تاریخ مدینه منوره

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: تاريخ المدينة المنورة / ابن فرحون، بيروت

نويسنده: ابن فرحون، عبد الله بن محمد

تاريخ وفات مؤلف: 769 ه. ق

محقق / مصحح: شكرى، حسين محمدعلى

موضوع: جغرافياى شهرها

زبان: عربى

تعداد جلد: 1

ناشر: دار الارقم بن ابي الارقم

مكان چاپ: بيروت

نوبت چاپ: اول

اشارة

مقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

اللهم صلّ على سيدنا محمد و على آل محمد، و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

الحمد للّه المنعم المتفضل علينا بجزيل النعم و الكرم، و الهادي إلى الصراط المستقيم.

أما بعد،

فهذا كتاب نفيس يتعلق بتاريخ مدينة المختار، عليه و على آله أفضل الصلاة و التسليم، الموسوم ب «نصيحة المشاور و تعزية المجاور» للإمام الفقيه أبي محمد عبد اللّه بن فرحون المالكي، و هو كتاب موسوعي يتطرق لذكر جوانب الحياة الاجتماعية و السياسية و الثقافية إضافة إلى التراجم لرجالات تلك الفترة التي من خلالها نتعرف على جوانب تلك الحياة بجميع تفصيلاتها، و هذا الأسلوب المتميز حاول تقليده السخاوي في «التحفة اللطيفة» حيث إنه اقتبس منه تراجم عديدة و نقل معظمها نصا بكامل تفصيلها مما سيراه القارئ هنا حين عزوت إلى مصادر الترجمة و بينت النقل.

كما أنه بدأ كتابه هذا بمسألة فقهية رد فيها على معترض، و بيّن فيها أقوال الأئمة و الحكم الشرعي في تلك المسألة المعترض عليها، ثم ذكر نبذة مختصرة عن أحوال النبي صلى اللّه عليه و سلم و أخلاقه و شمائله، ثم استهل كتابه بذكر من أدركه من مشايخ الحرم النبوي الشريف، ثم من أدرك من خدام الحرم، ذكر من خلال تراجمهم أهم الأحداث التي عاصرت تلك الشخصيات و شاهدها و كان أحد أطرافها.

و لقد شرح اللّه صدري لبذل الجهد المقل في خدمة هذا الكتاب و إخراجه حين طالعت منه نسخة مصورة عن النسخة الأصلية لهذا الكتاب

و المحفوظة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، و سعيت في الحصول على نسخة أخرى لهذا الكتاب خاصة و أنني وجدت أن هذه النسخة غير تامة و ليست قديمة فناسخها- في غالب الظن- هو السيد إبراهيم حمدي الخربطلي أحد أمناء هذه المكتبة السابقين، فعثرت على نسخة أخرى بمكتبة آل هاشم مكتوبة بخط جيد من قبل صاحب هذه المكتبة السيد جعفر هاشم، ثم ظفرت بنسخة ثالثة بخط المحدث العلامة الشيخ عبد الستار الدهلوي محفوظة بمكتبة الحرم المكي الشريف، و ظهر لي أن النسختين الأخريين مقابلتان و عليهما بلاغات المقابلة.

فاستعنت باللّه العلي العظيم في نسخ المخطوطة المحفوظ أصلها بمكتبة آل هاشم لوضوحها، و من ثم مقابلتها على النسخ الخطية الأخرى و إخراج النص الصحيح قدر الإمكان منها.

ثم قمت بعزو التراجم إلى المصادر، و تبيين نقل هذه المصادر عن أصل هذا الكتاب، و لم أهتم بذكر فروق النسخ إلا في نطاق ضيق جدا، و اجتهدت حسب الإمكان في ذلك و الطاقة مع اعترافي بالعجز و قلة البضاعة، لكن كان الأمل في اللّه و الرجاء في إخراج هذا العمل دأبي و شغلي.

و اللّه أسأل أن يمن عليّ بالقبول، و أن يجعل هذا الجهد القليل ذا أجر كثير عنده، و أن يرزقني الهمة في خدمة مدينة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم.

إنه سميع قريب مجيب.

و صلى اللّه و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

كتبه المفتقر إلى رحمة مولاه حسين محمد علي شكري حامدا و مصليا بالمدينة المنورة في غرة رمضان سنة 1416 ه

وصف النسخ الخطية المعتمدة

ذكرت فيما سبق أنني قد حصلت على ثلاث نسخ لهذا الكتاب و هي كما يلي:

1- النسخة (أ): و هي بخط المحدث الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الدهلوي المكي، و المحفوظة بمكتبة الحرم المكي تحت رقم (2899) دهلوي، و عدد أوراقها (120) ورقة، و تمتاز هذه النسخة بوجود بلاغات في الهامش، و لم يذكر تاريخ نسخها.

2- النسخة (ب): و هي بخط السيد جعفر بن حسين هاشم، و المحفوظ أصلها في مكتبة آل هاشم بالمدينة المنورة، و عدد أوراقها (91) ورقة، و هي أيضا نسخة مقابلة كما يظهر ذلك من وجود لفظة (نسخة) في الهامش، و تاريخ نسخها 1298 ه.

3- النسخة (ج): و هي في غالب الظن بخط الشيخ إبراهيم حمدي أحد أمناء مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، و أصلها محفوظ بالمكتبة المذكورة تحت رقم (96/ 900)، و هي نسخة ناقصة لم يتمها الناسخ، و عدد أوراقها (139) ورقة.

و قد علمت أنه توجد نسخة بدار الكتب المصرية بمكتبة الشيخ محمد محمود التركزي و لكني لم أتمكن من الحصول على نسخة مصورة منها.

ترجمة المؤلف

اسمه‌

ترجمة المؤلف(1)

هو أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي الأصل، المدني المولد و المنشأ.

مولده و علمه‌

ولد بالمدينة المنورة سنة 693 ه، قرأ القرآن الكريم و الحديث الشريف، و الفقه و التفسير، و فقه الحديث و معانيه.

قال عن نفسه: «لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه».

و كان- رحمه اللّه- بارعا في علم العربية حتى إن إمام عصره و شيخ وقته الشيخ أثير الدين بن حيان قال عندما وقف على كلامه في إعراب «بانت سعاد»:

«ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثل هذا الرجل»، و استعظم علمه.

و قال هو عن نفسه: «اشتغلت في علم العربية و أنا ابن ثمان عشرة سنة».

كان صبورا على السماع و الاشتغال، و ظل أكثر من خمسين سنة متصدرا للاشتغال بالحرم النبوي الشريف، و مدرسا للمالكية.

شيوخه‌

قرأ القرآن الكريم على الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و الحديث على والده و الشيخ محمد بن حريث البلنسي- خطيب سبته و فقيهها- و كذلك قرأ على كلّ من:


1) مصادر الترجمة:« التحفة اللطيفة» للسخاوي 2/ 85( 2240)،« الديباج المذهب» لابن فرحون، ص 144؛« شجرة النور الزكية» 203( 700)،« الدرر الكامنة» لابن حجر 2/ 300( 2228).

الشيخ عز الدين يوسف الزرندي المدني، و الشيخ محمد بن أحمد المطري، و الشيخ شرف الدين الزبير الأسواني، و الشيخ سراج الدين الدمنهوري، و الشيخ محمد بن جابر الوادي آشي، و الشيخ قطب الدين أبي المكارم المصري، و الشيخ زين الدين الطبري، و الشيخ رضي الدين الطبري، و غيرهم.

و قد خرج له شرف الدين بن سكن المصري فهرسة كبيرة مشتملة على شيوخه و مروياته.

مؤلفاته‌

1- الدر المخلص من التقصي و المخلص: و هو جمع لأحاديث الكتابين.

2- كشف الغطا في شرح الموطا: يقع في أربعة مجلدات.

3- شرح «مختصر التفريع» لابن الجلاب النيلي، و سماه: «كفاية الطلاب في شرح مختصر الجلاب».

4- نهاية الغاية في شرح الآية.

5- العدة في إعراب العمدة.

6- التيسير في علمي البناء و التغيير.

7- شفاء الفؤاد في إعراب بانت سعاد.

8- المسالك الجلية في القواعد العربية.

9- شرح «قواعد الإعراب» لابن هشام.

10- نصيحة المشاور و تعزية المجاور: و هو آخر كتبه تأليفا.

أقوال العلماء فيه‌

قال عنه السخاوي في «الضوء اللامع»: كان من الأئمة الأعلام، و مصابيح الظلام، عالما بالفقه و التفسير، و فقه الحديث و معانيه.

و قال عنه أثير الدين بن حيان عند ما طالع كلامه على إعراب بانت سعاد: «ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثل هذا الرجل».

و قال عنه برهان الدين بن فرحون في «الديباج المذهب»: «.. كان كهفا لأهل السنة يذب عنهم، و يناضل الأمراء و الأشراف».

محنته و وفاته‌

كان- رحمه اللّه- من المكثرين للحج، فقد حج خمسا و خمسين حجة، و قد قال في آخر حجة له: هذه حجة الوداع، فلما أحس بالمرض أمر بحفر قبره في بقعة مخصوصة، و أوصى أن يعتق عند قبره عبيد، و أن يتصدق على الفقراء بصدقة واسعة، و أوقف أوقافا كثيرة على الفقراء.

و قد تسبب وقوفه في وجه الشيعة الإمامية و إنهاء سلطتهم القضائية و وقوفه ضدهم، أن رصد في السّحر بطريق الحرم فطعن طعنة أريد بها قتله، فصرف اللّه عنه شرها و عافاه منها، و قد صور معاناته من تلك الطعنة في آخر هذا الكتاب بقصيدة مؤثرة.

و في يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة تسع و ستين و سبعمائة توفي رحمه اللّه و دفن بالبقيع.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

مقدمة المؤلف‌

اشارة

الحمد للّه الذي أذلّ بالعلم رقاب أهل الجهل، و كسر بصدمته كلّ بارد الشّكل سخيف العقل، و جعل اليد العليا لمن اتّبع هدي المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و شرّف و كرم، أحمده على ما خوّل من النّعم، و دفع من النّقم، و أصلّي على خير أنبيائه صلاة دائمة بدوامه، كفيلة بفضله و إنعامه. و بعد؛

فإنّ اللّه تعالى رفع أهل العلم بما علّمهم، و شرّفهم بما وهبهم، من معرفة كتابه و سنّة نبيه صلى اللّه عليه و سلم، ثمّ عظّم لهم الأجر بما سلّط عليهم من جهلة النّاس، نعوذ باللّه من الوسواس الخنّاس، تجدهم يحرصون على هضم جانب العلماء و لو تمكنوا لأبادوهم عن آخرهم بسعيهم عليهم و توقّع هلاكهم، كلّ ذلك لأجل قيامهم عليهم بالحقّ عند خلافهم الشرع، و ما هذه إلا بلية، و فتنة جاهلية، قدّرها اللّه تعالى على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.

قال عليّ رضي اللّه عنه:

كلّ امرئ قدره ما كان يحسنه‌و للرّجال على الأفعال أسماء

و ضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله‌و الجاهلون لأهل العلم أعداء

في أبيات له رضي اللّه عنه.

هذا في زمانه، و لا شكّ أنّ زمانه خير من زماننا، و من زمان من قبلنا، لكنّ جهل زماننا مركب من جهلين: يجهلون، و يجهلون أنّهم يجهلون.

إذا كنت لا تدري و لم تك بالذي‌تسائل ذا علم فياضيعة العمر

و من أعظم الأشياء أنّك جاهل‌و أنّك لا تدري بأنك لا تدري

تراهم لباس الفضلاء يلبسون، و بالحدس و التخمين يفتون، و يقولون ما لا يفعلون، هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر: 9)؟!.

و اعلم- أرشدنا اللّه و إياك- أنّ من سعى على العلماء بجهل و عناد ليخمل ذكرهم، و يسقط كلمتهم و أمرهم و نهيهم، فهو بلا شكّ إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، و يكفيه ذلك عند اللّه هوان، و أمّا من ظنّ في نفسه أهلية الأمر بالمعروف، و النّهي عن المنكر- و لم يره الناس لذلك أهلا- فلا يترك قوله أصلا، حتى يظهر حجته، و يبدي صفحته، فإمّا أعذر فنجا، و إما أسره الحقّ فارتدى، و ما أحقّه بالتعزير و الهوان الشديد.

قال مالك رحمه اللّه: لا خير فيمن يرى نفسه بحالة لا يراه النّاس لها أهلا.

و قال: ليس كلّ من أحبّ أن يجلس في المسجد للحديث و الفتيا جلس، بل حتى يشاور أهل الصّلاح و الفضل، و علماء تشير إليه جهة المسجد، فإن رأوه أهلا لذلك جلس، و ما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أنّي أهل لذلك(1).

و لما بلغني عن بعض المتعصّبة من المتفقّهة، و عن جماعة من أهل الشّرّ متعددة، إنكارهم وضع حجر أو أحجار بالمسجد الشريف وضعت علما على موضع حاكم، أو مفت، أو عالم و لم أر معه صوابا، و لا كان لفضوله يستحق جوابا، أردت أن أبدي ما عندي في ذلك.

و ما ذكره الرّواة عن الإمام مالك رضي اللّه عنه، ليكون عدّة لأهل العلم إذا عوندوا، و حجة لهم إذا بوحثوا، و أضيف إلى ذلك شيئا من أحوال من كنت في زمانه من المشايخ الصلحاء، و الأكابر العلماء، و الخدام الأرقّاء، و أسمي من حضرني اسمه، و شيئا من كراماته ليحيى بها ذكره، و ينشر بها علمه، و ألحق بذلك أشياء حسنة من تاريخ من كان قبلنا من الثقات يرتاح إليها من سمع لها، و لم يقف على صحة نقلها، فيجدها هنا و عسى أن يقف على ذلك منصف، فيتّصف بأخلاقهم السّنية، و يتأدّب بآدابهم العلية.


1) « ترتيب المدارك» 127؛« الديباج المذهب» ص 21.

قال علماؤنا رضي اللّه عنهم: يستحبّ اتّخاذ موضع من المسجد للقاضي و العالم و المفتي، حتى إليهم ينتهي المستفتي، و بذلك قال علماء الحنفية.

قال مؤلف «الاختيار في شرح المختار»: و يجلس للقضاء جلوسا ظاهرا في المسجد؛ لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يفصل بين الخصوم في المسجد، و كذا الخلفاء الراشدون من بعده، و دكّة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في مسجد الكوفة إلى الآن معروفة.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «إنما بنيت المساجد لذكر اللّه تعالى و للحكم»، و لئلا يشتبه على الغرباء مكانه. انتهى كلامه.

و نقل القاضي عياض- رحمه اللّه تعالى- عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد، قال: و هو مكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و هو المكان الذي كان يوضع فيه فراش النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا اعتكف، كذا قال الأويسي.

و نقل أهل السّير(1): أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا اعتكف في رمضان طرح فراشه وراء أسطوانة التوبة، و روى الطبرانيّ في «معجمه» عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ ذلك ممّا يلي القبلة يستند إليها.

و في كتاب «إقليد الإقليد المؤدّي إلى النّظر السّديد» من كلام الشّيخ الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن أحمد بن حمزة: إنّ اتّخاذ العلماء المصاطب و المنابر جائز في المسجد للتّعليم و التّذكير، و هم أحقّ بها.

و ممّا رويته بسندي إلى الزّبير بن بكّار قال: حدّثني محمد بن إسماعيل قال: رأيت طنفسة كانت لعبد اللّه بن الحسن بن الحسين تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك، قال: فحبس عبد اللّه بن الحسن سنة أربعين و مائة، و بقيت الطّنفسة بعده أياما، ثمّ رفعت، ثمّ إن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أيام كان واليا على


1) انظر ذلك في« سبل الهدى و الرشاد» 8/ 439، و انظر الحديث في« سنن ابن ماجه» 1/ 564( 1774).

المدينة عام خمسين و مائة، عمل المرمر في جوانب المسجد حتى ألحقه بالسواري، فسأله أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان أن يدع له مصلّى، فتركه.

قلت: و هذا كلّه يدلّ على أنّ التابعين فمن بعدهم كان لهم من المسجد أماكن يختصون بها، و يحافظون على بقائها برسمها؛ لتكون باسمهم، لفضلهم و علمهم.

و روينا بالسّند الصّحيح إلى ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا اعتكف يطرح له و سادة، و يوضع له سرير من جريد فيه سعف يوضع له فيما بين الأسطوانة التي و جاه القبر و بين القناديل، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يضطجع عليه.

قال أبو و جزة السّعدي، و هو يذكر السّرير، و يمتدح آل الزبير لقربهم منه محلا:

و إذا غدا آل الزّبير غدا النّدى‌و إذا انتدوا فإليهم ما ينتدي

و إذا هموا راحوا فإنهم همواأهل السّرير و أهل صدر المسجد

قلت: و هذا يؤيّد ما نحن بصدده، و يزيد في عدده و مدده.

قال القرطبي في تفسير «سورة المجادلة»: القاعد في موضع من المسجد إذا قام لغيره، و كان قيامه في موضع مثل الأول يسمع فيه كلام الإمام لم يكره له ذلك، و إن كان أبعد من الإمام كره له ذلك، لأنّ فيه تفويت حظّه من القرب، و إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكّر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم المأمور من المكان.

و روي أنّ ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه. قال: و على هذا من أرسل بساطا أو سجادة تبسط له في موضع من المسجد.

روى مسلم(1)عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:


1) كتاب السلام« باب إذا قام من مجلسه ثم عاد» 4/ 1715( 31/ 2179).

«إذا قام أحدكم» و في حديث أبي عوانة: «من قام من مجلسه ثمّ رجع إليه، فهو أحقّ به».

قال علماؤنا: هذا يدلّ على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، لأنّه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أحرى و أولى، و قد قيل: إنّ ذلك أولى، و قد قيل: إنّ ذلك على النّدب، لأنه موضع غير متملّك، لكنّه يختصّ به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه تملّك منفعته، إذ قد منع غيره من مزاحمته.

و قال في «الإقليد»: و ما في جوامع مصر من ذلك مما لم ينكره أهل العلم، دليل على ذلك، فأمّا ما وضع منها لطلب الأجرة كالمعلمين، فلا يكونون أحقّ بها، بل ينبغي إزالتها، و كذلك إن وضع للعالم في الموضع حصير فهو أحق بذلك الموضع، و إن تأخّر حتى سبقه غيره، و يراعى في ذلك حقّ من يقصد العلماء فيجدهم في مكانهم.

و في «الموطأ»(1): أنّه كانت طنفسة توضع لعليّ(2)بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم الجمعة تحت الحائط الغربي، فإذا غشيها الظّلّ، يخرج عمر رضي اللّه عنه فيخطب، و هذا يرسخ ما تقدّم.

قال الباجي- رحمه اللّه- في كلامه على حديث صفوان مع السّارق لردائه: قال ابن القاسم في «العتبية»: فمن سرق من بسط المسجد التي توضع فيه في رمضان؛ فإن كان عندها صاحبها قطع.

قلت: و هذا يدلّ على أنّ السّلف كانوا يضعون البسط في المسجد في رمضان، ليحفظوا بها أماكن صلاتهم.

قال القاضي أبو بكر في قوله عليه الصلاة و السلام: «منى مناخ من سبق إليه برحله»(3)، دليل على ما يفعله الصوفية اليوم من تقديم سجاجيدهم إلى المسجد ليحفظوا أماكنهم للصّلاة.


1) باب وقت الجمعة، ص 23، حديث( 13).

2) في النسخة المطبوعة:« لعقيل بن أبي طالب».

3) رواه الترمذي 3/ 228« باب أن منى مناخ من سبق»( 881)، و أبو داود 2/ 521« باب تحريم حرم مكة»( 2019). و لم ترد في هذه الروايات لفظة:« برحله».

و عن مالك- رحمه اللّه- أنه كان يقول: إذا ارتسم موضع من المسجد برجل فهو أحقّ به. و على هذا أكثر العلماء.

قال صاحب «الإقليد»: و ممّا يدل على ذلك العامود المخلّق الآن في المسجد النّبويّ، و عنده كان جلوس النبي صلى اللّه عليه و سلم، و من كان له موضع من المسجد معلوم يجوز أن يخرق الصّفوف إليه إذا تأخّر.

و نقل القاضي عياض في «المدارك» أنّ سحنون إمام المالكية في زمانه لمّا ولي القضاء، و كثر عليه الناس، أمر ببناء بيت في المسجد لنفسه يحكم فيه، فكان لا يحضر عنده إلا الخصمين، و من يشهد بينهما.

و قال في «الإكمال» عند قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إذا قام أحدكم من المسجد، ثمّ رجع إليه فهو أحقّ به إذا قام لحاجة»: اختلف في معناه؟

فقال محمد بن مسلمة: يحمل الحديث على مجلس العالم إذا قام لحاجته، فهو أحقّ به، و اختلف في من رسم من العلماء و القراء موضعا من المسجد للتدريس و الفتيا.

فحكي عن مالك رحمة اللّه عليه: أنّه أحقّ به إذا عرف به.

قلت: و ممّا يقوي ذلك ما كان في زمانه صلى اللّه عليه و سلم، من أمر الصّفّة و أهلها، و اختصاصهم بها، و كانت في أواخر المسجد.

و ممّا يرسخ هذا وضع أزواجه صلى اللّه عليه و سلم و رضي اللّه عنهن أخبيتهن بالمسجد حين أردن الاعتكاف، و لم ينكر عليهن صلى اللّه عليه و سلم وضعها، و إنما خشي عليهن الغيرة التي بينهن من الحرص على القرب منه، فلا تسلم لهن نية الاعتكاف.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «آلبرّ ترون بهنّ؟»(1)، فمنعهن جميعهن.

و مما امتاز به العلماء ما نقله الشّيخ أبو الحسن اللخمي، عن ابن حبيب، قال: و أرخص مالك- رحمة اللّه عليه- للعالم(2)إذا كان مجلسه في مؤخّر المسجد، أو وسطه أن يصلّي في موضعه مع أصحابه و إن تقدّمتهم الصفوف.

قلت: و إنما قال ذلك مع قوله صلى اللّه عليه و سلم: «خير صفوف الرّجال أوّلها و شرّها


1) أخرجه البخاري في الاعتكاف، البخاري 2/ 66« باب اعتكاف النساء»( 2033).

2) في( ب):« العالم أو المدرس».

آخرها»(1)، لأنّه إذا تقدّم عن الجماعة و تركهم لم يسهل عليه تخليفهم، و إن ذهب هو و هم إلى الصّفّ المتقدم قبل الصّلاة انقطع اشتغالهم، و إن اشتغلوا فيه شوّشوا على المصلّين، و إن تقدّموا بعد إقامة الصّلاة كان سعيهم من آخر المسجد إلى أوله عمل و الإمام يصلّي، و ربما فاتتهم الركعة الأولى، فأرخص لهم في ذلك.

و مما تترشح به مسألتنا ما ورد في «صحيح البخاري» في حديث الوليدة(2)التي اتّهمت بالوشاح.

فقالت عائشة رضي اللّه عنها: كان لها خباء في المسجد، أو حفش، و هو البيت الصّغير.

و في البخاريّ(3)أنّه عليه الصّلاة و السّلام ضرب لسعد خيمة في المسجد، حين أصيب يوم الخندق في أكحله ليعوده من قرب.

و من ذلك أيضا بناء المقصورة في أيام عبد الملك، و المتولّي على عمارتها عمر بن عبد العزيز، فاقتطع لها قطعة من قبلة المسجد لمّا أراد حفظ والي المدينة من الغيلة.

و قد ذكر ابن رشد في «البيان و التحصيل»(4)أنّ مروان بن الحكم فعل معه كما فعل مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فأراد اليماني قتله في صلاة الصبح، فأمر بمقصورة يصلّي فيها و يتحصّن بها، فلمّا دعت الضّرورة إلى قطع جانب المسجد جاز ذلك للحاجة إليه، ثمّ لم تزل حتى احترقت بحريق المسجد في ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان من سنة أربع و خمسين و ستمائة، و منها بقيت أثرا إلى الآن(5).

و من ذلك بناء القبة التي في صحن المسجد الشريف، عمّرها الإمام


1) رواه مسلم في كتاب الصلاة 1/ 326( 132).

2) انظر الحديث في كتاب الصلاة« باب نوم المرأة في المسجد»( 439).

3) كتاب الصلاة« باب الخيمة في المسجد للمرضى و غيرهم»( 463).

4) « البيان و التحصيل» 1/ 291.

5) يعني في عهد المؤلف.

الناصر لدين اللّه(1)لحفظ حواصل الحرم، و المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت بعد الثلاثمائة، و كانت عمارتها سنة ست و سبعين و خمسمائة، و جميع ما فيها سالم إلى اليوم، و قد سلمت من الحريق ببركة المصحف الكريم، و لكونها متوسطة في المسجد، و من ذلك الدّكّة الخشب التي يبلّغ عليها المؤذّنون خلف الإمام.

و مما يشيد بناء هذه المسألة و يقوّي أركانها، إباحة العلماء المالكيين التعزير في المسجد الشريف، و إنّما ذلك تيسير للحكّام لئلا يتكلفوا الخروج عند إقامة الحدود، مع العلم بما يجب للمسجد من التنزيه عما هو أقل من هذا، مثل رفع الصّوت بالعلم، بل أدنى من ذلك، حتى قيل: لا توقد فيه النار، لكنّهم راعوا المصلحة العامة، و رأوا أنّ المسجد بني للشّرع و أهله، و لم يبن لغيره.

ثم يرجع الكلام مع هذا الذي تصدّى للإنكار و الإفتاء، هلّا أنكر غير مجلس الحكام من مجالس لغيره نصبت، و متكآت خصّصت، و بالفضّة بيضت، و دكاك عند الأبواب، و مواضع من المسجد محجزة، و خلوات مبتدعة؟

لو تكلم في جميعها لساعده الخلق، و شكره الحقّ، بل تكلّم بالهوى، و من اتبع هواه فقد غوى. ثمّ إنّه لم ينكر الحجر المرآة الذي عن قريب وضع، و أثبت في الحائط من داخل المسجد و جصص، و هو من البدع المنكرة، يستدعي شرورا متعددة، و منكرات متجددة، و لا يسع ذكرها هنا لكثرة تعدادها.

ثمّ هذا الحجر الذي وقع فيه الكلام، وضعه متقدّم، وضع في زمن غير هذا الزمن، فإن خفي عليه ذلك، فليسأل عن ذلك من سبقه من أهل ذلك الزمان الذي هو خير الزمنين، و أعدل القرنين، و إنّما غيّر اسمه، و رفع


1) هو: الناصر لدين اللّه: أحمد أبو العباس بن المستضي‌ء بأمر اللّه؛ ولد سنة 553 ه، و كانت فترة ولايته 47 سنة، و هو أول من كسى الكعبة ديباجا أسود. انظر ترجمته في« تاريخ الخلفاء» ص 413- 422.

علمه، لمّا ذهب أهله، و من كان يجلس عنده، و يستند إليه، مثل القاضي سراج الدين(1)، و مثل الشيخ عبد العزيز الجبرتي(2)الذي كان للقرآن تاليا، كان يجلس إليه إذا دخل المسجد سحرا فيرفع صوته بالقراءة بحسن نية، و أداء حسن عن رويّة.

و إنّما العلة في هذا المنكر، غمة من العلم و أهله، و ما وهبوا من بذله و نشره، و رأى أنّ رفع أهل العلم عيب فيه، و علم على كونه ليس من أهله.

و في مثل هذا أنشد بعضهم:

إذا محاسني اللّاتي أدلّ بهاصارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر

و أما أحقّ شي‌ء بالإزالة ما أحدث بالمنارتين الشماليتين، قدّم باباهما على بابيهما الأصليين، و جعل ما بين البابين في كلّ منارة خلوة اقتطع بها جانب من المسجد كبير، لا شكّ في تحريمه و وجوب تغييره، و قد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة، عملت وقاية من الشمس إذا غربت، فكانت بدعة و ضلالة يصلّي فيها الإمامية من الشيعة، لأنها قطعت الصفوف، و اتّسمت بمن ذكر من الصنوف، فغلبت المفسدة بها، و ندم على ذلك من وضعها.

و لقد كنت أسمع الشريف عزاز(3)يقف على بابها، و يؤذّن بأعلى صوته من غير خوف و لا خجل: (حيّ على خير عمل)، و كانت مواطن تدريسهم و خلوة علمائهم، حتى قيض اللّه لها من سعى فيها، فأصبحت ليلة مخلعة أبوابها، معوجّة أخشابها، متّصلة صفوفها، و أدخل بعضها في الحجرة الشريفة، و جعل فيها الباب الشامي، و كان في ذلك مع زيادة الرواقين الذين زادهما الملك الناصر جملة مصالح و دفع مفاسد، فلذلك سكت أهل العلم، و لم يعدوا ذلك من تحجير المسجد و تضييقه.


1) هو: عمر بن أحمد بن الخضر بن ظافر القاضي سراج الدين؛ ولد سنة 635، و كان فقيها فاضلا صالحا، تولى الخطابة بالمدينة أربعين سنة، توفي بمصر سنة 726 ه. انظر ترجمه في:« التحفة اللطيفة»( 2/ 328)،« الدرر الكامنة»( 3/ 149).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة»( 2/ 191)،« المغانم المطابة»، الورقة 252/ أ.

3) في« أ»:« عزار».

و لقد كان في وسط المسجد سقاية يحمل إليها الماء من العين، بناها شيخ الخدّام في ذلك الوقت، و أوقف عليها أوقافا من ماله، و كانت متقدّمة على النخل، تقديرها خمسة عشر ذراعا في مثلها، و جعل في وسطها مصرفا للماء مرخما، و نصب فيها مواجير للماء و أزيارا، و دوارق و أكوابا، حجرها بالخشب و الجريد، و جعل لها غلقا من حديد، و استمرت السنين العديدة، فكثر الشرّ فيها و التزاحم عندها، و صار يدخلها من يتوضأ فيها، و ربّما يزيل عنه فيها الأذى من استقرب المدا.

ثمّ تعدى الحال في شرّها إلى أن تضورب عليها بالسلاح، و طلب الخدّام شريفا أساء على أهل الحرم، فسلّ سيفه على الناس، و غلقت الأبواب، و احتمى بالسكين حتى جاءت رسل الأمير فأخرجوه، و ذلك كلّه بسبب السقاية و من فيها.

فلما غلبت مفسدتها على مصلحتها، أزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي(1)، و الشيخ ظهير الدين(2)، فانظر هذا التحجير الكثير في وسط المسجد كيف اغتفر للمصلحة حتى كثرت المفسدة، و تعدّت فأزيلت.

و ممّا أدركت من البدع التي أراح اللّه منها، ما كان يفعله الشرفاء من آل سنان و غيرهم، كانوا إذا أظل الحاجّ يسارعون إلى الحجرة بصناديق و كراسي ينصبونها حول الحجرة الكريمة يتخذونها مقامات، يجلسون عليها للتزوير عند الصندوق الذي قابل رأس النبي صلى اللّه عليه و سلم واحدا، و عند المسمار الذي في الرخام اليوم واحدا، و عند أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه واحدا، و عند بيت فاطمة رضي اللّه عنها واحدا، و عند المحراب الذي في الحجرة واحدا، لا يقدر أحد أن يشاركهم في مناصبهم، و لا ينفصل عنهم الزائر إلا بشي‌ء، و إن كان معه شمع أو ماء ورد، أو هدية أو نذر، فهم الآخذون له يجعلونه في صناديقهم بدعا مقرونة بجاه الولاة من الشرفاء.


1) هو: محمد بن محمد بن إبراهيم شرف الدين الأميوطي؛ ولد سنة 674 ه، ولي القضاء و الإمامة و الخطابة بالمدينة إلى أن توفي سنة 745 ه. ترجمته في:« الدرر الكامنة»( 4/ 159).

2) هو: مختار الأشرافي، ظهير الدين شيخ الحرم.

لم يزل كذلك حتى قويت السنة و أهلها، و اتفقت الجماعة كلها على قاضيها و شيخها، فزال ذلك ببركة نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و إنما ذلك بسبب اجتماع الكلمة، و حسن النية، وفّقنا اللّه لما يرضيه، و رضّانا بما يقضيه، و زال ببركة الاجتماع، أشياء كثيرة من هذه الأنواع، منها:

أني أدركت قرّاء الإمامية و أئمتها إذا دخل شهر رمضان، أخذوا من القبة شمعا و شمعدانات على عددهم ينصبونها بعد صلاة الآخرة في مجالسهم، و يدعون في كتبهم، و يرفعون أصواتهم حول الروضة، و الناس في الصّلاة لا يعلمون صلاتهم من رفع أصواتهم، و لا يسمعون قراءة إمامهم لكثرة قرائهم، و يجتمع عليهم من الناس خلق كثير، و يتخللون تلك الأدعية بسجدات لهم مؤقتة. و لم يزالوا كذلك إلى أن اجتمعت الكلمة، و ظهر الحق، فمنعوا من ذلك إلا في بيوتهم و مجالسهم، فانحسمت المادة، و زالت تلك العادة.

و لقد أدركت جماعة من المجاورين و الخدّام لا يقرؤون كتبهم، و لا يسمعون حديث نبيهم إلا في خفية، حتى قدم الصاحب ابن حنّا(1)رحمه اللّه تعالى، و أقام بالمدينة فكثّر من قراءة المواعيد، و قام على آل سنان و القياشين، فهابوا مكانه من السلطان، و أذعنوا و استعملوا التقية حتى رجعوا فيما زعموا كلهم سنّة.

و كان يأتيه من الينبع قوافل بالدقيق و القمح و الأرز، و أنواع الحبوب، فيعطي منه الخدام و المجاورين، و يمد رؤوساء الإماميين و كبار الشرفاء المقيمين، حتى أشهدوا على أنفسهم أنهم سنّة، و لا يحكمون بأحكام البدعة، و كان الحكّام منهم و الفقهاء منهم، و لم يزالوا كذلك حتى سافر الصّاحب عنهم، فرجعوا إلى حالهم، و لكن بعد هضم جانبهم و كسر شوكتهم، فاستمرت المواعيد و القراءات و الاستماعات و السماعات، و ذهب


1) هو: أحمد بن محمد بن علي بن حسن، زين الدين بن الصاحب محيي الدين: جاور بالمدينة سنة 701 ه، و كان فقيها ديّنا رئيسا وافر الحرمة، أزال كثيرا من البدع بالحرمين، و توفي بمصر سنة 704 ه. ترجمته في« التحفة اللطيفة»( 2/ 141)،« الدرر الكامنة»( 1/ 283).

ببركة إقامته كثير من البدع المؤسّسة في المسجد الشريف منها: صلاة الرغائب التي روي أنّها تصلّى ليلة أول جمعة من شهر رجب.

أدركت القاضي سراج الدين الآتي ذكره يصلّيها في جماعة في الروضة المشرفة بلا نكير، و لا معارض، و سنده في ذلك ما رواه فيها و أخذ به كثير من الصوفية، و قد نص العلماء على أنها من البدع و إن كانت من فضائل الأعمال المسندة لحديث ضعيف(1)، لكنه عارض العمل به بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام، و لا يومه بصيام»(2)، و رحمه اللّه و جزاه خيرا.

و في إقامته بالمدينة توفيت زوجته في شهر رجب، و هي بنت الشيخ ابن أبي حمزة، و قيل: إنها ورثت سرّ الشيخ والدها نفعنا اللّه به، و حملت من المدينة إلى عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سيد الشهداء، و دفنت عند شهداء أحد رضي اللّه عنهم، و قبرها معروف يزار للبركة- رحمها اللّه-.

و أما الصاحب زين الدين، فكانت وفاته بمصر سنة أربع و سبعمائة، و كان في الزمن الأول مقرئ الحرم و رئيسه، الشريف الموصلي محمد بن سعيد(3)، فبلغني أنّ شريفا سمع يوما أنّ سعيد يقرأ: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ (التوبة: 101).

فضربه برجله و قال: قم يا عدو اللّه، كم تكذب على اللّه، و خوّفه بالقتل حتى دخل على بعض الشرفاء فأمنه منه، و توفي محمد بن سعيد بمصر سنة تسع و تسعين و ستمائة.

فنحن اليوم في عافية، و نعم من اللّه متتالية، ببركة هذا النبي الكريم


1) انظر كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني على حديث صلاة الرغائب في« تبيين العجب بما ورد في شهر رجب»، ص 52 و ما بعدها.

2) روى مسلم في« صحيحه» 2/ 801؛ قوله صلى اللّه عليه و سلم:« لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، و لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ... الحديث». و رواية المصنف للحديث على سبيل الاختصار.

3) وقع في جميع النسخ العبارة كما يلي:« ... مقرئ الحرم و رئيسه الشريف الموصلي و محمد بن سعيد ...»، لكن السخاوي في« التحفة اللطيفة» 2/ 480 ذكر أن الشريف الموصلي هو محمد بن سعيد، و نقل طرفا من هذه القصة عن ابن فرحون، و سياق العبارة يؤكد ذلك و أن الواو زائدة.

صلى اللّه عليه و سلم، لو سلمنا من البغضاء التي يتحملها بعضنا في بعض، أزالها اللّه بالاجتماع و الموافقة على الكلمة السنية، و الشريعة العلية.

و إنما ذكرت هذه البدع- و إن لم تكن مقصودنا استرسالا عند ذكر ما ابتدع، لمصلحة ليعلم أنّ الحقّ يدوم بدوام الباعث عليه، و يزول بزواله، و لو طال زمانه و كثر اتباعه، و يعلم أنّ للاجتماع أثرا، و للتّفريق أشرا، و لقد كان الأولى بالنّاس اليوم إنكار البدع المتعلّقة بالصلّاة التي هي عماد الدّين.

فمن ذلك:

ما أحدث في الصفوف من التقطيع، و تقديم من هو أهل للتقديم، و تأخير من هو أهل للتأخير، و تأديب من صلّى وحده مع القدرة على الدخول في الصّفّ.

قال ابن حبيب من علمائنا: أدركت بالمدينة رجالا موكّلين بالصفوف، فإذا رأوا رجلا يصلّي خلف الصّفّ وحده و في الصّفّ له مدخلّ، تركوه حتى يفرغ من صلاته، ثمّ ذهبوا به إلى الحبس، و مذهب أحمد بن حنبل بطلان الصّلاة، و لقد رأيت عن يمين الإمام و شماله أهل الصناعات الدنية، كالدباغ و الحداد و الجزار، و من اشتهر منهم بقلّة الدّين، و ذلك يتكرر منهم كثيرا، ويليه أيضا من جهة الفقراء من لا يفهم صلاته، و لا يعقل ما وجب عليه منها و فيها، و يترك الفقهاء و القراء في أطراف الصفوف، و خلف تلك الجلوف.

و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «ليليني منكم أولو الأحلام و النّهى»(1).

قال القاضي أبو بكر بن العربي: ينبغي أن لا يصلي خلف الإمام إلا من يصلح للاستخلاف، لما يتوقع من حاجة الإمام من يستخلفه، أو يردّ عليه، أو يصلح صلاته.

قال: و لو سبقه من ليس هو كذلك أقيم، و قدّم إلى الأمام من هو أحقّ.

و أغرب من هذا كلّه أنّه يأتي عاميّ أو جاهل إلى مكان عالم أو فقيه له يصلّي فيه نحو العشرين سنة، أو أكثر منها فيجلس فيه، فإذا قيل له: هذا موضع فلان، يقول: ليس في المسجد موضع لأحد، و أنا و هو في ذلك


1) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة« باب تسوية الصفوف و إقامتها» 1/ 323( 122).

سواء، أين هذا المتعرض للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من هذه المنكرات الخفيات؟

و من ذلك ما يقع عند فتح أبواب الحرم الشريف في السّحر لصلاة الصبح من الزحمة و الجري العظيم، و قلّة الأدب في تلك الحضرة الشريفة، و في ذلك الوقت المبارك، و المضاربة و المشاتمة حتى إنّهم ليقتل بعضهم بعضا من شدّة الخنق، و لقد أراد تكروريّان أن يقتتلا بالسكاكين في الروضة لأجل ذلك، و هذه المصيبة العظيمة تدفع بأيسر شي‌ء، و هو لو كان قومة المسجد و أصحاب النوبة يفتحون للأول فالأول من الناس، ما حصل هذا البلاء العظيم، و لكنهم يتركون الناس على الأبواب حتى تضيق أنفسهم، فيدخلون دفعة واحدة يحطم بعضهم بعضا، و إثم ذلك على من منعهم، وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (البقرة: 114)!

و من ذلك السجاجيد التي يؤبدونها في المسجد ليلا و نهارا، و لقد كنت أعرف خداما موكلين بالسجاجيد كريحان الموصلي(1)، إذا وضع أحد سجادته- و ما كان أهلا لذلك- أخذوها و رموها، و متى غلبوا عليهم و كثروا، جمعوا السجاجيد و أخفوها حتى يحترق عليها صاحبها، فيردونها عليه و يتوبونه، و لقد أحرقت مرة على باب النساء، و ما زالوا على سائر الأزمان يهتبلون بذلك اهتبالا عظيما، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

قال الشيخ أبو عبد اللّه القصري(2)رحمه اللّه: رأيت في المنام كأن نارا استعرت في الروضة و هي تعمل في السجاجيد، و أنا أصيح: و اللّه يا رب ما سجادتي من تلك السجاجيد، و كان يحكي هذه الرؤيا في الميعاد، و كان رضي اللّه عنه يقول: إذا جئت إلى الروضة و لم أجد لي فيها مدخلا فرحت و سررت لما أرى من الحرص على الخير، و كان- رحمه اللّه- يقصد طرف الصف من جهة المنبر حتى يرفع البساط، و يصلي على الرمل.

و من ذلك: علو الرّمل في الروضة، و وضع بعضه على بعض، و لقد


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة»( 1/ 352).

2) هو: أبو عبد اللّه محمد بن غصن الأنصاري القصبري.

كنت دائما أرى الشيوخ من أهل الخير ينفضون الرمل من الروضة ينسفونها نسفا بالمساحي حتى يعلو ما حول المحراب من الرخام محافظة على قرب مقام المأموم من الإمام في العلو، و بالغوا مرة في الحفر، فوجدوا يدا مقطوعة مكفنة مدفونة في الروضة، كأنها قطعت ظلما، فأراد من هي منه أن تكون بحضرة النبي صلى اللّه عليه و سلم جهلا منه و قلة يقين باللّه، فإن اللّه تعالى يعلم من ظلم فيكافيه، و من ظلم فيجازيه، و مرة وجدوا إصبعا مدفونة تحت الشباك.

و ما زال العلماء و الأئمة يتحرجون من كون الحضرة منخفضة انخفاضها اليوم، فمن قائل بالكراهة، و من قائل بالمنع، و قد اعتبرتها اليوم بالذراع فوجدتها ذراعا بالرمل و البساط الذي علا عليها و على ترخيمها، و في المذهب قولان في صحة صلاة الإمام و المأموم، و على هذا يجب القول بالمنع. و أما في أيام القاضي سراج الدين فمن بعده إلى أيام شرف الدين، فإنهم كانوا يرفعون مقام الإمام بشي‌ء من الرمل حتى تزول الكراهة و المنع.

و لما قام في ذلك شرف الدين الأميوطي- رحمه اللّه-، و أراد إزالة الخشب و ما حوله و طمس المقام أو رفعه، قام في وجهه الخدام و كرهوا أن يتغير مقام النبي صلى اللّه عليه و سلم، و استعانوا على القاضي بالأشراف، فكف و انتقل عن المحراب، و صار يصلي إلى الإسطوانة التي تقابل إسطوانة الوفود، و لزمها إلى أن مات رحمه اللّه.

ثم ان الخدام رفعوا الرمل الذي كان يرتفع به المقام فنزل بزواله، ثم جعلوا الرمل على الترخيم الذي حول المحراب، فارتفع مقام المأموم و انخفض مقام الإمام و اتضع، و صار من الفقهاء من يدفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه صلى اللّه عليه و سلم و موقع قدميه.

و يقول: في هذا من الفضل ما يوازي لي ما في ذلك من النقصان.

و هذه، و اللّه أعلم، نزعة صوفية لا علمية و لا عملية.

و كذلك كل من رأيت بحث في هذه المسألة لا يصوب الانخفاض إلا لمعنى ليس من الشريعة، و ما أقرب قولهم إلى قلوب العامة و ضعفة الفقهاء، و أسرعه إليها.

إذ يقال: ما يدنيني من محل كان الرسول اللّه يصلي فيه و يجلس عليه،

و يمسّ جبهته و يديه، أحق بأن أمرّغ وجهي عليه، و أملأ محاجري من تراب قدميه، و هذا حق و كلنا نقول به و نحبه، لكن الخير كله في اتباع سنته، و ما أمر به، و ما حضّ عليه، و هو صلى اللّه عليه و سلم لم يكن موقفه من المأموم أخفض و لا أعلى، بل كان هو و أصحابه في الموقف سواء، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى، بل التمادي على المكروهات و البدع الموضوعات يعظمها و يصيرها كبائر، فمن قدر على التغيير و الإزالة فلم يفعل، يخاف عليه أن عمله لا يقبل، و أن اللّه تعالى عن ذلك منه يسأل، ثم إن القيام في ذلك صار جانبا عن هذه المعاني، بل داخله حظّ النفس و التعصب في صورة التعبد و التقرب، أعاذنا اللّه من حظوظ أنفسنا، و هدانا لما فيه صلاح ديننا، و ألف بين قلوبنا، برحمته و كرمه.

ثم مع ما في المقام الشريف من الكراهة في الانخفاض أضف إليه كتابة القرآن العزيز في قبلة الإمام و المأموم، و لا خلاف بين الناس في كراهة هذا حتى قيل ببطلان صلاة من قرأه و اشتغل به مع التزويق العظيم و التذهيب الأنيق الذي يشغل المصلّي، و لو كان بالولاية متحليّا، ألا ترى كيف ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الخميصة لما خاف أن يشغله علمها في الصلاة؟ و قال:

«ردوا هذه الخميصة على أبي جهم، و ائتوني بأنبجانية أبي الجهم فإن علمها كاد يفتني في صلاتي»(1).

و هذا إنما هو تعليم للأمة و تحذير لهم من أن يكون مثل هذا في الجملة من السنّة.

و انظر إلى فعل أبي طلحة رضي اللّه عنه لما كان يصلي في حائطه، فطار دبسي، فطفق يتردّد يلتمس مخرجا، فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى!!

فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة.


1) أخرجه البخاري في الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام( 373)، و مسلم في المساجد، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام( 556).

و قال: يا رسول اللّه هو صدقة للّه فضعه حيث شئت(1).

و في «الموطأ»(2)أيضا: أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقفّ- واد من أودية المدينة- في زمان التمر و النخيل قد ذللت، فهي مطوقة بثمرها، فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى!!

فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة.

فجاء عثمان بن عفان- و هو يومئذ خليفة-، فذكر له ذلك.

و قال: هو صدقة فاجعله في سبيل الخير، فباعه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه بخمسين ألفا، فسمي ذلك المال: الخمسين.

و كم مثل هذا أثبتته السنّة خوفا من مثل هذه البدعة.

قال أبو الحسن اللخمي في «التبصرة»: قال مالك رحمة اللّه عليه: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، و أرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن صلاتهم و إن عظم ما كان أنفق فيه.

قلت: و إنما زخرف المساجد من زخرفها لمعنى قصدوه، لا للزخرفة، لأن الوقت كان من الكفر و الجاهلية قريبا، فما كان يقوم للمسجد من التعظيم و التفخيم قبل ما صنع فيه ما يقوم له بعد ذلك، فأرادوا ذلك المعنى.

و مما يدل عليه: أن جامع بني أمية لما بني على هيئته اليوم بالفسيفساء و ولي عمر بن عبد العزيز، كره أن يكون المسجد على هيئة تشغل المصلي، فأمر بأن تستر القبلة و الجدار بالقباطي، ثم قدم الشام راهبان فسألوا عن الكشف حتى ينظروا إليه، فأرسلوا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يسألونه في ذلك، فأذن لهم، فلما رأوه استعظموا ذلك، و دخل عندهم من ملك الإسلام رهبة و عظمة، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز.


1) الموطأ« باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها»( 220).

2) باب« النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها»( 223).

فقال: أرى ما هناك يغيظهم و يكبتهم، ارفعوا القباطي فرفعوها.

و أما ما يتأوله بعض الناس أن الزخرفة مأذون فيها من قوله عليه الصّلاة و السّلام:

«لا تقوم الساعة حتى تزخرف المساجد»(1).

فهو غلط بيّن، لأنه صلى اللّه عليه و سلم عدّ هذا من الأشياء التي تدل على فناء الدين و ذهاب من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.

فقال: «من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد كأنها البيع و الكنائس»(2).

و إنا للّه و إنا إليه راجعون.

ذهب الرجال العاملون بعلمهم‌و المنكرون لكل أمر منكر

و بقيت في خلف يزيّن بعضهم‌بعضا ليدفع معور عن معور

و ما أشين البدعة في مثل هذه الحضرة التي عرض على النبي صلى اللّه عليه و سلم تزيينها و رفع جذوعها.

فقال: «بل عريش كعريش أخي موسى»(3).

أما ما فعل من ذلك لضرورة أو لعذر ما، فيكاد أن يغتفر منه شي‌ء ما وجد مبتدعه لبدعته عذرا إن خفف من ذلك قدرا، و إنما الميزان القويم، و القسطاس المستقيم، في اتباع هذا النبي الكريم، فالناس اليوم في جانب عن سنته و اتباع ملته و طريقته، و ما أحق المجاورين له بالأدب معه، و السؤال عن أحواله و أقواله فيتبعونها، خصوصا قومة مسجده الشريف، و خدّامه، و يعلمون أن من خدمته صلى اللّه عليه و سلم تعظيم العلم و أهله و رفع منزلتهم و القيام بحقهم، و التغافل عن زللهم و الشفقة على ضعيفهم، لأن منزلتهم من النبي صلى اللّه عليه و سلم رفيعة، و نسبتهم إليه عظيمة، إذ جعلهم الوارثين له، و لا ميراث لهم إلا ما حملوه من سنته و شريعته.

و في الحديث أن أبا هريرة رضي اللّه عنه دخل السوق فقال لأهله:


1) روى أبو داوود 311( 449) قال صلى اللّه عليه و سلم:« لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».

2) سنن ابن ماجه 1/ 244( 740)، و رواية الحديث هنا بالمعنى.

3) سنن الدارمي 1/ 23( 38).

أراكم هاهنا و ميراث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقسم في المسجد؟ فذهب الناس إلى المسجد و تركوا السوق فلم يروا شيئا.

فقالوا: يا أبا هريرة، ما رأينا ميراثا يقسم!

قال: فما رأيتم؟

قالوا: رأينا قوما يذكرون اللّه عزّ و جلّ، و يقرؤون القرآن، و ينشرون العلم.

فقال: ذلك ميراث محمد صلى اللّه عليه و سلم.

فواجب إذا تعظيمهم و توقيرهم، و ما أحق من إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم انتمى بهذا المعنى، فإن سر المخدوم يسري إلى خادمه فيتأدب بآدابه، و يشكر اللّه تعالى إذ جعله على بابه و من حجّابه، و أن أهّله لنسبة الخدمة، و كفى بها من نسبة، فيقال: خادم النبي صلى اللّه عليه و سلم، و يمثل نفسه الغوية بين يديه صلى اللّه عليه و سلم، فيرضى لها من الأدب ما يعلم أنه يرضاه لو رآه، و أين القلب الصافي، و العقل الوافي، الذي ينظر الأولياء بهما في هذه المعاني.

تنبيه‌

حكى لي الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة جمال الدين محمد بن أحمد المطري(1)أنه كان بالمدينة الشريفة رجل صالح عظيم القدر من أرباب القلوب يقال له: الزجّاج، و كان شيخا لجمال الدين و للشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن(2)، و كانا بعد موت والديهما مؤذنين متواخيين في رئاسة الأذان، يتعاقبون في الوقت.

قال لي: فكنا نجي‌ء إلى باب المسجد في السّحر للدخول لأجل الأذان، فنجد الشيخ قاعدا على الباب في ذكر و قراءة.

قال: فأدق الباب، فيقول لي صاحب النوبة: من هذا؟


1) ترجمته في:« لحظ الألحاظ» ص 110،« الدرر الكامنة» 3/ 315،« الأعلام» 5/ 325،« التحفة اللطيفة» 2/ 413.

2) هو: محمد بن إبراهيم بن محمد الجمال أبو عبد اللّه الكناني؛ ولد سنة 621، و كان شيخا صالحا خيّرا فاضلا، رئيسا بالحرم، توفي سنة 727. انظر ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 407،« المغانم المطابة» الورقة 264/ ب.

فأقول له: محمد. فيفتح لي، ثم يجي‌ء صاحبي فيفعل معه مثل ذلك، ثم كذلك لثالثنا، و كان اسمه عبد الرحمن، من قرابة الشيخ محمد بن صالح(1)نائب الإمامة و الخطابة.

قال: فخلا الشيخ بي و قال لي: يا محمد، أنت تتصور ما أنا و أنت فيه كل ليلة؟

فقلت له: لا علم لي.

فقال لي: صدقت، لو علمت لظهر عليك أثره. ثم قال لي: أحضر عقلك و انظر إلي كيف أبقى بعدك محجوبا عن الدخول، و أنت مأذون لك دوني، فتدخل و تجتمع بمحبوبك و تخلو به و تتلذذ بمناجاته، و أنا مطرود وراء الباب مبعود! يا بني هذا حال الآخرة، لا يفعل بك مثل ما هو اليوم يفعل بي.

قال: فوجدت بذلك موعظة عظيمة كنت عنها غافلا.

فانظر إلى هذا الشيخ كيف نبه على هذا الكيف، و حال من انتمى إلى هذا المحل يجري هذا المجرى، أليس هو صلى اللّه عليه و سلم يسمع من يسلم عليه؟

فإذا وقف أحدنا بين يديه كوقوف المملوك بين يدي المالك، و قد خالفه في أمره له و نهيه، و ارتكب من الأخلاق السيئة ما لا يرضى به، أليس جديرا بأن يعرض عنه، و يغضب عليه، و يقول له بلسان الحال:

أنت لا تصلح لقربي، و لا أن تكون في زمرتي، و لا أرضى أن تكون معي، بأي وجه تأتي إليّ و أنت المسي‌ء إلى جيراني و أحبابي، و من هو منتمي إلى سنّتي؟

فما الجواب يا ضعيف الرأي، و قد أخرك عملك، و جنى عليك خلقك؟

و لا أقول هذا لغيري حتى أبدأ بنفسي، و لهذا أمثال في شريعته صلى اللّه عليه و سلم يشهد لما ذكرته.


1) هو: محمد بن صالح بن إسماعيل الشمس بن التقي الكناني: ولد سنة 703، تولى الخطابة و الإمامة، و كان عارفا بالقراءات، توفي سنة 785. انظر ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 484،« الدرر الكامنة» 3/ 457.

قال علماؤنا رحمهم اللّه: إذا أكرى رجل داره لرجل، فظهر منه دعارة، أو فسق، أو شرب خمر، أو سرقة، أو شبه ذلك مما يؤذي الجيران، فإن الحاكم يكفّ أذاه عن رب المنزل و عن الجيران، فإن كفّ و إلا أخرج منها و لزمه كراؤها، فإن جاء من يكتريها، و إلا تركت خالية و وزن كراءها.

و كذلك لو كانت الدار ملكه، و ظهر منه شي‌ء من ذلك عاقبه الحاكم على ذلك، فإن لم ينته أخرجه الحاكم منها و باعها عليه ليستريح جيرانه من ضرره.

وفقنا اللّه للأدب في هذه الحضرة الشريفة، و رزقنا حسن جواره صلى اللّه عليه و سلم و شرف و كرم.

فاحذر أن يمحى اسمك من جيران المجاورين، و أن تحبط خدمتك لهذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم، و أن تنفى عن هذا المحل الأسنى إن لم يكن حسا فبالمعنى، فيجب على كل من انتمى إلى هذا الجناب الكريم أن يتخلق بأخلاقه صلى اللّه عليه و سلم، و يعامل جيرانه بما يرضيه من احترام الكبير و الصغير، و الشفقة عليهم و العفو عن المسي‌ء.

فمن أخلاقه صلى اللّه عليه و سلم: الحلم و الاحتمال، و العفو مع القدرة، و الصبر على ما يكره.

و لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد، قيل له: يا رسول اللّه لو دعوت عليهم.

فقال: «إني لم أبعث لعانا، و لكن بعثت داعيا و رحمة لهم، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

قال القاضي عياض(1): انظر ما في هذا القول من جماع الفضل (و درجات الإحسان)(2)و حسن الخلق، و كرم النفس و غاية الصبر و الحلم، إذ لم يقتصر صلى اللّه عليه و سلم على السكوت عنهم حتى عفا، ثم أشفق عليهم و رحمهم و دعا و شفع لهم.


1) الشفاء: 1/ 106.

2) ساقطة في جميع النسخ، و ما أثبته من« الشفا».

فقال: «اللهم (اغفر أو)(1)اهد»، ثم أظهر سبب تلك الشفقة عليهم و الرحمة.

بقوله: «لقومي»، ثم اعتذر عنهم بجهلهم.

و لما قال له الرجل: اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه. لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله، و وعظ نفسه و ذكرها بما قال له.

و من عظيم عفوه و صفحه: عفوه عن اليهودي الذي سحره، و عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة، و كفه عن المنافقين مع علمه بنفاقهم و سوء نياتهم، و عفوه عن الأعرابي الذي جبذه بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف، و لما أظهره اللّه على قريش، لم يشكّوا في استئصال ساقتهم، و إبادة خضرائهم، فعفى عنهم.

و قال صلى اللّه عليه و سلم: «ما تقولون إني فاعل بكم»؟

فقالوا: خيرا، أخ كريم و ابن أخ كريم.

فقال عليه الصلاة و السلام: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (يوسف: 92)، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

و روي(2)

و قال 2/ 78: و هذا الحديث رواه البزار و أبو الشيخ بسند ضعيف عن أبي هريرة و ابن حبان في« صحيحه» و ابن الجوزي في« الوفا» اه.

أن أعرابيا جاء يطلب منه شيئا فأعطاه ثم قال له:

«أحسنت إليك»؟

فقال الأعرابي: لا، و لا أجملت.

فغضب المسلمون و قاموا، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام و دخل منزله و أرسل إليه و زاده شيئا.

ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: أحسنت إليك؟

قال: نعم فجزاك اللّه من أهل و عشيرة خيرا.

فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إنك قلت ما قلت و في نفس أصحابي منك شي‌ء، فإن


1) ساقطة في جميع النسخ، و ما أثبته من« الشفا».

2) الشفا: 1/ 123. قلت: قال الخفاجي في« الشرح» 2/ 75؛ هذا الحديث رواه البزار عن أبي هريرة بسند ضعيف، و كذا ابن حبان و غيره و لم يسموا الأعرابي اه.

أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك.

قال: نعم.

فلما كان الغد أو العشي جاء فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي، أكذلك؟».

قال: نعم جزاك اللّه من أهل و عشيرة خيرا.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «مثلي و مثل هذا، مثل رجل له ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني و بين ناقتي، فإني أرفق بها منكم و أعلم. فتوجّه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها حتى جاءت و استناخت، و شد عليها رحلها و استوى عليها، و إني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار».

و لما كذبه قومه، ناداه ملك الجبال و سلم عليه و قال: مرني بما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين؟.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده و لا يشرك به شيئا».

و قال له جبريل عليه السلام: إن اللّه تعالى أمر السماء و الأرض و الجبال أن تطيعك.

فقال عليه الصلاة و السلام: «أؤخّر عن أمتي لعل اللّه أن يتوب عليهم».

و رفقه عليه الصلاة و السلام بالأعرابي الذي بال في المسجد، و قال لأصحابه: «لا تزرموه».

و أما حسن عشرته و أدبه فقد انتشرت به الأخبار الصحيحة.

و قال علي رضي اللّه عنه و كرم وجهه في وصفه عليه الصلاة و السلام:

كان أوسع الناس صدرا، و أصدقهم لهجة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشرة.

و من ذلك قصته صلى اللّه عليه و سلم مع قيس بن سعد، لما زار سعدا و أراد الانصراف، قرب سعد حمارا و وطاء عليه بقطيفة فركب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

قال قيس؛ فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اركب»، فأبيت.

فقال لي: «إما أن تركب، و إما أن تنصرف»، فانصرفت.

و في رواية أخرى: «اركب أمامي، فصاحب الدابة أولى بمقدمها».

و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يؤلفهم، و لا ينفرهم، و يكرم كريم قوم و يولّيه عليهم.

و قالت عائشة رضي اللّه عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ما دعاه أحد من أصحابه و أهل بيته إلا قال: «لبيك».

و كان يمازح أصحابه و يخالطهم و يحادثهم و يداعب صبيانهم و يجالسهم، و يجلسهم في حجره، و يجيب دعوة العبد و الحر و الأمة و المسكين، و يعود المرضى في أقصى المدينة.

و لقد قال يوما: «أين فلان»؟

فقيل: مريض.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «نذهب إليه لنعوده».

فقيل له: بعيد منزله.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «منه كان يأتينا».

و كان صلى اللّه عليه و سلم يقبل عذر المعتذر.

و قال أنس: ما التقم أحد أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فينحي رأسه، حتى يكون الرجل الذي ينحّي رأسه، و ما أخذ أحد بيده فيرسل يده، حتى يرسلها الآخر، و لم يزل على خلق عظيم، و لم يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له، و كان يبدأ من لقيه بالسلام، و يبدأ أصحابه بالمصافحة، و لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيق بهما على أحد، حتى إنه يوما أراد أن يمد رجله لتعب لحقه، فتلطف إلى جلسائه، فمد رجله الكريمة.

و قال لهم صلى اللّه عليه و سلم: «ما تشبه هذه؟».

فدارت أذهانهم إلى وجوه المشابهة، فلما أعيوا و قد استراح، مد الأخرى و قال: «هذه»، يعني صلى اللّه عليه و سلم أنه لا يشبهها إلا الأخرى، فحصل مقصوده مع بقاء حسن الأدب معهم صلى اللّه عليه و سلم.

و كان صلى اللّه عليه و سلم يكرم من يدخل عليه، و ربما بسط له ثوبه، و يؤثره بالوسادة، و يعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، و يكني أصحابه و يدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، و لا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز، فيقطعه بنهي أو قيام، و يروى: بانتهاء.

و يروى أنه كان لا يجلس إليه أحد و هو يصلي إلا خفف صلاته، و سأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته، و كان أكثر الناس تبسما، و أطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب.

و كان صلى اللّه عليه و سلم يفلي ثوبه، و يحلب شاته، و يرقع ثوبه، و يخصف نعله، و يخدم نفسه، و يقمّ البيت، و يعقل البعير، و يعلف الناضح، و يأكل مع الخادم و يعجن معها، و يحمل بضاعته من السوق.

و قال أنس رضي اللّه عنه: خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عشر سنين، فما قال لي: أفّ، قطّ، و لا قال لي في شي‌ء صنعته: لم صنعته، و لا لشي‌ء تركته:

لم تركته؟

و كان صلى اللّه عليه و سلم قد وسع الناس بسطه و خلقه، فصار لهم أبا، و صاروا عنده في الحق سواء.

و كان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب ليس بفظ و لا غليظ، و لا صخّاب في الأسواق، و لا فحّاش، و لا عيّاب، و لا مزّاح، و لا يجز بالسّيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح صلى اللّه عليه و سلم، و لو تتبّع هذا لملأ الصّحف فصوله و أبوابه، و أعجز الكتاب تدوينه و كتابه، فحقّ على جميع أمته؛ العامي و الشريف، و القوي منهم و الضعيف، خصوصا من جاوره و خدم ضريحه، أن يقتبس من أخلاقه، و يتأدب بآدابه، و يروض نفسه الغوية على اتباع سنّته العلية، و لو أن يكف يده إذا غلب على لسانه، و يعظّم من تفقه في دينه، و اتبع سنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه و سلم و سنن آله و صحابته، و إذا رأى من حملة القرآن و العلم أحدا سرّ به و برؤيته، و سأل من دعوته، و لا يسي‌ء الظن بأحد بأدنى هفوة أو زلة، فإن الإنسان ليس بمعصوم و لو حاز كل العلوم.

فصل‌

و لقد أدركت من الخدام الصالحين، و من المجاورين العالمين العاملين، أقواما على الخير متعاونين، و على البر متظاهرين، و بسنته صلى اللّه عليه و سلم عاملين، رحمهم اللّه أجمعين.

فأول من أدركته من مشايخ الخدام بالحرم الشريف ممن عقلته العزيزي، عزيز الدولة(1)، و في أيامه غرس كثير من النخل الذي بالمسجد اليوم، و كان منه شي‌ء قبل العزيزي و مات أكثره.

و إن قلت: كيف فعل ذلك و هو من البدع المنهي عنها، و كيف ترك و رأيه في ذلك؟

قلت: المسألة مختلف فيها، فمنهم من منع، و لا يكون الإنكار سمحا إلا في مسائل الإجماع فيها، و أما حكم ثمره؟ فقد سئل مالك- رحمه اللّه- عن شجرة نبتت في صحن المسجد، أو المقبرة، أو محجة الطريق؟

قال: أكلها حلال لجميع المسلمين.

و كان كثير الخير و البر، وقف من النخيل شيئا، و حرّر من الأرقاء جمعا غفيرا، و كان العزيزي- رحمه اللّه- يوالي الأشراف، و يحسن إليهم إحسانا كثيرا، حتى اتّهم بمذهبهم، لكثرة اختلاطه بهم، و قضاء حوائجهم، كنت إذا مررت عليه مع جماعته ذاهبا إلى سيدي الشيخ أبي محمد البسكري و هم جلوس بين باب النساء و باب جبريل صفّا واحدا، أقول بأعلى صوتي:

السّلام عليكم، فيردّون كلهم حتى تسمع لهم لجة عظيمة، ثم ينادوني، و يقولون: خذ جزاء تحيتك، فيعطيني كل منهم على قدره، و أول من يبدأني الشيخ رحمه اللّه، و أحيانا يذهب بي إلى بيته و يخرج الكيس من خرزة حجر


1) ترجمته في:« المغانم المطابة»، الورقة 241/ أ.

أعرف اليوم مكانها من البيت، فيعطيني و يبرّني و يفرح بي. جزاه اللّه خيرا، و أعظم له أجرا، توفي عزيز الدولة سنة سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة شبل الدولة كافور المظفري(1)المعروف- بالحريري- رحمه اللّه، كان من أحسن الناس شكلا، و أتمهم كمالا، و كان مهيبا قد ملأ قلوب الشرفاء رعبا، كان إذا انكسر قنديل، أو وقع تجصيص يصيح حين وقعته صيحة يغلب بها، يرجف أهل المسجد من قوتها و عظم مبلغها.

و كان يقول: إنه توأم، مات أخوه بعد أن ولدتهما أمهما، و كان له على الأميرين سلار و بيبرس(2)الجاشنكير دلّية بتربية، حتى إنهما لها حجّا والوه بأحسن الموالاة، فكلمهما في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم، فأنعما، ثم إنه خشي أنهما يشتغلان بملكهما عن ذلك، أو يستثقلان النفقة على عمارتها، فقال: أنا لا أطلب منكما مالا، عندي من قناديل الذهب و الفضة ما يقوم بها و زيادة، فأنعما له بإرسال الصنّاع، و شرع هو في تحصيل الحجر و المؤنة بينما يأتي الحاج، فحمل من الحجر ما يحتاج إليه من أنواعه كلها، فكانت كالجبال فيما بين بابي الرحمة و السلام، و أمر بالحفر لها في مكانها اليوم، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان بن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة، ثم وجدوا برنية فخار ملأى بدراهم مظفرية قد استحالت صفتها من طول مكثها، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع، و ذلك تحصيب عام في سائر مسجدهم القديم، لأنهم لما أسّسوا الرواقين اللذين زادهما الملك الناصر شمالي الروضة المقدسة في سنة تسع و عشرين و سبعمائة، وجدوا ذلك التحصيب، فوقفت عليه فوجدته يشبه ما وجدوا في أساس المأذنة، و سمكه نحو ذراعين بالعمل أو أكثر، ثم إنهم نزلوا في الأساس حتى بلغوا


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 261( 676)، و ذكره في:« التحفة اللطيفة»( 2/ 390) نقلا عن ابن فرحون.

2) وقعت العبارة في جميع النسخ ما صورته:« الأمير بن سلال و بكير بن سكبد ربكيد»، و قد صححتها من:« التحفة اللطيفة»، و« الدر الكامنة».

الماء، و كان بعض المؤرخين يذكر أن هناك مأذنة مشرفة على دار مروان فهدمها غيرة على أهله من مؤذنها، فلم يجدوا لذلك صحة و لا أثرا البتة(1).

و كان الحريري- رحمه اللّه- مباشرا ذلك كله مجتهدا بنفسه و ماله و خدامه، ثم إنه أمر من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا و الشيخ علي الفراش، و غيرهما ممن ليس له البناية كبير قدم أن يحفروا الأساس، فحفروا إلى أن ظهر الماء، و أخرجوا منه شيئا شرب منه الشيخ، و شرب الناس منه، يرون ذلك بركة و مسرة و تفاؤلا بتمام العمل، ثم دكّوا الأساس، فلما جاء الموسم و حضرت الصناع و المعلمون، كان فيهم المقدم عليهم في البناية و الهندسة و الدراية.

فقال للشيخ: لم استعجلت علينا؟. لا نبني على هذا حتى تنقضه جميعه، فإن لا نأمن عاقبته، و ألحّ في نقضه، فألحّ الشيخ في تركه على حاله فرجع إلى مصر من حينه، و قال: أنا أخشى من الدرك، و ما يلحقني في صنعتي من العيب، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين: اعملوا عملكم و اللّه تعالى يتممه ببركة هذا النبي الكريم، فعملوها على ما هي اليوم عليه، و عمّ نفعها و عظم أجرها، و صارت في صحيفة من سعى فيها، و العمل اليوم عليها لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم(2)قال لي رحمه اللّه: لو تركت لي هذه المأذنة لكفت المدينة، و هو الحق، فإن المدينة من جهة الشمال قليلة العرض، و إنما امتدادها و قوة عمارتها و كثرة أبياتها من جهة الغرب، و كانت عمارتها في سنة ست و سبعمائة.

و إنما ذكرت حكاية المأذنة، لأن ذكرها مما نحن بسبيله من المحدثات في المسجد للمصلحة العامة للمسلمين.

و مما للشيخ الحريري من الآثار الحسنة: تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل، و تبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة بعد صلاة


1) ذكر هذه المأذنة ابن النجار في« تاريخه».

2) هو محمد بن إبراهيم العسقلاني، و قد تقدمت ترجمته.

العشاء الأخيرة، و ذلك أنهم كانوا قبل الحريري و صدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام و بعض الفراشين شعلا من سعف، فيطوفون بها عوض الفوانيس يجرون بها كأشد ما يكون من الجري، فإن وصلوا باب النساء خرجوا بها، و خبطوا بما بقي معهم منها، فكانت تسود المسجد و تسود بابه أيضا، و فيها من البشاعة ما لا يخفى، فأمر بالفوانيس عوضا، و ترتبت في صحيفته رحمه اللّه تعالى، و كان يوالي المجاورين و يحسن إليهم و يقضي حوائجهم.

و سيأتي فعله مع المجاورين حين أمر الأمير منصور بإخراجهم و ارتحالهم بأولادهم و عيالهم، و مناقبه كثيرة، و حسناته عديدة. توفي سنة إحدى عشرة و سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة سعد الدين الزاهري(1)، و لم يمكث إلا قليلا نحو سنتين، و كان قد عمي و كفّ بصره، فلم يقم بوظيفة المشيخة على ما ينبغي، فلما حج الملك الناصر(2)الحجة الثانية و هي سنة تسع عشرة و سبعمائة و قدم المدينة زائرا و دخل الحرم، فوجده أعمى، فعظم ذلك على السلطان فعزله، ثم ولّى في الحين ظهير الدين مختار(3)الأشرفي رحمه اللّه، و كان له هيبة و صولة مع زمانه بالنسبة إلى من قبله، فقام بالمشيخة أحسن قيام، و أدخل الرعب في قلوب الشرفاء و الأمراء، و استخلص من أيديهم أوقافا و أملاكا كانوا هم و آباؤهم فيهما كالمارستان اليوم، و الفرن الذي أمامه، و الحوش الذي بإزائه، و دار المدرسة الشهابيّة، و نخيل و غير ذلك.

و لأجل هيبته عزّ المجاورون و الخدام، و قويت حرمتهم، و لم يزل كذلك حتى حج النائب أرغون(4)

انظر ترجمته في:« الدرر الكامنة» 1/ 351( 873).

، و شكوا عليه ما يلقون من الشيخ، فكأنه تكلم عليه بحضرتهم كلاما غض من صولته، ورده عن شدته، و لم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى توفاه اللّه إلى رحمته.

1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 1/ 394( 1486).

2) هو الناصر محمد بن قلاوون.

3) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 345( 938).

4) هو: أرغون الدوادار، أحد مماليك السلطان منصور، اشتراه و رباه مع ابنه الناصر محمد.

و كان من المجاورين من يركن إلى الأمراء و يجتمع بهم في منازلهم، و يطلعهم على أحوال الخدام و المجاورين، فأقسم فيهم أن من طلع القلعة منهم لم يكن له وظيفة ألبتة، فانكف الناس، و أخرج جماعة من الأسباع و استبدل بهم.

و أخرج جماعة من الفراشين و قطع معلومهم، حتى غابوا في الهند سنين عديدة، مثل ياقوت الصالحي، و بردة الحريري، و سعيد التاجي، و غيرهم من أهل الأخبار، و كان يجلس قريبا من الأسباع، فأيّ من غاب عن وظيفته، أخذ قسط ذلك اليوم في حينه، و بذلك انضبطت الوظائف، و صار ليس له مخالف، و عمرت الأوقاف في أيامه، و كان له منه نصيب وافر، و لما توفي والدي رحمه اللّه في أيامه حفظ علينا وظائفه، و رفق بإخوتي رحمه اللّه. توفي سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة ناصر الدين نصر(1)عطا اللّه، و كان قبل ذلك من إخوان المجاورين و أحبابهم، مواخيا لجمال الدين المطري لا يخرج عن رأيه و لا مشورته، و إن كان الشيوخ كلهم بهذه المنزلة معه، فكان هذا له أعظم و به أبر، و كان من أحسن الناس صورة و أكملهم معنى، و كان يحفظ القرآن، كثير الصيام، مهيبا في جماعته من غير ضرر(2)و لا تهديد، و لا وعد و لا وعيد، وجد الأحوال(3)بعد الظهير(4)متمهدة فزادها تمهيدا، و مع ذلك فإذا قام في أمر تمّمه، لا يرجع عن رأيه فيه لأحد، و لو قام في ذلك و قعد، و كانت مدة ولايته أربع سنين. توفي سنة سبع و عشرين و سبعمائة.

ثم خلفه في المشيخة عز الدين دينار(5)، فكان رحمه اللّه ذا حشمة


1) ذكره في:« الدرر الكامنة» 4/ 393( 1078)،« التحفة اللطيفة» 2/ 261( 2971) نقلا عن ابن فرحون.

2) في( ب)،( ج):« ضرب»، و ما أثبته كما في( أ)، و« التحفة اللطيفة».

3) في:« التحفة اللطيفة» لفظة:« الأموال» بدلا من« الأحوال».

4) يقصد ظهير الدين مختار الأشرفي المتولي المشيخة عوضا عن سعد الدين الزاهري، و قد مر ذكره.

5) و اسمه: دينار الشهابي المرشدي الشافعي، ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 332( 1192)،« الدرر الكامنة» 2/ 103( 1704)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 241/ ب.

و دين، و عزة و حسن يقين، صحب المشايخ الكبار من المجاورين، فتأدب بآدابهم، و اكتسب من أخلاقهم، فلزم قراءة القرآن، و جاهد نفسه بالصيام و القيام و الصدقة و الإحسان، و أوقف أملاكا ما بين نخيل و دور، و أعتق خداما و عبيدا و إماءا يزيد عددهم على الثلاثين، و علّق من خدامه في الحرم سبعة، و كفل أيتاما و حرما، و نعّمهم بالمأكل و الملبس و المسكن حتى كانوا يعدّون من عياله، و له مناقب جليلة، و محاسن عديدة.

منها: أنه لما سافر إلى الديار المصرية استخلف على بيته و أمواله بعض أصدقائه من المجاورين، و كان في البيت إماء و عبيد و خدام، فاستأمنهم الوكيل، و ظن أنهم لا يتفقون على الخيانة، فخربوا البيت و ضيعوا أكثر ما فيه، فلما قدم الشيخ عزّ الدين من مصر، فقد ما خلفه في بيته فسأله عنه. فقال: لا علم لي بشي‌ء، غير أني كنت أخرج لهم نفقتهم، و أصرف عليهم ما يحتاجون إليه، و لا أعلم من حالهم شيئا، و لم أظن فيهم أنهم يتواطؤون على الخيانة، فحاسبه على ما خلّفه في بيته، فوجدوه قد نقص مقدار أربعة و عشرين ألف درهم.

فقال له: هذه لازمة لك بحكم الشرع، لأنك فرطت فيما و كلتك فيه.

فقال: نعم. ألتزم بها و أقوم بأدائها، فتقوّم من أملاكي و نخيلي ما شئت، فخلا الشيخ بأصحابه و شاورهم في ذلك. فقالوا له: المفرّط أولى بالخسارة.

فقال لهم الشيخ: لم يصب رأيكم، رجل صحبته في اللّه، و أقرأني القرآن، أغرمه شيئا أفسده عبيدي و لم يتدنس منه بشي‌ء، معاذ اللّه من ذلك، و أبرأ ذمته. و لم يزل له صديقا إلى أن فرق الموت بينهما. رحمهما اللّه تعالى.

له بالحرم الشريف آثار حسنة، و كان فيه من الشدة في الدين على الأشراف ما كان في ظهير الدين و زيادة، مع الانقياد إلى الشرع و الموافقة على الخير، و كان حين ولايته في القاهرة سعى في المشيخة صفي الدين جوهر(1)خادم اللالا فأعطيها، و كان بينه و بين جمال الدين المطري شي‌ء


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 252( 810)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 1/ 544( 1471).

ألقاه بينهما بعض الناس، فلما شاع في المدينة خبر ولايته، تسلط أهل الشر على جمال الدين، و شغبوا عليه بكثرة القال و القيل و توعّدوه، و كانوا عصبة شر عفا اللّه عنا و عنهم، فلحقه من كلامهم همّ و غمّ.

و قال لي رحمه اللّه: رأيت ليلة في منامي، و قد همّني ما أسمع منهم من الأذى، كأنّ باب جبريل حوّل إلى باب الرحمة، و أنا أقول: كيف يزال باب ثابت إلى غيره، و يبقى هذا الباب ماله باب؟

فلم يكن إلا قليلا، إذ جاء الخبر بأنهم رجعوا عن خادم اللالا، و ولوا عزّ الدين. و كان عزّ الدين في باب الرحمة كما هو اليوم، و بيت جوهر اللالا كما هو اليوم مجاور رباط صفي الدين السلامي رحمه اللّه، فتفسر المنام، فزال عن جمال الدين ما كان يجد، و رجع كل من أهل الشر إلى ورائه، و كان بين عزّ الدين دينار و بين جمال الدين من الاتحاد و المحبة، و سماع الكلمة، مثل ما كان بينه و بين ناصر الدين نصر عطا اللّه و أكثر، و كان الشيخ عزّ الدين- رحمه اللّه- لأولاد المجاورين كالأب الشفيق، إذا رأى أحدهم سأله عن حاله و حال أهل بيته و أولاده.

يقول: كيف أولادنا؟ كيف إخواننا؟

و يقضي الحوائج بطيب نفس لا يتنكر و لا يحرد، فإذا انزعج أو غضب، رجع عن قريب لم يئس من خيره، و لو آيس بقوله، و صرّح بعذره، و طالت مدته أكثر من غيره. و سأذكر وفاته رحمه اللّه في ولاية الشيخ افتخار الدين ياقوت.

ثم سعي عليه فعزل، و ولي شرف الدين مختص الديري(1)، فجاء الناس بأخلاق تركية لم تتهذب برياضة، و لا بحجّ و زيارة، و قام بهيبة و عزّة، و لقد جلس يوما في المجلس الذي كان غيره يجلس فيه، فجاء شهاب الدين العاوي ليجلس في صفّه لا في جنبه، فأقامه بنهرة، و عزّ عليه أن يستوي معه في صفّه، و كذلك فعل بغيره حتى كان لا يجلس إليه، إلا من يدلّ عليه، لكنه كان له رغبة عظيمة في العمارة، فانعمرت الأوقاف في أيامه، و لو استمر فيها لكثر خيرها.


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 344( 936).

كان يخرج كل يوم غالبا فيباشر الغرس و العمارة، و يخرج معه بعيش رغيد، و خير كثير، و كان جماعة الخدام في أيامه و قبلها، يباشرون الأوقاف بأنفسهم، و يحضرون الجداد بأعوانهم، و خدامهم، و عبيدهم، و لا يتناولون على ذلك أجرة ألبتة، و يخرجون معهم بالأطعمة الكثيرة الفاخرة المليحة، و لهذا كانت الأوقاف مباركة و غلاتها متزايدة، و البركة عليها لائحة، حتى خلفهم من لا يتحرك في وقف إلا بأجرة، و ليته يعمل فيها بنية صالحة حتى يثاب عليها في الآخرة، و كانت أيضا تعمر ببركة نيته، و لو أخذ أجرته. لكن اليوم أكثر الأوقاف دامرة؛ لأن غلتها لا تردّ في عمارتها كما أوجبه الشرع لها، فلذلك خربت و قلّ خيرها.

و لقد شاهدت منذ زمان كان الناس فيه ناس، يعطى الزائر فوق الصاع من التمر البرني، حتى إن العصبة إذا أخذوا التمر يكومونه على أنطاعهم كوما، يتعسل بعضه فوق بعض، و مع ذلك يبقى التمر السنتين و الثلاث حتى يسودّ، و لا يجدون من يأخذه.

و لقد كنت في حال صغري، إذا رآني خزنة التمر ينظرون من يحمل لي منه، فيذهب به إلى بيتنا، حتى أنكر ذلك والدي و والدتي، فهددني والدي. و قال: لئن رجعت تأتي إلينا من تمر الفقراء بشي‌ء، فعلنا بك و فعلنا، و كان لا بدّ لي من المرور عليهم؛ لأن التمر كان يخزن في دار الخدام المجاورة للتربة التي عمرتها زوجة ابن علم، و في المدرسة الشهابية، و لمّا لم يكن بدّ أنهم يعطوني، ترصد لي حمّال يقال له:

ناشي، يأخذ ما يعطونني.

فأقول له من خوف أهلي: خذه و لا تأتيهم به، فيأخذه، فعل معي ذلك مرارا. كلّ ذلك منهم محبة في أولاد المجاورين و رفقا بأهاليهم.

و كان النخل من الغابة و العمرية إذا استجد، لا يخلص منه في شهر ليلا و نهارا.

و لقد رأيت الحمالين يضعون أحمالهم من باب رباط الفاضل، إلى باب التربة التي نزلها الشيخ افتخار الدين، و من رباط دكالة أيضا إليه إذا جاؤوا مع المغرب، لا يفرغون عن حمله و تفريغ غرائره إلا قريب الصبح.

هذا كله من التمر البرني، و أما ألوان النخيل فلم تكن في حساب، فأين تلك البركات ذهبت؟! و اللّه مع نيات القوم، و اللّه المستعان.

ثم سعي على الشيخ فعزل، و ولي شرف الدين الخزنداري، و كان وصوله بالمشيخة في أواخر سنة اثنين و أربعين و سبعمائة، كان فحلا حذقا صلبا، عارفا بأمور الدنيا و تصاريفها، طالت مدته فولي الولاية في القاهرة على أخباز الخدام نقاده و غيرها، فثوّر الفلاحين بدهائه، و أتعبهم بأمره و نهيه و تعنّتاته، و كان إذا حقد شديدا، إذا استرضي لا يرضى مع طلاقة الوجه و لين الكلمة، و ممن كان من أحبابه و أخلائه الشيخ عبد الرحمن بن ياقوت(1)المؤذن الكبير القدر في القراءة، مع حسن الصوت و سلامه الصدر، و حسن الخلق و الكرم العظيم في الحضر و السفر، سافر معه إلى القاهرة و بات معه ذات ليلة في دار واحدة، فكأن الشيخ عبد الرحمن قام من نومه بدهشة اختل فيها عقله، فأخذ السيف و ضرب به شرف الدين ضربة أخطأته، فمسك و قيد، حتى زال عنه ذلك، فغضب عليه و سعى به عند الولاة و الحكام حتى سجن، ثم جعل في رجليه قيد، و أدخل في الذين يخدمون في أعمال السلطان من أهل الجرائم الكبار، و هو مسكين ضعيف البنية، كثير الصوم و العبادة و تلاوة القرآن، فاستمر على ذلك مدة و الناس يدخلون على شرف الدين ليغفر له فلم يفعل، حتى سخر اللّه له من أطلقه من ذلك و أرسله إلى الحجاز.

فلما وصل الخزندار إلى المدينة أتبعه في وظائفه، و في نفسه و عياله، و سعى عليه عند الأمراء ليخرجوه من المدينة، فلم يطيعوه في ذلك، و منعوه من الدخول إلى القاهرة و السفر إليها، و الإقامة بها بسبب ما يكتب فيه لأصحابه، و لم يزل معه كذلك إلى أن طالت المدة و نسيت القضية، و عاش بعده الشيخ عبد الرحمن إلى الآن، نفعنا اللّه به.

و كانت مدة ولاية شرف الدين الخزنداري سنتين، ثم سعى عليه شرف الديري(2)فتولى المشيخة، فلم يكمل له سنة، حتى جاء الخبر بعزله،


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 157( 2567)، نقلا عن ابن فرحون.

2) يقصد شرف الدين مختص الديري، و قد تقدم ذكره.

و تولية عزّ الدين(1)و استنابة شمس الدين الجمداري(2)عنه، ثم جاء عزّ الدين مع الحاج، و سافر الديري إلى مصر و أقام بها إلى أن توفي، و أقام شرف الدين الخزنداري في المدينة مع الشيخ عزّ الدين معظما محترما مسموع الكلمة، و كان له من الخدام جماعة، و حفدة لا يخرجون عن رأيه، و لم يكن ما بينه و بين عزّ الدين حسنا، و كان عزّ الدين يعامله بالحلم و الصبر و المداراة، و كان شرف الدين قد سافر إلى مصر في ولاية عزّ الدين الأخيرة، و سعى في المشيخة فلم تحصل له، و ولي النيابة بمرسوم سلطاني، و كان نائبا لعز الدين.

ثم إنّ الشيخ افتخار الدين توفي فجأة و أصبح في فراشه ميتا، و ذلك ليلة الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر أحد شهور سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و استمرّ عزّ الدين في الولاية على الطريقة الأولى من فعل الخيرات و عتق المماليك، و وقف النخيل على الفقراء، رحمه اللّه و نفع به.

فلما ضعف في بدنه و قوته لكبر سنّه، لزم العزلة و الإقبال على الخير، ثم سعي عليه لأجل ذلك، فولي الشيخ افتخار الدين ياقوت بن عبد اللّه الخزنداري(3)، و ذلك في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، و هو من المشايخ الرؤساء، لم يقم أحد بحرمة المنصب مثله، من أكمل الناس عقلا، و أعظمهم حرمة، مع التدين و العبادة و الورع.

ذكر أنّه خدم الملوك بالديار المصرية مدة خمسة و عشرين سنة، لا يتناول جامكية إلا من الجزية المأخوذة من أهل الكتاب تورعا من أموال السلطان، و كان يشهد عند القضاة فيقبلون شهادته، و له اجتهاد عظيم، و مثابرة على سماع الحديث، و كتب العلم و الرقائق، مع ملازمته للصلوات في الصف الأول و الناس لا ينكرون عليه إلا قوة نفسه، و ذهابه في رأيه قدما لا يرجع لأحد فيه، و فيه من شرف النفس ما إنه لا يتناول ما شرط له في الأوقاف على النظر، بخلاف غيره من الشيوخ، و فيه من الهيبة على أصحابه


1) يقصد عز الدين دينار، و قد تقدم ذكره.

2) هو: شمس الدين صواب الجمداري، و ستأتي ترجمته.

3) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 408( 1128).

ما انصلح به كثير من شأنهم، و تأدّب به كثير من شبابهم، و صبيانهم، و صار له هيبة في الناس و خفارة، و حفظ الحرم حفظا حسنا، و صادف وقتا سيئا جرى فيه على الشدّ، و زاد على الحد، حتى ضاقت عليه الأنفس من غير جماعته، و سعوا في حل ولايته، و إنما أتى عليه لوثوقه برأيه، و عدم قبوله نصح أصحابه، و كأنه لم يسمع قول القائل:

و لن يهلك الإنسان إلا إذا أتى‌من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه

و اللّه تعالى يقضي لنا و له بالخير.

و كان يتأدب مع الشيخ عزّ الدين لما كان عزّ الدين معزولا، و يأتيه إلى مجلسه، و يعرفه الشهر يتقرب إليه حتى أحبه عزّ الدين.

و كان يقول: هذا خادم محتشم رئيس. و لقد صدق فيما قال، و توفي عزّ الدين في أيامه، و ذلك في سنة إحدى و ستين و سبعمائة.

فصل‌

ثم إني أدركت من الخدام الصّلحاء الخدام المتخلّلين أيام هؤلاء الشيوخ أقواما لهم جلالة، و عليهم من اللّه مهابة، منهم طواشي شبل الدولة كافور بن عبد اللّه الخضري(1)، كان فيه- رحمه اللّه- من الدين و الخير و البر، ما لا عليه من مزيد.

و أخبرني من أثق به أنه كان يضع معلومه في غلف أباليج السكر و يضعها في بيته من غير غلق زهدا في الدنيا، و قلة حرص عليها، و في كل يوم يملأ منها كيسه، و يجعلها في جيبه يعدّ ذلك لمن يقف عليه من السؤال أو من الحرم و الأيتام، و كذلك رأيته لا تزال يده تنفق سرا و علانية.

كان شيخا في الرواية، سمع على جماعة لهم ذكر في طبقات المحدثين، ربّى أيتاما كثيرين، و أعتق جماعة مباركين، كان منهم خيار الفراشين الشيخ عبد اللّه الخضري، ولد لعبد اللّه أولاد قراء و متصوفة، و لهم اليوم عقب، رحمهم اللّه، و كان الخضري و العادلي متجاورين في المسكن متعاونين على البر و الخير، تغمدهم اللّه برحمته أجمعين.

و منهم شهاب الدين رشيد بن عبد اللّه السعدي(2)رحمه اللّه، كان متفقها متدينا متعبدا، يصحب العلماء و يشتغل عليهم، و يشتري كتب العلم و يوقفها عليهم، له خزانة جيدة كان فيها كتب غريبة أعرفها في دار الزيات، و له رباط و دور وقفها بعد أن تعب في عمارتها و انشائها، و له من اسمه نصيب وافر رحمه اللّه.


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 389( 3504)، نقلا عن ابن فرحون و المجد اللغوي؛ و قد ذكره الذهبي في« معجم الشيوخ» 2/ 120 فيمن أجازه بالمدينة.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 347( 1263)، نقلا عن ابن فرحون.

و منهم شمس الدين صواب الحموي الناصري(1)، كان من شيوخهم و رؤسائهم قليل الكلام، لا تراه إلا مشتغلا بنفسه، إذا جلس إلى الشيخ أمر بمعروف و نهى عن منكر، و كان صاحب رأي صائب، و له حسنات خفيات.

ثم ظهر بعده على طريقته أو أزيد خادمه أمين الدين مفيد، و حفظ القرآن و ربع «التنبيه» و صحب أهل الخير و اشتهر بالدين و الأمانة، فاعتمد عليه، و سلم إليه ما يعدّ من الحاصل، للصرف على الفقراء و الأوقاف و غيرها، و هو الأمين على ما في القبة التي وسط الحرم، و بيده مفاتيح حاصلها، و هو أهل لذلك فنعم الحسنة خلفها شمس الدين بعده، توفي سنة تسع عشرة و سبعمائة، و توفي أمين الدين مفيد في سنة أربع و سبعين و سبعمائة.

و منهم سعد الدين نجيب الفاخري، له اعتقاد في الصالحين و حسن ظن فيه، مع سلامة باطن، فيخدع لمن تزيا بزي الفقراء، و كان سليم القلب، حسن الخلق، كثير الخير و الصلة، عليه خفارة و حشمة.

و اتفق أن جاء إلى المدينة في أيامه رجل من اليمن ادّعى أنه شريف، كان له شكالة حسنة، مع طول قامة و سكون و حشمة، و كان معه جماعة في طوله يتبعونه و يعظمونه، فأظهر أنه صاحب الزمان، و سكن مع أصحابه في دار النفيس شامي المسجد الشريف، فانعطف عليهم الناس و هادوهم، و تمكنوا من خاطر الفاخري تمكينا جيدا، و وعدوه أنه يكون عنده من المقربين إذا خرج، فأقام على ذلك مدة تهدى إليه البذلات الرفيعة، و الموائد الفاخرة تجري عليه من عنده، و من عند إخوانه جماعة من الشرفاء، و كان في حفظ نفسه و مراعاة رئاسته عجبا، فلما طال مقامه و أبطأت عداته تكعكع عنه الناس قليلا، فلما أحسّ بذلك سافر إلى العراق، فلم يطلع بعد ذلك خبره.

ثم ظهر بعد ذلك رجل من أهل تونس. و كان والدي رحمه اللّه يعرفه في تونس هو و أبوه، يقال له: ابن حماس، ظهر بهذه الطريقة،


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 459( 1823)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 2/ 208( 1982).

و اتّسم بأنه من أرباب الحقيقة، و انعطف عليه هذا الطواشي و غيره، فأسكنوه و قربوه، و أتحفوه بأنواع الملابس و فاخر الأطعمة، و كان قد تبدن و سمن من كثرة ما يأكل.

و كان يقول: الآن قام من عندي الخضر عليه السلام. و قال لي: كذا و كذا، إلى أن قال: لي ملك كذا و كذا.

ثمّ ترقّى حتى قال: كلمني القلم، و رأيت الملكوت، و أنواعها من هذه الترهات و الخزعبلات، و قام عليه جماعة من أهل الخير، و بلّغوا الحاكم مقالته و نصب خيالاته، فأدعي في مجلس كبير و حضره شيخ الخدام، و جماعة من لفيف العوام، فسألوا عما نقلوا عنه، فكان يقول مقالة غير مقالة الآخر، لم يجتمع على الشهادة اثنان فخلّي سبيله، ثم سافر إلى القاهرة و اشتهر بها ذكره و كثر أتباعه، ثم انتقل إلى العراق فقيل: إنه قتل بها.

قال لي والدي رحمه اللّه: إن هذا الرجل كان له مال كثير ورثه من والده، فأخرجه على الفقراء و تصدق به كله، و خرج فقيرا، لكنه لم يقف عند حده، بل طمع في الولاية، و هي لا تحصل إلا بالموهبة الإلهية، و العناية الربانية، و إنما ذكرت حال هذين الرجلين تنبيها على حسن اعتقاد الخدام في المجاورين، و جميل ظنهم فيهم رحمهم اللّه تعالى.

و منهم عزّ الدين مختار الحلبي، كان من كبار الخدام، و ممن اتصف بأحوال الصالحين و محبة العلماء، أثنى عليه الشيخ عبد الواحد الجزولي(1)رحمه اللّه، و ذكر له مناقب كثيرة، و كان مسكننا مع والدنا في داره التي أوقفها على جمال الدين المطري مجاورة لرباط الشيرازي، و هي اليوم وقف على أولاده رحمهم اللّه تعالى.

و منهم شفيع الكرموني(2)، كان- رحمه اللّه- من أحسن الخدام شكالة و طولا، و أعدلهم بنية، و كان من أقدرهم على مخالطة الناس،


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 220( 2765)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 444( 1740)، نقلا عن ابن فرحون.

و كان له صولة عظيمة في المسجد على من رأى منه أدنى مخالفة، خصوصا من رأى منه أدنى مخالطة لأهل الشر، و قد بنى هو و الشيخ ناصر الدين نصر عطا اللّه(1)دارين عظيمتين غرما عليهما مالا عظيما، و تعبا فيهما تعبا كثيرا، فلم يسكنا فيهما، و لم يتمتعا بهما حتى توفيا، عوضهما اللّه خيرا و رحمهما.

و لشفيع اليوم خادم صالح عاقل، لم أر أحسن من سكونه و قلّة فضوله و عزلته عن الناس، جزاه اللّه من نفسه خيرا، فقد سلم الناس من يده و لسانه.

و منهم شمس الدين صواب(2)المغيثي رحمه اللّه، ما كان أدينه و أورعه، كان أول من يأخذ من محط خدمة المسجد الشريف و تعليق قناديله، و أول من يسبق إلى المسجد من المصلين، لزم إسطوانة المهاجرين حتى عرف بها، و هي الأسطوانة الثالثة من أسطوانة التوبة عند المحققين، و كان إذا جاءت نوبته في الخدمة يضع الأطعمة الكثيرة، و الألوان الفاخرة، و يدعو لطعامه من عرف و من لم يعرف، و كذلك كان يفعل جميعهم سوى أنهم يتفاضلون في السخاء و الكرم و طيب النفس، يريدون بذلك وجه اللّه تعالى.

و كان- رحمه اللّه- على أهل الدولة له عقدة لا تنحلّ، و شفرة لا تنكل، نفعنا اللّه به بعد وفاة والدنا في سبع سيده، و ذلك أن بعض أهل الشر بذل للأمير منصور في وظائف والدي مبلغا جيدا، حتى تكون كلها له و يخرجنا منها، فأرسل الأمير إلى شيخ الخدام ظهير الدين يعرفه بأنه قد حصل له في هذه الوظائف كذا و كذا، فإن دفع أولاد المتوفى هذا المبلغ، و ألا أخذتها منهم للذي بذل لي ذلك، فعرض علينا الشيخ ذلك، و قال: هل في حالكم شي‌ء و لو ألف درهم؟

فقلت له: و اللّه لم يخلّف لنا والدنا دينارا و لا درهما واحدا، غير نفقة


1) تقدم ذكره.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 460( 1825)، نقلا عن ابن فرحون و المجد اللغوي.

من الحب، أوصى بثلثها، و دارا نسكنها و كتب نقرأ فيها، فإن كتب اللّه قسمته، و إلا فهي رزية و بلية، نرجو من اللّه العظيم كشفها و العوض عنها.

فقام حينئذ شمس الدين المغيثي و صاح على الشيخ، و قال: في مثل هذا تتهاون، و اللّه لا يصل هذا اللعين إلى وظيفتنا، و لا يقرأ فيها أبدا إلا أن يفعل بي كذا و كذا. فبلغ ذلك الأمير، فلم يسمع من الذي سعى عليها بعد ذلك في حقنا كلمة، ورد اللّه كيد ذلك الرجل في نحره ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و ببركة والدنا، ثم دارت الدائرة على ذلك الرجل، فأخرج من جميع وظائفه التي تتعلق بالحرم الشريف، و اللّه تعالى مع الضعيف.

توفي شمس الدين في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة فيما يغلب على الظن رحمه اللّه، و دفن أمام باب قبّة سيدي إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و منهم عزّ الدين دينار البدري(1)، رحمه اللّه من خادم، إذ قيل للنبي صلى اللّه عليه و سلم خادم، كان مسكنه دار الشرابي بزقاق الخدام، قد جعلها موئلا للإخوان، و مرفقا لكل مرتاد، يعد فيها للمرضى أنواعا من الأمواه و الأشربة و الأغذية، لا يمرض فقير أو مجاور أو خادم إلا جاءه في الحين، و حمل إليه من كل ما يحتاجه، و كان عطاؤه عطاء السلاطين و إن أعطى ماء لسان الثور، أو ماء خلّاف، و ما أشبه ذلك ملأ الإناء، و كذا يفعل في الشراب و السكر و غير ذلك، و متى وصف لمريض فقير دواء سعى في تحصيله حتى يأتيه به، ثم إنه لا يزال يطبخ في بيته الأشياء اللطيفة المناسبة، و يحملها بنفسه على يده، لا يستعين بعبده و لا بغلامه.

و لا أقول إنه يفعل ذلك مع أصحابه و من يعرفه من عناياه(2)و أحبابه، بل يجري خيره على جميع الناس، و يأتيهم في الربط و المدارس، و يترقق لهم و يشفق عليهم، و يشهيهم رحمه اللّه، هذه حاله فيما ملكت يمينه.

و أما غير ذلك من مساعدة الضعيف و القيام مع المنكسر بدين أو فقر، فالعجب العجاب، و يخرج من ماله و يتضمّن في ذمته، و يدخل على الغريم


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 334( 1193)، نقلا عن ابن فرحون.

2) يعني: من يعتني به من أقاربه.

في بيته، و لقد ضمن مرة نحو خمسين ألف درهم طولب بها، و ضيق عليه فيها، ففرج عنه ببركة نيته. و لو تتبعت آثاره الحسنة، و مناقبة الجميلة، لكان سيرة مدوّنة.

و أما سعيه في التئام الكلمة، و إصلاحه بين الناس، و جمع الشمل بين الإخوان، و التأليف بين الأقران، فمن عجائب الزمان رحمه اللّه تعالى رحمة تنزله الجنان، و تبعده عن النيران، توفي رحمه اللّه في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة.

و منهم شمس الدين رشيد الدورخاني(1)رحمه اللّه، كان فيه من مكارم الأخلاق، و من محبة الإخوان و الشفقة على طلبة العلم و سذاجته، و قلة حذاقته في الدنيا ما لا مزيد عليه، يعطي العطايا الجزيلة، بيته بيت الملوك، و نوبته إقرأ من كتاب اللّه ما بعد يأتك، كان سيده يحبه فيتحفه في كل سنة بما يحتاج إليه من السّكّر و الشراب و أنواع الحبوب، و حبّب اللّه إليه الإنفاق، فاتسع الناس في خيره حتى مات مستورا رحمه اللّه تعالى في سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.

و منهم شمس الدين صواب الجمداري(2)- رحمه اللّه تعالى- كان من أجاويدهم و ذوي الرأي منهم، ممن يعظم الشرع و أهله، عليه سكينة و وقار و حسن أخلاق، و بشاشة عند التلاق، كانت له رئاسة و حشمة، و إطعام للكسرة، و كان نائبا للشيخ عزّ الدين، و له عتقاء حسنة و بنى دارا و أوقفها، و اشترى في آخر عمره نخلا جيدا و أوقفه، و له غير ذلك من الأوقاف. كان ذا حياء لا تكاد تراه يمزح و لا يضحك، و لا يجلس إلا في وقت ضرورة في أيام نوبته، و له خادم رئيس قليل الخلطة بالناس، توفي الجمداري رحمه اللّه تعالى في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة.

و منهم جمال الدين محسن الإخميمي(3)، و منهم ظهير الدين مختار


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 347( 1265)،« المغانم المطابة» الورقة 241/ ب.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 459( 1821)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 245/ ب.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 403( 3575).

الزمردي(1)، كانا على نسق واحد من حسن الهيئة و المهابة و الرّجلة و الحذاقة، مع المحافظة على المروءة، و السلامة من الناس في مخالطتهم، توفي الزمردي بمكة سنة خمسين و سبعمائة. و أما جمال الدين الإخميمي رحمه اللّه تعالى، فإنه رأس الخدام حتى عين لمشيخة الحرم لكن أدركته المنية.

و كان- رحمه اللّه- فإنه رأس الخدام في وقته، و أكثرهم حشما، و أبعدهم من الشر و أهله، لين الجانب كثير الأدب، حسن الخلق رحمة اللّه عليه، و بنى دارا حسنة و أوقفها، فلما كملت مات قبل أن يسكنها عوضه اللّه خيرا.

و كان لي من ودّه و موالاته نصيب وافر، و كان له نخل أوقفه، و غلام أعتقه و جعله مع الفراشين هو من خيارهم، جزاه اللّه خيرا و رحمه رحمة واسعة. توفي سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و منهم شهاب الدين(2)مرشد الفادي(3)رحمه اللّه، كان قريبا من الناس، سريع الميل إلى من يؤانسه و يجالسه، و كان يتعانى الأشياء الحسنة اللطيفة من الأشربة و الأمواه و المعاجين و الفاكهة، و لا يزال بيته معمورا بالضيفان، مبذولا للإخوان، يعمل الأشياء الفاخرة من الحلوى العزيزة الوجود في الحجاز، و يهديها لأصحابه، و يتحف بها من يرغب في بركته و دعائه من صالحي المجاورين.

و كان- رحمه اللّه- قلّ أن تطلب منه حاجة فيقول: لا أجدها، بل يحرص على تحصيلها و يطلبها من مظانها حتى يقضي حاجة صاحبها، سجيّة صالحة، و تجارة رابحة.

و منهم الطواشي نصر، رحمه اللّه، كان من عباد اللّه الصالحين، كان من الخدام القدماء الصلحاء، المتمرنين على العبادة، المتصفين بصفات أهل السعادة، كان يجاور سنة بالمدينة و سنة بمكة، و كان يختار سكنى رباط


1) ترجمته في:« المغانم المطابة»، الورقة 254/ ب.

2) ترجمته في:« المغانم المطابة»، الورقة 259/ أ.

3) في« المغانم المطابة»: القاري.

دكالة(1)، لم يزل فيه ليقرب من صحبة المشايخ الصلاح الساكنين به، و كان يصوم الثلاثة الأشهر متوالية، و كان لا يصحب إلا المجاورين الذين لهم في العبادة قدم، و هم في الناس كنار على علم، له اليوم خادم صالح من أهل القرآن، عاش بين الإخوان بعقله، و ساس وقته بفعله، و كانت وفاة سيده فيما يغلب على الظن سنة ست و ثلاثين و سبعمائة.

و منهم مختار المعروف(2)- بالمولّه-، كان من إخوان نصر في خلقه، صحب المشايخ الكبار، مثل الشيخ أبي محمد البسكري و غيره، فتأدّب بآدابهم، و اكتسب من أخلاقهم، و كان له كرم و اعتقاد حسن، و كان من الخدام الذين لهم أخباز، و كان الشيخ عمر(3)الخراز من إخوانه، و كان عمر يأخذ الدين الكثير لأجل عياله، فيأتي الموسم و عليه فوق الثلاثة الآلاف درهم فيقضيها الطّواشي مختار، و ربما يقول له: خذ من خبزي(4)بغير ميزان، فيحفن له حفنات تقضي دينه، و يعينه على وقته.

و بلغني أنه يجمع الفقراء و يعطيهم ثوبه يفلّونه، يريد بذلك المؤانسة، ثم يعطيهم التمر و الخبز يرون أنه أجرة، و ما هو إلا ليحصل الثواب و الأجر بلا منّة عليهم، رحمة اللّه عليه. توفي سنة إحدى و أربعين و سبعمائة.

و منهم عزّ الدين ريحان الطباخي(5)رحمه اللّه، كان حنفيا متفقها ملازما للعلماء، محبا في الفضلاء، مساعدا عند الشيوخ على تسديد الأمور المعضلات، و ترقيع الخصومات، كثير الحجّ إلى بيت اللّه الحرام. توفي رحمه اللّه في سنة ست و أربعين و سبعمائة.

و منهم ريحان الهندي(6)، من الخدّام الذين طالت إقامتهم في الخدمة الشريفة، له مآثر حسنة، و وقف رباطين حسنين، عمّ النفع بهما، و نخيلا


1) و هو رباط سيدنا عثمان، و دكالة قبيلة من قبائل البربر بالمغرب، و سيأتي مزيد كلام عليه.

2) ترجمته في:« المغانم المطابة»، الورقة 259/ ب.

3) و هو: عمر بن عياذ الأنصاري الخراز، و ستأتي ترجمته.

4) في هامش النسخ عبارة:« أي معلومي من الدراهم، و اللّه أعلم».

5) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 351( 1287)،« المغانم المطابة»، الورقة 238/ أ.

6) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 352( 1294)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 238/ أ.

جيدة و سقاية للماء، و دارين، و كان كثير المعروف، محبا للخير و أهله، مؤثر الباقي على الفاني، رحمه اللّه.

و منهم أمين اللّه خالص البهادي، كان فيه من السكون و الخير المكنون، ما لا مزيد عليه، و كان يتعانى الفلاحة، فيخالط الناس فيسلم منهم و يسلمون منه، متواضعا متأدبا يرحم المسكين، و يعين من به يستعين.

طالت أيامه و كثر ماله، حتى أوقف الأوقاف، و له رباط بباب البقيع، و له عتقاء من عبيد و إماء، و غرس في الحرم خادمه سرورا لقراءة القرآن، و ألزمه حضور الأسباع، فجادت قراءته و حسن صوته، فظهر بين أقرانه برجلة و شجاعة.

و منهم عنبر الموصلي(1)، و هو من قدمائهم، كان خادما للشيخ محمد الأعمى، خدمه محبة للّه و موالاة، فاكتسب من أخلاقه الحسنة و رياضته مدة حياته، ما حصّل به خيري الدنيا و الآخرة، بنى دارا قبالة دار العشرة و أوقفها.

و منهم مفتاح الهندي(2)، كان من الكبار، عاش مئة سنة على عبادة و مجاهدة من أرباب الكمالات الكرامات، وقف نخلا جيدا بالحشان، و نخلا آخر ببئر عزّ العرب، كان يعمل كل سنة في شهر ربيع الأول مولدا للنبي صلى اللّه عليه و سلم ينفق فيه نفقة جليلة، و كان يقول: إنه يعرف يوم وفاته، و إنه يموت في شهر رجب- أظنه السادس أو الرابع منه- فكان كذلك، و كان غالبا يعمل مولده في بيتي، و يحضر كأنه واحد من الجماعة.

و حضر يوما مع الجماعة، فلما خرجوا قدمت له طعاما فيه لحم، فوقفت في حلقه لحمة، شهق منها شهقة ما شككت أنه مات، ثم إنه أفاق بعد ذلك. و قال لي عند إفاقته: خفت عليّ أن أموت، لا أموت اليوم، بل بقي لي كذا و كذا ثم أموت، فكان كما قال، رحمه اللّه و نفع به.

و منهم الطواشي صندل(3)، كان من أكابر القدماء الرؤساء المتعففين


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 361( 3364)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ترجمته في:« المغانم المطابة»، الورقة 259/ ب.

3) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 458( 1815)، نقلا عن ابن فرحون.

الدّينين، كثير الصّدقة بالبر و الخير، و أوقف و أعتق و أثّر أثارا حسنة، و كان من أحسن الناس خلقا و خلقا، محبا في المجاورين شفوقا على أولادهم، قد سلم الناس من يده و لسانه.

و منهم نجيب النظامي، توفي و هو ساجد في صلاة التراويح، رحمة اللّه عليه عند باب الرحمة.

و اعلم أنه كان قبل هؤلاء و معهم و بعدهم جماعة كثيرون، ينوفون على المئة لو عددتهم كلهم متصفون بالخير الكثير، و الدين المتين، و الأوقاف من الدور و النخيل، و عتق الأرقاء من الخدام، الذين كثير منهم اليوم في الحرم الشريف، و العبيد و الإماء مع الاجتهاد في قراءة القرآن و الإكثار من سماع الحديث، و لو تتبعتهم و ذكرت صفاتهم و ما علمت من أحوالهم، لطال الكلام و اتسع المقال.

منهم كافور المحسني(1)نائب المشيخة، و التاجي(2)، و الناصحي(3)

89. 1 وقع خلاف في الكنية، ففي( أ):« الأبكي»، و في( ب):« الأزبكي»، و في( ج):

« الأبكر»، أما في« التحفة»:« الأيبكي».

، و صواب الأبكي(89)(4)، و مختار البغدادي(5)الحلّي، و كافور التكريتي(6)، و عنبر المخلصي(7)، و عنبر الفارقي(8)، و شبل الدولة كافور الجلدكي(9)، و نصر الصالحي(10)، و دينار القرطبي(11)،

1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 390( 3511)، نقلا عن ابن فرحون.

2) هو: سعيد التاجي.

3) لم أعثر له على ترجمة.

4) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 459( 1820)، نقلا عن ابن فرحون.

5) لم أعثر له على ترجمة.

6) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 390( 3509)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 255/ أ.

7) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 361( 3363)، نقلا عن ابن فرحون.

8) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 361( 3361)، نقلا عن ابن فرحون.

9) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 361( 3505)، نقلا عن ابن فرحون.

10) ترجمته في« المغانم المطابة»، الورقة 267/ ب.

11) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 335( 1196)، و قد وقع:« القرظي» بدل:« القرطبي»، نقلا عن ابن فرحون.

و الجواجاني(1)، و صندل البغدادي(2)، و الفخري(3)، و مختار خادم اللالا(4)، و غيرهم طبقات عديدة يطول ذكرهم، تغمدهم اللّه برحمته.

ثم إن في الحرم الشريف اليوم جماعة كثيرة من نمط هؤلاء المتقدم ذكرهم، متصفون بما اتصف به إخوانهم من الديانة، و صحبة الصالحين، مع الحسنات الكثيرة الظاهرة و الخفية، و الأوقاف العظيمة من النخيل و الدور و العتقاء مع قراءة القرآن، و المواظبة لاستماع الحديث، و المثابرة على الصلاة في الصفّ الأول دائما، و فيهم جماعة متبتلون للعبادة على طريقة السلف الصالح نفع اللّه بهم، و لم أترك ذكرهم إلا أن الغرض في هذا تنبيه الشاهد بأحوال الغائب، و تحريض الخلف، على اتباع السلف، و قد ذكرت منهم جماعة مع ذكر معتقيهم.

و سيأتي ذكر بعضهم في أثناء الكتاب إن شاء اللّه تعالى، و لم أقصد الترتيب فيما وضعت، و إنما وجه اللّه العظيم أردت، فيما سأذكره و فيما قد ذكرت، و جمع الكلمة قصدت، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ (هود: 88).


1) لم أعثر له على ترجمة.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 458( 1812)، نقلا عن ابن فرحون.

3) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 222( 667).

4) لم أعثر له على ترجمة.

فصل في ذكر جماعة من المجاورين القدماء و المشايخ الصلحاء و التعريف بكشف أحوالهم و مناقبهم‌

و أصف لفروعهم طيب أصولهم، ليتخلقوا بأخلاقهم، و يتأدبوا بآدابهم، و يكتسبوا من محاسنهم في الأقوال و الأفعال.

و في مثل ذلك يقال:

أرى كل عود نابت في أرومةأبى صالح العيدان أن يتغيّرا

بنو الصالحين الصالحون و من يكن‌لآباء صدق فهو بالخير أجدرا

فمن أولهم و أولاهم بالذكر ذو الولاية العلية، و المقامات السنية، الشيخ الصالح الولي الرباني، أبو محمد عبد اللّه البسكري(1)

« اليشكري»، و هو خطأ.

، كان في بلاده من أكابرها في النسب، و من أعيانها في المال و الحسب، خرج عن ذلك كله، و انقطع إلى اللّه تعالى و رسوله، و خرج مجردا فقيرا، صحب مشايخ وقته شرق البلاد و غربها. و منهم الشيخ أبو محمد المرجاني(2)و غيره، ثم أوى إلى المدينة في وقت شديد، على قدم التجريد، فأقام أولا بالمدرسة الشهابية مدة، ثم انتقل إلى رباط دكالة و معه جماعة من أهل المجاهدة و الصبر، فمكث به سنين لا يعلم حاله أحد، و لم يتعرض لزوجة و لا ولد، كان و أصحابه يطوون الأيام على غير شي‌ء من الطعام.

1) هو: عبد اللّه بن عمر بن موسى، أبو محمد البسكري المغراوي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 66( 2181)، نقلا عن ابن فرحون، و وقع في الترجمة المذكورة:

2) هو: عبد اللّه بن عبد الملك القرشي البكري المرجاني، صاحب كتاب« بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة المختار». ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 56( 2135).

أخبرني بعض خدام الشيخ رحمه اللّه: أنه كان له أصحاب مغاربة مثل يوسف الخولي، و حسن الخولي، و محمد المكناسي، إذا جاؤوا من عملهم من الحدائق حملوا معهم شيئا من رمام البقول الذي لا يصلح إلا للدواب، كالسلق، و بقايا اللفت، و من هذا الجنس، فيأتونهم به فيأخذه خادمهم و يسلقه، و يضعه في قصعة إلى أن يأتوا من صلاة العشاء، فيقدمه لهم و هم صائمون، فيأخذ كل منهم كفايته، و ما فضل عنهم أخذه الخادم و رماه في خارج باب البلدة، تأكله البهائم.

استمروا على ذلك سنين لا يعملون غير ذلك إلا في النادر، حتى فطن بهم بعض الناس، و كان يأتيهم بشي‌ء من الأعشار كعشر الشعير و التمر، منهم تركي الأمير جماز يقال له: سنجر(1)، و أبو شميلة الدارنجي فترفّع حالهم و كثر أتباعهم، و مال الناس إليهم لما رأوا من خيرهم و اعتزالهم، ثم قصدهم الخدام و صحبوهم، و اشتهر في البلاد ذكرهم، و ذكر الشيخ أبي محمد، فكان يقصد من البلاد البعيدة كاليمن و غيرها.

و كان الشيخ مبسوط اليد لا يدخر شيئا، و لا يرد فقيرا، و لا يبيت على معلوم، كان إذا جاء قادم من مكة أضافه و وانسه. ثم يقول له: ارفع طرف الحصير، فيرفعه فما وجده تحته فهو له، سواء كان درهما أو مئة، و إذا أطعم الفقير لم يدع في بيته قمحا و لا سمنا و لا عسلا، بل يعمل له الجميع حتى إنه عمل يوما للفقراء طعاما و لم يجد له إداما غير برنية شراب أهديت له لمرض كان به، فأمر بصبها و إيدام الجماعة بها، و ظهر في الناس بالكرامات و الإخبار بالمغيبات، حتى انعطف عليه النّاس لعلمه و عمله، و كرمه و حسن خلقه، و كان مع ذلك مهيبا في جماعته، بل في الحرم الشريف.

قال لي من أثق به: إنه كان إذا دخل المسجد خضع له كل من فيه، من كبير و صغير؛ و متى رأى منكرا غيّره بلسانه أو بيده، و كان أعظم أصحابه الشيخ عبد الواحد الجزولي(2)رحمه اللّه من العلماء الزهاد، و منقطعا


1) ذكره السخاوي في« التحفة اللطيفة» 1/ 429( 1672).

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 220( 2765)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة».

كانقطاع الشيخ أبي محمد، و مجاورا له في رباطه، مكبا على نسخ العلم، عالما بالحديث و القراءات له كتب كثيرة بخطه أوقفها كلها، و فرقها قبل موته بقليل رحمه اللّه، كان إذا رأى منكرا غيّره بيده و لسانه، و اتفق أن بعض المشايخ الكبار مرتّب في قراءة ختمة قبل صلاة الجمعة يجلس لقراءتها على كرسي، و يرفع صوته بالقراءة.

فقال له الشيخ عبد الواحد: لا تجلس في هذا الوقت، و لا ترفع صوتك بالقراءة فيتأذى الناس برفع صوتك.

فقال: هذه وظيفة مشروطة بهذه الصفة، فلا بد أن أفعل الشرط، و إلّا آكل حراما.

فقال له: قد نهيتك، فإن لم تفعل و جلست بعد هذا أخذت بلحيتك هذه، و أنزلتك من على كرسيك، فإن شئت فافعل، و إن شئت فدع، فترك ذلك رحمه اللّه.

فلما ذهب أولئك الشيوخ الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر، عادت القراءة كما كانت، و هي الختمة التي تقرأ اليوم في الروضة قبل الصّلاة.

و كان مما يعد من كرامات الشيخ أبي محمد البسكري، أنه لا يأتيه مظلوم يشتكي عليه ظالمه إلا و شفع له، فإن شفع فيه، و إلا عجلت عقوبة الظالم في وقته.

أخبرني من أثق به: أن الشيخ أبا العلا(1)إدريس- رحمه اللّه- تكلّم بكلام وصل إلى الأمير جماز، فغضب عليه و أمر بإخراجه من المدينة، و ذلك أنّ شيخ الخدام في وقتهم كان يحسن إليهم و إلى سائر المجاورين، و يفرّق عليهم من التمر كل سنة قدر كفايتهم و عيالهم، و كان شيخ الخدام يومئذ يجري في الأوقاف مجرى أهل المدينة في مغارساتهم و معاملاتهم على جاري العادة في المدينة، و أحكام قضاتهم، و لهم عادة في المغارسة غير جائزة بإجماع من الأمة، و الأملاك لا تعمر إلا بها، و لا يرغب في خدمتها إلا من يأخذها بذلك.


1) ترجمه في:« التحفة اللطيفة» 1/ 165( 375).

فبلغ ذلك الشيخ أبا العلا رحمه اللّه، و كان من الورعين الزاهدين، فلما جاء وقت تفريقة التمر على المجاورين أرسل إليه بنصيبه على العادة فتورّع و ردّه، فجاءه الشيخ، و قال: لأيّ شي‌ء ترد التمر و أنت لم تزل تأخذه، و إذا كنت غنيا عنه صرفته على مستحقيه و لا تردّه في وجهي؟

فقال له: أنت خالفت في الأوقاف المعاملة الشرعية، و عملت فيها ما لا يجوز، و أدخلت علينا الشبهة فيما نتناوله منها، و هذا لا يجوز لك، و لا يحل لنا أن نأخذه منك، فاشتد على الشيخ كلامه و أن يسمع منه مثل هذا الكلام، و كانوا يغارون على عرضهم و دينهم من مثل هذا أو دون هذا، فكأنه شكى حاله معه إلى الأمير جماز، و قد تقدم أنه كان بينه و بين الشرفاء خلة و صحبة أكيدة، فاغتاظ الأمير، و أمر بإخراج الشيخ أبي العلا من المدينة.

فبلغ ذلك الشيخ أبا محمد البسكري و الجماعة فعزّ ذلك عليهم، و أرسل الشيخ أبو محمد إلى الشيخ(1)بأن يترك له صاحبه و لا يشدد عليه، و يرد الأمير عنه، فلم يفعل.

فقيل لي: إن الشيخ أبا محمد بعث إليه جماعة من أصحابه بعد العشاء الآخرة، فدخلوا عليه في بيته فوجدوه قد اضطجع على سريره، فوقفوا بين يديه كاشفين رؤوسهم في الاستغفار، فغفل عنهم فنام و غلب عليه النوم، فما قام حتى ذهب جانب من الليل فوجدهم قياما على حالهم فعزّ عليه.

و قال: اذهبوا حتى يأتيني هو بنفسه أو شيئا نحو ذلك، فرجعوا و لم تنقض لهم حاجة، و أخبروا الشيخ أبا محمد بما تمّ لهم معه، فغاظه ذلك و خرج لصلاة الصبح، فاجتمع بالقويضي ابن أبي النصر، و كان مفتي الإمامية و شيخهم، و كان يعتقد الشيخ أبا محمد، فحكى الشيخ الحكاية، فجاء إلى شيخ الخدام فكلمه فأنعم له و قبل شفاعته، ثم جاء إلى الشيخ أبي محمد، فقال له: قد أنعم و رضي و جعل له بذلك عليه يدا.

فلما خرج جمع الشيخ أبو محمد أصحابه، و حكى لهم ما جرى من


1) يعني شيخ الخدام.

الشيخ و كونه لم يقبل الفقراء، و لم يعزّ عليه وقوفهم بين يديه كاشفين رؤوسهم، و قبل شفاعة ابن أبي النصر، فجمعوا خواطرهم عليه فمرض من حينه، و اشتكى حتى طلب منهم التحليل و الرضا، فنفد سهمهم و انقضى فيه الأمر فقضى.

أخبرني أقضى القضاة جمال الدين المطري- و كان ملازما خدمتهم لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم-: أنّ الشيخ أبا محمد لما دخل مكة المشرفة قصد زيارة الشيخ نجم الدين الأصبهاني(1)، فلما جلس إليه أراد أن يسأل الشيخ نجم الدين عن اسمه، فبدره الشيخ نجم الدين، و قال له: اسمي مكتوب بين عينيك، ففهم الشيخ مقاله، و أنه كاشفه، و أن اسمه كاسمه عبد اللّه رحمهما اللّه.

و لما عزمت على التوجه إلى مكة المشرفة في طريق المشيان في حال الشبوبية، أظنّه عام عشر و سبعمائة، جاء والدي إلى الشيخ أبي محمد فأخبره بعزيمتي. فقال له: ابعثه إليّ، فجئته.

فقال: بلغني أنك تريد مكة المشرفة.

فقلت: نعم يا سيدي، لأجل العمرة في رمضان.

فقال لي: من رفيقك؟ فذكرت له جماعة من الفراشين و غيرهم.

فقال لي: ليس في هؤلاء من هو من جنسك و لا من يليق بك، و لكن اصبر قليلا حتى ننظر لك.

فقلت له: ضاق الوقت، و قد دخل شهر رمضان و مضى أكثره.

فقال لي: اسمع ما أقول لك، فذهبت عنه و وثقت بوعده، فما كان إلا قليلا إذ ورد المدينة زائرا الشيخ محمد بن عمران الخضري و جماعة من الصالحين، فدعاني الشيخ و قال لي: سافر مع هذا، فسافرت معهم، فرأيت


1) لعله الشيخ عبد اللّه بن محمد بن محمد الأصبهاني، نجم الدين الشافعي: ولد سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، صحب أبا العباس المرسي و العماد الحرامي، كان عابدا صالحا و للناس فيه اعتقاد، مات في جمادى الآخرة سنة إحدى و عشرين و سبعمائة. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 302( 2231)،« شذرات الذهب» 8/ 101،« العقد الثمين» 5/ 271( 1626).

من الشيخ محمد بن عمران و أصحابه من الخدمة و الشفقة و المؤانسة، ما لو كان والدي معي لم يرفأ بي كذلك، و لم أحمل معهم غير عصاي التي كانت بيدي، رحمهم اللّه أجمعين.

فدخلت مكة ليلة الثامن و العشرين من رمضان، و خرجت يوم العيد متوجها إلى المدينة مع الشيخ الصالح محمود اللاري، ذي الأخلاق الحميدة، و المعاشرة الجميلة، و الديانة التامة، و المبادرة إلى انتظار الصلوات من أول الأوقات، فصحبته في الطريق فكان نعم الصاحب، و كان ذلك بإشارة الشيخ أبي عبد اللّه النحوي، و إشارة أبي عبد اللّه الشريف الفاسي رحمهما اللّه، فوصلت المدينة في ستة أيام، و ذلك كله ببركة الشيوخ و خاطر والدي رحمه اللّه.

و كان الشيخ أبو محمد البسكري قد ابتلي في آخر عمره بالبواسير- نسأل اللّه العافية لنا و لكم- فانقطع في بيته و لزم حجرته، و قاسى منها مقاساة عظيمة حتى كان يقول: لو جاز لي أن أسأل اللّه تعالى لي الموت لسألته، من شدة ما قاسى، رحمه اللّه.

و له من المناقب و الأحوال العلية ما لا أحصيه عدّا، و لا ينتهي حدّا، نفع اللّه به. و هو صاحب القصيدة المشهورة المباركة التي أولها:

دار الحبيب أحق أن تهواهاو تحنّ من طرب إلى ذكراها

و رأى بعض الصالحين النبي صلى اللّه عليه و سلم و أشكّ هل كان هو الشيخ- رحمه اللّه أو غيره؟ و أنشد هذه القصيدة فلما بلغ آخرها.

و هو قوله:

و الحمد للّه الكريم و هذه‌نجزت و ظنّي أنه يرضاها

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: رضيناها رضيناها(1).

و أمّا من بعده في هذا المقام الرفيع، و المرتع المريع، فصاحبه الشيخ عبد الواحد الجزولي، كان فيه من الشدة في الدين، و قوة اليقين، مع العلم


1) و ممن ذكر ذلك أيضا: السخاوي في« التحفة اللطيفة» 2/ 66، و السمهودي في« وفاء الوفا» 4/ 1421، و ذكر القصيدة بتمامها.

و العمل ما لا عليه مزيد، و قد تقدم ذكره مع الشيخ أبي محمد البسكري رحمه اللّه. توفي قبل والدي بسنين أظنها أربعا أو خمسا، و أما ذكر جماعتهم فقد تقدّم ذكر بعضهم.

و ممن كان يخدمهم من الأعيان الشيخ سعيد(1)، و الشيخ ريحان النوبي(2)، و الشيخ موفق الحبشي(3)، و كثيرون على أخلاق شيوخهم و طريقتهم، و خلف الشيخ أبا محمد في مكانه و منزله جماعة صلحاء.

منهم الشيخ عز الدين الواسطي(4)، كان من أهل العلم و العمل؛ و أرباب القلوب، دخل المدينة للزيارة فوقف على باب السّلام و سلّم من مكانه و رجع إلى منزله، فقيل له في ذلك، فقال: إني لم أجدني أهلا للدخول إليه، و لا للوقوف بين يديه، من أنا حينئذ حتى أصلح لذلك.

ثم أقام بالمدينة فكان لا يزال لسانه رطبا بذكر اللّه و بتلاوة القرآن، و كان يقرأ قراءة لم يسمع السّامعون مثلها، و كان مسكنه في الرباط المذكور في بيت الشيخ أبي محمد على تقشف و فقر.

كنت يوما عند الشيخ أبي الحسن الخراز فقال لي و لجماعة معي:

رأيت البارحة هذا الفقير الذي أقام عندنا على المنبر يخطب، فلا بد له من ذلك.

و كذلك رأيته بعد وفاة الشيخ أبي الحسن على المنبر خطيبا، لما سافر القاضي سراج الدين(5)استنابه في الإمامة و الخطابة، فقام بها أحسن قيام، و كان عليه روح، و للناس فيه اعتقاد عظيم، و هذا مع ما يوجد فيه من سلامة الباطن و السذاجة و التغفل، حتى يظن الذي يراه أن به هبل، و هو في علمه و اجتهاده متقن العلم و العمل لا يعتريه خلل، إذا أخذت معه في شي‌ء من أحوال الدنيا، كان جوابه بأحوال الأخرى، فينقطع معه الكلام، و كان إذا


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 409( 1568)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 352( 1293)، نقلا عن ابن فرحون.

3) لم أعثر له على ترجمة.

4) لم أعثر له على ترجمة.

5) هو: سراج الدين عمر بن أحمد بن خضر الأنصاري الخزرجي، و قد تقدمت ترجمته.

جاء أحد و شكى إليه من ضرر أو مرض، قال له: قل: يا أول الأولين، و يا آخر الأخرين، و يا ذا القوة المتين، و يا راحم المساكين، و يا أرحم الراحمين سخر لي كذا، أو اصرف عني كذا.

فإن جاءه يشكو من فاقة و قلة، قال له: قل: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر: 2).

و مما جرى من أحواله، أن المدينة حوصرت أياما، و اشتد حال الناس من التضييق عليهم و الخوف من عدوّهم، و مع ذلك لا يدري ما الناس فيه، حتى دخلت المدينة سحرا، فهرب الناس فاختفوا في بيوتهم، فلقيه شخص من الهاربين من أرباب الدولة و الشيخ قد توضأ و خرج إلى المسجد فقال له:

يا سيّدي أين تريد؟

قال: المسجد.

قال: المدينة دخلت و أبواب المسجد غلقت، لا يدخله أحد.

قال: أي شي‌ء تقول! فأعاد عليه.

قال: و من هم هؤلاء المساكين الذين أخافوا المدينة و أهلها، و يريدون أن يمنعونا من صلاة الصبح في جماعة؟

ثم مضى إلى المسجد فعلم بمكانه ففتح له، و دخل و صلى ما كأنّ شيئا جرى، فكان ذلك الشخص يحكي هذه الحكاية و يعجب الناس بها.

و لقد أخبرني بعد وفاة والدي و كان يقرأ على والدي العربية، و يقطع الكتاب من أوله إلى آخره، ثم يعيده مرة أخرى لطلب المؤانسة معنا، و المحبة في والدي فبشرني بأنني أكون في مقامه، و أتولى ثلاث ولايات في ذلك العام فكان كذلك، جاءني موسم بالتدريس في المدرسة الشهابية، و جاءني تدريس درس القاضي فخر الدين ناظر الجيش، و جاءني تدريس من المغرب، أقامني فيه شعيب ابن أبي مدين(1)

« قرأت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي، أنه كان أحد أذكياء العالم»، توفي سنة سبعين و سبعمائة. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 192( 1939)،« شذرات الذهب» 8/ 374.

، و ذلك كله في عام ثلاث

1) هو: شعيب بن محمد بن جعفر بن شعيب، رضي الدين أبو مدين التونسي: ولد في شعبان سنة سبع و عشرين و سبعمائة، كان علامة في الفقه و النحو و الفرائض، قال العسقلاني في« الدرر»:

و عشرين و سبعمائة، فأعان اللّه تعالى و رزقني على الاشتغال إقبالا كثيرا، و حسدت حسدا عظيما، و قصدت بالأذى فزادني طولا. كثير يظنون أنهم يسعون في إخمالي و حط منزلتي، و ما سعوا إلا في ظهوري و نشر فضيلتي.

و للّه درّ القائل:

من خصّ بالشكر الصديق فإنني‌أحبو بخالص ودّي الأعداء

و رووا عليّ معايبي فحذرتهاو نفيت عن أخلاقي الأقذاء

جعلوا التنافس في المعالي ديدني‌حتى رفعت بفعلي الجوزاء

و لربما انتفع الفتى بعدوّه‌فالسّم أحيانا يكون شفاء

و مع ذلك فقابلتهم بالحلم عليهم، و الإحسان إليهم، و صبرت إلى أن فرج اللّه تعالى، و النّصر مع الصبر، فللّه الحمد على كل حال.

و للّه در القائل:

ما دمت حيا فدار النّاس كلّهم‌فإنما أنت في دار المدارات

من يدر دارى و من لا يدر سوف يرى‌عما قريب قرينا للندامات

و مما جرى لي مع هذا الشيخ في سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة، أنه تحامل عليّ بعض القضاة، و لفيف من أولئك الحسدة، فرموني عند الأمير طفيل(1)برمية بلية، و ذكروا أن شخصا مات و ترك عندي مالا كثيرا، و لم يكن من ذلك شي‌ء، إلا أن ذلك الشخص أودعني مبلغا قليلا، وصّى به في شراء نخيلات تكون وقفا على رباط السبيل، فقلت للأمير و أعوانه: ليس عندي غير هذا، و قد وصّاني فيه بكذا، و معي على ذلك شهود جياد أحدهم الشيخ عز الدين دينار شيخ الحرم، و الآخر الشيخ عز الدين الواسطي، و كان الأمير طفيل غائبا في الفلاة، و اشتغل بي ذلك القاضي و تلك الجماعة، و كانت قضية عويصة، صادفت أوقاتا شنعة، وعدا بشعة، لها قضية طويلة جرى لي في أثنائها ألطاف عديدة.


1) هو: الطفيل بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني: كان أمير المدينة أيام السلطان محمد قلاوون، ولي الإمارة في شعبان سنة 728، و توفي سنة 752. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 223( 2034)،« التحفة اللطيفة» 1/ 468( 1863).

و ذلك أنّ وزير الأمير قام عليّ في ذلك بحس القاضي، و بنى على كلامهم، فلما خفت كثرة الأعداء و اشتغالهم بي و تطلبهم عثراتي، شكوت ذلك إلى شيخ الخدام عز الدين- رحمه اللّه-، و سألته الجلوس في المسجد و المبيت فيه حتى يحضر الأمير من البادية، و كان على مسيرة أيام من المدينة، فجلست في المسجد مع أخي محمد رحمه اللّه ليلا و نهارا، و خرج أخي عليّ رحمه اللّه خفية، و ركب راحلة توجه إلى الأمير في هذا الأمر، و كان له عليه دلية و صحبة أكيدة، و محاسنة و ملائمة، فأقمت في المسجد عشرة أيام بلياليها، بين قيام و صيام و اعتكاف حصل لي بذلك خير كثير، فكنت في ليلة أصلّي عند أسطوانة التوبة، و هي التي في آخر صف الروضة الملاصقة للشباك اليوم، على ما ذكره عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و تبعه مالك بن أنس رحمة اللّه عليه، و ما قيل فيها غير ذلك فغلط، أوجبه أشياء يطول ذكرها، فلحقتني سنة و أنا ساجد عندها، فرأيت شخصا قد خرج ربع القامة، حسن الوجه و الهيئة، مليح الثياب فمر عليّ. و قال: قم قضيت الحاجة.

قاستيقظت فلم أر أحدا، فلم يكن إلا قليل إذ جاء أخي بمرسوم الأمير أن لا يتعرض لي أحد، حتى يقدم إلى المدينة، فلما قدم بعد مدة اجتمعت به. فقال: لئن لم تأتني على ما قلت بشهود، و إلا فالذي يقال عنك صحيح.

و كان معي الشيخ عز الدين دينار شيخ الخدام رحمه اللّه، و الشيخ عز الدين الواسطي كما تقدم.

فقلت له: معي عز الدين دينار.

فقال: لا أقبله، ذلك صاحبك و هو عدونا.

فجئت إلى الشيخ عز الدين، و ذكرت له الحكاية، و عهدي منه أنه لا يفهم على الناس ما بينهم من أمور الدنيا و لا يذكر الشهادة، فقال لي: إذا خرج الأمير إلى المسجد لصلاة الجمعة اجتمعت به.

و كان لا يجتمع بأحد من أرباب الدنيا، و لا يعرف الأمير و لا الوزير، لكنه عندهم معلوم السيرة، مشهور الطريقة، فلما حضر الأمير في المسجد

و جلس مجلسه المعروف جئت إليه، و قلت له على خوف: ما تقول في الشيخ عز الدين الواسطي؟

فقال: أقبله و من هنا مثله، فناديت الشيخ عز الدين، و في ظني أنه لا يعلم ما قلت له، بل لا يذكر مجلسي معه، فلما جاءه عظمه الأمير طفيل و قام له، فبدأه الشيخ بغضب و رفع صوت و انزعاج، و قال: يا طفيل، اتق اللّه. كرّرها ثلاثا.

و هو يقول: اللّه يجعلنا يا عزّ الدين من المتقين.

ثم قال له: أما تتبع جدّك و أفعاله، كان جدّك علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه متصفا بكذا و كذا، و ذكر له من الوعظ ما أبهته حتى ودّ أنّه لم يأته.

ثم قال له: ليس لك عند هذا الفقيه شي‌ء و لا دعوى، و ذلك الرجل الميت كان فقيرا من الفقراء، و الذي يقول لك الفقيه هو الصحيح، و السلام.

فقبل كلامه و حمله على الشهادة، و رأى الناس أنّ هذا كان من الشيخ بغير قوته، و لا جاري عادته، بل أجراه اللّه على لسانه لما أراد اللّه لي بإحسانه و فضله.

و الذي لقيت من الأعداء و الحسدة البغضاء الذين أبادهم اللّه، و لم يبلغوا مما أمّلوا من الشر شي‌ء لا يحصى، و في كيفية نصر اللّه عليهم في قصص طويلة لا تستقصى، و لا يسع تدوينه في كتاب، و إلى اللّه عزّ و جلّ معهم المآب.

و ما أحسن قول القاضي صدر الدين ابن القماح رحمه اللّه:

اصبر على حلو القضاء و مرّه‌و اعلم بأن اللّه بالغ أمره

فالصدر من لقي الأمور بصدره‌و بصبره و بحمده و بشكره

و الحرّ سيف و الذّنوب لصفوه‌صدأ و صيقله نوائب دهره

فإذا أصبت بما أصبت فلا تقل‌أوذيت من زيد الزمان و عمره

و اثبت فكم همّ أهّمك عسره‌ليلا فبشّرك الصّباح بيسره

و لكم على يأس أتى فرج الفتى‌من سرّ غيب لا يمرّ بفكره

و لرب ليل في الخطوب كوحلةصابرته حتى ظفرت بفجره

و مع ذلك فالخير كله في الحلم و الصبر، و دفع السيئة بالحسنة، و في تقوى اللّه جماع خيري الدنيا و الآخرة. توفي الشيخ عز الدين رحمه اللّه في إحدى و أربعين و سبعمائة.

ثم سكن الحجرة مسكن الشيخ عز الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق التلمساني(1)رحمه اللّه، و كان من أحبابي الكبار، و أصحابي الأخيار، بل لم أصحب مثله في الناس، و لم أرى مثله على قياس، أقام بمكة قبل أن يأتي المدينة، فلزم الطواف حتى زمن و أقعد.

فلمّا قدم المدينة لزمني و لزمته، فمنّ عليه بالعافية، و أول ما نزل نزل في بيتي، و كان معه ولده الفقيه العلامة الخطيب المشهور اليوم في بلاد المغرب بالعلوم و الفوائد، و التصانيف و الرئاسة، و أحبّه الملوك و أحبته الرعية لما اشتمل عليه من المحاسن و العلوم، ثم تسلّط عليه أعداء حساد، فامتحن بهم، ثمّ نجاه اللّه من كيدهم، و حصل له أسوة بأهل الخير من السلف الصالح.

و كان قدومهم هذا إلى المدينة في عام ثمانية و عشرين و سبعمائة، و كان الولد أبو عبد اللّه المذكور حينئذ لم يبلغ الحلم، فاشتغل بالعلم حتى رجعا إلى بلدهما تلمسان، فأقاما سنتين ثم رجعا إلى المدينة، فأقام الشيخ و رجع ولده، و استقرّ الشيخ في الحجرة المذكورة، ثم انتقل إلى بيتي، ثم اشترى نصف دويرة و سكنها حتى سافر إلى مكة، و مات بها في سنة أربعين أو إحدى و أربعين و سبعمائة.

كان له من الكرامات و الأحوال الجليلة العزيزة اليوم ما لا يحصر و لا يعدّ، منها أنّه سلط عليه شخص من بلاده يقال له: عثمان بن المعذور، كثير الشر يطلب منه كل حين النفقة، و يشغب عليه وقته بكثرة التّردّد إليه،


1) ذكره السخاوي في:« التحفة اللطيفة» 1/ 144( 229)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 1/ 299( 754).

فملّه الشيخ أبو العباس و أراد قطعه عنه، فعمل على بابه غلقا له مفتاحان، و أراد إغلاقه حتى يظن أنه ليس في البيت أحد، فيخلو بنفسه في بيته حتى يخرج إلى المسجد لصلاته، ثم يرجع إلى بيته، فتسلط عليه هذا الرجل حتى وقف له بالليل عند خروجه في السحر إلى المسجد.

و قال له: أنت فلان؟ و حقّ كذا و كذا إن لم تعطني ما أطلبه منك لا قتلنّك، و لأفعلن بك كيت و كيت، ثم ذهب إلى الشرفاء فسعى به و قال لهم: عند فلان من الذهب عشرة آلاف و بالغ في الأذية، و الشيخ يحيله على اللّه تعالى، و يصبر على أذاه حتى مرض الشيخ في بيته، و كان مجاورا لي، فكأنه غفل عن الباب فدخل عليه و هو مريض، فروّعه و لو لم أعاجله بالدخول عليه لما كنت أدري ما يفعل به.

ثم ذهب إلى الأمير و قال: إن مات ابن مرزوق استغنيت الدهر، و كلّ ماله عند ابن فرحون، فبلغه ذلك و أخبرته بما صدر منه، فقال لي: وصل إلى هذا الحد، أنا إن شاء اللّه أريك فيه.

فو اللّه لم تمرّ عليه أيام قليلة أقلّ من جمعة، حتى حمل إلى المقبرة بعد عذاب شديد ناله في مرضه، و ذلك سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة.

و كان الشيخ لا يأكل الرطب و لا الفاكهة و لا البطيخ و لا العنب و لا اللحم و السمن حتى نحل ورقّ، و عزمت عليه بظاهر الشرع.

و كان صائم الدهر قائم الليل، و لا يفتر من ذكر اللّه تعالى، يتفقد الفقراء في بيوتهم، و يعالج الطرحاء في مكانهم، و يطوف على المرضى بالمدينة فيتفقدهم أينما كانوا بالطعام و الدواء، و يشهيهم فيعمل لهم ما يشتهون، و يطلب منا المساعدة على ذلك.

و كان لا يزال متبسما يسأل عن الصّغير و الكبير، و يأتي إلى بيوت أصحابه و يدعو لصغارهم، و كان لي منه نصيب أيّ نصيب، إن قلت: لم أنل الخير إلا معه، و لم أر السعد إلا في أيامه، كنت صادقا.

و كان يتفقد نفسه إذا وقع في شي‌ء من الهمّ، حتى إنه جاء يوما من المسجد و بيده قطيعة من حديد، تساوي فلسا، أو لا تساوي، فنادى ولدي

أحمد رحمهما اللّه تعالى فأعطاه إياها ليلعب بها، ثم خرج عنا، فلما دخل المسجد رجع بسرعة. فقال: ايتوني بتلك الحديدة. فأتيناه بها، ثم بعد ذلك جاءنا على عادته فسألته عن حكايتها؟

فقال: لما رجعت إلى المسجد فقدت سكينة كانت معي في المحفظة قال: فتفقدت نفسي و تفكرت فيما عملت حتى عوقبت في السكينة، فلم أجد إلا تلك الحديدة فرددتها في موضعها فوجدت السكين، و كان في هذا المقام و أعلى من هذا المقام.

و اتفق أن مرض في بيتي مرضة شديدة، آيس من نفسه فيها، فدخلت عليه يوما و ولدي أحمد عنده، و كان صغيرا و سمعه يقول: يا ولدي يا أحمد أقوم من هذا المرض و أتعافى، ثم سمعته يقول: فيها البركة يا ولدي.

فقلت له: ما يقول لك و ما معنى كلامك؟

فقال: قلت له: كذا و كذا.

فقال: إشارة بيده أربع فتوالتها أربع سنين، فأنا أعيش أربع سنين، فكان كذلك. مات في الأربعة بمكة رحمه اللّه.

و كان ليلة يصلّي واقفا في السطح، و كان بإزائه نساء في عرس، فضربوا الدفوف و المعازف و الرباب، و أنواع الطرب بحذائه، حتى إنه لم يدر ما يصلّي، فرأيته قد نزل إلى أسفل البيت، فلم يكن إلا قليلا حتى طلع إلى مكانه، و سكن ذلك اللعب و اللهو.

فسألت عن سبب سكوتهم؟

فقالوا: بينما نحن في ذلك الحال، إذ وقعت عروسنا من الدرجة فانعطبت في رجلها، فعلمت أنّ ذلك ببركة خاطره، إذ كانوا على أنواع من المعاصي و الملاهي، نفعنا اللّه به و جمعنا و إياه في مستقرّ رحمته، فقد انتفعنا بصلاحه و بخاطره و بخدمته، و بولده أبي عبد اللّه محمد من بعده حفظه اللّه تعالى، وردّه إلى ما كان عليه والده من الانقطاع عن الناس، و العزلة عن الخلق فهو- و إن كان على خير-، فحال الشيخ أكمل و أقرب إلى السّلامة في الدنيا و الآخرة، و قد تقدّم ذكر وفاته. جمعنا اللّه و إياه في مستقرّ رحمته.

ثم أدركت من الشيوخ الكبار عليا الواسطيّ(1)، كان من الأولياء ملازم الصوم، قد حمى عينيه النوم، كان يقيم بالمدينة أو بمكة، حتى إذا اشتاق إلى وطنه أخذ ركوته و خرج حتى يأتي أرض العراق لا يعترضه أحد من الأعراب، و من وجده أكرمه و بلّغه إلى حيث يأمن عليه، قد عرفته العرب و اعتقدته آل مهنّا اعتقادا عظيما، حتى كانوا يصدرون عن رأيه، و يتبركون بعصاه وثوبه، و كان إذا جاء المدينة سكن إحدى المدرستين الشهابية أو الأزكجية، و يخدمه جمال الدين المطري و يقوم به، و يقتصر الشيخ عليه لا يكاد أحد يدنو منه لهيبته في النفوس.

و حكى لي جمال الدين رحمه اللّه: أنّ الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له: أنا أضمن لك على اللّه قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة، و هي إزالة هذا الشّبّاك الذي على الحجرة الشريفة، فبلغه ذلك فتوقف و لم يفعل، و ليته فعل فإنّ في الشباك الذي يدور على الحجرة، قطع جانب من المسجد، و تحجيز كثير من الروضة المشرفة، و في كلّ زمان يجدّد و يعمر بما يتقوى به و يتأبّد، و أدخلت فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة، و قد تقدّم ذلك. و للشيخ- رحمه اللّه- أنواع من الكرامات، لحق بها أهل الولايات، توفي- رحمه اللّه- في حدود الثلاثين و سبعمائة(2).

و مثله من سكان المدرسة الشهابية الشيخ أبو الربيع سليمان الغماري(3)رحمه اللّه، كان من شأنه التجرد و التقلل من الدنيا و التعبد، كان يأخذ في الموسم قوته كفافا و يتصدّق بما زاد، و كان الشيخ عمر الخراز يشتري له إدامه و يحاول هو ذلك بنفسه، و لم يزل كذلك حتى كفّ بصره، فعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من الإدام فلم يفعل، و كان يضع القديرة على


1) هو: علي بن الحسن الواسطي، ذكره السخاوي في:« التحفة اللطيفة» 2/ 310( 3121)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 3/ 37( 82)،« معجم الشيوخ» 2/ 24( 525).

2) في مصادر ترجمته: سنة 733، و كذا ذكر بهامش النسخة( ب)، نقلا عن الأصل المنسوخ منه.

3) ذكره السخاوي في:« التحفة اللطيفة» 1/ 423( 1653)، نقلا عن ابن فرحون و المجد اللغوي.

كانون فحم، و يضع فيها ما تيسر، فإذا طابت أكل ما وجده فيها على أيّ وجه كان، و ينزل إلى البئر فيملأ الابريق بنفسه.

فيقول له القيّم أو غيره ممن يعتقده: يا سيدي أنا أكفيك ذلك، فيأبى.

و لم يزل على هذه الحالة حتى توفي رحمه اللّه.

أخبرني جمال الدين المطري رحمه اللّه: أنّ السنة التي جاء فيها التتر إلى أطراف الشام، و تحرّك عليهم فيها الملك الناصر، أيقن الناس أنه لا يكون في تلك السنة حاج، و أنّ المسلمين اشتغلوا بأنفسهم، فهمّ الأشراف بالمجاورين و الخدام، و قالوا: نغتالهم و نقتلهم، و نطيّب المدينة منهم، و جال الكلام بين الناس، حتى أرجفوا بالمجاورين و الخدام.

قال لي جمال الدين: فجئت إلى الشيخ أبي الربيع في الحرم فقلت:

يا سيدي، ما ترى ما الناس فيه من الوعيد و التهديد؟ فقال لي: ما يقولون؟

فقلت: كذا و كذا.

فقال: بل يكذبون، بل هذه السنة آمن السنين، و السلطان طيب، و سيجي‌ء في هذه السنة، و كانت سنة اثنتي عشرة و سبعمائة.

قال: فلم نلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر بحجّ السلطان من الشام، و جاءت الإقامات، و تهدّمت الإرجافات، و قوي رجال السّنّة، و الحمد للّه بعد تلك المخافة، فللّه الحمد.

و أخبرني الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن سالم المكي(1)

ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 477( 3768)،« الدرر الكامنة» 3/ 442( 1182).

، أنه كان ساكنا في المدرسة الشهابية في بيت بإزاء بيت الشيخ أبي الربيع.

قال الفقيه محمد: فكنت أدرس «التّنبيه» و أرفع صوتي، و كنت جهوري الصوت لا أحسن أقرأ إلا كذلك، و لا أحفظ إلا برفع صوتي.

قال: فتشوش الشيخ من رفع صوتي.

فقال لي: يا محمد، إخفض من صوتك.

قال: فقلت: يا سيدي ما أقدر أن أقرأ إلا هكذا.


1) هو: محمد بن سالم بن إبراهيم بن علي الحضرمي الأصل ثم المكي، ولد سنة 686 ه.

فقال لي: فاخفض قليلا، فلم أفعل، فأصابني عارض من نزلة منعتني أن أتكلم. فمرّ عليّ، فقال لي: يا محمد ما ترفع صوتك!

فقلت بالإشارة: يا سيدي، أنا تائب إلى اللّه تعالى، ففرّج اللّه عني في الحين.

و كان الشيخ أبو الربيع- رحمه اللّه- فقيه المدينة و مفتيها على مذهب مالك، و كان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل: هل سألت الشيخ أبا عبد اللّه بن فرحون؟ يعني والدي رحمه اللّه.

فإن قال: لا، يقول: اذهب و اسأله و أخبرني بما يقول لك، و إن قال:

سألته، يقول له: ماذا قال لك؟

فإذا أخبره نظر، فإن كان مما اتفقا عليه أمر السائل به، و إن كان فيه مخالفا ما، قال له: اذهب حتى أجتمع به.

فيجتمعان و يحرران المسألة، ثم يأمران جميعا السائل بما يتفقان عليه، و لم يزالا كذلك حتى توفي قبل والدي بمدة طويلة رحمه اللّه.

و جاءت إلى السراج وظيفة التدريس في درس سلار، فنكب عن والدي، و طلع إلى الشيخ أبي الربيع في بيته بالمدرسة. و قال له: خذ هذه الوظيفة فدرّس فيها.

فقال له: يا سراج الدين، و أين أنت عن الشيخ أبي عبد اللّه بن فرحون؟ و اللّه إنّه أعلم مني و أحقّ بها مني.

و امتنع منها حتى رجع السراج يطلب لها والدي، و كان ذلك من السراج لشي‌ء خشي من وقوعه، فوقع ما توقع، و اللّه غالب على أمره.

و أخبرني الشيخ عمر الخزّار: أنه حضر موته فكان يقرأ القرآن، فلمّا فاضت روحه كان يقرأ آية في سورة يوسف انتهت قراءته إليها، و هي قوله تعالى: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (يوسف: 101).

فانظر إلى هذا الرجل و مقامه، و ما كان من علو شأنه، كان لي- منه رحمه اللّه- نصيب وافر و دعاء كثير، أرجو من اللّه العظيم أن يحقّق لي قبوله بمنّه و كرمه.

ثم ممّن صحبنا، و منّ اللّه علينا بحبّه و صداقته و الأخذ عنه، الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن علي بن حريث القرشي البلنسي ثم السّبتي العبدري(1)، أقام بالمدرسة الشهابية في المبرك(2)هو و الشيخ أبو عبد اللّه القصري، كانا رحمهما اللّه متواخيين من عند شيخهما الإمام العلامة أبي الحسين عبيد اللّه بن أبي الربيع(3)، و عنه أخذ الفقه و الحديث، و كتب الشيخ أبو عبد اللّه القصري في ترجمة ابن أبي الربيع: إنه أعلم من رأيناه، و أفضل من لقيناه.

كان الشيخ- رحمه اللّه- على طريقة الأولياء العلماء العاملين، و كان إمام جامع سبتة، و كان معه مال حلال ورثه، و كان يسأل اللّه تعالى أن تكون وفاته عند آخر درهم منه، و كذلك كان، لم يتناول من حين دخل الحجاز إلى أن توفي طعاما و لا شرابا و لا ملبسا إلا من ماله، و ما قدم به معه. كان يلبس حسنا و يأكل طيبا.

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري يلبس خشنا و يأكل قوتا إدامه باذنجانة واحدة، أو قليلا من حمص، و كان لا يأكل من لحم الحجاز و لا من سمنه، و كان يهدى إليه من الشام شي‌ء من قديد اللحم فيقبله و يتبرّضه(4). و اتفق أن طبخ الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث القرشي طبيخا طيبا، و سأل الشيخ أبا عبد اللّه القصري أن يأكل منه معه، فأبى.

فقال له الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث: كل منه فإنه أحلّ من طعامك ليس فيه شبهة.

فقال له الشيخ عن حرج: كيف يكون أحلّ من طعامي، و ما معك هو من أجرتك على الإمامة بسبتة؟

فقال: و اللّه ما تناولت من معلوم الإمامة درهما و لا دينارا، و إنما


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 199( 539).

2) لعله يعني: مبرك الناقة.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 226( 2801).

4) يعني استكفى به. و انظر« لسان العرب»، مادة:« ربض».

جمعته حتى تصوّر منه جملة اشتريت بها ربعا لي وقفته على الجامع، فإن شئت فكل و إلا لا تأكل.

و ولي خطابة سبتة ثلاثين سنة، و تفقّه عليه أهلها، و كان يروي «الموطّأ» عن ابن أبي الربيع عن ابن بقي، سمعته عليه بالحضرة المشرفة من الروضة، و كان إقامته بالحجاز تسع سنين. توفي رحمه اللّه بمكة في سنة اثنين و عشرين و سبعمائة.

و أما صاحبه شيخنا الإمام العلامة الأستاذ المقري الولي المحقق السري، أبو عبد اللّه محمد بن غصن القصري الأنصاري(1)، جاور بالمدينة ثلاث مرات، الأولى: عام تسع و سبعمائة، و الثانية: عام ثمانية عشر و سبعمائة، و الثالثة: عام عشرين و سبعمائة، و كان عالم زمانه بالقراءات مشهورا بالكرامات، قرأت عليه و أخذت عنه، وجودت القرآن عليه، فرأيت من سنيّ أحواله، ما لم أره في أحد من أقرانه.

ذكر لي عنه من أثق به: أنه في تونس ظهر حاله ظهورا عظيما، و اتبعه خلق كثير و اعتقده الخاصة و العامة، حتى خاف منه صاحب تونس و خشي على ملكه منه، فأمره بالرحلة عنه، و ذلك أنه لو أمر الناس بخلعه لفعلوا.

قيل لي: إنه في يوم واحد فكّ كثيرا من الأسرى من أيدي الفرنج بأموال لا تعدّ و لا تحصى، و كان إذا تكلم في ميعاده في تونس على ما في الكرم و الجود و الإحسان إلى الخلق و ترك الحقوق و التعامي عن الخصوم، لا يقوم إلا و قد ألقى الناس من وثائق الديون و شبهها ما يشبه ربضة الثور الكبير(2)، رضي اللّه عنه.

فلّما قدم المدينة المشرفة أراد إخفاء حاله، و كان قصده التأدب مع المقام الشريف، فلزم الصلاة و الإقراء حتى اشتهر حاله و كراماته، فاجتمع عليه أهل الخير و مشايخ الحرم، و سألوه أن يجعل لهم يوما يعظهم فيه، فأنعم لهم بيوم في الجمعة بعد توقف كثير و معالجة كبيرة، و ربما رأى في


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 559( 4067)، نقلا عن ابن فرحون.

2) يقصد كثرة ما يلقى حتى كأنه ثور رابض، أي جالس.

النوم أنه أذن له في ذلك، فوعد الناس بالجلوس لهم بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة، فكان الناس إذا صلوا ذهبوا إلى مجلسه في آخر الحرم، حتى إنه ليسمع للمسجد من سعيهم إرتجاج عظيم، و لم يبق أحد في المدينة إلا حضر مجلسه من مجاورين و خدام و رجال و نساء و صبيان، و كان قد جعلني قارئ مجلسه، فأمرني أول يوم بأن أقرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ (الحج: 73) الآية.

و من الحديث: حديث أبي سعيد الخدري «إنّ الحلال بيّن و الحرام بيّن»(1).

و كان يتكلم جالسا، فإذا غلب عليه الحال قام على قدميه و صاح بأعلى صوته، فكأنما يقدّ بوعظه القلوب قدّا، و يفتح عنها بابا موصدا، و انتفع الناس بكلامه.

و من جملة كراماته أن الأمير الكبير كبيش(2)بن منصور كان متوليا في المدينة نيابة عن أبيه، فبلغه أنّ عمه مقبل بن جماز(3)أقبل من الشام يريد المدينة، فأمر كبيش بالاحتفاظ منه، و نادى في الناس: أن لا ينام أحد في بيته، و ليذهبوا كلهم إلى القلعة يبيتون فيها، و حولها، و أن من تخلف عن ذلك حلّ ماله و دمه، فلحق الناس من ذلك كرب عظيم، و لم يسعهم غير الطاعة.

فكان الناس كلهم مجاورهم و خادمهم، و ضعيفهم و قويهم، و عالمهم و جاهلهم مستوين في هذا الأمر، و لم يبق من الجماعة غير والدي و الشيخ أبي محمد البسكري و الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و من حبسه عذر. و أقام الناس على ذلك أياما كثيرة حتى اطمأنوا، و بات الناس في منازلهم و ذهب عنهم الفزع في زعمهم.

فلما كان في بعض الأيام، قام الشيخ أبو عبد اللّه في الناس في


1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه( 52)، و مسلم في المساقاة، باب أخذ الحلال و ترك الشبهات( 1599).

2) هو: كبيش بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني، كان ينوب والده في الإمارة، قتل في شهر رجب سنة 728 ه. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 262( 680)،« التحفة اللطيفة» 2/ 391( 3514).

3) هو: مقبل بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني.

الروضة، فصاح قائلا: اللهم من أراد المدينة بسوء مساء فخذه صباحا، و من أرادها صباحا فخذه مساء.

و دعا و اجتهد و احمرّ وجهه، و قام على قدميه حتى قال من لا يعرف حاله: هذا منه هوس؛ فإن الناس قد أمنوا و طابت قلوبهم، و هذا الرجل يذكّر بالشر و يدعو على من أمن شره.

فلم يكن بعد ذلك إلا ليلة أو ليلتان، إذ أصبح الأمير مقبل في المدينة قد دخلها هو و جماعة بالليل من خلف قلعتها، و ذلك أنهم نصبوا سلما استعملوه في الشام قطعا موصلا، هو اليوم في الحرم الشريف، و كان دخولهم ليلة السبت ثامن عشرين من شعبان سنة تسع و سبعمائة.

فلما أصبح مقبل و جماعته في الحصن، أراد أمير المدينة الهرب، ثم ثبته اللّه، فقاتلهم كبيش مع أهل المدينة، فانتصروا و قتل الأمير مقبل، و جوشن و قاسم ابنا قاسم بن جماز، و أثخن باقيهم بالجروح، فعلموا أن الشيخ رحمه اللّه حدّث بذلك، و كشف عنه و حذر الناس، و لكن ما فهموا.

و من جملة ما رأيت من الشيخ رحمه اللّه؛ أنّه لما قدم المدينة بعد مجاورته بمكة في آخر عام اثنين و عشرين و سبعمائة، وجد والدي قد توفي إلى رحمة اللّه. قال لي: ما منعك أن تقوم بوظائف والدك؟

فقلت له: يا سيدي لم يبق لي ركن، و لا معي من يساعدني غير اللّه تعالى.

فقال لي: أثبت على وظائف والدك، فأنت إن شاء اللّه تعان عليها.

فقلت: الاشتغال يطلب مادة و صفاء فكر، و قد انكسر خاطري.

فقال: ألم تكن تشغل الناس بالعربية في أيام والدك؟

فقلت: بلى.

فقال: فدم على ذلك، و من جاءك يقرأ شيئا في الفقه فأقرئه و لو أن تصحّح له كتابه، فقبلت كلامه و حملت نفسي على الاشتغال و صبرت، و لازمت. و كانت حلقتي فوق حلقة والدي في حياته و للّه الحمد، و اشتغلت اشتغالا جيدا حصّلت في سنتي ما لم يحصله غيري في مدّة عمره.

ثم سافر الشيخ إلى القدس الشريف فوافاه بها الشيخ أبو يعقوب رسول السلطان أبي الحسن المديني، و قد أرسل لإقامة درس بالمدينة و وظيفة أخرى، فاستشاروه فيما جاؤوا به و من يتقدم فيه، فأشار عليهم بأن لا يقدم عليّ أحد، ففعلوا ذلك، و حصل لي الخير ببركة الشيخ و إشارته رحمه اللّه.

ثم سافر أخي عليّ رحمه اللّه إلى مصر، فلقي بها الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي و الشيخ أبا عبد اللّه بن الحداد، فسألهما المساعدة في السعي لي في وظيفة التدريس بالمدرسة الشهابية و غيرها، فطالبهما قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي(1)بإثبات الأهلية، فكتب بذلك محضرا و شهدا بما فيه.

فلما وقف عليه ابن الأثير كاتب السر، قال: بعد أن تشهدا بذلك فأنا أفعل لكما ما تحبّان، و جاءني في الموسم مرسوم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون رحمة اللّه عليه بالمدرسة المذكورة.

و كان الشيخ أبو عبد اللّه الوادي آشي(2)من شيوخنا المباركين الذين صحبوا والدي و رعوه في ذريته، و كان رحمه اللّه شيخا في الحديث قد أفنى عمره في السّماع، ثم الإسماع، و كان يحرص على إسماع الصغار، و يأخذ خطوط الشيوخ لهم من غير أن يعلموا بذلك رجاء نشر العلم، و أن يذكر فيدعى له، و كان من أحسن الناس في علمه و أنسه، و فوائده، و فرائده، و صلى بالناس صلاة التراويح في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلم أسمع أحسن من جودة قراءته و جودة حفظه و ترتيب مواقفه، و كان من القراء المجوّدين توفي بمدينة تونس بعد الحج و الزيارة في حدود خمسين و سبعمائة رحمه اللّه.

قلت: و قد ذكرت الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي استطرادا في ذكر


1) هو: تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السعدي المصري، المعروف بابن الأخنائي: ولد سنة ثمان و خمسين و ستمائة. تولى قضاء قضاة المالكية بمصر، و كان من عدول القضاة و خيارهم، توفي سنة خمسين و سبعمائة. ترجمته في:« الديباج المذهب» 327،« الدرر الكامنة» 3/ 407( 1080)،« معجم الشيوخ» للذهبي 2/ 320( 891).

2) هو: محمد بن علي بن جابر الوادي آشي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 542( 4005)، نقلا عن ابن فرحون.

النعم التي منّ اللّه تعالى بها، و كان باب الخير و السعادة فيها شيخنا أبو عبد اللّه القصري(1)رحمة اللّه عليه، و له موضوعات مفيدة منها:

اختصار الكافي في «القراءات» لم يسبق إلى مثله، صغير الحجم غزير العلم، انتفع به الطلبة و حفظوه، و له مقدمة في النحو، و أخرى في الحديث، و أخرى في نصح الشباب.

و كان أخصّ أولاد المجاورين به الشيخ الفقيه العالم المتقن المقري، نائب الخطابة و الإمامة بالحرم الشريف النبوي، شمس الدين محمد بن الشيخ صالح بن إسماعيل الكناني الشافعي المدني(2)، جوّد على الشيخ(3)القراءات السبع و أتقنها، و ورث من الشيخ ما كان يعلمه منها، و انتفع به أهل المدينة و غيرهم من الواردين و حصلوا و انتفعوا.

و كان شمس الدين(4)ملازما للشيخ أبي عبد اللّه، حتى كأنه ولده و كان الشيخ أبو عبد اللّه يتمثل في شمس الدين و أخيه علي(5)، قوله تعالى: فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (الكهف: 82).

و كان والدهما الشيخ صالح(6)صالحا على اسمه، و كان صانعا مبيضا، متقنا ناصحا، يشتغل بالتبييض في الحرم الشريف، و ذكر ولده شمس الدين أنه حجّ ثماني عشرة حجة- أعني والده- و أنه أعتق نحو ثلاثين مملوكا تقبل اللّه منه، و سأل اللّه يوما أن يرزقه ولدا صالحا قارئا لكتاب اللّه، ثم تزوّج فرزق هذين الولدين، و أعطي فوق ما سأله في ولده شمس الدين، و كان ولده عليّ رجلا صالحا يخدم مشهد سيدنا حمزة رضي اللّه عنه.

و كانت وفاة الشيخ أبي عبد اللّه القصري في القدس الشريف في سنة


1) تقدمت ترجمته.

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 457( 1227)،« التحفة اللطيفة» 2/ 484( 3806)، نقلا عن ابن فرحون.

3) يعني الشيخ أبا عبد اللّه القصري.

4) يقصد المترجم له.

5) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 278( 3034).

6) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 449( 1755)، نقلا عن ابن فرحون.

ثلاث و عشرين و سبعمائة في عيد الأضحى رحمة اللّه عليه، و توفي الشيخ صالح عام سبع و سبعمائة، و قد قارب عمره السبعين.

و كان من أرباب القلوب و أصحاب العوارف و المعارف و العكوف على العبادة و الخير: الشيخ العالم الورع الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن مالك بن سهل المقرئ النحوي المتقن، المحدث الإمام الفلكي الأندلسي الغرناطي(1).

صحبته فلم أر أحدا وصل إلى مقامه في التوجه و المحافظة على أوراده من صيامه و قيامه، كان من بيت الوزارة بالأندلس، فلما توفي والده تخلى عن القربة من أهل الإمارة، و اشتغل بنفسه، و ورث مالا كثيرا فكان يقتات به و ينفق منه، و لا يأكل من غيره و لو عرض عليه، كان رحمه اللّه رحلة في الفقه، و له يد طولى في علم الهيئة، لم يصل أحد إلى ما وصل إليه إلا القليل، و كان يقسم لي باللّه تعالى أنه ما ازداد بعلمها إلا يقينا، له مقامات لا يصل إليها أحد من المجاهدات إلا من سبقت له العناية الأزلية و المواهب العلية.

نزل معي في منى و كان لا يترك قيام الليل لا في سفر و لا في حضر، فقام تلك الليلة في منى على عادته، فلما أصبح طلبت منه «مناسك الحج» لابن مسدي رحمه اللّه، و كان لا يتركها إذا حجّ، و كانت نسخة عظيمة بخط أخي عليّ رحمه اللّه مجلدا كبيرا، و في هذا الكتاب التعرض لذكر المذاهب كلها، و أردت أن أكشف على مسألة. فقال لي: و اللّه قد سرقت البارحة هي و البرنس و السيف.

فقلت له: و كيف ذلك؟

قال: جاء السارق من وراء المحارة و أنا في الصلاة أنظر إليه، فهمّت نفسي بأخذه أو الصّياح عليه، فآثرت صلاتي، و قلت: دعه، ما أنا فيه خير مما يفوتني. انظر هذا المقام العظيم!


1) ترجمته في:« معجم الشيوخ» للذهبي 2/ 272( 834)،« درة الحجال» 2/ 100( 533)،« الدرر الكامنة» 4/ 178( 483).

و أخبرني رحمه اللّه: أنه اغتسل في منزلة من منازل الحاج بالليل، فحل حزامه و كان فيه مال عظيم جل ما يملكه. قال: فاشتغلت و نسيت حتى رحلت، ثم تذكرت بعد مرحلة، فحصل له من الأسف و الحزن على ذلك المال الحلال أمر عظيم، فما كان إلا قليل إذ جاءني من يستفتيني، في لقطة.

فقلت له: في أي شي‌ء هي؟

قال: في حزام.

فقلت له: هاتها.

فهي لي بأمارة كذا و كذا، رحمة اللّه عليه.

توفي رحمه اللّه بمصر سنة ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة اثنتين و ستين و ستمائة و رثاه الشيخ أثير الدين بن حيان و غيره.

و كان مثل هؤلاء في العبادة و الزهد، و القناعة و محبة الإقامة بالمدينة ليموت بها.

الشيخ أبو عبد اللّه بن سليمان رحمه اللّه، كان مكبّا على فعل الخير ملازما للصلاة و الصوم، و كان أبوه في تونس وزير سلطانها بل هو في الحقيقة ملكها، فخرج ولده هذا عن حال أبيه، و صحب الشيخ أبا محمد المرجاني(1)فتخلق بأخلاقه و تأدب بآدابه، حتى ظهرت أنوار العلم و العمل عليه، و انتهت الكرامات إليه. و كان من أحبابي الذين انتفعت بهم و بدعائهم، و كانت له في تونس زاوية، و له أولاد و ذرية رحمه اللّه و جمعنا و إياه في مستقر رحمته.

و ممن كان من هؤلاء الجماعة في المدرسة الشهابية الشيخ يعقوب الشريف، كان له فقه و علم و اشتغال و عليه هيبة و جلالة، و إذا رأيته ملأ عينك بشرا من نظافته و جماله و عزته، أقام سنين كثيرة و كان له غيرة عظيمة على أهل السنّة، لا يزال ينكر المنكر، و يتعرض لأهل البدع فيأخذ منهم


1) هو: أبو محمد عبد اللّه بن عبد الملك المرجاني، صاحب كتاب« بهجة النفوس و الأسرار»، و قد تقدم.

بلسانه فيسفههم، و يحطّ منهم، و كان الوقت لينا على حال أهل السنّة لا يتمكن فيه من القيام بالحق، كما هو اليوم الحمد للّه.

و كان في أيامه شخص من كبار الإمامية اسمه يعقوب بن الصفي يقف في وسط الروضة، و يقول بأعلى صوته:

إن كان رفضا حبّ آل محمدفليشهد الثقلان أني رافضي

فيفزع من ذلك أهل السنّة، و كان له في مثل هذا التعصب أمثال و له أعوان، فأنكر الشريف يعقوب عليه، و باحثه و خطأه في مسائل بحث فيها، فرفع الأمر إلى الأمير منصور(1)، فرفع الشريف و رمي في الجب، و لم يخرجوه منه حتى غرّموه ألف درهم، و كان لا مال له، فضيقوا عليه و نكلوا به و تشفّوا من أهل السنّة، فجمعت له غرامته و دفعت إليهم.

فلما جاء الموسم ارتحل إلى العراق و أقام فيه مدة، و صحب الفقيه العلامة المصنف شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر المالكي(2)، و غيره فأحسنوا إليه إحسانا كثيرا، ثم جاء المدينة فأقام بها و قد جمع شيئا من الدنيا، فسلط اللّه عليه رجلا من أهل الشر اشتغل به، فآذاه و بالغ في أذيته حتى وصل إلى أن قال له: ما أنت شريف، فلحقته حمية أزعجته، فسافر يريد بلده لإثبات نسبه، فلقيه جماعة كثيرة من كبار أهل تونس و علمائها و رؤسائها.

فقالوا له: أين تذهب؟

فقال: جرى لي كذا و كذا، و أنا أريد بلدي، و إثبات نسبي و آتي به معي، و إلا فلا أرجع إلى المدينة و أنا بهذه الحالة.

فقالوا كلهم: نحن نشهد بأنك شريف النسب، و أن جماعتك و أهلك كلهم كذلك، لم يزل هذه معلوما، و بيننا مشهورا.


1) هو: الشريف منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني، استقل بالإمارة في حياة والده سنة 700 ه، قتل في رمضان سنة 725 ه. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 362( 988).

2) هو: الفقيه العالم الصالح المحدث، شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي، ولد سنة 644 ه، له تصانيف منها:« عمدة السالك و الناسك»، توفي سنة 732 ه. ترجمته في:« شجرة النور الزكية» 204( 702)،« الدرر الكامنة» 2/ 344( 2353).

فقال: إذا جئتم المدينة اجتمعوا بشيخ الخدام و شيخ الحرم و فقهائه و اذكروا لهم.

فذهب، و قدموا المدينة و حضروا في المسجد الشريف و أدّوا ما عندهم من الشهادة بين الخدام و المجاورين، ثم إنه ذهب إلى أقصى الغرب فاجتمع بأبي سعيد عثمان(1)بن يعقوب بن عبد الحق، فأكرمه و خوّله مالا كثيرا فانتقل إلى الأندلس، رغبة في الشهادة.

فلما استقر بها و كثر خيره و خيله و خوله و عبيده و جواريه، أتاه أجله فتوفي رحمه اللّه عن وصية أخرج منها خمسمائة دينار لوقف يشترى بالمدينة يصرف ريعه على من بالمدينة في المدرسة الشهابية من المالكية و الشافعية، و إنما خص به الشهابية؛ لأنها كانت مستقره و لم يكن في وقته غير هاتين الطائفتين، حتى جاء شمس الدين ابن العجمي فولف جماعة من الطلبة الشافعية، و أمرهم بالاشتغال بمذهب أبي حنيفة، فأجابوه إلى ذلك، و تفقه منهم جماعة و صاروا أئمة وقتهم، و انتفع الناس بعلومهم، و ظهر مذهب أبي حنيفة بالمدينة ببركة هذا الرجل و حسن نيته، و كان ذلك في حدود ثلاث و عشرين و سبعمائة.

فلما وصلت الوصية على يد ولد بن سهل(2)وزير الأندلس، جرى فيه أحوال و قصّته طويلة، و خرج آل منصور من المدينة بسببها، لأن الأمير طفيل أراد أن يأخذه كله، فكتب فيه القاضي شرف الدين الأميوطي إلى السلطان فعزله، في قصة تشتمل على غرائب لا يسع ذكرها هذا المكان، و وقف على الفقهاء من ذلك المال الحديقة المسماة «بغشاوة»، و وقفت على الوصية و قرأتها، و كان القاضي تقي الدين الهوريني(3)يصرفها على شرط الواقف، و لا يتخصص بشي‌ء منها رحمه اللّه.


1) هو: عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، صاحب مراكش و فاس: ولد سنة 678 ه، و تولى المملكة بعد أخيه يوسف سنة 710 ه، توفي سنة 731. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 452( 2616).

2) هو: أبو القاسم محمد بن سهل الأندلسي.

3) هو: عبد الرحمن بن عبد المؤمن بن عبد الملك، تقي الدين الهوريني: ولد سنة أربع و تسعين و ستمائة، ولي قضاء المدينة المنورة سنة خمس و أربعين و سبعمائة، كما ولي الخطابة و الإمامة بها، توفي سنة ستين و سبعمائة. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 334( 2318)،« التحفة اللطيفة» 2/ 137( 2479)، نقلا عن ابن فرحون و المجد اللغوي.

و منهم الشيخ محي الدين الحوراني(1)، أقام بمكة مدة طويلة تفقه بها، و أدرك الحافظ محب الدين الطبري الكبير فتفقه عليه.

ثم أقام بالمدينة نحوا من عشرين سنة على اشتغال بالعلم و تجرّد من الدنيا، و كانت له خزانة عظيمة مشتملة على كتب حفيلة، مثل: «الرافعي» و «ابن الرفعة»، و «الروضة»، و غير ذلك من الكتب المنتقاة، أوقفها كلها و جعل مقرها بالمدرسة(2)في خزانتها، و كانت أمام بيته الذي هو في الزاوية الملاصقة لإيوان الشافعية، و كان يظن أن المدرسة تكون أبدا على حالها في أيامه، فشرط أن لا تغير الخزانة من موضعها، و لو رأى حالها اليوم ما قيدها بهذا الشرط.

و لما خيف عليها أمر القاضي بحملها و وضعها في خزانة الكتب اليوم، و هو البيت الذي على باب المدرسة أصلح اللّه أمرها، ورد إليها حالها.

و كان الشيخ محيي الدين نائبا في الحكم عن القاضي سراج الدين لما سافر إلى مصر، فحكم و عدل، و درّس فما قصّر، و كان والدي رحمه اللّه يحضر درس السرّاج، فلما سافر السرّاج. قال محيي الدين الحوراني: لا يحل لي و لا لك أن تحضر معي و أنت قادر على القيام بشرط الواقف في تدريس جماعتك و الانفراد بهم في إيوانهم.

فتوقف والدي خوف فتنة السراج، و لما يعلم من خلقه و كراهيته لهذا الأمر، فعزم محيي الدين على والدي و شدد عليه، فجلس والدي في إيواننا اليوم، و هو الإيوان الذي فيه الشباك و درّس، و التفّت عليه الطائفة المالكية و بعض الشافعية، و كان طلبة المالكية أكثر من طلبة الشافعية، فلما جاء السراج من البلاد عزّ عليه ما وقع و أنّب الحوراني و هجره و سفّه رأيه.

و قال له: فتحت عليّ بابا كنت قد سددته، و حسمت مادته، و اللّه لا تركته حتى أغلب عليه. ثم إنه اجتمع بوالدي و ألان له الكلام و أضمر له الخداع.


1) هو: أحمد بن عبد الواحد بن مري بن عبد الواحد السعدي المقدسي: ولد سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، كان أحد المشايخ المشهورين الجامعين بين الفضل والدين، توفي بالمدينة سنة سبع و ستين و ستمائة، ترجمته في:« العقد الثمين» 3/ 83( 588).

2) يعني: المدرسة الشهابية.

و قال له: من بقي عندي إذا انعزلت عني و من يفهم عنّي، ما كان هذا فيك ظني، الصحبة كانت للّه، فلا تقطعها بكلام أولادك و لا بكلام غيرهم من حسادك.

فلما أكثر عليه من هذا، لان له و عزم على الحضور عنده، و ترك الدرس و التدريس، و كان مع والدي كما قال بعضهم:

من لي بمن يبق الفؤاد مودةو إذا ترحّل لم يزغ عن عهده

يا بؤس نفسي من أخ لي باذلاحسن الوفاء بقربه لا بعده

يولي الصفاء بنطقه لا خلقه‌و يدسّ صابا من حلاوة شهده

لا همّ إني لا أطيق فراسةبل أستعيذ من الحسود و كيده

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري يومئذ بالمدينة، و كان يحضر الدرس على يمين والدي، و الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث على يساره، فأغاظهما ذلك و كثرت أنا عليهما الشكوى، فاجتمع الشيخ أبو عبد اللّه القصري بوالدي و قال: لا سبيل إلى أن ترجع إليه، و لا يخلصك هذا من اللّه.

و شدد عليه و أقسم عليه حتى رجع من ذلك الرأي، فأصبح في مجلسه مع جماعته و السراج منفرد مع أصحابه، فعاود الاجتماع به و كثّر عليه.

و قال له: ألم أقل لك لا تسمع من هؤلاء الذين يريدون فرقتنا و ذهاب أبّهتنا، ما هذا مليح و الرأي أن لا تفعل و ترجع إلى مكانك معي، فأنا أعلم أنك لا تحب الفتنة و لا الظهور، و في هذا الذي أنت فيه تجري أمور.

و لم يزل به حتى رجع إليه، فرجعت إلى الشيخ أبي عبد اللّه و عرفته بما يفعل السراج معه، فعاوده الشيخ و أقسم عليه و شدّد عليه العزيمة.

فقال له والدي: أخشى أن يتعدى الحال إلى فرقة و عصبية، فيذهب نور العلم و تفسد النيّة، و هذا اليوم حاكم و أنا من طبعي و عادتي أني لا أناصي(1)أحدا، و لو كان لي ولدا.

فقال له: الترك أسهل عليك، و علينا أسلم لنا إذا عجزنا.


1) يعني: لا أستقصي عليه. و انظر« لسان العرب»، مادة:« نصص».

فعاد والدي إلى عادته من تدريس جماعته و تركه، و لم يعاوده و لم يجتمع به، فساءه ذلك و اغتاظ، و أمر القيّم أن يخرج من بالمدرسة من المالكية و لا يفرش لهم، و لا يتركهم يسكنون فيها حتى يرجعوا عن رأيهم و يحضروا على عادتهم معه، فترك والدي حينئذ المدرسة و التدريس بها و اشتغل بنفسه و بحاله.

فقال له الشيخ أبو عبد اللّه: ما هذا رأي، اجلس للجماعة بالمسجد و ادع للواقف الذي أنشأ المدرسة، و لا تقطع الجماعة و إفادتهم حتى يقضي اللّه بما فيه الخيرة لهم.

فأطاعه والدي، و أخرج النقيب المالكية من المدرسة، فمنهم من انتقل إلى الربط، و منهم من سكن بالكرى، و منهم من طلب السفر.

ثم جلس والدي في المسجد فاجتمع عليه في المسجد خلق كثير، فكان السراج يمر على والدي و يرى حلقته و كثرة جماعته فيسؤه ذلك، و خشي على نفسه أن يسمع عنه أنه أخرج الفقهاء من المدرسة لأجل الهوى، و تعب قلبه لذلك.

فجمع أصحابه و قال لهم: يا أصحابنا هؤلاء الجماعة قدناهم إلينا بالسلاسل فلم ينقادوا، و ما يعود انفرادهم في المسجد علينا بخير، و الرأي عندي أن يرجعوا إلى المدرسة و نحن إلينا المرجع في العلوم، فنعطيهم ما نشاء و نحكم عليهم و نضيق عليهم فلعلهم يرجعوا إلينا.

و أرسل إلى والدي. و قال له: ارجعوا إلى مكانكم و قوموا بما يجب عليكم، فلي النظر و التفقد على الطلبة.

فلم يرع كلامه والدي، و رجع و درس على عادته، فلما جاء وقت تفرقة التمر الموقوف على طلبة العلم بالمدرسة من الوقف المسمى «بالمليكي و البصة» أرسل إلى والدي بثمانين صاعا.

و قال له: فرق على جماعتك.

و أخذ هو و جماعته نحو المائتين صاعا، فشاور والدي فيها أصحابه و الشيخ أبا عبد اللّه. فقالوا: ردها لا تأخذها، و لا تأخذ إلا النصف أو يحضر كتاب الوقف، فردّها.

فقال السراج: لا نزيدكم عليها و لستم مثلنا، و لا اشتغالكم كاشتغالنا، و الحكم في ذلك لي، فإن كنتم محصّلين و فيكم مشتغلون، فالموعد بيني و بينكم يوم الخميس عند القبة حتى أختبر الجماعة و أعرف أهل العلم من أهل الجهل. فوافقه والدي و حضر معه عند القبة، و أحضر الجماعة، فأخذ السراج يوبخهم و يؤنبهم.

و يقول لكل واحد: ما كتابك؟ و ما قرأت منه؟ و ما معك من الحاصل؟

و ما تقول في مسألة كذا؟ و يتعنّتهم، و كان منهم جماعة مشتغلون، أحدهم الشيخ موسى الجزولي.

فقال له: هات كتابك فاعرضه عليّ.

فقال: لست بشيخي حتى أعرضه عليك. اسأل عني و عن علمي إذا جهلتني، فقال لآخر: ما كتابك؟

فقال: كتابي «الرسالة»، فقال: كتاب الكسالى، ثم قال لآخر: ما كتابك؟ فقال: «الجلّاب».

فقال: هات اعرض و إلا فأعرض، ثم قال لآخر: ما كتابك؟ فقال له:

«الطليطلي»، فقال له: أنحست.

و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري في القبة يقرأ القراءات، فبلغه خبره و ما عمل مع الطلبة و تهكمه بهم، فقام من مجلسه و قد امتلأ غيظا و قد صار وجهه مثل قطعة السّحر من شدة ما وجد، فجلس قريبا منه.

و قال: بلغني أنك قلت في كتاب «الرسالة»: كذا، و فيها من المسائل كذا و كذا، و فيها من حديث الرسول صلى اللّه عليه و سلم، كذا، و مصنفها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد كان من العلماء الأتقياء العاملين، ثم تقول: في كتاب «الطليطلي» كذا، و كان من صفات مؤلفه كذا و كذا، ثم تسلط على طلبة العلم و توبخهم و تهينهم و تفعل معهم و تفعل، و كم لك عندي من قضية و زلّة، فعلت كذا في وقت كذا، و أمرت بكذا في وقت كذا.

فقال له القاضي: اترك هذا يا أبا عبد اللّه و اشتغل بنفسك.

ثم دفع الرمل بيده في وجه الشيخ، غير أنه لم يصل إليه، فقعد الشيخ

على ركبتيه و كساه بالرمل حتى دخل في فمه، فجعل يقول له: لا تفعل يا أبا عبد اللّه، لا تفعل لا تفعل، و قام إليه الظهير شيخ الخدّام، و جماعتهم فقبّلوا رأسه و سألوه الكفّ عنه و الرجوع إلى مجلسه، فرجع إلى مكانه و انكسرت شوكة السراج بعد ذلك، و ترك الشر و زاد الجماعة من التمر.

فلم يلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر أن القاضي فخر الدين ناظر الحرمين يريد الحج، فخاف السراج على نفسه، و خشي أن يشكو عليه الشيخ، فلما قدم الفخر المدينة، رأيت الفخر يدور المسجد يطلب الشيخ أبا عبد اللّه القصري، و السرّاج خلفه يطلب الاجتماع بالفخر و هو لا يلتفت إليه، فلم يذكر الشيخ له شيئا مما وقع بينهم و بينه، و لا بيننا و بينه حتى سافر، و من يومئذ استمر حال المالكية و ظهر أمرهم و قوي مذهبهم و كثرت جماعتهم و أولادهم، فقرأوا الكتب المطولة و فقهوا ببركة والدي و الشيخ أبي عبد اللّه القصري رحمهما اللّه.

ثم توفي والدي(1)عام اثنين و عشرين و سبعمائة، فتعطّلت المدارس و استبشر المراوش(2)، و زعموا أن لا تقوم بعد والدي للمالكية راية، و لو علموا ما في الغيب ما عملوا، فلم تكن إلا سنة واحدة حتى جاءني البشير بالتوقيع و المراسيم، فأراد السراج و من معه من الأعوان الكلام في ذلك، فخاف على منصبه و رجع على عقبه و استقللت ببركة هذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم.

و كان لي في ظهور مذهب مالك و نشره بالمدينة عمل عظيم، أرجو به من اللّه الثواب الجسيم، و النعيم المقيم، فإنه لم يكن له ظهور من قبل ذلك بسنين، فالحمد للّه على ما أعطى و منع، و ضيق و وسع، و لو أذكر لك ما قاسيت في ذلك الوقت و بعده من أهل الشر و الحسد و البغي لوقفت على صبر عظيم، و على خطب جسيم، و عذاب أليم، من سواد خلف لئيم، أعوذ باللّه من أمثالهم و من الشيطان الرجيم، أخذوني تارة بالخدع و الملق، و تارة يجاهرون فأعوذ برب الفلق.


1) سيورد المؤلف ترجمة وافية في آخر الكتاب عن والده و أخيه، و قد نقل معظمها السخاوي في« التحفة اللطيفة» 2/ 562( 4074).

2) يعني: الأشرار. انظر« لسان العرب»، مادة:« مرش».

و ما أحسن ما قيل في مثلهم:

إن شر الناس من يشكر لي‌حين يلقاني و إن غبت شتم

و يحييني إذا لا قيته‌فإذا يخلو له لحمي كدم

و لكن تخلل ذلك من اللطف ما يجلّ عن الوصف، و النصر مع الصبر، و ما شبه حالي معهم بقول القائل رحمه اللّه:

ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم‌أفاعي رمال لا تقصّر في لسعي

ظننت بهم خيرا فلمّا بلوتهم‌حللت بواد منهم غير ذي زرع

نسأل اللّه الكريم أن يقينا شرور أنفسنا و كيد الحساد، و يرزقنا الاستعداد ليوم المعاد بفضله و إحسانه.

و كانت وفاة الشيخ محيي الدين الحوراني بعد وفاة والدي بثلاثة أيام، و كان قد ابتلي بالبواسير- و العياذ باللّه- فصبر حتى جاءه اليقين، و دفن بالبقيع إلى جنب والدي رحمهما اللّه تعالى.

و من العلماء الذين كانوا في المدرسة الشهابية الشيخ نور الدين حسن الأسواني(1)أخو الشيخ شرف الدين الزبير(2)الأسواني رحمهما اللّه تعالى، كان من العلماء المتقشفين المتخيلين، كان رحمه اللّه إذا خرج من بيته يقف ساعة يعوذ بابه، و يحوط عليه يظن أنه يخلف على بيته، فإذا رجع إلى بيته تخيّل أنه كلّه تحوّل و تغير، فيدّعي على من فعل ذلك، ما ثمّ غير الخيال، و كان على باب بيته ورقة طويلة عريضة فيها من التعاويذ و الأقسام و عزائم الجان أنواع، و هذا كله مع الصلّاح الكثير و الانقطاع العظيم، و كان يتهم الشيخ محيي الدين الحوراني بأنه يسحره في كتبه و في قدرته.

قال لي يوما: بينما قدرتي على النار إذ صار أسفلها مثل الغربال ينزل منه المرق نزول المطر، فعلمت أنها مسحورة، فقرأت عليها كذا و كذا فزال ذلك عنها.


1) هو: الحسن بن علي بن سيد الكل بن أيوب بن أبي صفرة الأسواني. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 279( 933)، نقلا عن ابن فرحون و المجد اللغوي.

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 113( 1733)؛« التحفة اللطيفة» 1/ 355( 1308).

و كان إذا أعاره أحد كتابا ثم جاءه يطلبه منه يدخل بيته فيدوّر عليه ثم يخرج.

و يقول له: كتابك أخذ من بيتي الساعة، و لكنهم سيردونه إليّ عن قريب؛ لأن هذه عادتهم معي فيه، فيذهب صاحب الكتاب و هو مشوش الخاطر، ثم يرجع إليه فيجد كتابه.

فيقول: هذا كتابك ردّوه إليّ.

و كان متعبدا متحرّزا كثير الصدقة، جرى له مع السراج حكاية اختصارها: أنه قال للسراج: عملت قصيدة ذكرت فيها من صفات النبي صلى اللّه عليه و سلم ما لم يذكره غيري.

فقال له: هات منها، فذكر أبياتا منها.

فبوطئه صار التراب طهورا

فقال السراج عند ذلك: كذب، من قال هذا؟

فأخذ عليه و هجره، و بعث إلى القاهرة يستفتي فيما يجب في ذلك عليه، و مكث أياما كثيرة لا يصلي خلفه و يتركه حتى يقيم الصلاة و يدخل السراج في المحراب في العشاء الآخرة، فيتقدم إلى الشمعة فيقد منها شمعة و الإمام يصلي، و ربما ركع و هو قائم يحسن الطوافه و يفتل رأسها حتى أنكر الناس فعله و السّراج يتغافل عنه و يكره شره، لأنه كان له بالقاهرة أهل و قرابة أجلهم الشيخ حسين الأسواني(1)أخوه علّامة القاهرة في وقته، و ولده أيضا من المتفننين المتقنين، و لم يرجع الشيخ حسن عن فعله حتى قام عليه النكير و اجتمع عليه الناس الصغير و الكبير.

و أخبرني أنه لما انتقل من المدرسة و منع من الجامكية- و كانت الجامكية يومئذ لها صورة-، لقيه رجل فأعطاه صرة فيها القدر الذي كان يدفع إليه في المدرسة، و لم يعرفه و لا درى من هو، و كان أخوه شرف الدين الزبير مثله في الصلاح و الدين و سلامة الباطن، و كان إماما في علم


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 60( 1602)،« طبقات الشافعية» للإسنوي 1/ 168( 151).

القراءات و انتفع الناس به، و كان يسمع عليه الحديث، سمعنا عليه «الشفا» للقاضي عياض، و «دلائل النبوة» للبيهقي، مع سراج الدين الدمنهوري رحمهم اللّه و غير ذلك، و كان فقيها شافعيا من أعظم الناس ديانة و عفة مع كثرة عيال، و كان يصلي في الروضة إلى جنب المنبر، و يعزّ عليه إذا رأى أحدا في موضعه لكثرة ملازمته، و كان متصديا للإقراء، و ظهر في آخر عمره رحمة اللّه عليه.

و حكى لي من أثق به: أنه جاء كتاب من مكة إلى شمس الدين صواب(1)المغيثي بأن يعطي لشرف الدين(2)الزبير مئة درهم، و لم يعلم بما في الكتاب أحد، فحصل عند الطواشي من المئة خمسون درهما، فأرسلها مع جمال الدين المطري إليه، و كان المطري يفرح بخدمة الصالحين و إدخال المسرة عليهم، فجاءه بالخمسين، فقال له الزبير: بقي لي عندك خمسون درهما.

فقال له: من أين، ما أعطيت إلا هذه.

فقال له: ردّها ما هي إلا مئة. فاشتدّ ذلك على جمال الدين، و حنق عليه و جاء إلى المغيثي، و حكى له ما جرى له. و قال: ما أتيتني بخير، اتهمني و ردّها علي.

فقال له الطواشي: صدق الشيخ، كانت مئة درهم تيسّر نصفها، فأردت أن يعجّل له لينتفع به حتى يحصل الباقي، فرجع جمال الدين إلى الشيخ و أخبره. فقال له: ألم أقل لك.

فقال له: فمن أين عرفت أنها مئة؟.

فقالت: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم فشكوت عليه حالي، فأعطاني مئة، فلما أعطيتني خمسين علمت أن الرؤيا حق، فطلبت الباقي فلا تلمني.

و ذكر لي: أنه كان يوما على فاقة، فرأى النبي صلى اللّه عليه و سلم أعطاه ستة عشر درهما.

و قال: خذ هذه فأنفقها، و الأمر أقرب من ذلك.


1) قد تقدم ذكره.

2) هو: شرف الدين الزبير بن علي الأسواني. و قد تقدم.

قال: فانتظرت شيئا فلم يأتني شي‌ء، فلما صليت صلاة الظهر صلى إلى جنبي الشيخ أبو بكر الشيرازي، فجعل تحت سجادتي شيئا ثم مضى، و كان التعامل يومئذ بين الناس بالعلوية، و هي قطيعات فضّة مسكوكة باسم صاحب المدينة، كل واحد صرفه بسدس درهم، و لم يكن يومئذ فلوس.

قال: فكشفت السجادة فوجدت علوية صرفها ذلك العدد. أعني الستة عشر التي أعطانيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فحمدت اللّه، و قلت: الأمر أيسر من ذلك، فما فرغت حتى فتح اللّه بغيرها، و كان بيتهم بيت صلاح و خير و علم رحمهم اللّه أجمعين.

و كان له ولدان أحدهما الفقيه العالم المتفنن بدر الدين عبد اللّه، و شمس الدين محمد، فأمّا محمد فأقام بمصر، و أمّا عبد اللّه فأقام عند والده و ساعده على وقته، و كان مشتغلا بالعلم مشاركا في فنون، و لما توفي والده في سنة سبع أو ثمان و أربعين ضم شمل عيال والده، و أضافهم إلى عياله و ارتكب بسبب كثرتهم و قلة شفقتهم عليه ديون عظيمة، و في السنة التي توفي فيها و هي سنة اثنتين و ستين و سبعمائة عزم على السفر إلى مصر لأجل ثقل دينه، فمرض قبل السفر بيوم فبطّل و اتكل في قضاء دينه على اللّه، فمرض أياما يسيرة ثم توفي رحمه اللّه تعالى، فحسب ما عليه من الدين فكان ثمانية آلاف درهم و كسر، فأشفق الناس عليه لتعلق ذمته بهذا المبلغ و كونه لم يخلف ما يقضى منه دينه و لا ربع دينه، و كان في المدينة رجل يقال له: الشيخ أبو بكر بن قرنيع من تجار اليمن من ذوي المعروف. فقال:

أنا أتكفل بقضاء دينه، و لم تكن بينه و بينه خلطة توجب شيئا من ذلك، فصالح عنه جميع الغرماء و أرضاهم.

و أخبرنا شمس الدين العلامة الخوارزمي- و كان عندنا مجاورا-: أنه رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم و قد جمع غرماء عبد اللّه و هو يتعطفهم و يأمرهم بالإسقاط عنه و الصبر عليه، و ابن الزبير حاضر بين يديه و الجماعة يجيبون النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى ما سألهم و هو عليه الصلاة و السّلام مسرور بذلك منهم، فصحت الرؤيا و ظهرت عنايته صلى اللّه عليه و سلم بعبد اللّه بن الزبير رحمه اللّه.

و كان برباط الأصبهاني(1)جماعة أولهم و أولاهم بالذكر، الحبر الكبير و السيد الشهير ذو العلوم المتعددة و المقامات الربانية، و الكرامات الإلهية عز الدين يوسف بن الحسن الزرندي(2)المحدّث، سكن رباط الأصبهاني فعمره و ردّه إلى أهله على شرط واقفه بعد أن كان منزلا للنساء و الفتيان، و كان شيخ الربط كلها يتفقدها و يعمرها، سكن في حجرة الرباط فما كان يعرف الرباط إلا به.

أخبرتني جدتي: أنها كانت ساكنة فيه مع بناتها و جماعة أهلها، و كان الرباط قد اسودّ و تغير بالدخان و الوقيد فيه حتى قام به الشيخ رحمه اللّه فعمره، و أخرج منه النساء و غيرهم، و فيه ولد أولاده، فلم يزل فيه حتى كثر عياله و انتشر أتباعه فانتقل عنه، و كان الشيخ عز الدين- رحمه اللّه- قد لزم قراءة «البخاري» في الروضة المشرفة فيختمه في كل جمعة.

و أخبرني: أنه ختمه في ثلاثة أيام، لأنه صار على قلبه و طرف لسانه يؤديه بفصاحة و معرفة لا يمل سامعه قراءته، و من غاب أعاد له ما فاته.

و كان- رحمه اللّه- حسن الأخلاق جميل المعاشرة غير مهتمّ بأمور الدنيا، مقبلا على شأنه و عبادته، و مناقبه رحمه اللّه كثيرة لا يسع ذكرها هذه العجالة، توفي رحمه اللّه بطريق العراق ذاهبا في سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، و أحيا ذكره أولاده النجباء الفقهاء الأئمة الأعلام: شمس الدين محمد(3)، و شهاب الدين أحمد(4)، و نور الدين علي(5)، و أكبرهم أخونا في اللّه شمس الدين محمد رحمه اللّه، كنت معه كالأخوين المتراضعين، رؤس في المدينة، و صنف الكتب العديدة(6)و درس في


1) و يعرف أيضا: برباط العجم.

2) يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن الحسن الأنصاري الزرندي: ولد سنة 640 ه، كان عدلا فاضلا، و عابدا ممعنا، توفي سنة 712 ه. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 452( 1251).

3) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 295( 816).

4) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 159( 339).

5) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 142( 324)،« التحفة اللطيفة» 2/ 305( 3103).

6) منها ما ذكره ابن حجر العسقلاني في« الدرر الكامنة»:« درر السمطين في مناقب السبطين»؛« بغية المرتاح» جمع فيها أربعين حديث بأسانيدها و شرحها.

الحديث و الفقه، ثم ارتحل إلى شيراز بنية العودة إلى المدينة، فولي بها القضاء و كان فيها علما يشار إليه.

توفي رحمه اللّه سنة سبع أو ثمان و أربعين و سبعمائة، و خلف ذرية صالحة و أولادا نجباء مشتغلين بالعلم أكبرهم سراج الدين عبد اللطيف، اشتغل و حصّل في شبيبته رأس بين أقرانه، ذا عفة و ديانة و صيانة، و رزق أولادا مباركين مشتغلين بالعلم.

و أما أخوه مجد الدين: فكان مشتغلا بالعلم، ثم سافر إلى الهند فرؤس فيها رئاسة عظيمة، و أقبل عليه سلطان الهند و أنعم عليه، و اعتمد عليه في مهماته، و هو الآن عنده في محل رفيع و جاه وسيع وفقه اللّه لما يرضيه.

و أما شهاب الدين أحمد ولد الشيخ عز الدين، فكان ذا عقل و رئاسة و دين عظيم مع سياسة الإخوان و الأحباب، و رزق ولدين نجيبين أحدهما عبد اللّه و الآخر محمد، فأما عبد اللّه(1)فحوى كلّ العلوم المتداولة بين الناس، و حفظ اثني عشر كتابا في فنون متعددة، سافر به والده إلى دمشق فرأس و برع و اشتهر، و ولي الوظائف الجليلة ثم ماتا جميعا في الطاعون رحمهما اللّه، و ذلك في سنة تسع و أربعين و سبعمائة.

و أما محمد(2)فتصوّف و سلك طريق القوم مع الاشتغال بالعلم و لا سيما علم الفرائض، و سافر العراق و مصر و الشام و هو على طريقة حسنة و همّة عليّة، نفع اللّه به.

و بقي من أولاد الشيخ عز الدين ثالثهم القاضي نور الدين عليّ، صانه اللّه، حاز من العلوم ما لم يحزه أخواه، فانفرد اليوم بعلم اللغة(3)

محمد العيد الخطراوي.

و علم الحديث و الرجال، و ولي الحكم و الحسبة بتوقيع شريف من غير سعي و لا طلب، بل ساقها اللّه إليه، لما علم من حاجة الخلق إليه، فقام بها أحسن قيام، و نرجو له من اللّه الزيادة و التمام، فإنه سيف لأهل السنة دامغ للبدعة

1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 247( 2119)،« التحفة اللطيفة» 2/ 17( 1964).

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 372( 983)،« التحفة اللطيفة» 2/ 442( 3647).

3) له مقامة بديعة سماها:« المرور بين العلمين في مفاخرة الحرمين»، طبعت بتحقيق د.

و المضلة، و قرئ مرسوماه بالوظيفتين في يوم واحد في دكّة المؤذنين بعد صلاة الجمعة، و ذلك أول سنة سبع و ستين و سبعمائة. و له التصانيف الحسنة و الدروس المفيدة، متع اللّه المسلمين ببقائه.

ثم سكن الحجرة المتقدم ذكرها بعد الشيخ عز الدين العالم الورع شهاب الدين القرمي رحمه اللّه، يا له من رجل! ما كان أكثر خيره، و ما أحسن عبادته و عفته و صيانته، و أغزر علمه و حلمه، لم أر أحدا من أضرابه أكثر منه اتّباعا للسنّة و لا محافظة عليها، و لا أكرم منه و لا أطيب من نفسه، حسن المحاضرة و المداعبة و النوادر، كان في القرم و خوارزم واعظا مجيدا مربيا، و كان بارعا في علومه مع جودة و سكون و حشمة، توفي رحمه اللّه في طريق مكة عند قديد قافلا من الحج إلى المدينة المشرفة في سنة أربع و أربعين و سبعمائة.

و كان من شيوخ الوقت و الأئمة الكبار في العلم و العمل و معرفة الحديث و الرجال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن الأمين الأقشهري الأخلاطي(1).

ارتحل إلى المغرب في حال شبوبته، و أدرك رجالا من أعيان المغاربة و الأندلسيين و علمائهم، فأخذ عنهم و اشتغل عليهم، و طالت إقامته فيهم حتى كان الذي يجتمع به لا يشك أنه مغربي الأصل، و كان قد يسّر اللّه عليه تدوين الحديث و العلم، فلا تسأله عن شي‌ء من علم الحديث و رجاله إلا وجدت عنده منه طرفا جيدا، و حفظا حسنا، صنّف تصانيف كثيرة، و اختصر مطوّلات عديدة، و تردد إلى مكة و المدينة، ثم أقام بالمدينة المشرفة في آخر مدّته، و تزوج بها زوجة يمنية فولدت له بنتين، سماهما طابة، و طيبة، و سرّ بهما في آخر عمره، ثم إنهما توفيتا في حياته فحزن لفقدهما حتى كاد يفنى لفنائهم، توفي رحمه اللّه في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة.

و كان لنا شيخ عظيم القدر كاشف الأسرار الحقيقية يقال له: الشيخ سعادة(2)، كانت إقامته بمكة و المدينة يتردد بينهما، و كان قد اشتهر في زمانه


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 3/ 309( 831)،« التحفة اللطيفة» 2/ 409( 3600).

2) هو: الشيخ سعادة المغربي. ترجمته في:« العقد الثمين» 4/ 530( 1262)،« التحفة اللطيفة» 1/ 383( 1443)، و كلاهما نقلا عن ابن فرحون.

بين إخوانه أنه من أرباب الخطوة، و ممن تطوى له الأرض، كان يتأهّب لصلاة الجمعة بمكة فيرى في المدينة يصليها، ثم يرجع فربما أدرك الصلاة و ربما يوافق دخوله المسجد الحرام خروج الناس من الصلاة.

فيقال له: يا سيدي فاتتك الجمعة. فيقول: نصليها إن شاء اللّه، يريد الجمعة المستقبلة.

و خرج معه خادمه مرة فقال له لما أن قربا من المدينة: يا سيدي، قد يسألني بعض الفقراء عن مدة سفرنا فما يكون جوابي؟

فقال له الشيخ: اكتم ما رأيت و لا تقل إلا حقا، فلما دخلوا المدينة المشرفة سلّم عليهم بعض الفقراء، و قالوا للخادم: متى خرجتم من مكة؟

فقال: يوم الجمعة.

و تخلص منهم بذلك، فكتم الحال، و صدق في المقال. و له حكايات غريبة في خروجه من بلده من المغرب و وصوله إلى الحرمين الشريفين من هذا النوع شاهده من لا يتّهم.

و حكى عنه ذلك من له في المجاهدة أوفى قدم، و حاله و حكاياته بمكة عند أهلها مشهورة.

كان إذا قدم المدينة احتفل الجماعة به و تبركوا بدعائه و بكلامه، و أكثر إقامته بمكة في رباط الموفق، توفي رحمه اللّه بمكة سنة ثلاثين و سبعمائة.

و كان من الأولياء الكبار القدماء الذين ينفقون من الغيب الشيخ محمد الهوري(1)، أكثر إقامته بمكة ثم انتقل إلى المدينة فأقام بها، فصادف غلاء عظيما، و عدم التمر حتى وصل صاعه إلى الخمسين و لا يوجد، و ذلك في سنة خمس و تسعين و ستمائة، و كان الشيخ رحمه اللّه يسكن في الحصن العتيق في بيت فيه شباك إلى الحرم، و كان يتصدق بالتمر البرني على الناس لا يعلم أحد من أين يأتيه، و لا له من يشتريه، بل لو أراد ذلك لما وجد لقلته و عدمه، و كان يقول لكل من وقف عليه من الكبار و الصغار: كم في بيتك من العيال؟ فيذكر له عددهم قلّوا أو كثروا، فلا يكاد يزيدهم على تمرة


1) ذكره في:« العقد الثمين» 2/ 413( 501)، نقلا عن ابن فرحون

تمرة، حتى يكاد يعمّ أهل البلاد كلهم فقيرهم و غنيهم كبيرهم و صغيرهم، ثم يصبح على ذلك كل يوم من أول النهار إلى آخره.

جئته مرة فأعطاني عشر تمرات، فلما خرجت من عنده استقللتها فأعطيتها فقيرا سقاء.

و كنت يومئذ صغير السن جدا، ثم إني ندمت على إعطائي له، فأنا إلى اليوم أذكرها لما وجدت حنئذ من فقدها، و كانت تلك السنة شديدة و أظنها السنة التي حج فيها الأمير سلار، فإن التمر بلغ في الحاج خمسين، و لم يوجد من كثرة الحواجّ و الأمراء، و كانت الترك و الأمراء ليسوا مثل اليوم في الهدية، بل يحملون التمر بالمئين.

و أذكر في تلك السنة أن أعيان المجاورين كانوا يطلبون الحثالة من شدة الشهوة في التمر، و ما كان أحلاها إذا وجدت، و اتفق أن جاء والدي من عند الشيخ يعقوب الشريف المتقدم ذكره في محفظته بمدّ تمر، فسررت به و إخوتي، حتى لو كانت دراهم ما فرحنا بها كذلك.

هذا كان الحال في تلك السنة، و أما حال الناس في غيرها فكانوا في حال دون هذا، السعيد هو الذي يتغذّى بليلة، و البليلة: حثالة و حشف مدقوقان يجعلان في قدح و يجعل عليه الماء ساعة، فإذا ابتلّ قدم إلى العيال أكلوه كأنه عندهم حلوى، و يكون ذلك غداؤهم حتى يأتي العشاء بما تيسر من جشيشة أو حريرة، و الناس اليوم ملوك أو كالملوك و لا يشكرون اللّه تعالى، بل غلب عليهم بطر النعمة حتى اشتغل بعضهم بعضا من شدة الحسد و البغضاء.

ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب‌فالناس بين مخاتل و محارب

يفشون بينهم المودة و الصفاو قلوبهم محشوة بعقارب

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر: 10).

و أخبرني جماعة عن هذا الشيخ الهروي: أنه لما قدم بمكة المشرفة أنفق على أهلها و ضعفائها أموالا مستكثرة، فرفع خبره إلى الشريف-

أظنه حميضة(1)- فجال ذلك في صدره، ثم دخل على الشيخ في بيته على غفلة فرحّب الشيخ به و أجلسه في وسط بيته، و قدم إليه كسيرات و شيئا من المخلّلات.

فقال: ما أريد إلا أن تريني ما في بيتك أو تعطيني ما يكفيني و حاشيتي.

فقال له الشيخ: البيت بين يديك، و اللّه ما أدخر عنك شيئا.

فقام الشريف و أعوانه إلى البيت ففتشوه و حفروه، فلم يجدوا في بيته شيئا غير أواني المخلل و شيئا لا يعبأ به فتركوه و انصرفوا، و لم يزل مستمرا على ذلك الإنفاق إلى أن توفي رحمه اللّه.

قال لي الشيخ جمال الدين المطري رحمه اللّه: كان شيوخ مكة ينكرون عليه شيئا من أحواله، و ذلك أنه كان كثير الطواف ليلا و نهارا، فيطوف معه بالليل نساء مخدرات و غير مخدرات، فيأخذ في مؤانستهن و الكلام معهن.

و يقول: أنت فلانة كيف أنت؟ و كيف حالك؟ يعرفهنّ واحدة واحدة، ربما تكون المرأة لا يعرف أحد اسمها فيسميها، فينكر عليه الشيوخ فلا يلتفت إلى كلامهم، و يرى أن ذلك طريقته و طريقة شيوخه للتستّر بهذه الأحوال، و كان من أهل الريف. توفي بمكة رحمه اللّه و نفعنا بعباده الصالحين.

ثم كان من المشايخ الكبار أولي التحقيق، و السادة من أهل الطريق أبو بكر الشيرازي(2). كان من أصحاب السيّد الكبير شيخ زمانه سيدي أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي، كان الشيخ أبو بكر بالمدينة كالشيخ نجم الدين الأصبهاني بمكة، كنت إذا رأيته رأيت رجلا من أهل الجنة، شهرة مناقبه الجمة تغني عن تعدادها، سكن رباط الشيرازي حتى توفي رحمه اللّه.


1) هو: الشريف حميضة بن أبي نمي محمد بن أبي سعد حسن بن علي الحسني المكي، الملقب عز الدين، ولي إمرة مكة إحدى عشرة سنة و نصف سنة، جرت له أحداث مع أخيه أبي الغيث و جرت بينهما حروب، قتل سنة عشرين و سبعمائة. ترجمته في:« العقد الثمين» 4/ 232( 1083)،« سمط النجوم» 4/ 227.

2) ترجمته في؛« المغانم المطابة» الورقة 228/ أ.

كان على قدم أي قدم من الصيام و القيام و إطعام الطعام، و كثرة الإحسان للإخوان، و تفقد المجاورين و المساكين، جاورناه فوق عشرين سنة، فما رأيت مثله لا يعلم ما الناس فيه، و لا يسئل عما لا يعنيه رحمه اللّه و نفعنا به.

كان بيته قلّ أن يخلو من الطعام الفاخر، لكل وارد و صادر، قد اشتهر بورعه و صلاحه و خيره في أقطار الأرض، حتى إنه ليقال: من في المدينة يزار بعد النبي صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه؟ فيقال: الشيخ أبو بكر الشيرازي و كفى به، و قد تقدم شي‌ء من ذكره قبل هذا، توفي رحمه اللّه في سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من أصحابه و ألزامه الشيخ أحمد الششتري(1)، لزمه و قام بخدمته و ولده شمس الدين من بعده، فاكتسبا من آدابه، و تخلقا بأخلاقه، كان الشيخ أحمد- رحمه اللّه- من الرجال الملازمين للسكينة و الوقار، المحبين في الفقراء و المساكين، و أهل الصّلاح و الدين، ملازم الصف الأول، و يدخل المسجد في الوقت الأول، و كان مع أهله في بيته على خلق أهل الخير، لا يبيت على معلوم، و لا كان في غير حق اللّه يقوم.

ثم لحقه في خلقه و خلق الشيخ أبي بكر ولده شمس الدين محمد(2)بن أحمد الششتري على خير و عفّة و صلاح، باشتغال بالعلم و سماع الحديث، رحمه اللّه سافر و ارتحل، و له حسنة عظيمة رباط بالقرب من المسجد الشريف، هو عشّ الصالحين، نفع اللّه به، و له في المدينة آثار حسنة، و معالم مستحسنة، توفي الشيخ أحمد رحمه اللّه سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من أهل الرباط المذكور السيد أحمد الخراساني(3)، كان آية من


1) هو: أحمد بن عثمان بن عبد الغني الششتري. ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 163( 359)، نقلا عن ابن فرحون

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 420( 3615)،« الدرر الكامنة» 3/ 338( 896).

3) هو: أحمد الشريف الخراساني المعجمي المقرئ، كذا ذكره السخاوي في:« التحفة اللطيفة» 1/ 163( 357).

آيات اللّه في باب العزلة و الصبر على القلة، له كل يوم ختمة في الروضة المشرفة، كان لا يعرف من الناس إلا نفسه، جلس إليه أرغون نائب السلطان الملك الناصر فسأله عن حاله، فلم يشفه في الجواب، و سأله عن قراءته.

فقال له: كل يوم جمعة.

فقال له: فكيف لا، و أنت ليس لك شاغل من أهل و عيال؟! طالت مدة حياته و هو على حاله لم يتبدل و لم يتغير.

و سكن معهم الرباط جماعة كثيرة من أهل الخير؛ منهم الشيخ محمد الكازروني، و عمر الكازروني، و الفيروز آبادي و جماعة غيرهم.

و كان من السّادة الكبار و الأئمة الأخيار في الجد و الاجتهاد الشيخ صفي الدّين أبو بكر بن أحمد السلامي(1)رحمه اللّه، لو رأيته لرأيت رجلا أيّ رجل!! كان ذا دنيا عظيمة فتخلى عنها و تركها و رغب في الآخرة و أقبل عليها، و انقطع في المدينة على عبادة عظيمة لا يفتر ليلا و لا نهارا، كان يقف أواخر المسجد إلى أسطوان من الصبح إلى الظهر، و من الظهر إلى العصر، لا يقطع ذلك إلا بالصلوات الفرائض في الروضة الشريفة، و ذلك مع شيخوخته و كبر سنّه، فإذا جنّ عليه اللّيل حنّ إليه كما تحنّ الوالدة إلى ولدها.

و كان له إيثار عظيم بالدنيا، و كان قرابته من السلّاميين يبعثون إليه بالأموال الكثيرة ليفرقها على مصارفها و يزيد عليها من ماله، لم يكن للدنيا في عينه بهجة، و له في الإيثار بها غرائب كان يحكيها عنه عز الدين دينار شيخ الخدام، فإنه كان يصحبه و يعتقده و مثله يعتقد.

أعتق خداما و مماليك، و بني له رباطان؛ أحدهما مجاور للميضئة موقوف على الرجال و النساء، و الآخر موقوف على الرجال، و اشترى الدار التي كان يسكنها و هي في ظهر رباطه الموقوف على الرجال، و كان الرباط حوشا لهذه الدار، فأفرده للرجال و سد الباب الذي بينهما و هو بيّن إلى الآن، و أوقف الدار المذكورة على الفقراء المجردين إن لم يكن سلاميون،


1) ترجمته في:« المغانم المطابة» الورقة 228/ ب. و السلامي- بتشديد اللام- نسبة إلى السلّامية: قرية قرب الموصل.

فإن كان منهم في المدينة سكنها و هو أولى من غيره، فإن سافر أو مات رجعت إلى الفقراء المجردين حكمها حكم الرباط و مجاور لها.

و وقفت على ورقة الوقفية و رأيت فيها من الشروط ما ذكرت، و إنما ذكرت ذلك و إن لم يكن مما نحن فيه، لأن بعض الناس وضع يده على هذه الدار و سكن فيها نحو عشرين سنة منفردا بشبهة أنه عتيق لعتقاء الواقف، فظهر كتاب الوقف في هذه السنة و هي سنة سبع و ستين و سبعمائة، فانتزعت الدار من يده و أعيدت إلى شرط الواقف.

توفي صفي الدين- رحمه اللّه- بالمدينة النبوية و دفن بالبقيع إلى جنب قبة سيدنا إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حدود خمس عشرة و سبعمائة.

و كان من أخص الناس بالشيخ صفي الدين السّلامي، الشيخ محمد الكازروني(1)

ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 475( 3757).

، انتفع بصحبته و انتفع الشيخ به و بمساعدته في إنشاء الربط و عمارتها، و كان الشيخ محمد يحكي عن الشيخ غرائب من المقامات الجليلة و الخصال الحميدة، و اقتبس الشيخ محمد من بركته و من دعائه حتى وجد أثر ذلك في أولاده، فرزق ذرية صالحين منهم الولد الصالح صفي الدين أحمد(2)قد نال الدرجة العليا في الصّلاح و الدين، و العلم المتين، و كان لي كالولد البار تغمده اللّه برحمته، فما كان أحسن خصاله الحميدة و أخلاقه السعيدة، و آرائه الرّشيدة، جمعنا اللّه و إياه في فسيح الجنان و جوار الرحمن ببركة هذا النبي عليه الصّلاة و السّلام.

و سيأتي شي‌ء من محاسنه و محاسن أخيه عز الدين حماه اللّه تعالى بعد هذا.

صحبت الشيخ محمدا حضرا و سفرا ماشيا و راكبا، فما رأيت من الأصحاب مثله في سعة خلقه و طول صبره، و حسن عشرته و طيب نفسه في إنفاقه، و حسن ظنه في رفاقه و لو كانوا قطاع طريق.


1) هو: الشمس محمد بن زوزبة بن محمود بن إبراهيم بن أحمد المدني الشافعي الكازروني.

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 136( 272).

رأيته يسلم المال الكثير للجمالين من أهل الصفراء و يأمنهم عليه، و يغيب عنه و هو تحت أيديهم فلا يتهمهم، و مع ذلك تجده محفوظا في نفسه و ماله، و كان لا يردّ من أراد منه قرضا أو معاملة، يعامل الناس على حسب أخلاقهم، لم أره ضيق على غريم و لا حبسه، و له من الأموال العظيمة على صعاليك المدينة، فإذا طلبوا منه زيادة زادهم و صبر عليهم.

قلت له في ذلك! فقال: من كان لي عنده شي‌ء بفائدة حرصت على رأس المال، و ما بقي إن جاء في الدنيا و إلا فهو لي في الآخرة، و لذلك حفظه اللّه في ذرّيته فجاء منهم الفضلاء العلماء.

منهم الفقيه عز الدين عبد السلام(1)و تفقه و درس في الحرم الشريف في موضع صفي الدين أخيه، و انتفع به أهل زمانه. توفي والدهم- رحمه اللّه سنة إحدى و خمسين و سبعمائة.

و كان من السادة المحفوظين و الأخيار المعدودين الأخوان الصالحان المتحابان في اللّه؛ الشيخ أبو الحسن الخراز و الشيخ أبو عبد اللّه محمد الخراز، أقاما في بيت واحد فوق الثلاثين سنة مجتمعين على صناعة واحدة يخرزون في بيتهم هم و أتباعهم لأنفسهم النّعل و غيرها، و يرفعون ما فضل عن قوتهم فيتصدقون منه و يؤثرون، و ما بقي رفعوه إلى أيام الحاج و يؤلفون من أتاهم و قصدهم من الأخيار حتى من أتاهم إنه لا يفارقهم.

كان الشيخ أبو الحسن له سابقة في مجاهدة الإفرنج بالأندلس، فكان لا يزال يعد الوقائع و الحروب و ما جرى لهم من النصر على أعدائهم، و يذكر من كانت له شجاعة و فروسية و فتك في النصارى، و كان حسن التصوير في كلامه يستلذ السامع بحديثه، فلذلك كان بيتهم لا يزال بالأخيار معمورا و أكثرهم الخدام الأخيار، و كان لهم أوراد و أذكار مقدرة في أوقات معلومة لا يزال والدي و نظراؤه يأتونهم بعد العشاء الأخرة للذكر و قراءة المسبعات حتى يمضي جزء من الليل، و اتحد بسببهم حال المجاورين و الخدام و حصل بينهم إخاء و ارتفق بعضهم ببعض في الدين و الدنيا رحمهم اللّه، و قد تقدم ذلك.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 173( 2607)،« العقد الثمين» 5/ 428( 1809).

و كان من حالهم و خصالهم الحميدة أنهم يتفقدون المساجد المشهورة فيعمرونها و يساعدهم عليها الخدام بأنفسهم و خدمهم و أطعماتهم و يجعلونها نزاهات، و هي في الحقيقة عبادات.

كانوا إذا نزل الغيث و أصاب أحدا يخرجون إلى سيدنا السيد حمزة عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيبيتون عنده في القبة في صلاة و عبادة و ذكر، يجتمع معهم جلّ الخدام و المجاورين و رؤساء المؤذنين و فضلاء المدرسين، و عامة الناس أجمعين من فقير و مجاور أو مديني يكون لهم خادم، حتى إنه لم يبق في المدينة من أهلها إلا القليل فيخرج كل جماعة بما يقدرون عليه من الطعام الفاخر و غير الفاخر، و يأتون الخدام بأنواع من الحلوى و الأطعمة الملونة فتكون ليلتهم في الذكر و العبادة تعدل ألف ليلة لما اشتملت عليه من خيرات الدنيا و الآخرة.

و كان جماعة الفقراء و شيوخهم الشيخ علي و أخوه الشيخ محمد الخرازان، يحملون معهم القرب يظن الناس أنها ماء، و هي ملأى من طبيخ الأرز و البسلا يعدونه للفقراء الذين يتبعونهم و يخرجون معهم، ثم يلحقهم مددهم ممن تأخر عنهم في صبيحة ليلتهم، فإذا أصبحوا و صلّوا الصبح سرحوا إلى الجبل فطلعوا فيه جماعات جماعات، و لهم في الجبل مقامات يجلسون فيها فمنها موضع للطعام، و منها موضع في وسط الجبل متسع تمد فيه الحلوى و الأطعمة المحلاة، و منها موضع بعده يمدون فيه أنواعا من المحمضات و الحريفات حتى إذا انتهوا إلى رأس الجبل، صلوا في تلك المساجد و اجتمعوا لقراءة القرآن و الدعاء و الذكر، و كان لمحمد بن إبراهيم في تلك المواضع عمل عظيم و تذكير كثير فتراهم يبكون و يتواجدون و تظهر عليهم آثار الرحمة و ذكر اللّه لهم فيمن عنده رحمهم اللّه.

ثم بعد ذلك ينزلون إلى عند المهراس، فيفرقون ما بقي معهم و يمدونه للفقراء للذين يتبعونهم حتى إن الطعام ليبقى ليس له آكل، و يرجعون إلى المدينة على خير رجعة بقلوب صافية و أخوّة متزايدة و شوق إلى مثل ذلك الاجتماع.

و كان معهم من الكبار مثل الشيخ عبد الواحد الجزولي المتقدم ذكره،

و الشيخ محمد اليمني و والدي و مثلهم كثير كالصّحيناتيين بأجمعهم، و كان أكثر الناس صحبة لهم الشيخ أحمد القرشي والد محمد الصحيناتي، و كان يعد من الصالحين الكبار المتقشفين الموسوسين عند الطهارة و عند الغسل و الصلاة، كان يدخل العين قبل قيام المؤذن للتذكير، فلا يزال فيها حتى يمل منه الناس من كثرة الوسواس، نسأل اللّه العافية، و كان على قدم عظيم ربما لم يكن فيهم مثله، ملازم الجماعة و مجالس العلم و الخير و يهادي الجماعة و يتتلمذ لهم، رحمه اللّه.

و كان للشيخ أبي الحسن الخراز أحباب أفراد من الناس الأكياس، منهم الشيخ عمر بن عياد الخرّاز الأنصاري(1)و الشيخ عمر المدّاس و عبد اللّه الخراز و جماعة كثيرون، فأما الشيخ عمر فبلده الأندلس من أعمال الجزيرة الخضراء، أعادها اللّه على المسلمين، و له مع الإفرنج وقائع و مواطن عجيبة، و كان والده عياد شيخ بلده، فلما ضعف أهل تلك الناحية و غلب عليها الإفرنج- خذلهم اللّه- خرجوا من تلك البلاد، و توجه الشيخ عمر و أخوه إلى الحجاز، فمات أخوه في نواحي الشام، و وصل الشيخ عمر إلى المدينة، و أقام بها و صحب الشيخ أبا محمد البسكري و جماعته، و كان خصيصا بالشيخ أبي الحسن الخراز و جماعته، و كان رحمه اللّه على قدم عظيم في الصّلاح و الخير و محبة الصالحين و قضاء حوائجهم، و عدم الاكتراث بالدنيا في المأكل و الملبس، و كان له عليّ تربية و شفقة، و كان يحملني في صغري و يفكّه أصحابه بي.

و لما حج والدي بوالدتي و كنت معهما صغيرا لم أفطم من الرضاع، كان هذا الشيخ عمر يقوم عن والدتي بتربيتي، حتى إنه كان يتنجس مرارا فلا يتقذر و لا يتسخّط، فله علي حق يستوجب به الدعاء مني، و كان له من الخدام أعوان صالحون قد تقدم ذكرهم في ذكر مختار المولد، و لما بنى داره ساعده فيه إخوان محبون و أصدقاء ملاطفون، فخفّت عليه مؤنتها، رحمهم اللّه أجمعين.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 351( 3299)،« الدرر الكامنة» 3/ 182( 429)، نقلا عن ابن فرحون. و وقع في« الدرر الكامنة»:« عمر بن عياض الجزار»، و الصواب ما أثبت.

له عقب أولاد صلحاء، و ذرّية فقهاء، انتفع بهم أهل زمانهم أكبرهم اليوم الشّيخ عبد اللّه، محب في خدمة الفقراء مسارع إلى قضاء حوائج الإخوان محبب إلى الناس، ثم الفقيه الفاضل العالم النبيه تاج الدين عبد الواحد(1)، اشتغل اشتغالا كثيرا و تفنن في علوم عديدة، و أفاد دروسا و جلس في مجلس شيخه الشيخ عبد السلام(2)

« التحفة اللطيفة» 2/ 171( 2604).

بعد وفاته، فانتفع به الطلبة.

توفي الشخ عمر رحمه اللّه في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة.

و كان من الشيوخ المعمرين في المدرسة الشيرازية الشيخ إبراهيم العريان(3)رحمه اللّه، كان كاسمه عريانا أبدا صيفا و شتاء على قدم التجرد، في وسطه بلاس و على رأسه قبع صوف، و كان أصله من الروم، فأقام بالمدينة فوق خمسين سنة على طريقة حسنة مستقرا في المدرسة المذكورة، عاش على ذلك حتى بلغ حدّا اشتهر فيه بين الناس و أهل البلاد، فصار مقصودا مشهورا له في المدينة آثار حسنة أكثرها في المدرسة و لولاه لسقطت طبقاتها. أقام فيها تلك الأساطين حتى حملت السقف و الرواشين، و كانت المدرسة مختومة في أيامه لا يدخلها و لا يسكنها إلا الأخيار من الناس، اشترى نخلا و أوقفه و اجتهد في عمارته بنفسه و ماله، صحبته من المدينة إلى مكة رحمه اللّه، و كان لا يعاشر إلا بالملاطفة لقوة أخلاقه رحمه اللّه. توفي بالمدينة سنة ثلاثين و سبعمائة.

ثم خلف الشيخ إبراهيم في المدرسة الشيخ سليمان الونشريسي(4)من أصحابنا الكبار، له مجاهدة و توجه عظيم و مكاشفة في كل حين، و متى شكى عليه من شدة أو خوف اشتغل خاطره بتفريجها، و أطلعه اللّه في المنام


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 219( 2762)، و ذكر السخاوي في ترجمته أن ابن حجر العسقلاني ترجمه في« أنباء الغمر» لكنه ليس هو، بل ذاك عبد الواحد بن عمر الحكار، فليتنبه.

2) هو: عبد السلام بن سعيد بن محمد بن عبد الغالب المغربي المالكي. ترجمته في:

3) هو: إبراهيم بن عبد الرومي. ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 93( 149)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 231/ ب.

4) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 1/ 424( 1654)، نقلا عن ابن فرحون

على عاقبتها فلا يمضي يوم حتى يخبر بما يكون من أمرها، و ذلك شي‌ء كان منه دائما للإخوان و المعتقدين، كان مكبا على الصيام و القيام، و لسانه لا يزال رطبا بذكر اللّه و تلاوة القرآن، إذا قرأ القرآن لا يقرأ كقراءة الناس اليوم، بل يرفع صوته و يرتله ترتيلا عجيبا مع تدبر و تأمل حتى يغيب عن حواسه، و كانت قراءته في المصحف نظرا ليقوى بذلك على التدبر و لأنها أفضل من القراءة غيبا، و له شي‌ء من التصنيف ذكر فيه أحوال القوم و طريقتهم، و فصله بمواعظ و تقريبات ينتفع بها من وقف عليها.

ذكر لي- رحمه اللّه- أنه لما قدم المدينة سكن في رباط السبيل و هو على قلة وفاقة، و كان يطوي الأيام لا يجد شيئا و لا يفطن له لتعففه و تكففه، حتى سقطت قوته و خشي على نفسه.

قال: و كان جواري رجل صالح يذهب كل يوم إلى البر، فيأتي بحزمة حطب يبيعها و يتقوت بها و هو شيخ كبير، و كنت أشفق عليه لما أرى ضعفه، و كنت اقرأ على الشيخ عبد الحميد(1)القرآن تجويدا مع جماعة من الناس لا يعلم أحد بحالي و لا ما أقاسي من الجوع و القلة.

قال: فجلست يوما في القبلة في المسجد فجاءني إنسان من ورائي و رمى في حجري رغيفا في الغلس، و ذهب و لم أعلمه و لا عرفت مكانه.

قال: فأخذت الرغيف فأكلته فوقع في فمي شي‌ء أخرجته فوجدته دينارا مغربيا، فأخذته و ذهبت به في الوقت إلى السوق و أخذت به طعاما و تقوّت به أياما، ثم عدت إلى ما كنت فيه من الفاقة، فعاد إليّ ذلك الرجل و رمى في حجري رغيفا و ذهب في الغلس، فلم أعرفه، فوجدته مثل الرغيف الأول، فاشتريت طعاما و بقيت متعجبا من ذلك الرجل، فعند فراغ ما عندي جاء الثالثة فرمى آخر على غفلة منّي فتعجبت من هذا الرجل الذي يعرف الوقت الذي أصل فيه إلى الضرورة و لو أنه كان معي في البيت ما كان يصل إلى حقيقة ما وصل إليه هذا الرجل! ما هذا إلا ملك أو ولي من الأولياء.


1) هو: عبد الحميد بن علي الموغاني، و ستأتي ترجمته.

قلت: و اللّه لأرقبنّه حتى أعلم مكانه.

قال: فلما فرغ ما بيدي ارتقبت الوقت الذي يجي‌ء فيه، فإذا هو قد جاء على العادة فحققت النظر حتى عرفت فإذا هو جاري الحطّاب.

فقلت: هذا هو الحق، لأنه يعلم من حالي ما لا يعلمه غيره، و لأن الباب بالباب.

قال: فمالت نفسي إليه، و القلب يميل إلى من أحسن إليه، فوانسته فانعطف علي و إن كان كره ظهور إحسانه إلي، ثم إني تخيلت منه أنه ينفق من الغيب، أو معه علم من الصنعة، لأنّ من ظفر بإحدى الخصلتين زهد في الدنيا و طلبها بتعب النفس ليكون ذلك من الشكر للّه تعالى على أن ملكه ما لم يملكه غيره.

قال: فأنست به حتى سألته عن سبب تكلفه نقل الحطب مع السعة، و قلت له: هذا غير نظر منك لك!

فقال: أردت أشياء يا مسكين منها التستر عن الخلق، و منها تذليل النفس و تهذيبها، فإن النفس إذا ملكت طاشت و طغت.

و لم أزل به حتى أخبرني أنه علم ورثه و انفرد به، فسألته أن يعلمنيه لأذكره به و أستعين به على حالي.

فقال لي: إن صحبتني إلى بلادي علمتك و إلا هنا فلا، فأقام إلى الموسم ثم سافر و لم يقطع اللّه بي.

قلت: و ما مات الشيخ حتى تزوج زوجة صالحة كان يقول: إنه في بركتها، و اتسع حاله و اشتهر ذكره، و كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و زوجته ميمونة على قدم في العبادة و الخير.

توفي الشيخ- رحمه اللّه- عقيب الحج، و كان قد حج ماشيا في طريق المشيان، فلما كمل حجه اجتمع بي في منى، و قال لي: قد عجزت عن الرجوع ماشيا فاكتريت له، و كان في صحبتنا إلى المدينة فلم يقم بعد الموسم إلا قليلا ثم انتقل إلى رحمة اللّه تعالى أول سنة ست و خمسين و سبعمائة.

و كان لي من الإخوان في اللّه العلماء الربانيين أصحاب الأحوال

و المكاشفات الشيخ الصالح العالم العامل شهاب الدين أحمد(1)بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن النويري العقيلي نسبة إلى عقيل بن أبي طالب رضي اللّه عنه، كان له تردد كثير إلى الحجاز يتكرر كل سنة مع الرجبية إلى مكة المشرفة في البحر تارة و في البر أخرى، فلما أقمت بمكة عام ثمانية عشر و سبعمائة صادفت مجيئه إلى مكة و أنا بها، فصحبته فوجدته من رجال الآخرة و من بيت العلم و العمل و المكاشفة.

فقال لي: أريد المدينة في هذه السنة و قد عزمت على طريق المشيان فاعمل على الصحبة.

قلت له: يا سيدي أنا لي عن أهلي مدة طويلة أكسبتني قوة شوق و وجد، و إن سافرت معك في طريق المشيان تعبت معك، لأني أجدّ في المشي و أنت لا تقدر على ذلك، فعذرني و تأخر.

فلما جاء الموسم جاءني و دخل منزلي فاستبشرت ببركة دخوله و حصل لي به أنس كثير، و وعدني بخير كثير ثم تكرر إلى مكة بعد ذلك سنين إلى عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة.

ثم بلغني أنه لما جاء مع الرجبية تزوج بنت القاضي نجم الدين الطبري قاضي مكة المشرفة و إمام أئمتها و كبيرها أبي اليمن محمد بن محمد الطبري الشافعي، و كان غرضهم من تزويجه أن تحل للشيخ خليل(2)المالكي إمام مقام المالكي لأنه كان حنث فيها، و لم يطلع على ذلك و لا ذكروا ذلك له لما كانوا عليه من الورع و الخير و الدين، فلما حصل معهم قاموا بحقه و خدموه و سعوا في رضاه من غير أن يشعروه أن لهم غرضا غير بركته و خدمته.

فلما رأى ذلك منهم اغتبط بهم و أنس بينهم و وجد منهم الشفقة العظيمة، فأقام بمكة و ترك الرجوع إلى بلده، فرزق منها أئمة مكة اليوم


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 112( 201)،« العقد الثمين» 3/ 78( 583)،« الدرر الكامنة» 1/ 173( 447).

2) هو: خليل بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر القسطلاني المكي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 321( 1143)،« العقد الثمين» 4/ 324( 1141).

و قضاتها و خطباءها و علماءها الفقيه الإمام العالم القاضي كمال الدين أبو الفضل(1)الشافعي، و القاضي نور الدين(2)المالكي فتقدما على أقرانهما و رأسا، فولي القاضي كمال الدين قضاء مكة و خطابة الحرم و نظره، و ولي القاضي نور الدين مقام الفقيه خليل بعد ابن أخيه عمر رحمه اللّه في إمامة المقام و في إمامة الحج.

و كان من حال والدهما أنه صحب زوجته إلى أن توفي والدها القاضي نجم الدين سنة ثلاثين و سبعمائة عن اثنتين و سبعين سنة رحمه اللّه، و هو معهم على ما يحب من العزة و الإكرام و ترك المساءلة عما يجب عليه من النفقة و الإدام و الكسوة و ما جرت به العادة من الأزواج، فبعد موت والدها لم ير منهم ذلك الوجه الذي كان يعهده، فجاء مع زوجته المدينة زائرا و أراد أن يقيم بها ليذللها و يهذّبها بالغربة و البعد عن أهلها.

فقال له أهلها: لا يمكن ذلك و شددوا في رجوعها معهم.

فقال على طريق التغليظ عليهم و التشديد و إقامة العذر: أنا قد حلفت بالطلاق الثلاث أن لا يكون لها معكم سفر في هذا الوقت. و لم تكن له نية و إنما أراد التهويل عليهم، فعزموا عليه و التزموا بالرجوع إلى ما كان عليه.

فسافر معهم و قرّروا عليه يمينه و أخذوه بظاهر لفظه فطلقوها منه، فاشتد عليه الأمر و عظم عليه ما وقع منه و فيه و لم يجد من يساعده على ما نواه إذ أسرته البينة.

فلما رأى أنها بلية لا يمكن زوالها رجع إلى المدينة المشرفة و أقام بها و كان يصلي إلى جنبي الصّلوات، فأرى منه من التوجع و الالتهاب و الشوق ما لم أره من أحد فكنت أعذره من الباطن، و أهون عليه الأمر في الظاهر، فيقول: و ويل للشجيّ من الخليّ.

ثم إنه لم يجد ما يغيظهم به إلا أخذ أولاده منهم، فأخذهم منهم


1) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز النويري العقيلي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 418( 3610)،« العقد الثمين» 1/ 300( 29).

2) هو: علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري العقيلي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 273( 3016)،« العقد الثمين» 6/ 132( 2030).

بالشرع فأقاما معه و هما صغيران فتعب و تعبا، فيسر اللّه تعالى من أخذهم منه خلسة، و حملهم إلى مكة عند أمهم و خالهم القاضي شهاب الدين فربوهما أحسن تربية فجاء منهما ما تقدم ذكره. و لما علم الفقيه خليل- رحمه اللّه- أن في فراقها له شبهة تورّع عن زواجها و تركها، فلم يزل كذلك حتى توفي شهاب الدين النويري بالمدينة، فحينئذ تزوجها و ماتت عنده رحم اللّه الجميع. و كان الشيخ شهاب الدين من بيت الكرامات و المكاشفات لهم حكايات و مقامات مشيدات.

جلست إليه يوما بعد أن صليت ركعتين و كان قد أظلّنا مجي‌ء الحاج، فكانت صلاتي كلها وسوسة بما يجئ به الحاج و ما يكون من وظائفي و ما يجئ منها و غير ذلك.

فقال لي عقيب فراغي: يا فقيه، ما أقلّ أدب العبد مع اللّه تعالى، خلقه و أوجده و تكفل برزقه و جعل الرزق يجري مع الحاجة لا يتعداها، و لم يرد منه إلا الإخلاص و التوكل و العبادة و قد جرب العبد وعده تعالى فوجده صحيحا لا يختل معه، و زرقه يأتيه كل حين و كل يوم و كل ساعة حسب ما يقدره اللّه تعالى، ثم إنه سبحانه أمر بصلاة و زكاة و صيام و وقت له من ذلك وقتا و أمره بأن لا يتعداه بتقديم و لا تأخير ففعل العبد ذلك، و قدر له رزقا و وقته عنده بوقت معلوم، ثم إن العبد يسي‌ء إلى ربّه بأن يتهمه فيما وعده به.

فيقول: يا ترى يجيئني شي‌ء من هذه السنة أم لا؟ و إن جاء فهل يجي‌ء كاملا أو ينقطع بعضه؟ و من هذه الأشياء التي هي إلى الشرك أقرب، أليس هذا من قلة الأدب؟

فعلمت أنه إنما أرادني بهذا الكلام فاستغفرت اللّه العظيم، و رجعت فنلت بذلك خيرا كثيرا، و له كرامات لا يسع ذكرها ها هنا.

و لما كان في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة قدمت قافلة مكة و معهم القاضي شهاب الدين و مطلقته و ولده، فطلع بها شهاب الدين إلى الأمير ودي(1)بن


1) هو: الشريف ودي بن جماز بن شيحة الحسيني، توفي في الحبس سنة 729 ه.« الدرر الكامنة» 4/ 406( 1129).

جماز صاحب المدينة و كلمه في شأن زوجته و أولاده و أخذ خطه بأن يعقد لهم مجلس شرعي، و كان ذلك في أول نهار الأربعاء خامس شهر محرم من السنة المذكورة، فمرض في أواخر ذلك النهار و لم يزل مريضا إلى أن توفي بعد العصر يوم الأحد سادس عشر المحرم، و دفن بعد المغرب بالبقيع قريبا من مالك بن أنس مما يلي الطريق، رحمه اللّه.

و لما ذكر الفقيه خليل(1)استطرادا فلا بد من ذكره استبدادا فقد كان من أئمة الدين و المتسمين باليقين، كانت مكة المشرفة بلده و دار إقامته، و لكن قل أن تجي‌ء قافلة من مكة للزيارة و ما هو معها شوقا لهذا النبي الكريم صلى اللّه عليه و سلم، و كان قد أقام و جاور و قرأ على والدي العربية و كان ملازما لدرسه و انتفع و حصّل.

و كان يقول لي: ما عند الشيخ من كتب العربية؟.

فأقول له: ما علمت عنده شيئا سوى شي‌ء من «شرح الجمل» لابن عصفور.

فيقول لي: ما هذا من جوانح ابن عصفور، هذا الذكر العظيم و الإلقاء و التفهم لا يكون إلا عن إلهام أو كثرة اشتغال، و كثرة كتب يلتقط محاسنها و يرتب قوانينها.

فأقول له: ما عنده غير ما ذكرت لك.

كان حال الفقيه خليل معلوما مشهورا من البر و الصدقة و مواساة الفقراء و تحمل الدّين العظيم لأجلهم، ينتهي دينه في بعض السنين إلى قريب من مائة ألف درهم، يقرضهم ثم يقضي اللّه تعالى على أيسر ما يكون، كان له من الدين فوق ما يصفه الواصفون، و من العلم من مثل ذلك، و من الورع و التمسك بالسنّة فوق ذلك، قل عن البحر فالبحر يوقف دونه، كان لي منه النصيب الوافر في دعائه و مكاتبته و نشر ذكري عند أهل الخير جزاه اللّه خيرا، و كان عنده من الوسوسة في طهارته ما اشتهر مثلا في الأقطار، توفي الفقيه خليل رحمه اللّه في سنة ستين و سبعمائة، و فيها توفي القاضي شهاب


1) تقدمت ترجمته.

الدين قاضي مكة و كانا سراجي مكة هذا في فنه و هذا في فنه، و قلّ أن يخلفهما مثلاهما فيما بقي من الدهر، رحمهما اللّه تعالى.

و من إخواننا المالكيين المكثرين من الإقامة في المدينة المحبين في هذا المقام الشريف، أخونا في اللّه محمد بن سالم الفقيه الشافعي(1)

« التحفة اللطيفة» 2/ 477( 3768)، نقلا عن ابن فرحون؛« العقد الثمين 2/ 19( 178).

كان أخا صادقا ذا ورع و دين و علم و اجتهاد في الصّلاة و الصيام و القيام، و كسب من الدنيا كثيرا لما كان يعاني من التسبب و الحركة و السفر، فلما انقطع من ذلك قلت عليه الدنيا فصبر و صابر على العبادة و التخلي عن أصحابه و من كان يعرفه أيام يسره و شبابه، له أحوال المشايخ الكبار مع طهارة اللسان و العرض في كل إنسان و لو أوذي حمل و صبر، رأيته كثيرا ما يجعل في فيه حصاة تمنعه من الكلام خوفا من لسانه و صونا لفضول كلامه.

صحبته فوق ثلاثين سنة فلم أر كأنسه و كرمه و محبته، تراه يترك في أيام الموسم حوائجه و حوائج أهله، و يتطلب أصحابه فينزلهم في منزله و يضيفهم و يبذل لهم الخدمة و الطعام و الماء البارد الحلو، و يخلّي لهم داره التي هو فيها، هذا دأبه مع كل معارفه، حتى إنه ليذهب إليهم و هم في منازلهم فيرحّلهم إلى بيته و يعزم عليهم في ذلك، و كان بشوشا ضحوكا مزاحا في حق، و متى جرى منه جفوة أو غيبة ذهب إلى ذلك الشخص و تحلل منه و سأله المغفرة له، و خلف أولادا كان أنجبهم أوسطهم عبد الرحمن(2)كان فيه من الحياء و الأدب و قضاء الحوائج ما كان في والده و زيادة، توفي رحمه اللّه سنة ست و ستين و سبعمائة، و أما والده فتوفي سنة أربع و ستين فيما يغلب على ظني، رحمهما اللّه تعالى.

و كان ممن رفع مكانته و شهر بين الناس منزلته محل الوالد الشيخ الفقيه الجليل العلامة السيد الشريف أبو الخير(3)بن سيدنا و شيخنا أبي عبد اللّه الفاسي الحسني نزيل مكة المشرفة، نشأ في عبادة اللّه تعالى و تبتل


1) هو: أبو عبد اللّه محمد بن سالم بن إبراهيم بن علي الحضرمي الشافعي. ترجمته في:

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 149( 2523).

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 516( 3927)،« العقد الثمين» 2/ 112( 266).

للاشتغال بالمذهب المالكي حتى رآه الناس أهلا للتدريس و الإلقاء و الإفادة، فدرس و اشتغل و صحب رجالا من مشايخ الوقت، و ارتحل إلى الإسكندرية و أدرك بها من أهل العلم و الصلاح و الأئمة جماعة كثيرين فصحبهم، و أخذ عنهم و كسب من أخلاقهم و محاسن صفاتهم ما أظهر عليه نورا و بهاء و رئاسة لم تكن لأحد من نظرائه رحمه اللّه، توفي عام سبعة و أربعين و سبعمائة بالمدينة المشرفة، و دفن حيال قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام.

و كان من أصحابنا الكبار الذين لهم ورع و دين و صلابة و يقين، الشيخ العارف و المتعبد الورع الزاهد أبو عبد اللّه محمد بن عرفة التونسي كان من أصحاب الوالد رحمهما اللّه، لم أر أحدا مثله في اجتهاده و تحريه في العبادة و مواظبته على الحج و الزيارة، كان من أعيان أهل تونس لم يزل يتكرر إلى المدينة من بلده لتكون وفاته بأحد الحرمين فكان كذلك، توفي- رحمه اللّه- بالمدينة في حدود سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و له ولد علامة ورع زاهد و عليه اليوم في تونس مدار الفتيا و الاشتغال في علوم الكتاب و السنّة.

و كان من كبار الأولياء المتحليين بالعلم و العمل و الزهد و الورع قاضي طنجة الشيخ أبو الغمر(1)الطنجي، انفرد في مدة إقامته بالمدينة المنورة النبوية عن أقرانه في العلم و العمل و الانقطاع و التوجه العظيم و الصوم و المجاهدة حتى لم يبق منه إلا الخيال، فإن مسكنه برباط دكالة بالحجرة التي هي مسكن الأولياء و الأخيار، فكان يقرئ العلم فيها، قرأت عليه الفرائض و الحساب، و كان يؤثرني و يدعو لي، و مالت نفسه إلى الزواج و أحب أن يكون على السنّة في التزوج، فخطب له أصحابه امرأة حسنة و سيمة، فلما دخل عليها قبل اجتماعه بها نظر إليها فوجدها موشومة الشفة فأقام ليلته، ثم خرج و لم يمسها و دفع لها صداقها كاملا و طلقها، ثمّ لم يتزوج حتى توفي.

أقام بالمدينة مدة طويلة ثم انتقل إلى مكة فأقام بها مثلها على عبادة و كثرة طواف حتى إنه كاد لا يوجد إلا فيه.


1) هو: السائب بن عبد اللّه بن السائب الأنصاري الخزرجي الطنجي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 378( 1419)،« العقد الثمين» 4/ 503( 1244).

قال لي الشيخ العالم الحافظ المحدث أبو عبد اللّه الوادي آشي: إنه سأله، فقال له: يا سيدي هل وقفت في مدة إقامتك بمكة على مغربة أو كرامة أعدّها عنك أو أرويها لمن بعدك؟

فقال لي: و ما تحت ذلك من طائل؟ فألححت عليه.

فقال لي: كنت ليلة أطوف بالبيت وحدي فيما ظهر لي، فرأيت عن يميني و عن شمالي رجالا يطوفون معي رؤوسهم مشرفة على البيت.

و اجتمعت به عام ثمانية عشر و سبعمائة بمكة، فوجدته قد ضعف و اشتد عليه السعال، و انتفعت بمجالسته و أفادني بوعظه و بحكمته و بعلم استبدّ(1)به.

ثم قال لي: ما أظنه إلا حضر أجلي و أحب أن تكون وفاتي بالمدينة في جوار سيدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

فقلت له: اعمل على ذلك.

فأوصاني أن اشتري له من الدقيق و غيره ما يكفيه لسنته، و كان ذلك في شهر رمضان و كان يبيت في بيت عند بيت الفقيه خليل عند باب إبراهيم، ثم دعى بفراش و استقبل القبلة ثم قضى أجلا، و مضى عجلا رحمه اللّه، و ذلك في السنة المذكورة، فلم أر جنازة كثر تابعها رجالا و نساء و كبارا و صغارا مثل جنازته رحمه اللّه.

رأيت النعش محمولا على رؤوس الأصابع، و رأيت الكفن قد اسودّ من أيدي الناس يلمسونه للبركة، و صلى عليه القاضي نجم الدين(2)رحمهما اللّه تعالى.

رأيت اليوم على طريقته و أزيد في الورع و الزهد صاحبنا الشيخ


1) في( أ):« أستمد به».

2) هو: نجم الدين محمد بن محمد بن أحمد الطبري المكي، ولد سنة ثمان و خمسين و ستمائة، ولي قضاء مكة مدة تزيد على خمسة و ثلاثين عاما، كان شيخا فاضلا، فقيها مشهورا بمعرفة الفقه، توفي سنة ثلاثين و سبعمائة. ترجمته في:« العقد الثمين» 2/ 271( 385).

موسى(1)بن علي المراكشي نفع اللّه به و بدعائه، و إنما نبهت عليه لما خالطني من محبته و اعتقاده، و لما احتوى عليه من العلم و العمل و الورع الكثير الذي هو من صفات الأولياء الكبار و المحققين من الأبدال، أعانه اللّه على ما هو ملتزمه من الخير الكثير و الدين المتين، حتى إنه لا يتناول من الحلال إلا القوت الشظف اليسير، لا يأكل في أرض الحجاز لحما و لا تمرا و لا سمنا، و إنما يعمل له شي‌ء يسير من الخبز بلا أدم في أكثر الأوقات، و إن كان إدام في بعض الأوقات فلفت مسلوق، و ربما اكتفى المدة الطويلة بالحريرة من دقيق الشعير ليس لها إدام، مع الصيام الدائم و القيام المستمر في صحته و مرضه إلا أن يمرض مرضا طويلا فحينئذ يفطر. و أما في العلم بمذهب مالك و غيره و الأصول و الفرائض و غير ذلك من العلوم فهو رحلة، صحبته حضرا و سفرا فرأيته رجلا علم ما يطلب فهان عليه ما يجد، و ذلك مع نضارة الشباب و أنوار من مواهب الملك الوهاب نفع اللّه به، و أكثر إقامته بالمدينة و هو الآن بمكة شرفها اللّه تعالى(2).

و كان من شيوخنا و أصحاب والدنا الشيخ أبو عبد اللّه(3)القبتوري من العلماء المتقنين من أهل الأندلس له علو سند في «الموطأ» و «الشفاء»، و انقطع في المدينة مع أصحاب له، كان ملازما للمسجد لا يرى إلا وحده ذاكرا أو مصليا. كان الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد الغرناطي يحكي عنه مغربات في أفعاله و أقواله، اشترى هو و أخو الشيخ أبي العلا و آخر معهما قطعة أرض في طريق البقيع جعلوها تربة لهم فدفنوا فيها، و هي في طرف البقيع على طريق المار إلى مسجد الإجابة بين نخل يحفّها من جوانبها قد دثر رسمها، و ما أخوفني أن تملك و تغرس لأن العارف بها اليوم قليل، و لو كانت على السبيل، و لكن ببركة نياتهم يحفظون إن شاء اللّه تعالى


1) هو: موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد المراكشي. ترجمته في:« العقد الثمين» 7/ 299( 2543).

2) ذكر الفاسي أنه توفي بمكة سنة تسع و ثمانين و سبعمائة. المصدر السابق.

3) هو: خلف بن عبد العزيز بن خلف الغافقي القبتوري. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 320( 1139)،« الدرر الكامنة» 2/ 85( 1652).

ممن ينشر قبورهم أو يشوش عليهم فإنهم كانوا من عباد اللّه الصالحين رحمهم اللّه.

و كان من قدماء الشيوخ المباركين المشهورين الشيخ محمد البلاسي كان شيخا صالحا، و كان يجلس في وسط الحرم مع جماعة من الفقراء المجلويين، و كان ممن قطع البلاد شرقا و غربا لا تفنى حكاياته و غرائبه.

و مما أخبر به من الغرائب أنه دخل قرية في اليمن مع جماعة من الفقراء فوقفوا على امرأة تبيع اللبن، فكأنّ واحدا من الفقراء نظر اللبن فوجده مشوبا بالماء فصبه على رأسها.

قال الشيخ محمد: فلمناه على ذلك ثم رجعنا إلى منزلنا و قد أغظناها فلم ندر بصاحبنا إلا و قد رجع في صورة حمار و له ذنب كذنب الحمار، فعلمنا أنها سحرته، فجئنا إليها و استرضيناها فلم ترض، فدخلنا على مشايخ بلدها فغلبوا عليها ففكّت سحرها عن صورته، و بقي معه ذنب الحمار أبت أن تزيله، فسافرنا من تلك القرية و صاحبنا على حاله، و لم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة و نحن في شدّة عظيمة من ذلك الأمر، و قد قلت الحيلة فيه.

فسأل صاحبي قومة المسجد الشريف أن يبيت في المسجد فأذنوا له، فبات بين تضرع و بكاء و دعاء و توسل بالنبي صلى اللّه عليه و سلم حتى غلب عليه النوم، فبات حول الضريح المكرم فأصبح و قد أزال اللّه عنه ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و للّه در القائل:

فلذ ببرّ رحيم بالبريّة إن‌عاقتك شدّة دهر عق و اعتصم

واف كريم رحيم قد وفا و وقاو عمّ نفعا فكم ضرّ شفاوكم

و كم حبا و على المستضعفين حباو كم صفا و ضفا جود الجبرهم

حان على كل جان واف إن قصدواواق شفى من شفا جهل و من عدم

كهف الأرامل و الأيتام كافلهم‌وافي النّدا لموافي ذلك الحرم

و هذه الأبيات من قصيدة طويلة غرّاء اشتملت على فنون البديع أولها:

بطيبة انزل و يمّم سيّد الأمم‌و انشر له المدح و انثر أطيب الكلم

و هي من نظم صاحبنا و أخينا في اللّه الشيخ الإمام العلامة وحيد دهره

و فريد عصره لسان الأدب، حجة العرب، مجمع أشتات الفضائل شمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن علي بن جابر الهواري(1)نسبا الأندلسي مولدا و منشأ، قرأها علينا بحضرته في الروضة النبوية في سنة ست و ستين و سبعمائة رفيقه و أخوه في اللّه تعالى الشيخ الإمام العالم العامل رحلة زمانه و نادرة إخوانه أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الغرناطي(2)، و كان قد سألاني أن يسمعا عليّ «صحيح البخاري» فأجبتهما إلى ذلك اغتناما لمجالستهما و اقتباسا من فوائدهما، فكان الشيخ أبو جعفر هو القارئ، فإذا فرغ من قراءة أنشد شيئا من ديوان الشيخ أبي عبد اللّه رفيقه، و ديوانه ديوان عظيم في مجلدين، و قد يسر اللّه عليه النظم مع البلاغة و الفصاحة و دقة المعنى.

ذكر أنه قال: أقدر أن أنظم في اليوم الواحد بلا كلفة ثلاثمائة بيت، و كان ينظم الأبيات العديدة تقترح عليه و هو على السماط فيملي الكاتب بلا تكلف، و غالب تصانيفه نظما، و لأبي جعفر نظم حسن بديع نفع اللّه بهما، و كانا قد سبقت لهما بالمدينة مجاورة في سنة ست و خمسين و سبعمائة فانتفع الطلبة بهما في هاتين المجاورتين، و قرئ عليهما كتب عديدة في العربية و الأصلين و اللغة و العروض و البديع و غير ذلك، و سمع عليهما الحديث.

و في المجاورة الأولى شرح الشيخ أبو عبد اللّه «ألفية ابن مالك» شرحه المفيد الذي عم النفع به و اشتهر اشتهارا عظيما، و له و للشيخ أبي جعفر تصانيف كثيرة و أوضاع مفيدة، لو رمنا ذكرها و وصف محاسنها لخرجنا عن المقصود، و قرئ علي بحضرتهما تأليفي المسمى «بالعدة في إعراب العمدة» قراءة بحث و تفهم و حصل بذلك خير كثير، فإني وضعته على مثال لم أسبق إليه، و حررته على منوال لم ينسج عليه فصوّبا و الحمد للّه على ما وضعته، و شكرا لي على ما صنعت، جزاهما اللّه خيرا.

و كان القارئ للكتاب المذكور الأخ الصادق و الولد الشفيق العالم العامل المفنن تاج الدين عبد الواحد بن عمر بن عياد الأنصاري(3)المتقدم ذكر والده.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 422( 3617)؛« الدرر الكامنة» 3/ 339( 900).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 159( 341)،« الدرر الكامنة» 1/ 340( 848).

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 219( 2762).

و أخوّة هذين الشخصين العالمين العاملين و اتحادهما و اتفاقهما في الأخلاق و الأقوال و الأفعال لم أر مثلهما و لم أسمع بذلك، لا يملك أحدهما دون لآخر شيئا و لا يتخصص عن صاحبه بشي‌ء من أمور الدنيا قلّ أو جلّ، و لا يلبس أحدهما غير ملبس الآخر لكل واحد منهما مثل ما لصاحبه، إن فصلا ثيابا فمن نوع واحد و لون واحد، و كذلك في العمائم و الفوط و الدلوق و ثياب الجمالة و ثياب المهنة، و كذلك لباس الشتاء و لباس الصيف، و كذلك الفرش و الأوطئة و الأنطاع و الوسائد و النعال و غير ذلك، و إذا لبسا لونا لبساه جميعا بياضا كان أو غيره لا يمكن أن يغير أحدهما لباسه دون الآخر، يأكلان و يرقدان جميعا في بيت واحد، و أعرض كلاهما عن الزواج و التسري رغبة في دوام الصحة و خوفا من الأسباب الموجبة للفرقة.

و كان معهما مملوك لهما يخدمهما، و كان الشيخ أبو عبد اللّه ضريرا بسبب جدري عرض له في صغره بعد أن دخل المكتب في أواخر السنة الخامسة من عمره، فكان يعتمد على الشيخ أبي جعفر في خروجهما إلى المسجد و رجوعهما، و في بلادهما كانا كذلك لا يفترقان أصلا و لا يعتمد على الغلام إلا في النادر، و إذا حصل للشيخ أبي جعفر عذر عظيم، و إذا دخل الإنسان بيتهما لم يفرق بين مجلسيهما إلا بالكتب لقربها من الشيخ أبي جعفر لتساوي الفرشين و جميع ما يتعلق بهما من الأغطية و الأوطئة.

و من أعجب الأشياء أنهما يمرضان جميعا و يصحان جميعا، و هذا شاهدته منهما في المجاورة الثانية. مرض الشيخ أبو جعفر في يوم، و مرض الشيخ أبو عبد اللّه في اليوم الثاني، و تمادى بهما المرض مدة طويلة و كان مرضهما واحدا، و ولدا في سنة واحدة أبو عبد اللّه في المرية، و أبو جعفر بغرناطة، و ذلك سنة ثمان و سبعماية ثم اجتمعا في شبوبيّتهما في مجالس العلم، فألف أحدهما الآخر ثم اجتمعا فلم يفترقا، لا فرّق اللّه بينهما بسوء.

ثم ارتحلا من بلاد الأندلس و دخلا غالب بلاد المغرب و رويا الحديث، و أخذا العلم عن الشيوخ، و لهما تأليف في ذكر من اجتمعا به من الأكابر في رحلتهما، ثم قدما إلى المشرق بعلم كثير و كانا في سنة إحدى و أربعين مقيمين بدمشق، و اجتمع بهما أخي عليّ- رحمه اللّه- في تلك السنة، و كانوا جميعا في

دار الحديث ثم ارتحلا إلى بلاد حلب فأوطناها إلى الآن، و رتب لهما السلطان في «البيره» من أعمال حلب ما يكفيهما، و اشتهر فضلهما و ذكرهما، و خدمهما رؤساء البلاد و سراة الناس، و مدحهما الأدباء و كتّاب الإنشاء و تخرج بهما الطلبة، و هما اليوم في تلك البلاد ملاذا للغرباء و ملجأ للمظلومين و شفاعتهما مقبولة و كلمتهما عالية، أبقاهما اللّه تعالى بقاءا جميلا.

و اعلم أنه كان للشيخ محمد البلاسي عبد اسمه سعيد أعتقه و جعله من جملة الفراشين بالحرم، و أعقب سعيد ولدا مباركا نجيبا فراشا في الحرم اشتهر باسم الشيخ محمد البلاسي(1)سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة.

و كان برباط مراغة الموقوف على الفقراء الصوفية المجردين جماعة صالحون أكثرهم مغاربة ممن جاهد و اجتهد جمعوا بين العلم و العمل.

منهم الشيخ الصالح أبو عبد اللّه محمد العصيّاتي كانت إحدى رجليه قصيرة مخلوعة مذبذبة لا يتحمل على الأخرى إلا بعصاتين، و كانت له أحوال عجيبة و مكاشفات صحيحة، ألفه الخدام و اعتقدوه و قاموا بحقه لما علموا مكانته، و كان أعظمهم له موالاة و خدمة الطواشي شمس الدين شفيع(2)رحمهما اللّه تعالى.

قال لي يوما: رأيت الشيخ عز الدين الزرندي المتقدم ذكره في النوم، و كان قد توفي في طريق العراق بعد الإقامة الطويلة في الحرمين، فقال لي:

سلّم على أولادي و قل لهم: قد حملت إليكم و دفنت بالبقيع عند قبة سيدي العباس، فإذا أرادوا زيارتي فليقفوا هنالك و يسلّموا علي و يدعوا لي.

قلت: ما ذكره الشيخ صالح من رؤياه حق، فقد شاهدت شخصا كان مسرفا على نفسه شديدا في تشيّعه، و كان يوما يهدم حائطا، فذكر عنه أنه صدر منه كلام في حق الصّحابة فسقط عليه الحائط فهلك فدفن بالبقيع.

فلما كان اليوم الثاني من موته أصبح القبر خاليا منه ليس في اللحد


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 480( 3783).

2) هو: شفيع الطواشي، شمس الدين الكرموني. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 4441( 1740)،« المغانم المطابة» الورقة 241/ ب.

أحد، و لا حول القبر نبش و لا أثر، و قد زال التراب الذي دفن به القبر حتى انكشف اللبن و ليس للتراب أثر، و لا عنه خبر و قد خلا من عند رأسه ثلاث لبنات لا غير، و وقفت على القبر مع القاضي جمال الدين المطري(1)لما شاع في المدينة خبره، و قيل: أصبح قبر ابن هيلان خاليا منه ليس فيه، فأمر القاضي جمال الدين المطري أبا قميص حفار القبور بأن ينزل و يجس اللحد، فهاب و الناس حول القبر يأتون من المدينة أرسالا أرسالا، ثم دخل أبو قميص بعد العزيمة عليه فنظر و فتش فلم يجد شيئا، فأدخل عمودا كان بيده و جس به القبر ذاهبا و آيبا فلم يجد شيئا ألبتّة، و نزل غيره و فعل كفعله فلم يجد الآخر شيئا!! و كان ذلك آية من آيات اللّه تعالى، فلما كثر خروج الناس و اشتهر أمره أمر يوسف الرومي الوزير يومئذ بدفنه فدفن القبر، نسأل اللّه حسن الخاتمة.

و قال لي الشيخ محمد بن إبراهيم المؤذن(2): عن رجل صالح كان يدفن موتى المدينة و قد طال في تلك الحرفة عمره. قال: قلت له: هل رأيت يا سيدي من أعجوبة في هذا البقيع؟

فقال: لم أر إلا الخير، إلا أنني حملت ميتا في أيام الحج و لم أجد من يساعدني عليه غير رجل واحد حملته معه و وضعناه في اللحد، ثم ذهب صاحبي و تركني فذهبت أحمل اللبن لأجل لحده، فلما جئت به لم أجد الميت في لحده فذهبت و تركت القبر على حاله!!

و كان في الرباط المذكور من الرجال المنقطعين عن هذه الدار الشيخ قاسم التكروري(3)كان ملازما للسياحة في الجبال و البرية لا يأتي إلا من جمعة إلى جمعة يقتات بالبقول، و يتتبع مجتمعات الماء التي يربى فيها الحوت كنفج و السدّ و غيرهما، فيصيد منه شيئا و يقتات منه، و شيئا يهديه


1) هو: محمد بن أحمد بن خلف المطري، صاحب كتاب« التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة».

2) هو: محمد بن إبراهيم بن محمد بن المرتضى الكناني المصري.

3) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 379( 3462)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 3/ 241( 612)،« المغانم المطابة» الورقة 253/ أ.

لأصحابه و أحبابه، بلغ من قوة عزيمته في دينه أن جعل في عنقه غلا ثقيلا يتذكر به حال الآخرة، فنهي عن ذلك فأبى حتى قيل له: خالفت السنّة و ارتكبت البدعة فترك ذلك بعد شدة، و كان يسرد الصوم أبدا حتى العيدين، فقيل له في ذلك!

فقال: إن أكلت شيئا مرضت، فقيل له: كل و لو مثل حبة من الطعام، و إلا فتأثم بالإجماع، فكأنه فعل و اللّه أعلم. توفي رحمه اللّه في «خليص» متوجها إلى مكة سنة تسع و أربعين و سبعمائة.

و أيضا كان في الرباط المذكور الشيخ عثمان(1)المجكسي(2)

« التحفة اللطيفة» و النسخة( ج).

، و الشيخ موسى الغزاوي من الشيوخ الصالحين، كثيرة مناقبهم عديدة محاسنهم، كان الشيخ عثمان قد اشتغل بطرف من العلم و الحديث، و لازم مجالس الشيوخ العالمين العاملين فانتفع بهم و تجرد عن الدنيا، و كان على طريقة السلف الصالح، و كان ذا عبادة وجد و اجتهاد لم يبق منه إلا العظم و الجلد، يحسبه الذي يراه أنه لكما قام من المرض من صفرة لونه و شدة ضعفه، و كان لا يزال مكشوف الرأس ذا شعرة مسدولة إلى شحمة أذنه لا يحلق رأسه إلا في الحج إتباعا للسلف، و كانت له أحوال و مكاشفات صحيحة ظاهرة.

و كان ابن أخي محمد بن محمد قد صحبه و لازمه فكان يحكي عنه أحوالا جليلة، و أصله من الأندلس جاء منها ماشيا إلى مكة المشرفة، فأقام بها سنين و كان يسكن في رباط ربيع، و ذكر أنه كان يوما ينزف الماء من بئر الرباط فثقلت به الدلو فوقع في البئر و هي من أطول آبار مكة- و طول آبارها لا يخفى على من حج البيت الحرام- فنزلوا إليه فوجدوه سالما صحيحا، ثم ارتحل إلى المدينة و سكن الرباط المذكور و كان بينه و بين الشيخ موسى شأن و فتن سببها أن الشيخ عثمان اشتغل بالعلم و صحب شيوخ المغرب أهل


1) هو: عثمان المجكسي الأندلسي الغماري. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 253( 2945)،« الدرر الكامنة» 2/ 453( 2620).

2) في( أ)،( ب):« المحكي»، و في« الدرر الكامنة»:« المجلس»، و ما أثبت كما في:

التربية و الدراية، فكان ينكر على الشيخ موسى بعض أحواله التي تخرج عن ميزان الشرع فيقع بينهما عن ذلك التهاجر و الشر.

حكى لي الشيخ عثمان أن الأسد عرض له في طريقه ليلة و كان وحده، قال: فجلست بين يديه فصار ساعة يصيح و يضرب بذنبه و ساعة يعلو علي بيديه، ثم يرجع عني و يكف يديه كأن من غلها، و لم يزل هذا دأبه معي إلا أن تبلج الصبح فانصرف عني و تركني.

و كانت له كرامات و عجائب و مغربات يكاد يحكي بعضها إذا طابت نفسه و انشرح لجليسه قلبه، و قد جرى لي معه ما أكد عندي ولايته، و ذلك أن المدينة نهب غالب بيوتها عند خروج آل منصور منها، و كان الأمير يومئذ طفيل(1)بن منصور رحمه اللّه، و كان ذلك في شهر ذي الحجة في سنة خمسين و سبعمائة، و كنت قد تأخرت عن الحج في تلك السنة، و لم يكن التأخير عن الحج من عادتي، بل لي الآن و الحمد للّه نحو خمس و خمسين حجة، و لكن كانت الخيرة فيما قدر اللّه تعالى، و أسفرت العاقبة عن لطف عظيم شملني و شمل أقاربي و جيراني بل و أهل زقاقي.

و كان مما جرى أن نهب جميع ما للحجاج من ودائع في المدينة، و حصل لأهلها من العرب إزعاج و إرعاب عظيم، و تبعهم الصعاليك من أهل المدينة و الخيابرة و غيرهم، فلم يتركوا أثاثا و لا متاعا، و كان أمرا عظيما لم يجر مثله في زمن من الأزمان التي أدركناها و سمعنا بها، و مع ذلك فلم يصل أحد إلينا و لا إلى جيراننا و لا لأقاربنا على بعد منازلهم عنا، و ذلك ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم و بركة حضوري لأني اجتمعت بالأمير طفيل و كلمته في ذلك.

فقال: قد أجرنا حارتك و جميع أقاربك فطب نفسا فما لأحد إلى ذلك وصول، جزاه اللّه خيرا.

و كنت أخرج إلى المسجد في ذلك اليوم للصلاة فأجد المسجد مغلوقا فأدور إلى باب النساء فأستفتح فيفتح لي فأجد المسجد خاليا لا


1) هو: الطفيل بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 468( 1863)،« الدرر الكامنة» 2/ 223( 2034)،« المغانم المطابة» الورقة 241/ ب.

أرى فيه إلا خادما مجردا أو فقيرا ترابيّا، و أمرّ في طريقي فأبصرهم ينهبون الناس و يكسرون الأبواب و يحملون من البيوت الأحمال فلا أقدر على كلام، و جلّ ما أخذوا أمتعة الحاج و بيوت الخدام، و كانت قضية قبيحة و فعلة شنيعة لم يظهر لها بركة على من تعاطى منها شيئا عربا أو حضرا، و لم تبق في أيديهم شهرا حتى محقت، و لم يسلم من الدخول فيها أحد من الأمراء الذين كانوا في المدينة إلا الأمير الكبير الورع الزاهد زين الدين عطية(1)بن منصور أميرنا اليوم، متع اللّه المسلمين ببقاء دولته و أصلح له الرعية و أصلح لهم منه الطوية.

و خرجت مرة من البيت للصلاة فإذا أنا بأمير كبير قد دخل حارتنا و معه ما ينيف على عشرين رجلا من الأعوان، و معه نجّار بيده قدّوم فما شككت أنه ظن أني في الصلاة فأراد أن يخلفني على بيتي أو بيت من يعز علي، و كان قبل ذلك في نفسه شي‌ء مني فوقفت في وجهه.

و قلت: خير، ما هذه الهمة و إلى أين هذه العزمة؟

فقال: لي غرض.

فقلت له: اجلس ها هنا لأتحدث معك؛ و الشرّ يبدو لي من وجهه، فجلس.

فقلت: ما تريد؟

فقال: عزمي الزواج و ما وجدت مفرشة أدفعها في الجهاز، و نحن عازمين على الخروج من المدينة.

فقلت له: عندي ما تريد و هذه ساعة مباركة إذ بدا لك عندي حاجة، و لم يكن ذلك من خلقي و لكن شرح اللّه صدري لذلك، فدخلت البيت و أخرجت له فراش بيت و كانت مفرشة حسنة جدا فأخذها.

و قال: إن قلت لك التي أطلب أحسن من هذه فما صدقت، ثم انصرفت إلى المسجد فرأيت الشيخ عثمان جالسا في الروضة ليس في الحرم


1) هو: عطية بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 264( 2988)،« المغانم المطابة» الورقة 250/ ب.

غيره، فلما أقبلت عليه بدرني بالكلام، و قال لي: اللّه ألهمك، اللّه ألهمك.

قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام: (يا موسى، خف من لا يخافني)، فعلمت أنه كاشفني و صوب رأيي، رحمة اللّه عليه، توفي سنة أربع و خمسين و سبعمائة.

و أما الشيخ موسى فكانت له إقامة طويلة بغزّة قرية من قرى الشام فنسب إليها و إنما هو مغربي، و كان له بغزة سمعة و صولة و فتك بالخاطر.

قال لي: كنت إذا نهيت ظالما عن ظلمه فلم يمتثل أمري قتلته بخاطري، و اشتهر ذلك عنه.

و قال لي: فلما قدمت المدينة المشرفة أردت تلك السيرة فمنعت منها، و كنت رأيت في منامي قبل دخولي المدينة أن رجلا غلب علي و أخذ مني سكيني فدفنها في كومة تراب في ناحية مسجد مصلى العيد فعلمت أني قد سلبت حالي في التصرف في أهل المدينة، و ذلك لبركة النبي صلى اللّه عليه و سلم إذ لا يقدر أحد بحضرته يتصرف بغير أمره.

و قال لي: عزمت عليك مرارا إذ أغظتني في قضية كذا و كذا. و عدد عليّ قضايا أنكرتها. قال: فمنعت منك حتى رأيتك في النوم متعلقا بأعلى شباك الحجرة و أنا واقف تحتك و معي سكين أشير بها إليك و أنت تهزأ بي، فعلمت أني لم أسلط عليك، فكففت و تركت الخاطر عني. و كان يصحب الناس بالمرائي التي له، و يرى أنها كالوحي لا تكاد تخطي‌ء فتراه يهجرك ثم يصلك من غير موجب لذلك بينكما.

أخبرني أخي علي- رحمه اللّه- أنه قال لي يوما: أنت تدعي أنك تكشف البواطن فزوجتي هذا شهرها فأخبرني بحملها.

فقال له: كأنك تمتحنني و ما أنت بمصدق بحالي! سآتيك إن شاء اللّه بالخبر.

قال: فغاب عني أياما ثم جاءني إلى البيت.

فقال لي: زوجتك تلد ولدا يشبه هذه و أشار إلى إحدى بنتي، فكان كذلك فناديته عند الولادة و جئته بالمولود فحنكه، و دعا له و سماه حسنا،

و حسن ظني فيه و تأدبت معه بعد ذلك. توفي رحمه اللّه في سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و كان برباط الفاضل الشيخ الصّالح الولي الرباني عبد الرّحمن(1)الجبرتي، كان من أرباب القلوب و الكرامات و كان طول إقامته بالمدينة إذا صلى الصبح خرج إلى البريّة فما يأتي منها إلى غروب الشمس و لا يعلم أحد مكانه، ينتقل كل يوم في موضع و قل أن يرى في المدينة نهارا هروبا من الاختلاط بالناس، و يخبر أحيانا بالمغيبات.

و كان يقول لبعض من يأنس به و يحبه: يا فلان ألا تعطيني كذا. فيفرح الرجل بقوله فإذا أعطاه شيئا امتنع، و قال: إلى وقت آخر إن شاء اللّه، و يؤانس أصحابه بأنواع مثل ذلك، و كان يقول رحمه اللّه: إنه من ذرية النجاشي صاحب المواصلة مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، و إنه من بيت الملك ببلاده فخرج عن ذلك و صحب الصالحين.

و كانت له مع الشيخ العالم العامل قطب زمانه أبي محمد عبد اللّه بن أسعد اليافعي(2)، نفع اللّه، به سياحات في ظهر المدينة، و كان الشيخ عبد الرّحمن يحكي لبعض أصحابه أنه اتفق له مع الشيخ عبد اللّه كرامات في أيام السياحة، و كان الشيخ عبد اللّه قبل توطنه مكة و زواجه بها أقام بالمدينة على قدم التجرد و الوحدة و السياحات، ثم تزوج بالمدينة في سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة الحرة الصالحة العابدة ستيت أم محمد بن علي اليماني، ثم فارقها و ارتحل إلى مكة و لم يزل يتردد إلى المدينة و يجاور بها.

و مناقب الشيخ عبد اللّه و كراماته و أحواله و علومه و مصنفاته و مجاهداته لا يحصرها حد و لا تنتهي بالعد، كما قيل:

يفنى الكلام و لا يحيط بوصفه‌حسب المبالغ أن يكون مقصرا


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 160( 2585)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 248/ أ.

2) هو صاحب كتاب« روض الرياحين» و غيرها من المصنفات. توفي سنة 768 ه. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 2/ 247،« طبقات الشافعية» للأسنوي 2/ 597.

نفع اللّه به، و كثير من الصالحين يشير إلى أنه قطب مكة و هو خليق بذلك.

و اتفق في سنة ست و ستين و سبعمائة أن جاء مع القافلة من مكة المشرفة لزيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم فجاء بزوجته بنت القاضي نجم الدين و أم أولاده بنت شهاب الدين الإمام، فتوفيت زوجته بنت القاضي نجم الدين في أواخر شعبان، ثم توفيت بنت الإمام أول ليلة من شهر رمضان و دفنتا في قبلة قبة سيدنا إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلما كان بعد العيد خطب مني ابنتي ملوك التي كانت زوجة الشيخ عيسى الهسكوري فزوجتها منه رجاء بركته، نفع اللّه به.

و كان هذا الشيخ عيسى الهسكوري من الأولياء الكبار له مناقب جليلة، و أحوال جميلة، و طريقة علية، و كان أحد شيوخ الهساكرة هو و أبوه و عمه و بنو عمه لهم الدنيا العريضة و الأتباع الذين لا يحصون كثرة، و الخيول المسومة و الكلمة العالية، فخرج عن ذلك كله في نضارة شبابه و علو قدره بين أقرانه و عشيرته، و تجرد و صحب الشيوخ على طريقة عظيمة، و لزم الشيخ عمر المغربي صاحب الشيخ عبد المؤمن شيخ المغرب في وقته، و قدم الشيخ عيسى مع الشيخ عمر إلى مصر و كانا من أكبر أصحابه و كان هو إمام الفقراء في الصلوات، و أقام مع الفقراء في زاوية الشيخ عمر السبتي بمصر في الحجارين، و صحبه إلى القدس فمات الشيخ عمر بالقدس بعد أن عمر فيه زاوية للفقراء.

ثم ارتحل الشيخ عيسى إلى المدينة و تردد بين الحرمين الشريفين زمانا طويلا، ثم أوطن المدينة الشريفة و تزوج البنت المذكورة و صحبها صحبة جميلة و تأدبت بآدابه، و اكتسبت من أخلاقه، ثم سافر الشيخ إلى مصر بعد أن أولدها ثلاث بنات، فقتل رحمه اللّه بعد خروجه من القدس و هو متوجه إلى دمشق قتله قطاع الطريق، فمات شهيدا رحمة اللّه عليه و ذلك في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة(1).


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 18( 1970)،« الدرر الكامنة» 2/ 247( 2120)،« العقد الثمين» 5/ 104( 1486)،« طبقات الشافعية للإسنوي» 2/ 579( 1289).

و كان من الشيوخ المفيدين المقربين إلى اللّه و رسوله المنقطعين بالمجاورة بين الحرمين الشريفين الشيخ الصالح الورع المربّي عبد الحميد بن علي الموغاني(1)، كان من أهل الخير و الصلاح و إيصال النفع للناس في التربية العليا، قد تخلى عن الدنيا و أقبل على الآخرة، و لزم تلقين القرآن طول النهار في المسجد لا تراه إلا في حلقة بين كبار و صغار و كهول مشايخ، و انتفع عليه من أولاد المدينة خلق كثير، لكن مع التجويد و تحرير و تربية لهم و ضبط و شد حتى إنه ليضرب ذا الشيبة بيده و يأخذ بلحيته و أذنه، أقام بمكة هو و أخوه في اللّه الشيخ الصالح المهذب الشيخ يحيى التونسي، و كانا قد اصطحبا قديما و تواخيا في اللّه و صحبا الشيوخ و جالا البلاد على قدم التجرد و زيارة الصالحين و لقاء المشايخ.

و اتفق لهما في أيام سياحتهما و مدة تنقلهما في البلاد عجائب و غرائب، و لقيا من الشيوخ السادة الأعلام جماعة كثيرة منهم الشيخ أبو العباس المرسي(2)فمن بعده من المشايخ الشاذلية و غيرهم، و في أيام إقامتهما بمصر ورد عليهما من العجم الشّيخ العلّامة نادرة زمانه الشيخ نجم الدين الأصبهاني(3)شيخ مكة المشرفة في وقته فصحباه و خدماه و اجتمعا به أيضا عند الشيخ أبي العباس المرسي بثغر الاسكندرية و صحباه معهما إلى مكة المشرفة، و كان مسيرهم على طريق الصعيد.

و حكى لنا صاحبنا الشيخ يحيى بن موسى القسنطيني عن الشيخ يحيى التونسي قال: لما خرجنا مع الشيخ نجم الدين صحبة القافلة في طريق


1) ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 112( 2364)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 246/ أ، و صوب النسبة إلى:« الموقاني» بالقاف.

2) هو: أحمد بن عمر بن محمد الأندلسي المرسي الأنصاري، أبو العباس. ولد سنة 616 ه، صحب أبا الحسن الشاذلي و صحبه ابن عطاء اللّه، توفي سنة 686 ه و قبره بالإسكندرية. ترجمته في:« طبقات الأولياء» 418/ 118،« جامع كرامات الأولياء» 1/ 520.

3) هو: نجم الدين عبد اللّه بن محمد بن محمد بن محمد الأصبهاني، ولد سنة 643 ه، كان شيخا جليلا، فاضلا مشهورا، مقصودا، منقطعا عن الناس، توفي سنة 721 ه. ترجمته في:« العقد الثمين» 5/ 271( 1626).

عيذاب نفد زادنا، و قسّى اللّه تعالى قلوب أهل القافلة علينا فكنا نحن و الشيخ ليس لنا قوت إلا من نبات الأرض، فلما أشرفنا على القرب من قبر الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمة اللّه عليه، قال لنا الشيخ نجم الدين: إذا كان غدا إن شاء اللّه ستردون قبر الشيخ أبي الحسن و ضيافتكم عنده زبيب و لوز.

قال الشيخ: فكان كذلك.

قال: ثم سافرنا فلما وصلنا إلى بلد عيذاب، تلقانا الناس و أضافونا ضيافات كثيرة، فكان الشيخ يبعث الطعام إلى أهل القافلة التي صحبناها فندموا على تفريطهم في خدمة الشيخ.

ثم قال لنا الشيخ: يا يحيى و عبد الحميد، لن تجوعا بعد هذه الجوعة التي حصلت لكما إلى أن تلقيا اللّه تعالى، فكان كذلك.

و حكى الشيخ يحيى المتقدم ذكره عن الشيخ يحيى التونسي قال:

حكى لنا الشيخ نجم الدين أنه كان في ابتداء أمره مشتغلا بالعلم، و كان له بساتين و أملاك و دائرة كبيرة، فانتقل عن أهله و ترك جميع أملاكه و صحب بعض الشيوخ المشار إليهم في زمانه ببلاد العجم فأقام عنده مدة.

ثم قال له: يا سيدي أريد أن تدلني على طريق السلوك؟

فقال له: نعم، امض إلى منزلك و اكشف لي عن مسألة كذا و كذا، و أخبرني بما قيل فيها، فذهب ثم رجع و أخبره بما سأل عنه.

فقال له: يا ولدي أقبل على الاشتغال بالعلم، فأقبل عليه، و هو في أثناء ذلك يسأله أن يسلكه في علم الطريقة، فلما ألحّ عليه في بعض الأيام.

قال له: امض فانظر ما قال العلماء في مسألة كذا و كذا.

فذهب ففتح الكتاب الذي فيه المسألة فوجد جميع أوراقه بياضا ليس فيها كتب، ثم فتح آخر فوجده كذلك، حتى نظر في كتبه كلها فوجدها صحائف بيضا. فرجع إلى الشيخ و هو مهتال لما رأى، فأخبره خبره.

فقال: الآن صفا قلبك، و صح توجهك، و صدقت في طلبك، ادخل الخلوة، فدخل الخلوة فأقام فيها أربعين يوما، ثم خرج و هو جوهرة مضيئة، فسأل الشيخ أن يلبسه الخرقة لينتمي إليه؟

فقال له الشيخ: لست لي تلميذا، شيخك أمامك!

قال له: يا سيدي فأين أطلبه؟.

قال: هو في ناحية المغرب.

فقال له: يا سيدي لست أعرفه!

فقال: هو يعرفك فاعزم على السفر.

قال الشيخ نجم الدين: فودعت الشيخ و قصدت البلاد أطوفها و كل شيخ أسمع به أقصده و أزوره، و كل زاوية أسمع بها أقصدها، فلم أظفر بقصدي، فبينا أنا متوجه إلى مصر في موضع يقال له: الرمل، و قد أضرّ بي العطش و آيست من نفسي، فملت من الطريق إلى شجرة و حفرت لنفسي حفرة لأرقد فيها، فإذا أنا بشيخ قد ظهر لي من عرض البرية و بيده ركوة فيها ماء فوقف عليّ، و قال: يا عبد اللّه أنت عطشان؟

فقلت: نعم يا سيدي.

فقال: اشرب، فشربت حتى رويت و حمدت اللّه تعالى.

فقال لي: الحق بي إلى مصر. و غاب عني: فسرت إلى مصر، فلما دخلت القاهرة قصدني أهل خانقاه سعيد السعداء فسألوني النزول عندهم فوافقتهم على ذلك، ثم إني لم أقم عندهم إلا قليلا حتى قيل ورد شيخ من الإسكندرية يقال له: الشيخ أبو العباس المرسي(1)تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي(2)، و هو شيخ الشيخ تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه(3).


1) تقدمت ترجمته.

2) هو: الشريف تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن عبد الجبار المغربي الشاذلي، شيخ الطائفة الشاذلية، صحب الشيخ نجم الدين الأصبهاني. قال عنه ابن دقيق العيد:« ما رأيت أعرف باللّه منه». توفي و هو في طريقه للحج بصحراء عيذاب، و بها دفن سنة ست و خمسين و ستمائة. ترجمته في:« شذرات الذهب» 7/ 481،« حسن المحاضرة» 1/ 520( 41).

3) هو: تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه الإسكندراني الشاذلي، صحب الشيخ أبا العباس المرسي و صنف في مناقبه و مناقب شيخه أبي الحسن الشاذلي. قال عنه الذهبي:« كانت له جلالة عجيبة و وقع في النفوس و مشاركة في الفضائل». توفي سنة تسع و سبعمائة، و دفن بالقرافة. ترجمته في:« شذرات الذهب» 8/ 36،« الدرر الكامنة» 1/ 273( 700).

و خرج أهل الخانقاه لتلقيه، فلم يتفق لي الخروج معهم، فلما وصل الخانقاه قصدته لأسلم عليه، فلما وقع بصري عليه، تحققت أنه الشيخ الذي سقاني في البرية، فاستحييت من عدم خروجي مع الجماعة للقائه، فلما سلمت عليه أنصفني في السلام ثم خلا بي.

و قال لي: أنت قادم و لك علينا حق و إنما جئت لزيارتك، فإذا سافرت فالحق بي إلى الإسكندرية.

قال: فأقام الشيخ أبو العباس في الخانقاه ثلاثة أيام ثم سافر، فأقمت بعده يوما أو يومين، ثم لحقت به، فألبسني الخرقة و تتلمذت له، ثم استأذنته في الإقامة عنده؟ فقال لي: دار إقامتك مكة المشرفة.

قال الشيخ يحيى التونسي(1): و ذلك كله وقع بحضورنا، فإنا كنا مع من تلقى الشيخ نجم الدين ثم تلقيت الشيخ أبا العباس، ثم اجتمعنا مع الشيخ نجم الدين عند أبي العباس بالإسكندرية، و صحبناه من هناك إلى مكة المشرفة، فأقام بها، و أقمت أنا و عبد الحميد عنده مدة طويلة، و تزوجت الزوجة التي حنثت فيها بمكة، و هي أم أولاد عبد الحميد، قال: ثم ارتحلنا إلى المدينة فأقمنا بها.

قلت: و كانت وفاة الشيخ نجم الدين بمكة سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، و لما حنث الشيخ يحيى في زوجته التي تزوجها بمكة قدم و أراد من يحللها له، فلم يجد من يفعل ذلك ممن يثق به إلا صاحبه الشيخ عبد الحميد، فسعى في زواجه بها، فلما حصلت عند عبد الحميد تشوف الشيخ يحيى إلى أن يطلقها لتحل له، فلم يفعل و اغتبط بها.

و قال له: لا أكون محللا لك، و لم آخذها بهذه النية، بل لصحبة الأدب فاقطع رجاك منها، و لا تكن ممن يفسد ما هو للّه بما هو للدنيا.

فكف عنها الشيخ يحيى، و أقامت مع الشيخ عبد الحميد فولدت له إبراهيم و إسماعيل و بنتا، فقرأ أولاده القرآن في حياته و رأس إبراهيم، و كان


1) ترجمته في:« العقد الثمين» 7/ 459( 2720).

يقول قبل سفره: ما أظن أجلي إلا قد قرب فإني مسافر من غير ضرورة، و ما أظن ذلك إلا للنقلة إلى التربة، فكان كذلك.

توفي رحمه اللّه بقطية في طريق مصر، و ذلك في سنة سبع و عشرين و سبعمائة، و عاش بعده الشيخ يحيى التونسي مدة طويلة، و كان حسن المحاضرة يقطع مجلسه بإنشاد الشعر الرقيق، و الحكايات الغريبة، و الأمثال المستظرفة غير أنه لم تكن له عربية، بل كان فصيحا بالسجية و السليقة.

و قد سأل معاوية فقال: كيف ابن زياد؟

قالوا: ظريف على أنه يلحن.

فقال: أو ليس ذلك أظرف له؟

قالوا: أو إنما استظرفه لأن السّليقة و تجنب الإعراب مما يستملح في البذلة من الكلام. و من ذلك قول الشاعر:

منطق صائب و يلحن حيناو احلى الحديث ما كان لحنا

و السليقة يراد بها طبع الإنسان، يقال: فلان يتكلم بالسليقة، أي:

بطبعه لا عن تعلم.

و كان من أكرم الناس فقير الذات ينفق ما بيده، فإذا فني اقترض الألف و الألفين، ثم يقضي قضاء جميلا، و كان له معتقدون، و رزق حظوة عند القضاة و أكابر الناس لظرفه و حسن أخلاقه و محاضرته، تولى نائبا في الإمامة و الخطابة عن القاضي شرف الدين ابن الأميوطي، و كانت خطبته كلاما ملفقا غير مرتب و لا مفقّر فيحمل في ذلك على السذاجة، و قلة الاحتفال بالتصنع في الأمور، و عاش حتى صار لا يقدر على حبس الإراقة و لو كان في المسجد.

و قال له بعض الخدام: أتعبتنا بغسل موضعك من المسجد.

فقال له: و على أي شي‌ء تأخذون الجامكية إلا على مثل هذا؟!

و قال لبعض الشيعة و قد رآه يتوضأ و يمسح على رجليه: لم لا تغسلهما؟

فقال: لأنهما طاهرتان.

فقال له: فإذا ما غسلت وجهك إلا لكونه نجسا.

و امتحن بالخدام فآذوه و ضربوه ضربا شديدا، و اتهموه بأنه تكلم فيهم عند الأمير منصور، ثم إنه صبر و لم يظهر من الجزع ما يوجب التعصب له، بل صبر و احتمل حتى بلغه الأجل.

و كان- رحمه اللّه- كلما سمع بحكاية من الصالحين أو غيرهم مما دوّن في الكتب يقول: هذه بعينها أو قريبا منها اتفق لي، و إن سمع بمغربة قال: أنا رأيت هذه، لكثرة تغربه في البلاد و سياحته، و من اجتمع بهم من سائر الطوائف.

و كان الشيخ يحيى القسنطيني من أخص الناس به و أكثرهم ملازمة له على طريق الخدمة أولا، ثم على طريق الصحبة آخرا، و تخلق الشيخ يحيى القسنطيني بأخلاقه و اكتسب من آدابه، و كان ملازما له في شبوبيته حضرا و سفرا، فتعرف بأصحاب الشيخ و معارفه، و صاروا له إخوانا من بعده، و كانت وفاة الشيخ يحيى التونسي رحمه اللّه سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة إحدى و أربعين و ستمائة.

و أما الشيخ يحيى القسنطيني فإنه اليوم من رجال زمانه و رؤساء إخوانه، قرأ القرآن في شبوبيته فحفظه وجوّده، ثم حفظ «الرّسالة» في مذهب مالك، و اشتغل بالعلم و سمع الحديث، و أقرأ القرآن و انتفع عليه جماعة، و رزق حسن السمت و وفرة العقل و صدق اللهجة، و الصّدع بالحق مع الدين المتين، و حسن اليقين، و رزق أولادا نجباء، توفي أكبرهم الفقيه شهاب الدين أحمد في سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و كان اشتغل اشتغالا كثيرا و له محفوظات عديدة، و حصّل علماء. و كان فيه أهلية الترقي إلى الفتيا، و خلف ولدين حفظا القرآن و كفلهما جدهما، وفقهما اللّه تعالى.

و كان من الشيوخ المتصدرين للإقراء و الإفادة الشيخ محمد الخراز(1)، كان من المجاورين القدماء الأخيار المتبتّلين لإقراء القرآن


1) ترجمته في:« المغانم المطابة» الورقة 264/ أ.

المفيدين بحسن الصبر و طول البال على الطلبة من غير معلوم له على ذلك بل للّه تعالى، انتفع به جماهير أولاد المجاورين و جواهرهم، مثل الشيخ محمد الحلبي و شمس الدين الششتري و نظرائهم، و ممن انتفع عليه الشيخ يحيى القسنطيني.

و أخبرني أنه أقرأ القرآن في بلاده بغداد فوق خمسمائة نفس كلهم حفظ القرآن عليه وجوده بين يديه، و كانت صنعته حز الخشب بالمخراط الشريف يعمل السبح و يبيعها و يتقوت بثمنها، أقام على ذلك مدة، و تزوج بنت عليّ(1)الفراش، فرأت معه سعادة لحسن خلقه و طيب عشرته، ثم توفي عن بنت صالحة لحقتها بركة أبيها. توفي في طريق الشام متوجها إلى المدينة في الموضع المعروف بالأخيضر، و مات و هو ساجد في الصّلاة و ذلك سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من الشيوخ المتصدرين للإقراء الشيخ الصالح المقري المجود برهان الدين إبراهيم(2)بن مسعود بن سعد القاهري المعروف بابن الجابي المسروري الإربلي الأصل، كان من الشيوخ القدماء المقرئين السبع، أقام بالمدينة بعد إقامة طويلة بمكة، و انتفع الناس به وجودوا عليه، و كان شيخا مهيبا، حسن الصمت مليح الشيبة متقدما على أبناء جنسه، استنابه القاضي شرف الدين في الإمامة و الخطابة مدة غيبته في القاهرة سنة اثنتين و أربعين، و كان قد استنابه جمال الدين المطري في غيبته في الخطابة و الإمامة أيضا في سنة ثمان و ثلاثين، و كان القاضي شرف الدين غائبا في القاهرة، و كان مجيدا في أدائهما و القيام بهما، و كان قد كف بصره في آخر عمره فصبر و احتسب.

توفي رحمه اللّه سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و مولده بالقاهرة في سنة اثنتين و ستين و سبعمائة.

و كان مثله في التصدر و الإفادة و الجودة و التحصيل الشيخ محمد


1) هو: علي الحجار الفراش. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 309( 3114)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 1/ 73( 91)،« التحفة اللطيفة» 1/ 89( 136)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 236/ أ،« العقد الثمين».

العقيبي(1)المقرئ، كان إماما في القراءات و موادها ملازما للمشتغلين، انتفع الناس عليه بدمشق و رأس فيها و انفرد، ثم بمكة ثم بالمدينة، و كان من الأولياء و أهل الفراسة و كان فيه حدّة عظيمة على الطلبة و هيبة عليهم. توفي رحمه اللّه في سنة أربع و ستين و سبعمائة.

و كان في الحرم الشريف جماعة من المؤذنين الأخيار، منهم الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة جمال الدين محمد المطري(2)الأنصاري الخزرجي العبادي، كان إماما من أئمة الحديث و التاريخ و الفقه، و المشاركة في العلوم. ولي نيابة الحكم و الخطابة و الإمامة عن القاضي شرف الدين الأميوطي، و كان متخلقا بأخلاق كل من ذكرته من الصالحين، ليس منهم شيخ و لا كبير قدر إلا و هو معه في حوائجه يساعده في قليله و كثيره، لم نجد بعد والدنا مثله في الإحسان إلينا و الشفقة علينا في تربيتنا، و تعليمنا و السعي في مصالحنا. إن قلت: قام مقام والدنا فما تعديت خطّ الاستواء.

كان لكل قادم إلى المدينة كالأهل لهم في إسكانهم و كسوتهم، و التعريف بهم و تربيتهم عند الشيخ و الخدام، و كان حسن المحاضرة، إذا جلست إليه لم تحب أن تفارقه. لم يأت بعده مثله و لا علمت فيمن كان في عصرنا من له فضله، كان جامعا للمحاسن و الفضائل، صدرا من صدور الأفاضل، و قد تخلل ذكره مع من ذكرنا من الشيوخ العاملين و الأولياء الصالحين. لم يسمع أحسن من صوته في المؤذنة، كان يفضل على صاحبه محمد بن إبراهيم(3)، إلا أنه كان لا يبذل علمه كما كان محمد بن إبراهيم، كان في عزة نفسه و المحافظة على مروءته في أعلى المقامات و أسنى التنزهات.


1) هو: ناصر الدين محمد بن عبد اللّه بن عبد اللّه الدمشقي القلعي، و يعرف بالعقيبي. ترجمته في:« العقد الثمين» 2/ 63( 215)،« التحفة اللطيفة» 2/ 497( 3854).

2) هو: جمال الدين محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الأنصاري الخزرجي العبادي الساعدي، المعروف بالمطري. مصنف كتاب:« التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة». ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 413( 3604)،« الدرر الكامنة» 3/ 315( 845)،« المغانم المطابة» الورقة 262/ ب.

3) يعني: محمد بن إبراهيم الكناني، رئيس المؤذنين. و قد تقدم ذكره.

و قد عرضت لى حكاية عنه فيها تسليك لمن ذاته عليّة، و تعزية لمن نفسه خسيسة ردية، و ذلك أنه كان في بداية شأنه و عنفوان شبابه محببا إلى أقرانه و إخوانه، لا يخرجون إلى زيارة و لا يجتمعون في متنزّه إلا أخذوه معهم، و كان قد شركه في المأذنة و الرئاسة بها الشيخ عز الدين المؤذن، لأن المدينة لم يكن فيها من يوثق به في معرفة الأوقات و تحريرها بعثوا لها من مصر ثلاثة رؤساء:

أحدهم والد الشيخ جمال الدين أحمد بن خلف، و الثاني الشيخ إبراهيم والد محمد بن إبراهيم، و الثالث عز الدين المؤذن المتقدم ذكره.

فتوفي والد جمال الدين و والد محمد بن إبراهيم رحمهما اللّه تعالى، و كانا النهاية في معرفة الوقت و حسن الصوت. و بقي عز الدين فطالت مدته حتى أسن و عجز، و كان حسن الهيئة ذا لحية طويلة و رئاسة مليحة. و اتفق أنه خرج جمال الدين المطري يوما مع أصحابه فباتوا في مسجد قباء.

و قال لعز الدين: قم عني في نوبتي، فأخلفه عز الدين فلم يقم، و بقيت المأذنة شاغرة من الرئيس، فلما جاء جمال الدين تكلم عليه الشيخ عزيز الدولة و أغلظ عليه.

فقال له: ما غبت حتى استنبت و لكني غرني عزّ الدين المؤذن، فلم يقبل عذره و كثر عليه الكلام.

فقال له جمال الدين المطري: لك عندي غير هذا المأذنة، الطلاق الثلاث يلزمه إن أذنت في هذه المأذنة حتى يموت عز الدين المؤذن و يموت الشيخ عزيز الدولة.

فتركه الشيخ و ترك الكلام معه، و صار إذا كان الوقت يؤذن على باب جبريل في الأوقات كلها و أصحابه يقتسمون عليه الجامكية. و كانت الجامكية يومئذ قليلة، فلما طال عمر عز الدين قيل له: اعمل ما عمله غيرك من ترك الزوجة بطلقة مخالعة، ثم ارجع إلى مأذنتك، ثم راجع زوجتك.

فقال: لا أفعل هذا، و لا يسمع عني ذلك و لو كان لي في المأذنة ما عسى أن يكون.

ثم إنه مات عزيز الدولة، فقيل له: إنما كان غضبك من كلام الشيخ و قد مات فافعل ما يفعله الناس، فامتنع و صبر.

فلما بنيت المأذنة الجديدة، قيل له: هذه المأذنة لم تكن حين يمينك موجودة فاستقل بها، فلم يفعل، و استمر كذلك حتى أراد اللّه تعالى، فجاء عز الدين المؤذن ليلة و قد مضى من الليل نصفه، فدق باب الحرم و دخل و قد لحقه اختلال، فطلع المأذنة الجديدة و تكلم على عادته فأنكر الناس قيامه، ثم سكت و لم ينزل، فطلعوا إليه فوجدوه ميتا رحمه اللّه، و ذلك في سنة عشر و سبعمائة، و فيها توفي عزيز الدولة أيضا فانحلت اليمين، و طلع المأذنة في أيام الحريري و كان من أكبر أحبابه، فانظر إلى هذه النفس الأبية و الهمة العلية، توفي رحمه اللّه سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و كان مولده في سنة إحدى و سبعين و ستمائة.

ثم خلفه في أخلاقه و سيادته ولده الشيخ الإمام العلامة أبو السيادة عفيف الدين عبد اللّه(1)، و زاد عليه بالمشيخة في الحديث و لقاء الشيوخ، فإنه رحل إلى العراق و سمع بها الحديث، ثم رحل إلى مصر و دمشق و حلب و كثير من الأقاليم، و لقي من شيوخ هذا الفن ما لا يحصى كثرة، و اشتهر ذكره شرقا و غربا بسبب هذا العلم و بما كان فيه من مكارم الأخلاق و الإحسان إلى الغرباء الواردين عليه.

و كان منجمعا منقبضا عن الناس ما عدا الغرباء الواردين عليه، فإنه كان لهم كالأب الشفيق، و انتهت إليه مشيخة الصوفية بمكة و المدينة، فإنه كان في زيّهم و لباسهم و أخلاقهم في أعلى المراتب، و كان إماما في علم الرجال و الحديث مع مروءة و سكينة و حشمة، مع ما رزق من الشكالة الحسنة و الخصال المستحسنة، و لم يتزوج قط، بل كان عنده جوار يقومون بخدمته و خدمة أصحابه.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 75( 2212)،« الدرر الكامنة» 2/ 284( 2201)،« معجم الشيوخ» للذهبي 1/ 336( 372)،« ذيل العبر» للعراقي 1/ 155،« المغانم المطابة» الورقة 248/ أ.

و لما توفي والده جمال الدين- رحمه اللّه- قام بخدمة أخيه تقي الدين أبي الحرم عبد الرحمن(1)، و كفل أيضا ابن أخيه عبد العزيز(2)بن يحيى بن العفيف، فربّاهما جميعا و اشتغلا بالعلم على الشيوخ، و كان كل شيخ ذي علم يرد المدينة يحسن إليه و يلزمهما العكوف عليه، و كان عبد العزيز حنبلي المذهب فبرع في عدة علوم و أتقنها و كان يحفظ أصولا متعددة و فنونا كثيرة على أقرانه و أبناء جنسه، ثم اشتغل بمذهب الشافعي و أقبل على حفظ «المنهاج» للنووي من غير إعراض عن مذهبه، بل ليجمع بين المذهبين.

ثم ارتحل إلى دمشق رغبة في لقاء الشيوخ و الأخذ عنهم فتوفي بها، و ذلك في سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة، و كان مولده في رجب من سنة اثنين و ثلاثين و سبعمائة.

و أما أخوه فإنه لم يفارقه حتى مات، و حصل علما و أفاد و درّس و تعلق بأهداب طريقة والده و رئاسته، و رزق أولادا نجباء أكبرهم الولد النجيب أبو حامد رباه عمه و انفرد بتربيته و تعليمه، فلو عاش لحصل ببركته خيرا كثيرا، و كان مولده في الحرم بمكة المشرفة سادس عشرين ذي العقدة سنة تسع و عشرين و سبعمائة.

و كانت محنة الشيخ عفيف الدين التي أصيب بها في دنياه من جهة الأمير ثابت(3)بن جمار في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة.

و ذلك أن الطواشي مختار البغدادي كان وصيا على أولاد العفيف بن مزروع، و كان صديقا للشيخ عفيف الدين ملازما له معتقدا فيه، فلما توفي الطواشي كان الوالي في المدينة يومئذ ثابت بن جماز نيابة عن أخيه ودي، فطلب العفيف و اتهمه أن للطواشي عنده مالا، فحلف له أن ليس عنده شي‌ء، فلم يصدقه و أنزله إلى الجّبّ مع شمس الدين بن عبد العزيز لكونه كان من أخصّاء العفيف و أحبابه، و طلبوا حاشية العفيف، فمسكوا ريحان


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 147( 2518)،« الدرر الكامنة» 2/ 340( 2341).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 190( 2667).

3) هو: ثابت بن جماز بن شيحة الحسيني، ناب في إمرة المدينة عن أخيه ودي، مات مقتولا في شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.« التحفة اللطيفة» 1/ 226( 689).

عتيق جمال الدين المطري فذكروا أنهم قرروه فلم يقر، فضربه الأمير ثابت بيده ضربا و جيعا بالدبوس، فأظهر لهم شيئا مما هو للعفيف كان قد أخفاه، فأخذوا جميع ما فيه من الكتب و المتاع و الأثاث حتى الحصر التي على الأرض، فأما ابن عبد العزيز فأخرج من ليلته.

و أما الشيخ عفيف الدين فبقي فيه نحو يومين و ليلتين، ثم خرج على أن يدفع لهم سبعة أحمال رز، فحسب ثمنها ألف درهم و خمسمائة و خمسة و سبعون درهما، و ضمنه ابن عبد العزيز و عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم المؤذن، فدفع لهم ذلك بعد أن اقترضه، و لم نعلم أنه قبل من أحد من أصحابه شيئا لا فيما غرم و لا فيما جدّد في بيته من أثاث و غيره و صبر و احتسب. و كانت عنده و دائع للناس غرمها لأصحابها و أخلف اللّه عليه و جمّل حاله و أعقبت هذه القصة صاحبها خيرا.

و كان الأمير المذكور قد أمر بإخراج جميع المجاورين غنيهم و فقيرهم في يوم وفاة الخادم المذكور، و أنظرهم ثلاثة أيام ليتجهزوا فيها و صمم على ذلك، ثم تركهم في يوم خروج العفيف بعد شفاعات، ثم شوش عليهم و طلب عشرة آلاف درهم من أحد عشر نفرا، و ألزمهم بالخروج من المدينة إن لم يدفعوها، فخرج الجماعة إلى قباء و جرى في ذلك كلام كثير، ثم طلع القاضي شرف الدين(1)، إلى الأمير و تكلم معه كلاما غليظا.

و قال: أنا أول من يسافر معهم، فرجع الأمير عن رأيه و بعث إليهم فدخلوا المدينة آمنين.

و أخبر محمد بن يعقوب وزير الأمير أن الحاصل الذي جمعه من بيت العفيف مع حاصل آخر كان له، و حاصل آخر كان لزوجة ولده سعد، خرج به الأمير المذكور في الليل من باب السر الذي في القلعة و دفنه خارج المدينة تحت حوش ودي، و كان معه عبد واحد لم يطلع على ذلك أحد غيره، ثم افتقده بعد أيام فلم يجده، فقرّر العبد فلم يقرّ بشي‌ء، فقتله معاقبا


1) هو: شرف الدين الأميوطي، و قد تقدمت ترجمته.

مخنوقا. و جملة ما ضاع له تسعة آلاف درهم و مائة درهم، و ذلك بعد قضية العفيف بخمسين يوما.

ثم خرج الأمير من المدينة إلى العرب، فلم يحل عليه الحول حتى قتل في شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين، و ذكر من حضر الواقعة أن أصحابه انهزموا و تركوه في المعركة غير مدفون، و ذكر لي السيد سلطان بن محارد، أنّ امرأة كان قتل ثابت ولدها فنذرت أنها متى ظفرت بجيفته، لتأخذنّ عظما من عظامه فتجعله خلالا لمنسجها تضرب به عند النسج مفتول الصوف، فلما توفي لم تزل تطلب جيفته حتى وقعت بها، فأخذت من عظامه عظاما، فأوفت بنذرها و جعلته بيدها تتشفّى به، حتى دخل عليها و سئلت تركه فتركته بعد حين.

ثم إن الشيخ عفيف الدين اشترى كتبه من الوزير المذكور و عوضه خيرا مما ذهب له، و مات رحمه اللّه عن غير عقب في سنة خمس و ستين و سبعمائة، و كان مولده سنة ثمان و تسعين و ستمائة.

و كان منهم الفقيه محمد بن إبراهيم المؤذن، و قد تقدم ذكره في مواضع متعددة؛ كان رحمه اللّه من أدين الناس و ألينهم عريكة و أحسنهم مخالطة، لو دعاه أصغر الناس إلى بيته أو نخله ذهب معه، و كان إذا جلس مجلسا عمره بالذكر و المدح، و كان إذا طلع المأذنة و تكلم فيها يوجد على كلامه روح، و كان- رحمه اللّه- لا يزال متبسما و هو مبهدل في لباسه و حركاته، يحب الفقراء و يخدمهم و يقضي حوائجهم، و كان أمين الحكم في أيام القاضي سراج الدين. توفي رحمه اللّه سنة تسع و عشرين و سبعمائة.

و أعقب ولده أبا محمد عبد اللّه(1)، كان من أحبابنا و أصحابنا بل من أولادنا، وجدنا منه برا عظيما و أدبا كثيرا، و كان له و جاهة عند أمراء المدينة آل جماز فنفع كثيرا من الناس بشفاعته، و كان محببا إلى الناس لما احتوى عليه من حسن السيرة و صفاء السّريرة، و كان بينه و بين أخويّ خصوصا أخي محمدا ملائمة عظيمة، و محبة أكيدة لا يكاد ينشرح إلا


1) تقدم ذكر مصادر ترجمته.

معهما، و لا يطلب له أنس إلا بهما. و كان رحمه اللّه يحب التنزه و المشي إلى متفرجات المدينة و منتزهاتها، إذا خرج يخرج معه الأطعمة الفاخرة و الأشياء المعدومة التي لا تكاد توجد عند غيره، فيتحف بها الجماعة.

و كان فيه كرم و طيب نفس، و ولي الرئاسة(1)بعد والده و عقّب أولادا فقهاء نجباء، أفضلهم شهاب الدين أحمد(2)

« التحفة اللطيفة» 1/ 116( 212).

، تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وجدّ في الطلب و اجتهد، و شارك في فنون متعددة و هو اليوم من أعيان جماعتهم، و لكن توفي عبد اللّه والدهم في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و مولده سنة أربع و سبعمائة.

و كان منهم محمد بن عبد الرّحمن(3)المؤذن هو و أبوه وجده، كان فقيها متفننا اشتغل بالعلم حتى ألف و صنف، و كان في النحو و اللغة إماما، و في علم الأدب و الشعر هماما، و كاتبني بقصيدة له أبانت عن فصاحته و بلاغته و قوة عربيته مطلعها:

حنانيك عبد اللّه زين المواكب‌فما أنت إلا البدر بين الكواكب

و أبيات كثيرة. كان من إخواننا في الاشتغال بالعربية، كنا نحضر جميعا عند والدي(4)رحمه اللّه، و عند الشيخ أبي عبد اللّه النحوي رحمه اللّه، ولي معه مباحثات في مسائل كثيرة، و كان ذا حردة و أنفة، لا يجلس إلا مع الكبار و لا يتكلم إلا بكلمات كبار من غير تكبر، و كان ورعا دينا حسن الصورة. لكن توفي رحمه اللّه في سنة عشرين و سبعمائة.

و كان منهم بل من خيارهم القاضي فخر الدين السنجاري أبو بكر بن ((5)) عمل مؤذنا رجاء بركة النسبة إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، و كان جهوري


1) يقصد بها: رئاسة الآذان، و يطلق لقب ريس على مؤذني الحرم النبوي و المكي.

2) هو: أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم المصري المدني الحنفي المؤذن. ترجمته في:

3) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي، و يعرف بالمطري المدني. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 512( 3916)،« العقد الثمين» 2/ 105( 261).

4) سيورد المؤلف ترجمة وافية عن والده بآخر هذا الكتاب.

5) سقط بجميع النسخ.

الصوت، على كلامه روح عظيم يدل على خشوعه و حضور قلبه، و كان معظما عند الناس يقضي حوائجهم و يلبي دعوتهم، و كان له بالقاهرة و جاهة، ينتمي إلى السبكيين فكانوا يرعونه في نفسه ثم في ذريته من بعده، و كان يقال له: سمسار الخير، لكثرة سعيه في مصالح شتى و في وظائف كثيرة تأسست ببركته و إشارته.

منها: درس المالكية، و درس الشافعية اللذين رتبهما الأمير سلار، و كذا درس الحنفية الذي بالمدرسة الأركوجية، و سقايات للماء و غير ذلك.

توفي رحمه اللّه سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة ست و ستين و ستمائة، و عقب ولده شمس الدين محمدا، كان فقيها حنفيا اشتغل بمذهب أبي حنيفة بالقاهرة على مشايخ المذهب، و جاء إلى المدينة مع والده فولي تدريس الحنفية في الشهابية، و الأركوجية، و كان من الأخيار دينا عاقلا حسن الأخلاق مبادرا لقضاء حوائج الإخوان كهفا للفقراء و المساكين. و كان مؤذنا حسن الصوت، فتزوج بنت القاضي شرف الدين الأميوطي، فرزق منها ذرية مباركة و سعيدة أصلحهم اللّه تعالى.

توفي رحمه اللّه بعد أن نهب بيته في نهبة المدينة المتقدم ذكرها، و كانت وفاته في أوائل سنة إحدى و خمسين و سبعمائة.

و كان منهم الشيخ الفقيه الصالح الأديب أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد الغرناطي و نعم الرجل، كان- رحمه اللّه- في بدء أمره مشتغلا بالعلم قد جود القراءات السبعة، و أحكم الفرائض و الحساب حتى لم يكن في المدينة مثل بديهته في ذلك، و كان قد جبّ نفسه لعارض عرض له خاف على نفسه من السّلطان، غلب على ظنه أنه لا ينفك عنه إلا بما فعل، و زيّن له أن الذي يفعله أسلم في دينه من حالته التي هو عليها و العياذ باللّه، فندم حيث لا ينفعه الندم. و في مثل ذلك قيل:

كلّ يحاول حيلة يرجو بهادفع المضرّة و اجتلاب المنفعة

و المرء يغلط في تصرف حاله‌فلربّما اختار العناء على الدّعة

ثم إنه حسن حاله و عبادته و تبتله، و رغب فيه جماعة من الخدام و أدخلوه

في خدمة الحرم الشريف، و قدموه عليهم في حفظ حواصلهم و أوقافهم، و رأس بينهم رئاسة جليلة و دخل في جملة المؤذنين أصحاب المعلوم.

فلما كبر و أسن نزل عنه، و لم يزل بين الخدام معظما محترما مشهورا بعفة اليد و اللسان في إقامة طويلة بينهم و كان قد تأثل دنيا(1)، فكان يرسل ما فضل عنه إلى إخوته في بلادهم غرناطة حتى إنه لما توفي لم يوجد له ما كان يتهم به من المال، و أوقف كتبه و جعل مقرها في المدرسة الشهابية، و أعتق عبيدا و إماء، و قدم لنفسه ذخيرة صالحة بعتقه خادمه نجيبا أحد خدام الحرم الشريف اليوم و من أميزهم عقلا و معرفة و ديانة، و حصل له به ذكر جميل و خير كثير غير قليل.

و كان أبو عبد اللّه مجيدا في صنعة الدهان و التزويق، فعمل في الحرم الشريف مع الدهانين و أثر تأثيرا حسنا، كان لي منه- رحمه اللّه- نصيب وافر و ودّ عظيم و مبادرة لقضاء حوائجي، و كان يحضر معنا الدرس و يرعانا لما كان بينه و بين والدي جزاه اللّه خيرا. و لكن توفي رحمه اللّه في سنة أربع و خمسين و سبعمائة و له إحدى و ثمانون سنة و لم يخلف عقبا.

و كان منهم الأخ في اللّه الشيخ علي بن معبد المصري(2)الأصل الشهير بالقدسي المؤذن، كان- رحمه اللّه- ملازما لوظيفة الأذان و الإقامة يغيب الناس و لا يغيب، قل أن تشغر وظيفته الإقامة على الدكة مدة حياته إن حضر أصحاب النوبة و إلا قام عنهم، و كانت نوبته في المأذنة لا تختل أبدا في صيف و لا موسم و لا غير ذلك، و كان ليلة نوبته لا يرقد إلا في المدرسة الشهابية، و إذا كان أيام الصيف خرج عياله إلى نخلهم و أقام هو في المدينة رغبة في الصلاة في الجماعة، و كان من حسن الخلق مع الديانة و الصيانة، و قلة الكلام في أعراض الناس، في الذروة العليا و المقام الأسنى، و رزق أولادا مباركين مؤذنين و بناتا مباركات، و كان له عائلة كبيرة و لا يهتبل بحالهم و لا يهمه


1) تأثل دنيا: يعني اكتسب و صار صاحب ثروة. انظر لسان العرب، مادة:« أثل».

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 302( 3090).

أمرهم، بل هو مشغول بنفسه و بالقيام بوظائفه مع البهدلة في ملبسه و حاله كله مبهدل.

و كان قدومه إلى المدينة في سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، و رغب ابن أخته محمد بن يوسف في الإقامة بالمدينة المنورة و زين له ذلك، فأقام عنده و سعى في أن يكون مؤذنا، فأذن له فكان يؤذن احتسابا، ثم شغرت وظيفة ابن الحسيني المؤذن فتولى مكانه، و كان الحسيني من المؤذنين القدماء الأخيار و تزوج محمد ابنة خاله فرزق منها أولادا مباركين، و كان محمد لا يعرف إلا بخاله فيقال له: محمد بن أخت القدسي، و كلاهما مصريان ليسا من القدس الشريف. و كان الشيخ عليّ قديم الهجرة بالمدينة من المجاورين القدماء، صحب جماعة من الصالحين الأخيار، و خدمهم و نال منهم، و كان يحكي من أخبارهم و أحوالهم ما يتأسى به و ينتفع به من اختل عليه حاله و صدئ من الغفلة قلبه. توفي رحمه اللّه في سنة اثنتين و ستين و سبعمائة و قد قارب الثمانين.

و كان منهم الفقيه الزكي النبيل سراج الدين عمر بن الأعمى(1)، كان من المؤذنين الذين ساروا بين إخوانهم و شرفوا بعقولهم، و آدابهم كان خلطا فكها حسن القراءة حسن الصوت أديبا مؤذنا مجيدا، و كان مليح الخط جود عليه أكثر أولاد المجاورين، و كان كثير المساعدة للإخوان عند الشرفاء و الأمراء، و كان محببا إليهم مكرما لديهم، يجسر على الأمراء بالكلام و يقول الجد في صورة المزح، و يقضي حوائجه منهم لنفسه و لمن استغاث به، و ترك أولادا قرّاء مؤذنين، مات أكبرهم محمد في الغرب بعد غيبة طويلة، و خلف ولدا صالحا نجيبا مؤذنا صيتا ذا صوت حسن. توفي عمر رحمه اللّه في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة.

و كان منهم حسن القطان(2)و أحمد القطان(3)، فأما حسن فخلف ولدين من جاريتين تسرّى بهما قرب وفاته فمات و هما حاملتان فولدتا جميعا


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 357( 3330)، نقلا عن ابن فرحون.

2) هو: حسن بن قاسم القطان. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 289( 965).

3) هو: أحمد بن قاسم القطان. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 126( 248).

ذكرين، كان خيارهما حسين(1)، نشأ في خير و اشتغل بالعلم و ولي وظيفة والده في الأذان، و كان صيتا حسن الأذان حسن العشرة و المداراة فعاش في الناس بعقله، ثم توفي و خلف أولادا صغارا لطف اللّه بهم.

و أما الولد الآخر فتغرب و امتحن في الشام بمحنة قطعت فيها يده و كان بريئا، و كان من أعقل الناس و أشغلهم بنفسه و تدبير بيته، و كان صيتا مؤذنا مجتهدا، خلف ولدين صالحين مباركين صيتين، توفي بالشام زمن الطاعون رحمه اللّه.

و منهم الفقيه عبد الرحمن بن ياقوت(2)و قد تقدم ذكره في ترجمة الشيخ شرف الدين الخزنداري عفا اللّه عنه.

و كان من أبناء المجاورين و رؤوساء الناس و صدور الفقهاء، الإمام العلامة يوسف بن جمال القرشي الهاشمي، كان فقيها رئيسا محصلا لعلوم شتى، رحل إلى العراق فتفقه بها على مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، و أدرك بها شيوخا أئمة في العلم فأخذ عنهم و انتفع بهم، و كسب كتبا جليلة في كل علم، و كسب مالا و نخيلا و دورا. و كان ذا عيال كثيرة و نفقة غير مقدرة فأفنى جل ماله في حياته، و باع أكثر كتبه في المدينة، و بعث منها كثيرا إلى الشام فبيع بها.

و كان أخوه الشيخ العلامة علم الدين يعقوب(3)فيه رئاسة و حفظ للمنصب و النسب، فولي القضاء بالمدينة كما سيأتي ذكره، و جرى بينهما من التحاسد و التباغض ما لم يجر بين أحد من الإخوان، و سرى ذلك في عقبهم حتى تلف حالهم و افترقت كلمتهم و طمع فيهم عدوهم، فصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حيث قال: «إياكم و البغضة فإنها الحالقة»(4).

و توفي الفقيه يوسف في حياة أخيه يعقوب، فجفا أيتام أخيه. ثم إن


1) هو: الحسين بن الحسن بن قاسم القطان المؤذن. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 291( 978).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 157( 2567).

3) ترجمته في:« المغانم المطابة» الورقة 270/ أ،« الدرر الكامنة» 4/ 434( 1208).

4) رواه الإمام مالك في« الموطأ»، باب« حسن الخلق» ص 693، الحديث 1676.

الشرفاء غرموا الفقيه يعقوب شيئا بعد التضييق عليه، فرأيت الفقيه يوسف في المنام و هو على حالة حسنة و هو يشير إلى أخيه يعقوب كالمتشمت به.

و يقول لي: ما عرف قدري حتى فقدني.

و خلف الفقيه يوسف أولادا و بناتا، كان أدينهم و أصلحهم و أكثرهم اشتغالا بالعلم و أوصلهم للرحم، الفقيه جمال الدين(1)اخترمته المنية شابا، و خلف أولادا مباركين وفقهم اللّه.

توفي الفقيه يوسف رحمه اللّه في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة إحدى و ستين و ستمائة، و توفي ولده جمال الدين في سنة تسع و خمسين و سبعمائة رحمة اللّه عليهم.

و كان ممن صحبته في اللّه الفقيه الفاضل المتفنن المتعبد شهاب الدين الصنعاني(2)، كان جلّ عمره في دمشق ثم قدم المدينة فانقطع بها و تأهل و ولد له بنت في آخر عمره، كان- رحمه اللّه- كثير الصيام لا تكاد تراه مفطرا و كان ملازما للمسجد، و له من التصانيف عدد كثير في فنون منها في مذهب الشافعي و في اللغة و العروض و غير ذلك، و تولى نيابة الحكم عن القاضي سراج الدين، و تولى التدريس في درس الحديث للقلانسي قبل جمال الدين المطري.

صحبته طويلا فلم أسمعه يحلف باللّه تعالى، و أخبرني أنه على ذلك منذ عقل عقله، و لا رأيته يخرج مثل غيره لا عند حكومة و لا عند كلام يسمعه في عرضه، و لا يكاد يعاتب أحدا للينه و حسن خلقه و كثرة خيره، و كان قد سلط عليه بعض الناس و اشتغل به و هو لا ينزعج لشي‌ء من ذلك، قد أمن الناس شره و بأسه رحمه اللّه. توفي سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من الشيوخ المعدودين في زمانهم من العلماء الحكماء المجيدين، المطلعين على علوم الأولين من حكمة و منطق و هندسة و فلسفة، أبو محمد عبد اللّه بن حجاج المغربي(3)الشهير بمكشوف الرأس، لأنه كان


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 247( 793).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 162( 350)،« المغانم المطابة» الورقة 243/ أ.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 29( 2006)،« المغانم المطابة» الورقة 247/ أ.

لا يزال كذلك. كان حبرا منقطعا للمجاورة مشغولا بنفسه، و جمع من الكتب الجليلة ما لم يجمعه أحد من جنسه، أتى بها من بلاده، كانت مشتملة على أصول و أمهات، و دواوين من تفسير القرآن، و كتب الفقه و الحديث، و التاريخ و الطب، و المنطق و الحكمة، و علوم شتى. و كان عنده من كلّ فن تصانيف عديدة، و كان له عيال و أولاد، كان إذا أراد الحج إلى بيت اللّه الحرام أدخل عند عياله جميع ما يحتاجون إليه من طعام و ماء، و سد عليهم الباب بالبناء حتى لا يصل أحد إلى بيته و لا يطلع على حاله، و لا يزال البيت كذلك حتى يأتي من مكة و يفتح عنهم.

توفي رحمه اللّه و ترك أولاده صغارا فوّصى عليهم و على ماله و كتبه نور الدين ابن الصفي فقيه الإمامية في وقتهم و رئيسهم، لأنه كان جاره و كان بينهما مؤانسة، و لم تزل الكتب عند ابن الصفي(1)حتى تلفت و أكلتها الأرضة، و ذهب خيارها و وقع عليها المطر.

ثم كبر الأولاد و سافروا إلى مصر، و بعثوا مع القاضي فخر الدين السنجاري بوكالة على تسلم الكتب و بيعها فبيعت، و ملأت المدينة حتى صار في كل بيت منها جانب من علوم لا يعرفها أحد من أهل هذا الزمان، و لا يفهمها إلا من عالج أصولها و أدرك شيوخها، و لقد باع بعض الناس منها نحو أربعة عشر مجلدا كل كتاب بدرهم نسخا مليحة صحيحة في فنون قل من يفهمها في المدينة، توفي رحمه اللّه في سنة إحدى و سبعمائة.

و كان من الأشياخ المباركين و أحبابنا السالكين أبو البركات أيمن بن محمد السعدي(2)، و كتب بخطه في آخر كتاب أيمن بن محمد بن محمد، و عدّد من أجداده أحد عشر نفرا كلهم اسمه محمد، كان له كل يوم و ليلة ثلاث ختمات، و ترك أهله و إخوانه في تونس و هاجر إلى اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و سلم، و كان له ديوان كبير في مدح سيدنا و ذخرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.


1) هو: نور الدين علي بن الصفي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 279( 3036).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 203( 582)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 234/ أ،« الدرر الكامنة» 1/ 431( 1134). و من العجيب أن أسماء آبائه الأربعة عشر محمد، كما ذكره ابن حجر في ترجمته و لكن المصنف يذكر هنا أنهم أحد عشر.

قال لي: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم فأنشدته بعض قصائدي فيه، فبصق في فيّ و قال لي: لا فضّ فوك. فلم تسقط له سنّ، و كان قد جاوز السبعين حين أخبرني بذلك. و لقد أعطيته يوما خشكانة يابسة قديمة لا تكاد تنكسر إلا بالحجر، فأخذها و قرضها كأنها قطعة سكّر، و كان يأخذ الدرهم النحاس فيقطعه بأسنانه نصفين، و كان أعجوبة الزمان و طرفة الإخوان من أدب و شعر و حكايات، من جلس إليه لا يكاد يحب فراقه، و كان حسن البديهة سريع الجواب.

حكى لنا أنه كان ساكنا في مدرسة في مدينة تونس، قال: فنزلت يوما في درج المدرسة كنت على عجل، و اتفق أن كان قاضي القضاة ابن عبد الرفيع طالعا في الدرجة و لم أشعر به، فلما سمع حسّي قال قبل أن يراني:

من النازل؟

فقلت: الطالع، فغضب عليّ و أمر بإخراجي من المدرسة. و له مثل هذا كثير، و سأذكر منه شيئا في ترجمة السراج.

و من شعره:

بلغت بشعري في الصبا و عقيبه‌جميع الأماني من جميع المطالب

فلما رأت عيناي سبعين حجةقريبا هجرت الشّعر هجر الأجانب

أيجمل بالشيخ الذي ناهز الفنابقاء على ذكر الصبا و الكواعب

حثثت السرى ليل الشباب فكيف لاأنيخ لدى صبح المشيب نجائبي

لعمرك إن العمر يوم و ليلةيكران و الدنيا مناخ لراكب

و قال في معنى قول الحكماء: من طال عمره كانت مصيبته في نفسه.

إذا طال عمر المرء سرّ و ساءه‌على أيّ حال كان فقد الحبائب

و في نفسه إن مات قبل انتهائه‌مصيبته فالمرء رأس المصائب

أنشد لنفسه في يوم العيد:

إنّ عيدا بطيبة و صلاةبمصلّى الرسول في يوم عيد

نعم ضاق واسع الشكر عنهافهي بشرى لكلّ عبد سعيد

كم تمنيتها فنلت التمني‌آخر العمر من مكان بعيد

و إذا كان في البقيع ضريحي‌و توسّدت طيب ذاك الصعيد

فاشهدوا لي بكلّ خير و يسرعند ربي و مبدئي و معيدي

و له في الغزل:

و كم رمت كتم الحبّ عمّن أحبّه‌و كيف بكتم الحبّ عن ساكن القلب

إذا اختلج السرّ المصون بخاطري‌تقلّب مني القلب جنبا إلى جنب

فتبدوا و لا تبدوا سرائر لوعتي‌و تخفى و لا تخفى و في الحال ما ينبي

و له في النخل و قد رآه مجدودا:

أنظر إلى النخل و أعناقهاقد جرت من تمرها الزاهي

مثل عروس تمّ أسبوعهافجرّدت من حليها الباهي

ما زينها إلا عراجينهاو كلّها من حكمة اللّه

و له أيضا:

ما لي أجي‌ء إلى الزيارة دائمافيقال لي: سر، إنه مشغول

حتى لقد حدثت نفسي أنني‌فيما يقول القائلون الغول

رأيته بعد وفاته في النوم و تحققت وفاته.

فقلت: يا أبا البركات، أخبرني ما صنع اللّه بك؟ فرأيته كأنه كره العلم مني بموته، فتغير عند ذلك.

فقلت: باللّه عليك أخبرني.

فقال لي: و اللّه ما لقيت من اللّه إلا خيرا.

فقلت: و اللّه لا بدّ، و كان في ذهني ما كان يحكيه في شبوبيته، و أيام ما كان فيه من التخليط الذي نحن فيه من قراءة الأسباع و الربعات و الدروس و تناول الصرر.

و قلت: من حاله كذلك لا يسلم من تباعة، و لو بالسؤال عن ذلك.

فقال لي: و اللّه و لا شي‌ء. فأعدت عليه ثلاث مرات، فقبض على شي‌ء يسير من جلد ظاهر كفه بأسنانه. و قال: و اللّه و لا مثل هذه.

فأوقع اللّه في ذهني أنه في دار الحق و أنه لم يقل إلا حقا. فبكيت و أردت أن أسأله عن حاله، ثم أنسيت.

و قلت له: أنت صاحبي فلا تنساني و اشفع لي.

توفي رحمه اللّه في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، و مولده سنة تسع و خمسين و ستمائة.

و كان من المشايخ الأجلاء مشايخ الغرب المجولين المسافرين، الشيخ علي بن فرغوص التلمساني(1)رحمه اللّه. كان له حال عجيب جليل و مقام عظيم، له رحلة طاف فيها كثيرا من بلاد المشرق و المغرب، و استفاد علوما جليلة من علم الحرف، و أسرار الطلاسم و التربيعات، و علم السيمياء و الكيمياء و الروحانيات. و جميع ما تأخذ معه فيه تجد عنده منه طرفا جيدا، و كان يحكي في مجلسه غرائب و نوادر.

انعطف عليه المجاورون و جميع أهل المدينة و كبار الدولة و وزرائها، و كذلك أهل مكة بأجمعها، و كان يمشي طريق المشيان مع جماعته فلا يقطعها إلا في شهر، لأن العرب كلها صارت تعرفه و تحبه و تعزم عليه، فكان يجعل سفره سياحة، و له مناقب جليلة و محاسن جميلة لا يسوغ ذكرها هنا، رحمة اللّه عليه.

و كان من إخواننا الأصفياء الأتقياء المتعبدين المتفقهين الشيخ محمد الهزميري، دخل المدينة و أقام بها مدة طويلة لا يعيش إلا من الحطب، يأتي بالحزمة فيبيعها و يتقوت بثمنها، ثم انتقل إلى قدم التوكل فصحب الشيخ أبا بكر الشيرازي(2)، فكان يأخد نفسه بالمجاهدة و العبادة و قيام الليل، و كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان في المسجد الشريف فلا يخرج من معتكفه حتى تتورم قدماه و ساقاه، و كان هو و الشيخ أبو بكر يتقوتون في كل ليلة بعشر زبيبات، كل واحد خمس زبيبات و أوقات يطويان، حتى إنهما إذا خرجا من معتكفهما لا يعرفان من النحول و الذبول، ثم إن الشيخ أحمد


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 291( 3062)، نقلا عن ابن فرحون.

2) تقدمت ترجمته.

التستري زوّجه ابنته، فلم يقم معها فطلقها و تزوج أخت الفقيه محمد بن صالح(1)نائب الخطابة و الإمامة، فرزق منها ولدا صالحا قارئا متفقها. مات رحمه اللّه في طريق مكة بوادي الصفراء محرما بالحج في سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة.

و كان من إخواننا المتّقين الصلحاء المتعبدين الموسوسين في العبادة الشيخ أسعد الرومي(2)، كان من كبار الأخيار، ذا عزلة و اجتهاد، و قرأ معنا في سبع ابن سلعوس، فكان يتبع الحروف و يرجع من حيث أوقفه النفس حتى لا يخل بشي‌ء من القراءة، و كان متعوبا في غسله و وضوءه، فلما توفي غسله الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد الغرناطي و طيبه بأطيب الطيب و جهزه أحسن جهاز. توفي بالمدرسة الشهابية رحمة اللّه عليه.

و كان من المشايخ الكبار المشتغلين بالعلم و العمل أبو عبد اللّه محمد التكروري الخطيب(3)، كان خطيب بلد سلطان التكرور و هي بلد مالي، و كان خطيب التكرور هذا على طريقة عظيمة من الدين و العلم و البر و الصدقة، و تفقد الإخوان و صحبة العلماء و تفقدهم، و تعظيمهم و محبة أولادهم. و كان رحمه اللّه فوق ما أصف، و لما توفي جاء الحفارون إلى جهة قبر سيدي عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فحفروا له في موضع معمور بالأموات منذ كانت المقبرة فانكشف لهم قبر تحت الأرض معقود فيه دكة و هو نظيف كأنه مكنوس كنسا، فوضع فيه كأنه بيت نزيل فيه، و توفي رحمه اللّه سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة.

و كان من المشايخ الصلحاء القدماء في المجاورة بالحرمين الشريفين، أبو فارس عبد العزيز بن زكنون التونسي(4)- رحمه اللّه-، كان رحمه اللّه


1) هو: محمد بن صالح بن إسماعيل الكناني.

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 176( 439)، نقلا عن ابن فرحون.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 504( 3884)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 3/ 487( 1306).

4) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 180؛ 2628)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 2/ 369( 2429).

فاضلا في علم القراءات، متقنا في التاريخ مجتهدا في العبادة، ساكنا محبا في السلامة من الناس و لا يكاد يسلم. قرأ عليه من أولاد المجاورين جماعة كشمس الدين الحليمي و شمس الدين الششتري و طبقتهم، و يقال عنه إنه صحب ابن سبعين، و كان من أحبابنا و لم أر عليه ما يشينه في دينه. اشترى نخيلات و أوقفها، آل أمرها إلى الخراب حتى إنه لا يكاد اليوم أحد يعرفها.

توفي رحمه اللّه في سنة ست و أربعين و سبعمائة.

و كان من أكابر المجاورين المتأخرين أصحاب المجاهدة و الصبر العظيم على مشقة العبادة و العزلة عن الناس، شمس الدين(1)الخوجندي(2)رحمه اللّه، كان يسكن بالكرا خوفا من مساكنة أهل الرباط، و كان يعمل أربعينيات يعتزل فيها عن الناس و كلامهم، و يأكل فيها اليسير من الطعام و لا يقطع الصلاة في المسجد الشريف، بل يجعل على رأسه ما يغطي به وجهه و يمنعه من الاشتغال بالنظر إلى ما يشغله، و يأتي إلى الروضة في الصف الأول فيصلي ثم يرجع في الحين إلى بيته، فلا يزال في صلاة و ذكر و دعاء.

أخبرني الفقيه سراج الدين عبد اللطيف ابن العلامة شمس الدين محمد الزرندي- و كان جاره و داره تطل على دار الشيخ- قال: لا أقوم في ساعة من الليل إلا و أسمعه بين ذكر و قراءة و دعاء و استغفار مع بكاء و عويل، و كان قد بورك له في الطعام.

أخبرني الشيخ شمس الدين الحليمي- رحمه اللّه- قال: أعطاني الشيخ صاعا من الدقيق.

و قال: اعمل منه رشيدة و أرسل لي كل ليلة منها بحفنة مطبوخة.

قال: ففعلت و استمر على ذلك مدة، ثم قال: اعمل لي منه كل ليلة قرصا. ففعلت مدة.

ثم قال: اعمل منه في كل ليلة جمعة قصعة طعام للفقراء، ففعلت.

و كان كل ليلة جمعة يجتمع عنده الفقراء فيذكرون إلى أن يذهب جزء كبير


1) هو: محمد بن عبد اللّه الخجندي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 504( 3883)،« الدرر الكامنة» 4/ 318( 860)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 262/ أ.

2) في الأصول الخطية:« الخوجندي»، و في مصادر الترجمة:« الخجندي».

الليل، و يقدم لهم ذلك الطعام الذي لا يظن أنه يكفي ثلاثة فيأكل منه فوق العشرين. قال محمد(1)المذكور: و لا نزال ننفق مما يعطينا حتى نمل ثم نأخذ الفضلة بعد ذلك.

و أخبرني بذلك جماعة من أهل الخير ممن يعرف حاله قالوا كلهم: لم نر قط مثل بركة طعامه، و كان يتواجد في الذكر و يقوم و يدور في الحلقة فيجد الجماعة منه قوة و صلابة يعجز عنها أقوياء الشباب، بحيث إن الجماعة يملون و لا يمل، و متى مسك على أحد منهم أتعبه، و كان قد أسن و كبر، و كنت أحضر عنده أحيانا. و كان له وجه و ضي‌ء عليه نور العبادة و الخير، و له لحية طويلة مليحة تبلغ إلى سرته، و مات رحمه اللّه عن وصية و تثبت و صدقة بجميع ما يملكه حتى بفراشه من تحته. توفي رحمه اللّه سنة أربع و ستين و سبعمائة.

و كان ممن أدركناه من الأكابر الصلحاء المتقدمين في عمارة الحرم بالنجارة، الشيخ أبو بكر بن يوسف(2)المعروف بالمحجوب النجار، قدم المدينة بعد حريق الحرم بالمنبر الشريف الموجود اليوم فوضعه فأحسن وضعه و في نجارته، و كتب اسمه عليه، و ذلك في سنة ست و ستين و ستمائة، ثم انقطع بالمدينة إلى أن توفي بها رحمه اللّه، كان مختلطا بالصالحين متقنعا بكسب يده، متعففا عن الأطماع المدنّسة للأعراض، مكبا على الخير.

كنت أجلس إليه فيحكي عن أهل زمانه غرائب و عجائب، و كنت لا أزال أرى حوله عددا من الحيوان بين هرر و دواب قد ألفوه بالإحسان إليهم، و كان يقول: هذا الهر جدّ هذا الهر، و هذا خال هذا، و هذا ابن عمّ هذا. قد ربّى منهم كثيرا و عرف أنسابهم، و كان يحسن إلى الدواب المضيعة في الأسواق و يرى ذلك كله من جملة الصدقات، و ربما يتمثل في ذلك بقوله عليه الصلاة و السلام: «في كل ذات كبد حرّاء أجر»(3).


1) هو: أبو عبد اللّه محمد بن يوسف الحليمي المتقدم.

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 1/ 469( 1264)،« المغانم المطابة» الورقة 231/ أ، و فيه ذكر باسم:« أبو بكر بن أحمد البخاري».

3) « المسند» للإمام أحمد 4/ 175( 17134).

أخبرني الشيخ عبد اللّه بن عمر الخراز- و كان حفيد الشيخ أبي بكر ابن بنته عائشة- قال: قال لي الشيخ أبو بكر: لما قدمت المدينة لم يكن بها من يتسمى بهذا الاسم، فظهر لي كراهة أهل المدينة مع ما انضاف إلى ذلك من تسمية بنتي عائشة، فهممت بتغيير اسمي.

قال: فرأيت سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال لي: لم تغيّر اسمك؟

فقلت له: يا رسول اللّه إجلالا لصاحبك رضي اللّه عنه.

فقال: لا تفعل، انظر إلى هؤلاء الذين تخشى منهم، و أشار إلى آخر الحرم. قال: فنظرت فإذا بسبعين شخصا أعرفهم من أهل المدينة وجوههم وجوه بني آدم و باقي أجسامهم على صفة الخنازير.

ثم قال لي صلى اللّه عليه و سلم: خذ هذه العصا و أخرجهم من المدينة.

قال: فقلت يا رسول اللّه أحبّ أن أعمّر حتى أدفنهم.

فقال: ستعيش بعدهم. قال: فانتبهت و أنا مسرور و انصرف عني ذلك الخاطر، و صاروا ينقرضون طبقة بعد طبقة.

قال: و كنت إذا جئت إلى جماعة الخرازين يقولون: كم بقي من غرمائك؟ فأقول: عشرين، عشرة، خمسة، حتى انقرضوا عن آخرهم في حياتي. و عاش مئة سنة و نيفا تغمده اللّه برحمته.

و كان من المشايخ العلماء الورعين المتنسكين المبرزين في الخير، الشيخ إبراهيم التلمساني الشافعي(1)أقام في المدينة على أحسن طريقة، لا يشبهه أحد في العزلة و الانقطاع عن الناس، عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، متحرزا من إخوانه، ملازما لأواخر المسجد يشتغل في مذهبه طول نهاره، و لا يدخل بيته إلا وقت الوضوء، و لا يأتيه أحد إلا من يتبرك به و يرتجيه، انتفع به الطلبة و تخرج عليه جماعة فظهروا نجباء علماء


1) هو: العلامة الرباني الخاشع الناسك، البرهان إبراهيم بن رجب بن حماد الرواشي الكلابي التلمساني الشافعي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 69( 41)،« الدرر الكامنة» 1/ 79( 213)،« المغانم المطابة» الورقة 235/ أ. ذكرت المصادر المطبوع نسبته:« السلماني» بدلا من:« التلمساني»، و ما أثبت حسب ما ورد في الأصول الخطية للكتاب و« المغانم المطابة».

اخترمتهم المنية شبّانا، منهم ولدا الشيخ أحمد الشويكي(1)و كانت أمهما زوجة الشيخ، و كانت زوجة صالحة، و منهم صفي الدين ابن الشيخ محمد الكازروني(2)، و انتفع به أيضا الفقيه عبد السلام(3)أخو صفي الدين، و عبد القادر الحجار(4)و غيرهم، و كانت له نية صالحة ينتفع بها من يشتغل عليه و يحسن ظنه فيه، و كان مع هذه العزلة العظيمة و الانفراد عن الخليقة يؤذى بأنواع من الكلام.

و لكن صدق القائل:

و من الذي ينجو من الناس سالماو للناس قيل بالظنون و قال

فكانوا يرون أنه يقول بالجهة و يشيعون عنه ذلك، و لم أسمع منه ما يدل على ذلك، و كان صفي الدين الكازروني ممن لا يخفى عني حاله، و كان يثنى عليه ثناء كثيرا، و ينكر أن يكون له اعتقاد يخالف اعتقاد إمامه الشافعي رضي اللّه عنه، و كان إذا بلغه ما يقال عنه لا يعاتب قائله، بل و لا يتكلم في عرضه بشي‌ء. و كان لسان حاله ينشد:

دع الناس ما شاؤوا يقولون إنني‌لأكثر ما يحكى عليّ حمول

فما كل من أغضبته أنا معتب‌و لا كلّ ما يروى عليّ أقول

كان له كتب جليلة في الفقه و الأصول و الحديث و اللغة و غير ذلك، أوقف أكثرها بمكة المشرفة و وقف بعضها بالمدرسة الشهابية، و أعتق عبدا و رباه و أحسن إليه. توفي رحمه اللّه في سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

كان من أصحابه و أحبابه الشيخ علي السخاوي من الفقراء الجياد الملازمين للروضة المشرفة، كان فيه تأنيس كثير لأصحابه و دعاء عظيم


1) هو: أحمد الشويكي الشافعي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 161( 349).

2) هو: أحمد بن محمد بن أحمد الكازروني الشافعي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 154( 306).

3) هو: عبد السلام بن أحمد بن محمد الكازروني الشافعي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 173( 2607).

4) هو: عبد القادر بن محمد بن علي القرشي العمري المدني، و يعرف بالحجار. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 195( 2681)،« إنباء الغمر» 3/ 351.

لإخوانه، كنت إذا جئت الصف الأول و لم أجد لي فيه مدخلا يفسح لي و يعزم عليّ و يقول:

سم الخياط مع المحبوب ميدان(1)

سم الخياط مع الأحباب ميدان‌خضر الجنان مع الأعداء نيران

..........

و كان لي من الإخوان الفقيه الفاضل العابد الورع الزاهد شمس الدين محمد بن يوسف الحليمي(2)رحمه اللّه، كان فيه من الخير و الصلاح و العزلة عن الناس ما لا مزيد عليه، و كان من الأولياء الأكياس، و من الناس الذين هم الناس، و كان فاضلا في مذهب أبي حنيفة مشاركا في عدة علوم.

رحل إلى دمشق في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و اشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي فآثره الشيخ على غيره، و اعتنى به و تفرس فيه الخير، فرجع و قد حصّل و استفاد، و كان إذا جلس في مجلس تكلم و أفاد، فقدت من دعاويه و أنسه و ولايته و نصيحته ما لم أفقده من أحد من الأصحاب، كان ساكنا جواري حتى مات رحمه اللّه، فلم أر منه غير الخير و المودة و المحبة في الغيبة و الحضر.

كان يقول لي: و اللّه ما وقفت تجاه الحجرة المشرفة و دعوت لنفسي إلا دعوت لك، و لا ختمت ختمة إلا دعوت لك بدأها و آخرها، و كان يقول: من شدة المودة أسأل اللّه تعالى أن لا يريني لك يوما أكرهه و أن يجعل يومي قبل يومك.

و على الجملة فكان من إخوان الصفاء و أهل الوفاء ليس من الإخوان الذين قال فيهم:

و إن من الإخوان إخوان نعمةو إخوان حيّاك الإله و مرحبا

و إخوان كيف الحال و الأهل كلهم‌و ذلك لا يسوى نقيرا مترّبا

و ما أشبه الناس اليوم في تواددهم و تصافيهم بقول القائل:

دهرنا دهر افتراق‌ليس ذا دهر التلاقي


1) هذا شطر البيت الشعري:

2) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 316( 854).

قلّ ما يلقاك إلابسلام و اعتناق

فإذا و لّيت عنه‌ثبت منه بالطلاق

نسأل اللّه تعالى العافية، و أن يذهب عنا التدابر و التحاسد و التباغض بمنّه و كرمه.

و من أعظم حسناته- رحمة اللّه عليه- تربيته لأولاد الشيخ الصالح محمود العجمي الذي تقدم ذكره في ترجمة الشيخ أبي محمد البسكري، و كان قد تزوج أختهم لأبيهم في حياة الشيخ محمود، و كانت وفاته رحمة اللّه عليه سنة إحدى و خمسين و سبعمائة. فلما توفيت والدتهم لم يبق لهم أحد يكفلهم و كانوا صغارا فكفلهم و ضمهم إلى عياله، و هم عبد الرحمن(1)و عبد الرحيم(2)و عبد اللطيف(3)فأقرأهم القرآن حتى حفظوا، ثم شغلهم بمذهب أبي حنيفة، و كان أبوهم شافعيّ المذهب، و تولى شمس الدين رحمه اللّه تقرئتهم و تعليمهم العلم بنفسه.

و أخبرنا- رحمه اللّه- أنه جمع ما ورثوه من والدهم، و والدتهم من الأثاث فباعه، فكان مبلغه ثمانمائة درهم، فكان ينفقهم من بعضها و يتّجر لهم ببعضها، و لم يزل ينميها لهم و يوفرها عليهم، و يتورع في مالهم حتى بلغ مالهم عشرة آلاف درهم، و كان إذا فضل شي‌ء من غدائهم و عشائهم يأمر بجمعه و حفظه حتى يجتمع منه كسرا يابسة، فيجعلها لهم غدا مثل البقسماط المثرود، و يجمع فصي تمرهم الذي يأكلونه، فإذا اجتمع باعه و صرف ثمنه في مصالحهم.

و بلغنا أنه كان إذا أهلّ الهلال يكتال نفقتهم، فقيل له في ذلك فقال:

أخاف أن يتعلق شي‌ء في الصاع من حبّهم فيختلط بحبنا.

فانظر إلى هذا الورع ما أحسنه و إلى ديانته و صبره و مروءته ما أحسنها!! و كان رحمه اللّه عفيف النفس عن التشوف للصدقات الواردة للمجاورين،


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 153( 2543).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 169( 2597).

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 205( 2705).

قليل السعي في الوظائف، متقنّعا باليسير من الدنيا، مظهرا للتجمل في ملبسه و حال أولاده و عياله، من أعقل الناس و أكثرهم نصحا و أحزمهم رأيا، مخالطا للناس مباينا لهم، لا يخوض معهم في شي‌ء مما تختشى عاقبته من أمور الدارين، و لا يذكر أحدا بغيبة، فإن ذكرت بحضرته أنكر أشد الإنكار، و إن سمعها من ذي حرمة التمس للمقول فيه عذرا و مخلصا، و كان من أحسن الناس خلقا و أكثرهم فكاهة في حق و أحسنهم هديا. و بالجملة فكان حسنة زمانه، و نادرة إخوانه. توفي رحمه اللّه في سنة ست و ستين و سبعمائة.

و هو خال صاحبنا في اللّه تعالى الفقيه العالم العامل الورع الزاهد شمس الدين محمد بن محمد بن يحيى الخشبي(1)ذي النفس الزكية، و الأخلاق الرضية، و الطريقة المرضية، اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة و شارك في علوم عديدة و أتقنها، ثم أكبّ على الإفادة و الاشتغال و نشر العلم طول نهاره، و صحب الشيخ العالم الرباني شيخ وقته و بركة عصره الشيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعي نفع اللّه به.

و صحب الشيخ موسى الغزاوي و الشيخ سليمان الونشريسي و خلائق لا يحصون كثرة فاكتسب من أخلاقهم و تأدب بآدابهم و سار على هديهم. و هو اليوم أحد المؤذنين بالحرم الشريف النبوي، و ليس فيهم- بل و لا في المدينة اليوم- من يعلم علم الميقات مثله، و كان قد رباه والده محمد بن يحيى، و أنشأه الشيخ محمد بن إبراهيم المتقدم ذكره، و أصله من العبابيه فرقة كبيرة من أولاد المدينة منهم يوسف الشربشير شيخ الشيعة و فقيههم، و كان جدهم مغربيا سنيا، تزوج من بنات المدينة و مات عن أولاد صغار، فنشأوا في مذهب أمهم، ثم كثروا و انتشروا و تمذهبوا بمذهب الشيعة و غلوا فيه.

و كذلك الفرقة المعروفون بالمزاتيين أبوهم أيضا من الغرب و هم طائفة كبيرة، و كان الشيخ محمد بن يحيى رجلا صالحا متصوفا متعبدا مشتغلا بالعلم مؤذنا بالحرم الشريف، استنقذه اللّه من تلك الطائفة و كان شافعيا أشعريا متيقظا في دينه، و إنما اشتغل ولده بمذهب أبي حنيفة لأن والده


1) ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 247( 669).

رحمه اللّه توفي في سنة خمس عشرة و سبعمائة و خلفه صغيرا، و كان مولده في آخر سنة ثلاث عشرة. فقدّر أن الشيخ محمد بن داود(1)تزوج والدته و كان شافعي المذهب، فلما قدم الشيخ شمس الدين ابن العجمي المدينة و أسس قواعد المذهب فيها أمر ابن داود و شمس الدين الخشبي و شمس الدين الحليمي بالاشتغال عليه، ففعلا و كثرت الحنفية بالمدينة ببركتهما، و رزق شمس الدين الخشبي أولادا نجباء قرة أعين نشؤوا على طريقة والدهم وفقهم اللّه تعالى.

و خلف الشيخ محمد بن داود ولد وليّ الدين، ارتحل إلى دمشق صغيرا فلزم خدمة العلم العالم الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ثم صحب ولده الإمام العلامة قاضي القضاة تاج الدين فسعد بصحبتهما و رأس في دمشق ببركتهما.

و كان من إخواننا الفقيه الأجل العالم العامل المتفنن بهاء الدين عمر بن محمد الهندي الحنفي(2)، كان من إخواننا الكبار، و أصحابنا الأخيار، كان منقطعا في الحرم الشريف غالب نهاره للتدريس و الإفادة، محبا في الطلبة حريصا عليهم حتى إنه يبعث للطالب إلى بيته إذا تأخر عن الإتيان، و قرأ عليه بعض الطلبة «الكافية» لابن الحاجب في بيته بالليل حتى أنهاها بحثا و فحصا، و كان في علم الأصول و الفقه و العربية إمام زمانه، مع حلم و أدب و عقل راجح و حسن خلق. و كان- رحمه اللّه تلحقه حدة في البحث ثم يرجع و يستغفر و ينصف في المجلس، و كان كثيرا ما يقول: باللّه لا تأخذ عليّ في البحث، فما أراجعك إلا طلبا للاستفادة. و كان عفيفا عن كل ما يدنس العرض، لم أر أوفى منه في حفظ أصحابه في المغيبة و الحضرة.

خرج إلى مكة حاجا في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، فرماه بعيره في المحاطب قريبا من مضيق المنحنى فيبست أعضاؤه و بطلت أكثر حركاته،


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 474( 3754).

2) هو: عمر بن محمد بن أحمد بن منصور القمطري الهندي الحنفي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 352( 3304)،« العقد الثمين» 6/ 354( 3087)، نقلا عن ابن فرحون.

فحمل إلى مكة و تأخر عن الحج، و ودعناه عند توجهنا إلى المدينة فوصانا بولديه صدر الدين و أبي عبد اللّه، ثم لم يقم بعد ذلك إلا قليلا، و انتقل إلى رحمة اللّه و رضوانه.

و كان من أصحابنا جماعة مباركين، كانوا إخوة في اللّه متلائمين، و على فعل الخير و الاشتغال بالعلم متظاهرين.

منهم الأخوان في اللّه العاملان العالمان السيدان الشيخ أبو علي الحسن بن عيسى الحاحائي(1)(2)، و الشيخ عبد السلام بن سعيد بن عبد الغالب القروي(3)، كان الشيخ حسن رحمه اللّه من العلماء الأتقياء الأقوياء في دينهم مع التفنن في علوم عديدة، إماما في مذهب مالك و في العربية و أصول الفقه، رحلة في علم الحساب و الفرائض، مشاركا في اللغة و غيرها، متصديا للاشتغال، انتفع به الطلبة من جميع المذاهب الأربعة، و كان ساكنا برباط دكالة في حجرة الصالحين، و كان أفضل جماعتنا في الدرس بعد وفاة أخي رحمه اللّه، و كان حسن الأخلاق مرغبا للطلبة في الاشتغال مع الهيبة العظيمة عليهم. توفي رحمه اللّه في سنة تسع و أربعين أو في سنة خمسين و سبعمائة.

و أما الشيخ عبد السلام فعاش بعده مدة طويلة، و انتفع به الطلبة المالكية في المذهب، و كان قد جمع إلى العلم الغزير؛ الدين المتين و العقل الراجح، كان في عقله و سكونه و حسن خلقه و جميل معاشرته و سلامة الناس من يده و لسانه بالصبر على الأذى و مقابلة السيئة بالحسنة كقول ابن دريد:

و الناس ألف منهم كواحدو واحد كالألف إن أمر عنا

و كان قد رأس و اشتهر ذكره فلم يزده ذلك إلا خمولا و انقباضا، لم أر و لم أسمع منه ما يسوؤني قط، مع الصحبة الطويلة و الملازمة العظيمة في


1) في جميع النسخ:« الحاجائي»، و التصويب من« التحفة اللطيفة» و« المغانم المطابة».

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 285( 941)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 239/ ب.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 171( 2604)،« الدرر الكامنة» 2/ 366، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 248/ أ.

الدرس و غيرها، و كان يتأدب معي في الدرس كأصغر الطلبة، يقع بيني و بينه في الدرس خروجا من حسن خلقه، و كان شيخا مليح الشكالة، حسن السمت حييا و قورا شفوقا، و كان قد صحب الشيخ أبا هادي شيخ وقته و فريد دهره، مناقبه أشهر من أن تذكر، و محاسنه لا تعد و لا تحصر، رحمة اللّه عليه.

و كان الشيخ عبد السلام عنده مقدما على أصحابه القراء و المشتغلين بالعلم، و كان الشيخ أبو الطيب يقول في حقه: من أراد أن ينظر إلى من يقدر على مساكنة الحية في جحرها فيسلم منها و تسلم منه، فلينظر إلى الشيخ عبد السلام بن غلاب رحمة اللّه عليهما.

و كان الشيخ أبو هادي قد جاور عندنا في حدود خمس و عشرين و سبعمائة، فأنزلته عندي و كنت أواليه و أخدمه، و كان منفردا عن التلامذة و الأتباع، و كان أكثر عبادته التفكر، و كان مسكني يشرف على مسكنه، فكان يعبد اللّه بالفكرة فغالب ما كنت أراه رافعا بصره إلى السماء مستغرقا بجميع حواسه في الفكرة، و حصل لي بصحبته خير كثير.

و لما قدم الشيخ عبد السلام إلى المدينة أقام بالمدرسة الشهابية على قدم التجريد مدة سنين، ثم سعى اللّه له في الزواج على يد الشيخ الصالح خادم الفقراء الشريف أبي القاسم المهدوي فزوجه بابنة الشيخ يحيى التونسي المتقدم ذكره، و كانت أختها تحت الشريف، و كان الشريف خادم الفقراء عند الشيخ أبي هادي و من هناك تأكدت الأخوة بينهما. و كان الشريف ذا همة و مروءة و خدمة للفقراء و محبة في الصالحين. توفي في ذي الحجة من سنة تسع و خمسين و سبعمائة و وصى على أولاده الشيخ عبد السلام فخلفه فيهم بأحسن الخلاقة، و كانت وفاة الشيخ عبد السلام في أوائل سنة ست و ستين و سبعمائة.

و كان من قدماء الطلبة الشيخ قاسم السلاوي(1)كان من إخواننا الفضلاء العلماء الأكياس، و كان يحضر الدرس عند والدي رحمه اللّه، و كان


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 380( 3463)، نقلا عن ابن فرحون.

من النجباء المتفننين ماهرا في علم الفرائض، نقالا للفروع. و كان من الزعماء الذين تركوا شهامتهم و قوة بطشهم في بلادهم و هاجر إلى اللّه و رسوله، و كان فقيرا ضيق الحال.

و كان مقدما في العلم و التعليم معلّمنا الشيخ محمد السبتي(1)، كان بلا شك من المحدثين، و كان من قدماء المجاورين، و له على أولاد المجاورين بل و أهل المدينة يد طولى و منة عظيمة في تعليمهم القرآن، إن قلت: إنه لم ينجب أحد من الأولاد في زمانه على يد غيره من المعلّمين فلست من الكذابين!! و كان في كتّابه فجعل العرفاء فوق من دونهم، و قدّم على كل طائفة واحدا منهم، و انتظم له سلك التعليم أكثره بالتخويف و التهديد، و كانت له فراسة عظيمة في الولدان حتى إنه ليقول للواحد منهم:

أنت كنت في مكان كذا، و فعلت كذا و كذا، فيكون ذلك حقا!! و كان يهاب في غيبته أكثر من حضوره.

و مما جرى لنا يوما معه أن الطواشي شفيعا الكرموني جاء إليه يوما فقال له: إنّ عمار الحرم قد فقدوا مربّعة خشب مدهونة يكون قدرها ذراعا في ذراع، و ما نظن أخذها إلا بعض الأولاد. فقال: اذهب فستأتيك إن شاء اللّه.

ثم قال لنا: اقرأوا و ارفعوا أصواتكم، ففعلنا.

ثم قال لنا: اسكتوا فسكتنا.

فقال: قم يا حسين فأت بالمربعة. فقال: ما أخذتها و جعل يبكي.

فقال له: أقرا على حالك. ثم دعا بعض الأولاد.

و قال له: امض إلى بيته و قل لأهله: حسين يقول لكم: ابعثوا لي المربّعة التي أتيتكم بها البارحة. فما كان إلا قليلا إذ جاء بها و هو ينظر فبهت فضربه، ثم أمر بجميع الصبيان فضربوه، و كانت فراسته قلّ أن تخطئ.


1) هو: محمد بن عبد اللّه السبتي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 505( 3888)، نقلا عن ابن فرحون.

و كان يقول للصبيان: أنت تكون ظالما، و أنت تكون فقيها. فما يتعدّى أحد منهم فيما علمت ما توسم فيه، و كان يعزم على الجان و يستحضرهم، و كان حجابه مشهورا بالنفع يأخذ ورقة على طول المصروع فيكتبها له و يعلّقها عليه فيبرأ من حينه، و لم يزل كذلك حتى أفلجوا بنته، و كانت تزحف ثم انطلق نصفها الأيمن و بقيت كذلك حتى توفيت، و لم يرجع عن حاله معهم حتى أفلجوه هو أيضا.

أصبح ذات يوم قد صرع في وسط داره و قد بطل كله، فرأيته بعد العزة و القوة يمشي في الأسواق يزحف و قد نفر عنه من كان يعرفه، و صار من الحاجة و القلة بحيث إنه يسأل و يطلب فلا ينظر إليه ابتلاء من اللّه تعالى، نسأل اللّه العافية. و بقي على ذلك سنين متعللا حتى توفي رحمه اللّه، و ولد ولده مهدي اليوم مقيم بالسوارقية توفي في حدود عشرين و سبعمائة.

و كان ممن صحبته في اللّه تعالى الشيخ عثمان التكروري(1)، و الشيخ إلياس(2)، و الشيخ صالح بن عمر الحاجاني(3)، و الشيخ محمد التلمساني(4)، و الشيخ إبراهيم المكناسي(5)، و الشيخ أبو محمد البسكري(6)، و الأخوان الصالحان علي(7)و محمد السلاويان.

فأما الشيخ عثمان فكان من الأخيار الصالحين المشتغلين بالعلم، خرج من المدينة في أثناء السنة يريد القدس الشريف هو و جماعة معه، فهلكوا بالعطش في الطريق و مات عن غير عقب، رحمه اللّه.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 253( 2941)، نقلا عن ابن فرحون.

2) هو: إلياس بن عبد اللّه المغربي المالكي. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 195( 529)، نقلا عن ابن فرحون،« المغانم المطابة» الورقة 231/ ب.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 451( 1778)، نقلا عن ابن فرحون.

4) لم أجد له ترجمة.

5) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 94( 154)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 232/ أ.

6) هو: أبو محمد عبد اللّه بن عمر البسكري. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 66( 2181)،« المغانم المطابة» الورقة 250/ أ،« الدرر الكامنة» 2/ 280( 2186).

7) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 308( 3108)، نقلا عن ابن فرحون.

و أما الشيخ إلياس فكان من الأخيار المعدودين، كان في سلامة القلب و حسن السيرة و التفرد عن الخلق على قدم عظيم، قرأ على الشيخ أبي عبد اللّه القصري، و كان من أكابر أصحابه و ممن انتفع به، و كان موته فجأة.

و ذلك أنه خرج يوما إلى البقيع فزار أهله و سلّم عليهم، ثم رجع فما بات إلا معهم، رحمه اللّه تعالى.

و أما الشيخ صالح فكان من أخواننا و أصحابنا القدماء، و كان ممن توسط حاله بين التصرف في أمور الدنيا و الآخرة، و كان سعيه في معيشته بتعفف و ديانة، و كان من أحسن الناس خلقا و أرعاهم صحبة، كثير التلاوة لكتاب اللّه تعالى، توفي عن عقب صالح مباركين مشتغلين بالعلم، فأما أكبرهم فحبب إليه التغرّب فاستقر بالقاهرة، و مات عبد الرحمن(1)غريبا شهيدا، و كان قد حصل و اشتغل و سمع كثيرا تغمده اللّه برحمته، و أقام بالمدينة سراج الدين عمر(2)فاشتغل بالفقه و الحديث، و قرأ القراءات السّبع على الشيخ محمد بن صالح المتقدم ذكره و انتفع به و لزم الخير و أهله.

و كانت وفاة والدهم في طريق مكة المشرفة محرما بالحج بالمفازة التي بين بدر و رابغ، و ذلك في سنة أربع و أربعين و سبعمائة.

و أما الشيخ محمد التلمساني، فكان من أهل الخير و الصلاح، مكبا على الاشتغال بالفقه، و كان خصيصا بالشيخ العلامة أبي العباس الشاذلي(3)رحمه اللّه، و كان محبا للعلماء و خدمتهم، طالبا للسلامة و العزلة، قليل السعي في طلب الدنيا، و كان يشتغل بتجليد الكتب و انتفع الناس به في ذلك، خلف ولدا مباركا نجيبا مشتغلا بالعلم حصل و انتفع، و قام ببر والده بعد وفاته فخلص ذمته من أشياء كانت عليه و لم يوص بها، فأداها مع عجزه و ضعفه، نفعه اللّه بنيته و أعانه على فعل الخير. و توفي والده رحمه اللّه في سنة أربع و خمسين و سبعمائة.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 132( 2455)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 341( 3260)، نقلا عن ابن فرحون.

3) هو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الشاذلي الفاسي، كان فقيها، فاضلا متقنا، إماما في أصول الفقه، توفي سنة إحدى و أربعين و سبعمائة. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 111( 198)،« المغانم المطابة» الورقة 233/ ب.

و أما الشيخ إبراهيم المكناسي، فكان والده من أصحاب الشيخ أبي محمد البسكري رحمه اللّه، و قد تقدم ذكر ذلك، و كان إبراهيم على طريقة حسنة و ديانة و عزلة، و كان حافظا لكتاب اللّه صيتا حسن الصوت و الأداء، و كان من القراء في سبع ابن السلعوسي، و من أحسنهم مراسلة و موافقة للجماعة، و خلف أولادا قراء نجباء مشتغلين بالعلم، عاشوا بين الناس بعفتهم و عقلهم و صيانتهم، و أعلاهم في ذلك منزلة الفقيه عبد اللّه(1)، له ورع و ديانة و اشتغال بالعلم. توفي والدهم رحمه اللّه في سنة سبع و أربعين و سبعمائة.

و أما الشيخ أبو عبد اللّه البسكري فكان من المشايخ الصلحاء الأخيار، مكبا على الاشتغال بالعلم و العمل، كثير العبادة و العزلة. و كان من أعيان جماعتنا في الدرس، و كان هو قارى‌ء الدولة في التهذيب، و اشتغل و حصل و كتب بخطه كثيرا و خلف ولدا مباركا.

و أما الشيخ الصالح أبو الحسن علي و أخوه أبو عبد اللّه محمد السلاويّان، فكانا على قدم عظيم في العّفة و الديانة و الانقطاع عن الناس، و كان الشيخ علي مشتغلا بالعلم و له محفوظات في فنون من العلم. و كان يشتغل بالخياطة و يتقنع بما يفتح اللّه تعالى عليه فيها، و كانا على قدم الشيوخ الذين ذكرناهم أولا، و لهما عقب صالح نشؤوا في عبادة اللّه تعالى، و الاشتغال بالعلم و التبهدل في الطريقة، و العفة و حسن السريرة، و الانقطاع عن الناس، وفقهم اللّه تعالى و أعانهم.

و كان من إخواننا و أصهارنا الشيخ شهاب الدين أحمد بن بالغ المصري(2)، كان من أكرم الناس و أحسنهم خلقا، و أبذلهم لما في يده، و أحبهم في الاجتماع بالأصحاب و لو غرم عليهم المئين من المال، و كان يسعى في دنياه بتعفيف و دين و رضى بما قدر و قسم، و كان يخدم الشريفة


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 16( 1957).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 103( 174)، نقلا عن ابن فرحون،« المغانم المطابة» الورقة 231/ أ.

زينب زوجة الأمير منصور، فيذهب في وسط السنة إلى العراق ليقبض حوالة كانت لها، و يتسبب لنفسه و ينتفع بما يفتح اللّه تعالى عليه، و يجلس مجاورا في سكون لا يتكلم إلا بخير، و لا يسعى إلا في خير، حتى يقل ما في يده فيسافر و يسلمه اللّه تعالى.

و لقد مررت عليه يوما في الموسم و هو جالس في وسط الحرم و هو ينظر في الناس.

فقلت له: مثلك يجلس في هذا الوقت و لا يسعى في مصالحه و الموسم تغتنم أيامه!!

فقال: و اللّه مالي فيه حاجة، و لا معي ما أتعب نفسي فيه. اجلس حتى نتفرج على سعي الناس فيما لا يفيدهم.

قلت له: و ما ذاك؟

قال: انظر إلى بعض الناس يدخل من هذا الباب بجد و اجتهاد، حتى أقول: هو في جهد عظيم، فإذا وصل إلى الباب الآخر رجع على عقبيه، ثم يذهب إلى الباب الآخر، ثم يرجع.

قال: فقلت له: ما خبرك؟

فقال: مالي هناك شي‌ء أطلبه، غير أن نفسي لا تدعني استقر.

و قلت له يوما: يا شهاب الدين لم لا تشتري لأولادك دارا و نخلا، يكون لهم سترا من بعدك؟ و كانت تحته خالتي الشريفة مباركة بنت الشيخ عبد الواحد الشريف الحسيني.

فقال لي: يكون تحقق أني أعلم أن زوجتي تتزوج من بعدي، و أن ابنتي تتزوج، و أما ولدي فله اللّه تعالى إن كان شقيا فلا ينفعه ما أتركه، و إن كان سعيدا فلا يضره أن لا أترك له شيئا.

ثم اشترى لهم دارا و نخلا، فكان الأمر من بعده كما قال سواء.

تزوجت المرأة، ثم تزوجت البنت بأخي علي فسعدت معه، و ولدت منه أولاده النجباء.

و أما ولده شمس الدين محمد(1)فلم ينتفع بما تركه له بل انفق جميعهم على بيعه، و سافر ولده إلى البلاد، و فتح اللّه عليه و تزوج و ولد الأولاد، و عاش بغير ما تركه له والده، و كان من أعقل الناس و أحسنهم خلقا و خلقا و أجملهم صحبة، و كان قارئا حسن الصوت، و كان الشيخ شهاب الدين من الشيوخ العارفين الذين في كلامهم عظة للمتعظين. و توفي شهاب الدين في سنة تسعة عشر و سبعمائة، و توفي ولده محمد في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، رحمهما اللّه تعالى.

و كان من إخواننا شمس الدين محمد بن عبد العزيز الجبرتي(2)- تقدم ذكر والده في صدر الكتاب- و كان شمس الدين على بر و صدقة و إحسان إلى الناس، و إيثار للفقراء، و كان من رؤساء المدينة و أجاويدها، ذا همة عليه و مرؤة سنية، و كان ممن يرجع إليه في الرأي، صحب بعد والده أمراء مصر، و أخصهم به الملك نائب السلطنة، فأحسنوا إليه و والوه لما وجدوا فيه من الديانة و الخدمة و حفظ المودة، و كان يقضي حوائج الناس بما في يده و بما هو عند غيره، يسعى في تحصيله و لو يرهن من حلي عياله كراهة أن يرجع سائله خائبا.

و كان مشهورا بالذكر الجميل، و ولي شهادة الحرم الشريف، و النظر على جميع ما يأتيه من الحواصل، و ما ينشأ فيه من العمارات، و النظر على الميضأة التي على باب السلام التي أنشأها السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي في سنة ست و ثمانين و ستمائة.

و كان إليه المرجع في جميع الآراء الصادرة عن شيوخ الحرم الشريف، و ملك الأملاك الحفيلة من النخيل و الدور، قل من نال من أولاد المجاورين مثله، و خلف أولادا نجباء، و أعقلهم و أرأسهم ولده الكبير سمّي باسم جده عبد العزيز(3)و باشر وظائف والده، و قام مقامه في الحفاظة و النباهة، و الكياسة و المروة، و سياسة الناس و لين الجانب. توفي شمس الدين رحمه اللّه في سنة خمس و ستين و سبعمائة.


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 412( 3601).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 525( 3955)، نقلا عن ابن فرحون.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة»/ 187( 2656).

و كان من قدماء المجاورين و ذوي العقل و الرأي منهم الشيخ أحمد السقا(1)، كان أول دخوله المدينة يتسبّب بسقي الماء من العين، ثم أغناه اللّه عن ذلك فعاش بعقله بين الناس، و رأس حتى كان وزير الأشراف، و كان أمينا حافظا و كان متواضعا لا يستنكف عن عمل يعود نفعه على نفسه و عياله، و ربما خرج إلى البر فيأتي على دابّة بما يحتاج إليه من حشيش و حطب، و غير ذلك.

خلف ذرية صالحة ذكورا و إناثا، فمن أولاده علم الدين سليمان(2)رأس بين إخوانه، قارئا خدوما للإخوان، تولى نظارة الربط و الأوقاف من النخيل و غيرها، فلم ير أحسن منه قياما بها من العفة و النصح، و عمر ربطا كثيرة كانت قد أشرفت على الخراب، و قل أن يشبهه أحد من أبناء جنسه في حسن طريقته، أعانه اللّه تعالى.

و كان من أولاد المدينة من نسل المجاورين «المشاكير» جماعة كثرة فضلاء أصلهم من مكة ينتسبون إلى قريش، و كان جدهم اسمه مشكور، أدركت ولده عبيد مؤذنا بالحرم الشريف، و كان اسمه عبد الرحمن(3)، و كان له إخوة أحدهم حسن بن مشكور(4)، و الآخر أحمد بن مشكور(5)، و علي بن مشكور(6).

فأما عبد الرحمن فخلف محمدا(7)و عليا(8)و مشكورا.

و أما نور الدين علي فحاز من المناصب أجلها، و كان من فضلاء


1) هو: أحمد بن عبد العزيز المدني السقا. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 114( 202)، نقلا عن ابن فرحون.

2) هو: أبو الربيع، سليمان بن أحمد بن عبد العزيز. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 416( 1614).

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 154( 2548)، نقلا عن ابن فرحون.

4) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 228( 955)، نقلا عن ابن فرحون.

5) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 156( 320)، نقلا عن ابن فرحون.

6) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 301( 3088)، نقلا عن ابن فرحون.

7) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 517( 3929)، نقلا عن ابن فرحون.

8) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 288( 3046)، نقلا عن ابن فرحون.

الشافعية، و ولي شهادة الحرم الشريف و وزارة أمير المدينة، و كان كاتبا نحريرا فقيها فطنا فهما، تبتل آخر عمره و أقبل على العبادة و الورع حتى لقي اللّه تعالى، و خلف أولادا مباركين مشتغلين بالعلم أوسطهم المسمى باسم جده عبد الرحمن(1)، وفقهم اللّه تعالى.

و أما محمد فقرأ وجود، و رأس و أعقب ولدا نجيبا مشتغلا بالعلم، مخالطا للرؤساء، ذا عقل و ديانة و حسن مداراة للخلق، و كان غالب المشاكير يتسببون بالعطارة.

توفي عبيد بن مشكور في سنة سبعمائة، و ولده محمد في حدود تسع و عشرين و سبعمائة، و ولده علي في سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و أخوه مشكور في سنة ثلاث و خمسين، و عمهم حسن في سنة ثلاث و أربعين، و خلف ولدا ارتحل إلى بعض قرى الشام و رأس فيها.

أما علي بن مشكور فخلف ولده يوسف، و انتقلت ذريته إلى وادي الصفراء و هم اليوم بها.

و كان من أولاد المدينة و مشاهير بيوتهم الشكيليون، أصلهم أيضا من مكة جدهم مسعود النجار أسنّ حتى اختلط، و كان قد تأثل(2)مالا من نخيل و دور، و كان زراعا مبختا في التجارة، و له ذرية صالحة من الأولاد و أولاد الأولاد كلهم قراء.

انجب أولاده الفقيه حسن(3)خلف أولادا و أولاده أولاده كلهم قراء، و كان قد اشتغل بالفقه و النحو و شارك في غير ذلك، و كان ولده محمد(4)بن حسن مشتغلا بالعلم مؤذنا بالحرم الشريف توفي سنة خمسين و سبعمائة.

و بقي اليوم ولده أحمد(5)هو من جملة المؤذنين أيضا و يتلو حسنا في


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 142( 2493).

2) يعني: اكتسب.

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 287( 954)، نقلا عن ابن فرحون.

4) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 470( 3729)، نقلا عن ابن فرحون.

5) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 156( 318)، نقلا عن ابن فرحون.

الفضيلة و يزيد عليه في أشياء أخوه عبد اللّه(1)، رأس في زمانه و كان صهر القاضي سراج الدين و كان أسن أولاده محمد بن مسعود، ولد له حميدان(2)و حسين(3).

فأما حميدان فكان قارئا رئيسا، و ولي الحسبة في أيام ودي(4)في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و كان له هيبة و همة، و حسن سياسة، و كثر ماله و عمر المغسلة من ماله، و لم يطل عمره. توفي سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

و أما حسين فكان قارئا مجوّدا حسن الصوت، لم يسمع أصوت منه و لا أحسن قراءة، و غالب الشكيلين كانوا قراء في سبع ابن السلعوس، و كانوا يتسببون بالعطارة.

و كان من أولاد مسعود الفقيه عليان مشتغلا بمذهب أبي حنيفة، و كان رجلا دينا منعزلا عن الناس، متسببا في العطارة و غيرها على طريقة حسنة، و من إخوته مبارك بن مسعود كان زراعا على طريقة جده، و لكل منهم عقب صالح مشتغلون بأنفسهم و سد خلتهم متقنعون في دنياهم، رحم اللّه من خلفهم.

و كان بالمدينة من أهل الخير و الصلاح جماعة من البكريّين إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ينتسبون، كانوا أمنة للخدام و المجاورين، لهم حكايات حسنة و مناقب كثيرة، و كانوا يسمون بالخلفان. أبادهم الدهر لم يبق منهم اليوم في المدينة بشر، و ارتحل بعضهم إلى مصر فأقاموا بها و تناسلوا فيها.

و كان بالمدينة منهم شخص يقال له جمال(5)، و كانت له صورة جميلة، و أفعال جليلة، و كان الشيخ أبو عبد اللّه القصري إذا رآه يقول: ينبغي أن يتزوج هذا زوجتين و ثلاث ويعان على ذلك حتى يكون له بالمدينة ذرية بكرية. توفي رحمه اللّه و خلف بنتا فتزوجت ثم توفيت رحمهم اللّه أجمعين.


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 92( 2257)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 308( 1067)، نقلا عن ابن فرحون.

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 297( 995)، نقلا عن ابن فرحون.

4) هو: الشريف ودي بن جماز بن شيحة الحسيني.

5) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 247( 794)، نقلا عن ابن فرحون.

و كان بالمدينة جماعة من العمريين ينتسبون إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، كانوا جماعة كثيرة لهم شوكة و حرمة، و كلمة نافذة، و كانوا أهل حشمة و خيل، و عبيد و أتباع، و لهم بالمدينة أملاك عظيمة و كانوا أهل نصرة لأهل السنّة مختلطين بالمجاورين و الخدام، و كانوا حسنة زمانهم و زينة وقتهم، و كان جمال الدين المطري بهم خصيصا و كان شيخهم علي بن مطرف(1)قتل شهيدا مخنوقا في المدينة المشرفة. و له قصة يطول شرحها، و ذلك في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة.

كان لنا منهم الأخ الصالح المقري الفقيه الحنفي عزّ الدين حسن بن يعلى العمري(2)رحمه اللّه، كان في الحقيقة حسنة زمانه منهم، منعطفا على قراءة القرآن، و على صحبة الإخوان و النصيحة لهم، و القيام بواجب الشرع و البغض على أهل الشر و البدع، رحمه اللّه تعالى و غفر له. خلف ذرية صالحة كلهم قرأ القرآن وجوده و اشتغل بالعلم و تبتل له. توفي رحمه اللّه في سنة ست و سبعمائة.

و كان في المدينة جماعة من ذرية الأنصار، لهم حارة يسكنونها وحدهم منهم: عبد اللّه الحاذي، كانت جدتي لأمي منهم، و كان الحذاة اسم علم عليهم، و إذا قيل: فلان من الحذاة، علم أنه من ذرية الأنصار، و كانت تحكي عن أيامها و أهلها غرائب من سلامة الباطن و السذاجة و التعفف الذي لم يسمع مثله عن أجدادهم رضي اللّه عنهم، و كانت قد أسنت و عمرت ممتعة بسمعها و بصرها حتى جاوزت المئة، أو قريبا منها و اللّه أعلم.

أخبرتني عن أخ لها أنه دخل بيته بالمدينة فوجد حية منطوية على بيت الطهارة، فضربها و قتلها فلم يخرج من موضعه حتى سقط سقف البيت عليه فمات. و هذه القضية تشبه قضية الأنصاري التي جرت يوم الخندق في زمن النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و كانت قد أدركت النار التي خرجت شرقي المدينة، و كانت تحكي لنا


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 301( 3089)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 2/ 129( 297).

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 288( 956)، نقلا عن ابن فرحون.

عنها عجائب، و كانت تحدثنا أيضا عن حريق الحرم الشريف. توفيت رحمها اللّه في سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة.

فأما ظهور النار فكان آية عظيمة، فيها تصديق لما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة.

قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‌ء لها أعناق الإبل ببصرى»(1).

و قد شرح كثير من الناس أمرها و أرخوا خبرها، و بعضهم يزيد على بعض في وصفها، و سأذكر خلاصة ما قيل في ذلك معتمدا على ما نقله الشيخ الإمام العلامة الحافظ المؤرخ ذو التصانيف المفيدة شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن إسماعيل- الشهير بأبي شامة- الدمشقي الشافعي- رحمة اللّه عليه- في كتابه (ذيل الروضتين في أخبار الدولتين)، نقله من رسائل وصلت إلى دمشق من المدينة(2).

فمن ذلك كتاب القاضي شمس الدين سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني(3)قاضي المدينة يومئذ، كتبه إلى بعض أصحابه.

قال: لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة أحد شهور سنة أربع و خمسين و ستمائة حدث في المدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، و باتت باقي تلك الليلة تزلزل، ثم استمرت تزلزل كل يوم و ليلة مقدار عشر مرات. و ذكر بعضهم في كتابه أربع عشرة مرة.

قال: و اللّه لقد زلزلت مرة و نحن حول الحجرة الشريفة اضطرب لها المنبر، حتى إنا سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه.

قلت: و كان المنبر على غير هذه الصفة اليوم، و اضطربت قناديل الحرم الشريف.

و زاد القاشاني: ثم في اليوم الثالث و هو يوم الجمعة، زلزلت الأرض


1) أخرجه البخاري في الفتن، باب خروج النار( 7117)، و مسلم في الفتن و أشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار( 2902).

2) انظر« ذيل الروضتين»، ص 189، و ما بعدها.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 428( 1669).

زلزلة عظيمة إلى أن اضطرب منام المسجد بعضه ببعض، و سمع لسقف المسجد صرير عظيم، ثم بعد ذلك انقطعت الزلازل و انبجست من الأرض نار عظيمة، كان ابتداؤها مثل مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ثم تزايدت حتى صارت مثل المدينة العظيمة، و ما ظهرت لأهل المدينة إلا ليلة السبت فاشفقوا منها إشفاقا عظيما.

قال القاضي سنان: و طلعت إلى الأمير، و كان عزّ الدين منيف بن شيحة، و قلت له: قد أحاط بنا العذاب ارجع إلى اللّه تعالى؛ فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم.

زاد القاشاني: و أبطل المكس.

قال سنان: ثم قلت للأمير: انزل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فهبط. و بتنا في المسجد ليلة الجمعة، و ليلة السبت و معنا جميع أهل المدينة، حتى النساء و الصغار، و لم يبق أحد في النخيل. حتى جاء إلى الحرم الشريف و بات الناس يتضرعون و يبكون و يصلون، و أحاطوا بالحجرة الشريفة، كاشفين رؤسهم و أقروا بذنوبهم و ابتهلوا إلى اللّه عزّ و جلّ و استجاروا بنبيه صلى اللّه عليه و سلم، و أخلصوا إلى اللّه تعالى و تاب كل من في المدينة.

ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في السماء أكثر من علو ثلاث منائر، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يصير كالسّحاب الأبيض، و بقيت السماء كالعلقة، و الناس في مثل ضوء القمر و ألسنة النار حمر طالعة تظهر في الليل مثل المشاعل، و أيقن الناس بالهلاك، و بقيت على حالها تلتهب التهابا عظيما و هي كالجبل العظيم و كالمدينة عرضا، يخرج من وسطها مهود و جبال نيران تصعد في السماء ثم تهوي فيها، ثم تخرج كذلك ثم تعود، و حسه كالرعد، و بقيت كذلك أياما ثم سالت سيلا نارا في وادي احيليين، موضع شرقي المدينة بالحرة، وراء قريظة على طريق السوارقية مسيرة من الصبح إلى الظهر، و تزايد ذلك السيل من النار و سد الطريق ثم طلع إلى الحرة و هو بحر نار يجري، و فوقه حرة تسير إلى أن قطعت وادي الشظاة و سدت طريق الماء، و الحجارة مع النار تتحرك و تسير و هي تأكل الحجارة و تذيبها، ثم صار يخرج من النار حجارة ترمي بها خلفها و أمامها حتى بنت لها جبلين خلفها و أمامها و لذلك انسد طريق الماء، و لها صوت

عظيم من آخر الليل إلى ضحوة النهار، ثم انحدر ذلك السيل مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد، و كادت تقارب حرة العريض، و خاف الناس منها خوفا عظيما و وجلت القلوب، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة و طفيت مما يلي العريض بقدرة اللّه تعالى.

و رجعت تسير في الشرق، و استمر عظمها و زيادتها في تلك الحرة و هي ترمي بشرر كالقصر و تأكل الأرض و الحجارة.

و ذكر جمال الدين المطري أن عزّ الدين سنجر(1)أخبره أن الأمير منيف بن شيحه بعثه يكشف خبرها، فقرب منها، فلم يجد لها حرا و لا ألما وراها تأكل الحجر دون الشجر(2).

و ذكر أنه وضع فيها سهما فوقع فيها النصل و لم يتغير العود، و أنه أدار السهم فاحترق الريش فقط، و قدر طول ذلك الوادي من النار بأربعة فراسخ و عرضه أربعة أميال، و عمقه قامة و نصف قامة. و هو يجري على وجه الأرض، و تخرج منها مهاد و جبال صغار فتسير على الأرض، و هو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد صار أسود و قبل الجمود لونه أحمر، و أما أمّ النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، و الأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، و كان ضؤها يرى بمكة المشرفة، و الشمس و القمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسفان.

قال العلامة أبو شامة: و ظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، و كنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار، و كل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: و لا أقدر أشرح وصفها على الكمال.

و قال سنان في آخر كتابه: و ما أقدر أصف عظمها، و ما فيها من الأهوال.


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 429( 1671)، نقلا عن ابن فرحون.

2) قال المطري في« التعريف»، ص 61:« ... و ظهر لي معنى أنها كانت تأكل الحجر، و لا تأكل الشجر، أنها كذلك لتحريم سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم شجر المدينة. فمنعت من أكل شجرها إكراما له لوجوب طاعته صلى اللّه عليه و سلم على كل مخلوق ...» انتهى.

قال القاشاني: و كتبت هذا الكتاب، و لها شهر في مكانها لا تتقدم و لا تتأخر. و ذكر جمال الدين المطري أنها بقيت ثلاثة أشهر.

و مما قيل في هذه النار:

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنالقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لهاحملا و نحن بها حقّا أحقاء

زلازل تخشع الصمّ الصلاب لهاو كيف يقوى على الزلزال شماء

أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت‌عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجري فوقه سفن‌من الهضاب لها في الأرض إرساء

كأنما فوقه الأجبال طافيةموج علاه لفرط الهيج غثاء

ترمي لها شررا كالقصر طائشةكأنها ديمة تنصبّ هطلاء

منها تكاثف في الجوّ الدخان إلى‌أن عادت الشمس منه و هي دهماء

قد أثرت سفعة في البدر لفحتهافالتمّ من بعد ذاك النور ليلاء

فيا لها آية من معجزات رسول اللّه يعقلها القوم الألباء(1)

و في هذه السنة أصاب بغداد غرق عظيم، حتى دخل الماء من أسوار بغداد إلى البلد، و غرق كثير من البلد، و دخل الماء دار الخلافة و انهدمت دار الوزير و ثلاثمائة و ثمانون دارا، و تلف من خزانة السلاح شي‌ء كثير، و أشرف الناس على الهلاك، و عادت السفن تدخل إلى وسط البلد و تخرق أزقة بغداد.

و في السنة الثانية أخذت التتار بغداد، و انقطعت الخلافة من بغداد.

و في ذلك يقول العلامة أبو شامة:

بعد ست من المئين و خمسين‌لدى أربع جرى في العام

نار أرض الحجاز مع حرق‌المسجد مع تغريق دار السلام

ثم أخذ التتار بغداد في‌أول عام من بعد ذاك بعام

لم يعن أهلها و للكفر أعوان‌عليهم يا ضيعة الإسلام


1) انظر تمام القصيدة في« ذيل الروضتين» ص 193.

و انقضت دولة الخلافة منهاصار مستعصم بغير اعتصام(1)

و أما حريق المسجد الشريف، فكان من أول ليلة من شهر رمضان من هذه السنة المذكورة، و كانت ليلة الجمعة، و كان ابتداء حريقه من الزاوية الغربية من الشمال، و ذلك أن بعض الفراشين دخل إلى خزانة ثمّ و معه نار فعلقت في آلات ثمّ و أعجزه طفيها.

و نقل جمال الدين المطري، أنه احترق فيها(2)، ثم اتصلت النار في السقف بسرعة و دبت في السقوف آخذة قبلة، فأعجلت الناس عن قطعها بعد أن نزل الأمير و اجتمع معه غالب أهل المدينة، فلم يقدروا على قطعها، و ما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد جميعها، و وقع بعض أساطينه، و ذاب رصاصها و احترق سقف الحجرة الشريفة صلى اللّه على ساكنها و سلّم، و وقع ما وقع منه في الحجرة و على القبور الشريفة، و كان ذلك قبل أن ينام الناس، و أصبح الناس يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة.

و كتب بذلك إلى الخليفة المستعصم باللّه أبي أحمد عبد اللّه بن المستنصر باللّه أبي جعفر المنصور، فبعث الصناع و الآلات على الموسم، و ابتدى في عمارته في أول سنة خمس و خمسين و ستمائة.

فلما شرعوا في العمارة لم يجترؤا على النزول إلى القبور الشريفة المقدسة ليكنسوا ما عليها، فكاتبوا الخليفة في ذلك، فلم يرد في ذلك جوابا لاشتغاله بالتتار، و استيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة، فأبقوا ذلك على حاله و عمروا سقف الحجرة و ما حولها إلى باب جبريل و إلى القبلة، و سقف الروضة الشريفة إلى المنبر.

ثم كانت وقعة التتار و دخولهم بغداد في شهر المحرم أول سنة ست و خمسين، فقتل الخليفة المذكور.

ثم وصلت الآلات من مصر فعمروا بها، و كان المتولي عليها الملك المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك الصالحي، و وصل أيضا


1) انظر تمام القصيدة في« ذيل الروضتين» ص 194.

2) يعني ذاك الخادم.

من صاحب اليمن آلات و أخشاب، و هو الملك المظفر، و عمل منبرا و أرسله في سنة ست و خمسين، و لم يزل يخطب عليه إلى سنة ست و ستين و ستمائة، فأمر الملك الظاهر بإزالته فأرسل هذا المنبر الموجود الآن، و قد تقدم ذكره مع الشيخ أبي بكر النجار الذي وضع هذا المنبر الشريف مع صناع معه.

و في سنة ثمان و خمسين و ستمائة تولى ملك مصر و الشام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، فكمل في أيامه المسجد الشريف على ما كان عليه قبل الحريق، رحمة اللّه عليه، و كان ابتداء العمارة في سنة ثلاث و ستين، ففرغ في أربع و ستين.

و أنشد الإمام العلامة أبو شامة لبعضهم(1):

لم يحترق حرم النبي لحادث‌يخشى عليه و لا دهاه العار

لكنما أيدي الروافض لا مست‌ذاك الجناب فطهرته النار

و سأذكر طرفا من وقعة التتار إذا تكرر ذكرها استطرادا، و تلخيص ما وقع: أن وزير المستعصم مؤيد الدين محمد بن محمد بن العلقمي الرافضي كان بينه و بين أبي بكر بن المستعصم والد بكر عداوة عظيمة لأذيتهما لإخوانه الرافضة، و نهب محلتهم المسماة بالكرخ، فكاتب التتار و حرضهم على قصد بغداد لأجل ما جرى على الرافضة من النهب و الخزي، فظن المخذول أن الأمر يتم له، و أنه يقيم خليفة علويا.

فأرسل أخوه إلى هولاكو و سهّل عليه أخذ بغداد، و طلب أن يكون نائبا لهم عليها، فوعده بذلك، ثم ساروا و نزلوا على بغداد، فأشار ابن العلقمي على المستعصم باللّه أني أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث و توثق لنفسه و رجع.

فقال للمستعصم: إن الملك هولاكو قد رغب أن يزوج بنته بابنك


1) ذكر السخاوي في« التحفة اللطيفة» 2/ 407، عند ذكره لترجمة أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم الكناني، أنه قال: وجد مكتوبا في بعض جدران الحرم الشريف في الحريق، و ذكر البيتين.

الأمير أبي بكر، و أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم يرتحل عنك.

فأجابه الخليفة إلى ذلك، و خرج إليه الخليفة في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء و الوزراء و الرؤساء ليحضروا العقد بزعمه، فخرجوا إليهم فضربت رقابهم، و صار يبعث إلى طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، ثم أمر هولاكو بالمستعصم و ولده أبي بكر فرفسا حتى ماتا، ثم حينئذ دخل التتار بغداد، و بذلوا السيف و استمر القتل و السبي نيفا و ثلاثين يوما فقلّ من نجا.

و يقال: إن هولاكو أمر بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف و ثمانية آلاف و كسور، فعند ذلك نودي بالأمان.

ثم هلك ابن العلقمي في السنة المذكورة قبل شهر رجب و خيب أمله، و انعكست عليه آراؤه و أكل يده ندما، فإنه بعد تلك الرتبة الرفيعة و وزارة العراق منفردا أربع عشرة سنة، ولي وزارة التتار مشاركا لغيره، و انحطت رتبته حتى كان يركب إكديشا، و كان ذا حقد و غلّ على أهل السّنة، و كان المستعصم آخر الخلفاء العراقيين، و كانت دولتهم خمسمائة سنة و أربعا و عشرين سنة، و كان هذا الخليفة حليما كريما سليم الباطن قليل الرأي حسن الديانة، لكنه كان لا يخرج عن رأي العلقمي، و بقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين.

هذه نبذة من وقعة التتار لا يسع هذا المختصر ذكر تفاصيلها، و قد خرجنا بذكر هذه الأشياء عن المقصود لكن لفوائد تتشوق النفوس إليها، و تتم الفائدة بالوقوف عليها، و لنرجع إلى ما نحن بصدده.

فأقول: و كان للحرم الشريف أبّهة عظيمة و منظر بهي، كنت إذا دخلت المسجد الشريف وجدت الروضة المشرفة قد غصت بالمشايخ المعتبرين مثلي! و مثل الشيخ أبي محمد البسكري، و الشيخ عبد الواحد الجزولي، و الشيخ عز الدين الزرندي، و الشيخ أبي بكر الشيرازي، و الشيخ أبي العباس بن الشريف أحمد الخراز، و الشيخ علي الواسطي، و الشيخ أبي الربيع سليمان الغماري، و الشيخ عبد اللّه بن حريث، و الشيخ أبي عبد اللّه

القصري، و جمال الدين المطري، و عبد اللّه الحمداني، و جماعة الخدام الذين تقدم ذكرهم لك، و مثل هؤلاء السّادة كثير.

و كان في صحن المسجد الشريف صفوف عليها جلالة و مهابة و خفارة، يستحي الإنسان يمر بين أيديهم، كان في وسط الحرم صفّ للقرشيين الجمالين، و الصيحانيين شيوخا حسانا بشيبات حسنة، مبيضين ثيابهم يحيكون عمائمهم، عليهم هيبة و سكون و وقار.

منهم جمال القرشي جدهم الكبير، و حسين القرشي، و أحمد القرشي، و أولادهم و أولاد أولادهم مثل يعقوب بن جمال، و يوسف بن جمال، و كان يجلس إليهم جماعة حالهم مثل حالهم.

وصف آخر دونهم للبصريين و الجزريين، و صف آخر للعمريين، كان شيخهم نور الدين علي بن مطرف يجلس عن يمينه و شماله أكابر العمريين و مشايخهم، ذوو أبّهة و هيبة و صور جميلة.

ثم صف آخر للمشايخ من الفقراء المتنسكين المجاورين في رباطاتهم، كشيوخ العجم على حدة، و شيوخ المغاربة على حدة.

و صف آخر للخدام المحبرين على نسق من تقدم من هيئاتهم و صفاتهم، كأن تلك الصفوف سرج من نورهم و جلالتهم.

و كان في الرواق الشرقي جماعة من أعيان الفراشين، من أهل الخير و الصلاح، و عظم المنزلة.

منهم: الشيخ علي الفراش(1)كان من الفقراء الجياد المجردين له رواية و سماع قديم، و سمع الناس عليه كثيرا و له خدمة للمشايخ الكبار، و حضر وقعة عكا فأبلى فيها بلاء حسنا، و كان يحكي عنها عجبا، كان فيه من الأنس و الحكايات المعجبات و أخبار الصالحين ما لا مزيد عليه، و كان يحاول النجارة و البناية و الحجارة، و كلّ ما دخل فيه من الأعمال أتقنه و أحكمه، لم أدرك في الفراشين مثله، رزق ذرّية صالحة محفوظين مباركين قرّامهم، و أولادهم من بعدهم، و فيهم من هو مشتغل بالعلم على مذهب


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 309( 3114)، نقلا عن ابن فرحون.

الإمام أحمد بن حنبل مع الديانة العظيمة و الورع و التصوف، و كل نسائهم و من توالد منهم على خير و صلاح و سذاجة نفع اللّه بهم. و توفي الشيخ علي الحجار في سنة أربعين و سبعمائة.

و منهم الشيخ عبد اللّه الخضري تقدم ذكره.

و منهم أحمد الأميني(1)كان من عقلائهم و رؤوسائهم و جامع شملهم.

و منهم علي بن ميمون(2)والد يوسف العجيلي، و ولده على طريقته و سلامة باطنه و قلة شره.

و منهم سعيد الهندي(3)، كان شيخا حسنا على طريقة عظيمة في الديانة و ملازمة الروضة.

و منهم عمير السوارقي(4)من قدماء الفراشين رغبة في التقرب بالخدمة لا أن يحصّل منها دنيا، له حسنات كثيرة و أوقاف عديدة و عتقاء، و صحبته إلى مكة في طريق المشيان، فكان محافظا على دينه، و له أولاد مباركون.

توفي سنة ست و ستين و سبعمائة.

و منهم الحاج بردة عتيق الحريري(5)، كان رجلا صالحا مباركا مشغولا بنفسه، لا يعرف الفضول و لا أهله، انقرضت ذريته.

و منهم سعيد الباجي(6)، ليس له ذرية.

و منهم عنبر الصرخدي(7)، كان من أتباع الشيخ عز الدين شيخ الحرم، و كان يظن أنه من عتقائه لمخالطته عياله، و ترك أولادا صغارا كفلهم الشيخ عز الدين و أقرأهم القرآن و كفل أولادهم من بعدهم حتى انقرضوا.


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 163( 354)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 303( 3095)، نقلا عن ابن فرحون.

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 409( 1567)، نقلا عن ابن فرحون.

4) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 360( 3352)، نقلا عن ابن فرحون.

5) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 212( 611)، نقلا عن ابن فرحون.

6) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 409( 1561)، نقلا عن ابن فرحون.

7) ترجمته في« التحفة اللطيفة» 2/ 361( 3359).

و من قدمائهم اليوم إقبال الحريري(1)، أسن و كبر و هو على طريقة حسنة من السكون و الاشتغال بنفسه.

و كان من الذين أدركتهم من أعيانهم اثنا عشر فراشا كان منهم الشيخ عمر الفراش(2)، كان يقرأ القرآن و كان من ألطف الناس بنية و حديثا و خدمة.

و ممن دخل معهم في أواخر الوقت رغبة في التماس بركة الخدمة، الشيخ يوسف الصعيدي الشهير بصبي الخطيب، كان من قدماء المجاورين، على طريقة حسنة قرأ القرآن على الشيخ عبد الحميد و غيره، و كان ملازما للسراج قاضي المدينة فعرف به، و كان نقيبا على الفقهاء، و كان يلبس القضاة جميعهم ثياب الخطابة، و صحب خلقا من الصالحين، و خدم كثيرا من الشيوخ المتقدم ذكرهم، له عليّ خدمة و موالاة عظيمة، و فقدت دعاه و محبته. توفي سنة ست و ستين و سبعمائة، و قد ناف على الثمانين، رحمة اللّه عليه.

و كان ممن أدركته من السقائين بالحرم الشريف الشيخ محمد السقا، المعروف بأبي حسين، هو جد أولاد الشيخ محمد الكازروني لأمهم، كان حسن الوجه طويل السبلة، تصل لحيته إلى سرّته، و ربما عثر بها، حسن الصوت، كانت له بالمدينة إقامة طويلة و مجاورة جميلة، كان- رحمه اللّه- يملأ المسجد الشريف بالدوارق يصفّها من باب الرحمة إلى باب النساء، و يجعل في أعناق الدوارق مقطعا يقيدها به حتى لا تسرق و لا تغيّر من مكانها، و ما علمته يأخذ على ذلك أجرة.

حكى لي رحمه اللّه أنه ربى من شاربه سبلتين حتى طالتا، و جعلهما منعطفتين على فمه كالقرنين.

قال: و كان مشايخ المجاورين و العلماء منهم يقولون لي: السنّة قص الشارب، فأنقص ما طال من هذين القرنين الذين شوّها و جهك و غيّرا جمالك!


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 194( 526)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 358( 3335)، نقلا عن ابن فرحون.

فأقول لهم: هذه سنّة شيخي، لا أتركها لقولكم.

قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم، إذ رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في المسجد الشريف و الناس حوله، و أنا من وراء الشباك الحديد الذي في القبلة في دار آل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. قال: فكلما هممت بالدخول من الشباك يدخل رأسي، فإذا بلغ إلى أحد القرنين منعاني من الدخول، و رأيتهما قد صارا من حديد، فعجزت عن إدخالهما، فاحترق قلبي من شدة الألم على عدم وصولي إليه صلى اللّه عليه و سلم، ثم انتبهت و تناولت المقص و قصصتهما من ساعتي قبل قص الرؤيا، فلما أصبحت شكرني الجماعة على ذلك، فقلت: و اللّه ما فعلته إلا لأجل كذا، و علمت أن الخير كله في اتباع السنّة.

ثم خلفه في سقي الماء بالحرم الشريف، و في السقاية التي كانت في المسجد المتقدم ذكرها، الشيخ حسين بن علي بن رستم الشيرازي(1)، كان من الشيوخ القدماء على طريقة حسنة، و تسبّب في الحلال بتعفف و صيانة، و خلف ولدين.

أحدهما: الفقيه الفاضل شمس الدين محمد(2)بن حسين اشتغل بالطب و رحل إلى الشام، و خالط الصوفية و رأس فيهم، و تخلق بأخلاق أهل زمانه و تأدب بآدابهم.

و الآخر: حسن(3)، فيه مكارم الأخلاق و خدمة للفقراء و موالاة حسنة، أعانه اللّه تعالى و سدده و أصلحه.

و اعلم أنا لم نقصد إلا ذكر من اشتهر بالعلم و العمل، أو بالمناقب الحسنة، و الطريق المستحسنة، فإن تخلل أولئك ذكر من هو أنزل منه درجة، فما ذكرته إلا استطرادا أو لمقصد ينبني على ذكره، و لو تتبعت ذكر من أدركته في المدينة من الأخيار و ذكر مناقبهم لملأت الأوراق بما يحمّل النجيبات العتاق، لكن اقتصرت على من حضر في فكري، و في ذلك ذكرى لمن كان له قلب، و اللّه الموفق.


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 295( 911)، نقلا عن ابن فرحون.

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 471( 3737)،« الدرر الكامنة» 2/ 428( 1146)

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 275( 918)، نقلا عن ابن فرحون.

و كان رؤوساء المدينة يوالون المجاورين و يخدمونهم، و يتقربون إلى خواطرهم بقضاء الحوائج و الهدايا و الطرف، مع حسن الاعتقاد فيهم و التماس بركتهم و أدعيتهم.

منهم: نور الدين علي بن الصيفي(1)، كان من رؤساء المدينة و خيارهم، و كان يوالي المجاورين و يخدمهم في قضاء حوائجهم، مع جلالة قدره و علو كلمته و محبّة الأمراء له، و قد تقدم أن الشيخ العالم العلامة أبا محمد عبد اللّه بن حجاج(2)الشهير بمكشوف الرأس لما توفي أسند وصيته إليه لما كان بينهما من المودة، و في هذا دليل على ما ذكرناه، و له في هذا الباب مناقب كثيرة.

و منهم نور الدين علي بن يحيى(3)، صاحب الرباط المشهور و السقاية، و كان يتحبب بالمجاورين و الخدام، و يخدمهم و يقضي حوائجهم.

حكى لي الشيخ جمال الدين المطري رحمه اللّه، أن الشرفاء في سنة فتنة اقتسموا المدينة في زعمهم لينهبوها، و كانت المدينة محشوة بالأشراف منهم المداعبة في حارة الخدام ساكنين معهم مخالطين لهم، و كذلك البدور في حوش الحسن و ما حوله، والو حاحدة في السويقة و ما حولها، و المنايفة عند المدرسة الشهابية، و آل منصور في البلاط. فأرجفوا بالناس و أشاعوا أنهم يغلقون أبواب الحرم بعد صلاة الصبح على الناس، و يعقبونهم على بيوتهم فينهبونها، و أنهم يقتلون من في الحرم من الناس، و كان لذلك أسباب و ترتيبات من أهل الشر، فاستعدّ المجاورون و الخدام لذلك، و استصحبوا أسلحتهم عند خروجهم و عند دخولهم.

فقام نور الدين علي بن يحيى في بعض الأيام بعد صلاة الصبح، و صاح بأعلى صوته: أيها الناس، الفتنة خامدة، لعن اللّه مثيرها، و كرر ذلك مرارا.


1) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 279( 3036)، نقلا عن ابن فرحون.

2) تقدم ذكره.

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 304( 3101)، نقلا عن ابن فرحون.

فقام الناس إليه و كثر الكلام و اللغط، و لم يزل ابن يحيى يسكن ما عند الناس، و ساعده أشياخ مثله في حلمه و عقله.

قال الشيخ جمال الدين(1): فسكنت الفتنة و تركوا حمل الأسلحة، و لم تزل كلمة المجاورين و الخدام واحدة يهمّ كبيرهم ما يهمّ صغيرهم، و يقومون لقيام أضعفهم، و هم اليوم في خلف نرجو من اللّه صلاحه، تستعين إحدى الطائفتين على الأخرى بغير جنسهم ليهينوهم و يذلوهم، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا و من الشيطان الرجيم.

و كان علي بن يحيى وزيرا للأمير منصور لا يخرج عن رأيه، و ربما كان يستخلفه على المدينة في بعض الأحيان لوثوقه بعقله، و حسن رأيه و سياسته للأمور. توفي رحمه اللّه في سنة سبع و عشرين و سبعمائة.

ثم ولي الوزارة يوسف بن مقدم، و كان من بيتها و أهلها، إلا أنه شدد و أخذ الناس بالهيبة و القوة حتى استغاث الناس منه، فعزل و بعده أقام ابن يحيى من السوقة الذين ليس لهم قدم في الرئاسة حسنة، فصارت سيئة، فوليها ابن النجار و على يديهما انتشر، و سبب محاولتها خرّج أهلها من المدينة و تمكن منها عدوهم.

و كان مثل ابن يحيى المتقدم في العقل و السياسة و الرئاسة نجم الدين يوسف الرومي، و كان وزيرا للأمير طفيل، رحمه اللّه توفي سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة، و هو الذي أنشأ الدرجة الموجودة اليوم لبئر أريس بقباء، عمرها في سنة أربع عشر و سبعمائة.

و كان الجماعة الخرازون قد ابتدؤا في عمارتها، فسألهم أن يتركوا ذلك له ليفوز بحسنتها، و كان الحامل لهم على ذلك أنهم كانوا إذا جاؤوا إلى مسجد قباء لا يجدون ما يتوضؤن به إلا من الحديقة الجعفرية، فكانوا يتحرجون من دخولها لما سمعوا أنها مغصوبة من ملاكها.

و كان هؤلاء الجماعة- رحمهم اللّه- قد خرجوا لعمارة بئرين بذي الحليفة، كانتا مردومتين، غير البئرين اللتين عند المسجد اليوم، و خرج


1) هو: المطري، و قد تقدم.

معهم جماعة كثيرة من الخدام و المجاورين، و تبعهم من الناس خلق كثير، فكانوا ينيفون على المئة، و أقام الناس على حفرها و بنائها نحوا من شهر، و في كل يوم يأتيهم من المدينة ما يكفيهم من الطعام، و كان أكثر ذلك من عند الخدام.

و كان الشيوخ يحفرون بأنفسهم حتى إن الشيخ محمد الخراز وقع عليه و هو في البئر حجر فشج وجهه و رأسه، و أيقنوا بوفاته فنزلوا به على أعواد كالميت و تركوه في بيته، و لم يقطعهم ذلك من العمل، و ما ظنّ أحد أنه يعيش منها، فسلمه اللّه تعالى بحسن نيته.

و عاش إلى أن توفي في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و انتفع الحاج بهاتين البئرين نفعا عظيما، و اليوم أكثر العرب يستقون منها، و كانوا يفعلون في المساجد الدامرة و الأوقاف الخربة كذلك.

و اليوم نحن في حال غير ذلك الحال، كان الخدام ذلك الزمان يثابرون على فعل المعروف، و يزدحمون على مواساة الفقير، و يرحمون الشيخ الكبير، و يقيلون عثرة الصغير، و يسترون عورات الناس.

و كان كبار الخدام يجلسون مع شيوخهم بعد صلاة العصر على الدكة التي بين باب جبريل و باب النساء، فلا يمر صغير إلا أغاثوه و رحموه، و لا يمر بائع حطب أو حشيش قد كسدت بضاعته، إلا شروها بأوفى ثمن ليفرجوا عنه من غير حاجة منهم إليه، و لا يمر بهم صغير من أولاد المجاورين إلا فرحوا به و قبّلوه و لطفوا به، يشركون فقراءهم في معلومهم.

إذا غضب أمير المدينة على أحد من المجاورين طلع أكابرهم إلى القلعة، و دخلوا على الأمير و خلصوه، و ربما طيبوا نفس الأمير بشي‌ء من مالهم.

و كذلك إن وقع أحد في غرامة، أو جناية، أو دين ثقيل، أغاثوه و ساعدوه، و لم يزل المجاورون يعرفون لهم حقهم، و يصبرون على جفوتهم و على عزتهم عليهم، و على ما عساه يصدر منهم، لأجل ما يصدر منهم من الإحسان و اللطف و الحمية، و نرجو من اللّه أن يعيد تلك المؤاخاة، و يلم شعث المصافاة.

فإن قلت: أين أولئك الناس الذين هم الناس؟

قلت: نرجو أن يعود ذلك قريبا؛ لأن الجامع باق لا يبيد و لا يفنى، و هو السنّة المحمدية، و الشريعة السنية العلية، فتجمعنا إن شاء اللّه السنّة التي تخلصنا من أهل البدعة، فنكون إن شاء اللّه تعالى أخوة متناصرين، و على الخير متعاونين، لا يأتينا الشيطان من طريق و لا باب، و لا يكلمنا عدو بظفر و لا ناب.

أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة: 22).

و اتفق في بعض السنين تضييق على القاضي سراج الدين(1)من الأمير، و طلب منه عشرة آلاف درهم، فتنكد من ذلك و جاء إلى الخدام، و شكى إليهم فأدخلوه الحجرة و منعوا أحد يصل إليه، ثم إنه خدع فخرج فطلبه الأمير إلى القلعة، و منعه من النزول للصلاة ثم خلوا سبيله، و احتالوا عليه حتى أخذوا منه ما طلبوا.

فعزّ ذلك على الخدام و أشاعوا القضية، فوصل الخبر إلى السلطان، فاحتاط على خبز الأمير، و عزل عنه غلمانه و نوابه، فاعتذروا بأن الأمير ما أخذها إلا قرضا، و دفعوا المال لوكيل القاضي، و جاءته الدراهم محمولة إلى المدينة.

و كم أعدد من محاسنهم، و أذكر من مآثرهم، و كلما ذكرت القوم و صفاتهم ازدادت الحرقة و ثارت اللوعة لفقدهم، تغمدهم اللّه برحمته، و أسكنهم فسيح جنته.

صاحت بهم حادثات الدّهر فانقلبوامستبدلين عن الأوطان أوطانا

أخلوا مدائن كان العزّ مفرشهاو استفرشوا حفرا غبرا و قيعانا

و كان على طريقة الوزيرين المتقدمين في العقل و الرئاسة، و جمع الكلمة و تسديد الأمور؛ عز الدين حسن بن علي سنجر(2)المسكي، كان


1) هو: سراج الدين عمر بن أحمد الدمنهوري. و قد تقدمت ترجمته.

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 279( 932)، نقلا عن ابن فرحون،« الدرر الكامنة» 2/ 24( 1532).

وزيرا للأمير طفيل رحمه اللّه، و كان عاقلا حليما سايسا للأمور، لم ينخرم نظام دولة الأمير طفيل إلا بعد وفاته.

و سأذكر من قضاياه الحسنة قضية واحدة تدل على غيرها.

و هي: أن الأمير طفيل كان في سنة ست و أربعين قد نفد ما في خزانته من التمر، فوفد عليه جماعة من العرب يطلبون الكيل من عنده، و كان التمر في المارستان فاضلا عما يحتاجه الفقراء، فأخبره بعض الناس بذلك و زيّن له طلب ذلك التمر من القاضي و الشيخ على سبيل القرض إلى أيام الصيف، و كان القاضي يومئذ تقي الدين الهوريني(1)، فأرسل إليهما الأمير طفيل في ذلك، و طلب منهما نحو خمسمائة صاع، فلم يمنعاه، و ألانا القول لرسوله، فطمع الأمير طفيل في قضاء حاجته، و أخبر وزيره المذكور بذلك، فنزل من عنده و اجتمع بالقاضي نور الدين الزرندي(2)، و قال له: قد علمت أن الأمراء كالأسود، إذا لاحت لهم فريسة وثبوا عليها من غير نظر في العواقب، و قد بلغني ما أجاب به القاضي رسول الأمير في قضية كذا و لم يرضني ذلك، و أنا أسأل من إحسانك أن تجتمع بالقاضي و تأمره بالتصميم على المنع في هذه القضية.

فقال له القاضي نور الدين: هذا يدل على كمال عقلك و حسن نظرك، و لكن ينبغي أن تخبرني بوجه المفسدة التي نخشاها؟

فقال له: اعلم أن الأعداء كثير، و الضد قائم، و أخذ تمر المارستان فيه شناعة، و ربما أشاع الأعداء عند السلطنة أن الأمير طفيل أخذ تمر المارستان قهرا، فيترتب على ذلك ما لا يخفى عليك.

فشكره القاضي نور الدين الزرندي على ذلك، و اجتمع بالقاضي و أخبره بذلك فسرّ القاضي بذلك، فلما جاءه رسول الأمير يستنجز وعده قال له: لا سبيل إلى ذلك، و أغلظ له في القول، فأخبر الأمير وزيره بذلك، فقال له: لا تتكلم في ذلك، و خوفه من العواقب، فرجع الأمير إلى قوله و سكت عن القضية.


1) هو: عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهوريني.

2) هو: علي بن يوسف بن الحسن الزرندي.

فانظر إلى عقل هذا الوزير و حسن تدبيره و سياسته!! توفي رحمه اللّه في سنة ثمان و أربعين و سبعمائة.

و كان من أعظم الناس موالاة للمجاورين و اختلاطا بهم القاضي نجم الدين مهنا(1)بن سنان، كان هو القاضي في الحقيقة من بين سائر قرابته، و به يناط الحل و العقد، و إليه ترجع محاكمات الشيعة و أنكحتهم و عقودهم و غير ذلك.

و كان مع هذا يتحبب إلى المجاورين و يمدحهم بالفضائل الحسنة و يستقضيهم الحوائج، و يحضر مواعيدهم و مجالس الحديث، و لا يصلي قط إلا في الروضة المشرفة، و كان يستعمل التقية كثيرا.

و كان إذا نسخ كتابا و مرّ به ذكر أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، يترضى عليهم بالخط تقيّة، و كان يحط على أصحابه من الفقهاء الإمامية و يتبرأ منهم، و له فيهم هجو ظريف فمن ذلك قوله:

أرى الدنيا تميل عن الكرام‌و ترغب في مصاحبة اللئام

فيزداد اللئيم بذاك لؤماو يصبح ساحبا ذيل احتشام

و ينسب نفسه للعلم حمقاو عند اللّه فهو من الطّغام

و يفتي المسلمين بغير علم‌و يخبط خبط عشوى في الظلام

فكم أفتى بتحريم لحلّ‌و كم أفتى بتحليل الحرام

فمن حفظ الزيارة فهو مفت‌يدرّس في الفروع و في الكلام

كذاك من اشترى كرّا و صلى‌عليه فإنه رأس السنام

تشدّ إليه أكوار(2)المطاياو يقصد في المهمات العظام

و لو قد جاءه شخص كبيرو باحثه لكان من العوام

و ما صلى و صام و قام إلاليحفظ ما حواه من الحطام


1) هو: قاضي المدينة، مهنا بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني الإمامي، كان حسن الفهم جيد النظم، يترضى عن الصحابة إذا ذكروا، و يتبرأ من فقهاء الإمامية، توفي سنة 754. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 368( 1003)،« المغانم المطابة» الورقة 267/ أ.

2) في( أ):« أطوار».

و لو تلف الذي هو في يديه‌إذا ترك الصلاة مع الصيام

فقد ترك الزكاة لأن فيهاخروج المال و هو إليه ظامي

و أما الخمس فهو به بخيل‌و يبخل بالبشاشة و الكلام

ألم تسمع كلام اللّه حقّاو قول اللّه أحسن في النظام

بأنا لا نمهلهم لخيرو لكن كي يزيدوا في الأثام

فمهلا سوف ترتجع الليالي‌عطاياها و يجذب بالخطام

و يطلب أن يقال و لات حين‌و قد خلص المخف عن الزحام

و كان لديه فضيلة و عربية و آداب، و حسن محاضرة. توفي سنة أربع و خمسين و سبعمائة.

و كان مثله خلائق متصفون بهذه الأخلاق، و لم أعده منهم و أذكره فقد كادوا يكونون على الفكر لبدا، و في قصص من ذكرنا للألباء رشدا، و إنما أردت أن يقف ذو العقل الوافر، و النظر السديد الباهر، على شي‌ء من حال المتعاصرين من قبل وقتنا فيرى ما بين العصرين و أهلهما!! سامح اللّه الجميع بفضله و كرمه.

فصل في ذكر قضاتنا و أئمتنا

و كان أولى أن يكونوا أحق بالتقديم في الذكر، غير أن قصدي من معظم من ذكرته، تنبيه من قدمته، و إنما ذكرت من سواهم تبركا بهم، و حضا لغيرهم على اقتفاء آثارهم، فالضد يظهر حسنه الضدّ، و لم أجر فيما ذكرته على منوال، و لا رتبته على مثال، بل من سبق إلى الفكرة ذكره قدمته، و من أخّره الفكر لم يسرع به الذكر.

فأول من أدركته من قضاتنا و أئمتنا الشيخ الإمام العلامة سراج الدين عمر(1)بن أحمد الخضري بن ظافر بن طراد بن أبي الفتوح الأنصاري الخزرجي، كان- رحمه اللّه- فقيها مجيدا أصوليا نحويا متفننا في علوم جمة، حدث عن الرشيد العطار، و أجاز له الشريف المريسي المنذري، و تفقه بعز الدين بن عبد السلام قليلا، ثم بالسديد التزمنتي، و النصير(2)بن الطباخ و أئمة وقته.

7 قدم المدينة سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة متوليا للخطابة، و كانت الخطابة بأيدي آل سنان بن نميلة الشريف الحسيني، و كان الحكم أيضا راجعا إليهم، و لم يكن لأهل السنة خطيب و لا إمام و لا حاكم منهم، و الظاهر أن ذلك منذ استولى العبيديون على مصر و الحجاز، فإن الخطبة في المدينة كانت باسمهم.

فلما كان في سنة اثنتين و ستين و ستمائة، وقع في مصر قحط و وباء لم


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 328( 321)،« الدرر الكامنة» 3/ 149( 353)،« طبقات الشافعية» للإسنوي 2/ 72( 662).

2) في« الدرر» و« طبقات» الأسنوي:« البصير».

يسمع في الدهور بمثله، و كاد الخراب يستولي على وادي مصر، حتى ذكر أن امرأة خرجت و بيدها مدّ جوهر فقالت: من يأخذه بمدين؟

فلم يلتفت إليها أحد، فألقته، و قالت: لا أريد شيئا لا ينفعني وقت الحاجة، فلم يلتفت إليه، و اشتغل العبيديون بما أصابهم من ذلك، فحينئذ تغلب الخلفاء العباسيون على الحجاز، و أقيمت الخطبة لهم من ذلك العهد إلى يومنا، و اللّه أعلم.

و كان أخذ الخطابة من آل سنان في سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، و استمروا حكاما على حالهم، و كان لأهل السنّة إمام يصلي بهم الصلوات فقط، و كان السلطان يومئذ الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، فأول خطيب خطب لأهل السنّة القاضي سراج الدين، و كان السلطان بعد ذلك يبعث مع الحاج شخصا يقيم لأهل السنّة الخطابة و الإمامة إلى نصف السنة، ثم يأتي غيره مع الرجبية إلى ينبع، ثم إلى المدينة، و كل من جاء لا يقدر على الإقامة نصف سنة إلا بكلفة و مشقة، لتسلط الإمامية من الأشراف و غيرهم عليه.

فأوّل من خطب السراج كما تقدم، ثم من بعده شخص يقال له:

شمس الدين الحلبي(1)، ثم من بعده شرف الدين السخاوي(2)

« التحفة اللطيفة» 2/ 439( 3643)،.

، ثم استقر سراج الدين المذكور خطيبا فخطب بالمدينة أربعين سنة، ثم سافر إلى مصر يتداوى فأدركه الموت بالسويس متوجها إلى مصر، و ذلك في سنة ست و عشرين و سبعمائة.

و أما الأئمة من أهل السنّة فلم يزالوا بالمدينة قبل هذا التاريخ، و أدركت ذرية لمحمد(3)إمام الحرم، كان معظما عند الشرفاء محببا إليهم، و قد ملك أملاكا أصلهم من تمليك الشرفاء له كأثارب و غيرها، و بلغني أن


1) لم أعثر له على ترجمة.

2) هو: أبو عبد اللّه، محمد بن موسى بن أبي بكر السخاوي القاهري المالكي، قاضي طيبة و نزيلها، ولد سنة تسع عشرة و ثمانمئة، توفي سنة خمس و تسعين و ثمانمئة. ترجمته في:

3) يعني: أبا عبد اللّه محمد السخاوي، المتقدم ذكره.

عبد المنعم كان وزيرا له، و كان مدرسا في المدرسة الشهابية، و كان يجلس للتدريس و السيف معروض بين يديه، و كان مدرس المالكية يومئذ الشيخ أبا إسحاق له كتب في المدرسة بخطه أوقفها، و كان منهم رجل صالح عالم مصنف و هو صاحب «الضوابط الكلية في علم العربية».

و كان منهم النظام له ذرية و كان لهم بالمدينة أملاك، و ذكر أنهم أقاموا في منصبهم مستضعفين يجنيهم الشرفاء و يؤذونهم، فارتحلوا بأولادهم و تركوا أملاكهم.

و كنت أسمع من كبار أهل المدينة أن الشرفاء بعثوا إليهم و أمنوهم على أن يرجعوا إلى المدينة، فلم يفعلوا حتى أخذت أملاكهم و تملكّت.

و بالمدينة موضع يسمى: «سيّما النظامية» منسوبا إليهم، و كان موضع يقال له «الإماميّة» منسوب إلى إمام المسجد الشريف.

فلما قرر القاضي سراج الدين بالمدينة خطيبا فلطالما عملوا معه من القبائح و الأذى ما لم يصبر عليه غيره فصبر و احتسب، و أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء و هو يخطب على المنبر.

فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام و جلسوا بين يديه، فكان هذا هو السبب في إقامة صف الخدام يوم الجمعة قبالة الخطيب، و خلفهم غلمانهم و عبيدهم خدمة و حماية للقضاة، و تكثيرا للقلة و نصرا للشريعة.

فانظر كيف كان اتحادهم و اجتماع قلوبهم!! رحمهم اللّه تعالى.

و كان يصبح باب بيته عليه مغلوقا، و في بعض الأحيان يلطخونه بالنجاسة و يتبعونه بكل أذى و هو صابر، و ربما عذرهم لاحتراقهم على خروج المنصب من أيديهم بعد توارثهم له، فقد كان سنان(1)قاضي المدينة خطيبها، و كذلك ولده عبد الوهاب فيما يغلب على ظني.

حكى لي الشريف سلطان بن نجاد أحد شيوخ الشرفاء الوحاحدة قال:

أدركت القاضي شمس الدين سنان يخطب على المنبر و يذكر الصحابة


1) هو: سنان بن عبد الوهاب بن نميلة، و قد تقدم ذكره.

و يترضى عنهم، ثم يذهب إلى بيته فيكفر عن ذلك بكبش يذبحه و يتصدق به، يفعل ذلك كل جمعة عقب الصلاة.

و مما حكاه ابن جبير في «رحلته» وعده من غرائبه التي رأها في رحلته، أنه قدم المدينة زائرا مع الحاج، فحضر صلاة الجمعة و هم بالمدينة.

قال: فطلع الخطيب و كان من الشرفاء الإمامية فخطب ثم جلس في أثناء الخطبة، و تقدم من عنده غلمانه يطوفون على الناس و يأخذون منهم شيئا للخطيب فجمعوا له شيئا ثم جاؤوا به إليه فرده، و قال: لا يكفيني، فعادوا على الناس الرجال منهم و النساء فزادوهم فلم يقبل، و الناس في ضيق من تأخير جمعتهم.

قال: ثم لم يزل كذلك حتى قرب وقت العصر فنزل و صلى(1).

ثم إن السراج(2)تزوج بنت القيشاني و كان رئيس الإمامية و فقيهها، حتى قيل: إن المدينة لم يكن بها من يعرف مذهب الإمامية حتى جاءها القيشانيون من العراق، و ذلك أنهم كانوا أهل مال عظيم، فصاروا يؤلفون ضعفة الناس بالمال و يعلمونهم قواعد مذهبهم، و لم يزالوا على ذلك حتى ظهر مذهبهم و كثر المشتغلون به، و عضده الأشراف في ذلك الزمان، و لم يكن لهم ضد، و لا في مصر و لا في الشام من يلتفت إليهم، لأن الملك العادل نور الدين الشهيد كان حاكما على البلدين، لكن همه الجهاد و لا يستقر له قرار.

ثم ولي بعد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فسار على طريقة الملك العادل و زاد عليه، و كان صاحب المدينة أبو فليته قاسم(3)بن المهنا يحضر معه الفتوحات، و يلازمه في الغزوات، فلم يكن أحد يجسر على الكلام في الإمامية في ذلك الزمان.


1) انظر رحلة ابن جبير، ص 179، و ما بعدها.

2) يعني: سراج الدين الدمنهوري. و قد تقدم ذكره.

3) هو: أبو فليته القاسم بن مهنا بن حسين بن مهنا الحسيني، كان أمير المدينة في أيام الخليفة المستضي‌ء بأمر اللّه، و كان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يستصحبه معه في غزواته حتى حضر معه أكثر فتوحاته. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 378( 3458).

و لما صاهرهم السراج انكف عنه الأذى قليلا، و صار يخطب و يصلي من غير حكم و لا أمر و لا نهي.

و كان إذا عقد في البلد عقد نكاح بغير إذن علي بن سنان(1)و أمره، طلب الفاعلين لذلك و عزرهم و سلط عليهم الشرفاء، و كان المجاورون و أهل السنّة إذا أرادوا عقد نكاح أو فصل حكومة على مذهبهم، يأتون والدي ليعقد لهم أو يصلح بينهم.

فيقول لهم: لا أفعل حتى يأتيني كتاب ابن سنان، فيذهبوا إلى علي بن سنان فيعطونه ما جرت به عادته، فيكتب لهم إلى والدي ما صورته: (يا أبا عبد اللّه اعقد نكاح فلان على فلانة)، أو (اصلح بين فلان و فلان).

و لم يزل الأمر على ذلك حتى كانت أيام شيخ الخدام الحريري، و قد تقدم ذكرها و تاريخها، فكثر المجاورون و سألوا الملك الناصر محمد بن قلاوون أن يكون لأهل السنّة حاكم يحكم بينهم، و يحملهم على مذهبهم، فجاء تقليد بذلك للقاضي سراج الدين و جاءته على ذلك خلعة و ألف درهم، و كان فيه معرفة و مداراة.

فقال: أنا لا أتولى حتى يحضر الأمير منصور(2)بن جماز، فأحضروه.

فقال له السراج: قد جاءني من السلطان مرسوم بكذا، و أنا لا أقبل حتى تكون أنت المولي لي، فإنك إن لم تكن معي لم يتم أمري و لا ينفذ حكمي.

فقال له: قد رضيت، و أذنت فاحكم و لا تغير شيئا من أحكامنا و لا حكامنا.

فاستمر الحال على ذلك يحكم بين المجاورين و أهل السنّة، و آل سنان يحكمون في بلادهم على جماعتهم و على من دعى إليهم من أهل السنّة، فلا


1) هو: علي بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة. ذكره في:« التحفة اللطيفة» 2/ 278( 3033)، نقلا عن ابن فرحون.

2) هو: منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم الحسيني.

يقدر أحد على الكلام في ذلك و التقدم في الأمور لهم، و أمر الحبس راجع إليهم، و الأعوان تختص بهم، و الإسجالات تثبت عليهم، و السراج يستعين بأعوانهم و بحبسهم.

استمر ذلك الحال مدة السراج حتى مات، و كان السراج- رحمه اللّه- يواسي الضعفاء و يتفقد الأرامل و الأيتام ببره و زكاته، و يقصدهم في بيوتهم بنفسه، و كان لا يرد من سأله قرضا، بل يأخذ منه و يعطيه ما أراد، و كان قبل ولايته الحكم طوعا للناس الذين عاصروه من أهل الصلاح، يصلي كما يشتهون من تطويل و تقصير، و تكميل السورة في الركعة و ملازمة الطيلسان و مسح جميع رأسه.

و كان إذا جلس للدرس ينتظر كبار أصحابه، و كان مرارا يبعث إلى والدي و هو في بيته بأن الجماعة ينتظرونك، فيتوضأ و يصلي الضحى، ثم يخرج إليه فيجده جالسا مع الجماعة لم يشرع في الدرس.

فلما ولي الحكم تنكرت عليهم أخلاقه، و صار يرمي عليهم كلمات يغيظهم بها و إن لم يكن تحتها طائل، فنفرت نفوسهم منه، و تفرقوا عنه.

كان يحضر درسه جمال الدين المطري و والدي و جماعة المالكية و غيرهم، و الشيخ أبو عبد اللّه النحوي و كان من الأئمة الكبار، يقال: إنه كان يتقن اثني عشر علما، و كان منهم الشيخ عز الدين الزرندي، و كان منهم الشيخ الأديب أبو البركات، فما من هؤلاء أحد إلا نفر عنه، و فارق درسه لما يسمع منه.

فجلس يوما في درسه فلم ير من الجماعة أحدا إلا من لا نوبة له فقال: أين أصحاب اليمين أين أصحاب الشمال؟ أصحابنا ضد الأنصار يكثرون عند الطمع، و يقلون عند الفزع.

و قال له بعض الطلبة: قال الشيخ أبو إسحاق: في هذه المسألة كذا، فقال: قلقل اللّه أنيابه.

فقيل له في ذلك، فقال: تقلقلت منذ زمان، و إذا قيل له قال النووي قال: كذا نعلك النووي.

و يقول للمالكية: أنتم تقولون الكلب حيوان ذو صوف، فلحمه لحم خروف، فيتأذون من ذلك.

و كان يحضر درسه أيضا الفقيه الفاضل أبو العباس أحمد(1)الفاسي فجلس يوما قريبا منه، و كان يتجاهل.

فقال: من هذا؟ فقال: أنا أحمد الفاسي، فقال له: من فسى يفسو فسوا فهو فاسي.

و لقيه الشيخ أبو البركات بعد أن ترك درسه و خرج من المدرسة و سكن رباط دكالة، فقال له السراج: من هذا؟ و كان يظهر التعامي و قلة السمع و ما هما به، فقال: أنا أبو البركات، فقال: بل أبو الهلكات، فقال له أبو البركات: طائركم معكم و افترقا، و لقيه يوما في الطريق، فقال له: أنت أبو البركات؟

فقال: نعم، فقال: أوحشتنا أوحشنا أنسك.

فقال له أبو البركات:

إذا ترحلت عن قوم و قد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلون هم

فقال له السراج: فالراحلون أنت، و افترقا و كان فيه صبر عظيم، و احتمال كثير.

و كان في أيامه رجل إمامي من حلب، و كان يسكن في دار تميم الداري له ثروة و رئاسة، فكان يجلس السراج على طريقه عند باب الرحمة، فإذا دنا منه يقول له: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (العلق: 16)، هكذا أبدا و هو لا يجاوبه و لا يعيد الكلام له.

حتى انتقم اللّه له منه، و ذلك أنه كانت له جارية كأنه نقم عليها شيئا فعاقبها حتى قتلها، فبلغ ذلك الأمير منصور فمسكه و دخل بيته و أخذ منه ألف دينار.


1) هو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الشاذلي الفاسي، ناب في قضاء المدينة و كان صدرا في العلماء، توفي سنة إحدى و أربعين و سبعمائة. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 111( 198).

و تقدم ذكر وفاة السراج، و كان مولده في سنة خمس أو ست و ثلاثين و ستمائة، رحمة اللّه عليه.

ثم ولي منصب الحكم بعده الشيخ الإمام العالم الفاضل علم الدين يعقوب بن جمال القرشي المتقدم ذكره، و كان الفقيه علم الدين نائبا للقاضي سراج الدين في الأحكام، فلما توفي السراج سعى له بعض أصحابه في الاستقلال بالمنصب و وجدوا من رضي بمنصب الخطابة و الإمامة، فأجيب إلى ذلك و ولي القضاء.

و ولي الخطابة و الإمامة الأخ في اللّه بهاء الدين بن سلامة المصري، كان فاضلا أديبا من صدور الكتّاب الرّؤساء المعتمد عليهم، و كان يفك الخط المعمى بسرعة حسب ما يقف عليه يكتبه تحته نثرا كان أو نظما، و كان له خط حسن قليل المثل، و ربما كان يكتب المصاحف و يهديها لأصحابه من الأمراء فيبعثون بالألف درهم و ما قاربها على كل مصحف.

ثم تخلف عن صنعة الكتابة للسلطان، فأبقى السلطان عليه معلومه و زاده معلوما آخر في دمشق، و أقام بالمدينة سنتين، ثم عزل نفسه و استقال، لأنه لم ير نفسه أهلا لما شرطه الواقف من معرفة القراءات و معرفة الفرائض، فخاف على دينه و آثر رضى ربه، فأرسل يستقيل.

فلما عزل ولي القاضي شرف الدين الأميوطي الوظيفتين جميعا، و عزل القاضي علم الدين.

و كان الفقيه يعقوب(1)رحمه اللّه حاكما عادلا فقيها فاضلا رئيسا، و كان مقدما عند القاضي سراج الدين يحبه و يعظمه و يشاوره.

قال لي رحمه اللّه: و اللّه ما فرحت بهذا المنصب و إني لأرجو أن يقيلني اللّه تعالى منه، و ذكر لي أنه رأى في المنام كأنه على سطح قباء و أنه على طرف الحائط قد تدلى و لم يبق إلا أن يسقط فيهلك، و هو من الخوف


1) هو: علم الدين يعقوب بن عبد اللّه القرشي. ترجمته في:« الدرر الكامنة» 4/ 434( 1208)، و يسرد ذكره باسم: يعقوب بن جمال، و ذكره السخاوي في مقدمة« التحفة اللطيفة» 1/ 29، عند ذكره لمن تولى الخطابة و الإمامة بقوله:« ... و هو العلم يعقوب بن جمال القرشي الهاشمي المقري ...». فليلا حظ.

في أعظم ما يكون حتى نجاه اللّه تعالى، فكان ذلك تسلية له عند العزل.

و كان قد جرى في أحكامه على السّداد و خصوصا على الخدام، و منعهم من الشمع و الدراهم و غير ذلك مما يجمعونه في صندوق النذر في أيام الموسم، و قال لهم: هذا يجري في مصالح الحرم لا يجوز لكم قسمه بينكم، فتضيقوا من ذلك و عزّ عليهم فغلبهم عليه و لم يصرف لهم منه شيئا رحمه اللّه(1)

و في مقدمة« التحفة اللطيفة» للسخاوي 1/ 29، عند كلامه على القضاء و في مجرى كلامه على الشيخ يعقوب بن جمال القرشي، و أنه قال للخدم:« لا يجوز لكم قسمه بينكم»، قال السخاوي معترضا:« و ما هو محق فيه». انتهى.

، توفي رحمه اللّه في سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و مولده في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة.

ثم ولي الخطابة و الإمامة الشيخ الإمام العلامة زين الفقهاء صدر المدرسين شرف الدين أبو الفتح محمد(2)بن القاضي عز الدين أبي عبد اللّه محمد بن الشيخ كمال الدين أبي المجد اللخمي الشافعي المصري، المعروف بابن الأميوطي تغمده اللّه برحمته، كان شرف الدين فقيها فروعيا حافظا للمذهب، قلّ أن رأيت مثله في حفظه و غزارة علمه، و أما كلامه على الحديث و استنباطه لعلومه و ما يستلوح من فوائده فالعجب العجاب.

قال لي أخي علي رحمه اللّه: قطعت هذه البلاد شرقا و غربا لم أر أحدا يتكلم على الحديث مثله، و كان كريما جوادا، حسن المحاضرة لين العريكة حتى ينحرف فكأنه غير الذي تعرف، و لما قدم المدينة عرض على القاضي يعقوب بن جمال النيابة عنه في الأحكام فامتنع، فنزل له عن تدريس المدرسة الشهابية فقبلها و استمر مدرسا للشافعية محببا إلى الناس.

و كان في القاضي شرف الدين شدة على الأشراف، و كان له هيبة عظيمة سقاهم المر و أذاقهم الصبر، و أما سطوته على الإمامية و توبيخه لهم


1) ورد في حاشية النسخة( أ) تعليقة للشيخ عبد الستار الدهلوي ناسخ هذه النسخة قوله:« قف على محل النذور الواردة في مسجد المدينة من الشمع و الدراهم، ما حكمه( ...)، و قد أقره السخاوي و حسنه».

2) تقدم ذكره.

في المحافل و سبهم على المنبر، فأمر مشهور لا يحتاج إلى وصف، و لا تكاد السنين تبيد ذكره.

و كان إذا قام في الأمر لا يرجع عنه و لو خوّف في عاقبته، و كان متمسكا بالسّنّة يتبع أشدها و يحمل نفسه على أشقها، رأيته في يوم صائف محرما متجردا راكبا على حمار لم يزل عليه حتى كمل حجه و رجع إلى المدينة ليس له مركب غيره، و رأيته و قد أكلته الشمس و تقشر جلده و دمى وجهه، فعرضت عليه الركوب في الشقدف(1)فلم يفعل.

و كان قد أراد أن يسوي الحفرة التي في محراب النبي صلى اللّه عليه و سلم ببنيان أو أخشاب فلم يوافق على ذلك، فترك الصلاة في المحراب و صلى عن يسار المحراب قريبا من الشباك، و استمر على ذلك حتى مات رحمه اللّه، و قد تقدم الكلام على ذلك.

و هو الذي أبطل صلاة النصف من شعبان، و كان تبطيلها عزيزا على النفوس فقد اعتادوا صلاتها، و مبتدعات كانت معها.

منها: زينة المسجد الشريف، و كثرة الوقيد، و كثرة النساء و اختلاطهم بالرجال، و الصياح من الصغير و الكبير حتى لا يبقى للحرم حرمة و لا يملكه القوم.

و كان له غيرة على أهل السنّة و إن علم من كثير منهم الكراهة له، فيسدد أحوالهم و يقيم حرمتهم عند أمراء المدينة و يجاهد بنفسه في حقهم.

و له تواليف مفيدة في الكلام على الحديث و غيره، منها: (الجواهر السّنية في الخطب السّنّية) قل أن يخلو منها خطبة إلا و فيها ذكر البدعة و أهلها، و توبيخهم لما هم عليه.

و نزل مرة من على المنبر لضرب رجل من الإمامية كان يتنفّل زيادة على تحية المسجد، و يؤدّي ظهر الجمعة أربعا في أثناء ذلك التّنفل، لأنهم لا يعتقدون إقامة الجمعة إلا خلف إمام معصوم، و هذا كان عادتهم معه و مع


1) الشقدف: هو ما يوضع على الجمل يجلس فيه الراكب، و هو يشبه الهودج بالنسبة لركوبة النساء.

غيره، فنهاهم عن ذلك فانتهوا إلا من قوي تشيعه و تعصبه، فكان يصيح عليهم و هو على المنبر و يأمر بجرهم إلى عنده فيضربهم.

و كان الإمامية يصلون صلاة العيد في المسجد الذي في المصلى المنسوب بزعمهم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فمنعهم من الصلاة فيه، و ألزمهم بالدخول مع أهل السنّة في المسجد الموجود اليوم، و ذلك في يوم عيد الأضحى من سنة ست و ثلاثين و سبعمائة.

و كان عليهم سيفا لا يغمد، لكنه لم يتعرض لحكامهم، فكانوا في أيامه على عادتهم مع السراج، و كان يحبس في حبسهم و يستعين بغلمان الوالي، و كان حبس المدينة واحدا يجلس فيه الأمير و القاضي، و هو الموجود اليوم في ساحة القلعة.

كان لي معه- أعني القاضي شرف الدين- مقامات سوء لا يحسن ذكرها هنا، لأنها مبنيّة على حظوظ نفوس الحسدة الذين كانوا حوله، حتى إني وصلت أنا و هو إلى الملك الناصر لما حج حجته الثالثة سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، فأمره السلطان أن لا يتعرض لي و أن ينصفني من نفسه، و وصّى صاحب المدينة بمراعاتي و النظر في الأحوال التي أشكوها منه، فلم يفد فيه ذلك.

و لما تحقق الأمير طفيل- رحمه اللّه- أني معهم مظلوم، و أنهم قد تظافروا و تعاضدوا على أذيتي عند القاضي شرف الدين، و دخل عليه مرارا كثيرة، بعث إلى أحمد الفاسي نائب القاضي شرف الدين و نفاه إلى خيبر، و استقر بها مدة، و لم يرجع إلا بعد أن استعطفه شرف الدين و دخل عليه مرارا كثيرة، فلما جاء من خيبر أقام أيّاما قليلة، ثم توفي إلى رحمة اللّه في سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة، و تهدد الأمير طفيل بقية الجماعة البعداء الذين أهلكهم فعلهم، و ما اللّه بغافل عنهم، و الموعد بيني و بينهم يوم القيامة.

هذا مع كونه إذا رآني عظمني و قام لي و نوه في المجلس بذكري حتى أقول صفا قلبه، فإذا خلى به شياطين الإنس عطفوا قلبه إلى كلامهم، ثم إنّ اللّه تعالى أحوجه إلى مساعدتي له في قضية، فساعدته فيما طلب، و بذلت

جهدي له و حصل على مقصوده. فصفا قلبه و أعرض عن جميع ما كان سمعه، و رأيت منه إنصافا أزال ما رأيت منه من الشقاء و التعب، رحمه اللّه و عفا عن من كان السّبب.

و لهذه الأطراف تتمّات فيها عجائب و تحتها غرائب، لو بسطت القول فيها لخرجت عن المقصود، و إنما الغرض التنظير بمن فيه تفريع بأهل زماننا، و اللّه تعالى يغفر للجميع.

و استناب القاضي شرف الدين في فصل الخصومات دون الخطابة و الإمامة، الفقيه أحمد الفاسي(1)المراسني.

ثم الفقيه العالم الفاضل الأصولي الفروعي أبا العباس أحمد(2)التادلي، و كان ورعا عفيفا دينا فاضلا في مذهب مالك، إماما في أصول الفقه، و له شرح «رسالة ابن أبي زيد» كتابا حفيلا ممتعا، و له «شرح عمدة الأحكام» من أحسن ما وضع عليها، و له «شرح تنقيح القرافي» في أصول الفقه لم يوضع عليها فيما رأينا أحسن منه، و كل تواليفه و تقاييده مفيدة.

و تولى درس غشاوة فلم يتناول من تمر الحديقة التي تفرق اليوم على الجماعة شيئا بسبب ما ذكرناه في ترجمة الشريف يعقوب، و كان يصرف نصيبه إلى الفقيه محمد التلمساني لكونه من طلبة المدرسة الشهابية.

ثم نقم عليه القاضي شرف الدين شيئا، منها: دخوله في قضية ابن مطرف في العهن. فإن الفقيه شهاب الدين التادلي أثبت له محضرا مشتملا على أنّ بيع عليّ المذكور للعهن، كان و هو في الحبس مقهور مغصوب، و أن البيع باطل، فلما أثبت التادلي المحضر لنافع بن علي بن مطرف توجه إلى رباط الفخر و أخذ جميع ما فيه من التمر، فغضب القاضي شرف الدين و لم يصلّ بالناس صلاة الظهر و لا أحد من جهته، و صلى بالناس ثلاثة أئمة، عز الدين الواسطي، و أخي علي، و شخص


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 161( 346).

2) هو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي. ترجمته في:« الديباج المذهب»، ص 81،« المغانم المطابة» الورقة 33 ب،« التحفة اللطيفة» 1/ 111( 198).

آخر، و لم يأت يوم الجمعة إلا بكلفة بعد أن دخل عليه مانع بن علي، و ذلك في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة.

ثم عزله و استناب شيخنا الإمام العلامة جمال الدين المطري في الحكم و الخطابة و الإمامة، فكان جمالا للمنصب رحمه اللّه، توفي القاضي شرف الدين رحمه اللّه بالمدينة و دفن شامي قبة سيدنا عثمان رضي اللّه عنه. و ذلك في سنة خمس و أربعين و سبعمائة. و مولده بالقاهرة سنة أربع و سبعين و ستمائة.

ثم ولي بعده الحكم و الخطابة و الإمامة الشيخ الإمام العلامة تقي الدين عبد الرحمن(1)بن جمال الدين بن عبد المؤمن بن أسيد بن عبد الملك الهوريني الشافعي المصري، قدم المدينة في ذي الحجة آخر سنة خمس و أربعين.

و كان- رحمه اللّه- من قضاة العدل، انتهت إليه الرئاسة و السياسة مع العلم الغزير و العقل الراجح الذي ليس عليه من يد، لم يرق المنبر أحسن منه صورة و شكالة و شيبة، مع الهيبة العظيمة، و القيام في الحق و النصرة للشرع.

و في تلك السنة استنابني في الحكم عنه فسلكت مع الناس سبيل السياسة و سددت الأحكام، و جريت على الصلح بين الخصوم، فمال إليّ أهل المدينة، و رأوا أني لا آخذ منهم شيئا في حكم و لا إثبات، و لا وراقة، بل ربما أعطي من عندي من أتحقق ضرورته من الغرماء، فأحبني أهل البلد و مالوا عن قضاة الإمامية و اعتزلوهم و تركوا المحاكمة عندهم، حتى إنّ القاضي حسن بن سنان الملقب عزير، صار يجلس على باب زقاقنا فإذا رأى الخصمين دعاهما إليه فلا يلتفتان إليه، لأنهم كانوا إذا حكموا ألحقوا المحكوم له رسولا أو ورقة يطلبون منه شيئا، و إن كتبوا ورقة طلبوا عليها أجرا، و يقبلون من الشهود من كان من رعاع الناس.

و بلغني أنهم اجتمعوا بالأمير طفيل و شكوا عليه ما يلقون مني، فقال


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 137( 2479)،« المغانم المطابة» الورقة 247/ أ،« الدرر الكامنة» 2/ 334( 2318).

لهم: إذا سكت عنكم و عن أحكامكم فلا تطلبوا منه غير ذلك.

و قال لي القاضي نجم الدين مهنا بن سنان- و كان أعلمهم و أرأسهم: قطعت رزقنا يا فلان.

فقلت له: ما تريدون مني إذا لم أتعرض لكم؟

فقال: و اللّه ما قطع رزقي إلا أنت، صرت تكتب للناس بلا شي‌ء، فمن بقي يأتي إلينا؟! و كان مهنا بن سنان كاتب المدينة.

و لم أزل معهم كذلك حتى خمل ذكرهم، و ماتوا أحياء، و لم يبق لهم في البلد أمر و لا نهي إلا في الشي‌ء التافه و الأمر النادر.

و لقد أدركت من حكامهم فوق عشرة من آل سنان و من الصفيان الذين كانوا عند رباط المعين كلهم يحكم و يفصل الخصومة، إلا أن الحكم كان له إذا حكم عليه القاضي من آل سنان أو يقول: ارفعني إلى الفقيه فيرفعه و لا يراجعه، و كان الفقيه علي(1)يصلح و يسدد من غير أن يتطلع لشي‌ء بخلاف القضاة يومئذ، ثم لم يزل أمرهم يتقاصر، و عددهم يقل، حتى مات كبارهم.

ثم إن الفقيه الهوريني(2)كفّ بصره في أثناء تلك السنة بسبب ماء نزل في عينيه، فسافر إلى مصر مع الحاج ليقدح عينيه و يعود إلى المدينة، و استمريت نائبا عنه في سنة سبع و أربعين، و شدّدت على الإمامية في نكاح المتعة و نكلت بفاعلها، و حملت الناس على مذهب مالك، و أخملت البدعة و أظهرت السنّة، و عزرت من تكلم في الصحابة رضي اللّه عنهم، فلم يزد الناس إلا طاعة و إقبالا.

و في تلك السنة لقيني عز الدين حسن المسكي وزير الأمير طفيل، و كان من الوزراء العقلاء.

فقال لي: يا فلان خرج اليوم ملك من يد صاحبه يساوي عشرة آلاف، بشهادة فلان و فلان، و اللّه هذان ما يقبلان فيما يساوي عشرة دراهم، كيف


1) هو: علي بن سنان بن نميلة، و قد تقدم ذكره.

2) في جميع النسخ:« الحوريني» و هو تصحيف.

يحل لكم تبقى المدينة بلا شهود؟ فأمرته أن يأمر غلام الأمير فينادي في الأسواق: لا يضع أحدكم خطه في ورقة إلا أن يكون مرضيا عند الحكام.

و لما وصل القاضي تقي الدين إلى مصر، أقام بها يعالج عينيه بالقدح، فسعى عليه بدر الدين حسن(1)صهر القاضي شرف الدين الأميوطي فعزلوا القاضي تقي الدين، و كان يحب الإقامة بالمدينة رغبة في الوفاة بها، فلم ترجع إليه صحة عينيه حتى خرج عنه المنصب، و سيأتي ذكر ولايته الثانية و ذكر وفاته و مولده رحمه اللّه.

ثم ولي الحكم و الخطابة و الإمامة الشيخ الإمام الفاضل المتفنن، بدر الدين حسن(2)بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القيسي الشافعي المصري، و قدم إلى المدينة في شهر ذي الحجة من سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و كان مقيما في المدينة مع القاضي شرف الدين و ينوب عنه في بعض الأحيان، و كانت ابنة القاضي شرف الدين عنده.

فلما وصل إلى المدينة حاكما، حاول أن يسلك في طريقته و أحكامه مسلك القاضي شرف الدين، و كان حاكما جزلا صلبا مهيبا فأقام بالمدينة سنة تسع و أربعين و سنة خمسين، و كان قد شدد على الأشراف و كتب إلى السلطان يشكو من طفيل، كما فعل القاضي شرف الدين مع طفيل أيضا، فلما بلغ طفيلا الخبر صدر منه كلام و تهديد في جهة القاضي بدر الدين، فلما بلغه ذلك خاف على نفسه، فخرج إلى مكة معتمرا و معه جماعة مثل محمد بن الشويكية(3)، و محمد بن بالغ(4)، و مختار الزمردي(5)و غيرهم من الجماعة.


1) هو: بدر الدين حسن القيسي، الآتي ترجمته.

2) ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 271( 910)، نقلا عن ابن فرحون؛« الدرر الكامنة» 2/ 12( 1498).

3) ذكره في« التحفة اللطيفة» 2/ 484( 3805).

4) هو: محمد بن أحمد بن بالغ. ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 412( 3601)/ 452( 3677).

5) ترجمته في:« المغانم المطابة» الورقة 258/ ب.

و لما توجه إلى مكة استنابني في الحكم إلى الموسم، ثم قدم مع الحاج و سافر إلى مصر و استمريت نائبا عنه حتى جاء الخبر أنه توفي بالقاهرة في أثناء سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و جاء الخبر إلى طفيل بأنه قد عزل، و ولي إمارة المدينة سعد بن ثابت(1)فخرج منها طفيل رحمه اللّه.

ثم ولي الحكم و الخطابة و الإمامة القاضي الأجل الخطيب المصقع، شمس الدين أبو عبد اللّه محمد(2)بن زكي الدين عبد المعطي بن سالم بن عبد العظيم بن محمد الكناني المصري الشافعي العسقلاني المحتد المعروف بابن السبع، ذكر أنه تفقه بالقاضي نجم الدين ابن الرفعة، و أنه قرأ القراءات على الشطنوفي، و أن مولده سنة ثمان و ستمائة بالقاهرة، و كان- رحمه اللّه- بشوشا للناس محسنا للأصحاب حليما كريما جوادا، و كان شاهدا عدلا بالقاهرة.

فلما ولي الأحكام الشرعية، ثقل بها فما حملها و لم يقم برسمها و لا شرطها، لأنه لم يلحق بمن قبله في علومهم و لا في قيامهم بحرمة المنصب، و كان عاملا على السياسة و المسالمة فاشتغل الناس به، و طعنوا عليه بأنه لم تجتمع عليه شروط الواقف، و هي العلم بالقراءات، و معرفة الأصلين و غير ذلك، و بكونه إذا دخل الحجرة المشرفة للزيارة يقبل الأرض عند تمثله بين يدي النبي صلى اللّه عليه و سلم، و بأشياء لا يليق ذكرها كانت سببا في عزله. و كانت ولايته و ولاية الأمير سعد في سنة واحدة، و هي سنة خمسين و سبعمائة.

و لما استقر الأمير سعد في المدينة، بدأ بمنع آل سنان و غيرهم من التعرض للأحكام و عقد الأنكحة و غيرها، ورد الأمر جميعه لأهل السّنة تقربا إلى قلوب السلطنة بإظهار السنّة و أهلها، و إخمال البدعة و أهلها، و أمر


1) هو: سعد بن ثابت بن جماز بن شيحة الحسيني. ذكره في« التحفة اللطيفة» 1/ 385( 1449)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 242/ ب،« الدرر الكامنة» 2/ 134( 181).

2) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 529( 3968)،« المغانم المطابة» الورقة 263/ أ،« الدرر الكامنة» 4/ 30( 80).

بالنداء بالمدينة في يوم الثامن و العشرين من شهر ذي الحجة أحد شهور سنة خمسين و سبعمائة: أن لا يحكم في المدينة مع القاضي شمس الدين غير فلان، و من تعرض ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

فمن يومئذ انقطع أمرهم و نهيهم بالكلية، و ظهر علم أهل السنّة، و اجتمعت الكلمة، و وجدنا على الحق أعوانا، ثم إن الأمير سعدا منع أيضا أن يدخلوا معه إلى الحجرة المشرفة إذا أراد الزيارة، و أقام مقامهم الفقيه برهان الدين إبراهيم بن عبد اللّه المؤذن و صاروا كما قال تعالى: فَوَقَعَ الْحَقُ (الأعراف: 118) الآية.

و لما تمّ الأمر لأهل السنّة و انقطع دابر القوم، وقع بينهم افتراق الكلمة و طهرت من الفتنة، فأسخطوا بذلك الرحمن، و أرضوا الشيطان، و أصبح كل من المجاورين فيما بينهم و بين الخدام متحزبين أحزابا منتظرين لبعضهم عذابا، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من شر الشيطان الرجيم.

و لما رأيتهم على هذا الحال، و قد كثر بينهم القيل و القال، لزمت بيتي رغبة في السلامة، متمثلا بقول العلامة أبي شامة، رحمه اللّه:

ألا يا لائمي مالي سوى البيت موضع‌أرى فيه عزا أنه لي أنفع

و قد يسر اللّه الكريم بفضله‌غنى النفس مع شي‌ء به أتقنّع

و في حسن ظني أنّ ذا يستمر لي‌إلى الموت إن اللّه يعطي و يمنع

و لنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار القاضي شمس الدين ابن السبع رحمه اللّه، كان خطيبا مصقعا إذا خطب على المنبر، يسمع من طرف السوق مع ما في السوق من اللغط، و لو أنصت له منصت من أعلى سور المدينة سمع كلامه، مع الفصاحة العظيمة و حسن الأداء، و بدت منه سقطات لا تليق بالحكام، و اشتهرت عنه بين الناس، منها: أنه صحّف المثل المشهور: (إذا قالت حذام فصدقوها). فنطق بها بضم الخاء المعجمة و تشديد الدّال المهملة، و يقال: إنه زعم بذلك خدام الحرم الشريف النبوي.

فلما كانت سنة أربع و خمسين و سبعمائة سافر جماعة من المجاورين و أشاعوا عنه تلك الأشياء، و كان القاضي عزّ الدين بن جماعة من أعظم

الناس كراهة في ولايته المدينة المشرفة، و كذلك الشريف أبو العباس الصفروي المغربي.

و كان للصفروي وجاهة عند الأمراء فشجع المجاورين على الكلام مع الأمراء فيه، فكتبوا فيه قصة و عددوا فيها ما نقموا عليه، و ساعدهم في باطن الأمر القاضي عز الدين و الصفروي، رحمهما اللّه، فعقد لهم مجلس في دار العدل و أحضر الحجازيون(1)جميعا، فشهدوا عند القاضي عز الدين بمحضر القضاة الأربعة، فقبل شهادة بعضهم، و ثبت ما نسب إليه فعزل، و ولي القاضي بدر الدين ابن الخشاب(2)، و بعث باقي القضاة في وسط السنة نجابا إلى المدينة بالعزل، و يستنجز محضرا بصدق ما شهد به عليه في القاهرة، فتقدمت في ذلك، و أثبت محضرا بذلك، و بعث إليّ بدر الدين ابن الخشاب يسألني القيام بالوظيفة نائبا عنه، فرأيت أن ذلك قد تعين عليّ لضيعة المنصب النبوي.

و كان الأمير شيخو يشدّ من ابن السبع، فأخذ مرسوم السلطان بالكشف على ابن السبع في المدينة و بعثه مع الأمير سيف الدين عمر شاه أمير الركب المصري، و بعث معه خلعة و تقليدا، فوقع لي مجلس عظيم مع الأمير عمر شاه و مع الحافظ الإمام شمس الدين ابن النقاش، و جماعة غيرهما من المتعصبين له، فردهم اللّه بالحق، وردّ أمير الحاج المرسوم و الخلعة، و سيأتي ذكر ولايته الثانية.

و استقر في المنصب الشيخ الإمام العالم الأوحد وحيد دهره، و نادرة عصره، بدر الدين إبراهيم(3)بن أحمد بن عيسى القرشي المخزومي المعروف بابن الخشاب، و كان قدومه إلى المدينة في ذي الحجة من شهور سنة أربع و خمسين و سبعمائة، و قدم معه قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة مجاورا بأهله و أولاده، و قدم معه صهره الشيخ الإمام العالم صدر القضاة


1) في( ب):« المجاورين». و لعلها الصواب.

2) هو: إبراهيم بن أحمد بن عيسى القرشي المخزومي. و ستأتي ترجمته.

3) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 1/ 61( 11)،« الدرر الكامنة» 1/ 12( 16)،« المغانم المطابة» الورقة 234/ ب.

فخر الدين ابن الكويك، و كان معهم أيضا الشيخ شهاب الدين ابن النقيب، و كانت سنة حسنة تنقضي في ذكر محاسنها الأزمنة.

و كان القاضي بدر الدين ابن الخشاب حسنة زمانه، قد جاوز الذروة العليا و الغاية القصوى في العلم الباهر، و العقل الوافر، و حسن الفصل للخصومات مع الجزالة و الهيبة و القيام في الحق، حاكم إن قيل حاكم، و قام بالخطابة و الإمامة أحسن قيام، و انقضت تلك السنة كأنها أحلام، و كان القاضي شمس الدين ابن السبع مجاورا بمكة.

و لما خلت الديار المصرية من القاضي عز الدين ابن جماعة، تكلم نور الدين ابن شمس الدين ابن السبع لوالده و ساعده الأمير شيخو، فجاءنا الخبر في الموسم الشامي بأن بدر الدين ابن الخشاب قد عزل ورد ابن السبع إلى منصبه، فلما جاء الركب المصري جاء التقليد و الخلعة لابن السبع، و استقر في المنصب من أول سنة ست و خمسين و سبعمائة، و جرى على أخلاقه المعهودة، و سألني أن أكون نائبا عنه، فامتنعت.

فكان يقول لي كلما لقيني: أنا أسألك اللّه العظيم عند هذا النبي الكريم كلما زرته أن يسخرك لي، و إذا سألني عن خطبته أقول له:

حسنة، يقول هذه إجازة منك و اللّه، و يسر بذلك، و لا ينقم على أحد من الجماعة الذين تكلموا فيه في القاهرة، و حاسن الناس و مشّى الحال، و قام بوظائفه على طريقة أشبه من طريقته الأولى، و كان يذكر أنه يعرف بابن السبع من جهة الخؤولة، لأن جده لأمه كان رجلا صالحا ركب السبع فجرى عليه هذا اللقب.

و أما جده لأبيه فكان أميرا صاحب أقطاع، عتيقا لشخص لم يحضرني الآن اسمه، و ذكر أنه سمع الكتب الستة على الشيخ شرف الدين الدمياطي، و «السيرة» على الأبرقوهي، و لبس منه الخرقة بإلباسه من الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمهم اللّه، و استمر في الوظيفة إلى الحادي عشر من شهر ربيع الآخر أحد شهور سنة تسع و خمسين و سبعمائة، فاتفق في صبيحة العاشر من الشهر المذكور أن جاء ركب كبير إلى أن قربوا من باب البلد و نزلوا تحت القلعة، و لم يتحقق الناس منهم و ظنوا أنهم قفل من أهل ينبع.

ثم كشف الحال أنهم جماعة الأمير جماز بن منصور قدم المدينة متوليا لها بمرسوم السلطان، و معه القاضي تقي الدين الهوريني متوليا، و معهم مرسوم بعزل شيخ الخدام عز الدين دينار، و ولاية الشيخ افتخار الدين، فعجب الناس من وصولهم إلى أبواب المدينة و لم يبلغهم الخبر.

و في صبيحة الحادي عشر دخلوا المدينة، و خرج آل جماز من المدينة أشر خروج، حفاة فارّين من الأسوار و الأبواب، فنادى الأمير جماز في أصحابه: أن لا يتبعهم منكم أحد، و منّ عليهم و عفى عنهم.

و استقر في القلعة الأمير جماز، و في منصب الحكم القاضي تقي الدين الهوريني، و في مشيخة الحرم الخزنداري نيابة عن افتخار الدين، و استقر القاضي تقي الدين على عادته في فصل الأحكام، و سياسة الأنام مقبلا على العبادة و الاشتغال بما يقربه من اللّه، و جريت معه على العادة في نيابة الحكم، فحاول الأمير جماز رجوع الإمامية إلى ما كانوا عليه، و أذن ليوسف الشريشير أن يحكم بين الغرماء، و ظهرت كلمتهم، و ارتفعت رايتهم، و أظهر الأمير لي و للمجاورين الجفاء و الغلظة في الكلام، فسافر الناس في أثناء السنة إلى مصر و تحدثوا بذلك فبلغ السلطان فاغتاظ لذلك، و بلغه أيضا ما جرى للشيخ ضياء الدين الهندي من الضرر في القلعة، فبعث مع الموسم شخصين أشقرين شقيين فقتلاه، و انتقل إلى رحمة اللّه شهيدا فباءا بذنبه.

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (الشعراء: 227).

فلما كان في أول سنة ستين و سبعمائة توفي القاضي تقي الدين إلى رحمة اللّه تعالى، و ذكر أن مولده في سنة أربع و تسعين و ستمائة تغمده اللّه برحمته، و وصل الخبر بموته إلى القاهرة.

فولي المنصب الشريف الشيخ الإمام العلامة المتفنن تاج الدين محمد بن عثمان الكركي(1)، فوصل إلى المدينة في آخر سنة ستين و سبعمائة، و كان


1) هو: أبو عبد اللّه محمد بن عثمان بن الخضر الأنصاري الصرخدي، ثم الكركي الشافعي ... ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 535( 3982)،« المغانم المطابة» الورقة 266/ أ،« الدرر الكامنة» 4/ 47( 135).

فاضلا في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه، و في أصول الفقه، مشاركا في العربية و غيرها، تفقه بالشيخ برهان الدين ابن الفركاح و طبقته مثل قاضي القضاة ابن البارزي و غيره، و مولده في سنة عشر و سبعمائة.

و جاء إلى المدينة بأخلاق رضية، و نفس زكية، فوجد اختلافا كثيرا فسكّنه، و عيوبا جمة فسترها، و تحبب إلى قلوب المجاورين و الخدام، و استمال الطلبة و حضهم على الاشتغال، و تبتل للإفادة فعكفت على محبته و اعتقاده القلوب، و انطلقت الألسن بذكره و شكره.

و كنت أقول لأصحابي: هذا رجل لا يتطرق العيب إليه، و لا يجد العدوّ فيه مطعنا. فلما طالت إقامته في المدينة و كبر سنه و أولاده، لاذ به و بهم جماعة من شباب الطلبة الذين لم تحكمهم الليالي و الأيام، و لم يربّهم ذوو النهى و الأحلام، فأظهروا إليه النصيحة بالكلام في أعراض أصحابه، و نقل مجالسهم إليه، و التنميم عليهم.

فأفسدوا عقيدته في أصحابه، و كان رجلا متخيلا، فصار يحمل نصحهم له على الغش له و النصيحة مرّة، فيتحقق عداوتهم له و يصدق النمامين بالظن و الحدس و التخمين، و صار يتكلم في المجالس العامة بما تفر عنه الكبار و ذوي العقول الراجحة.

ثم سعوا بينه و بين الخدام فأفسدوا ما بينه و بينهم من الألفة و المحبة، و كان قد فوض إلى الشيخ إفتخار الدين أحكام الحرم و الوظائف، و الكلام على الربط و الأوقاف، و كنت ألومه على ذلك فلا يرجع إلى كلامي ففسد حال الناس من الجهتين، و أضرمت نار الفتنة، و افترقت الكلمة، و تحزب الناس أحزابا، و حاول أن يعيد الأمور التي تتعلق به إليه بعد أن جعلها بيد الشيخ، فلم يتمكن من ذلك.

فاستحكم الفساد، و صارت آراؤه تصدر عن مشاورة الشبان، و بدت منه أشياء لا تليق بعقله و حسن سياسته، و نفر عنه أكثر المجاورين و الخدام، و مالت عنه قلوبهم و اجتمعت كلمتهم على غيره. فحينئذ أسفر له ضوء الصبح، و تبين له سبيل النجح، فلم يكن تلا في الحال، و انفرد في غوغاء أهل قيل و قال.

و في مثل ذلك يقول القائل:

لا خير في الناس فوضى لا سراة لهم‌و لا سراة إذا جهالهم سادوا

إذا تولى سراة الناس أمرهم‌نمى على ذاك أمر الناس و ازدادوا

تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت‌فإن تولت فبالأشرار تنقاد

و اتفق له مع الخدام موطن في بيته حضره جماعة من الأشراف، فلو لا لطف اللّه تعالى لكان يحكي يوم الدار.

و لما سافر الناس إلى مصر قلّ الشاكر و كثر الشاكي، و كان قد عزلني عن نيابته في الأحكام، فجاءني في أثناء السنة و هي سنة خمس و ستين و سبعمائة، توقيع شريف بأن أجري على عادتي في الأحكام، و أن لا يتعرض لعزلي أحد من الناس الحكام، و جاء للخدام أيضا ما قويت به شوكتهم، و علت به كلمتهم، فحينئذ أقبل على شأنه، حافظا للسانه، متحرزا من إخوانه.

ثم سافر إلى مصر مع الركب المصري ليمهد الأحوال، و يدرك جميع الآمال، فلما وصل إلى مصر تحقق أن سعيه في ذلك يسقط حشمته، و ينقص حرمته، فاختار المقام بمصر فعزل.

و ولي المنصب الشريف الشيخ الإمام العلامة جامع أشتات الفضائل، شمس الدين محمد بن سليمان الشهير الحكري المصري الشافعي(1)، وصل المدينة المشرفة في ذي الحجة سنة ست و ستين و سبعمائة، إمام فاضل في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه، رحلة في علم القراءات و ما يتعلق بها من العربية و التصريف و غير ذلك، له تآليف عديدة مفيدة، منها: (شرح الحاوي) و (شرح الألفية)، و غير ذلك، و قام بالخطبة و الإمامة أحسن قيام، لم يل هذا المنصب أحد ألين منه عريكة، و لا أكثر تواضعا، و لا أصح منه سريرة، و لا أصفى قلبا للمجاورين، غير أنه وجد عند الخدام بقايا ذلك العناد الذي تأسس في أيام القاضي تاج


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 484( 3798)،« المغانم المطابة» الورقة 265/ ب،« الدرر الكامنة» 3/ 451( 1215).

الدين، فحاول إصلاح ذلك بالقوة و الشدة فزادوا في مناصّته على الحد، و جرى بينه و بينهم مقامات لا يليق ذكرها، و صار حاله مع شيخ الخدام كما قيل:

بليت بشخص صاحب غير منصف‌إذا جاءه و صلي أتاني جفاؤه

إذا ما استوى أمري تعوّج أمره‌مخالفة في كلّ شي‌ء أشاؤه

فصل قد عنّ لي أن أذكر من أدركته من أمرائنا و مدة ولايتهم على سبيل الاختصار،

اشارة

معرضا عما يتعلق بقصصهم، و شرح حالهم و سيرهم مع رعاياهم، إلا ما لا بد منه، فإن ذلك هو المقصود و الذي أردناه.

فأول من أدركته من الأمراء الأمير عز الدين جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا بن حسين بن مهنا بن داود بن قاسم بن عبد اللّه بن طاهر بن يحيى بن حسين بن جعفر بن حسين بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و عن فاطمة الزهراء البتول و عن ذريتهما الطيبة الطاهرة، و حشرنا في زمرتهم، و نفعنا بمحبتهم، و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

كان الأمير جماز- رحمه اللّه- شجاعا مهيبا سايسا حازما، ذا رأي مصيب و همة عالية، ترقت همته إلى أن قصد صاحب مكة و هو الأمير نجم الدين أبو نمي محمد(1)بن صاحب مكة أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني، و حاصره و انتزع منه مكة المشرفة، فاستولى عليها و حكم فيها و أقام بها مدة يسيرة، ثم عادت إلى أبي نمي، و ذلك في سنة سبع و ثمانين و ستمائة(2).

و كان والده الأمير شيحة متوليا على المدينة انتزعها من الجمامزة في سنة أربع و عشرين و ستمائة، و طريق و صولها إليه أن صاحب المدينة المتولي عليها في أيام الخليفة أمير المؤمنين المستضي‌ء بأمر اللّه بن المستنجد باللّه العباسي، هو الأمير عز الدين أبو فليته قاسم(3)بن مهنا،


1) ترجمته في:« العقد الثمين» 1/ 456( 144).

2) انظر:« إتحاف الورى» 3/ 118، حوادث سنة سبع و ثمانين و ستمائة.

3) تقدم ذكر ترجمته.

هكذا ذكره مؤلف «الروضتين في أخبار الدولتين» النورية، و الصلاحية.

قال العلامة أبو شامة في «الروضتين»: و كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، تغمده اللّه برحمته، محبا في الأمير قاسم بن مهنا، يستصحبه معه في غزواته و فتوحاته، فحضر معه أكثر الفتوحات، و كان السلطان صلاح الدين يجلسه عن يمينه و يستوحش لغيبته، و يستأنس بشيبته.

قال: و ما حضر الأمير قاسم مع السلطان صلاح الدين حصار بلد أو حصن إلا فتح اللّه تعالى على المسلمين، فكان السلطان يعتقد بركة نسبه الطاهر، و يكرمه و يتحفه بأجل الكرامات.

و كانت فتوحات السلطان صلاح الدين و مآثره الحسنة للإسلام و المسلمين تحاكي فتوحات الصحابة رضي اللّه عنهم.

و قد عدّد صاحب «الروضتين»(1)منها شيئا كثيرا.

فمن كلامه حكاية من كتاب كتبه السلطان صلاح الدين إلى الخليفة في بغداد: (و الآن قد خلص بحمد اللّه القدس الشريف من أيدي النصارى، و جميع مملكة القدس و ضياعه و أعماله، و الكرك أيضا و حصونه، و الشوبك و أعماله و جميع البلاد الشمالية إلى منتهى أعمال بيروت، و جميع أقاليم أنطاكية، و عسقلان و عكا و نابلس و طرابلس و الرملة).

و ذكر في موضع آخر نسخة من كتاب السلطان و عدّد فيه خمسين موضعا ما بين مدينة كبيرة و صغيرة و حصون حصينة.

قال: و هذا خلاف ما لكل من الأعمال التي حولها.

و كان رحمه اللّه قد أفنى عمره في الجهاد لا يفتر عنه فصلا متواليا حتى توفي إلى رحمة اللّه تعالى، و كان الذي رباه و دربه على ذلك و رقاه إلى الرتبة العالية، الملك العادل نور الدين محمود الشهيد بن زنكي آق سنقر رحمة اللّه عليه.


1) انظر:« الروضتين في أخبار الدولتين»، ج 2 ص 125 و ما بعدها.

و قد خرجت بذكر هذين الملكين عن المقصود الذي أردناه لكن لمصلحة عظيمة، و هي إقامة الحجة على المتأخرين من الملوك، فإنهم يستبعدون من أنفسهم طريقة الخلفاء الراشدين و من حذا حذوهم من الأئمة السابقين، و يقولون: نحن في الزمن الأخير، و ما لأولئك من نظير!!

فقد أظهر اللّه تعالى الحجة عليهم بمن هو في عصرهم، من بعض ملوك دهرهم، فلن يعجز عن التشبيه بهما أحد إن وفقه اللّه الكريم و سدده.

و كان الملك العادل الكامل نور الدين ملكا عادلا زاهدا عابدا ورعا، متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا في سبيل اللّه تعالى، و كان مواظبا على الصلوات في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، عفيف البطن و الفرج، مقتصدا في الإنفاق، متحريا في المطاعم و الملابس، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه و لا في ضجره، و أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها، أو إرشاد إلى سنّة يتبعها.

و قال أبو الحسن ابن الأثير(1): و قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، و فيه إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين و عمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين.

و كان كثير الصدقات، بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار، مثل دمشق و حلب و حماة و حمص و بعلبك، و بنى أيضا سور بعلبك، و كمّل بناء سور المدينة(2)الشريفة النبوية، و هو سورها الموجود اليوم(3)، و اسمه مكتوب على باب البقيع، رحمه اللّه.

و أجرى العين التي تحت جبل أحد و أظنها عين الشهداء، فإن العين التي أجراها معاوية مستبطنة للوادي و قد دثرت، و رسومها موجودة إلى اليوم، و اللّه أعلم.


1) انظر:« الكامل في التاريخ» لابن الأثير 9/ 124.

2) لمزيد المعرفة ببناء سور المدينة، انظر: رسائل في تاريخ المدينة/ الرسالة( 2)، نشرها حمد الجاسر.

3) يعني إلى حياة المؤلف، و قد جدد السور بعد ذلك. انظر المصدر السابق.

و أما السور الذي داخل المدينة فإنما أحدثه الوزير جمال الدين محمد بن أبي منصور الأصبهاني، و كان وزيرا للشهيد الوالد الملك العادل، ثم استوزره بعد زنكي ولده غازي بن زنكي، و كان ممن يضرب به المثل في الجود و الكرم و الإحسان إلى أهل الحرمين، و عمر الحرمين الشريفين، و بنى الرباط المقابل باب جبريل الشهير برباط الأصفهاني، و كان يدعى له على المنبر النبوي.

و يقال: اللهم صن حريم من صان حرم نبيك بالسور محمد بن علي بن أبي منصور.

و ذلك أن العرب كانوا قد استباحوا أهل المدينة مرارا، فكانوا لا يتركون لأحد ما يواريه و لا ما يسد جوعته، فبنى عليهم هذا السور المذكور، فاحتموا به من العربان. و هذا السور باق إلى اليوم، قد أدخله الناس في دورهم و تملكوه. و كانت وفاة جمال الدين الوزير في سنة تسع و خمسين و ستمائة.

و لنرجع إلى ذكر مآثر الملك العادل، رحمه اللّه، فمن جملة حسناته أن بنى بالموصل الجامع النوري، و بحماة الجامع الذي على نهر العاصي، و جامع الرها، و جامع مبج، و بيمارستان دمشق، و دار الحديث بها.

و له من المناقب و المآثر ما يستغرق الوصف.

و كان مع سعة ملكه و كثرة ذخائر بلاده و أموالها، لا يأكل و لا يلبس و لا يتصرف إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، و من بيت مال المسلمين بعده، إلى أن حضر الفقهاء و استفتاهم فيما يحل له أخذه من مال المسلمين، فأخذ ما أفتوه به و لم يتعرض إلى غيره ألبتة. و لم يلبس قط ما حرّمه الشرع من حرير أو ذهب، و أبطل المكوس من جميع بلاده، و منع شرب الخمر و قمع البدع، و أخرج الروافض من حلب و أعمالها، و شتت شملهم، و كان ورده من نصف الليل إلى طلوع الفجر في صلاة و تلاوة و ذكر.

و بعثت إليه زوجته تستقل النفقة على نفسها و عيالها فتنكر ذلك.

و قال: من أين أعطيها! و اللّه لا أخوض نار جهنم في هواها، فإن كانت تظن

أن الذي بيدي من الأموال هي لي، فبئس الظن، إنما هي أموال المسلمين و أنا خازنهم عليها، فلا أخونهم فيها. ثم قال: لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكا و قد وهبتها لها فلتأخذها.

قال ابن الأثير: و كان بالجزيرة رجل من الصالحين، و كان نور الدين يكاتبه، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالكرة. فكتب إليه بقوله: ما كنت أظنك تلهو و تلعب و تعذب الخيل بغير فائدة.

فكتب إليه بخطه: (و اللّه ما يحملني على ذلك اللهو و البطر، إنما نحن في ثغر العدو قريب منا، و بينما نحن جلوس إذ يقع صوت فنركب في الطلب و لا يمكننا ملازمة الجهاد شتاء و صيفا إذ لا بد للجند من الراحة، و متى تركنا الخيل على مرابطها صارت جماما لا قدرة لها على إدمان السير في الطلب، و لا معرفة لها بسرعة الانعطاف و الكر و الفر في المعركة، فقصدنا أن نروضها بهذا اللعب).

فانظر إلى هذه النية الصالحة في اللعب و كان لا يفعل شيئا إلا بنية صالحة، و كان رحمه اللّه متبعا للشريعة و أوامرها، و ألزم بذلك أتباعه و ذويه، فمن ذلك:

أنه كان يوما يلعب بالكرة بدمشق فرأى شخصا يكلم غلامه، أعني الملك العادل فأرسل الملك العادل يسأل عن حاجة الرجل، فأخبر أن فلان بن فلان قد جاء و معه غلام القاضي، و ذكر أن له مع الملك العادل حكومة، فرمى بالجوكان من يده و سار إلى القاضي.

و قال له: إني جئت محاكما فاسلك معي مثل ما تسلكه مع غيري، فساوى بينهما و تحاكما، فلم يثبت على الملك العادل شي‌ء، و كانت الحكومة في ملك.

فقال نور الدين للقاضي و لجميع من حضر: هل ثبت له عندي شي‌ء؟

قالوا: لا. قال: اشهدوا أني و هبت له هذا الملك و هو له دوني، و قد كنت أعلم أنه لا حق له عندي، و إنما حضرت معه لئلا يظن أني ظلمته.

و استدعى مرة أخرى إلى مجلس الحكم بحلب، فأجاب إلى ذلك.

قال ابن الأثير: و من عدله أنه لم يكن يعاقب العقوبة التي يعاقب بها الملوك في هذه الأعصار على الظن و التهمة، و كتب إليه الشيخ عمر الملّا و كان رجلا صالحا كبير الشأن: (إنّ المفسدين و قطاع الطريق قد كثروا، و يحتاج في هذا الأمر إلى نوع سياسة من قتل، و صلب، و ضرب، و إذا أخذ مال إنسان في البرية من يشهد له).

فكتب نور الدين على ظهر الكتاب: (إن اللّه تعالى قد خلق الخلق و هو أعلم بمصلحتهم، و شرع لهم شريعة و مصلحتهم تحصل فيما شرّعه على وجه الكمال، فلو علم أن على الشريعة زيادة في المصلحة لشرعه، فما لنا حاجة إلى الزيادة على ما شرعه اللّه تعالى).

قال: فجمع عمر الملّا أهل الموصل و أقرأهم الكتاب، و قال: انظروا كتاب الزاهد إلى الملك العادل، و كتاب الملك إلى الزاهد. و قد صنف الناس في سيرة الملك العادل مصنفات عديدة، فلنقتصر على ما ذكرناه.

و ذكر شمس الدين ابن خلكان أن الحصون التي افتتحها من الإفرنج تنيف على خمسين حصنا، مثل: بهشنا، و بانياس، و مرعش، و حارم، و غير ذلك، و كان قد ملك مصر و الشام و أعمالها و حلب و أعمالها، و الحجاز و اليمن، و كان يخطب له مع الخليفة على سائر منابر تلك البلاد، و كان مولده رحمه اللّه في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و وفاته في سنة تسع و ستين و خمسمائة.

و أما الملك الناصر صلاح الدين فسيرته مثل سيرته، لأنه انتشى بين يديه فتخلق بأخلاقه، و تأدب بآدابه، و كان نور الدين أكثر اجتهادا في العبادة منه، و أكثر ورعا و تقشفا، و كان صلاح الدين أحسن منه أخلاقا و أكثر حلما و صبرا على ما ذكر، و قيل: إنه كان أكرم منه و أجسر منه على الدخول في المهمات الكبار، و كان محببا إلى الرعايا أكثر من الملك العادل، و كان في الجهاد أعلى درجة منه، و لو لم يكن له إلا فتح القدس لكفاه، و كان فتح القدس في سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و كان استيلاء الفرنج عليه في سنة

اثنين و تسعين و أربعمائة، و كان الحاكم على القدس يومئذ العبيديون، و كنا قد ذكرنا بعض فتوحاته.

و أما أوقافه و صدقاته فتكافي‌ء ما فعله الملك العادل- رحمه اللّه- أو تكاد، و هو الذي ثبت قاعدة الخدام في الحرم النبوي، و أوقف عليهم الأوقاف، و كتاب الوقف موجود عندهم إلى اليوم، و كان الموقوف عليهم نحو العشرين خادما بأعيانهم، ثم من بعدهم على خدام الحرم النبوي.

ثم أوقف عليهم الملك الصالح ابن الملك الناصر محمد ابن قلاوون وقفا آخر، و لهم اليوم منذ تقرروا في الحرم بالجامكية نحو مائتي سنة.

و من العجائب أن أوقاف صلاح الدين في مدارسه أكثرها مشهورة باسم غيره من سكانها أو نظارها، أو المشدين على عمارتها، و هذه صدقة السر بعينها، و من أعظم حسناته محوه لدولة العبيديين، و طمس معالمهم و رسومهم و آثارهم.

و كان بنو عبيد قد أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون، فملكوا البلاد، و قهروا العباد، و قد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنّ نسبتهم غير صحيحة و المعروف أنهم بنو عبيد، و كان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي.

و قيل: كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد الشام، و كان حدادا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد اللّه، و زعم أنه فاطمي، و ادعى نسبا غير صحيح، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك و تسمى بالمهدي، و بنى المهدية بالمغرب، و نسبت إليه، و كان زنديقا خبيثا، عدوا للإسلام متظاهرا بالتشيع تسترا به، حريصا على إزالة الملة الإسلامية، قتل من الفقهاء و المحدثين و الصالحين جماعة كثيرة، و كان قصده إعدامهم من الوجود ليبقى العالم كالبهائم، فيتمكن من إفساد عقائدهم، وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (الصف: 8)، و نشأت ذريته على ذلك، و انبثت الدعاة لهم في البلاد يضلون الضعفاء من الناس، و بقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها، و ذلك من ذي الحجة سنة تسع و تسعين و مائتين إلى سنة سبع و ستين و خمسمائة.

و في أيامهم كثرت الروافض و استحكم أمرهم، و كثرت المكوس على الناس، فاقتدى بهم غيرهم، و أفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال بثغور الشام و غيرها، و ظهرت النصيرية و غيرهم من طوائف المعتزلة، و هم إلى الآن.

و كانوا أربعة عشر مستخلفا(1)ثلاثة منهم بأفريقية، و هم الملقبون:

بالمهدي، و القائم، و المنصور .. و أحد عشر بمصر و هم الملقبون: بالمعز و هو أولهم، و إليه نسبت المعزية، و العزيز، و الحاكم، و الظاهر، و المستنصر، و المستعلي، و الآمر، و الحافظ، و الظاهر، و الفائز، و العاضد.

يدّعون الشرف و نسبتهم على الحقيقة إلى يهودي أو مجوسي كما تقدم، و اشتهر ذلك عند العوام، فصاروا يقولون الدولة الفاطمية، و كانوا يأمرون الخطباء بذلك على المنابر و يكتبون على جدران المساجد، و مثالبهم كثيرة، و مخازيهم عديدة.

و لكن لا بد من ذكر نبذة يسيرة ها هنا من أزال دولتهم، و أمات بدعتهم، و أباد أمتهم، و أطفى جمرتهم.

كان المهدي يرسل إلى الفقهاء و العلماء من يتسور عليهم و يذبحهم في فرشهم، و أرسل دعاتهم إلى الروم و سلطهم على الناس فمن وجدوه يفهم شيئا. قالوا له: هو المهدي ابن رسول اللّه، و حجة اللّه. و يقولون لطائفة أجهل من هؤلاء: هو اللّه الخالق الرازق- تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا- و لما هلك قام ابنه المسمّى بالقائم و زاد شره على شر أبيه، و جاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية: العنوا عائشة و بعلها، العنوا الغار و من حوى.

و بعث إلى أبي طاهر القرمطي أمير البحرين و حضّه على قتل المسلمين و إحراق المساجد و المصاحف، فقدم إلى مكة و قتل الحجيج، و حمل الحجر الأسود، و أقام عندهم في البحرين نحو ثمانية عشر سنة و أزيد، ثم ردّوه بعد قصص كثيرة يتعذر شرحها هنا.


1) ذكر السيوطي في:« تاريخ الخلفاء» ص 482، أخبار هذه الدولة الخبيثة، فقال: فصل في الدولة الخبيثة العبيدية. و ختم هذا الفصل بقول الذهبي: فكانوا أربعة عشر متخلفا و لا مستخلفا، انتهى.

و أما المعزّ فكان يسرّه ما ينزل بالمسلمين من الفرنج، و احتجب عن الناس بمصر، ثم ظهر و أوهم الناس أن اللّه تعالى رفعه إلى السماء، و أخبرهم بما كان يصدر منهم في أيام تحجبه بما يخبره به الجواسيس، فامتلأت قلوب العامة و الجهلة منه، و استدعى فقيه الشام أبا بكر بن محمد الرملي و يعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب فأمر بسلخه فسلخ حيا، و حشا جلده تبنا و صلب رحمه اللّه، و كان يقول و هو يسلخ: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (الإسراء: 58).

و أما المسمى بالحاكم فأمر بكتب سبّ الصحابة على حيطان الجوامع و القياسر و الشوارع، و كتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسبّ، و في أيامه طوف برجل مغربي و نودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر و عمر ثم ضربت عنقه، و أمر بقطع لسان أبي القاسم الواسطي أحد الصالحين بسبب أنه أذّن في بيت المقدس و قال في أذانه: «حيّ على الفلاح»، و كانت ولايتهم على الناس محنة من اللّه تعالى.

و كان ضرر هؤلاء على الإسلام أشد من ضرر الكفار، و في أيامهم استعاد النصارى القدس الشريف من المسلمين و بقي بأيديهم نحو ثلاث و تسعين سنة، حتى فتحه اللّه تعالى على يد السلطان صلاح الدين رحمه اللّه، و كان ظهوره منّة من اللّه تعالى على العباد و البلاد، محا اللّه به هذه الدولة الخبيثة.

و كان قد دخل مصر مع عمّه أسد الدين شير كوه، و كان عمّه أسد الدين قد بعثه الملك العادل نور الدين المتقدم ذكره، فلما رأى أسد الدين مصر و أهلها طمع في استمالتهم و علم أنهم ليس لهم صحبة، و لا للعاضد منهم نجدة، فلما رجع إلى نور الدين أخبره بذلك فجهزه بالجيوش و الأموال، فبلغ ذلك العاضد وزيره المسمى شاور، فاتفقا على منعه من الدخول إلى مصر، و علما أنه لا طاقة لهم به، فاستنجدوا بمن قرب منهم من النصارى، و كانت السواحل كلها للنصارى، فأنجدوهم و منعوا أسد الدين و صلاح الدين من الدخول، و لهم في ذلك قصص عجيبة لا يسع ذكره هنا.

فلما أدخلوا النصارى إلى مصر و رأوها، طمعوا فيها كما طمع فيها أسد الدين، فلما انصرفوا إلى بلادهم تجهزوا لذلك و حملوا عليه، فلما تحقق العاضد ما عرضوا عليه، بعث إلى نور الدين يستنجده عليهم، فسيّروا إليه أسد الدين و صلاح الدين، و معهما الجيوش، فسبقوا النصارى إلى مصر، و حموها منهم فرجعوا خائبين، و أقام أسد الدين في مصر و معه صلاح الدين، و صارت لهما يد على العاضد يدلان بها عليه، و علما أنهما لن يصلا إلى مقصودهما مع وجود الوزير.

و صار أسد الدين يأمر في البلد و ينهي مدلا عليهم بما فعله معهم، و يظهر لهم نصحا و صداقة، و يريد أن يصل إلى مقصوده بالاستدراج، و كان رأي صلاح الدين غير ذلك، فلم يزل صلاح الدين يتوقع قتله لوزير العاضد حتى ظفر به في الطريق في خلوة، فقبض عليه و لم يكن ذلك بأمر عمه أسد الدين و قيّده، ثم قتله بأمر العاضد، و توزر أسد الدين للعاضد أشهرا يسيرة، ثم توفي إلى رحمة اللّه.

فقام صلاح الدين مقامه و استمال قلوب الناس بالسخاء و البذل حتى قويت شوكته، و نفذت كلمته، و تمكن من الخزائن و الذخائر، فصار ينفقها في الأمراء و الجند و وجوه الناس، فلم ينتبه العاضد لنفسه حتى وجد نفسه وحيدا فريدا، فكتب الملك العادل إلى الملك الناصر يحضه على قطع اسمهم من الخطبة، و أن يخطب للخلفاء العباسيّين، فحاول هذه القضية أياما حتى وجد عليها مساعدا، و أمر أن يخطب للخليفة المستضي‌ء بأمر اللّه فخشي الخطيب من ذلك، و لم يمكنه المخالفة، فخطب و دعا للخلفاء المهديين، فبلغ ذلك العاضد.

فقال: هل سموا في الخطبة أحدا؟ قيل له: لا. قال: سيسمون في الجمعة الآتية. و لم يمكنه مقاومة صلاح الدين فسكت، و انقطع في بيته و تمرض، فخطب في الجمعة الآتية للإمام المستضي‌ء بأمر اللّه.

فقيل: إنه كان عنده خاتم تحته سم فامتصه، و بقي أياما ثم هلك، و ذلك في سنة سبع و ستين و خمسمائة.

فقبض السلطان صلاح الدين على أولاد العاضد و ملك القصر و ما

فيه، و أباد تلك الدولة و أهلها، و أزال اللّه تعالى عن المسلمين الذلة، و أعقبهم بعد خوفهم أمنا، فلله الحمد و له المنة.

و هذا الذي ذكرته قطرة من بحر، فإن قصص صلاح الدين أمر عجيب، و استيلاؤه على هذه أمر غريب، و من يومئذ ملك صلاح الدين مصر و أعمالها و أظهر العدل فيها، و كثر من الأوقاف و المدارس و أنواع القربات، و لم يزل بها حاكما حتى توفي الملك العادل، فملك دمشق و كثيرا من أعمالها، و هو الذي افتتح اليمن للملك العادل، بعث أخاه إلى اليمن فملكها، و كان أخوه فيها نائبا من جهة الملك العادل.

ثم في آخر الأمر ملك السلطان صلاح الدين جميع ما كان يملكه الملك العادل، و خطب له في مصر و الشام و حلب، و جميع تلك الأعمال، و كذلك في مكة و المدينة و اليمن. و مع اتساع هذا الملك لم يخلف في خزانة ملكه بعد وفاته غير دينار واحد، و ستة و ثلاثين درهما.

و لم يخلف ملكا و لا دارا و لا بستانا و لا مزرعة، فإنه كان مغرما بالجهاد و النفقة فيه، و بذل المكرمات على أمر الجيوش، و كان يجلس في كل يوم و ليلة مرة لبثّ المكارم، و كشف المظالم، و يجود قبل حصوله، و يقطعه الناس قبل وصوله.

و كان يهب الأقاليم، و لما فتح «آمد» طلبها منه ابن قر أرسلان فأعطاه إياها، و لما فتح القدس جميع ما حصل له من الأموال فرقها على الأمراء و حبا بها الفقهاء، و العلماء و الزهاد، و لم يرحل من القدس و معه شي‌ء لنفسه، و كان الذي أنفقه يقارب مائتي ألف دينار و عشرين ألف دينار، ثم جاءه وفود و لم يبق معه درهم واحد، فباع فرسه من بيت المال و فرق ثمنها عليهم، و كرمه أظهر من أن يسطر، و مع ذلك فما سمع يقول: أعطينا فلان كذا، و ما منعه من الحج إلا اشتغاله بالجهاد، و ضيق ما في يده مع المملكة الواسعة، لكنه كان قد أسقط جميع المكوس و الأعشار من البلدان.

و كان- رحمه اللّه- حسن العقيدة، قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع المشايخ أهل العلم، و كان يقرئ تلك العقيدة أولاده الصغار و يقرؤنها عليه من حفظهم، و كان شديد المواظبة على الجماعة، و إذا مرض

طلب الإمام إلى عنده حتى تحصل له فضيلة صلاة الجماعة، و كان يتكلف الصلاة قائما في مرض موته، رحمه اللّه.

و كان شديد الرغبة في سماع الحديث، و سماع القراءات ممن له صوت حسن، و كان كثير التعظيم لشعائر الدين مبغضا لجميع طوائف المبتدعة، و كان حسن الظن باللّه كثير الاعتماد عليه، و كان معظما للشرع منقادا لأوامره، و قد جرى من المحاكمة نحو ما جرى للملك العادل، رحمهما اللّه تعالى.

و كان من أعظم الشجعان قوي النفس شديد البأس على الكفار، عظيم الثبات لا يهوله أمرهم، و لا تهمه كثرتهم أصلا، و كان منصورا عليهم في الغالب.

و كان شديد المواظبة على الجهاد عظيم الاهتمام به، و لو حلف حالف أنه ما أنفق بعد تبتله للجهاد دينارا و لا درهما إلا في الجهاد أو في الإرفاد ترغيبا في الجهاد، لصدق و بر في يمينه، و الذي وهب من الخيل في مرج عكا عشرة آلاف رأس.

و كان المسلمون في تلك الوقعة بالنسبة إلى النصارى مثل الشامة فيهم، و لقد وصل إلى النصارى على كثرتهم نجدة جاءتهم في البحر فعدّ ما وصل إليهم في ليلة واحدة فكان نيّفا و سبعين مركبا. و هو لا يزداد إلا قوة نفس، و ثبات قلب، و لقد انهزم المسلمون في ذلك اليوم الميمنة و الميسرة و القلب، و وقع الكوس و العلم، و هو ثابت في نفر يسير من المسلمين قد انحاز بهم إلى الجبل، و هو يريد الناس و يخجلهم، و لم يزل يجمع الناس حتى ردوا على العدوّ و قتلوا منهم سبعة آلاف ما بين راجل و فارس، و لم يزل مصابرا لهم حتى ظهر له ضعف المسلمين، فصالح النصارى ففرحوا منه بذلك، و كان هذا دأبه إذا رأى الغلبة له استأصلهم، و إذا رأى الغلبة عليه صالحهم، كل ذلك ليتوفر جيش الإسلام و يقوى.

و كان- رحمه اللّه- سلطانا عادلا رفيعا حليما ناصرا للضعيف على القوي، و كان حسن الأخلاق لطيف العشرة حافظا لأنساب العرب و وقائعهم، عالما بعجائب الدنيا و نوادرها، و كان طاهر المجلس لا يذكر بين

يديه أحد إلا بخير، طاهر اللسان من السب و الشتم، لم يكتب بقلمه أذى لمسلم قط.

و مناقبه قد صنفت فيها مصنفات عديدة، و لا شك أن سيرته و سيرة الملك العادل حجة اللّه تعالى على من بعدهما من الملوك و الأمراء و غيرهم، و لهذا ذكرت هذه النبذة اليسيرة ليتنبه بها من يقف عليها، و اللّه الموفق.

و في أيامه رحمه اللّه ركب الفرنج من الأمر العظيم فكرا، و افتضّوا من البحر طريقا بكرا، و ذلك أنهم عمروا مراكب حربية و شحنوها بالمقاتلة و الأسلحة و الأزواد و وجهوها إلى سواحل الحجاز، فبعضهم توجه إلى عيذاب، و أذاقوا أهلها العذاب، و أسروا تجار اليمن و نهبوا ما معهم، و بعضهم توجه إلى أرض الحجاز.

و كان الذي فعل ذلك الإبرنس(1)صاحب الكرك، و ذلك أنه لما صعب عليه ما يواليه من ممالك السلطان صلاح الدين، أعمل الحيلة فبنى سفنا و أتقنها، ثم نقل أخشابا إلى الساحل ثم ركب المراكب هناك و عمرها.

فلما توجهوا إلى أرض الحجاز، أشرف أهل المدينة على الخطر، و وصل إلى مصر الخبر، و بها الملك العادل أخو صلاح الدين نائبا عنه. فاشتد حزن المسلمين لفناء بيت اللّه الحرام، و مقام خليله الأكرم، و ضريح نبيه الأعظم، فجهز الملك العادل مراكب في البحر و شحنها بالمقاتلة أهل النخوة للدين و الحمية، البائعين للّه تعالى أنفسهم، فقصدوهم، و كانوا قد افترقوا فرقتين كما تقدم، فألفوا المراكب التي توجهت إلى الحجاز في أرض رابغ، و من جهة ينبع في أرض الحوراء، و الآخرين في عيذاب، فواقعوهم و أوقعوا بهم فظفرهم اللّه بجميعهم، و تبعهم في الجبال و الشعاب و حصروهم حتى أمكنهم اللّه منهم و لم يقهم منهم أحد، و عادوا إلى القاهرة بالأسارى، فأمر السلطان صلاح الدين بضرب رقابهم حتى لا تبقى منهم عين تطرف، و لا أحد يخبر عن طريق ذلك البحر و لا به يعرّف.

و كان الذي دل الإفرنج على ذلك الطريق و أخبرهم بعورات الساحل


1) في( أ):« الأبرش».

ناس من العرب أشبهوهم في الكفر، ثم أن السلطان صلاح الدين توجه بهمته إلى جهادهم، ففتح اللّه تعالى عليه الكرك و أعمالها، و طهر اللّه تعالى الناحية منهم، وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (الأحزاب: 25).

و كانت وفاة السلطان صلاح الدين رحمه اللّه في سنة تسع و ثمانين و خمسمائة. و مولده في اثنتين و ثلاثين و خمسمائة.

و اتّفق في سنة سبع عشرة و سبعمائة أن خرجت طائفة من النصيرية القائلين بقول العبيديين، القائلين بقولهم في بلاد الشام، و كان أكثر أتباع العبيديين القائلين بقولهم ظاهرا و باطنا في ثغور الشام، فخرجت هذه الجماعة النصيرية عن الطاعة و أقاموا شخصا ادعوا أنه المهدي، و قاتلوا الناس، و ادعوا أن المسلمين كفرة و أنّ دين النصيرية هو الحق، و رفعوا أصواتهم بقول: لا إله إلا علي، و لا حجاب إلا محمد. و بسب أبي بكر و عمر، و خربوا المساجد، و جعلوها خّمارات، فخرج عليهم عسكر المسلمين فكسروهم، و قتلوا منهم جماعة و اضمحل أمرهم، و مزقهم اللّه كل ممزق.

انعطاف على ما تقدّم من ذكر الأمير قاسم بن مهنا و ذريته‌

و كان الأمير قاسم بن مهنا منفردا بولاية المدينة المشرفة من غير مشارك و لا منازع، فلما توفي تولى موضعه أكبر أولاده، و هو جماز جدّ الجمامزة، و استمر فيها إلى أن توفي، ثم استقر في موضعه ولده قاسم بن جماز بن قاسم بن مهنا، و استقر فيها إلى أن قتله بنو لأم.

و كان الأمير شيحة نازلا في عربه قريبا منه، فلما بلغه قتل قاسم توجه إلى المدينة مسرعا حتى دخلها و ملكها، و ذلك في سنة أربع و عشرين و ستمائة فاستقر فيها، و لم يتمكن الجمامزة من نزعها منه و لا من ذريته، و أقام شيحة في الولاية مدة طويلة، و كان يستنيب في الولاية على المدينة إذا غاب ولده عيسى، فقدر أن الأمير شيحة توجه إلى العراق فظفر به بنو لأم فقتلوه، و كان ولده عيسى في المدينة، فطمع الجمامزة في المدينة فجاء منهم جماعة على غفلة قاصدين الاستيلاء على المدينة، ففطن بهم الأمير عيسى فقبض عليهم، و قيل: إنه قتلهم، و اللّه أعلم.

و استقر الأمير عيسى على الولاية مدة، ثم إنه أظهر لأخويه منيف و جماز الكراهية لإقامتهما معه في المدينة فأخرجهما، و منعهما من الدخول.

فاتفق رأيهما على خلعه من الولاية، و إعمال الحيلة في ذلك، فكاتبا وزيره في ذلك، و كان من العنانيين فأمرهما بالقدوم عليه، و احتال لهما إلى أن أدخلهما الحصن العتيق بالليل، و لم يكن يومئذ للإمارة حصن غيره، فقبضا على عيسى و قيداه، و أصبح حاكم المدينة الأمير أبو الحسين منيف بن شيحة، و ذلك في سنة تسع و أربعين و ستمائة، و لم يزل حاكما بالمدينة و أخوه جماز يوازره و يساعده إلى أن توفي في سنة سبع و خمسين و ستمائة،

فوليها من ذلك التاريخ الأمير عز الدين جماز بن شيحة، و لم ينازعه أخوه الأمير عيسى بن شيحة.

ثم إن ابن أخيه مالك بن منيف انتزعها منه في سنة ست و ستين و ستمائة، فاستنجد عليه الأمير جماز بأمير مكة و بغيره من العربان، و سار إلى المدينة، فلم يقدروا على إخراجه منها، فلما أيسوا رحل صاحب مكة و غيره من العربان، و بقي الأمير جماز مع جماعته. فأرسل إليه الأمير مالك بن منيف يقول له ما معناه: أراك حريصا على إمارة المدينة و أنت عمي و صنو أبي، و قد كنت له معاضدا و مساعدا و يجب علينا أن نحترمك و نرعى لك حقوقك، و قد استخرت اللّه تعالى و نزلت لك عن إمارة المدينة طوعا لا كرها، فسرّ بذلك الأمير جماز و حمد اللّه تعالى على حقن الدماء و بلوغ المقصود، و استقل بالإمارة من يومئذ، فلم تخرج عن يده إلى أن مات، و استقرت بيد ذريته إلى الآن.

و كان الأمير جماز ذا رأي مصيب و كرم عظيم على إخوته و بنيهم يؤلفهم بالعطاء الجزيل، حتى استمال قلوبهم، و قوي أمره بينهم و عضده أولاده، و كان إخوته ثمانية، منهم: منيف و عيسى و محمد جد الفواطم، و أبو رديني جدّ الردنة، و كان أولاد جماز أحد عشر ولدا، و عاش الأمير عيسى إلى أن توفي في سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة. و أقام جماز في الولاية مستقلا بها من غير منازع من يوم سلّمها له مالك بن منيف إلى سنة سبعمائة.

فلما كان عام سبعمائة خلع الأمير جماز نفسه من الولاية و نزل عنها لولده الأمير منصور، و أمر أن يخطب له على المنبر، و حالف الناس على طاعته و نصرته و ذلك لأنه كان قد أضر في آخر عمره و شاخ و ضعف، و كان ولده منصور أبرّ أولاده به، فحسده إخوته، و تقدم أنهم كانوا أحد عشر، منهم: منصور و سند و مقبل و ودي و قاسم و مسعود و راجح و مبارك و ثابت و آخرون.

و كان للأمير منصور أيضا أحد عشر ولدا، و هم: كبيش و كبش و طفيل و جماز و ريان و عطية و كوير و حقان و نعير و نجاد، و شخص آخر لعله نمي،

فوقع الحسد و التباغض و التدابر بين الأمير منصور و إخوته إلا القليل، و طلع الأمير منصور إلى القلعة الموجودة اليوم، و كان الأمير جماز قد بناها لنفسه ليتحصن فيها و يكشف منها ضواحي المدينة، فلما خلع نفسه عن الولاية نزل إلى داره التي في عرضة السوق المعروف بدار حرثمة، و استقر فيها إلى أن مات في سنة أربع و سبعمائة.

ثم إن أولاد الأمير جماز انفردوا و أمّروا عليهم أخاهم مقبلا، و صاروا يحاصرون المدينة و لا يقدرون عليها، ثم إنه اتفق في سنة تسع و سبعمائة أن سافر الأمير مقبل إلى الشام لبعض مصالحه، فلما عزم على السفر إلى إخوته استعمل سلما طويلا مفصلا يتركب بعضه في بعض، و هو اليوم موجود في الحرم الشريف.

فلما حاذى المدينة ساروا إليها مع جماعة يسيرة من أصحابه و نصب السلم على الحصن و دخله على غفلة، و ذلك في ليلة السبت ثامن عشرين شهر كذا من السنة المذكورة و كمن في الحصن إلى الصباح، و لم يكن بالمدينة غير كبش بن منصور، فظن مقبل أن أهل المدينة لا يواجهونه بالمقاتلة نهارا، و أن كبشا ينجو بنفسه من الذبح هاربا، فلما علم بهم كبش استصرخ بأهل المدينة فأصرخوه و قاتلوا معه، فقتل الأمير مقبل و قتل أيضا أبناء أخيه جوشن و قاسم أبناء قاسم بن جماز، فعظمت الواقعة على أولاد مقبل و إخوته، فقدموا عليهم الأمير ودي بن جماز و قاموا في طلب الثأر، و استحكم بينهم الفساد، و كثرت بينهم الحروب، و عظمت على منصور النفقات للجيوش.

فلما كان في سنة ست عشرة و سبعمائة حصل له ضيق و شدة، فطلب من الخدام المخبزين ألف درهم من كل واحد، فامتنعوا و قالوا: لا نفعلها سنّة أبدا، فأنزل منهم جماعة في الجبّ، فجاءه بعض المجاورين و قالوا:

نحن نتقدمهم في النزول، و وقع في ذلك كلام كثير، ثم فرج اللّه عنهم.

فبلغ ذلك السلطان، فأمر أمير الحاج المصري بمسك منصور، فلما قدم أمير الحاج مسك الأمير منصور و ولده كبش و سار بهما معتقلين إلى مصر، فلما دخل الركب إلى القاهرة رسم عليهما في دار الضيافة نحو شهر،

ثم استدعاهما السلطان الملك الناصر، و تهددهما على ما فعل منصور، و شرط عليه شروطا أنه لا يؤذي المجاورين و الخدام، و أنّ ولده كبش يحمل عياله إلى مصر و يقيم عند السلطان، ثم أخلع عليهما و خلّا سبيلهما.

و اتفق في أول يوم من المحرم بعد مسك منصور و رحيل الحاج من المدينة، أن الأمير ودي و أولاد مقبل أغاروا على المدينة، فخرج إليهم جماز بن منصور فقاتلهم، فقتل من أهل المدينة نحو سبعة أنفس، و رجع جماز إلى المدينة، ثم بعد ذلك بأيام أغاروا مرة ثانية، فملكوها و خرج جماز بن منصور منها، فوصل الخبر إلى السلطان و منصور عنده، فسير معه عسكرا عدتهم تسعون فارسا تركا و عربا، فوصلوا إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة سبع عشرة و سبعمائة، فامتنع أولاد مقبل من الخروج ساعة، ثم رأوا أن لا طاقة لهم بالحاضرين فخرجوا على خيولهم هاربين، فأرسل منصور خلفهم فمسك مبارك بن مقبل، ثم منّ عليه و خلا سبيله، و بقي العسكر في المدينة يومين أو ثلاثة ثم رحلوا منها، فجمع ودي و أولاد مقبل عربا كثيرة و ساعدهم قتادة صاحب ينبع فحاصروا المدينة، فخرج منها منصور هو و ولده كبش و توجها إلى السلطان، فوجدوا في طريقهم عسكرا، وجهه السلطان إلى مكة و مقدمهم سيف الدين أيدمش، فسألهم المساعدة على ودي، و أن يمكنوه من المدينة. فاستمهلوه و كتبوا إلى السلطان بذلك، و ساروا إلى مكة، فبعث إليهم السلطان يأمرهم بنصرته، فقدموا معه إلى المدينة، فخرج إليهم ودي و أولاد مقبل و جرى بينهم قتال، و قتل ماجد بن مقبل، و كانت الواقعة في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، و انكسر ودي و جماعته، و تسلم منصور المدينة، و دخلها العسكر فنهبوها حتى القلعة و بيوت الشرائف، و أقاموا نحو ثلاثة أيام، ثم رحلوا، و استمر ودي و أصحابه يغيرون على المدينة إغارة بعد إغارة.

و لما استقر الأمير منصور في المدينة نزل من الحصن و جلس في وسط الحرم، و قال: اجمعوا كل من في المدينة من المجاورين و الخدام فجمعوا.

و كأنه تخيل أنّ ما جرى عليه من المسك و الاعتقال كان عن مكاتبة من الخدام و المجاورين.

ثم قال لكل من الحاضرين: ما اسمك؟ فإذا عرفه قال له: ما بلدك؟

فإذا أخبره قال له: دونك بلدك، فإن تخلفت حل مالك و دمك. و تبعهم بهذا الكلام واحدا واحدا، ثم قام فحصل للناس هم و غم، و بقوا في شدة عظيمة خصوصا من له عيال.

فقال لهم شيخ الخدام الحريري: لا يهمنكم ما وقع، من كان معه شي‌ء فليكتر لنفسه، و من كان فقيرا فأنا أحمله و أحمل عياله حتى تبلغوا مأمنكم، و بعث لبني سالم و غيرهم من العربان يأتونه بالجمال، و كان للأمير منصور زوجة صالحة.

فقالت له: يا منصور هب أنك تسلم من الملك الناصر، ألا تخاف من يسمع بذلك من العربان كآل فضل و خالد و بني لأم، فإنهم يرون هذا منا كفرا. و لم تزل به حتى أرسل إلى الجماعة بأنهم يستقرون على أنهم لا يكتبون فيه، و لا يشهدون عليه. و كان بعض الشياطين أشار عليه بأن يأخذ الخمس من الناس، فوكل بذلك شخصا من أهل الشر يزعم أنه من كبار المجاورين الناصحين لهم، فكان يأتي الرجل الصالح في رباطه و المرأة الصالحة في رباطها فيقول: كم جاءك يا فلان في هذه السنة من الصدقة؟

فيقول له: كذا و كذا. فيكتب ما قيل له و يزيد عليه، و يتتبع الوظائف كلها فيأخذ منها الخمس من كل خمسة دراهم درهم، و ضاق الناس من ذلك و استمر ذلك ثلاث سنين، ثم قطعه اللّه تعالى.

و اتفق أن طلع عليه والدي- رحمه اللّه- لما طلب منه ذلك، فلما رآه الأمير منصور قال له: ما اسمك؟ فقال له: فلان. فقال له: كم لك في المدينة؟ فقال له: نحو عشرين سنة. فقال له: أنت عندنا هذه المدة و لا نعلم بك ما أظنك إلا رجلا جيدا.

ثم قال له: أشهدك اللّه هل تعلم أن الذي أطلبه منك حق عليك أم لا؟

فقال: اللهم لا. فقال الأمير لغلمانه: لا تتعرضوا له.

و كان له اعتقاد حسن و فيه شفقة و رحمة، كان رحمه اللّه يحضر ميعاد

محمد بن إبراهيم المؤذن بعد العصر فيستدنيه فيقرأ قريبا منه، فلا يزال يبكي حتى تبلّ دموعه ثيابه، رحمة اللّه عليه.

و لما كان في سنة خمس و عشرين و سبعمائة في شهر رمضان، كان الأمير منصور نازلا في عربه في أعز ما يكون، و آمن ما يكون، و كان حرّيثه بن قاسم بن جماز أخو فضل بن قاسم نازلا معه، و كان آمنا من جهته، فخلا به يوما فضربه بالرمح فقتله، و ظن أنه ينجو على فرس كانت هناك، فأدركه بعض أصحاب الأمير فمسكوه و قتلوه في تلك الساعة. و كان مولد الأمير منصور رحمه اللّه في سنة خمس و خمسين و ستمائة.

ثم تولى إمارة المدينة كبيش بن منصور و كانت ولايته نحو سنة و خمسة أشهر، و لم تصف له تلك الأيام.

و لما كان في سنة سبع و عشرين في صفر جاء ودي و ولده عسكر و جماعة من أصحابه، فدخلوا المدينة على غفلة في وقت السحر من ناحية ذروان، و كان في المدينة طفيل نائبا عن كبيش، فالتقاهم في ذروان(1)، فقتل هاشم بن علي و سنان، و انكسر طفيل و جماعته، فخرج من درب البلاط و نجى بنفسه و أصحابه، و استقر ودي في المدينة و توجه طفيل إلى السلطان فأخبره الخبر و أقام في مصر، فطمع ودي في مرسوم السلطان، فجهّز خيلا و هدية و توجّه إلى السلطان في شهر رمضان من السنة المذكورة، فلما دخل على السلطان قبل الخيل و الهدية، و استمهله حتى انسلخ شهر رمضان.

فلما كان ليلة العيد مسكه و قيده و حبسه، و رجع طفيل إلى كبيش عند العرب فجهز كبيش خيلا هدية و بعثها مع طفيل إلى السلطان، فوصل بها في الثاني عشر من شهر شعبان سنة ثمان و عشرين، فقبلها السلطان.

فلما كان في الحادي و العشرين من الشهر المذكور، وصل الخبر إلى مصر أن أولاد مقبل بن جماز قتلوا الأمير كبيش في يوم الجمعة سلخ شهر رجب من السنة المذكورة، فأعطى السلطان إمارة المدينة للأمير


1) تحرف هذا الاسم و أصبح يعرف ب« ضروان»، و هو موضع البئر التي ألقي فيها سحر النبي صلى اللّه عليه و سلم.

طفيل بن منصور و أخلع عليه و كتب تقليده، و توجه إلى المدينة، فوصلها في الحادي عشر من شهر شوال من السنة المذكورة، و خرج منها عسكر ودي و أصحابه.

و استمر طفيل- رحمه اللّه- في المدينة حاكما مدة ثمان سنين و ثلاثة عشر يوما، و استمر عسكر بن ودي و أولاد مقبل يشنون الغارات على المدينة، و يرعون زروعها و يحرقون نخيلها و يجدون ثمرها، و في تلك الغارات قتل علي بن ودي، و عجاجة و غيرهما، و ذلك في سنة تسع و عشرين. ثم خرج إليهم القاضي شرف الدين و الخدام و صالحوهم على خمسة عشر ألف درهم، و على ثمرة أملاكهم، و أملاك من يلوذ بهم.

فلما تم الصلح بينهم و بين الأمير طفيل، استنجد طفيل بصالح بن حريث من آل فضل، و بعمرو بن و هيبة من آل مرّا، و بعسّاف بن متروك الرزاق، فجاؤوه في جموع عظيمة، و كانوا ألفي فارس و خمسمائة راحلة، و باقيهم رجال، و جمع طفيل من بني حسين ما أمكنه، و خرج بالترك الذين كانوا معه في المدينة و ساروا جيشا عظيما، و أغاروا على عسكر بن ودي و أولاد مقبل، و كانوا ثمانية عشر فارسا و قيل خمسة عشر، و قيل ستة عشر، فكسروا هذا الجمع العظيم، و خلصوا منه سالمين بقدرة اللّه تعالى، و ذلك بسبب الغدر بهم عقيب المصالحة.

و أما ودي فاستمر محبوسا من التاريخ المتقدم إلى خامس شهر رمضان من سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، فكانت مدة حبسه نحو أربع سنين، ثم فرج اللّه تعالى عنه.

لما كان في سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، توجه طفيل إلى مصر و استخلف في المدينة ولده المسمى عجمي، و كان وزير طفيل يومئذ علي بن مبارك الحسامي، فلما كان في شهر رجب جاء ودي و جماعته إلى المدينة و حاصروها، فلما كان في بعض الليالي دخلوا المدينة على غفلة في وقت السحر من الحديقة التي في زقاق قريش، و كان في المدينة الأمير عطية و الأمير زيان أبناء منصور و غيرهم، فأدركوهم في الحديقة المذكورة، و وقع بينهم قتال شديد، ثم رجعوا من حيث دخلوا من السور و أقاموا محاصرين المدينة.

ثم اتفق أن جاء كتاب من عند السلطان إلى الأمير ودي بأن لا يتعرض للمدينة، و لا يقربها فرحل عنها، و وقع من القاضي شرف الدين الأميوطي ما تقدم ذكره في ترجمة الشريف يعقوب، و أمر الوصية التي بعث بها الشريف يعقوب من العرب، فغضب السلطان على طفيل.

فلما كان في شهر شوال من السنة المذكورة وصل جحيدب بن منيف بن قاسم بن جماز، و سعد بن ثابت بن جماز من مصر و معهما كتاب من السلطان إلى القاضي شرف الدين، مضمونه أن نحن قد سلمنا إمارة المدينة إلى الأمير بن مزروع ودي بن جماز، و قد كتبنا له بذلك تقليدا، فيمكن نوابه من المدينة، و يمنع آل منصور أن يتعرضوا لأذيّة الناس، و أن يمسكوا شيئا من جمال السواني فيرتحلوا عليها.

فخرج آل منصور من المدينة، و لم يتعرضوا لجمال السواني. و تحمل الوزير المذكور بأهله و أولاده و ماله على البقر. ثم وصل الأمير ودي إلى المدينة في شهر ذي القعدة، و قرأ منشوره على دكة المؤذنين العليا، و حبس الأمير طفيل نحو أربعين يوما، ثم أخرج من الحبس، و أنعم عليه بأخباز يستعين بها، و رسم لهم بأملاكهم التي بالمدينة، و استمر الأمير ودي حاكما في المدينة.

فلما توفي الملك الناصر في شهر ذي الحجة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة توجه ودي إلى مصر فقرر على ولايته، و رجع إلى المدينة و استمر حاكما إلى سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.

فلما كان في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، توجه طفيل إلى المدينة و معه جميع آل منصور بأهلهم و أموالهم، و نزلوا تحت جبل سلع مما يلي المدينة، و كان نائب المدينة عن ودي جحيدب و معه قلاوون بن حسن بن مقبل، فلما كان في السحر تلك الليلة التي قدموا فيها، نصبوا سلما على السور و دخل المدينة من آل منصور فلم يقاتلهم أحد، ثم داروا على الدروب فكسروا أقفالها، و فتحوا أبوابها، و دخلوا المدينة جميعهم و نهبت في تلك الليلة بعض الدور، و كسرت العرب جميع دكاكين السوق و نهبوا ما فيها، فلما طلع النهار نادى الأمير طفيل بالأمان، فأمن الناس

و خرجوا إلى الأمير طفيل و هنوه بالنصر و الولاية، و قبض طفيل على جحيدب و قلاوون و قيدهما في بعض دور المدينة، فأقاما نحو ثمانية أيام، ثم قتلا خنقا، و العياذ باللّه.

و استقر الأمير طفيل في المدينة، فكانت مدة ولاية الأمير ودي سبع سنين و شهرا و أربعة أيام، ثم إن الأمير طفيلا بعث إلى مصر أخاه جمازا مع الركب المصري، فأنعم عليه السلطان و قرر طفيلا على إمارة المدينة، و كتب له بعد تقليدا، و بعث إليه بالخلعة و التقليد، و كان السلطان يومئذ الملك الصالح إسماعيل بن محمد، ثم توجه طفيل إلى مصر فأكرمه السلطان و قرره على ولايته، و مكث الأمير ودي عند أهله و أقاربه إلى أن توفي رحمه اللّه في سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

و كان أميرا رئيسا محتشما مهيبا معظما، ذا عقل و رأي، و دهاء و شجاعة. و كان ولده عسكر أعظم منه في هذه الأوصاف كلها. توفي رحمه اللّه في حياة والده بالمدينة المشرفة في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و مولده سنة تسع و تسعين و ستمائة.

و لما توفي الأمير ودي قدّم آل جماز عليهم فضل بن قاسم، فلما كان في شهر المحرم سنة تسع و أربعين، جاء الأمير فضل مع جماعة من أصحابه إلى المدينة و تسور السور و دخلوا المدينة، و جاؤوا إلى الساحة و كسروا قفل درب الغنم، و دخلوا بخيلهم و رجلهم و لم يشعر بهم أحد، ثم قصدوا القلعة و دقوا بابها، فلما علم بهم من كان بالقلعة، صاحوا و استيقظ أهل المدينة و فزعوا إلى القلعة، فالتقوا مع آل جماز، و جرى بينهم قتال، ثم انتصر أهل المدينة عليهم، و أخرجوهم من الدرب فرجعوا إلى أهلهم و لم يحاصروا المدينة، و استمر الأمير طفيل رحمه اللّه حاكما على طريقة حسنة، و مآثر مستحسنة، إلى سنة خمسين و سبعمائة، فصدرت منه أشياء عن تدبير بعض الوزراء لا تليق بمثله، فكتب فيه القاضي شرف الدين الأميوطي، و قد ذكرنا ذلك.

في أثناء تلك السنة جاء الخبر أن السلطان قد ولى سعد بن ثابت بن جماز إمارة المدينة. فلما كان في شهر ذي القعدة جمع الأمير طفيل جميع

آل منصور و خلقا كثيرا من العرب، و عزم على منع سعد بن ثابت من دخول المدينة. فقدم سعد مع الركب الشامي، فبلغه ما عزم عليه الأمير طفيل، فطلب المساعدة من أمراء الركب الشامي، فامتنعوا. و قالوا: لا بدّ من إذن السلطان لنا في ذلك، فرحل سعد من البركة، و بعث إلى السلطان يستأذنه في ذلك، و دخلت الحواج جميعها دفعة واحدة، و هم خائفون مما يحدث عند تغير الدول- و العياذ باللّه- و أقاموا في المدينة يومين، و رحلوا جميعهم دفعة واحدة في صبيحة اليوم الثالث، و أودعوا في المدينة ما جرت عادتهم في ذلك.

فلما كان في اليوم السادس عشر من ذي الحجة جاء قاصد الأمير طفيل من مكة، و أخبر آل منصور بما أزعجهم و هو مرسوم السلطان لجميع أمراء الحواج أن يمكنوا سعدا في المدينة.

فلما كان في ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور، اتفق رأي آل منصور على نهب المدينة، و كان الأمير طفيل لذلك كارها ثم غلب على رأيه، و نهب آل منصور و أتباعهم، و من معهم من بني حسين، و من حضر المدينة من الخيابرة و غيرهم، جميع الوضيع الذي للحاج الشامي، و لم يسلم لهم إلا النادر في بيوت معدودة كما تقدم، و نهبوا دور الخدام و المدارس، و استمر النهب من عشية الخميس إلى آخر نهار الجمعة، و خرج آل منصور جميعهم من المدينة في ليلة السبت.

و جلست هيمان بنت مبارك بن مقبل في القلعة في شباك الإمارة يوم السبت، و تسلمت مفاتيح الدرب و حكمت في المدينة يوم السبت و يوم الأحد إلى الظهر. ثم وصل محمد بن مقبل بن جماز و غيره، و دخل الأمير سعد بن ثابت يوم الثلاثاء مع الركب المصري، و قرئ منشوره يوم الجمعة الخامس و العشرين من ذي الحجة سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

و في سنة إحدى و خمسين ابتدأ الأمير سعد في عمل الخندق الذي حول السور، و مات و لم يكمله، و أكمله الأمير فضل في ولايته، و لما كان في شهر شوال من السنة المذكورة جاء آل منصور على غفلة، و دخل المدينة منهم ثلاثة أمراء من سور باب البقيع، و حاولوا كسر قفل الدرب، فأعجلهم

بعض الترك من المدينة، فرجعوا من حيث دخلوا و أصبحوا محاصرين المدينة، و رعوا الزرع و قطعوا الأشجار.

و لما كان في أول سنة اثنتين و خمسين، توجه الأمير طفيل إلى مصر فغضب عليه السلطان و حبسه في القلعة، و كتب السلطان إلى الأمير سعد يأمره يحضر ما أخذ طفيل للحاج، و لأهل المدينة، فحضر بعض ذلك، و كتب به محضرا و سير به إلى السلطان و كثرت شكاوى التجار على طفيل، فغرم للبعض و صالح البعض، و ندم على ما وقع، و استمر محبوسا إلى أن توفي في الحبس في شهر شوال من السنة المذكورة.

و كان- رحمه اللّه- خليقا للملك، سلطانا مهيبا معظما محببا إلى الرعية، عالي الهمة، كامل السؤدد، جم المناقب، يوالي المجاورين، و يحسن إليهم و يقبل شفاعتهم، و والانا بأحسن الموالاة، و نصرنا في مواطن عديدة، و كان بينه و بين أخي علي صحبة أكيدة قلّ أن يرد شفاعته، تغمده اللّه برحمته.

و في هذه السنة توجه الأمير سعد لقتال آل منصور، فانهزم عنه أصحابه، و جرح و رجع إلى المدينة في شهر ربيع الآخر و هو مريض، فتوفي من ذلك الجرح في ثامن عشر، فكانت ولايته سنة و ثلاثة أشهر و ستة و عشرين يوما.

و كان في دولته من أحسن الأمراء سيرة، شجاعا وافر الحشمة، ناصرا للسنّة قامعا للبدعة، متخلقا بذلك مستجلبا به رضى السلطنة.

و لما توفي الأمير سعد رحمه اللّه اجتمع آل جماز و أجمعوا على تقديم الأمير فضل بن قاسم بن قاسم بن جماز، و حالفوه على الطاعة و النصرة، و خطب له على المنبر، و توجه مانع بن علي إلى السلطان يستنجز له مرسوما، فأجابهم السلطان إلى ذلك، و بعث إليه بالتقليد و الخلعة، و وصل بهما مانع بن علي في شهر جمادى الآخرة، و قرئ منشوره على دكة المؤذنين، و استمر في الولاية إلى آخر السنة سنة أربع و خمسين و سبعمائة، فمرض مرضا شديدا و توفي في السادس و العشرين من ذي القعدة، و دفن في

قبة الحسن و العباس، كان رحمه اللّه شهما شجاعا، مقدما مهيبا، سايسا ذا رأي صليب، و غور و دهاء و معرفة بالأمور.

و لما توفي الأمير فضل، أجمع رأي آل جماز على تقديم الأمير مانع بن علي بن مسعود بن جماز، و حالفوه على الطاعة، و توجه إلى مصر محمد بن مقبل بن جماز يسعى لمانع في تقرير الولاية، و سافر معه محمد بن مبارك بن جماز، و قيل: إنه قصد السعي لنفسه في الولاية، فولى السلطان الأمير مانع و بعث له بالتقليد و الخلعة مع محمد بن مقبل.

و كان الأمير مانع قبل ولايته متعبدا متدينا، سليم الباطن، فلما تولى إمارة المدينة ضعف رأيه عن تدبيرها، و كثرت الفتن في أيامه، و تتابعت الغارات على المدينة من آل منصور و ضعف عن دفعهم، فكان يستعين عليهم ببني لأم، و يجزل لهم العطايا، فنفد ما بيده و طلب المساعدة من أهل المدينة، فساعدوه مرارا، ثم طلب المساعدة من الخدام و المجاورين، فساعدوه و تكلفوا ذلك مرارا، ثم حصل منه جور على المجاورين و أهل المدينة، فبلغ السلطان ذلك، فبعثوا إلى الأمير جماز بن منصور، و كان مقدما على جماعته من بعد وفاة الأمير طفيل، و ولوه إمارة المدينة، و وصل إلى المدينة مستصحبا للتقليد و الخلعة في الحادي عشر من شهر ربيع الأول من سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و لم يكن الأمير مانع يومئذ بالمدينة، و كان فيها نائبه محمد بن مقبل. و قد تقدم ما جرى للأمير جماز معهم في ذكر ولاية القاضي تقي الدين الهوريني.

و لما استقر الأمير جماز في المدينة جرى في أحكامه على الشدة، حتى خرج عن الحد، و دانت له البادية و الحاضرة، و كان خليقا للملك، شهما شجاعا وافر الحرمة، عظيم الهيبة ظاهر الجبروت، هذا و غالب أيامه كان مريضا، و كانت ولايته ثمانية أشهر و عشرة أيام، و قتل شهيدا في اليوم الحادي و العشرين من شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، قتله فداويان قدما مع الركب الشامي لذلك، و قتل و هو في أعز ما يكون و أنصاره بين يديه رافعون.

و ذلك لما قدم الركب الشامي، خرج لتلقي المحمل السلطاني على

عادة من تقدمه من الأمراء، فلما وصل إلى المحمل، ترجل عن فرسه و أظهر الطاعة للسلطان، و فرش له بساط، و أخرجت الخلعة السلطانية، فلبسها و أعطي العمامة، فاشتغل بلفها، فخرج عليه رجلان أشقران خبيثان فضرباه بخنجرين، فأنفذا مقاتله و اختفيا من حينهما، فلم يعلم لهما خبر.

و ظن آل منصور أن الأمر أشد من ذلك، و أن الأمر غير قاصر، فلم يتعرض له أحد غير أن نهبت جميلات يسيرات من أطراف الحاج، فلما تراجع آل منصور هموا بإقامة فتنة، و سفك دماء و ما لا خير فيه، فعصم اللّه الناس من ذلك بالأمير هبة بن جماز بن منصور، فظهر منه يومئذ من الاحتساب في مصيبته، و الصبر على رزيته، ما يعجز عنه الأئمة الأعلام، فأمّن الناس و طيّب قلوبهم، و نادى فيهم بالأمان، فاطمأن الحاج و جرى على عادته في البيع و الشراء، جزاه اللّه خيرا، و ساعده على ذلك عمه الأمير زيان بن منصور، المتحلي بحسن الأخلاق و الشيم، و الصيانة و الشجاعة و الكرم.

و لما وقع بالأمير جماز ما وقع اجتمع الناس على الأمير هبة بن جماز، و سألوه أن يقبل الولاية، فامتنع.

و قال: أنا أجلس في القلعة لحفظ المدينة و أهلها، و حفظ الأحواج، فانظروا لهذا الأمر غيري، فسألوا الأمير زيان في ذلك، فامتنع.

و قال: لا أتقدم على أخي عطية، و هو خيرنا و أديننا.

فاتفق رأي الناس على تقدمته، و كان غائبا عند العرب، فكتب إلى السلطان شفاعة في أن يولي عليهم الأمير زين الدين عطية بن منصور، و ذكروا أن آل منصور قابلوا ما وقع للأمير بالصبر و الاحتساب، و حفظ الحاج و الطاعة للسلطان، و توجه الأمير نعير بن منصور إلى مصر ساعيا للأمير عطية في الولاية، و استمر هبة بن جماز حاكما إلى رحيل الركب المصري من المدينة، ثم خرج من المدينة و توجه إلى عربه، و طلع الأمير زيان إلى القلعة و حكم في المدينة.

و لما وصل نعير إلى مصر حبسه السلطان أياما، ثم طلب و أخلع عليه، و كتب للأمير عطية تقليدا بإمارة المدينة، و بعث بالتقليد و الخلعة مع الأمير

نعير، فوصل إلى المدينة في يوم السبت الثامن من شهر ربيع الآخر سنة ستين و سبعمائة، و وصل في تلك الأيام الأمير زين الدين عطية فلبس الخلعة و قرئ منشوره على دكة المؤذنين.

و كانت ولايته من اللّه تعالى كاسمه، لما انطوت عليه سيرته من الخير و الصلاح و التوكل على اللّه تعالى، و الزهد في الدنيا و الكراهة في الأمر و النهي، و سعيه في مصالح دينه، قانتا للّه خائفا منه منيبا إليه، أوقاته مقسمة في الطاعة ما بين خلوة في عبادة، أو نظر في مصالح رعيته، دائم الصمت، كثير الخشية، يجلس في النادي فلا يخوض معهم و لا يضحك لضحكهم، قد لزم السكون و اشتغل قلبه بذكر معاده، إذا صلى الصبح جلس في مصلاه و لا يتكلم حتى يصلي الضحى مع حسن توجه و إقبال على اللّه تعالى.

و انصلح بصلاحه جميع قرابته، ورد المدينة إلى حالة يغبط أهلها على سكناها من العافية و الأمن العظيم، و سلامة الناس في أنفسهم و أهلهم و أموالهم، و كان في الولاية كارها لو لا ما يخاف من خروجها عن آل منصور لو تخلى عنها، و لم يزل يشكو من المكس و العشور، و يمنع وزيره أن يدخله في مطعومه أو مشروبه، حتى طهره اللّه بحسن نيته، و صلاح سريرته، و عوضه عنه خيرا منه من جهة السّلطان الملك الأشرف شعبان، بإشارة الأمير الكبير، ذي الحسنات العديدة، و المآثر الحميدة، أتابك الدولة المنصورة سيف الدين يلبغا، فسرّ بذلك و حمد اللّه تعالى عليه.

و مع هذا فما كان أمير المدينة و لا يظهر بولايتها عزا و لا فخرا، و لم يقم فيها سنة متوالية منذ ملكها إلى الآن، بل يقيم فيها إخوته و ولده كراهية من مباشرة الأحكام، و خوفا من الوقوع في مظالم العباد، و يوصي كل من استنابه في المدينة بحسن السيرة، و صفاء السريرة، و لا جرم أن أخاه و ولده، جدد اللّه سعدهم، ساروا في الناس أحسن سيرة، و تخلقوا بأخلاقه الحميدة، جزاهم اللّه عن الناس خيرا.

و لمّا نهب آل منصور و ضيع الحاج، كان الأمير زين الدين حاضرا معهم، فلم يتدنس بشي‌ء من ذلك، و تورع عنه، و من شأنه التورع عن المواريث التي يعلم أن أهلها غيب، و يحفظها عليهم، و ينفذ وصايا الأموات

الذين لا وارث لهم، و يخرج الزكاة من ماله على المستحقين، و يحسن إلى أرامل الشرفاء و أيتامهم من صلب ماله، و مناقبه كثيرة، و محاسنه عديدة، وفّقه اللّه لفعل الخير، و وقاه كل ضير.

و لا شك أن ولاية هذا الأمير و حسن سيرته، حجة للّه تعالى على من عاصره من الأمراء و على من يأتي من بعده، كما أن سيرة الملكين العادلين، نور الدين الشهيد و صلاح الدين بن أيوب حجة اللّه تعالى على من خلفهم من الملوك و السلاطين، فإنه لا يعجز أحد عن التشبيه بمن عاصره، أو قربت أيامه من أيامه، و خلفه من محل ولايته، إذا حسّن نيته و سأل اللّه تعالى الإعانة و التوفيق.

فيجب على أهل المدينة الدعاء لهذا الأمير، و إخلاص الطاعة له، و نشر محاسنه، فبالشكر تدوم النعم، فلا زالت سعادته طالعة في برج سيادته، و سيادته محفوفة بحفظ اللّه تعالى و كلاءته.

فصل و لنختم الكتاب بذكر شي‌ء من أحوال والدي و أخويّ رحمهم اللّه.

فأما والدي فهو أبو عبد اللّه محمد(1)بن أبي الفضل بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري، الأبّدي المحتد، ثم الجيّاني التونسي المولد و المنشأ، و اليعمري نسبة إلى يعمر (بفتح الياء المثناة من تحت و العين المهملة الساكنة و الميم المفتوحة و الراء المهملة بلا شك) و هو يعمر بن مالك بن بهثة بن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

قال ابن حزم في كتاب «جماهر الأنساب»: و من بني يعمر الأبديون بالأندلس، و هم ناقلة من ناحية منبج، و هم بنوا بكر بن عبد الحميد بن معمر بن الطفيل بن جعفر بن صالح بن الحشرج بن ضبيع بن دويب بن يعمر بن مالك بن بهثة.

و قيل في يعمر: إنه بضم الميم، و الأول أصح و أشهر.

و يعمر بفتح الميم مضارع قولهم: عمر الرجل، بفتح العين و كسر الميم: إذا عاش زمانا طويلا، و إنما سمي بذلك تفاؤلا بطول العمر.

و الأبّدي؛ بضمّ الهمزة و تشديد الباء الموحدة، و بعدها دال مهملة نسبة إلى بلدة الأندلس من كورة جيّان، و جيّان بفتح الجيم و تشديد الياء المثناة من تحت بعدها ألف و نون لأجل صحة الصلاة.

كان- رحمه اللّه- قد اشتغل بالعلم على شيوخ بلده، و برع في الفقه و الأصول و العربية، و شارك في علوم عديدة، و سمع الحديث على الحافظ


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 562( 4074)، نقلا عن ابن فرحون؛« المغانم المطابة» الورقة 260/ أ.

جمال الدين أبي بكر محمد بن يوسف بن مسدي، و صحب الشيخ أبا محمد المرجاني، و خرج في صحبته للحج من تونس، فلما وصل إلى مكة لحقه مرض فقال له الشيخ أبو محمد: هذا إشارة إلى الإقامة.

فأقام بها و لم يتعرف بأحد من الناس، و لم يكن معه من النفقة غير ما أعدّه للطريق، فبنى على التوكل على اللّه تعالى، فعرف مكانه من العلم، و اشتهر بحسن الخط مع الضبط و الصحة. فسأله بعض الناس في نسخ (الروضة) للشيخ محيي الدين النووي رحمه اللّه، فنسخها له جميعا و استعان بما حصل له.

ثم انتقلت تلك النسخة مع بعض الشافعية إلى المدينة، و هي اليوم في المدينة موقوفة في المدرسة الشهابية، مع نسخة أخرى نسخها بعد إقامته في المدينة.

ثم حج و رجع إلى تونس، فوجد الشيخ أبا محمد المرجاني قد انتقل إلى رحمة اللّه تعالى. فحمل ما له من الكتب، و كانت كلها أو غالبها بخط يده، و كانت كتبا كثيرة جليلة، فلما وصل إلى الإسكندرية باعها، حتى لم يبق معه إلا ما هو محتاج إليه من خطه و خط والده.

ثم قدم المدينة فسكن المدرسة الشهابية بين تلك الجماعة الذين تقدّم ذكرهم و فضائلهم، و كانت نيته أن لا يشتغل بشي‌ء غير نفسه، و لا يتعرض بأحد من أبناء جنسه، فألزموه حضور الدرس لأجل المسكن، فلما حضر مع الطلبة اشتهر بينهم بعلمه و فضيلته.

و كان متفننا في عدة علوم، فعظم عند الجماعة و أحبوه و لزموه، و اشتغلوا عليه بالفقه و العربية، و اشتغل عليه جماعة في علم الهيئة، فأبان عن فضيلة تامة فكثر عليه المشتغلون في علم الميقات.

قال لي رحمه اللّه: كنت قد قطعت وقتي مع المشتغلين بعلم الميقات، و حرت في الخلاص منهم، حتى سمعت شخصا من العوام يقول يوما لجلسائه: ما رأيت أعلم من هذا المنجم.

قال: فقلت في نفسي: لقد أسأت باشتهاري بهذا العلم، حتى يطلق عليّ هذا الاسم، فتركت الاشتغال به.

و كان له اختلاط بالجماعة الذي تقدم ذكرهم؛ كالشيخ أبي محمد البسكري و أصحابه، و الشيخ أبي الحسن، و الشيخ عبد الواحد الجزولي، و الشيخ أبي العلاء الأندلسي، و الشيخ أبي إسحاق. و جماعة من الصلحاء الخدام، و خلائق لا يحصون كثرة. فعرضوا عليه الزواج فامتنع من ذلك، فكثروا عليه و رغبوه في والدتي، و كانت الكبيرة من أربع بنات شرائف، كان والدهن يقال له: الشريف عبد الواحد الحسيني، ثابت النسبة، و كان يتناول من وقف بلقس بعد أن أثبت نفسه في القاهرة.

و لما حج نقيب الأشراف شرف الدين أوقفه على تلك النسبة، فلما رأى عليها خطوط القضاة المصريين، أثبت اسم بنته مباركة في الشرفاء الذين يصرف إليهم وقف بلقس، و استمرت تقبضه إلى أن توفيت إلى رحمة اللّه تعالى.

و كان زواجه لوالدتي من برّه بنا، إذ ألحقنا بنسب النبي صلى اللّه عليه و سلم فجعلنا من ذريته إجماعا، و شرفاء عند أكثر العلماء. و بذلك أفتى ناصر الدين المسدالي و غيره ممن هو مثله في العلم. و كمل برّه بأن علّمنا فأحسن تعليمنا كما ترى، و أدبنا فأحسن تأديبنا، درى بذلك من درى، و كان من أسباب تزوجه و تأهله في المدينة بعد تبتله و كراهته لذلك.

اتفق في بعض الأيام أن الجماعة سألوا والدي أن يقرأ عليهم شيئا من كتب الرقائق فأجابهم إلى ذلك.

قال لي رحمه اللّه: و كان من جملة ما قرأته أن رجلا كان يسأله جاره أن يزوجه إحدى بناته فيقول له: لا حاجة لي بالزواج فرأى ليلة في منامه أن القيامة قد قامت، و أنّ الناس في شدة حر عظيم، و عطش شديد. و كان بينهم ولدان معهم إداوات يتخللون الناس.

قال الرائي: فقلت لولد منهم: يا ولدي أنا عطشان فاسقني. فقال له:

اذهب فما لك فينا ولد. قال: فاستيقظ الرجل و به رجفة عظيمة، فدقّ الباب على جاره و قال: زوجني إحدى بناتك الآن، فلي قصة عجيبة. فزوّجه و لم يأت عليه الصباح إلا و هو مع زوجته.

فلما قرأ والدي هذه الحكاية، رغّب الجماعة والدي في الزواج،

فأطاعهم و تزوج والدتي- رحمهما اللّه- و كان بناؤه بها ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر صفر عام اثنين و تسعين و ستمائة، فولدت له خمسة ذكور توفي منهم في حياته اثنان. و كان يقول: عندي مسرة بمن قدمته أكثر من مسرتي بكم رجاء ما وقع في تلك الحكاية، نفعه اللّه بهما، و كنت أول أولاده، و كان مولدي يوم الثلاثاء السادس من جمادى الآخرة عام ثلاثة و تسعين و ستمائة.

كان- رحمه اللّه- لا يزال مشغولا بنفسه و بذكره و قراءته و اشتغاله بكتب العلم، ليس مع الناس في شي‌ء من أحوالهم الدنيوية، و لم يصده العيال عن شي‌ء من الأوراد و الأفعال الصالحة التي كان عليها، و كان ذا عيال كثيرة، لم يمسه منهم قرابة لكن أصهاره قد جمعه معهم في بيت و في نفقته، و مع ذلك لم يكن يهمه شأنهم و لا شأن أولاده. بل قدم اشتغاله بالآخرة على كل شي‌ء حتى كأنه خليّ من التعلقات رحمه اللّه، و كلما نظرت إلى حالي و سعة مسكني و ضيق خلقي و قلة صبري مع ما رأيته من ضيق مسكنه و سعة خلقه و طول صبره صغرت عند نفسي، و أيست من خيري، و أنى لي بحسن أخلاقه و حفظ لسانه!!

حكى الشيخ محمد الخراز رحمه اللّه و الشيخ عمر الخراز رحمه اللّه، أنه لما حج والدي معهما مع جماعاته المباركين الذي تقدم ذكرهم كانوا رفقة واحدة، مع عدة جمالين.

قالا: فلما حججنا و رجعنا و كنا قريبا من المدينة المشرفة، اجتمع الجمالون يتحدثون و يذكرون سيرة ركابهم معهم، فقال جمّال والدي لأصحابه: يا جماعة أمّا رفيقي الذي أركبته فأخرس، لم يتكلم منذ صحبته بكلمة، فقال رفيقه: بل و اللّه سمعته يوما يتكلم مع أصحابه، و كانت هذه طريقته سفرا و حضرا، لا يراه أحد جالسا في طريق و لا في حلقة فضول، و لا يتكلم إلا جوابا، و إن جاوب لم يفتح للفضول بابا.

كان القاضي فخر الدين محمّد بن محمّد بن الحارث المعروف بابن المسكين الفقيه الشافعي إذا لقيني يقبل عليّ و يسلّم، و يقول: رحم اللّه والدك الشيخ أبا عبد اللّه، ما كان أحسنه و أكثر أدبه و خيره.

و حكى لي أنه اتفق له معه قضية.

قال لي رحمه اللّه: كنت إذا صليت صلاة الصبح، أجلس في مصلاي حتى تطلع الشمس و أصلي الضحى و انصرف، و كان يومئذ في الروضة المباركة جماعة من الأشياخ المباركين، قال: و كنت أرتقب بصلاتي ارتفاع الشمس، و أرى الناس ينتظرون الشيخ أبا عبد اللّه و يقومون لقيامه، و كان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار.

قال: فقلت: لا أقدر أقول للجماعة كلها: أخّروا صلاتكم حتى ترتفع الشمس، و لكن أجتمع بهذا الشيخ الذي يؤمّهم في هذا الوقت.

قال: فاجتمعت به و كنت به جاهلا، فقلت له: رأيتك تقوم لصلاة الضحى قبل وقتها، و قد نهى النبي صلى اللّه عليه و سلم عنها حتى ترتفع الشمس و تبيض، و هذا وقت تكره فيه الصلاة، و كثرت عليه من الأدلة و أنا في اجتهاد وحدة حتى فرغ ما عندي.

فالتفت إلي، و قال: بعد اليوم نؤخّر كما قلت، و سكت عني، و اشتغل بما كان فيه، فانصرفت عنه و سألت عنه، فقيل لي: هذا الشيخ أبو عبد اللّه بن فرحون، فندمت و قلت: أيّ حاجة دعتني إلى التعرض لهذا الشيخ، قال: فرحت إليه و اعتذرت فتبسم و قال: ما قلت إلا خيرا. فأنا أدعو له كلما ذكرته.

قال لي الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الغرناطي، كنت جالسا في المسجد الشريف مع الشيخ أبي القاسم القبتوري- و قد تقدم ذكرهما- فقال لي: يا محمد رأيت قط الكبريت الأحمر الذي لا يتغير أبدا و لا يتحوّل؟ فقلت له: لا. فقال: انظر إلى عبد اللّه بن فرحون منذ دخل المدينة لم يتغير حاله.

قلت: كان- رحمه اللّه- قد ترك الاشتغال بنا، فكنا نغيب فلا يسأل عنا، و نمرض فلا يهمّه مرضنا، بل يسأل اللّه لنا و يدعو لنا، فنحن نتقلب في بركته و بركة دعائه.

أخبرني أنه يوما خرج في الموسم عند قدوم بني عقبة يريد شراء

نفقته، و كان غالب عيش المدينة من زرعها و زرع السوارقية، لا يأتي من الشام إلا قليل، حتى كان السعيد يدخل بيته جمل أو جملان، و كان للدارب على من يشتري شيئا مكس كثير، و خراج عظيم.

قال: فاشتريت حمل قمح، فلما دنوت من الدرب، قال لي صاحب الجمل: أنا ما أدخل به أخاف أن أطالب بخراجه.

قال: فقلت له: سق الجمل و أنا أتكفل بما يريدون منك، ففعل، فلما أردت الدخول قرأت أوائل سورة يس و تعوذت و دخلت مع الجمل فلم يرونا، و لا عرفونا، فجاءهم من ذكر لهم أني اشتريت حمل قمح فقالوا: لم يدخل به من عندنا و لا رأيناه، فدفع اللّه شرهم عنه بصدقه و ضرورته لعياله، فمن كان مع اللّه كان اللّه معه، توفي رحمه اللّه يوم الخميس الرابع عشرين من شهر ربيع سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، جدّد اللّه عليه الرحمة.

و رآه أخي علي في المنام بعد وفاته، فقال له: يا سيدي ما فعل اللّه بك؟ قال: أعطاني و حباني، فها أنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

و أما أخي نور الدين أبو الحسن علي(1)و اسمه من العلو و الدين، مع ما حوى من علم الفقه و الأصول و العربية و الحديث و اللغة و المعاني و البيان و الأدب، مع المشاركة العظيمة في سائر العلوم، و كان قد بلغ في العلوم الأدبية إلى النهاية.

فإن قلت: لم يكن في زمانه بالمدينة و الحجاز من برع براعته، و لا ساد سيادته، مشاهدة حق عليها كل الخلق، ممن جل و دق، و كان يلقي درس الفقه في «مختصر ابن الحاجب»، فيحضره الشيخ حسن الحاحائي، و الشيخ عبد السلام بن غلام، و كانا من الفقه بمكان، لم يلحقهما في علمهما و عملهما مثلهما و قد تقدم ذكرهما، و كانا يدققان معه في البحث المتين فيظهر بذهن ثاقب و حفظ معين.

و له تواليف مفيدة في العربية و الحديث و اللغة و التصوف، و له «ديوان»


1) ترجمته في:« التحفة اللطيفة» 2/ 295( 3076)،« المغانم المطابة» الورقة 252/ ب،« الدرر الكامنة» 3/ 115( 263)،« شجرة النور الزكية» 203/ 699.

كبير في مدح النبي صلى اللّه عليه و سلم، و في مدح غيره، و له مجلدات من جمعه مشتملة على فوائد و غرائب.

و كان الشيخ الإمام العلامة حجة العرب، و ترجمان الأدب، سراج الدين الدمنهوري قد جاور في المدينة في سنة خمس و أربعين و سبعمائة، فكان إذا جلس في درس يقول للطلبة: إذا حضر الفقيه نور الدين فأحضروا معكم الدواة و الورق، حتى تقيدوا من فوائده و من أشعاره و استشهاداته، فكان كذلك.

و كان هذا الشيخ سراج الدين الدمنهوري من العلماء الأستاذين الذين انفردوا في زمانهم عن أقرانهم بعلوم جمة، كالقراءات و العربية و اللغة، مع الفقه الغزير، و المشاركة في كثير من العلوم، و لكن كان في تلك العلوم في أعلا درجاتهم من الحفظ و الذكر.

عرضت عليه شرحي و إعرابي «لبانت سعاد»، المسمى ب (شفاء الفؤاد من بانت سعاد)، فوجدته في مذاكرتي له بحرا زاخرا، و كان أخي علي أحيانا يأتيه فيتعجب من حفظه و ذكره و يقول لي: قلّ أن رأيت مثله. توفي رحمه اللّه في ثاني شهر ربيع الأول في سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة.

و كان لأخي ميعاد وعظ يقرأ في كلّ جمعة بعد الصلاة على كرسي عال بالروضة المشرفة بصوت حسن و أداء حسن، لا يمل السامع من قراءته بل يتلذذ بإطالته، و كان وعظه من كلام ابن الجوزي في (التبصرة)، فكان بعض الناس يقول: عاش ابن الجوزي للناس.

و كان- رحمه اللّه- هو أول من اتعظ بقوله و انتفع بوعظه، فصار يلازم الصيام و يسرده و يقوم من الليل أكثره، و رقّت نفسه و درّت دمعته كأنه يقرب الأجل، فبادر للعمل. كان رحمه اللّه يقول: و اللّه ما ندمت على ما أفنيت فيه عمري من الاشتغال بعلم الأدب، يا ليته كان في الكتاب و السنّة.

كان يرى لي أكثر ما يرى الولد لوالده في التعظيم و الحباء و الإكرام، و أما الغيرة علي و الانتصار لي، و اهتمامه بحالي و ما يعرض لي من عدو شافي فلا يوصف قدره، فلله دره، و بلّ بالرحمة قبره.

توفي رحمه اللّه في يوم الجمعة الثالث و العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ست و أربعين و سبعمائة. و مولده ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول عام ثمانية و تسعين و ستمائة.

و أما أخي محمد- رحمه اللّه تعالى- فكان على طريقة والده من العزلة، و محبة الوحدة و الخلوة، و قلة الخلطة. كان بي حفيا، و في دينه قويا. صبر على مجاهدة النفس في العبادة، حتى صارت له سجية و عادة.

كان- رحمه اللّه- من عظم شفقته عليّ يجلس دائما على طريقي إلى الصف الأول، فلا يمر يوم حتى يقف معي و يسألني عن حالي و يدعو لي بقلب صاف، و ودّ واف، و متى فقدني في وقت صلاة، وقف علي في بيتي و سأل عن حالي.

خلفه ولده محمد فسلك طريقته، و زاد بصحبة المشايخ و الفقراء و الأخذ عنهم، له اشتغال في الفقه و النحو و اللغة، و مع ذلك تراه كأنه أحد الترابية، أعانه اللّه و وفقه.

و كانت وفاة أخي محمد رحمه اللّه في شهر جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و سبعمائة، و مولده ليلة السبت سلخ شوال سنة سبعمائة، تغمده اللّه برحمته، و أسكنهم فسيح جنته، كما نقلهم من لين المهود، إلى ضيق اللحود، فما أعظم مصيبة فراق الإخوان، و قولي كان فلان و فلان، رب ارزقني صبرا فلم يبق إلا القليل، و متعني بسمعي و بصري و كلاهما عليل، و اللّه تعالى هو الباقي بعد كل خلّ و خليل.

لو أنّ ما أبقت الأيام من جسدي‌يكون فوق خباب الماء ما غرقا

أو كان في مقلة نامت لما انتبهت‌أو كان في لهوات الماء ما شرقا

يا رب اعترتني أسقامي حتى نحلت، و كرّ عليّ الجديدان(1)حتى ذبت، و ازددت و هنا و ضعفا لما طعنت، فإن سألتني: ما حالك؟


1) الليل و النهار.

قلت:

ما حال من أبلت الأيام جدّته‌و خانه ثقاته السمع و البصر

و قلت أيضا:

تفكرت في خمس و سبعين قدّمت‌من العمر لو مرت على حجر فنى

ذهبن بعيش أخضر غير يابس‌شباب و شيب و استلاب محاسن

............(1)

زهت يا لها في وقتها من محاسن

و قد سلبت عني صفيّ أحبّتي‌و غابت و لم تقبل فدى من خزائني

سلام على الدنيا سلام مودّع‌فكم جرّعتني مترعات الغبائن

و لما كان في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة في شهر شعبان تحامل عليّ الأعداء، و قصدوا إتلافي و إعدامي، و كمنوا لي في السّحر عند خروجي لصلاة الصبح، و رصدوني عند رأس الزقاق تحت دار سلطان بن نجاد، و كان في أيام الصيف و المدينة خالية من أكثر الناس، فخرجت على عادتي و بيدي مصباح، و قدر اللّه أن الغلام تأخر عني في البيت فكنت وحدي.

فلمّا خرجت من زقاقنا و توجهت إلى السوق سمعت خلفي عدوا شديدا، فلم التفت إليه، و ظننت أنه مارّ، فعدا علي و ضربني في ظهري بسكين ضربة شديدة عظيمة، وقعت بها على الأرض، ثم رجع من حيث جاء و ظنّ أنه بلغ مقصوده، فوقى اللّه شره و عتوه، لكنه ظلعني و وهنني، فصرت لا أحمل نفسي إلا بكلفة و مشقة، و ما دفع اللّه كان أعظم.

و لما تأخرت بسببها عن الصلاة في المسجد الشريف في شعبان، و أكثر شهر رمضان المبارك، شكوت حالي و قصصته على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقلت:

إليك رسول اللّه من عبدك الذي‌تعوّق عن مغناك من فتك ضربة

عبيدك عبد اللّه جارك عمره‌نزيلك لم يبرح مؤمّل عطفة

عليك(2)رسول اللّه أشكو مصيبتي‌و شدّة أهوال أطافت بمهجتي


1) بياض، و قد كتب في حاشية النسخ( أ): كذا بالأصل.

2) كذا في جميع النسخ، و لعلها: إليك.

أغاروا على نفسي سحيرا بمديةلإتلاف روحي بل و إذهاب جثّتي

يريدون أن يخفوا لنور أتمّه‌إلهي فما اسطاعوا فباؤوا بخيبة

شكوت رسول اللّه ما قد أصابني‌على غير ذنب بل على نشر سنّة

أحلّوا دمي يا ربّ أنت حسيبهم‌فعوّضهم يا ربّ كلّ بليّة

فإن بيدي تأخذ فتلك عقيدتي‌و إلا فيا و يحي و ويلي و حسرتي

ألست مقيما في جوارك سيدي‌و قبلي أبي سبعين عاما بطابة

أترضى رسول اللّه ما قد أصابني‌و حقّك ما يرضيك هاتيك نيّتي

و حقّك قد عانيت حتفي مع انني‌صريع(1)على وجهي و باهي شيبتي

أقلّب وجهي في جهات تخيّلي‌و ليس سوى باب الحبيب لعلّتي

هو الباب للداعين إن هم لبابه‌لجوا لم يصبرهم و لا بعض ساعة

هو البحر يجري كلّ حين و دائمالجيرانه برّا بهم ذا محبّة

دعوت دعا عبد ضعيف مطعّن‌وراء حجاب قد ثوى بمضرّة

لتطلق أقدامي فأسعى بها إلى‌حبيبي الذي من جاه فاز بنعمة

ألا يا محبّين الحبيب محمداو من جاور المختار في عزّ نعمة

عسى أنكم إن خلتم لي معاهداتبوّأتها مستجلبات(2)لرحمة

ضربتم بسهم في دعائكم و لاينسيكم(3)بعدي فقلبي بحضرة

و قولنا أخو يا رب(4)عيق ببيته‌و آمننا فاقبله معنا بمنّة(5)

لئن كنت قهرا قد تأخرت عنكم‌فقلبي فيكم شاهد بمودتي

عراص لها نفسي قد اشتدّ شوقهاو حقّ لنفسي أن تضاعف زفرتي

معالم وحي منتهي الخير عندهافلا قطر في الدنيا إذا كالمدينة

فإن تذكروني في الدعاء فذاكم‌و إلا سأستجدي صحابي بمكّة


1) في( أ)،( ج):« صريعا».

2) في( أ)،( ج):« متجليات».

3) في( أ):« ينساكم».

4) في( ب):« و قولوا أخونا رب ...».

5) في( أ):« بمنية».

سلام عليكم من ضعيف مضرّج‌كسير غضيب ذي ضنى و صبابتي

بطيّب طيب قد كتبت حروفه‌ليسري بأخباري إلى خير بلدة

صلى الموت قد عاينته يا أحبّتي‌و لكن قضى في العمر تأخير مدّتي

فلي أسوة الفاروق في ضربة قضى‌و أسوة عثمان شهيد بضربة

لفزت بها في الفائزين و ليتهاو لكن بقاء لإنهاء لمدّتي

فلا ملتجا للملتجين كبيته‌سوى المصطفى للملتجين بروضة

لئن عاقني عنكم بلائي فلم أحج‌فذاك على قلبي أشدّ رزيتي

فلا تحسبوا لي سلوة عن جلالهاسأسعى و لو صفحا على صفح و جنتي

و قد زرتها خمسين حجّا و عمرةفما زادني إلا حفيل محبتي

فياربّ هلا دعوة في مشاعرأعلّ بها حينا محاجر مقلتي

أرى زمزما بعد الحطيم و أهلهاو ميزاب بيت اللّه حتى بطوفة

فأدعو بقلب مخلص في مقامه‌و ملتزم مستعطفا لشكيتي

لعلّي أرى نصري قريبا معجّلابذاك لي أدعو أنتموا لي ذخيرتي

و لي صحتي ربي الكريم يعيدهافتقوى بها رجلي على طيّ ركبتي

أقاموا ليغتالوا بليل عدمتهم‌أكانوا فلا كانوا سحيرا بخلوة

على غير ما ذنب أظنّ أتيته‌قبل لي ذنب إنني حزب شرعة

فأصبح مسرورا بما قد أصابني‌شقيّ يعادي أو محاسد نعمة

لقد لزمت نفسي لهمّي لوعةفصارت كأمثال للازب ضربة

و قد سئمت نفسي المطاعم كلّهافكالصّاب أو كالصّبر تسري بريقتي

و عن مضجعي تنبو جنوبي كأنهاعلى حسك السّعدان لي طول ليلتي

عليك رسول اللّه منّي تحيةتفوق مدى الأيام كلّ تحيّة

عليك صلاة اللّه ما حجّ بيته‌و ما زار ركب مصطفاه بحجرة

و آلك و الصحب الكرام فهديهم‌بأنواره تجلي دجى كلّ ظلمة

أبو بكر الصديق أعظم بشأنه‌و صاحبه الفاروق شيخ الصحابة

و عثمان ذو النورين و العلم الرضى‌أخو المصطفى عال عليّ لنصرة

و باقي كرام عشرة بمحمدأعوذ بهم من شرّ كلّ مصيبة

علاؤهم عندي يحلّ مضايقي‌و حبّهم ألقاه في لحد حفرتي

و الحمد للّه ربّ العالمين و هو حسبنا و نعم الوكيل.

و قلت هذه الأبيات في فضل المدينة المشرفة، و التشويق إلى سكناها و الإقامة بها، و الدفن في بقيعها، و جمعت فيها ما حضرني من فضلها من الأحاديث الصحيحة التي لا اختلاف فيها، و سمّيتها (تشويق النفوس إلى نص العروس).

فقلت الحمد للّه ولي التوفيق:

بفضل الإله مالك الملك غافرمقسّم أرزاق العباد و قاهر

تقسّمت الأوطان بين المعاشرفكان نصيبي كابرا بعد كابر

مدينة خير الرّسل مهبط وحيه‌سقاها إلهي ماطرا بعد ماطر

و مدّ عليها وبله و سيوله‌فيغدودق الوادي بأحد و حاجر

و تزهو تلاع بالعقيق و زهوهاو سلع إلى السقيا إلى سفح عائر

و وادي قناة يا له كم به ثوى‌شهيد كعبد اللّه والد جابر

و بئر أريس مع قباء و رامةبها طبت في وقت من الهمّ شاغر

و في خيف بطحان السعيد مساجدترى بين نخل كالنجوم الزّواهر

دعا المصطفى فيها ففرّ عداته‌و كانت قلوب القوم عند الحناجر

كريم مقامات تجلّت بقاعهابها أمن عاص من مقيم و زائر

كلفت بها حتى ألفت جمالهاو حتى بدا مني خفيّ الضّمائر

و كنت إلى الراحات ترتاح مهجتي‌و تهذي بربات الخدود السواجر

و ألهوا إذا وقتي خلا من منغّص‌بإخوان صدق نزهة للمحاضر

فبعد الصبا عفت الهوى و مزاحه‌و قلت: أيا نفسي كفى أن تكابري

فنكّب إذن عن عزّة و سعادهاو حاشاك أن تهوى كحيل المحاجر

ودع عنك لبنى و استماع غنائهاو أقبل على الأخرى بقلب و بادر

فلو نظرت سعدى إليّ تعجبت‌و قالت بمن اعتاض عني مسامري

ألم تعلمي أني تعوّضت طيبةفلا تطمعي في العود يا أمّ عامر

تبدّلت من كلّ البلاد بأسرهابلاد رسول اللّه أبرك طاهر

فما مثلها عندي شبيه بذاتهاسوى مكّة سادت بتلك المشاعر

فضائل صحّت في الصحاح لطيبةفخذها بقلب و استمعها لآخر

شهيد لنا أو شافع سيد الورى‌لصبر على لأوائها المتكاثر

كذاك لمن وافا بها مثل ذا له‌ليهن بوعد من صدوق لشاكر

و كم صحّ في أخبارها من فضائل‌فمن تربها للداء دفع الضّرائر

حباها بمثلي ما دعاه لمكّةفجاور و طب نفسا بهذي المفاخر

و ذلك ضعف الضعف صدق محقق‌فكن قانعا فيها بقوت و صابر

و كم من كرامات تجلّت لأهلهابلفظ روينا مسند متواتر

فمن سعدكم يا نازلين جواره‌بتحويل حماها و نفي المضارر

و طابت فما الدجال يهدى خلالهاو لا مجرم إلا ابتلي بالدوائر

و من أهلها بالسوء قصدا أرادهم‌أذيب كملح ذاب ويل لماكر

و لمّا أن اختار المهيمن حفظهاحماها بأملاك شداد البوادر

فمن عزّها أملاكه في نقابهاترددّ دجّالا محلا(1)بكافر

و طاعن طاعون كذاك تردّه‌و إن عمّ تطوافا فليس بعابر

و أمّن من خسف و من أن يصيبناعذاب و هو فينا بقدرة قادر

و منها لمجذوم دواء سباخها(2)

فخذها كرامات أتت ببشائر

و كان إذا ليل سجى قام داعيالأهل بقيع الغرقد المتفاخر

فيهدي إليهم من حفيل دعائه‌و يسأل مولاه بإحضار خاطر

و وصّى جميع النّاس طرّا بجاره‌فقال: احفظوني أمتي في مجاوري

و قد قال: ما من ذاك و اللّه ابتغي‌مكانا لدفني من جميع المقابر

سوى هذه يعني بها ترب طيبةفأكرم لترب للرسول مباشر


1) في( أ):« ... دجلا محلى بكافر».

2) في( أ):« سباختها».

دعا و دعا حتى دعا في ثمارهافصار بها يزكو كحائط جابر

كذلك في صاع و مدّ دعا لنافيشبعنا ربع و شطر لصابر

و جا أنها تنفي الذّنوب مصحّحاو إطلاقه يحوي عظيم الكبائر

لها مسجد للمصطفى أيّ مسجدبه حجرة فيها الدليل لحائر

صلاة بألف يا سعادتنا به‌فوائد طابت متجرا لمتاجر

به روضة مع منبر وسط جنّةعلت يا لها من روضة لمفاخر

و منبره و الحوض تحت رتاجه‌و هل مثله من منبر في المنابر

و حول ضريح المصطفى قد تعاقبت‌ملائكة سبعون ألف مظاهر

ذكرت قليلا من فضائل طيبةو من رام حصرا ما يكون بقادر

ألا لا تلوموني فإني أحبّهافكم خوّلتني ما تمنّت خواطري

فمن طيبها طيبي و أحمد طيبهاسوى البيت ما يلقى لها من مناظر

أيا عاذلي فيها تأمّل جمالهاو أنوار خير الخلق باد و حاضر

سألزمها دهري و أحكي علومهاو أدفع عنها طاقتي كلّ جائر

و ألزم ذاتي صحنها و رحابهاو حجرتها و السر خلف الستائر

حلفت يمينا ليس في الكون(1)مثلها

لأنّ بها قبر الشفيع الموازري

فمرّغ بها خديك حبّا لأحمدو قل: يا حبيبي يا شفيعي و ناصري

جوارك يا خير البرية أرتجي‌فكن لي مجيرا عند عدّ جرائري

لذلي لعصياني(2)تدارك بنظرةفعندي ذنوب أعدمتني بصائري

فظنّي(3)إن حالي إليك شكوته‌تجيب بيا لبيك لست بكاسري(4)

فياربّ عد يا ذا الجلال بمنّةفقد رجفت مني لخوفي بوادري


1) في( أ):« لا يكون».

2) في( أ):« بذلي بعصياتي».

3) في( أ):« و ظني».

4) في( أ):« بكاشر».

و صلّ على المختار من آل هاشم‌و آل و صحب في مساء و باكر

أخصّ أبا بكر حبيب محمدو صاحبه الفاروق ماضي الأوامر

و ليس كعثمان الشهيد بداره‌و من كعليّ في قتال العساكر

زبير و سعد و ابن عوف و طلحةو بعد سعيد و الختام بعامر

فعفوا و صفحا يا كريم بحبّهم‌فإني غريق في ذنوب غوابر

مدحتك لا و اللّه غيرك مقصدي‌و ما هبت تقصيري لأنّك عاذري

عبيد ضعيف عاجز بك ملتجي‌غريب غدت أحبابه في المقابر

و في دار خير الرّسل عندك مولدي‌و فيها مقامي لم أحل دهر داهر

و لي قد مضى سبعون عاما مصانه‌تنيف بسبع طاب زرعا لباذر

تخلّلها خمسون حجّا و عمرةتنيف بسبع حبذا من ذخائر

و لي نسب أرجو إليك يجرّني‌شريف كريم فاخر بعد فاخر

عليك أصلّي يا شفيعا مشفّعاحنانيك من ماح مقفّ و حاشر

عليك صلاة اللّه بدءا و موئلاعليك سلام اللّه مدّ المحابر

عليك صلاة اللّه جهدي و طاقتي‌و بعد فأفديه بسمعي و ناظري

و يا ربّ فاغفر للجميع بجاهه‌و باللطف عاملنا و لطف مثابر

على سنّة المختار ثبّت قلوبناو لا تخزنا في يوم كشف السرائر

و هذا لتشويق النفوس و سمتهافسارع إلى نصّ العروس و بادر

و الحمد للّه رب العالمين حمدا كثيرا إلى يوم الدين.

و قد انتهى ما أردت إيراده عظة لمن اتعظ و دان، و تسلية لمن يظلم و يهان، و تعزية لمن يغرّه الحدثان بقوله: كان فلان و كان، و ختم لنا بخير، و أصلح حالنا، و ألّف بين قلوبنا، و طهّرها من الكبر و الحسد، و البغضاء التي تفرّق بين الأصحاب، و تفتح من الشرّ كلّ باب بمنّه و كرمه.

• آخر ما ورد بالنسخة (أ):

و كان الفراغ من تأليفه في الحادي عشر من شهر رمضان المعظم أحد شهور سنة أربع و سبعين و سبعمائة(1)و الحمد للّه رب العالمين.

و تم نسخ هذه النسخة المباركة على يد كاتبه لنفسه و لمن شاء اللّه من بعده أحقر العبيد و أقل الورى، أحد ساكني مكة أم القرى، الراجي لطف رب العباد أبي الفيض و أبي الإسعاد عبد الستار بن الشيخ عبد الوهاب الكتبي المكي، بلغه اللّه ما يتمناه و جعل آخرته خيرا من أولاه بمحض فضله و كرمه آمين.

• آخر ما ورد بالنسخة (ب):

و كان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الاثنين المبارك رابع جمادى الآخرة سنة ثمان و تسعين و مئتين و ألف بقلم كاتبها الفقير إليه عز شأنه جعفر بن السيد حسين بن هاشم بن السيد يحيى هاشم الحسيني المدني غفر اللّه له و لوالديه و لمشايخه و لجميع المسلمين آمين.

• أما النسخة (ج) فهي ناقصة الآخر.

1) هذا التاريخ لا يصح، فالمؤلف توفي سنة 769 ه و قد ذكر الشيخ عبد الستار ناسخ هذه النسخة في أولها أنه أتم تأليفه- يعني المؤلف- سنة 774 ه. فاللّه أعلم أن هذا تاريخ نسخ النسخة المنقول منها.

قائمة المراجع‌

•

الجامع الصحيح للبخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، الطبعة الأولى 1400 ه، الناشر المطبعة السلفية القاهرة.

•

الموطأ للإمام مالك، تحقيق سعيد اللحام، الطبعة الأولى 1411 ه، الناشر دار إحياء العلوم بيروت.

•

الجامع الصحيح للترمذي، تحقيق أحمد شاكر، الناشر دار الكتب العلمية بيروت.

•

الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر العسقلاني، الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت.

•

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، للسخاوي. الطبعة الأولى 1414 ه. الناشر دار الكتب العلمية بيروت.

•

العقد الثمين للفاسي، تحقيق فؤاد السيد، الطبعة الثانية 1406 ه، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت.

•

التعريف بما آنست الهجرة للمطري، الطبعة الرابعة 1404 ه، الناشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

•

الكامل لابن الأثير، عني بمراجعته نخبة من العلماء، الطبعة السادسة 1406 ه، الناشر دار الكتاب العربي بيروت.

•

إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر العسقلاني. الطبعة الثانية (مصورة) 1406 ه، الناشر دار الكتب العلمية بيروت.

•

إتحاف الورى بأخبار أم القرى لابن فهد، تحقيق فهيم شلتوت، الطبعة بدون الناشر جامعة أم القرى مكة المكرمة.

•

الروضتين في أخبار الدولتين للمقدسي. الطبعة بدون تاريخ، الناشر دار الجيل بيروت.

•

المغانم المطابة في معالم طابة للفيروز ابادي. نسخة خطية مصورة.

•

الديباج المذهب في أعيان المذهب لابن فرحون. الناشر دار الكتب العلمية بيروت.

•

جامع كرامات الأولياء للنبهاني، تحقيق إبراهيم عوض، الطبعة الثالثة، الناشر مصطفى الحلبي.

•

حسن المحاضرة في تاريخ مصر و القاهرة للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1378 ه، الناشر المكتبة الفيصلية.

•

درة الحجال في أسماء الرجال لابن القاضي، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، الطبعة بدون تاريخ، الناشر دار التراث القاهرة.

•

ذيل العبر للعراقي، تحقيق صالح مهدي عباس، الطبعة الأولى 1409 ه، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت.

•

ذيل الروضتين لأبي شامة، عني بنشره السيد عزت العطار، الطبعة الثانية 1947 ه، الناشر دار الجيل بيروت.

•

رسائل في تاريخ المدينة، قدم لها حمد الجاسر، الناشر دار اليمامة الرياض.

•

رحلة ابن جبير، تاريخ الطبعة 1404 ه، الناشر دار بيروت للطباعة بيروت.

•

سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر دار الكتب العلمية بيروت.

•

صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، تاريخ الطبعة 1413 ه.

الناشر دار إحياء الكتب العربية القاهرة.

• سبل الهدى و الرشاد للصالحي، تحقيق عادل عبد الموجود، و علي محمد معوض، الطبعة الأولى 1414 ه. الناشر دار الكتب العلمية بيروت.
•

شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، تحقيق محمود الأرنؤوط، الطبعة الأولى 1406 ه. الناشر دار ابن كثير دمشق.

•

طبقات الشافعية للأسنوي، تحقيق عبد اللّه الجبوري، تاريخ الطبعة 1400 ه. الناشر دار العلوم الرياض.

•

طبقات الأولياء لابن الملقن، تحقيق نور الدين شريبة، الطبعة الثانية 1406 ه، الناشر دار المعرفة بيروت.

•

لسان العرب لان منظور، تاريخ الطبعة 1412 ه، الناشر دار صادر بيروت.

•

معجم الشيوخ للذهبي، تحقيق الحبيب الهيلة، الطبعة الأولى 1408 ه، الناشر مكتبة الصديق الطائف.

فهرس المحتويات‌

مقدمة 5

وصف النسخ الخطية المعتمدة 7

ترجمة المؤلف 9

اسمه 9

مولده و علمه 9

شيوخه 9

مؤلفاته 10

أقوال العلماء فيه 10

محنته و وفاته 11

مقدمة المؤلف 12

تنبيه 30

فصل في ذكر جماعة من المجاورين القدماء و المشايخ الصلحاء

و التعريف بكشف أحوالهم و مناقبهم 59

فصل في ذكر قضاتنا و أئمتنا 191

انعطاف على ما تقدّم من ذكر الأمير قاسم بن مهنا و ذريته 228

قائمة المراجع 259