريم الذي كان حمله عثمان بن عفان رضي اللّه عنه من المدينة إلى طبرية، و حمله أتابك من طبرية الى جامع دمشق(1).
قد ذكرنا ما ذكرناه من الحوادث في سنة ست و خمسمائة و سياقة الأمر إلى أوائل سنة سبع و خمسمائة رغبة في صلة الحديث، و رغبة عن قطعه، و لما كان يوم الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر سنة سبع و خمسمائة دخل (102 ظ) الأمير مودود من مخيمه بمرج باب الحديد إلى الجامع، على رسمه، و معه أتابك، فلما قضيت الصلاة، و تنفل بعدها مودود، و عادا جميعا و أتابك أمامه على سبيل الإكرام له، و حولهما من الديلم و الأتراك و الخراسانية و الأحداث و السلاحية بأنواع السلاح من الصوارم المرهفة و الصمصامات الماضية، و النواجح المختلفة و الخناجر المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة، و الغيضة الآشبة، و الناس حولهما لمشاهدة زيهما و كبر شأنهما، فلما حصلا في صحن الجامع، و ثب رجل من بين الناس لا يؤبه له، و لا يحفل به فقرب من الأمير مودود، كأنه يدعو له، و يتصدق منه فقبض ببند قبائه بسرعة و ضربه بخنجره أسفل سرته ضربتين إحداهما نفذت إلى خاصرته، و الأخرى الى فخذه، هذا و السيوف تأخذه من كل جهة، و ضرب بكل سلاح و قطع رأسه ليعرف شخصه، فما عرف، و أضرمت له نار فألقي فيها، و عدا أتابك خطوات وقت الكائنة، و أحاط به أصحابه، و مودود متماسك يمشي إلى أن قرب من الباب
1) في تاريخ الاسلام للذهبي أن هذا كان سنة/ 492/ خوفا على المصحف من الوقوع بيد الفرنج.
ص: 299
الشمالي من الجامع، و وقع فحمل إلى الدار الأتابكية، و أتابك معه ماش، و اضطرب الناس اضطرابا شديدا، و ماجوا و اختلفوا ثم سكنوا بمشاهدتهم له يمشي، و ظنوا به السلامة، و أحضر الجرائحي فخاط البعض، و توفي رحمه اللّه بعد ساعات يسيرة في اليوم المذكور، فقلق أتابك لوفاته على هذه القضية، و تزايد حزنه و أسفه و انزعاجه(1)، و كذلك سائر الأجناد و الرعية، و تألموا لمصابه، و زاد التأسف و التلهف عليه، و كفن و دفن وقت صلاة العصر من اليوم في مشهد داخل باب الفراديس من دمشق، و كل عين تشاهده باكية، و المدامع على الوجنات جارية، و شرع أصحابه في التأهب للعود إلى أماكنهم من الموصل و غيرها من البلاد، و تقدم أتابك باطلاق ما يستدعونه لسفرهم، و استصحبوا معهم أثقاله و جواريه(2)و ماله.
و قد كانت سيرته في ولايته جائرة، و طريقته في رعية الموصل غير حميدة، و هرب خلق كثير من ولايته لجوره، فلما بلغه تغيّر نيّة السلطان فيه، عاد عن تلك الطريقة و حسنت أفعاله، و ظهر عدله و إنصافه، و استأنف ضد ما عرف منه و سمع (103 و) عنه، و لزم التدين و الصدقات، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المكروه، فشاعت بالجميل أخباره، و بحسن الارتضاء آثاره، ثم توفي سعيدا مقتولا شهيدا، و لم يزل مدفونا في ذلك المشهد مخدوم القبر بالقومه و القراءة إلى آخر شهر رمضان من السنة، و وصل من عند ولده و زوجته من حمل تابوته إليهما(3).
1) انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 119.
2) في الأصل« لجواره» و هو تصحيف قوم من مرآة الزمان- أخبار سنة 507 ه انظر أيضا ص: 1/ 51 من ط. حيدرأباد 1951.
3) الى الموصل- مرآة الزمان: 1/ 51. و زاد هنا صاحب المرآة أن بلدوين ملك القدس كتب الى أتابك طغتكين يقول معلقا على اغتيال مودود« إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على اللّه أن يبيدها».
ص: 300
و في هذه السنة ورد الخبر من بغداد بوفاة الفقيه الإمام أبي بكر محمد ابن أحمد الشاشي، رحمه اللّه ببغداد يوم السبت الخامس و العشرين من شوال منها، و قد انتهت الرئاسة إليه على أصحاب الشافعي، و دفن في تربة شيخه أبي اسحق الشيرازي، رحمه اللّه(1)
4/ 57- 61.
.و قد تقدم من ذكر ما كان من نوبة صور، و انتقال ولايتها الى ظهير أتابك، و استنابته مسعودا في حفظها و حمايتها، و تدبير أمرها و إنفاذ رسوله إلى الأفضل بشرح حالها، و لم يزل الرسول المسير الى مصر مقيما بها الى ذي الحجة من سنة ست و خمسمائة و ظهر للأفضل صورة الجال فيها، و جلية الأمر بها، و أعاد الرسول بالجواب الجميل، و أن: «هذا أمر وقع منا أجمل موقع، و أحسن موضع»، و استصواب رأي ظهير الدين فيما اعتمده و إحماد ما قصده، و تقدم بتجهيز الاسطول اليها بالغلة و الميرة، و مال النفقة في الأجناد و العسكرية، و ما يباع على الرعية من الغلات، و وصل الاسطول بذلك إلى صور- و مقدمه شرف الدولة بدر بن أبي الطيب الدمشقي، الوالي كان بطرابلس عند تملك الأفرنج لها- في آخر صفر سنة سبع و خمسمائة، بكل ما يحتاج إليه، فرخصت الأسعار بها، و حسنت حالها، و استقام أمرها، و زال طمع الأفرنج فيها، و وصل في جملته خلع فاخرة من طرف مصر، برسم ظهير الدين و ولده تاج الملوك بوري و خواصه، و لمسعود الوالي المستناب بها، و أقام الاسطول عليها الى أن استقام الريح له، فأقلع عنها في العشر الأخير من شهر ربيع الأول منها.
و أرسل بغدوين الملك إلى الأمير مسعود واليها يلتمس منه المهادنة و الموادعة و المسالمة، لتحسم أسباب الأذية عن الجانبين، فأجابه إلى ذلك،
1) انظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى. ط. دار المعرفة بيروت:
ص: 301
و انعقد الأمر بينهما على السداد، و استقامت الأحوال على المراد، و أمنت السابلة للمترددين و التجار و السفار الواردين من جميع (103) الأقطار، و توفي رحمه اللّه في عاشر شوال سنة سبع و خمسمائة و قد كان صاحب أنطاكية لما فصل عن الملك بغدوين بعسكره عائدا الى أنطاكية فسخ عنه ولد الملك تكش بن السلطان ألب أرسلان، و قصد صور، و أنفذ الى ظهير الدين أتابك في الوصول الى دمشق، فأجابه بالاعتذار الجميل و الاحتجاج المقبول، و دفعه أحسن دفع، فلما أيسه توجه الى مصر، و لقي من الأفضل ما أحب من الإكرام و المزيد من الإحترام و الإنعام و إطلاق ما يعود إليه بصالح الحال، و تحقيق الآمال.
و في جمادى الآخرة وردت الأخبار من ناحية حلب بمرض عرض للملك فخر الملوك رضوان صاحبها، و أنه أقام به، و اشتد عليه، و توفي رحمه اللّه في الثامن و العشرين من الشهر، فاضطرب أمر حلب لوفاته، و تأسف أصحابه لفقده، و قيل أنه خلف في خزانته من العين و العروض و الآلات و الأواني تقدير ستمائة ألف دينار، و تقرر الأمر بعده لولده ألب أرسلان و عمره ست عشرة سنة، و في كلامه حبسة و تمتمة، و أمه بنت الأمير يغي سغان صاحب أنطاكية، و قبض على جماعة من خواص أبيه، فقتل بعضا، و أخذ مال بعض، و دبّر الأمر معه خادم أبيه لؤلؤ، فأساء كل واحد منهما التدبير، و قبض على أخويه ملك شاه من أمه و أبيه، و مبارك من أبيه و جارية، و قتلهما(1).
و قد كان أبوه الملك رضوان في مبدأ أمره فعل مثل فعله بقتل أخويه من تاج الدولة: أبي طالب و بهرام شاه، و كانا على غاية من حسن الصورة، فلما توفي كان ما فعل بولديه مكافأة عما اعتمده في أخويه.
1) في بغية الطلب لابن العديم ترجمة لكل من رضوان بن تتش و ابنه ألب أرسلان الأخرس، و سبق لي نشرهما في ملاحق كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 294- 297، 387- 396.
ص: 302
و كان أمر الباطنية قد قوي بحلب، و اشتدت شوكتهم بها، و خاف ابن بديع رئيس الأحداث بحلب و أعيان البلد منهم، لكثرتهم و شد بعضهم من بعض، و حماية من يلجأ إليهم منهم لكثرتهم، و كان الحكيم المنجم و أبو طاهر الصائغ أول من أظهر هذا المذهب الخبيث بالشام، في أيام الملك رضوان، و استمالا إليه بالخدع و المحاولات، و مال إليهم خلق كثير من الإسماعيلية بسرمين(1)و الجزر و جبل السّمّاق و بني عليم، فشرع ابن بديع رئيس حلب في الحديث مع الملك ألب أرسلان بن رضوان في أمرهم، و قرر الأمر معه على الايقاع بهم، و النكاية فيهم، فقبض على أبي طاهر (104 و) الصائغ، و على كل من دخل في هذا المذهب، و هم زهاء مائتي نفس، و قتل في الحال أبو طاهر الصائغ، و اسماعيل الداعي، و أخو الحكيم المنجم و الأعيان المشار اليهم منهم، و حبس الباقون و استصفيت أموالهم، و شفع في بعضهم، فمنهم من أطلق، و منهم من رمي من أعلى القلعة، و منهم من قتل، و هرب جماعة أفلتوا إلى الأفرنج، و تفرقوا في البلاد.
ودعت الملك ألب أرسلان الحاجة إلى من يدبر أمره، و يثقف أوده، فوقع اختياره على ظهير الدين أتابك، صاحب دمشق، فراسله في ذلك، و ألقى مقاليده إليه و اعتمد في صلاح أحواله عليه، و سأله الوصول إلى حلب، و النظر في مصالحها، و أوجبت الصورة أن خرج الملك نفسه في خواصه، و قصد أتابك في دمشق ليجتمع معه، و يؤكد الأمر بينه و بينه، فوصل إليه في النصف من شهر رمضان من السنة، فلقيه أتابك بما يجب لمثله من تعظيم مقدمه، و إجلال محله، و أدخله إلى قلعة دمشق، و أجلسه في دست عمه شمس الملوك
1) تتبع سرمين الآن محافظة ادلب، و تبعد عن ادلب مسافة/ 8 كم/ و الجزر كورة من كور حلب معظمها الآن يتبع محافظة ادلب، و جبل السماق و بني عليم هو جبل الأربعين في منطقة أريحا، و قد فصل الحديث عن هذه المناطق ابن العديم في المجلدة الأولى من بغية الطلب و قد حققته، و هو قيد الطباعة ببيروت الآن.
ص: 303
دقاق بن تاج الدولة، و قام هو و الخواص في خدمته، و حمل إليه ما أمكن حمله من تحف و ألطاف تصلح لمثله، و كذلك لجميع من وصل في صحبته، و أقام أياما على هذه الحال، و توجه عائدا الى حلب في أول شوال من السنة و معه ظهير الدين أتابك في أكثر عسكره، و وصل الى حلب، و أقام أياما، و أشار عليه قوم من أصحابه بالقبض على جماعة من أعيان عسكره، و على وزيره أبي الفضل بن الموصول، و كان حميد الطريقة مشهورا بفعل الخير، و تجنب الشر، ففعل ذلك، و استخلص ظهير الدين أتابك من جملتهم الأمير كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره، و خالف ما في نفس أتابك من صائب الرأي، و محمود التدبير، فحين شاهد الأمر على غير السداد و الصواب، و بان له فساد التدبير، و اختلال التقدير، رأى أن الانكفاء الى دمشق أصوب ما قصد، و أحسن ما أعتمد، و في صحبته والدة الملك رضوان لرغبتها في ذلك، و ايثارها له(1).
و لما حصل في دمشق اتصلت المراسلة بينه و بين بغدوين ملك الافرنج في ايقاع المهادنة و الموادعة و المسالمة، لتعمر الأعمال بعد الإخراب، و تأمن (104 ظ) السوابل من شر المفسدين و الخرّاب، فاستقرت هذه الحال بينهما، و استحلف كل منهما صاحبه على الثبات و الوفاء و إخلاص المودة و الصفاء، و أمنت المسالك و الأعمال، و صلحت الأحوال و توفر الاستغلال.
و في هذه السنة ورد الخبر من شيزر بأن جماعة من الباطنية من أهل أفامية و سرمين و معرة النعمان (و معرّة) مصرين في فصح النصارى، وثبوا في حصن شيزر على غفلة من أهله في مائة راجل، فملكوه و أخرجوا جماعة، و أغلقوا باب الحصن، و صعدوا الى القلعة فملكوها و أبراجها، و كان بنو منقذ أصحابها قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى، و كان هذا أمر قد
1) انظر زبدة الحلب: 2/ 167- 171.
ص: 304
رتب في المدة الطويلة، و قد كانوا أحسنوا إلى هؤلاء المقدمين على الفساد كل الإحسان، فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة، و رفع الحرم (الرجال)(1)
1/ 46:« و دلى الحرم بالحبال من القلعة و أصعدوا الرجال و فتحوا الأبواب، و صعد الأمراء ...» و لعل هذه الواقعة ما أشار إليه أسامة بن مرشد بن منقذ في كتابه الاعتبار. ط. برنستون 1930: 123- 125.
بالحبال من الطاقات و صاروا معهم، و أدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن، و صعدوا إليهم، و كبروا عليهم، و قاتلوهم حتى ألجأوهم إلى القلعة، فخذلوا و ذلوا و هجموا إليهم و تكاثروا عليهم، و تحكمت سيوفهم فيهم، فقتلوهم بأسرهم، و قتل كل من كان على رأيهم في البلد من الباطنية، و وقع التحرز من مثل هذه الحال.في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن يايا المعروف بلؤلؤ الخادم، أتابك الملك تاج الدولة ألب أرسلان ولد الملك رضوان صاحب حلب، عمل عليه و واطأ جماعة من أصحابه على الايقاع به و الفتك به عند وجود الفرصة مستهلة فيه، فحين لاحت لهم وثبوا عليه فقتلوه في داره بقلعة حلب، و اضطرب الأمر بعده، و قد كان تدبيره لنفسه و عسكريته و رعيته سيئا فاسدا لا يرجى له صلاح و لا إصلاح فمضى لسبيله غير مأسوف عليه، و لا محزون لفقده(2)
مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية: 296.
.1) أضيف ما بين الحاصرتين لتدارك سقط ألم بالنص، و جاء في مرآة الزمان:
2) في ترجمة ألب أرسلان في بغية الطلب:« و ساءت سيرة ألب أرسلان بحلب، و انهمك في المعاصي، و اغتصاب الحرم، خافه لؤلؤ اليايا، فقتله بقلعة حلب في الثامن من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان و خمسمائة، و نصب أخا له طفلا عمره ست سنين، و بقي لؤلؤ بحلب الى أن قتل في آخر سنة عشر و خمسمائة».
ص: 305
و فيها توفي الشريف نسيب الدولة أبو القاسم علي بن ابراهيم بن العباس ابن الحسن الحسيني، رحمه اللّه، في ليلة الأحد الرابع و العشرين من شهر ربيع الآخر، و دفن بعد صلاة الظهر في التربة الفخرية بدمشق(1)(105 و).
و في هذه السنة حدثت زلزلة بالشام عظيمة، و ارتجت لها الأرض، و أشفق الناس، و سكنت لها النفوس بعد الوجيب و القلق، و قرت القلوب بعد الانزعاج و الفرق.
و في هذه السنة نزل الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق على حمص، و فيها خيرخان بن قراجا، و كان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر، و تمكن منه أقام منه عدة أيام مخمورا، لا يفيق لتدبير، و لا يستأمر في أمر و لا تقرير، و قد عرف خيرخان منه هذه العادة المستبشعة، و الغفلة المستبدعة، فحين عرف أنه على تلك القضية، خرج من قلعة حمص في رجاله، و كبسه في مخيمه، و انتهز الفرصة فيه، و قبض عليه، و حمله إلى حمص، و ذلك في شعبان منها، و ضاق صدر ظهير الدين أتابك لما انتهى الخبر بذلك إليه، و كاتب خيرخان بالإنكار عليه، و الاكبار لما أجرى عليه، و تغيرت نيته فيه، و أقام أياما في اعتقاله إلى أن أطلقه، و خلى سبيله.
و فيها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بهلاك ملكهم بغدوين بعلة هجمت عليه، مع انتقاض جرح كان أصابه في الوقعة الكائنة بينه و بين المصريين، فهلك بها، و قام مقامه من بعده من ارتضى به(2)
انظر حول هذا كله تاريخ وليم الصوري- بالانكليزية: 1/ 514- 522.
الكامل لابن الأثير: 8/ 284.
.ص: 306
و فيها توفي الشيخ أبو الوحش سبيع بن مسلم الضرير، المعروف بابن قيراط المقري المجود بالسبعة رحمه اللّه، في يوم السبت الحادي عشر من شعبان منها، و دفن بباب الصغير، بين قبور الشهداء رضي اللّه عنهم، و كان ملازما لجامع دمشق يقرأ إلى أن توفي على أحسن طريقة(1)
تهذيب تاريخ دمشق الكبير للشيخ عبد القادر بدران. ط بيروت 1979:
6/ 66.
.في هذه السنة قويت شوكة الأفرنج في رفنية، و بالغوا في تحصينها و شحنها بالرجال، و شرعوا في الفساد و التناهي في العناد، فصرف ظهير الدين همه إلى الكشف عن أحوالهم و البحث عن مقاصدهم في أعمالهم، و ترقب الفرصة فيهم، و معرفة الغرة منهم، و تقدم إلى وجوه العسكر و مقدميه بالتأهب و الاستعداد، لقصد بعض الجهات لاحراز فضيلة الجهاد، و النهوض (105 ظ) لأمر من المهمات، ثم أسرى إليهم مغذا، حتى أدركهم و هم في مجاثمهم غارون، فلم يشعروا إلا و البلاء قد أحاط بهم من جميع جهاتهم، فهجمت الأتراك عليهم البلد، فملكوه و حصل كل من كان فيه في قبضة الأسر، و ربقة الذل و القهر، فقتل من قتل، و أسر من أسر، و غنم من المسلمون سوادهم و كراعهم و أثاثهم ما امتلأت به الأيدي، و سرّت به النفوس، و قويت بمثله القلوب، و ذلك في يوم الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة، و انكفأ المسلمون إلى دمشق ظافرين مسرورين غانمين لم يفقد منهم بشر، و لا عدم شخص، و معهم الأسرى و رؤوس القتلى، فأطيف بهم في البلد بحيث تضاعف بمشاهدتهم السرور، و انشرحت الصدور، و قويت من الجند في الجهاد و الغزو الظهور.
1) ترجم له ابن عساكر في تاريخه، و ذكر وفاته سنة« خمس و خمسمائة».
ص: 307
و لما شاع ذكر ظهير الدين أتابك في الأعمال العراقية، و الدركاه السلطانية بما أعطاه اللّه من شدة البأس في محاربة الأفرنج الأرجاس، و منحه من النصر عليهم، و النكاية فيهم، و الذب عن أهل الشام و مراماته دونهم، و محاماته عنهم و إحسان السيرة فيهم، بحيث دعي له في محافل الرعايا و التجار، و شكر بين الرفق من سفار الأقطار، فحسده قوم من مقدمي الدركاه السلطانية الغياثية، و راموا القدح فيه و الطعن عليه، طلبا لإفساد حاله، و اعتمادا لعكس آماله، و حطّا لرتبته بالحضرة السلطانية، و تشعيث الآراء الجميلة الغياثية، و ظهر الأمر بذاك و انتشر، و شاع من كل صوب و اشتهر، و كتب اليه بذلك من يؤثر صلاحه من الأصدقاء، و يشفق عليه، فأحدث ذاك له استيحاشا دعاه إلى التأهب و الاستعداد لتوجه ركابه إلى الباب الإمامي المستظهري، و الباب السلطاني الغياثي بمدينة السلام بغداد للمثول بهما، و الخدمة لهما، و التقرب بالسعي إليهما، و إنهاء حاله إليهما، و إزالة ما وقع في النفوس ظنة بالقدوم عليهما، و أشير عليه بترك ذلك و إهماله، و حذر منه و بعث على إغفاله، فلم يصخ الى هذا المقال، و لا أعاد على أحد جواب سؤال، بل تأهب للمسير، و بالغ في الجد فيه (106 و) و التشمير، و أعد ما يصحبه من أنواع التحف المستحسنة من أواني البلور و المصاغ، و أجناس الثياب المصرية، و الخيول السّبّق العربية، مما يصلح أن يتقرب بمثله إلى تلك المناصب العلية، و سار في خواصه، و أهل ثقته من غلمانه، في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة.
فلما قرب من بغداد، و أنهي خبر وصوله تلقاه من خواص الدار العزيزة النبوية المستظهرية، و الدركاه السلطانية الغياثية، و وجوه الدولة و أعيان الرعية، من بالغ في إكرامه و تناهى في احترامه، و قوبل من ذاك ما زاد في مسرة أوليائه، و الفت في أعضاد حساده و أعدائه، و أوضح حاله فيما قصد لأجله، فما سمع إلا ما عاد ببسط عذره، و إحماد فعله، و إطراء أمره، و تطييب نفسه، و إبعاد
ص: 308
استيحاشه، و تأكيد أنسه، و حين عزم على الانكفاء إلى دمشق، و أذن له في ذلك، شرف بالخلع السنية، و الكرامات الهنية، و كتب له المنشور العالي السلطاني الغياثي بولاية الشام حربا و خراجا، و إطلاق يده في ارتفاعه على إيثاره و إختياره بإنشاء الطغرائي أبي اسماعيل الأصفهاني(1)
1/ 92- 94.
و هو إذ ذاك فريد زمانه في الكتابة و البلاغة، و وحيد عصره في الآداب و البراعة، و قد أثبت نسخته في هذا المكان، ليعرف الواقف عليه فضل منشئه، و علو مرتبة من كتب له، و أحسن وصفه فيه و هو:بسم اللّه الرحمن الرحيم
هذا منشور أمر بإنشائه السلطان المعظم غياث الدنيا و الدين، أطال اللّه بقاءه، و أعز أولياءه، و نصر لواءه: للأمير الأصفهسلّار الأجل، الكبير، ظهير الدين أتابك، أدام اللّه تأييده، لما بان تمسكه من الطاعة بأحكم علائقها، و اعتصامه من الخدمة بأوكد و ثائقها، و انتهاجه من المشايعة أقوم مسالكها، و اعتماده أفضل طرائقها، و أجلت التجارب منه عين الناصح الأريب، و المهذب اللبيب، المتدرج في مراقي الرتب السنية، بالمساعي الرضية، و المحرز أحاظي القرب الخطيرة بالآثار الشهيرة، المشهودة موافقة في قود الجماهير العظام، و الذب عن حوزة الإسلام، و التجرد لمظافرة الأولياء، و مقارعة الأعداء و الاستقلال (106 ظ) بمعضلات الأعباء، الجامع إلى خصائص هذه الأسباب و الالمام بخدمة الأبواب، و التحقق بزمر الحشم و الأصحاب، المستقل بنصحه، المنخول بدلائه المقبول، و وسائله المشفوعة توالدها بالطوارف، و شوافعه المنصورة سوالفها بالأوانف، أن يزاد في الإنافة بقدره، و الاشادة بذكره، و يستخلص
1) صاحب لامية العجم، ينتهي بنسبة الى أبي الأسود الدؤلي، توفي سنة 514 ه/ 1120 م ترجم له سبط ابن الجوزي في وفيات سنة 514. مرآة الزمان:
ص: 309
تخلية صدره، بتفخيم أمره، و تجدد الصنيعة عنده بما يكون لواجب حقوقه قضاء، و لمصالح مساعيه كفاء، و لمحله المرموق لائقا، و لموضعه من الدولة مضاهيا مطابقا، فرأيناه أحق من أفضيت عليه ملابس الانعام، و حبي من الكرامة بأوفر الأقسام، و رفع من مراتب الاحتباء و الاختصاص الى الذروة و السنام، و رشح لكفاية المهام، و تدبير الأمور الجسام، و أوطئ عقبة الكماة الأنجاد، ورد إلى إيالته الأمصار و الأجناد، رسمنا أن نجدد له هذا المنشور بإمارة الشام، و نقرر عليه جميع ما دلت عليه المناشير المنشأة المتضمنة لأسامي البلاد الموجبة له، صارت رسمه مهما يجري معها، و يضاف إليها من النواحي و الضياع و الحصون و القلاع، حسب ما أورد ذكره مفصلا في هذا المثال، و جعلناها نعمة مصونة من الارتجاع، و طعمه محمية من الانتزاع، قلدناه في عامة تلك البقاع: أعمال الحرب، و المعاون، و الأحداث(1)، و الأخرجة و الأعشار، و سائر وجوه الجبايات(2)و العروض و الإعطاء، و النفقة في الأولياء، و المظالم و الأحكام، و سائر المستظهر عليه بنظر الولاة الكفاة، و النصحاء الثقاة، رعاية لحقوقه اللازمة، و محافظة على أذمته المتقادمة، و ثقة منه باستدامة النعمة، و ارتباطها بالتوفر على شرائط الخدمة، و استدعاء مزيد الإحسان، و استيفاء عوائد الاصطناع بدوام النصح، و فضل الاستقلال و الاضطلاع، و اللّه تعالى يجزينا على أحسن عوائده، بإصابة شاكلة الصواب في اختيار الأولياء، و يلهمنا الرشد في مرامي الأفكار، و مواقع الآراء، و لا يخلينا في اصطفاء من نصطفيه و اجتباء من نجتبيه من مساوقة التوفيق لما نرتاده و نرتئيه.
أمرناه بتقوى اللّه و طاعته، و استشعار خيفته و مراقبته (107 و) و الالتجاء منها إلى الحصن الأمنع، و الظل الأمتع، و الاستظهار منها بالذخر الأتقى،
ص: 310
و الحرز الأوقى، و الاحتراس من هواجس الهوى باعتلاق عروتها الوثقى، و ادراع شعارها الأتقى، قال اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(1)و أمرناه أن يسير فيمن قبله من الأولياء و الحشم أجمل سيرة، و يحملهم بحسن السياسة على أفضل و تيرة، و يسلكهم مسلكا وسطا بين اللين و الخشونة، و السهولة و الوعورة، و يشعر قلوبهم من الهيبة ما يقبض المتبسط، و يردع المتسلط، و يرد غرب الجامح، و يقيم صعر الجانح، و يخص منهم ذوي الرأي و الحنكة و الثبات و المسكة بالمشاورة و المباحثة، و يستخلص نخائل صدورهم، عند طروق الحوادث بالمفاوضة و المنافثة(2)، و يستعين بثمار ألبابهم، و نتائج أفكارهم على دفاع الملم، و كفاية المهم، و يتناول سفهاءهم و ذوي العيث و الفساد منهم بالتقويم و التهذيب، و التعريك و التأديب، و يردهم عن غلوائهم بالقول ما كفى، و احراز النصح ما أجدى و أغنى، و من زاده الأناة و الحلم و الاحتمال و الكظم تماديا في العدوان، و تتابعا في الطغيان عركه عرك الأديم و تجاوز به حد التقويم الى التحطيم، متيقنا أن إعطاء كل طبقة ممن تشمله رعايته، و تكنفه إيالته حقها من قوانين السياسة إرهاقا لبصيرة القارح المتماسك و كفا لغرب الحرج المتهالك، قال اللّه تعالى: «وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ»(3).
و أمرناه أن يوكل بأمر الثغور المتاخمة لأعماله و المصاقبة لبلاده عينا كالئة، و أذنا واعية، و همة للصغير و الكبير في مصالحها مراعية، فيشحنها بذوي البأس و النجدة المذكورين بالبسالة و الشدة المعروفين بالصريمة و الغناء،
ص: 311
و الصبر عند اللقاء، و البصيرة بمكابدة الأعداء، و يستظهر لهم باستجادة الأسلحة و الآلات و الاستكثار من المير و الأقوات، و يناوب بينهم في مقارهم، مناوبة تجم المكدود، و تريح المجهود، و تدر عليهم الأرزاق عند (107 ظ) الوجوب و الاستحقاق، ليقوم أودهم، و يقل لددهم، و تحسن طاعتهم، و تلين مقادتهم، و يكثف عددهم و عدتهم، و تشتد على الأعداء شوكتهم، و يغيظ الكفار زيهم و شارتهم، قال اللّه تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ(1).
و أمرناه أن يأخذ نفسه و أصحابه بالثبات و الصبر عند قراع السيوف بالسيوف، و ذلوف الزحوف بالحروف، و يرخصوا أنفسهم في ابتغاء مرضاة اللّه و الذب عن حوزة الدين، و المحاماة عن بيضة الإسلام و المسلمين، و يحتاط مع ذلك لنفسه و أصحابه، و لا يقدم بهم على غرر، و لا يفسح لهم في ركوب خطر إلا بعد الأخذ بالحزم، و استعمال الرفق في الحذر، و يكون إقدامهم على بصيرة تامة، لا يقتحم معها غرة، و لا تضاع فرصة، و لا يحجمون إذا احمر الناس، و اشتد المراس عن تورد المعركة، و لا يلقون بأنفسهم إذا حمي الوطيس، و التقى الخميس بالخميس إلى التهلكة، قال اللّه جل و علا:
«وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ»(2).
و أمرناه أن يصل جناح ضمانه بالوفاء، و يشد أركان عهده بالثبات، و يصون ذمته عما يحفزها، و يشفق عليها مما يحيلها و يغيرها، و يذهب مع دواعي الصدق، و يصير على تكاليف الحق، و لا يروع لهم سربا أمّنه، و لا ينقص شرطا ضمنه، و لا ينكث عهدا أبرمه، و لا يخلف وعدا قدمه، و لا يتجافى عمن يلوذ بعقوته، و لا يأبى قبول السلم ممن اتقى بصفحته، قال
ص: 312
اللّه تعالى: «وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا»(1). و قال جل من قائل:
«وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها»(2).
و أمرناه أن يعم رعاياه القارة و المارة بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش، و سعة المعاش، و يحوطهم في متوجهاتهم و متصرفاتهم، حياطة تكنفهم من جميع جهاتهم، و يحمي نفوسهم و ذراريهم و أموالهم، و معائشهم، حماية ترد كيد الظالم، و تقبض يد الغارم، و تخرج ذوي الريب من مظانهم، و تحول بينهم و بين عدوانهم، و تجري حكم اللّه فيهم، و تقيم حده على من سفك فيهم دما، و انتهك محرما، أو أظهر شقاقا و عنادا، أو سعى في الأرض فسادا، قال اللّه تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ (108 و) خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ(3).
و أمرناه أن ينظر في أموال الرعايا أتم نظر و أوفاه، و يسأل عن ظلاماتهم أبلغ سؤال و أحفاه، و يستن بالسنة العادلة فيهم، و يمنع أقوياءهم عن تهضّم مستضعفيهم، و يحمل من تحت يده على التعادل و التناصف، و يصدهم عن التغاضب و التظالم، و يقر الحقوق مقارها، عند وضوح الحجة، و ارتفاع الشبهة، و يختار لهم من العمال و الولاة أسدهم طرائق، و أقومهم مذاهب، و أحمدهم خلائق، و يأمر كلا منهم أن لا يغير عليهم رسما، و لا يتوي(4)لهم حقا، و لا يسومهم في معاملاتهم خسفا، و لا يحدث عليهم من يدع الجور رسما،
ص: 313
و لا يرتكب منهم ظلما، و لا يأخذ منهم برا بأثيم، و لا بريئا بسقيم، و يقنع منهم في اخرجاتهم و مقاساتهم و قسوطهم و مقاطعاتهم بالحقوق المستمرة، و يحملهم في العدل على القواعد المستقرة، و يستقرىء آثار الولاة قبله، فما طاب منها، و حسن اقتفاؤه اقتفره(1)، و ما ذم منها و استنكره أماطه و غيره.
و يعتقد أنه مسؤول عما اكتسب و اجترح، و محاسب على ما أفسد و أصلح، قال اللّه تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى»(2)فليتلقّى هذه النعمة الكبيرة، و العارفة الخطيرة بإعظام قدرها، و القيام بواجب شكرها، و ليتحقق أنها قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه و ولائه، و باقية عليه و على عقبة ما عملوا بأحكام هذا العهد، و عنوا بتأكيد أسبابه، و أعلنوا بشعار الدولة، و استمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة و السكة، و تمسكوا بولاء الدولة العباسية التي هي سنّة متبعة، و ما عداها ضلالة مبتدعة، «وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ(3)» و أحسنوا السيرة في عباده و بلاده، و اللّه تعالى يمدنا و إياه في هذا الرأي الذي رأيناه، و يزلف من رضاه و يحمد فاتحته و عقباه، إن شاء اللّه تعالى.
و كتب في المحرم سنة عشر و خمسمائة.
و توجه منكفئا إلى دمشق، على أجمل صفة و أحسن قضية في سلامة النفس و الجملة، و تزايد العز و الحرمة، و دخلها في يوم الاثنين (108 ظ) لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة عشر و خمسمائة.
ص: 314
في هذه السنة ورد الخبر بأن بدران بن صنجيل(1)، صاحب طرابلس، قد جمع و حشد، و بالغ و اجتهد، و نهض الى ناحية البقاع لإخرابه بالعيث و الفساد و الإضرار و العناد، و كان الاصفهسلّار سيف الدين البرسقي، صاحب الموصل، قد وصل الى دمشق في بعض عسكره، لمعونة ظهير الدين أتابك على الأفرنج، و الغزو فيهم، و بالغ أتابك في الإكرام له و التعظيم لمحله، و صادف ورد هذا الخبر بنهضة الأفرنج الى البقاع، فاجتمع رأيهما على القصد لهما جميعا، و أغذا السير ليلا و نهارا، بحيث هجموا عليهم، و هم غارون، في مخيمهم قارون، لا يشعرون فأرهقهم العسكر، فلم يتمكنوا من ركوب خيلهم، و لا أخذ سلاحهم، فمنحهم اللّه النصر عليهم، و أطلقوا السيف فيهم قتلا و أسرا و نهبا، فأتوا على الراجل و هم خلق كثير، قد جمعوا من أعمالهم، و أسروا وجوه فرسانهم و مقدميهم، و أعيان شجعانهم، و قتلوا الباقين منهم، و لم يفلت منهم غير مقدمهم بدران بن صنجيل و المقدم كند اصطبل، و نفر يسير معهما، ممن نجا به جواده، و حماه أجله، و استولى الأتراك على العدد الجمة، و الخيول و الكراع و السواد، و ذكر الحاكي المشاهد العارف أن المفقود المقتول من الأفرنج الخيالة و السرجندية(2)الرجالة، و النصارى الخيالة و الرجالة في هذه الوقعة ما يزيد على ثلاثة آلاف نفس.
1) كذا في الأصل و هو و هم، فبرتران كان توفي سنة 505 ه/ 1112 م و خلفه ابنه بونز و قد سبقت الاشارة الى ذلك ص 289 انظر كتاب طرابلس الشام:
2) حوت جيوش الفرنجة عدة نوعيات من الأسلحة تقدمها سلاح الفرسان الثقال من طبقة النبلاء الاقطاعية، و تلاهم« السرجندية» و هم رجالة ثقال كانت تجندهم الكنائس و الديرة و تنفق هذه المؤسسات عليهم، و غالبا ما كان السرجندية ضعف عدد الفرسان الثقال، و بعد هؤلاء جاء الخيالة أو الفرسان الخفاف« التركبول» ثم الرجالة العاديين و الحجاج و كان الجزء الأكبر من الصنفيين الأخيرين من المرتزقة. أفضل مصدر حول هذا الموضوع كتاب فن الحرب في الحروب الصليبية( بالانكليزية) تأليف ر. سميل. ط. لندن 1967.
ص: 315
و عاد ظهير الدين أتابك، و سيف الدين (آق) سنقر البرسقي في عسكريهما إلى دمشق مسرورين بالظفر السني، و النصر الهني، و الغنائم الوافرة، و النعم المتوافرة، فلم يفقد من العسكريين بشر، و لا أصابهم بؤس و لا ضرر، و وصلا البلد بالأسرى و رؤوس القتلى، و خرج الناس من البلد لمشاهدتهم، و استبشروا بمعاينتهم، و سروا بنظرهم سرورا، واصلوا معه حمد اللّه مولي النصر، و مانح القهر، و شكروه تعالى على ما سناه من الاستظهار المبين بالاستعلاء المشرق الجبين، و أقام آق سنقر البرسقي أياما بعد ذلك و توجه (109 و) عائدا إلى بلده بعد استحكام المودة بينه، و بين ظهير الدين، و المصافاة و الموافقة على الاعتضاد في الجهاد، متى حدث أمر أو حزب خطب.
و قد كان في هذه السنة وردت الأخبار قبل عود ظهير الدين من العراق، بالكائنة الحادثة من الباطنية في الدركاه السلطانية، و قتلهم الأمير أحمد يل فيها، في المحرم منها، مع وجاهته، و تزايد حشمته، و وفور عدته، و أكثر الناس التعجب من هذا الاقدام المشهور، و الفعل المذكور، و للّه عاقبة الأمور(1)
254.
و فيها وردت الأخبار من ناحية حلب، بقتل لؤلؤ الخادم، الذي كان غلب أمره فيها، و عمل على قتل ولد مولاه الملك ألب أرسلان بن رضوان، في ذي الحجة منها، بأمره دبّره عليه أصحاب الملك المذكور(2)
295.
.1) في ترجمة أحمد يل في بغية الطلب قال ابن العديم:« و في المحرم سنة عشر و خمسمائة كان أحمد يل في مجلس السلطان محمد، فجاءه رجل و معه قصة يشكو فيها الظلم و هو ينتحب، و سأله أن يوصل قصته الى السلطان، فتناولها منه فضربه بسكين كانت معدة ...» مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية:
2) أخذ أموال قلعة حلب و حاول أن يهرب بها الى بلاد الشرق، فلحقه بعض قادة جند حلب ورشقه بالسهام حتى قتل. مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية:
ص: 316
في هذه السنة توفي السلار بختيار شحنة دمشق، و نائب ظهير الدين في تولي أمر البلد، و سياسة الرعية، بعلل اختلفت عليه، و طالت به إلى أن قضى نحبه رحمه اللّه في ليلة النصف من شعبان منها، فأحزن ظهير الدين فقده، و أهمه المصاب به، و تأسف أكثر الناس عليه، لأنه كان عفيفا في أفعاله غير معترض لخمر، غني الحال و النفس، معينا لمن يقصده في دفع مظلمة، و انقاذ من شدة جميل المناب فيما يعود بصلاح الرعية، و البعث على العمل بالعدل و السوية، و أقيم ولده السلّار عمر في منصبه، فاقتفى آثاره في أشغاله، و حذا مثاله في أعماله.
و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق، بوفاة السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بأصفهان، رحمه اللّه، بعلة حدثت به، و طال مقامها عليه، إلى أن توفي في الحادي عشر من ذي الحجة منها، و قام مقامه في السلطنة ولده محمود، و استقام له الأمر، و استقرت على صلاح الحال.
و فيها وردت الأخبار من ناحية حلب، بأن الاصفهسلار يا رقتاش الخادم، متولي اصفهسلارية حلب، هادن الافرنج و وادعهم، و سلم إليهم حصن القبة(1)
2/ 110، 179، إنما ليس في نصه ما يساعد على تحديد موقع هذا الحصن.
.و قيل إن الأمير آق سنقر البرسقي، خرج من الرحبة في عسكره، و قصد حلب، و نزل عليها طامعا في تملكها، فلم يتسهل له ما أمل و رحل (109 ظ) عنها عائدا الى الموصل.
و ورد الخبر أيضا بأن الاصفهسلار يا رقتاش المقدم ذكره أخرج من قلعة
1) لم أجد له ذكرا في المصادر الجغرافية، و ذكره ابن العديم في زبدة الحلب:
ص: 317
حلب، ورد أمر الاصفهسلارية و النظر في الأموال إلى الأمير أبي المعالي (المحسن)(1)بن الملحي العارض الدمشقي، و دبر الأشغال بها و الأعمال فيها.
و في النصف من المحرم منها هجمت الافرنج على ربض حماة، في ليلة خسوف القمر، و قتلوا من أهلها تقدير مائة و عشرين رجلا.
و ورد الخبر بهلاك دوقس أنطاكية(2)
8/ 288- 289.
.و في المحرم منها وصل الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في عسكره إلى حلب، و تولى تدبير أمرها مدة صفر، و فسد عليه ما أراده، فخرج منها، و بقي ولده حسام الدين تمرتاش.
و فيها وردت الأخبار من القسطنطينية بموت متملك الروم الكرانكس(3)و قام في الملك بعده ولده يوحنا، و استقام له الأمر، و عمل بسيرة أبيه، و فيها وردت الأخبار بموت بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس بعلة طالت به و كانت سبب هلاكه في ذي الحجة منها، و قام بعده في الأمر كند هو (الذي كان) الملك (بالرها)(4).
1) أضيف ما بين الحاصرتين من زبدة الحلب: 2/ 179.
2) قتل في معركة قرب عفرين قادها ضده ايلغازي بن أرتق. الكامل لابن الأثير:
3) هو الكسيوس كومونين، أفضل مصدر عنه كتاب الالكسياد لابنته الأميرة آناكومينا.
4) في الأصل« كند هو الملك» و أضيف ما بين الحواصر كيما يستقيم السياق، هذا و سبق للمؤلف أن ذكر وفاة بلدوين الأول في أخبار سنة/ 508/. انظر ص 305.
ص: 318
في هذه السنة شاعت الآثار و الأخبار من ناحية الأفرنج، بطمعهم في المعاقل و البلاد، و اجماعهم على قصدها بالعيث و الإفساد، لغفلة الاسلام عن قصدهم بالغزو و الجهاد، و أنهم قد شرعوا في التأهب لهذه الحال، و الاستعداد و كاتب ظهير الدين أتابك أرباب الجهات و المناصب، و بعثهم على التعاون على دفع شر الملاعين، بالتوازر و التواظب.
و ورد الخبر بتوجه الأمير نجم الدين إيل غازي الى دمشق، في عسكره، للاجتماع مع ظهير الدين أتابك على إعمال الرأي في التدبير و التشاور في العمل و التقرير، هذا بعد أن راسل طوائف التركمان بالاستدعاء لأداء فريضة الجهاد و التحريض على الباعث لذاك و الاحتشاد.
و وصل الأمير المذكور إلى دمشق من حلب، في بعض أصحابه و خواصه، و اجتمعا و تعاهدا و تعاقدا على بذل المكنة و الاجتهاد في مجاهدة الكفرة الأضداد، و طردهم عن الإفساد في هذه المعاقل و البلاد، و وقع الاتفاق بينهما على (مصير)(1)الأمير (110 و) نجم الدين إيل غازي بن أرتق إلى ماردين لإنجاز أمره، و جمع التركمان من الأعمال، و حضهم على النكاية في أحزاب الشرك و الضلال، و اقتضت الآراء مصير الأمير ظهير الدين معه لتأكيد الحال، و تسهيل الآمال، و سارا في العشر الأول من شهر رمضان سنة اثنتي عشرة و خمسمائة، و عاد ظهير الدين عنه بعد أن قررا مع طوائف التركمان إصلاح أحوالهم و التأهب للوصول إلى الشام بجموعهم الموفورة و عزائمهم المنصورة في صفر سنة ثلاث عشرة و خمسمائة ليقع الاجتماع على نصرة الدين و اصطلام المردة الملحدين، و أقام ظهير الدين بدمشق إلى حين قرب الأجل المضروب،
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
ص: 319
و الوقت المرقوب، و سار إلى ناحية حلب في أول شهر ربيع الأول سنة ثلاث و خمسمائة.
و وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة الخليفة الامام المستظهر باللّه أمير المؤمنين، ابن الامام المقتدي باللّه أمير المؤمنين، بعلة عرضت له، و استمرت به إلى أن قضى نحبه، إلى رحمة ربه في ليلة الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة و خمسمائة، و كانت مدة خلافته ستّا و عشرين سنة و شهرين و أياما، و كان جميل السيرة، محبا للعدل و الإنصاف، ناهيا عن قصد الجور و الاعتساف، و ولي الأمر من بعده ولده ولي العهد أبو منصور الفضل، المسترشد باللّه أمير المؤمنين بن أبي العباس أحمد المستظهر باللّه أمير المؤمنين، و جدد له أخذ البيعة، و استقام له الأمر، و نفذت المكاتبات إلى سائر الأعمال بالتعزية عن الإمام الماضي، و التهنئة بالإمام الباقي.
و لما وصل ظهير الدين أتابك إلى حلب للاجتماع مع نجم الدين على الأمر المقرر بينهما، بعد مضي الأجل المعين بتدبيرهما، وجد التركمان قد اجتمعوا إليه من كل فج، و كل صوب في الأعداد الدثرة الوافرة، و القوة الظاهرة، كأنهم الأسود تطلب فرائسها، و الشواهين إذا حامت على مكاسرها، و وردت الأخبار ببروز روجير صاحب أنطاكية منها، في من جمعه، و حشده من طوائف الأفرنج (110 ظ) و رجالة الأرمن من سائر أعمالهم و أطرافهم، بحيث يزيد عددهم على العشرين ألف فارس و راجل، سوى الأتباع، و هم العدد الكثير، في أتم عدة، و أكمل شكة، و أنهم قد نزلوا في الموضع المعروف بسرمدا و قيل دانيث البقل بين أنطاكية و حلب، فحين عرف المسلمون ذلك طاروا إليهم بأجنحة الصقور إلى حماية الوكور، فما كان بأسرع من وقوع العين على
ص: 320
العين، و تقارب الفريقين حتى حمل المسلمون عليهم، و أحاطوا بهم من جميع الجهات، و سائر الجنبات ضربا بالسيوف، و رشقا بالسهام، و منح اللّه تعالى، و له الحمد، حزب الاسلام النصر على المردة الطغام، و لم تمض ساعة من نهار يوم السبت السابع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، إلّا و الفرنج، على الأرض سطحة واحدة، فارسهم و راجلهم، بخيلهم و سلاحهم، بحيث لم يفلت منهم شخص يخبر خبرهم، و وجد مقدمهم روجير(1)صريعا بين القتلى، و لقد حكى جماعة من المشاهدين لهذه الوقعة، أنهم طافوا في مكان هذه المعركة، لينظروا آية اللّه تعالى الباهرة، و أنهم شاهدوا بعض الخيول مصرعة كالقنافذ من كثرة النشاب الواقع فيها، و كان هذا الفتح من أحسن الفتوح، و النصر الممنوح، لم يتفق مثله للإسلام، في سالف الأعوام، و لا الآنف من الأيام، و بقيت أنطاكية شاغرة خالية من حماتها، و رجالها، خاوية من كماتها، و أبطالها، فريسة الواثب، نهزة الطالب، فوقع التغافل عنها، لغيبة ظهير الدين أتابك عن هذه الوقعة، لتسرع التركمان إليها، من غير تأهب لها، للأمر النافذ، و القدر النازل، و اشتغال الناس بإحراز الغنائم، التي امتلأت بها الأيدي، و قويت بها النفوس، و سرت بحسنها القلوب، فتلك بيوتهم خاوية، و الحمد للّه رب العالمين.
و عاد ظهير الدين أتابك منكفيا الى دمشق، عقيب هذا الظفر، و دخلها يوم السبت لليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة فصادف الخاتون صفوة الملك، والدة الملك شمس الملوك دقاق بن السلطان تاج الدولة تتش ابن السلطان ألب أرسلان، قد نهكها المرض، و طال بها، و قد أشفت على الموت (111 و)، و كانت لقدومه متوقعة، و إلى مشاهدته متطلعة، فأدركها و سمع مقالها، و قبل وصيتها، و أقامت القليل، و توفيت إلى رحمة اللّه و مغفرته
1) سبق للمؤلف أن أشار الى هذه الواقعة باختصار في أخبار السنة الماضية.
ص: 321
و رضوانه، بين صلاتي الظهر و العصر، من يوم الأحد آخر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و دفنت عند ولدها في القبة التي بنتها على القلعة المطلة على الميدان الأخضر، فلقد كانت من النساء المصونات، المحبة للدين و الصدقات، و التنزه عن الظلم، بطلب الخيرات، مع قوة النفس و شدة الهيبة، و معرفة التدبير فيما توخته في حق ظهير الدين، عند وفاة ولدها الملك شمس الملوك، إلى أن استقام له الأمر، و استقرت في المملكة و الدولة الحال، و تسهلت له المطالب برأيها و هيبتها و سياستها و الآمال، فقلق ظهير الدين لفقدها، و تضاعف عليها حزنه و أسفه، و تسلم ما خلفته، و استخرج ما ذخرته و أودعته، و عمل بوصيتها.
و في رجب من هذه السنة توفي الأمير حارق بن كمشتكين العراقي في رجب منها و كان من مقدمي الدولة و وجوه أمرائها.
و فيها وردت الأخبار من العراق بأن السلطان محمود بن السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه توجه إلى عمه السلطان سنجر بن ملك شاه إلى خراسان، و دخل عليه، و وطئ بساطه، بعد ما جرى بينهما من الوقائع و الحروب، فأكرمه و احترمه و أحمده، و قرر أحواله على ما فيه صلاح أمره و استقامة حاله، و وصله بابنته، و أقره على مملكته، و شرفه بخلعه و تكرمته، و عاد منكفيا إلى أصفهان بلدته ظافرا(1)بأمله و بغيته.
و في هذه السنة حكى من ورد من بيت المقدس، ظهور قبور الخليل و ولديه اسحق و يعقوب الأنبياء عليهم الصلاة من اللّه و السلام، و هم مجتمعون في مغارة بأرض بيت المقدس، و كأنهم كالأحياء، لم يبل لهم جسد، و لا رم عظم، و عليهم في المغارة قناديل معلقة من الذهب و الفضة، و أعيدت القبور إلى حالها التي كانت عليه. هذه صورة ما حكاه الحاكي، و اللّه أعلم بالصحيح من غيره.
1) في الأصل: طامرا، و هو تصحيف قوم من مرآة الزمان: 1/ 79 حيث ينقل عن ابن القلانسي.
ص: 322
(111 ظ) فيها ورد الخبر من ناحية حلب بأن الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق، رفع المكوس عن أهل حلب و المؤن و الكلف، و أبطل ما جدده الظلمة من الجور و الرسوم المكروهة، و قوبل ذلك منه بالشكر و الثناء، و الاعتداد و الدعاء، و حكي عن ماردين أنها وقع عليها برد عظيم لم تجر بمثله عادة، و لا بصر أكثر منها ماء أهلك المواشي و أتلف أكثر النبات و الشجر.
و فيها هدم نجم الدين زردنا(1)، و فيها كسر الأمير بلك بن أرتق عفراس الرومي، و قتل من الروم تقدير خمسة آلاف على قلعة سريان من بلد أندكان، و أسر مقدمهم عفراس.
و فيها ورد الخبر بأن السلطان محمود كسر عسكر أخيه مسعود، بباب همذان، تحت الزعفراني.
و فيها وردت الأخبار بوصول الكند(2)، هو ملك الأفرنج، في المراكب البحرية، و ملك أكثر المعاقل.
و فيها وقعت المهادنة بين نجم الدين ايل غازي بن أرتق صاحب حلب، و بين الأفرنج، و تقررت الموادعة و المسالمة، و كف كل جهة من الفريقين الأذية عن الآخر.
1) في معجم البلدان: زردنا: بلدة من نواحي حلب الغربية.
2) كذا في الأصل و لم أجد بين المصادر من أتى على ذكر مجيء أسطول بحري يقوده« كونت» ما، أو حتى قيام بلدوين الثاني أو سواه من قادة الفرنجة بالشام، بعمل بحري كل ما هنالك أن وليم الصوري تحدث عن قدوم اسطول البندقية على رأسه« الدوج دومنجو ميشيلي» الى ساحل يافا في سنة 517 ه/ 1123 م أي بعد ثلاث سنوات، و كان بلدوين الثاني أسيرا آنذاك لدى الأمير الأرتقي بلك، و سيذكر ابن القلانسي هذا كله.
ص: 323
و فيها وردت الأخبار بأن السلطان محمود قصد حلة دبيس بن صدقة ابن مزيد في عسكره، و نهبها و هزم عسكرها، و انهزم دبيس الى قلعة جعبر مستجيرا بصاحبها الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك، فأجاره و أكرمه و احترمه، و قيل انه انعقد بينهما صهرة.
و قيل إن في ذي الحجة من السنة، هبت ريح شديدة هائلة منكرة، بنواحي الجزر، فخرب بها كنائس و معاقل و قلعت كثيرا من شجر الزيتون، و قيل إن جوسلين غار على العرب و التركمان النازلين بصفين، و غنم منهم، و من مواشيهم بشاطئ الفرات، و في عوده خرّب حصن بزاعة(1).
في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش، صاحب الآمر(2)بمصر رحمه اللّه ثاني عيد الفطر، بأمر رتب له، و عمل فيه عليه، إلى حين أمكنت الفرصة فيه، فانتهزت الفرصة، و صودف راكبا في موكبه، مجتازا في بعض أسواق القاهرة، و قد كان على غاية من التحرز و التحفظ و استعمال الاحتراس و التيقظ، لا سيما من الطائفة الباطنية، و الاحتياط منهم بأنواع السلاح، و وافر الغلمان، (112 و) و الخدم و العبيد، و العدد المختلفة، و السيوف الماضية، و كان المرتب لقتله و المرصد له جماعة، فوثب عليه رجل من بعض الشوارع، بحيث شغل أصحاب الركاب، و وثب الآخر بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر جواده إلى الأرض، و قتلا في الحال، و حمل إلى داره و به رمق، و توفي رحمه اللّه من يومه، و ادعي أن الباطنية تولوا قتله،
ص: 324
و ليس ذلك صحيحا، بل ذلك إدعاء باطل، و محال زائل، و إنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا الأمر، فساد ما بينه و بين مولاه الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين، لتضييقه عليه، و منعه مما تميل نفسه إليه، و منافرته إياه في بعض الأوقات، و قد كان هذا الخلف المستمر بينهما، قد ظهر بمصر لكثير من أهلها، و تحدثوا فيه، و كان الآمر قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره، للسلام عليه، أو في أيام الأعياد، و قويت نفسه على اتمام هذا الأمر، فمنعه من ذلك الأمير أبو الميمون عبد المجيد، و قال له: إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية، كان فيه شناعة و سوء سمعة، لأن هذا و أباه في خدمتنا منذ خمسين سنة، لا يعرف الناس في سائر أقطار البلاد غير هذا، فما يقال في مثل هذه الحال في مجازاتنا لمن هذه صفته، هذه المجازاة الشنيعة، و المكافأة الفظيعة، و ما العذر في ذاك إلى الناس، و هم لا يعلمون ما في نفوسنا له، و ما ننقم عليه بسببه، و ما يعرفون منه في ظاهر الأمر إلا الموالاة الخالصة، و الطاعة الصادقة، و الذب عن الدولة، و المحاماة عنها، و لا بد أن تدعو الضرورة إلى إقامة غيره في مكانه، و الاعتماد عليه في منصبه، فيتمكن كتمكنه أو بعضه، فيحذر من الدخول إلى قصرنا خوفا على نفسه، مما جرى على غيره، و إن دخل علينا كان خائفا معدّا، و إن خرج عنا خرج و جلا مستعدا، و في هذا الفعل ما يؤكد الوحشة، و يدل على فساد التدبير في اليوم و فيما بعد، بل الصواب في التدبير أن تستميل أبا عبد اللّه (محمد) بن البطائحي(1)
الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي: 272- 273.
، الغالب على أمره المطلع على سره و جهره،1) كان مولده سنة 478 ه/ 1085 م و قيل أنه كان من أصل و ضيع، حيث كان والده من جواسيس الأفضل بالعراق، مضى الى مصر و عمل حمالا، ثم التحق بدار الأفضل فاستخدمه مع الفراشين، يوصف في وزارته بأنه كان من ذوي الآراء السديدة واسع الصدر سفاكا للدماء، شديد التحرز، كثير التطلع الى أحوال الناس من الجند و العامة فكثر الواشون و السعاة بالناس في أيامه.
ص: 325
و تراسله و تعده و تمنيه، و تطمعه في منصبه، فإنه يجيب إلى ذلك، و يعين عليه (112 ظ) لأمرين أحدهما دينا، لأن مذهبه مذهبنا و اعتقاده موالاتنا و محبتنا، و الثاني للدنيا و حبها، و كونه يصير في منصبه فيها، و يدبر الأمر عليه بمن لا يعرف و لا يؤبه له، و لا يلتفت إليه، ممن يغتاله إذا ركب، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه، و أظهرنا الطلب بدمه و الحزن عليه، و الأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطا، و يزول عنا قبح القالة، و سوء السمعة.
فاستقر الأمر على هذه القضية، و شرع في إتمامه، و الحال فيه ظاهرة، و قضى اللّه عليه قضاءه المحتوم، و سر بمقتله سرورا غير مستور عن كافة الخاص بمصر و القاهرة، و قيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر(1)، في رأس السويقتين، في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس و خمسمائة و عمره اذ ذاك سبع و خمسون سنة، لأن مولده كان بعكا سنة ثمان و خمسين و أربعمائة، و كان حسن الاعتقاد في مذهب السنة، جميل السيرة مؤثرا للعدل في العسكرية و الرعية، صائب الرأي و التدبير، عالي الهمة، ماضي العزمة، ثاقب المعرفة، صافي الحس، كريم النفس، صادق الحدس، عادلا عن الجور، حائدا عن مذاهب الظلم، فبكته العيون، و حزنت له القلوب، و لم يأت الزمان بعده بمثله، و لا حمد التدبير عند فقده، و انتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين، و اشتمل على خزائنه و أمواله و ذخائره و كراعه و أثاثه، و هو الغاية في الكثرة و الوفور، و انتظمت للآمر(2)الأمور على المأثور، و أقام أبا عبد اللّه بن البطائحي، و وفى له بوعده، و لقبه بالمأمون، و بسط يده في البرم و النقض و الرفع و الخفض.
ص: 326
و وردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب، و قصدهم بلاد الملك طغرل، فاستنجد بالأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق، صاحب حلب، و بالتركمان و بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، فأجابوا الى ما دعاهم إليه، و بعثهم عليه، و توجهوا نحوه في خلق عظيم، فانهزم جمع الكرج خوفا، و عاد فرقا، و ضايقهم المسلمون، و ضايقوهم في الدروب، فعادوا على المسلمين، فهزموهم و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و قصدوا مدينة تفليس، فافتتحوها بالسيف و قتلوا من كان فيها(1)
و لقيمة هذا النص أثبته في الحاشية، حيث قال: و في سنة خمس عشرة و خمسمائة نفذ أهل تفليس الى نجم الدين ايل غازي يستدعونه ليسلموا إليه تفليس و كان لها بيد أهلها مقدار أربعين سنة، و كان ملكها قوم من أهلها يسمون بني جعفر، من مقدار مائتي سنة ثم انقرض كبارهم و اضمحلوا، فعاد أمرهم الى أهلها، و كان كل شهر يلي أمرهم منهم واحد، و بقوا كذلك مدة أربعين سنة، و كان الملك داود ملك الأبخاز و الكرج قد ضايقها مضايقة شديدة و اضمحلت، و كان قد نفذوا الى السلطان طغرل بك بن السلطان محمد، و كان ملك جتري و أران، فنفذ لهم شحنة، و زادت مضايقة ملك الكرج لهم، و بقوا على هذا مدة فاتفقوا أن يحملوا له في كل سنة عشرة آلاف دينار، و يكون عندهم شحنة معه عشرة فوارس، فبقوا على ذلك مدة.
و نفذوا الى نجم ايلغازي يستدعونه، فسار و معه عساكر عظيمة، و معه دبيس ابن صدقة ملك العرب و كان صهر نجم الدين على ابنته جهان خاتون، و كان قد وصل إليه في تلك السنة، فسار بالعساكر، و نفذ الى شمس الدولة طغان أرسلان صاحب أرزن و بدليس، و كان له مدينة دوين، و أمره أن يدخل من شرقي تفليس، و سار و أخذ معه القاضي علم الدين ابن نباتة، و معه ولده القاضي علم الدين أبو الفتح الكبير، هو الآن( يعني سنة 572) قاضي ماردين، و الوزير أبو تمام بن عبدون و سار معه، فوصلوا الى أرزن الروم، و تخلف القاضي و الوزير بأرزن الروم، و دخل بالعساكر من ولاية الفرس، و طريق بر ياليث، و اتفقوا أن تجمع العساكر أجمع على باب تفليس، و تجهز السلطان طغرلبك من ناحية جنزي، و سار طغان أرسلان الأحدب من دوين، و وصل نجم الدين الى أن بقي بينه و بين تفليس الجبل مقدار نصف يوم.
و خرج الملك داود، و معه ولده ديميطري من جنب الغرب، في عساكر عظيمة و كان يحدر عليهم من الجبل، و هم في لحفة، و لم تكن وصلت عساكر السلطان طغرلبك و لا شمس الدولة الأحدب بمن معه، و تقاتلوا قتالا عظيما، و كسر نجم الدين، و قتل منه خلقا كثيرا، و غنم الكفار منهم غنيمة عظيمة، و خرج نجم الدين، و دبيس في نفر يسير بحيث أن بقي عندهم من الأسرى الى زماننا.
و لقد رأيت موضع الوقعة حين دخلت الى تفليس في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة فأقمت بها، ثم وصلت الى خدمة ملك الأبخاز، و بقيت عنده، و خرجت معه، و سرت في ولايته معه مقدار نيف و سبعين يوما، و اجتاز الى اللان و طرف الدربند والى ولاية الأبخاز، و لقد وصلنا بعض الأيام في ولاية الأبخاز الى برج واسع تحت جبل، في قلعة شامخة، و نزل الملك هناك، و قال لي: يا فلان في هذه القلعة رجل أسير مستعرب من نوبة ايلغازي، فاصعد إليه من الغد، و أبصره و اسأله من أين هو، فعولت على ذلك و قلت: أطلبه من الملك ليطلقه، فبت تلك الليلة، فلما كان من وقت السحر ضرب بوق الى الرحيل لأنه وصل إليه الخبر أن بعض ولايته قد تشوشت، فحين وصله الخبر رحل، و رحل الناس، و لم يقدر لي الاجتماع بذلك الرجل، .. و لما كسر نجم الدين، و عاد بمن بقي معه، رحل ملك الأبخاز بالغنائم و الأسرى، و نزل على تفليس، و حاصرها مدة، ثم هدم سورها من قبل الغرب، و دخلها سيفا، فأحرقها و نهبها، و بعد ثلاثة أيام أمن أهلها، و طيب قلوبهم، و وعدهم بالجميل، و أسقط عنهم تلك السنة الأعشار و المؤن، و الأقساط و الخراج و شرط للمسلمين كلما أرادوه من الشرط الذي هو الآن باق بها، أنه لا يعبر الى جانب المسلمين بالمدينة خنزير و لا يذبح بها و لا في سوقها، و ضرب لهم الدراهم و عليها اسم السلطان و الخليفة في الوجه الواحد، و في الوجه الآخر اسم اللّه و اسم النبي عليه السلام، و اسمه على جانب الدرهم، و نادى في البلد: إن من آذى مسلما قد أهدر دمه، و شرط لهم الأذان و الصلاة و القراءة ظاهرا، و أن يخطب يوم الجمعة و يصلى و يدعى للخليفة و السلطان، و لا يدعى لغيرهما على المنبر، و شرط أن حمام اسماعيل بتفليس لا يدخلها كرجي و لا أرمني و لا يهودي، و وصف خدمة الكرجي في السنة خمسة دنانير، و خدمة اليهودي أربعة دنانير، و خدمة المسلم ثلاثة دنانير.
و أحسن الى المسلمين غاية الاحسان، و جعل لأهل العلم و الدين و الصوفية أكرم المنازل، و ما ليس لهم عند المسلمين، و لقد رأيت هذه الشروط كلها لما دخلت الى تفليس في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و لقد رأيت ملك الأبخاز ديميطري الذي كنت في خدمته، و قد نزل الى تفليس، و أقام بها أياما، و نزل ذات يوم جمعة الى الجامع، و جلس على دكة تقابل الخطيب، فوقف موضعه حتى خطب الخطيب، و كل الناس يسمع الخطبة جميعها، ثم خرج و أطلق برسم الجامع مائتي دينار أحمر و كنت أرى العلماء و الوعاظ و الأشراف و الصوفية، و الذين يصلون يكرمهم و يعطيهم و يحترمهم، و يعتمد معهم ما ليس بمثله، و لقد كنت أرى لاحترامه للمسلمين ما لو أنهم ببغداد ما احترموا تلك الحرمة».
.1) ذكر هذه الوقعة المؤرخ السرياني المجهول الذي أرخ للحملتين الصيبيتين الأولى و الثانية، و كذلك ابن الأثير في الكامل: 8/ 293- 294- و قدم الفارقي تفاصيل لا نجدها/ عند سواه، و ذلك في النسخة المطولة من كتابه و المحفوظة في المتحف البريطاني برقم/ 5803/ الأوراق: 169 ظ- 170 و.
ص: 327
و في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء (113 ظ) ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس و الحيوان.
ص: 328
في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد، بأن الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، جمع و احتشد، و قصد بغداد في حشده، و عاث في أطرافها و أفسد في أكنافها، فخرج الإمام الخليفة المسترشد باللّه أمير المؤمنين من دار الخلافة، و اجتمعت إليه الأجناد، و ظهر إليه، و حمل عليه، فهزمه و تم الى الحلّة فنهبها، و نهبت مقابر قريش ببغداد و ما بها من القناديل الفضة و الستور و الديباج، و عاد الى بغداد و دخلها في المحرم سنة سبع عشرة و خمسمائة.
و ورد الخبر فيها بأن السلطان محمود سخط على وزيره(1)لأشياء نقمها عليه و أنكرها منه و أمر بالقبض عليه، ثم تقدم بقتله فقتل.
1) ذكره ابن الأثير: 8/ 308 و تحدث عن أخلاقه و سلوكه في السلطة و كذلك فعل سبط ابن الجوزي: 1/ 107- 109 حيث قال: أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود، و اسمه علي بن حرب و كان ظلوما مجاهرا بالظلم و الفسق، و أعاد المكوس، و كان يقول: لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة، و كل ظالم يتبع أفعالي، و ما أسلم في الدنيا و قد فرشت حصيرا في جهنم، و قد استحييت من كثرة التعدي على الناس و ظلمي لمن لا ناصر له إلا اللّه، و كان هذا القول منه في الليلة التي قتل في صباحها، حيث وثب عليه ثلاثة من الباطنية و ذبحوه كما تذبح الشاة، و قيل تجرد لقتله واحد من غلمان الطغرائي انتقاما للطغرائي، فطعنه عدة سكاكين، أودت بحياته.
ص: 329
و في صفر منها توجه عائدا إلى مدينة أصفهان.
و في صفر ورد الخبر من ناحية حلب أن أبا الفضل بن الموصول وزير الملك رضوان توفي بحلب في الشهر، و كان حسن الطريقة يميل الى فعل الخير و (يسكت)(1)عن قصد الشر.
و فيها جاء سيل عظيم حتى دخل الى ربض قلعة جعبر، فغرق أكثر دورها و مساكنها، و هدمها و اخرج منها فرسا حمله من الربض حتى رمى به من أعلى السور في الفرات، و قيل إن عدة الدور الهالكة بهذا السيل الجارف ثمانمائة مكان.
و قيل إن الأمير نجم الدين بن أرتق خرج من حلب في عسكره، و قطع الفرات، و صادف الأفرنج، فلم يلقوه فأتلف ما ظفر به في أعمالهم، و عاد منكفئا إلى الفنيدق، بظاهر حلب.
و في هذه السنة وصل الأصطول المصري الى صور، و هو مشحن بالرجالة البحرية، و طائفة من العساكر، و في نفس الوالي، العمل على الأمير سيف الدولة مسعود، الوالي بصور من قبل الأمير ظهير الدين أتابك، فلما خرج للسلام على والي الأصطول، سألوه النزول فلما حصل في مركب المقدم، اعتقله و تمت عليه المكيدة، و حصل البلد في أيديهم، و لما أقلع الأصطول، و وصل الى مصر، و فيه الأمير مسعود، أكرم و أنزل في دار، و أطلع له ما يحتاج إليه، و السبب كان في هذا التدبير أن شكاوي أهل صور تتابعت (113 ظ) الى الآمر بأحكام اللّه، فاقتضت الآراء التدبير عليه، و إزالة ما كان من الولاية إليه، و كانت عاقبة خروجه منها، و سوء التدبير فيها، خروجها الى الأفرنج، و حصولها في ملكتهم.
1) أضيف ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان: 1/ 111 كيما يستقيم السياق.
ص: 330
و في هذه السنة ورد الخبر، بأن الأمير نور الدولة بلك بن أرتق، نهض في عسكره في أيام من رجب، و قصد الأفرنج بالرها، و أوقع بهم، و كسرهم و أسر مقدمهم جوسلين و ابن خالته كليان(1)، و جماعة من مقدميهم عند سروج.
و ورد الخبر بوفاة الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق بعلة عرضت له، و هو نازل في قرية تعرف بالفحول(2)من عمل ميافارقين، من ديار بكر، في السادس من شهر رمضان من السنة، و قام في منصبه بعده ولده شمس الدولة سليمان و أخوه تمرتاش أبناء نجم الدين، و ملكا ماردين، و أقاما مدة متفقين و جرى بينهما خلف استمر من كل منهما(3)
و كان نجم الدين ايل غازي قد تزوج بفرخندا خاتون، بنت الملك رضوان، لما ملك حلب، و حقد عليها، و لم يدخل بها و لا رآها، و مات و لم يرها و تزوجها بعده الأمير بلك بن بهرام بن أرتق.
قيل: و استقر شمس الدولة بميافارقين و استوزر الوزير عبد الملك بن ثابت، ورد الأمور إليه، و أخذ خرتبرت من الأمير بلك، و بقيت معه الى أن مات و أخذ الأمير داود و أخذ بلد حزة من الأمير داود، و أخذ الضياع التي أخذها حسام الدين( قرقي بن الأحدب) صاحب أرزن من بلد ميافارقين ... و دخل حسام الدين تمرتاش) البلد في شوال سنة ثمان عشرة و خمسمائة و استوزر عبد الملك، و استقر حاله، و حصل له جميع ما كان لأبيه نجم الدين، و أحسن الى الناس، و أحبوه، و استبد بالملك».
.و فيها توفي الحاجب فيروز، شحنة دمشق، في آخر ربيع الآخر منها.
فيها وردت الأخبار من ناحية بغداد ببروز الإمام المسترشد باللّه، أمير المؤمنين، و في جملته الأمير (آق) سنقر البرسقي، عازما على قصد الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، لما هو عليه من الخلاف و المجاهرة بالعصيان
1) ذكر المؤرخ السرياني المجهول بالتفصيل واقعة أسر جوسلين و قريبه جاليران و سجنهما في حصن زياد( خرتبرت) و روي أنه عندما غادر بلك حصن زياد قال لجوسلين: سوف أجلب الملك بلدوين ليكون معك ان شاء اللّه، و هكذا كان بعد سنة، و قد ترجمت مؤخرا هذا النص السرياني و أنا بصدد نشره مع نصوص أخرى لاتينية و عربية و اغريقية حول« الحملتان الصليبيتان الأولى و الثانية».
2) كذا في الأصل و في زبدة الحلب: 2/ 206« عجولين» و في الفارقي« أوسل الهينة» و لم أجد أي من هذه الأسماء في كتب البلدان للتحديد و تبيان وجه الصحة.
3) جاء في تاريخ ميافارقين- 171 و- ظ- : قيل وفي سنة خمس عشرة و خمسمائة عاد نجم الدين الى ماردين، و أقام بها سنة ست عشر و خمسمائة، و خرج الى أوسل الهينة من بلد ميافارقين، و أقام هناك و معه زوجته الخاتون بنت طغتكين صاحب دمشق، فمرض و توفي يوم الخمسين سابع عشرين رمضان، فحمل ليلا و ركب ولده الأمير شمس الدولة سليمان و الخاتون، و وصلوا ميافارقين ليلا، و وصلوا الى باب الهوة، و أجلسوا الأمير على فرسه، و من ورائه رجل يسكنه، و تقدموا و صاحوا، فنزل الوالي، و كان اسمه كنغلي، فدخل شيخ ممن صحب الأمير نجم الدين من أول زمانه، و كلمه شمس الدولة و الخاتون، ففتح الباب، فقالوا إن الأمير مريض، فلما حصلوا في أرض القصر، صاحوا و ضجوا، و قالوا: مات الأمير في هذه الساعة، و أصبح الناس، و صعد أهل البلد و من كان بها من الجند الى القصر، و غسل الأمير و صلي عليه و دفن بالسندلي مدة ثم أخرج و دفن في مسجد الأمير شرقي قبة السلطان، فدفن هناك.
ص: 331
و الفساد في الأعمال، و قصدوا الحلة فانتهبوها، و ارتفع السعر ببغداد، حتى بلغ الخبز ستة أرطال بدينار، و ورد الخبر من ناحية حلب باستقرار المهادنة بين الأمير بدر الدولة (سليمان بن عبد الجبار) بن أرتق(1)صاحب حلب، و بين الأفرنج على تسليم قلعة الأثارب إلى الافرنج فتسلموها، و حصلت في أيديهم، و استمرت الموادعة على هذا، و استقامت أحوال الأعمال من الجانبين، و أمنت السابلة للمترددين فيها بين العملين، في صفر من السنة.
1) في الأصل:« الأمير بدر الدولة بن ايل غازي بن أرتق» و هو و هم فسليمان بن ايل غازي تسلم ميافارقين، انظر زبدة الحلب: 2/ 209- 210. الكامل لابن الأثير: 8/ 311.
ص: 332
و فيها ورد الخبر بنهيض بغدوين ملك الأفرنج في عسكره إلى ناحية حلب، إلى الأمير بلك بن أرتق، في تاسع صفر منها، و هو منازل لحصن الكركر(1)فنهض إليه و التقيا بالقرب من قنطرة (سنجة)(2)فكسره و أسره، و حصل في يده أسيرا (114 ه) مع جماعة من وجوه عسكره، فاعتقله في جبّ في قلعة خرتبرت مع جوسلين و مقدمي الأفرنج.
و في آخر صفر نهض ظهير الدين أتابك في العسكر، فهجم ربض حمص و نهبه و أحرقه، و بعض دوره، و كان طغان أرسلان بن حسام الدولة قد وصل إلى حمص لمعونة خير خان صاحبها، فعاد ظهير الدين عنها إلى دمشق.
و ورد الخبر من ناحية حلب بنزول الأمير بلك بن أرتق عليها في ربيع الأول منها، و أحرق زرعها، و ضايقها إلى أن تسلّمها بالأمان في يوم الثلاثاء غرّة جمادى الأولى، من بدر الدولة ابن عمه عبد الجبار(3)بن أرتق و قد كان ذلك تسلّم مدينة حرّان في شهر ربيع الأول.
و فيها وردت الأخبار بوصول فريق كثير من عسكر لواتة(4)من ناحية الغرب إلى مصر، و أفسدوا في أعمالها، و ظهر اليهم المأمون أبو عبد اللّه بن
1) كركر حصن بين سميسباط و حصن زياد- خرتبرت أو خربوط. معجم البلدان.
2) في الأصل« بالقرب من منظرة» و قد ألم بالجملة سقط و تصحيف، استدرك ذلك من زبدة الحلب: 2/ 211. حيث جاء فيه« بالقرب من قنطرة سنجة» و في معجم البلدان: سنجة: نهر عظيم لا يتهيأ خوضه لأن قراره رمل سيال كلما وطئه الانسان برجله سال به فغرقه، و هو يجري بين حصن منصور و كيسوم و هما من ديار مضر، و على هذا النهر قنطرة عظيمة هي احدى عجائب الدنيا، و هي طاق واحد من الشط الى الشط.
3) في الأصل: ايل غازي و هو و هم. انظر الحاشية- 1- في الصفحة السابقة.
4) من كبريات قبائل البربر في المغرب، و ثورة لواته كانت بالصعيد الأدنى. انظر اتعاظ الحنفا: 2/ 97.
ص: 333
البطائحي، المقام في مقام الأفضل الشهيد بن أمير الجيوش، في عسكر مصر بأمر صاحبه الإمام الآمر بأحكام اللّه بن المستعلي باللّه، و لقيهم فكسرهم، و قتل و أسر منهم خلقا كثيرا، و قرر عليهم خرجا معلوما يقومون به في كل سنة، و عادوا إلى أماكنهم، و عاد المأمون إلى مصر غانما منصورا، و بحسن الظفر مسرورا.
و فيها ورد الخبر بأن اصطول مصر لقي اصطول البنادقة في البحر، فتحاربا فظفر به اصطول البنادقة، و أخذ منه عدة(1)قطع.
و في العشر الأول من شهر ربيع الأول منها، ملك الأمير بلك بن أرتق، حصن البارة و أسر أسقفها.
و في هذه السنة ورد الخبر من ناحية خرتبرت بأن الملك بغدوين الرويس و جوسلين مقدمي الأفرنج، و غيرهم من الأسرى الذين كانوا في أسر الأمير بلك، المعتقلين في قلعة خرتبرت عملوا الحيلة فيما بينهم و ملكوا القلعة و هربوا(2)
و عندما ذهب لاخبار الشحنة عمد الرجال لاختطاف السيوف المعلقة بين البوابات و قتلوا البواب و كل من وجدوه هناك، ثم دعوا رفاقهم الذين كانوا بانتظارهم في الخارج، و انضم هؤلاء إليهم و فتحوا الأبواب، و اندفعوا و قتلوا جميع الضباط الذين كانوا يشتركون في الوليمة بدون استثناء، ثم فكوا أسار الأسرى، و احتلوا القلعة، و ساعدهم جميع الأرمن الذين كانوا داخل المدينة.
و حالما انتشر خبر هذه الواقعة، أرسل الخبر الى بلك في حلب، كما تجمع الأتراك من كل حدب و صوب و أحاطوا بالقلعة، و راقبواها عن كثب حتى لا يخرج منها أحد أو يدخلها انسان، و عمد جوسلين في الليلة الأولى و معه اثنان أو ثلاثة آخرون، الى الهرب بشجاعة، و اخترقوا الحصار و نجوا، و كان جوسلين قد وعد الملك بألا يرتاح حتى يصل الى القدس و يجلب جيشا لانقاذه، ثم سار مارا بكيسوم فتل باشر، فأنطاكية، فالقدس.
و زاد فرح الفرنجة لدى سماعهم أن بلدوين و جاليران أسقف البارة) قد أطلق سراحهما، و أن قلعة زياد قد سقطت، إنما عند ما سمع بلك بخبر ما حدث في قلعته الحصينة، عاصمة ملكه، و بيت ماله، و مخزن ثروته، بدأ بالتحرك حالا مع فرق جيشه، و وصل الى قلعة زياد في مدة أربعة أيام، أي بعد عشرة أيام من حدوث الواقعة، و هاجم القلعة بضراوة، و نصب آلات الحصار التي قذفت السور برماياتها دون توقف دقيقة واحدة، خشية أن يحضر الفرنجة لنجدتها، و في بضعة أيام فتحوا ثلمة في السور، و طلب بلك تسليم الحامية، و وعدها أن يحفظ حياة أفرادها، لأنه لم يرغب في مهاجمة القلعة، فيدمر موطن سمعته و شرفه، و أثناء هذا تمكن من هدم برج آخر مقاما فوق صهريج الماء، و عندما حدث هذا، فقد المحاصرون كل أمل، و خرج جاليران بنفسه إليه ليطلب كلمة الشرف و يتوثق من بلك بحفظ حياتهم، و أعطاه بلك ذلك و وعد بحفظ حياتهم، فسلموا له القلعة، فدخلها، و قام بتعذيب الأرمن و سلخ أجسادهم أحياء، و أعاد الملك بلدوين و جاليران الى سجنهم السابق 16 أيلول 1123 م).
...... الملك بغدوين و نجا و لم يظفروا به و هرب في ذلك اليوم أيضا أسقف البارة من اعتقاله.1) انظر الحاشية رقم- 2- ص: 322.
2) كذا بالأصل، و هناك سقط بالرواية و اضطراب، و ذكر هذه الواقعة ابن العديم في زبدة الحلب 2:/ 213- 213 و سواه، إنما من الملاحظ أن معلومات المصادر العربية حول هذه الحادثة لا تفي بالغرض، و لحسن الحظ أن المؤرخ السرياني المجهول تحدث عنها باسهاب حيث قال: و في شهر آب من تلك السنة- 1435 1123 م) قام عشرون رجلا من الأرمن، ممن كان يخدم في حصن كيسوم بحبك مؤامرة مع جودفري الموين و الملكة، فذهبوا الى قلعة زياد متنكرين على شكل جنود فقراء، و كان عشرة منهم يحملون العنب و الفواكه و الطيور الداجنة، و تظاهر هؤلاء أنهم قرويون أتوا للشكوى ضد والي مدينتهم الذي ظلمهم، و بقي الآخرون خارج الحصن، و هم على استعداد للالتحاق برفاقهم عندما تحين الفرصة، و تأتي ساعة العمل، و ذهبت الجماعة التي كانت تحمل الأغراض إلى بوابة الحصن العليا و أخبروا البواب بسبب قدومهم، و هو الشكوى ضد و اليهم، فطلب منهم الانتظار بين البوابتين، بينما يخطر شحنة القلعة بقدومهم، و صدف أن كان الشحنة يقيم آنذاك وليمة لضباطه، و قد أثرت الخمرة بهم، و كانوا جميعا بمنتهى الغبطة و السرور، و كان كثيرون من رجال الحرس يشاهدون الوليمة، و لم يبق سوى اثنان أو ثلاثة مع البواب على البوابة.
ص: 334
و في الشهر المذكور توجه الأمير نور الدولة بلك في عسكره إلى خرتبرت،
ص: 335
و ضايق قلعتها إلى أن استعادها من الأفرنج الواثبين عليها، و رتّب فيها من يحفظها و يتيقظ فيها.
و في هذه السنة ورد الخبر بأن محمود بن قراجة (114 ظ) والي حماة خرج في رجاله، و قصد ناحية أفامية، و هجم ربضها فأصابه سهم من الحصن في يده، و لما قلع منه عملت عليه و تزايد أمرها، فمات منه، و كان عاهرا ظالما متمردا، و قتل جماعة من أعيان حماة ظلما و تعدّيا بسعاية بعضهم على بعض، و لما عرف ظهير الدين ذلك أنهض إلى حماة من تسلمها، و تولى أمرها من ثقاته.
و فيها ورد الخبر بالنوبة الكائنة بين السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود و بين أخيه طغرل ابني السلطان محمد، و أن السلطان محمود صافّه و كسره، و هزمه و ملك عسكره، و أن طغرل استعان بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، و استنجد به عليه، و أجيب إلى ذلك.
و في هذه السنة كانت النوبة الكائنة بين عسكري ظهير الدين أتابك الدمشقي، و سيف الدين آق سنقر البرسقي، حين تجمعوا و نزلوا على عزاز من عمل حلب، و مضايقتها بالنقوب و الحروب، إلى أن سهل أمرها، فتجمع الأفرنج من كل صوب، و قصدوا ترحيل العسكر عنها، و التقى الجيشان، و انفلّ جيش المسلمين، و تفرقوا بعد قتل من قتل و أسر من أسر، و عاد ظهير الدين أتابك إلى دمشق في جمادى الأولى من السنة.
و في شهر رمضان من السنة توجه الحاجب علي بن حامد إلى مصر، رسولا عن ظهير الدين أتابك.
ص: 336
في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي، قاضي القضاة زين الاسلام، أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي، كان قافلا من ناحية خراسان بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه، و أنه لما نزل بهمذان في جامعها، وثب عليه على حين غفلة منه، قوم رتّبوا له من الباطنية، فضربوه بسكاكينهم، فقتلوه و هربوا في الحال، و لم يظهر لهم خبر و لا بان منهم أثر، و لا تبعهم شخص للخوف منهم، فمضى لسبيله شهيدا إلى رحمة اللّه، و ذلك للقضاء النازل الذي لا يدافع، و القدر الحال الذي لا يمانع، و ذلك في رجب منها.
و فيها ملك الأفرنج ثغر صور بالأمان، و شرح الحال في ذلك: كان قد مضى من ذكر الذي أوجب إخراج الأمير (115 و) سيف الدولة مسعود واليها منها، و حمله في الأسطول إلى مصر ما لا يحتاج إلى الاعادة له، و الإطالة بذكره، و لما حصل بها الوالي المندوب من مصر بعد مسعود، طيّب نفوس أهله، و كاتب ظهير الدين بصورة الحال، فأعاد الجواب بأن الأمر في ذلك لمن دبّره، و المرجوع إلى ما رتبه و قرره، و اتفق أن الأفرنج لما عرفوا هذا الأمر، و انصراف مسعود عن ولاية صور، تحرك طمعهم فيها، و حدثوا نفوسهم بتملكها، و شرعوا في الجمع و التأهب للنزول عليها، و المضايقة لها، و اتصل بالوالي صورة الأمر، و أنه لا طاقة له بالأفرنج، و لا ثبات على محاصرتهم، لقلة من بها من الجند و الميرة، فطالع الآمر بأحكام اللّه صاحب مصر بذلك، فاقتضى الرأي أن ترد ولاية صور إلى ظهير الدين أتابك، ليتولى حمايتها و الذب عنها و المراماة دونها، على ما جرى رسمه فيها، و كتب منشور الولاية باسمه، فندب لتوليها جماعة لا غناء لهم، و لا كفاية فيهم و لا شهامة، ففسد أمرها بذاك، و توجه طمع الافرنج حولها لأجله، و شرعوا في النزول و التأهب
ص: 337
للمضايقة لها، و نزلوا بظاهرها في شهر ربيع الأول من السنة، و ضايقوها بالقتال و الحصار، الى أن خفت الأقوات فيها، و عدمت الميرة، و توجه ظهير الدين في العسكر إلى بانياس للذب عن صور.
و نفذت المكاتبات إلى مصر باستدعاء المعونة لها، و تمادت الأيام بذلك إلى أن ضعفت النفوس، و أشرف أهلها على الهلاك، و عرف أتابك جلية (الأمر)(1)و تعذر تلافيها، و وقع اليأس من المعونة لها، فراسل الأفرنج بالملاطفة و المداهنة، و الإرهاب و الإرغاب إلى أن تقررت الحال على تسليمها إليهم، بحيث يؤمّن كل من بها، و يخرج من أراد الخروج من العسكرية و الرعية، بما يقدرون عليه من أحوالهم، و يقيم من أراد الإقامة.
و وقف أتابك في عسكره بإزاء الأفرنج، و فتح باب البلد، و أذن للناس في الخروج، فحمل كل منهم ما خف عليه، و أطاق حمله، و ترك ما ثقل عليه، و هم يخرجون بين الصفين، و ليس أحد من الأفرنج يعرض لأحد منهم، بحيث خرج كافة العسكرية و الرعية، و لم يبق منهم إلا ضعيف (115 ظ) لا يطيق الخروج، فوصل بعضهم إلى دمشق، و تفرقوا في البلاد، و ذلك في اليوم الثالث و العشرين من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة و خمسمائة.
و فيها ورد الخبر باجتماع الأفرنج من أعمالهم، و نزولهم على حلب، و شروعهم في قتال من بها، و المضايقة، و تمادى الأمر في ذلك الى أن قلّت الأقوات فيها، و أشرف على الهلاك أهلها، فلما ضاق بهم الأمر، و عدم الصبر راسلوا الأمير سيف الدين (أق) سنقر البرسقي، صاحب الموصل بشكوى أحوالهم، و شرح ما نزل بهم، و السؤال له في إنجادهم على الأفرنج، و انقاذهم من أيدي الكافرين، فضاق لذلك صدره، و توزع سره، و تأهب في الحال للمصير إليهم، و صرف الاهتمام الى الذب عنهم.
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
ص: 338
فلما وصل إليهم في ذي الحجة من السنة، و عرف الأفرنج خبره، و حصوله قريبا منهم، و ما هو عليه من القوة و شدة الشوكة، أجفلوا مولين، و رحلوا منهزمين، و تبعهم سرعان الخيول يتلقطون من يظفرون به في أعناقهم، و لم يلو منهم منهزم على متلوم، إلى أن حصلوا بأنطاكية، و كانوا قد ابتنوا في منزلهم مساكن و بيوتا تقيهم الحر و البرد، و أصروا على المقام، و لطف اللّه تعالى، و له الحمد بأهل حلب، و خلصهم من البلاء، و انتاشهم من اللأواء، و كسب آق سنقر البرسقي بهذا الفعل الجميل جزيل الأجر و الثناء، و دخل حلب و أحسن السيرة فيها، و أجمل المعاملة لأهليها، و اجتهد في الحماية لها، و المراماة دونها، بحيث صلحت أحوالها، و عمرت أعمالها، و أمنت سابلتها، و تواصلت الرفق إليها ببضائعها و تجارتها.
و في شتوة هذه السنة احتبس الغيث بأرض الشام، في كانون و كانون و أكثر شباط، و تلف الزرع، و غلا السعر، و عم القحط أكثر البلاد الشامية، ثم تدارك اللّه عبيده بالرحمة، و أنزل الغيث بعد القنوط، فأحيا به الأرض بعد موتها، و انتاش الزراعات بعد فوتها، و طابت النفوس، و زال عنها الهم و البؤس، و ارتفعت الأسعار في هذه السنة في حلب و دمشق و أعمالها إلى الرحبة و القلعة و الموصل، و بقي إلى سنة تسع عشرة و هلك كثير من ضعفاء الناس بالجوع.
(116 و) في هذه السنة وردت الأخبار من مصر، بتقدم الآمر بأحكام اللّه بالقبض على المأمون أبي عبد اللّه، و أخيه المؤتمن ابني البطائحي، غلامي الأفضل، اللذين كانا عملا على قتله و أعانا على إتلافه، و اعتقالهما في شعبان
ص: 339
و الاستيلاء على أموالهما و ذخائرهما، للاسباب التي نقم بها عليهما، و المنكرات التي اتصلت به عنهما(1).
و فيها اتصلت الأخبار من ناحية بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس، بالاحتشاد و التأهب و الاستعداد لقصد ناحية حوران من عمل دمشق، للعيث فيها و الإفساد، و شرع في شن الغارات على الجهات القريبة من دمشق، و المضايقة لها، و قطع الطرقات على الواردين إليها، فعند المعرفة بذاك و التحقق له، شرع ظهير الدين أتابك في الاستعداد للقائه، و الاجتماع على جهاده، و كاتب أمراء التركمان و مقدميهم و أعيانهم، بإعلامهم صورة الحال، و يستنجد بهم عليهم، و يبذل لهم الاحسان و الانعام، و برز في عسكره و قد ورد عليه خبر قربهم من طبرية، قاصدين أعمال البلد من مرج الصفر و شرخوب(2)، و خيم به، و كاتب ولاة الأطراف بإمداده بالرجالة، و اتفق وصول التركمان في ألفي فارس أولي بأس شديد، و رغبة في الجهاد، و مسابقة إلى الكفاح و الجلاد، فاجتمع إليه خلق كثير، و كان الأفرنج حين عرفوا نزول أتابك و العسكر بمرج الصفر، رحلوا إليه، و خيموا بإزائه، و وقعت العين على العين، و تطاردت طلائع الفريقين، فلما كان يوم الاثنين السابع و العشرين من ذي الحجة من السنة، اجتمع للقضاء المقضي، و الحكم النافذ من أحداث دمشق و الشباب الأغرار، و رجال الغوطة و المرج و الأطراف، و أحداث الباطنية المعروفين بالشهامة و البسالة من حمص و غيرها و العقبة و قصر حجاج و الشاغور خلق كثير، رجالة و خيالة بالسلاح التام، و الناهض مع المتطوعة و المتدينين، و شرعوا بالمصير للحاق المصاف قبل اللقاء، و قد شاع الخبر بقوة عسكر
ص: 340
الاسلام، و كثرته و استظهاره على حرب الأفرنج، و شدة شوكته، و لم يشك أحد في هلاك الأفرنج في هذا اليوم و بوارهم، و كونهم طعمة للمسلمين متسهلة، (116 ظ) و اتفق أن فرقة وافرة من عسكر التركمان، غارت على أطراف الأفرنج و نالت منهم، و استظهرت عليهم، و خاف الافرنج، و علموا أنه لا طاقة لهم بهذا الجمع، و أيقنوا بالهلكة، و رحلوا بأسرهم من منزلهم الذي كانوا فيه، عائدين الى أعمالهم على غاية من الخوف و الوجل، و نهاية من الذل و الوهل، و نشبت فرقة من التركمان في فريق منهم، و هم راحلون فغنمت من أثقالهم و دوابهم غنيمة وافرة، و ظفرت بالكنيسة المشهورة التي لهم في مخيمهم، و طمع العسكر عند ذاك فيهم و حملوا عليهم، و هم مولون لا يلوون على تابع و لا يقفون على مقصر لاحق، و قد شملهم الرعب و ضايقوهم مضايقة ألجأتهم إلى رمي نفوسهم عليهم، إما لهم و إما عليهم، فتجمعوا و عادوا على العسكر الإسلامي، و حملوا عليه حملتهم المعروفة، فكسروهم و هزموهم، و قتلوا من أعقابهم من ثبطه الوجل، و خانه الأجل، و تم العسكر في الهزيمة على حاله، و عادوا على جميع الرجالة، و هم العدد الكثير و الجم الغفير، و أطلقوا السيف فيهم حتى أتوا عليهم، و تتبعوا المنهزمين بالقتل حتى وصلوا إلى عقبة سحورا(1)و قربوا من البلد من شرخوب مع بعد المدى و المسافة، و صبر خيولهم.
و وصل ظهير الدين أتابك و العسكر إلى دمشق آخر نهار هذا اليوم، و بنوا الأمر بينهم على مباكرتهم في غد للإيقاع بهم، فصادفوهم قد رحلوا عائدين إلى عملهم، خوفا مما عزم عليه من قصدهم، و تنبعهم، و اللّه يحكم ما يشاء.
1) لم أجد هذا الموقع في المعاجم و المصادر الجغرافية.
ص: 341
في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الموصل باستشهاد الأمير الاصفهسلار سيف الدين آق سنقر البرسقي صاحبها، بيد الباطنية رحمه اللّه، في مسجد الجامع بها في ذي القعدة منها، و كان الذي وثب عليه جماعة، قد رتبت لمراصدته، و طلب غرته حتى حان الحين، و نفذ الأجل، و قد كان على غاية من التيقظ لهم و التحفظ منهم بالاستكثار من السلاحية و الجاندارية و السلاح الشاك، لكن القضاء النازل لا يدافع، و القدر النافذ لا يمانع، و عليه مع هذا من (117 و) لباس الحديد ما لا تعمل فيه مواضي السيوف، و مرهفات الخناجر، و حوله من الغلمان الأتراك و الديلم و الخراسانية بأنواع السلاح عدد، فلما حصل بالجامع على عادته، لقضاء فريضة الجمعة، و النفل على رسمه، و صادف هذه الجماعة الخبيثة في زي الصوفية، يصلون في جنب المشهد، لم يؤبه لهم، و لا ارتيب بهم، فلما بدأ بالصلاة، و ثبوا عليه بسكاكينهم، فضربوه عدة ضربات لم تؤثر في لبس الحديد الذي عليه، و قد غفل أصحابه عنه، و انتضى سيفا كان معه و ضرب أحدهم فقتله، و صاح واحد منهم حين رأوا السكاكين لا تعمل فيه شيئا: ويلكم اطلبوا رأسه و أعلاه، و قصدوا حلقه بضرباتهم فأثخنوه، إلى حين أدركه أصحابه و حماته، فقضي عليه، و قتل شهيدا، و قتلوا جميع من كان وثب عليه.
و قد كان هذا الأمير رحمه اللّه سديد الطريقة، جميل الأفعال. حميد الخلال، مؤثرا للعدل، و الانصاف، كثير التدين محمود المقاصد محبا للخير و أهله، مكرما للفقهاء و الصالحين، فحزن الناس عليه، و أسفوا لفقده على هذه الحال، و لما عرف ظهير الدين أتابك هذا، قلق له و ضاق صدره لسماعه، و قام في الأمر بعده ولده الأمير مسعود، و هو مشهور بالنجابة و الذكاء، معروف بالشهامة و العناء، فاجتمع إليه خواص أبيه و وزيره و كتابه و سلك
ص: 342
منهاجه المحمود، و قصد قصده المشكور، فاستقام له الأمر، و انتظمت على السداد و المراد أحواله.
و في هذه السنة نهض ظهير الدين نحو تدمر، و لم يزل حتى استعادها من أيدي العاملين عليها الواثبين على ابن أخيه، الوالي كان بها، في يوم الخميس لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها، و استقر الأمر على أن يجعل برسم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، و سلمت إليه و خرج إليها و معه من رتب لحفظه و حفظها من الثقات.
و في هذه السنة عاد ظهير الدين من حلب، و قد بدا له من المرض، و دخل دمشق في شعبان منها، و وصل إليه أمير الدولة كمشتكين والي بصرى من مصر بجواب الرسالة التي كان نفذ لأجلها، و معه الأمير المنتضى (117 ظ) ابن مسافر الغنوي، رسول الآمر بأحكام اللّه صاحب مصر، و على يده خلع سنية و تحف مصرية، في الشهر المذكور.
و في هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية، و عظم خطبه في حلب و الشام، و هو على غاية من الاستتار و الاختفاء و تغيير الزي و اللباس، بحيث يطوف البلاد و المعاقل، و لا يعرف أحد شخصه، إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين ايل غازي بن أرتق مع الأمير ظهير الدين أتابك، و خطاب وكده بسببه، فأكرم لاتقاء شره، و شر جماعته، و أجملت له الرعاية، و تأكدت به العناية بعد أن تقلبت به الأحوال، و تنقل من مكان إلى مكان، و تبعه من جهلة الناس، و سفهاء العوام، و سفساف الفلاحين الطغام، من لا عقل له، و لا ديانة فيه، احتماء به، و طلبا للشر بحزبه، و وافقه الوزير أبو علي طاهر ابن سعد المزدقاني- و إن لم يكن على مذهبه- على أمره، و ساعده على بث حبال شره، و إظهار خافي سره، فلما ظهر أمره و شاع، و طاوعه وزير ظهير
ص: 343
الدين المذكور، ليكون عونا له على فعله، و تقوية يده في شغله، التمس من ظهير الدين أتابك حصنا يأوي إليه، و معقلا يحتمي به، و يعتمد عليه، فسلم له ثغر بانياس في ذي القعدة سنة عشرين و خمسمائة فلما حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من: الرعاع، و السفهاء و الفلاحين، و العوام، و غوغاء الطغام، الذين استغواهم بمحاله و أباطيله، و استمالهم بخدعه و أضاليله، فعظمت المصيبة بهم، و جلّت المحنة بظهور أمرهم و شينهم، و ضاقت صدور الفقهاء و المتدينين، و العلماء، و أهل السنة، و المقدمين، و (أهل) الستر و السلامة من الأخيار المؤمنين، و أحجم كل منهم عن الكلام فيهم، و الشكوى لواحد منهم، دفعا لشرهم، و ارتقابا لدائرة السوء عليهم، لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم، و معاضدة من يؤازرهم على الضلال، و يرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان و لا وزير، و لا يفل حد شرهم مقدم و لا أمير.
و في هذه السنة ورد الخبر بوصول السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود ابن السلطان محمد بن ملك شاه (118 و) إلى بغداد، و جرى بينه و بين الخليفة الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين مراسلات و مخاطبات، أوجبت تشعيث الحال بينهما، و المنافرة من كل منهما، و تفاقم الأمر الى أن أوجب زحف السلطان في عسكره إلى دار الخلافة، و محل الإمامة، و محاربته في قصره، و الطلبة لغلبته و قهره، و لم تزل الشحناء مستمرة، و الفتنة على غير الإيثار مستقرة، إلى أن زالت أسباب الخلف و النفار، و عادت الحال إلى ما ألفيت من شوائب الأكدار، بحسن سفارة الوزير جلال الدين بن صدقة، وزير الخلافة، و جميل وساطته، و سديد نيابته، و عاد السلطان مع ذلك إلى المألوف من طاعته، و المعروف من مناصحته، و التصرف على أوامر أمير المؤمنين و أمثلته و ذلك في العشر الأخير من ذي الحجة سنة عشرين و خمسمائة، و قيل في أول المحرم سنة احدى و عشرين و خمسمائة(1).
1) أتى سبط ابن الجوزي على تفاصيل ذلك في أخبار سنة/ 521/ ه و هي ليست في المطبوع: 1/ 124- 125.
ص: 344
و في رجب من هذه السنة، توفي الأمير طرخان بن محمود الشيباني، أحد أمراء دمشق بعلة حادة، هجمت عليه، فأردته.
و فيها قصدت الأفرنج رفنية، و ضايقوها، و استعادوها من ملكة المسلمين.
فيها ورد الخبر من ناحية العراق بقتل المعين وزير السلطان سنجر بن السلطان ملك شاه صاحب خراسان، بتدبير الباطنية في شهر ربيع الآخر منها، ذكر أنه كان فتك بجماعة منهم، و محرضا للسلطان على النكاية فيهم، و تطهير الأرض منهم، فرتبوا له قوما من سفائهم للارصاد لفرصة تلوح فيه، و غرة تظهر منه(1)فلم يتم لهم في ذلك نيل طلب، و لا تسهل لهم إدراك أرب، فأفردوا منهم سفيها، و لم يزل يتحيل إلى أن خدم في اسطبل دوابه، سائسا لبغاله، و قام في خدمته إلى أن وجد الفرصة متسهلة عند حضوره لمشاهدة كراعه، فوثب عليه، و هو غافل مطمئن، فقتله و مسك فقتل من بعده، و كان هذا الوزير موصوفا بجميل الأفعال، و حميد الفعال، و متانة الدين (118 ظ) و حسن اليقين، و الإنصاف في أعماله، و التسدد في أقواله، و مضى لحال سبيله شهيدا، و انتقل إلى ربه مرضيا حميدا عند نفاذ المدة، و انقضاء العدة، و للّه عاقبة الأمر، و بيده محتوم النفع و الضر.
و قد تقدم من شرح حال الأمير سيف الدين آق سنقر البرسقي، صاحب الموصل في استشهاده بيد الباطنية في جامعها، رحمه اللّه، و قيام ولده الأمير مسعود في الأمر من بعده ما فيه الكفاية، فلما استتب أمره، و قويت شوكته، و استقامت ولايته، شمخ بأنفه، و نفخت حداثة السن في سحره، و حدثته
1) في الأصل: منهم، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.
ص: 345
نفسه بمنازلة البلاد الشامية، و الطمع في تملك المعاقل الاسلامية، و الاطراح لمجاهدة العصب الأفرنجية، بالضد من أولي الحزامة و السداد، و ذوي البأس و البسالة في إحراز فضيلة الغزو و الجهاد، و نمي الخبر عنه إلى ظهير الدين أتابك بحكايات تدل على حسده له، بما أوتي من الهيبة، و حسن الصيت و جميل الذكر، و كبر الشأن و الأمر، و أنه عازم على التأهب و الاحتشاد لقصد أعمال الشام، و العيث فيها و الإفساد، فعزم ظهير الدين أتابك، عند معرفته هذه الأحوال، التي لا يصدر مثلها عن أريب، و لا يبدو شبهها عن حازم في رأيه لبيب، على الاستعداد لقصده في عسكره، حين يدنو من الأعمال الشامية، فيوقع بعسكره، و يشفي غليله بالفتك بحزبه، فما كان بعد ذلك إلا الأيام القلائل حتى انفصمت عرى شبابه، و نزل محتوم القضاء به، بهجوم مرض حاد عليه بظاهر الرحبة، أتى عليه و أصاره الى المحتوم، الذي لا بد له عنه، و لا مجير له منه، فانفل حده، و خذله أنصاره و جنده، و أسلمته للقضاء حماته، و تفرقت عنه خواصه و ثقاته، و هلك في الحال وزيره و شريكه في الوزر و مشيره، بعلة شديدة أعجلته، في إشراك المنية أو بقته، و هرب جماعة من خواص غلمان أبيه الأتراك بأعلامه التي كانت قد استعملها على مراده و ايثاره، و تناهى في إحكامها على قضية اقتراحه و اختياره، و وصلوا بها إلى ظهير الدين أتابك متحفين له بها، و متقربين إليه بإهدائها، فأحسن إليهم و بالغ في الإكرام لهم، و الانعام عليهم، و اصطفاهم لنفسه، و ضمهم إلى ثقاته و أهل أنسه، و قابلهم على وفودهم عليه (119 و) بالفعل الجميل و العطاء الجزيل(1).
1) جاء في كتاب الباهر لابن الأثير: 32- 35:« لما قتل البرسقي قام بالموصل بعده ابنه عز الدين مسعود، و أرسل الى السلطان يطلب أن يقرر البلاد عليه، فأجابه الى ذلك، و أقره على ما كان لأبيه من الأعمال، فضبط البلاد، و قام فيها المقام المرضي، و كان شابا عاقلا، فجمع عساكر أبيه و أحسن إليهم، و كان يدبر الأمر بين يديه الأمير جاولي- و هو مملوك تركي من مماليك أبيه- و كان أيضا عاقلا حسن السيرة، فجرت الأمور على أحسن نظام، فلم تطل أيامه، و أدركه في عنفوان شبابه حمامه، و توفي سنة احدى و عشرين و خمسمائة، فولي بعده أخوه الأصغر، و قام بتدبير دولته جاولي أيضا، و أرسل الى السلطان يطلب أن يقرر البلاد عليه، و بذل أموالا كثيرة ... و كان واسطة ذلك القاضي بهاء الدين أبا الحسن علي بن الشهرزوري، و صلاح الدين محمد الياغسياني، فحضرا الى بغداد ليخاطبا السلطان في ذلك، و كانا يخافان جاولي، و لا يرضيان بطاعته و التصرف بحكمه، فاجتمع صلاح الدين و نصير الدين جقر- الذي كان أعظم أصحاب أتابك زنكي منزلة- و كان بين نصير الدين و صلاح الدين مصاهرة فذكر له صلاح الدين ما قدم له، فخوفه نصير الدين من جاولي و تحكمه على صاحبه، و قال له: إن رأيت أن تطلب البلاد لعماد الدين فهو الرأي، لأن السلطان صورة و أنا و أنت معنى، فأجابه الى ذلك، و أخذه الى القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري، متحدثا معه و وعده نصير الدين و مناه، و ضمن له عن عماد الدين من الأملاك و الاقطاع، و الوقوف على اختياره ما جاوز أمله، فأجاب بهاء الدين أيضا، و ركب هو و صلاح الدين الى دار الوزير- و هو حينئذ أنوشروان بن خالد- فقال له: قد علمت أنت و السلطان أن بلاد الجزيرة و الشام قد استولى الفرنج عليها، و تمكنوا منها، و قويت شوكتهم، و قد كان البرسقي يكف بعض عاديتهم، فمذ قتل إزداد طمعهم، و هذا ولده طفل، و لا بد للبلاد من شهم شجاع يذب عنها و يحمي حوزتها، و قد أنهينا الحال إليك، لئلا يجري خلل أو وهن على الاسلام و المسلمين، فنحصل نحن بالاثم من اللّه، و اللوم من السلطان، فأنهى الوزير ذلك الى السلطان، فقال: من تريان يصلح لهذه البلاد، فقد نصحتما للّه تعالى و للمسلمين، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي، و عظما محله أكثر من غيره، فمال السلطان الى توليته، لما علم من شهامته و كفايته و عقله لما تولاه، و أمره بالحضور عنده، و فصل الحال في خدمة يحملها، و استقر الحال و ولاه البلاد جميعها، و كتب منشوره الى بغداد.
ص: 346
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق، بمسير السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود، و قد عبث به مرض خاف منه على نفسه، محمولا في محفة نحو همذان، و اجتاز عند ذلك بدار الخلافة، و راسل الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين، يسأله المسامحة بما سبق منه في تلك النوبة الحادثة بينهما، و أن يحلله و يدعو له، و لا يدعو عليه، فخرج إليه جواب الرسالة بأجمل جواب، و ألطف خطاب، طابت بهما نفسه و زاد في استماعهما أمله في البر
ص: 347
و أنسه، ثم إنه أفاق من مرضه هذا و عاوده نشاطه بعد الكسل و الفتور و عاد إلى الغرض المأثور، و كان قد أنكر على وزيره شمس الملوك خواجه برزك أمورا، دعته إلى الأمر بالقبض عليه، و تسليمه إلى حاجبه فقتله، و قيل إنه شرب الخمر في قحف رأسه.
و في شعبان من هذه السنة قصد بغدوين ملك الافرنج، صاحب بيت المقدس، في عسكره وادي موسى، فنهب أهله و سباهم و شرد بهم، و عاد عنهم.
و في جمادى الآخرة منها ورد الخبر بأن الأمير ختلغ ابه السلطاني ولي مدينة حلب، و حصل في قلعتها بطالع اختير له، و لم يقم إلا القليل حتى فسد أمره و اضطرب حاله، و وقع بينه و بين أحداث الحلبيين، فحصروه في القلعة إلى أن وصل الى حلب عسكر الأمير عماد الدين أتابك فتسلمه من القلعة، و اعتقل و استؤذن في أمره، فأذن في سمل عينيه، فسملتا.
في هذه السنة اشتد المرض بظهير الدين أتابك، و طال به طولا أنهك قوته، و أنحل جسمه، و أضعف منته، و أشفى منه على نزول ما لا يدفع بحيلة، و لا يمنع بقوة، فأحضر ولده الأمير تاج الملوك، و أمراء دولته و خواصه، و أهل ثقته، و أعيان عسكريته، و أعلمهم بأنه قد أحس من نفسه بانقطاع الأجل، و فراغ المهل، و خيبة الرجاء من البقاء و الأمل، «و لم يبق غير الوصية بما يعمل عليه، و يدبر به الأمر بعدي، و ينتهي إليه، و هذا ولدي تاج الملوك بوري، هو أكبر ولدي و المترشح للانتصاب مكاني من بعدي، و المأمول لسد ثلمة فقدي، و لا أشك في (119 ظ) سداد طريقته و إيثاره لفعل الخير و محبته، و أن يكون مقتفيا لآثاري في حفظ قلوب الأمراء و العسكرية، و عاملا على مثالي في إنصاف الأعيان و الرعية، فان قبل وصيتي
ص: 348
هذه، و نهج السبيل المرضية في بسط المعدلة و النصفة، في الكافة، و أزال بحسن سياسته عنهم أسباب الوجل و المخافة، فذاك الظن في مثله، و المرجو من سداده، و جميل فعله، و إن عدل عن ذلك إلى غيره، و حاد عن ما يؤثر من السداد في سره و جهره، فها هو مشاهد لهذه الحال، و متوقع لمثل هذا المآل»، فقال: بل أوفي على المراد، و لا أتعدى سبيل السداد و الرشاد، فوكد الأمر عليه في ذلك تأكيدا، فهمه منه و قبله عنه.
ثم توفي الى رحمة اللّه، ضحى نهار السبت لثمان خلون من صفر من السنة، فأبكى العيون، و انكأ القلوب، و فتّ في الأعضاد، و فتت الأكباد، و اشتد الأسف لفقده، و الجزع عليه، و لم يسمع إلا متفجع له، و ذاكر لجميل أفعاله، و شاكر لأيامه.
و قام ولده تاج الملوك بوري بالأمر من بعده، و أحسن السيرة في خاصه و رعيته و جنده، فلو كانت مجاري الأقدار تدفع إليه عن ذوي المناصب و الأخطار، لكان هذا الأمير السعيد الفقيد أحق من تخطأته المنايا، و لم تلم بساحته الرزايا، و أبقته الأيام لها رتبة تتباهى بها، و حلية تنافس بها، إلا أن اللّه تعالى لا يغالب أمره، و لا يدافع حكمه، و لا بد من تمام ما سبق به علمه، و حدوث ما تقرر نفاذه في خلقه، لأن الموت غاية الحيوان، و نهاية ما يكون من مصير الانسان، و قد كان هذا الأمير السعيد قد بالغ في استعمال العدل، و الكف عن الظلم، و أعاد على جماعة من الرعية أملاكا في ظاهر البلد جمة داثرة، اغتصبت منهم في زمن الولاة الظالمة، و قبضت عنهم في زمن العتاة الجبابرة، و جرت عليهما أحكام المقاسمة و عتت الايدي العادية الغاشمة، فأعادها إلى خراجها القديم المستقر، و رسمها السالف المستمر، و رفع عنها مواد الجور و العدوان، و حسم عن مالكيها أسباب التأول في كل مكان و أوان، فأحرز بذاك صالح الدعاء، و جميل الشكر و الثناء.
ص: 349
ثم رفع إلى أمير المؤمنين الخليفة المسترشد باللّه، رقعة عند مصيره الى بغداد، (120 و) و مهاجرته الى الباب الإمامي المسترشدي، و السلطاني الغياثي، يذكر فيها حال مواضع داثرة في عمل دمشق، و حصص عامرة، و أرض معطّلة لا مالك لها و لا فائدة في عطلتها، و لا انتفاع لخاصي و لا عامي بشيء منها، لدثورها و دروس معالمها و رسومها، و استأذنه في بيعها ممن رغب فيها، و يؤثر عمارتها للانتفاع بريعها و غلتها، و صرف ما يحصل من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد، فأذن له في ذلك أذنا تاما، مؤكدا إباحه له، و أمضاه لمن يملكه بالابتياع منه، و أحله و أطلقه، و وقع بذاك على ظهر الرقعة بالإمضاء، و إبطال التأول فيه، و التحذر من إبطال شيء من حكمه، أو التجاوز لرسمه، و وكد بالعلامة الشريفة الإمامية المسترشدية بخطه الكريم، و وكل في بيع ذلك من ارتضاه من ثقات الأمناء، الوكالة الصحيحة التي قبلها منه، و تقلدها عنه و أشهد عليه الشهود المعدلين، و أمضى البيع في ذلك لمن رغب فيه، فعمرت عدة ضياع يبابا خالية، و على عروشها خاوية، و أرض عافية لا انتفاع بها و لا فائدة لأحد فيها، فأجريت عيون مياهها، و أعيدت الى أجمل عاداتها، و ظهرت منها الخيرات، و عمت بذلك الميامن و البركات، و دامت له الدولة، و لمن بعده ببركات هذه الأفعال الحميدة، و النية الجميلة، و حسنت لهم العقبى في الولد و الأسرة، و الأهل و الجملة و حصل له الذكر الجميل في الآفاق و الأقطار و الأمصار، و الثناء الطيب الحسن الآثار، و مضى لشأنه سعيدا عزيزا حميدا، على ظهر فراشه لا يرد له أمر، و لا يخالف له قول و لا يتجاوز له حكم، «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(1).
1) القرآن الكريم- الحديد: 21.
ص: 350
عند توليه الأمر بعد أبيه ظهير الدين أتابك و أخباره و ما جرى في أيامه من نوبة الباطنية و الأحداث المتجددة و ما جرى مع الأفرنج الى أن مضى سبيله شرح ذلك لما نفذ القضاء في ظهير الدين أتابك رحمه اللّه، قام ولده الأمير تاج الملوك (120 ظ) بالأمر من بعده، إذ كان نجله و ولي عهده، فعمل بما كان ألقاه إليه، و اعتمد على ما وكده في وصيته عليه، من حسن السيرة في جميع من حوته دمشق من الأجناد و العسكرية، و كافة الأتباع و الرعية، و زاد على ذلك، و بالغ في الذب عنهم و المراماة دونهم، و جرى على منهاج أبيه في بسط المعدلة، و اعتماد النصفة للأجناد، و ثقل الوطأة على الأعداء و الأضداد، و إنصاف المتظلمين، و ردع الظالمين، و حماية السفار و المترددين، و التبليغ بالنكاية للمفسدين، بحيث اجتمعت القلوب على حب دولته، و انطلقت الألسن بالدعاء الصالح بإدامة أيامه، و إطالة مدته، و أقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته، و أجراه على رسمه في سفارته، و لم يصرف أحدا من نوابه المعروفين بخدمته عن رسمه و عادته، و لا أزاله عن معيشته، بل زاد في أرزاقهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم، و أقر الاقطاعات على أربابها، و الجامكيات على أصحابها، فكثر الدعاء له و الثناء عليه، و أحسن إلى وزيره المقدم ذكره، و أطلق له عشر ارتفاعه، مع حقوق العرض عن الاقطاعات و الواجبات و النفقات، و قد كان أسر في نفسه من أمر الباطنية، ما لم يبده لأحد من خواصه، و ثقات بطانته، عندما قويت شوكتهم، و تضاعفت مضرتهم، إتباعا لما كان عليه أبوه من إظهار الرعاية لهم، و المداراة لدفع شرهم، فلما مكنه اللّه منهم، و أقدره عليهم، افتتح أمره بالتدبير عليهم، و الايقاع بهم، فكان منه في أمرهم ما سيأتي مشروحا في مكانه.
ص: 351
من البوار و تعفية الآثار في بقية سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة شرح الأمر و السبب في ذلك قد تقدم من ذكر بهرام، داعي الباطنية، و السبب الذي أوجب تسليم ثغر بانياس إليه ما فيه الكفاية، عن تكرير الذكر له، و لما حصل في بانياس شرع في تحصينها، و ترميم ما استرم و تشعث منها، و بث دعاته في سائر الجهات، فاستغووا خلقا كثيرا من جهال الأعمال، و سفساف الفلاحين من الضياع، و غوغاء الرعاع ممن لا (121 و) لب له يصده عن الفساد و يردعه، و لا تقيه تصدفه عن المنكر و تمنعه، فقوي شرهم، و ظهر بقبح الاعتقاد سرهم، و امتدت أيديهم و ألسنتهم إلى الاخيار من الرعية بالثلب و السب، و إلى المنفردين في المسالك بالطمع و السلب، و أخذهم قسرا، و تناولهم بالمكروه قهرا، و قتل من يقتل من الناس تعديا و ظلما، و أعانهم على الايغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير، معونة بالغ فيها، و حصل له و خيم عاقبتها و ذميم مغبتها، لما تقرر بينه و بين بهرام الداعي المقدم، من المؤازرة و المعاضدة و المظافرة و المرافدة، موافقة في غير ذات اللّه، و لا طاعته، طلبا لأن تكون الأيدي واحدة على من يقصدهما بمكروه، و النيات مترادفة على من ينوي لهم شرا، و تاج الملوك غير راض بذاك، و لا مؤثر له، بل تبعثه السياسة السديدة، و الحلم الوافر، و المعرفة الثاقبة على الاغضاء منهم على القذى، و الصبر على مؤلم الأذى، و هو يسر في نفسه ما لم يظهره و يطوي من أمرهم ما لم ينشره الى حين يجد الفرصة مستهلة المرام، و المكنة من أعداء اللّه بادية
ص: 352
الأعلام، فعند ذاك تنتهز الفرصة، و تقتنص الفريسة، و اتفق أن بهرام الداعي، لما يريد اللّه تعالى من بواره، و يحل به من هلكه و دماره، حدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم، لغير سبب حمله عليه، و لا جناية دعته إليه بل اغترار بعاقبة الظالمين، في سفك الدماء المحرمة، و افاظة النفوس المحظورة، و جهلا بما حذر اللّه تعالى من يقصد ذاك، و يقدم عليه بقوله عز و جل: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً(1)»، فخدعه الى أن حصل في يده، فاعتقله و قتله صبرا، فتألم لقتل مثله، على هذه، مع حداثة سنه و شهامته و حسن صورته، و أعلنوا بلعن قاتله في المحافل و المشاهد، و ذمه من كل غائب و مشاهد، فحملت أخاه الضحاك بن جندل، و جماعته و أسرته الحمية الاسلامية، و الحرقة الأهلية على الطلب بدمه، و الأخذ بثأره، فتجمعوا و تعاهدوا، و تحالفوا على المصابرة على لقاء أعدائهم، و الايغال في الطلب لدمائهم، و بذل المهج و النفوس (121 ظ) في إدراك ثأرهم، و شرعوا في التأهب لهذه الحال صابرين، و للفرصة متوقعين الى أن ساق بهرام و لفيفه الحين المتاح، و قضى اللّه عليهم بالاصطلام و الاجتياح، فتجمعوا من كل ناحية، و تهافتوا من كل صوب وجهة، و ظهريهم من بانياس في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة و قصد ناحية وادي التيم، للايقاع بالمذكورين، و كانوا مستعدين للقائه، مترقبين لحربه، فلما أحسوا بقربه منهم، نهضوا بأجمعهم إليه نهوض الليوث من غابها للمحاماة على أشبالها، و طاروا نحوهم مطار صقور الجبال إلى يعاقيبها و أحجالها، فحين دنوا من حزبه المفلول و حشده المخذول، هجموا عليهم و هم في مخيمهم غارون، و بهم مغترون، و صاح صائحهم، و هم غافلون، و بما نزل بهم من البلاء ذاهلون، والى أن يتمكن فارسهم من امتطاء جواده، و راجلهم من تناول عدته و عتاده،
1) القرآن الكريم- النساء: 93.
ص: 353
أتى القتل على أكثرهم ضربا بالسيوف و وجيا بخناجر الحتوف، و رشقا بسهام البلاء، و رجما بأحجار الأقدار و القضاء.
و كان بهرام في خيمته، و حوله جماعة من شركائه في جهله و ضلالته، غافلا عما أحاط به و بطائفته، و قد وثبوا عند سماع الضوضاء، و الصياح الى أخذ آلة السلاح، فأرهقوهم بسيوفهم الماضية، و خناجرهم المبيرة القاضية، حتى أتوا على الجميع، و قطع رأس بهرام و يده بعد تقطيعه بالسيوف و السكاكين، و أخذهما واحد مع خاتمه من الرجال القاتلين، و مضى بهما الى مصر مبشرا بهلاكه، و مهنئا ببواره، فخلع عليه و أحسن إليه، و شاعت بذلك الأخبار، و عم الكافة الجذل بملكهم، و الاستبشار، و أخذ الناس من السرور بهذا الفتح بأوفر السهام، و أكمل الأقسام، فقلت عدتهم، و انقصفت شوكتهم، و انفلّت شكّتهم.
و قام بعد بهرام صاحبه اسماعيل العجمي رفيقه في الضلال و العدوان، و شريكه في المحال و الطغيان، مقامه، و أخذ في الاستغواء للسفساف مثاله، و زاد في الجهل زيادة أظهرت سخف عقله و محاله، و تجمع إليه بقايا الطائفة الخبيثة من النواحي و الأصقاع، و من كان منهم متفرقا في النواحي و البقاع و جرى أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير على الحال التي سلكها مع بهرام في حق اسماعيل، في المساعدة على مراده (122) و المعاضدة على أغراضه، لتحرزه من الشر، و رغبته في السلامة، و لم يعلم أن عقبى هذه الأفعال عين الندامة، و البعد عن طريق السلامة، فقد قيل «رب مستسلم نجت به سلامته، و متحرز من الشر كانت فيه آفته» و لم تزل شكوى الناس من الخاصة و العامة، تتضاعف، و الأضرار بهم من المخذولين تتوالى و تترادف الى أن صرف تاج الملوك بن ظهير الدين أتابك الى الفتك بهم، و الاجتياح لهم همته، و أرهف لتطهير الأعمال منهم عزيمته، و رأى أن إصلاح الأمر فيما
ص: 354
يقتضيه التدبير، فيما يراد، و التقرير الايقاع بأبي علي الوزير أولا فإنه أصوب ما اعتمد، و أولى ما قصد، فرتب لقتله من خواصه من اعتمد عليه، و سكن في أمره إليه، و قرر معه أن يضرب رأسه بالسيف متى أشار إليه، فلما كان يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة حضر مع جماعة الأمراء و المقدمين على الرسم، في قبة الورد من دار القلعة بدمشق، و جرى في المجلس أمور و مخاطبات مع تاج الملوك و الحضور، انتهى الأمر فيها الى الانصراف الى منازلهم، و العود الى دورهم، و نهض الوزير المذكور منصرفا بعدهم على رسمه، فأشار تاج الملوك الى خصمه فضرب رأسه بالسيف ضربات أتت عليه، و قطع رأسه، و حمل مع جثته الى رمادة باب الحديد، فألقيت عليها ينظر الكافة الى صنع اللّه تعالى بمن مكر، و اتخذ معينا سواه، و بغيره انتصر، و أحرقت جثته بعد أيام بالنار، و صار رمادا تذروه الرياح، ذلك بما قدمت يداه، و ما اللّه بظلام للعبيد(1).
1) جاء في مرآة الزمان- أخبار سنة 523- :« و فيها كانت فتنة الاسماعيلية بدمشق، و كان ابن محرز قد سلم إليهم حصن القدموس لأن بوري قصده ليأخذه منه، فسلمه إليهم، و كان الوزير المزدقاني بدمشق يكاتبهم و يهاديهم خوفا من بني الصوفي، فشرع وجيه الدين المفرج بن الصوفي رئيس دمشق مع بوري في الاغراء بالاسماعيلية، و هون عليه أمرهم، و ساعده الحاجب ابن فيروز، ثم اتفقوا على قتل الوزير المزدقاني، فاستدعاه بوري الى القلعة سابع رمضان، فجلس عنده، فلما قام ليخرج، و ثبت عليه جماعة من الأجناد، فقتلوه في دهليز قلعة دمشق، و قطعوا رأسه و أحرقوا جسده في باب الحديد، ثم مضوا الى دار الدعوى، و قتلوا كل من بها، و ثار عوام دمشق على الاسماعيلية، فقتلوهم شر قتلة، ذبحا بالسيوف و رميا بالحجارة، و صلبوا منهم جماعة على سور دمشق، فكان عدة من قتل منهم عشرة آلاف على ما قيل، و لم يتعرضوا لحريمهم و لا لأموالهم ... و كان- طاهر بن سعد أبو علي الوزير المزدقاني- سمحا جوادا، بنى المسجد على الشرف الشمالي دمشق، عند تربة ست الشام، و يسمى مسجد الوزير، و فيه القراء و عليه الوقف، و كان قد عاداه وجيه الدولة ابن الصوفي، فانتمى الى الاسماعلية خوفا منه».
ص: 355
و شاع الخبر بذاك في الحال، فثارت الأحداث بدمشق، و الغوغاء و الأوباش بالسيوف و الخناجر المجردة، فقتلوا من ظفروا به من الباطنية و أسبابهم، و كل ما متعلق بهم، و منتم إليهم، و تتبعوهم في أماكنهم، و استخرجوهم من مكامنهم، و أفنوهم جميعا تقطيعا بالسيوف، و ذبحا بالخناجر، و جعلوا مصرعين على المزابل كالجيف الملقاة، و الميتة المجتواة، و قبض منهم نفر كثير التجأوا الى جهات يحتمون بها، و أملوا السلامة بالشفاعة منها قهرا، و أريقت دماؤهم هدرا و أصبحت النواحي و الشوارع منهم خالية، و الكلاب على أشلائهم و جيفهم متهاوشة عاوية ان في (122 ظ) ذلك لآية لأولي الألباب.
و كان قد أخذ في الجملة المعروف بشاذي الخادم، تربية أبي طاهر الصائغ الباطني، الذي كان بحلب، و هذا اللعين الخادم كان أصل البلاء و الشر، فعوقب شر عقوبة، شفت قلوب كثير من المؤمنين، و صلب و معه نفر منهم على شرفات سور دمشق، ليشاهد فعل اللّه بالظالمين و نكاله بالكافرين، و كان الحاجب يوسف بن فيروز شحنة البلد، و رئيسه الوجيه ثقة الملك أبو الذواد مفرج بن الحسن الصوفي، قد بالغا في التحريض على هلاك هذه الطائفة الخبيثة، فأخذا في التحرز و الاحتياط من اغتيال من يندب إليهما من باطنية ألموت(1)مقر الباطنية، بلبس الحديد و الاستكثار من الحظفة حولهما، بالسلاح الوافر العتيد، فحصل الشقاء لمن أساء و كفر، و السعادة لمن أحسن و اعتبر.
و أما اسماعيل الداعي المقيم ببانياس، و من معه فإنهم لما سمعوا ما حدث من هذه الكائنة سقط في أيديهم، و انخذلوا و ذلوا، و أقبل بعضهم على بعض
1) مقر قيادة الدعوة الاسماعيلية الجديدة في الشرق- انظر الدعوة الاسماعيلية الجديدة: 57- 59.
ص: 356
يتلاومون، و تفرق شملهم في البلاد و علم إسماعيل أن البلاء محيط به إن أقام ببانياس، و لم يكن له صبر على الثبات، فأنفذ الى الأفرنج يبذل لهم تسليم بانياس إليهم، ليأمن بهم، فسلمها إليهم، و حصل هو و جماعته في أيديهم، فتسللوا من بانياس إلى الأعمال الأفرنجية على غاية من الذلة، و نهاية من القلة، و عرض لإسماعيل علة الذرب، فهلك بها، و قبر في بانياس في أوائل سنة أربع و عشرين و خمسمائة، فخلت منهم تلك الناحية، و تطهرت من رجسهم.
و في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة ورد الخبر من بغداد بوفاة الوزير جلال الدين أبي علي الحسن بن علي بن صدقة، وزير الخليفة رحمه اللّه، في جمادى الآخرة منها، و كان حسن السيرة، محمود الطريقة، كاتبا فاضلا، بليغا محبوبا من الخاصة و العامة، سديد الرأي، حميد التدبير، صادق العزم، صافي الحس، كريم النفس، فكثر الأسف عليه، و التوجع لفقده، و استوزر بعده نقيب النقباء شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي، في جمادى الأولى منها، و هو من جلالة القدر، و شرف الأصل، و نباهة الذكر، و المنزلة المشهورة، و الرتبة المعروفة، و المكان المشتهر.
و في جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، توفيت الخاتون، شرف النساء، والدة تاج الملوك رضي اللّه عنها (123 و) و قبرت في قبتها المبنية برسمها، خارج باب الفراديس.
قد مضى ذكر نوبة الباطنية و غيرهم، لما اقتضى سوق الكلام فيه في سنة اثنتين و ثلاث، و لما انتهى إلى الأفرنج خبر الكائنة في الباطنية، و انتقال بانياس عنهم، إليهم، أحدث ذلك لهم طمعا في دمشق و أعمالها، و أكثروا الحديث في قصدها، و بثوا رسلهم إلى الأعمال في جمع الرجال و الاحتشاد،
ص: 357
فاجتمع إليهم سائر من حوته بلادهم، من: الرّها، و أنطاكية، و طرابلس، و الساحل، و وصلهم في البحر ملك كند، هو الذي(1)قام مقام بغدوين الهالك في الأفرنج، و معه خلق كثير، فاجتمعوا و نزلوا على بانياس، و خيموا عليها، و شرعوا في تحصيل المير و الأزواد للإقامة، و تواترت الحكايات عنهم، ممن شاهدهم و أحصى عددهم، أنهم يزيدون على ستين ألفا فارسا و راجلا، و أكثرهم الرجالة.
فلما عرف تاج الملوك ذلك من عزمهم، تأهب لهذا الأمر و صرف همه إلى الاستكثار من العدد و السلاح، و آلة الحرب، و ما يحتاج إليه من الآلات التي يحتاج إليها لتذليل كل صعب، و كاتب أمراء التركمان على أيدي رسله المندوبين إليهم بالاستنجاد و الاستغاثة بهم، و بذل من المال و الغلال ما بعثهم على المبادرة الى إجابة ندائه، و السرعة الى دعائه، و وصل إليه من طوائفهم المختلفة الأجناس، كل ذي بسالة، و شدة مراس، راغبين في أداء فريضة الجهاد، و مسارعين إلى الكفرة الأضداد، و أطلق ما يحتاجون إليه لقوتهم، و قضيم خيولهم.
و رحل الملاعين عن بانياس طالبين دمشق، على أناة و ترتيب، و نزلوا على جسر الخشب و الميدان المعروف المجاور له في(2).. من ذي القعدة سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة، و خيموا هناك و أصبح العسكر، خرج من دمشق و انضم إليه التركمان من منازلهم حول البلد، و الأمير مرة بن ربيعة في العرب
ص: 358
الواصلين معه، و تفرقوا كراديس في عدة جهات، و وقفوا بإزائهم لتخرج منهم فرقة فيسارعوا إليها، و يزحفوا فيبادروا إلى لقائهم، فلم يخرج منهم فارس، و لا ظهر راجل، بل ضموا أطرافهم، و لزموا مخيمهم و أقام الناس على هذه الصورة أياما (123 ظ) يتوقعون زحفهم الى البلد، فلا يشاهد منهم إلا تجمعهم و إطافتهم حول مخيمهم، و بريق بيضهم و سلاحهم، و كشف خبرهم و ما الذي أوجب تأخرهم عن الزحف و تلومهم، فقيل إنهم قد جردوا أبطال خيلهم و شجعان رجالهم للمصير مع البغال إلى حوران، لجمع المير و الغلال، التي يستعان بمثلها على الإقامة و النزال، و أنهم لا حركة لهم، و لا قوة بهم، إلى عودة المذكورين.
فلما عرف تاج الملوك هذه الحال، بادر بتجريد الأبطال من الأتراك الدمشقيين، و التركمان الواصلين، و العرب القادمين مع الأمير مرة، و أضاف إليهم الأمير سيف الدولة سوار في عسكر حماة، و قرر معهم نهوضهم آخر يومهم، و الجد في السير عامة الليل، و وصولهم عند الصباح إلى ناحية براق(1)، لأن تقدير وصول الملاعين عند عودهم من حوران إلى ذلك المكان، فسارعوا إلى العمل بما مثل لهم، و أصبحوا في ذلك المكان، و هم على غاية من الكثرة و المنعة، و معهم سواد عسكرهم بأسره، في عدد لا يحصى كثرة، فهجموا عليهم فلم يتكامل ركوبهم إلا و قد قتل منهم جماعة بالنشّاب، و ضربوا مصافا، و وقفوا قطعة واحدة، و حمل عليهم المسلمون، فثبتوا،
1) ذكر ياقوت أكثر من موقع يحمل هذا الاسم و اكتفى عند أحدها بقوله: موضع بالشام، و بناء على معطيات المصادر العربية مع وليم الصوري، فان موقع براق هو في حوران، بعد منطقة مرج الصفر حيث كان معسكر الفرنجة و في منطقة ازرع التابعة لمحافظة درعا قرية ما تزال تحمل اسم براق، من المرجح أنها المقصودة، و تبعد براق هذه عن درعا مسافة/ 112 كم/ و عن ازرع/ 82 كم/ و عن مركز ناحية المسمية/ 20 كم/. انظر التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية. ط دمشق: 1968، ص: 50.
ص: 359
و لم يزل عسكر الاسلام يكر عليهم و يفتك بهم، إلى أن فشلوا و انخذلوا، و أيقنوا بالبوار، و حلول الدمار، و ولى كليام(1)دبور مقدمهم و شجاعهم في فريق من الخيالة منهزمين، و حمل الأتراك و العرب حملة هائلة، و أحدقوا بهم ضربا بالسيوف، و طعنا بالرماح و رشقا بالسهام، فما كان إلا بعض النهار، حتى صاروا على وجه الأرض مصرعين، و بين أرجل الخيل معفرين، و غنموا منهم الغنيمة التي امتلأت أيديهم بها، من: الكراع، و السلاح، و الأسرى، و الغلمان، و أنواع البغال، و هو شيء لا يحصر فيذكر، و لا يحد فيعد، و لم يسلم منهم إلى معسكرهم إلا القليل من الخيالة، الذين نجت بهم سوابقهم المضمرة، و عاد الأتراك و العرب الى دمشق ظافرين غانمين منصورين مسرورين، آخر نهار ذلك اليوم المذكور، فابتهج الناس بهذا اليوم السعيد، و النصر الحميد، و قويت به النفوس، و انشرحت به الصدور، و عزم العسكر على مباكرتهم بالزحف الى مخيمهم، عند تكامل وصوله (124 و) و تسرع إليهم جماعة من الخيل وافرة، و هم ينظرون إلى كثرة النار، و ارتفاع الدخان، و هم يظنون أنهم مقيمون، فلما دنوا من المنزل صادفوهم، و قد رحلوا آخر تلك الليلة، عندما جاءهم الخبر، و قد أحرقوا أثقالهم و آلاتهم، و عددهم و سلاحهم، إذ لم يبق لهم ظهر يحملون عليه، عند ما عرفوه من حقيقة الأمر، الذي لا يمكن معه المقام، مع معرفتهم بكثرة عسكر الأتراك، و لا طاقة لهم به، و لم يتمالكوا أن رحلوا لا يلوون على منقطع، و لا يقفون على مقصر، و خرجوا إلى منزلهم فغنموا منه الشيء الكثير من أثاثهم و زادهم، و صادفوا
1) هوWilliam de Bury ، كان يمتلك موقعا على مقربة من صور، قاد حسب وليم الصوري: 40- 42، أكثر من ألف من الفرسان انطلق بهم من مرج الصفر حيث كان معسكر الفرنجة، و قد وصف وليم مقتل هؤلاء الفرسان ثم هزيمة جيوش الفرنجة و أحوال المناخ السيء آنذاك، و مع هذا تبقى معلومات ابن القلانسي أكثر دقة و أوفى بالتفاصيل.
ص: 360
جماعة من الجرحى في الوقعة، قد هلكوا مع وصولهم، و دفنوا في أماكنهم، و خيولهم مصرعة من الجراح و الكد، و لحق أواخرهم العسكر، فقتلوا جماعة من المنقطعين، و أغذوا سيرهم في هزيمتهم خوفا من لحاق المسلمين لهم، و أمن الناس و خرجوا إلى ضياعهم، و انتشروا في أماكنهم و معايشهم، و انفرجت عنهم الكربة، و انكشفت الغمة، و جاءهم من لطف اللّه تعالى و جميل صنعه ما لم يكن في حساب، و لا خطر في بال، فلله الحمد و الشكر على هذه النعمة السابغة، و الموهبة الكاملة، حمدا يستديم جزيل نعمه، و يستمد المزيد من منائحه و قسمه.
و عاد التركمان إلى أماكنهم بالغنائم الوافرة، و الخلع الفاخرة، و تفرق جمع الكفرة الى معاقلهم، على أقبح صفة من المذلة، و عدم الكراع، و ذهاب الأثقال، و فقد أبطال الرجال، و سكنت القلوب بعد الوجل، و أمنت بعد الخوف و الوهل، و أيقنت النفوس بأن الكفرة لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل، بعد فناء أبطالهم، و اجتياح رجالهم، و ذهاب أثقالهم.
في المحرم أول هذه السنة، توفي الشيخ الأمين، جمال الأمناء، أبو محمد هبة اللّه بن أحمد الاكفاني، رحمه اللّه، و كان موصوفا بالكفاية، و الأمانة معروفا بالصيانة و الديانة، و لم يقم من الشهود بعده مثله، في الذكاء و الأمانة و الغناء.
لما خلا ديوان الوزارة بدمشق، بعد قتل أبي طاهر المزدقاني الوزير من عارف ينظم حساباته، و يسدد أمور معاملاته، و ارتاد تاج الملوك كافيا يرد الأمر في ذلك (124 و) إليه، و يعتمد فيه عليه، و يسكن إلى نهضته في تهذيب أحواله، و ترتيب أعماله، و حفظ أبواب ماله، فلم يتسهل له بلوغ المقصود، و لا تيسر لارتياده نيل الغرض المنشود، فوقع تعويله على الرئيس الوجيه
ص: 361
ثقة الملك أبي الذواد المفرج بن الحسن الصوفي، رئيس دمشق، فرد الأمر في ذلك إليه، و قلده منصب الوزارة، و اعتمد فيه عليه، و وجده أكفى من وقعت إليه الاشارة من كتابه و متصرفيه، و إن كان ضعيف الصناعة في الكتابة، خفيف البضاعة من البلاغة، فإن رأيه سديد، و مذهبه في التنزه و الأمانة حميد، و له معرفة بسياسة المعاملين في المعاملات، و يد في الحل، و الضبط في استدعاء الحسبانات، و حفظ الاخراجات، و لم يجد له محيدا عنه، و لا بدلا منه، فقلده هذا المنصب، واثقا بحسن سفارته، و مرضي مؤازرته، و خلع عليه، و زاد في إحسانه إليه، و أجلسه مجلسه من الديوان، بمحضر من الأمراء و الأماثل و الأعيان، و أمر بكتب المنشور بإحسان أوصافه، و التحذير من تجاوز أمره و خلافه، و لقبه محي الدين، تأكيدا لأمره، و رفعا لقدره، فأحسن السياسة، و سدد أحوال الرئاسة، و استعمل العدل في أعماله و الإنصاف لمعاملته، و عماله، و نظر في الأعمال، و اعتمد على الكفاة الثقات من العمال، و جرت الأحوال في ذلك على السداد، و اطردت على الإستقامة أحسن اطراد.
(و) في هذه السنة ورد الخبر بوصول الأمير عماد الدين أتابك زنكي ابن أق سنقر، صاحب الموصل إلى حلب في عسكره، عازما على الجهاد، و أرسل تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، يلتمس منه المعونة، و الإسعاد على محاربة الأفرنج الأضداد، و ترددت الرسل بينهما في ذلك إلى أن أجاب إلى المراد، و أنفذ إليه من استحلفه على المصافاة و الوداد، و توثق منه على الوفاء و جميل الاعتقاد، و أكد الأمر في هذه الحالة تأكيدا، سكن إليه و وثق به، و اعتمد عليه، و بادر بتجريد وجوه عسكره في خمسمائة فارس، و كتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره، و الاختلاط بالعسكر الدمشقي، و مقدمه الأمير شمس الأمراء الخواص، و عدة من الأمراء و المقدمين (125 و)، فامتثل الأمر، و خرج من حماة في رجاله و تجمله،
ص: 362
و توجهوا جميعا إلى مخيم عماد الدين أتابك، فأحسن لقاءهم، و بالغ في الإكرام لهم، و أغفلهم أياما، و عمل عليهم، و غدر بهم و قبض على سونج ولد تاج الملوك، و على جماعة المقدمين، و نهب خيامهم و أثقالهم، و كراعهم، فهرب منهم من هرب، و اعتقل الباقين، و حملهم الى حلب و أمر بحفظهم فيها.
و زحف من يومه إلى حماة، و هي خالية من الرجال الحماة، فملكها و استولى على ما فيها، و رحل عنها الى حمص، و كان صاحبها خيرخان بن فراجة معه، بعسكره، و مناصح في خدمته، و عامل بطاعته، و كان المعين له، و المحرض على الغدر بسونج، و قبضه، فحين نزل عليها غدر بخيرخان صاحبها و اعتقله، و نهب خيامه و أثقاله، و توثق منه، و طلب تسليم حمص إليه، فراسل نوابه فيها، و ولده بذاك، فلم يلتفتوا إلى مقاله، و لا وقعت منهم إجابة الى سؤاله، فأقام عليهم مدة طويلة، يبالغ في المحاربة لأهلها، و المضايقة لها، فلم يتهيأ له فيها مطلب، و لا تيسر مأرب، فرحل عنها الى الموصل، و استصحب معه سونج بن تاج الملوك، و المقدمين من عسكر دمشق، و أقر الباقين في حلب، و ترددت المراسلات في اطلاق المعتقلين، فلم يفعل، و التمس عنهم خمسين ألف دينار، أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها، و القيام بها.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر، بقتل الآمر بأحكام اللّه صاحبها، في آخرها، تدبيرا دبر له، و عمل فيه عليه، لأمور منكرة ارتكبها، و أحوال قبيحة اعتمدها، و دعت إلى قتله، و أوجبت الفتك به، لأنه بالغ في ظلم الرعية، و أخذ أموالهم، و اغتصاب أملاكهم، و سفك الدماء، و أساء السيرة، و ارتكب المحذورات، و استحسن القبائح من المحظورات، فابتهج الخاص و العام بالحادث فيه، و الراحة منه في يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و عمره أربع و ثلاثون سنة، و مولده بالقاهرة سنة تسعين و أربعمائة، و أيام دولته أربع و عشرون سنة، و نقش خاتمه «الإمام
ص: 363
الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين(1)»، و قام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين، و أخذت له البيعة على الرسم (125 ظ) فيها، و نعت بالحافظ لدين اللّه، أمير المؤمنين، فاستقام له الأمر، و استنتب برأيه التدبير(2)و قلد الأمر أبا علي، أحمد بن الأفضل أمير الجيوش، وزارة الدولة، و تدبير المملكة، فساس الكافة أعدل سياسة، و دبر الأعمال أجمل تدبير، و جرى على منهاج أبيه الأفضل، رحمه اللّه، في حب العدل و ايثاره، و اجتواء(3)الجور و إخماد ناره، و أعاد على التنّاء و التجار ما اغتصب من أموالهم، و قبض من أملاكهم، و أمن البر التقي، و أخاف المفسد الشقي، و بالغ في ذلك مبالغة أحرز بها شكر القريب و البعيد، و حاز بها أجر الموفق السعيد.
و لم يزل على المذهب الحميد مواظبا، و لهذا المنهاج السديد مداوما الى أن نجم له من مقدمي الدولة، حسدة حسدوه على ما ألهمه اللّه من أفعال الخيرات، و اقتناء الصالحات، تجمعوا على افساد أحواله، و لفقوا المحال في الطعن في أعماله، و سعوا في العمل بأنواع من الكذب جمعوها، و ألفاظ من الباطل نمقوها، و قرر ذلك مع العسكرية دون الأعيان، و الأماثل من
1) وصف المقريزي بشكل أوفى عملية اغتيال الآمر، و اتهم بها جماعة الحشيشية، و قد اختير عبد المجيد خليفة و ليس اماما، فقد كلف بكفالة الامام الحقيقي ابن الآمر و ولي عهده، ففي رواية أنه ولد للآمر قبل مقتله بأشهر غلام ذكر سماه« الطيب» و أعلنه وليا لعهده، و في رواية ثانية أنه قال:« قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين، و أشار الى أن احدى جواريه« حامل منه، و أنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدا ذكرا، و هو الخليفة من بعده، و أن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون، فجلس المذكور كفيلا و نعت بالحافظ لدين اللّه». اتعاظ الحنفا: 3/ 128- 137.
2) كذا، و ذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا: 3/ 140، أن الوزير أحمد بن الأفضل« أحاط بالحافظ و سجنه في خزانة فيما بين الايوان و باب العيد».
3) اجتوى الشيء كرهه- النهاية لابن الأثير.
ص: 364
الرعية، و أغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه مستهلة، و الغرة منه بادية، و حصل في جانب من الميدان خاليا من العدة و العدة و الأعوان، و النجدة، لا يشعر بما قد رتب له، و دبر عليه، فوثبوا عليه، و قتلوه رحمه اللّه، و انفرد به، و أدركه أصحابه، و قد قضى، فقتلوا الجناة، و حملوه إلى تربته فدفنوه بها(1).
في هذه السنة انتهى الى تاج الملوك، عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال غيّر قلبه عليه، و قدح في منزلته، و أفسد ما كان جميلا فيه من رأيه، و أمر باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالا جميلا، و عزله عن الوزارة و الرئاسة،
1) دفن بتربة أمير الجيوش بدر الجمالي، و كانت مدة تحكمه سنة و شهران و ثلاثة عشر يوما، عادى الاسماعيلية، حيث كان اماميا، أزال من الأذان« حي على خير العمل، محمد و علي خير البشر» و أسقط ذكر الحافظ من الخطبة، و اخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر و هو: السيد الأجل الأفضل، سيد ممالك أرباب الدول، المحامي عن حوزة الدين، و ناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين و الأبعدين، ناصر إمام الحق في حالي غيبته و حضوره، و القائم في نصرته بماضي سيفه، و صائب رأيه و تدبيره، أمين اللّه على عباده و هادي القضاة الى اتباع شرع الحق و اعتماده، و مرشد دعاته المؤمنين الى واضح بيانه و ارشاده، مولي النعم، رافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف و القلم، أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل، أبي القاسم شاهنشاه أمير الجيوش. تآمر عليه بعض الجند بقيادة أحد ضباط القصر و اسمه يانس، و قد خرج في أحد الأيام« ليعرق فرسا في الميدان في البستان الكبير، خارج باب الفتوح من القاهرة، و للعب بالكرة على عادته، فجاء و هو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين تحالفوا على قتله حتى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو علي: من يسابق؟ فقال العشرة عليك، و حملوا عليه و طنوه حتى قتل» و بعد هذا تجمع المتآمرون« فأخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلا بها، و فكوا عنه القيد، و أجلسوه في الشباك على منصة الخلافة» و أخذوا له على« أنه ولي عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه». و فور ذلك خلع الخليفة على يانس خلع الوزارة. اتعاظ الحنفا: 143- 144.
ص: 365
في شهر ربيع الأول منها، و عول في تقليد مكان الوزارة على كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني، ابن عم الوزير أبي علي المزدقاني المقدم ذكره، فرد الأمر في ذلك إليه، و عول في الوزارة و السفارة عليه، و استقام له الأمر، و مشت الأحوال به، و استبشر أكثر المتصرفين و العمال، لأنه كان حسن الطريقة، قد تهذب في النيابة عن الوزارة في الديوان، و عرف سياسة (126 و) الأعمال في كل عصر و أوان، فصيح اللسان بالفارسية و العربية، و لم يزل مستمر الأمر الى أن حدث ما تغيرت به حاله، لأن الباطنية لما جرى عليهم ما قضاه اللّه من البوار، و أحله بهم من الهلاك و الدمار، انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت، فأسفوا عليهم، و قلقوا لما نزل بهم، و شرعوا في بث حبائل شرهم، و نصب أشراك خترهم و مكرهم، و ندبوا لتاج الملوك من يغتاله، و يوقع به من جهال أخوانهم، و فتاك أقرانهم، و وقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في أمر تاج الملوك، و الطلب له، و الفتك به، في داره، عند امكان الفرصة فيه، و وصل هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء و الشربوش، و حضرا الى معارف لهما من الأتراك، و سألوهما الوساطة في استخدامهما، و تقرير الواجب لهما، و خدعاهم، و لم يرتابوا بهما، و تدرجا بالحيلة و المكر الى أن صاروا في الجملة من الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك، و تمكنا، و سكنت القلوب إليهما لأنهما ضمنا، و رقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام، و عاد منه، و وصل الى باب داره من القلعة بدمشق، و تفرق عنه من كان في ركابه من الخراسانية، و الديلم، و الأحداث، الحفظة له، فوثبا عليه في يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس و عشرين و خمسمائة، و ضربه أحدهما بالسيف طالبا لرأسه، فجرحه في رقبته جرحا لم يتمكن منه، و ضربه بسكين عند خاصرته نفذت بين اللحم و الجلد، و رمى بنفسه في الحال عن فرسه سليما،
ص: 366
و تكاثرت الرجال عليهما، فقطعوهما بالسيوف، و أحضر أهل الخبرة بمداواة الجراح من الأطباء و الجراحيين، و عولجا فبرأ احدهما الذي عند الرأس، و تنسر الذي في الخاصرة، و صلحت الحال في ذلك، و ركب و أقام مدة يحضر مجلسه الخواص و العسكرية و الأجناد، للسلام و الشراب على الرسم المعتاد.
و فيها ورد الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا و الدين محمود ابن السلطان غياث الدنيا و الدين محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان رحمه اللّه في شوال سنة خمس و عشرين و خمسمائة، بمرض حدث به، كان معه نفاذ أجله، و فراغ مهله، و تقررت السلطنة بعده لأخيه السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد (126 ظ) بن ملك شاه بن ألب أرسلان، و تكون ولاية العهد من بعده لابنه داود بن محمود، ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد، و سيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه.
و فيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار(1)بأن الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد اجتاز بالحلة، و كان قد انهزم من العراق في خواص أصحابه و غلمانه خوفا من الخليفة المسترشد باللّه أمير المؤمنين، و ضل في الطريق، و لم يكن معه دليل عارف بالمسالك و المناهل، و كان قصده حلة مرة ابن ربيعة، فهلك أكثر من كان معه، و تفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش و قد حصل في الحلة كالمنقطع الوحيد، في نفر يسير من أصحابه، فأنهض تاج الملوك، فرقة من الخيل نحوه، لاحضاره فأحضرته الى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين، لست خلون من شعبان سنة خمس و عشرين و خمسمائة فتقدم تاج الملوك بإنزاله في دار بالقلعة، و إكرامه و احترامه، و التنوق في شرابه و طعامه، و حمل إليه من الملبوس و المفروض ما يقتضيه محله الرفيع، و مكانه المكين الوجيه، و اعتقله اعتقال كرامة، لا اعتقال إهانة، و أنهى
1) أمير قبائل كلب و كانت منازله( حلته) في منطقة صلخد. مرآة الزمان- أخبار سنة 525 ه.
ص: 367
الحال في ذلك الى الدار العزيزة الإمامية المسترشدية، فورد الجواب إليه بالتوثق منه، و الإحتياط عليه، الى حين يصل إليه من يتسلمه، و يحمله الى بغداد.
و لما عرف عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل هذه الحال، نفّذ رسولا إلى تاج الملوك، يلتمس منه تسليمه، و يكون الجزاء عنه الخمسين الألف الدينار المقررة على ولده سونج، و بقية العسكر الدمشقي المعتقلين فأجابه تاج الملوك الى ذلك، و تقرر الشرط عليه، و أن يصل عسكره الى ناحية قارا، و معه المعتقلون، و يخرج الأمير دبيس مع عسكر دمشق، الى هناك، فإذا تسلم المعتقلين سلموا دبيسا الى أصحابه، فتوجهوا به من دمشق، و وصلوا به إلى قارا فتسلموا المعتقلين منهم، و سلموا إليهم دبيسا في يوم الخميس الثامن من ذي القعدة من السنة، و عاد كل من العسكريين الى مكانه، و وصل سونج إلى دمشق هو و الجماعة، فسر تاج الملوك بهم، و زال شغل قلبه (127 و) بوصولهم، فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس و أهله المعتقلين، و سئل في إطلاقهم، و المن عليهم بتخلية سبيلهم، فأجاب إلى ذلك بعد أن قرر عليه مصالحة، يقوم بها و أطلق و أعيد الى رئاسته دون وزارته، و خلع عليه، و على الوزير كمال الدين كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني، في مستهل رمضان من السنة.
و في هذه السنة ورد الخبر من صرخد بوفاة واليها فخر الدولة كمشتكين الخادم التاجي، في جمادى الآخرة منها، و كان حسن الطريقة، جميل الذكر، كثير التدين، مشكور المقاصد.
و فيها وصل سديد الدولة ابن الأنباري، كاتب الخليفة، الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين، رسولا منه في أمور و أسباب اقتضتها، في آخر ذي القعدة منها، و يبعث على تسليم الأمير دبيس إلى من يحمله الى بغداد،
ص: 368
و قد فات الأمر فيه، فأكرم مثواه، و سر بمقدمه، و أجيب عن رسائله، و توجه عائدا بعد أن حمل إليه ما يقتضيه محله و يوجبه مكانه، و صادفه في طريقه بناحية الرحبة خيل الأمير عماد الدين، فقبضت عليه، و نهبت ما كان معه، و قتلت بعض غلمانه، و لقي شدة عظيمة من الاعتقال و الإعنات، إلى أن خلص و أطلق سراحه، و عاد الى بغداد(1).
و في يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها، جمع تاج الملوك جماعة من الأمراء و المقدمين و الخواص، و أعيان الأجناد و الكتّاب و الفقهاء و أماثل الرعية، في مجلسه، و قال لهم: إنني قد انتهت بي الحال بسبب هذا الجرح الذي قد طال ألمه، و تعذر اندماله، ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر المقضي الذي لا بد منه و لا مندوحة للخلق عنه، و قد يئست من روح الحياة، و استشعرت قرب الوفاة، و هذا ولدي أبو الفتح اسماعيل قد لاحت لي منه إمارة الشهامة و النجابة، و بانت لي فيه مخايل الكفاية و اللبابة، و هو أكبر ولدي، و المرجو لسد ثلمة فقدي، و قد رأيت أن أجعله ولي عهدي، و المرشح لتولي الأمر بعدي، ثقة بسداده، و حسن تأتيه مع حداثة سنه، و حميد اقتصاده، فان سلك منهاج الخير، و اقتفاه، و قصد سبيل العدل و الانصاف، و توخاه، فذاك المراد منه، و المأمول فيه، و إن عدل عن المطلوب المشار إليه، و خالف (127 ظ) الأمر المنصوص عليه، كان المعدل عليكم في
1) في مرآة الزمان: 1/ 135- 136:« قد ذكرنا أن دبيسا دخل البرية و انقطع خبره، و قد اختلفوا في قصته، أما تواريخ البغداديين فانهم قالوا: ضل في طريقه، فقبض عليه بحلة حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق، و انقطع منه أصحابه، فحمل الى دمشق، فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، و كان زنكي عدوه، فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته أكرمه، و خوله المال و السلاح، فلما ورد الخبر الى بغداد، بعث الخليفة ابن الأنباري، ليتوصل في أخذه، فلما وصل الرحبة قبض عليه أميرها بأمر زنكي، و حمل الى قلعة الموصل ... فلم يخلص إلا بشفاعة السلطان مسعود».
ص: 369
تنبهه من نومته، و إيقاظه من فتور غفلته، فان الحازم اللبيب و السديد الأريب إذا ذكّر ذكر، و إذا نهي عن منكر أعرض عنه و اقتصر، فقالوا:
الأمر أمرك الذي لا يخالف، و لا يعدل عنه، و الحكم حكمك، الذي لا خروج لنا منه، و طاعتنا لك في حياتك، كطاعتنا لولدك بعد وفاتك، و اللّه يمد لك في العمر، و يمن عليك بالعافية الشافية، و تعجيل السلامة و البر، فسر بمقالهم، و شكر ما بدا منهم من الحوادث الدالة على حميد خلالهم، ثم نص في الأمر عليه، و أشار في ولاية العهد من بعده إليه، و قرر معهم العمل بطاعته، و الانتهاء الى إشارته، و خلع عليه خلعا سنية، تليق بمثله، و تضاهي شرف مثله، و ركب فيها إلى داره من القلعة بين الأمراء و المقدمين و الأتباع، من:
الخراسانية، و الغلمان و السلاحية و القزاغندية(1)و الجاووشية في اليوم المذكور، و المحفل المحضور، و تضاعف بذاك منهم الجذل و السرور، و مالت كافة الأصحاب إليه، و اجتمعوا عليه، و واظبوا الخدمة له في كل يوم و التسليم عليه.
في هذه السنة، ورد الخبر من ناحية الأفرنج بهلاك بغدوين الرويس ملك الأفرنج، صاحب بيت المقدس بعكا، في يوم الخميس الخامس و العشرين من شهر رمضان منها، و كان شيخا قد عركه الزمان بحوادثه، و عانى الشدائد من نوائبه و كوارثه، و وقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيرا في محارباته
1) في الأصل: و المقر عدارية، و هو تصحيف رجحت صوابه: إما المقردارية، أو كما أثبتت في المتن، و القزاغندية نوع من المقاتلين كانوا يرتدون أثوابا قطنية أو حريرية محشوة أيام الحرب، و هي عبارة مركبة من: قز، و كند أو غند، و القز هو الحرير، و غند أو كند هو البطل الشجاع بالفارسية، و سبب الترجيح أنه لم يمر بي من قبل« المقردارية» بينما مرت العبارة الثانية كثيرا.
ص: 370
و مصافاته، و هو يتخلص منهم، بحيله المشهورة، و خدعه المخبورة، و لم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب، و لا تدبير صالح، و قام فيهم بعده الملك القومص الجديد الكند انجور(1)، الواصل إليهم في البحر من بلادهم، فلم يتسدد في رأيه، و لا أصاب في تدبيره، فاضطربوا لفقده، و اختلفوا من بعده.
و فيها اشتد مرض الجرح بتاج الملوك، و وقع اليأس من برئه و صلاحه، فطال الأمر به طولا، سئم معه الحياة، و أحب الوفاة، و تزايد الضعف به، و الذبول في جسمه، و قوته، و قرب أجله و خاب في الصحة أمله (128 و) و توفي إلى رحمة اللّه و مغفرته، و تجاوزه، على مضي ساعة من نهار يوم الاثنين الحادي و العشرين من رجب منها، فتألمت القلوب لمصابه، و أفيضت الدموع للنازل به.
و إذا المنيّة أنشبت أظفارهاألفيت كلّ تميمة لا تنفع
و لكن قضاء اللّه تعالى لا يغالب، و حكمه لا يدافع، لأن هذه الدنيا دار سوء لم يدم فرح لامرئ فيها، و لا حزن، الأنفاس فيها محصاة معدودة، و الآجال محصورة محدودة، و الليل و النهار يقطعان الأعمار، و يفنيان المدة، و ما فهم مواعظ الزمان من سكن إلى خدع الأيام، و لقد أنشد عند فقده قول الشريف الرضي:
بعدا ليومك في الزمان فانّهأقذى العيون وفتّ في الاعضاد
لولا ما من اللّه من قيام نجله في الأمر من بعده، و نصه عليه في ولاية عهده، شمس الملوك، فأزال الروعة، و خفف اللوعة، فاشتغل الناس بالتهنئة بالأمير الموجود عن التعزية بالشهيد المفقود، و قد كان لتاج الملوك رحمه اللّه
1) سبق له أن ذكر وفاته- أنظر ص 357.
ص: 371
من: المحاسن، و المآثر، و المناقب، ما يذكر في المحافل، و ينشر في الأندية و المحاضر، و نظمت مدائحه الشعراء، و نشرت فضائله الفصحاء البلغاء، و كان الأديب الفاضل أبو عبد اللّه محمد بن الخياط الشاعر الدمشقي رحمه اللّه، و هو طرفة شعراء الشام، و المشهور بمحاسن الفنون من المديح و غيره بينهم، قد نظم في تاج الملوك عدة قصائد، بالغ في تهذيبها و تحريرها و تحكيكها، فذكرت من جملة أبياتها المعربة عن صفات معاليه، ما يستدل به على استحقاقه، ما بالغ فيه من مدح مقاصده و مساعيه، فمن أبيات قصيدة أولها:
لقد كرّم اللّه ابن دهر تسودهو شرّف يا تاج الملوك بك الدهرا
و منّ على هذا الزمان و أهلهبأروع لا يعصي الزمان له أمرا
حسام أمير المؤمنين و من يكنحساما له فليقتل الخوف و الفقرا
إذا قلت في تاج الملوك قصيدةمن الشعر قالوا قد مدحت به الشعرا
و قال من أخرى:
ألم تك للملوك الغرّ تاجاو للدنيا و عالمها سراجا
لقد شرف الزمان بك افتخاراكما سعد الأنام بك ابتهاجا
مددت الى اقتناء الحمد كفاطمى بحر السماح بها و ماجا
و غادرت المعالي بالعواليكخيس الليث عزبه ولاجا
ص: 372
لما مضى الأمير تاج الملوك بوري بن أتابك يرحمه اللّه، من هذه الدنيا الفانية، إلى الدار الباقية سعيدا حميدا شهيدا، أقام ولده شمس الملوك أبو الفتح اسماعيل مقامه في المملكة، حسب ما كان عهد به إليه في حياته، و أوصى بما يعمل به بعد وفاته، حسن السياسة و السيرة، و أخلص النيّة في أعماله و السريرة، و بسط العدل في الرعية، و أفاض احسانه على كافة الأجناد و العسكرية، و أقر الاقطاعات على أربابها، و الجامكيات على أصحابها، و زاد في الواجبات و لم ينقصها، و أقر وزير أبيه على وزارته، و رتب العمّال و المتصرفين على ما كانوا عليه، ورد أمر التقرير و التدبير إلى الحاجب يوسف بن فيروز، شحنة دمشق، و اعتمد عليه في مهمات أمره، و سكن إليه في جهره و سره، و افتتح أمر السياسة بالنظر في أمر الرعية و المتعيشين، بأن رفع عنهم ما كان يستخرج منهم في كل سنة من أقساط الفيئة، و أبطل رسمها، و حظر تناولها، و أزال حكمها، و عوّض أرباب الحوالات عليها بجهات غيرها، فكثر له الدعاء، و اتصل عليه الثناء، و ذلك في رجب سنة ست و عشرين و خمسمائة، و ظهر من شهامته و شدة بأسه و شجاعته و اقدامه و بسالته و مضاء عزيمته ما لم يقع في وهم، و لا خطر في بال و فهم، و سنذكر من ذلك في أماكنه ما يقوم مقام العيان دون الحكاية بالمقال.
فمن ذلك أولا افتتاحه حصن اللبؤة(1)و الرأس (129 و) و كانا في يدي المندوبين لحفظهما من قبل تاج الملوك أبيه، و كانا قد أقرّا على رسمهما،
1) قرب منابع نهر العاصي.
ص: 373
فانتهى إلى شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحب بعلبك قد عمل عليهما، حتى استنزلهما على حكمه من حصنيهما المذكورين، و ندب لهما من رآه من ثقاته و نوابه لحفظهما، فأنكر مثل هذا الفعل عليه، و امتعض منه، و راسل أخاه المذكور بالمعاتبة على ما قصده، و يهجن رأيه فيما اعتمده، و يسأله النزول عليهما(1)، و إعادتهما إلى ما كانا عليه، فامتنع من الاجابة إلى ما طلب، و القبول لما التمس، فأهمل الأمر فيه، و في الحديث في معناه مدة يسيرة، ثم نهض في العسكر و آلات الحرب من دمشق، موهما أنه يطلب ناحية الشمال في آخر ذي القعدة من السنة، ثم عاد في طريق أخرى مغرّبا بعد تشريقه، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا و قد نزل عليه، و زحف من وقته إليه بعزيمة لا تدافع، و شدة لا تمانع، فلما أحس من فيه بالبلاء، لما شاهده من شدة القتال، و لم يجد له مخلصا بحال من الأحوال طلب الأمان من يومه، فأجيب إلى ما سأل، و أسعف بما أمل، و نزل من الحصن، و سلمه إليه، فقرر أمره و استناب في حفظه من اعتمد على كفايته و نهضته، ثم رحل عنه عند الفراغ منه إلى حصن الرأس، فجرى أمر من فيه على تلك القضية فتسلمه، و ولاه لمن يحفظه، ثم رحل عنه، و نزل على بعلبك، و قد استعد أخوه، صاحبها، و احتشد و اجتمع إليه خلق كثير من فلاحي البقاع و الجبال، و غير ذلك من الحراميّة المفسدين، فحصرهم فيها، و ضايقهم، و زحف إليهم في الفارس و الراجل، و خرج من بعلبك من المقاتلة جماعة، فقتل منهم و جرح نفر كثير و على السور أيضا.
ثم زحف بعد أيام إلى البلد البراني، و قد حصّنوه بالرجال، فشد عليهم القتال، و فرق العسكر عليه من عدة جهات، فملكه و حصل العسكر فيه، بعد أن قتل و جرح الخلق الكثير ممن كان فيه، و نصب المناجيق على
1) كذا في الأصل، و أقوم منها« عنهما».
ص: 374
البلد و الحصن، و واظب الزخف إليهما و الشد عليهما، فلما عاين صاحبها شدة الأمر و الاستمرار على الاقامة (129 ظ) و المصابرة، راسل في بذل الطاعة و المناصحة، و السؤال في إقراره على ما كان عليه في أيام أبيه، فحملته عاطفة القربى على احتمال ما جرى، و الاغضاء عما سلف، و أجاب إلى ما التمس، و نزل على ايثاره ما طلب، و تقرر الأمر بينهما على ما اقترح، و عاد شمس الملوك في العسكر إلى دمشق ظافرا مسرورا في أوائل المحرّم منها.
في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بوقوع الخلف بينهم، من غير عادة جارية لهم بذلك، و نشبت المحاربة بينهم، و قتل منهم جماعة.
و فيها صادف جماعة من التركمان صاحب زردنا(1)في خيله، فظفروا به و قتلوه، و من معه، و اشتملوا على خيولهم و كراعهم، و قيل ان ابن الدانشمند(2)ظفر بفريق وافر خرج من القسطنطينية، فأوقع به، و قتل من كان فيه من الروم و غيرهم.
و في سابع عشر جمادى الآخرة غار الأمير سوار(3)من حلب في خيله على تل باشر، فخرج من فيه من أبطال الافرنج إليه، فقتل منهم تقدير ألف فارس، و راجل، و حمل رؤوسهم إلى حلب.
1) قال ياقوت: زردنا بليدة من نواحي حلب الغربية، و يجعل كل من ابن الأثير في كتابه الباهر: 39- 41، و المؤرخ السرياني المجهول العملية احتلال لزردنا من قبل زنكي، إنما مع اختلاف في التاريخ.
2) هو محمد بن غازي خلف أباه سنة 520/ 1126 م حسب رواية المؤرخ السرياني، و في الكامل لابن الأثير: 8/ 244 قال في أخبار سنة 528 ه: في هذه السنة أوقع الدانشمد صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل كثيرا منهم، و لم يذكر لا ابن الأثير و لا سواه الايقاع بفرنجة قادمين من القسطنطينة.
3) هو سيف الدين سوار من كبار قادة أتابك زنكي. انظر زبدة الحلب: 2/ 251، و الحادث عنده سنة 526 ه.
ص: 375
و في رجب منها قبض شمس الملوك على مرة بن ربيعة، فاعتقله و على أسامة بن المبارك، و صانعه على مصالحة قام بها، و أطلقه، و أقام مرة على حاله، و تردد فيه خطاب، انتهى آخره إلى قتله، و هذا مكافأة ما أسلفه من قبيح الأفعال، و مذموم الأعمال، و الظلم الذي ارتكبه في سائر الأحوال.
و لما عاد شمس الملوك من ناحية بعلبك، بعد المقرر بينه و بين أخيه صاحبها، مما تقدم ذكره و شرحه، انتهى إليه من ناحية الأفرنج ما هم عليه من فساد النية و العزم على نقض الموادعة المستقرة، و شكا إليه بعض التجار الدمشقيين أن صاحب بيروت، قد أخذ منهم عدة أحمال كتّان، قيمتها جملة وافرة من المال، فكتب إلى مقدم الافرنج في رد ذلك على أربابه و إعادته على من هو أولى به، و ترددت المكاتبات في ذلك، فلم تسفر عن نيل مراد، و لا نيل طلاب، فحمله الغيظ و الحنق على مقابلة هذا الفعل بمثله، و أسرّ ذلك في نفسه، و لم يبده لأحد من خاصته و ثقات بطانته، و صرف همه و عزمه إلى التأهب لمنازلة بانياس، (130 و) و انتزاعها من أيدي الملاعين المتغلبين عليها، و نهض إليها في أواخر المحرم من السنة، و نزل عليها في يوم الأحد غرّة صفر منها، و زحف في عسكر إليها، و فيها جماعة وافرة من الخيّالة و الرجّالة، فارتاعوا لما أتاهم فجأة، و ذلوا و انخذلوا، و قرب من سورهم بالدرق الجفتيات و الخراسانيين و النقّابين، و ترجل عن جواده، و ترجل الأتراك بأسرهم لترجله، و رشقوا من على السور بالنشاب، فاستتروا و لم يبق أحد يظهر برأسه عليه لكثرة الرماة، و ألزق الجفتيات إلى مكان من السور استرقه فنقبوه إلى أن تمكنوا منه، ثم هجموه، و تكاثروا في البلد، و التجأ من كان فيه من الأفرنج إلى القلعة و الأبراج، و تحصنوا بها و مانعوا عن نفوسهم فيها، و ملك البلد، و فتح بابه، و قتل كل من صودف فيه من الافرنج و أسر، و لما رأى من بالقلعة و الأبراج من المنهزمين ما نزل بهم من تملك البلد، و القصد لهم بالقتال، و لا ناصر لهم، و لا ممانع عنهم، التمسوا الأمان، فأجيبوا إليه،
ص: 376
و نزلوا، فأسروا جميعا، و نهب ما كان في البلد، و قرر فيه من الرجال الأجلاد من يحفظه، و يذبّ عنه، و رحل عنه في العسكر، و معه الأسرى، و رؤوس القتلى، و حرم الوالي الذي كان به، و أولاده و العدد الكثيرة، و وصل إلى دمشق في يوم الخميس لست ليال خلت من صفر من السنة، و خرج الناس من البلد للقائه، و مشاهدة الأسرى في الحبال، و الرؤوس في القصب، و هم الشيء الكثير، و الجم الغفير، فرأى الناس من ذلك ما أقر عيونهم، و سر قلوبهم، و شد متنهم، و ابتهجوا له، و أكثروا من شكر اللّه تعالى على ما سناه من هذا النصر العزيز، و الفتح المبين، و شاعت الأخبار بذلك في الأفرنج، فهالهم سماعه، و ارتاعوا لحدوث مثله، و امتلأت قلوبهم رعبا و وجلا، و أكثروا التعجب من تسهّل الأمر في بانياس مع حصانتها، و كثرة الرجال فيها في أقرب مدة، و أسهل مرام، و أسفوا على ما قتل من الخيالة الفرسان و الرجالة.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق، بوصول السلطان مسعود بن السلطان محمد(1)إلى بغداد، و نزوله في الجانب الغربي منها، و أقام بها أياما قلائل لتقرير الحال، و كتب تذكرة بأشياء اقترحها، و التمس إضافة الشام إلى العراق (130 ظ) و وصل إليه قاضي القضاة و الأعيان و الأماثل، و استحلفوه على ما تضمنه المشروح المقترح في التذكرة، و طولع بما جرى، فخرج الأمر السامي الإمامي المسترشدي بالأذن له في نزوله في دار السلطنة، و كتابة ألقابه، و إقامة الدعوة له، و حمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الفرش و غيره، و خطب له آخر جمعة من المحرم، و كتب بتقرير أمر السلطنة، و كتابة ألقابه، و إقامة الدعوة له، و حمل إليه ما يحتاج إلى مثله الدار العزيزة المسترشدية، و ناب الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة عنه، في إيصال سلامه و دعائه أحسن مناب، و خوطب بأجمل
1) في الأصل« ابن السلطان محمود» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و يحتمل أن النص أصابه سقط ذلك أن السلطان مسعود تلقاه عند دخوله الى بغداد« داود بن محمود». انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 339.
ص: 377
جواب، و أفيضت الخلع عليه في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة، و قد جلس الإمام الخليفة المسترشد باللّه أمير المؤمنين، فحضر بين يديه، و خدم كما جرت العادة لمثله، فقال له أمير المؤمنين في مبدأ خطابه:
تلق هذه النعمة بشكرك، و اتق اللّه تعالى في سرك و جهرك، و كان هذا التشريف: سبع دراريع مختلفات الأجناس، و السابعة منها سوداء، و تاجا مرصعا، و سوارين، و طوق ذهب، و لما جلس على الكرسي المعد له، و قبّل الأرض، قال له أمير المؤمنين: من لم يحسن سياسة نفسه، لم يصلح لسياسة غيره، قال اللّه تعالى ذكره: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(1)، فأعاد الوزير عليه ذلك بالفارسية، فأكثر من الدعاء له، و الثناء عليه، و استدعى أمير المؤمنين السيفين المعدين له، فقلده بهما، و اللوائين، فعقدهما له بيده، و سلم إليه السلطان داود بن محمود بن أخيه(2)، و أتابكة آق سنقر، و أكد الوصية عليه في بابهما، و إجمال الرعاية لهما، و استحلفه على الوفاء بما قرره في بابهما، و قال أمير المؤمنين: انهض و خذ ما أتيتك (بقوة)(3)
63، 93؛ الأعراف: 145، 171.
و كن من الشاكرين، و توجه السلطان مسعود بعد ذلك إلى ناحية أذربيجان في أول شهر ربيع الآخر من السنة، و قد انضم إليه (آق) سنقر الأحمد يلي(4)8/ 339.
و خلق كثير من الأتراك.و وردت الأخبار الى بغداد بأن عسكر السلطان مسعود كسر عسكر السلطان طغرل بن محمد(5)بناحية همذان في ثامن عشر رجب من السنة،
1) القرآن الكريم- الزلزال: 7- 8.
2) في الأصل أخاه، و هو خطأ صوابه ما أثبتنا.
3) أضيف ما بين الحاصرتين اعتمادا على ما جاء في القرآن الكريم: البقرة:
4) في الأصل سنقر و أحمد يلي، و هو تصحيف قوم من الكامل لابن الأثير:
5) في الأصل« ابن محمود» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 339- 340.
ص: 378
و تفرق عسكره في البلاد، و عاد السلطان مسعود إلى (131 و) منزله، و خطب له في جامع همذان.
و في هذه السنة عزم شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك على قصد حماة لمنازلتها، و استعادتها من أيدي الغالبين عليها، و ملكتها، و قد كان أخفى هذا العزم في نفسه، و لم يظهر عليه غيره، و شرع في التأهب لذاك و الاستعداد للمصير إليها، و قد كانت الأخبار انتهت إلى الحافظ لها بهذا الاعتزام، فبالغ في التحصين لها، و التأهب للذب عنها، و المراماة دونها، و أعد لذلك كل آلة يحتاج إليها، و يعتمد عليها، و انتهى الخبر بهذه الحال إلى شمس الملوك، فلم يحفل بهذا الأمر و لا ثبطه عنه، بل برز في العشر الأخير من شهر رمضان سنة سبع و عشرين.
و لم يبق من مقدمي أمرائه و خواصه إلا من أشار عليه بابطال هذه الحركة، و استوقف عزمه عنها، و هو لا يحفل بمقال، و لم يسمع منه جواب خطاب، و قيل له: تهمل هذا الى فراغ صوم هذه الأيام القلائل من هذا الشهر المبارك، و تقضي سنّة العيد، و يكون التوجه بعده الى ذلك المكان، فلم يصغ إلى أحد في هذا الرأي، و لا عمل بمشورة إنسان، و بنى أمره على قصدها، و أهلها غارون، و من بها من الحماة غافلون، لتحققهم أنه لا ينهض أحد في هذه الأيام إلا بعد العيد و ترفيه الجند، ثم إنه رحل في الحال إليها، و أغذ السير حتى نزل عليها، و هجم في يوم العيد على من فيها، فراعهم ما أحاط من البلاء بهم، و زحف إليهم من وقته في أوفر عدة، و أكمل عدة، فتحصنوا بالدروب و الرحال، و صبروا على الرشق بالسهام و النبال، و عاد العسكر في ذلك اليوم، و قد نكا فيهم نكاية ظاهرة من القتل و الجرح و النهب و السلب، و باكرهم من غده في الفارس و الراجل، و فرقهم حول البلد من جميع نواحيه، ثم زحف في خواصه من الغلمان الأتراك، و جماعة وافرة من الرجالة و الخيالة
ص: 379
الفتّاك، و استرق موضعا من حماة، قصد إليه و عوّل في هجم البلد عليه، و شد على من به من الحماة، و الرماة، فاندفعوا بين يديه، و هجم البلد بنفسه من ذلك المكان، و لاذ من بها بالأمان، و ترامى إليه جماعة من حماتها مستأمنين، فأمنهم، و خلع عليهم، و أحسن إليهم، و نادى بالكف عنهم، و رفع الأذية عن كافتهم، ورد ما نهب عليهم، فخرج إليه أكثر رجال القلعة طالبين الأمان، فخلع عليهم (131 ظ) و أمنهم، فحين رأى الوالي ذلك، و عرف عجزه عن المصابرة، طلب إيمانه فأمنه، و سلم القلعة بما فيها إليه، و حصلت مع البلد في يديه بأسهل أمر و أسرع وقت، فرتب لولايتها من اعتمد عليه، و سكن في حفظها إليه، و رحل عنها و قصد شيزر، و نزل عليها، و أمر بالعيث و الفساد في نواحيها، و لم يزل على هذه الحال، إلى أن لوطف و استعطف بما حمل إليه، و رحل عائدا الى دمشق، و دخلها مسرورا ظافرا، في ذي القعدة من السنة.
و من اقتراحات شمس الملوك، الدالة على قوة عزيمته، و مضاء همته، و مستحسن ابتدائه، ما أحدثه من البابين المستجدين، خارج باب الحديد من القلعة بدمشق، الأوسط منها و باب جسر الخندق منها، و هو الثالث لها، أنشأهم في سنة سبع و عشرين و خمسمائة، مع دار المسرة بالقلعة، و الحمام المحدثة من شامها، على قضية اخترعها، و بنية اقترحها، و صفة آثرها، فجاءت في نهاية الحسن و الطيبة و التكوين و الاعتدال، و فرغ منها في أوائل سنة ثمان و عشرين و خمسمائة.
و فيها (ورد)(1)الأمير المنتضى أبو الفوارس و ثاب بن مسافر الغنوي، رسولا من مصر في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة منها، بجواب ما كان صدر من مكاتبه شمس الملوك، و أوصل ما صحبه من الخلع السنية، و أسفاط الثياب المصرية، و الخيل و المال، و قرى الكتاب الوارد على يده،
1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
ص: 380
و لم يزل مقيما إلى أن تسهل مسيره، فعاد منكفئا سنة سبع و عشرين في يوم السبت لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول منها.
و في ذي الحجة منها وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية الشمال، و أنهم غاروا على طرابلس، و أعمالها من معاقل الأفرنج، فظفروا بخلق كثير منهم قتلا و أسرا، و حصل لهم من الغنائم و الدواب الشيء الكثير، و أن صاحب طرابلس بنص طلولا بن(1)بدران الصنجيلي خرج إليهم فيمن حشده من أعماله، و لقي عسكر التركمان فكسروه، و أظفرهم اللّه بحشده المفلول، و جمعه المخذول، و قتل أكثر رجاله و جل حماته و أبطاله، و انهزم في نفر قليل من (أصحابه إلى)(2)
8/ 241.
الحصن المعروف ببعرين(3)، فالتجأوا إليه، و تحصنوا به، و نزل عسكر الأتراك عليه، و أقاموا محاصرين له أياما كثيرة، حتى نفذ ما فيه من القوت (132 و) و الماء بحيث هلك منهم، و من خيلهم الأكثر، فأعملوا الحيلة، و استغنموا الغفلة، و انتهزوا الفرصة، و خرجوا في تقدير عشرين، مع المقدم، فنجوا و وصلوا إلى طرابلس، و كاتب ملك بنص طلولا. صاحبها، ملك الافرنج بعكا يستصرخ به و بمن في أعماله، و يبعثهم على نصرته، فاجتمع إليه من الأفرنج خلق كثير، و نهضوا إلى التركمان لترحيلهم عن حصن بعرين، و استنقاذ من بقي فيه منهم، فلما عرفوا عزمهم و قصدهم، زحفوا إلى لقائهم فقتلوا منهم جمعا كثيرا، و أشرف التركمان على الظفر بهم و النكاية فيهم، لولا أنهم اندفعوا إلى ناحية رفنية، فاتصل بهم رحيلهم عنها، و عودهم على طريق الساحل، فشق ذلك عليهم، و أسفوا على ما فاتهم من غنائمهم، و تفرقوا في أعمالهم.1) هو بونز بن برتران- انظر طرابلس الشام في التاريخ الاسلامي: 151.
2) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق، انظر الكامل لابن الأثير:
3) بعرين الآن احدى قرى محافظة حماة، تابعة لمنطقة مصياف، و هي تبعد عن مدينة حماة/ 42 كم/ و عن بلدة مصياف/ 17 كم/. التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية: 144.
ص: 381
و في هذه السنة، عرض لكريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق، وزير شمس الملوك، مرض حاد، لم يزل به إلى أن توفي إلى رحمة اللّه في يوم الأحد الحادي و العشرين من ذي الحجة منها، فحزن له الناس و تفجعوا بوفاته، و تأسفوا عليه لحسن طريقته، و مشكور أفعاله، و حميد خلاله، و كان محبا للخير متمسكا بالدين، مواظبا على تلاوة القرآن العظيم.
و في صفر من السنة نهض صاحب بيت المقدس ملك الافرنج في خيله، إلى أطراف أعمال حلب، و وصل الى موضع يعرف(1)بنواز، فنهض إليه الأمير سوار النائب في حلب في عسكر حلب، و ما انضاف إليه من التركمان، فالتقوا و تحاربوا أياما، و تطاردوا إلى أن وصلوا الى أرض قنسرين، فحمل الأفرنج عليهم فكسروهم كسرة عظيمة، قتلوا فيها من المسلمين تقدير مائة فارس، فيهم جماعة من المقدمين المشهورين المذكورين(2)، و قتل من الأفرنج أكثر من ذلك، و وصل الفل إلى حلب، و تم الأفرنج إلى قنسرين، ثم الى المقاومة(3)ثم الى نقرة الأحرين(4)فعاود الأمير سوار النهوض اليهم من حلب في من بقي من العسكر و الأتراك فلقوا فريقا من الأفرنج فأوقعوا به و كسروه و قتلوا منه تقدير مائة فارس فانكفت الافرنج هزيما نحو بلادهم و عاد المسلمون برؤوس القتلى و القلائع إلى حلب فانجلت تلك الغمة بتسهل هذه النعمة، و وصل الملك إلى أنطاكية.
و انتهى الى (132 ظ) سوار خبر (غارة)(5)خيل الرها، فنهض الأمير
1) في ياقوت هي إحدى قرى جبل السماق من أعمال حلب.
2) ذكر بعضهم ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 252.
3) كذا بالأصل و لم أهتد الى هذا الموقع.
4) كذا بالأصل، و النقرة موقع خارج حلب، و قد اكتفى ابن العديم في زبدة الحلب: 2/ 252 بالقول:« و تحول الفرنج الى النقرة فصابحهم سوار و العسكر فأوقعوا بسرية منهم، فقتلوهم و عادوا برؤوسهم و أسرى منهم».
5) أضيف ما بين الحاصرتين توضيحا، انظر زبدة الحلب: 2/ 252.
ص: 382
سوار و حسان البعلبكي، فأوقعوا بهم و قتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال، و أسروا من وقع في أيديهم حيا، و عادوا الى حلب ظافرين سالمين، و معهم الأسرى و الرؤوس.
و في هذه السنة نهض شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك في عسكره الى شقيف تيرون(1)الذي في الجبل المطلّ على ثغر بيروت و صيدا، فملكه و انتزعه من يد الضحاك بن جندل التيمي، المتغلب عليه في يوم الجمعة لست بقين من المحرم منها.
و في هذه السنة خرج شمس الملوك الى المتصيد، أواخر شهر ربيع الآخر، بناحية صيدنايا(2)و عسال، فلما كان يوم الثلاثاء التاسع منه، و قد انفرد من غلمانه و خواصه، و ثب عليه أحد مماليك جده ظهير الدين أتابك، من الأتراك يعرف بايلبا، و قد وجد منه خلوة و فرصة بالسيف و ضربه ضربة هائلة يريد بها قطع رأسه، فقضى اللّه تعالى بالسلامة، فانقلب السيف في يده و لم يعمل شيئا، و رمى بنفسه الى الأرض في الحال، و ضربه ثانية فوقعت في عنق الفرس، فأتلفه، و حال بينه و بينه الفرس الى أن تكاثر عليه الغلمان، و توافوا إليه فانهزم و أنهض في إثره من الخيل من يقفوه و يطلبه و يتوثق منه، و عاد الى البلد، و قد اضطرب الأمر فيه عند اشاعة هذه الكائنة، فسكنت النفوس بسلامته، و جدّ المنهضون في طلبه من الخيل و الغلمان، و البحث عنه في الجبال و الطرقات و المسالك، الى أن لحقوه، فجرح جماعة بالنشاب
ص: 383
إلى أن أمسكوه، فلما أحضروه الى شمس الملوك، و قرره و سأله: ما الذي حملك على هذا الفعل؟ فقال: لم أفعله إلا تقربا الى اللّه تعالى بقتلك، و راحة الناس منك، لأنك قد ظلمت المساكين و الضعفاء من الناس، و الصناع و المتعيشين و الفلاحين، و امتهنت العسكرية و الرعية، و ذكر جماعة من الغلمان أبرياء، أوقعهم في التهمة، بأنهم وافقوه على هذا، فقبض عليهم و أضافهم إليه، و قتل الجميع في الحال صبرا، و لامه الناس على ذلك (حيث قتل(1)) هؤلاء الغلمان بقول هذا الجاني من غير بينة قامت (133 و) و لا دلالة ظهرت، و لم يكفه قتل من قتل ظلما، حتى اتهم أخاه سونج بن تاج الملوك، فقتله، و هو كبيره، أشنع قتلة بالجوع في بيت(2)و بالغ في هذه الأفعال القبيحة، و الظلم، و لم يقف عند حدّ.
و في يوم السبت الرابع من جمادى الأولى، من السنة، وصل أثير الملك أبو علي الحسن ابن اقش رسولا من الدار العزيزة النبوية المسترشدية، و على يده برسم شمس الملوك التشريف الإمامي المندوب لإيصاله إليه، و افاضته عليه، و وردت المكاتبات على يده عن الوزير شرف الدين أبي القاسم علي بن طراد النقيب الزينبي، وزير الخليفة، و كان معزولا عن الوزارة، فأعيد إليها في شهر ربيع الأول سنة ثمان و خمسمائة، و صرف عنها الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد صرفا جميلا.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر، بالخلف الحادث بين ولدي الامام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد أمير المؤمنين: أبي علي الحسن ولي عهد المسلمين، و أخيه أبي تراب حيدرة ابني الحافظ، و اقتسام الأجناد فرقتين إحداهما مائلة الى مذهب السنّة و أهله، و الأخرى إلى مذهب
ص: 384
الاسماعيلية و حزبه، و استعار نار الحرب بينهما، و استظهار حزب السنة على حزب الاسماعيلية، بحيث قتل منهم خلق كثير، و كان أكثر القتل في الريحانية السودان، و استقام الأمر بعده لأبي علي الحسن، و تتبع من كان ينصر مذهب الاسماعيلية من المقدمين و الدعاة، و من يجري مجراهم، فأبادهم بالقتل و التشريد، و صلحت الأحوال، و استقامت أمور الأعمال، بعد الاضطراب و الاختلال، و ورد كتاب الحافظ لدين اللّه الى شمس الملوك بهذه الحال، في أواخر ذي الحجة من السنة، بما تجدد عنده من هذه النعمة(1).
و في ذي القعدة من السنة انتهت الأخبار الى شمس الملوك، من ناحية الأفرنج باعتزامهم على نقض المستقر من الهدنة، و قبيح الموادعة المستمرة، و تأهبهم للجمع و الاحتشاد، و قصد الأعمال الدمشقية بالعيث و الفساد، فحين عرف شمس الملوك هذه الحال، شرع في جمع الرجال، و استدعى التركمان من جميع الأعمال، و اتصل به نهوض الأفرنج الى ناحية حوران فبرز في (133 ظ) العسكر، و توجه إليهم، و خيّم بإزائهم، و شرعوا في إخراب أمهات الضياع الحورانية، و وقع التطارد بين الفريقين، و كان الأفرنج في جمع كثيف من الخيل و الرجل، بحيث حصروهم في منزلهم، لا يخرج منهم فارس و لا راجل، إلا رشقته السهام، و اختطفه الحمام، و أقامت المناوشة بين الفريقين عدة أيام، ثم أغفلهم شمس الملوك، و نهض في فريق وافر من العسكر، و هم لا يشعرون، و قصد بلادهم: عكا و الناصرة و ما جاورهما، و طبرية و ما والاها، فظفر بما لا يحصى كثرة من المواشي و العوامل، و النسوان و الصبيان و الرجال، و قتل من صادفه و سبى من ظهر له، و أحرق ما وجده، و امتلأت أيدي التركمان من غنائمهم، و اتصل الخبر بالأفرنج، فانخذلوا و قلقوا و انزعجوا، و أجفلوا في الحال من منزلهم طالبين أعمالهم، و عرف شمس الملوك ذاك،
1) انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 149- 155.
ص: 385
فانكفأ إلى مخيمه على طريق الشعراء سالما في نفسه و جملته، ظافرا غانما و وصل الأفرنج الى أعمالهم، فشاهدوا ما حل بها و نزل بأهلها من البلاء، فساءهم ذاك وفت في أعضادهم و انفلت شكتهم، و انقصفت شوكتهم، و تفرق شملهم، و ذلوا و طلبوا تقرير الصلح بينهم، و عاد شمس الملوك الى دمشق مسرورا في آخر ذي الحجة من السنة.
و فيها وردت الأخبار باجتماع الأمير عماد الدين أتابك، و الأمير حسام الدين تمرتاش بن ايل غازي بن أرتق على بلاد الأمير داود بن سكمان بن أرتق، و نهض إليهما في عسكره، و التقى الفريقان على باب آمد، فانهزم داود، و انفل عسكره، و أسر بعض أولاده و قتل جماعة من أصحابه، و ذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة، و نزل على آمد و حصرها، و قطع شجرها، و لم يحصل منها على طائل، فرحل عنها.
و وردت الأخبار بأن عماد الدين أتابك، نزل على القلعة المعروفة بالصور(1)و ضايقها و افتتحها في رجب من السنة.
و فيها ورد الخبر من ناحية بغداد بوقوع النار في بعض محالها، فاحترق الخان المشهور بمخازن التجار، و كثير من الأسواق، و تلف للتجار الحاضرين و الغائبين من جميع الجهات ما لا يحصى من أموالهم و بضائعهم.
و فيها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك استوزر ضياء الدين (134 و) أبا سعيد الكفرتوثي، و هو مشهور بحسن الطريقة و الكفاية، و حب الخير و المقاصد السديدة، و المذاهب الحميدة.
و فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرل بن السلطان محمد بن ملك شاه رحمه اللّه.
1) في الكامل لابن الأثير: 1/ 343« قلعة الصور من دياربكر».
ص: 386
و فيها تواصلت الأخبار من ناحية الأمير عماد الدين أتابك، باعتزامه على التأهب لقصد مدينة دمشق لمنازلتها و محاصرتها، و أنه منصرف الهمة الى الاستعداد لذلك(1).
في أول المحرم هرب الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق، إلى تدمر خوفا من شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري.
كان الحاجب المذكور في حياة(2)تاج الملوك متمكن الرتبة عنده، مقبول الرأي فيما يرومه، و قد صرف همه، و وكده الى تطلب معقل حصين يعده لنائبة تنوب، و خطب من خطوب الزمان يتجدد، و اتفق أن الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك المقيم بتدمر، قد سئم المقام بها، و ضجر من كونه فيها، و ارتاحت نفسه إلى دمشق و الإقامة فيها، و جعل يراسل أباه تاج الملوك، و يسأله نقله عنها، و لم يزل إلى أن أجيب الى مقترحه و أسعف بمطلبه، فوجد يوسف بن فيروز الغرض الذي يتطلبه، قد تسهلت أسبابه، فشرع في الحديث فيه، و الخطاب بسببه، و الاستعانة بمن يعينه على ذلك من المقدمين و الوجوه، الى أن تسهل الأمر، و أجيب إليه و عول في تولي أمر تدمر عليه، و تسلمها و حصلت في ولايته، و رتب فيها ولده مع من وثق به في حفظها، و الذب عنها من ثقات أصحابه و أمناء نوابه، و شرع في تحصينها و رمرمتها، و لم شعثها و شحنها بالغلة و العدد، و حصل فيها كل ما يحتاج مثلها إلى مثله، فلما عرف
ص: 387
من شمس الملوك التنكر عليه، و ظهر له فساد نيته فيه، و بان ذلك له من ثقات يسكن إليهم، و لا يشك فيهم، و حمله الخوف من العاجلة له، و الايقاع(1)به، فهم بالهروب إلى تدمر، و ترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس الملوك في بعض الجهات خروج، فخرج من البلد آخر النهار، و سره مكتوم عن الخل و الجار، و قصد ضيعته لمشاهدتها، (34 ظ) و قد استصحب خواص أصحابه و غلمانه، ثم تم على حاله مغذا في سيره، مجدا في قصده إلى أن حصل بتدمر، آمنا مما توقاه، ظافرا بما رجاه، و ظهر خبره في غد ذلك اليوم، فحين عرف شمس الملوك جلية حاله، ضاق صدره لإفلاته من يده، و تضاعف ندمه لفوات الأمر فيه، و كاتبه بما يطيب نفسه، و يؤنسه بعد استيحاشه، فلم يصغ الى ذلك، بل أجابه جواب الخاضع، و الطائع، و العبد الناصح، و المستخدم المخلص، و يقول: «إنني في هذا المكان خادم في حفظه، و الذب عنه»، فلما وقع اليأس، و علم أن المقال لا ينجع، حنق عليه، و ذكره بكل قبيح، و أظهر ما يسره في نفسه، و لم يعرض لشيء من ملكه و داره، و اقطاعه و أهله و أسبابه، و تجدد بعد ذلك ما يذكر في موضعه، و كان هروبه في ليلة الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة تسع و عشرين و خمسمائة، من الضيعة الجارية في إقطاعه، المعروفة بالمنيحة(2)من الغوطة.
و في هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها و عامتها، عن صاحبها الأمير شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل بن تاج الملوك بوري ابن ظهير الدين أتابك، بتناهيه في ارتكاب القبائح المنكرات، و ايغاله في اكتساب المآثر المحظورات، الدالة على فساد التصور و العقل، و صداء الحس
ص: 388
و ظهور الجهل، و تبلد الفهم، و حب الظلم، و عدوله عما عرف فيه من مضاء العزيمة في مصالح الدين، و المسارعة إلى الجهاد في الأعداء الملحدين، و شرع في مصادرات المتصرفين، و العمال، و تأول المحال على المستخدمين في الأعمال، و استخدم بين يديه كرديا، جاءه من ناحية حمص، يعرف ببدران الكافر، لا يعرف الاسلام، و لا قوانينه، و لا الدين و شروطه، و لا يرقب في مؤمن و لا ذمة، و نصبه لاستخراج مال المصادرين من المتصرفين، و الأخيار المستورين بفنون قبيحة إخترعها في العقوبات، و أنواع مستشبعة في التهديد لهم و المخاطبات و ظهر من شمس الملوك، مع هذه الحال القبيحة، و الأفعال الشنيعة، بخل زائد و اسفاف نفس إلى الدنايا متواصل، بحيث لا يأنف من تناول الخسيس الحقير بالعدوان، و أخذه من غير وجهه بالعتو و الطغيان، و أشياء من هذا الباب لا حاجة إلى ذكرها لإشاعتها، و اشتهار أمرها، بحيث أنكرت من أفعاله، و استبشعت (135 و) من أمثاله، و لم يكفه ما هو عليه من هذه الأفعال الذميمة، و الخصال المكروهة، حتى أسر في نفسه مصادرة كفاته من الكتاب، و خواصه من الأمراء و الحجاب، و عزم على الابتداء أولا بالحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز، أحظى من كان عند أبيه أولا، و عنده ثانيا و اشتهر عنه حتى هرب إلى تدمر منه، و رأى الغنيمة الكبرى ببعده من شره، و راحته من نظره، و كاتب في أثناء هذا الاختلال و الاضطراب الأمير عماد الدين أتابك، حين عرف اعتزامه على قصد دمشق، لمنازلتها و مضايقتها، و الطمع في ملكتها، يبعثه على سرعة الوصول إليها، ليسلمها إليه طائعا، و يمكنه من الانتقام من كل من يكرهه من المقدمين و الأمراء و الأعيان بإهلاكهم و أخذ أموالهم، و إخراجهم من منازلهم، لأمر تصوره، و هذيان في نفسه قرره، و تابع الكتب إليه بالمسألة في الإسراع و البدار، و ترك التلوم و الانتظار، و يقول له في أثناء هذا المقال: «و ان اتفق إهمال لهذا الأمر، و اغفال أو إمهال، أحوجت الى
ص: 389
استدعاء الأفرنج من بلادهم، و سلمت إليهم دمشق بما فيها، و كان إثم دم من بها في رقبته»، و أسر ذلك في نفسه، و لم يبده لأحد من وجوه دولته، و أهل بطانته، و كانت كتبه بذلك، بخط يده، و شرع في نقل المال و الأواني، و الثياب من خزانته الى حصن صرخد، حتى حصل الجميع به، ظنا منه أنه يفوز به، و يهلك جميع الناس من بعده.
فلما بدأ هذا الأمر يظهر، و السر فيه ينتشر، شرع في القبض على أصحابه و كتابه و عماله، و غيرهم من أهل دمشق، و مقدمي الضياع، و امتعض الأمراء و المقدمون و وجوه الغلمان الأتابكية، و كافة العسكرية و الرعية، من هذا الفعل، و أشفقوا من الهلاك و البوار إن تم هذا التدبير المذموم، لما يعلمون من أفعال عماد الدين أتابك إذا ملك البلد، فأجروا الحديث فيما بينهم سرا، و أنهوا الحال فيه إلى والدته الخاتون صفوة الملك، فقلقت لذاك، و امتعضت منه، و استدعته و أنكرته و اشتبشعته، و حملها فعل الجميل، و دينها القويم و عقلها الرصين على النظر في هذا الأمر، بما يحسم داءه، و يعود بصلاح دمشق و من حوته، و تأملت الأمر في ذلك تأمل الحازم الأريب، و المرتأي (135 ظ) المصيب، فلم تجد لدائه دواء، و لا لنفسه شفاء إلا بالراحة منه، و حسم أسباب الفساد المتزايد عنه، و أشار عليها وجوه الغلمان و أكابرهم بذاك و استصوبوا رأيها فيه، و بعثوها على العاجلة له، قبل ظهور الشر، و فوات الأمر، و أنه لا ينفع فيه أمر، و لا ينجع معه وعظ، فصرفت الهمة الى مناجزته، و ارتقبت الفرصة في خلوته الى أن تسهل الأمر المطلوب، عند خلوته من غلمانه، و سلاحيته، فأمرت غلمانها بقتله، و ترك الامهال له، غير راحمة له، و لا متألمة لفقده، لما عرفت من قبيح فعله، و فساد عقله، و سوء سيرته، و مذموم طريقته، و أوعزت بإخراجه حين قتل، و إلقائه في موضع من الدار، ليشاهده غلمانه و أصحابه، و كلّ سر بمصرعه، و ابتهج بالراحة منه، و بالغ
ص: 390
في شكر اللّه تعالى على ما سهله فيه، و أكثر الدعاء لها، و الثناء عليها، و ذلك ضحى نهار يوم الأربعاء الرابع عشر من ربيع الآخر سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و قد كان مولده ليلة الخميس السابع بالعدد من جمادى الآخرة سنة ست و خمسمائة في الساعة الثانية منها، و الطالع برج السرطان أو المشتري فيه كمح مح و المريخ في السنبلة، و الزهرة في الخامس، و العقرب و الشمس في السادس من القوس، و القمر و زحل في التاسع، و سهم السعادة في العاشر.
و قد كان المعروف ببدران الكافر، لعنه اللّه في يوم الثلاثاء المتقدم ليوم الأربعاء، الذي قتل فيه، قد راح من بين يديه بعد أن أسر إليه بشر يعمل عليه، فلما حصل في بيته وقت الظهر من يومه المذكور، أرسل اللّه تعالى ذكره، عليه آفة عظيمة، أخذت بأنفاسه و ربا لسانه حتى ملأفاه، و هلك من وقته، و كانت الكائنة في غده فبالغ الكافة في حمد اللّه تعالى، و شكره على هذه الآية الباهرة، و القدرة الظاهرة، و واصلوا تسبيحه و تقديسه و تمجيده، فسبحان مالك الأمر و مدبر الخلق، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
و في الوقت نودي بشعار أخيه الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ابن أتابك، و جلس في منصبه، بمحضر من والدته خاتون صفوة الملك، و حضر الأمراء و أماثل الأجناد، و أعيان الرعية، فسلموا عليه بالإمرة، و استحلفوا على الطاعة (136 و) له و لوالدته، و المناصحة في خدمتهما، و النصرة لأوليائهما، و المجاهدة في أعدائهما، و حلف كل منهم بانشراح من صدره، و انفساح من أمله، و ظهر من سرور الكافة خاصيها و عاميها، بهذه النوبة السعيدة، و الأفعال الحميدة، ما يزيد على الوصف، و أيقنوا بالخلاص من المكروه الذي أشرفوا عليه، و استقامت الأحوال، و تحققت الآمال.
و تتابعت المكاتبات في أثناء ذلك، من سائر الجهات، بوصول عماد الدين، في عسكره، و قطعه الفرات مجدا لتسلم دمشق، من شمس الملوك
ص: 391
صاحبها، و وصلت رسله لتقرير الأمر، فصادفوا الحال بالصد، و التدبير بالعكس، إلا أنهم أكرموا و بجلوا، و أحسن إليهم، و أعيدوا بأجمل جواب، و ألطف خطاب، و أعلم عماد الدين جلية الحال، و اتفاق الكلمة في حفظ الدولة و الذب عن الحوزة، و البعث على اجمال الرعاية، و العود على أحسن نية.
فلما انتهى إليه الجواب، و وقف عليه، لم يحفل به، و لا أصاخ إلى استماعه، فأوهمته نفسه بالطمع في ملكة دمشق، ظنا منه بأن الخلف يقع بين الأمراء و المقدمين من الغلمان، فكان الأمر بخلاف ما ظن، و واصل الرحيل و اغذاذ السير إلى أن وصل الى ظاهر دمشق، و خيم بأرض عذراء الى أرض القصير، في عسكر كثيف الجمع، عظيم السواد، في أوائل جمادى الأولى من سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و قد كان التأهب له مستعملا عند ورود أخبار عزيمته، و أجفلت الضياع، و حصل أهلها في البلد، و وقع الاستعداد لمحاربته و اللقاء عند منازلته، و الاجتماع على صده، و دفعه، و لم تزل الحال على هذه القضية، و الانتصاب بإزائه على هذه السجية، و قد أشعرت النفوس من شدة البأس، و الصبر على المراس، للقائه و التأهب لزحفه، و دنوه من البلد، و قربه، و قد كان رحل عن عذراء و نزل تحت العقبة القبلية، و كان يزحف في عسكره، و قد فرقه في عدة مواضع كالمراكب، حتى تقرب من البلد، فيشاهد كثرة من يخرج من البلد و العسكرية، و أحداث الرعية بالسلاح الشاك، و امتلأ المصلى و سائر الأماكن، و الكمناء في جميع المسالك ما يروعه و يصده عن الزحف، و في كل يوم يصل من مستأمني عسكره جملة وافرة، مع ما ينهب من خيولهم، و يقلع من فوارسهم (136 ظ) فلما طالت الأيام عليه، و لم يحصل على طائل مما حاول، و لا مرام، راسل في طلب الصلح، و الدخول في طاعته، و التمس خروج الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك إليه لوطء بساط ولد السلطان الواصل معه، و يخلع عليه، و يعيده الى بلده، و أجمل الخطاب في ذلك و الوعد، فلم يجب الى خروج شهاب الدين، و تقررت الحال
ص: 392
على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه بن تاج الملوك، و وافق ذلك وصول الرئيس بشر بن كريم بن بشر، رسولا من الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين الى عماد الدين أتابك، بخلع أعدت له، و الأمر بالرحيل عن دمشق، و ترك التعرض لها، و الوصول الى العراق لتولي أمره، و التدبير له، و أن يخطب للسلطان ألب أرسلان المقيم بالموصل.
و دخل الرسول المذكور، و القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري الى دمشق، لتقرير الأمر و لإحكام القاعدة في الجمعة، في الثامن و العشرين من جمادى الأولى، فتقرر الأمر، و وكدت الأيمان، و حضرا الجامع لصلاة الجمعة، و خطب للسلطان ألب أرسلان على المنبر، بأمر أمير المؤمنين، و عادا الى العسكر الأتابكي، و خرج بهرام شاه فأكرمه و أعاده على أجمل قضية، و رحل في يوم السبت غد ذلك اليوم، منكفئا و القلوب قد أمنت بعد الوجل، و النفوس قد سكنت بعد الاضطراب و الوهل، و الشكر له متواصل، و الثناء عليه متكامل، فلما حصل بحماة أنكر على شمس أمراء الخواص واليها أمرا، ظهر له منه، و تزايد شكوى أهلها لأصحابه و نوابه، فعزله عنها، و قرر من رآه في ولايتها، و قد كان ظهر من الأمير ابن شجاع الدولة بزواج، و معين الدين أونر من حسن السياسة في تدبير العسكرية و الأجناد عند الترتيب في الحرب، ما وافق الأغراض، و طابق الإصابة و السداد، بحيث شكرا، و حمدت مقاصدهما.
و في ذي القعدة منها، وردت الأخبار من العراق باستشهاد الإمام الخليفة المسترشد باللّه أبي منصور الفضل بن المستظهر باللّه أمير المؤمنين، رحمة اللّه عليه و رضوانه.
ص: 393
و قد مضى ذكر ما كان من الخليفة المفقود، في معنى السلطان مسعود ابن السلطان محمد(1)بن ملك شاه (137 و) من تقرير السلطنة له، ورد تدبير الأعمال و الأمر بالدعاء له، على منابر البلاد، و تشريفه بالخلع و الحملان الكامل، و عقيب هذا الفعل الجميل ظهر لأمير المؤمنين المسترشد باللّه أمور أنكرها، و بلغته أسباب امتعض منها، و بدت منه أفعال أكبرها، فرام استعطافه و استعادته إلى الواجب المألوف في طاعة الخلفاء، فامتنع و حاول استمالته الى الصواب المعروف في المناصحة، و حسن الوفاء فلم ينفع، و بعثه على الحق الذي هو خير من التمادي في الباطل، فلم يقبل، فأفضت الحال صرف الهمة العلية المسترشدية الى مداواة هذا الداء، و الاستعداد له، الى أن أعضل بالدواء، و لم ير فيه أنجع من التأهب لقصده، و الاحتشاد للايقاع به و صده، لأن اخباره كانت متناصرة بعزمه على قصد بغداد، و الإخراب لها، و الاعاثة في نواحيها، فرأى الصواب في معاجلته، و مقابلة فعله بمثله.
و اتفق وصول جماعة من وجوه عسكره، و مقدمي جنده، لخدمة الخليفة، و المعاضدة له على محاربة عدوه، و شرعوا في تحريضه على البروز إليه، و المسارعة بالإطلال عليه، فتوجه نحوه في تجمل يعجز عنه الوصف، و يقصر دونه النعت، و قد اجتمع إليه من أصحاب الأطراف، و أصناف الأجناد، الخلق الكثير، و الجم الغفير، الذي بمثله قويت نفسه، و اشتد بأسه، و لم يشك أحد في أنه الظافر به، و المستولي على حزبه، فلما قرب من مخيمه بناحية همذان، و وقع العيان على العيان، زحف إليه في عسكره، و التقى الجمعان، و اتفق للقضاء المكتوب، و القدر المحجوب أن أمراء الأتراك الواصلين لخدمة
1) في الأصل: ابن محمود بن محمد، و محمود زيادة فحذفت.
ص: 394
الخليفة، في عسكره خامروا عليه، بمواطأة كانت، و تقديرات تقررت و بانت، فانقلبوا عنه و أسلموه، و عملوا عليه و أغنموه، يحيث تفرقت عنه حماته، و خذله أبطاله و كماته، و ثبت هو و خواصه في المصاف، يقاتلون و لا يولون إلى أن انفل عنه حزبه، و ضعف أمره، و غلب على نفسه، فأخذوه و وزيره النقيب، و كاتبه سديد الدولة بن الأنباري، و صاحب مخزنه و خدمه و خاصته، و حملوه مع أصحابه المذكورين إلى خيمة، و وكل بجماعة من يحفظهم، و يتوثق منهم، (137 ظ) و يحتاط عليهم.
و كتبت المطالعات إلى السلطان سنجر بن ملك شاه، صاحب خراسان بصورة الحال، و الاستئذان بما يعتمد في بابه، و وعد السلطان مسعود الخليفة و من معه بالإطلاق، و إعادتهم الى بغداد، و تقرير أمر الخلافة على ما جرى به الرسم قديما، فلما عاد الجواب من السلطان سنجر في هذا الباب، و تقرير ما اقتضاه الرأي في أمر الخلافة بين السلطانين المذكورين، ندب عدة من الرجال، تقدير أربعة عشر رجلا، نسبوا الى أنهم من الباطنية، فقصدوا الخليفة في خيمته، و هو مطمئن لا يشعر بما نزل به من البلاء، و أحاط به من محتوم القضاء، و هجموا عليه، فقتلوه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، صبرا و قتلوا معه من أصحابه و فراشيه من دافع عنه و مانع دونه، و شاع الخبر بذاك بناحية مراغة على مرحلتين منها، و دفن بها، و استبشع الناس هذا الفعل الشنيع، و القصد الفظيع، في حق خليفة الزمان، و ابن عم رسول اللّه، عليه أفضل الصلاة و الرضوان، و أكبروا الجرأة على اللّه، و الاقدام على هذا المنكر في الاسلام، و الدم الحرام، و أطلقوا الألسنة بالدعاء، و الذم على من استحسن هذا الفعل القبيح، و دبر هذا الخطب الشنيع، و تيقن كل انسان من الخاص و العام أن اللّه تعالى لا يمهل المقدم، و لا يغفل (عن) المجرى اليه، لأنه جلت قدرته لا يصلح عمل المفسدين، و لا يهدي كيد الخائنين، و لا يهمل عقوبة الظالمين.
ص: 395
و لما انتهى هذا الخبر إلى ولده، ولي عهده، تقدم بتحصين بغداد، و التأهب لدفع من يقصدها بسوء من الأعداء و المخالفين، و بويع بالخلافة في يوم السبت السابع و العشرين من ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و لقب بالراشد باللّه أبي جعفر المنصور بن المسترشد باللّه أمير المؤمنين، و جلس في منصب الخلافة في ذي الحجة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و استقام له الأمر و توكدت له البيعة على الرسم، و وعد كافة الأجناد و العسكرية، و أماثل الرعية بما طيب نفوسهم، و شرح صدورهم، و أطلق مال النفقات و الواجبات على جاري العادة، فكثر الدعاء له، و الثناء عليه، و سكنت الدهماء(1)
و لقد سألت السعيد مؤيد الدين أبا عبد اللّه محمد بن عبد الكريم الأنباري، رحمه اللّه، في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة ببغداد، حين نزلت إليه في أيام السلطان محمود عن حال المسترشد و ما جرى، فقال رضي اللّه عنه: كان قد وقع بين السلطان و الخليفة في أيام السلطان محمود، و خرج و أسره مرتين، فلما ولى مسعود استطال نوابه على العراق، و عارضوا الخليفة في أملاكه، فوقعت الوحشة، و تجهز المسترشد و عزم على الخروج، وجد في ذلك، و اتفق أن بعض الأيام دخل الوزير شرف الدين الزينبي علي بن طراد على الخليفة، و أنا معه و جمال الدين طلحة صاحب المخزن، و كان الخليفة قد طرد أصحاب السلطان عن العراق، و رتب صاحب المخزن على دار السلطان للمظالم و البلد، فلما دخلنا ذلك اليوم قال له الوزير شرف الدين: يا مولانا في نفس المملوك شيء و هل يؤذن له في المقال؟
فقال: قل، قال: يا مولانا الى أين تمضي و بمن تعتضد والى من تلتجئ، و بمن تنتصر؟ و مقامنا ببغداد أمكن لنا، و لا يقصدنا أحد إلا و فينا نحن الظهر، و العراق فيه لنا كفاية، فإن الحسين بن علي عليهما السلام لما خرج الى العراق جرى عليه ما جرى، و لو أقام بمكة و المدينة ما اختلف عليه اثنان، و كان تابعه جميع الناس، فقال له الخليفة: ما تقول يا كاتب؟ فقلت: يا مولانا الصواب المقام، و ما رآه الوزير فهو الرأي، فلا يقدم علينا بالعراق أحد، و ليت بقي لنا العراق، فقال لصاحب المخزن: يا وكيل ما تقول؟ قال: في نفسي ما في نفس مولانا- و كان هو قد حمله على الخروج- فقال المسترشد:
و إذا لم يكن من الموت بدفمن الغبن أن تموت جبانا
... قال مؤيد الدين: لما قتل المسترشد جاء السلطان مسعود و نفذ أحضرنا عنده، فحضر الوزير شرف الدين، و جمال الدين صاحب المخزن، و أنا، فلما حضرنا عنده، قال: ما الرأي و ما التدبير في أمر الخلافة، من ترون؟ فقال الوزير: يا مولانا الخلافة لولي العهد، و قد بايعه الناس، و جلس و استقر، و قد بويع له بولاية العهد، و الآن بعد قتل أبيه، فقال: ما الى هذا سبيل أبدا و لا أقره عليها فإنه يحدث نفسه بالخروج مثل أبيه، و نحن كل يوم من حيث ولي المسترشد لم يزل يخرج علينا و كان خرج على أخي محمود مرتين، و علي مرة، و هذه أخرى ثم تم عليه ما تم، و بقيت علينا شناعة عظيمة و سبة الى آخر الدهر، و يقولون: قتلوا الخليفة، و هم كانوا السبب في عود الخلافة الى هذا البيت، لا أريد يجلس الا من لا يداخل نفسه في غير أمور الدين، و لا يتخذ و لا يجمع و لا يخرج علي و لا على أهل بيتي، و في الدار جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم، صاحب عقل و رأي و تدبير، و يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، و لا يخرج من داره، و لا تعرجوا عن هارون بن المقتدي، فهو شيخ كبير، و لا يرى الفتنة، و قد أشار به عمي سنجر، و كان في الدار في ذلك الوقت سبعة أخوة من أولاد المقتدي، و لهم أولاد و أولاد أولاد ... و من أولاد المستظهر سبعة أخوة ... و كان للمسترشد أولاد جماعة و للراشد، و له مقدار نيف و عشرين ولدا ...
و قال المؤرخ أيضا: قيل و نفذ السلطان مسعود الى عمه سنجر، يأخذ اذنه فيمن يولى، فنفذ اليه يقول: لا تول إلا من يقع عليه رأي الوزير، و صاحب المخزن، و ابن الأنباري، فاجتمع السلطان بهم، و شاورهم، و أشار بهرون، و عرفهم ما أمرهم السلطان سنجر، و قال الوزير: إذا كان هذا الأمر يلزمنا فنحن نولي من نراه، و هو الزاهد العابد الدين الذي ليس في الدار مثله، قال السلطان: من هو؟ قال: الأمير أبو عبد اللّه بن المستظهر، فقال: و تضمنون ما يجري منه؟ فقال الوزير: نعم، و كان الأمير أبو عبد اللّه صهر الوزير شرف الدين على ابنته، فإنها دخلت ذات يوم في الدار، في زمن المستظهر، فرآها الأمير أبو عبد اللّه، فطلبها من أبيه فزوجه إياها، و كان شرف الدين اذ ذاك نقيب النقباء، و دخل بها، و بقيت عنده مدة، و ماتت عنده، فقال السلطان:
ذاك إليكم، و اكتموا الحال لئلا ينمو الأمر فيقتل، ثم رحل السلطان يطلب بغداد و الوزير و الجماعة الى بغداد و الوزير و نحن أجمع في صحبته ...
(138 ظ).1) في تاريخ ميافارقين لابن الأزرق الفارقي، مواد و ثائقية حول الصراع بين الخليفة و السلطان، مع وصف المعركة بينهما و نتائجها، و قد أثبت المحقق الأول هذا النص في حواشي الكتاب، و لفائدته أبقيته، و قمت بضبطه على مصورة مخطوطة المتحف البريطاني الموجودة لدي، قال الفارقي: و قيل خرج في شعبان سنة تسع و عشرين و خمسمائة، قيل في ثمان و عشرين و خمسمائة، خرج الخليفة المسترشد من بغداد، و لقي السلطان مسعود بباب همذان الى موضع يسمى دآى مرك قريب من جبل بهستون، و نهب العسكر، و كان جمع السلطان خلقا، فالتقوا بعسكر الخليفة و أسروه و أسروا أرباب المناصب كلها.
ص: 396
في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية العراق، بقتل الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد، قتله السلطان مسعود بن محمد، لأمور أنكرها، و أسباب
ص: 397
امتعض منها، نسبت إليه، و قيل إن هذا مكافأة من اللّه تعالى له، عما كان منه في عصيان الخليفة الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين، و السعاية في دمه، و كان هذا الخليفة المسترشد باللّه أمير المؤمنين رحمه اللّه، عالما تقيا فاضلا، حسن الخط، بليغا نافذا في أكثر العلوم، عارفا بالفتوى، و اختلاف الفقهاء، فيها، أشقر الشعر أشهل العينين، بوجهه نمش، و كانت مدة خلافته سبع عشرة سنة، و ما اللّه بغافل عما يعمل الظالمون.
و في شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك، مدينة حمص، و قلعتها.
لما عرف من كان بحمص و قلعتها من أولاد خيرخان بن قراجة، و خمارتاش الوالي من قبلهم فيها، ما استمر عليها، من مضايقة الأمير عماد الدين أتابك لها، و بذل جهده، و حرصه في تملكها و أخذها، و أخذه حماة المجاورة لها، وجده في طلبها، و إضعاف أهلها، و مواصلة الغارات عليها، و أنهم لا طاقة لهم بضبطها، لقلة القوت بها، و عدم الميرة فيها، أنفذوا رسلهم إلى شهاب الدين
ص: 398
يلتمسون منه إنفاذ من يراه، لتسلّم حمص و قلعتها، و يعوضهم عنها بما يتفق عليه الرأي، و توسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدمر الأمر في ذلك طمعا في الكون بها، و الانتقال من تدمر إليها، لكونها من الأماكن الحصينة، و القلاع المنيعة، و استأذن في الوصول الى دمشق للحديث، و تقرير الحال في ذلك، فأذن له، و وصل الى دمشق، و جرى في ذلك خطاب طويل، أفضى آخره الى أن تسلم حمص و قلعتها الى شهاب الدين، و تسلم الى خمارتاش تدمر عوضا عنها، و وقع الشرط و اليمين على هذه الصفة، و برز شهاب الدين من دمشق في العسكر، و توجه إليها، فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة و أولاد خيرخان و أهله بما يخصهم، و سلموها إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين و خمسمائة و حصل بها و رتب أمرها (138 ظ) و قرر ولايتها للحاجب يوسف ابن فيروز، و أن يكون فيها نائبا عن الأمير معين الدين أنر الأتابكي، حسب ما تقرر، و كتب الى الجهات و الأطراف بحمل الأقوات إليها، و التقوية لها بالميرة، و عاد شهاب الدين عنها بعد تقرير أمرها منكفئا الى دمشق، و شرع الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب، و من بحماة من قبله في الغارات على أعمال حمص، و رعي زرعها، و جرى في ذلك مراسلات و مخاطبات، أسفرت عن المهادنة و الموادعة، و المسالمة الى أمد معلوم، و أجل مفهوم، بحيث انحسمت أسباب الفساد عن الجهتين، و استقامت أحوال الجانبين.
و في يوم الأحد الرابع و العشرين من جمادى الأولى من السنة، خلع شهاب الدين على أمين الدولة كمشتكين الأتابكي، والي صرخد و بصرى الخلع التامة، ورد إليه أسفهسلارية العسكرية، و خوطب بالأتابكية، و أنزل في الدار الكبيرة الأتابكية بدمشق، و حضر الناس لهنائه فيها، و أوعز الى الكافة باتباع رأيه، و الامتثال لأمره.
و في يوم الأربعاء السابع و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، قتل الحاجب يوسف بن فيروز، في ميدان المصلى بدمشق.
ص: 399
كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره، عند كونه في خدمة شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك، و تمكنه عنده، و ارتفاع طبقته لديه، قد اعتمد في حق مقدمي الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه، و بلغهم ما ضيق صدورهم عنه، و أسروا ذلك في نفوسهم، و أخفوه في قلوبهم، لا سيما ما قصده في نوبة الغلمان الذين قتلهم شمس الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك، بسبب اتهامهم بكونهم مع ايلبا الغلام التركي- الذي كان وثب على شمس الملوك، و ضربه بالسيف طالبا قتله، فسلمه اللّه و نجاه، حسب ما تقدم به الشرح- و كونه أكبر السعاة عليهم، و السبب في قتلهم، على عادة قد ألفيت من فعله، و طريقة قد عرفت من طبعه، و قد كان حصل بتدمر، و أهمل أمره، و نسي ما سبق به شره، فلما راسل من تدمر(1)يطلب الأذن في الوصول إلى دمشق، لتقرير أمر حمص، و أجيب الى الأذن في ذلك، أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج، و الحاجب سنقر، و أكابر الغلمان الأتابكية الأذن له في ذلك، و امتعضوا من وصوله كل الامتعاض (139 و)، لما عرفوا من سوء فعله، و مشهور سعيه، و ختله، و أشاعوا بينهم ما هم عازمون عليه من العمل على قتله، و نصحه أهل وده، و الاشفاق عليه، و المتقربين إليه بذاك، فأبى القبول منهم، و أخذ النصح منهم، و قويت نفسه على التغرير بها، و المخاطرة باتباع هواها، و تمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه، و المنع منه، لصداقة كانت بينهما، قد استحكمت قواها، و وصلة انعقدت و أحكمت عراها، و لما وصل إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه، و توكد معها أنسه، و قرر معه أنه يكون يحضر للسلام في كل يوم، و يعود الى داره، و يقنع بالكون في ملكة دمشق، و التنقل منها إلى حمص، و لا يداخل نفسه في أمر غير ذلك.
1) في الأصل: من تدمر من يطلب، و من الثانية زيادة فحذفت.
ص: 400
فما هو إلا أن حصل بها، و جعل يدبر أمرا غير خاف، و يقرر تقريرا غير مكتوم و لا مستتر، فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامنا، و حرك ما كان في القلوب ساكنا، و وجد الأمير بزواج(1)و الغلمان السبيل إلى نقض ما عوهدوا عليه، باعتماده المخالفة لما قرره معه، و سكنوا إليه و لاحت الفرصة لهم فيه، و لما كان في اليوم المقدم ذكره، و قد تقرر الأمر بينهم على الفتك به، صادفه شجاع بزواج، المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق فماشاه ساعة بالحديث و قد خلا من أصحابه و أغفله و جرد سيفه و ضربه به، ضربة عظيمة في وجهه الى رأسه، و ثنى بأخرى فسقط الى الأرض، و أجهز عليه آخر من الغلمان، و لم يتجاسر أحد من أصحابه من الدنو منه، و لا الدفع عنه لقوة شوكة الغلمان، و اتفاق كلمتهم على قتله.
و انهزم شهاب الدين و أصحابه من الميدان الى داره، و بقي ساعة مطروحا على الأرض في الميدان، يشاهد مصرعه، و يعتبر اللبيب بمنظره، ثم حمل الى المسجد الذي بناه فيروز أبوه بالعقيبة، فدفن عند قبره في يومه في تربته، و أنفذ بزواج و سنقر و جماعة الغلمان الى شهاب الدين و والدته الخاتون مراسلات و معاتبات، على ما اعتمداه من الأذن له في العود إلى دمشق، بعد ما كان من فعله في حق من قتل بسعيه من الغلمان، و اشترطوا أمورا وقع الاباء لها و الاستيحاش منها، و من طلب مثلها، و امتنع الغلمان، و أكثر الأتراك من الدخول إلى البلد و (رفضوا)(2)العود إلى دورهم إلا بعد تقرير أمر بزواج (139 ظ) و جماعة الغلمان، و الدخول فيما راموه، و تطييب نفوسهم بالإجابة إلى ما حاولوه.
و اندفعوا الى ناحية المرج، فنزلوا فيه و خيموا في ناحية من نواحيه، و ترددت بينهم مراسلات لم تسفر عن سداد، و لا نيل مراد، فأظهروا الخلاف،
ص: 401
و كاشفوا بالعصيان و الانحراف، و عمدوا الى خيل الجشار(1)فاستاقوها، و اشتملوا على جميعها، و هي العدد الكثير لسائر الأمراء و العسكرية و الرعية من أنواع الدواب، و لها قيمة عظيمة، و توجهوا بها في يوم الجمعة السابع و العشرين من جمادى الأولى من السنة من تل(2)راهط إلى ناحية المرج، و خرج إليهم من بقي في البلد من العسكر مع الأمراء، و المقدمين، و هم منهم أكثر عددا و أتم عددا، طلبا للايقاع بهم، و تخليص الجشار من أيديهم، فما أغنوا فتيلا و لا أعادوا مما أخذوا كثيرا و لا قليلا، و رحلوا به الى صوب بعلبك، فخرج إليهم الأمير شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحبها، و وقعت الموافقة و المعاهدة بينهم، على إقامته و الدخول في طاعته، و المناصحة في خدمته، و اجتمع إليه خلق كثير من التركمان، فأخافوا السبيل، و شرعوا في العيث و الفساد، و اقتضت الحال مراسلتهم بالملاطفة، و دعاهم إلى الطاعة، و ترك المخالفة، و تطييب نفوسهم، و بعثهم على العود إلى ما كانوا عليه، و الإجابة الى ما اقترحوا و أشاروا إليه و استقرت الحال على مرادهم، و أخذت الأيمان المؤكدة عليهم و لهم بالوفاء، و استعمال الاخلاص و الصفاء، و أذن لهم في العود، فعادوا الى البلد، و خيم بزواج و جماعته بجسر الخشب، و امتنع من الدخول إلى داره لما رآه و جال في نفسه، و اتفق الرأي على خروج شهاب الدين في العسكر الى ناحية حوران على الرسم في ذلك، و الاجتماع هناك، و تقرير ما يجب تقريره من الأحوال، و البعث على تحصيل الغلال، و اتفق الرأي في أوائل شعبان على تقديم بزواج على سائر الأجناد و الغلمان، ورد إليه الاسفهسلارية، و خوطب بالأتابكية، و لقب بجمال الدين مضافا الى ألقابه، فاستقام له الأمر، و نفذ في النفع و الضر.
ص: 402
و في العشر الأول من رجب من السنة، خرج أمين الدولة كمشتكين الأتابكي والي صرخد من دمشق، مظهرا قصد الصيد (140 ظ) و الإشراف على ضياعه لأجل الجراد الظاهر بها، في خواصه و ثقله، و في النفس ضد ذاك، فلما توارى عن البلد، أغذ السير قاصدا سمت صرخد، و مفارقا لما كان فيه، خوفا على نفسه من الغلمان، بحيث حصل بها، و سكنت نفسه من الخوف فيها، ثم روسل بالاستعطاف و التلطف في العود الى داره و منزلته، و الانكفاء الى رتبته، فأبى و احتج بأسباب ذكرها، و أحوال شرحها، و نشرها، فوقع السلو عنه، و اليأس منه.
و في يوم السبت الثالث عشر من شعبان سنة ثلاثين و خمسمائة وردت الأخبار من ناحية الشمال، بنهوض الأمير مسعود سوار من حلب، فيمن انضم إليه من التركمان الى الأعمال الأفرنجية فاستولوا على أكثرها، و امتلأت أيديهم بما حازوه من غنائمها، و تناصرت الأخبار بهذا الظفر من جميع الجهات، و الاستكثار لذلك، و التعظيم له، و لقد ورد كتاب من شيزر يتضمن البشرى بهذه النوبة، و يشرحها على جليتها، فأثبت مضمونه في هذا الموضع، تأكيدا للخبر، و تصديقا لما وصف و ذكر، و هو:
إن المتجدد عندنا بهذه الناحية، ما يجب علينا من حيث الدين أن نذيعه، و نبشر به كافة المسلمين، فإن التركمان- كثرهم اللّه، و نصرهم- اجتمعوا في ثلاثة آلاف فارس جريدة معدة، و نهضوا إلى بلاد اللاذقية و أعمالها بغتة بعد اليأس منهم، و قلة الاحتراز من غارتهم، و عادوا من هذه الغزاة الى شيزر يوم الأربعاء حادي عشر رجب، و معهم زيادة عن سبعة آلاف أسير، ما بين رجل و امرأة و صبي و صبية، و مائة ألف رأس دواب، ما بين بقر و غنم و حمر، و الذي حازوه و اجتاحوه يزيد عن مائة قرية كبار و صغار، و هم متواصلون، بحيث قد امتلأت الشام من الأسارى و الدواب، و هذه نكبة ما مني الأفرنج الشماليون بمثلها، و بعد هذا ما يبع منهم أسير إلا بثمنه، و لا نقص السعر الأول، و هم سائرون بهم إلى حلب، و ديار بكر و الجزيرة.
ص: 403
و في آخر نهار يوم الأربعاء الرابع و عشرين من أيار، طلع على دمشق سحاب أسود أظلمت الدنيا له، و صار الجو كالليل، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر أضاءت الدنيا منه، و صار الناظر إليه يظن أنه نار موقدة، و كان (104 ظ) قد هب قبل ذلك ريح عاصف شديدة آذت كثيرا من الشجر، و قيل إنه في هذا الوقت و الساعة جاء في حوران برد كبار و مطر شديد بحيث جرت منهما الأودية، و جاء في الليلة مطر عظيم، زاد منه بردى زيادة لم ير مثلها عظما.
و في المحرم من هذه السنة، في الثالث عشر منه أرسل اللّه تعالى من الغيث ما طبق الأعمال الدمشقية، بحيث سالت به الأودية و الشعاب، و زاد المد في الأنهار بحيث اختلطت، و انكسر نهر يزيد، و نهر بانياس و القنوات، و التقت المياه، و بطلت الأرحية، و دخل الماء إلى بعض بيوت العقيبة، و ذكر جماعة من الشيوخ المعمرين أنهم لم يشاهدوا في مثل هذا الوقت مثل ذلك.
و في شعبان من هذه السنة، وردت الأخبار من ناحية العراق، بأن السلطان مسعود بن محمد(1)بن ملك شاه حصر بغداد، و ضايق الإمام الخليفة الراشد باللّه بن الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين، و معه السلطان داود ابن أخيه، و الأمير عماد الدين أتابك زنكي بن آق سنقر، و اقتضى التدبير حين لم ينل منها غرض، و لم يظفر بمراد، و لا بد من اللقاء و المحاربة، العود عنها، فعاد السلطان داود إلى بلاده، و عماد الدين أتابك الى الموصل، و أقام السلطان مسعود على رسمه في بغداد، و حين رأى الامام الراشد باللّه إقامة السلطان على الاستيحاش منه، زادت وحشته، و علم أنه لا طاقة له بالمقام معه، و خاف على نفسه، فتبع عماد الدين الى الموصل، و نزل بظاهرها و خيم به، كالمستجير و العائذ به، و حين خلت بغداد من الخليفة و تدبيره، تمكن
1) في الأصل: ابن السلطان محمود بن محمد، و محمود زيادة حذفت، و قد سبق وقوع مثل هذا.
ص: 404
من كل ما يريد فعله و يروم قصده، فأقام في منصب الخلافة أبا عبد اللّه محمد أخا المسترشد باللّه، و لقبه المقتفي لأمر اللّه، و عمره أربعون سنة، و أخذ البيعة له على جاري الرسم، و خطب له على المنابر في بلاده فقط، في ذي القعدة سنة ثلاثين و خمسمائة، و بقي الأمر واقفا إلى أن تقرر الصلح بين السلطان مسعود، و بين عماد الدين أتابك في سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة، فخطب له و للسلطان في الموصل، و سائر الأعمال، و سيأتي ذكر ذلك مشروحا في في موضعه.
و في هذه السنة، سنة ثلاثين و خمسمائة تشتى السلطان مسعود ببغداد، و أتابك عماد الدين (141 و) و الإمام الراشد باللّه، و وزيره جلال الدين أبو الرضا بن صدقة بظاهر الموصل.
و فيها وردت الأخبار في ذي القعدة منها، بظهور متملك الروم من القسطنطينية(1)، و حكي أن طالع ظهوره كان عشر درج من الميزان، و أن الزهرة و المشتري في العاشر و الشمس في الأسد و المريخ في السابع، و اللّه أعلم بالغيب.
و في يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة، قتل الرئيس محيي الدين أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الحسين الصوفي، رئيس دمشق بظاهر المسجد الجديد، قبلي المصلى في اليوم المذكور، و السبب في ذلك أن الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك، صاحب دمشق، و الأمير بزواج، و الحاجب سنقر، كانوا قد أنكروا عليه أمورا بلغتهم عنه، و أحوالا استوحشوا بسببها منه، فشرعوا في افساد حاله، و تحدثوا في أخذ ماله، و تقررت الحال فيما
1) هو الامبراطور جون- أو يوحنا- كومنين جمع جيشا لجبا بالغ المؤرخ السرياني المجهول في تقدير عدده، فجعله« أربعمائة ألف رجل من الاغريق و الفرنجة و الألمان و الهنغاريين». أنظر أيضا الكامل لابن الأثير: 8/ 358، حيث التاريخ عنده و عند المؤرخ السرياني سنة 531 ه/ 1137 م.
ص: 405
بينهم على هذه الصورة في المخيم بحوران، و كان الرئيس المذكور قد فارقهم من حوران، و عاد إلى البلد لمداواة مرض عرض له، فلما استقر الأمر بينهم على هذه القضية، و عادوا الى البلد، و خرج الرئيس المذكور في جماعة لتلقيهم، فحين سلم عليهم وافق ذاك حديث جرى بينهم في معنى المعاملات، أجاب عنه جوابا غلظ عليهم و أنكروه منه، فعادوا لذاك عن القبض عليه الى القتل له، و قد كان بلغه اعتزامهم على إفساد حاله بأخذ ماله، و أشير عليه بالاحتياط على نفسه، و التحيل في دفع الضرر عنها، فلم يقبل للأمر المقضي، و القدر النازل، فقتل مظلوما رحمه اللّه، بغير استحقاق للقتل، و مضى شهيدا و اعتقل باقي أقاربه، و التمسوا الأذن لهم بعد أيام في التوجه إلى صرخد، دفعا للشر، و اخمادا لنار الفتنة، فأذن لهم في ذلك، فتوجه من توجه منهم اليها.
و في هذه السنة في أواخرها حضر المعروف بالاصمعي الديوان الشهابي، و التمس الأذن له في ضرب الدينار في دمشق، على أن يكون عياره نصف و ربع و ثمن دينار خلاصا، و الباقي من الفضة و النحاس، و كرر الخطاب الى أن أجيب الى ما طلب، و تقرر ضربه على هذه السجية، و ان تنقش السكة باسم الامام الراشد باللّه أمير المؤمنين، و السلطان (141 ظ) المعظم مسعود، و شهاب الدين، و لما وردت الأخبار بأخذ السلطان البيعة للإمام المتقي لأمر اللّه، و توجه الراشد باللّه الى ناحية الموصل، و أظهر السلطان رقعة بخط الراشد باللّه تتضمن أنه متى خرج من داره، و قصد محاربة السلطان، أو أباح دما محرما، بغير واجب، أو مديدا الى أخذ مال من غير حله، و لا جهته، كانت بيعته باطلة، و خرج من عهدة الخلافة، و كان متعديا للواجب، و بذاك أشهد على نفسه القضاة و الفقهاء و الأعيان، فكان ذلك أوكد الحجة في خلعه، و نقض أمره.
ص: 406
في هذه السنة وردت الأخبار بظهور متملك الروم كيالياني(1)من القسطنطينية، في ذي القعدة سنة ثلاثين و قيل، بل أول المحرم سنة احدى و ثلاثين و خمسمائة و وصل الى جزيرة أنطاكية، و أقام بها الى أن وصلت مراكبه البحرية بالأثقال و الميرة و المال و العدد، في عاشر نيسان، و نزل على نيقية فملكها، و قيل بل هادنه عليها أهلها، و وصل إلى الثغور، و تسلم أذنه و المصيصة و غيرهما، و حاصر عين زربة و ملكها عنوة، و قيل في التاريخ إن أمير المؤمنين المأمون باللّه بن الرشيد باللّه، كان عمر عين زربة عند الاجتياز بها، لما ورد الى هذه الجهات، و أنفق على عمارتها مائة و سبعين ألف دينار، مع جاه الخلافة و السلطنة و القدرة، و كان يعمل فيها كل يوم أربعون ألف فاعل، سوى البنائين و الحدادين و النجارين، و ملك تل حمدون و حمل أهله الى جزيرة قبرص، و كان صاحبه ابن هيثم(2)الأرمني، ثم عمر ميناء الاسكندرونة، ثم خرج الى أنطاكية، و نزل عليها، و ضايق أهلها في سلخ ذي القعدة، و جرى بينه و بين صاحبها ريمند بن بيدقين(3)مصالحة، و رحل عائدا إلى الدروب، فافتتح ما بقي في يد ابن ليون الأرمني من الحصون، و شتى بها.
و في رجب من السنة نهض الأمير في فريق وافر من العسكر الدمشقي، من التركمان، الى ناحية طرابلس، فظهر إليه قومصها في عسكر، و التقيا فكسره بزواج، و قتل منهم جماعة وافرة، و ملك حصن وادي ابن الاحمر(4)و غيره.
1) كذا، و هذا التعريف فيه بعض البعد عن الأصل« جون- أو يوحنا».
2) هو« ليو بن رافين» انظر صفحات من تاريخ الأمة الأرمنية، 135- 137.
3) هو ريموند ابن كونت بويتو. انظر تاريخ وليم الصوري( بالانكليزية) 2/ 59.
4) لعله الحصن الذي نال اسم« يحمور» فاسمه بالافرنجية الحصن الأحمر. انظر القلاع أيام الحروب الصليبية. ط. دمشق 1982( ترجمه لكتاب فولفغانغ مولر- فينر) ص: 64. طرابلس الشام: 151- 152.
ص: 407
و في رجب أيضا نهض ابن صلاح والي حماة في رجاله الى (142 و) حصن الخربة فملكه.
و في شعبان منها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك بن أق سنقر، توجه في عسكره من ناحية الموصل، و قطع الفرات في العشر الأول منه، و وصل الى حمص، و كان قد تقدمه إليها صلاح الدين(1)في أوائل العسكر، و نزلا عليها و ضايقاها، و فيها الأمير معين الدين أنر واليها، فراسله في تسليمها، فاحتج عليه بأنها للأمير شهاب الدين، و أنه نائبه فيها، فنصب الحرب عليها و المضايقة لها أياما، و لم يحظ منها بطائل، فرحل عنها في العشرين من شوال من السنة و نزل على الحصن المعروف ببعرين لينتزعه من أيدي الأفرنج، فلما عرفوا ذاك تجمعوا و نزلوا قريبا لحمايته و معونة من فيه منهم، فحين عرف عماد الدين خبرها كمن لهم كمينا، و التقى الجمعان، فانهزم فريق من الأتراك بين أيدي الأفرنج(2)، و قتلوا منهم جماعة وافرة عند عودهم إلى منزل مخيمهم، و ظهر عليهم عماد الدين في من كمن لهم من الكمناء، و أوقع بالرجالة، و ملك الأثقال و السواد، و حين قربوا من المخيم و شاهدوا ما نزل عليهم، و حل بهم انخذلوا و فشلوا، و حمل عليهم عسكر عماد الدين، فكسرهم و محقهم قتلا و أسرا، و حصل لهم من الغنائم الشيء الكثير من الكراع، و السواد، و الأثاث و عاد عماد الدين إلى حصن بعرين، و قد انهزم اليه ملكهم كند اياجور(3)و من نجا معه من مقدمي الأفرنج، و هم على غاية من الضعف و الخوف، فنزل عليهم و حصرهم في الحصن المذكور، و لم يزالوا على هذه الحال في المضايقة و المحاربة الى أن نفذ ما عندهم من القوت، فأكلوا خيلهم، و تجمع من بقي من الافرنج في بلادهم و معاقلهم و انضموا الى ابن جوسلين، و صاحب أنطاكية و احتشدوا،
ص: 408
و ساروا طالبين نصرة المخذولين المحصورين في حصن بعرين، و تخلصهم مما هم فيه من الشدة و الخوف و الهلاك، فحين قربوا من عسكر أتابك، و صح الخبر عنده بذاك، اقتضت الحال أن أمّنهم و عاهدهم على ما اقترحه عليهم من طاعته، و قرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه، و أطلقهم و تسلم الحصن منهم، و عاد من كان اجتمع لنصرتهم(1).
و في شهر رمضان منها ورد الخبر بأن الإمام (142 ظ) الخليفة الراشد باللّه أمير المؤمنين ابن المسترشد باللّه، كان قد فصل عن الموصل قاصدا الى مراغة، و أنه اجتمع بالسلطان داود بن محمود، و جرى بينهما أحاديث و تقريرات قررها كل واحد منهما مع الآخر(2)
و لقد حدثني زين الدولة أبو القاسم علي بن الصاحب، و كان هو حاجب الباب هو و أبوه و جده، و كان بين يدي الراشد، قال: لما جمع الراشد الأمراء في السرداب، و قال: يا علي خذ هذا السيف- و كان بيده سيفا- و قال: احذر أن يسبق سيفي سيفك، فإني أريد أخرج كل من في السرداب، و أقتل الجميع، حتى لا يبقى من يصلح للخلافة، فإن هؤلاء ربما دخلوا و غيروا و ولوا غيري، ثم أمر بفتح السرداب، و الصائح جاءه، فقال:
ما الخبر؟ فقال: إن أتابك زنكي نهب الحريم الطاهري، و طلب الموصل( في ذي القعدة) و أما السلطان فوصل و عبر النهروان، و لما حقق أتابك نزول السلطان بالنهروان انهزم، فرمى السيف من يده، و دخل الى الدار و أخذ معه من الجواهر ما لا يعرف له قيمة، و أعطاني منه مثل ذلك و خرج، و أخرج معه قاضي القضاة الزينبي، و كان قد استوزر جلال الدين أبا الرضا( بن) صدقة، فخرج و خرجنا، و لحق أتابك زنكي على طريق الموصل.
قال السعيد مؤيد الدين رحمه اللّه: فلما كان بكرة ذلك اليوم، دخل السلطان بغداد، و دخلنا معه، فنزل في داره، و نزلنا نحن في دورنا، و كان دخولنا عاشر ذي القعدة سنة ثلاثين و خمسمائة فلما كان من الغد مضى الوزير الى دار السلطنة، و نحن معه، و استأذنه فيما يفعل، فأخذ خطه و خطوطنا بالضمان، ثم عدنا الى دورنا و أصبحنا يوم الاثنين سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاثين و خمسمائة و حضرنا عند الأمير أبي عبد اللّه، و تحدث الوزير معه، و تحدثا معه، و شرط عليه القيام بأمر الخلافة، و طاعة السلطان، و أعلمناه« أننا قد ضمنا ذلك من السلطان جميع ما اقترحه عليك»، فرضي بذلك، و انفصلنا عنه، و مضينا الى السلطان و أعلمناه ما جرى، و أنه رضي بما شرطت عليه، فقال السلطان:
إذا كان من الغد فبايعوه، فلما أصبحنا صعدنا الى الدار، و أخرجنا من الدار أشياء من الآلات التي تصلح للغناء، و أشياء لا تليق، و شهد جماعة من أهل الدار أنه شرب الخمر، فأفتى العلماء بخلعه و اعتنق ذلك القاضي عماد الدين شرف القضاة أبو طاهر أحمد بن الكرخي المحتسب، و كان قاضي أصحاب الشافعي رحمه اللّه، و اجتمع العلماء و الأكابر، فخلعوه.
و دخل إليه الوزير، و صاحب المخزن، و أنا، و تحدثنا و ناولته رقعة فيها ما يسمى به من اللقب، و كان فيها المقتفي لأمر اللّه، و المستضيء بأمر اللّه، و المستنجد باللّه، فقال: ذلك إليكم، فقال لي الخليفة، ما ترى؟ فقلت:
المقتفي لأمر اللّه، فقال: مبارك، ثم مد يده، فأخذها الوزير، و قبلها، و قال:
بايعت سيدنا و مولانا المقتفي لأمر اللّه أمير المؤمنين على كتاب اللّه و سنة رسول اللّه و اجتهاده، ثم أخذها صاحب المخزن و قبلها، و بايعه على مثل ذلك، ثم أخذت يده و قلت بعد أن قبلتها: بايعت سيدنا و مولانا الامام المقتفي لأمر اللّه أمير المؤمنين، على ما بايعت عليه أباه و أخاه و ابن أخيه في ولاية عهده- و كنت بايعت الامام المستظهر باللّه لما خدمته في وكالة الدار سنة تسعين و بقيت الى سنة سبع و خمسمائة ثم وليت ديوان الانشاء، و بايعت المسترشد و الراشد- ثم قمنا من عنده و دخل الى الدار، و دخل العلماء و الفقهاء و القضاة و أكابر الناس أجمع، فبايعوه، و حضر السلطان مسعود بعد ثلاثة أيام و بايعه، و بايعه جميع أصحابه من خواجا الوزير) و الأمير حاجب، و جميع أرباب دولته و استبد له الأمر، و استقر في الخلافة ... و أما ما كان من الراشد فإنه خرج مع أتابك زنكي في صفر سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة الى الموصل، و معه قاضي القضاة الزينبي، و جلال الدين أبو الرضا بن صدقة ابن أخي الوزير أبي علي، و بقي عنده مدة، فوصل معه الى باب نصيبين، و أقام أياما، ثم عاد الى الموصل و انفصل عن أتابك، و مضى الى السلطان مسعود حتى يستأذنه و يمضي الى السلطان سنجر، و قيل قصد السلطان داود و دخل عليه حتى يرده الى الخلافة، فلما قارب أصفهان خرج عليه قوم من الملاحدة، و دخلوا عليه و قتلوه في شهر رمضان سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة، و حمل الى أصفهان دفن بها في مدينة شهرستان من أصفهان على فرسخ، ... و كانت خلافته من حيث بويع له بعد قتل أبيه الى أن بويع المقتفي أحد عشر شهرا زائدا فناقصا، و قيل إن السلطان نفذ من دخل عليه و قتله ...
.1) انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 357- 358. وليم الصوري: 85- 91.
2) كما فعل أمدروز حين مر بمقتل الخليفة المسترشد فنقل عن الفارقي، فعل الآن، فنقل نصا طويلا له أهمية خاصة، و قد أبقيت على ما نقله و ضبطته على المصورة الموجودة لدي، قال الفارقي: و كان الراشد على طريقة أبيه، و كان بايعه الناس في آخر سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و كان شهما شريف النفس، ذا رأي و همة، فلهذا انحرف السلطان من توليته الخلافة ... قيل: و كان الراشد بعد قتل أبيه قد بايعه الناس، و استبد و استقر، و نفذ الى أتابك زنكي الى الموصل، و استدعاه و ضمن له أن تكون السلطنة في الملك ألب أرسلان ابن محمود الذي عند أتابك، و تكون الأتابكية و الخلافة بحكمه، فنزل أتابك الى بغداد، و نزل بالجانب الشرقي، في إحدى دور السلطنة، و بقي الى أن وصله أن السلطان قد طلب بغداد، فخيم في الجانب الغربي، فلما قرب السلطان من بغداد، و نزل قريبا من النهروان، حقق الراشد الحال، و أنهم لا بد من تولية غيره فجمع الأمراء بأسرهم الذين كانوا في الدار من بني الخلفاء في سرداب، و تقدم بأن يطبق السرداب.
ص: 409
و وردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك رحل في عسكره عن حلب، في يوم الجمعة السادس عشر من شهر رمضان من السنة، و نزل على حمص، و خيم بها و قاتلها و وصل اليه رسول متملك الروم.
ص: 410
و وردت الأخبار من ناحية العراق بالتقاء عسكري السلطان مسعود و (ابن) أخيه داود، و أن عسكر السلطان مسعود ظهر على عسكر السلطان داود، و كسره و قتل من مقدميه و أجناده جماعة وافرة من السنة(1).
و في سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة ترددت المراسلات من الأمير شجاع الدولة أبي الفوارس المسيّب بن علي بن الحسين الصوفي و جماعة المقيمين بصرخد، و كتب الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الوالي بصرخد الى الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك، و إلى الأمير شجاع الدولة بزواج، و الحاجب أسد الدين أكز في إلتماس الأذن لهم في العود إلى دمشق، و السؤال
1) كذا في الأصل و لا وجه لها، و خبر المعركة مفصلا في ابن الأثير: 8/ 360 حيث هزم الجيشان بعضهما بالتناوب.
ص: 411
في إعادة ما قبض من أملاكهم إليهم، و إعادة كل مغضوب منها عليهم، و لم تزل المراسلات في هذا الباب متناصرة، و الكتب في طلبه متواترة الى أن تقررت الحال في ذلك، و الاجابة إليه على مصالحة معينة مقسطة برسم واجبات الأجناد يقومون بها في أنجمها المعينة، و أوقاتها المبينة، تصلح الأحوال بتأديتها، و تتحقق الأمال بتملكها، و أن يرد أمر الرئاسة في البلد الى الأمير المقدم ذكره، و كتب له المنشور بالرئاسة، و نعت فيه مع أوصافه بالأمير الرئيس الأجل، مؤيد الدين، ممهد الاسلام، مضافا الى ألقابه و نعوته المتقدمة، و أن يكون الرسم في الرئاسة جاريا على العادة المستمرة، و القاعدة المقيمة المستقرة في الحمايات و الواجبات، و الرسوم الجاريات في دار الوكالة، و سائر العراص، و نفذت الكتب إليهم بالإجابة الى ما التمسوه، و الاسعاف بما اقترحوه، و الأذن لهم في العود الى البلد واثقين بما يقدمون عليه، من حفظ الحرمة، و حراسة الحشمة، و التطييب بالنفس، و تأكيد (143 و) الأنس.
فعند الوقوف على ما صدر اليهم من هذه الحال سرت به نفوسهم، و ابتهجت بمعرفته قلوبهم و شرعوا في التأهب للعود بصدور منشرحة، و آمال منفسحة، و عادوا بأسرهم، و حين قربوا من البلد خرج كل من فيه من خاص و عام، لتلقيهم و إظهار السرور و الاستبشار بعودهم، و الاغتباط و الابتهاج بمقدمهم، و دخلوا البلد في العشر الأول من رجب من السنة المذكورة فاستقامت أحوالهم على منهج السداد، و استمرت على قضية الإيثار و المراد، و أعيد عليهم جميع ما اعترض لهم من ملك و غيره، و أجروا على كل رسم جميل و اكرام و تبجيل، فكم من شدة فرجها اللّه تعالى ذكره بعد اشتدادها، و غمة كشفها بلطفه بعد إظلامها.
ربما تجزع النفوس من الامر له فرجة كحل العقال
و في هذه السنة ورد الخبر من ناحية مصر، بأن مقدم الأرمن(1)
3/ 155- 161.
بها،1) هو« بهرام الأرمني النصراني، الملقب تاج الدولة. انظر اتعاظ الحنفا:
ص: 412
قام في حزبه على صاحبها الإمام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد، و زحف إليه في قصره، و أقام عليه كالمحاصر له، فعاد أكثر الجند عنه خوفا و قتلا، فانخذل و انهزم، و قيل إن السبب في ذلك كون أخ لمقدم الأرمن في الصعيد، ورد عليه خبر قتله، فغلظ هذا الأمر عليه، و حمله على ما كان منه، ثم إنه تلطف أمره بحيث عفي عنه، و لزم داره خائفا مروعا.
و في رجب من السنة نهض الأمير بزواج في العسكر، و من حشده و جمعه من التركمان الى ناحية طرابلس في الرابع منه، فظهر إليه صاحبها في خيله من الأفرنج، فكمن لهم في عدة مواضع، فلما حصلوا بالموضع المعروف بالكورة(1)ظهرت عليهم الكمناء، فهزموهم، و وقع السيف في أكثرهم، و لم يفلت منهم إلا اليسير، و هجم على الحصن الذي هناك فنهبه، و قتل من فيه من المقدمين و الأتباع، و أسر من بذل في نفسه المال الكثير، و حصل له و لعسكره القيمة الكثيرة.
و في شوال من السنة تقررت المهادنة و الموادعة بين عماد الدين، و بين شهاب الدين صاحب دمشق، على قاعدة أحكمت.
و في ذي الحجة منها، ورد الخبر بعود متملك الروم في عسكره عن أنطاكية الى ناحية بعرين(2)من عملها في الثاني و العشرين منه، (143) و أنفذ رسوله إلى عماد الدين أتابك، و ظفر الأمير سوار النائب عنه في حلب بسرية وافرة العدد من عسكر الروم، فقتل بعضا، و أسر بعضا، و دخل بهم إلى حلب.
1) ما زالت تعرف بهذا الاسم في منطقة طرابلس في لبنان.
2) كذا بالأصل، و هو مضطرب و يمكن أن يكون صوابه« في عسكره عن شيزر إلى ناحية بعرين»، فالامبراطور البيزنطي حاصر شيزر، و هذا ما سيفصل خبره المؤلف بعد قليل، و هو ما أتت على ذكره جميع المصادر، هذا و سيشير المؤلف أيضا أنه بعد عودة الامبراطور الى أنطاكية، بعدما أخفق في أخذ شيزر، توجه من أنطاكية نحو بزاعة حيث أخذها ...
ص: 413
و ورد الخبر بأن حسام الدين تمرتاش بن ايل غازي بن أرتق ملك قلعة الهتاخ(1)
8/ 363.
من بقية آل مروان و ما كان بقي في أيديهم غيرها، بعد البلاد و المعاقل ملكها بحيلة أعملها عليهم، و مكيدة نصبها لهم، و هي على غاية من الحصانة و المنعة.و فيها شرع أهل حلب في تحصينها، و حفر خنادقها، و التحصن من الروم بها، لقربهم منها.
و ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك عزل وزيره أبا المحاسن علي بن أبي طالب العجمي، و قبض عليه، و اعتقله بسبب مال وافر، و انكسر عليه من المعاملات ما عجز عن القيام به، و الخلاص بتأديته، و بقي معتقلا في القلعة بحلب بسببه.
أولها يوم الإثنين مستهل المحرم، و هو العشرون من ايلول، و فيه وصل الحاجب حسن الذي كان أرسل الى متملك الروم، و معه رسول الملك عماد الدين أتابك.
و في رابع عشر المحرم وصل أتابك في عسكره الى حماة، و رحل عنها متوجها الى ناحية البقاع، فملك حصن المجدل(2)من أيدي الدمشقيين، و دخل في طاعته ابراهيم بن طرغت والي بانياس من عمل دمشق.
ص: 414
و ورد الخبر في صفر بأن زلزلة عظيمة جاءت بالجزيرة و اعمال الموصل، و قيل انها أهلكت عدة مواضع من الأرض، و هلك فيها خلق كثير وافر من أهلها في أوائل شهر ربيع الأول من السنة، و قيل إن رسول السلطان مسعود ابن السلطان محمد، وصل الى الموصل بالتشريف الكامل لعماد الدين أتابك، و وصلت كتب نصير الدين نائبه فيها بشرح حالها.
و ورد الخبر بأن صاحب أنطاكية قبض على بطركها الأفرنجي، و نهب داره، و ذكر أن السبب في ذلك أن ملك الروم لما تقرر الصلح بينه و بين ريمند صاحب أنطاكية، شرط في جملة الشروط أن ينصب بأنطاكية بطركا من قبل الروم على ما جرى بمثله الرسم قديما، ثم انتقض هذا الرسم فيما بعد، و خرج ريمند صاحب أنطاكية الى متملك الروم و هو مخيم في (144 و) عسكره بمرج الديباج، و قرر معه الهدنة و الموادعة، و عاد الى أنطاكية.
و فيها عاد عماد الدين أتابك عن دمشق إلى حماة في شهر ربيع الآخر، و نزل عليها، و رحل عنها إلى حمص، فنزل عليها محاصرا لها.
و في هذه السنة نقض الأفرنج الهدنة المستقرة بين عماد الدين أتابك و بينهم، و أظهروا الشقاق و العناد، و شرعوا في العيث و الفساد بعد اصطناعه لمقدميهم، و الكف عنهم، حين أظهره اللّه عليهم، و قبضوا بأنطاكية و ثغور الساحل جماعة من تجار المسلمين و أهل حلب و السفار، تقدير خمسمائة رجل في جمادى الآخرة.
و فيها شتى السلطان مسعود ببغداد، و وصل رسوله الى أتابك بحمص و شتى ملك الروم بالثغور و الدروب، و خيم بمرج الديباج.
و في يوم الأحد النصف من جمادى، نهض الأمير بزواج من دمشق في عسكره إلى ناحية الأفرنج، و قد فسد أمره مع شهاب الدين صاحب دمشق
ص: 415
لعجرفة فيه و اقدام على استعمال الشر، و نودي عليه بفساد أمره، و ظهور غدره و مكره، و كثرة جهله، و تناهيه في سوء فعله، و أقام بظاهر البلد مدة، و عاد أمره انصلح، و دخل البلد، و أقام فيه مستقيم الحال مبلغا غاية الآمال فعمل عليه شهاب الدين، و قتله بقلعة دمشق بأيدي الشمسية، في يوم الإثنين السادس من شعبان من السنة، و السبب في ذلك أن شهاب الدين كان قد نقم عليه أمورا أنكرها، و استوحش منه لأجلها، و عبث بمال الارتفاع يمزقه في النفقات و الاطلاقات، فأعمل الحيلة في قتله، و آنسه و طمنه إلى حين وجد الفرصة فيه متسهلة، و حصل عنده بقبة الورد في داره بالقلعة، و قد رتب له جماعة من الأرمن الشمسية، أصحاب ركابه، و قرر معهم قتله، فحين تمكنوا منه بخلوة من أصحابه قتلوه، و أخرجوه ملفوفا في كساء إلى المقبرة المبنية لزوجته، فدفن بها.
و في يوم الأحد السابع عشر من شعبان من السنة، خلع شهاب الدين على الأمير معين الدين أنر، و قرر له أمر الأسفهسلارية، و خوطب بالأتابكية، ورد أمر الحجبة الى الأمير الحاجب أسد الدين أكز، و طيب بنفسيهما، و ردّ التدبير و التقرير في سائر الأعمال، و عامة الأحوال إليهما.
و في هذا (144 ط) الشهر وردت الأخبار من ناحية الشمال، بنزول ملك الروم في عسكره على شيزر، محاصرا لها، و مضايقا عليها، و نصب عليها عدة من المناجيق، و اشتدت الحرب بينه و بين أهلها، و قتل فيها جماعة من المسلمين بحيث أشرفت على الهلاك، مع مبالغة الأمير عماد الدين أتابك في إمدادها بالرجالة و السلاح و آلات الحرب، و كونه بإزاء الروم يجول بخيله على أطرافهم، و يفتك بمن يظفر به منهم، و لم يزالوا على هذه القضية الى أن سئموا المقام عليها، و يئسوا من بلوغ الغرض فيها، و لطف اللّه تعالى بأهل الشام، و تداركهم برحمته، و ورد خبر رحيلهم عن شيزر الى أنطاكية، و استبشر الناس برحيلهم، و عودهم خاسرين، غير ظافرين، و مفلولين غير فالين، فلله تعالى الحمد على هذه النعمة دائما، و الشكر متواصلا متتابعا.
ص: 416
قد مضى من ذكر الروم فيما اعتمدوه في هذه الأيام، ما قد عرف، و نذكر بعد ذلك، مبدأ أحوالهم و خروجهم و أفعالهم، و ذلك أنهم ظهروا من ناحية مدينة البلاط في يوم الخميس الكبير من صومهم، و نزلوا غفلة على حصن بزاعة بالوادي في يوم الأحد عيدهم، و غارت خيلهم على أطراف حلب في تاسع عشر رجب من السنة، و استأمن منهم إلى حلب جماعة من كافر ترك(1)، و أنذروا من بحلب بالروم، فحذروا و ضموا أطرافهم و تحرزوا و تحفظوا، و استعدوا، و تيقظوا قبل الإغارة بليلة، و كان هذا الإنذار من المستأمنة لطفا من اللّه تعالى و رحمة، و بعد هذا التحرز و الاحتياط، اشتمل الروم في عادتهم على جملة وافرة من أهل حلب و ضواحيها، و أنفذ أهل حلب من أعيانهم من مضى إلى عماد الدين أتابك مستصرخا به و هو مخيم على حمص، فأنهض إليهم من أمكنه من الخيالة و الرجالة و الناشبة و النبالة، و العدد الوافرة، و حصل الجميع (بحلب)(2)في السابع و عشرين من رجب من السنة.
و وردت الأخبار بتملّك (ملك) الروم المذكورين حصن بزاعة، بعد حصره و مضايقته، و محاربته بالمنجنيقات في يوم السبت الخامس و العشرين من رجب بالأمان، و غدر بأهله بعد تسلمه و إيمانهم، و جمع من غدر بهم و أحصاهم، و قيل إنهم كانوا خمسة آلاف و ثمانمائة نفس، و تنصر قاضي بزاعة و جماعة من الشهود (145 و) و غيرهم، تقدير أربعمائة نفس، و أقام الملك بعد ذلك بمكانه عشرة أيام، يدخن على مغارات اختفى فيها جماعة، فملكوا بالدخان.
و في يوم الأربعاء الخامس من شعبان نزل الروم أرض الناعوة، و رحلوا عنها في يوم الخميس ثامنه، و اجتازوا بحلب، و معهم عسكر أنطاكية و مقدمهم
ص: 417
ريمند صاحبها، و ابن جوسلين، فنزلوا على حلب، و نصبوا خيامهم على نهر قويق و أرض السعدي، و زحف الملك من غده في خيله و رجله من قبلي حلب و غربيها من ناحية قرنة برج الغنم، و خرج إليهم فرقة واحدة من أحداث حلب، فقاتلتهم و ظهرت عليهم، فقتلوا فيهم و جرحوا، و أصيب من الروم مقدم مذكور، و انكفّوا خائبين الى مخيمهم، و أقاموا على حلب أياما قلائل، و رحلوا عنها غداة يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلين الى أرض صلدع، و خاف من بقلعة الأثارب، فهربوا منها يوم الخميس تاسع شعبان، و طرحوا النار في خزائنها، و عرف الروم ذلك، فنهضت منهم طائفة الى القلعة، و نزلت عليها و ملكتها، و حازوا ما فيها، و الجأوا السبايا و الأسرى الذين في أيديهم من حصن بزاعة إلى ربض الأثارب و خندقها، بحيث عرف الأمير سوار النائب بحلب ذاك، و انعزال الروم عنها، نهض في عسكر حلب و أدركهم بالأثارب، فأوقع بهم و قهرهم، و استخلص المأسورين و المسبيين إلا اليسير منهم، و ذلك في يوم السبت الحادي عشر من شعبان، و سر أهل حلب بهذه النوبة، سرورا عظيما.
و في يوم الخميس التاسع من الشهر، رحل عماد الدين أتابك عن حماة الى سلمية، و سيّر ثقله الى الرقة، و بقي في خيله جريدة مخفا.
و في يوم الاثنين رحل ملك الروم عن بلد المعرة، فهرب من كان مقيما في كفر طاب من الجند، خوفا على نفوسهم، و تناصرت الأخبار بعبور عسكر التركمان الفرات مع ولد الأمير داود بن أرتق الى ناحية حلب، للغزو في الروم، و نزلوا بمجمع المروج، و نهض فريق وافر من عسكر دمشق للغزاة أيضا في خدمة عماد الدين أتابك، و كان سبب رحيل الروم عن شيزر، ما انتهى إليهم من وصول التركمان، و تجمع العساكر حاشرين، و كانت مدة اقامتهم عليها ثلاثة و عشرين يوما، و وصول ملك الروم الى أنطاكية في عوده يوم الأحد (145 ظ)
ص: 418
الثامن من شهر رمضان من السنة، و تواصلت الأخبار بإتمام الروم في رحيلهم الى بلادهم، و سكنت القلوب بعد انزعاجها و قلقها منهم و وجلها.
و ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري بها، في يوم السبت السادس عشر من شهر رمضان من السنة، و حمل الى مشهد صفين، و دفن به و كان صاحب عزيمة ماضية، و همة نافذة و يقظة ثاقبة(1).
و في هذه السنة توفي القاضي الأعز أبو الفتح محمد بن هبة اللّه بن خلف التميمي رحمه اللّه، في ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان، و كان من المتخصصين ذوي المروءة، و كرم النفس.
و في هذه السنة ترددت المراسلات من الأمير عماد الدين أتابك، الى الأمير شهاب الدين، في التماس انعقاد الوصلة بينه و بين والدته الخاتون صفوة الملك زمرد ابنة الأمير جاولي، الى أن أجيب الى ذلك، و استقر الأمر فيه، و ندب من دمشق من تولى لها العقد في مخيمه بحمص، في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان من السنة، و تقررت الحال على تسليم حمص إليه، فتسلمها مع القلعة و عوض عنها لواليها الأمير معين الدين أنر حصن بعرين(2)،
1) كان يشغل وظيفة« قاضي الممالك الأتابكية، و كان أعظم الناس منزلة عنده»( زنكي). الباهر: 57.
2) في مرآة الزمان: 2/ 165:« و فيها( 532 ه) تزوج أتابك زنكي بأم شهاب الدين محمود، و هي الخاتون صفوة الملك زمرد ابنة الأمير جاولي، و كان قد طلبها في السنة الماضية، فامتنع بزواش، فقال: و ما السبب في أننا نزيل دولة مولانا بأيدينا، فلما قتل بزواش راسل أتابك زنكي في هذا المعنى، و هو مقيم على حمص فأجيب، فعقد العقد بحمص يوم الاثنين سابع عشر رمضان و تقرر الحال في تسلم حمص إليه، فتسلمها مع القلعة، و عوض لمعين الدين أنر حصن بعرين، و توجهت خاتون من دمشق في عسكر أتابك إليه في شهر رمضان، و قيل سارت إليه في المحرم أول السنة لآتية، و اجتمعا على حمص».
ص: 419
و توجهت الخاتون صفوة الملك والدة شهاب الدين من دارها إلى عسكر عماد الدين أتابك بناحية حمص و حماة، مع أصحاب عماد الدين المندوبين لإيصالها إليه، في أواخر شهر رمضان منها.
و وردت الأخبار من ناحية العراق بأن الامام الراشد باللّه أمير المؤمنين.
كان قد فصل عن الموصل، و توجه الى ناحية الجبل، فقضى اللّه تعالى للقدر النازل، و الحكم النافذ استشهاده على باب أصفهان، بأمر قرر له، و عمل عمل عليه، فصار إلى رحمة ربه سعيدا مأجورا شهيدا، في يوم الثلاثاء السادس و العشرين من شهر رمضان من السنة، فكانت خلافته إلى أن أستشهد سنتين و عشرة أشهر(1)
و فيها 532 ه) توفي منصور الراشد في أصبهان، توفي سابع عشرين رمضان، و اختلفوا في سبب وفاته على أقوال: أحدها أنه سقي السم ثلاث مرات، و الثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، و الثالث أنه قتله قوم من الباطنية، و قتلوه بعده، و كان قد داس بلادهم و أخربها، و بعثهم إليه سنجر و مسعود، فجاءوا فقتلوه كما قتلوا أباه.
و ذكر العماد الكاتب في الخريدة ما يدل على هذا، فإنه قال: تنقل الراشد في البلاد، و ديار بكر و أذربيجان و مازندران، و عاد الى أصبهان فأقام مع السلطان داود بن محمود، و البلد محاصر، و هناك قحط عظيم، و ضر عميم.
قال العماد: أذكر و نحن أطفال و قد خرجنا من البلد يعني أصبهان، و أقمنا بالربط عند المصلى، و العسكر قريب منا فسمعنا أصواتا هائلة وقت القائلة من يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان من هذه السنة، فقلنا: ما الخبر؟
فقالوا: الخليفة قد فتكت به الملاحدة لعنهم اللّه، و خرج أهل أصبهان حفاة حاسرين، و شيعوا جنازته إلى مدينة جي، و لطموا و بكوا و دفنوه بالجامع».
.و في هذه السنة ورد الخبر بوفاة الأمير طغان (أرسلان)(2)بن حسام الدولة ببدليس، و انتصب في مكانه ولده الأمير قرتي بن طغان أرسلان،
ص: 420
و استقام له الأمر، و حكي عنه حكايات في الظلم و التعجرف و التجبر و الجور، تنكرها النفوس، و تنفر من سماعها القلوب.
(146 و) أول هذه السنة يوم الجمعة بالرؤيا، مستهل المحرم، و فيه اجتمع الأمير عماد الدين أتابك بالخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين، بظاهر حمص، و قد اجتمع عنده جماعة وافرة من رسل الخليفة و السلطان و مصر و الروم و دمشق و غير ذلك.
و في هذا الشهر غارت الأفرنج على ناحية بانياس و نهض شهاب الدين في العسكر في إثرهم فلم يدركهم و عاد الى البلد.
و في يوم الثلاثاء الرابع من صفر جاءت في دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر، اهتزت بها الأرض ثلاث مرات، و تلاها في ليلة الجمعة وقت عشاء الآخرة ثانية اهتزت بها الأرض عدة مرات، و في ليلة الاثنين التاسع عشر من صفر عادت الزلزلة في الثلث منها ثلاث مرات، فتبارك رب هذه القدرة الباهرة، و الآية الظاهرة، و عادت في ليلة الأربعاء تتلوها في الربع الأخير من ليلة الجمعة، و تناصرت الأخبار من الثقات السفار، و الواردين من ناحية الشمال بصفة هذه الرجفات المذكورات، و أنها كانت في حلب، و ما والاها من البلاد و المعاقل و الأعمال أشد ما يكون، بحيث انهدم في حلب الكثير من الدور، و تشعث السور، و اضطربت جدران القلعة، و ظهر أهل حلب من دورهم الى ظاهره من خوفهم على نفوسهم، و يقول المكثر من الحاكي أن الزلزلة جاءت تقدير مائة مرة، و قوم يحققون أنها ثمانون مرة، و اللّه أعلم بالغيب و الصواب، تبارك اللّه رب العالمين، القادر على كل شيء.
ص: 421
و في يوم السبت السابع عشر من شعبان الموافق للتاسع من نيسان جاء رعد هائل مختلف من عدة جهات، و برق زائد، و جلبات هائلة قبل الظهر، ثم جاء مع ذلك مطر شديد الوقع، و برد هائل، حكى بعض الثقات أنه وزن واحدة من كبار البرد، فكان وزنها في ناحية الغوطة و المرج ثمانية دراهم، و قال آخرون وزنوا واحدة، فكانت سبعة عشر درهما، و قتل كثيرا من الطير، و أتلف كثيرا من الشجر و الزرع و الثمار.
و في يوم الأربعاء النصف من شوال، وردت الأخبار من ناحية مصر، بالحادثة الكائنة بمصر بين الأجناد(1)
3/ 168- 171.
بها، بحيث قتل بينهم من الفريقين الخلق الكثير، من: الخيالة، و الرجالة.و على مضي ست ساعات من (146 ظ) نهار يوم الأربعاء، الحادي و العشرين من شوال، جاءت رجفة هائلة، إرتاعت لها القلوب، و رجفت بها الصدور.
و في يوم الجمعة الثالث و العشرين من شوال من السنة في غداته، ظهرت الحادثة المدبرة على الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن ظهير الدين أتابك، و قتله في فراشه، و هو في نومه في ليلة الجمعة المذكورة، بيد غلمانه الملاعين: البغش الأرمني الذي اصطنعه و قربه اليه و اعتمد في أشغاله عليه، و يوسف الخادم الذي وثق به في نومه لديه، و الخركاوي الفراش الراقد حواليه، و وقوع الزحف عند اشتهار هذا الخبر الى كاتبه النفيس أبي طالب عقيل بن حيدرة، مستوفي ديوان المعاملات، و قتله في الطريق، عند أخذه من الدار التي لجأ اليها و اختفى عند هروبه فيها، و كان هؤلاء الثلاثة النفر الجناة الملاعين يبيتون حول سريره، فلما قرر معهم هذا الأمر، رقدوا في
1) تعلق هذا بالصراع بين الوزير رضوان و الخليفة الحافظ. أنظر اتعاظ الحنفا:
ص: 422
أماكنهم على جاري عادتهم، فلما انتصف الليل و تحققوا نومه، و ثبوا عليه، فقتلوه في فراشه على سريره، و صاح فراش آخر كان معهم، فقتلوه أيضا، و دبروا أمرهم بينهم، و أخفوا سرهم، بحيث خرجوا من القلعة، و ظهر الأمر، و طلب البغش لعنه اللّه، فهرب و نهب بيته و مسك الآخران(1)، فصلبا على سور باب الجابية.
و كتب إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك أخيه، صاحب بعلبك، بصورة الحال، فبادر بالوصول الى دمشق في أسرع وقت، و أقرب أوان، فجلس في منصبه، و عقد الأمر له و استحلف الأمراء و المقدمين و الأعيان على الطاعة و المناصحة في خدمته، فتقررت الحال، و سكنت الدهماء، و ظهرت الكائنة، و انكشفت الغماء.
و حين انتهى (الخبر)(2)الى الخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين رحمه اللّه، قلقت و انزعجت و حزنت عليه، و أسفت و أكبرت هذا الأمر، و حدوث مثله، على ولدها، و راسلت الأمير عماد الدين أتابك، و هو بناحية الموصل، معلمة له بصورة الحال، و باعثة لهمته على النهوض لطلب الثأر، من غير تلوم و لا إغفال، فحين وقف على الخبر، امتعض له، أشد الامتعاض و لم يكن باستمرار مثله بالراضي، و صرف الاهتمام الى التأهب لما حرضته عليه، و أشارت إليه، و الاستعداد له، و الاحتشاد لقصده و ثنى أعنّة (147 و) الاعتزام إلى ناحية الشام، مجدا في قصد دمشق لبلوغ كل مطلب ينحوه، و مرام، و تناصرت الأخبار بهذه العزيمة الى دمشق، فوقع الاحتياط، و التحرز من جانبه و الاستعداد، ثم تلا ذلك ورد الخبر بنزوله على بعلبك في يوم الخميس العشرين من ذي الحجة من السنة، في عسكر كثيف، و جم غفير،
ص: 423
و قد كانت قبل نزوله عليها قد شحنت بالرجال المقاتلة، و العدد الكاملة، ورد أمر الولاية فيها إلى معين الدين أنر، و قد تمكنت حالته، و ارتفعت رتبته، و نفذت أوامره في الدولة، و أمثلته، فنصب عليها عدة من المناجيق، و واصل المحاربة لأهلها و بالغ في المضايقة لها، و قيل إن عدة المنجنيقات المنصوبة عليها أربعة عشر منجنيقا، يرمي عليها بالنوبة ليلا و نهارا، بحيث أشرف من بها على الهلاك، و لم تزل هذه حالها الى أن ورد الخبر بافتتاحها بالأمان، لشدة ما نزل بأهلها من البلاء و المضايقة و النقوب، و بقيت القلّة(1)و فيها جماعة من شجعان الأتراك المندوبين لحمايتها، و الذب عنها، فلما أيسوا من معين يأتيهم من المعين، و وصول من ينقذهم من البلاء المحيط، سلموها الى عماد الدين أتابك، بعد أخذ أمانه، و التوثق منه، فلما حصلت في ملكته، نكث عهده، و نقض أمانه لحنق أسره، و غيظ على من كان فيها أكنه، فأمر بصلبهم، و لم يفلت منهم إلا من حماه أجله، فاستبشع الناس ذلك من فعله، و استبدعوه من نكثه.
و قد كان الخبر ورد قبل ذلك بافتتاح عماد الدين أتابك قلعة الأثارب، في يوم الجمعة أول صفر من السنة المقدم ذكرها.
و وردت الأخبار بأن رجفة عظيمة، حدثت في الشام، بعد ما تقدم ذكره، في ليلة الجمعة الثامن من صفر منها.
و في شهر رمضان منها، ورد الخبر بأن الأمير الأفضل رضوان بن ولخشى، صاحب الأمر بمصر، خرج منها لأمر خاف معه من صاحبه الإمام الحافظ لدين اللّه أمير المؤمنين، و وصل إلى صرخد، و أن أمين الدولة كمشتكين الأتابكي واليها، تلقاه بالإكرام و مزيد الإعطاء و الإحترام، و أقام في ضيافته و كرامته، مدة ثم عاد من عنده طالبا لمصر لأمر كان دبّره، و سبب قرره،
1) أعلى مكان بالقلعة، أو القلعة ذاتها.
ص: 424
قلما وصل إليها فسد ذلك التدبير عليه، و لم ينل ما كان صرف همه إليه، فاعتقل في القصر مكرما، و مبجلا محترما(1).
(147 ظ) و فيها توفي النقيب الإمام، جمال الاسلام، أبو الحسن علي ابن محمد بن الفتح السلمي الشافعي، متولي المدرسة الأمينية، في يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة منها، و هو ساجد في صلاة الغداة رحمه اللّه، و كان مشهورا بوفور العلم في التفقه، و قوة الفرائض و الوعظ و الدين و الأمانة، بحيث وقع التألم لفقده، و افتقر الى مثله من بعده(2)
مرآة الزمان: 1/ 170- 171، منادمة الأطلال: 86.
.أول هذه السنة المباركة يوم الثلاثاء بالرؤية مستهل المحرم، و فيه ورد الخبر بفراغ عماد الدين أتابك من ترتيب أمر بعلبك، و قلتها و ترميم ما تشعث منها، و شروعه في التأهب للنزول على مدينة دمشق لمضايقتها، و ورد عقيب ذلك الخبر برحيله عنها في العسكر، و نزوله في البقاع في شهر ربيع الأول منها، و أنفذ رسوله إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن أتابك صاحبها، في إلتماس تسليم البلد إليه، و يعوض عنه بما يقع الاختيار و الاقتراح عليه، فلم يجب إلى ما رغب فيه، فرحل عن البقاع، و نزل على داريا ظاهر دمشق في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر منها، و كان عند نزوله على داريا قد التقت الطلائع فظفر بجماعة و انهزم الباقون إلى البلد، و زحف بعد ذلك إلى البلد في عسكر من ناحية المصلى في يوم الجمعة الثامن و عشرين من شهر
1) انظر اتعاظ الحنفا للمقريزي: 3/ 173.
2) نقل سبط ابن الجوزي ترجمته عن ابن عساكر: و ضبط اسمه« علي بن المسلم» و ذكر ابن عساكر المدرسة الأمينية فقال: بناها كمشتكين المعروف بأمين الدولة، و نقل الشيخ بدران أنها كانت« قبل باب الزيادة من أبواب الجامع الأموي، المسمى قديما بباب الساعات» انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 74.
ص: 425
ربيع الآخر من السنة، فظفر بجماعة وافرة من أحداث البلد، و الغوطة، و أطلق السيف فيهم، فمنهم من مضى قتيلا و أسيرا، و منهم من عاد الى البلد سالما و جريحا، و أشرف البلد في هذا اليوم على الهلاك لو لا لطف اللّه تعالى، و عاد إلى مخيمه بمن أسر بعد من قتل، و أمسك أياما عن الحرب، و تابع المراسلة و التلطف في تسليم البلد، و أخذ العوض عنه بعلبك و حمص، و ما يقترح معهما، فآثر جمال الدين محمد بن تاج الملوك الدخول في هذا الأمر، لما فيه من الصلاح و حقن الدماء، و عمارة الأعمال، و سكون الدهماء، و أباه عند الاستشارة فيه، و جعل يزحف بعسكره في أيام متفرقة، بحيث لم يصدق في القتال، و لا بالغ في التضييق و النزال، إشفاقا من سفك الدماء، كالكاف المسالم، و المتأني في الوقائع و المغانم، و ابتدأ بجمال الدين (148 و) محمد ابن تاج الملوك مرض اتصل به في جمادى الأولى من السنة، فصار يخف تارة، و يثقل و يمضي و يعود و يقل و يزيد الى أن اشتد به اشتدادا، وقع اليأس معه منه، و لم يكن له فيه طب و لا راق، و لم يزل على هذه الحال الى أن قضى محتوم نحبه، و صار الى رحمة ربه في ليلة الجمعة الثامن من شعبان منها، في الوقت الذي أصيب فيه أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك رحمهما اللّه، فعجب الناس من ذلك، و اتفاق الوقت و الساعة، و سبحوا اللّه و قدسوه، و جهز و دفن في تربة جدته بالفراديس.
و اجتمع رأي المقدمين و أصحاب الأمر من بعده، على سد ثلمة فقده، بنصب ولده الأمير عضب الدولة أبي سعيد آبق بن جمال الدين محمد في مكانه، و أخذت له بذلك العهود المؤكدة بالأيمان المشددة، على الإخلاص في الطاعة، و الصدق في الخدمة و المناصحة، فاستقام الأمر، و صلح التدبير، و زال الخلف، و سكنت الأمور بعد اضطرابها، و قرت النفوس بعد استيحاشها، و حين عرف عماد الدين أتابك هذه القضية، زحف في عسكره الى البلد طامعا في خلف يجري بين المقدمين بوفاته، فينال به بعض طلباته، فكان الأمر بالضد
ص: 426
مما أمل، و الحال بالعكس فيما ظن، و لم يصادف من أجناد دمشق و أحداثها إلا الثبات على القراع، و الصبر على المناوشة و المصاع(1)، فعاد منكفئا الى عسكره، و قد ضعفت نفسه، و ضاق لهذا الأمر صدره، و قد كان تقرر الأمر مع الأفرنج على الإتفاق و الاعتضاد و المؤازرة و الاسعاد و الامتزاج في دفعه، و الاختلاط في صده عن مراده و منعه، و وقعت المعاهدة على ذلك بالأيمان المؤكدة، و الضمان للوفاء بما بذلوه، و التمسوا على ذلك مالا معينا، يحمل إليهم ليكون عونا لهم على ما يحاولونه، و قوة و رهانا تسكن بها نفوسهم و أجيبوا إلى ذلك، و حمل إليهم المال و الرهائن من أقارب المقدمين، و شرعوا في التأهب للانجاد، و الاستعداد للمؤازرة و الاسعاد، و كاتب بعضهم بعضا بالبعث على الاجتماع من سائر المعاقل و البلاد، على إبعاد أتابك، و صده عن نيل الأرب من دمشق و المراد، قبل استفحال أمره، و إعضال خطبه، و قوة شوكته، و استظهاره على عصب الأفرنج و قصد بلادهم.
فحين تيقن صورة الحال في هذا العزم (148 ظ) و تجمعهم لقصده مع عسكر دمشق، رحل عن منزله بداريا في يوم الأحد الخامس من شهر رمضان، طالبا ناحية حوران، للقاء الأفرنج إن قربوا منه، و طلبهم إن بعدوا عنه، و أقام على هذا الاعتزام مدة ثم عاد الى ناحية غوطة دمشق، و نزل بعذراء يوم الأربعاء لست بقين من شوال، فأحرق عدة ضياع من المرج و الغوطة الى حرستا التين، و رحل يوم السبت تاليه متشاملا، حين تحقق نزول الأفرنج بالميدان في جموعهم، و كان الشرط مع الافرنج أن يكون في جملة المبذول لهم انتزاع ثغر بانياس من يد إبراهيم بن طرغت، و تسليمها إليهم فاتفق أن إبراهيم بن طرغت واليه، كان قد نهض في أصحابه الى ناحية صور، للإغارة عليها، فصادفه ريمند صاحب أنطاكية في قصده واصلا إلى إسعاد الأفرنج على إنجاد أهل دمشق، فالتقيا فكسره، و قتل في الوقعة و معه نفر يسير من
1) المصاع: الجلاد و الضراب. النهاية لابن الأثير.
ص: 427
أصحابه، و عاد من بقي منهم الى بانياس، فتحصنوا بها، و جمعوا إليها رجال وادي التيم، و غيرهم، و من أمكن جمعه من الرجال، للذب عنها و المراماة دونها، فنهض إليها الأمير معين الدين في عسكر دمشق، و نزل عليها، و لم يزل محاربا بالمنجنيقات، و مضايقا لها بأنواع المحارب، و معه فريق وافر من عسكر الأفرنج عامة شوال.
و ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك قد نزل على بعلبك، و أنفذ يستدعي التركمان من مظانهم، في شوال لقصد بانياس، و دفع المنازلين لها عنها، و لم تزل الحالة جارية على هذه القضية إلى آخر ذي الحجة من السنة.
و وردت الأخبار من ناحية مصر، بأن الأفضل بن ولخشى، لما فصل عن صرخد، و وصل الى ظاهر مصر، أن الاتراك الذين انضموا إليه، عملوا عليه و غدروا به، و انتهبوا ما كان معه من كراع و سواد، فحين وجدوا منه الغرة و الغفلة لم يبقوا على أي شيء مما صحبه، و تفرقت عنه أصحابه و رجاله، و بقي فريدا، فحصل في أيدي الحافظية أسيرا، و وصل به من يحفظه و يحتاط عليه، و هذا الأفضل المقدم موصوف بالشجاعة و الفروسية و علو الهمة و مضاء العزمة و البسالة، و حسن السياسة، و ذكاء الحس، و لكن المقادير لا تغالب، و الأقضية لا تدافع، و اللّه يفعل ما يشاء و يختار.
و لم تزل بانياس على حالها في المضايقة و المحاصرة، الى أن نفذت منها الميرة، و قل قوت المقاتلة فسلمت (149 و) إلى معين الدين، و عوض عنها الوالي الذي كان بها بما أرضاه من الإقطاع و الإحسان، و سلمها الى الأفرنج، و وفى لهم بالشرط، و رحل عنها منكفئا إلى دمشق ظافرا بأمله حامدا لعمله في أواخر شهد شوال.
و في صبيحة يوم السبت السابع من ذي القعدة من السنة، حصل عماد الدين أتابك بعسكره جريدة بظاهر دمشق، و وصل المصلى، و قرب من سور
ص: 428
البلد، و لم يشعر به أحد لكون الناس في أعقاب نومهم، فلما تبلج الصباح، و عرف خبره، علت الجلبة و الصياح، و نفر الناس، و اجتمعوا إلى الأسوار، و فتح الباب، و خرجت الخيل و الرجالة، و كان قد فرق عسكره الى حوران و الغوطة و المرج و سائر الأطراف للغارة، و وقف هو في خواصه بإزاء عسكر دمشق، بحيث لا يمكن أحدا من أصحابه في اتباع أحد من خيله المغيرة، و نشبت الحرب بينه و بين عسكر دمشق، و خرج من الفريقين جملة وافرة، و أحجم عنهم لاشتغاله بمن بثه من سراياه في الغارات، و حصل في أيديهم من خيول الجشار و الأغنام و الأحمال و الأبقار و الأثاث ما لا يحصى كثرة لأنهم جاؤوا على غفلة، و غرة، و نزل من يومه بمرج راهط، إلى أن اجتمعت الرجال و الغنائم، و سار عائدا على الطريق الشمالية بالغنائم الدثرة المتناهية في الكثرة.
و وردت الأخبار من ناحية بغداد بعزل الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، عن وزارة الامام المقتفي بأمر اللّه، و تقليدها الوزير نظام الدين بن جهير.
في شهر رمضان منها ورد الخبر بظهور عسكرية عسقلان، على خيل الأفرنج الغائرين عليها، و قتل جماعة منهم و عودهم مفلولين خاسرين.
و فيها ورد الخبر ناحية الشمال بتملك الباطنية حصن مصياث بحيلة دبرت عليه، و مكيدة نصبت له.
ص: 429
و فيها توفي البدليسي(1)
مرآة الزمان: 1/ 177.
إمام المسجد الجامع بدمشق، في ثالث ذي الحجة منها رحمه اللّه، و كان حسن الطريقة قليل التبذل، جيد الحفظ و القراءة، و التصون، و وقع الاختيار على الشيخ الامام أبي محمد بن طاووس في إقامته مكانه، لما فيه من حسن الطريقة و التصون و التدين، و القيام بقراءة السبعة المشهورة (149 ظ).فيها ورد الخبر من ناحية الشمال بإغارة الأمير لجه التركي، النازح عن دمشق إلى خدمة الأمير عماد الدين أتابك، على بلد الافرنج و ظفره بخيلهم، و فتكه بهم، بحيث ذكر أن عدة المقتولين منهم تقدير سبعمائة رجل.
و فيها ورد الخبر من ناحية العراق، بايقاع عسكر السلطان غياث الدنيا و الدين، ركن الإسلام و المسلمين، مسعود بن محمد، بحلة بني خفاجة و نهبها و قتل من ظفر به، لكثرة فسادهم، و تزايد عنادهم، و إخافتهم السابلة، و أخذهم كل رفقة من التجار الصادرة و القافلة، و عوده الى بغداد ظافرا غانما.
و فيها توفي النقيب الامام أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي رحمه اللّه في (ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست و ثلاثين
1) هو اسماعيل بن فضائل بن سعيد البدليسي، نقل سبط ابن الجوزي عن ابن عساكر أنه« أقام إماما بجامع دمشق نيفا و ثلاثين سنة، يوم الناس، و يتلو القرآن فظهر عليه شيء من اعتقاده من ميله الى السنة، فعزل عن الامامة في رمضان سنة ثمان و عشرين و خمسمائة، و بعث مكانه أبو محمد بن طاووس، فجاءت في ذلك مرافضات و تعصبات، فاستقر الأمر على أن لا يبقى في الجامع من يصلي إماما غير إمام الشافعية و الحنفية لا غير، و بطلت إمامة المالكية و الحنابلة».
ص: 430
و خمسمائة(1)
ط. القاهرة: 1952: 1/ 198- 201، و قد نقل ابن رجب عن ابن القلانسي.
) بمرض حاد عرض له، فأضعفه و قضى فيه نحبه، و كان على الطريقة المرضية، و الخلال الرضية، و وفور العلم و حسن الوعظ، و قوة الدين، و التنزه مما يقدح في أفعال غيره من المتفقهين، و كان يوم دفنه يوما مشهورا من كثرة المشيعين له، و الباكين حوله، و المؤبنين لأفعاله، و المتأسفين عليه.و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق، بالوقعة الهائلة بين السلطان الأعظم شاهنشاه المعظم معز الدنيا و الدين أبي الحارث(2)
مرآة الزمان: 1/ 180.
.1) فراغ في الأصل تم تداركه من كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي.
2) في الأصل« السلطان المعظم ناصر الدين اللّه» و التصحيف واضح على العبارة مع بعض السقط، و قد تم تقويم ذلك اعتمادا على تاريخ دولة آل سلجوق:
3) ارتبط هذا الصراع بين سنجر و خان الخطا بمحاولات سنجر بسط سيطرته على واحة خوارزم، و قد علق سبط ابن الجوزي على هزيمة سنجر هذه بقوله:
« أخذ اللّه للمسترشد بالثأر و أحل به الهلاك و البوار، إن في ذلك عبرة لأولي الأبصار». انظر الكامل لابن الأثير: 9/ 502. راحة الصدور: 262.
ص: 431
و فيها ورد الخبر بوفاة ضياء الدين أبي سعيد بن الكفرتوثي، وزير الأمير عماد الدين أتابك في خامس من شعبان، و كان على ما حكي عنه حسن الطريقة، جميل الفعل، كريم النفس، مرضي السياسة، مشهور النفاسة و الرياسة.
و فيها ورد الخبر بوفاة الأمير سعد الدولة، صاحب آمد، و جلوس ولده محمود(1)في منصبه من بعده (150 و) فانتظم له الأمر من بعد فقده.
و فيها ورد الخبر بوفاة الأمير ولد الدانشمند رحمه اللّه، و انتصاب ولده في منصبه من بعده و استقام له الأمر.
و فيها توفي الشيخ أبو محمد بن طاووس، إمام المسجد الجامع بدمشق، في يوم الجمعة سابع عشر من المحرم من السنة(2).
فيها وردت الأخبار من ناحية مصر بعظم الوباء في الاسكندرية و الديار المصرية، بحيث هلك هناك الخلق العظيم، و الجم الغفير.
و في يوم الأحد، السابع و العشرين من شهر ربيع الأول، توفي القاضي
1) في الأصل« محمد» و التقويم من تاريخ الفارقي- أخبار سنة 536 ه- حيث قال:« و في منتصف جمادى الأولى من هذه السنة مات الأمير سعد الدولة ايكلدي ابن ابراهيم صاحب آمد، و كان مؤيد الدين بن نيسان متولي آمد، فرتب ولده شمس الملوك محمود في الإمارة و قررها، و كانت أمه يمنى خاتون بنت نجم الدين ايلغازي، و كان حسام الدين خاله، و كنت في صحبة والدي رحمه اللّه»، و ذكر في أخبار سنة( 542 ه) أنه« وصل عز الدولة أبو نصر بن نيسان الى ميافارقين، و عقد على صفية خاتون بنت السعيد حسام الدين لجمال الدين شمس الملوك محمود بن ايكلدي صاحب آمد على خمسين ألف دينار».
2) هو هبة اللّه بن أحمد بن عبد اللّه بن علي بن طاووس المقرىء، ذكره الحافظ ابن عساكر و قال: كان امام جامع دمشق، و كان قبل تسلمه الامامة يؤدب الصبيان. مرآة الزمان: 1/ 181- 182.
ص: 432
بهجة الملك أبو طالب علي بن عبد الرحمن بن أبي عقيل، بمرض صعب، كان فيه قضاء نحبه، و انتقاله إلى رحمة ربه، و هو من جلالة القدر، و جميل الذكر على الطريقة المرضية المشهورة، و السجية المستحسنة المشكورة.
و فيها ورد الخبر بظهور صاحب أنطاكية إلى ناحية بزاعة، و أن الأمير سوار، النائب في حفظ حلب ثناه عنها و حال بينه و بينها(1).
و فيها وردت الأخبار بظهور متملك الروم الى الثغور دفعة ثانية بعد أولى، و برز إليه صاحب أنطاكية، و خدمه و أصلح أمره معه، و طيب نفسه، و عاد عنه الى أنطاكية(2).
و فيها وردت الأخبار بأن الأمير عماد الدين أتابك، استوزر الأجل أبا الرضا ولد أخي جلال الدين بن صدقة، وزير الخليفة، و فيها ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك افتتح قلعة أشب(3)، المشهورة بالمنعة و الحصانة.
و في شهر رمضان منها ورد الخبر بموت متملك الروم.
و فيها توفي القاضي المنتجب أبو المعالي محمد بن يحيى، في يوم الأربعاء النصف من شهر ربيع الأول منها، و دفن بمسجد القدم رحمه اللّه، و تولى بعده القضاء ولده القاضي أبو الحسن علي بن محمد القرشي، و كتب له منشور القضاء من قاضي القضاة ببغداد.
1) انظر زبدة الحلب: 2/ 277.
2) ذكر المؤرخ السرياني المجهول أن الامبراطور وصل الى طرسوس، و معه جيش كبير، و أخذ يعد الترتيبات لغزاة كبرى في سورية، و أثناء ذلك خرج الى الصيد فأصيب ذراعه بجراح سبب له تورما شديدا دعا الى وفاته بعد أيام، و قد قاد هذا الى عودة الجيش الى القسطنطينية.
3) جاء في الكامل لابن الأثير: 9/ 5- 6: في هذه السنة- 537 ه- أرسل أتابك زنكي جيشا الى قلعة أشب، و كانت أعظم حصون الأكراد الهكارية، و أمنعها، و بها أموالهم و أهلهم، فحصروها و ضيقوا على من بها فملكوها، فأمر باخرابها و بناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضا عنها.
ص: 433
فيها وردت الأخبار من ناحية العراق، بأن الخبر ورد اليها بهلاك ملك كافر ترك من ناحية الصين، الذي كان ظفر بعسكر السلطان سنجر، في تلك الوقعة المقدم ذكرها.
و فيها ورد الخبر بافتتاح الأمير عماد الدين قلعة حيزان(1).
و في شهر رمضان منها (150 ظ) وردت الأخبار من ناحية العراق، بقتل السلطان داود بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بيد نفر ندبوا لقتله فاغتالوه و قتلوه، و لم يعرف لهم أصل و لا جهة، و لا علم مستقرهم(2)
83.
.و في ثالث جمادى الأولى منها قبض على الأمير الحاجب أسد الدين أكز، و أخذ ماله، و سملت عيناه، و اعتقل، و تفرق عنه أصحابه.
و فيها ورد الخبر من ناحية الأفرنج بهلاك ملكهم الكندأجور(3)ملك بيت
1) بلد من ديار بكر، ذكره ياقوت في معجم البلدان، و جاء في تاريخ ميافارقين في أخبار سنة/ 537 ه/:« صعد أتابك زنكي الى ديار بكر، و دخل الى ولاية الأمير يعقوب بن السبع الأحمر قزل أرسلان فقصد حيزان ... و كنت بالموصل في هذه السنة».
2) قتل في تبريز من قبل أربعة من حشيشية الشام. الدعوة الاسماعيلية الجديدة:
3) هو فولك أوف أنجو، آل الحكم بعد وفاته الى ولده بلدوين الثالث مع أمه ميليسند. انظر تاريخ وليم الصوري: 136- 140.
ص: 434
المقدس، بعلة عرضت له كان فيها اتلاف نفسه، و أقيم ولده الصغير، و أمه مقامه في الملك، و رضي الأفرنج بذلك، و استقامت الحال عليه.
و في رمضان منها عزل أبو الكرام عن وزارته (في) ديوان دمشق لأسباب أنكرت عليه، و أشياء قبيحة عزيت إليه.
و فيها ورد الخبر بعزل عماد الدين أتابك وزيره أبا الرضا بن صدقة، لأسباب أوجبت ذاك و دعت إليه، و أغراض بعثت عليه، و استوزر مكانه(1).
في يوم الخميس الحادي عشر من المحرم منها توجه الأمير الرئيس مؤيد الدين رئيس دمشق الى ناحية صرخد، مستوحشا من أحوال بلغته عن أبي الكرام المستناب في وزارة ديوان دمشق، و عن الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ، أنكرها من سعيهما، و استبشعها من قصدهما، فسار عن البلد ممتعضا من أقدامهما على ما يخالف أمره، و يضيق صدره، و وصل إليها و تلقاه واليها بالإكرام لمثواه، و احسان لقياه، و ترددت المراسلات بينه و بين الأمير معين الدين أتابك، صاحب الأمر و التدبير بدمشق في هذا الباب، و تكرر المقال بينهما بالاعتذار من كل واحد منهما و العتاب، و لم تزل هذه الحال مترددة بينهما إلى أن أسفرت عن تقرير عوده الى داره، و اخراج أبي الكرام الوزير و أسامة بن منقذ إلى ناحية مصر بأهليهما و مالهما و أسبابهما، فسارا من دمشق الى ناحية مصر، بعد استئذان صاحبها في أمرهما، و خروج أذنه بوصولهما في يوم الخميس السابع من جمادى الأولى من السنة، على سبيل المداراة و المصانعة، و قيل أنهما لقيا من إحسان تلك الدولة السعيدة،
1) في زبدة الحلب لابن العديم: 2/ 278:« و استوزر أبا الغنائم حبشي بن محمد الحلي».
ص: 435
من الاحسان و جزيل الإنعام ما جرت به عادتها المستحسنة في حق من يلجأ الى ظلها، و سابغ عدلها.
و في يوم الجمعة (151 و) الثالث عشر من جمادى الأولى، عاد الأمير مؤيد الدين إلى دمشق من صرخد، و خرج أهل البلد لتلقيه، و إظهار السرور به، و الاستبشار بعوده، و طابت نفسه ببلوغ أمانيه، و مضي أعاديه الساعين فيه.
و في شهر ربيع الآخر ورد الخبر بخروج عسكر الى فرقة وافرة من الأفرنج، وصلت إلى ناحية بعلبك، للعيث فيها، وشن الاغارات فالتقيا فأظفر اللّه المسلمين بهم، و أظهرهم عليهم، فقتلوا أكثرهم، و استولوا على ما كان معهم، و امتلأت أيدي المسلمين بغنائمهم، و عادوا الى بعلبك سالمين مسرورين غانمين، و عاد الباقون من الأفرنج الى مكانهم مفلولين محزونين خاسرين.
و في جمادى الأولى منها، ورد الخبر من ناحية الشمال بأن عسكر حلب ظفر بفرقة كبيرة من التجار و الأجناد، و غيرهم، خرجت من أنطاكية تريد بلاد الأفرنج، و معها مال كثير و دواب و متاع و أثاث، فأوقعوا بها، و اشتملوا على ما كان فيها، و قتلوا من كان معها من خيالة الأفرنج لحمايتها و الذب عنها، و عاد إلى حلب بالمال و السبي و الأسرى و الدواب(1).
و في يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة، توفي الأخ الأمين أبو عبد اللّه محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن أربع و ثمانين سنة، بعلة الذرب، و دفن بتربة اقترحها، خارج باب الصغير من دمشق، و كان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة و التصون و الديانة، و لزوم داره و التنزه عن
1) انظر زبدة الحلب: 2/ 277- 278.
ص: 436
كل ما يوتغ(1)الدين، و يكره بين خيار المسلمين، غير مكاثر للناس، و لا معاشر لهم، و لا متخلط بهم.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك افتتح مدينة الرها بالسيف، مع ما هي عليه من القوة و الحصانة و الامتناع على قاصديها، و الحماية على طالبيها من العساكر الجمة و منازليها، و إن السبب في ذلك أن الأمير عماد الدين أتابك، لم يزل لها طالبا، و في تملكها راغبا، و لانتهاز الفرصة فيها مترقبا، لا يبرح ذكرها جائلا في خلده و سره، و أمرها ماثلا في خاطره و قلبه، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها، قد خرج منها في جل رجاله و أعيان حماته و أبطاله لأمر اقتضاه، و سبب من الأسباب الى البعد عنها دعاه، للأمر المقضي و القدر النازل، فحين تحقق (151 ظ) ذاك بادر بقصدها، و سارع الى النزول في العسكر الدثر عليها لمضايقتها، و الحصر لمن فيها، و كاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم للمعونة عليها، و الإسعاد و أداء فريضة الجهاد، فوصل إليه منهم الخلق الكثير، و الجم الغفير بحيث أحاطوا بها من جميع الجهات، و حالوا بينها و بين ما يصل إليها من المير و الأقوات، و الطائر لا يكاد يقرب منها خوفا على نفسه من صوائب سهام منازليها، و يقظة المضيّقين عليها، و نصب على أسوارها المناجيق، ترمي عليها دائما، و المحاربة لأهلها مصرا و مواظبا، و شرع الخراسانيون و الحلبيون العارفون بمواضع النقوب، الماضون فيها، فنقبوا في عدة مواضع عرفوا أمرها، و تيقنوا نفعها و ضرها، و لم يزالوا على هذه الحال في الإيغال في النقب، و التمادي في بطن الأرض إلى أن وصلوا الى تحت أساس أبراج السور، فعلقوه بالأخشاب المحكمة، و الآلات المنتخبة، و فرغوا من ذلك، و لم يبق غير إطلاق النار فيها، فاستأذنوا عماد الدين أتابك في ذلك، فأذن لهم بعد أن دخل في النقب، و شاهد حاله، و استعظم كونه و هاله، فلما أطلقت النار في تعليق النقوب
1) وتغ: أهلك. النهاية لابن الأثير.
ص: 437
تمكنت من أخشابها و أبادتها، فوقع السور في الحال، و هجم المسلمون البلد بعد أن قتل من الجهتين الخلق الكثير على الهدم، و قتل من الأفرنج و الأرمن و جرح ما أوجب هزيمتهم عنه، و ملك البلد بالسيف في يوم السبت سادس و عشرين من جمادى الآخرة منها، ضحوة النهار(1)، و شرع في النهب و القتل و الأسر و السبي و السلب، و امتلأت الأيدي من المال و الأثاث و الدواب و الغنائم و السبي، ما سرت به النفوس، و ابتهجت بكثرته القلوب، و شرع عماد الدين أتابك بعد أن أمر برفع السيف و النهب في عمارة ما انهدم، و ترميم ما تشعث، و رتب من رآه لتدبير أمرها(2)و حفظها، و الاجتهاد في مصالحها، و طيب بنفوس أهلها، و وعدهم بإجمال السيرة فيهم، و بسط المعدلة في أقاصيهم و أدانيهم، و رحل عنها و قصد سروج، و قد هرب الأفرنج منها، فملكها و جعل لا يمر بعمل من أعمالها، و لا معقل من معاقلها، فينزل عليه إلا سلم إليه في الحال (152 و).
و توجه الى حصن البيرة من تلك الأعمال، و هو غاية في الامتناع على طالبه، و الصعوبة على قاصده، فنزل عليه و شرع في محاربته و مضايقته، و قطع عنه سائر من يصل إليه بالقوت و الميرة و المعونة و النصرة، و لم يزل محاصرا له و محاربا و مضيّقا الى أن ضعف أمره، و عدمت الميرة فيه، و ورد على عماد الدين و قد أشرف على ملكته من خبر نائبه في الموصل الأمير جقر بن يعقوب،
1) في ترجمة زنكي في بغية الطلب لابن العديم مواد جيدة عن سقوط الرها، و أنا بصدد نشر هذه الترجمة في كتاب عن الحملتين الصليبيتين الأولى و الثانية، إنما على أهمية المواد في المصادر العربية يبقى ما ذكره المؤرخ السرياني المجهول أكثر تفصيلا و أعظم أهمية، لأنه كان من أهل الرها و شاهد عيان لما حصل و أنا بصدد نشر هذه المواد في الكتاب المشار إليه آنفا.
2) عين زين الدين علي كوجك صاحب اربيل و شهرزور حاكما على الرها، هذا ما ذكره المؤرخ السرياني المجهول.
ص: 438
في الوثوب عليه و قتله، ما أزعجه و أقلقه، و رحله عنها لكشف الحال الحادثة بالموصل(1)، مما يأتي شرح ذلك في موضعه.
و في جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك إنتهى إليه أن أهل حديثه(2)عانة قد خالفوا أمره، و عصوا عليه، فأنهض إليها من عسكره فريقا وافرا، فقصدها و نزل عليها و حاربها و ضايقها، و ملكها بالسيف و قتل أكثر أهلها و نهبها، و بالغ في إهلاك من بها.
و في شهر رمضان منها ورد الخبر من ناحية الشمال بأن عسكر الأفرنج المجتمع بناحية أنطاكية لإنجاد أهل الرها من جميع أعمالها و معاقلها(3)...
و كان عماد الدين أتابك قد أنهض إليه جيشا وافر العدد، من طوائف التركمان و الأجناد، فهجموا عليه بغتة و أوقعوا بمن وجدوه في أطرافه و نواحيه، و فتكوا به، فرحل في الحال و قد استولوا على كثير من الأفرنج قتلا و أسرا، و اشتملوا على جملة وافرة من كراعهم، و تحكم السيف في أكثر الراجل، و تفرقوا في أعمالهم و معاقلهم مفلولين مخذولين خاسرين.
و فيها كانت الحادثة على الأمير نصير الدين جقر بن يعقوب، النائب عن الأمير عماد الدين في ولاية الموصل.
1) أورد ابن الأثير في كتابه الباهر تفاصيل عظيمة عن حوادث الموصل الانقلابية ضد زنكي ص: 71- 72.
2) في الأصل« الحديثة عانة» و حذفت أداة التعريف كيما يستقيم المعنى.
3) ألم بالنص سقط لم أتمكن من جبره من المصادر العربية المتوفرة، و قد تحدث المؤرخ السرياني أن أحد قادة جوسلين صاحب الرها، و اسمه روبرت السمين قام بعدما انضم إليه عدد من قادة الفرنج بالتوجه نحو البيرة لمساعدتها فنال عظيم الاخفاق.
ص: 439
كان الملك فرخانشاه (الخفاجي) بن السلطان محمود بن محمد بن(1)ملك شاه قد حدث نفسه على العمل على الأمير نصير الدين، الوالي بالموصل، و الفتك به، و ملكة الموصل، و بالتفرد بالأمر، و اشتمال جماعة من غلمان الأمير عماد الدين أتابك، تقدير أربعين غلاما، من وجوه الغلمان مع أصحابه و خواصه، و رقب الفرصة فيه و الغفلة منه، مع شدة تيقظه، و مشهور احتراسه و تحفظه، إلى أن اتفق ركوبه (152 ظ) في بعض الأيام للتسليم على الخاتون في دارها، و قد خلا من حماته و وجوه أصحابه، و رصدوه، فلما حصل في دهليز الدار، و ثبوا عليه فقتلوه، و أدركه أصحابه، و من في البلد من أصحاب عماد الدين، فهرب من هرب، و مسكوا الملك ابن السلطان، فمانع فجرح، و أخذ و اعتقل معه أكثر الغلمان المشاركين في دمه، و توثق منهم بالاعتقال لهم و الاحتياط عليهم، و ذلك في يوم (الثامن من ذي القعدة سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة)(2)و كتب إلى عماد الدين بصورة هذه الحال و هو منازل لقلعة البيرة في عسكره، و أقلقه سماع هذا الخبر الشنيع، و الرزء الفظيع، و رحل في الحال عن البيرة، و قد شارف افتتاحها و الاستيلاء عليها، و هو متفجع بهذا المصاب، متأسف على ما أصيب به متيقن أنه لا يجد بعده من يقوم مقامه و لا يسد مسده، و ارتاد من يقيمه في موضعه و ينصبه في منصبه، فوقع اختياره على الأمير علي كوجك لعلمه بشهامته و مضائه في الأمور، و بسالته، و ولاه مكانه، و عهد إليه أن يقتفي آثاره في الاحتياط و التحفظ، و يتبع أفعاله في التحرز و التيقظ، و إن كان لا يغني غناءه، و لا يضاهي كفايته و مضاءه،
1) في الأصل:« كان الملك فرخانشاه بن السلطان ... أخي السلطان محمود بن» و قد ألم بالنص اضطراب مرده الى الناسخ، و تم التقويم من دولة آل سلجوق للعماد الأصفهاني: 187، حيث جاء في:« كان مع زنكي ملكان من أولاد السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، أحدهما يسمى ألب أرسلان و هو في معقل من معاقل سنجار، و الآخر يسمى فرخانشاه، و يعرف بالملك الخفاجي و هو بالموصل ...».
2) فراغ في الأصل، و قد أضفت ما بين الحاصرتين من تاريخ الفارقي/ 179 و/.
ص: 440
فتوجه نحوها، و حصل بها، و ساس أمورها سياسة سكنت معها نفوس أهلها، و اطمأنت معها قلوب المقيمين فيها، و بذل جهده في حماية المسالك، و أمن السوابل، و قضاء حوائج ذوي الحاجات، و نصرة أرباب الظلامات، فاستقام له الأمر، و حسنت بتدبيره الأحوال، و تحققت بيقظته في أعماله الآمال، و قد كان لنصير الدين هذا المقصود أخبار في العدل و الإنصاف و تجنب الجور و الاعتساف متداولة بين التجار و المسافرين، و متناقلة بين الواردين و الصادرين من السفار، و قد كان دأبه جمع الأموال من غير جهة من حرام و حلال، لكنه يتناولها بألطف مقال و أحسن فعال، و أرفق توصل و احتيال، و هذا فن محمود من ولاة الأمور و قصد سديد في سياسة الجمهور، و هذه هي الغاية في مرضي السياسة، و النهاية في قوانين الرئاسة.
و في أواخر هذه السنة فرغ من عمارة المسجد، الذي تولى عمارته و اختيار بقعته الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين (153 و) مقدم الأكراد بظاهر باب الفراديس من دمشق، بعقب الجسر القبلي، و كان مكانه أولا مستقبح المنظر، و أجمع الناس على استحسان بقعته، و اقتراح هيئته بعد أن أنفق عليه المبلغ الوافر، من ماله، مع جاهه، رغبة في حسن الذكر في الدنيا، و وفور الثواب و الأجر في الأخرى، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين.
في جمادى الأولى منها، تناصرت الأنباء من ناحية الأمير عماد الدين أتابك، بصرف الاهتمام الى التأهب و الاستعداد و الجمع و الاحتشاد، لقصد الغزو و الجهاد، و شاعت عنه الأنباء بأنه ربما قصد الأعمال الدمشقية، و النزول عليها، و لم تزل أخباره بذلك متصلة، و ما هو عليه بالاستكثار من عمل المناجيق و آلة الحرب، و ما يحتاج إليه لتذليل كل ممتنع صعب الى أوائل شعبان، و وردت الأخبار عنه بأن عزيمته عن ذلك قد انحرفت، و أعنة رأيه
ص: 441
الى غيره قد ثنيت، و أعيدت المناجيق الى ناحية حمص من بعلبك، و قيل إن الخبر وافاه من جهة الرها بأن جماعة من الأرمن عملوا عليها، و أرادوا الايقاع بمن فيها من مستحفظيها، و أن مكتوم سرهم ظهر، و مخفي أمرهم بدا و انتشر، و أن الجناة أخذوا و تتبعوا، و قوبلوا على ذلك بما يقابل به من يسعى في الأرض بالفساد، من: القتل، و الصلب، و التشريد في البلاد.
و في أوائل شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد، بوصول السلطان غياث الدنيا و الدين مسعود بن محمد(1)بن ملك شاه إلى بغداد، و قيل أنه و جل من أخيه السلطان طغرل بن محمد(2)، لأنه قد جمع، و اجتهد فيما حشد، و هو عازم على لقائه و الإيقاع بعسكره.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الأمير المعظم أبي المظفر خمارتاش الحافظي، صاحب باب الإمام الحافظ لدين اللّه أمير المؤمنين، صاحب مصر بعلة عرضت له و قضى فيها نحبه، و قيل إنه كان حسن الطريقة جميل الفعل، مشكور القصد.
قال الرئيس الأجل مجد الرؤساء أبو يعلى حمزة بن أسد بن محمد التميمي: قد انتهيت في شرح ما شرحته من (153 ظ) هذا التاريخ و رتبته و تحفظت من الخطأ و الخطل و الزلل فيما علقته، من أفواه الثقات و نقلته و أكدت الحال فيه بالاستقصاء و البحث الى أن صححته إلى هذه السنة المباركة، و هي سنة أربعين و خمسمائة، و كنت قد منيت منذ سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة و إلى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا الكتاب، من الحوادث المتجددة في الأعمال، و البحث عن الصحيح منها، في جميع الأحوال، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضا في الأوراق
ص: 442
ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار، و تعلم حقيقته من الحوادث و الآثار، و أهملت فيما ذكرته من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم، و في هذا الأوان إستيفاء ذكر نعوتهم المقررة و ألقابهم المحررة، تجنبا لتكريرها بأسرها، و الإطالة بذكرها، و لم تجر بذلك عادة قديمة، و لا سنة سالفة في تاريخ يصنف، و لا كتاب يؤلف، و إنما كان الرسم جاريا في القديم بإطراح الألقاب و الإنكار لها، بين يدي ذوي العلوم و الآداب، فلما ظهرت الدولة البويهية الديلمية، و لقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة بن بويه ثم أخوه و تاليه في الولادة و السعادة بركن الدولة أبي علي، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين و كل منهم قد بلغ من علو المرتبة و المملكة، و نفاذ الأمر في العراق و خراسان و الشام إلى أوائل المغرب ما هو مشهور و ذكره في الآفاق منشور، و لما علا قدر الملك عضد الدولة فنّاخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم، و ظهر سلطانه، و علا شأنه، و ملك العراق بأسره و ما والاه من البلاد و المعاقل، و خطب له على المنابر، زيد في نعوته في أيام المطيع للّه أمير المؤمنين رحمه اللّه:
تاج الملة، و لم يزد أحد من أخوته: مؤيد الدولة، صاحب أصفهان، و فخر الدولة، صاحب الري و ما والاهما، و انضاف إليهما على اللقب الواحد.
و لم يزل الأمر على ذلك مستمرا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق، و قويت شوكة الترك، و انخفضت الدولة البويهية و اضمحلت و انقرضت، و لقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق، و اجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام (154 و) الإمام الخليفة القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين رحمه اللّه ب:
«السلطان المعظم، شاهنشاه الأعظم، ركن (الدنيا و) الدين، غياث المسلمين، بهاء دين اللّه، و سلطان بلاد اللّه، و مغيث عباد اللّه، يمين خليفة اللّه طغرلبك».
ثم زاد الأمر في ذلك إلى أن أضيف الى ألقاب ولاة الأطراف: الدين، و الاسلام، و الأنام، و الملة، و الأمة، و غير ذلك، بحيث اشترك في هذا الفن
ص: 443
الخاص و العام، لا سيما في هذا الأوان و ألقاب سلاطينه، لأن منهم: سلطان خراسان، السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم، سيد سلاطين العرب و العجم، ناصر دين اللّه، مالك عباد اللّه، الحافظ بلاد اللّه، سلطان أرض اللّه، معين خليفة اللّه، معز الدنيا و الدين، كهف الإسلام و المسلمين، عضد الدولة القاهرة، تاج الملة الظاهرة، و غياث الأمم الباهرة أبو الحارث سنجر ابن ملك شاه، برهان أمير المؤمنين؛ و سلطان العراق: السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم، مالك رقاب الأمم، مولى العرب و العجم جلال دين اللّه، سلطان أرض اللّه، ناصر عباد اللّه، ظهير خليفة اللّه، غياث الدنيا و الدين، ركن الاسلام و المسلمين، عضد الدولة القاهرة، و مغيث الأمم الباهرة، أبو الفتح مسعود ابن محمد(1)بن ملك شاه قسيم أمير المؤمنين.
و سلطان الشام و غيره: الأمير الأسفهسلار الكبير، العادل المؤيد، المظفر، المنصور، الأوحد عماد الدين، ركن الإسلام، ظهير الأنام، قسيم الدولة، معين الملة، جلال الأمة، شرف الملوك، عمدة السلاطين، قاهر الكفرة و المتمردين، قامع الملحدين و المشركين، زعيم جيوش المسلمين، ملك الأمراء، شمس المعالي أمير العراقين و الشام بهلوان جهان، ألب غازي إيران اينانج قتلغ طغرلبك أتابك أبو سعيد زنكي بن آق سنقر، نصير أمير المؤمنين.
و صاحب دمشق: الأمير الأسفهسلار الكبير، العادل المؤيد، المظفر، المنصور، ظهير الدين، عضد الإسلام، ناصر الامام، تاج الدولة سيف الملة، محيي الأمة، شرف الملوك، عماد الأمراء، كهف المجاهدين، زعيم جيوش المسلمين، أبو سعيد آبق بن محمد بن بوري أتابك، سيف أمير المؤمنين.
1) في الأصل« مسعود بن محمود بن محمد» و محمود زيادة حذفت، و سبق مثل هذا.
ص: 444
(154 ظ) قد تقدم من ذكر عماد الدين أتابك زنكي، في أواخر سنة أربعين و خمسمائة، في نزوله على قلعة دوسر(1)على غرة من أهلها، و هجمه على ربضها و نهبه، و أخذ أهله ما لا حاجة إلى إعادة ذكره، و شرح أمره، و لم يزل مضايقا لها، و محاربا لأهلها في شهر ربيع الآخر من سنة احدى و أربعين و خمسمائة، حتى وردت الأخبار بأن أحد خدمه، و من كان يهواه و يأنس به، يعرف بيرنقش و اصله افرنجي، و كان في نفسه حقد عليه لإساءة تقدمت منه إليه فأسرها في نفسه، فلما وجد منه غفلة في سكره، و وافقه بعض الخدم من رفقته على أمره، فاغتالوه عند نومه في ليلة الأحد السادس من شهر ربيع الآخر من السنة، و هو على الغاية من الاحتياط بالرجال و العدد، و الحرس الوافر العدد حول سرادقة، فذبحه على فراشه بعدة ضربات تمكنت من مقاتله، و لم يشعر بهم أحد، حتى هرب الخادم القاتل إلى قلعة دوسر المعروفة حينئذ بجعبر، و فيها صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك، فبشره بهلاكه، فلم يصدقه، و آواه إلى القلعة و أكرمه، و عرف حقيقة الأمر، فسر بذلك، و استبشر بما آتاه اللّه من الفرج بعد الشدة الشديدة، و الاشفاء على الهلكة، بتطاول المحاصرة و المصابرة، و إرسال خواصه و ثقاته إليه بما استدعاه منه، و اقترحه عليه من آلات فاخرة، و ذخائر وافرة أشار إليها، و عين عليها، و وعده إذا حصلت عنده بالإفراج عنه، فعند حصول ذلك لديه مع أصحابه، غدر بهم، و عزم على الإساءة إليهم، فأتاه من القضاء النازل، الذي لا دافع له و لا مانع عنه، ما صار به عبرة لأولي الأبصار، و عبرة لذوي العقول و الأفكار، و تفرقت جيوشه أيدي سبأ، و نهبت أمواله الجمة، و خزائنه الدثرة، و قبر هناك بغير تكفين الى أن نقل كما حكي إلى مشهد
1) كذا، و ما ذكره المؤلف هو عدم توجه زنكي نحو دمشق و كشف خبر مؤامرة في الرها، فلعل ذلك سقط من الأصل، و قلعة دوسر هي قلعة جعبر، قائمة الآن وسط بحيرة سد الفرات في سورية.
ص: 445
علي (في)(1)الرقة.
و توجه الملك ولد السلطان المقيم كان معه فيمن صحبه، و انضم إليه، إلى ناحية(2)الموصل، و معه سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك، رحمه اللّه، و امتنع عليهم الوالي بالموصل على كوجك أياما إلى حين تقررت الحال بينهم، ثم فتح الباب، و دخل ولده و استقام له الأمر (155 و) و انتصب منصبه.
و عاد الأمير سيف الدولة سوار و صلاح الدين في تلك الحال إلى ناحية حلب، و معهم الأمير نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك، و حصل بها، و شرع في جمع العساكر و انفاق المال فيها، و استقام له الأمر و سكنت الدهماء و فصل عنه الأمير صلاح الدين(3)
فقال جمال الدين: و اللّه ما كان إلا تلك الليلة نصف الليل، و كان ذلك اليوم الأربعاء خامس شهر ربيع الآخر، و قيل تاسعه سنة احدى و أربعين و خمسمائة، و الصائح جاءنا من القلعة يصيح: قتل أتابك، و اختبط الناس و ماجوا، و كان سبب ذلك أن الأمير أتابك كان يبيت في الخيمة و عنده خادم، فما كان يبيت عنده غيره، فلما نام تلك الليلة قتله الخادم في الخيمة، و أخذ السكين بالدم و خرج و طلع الى الربض الى تحت القلعة و صاح إليهم: قتلت أتابك، فلم يصدقوه، فأراهم السكين و علامة أخرى كان أخذها من عنده، فأصعدوه إليهم و حققوا الحال منه، و صاحوا، فاختبط الناس و اختلفوا، و قصد الناس مخيم جمال الدين الوزير فنهب و انهزم، و جاء إلي، و قصدني الأمراء و الكبار و ركبت و قالوا: ما رأي الملك؟ فقصدوا و قصدت خيمة ألب أرسلان بن محمود و قلت: أنا و الناس و أتابك، غلمان الملك، و البلاد له و الكل خدمة، و مماليك السلطان فاجتمع الناس على الملك، و تفرق الناس فرقتين، فأخذ صلاح الدين محمد بن أيوب الياغيسياني نور الدين محمود بن أتابك و عسكر الشام، و مضوا الى الشام، فملك حلب و حماة و منبج و حران و حمص، و جميع ما بيد أتابك من الشام و استقر به، و سرنا نحن مع الملك و عساكر ديار ربيعة فطلبنا الموصل، فوصلنا الى سنجار، فانهزم الملك، و طلب الجزيرة، فلحقه أخي تاج الدين أبو طاهر يحيى بن الشهرزوري، رحمه اللّه، و عز الدين أبو بكر الدبيسي، و حلفا له، و رداه الى المعسكر، و نزلوا الى الموصل».
و لتوضيح بعض ما جاء في نص الفارقي روى ابن العديم في ترجمة زنكي قال:
« أخبرني الأمير بدران بن جناح الدولة حسين بن مالك بن سالم بن مالك العقيلي قال: لما طال حصار أتابك زنكي لعمي علي بن مالك على قلعة جعبر تقدم حسان البعلبكي صاحب منبج الى عمي و قال له من تحت القلعة: يا أمير علي ايش بقي يخلصك من أتابك، فقال له: يا عاقل يخلصني الذي خلصك من جب خرتبرت، فذبح أتابك في تلك الليلة، و كان حسان قد قبض عليه بلك بن بهرام بن أرتق، و طلب منه أن يسلم إليه منبج فلم يفعل فسيره الى خرتبرت و حبسه في جب بها، و حاصر منبج، فجاءه سهم فقتله عليها، و خلص حسان، و عاد الى منبج».
و حصل بحماة ولايته، على سبيل1) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق. انظر الحاشية الثالثة التالية.
2) هو الملك ألب أرسلان بن السلطان محمود، انظر حول ملابسات الصراع على السلطة بعد مقتل زنكي، الباهر: 84- 86.
3) الياغيسياني، و قد نقل ابن العديم في ترجمة زنكي في كتابه بغية الطلب أن قاتل زنكي« جاء الى تحت القلعة فنادى أهل القلعة: شيلوني فقد قتلت السلطان فقالوا له: إذهب الى لعنة اللّه قد قتلت المسلمين كلهم بقتله، و افترقت العساكر، فأخذ أولاد الداية نور الدين محمود الملك العادل بن عماد الدين زنكي، و طلبوا حلب و الشام، فملكها و سار أجناد الموصل بسيف الدين غازي الى الموصل و أعمالها فملكها و ملك الجزيرة، و بقي عماد الدين أتابك زنكي وحده، فخرج إليه أهل الرافقة فغسلوه بقحف جرة، و دفنوه على باب مشهد الامام علي عليه السلام في جوار الشهداء من الصحابة». و نقل الفارقي في تاريخه رواية و ثائقية حول مقتل زنكي و وصف الحال بعده حيث قال:« و لقد سألت الوالي المصدر الكامل قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد اللّه الشهرزوري، أدام اللّه ظله في سنة أربع و أربعين و خمسمائة بالموصل عن قتل أتابك و ما جرى، فقال: كنا نازلنا القلعة مدة، فلما كان بعض الأيام خرج الأمير حسام الدين المنبجي و صاح: أريد أكلم الأمير علي- و هو سيف الدولة أبو الحسن علي بن مالك- فتراءى له من على السور، و قال له: تعلم ما بيني و بينك من الصداقة، و أنت تعرف أتابك و ما هو عليه، و مالك من تلتجئ إليه و لا من يصرفه عنك، و الرأي أن تسلم و إلا إن أخذها بالسيف يجري ما لا تقدر على دفعه، و بعد هذا إيش تنتظر؟ فقال له: يا أمير حسان أنتظر الفرج من اللّه تعالى، و ما انتظرت على منبج لما حاصرها الأمير بلك، و كفاك اللّه أمره.
ص: 446
الاستيحاش، و الخوف على نفسه، من أمر يدبر عليه على أن الأعمال، كانت
ص: 447
قد اضطربت، و المسالك قد اختلت بعد الهيبة المشهورة، و الأمنة المشكورة، و انطلقت أيدي التركمان و الحرامية في الإفساد في الأطراف، و العيث في سائر النواحي و الأكناف، و نظمت في صفة هذه الحال أبيات من الشعر، تنطق بذكرها، و تعرب بالاختصار عن جلية أمرها، فمنها من جملة قصيدة يطول شرحها بتشبيبها:
كذاك عماد الدين زنكي تنافرتسعادته عنه و خرّت دعائمه
و كم بيت مال من نضار و جوهرو أنواع ديباج خوتها مخاتمه
و أضحت بأعلى كل حصن مصونةيحامي عليها جنده و خوادمه
و من صافنات الخيل كل مطهمتروع الاعادي حلبه و براجمه
و لو رامت الكتّاب وصف شياتهاباقلامها ما أدرك الوصف ناظمه
و كم معقل قد رامه بسيوفهو شامخ حصن لم تفته غنائمه
و دانت ولاة الأرض فيها لأمرهو قد أمّنتهم كتبه و خواتمه
و أمّن من في كل قطر بهيبةتراع بها اعرابه و اعاجمه
و ظالم قوم حين يذكر عدلهفقد زال عنهم ظلمه و خصائمه
و اصبح سلطان البلاد بسيفهو ليس له فيها نظير يزاحمه
و كم قد بنى دارا يباهي بحسنهاجنان خلود أحكمتها عزائمه
مزخرفة بالتبر من كل جانبو أغصان بقش قد تحلّت حمائمه
و زاد على الأملاك بأسا و سطوةو لم يبق في الأملاك ملك يقاومه
فلمّا تناهى ملكه و جلالهو راعت ولاة الأرض منه لوائمه (155 ظ)
أتاه قضاء لا يردّ سهامهفلم ينجه أمواله و مغانمه
و أدركه للحين منها حمامهو حامت عليه بالمنون حوائمه
و أضحى على ظهر الفراش مجدلاصريعا تولى ذبحه فيه خادمه
ص: 448
و قد كان في الجيش اللهام مبيتهو من حوله أبطاله و صوارمه
و سمر العوالي حوله بأكفهمتذود الردى عنه و قد نام نائمه
و من دون هذا عصبة قد ترتبتبأسهمها بردى من الطير حائمه
و كم رام في الأيام راحة سرّهو همّته تعلو و تقوى شكائمه
فأودى و لم ينفعه مال و قدرةو لا عنه رامت للقضاء مخاذمه
و أضحت بيوت المال نهبى لغيرهيمزقها أبناؤه و مظالمه
و كم مسلك للسفر أمّن سبلهو مسرح حيّ ان تراع سوائمه
و كم ثغر اسلام حماه بسيفهمن الروم لما أدركته مراحمه
فلما تولى قام كل مخالفو شام حساما لم يجد و هو شائمه
و أطلق من في أسره و حبوسهو فكّت عن الاقدام منه اداهمه
و عاد إلى أوطانه بعد خوفهو طابت له بعد السغوب مطاعمه
و فرت و حوش الأرض حين تمزقتكواسره عنها و فلّت سواهمه
و لم يبق جان بعده يحذر الردىو لا داعر يخشى عليه مناقمه
فمن ذا الذي يأتي بهيبة مثلهو تنفذ في أقصى البلاد مراسمه
فلو رقيت في كل مصر بذكرهأراقمه ذلّت هناك أراقمه
و من ذا الذي ينجو من الدهر سالماإذا ما أتاه الأمر و اللّه حاتمه
و من رام صفوا في الحياة فما يرىله صفو عيش و الحمام يحاومه
فاياك لا تغبط مليكا بملكهو دعه فان الدهر لا شك قاصمه
فإن كان ذا عدل و أمن لخائففلا شك أن اللّه بالعدل راحمه
و قل للذي يبني الحصون لحفظهرويدك ما تبنى فدهرك هادمه (156 و)
فكم ملك قد شاد قصرا مزخرفاو فارق ما قد شاده و هو عادمه
و أصبح ذاك القصر من بعد بهجةو قد درست آثاره و معالمه
و في مثل هذا عبرة و مواعظبها يتناسى المرء ما هو عازمه
ص: 449
و هذه صفاته فيما ملكه من البلاد و الثغور و المعاقل، و حازه من الأموال و القلاع و الأعمال، و نفوذ أوامره في سائر الأطراف و الأكناف، ثم أتاه القضاء الذي لا يدافع، و القدر الذي لا يمانع، و حين اتصل هذا الخبر اليقين إلى معين الدين، و عرف صورة الحال، شرع في التأهب و الاستعداد لقصد بعلبك، و انتهاز الفرصة فيها بآلات الحرب و المنجنيقات، و نهد إليها و نزل عليها و ضايقها، و نصب الحرب على مستحفظيها، و لم يمض إلا الأيام القلائل حتى قل الماء فيها قلة، دعتهم الى النزول على حكمه، و كان الوالي بها(1)ذا حزم و عقل و معرفة بالأمور، فاشترط ما قام له به من إقطاع و غيره، و سلم البلدة و القلعة إليه، و وفى له بما قرر الأمر عليه، و تسلم ما فيه من غلة و آلة في أيام من جمادى الأولى من السنة، و راسل معين الدين الوالي بحمص، و تقررت بينه و بينه مهادنة و موادعة يعودان بصلاح الأحوال و عمارة الأعمال، و وقعت المراسلة فيما بينه و بين صلاح الدين بحماة، و تقرر بينهما مثل ذلك، ثم انكفأ بعد ذلك الى البلد عقيب فراغه من بعلبك، و ترتيب من رتبه لحفظها و الإقامة فيها، في يوم السبت الثامن عشر من جمادى الآخرة من السنة، و صادف الخادم يرنقش القاتل لعماد الدين أتابك رحمه اللّه، قد فصل عن قلعة جعبر لخوف صاحبها من طلبه منه، و وصل إلى دمشق متيقنا أنه قد أمن بها، و مدلا بما فعله، و ظنا منه أن الحال على ما توهمه، فقبض عليه، و أنفذ الى حلب صحبة من حفظه و أوصله إليها، فأقام بها أياما، ثم حمل الى الموصل، و ذكر أنه قتل بها.
و وردت الأخبار في أثناء ذلك في أيام من جمادى الآخرة من السنة بأن ابن جوسلين جمع الأفرنج من كل ناحية، و قصد مدينة الرها على غفلة بموافقة من النصارى المقيمين فيها فدخلها و استولى عليها، و قتل من فيها (156 ظ)
1) أيوب بن شادي والد صلاح الدين الأيوبي.
ص: 450
من المسلمين فضاقت الصدور باستماع هذا الخبر المكروه، و وردت الأخبار مع ذلك، بأن الأمير نور الدين صاحب حلب نهض في عسكره، و من انضاف إليه من التركمان عند وقوعه على الخبر، و تقدمه سيف الدولة سوار، و أغذوا السير ليلا و نهارا و غدوا و ابتكارا، مع من اجتمع من الجهات، و هم الخلق الكثير، و الجم الغفير زهاء عشرة آلاف فارس، و وقفت الدواب في الطرقات من شدة السير و وافوا البلد، و قد حصل ابن جوسلين و أصحابه فيه، فهجموا عليهم و وقع السيف فيهم، و قتل من أرمن الرها و النصارى من قتل، و انهزم (من انهزم) الى برج يقال له برج الماء، فحصل ابن جوسلين في تقدير عشرين فارسا من أبطال أصحابه، و أحدق بهم المسلمون من جهاته، و شرعوا في النقب عليهم، و ما كان إلا بقدر كلا و لا، حتى تعرقب البرج، و انهزم ابن جوسلين، و أفلت منه في الخفية مع أصحابه، و أخذ الباقون، و محق السيف كل من ظفر به من نصارى الرها، و استخلص من كان أسر من المسلمين، و نهب منها الشيء الكثير من المال و الأثاث و السبي، و سرت النفوس بهذا النصر بعد الحزن و الانخزال، و قويت القلوب بعد الفشل و الانخذال، و انكفأ المسلمون بالغنائم و السبي إلى حلب و سائر الأطراف.
و في شوال من هذه السنة، ترددت الرسل و المراسلات بين الأميرين نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك صاحب حلب، و معين الدين أنر إلى أن استقرت الحال بينهما على أجمل صفة، و أحسن قضية، و انعقدت الوصلة بين نور الدين و بين ابنة معين الدين، و تأكدت الأمور على ما اقترح كل منهما، و كتب كتاب العقد في دمشق بمحضر من رسل نور الدين، في الخميس الثالث و العشرين من شوال سنة احدى و أربعين و خمسمائة، و شرع في تحصيل الجهاز، و عند الفراغ منه توجهت الرسل عائدة الى حلب، و في صحبتهم ابنة معين الدين و من في جملتها من خواص الأصحاب في يوم الخميس النصف من ذي القعدة من السنة.
ص: 451
و كان معين الدين قد حصل آلات الحرب و المنجنيقات، و جمع من أمكنه جمعه من الخيل و الرجل، و توجه الى ناحية صرخد و بصرى بعد أن أخفى عزيمته، و ستر نيته استظهارا لبلوغ طلبه، و تسهيل أربه (157 و) و نزل غفلة على صرخد، و كان المعروف بها بالتونتاش غلام أمين الدولة كمشتكين الأتابكي، الذي كان واليها أولا، و كانت نفسه قد حدثته بجهله، أنه يقاوم من يكون مستوليا على مدينة دمشق، و أن الافرنج يعينونه على مراده و ما يلتمسه من إنجاده و إسعاده، و يكونون معه على ما نواه من عيثه و إفساده، و كان قد خرج للأمر المقضي من حصن صرخد إلى ناحية الأفرنج للاستنصار بهم، و تقرير أحوال الفساد معهم، و لم يعلم أن اللّه لا يصلح عمل المفسدين، و لم يشعر بما نواه معين الدين من إرهاقه بالمعاجلة، و عكس آماله بالمنازلة فحال بينه و بين العود الى أحد الحصنين المذكورين، و لم تزل المحاربة بين من في صرخد و المنازلين متصلة، و النقوب مستعملة، و المراسلات مترددة، و التهديد، إن لم يجب الى المطلوب، و معين الدين لا يعدل عن المغالطة و المدافعة، و كان قد عرف تجمعهم و تأهبهم للنهوض إليه و إزعاجه و ترحيله(1)عنها، فأوجبت هذه الحال أن راسل نور الدين صاحب حلب يسأله الانجاد على الكفرة الأضداد بنفسه و عسكره، فأجابه الى ذلك، و كان لاتفاق الصلاح مبرزا بظاهر حلب في عسكره، فثنى إليه الأعنة، و أغذ السير، و وصل الى دمشق في يوم الأربعاء السابع و عشرين من ذي الحجة من السنة، و خيم بعين(2)شواقة، و أقام أياما يسيرة، و توجه نحو صرخد، و لم يشاهد أحسن من عسكره و هيئته و عدته، و وفور عدته.
و اجتمع العسكران و أرسل من بصرخد اليهما يلتمس الأمان، و المهلة أياما، و يسلم المكان، و كان ذلك منهم على سبيل المغالطة و المخاتلة، إلى حين
ص: 452
يصل عسكر الأفرنج لترحيل النازلين عليهم، و قضى اللّه تعالى للخيرة التامة للمسلمين، و المصلحة الشاملة لأهل الدين وصول من أخبر بتجمع الافرنج و احتشادهم و نهوضهم في فارسهم و راجلهم مجدين السير إلى ناحية بصرى، و عليها فرقة وافرة من العسكر محاصرة لها، فنهض العسكر في الحال و الساعة عند المعرفة بذاك إلى ناحية بصرى، كالشواهين إلى صيدها و البزاة (157 ظ) الى حجلها، بحيث سبقوا الأفرنج الى بصرى، فحالوا بينهم و بينها، و وقعت العين على العين، و قربت المسافة بين الفريقين، و استظهر عسكر المسلمين على المشركين، ملكوا عليهم المشرب و المسرب و ضايقوهم برشق السهام و إرسال نبل الحمام، و أكثروا فيهم القتل و الجراح و إضرام النيران في هشيم النبات في طرقهم و مسالكهم، و أشرفوا على الهلاك و الدمار، و حلول البوار، و ولوا الأدبار، و تسهلت الفرصة في إهلاكهم، و تسرعت الفوارس و الأبطال إلى الفتك بهم، و المجاهدة فيهم.
و جعل معين الدين يكف المسلمين عنهم، و يصدهم عن قصدهم، و التتبع لهم في انهزامهم، إشفاقا من كرة تكون لهم، و راجعة عليهم، بحيث عادوا على أعقابهم ناكصين، و بالخذلان منهم منهزمين، قد شملهم الفناء، و أحاط بهم البلاء، و وقع اليأس من فلاحهم، و سلمت بصرى الى معين الدين بعد تقرير أمر من بها، و إجابتهم على ما اقترحوه من اقطاعاتهم، و رحل عنها عائدا الى صرخد، و جرى الأمر في تسليمها إلى معين الدين على هذه القضية، و عاد العسكران إلى دمشق و وصلاها في يوم الأحد السابع و العشرين من المحرم سنة اثنتين و أربعين، و أقام نور الدين في الدار الأتابكية، و توجه عائدا إلى حلب في يوم الأربعاء انسلاخ المحرم من السنة المذكورة.
و في هذا الوقت وصل ألتونتاش، الذي خرج من صرخد إلى الأفرنج بجهله و سخافة عقله، إلى دمشق من بلاد الأفرنج، بغير أمان و لا تقرير و استئذان، توهما منه أنه يكرم و يصطنع بعد الإساءة القبيحة، و الارتداد
ص: 453
عن الإسلام فاعتقل في الحال، و طالبه أخوه خطلخ، بما جناه عليه من سمل عينيه، و عقد لهما مجلس حضره القضاة و الفقهاء، و أوجبوا عليه القصاص، فسمل كما سمل أخاه، و أطلق الى دار له بدمشق فأقام بها.
و في ذي الحجة من سنة احدى و أربعين ورد الخبر بأن السلطان شاهنشاه مسعودا عمل رأيه و تدبيره على تطييب نفس الأمير عباس، فسكن إلى ذلك بعد التوثقة بالأيمان المؤكدة و العهود المشددة و وصل إليه الى بغداد ساكنا الى ما كان تأكد من إيمانه على نفسه و جماعته، و كان السلطان قد تمكن في نفسه من الرعب منه، و الخوف على عسكره من قوة شوكته، و مشهور هيبته، و كثرة عدده (158 و) و عدته ما لم يمكنه ترك الفرصة فيه، و قد أمكنت، و الغرة قد تسهلت و تيسرت، فرتب له جماعة للفتك به عند دخوله عليه، فعوجل عليه بالقتل(1)و نهبت خزائن أمواله و آلاته و كراعه، و امتلأت أيدي جماعة من نهبها، و تفرق عسكره في البلاد و الأعمال، و كان له الذكر الحسن و الفعل المستحسن، و الأجر الوافر، و المدح السائر بما كان له في مجاهرة أحزاب الباطنية، و الفتك بهم، و القمع لهم و الحصر في معاقلهم، و الكف لشرهم، و لكن الأقدار لا تغالب، و الأقضية لا تدافع.
و أما أخبار المغرب، و الحوادث فيه، فلم تسكن النفس الى إثبات شيء من طوائح أخباره، و ما يؤخذ من أفواه تجاره، و قد أفردت من أحوال الخوارج فيه، و الفتن المتصلة بين أهليه من الحروب المتصلة، و سفك الدماء ما لا تثق النفس به، لاختلاف الروايات و تباين الحكايات، و كان قد ورد من فقهاء المغاربة من وثقت النفس بما أورده، و سكنت الى ما شرحه، و عدده، و حضرت كتب من أهل المغرب الى أقاربهم ببعض الشرح، و وافق ورود ذلك
1) كان عباس صاحب الري« عسكره أكثر من عسكر السلطان» الكامل لابن الأثير: 9/ 15.
ص: 454
في سنة احدى و أربعين و خمسمائة بالتواريخ المتقدمة و الحكايات المختلفة، فرأيت ذكر ذلك و شرحه في هذا المكان: فمن ذلك ظهور المعروف بالفقيه السوسي، الخارج بالمغرب، و ما آل إليه أمره، الى أن هلك، و من قام بعده و استمر على مذهبه، و ما اعتمده من الفساد، و سفك الدماء، و مخالفة الشريعة الإسلامية، و مبدأ ذلك على ما حكي ظهور المعروف بالفقيه أبي (عبد اللّه)(1)محمد بن تومرت من جبل السوس، و مولده به، و أصله مصمودي، و كان غاية في التفقه و الدين، مشهورا بالورع و الزهد، و كان قد سافر الى العراق و جال في تلك الأعمال، و مهر في المناظرة و الجدال، و اجتمع بأئمة الفقهاء، و أخذ عنهم، و سمع منهم، و عاد إلى ناحية مصر و ما والاها، و اجتمع مع علمائها، و قرأ عليهم، ثم عاد الى المغرب و دعا إلى مذهب الفكر، و ابتداء ظهوره في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة في مدينة تعرف بدرن(2)في جبل أوله في البحر المحيط و آخره في بحر الاسكندرية في رأس أوثان، و غلب على جبل السوس، و اجتمع إليه خلق كثير من قبائل المصامدة بجبل درن، و قيل أنه وصل الى المهدية و أمر أهلها أن يبنوا قصرا على نية الفكرة، (158 ظ) و أن يعبدوا اللّه فيه بالفكرة، فاجتمع مشايخ أهل المهدية و فقهاؤها، و عزموا على بناء ما أمرهم به، و العبادة للّه تعالى فيه، فقام رجل من كبار الفقهاء، و قال: نقيم ما أقمنا بالمهدية، و يجيء إليكم رجل بربري مصمودي، يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون الى ما أمركم به، و تسارعون الى قبول ما ذكره لكم؟! و أنكر هذا الأمر إنكارا شديدا، حتى عادوا عنه، و أبطلوه، و اقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية، إذ لم يتم له فيها أمر،
ص: 455
و لا بلغ غرضا، و قصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية(1)
106 حيث جاء:« و لما وصل الى المهدية غير بها المنكر، فرفع أمره الى العزيز ابن الناصر علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس) فهم أن يأخذه فهرب الى بجاية، فبلغ خبره لابن حماد صاحبها، فاختفى و خرج منها».
في أيدي بني حماد من صنهاجة، و شرع في الانكار على أهله شرب الخمور، و جعل يكسر الأواني الى أن منع من شربها، و ساعده على ذلك ابن حماد(2)مقدم هذا البلد و حمل إليه مالا، فامتنع من أخذه، و تعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا، و التفقه و الورع، ثم خرج من هذا البلد و قصد مدينة أغمات، فأظهر فيها الزهد و تدريس الفقه، و صار معه من أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة، ثم ارتفع أمره، و ظهر شره، و اتصل خبره إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين(3)و ما هو عليه و ما يظهره و يطلقه من إباحة دمه و دم أصحابه، و أهل مملكته، فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته، و جمع له وجوه الفقهاء و المقدمين، إلى مجلس حفل و وقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف بأبي عبد اللّه محمد ابن مالك بن وهيب الأندلسي(4)، لمناظرته فناظره في هذا المحفل، فاستظهر عليه في المناظرة، و قهره و غلبه، فقال الخارجي السوسي المناظر له: انظرني، فأجابه إلى ما طلب، ثم قال لابن يوسف بن تاشفين، المقدم: ينبغي أن يأمر الأمير بحبس هذا المفتن ليكشف سره، و يحقق أمره، و يظهر لكافة المسلمين صحة خبره، فإنه لا يريد غير الدنيا و السلطنة و الفساد في الأرض، و قتل1) في الأصل: بجامه، و هي عبارة مصحفة صوابها ما أثبتناه، انظر الحلل الموشية:
2) في الأصل: ابن حمدون، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا و كان يحكم بجاية من آل حماد يحيى بن العزيز، انظر أخبار المهدي بن تومرت للبيذق صاحب المهدي ط. الرباط 1971. ص: 13. أعمال الأعلام للسان الدين بن الخطيب ط. الدار البيضاء 1964: 3/ 99.
3) علي بن يوسف بن تاشفين. الحلل الموشية: 97- 102.
4) مالك بن وهيب الاشبيلي، كان فقيها فيلسوفا، ذكره صاحب المعجب: 184- 186. ط. القاهرة 1949. أخبار المهدي: 27. الحلل الموشية: 100.
ص: 456
النفوس، فما حفل بكلامه، و لا أصغى إلى إشارته، و تغافل عنه للأمر المقضي، و أعان هذا الخارجي قوم من المقدمين على مرامه و حامى عنه(1).
ثم عاد إلى السوس إلى جبل درن، و كان يقول للناس: كلما قربتم من المرابطين و ملتم إليهم، كانوا مطاياكم إلى الجنة، لأنهم حماة الدين و الذابّون عن المسلمين، ثم حمل المرابطين و الملثمين، و قد مال معه منهم الخلق الكثير و الجم الغفير على محاربة الأمير علي بن يوسف بن تاشفين(2)و جمع عليه و حشد، و قويت نفسه (159 و) و نفوس من معه على اللقاء، و معهم أصحاب القوة و البسالة، و شدة البأس و الشجاعة و نشبت الحرب بين الفريقين، و أريقت الدماء بين الجهتين، و لم تزل رحى الحرب دائرة بينهم الى أن كان بينهم في عدة سنين متوالية أربعة مصافات هائلة منكرة، قتل فيها من الفريقين ما قدر و حزر تقدير مائتي ألف نفس، و لم تزل الحرب على هذه القضية الشنيعة، و الصفة الفظيعة الى أن أهلكه اللّه تعالى بمدينة درن في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة(3)
117.
، و خلف جماعة من تلامذته و أصحابه، سلكوا سبيله، و بنوا على بنائه، و سلكوا مذهبه في الفساد، و تولد بينهم مذهب سموه «تكفير الذنب»(4)، هذا ما أورده و حكاه و شاهده، و استقصاه الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن عبد الجبار الصقلي بإملائه من لسانه.1) ممن دافع عنه القائدان ينتان بن عمر، و سير بن وربيل. أخبار المهدي: 28.
2) كذا و هو وهم، فالمهدي حارب المرابطين و الملثمين و أميرهم علي بن يوسف، حاربهم بمصمودة و سواها من القبائل. انظر المصادر المذكورة أعلاه.
3) كذا و هو و هم، فقد توفي المهدي في تينملل في جبل درن« يوم الاثنين الرابع عشر لشهر رمضان المعظم من عام أربعة و عشرين و خمسمائة». الحلل الموشية:
4) يبدو أن المقصود بهذا ما يعرف في المصادر المغربية و الأندلسية باسم« التمييز» حيث كانت تجري مذابح كبيرة جدا.
ص: 457
ثم تناصرت الأخبار بعد ذلك من ناحية المغرب، بظهور أحد تلامذة المذكور يعرف بالفقيه عبد المؤمن، فلقب بالمهدي، أمير المؤمنين و خليفة المهدي إلى سبيل الموحدين(1)، و اجتمع اليه مع من كان في حزبه من طوائف السوس، و البربر، و المصامدة، و المرابطين، و الملثمين ما لا يحصى له عدد، و لا يدركه أمر، و شرع في سفك الدماء، و افتتاح البلاد المغربية بالسيف و القتل لمن بها من الرجال و الحرم و الأطفال، ما شاعت به الأخبار و انتشر ذكره في سائر الأقطار، و وردت مكاتبات السفار و التجار، و من جملتها كتاب وقفت عليه من هذا الخارجي ما نسخة عنوانه:
من أمير المؤمنين، و خليفة المهدي إلى سبيل الموحدين إلى أهلية(2)
« من أمير المؤمنين، أيده اللّه بنصره، و أمده بمعونته الى ...» هذا و لم أجد الرسالة التي أوردها ابن القلانسي في هذا المجموع.
.بسم اللّه الرحمن و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله الطاهرين.
أما بعد: يا عضد الفجار، و عناد الفساق الأشرار، فقد كاتبناكم بالبنان، و خاطبناكم بالبيان، حتى سار كالبدر، و استمر مرور الدهر، فلم تجيبوا، و لا أطعتم، بل تثاقلتم عن الحق، و عصيتم، و إن اللّه سينتقم منكم لأوليائه نقمة من كان قبلكم من الأمم الجاحدة، و الفرق المعاندة، فانتظروا سيف الدم ينهلكم، و حجارة المدر تدمغكم، ثم لا يكون لكم استرجاع، و لا يقبل فيكم استشفاع، و هذه خيل اللّه قد أظلتكم و بلها، و طمى عليكم سيلها، فتأهبوا للموت، و السلام على من اتبع (159) الهدي هداه، و لم يغلب عليه هواه و رحمة اللّه و بركاته.
ص: 458
في صفر منها عاد الحاجب محمود الكاتب من بغداد، بجواب ما صدر على يده من المكاتبات المعينة، و معه رسولا للخليفة و السلطان و على أيديهما التشريف برسم ظهير الدين و معينه، و لبساه و ظهرا فيه في يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر، و أقاما أياما، و عادا بجواب ما وصل معهما.
و ورد الخبر عقيب ذلك من بغداد بأن السلطان كان قد توجه منها بعد قتل الأمير عباس، في العسكر الى ناحية همذان، عند انتهاء الأخبار إليه بأن الأمير (ابن) عباس، و عسكره قد انضاف إلى الأمير بوزبه، و صارا يدا واحدة، في خلق عظيم، و قصدا ناحية أصفهان، و نزلا عليها و ضايقاها الى أن أسلمت الى بوزبه بأسباب اقتضت ذلك، و لما حصل السلطان بظاهر همذان تواصلت العساكر من كل جهة إليه، و صار في خلق كثير.
و وردت الأخبار إلى بغداد بأن السلطان لما كثف جمعه، و قويت نفسه، و قصد المذكورين، و قصدوه، و ترتب المصاف بينهم، و التقى المصافان، و منح اللّه السلطان النصر عليهم، و كسرهم، و قتل بوزبه و ابن عباس، و استولى عسكر السلطان على الفل و السواد. و حكى الحاكي المشاهدة لهذه الوقعة في كتابه بشرحها، ما ذكر فيه أن مبدأ الفتح أن السلطان كان في مخيمه بباب همذان في تقدير ثلاثة آلاف فارس، و بوزبه في عسكره على باب أصفهان في خلق عظيم، و أن بوزبه لما عرف ذلك طمع فيه و نهض في عسكره إليه و قطع مسافة ثلاثين فرسخا في يوم و ليلة و وصل إلى قراتكين(1)و قد كلّت الخيل و نزل هناك، فلما عرف السلطان ذلك التجأ إلى بساتين همذان، و جعلها
1) في الأصل مكر بايكان و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و هو موقع على مرحلة من همذان، انظر راحة الصدور: 348- 350. تاريخ دولة آل سلجوق:
ص: 459
ظهره مع جبلين هناك، و وصل إليه الأمير جندار صاحب أذربيجان(1)في ألف فارس، و وصله الأمير ايلدكز(2)في خمسة آلاف فارس، و وصله خاصبك بلنكري(3)في إثني عشر ألفا، قويت بهم شوكته، و نهض إلى جهة بوزبه عند ذلك، و عبأ كل فريق منهما مصافه في يوم السبت من شهر(4)... منذ غداته إلى وقت العصر منه، و كسرت الميمنة السلطانية، و فيها الأمير(5)جندار (160 و) و الميسرة فيها الأمير تبر، و بقي السلطان في القلب، و عرف أن بوزبه يقصده، فقال للأمير جندار: أنا المطلوب أقم أنت مكاني تحت الشمسة، فإن بوزبه يطلبها لقصدي، ففعل و نهض السلطان في جملة وافرة من العسكر، و جاء من وراء عسكر بوزبه، و حمل بوزبه و قصد مكان السلطان تحت الشمسة، فلما قرب بوزبه في حملته من الشمسة كبابه جواده، و سقط إلى الأرض، فانفل عسكره، و أدركته الخيل، فأخذ هو و خواصه و ابن عباس، و وزير بوزبه يقال له صدر الدين بن الخوجندي و كان قد أعان بوزبه على تسلم أصفهان، فجازاه على ذلك باستيزاره(6)
ط. بيروت: 4/ 80، و نقل أنه« كان إماما فاضلا مناظرا، فحلا واعظا، مليح الوعظ، سخي النفس جوادا ... و كان بالوزراء أشبه من العلماء ...
و كان لرياسته يمشي و حوله السيوف».
.و في يوم الخميس الحادي و العشرين من شهر ربيع الآخر، وصل رسول مصر إلى دمشق بما صحبه من تشريف وقود و مال برسم ظهير الدين و معينه، على جاري الرسم في مثل ذلك.
1) في الأصل:« حيدر صاحب زنكان» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر المذكورة سابقا.
2) في الأصل« أكز» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر السابقة.
3) في الأصل:« بلنكي» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا. انظر المصادر السابقة.
4) لم أعثر في المصادر على من حدد شهر المعركة، الذي جاء فراغا بالأصل.
5) هو جاولي بك الجندار صاحب أذربيجان.
6) صدر الدين بن الخجندي هو محمد بن عبد اللطيف، كان من كبار علماء الشافعية، توفي سنة 552 ه، ترجم له السبكي في طبقات الشافعية الكبرى.
ص: 460
و في ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الفقيه شيخ الاسلام أبو الفتح، نصر اللّه بن محمد بن عبد القوي المصيصي، بدمشق رحمه اللّه، و كان بقية الفقهاء المقيمين على مذهب الشافعي رحمه اللّه و لم يخلف مثله بعده(1)
و بالأنبار ... ثم سكن دمشق و درس بالزاوية الغربية و هي الغزالية ...
و به كثرت أوقافها، لأن كثيرا من الناس وقفوا بعده عليها، و منهم من وقف عليها ابتداء بواسطته، و هو أيضا وقف شيئا جيدا».
.و في جمادى الآخرة منها، تقررت ولاية حصن صرخد للأمير مجاهد الدين بزان بن مامين، على مبلغ من المال و الغلة، و شروط و أيمان دخل فيها، و قام بها، و توجه اليه، و حصل به في النصف من الشهر المذكور، و استبشر من بتلك الناحية من حصوله فيه، لما هو عليه من حب الخير و الصلاح و التدين و العفاف، عقيب من كان قبله، ممن لا يدين للّه بدين و لا صلاة، و لا إنصاف و لا نزاهة نفس، و لا جميل فعل.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بأن رضوان بن ولخشي، المنعوت كان بالأفضل، وزير صاحب مصر، الذي كان معتقلا بالقصر، و قد تقدم ذكره فيما مضى، نقب من المكان الذي كان فيه الى مكان ظاهر القصر، نقبا يكون تقدير طوله أربعون ذراعا، و اجتمع إليه خلق كثير من العسكرية، ممن كان يهواه، و يتولاه في العشر الأخير من ذي القعدة سنة اثنتين و أربعين و أنه راسل سلطان مصر يلتمس منه إعادته الى منصبه و إخراج المال لينفق على العسكرية و الأجناد، فعاد الجواب إليه بالوعد (160 ظ) بالإجابة على سبيل المغالطة و المدافعة، الى حين دبّر الأمر عليه، و رتب له من الرجال الأجلاد
1) ترجم له السبكي في الطبقات الكبرى: 4/ 319 و قال عنه:« الشيخ أبو الفتح المصيصي ثم اللاذقي ثم الدمشقي، الامام فقها و أصولا و كلاما، مولده سنة ثمان و أربعين و أربعمائة و نشأ بصور و سمع بها ... و بدمشق ... و ببغداد.
ص: 461
و أبطال الأجناد و الأنجاد من هجم عليه في مكانه، و مجتمع أعوانه، فقتل و قتل معه من دنا منه و تابعه، و ورد بشرح قصته السجل من سلطان مصر إلى ثغر عسقلان، و قرىء على منبرها و مضمونه: بسم اللّه الرحمن الرحيم(1)...
و في يوم الخميس الحادي و العشرين من شوال سنة اثنتين و أربعين، و هو مستهل نيسان، أظلم الجو، و نزل غيث ساكن، ثم أظلمت الأرض في وقت صلاة العصر ظلاما شديدا، بحيث كان ذلك كالغدرة بين العشائين، و بقيت السماء في عين الناظر إليها كصفورة الورس، و كذلك الجبال و أشجار الغوطة، و كل ما ينظر إليه من حيوان و جماد و نبات، ثم جاء في إثر ذلك من الرعد القاصف و البرق الخاطف، و الهدات المزعجة و الزحفات المفزعة ما ارتاع لها الشيب و الشبان، فكيف الولدان و النسوان، و قلقت لذلك الخيول في مرابطها، و أجفلت من هولها، و بقي الأمر على هذه الحال إلى حين وقت العشاء الآخرة، ثم سكن ذلك بقدرة اللّه تعالى، و أصبح الناس غد ذلك اليوم ينظرون في أعقاب ذلك المطر، فإذا على الأرض و الأشجار و سائر النبات غبار في رقة الهواء، بين البياض و الغبرة بحيث يكون إذا جرد عنها الشيء الكثير، و يلوح فيه بريق لا يدرى ما لونه و لا جسمه من نعومته، فعجب الناس من هذه القدرة التي لا يعلم ما أصلها، و لا شبيه لها، بل نزلت في جملة المطر، ممتزجة به كامتزاج الماء بالماء، و الهواء بالهواء.
و في هذه السنة تواصلت الأخبار من ناحية القسطنطينية، و بلاد الافرنج و الروم و ما والاها، بظهور ملوك الأفرنج من بلادهم منهم ألمان و الفنش، و جماعة من كبارهم في العدد الذي لا يحصر، و العدد التي لا تحرز، لقصد بلاد الاسلام، بعد أن نادوا في سائر بلادهم و معاقلهم بالنفير إليها، و الاسراع
1) لم يثبت نص السجل، و تحدث المقريزي عن مقتل رضوان بالتفصيل، و لم يذكر نص السجل المشار إليه. اتعاظ الحنفا: 3/ 182- 184.
ص: 462
نحوها، و تخلية بلادهم و أعمالهم خالية، سافرة من حماتها، و الحفظة لها، و استصبحوا من أموالهم و ذخائرهم و عددهم الشيء الكثير، الذي لا يحصى، بحيث يقال ان عدتهم ألف ألف عنان، من الرجالة و الفرسان، و قيل أكثر (161 و) من ذلك و غلبوا، على أعمال القسطنطينية، و احتاج ملكها إلى الدخول في مداراتهم، و مسالمتهم، و النزول على أحكامهم، و حين شاع خبرهم، و اشتهر أمرهم، شرعت ولاة الأعمال المصاقبة لهم، و الأطراف الاسلامية القريبة منهم، في التأهب للمدافعة لهم، و الاحتشاد على المجاهدة فيهم، و قصدوا منافذهم، و دروب معابرهم التي تمنعهم من العبور و النفوذ إلى بلاد الاسلام و واصلوا شن الغارات على أطرافهم، و اشتجر القتل فيهم، و الفتك بهم، الى أن هلك منهم العدد الكثير، و حل بهم من عدم القوت و العلوفات و المير و غلاء السعر إذا وجد، ما أفنى الكثير منهم بموت الجوع و المرض، و لم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم، و فناء أعدادهم الى أواخر سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة بحيث سكنت النفوس بعض السكون، و ركنت إلى فساد أحوالهم بعض الركون، و خف ما كان من الانزعاج، و الفرق مع تواصل أخبارهم(1).
و أولها يوم الجمعة الحادي و عشرين من أيار، و الشمس في الجوزاء، و في أوائلها تواترت الأخبار من سائر الجهات بوصول مراكب الأفرنج، المقدم ذكرهم إلى ساحل البحر، و حصولهم على سواحل الثغور الساحلية صور و عكا
1) الحديث هنا عن الحملة الصليبية الثانية، و قد ترجمت بعض المواد الوثائقية اللاتينية حولها هي في طريقها الى النشر. و كان أبرز قادة هذه الحملة كونراد امبراطور ألمانيا و لويس ملك فرنسا، و في تاريخ وليم الصوري وصف مفصل لحصار دمشق 2/ 187- 196، و سأثبت مواد وليم هذه في كتابي المعد عن الحملتين الأولى و الثانية.
ص: 463
و اجتماعهم مع من كان بها من الأفرنج، و يقال أنهم بعد ما فني منهم بالقتل و المرض و الجوع تقدير مائة ألف عنان، قصدوا بيت المقدس، و قضوا مفروض حجهم، و عاد بعد ذلك من عاد إلى بلادهم، في البحر، و قد هلك منهم بالموت و المرض الخلق العظيم، و هلك من ملوكهم من هلك، و بقي ألمان أكبر ملوكهم، و من هو دونه، و اختلفت الآراء بينهم فيما يقصدون منازلته من البلاد الإسلامية، و الأعمال الشامية إلى أن استقرت الحال بينهم على منازلة مدينة دمشق، و حدثتهم نفوسهم الخبيثة بملكتها، و تبايعوا ضياعها و جهاتها، و تواصلت الأخبار بذلك، و شرع متولي أمرها الأمير معين الدين أنر في التأهب و الاستعداد لحربهم، و دفع شرهم، و تحصين ما يخشى من الجهات، و ترتيب الرجال في المسالك و المنافذ، و قطع مجاري المياه (161 ظ) إلى منازلهم و طم الآبار، و عفي المناهل، و صرفوا أعنتهم الى ناحية دمشق في حشدهم و حدهم و حديدهم، في الخلق الكثير على ما يقال، تقدير الخمسين ألف من الخيل و الرجل، و معهم من السواد و الجمال و الابقار ما كثروا به العدد الكثير، و دنوا من البلد، و قصدوا المنزل المعروف بمنازل العساكر(1)فصادفوا الماء معدوما فيه، مقطوعا عنه، فقصدوا ناحية المزة، فخيموا عليها لقربها من الماء، و زحفوا إليه بخيلهم و رجلهم، و وقف المسلمون بإزائهم في يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين، و نشبت الحرب بين الفريقين، و اجتمع عليهم من الأجناد و الأتراك الفتاك، و أحداث البلد و المطوعة و الغزاة الجم الغفير و اشتجر القتل بينهم، و استظهر الكفار على المسلمين بكثرة الأعداد و العدد، و غلبوا على الماء، و انتشروا في البساتين، و خيموا فيها، و قربوا من البلد، و حصلوا منه بمكان لم يتمكن أحد من العساكر قديما و لا حديثا منه،
1) يقول وليم الصوري: 2/ 187 بأنهم عسكروا أولا قرب داريا.
ص: 464
و استشهد في هذا اليوم الفقيه الامام يوسف الفندلاوي المالكي(1)
قدم الشام، و سكن بانياس مدة، و انتقل الى دمشق، فاستوطنها، و درس بها بمذهب مالك، و حدث بالموطأ و غيره ... و كان شيخا حسن المفاكهة، حلو المناظرة ... كريم النفس، مطرحا للتكلف، قوي القلب، صاحب كرامات».
مرآة الزمان: 1/ 200.
رحمه اللّه، قريب الربوة على الماء، لوقوفه في وجوههم، و ترك الرجوع عنهم، اتباعا لأوامر اللّه تعالى في كتابه الكريم، و كذلك عبد الرحمن الحلحولي الزاهد رحمه اللّه جرى أمره هذا المجرى.و شرعوا في قطع الأشجار و التحصين بها، و هدم الحظائر(2)و باتوا تلك الليلة على هذه الحال، و قد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه، و الروع بما عاينوه، ما ضعفت به القلوب، و حرجت معه الصدور، و باكروا إليهم في غد ذلك اليوم، و هو يوم الأحد تاليه، و زحفوا إليهم، و وقع الطراد بينهم، و استظهر المسلمون عليهم، و أكثروا القتل و الجراح فيهم، و أبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسنا، و ظهر من شجاعته و صبره و بسالته ما لم يشاهد في غيره، بحيث لا يني في ذيادتهم و لا ينثني عن جهادهم، و لم تزل رحى الحرب دائرة بينهم، و خيل الكفار محجمة عن الحملة المعروفة لهم، إلى أن تتهيأ الفرصة لهم الى أن مالت الشمس إلى الغروب، و أقبل الليل، و طلبت النفوس الراحة، و عاد كل منهم الى مكانه، و بات الجند (162 و) بازائهم، و أهل البلد على أسوارهم للحرس و الاحتياط، و هم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم.
و كانت المكاتبات قد نفذت الى ولاة الأطراف، بالاستصراخ و الاستنجاد، و جعلت خيل التركمان تتواصل، و رجاله الأطراف تتابع، و باكرهم المسلمون،
ص: 465
و قد قويت نفوسهم، و زال روعهم، و ثبتوا بإزائهم، و أطلقوا فيهم السهام، و نبل الجرخ(1)
1/ 182، و نتع الدم خرج من الجرح. القاموس.
بحيث تنتع في مخيمهم في راجل، أو فارس، أو فرس، أو جمل.و وصل في هذا اليوم من ناحية البقاع و غيرها، رجالة كثيرة من الرماة، فزادت بهم العدة، و تضاعفت العدة، و انفصل كل فريق الى مستقره هذا اليوم و باكروهم من غده يوم الثلاثاء كالبزاة الى يعاقيب(2)الجبل، و الشواهين الى مطار الحجل، و أحاطوا بهم في مخيمهم، و حول مجثمهم، و قد تحصنوا بأشجار الزيتون، و أفسدوها رشقا بالنشاب، و حذفا بالأحجار، و قد أحجموا عن البروز، و خافوا و فشلوا، و لم يظهر منهم أحد، و ظن بهم أنهم يعملون مكيدة، و يدبرون حيلة، و لم يظهر منهم إلا النفر اليسير من الخيل و الرجل على سبيل المطاردة و المناوشة، خوفا من المهاجنة، الى أن يجدوا لحملتهم مجالا، أو يجدون الغرة احتيالا، و ليس يدنو منهم أحد إلا صرع برشقة أو طعنة، و طمع فيهم نفر كثير من رجاله الأحداث و الضياع، و جعلوا يرصدونهم في المسالك و قد أينوا(3)فيقتلون من ظفروا به، و يحضرون رؤوسهم لطلب الجوائز عنها، و حصل من رؤوسهم العدد الكثير.
و تواترت إليهم أخبار العساكر الاسلامية، بالخفوف الى جهادهم، و المسارعة الى استئصالهم، فأيقنوا بالهلاك و البوار، و حلول الدمار، و أعملوا الآراء بينهم، فلم يجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة التي حصلوا فيها، و الهوة التي ألقوا بنفوسهم إليها، غير الرحيل سحر يوم الأربعاء التالي مجفلين،
ص: 466
و الهرب مخذولين مفلولين(1)
و فتح المسلمون الأبواب، و استسلموا للموت، و غاروا للاسلام، و حملوا حملة رجل واحد، و كان يوما لم ير في الجاهلية و الاسلام مثله، و قصد واحد من أحداث دمشق القسيس، و هو في أول القوم، فضربه فأبان رأسه، و قتل حماره، و حمل الباقون، فانهزم الفرنج، و قتلوا منهم عشرة آلاف، و أحرقوا الصلبان و الخيالة بالنفط، و تبعوهم الى الخيام، و حال بينهم الليل، فأصبحوا قد رحلوا، و لم يبق لهم أثر». مرآة الزمان: 198- 199.
، و حين عرف المسلمون ذلك، و بانت لهم آثارهم في الرحيل، برزوا لهم في بكرة هذا اليوم، و سارعوا نحوهم في آثارهم بالسهام، بحيث قتلوا في أعقابهم من الرجال و الخيول و الدواب العدد الكثير، و وجد في آثار منازلهم و طرقاتهم من دفائن قتلاهم، و فاخر خيولهم ما لا (162 ظ) عدد له و لا حصر يلحقه، بحيث لها أرائح من جيفهم، تكاد تصرع الطيور في الجو، و كانوا قد أحرقوا الربوة و القبة الممدودة في تلك الليلة، و استبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها اللّه عليهم، و أكثروا من الشكر له تعالى ما أولاهم من إجابة دعائهم، الذي واصلوه في أيام هذه الشدة، فلله على ذلك الحمد و الشكر.و اتفق عقيب هذه الرحمة، اجتماع معين الدين مع نور الدين صاحب حلب، عند قربه من دمشق للانجاد لها في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة،
1) وصف سبط ابن الجوزي أحوال دمشق أواخر أيام الحصار بقوله:« و لما ضاق بأهل دمشق الحال أخرجوا الصدقات بالأموال على قدر أحوالهم، و اجتمع الناس في الجامع مع الرجال و النساء و الصبيان، و نشروا مصحف عثمان، و حثوا الرماد على رؤوسهم، و بكوا و تضرعوا، فاستجاب اللّه لهم، فكان للفرنج قسيس كبير، طويل اللحية، يقتدون به، فأصبح في اليوم العاشر من نزولهم على دمشق، فركب حماره، و علق في عنقه صليبا، و جعل في يديه صليبين، و علق في عنق حماره صليبا، و جمع بين يديه الأناجيل و الصلبان، و الكتب، و الخيالة و الرجالة، و لم يتخلف من الفرنجية أحد إلا من يحفظ الخيام، و قال لهم القيسيس: قد وعدني المسيح أنني أفتح اليوم.
ص: 467
و أنهما قصدا الحصن المجاور لطرابلس المعروف (بالعريمة)(1)
2/ 197. و كتاب« الصليبيون في المشرق» تأليف ستيفنسون. ط. بيروت 1968( بالانكليزية) ص: 164- 165.
و فيه ولد الملك ألفنش أحد ملوك الأفرنج المقدم ذكرهم، كان هلك بناحية عكا، و معه والدته، و جماعة وافرة من خواصه و أبطاله، و وجوه رجاله، فأحاطوا به، و هجموا عليه، و قد كان وصل إلى العسكرين النوري و المعيني فرقة تناهز الألف فارس، من عسكر سيف الدين غازي بن أتابك، و نشبت الحرب بينهم فقتل أكثر من كان فيه، و أسر، و أخذ ولد الملك المذكور و أمه، و نهب ما فيه من العدد و الخيول و الأثاث، و عاد عسكر سيف الدين(2)« و كان معين أنر كاتب سيف الدولة غازي صاحب الموصل قبل نزول الفرنج على دمشق، يستصرخ به و يخبره بشدة بأس الفرنج، و يقول: أدركنا، فسار سيف الدين في عشرين ألف فارس، فنزل بجوار بحيرة حمص».
إلى مخيمه بحمص، و نور الدين عائدا إلى حلب و معه ولد الملك و أمه و من أسر معهما و انكفأ معين الدين الى دمشق.و قد كان ورد إلى دمشق الشريف الأمير شمس الدين، ناصح الاسلام، أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عبيد اللّه الحسيني النقيب، من ناحية سيف الدين غازي بن أتابك، لأنه كان قد ندب رسولا من الخلافة إلى سائر الولاة، و طوائف التركمان لبعثهم على نصرة المسلمين، و مجاهدة المشركين، و كان ذلك السبب في خوف الأفرنج من تواصل الإمداد إليهم، و الاجتماع عليهم
1) فراغ بالأصل، استدرك من الكامل لابن الأثير: 9/ 21. و العريمة كانت احدى قلاع الساحل السوري تربض فوق جرف يتاخم السهل العريض الذي يجتازه النهير الكبير، و تتحكم بمدخل وادي الأبرش. القلاع أيام الحروب الصليبية: 65. و تمت الحملة ضد العريمة بناء على اقتراح من ريموند الثاني صاحب طرابلس نظرا لاحتلال العريمة من قبل أرملة ألفونسو صاحب تولوز و ابنه، و كان هذا الابن حفيدا لريموند صاحب تولوز و لهذا ادعى الحق ليس في ملك العريمة فحسب بل في عرش طرابلس. انظر وليم الصوري:
2) ذكر سبط ابن الجوزي أثناء حديثه عن حصار دمشق: 2/ 197- 198:
ص: 468
و رحيلهم على القضية المشروحة، و هذا الشريف المذكور من بيت كبير في الشرف و الفضل و الأدب، و أخوه ضياء الدين نقيب الأشراف في الموصل، مشهور بالعلم و الأدب و الفهم، و كذا ابن عمه الشريف نقيب العلويين ببغداد، و ابن عمه نقيب خراسان، و أقام بدمشق ما أقام، و ظهر من حسن تأتيه في مقاصده، و سداده في مصادره و موارده، ما أحرز به جميل الذكر، و وافر الشكر، و عاد منكفئا إلى بغداد بجواب ما وصل (163 و) فيه يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة ثلاث و أربعين.
و في رجب في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أتابك، أمر بابطال «حي على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة، و التظاهر بسب الصحابة رضي اللّه عنهم، و أنكر ذلك إنكارا شديدا، و حظر المعاودة الى شيء من هذا المنكر، و ساعده على ذلك الفقيه الإمام برهان أبو الحسن علي الحنفي و جماعة من السنة بحلب، و عظم هذا الأمر على الإسماعيلية، و أهل الشيع، و ضاقت له صدورهم، و هاجوا له و ماجوا، ثم سكنوا، و أحجموا بالخوف من السطوة النورية المشهورة، و الهيبة المحذورة(1).
و في رجب من هذه السنة أذن لمن يتعاطى الوعظ بالتكلم في الجامع المعمور بدمشق، على جاري العادة و الرسم، فبدا من اختلافهم في أحوالهم و أغراضهم، و الخوض فيما لا حاجة إليه من المذاهب، ما أوجب صرفهم عن هذه الحال، و إبطال الوعظ لما يتوجه معه من الفساد، و طمع سفهاء الأوغاد، و ذلك في أواخر شعبان منها.
و في جمادى الآخرة منها، وردت الأخبار من بغداد باضطراب الأحوال فيها، و ظهور العيث و الفساد في نواحيها و ضواحيها، و أن الأمير بوزبه،
1) انظر تفاصيل أوسع في زبدة الحلب: 32/ 29- 296.
ص: 469
و الأمير قيس، و الأمير علي بن دبيس بن صدقة اجتمعوا، و توافقوا في تقدير خمسة آلاف فارس، و وصلوا إلى بغداد على حين غفلة من أهلها، و هجموها و حصلوا بدار السلطان، و تناهوا في الفساد و العناد، بحيث وقعت الحرب بينهم، و قتل من النظار و غيرهم نحو خمسمائة إنسان في الطرقات، و أن أمير المؤمنين المقتفي لأمر اللّه، رتب الأجناد و العسكرية بإزائهم، بحيث هزموهم و أخرجوهم من بغداد، و طلبوا ناحية النهروان، و تناهوا في العيث و الإفساد في الأعمال و الاستيلاء على الغلال، و خرج أمر الخلافة بالشروع في عمارة سور بغداد، و حفر الخنادق، و تحصينها، و إلزام الأماثل و التناء و التجار و أعيان الرعايا القيام بما ينفق على العمارات من أموالهم، على سبيل القرض و المعونة، و لحق الناس من ذلك المشقة و الكلفة المؤلمة(1).
و ذكر أن السلطان ركن الدين مسعود مقيم بهمذان، و أن أمره قد ضعف عما كان، و الأقوات قد قلّت، و السعر قد غلا، و الفتن (163 ظ) قد ثارت، و الفساد في الأعمال قد انتشر، و أن العدوان في أعمال خراسان قد زاد، و ظهر، و الفناء قد كثر.
و في هذه السنة وردت الأخبار من ديار مصر، بظهور بعض أولاد نزار، و اجتمع إليه خلق كثير من المغاربة و كتامة و غيرهم، و قربوا من الإسكندرية في عالم عظيم، و أن إمام مصر الحافظ أنهض إليهم العساكر المصرية، و نشبت الحرب بينهم، و قتل من الفريقين العدد الكثير من الفرسان و الرجالة، و كان الظهور لعساكر الحافظية على النزارية، بحيث هزموهم، و أثخنوا القتل فيهم، و أجلت الوقعة عن قتل ولد نزار المقدم، و معه جماعة من خواصه و أسبابه، و انهزم من ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، و خمدت عقيب هذه النوبة
1) لمزيد من التفاصيل انظر المنتظم: 10/ 137- 138.
ص: 470
النائرة، و زالت تلك الفتنة الثائرة، و سكنت النفوس، و زال عن مصر الخوف و البؤس(1).
و وردت الأخبار في رجب منها من ناحية حلب، بأن نور الدين صاحبها، كان قد توجه في عسكره الى ناحية الأعمال الافرنجية، و ظفر بعدة وافرة من الأفرنج، و أن صاحب أنطاكية جمع الافرنج، و قصده على حين غفلة منه، فنال من عسكره و أثقاله و كراعه ما أوجبته الأقدار النازلة، و انهزم بنفسه و عسكره، و عاد الى حلب سالما في عسكره لم يفقد منه إلا النفر اليسير بعد قتل جماعة وافرة من الأفرنج، و أقام بحلب أياما(2)
بيروت 1971: 130. الروضتين. ط. مصورة بيروت: 1/ 55.
، بحيث جدد ما ذهب له من اليزك(3)، و ما يحتاج إليه من آلات العسكر، و عاد إلى منزله، و قيل لم يعد.و كان الغيث أمسك عن الأعمال الحورانية و الغوطية و البقاعية، بحيث امتنع الناس من الفلاحة الزراعية و قنطوا و يئسوا من نزول الغيث، فلما كان في أيام من شعبان في نوء الهنعة(4)أرسل اللّه تعالى، و له الحمد و الشكر، على الأعمال من الأمطار المتداركة ما رويت به الأراضي و الآكام و الوهاد، و انشرحت الصدور، و لحقوا معه أوان الزراعة، فاستكثروا منها، و زادوا في الفلاحة، و العمارة و ذلك في شعبان.
و قد كان تقدم من شرح نوبة قتل برق بن جندل التيمي بيد الاسماعيلية
1) في اتعاظ الحنفا: 3/ 186« و عقدوا لرجل قدم من المغرب، و ادعى أنه ولد نزار بن المستنصر، إنما لا تبيان لاسمه».
2) انظر الخبر مفصلا في الكواكب الدرية في السيرة النوية لابن قاضي شبهه. ط.
3) في الأصل:« البرك» و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا، و اليزك نوع من الحرس الطليعي للجيش. انظر المادة في معجم دوزي.
4) النوء: النجم مال للغروب، و الهنعة منكب الجوزاء الأيسر و هي خمسة أنجم مصطفة ينزلها القمر. القاموس المحيط.
ص: 471
و جمع أخيه ضحاك بن جندل لبني عمه و أسرته و قومه و رجاله، و كبسه لجماعة خصومه و قتلهم مع رأس طغيانهم، (164 و) بهرام الداعي، ما قد شرح في موضعه من هذا التاريخ، و عرف، و ورد الخبر في شعبان من هذه السنة بأن المذكورين ندبوا لقتل ضحاك المذكور، رجلين أحدهما قواسا، و الآخر نشابيا، فوصلا إليه و تقربا بصنعتهما إليه، و أقاما عنده برهة من الزمان طويلة الى أن وجدوا فيه الفرصة متسهلة، و ذاك أن ضحاك بن جندل كان راكبا مسيرا حول ضيعة له، تعرف ببيت لهيا من وادي التيم، فلما عاد منها، وافق اجتيازه بمنزل هذين المفسدين، فلقياه و سألاه النزول عندهما للراحة، و ألحا عليه في السؤال، فنزل و القدر منازله، و البلاء معادله، فلما جلس أتياه بمأكول حضرهما، فحين شرع في الأكل مع الخلوة، و ثبا عليه فقتلاه، و أجفلا فأدركهما رجاله، فأخذوهما و أتوا بهما الى ضحاك و قد بقي فيه رمق، فلما رآهما أمر بقتلهما، بحيث شاهدهما ثم فاظت نفسه في الحال، و قام مقامه ولده من إمارة وادي التيم، و بهذا الشرح وصل كتابه، و على هيئته أوردته.
و في ذي الحجة ورد الخبر من ناحية بغداد بوفاة القاضي، قاضي القضاة الأكمل فخر الدين عز الاسلام أبي القاسم علي بن الحسين بن محمد الزينبي رحمه اللّه، بيوم النحر من سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و صلى عليه الامام المقتفي لأمر اللّه أمير المؤمنين، و صلى عليه بعده نقيب النقباء، و دفن على والده نور الهدى في تربة الامام أبي حنيفة، رحمه اللّه، و ولي أمر القضاء بعده القاضي أبو الحسن علي بن الدامغاني.
و أولها يوم الأربعاء الحادي عشر من أيار، قد كان كثر فساد الأفرنج المقيمين بصور و عكا و الثغور الساحلية، بعد رحيلهم عن دمشق، و فساد شرائط الهدنة المستقرة بين معين الدين و بينهم، بحيث شرعوا في الفساد في
ص: 472
الأعمال الدمشقية، فاقتضت الحال نهوض الأمير معين الدين في العسكر الدمشقي الى أعمالها، مغيرا عليها و عائثا فيها، و خيم في ناحية حوران بالعسكر، و كاتب العرب في أواخر سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و لم يزل مواصلا للغارات و شنها على (164 ظ) بلادهم و أطرافهم مع الأيام و تقضيها، و الساعات و تصرمها، و استدعى جماعة وافرة من التركمان، و أطلق أيديهم في نهب أعمالهم، و الفتك بمن يظفر به في أطرافهم: الحرامية، و أهل الفساد، و الاخراب، و لم يزل على هذه القضية لهم محاصرا، و على النكاية فيهم و المضايقة لهم مصابرا، الى أن ألجأهم الى طلب المصالحة، و تجديد عقد المهادنة، و المسامحة ببعض المقاطعة، و ترددت المراسلات في تقرير هذا الأمر، و إحكام مشروطه و أخذ الأيمان بالوفاء بشروطه في المحرم سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و تقررت حال الموادعة مدة سنتين و وقعت الأيمان على ذلك، و زال الخلف، و اطمأنت النفوس من أهل العملين بذلك، و سكنت الى تمامه، و سرت بأحكامه.
و وافق ذلك تواصل كتب نور الدين صاحب حلب الى معين الدين، يعلمه أن صاحب أنطاكية جمع أفرنج بلاده، و ظهر يطلب بهم الافساد في الأعمال الحلبية، و أنه قد برز في عسكره الى ظاهر حلب للقائه، و كف شره عن الأعمال، و أن الحاجة ماسة الى معاضدته بمسيره بنفسه و عسكره إليه، ليتفقا بالعسكرين عليه، فاقتضت الحال أن ندب الأمير معين الدين، الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين، في فريق وافر من العسكر الدمشقي، للمصير الى جهته، و بذل المجهود في طاعته و مناصحته، و توجه في يوم (السبت)(1)من العشر الأول من صفر من السنة، و بقي معين الدين في باقي العسكر بناحية
1) فراغ في الأصل، و السبت يقابل العاشر من صفر، ذلك أن ابن القلانسي نفسه و ابن العديم في كتاب زبدة الحلب: 2/ 298 أوردا أن نور الدين اشتبك مع الفرنجة« يوم الأربعاء حادي و عشرين من صفر». انظر أيضا الكواكب الدرية: 130.
ص: 473
حوران، لإيناس حلل العرب، و حفظ أطرافهم، و تطييب نفوسهم لنقل الغلال على جمالهم الى دمشق، على جاري العادة، و حفظها و الاحتياط عليها.
و في صفر من السنة وردت البشائر من جهة نور الدين، صاحب حلب، بما أولاه اللّه و له الحمد من الظهور على حشد الأفرنج المخذول، و جمعهم المفلول، بحيث لم يفلت منهم إلا من خبر ببوارهم، و تعجيل دمارهم، و ذلك أن نور الدين لما اجتمع إليه ما استدعاه من خيل التركمان و الأطراف، و من وصل إليه من عسكر دمشق مع الأمير مجاهد الدين (165 و) بزان قويت بذلك نفسه، و اشتدت شوكته، و كثف جمعه، و رحل الى ناحية الأفرنج بعمل أنطاكية، بحيث صار عسكره يناهز الستة آلاف فارس مقاتلة، سوى الأتباع و السواد و الافرنج في زهاء أربعمائة فارس طعانة، و ألف راجل مقاتلة، سوى الأتباع، فلما حصلوا بالموضع المعروف بإنب(1)نهض نور الدين في العسكر المنصور نحوهم، و لما وقعت العين على العين حمل الكفرة على المسلمين حملتهم المشهورة، و تفرق المسلمون عليهم من عدة جهات، ثم أطبقوا عليهم و اختلط الفريقان، و انعقد العجاج عليهم، و تحكمت سيوف الاسلام فيهم، ثم انقشع القتام، و قد منح اللّه، و له الحمد و الشكر المسلمين النصر على المشركين، و قد صاروا على الصعيد مصرعين و به معفرين و بحربهم مخذولين، بحيث لم ينج منهم إلا النفر اليسير ممن ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، بحيث يخبرون بهلاكهم و احتناكهم، و شرع المسلمون في إسلابهم، و الاشتمال على سوادهم، و امتلأت الأيدي من غنائمهم و كراعهم، و وجد اللعين البلنس مقدمهم(2)
2/ 198- 200. الباهر: 98- 100.
صريعا بين حماته و أبطاله، فعرف، و قطع رأسه،ص: 474
و حمل الى نور الدين، فوصل حامله بأحسن صلة، و كان هذا اللعين من أبطال الأفرنج المشهورين بالفروسية، و شدة البأس، و قوة الحيل، و عظم الخلقة، مع اشتهار الهيبة، و كبر السطوة، و التناهي في الشر، و ذلك في يوم الأربعاء الحادي و العشرين من صفر سنة أربع و أربعين، ثم نزل نور الدين في العسكر على باب أنطاكية، و قد خلت من حماتها و الذابين عنها، و لم يبق فيها غير أهلها مع كثرة أعدادهم، و حصانة بلدهم، و ترددت المراسلات بين نور الدين و بينهم في طلب التسليم الى نور الدين، و إيمانهم و صيانة أحوالهم، فوقع الاحتجاج منهم بأن هذا الأمر لا يمكنهم الدخول فيه الا بعد انقطاع آمالهم من الناصر لهم و المعين على من يقصدهم، فحملوا ما أمكنهم من التحف و المال، و استمهلوا فأمهلوا و أجيبوا الى ما فيه سألوا، ثم رتب بعض العسكر للاقامة عليها، و المنع لمن يصل إليها.
و نهض نور الدين في بقية (165 ظ) العسكر الى ناحية أفامية، و قد كان رتب الأمير صلاح الدين في فريق وافر من العسكر لمنازلتها و مضايقتها و محاربتها، فحين علم من فيها من المستحفظين هلاك الأفرنج، و انقطع أملهم من مواد الإنجاد و أسباب الإسعاد، التمسوا الأمان، فأمنوا على نفوسهم، و سلموا البلد، و وفى لهم بالشرط، فرتب فيها من رآه كافيا في حفظها و الذب عنها، و ذلك في الثامن عشر من شهر ربيع الأول من السنة.
و انكفأ نور الدين في عسكره الى ناحية (أنطاكية، و قد انتهى الخبر بنهوض الفرنج من ناحية)(1)الساحل الى صوب أنطاكية، لإنجاد من بها و طلب نور الدين تسهل الفرصة في قصدهم للايقاع بهم، فأحجموا عن الإقدام على التقرب منه، و تشاغلوا عنه، و اقتضت الحال مهادنة من في أنطاكية و موادعتهم، و تقرير أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية له، و ما قرب من
1) أضيف ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 58، حيث نقل عن ابن القلانسي، و هو خبر أورده وليم الصوري في تاريخه: 199- 200.
ص: 475
أنطاكية لهم، و رحل عنها الى جهة غيرهم، بحيث قد كان في هذه النوبة قد ملك ما حول أنطاكية من الحصون و القلاع و المعاقل، و غنم منها الغنائم الجمة، و فصل عنه الأمير مجاهد الدين بزان في العسكر الدمشقي، و قد كان له في هذه الوقعة و لمن في جملته البلاء المشهور، و الذكر المشكور، لما هو موصوف به من الشهامة و البسالة و أصالة الرأي، و المعرفة بمواقف الحروب، و وصل إلى دمشق سالما في نفسه و جملته في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر من السنة، و من لفظه و صفته، هذا الشرح معتمدا فيه على الاختصار دون الإكثار، و فيه من تقوية أركان الدين و إذلال ما بقي من الكفرة الملحدين ما هو مشهور بين العباد، و سائر البلاد، مشكور مذكور، و اللّه تعالى اسمه، عليه المحمود المشكور.
و قد مضى من ذكر معين الدين أنر فيما كان أنهضه من عسكره الى ناحية حلب، لإعانة نور الدين صاحبها، على ملاقاة الأفرنج المجتمعين من أنطاكية و أعمالها للإفساد في الأعمال الشامية، و ما منح اللّه تعالى، و له الحمد، من الظفر بهم و النصر عليهم، ما أغنى عن ذكر شي منه، و اتفق أن معين الدين فصل عن عسكره بحوران، و وصل إلى دمشق في أيام من آخر شهر ربيع الأول سنة أربع و أربعين و خمسمائة، لأمر أوجب ذاك، و دعا إليه، و أمعن في الأكل لعادة جرت (166 و) له فلحقه عقيب ذلك انطلاق تمادى به، و حمله اجتهاده فيما يدبره على العود إلى العسكر بناحية حوران، و هو على هذه الصفة من الانطلاق، و قد زاد به، و ضعفت قوته، و تولد معه المرض المعروف بدوسنطريا(1)و عمله في الكبد، و هو مخوف لا يكاد يسلم صاحبه منه، و أرجف به و ضعفت قوته، فأوجبت الحال عوده الى دمشق في محفة لمداواته، فوصل في يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر من السنة، فزاد به المرض و الإرجاف بموته، و سقطت قوته، و قضى نحبه في الليلة التي
1) في الأصل: بجوسنطريا و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا و هو الزحار الشديد.
ص: 476
صبيحتها يوم الاثنين الثالث و العشرين من ربيع الآخر من السنة، و دفن في إيوان الدار الأتابكية التي كان يسكنها، ثم نقل بعد ذلك الى المدرسة التي عمرها، و لما دفن في قبره و فرغ من أمره، اجتمع حسام الدين بلاق، و مؤيد الدين الرئيس، و مجاهد الدين بزان، و أعيان الأجناد في مجلس مجير الدين بالقلعة، و إليه الأمر و التقدم، و تقررت الحال بينهم على ما اتفق من صلاح الحال.
و في مستهل جمادى الأولى من السنة توفي أبو عبد اللّه البسطامي المقرىء المصلي في مشهد زين العابدين رحمه اللّه.
و ورد الخبر من ناحية الموصل بوفاة الأمير سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك رحمه اللّه، بعلة قولنجية دامت به، في أوائل جمادى الأولى من السنة و أنه قرر الأمر لأخيه مودود بن عماد الدين، و النظر في أمره للأمير علي كوجك، و الوزارة لجمال الدين.
و في يوم الجمعة التاسع من رجب سنة أربع و أربعين و خمسمائة قرىء المنشور المنشأ عن مجير الدين بعد الصلاة على المنبر بإبطال الفيئة المستخرجة من الرعية و إزالة حكمها، و تعفية رسمها، و ابطال دار الضرب، فكثر دعاء الناس له و شكرهم.
و حدث عقيب هذه الحال استيحاش مؤيد الدين الرئيس، من مجير الدين استيحاشا أوجب جمع من أمكنه من سفهاء الأحداث و الغوغاء و حملة السلاح من الجهلة العوام، و ترتيبهم حول داره و دار أخيه زين الدولة حيدرة للاحتماء بهم من مكروه يتم عليهما، و ذلك في يوم الأربعاء الثالث و عشرين من رجب، و وقعت المراسلات من مجير الدين بما يسكنهما، و يطيب قلوبهما، فما وثقا بذلك، و جدّا في الجمع و الاحتشاد من العوام، و بعض الاجناد (166 ظ)
ص: 477
و أثارا الفتنة في ليلة الخميس تالي اليوم المذكور، و قصدوا(1)باب السجن، و كسروا أغلاقه، و أطلقوا من فيه، و استنفروا جماعة من أهل الشاغور و غيرهم، و قصدوا الباب الشرقي(2)، و فعلوا مثل ذلك، و حصلوا في جمع كثير، و امتلأت بهم الأزقة و الدروب فحين عرف مجير الدين و أصحابه هذه الصورة، اجتمعوا في القلعة بالسلاح الشاك، فأخرج ما في خزائنه من السلاح و العدد، و فرقت على العسكرية، و عزموا على الزحف الى جمع الأوباش، و الايقاع بهم، و النكاية فيهم، فسأل جماعة من المقدمين التمهل في هذا الأمر، و ترك العجلة بحيث تحقن الدماء، و تسلم البلد من النهب و الحريق، و ألحوا عليه الى أن أجاب سؤالهم، و وقعت المراسلة و التلطف في إصلاح ذات البين، فاشترط الرئيس و أخوه شروطا أجيبا إلى بعضها، و أعرض عن بعض، بحيث يكون ملازما لداره، و يكون ولده و ولد أخيه في الخدمة في الديوان و لا يركب الى القلعة إلا مستدعيا إليها، و تقررت الحال على ذلك، و سكنت الدهماء، ثم حدث بعد هذا التقرير عود الحال الى ما كانت عليه من العناد، و إثارة الفساد، و جمع الجمع الكثير من الأجناد و المقدمين و الرعاع و الفلاحين، و اتفقوا على الزحف الى القلعة و حصر من بها و طلب من عيّن عليه من الأعداء و الأعيان، في أواخر رجب، و نشبت الحرب بين الفريقين، و جرح و قتل بينهم نفر يسير، و عاد كل فريق منهم الى مكانه.
و وافق ذلك هروب السلار زين الدين اسماعيل الشحنة، و أخيه الى ناحية بعلبك، و لم تزل الفتنة ثائرة، و المحاربة متصلة، إلى أن اقتضت الصورة إبعاد من التمس إبعاده من خواص مجير الدين، و سكنت الفتنة، و أطلقت أيدي النهابة في دور السلار زين الدين و أخيه و أصحابهما، و عمهما النهب و الإخراب، و دعت الصورة الى تطييب نفس الرئيس و أخيه، و الخلع عليهما
ص: 478
بعد أيمان حلف بها، و اعادة الرئيس الى الوزارة و الرئاسة، بحيث لا يكون له في ذلك معترض و لا مشارك.
و ورد الخبر بظهور الأفرنج الى الأعمال للعيث فيها و الإفساد، و شرعوا في التأهب لدفع شرهم.
و ورد الخبر من ناحية مصر بوفاة صاحبها الإمام الحافظ بأمر اللّه أمير المؤمنين عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر باللّه، في الخامس (167 و) من جمادى الآخرة سنة أربع و أربعين، و ولي الأمر من بعده ولده الأصغر أبو منصور اسماعيل بن عبد المجيد الحافظ، و لقب بالظافر باللّه، و ولي الوزارة أمير الجيوش أبو الفتح بن مصال المغربي، فأحسن السيرة، و أجمل السياسة، و استقامت بتدبيره الأعمال، و صلحت الأحوال، ثم حدث من بعد ذلك من اضطراب الأمور، و الخلف المكروه بين السودان و الريحانية، بحيث قتل بين الفريقين الخلق الكثير، و سكنت الفتنة بعد ذلك، و انتشر الأمن بعد الخوف، و قد كان الحافظ رحمه اللّه ولي الأمر أولا في المحرم سنة ست و عشرين و خمسمائة، بحيث كانت مدة إقامته فيه ثماني عشرة سنة و خمسة أشهر و خمسة و عشرين يوما، و كان أول زمانه حسن الأفعال و السيرة، و بث الاحسان في العسكرية و الرعية(1).
و قد كان الخبر اتصل بنور الدين بإفساد الأفرنج في الأعمال الحورانية بالنهب و السبي، فعزم على التأهب لقصدهم، و كتب الى من في دمشق يعلمهم ما عزم عليه من الجهاد، و يستدعي منهم المعونة على ذلك بألف فارس، تصل اليه مع مقدم يعول عليه، و قد كانوا عاهدوا الأفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين، فاحتج عليه، و غولط، فلما عرف ذلك رحل و نزل بمرج يبوس و بعض العسكرية(2)بيعفور، فلما قرب من
ص: 479
دمشق، و عرف من بها خبره، و لم يعلموا أين مقصده، و قد راسلوا الأفرنج بخبره و قرروا معهم(1)الإنجاد عليه، و كانوا قد نهضوا الى ناحية عسقلان لعمارة غزة، و وصلت أوائلهم الى بانياس، و عرف نور الدين خبرهم، فلم يحفل بهم، و قال: لا أنحرف عن جهادهم، و هو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث و الإفساد في الضياع، و إحسان الرأي في الفلاحين و التخفيف، و الدعاء له مع ذلك متواصل من أهل دمشق و أعمالها، و سائر البلاد و أطرافها، و كان الغيث قد انحبس عن حوران و الغوطة و المرج حتى نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل و اشتداد الأمر، و ترويع سربهم، و عدم شربهم، فلما وصل الى بعلبك اتفق للقضاء المقدر، و الرحمة النازلة أن السماء أرسلت عزاليها بكل وابل وطل و انسكاب و هطل، بحيث أقام ذلك منذ الثلاثاء الثالث من ذي الحجة سنة أربع و أربعين الى مثله (167 ظ) و زادت الأنهار، و امتلأت، برك حوران، و دارت أرحيتها، و عاد ما صوح(2)من الزرع و النبات غضا طريا، و ضج الناس بالدعاء لنور الدين، و قالوا: هذا ببركته و حسن معدلته و سيرته.
ثم رحل من منزله بالأعوج و نزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العساكر(3)في يوم الثلاثاء السادس و العشرين من ذي الحجة سنة أربع و أربعين، و راسل مجير الدين و الرئيس، بما قال فيه: إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالبا لمحاربتكم، و لا منازلتكم، و إنما دعاني الى هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران و العربان، بأن الفلاحين الذين أخذت أموالهم و شتتت نساؤهم و أطفالهم، بيد الأفرنج، و عدم الناصر لهم، و لا يسعني مع ما أعطاني اللّه، و له الحمد، من الاقتدار على نصرة المسلمين، و جهاد المشركين، و كثرة المال و الرجال، و لا يحل لي، القعود عنهم، و الانتصار لهم، مع
ص: 480
معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم، و الذب عنها، و التقصير الذي دعاكم الى الاستصراخ بالأفرنج على محاربتي، و بذلكم لهم أموال الضعفاء و المساكين من الرعية، ظلما لهم و تعديا عليهم، و هذا ما لا يرضي اللّه تعالى، و لا أحد من المسلمين، و لا بد من المعونة بألف فارس مزاحي العلة، تجرد مع من يوثق بشجاعته من المقدمين لتخليص ثغر عسقلان و غيره.
فكان الجواب عن هذه الرسالة: ليس بيننا و بينك إلا السيف، و سيوافينا من الأفرنج ما يعيننا على دفعك إن قصدتنا، و نزلت علينا، فلما عاد الرسول بهذا الجواب، و وقف عليه، أكثر التعجب منه، و الإنكار له، و عزم على الزحف الى البلد، و محاربته في غد ذلك اليوم، و هو يوم الأربعاء الخامس و العشرون من نيسان، فأرسل اللّه تعالى من الأمطار و تداركها و دوامها، ما منعه من ذلك، و صرفه عنه.
أولها يوم الاثنين مستهل المحرم، و فيه تقرر الصلح بين نور الدين و أرباب دمشق، و السبب في ذلك أن نور الدين أشفق من سفك دماء المسلمين إن أقام على حربها و المضايقة لها، مع ما اتصل به من أخبار دعته الى ذلك، و اتفق أنهم (168 و) بذلوا له الطاعة، و إقامة الخطبة له على منبر دمشق، بعد الخليفة و السلطان و السكة، و وقعت الأيمان على ذلك، و خلع نور الدين على مجير الدين خلعة كاملة بالطوق، و أعاده مكرما محترما، و خطب له على منبر دمشق يوم الجمعة رابع عشر المحرم، ثم استدعى الرئيس الى المخيم، و خلع عليه خلعة مكملة أيضا، و أعاده الى البلد، و خرج إليه جماعة من الأجناد و الخواص الى المخيم، و اختلطوا به، فوصل من استماحه من الطلاب و الفقراء و الضعفاء، بحيث ما خاب قاصده، و لا أكدى من سأله، و رحل عن مخيمه ليلة الأحد عائدا الى حلب، بعد إحكام ما قرر، و تكميل ما دبّر.
ص: 481
و ورد الخبر في الخامس من المحرم من ناحية حلب بأن عسكرها من التركمان ظفر بابن جوسلين صاحب أعزاز و أصحابه، و حصوله في قبضة الأسر في قلعة حلب، فسر بهذا الفتح كافة الناس.
و ورد الخبر بأن الملك(1)
انظر زبدة الحلب: 2/ 301.
مسعود وصل في عسكره طالبا أنطاكية، و نزل على تل باشر، و ضايقها في أيام من المحرم.و في أيام من المحرم وصل الى دمشق جماعة من حجاج العراق و خراسان المأخوذين في طريق الحج عند عودهم، لجماعة من كفار العربان و زطهم و أوباشهم، تجمعوا في عدد دثر، و حكوا مصيبة ما نزل مثلها بأحد في السنين الخالية، و لا يكون أشنع منها، و ذكر أنه كان في هذا الحج من وجوه خراسان و تنائها و فقهائها و علمائها و قضاتها، و خواتين أمراء العسكر السلطانية و الحرم العدد الكثير، و الأموال الجمة، و الأمتعة الوافرة، فأخذ جميع ذلك و قتل الأكثر، و سلم الأقل إلّا نزر، و هتكت النساء، و سلبوا، و هلك من هلك بالجوع و العطش، فضاقت الصدور لهذه النازلة الفادحة، و الرزيئة الحادثة، فكسا العاري منهم، و أطلق لهم ما استعانوا بقدره على عودهم الى أوطانهم، من أصحاب المروءة و المقدمين بدمشق، و ذلك بتقدير الحكيم القدير(2).
و قد كان نور الدين عقيب رحيله عن دمشق، و حصول ابن جوسلين في قلعة حلب أسيرا، توجه في عسكره الى اعزاز بلد ابن جوسلين، و نزل عليها، و ضايقها و واظب قتالها، الى أن سهل اللّه تعالى ملكتها بالأمان، و هي على غاية من الحصانة و المنعة و الرفعة، فلما تسلمها رتب فيها من ثقاته من وثق به،
ص: 482
و رحل (168 ظ) عنها ظافرا مسرورا، عائدا إلى حلب، في أيام من شهر ربيع الأول من السنة.
و ورد الخبر بعد المضايقة و المحاربة عن تل باشر، في يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر برحيل الملك مسعود، و وصل أكثر حماتها، لأسباب أوجبت ذاك و دعت إليه، و كان مجاهد الدين بزان قد توجه الى حصنه صرخد، لتفقد أمواله، و ترتيب أحواله و أحوال ولده النائب عنه في حفظه، و تقرير أموره، و عرضت بعده نفرة بين مجير الدين و الرئيس بسعايات أصحاب الأغراض و الفساد، و اقتضت الحال استدعاء مجاهد الدين لإصلاح الحال، فوصل و تم ذلك بوساطته على شرط إبعاد الحاجب يوسف، حاجب مجير الدين، عن البلد مع أصحابه، و توجهوا، و لم يعرض لشيء من أموالهم، و قصد بعلبك فأكرمه عطاء و اليها.
و قد كانت الأخبار متناصرة من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها ابن مصال، و بين الأمير المظفر بن سلار، و جميع العسكرية، و وقوع الحرب منهم، و سفك الدماء الى أن أسفرت عن قتل ابن مصال الوزير، و ظفر ابن سلار به، و غلبته على الأمر، و انتصابه في الوزارة، و سعى في الصلاح و ترتيب الأجناد، و إطلاق واجباتهم، و هدأت النائرة(1)و سكنت الفتنة الثائرة(2).
و ورد الخبر بوصول منكوبرس(3)في جماعة من الأتراك و التركمان الى ناحية حوران، و اجتماعه مع الأمير سرخاك والي بصرى على العيث و الفساد في ضياع حوران، و قيل إن ذاك بأذن نور الدين، و قصدوا عمل
ص: 483
صرخد بالإفساد و الإخراب و المضايقة لها، و رحلوا بعد ذلك إلى غيرها للإفساد، و منع الفلاحين من الزرع.
و في يوم الاثنين السابع عشر من رجب من السنة توفي القاضي بهاء الدين عبد الملك بن الفقيه عبد الوهاب الحنبلي رحمه اللّه، و كان إماما فاضلا مناظرا مستقلا مفتيا على مذهب الامامين أحمد و أبي حنيفة، رحمهما اللّه، بحكم ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم و التقدم و كان (يعرف)(1)اللسان بالعربية و الفارسية، حسن الحديث في الجد و الهزل، و كان له يوم دفنه في جوار أبيه و جده في مقابر الشهداء(2)رحمهما اللّه، مشهود بكثرة العالم و الباكين حول سريره، و المؤبنين له و المتأسفين عليه (169 و).
و توفي أيضا عقيب وفاته الشريف القاضي النقيب أبو الحسين، فخر الدولة بن القاضي بن أبي الجن رحمه اللّه، في يوم الخميس العشرين من رجب، من السنة، و دفن في مقابر فخر الدولة جده رحمه اللّه، و تفجع الناس له، لخيريته و شرف بيته.
و في رجب من السنة وردت الأخبار من ناحية نور الدين بظفره بعسكر الأفرنج النازلين بإزائه قريبا من تل باشر، و عظم النكاية فيهم، و الفتك بهم، و امتلأت الأيدي من غنائمهم و سبيهم، و استيلائه على حصن(3)(تل) خالد، الذي كان مضايقه و منازله.
ص: 484
و في العشر الأخير من رجب ورد الخبر من حوران، بأن الأمير منكوبرس إلتقى في المعروف بالنويسه(1)الحاجي و رجاله من عسكر دمشق، فهزمه و جرحه جرحا تمكن منه، و حمل الى البلد، فمات في الطريق، و وصل و قبر في مقابر الفراديس في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة.
و في يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان أرسلت السماء عزاليها بثلج لم ير في السنين الخالية مثله، و تمادت به الأيام، بحيث عم كثيرا من أقطار الأرض: حوران و البقاع و البرية، و قيل إن أقصاه من بلاد الشمال الى قلعة جعبر، و جرت أودية حوران، و دارت أرحيتها، و امتلأت بركها، و فاضت آبارها، و استبشر الناس بهذه النعمة العامة، و شكروا موليها، و المنعم بها، و زادت أنهار بردى و العيون عقيب ذلك زيادة وافرة، و سرت النفوس و تتابع بعد ذلك غيث كانون الثاني، روى الزراعات، و منابت العشب.
و في يوم السبت الثالث من ذي الحجة من السنة، توفي القاضي المكين أبو البركات محفوظ بن القاضي أبي محمد الحسن بن صصرى رحمه اللّه، بعلة طالت به، و هو في أواخر الثمانين، و كان مشهورا بالخير، و العفاف و سلامة الطبع.
و ورد الخبر من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها العادل بن سلار، و أجنادها بحيث الدماء بينهم مسفوحة، و أبواب الشر و العناد مفتوحة(2).
و أولها يوم الجمعة مستهل المحرم، و في يوم الأربعاء العاشر من المحرم من هذه السنة المباركة نزل أوائل عسكر نور الدين على أرض عذراء من عمل
ص: 485
دمشق و ما والاها، (169 ظ) و في يوم الخميس تاليه قصد فريق وافر منهم ناحية السهم(1)و النيرب، و كمنوا عند الجبل لعسكر دمشق، فلما خرج منها إليها أسرع النذير إليهم، فحذرهم، و قد ظهر الكمين فانهزموا الى البلد، و خرج من أعقابهم، و سلموا من الايقاع بهم، و في يوم الجمعة تاليه وصل نور الدين في عسكره، و نزل على عيون فاسريا(2)ما بين عذراء و دومة، و امتدوا الى تلك الجهات، و في يوم السبت التالي له رحلوا من ذلك المكان و نزلوا في أراضي حجيرا و راوية(3)، و تلك الجهات في الخلق الكثير، و الجم الغفير، و انبثت أيدي المفسدين في العسكر الدمشقي و الأوباش من أهل العيث و الإفساد في زروع الناس، فحصدوها و استأصلوها و في الثمار فأفنوها بلا مانع و لا دافع، و ضر ذلك بأصحابها الضر الزائد، و تحرك السعر و انقطعت السابلة، و ضاقت الصدور، و وقع التأهب و الاستعداد لحفظ البلد و السور، و وافت رسل نور الدين الى ولاة أمر البلد، تقول: أنا ما أوثر إلا صلاح المسلمين، و جهاد المشركين، و خلاص من في أيديهم من الأسارى فان ظهرتم معي في عسكر دمشق، و تعاضدنا على الجهاد، و جرى الأمر على الوفاق و السداد، فذلك غاية الإيثار و المراد، فلم يعد الجواب إليه بما يرضاه و يوافق مبتغاه.
و في يوم السبت الثالث و العشرين منه رحل نور الدين في عساكره عن ذلك المنزل، بحيث نزل في أرض مسجد القدم و ما والاه من الشرق و الغرب، و مبلغ منتهى الخيم الى المسجد الجديد قبلي البلد، و هذا منزل ما نزله أحد من مقدمي العساكر فيما سلف من السنين، و جرى بين أوائل العسكر، و بين من ظهر إليه من البلد مناوشات، ثم عاد كل الى مكانه، و لم تزل الحال مستمرة
ص: 486
من العسكر النوري على إهمال الزحف الى البلد، و محاربة من فيه إشفاقا من قتل النفوس، و اثخان الجراح في مقاتلة الجهتين، بحيث انطلقت أيدي المفسدين من الفريقين في الفساد، و حصد زراعات المرج و الغوطة، و ضواحي البلد، و خراب مساكن القرى، و نقل أنقاضها الى البلد و العسكر، و زاد الأضرار بأربابها من التناء و الفلاحين و تزايد طمع الرعاع و الأوباش في التناهي في الفساد بلا رادع لهم و لا مانع منهم و عدم التبن لعلف الكراع في جميع الجهات و ارتفع السعر و عظم (170 و) الخطب و صعب الأمر، و الأخبار تتناصر باحتشاد الأفرنج و اجتماعهم للإنجاد لأهل دمشق و الإسعاد، و قد ضاقت صدور أهل الدين و الصلاح، و زاد إنكارهم لمثل هذه الأحوال المنكرة و الأسباب المستبشعة، و لم تزل الحال على هذه القضية المكروهة، و المناوشات في كل يوم متصلة من غير مزاحفة و لا محاربة الى يوم الخميس الثالث عشر من صفر من السنة.
ثم رحل العسكر النوري من هذه المنازل و نزل في أراضي فذايا و حلقبلتين و الخامسين(1)المصاقبة للبلد، و ما عرف في قديم الزمان من أقدم من الجيوش على الدنو منها، و نشبت المطاردة في اليوم المذكور، و كثر الجراح في خيالة البلد و رجالته، و ملك مواشي الفلاحين و الضعفاء و دواب المتعلقة من البلد، و ما يخص فلاحي الغوطة و المرج و الضواحي، ثم رحل في يوم الخميس لعشر بقين من صفر عائدا الى ناحية داريا، لتواصل الارجاف بقرب عسكر الأفرنج من البلد للانجاد، ليكون قريبا من معابرهم لقوة العزائم على لقائهم، و الإستعداد لحربهم، لأن العسكر النوري قد صار في عدد لا يحصى كثرة، و قوة، و في كل كل يوم زيادة بما يتواصل من الجهات و طوائف التركمان، و نور الدين مع هذه
1) مناطق مصاقبة لدمشق حول طريق مطار دمشق الدولي الآن، فموقع فذايا جنوب مقبرة اليهود الحالية، و ضبط كرد علي« حلقبلتين»« حلفبلتا» و هي مجاورة لفذايا و ضبط« الخامسين»« الخامس» انظر غوطة دمشق: 239- 241.
ص: 487
الحال لا يأذن لأحد من عسكره في التسرع الى قتال أحد من المسلمين من رجال البلد و عوامه، تحرجا من إراقة الدم فيما لا يجدي نفعا، إذ كانوا يحملهم الجهل و الغرور على التسرع و الظهور، و لا يعودون إلا خاسرين مفلولين، و أقام على هذه الصورة، ثم رحل الى ناحية الأعوج لقرب عسكر الافرنج، و عزمهم على قصده، و اقتضى رأيه الرحيل الى ناحية الزبداني استجرارا لهم، و أفرق من عسكره فريقا يناهز أربعة آلاف فارس، مع جماعة من المقدمين، ليكونوا في أعمال حوران مع العرب، لقصد الأفرنج و لقائهم و ترقبا لوصولهم، و خروج العسكر الدمشقي إليهم، و اجتماعهم (بهم) ثم يقاطع عليهم(1).
و اتفق أن عسكر الأفرنج وصل عقيب رحيله الى الأعوج، و نزل به في اليوم الثالث من شهر ربيع الأول سنة ست و أربعين و وصل منهم خلق كثير الى البلد، لقضاء حوائجهم، و خرج مجير الدين و مؤيده في خواصهما، و جماعة وافرة من الرعية، و اجتمعا بملكهم و خواصه و ما (170 ظ) صادفوا عندهم شيئا مما هجس في النفوس من كثرة، و لا قوة، و تقرر بينهم النزول بالعسكرين على حصن بصرى، لتملكه، و استغلال أعماله.
ثم رحل عسكر الأفرنج الى رأس الماء، و لم يتهيأ خروج العسكر الدمشقي إليهم لعجزهم و اختلافهم، و قصد من كان بحوران من العسكر النوري، و من انضاف إليهم من العرب في خلق كثير، ناحية الأفرنج، للايقاع بهم و النكاية فيهم، و التجأ عسكر الأفرنج الى لجاة حوران للاعتصام بها، و انتهى الخبر الى نور الدين، فرحل و نزل على عين الجر، من البقاع، عائدا
1) في الأصل:« و اجتماعهم ثم تقاطع عليهم» و قد زيد ما بين الحاصرتين و قومت العبارة من الروضتين: 1/ 90.
ص: 488
إلى دمشق، و طالبا قصد الأفرنج، و العسكر الدمشقي، و كان الأفرنج حين اجتمعوا مع العسكر الدمشقي، قد قصدوا بصرى لمنازلتها و مضايقتها و محاربتها فلم يتهيأ ذلك لهم، و ظهر إليهم سرخاك و اليها في رجاله، و عادوا عنه خاسرين، و انكفأ عسكر الأفرنج إلى أعماله في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول من السنة، و راسلوا مجير الدين و مؤيده، يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم على ترحيل نور الدين عن دمشق، و قالوا: لولا نحن ندفعه ما رحل عنكم.
و في هذه الأيام ورد الخبر بوصول الاصطول المصري إلى ثغور الساحل في غاية من القوة، و كثرة العدة و العدة، و ذكر أن عدة مراكبه سبعون مركبا حربية مشحنة بالرجال، و لم يخرج مثله في السنين الخالية، و قد أنفق عليه ما حكي و قرب ثلاثمائة ألف دينار، و قرب من يافا من ثغور الأفرنج فقتلوا و أسروا و أحرقوا ما ظفروا به، و استولوا على عدة وافرة من مراكب الروم و الأفرنج، ثم قصدوا ثغر عكا، و فعلوا فيه مثل ذلك، و حصل في أيديهم عدة وافرة من المراكب الحربية الأفرنجية، و قتلوا من حجاج (الأفرنج) و غيرهم خلقا عظيما، و أنفذوا ما أمكن الى ناحية مصر، و قصدوا ثغر صيدا و بيروت و طرابلس، و فعلوا فيها مثل ذلك.
و وعد نور الدين بمسيره الى ناحية الأسطول المذكور لإعانته على تدويخ الأفرنجية، و اتفق اشتغاله بأمر دمشق، و عوده إليها لمضايقتها، و حدث نفسه بملكتها لعلمه بضعفها، و ميل الأجناد و الرعية إليه، و إشارتهم لولايته و عدله، و ذكر أن نور الدين أمر بعرض عسكره و حصره، فذكر أنه بلغ كمال ثلاثين ألف مقاتلة، ثم رحل و نزل بالدلهمية من عمل البقاع، ثم رحل منها طالبا نحو دمشق، و نزل في (171 و) أرض كوكبا من غربي داريا في يوم السبت الحادي و العشرين من ربيع الأول، و غارت الخيل على طريق حوران الى دمشق، فاشتملت على الشيء الكثير من الجمال و الغلة و المواشي،
ص: 489
و غاروا على ناحية الغوطة و المرج، و استاقوا ما صادفوا من المواشي، ثم رحل عن هذا المنزل في يوم الاثنين، و نزل من أرض داريا الى جسر الخشب، و نودي في البلد بخروج الأجناد و الأحداث إليه، فلم يظهر منهم إلا اليسير ممن كان يخرج أولا(1)
« لما و قر في نفوسهم من استنجاد مجير الدين و ابن الصوفي بالفرنج». مرآة الزمان: 1/ 210.
.و في يوم الأربعاء الرابع و العشرين من الشهر، رحل من هذا المنزل، و نزل في أرض القطيعة(2)و ما والاها، و دنا منها بحيث قرب من البلد، و وقعت المناوشة بين الفريقين من غير زحف، و لا شد في محاربة.
و ورد الخبر الى نور الدين بتسليم نائبه الأمير حسان(3)المنبجي مدينة تل باشر بالأمان في يوم الخميس الخامس و عشرين من شهر ربيع الأول سنة ست و أربعين، و ضربت في عسكره الطبول و الكوسات و البوقات بالبشارة، و ورد مع البشير جماعة من أعيان تل باشر، لتقرير الأحوال.
و استمر رأي نور الدين على (وقف)(4)الزحف الى البلد، و محاربة أهله و عسكريته تحرجا من قتل المسلمين، و قال: لا حاجة الى قتل المسلمين بأيدي بعضهم بعضا، و أنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين، و حدثت مع هذه النية تردد المراسلات في عقد الصلح في أيام من شهر ربيع الآخر على شروط أشير اليها، و اقتراحات عين عليها، و تردد فيها الفقيه برهان الدين البلخي، و الأمير أسد الدين شيركوه، و أخوه نجم الدين أيوب،
1) زاد سبط ابن الجوزي في روايته معللا عدم استجابة الأجناد و الأحداث بقوله:
2) قرية ظاهر دمشق قرب ميدان الحصا. غوطة دمشق: 235، 242.
3) في الأصل« الأمير نائبه الأمير حسن» و حذفت عبارة الأمير الأولى و استبدلت عبارة حسن بحسان لأنها مصحفة صوابها ما أثبتنا، و قد ورد اسم حسان فيما مضى. انظر زبدة الحلب: 2/ 310. الروضتين: 1/ 81.
4) زيد ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.
ص: 490
و تقارب الأمر في ذلك، و ترددت المراسلات الى أن استقرت الحال على قبول الشروط المقترحة، و وقعت الأيمان من الجهتين على ذلك، و الرضا به في يوم الخميس العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة.
و رحل نور الدين في عسكره في يوم الجمعة غد اليوم المذكور، طالبا ناحية بصرى، للنزول عليها، و المضايقة لها، و التمس من دمشق ما تدعو إليه الحاجة من آلات الحرب و المناجيق، لأن سرخاك الوالي المذكور، كان بها، كان شاع عصيانه و خلافه، و مال إلى الأفرنج، و اعتضدهم، فأنكر نور الدين ذلك عليه، و أنهض فريقا وافرا من عسكره إليه.
و ورد الخبر من ناحية قلعة جعبر في يوم السبت الثالث عشر من (171 ظ) شهر ربيع الآخر بأن صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك، خرج في أصحابه إلى عسكر الرقة، و قد غار على أطراف أعماله لتخليص ما استاقوا منه، فالتقى الفريقان، و سبق اليه سهم من كمين ظهر عليهم قضى عليه، و عاد به أصحابه الى قلعة جعبر، و جلس ولده مالك ابن علي في منصبه، و اجتمع عليه جماعة أسرته، و استقام له الأمر من بعده.
و وردت الأخبار في سنة ست و أربعين من ناحية مصر بأن أهل دمياط، حدث فيهم فناء عظيم ما عهد مثله في قديم و لا حديث، بحيث أحصي المفقود منهم في سنة خمس و أربعين و خمسمائة، سبعة آلاف شخص و في سنة ست و أربعين مثلهم سبعة آلاف بحيث يكون الجميع أربعة عشر ألفا، و خلت دور كثيرة من أهلها، و بقيت مغلقة، و لا ساكن فيها، و لا طالب لها.
و في يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة ست و أربعين توفي القاضي السديد الخطيب أبو الحسين بن أبي الحديد خطيب(1)دمشق رحمه
1) هو« عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين، ولد سنة اثنتان و ستون و أربعمائة، و سمع الحديث الكثير ... و كان بيت أبي الحديد يتوارثون نعل النبي صلّى اللّه عليه و سلمّ» مرآة الزمان: 1/ 211- 212.
ص: 491
اللّه و كان خطيبا سديدا مبلغا متصونا عفيفا، و لم يكن له من يقوم مقامه في منصبه، سوى أبي الحسن الفضل ولد ولده (و هو)(1)حدث السن، فنصب مكانه، و خطب و صلى بالناس، و استمر الأمر له و مضى فيه.
و وردت الحكايات بحدوث زلزلة، وافت في الليلة الثالثة عشر من جمادى الآخرة سنة ست و أربعين اهتزت الأرض لها ثلاث رجفات، في أعمال بصرى و حوران، و سكنت، و ما والاها من سائر الجهات، و هدمت عدة وافرة من حيطان المنازل ببصرى و غيرها، ثم سكنت بقدرة من حركها و سكنها، سبحانه و تعالى، انه على كل شيء قدير.
و في يوم الخميس الثاني عشر من رجب سنة ست و أربعين توجه مجير الدين صاحب دمشق الى حلب في خواصه، و وصل إليها، و دخل على نور الدين صاحبها، و أكرمه و بالغ في الفعل الجميل في حقه، و قرر معه تقريرات اقترحها عليه، بعد أن بذل له الطاعة، و حسن النيابة عنه في دمشق، و انكفأ عنه مسرورا بما قصده في حقه من الاكرام، و حسن الاحترام، و وصل الى دمشق في يوم الثلاثاء السادس من شعبان من السنة.
و في آخر شعبان ورد الخبر من ناحية بانياس بأن فريقا وافرا (172 و) من التركمان غاروا على ظاهرها، و خرج إليهم واليها من الأفرنج في أصحابه، و وافقهم، فظهر التركمان عليهم، و قتلوا منهم و أسروا، و لم يفلت منهم غير الوالي، و نفر يسير، و اتصل الخبر بمن في دمشق، فأنكر مثل هذا الفعل بحكم انعقاد الهدنة و الموادعة، و أنهض اليهم من العسكر الدمشقي من صادف بعض التركمان متخلفا عن رفقتهم، فحصلوا منهم ما كان في أيديهم و عادوا بثلاثة نفر منهم.
1) أضيف ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 83. حيث الرواية عن ابن القلانسي.
ص: 492
و في أيام من أوائل رمضان من السنة، ورد الخبر بأن أكثر عسكر الافرنج قصدوا ناحية البقاع، على غرة من أهلها، و غاروا على عدة وافرة من الضياع، فاستباحوا ما بها من رجال و نسوان و شيوخ و أطفال، و استاقوا عواملها و مواشيها و دوابها، و اتصل الخبر بوالي بعلبك، فأنهض إليهم رجاله، و اجتمع إليهم خلق كثير من رجال البقاع، و أسرعوا نحوهم القصد، و لحقوهم و قد أرسل اللّه تعالى عليهم من الثلوج المتداركة ما ثبطهم و حيرهم فقتلوا من رجالتهم الأكثر، و استخلصوا من الأسرى و المواشي ما سلم من الهلاك بالثلج، و هو الأقل، و عادوا على أقبح صفة من الخذلان و سوء الحال، بحمد اللّه، و نصره المسلمين(1).
و في يوم السبت الثاني و العشرين من شوال من السنة، و هو اليوم الثالث من شباط وافت قبيل الظهر زلزلة اهتزت لها الأرض ثلاث هزات هائلة، و تحركت الدور و الجدران، ثم سكنت بقدرة اللّه تعالى ذكره.
و أولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم، و في المحرم منها ورد الخبر من ناحية نور الدين بنزوله على حصن انطرطوس في عسكره، و افتتاحه له، و قتل من كان فيه من الأفرنج، و طلب الباقون الأمان على النفوس، فأجيبوا الى ذلك و رتب فيه الحفظة و عاد(2)عنه، و ملك عدة من الحصون، بالسيف و السبي و الإخراب، و الحرق و الأمان.
ص: 493
و وردت الأخبار من ناحية عسقلان، في يوم الخميس العاشر من المحرم بظفر رجال عسقلان بالأفرنج المجاورين لهم، بغزة بحيث هلك منهم العدد الكثير، و انهزم الباقون.
و في ليلة الثلاثاء الثاني و العشرين من المحرم من أواخر نيسان أرسل اللّه تعالى غيثا (172 ظ) هطالا مجللا بالرعود و البروق المتتابعة ما زادت معه مياه بردى زيادة وافرة، و تصندل لون مائها بمسايل الأودية و الجبال، و انتفعت به زراعات السقي و البعول نفعا ظاهرا.
و في النصف من شهر أيار من صفر سنة سبع و أربعين كان من زمجرة الرعود و تتابع البروق و الأمطار في عدة جهات ما زادت به الأنهار، و سالت معه شعاب الجبال و الأودية، و في وقت العصر من يوم الأحد الثاني و العشرين من أيار و العشرين من صفر من السنة، نشأت غمامة برعود مجلجلة هائلة متتابعة لا تفتر مزعجة، ثم انهلت بوابل هطال جود بالمطر الى آخر النهار، ثم أقبلت بردى بالليل بالسيل الزائد المتغير اللون، بماء الجبال المختلف، بحيث أفعمت الأنهار و السواقي و المجاري، و احمرت أماكنها، و صادفت طرحات الزرع و أكداسة، فغيرت الشعير و صفرته، و سكنت بقدرة اللّه، و نفع من نشأتها، ثم حضر من شاهد هذا العارض، و حكى أنه كان من البرد الكبار ما لا حدّ له بحيث أفسد من المواشي الكثير، و هدم بعض دور الغوطة، و صار الماء في الحقول راكدا و سائحا بالأنهار المغدقة، و حكى الحاكي أن هذا لم ير مثله في الأزمان.
و في أواخر صفر سنة سبع و أربعين توجه مجير الدين في العسكر، و معه مؤيد الدين الوزير إلى ناحية حصن بصرى، و نزل عليه محاصرا لسرخاك و اليه، و مضايقا لأهليه لمخالفته لأوامره و نواهيه، و جوره على أهل الضياع الحورانية، و اعتدائه عليهم و إلزامهم ما لا طاقة لهم به، و استدعى المنجنيقات و آلة الحرب لمنازلتها، و اتفق لمجير الدين المصير الى صرخد لمشاهدته، و استأذن مجاهد الدين واليه في ذلك، فقال له: هذا المكان بحكمك و أنا فيه من قبلك،
ص: 494
و أنفذ الى ولده سيف الدين محمد، النائب فيه باعتداد ما يحتاج إليه، و تلقى مجير الدين بما يجب له، فخرج إليه في بعض أصحابه، و معه المفاتيح، فوفاه ما يجب له من الإعظام، و أخلى الحصن من الرجال، و دخل إليه في خواصه، فسر بذلك، و تعجب من فعل مجاهد الدين، و شكره على ذلك، و قدم إليه ما أعده من القود و التحف، و عاد عنه شاكرا إلى مخيمه على بصرى و حاربها عدة أيام الى أن استقر (173 و) الصلح، و الدخول فيما أراد و عاد الى البلد.
و في أوائل شعبان من السنة، وردت الأخبار بوفاة السلطان غياث الدنيا و الدين مسعود بن السلطان محمد.
و في العشر الأول من شوال من السنة، الموافق للعشر الأول من تشرين الثاني، تغير الماء و الهواء في دمشق، و عرض لأهلها الحمى و السعال، بحيث عم الخاص و العام، و الشيوخ و الشباب و الأطفال، بحيث وقع الزحام على حوانيت العطارين لتحصيل المغلي، و حكى الحاكي أن بعض العطارين أحصى ما باعه في يوم، فكان ثلاثمائة و ثمانين صفة، و السالم منه و المعافي الأكثر، و ما يقيم هذا المرض بالإنسان أكثر من الاسبوع و دونه، و يمضي من قضى أجله، و صعب أمر المغسلين و الحفارين، و احتيج إليهم لكثرة الموتى.
و في يوم السبت الرابع و عشرين من شوال من السنة، توفي الأمير سعد الدولة أبو عبد اللّه محمد بن المحسن بن الملحي رحمه اللّه، و دفن في مقابر الكهف(1)و كان فيه أدب وافر، و كتابة حسنة، و نظم جيد، و تقدم والده في حلب في التدبير و السياسة، و عرض الأجناد.
1) خارج دمشق في جبلها معروف حتى الآن، لم يتغير اسمه.
ص: 495
أولها يوم الأحد، و الشمس في برج الحمل، و الطالع الجدي، و في سادس و عشرين من المحرم منها ورد الخبر من ناحية مصر بأن العادل المعروف بابن سلار، الذي كانت رتبته قد علت، و منزلته في الوزارة قد تمكنت، و نفذ أمره في البسط و القبض، و حكمه في الابرام و النقض، و أنه كان قد جلس للانفاق في رجال الأسطول، ليجهزه في البحر الى ناحية عسقلان بالميرة، لتقوية من بها على النازلين عليها من الأفرنج، و المضايقين لها، و هم في الجمع الكثير و الجم الغفير، بالمال و الرجال و الغلال، و إشراف أهلها على الخطر، و أنه نهض من المجلس على العادة للراحة من النصب، و الهجعة عقيب التعب، و كان لزوجته ولد يعرف بالأمير عباس، و قد قدمه و اعتمد عليه في الأعمال، و لعباس هذا ولد قدمه الوزير و أنعم عليه، و أذن له في الدخول بغير اذن إليه، فدخل عليه و هو نائم في فرشته على (173 ظ) العادة، فأخذ سيفه و ضربه به فقطع رأسه و خرج به بين أثوابه، و لم يشعر أحد، و أتى به الى باب القصر في يوم الأحد الثاني عشر من المحرم، و قال لخدم الإمام الظافر باللّه: هذا رأس المنافق، فقيل له: ما كان منافقا، و كان جماعة من الأتراك قد اصطنعهم الوزير المقتول لنفسه، فتجمعوا في زهاء ثلاثمائة فارس، و أنهم طلبوا ليقتلوا، فحموا نفوسهم بالسهام، و حصلوا بظاهر القاهرة، و صادفهم عباس عائدا من بلبيس حين وافاه الخبر، فوعدهم الجميل، و إقرارهم على واجباتهم، فلم يثقوا به، و تفرقوا على أقبح حال، و وصلوا الى دمشق في أواخر المحرم، و قيل إن عباسا المذكور حصل في منصب العادل المذكور، و استقام له الأمر، و تمكن في الأعمال، و قيل إن العادل كان قد قتل (كثيرا) من الحجرية و الريحانية و أصناف الأجناد حتى استقام له الأمر، و تمكن في الأعمال.
و تواصلت الأخبار من ناحية نور الدين سلطان حلب و الشام، بقوة عزمه على جمع العساكر و التركمان من سائر الأعمال و البلدان، للغزو في أحزاب
ص: 496
الشرك و الطغيان، و بنصرة أهل عسقلان على النازلين عليها من الأفرنج، و قد ضايقوها بالزحف إليها بالبرج المخذول، و هو في الجمع الكثير، و اللّه يحرسها من شرهم، و اقتضت الحال توجه مجير الدين صاحب دمشق الى نور الدين، في جمهور عسكره، للتعاضد على الجهاد، في يوم السبت الثالث عشر من المحرم، و اجتمع معه في ناحية الشمال، و اتفق بينهما و جماعة المقدمين من أمراء الأعمال و التركمان، و هم في العدد الدثر، و قد ملك نور الدين الحصن المعروف بأفلس(1)بالسيف بأمر قضاه اللّه و سهله و يسره و عجله، و هو في غاية المنعة و الحصانة، و قتل من كان فيه من الأفرنج و الأرمن، و حصل للعسكر من المال و السبي الشي الكثير.
و نهضوا طالبين ثغر بانياس، و نزلوا عليه في يوم السبت تاسع و عشرين صفر، و قد خلا من حماته و تسهلت أسباب ملكته، و قد تواصلت استغاثة أهل عسقلان و استنصارهم بنور الدين، فقضى اللّه تعالى بالخلف بينهم، و القتل، و هم في تقدير عشرة آلاف فارس و راجل، فأجفلوا عنها من غير طارق من الأفرنج طرقهم و لا عسكر (174 و) منهم أرهقهم، و نزلوا على المنزل المعروف بالأعوج، و عزموا على معاودة النزول على بانياس و أخذها، ثم أحجموا عن ذلك من غير سبب و لا موجب و تفرقوا، و عاد مجير الدين الى دمشق و دخلها سالما في نفسه و جملته، في يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة، و عاد نور الدين إلى حمص، و نزل بها في عسكره.
و وردت الأخبار بوصول اسطول مصر إلى عسقلان، و قويت نفوس من بها بالمال و الرجال و الغلال، و ظفروا بعدة وافرة من مراكب الأفرنج في البحر، و هم على حالها في محاصرتها و مضايقتها، و الزحف بالبرج إليها.
و قد تقدم من شرح الحال للرئيس في تمكنه من منصب الوزارة، بنفيه
1) لم أجده في المصادر الجغرافية و سواها.
ص: 497
من نفاه من المعاندين له، بحيث طابت نفسه، و توكد أنسه، فعرض بينه و بين أخويه عز الدولة و زينها مشاحنات و مشاجرات، اقتضت المساعدة الى مجير الدين، في جمادى الأولى من السنة، و أنفذ مجير الدين الى الرئيس يستدعيه للاصلاح بينهم في القلعة، فامتنع من ذلك، و جلس في داره، و هم بالتحصن عنه بأحداث البلد و الغوغاء، و آلت الحال إلى تمكن زين الدين منه بمعاونة مجير الدين عليه لأسباب تقدمت، و تقرر بينهما إخراج الرئيس من البلد و جماعته الى حصن صرخد مع مجاهد الدين بزان و اليه في يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى، بعد أن قرر له بقاء داره و بستانه و ما يخصه و يخص أصحابه، و تقلد أخوه زين الدين له مكانه، و خلع عليه، و أمر و نهى، و نفذ الأشغال على عادته في العجز و التقصير و سوء الأفعال و التماس الرشاء على أقل الأعمال، و رأى مجير الدين عقيب ذلك التوجه الى بعلبك لتطييب نفس واليها عطاء الخادم، و استصحابه معه الى دمشق لينوب عنه في تدبير الأمور، و المعونة على مصالح الأحوال، و عاد و هو معه، و استشعر مجاهد الدين أن نية مجير الدين قد تغيرت فيه، فاستوحش من عوده الى البلد عن غير يمين يحلف له بها على إيمانه على نفسه، فوعد بالإجابة الى ما رغب فيه، و بقي الأمر موقوفا لأسباب اقتضت التوقف.
و وردت الأخبار في أثناء ذلك بأن الافرنج النازلين على عسقلان قد (174 ظ) ضايقوها بمغاداة القتال و مراوحته، الى أن تسهلت لهم أسباب الهجوم عليها من بعض جوانب سورها، فهدموه و هجموا البلد، و قتل بين الفريقين الخلق الكثير، و ألجأت الضرورة و الغلبة الى طلب الأمان، فأجيبوا إليه، و خرج منها من أمكنه الخروج في البر و البحر الى ناحية مصر و غيرها، و قيل إن في هذا الثغر المفتتح من العدد الحربية و الأموال، و الميرة و الغلال ما لا يحصر فيذكر، و لما شاع هذا الخبر في الأقطار ساء سماعه، و ضاقت الصدور، و تضاعفت الأفكار بحدوث مثله، فسبحان من لا يرد نافذ قضائه، و لا يدفع محتوم أمره عند نفوذه و مضائه.
ص: 498
و ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الأديب أبي الحسين أحمد بن منير الشاعر، في أيام من جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، بعلة هجمت عليه، ربا فيها لسانه، بحيث قضى نحبه و كان أديبا شاعرا عارفا بفنون اللغة، و أوزان العروض، لكنه مرهوب اللسان، خبيث الهجاء مجيد فيه، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه: منعم عليه، و لا مسيء اليه، و كان طبعه في الذم أخف منه في المدح و كان يصل بهجائه، لا بمدحه و ثنائه.
و وصل إلى دمشق الأديب أبو عبد اللّه محمد بن (نصر بن)(1)صغير القيسراني الشاعر من حلب يوم الأحد الثاني عشر من شعبان سنة ثمان و أربعين باستدعاء مجير الدين له، و حضر مجلسه و أنشده قصيدة حبرها يائية، مقيدة حسنة المعاني و المقاصد، فاستحسنها السامعون و استجادها، و شفعها بغيرها و وصله أحسن صلة و اتفق عوده الى منزله، فعرضت له حمى حادة، و جاء معها إسهال مفرط قضى نحبه في يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شعبان من السنة، و كان أديبا شاعرا مترسلا فاضلا، بليغ النظم، مليح المعاني، كثير التطبيق و التجنيس، و له يد قوية في علم النجوم و الأحكام و الهيئة، و حفظ الأخبار و التواريخ، و كان بينه و بين أبي الحسين أحمد بن منير على قديم الزمان مشاحنات، حرص معها على الاصلاح بينهما فما تهيأ ذلك لمن رامه، و كان بينهما هذه المدة اليسيرة.
و كان قد ورد من بغداد الى دمشق في أوائل سنة ثمان و أربعين و خمسمائة الشيخ الإمام الفيلسوف أبو الفتوح ابن الصلاح، و كان غاية في الذكاء، و صفاء الحس، و النفاذ في العلوم الرياضية: (175 و) الطب و الهندسة و المنطق و الحساب، و فنون النجوم و الأحكام و المواليد، و الفقه و ما يتصل به، و تواريخ الأخبار و السير
1) أضيف ما بين الحاصرتين من خريدة القصر و جريدة العصر للعماد الأصفهاني الكاتب- قسم شعراء الشام- ط. دمشق 1955: 1/ 96، و في هذا الجزء حديث مطول عن كل من ابن منير و القيسراني: 76- 160.
ص: 499
و الآداب، بحيث وقع الإجماع عليه، بأنه لم ير مثله في جميع العلوم، و حسن الخلق، و نزاهة النفس، بحيث لا يقبل من أحد من الولاة صلة قلت أو كثرت، و اتفق للحين المقضي أنه عرض له مرض حاد، و معه اسهال مفرط أضعف قوته، أقام به أياما و توفي الى رحمة اللّه في دمشق يوم الأحد السادس و العشرين من شعبان من السنة، و قيل إنه من بيت كبير في العلم و الأصل، و نظم فيه هذه الأبيات بصفة حاله في هذا الموضع، ليعرف محله:
سررت أبا الفتوح نفوس قومرأوك وحيد فضلك في الزمان
حويت علوم أهل الأرض طرّاو بيّنت الجليّ من البيان
دعيت الفيلسوف و ذاك حقّبما أوضحت من غرر المعاني
و وافاك القضاء بعيد دارغريبا ما له في الفضل ثان
فأودعت القلوب عليك حزنايعضّ عليه أطراف البنان
لئن بخل الزمان عليّ ظلمابأني لا أراك و لن تراني
فقد قامت صفاتك عند مثليمقام السمع مني و العيان
سقى جدثا به أصبحت فرداملث الغيث بهمي غير وان
و في أيام من تشرين الثاني الموافق لأيام من شعبان سنة ثمان و أربعين أرسل اللّه تعالى، و له الحمد و الشكر، من الغيث المتدارك الهطال ما أحيا به الأرض بعد القحط و الجدب، و أجرى أودية حوران و أفعم بركها بعد جفافها، و قيل إن هذا الغيث لم ير مثله في هذا الوقت في السنين الماضية، و أنه أفرط في أعمال طبرية، بحيث حدث منه سيل جارف هدم عدة من مساكنها، و رماها الى البحيرة، فسبحان محيي عباده، و مغيث بلاده.
و في يوم الخميس انسلاخ شعبان من السنة توفي الشيخ الإمام الفقيه برهان الدين أبو الحسن علي البلخي، رئيس الحنفية رحمه اللّه، و دفن في مقابر باب الصغير المجاور لقبور الشهداء، رضي اللّه عنهم، و كان من التفقه
ص: 500
على مذهب الإمام أبي حنيفة (175 ظ) رحمه اللّه، ما هو مشهور شائع، مع الورع و الدين و العفاف و التصون، و حفظ ناموس الدين، و العلم و التواضع و التردد الى الناس على طريقة مرضية، و سجية محمودة، لم يشاركه فيها غيره، و وقع الأسف عليه من جميع الخاص و العام، و التأبين له، و الحزن عليه.
قد مضى من ذكر الرئيس المسيب في حصوله بصرخد، و تقرر بعد ذلك تطييب نفس مجاهد الدين، و الحلف له على إزالة ما خامره من الاستيحاش و النفار ما سكن إليه، و اعتمد عليه، و عاد إلى داره بدمشق أواخر شعبان و صام رمضان فيها، ثم هجس في خاطره من مجير الدين و خواصه ما أوحشه منهم، و دعاه ذلك الى الخروج من البلد سرا في يوم الثلاثاء الثاني عشر من شوال طالبا صرخد، فحين عرف خبره، نهض في طلبه و قص أثره جماعة من شوال طالبا صرخد، فحين عرف خبره، نهض في طلبه و قص أثره جماعة من الخيل، فأدركوه و قد قرب من صرخد، فقبض عليه، و أعيد الى القلعة بدمشق و اعتقل بها اعتقالا جميلا.
و حدث في هذه الأيام من تتابع الأمطار في الأماكن و الثلوج في الجبال و الأعمال البقاعية، ما لم ير مثله، ثم ذاب الثلج، و سالت بمائه الأودية و الشعاب، و ساح على الأرض كالسيل الجارف، و امتلأت به الأنهار، و التقت الشطط، و أفسد ما مر به من الأراضي المنخفضة، و وصل المد الى بردى، و ما قرب منها، و رؤي من كثرته و عظمه و تغير لونه ما كثر التعجب منه، و الاستعظام له، فسبحان مالك الملك، منزل الغيث من بعد القنوط، إنه على كل شيء قدير.
ثم تجدد عقيب ذلك من الرئيس الوزير حيدرة المقدم ذكره أشياء ظهرت عنه، مع ما في نفس الملك مجير الدين منه، و من أخيه المسيب، و المعرفة بالسعي و الفساد ما اقتضت الحال استدعاءه الى القلعة، على حين غفلة منه، و عن القضاء النازل به، لسوء أفعاله، و قبح ظلمه و خبثه، ثم عدلت به
ص: 501
الجندارية الى الحمام بالقلعة، في يوم الأحد مستهل ذي القعدة من السنة، و ضربت عنقه صبرا، و أخرج رأسه و نصب على حافة الخندق، ثم طيف به و الناس يلعنونه و يصفون أنواع ظلمه و تفننه في الأدعية و الفساد، و مقاسمة اللصوص، و قطاع الطريق على أموال الناس المستباحة بتقريره، و حمايته، و كثر السرور بمصرعه، و ابتهج بالراحة منه، ثم رجعت العامة و الغوغاء، و من كان من أعوانه على الفساد من أهل العيث و الافساد الى منازله و خزائنه، و مخازن غلته و أثاثه و ذخائره، فانتهبوا منها ما لا يحصى، و غلبوا أعوان السلطان و جنده عليها بالكثرة، و لم يحصل للسلطان من ذلك إلا النزر (176 و) اليسير، و ردّ أمر الرئاسة و النظر في البلد في اليوم المقدم ذكره الى الرئيس رضي الدين أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، و طاف في البلد مع أقاربه، و سكن أهله، و سكنت الدهماء، و لم يغلق في البلد حانوت و لا اضطرب أحد، و استبشر الناس قاطبة من الخاص و العام و العسكرية، و عامة الرعية، و بولغ في إخراب منازل الظالم، و نقل أخشابها، و هذه عادة الباري تعالى في الظالمين، و الفسقة المفسدين، «وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ»(1).
و في ذي القعدة سنة ثمان و أربعين وردت الأخبار من ناحية بغداد، بورود الأخبار إليها من ناحية الشرق باضطراب الأحوال في الأعمال الخراسانية، و انفلال عسكر السلطان سنجر، و الاستيلاء عليه و القهر، و الاستظهار، و حصره في دار مملكته بلخ، و التضييق عليه، و استدعاء ما في خزائنه من الأموال، و الآلات و الذخائر و الأمتعة، و الجواهر بخلق عظيم من الغز و التركمان، تجمعوا من أماكنهم و معاقلهم، و حللهم في الأعداد الدثرة، و التناهي في الاحتشاد و الكثرة، و لم يكن للسلطان سنجر مع كثرة عساكره
1) القرآن الكريم- هود: 102.
ص: 502
و أجناده (بهم) طاقة، و لا لدفعهم(1)قوة، فقهروه و غلبوه و حصروه، و قيل إن نيسابور(2)و تلك الأعمال حدث فيها من الفساد و الخلف، و القتل و النهب، و السلب ما ترتاع النفوس باستماع مثله، و تفرق من قبح فعله، و نهبت بلخ بالمذكورين المقدم ذكرهم أشنع نهب، و أبشع سلب، فسبحان مدبر بلاده و عباده، كما يشاء، إنه على كل شيء قدير.
و في الشهر المذكور حدث بمدينة دمشق إرتفاع السعر، لعدم الواصلين إليها بالغلات في بلاد الشمال، على جاري العادة، بتقدم نور الدين صاحب حلب، بالمنع من ذلك، و حظره، فأضر ذلك بأهلها من المستورين و الضعفاء و المساكين، و بلغ سعر الغرارة الحنطة خمسة و عشرين دينارا، و زاد على ذلك، و خلا من البلد الخلق الكثير، و لقوا من البؤس و الشدة و الضعف ما أوجب موت جماعة وافرة في الطرقات، و انقطعت الميرة من كل الجهات، و ذكر أن نور الدين عازم على قصد دمشق بمنازلتها، و الطمع لهذه الحال في مملكتها، و ذلك مستصعب عليه لقوة سلطانها، و كثرة أجنادها (176 ظ) و أعوانها، و اللّه تعالى المرجو لقرب الفرج، و حسن النظر بخلقه بالرأفة و الرحمة، كما جرت عوائد إحسانه و فضله فيما تقدم.
و في أواخر ذي القعدة استدعي الرئيس رضي الدين إلى القلعة المحروسة، و شرف بالخلع المكملة، و المركوب بالسخت و السيف المحلي، و الترس، و ركب معه الخواص و أصحاب الركاب الى داره، و كتب له المنشور بالتقليد و الإقطاع، و لقب بالرئيس الأجل رضي الدين وجيه الدولة، سديد الملك، فخر الكفاة، عز المعالي شرف الرؤساء، و كان عطاء الخادم، المقدم ذكره،
ص: 503
قد استبد بتدبير الأمور، و مد يده في الظلم، و أطلق لسانه بالهجر، و أفرط في الاحتجاب عن الشاكي و المشتكي، بالغلمان و الحجاب، و قصر في قضاء الحوائج تقصيرا منكرا، و اتفق للأقضية المقدرة و المكافأة المقررة، أن تقدم مجير الدين باعتقاله و تقييده، و الاستيلاء على ما في داره، و مطالبته بتسليم بعلبك، و ما فيها من مال، و غلال، و سرت بمصرعه النفوس، و نهب العوام و الغوغاء بيوت أصحابه و أسبابه، و أرسل اللّه تعالى الغيث المتدارك، بحيث افترت الأرض عن نضارتها، و أبانت عن اخضرارها و غضارتها.
و لما كان في يوم الاثنين الخامس و العشرين من ذي الحجة من السنة، أمر مجير الدين بضرب عنق عطاء الخادم المذكور، لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه.
و في يوم الأربعاء السابع و عشرين من ذي الحجة، استدعى مجير الدين أبا الفضل، ولد نفيس الملك، المستوفي لجده تاج الملوك رحمه اللّه، ورد إليه استيفاء ديوانه على عادة أبيه، و لقبه لقب أبيه وجيه الدين نفيس الملك، و تقرر اشراف الديوان للعميد سعد الدولة أبي الحسن علي بن طاهر الوزير المزدقاني.
أولها يوم الاربعاء، مستهل المحرم، و الطالع للعالم الجوزاء، و في العشر الثاني من المحرم منها وصل الأمير الأسفهلار أسد الدين شيركوه، رسولا من نور الدين صاحب حلب، الى ظاهر دمشق، و خيم بناحية القصب من المرج، في عسكر يناهز الألف، فأنكر ذاك، و وقع الاستيحاش منه، و إهمال الخروج إليه، لتلقيه و الاختلاط به، و تكررت المراسلات فيما اقتضته الحال، و لم تسفر عن سداد و لا نيل مراد.
ص: 504
و غلا سعر الأقوات (177 و) لانقطاع الواصلين بالغلات، و وصل نور الدين في عسكره الى شيركوه في يوم الأحد الثالث من صفر، و خيم بعيون الفاسريا عند دومة، و رحل في الغد، و نزل بأرض الضيعة المعروفة ببيت الابار(1)من الغوطة، و زحف الى البلد من شرقية، و خرج إليه من عسكريته و أحداثه الخلق الكثير، و وقع الطراد بينهم، ثم عاد كل من الفريقين الى مكانه، ثم زحف يوما بعد يوم، فلما كان يوم الأحد العاشر من صفر، للأمر المقدر المقضي، و الأمر الماضي، و سعادة نور الدين الملك، و أهل دمشق، و كافة الناس أجمعين، باكر الزحف، و قد احتشد، و تهيأ لصدق الحرب، و ظهر إليه العسكر الدمشقي على العادة، و وقع الطراد بينهم، و حملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن، فاندفعوا بين أيديهم حتى قربوا من سور باب كيسان و الدباغة من قبلي البلد، و ليس على السور نافخ ضرمة من العسكرية و البلدية، لسوء تدبير صاحب الأمر، و الأقدار المقدرة، غير نفر يسير من الأتراك المستحفظين، لا يؤبه لهم، و لا يعول عليهم في أحد الأبراج، و تسرع بعض الرجالة الى السور، و عليه امرأة يهودية، فأرسلت إليه حبلا، فصعد فيه، و حصل على السور، و لم يشعر به أحد، و تبعه من تبعه، و اطلعوا علما نصبوه على السور، و صاحوا: نور الدين يا منصور، و امتنع الأجناد و الرعية من الممانعة، لما هم عليه من المحبة لنور الدين، و عدله، و حسن ذكره، و بادر بعض قطاعي الخشب بفأسه الى الباب الشرقي، فكسر أغلاقه، و فتح فدخل منه العسكر على رعب، و سعوا في الطرقات و لم يقف أحد بين أيديهم، و فتح باب توما أيضا، و دخل الناس منه ثم دخل الملك نور الدين و خواصه، و سر كافة الناس و من الأجناد و العسكرية لما هم عليه من الجوع و غلاء الأسعار، و الخوف من منازلة الأفرنج الكفار.
1) بليدة خربت، كان من عملها المنيحة و جرمانا و دير هند و بيت سابر، و الغالب أنها التل الكبير الماثل للعيان شرقي جرمانا، غوطة دمشق: 223.
ص: 505
و كان مجير الدين لما أحس بالغلبة و القهر، قد انهزم في خواصه الى القلعة، و أنفذ إليه و أومن على نفسه و ماله، و خرج الى نور الدين، فطيب نفسه، و وعده الجميل، و دخل القلعة في يوم الأحد المقدم ذكره، و قد أمر نور الدين في الحال بالمناداة بالأمان للرعية، و المنع من انتهاب شيء من دورهم، و تسرع قوم من الرعاع و الأوباش الى سوق علي(1)و غيره، فعاثوا و نهبوا، و أنفذ المولى الملك نور الدين الى أهل البلد بما طيب (177 ظ) نفوسهم، و أزال نفرتهم، و أخرج مجير الدين ما كان له في دوره بالقلعة و الخزائن من المال، و الآلات، و الأثاث على كثرته الى الدار الأتابكية، دار جده، و أقام أياما، ثم تقدم إليه بالمسير الى حمص في خواصه، و من أراد الكون معه من أسبابه و أتباعه، بعد أن كتب له المنشور بإقطاعه عدة ضياع بأعمال حمص برسمه، و رسم جنده و توجه الى حمص على القضية المقدرة(2)، ثم أحضر بعد ذلك اليوم أماثل الرعية من الفقهاء، و التجار، و خوطبوا بما زاد في إيناسهم، و سرور نفوسهم، و حسن النظر لهم بما يعود بصلاح أحوالهم، و تحقيق آمالهم، فأكثر الدعاء له، و الثناء عليه، و الشكر للّه على ما أصاروه إليه، ثم تلا ذلك ابطال حقوق دار البطيخ، و سوق البقل و ضمان الأنهار، و أنشأ بذلك المنشور، و قرئ على المنبر بعد صلاة الجمعة، فاستبشر الناس بصلاح الحال، و أعلن الناس من التناء و الفلاحين، و الحرم
1) على مقربة من القلعة، حيث قام ما عرف باسم سوق الخيل الى امتداد منطقة البحصة الحالية.
2) أورد ابن الأثير في كتابه الباهر: 108« و أما مجير الدين فإنه أقام بحمص، و راسل أهل دمشق في اثارة الفتنة، فأنهي الأمر الى نور الدين، فخاف أن يحدث ما يشق تلافيه، بل ربما تعذر، لا سيما مع مجاورة الفرنج، فأخذ حمص من مجير الدين، و عوضه عنها مدينة بالس، فلم يرضها، و سار عن الشام الى العراق، فأقام ببغداد، و ابتنى دارا تجاور المدرسة النظامية، و توفي بها».
ص: 506
و المتعيشين برفع الدعاء الى اللّه تعالى بدوام أيامه، و نصرة أعلامه، و اللّه سبحانه وليّ الإجابة بمنة و فضلة.
و قد كان مجاهد الدين بزان قد أطلق يوم الفتح من الإعتقال، و أعيد الى داره، و وصل الرئيس مؤيد الدين المسيب الى دمشق مع ولده النائب عنه في صرخد الى داره، معولا على لزومها، و ترك التعرض لشيء من التصرفات و الأعمال، فبدا منه من الأسباب المعربة عن إضمار الفساد، و العدول عن مناهج السداد و الرشاد، ما كان داعيا الى فساد النية فيه، و كان في احدى رجليه فتح قد طال به و نسر، ثم لحقه معه مرض و انطلاق متدارك أفرط عليه، و أسقط قوته مع فهاق متصل، و قلاع في فيه زائد، فقضى نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم الأربعاء الرابع من شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين و دفن في داره، و استبشر الناس بمهلكه، و الراحة منه، و من سوء أفعاله، بحيث لو عدت مخازيه مع جنونه و اختلاله، لطال بها الشرح، و عجز عنها الوصف.
و في أواخر المحرم من السنة، ورد الخبر من ناحية ماردين، بوفاة صاحبها الأمير حسام الدين بن ايل غازي بن أرتق، رحمه اللّه، في أول المحرم، و كان مع شرف قدره في التركمان، ذكيا محبا لأهل العلم و الأدب، مميزا عن أمثاله بالفضيلة.
و في شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر، بأن الإمام الظافر باللّه أمير المؤمنين (178 و) صاحبها، كان ركن الى أخويه يوسف و جبريل، و الى ابن عمهم صالح بن حسن، و أنس بهم في أوقات مسراته، فعملوا عليه، و اغتالوه و قتلوه، و اخفوا أمره في يوم الخميس انسلاخ صفر سنة تسع و أربعين و حضر الإمام، العادل عباس الوزير، و ولده ناصر الدين، و جماعة من الأمراء و المقدمين للسلام على الرسم، فقيل لهم:
إن أمير المؤمنين ملتاث الجسم، فطلبوا الدخول عليه لعيادته فاحتج عليهم، فلم يقبلوا، و ألحوا في الطلب، فظهر الأمر و انكشف، و اقتضت الحال
ص: 507
المسارعة الى قتل الجناة في الوقت و الساعة، و إقامة ولد الظافر عيسى، و هو صغير يناهز ثلاث سنين، و لقبوه الفائز بنصر اللّه، و أخذ البيعة على الأجناد و العسكرية و أعيان الرعية على جاري العادة، و العادل عباس الوزير، و إليه تدبير الأمور، و استمرت الأحوال على المنهاج(1).
ثم ورد الخبر بعد ذلك بأن الأمير فارس المسلمين، طلائع بن رز بك، و هو من أكابر الأمراء المقدمين، و الشجعان المذكورين، لما انتهى إليه الخبر، و هو غائب عن مصر، قلق لذاك، و امتعض، و جمع و احتشد، و قصد العود الى مصر، فلما عرف عباس الوزير بما جمع، خاف الغلبة و الإقدام على الهلكة، إذ لا طاقة له بملاقاته في حشده الكثير، و لم يمكنه المقام على الخطار بالنفس، فتأهب للهرب في خواصه و أسبابه، و حرمه و وجوه أصحابه، و ما تهيأ من ماله و تجمله و كراعه، و سار مغذا، فلما قرب من أعمال عسقلان و غزة ظهر اليه جماعة من خيالة الأفرنج، فاغتر بكثرة من معه، و قلة من قصده، فلما حملوا عليه قتل أصحابه و أعانوا عليه، و انهزم أقبح هزيمة هو و ولد له صغير، و أسر ابنه الكبير الذي قتل ابن السلار مع ولده و حرمه و ماله و كراعه، و حصلوا في أيدي الأفرنج، و من هرب لقي من الجوع و العطش، و مات العدد الكثير من الناس و الدواب، و وصل الى دمشق منهم من نجاه الهرب، على أشنع صفة من العدم و العري و الفقر، في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة، و ضاقت صدور المسلمين بهذه المصيبة المقضية بيد الأفرنج، فسبحان من لا يرد له قضاء، و لا محتوم أمر(2).
1) لمزيد من التفاصيل انظر اتعاظ الحنفا: 3/ 208- 214.
2) يروي المقريزي دخول طلائع الى القاهرة و يذكر:« و أما عباس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها الى بلاد الشام، فأرسلت أخت الظافر الى الفرنج بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال، و تبذل لهم الأموال في الخروج الى عباس، و اباحتهم جميع ما معه، و أن يبعثوا به الى القاهرة، فأجابوا الى ذلك». اتعاظ الحنفا: 3/ 215- 220.
ص: 508
و في آخر شهر ربيع الأول، وصل الأمير الاسفهسلار مجد الدين أبو بكر(1)محمد نائب المولى (178 ظ) الملك نور الدين في حلب الى دمشق، عقيب عوده من الحج، و أقام أياما و عاد منكفئا الى منصبه في حلب، و تدبير أعمالها و تسديد أحوالها.
و في شهر ربيع الآخر سنة تسع و أربعين و خمسمائة، ثار في دمشق مرض مختلف الحميات منه ما يقصر و منه ما يطول، و أعقبه بعد ذلك موت في الشيوخ و الشباب و الصبيان، ثم تقاصر ذلك.
و في أيام من جمادى الأولى من السنة ورد الخبر من ناحية مصر، بأن عدة وافرة من مراكب الأفرنج، من صقلية وصلت الى مدينة تنيس، على حين غفلة من أهلها فهجمت عليها، و قتلت و أسرت و سبت و انتهبت، و عادت بالغنائم بعد ثلاثة أيام و تركها صفرا(2)و بعد ذلك عاد من كان هرب منها في البحر بعد الحادثة، و من سلم، و اختفى، و ضاقت الصدور، عند استماع هذا الخبر المكروه.
و في شهر رمضان ورد الخبر من ناحية حلب، بوفاة القاضي فخر الدين أبي منصور محمد بن عبد الصمد الطرسوسي، رحمه اللّه، و كان ذا همة ماضية، و يقظة مضيئة، و مروءة ظاهرة في داره و ولده و من يلم به من غريب و وافد، و قد نفذ أمره و تصرفه في أعمال حلب في أيام الملكية النورية، و أثر في الوقوف أثرا حسنا، توفر به ارتفاعه ثم انعزل عن ذلك أجمل اعتزال.
ص: 509
و في يوم الثلاثاء الثامن من شهر رمضان سنة تسع و أربعين و خمسمائة، توفي الحكيم أبو محمد بن حسين الطبيب المعري، رحمه اللّه، و كان حسن الطريقة و الصناعة، كثير التجربة، ثاقب المعرفة، فكثر التأسف عليه، و عند فقد مثله.
و أولها يوم الاثنين مستهل المحرم، و الطالع العقرب عشرون درجة و ثلاثون دقيقة و ثمان و أربعون ثانية، و في اليوم الرابع و العشرين من ربيع الأول من السنة، تقررت أسباب الموادعة بين الملك العادل نور الدين، صاحب دمشق، و بين ملك الأفرنج تقدير السنة، و تمهدت القاعدة على هذه الحال الى آخر المدة المستقرة، و بعد أيام قلائل من ذلك خرج الأمر الملكي النوري بالقبض على ضحاك والي بعلبك، و طلب منه تسليمها، فأجاب الى ذلك و رحل العسكر المنصور إليها لتسلمها، و في يوم الخميس السابع من (179 و) شهر ربيع الأول من السنة كان تسليمها(1)، و رتب فيها من سلمت إليه، و اعتمد في حفظها عليه، و في يوم الاثنين الحادي و عشرين من رجب من السنة توجه الأمير أسد الدين شيركوه الى حلب، عند استدعاء الملك العادل نور الدين له.
و في أيام من شعبان من السنة، ورد الخبر من ناحية مصر بأن المنتصب في الوزارة فارس الاسلام ابن رزيك، لما استقام له الأمر عزم على مصالحة الأفرنج و موادعتهم، و استكفاف شرهم، و مصانعتهم بمال يحمل إليهم من
1) في الروضتين: 1/ 99:« و رأيت بعض المؤرخين قد ذكر أن مجير صاحب دمشق، أنزل نجم الدين من القلعة، و جعله في البلد- بعلبك- و ولى القلعة رجلا يقال له ضحاك، فلما ملك نور الدين دمشق، خرج الى بعلبك، و استنزل منها ضحاكا».
ص: 510
الخزانة، و ما يفرض على اقطاع المقدمين من الأجناد، فحين شاورهم في ذلك أنكروه، و نفروا منه، و عزموا على عزله و الاستبدال به من يرتضون به و اختاروا مقدما يعرف بالأمير ..(1)
3/ 224.
مشهورا بالشهامة و البسالة و حسن السياسة، و ارتضى لتولية الأسطول المصري مقدما من البحرية شديد البأس، بصيرا بأشغال البحر، فاختار جماعة من رجال البحر يتكلمون بلسان الأفرنج، و ألبسهم لباس الأفرنج، و أنهضهم في عدة من المراكب الأسطولية، و أقلع في البحر لكشف الأماكن و المكامن و المسالك المعروفة بمراكب الروم، و تعرف أحوالها، ثم قصد ميناء صور، و قد ذكر له أن فيه شختورة رومية كبيرة، فيها رجال، و مال كبير وافر، فهجم عليها و ملكها، و قتل من فيها، و استولى على ما حوته، و أقام ثلاثة أيام ثم أحرقها، و عاد عنها في البحر، فظفر بمراكب حجاج افرنج، فقتل و أسر و انتهب، و عاد منكفئا الى مصر بالغنائم و الأسرى.و في الشهر المذكور، ورد الخبر من ناحية حلب، بوقوع الخلف بين أولاد الملك مسعود بعد وفاته، و بين أولاد قتلمش، و بين أولاد قلج أرسلان، و أن الملك العادل نور الدين صاحب دمشق و حلب دخل بينهم للصلح و الاصلاح، و التحذير من الخلف المقوي للأعداء من الروم و الأفرنج، و طمعهم في المعاقل الاسلامية، و بالغ في ذلك بأحسن توسط، و بذل التحف و الملاطفات، و صلحت بينهم الأحوال.
و تناصرت الأخبار في هذا الأوان من ناحية العراق بأن الامام المقتفي لأمر اللّه أمير المؤمنين، قد اشتدت شوكته، و ظهر و استظهر على كل مخالف له و عادل عن حكمه، و لم يبق له مخالف مشاقق و لا عدو منافق، و أنه مجمع على قصد (179 ظ) الجهات المخالفة لأمره.
1) فراغ بالأصل، و قد أتى المقريزي على ذكر هذا الخبر دون أن يذكر اسم هذا الأمير أو المقدم و لربما كان هو الأمير الأوحد بن تميم. انظر اتعاظ الحنفا:
ص: 511
و في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة خمسين و خمسمائة عاد الملك العادل نور الدين الى دمشق من حلب، و قد كان ورد الخبر قبل ذلك بأن الأمير قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق(1)ورد على الملك العادل نور الدين، و هو بأعمال حلب، فبالغ في الإكرام له، و السرور بمقدمه، و لاطفه و ألطفه بما جل قدره، و عظم أمره من التحف و العطاء، ثم عاد عنه الى عمله، مسرورا شاكرا.
و ورد الخبر أيضا في شهر رمضان سنة خمسين بأن الملك العادل نور الدين نزل في عسكره بالأعمال المختصة بالملك قلج أرسلان بن الملك مسعود بن سليمان بن قتلمش ملك قونية، و ما والاها، فملك عدة من قلاعها و حصونها بالسيف و الأمان، و كان الملك قلج أرسلان و أخواه ذو النون و دولات مشتغلين بمحاربة أولاد الدانشمند، و اتفق أن أولاد الملك مسعود رزقوا النصر على أولاد الدانشمند و الاظهار على عسكره في وقعة كانت على موضع يعرف بأقصرا في شعبان سنة خمسين و خمسمائة، فلما عاد قلج أرسلان، و عرف ما كان من العادل نور الدين في بلاده، عظم عليه هذا الأمر، و استبشعه مع ما بينهما من الموادعة و المهادنة و الصهر، و راسله بالمعاتبة و الإنكار عليه، و الوعيد و التهديد، و أجابه بحسن الاعتذار و جميل المقال، و بقي الأمر بينهما مستمرا على هذه الحال.
و أولها يوم الجمعة مستهل المحرم، و الطالع الدلو خمس عشرة درجة، و ست عشرة دقيقة (و بعد)(2)وصول الحجاج يوم الجمعة السادس من
ص: 512
صفر من السنة توجه الملك العادل نور الدين الى ناحية حلب، في بعض عسكره في يوم الثلاثاء الرابع و العشرين من صفر من السنة، عند انتهاء خبر الأفرنج إليه بعيثهم في أعمال حلب، و افسادهم، و صادفه في طريقة المبشر بظفر عسكره في حلب بالأفرنج المفسدين على حارم، و قتلهم جماعة منهم و أسرهم، و وصل مع المبشر عدة وافرة من رؤوس الأفرنج المذكورين، و طيف بها في دمشق.
و في يوم الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الشيخ الفقيه الزاهد أبو البيان نبا بن محمد المعروف بابن الحوراني رحمه اللّه و كان حسن الطريقة مذ نشأ (180 و) صيّتا الى أن قضى، مدينا ثقة عفيفا، محبا للعلم و الأدب، و المطالعة للغة العرب، و كان له عند خروج سريره لقبره في مقابر الباب الصغير المجاورة لقبور الصحابة من الشهداء رضي اللّه عنهم، يوم مشهود من كثرة المتأسفين له و المتأسفين عليه(1).
و ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشريف السيد بهاء الدين أبي الحسن الهادي بن المهدي بن محمد الحسيني الموسوي، رحمه اللّه، في اليوم السابع عشر من رجب سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، و كان حسن الصورة فصيح اللسان بالعربية و الفارسية، جميل الأخلاق و الخلال، مشكور الأفعال، كريم النفس، مليح الحديث، واسع الصدر، مكين المحل من الملك العادل نور الدين، ركن الاسلام و المسلمين، سلطان الشام أدام اللّه علاه، و ناله من الحزن لفقده و التأسف عليه ما يقتضيه مكانه المكين عنده، و نظم فيه هذه
1) ذكره سبط ابن الجوزي في وفيات سنة- 551 ه- و نقل ما أورده ابن القلانسي و زاد عليه:« و حكى لي بعض مشايخي بدمشق أن أبا البيان، دخل يوما من الساعات الى جامع دمشق، فنظر الى أقوام في الحائط الشمالي، و هم يثلبون أعراض الناس، فاستقبل القبلة، و رفع يديه و قال: اللهم كما أنسيتهم ذكرك فأنسهم ذكري». مرآة الزمان: 1/ 227- 228.
ص: 513
الأبيات رثاه بها من كان بينه و بينه مودة مستحكمة أوجبت ذاك أن رأيت إثباتها في هذا الموضع، مع ذكره و هي:
نعى الناعي بهاء الدين لماأتاه نازل القدر المتاح
فروّع كل ذي علم و فضلمن الأدباء و العرب الفصاح
بكته غزالة الآفاق حزناو أظلم رزؤه ضوء الصباح
و اسيلت العيون دما عليهكذلك عادة المقل الصحاح
فكم متفجع يبكي عليهبحرقة موجع دامي الجراح
و ينشر فضله في كل نادبألفاظ محبرة فصاح
على حسناته تبكي المعاليبدمعة ثاكل خور رداح
فلو رام البليغ لها صفاتلقصر عن مراث و امتداح
له خلق صحيح لا يضاهىو وجه مشرق الأرجاء صاح
و كفّ جودها كالغيث يهميعلى العافين كالجود المباح
له شرفان في عرب و فرسو قد صالا بمرهفه الصفاح
فأضحى لا يساجل في جلالو لا شرف ينير و لا سماح
على أمثاله عند الرزاياتقط جيوب أرباب البطاح (180 ظ)
و من كان الحسين أباه قدمافقد نال المعلّى في القداح
لئن واراه في حلب ضريحبعيد عن مواطنه الفساح
و أصبح فيه منفردا غريباعن الأهلين في غلس و ضاح
فهذا الرسم جار في البرايابلا قصد يكون و لا اقتراح
فلا برحت عمائم كل نوءتروضه بأنوار الأقاحي
و رحمة محيي الأموات تسريعليه في الغدو و في الرواح
صدى الأيام ما ناحت هتوفو لاح بقفره بيض الاداحي
ص: 514
و في اليوم الخامس و العشرين توفي الشيخ أبو طالب شيخ الصوفية بدمشق رحمه اللّه، و كان خيرا تقيا عفيفا، حسن الطريقة، مشكور الخلال.
في ليلة الخميس التاسع من شعبان سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، الموافق لليوم السابع و العشرين من ايلول، في الساعة الثانية منها، وافت زلزلة عظيمة، رجفت بها الأرض ثلاث أو أربع مرات، ثم سكنت بقدرة من حركها و سكنها، سبحانه و تعالى من مليك قادر قاهر، ثم وافى بعد ذلك ليلة الأربعاء الثاني و عشرين من شعبان المذكور، زلزلة هائلة و جاءت قبلها و بعدها مثلها في النهار و في الليل، ثم جاء بعد ذلك ثلاث دونهن، بحيث أحصين ست مرات، و في ليلة السبت الخامس و عشرين من الشهر المذكور، جاءت زلزلة إرتاع الناس منها، في أول النهار و آخره، ثم سكنت بقدرة محركها، سبحانه و تعالى.
و تواصلت الأخبار من ناحية حلب و حماة، بانهدام مواضع كثيرة، و انهدام برج من أبراج أفامية بهذه الزلازل الهائلة(1)، و ذكر أن الذي أحصي عدده منها تقدير الأربعين، على ما حكي و اللّه تعالى أعلم، و ما عرف مثل ذلك في السنين الماضية، و الأعصر الخالية، و في يوم الأربعاء التاسع و عشرين من الشهر بعينه- شعبان- وافت زلزلة تتلو ما تقدم ذكره آخر النهار، و جاءت في الليل ثانية في آخره، ثم وافى في يوم الاثنين أول شهر رمضان من السنة زلزلة مروعة للقلوب، و عاودت ثانية، و ثالثة، ثم (181 و) وافى بعد ذلك في يوم الثلاثاء ثلاث زلازل، إحداهن في أوله هائلة، و الثانية و الثالثة دون الأولى، و أخرى في وقت الظهر مشاكلة لهن، و وافى بعد ذلك أخرى هائلة، أيقظت النيام، و روعت القلوب، انتصاف الليل، فسبحان
1) في الأصل« المباركة» و هي تصحيف مرده الى الناسخ، لعل صوابه ما أثبتنا.
ص: 515
القادر على ذلك، ثم وافى بعد ذلك في الساعة التاسعة من ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة زلزلة عظيمة هائلة أعظم مما سبق، و لما كان عند الصباح من الليلة المذكورة، وافت أخرى دونها، و تلا ما تقدم في ليلة السبت أولها، و جاءت أخرى آخرها، ثم تلا ذلك في يوم الاثنين زلزلة هائلة، و تلا ذلك في ليلة الجمعة الثالث و العشرين من شهر رمضان في الثلث الأول منها زلزلة عظيمة مزعجة، و في غداة يوم الأحد ثاني شوال من السنة تالي ما تقدم ذكره، وافت زلزلة أعظم مما تقدم، روعت الناس و أزعجتهم و في يوم الخميس سابع شوال المذكور، وافت زلزلة هائلة في وقت صلاة الغداة، و في يوم الأحد الثالث عشر منه، وافت زلزلة هائلة، في وقت صلاة الغداة، و في يوم الإثنين تلوه وافت زلزلة أخرى مثلها، ثم أخرى بعدها دونها، ثم ثالثة، ثم رابعة، و في ليلة الأحد الثاني و العشرين من شوال، وافت زلزلة عظيمة روعت النفوس، ثم وافى عقيب ذاك ما أهمل ذكره لكثرته، و دفع اللّه تعالى عن دمشق، و ضواحيها ما خاف أهلها من توالي ذلك و تتابعه، برأفته بهم، و رحمته لهم، فله الحمد و الشكر، لكن وردت الأخبار من ناحية حلب بكثرة ذلك فيها، و انهدام بعض مساكنها، إلا شيزر فإن الكثير من مساكنها انهدم على سكانها، بحيث قتل منهم العدد الكثير، و أما كفرطاب فهرب أهلها منها خوفا على أرواحهم، و أما حماة فكانت كذلك، و أما باقي الأعمال الشامية فما عرف ما حدث فيها من هذه القدرة الباهرة(1).
و في يوم الأربعاء الحادي و العشرين من شهر رمضان سنة احدى و خمسين و خمسمائة، وصل المولى الملك نور الدين أعز اللّه نصره الى بلده دمشق، عائدا من ناحية حلب و أعمال الشام بعد تهذيبها و تفقد أحوالها سالما في النفس و الجملة، بعد استقرار الموادعة بينه و بين ولد السلطان مسعود صاحب قونية (181 ظ) و زوال ما كان حدث بينهما.
1) لمزيد من التفاصيل، انظر الروضتين: 1/ 103- 105.
ص: 516
و في شوال تقررت الموادعة و المهادنة بينه و بين ملك الأفرنج مدة سنة كاملة أولها شعبان، و أن المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية، و كتبت المواصفة بذلك بعد تأكيدها بالأيمان بالمواثيق المشددة، و كان المعروف بأبي سالم بن همام الحلبي قد ولي مشارفة الديوان بدمشق، بعناية الأمير أسد الدين النائب عن الملك العادل نور الدين، فظهر منه خيانات اعتمدها، و تفريطات قصدها بجهله و سخافة عقله و تقصيره، فأظهرها قوم من المتصرفين عند الكشف عنها، و التحقيق لها، فاقتضت الحال القبض عليه و الاعتقال له إلى أن يقوم بما وجب عليه، فلما كان في يوم الأحد السادس عشر من شوال سنة إحدى و خمسين و خمسمائة خرج الامر السامي النوري بالكشف عن سعاياته في فضول كان غنيا عنها، فاقتضت الحال بأن تحلق لحيته و يركب حمارا مقلوبا، و خلفه من يعلوه بالدرة، و أن يطاف به في أسواق دمشق بعد سخام وجهه، و ينادي عليه: «هذا جزاء كل خائن و نمام» ثم أقام بعد ذلك في الاعتقال أياما، ثم أمر بنفيه الى حلب بشفاعة من شفع فيه من مقدمي الدولة السعيدة، فمضى على أقبح صفة من لعن الناس، و نشر مخازيه، و تعديد مساويه.
و في شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بارتفاع أسعار الغلة بها، و قلة وجودها، و شدة إضرارها بالضعفاء و المساكين و غيرهم، و أمر المتولي لأمرها التناء و المحتكرين لها ببيع الزائد على أقواتهم على المقلين و المحتاجين، و وكد الخطاب في ذلك، و ما زادت الحال إلا شدة مع ما ذكر من توفية النيل في السنة.
و في شعبان وردت الأخبار من ناحية العراق، بخلاص السلطان سنجر ابن السلطان العادل من ضيق الاعتقال المتطاول به، بتدبير أعمل على الموكلين به، و وعود وافية، بحيث أجابوا الى ذلك، و عاد الى مكانه من السلطنة،
ص: 517
و وفى بما وعد المساعدين له على الخلاص، و قويت شوكته، و استقامت مملكته(1).
و في شهر رمضان وردت الأخبار من ناحية الموصل، بأن السلطان سليمان شاه بن السلطان محمد(2)عزم على العبور في عسكره الى أعمال الموصل، فانفذ إليه واليها و مدبرها الأمير زين الدين على كوجك، يقول له:
إنك فعلت و أضررت بالأعمال، و آذيت أهلها، و سأله (183 و) فلم يقبل، و نهض إليه في عسكره من الموصل، و من انضاف إليه و صاففه، فرزق النصر عليه، و هزم عسكره أقبح هزيمة، و استولى على سواده، و عاد به الى الموصل ظافرا منصورا.
و في العشر الأخير من ذي الحجة من السنة غدر الكفرة الأفرنج، و نقضوا ما كان استقر من الموادعة و المهادنة، بحكم وصول عدة وافرة من الأفرنج في البحر، و قوة شوكتهم بهم، و نهضوا الى ناحية الشعراء المجاورة لبانياس، و قد اجتمع فيها من جشارات خيول العسكرية و الرعية و عوامل الفلاحين فلاحي الضياع و مواشي الجلابين و العرب الفلاحين الشيء الكثير، الذي لا يحصى، فيذكر، للحاجة الى الرعي بها، و السكون الى الهدنة المستقرة، و وقع من المندوبين لحفظهم من الأتراك تقصير، فانتهزوا الفرصة، و استاقوا جميع ما وجدوه و أفقروا أهله منه، مع ما أسروه من تركمان و غيرهم، و عادوا ظافرين غانمين آثمين، و اللّه تعالى في حكمه يتولى المكافأة لهم، و الإدالة منهم، و ما ذلك عليه بعزيز.
ص: 518
أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم، و الطالع برج الدلو اثنتين و عشرين درجة و ثماني عشرة دقيقة، و قد تقدم شرح ما حدث من الزلازل الى أواخر سنة إحدى و خمسين، ما يغني عن ذكره، و لما كانت ليلة الأربعاء التاسع عشر من صفر سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة، وافت زلزلة عظيمة عند انبلاج الصباح، فروعت و أزعجت، ثم سكنها محركها بلطفه و رأفته بعباده، ثم تلا ذلك أخرى دونها إلى ليلة الخميس تاليه، بعد مضي ساعات منها، و وافت بعدهما أخرى بعد صلاة الجمعة تاليه، و تواصلت الأخبار من ناحية الشمال بعظم تأثير هذه الزلازل الأول منها و الأخر، في مدينة شيزر و حماة، و كفر طاب و أفامية، و ما والاها الى مواضع من حلب، و اللّه تعالى ذكره و عز اسمه أعلم و أرحم لخلقه.
و في العشر الأخير من صفر ورد كتاب السلطان غياث الدنيا و الدين أبي الحارث سنجر بن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان ألب أرسلان، أعز اللّه نصره الى الملك العادل نور الدين، أدام اللّه أيامه، بالتشوق إليه و الإحماد (183 ظ) بخلاله، و ما ينتهي إليه من جميع أفعاله، و إعلامه ما منّ اللّه عليه به من خلاصه من الشدة التي وقع فيها، و الأسر الذي بلي به في أيدي الأعداء الكفرة من ملوك التركمان، بحيلة دبرها و سياسة أحكمها و قررها، بحيث عاد الى منصبه من السلطنة المشهورة، و اجتماع العساكر المتفرقة عنه إليه، و اذعانها بطاعته، و امتثالها لأوامره و أمثلته، و احسان وعده لكافة المسلمين بنصره على أحزاب الضلال من الأفرنج الملاعين.
و تواصلت مع ذلك الى نور الدين رسل أرباب الأعمال و المعاقل و الولايات، بالاستعداد للخفوف الى أعداء اللّه الملاعين، و غزو من بإزائه من
ص: 519
المشركين، الأضداد المفسدين في البلاد، و الناكثين أيمانهم الموكدة في الموادعة و المهادنة، فعند ذلك أمر المولى نور الدين بزينة البلد المحروس سرورا بهذه الأحوال، و فعل في ذلك ما لم تجر عادة فيما تقدم في أيام الولاة الخالية، و أمر مع ذلك بزينة قلعته و دار مملكته بحيث جلل أسوارها بالآلات الحربية من الجواشن و الدروع و التراس و السيوف و الرماح و الطوارق الأفرنجية، و القنطارات و الأعلام و المنجوقات و الطبول و البوقات، و أنواع الملاهي المختلفات، و هرعت الأجناد و الرعايا و غرباء البلاد من المسافرين لمشاهدة الحال فشاهدوا ما استحسن منه، مدة سبعة أيام فاللّه تعالى يقرن ذلك بالتوفيق و الإقبال، و تحقيق الآمال في إهمال الكفرة أولي الأفك و الضلال، بمنه و فضله.
و في يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول، توجه المولى نور الدين أدام اللّه أيامه الى ناحية بعلبك، لتفقد أحوالها و تقرير أمر المستحفظين لها، و تواصلت الأخبار إليه من ناحية حمص و حماة بإغارة الأفرنج الملاعين على تلك الأعمال، و إطلاقهم فيها أيدي العيث و الفساد، و اللّه تعالى يحسن الإدالة منهم و يعجل البوار عليهم، و الاهلاك لهم.
و في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، توجه زين الحجاج كتب اللّه سلامته، الى ناحية مصر رسولا من المولى نور الدين، لإيصال ما صحبه من المطالعات الى صاحب الأمر فيها، و صحبته أيضا الرسول الواصل منها.
و في يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع الأول، ورد المبشر من المعسكر المنصور برأس الماء، بأن نصرة الدين أمير ميران، لما انتهى إليه خبر الأفرنج الملاعين بأنهم قد أنهضوا سرية وافرة من العدد من أبطالهم (184 و) الموفورة العدد الى ناحية بانياس لتوليها و تقويتها بالسلاح و المال،
ص: 520
أسرع النهضة إليهم في العسكر المنصور، و قد ذكر أن عدتهم سبعمائة فارس من أبطال الاستبارية و السرجندية و الداوية، سوى الرجالة، فأدركهم قبل الوصول الى بانياس، و قد خرج إليهم من كان فيها من حماتها، فأوقع بهم، و قد كان كمن لهم في مواضع كمناء من شجعان الأتراك، و جالت الحرب بينهم، و اتفق اندفاع المسلمين بين أيديهم في أول المجال، و ظهر عليهم الكمناء فأنزل اللّه نصره على المسلمين و خذلانه على المشركين، فتحكمت من رؤوسهم و رقابم مرهفات السيوف، بقوارع الحمام و الحتوف، و تمكنت من أجسادهم مشرعات الرماح و صوارم السهام، بحيث لم ينج منهم إلا القليل ممن ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، و صاروا بأجمعهم بين قتيل و جريح و مسلوب و أسير و طريح، و حصل في أيدي المسلمين من خيولهم و عدد سلاحهم و كراعهم و أموالهم و قراطيسهم و أسراهم، و رؤوس قتلاهم، ما لا يحد كثرة، و محقت السيوف عامة رجالتهم من الأفرنج، و مسلمي جبل عاملة المضافين إليهم، و كان ذلك يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول، و وصلت الأسرى و الرؤوس من القتلى و العدد الى البلد المحروس، في يوم الاثنين تاليه، و أطيف بهم البلد، و قد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير، و الجم الغفير، و كان يوما مشهودا مستحسنا، سرت به قلوب المؤمنين، و أحزاب المسلمين، و كان ذلك من اللّه تعالى ذكره و جل اسمه، مكافأة على ما كان من بغي المشركين، و إقدامهم على نكث أيمان المهادنة مع المولى نور الدين، أعز اللّه نصره، و نقض عهود الموادعة، و إغارتهم على الجشارات و مواشي الجلابين و الفلاحين المضطرين الى المرعى في الشعراء، لسكونهم الى الأمن بالمهادنة، و الاغترار بتأكيد الموادعة، و كان قد أنفذ المولى نور الدين الى بعلبك جماعة من أسرى المشركين، فأمر بضرب أعناقهم صبرا «ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم»(1)«و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»(2).
ص: 521
و تبع هذا الفتح المبين، ورود البشرى الثانية من أسد الدين، باجتماع العدد الكثير إليه من شجعان التركمان، و أنه قد ظفر من المشركين بسرية وافرة، ظهرت من معاقلهم من ناحية الشمال، فانهزمت، و تخطف التركمان منهم من ظفروا به، و وصل أسد الدين الى بعلبك في العسكر (184 ظ) من مقدمي التركمان و أبطالهم للجهاد في أعداء اللّه المشركين، و هم في العدد الكثير، و الجم الغفير، و اجتمع بالملك العادل نور الدين في يوم الاثنين الخامس و العشرين من شهر ربيع الأول، من السنة، و تقررت الحال على قصد بلاد المشركين لتدويخها، و إقامة فرض الغزو و الجهاد لمن بها، و الابتداء بالنزول على بانياس، و المضايقة لها، و الجهاد في افتتاحها، و اللّه يسهل ذلك بلطفه و يعجله بمعونته.
و وصل نور الدين الى البلد المحروس في يوم الخميس السابع و العشرين من شهر ربيع الأول، لتقرير الأمر في إخراج آلات الحرب، و تجهيزها الى العسكر، بحيث يقيم أياما يسيرة، و يتوجه في الحال الى ناحية العساكر المجتمعة من التركمان و العرب للجهاد في الكفرة الاضداد، و اللّه يسهل أسباب الإدالة منهم، و يعجل البوار و الهلاك لهم، إن شاء اللّه تعالى.
و في وقت وصوله شرع في انجاز ما وصل لأجله، و أمر بتجهيز ما يحتاج إليه من المناجيق و السلاح الى العسكر المنصور، بالنداء في البلد المحروس، في الغزاة و المجاهدين، و الأحداث و المتطوعة من فتيان البلد و الغرباء، بالتأهب و الاستعداد لمجاهدة الأفرنج أولي الشرك و الإلحاد، و بادر بالمسير في الحال الى عسكره المنصور، مغذا غير متلوم، و لا متريث في يوم السبت انسلاخ شهر ربيع الأول، و تبعه من الأحداث و المتطوعة و الفقهاء و الصوفية و المتدينين العدد الكثير الدثر المباهي في الوفور، و الكثرة فاللّه تعالى يقرن آراءه و عزماته بالنصر المشرق المنار، و الظفر بإخراب المردة الكفار، و يعجل لهم أسباب الهلاك و البوار، بحيث لا تبقى لهم باقية، و لا يرى لهم رائحة، و لا غادية، و ما ذلك على اللّه تعالى القادر القاهر بعزيز.
ص: 522
و لما كان يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر، تالي اليوم المقدم ذكره، عقيب نزول الملك العادل نور الدين على بانياس في عسكره المنصور، و مضايقته لها بالمنجنيقات و الحرب، سقط الطائر من العسكر المنصور بظاهر بانياس، يتضمن كتابه الإعلان بورود المبشر من معسكر أسد الدين بناحية هونين في التركمان و العرب، بأن الافرنج خذلهم اللّه أنهضوا سرية من أعيان مقدميهم و أبطالهم، تزيد على مائة فارس سوى أتباعهم، لكبس المذكورين ظنا منهم أنهم في قل، و لم يعلموا أنهم في ألوف، فلما دنوا منهم و ثبوا إليهم كالليوث الى فرائسها، فأطبقوا عليهم بالقتل و الأسر و السلب، و لم يفلت (185 و) منهم إلا اليسير، و وصلت الأسرى، و رؤوس القتلى، و عددهم من الخيول المنتخبة و الطوارق و القنطاريات الى البلد في اليوم الإثنين تالي اليوم المذكور، و طيف بهم فيه فسرت القلوب بمشاهدتهم، و أكثروا الشكر للّه على هذه النعمة المتسهلة بعد الأولى المتكملة، و اللّه المأمول لتعجيل هلاكهم و بوارهم، و ما ذلك على اللّه بعزيز، و تتلو هذه الموهبة المجددة سقوط الطائر من المعسكر المحروس ببانياس في يوم الثلاثاء يتلوا المذكور، بذكر افتتاح مدينة بانياس قهرا، على مضي أربع ساعات من يوم الثلاثاء المذكور عند تناهي النقب، و اطلاق النار فيه، و سقوط البرج المنقوب، و هجوم الرجال فيه، و بذل السيف في قتل من فيه، و نهب ما حواه، و إنهزام من سلم الى القلعة و انحصارهم بها، و أن أخذهم بمشيئة اللّه تعالى لا يبطىء، و اللّه يسهله و يعجله.
و اتفق بعد ذلك للأقضية المقدرة أن الأفرنج تجمعوا من معاقلهم، عازمين على استنقاذ الهنفري، صاحب بانياس، و من معه من أصحابه الأفرنج المحصورين بقلعة بانياس، و قد أشرفوا على الهلاك، و بالغوا في السؤال للأمان للمولى نور الدين، و يسلمون ما في أيديهم من القلعة، و ما حوته لينجو سالمين، فلم يجبهم الى ما سألوه و رغبوا فيه، فلما وصل ملك الأفرنج في جمعه من الفارس و الراجل من ناحية الجبل على حين غفلة من العسكرين
ص: 523
النازلين: على بانياس لحصارها، و النازل على الطريق لمنع الواصل إليها، اقتضت السياسة الاندفاع عنها، بحيث وصلوا إليها و استخلصوا من كان فيها، فحين شاهدوا ما عم بانياس من خراب سورها، و منازل سكانها، يئسوا من عمارتها بعد خرابها، و ذلك في أيام من العشر الأخير من شهر ربيع الآخر.
و في يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى سقطت الأطيار بالكتب من المعسكر المحروس النوري، تتضمن الإعلام بأن الملك العادل نور الدين، أعز اللّه نصره، لما عرف أن معسكر الكفرة الأفرنج على الملاحة بين طبرية و بانياس، نهض في عسكره المنصور من الأتراك و العرب، وجد في السير، فلما شارفهم، و هم غارون، و شاهدوا راياته قد أظلتهم، بادروا بلبس السلاح و الركوب، و افترقوا أربع فرق، و حملوا على المسلمين، فعند ذلك ترجل (185 ظ) الملك نور الدين، و ترجلت معه الأبطال، و أرهقوهم بالسهام و خرصان الرماح، فما كان إلا كلا و لا، حتى تزلزلت بهم الأقدام، و دهمهم البوار و الحمام، و أنزل اللّه العزيز القهار نصره على الأولياء الأبرار، و خذلانه على المردة الكفار، و تمكنا من فرسانهم قتلا و أسرا، و استأصلت السيوف الرجالة، و هم العدد الكثير، و الجم الغفير، و لم يفلت منهم على ما حكاه الخبير الصادق غير عشرة نفر، ممن ثبطه الأجل، و أطار قلبه الوجل، و قيل إن ملكهم لعنهم اللّه فيهم، و قيل إنه في جملة القتلى، و لم يعرف له خبر، و الطلب مجد له، و اللّه المعين على الاظفار به، و لم يفقد من عسكر الإسلام سوى رجلين أحدهما من الأبطال المذكورين، قتل أربعة من شجعان الكفرة، و قتل عند حضور أجله، و انتهاء مهله، و الآخر غريب لا يعرف، فكل منهما مضى شهيدا، مثابا مأجورا، رحمهما اللّه، و امتلأت أيدي العسكرية من خيولهم، و عددهم و كراعهم، و أثاث سوادهم الشيء الذي لا يحصى كثرة، و حصلت كنيستهم في يد الملك نور الدين بآلاتها المشهورة، و كان فتحا من اللّه القادر
ص: 524
الناصر عزيزا، و نصرا مبينا، أعز اللّه بهما الإسلام و أهله، و أذل الشرك و حزبه.
و وصلت الأسرى و رؤوس القتلى الى دمشق، في يوم الأحد تالي يوم الفتح، و قد رتبوا على كل جمل فارسين من أبطالهم، و معهما راية من راياتهم منشورة، و فيها من جلود رؤوسهم بشعرها عدة، و المقدمون منهم، و ولاة المعاقل و الأعمال، كل واحد منهم على فرس، و عليه الزردية و الخوذة، و في يده راية، و الرجالة من السرجندية و الدركبولية(1)كل ثلاثة و أربعة و أقل و أكثر في حبل، و خرج من أهل البلد الخلق الذي لا يحصى لهم عدد، من الشيوخ و الشبان و النسوان و الصبيان، لمشاهدة ما منح اللّه تعالى ذكره، كافة المسلمين، من هذا النصر المشرق الأعلام، و أكثروا من التسبيح، و مواصلة التقديس للّه تعالى مولى النصر لأوليائه، و مديلهم من أعدائه، و واصلوا الدعاء الخالص للملك العادل نور الدين، المحامي عنهم، و المرامي دونهم، و الثناء على مكارمه، و الوصف لمحاسنه، و نظم في ذلك أبيات في هذا المعنى و هي: (186 و).
مثل يوم الفرنج حين علتهمذلة الأسر و البلا و الشقا
و براياتهم على العيس زفّوابين ذلّ و حسرة و عناء
بعد عزّ لهم و هيبة ذكرفي مصاف الحروب و الهيجاء
هكذا هكذا هلاك الأعاديعند شن الإغارة الشعواء
شؤم أخذ الجشار كان وبالاعمهم في صباحهم و المساء
نقضوا هدنة الصلاح بجهلبعد تأكيدها بحسن الوفاء
فلقوا بغيهم بما كان فيهمن فساد بجهلهم و اعتداء
لا حمى اللّه شملهم من شتاتبمواض تفوق حدّ المضاء
فجزاء الكفور قتل و أسرو جزاء الشكور خير الجزاء
فلرب العباد حمد و شكردائم مع تواصل النعماء
1) فرسان خفاف غالبا ما كانوا من المرتزقة.
ص: 525
و شرع في قصد أعمالهم لتملكها و تدويخها، و اللّه المعين و الموفق لذلك بمنه و لطفه و مشيئته.
و في يوم الخميس الخامس و العشرين من جمادى الأولى وافت زلزلة عظيمة بعد مضي ثلاث ساعات منه اهتزت لها الأرض هزات، ثم وافت بعدها ثانية قريب بعد مضي ست ساعات من اليوم، ثم بعد مضي ثماني ساعات من هذا اليوم المذكور، وافت ثالثة أشد من الأوليين، و أزعج، فسبحان محركهن بقدرته، و مسكنهن بحكمته، تعالى علوا كبيرا.
و في آخر هذا اليوم وافت زلزلة رابعة لما تقدم بين العشائين من ليلته مروعة هائلة، أزعجت و أقلقت، و ضج الناس بالتهليل و التسبيح و التقديس، و في ليلة الأحد الرابع من جمادى الآخرة من السنة في آخرها عند صلاة الغداة، وافت زلزلة هائلة، و جاء بعدها أخرى دونها، و تواصلت الأخبار من ناحية الشمال، بأن هذه الزلازل أثرت في حلب تأثيرا أزعج أهلها و أقلقهم، و كذلك في حمص، و هدمت مواضع فيها و في حماة و كفر طاب و أفامية، و هدمت فيها ما كان من هدم ما بني من المهدوم بالزلازل الأول، و حكي عن تيماء ان هذه الزلازل أثرت في مساكنها، تأثيرا مهولا.
و في العشر الثاني من جمادى الاخرة تواصلت (186 ظ) الأخبار بوصول ولد السلطان مسعود في خلق كثير للنزول على أنطاكية، و أوجبت الصورة تقرير المهادنة بين الملك العادل نور الدين و ملك الأفرنج، و تكررت المراسلات بينهما، و الاقتراحات و المشاجرات، بحيث فسد الأمر، و لم يسفر على ما يؤثر من الصلاح، و مرضي الاقتراح المقرون بالنجاح، و وصل الملك العادل نور الدين، أعز اللّه نصره الى مقر عزه، في بعض عسكره، في يوم السبت الخامس و العشرين من جمادى الآخرة من السنة، و أقر بقية عسكره و مقدميه مع العرب، بإزاء أعمال المشركين، خذلهم اللّه.
و كانت الأخبار تناصرت من بغداد، بإظهار أمير المؤمنين المقتفي لأمر
ص: 526
اللّه أعز اللّه نصره على عسكر السلطان (محمد شاه)(1)المخالف لأمره، و من انضم إليه من عسكر الموصل و غيره، بحيث قتل منهم العدد الكثير، و الجم الغفير، و رحلوا عن بغداد مفرقين مفلولين خاسرين، بعد المضايقة و التناهي في المحاصرة و المصابرة.
و في يوم الأحد الثالث من رجب توجه الملك العادل نور الدين الى ناحية حلب و أعمالها، لتجديد مشاهدتها، و النظر في حمايتها، بحيث عبث المشركون فيها، و قرب عساكر الملك ابن مسعود منها، و اللّه الموفق له فيما يراه، و يقصده و يتوخاه.
و في الساعة التاسعة من يوم الاثنين الرابع من رجب سنة اثنتين و خمسين وافت زلزلة عظيمة في دمشق لم ير مثلها فيما تقدم، و دامت و جفاتها حتى خاف الناس على أنفسهم و منازلهم، و هربوا من الدور و الحوانيت و السقايف، و انزعجوا و أثرت في مواضع كثيرة، و رمت من فص الجامع الكثير الذي يعجز عن إعادة مثله، ثم وافت عقيبها زلزلة في الحال، ثم سكنتا بقدرة من حركهما، و سكنت نفوس الناس من الروعة و الخوف برحمة خالقهم و رازقهم، لا إله إلا هو الرؤوف الرحيم، ثم تبع ذلك في أول ليلة اليوم المذكور زلزلة، و في وسطه زلزلة، و في آخره زلزلة أخف من الأولى، و اللّه تبارك و تعالى لطيف بعباده و بلاده، و له الحمد و الشكر، رب العالمين، و تلا ذلك في يوم الجمعة الثامن من رجب زلزلة مهولة أزعجت الناس، و تلاها في النصف منها ثانية، و عند انبلاج الصبح ثالثة، و كذلك (187 و) في ليلة السبت، و ليلة الأحد، و ليلة الإثنين، و تتابعت بعد ذلك بما يطول به الشرح.
و وردت الأخبار من ناحية الشمال، بما يسوء سماعه و يرعب النفوس
1) الاضافة من الباهر لابن الأثير: 113.
ص: 527
ذكره، بحيث انهدمت حماة و قلعتها، و سائر دورها و منازلها على أهلها، من الشيوخ و الشبان و الأطفال و النسوان، و هم العدد الكثير، و الجم الغفير، بحيث لم يسلم منهم إلا القليل اليسير.
و أما شيزر فإن ربضها سلم، إلا ما كان خرب أولا، و أما حصنها المشهور فإنه انهدم على واليها تاج الدولة بن أبي العساكر بن منقذ رحمه اللّه و من تبعه، إلا اليسير ممن كان خارجا، و أما حمص فإن أهلها كانوا قد أجفلوا منها الى ظاهرها، و سلموا و تلفت مساكنهم، و تلفت قلعتها، و أما حلب فهدمت بعض دورها، و خرج أهلها و (أمّا ما) بعد عنها من الحصون و المعاقل الى جبلة و جبيل فأثرت فيها الآ (ثار) المستبشعة، و أتلفت سلمية و ما اتصلت بها الى ناحية الرحبة، و ما جاورها و لو لم تدرك العباد و البلاد رحمة اللّه تعالى و لطفه و رحمته و رأفته، لكان الخطب الخطير، و الأمر الفظيع المزعج بحيث نظم في ذلك من قال:
روّعتنا زلازل حادثاتبقضاء قضاه ربّ السماء
هدمت حصن شيزر و حماةأهلكت أهلها بسوء القضاء
و بلادا كثيرة و حصوناو ثغورا موثّقات البناء
و اذا ما رنت عيون اليهاأجرت الدمع عندها بالدماء
و اذا ما قضى من اللّه أمرسابق في عباده بالمضاء
حار قلب اللبيب فيه و من كان له فطنة و حسن ذكاء
و تراه مسبحا باكي العين ممروعا من سخطه و بلاء
جل ربي في ملكه و تعالىعن مقال الجهال و السفهاء
و أما أهل دمشق، فلما وافتهم الزلزلة، من هولها، أجفلوا من منازلهم و المسقف الى الجامع و الأماكن الخالية من البنيان، خوفا على نفوسهم و وافت بعد ذلك أخرى، و فتح باب البلد، و خرج الناس الى ظاهره و البساتين،
ص: 528
و الصحراء، و أقاموا عدة ليال (187 ظ) و أيام على الخوف و الجزع.
يسبّحون و يهللون، و يرغبون الى خالقهم و رازقهم في العفو عنهم، و اللطف بهم، و اللّه تعالى ولي الإجابة، و قبول الرغبة و الانابة.
و وردت الأخبار مع ذلك من ناحية العراق في أوائل رجب سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة بوفاة السلطان غياث الدنيا و الدين أبي الحارث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان ألب أرسلان، و هو سلطان خراسان، عقيب خلاصه من الشدة التي وقع فيها، و الأسر الذي حصل فيه و كان يحب العدل و الانصاف للرعايا، حسن الفعل، جميل السيرة، و قد علت سنّه و طال عمره، و تولاه اللّه برحمته و سابغ مغفرته بفضله و رأفته.
و في شهر رمضان من السنة ورد الخبر من ناحية حلب، بوفاة الشيخ الأمين مخلص الدين أبي البركات عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة رحمه اللّه في العشر الثاني منه، بمرض عرض له، و هو الأمين على خزائن مال الملك العادل نور الدين سلطان الشام، فراعني فقده، و المصاب بمثله، لأنه كان خيّرا كاتبا بليغا، حسن البلاغة نظما و نثرا، مستحسن الفنون من التذهيب البديع، و حسن الخط المحرر على الأصول القديمة المستظرفة، مع صفاء الذهن، و توقد الفطنة و الذكاء، و كان بيني و بينه مودة محصدة(1)الأسباب في أيام الصبى و بعدها بحكم تردده من حلب الى دمشق، و أوجبت هذه الحال تفجّعي به، و تأسفي على مثله، نظم هذه الأبيات أرثيه بها و أصف محاسنه فيها، و هي:
فجعت بخل كان يونس وحشتيتذكره في غيبة و حضور
فتى كان ذا فضل يصول بفضلهو ليس له من مشبه و نظير
و قد كان ذا فضل و حسن بلاغةو نظم كدرّ في قلائد حور
1) أي محكمة الأسباب سديدة. القاموس.
ص: 529
يفوق بحسن اللفظ كل فصاحةو خط بديع في الطروس منير
و قد كنت ذا شوق إليه إذا نأىفقد صرت ذا حزن بغير سرور
سأشكو زمانا روعتني صروفهبفقدي من أهوى بغير مجير
و ما نافعي شكوى الزمان و قد غداعلى كل ملك في الزمان خطير
و اجناده بالمرهفات تحوطهو كل شجاع فاتك و نصير (188 و)
سقى اللّه قبرا ضمه بمجلجلبكل أصيل حادث و بكور
ليصبح كالروض الأنيق إذا بدابزهر يروق الناظرين نضير
برحمة من يرجى لرحمة مثلهو غفران رب للعباد غفور
و في يوم الأربعاء الرابع و العشرين من شهر رمضان من السنة، وافت في دمشق زلزلة روعت الناس و أزعجتهم لما قد وقع في نفوسهم، مما قد جرى على بلاد الشام من تتابع الزلازل فيها، و هدم ما هدمت منها، و وافت الأخبار من ناحية حلب بأن هذه الزلزلة المذكورة جاءت في حلب هائلة قلقلت من دورها و جدرانها العدد الكثير، و أجفل منها أهلها الى ظاهرها خوفا على نفوسهم، و أنها كانت بحماة أعظم ما كانت في غيرها، و أنها هدمت ما كان عمّر فيها من بيوت يلتجأ إليها، و أنها دامت فيها أياما كثيرة في كل يوم عدة وافرة من الرجفات الهائلة، و تتبعها صيحات مختلفات توفي على أصوات الرعود القاصفة المزعجة، فسبحان من له الحكم و الأمر، و منه تؤمل الرحمة و اللطف، و هو على كل شيء قدير، و تلا بعد ذلك رجفات متوالية، أخف من غيرهن، فلما كان في ليلة السبت العاشر من شوال وافت زلزلة هائلة بعد صلاة العشاء الآخرة أزعجت و أقلقت، و تلاها في إثرها هزة خفيفة، ثم سكنهما محركهما بقدرته و رأفته بأهل دمشق و رحمته فله الحمد و الشكر رب العالمين.
و في يوم الثلاثاء الرابع عشر من شوال من السنة ورد الخبر من ناحية بصرى، باستشهاد واليها فخر الدين سرخاك غيلة في مقره من حصنها، بتدبير
ص: 530
تقرر بين الأمير علي بن جولة زوج ابنته، و من وافقه من أعيان خاصته و أماثل بطانته، و كان فيه إفراط من التحرز و استعمال التيقظ و لكن القضاء لا يغالب و لا يدافع، و المحتوم النافذ لا يمانع.
و في أول ليلة الأحد العشرين من شوال من السنة، توفي الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن سلامة السكوني بمرض عرض له، و قد علت سنه، و بلغ سبعا و تسعين سنة، المعروف بابن الحراسي، و كان شيخا ظريفا، حسن الهيئة، نظيف اللبسة، أديبا فاضلا حسن المحاضرة عند (188 ظ) المباثثة و المذاكرة، و كان أكثر زمانه مقيما بشيزر بين آل منقذ مكرّما محترما رحمه اللّه.
و في ليلة السبت العاشر من ذي القعدة من السنة، وافت أولها زلزلة، رجفت لها الأرض و وجلت لها القلوب، و تبعها عدة أخف من الأولى، و في غد هذا اليوم بعد مضي تقدير ساعتين منه، وافت زلزلة و أخرى في إثرها، و سكنهن المحرك لهن بقدرته و حكمته، و سلم منهن برحمته و رأفته، سبحانه و تعالى الرؤوف الرحيم.
و كان الغيث قد احتبس و سميّه عن العادة المعروفة، و احتاج ما بذر من الغلال الى سقيه، و ضاقت الصدور لذلك، و قنطت النفوس، ثم بعث اللّه برحمته لخلقه، في أول ذي القعدة منه ما روى الوهاد و الآكام، و عم حوران و سائر البقاع، و سرت بذلك النفوس، و انحط سعر الغلة بعد ارتفاعه، فلله الحمد على انعامه على عبيده، و له الشكر.
و في ليلة الجمعة الثالث و العشرين من ذي القعدة التالي لما تقدم بعد مضي ساعة منها، وافت زلزلة روعت القلوب، و هزت المنازل و المساكن، ثم سكّنها محركها بقدرته القاهرة، و رحمته الواسعة، فله الحمد و الشكر رب العالمين.
ص: 531
و في ليلة الأحد الخامس و العشرين من الشهر المذكور، التالي ليوم الجمعة المقدم ذكره وافت في أوائلها زلزلة أزعجت و أقلقت، ثم تلاها ثانية عند انتصافها أعظم منها، نفر الناس من هولها الى الجامع و الأماكن المنكشفة، و ضجوا بالتكبير و التهليل و التسبيح و الدعاء الى اللّه تعالى و التضرع إليه، ثم وافى بعد تلك الثانية ثالثة دونها، عند تصرم الليل، ثم وافى بعد الثالثة رابعة دونها، ثم خامسة، و سادسة، ثم سكنت بقدرة محركها، و لم تؤثر أثرا منكرا في البلد، فلله الحمد تعالى أمره، و عظم شأنه.
و في أوائل ذي القعدة من هذه السنة، ورد الخبر من حمص، بوفاة واليها الأمير الملقب بصلاح الدين، و كان في أيام شبوبيته قد حظي في خدمة عماد الدين أتابك زنكي صاحب حلب و الشام، رحمه اللّه، و تقدم عنده بالمناصحة و سداد التدبير، و حسن السفارة و صواب الرأي، و لما علت سنّه ضعفت قوته و آلته عن السعي إلا في ركوب الخيل، و ألجأته الضرورة الى الحمل في المحفة لتقرير الأحوال، و النظر في (189 و) الأعمال، و لم ينقص من حسه و فهمه ما ينكر عليه الى حين وفاته، و خلفه من بعده أولاده في منصبه و ولايته.
و في يوم الجمعة انسلاخ ذي القعدة من السنة، بعد مضي تقدير ساعتين منه، وافت زلزلة رجفت بها الأرض، و انزعج الناس لها، ثم سكنت بقدرة المحرك لها، و حكمته البالغة، فله الحمد على لطفه بعباده، تبارك اللّه رب العالمين.
و في أيام من شوال سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة، ورد الى دمشق أمير من أئمة فقهاء بلخ، في عنفوان شبابه، و غضارة عوده، ما رأيت أفصح من لسانه ببلاغته العربية و الفارسية، و لا أسرع من جوابه ببراعته، و لا أطيش من قلمه في كتابته، فقلت ما ينبغي أن يهمل اثبات اسم هذا الأمير الإمام في هذا التاريخ المصنف لأنني ما رأيت مثله، و لا شاهدت شبيها له، فالتمست
ص: 532
نعوته التي بها يعرف، و إليه تنسب فأنفذ إليّ كتابا قد كتب عن السلطان غياث الدنيا و الدين أبي شجاع محمود بن محمد بن ممدود قسيم أمير المؤمنين في الطغراء، و كتاب وزيره محمود بن سعد بن عبد الواحد مخلص أمير المؤمنين الى الملك العادل نور الدين ملك الشام، و كلاهما ينطق بحسن صفاته، و احترامه، و الوصية المؤكدة بإكرامه و وصفه بنعوته المكملة، و هي: الأمير الإمام الأجل العالم المحترم الأخص، الحميد الأعز، نظام الدين، عماد الاسلام، تاج الملوك و السلاطين، ملك الكلام، بستان العالم، أفصح العرب و العجم، أعجوبة الدهر، كريم الأطراف، فخر الأسلاف، افتخار ما وراء النهر، تاج العراق، سراج الحرمين، مقتدى الأئمة، مرتضى الخلافة، رئيس الأصحاب شرقا و غربا، مهذب الأئمة و الأفاضل ذو المناقب و الفضائل، نادر الزمان، نسيب خراسان، أبو الحياة محمد بن أبي القاسم بن عمر البلخي، (و وعظ) في جامع دمشق عدة أيام، و الناس يستحسنون وعظه، و يستطرفون فنه، و سلاطة لسانه، و سرعة جوابه، و حدة خاطره، و صفاء حسه، و نظمت في صفاته هذه الأبيات:
نظام الدين أفضل من رأينامن العلماء في عرب و عجم
و أبهى منهم لفظا و خطابحسن بلاغة و صفاء فهم (189 ظ)
يفوق فصاحة قسا و يوفيعليه عند منثور و نظم
إذا رام البديع من المعانيأتاه مسرعا كالغيث يهمي
فليس له مجار في فنونحوى احسانها من كل علم
إذا وعظ الامام سمعت وعظايحط العصم من قال الأشم
و يخرق حسن منطقه إذا ماتكرر حسنه سمع الاصم
له الشرف الرفيع إذا تناهتمفاخرة الشراف يكل قرم
و ما ألفيت من يحظى بمدحسواه إذ مضى في المدح عزمي
ص: 533
و ما سمحت لغير علاه نفسيعلى ضني به عن كل فدم
فلا زالت مطايا المدح تسريإليه و قد خلا من كل ذمّ
مدى الأيام ما هتفت هتوفعلى غصن بغض النور ينمي
قد تقدم من ذكر الملك العادل نور الدين في نهوضه من دمشق في عساكره الى بلاد الشام، عند انتهاء الخبر إليه، بتجمع أحزاب الأفرنج خذلهم اللّه، و قصدهم لها، و طمعهم فيها، بحكم ما حدث من الزلازل و الرجفات المتتابعة بها، و ما هدمت من الحصون و القلاع و المنازل في أعمالها و ثغورها، لحمايتها، و الذب عنها، و ايناس من سلم من أهل حمص و شيزر، و كفرطاب، و حماة و غيرها، بحيث اجتمع إليه الخلق الكثير، و الجم الغفير، من رجال المعاقل و الأعمال، و التركمان، و خيم بهم بإزاء جمع الأفرنج في الأعداد الدثرة، و التناهي في الكثرة بالقرب من أنطاكية، و حصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الإقدام على الإفساد.
فلما مضت أيام من شهر رمضان من سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة عرض للملك العادل نور الدين ابتداء مرض حاد، فلما اشتد به، و خاف منه على نفسه، استدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران، و أسد الدين شيركوه، و أعيان الأمراء، و المقدمين، و أوصى إليهم ما اقتضاه رأيه و استصوبه، و قرر معهم كون أخيه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده، و الساد لثلمة فقده لإشتهاره بالشهامة و شدة البأس، و يكون مقيما بحلب، و يكون أسد الدين في دمشق في نيابة (190 و)(1)نصرة الدين، و استحلفت الجماعة على هذه القاعدة، فلما تقررت هذه القاعدة، اشتد به المرض، فتوجه في المحفة الى حلب، و حصل في قلعتها، و توجه أسد الدين الى دمشق لحفظ أعمالها من
1) زيد ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 114.
ص: 534
فساد الأفرنج، و قصد أعمال الملاعين في أواخر شوال من السنة، و تواصلت عقيب هذه الحال الأراجيف بالملك نور الدين، فقلقت النفوس، و انزعجت القلوب، فتفرقت جموع المسلمين، و اضطربت الأعمال، و طمع الأفرنج، فقصدوا مدينة شيزر، و هجموها و حصلوا فيها فقتلوا و أسروا، و انتهبوا، و تجمع من عدة جهات خلق كثير من رجال الإسماعيلية و غيرهم، فاستظهروا عليهم، و قتلوا منهم، و أخرجوهم من شيزر.
و اتفق وصول نصرة الدين الى حلب، فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الأبواب، و عصى عليه فثارت أحداث حلب، و قالوا: هذا صاحبنا و ملكنا بعد أخيه، و زحفوا في السلاح الى باب البلد، فكسروا أغلاقه، و دخل نصرة الدين في أصحابه، و حصل في البلد، و قامت الأحداث على والي القلعة باللوم و الإنكار و الوعيد، و اقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسمهم، في التأذين «بحي على العمل، محمد علي خير البشر»، فأجابهم الى ما رغبوا فيه، و أحسن القول لهم، و الوعد، و نزل في داره، و أنفذ والي القلعة الى نصرة الدين و الحلبيين، يقول: مولانا الملك العادل نور الدين حي في نفسه، مقيم في مرضه، و ما كان الى ما فعل حاجة تدعو الى ما كان، فقيل الذنب في ذاك الى الوالي، و كتم الحال، و صعد الى القلعة من شاهد نور الدين حيا يفهم ما يقول، و ما يقال له، فأنكر ما جرى، و قال: الآن أنا أصفح للاحداث عن هذا الخطل، و لا أواخذهم بالزلل، و ما طلبوا إلا صلاح حال أخي، و ولي عهدي من بعدي.
و شاعت الأخبار و انتشرت البشارات في الأقطار، بعافية الملك نور الدين، فأنست القلوب بعد الاستيحاش، و ابتهجت النفوس بعد القلق و الانزعاج، و تزايدت العافية، و صرفت الهمم الى مكاتبات المقدمين بالعود الى جهاد الملاعين، و كان نصرة الدين قد ولي مدينة حران و أضيف إليها، و توجه نحوها، و كان الغيث قد أمسك عن أعمال حوران، و عزم أهلها على (190 ظ)
ص: 535
النزوح من ضياعها لعدم ماء شربهم، و بعده عنهم، و كذلك سائر الأعمال، فلطف اللّه تعالى بعباده و بلاده، فأرسل عليهم في العشر الآخر من كانون الثاني من السنة الشمسية، و الموافق للعشر الآخر من ذي الحجة من السنة القمرية، سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة من الغيث الهطال المتدارك، و الثلج المتتابع، ما روى الوهاد و الآكام، و جرت به أودية حوران، و دارت أرحيتها، و انتعشت زروعها، و أنبتت بالغيث سباخها، فلله تعالى الحمد على هذه النعمة التي لا يحصى لها عدد، و لا يحصر لها أمد.
و لما تناصرت الأخبار بالبشائر الى أسد الدين بدمشق بعافية الملك العادل نور الدين، و اعتزامه على استدعاء عساكر الاسلام لجهاد أعداء اللّه و المقيمين بالشام، سارع بالنهوض من دمشق الى ناحية حلب، و وصل إليها في خيله، و اجتمع مع الملك العادل نور الدين، فأكرم لقياه، و شكر مسعاه، و شرعوا في حماية الأعمال من شر عصب الكفر و الضلال، بما يعود بصلاح الأحوال، و اللّه المسهل لنيل المباغي و الآمال، بمنه و فضله، و نظمت هذه الأبيات في هذا المعنى:
لقد حسنت صفاتك يا زمانيو فزت بما رجوت من الأماني
فكم أصبحت مرعوبا مخوفافبدلت المخافة بالأمان
فكم من وحشة وافت و زالتو هدّمت الرفيع من المباني
و جاءتنا أراجيف بملكعظيم الشأن مسعود الزمان
فروعت القلوب من البراياو صار شجاعها مثل الجبان
و ثارت فتنة تخشى أذاهاعلى الإسلام في قاص ودان
و وافى بعد ذاك بشير صدقبعافية المليك مع التهاني
فولى الخوف مهدوم المبانيو عاد الأمن معمور المغاني
ص: 536
و أولها يوم الاثنين أول المحرم، و الطالع الجدي، و في أوائله تناصرت الأخبار من ناحية الأفرنج، خذلهم اللّه، المقيمين في الشام، في مضايقتهم لحصن حارم، و مواظبتهم على رميه (191 و) بحجارة المناجيق الى أن أضعف، و ملك بالسيف، و تزايد طمعهم في شن الغارات في الأعمال الشامية، و إطلاق الأيدي في العيث و الفساد، في معاقلها و ضياعها، بحكم تفرق العساكر الاسلامية و الخلف الواقع بينهم باشتغال الملك بعقابيل المرض العارض له، و للّه المشيئة التي لا تدافع، و الأقضية التي لا تمانع.
و في صفر منها ورد الخبر و المبشر ببروز الملك العادل نور الدين من حلب للتوجه الى دمشق، و اتفق للكفرة الملاعين متواتر الطمع، في شن الغارات على أعمال حوران و الاقليم، و اطلاق أيدي الفساد و العيث و الإحراق و الإخراب في الضياع، و النهب و الأسر و السبي، و قصد داريا، و النزول عليها في يوم الثلاثاء، انسلاخ صفر من السنة، و إحراق منازلها و جامعها، و التناهي في إخرابها، و ظهر إليهم من العسكرية و الأحداث العدد الكثير، و هموا بقصدهم و الإسراع الى لقائهم، و كفهم، فمنعوا من ذلك، بعد أن قربوا منهم، و حين شاهد الكفار، خذلهم اللّه، كثرة العدد الظاهرة إليهم، رحلوا في آخر النهار المذكور الى ناحية الاقليم.
و وصل الملك نور الدين الى دمشق، و حصل في قلعتها، غرة يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الأول سالما في نفسه و جملته، و لقي بأحسن زي، و ترتيب، و تجمل، و استبشر العالم بمقدمه المسعود، و ابتهجوا، و بالغوا في شكر اللّه تعالى على سلامته و عافيته، و الدعاء له، بدوام أيامه، و نصر أعلامه، و شرع في تدبير أمر الأجناد، و التأهب للجهاد، و اللّه تعالى يمده بالنصر، و إدراك كل بغية و مراد.
ص: 537
و في أوائل ربيع الأول من سنة ثلاث و خمسين ورد الخبر من ناحية مصر، بخروج فريق وافر من عسكرها إلى غزة و عسقلان، و أغاروا على أعمالها، و خرج إليها من كان بها من الفرنج الملاعين، فأظهر اللّه المسلمين عليهم قتلا و أسرا، بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير، و غنموا ما ظفروا، و عادوا سالمين ظافرين، و قيل إن مقدم الغزاة في البحر ظفر بعدة من مراكب المشركين، و هي مشحنة بالأفرنج، فقتل و أسر منهم العدد الكثير، و الجم الغفير، و حاز من أموالهم و عددهم و أثاثهم ما لا يكاد يحصى، و عاد ظافرا غانما.
و ورد الخبر في الخامس عشر (191 ظ) من شهر ربيع الأول من السنة من ناحية حلب، بحدوث زلزلة هائلة روعت أهلها، و أزعجتهم، و زعزعت مواضع من مساكنها، ثم سكنت بقدرة محركها، سبحانه و تعالى ذكره، و في ليلة السبت الخامس و العشرين من ربيع الأول من السنة، وافت زلزلة بدمشق، روعت و أقلقت، ثم سكنت بقدرة محركها تعالى ذكره.
و في يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة، برز الملك العادل نور الدين من دمشق الى جسر الخشب في العسكر المنصور بآلات الحرب، مجدا في جهاد الكفرة المشركين، و قد كان أسد الدين قبل ذلك عند وصوله في من جمعة من فرسان التركمان غار بهم على أعمال صيدا و ما قرب منها، فغنموا أحسن غنيمة و أوفرها، و خرج إليهم ما كان بها من خيالة الأفرنج و رجالتها، و قد كمنوا لهم فغنموهم، و قتل أكثرهم، و أسر الباقون، و فيهم ولد المقدم المولى حصن حارم، و عادوا سالمين بالأسرى، و رؤوس القتلى، و الغنيمة لم يصب منهم غير فارس واحد فقد، و للّه الحمد على ذلك و الشكر.
و في يوم الثلاثاء أول شهر تموز الموافق لأول جمادى الآخرة من السنة، وافى في البقاع مطر هطال، بحيث حدث منه سيل أحمر، كما جرت به العادة في تنبوك(1)الشتاء، و وصل الى بردى، و وصل الى دمشق، فكثر التعجب من قدرة اللّه سبحانه و تعالى حدوث مثل ذلك، في مثل هذا الوقت.
1) انتبك ارتفع. القاموس.
ص: 538
و في آخر ليلة الأربعاء الثالث و العشرين من رجب من السنة، وافت زلزلة عند تأذين الغداة، روعت القلوب، و أزعجت النفوس، ثم سكنت بقدرة اللّه الرؤوف الرحيم، ثم وافت أخرى عقيب الماضية، في ليلة الخميس وقت صلاة الغداة، ثم سكنت بقدرة اللّه تعالى.
و ورد الخبر من العسكر المحروس بأن الافرنج خذلهم اللّه، تجمعوا، و زحفوا الى العسكر المنصور، و أن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر، و التقى الجمعان، و اتفق ان عسكر الاسلام حدث (فيه)(1)لبعض المقدمين فشل، فاندفعوا و تفرقوا بعد الاجتماع، و بقي نور الدين ثابتا بمكانه، في عدة يسيرة من شجعان غلمانه، و أبطال خواصه، في وجوه الأفرنج، و أطلقوا فيهم السهام، فقتلوا منهم، و من خيولهم العدد الكثير، ثم ولّوا منهزمين خوفا من (192 و) كمين يظهر عليهم من عسكر الإسلام، و نجىّ اللّه و له الحمد نور الدين من بأسهم، بمعونة اللّه تعالى له، و شدة بأسه، و ثبات جأشه، و مشهور شجاعته، و عاد الى مخيمه سالما في جماعته، و لام من كان السبب في اندفاعه بين يدي الأفرنج، و تفرق جمع الأفرنج الى أعمالهم.
و راسل ملك الأفرنج في طلب الصلح و المهادنة، و حرص على ذلك، و ترددت المراسلات بين الفريقين، و لم يستقر حال بينهما، و أقام العسكر المنصور بعد ذلك مدة، ثم اقتضى الرأي السعيد الملكي النوري، الانكفاء الى البلد المحروس، فوصل إليه في يوم ...(2)من شعبان من السنة.
و لما كان في أواخر أيام من رجب سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة، تجمع قوم من سفهاء العوام، و عزموا على التحريض للملك العادل نور الدين على
ص: 539
إعادة ما كان أبطله، و سامح به أهل دمشق من رسوم دار البطيخ، و عرصة البقل و الأنهار، و صانهم من إعنات شر الضمان، و حوالة الأجناد، و كرروا بسخف عقولهم الخطاب، و ضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء، و كتبوا بذلك، حتى أجيبوا الى ما راموه، فشرعوا في فرضها على أرباب الأملاك من المقدمين و الأعيان و الرعايا، فما اهتدوا الى صواب، و لا نجح لهم رأي في خطاب و لا جواب، و عسفوا الناس بجهلهم، بحيث تألموا، و أكثروا الضجيج، و الاستغاثة الى الملك العادل نور الدين، فصرف همه الى النظر في هذا الأمر، فنتجت له السعادة، و ايثار العدل في الرعية في إعادة ما أشكل الى ما كان عليه، فلما كان يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان أمر بإعادة الرسوم المعتادة الى ما كانت من أماتتها و تعفية أثرها، و أضاف الى ذلك تبرعا من نفسه إبطال ضمان الهريسة و الجبن و اللبن، و رسم بكتب منشور يقرأ على كافة الناس بإبطال هذه الرسوم جميعها، و تعفيه ذكرها، فبالغ العالم في ذلك من مواصلة الأدعية للملك العادل، و الثناء عليه، و النشر لمحاسنه، فاللّه تعالى يستجيب منهم، و يديم أيامه و يقرن أيامه بالسعادة و النصر، لأوليائه و أعلامه.
و في يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من شهر رمضان من السنة، وصل الحاجب محمود المسترشدي(1)من ناحية مصر بجواب ما تحمّله من المراسلات من الملك الصالح متولي أمرها (192 ظ)، و معه رسول من مقدمي أمرائها، و معه المال المنفذ برسم الخزانة الملكية النورية، و أنواع الأثواب المصرية و الجياد العربية، و كانت فرقة من الأفرنج خذلهم اللّه قد ضربوا لهم
1) في الأصل« محمود المولد من ناحية مصر بجواب ما تحملنا» و قد أصاب بعض العبارات تصحيف تمّ تقويمه من الروضتين: 1/ 121. و كان المسترشدي رسول نور الدين، و بصحبته الأمير عز الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب، و قد جهز الملك الصالح« رسول محمود بن زنكي بجواب رسالته، و معه هدية منها من الأسلحة و غيرها ما قيمته ثلاثون ألف دينار، و من العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له على جهاد الافرنج». اتعاظ الحنفا: 3/ 233- 236.
ص: 540
في المعابر، فأظفر اللّه بهم، بحيث لم يفلت منهم إلا القليل النزر، ثم تلا ذلك و ورد الخبر من العسكر المصري، بظفره بجملة وافرة من الأفرنج و العرب تناهز أربعمائة فارس، و تزيد على ذلك، في ناحية العريش من الجفار، بحيث استولى عليهم القتل و الأسر و السلب، و كان فتحا حسنا، و ظفرا مستحسنا، و اللّه المحمود على ذلك المشكور.
و في يوم الثلاثاء ثالث شوال من السنة توفي المنتجب أبو سالم بن عبد الرحمن الحلبي، متولي كتابة الجيش، و عرض الأجناد في ديوان الملك العادل نور الدين رحمه اللّه، و كان خيرا حسن الطرية، مجمعا(1)على شكره و التأسف على فقد مثله، و تلا مصابه وفاة المهذب أبي عبد اللّه بن نوفل الحلبي، في دمشق أيضا، رحمه اللّه في يوم الجمعة السادس و العشرين من ذي القعدة من السنة، و كان كاتبا للأمير الاسفهسلار أسد الدين، و وزيره، و هو موصوف بالخيرية، محمود الأفعال، مشكور المقاصد، في جميع الأحوال و الخلال، و استخدم ولده في منصبه.
و تلا ذلك ورود الخبر من ناحية حماة في العشر الأخير من ذي الحجة من السنة، بوفاة رضي الدين أبي المجد مرشد بن علي بن عبد اللطيف المعري بحماة، رحمه اللّه، و كان من الرجال الأسداء الكفاة، فيما كان يستنهض فيه في الأيام الأتابكية، و كذلك في الأيام النورية، و كان مع ذلك موصوفا بالخيرية، و سلامة الطبع، مستمرا في ذلك على منهاج أسرته.
و كانت الأخبار قد تناصرت من ناحية القسطنطينية، في ذي الحجة من السنة، ببروز ملك الروم منها، في العدد الكثير، و الجم الغفير، لقصد الأعمال و المعاقل الإسلامية، و وصوله الى مروج الديباج، و تخييمه فيها،
1) في الأصل« مجموعا» و ما أثبتناه أقوم.
ص: 541
و بث سراياه للإغارة على الأعمال الأنطاكية و ما والاها، و أن قوما من التركمان ظفروا بجماعة منهم، هذا بعد أن افتتح من أعمال(1)لاوين ملك الأرمن عدة من حصونه و معاقله، و لما عرف الملك العادل نور الدين هذا، شرع في مكاتبة ولاة الأعمال و المعاقل، بإعلامهم ما حدث من (193 و) الروم و يبعثهم على استعمال التيقظ، و التأهب للجهاد فيهم، و الاستعداد للنكاية بمن يظفر منهم، و اللّه تعالى ولي النصر عليهم، و الاظفار بهم، كما جرت عوائده الجميلة في خذلانهم، و الإظهار عليهم، ورد بأسهم في نحورهم، و هو تعالى على ذلك قدير.
و قد اتفق في هذه السنة السعيدة التي هي سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة، منذ ابتداء تشرين الثاني الكائن فيها الى أوائل شباط أن السماء، بأمر خالقها، أرسلت عزاليها، بتدارك الثلوج و الأمطار، مع توالي الليل و النهار، بحيث عمت الأقطار، و روت الوهاد و الأغوار، و البراري و القفار، و جرت الأودية و تتابعت السيول بمائها المصندل و اللبني و البنكي، و اكتست الأراضي المنخفضة و البقاع، بخضرة الزرع، و عشب النبات، و اشبعت السائمة بعد الضعف و السغب، و أراحتها من كلفة العناء و التعب، و كذلك سائر المواشي الراعية، و الوحوش القاصية و الدانية، و تناصرت الأخبار من سائر الجهات، بعموم هذه النعمة، و ذكر الشيوخ أنهم لم يشاهدوا مثل ذلك في السنين الخالية، فلله على (نعمته)(2)خالص الحمد، و دائم الشكر.
أولها يوم الجمعة مستهل المحرم منها، و في هذا اليوم وافت زلزلة عظيمة ضحى نهاره، و سكنها محركها بقدرته و رحمته، و تلاها في يومها ثنتان دونها.
ص: 542
و كان في أوائل أيام من ذي الحجة سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة، قد عرض للملك العادل نور الدين مرض تزايد به، بحيث أضعف قوته، و وقع الإرجاف به من حساد دولته، و المفسدين من عوام رعيته، و ارتاعت الرعايا، و أعوان الأجناد، و ضاقت صدور قطان الثغور و البلاد، خوفا عليه، و اشفاقا من سوء يصل إليه، لا سيما مع أخبار الروم، و الخبر من الفرنج، خذلهم اللّه، و لما أحس من نفسه بالضعف، تقدم الى خواص أصحابه، و قال لهم: إنني قد عزمت على وصية إليكم بما قد وقع في نفسي، فكونوا لها سامعين مطيعين، و بشروطها عاملين، فقالوا: السمع و الطاعة لأمرك، و ما تقرره من رأيك و حكمك، فإنا له قابلون، و به عاملون، فقال: إني مشفق على الرعايا و كافة (193 ظ) المسلمين ممن يكون بعدي من الولاة الجاهلين، و الظلمة الجائرين، و إن أخي نصرة الدين أمير ميران أعرف من أخلاقه، و سوء أفعاله ما لا أرتضي معه بتوليته أمرا من أمور المسلمين، و قد وقع اختياري على أخي الأمير قطب الدين مودود بن عماد الدين، متولي الموصل، و خواصه، لما يرجع إليه من عقل و سداد و دين، و صحة اعتقاد بأن يكون في منصبي بعدي، و الساد لثلمة فقدي، فكونوا لأمره بعدي طائعين، و لحكمه سامعين، و احلفوا له بصحة من نياتكم و سرائركم، و اخلاص من عقائدكم و ضمائركم، فقالوا: أمرك المطاع، و حكمك المتبع، فحلفوا الأيمان المؤكدة على العمل بشروطها، و اتباع رسومها مسرعا، ثم تفضل اللّه تعالى عليه، و على كافة المسلمين ببدوء الإبلال من المرض، و تزايد القوة في النفس و الجسم و جلس للدخول إليه، و السلام عليه، فسرت النفوس بهذه النعمة، و قويت بتجديدها.
و كان الأمير مجد الدين، النائب في حلب، قد رتب في الطرقات، من يحفظ السالكين فيها، فظفر المقيم في منبج برجل حمال من أهل دمشق، يعرف بابن مغزو، معه كتب، فأنفذه بها الى مجاهد الدين، متولي حلب، فلما وقف عليها أمر بصلب متحملها، و أنفذها في الحال الى الملك العادل
ص: 543
نور الدين، فلما وقف عليها في يوم الخميس من العشر الثاني من المحرم من السنة الجديدة، وجدها من أمين الدين زين الحاج أبي القاسم، متولي ديوانه، و من عز الدين متولي ولاية القلعة مملوكه، و من محمد جغري أحد حجابه، الى أخيه نصرة الدين أمير ميران، صاحب حران، بإعلامه بوقوع اليأس من أخيه الملك العادل، و يحضونه على المبادرة و الإسراع الى دمشق، لتسلم إليه فلما عرف ذلك، عرض الكتب على أربابها، فاعترفوا باعتقالهم، و كان في جملتهم الرابع لهم سعد الدين عثمان، و كان قد خاف، فهرب قبل ذلك بيومين، و ورد في الحال كتاب صاحب قلعة جعبر يخبر بقطع نصرة الدين مجدا الى دمشق، فأنهض أسد الدين في العسكر المنصور، لرده و منعه من الوصول، فاتصل به خبر عوده الى مقره، عند معرفته بعافية الملك العادل أخيه، فعاد أسد الدين في العسكر الى البلد.
و وصلت رسل الملك من (194 و) ناحية الموصل بجواب ما تحملوه الى أخيه قطب الدين، و فارقوه، و قد برز في عسكره، متوجها الى ناحية دمشق، فلما فصل عن الموصل، اتصل به خبر عافية الملك نور الدين، فأقام بحيث هو، و نفذ الوزير جمال الدين أبا جعفر محمد بن علي، لكشف الحال، فوصل الى دمشق في يوم السبت الثامن من صفر سنة أربع و خمسين و خمسمائة، في أحسن زي، و أبهى تجمل، و خرج الى لقائه الخلق الكثير، و هذا الوزير قد ألهمه اللّه تعالى من جميل الأفعال، و حميد الأخلاق، و كرم النفس و إنفاق ماله في أبواب البر و الصلات و الصدقات، و مستحسن الآثار في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و مكة و الحرم و البيت (المعظم شرفه اللّه تعالى)(1)ما قد شاع ذكره، و تضاعف عليه مدحه و شكره، و اجتمع مع الملك العادل نور الدين، و جرى بينهما من المفاوضات و التقريرات، ما انتهى عوده الى
1) زيد ما بين الحاصرتين من الروضتين: 1/ 122.
ص: 544
جهته، بعد الاكرام له، و توفيته حقه من الاحترام، و أصحبه برسم قطب الدين أخيه، و خواصه من الملاطفة، ما اقتضته الحال الحاضرة، و توجه معه الأمير الاسفهسلار أسد الدين شيركوه، في خواصه يوم السبت النصف من صفر، من السنة المذكورة.
و قد كان وصل من ملك الروم رسول من معسكره، و معه هدية أتحف بها الملك العادل، من أثواب ديباج، و غير ذلك، و جميل خطاب، و فعال(1)و قوبل بمثل ذلك، و عاد إليه في أواخر صفر من السنة، و حكي عن ملك الأفرنج، خذله اللّه أن المصالحة بينه و بين ملك الروم، تقررت، و المهادنة انعقدت، و اللّه يرد بأس كل واحد منهما الى نحره، و يذيقه عاقبة غدره و مكره، و ما ذلك على اللّه بعزيز.
و في العشر الثاني من صفر من السنة توجه الحاجب محمود المسترشدي الى مصر عائدا مع رسلها، كتب اللّه سلامتهم، بجرايات ما كان ورد معهم من مكاتبات الملك العادل الصالح، متولي أمرها عن الملك العادل نور الدين أعز اللّه نصره.
و وردت أخبار من ناحية ملك الروم باعتزامه على أنطاكية، و قصد المعاقل الاسلامية، فبادر الملك العادل نور الدين بالتوجه الى البلاد الشامية، لإيناس أهلها من استيحاشهم من شر الروم و الأفرنج، خذلهم اللّه، فسار في العسكر المنصور، صوب حمص و حماة و شيزر، و الاتمام الى حلب الى أن اقتضت الحال ذلك، في يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول من السنة (194 ظ) و في ليلة الأحد الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة، وافت في انتصافه زلزلة هائلة ماجت أربع موجات، أيقظت النيام، و أزعجت اليقظى، و خاف كل ذي مسكن مضطرب على نفسه، و على مسكنه، ثم
1) في الأصل« و بغال» و هي تصحيف صوابه من الروضتين: 1/ 123.
ص: 545
سكنها محركها بلطفه و رحمته، فله الحمد الرؤوف بعباده، الرحيم، و لم يعلم تأثيرها في الأماكن النائية، فسبحان القادر على ما يشاء العليم الحكيم.
و في العشر الأول من شهر ربيع الآخر من السنة، ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة أبي الفضل اسماعيل بن وقار الطبيب، في يوم الجمعة آخر شهر ربيع الأول، رحمه اللّه، و كان في خدمة الملك العادل نور الدين، أعز اللّه أنصاره، و كان قد حظي عنده بإصابات في صنائعه و قرب سعادته، مع ذكاء فيه، و معرفة، بكونه سافر الى بغداد من دمشق، و اجتمع بجماعة من فضلائها، و قرأ عليهم، و أخذ عنهم هذا مع خبرته، و حميد طريقته، و اجتماع الناس على إحماده، و التأسف على فقد مثله، في حسن فعله، لكن القضاء لا يدافع، و المقدور لا يمانع.
و في يوم الجمعة التاسع من جمادى الأولى، من السنة، هبت ريح شديدة، أقامت يومها و ليلتها فأتلفت أكثر الثمار صيفيها و شتويها، و أفسدت بعض الأشجار، ثم وافت آخر الليل زلزلة هائلة، ماجت موجتين أزعجت و أقلقت، و سكنها محركها، و حرس المساكين مثبتها برحمته و قدرته، فله الحمد و الشكر، رب العالمين.
و في جمادى الأولى من السنة، في أوله تناصرت الأخبار المبهجة، من ناحية العسكر المنصور الملكي النوري بأعمال حلب، بتواصل الأمراء المقدمين، ولاة الأعمال، المجاهدة في أحزاب الكفرة الضلال من الروم و الأفرنج، لقصد الأعمال الاسلامية، و الطمع في تملكها، و الافساد فيها، و الحماية لها من شرهم، و الذب عنها من مكرهم، في التناهي في الكثرة، و الأعداد الدثرة، فقضى اللّه بحسن لطفه بعباده، و رحمته، و رأفته ببلاده، أن سهل للعزائم المنصورة الملكية النورية، من صائب الرأي و التدبير، و حسن السياسة و التقرير، و خلوص النية للّه تعالى، و حسن السريرة، بحيث المهادنة المؤكدة، و الموادعة المستحكمة بين الملك العادل نور الدين و ملك الروم، ما لم يكن في
ص: 546
الحساب، و لا خطر ببال، بحيث انتظمت الحال في ذلك، في عقد السداد، و كنه المراد، بحسن رأي ملك الروم، و معرفته بما تؤول إليه عواقب الحروب، و تيسر الأمل المطلوب، بعد تكرر المراسلات، و الاقتراحات في (195 و) التقريرات، و اجيب ملك الروم الى ما التمسه من إطلاق مقدمي الأفرنج المقيمين في حبس الملك نور الدين، و أنفذهم بأسرهم، و ما اقترحه إليه، و حصولهم لديه، و قابل ملك الروم هذا الفضل، بما يضاهيه، أفعال عظماء الملوك الأسداء، من الاتحاف بالأثواب الديباج الفاخرة، المختلفة الأجناس، الوافرة العدد، و من جوهر نفيس، و خيمة من الديباج، لها قيمة وافرة، و ما استحسن من الخيول الجبلية، ثم رحل عقيب ذلك في عسكره من منزله، عائدا الى بلاده، مشكورا محمودا، و لم يؤذ أحدا من المسلمين، في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة أربع و خمسين و خمسمائة، فاطمأنت القلوب بعد انزعاجها و قلقها، و أمنت عقيب خوفها و فرقها، فلله الحمد على هذه النعمة حمد الشاكرين.
و ورد الخبر بعد ذلك بأن الملك العادل نور الدين، صنع لأخيه قطب الدين و لعسكره، و لمن ورد معه من المقدمين و الولاة و أصحابهم الواردين، لجهاد الروم و الأفرنج، في يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى من السنة، سماطا عظيما هائلا تناهى فيه بالاستكثار من ذبح الخيول و الأبقار و الأغنام، و ما يحتاج إليه في ذلك، مما لا يشاهد مثله، و لا شبه له، مما قام بجملة كبيرة من الغرامة، و فرق من الحصن العربية، و الخيول، و البغال العدد الكثير، و من الخلع و أنواع الديباج المختلفة و غيره و التخوت الذهب الشيء الكثير، الزائد على الكثرة، و كان يوما مشهودا في الحسن و التجمل، و اتفق أن جماعة من غرباء التركمان، وجدوا من الناس غفلة باشتغالهم بالسماط و انتهابه فغاروا على العرب من بني أسامة و غيرهم، و استاقوا مواشيهم، فلما ورد الخبر بذلك، أنهض في إثرهم فريق وافر من العسكر المنصور، فأدركوهم،
ص: 547
و استخلصوا منهم جميع ما أخذوه، و أعيد الى أربابه، و سكنت النفوس بعد انزعاجها، و اللّه المحمود المشكور.
ثم تقرر الرأي الملكي النوري، أعلاه اللّه، على التوجه الى مدينة حران لمنازلتها و استعادتها من أخيه نصرة الدين، حسبما رآه في ذلك من الصلاح، و رحل في العسكر المنصور، في أول جمادى الآخرة، فلما نزل عليها، و أحاط بها، وقعت المراسلات و الاقتراحات و الممانعات، و المحاربات، الى أن تقررت الحال على إيمان (195 ظ) من بها، و تسلمت في يوم السبت الثالث و العشرين من جمادى الآخرة المذكور، و قررت أحوالها، و أحسن النظر إليها في أحوال أهليها، و سلمت الى الأمير الأجل الاسفهسلار، زين الدين، على سبيل الاقطاع له، و فوض إليه تدبير أمورها.
و أولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم، و الشمس في كح درجة و كح دقيقة من الجدي، و الثاني عشر من كانون الثاني، و الطالع القوس سبع عشرة درجة و خمس دقائق، و في ليلة الجمعة من صفر من هذه السنة توفي الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين(1)أحد مقدمي أمراء الأكراد، و الوجاهة في الدولة، رحمه اللّه، موصوف بالشجاعة، و البسالة و السماحة، مواظب على بث الصلات و الصدقات، في المساكين و الضعفاء و الفقراء، مع الزمان، و كل عصر ينقضي و أوان، جميل المحيا، حسن البشر في اللقاء، و حمل من داره بباب الفراديس الى الجامع للصلاة، ثم الى المدرسة المشهورة(2)باسمه،
ص: 548
فدفن فيها في اليوم، و لم يخل من باك عليه و مؤبن له، و متأسف على فقده بجميل أفعاله و حميد خلاله، ورثي بهذه الأبيات المختصرة و هي:
كم غافل و سهام الموت مصميةتصميه في غفلة منه و نسيان
بينا تراه سريع الخطو في وطرحتى تراه صريعا بين أكفان
كذاك كان بزان في أمارتهما بين جند و أنصار و أعوان
هبت رياح الرزايا في منازلهفغادرتها بلا أنس و جيران
أمسى بقبر وحيدا جنب مدرسةبلا رفيق و لا خل و اخوان
ما عاينت نعشه عين مؤرقةإلا بكته بأنواء و تهتان
فرحمة اللّه لا ينفك زائرهلحدا حوى جسمه منه بغفران
و لا اغبّت ثراه كل مرعدةتهمي عليه بغيث ليس بالواني
حتى تروضه منها بصيبهابكل زهر غضيض ليس بالفاني
ما دامت الشهب في الأفلاك دائرةو ناحت الورق ليلا بين أغصان (196 و)
من يفعل الخير في الدنيا فقد ظفرتيداه بالحمد من قاص و من دان
و في يوم الخميس مستهل صفر من السنة، رفع القاضي زكي الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى بن علي، قاضي دمشق الى الملك العادل نور الدين رقعة يسأله فيها الإعفاء من القضاة و الاستبدال به، فأجاب سؤاله، و ولى قضاء دمشق القاضي الأجل الإمام كمال الدين بن الشهرزوري، و هو المشهور بالتقدم، و وفور العلم، و صفاء الفهم، و المعرفة بقوانين الأحكام، و شروط استعمال الإنصاف، و العدل، و النزاهة عن الاسفاف، و تجنب الهوى و الظلم، و حكم بين الرعايا بأحسن أفصال في الحكم، و كتب له
ص: 549
المنشور بذلك بنعوته المكملة، و صفاته المستحسنة، و وصاياه البليغة المتقنة، و استقام له الأمر على ما يهواه و يؤثره و يرضاه، على أن القضاء من بعض أدواته، و استقر أن (يكون)(1)النائب عنه عند اشتغاله ولده(2).
هذا آخر ما وجد من مذيل التاريخ الدمشقي، و الحمد للّه وحده، و صلواته على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا
و كان الفراغ من كتابته سلخ ربيع الآخر سنة تسع و عشرين و ستمائة، كتبه أسير ذنبه الراجي عفو ربه محمد بن أبي بكر بن اسماعيل بن الشيرجي الموصلي، غفر اللّه له زلله و خطاه و خطله، و لجميع المسلمين.
ص: 550
ص: 551
ص: 552
ص: 553
ص: 554
ص: 555
ص: 556
ص: 557
أ ابراهيم بن جعفر: 7- 8- 9- 10- 15- 16- 17- 18- 19- 20- 28- 38- 41- 42- 45- 49.
ابراهيم بن العباس: 153.
ابراهيم بن قريش: 201- 202.
ابراهيم بن محمد بن عقيل: 224.
ابراهيم ينال: 145- 149- 150- 206.
آبق بن محمد بن بوري: 443.
الاتراك: 45- 59- 134- 144- 148- 159- 166- 167- 182- 174- 187- 191- 201- 202- 205- 210- 211- 221- 224- 230- 250- 254- 255- 258- 264- 270- 283- 284- 285- 288- 290- 291- 292- 293- 295- 296- 297- 298- 300- 306- 314- 341- 345- 358- 359- 365- 374- 375- 378- 380- 382- 393- 400- 462- 482- 504- 517- 522.
أتسز بن أوق: 166- 174- 176- 182- 183.
الاحساء: 5- 37.
أحمد بن الأفضل: 363.
أحمد بن حنبل: 169- 483.
أحمد شاه بن السلطان ملك شاه: 175- 199.
أحمد بن عبد الرزاق: 365- 367- 381- 503.
أحمد بن عبد الواحد: 181.
أحمد بن علي بن ثابت: 143- 149- 168.
أحمد بن المستنصر باللّه: 211.
أحمد بن منير الشاعر: 498.
أحمد بن نظام الملك: 259.
أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي: 18.
أحمد يل الكردي: 279- 281- 315.
آدم عليه السلام: 126.
أذربيجان: 238- 377- 459.
أذرعات: 7- 8.
أرقاش بن واتيكين الحلبي: 234- 240- 246- 252.
ارتق بن عبد الرزاق: 257- 263.
أرسلان البساسيري- البساسيري.
الارمن: 59- 437- 441- 496- 541.
أرمينية: 238- 270- 279.
أسامة (بنو) 546.
ص: 558
أبو اسحاق الشيرازي: 300.
اسحق القرمطي: 28.
أسفونا (حصن): 115.
الاسكندرية: 411- 454- 469.
اسماعيل بن ابراهيم: 265.
اسماعيل الاصفهاني: 38.
اسماعيل بن تاج الملوك بوري: 278- 382- 386- 399.
اسماعيل (السلار زين الدين): 477- 547.
اسماعيل بن عبد المجيد: 478.
اسماعيل العجمي: 353- 354- 355- 368- 372- 387.
اسماعيل بن وقار: 545.
الاسماعيلية: 301.
الاعوج: 487- 496.
اغمات: 455.
الاصفهاني التركماني: 254.
أصفهان: 200- 209- 212- 223- 225- 238- 244- 246- 247- 256- 259- 268- 277- 293- 296- 316- 329- 458- 459.
أفامية: 283- 335- 474- 518.
الأفرنج: 193- 218- 220- 222- 223- 224- 225- 227- 229- 231- 232- 235- 236- 239- 238- 240- 241- 243- 244- 251- 254- 255- 258- 260- 261- 262- 263- 265- 266- 269- 270- 272- 273- 276- 278- 279- 283- 284- 285- 286- 287- 288- 289- 290- 291- 295- 296- 297- 300- 302- 303- 305- 306- 307- 316- 318- 329- 330- 331- 332- 333- 335- 336- 337- 338- 339- 340- 344- 347- 356- 357- 361- 369- 374- 375- 376- 380- 381- 384- 385- 428- 433- 434- 435- 449- 451- 452- 461- 462- 463- 467- 471- 473- 474- 475- 478- 479- 480- 483- 486- 487- 488- 490- 491- 492- 493- 495- 496- 497- 504- 507- 508- 509- 510- 512- 516- 519- 517- 518- 520- 522- 523- 525- 533- 534- 536- 538- 540- 542- 544- 554- 546.
الأفضل بن بدر الجمالي: 211- 231- 235- 323- 453.
أفلس (حصن): 496.
آق سنقر قسيم الدولة: 196- 197- 198- 199- 201- 203- 204- 208- 212- 307- 314- 315- 316- 330- 335- 337- 338- 340- 344.
الأقباط: 56.
الأقحوانة: 119.
الأكراد: 185- 201- 264- 268- 289- 293- 440- 547.
أكز (أسد الدين): 433.
الأكمة (حصن): 260.
ص: 559
ألب أرسلان: 153- 167- 169- 170- 181- 301- 302- 315- 392- 528.
ألتونتاش: 451- 452.
ألفتكين: 20- 21- 22- 23- 30- 31- 32- 33- 34- 35- 36- 37- 38- 50.
ألفنش: 467.
ألمان: 461- 462.
آمد: 268- 385.
الآمر بأحكام اللّه: 333- 338- 342.
إنب (حصن): 473.
الأنبار: 146- 148.
أنجور (الكند): 370.
الأندلس: 193.
أنر (معين الدين اتابك): 393- 398- 434- 449- 450- 451- 452- 462- 464- 466- 467- 471- 472- 475.
انطاكية: 27- 44- 50- 59- 168- 187- 190- 199- 204- 217- 218- 219- 220- 223- 224- 231- 232- 239- 251- 261- 263- 268- 271- 273- 279- 289- 292- 294- 295- 301- 317- 320- 338- 357- 381- 435- 438- 470- 472- 473- 474- 475- 481- 500- 525- 533- 544.
انطرطوس: 187- 289.
أنوشتكين الدزبري: 115- 116- 117- 122- 134- 290.
انوشروان بن خالد: 376- 383.
الاهواز: 144- 146.
ايران: 443.
ايل غازي بن ارتق: 210- 251- 253- 270- 271- 272- 305- 317- 318- 322- 329- 326- 330- 342.
ايلبا: 399.
ايلدكز: 459.
أيوب بن شاذي: 489.
ب باب توما: 504.
باب الجابية: 11- 12- 18- 39.
باب الحديد: 12- 13- 14- 45- 157.
باب الطاق: 148.
باب الفراديس: 547.
باب همذان: 150.
باذ (الكردي): 54.
الباره: 333.
بارديس دمستق الروم: 5.
بارزطفان: 158.
بالس: 58- 186.
بانياس: 29- 159- 161- 262- 284- 290- 294- 337- 343- 351- 355- 356- 357- 375- 376- 479- 491- 496- 519- 520- 521- 522- 523.
ص: 560
البثنية: 49.
بجاية: 455.
ابن البجناكي: 152.
بخارى: 116.
بختيار (عز الدولة): 1- 21.
بدر الجمالي: 135- 154- 157- 158- 159- 165- 176- 300- 332.
بدر العطار: 113.
بدران بن صنجيل: 288- 314- 388- 390.
براق: 358.
برج الماء: 45.
بردى (وادي): 12- 493- 500- 537.
برزويه (حصن): 48.
برسق بن برسق: 279.
البرعوني الحلبي: 195.
برق بن جندل: 352- 470.
ابو البركات: 137.
بركة الخيزران: 33.
بركيارق بن ملك شاه: 200- 203- 204- 206- 207- 209- 212- 223- 225- 238.
بزاعة (حصن): 183- 323.
بزان بن مامين: 440- 460- 472- 473- 475- 476- 482- 493- 494- 497- 500- 506- 542- 547- 548.
البساسيري: 143- 144- 145- 146- 147- 150- 171- 304- 442-.
بسيل (الامبراطور): 58.
بشارة الخادم: 45- 53.
بشر بن كريم بن بشر: 392.
بصرى: 204- 241- 243- 342- 398- 451- 452- 482- 487- 488- 490- 491- 493- 494- 529.
البصره: 27.
البطاطين: 16.
بعرين: 380.
بعلبك: 24- 25- 117- 235- 239- 266- 267- 273- 373- 375- 435- 441- 449- 477- 479- 482- 492- 497- 503- 505- 519- 520- 521.
بغداد: 21- 22- 38- 54- 55- 116- 143- 144- 145- 146- 148- 149- 168- 169- 204- 206- 209- 212- 223- 225- 227- 238- 250- 255- 258- 259- 266- 268- 276- 277- 278- 289- 300- 328- 330- 331- 343- 349- 356- 366- 367- 368- 377- 385- 393- 394- 395- 441- 453- 458- 468- 469- 471- 498- 501- 525- 526- 545.
بغدوين الرويس: 268- 271- 272- 273- 274- 275- 277- 283- 284- 290- 291- 293- 294- 295- 300- 301- 303- 305- 317- 332- 333- 339- 347- 357- 369.
ص: 561
البقاع: 465- 484- 487- 488- 492- 537- 541.
البقيعة: 50.
بكجور: 42- 44- 48- 49- 50- 51- 52- 53- 54- 55- 58- 59- 60- 61- 62- 63- 64.
أبو بكر بن الزيات: 24- 25- 26.
بلبيس: 495.
بلتاش (أمير): 267.
بلتكين: 45- 46- 44- 50- 51- 266.
بلخ: 501- 502- 531.
بلك بن ارتق: 322- 332- 333- 334.
بنص طلولا بن بدران: 380.
بهاء الدين بن الشهرزوري: 392.
بهرام الداعي: 342- 351- 353- 354- 471.
بهرام شاه: 301- 392.
بوري بن ظهير الدين: 226- 257- 258- 265- 267- 290- 300- 342- 347- 348- 350- 361- 372- 387.
بوزان (أمير أنطاكية): 201.
بوزبه: 458- 459.
بيت الأبار (ضيعة): 504.
بيت المقدس: 119- 127- 159- 166- 173- 221- 224- 229- 232- 261- 274- 277- 291- 293- 296- 317- 321- 339- 347- 369- 381- 462.
البيرة (القلعة): 183- 437- 439.
بيروت: 26- 225- 263- 268- 269- 274- 375- 382- 488.
البيمارستان العتيق «بدمشق»: 12.
بيمند: 232- 263.
ت تاج الدولة بن أبي العساكر بن منقذ:
تتش بن الب أرسلان: 181- 194- 200- 202- 203- 204- 209- 237- 261- 301- 307.
تتش بن دقاق بن تاج الدولة: 233.
تدمر: 157- 342- 386- 387- 388- 398.
التركمان: 116- 224- 251- 254- 263- 318- 319- 320، 323- 326- 339- 340- 357- 360- 380- 381- 384- 436- 438- 442- 450- 464- 467- 472- 473- 481- 486- 491- 496- 501- 521- 522- 537- 541.
تزبر بن أونيم: 116- 122.
تفليس: 326.
تكريت: 149.
تكش بن الب ارسلان: 292- 301.
تل أعرن: 59.
تل باشر: 293- 481- 483- 489.
تل خالد: 483.
تلفيتا: 42- 47.
ص: 562
تمرتاش: 330.
تميراك بن أرسلانتاش: 295.
تنيس: 508.
تيماء: 525.
التينة: 42.
ج جامع الرصافة: 147.
جامع المنصور: 146- 147.
جبيل: 26- 232- 262- 264- 527.
جبلة: 226- 527.
جرفاس: 259.
الجزيرة: 238.
جسر بانياس «بدمشق»: 12.
جسر المصلى: 16.
ابن الجسطار: 47.
جعبر (قلعة): 168- 271- 323- 329- 444- 449- 484- 490- 543.
جعفر بن الفضل بن الفرات: 56.
جعفر بن فلاح: 1- 28.
أبو جعفر المنصور العباسي: 395.
جعفر بن يعقوب: 318- 439- 440- 542- 543- 535.
جقر بن يعقوب: 437.
جكرمش: 236- 238- 250- 251.
جلال الدين بن صدقة: 343- 356.
جلال الملك بن عمار: 162.
جمال الدين أبو جعفر: 476- 543.
جوسية: 50.
جوسلين: 268- 279- 289- 293- 295- 323- 330- 333- 436- 481.
ابن جوسلين: 449- 450.
جوندار: 459.
جيحون: 169- 270.
جيش بن الصمامة: 18- 45- 161.
جوهر الصقلبي: 3- 4- 23- 28- 30- 31- 32- 33- 35- 36- 37- 150.
ح الحارثيون: 47.
حارق بن كمشتكين العراقي: 321.
حارم: 537.
حازم بن علي بن جراح: 158.
الحافظ لدين اللّه: 384.
الحاكم بأمر اللّه: 122- 116- 127.
حجيرا: 485.
حجر الذهب (محلة بدمشق): 14.
حرّان: 188- 209- 242- 271- 272- 534- 543- 547.
الحرجلّة: 11.
بنو حذيفة: 13.
حسام الدولة البجناكي: 127.
حسام الدين بن ايل غازي: 506.
حسام الدين بلاق: 476.
حسام الدين تمرقاش: 317- 385.
حسان البعلبكي: 382.
حسان بن المفرج: 5- 6- 39- 40- 41- 42- 44- 50- 52- 53- 54- 118- 119.
ص: 563
حسان المنبجي: 489.
الحسن بن أحمد (الأعصم) القرمطي:
1- 4- 5- 8- 9- 31- 32- 33- 34- 36.
الحسن بن اسحق الطوسي: 200.
الحسن بن أقش: 383- 384.
الحسن بن الحسين بن حمدان: 134- 142- 157- 159.
حسن بن صالح: 118.
الحسن بن صصرى: 484.
الحسن بن عبد الرحمن اليازوري: 137.
الحسن بن عمار: 36.
ابو الحسن المغربي: 60- 61- 64.
ابو الحسين بن أبي الجن: 483.
حسين (جناح الدولة): 216.
ابو الحسين بن أبي الحديد: 490.
الحسين بن حسن الماشكي: 140.
الحسين بن سعيد العطار: 171.
الحسين بن محمد: 181.
حسين بن مفلح: 140.
ابن أبي حصين (القاضي): 64.
حلب: 42- 48- 49- 50- 51- 54- 55- 58- 59- 62- 117- 120- 121- 122- 125- 126- 139- 142- 150- 151- 152- 154- 155- 156- 157- 165- 166- 169- 172- 175- 182- 183- 187- 188- 192- 193- 194- 195- 196- 197- 201- 203- 204- 207- 208- 209- 210- 212- 213- 215- 217- 220- 230- 239- 240- 251- 253- 272- 273- 276- 279- 280- 290- 292- 296- 301- 304- 303- 304- 316- 317- 318- 319- 322- 326- 329- 331- 332- 335- 338- 342- 347- 361- 362- 381- 382- 374- 398- 435- 445- 450- 451- 452- 466- 467- 468- 470- 472- 473- 475- 481- 482- 491- 494- 495- 502- 503- 505- 508- 509- 510- 511- 512- 513- 514- 515- 516- 518- 525- 526- 527- 528- 529- 531- 533- 534- 535- 536- 537- 542- 544- 545.
حلقبلتين: 486.
حماة: 48- 54- 120- 256- 296- 335- 358- 361- 362- 379- 397- 398- 449- 514- 515- 518- 519- 525- 529- 544- 533.
بنو حماد: 157- 455.
حمام بجناك: 14.
حمام العجمي (بدمشق): 13.
حمام قاسم: 13.
بنو حمدان: 38- 56- 135- 152.
حمزة بن اسد القلانسي: 441.
حمزة بن الحسين: 134.
حمزة المغربي: 15.
ص: 564
حمص- 22- 24- 28- 42- 44- 48- 49- 50- 51- 54- 55- 59- 186- 187- 188- 198- 216- 218- 225- 230- 231- 239- 261- 264- 290- 292- 305- 332- 362- 388- 397- 398- 399- 441- 449- 467- 496- 519- 525- 527- 531- 533- 544.
حميد بن محمود بن جراح: 158.
حميدان بن جواس: 38.
ابن حنزابة (وزير): 55.
حوارين (حصن): 53.
حوران: 11- 38- 49- 339- 358- 384- 472- 473- 475- 479- 482- 484- 487- 488- 491- 499- 530- 534- 535- 536.
حيدرة (أبو تراب): 383.
حيدرة بن عضب الدولة: 140- 152.
حيدرة بن مستخص الدولة: 158.
حيدرة (زين الدولة): 476- 500.
حيدرة بن منزو: 155.
حيزان (قلعة): 433.
خ الخابور: 251- 252.
خاتون بنت السلطان محمد: 145- 146- 196- 203- 209- 214- 235- 277- 356- 398- 400- 439.
خاصبك بلنكري: 459.
الخامسين: 486.
ابن خان التركي: 155- 156.
ختل: 116.
خراسان: 148- 166- 203- 227- 270- 321- 336- 344- 394- 436- 442- 468- 469- 481- 483- 528- 532.
الخراسانية: 369- 375.
ابن الخطابي: 52.
خطلج (أخو ألتونتاش): 453.
خطلخ (الحاجب): 46.
ابن الخفّاني: 60- 61- 64.
الخلادي (الدمشقي): 52.
خلف بن ملاعب: 186- 188.
ابن الخمّار الكاتب: 31- 32.
خمار تاش الحافظي: 397- 398- 441.
الخوابي (حصن): 257.
خواجه برزك (شمس الملوك): 347- 379.
الخوارج: 453.
خير خان بن قراجة: 209- 305- 362- 397- 398.
د دار الحمامي: 14.
دار ابن طغج: 13- 15.
دار عمرو بن مالك: 13.
دار ابن مالك: 14.
دار ابن مقاتل: 14.
داريا: 53- 486- 488- 489- 536.
الدامغاني: 148.
ابن الدانشمند: 231- 374- 511.
داود بن سمكان: 385.
ص: 565
داود بن سليمان بن قتلمش: 218.
ابن داود المغربي: 113.
داود (الملك): 141.
داود بن السلطان محمود: 366- 433.
دبيس بن صدقة بن مزيد: 323- 326- 328- 330- 335- 366- 367- 396.
دجلة: 146- 147.
درب السماقي (بدمشق): 13.
درب الفحامين (بدمشق): 13.
درب القصارين (محلة بدمشق): 13.
درن (جبل): 454- 456.
دري المستنصري: 155.
دزبر بن أونيم- تزبر:
الدزبري- أنوشتكين دقاق بن السلطان تاج الدولة: 213- 214- 216- 217- 223- 225- 226- 229- 233- 234- 235- 251- 290- 302- 321- 375- 383- 484.
الدكة: 41.
الدلهمية: 488.
دمشق: 1- 3- 8- 9- 13- 19- 20- 21- 22- 24- 25- 28- 29- 30- 31- 38- 39- 41- 42- 44- 45- 47- 48- 49- 50- 51- 52- 53- 54- 55- 113- 114- 115- 116- 117- 120- 121- 122- 127- 134- 136- 139- 140- 142- 150- 152- 153- 154- 155- 157- 158- 161- 166- 171- 174- 175- 176- 181- 182- 183- 185- 186- 187- 200- 204- 205- 206- 209.
دمياط: 274- 490.
ابن دوجانس: 166.
دوسر- جعبر.
دولات بن الدانشمند: 511.
دومة: 504.
ديار بكر: 183- 196- 203- 209- 213- 214- 223- 238- 279- 330.
ديار ربيعة: 54.
الديلم: 38- 58- 59- 298- 340- 365.
ر رأس الماء: 278- 519.
الرافقة (حصن): 64.
راوية: 485.
رافع بن أبي الليل: 119- 127.
ربض باب شرقي: 45.
الربوة: 464.
الرحبة: 145- 151- 169- 241- 251- 254- 338- 368- 527.
رحبة السماكين: 14.
رزين الدولة: 174.
أبو الرضا بن صدقة: 434.
رضوان بن تتش: 212- 215- 220- 230- 239- 251- 252- 253- 272- 273- 279- 282- 290- 292- 296- 303- 304- 329- 460.
رضي الدين (الرئيس): 502.
رفق المستنصري: 139.
ص: 566
رفنية: 48.
الرقة: 53- 54- 58- 59- 60- 61- 63- 168- 271- 444- 490.
رقتاش التركي: 48.
الرملة: 3- 4- 20- 28- 30- 31- 33- 37- 39- 40- 42- 44- 55- 119- 127- 155- 159- 166- 181- 229.
رنقش: 444.
الرها: 196- 201- 203- 204- 209- 224- 268- 271- 272- 293- 317- 330- 436- 438- 445.
الروم: 48- 50- 51- 56- 58- 59- 157- 160- 165- 166- 167- 183- 185- 187- 196- 218- 219- 231- 251- 254- 263- 268- 277- 317- 322- 374- 488- 510- 540- 541- 542- 544- 545- 546.
الري: 144- 145- 149- 153- 211- 212- 214.
ريان الخادم: 20- 21.
ريمند بن صنجيل (أمير): 261- 262- ز الزبداني: 264- 487.
زردنا: 374.
زقاق عطاف: 117.
زقاق المشّاطين: 13.
زنكي: 347- 361- 362- 367- 368- 385- 386- 388- 389- 390- 391- 392- 397- 433- 434- 436- 437- 438- 439- 440- 443- 444- 447- 449- 451- 531.
زهير الحمداني: 49.
زين الحجاج (رسول نور الدين): 519- 543.
س سابق بن محمود: 175.
ابو سالم بن عبد الرحمن: 540.
سالم بن مالك: 188.
أبو سالم بن همام الحلبي: 516.
ساوتكين الخادم: 213- 214.
سبكتكين المستنصري: 150.
سبكتكين المعزي: 21.
سبيع بن مسلم الضرير: 306.
سديد الدولة بن الأنباري: 394.
سرخاك: 482- 488- 490- 493- 529.
سروج: 203- 224- 289- 330- 437.
سريان (قلعة): 322.
سعد الدولة الحمداني: 42- 48- 50- 58- 59- 60- 61- 62- 63 64- 204.
سعد الدولة العواسي: 227.
أبو سعيد الكفرتوثي: 385.
سكمان بن ارتق: 217- 218- 221- 224- 232- 236- 237- 263- 270- 272- 279- 280- 282.
ص: 567
سكمان القطبي: 279.
ابن السلار: 482- 507.
سلامة بن بريك: 61.
سلامة الرشيقي: 64.
سلطان بن علي بن المقلد: 264- 283.
سلمان بن فلاح: 41.
سلمية: 186- 271.
بنو سليم: 153.
سليمان بن عبد الجبار بن أرتق: 331.
سليمان بن قتلمش: 191- 192- 194:
سليمان شاه بن السلطان محمد: 330- 517.
سمرقند: 196- 197.
السن (قلعة): 170- 250.
سناء الزينة ست الناس: 64.
ابن سنان الخفاجي: 152.
سنجار: 145- 203.
سنجر بن ملكشاه: 270- 321- 394 433- 443- 501- 516- 518- 528.
سنقر الاحمديلي: 377- 399.
سنير (جبل): 42- 47.
السهم: 485- 490.
سوار (الامير): 374- 382- 450.
السودان: 384- 478.
السوس: 454- 456.
سوق البقل: 17.
سوق الجفري (بدمشق): 14.
سوق الدواب: 17.
سوق الغنم: 16.
سونج بن تاج الملوك: 361- 362- 367- 383- 399.
الصوفي سيف (أبو المجلي): 234.
سيف الدولة بن حمدان: 42- 48- 50.
ش شاذي الخادم: 355.
الشاغور: 45- 477.
الشافعي: 460.
الشام: 4- 6- 34- 43- 55 56- 57- 117- 118- 140- 157- 159- 165- 166- 181- 181- 183- 185- 186- 187- 195- 196- 199- 204- 209- 210- 211- 221- 227- 230- 236- 238- 254- 265- 266- 271- 276- 278- 279- 282- 293- 294- 297- 302- 305- 307- 309- 318- 338- 342- 371- 376- 442- 443- 495- 515- 528- 529- 531- 532- 533- 535- 536- 544.
شاه بن ألب ارسلان: 191- 392.
شبل بن معروف العقيلي: 39- 42.
شجاع الدولة: 392.
شختكين: 64.
الشريف الرضي: 370.
الشفيعي: 64.
شقيف تيرون: 382.
الشماسية: 31.
شهرزور: 149.
بنو شيبان: 185.
ابن ابي شيبة: 205- 213.
ص: 568
شيركوه (أسد الدين): 489- 504- 509- 516- 521- 522- 533- 535- 537- 540- 544.
شيزر: 184- 217- 264- 279- 283- 293- 303- 379- 515- 518- 530- 533- 534- 544.
ص صافيتا: 289.
صالح بن حسن: 506.
صالح بن مرداس: 119- 120.
صدر الدين بن الخوجندي: 459.
صدقة بن مزيد: 238- 255- 256.
صدقة بن يوسف: 118- 136.
صرخد: 267- 367- 398- 398- 434- 435- 451- 452- 460- 482- 483- 493- 497- 500- 506.
الصعيد: 157.
الصقالبة: 35.
صقلية: 508.
صلاح الدين الياغسياني: 445- 449- 474- 531.
ابن صنجيل: 296.
صور: 29- 162- 182- 285- 288- 290- 329- 336- 337- 385- 462- 471- 510.
صيدنايا: 42- 382.
الصين: 246- 433.
ض ضحاك بن جندل التيمي: 382- 471- 509.
ط طارق الصقلبي: 136.
ابو طالب (شيخ الصوفية): 514.
طاهر بن سعد المزدقاني: 342- 350- 351- 353- 354- 360- 365.
ابو طاهر الصائغ: 242- 302- 355.
الطائع للّه: 21.
طبرية: 31- 36- 44- 39- 153- 244- 258- 295- 296- 298- 339- 384- 499- 523.
طرابلس: 20- 26- 50- 53- 58- 155- 162- 181- 187- 226- 231- 236- 238- 257- 258- 261- 262- 263- 264- 265- 271- 277- 282- 286- 289- 294- 295- 300- 357- 380- 488- 467.
طرخان بن محمود الشيباني: 344.
طرسوس: 24- 268.
طريف بن فزارة: 119.
طغان أرسلان بن حسام الدولة: 332.
طغتكين أتابك- ظهير الدين أتابك.
طغرلبك (السلطان): 134- 141- 144- 145- 146- 149- 150- 153- 167- 169- 326- 335- 366- 377- 385- 441- 442-.
طلائع بن رزيك: 507- 509.
طليطلة: 193.
طنكري (الأمير): 232- 239- 242- 251- 261- 262- 268- 271- 273- 279- 283- 289- 292- 296.
الطوفان (حصن): 264.
بنو طيء: 40.
ص: 569
ظ الظافر باللّه عيسى: 495- 506- 507.
ظالم بن موهوب العقيلي: 9- 12- 13- 18- 28- 29- 42.
الظاهر الفاطمي: 128- 132- 135.
ظهير الدين اتابك: 213- 214- 226- 229- 232- 233- 234- 235- 239- 240- 241- 243- 244- 254- 257- 260- 263- 264- 265- 266- 271- 272- 273- 280- 282- 284- 288- 290- 291- 293- 296- 300- 301- 302- 303- 305- 306- 307- 314- 315- 318- 319- 320- 321- 329- 332- 335- 336- 337- 339- 340- 342- 343- 345- 347- 353- 355- 382- 458- 459.
ع عاتكه (من أحياء دمشق): 14.
العادل بن سلار: 484- 495- 506- 507.
عباس (صاحب الري): 453- 458.
بنو العباس: 148.
عبد الرحمن بن أحمد: 530.
عبد الرحمن الحلحولي: 464.
عبد الرحيم بن الياس: 113.
عبد القاهر بن علي: 528.
ابو عبد اللّه البسطامي: 476.
عبد اللّه بن عباس: 458- 459.
عبد اللّه محمد بن البطائحي: 324- 325.
عبد المجيد بن ابي القاسم: 478.
عبد الملك بن الفقيه عبد الوهاب: 483.
عبد الملك بن محمد بن يوسف: 149.
عبد المنعم محمد التميمي: 501.
عبد المؤمن بن علي: 457.
عبد الواحد ابن محمد بن الحنبلي: 206.
عبد الوهاب بن أحمد بن هرون: 142.
عثمان (سعد الدين): 543.
عثمان بن عفان: 298.
العجم: 39- 143.
عذراء: 391- 484.
العراق: 43- 58- 134- 141- 143- 144- 145- 149- 153- 156- 170- 194- 200- 205- 210- 227- 265- 283- 289- 315- 316- 319- 321- 336- 344- 346- 366- 376- 385- 392- 396- 433- 442- 443- 454- 481- 510- 528- 532.
العرب: 33- 34- 35- 38- 40- 42- 44- 47- 49- 51- 53- 54- 59- 60- 62- 63- 118- 119- 138- 157- 181- 185- 202- 210- 357- 358- 359- 487- 512- 513- 521- 522- 523- 525- 532- 540- 472- 473- 546.
العريش: 117.
العريمة (حصن): 468.
ابو العز بن صدقة (الوزير): 186- 187- 188- 190.
عزاز: 168- 183.
ص: 570
العزيز باللّه الفاطمي: 23- 27- 28- 29- 30- 33- 34- 36- 37- 38- 39- 40- 41- 42- 43- 50- 51- 52- 54- 55- 56- 57- 58- 60- 113- 128.
عسقلان: 31- 118- 157- 223- 227- 229- 240- 275- 291- 461- 479- 480- 493- 495- 496- 497- 507- 537.
عضد الدولة فناخسره بن بويه: 40- 41- 43.
عطاء الخادم: 497- 502- 503.
عطية بن صالح: 152- 155.
العقيبة: 400.
بنو عقيل: 39- 42- 147- 185- 196- 202- 203- 204- 211.
ابن ابي عقيل: 162.
عكا: 29- 135- 153- 291- 297- 369- 380- 384- 462- 467- 471- 488.
ابن عكار (حصن): 264.
علعال (حصن): 241.
علي بن ابراهيم بن العباس بن الحسن الحسيني: 305.
علي بن أحمد الجرجرائي: 118- 121- 129- 135- 136- 137.
ابو علي بن الانباري: 136- 137- 367.
علي البلخي: 489- 499.
علي بن جولة: 530.
علي بن حامد: 335.
علي الحنفي: 468.
أبو علي بن خيران: 129- 137.
علي بن الدامغاني: 471.
علي بن دبيس: 469.
علي بن أبي طالب: 64.
علي بن طاهر: 503.
علي بن طراد الزينبي: 383.
علي بن عمر العداس: 56.
علي كوجك: 439- 476- 497- 517.
علي بن مالك بن سالم: 444- 409- 543.
علي بن محمد: 548.
علي بن مسلم بن قريش: 203- 204.
علي بن المقلد: 169- 184.
علي بن يوسف تاشفين: 456.
عماد الدولة بن بويه: 441.
عماد الدين أتابك- زنكي.
عمرو بن كلاب: 59.
أبو العود اليهودي: 51.
عيسى بن نسطورس: 56- 57- 58.
عين الجر: 487.
عين شواقة: 451.
غ غازي بن عماد: 445- 476.
الغز: 501.
غزة: 479- 493- 507- 537.
الغضنفر بن حمدان (أبو تغلب): 138- 139- 140- 141.
الغوطة: 39- 41- 42- 161- 175- 187- 461- 479- 486- 489- 493- 504.
ص: 571
ف فاتك (عزيز الدولة): 117.
الفاخورة «محلة بدمشق»: 13.
الفائز بنصر اللّه- الظافر بنصر اللّه.
ابو الفتح بن مصال المغربي: 478.
ابو الفتوح بن الصلاح: 498- 499.
فخر الملك بن عمار: 226- 236- 238- 257- 258- 262- 265- 266-
فذايا: 486.
الفرات: 145- 148- 149- 183- 203- 209- 212- 251- 271- 276- 279- 280- 293- 323- 390.
الفراديس: 12- 14- 19.
فرخانشاه بن السلطان محمود: 439.
الفردوس حاكم انطاكية: 187.
بني فزارة: 153.
الفسقار (سوق بدمشق): 14.
الفضل بن أبي الحديد: 491.
الفضل بن أبي الفضل: 39- 40- 41- 42.
أبو الفضل بن الموصول: 303- 329.
فلسطين: 42- 118- 127- 159- 166- 182- 258.
الفنش (ألفونسو): 461.
الفوّار (نبع): 39.
فيروز (الحاجب): 330- 400.
ق قارا: 42.
قارون: 123.
أبو القاسم بن المسلمة: 148.
القاهرة: 37- 56- 128- 135- 323- 325- 362- 495.
القائم بأمر اللّه: 141- 143- 144- 147- 148- 150.
القبة (حصن): 316.
قتلمش (الأمير): 510.
قرا أرسلان بن داود: 511.
قراتكين (بلدة): 458.
القرامطة: 1- 3- 4- 5- 6- 7- 9- 28- 32- 33- 34- 37.
بنو قرة: 138.
قرغوية: 48- 49.
قرلو مقدم الاتراك: 165.
قريش بن بدران العقيلي: 147- 148- 149- 328.
قسّام التراب: 38- 39- 41- 42- 45- 46- 47- 49.
القصارين «محلة في دمشق»: 12.
قصر الثقفيين: 19.
قصر حجاج (بدمشق): 14.
قصر ابن السرح: 32.
القصير: 391.
قطر الندى: 171.
القطيفة: 489.
قلج ارسلان بن سليمان: 224- 231- 232- 250- 251- 254- 254.
قلج ارسلان بن مسعود: 510- 511.
قلعة الشريف: 193.
قنسرين: 62- 381.
القنوات: 11- 12- 13.
القيريمي (رحى): 62.
بنو قيس: 44- 186- 469.
ص: 572
قيسارية: 117.
قينيه: 11- 12- 13- 39.
ك كاشغر: 116.
كافور الاخشيدي: 55.
كتامة: 275.
ابن كدينة: 160.
ابو الكرام (الوزير): 434.
كربوقا (أمير): 227.
الكرخ: 146.
كسرى القرمطي: 28.
ابن كشمرد: 15.
الكعبة: 171.
كفرطاب: 169- 515- 518.
كلاب (بنو): 49- 53- 59- 61- 127- 142- 181- 186.
بنو كلب: 53.
كليام: 359.
كمال الدين بن الشهرزوري: 548.
كمشكين البعلبكي: 303.
كمشتكين الخادم التاجي: 266- 342- 367- 398.
كنجه: 269.
الكنداجور: 357- 433.
الكندي (الوزير): 145- 146.
الكوفه: 1.
كنيسة مر يوحنا: 13.
ل اللاذقية: 231.
لبنان: 457.
اللؤلؤة الكبرى و الصغرى: 11- 12- 13.
لبنى (قرية): 35.
لواته (قبيلة): 332.
لاوين: 541.
لؤلؤ الجراحي: 59- 61- 62- 63- 64- 315.
م ماردين: 272- 318- 330- 506.
ابن المارود: 17.
مالك بن سالم بن مالك: 323.
مالك بن علي: 490.
المأمون البطائحي: 333- 338.
مبارك بن شبل: 182.
مجد الدين أبو بكر: 508- 534- 542.
مجير الدين: 476- 477- 479- 480- 482- 487- 488- 491- 493- 494- 496- 497- 498- 500- 503- 505.
المحسن بن الملحمي العارض الدمشقي:
محفوظ بن القاضي: 484.
محمد بن أحمد الشاشي: 300.
محمد بن تومرت: 454.
محمد بن تاج الملوك: 373- 385.
محمد بن حسن الماشكي: 105.
ابو محمد بن حسين (الطيب): 505.
محمد بن أسد القلانسي: 435.
محمد بن الخياط: 371.
محمد بن سلطان: 120.
ص: 573
أبو محمد بن الصوفي: 215- 226- 234.
محمد بن عبد الجبار العقيلي: 456.
محمد بن عبد الحميد: 508.
محمد بن ابي القاسم بن عمر البلغي:
محمد بن مالك: 455.
محمد بن مجاهد الدين: 494.
محمد بن المحسن: 494.
محمد بن محمد بن جهير: 225.
محمد بن محمد الحسيني: 467.
محمد بن مسلم بن قريش: 201.
محمد بن ملك شاه: 223- 238- 244- 250- 255- 259- 265- 269- 270- 276- 278- 289- 292- 293- 296- 308- 316- 393- 459.
محمد بن موسى البلاساغوني: 292.
محمد بن نصر: 498.
محمد بن نصر بن منصور الهروي: 336.
محمد بن النعمان: 57.
محمود بن زنكي- نور الدين.
محمود بن سعيد بن عبد الواحد: 532.
محمود بن قراجة: 335.
محمود الكاتب: 458.
محمود بن محمد (السلطان): 321- 328- 335- 343- 345- 366.
محمود بن محمد: 532.
محمود المسترشدي: 539- 544.
محمود بن نصر بن صالح: 150- 152- 154- 155- 156- 157- 165- 167- 168- 169- 170- 172- 182- 386- 390- 391- 397- 398- 400.
مختار الصقلبي: 35.
مراغة: 394.
مرة بن ربيعة: 357- 358- 366- 375.
مرج دابق: 59.
مرج صفر: 215- 339.
مرشد بن علي: 540.
مرقية: 289.
المزة: 38- 45- 113- 252- 154- 462.
المسترشد باللّه أمير المؤمنين: 328- 330- 343- 345- 349- 377- 392.
مسجد ابراهيم: 12- 45.
مسجد الخضر: 18.
مسجد القاضي: 13.
مسجد معاوية: 13.
مسعود أتابك: 300- 336.
مسعود (أمير صور): 290- 329.
مسعود بن السلطان محمد: 344- 366- 377- 378- 393- 394- 396- 441- 443- 469- 481- 482- 494- 510- 511- 515- 525- 526.
مسلم بن قريش: 181- 183- 185- 188- 191- 192.
المستظهر باللّه العباسي: 206- 319.
المستعلي باللّه الفاطمي: 227.
المستنصر الفاطمي: 175- 210.
المصامدة: 167.
ص: 574
مصر: 3- 4- 5- 10- 27- 28- 33- 37- 39- 40- 41- 42- 44- 45- 47- 47- 50- 51- 53- 54- 55- 56- 113- 114- 117- 121- 122- 134- 135- 136- 137- 139- 142- 145- 147- 148- 150- 151- 157- 159- 162- 176- 182- 186- 197- 204- 205- 211- 218- 221- 227- 228- 229- 231- 233- 257- 258- 263- 265- 268- 269- 274- 275- 276- 284- 289- 291- 300- 301- 327- 332- 335- 336- 338- 353- 362- 379- 383- 434- 441- 448- 454- 459- 460- 461- 469- 470- 478- 482- 484- 488- 490- 495- 496- 497- 506- 507- 508- 509- 510- 516- 519- 537- 539- 544.
مصيات (حصن): 264.
المصيصي: 59.
أبو مطاع بن حمدان: 114- 115.
المطيع للّه: 21- 442.
المظفر بن سلار: 482.
ابو المعالي الحمداني: 49- 51- 54- 55.
معرة النعمان: 42- 49- 169- 216- 221- 222- 303.
معز الدولة البويهي: 442.
المعز لدين اللّه الفاطمي: 4- 5- 6- 7- 10- 20- 22- 23- 27- 29- 55- 122- 135.
معلى بن حيدرة: 161- 167- 174.
معلولا: 42.
المغاربة: 35- 40- 41- 42- 44- 49- 50- 51- 55- 453.
المغرب: 55- 132- 442- 453- 454- 457.
مفرج بن الحسن: 355- 361.
المفرج بن دغفل بن الجراح: 34- 56.
مفضل بن سعد: 117.
المقتدي باللّه عبد اللّه: 141- 175- 197- 206.
المقتفي لأمر اللّه: 469- 471- 510- 525.
مقلد بن كامل: 120- 121.
مكة: 213- 543.
مكتوم بن حسان بن مسمار: 366.
مكين الدولة: 153.
ملطية: 224- 231- 242- 250.
ملك شاه (السلطان): 270- 181- 187- 194- 195- 196- 197- 199- 200- 201- 216- 292- 344- 526.
أبو المناقب: 257.
منبج: 40- 166- 542.
ابو المنجا القرمطي: 9- 10- 37.
منشأ بن الفرار اليهودي: 45- 46- 51- 53- 54- 56- 57.
منصور بن كامل: 185.
المنصور بن المستعلي باللّه: 228.
آل منقذ: 530.
منكوبرس: 482- 484.
منير الخادم: 52- 53.
منير الدولة الجيوشي: 204.
ص: 575
المنيطرة (حصن): 264.
منيع بن كامل: 154.
مهارش العقيلي: 148.
المهدية: 23- 27- 454.
المهذب ابي عبد اللّه بن نوفل: 540.
المؤتمن البطائحي: 338.
مودود (شرف الدين): 271- 272- 282- 289- 289- 293- 296- 476.
مودود (قطب الدين): 542- 546.
الموصل: 54- 145- 203- 209- 211- 227- 232- 236- 238- 250- 251- 253- 254- 256- 270- 278- 289- 293- 299- 307- 314- 338- 361- 362- 367- 392- 438- 439- 445- 449- 468- 476- 517- 526- 542- 543.
مؤيد الدولة بن بوزان: 204.
مؤيد الدين (رئيس دمشق): 434- 435- 476- 493- 506.
افارقين: 54- 223- 263- 270- 330.
مير ميران: 533- 542- 543.
ميماس حمص: 50.
ابو الميمون عبد المجيد: 324- 363- 383.
ن نابلس: 297.
نافع الطباخ: 54.
ناصر الدولة بن حمدان: 136- 151.
الناصرة: 384.
الناعورة (حصن): 59- 64.
نبا بن محمد: 512.
نزار بن المستنصر باللّه: 211- 469.
نزّال (والي طرابلس): 58.
النصارى: 56- 57- 449- 450.
ابو نصر بن عمر الاصفهاني: 244.
نصر بن محمود بن صالح: 173- 175.
نصر اللّه بن محمد: 460.
نصيبين: 145- 201- 202- 203- 251.
النعمان بن ثابت: 471- 483- 500.
نفاث (البربري): 11.
النقرة: 59- 382.
بنو نمير: 185.
نميرة الركابي: 34.
النهروان: 149- 469.
نواز (قرية): 381.
نور الدين بن زنكي: 445- 450- 451- 452- 466- 467- 468- 470- 472- 473- 474- 475- 479- 480- 481- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- 495- 496- 502- 503- 504- 505- 508- 509- 510- 511- 512- 515- 516- 519- 520- 521- 522- 523- 524- 525- 526- 528- 532- 534- 536- 537- 538- 539- 540- 541- 542- 543- 544- 545- 546- 548.
نهر الطواحين: 31.
ص: 576
نهر يزيد: 41.
النيرب: 59- 485.
نيسابور: 502.
ه الهادي بن المهدي الحسيني: 512- 513.
هبة اللّه بن أحمد الاكفاني: 360.
هبة اللّه بن محمد بن بديع: 127- 245- 257- 261.
نهر الهرماس: 202.
همذان 145- 146- 200- 209- 279- 322- 336- 377- 377 393- 458- 469.
الهنفري: 522.
هونين (حصن): 293- 522.
و وادع بن سليمان: 216.
وادي التيم: 352- 471.
وادي بني حصين: 186.
وادي بني عليم: 159.
وادي موسى: 347.
وثاب بن مسافر: 379.
ورد بن زياد: 11.
وهب بن حسان: 127.
ي يارقتاش الخادم: 316.
يافا: 3- 4- 28- 224- 229- 231- 240- 296- 418.
يبرود: 42.
يحيى بن زيد الحسني: 154.
يرنقش: 449.
يعفور: 478.
يعقوب بن كلس: 29- 37- 39- 43- 50- 51- 52- 54- 55- 56- 58.
يغي سغان: 201- 216- 217- 218- 219- 220- 301.
اليمن: 186.
اليهود: 39- 46- 55- 56- 57.
يوحنا بن الشمشقيق: 23- 24- 25.
يوسف بن آبق: 307.
يوسف بن تاسفين: 455.
يوسف الفندلاوي: 464.
يوسف بن فيروز: 355- 372- 386- 398- 399- 388- 482- 506.