ghaemiyeh.com
سرشناسه: آل کاشف الغطاء، محمد حسین، 1877- 1954م.
عنوان و نام پديدآور: المراجعات الریحانیه / تالیف محمد الحسین کاشف الغطا؛ تحقیق و تعلیق محمد عبد الحکیم الصافی.
مشخصات نشر: قم: ذویالقربي٬ 1427ق.-= 1385-
مشخصات ظاهری: ج.: مصور.
شابک:: دوره دو جلدی: 964-518-097-X؛964-518-096-1؛: ج.1:964-518-098-8
وضعیت فهرست نویسی: برون سپاری.
يادداشت: عربی.
يادداشت: عنوان روی جلد: المراجعات الریحانیه: حوار فکری٬ ادبی٬ عقائدی بین الامام کاشف الغطاء و مجموعة من العلماء و الادباء....
یادداشت: کتابنامه.
عنوان روی جلد: المراجعات الریحانیه: حوار فکری٬ ادبی٬ عقائدی بین الامام کاشف الغطاء و مجموعة من العلماء و الادباء....
موضوع: اسلام -- مطالب گونهگون -- پرسش ها و پاسخ ها
اسلام و ادیان دیگر
ادیان -- روابط
شناسه افزوده: صافی٬ محمد عبد الحکیم
رده بندی کنگره: BP11/ک2م4 1385
رده بندی دیویی: 297/02
شماره کتاب شناسی ملی: 1045446
المراجعات الريحانية
جَميْع الحُقوق محْفُوظة
الطّبعَة الأولىٰ
تأليف
الإمام العلّامة
محمّد الحسين كاشف الغطاء
تحقيق وتعليق
السيّد محمد عبد الحكيم الصافي
الجزء الأوّل
1424ه- - 2003م
دَار الهَادِي للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: 550487 / 01 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب: 25/286 غبيري - بيروت - لبنان
محرر الرقمي : محمد علي صادقي قوام آبادي
جَميْع الحُقوق محْفُوظة
الطّبعَة الأولىٰ
1424ه- - 2003م
دَار الهَادِي للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: 550487 / 01 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب: 25/286 غبيري - بيروت - لبنان
Tel.:03/896329-01/550487 - Fax: 541199- P. O. Box: 286/25 Ghobeiry - Beirut - Lebanon
E-Mail: daralhadi @daralhadi.com - URL: http: //www. daralhadi.com
المراجعات الريحانية
تأليف
الإمام العلّامة
محمّد الحسين كاشف الغطاء
تحقيق وتعليق
السيّد محمد عبد الحكيم الصافي
الجزء الأوّل
دَار الهَادِي
للطّبَاعَة وَالنّشْر وَالتوزيْع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ محمّد وآله الطاهرين وعلىٰ جميع الأنبياء والمرسلين .
هذا الكتاب حوار موضوعي بقلم فقيه كبير ، وحكيم لامع ، وشيخ من شيوخ الأدب العربي ، سمّاه «المراجعات الريحانية» بكلا جزءيه ؛ وذلك
من باب التغليب ، وهو شكل من أشكال المناظرة ، اصطلح عليه (النقود والردود) ، وقد جاءت علىٰ شكل مقالات أولاها اهتماماً فجمعها وفهرسها .
ولو لم تكن المناظرة والجدل مشروعة لَما أمر الله تعالىٰ بها أنبياءه علیهم السلام ، إذ يشكل الحوار القسم الأكبر من القرآن الكريم ، وقد ورد عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم : «نحن المجادلون في دين الله علىٰ لسان سبعين نبيّاً » (1).
فتح الحوار عبقري من عباقرة الفكر الإسلامي ، بل والإنساني ، وهو الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، وقد حاور كلّاً من :
1 - أمين الريحاني ، وقد جرت بينهما مراسلات أدبية وفكرية وفلسفية .
1) الاحتجاج - للطبرسي - ج 1 ص 15.
2 - جرجي زيدان، ناقداً ومعلّقاً علىٰ كتابه « تاريخ آداب اللغة العربية » .
3 - أنستاس الكرملي، عندما ناقش كتاب الشيخ « الدين والاسلام » .
4 - يوسف الدجوي ، حين اتّهم الشيعة بتحريف القرآن في كتابه : « الجواب المنيف لمدّعي التحريف في الكتاب الشريف » .
5 - جمال الدين القاسمي ، في كتابه : « ميزان الجرح والتعديل » ، وكان ردّه تحت عنوان ( عين الميزان ) ، امتاز البحث بالجرأة والصراحة ، وقد قيل : الحقيقة بنت البحث .
لقد تهيبت هذه المقامات - المحاوِر والمحاورين - ولكن شجّعني علىٰ ذلك ثلاثة أمور :
أوّلاً : تقادم الزمن علىٰ طبع هذ الكتاب ، فقد طبع في بيروت/ المطبعة الأهلية سنة 1331 ه- الموافق 1913 م ، حتّىٰ لا تكاد توجد نسخة منه إلّا نادراً ، فإنّ مكتبة الأسد العامّة - مثلاً - علىٰ ما ضمّته من الكمّ الهائل من الكتب ، لم أعثر فيها إلّا علىٰ ( الجزء الثاني ) من المراجعات / طبعة الأرجنتين ، ولم يتيسّر تصويرها ، بسبب تقادم السنين عليها .
ولنفاسة هذا الكتاب رأيت من الأحرىٰ والأجدر طرحه بين يدي هذا الجيل ، بطبعة جديدة محقّقة منقّحة ، واعتمدت في تحقيقها علىٰ نسخة عثرت عليها في (المكتبة المحسنية) للسيّد محسن الأمين العاملي رحمه الله في دمشق .
ثانياً : تربطنا بآل كاشف الغطاء علاقات حميمة ضاربة في الأعماق ، تعود إلىٰ عقود من السنين ترقىٰ إلىٰ الآباء والأجداد ، وقد توطّدت هذه
العلاقة بسكناي في مدرسته ، كما وكنت تحت رعايته ، وقد لا يمرّ أسبوع إلّا وأحظىٰ بزيارته ، فوددت أن أحاول تحقيق ما أستطيع تحقيقه من كتب كاشف الغطاء ، ومنه التوفيق ، وبه أستعين .
ثالثاً : الكتاب ممتع بكلا جزءيه ، فهو حواريّات فلسفية ، ولغوية ، وعقائدية ، وقد كان الحوار منذ أن خلق الله آدم علیه السلام ، وذلك عندما تعنّت إبليس وأبىٰ أن يستجيب لأمر الله ويسجد لآدم ، كما ونرىٰ كيف فسح الله المجال لإبليس أن يحاوره مع مجاهرته بالمعصية وتعاليه ، بل وكلامه الصريح الدالّ علىٰ جحوده وعناده وغروره وتماديه ، وسار الحوار عبر التاريخ يشتدّ ويضعف ، ويقوىٰ ويفتر ، حسب الظروف السياسية . إنّ النقد الأدبي لون من ألوان الحوار ، كما وللحوار والمناظرة أدب خاص ، وقد تختلط أحياناً المحاورة بالمشاجرة ، حيث يفصلهما خطّ لا يكاد أن يبين ، فالحوار بناء ، والمشاجرة هدم ، والحوار إصلاح ، والمشاجرة إفساد .
كما إنّ الحوار الشريف في الإسلام هو احترام رأي الآخرين أصحاب الكلمة الطيّبة ، والحجّة المقنعة والترفّع عن كلّ ما يشين مكارم الأخلاق ، وإذا ما ظهرت الحقيقة عند أحد الطرفين يتنازل الآخر عن رأيه .
والويل لأُمّة يكثر فيها أُولئك الذين يلقون الكلم علىٰ عواهنه بلا دليل ، ويسلكون في محاوراتهم طريق التكفير والتشهير ، فالحوار والمناقشة هو الاسلوب الحكيم الذي استعمله القرآن الكريم للاستدلال به على وحدانية الله تعالىٰ وعلىٰ تصديق رسله الكرام ، ولعلّ من الأدلّة علىٰ ذلك أنّ مادة ( قول ) وما اشتقّ منها ك- (قال) ، و (يقول)، و (قل)، و (قالوا) ، و (يقولون) ... إلىٰ آخره ، تدلّ علىٰ التحاور ، والجدال ، والمناقشة في ما
جاء به القرآن الكريم ، وقد تكرّرت في القرآن أكثر من ألف وسبعمئة مرّة ، وكتبت بحوث ، بل مصنّفات في أدب الحوار في الإسلام ، وأدب الحوار بين الديانات ، وهو من المبادئ والآداب التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ، ويكون مثمراً أن يكون موضوعياً ، يقصد فيه المتحاورون الحقيقة بعيداً كلّ البعد عن الكذب والسفسطة ، واللفّ والدوران ، وإنّ الغلبة للكلمة الحقّ ومنطق الصواب ، وإن الباطل قد يطغىٰ ولكنه في طريقه إلىٰ الزوال ، لأنّه يقوم دائماً علىٰ أدلة باطلة وأحاديث موضوعة ، وإنكار الحقيقة المدعمة بالدليل والبرهان .
أن المنهي عنه هو الخلاف لا الاختلاف ، إذ إنّ الاختلاف سنّة من سنن الله سبحانه ، قال تعالىٰ : (ولو شاء ربّك لجعل الناس أُمّة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلّا من رحم ربّك ولذلك خلقهم) (1).
أمّا الخلاف فهو اجتراءٌ محض ، واعتداء علىٰ الكرامة ، وتطاول علىٰ إنسانية الإنسان ، وتفتيت لوحدة الأمّة فمن أدب الحوار احترام الرأي الآخر ، لأنّ الغاية من الحوار أو الجدل أو تبادل الرأي هو الوصول إلىٰ الحقيقة والرأي الصحيح كما كان حاصلاً بين كثير من العلماء منذ الأيام الأُولىٰ للإسلام .
ولكي يتعرّف القارئ الكريم علىٰ هذا الكتاب ، نستعرض سريعاً بعض النقاط المهمّة فيه .
فمؤلفه يسجل ملاحظاته علىٰ من حاورهم ويحصي عليهم الهنات التي يراها في ما كتبوا ، لكي تتضح لديهم الصورة وتبين لدىٰ القارئ الحقيقة .
1) سورة هود 11 : 118 - 119 .
ومن تلك المؤاخذات التي سجلها كاشف الغطاء علىٰ جرجي زيدان كانت تركز علىٰ أنّ الطريقة العلمية في دراسة التاريخ وكتابته هي أن يستوعب المؤرّخ كلّ ما قيل وكتب في موضوعه ، ولا يفوته من ذلك شيء بعيداً عن الاهواء والنزعات الطائفية (1)، كما ويرىٰ كاشف الغطاء أن بُعد جرجي زيدان عن صناعة الشعر هو الذي أوقعه في اختياراته الشعرية غير الموفّقة.
يقول كاشف الغطاء : (إن جرجي زيدان لا يحسن من العربية شيئاً ولا يفقه من هذه المباحث شيئاً) ، فقد أورد قصائد قدّمها لفحول الشعراء تعود إلىٰ بحرين ، وتوزن بميزانين ، كما وأساء إلىٰ مشاهير الشعراء بإيراده نماذج هزيلة من شعرهم ، هي سقط متاع ونخالة شعر ، وقد تدارك كاشف الغطاء كلا الأمرين .
خاض كاشف الغطاء في کتاب جرجي زيدان «تاريخ آداب اللغة العريبة» فمرّة مع قصائد الشعر التي اختلّ ميزانها فأغضب الفراهیدي بالذات .
وأخرىٰ مع اللغة ، وقد جاءت جموع علىٰ غیر موازين الجموع المذكورة في علم النحو واللغة ، وألفاظ لغير معانيها كما وردت في القواميس ، وألمح أو صرّح كاشف الغطاء أنّ جرجي زيدان أشاح بوجهه عن الكثير من فرسان القافية عمداً أو جهلاً ، وهو علىٰ كلا التقديرين غير معذور ، كما أن الادباء الكبار بشر يجري عليهم ما يجري علىٰ غيرهم من أنصاف المثقفين من عدم التركيز أو الغفلة وحتّىٰ الجهل ، ولكن لا يصحّ أن تقدّم لهم نماذج من أشعارهم المتدنّية ، وقد تكون في صباهم ومن أوائل
1) تحت راية القرآن - للرافعي - : ص 143 .
شعرهم والتي يبرأ الشاعر منها لو سمعها .
إنّ هذه المقدّمة - عزيزي القارئ ! - ليست ممهدة لعرض آراء الأساتذة الأفاضل الخمسة ومحاوراتهم ، حيث ستراها في طيّات هذا الكتاب ، ولكن علىٰ سبيل المثال عرضت شيئاً من آراء اثنين منهم : جرجي زيدان كما تقدّم ، والآخر هو الشيخ يوسف الدجوي من كبار مدرسي الأزهر ، متّهماً الشيعة بتحريف القرآن .
والحقيقة أنّ هذه المسألة يجب أن تلغىٰ من كتب العقائد ويشطب علىٰ ملفّها ، وكلامه تعالىٰ هو الفصل حيث يقول - جلّ من قائل -: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) (1)، ولا يُعنىٰ بروايات شاذّة وردت عن الفريقين .
ويظلّ الحوار ضرورة ثقافية لتنمية المعرفة وصقل العقول ، ولكن يجب أن ينحصر النقد في الأفكار دون الأشخاص ، وأن يتناول ما قيل لا من قال (2)، والمكتبة العربية والإسلامية غنية بكتب الحوار ، فعلىٰ سبيل المثال لا الحصر :
1 - رسالة الشيخ أبي الحسن الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام والردّ علىٰ من أنكر ذلك .
2 - كتاب الانتصار - للخيّاط - في الردّ علىٰ ابن الراوندي .
3 - كتاب المعيار والموازنة - لأبي جعفر الإسكافي - .
4 - كتاب نقض العثمانية - للإسكافي - في ردّه علىٰ الجاحظ .
5 - الكافية في الجدل - لأبي المعالي الجويني - .
6 - الشافي في الإمامة - للشريف المرتضىٰ - .
7 - الإيضاح - للفضل بن شاذان - .
8 - إتحاف الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء ، لمؤلفه عبد الله بن محمّد بن صديق الغماري الحسيني .
ردّ عليه الشيخ حماد بن محّمد الأنصاري في كتابه « تحفة القاري في الرد علىٰ الغماري » .
9 - منهاج الشيعة ( أربعة أجزاء ) للسيّد محمّد مهدي القزويني - يردّ فيه علىٰ منهاج السنّة - لابن تيمية - .
10 - كتاب المراجعات ، حوارية بين السيّد عبد الحسين شرف الدين وشيخ الأزهر سليم البشري .
11 - كشف الارتياب في الردّ علىٰ محمّد بن عبد الوهاب - للسيّد محسن الأمين العاملي .
وغير ذلك كثير .
وقد دأب المحققون على ترجمة المؤلّف وذلك مما اقتضاني أن أسير علىٰ نهجهم وأترجم له بعد المقدّمة ، وعقبته بترجمة أمين الريحاني ؛ إذ يعرف هذا الكتاب ب- «المراجعات الريحانية » ، أمّا المحاورون الأربعة الآخرون فتأتي تراجمهم خلال هذا الكتاب وهم : جرجي زيدان ، وأنستاس الكرملي، ويوسف الدجوي ، وجمال الدين القاسمي .
ترجمة محمّد الحسين آل كاشف الغطاء
الشيخ محمّد حسين بن الشيخ علي بن محمّد رضا بن موسىٰ بن الشيخ جعفر - صاحب كشف الغطاء - ابن الشيخ خضر بن يحيىٰ ، الذي يرجع نسبه إلىٰ مالك الأشتر (1)، وهو من خاصّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام .
وآل كاشف الغطاء تلك الدوحة الشامخة التي (أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها) (2)، الغرّ الميامين الذين حملوا رايات العلم والقيادة والسيادة قرابة المئة والثمانين عاماً ، يعود هذا التاريخ في بدئه إلىٰ المهاجر الأوّل جدّهم الأعلىٰ الشيخ خضر بن يحيىٰ المالكي إلىٰ (النجف) من بلدة ( جناجة ) الواقعة جنوب مدينة (الحلة) ولمع في سماء هذه الأسرة أفذاذ لهم بصماتهم علىٰ صفحات الزمن .
نجومُ سماء كلّما غاب كوكبٌ *** بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبُ
ولا زال التاريخ يسبّح ويحمدل باسم الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب السفر الخالد والذي تلقبت الأسرة باسمه «كشف الغطاء» ؛ الموسوعة الفقهية التي ظلّت المنهل العذب عبر قرون ، وكلّما اخلولقت تجددت تحتفظ بها ذاكرة الزمن ، في حين أنّ الكثير من المؤلّفات كانت في طيّ النسيان .
وفي هذه الشجرة الفينانة ( آل كاشف الغطاء ) الكثير من المجتهدين والأدباء اللامعين ، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر إلىٰ أن سطعت شمس ( الحسين ) صاحب هذه الترجمة .
فقد ولد المغفور له الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في (النجف الأشرف) في العراق سنة 1294 ه- الموافق 1877 م وقد أرّخ عام ولادته الشاعر النجفي السيّد موسىٰ الطالقاني بقوله :
سرورٌ به خُصّ أهلُ الغري *** وعمّ المشارق والمغربين
بمولد من فيه سُرَّ الهنا *** وقرّت برؤيته كلّ عين
وقد بشَّر الشرع مذ أرّخوا *** ستُثنىٰ وسائدُه للحسين
وقد تحقق هذا الحلم ، وصدقت هذه النبوءة ، وشاء الله أن يكون هذا الأمل ، فكان كاشفاً للغطاء، وحلّالاً للمشاكل ، يفسِّر ما أُبهم ، ويجيب عمّا لا يُفْهَم ، يهرع إليه المسلمون باستفتاءاتهم وسرعان ما يتلقّون منه الإجابة ، ولا غرابة أن يكون كذلك فقد ولد وترعرع في وادي العباقرة (النجف الأشرف ) ، يستلهم الفهم من روح علي علیه السلام في مدينة العلم .
بدأ دارساً المقدّمات من (نحو، صرف، بلاغة، ومنطق) علىٰ أساتذة هذه العلوم يومذاك في المساجد والمدارس الحاشدة بالجموع الغفيرة من روّاد العلم علىٰ اختلاف قومياتهم، حيث كانت (النجف الأشرف) مصدر إشعاع علمي تشدّ له الرحال من أقطار نائية ، وبدأ يتقدّم في هذا الميدان وكأنّه في حلبة سباق يطمح أن يحوز علىٰ قصب السبق وأنهىٰ هذه العلوم في مدّة زمنية قياسية قلّ نظيرها ، وأصبح مؤهّلاً بعد ءجتيازه لهذه العلوم (المقدمات) أن يرقىٰ إلىٰ علم الأصول الذي هو في
الحقيقة الجهاز الذي من خلاله يستنبط الفقيه فتاواه لتحديد سلوك مقلّديه وفق الشريعة الإسلامية .
درس الفقه علىٰ فقيهين كبيرين يشهد لهما القاصي والداني بغزارة علمهما ، وهما الملّا رضا الهمداني والسيد كاظم اليزدي ، وتتلمذ في الأصول علىٰ الملّا كاظم الخراساني صاحب الكفاية وهو صاحب مدرسة أصوليّة ، وهناك علوم تكميلية يختارها ذوو الكفاءات لم تسجّل في المنهج الدراسي ولكن يراها البعض من الضروريات ، منها :
علم الدراية وعلم الرجال ، فقد درسهما عند الميرزا حسين النوري ، وفي الكلام والفلسفة - وإن نهىٰ عنهما البعض - فقد كان يدرسهما عند الشيخ أحمد الشيرازي ، والميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي ، والشيخ محمّد رضا النجف آبادي .
كان يتمتع الشيخ محمّد الحسين بذكاء وقّاد وألمعية تفوّق بها علىٰ أقرانه وهو لا يزال في مقتبل العمر وريعان الشباب ، كان هو وأخوه الشيخ أحمد كاشف الغطاء قلم التحرير للسيّد كاظم اليزدي المرجع الكبير للطائفة في وقته وقد تكون (العروة الوثقىٰ ) الرسالة العملية للسيّد اليزدي ذات الفروع المتكثرة (1)هي صياغة الأخوين بما أوتياه من أدب جمّ وسلاسة في التعبير ، وقوة في البيان ، كانا موضع اعتماد السيّد اليزدي وكاتمي سرّه والمنفذين لأمره ونهيه ، ولمّا اختاره الله إلىٰ جواره العزيز ، وتلاه بمدّة وجيزة الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء رأىٰ الشيخ محمّد الحسين لزاماً عليه أن يطرح نفسه مرجعاً للتقليد ومصدراً للإفتاء ، مارس (البحث
1) ولا زالت ولم تزل محوراً لبحوث الخارج عبر هذه السنين .
الخارج) (1)علىٰ الطريقة التقليدية التي دبّ ودرج عليها فقهاء الأمّة ، وقد تفرّد كاشف الغطاء في عالم المرجعية بأنّه امتاز بالموسوعية ، فأُمهات المعاضل من المسائل في شتّىٰ مناحي الحياة قد لا يُرىٰ عند غيره حلّاً لها ، وكتاباه «الفردوس الأعلىٰ» و «جنّة المأوىٰ» شاهدا عدلٍ علىٰ ذلك .
لقد سبق عصره وجمع بين القديم والحديث .
رحلاته خارج العراق :
لقد كان رجلاً طامحاً وقد أحسن من قال :
شبابٌ قُنَّعٌ لا خير فيهم *** وبورك في الشباب الطامحينا
وقال أبو الطيّب :
وإذا كانت النفوس كباراً *** تَعِبَتْ في مرادها الأجسام
إنّ هؤلاء الأفذاذ الأكابر هم لسان الأمّة وعقلها المجنّح وفكرها المبدع ، لذا كان يرىٰ لزاماً عليه انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية الإسلامية تجاه الأمّة جمعاء أن يجوب البلاد داعياً للوحدة الإسلامية وشعاره المعروف عنه (كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ) .
ولعلّ الرحلة الأولىٰ كانت في الأوّل من شهر شوال سنة 1329 ه- الموافق 1911 م ، يمّم وجهه شطر المسجد الحرام لأداء فريضة الحج، وبدأت أبواب السفر تتفتّح أمامه .
فمن الحجاز إلىٰ دمشق سنة 1330 ه- الموافق 1911 م .
1) وهو أعلىٰ مرحلة للدراسة فى الحوزة العلمية الشيعيّة حيث يكون الطالب من خلالها قادراً علىٰ الاجتهاد واستنباط الأحكام .
شارك أحرار سوريا في الحركات الوطنية كالشيخ أحمد طبّاره ، وعبد الكريم الخليل ، وعبد الغني العريبي ، وباتروبادي .
ثمّ غادر دمشق إلىٰ بيروت ، وفي كلّ بلد تحتفي به علماؤها وأُدباؤها ، فكانت ثمار ذلك حوارات اعتزت الصحافة حينذاك بطبعها .
كان يتفجر نشاطاً وحيوية ، أعاد في سفره طبع بعض مؤلفاته وعلّق علىٰ بعض الكتب الأدبية وطبعها ، وكان له لقاء مع فيلسوف الفريكة أمين الريحاني ، وكان قد أهداه كتابه «الدين والإسلام» حيث نقد فيه الريحاني بعض الموارد ، وأجاب الشيخ علىٰ هذه النقود مع نقد بعض الموارد في كتاب « الريحانيات » فتمخضت هذه الردود عن « المراجعات الريحانية » الذي طبع في بيروت وصيدا والأرجنتين ، ثمّ سافر من صيدا إلىٰ القاهرة وزار أزهرها وحاور علماءها وأقتحم الكنائس خطيباً فيها ومحاوراً الذين أعدّوا أنفسهم للتبشير .
مؤتمر القدس :
في عام 1350 ه- الموافق 1931م سافر إلىٰ فلسطين لحضور المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد ليلة المعراج ، وحضره أكابر علماء المذاهب الذين توافدوا من كافّة الأقطار الإسلامية ، وبعد صلاة المغرب طلب علماء فلسطين أن يخطب فيهم ، وما كان له إلّا أن يستجيب لطلبهم ، فرقىٰ المنبر وبدأ يتحدّث في قضايا الساعة بقوّة جنان وبلاغة بيان ممّا أدهش الجميع وأثار انتباههم وأستوجب انبهارهم ، وظلّ هادراً كالشلّال حتىٰ فات وقت صلاة العشاء الذي اقتضاه أن يتوقف عن خطابه ، غير أنّ
الجميع اتفقوا علىٰ الاقتداء به والائتمام بصلاته في صلاة العشاء ، فصلىٰ خلفه جمیع علماء المسلمين ، وكان عدد أعضاء المؤتمر مئة وخمسين عضواً ، ومن خلفهم خمسة وعشرون ألف نسمة من أهالي فلسطين ، وقرروا أن يكون هو الإمام لهم في جميع الفرائض الخمس مدّة بقائهم في القدس ، وقد طبع ذلك الخطاب القيّم عدّة مرات ، ونشرت جميع صحف العالم هذا الحدث العظيم ، وكان لذلك أهميّة كبرىٰ حيث هي بادرة عظيمة للتقارب بين المذاهب ، وقام بجولة في مدن فلسطين ، كحيفا ونابلس ويافا .
سفره إلىٰ إيران :
وفي 25 تموز عام 1933 م الموافق أوّل ربيع الآخر 1352 ه- توجه إلىٰ إيران ولعلّها السفرة الأولىٰ له إليها ، طاف في أهم مدنها كهمدان وكرمنشاه وطهران و خراسان وشيراز والكازرون وبوشهر والمحمرة و عبادان ، وفي جميع هذه المدن كان يقيم صلاة الجمعة ويعقد الاجتماعات العامّة ، وكان يخطب فيها باللغة الفارسية ، وكانت تنهال عليه الأسئلة فمرّة يجيب وأُخرىٰ يُستَفْتىٰ فيفتي ، ومكث هناك قرابة الثمانية أشهر (1).
وسافر ثانيةً إلىٰ إيران سنة 1369 ه- الموافق 1950 م للترويح عن النفس والراحة والاستجمام في مدينة (كرند) كما زارها مرّة ثالثة سنة 1370 ه- الموافق 1951م لزيارة الإمام الرضا علیه السلام ، اتّصل خلالها بالأكابر من أهل العلم والشخصيات المرموقة .
1) السيرة الذاتية بقلم الشيخ .
المؤتمر الإسلامي في باكستان :
في 12 جمادىٰ الأولىٰ 1371 ه- الموافق 10 شباط 1952 م سافر بالقطار عن طريق البصرة ، وحلّ ضيفاً علىٰ سماحة المغفور له السيد عبد الحكيم الموسوي الصافي ، حيث تلقّىٰ منه برقية في ذلك صورتها في الملاحق معلماً إيّاه أنّ برفقته ثلاثة أشخاص ، وهم : السيد محمّد خزانة (سيّد العراقَين) ، والسيد محمّد هادي المرعشي ، والمشرف علىٰ شؤونه الميرزا محمّد الغروي ، وقد هرعت البصرة لاستقباله ، وكان مسجد ( المعقل ) (1)الكبير في البصرة المكان الذي يستقبل به الشيخ الجماهير التي تريد السلام عليه من مسلمين ومسيحيين (2)وطوائف اُخرىٰ .
لبث في (المعقل) يومين يؤدي خلالها صلاة الجماعة تماماً (3)وقد ائتمت به تلك الحشود الحريصة علىٰ التشرف بلقائه ، وسافر من البصرة بالطائرة إلىٰ ( كراتشي ) لحضور المؤتمر المدعو له ، وقد ألقىٰ خطاباً مهمّاً في ذلك المؤتمر عالج فيه الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلدان
1) المعقِل : مدينة في محافظة البصرة ، تقع علىٰ ضفاف شطّ العرب ، سُمّيت باسم الصحابي معقل بن يسار المزني، وفيها نهرٌ باسمه ، وكان الناس سابقاً يطلقون عليها (ماركيل) ، وللمعقل مكانة اقتصادية هامّة في العراق حيث يوجد فيها محطّة قطار البصرة ، ومطارها وكذلك الميناء .
2) وقد لازمه تاجر مسيحي يسمىٰ حنّا الشيخ ، وقد تقدّم برجاء أن يقوم بقطع التذاكر إلىٰ باكستان فلم يمانع الشيخ لشدّة رغبة هذا الرجل .
3) سأله سماحة المغفور له السيّد عبد الحكيم الموسوي الصافي عن الصلاة تماماً فضحك الشيخ ، وقال : « لا تخف لا أريد الإقامة عندك عشرة أيام » وذكر وجهاً لذلك وقد تبيّن أنّه كان يصلي عن نفسه وإن لم يكن مشغول الذمّة ، وهو ديدن بعض الأبرار والصالحين ، ثمّ كان يصلي قصراً بين الفرضين عن نفسه .
الإسلامية ، افتتحه بقوله تعالىٰ :
(ربّ إنّي وهن العظم منّي واٝشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربّي شقيّاً) (1).
دعا فيه إلىٰ الوحدة ، وأن الخلق أمام الحقّ سواء ولا فضل لعربي علىٰ أعجمي إلّا بالتقوىٰ ، وندّد بالطائفية قائلاً : « أيّها الناس ! كلكم لآدم وآدم من تراب ، وأنّ الرسول الأعظم آخىٰ بين صهيب الرومي وبلال الحبشي ، وسلمان الفارسي وأبي ذر العربي ، وأنّ الإسلام دين التوحيد ، دين الوحدة ، دين المساواة ، دين محق العصبيات ، وسحق العنصريات ، ونبذ القوميات وعنعنات الطبقات ، والتفاخر بالأنساب ، والتعالي والتفوق بالآباء والأمهات » .
وبعد انفضاض المؤتمر زار سماحته بعض المدن الباكستانية ك- (لاهور) و (بيشاور) و (راولبندي) و (ظفر آباد) المسماة ب- (كشمير الحرة) .
وعند رجوعه من باكستان إلىٰ البصرة أقام له سماحة المغفور له السيّد عبد الحكيم الموسوي الصافي حفلاً تكريمياً في جامع (المعقل) ، ألقيت فيه كلمات وقصائد ، منها كلمة لمحقق هذا الكتاب السيد محمّد عبد الحكيم الصافي ذكرناها في الملاحق كما اٝرتجل الشيخ كاشف الغطاء كلمة لم تسجل ، شكر فيها أهل البصرة علىٰ حسن استقبالهم ، وسماحة السيد عبد الحكيم علىٰ كرم ضيافته ، ودعا لهم بالتأييد والتسديد والموفقية ، وعند عودته إلىٰ النجف الأشرف أُقيمت له حفلات تكريمية عديدة أُلقيت فيها
1) سورة مريم 19 : 4 .
مواقفه الوطنية والقوميّة والإصلاحية :
إنّ كاشف الغطاء يفهم السياسة لا كما يفهمها الآخرون من أنّها الخداع واللف والدوران واللعب علىٰ الحبال ، بل السياسة عند كاشف الغطاء هي الاستقامة والاعتدال ، وتحقيق الحياة الكريمة ، ومطاردة الظلم ، وتحقيق العدل الإنساني في كافة مجالات الحياة ، والتنديد بالحكام الطغاة ومقارعتهم ، وتحفيز الشعب للوقوف في وجههم ، والترصد لمطامع الاستعمار ، الذي يحاول أن يتسلل إلىٰ البلاد الإسلامية بمسوح الرهبان وباسم العلم وباسم التحرير ، وبالتعامل التجاري ، وبأساليب جهنّمية قد لا يدركها إلّا الألمعي الثاقب الرأي ، وكان الشيخ يكشف عن حقائق قد يجهلها الكثير ، وما يقال : من أنّ العلماء الأعلام يجب أن يكونوا بمنأىً عن السياسة يرفضه كاشف الغطاء حيث يقول : « أنا غارق فيها - السياسة - إلىٰ هامتي ، وهي من واجباتي ، وأراني مسؤولاً عنها أمام الله والوجدان ».
وطالما كان يردد كلمة الإمام علي علیه السلام «إنّ الله أخذ علىٰ العلماء أن لا يقاروا علىٰ كظة ظالم ولا سغب مظلوم» (1).
لذا لمّا تحرك الإنجليز للسيطرة علىٰ العراق تحت شعارات زائفة - جئنا محررين لا فاتحين - لم ينطلِ ذلك علىٰ علمائنا الأعلام ورجال الفكر من أدباء ومثقفين ورؤساء عشائر ، وبادرَ فقهاء الأمّة ومراجعها بإصدار فتاواهم بوجوب الجهاد للدفاع عن بيضة الدين بقيادة الشيخ محمّد تقي الشيرازي وآخرين، وتلقىٰ الشعب هذه الفتاوىٰ بالترحيب وحملوا
1) نهج البلاغة : 50 خطبة 3 .
السلاح وتقدّموا نحو (الشعيبة) (1)، وظلّ المجاهدون يعيقون تقدّم الإنجليز تجاه بغداد ، وقد التحق الشيخ كاشف الغطاء بالمجاهدين في مدينة (الكوت) لنيل شرف الجهاد مع جماعة من العلماء علىٰ رأسهم السيّد محمّد بن آية الله السيّد كاظم اليزدي ، المتعشقين للموت ونيل الشهادة ، ولا تكاد توجد معركة جهادية لله ولرسوله فيها رضاً إلّا والشيخ كاشف الغطاء في الطلائع المتقدّمة بسنانه أو بيانه ، وله مساهمة فعّالة ودور مشرّف لصد الإنجليز عن النجف الأشرف .
كاشف الغطاء ووثبة 1948 م :
في عام 1948م ثار الشعب العراقي بكافة فئاته مندِّداً بمعاهدة ( بورتسموث) السيئة الصيت ، والتي يعتقد البعض أنّ بنودها مجحفة بحقّ الشعب ومكبِّلة لحريّته ، وكانت مطالب الجماهير الغاضبة : سحب الاعتراف بالمعاهدة ، واستقالة الحكومة التي كان يرأسها في ذلك الوقت صالح جبر .
وبعد رفض الحكومة لمطالب الجماهير الغاضبة وقع التصادم بين الشعب الثائر ورجال الأمن والسلطة ، نجم عنه سقوط عدد من الشهداء كان من بينهم جعفر الجواهري شقيق الشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري ، والذي رثاه بقصيدته المشهورة ، ومطلعها :
أتعلم أم أنت لا تعلمُ *** بأنّ جراحَ الضحايا فمُ (2)
وحينما رأى الشيخ أن لا مناص من التحرّك لوضع حدٍّ لذلك ؛ كي يعود الاستقرار والأمن للبلاد ، أبرق لرئيس الحكومة بما نصّه : « أقيلوا وزارتكم ، اٝحقنوا دماء المسلمين » ، فاستقالت الحكومة فوراً .
فتنة الحصّان عام 1933 م الموافق 1351 ه- :
في سنة 1933 م أصدر عبد الرزاق الحصّان (1)
من كتبه : « العروبة في الميزان » ، قامت بسببه تظاهرات احتجاج وسجن أربعة أشهر ، رحل إلىٰ الكويت وإلىٰ السعودية وتوفي في فندق بالكويت . (الأعلام - للزركلي - 352/3) .
كتابه «العروبة في الميزان» متطاولاً فيه علىٰ الأكابر من الفقهاء ، ناسباً لهم كلّ ما يشين ، والكتاب مدسوس لتفرقة المسلمين ، ومعول هدم للوحدة الوطنية والإسلامية ، حيث أوجب ذلك هياجاً عاماً في (بغداد والنجف) وكافّة المدن المقدّسة ، وفي (النجف) عطلت الأسواق بضعة أيّام وتفاقم الأمر ممّا ينذر بشرّ مستطير ، فبادر قائممقام النجف آنذاك السيّد جعفر حمندي متوسلاً بسماحة الشيخ كاشف الغطاء أن يحتوي الأمر قبل أن يتسع الخرق علىٰ الراقع ويكون وقودها جثث ضخام .فاستجاب سماحته - والإصلاح من شأنه - بأن ألقىٰ خطاباً بليغاً في الصحن الحيدري الذي قد احتشد بالجماهير وهو الخطيب المفوّه مندِّداً بهذه الفتنة العمياء ، ومعالجاً لها معالجة حكيمة من جميع أطرافها وانتدب الخطباء ليتحدثوا علىٰ المنابر كي يحملوا الشعب الهائج علىٰ السكون
1) عبد الرزاق بن رشيد بن حميد الحصّان البغدادي الكرخي ، مؤرخ للقومية العربية ، أثار بعض كتبه نقداً شديداً فی بغداد .
والصفح والتسامح .
وقد كتب الشيخ إلىٰ الملك فيصل الأوّل ليتخذ اللازم في حقّ مثير الفتنة وكان قد عاد من أوربا إلىٰ العراق بسبب هذا الحادث فأجاب الملك فيصل برسالة وجهها الىٰ الشيخ كاشف الغطاء ، هذا نصها (1):
( حضرة حجّة الإسلام الشيخ محمّد الحسين .
لقد تلقيت كتابكم الكريم - رفق الشيخ عبد الرسول - وكلّ ما شرحتم به عُلم .
وقد اطلعت علىٰ ما قمتم به من نصائح ، جعلكم الله ذخراً للأمّة .
إن المطبوع الذي صدر فهو لا شكّ كما اطّلعتم عليه لا ينمّ إلّا عن عقلية مجنون لا أكثر ولا أقلّ .
إنّني حالما اطلعت عليه وذلك قبل خمسة أيام ، قمت بواجبي نحوه ، وها هو صاحبه رهن السجن ، وسوف يلقىٰ عقابه .
أملي عظيم أنكم وكلّ من فيه من الحميّة الدينية ما يجب ألّا يترك مجالاً يجعلني - وأنا مسافر لقضاء مهمة تعود للإسلام - مشغول الخاطر . هذا كل ما أحب أن أقوله وإنّني أنتظر دعاءكم الصالح ، والله يحفظكم) .
فيصل
12 صفر 1352 ه-
1) طبق الأصل المحفوظ لدىٰ سماحة الشيخ عن كتاب (الشيعة في التأريخ) محمّد حسين الزين .
اشتراكه في الثورة الوطنية عام 1935 م :
في عام 1935م وعلىٰ أثر استقالة جميل المدفعي من رئاسة الوزراء العراقية ، وتشكيل وزارة ياسين الهاشمي ، اجتمع عدد كبير من زعماء قبائل الفرات من (الديوانية والرميثة والناصرية والحلّة وكربلاء وسوق الشيوخ) وفيهم عدد من المحامين ورجال السياسة مع سماحته في (النجف الأشرف) عدّة مرات ووقّعوا علىٰ مطالب أرادوا من الحكومة تنفيذها سميت ب- ( ميثاق الشعب ) يطلبون فيها تخفيض الضرائب عن الفلاحين وإصلاح الأوضاع الاجتماعية والعناية بعمران البلاد ، وقد طبع عدد كبير هذا الميثاق ووزِّع علىٰ الناس ، وحيث لم تستجب الحكومة لتطبيق بنود هذا الميثاق تحرّكت العشائر العراقية معلنة الثورة بمباركة الشيخ و مساندته لها ممّا أعطاها صبغة دينية ومسوغاً شرعياً حيث كانت بأمر الفقيه .
وأوّل تحرّك قاموا به أن تقدّم لفيف من (بني خاقان) إلىٰ ناحية (العكيكة) (1)في يوم 9 مایس 1935 ، فحاصروها واشتبكوا في معركة مع حاميتها أسفرت عن سقوط الناحية بأيدي الثوار ، ثمّ سرت الثورة سريان النار في الهشيم في جميع أقضية ونواحي الناصريّة حيث قلع الثوّار قضبان السكّة الحديدية ، وغمروا الطريق الممتدة بين أور والناصرية بالمياه وقد استخدمت الحكومة ثلاث طائرات لقمع هذه الثورة إضافة إلىٰ ثمانية أفواج من الجيش ، وكان لوكلاء الشيخ كاشف الغطاء من العلماء الأثر الكبير في
1) العكيكة: ناحية إدارية تابعة لقضاء سوق الشيوخ - محافظة ذي قار.
تحفيز العشائر وإثارة هممهم والشدّ من أزرهم (1)وكان وكلاء كاشف الغطاء علىٰ اتصال دائم بسماحة الشيخ قدس سره ، وأخيراً رضخت الحكومة واستجابت للتفاوض وتطبيق بنود هذا الميثاق ممّا دعا رؤساء العشائر أن يبرقوا لكاشف الغطاء يستشيرونه في إلقاء السلاح راجين إبداء رأيه ، وحينذاك أبرق الشيخ كاشف الغطاء إلىٰ العلّامة الشيخ عبد الحسين مطر بما نصّه :
(الناصرية
العلّامة الشيخ عبد الحسين مطر .
مشغولون بالإصلاح .
يلزم السعي بمنع المضاربة .
سيأتيكم تعريفنا .
حفظ الأمن واجب .
التوقيع كاشف الغطاء ) .
وعادت الحياة طبيعية ، واستتب الأمن وأصلحت الحكومة الطرق ومارست الدوائر الحكومية أعمالها وكتب رئيس الوزراء ياسين الهاشمي رسالة إلىٰ كاشف الغطاء نصّها :
1) استدعىٰ متصرف الناصرية ماجد مصطفىٰ سماحة المغفور له السيّد عبد الحكيم السيّد موسىٰ الموسوي الصافي ، وكيل كاشف الغطاء الشرعي حيث بلغه أن السيّد عبد الحكيم لولب الحركة ومن المتحمسين لها وعلم بهذا الاستدعاء رؤساء العشائر فسارعوا للحضور عند المتصرف مما اضطره أن يتظاهر بأنّه يرغب في التشاور مع سماحة السيّد في كيفية تهدئة الوضع وإعادة الامور إلىٰ نصابها ، وكان من جملة الرؤساء الذين حضروا عند المتصرف الشيخ منشد الحبيب رئيس عشائر الغزي والشيخ كاطع البطي رئيس عشائر آل إزيرج والشيخ عجيل التويلي رئيس عشائر الحسينات .
(بغداد في 19 صفر 1355 ه- المصادف 22 / 5 / 1936 م .
حضرة صاحب السماحة العلّامة الأستاذ الشيخ محمّد الحسين آل کاشف الغطاء المحترم .
بعد تقديم التحيّة الطيبة ومزيد الاحترام ، أبدي أنّني كنت قد اطلعت علىٰ إرشادات سماحتكم الأخيرة المتضمنة لزوم الخلود إلىٰ السكينة واجتناب الأعمال الوحشية ، وكم كنت أتمنىٰ أن يقدِّر الرؤساء ما تنطوي عليه نواياكم الحسنة في سبيل إعلاء شأن الدين الإسلامي الأغرّ ، وعلىٰ أثر وصول برقيتكم (1)اتصلت بالمتصرف ، وزودته بما يلزم حول العناية بعدم تدخل الحكومة بالواجبات الشرعية المترتبة علىٰ إعلاء الدين وحملة الشرع المبين .
ولا يسعني أن أختم كتابي قبل الإعراب لسماحتكم عن تمنياتي القلبية بازدهار عهد المروءة والإخاء بين جميع المسلمين ولسماحتكم مزيد الإحترام .
المخلص ياسين الهاشمي) (2).
حوار بين سفيرين :
في 20 جمادىٰ الأولىٰ سنة 1373 ه- الموافق 1953 م زاره في النجف الأشرف السفير البريطاني ، وما أن استقرّ به المقام حتّىٰ انفتح عليه الشيخ مستعرضاً السياسة البريطانية الرعناء ، وما قامت به من جرائم يندىٰ
لها الجبين في شرق الدنيا وغربها ، والأدهىٰ والأمر (إسرائيل) هذه الغدّة السرطانية التي زرعتها بريطانيا في جسم الأمّة العربية ، ممّا تسبّب عن ذلك تشريد الجماهير من المواطنين ، حيث يعيشون لاجئين - إن قبلوا - في البلدان الأخرىٰ ، والصهاينة ينعمون بخيرات بلاد هؤلاء ، ثمّ اجتمع بالسفير الأمريكي ولم يكن بأقلّ صراحة من السفير البريطاني مستنكراً علىٰ الحكومة تعاونها مع بريطانيا في تثبيت أقدام الصهيونية المجرمة الغاصبة المعتدية ، وقد صارحه بقوله : ( إنّ القلوب كلّها ضدكم وتقطرُ دماً من فظاعة جريمتكم التي قصمتم بها ظهر العرب) .
يعني بذلك المأساة الدامية (فلسطين) وضياع بيت المقدس وشاء الله أن يُكتب هذا الحوار فكان في كتاب أسماه - أعلىٰ الله مقامه - « حوار بين سفيرين » .
مؤتمر بحمدون :
في شهر آذار من سنة 1954 م تسلّم سماحته رسالة من نائب رئيس جمعية أصدقاء الشرق الأوسط (كارلند ايفانز) في الولايات المتّحدة الأمريكية في (نيويورك) يدعوه فيها إلىٰ حضور مؤتمر لعلماء الدين المسيحيين والمسلمين ينعقد في (بحمدون / الجمهورية اللبنانية) وذلك في 22 نیسان 1954م ، وقد طرحت الرسالة ثلاثة محاور يدور حولها الحديث في المؤتمر :
1 - دراسة القيم الروحية للديانتين الإسلامية والمسيحية .
2 - موقف الديانتين من الشيوعية ، والتي أقلقت بريطانيا وأمريكا .
3 - الطرق الكفيلة في الديانتين بنقل القيم الروحية إلىٰ الجيل الحديث .
فرفض سماحته حضور هذا المؤتمر المشبوه غير الواقعي ، والمراد منه الخداع والتغرير والضحك علىٰ الذقون ، وأنّه متىٰ كانت أمريكا وبريطانيا تريدان تصدير القيم الروحية والانسانية إلىٰ البشرية ، وهم أُناس كادوا أن يؤلِّهوا المادة ويعبدوا المال .
نعم ، غاية هذا المؤتمر واضحة لكل ذي عينين أو ألقىٰ السمع وهو شهید.
نعم ، كانوا يهرِّفون (1)وراء ذلك كي يكون هناك سدّ منيع أمام الشيوعية الزاحفة ، والتي بدأت تنتشر فی البلدان العربية والإسلامية .
وبعد رفض الشيخ حضور المؤتمر أرسل إلىٰ المؤتمرين كتاباً أسماه ( المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون ) مؤدّاهُ :
إنّ عليهم أن يتمسّكوا بالإسلام الحنيف وبمثله العليا وبروحانيته ، بما أوحت به الديانتان من فضيلة وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان ، وعدم الاعتداء والظلم ، وأن لا يتعاونوا مع الدول الاستعمارية المعادية لهم ، بل ليتحالفوا ويتّحدوا فيما بينهم ، بعيدين كلّ البعد عن الدول الغربية المعادية والطامعة في خيرات بلادهم .
دورةُ الإصلاحي في بناء المجتمع :
لقد أولى الشيخ رحمه الله المجتمع الإسلامي والعربي بصورةٍ عامّة
1) يهرِّفون : يعجلون .
والمجتمع العراقيّ بصورة خاصّة عنايته وتوجيهه ، يظهر ذلك من خلال كتبه وخطاباته وزياراته المتعدَّدة لمحافظات قطره ، والتقائه بأهلها ، وحثّهم علىٰ التمسّك بالإسلام ، وبالأعراف العربيّة الأصيلة .
زياراته إلىٰ المدن العراقية .
1 - البصرة :
في جامع البصرة الذي يعرف بمسجد أمير المؤمنين بين البصرة والزبير وفي 10 ذي القعدة سنة 1352 ه- الموافق 1934م حيث زحفت الجماهير إلىٰ هذا المسجد (المعروف بذي المنارتين) فاستعادت للأذهان ذكرىٰ تأريخ خلافة علي بن أبي طالب علیه السلام و خطابه في جماهير البصرة .
ارتجل كاشف الغطاء كعادته خطاباً ذكّر الناس فيه بمفاخر البصرة في أيامها الأولىٰ عندما كانت تدعىٰ (قبّة الإسلام) و (خزانة العرب) و (كنانة الأدب) عندما كانت معهداً علمياً إسلامياً وفيها نشأ المربد وتحت قبتها أعلام وعلوم ، منهم :
أبو الأسود الدؤلي مؤسس علم النحو ، والخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض وصاحب كتاب العين ، ومسلم بن معاذ مؤسس علم الصرف ، وتخرج من مدرسة البصرة : سيبويه والأصمعي والفرّاء وخلف الأحمر وكثير من أمثالهم ، إلىٰ آخر خطابه القيّم .
2 - الحلّة :
دعا عميد الحلّة حينها السيّد محمّد علي القزويني الشيخ كاشف
الغطاء إلىٰ زيارة الحلّة الفيحاء فلبّىٰ الشيخ الدعوة الكريمة یوم الجمعة 15 ذي القعدة عام 1352 ه- الموافق 1934م وقد استقبلت وجوه الحلّة وأشرافها برئاسة السيّد القزويني القادم الكريم إلىٰ الديوانية وجاءوا به محفوفاً بالتكريم والتبجيل والتعظيم وأُقيم حفل تكريمي لسماحته تُليت فيه الكلمات والقصائد وفي جامع الحلّة الكبير في 16 ذي القعدة الحرام سنة 1352 ه- ارتجل سماحته خطاباً قيِّماً في تلك الجماهير الغفيرة وقد غصّ الجامع بالمستمعين حتّىٰ تسوّروا السطوح وتعلّقوا بشرفات الجامع وكان يوماً مشهوداً وقد افتتح خطابه بقوله تعالىٰ بسم الله الرحمن الرحيم (لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إنّ الله قوي عزيز) (1)واٝتخذ هذه الآية منطلقاً لخطاب تناول فيه كلّ مناحي الحياة .
3 - زيارته إلىٰ الناصرية في سنة 1353 ه- الموافق 1934م (2):
وتأتي في تلك السنة زيارته إلىٰ مدينة الناصرية، وقام بإعداد الاستقبال سماحة المغفور له السيّد عبد الحكيم موسىٰ الموسوي الصافي وكيله الشرعي هناك حيث ابدىٰ اهتماماً ، بالغاً فقد استدعىٰ عشائر اللواء لاستقبال سماحة الشيخ آل كاشف الغطاء في محطة أُور علىٰ أن يكون المستقبلون فرساناً ، واستقل الشيخ القطار من محطة أور إلىٰ مدينة
الناصرية ، وحفّ القطار كوكبة من الفرسان يتقدمهم سماحة السيّد عبد الحكيم الصافي ، فكان موكباً مهيباً وفريداً في بابه حيث ترىٰ الخيول علىٰ جانبي القطار ، وكان يسير الهوينا ، وهناك في مدينة الناصرية حيث كان التجمع الكبير في مسجد فالح السعدون (1)والناس آذان صاغية لخطابه القيِّم وكلمه الطيِّب التوجيهي داعياً إلىٰ وحدة الكلمة ورص الصفّ وكانت له لقاءات برؤساء العشائر ، وثِّقت العلاقة معهم ، اعقبها بفترة انتفاضة 1935 (2).
4 - بغداد :
زار بغداد وكانت جماهير غفيرة قد احتشدت في (حسينية باب السيف الكرخ) وذلك في 13 رجب سنة 1368 ه- (1949م) تقدّر تلك الجماهير بخمسة آلاف ، وقد القىٰ فيها خطاباً عظيماً دام زهاء أربع ساعات دعا فيه إلىٰ وحدة المسلمين ومما قاله إن الإسلام بني علىٰ دعامتين :
1 - كلمة التوحيد .
2 - توحيد الكلمة .
توحيد الخالق والتوحيد ما بين الخلائق ، ودعا في خطابه إلىٰ التلاحم والتوادّ والتراص ، فقال : (3)«إن الداء العضال والمرض القتّال إنّما هو
التفرقة الناشئة من توغل الأنانيّات والعصبيات الباعث علىٰ التفاخر ثمّ التنافر والتقاطع والتدابر» ، فدكّ الشيخ العنصرّيات وسحق القوميات والعصبيّات فكأنّما صرّح الوحي علىٰ لسانه : (يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثىٰ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (1).
أدبه وشاعريته :
بدأ الإمام كاشف الغطاء حياته طالب علم حتّىٰ أصبح مرجعاً للتقليد ، وهو يكتب الشعر بكل أوزانه وألوانه حيث كان للبيئة النجفيّة أثرٌ كبيرٌ في تكوينه الأدبي .
جارىٰ الحبوبي (2)في موشّحاته الأندلسية ، في وقت كانت صناعة الشعر عند العلماء تعتبر منقصة يجب أن يترفّعوا عنها ، حتّىٰ قيل : «الشعر منقصة للكامل وكمال للناقص» ، وكما قال أحدهم :
ولولا الشعر بالعلماء يُزري *** لكنتُ اليوم أشعر من لبيد
ولذا أعرض الشيخ عن الاهتمام بشعره ولم يطبعه في ديوان مستقلّ ؛ رعاية للعرف السائد ، وهو أمر يؤاخذ عليه حتّىٰ إنّه أغفل اسمه ، ولم يكتبه علىٰ ديوان السيّد جعفر الحلّي الموسوم ب- «سحر بابل وسجع البلابل» الذي حقّقه وعلّق عليه وشرح مفرداته وكان التحقيق بقلم نجفي .
خاض كلّ الأغراض الشعرية من رثاء ومديح وغيرها، وله تأملات
في الآثار وسبحات خيالية .
ولم يفته أن يقول الغزل الرقيق الذي ترفّع فيه عن الاستخذاء (1)، وظلّ في المستوىٰ الرفيع علىٰ غرار الشريف الرضي، حيث يقول الشريف :
تعانقني البيضاءُ والسيف دونها *** ضجيعان لي والعضبُ أدناهما منّي
فإن دنت البيضاء منّي لحاجة *** أبىٰ الأبيض الماضي فأبعدها عنّي
والإمام كاشف الغطاء من أولئك العلماء القلائل الذين تفوّقوا في الأدب كما سموا في العلوم العقلية والنقلية .
وأروع شاهد علىٰ قوة معينه واستمرار دفقه إبداعه في النثر ، وإجادته في الشعر ، وهذه نماذج من روائعه الشعريّة :
1 - قال راثياً الإمام الحسين علیه السلام :
أقوت فهن من الأنيس خلاء *** دِمَنٌ محت آياتها الأنواء
ويقول فيها :
لله أيُّ رزية في كربلا *** عظمت فهانت دونها الأرزاء
یوم به سلّ ابن أحمد مرهفاً *** لفرنده بدجىٰ الوغىٰ لألاء
وفدىٰ شريعة جدّه بعصابة *** تفدىٰ وقل من الوجود فداء
إلىٰ آخر القصيدة (2).
2 - وله من قصيدة بعنوان (عزمات العرب) بعثها إلىٰ أمين الريحاني ، مطلعها :
یا عزمات العرب البواسل *** هُبِّي لحل هذه المشاكل
يقول فيها :
هذي الذئاب اعترضت لغابكم *** تعرض البغاث للأجادل
أين الحميات التي تسعرت *** منکم بتلك الأعصر الأوائل
فيا بقايا يعرب حسبكم *** من رقدة الجهل أو التجاهل
ألا مساعير يثورونَ لها *** بِسَلّة البيض وهزّ الذابل
3 - وله من قصيدة عنوانها : (بين الغرام والسياسة) :
حاكمٌ جارَ واسْتَبدْ *** لا يَفي بالذي وَعَدْ
کَم سَبیٰ لحظُ عَينِهِ *** وَفؤادي لَهُ سَجَدْ
فَهوَ ظَبْيٌ علىٰ العِدىٰ *** وعلیٰ أهْلِهِ أسَدْ
قال صبراً وما درىٰ *** کَنْزُ صبري به نَفَدْ
لاتخلني محاجياً *** أوْ أُعَمِّيَ علىٰ أحَدْ
4 - ومن موشحاته التي نظمها في عهد شبابه قوله :
غردي بالبشر يا ورق الهنا *** وارتقي منبر أغصان الكثيب
واخطبي فيه بأنواع الغنا *** واخرسي كلّ مغن وخطيب
وأدر يا ساقي الخمر الكوؤس *** للندامىٰ من عصير الطرب
في مغان رقصت فيها النفوس *** بنعيم ليس بالمستلب
أشرقت فيه وللأنس شموس *** وبدت أقداحها كالشهب
سلبت عنهن أبراد العنا *** واكتسب برداً من الزهر قشيب
وبها مذ صدحت طير الهنا *** جاوب القمري فيها العندليب
إلىٰ آخر القصيدة (1).
5 - وله متغزِّلاً :
لك الهنا ولي الأفراح والطرب *** مذ ساعفتنا بك الآمال والأرب
فقل لساقي الطلىٰ خلِّي الكؤوس وإن *** أميط عني في راحاتها النصب
هذي لماك وهذا ثغرك الشنب *** فما المحيا وما الاقداح والحبب
يا جنتي آه من نار مؤججةٍ *** لوجنتيك السنا منها ولي اللهب
أعطاف قدك تصمي لا القنا السلب *** وسهم عينيك لا نبع ولا غرب
والصبح وجهك لكن فاقه وضحا *** والبرق ثغرك لكن فاته الشنب
إلىٰ آخر القصيدة (2).
6 - وله قصيدة عنوانها (لامية العرب الجديدة) ، مطلعها :
إلىٰ كم ترامىٰ بي المنىٰ والمنازل *** وتقذف بي لج المنايا المناهل
ومالي لا أنفك إلّا مقسماً *** مقيم لبانات وجسمي راحل (1)
7 - وله من قصيدة في وصف قرية (كرند) في بلاد فارس ، وهو جالس علىٰ عين فوّارة فيها ، قالها قبل رحيله إلىٰ العالم العلوي بعشر ساعات ، حيث ابتدأ النظم فيها بقوله : (إنّ قريحة الشاعر كعين الماء إن استُعملت فارت ، وإن أهملت غارت» .
يدهش اللب من کرند رجال *** مثل قلب البخيل جلمود صخره
غير أنّ العيون منها جوار *** وعيون البخيل لم تند قطره
وهي قصيدة طويلة يقول فيها :
سائلوها عن الملوك الخوالي *** أينَ تيجانها وأينَ الأسرّه
كم ملوكٍ تنعّمت في ذراها *** ثمّ راحت في عالم الذرِّ ذرَّه
إلىٰ أن يقول فيها :
يا بديعَ الجمال في كلِّ قلبٍ *** نورُ ذاك الجمال أودَعَ حُمرَه
قد سقتنا تلك الشمائل كأساً *** فسكرنا ولم نذق قط خمره
إنّ هذا الوجود بحرٌ ولكن *** أينَ مَنْ في الوجود يُسْبِرُ غَورَه
ولهذي الأكوان لب ولكن *** ما عرفنا حتّىٰ لحاه وقشره
ولهذي الحياة معنىً ولكن *** عَلنّا بالممات نعرِفُ سِرَّه
1) شعراء الغري 8 / 170 - 171 .
مكتبته العامّة :
مكتبة آل كاشف الغطاء مؤسسة ثقافية ومَعْلَم من معالم المدينة (1)يرتادها الباحثون والمهتمون بالشؤون الثقافية والعلمية ، فيها كتب قيّمة ، وقد كان العلامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء والد المترجم صاحب كتاب « الحصون المنيعة » أوقفها ، وفيها الكثير بخطّه (2).
وتضمّ كثيراً من المخطوطات النادرة التي قد لا توجد في غيرها ، إضافة إلىٰ المطبوعات .
وتنامت المكتبة خلال العصور، وتكاملت في عهد الشيخ محمّد الحسين الذي أفرد لها جناحاً خاصّاً عندما جدّد مدرسته العلمية ، وفتح أبوابها للمطالعين تحت إشراف مدير فاضل يتعاون مع ذوي البحوث والدراسات العلمية .
وقد كتب علىٰ واجهتها العليا :
إذا ما بناءٌ شاده الدين والتّقىٰ *** تهدّمت الدّنيا ولم يتهدّم
ومدرسة كاشف الغطاء من آثاره الخالدة - وما أكثرها - تستقبل المهاجرين إلىٰ (النجف الأشرف) لطلب العلم وفيها (قسم داخلي) (3)تحت رعاية الشيخ آل كاشف الغطاء .
وفاته :
عندما تخطّىٰ كاشف الغطاء العقد السابع من العمر ، كان يتأهب لاستقبال الموت - ديدن الصالحين من المؤمنين - وكثيراً ما كان يتمثل بقول الشاعر :
قالوا : أنينك طول الليل يزعجنا *** فما الذي تشتكي ؟ قلت : الثمانينا
اعدّ له قبراً في نهاية وادي السلام ( مقبرة النجف الأشرف ) كان يدلف إليه بين حين وآخر يضطجع فيه ، هكذا كان دأبه آخر حياته وبدأت الأمراض تنتابه وتشتدّ وهو يعالجها بصبره ، فقد كان شعاره « إنّ الله مع الصابرين » ممّا اضطرّه إلىٰ دخول مستشفىٰ (الكرخ) في بغداد بعد مدّة من المكابدة والألم ، ولمّا لم ينفع العلاج غادره إلىٰ إيران إلىٰ مدينة (كرند) يحمل دائه معه ، وهناك وافته المنية يوم الاثنين 18 ذو القعدة 1373 ه- الموافق 1954م وضجت وسائل الإعلام تحمل الخبر المؤلم عن ارتحال هذا العيلم العلم تعزي به العالم الإسلامي ، وما أن سمعت مدينة بغداد حتّىٰ ماجت بأهلها ، وهرعت الناس لاستقبال الجثمان القادم من إيران بالتكبير والتهليل ، ونقل جثمانه إلىٰ بغداد بعد أن حضر إلىٰ (كرند) ممثلو الحكومة العراقية وكانت المواكب تنتظره زعيماً مودعاً يتقدّم هذا الموكب أصحاب الفخامة ورجال الفكر والأدب ، وكلّ شرائح المجتمع ، ويتحرك الجثمان محمولاً علىٰ أطراف الاصابع في منطقة (السيّد سلطان علي) إلىٰ محطة القطار كي يتم نقله إلىٰ مدينة (كربلاء) حيث ينتظر الجثمان قطار من الدرجتين الأولىٰ والثانية قد امتلأ بالشخصيات الرسمية والوجهاء وأفراد الأسرة من آل كاشف الغطاء ولم يغمض جفنٌ لأهل (كربلاء) تلك الليلة ، وفتحت عينها في
الساعة الخامسة صباحاً علىٰ صفارة القطار مستقبلة الحبيب بعيون مُغلّفة بالدموع ، وكانت عشرات السيارات تستعد لرحلة أُخرىٰ إلىٰ مدينة (النجف) في وقت ارتفعت فيه درجة الحرارة .
استقبل الجثمان من مسافات بعيدة من صحراء (كربلاء) ليتواصل التشييع إلىٰ (النجف الأشرف) وقد غصّت الشوارع باللاطمين علىٰ الصدور ، والمنادين بالويل والثبور ، وقد يمموا وجوههم إلىٰ (وادي السلام) إلىٰ المرقد الذي أعدّه ليكون دار استراحة هذا الفارس البطل الذي قد ألقىٰ سلاحه لينام هادي البال قرير العين .
وقد أُقيمت علىٰ روحه الفاتحة من قبل الأسرة الكريمة في مسجدهم واستمرت الفواتح إلىٰ يوم الأربعين ، كما استمرت الوفود تتقاطر علىٰ الفواتح من مختلف أنحاء القطر ، ورثاه الشعراء ، وناحه الخطباء ، وأبّنته الجمعيات ، ونعته الصحافة العالمية .
هكذا طوىٰ الفقيد صفحة مشرقة بالعظمة والأعمال الصالحة والخدمات الإسلامية ، وأرّخ وفاته الشعراء الذين تخصصوا في هذا الفن ، وفي مقدّمتهم شيخهم الشيخ علي البازي بسبعة تواريخ ، منها قوله :
مدينة العلم بكت قطبها *** ومن إلىٰ الإسلام إنسان عين
الحجّة العظمىٰ مثال التقىٰ *** فقيه شرع شافع النشأتين
(أبا حليم) كيف يجدي البكا *** عليك والنوح وصفق اليدين
الدين قد اصبح ينعاك والآي *** التي بها انجلىٰ كلّ رين
قد فقدت خيرة تأريخها *** (وافتقدت فيك الإمام الحسين ) (1)
1) شعراء الغري 8 / 128 - 129.
بعض تلامذته :
1 - السيّد محمّد جواد الغريفي .
2 - الشيخ محمّد جواد مغنية العاملي .
3 - الشيخ محمّد حسین الزین .
4 - الشيخ محمّد رضا بن قاسم الغراوي .
5 - الشيخ محمّد طاهر الخاقاني .
6 - السيّد محمّد علي القاضي .
7 - الشيخ محمّد علي نعمة العاملي .
8 - الشيخ إبراهيم المبارك .
9 - الشيخ بدر الدين الصائغ العاملي .
10 - الشيخ حسن الخويبراوي .
11 - الشيخ عبد الحسين القرملي .
12 - الشيخ عبد الحميد الخطي .
13 - الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء .
14 - الشيخ عبد الغني الخضري .
15 - الشيخ حسن الشيخ موسىٰ الشميساوي .
16 - الشيخ عبد المهدي عبد الحسين مطر .
17 - الشيخ عبد الواحد بن أحمد المظفّر .
18 - الشيخ علي بن أحمد ثامر .
19 - السيد مسلم بن حمود الحلي.
20 - الشيخ مهدي بن علي آل صحين الساعدي .
آثاره العلمية المطبوعة :
1 - الدين والاسلام - في جزءين - .
2 - المراجعات الريحانية - في جزءين - .
3 - أصل الشيعة وأصولها .
4 - الآيات البينات .
5 - التوضيح في بيان ما هو الإنجيل ومن هو المسيح - في جزءين - .
6 - الميثاق العربي الوطني .
7 - الفردوس الأعلىٰ .
8 - المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون .
9 - المحاورة بين سفيري بريطانيا وأميركا .
10 - نبذة من السياسة الحسينية .
11 - الأرض والتربة الحسينية .
12 - الخطب الأربع .
13 - الخطبة التاريخية .
14 - خطبة الاتحاد والاقتصاد.
15 - خطبة في باكستان .
16 - جنّة المأوىٰ .
1 - حاشية علىٰ تبصرة العلّامة الحلّي .
2 - سؤال وجواب .
3 - وجيزة الأحكام .
4 - حاشية علىٰ سفينة النجاة - لأخيه الشيخ أحمد - .
5 - حاشية علىٰ عين الحياة - فارسية - .
6 - زاد المقلدين - فارسية - .
7 - مناسك الحجّ - عربي ، فارسي - .
8 - حاشية علىٰ العروة الوثقىٰ - .
9 - تحرير المجلّة - في خمسة أجزاء - .
10 - حاشية علىٰ مجمع الرسائل .
1 - تعليقة علىٰ سحر بابل - ديوان السيّد جعفر كمال الدين الحلي - .
2 - مختارات من شعراء الأغاني .
3 - العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية .
آثاره العلمية المخطوطة :
1 - الدروس الدينية .
2 - حاشية علىٰ كتاب الاسفار - للملا صدرا - .
3 - حاشية علىٰ العرشية ورسالة الوجود للملا صدرا .
4 - الجزء الثالث والرابع من الدين والإسلام .
1 - شرح العروة الوثقىٰ - استدلالي - .
2 - حاشية علىٰ مكاسب الشيخ الانصاري .
3 - دائرة المعارف العليا - مجموع الفتاوىٰ - .
4 - تنقيح الأُصول .
5 - حاشية علىٰ رسائل الشيخ الأنصاري .
6 - حاشية علىٰ الكفاية .
7 - رسالة في الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ومراتب الحكم .
8 - حاشية علىٰ القوانين .
1 - مغني الغواني عن الأغاني .
2 - ديوان شعره .
3 - نهزة السفر ونزهة السمر - رحلته إلىٰ سوريا والحجاز ومصر عام 1329 ه- .
4 - تعليقة علىٰ أمالي المرتضىٰ .
5 - تعليقة علىٰ أدب الكاتب - لابن قتيبة - .
6 - تعليقة علىٰ كتاب الوجيز في تفسير القرآن العزيز - للشيخ علي محيي الدين .
7 - مجموعتان من المنتخبات الشعرية .
8 - عقود حياتي ، ترجمة ضافية لشخصه بقلمه، وقد فقد هذا الكتاب قبل وفاته بسنتين ، ومعه مجموع شعره الذي نظمه بعد الخمسين من عمره .
9 - تعریب کتاب فارسي في الهيئة .
10 - تعريب كتاب حجّة السعادة في حجّة الشهادة .
11 - تعليقات علىٰ الفتنة الكبرىٰ - لطٰه حسین (1)- .
1) شعراء الغري 8 / 121 - 122 .
مصادر ترجمته
1 - شعراء الغري - المطبعة الحيدرية - النجف 1373 ه- - 1954م .
2 - العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية - ط / الأولىٰ 1418 - 1998 م .
3- السيرة الذاتية بقلم الشيخ
4 - م . مذكراتي ج 2 لمحمّد مهدي الجواهري.
5 - تاريخ الوزارات العراقية - عبد الرزاق الحسني -
أمين فارس أنطون الريحاني ، أديب ، شاعر ، باحث ، مؤرخ ، كاتب ، روائي ، قصصي ، مسرحي ، رحّالة ، سياسي ، مربٍّ ، عالم آثار ، ناقد ، خطيب ، رسام كاريوكاتير ، وداعية إلىٰ الإصلاح الاجتماعي ، من عمالقة الأدب العربي ، ورجال الفكر ، الملقّب ب- ( فيلسوف الفريكة ) .
ولد في 24 تشرين الثاني 1876م في بلدة (الفريكة) من قرىٰ منطقة المتن الشمالي في جبل لبنان، وهو من أسرة مارونية تعود بجذورها إلىٰ قرية (بجّة) في بلاد جبيل .
وقد انتقلت اسرته منذ حوالي منتصف القرن السابع عشر إلىٰ ضيعة (بيت شباب) في المتن ، ومنها إلىٰ (الشاوية) مع المطران باسيليوس عبد الأحد سعادة البجّاني ، الجدّ الثاني لوالد أمين ، ويحكىٰ أنّ منزل الأسرة هناك كان محاطاً بشجر الآس أو الريحان فبات يعرف ببيت الريحاني .
والده فارس أنطون الريحاني من (الشاوية)، ووالدته أنيسة جفّال طعمة من (القرنة الحمراء) ، عمل والده في تجارة الحرير ، ونمت عائلته حتّىٰ أصبحت تضم ستّة أولاد وهم علىٰ التوالي : أمين (البكر) ، وسعدى ، وأسعد ، ويوسف ، وأدال ، وألبرت .
عرفت طفولة أمين شقاوة مميّزة بين الصبية، فقد كان كثيراً ما يعود إلىٰ المنزل بعد عراك مع رفاقه ، أو بعد تلاسن واقتتال بسبب اللعب مع أولاد القرية ، وقلمّا كان يرضخ لإرادة ذويه ، وكثيراً ما كان يصرّ علیٰ ما
يريد ، وإذا مازار معمل والده فليس للعون والمساعدة ، بل لفضول عنده لمعرفة ما يجري ، فيستمع ويراقب الفتيات العاملات ، وحين يصلّين يجد نفسه خارج الجمع فلا يشارك في الصلاة ، ولعلّ طبعه هو الذي دفعه من حيث لا يدري إلىٰ التذمّر والانزعاج من أمور كان يصادفها في البيت ومعمل الحرير وأزقة القرية ، ويروي شقيقه ألبرت : أنّ أميناً في طفولته ما كان يوماً ليتقيّد بالشعائر الدينية أسوة بوالدته .
كانت نشأة أمين الدراسية الأولىٰ غير منتظمة ، ولم تكن مادّة الدراسة لتختلف عن مادّة الكتيبات المتداولة في مدرسة ( تحت السنديانة ) في ذلك الزمان كانت أولىٰ دروسه الابتدائية علىٰ يد معلّم القرية ، أمام كنيسة (مار مارون) المجاورة لمنزله شتاءً ، وتحت زيتونة هرمة قرب العين خريفاً وربيعاً .
ويذكر الريحاني عن هذه الفترة من تعليمه أنّه كان يقرأ كرّاسة الأبجدية ، والمزمور الأوّل من مزامير داود على الشدياق متّىٰ ، تحت الجوزة في الساحة السفلىٰ من (بيت شباب) ، وينتقل إلىٰ مدرسة (نعوم مكرزل) حيث يتلقن مبادئ الفرنسية إلىٰ جانب القراءة العربية والحساب والجغرافية ، وقد عُرِف خلال دراسته الأولىٰ بذكائه وتفوّقه علىٰ أترابه .
تابع دروسه الابتدائية في تلك المدرسة خلال سنتی 1886 و 1887 م حتىٰ سفره إلىٰ الولايات المتحدة عام 1888 م مع عمّه عبدة وأستاذه نعّوم ، وكان والده قد قرر الهجرة عام ذاك بعد تأخر أعماله التجارية ، فأرسل أخاه عبدة وابنه أمين إلىٰ (نيويورك) ثمّ لحق بهما مع عائلته في العام التالي .
سكنت العائلة في شارع (واشنطن) رقم 85 من منطقة (مانهاتن) السفلىٰ في (نيويورك) ، وكان متجر والده فارس في الطابق الأرضي من
البناية نفسها ، وقد خصصه لاستيراد الأقمشة وتصديرها ، وفي ذلك العام التحق أمين بمدرسة الراهبات في منطقة (نيوبورغ) بضواحي (نيويورك) ، وعرف للمرّة الاولىٰ معنىٰ الدروس النظامية .
درس إلىٰ جانب اللّغة الإنجليزية مبادئ الرياضيات والعلوم الطبيعية بالاضافة إلىٰ التاريخ والجغرافية ، وأبدى تفوقاً في دروسه وخاصّة في اللغة الإنجليزية ، وبرز ميله إلىٰ المطالعة عام 1890 م ، غير أن والده احتاج إليه في متجره ، فاضطر أمين أن يغادر المدرسة ويلتحق بعمل أبيه ، وأوكلت إليه مهمّة مسك الدفاتر وتولِّي أمور المراسلة التجارية ، ممّا يتطلب مهارة في اللغة والحساب ، وكان ذلك حدود عام 1890 م ، واستمرّ فيه نحواً من سبع سنوات .
ولم يلبث طويلاً حتّىٰ تململ وتذمّر من عمله التجاري بدافع طبعه المتمرد والقلق ، ولكي يوفّق بين ما يريده والده منه وما يريده هو نفسه ، قرر أن يتابع دروسه عبر مطالعات مكثّفة يقوم بها ليلاً بعد انتهائه من العمل في متجر والده .
وفي عام 1895م التحق في فرقة تمثيل محليّة ، ونجح في التمثيل بصفة هاوٍ ، الأمر الذي دفعه إلىٰ الاحتراف ، غير أنّ الفرقة أعلنت إفلاسها بعد بضعة أشهر من العمل في مدينة (كانساس) فاضطر للعودة .
فرض أمين علىٰ نفسه برنامج مطالعات مكثّفة في الآداب الغربية ، ومنها قراءاته الأولىٰ لمونتاين ، ودانته ، وهيغو ، وفولتير ، وأمرسون .
هذه الآداب علىٰ ما فيها من مواقف جدّية دفعته إلىٰ الاحاطة في القضايا الإنسانية الواقعية المطروحة ، قرأ « يوميات كارليل » ومقالاته وكتابه « الابطال » ، وفي جانب الفنون الأدبية قرأ لشكسبير وبايرون وترجمة بوب
« للالياذة والاوديسة » وقرأ أعمال سوفوكليس ، وسترلنغ ، ومیرابو ، وروبسبير ، ولا أدرية خوسيت بالإضافة إلىٰ آداب كبار رجال الإغريق ، حيث تعرّف علىٰ روبرت أنغرسول في آرائه حول العلوم والأخلاق والروحانيات واللاأدرية ونزعة التفاؤل .
وتوقف أيضاً عند محاورات فيلد وأنغرسول حيث ينتصر هذا الأخير للنظرية اللاأدرية التي تقرّ بعجز الإدراك البشري عن استيعاب فكرة الله ، وتتحول هذه اللاأدرية إلىٰ حافز فلسفي إيجابي في البحث الدائم عن الحقيقة ، ويبدو أنّ الريحاني قد أعجب بأنغرسول المفكر الاجتماعي والديني ، فيكتب لاحقاً عن عهده الأوّل بالمطالعة : (کان شبل دموس رفيقي في غزوات المكاتب الإنجليزية فتغذينا بالغذاء الواحد ، وجعلنا أنغرسول ، وتوم باين ، وروسو ، وفولتير من حواضر البيت علىٰ الدوام) .
وفي جانب الفلسفة المادية قرأ لبوخنر المتطرف مادياً ، وفختة ، وكانط ، وشوبنهاور ، وهيغل ، ويترسل أمين في مطالعاته الفلسفية مركّزاً علىٰ الجدلية القائمة بین المادّة والروح ودور العقل في تفسير الوجود تفسيراً علمياً ، فيزيولوجيا ، فيتجه نحو الدارونية الاجتماعية ، ويقرأ معظم مؤلفات توماس هكسلي خاصّة ما يتعلّق منها باخلاقيات النشوء والارتقاء .
اتسمت حياة الريحاني في نيويورك بين عام 1890 و 1897 م بالمطالعات الجدّية المرهقة ليلاً والعمل التجاري المضني نهاراً ، ويبدو من أحاديث شقيقه ألبرت أنّ والده لم يكن ليرتاح إلىٰ اهتمامات أمين المتزايدة بالدرس والمطالعة ، وكثيراً ما حاول إقناعه بأنّ ذلك لا يطعم خبزاً ، وأنّه ما هاجر إلىٰ أميركا وجاء بولده إلىٰ ديار الغربة ليجعل منه فيلسوفاً ، إنّه يريد لأمين مستقبلاً تجارياً ناجحاً يؤمن له ثروة مادية وبحبوحة عيش ، وما تبقّىٰ
فمضيعة للوقت وعثرة في سبيل تحقق حلم الوالد ، لكن موقف أبيه المتشدد لم يثنِ أميناً لحظة عن متابعة سیره نحو تحقيق مبتغاه .
وفي شتاء 1897م التحق أمين بمدرسة ليلية ليهيء نفسه لدخول الجامعة ، وبعد سنة دخل معهد الحقوق في (نيويورك) ومكث فيه عاماً دراسياً واحداً ، إذ اعتلّت صحته وألمّ به داء العصبي ، فأشار عليه الطبيب أن يعود إلىٰ لبنان للاستشفاء في المناخ الجبلي الجاف .
عاد إلىٰ لبنان صيف 1898 م وسكن (الشاوية) القرية الملاصقة (للفريكة) عند جدّته أم فارس ، والتحق بمدرسة (مار يوسف) التابعة لأبرشيّة قبرص المارونية في (قرنة شهوان) حيث علّم الإنجليزية وتعلّم العربية علىٰ يد أستاذها بطرس البستاني ، وقد نمت بينهما مودّة وتحابب زادت بمرور الأيام ، ولم تنقطع هذه العلاقة بسفر الريحاني إلىٰ الولايات المتحدّة الأمريكية ، بل توثّقت عبر رسائل تحمل شؤوناً وشجوناً .
كانت السنة الدراسية في (قرنة شهوان) عام (1898 - 1899م) حافلة بالنشاط الفكري تدويناً ومطالعة ، تمخضت عن :
أبيات شعرية إنجليزية حول مواضيع وجدانية ووصف الطبيعة .
خطب إنجليزية قصيرة حول التقدّم والتربية والنمو الفكري والإنساني .
رسائل إلىٰ نعوم مكرزل .
ومحرر صحيفة نيويوركية تدعىٰ (The World) .
وإلىٰ (الاصدقاء) تدور تباعاً حول وسائل نهضة السوريين في أميركا ودور الشباب المثقف ومعاني الحرية بالنسبة للمواطن في الدولة العثمانية
ومطالبته بحقوقه الأوّلية في هذا المجال .
مقالان إنجليزيان : الأوّل عن التمثيل ومدىٰ ارتباطه بالثقافة والدراية الفنية المتواصلة ، والثاني عن الحرية وحتميتها في سبيل كل تقدّم إنساني وإصلاح سياسي في الدولة العثمانية .
بحث بالإنجليزية حول الأدب الأميركي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .
بحث آخر في الأدب الإنجليزي من القرن السابع حتّىٰ القرن التاسع عشر ، ومسرحية بالعربية مقتبسة أو مترجمة بتصرّف عن الفرنسية وهي Ruy Blas لهيغو .
هذه الآثار تعطي فكرة واضحة عن طبيعة الاهتمامات الفكرية التي شغلت الريحاني في ذلك العهد ، وعن طبيعة مطالعاته العربية التراثية ، فنزعته المتذمرة والمتمردة التي حملها معه إلىٰ الغربة عاد بها معززاً بعقلانية علمية واقعية ، وبهذه العقلانية عاد إلىٰ الجذور والينابيع بحثاً عن خلفياته التراثية .
بدأ من البداية بكتب الصرف والنحو والبيان للخوري يوسف الدّبس ، والأب لويس شيخو ، والشيخ ناصيف اليازجي ، ثمّ قرأ «مقامات الحريري» ، وترك علىٰ هوامشها بعض الملاحظات النقدية الساخرة حول المبالغات التي لا تحمل كبير معنىٰ ، ثمّ انتقل إلىٰ مطالعة أكثر جدّية ورصانة ؛ ك- «مقدّمة ابن خلدون» التي لا تخلو هوامشها من التعليقات ، وتوقف عند رسائل أبي العلاء المعري التي بقيت بلا تعليق ولا إشارة .
ويبدو أنّ الخلفية الدارونية لثقافة الريحاني ، الملقحة بنزعة عقلانية
تجاه الروحانيات ، باتت تنعكس علىٰ قراءاته العربية ، وما أن يصادف «لزوميات المعري» حتىٰ يكتشف ضالته بحماسة دفعته إلىٰ تدوين بعض ما ترجمه إلىٰ الإنجليزية من مختاراته لشعر أبي العلاء وذلك علىٰ بعض هوامش الديوان ، فكأنّ الريحاني وجد في أبي العلاء العقل العربي المتحرّر الذي يبحث عنه ، ويتعرّف فى تلك الفترة - أيضاً - علىٰ المتنبي من خلال ديوانه الذي شرحه ناصيف اليازجي ، وتشير تعليقات (أمين) علىٰ هوامش الديوان إلىٰ نزعته النقدية عن طريق مقارنته بین المتنبّي وأبي العلاء ، ومفاضلته بينهما ، وترجيحه المعرّي علىٰ أبي الطيب .
لذا نراه يقول : « أحب المتنبي ولا أحترمه ، وأحترم أبا العلاء ولا أحبّه » .
وكأنّه في هذا التعليق يشير إلىٰ تفضيله المواقف العقلية المتميزة في شعر المعري علىٰ المعاني الانفعالية الغالبة في شعر المتنبي . وخلاصة القول في نهاية هذه الفترة : إنّ الريحاني بعد طفولةٍ عرفت الشقاوة إلىٰ جانب التمرد والذكاء ، احتك بالغرب احتكاكاً حياتياً وحضارياً ، فآلمه التسلّط المادي المتمثل في مدنية (نيويورك) ، وعزّز فيه نزعته الرافضة ، وكان للفلسفة التجريبية وللمدرسة الإنجليزية الدارونية أثرهما في اتجاهات (أمين) الفكرية بحيث عمد إلىٰ العقل كمعيار للقبول أو الرفض في الشؤون الفكرية ، وهذا ما يفسر إعجابه بالمعري إثر عودته إلىٰ لبنان تمهيداً لهجرته الثانية .
وفي صيف 1899 م عاد الريحاني إلىٰ (الولايات المتّحدة) مزوداً بما اكتنزه من التراث العربي ومعجباً بعقلانية المعرّي ونزعته التحررية ،
ليعمل مجدداً في متجر والده ، ويبدأ الكتابة ونشر المقالات الفكرية والاجتماعية في الصحف المهجرية ، مثل «الهدىٰ» ، «الاصلاح» ، «الحقيقة» ، «المهاجر» ، «مرآة الغرب»، و«الأيام في نيويورك» ، و«المناظر في سان باولو» ، وفي سواها من الصحف والمجلات .
وقد جمعت هذه المقالات في كتاب بعنوان «شذرات من عهد الصبا» صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت سنة 1980 م .
وأوّل خطاب ألقاه الريحاني كان موضوعه (التساهل الديني) ، وذلك في جمعية (الشبان) المارونية في (نيويورك) ليلة التاسع من شباط عام 1900 م .
في هذا الخطاب يندد بالتعصب علىٰ اختلاف أنواعه الاجتماعية والسياسية والتاريخية في البلدان الأوربية والشرقية ، ليصل إلىٰ تنديده بالتعصب الديني في الدولة العثمانية عامّة ولدىٰ السوريين خاصّة سواء في وطنهم أم في مهاجرهم ، معتبراً التعصّب المذهبي أساس الشقاق والانقسام بین الصحف المهجرية وجمعيات المغتربين، وينتهي بالدعوة إلىٰ التساهل الفكري والديني مبرّراً ذلك أنّ فصائل المجتمع كلٌّ يعتقد بصوابية معتقده ، ممّا يضطرنا إلىٰ التساهل مع الآخرين والتسامح في قبول معتقداتهم .
وأثار ذلك الخطاب ضجة في أوساط السوريين في الأمريكيتين ، وفي لبنان ومصر ، فناصره البعض وقاومه البعض الآخر ، وقد طبع ذلك الخطاب مراراً في كتيب مستقل قبل نشره في «الريحانيات» لاحقاً .
في عام 1902م يصدر كتاب الريحاني الأوّل بعنوان « نبذة في الثورة
الفرنسية » عن مطبعة جريدة الهدىٰ في (نيويورك) ، يختصر في هذا الكتاب أحداث الثورة ويسجل في الفصل الأخير مآخذه علىٰ كارليل .
وفي عام 1904م يصدر كتابه « المكاري والكاهن » الذي يحمّله آراءه المتحررة في الطقوس والتقاليد الدينية وانتقاده لرجال الدين ، وكان في هذه الأثناء قد تعرف علىٰ الشاعر الأمريكي (أدوين ماركهام) ، وبدأ ينشر في مجلة Papyras بعضاً من قصائده الشعرية .
خلال عام 1902م تعتلّ صحة والده الذي يغادر (نيويورك) في أوائل تموز من ذلك العام عائداً إلىٰ لبنان للاستشفاء ، ولم يمهله مرض السل طويلاً ، إذ توفي في أواخر تلك السنة في وطنه بعيداً عن أفراد عائلته .
ويبدو أنّ فقده لأبيه قد أعاد إلىٰ خاطره طرح مسألة تفسير الوجود تفسيراً يتنازعه المنحيان ؛ المادي والديني ، فيقول في إحدىٰ رسائله من نيويورك : « فقدت أبي وليس لي أن أراه إلّا إذا صحّت عقائد أفلاطون والمسيح ، وفيّ قوة فاكرة تؤلمني كثيراً أو تشير إلىٰ ضعف تلك العقائد وافتقادها إلىٰ برهان يؤيدها ، فما لي بعد هذا إلّا الصبر والرجاء » .
بعد موت والده يتولىٰ عمّه (سلمون) وشقيقه (يوسف) الشؤون التجارية ، ويقرر أمين الكفّ عن العمل التجاري والانصراف الكلي إلىٰ الحياة الفكرية والأدبية ، أمّا سبيل رزقه فبعضه من مردود مقالاته الإنجليزية التي بدأ بنشرها بعد عناء في بعض الصحف والمجلات الأميركية ، والبعض الآخر من المدخول التجاري للعائلة الذي بدأ يلاقي نجاحاً، خاصّة من الفرع الذي كان والده قد أسسه عام 1900 م في (المكسيك) وتولىٰ أمره
(سلمون) و (يوسف) .
تتعاظم الخيبات في نفسه فيلوذ بنظم الشعر الإنجليزي وتدبيج المقالات العربية التي ينتقد فيها المجتمع الغربي في مادّيته المتطرفة إلىٰ حدّ سحق الفرد نفسياً وجسدياً ومادياً، ويبدو أنّ الإرهاق النفسي والفكري والعاطفي قد حدا بأمين لأن يغادر (نيويورك) عام 1904 م عائداً إلىٰ (الفريكة) بصحبة والدته (أنيسة) وشقيقتيه (سعدى وآدال) وشقيقه الأصغر (ألبرت) ، أمّا شقيقاه (يوسف) و (أسعد) فقد بقيا يعملان في التجارة مع عمهما (سلمون) .
عاد أمين إلىٰ وطنه حاملاً انتصاراته الأدبية والفكرية وخيباته الإنسانية والعاطفية ، ويدخل عهداً جديداً بعيداً عن صخب (نيويورك) وتحدياتها النفسية والفكرية والاجتماعية ، هو عهد الاعتزال في (الفريكة) في أحضان الطبيعة ، وقد امتدّ من مطلع 1905م وحتّىٰ منتصف عام 1910م.
بعد أن عاد الريحاني إلىٰ (لبنان) أخذ علىٰ نفسه أن يطّلع علىٰ تاريخ الأمّة العربية ، فبدأ بقراءة «مقدّمة وتاريخ ابن خلدون» و «نهج البلاغة» الذي رأىٰ فيه كنزاً ثميناً ، ممّا دعاه أن يدرس سيرة الإمام علي بن أبي طالب في كتاب يحمل هذا العنوان ، فيعجب بشخصية صاحب السيرة ، وبطول باعه في العلم والمعرفة والدين والأخلاق والبلاغة .
وقد قرأ سيرة الإمام علي قبيل كتابة مسرحيته الإنجليزية حول الإمام علي ، وذلك في أواخر عام 1908 م ومطلع عام 1909 م إذ يكتب إلىٰ Mr. Ficher بتاریخ 27 تشرين الأوّل 1908م أنّه يجب أن ينتهي من کتاب نثري ومن مسرحية تاريخية رومانسية شخصياتها عربية وكذلك أجواؤها ،
وبطلها عليّ بن أبي طالب ابن عم الرسول ( محمّد صلی الله علیه و آله و سلم) وبأنّه الشخصية التي أعجب بها (كارليل) في محاضرته عن الأبطال ومعنىٰ البطولة ، وتتألف المسرحية من أربعة فصول تقع في 88 صفحة مطبوعة علىٰ الآلة الكاتبة (1).
ويبدو أنّ أميناً لم يُعدّ هذا العمل المسرحي بقصد نشره في كتاب وحسب ، بل كان يطمح إلىٰ أن يلعب دوراً تمثيليّاً في هذه المسرحية علىٰ أحد مسارح (لندن) أو ( نيويورك ) .
بعد أن انتهىٰ من مسرحيته حول الإمام علي ، أعاد النظر فيها خلال شهر .
هذا العمل الفني شكّل الخطوة الأولىٰ في بحث الريحاني عن (البطل) ولعلّ اعجاب الريحاني بالمعري - سابقاً - وبالإمام علي - الآن - وترجمته لشعر أبي العلاء ووضعه لمسرحية مستوحاة من الإمام عليّ علیه السلام ، قد أوضح له النموذج التراثي العربي فخلق فيه رغبة في زيارة البلاد العربية والتعرف علىٰ أبنائها .
ثمّ قرأ كتاب «الأحزاب الشريفة» وسيرة أحمد بن إدريس ، ومن الكتب الأدبية الرديفة التي عزّزت ثقافته التاريخية العربية : «الاغاني» ، و «الف ليلة وليلة»، و «رحلة ابن جبير» ، ثمّ اطّلع علىٰ عدد من المؤلفات التي تتناول التاريخ الحديث للعرب ، منها : «تاريخ سوريا» لخير الله ، و «جغرافيا العراق» لعيسىٰ رزوق ، و « ملوك الجزيرة العربية » لهارولد جاكوب ، وفيه تاريخ اليمن منذ نشوء الدولة العثمانية في عام 1923 م ، ويناقش فيه مؤلف الكتاب بعض الآراء والمعلومات غير الدقيقة ، ثمّ يطالع
1) طبعت هذه المسرحيّة باللّغة الإنكليزية في أمريكا بعنوان : «وجدة» عام 2001 م .
« تاريخ سوريا الاقتصادي » للأمير علي الحسيني ، و « ابراهيم باشا في سوريا » لسليمان أبو العز ، ويستوقفه كتاب محمّد كرد علي بعنوان « خطط الشام » الذي يترك علىٰ هوامش أجزائه العديد من الملاحظات والتعليقات ، وقد ردّ عليه بكتاب « النكبات » يطرح فيه مشكلة إعادة النظر في التاريخ وخاصّة في طبيعة تقويمنا للماضي .
وعايش الريحاني الأساطين من المتصوّفة وتوغل في أعماق أفكارهم وطرقهم، وأخذت تغلب عليه نزعة صوفية بدأت تتضح من خلال عزلته في الجبال اللبنانية ، يومها أخذت تستيقظ في نفسه نجاوىٰ محيي الدين العطار في المحبّة التي تشمل الشيطان ، إذ لا مكان للكراهية في نفسه ، كما أخذ يستذكر غزل ابن الفارض الإلهي ، ويترجم بعضه إلىٰ الإنجليزية شعراً .
وتتعدد الصيغ الصوفية عند الريحاني ، فمن الحنين إلىٰ الجذور الروحانية ، إلىٰ الاتحاد الإلهي ، إلىٰ المعادلة بين الإنسانية والالوهية .
وعند المقارنة بين المواقف الصوفية عند المعري والريحاني ، يمكن الإشارة إلىٰ نقطتين تثيران بعض الاختلاف :
الأوّلىٰ : تتعلق بانفصال الروح عن الجسد ، الأمر الذي يتوق إليه المعري ولا يرتضيه الريحاني ، لأنّه يسعىٰ إلىٰ اللحمة بین المادة والروح . والثانية : تتعلق بعلاقة الإنسان بالله ، والتي تبدو مع أبي العلاء علاقة قدرية متحكمة تحكماً مطلقاً بالمصير البشري ، في حين أنّ هذه العلاقة مع الريحاني هي علاقة إرادية متحررة ، بمعنىٰ أنّ لقوة الإرادة دوراً فاعلاً في نوعية هذا التحكم وكيفيته .
في عام 1910م غادر الريحاني إلىٰ ( باريس ) واجتمع بجبران خليل
جبران الذي أعجب به ووصفه بالشاعر الكبير ، ثمّ إلىٰ (لندن) وفي أواخر تموز غادر إلىٰ (نيويورك) بعد أن صدر له الجزء الأوّل من « الريحانيات » في بيروت .
وفي عام 1911م صدر کتاب « خالد » وهي رواية تعالج تجارب مغترب في (نيويورك) صادف أنواعاً من الاختبارات الفكرية والروحية والعاطفية ، أعطت القاريء الأميركي صورة حية عن المشرق العربي ، وفي عام 1914م يحتفل أمين برواية « زنبقة الغور » وقد صدرت في كتاب عام 1915م عن شركة (مجلة الفنون) .
وصدر له في هذه الفترة عدد من القصص بالإنجليزية والعربية مثل «إكليل الغار» ، و «شريف أفندي» ، و «نبوخذ نصر» ، و «عبد الحميد في الاستانة » .
وتدفعه الحرب العالمية الأولىٰ إلىٰ الالتفات نحو الولايات المتحدّة ، والطلب منها أن تهتم بشؤون سوريا ولبنان ، ومساعدتهما علىٰ نيل الاستقلال والتحرر من السيطرة العثمانية ، وقد وضع دراسة متكاملة عن تردّي الأوضاع السياسية في الإمبراطوريّة العثمانية ، وبداية تحرك الأقليات ، وقيام الحركات القومية ، ومنها التحرك القومي العربي ، حيث أنجز كتاباً سياسياً بالموضوع بعنوان Turky and Islam in the War ويدور الكتاب حول محورين رئيسين :
الأوّل : تعارض السياسة العثمانية مع المبادئ الإسلامية التي أساسها العدل والشورىٰ والمساواة .
والثاني : تحكم السياسة العنصرية في رقاب المواطنين والعبث في
حقوقهم .
وفي عام 1917م صدرت روايته الثانية بالإنجليزية بعنوان «Jahan» ، وترجمها عبد المسيح حداد بعنوان «خارج الحريم» ، لكن مسرحيته «وجدة» تظل هماً من همومه الأدبية يحاول دفعها إلىٰ المسرح في (نيويورك) .
أمّا الشعر بالإنجليزية فيشير في رسائله إلىٰ إعجاب بعض الناس بقصائد مختلفة له ، وانضمّ عام 1919 م إلىٰ نادي المؤلفين في (نيويورك) ، ثمّ صدرت له رواية ثالثة بعنوان « Dr. Della Valle» وهي ذات طابع غربي ، وجمع مقالاته حول الشرق والغرب ونشرها في كتاب بعنوان «جادة الرؤيا » ، كما نشر مجموعة من قصائده الجديدة بعنوان « أنشودة الصوفيين وقصائد اخرىٰ » .
وفي هذه المرحلة كانت الحركة الاشتراكية في العالم قد تجسدت في الثورة الشيوعية ، في روسيا، فتستفيق نزعة أمين الدارونية الاجتماعية ، ويحاول ربطها في سياق بحثه عن فضائل الشرق ، وينتج عن ذلك مجموعة مقالات تصدر في كتاب بعنوان «تحدّر البلشفية» عام 1920 م في (بوسطن) ، ويحاول أن يثبت في هذا الكتاب أن جذور الفكر الاشتراكي والشيوعي تعود إلىٰ حركات شعبية ثورية قامت في الشرق قديماً ؛ مثل حركة القرامطة والحشاشين سبقت حركة التنوير الألمانية في أواخر القرن الثامن عشر .
ولا يكتفي أمين بالانكباب علىٰ هذه المؤلفات الأدبية والسياسية والفكرية في عملية مواجهته للغرب ، بل يقابلها في تصديه للفكر الفلسفي التقليدي السائد في الشرق ؛ اعتقاداً منه أنّ المواجهة المتكافئة مع الغرب لا
تستقيم إلّا بواسطة منهجية تقدّمية متحررة تحل محل التزمت والعصبية ، وتدفع بالشرقيين لأن يواجهوا الغربيين مواجهة الندّ للند ، لا تابعاً لمتبوع .
ويتضح للباحث هذا الموقف الفكري عند الريحاني من خلال تعليقاته علىٰ بعض المؤلفات العربية الصادرة خلال العقد الثاني من القرن العشرين .
ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب « الدين والاسلام أو الدعوة الاسلامية » للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي ، يطالعه ويترك علىٰ هوامشه تعليقات يناقش فيها جوهر الإيمان ، والشك في مبدأ العصمة ، ويرفض كذلك مبدأ المعجزة ، ويرد علىٰ المؤلف حول مسألة الجحيم والنعيم ، ويؤكد في تعليقته في صفحة 85 علىٰ وحدة الأديان ووحدة القيم والمبادئ الإنسانية ، ونراه في بعض تعليقاته أنّه لا يقرّ بتفسير القرآن الكريم تفسيراً سلفياً تقليدياً مغلقاً ، إذ يعوّل علىٰ العقل الذي لا يتناقض برأيه مع المشيئة الإلهية .
وفي هذه الفترة عرف أكثر من تجربة عاطفية كان نصيبها الفشل ، وفي عام 1916م تعرّف الريحاني علىٰ رسامة أميركية تدعىٰ (برثا كايس) في أحد معارض (نيويورك) الفنية وكانت قد درست فن الرسم في (باريس) مع زملاء لها من المدرسة الانطباعية ، أمثال (سيزان) ، و (ماتيس)، و (ديران) ، وأنها رافقت (بيكاسو) بعید مرحلته الزرقاء وبداية المرحلة التكعيبية ، كما أنّها اشتركت مع هؤلاء الفنانين في عرض بعض لوحاتها في صالون (ده ماي) في باريس ، ويعقد أمين قرانه علىٰ برثا في 8 تشرين الثاني من عام 1916م ، ولكن هذا الزواج لم يكتب له التوفيق ، لأنّ (برثا) لم يعجبها العيش في بلد عربي ولانشغالها بفنّها ، وعدم
توافق مبتنيات وتقاليد وأعراف كلّ منهما ، فحصل الافتراق .
في حزيران 1921م انتخب عضواً في المجمع العلمي في دمشق ، وفي مطلع عام 1922م بدأ رحلته نحو البلاد العربية ، واستمرت سنتين متواليتين ، فزار مصر في عام 1922م وأقيمت له احتفالات تكريمية ، ثمّ غادر إلىٰ الحجاز والتقىٰ بالشريف الحسين بن علي ، وكانت له علاقة وطيدة ب- (عبد العزيز آل سعود) ، ثمّ غادر إلىٰ (الهند) لمقابلة (غاندي) إلّا أن الإنجليز لم يسمحوا له بلقائه ، كما أنّه التقىٰ بأمير الكويت ، والشيخ (خزعل) أمير المحمّرة وزار العراق والتقىٰ بقادته وساسته وأدبائه .
وبعد عودته إلىٰ لبنان بدأ إلىٰ جانب التأليف بمراسلة العديد من أصدقائه العرب من الأدباء والسياسيين ، الذين اجتمع بهم خلال العامين الماضيين ، ومن هؤلاء : أحمد ضيف ، وداود بركات ، وسعيد الكرمي ، ومحمّد رضا الشبيبي ، وساطع الحصري ، وكاظم الدجيلي ، وعبد الرحمن النقيب ، وسليم سركيس ، وعبد المحسن السعدون ، ومي زيادة ، وغيرهم ، بالإضافة إلىٰ ملوك العرب وحكامهم من السلاطين والأئمة والوزراء ، بحيث أصبح الريحاني علىٰ اتصال مباشر بالأوساط الثقافية والسياسية العربية .
ويبدو أنّ الثقة التي أحرزها الريحاني لدىٰ ملوك العرب وحكامهم من خلال اتصالاته وكتاباته ومشاركاته في مناقشة الشؤون السياسية ، قد حملته علىٰ أن يقوم بدور المستشار والوسيط كلّما نشأ خلاف بین ملك عربي وآخر ، أو بين أمير وحاكم ، وكان من أبرز ما قام به في هذا المجال توسطه بین حكومتي الحجاز ونجد .
وفي عام 1926م عرفته منابر (بيروت) و (زحلة) و (صيدا) و (مرجعيون) و (دمشق) و (اللاذقية) و (حلب) خطيباً ومحاضراً في
النهضة العربية .
وفي عام 1927م زار (القدس) وألقىٰ خطاباً فنّد فيه الادعاءات اليهودية ، وانتصر لحقوق الفلسطينيين بحضور المندوب السامي البريطاني (بالمر) ، ثمّ زار (حيفا) .
وفي عام 1928م غادر إلىٰ (لندن) لإلقاء محاضرة عن البلاد العربية في الجمعية الآسيوية ، وجمعية الشؤون الخارجية التي يرأسها اللورد (بلفور) والمستر (لويد جورج) ، وخلال عام 1929م قام بإلقاء عدد من المحاضرات في عدد من المدن الأميركية وكندا واجتمع ب- (هربرت هوفر) رئيس الولايات المتحدّة الأميركية وبالسير رمزي (مكدونالد) رئيس الوزراء البريطاني ، وسعىٰ إلىٰ إنشاء علاقات دبلوماسية بين الملك (عبد العزيز آل سعود) وواشنطن .
وفي عام 1931م زار الحجاز ونجد للالتقاء بالملك (عبد العزيز) وزار العراق في عام 1932م ، والتقىٰ بالملك (فيصل) ، وكان يجتمع به ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع وكان الملك يحدث الريحاني في العام والخاص من شؤون البلاد السياسية والاجتماعية ، وزار (كركوك) و (السليمانية) و (الموصل) ثمّ عاد إلىٰ بيروت .
وفي عام 1934م صدر كتابه « فيصل الأوّل » وخلال عودته إلىٰ لبنان أخذ يكتب المقالات ويلقي الخطب محرضاً علىٰ الفرنسيين وعلىٰ الانتداب ، الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين ، وإثر إلقاء خطابه الشهير (بين عهدين) في بيروت صدر قرار من المفوّض السامي الفرنسي بإبعاد الريحاني - علىٰ اعتبار أنّه شخص غير مرغوب فيه ، وعليه المغادرة خلال اسبوعين - ، وعلىٰ الأثر تلّقىٰ دعوات عدّة لزيارة البلدان العربية وبلدان
الاغتراب في الامريكيتين ، فيختار العراق ويغادر لبنان منفياً من وطنه في 15 كانون الثاني 1934م إلىٰ (بغداد) حيث ينزل ضيفاً علىٰ الملك غازي ، ثمّ عاد إلىٰ بيروت بعد رفع قرار النفي .
وفي عام 1935م زار (القدس) وألقىٰ خطاباً في جمعية (الشبان المسيحية) بعنوان (حبل التفاؤل) واجتمع يومها بمفتي فلسطين الشيخ (أمين الحسيني) واٝلتقىٰ بعدد من الشخصيات الأدبية والسياسية .
وعام 1936م زار (القدس) مجدداً واجتمع بالحسيني وبحث معه مسألة الصراع العربي الصهيوني ، وضرورة شرح وجهة النظر العربية أمام المحافل الدولية .
وفي عام 1937م زار الولايات المتّحدة وألقىٰ عدداً من المحاضرات في جامعاتها ومؤسساتها ، ونجح في نشر قضية فلسطين من محطة الإذاعة ب- ( نيويورك ) ، وانتقد خطة الحكومة الإنجليزية في تقسيم البلاد الفلسطينية العربية كما ورد ذلك في رسالة بعثها إلىٰ الملك ( عبد العزيز ) ، وقام بمقابلة زوجة الرئيس الأميركي (روزفلت) في بيتها الصيفي في جوار ( نيويورك ) وتحدّث معها في أحوال العرب ونهضتهم السياسية ، وعند عودته إلىٰ (الفريكة ) كان بانتظاره حادث أليم إذ يفقد أمّه (أم أمين) وقد ماتت عن سبعة وثمانين عاماً .
قام بعدّة جولات في المدن السورية واللبنانية خطيباً في الشؤون الأدبية والاجتماعية ، وذلك بين صيف عام 1937م وخريف 1938م موعد جولته الأمريكية الثالثة محاضراً ومناظراً .
وفي نيسان 1939م تلقىٰ دعوة من المندوب السامي الإسباني في (مراكش) لزيارة إسبانيا والمغرب ، فزار المغرب وطاف في بلاد
(الأندلس) ، كما زار (مدريد) وقابل الجنرال (فرانكو) وتباحث معه في العلاقات السياسية والتاريخية بين الإسبان والعرب ، ثمّ زار (نابولي) ومنها إلىٰ (بيروت) ، وخلال عامي 1939 م و 1940م ينكب الريحاني علىٰ تدوين رحلاته في الجبال اللبنانية منذ زيارته الأولىٰ مع والديه إلىٰ قرية تدعىٰ (غرزوز) في شمالي لبنان يوم كان صبياً وحتّىٰ المرحلة الأخيرة من حياته .
ونلاحظ أنّ كثرة رحلات الريحاني وتوغله في دنيا العرب لم تقتصر علىٰ رحلاته ومقابلاته للملوك والحكّام ، بل أرفق ذلك بمطالعات جاءت مكملة لثقافته العربية المتعدّدة الجوانب ، وتؤكد تعليقات الريحاني علىٰ هوامش الكتب ما عرف عنه من مواقف تحررية سياسية وفكرية ، فيقرأ مثلاً کتاب « ملوك البلاد العربية » ، فيصف السياسة الإنجليزية بعيارة ( فرّق تَسُد ) ، ويقرأ كتاب ( غاندي ) « عجلة الثورة » ويبدي عدم موافقته علىٰ رأي « المهاتما » في دعوته إلىٰ بساطة الحياة كوسيلة فعالة لمقاومة المستعمر ، ويرد بأنّ البساطة ممكنة التحقيق حتّى في ظل الاستبداد الأجنبي .
زاوج بين الثقافتين الغربية والشرقية ودرس الأديولوجيات المعاصرة ، عاش الرأسمالية بكل ما فيها من مساوىء ، حيث قضىٰ شطراً من حياته في أميركا يعاني الفاقة وشظف العيش ممّا أورثه أمراضاً كانت تقضّ عليه المضجع ، تعايش مع حكومات عربية تحت ظلال ثقيلة لدولة آل عثمان ، فكان الكتاب حليفه وخير جليس في الأنام كتاب مما أكسبه ملكة التعبير ، ومنحه قلماً هو عين ثرةٌ لا تنضب .
لقد أثرىٰ الريحاني الأدب العربي بقلمه الحر وفكره المجنّح وثقافته العالية ، وطرح أمام المتأدبين مفردات كان له الفضل في اشتقاقها ومفردات
أحياها بالاستعمال استلّها من بطون القواميس فتلاقفها جيل الشباب للتداول .
درس الريحاني الأدب الإنجليزي مما أثّر في أدبه العربي ، فكان يقدم الصورة الملوّنة الشفافة التي تأسر القارئ فيظل يتناغم مع صفحات حبّرها الريحاني بقلم صقله في (نيويورك) أو (واشنطن) فكان يعيش أجواء (وولت) و (تيمن) الأمريكيين .
كان يتمنّىٰ أن يكون أمير الشعر المنثور إن كان للشعر إمارة ، وذلك في الولايات المتحدة ، وها هو «هتاف الأودية» للريحاني ، فإنّ من يتورقه يرىٰ أن معظمه من الشعر الطلق الذي تحرر من الوزن والقافية ، ولا يضر إذا أطلقنا عليه ( الشعر الحر ) ، وها هو سؤال يطرح نفسه من هو ذلك المجدّد الذي استحدث قصائد الشعر الحر ؟ .
إنّ كتب الأدب تحفل بمعركة قلمية حادّة - ولكلٍّ أنصاره - بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، وكلّ من هذين الأديبين يدّعي الأسبقية في ميدان الشعر الحر ، ولكن هناك من يقول : لقد حاز علىٰ قصب السبق وسقي بالكأس الأوفىٰ ونال شرف الأوّلية والأولوية هو الريحاني ، حيث نشر أوّل قصائده في مجلة (الهلال) 1905م وكان يطلق عليها (الشعر المنثور) ، وقد نعطي العذر للشاعرين السياب ونازك الملائكة أنّهما لم يطّلعا علىٰ شعر الريحاني المنثور حيث كان منثوراً في مؤلفاته حتّىٰ قام أخوه (ألبرت الريحاني) فجمعه في كتاب سمّاه «هتاف الأودية» وذلك عام 1955 م .
أسهم الريحاني في انتقال أدبنا من المقامات مثل مقامات (الحريري) و (الهمداني) وسجع (ابن عباد) وأضرابه إلىٰ أدب روائي يتناغم مع حداثة
العصر بريشته الفنية التي حبّر بها قصته « زنبقة الغور » كما وظّف الريحاني القصّة في طرح آرائه الجريئة وإعلان مواقفه في وجه الطغاة كواعظ قدّيس ، وقد وظّف أيضاً الرواية العربية كما رأينا ذلك في « رواية خالد » وقد كشف الريحاني في سلاسل كتبه عن غناه الفكري بأديولوجيات عصره ، بل بالتيارات الفكرية في العالم الشرقي والغربي .
هو فيلسوف وإن لم ينتم إلىٰ مدرسة ، فلم نرَ في كلّ ما كتب انتماء فلسفياً لمدرسة ما أو لفيلسوف تتلمذ عليه أو علىٰ كتبه ، ولم يؤسس مدرسة فلسفية .
قال الدكتور معن زيادة : « لم يكن الريحاني فيلسوفاً أو صاحب فلسفة بالمعنىٰ الأكاديمي الضيق للكلمة رغم اشتهاره بفيلسوف الفريكة » (1).
إنّ من يقرأ كل ما كتب ونشر الريحاني قراءة فاحصة يجد أنّ الريحاني ترسّم خطىٰ بعض الفلاسفة الذين يؤمنون بوجود الله المطلق من غير انتماء لدين من الأديان ، يقول : « أنا أمين الريحاني لبناني من الفريكة ، لبناني مؤمن بالله - والحمد لله - لا أفضّل طائفة علىٰ طائفة ولا ديناً علىٰ دين ، الدين المعاملة » (2).
وقد درس الريحاني الإسلام، فقد انتهل من المصادر الإسلامية ، مثل « القرآن الكريم » و « نهج البلاغة » و (ابن عربي)، و (المعري) وسواهم ممّا نجم عن ذلك التزامات إسلامية جاد بها قلمه من حيث يدري أو لا يدري فأدلىٰ ب- ( وصية ) كان قد ندب إليها الإسلام اذا اقتربت ساعة النهاية ،
حتّىٰ ورد : « لا يبيتنّ أحدكم إلّا ووصيته تحت رأسه » (1).
يكتب كلّ ما يهمه علىٰ أن يكون هناك وصيّاً ثقة عدلاً يشرف علىٰ التنفيذ ، وقد ورد أنّ علىٰ الوصي الاهتمام ببعض شؤون العائلة ، ولكن الريحاني اتّسعت وصيته ليعم الأمّة العربية ، بل سائر الشعوب .
شعاره التسامح الديني ونبذ التعصب في سبيل بناء الوطن ، لا فرق بين مسيحي ومسلم ، وكانت اللافتة التي يحملها الريحاني طرزها بذهبيتين ، كلمة حكيمة ، وآية كريمة :
1 - افعل للغير ما تريد أن يفعل الغير لك .
2 - (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارىٰ والصابئين من آمن بالله واليوم والآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) (2).
يعقّب علىٰ ذلك : «إنّ في الكلمة الحكيمة الإنجيل كلّ الإنجيل ، وإن في الآية الذهبية القرآن كلّ القرآن ، وإني أيّها السادة مسيحي في الإنجيل ومسلم في القرآن » (3).
وقد ثارت عاصفة هوجاء حول كتابه « المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية » ؛ وهو عبارة عن حوارية رمزية علىٰ ألسنة الحيوانات ، قرر نشرها في جريدة « الهدىٰ » ، في (نيويورك) سنة 1903م ، وحمّلها الريحاني آراءه العقائدية والفلسفية في الدين والمجتمع ، اذ تعرض في هذه المحاورة إلىٰ بعض شؤون الديانة المسيحية ، فقد رفض ألوهية المسيح
ومبدأ الأقانيم ، إذ يقول علىٰ لسان الثعلب : « لو كان للربّ ثلاثة أقانيم لكان النزاع بينهما سائداً أبداً ، ولما تمكن من تكوين هذا العالم العجيب » .
والله عند الريحاني فضائل ثلاث مستقلة ومتصلة في آن ولا علاقة لها بالأقانيم ، وهذه الفضائل هي :
« إنّ الله ... عالم الحاضر والماضي والمستقبل ، وهو موجود في كلّ مكان ، كما أنّه غير متناه في القوة ».
ودعا إلىٰ تقويض عبادة الصور والتماثيل ، لأنّ العبادة مختصّة بالله فقط .
فانبرت له الصحافة يوم ذاك ، واتّهمته بالكفر والزندقة والمروق عن الدين، ووصلت أصداؤها إلىٰ الوطن ، فيصادر الكتاب ، ويحرق ، ويتهم بالكفر والزندقة ، لخروجه عن المبادئ المسيحية .
وقد قال جرجي زيدان : « وتر الدين حساس يستولي به الخاصّة علىٰ العامّة » فأثار رجال الدين المسيحي عليه الغوغاء التي لا ترحم ولا تلين ، حتّىٰ إنّ الحوذي يرفض حمله علىٰ دوابه ، فيظل واقفاً طويلاً علىٰ قارعة الطريق .
وقد تصدّرت هذه الهجمة الشرسة مجلّة (الشرق) وجريدة (البشير) ، وذلك بين سنتي 1903 م - 1904 م ، ممّا دعا الكنيسة أن تصدر قراراً (بالحرم الكنسي).
كان الريحاني يرىٰ مجتمعه يلبس حلّة خلقة مهلهلة ، ويعيش عادات فاسدة يمجّها العقل ويأباها الذوق السليم، حيث يقول : «إنّي أدعو الناس لثورة فكرية تذهب بما في الأخلاق والعادات والتقاليد والعقائد من فساد
وسخافة وضلال » (1).
دعا إلىٰ ما يسمّىٰ بالمدينة العظمىٰ علىٰ غرار ما دعا إليه أفلاطون في «الجمهورية»، و «المدينة الفاضلة» للفارابي مع فارق أنّ أفلاطون دعا لأن يتسلّم زمام الأمور الشاعر والفيلسوف، والفارابي دعا لأن يتسلّم مقاليد الحكم رجل العقل والإيمان .
أمّا الريحاني فدعا لأن يتسلّم قيادة هذه المدينة من سمّاه برجل الشعب ، استناداً لدعوته إلىٰ الديمقراطية في صحة التمثيل الشعبي للحكم ، وأهم ما يميز هذه المدينة هو تركيزه علىٰ الجوانب الأخلاقية ، والحريّات والآداب ، والتطور ، ومشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية ، وعدم الانقياد لرجال الدين السلفيين .
إنّ الكثيرين ممّن حملوا الجنسية الأمريكية تنكروا لعروبتهم وإسلامهم ، أمّا أمين الريحاني فالجنسية الأمريكية عندما حملها زادته حماساً لوطنه لبنان وكان يفتخر بانتمائه للعرب والعروبة .
يتمتع الريحاني بتواضع جم ينأىٰ به عن التهالك علىٰ الألقاب الرنانة ذات الصدىٰ الذي يتعشقه الآخرون ، لقد رفض لقب (الإمارة) الذي منحه إياه الملك (حسين بن علي) ملك الحجاز عام 1922 م .
كانت اُمنيته أن يرىٰ العرب ينتظمون في سلك واحد ، ويجثون علىٰ مائدة واحدة ، وكانت له محاولة عام 1932 م ، أن يعقد قمّة عربية في قريته (الفريكة) يدعو لها بعض الرؤساء والملوك ، ولكن لم يتحقق ذلك الحلم ، بل جاؤوا تباعاً ممثلين عن بعضهم ، وفي عام أعلنت جامعة الدول العربية
1) الأعمال الكاملة ج 8 ص 421 .
حزّ في نفوس البعض أن يكون إعلانها بعد أن أقل ذلك النجم من سماء العروبة ، أي بعد وفاة الريحاني ، وحينها قال جبران تويني ، وهو وزير لبناني : « يجتمع اليوم ملوك ورؤساء الدول العربية ، وبهذا العمل إنّما يؤدّون التحيّة إلىٰ أمين الريحاني » (1).
كان الريحاني من الرواد الذين سبقوا عصرهم فراح يبرمج للمستقبل، لذا فإنّ الشباب المعاصر اليوم يرىٰ في الريحاني مرشداً ومعلّماً ، وهو أوّل أديب عربي كتب بالإنجليزية وطبع ونشر في الغرب، وكانت كتبه موضع اهتمام الغربيين حتّىٰ أنّ اسمه دونّ في كتاب « دليل المشاهير في أمريكا » ، وأنّ مسألة العولمة - بنت الألفين - طرحها الريحاني منذ مئة عام ، نتلمّس ذلك في كتبه الأدبية غير أنّه لم يستعمل المصطلح .
كان الفكر الريحاني في التنامي ، ودوره النهضوي ونشاطاته الثقافية والسياسية في المشرق العربي - والتي امتدّت بين سنة 1910م و 1940م مدعاة للاهتمام بهذه الشخصية الفذّة الموسوعية ، والتي لا تزال أصداؤها تعم البلدان العربية ، بل وغيرها من البلدان الشرقية والغربية ، وقد تحقق هذا الاهتمام علىٰ شكل طروحات جامعية بلغات متعددة من العربية والفرنسية والروسية الصادرة عن جامعة (بيروت) و (القاهرة) و (باريس) و (ستراسبورغ) و (لندن) و (كالفورنيا) و (لينينغراد) ، والصادرة عن دور نشر لبنانية وغربية وفرنسية وروسية ، وقد بلغ عددها ثمانين أطروحة حتّىٰ حزيران 1998 م ، وجميعها كتبت بعد وفاته .
أمّا مجموع ما نشرته الصحافة العربية والأجنبية حول مؤلفات
1) جريدة الشرق الأوسط الصادرة في 2000/9/21 م - وجيه رضوان .
الريحاني الفكرية فقد بلغ عددها ثلاثة وسبعين كتاباً حتّىٰ عام 2000م وجميعها نشرت بعد وفاته .
وقد افتتح في قرية (الفريكة) متحف الريحاني في 1 أيلول 1954م في منزله ، وكان حاوياً مكتبته ومراسلاته ، والهدايا التي تلقاها من رؤساء الدول والفنانين والعظماء ، ومجموعة هائلة من قصاصات الصحف والتي بلغت 6482 قصاصة وهي تشمل الخبر والمقال والريوتاج وذلك حتّىٰ آخر عام 2000م وهذه المادة الصحفية صدرت في 26 لغة و 43 دولة ، وقد ترجم الكثير من مؤلفاته ، فقد ترجم كتاب « الريحانيات » إلىٰ الروسية ، وكتاب « ملوك العرب » إلىٰ العبرية ، وقصة «جهان» أو «خارج الحريم» من الإنجليزية إلىٰ العربية ، وكتاب «خالد» إلىٰ البرتغالية ، وقد جمع ابن أخيه الدكتور أمين ألبرت الريحاني أعمال عمه العربية الكاملة عام 1980م وهي مطبوعة في بيروت وقد صدرت في أربعة عشر مجلداً .
مؤلفاته :
كتيب في الثورة الفرنسية ، في المملكة الحيوانية 1903م ، المكاري والكاهن 1904م ، سجل التوبة 1909 م ، بذور للزارعين 1909م ، الريحانيات في أربعة أجزاء 1910 م ، 1911 م ، 1923م ، 1924م ، زنبقة الغور 1915 م ، خارج الحريم 1917 م ، ملوك العرب جزءان 1924م ، تاريخ نجد 1927م ، النكبات 1928م ، التطرف والإصلاح 1928م ، أنتم الشعراء 1933 م ، فيصل الأوّل 1934م ، وفاء الزمان 1935م ، قلب العراق 1935م .
كتب جمعت وصدرت طبعاتها الأُولىٰ بعد وفاته :
قلب لبنان 1947م ، المغرب الأقصىٰ 1952م ، هتاف الأودية 1955م ، القوميات 1956م ، وجوه شرقية وغربية 1957م ، أدب وفن 1957م ، رسائل أمين الريحاني 1959م ، نور الأندلس 1969م ، شذرات من عهد الصبا 1980م ، قصتي مع مَيْ 1980 م ، وصيتي 1982م.
من مؤلفاته بالإنجليزية :
رباعيات أبي العلاء المعري 1903م ، المرّ واللّبان 1905م ، كتاب خالد 1911 م ، رواية نقلها إلىٰ العربية أسعد رزوق عام 1986 م ، اللزوميات للمعري 1918 م ، تحدر البلشفية 1920م ، ترجمة بهية شومان 1988م ، جادّة الرؤيا 1921 م ، أنشودة الصوفيّين وقصائد اخریٰ 1921م ، ابن سعود 1928م ، حول الشواطئ العربية 1930 م ، جبال العرب وصحراؤهم 1931 م ، مصير فلسطين ، مقالات ومحاضرات بالإنجليزية جمعها أخوه ألبرت وأصدرها في كتاب عام 1967 .
كتب بالإنجليزية صدرت بعد وفاته :
في النقد الفني 1999 م ، مسرحية وجده 2001م ، رسائل إلىٰ العم سام 2001 .
الريحانيات :
من كتابات الريحاني الباكرة والتي حملت اسمه الخاص قد ظهرت سنة 1910 م في أربعة أجزاء ، ضمّنها الريحاني في حينه مقالاته الأدبية والفلسفية والاجتماعية والوطنية ، وبعض شعره المنثور ، وأقوالا تحت عنوان (بذور للزارعين) .
علىٰ أنّ الريحاني ترك عند وفاته عشرات المقالات لم يكن ضمّنها في كتابه ، ولكن أخاه (ألبرت) أصدرها في كتب مختلفة ، مراعياً وحدة الموضوع والغرض ، وسمّاها بأسماء تطابق معناها .
فهذه الريحانيات - التي هي الآن - في جزءين قد أخذت مقالاتها من الأجزاء الأربعة القديمة ، مع إضافة مقالات لم يسبق أن نشرت ، وذلك لانسجامها معها .
أمّا بقية مقالات الريحاني - سواء في الريحانيات القديمة أو التي لم يسبق نشرها ، فقد صدرت في كتب مستقلّة علىٰ النحو التالي :
1 - الريحانيات : جزءان .
2 - القوميات : جزءان .
3 - أدب وفن .
4 - وجوه شرقية وغربية .
5 - هتاف الأودية .
6 - شعر منثور .
7 - بذور للزارعين (أقواله) .
وأمّا المقالات التي كانت مترجمة عن كتبه الإنجليزية والتي ظهرت في الريحانيات القديمة ، فقد حذفها أخوه (ألبرت) في هذه الطبعة ولعلّه أراد إخراجها ضمن كتبه الإنجليزية في ترجمة عربية .
النهاية :
علىٰ غير موعد ودون سابق استعداد ، إذ كان (أمين) ما يزال بعد في عزّ نشاطه وعطائه حيث إنّ حيوية الفتوة والشباب عادت لتستيقظ في نفس (أمين) في أيّامه الأخيرة ، لكنّه ما أدرك أنّ تلك الحيوية ستكون قاتلة هذه المرّة .
أحبّ أن يركب دراجة هوائية اعتاد أن يركبها علىٰ طرقات الجبل الملتوية حول قريته (الفريكة) ، غير أنّ تشنّجاً عصبياً ألمّ بيده اليمنىٰ وهو علىٰ الدرّاجة وعلىٰ منعطف باتجاه سيارة قادمة فما تمكن من حفظ توازنه بين السيّارة وحافة المنعطف ، فسقط عن الدراجة ووقع علىٰ الطريق من علو نصف متر تقريباً ، ويبدو أنّ تلك السقطة أدّت إلىٰ رضوض وجراح في رأسه ورجليه ، مما استوجب دخوله المستشفىٰ ، وفي مستشفىٰ (ربيز) في بيروت طلب منه الأطباء أن يبقىٰ في سريره دون حراك ، وبعد أسبوعين تقريباً شكا (أمين) من جرح في أسفل ظهره ومن حرارة مرتفعة ناتجة عن ذلك ، وأظهرت الفحوص أنّ تسمّماً بدأ يدّب في جسمه رغم المعالجة ، وبعد أن فقد الإطباء الأمل من شفائه اقترحوا العودة به إلىٰ منزله في (الفريكة) ، فعاد عودته الأخيرة ، محمولاً علىٰ الفراش ، إلىٰ (الفريكة) التي كانت الشاهدة الأولىٰ والأخيرة لحياة غنيّة صاخبة ، ملأها الريحاني طيلة أربعة وستين عاماً ، وخاضها أديباً للمعارك الفكرية في الشرق والغرب ، وفي اليوم الثالث من عودته - أي نهار الجمعة في 13 أيلول 1940 م وعند الساعة الواحدة بعد الظهر - أسلم أمين الروح إلىٰ بارئها ، بعد أن ردّد لليومين الأخيرين ( يا إلهي ! ارحمني ) .
مصادر ترجمته :
1 - مقدّمة كتابه الريحانيات - للمستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي .
2 - خمسة رواد يحاورون العصر - لمحمود كروب - ط / دمشق 1992 م.
3 - أمين الريحاني رائد نهضوي - لمعن زيادة - .
4 - الأعمال الكاملة للريحاني : ج 8.
5 - جريدة الشرق الأوسط الصادرة في 21 / 9 / 2000 - وجيه رضوان .
6 - ف - ج / الرحلات .
7 - جريدة الديار اللبنانية الصادرة في 26 / 9 / 1999 م ، لقاء مع الدكتور أمين ألبرت الريحاني .
8 - فيلسوف الفريكة - لأمين ألبرت الريحاني ط / درا الجيل .
1 - قمنا بتصوير ثلاث نسخ عن طبعاته الثلاث ، وهي :
أ - طبعة بيروت - المطبعة الأهلية 1913 .
ب - طبعة صيدا - مطبعة العرفان 1913 .
ج - طبعة الأرجنتين ، عن مكتبة سماحة السيد فخر الدين أبو الحسن في الغازية .
وباعتبار أنّ الكتاب مطبوع ومتداول في تلك الفترة من الزمن أوّلاً ، ولأنّ الأخطاء عند مقابلتنا للمصوّرات الثلاث قليلة ، وتكاد تكون واحدة في جميع النسخ ثانياً ، آثرنا عدم الإشارة للفوارق والأخطاء بينها .
2 - أعدنا تقويم النصّ وضبطه لغوياً مع إضافة علامات الترقيم وما يتبعها من علامات درج عليها المحققون في عصرنا الحاضر لكي يخرج الكتاب بحلته الجديدة أنيقاً غير متعسّر الفهم علىٰ القاريء .
3 - مضينا في عملنا وفق مناهج التوثيق والتحقيق التي ارتضاها شيوخ الصنعة ، وحرصنا علىٰ تتبع مسائل الكتاب وشواهده في كتب العربيّة المختلفة ، وأرجعنا قدر المستطاع كلّ كلمة أو حديث أو بيت شعر إلىٰ صاحبه ومصدره ، مع إضافة التراجم لجميع الأعلام الذين وردت أسماؤهم في الكتاب وتخريج جلّ الألفاظ اللغويّة التي قد يصعب علىٰ بعض القراء فهمها مراعين في ذلك المعنىٰ الملائم لمحلّها في المتن ، وقمنا كذلك بإضافة فهارس متنوّعة لمواضيع الكتاب وأحاديثه وأعلامه .... إلىٰ آخره .
4 - إتماماً للفائدة وللإشادة بمقام هذين العلمين الكبيرين ارتأينا أن نلحق الكتاب بقصائد قيلت في حقّهما ، كما آثرنا أن نزيّن الكتاب بصور لأكثر من وردت أسماؤهم فيه .
5 - ولا يفوتني أخيراً أن أقدّم شكري لأعضاء مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث /فرع سوريا ، لتعاونهم المخلص في إخراج هذا الكتاب القيم وأخصّ بالشكر منهم :
الأستاذ عامر عبد الحسين عباس والأستاذ جواد حسين الورد .
وبالختام أسأله تعالىٰ أن ينفع بجهدي المتواضع هذا المخلصين والمحبّين للعلم والحقيقة والسلام .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّىٰ الله علىٰ سيدنا محمّد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين .
محمّد عبد الحكيم الصافي
دمشق 24 /ربيع الأوّل /1423ه-
الموافق 2002/6/5م
المراجعات الريحانية
تأليف
الإمام العلّامة
محمّد الحسين كاشف الغطاء
تحقيق وتعليق
السيّد محمد عبد الحكيم الصافي
الجزء الأوّل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لمستحقّه ، والصلاة علىٰ صفوته من خلقه.
وبعد فإنّ من أكبر أبواب العلم ، ومفاتيح أقفال المعارف ، ومناجم الحقائق ، هو باب النقد والردّ والمطالعة والمراجعة ، التي تنجم عن احتكاك الآراء ، وتبادل الأفكار ، ومصارعة الحقيقة والخيال ، ومقارعة العقل والوهم .
وكان لي نزوع إلىٰ هذا الفن دفعني إلىٰ إبراز قدر منه - إن كان قليلاً في نفسه فهو كثير علىٰ عاتق عاجز مثلي معترف بالإضاعة وقلّة البضاعة «وحقّاً أقول لا علىٰ المتعارف» أنّ أكبر ما أعلم أنّي لا أعلم ، وأكثر ما أفهم أنّي لا أفهم .
وإذا كان الشك دهليز الحقيقة ، والعلم بالجهل طريق العلم ، وربّ شك عندك ، يكون مجازاً للحقّ عند غيرك ، وربّ منكر لديك يجد سبيل المعروف منه سواك .
من جري ذلك أحببت أن أجمع ما تفرّق لي من تلك «النقود والردود» و «المطالعات والمراجعات» التي هي بالطلب والاستفادة ، أقرب منها إلىٰ المنحة والإفادة ، والكثير منها إلىٰ المدافعة ، أدنىٰ منه إلىٰ المهاجمة .
وعلىٰ أي فلا أقول أنّ كلّها الصواب ، ولكن لا أحسب أن كلّها الخطأ .
والحكومة في تعيين ما هناك ، وتمييز هذا من ذاك - إنّما هو في عهدة أهل الفضل والكمال ، والصحة والسلامة ، «إن شاؤا» .
وعزيمتي أن أُصدر جميع ما اتّفق لي من ذلك في عدّة أجزاء متتابعة والمشيئة لله .
فها أنا ذا «يا كرام» أتحفكم في طليعة هذا الجزء باضمامة ريحان وباكورة أزهار اجتنيتها لكم من حدائق الحقائق وطرائف اللطائف والمعارف .
وحسبي ارتياح ضميري بأنّي ما صنعت إلّا ما حسبته سيعجبكم ويروقكم ، فإن قرطست الغرض في ذلك بمزبري ، وأصبت الرميّة بسهمي فهو ما رجوته .
وإلّا - فعفوا يا كرام - فلست بأوّل من سعىٰ لخير فأخفق ، أو رام سدادا فأخطأ.
والجهل أسبق غرائزنا ، والنقص الصق صفاتنا ، وبالله المستعان .
عين رسالتي إلى حضرة الفاضل ...
صيدا في 17 آيار سنة 1913 م - 1331 ه- .
مراجعات ريحانيّة لا منازعات دينيّة
إنّ الخطيب الأريب ، الكاتب الشهير ، الفاضل أمين الريحاني المحترم ، الذي كفتنا شهرته عن الإطناب والإطراء فيه ، وقد تكفّل ما اشتهر من معارفه عن الإطالة في تعريفه ، فهو ذو النسب القصير (1)، والفضل العريض الطويل .
والخمرُ إنْ قيل : ابنةُ العنبِ اكتفتْ *** عن سائرِ الألقابِ والأوصافِ (2)
والراح إن قيل ابنة العنب اكتفت *** بأبٍ من الاسماء والاوصاف
ومطلعها :
أوْدىٰ فليتَ الحادثاتِ كفاف *** حال المسيف وعنبر المستاف
(راجع : سقط الزند : ص 36) .
ونظراً إلى ما فيه من التضلّع بالفلسفة ، والغور في أعماق العلم والمعرفة ، أهديته الجزء الثاني من كتاب «الدين والإسلام» ، ورغبت إليه أن يبدي لنا رأيه فيه ، ويقول كلمته عنه ، فتكرّم على عادته من الشغف بالبحث ، ورغبته فی العلم ، والمبادرة إلى المناظرة ، وإبداء الحقيقة التي تتنزّل على لوح ضميره ، ومرآة ذهنه ، بحرية من القول ، وصرامة من البيان ،
من غير مواربة ولا مداهنة (1)، ولا مناعمة ولا مخاشنة ، بل على سَوْق الطبيعة ، وتصريف المحوضة (2)والسذاجة ، وهذا أحسن ما يعجبني من محاسنه ، وما أكثرها .
وإليك أيّها الراغب في الوقوف على المعارف الروحيّة ، واللطايف الريحانية .
إليك أُهدي نصّ ما أُلقي إليّ من كتابه بعين الأحرف التي جاد بها قلمه ، وسمحت بها قريحته ، فخذ ما يلي :
الفريكة (لبنان) في 15 آذار سنة 1913 .
حضرة السيّد الفاضل المحترم
محمّد الحسين النجفي طال بقاؤه
أخي !
شكراً على كتابك «الدين والإسلام» ، وفيه ألوكتُك (1)اللطيفة ، وفيها من جمال ظنِّك بي وصفاء ودِّك لي ما أهديك مثله أضعافاً .
ولا يسعني - وإن كنت أرغب عن الخوض في مثل ذي المواضيع - ردَّ طَلبَتك ، أن أُبدي الرأي في تأليفك هذا، وعسىٰ ألّا يسيئك قولي :
إنّ محضرك - أخي ! - راقني أكثرَ من كتابك ، وإنّ طلعتك لتملك من النفس ما لا يملكه مقالك . ولا غرو ؛ فإنّ مظاهر النفس في العين والبنان لغيرها في المنطق والبيان .
وإنّ الطبيعة لتبهجنا بيوم من ربيعها أو بليلة من صيفها ، فتنسينا بلاغة البلغاء ، وحكمة الحكماء ، وإنّ في الحياة حجّة أبلغ من حجج العقل والدين ، وفي الموت إعجازاً يعجز عن مثله أكبر النبيّين .
بلىٰ ، وإنّ إعجاز الله في أكوانه ليخسف أقماراً من بيان الإنسان ، ويشعل شموساً في سكوته من البيان ، ولكنّه تعالىٰ أخصّ كُلّاً من مخلوقاته
1) الألوكة والمالكة والمألُكة : الرسالة ؛ لأنّها تُؤلك في الفم (لسان العرب : ج 1 ص 183) .
بلسانٍ .
فكلّمتنا الشمس بنورها ، والشجر بزهرها ، والأزاهر بشذاها .
وكان حظّ الإنسان النطق ، وهو أقلّهم سحراً وأكثرهم عثاراً .
كيف لا ؟ ونحن لم نزل كالأطفال نُتغتغ (1)في الأمهاد ، ولا ندرك غير اليسير من الحيّ فينا والجماد .
على أنّ لربِّك في خلقه آياتٍ من الوحي ، نتلمّس منها اليسير ، ونصبو إلى الحقّ كلّه في كلها (2)، إنّ لم يكن نطقاً فإيماءً .
كتابك - أخي ! - يفتقر إلى التوازن والتعديل ؛ لأنّ روحك الكريمة السامية لا تستوي في صفحاته كلّها ، فأنت في أوّله فيلسوف ، وفي وسطه إمام ، وفي آخره مُناظر ، بل مرسل ومبشّر .
وحبّذا ! القسم الأخير لو لم يُكتب وينشر ، ويا ليتكم ضربتم عن مثل ذي المناقشات الدينية صفحاً ؛ فإنّ بليّتنا في الشرق في المتنطّعين (3)والمرسلين ، وفي من يردّ عليهم من المسيحيّين والمسلمين .
أمّا دعوتكم إلى الإسلام، ففيها الكثير مما يحبِّبها إليّ ويرغّبني بها ، وكتابكم في غير الشرائع الدينية والاجتماعية كتابي .
ومن يا ترى يرفض ما جاء فيه من مثل هذه الآيات الباهرات ، والحِكَمْ البليغات : (لا تزر وازرة وزر أُخرىٰ) (4)(ادفع بالتي هي
أحسن السيئة) (1)(لا تكلّف نفسٌ إلّا وسعها) (2)﴿ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان) (3)(ولا يغتب بعضكم بعضا) (4)(ليس للإنسان إلّا ما سعى) (5)(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربّه) (6)(قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) (7)(أنفقوا مما رزقناكم) (8)﴿وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه الله) (9)﴿يمحق الله الرّبا ويربي الصدقات) (10)(إنّ الذين يأكلون أموال اليتامىٰ ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا) (11)(و ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (12)(من قتل نفساً بغير نفس ... فكأنّما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً) (13)(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلّا مثلها وهم لا يظلمون) (14)
1) سورة المؤمنون 23 : 96 .
2) سورة البقرة 2 : 233 .
3) سورة الحجرات 12:49 .
4) سورة الحجرات 49: 12 .
5) سورة النجم 53: 39 .
6) سورة البقرة 2 : 112 .
7) سورة البقرة 2 : 263 .
8) سورة البقرة 2 : 254 .
9) سورة البقرة 2: 272 .
10) سورة البقرة 2 : 276 .
11) سورة النساء 4 : 10 .
12) سورة النساء 4 : 079
13) سورة المائدة 5: 32 ، والآية هكذا (من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنمّا قتل الناس جميعا) .. الآية.
14) سورة الأنعام 6 : 160 .
(أُدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (1).
فهات يدك أُصافحك على هذه وأمثالها في القرآن .
فأنا فيها مثلك مسلمٌ أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله .
ولكنّني أقف في العصمة - عصمة الأنبياء - عند حدٍّ وإيّاك .
فإذا كانت الرسالة لا تتمّ إلّا بها ، فما قولنا برسالة العلم وما ظهر في أوربا من باهر مظاهرها في الرقيّ والعمران ؟! وإن جعلنا العصمة من شروط النبوّة ، أفلا يدّعيها من غير أهلها من لا تخلو رسالتهم من شوائب الخطأ والمَيْنِ (2)والبهتان ؟ !
وإذا كانت ممكنة في ذاتها فهي الغاية وهي الغرض ، ولا حاجة لأن ندعم رسالة الانبياء بها .
وقد يخصّ الله الناسك بشيء منها ، والناسك لا خير فيه للناس .
ولا يفوتنّك أنّ في سقطات النوابغ والأبطال والنبيّين ما يستفاد به ممّا ليس في فضائل العامّة من الناس .
فما كان أغناك - والحال هذه - عن الإشارة إلى داود وأمره مع امرأة أوريا الحثي (3)
(راجع تنزيه الانبياء للشريف المرتضى : ص 126 - 132 ، وتنزيه الانبياء لابن حميد الاموي : ص 27 - 36 ، واربعين الرازي : ج 2 ص 147 - 153) .
، وفي القرآن شاهد على مثله في النبيّ محمّد صلی الله علیه و آله و سلم :1) سورة النحل 6 : 125 .
2) المين: الكذب (لسان العرب : ج 13 ص 236) .
3) إشارة إلى ما رُمي به داود علیه السلام من إعجابه بزوجة أوريا أحد قواده وإرساله إلى مقدّمة الحرب حتّى يقتل في أرض المعركة ومن ثمّ يتزوج بامرأته ، ولا يخفى أنّ الأصل في ذلك هو افتراء اليهود على داود علیه السلام ، والرواية ساقطة مردودة قد طُعن في رواتها ؛ ولأنّ ذلك منافٍ لعصمة الأنبياء ؛ لأنّ المعاصي لا تجوز عليهم لما في ذلك من التنفير عن قبول أقوالهم ؛ ولما في تنزيههم عن المعاصي من السكون إليهم ، وقد أجاب أعلامنا عن ذلك بأجوبة شافية .
(إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر) (1)
منها ماذكره المرتضى : وهو أن يكون المراد بقوله : ما تقدّم من ذنبك ، الذنوب إليك ، أي في منعهم ايّاك عن مكّة وصدّهم له عن المسجد الحرام ؛ لأنّ الذنب مصدر والمصدر يجوز اضافته إلى الفاعل والمفعول معاً .( راجع تنزيه الانبياء : ص 163 ، مجمع البيان : ج 9 ص 166 ، اربعين الرازي : ص 167 ، والمصنّف في مراجعاته ج 1 ص 141 - 144) .
الآية .ولا أزيدك علماً في ما کان من أمر محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وخادمته مریم هديّة المُقَوْقَسْ (2)
أولهما : لعله يشير إلى استمتاع النبي صلی الله علیه و آله و سلم بجاريته مارية في بيت حفصه وفي يومها لم تكن في بيتها وإنّما في بيت أبيها ولا ذنب في ذلك بل هو مما أحلّه الله له .
والثاني : لعله يشير إلى مارية بالإفك وغضب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأمره علياً علیه السلام بقتل مأبور ابن عمّ ماريّة ومن ثمّ ظهور براءتها على يد علي علیه السلام .
ومورد الشبهة هنا الأمر بقتل مأبور من دون تثبّت ، وهذا غير صحيح لأنّ علياً قال لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : « أكون كالحديدة المحماة أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب » .
قال : « بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وهذا يكفي » .
(راجع تفسير علي بن ابراهيم : ج 2 ص 75 في ما رواه زرارة عن أبي جعفر علیه السلام والرواية صحيحة رجالها ثقات ، وراجع صحیح مسلم : ج 8 ص 119 ، ومستدرك الحاكم : ج 4 ص 41 ح 2419 ، والاستيعاب ج 4 ص 1912 ، ومصادر اخرى) .
له ، وزينب امرأة1) سورة الفتح 48 : 1 - 2 ، ولا دلالة في الآية على ذنب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ؛ لأنّه لم يكن لقوله (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله) معنىً معقول ؛ لأنّ المغفرة للذنوب لا تعلّق لها بالفتح فلا يكون غرضاً فيه ، وقد ذكر في تفسير الآية وجوه :
2) المقوقس صاحب الاسكندرية ومصر، لم يُسلم وبقي علىٰ نصرانيّته ، ومنه فتح المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطّاب ، ومريم هي مارية القبطية هديته إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم (أسد الغابة ج 1 ص 431 رقم 1011) ، وما ذكره الريحاني يحتمل وجهين :
زيد (1)
وأوّل الآية هو قوله تعالىٰ : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسِك عليك زوجك واٝتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ...) الآية .
ووجه هذه الآية هو نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي ، فأوحى الله تعالىٰ إلى نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم أنّ زيد بن حارثة وهو دعي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سيأتيه مطلقاً زوجته وأمره أن يتزوجها بعد فراق زيد لها ليكون ناسخاً لحكم الجاهلية ، فرجف المنافقون به وأخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها ، ونزههُ الله تعالىٰ ممّا رمي به .
أمّا ما ذكر من خبر اعجاب رسول الله بها فهو ساقط عن الاعتبار وموضوع كما أنّه يتنافىٰ مع عصمة النبي النبي صلی الله علیه و آله و سلم .
(راجع : تنزيه الانبياء : ص 155) .
الذي تبنّاه ، وما أنزل من آياتٍ لتحليل ما تمتّع به في الاثنتين (2).أو حبّذا في مثل هذه المباحث لو طوينا على العصمة كشحاً (3)، فإنّها من صور الكمالات التي لا يجسّمها في الأرض (4)غير وهم يصوّرها
1) وزينب بنت جحش : هي زوج النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وابنة عمّته أُميمة بنت عبد المطّلب ، أبوها من أسد بن خزيمة ، وهي قديمة الإسلام ومن المهاجرات ، كانت زوجاً لزيد ابن حارثة ربيب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، تزوّجها ليعلّمها كتاب الله وسنّة نبيّه ، ثمّ فارقها وتزوّجها الرسول في قصّة مرويّة ، ونزلت في زواجها آية في القرآن ، وهي قوله تعالى : ( فلمّا قضىٰ زيدٌ منها وطراً زوّجناكها )الاحزاب 33 : 37 ، توفّيت سنة 20 ه- . (أسد الغابة ج 6 ص 125 ) .
2) سيأتي تعليق المصنّف في ص 146 من هذا الجزء .
3) طوى كشحه إذا أعرض عنه ، والكشح هو مابين الخاصرة إلى الضلع الخلف وهو من لدن السرة إلى المتن . (الصحاح : ج 1 ص 399 ، ولسان العرب : ج 12 ص 99 ، مادّة «كشح») .
4) إشارة إلى تجسيد المسيح الابن في الارض لحمل الخطيئة ، ومن ثمّ صلبه على ما يعتقد به النصارىٰ .
مصلوبة على الصليب ، أو مستوية على عرش القداسة (1)، أو ظاهرة في إعجاز الأبطحي العظيم .
وتعالىٰ الله أن يجمع كامل صفاته في أحدٍ من أبنائه ، بشراً كان أو ملكاً سوياً .
ونحن الذين لا نستطيع أن نعيش يوماً واحداً مثل الأنبياء ، وليس لنا من روحانيتهم العالية الصافية إلّا النزر اليسير .
إنّه لجدير بنا السكوت على أُمور قد لا تكون ذنوباً في عين الله .
والحقّ يقال : إنّ لكلّ من أبطال التاريخ ناموساً في نفسه تفرَّد ، ولنفسه .
أمّا المعجزات التي تخرق نظام الكون ، وتختلّ من حدوثها سُننُ الطبيعة ، فلا أُنكرها ولا أُثبتها ، وكيف لي بالإثبات أو الإنكار وفيّ وفيك - أخي -! ما في الأنبياء من أسرار لا يدركها العقل ولا يحدّها ؟!
وإنّي لأقف ساكتاً خاشعاً حائراً أمام معجزة الماء الذي استحال خمراً ، وقوفي أمام حقيقة الماء الذي أشربه فيستحيل فيّ لحماً ودماً (2).
أمّا ما قلته أنت في موقفك بين الغزالي (3)وابن رشد (4)
اتّهم بالزندقة ونفي إلى مراكش وأحرقت بعض كتبه ، ولد في قرطبة ، وتوفي في مراكش سنة 595 ه- . ( أعلام الزركلي : ج 5 ص 318) .
فعين1) لعلّه أراد به ما جاء في المزمور العاشر بعد المئة : «قال الربّ لربي اجلس عن يميني» . (الرحلة المدرسية : 78) .
2) سيأتي ردّ المصنّف في ص 148 .
3) محمّد بن محمّد بن محمّد الغزالي الطوسي الفقيه الشافعي حجّة الإسلام صاحب إحياء علوم الدين وتهافت الفلاسفة . ولد سنة 450 ه- وتوفي سنة 505 ه- ، ودفن . في طوس . ( وفيات الاعيان : ج 4 ص 216 ) .
4) محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد الأندلسي أبو الوليد الفيلسوف ، صاحب تهافت التهافت صنّف نحو خمسين مصنّفاً عني بكلام ارسطو وترجمه إلى العربية.
الصواب ؛ فإنّ من ينكر أنّ للمسبَّبات أسباباً تّتصل بها (1)؛ لأنّ القول بذلك ينافي المعجزات، لمن يختلق الحقائق لإثبات أوّلية له فاسدة .
وفي كلّ حال أرى أنّه أقرب إلى تحقيق الأمور وجلاء حقائقها أن ننكر إمكان استحالة العصا ثعباناً (2)؛ لإنّ ذلك ينافي ما شاهدناه ، وخبرناه ، وعقلناه .
ننكره إلى أنّ يتغير معقولنا، أو يرتقي إلى درجة التصوّر فينا ، أو تتغير سنن الطبيعة فی الأشياء والناس .
وإنّ ما جاء به الغزالي من أمثال فيها دقائق برهان ظاهرها بليغ ، لجميل هو في مباحث علماء الكلام وعلماء اللّاهوت ؛ إذاً ما هو وجه الشبه - ياترى - في مثَله بین الماء الذي يصير جليداً جمداً وبين العصا التي تنقلب أفعى .
1) اشارة إلى ما يتبناه الاشاعرة والمجبرة والحشوية من حصر الخلق والايجاد على الاطلاق بالله سبحانه وتعالىٰ وإنّه لا مؤثر في صفة الوجود إلّا الله تعالىٰ ، أمّا غيره فليس بمؤثر لا على وجه الاستقلال ولا على وجه التبعية اي بلا واسطة وبلا تسبيب من الاسباب . ولمّا كان هذا الاعتقاد يؤدي إلى الجبر تذرع الاشاعرة بنظرية الكسب والتي تؤكد على أنّ الله خالق الفعل والعبد كاسب أي كالظرف والوعاء له ، وهي في الحقيقة لا تحل عقدة الجبر ، كما أنّها إلى الآن لم يفهم لها معنىً محصلاً حتّى قيل ثلاث لا يعقلن : اتحاد النصارى ، وكسب النجارية وحال البهشمية ، كما أنّ هذا المعنى مردود بنفس القرآن الكريم مضافاً إلى أنّ الادلة العقلية والعلمية لا توافقه ابداً .
2) سيأتي ردّ المصنّف : ص 149 من هذا الجزء .
ردّ الغزالي إلى مارتوما الاكويني (1)، وذرهما في ذرى (2)المنطق والسفسطة (3)
وفي شرح المقاصد : ج 1 ص 223 (أنّ السفسطة مشتقّة من سوفسطا معناه علم الغلط والحكمة المموهة لأنّ سوفا اسم للعلم وسطا للغلط) .
يلعبون .ولا يفوتنّك - أخي ! - أنّ ما قلته في الشريعة الموسويّة : إنّها جسمانيّة أكثر منها روحانيّة ، يصحّ في الشريعة الإسلاميّة ، وفي الدين الكاثوليكي (4)وفي أكثر المذاهب البروتستانية (5)
وهو بمعناه الواسع يُطلق علىٰ الذين لا ينتمون إلىٰ الكنيسة الكاثوليكية الرومانيّة أو إلىٰ الكنيسة الشرقيّة ، وهو ينطوي علىٰ أفكار تحرّرية في الأمور الدينيّة والدنيويّة ، وروح البروتستانتية هي في مسؤولية الفرد تجاه الله وحده وليس تجاه الكنيسة . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 357) .
أيضاً .وقولك : « إنّها مؤقتة محدودة فی ظروف مخصوصةٍ ، ولا تصلح أن تكون عامّة لكلّ البشر في كلّ الأزمان » (6).
1) مارتوما الاكويني : فيلسوف ولاهوتي إيطالي من أهم وأشهر ممثلي الفكر الكاثوليكي ، ولد عام 1225م وتوفي عام 1274م . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 562) .
2) الذَّرىٰ : كلّ ما استترتَ به ، يقال : فلان في ذرىٰ فلان ؛ أي في ظلّه وكَنَفِه . (لسان العرب ج 5 ص 40 ، مادّة « ذرىٰ » ) .
3) السفسطة : تعني الجدل والمغالطة والتشكيك للتشكيك ، وكان اسم (سوفيسطوس) يدلّ في الأصل على معلم البيان ثمّ لحقه التحقير في عهد سقراط وأفلاطون ، لأنّ السوفسطائيين كانوا مجادلين ومغالطين ، وكانوا متبحرين بالعلم . (تاريخ الفسلفة اليونانية ص 45 ) .
4) تنقسم المسيحية إلى الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية ، وتعتبر الكاثوليكية شعبة رئيسية من الكنيسة المسيحية وهي تعتبر البابا رأس الهرميّة النصرانیّة علی نقیض الارثوذكسية التي لا تعتبره كذلك . (موسوعة المورد : ج 8 ص 162) .
5) المذهب البروتستانتي : حركة دينية نشأت عن حركة الإصلاح ومبادئها .
6) راجع كلام المصنّف في كتابه الدين والإسلام : ج 2 ص 43 .
فينطبق على الكثير من آي القرآن المجيد التي أُنزلت في أوقات مخصوصة لإثبات قضيّة ، أو لتحقيق أمر تحليلاً أو تحريماً ، لا شأن لهما إلّا في تلك الحال وأبناء ذينك المكان والزمان (1)؛ كالآيات التي أُنزلت لتبرئة عائشة من الزنا (2)
وهي حادثةٌ مشهورةٌ في كتب التفسير والسير تُسمّىٰ بحادثة أو قصّة الإفك والرأي المتعارف عليه أنّ صاحبة القصّة عائشة وهي التي نزلت الآيات لتبرئتها ، وهناك رأيٌ ثانٍ أنّها نزلت في تبرئة ماريّة القبطيّة .
، وتلك التي خُصّت بأبي لهب (3)، والتي في سورة «الممتحنة» ، إذ اتّخذ حاطب بن أبي بلتعة (4)بعض آل قريش أولياء له ، وغيرها من مثلها كثير .أفيجوز أن نتّخذها سُنّة أزليّة لا تقبل التبديل والتحوير ، فتثير البغضاء والفتن فينا ، وتفرّق بيننا وبين أُمم لا ذنب لهم سوى أنّهم خلقوا في دين غير ديننا ؟ !
رجائي إليك أن تتدبّر هذا ، فأنا من رأيك ورأي الدكتور
1) سيأتي ردّ المصنف في ص 149 .
2) اشارة إلى قوله تعالىٰ في سورة النور الآية 11 وما بعدها (إنّ الذين جاءوا بالافك عصبة منكم ...) الآية .
3) سيأتي ردّ المصنّف في ص 149 من هذا الجزء ، ولا يخفى ما في سورة المسد من إعجاز للنبي صلی الله علیه و آله و سلم حيث أخبر بعدم إيمان ابي لهب وقد تحقق ولم يؤمن .
4) إشارة إلى قوله تعالىٰ في سورة الممتحنة : 60 : 1 (يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم ...) الآية ، وحاطب بن أبي بلتعة ، واسم أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة ، من بني خالفة بطنٌ من لخم ، وهو الذي كاتب مشركي مكّة يعلمهم بغزو رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لهم ، فنزلت فيه هذه الآية ، ثمّ اعتذر وقبل الرسول عذره ، وقد بعثه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم إلىٰ المقوقس ملك الاسكندريّة سنة 6 ه- ، توفي عام 30 ه- . (أسد الغابة ج 1 ص 431) .
شميّل (1)في الديانات التوحيدية الثلاث ، إلّا أنّي أُضيف كلمة إلى ما قاله في شريعة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، وهي :
إنّ النظامات الاجتماعية العملية المادية التي وُضِعتْ لأمّة من الأمم الغابرة ، لا توافق كلّها كلّ الأمم في كلّ الأزمان ، وقد جاء في القرآن نفسه (لكلّ أجل كتاب) (2)الآية .
ومنها أستمدّ حقّاً في قولي : ولكلّ كتاب أجل ، فإنّ الأمم التي تختلط كتب طقوسها وأُصولها الدينية بمجلات أحكامها العدلية والجزائية (3)، لا يثبت فيها ملك ، ولا يستقيم لها أمر ، ولا يستوي عندها ميزان العدل والحرية ، والتاريخ شاهد على ما أقول (4).
وفي كلامك عن المادّيّات في الديانة الموسوية قد فاتك أنّ الآخرة - كما تُصوّرها الديانات التوحيدية كلّها - إنّما هي كالسافل المبتذل من مادية حياتنا الدنيا ، بؤسها ونعيمها يتناهيان في القسوة والبهيميّة ، ليس إلّا .
1) شبلي بن ابراهيم شميل : طبيب بحاثة كان ينحو منحىٰ الفلاسفة في عيشه وآرائه ، ولد في قرية « كفر شيما » بلبنان ، وتعلّم في الجامعة الامريكية ببيروت وقضى سنة في أوربا ، وسكن مصر فأقام في الاسكندرية ثمّ ، في طنطا ثمّ في القاهرة وتوفي فيها فجأة سنة 1917 لهُ : فلسفة النشوء والارتقاء - ط وغيرها تتلمذ على المدرسة المادية الألمانية وتابع مذهبها القائل بالتولّد الذاتي (راجع أعلام الزركلي : ج 3 ص 155 ، والموسوعة العربية الميسرة ص 1073) .
2) سورة الرعد 13 : 38 .
3) إشارة إلىٰ مجلّة الأحكام العدليّة المعروفة بالمجلّة ؛ وهي مجموعة لأحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات ، وضعت بأمر سلاطين آل عثمان ، وصدرت 1869 م ، وطبِّقت في تركيا وغيرها من بلاد الامبراطوريّة العثمانيّة آنذاك ، ما عدا مصر ، وظلّت مطبّقة حتّىٰ حلّت محلّها المجموعات القانونيّة الحديثة . (الموسوعة العربية الميسّرة ص 1648 ) .
4) سيأتي ردّ المصنّف في 155 من هذا الجزء .
وإنّ نيران الجحيم وحوريّات الجنّة لطرفا نزعة همجية واحدة ، بل هما قطبا مظلّة الآخرة الكبرى .
وهل هذه ما نعدّها من الروحيات الإلٰهية ؟ زِه ثمّ زه (1)! .
وإنّه ليسوؤني أن أرى الهوى الديني مالككم في مواقف كان لكم أن تتحايدوها ؛ لتستوي في كتابكم لهجة هي من التعقّل والحلم والحكمة بمكان .
ولعلكم نسيتم في صفحة 47 (2)ما سطرتموه في صفحة 36 ، فإنّ مثل ذا الحماس لينتج ما حملتم عليه حقّاً هناك من فظائع ومنكرات تُرتكب باسم الدين (3).
أمّا كلامكم في إعجاز القرآن (4)فكلّه جميل مفيد ، راقتني مطالعته ، وشاقتني إلى الاستزادة منه .
وإنّي لمعجب بذا الإعجاز في كلام النبي محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، ولكن إعجابي ، وإن شئت قل : إيماني ، لا يحصر النفس مني في كتاب ، ولا يبعدني ظلماً أو جهلاً أو تعصباً عن آيات في ما سوى القرآن عُجاب ، كسفر أيّوب مثلاً ، وصفحات في نهج البلاغة ، وكبعض شعر المتنبي (5)
ولد بالكوفة في محلة « كندة » سنة 303 ه- وقال الشعر مبكراً وتنقل بين الشام ومصر والعراق وفارس ومدح سيف الدولة الحمداني واختصّ به .
قتل سنة 354 ه- في دير العاقول قرب « واسط » العراق مع ابنه في قصّة غير واضحة ، وهو من جلالة القدر والشهرة بحال تغنيه عن قراضات التقريظ .
(ترجم له صاحب أعيان الشيعة ترجمة وافية في ج 2 ص 513 - 564 ، وراجع نسمة السحر : ج 1 ص 180 - 201 ، والأعلام : ج 1 ص 115 ) .
1) زِةْ بالكسرة والسكون : كلمةٌ تقال عند التعجّب والاستحسان بالشيء .
2) من كتاب الدين والإسلام للمصنّف .
3) سيأتي ردّ المصنف في ص 159 من هذا الجزء .
4) راجع الدين والإسلام : ج 2 ص 53 وما بعدها .
5) أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي ، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة ، وفي علماء الأدب من يعدّه أشعر الإسلاميين .
وأبي العلاء المعري (1)
وأوسع تراجمه وأحسنها ما ألّفه الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن العديم الحلي المتوفي سنة 660 ه- وسماه (كتاب الانصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري) وقد طبع ملخصة في الجزء الرابع من تاريخ حلب ص 77 - 180 . (راجع : أعلام الزركلي : ج 1 ص 157 ، والغدير : ج 4 ص 340) .
و[ابن ]الفارض (2)قدم أبوه من حماه إلى مصر فسكنها وصار يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام ثمّ ولي نيابة الحكم فغلب عليه التلقيب بالفارض .
ولد سنة 576 ه- بالقاهرة وتوفي بها سنة 632 ، ودفن بسطح المقطم ، له ديوان شعر مطبوع بدار الفكر.
(اٝنظر : وفيات الأعيان : ج 3 ص 454 ، وأعلام الزركلي : ج 5 ص 55) .
وهوميروس (3)والحافظ (4)1) أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعرّي ، ولد سنة 363 ه- في معرّة النعمان ومات فيها سنة 449 ه- وقد ترجم له الكثير من العلماء والأدباء المتقدّمين والمعاصرين ، وألفّت حوله كتب ودراسات كثيرة ، حتّى عاد امره ورفعة مقامه في الأدب من أجلى الواضحات ، وإنّ ديوانه بمفرده أجلّ شاهد على نبوغه .
2) أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي الاصل ، المصري المولد والدار والوفاة المعروف بابن الفارض أشعر المتصوفين ، يلقّب بسلطان العاشقين ، في شعره فلسفة تتصل بما يسمىٰ (وحدة الوجود) .
3) من أعظم شعراء اليونان عاش في القرن الثامن قبل الميلاد في آسيا الصغرى . ويعتبر أوّل شعراء اليونان ، وأعظمهم ، نظم الإلياذة والأوذيسة باللهجة الأيّونية ، وقد ترجم البستاني الإلياذة شعراً باللّغة العربية . ( راجع الموسوعة العربية الميسرة : ص 1921) .
4) حافظ الشيرازي (1320 - 1389م) يعدّ من أكبر شعراء إيران المتصوفين ، سمّي حافظاً ، لأنّه كان يحفظ القرآن ، له : ديوان شعر مطبوع يحوي قصائد وغزليات و مثنويات ورباعيات وقد ترجم الديوان إلىٰ كثيرٍ من اللغّات ، وله شعر قليل بالعربية . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 686) .
أهم أعماله : الكوميديا الإلٰهية ، والحياة الجديدة ، والمأدبة ، ونظام الحكم العالمي الموحد ، ألف بعض الرسائل ، ونظم الاشعار ، وكان يمتاز بقدرة فائقة على الوصف والتحليل . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 778) .
.ولكني أسأل - وأستغفر الله من سؤال برودة عقل يأبى العقال (3)- لِمَ أُنزِلَ القرآن عربيّاً ، والعرب في عهد النبيّ بضع ملايين من البشر ، إذا كان القصد منه هدى الناس أجمعين ؟
أفيحرم ربّ العالمين نعمتَه أُلوف الملايين من عباده لا يحسنون العربية بل يجهلونها ، ويخصّ بها قبيلة صغيرة من قبائل البادية ؟ ! (4)أو بظلمِ يَهُوه (5)الأُمم والشعوب كلّها فيخص بشريعته بني اسرائيل فقط ؟!
1) وليم شكسبير (1564 - 1616) أعظم الشعراء والكتاب المسيحيين الإنجليز كان يعيش في بلدة (ستراسفورد) التي يوجد بها الآن مسرح يسمىٰ باسمه ، ومن أعظم مسرحياته التراجيدية: هاملت، عطيل، الملك لير، ماكبث (الموسوعة العربية الميسرة: ص 1108).
2) دانتي (1265 - 1321) شاعر ايطالي مؤلف الكوميديا الإلٰهية ، تزوج في سن الثلاثين وترك زوجته في فلورنسا عندما نفي ، ثمّ شغل بعض المناصب السياسية ، وقضى بقية حياته ينتقل بين ربوع إيطاليا ، ولم يعد إلى فلورنسا حتّى مات ودفن في رافنا .
3) العِقال : الحبل يُعقل به البعير ، على الاستعارة .
4) سيأتي ردّ المصنّف في ص 163 - 169 من هذا الجزء.
5) يَهوه : اسمٌ من أسماء الله تعالىٰ عند اليهوديّة والمسيحيّة ، وقد أطلق منذ عهد الله تعالىٰ مع موسىٰ عليه السلام علىٰ جبل حوريب ، وقد كان استعماله نادراً قبل عصر الملوك ، وكثر بعد ذلك العصر. ولهم فيه تفسيراتٌ وآراء . ( راجع قاموس الكتاب المقدّس - لنخبة من الأساتذة - ص 1096 ) .
تعالى الله عن مثل ذا التخصيص وذي المحاباة ، ولكنّها نفحات إلهيّة تفيض من ألطافه ورحمته ومن عدله وحبّه على أفرادٍ في الأُمم طهرت أنفسُهم ، وزكت أرواحهم ، وكبرت مقاصدهم ، وتسامت شمائلهم ، فكانوا في قومهم كالأرز من سائر الأشجار تساوت في العظمة والجلال .
وما فُضّل بعضهم على بعض إلّا بما أجادوه من العمل والقول في سبيل الحقّ والبرّ والجمال ؛ جماله تعالىٰ ، وحقّه في عباده وأكوانه وأشيائه .
وقد قال النبيُّ : ﴿ ولكلّ قومٍ هاد ) (1)الآية . ونعم الآية .
وأمّا ما قلته في أنّ : « القرآن المجيد كلّما كررته تعالىٰ وتعاظم وتفاخر وتفاخم » (2)، فهو صحيح في الكتاب عربيّاً .
وأمّا في الترجمات الإنكليزيّة والإفرنسية ، فلقد يذهب كثيرٌ من جمال ذا الإعجاز .
ولقد تخمد من تلك الأنوار أنوار البلاغة ، والأنغام ما يُحبّب إلى العربيّ إعادة تلاوته وترنيمه والتحدّي به .
وفي ما كتبه « كارليل » (3)الذي استشهدت به على صدق دعوة النبيّ وسموّ شمائله وأخلاقه شاهد على ما أقول .
وأظنّني بغنىً عن حجّه الأغیار و أنا أقرأه في اللغتين فيطربني فيسكرني فيبهجني عربياً ، وأُمسي بعد تلاوته في الإنكليزية خامد النفس
أليف الضجر ، فأقضي من ذلك العجب .
ولقد طالما تغنّيت به أو تحدّيت على قدر ما أُحسن حيثما أقمت في « لندرا » (1)أو « نويرك » (2)، فأدهش جيراني منه غريب نغمات وجميل رنّات حارت فيها ألبابهم .
فكتابكم من هذا القبيل كتابي أيضاً أُجلُّه اجلالاً ، وأُرتّله ترتيلاً ، وأُكْبِرُ من أنزله الله على لسانه .
ولكنّي آسف لما أجده في نفسي من عجز أو جهل يحول دون ما كمن في آياته وكلماته من الأسرار الروحانية والحقائق العلمية .
وإنّي لأغبطك على بديهة فيك ، بل على نعمة اختصصت بها تريك في شجر الزيتون سرّ الكهرباء، وفي ضروب بيان القرآن تبيان مسالك العلماء .
وربّك ، لقد كادت أن تخسف أنوار تفاسيرك آية النور (3).
عفواً أخي ! عفواً سيدي ! فقد يسبق القلم في مثل ذي المواقف حشمة الأدب ، ولكني آليت على نفسي ألّا أكون في ما أقوله وأكتبه إلّا حرّاً صريحاً .
فالعقل الذي يرينا النخيل كامناً في النواة ، لا يرينا حقائق الاختراعات في إعجاز الآيات ، وهو لممّا يؤسف له .
وما الفائدة من ترداد قول الغزالي : « إنّ جميع العلوم والمعارف
مودعة في القرآن » (1)، وقد قال القدّيس أوغسطينوس (2)
صار معلماً ناجحاً للخطابة في قرطاجة ، من مؤلفاته : الاعترافات ، مدينة الله في اللطف ، وحرية الإرادة في البدع ، وغيرها .
(راجع ترجمته في موسوعة الفلسفة : ج 1 ص 247 ) .
نفس القول في التوراة .وعسى ألّا يسيئك قولي : إنّ في الكتب الدينيّة كلّها مما يناقض الحقائق العلمية من جيولوجية وبيولوجية وغيرها (3).
أمّا كلامكم (4)في اللغة العربية وتعرّب من أسلموا من الأمم ، ففيه غلوٌّ يغتفر الحماس الذي يدفعكم إليه ، وإنّه لحماس جميل أُشارككم فيه ، ولكن ذلك لا ينبغي أن يحجب الحقيقة عنّا .
فما قولكم بمن أسلموا وأبوا التعرّب كالترك مثلاً ؟
وما قولكم بأقوام في الهند يدينون بدين محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ولا يحسنون لسانه ، ولا يفقهون بيانه ؟
وما قولكم بمساعي الاتحاديين (5)
(راجع تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان : ص 602 وص 700) .
حديثاً في تتريك العرب ؟1) راجع أربعين الغزالي : ص 46 .
2) أوغسطين : لاهوتي وفيلسوف مسيحي ، وأحد كبار آباء الكنيسة الكاثوليكية ، ولد في تاغشت المعروفة اليوم بسوق الأحراس في شرقي الجزائر سنة 354م وتوفي سنة 430م .
3) سيأتي ردّ المصنّف في ص 169 وما بعدها من هذا الجزء .
4) الدين والإسلام : ج 2 ص 124 - 127 .
5) اشارة إلى السياسة التي اتبعها الاتراك في فرض الثقافة واللغة التركية على الشعوب التي كانت تحت حكمهم في أواخر العهد العثماني ، وبداية نشوء تركيا الفتاة ، والعمل على ترويج المد القومي والطورانية ، وما رافق ذلك من تطبيق لهذه السياسة .
يسوؤني - والله - أن يسدل حماسكم حجاباً على معقولكم السليم ، فتذهلون أحياناً عن الحقائق وأسبابها ، وأحياناً تأتون بما أتاه مَنْ تقدّمكم من المغالطات ، فتجمجمون (1)الكلام إمّا تقيّةً وإمّا اجتهاداً ؛ كمثل كلامكم في المتشابهات من الآيات، وقد جئتم بالآية التي منها : ﴿ وما يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم ) (2).
فعلى هؤلاء - إذاً - أن ينيروا في الناس مصباح الهدى ، فينقدون المتشابهات ويمحِّصونها ، فلا يتّبع العامة منها ما فيه سقوطهم وهلاكهم . وقد جاء في الحديث « ما أعطى الله أحداً علماً إلّا وأخذ الحجّة عليه ألّا يكتمه أحداً » (3).
ففي التسليم والتفويض في صغير الأمور وكبيرها جهالة هي طامة الناس الكبرى .
ولا أظنّكم تجهلون أنّ هاته (4)المتشابهات من الآيات تسوّل للمنافقين من أرباب الدين والمتنطِّعين التنفّع بجهل العامّة والتدريج فيه ، بل عليه إلى منصّات السيادة والإثرة ، التي من شأنها الضغط على العقول والضرب على تشوّقات الفكر ومساعيه .
وإنّها لتفسح للأئمة مجال الكلام ، فتكثر التفاسير والشروحات التي
1) جمجم الرجل وتَجمْجَمَ : لم يُبيِّن كلامه من عِيٍّ ، وقيل من غير عِيٍّ . (لسان العراب ج 12 ص 109 مادة «جمم» )
2) سورة آل عمران 3 : 7 .
3) إحياء العلوم للغزالي : ج 1 ص 17 نحوه ، وراجع تخريج الحافظ العراقي بهامش الإحياء نفس الصفحة عن أبي نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود نحوه ، وفي الخلعيات نحوه من حديث أبي هريرة .
4) هاته : ته : اسم اشارة للمفرد المؤنّث ، والهاء للتنبيه ، وهي كهذه معنىً .
طالما أفسدت في الأديان جوهرها الأزليَّ الروحاني الحي (1).
أمّا قولكم : «إنّ محمّد صلی الله علیه و آله و سلم خاتم الانبياء ، وشريعته خاتمة الشرائع » (2)، فمردود عليكم من نفس كتابكم . أنقل تلك الكلمات فيلذّني تَردادُها ؛ لأنها من أحسن ما جاء فيه وأجمل :
قلتم - أكثر الله من مثل ذا النور في كلماتكم كلّها وأقوالكم -:
«فلم يزل - جلّ شأنّه - على مرور الدهور ، وأُلوف الأحقاب ، وفي ثنايا العصور في البرهة بعد البرهة ، والفترة بعد الفترة ، يبعث (3)لإصلاح عباده وعمارة بلاده أملاكاً مقدسين ، ولكنهم في الصور على أزياء البشر ، فيقيمون بين ظهراني الأنام ، يتجوّلون في الآفاق يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، سوى أنّهم يتفانون على تلك الغاية ، ويتهالكون في ذلك السبيل ، ويضحّون كلّ غاياتهم وأميالهم (4)علىٰ مذبح الصالح العام والنفع البشري ، ثمّ يخرجون من الدنيا خفافاً عيابهم (5)، ثقيلة بالحسنات موازينهم ، مشكورة مساعيهم ، مقدّسة آثارهم (6).
1) سيأتي ردّ المصنف في ص 180 - 182 من هذا الجزء .
2) الدين والإسلام : ج 2 ص 180 .
3) في المصدر : يبتعث .
4) الأميال : أراد بها الميول ؛ وهو جمع الميل ، فوضع مكانها الأميال ، ولم يرد هذا الجمع ؛ لأنّ الأميال جمع الميل بكسر الميم ؛ وهو قدر منتهىٰ مدّ البصر . (تاج العروس ج 15 ص 708 مادة «ميل » ) .
5) العياب : جمع العيبة : وهي وعاء من آدم يكون فيها المتاع ، والعرب تكني عن الصدور والقلوب التي تحتوي على الضمائر المخفاة بالعياب وذلك أنّ الرجل يضع في عيبته حر متاعه ويكتم في صدره أخصّ اسراره . (لسان العرب : ج 9 ص 490 ، مادّة « عيب » ) .
6) الدين والإسلام : ج 2 ص 34 .
مرحى ثمّ مرحى ! فهذا الجميل السديد من قولكم أجعله لكلماتي مسك الختام (1).
وأسألكم عفواً عمّا قد يكون فيها ممّا لا يروق روحانيتكم الصافية .
والسلام .
الداعي لكم
أمين الريحاني
1) سيأتي ردّ المصنّف في ص 181 - 184 من هذا الجزء .
ثمّ قدمتُ اليه الجزء الأوّل من الكتاب ، وطلبت منه ما طلبتُ في ثانيه فكتب - سلمت يداه - ما نصّه :
الفريكة لبنان في 1 أيّار سنة 1913 .
حضرة الاخ العزيز الفاضل السيّد محمّد الحسين المحترم .
كتابي - أطال الله عزيز بقائك ، وعزّز السديد من آرائك - عن شكر أُسديه ، وشوق إلى رؤياك أُبديه ، فعساه الله مجيباً ، فيمنّ باللقاء قريباً .
وإذا نشطت إلينا في الفريكة - عندما تؤمّ بيروت - نعدّها كريمة من معدن أفضالك ، ونحفظها ذكراً مع جميل مقالك .
وفي الفريكة وواديها تذكارات لإخوان لي من المسلمين أفاضل ، أودُّ أن أُضيف إليها زهرة من جنان حبّك ، وعسيباً (1)من نخيل نفسك ، نزرعهما في قلب الوادي حول أخواتٍ لهما من الذكر جميلات طيبات .
حقق الله هذه البغية ؛ بغية الفريكة وواديها ، وناسكها ومن فيها .
أمّا كتابك الجميل فالقليل منه كثير لمثلي ، والكثير لا أستحقّه ، ولكن أدبك الجمّ أبى أن يكون طَلّاً (2)ورَبُّ البيان يمطرك وابلاً .
ولقد غمّني أنّني أخطأت الظنَّ في بعض ما كتبته إليك ، وما قصدت
غير البحث وإيّاك توصّلاً إلى الحقيقة الجامعة ، وأنوارها الساطعة اللامعة .
فإذا اختلفنا نهجاً لا نختلف قصداً ، وإذا جاءت آرائي في الأحايين والثوب منها خشن ذريّ (1)، فجرِّدها ولا لوم عليك ، جرِّدها تَعرِفْها ، ولا تستغربها إذ ذاك ولا تستنكرها .
أراك في الجزء الأوّل من تأليفك حاملاً على التمدّن الغربي إجمالاً ، حتى على مجالس اللهو ومحافل الطرب فيه ، وقد فاتك ما كان منها في دولة العباسيين التي لم نزل ننشد عزّها ومجدها .
ولا أكتمك أنّ عندي إلى محافل الطرب - الراقية منها - نزعةً أسترسل إليها من حينٍ إلى حين ، ترويحاً للنفس من معضلات الحياة الفكرية .
وإنّي لا أرى فيها ما تتوهّمه من بذور الرذيلة وسموم الفساد .
رياضة الفكر والنفس لازمة كرياضة الجسد والروح ، ولا أظنّك تُماريني (2)في هذا .
وإنّي لأستغرب غلوّك في قولك : « إنّ الروح الغربية انتزعت من الشرق والإسلام كلّ عاطفة شريفة وإحساس روحي ...» (3)إلىٰ آخره .
فهل أنت من رأي نيرون (4)
(انظر : الموسوعة العربية الميسرة ص 1866) .
ويحتمل أنّه أراد ب- (نيرون العثمانيين) : السلطان عبد الحميد (1842 - 1918) الذي حكم البلاد حكماً قاسياً وكان عهده طافحاً بالحروب ، وحدثت في عهده مذبحة الأرمن (1894 - 1896) .
ثار عليه الضباط الشبان المنتمون إلى حزب تركيا الفتاة ، وخلع عام 1909م . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 1180) .
العثمانيين ، القائل في مذكّراته : «إنّ1) هكذا وردَت في النسخ التي بين أيدينا ، ، ولعلّها تصحيف «زريٌّ» ؛ أي معيب .
2) ماريتهُ . أماريه ، جادلته ، والمماراة والمراء : المجادلة (المصباح المنير : ص 217) .
3) الدين والإسلام : ج 1 ص 4 ، وراجع ص 21 - 22 من هذا الجزء .
4) نيرون : (37 - 68) امبراطور روماني اتسمت تصرفاته بالوحشية فقد قتل أمّه ثمّ زوجته ، وتُلقىٰ عليه تبعة حريق روما الكبير ، لكنّه اتهم المسيحيين بهذا الحريق وبدأ اضطهاد الرومان للمسيحيين ، ارتكب سلسلة من اعمال من القتل الوحشية .
المدنية الغربية سمٌّ قتّال» (1)؟
أُنزّه عقلك عن مثل ذا الشطط في التعميم ، فإذا نحن حملنا علی ما في المدنية الغربية من الآفات والمفسدات ، فلا يجوز أن نتعامى عمّا فيها أيضاً من الحسنات ، وعمّا فيها من أسباب الرقيّ والعمران .
وحبّذا نظرك واسعاً جامعاً في هذا الموضوع مثله في أكثر مواضيع تآليفك.
أنت في العلوم الاسلامية ابن بجدتها (2)، سديد فيها رأيك ، وافر أدبك ، بليغة حكمتك .
أمّا في المواضيع العلمية الغربية فقد « عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء » (3)
(فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة) وفيه يعرِّض بابراهيم النظّام شيخ المعتزلة في وقته من قصيدة مطلعها :
دع عنك لومي فإنّ اللوم اغراءُ *** وداوني بالتي كانت هي الداءُ
( ديوان أبي نؤاس : ص 7 - 8) .
.فلمذهب النشوء والارتقاء (1)
(الموسوعة الميسرة فى الأديان والمذاهب المعاصرة : ص 211) .
وفي موسوعة الفلسفة : ج 1 ص 474 أنّ دارون لم يكن هو مبتكر نظرية التطور المشهورة ، إنّما تلقاها من لامارك من الناحية البيولوجية ومن هربرت اسبنسر من ناحية تحديد قانون التطور .
- مثلاً - الذي حملت عليه حملات شعواء صبغات وتشعبات ، منها :مذهب النشوء المادّي المحض (2)، وهو الشائع عندنا ، جاءنا عن طريق بخنر (3)بواسطة الدكتور شميل (4).
ومذهب النشوء المادي اللاادري (5). وأصحابه لا يجزمون جزم الماديين في ماهية المادة والقوة ، بل يرون أنّ وراءهما وفوقهما قوة علوية
1) هي نظرية التطور المشهورة والتي نسبت إلى تشارلز دارون وهو باحث إنجليزي نشر في سنة 1859م كتابه (أصل الأنواع) معتبراً أصل الحياة خلية كانت في مستنقع آسن قبل ملايين السنين ، وقد تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل منها : مرحلة القرد انتهاءً بالإنسان ، وهو بذلك ينسف الفكرة الدينية التي تجعل الإنسان منتسباً إلى آدم وحواء ابتداءً .
2) نشأ هذا المذهب في القرنين السابع عشر والثامن عشر ويقوم على التعارض بين المادة والجوهر المفكر ، وهذه النظرية تُصوّر الكون على أنّه كلٌّ مؤلّفٌ من أجسام مادية تجري فيه أحداث الطبيعة وفقاً لقوانين موضوعية ، والزمان والمكان والحركة تعدّ أحوالاً للمادة ، وكلّ ظواهر الوعي تتوقف على التركيب الجسماني للإنسان . (راجع : موسوعة الفلسفة : ج 2 ص 407) .
3) بخنرلودفج (1824 - 1899) طبيب وفيلسوف ألماني ، أرغم بسبب أرائه الفلسفية على ترك منصبه بجامعة « توبنجن » ، فكرّس حياته للطب والتأليف ، قاوم الميتافيزيقيا المثالية ، واتّخذ من المادية المتطرفة مذهباً له ، من كتبه : القوة ، والمادية الطبيعية ، والمؤرخ . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 332) .
4) تقدمت ترجمته في ص 95 .
5) وهو المذهب الذي يقول اصحابه بأننا لا نعلم أنّ للخلق خالقاً أم لا ؟ كما ذكره المصنّف في ج 2 ص 150 .
بل مصدراً فيّاضاً ، يعجز العقل اليوم عن إدراك أسراره .
ومذهب النشوء المادي الإلهي (1)
ويؤكد اقطاب هذا المذهب على أنّ جميع انواع النباتات والحيوانات لم تخلق خلقاً مستقلاً ، بل أنّ هذا التنوع كلّه نتيجة قوة متحدة بالمادة ، وهو وجود عقل خالق ، وهذه القوة الملازمة للمادة هي نتيجة عقل مدبر ، فهم يعترفون بوجود سبب قادر ازلي في الكون . (راجع : دائرة معارف القرن العشرين : ج 8 ص 504) .
، وهو مذهب ال- DEISTS الإلٰهيّين القائلين بوجود الله باري الكائنات ، ولكن إلٰهُهُمْ غير الإله المصوّر بالتوراة والإنجيل والقرآن .وهناك أيضاً مذهب النشوء الديني المسيحي (2)، القائل : بالنشوء والارتقاء تحت عنايته تعالى ، وبموجب نواميسه الأزلية الإلهية .
فمن هذا يتبين لك أنّ هذا المذهب العلمي ليس من المذاهب الكفريّة أصلاً وجوهراً . والقائلون به من أرباب العلم والدين والسياسة كثيرون ، وأكثرهم من أفاضل الناس وخير البشر .
فهل يجوز أن ننكر عليهم علمهم وفضلهم وحصافتهم (3)؛ لأنهم يعتقدون في معضلات الحياة والأكوان غير ما نعتقد ؟ !
1) وهو عبارة عن الايمان بالله من غير اعتقاد بديانات منزلة ، وهو مذهب فكري يدعو إلى الإيمان بدين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي . (موسوعة المورد : ج 3 ص 169) .
2) مذهب النشوء الديني المسيحي : يركز على أنّ وجود الاشياء المادية المستقلة غير متصور ، وأنّ هناك إلٰهاً وكائناً أسمىٰ خيِّراً حكيماً قد خلق العالم ، ولكن لم يعد يتدخل فيه . (راجع : الموسوعة الفلسفية المختصرة : ص 423 - 427) .
3) الحصافة : ثخانة العقل . حَصُفَ ، بالضم ، حَصافةً إذا كان جيّد الرأي محكم العقل ، وهو حَصيف وحَصيفٌ بينّ الحصافة . والحَصيف : الرجل المحكم (لسان العرب : ج 9 ص 48 ، مادّة « حصف » ) ، 48 ، مادة «حصف » ) ، وسيأتي ردّ المصنّف في ص 121 - 122 من هذا الجزء .
أنا لست من المادّيّين كما تعلم . وقد يكون مذهبي في النشوء والارتقاء مذهب الإلٰهيين ، ولكنه ساءني من كلامك في الدكتور شميل ومذهبه ما يشمُّ منه التحقير والتعيير (1).
ولم يا ترى قولك : « الملحد شميّل » (2)، وهو من رجال الفضل الغيورين على الإنسانية ، المحبين لها ، العاملين جهدهم في سبيل رقيّها وسعادتها ؟ !
ولعمري ، إنّ مثل هاته الفضائل في قلب الملحد لخير من ورع المتنطعين وتديّن المنافقين ، ولنحترم في الناس أخلاقهم المجيدة وإن كانوا في ما يعتقدونه مخطئين .
كلامك في العقل بليغ ، والحقيقة فيه ناصعة ، ولكن الجمع بين دليل العقل ودليل النقل لا يصح دائماً . ولا أراك تحاول إثبات ذلك أو عكسه ، مما دلّني على أنّك تكتم من الحقائق أكثر ما نريد ، أو تستطيع إظهاره .
ولعمري ، إنّ آفة الأديان كلّها هذه التقيّة التي تولّدها في صدور المؤمنين .
وأُحبُّ - والله - أن أراك غير مقيّد بسلاسلها الثقيلة المصدئة .
فإنّك - على ما يظهر لي - لم تزل منقسماً على نفسك ، أدركت الحقيقة وأخطأت الطريقة ، وهذا ما يضعف في نظر الخاصة دعوتك ، فالإسلام الذي لم يزل في المنقول على ماضيه لا يقبل عقلياتك فيه ، والمسلمون الراقون العارفون المدركون لا يرضون - على ما أظن - أن تكون
صورة الكمالات العقلية في إطار واهٍ من التقاليد القديمة .
وبكلمة أوضح : أراك تحاول إدخال العلوم الحديثة والأفكار الجديدة المفيدة إلى الاسلام عن طريق النقل والتقليد (1). وليس لمثلي أن ينتقد طريقتك هذه « صاحب البيت أدرى بالذي فيه » ، وقد تكون الطريقة المثلى في وقتها ومكانها .
على أنّه جدير بنا اعتبار آراء الأغيار في معضلات الحياة وأسرار الوجود .
وجدير بنا سدل الستار على الكثير من الأسرار الدينية التي لا أهمية لها في الحياة ولا فائدة .
وجديرٌ بنا - اذا وقفنا عند حدود العقل تجاه السر الأوّل العظيم - أن نردد قول الشاعر الصوفي :
آمنت بالسر الذي *** فيك ولا اعرفه (2)
وقول الآخر :
تب علينا فإننا بشر *** ما عرفناك حقّ معرفتك (3)
اعتصام الورىٰ بمعرفتك *** عجز الواصفون عن صفتك
(راجع أعيان الشيعة: ج 6 ص 80).
بقي عليّ أن أقول كلمة وجيزة في أُسلوبك الإنشائي ، وأظنّك تقبلها منّي - وإن كنت لم أُعط في هذه الصناعة إلّا بعض ما أُعطيتَه أنت - قبولك حبّي واحترامي .
التفريط - يا أخي ! - آفة كلامك ، والإكثار شين أُسلوبك ، ولا يخفى على مثلك أنّ آفة الإكثار والتفريط تُشوّش الفكر ، وتضعف الحجّة ، فالمترادف والمتوارد لكتب الألفاظ اللغوية لا لكتب الفلسفة والاجتماع ، وإليك المثال :
قلت - في من يعملون في تقويض أركان الإسلام -:
« إنّهم يعملون سرّاً وجهراً في كلّ الدقائق والثواني والآنات والأزمنة » (1).
فما كان أبلغ قولك : يعملون دائماً أبداً . وإذ ذكرت الدقائق والثواني كلّها ، والوقت الغير محدود مؤلّف منها ، ما الفائدة من ذكرك بعدها الآنات والأزمنة ؟ .
وفي صفحة أُخرى : قولك : «ما في الإسلام الیوم من التضارب والتحارب ، والمهارشة والتكالب ، والتعاير والتسابب ثمّ الاسلام وتمزّق أشلائه ، وتفرّق أعضائه ، وتشعّب شعوبه ، وتعدد عناصره وأواصره ... إلىٰ آخره والفكر واحد» (2).
فالإكثار في التعبير يخفيه بل يشوّهه ، وهو يُشين الأسلوب الانشائي ولا يزينه .
وحبّذا جملك لو قسّمتها تقسيماً ذوقياً وفكرياً ، فالجملة في كتابك - وقد جاءت خمس صفحات - لا مواقف فيها ولا محطّات ، تتعب البصيرة والبصر (3).
هذا ما أُبديه اليوم في عموميات موضوعك . وعلّنا نجتمع قريباً ، فنجول وإيّاك جولات في جزئيّاته .
وفّقنا الله وإيّاك إلى ما فيه خير الشرق والشرقيين ، وأخصّ منهم المسلمين .
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
صديقك
أمين الريحاني
وفي ذيل الكتاب :
1 - ماذا تريد بمذهب « المتعطّلة » (1)؟ وقد فهمنا « المعطّلة » .
2 - هل لك أن تهديني إلى المصدر الذي أخذتَ عنه بعض ما نقلته من كتاب المعرّي « الفصول والغايات » في الجزء الثاني (2)تأليفك ؟
[جواب الشيخ كاشف الغطاء]
ولدى ورود هذه المناهل العذاب من هذه الكتب ، والوقوف على العقد المنظّم من هذه الحروف ، قدّمتُ جواباً دارجاً لمحضره ، أومأت فيه إلى أنّي سوف أكتب ما عندي في مطالعة أفكاره ومراجعة آرائه ، فكان مما كتبت إليه ما معناه أو لفظه :
إي وربّك ، سرَّني كلّ ما في كتابك إلّا ما يلوح من فقرات ما أحسنت ظنّاً ، ولا صنعت كعادة ربّها جميلاً ، فأشعرت احتمال أنّني سوف أستاء من النقد ، أو لا يروق لي ذلك الأخذ والردّ ، ولم أجد سبيل صحة لهذه الظِّنَّة ، ولا لسنوح هذا الخيال والاحتمال من مجال ، بعد أن تقدّمتُ إلى الفاضل أنّ ذاك هو ضالّتي المنشودة ، وبغيتي المقصودة .
وإنني عامدٌ - بعدُ - إلى جواب ما ذكرته ، والنظر في ما أَفَدْتَهُ ، ولكن لا لأنّ لكلّ كلام جواباً ، ولكل فعل رداً ، ولا لأنّي أُريد أن ألوي بأفكارك ، وأحيد بك عن نهجك ، وأفثأ (1)في حلّ عُقَدك ومعتقدك ، وما قد فرغتَ منه وجريت عليه سحابةَ عمرك .
لا وأبيك ، لا وربّك ، وإنّما أرغب في أن أفتح باب المراسلة ، وأنهج سبيل المبادلة ، فنتبادل الأفكار ، ونتراجع في الحوار ، ونقدح زناد المناظرة ، عسىٰ أن يتطاير شررٌ نستهدي به إلى لامعةٍ من الحقيقة ، وجامعةٍ من
1) فثأ : كسر وفتّ ، والمعنىٰ هنا : أنّني لا أريد أن أكسر ، أي أصل إلىٰ حدّ الكسر والهدم في سبيل حلِّ عقدك . (لسان العرب : ج 10 ص 184 ، مادّة « فثث » ) .
الصواب ، هي - وحياتك العزيزة عليّ - أقصىٰ ما أبتغي وأروم من کلّ حياتي . وعساني أنتفع بذلك أكثر من غيري ، وإذ قد سبقت مني هذه العِدة ، وتقدمتُ إليه بهذه العزيمة ، والوعد دين ، والوفاء فرض ، ومن جري ذلك سوّغتُ ليراعتي أن ترد ضفاف هذا المنهل على صفاء الطَّويَّة وخلوص النيّة . وأنا مقدِّم أمام كلّ شيء واجبات شكري ، وعزائم ودّي ، وكلّ ما هو حريٌ به من احتراماتي إزاء عواطفه الكريمة ، ولطائفه الجميلة ، التي إن لم أكن أجدني أهلاً لها فهو أهل لأكثر منها ، وجدير بإسداء أمثالها إلى أمثالي . فلا صَنعَ إلّا فضلاً، ولا أسدى إلّا جميلاً .
كرمٌ تبيّنَ فی كلامِك ماثِلاً *** ويبينُ عتقُ الخيلِ في أصواتها (1)
سِرْب محاسنه حُرِمْت ذواتها *** داني الصفات بعيد موصوفاتها
(ديوان المتنبي ج 1 ص 347).
لا ، وأستغفر الله ، هذا قولٌ قاله أبو الطيب وكأنّه أُنسيَ قوله في غيره :
ولولا احتقارُ الأُسدِ شَبَّهتُهم بها (2)ولكنّها معدودةٌ في البهائمِ (3)
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم *** علمت بما بي بين تلك المعالم
(ديوان المتنبي : ج 4 ص 242) .
يتعالىٰ تارة فلا يرضى التشبيه بالأسد ، ويتنازل أُخرى فيشبّه بالخيل التي هي دونها بكثير ، وضرب المثل تشبيهٌ .
ولو كنت أهيم في أودية الشعر مع الشعراء ، لكنتُ أقول :
كرمٌ كلامُك عنه يُعربُ نفحةً *** كالريح تُعرِبُ عن شذى الريحان
وعلى أيٍّ ، فها أنا - في مراجعاتي هذه - ذاكر كلّ جملة من رشحات قلمه ونفحات طبعه ، ومبدٍ ما يحضرني فيها ، ويسنح لي عليها على جري قلمي وعجالة ذهني ، فإن أصبتُ فمن حيث لا أحتسب ، وإن أخطأت فمن قران أمرين - لا ينتجان سوى الخطأ ، ولا يُعقبان سوى الفشل إلّا أن يعصم الله - : العجلة ، وغريزة الجهل التي هي أقدم غرائزنا وأسبق صفاتنا .
وعلى كلا الحالين من خطأ أو صواب ، فإنّني مستميحٌ صفحه ، معوِّل على ما أعلمه من ارتياحه إلى إبداء معقولي ، والذود عن بنات أفكاري ، ولباب لبّي ، ولبانات ضميري . كل ذلك ضمن دائرة الأدب والحشمة ، والصفاء والمودّة ، وفي حدود الحق فيما أجده وأُحس به ، وما العصمة إلّا له جلّ شأنّه ولمن يشاء .
نعم ، وأنا واثق بأنّه ممن يُسعف بذلك ، له كان القول أم عليه .
بيدَ أنّي أستميحه أن لا يؤاخذني إلّا بالغلط ، ولا يتعقّبني إلّا إذا وجدني على الباطل ، ولا يحملني إلّا على ما يستيقن أنّه الحق وعين الصواب والحقيقة .
أمّا إذا استوينا في الشك ، واتّفقنا في عدم اليقين ، وتماثلنا في الاضطراب ، فلنتّفق على الطلب ، ولنتعاون على التحرّي ، فإنّ روحي على الجملة وروحه سواء ، وجوهر ما نروم واحد . وأرغب إلى وليّ السعادة أن يمدّ ظلّها عليّ وعليه ، وعلى من هو سواءٌ وإيانا في طلب الحقيقة ، وحبّ التساهل ، ورفض العصبية إن شاء الله .
وإليك ما نروم :
ذكرتَ - فيما أبديته على الجزء الأوّل من كتابنا - تحاملنا على التمدّن
الغربي اجمالاً ، ثمّ ارتقيت - لله أنت - فقلت حتّى على مجالس اللهو ومحافل الطرب فيه ، ثمّ احتججت عليّ بتمدّن الدولة العبّاسية (1)، كأنّك لا تعلم مذهبي فيها وفي أُختها الأُموية .
وكان جديراً لو استدللتَ عليّ بكتاب الله العظيم ؛ فإنّني قرآنيٌّ قبل كلّ شيء ، ثمّ محمدي وعلويٌّ ( وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوكَ قائماً قل ما عند الله خيرٌ من اللهو ومن التجارة ) (2).
وهنا بحثٌ فقهيٌّ أخلاقيٌّ لا يليق التعرّض له في هذه المراجعة .
أمّا تعضيدك تلك المحافل أو تسديدك إيّاها (3)بما فيها من رياضة الفكر والجسد ، فإنّي أظنّ أنّ التجول في وادي الفريكة - وإن لم أره - تحت شجر الأرز من لبنان - وإن لم أعرفه - لكن فيهما من رياضة الفكر والجسد ما هو أنقى ذيلاً ، وأسلم عقبىٰ ، وأسمى غايةً ، وأبعدُ عن إثارة الشهوات وخداع النفس الأمّارة .
أمّا تحاملي على تمدن الغرب ، وقولي : «إنّ الروح الغربية انتزعت من الشرق والإسلام كلّ عاطفة شريفة ... » إلىٰ آخره .
وقلتَ : «لا يجوز أن نتعامىٰ عمّا لها من الحسنات ، وعمّا فيها من أسباب الرقيّ والعمران» (4).
فما كان في حسباني أن يغيب عنك وعن أفاضل الكتّاب سقوط هذا
النقد وعدم اتجاهه بالمرّة ، و (لغة العرب) لأنستاس الكرملي (1)قد نقدت علينا هذا النقد بعينه ، ولعلّه أوجه نقودها .
ولا أقول : إنّ حبّ النقد يدفع إليه ، فأنت عندي فوق هذا المقام . نعم ، إن كان شيء فالإلف إليهم لعلّه يقضي بذلك ، وإلّا ما كان ليغيب عنكم أنّ كتابنا كان أشبه بكتاب ديني ، بل هو هو . والكاتب حين يخوض في موضوع لا يجب أن يحيط بكلّ وجوهه ، ويستوفي كلّ محاسنه ومساوئه ، وإنّما عليه أن يخصّ بالنظر والبحث تلك الجهة التي تعلُق بما هو فيه ، فإن تجاوزها فاستطراد ، وإن اقتصر عليها فلا مؤاخذة .
ولمّا كانت المدنيّة الغربية أكبر ضربة على الدين ، لا أخصّ الإسلام أو المسيحية . وأظنّ أنّني في غنى عن الاحتجاج لذلك بعد أن كانت حتّى الكثلكة تعترف به ، ولا تجحد ما فعله الفرنسيون وغيرهم معها ، فمن أجل ذلك ذكرنا المدنيّة الغربية وحربها للأديان الذي هو موضوع بحثنا . وما كنّا نحفظ لها حسنة في ذلك حتّى نستدركها على أنفسنا ، اللهمَّ إلّا ما تقضي به على النادر سياستها الرقطاء (2)وشرائعها
1) أنستاس ماري الكرملي (1846 - 1947) . واسمه عند الولادة بطرس بن جبرائيل يوسف عواد ، اصله من (بحر صاف) من بكفيا بلبنان ، انتقل أبوه إلى بغداد فولد بها ، وتعلم بمدرسة الآباء اليسوعيين ببيروت وترهب في شيفرمون من مدن بلجيكا ، وتعلّم اللاهوت في منبليه بفرنسا وسيمَ كاهناً باسم الأب أنستاس ماري الالياوي سنة 1894 وعاد إلى بغداد فأدار مدرسة الكرملييّن وعلّم فيها العربية والفرنسية ، أصدر مجلة (لغة العرب) ثلاثة سنوات قبل الحرب العالميّة الأولىٰ ، وستّ سنوات بعدها . نفاه العثمانيون إلىٰ الأناضول خلال الحرب . (أعلام الزركلي : ج 2 ص 25).
2) الرقطة : سواد يشوبه نقط بياض أو بياض يشوبه نقط سواد والرقطاء من اسماء الفتنة لتلونها . (لسان العرب : ج 5 ص 285 ، مادّة « رقط ») .
البرشاء (1).
هذا - أيّها الأخ - هو جوهر الجواب المصيب شاكلة الغرض (2)، الموافق لحقيقة الواقع .
ولو أردتُ الجدال والجلاد معك لكنت لا أتساهل وإياك في دعوى الحسنات لها التي تستحق الشكر أو الذكر في إزاء ما نراه كلّ يوم من نكير حملاتها علىٰ الإنسانيّة ، وفظائع وقائعها بالبشرية ، وهي التي تزعم أنّها نصيرة الإنسانية وحاميتها وحاقنة دمائها ، ولكنّها - رغماً على كلّ زعومها - تُبدي كلّ يوم من مكرها عجباً ، ومن خداعها طرفاً أهون شيء عندها نقض العهود ، وخلف الوعود ، وحنث الأيمان ، وسفك دماء ملايين من الابرياء على أيسر مصلحة يصوّرها الجشع ،لها ، ويدفعها الحرص إليها ، هجوم الوحش الكاسر ، والسبع الهائج ، الذي كأنّ الله سبحانه ما جعل في قلبه من الرحمة شيئاً .
ولا تعترضني بالمثل ، وتقول : إنّ الشرق يوم ملك فعل وفعل ، ونهب وقتل ؛ لأنّي - لا محالة - أقول لك: هب صحّة كلّ ما افترضت ، فقد تساوىٰ الشرق والغرب ، وعادت الحقيقة الراهنة - وبالأسف - : « البَرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا » (3)
دمع جرى فقضىٰ في الربع ما وجبا *** لأهله وشفىٰ أنّى ولا كربا
(ديوانه بشرح البرقوقي : ج 1 ص 139) .
، أو نظرية عاهلالألمان (1)
(الموسوعة العربية الميسرة : ص 1967) .
- وبألف أسفٍ -: «الحقّ للقوة».إذاً فأين المدنيّة التي يُطلب منّا أن نشكرها ونمتنّ لها ؟!
عساك و ( أنستاس) تعنون زخارف الحياة الدنيا، واستخدام قوى الطبيعة في تقريب المواصلات وتسهيل المصاعب .
وحقّاً إنّ بعض هذا لممّا يشكر ، ويستحق الثناء عليه ، ولكن لو وقفنا للحساب، وقمنا مقام الضبط والإحصاء ، وقابلنا الحسنات بالسيئات ، وما أدخلوه علينا من فساد الأخلاق وتمزيق نواميس الشرف والغيرة ، وتوسيع نطاق الزخرف والبهرجة وشهوات الحياة ، الذي كان نُتج ذلك أن ساءت على أكثر الناس حياتهم، وتنغصّ عيشهم ، وتكدّر صفوهم ، وتراكمت الهموم عليهم والاحزان، ولم يعرف أحدٌ اليوم للراحة معنى ، ولا لطيب العيش على حقيقته إلّا لفظاً .
فليت الغربيين لم يستخدموا لنا البخار ، ولا استخرجوا لنا سرّ الكهرباء ، وتركونا وشأننا ، نركب البعير العاري ، ونجوب القفار والصحاري ، نقتدح من كلّ شجر ناراً ، فضلاً عن المرخ والعفار (2).
1) الظاهر أنّه وليم الثاني (1859 - 1941) إمبراطور ألمانيا وملك بروسيا . كان شديد الإيمان بحق الملوك الالٰهي محباً للمظاهر العسكرية شديد الاندفاع سعى لأن يجعل ألمانيا دولة تجارية وبحرية واستعمارية عزيزة الجانب رفيعة المكان وسرعان ما اصطدم ببسمارك فأرغمه على الاستقالة سنة 1890م ، وأصبح القوة المسيطرة على حكومته ، حاول في سياسته الداخلية التهوين من شأن الاحزاب الاشتراكية بسن القوانين القمعية ، وكان يكثر الخطب الرنانة .
2) المرخ : شجر كثيرُ الوَرْي سريعه . واحدته : مرخة ، ومنه يكون الزناد الأسفل الذي يقتدح به . والعفار : شجر يتّخذ منه الزناد الأعلىٰ الذي يقتدح به . (لسان العرب : ج 13 ص 431 ، مادّة « مرخ » ) .
ليتهم تركونا بتلك التي يسمّونها - اليوم - بالوحشيّة والهمجيّة ، والبال معها هادئ ، والجأش بها طامن ، والعيش فيها هنيء ، والفكر لها ساجٍ (1)والقلب صفر من الأحزان خلوٌ من الهموم ، كأنما هو صحيفته التي لاتجد فيها ولا نقطة سوداء من أوزار الغدر ،وجرائم الاغتيال والمكر .
أُحاشيك - أيها الفاضل و أنستاس - أن توعزوا إلى تلك المدنية ، وتقصدوا منها تلك السفاسف (2)والزخارف التي ماهي - إن طلبتَ حقيقتها - إلّا كما يصنعونه هم انفسهم في السينماتوغراف من الصور المتحركة ، التي هي كسراب بقيعة يحسبها الظمآن ماءً (3)ولا يجد به رواءً ، ولا يزداد به إلّا عطشاً .
حاشاكم من الاعتداد بذلك ، وأنتم - على حدّ علمي - روحيين (4)أكثر منكم ماديين ، وإلٰهيّين أقوى منكم طبيعيين .
على أني ما أنا بأوّل من فتح باب الطعن على تلك المدنية المجهدة، ولا أقول : التعيسة ، مخافة أن تستاء أنت والأب انستاس ، وأنتما العزيزان عليّ .
ما أنا بأوّل من نهج هذا الدرب ، ودخل هذا المدخل . ولو أردت أن
1) سجا البحرُ وغيرهُ فهو ساجٍ : سكن . (لسان العرب ج 6 ص 184 ، مادّة « سجا » ) .
2) السفاسف : جمع السفساف ؛ وهو الأمر الرديء والحقير من كلِّ شيء ، وسفاسف الأمور : سواقطها وتوافهها ، شبّهت بما دقّ من سفساف التراب . (لسان العرب : ج 6 ص 284 مادّة « سَففَ » ) .
3) اقتباس من قوله تعالىٰ : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتّىٰ إذا جاءه لم يجده شيئاً ... ) الآية 39 من سورة النور .
4) [منصوب على الحالية على حدّ قوله (ونحن صعاليك انتم ملوكا)] ما بين المعقوفتين من المصنّف قدس سره .
أجمع شيئاً من ذلك ، وأضمُّ من كلمات كبار المفكرين والكتّاب - حتّى بعض نوابغ الغربيين أنفسهم - لأفردت لك قمطراً (1)منه ، وحملت على سواك أسفاراً فيه .
ولكن ماذا يعنينا من كلام الغير ، وهذه إضمامة ريحانيّاتك إلى جنبي ، وفقَرُها تجول بين مسامعي ، وترتسم على صحيفة ذهني ، وتتمثّل أمام بصري وبصيرتي ، ولا عجب فهي جديرة أو أكثرها بذلك ، وإنّما العجب كيف أُنسيتها أنت أو تناسيتها ؟ ! .
أيّها الفاضل ! نشدتك بحرمة الفضيلة إلّا ما أعدت النظر في مقالتك التي عنوانها ( الخيانة وإبليس ) (2)جدّد النظر فيها لِترىٰ ماذا قلت أنتَ عن المدنيّة الغربية ، وبالأخصّ الحكومة البريطانية ، وإن أردتَ المزيد فانظر في ما قلته في (التمدّن الحديث) (3)و (فوق سطوح نويرك) (4).
أنظرها وغيرها ، وأنا القمين (5)والضمين أنّك سوف تجد أني أخفّ الكاتبين لهجة في هذه المحجّة . هناك ، ولا ريب أنّك تتعجّب من نفسك كيف شاركتني في الفعل ، ولا أقول : في الذنب ، شاركتني في الفعل ولكن أفردتني في النقد أو التعجّب .
وليت من يشبّه أُولئك المتمدّنين بالجاموس تارة ، وبالحيّات والأفاعي اخرى ، وهكذا ، ليته كان يستثني أُولي الحسنات منهم ليسنَّ سنّة
حسنة لمن بعده .
لا يا أيّها الفاضل ! ولا غضاضة عليك فيما هناك ؛ لأنّ الكلام ذو مناحٍ وشطور ، والسائر في سبيل همّه أن يذكر ما يراه في سبيله ، لا أن يذكر كلّ شيء ، وإنّما وقع الاسترسال والتساهل الذي ما هو في كلّ مقام بجميل ، إنّما وقع في كتابك إلينا ، سامحك الله وإيّانا .
هذا بعض ما عندنا فيما ذكرته والأب أنستاس في المدنية الغربية ، أصلحها الله . وعسىٰ أن يسنح لنا مفسح نستوفي به الكلام عنها في غير هذا ، إن شاء الله .
قلت - أصلحك الله - وأنت تعنيني : « أنت في العلوم الإسلامية ... » (1)كذا وكذا ، قول معروف ، وعادة دارجة لا مؤاخذة فيها ، وإلّا فالعلوم الإسلامية فوق أن أكون أنا ابن بجدتها، وقصاراي أن أعرف شيئاً منها .
ثمّ قلت : « أمّا في المواضع العلمية الغربية فقد عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء » (2).
يا حبيبي ! إن كان شيء جدير بالقبول حريّ بالإصابة فهو هذا القول ، لولا الجملة الأُولى ، وهي قولك : « عرفت شيئاً » وأما وشرف العلم ، إنّي ما عرفت شيئاً من علومهم ، وما كنت أحسب أنّ أحداً يسرُّه الجهل بشيء - أيّاً ما كان - حتّى وجدتُني أغبط نفسي أيّما غبطة على ذلك ، ولا شيء يسرّني منها سواه ، ولا أزيدك - وأنت العارف - بياناً عنه .
ثمّ أفضتَ في تشريح مذهب النشوء والارتقاء ، وذكر صبغاته
وتشعّباته ، ولكن - وبالأسف قصوراً منّي - ما اهتديتُ إلى ما أردت من ذلك البيان ، ولم أعرف أيّ غاية كنتَ ترمي إليها وتبتغي إيضاحها ، أو الذبّ والكفاح عنها . وهل أنت ناقد أو معترض ، أم شارح ومفسّر ، أم متفضّل مستدرك ؟ وحبّذا لو شرحت وأوضحت، أو نبذت وأطّرَحْتَ .
فإن كنت تسأل عن موضوع كلامنا المحمول عليه بحملاتنا الشعواء ، فهو كما لا يخفى عليك القسم الأوّل من الأقسام التي ذكرتَها ، وهو مذهب النشوء المادي المحض ، وهو الشائع - كما قلت - عندنا ، أمّا المذاهب الأُخر فهي مما لا تضادّ ما نذهب إليه في الجوهر ، ولا تبعد كثيراً عمّا تدين به أولو الأديان الشائعة الموحِّدة الكتابية ، من العرب وغيرهم .
قولك: «فهل يجوز أن تنكر عليهم علمهم وفضلهم ...» إلىٰ آخره (1)؟ !
نعم ، أيّها الفاضل ! لا يجوز الإنكار - ليس عليهم فقط بل على كلّ أحدٍ - إلّا بمقدار ما يساعد عليه الدليل ، وتنهض به الحجّة والبرهان ، مع احترام علمهم وفضلهم ، وعدم السباب والنبز عليهم ، ما احترموا هم العلم ، وحفظوا كرامتهم في الأدب والحشمة الأدب والحشمة مع غيرهم .
أمّا مثل (شبلي شميّل) في مجموعته الشهيرة (2)- وهو يسبُّ المذاهب والأديان وأهلها ، ويجعلهم من المجانين وفاسدي الأدمغة ، وأقلّ كلماته : « إننا قد قتلنا إلهنا واسترحنا » (3)فهذا لا يستحقّ شيئاً من الاحترام والإكرام ؛ فإنّه هو قد هتك حرمته ، وخرق صيانته . وفي المشهور :
ومَنْ لم يكرِّم نفسه لَمْ يُكرَّم (1)
ومن يغترب يحسب عدواً صديقه .
ومطلع القصيدة :
أمِنْ أُمِّ أوفىٰ دمنةٌ لم تكلِّمِ *** بحومانة الدّراج فالمتثلِّمِ
(شرح المعلقات السبع للزوزني : ص 121) .
.لا تطمعوا أن تُهينونا فنُكرِمَكُمْ *** وأن نكفَّ الأذى عنكُمْ فتُؤذونا (2)
مَهلاً بني عمِّنا مَهلاً موالينا *** لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
(حماسة التبريزي ج 1 ص 121 ) .
على أنّي أعتدُّ بنفسي في هذا المقام ، وأرضى عنها - وأستغفر الله - فإنّي ما كِلتُ له بصاعه ، ولا مسحتُ له بذراعه ، ولا كافأته بالسواء ، ولا قابلته بالمثل .
وأقصى ما أخذت عليّ فيه قولي عنه : (الملحد) ، وكأنّه غاب عنكم أنّ المسبّة والمعرّة أحد مقومات حقيقتها أن يستاء منها مَن تُقال فيه ، أمّا إذا كان يعدّها فضيلة ، ويجدها منقبة ، فنعته بها أولى أن يكون منقبة من أن يكون مثلبة ، وأحرى أن تجلب له مسرّة من أن تكون معرّة . والرجل - ولا ريب - يجاهر بأنّه ملحد ؛ أي أنّه لا يعتقد بغير المادة ، ويفتخر بذلك ، ويكافح عنه وينافح (3)، وهو من أشدّ البواسل المجاهدين في سبيله .
نعم ، كان عليَّ مؤاخذة لو قلت : (الخبيث) أو (الشقيّ) ، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء والسباب بذاتها ، وفي أنفسها ، وعند كلّ أحد لا كقولك للمسيحي : يا نصراني ! وللمسلم : يا محمّدي ! ومثله قولك للطبيعي : يا مادي أو يا ملحد !
أمّا قولك : (إنّه من رجال الفضل الغيورين على الإنسانية ...» (1)إلىٰ آخره .
فعفواً أيّها الفاضل ! لعلّني ضعيف البصر ، خفّاشيُّ العين (2)، وذلك لم أُبصر ذلك الفضل وتلك الغيرة ، ويشهد الله أنّني لو أبصرتها لكنت من رأيك : « أنّها في قلب الملحد لخيرٌ من ورع المتنطّعين والمنافقين ».
ولكني طلبتها في ذلك الذي تزعمها له فلم أجد أكبر ما عنده سوى تزويق الألفاظ ، وسوء النكاية والمسخرة بأهل الأديان وكُبراء الرجال ، ولعله لم تذهب عليك كلماته المؤلمة في السيد المسيح وأمثاله من الأصفياء .
نعم ، ما أحسن قولك : « لِنحترم في الناس أخلاقهم المجيدة وإن كانوا في ما يعتقدونه مخطئين » (3)، ولكن تقوم هذه الجوهرية العالية على دعامتين :
الأولى : أن نحقّق الاخلاق المجيدة ونعرفها .
والثانية : أن لا يهضم أربابها حقوقها ، ويحطّوا بأنفسهم كرامتها ، ثمّ هي بعدُ أحرى الأشياء بالقبول والاتّباع
أمّا قولك : « وبهذا يتبين لك أنّ هذا المذهب العلمي ليس من المذاهب الكفرية » (4)إلىٰ آخره ، فأنا لا أعرف أنّي حكمت عليه بخصوصه أنّه من الكفر ، وما كنت افتكر في كلّ ما كتبت ولا أرمي إلّا إلى المعطّلين (5)
ومحض الماديين المنكرين لما وراء الطبيعة ، فإن وجدت غير ذلك ، فسامحني فيه فلعله من قصور البيان ، أو الغفلة والنسيان .
أمّا نقدك علينا في استعمال التقيّة، ثمّ في محاولة إدخال العلوم الحديثة والأفكار الجديدة إلى الإسلام ... إلىٰ آخره ، فحيث إنّك تعرضت لهما فيما أبديت من ملاحظاتك على الجزء الثاني أيضاً ، فنحن نرجئ الكلام عنها إلى هناك (1)ليكون وافياً بكلا المقامين .
نعم ، أخصّ بالذكر قولك هنا : « وهذا ما يضعف في نظر الخاصّة دعوتك » (2)، وليتك قلت - أيضاً - : والعامّة ، ولكني أيّها الناقد الحرُّ ! ليتك تعلم أنّه لا يهمني نظر العامّة ولا الخاصّة ، ولا ضعف دعوتي عندهم ولا قوتها ، إذا كانت في نظر الواقع والحقیقة قويّة ، وعند من له العناء مقبولة ، وبأجلى : إذا كنت قد أدّيت بها الواجب عليّ ، وأرضيت بها هاجسي وضميري ، نعم ، وأرضيت بها ربي ، وهنالك الغاية :
إذا أنعمت نُعمى عليّ بنظرة *** فلا أسعدت سُعدى ولا أجملَت جُملُ (3)
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهلُ *** فما اختاره مضنىً به وله عقلُ
( ديوان ابن الفارض : ص 165 ) .
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ *** وبيني وبين العالمين خرابُ (1)
أما لجميلٍ عندكن ثواب *** ولا لمسيء عندكن متاب
(دیوان أبي فراس : ص 41) .
ولا أحسبك إلّا مستحضراً مقالة ذلك الحكيم الذي قيل له : إنّ الناس لم تقبل مقالتك أو كتابك الفلاني ، فقال : عليّ أن أكتب وأن أُحسن وأُجيد ، وليس عليّ أن يقبلوا أو لا يقبلوا .
إذاً - يا حبيبي ! - لا تُعد عليّ حديث العامّة والخاصّة ، ودعنا نبحث عن الحقائق والأشياء مجردة بذواتها ، ولا تلبسها هذه المدارع السود والأغشية المظلمة ، ولو علمتَ بما قاسيته واُقاسيه من العامّة والخاصّة وعدم اكتراثي كثيراً بشأنهم ، لعرفتَ صدقي في ما ادّعيتُ ، إن شاء الله .
بقي علينا أن نخوض معك في كلمتك الوجيزة التي تعرضت فيها لأسلوبنا الإنشائي (2). ونحن نسدي الشكر إليك وإلى كلّ من دلّنا على نقص فينا ، وخلل بنا ، ومدخل عِوارٍ علينا .
وقد وافقك على مثله - أيضاً - الأب (انستاس) في لغة العرب .
عُوفيت - أيّها الأخ - من كلّ آفة ، ذكرت أنّ آفة كلامي الإكثار والتفريط ، وقلت : إنّها تشوّش الفكر ، وتضعف الحجّة ، ثمّ أوردتَ المثال أو الأمثلة ، ووفيت بالبيان والإيضاح حقّ المسألة .
ولكني لو أُدلي بحجّتي ، وأحتج بدلالتي لا بدالّتي ، وأذكر لي من كلّ مرجع بثَبت ، ومن كلّ مصدر وثيق بسند ، لطال الكلام ، واتّسعت مسافة
البحث ، ولَرجعتُ إلى قول القائل - في جواب السائل -:
ماذا لَقيتَ من الهوى ؟ فأجبتُهُ *** في قصّتي طولٌ وأنت ملولُ (1)
ولو جئتك بشواهد من كتاب الله العزيز الذي لا يرتاب ناطق بالضاد أنّه أفصح ما ورد فيها ، وأنّه هو العيار والميزان والقدوة والإمام ، ولو سردت أمثال قوله - جلّ شأنّه - :
( ولا تعثَوا في الأرض مفسدين ) (2)، والعيث هو الفساد .
وقوله : ( فأخذناهم بغتةً وهم لا يشعرون ) (3)، والبغتة هي مجيء الشيء مع عدم الشعور به .
( ولا طائر يطير بجناحيه ) (4)، ( فخرّ عليهم السقف من فوقهم ) (5).
وكثير من أمثال ذلك ممّا يُحسب أنّه من التكرير والزيادة ، وما هو منها بشيء .
لو جئتك بهذا لخشيتُ أن لا يعوزك الإنكار ، ولا تحجزك الأناة عن الإسراع إلى الشك قبل النظر والبحث .
ولكن ما نحن وهذا الأوج المنيع ، والشأو المتعالي ! وإنّما الأشياء بأشباهها ، والأمور بنظائرها . ونحن أولى أن نعتبر حال بعضنا من بعض
ونقيس الفرد منّا على الفرد .
هذه ريحانياتك الأريجة ، وجونة (1)افكارك العبِقة ، الآن قد فتحتُها لهذه الغاية ؛ أعني لأنظر أنّها هل هي سليمة مما نقدته عليّ ؟ فما طويتُ منها صحيفةً أو صحيفتين حتّى وقع بصري على قولك في صفحة (63) من جزئها الأوّل ما هذا حرفه :
« يتصاعد منها الدخان على الدوام في النهار وفي الليل » (2). انتهىٰ .
أفما كان قولك : على الدوام ، يغني عن قولك : في الليل والنهار ؟ وهل الدوام إلّا النهار والليل ؟ ! أم هل هذا إلّا ما نقدته علىٰ اسلوبنا الإنشائي ؟ أليس هذا هو ذاك بعينه ؟ ! .
ولو أردنا أن نجمع من كتابك مثل هذا ، ومن كتب الكاتبين من الأقدمين والعصريين ، لجئنا منه بشيء كثير ، هو في جنب غيره يسير . ولكنّنا لا نكتمك الحقيقة ؛ أنّنا لا نعدّه نقصاً في كمال الكلام وحسن اُسلوبه ، بشرط أن يقع في موقعه ، ويقوم في مقامه .
وما مثل من يريد الكلام خالياً من هذه الزوائد والتعاليق دائماً ، إلّا كمن يريد بقاء الإنسان عارياً ابداً ، فإنّه أقلّ كلفة ، وأخف مؤنة ، والإنسان إنسان بنفسه لا بثيابه وما عليه ؛ أعني أنّ الملابس لا تنقصه ولا تزيده ، ولا تقعد به عن أيّ شغل وعمل يريده ، ولكن هل يروق لأحدٍ ذلك ؟ .
أوَليس الإنسان ربّما يستوحش من نفسه وينقبض من ذاته عن تلك الحالة المرغوب عنها ، حتّى مع عزل النظر عن كلّ شيء وعن كلّ أحد .
ولا يبعد أن يكون الكلام هكذا ؛ له جسم وروح وملابس هي زينته وحليته ، وربّما يكون في بعض الأحوال بدونها سمجاً مذؤوماً (1)ومرغوباً عنه ذميماً .
وللإيجاز مقام ، وللإطناب مقامات ، ولو أردتُ أن أدلّ على ذلك ، وأميز تلك المقامات ، وأُفردها بعضها عن بعض ، لخرجتُ إلى باب واسع من أبواب عِلمَي المعاني والبيان ، ولعلّ في الإشارة التي تقدمت كفاية ، إن شاء الله .
وأنا واثق أنّك والأب أنستاس - بعد ملاحظة ما ألمعنا إليه من استقصاء ذلك في مظانّه ، وتوسيع النظر في أمثال خطب نهج البلاغة ، وكلمات قُسّ بن ساعدة (2)
(الأغاني : ج 15 ص 236 ) .
، وأمثاله من مشاهير الخطباء - سوف تجدان ما لا يسعكم فيه إلّا التسليم بالغفلة عن أنّ ذلك ضروريٌّ ؛ أعني أنّ اشتمال الخطب الحماسية التي يطلب بها التأثير في الإحساس وتحريك الشعور وتهييج العواطف ؛ اشتمالها على ما يمكن الاستغناء عنه بحسب جوهر الكلام وبالنظر إلى مجرد ذاته ، هو أمرٌ لا بدّ منه ، وتركه مخلّ بالبلاغة ؛ لأنّه لا يؤثّر الأثر المطلوب منه والمرغوب . وفي هذا مقنع لمن أراد وأنصف ،1) ذأم الرجل يذأمه ذأماً : حقَّره وذمّه وعابه ، وقيل : حقره وطرده ، فهو مذْؤوم . (لسان العرب ج 5 ص 18 مادّة «ذأم» ) .
2) هو قس بن ساعدة بن عمرو - ينتهي نسبه إلى إياد - خطيب العرب وشاعرها وحليمها وحكيمها في عصره يقال : إنّه أوّل من علا على شَرَفٍ وخطب عليه ، وأوّل من قال في كلامه : (أمّا بعد) ، وأوّل من اتكأ عند خطبته على سيف أو عصا ، أدركه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قبل النبوة ورآه بعكاظ فكان يأثر عنه كلاماً سمعه منه ، وسئل عنه فقال : « يحشر أمّة وحده » توفّي نحو (23 ق . ه-) .
إن شاء ربّك .
نعم ، أيّها الأخ ! إنّ اليوم الذي يخلو كلامنا من كلّ حشو وزيادة ، هو اليوم الذي تكون فيه أفعالنا كلّها على طبق الحكمة ، وأوقاتنا أجمع مصروفة فيما يعود بالنفع والجدوى ، فتتساوى إذ ذاك كافّة شؤوننا في الحصافة والرصانة ؛ أقوالنا وأفعالنا وأوقاتنا ، لا فضل ولا زيادة ، ولا عبث في شيء منها ، ولكن ذلك رجع بعيد ، ويومٌ أمده مديد ، ما حان وقته ، ولا قرُب أوانه ، ذاك هو اليوم الذي تصلح الأرض ومن عليها ، ويكون الدين كلّه لله لا للأهواء .
وسلام عليك وعلى العارفين المنصفين ، ورحمة الله .
سألت في ذيل كتابك عن معنى (المتعطّلة) بعد أن عرفت (المعطِّلة) (1)ولقد كان ظاهراً من سياق الكلام أنّ المراد بهم (اللاأدرية) ، وهو اصطلاح منّا قصدنا به أنّهم متعطّلون عن المعرفة ، كما أنّ إخوانهم عطّلوا العالم عن الصانع والفاعل المختار . والأمر سهل .
أمّا المصدر الذي أخذنا ما نقلناه من كتاب (الفصول والغايات) (2)
وقال ابن الجوزي في المنتظم : ج 9 ص 397 ما نصّه : وقد رأيت للمعري كتاباً سمّاه الفصول المهمة يعارض به السور والآيات .
وقال ابن العديم : انه في تمجيد الله والعظات ، وهو الكتاب الذي افتري عليه بسببه ، وقيل : إنّه عارض به السور والآيات تعدياً عليه وإفكاً به أقدموا عليه واثماً ، فإن الكتاب ليس من باب المعارضة في شيء ومقداره مائة كراسة (تعريف القدماء : ص 227) كما في هامش الدمية تحقيق الدكتور سامي مكي العاني .
، فالذي أظنّه أنّي أخذته من كتاب (السيف المنبي عن أحوالالمتنبي) (1)، وهو مطبوع على حاشية العكبري من مطبوعات مصر . هكذا أظنّ والله أعلم . والنقل عنه قديم .
أمّا ما أبديته على الجزء الثاني ، فقد قلتَ فيه : « حبّذا القسم الأخير لو لم يُكتب وينشر » (2).
أيا رَوحي وريحاني ! إن كان هذا القسم الأخير حقیقة راهنة وصواباً من القول ، فالحقيقة ما عُلمتْ إلّا لتكتب وتنشر . وكيف غاب عنكم ما ذكرتم - بعدُ - في نفس تحريركم من قولكم : « وقد جاء في الحديث : ما أعطى الله أحداً علماً إلّا وأخذ الحجّة عليه ألّا يكتمه أحداً » (3)؟ . وكيف نسيت قولك : « ولكني آليت على نفسي ألّا أكون في ما أقوله إلّا حراً صريحاً » (4)؟ فلعلني أردت التأسي بك وبامثالك من الأحرار الصراح ، فأجاهر بما أراه ، ولا أنقبع في کسر المداجاة والتقيّة .
أمّا إذا كان قولاً باطلاً ، وخيالاً واهماً ، وسراباً خادعاً ، فلا حبّذا به كُتب أو لم يُكتَب ، نُشر أو لم ينشر ، ولكن مع الإشارة إلى
برهان بطلانه ، ومنبع منعه ، ومستوى فساده ، إتماماً للحجّة ، وإقناعاً للعقل ، ومحافظة على كرامة العلم ، وهو الجواب عن قولكم : « يا ليتكم ضربتم عن مثل ذي المناقشات الدينية صفحاً . . . » إلىٰ آخره (1).
نعم ، وإنّ في ما هاهنا لشيئاً آخر ، كنت أودّ أن لا يغيب عن لطيف ذهنك وصفاء إنصافك ، وهو أنّ القسم الأخير قد كان بالدفاع عن الحقيقة وبث روح الاعتدال أشبه منه بالمناقشات الدينية ، إن كنت توعز بالقسم الأخير إلى مناظراتنا (2)مع صاحب ( الهداية ) (3)
(راجع كتاب الهدى للشيخ البلاغي : ج 1 ص 32 - 33 ، الرحلة المدرسية : ص 30) .
، الذي لا أرتاب أنك لو نظرت إلى رطازاته (4)وسماديره (5)وما ذكره في رسول الله محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، لساءك ذلك شَروى (6)مساءتي ، لا لأنّك تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله أو لا تشهد بذلك ، بل لأنّك تشهد أنّ الصدق أحقّ بالقول ، وأجدر بالقبول ، وأحرى بالاتّباع ، وأحفظ لنواميس الشرف ، وأنّ الفرية1) تقدّم في ص 86 .
2) الدين والإسلام : ج 2 ص 183 - 188 .
3) كتاب الهداية يتألف من أربعة أجزاء ومجموع صفحاتها (1228) صفحة ، تمّ تأليفها بین سنة 1900 - 1904 . قد تكلّف فيه الردّ على كتابي : إظهار الحقّ ، والسيف الحميدي) ، وقام بتأليف الهداية جماعة من علماء الغرب - أو أحدهم - الحاقدين على الرسالة المحمّدية المنيفة ، المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان بمصر .
4) الرطازات شبه الخرافات . (تاج العروس : ج 8 ص 71 مادة «رطز») .
5) السمادير : ضعف البصر أو شيء يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر . (تاج العروس : ج 6 ص 546 مادة «سمدَر») .
6) الشروى : المثل . (لسان العرب : ج 7 ص 104 مادة «شري» ) .
والافتحار (1)والكذب والبهتان شرُّ معرّة (2)، وأعظم مضرّة ، لا تثبت به دعوى ، ولا تقوم به حجّة ، وأنّه من أكبر الشرائع الشيطانية الخارجة حتّى عن حدود الطبائع البهيمية والحيوانية ، فضلاً عن الإنسانية والملكية .
إذاً فكيف بك - وأنت من نُصراء الحقيقة وحلفاء الإنصاف - لو ترى صاحب تلك الضلالة ، يتحامل على قداسة محمّد - صلوات الله عليه - قائلاً : إنّه كان يسجد للأصنام ، ويدعو إلى عبادتها ، وإنّه - معاذ الله - غدر ، وفجر ، وكفر ، و ، و ، و ، إلى آخر ما هضم به الحقيقة ، وثلّ (3)فيه عروش الإنصاف ، وأدمى به عين الشرف ، وما أضرّ به إلّا نفسه وأمانته ، ولم ينفع دينه - لو كان - ولا قومه ؟ .
أنا أشهد أنّك لو وقفت على ذلك لساءك ذلك مساءَتي ، لا أقلّ ولا أكثر .
ألستَ أنتَ الذي تقول في إضمامة ريحانيّاتك التي اتحفتَ بها العارفين (صفحة 164) : « كان يعتقد فلتر (4)بأنّ الدين الإسلامي دين
1) افتحر الكلام والرأي : إذا أتىٰ به من قصد نفسه ولم يتابعه عليه أحد . (تاج العروس : ج 7 ص 341 مادة « فحر » ) .
2) المعرّة : الإثم والأذى . (لسان العرب : ج 13 ص 140 مادة « عرر » ) .
3) ثلّ : هدمَ (لسان العرب : ج 2 ص 123 مادة « ثلل » ) .
4) فرانسوا فولتير (1694 - 1778م) فيلسوف ومفكر فرنسي . نشأ في باريس ، وتعلم في كليّة لويس الأكبر اليسوعية . اتهم بإهانة الوصي فليب الثاني دوق أورليان فعوقب بالسجن في الباستيل أحد عشرَ شهراً ، وهناك أعاد كتابة مسرحية أوديب وبدأ ملحمة عن هنري الرابع فنال شهرة كبيرة ، وفي عام 1726 أُدين وسجن في الباستيل لاتهامه بإهانة أحد النبلاء ، وأطلق سراحه عندما وعد بالرحيل إلى إنجلترا حيث قضى عامين ، ألّف كتاباً عن جان دارك وبدأ مسرحيته عن (محمّد) وبفضل مدام دي بومباردوا أصبح فولتير مؤرخاً بالبلاط الملكي وعضواً بالأكاديمية الفرنسية وكان حر الفكر في الدين لذا رفض رجال الدين أن يدفنوه في باريس حسب الطقوس المسيحية ودفن في مقبرة العظماء ، ذكر ديورانت أنّه كان على علاقة حب وغرام مع ابنة اخته . (راجع الموسوعة العربيه الميسرة : ص 1337 ، وقصة الحضارة : ج 37 ص 38 فقد كتب عنه كثيراً) .
فاسد ؟ وألّف رواية تمثيلية دعاها (التعصب ) ، وأهداها إلى البابا (1)، بعد أن كان قد اشتهر بعداوته للكنيسة وأربابها ، مفتتحاً كتابه بهذه الكلمات : «إلى رئيس الديانة الحقيقيّة أُهدي هذا التأليف في مؤسس ديانة فاسدة ...» إلىٰ آخره ، فقبل البابا الهدية بكلّ سرور ، وبعث إلى فلتر كتاباً أثنى فيه على غيرته (بخ بخ) (2)؟ وانتقد بعض أبيات في الرواية الشعرية ، فأجابه فلتر متجاملاً على عادته : إنّك لا شك معصوم عن الخطأ في المسائل الأدبية (زه زه) وهكذا تبادل الاثنان عواطف الولاء الكاذب ..
ثمّ قلت : لا يخفى على القارئ اللبيب ما في هذا العمل من السياسة والمكر والحيلة ، ناهيك بأنّ الكاتب أخطأ في انتقاده الدين الإسلامي وفي تحامله المنكر على مؤسسه العظيم» (3). انتهى ما أردت نقله من كلامك النصَف الذي يمثّل روحك الطاهرة ، وافكارك الحرّة .
طيّب الله فاك ، وعطّر انفاسك ، لا لأنّك بهذا رجل مسلم ، بل لأنّك رجل منصف ، ولسنا في حاجة إلى المسلمين فإنّهم كثيرون ، ولكنّا في أشد
1) هو البابا بندكت الرابع عشر .
2) بَخْ بَخْ ، بَخٍ بَخٍ بالتنوين : كلمةٌ تقال عند تعظيم الإنسان وعند التعجّب من الشيء ، وعند المدح والرِّضا بالشيء ، وتكرّر للمبالغة . (لسان العرب ج 1 ص 329 ، مادّة « بخخ » ) .
3) راجع الأعمال الكاملة للريحاني : المجلد 9 وجوه شرقية وغربية : ص 478 - 479 ، وراجع قصة الحضارة : ج 38 ص 266 وما بعدها .
الحاجة إلى المنصفين .
وقد كنّا نعدُّهمُ قليلاً *** وقد عادوا أقلَّ من القليلِ (1)
ولكن إن كان ذاك القول منك يُعدُّ عند أحدٍ من المناقشات الدينية ، والتنطّع في الردّ بين المسيحيين والمسلمين ، فنحن نرضىٰ أن يعدّ القسم الأخير من كتابنا من ذلك . وإلّا فأنا متطامنٌ لما تحكم به محكمة عدلك التي أنا آمنُ من حيفها وجورها ، إن شاء الله .
قلتَ - عصمك الله من السوء -: « ولكنّني أقف في العصمة عصمة الأنبياء عند حدٍّ وإيّاك ... » إلى آخر ما ذكرت (2).
أمّا ما ألمعت إليه من رسالة العلم ، وما ظهر في أوربا من باهر مظاهرها في الرقي والعمران (3)، فيا ريحاني :
بسرِّك وهو للصبِّ افتضاحُ *** أجدٌّ ذي المقالةُ أم مزاحُ (4)
ما أحسبك إلّا مازحاً ولا أقول مغالطاً ، فإنّي أُعيذك بالله من الغلط ، ومن كلّ ما يُشقّ منه .
نعم ، لا أحسبك إلى يومك هذا يشتبه عليك أمر الرسالتين ، ويذهب عنك الفرق بين المقامين . وحيث إنّنا قد عرّجنا على دفع هذا الوهم في
1) البيت لأعرابي ذكره أبو علي القالي في أماليه : ج 3 ص 106 وفيه (صاروا) بدل (عادوا) ، وأورده الزمخشري في ربيع الأبرار : ج 2 ص 322 ، وقال : أنشده معاوية ولم ينسبه ، وأخرجه ابن عبد ربّه في العقد الفريد : ج 2 ص 30 عن الأصمعي أنّه سمع الحسن بن سهل يتمثل به ولم ينسبه .
2) تقدّم في ص 88 .
3) تقدّم في ص 88 .
4) مطلع قصيدة للسيّد جعفر الحلي (راجع سحر بابل : ص 140 تحقيق الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، وفيه : أجدٌّ منك صدك أم مزاح) .
الجزء الثاني من (الدين والاسلام) (1)من صفحة (133) إلى (137) ، وأزحنا ستار الشُبه بساطع البيان والحجّة ، فلا حاجة إلى الإعادة . فليرجع إلى ذلك من شاء ، فهناك يتّضح - وأنا الزعيم وذمّتي به رهينة - الفرق بأجلاه بين رسالة العلم ورسالة الدين .
وهذا ضرب من البيان جريت فيه على ذوقك ، ومشيتُ منه على نهجك ، وإلّا فعندي أنّ رسالة العلم هي من رسالة الدين ولا عكس .
ولا يؤاخذني القارئ بجهل أهل الدين، وتقدّم من لا حريجة له منه ؛ فإنّ تقصير المتظاهرين بالدين ليس من قصور نفس الدين ، ولا جهلهم من أجل جهله ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) (2).
أمّا قولك : « أفلا يدّعيها من غير أهلها من لا تخلو رسالتهم من المين . . . » (3)إلىٰ آخره .
فيا أيّها الفاضل ! نحن كنّا في مقام الحقائق والواقعيات ، أمّا الدعاوى فإنّه لا يهمّنا أمرها كثيراً .
والدعاوى إن لم يقامَ عليها *** بيّناتٌ أبناؤها أدعياءُ (4)
كيف ترقى رُقيّك الأنبياء *** يا سماء ما طاولتها سماءُ
راجع ديوانه : ص 9 .
أمّا قولك : «وإذا كانت ممكنة في ذاتها فهي الغاية والغرض ، ولا حاجة إلى أن ندعم بها رسالة الأنبياء » (5).
إنّ وجه الحاجة إلى دعم رسالة الأنبياء بالعصمة ، حيث قد ذكرناه في صفحة (20) إلى (21) من نفس الجزء (1)، فنحن نكتفي بنقل كلمة منه حيث نقول :
« فحقّاً - والعيان والوجدان شاهدان - أنّه لا تتسنى وظيفة التكميل ، ولا تتيسّر الغاية من التهذيب إلّا للمهذّب الكامل ، والمستقيم العادل ، الأملس الأديم ، النقيّ الجلد ، العفيف الذيل ، الطاهر الإزار من کلّ الأوزار » (2).
كما أنّنا قبله بقليل قلنا : « فغير الأنبياء من الأمثل فالأمثل قد يكونون معصومين ولكنّهم غير واجبي العصمة » (3).
وبهذا فلا يرد علينا قولكم : «قد يخصّ الله الناسك بشيءٍ منها والناسك لا خير فيه للناس » (4)، فإنّنا لم نجعل العصمة ملازمة لخير الناس في شيء من كلامنا ، وإنّما أوعزنا إلى أنّها خير لصاحبها ، وقد تكون مع ذلك خيراً للناس ، كما في الأنبياء وأمثالهم من الصالحين المصلحين على الجدّ والحقيقة .
هذا ما سمح به الوقت على جري القلم ، مع رجاء العفو عن هفواته .
أمّا قولكم - سدَّد الله أقوالكم -: « ولا يفوتنّك أنّ في سقطات النوابغ والأبطال والنبيّين ما يستفاد به ممّا ليس في فضائل العامّة » (5).
كأنّك تشير إلى عكس ما اشتهر عند العرفاء وأكابر الصوفية من قاعدة : ( حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ) (1). وأنت تريد أن تجعل سيئات الأُمم حسنات لأنبيائهم ، فالزنا الذي هو فاحشة وساء سبيلاً لنا معاشر الخلق ، وهو حسنة - معاذ الله - لسيدنا داود (2)، وسيدنا لوط (3)، وأمثالهم من الأصفياء والسفراء لتهذيب البشر .
يقولون : هكذا يقول الكتاب المقدّس . ولعلّك أبعد أثراً، وأعمق غوراً. ولكن لا أحسبك وجميع عشّاق الفضيلة، تأتمنون أحد أولئك من ملابسي تلك المنكرة الشنعاء ، لا أحسب أحداً يأتمن واحداً منهم على تربية دابته أو كلب بيته ، فضلاً عن تربية ولده وذراريه أو أُمّته وشعبه .
عفواً يا ريحاني ، فإنّ في ذهني جموداً، وفي قريحتي خموداً ، فلم تتلطّف لإدراك تلك الأسرار ، ولا لإصابة تلك الفضائل التي تشير إليها ، ولعلّ فيَّ - بعد - عنجهيّةً تريني أنّ الزناة - عافاك الله - ﴿ إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً ) (4).
على أنّي - حيث ذكرت أو أشرت إلى تلك الأُكذوبة - ما أردت -
1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء : ج 1 ص 357 ، وقال : هو من كلام أبي سعيد الخراز ، وهو من كبار الصوفية مات في سنة 280 ه- ، وعدّه بعضهم حديثاً وليس كذلك وعزاه الزركشي في لقطته للجنيد ، وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق : ج 5 ص 137 عن أبي سعيد الخرّاز نحوه ، والحر العاملي في الجواهر السنية : ص 83 .
2) اشارة إلى ما ورد في الإصحاح الحادي عشر من سفر صموئيل (2) في ص 11 و 12 من زناء داود بامرأة أوريا الحثي والعياذ بالله .
3) اشارة إلى ما ورد في سفر التكوين ، الاصحاح 19 : 30 - 38 من شرب لوط علیه السلام للخمر وزناه بابنتيه والعياذ بالله .
4) سورة الفرقان 25 : 44 .
معاذ الله - أن أنبز بها نبيّ الله ، أو أُثبتها فيه . كلّا . كيف وقد سجّلت في عدة مواضع من الكتاب على عصمة كافة الأنبياء ، ولم أرضَ إلّا بتنزيههم عن كلّ رذيلة ، واتصافهم بكلّ فضيلة بالقياس إلى اُمتهم ، وإن اختلفوا في الفضائل في ما بينهم ؟ وإنّما أردت أن أدلّ صاحب الهداية أو الضلالة على عواره ، وأُعرّفه أنّه قد كان الأولى به السكوت والإعراض عن تلك الهنابث (1)وأن نقول له : إنّ بني عمك فيهم سلاح (2)
هل أحدث الدهر لنا نكبة *** أم هل رقَتْ أُمّ شقيقٍ سلاح
، ولعلهم أعرف منك بالكفاح .نعم ، أخي ! إنّ هضم الحقوق والظليمة في النفس والعرض ، لهو خالٍ من كلّ فضيلة في كلّ أُمّة وملّة .
فسعي داود لقتل أُوريا الحثي ليتزوج بزوجته الحسناء الجميلة ، تلك شناعة تقشعرّ منها أبشار البشرية ، وتبرأُ منها حتى البهائم في البريّة .
وما أنا بأشدّ إنكاراً لها منك حتّى أُطيل الكلام معك فيها .
إذاً فلا تلمني لو أنكرت أنّها وحيٌ منزلٌ من عند السميع العليم على نبيٍّ كريم .
أمّا شاهدك من القرآن على مثله في محمّد - صلوات الله عليه -: ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) (3)، فيا لله هو من شاهد ، ولو أنّك ككثير من
1) الهنابث ، الدواهي ، وقيل : الأمور والأخبار المختلطة ، المختلفة . مفردها : الهنبثة . (تاج العروس : ج 3 ص 280 مادة «هنبث » ) .
2) عجز بيت لِحَجْل بن نَضلة ؛ وهو شاعر جاهليٌّ من بني عمرو بن عبد قيس بن معن بن أعصر . وصدرهُ : « جاء شقيقٌ عارضاً رمحهُ » . والبيت من الشواهد البلاغية التي يُستشهد بها لتنزيل غير المنكر للشيء منزلة المنكر له ، إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار . وبعدهُ كما في البيان والتبيين ج 3 ص 340 :
3) سورة الفتح 48 : 1 - 2 راجع هامش 1 ص 89 .
المسيحيين ممن لا علم لهم من الدين الاسلامي إلّا كعلم عامتنا من دين ( بوذا ) (1)
وفي الموسوعة العربية الميسرة: ص 426 لقب أطلق على الزعيم الهندي الذي أسس مذهب البوذية، عاش حوالي (564 - 483 ق.م) نبذ حياة الترف واصبح ناسكاً يهيم على وجهه في البلدان . يقولون : وفي (بودجايا ) بينما كان بوذا جالساً في ظلّ شجرةٍ من أشجار التين المقدّس ، تلقّىٰ وحي رسالة التنوير الكبرىٰ .
و (برهما) (2)وللهنود تثليث تخيّلوه منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، وهو مكون من برهما ، وفيشنو ، وسيفا ، فبرهما هو الإلٰه الخالق ، وفيشنو الإلٰه الحافظ ، وسيفا الإلٰه الملاشي ، ويتمثل أصحاب هذه الديانة هؤلاء الالهة على شكل إله واحدٍ يعتبرون هذه الأسماء صفات مختلفة له . (راجع دائرة معارف القرن العشرين : ج 54) .
، لا نعلم منها سوى أنّها دين من الأديان الباطلة ، وخرافة من العقائد الوثنية ، لو كنتَ - وحاشاك - كذاك ، لفسحت لك العذر في شاهدك هذا، ولكن كيف بي فيك وأنا إن لم أعدّك من الاسلام قاب قوسين أو ، فأنا لا أشكُّ أنّك ضليع بمعرفة الدين الاسلامي ؟ .فكيف - مع هذا - غاب عنك أنّ المراد بالذنب في قوله تعالىٰ : ( ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك ) ليس هو الآثام والمعاصي كما تحسبها ؟ وإلّا فأيُ مناسبة بين فتح مكة وبين تلك الذنوب التي هي نواهٍ إلهية وحقوق ربوبية ؟
وهل يرتاب من له أدنى حظ من العربية أنّ المراد بها ذنوبه وسيئاته
1) بوذا : هو الاسم الديني لمؤسس الديانة البوذية . ومعناها باللغة السنسكريتية العالم الذي وصل إلى درجة (البوذة) ، وهو العالم الكامل كما في (دائرة معارف القرن العشرين: ج 2 ص 384) .
2) برهما : اسم الله عزّ وجلّ في اللغة السنسكريتية الهندية ، لا كما يظنّه فولتير : اسم مؤسس ديانة البراهمة ، فبرهما عند البراهمة هو الإله الموجود بذاته، لا تدركه الحواس ، ويدركه العقل وهو مصدر الكائنات كلّها ، لا حدّ له وهو الأصل الازلي المستقل الذي يستمد العالم الوجود منه .
عند أهل مكّة ، ومشركي العرب ، وجبابرة قريش ، الذين أخرجوه من وطنه ، وطردوه من أعزّ البلاد عليه ، وفعلوا فيه الأفاعيل ، وتربّصوا به الدوائر ، وآذَوْه بما لم يؤذَ به نبيُّ قط (1)، وكان حسب العادة - لو لم يكن نبيّاً على خُلق عظيم - أنّه لو ظفر بهم وتمكن منهم لانتقم منهم أسوأ الانتقام ، ولا سيّما اذ ملكهم عُنوةً ، وأوجف (2)عليهم بالخيل والركاب ، ولكنّه - سلام الله عليه - ضدّ ذلك ، لمّا ملكهم بالفتح المبين في فتح مكّة بان وتجلّىٰ من حلمه وسجاحة خلقه وكرم طباعه ما يكفيه عن كلّ معجزة ، ويقوم له عن كلّ برهان وآية ، وعند ذلك طابت نفوس قريش ، وذهبت حزازات صدورهم ، وحرارات قلوبهم، وغُفرت ذنوب محمّد صلی الله علیه و آله و سلم عندهم التي ينعونها عليه ، ويرزؤنها (3)منه ؛ من سبّ آلهتهم ، وإفساد صبيتهم بزعمهم ، وتسفيه حلومهم ، إلى كثير من مثله .
نعم ، فتح الله ذاك الفتح لنبيه ، ومكّنه من أعدائه ذلك التمكين ، ليظهر مقامه المنيع ، وشأوه الباذخ الذي يتعذّر أو يتعسّر مثله عادة في الطبائع البشرية .
فتح له ذاك الفتح ، وأظهر منه ذلك الحلم ، والمكانة العظمىٰ من العفو عند المقدرة ، كلّ ذلك ليغفر الله له ذنوبه عند قريش ، وتعود سيئاته عندهم حسنات ، ومساويه مكرمات مكرّمات ، ويعلموا أنّ جميع ما كانوا يعدّونه
1) قال صلی الله علیه و آله و سلم : « ما أوذي أحدٌ ما أُوذيت » اخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ، وابن عساكر في تاريخ دمشق عن جابر كما في كنز العمّال : ج 3 ص 130 .
2) أوجف إيجافاً : أسرع في سيره ، والوجيف : ضرب من السير سريعٌ ، والمعنىٰ : أنّه ملكهم بالغزو والقوّة .
3) رزأه مالَهُ ورزِئه يرزَؤه فيها رزءاً : أصاب منه شيئاً ونقصه . ( لسان العرب ج 5 ص 200 مادة « رزأ » ) .
من الذنوب المتقدّة منه - سلام الله عليه - إنّما هي لمصالحهم وخيرهم ، وهو بذلك جدير بأن يتطامنوا (1)له بالخضوع والخشوع والانقياد والتسليم ، حتّى لِما يقع منه متأخراً مما يعدونه ذنوباً عليه قبلُ .
ما كنت أحسب أنّه يستتر عنك هذا الوجه الجميل ، حتّى أحتاج إلى كشف القناع عنه ، وإزاحة الستار دونه .
وأنت تعلم أنّ بهذا ينتظم الكلام ، ويحسن التعليل ، ويليق أن يكون التالي (2)علَّةً للمقدَّم (3). وإلّا فليس هو شبيه بكلام الدَّهماء (4)من العرب فضلاً عن العلماء ، فكيف بالأنبياء ؟! وما هو من الوحي والآية والاعجاز بشيء .
أمّا ما ذكرت : من أمر محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وخادمته ، أي جاريته مريم ؛ أي مارية القبطية ، وزينب أمراة زيد الذي تبنّاه ، وما أُنزل من تحليل ما تمتّع به في الاثنتين (5).
هذه الأغاليط أقوى ما عند زملائنا المسيحيين في الطعن على الإسلام وصاحب الشريعة الإسلامية ، وما فتئ علماء تلك الشريعة في تفاسيرهم وسائر مؤلفاتهم ، يوضحون من أمرها الجليّ الواضح ، ويأتون لها من القول بالمفسّر الشارح ، ما لا يدع فيها ضربان (6)شك ، ولا خلجان ريبة لمن فيه
1) طامن ظهره : أي حنىٰ ظهره .
2) قوله تعالىٰ : (ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر) .
3) قوله تعالىٰ : (إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا) .
4) الدهماء : الجماعة من الناس ، والعدد الكثير ويقصد به هنا عامّة الناس (لسان العرب : ج 4 ص 431 مادّة « دهم » ) .
5) تقدّم في ص 90 .
6) ضرب العرق والقلب ضرباً وضرباناً : نبضَ وخفقَ . (لسان العرب ج 8 ص 35 ، مادّة « ضرب » .
أضعف روح من الإنصاف ، وأقلّ حياة من الفضيلة .
ولكنّ المسيحيّين - أصلحنا الله وإيّاهم - أبوا إلّا أن يعيدوا الأمر كلّ يوم جَذَعة (1)، ويفتحوا منه ابداً إلى ساحة الجدال ترعة (2)، حاشا صاحبنا الريحاني ، فإنّه ذكرها استطراداً وأوردها تنظيراً ، لا طعناً وتعييراً، وسبّة وتشهيراً ، ، عنيت أمثال صاحب ( الهداية ) (3)و (ميزان الحقّ ) (4)وهاشم العربي (5).
1) أي أوّل ما يبتدأ فيها ، جديداً (تاج العروس : ج 11 ص 60 ، مادّة « جذع » ) .
2) الترعة : الباب ، وفتح ترعة الدار : أي بابها ، (تاج العروس : ج 11 ص 42 ، مادّة « ترع » ) .
3) راجع ص 134 هامش 3 .
4) هو القسّ فندر أبرع القساوسة المشتغلين بالطعن والجرح على الملّة الإسلامية تحريراً وتقريراً في الهند ، صاحب كتاب « حلّ الإشكال » وكان ناشطاً في التبشير للديانة المسيحية في الديار الهندية، وحصلت مناظرة بينه وبين رحمة الله الهندي صاحب « إظهار الحقّ » في المجلس العام وتقررت في المسائل الخمس التي هي أُمّهات المسائل المتنازع فيها بين المسيحيين والمسلمين : التحريف ، والنسخ ، والتثليث ، وحقيقة القرآن ، ونبوة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، فانعقد المجلس العام في شهر رجب سنة 1270 ه- في بلدة (أكبر آباد) فظهرت الغلبة لصاحب « إظهار الحقّ » في مسألتي النسخ والتحريف ، فلمّا رأى القسيس ذلك سدّ باب المناظرة في المسائل الثلاث الباقية . ( راجع مقدّمة اظهار الحقّ ) .
5) هاشم العربي : هو معرب مقالة جرجيس صال ، الانجليزي مولداً ومنشأً المولود في أواخر القرن السابع عشر ، وسمّاه الدكتور سعادة في مقدّمة انجيل برنابا بالمستشرق سايل وهو الذي سمّاه صاحب اظهار الحقّ بالقس سيل وقد الحق المعرب هذه المقالة بتذييل مستقل في آخرها وتذييلات متفرقات في اثنائها ويظن الشيخ البلاغي أنّ التجاوز عن حدّ البحث في هذه المقالة إلى سوء الأدب هو من تصرف التعريب، ويظن أنّه موه باسمه ومحلّه ويظهر من حاله أنّه ليس له وقوف على كتب العهدين كما ينبغي للنصراني وإلّا لما أقدم على كثير من أقواله . ( راجع مقدّمة الهدى: ج 1 ص 32) .
وبالحقيقة : صاحب الضلالة وميزان الباطل وهاشم نفسه ، لا العرب أولئك الذين ألمعنا إليهم في أُخريات الجزء الثاني من كتاب (الدين والإسلام) (1).
والغرض أنّنا وقفنا موقف الحيرة مع أمثال هؤلاء من المعتزين إلى المسيحية - وما هم منها - ولا كرامة ، إن تركناهم وأعرضنا عن جواباتهم اكتفاءً بما ذكره الأقدمون ، قيل :
أليس قد ورد في الحديث : « ما أعطى الله أحداً علماً إلّا وأخذ الحجّة عليه أن لا يكتمه أحداً » (2)، وإنّ على العلماء أن ينيروا مصباح الهدى (3)إلىٰ آخره .
وإن نشرنا شرح الحقيقة ، وكشفنا نقاب الشبهة ، ومزّقنا أغاليط المشكّكة وأهل الأهواء ، قيل : « حبّذا لو ضربتم عن مثل ... » إلىٰ آخره (4)، إذاً فأين المناص وكيف الخلاص ؟ !
وعلى أيّ ، فحيث إنّ ما أشار إليه الفاضل الريحاني من حديث مارية القبطية ، وزينب امرأة زيد (5)، وكلّ ما هو من هذا القبيل ، قد وفينا البحث له في الجزء الثالث المتكفل بذكر حياة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وسيرته ، وحيث إنّ هذه الأُمور تندرج في هذا الدرج ، وهي ألصق به وأدنى إليه ، فلذلك أرجأناها إلى ما هنالك . وقد أزحنا - ثمّة - الشبهة ، وقطعنا المعاذير ، وذكرنا
الحقيقة بكلّ أطرافها وحواشيها . فإن وفّق الله - سبحانه - لطبعه ونشره فعسى أن يحصل به مقنع لمن يقف عليه ، إن شاء الله ، وإلّا فما كان - تعالىٰ - ليخصّ العلم في شخص ، ولا ليحبسه في كتاب . فإن ذهب كتابنا - لا قدر الله - أدراج الرياح ففيما تضمّنه سواه من هذه المباحث غنىً وكفاية .
والله المستعان .
نعم ، وأنت - لطف الله فيك - قد تلطّفتَ ، ولا أقول : تطرّفتَ ، وترقّقت ونفذت ، ولا أقول : شذذت . نعم ، نفذت إلى مضائق لا يسعني ؛ أي لا تسعدني كثافتي على النفوذ فيها معك ، إذ تقول : «إنّ العصمة من صور الكمالات التي لا يجسّمها في الأرض غير وهم يصورّها مصلوبة على الصليب ، ومستوية على عرش القداسة ، أو ظاهرة في إعجاز الأبطحي العظيم » (1).
نعم ، إنْ كنت لا أستطيع السير معك في هذه المآزق فأنا صاحبك ورفيقك في الغاية ، ومعك إذ تقول : «تعالىٰ الله أن يجمع كامل مقاماته في أحد من أبنائه أو أنبيائه ؛ بشراً كان أو ملكاً سوياً ...» إلىٰ آخره (2).
نعم ، أخي ! هذه هي الكلمة الجوهرية ، والحقيقة التی يوافقني وإيّاك عليها كلّ من سلك الجدَدَ لِيأمن العثار (3).
هي هذه الحقيقة التي أعلن بها القرآن المجيد ، ولم يفتأ داعياً إليها ،
1) تقدّم في ص 90 - 91 .
2) تقدّم في ص 91 ، وفيه بدل ( مقاماته ) ( صفاته ) ، وليس في كلام الريحاني (أو أنبيائه ) .
3) مثلٌ مشهور قاله حكيم العرب المعروف أكثم بن صيفي : (من سلك الجدد أمِن العثار) يضرب مثلاً لطالب العافية ، والجدد : المستوي من الأرض . (جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري : ج 2 ص 256 ، مجمع الأمثال للميداني ج 3 ص 35 ) .
قائلاً : ( يا أهل الكتاب لا تَغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلّا الحقّ ) (1)الآية ، ( قُل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) (2)، إلى كثير من أمثالها .
أمّا نظرياتك وفلسفتك في الإعجاز التي منها قولك : « وكيف لي بالإثبات والإنكار وفيّ وفيك ....» إلىٰ آخره (3)؟ ! فحقّاً أخي ! كما أنّ لكلٍّ من أبطال التاريخ ناموساً في نفسه ولنفسه ، فكذلك لكل واحد من عامّة البشر .
فإنّي وإن كنتُ أقف كوقوفك خاشعاً حائراً أمام معجزة الماء الذي استحال خمراً ، الذي هو كوقوفك أمام حقيقة الماء الذي تشربه فيستحيل لحماً ودماً ، ولكن هذه الحيرة والدهشة لا تبلغ بي حدّ التدلُّه (4)والغَيبة ، فيفوتني الفرق بين المقامين ، وعدم الميز بين الحادثتين . وإنّ سلسلة أسباب ذلك الحادث وإن كانت عجيبة ومنتهية إلى مبادٍ ليست في الشاهد ، ولكنّها سارية مطردة ، ومتفقة على حركات منتظمة ، وغايات أوساط في الجميع متساوية ، قد صارت من الأُنس بها وإلف العادة إليها ، وكأنّه لا إبداع فيها ولا غرابة بها، على أنّها هي في منتهى الإعجاب والغرابة ، كأُختها (5)التي امتازت عنها ، بأن ليس شيء من مباديها بمحسوس ، ولا
عمل من أعمالها بمشهود ، سوى التحويل الفجائي والانقلاب الدفعي . وهذا ما سميناه بالمعجزة ، وما نطقت به الكتب المقدّسة ، وإلّا فالحقيقة - كما ذكرت - واحدة ، والإعجاب فيهما سواء .
ولا يتسع المقام لأكثر من هذا ، ولكن كيف كان الأمر أو يكون ، فما شاهدناه أو خبرناه وعقلناه ، ليس شيء منه يستدعي أن ننكر إمكان استحالة العصا ثعباناً ، إن لم تكن تستدعي مزيد الإيمان به والسكون إليه والوثوق به ، كما ألمعتَ أنت إليه في ما مرّ عن كثبٍ من كلامك (1).
أمّا ملاحظتك علينا في أمر الشرائع التوحيدية الثلاث : الموسوية والمسيحية والمحمدية (2)، وما قلناه في الاوليين :
« أنّهما عبارة عن أحكام موقتة محدودة في ظروف مخصوصة ، لا تصلح أن تكون عامّة لكل البشر في كلّ الأزمان » (3).
فقلت - أصلحك الله وإيَّاي - : « إنّ هذا ينطبق على الكثير من آي القرآن المجيد ... » (4)إلى آخر ما ذكرت مما ضربت له مثلاً الآيات التي أُنزلت في براءة عائشة ، وما كان من حديث الإفك :
( إنّ الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ) (5)إلى أحد عشرة آية .
ثمّ ما خصّ بأبي لهب ، وما في سورة الممتحنة من حديث حاطب ابن أبي بلتعة (6)، وكثير من أمثالها .
كلّ هذه الكتابة لا تخلو من غرابة ، وما أدري أيُّ فقرة من كتابي كانت تدل وتشير إلى أن ليس في القرآن المجيد شيء إلّا وهو حكم عام لكل البشر في كلّ الازمان ، بينما نحن نكرر القول : إنّ فيه الأمثال والعظات ، والتاريخ ، وعلم الفلك ، وعلم التوحيد ، وأمثال ذلك ؟
نعم ، أشرنا أو صرّحنا أنّ أحكامه التشريعية - من عبادات ومعاملات وجزائيات وأحكام ؛ أعني سياسة المدن وتدبير النفس والمنزل - هي شرائع مطابقة لروح العدل ، وجوهر العقل ، ونواميس الفضيلة ، فلا يمكن أن يؤتى بأحسن منها ، بل ولا بمثلها ، وأنّه لو سارت الممالك الإسلامية عليها بل وسائر الممالك ، لساروا في صراط مستقيم لا يرون فيه عوجاً ولا أمْتاً (1)وهي موافقة لروح كلّ عصر ولسعادة كلّ أُمّة من الأمم ، لا أخصُّ العرب والعجم ؛ لأنّه الوسط ، والوسط واحد . وهو خير الأمور بل الخير كلّه ، ومن أجل ذلك كانت هذه الشريعة خاتمة الشرائع وأكمل الأديان ، ونبيها خاتم الأنبياء ، دون ما سبق من الشرائع ، فإنّها مقدّرة بحسب تلك الظروف الخاصة والأزمنة المحدودة . وهي كالتمهيد والإرهاص (2)لما بعدها (3).
إذاً فأين يتعلق نقضكم علينا بحديث عائشة ، وحاطب ، وأبي لهب ؟ وهلّا نقضتم علينا بقصة آدم وإبليس ، وإبراهيم ونمرود ، وقارون وهامان ،
1) الأمت : العِوج ، والانخفاض ، والارتفاع ، وفي التنزيل : (لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا) أي لا ارتفاع ولا انخفاض . سورة طه 20 : 107 . (راجع تاج العروس : ج 3 ص 6 ، مادّة « أمت » ) .
2) الإرهاص : الاثبات ، يقال : أرهص الشيء : إذا أثبته وأسّسه . (تاج العروس : ج 9 ص 294 مادّة « رهص » ) .
3) راجع الدين والإسلام : ج 2 ص 44 - 47 .
وكثير من تلك الأشباه والنظائر من القصص والتاريخ التي يجمعها جميعاً أنّها ليست بشرائع دائمة وأحكام مؤبّدة ، وإن كان ذكرها جميعاً لغايات شريفة ، وحكم عالية ، وعظات بالغة .
أليس تلك الياذة (1)هوميروس واودیسته (2)وشاهنامة الفرس (3)وبهاريارنامة الهند (4)
والرامايانام : فيها خطب للملك راما تحتوي افكاراً سياسية ودستورية تصف مغامرات راما الذي تجسد فيه الإله (فيشنو) بوصفه أميراً جاء لينقذ العالم من الخطيئة والشرور . ( راجع البحث عن الحقيقة الكبرى : ص 164 ) .
وأمثالها ، قامت لها الأمم في العظمة وقعدت ، وركعت1) الإلياذة : إحدى ملحمتي هوميروس الخالدتين وملخصها : بأنّها تبدأ بخلاف شديد بین أجاممنون قائد الحملة اليونانية ضدّ طروادة وبين أشجع أبطال اليونان أخيليوس الذي يقرر الإنسحاب إلى خيمته والتوقف عن القتال ؛ لغضبه على أجاممنون ، ونتيجة لإنسحابه يتعرض اليونان لخسائر فادحة . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 212 ) .
2) الأوذيسة : إحدى ملحمتي هوميروس ، وتتكون من أربعة وعشرين نشيداً يروي الشاعر في الأناشيد الأولىٰ منها محاولة تليماخوس البحث عن أبيه أوديسيوس الذي طال غيابه بعد سقوط طروادة . ثمّ يصف وصول بطل الأوذيسة إلى أهل فاياكا . ثمّ يصف قتل أوديسيوس للعشاق الذين ضايقوا زوجته (الموسوعة العربية الميسرة : ص 257) .
3) ملحمة فارسية ضخمة تقع في نحو ستين ألف بيت . وتعتبر من أعظم التراث الأدبي لدىٰ الفرس . نظمها ابو القاسم الفردوسي الطوسي للسلطان محمود الغزنوي مصوراً فيها تاريخ الفرس منذ العهود الأسطورية حتّى القرن السابع للميلاد ، ويقال أنّه سلخ في نظمها خمساً وثلاثين سنة . نقلها إلىٰ العربية نثراً الفتح بن علي البنداري في النصف الأوّل من القرن الثالث عشر للميلاد . ( راجع موسوعة المورد : ج 9 ص 133 ) .
4) المهابهارتا : ملحمة هندية سنسكريتية عظيمة يقال إنّها ألفت بین 200 ق .م و 200 بعده ألّفها جملة شعراء جوالين ثمّ راجعها مؤلفون فلاسفة ، مؤلفة في مائة وعشرة الاف بيت مزدوج تقص صراع فرعين من الاسرة المالكة في مملكة هستینابور اذ يقتتل خمسة أخوة متزوجون زوجة واحدة مع أبناء عمومتهم الثلاثة حول العرش وتغلب الخمسة ويتولىٰ اكبرهم الملك ولكنّه يحزن من مظاهر العظمة الأرضية فينزل عن العرش ويرحل رحلته السماوية إلى الجنّة حيث يستقبل النعيم الابدي . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 1637) .
لها الشعراء وسجدت ؟ وأنت تعلم جيداً ما هي عليه من التطويل وكدّ الطبع ، ومزج الحقائق بالأباطيل . وأكثرها أوهام وخيالات ، وآراء وثنيات ، وحروب مختلقات .
أمّا ما تكرّم به هذا الكتاب المجيد والفرقان الحميد ، فقد جاءَ بأقاصيص الأنبياء وتاريخهم مع ملوك أيّامهم وفراعنة قومهم من فرعون ، ونمرود ، وهارون وقارون ، والعمالقة ، وإبليس آدم أوّل ملوك الجور في الأرض وإلى اليوم ؛ أعني ملك الحسد والخدعة والتلبيس وسائر الرذائل جاء القرآن بكلّ ذلك على ألطف أُسلوب ، وأبدع بيان ، ومن جهة العِظة والحكمة وتهذيب الأخلاق ، وصالح النوع البشري ، إلى أمثال ذلك ممّا لعلّك قد حظيت علماً بأكثره ، ووقفت ، على أقصى أثره .
على أنّ في حديث براءة السيّدة عائشة وحاطب بن أبي بلتعة - كما لا يخفى على من راجع السورتين (النور) و (الممتحنة) - فإنّه يجد في خصوص ما نزل في القصتين - من الأحكام والتعاليم النوعية التي توافق كلّ عصر وكلّ زمان وكلّ أُمّة ، ما هو أيضاً أعظم شاهد لتلك الجلية التي هي بنفسها غنية عن كلّ شاهد .
أذكر نموذجاً من ذلك وأُحيل الباقي إلى المراجع . انظر كيف عزّر الله - سبحانه - من أشاعوا ذلك الحديث منكراً عليهم تلك السخيمة (1)في
1) السخيمة : الحقد والضغينة . وفي الحديث : « اللهم اسلل سخيمة قلبي » ( لسان العرب : ج 6 ص 205 ، مادّة « سخم » ) .
ضمن أربع آيات : ( لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ) (1)، ( لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ) (2)، ( ولولا فضل الله عليكم ) (3)، ( لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) (4)؟ ! .
ثمّ لم يكتف بكلّ هذا حتّى ضرب حكماً عامّاً وناموساً شريفاً لحفظ العائلات ، وضرب حجاب الستر والصيانة وكفّ القالة والأراجيف ، والأخذ بالظنون والتهم الذي ينهتك به ستار الصون والشرف ورواق العزّ والحشمة في الأسر الكريمة والعائلات الشريفة ، على حين لا منشأ إلّا وهم كاذب ، أو حسد شائن ، أو غرض سافل ، فقال جلّ شأنّه - قطعاً للمعاذير ، وكفّاً لكلّ تلك المحاذير - :
( إنّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (5).
أيّ حكم تريد يوافق روح كلّ عصر وزمان وكلّ قوم وأُمّة أحسن وأشرف من هذا ؟ هذه قصة عائشة التي أشرت إليها أيّها الفاضل العزيز .
أمّا قصّة ابن أبي بلتعة فخذ من أوّل السورة التي يقول فيها - جلّ شأنّه - :
( يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون
إليهم بالمودة ) ، إلى تسع آيات آخرها : ( إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (1).
نعم ، لينظر الناظر في هذه الآيات التسع التی هي مجموع ما نزل في قصة ابن أبي بلتعة ، ويرَ أيّ آية منها ليست بحكمٍ عموميٍّ وناموس شريف نافع لكلّ عامل به جار عليه ؟! أيّ آية ذهبية وقاعدة سلمية أحسن من قوله تعالىٰ :
( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبُّ المقسطين ) (2)؟ !
هذه الآية الذهبية التي لو تعامل بها كلّ الأمم والملل ، وبالأخص المسلمون والمسيحيون ، لو اتخذوها القانون فيما بينهم لم يكن ليقع شيء من المباغضات الدينية ، فضلاً عن تلك الحروب الصليبية التي قطعت دابر البشرية ، وأماتت كلّ عاطفة إنسانية ، وهي هيَ على ما ترى إلى اليوم .
ولا أُملي عليك أكثر من هذا خشية ملالك ، ولكن بعد ذا كلّه فأين يكون قولك : « أفيجوز أن نتخذها سنّة أزلية لا تقبل التبديل والتحوير ، فتثير البغضاء بيننا ... » ؟! إلى قولك : « رجائي إليك أن تتدبر هذا » (3).
وأنا - والشهيد عليَّ هو الله - قد مضيتُ لرجائك ، وتدبرت في أقوالك ، ونسخت لك نتيجة تدبّراتي . ولك حرية رأيك ، والمعول على اعتدالك وإنصافك .
أمّا قولك : «إنّ النظامات الاجتماعية المادية التي وضعت لأُمّة من الأُمم الغابرة ، لا توافق كلّها كلّ الأُمم في كلّ الأزمان ... » إلى آخره (1). فلا أظنّك ولا غيرك من الباحثين قد استوفى الإحصاء ، وأحصى الاستقصاء ، وأعطى المسألة حقّها من الموازنة والمقايسة ؛ أعني مقايسة كلّ النظامات في كلّ الأزمان ، كما أنّي لا أرتاب أنَّ أحداً لو ادّعاه لم يكن إلّا مجازفاً . أقصى ما يستطاع الحكم النسبي والقول الإضافي .
وإذا لم تكن موافقي في تلك الدعوى الكلّية - عند اعتمادي فيها على الظن والاستقراء الناقص (2)، أو على النقل والتعبد - فلا ريب أنّك توافقني وشبلي شميّل على أنّ النظامات الاجتماعية في الشريعة الإسلامية ، أكثرها انطباقاً على نواميس الحضارة والعمران والرقي والسعادة ، وأحقّها بالقبول ، إذ كانت أوفقها للعقول . وهذا وإن كان يحتاج إلى فضل بیان ونحو استقراء وسرد جملة من الأمثال ، ولكن حسبي منه علمك به على الجملة ، ولا أقلّ من الرجاء والتجويز حتّى تسنح الفرص إلى شرح شيء منه ، إذا شاء ربّك .
هذا ، وممّا استوقفني موقف البهت والعجب كلامك عن الديانات التوحيدية كلّها ، وقولك : « إنّما هي كالسافل المبتذل من مادة حياتنا الدنيا ... » إلىٰ آخره (3).
أمّا الشقيقتان أو الأُمّ والبنت ؛ أعني الموسوية والمسيحية ، فأُحيل الكلام في ذلك عنهما إليك ، فإنّ عهدتهما على أهلهما ، وبالأخص عليك ، فإنّك لا محالة أولىٰ بهما منّي ، وأمّا الشريعة الإسلامية ، فأنت - أصلحك الله وإيّايَ - قمين بمعرفة أنّ هذه الغميزة إن مسّت - ولا أدري - شيئاً من الأديان ، فإنّها لا تخدش كرامة الدين الإسلامي ، ولا تنال منه أبداً .
وليس هذا بعجب ، وإنّما العجب كيف غاب عنك ذلك وأنت ولا أراك إلّا صادقاً في ما زعمت من أنّك طالما تغنّيتَ به وتحدّيت في لندن ونيورك أو غيرهما ؟ !
إذاً - يا ريحاني - كيف راح أو غاب عنك قوله تعالىٰ - ويرزقنا الله وإيّاك - : ( وعدَ الله المؤمنينَ والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنّات عدن ورضوانٌ من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) ؟ ! (1)
أينَ أنت عن هذا ؟ ! أفهذا الرضوان الأكبر هو السافل المبتذل من مادية حياتنا الدنيا ؟ !
أم تراك حسبت أنّ كلّ ما في الآخرة هو حوريّات الجنّة وطعامها وشرابها وذهلت عن اختلاف طبقات البشر في مشاربهم ، ونزعاتهم ، وميولهم ، وأهوائهم ، ومشاربهم .
وما الآخرة إلّا كالدنيا ، وما النهاية إلّا كالبداية ، وإنّما تنقلون من دار إلى دار وقد قال أحد أئمتنا علیهم السلام : « قد علم أُولو الألباب أنّ ما هناك يعلم
1) سورة التوبة 9 : 72 .
مما هاهنا » (1).
أفلستَ على علم من اختلاف طبقات البشر ، كما يوعز إليه كلام سيد العارفين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام حيث يقول :
« ما عبدتُكَ طمعاً في جَنَّتك ، ولا خوفاً من نارك ، ولكنّي وجدْتُك أهلاً للعبادة فعبدتك » (2).
وفي بعض حديثه ما مضمونه : أنّ العبادة على مراتب ثلاث ، عبادة الأحرار ، وعبادة التجار ، وعبادة العبيد والأجراء (3).
عفواً يا ريحاني ! عفواً يا إنساني ! كيف هنا طاش سهمك وزلّ - لا زِلَّ - قدمك أو قلمك ؟ كيف تقول - أقال الله عثرتك - : « بؤسها ونعيمها يتناهيان ، في القسوة والبهيميّة ، ليس إلّا » (4)؟ !
الله أكبر إنّها لَزلّة في العلم كبيرة ، وهفوة هي في ذاتها عجيبة ، ولكن كونها منك أعجب .
يا هل تراك نسيتَ قوله - عمّ فضله - : ( في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر ) (5)، وقوله - تعالىٰ طَوْله - : ( فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون ) (6)؟ ! إلى كثير من أمثالها في هذا
1) روى نحوه في التفسير المنسوب للإمام العسكري علیه السلام كما في بحار الأنوار : ج 8 ص 140 باب الجنّة ونعيمها ، وبمعناه في تفسير علي بن ابراهيم ج 2 ص 415 .
2) البحار : ج 41 ص 14 .
3) غرر الحكم للآمدي : ج 1 ص 233 ، ونهج البلاغة : ص 510 بشرح صبحي الصالح ولفظه (إنّ قوماً عبدوا الله سبحانه رغبة فتلك عبادة التجار ، وقوماً عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وقوماً عبدوه شكراً فتلك عبادة الأحرار) .
4) تقدّم في ص 95 .
5) سورة القمر 54 : 55 .
6) سورة السجدة 32 : 17 .
الكتاب المجيد ، وأضعافها في الأحاديث القدسية ، والسنة النبوية : « لا يزال عبدي يتقرب إليّ حتّى اُحبّه ، فإذا أحببتُهُ قتلتُه ، وإذا قتلتُه كنتُ أنا ديته » ، وفي بعضها : « كنتُ سمعه وبصرَه ويده » (1).
ولكن حقّاً - يا أخي ! - إنّنا بعدُ لم نذق جرعة الهوى ، ولم نوضع في بوتقة الحب ، ولا نُفِخَ علينا بكير (2)المعرفة ، لنُصفّى ونُهذّب ، ونُمحّص ونُشذّب ، ويُطرح منا غشّ الكثافة وزيف الثفل (3).
نحن نستطيع أن نقول ، ونكتب ، ونحرِّر ، وننمِّق ، ولاتَ وهيهات استطاعة أن نكون كما نقول ، وأن نوجد على مانودّ ، وأن نعمل على ما نأمل . ذاك مقام شامخ ، وشأوٌ بعيد .
إذاً فليتكَ تضع يدك في يدي ، ثمّ نذهب ونهيم في كلّ واد لا في وادي الفريكة وحده ، وفي كلّ صحراء لا في صحراء النجف فقط ، ثمّ نترّنم إن شئتَ ، أو نندب وننوح كما أشاء ، قائلين :
ظَفِرَ الطالبونَ واتَّصلَ الوصلُ *** وفازَ الأحبابُ بالأحبابِ
وبقينا مُذَبذَبينَ حَيارى *** لا لِوَصلِ الهوى ولا لاجتنابِ
فاسقنا منكَ شربةً تُذْهِبُ الهمَّ *** وتَهدي إلى طريق الصواب (4)
1) المعجم الكبير للطبراني : ج 8 ص 206 ، واٝنظر : مجمع الزوائد : ج 2 ص 248 ، المحاسن - للبرقي - : ج 1 ص 454 .
2) الكير : زق أو جلد غليظ ذو حافاتٍ ينفخ فيه الحداد . (لسان العرب : ج 12 ص 200 مادّة « كَيَرَ » ) .
3) ثُفل كلّ شيء وثافله : ما سفل واستقرّ تحته من كدَرِهِ ، كثفل الدواء ونحوه ، يقال : ثفل الماء والمرق والدواء وغيرهما أي علا صفوه ورسب ثُفله أي خثارته . (تاج العروس ج 14 ص 84 مادّة « ثفل ») .
4) الأبيات للغزالي أوردها في منهاج العابدين كما في كشكول البهائي : ج 2 ص 240 .
عفواً أخي ! فإنّها من القلم رشحة ، ومن الذهن شطحة ، فلا تؤاخذني عفا الله عني وعنك ، ولنعد إلى سبر كلماتكم الجميلة ، ونقودكم الحرة .
قلتَ : يسوؤك أن ترى الهوى الديني يملكني في مواقف ذكرتَ منها واحداً ؛ ألا وهو ما في صفحة (47) الذي نسينا فيه - كما حسبتم - ما كتبناه في صفحة (36) (1).
نعم يا ريحاني ! إنّي وإن كنت - كما ذكرت في أطراف كتابي - لا محالة أعمى عن عيوب نفسي ، ولا آمن الخطأ على حدسي وحسي ، ولكن ما أشرتَ إليه من التهافت بين المقامين ، قد جدّدتُ مراجعته وأمعنتُ النظر فيه ، فلم أجد لامحة ولا سانحة لما أوعزتَ إليه مِن ولائد النسيان ، ونتائج السهو والغفلة . فإنّ الذي ذكرناه في صفحة (47) مما تسمّونه بالحماس الديني ، ليس أكثر من أنّ صحة الأديان السابقة تستلزم صحة الدين الإسلامي بوحدة الملاك ، وسوائية المبدأ والغاية ، وإلّا فلتنكر عامّة الأديان وسائر الشرايع والتفكيك في الحكم مع اطِّراد السبب والعلّة تحكّم محض .
وكذا الكلام في الكتب المقدّسة ؛ فإذا كانت التوراة - مثلاً - كتاباً إلٰهيّاً وعهداً سماوياً - وهي التي علمت - فما بال القرآن لا يكون كذلك إن لم يكن هو أحرى ؟ وبطريق أولىٰ هو أولى بالوحي من كلّ جهة ؛ إنْ في العبارات والأساليب ، أو في المعاني والمضامين ، إنْ في الشرائع والأخلاق ، وإنْ في القصص والتاريخ .
هذا هو جوهر ما قلناه في الصفحة التالية (2)، فهل في هذا ما ينافي
سابقتها (1)التي تقول : إنّ أهل الأديان تنابذوا باسم الدين ، فصار يقتل بعضهم بعضاً ، ويستحلّ قومٌ دمَ آخرين ، إلى آخر ما هنالك .
ولو أنّنا في ما يلي قلنا أو أوعزنا إلى أنّه يلزم على المسلمين أو على كلّ ذي دين أن يتعصّب لدينه ، بحيث يجبر من خالفه عليه ، ولو بالعسف والعنف والختل (2)والقتل ، لكان حقّاً لك أن تقول ما قلت ، وتكتب ما كتبت ، وتدّعي علينا سيئة النسيان ، وتهمة الإهمال ، أمّا إذا كان قولنا في الأخير أنّ دين الإسلام متكانف الصحة والاعتبار مع أخويه الشقيقين الموسويّ والمسيحي ، وإن شئت فقل القرآن مع سلفيه التوراة والإنجيل .
أنصف أنت أيّها الفاضل من نفسك ، واحكم بما أراك الله ، ولا أقول الهوىٰ ، وحاشاك .
أمّا قولك عند ذكر إعجاز القرآن : « ولكن إعجابي وإن شئت قلت إيماني ... » إلىٰ آخره (3).
فالوداع الوداع أيّها الصاحب ! فإنّي قد طويت تلك المراحل كلّها ، وأنا رفيقك في سيرك وصاحبك في سفرك ، وخطواتي إلى جنب خطواتك وإن لم تكن هي هي ، أمّا حيث بلغنا إلى هذا الموضع ، ووقفنا في هذه المحطّة ، فإني أستودعك الله ، وأنا شيّق إليك ، ولكنّني لا أقدر أن أسير في نهجك هذا ، ولا أستطيع صحبتك تلك .
أنتَ كأنك ترىٰ القرآن كتاباً كسائر الكتب ، ومؤلَّفاً كواحد من
المؤلّفات ، وأنا أجده وحياً إلهيّاً ، وقانوناً ربوبياً ، لا أعدّه في غرار من غبر ، ولا أنظمه في سلك مؤلفات البشر ، وأنت - ويا أسفي ! - تحسبه كواحد من نهج البلاغة ، ورسائل المعري ، وديوان المتنبي ، وتجري التفاضل فيما بينه و بينها كالتفاضل الذي يقع بين أنفسها .
إذاً فلسنا نحن على سواء ، فلا محيص لي عن فراقك على مودة ، ووداعك على نزوع إليك وإلفة ولكني سائلك قبل البين عنك أنّه من أين انتشقت يا ريحاني من نبات كلماتي ، وأي خريدة (1)استجليت من بنات أفكاري ، فأنشقتك تلك وأشعرتك هذه أنّي أحتقر كلّ كتاب سوى القرآن العزيز ؟
وهل تفضيل شيءٍ يستلزم تحقير المفضول ؟ أو هل تعزيز الشيء يستلزم تحقير غيره ؟ أم هل يسوغ قولك : « ولا يبعدني ظلماً أو جهلاً أو تعصّباً عن آياتٍ فيما سوى القرآن عجاب ، كسفر أيوب مثلاً ، وصفحات في نهج البلاغة ، و ، و ، و » (2)؟ .
فإن شاء الأخ أن يتفضّل ويدلّنا على موضع الظلم والجهل أو التعصّب في كلامنا ، كي نستغفر الله منه ، ونسأله أن يعافينا من تلك الذمائم ، فإنّي والله لا أُحبُّ أن أكون على شيءٍ منها ما استطعتُ .
وإن شاء أخبرته بدخالة أمري ، ونُخالة (3)فكري ، وأنّي مع الاحترام
لما ذكرتَ من سفر أيّوب ، وكلّ نهج البلاغة لا بعض صفحات منه ، ومع الاعتبار والاعتداد بالكثير من شعر المتنبي لا بعضه ، ولأكثر شعر المعرّي والفارض لا لليسير منه - ولو أصدقتك عن نفسي لقلت لك :
إنّي ساعةَ أترنّم بشيء من اللزوميات والحكم المعرّية ، وبِقطع من الغراميات الإلٰهيّة الفارضية ، وأحيانَ أقرعُ صفاة (1)قلبي بترديد بعض خطب نهج البلاغة على سمعي وترجيعها بالرقة والشجیٰ على أوتار لبّي .
أُصدقك أنّي أُحسّ عند كلّ ذلك هزّة في كياني ، وفزّة في مجموعي ، وقفزاناً في فؤادي ، وتكهرباً إلٰهياً في شراييني - ولكن مع ذلك كلّه فجميع ما أجده من ذلك ما هو بالقياس إلى ما أجده من ترتيل الكتاب المحمدي ، لا وأستغفر الله ، بل الكتاب الأحدي ، ما لا يقع أُولئك منه إلّا بحيث النجم من يد المتناول ، أو ما هو كوضع العجماء (2)إزاء الرجل الكامل .
بيد أنّي كما عهدت إليك وعاهدتك أوّلاً ؛ أن لستُ أُريد أن ألوي بك عن أفكارك ، ولا أفثأ في عُقَد معتقداتك ، ولا أُريد أن أبحث معك بحثاً علميّاً ، ولا أُجادلك جدالاً دينيّاً ، تحملني فيه علىٰ التعصّب ، سامحك الله وجعلني كما تحبّ من التساهل ، ولولا ذلك لأقمت لك على تلك الدعوى أسنادي ودلائلي ، وبراهيني وحججي ، ولكن في درايتك وكفياتك وحسن إنصافك بعد مراجعتك ، غنىً وكفاية ، إن شاء الله .
سألتَ - وُفّقتَ - واستغفرتَ الله من سؤال برودة عقل : « لِمَ أُنزل القرآن عربيّاً ... » إلى آخر ما ذكرت (1).
عجباً لك ! ولله درّك على هذا السؤال .
ولكن يا أخي هو الإنسان وما أدراك به .
أترى لو أنّ الله أنزل القرآن لاتينياً أو طورانياً (2)أو فارسياً أو . أو .
أما كنت تقول : لماذا حرمنا منه ، ونحن معاشر العرب ، وفينا : الخطباء والبلغاء ، ومنّا قُسُّ بن ساعدة الإيادي ، وخالد بن حنظلة (3)، وكعب بن مامة (4)، وحاتم
1) تقدّم في ص 98 .
2) نسبة إلى الفكرة القومية التركية التي تدعو إلى ربط الأتراك وجميع إخوانهم في اللّغة برباط من الوعي القومي جديد ، قوامه المثل الاعلىٰ القائل (بالطورانية) (راجع تاريخ الشعوب الاسلامية لبروكلمان : ص 701 ، وفي الموسوعة العربية الميسرة : ص 1166 : مجموعة اللغات غير الهندية - الاوربية ، كانت تطلق اصلاً على لغات اواسط اسيا ) .
3) خالد بن حنظلة : لم نعثر على هذا الاسم في مضانّه ولعله تصحيف خالد بن نضلة الأسدي ، فارس مشهور وهو قائد بني أسد يوم القلاب ، وجدّه المرار بن سعيد بن الفقصي الشاعر الأموي ، وكان يفد على المنذر الاكبر في كلّ سنة فيقيم عنده وينادمه وكان لا يدين للمنذر فسمّهُ ثم ندم على ذلك ، وقبره بظاهر الكوفة هو وعمر بن مسعود وبنى عليهما منارتين وعقد على كلّ قبر خمسين فرساً وخمسين بعيراً وغراهما بدمائهما وجعل يوم نادمهما يوم نعيم ويوم دفنهما يوم بؤس . (راجع كامل ابن الأثير ج 1 ص 506 ، وخزانة الأدب : ج 11 ص 289 ) .
4) كعب بن مامة بن عمرو بن ثعلبة الأيادي ، كريم جاهلي يضرب به المثل في حسن جواره فيقال أجود من كعب بن مامة ، كان إذا جاوره أحدٌ وداه ، وإن هلك له مالٌ أخلف عليه ، وفعل ذلك بأبي دؤاد حين جاوره ، حتّىٰ إذا حمدت العرب جاراً ، قالوا : كجار أبي دؤاد ، وقيل : أجواد العرب ثلاثة : كعب بن مامة ، وحاتم طي ، وهرم بن سنان . ( المستقصىٰ ج 1 ص 54 ، الأعلام : ج 5 ص 229 ) .
هل غادر الشعراء من متردم *** أم هل عرفت الدار بعد توهمِ
أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأولىٰ من أهل نجد ، أُمّه حبشية اسمها زبيبة سرى إليه السواد منها ، وكان مغرماً بابنة عمه عبلة .
(راجع الشعر والشعراء ج 1 ص 250 ، وأعلام الزركلي : ج 5 ص 91) .
، والنابغة الذبياني (3)، والنابغة الجعدي (4)(راجع اعلام الزركلي : ج 5 ص 207) .
، وأعشىٰ وائل (5)، وأعشىٰ ثقيف (6)، وأعشىٰ1) حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج من طي ، وكان جواداً شاعراً جيد الشعر وكان حيثما نزل عرف منزله وكان ظفِراً إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب ، وإذا سُئل وهب ، وإذا ضرب بالقداح سبق ، وإذا أسر أطلق ، يضرب به المثل في الكرم ، وله قصائد جميلة في الفخر والكرم . (راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة : ج 1 ص 241)
2) عنترة بن بن شداد بن قراد العبسي صاحب المعلقة المشهورة ومطلعها :
3) زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري ، أبو أمامة ، شاعر جاهلي من الطبقة الأولىٰ من أهل الحجاز كانت تضرب لهُ قبّة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها ، وهو أحد أشراف الجاهلية ، وكان حظياً عند النعمان بن المنذر . ( أعلام الزركلي : ج 3 ص 54 ) .
4) قيس بن عبد الله - وقيل عبد الله بن قيس كما في الشعر والشعراء ج 1 ص 289 ، وفي الأغاني : ج 5 ص 5 حسان بن قيس بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري من المعمرين اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة ؛ لأنّه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثمّ نبغ فقاله ، وكان ممن هجر الأوثان ونهىٰ عن شرب الخمر قبل ظهور الاسلام ووفد على النبي صلی الله علیه و آله و سلم فأسلم وأدرك صفين فشهدها مع علي علیه السلام ثمّ سكن الكوفة فسيره معاوية إلى اصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها وقد كفّ بصره وجاوز المئة .
5) ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي ، ابو بصير المعروف بأعشىٰ قيس ، ويقال له أعشىٰ بكر بن وائل ، والاعشىٰ الكبير من شعراء الطبقة الأولىٰ في الجاهلية وأحد اصحاب المعلقات كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس غزير الشعر يسلك فيه كل مسلك وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه وكان يغني بشعره فسمّي صناجة العرب . (الأعلام : ج 7 ص 341) .
6) لم يشتهر لثقيفٍ أعشىً : ولعلّه أراد به أميّة بن أبي الصلت الثقفي فإنّه من مشاهير شعراء العرب في الجاهلية وأشعر ثقيف ، كان يخبر بأنّ نبياً يبعث ويأمل أن يكون ذلك النبي فلمّا بعث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كفر به حسداً له ، فأعمىٰ الله بصيرته .
1) عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم الهمداني المتوفىٰ سنة 83 ه- شاعر اليمانيين بالكوفة وفارسهم في عصره كان أحد الفقهاء القراء ، وكان من الغزاة في أيّام الحجاج غزا الديلم ولهُ شعر كثير في وصف بلادهم ووقائع المسلمين معهم ولمّا خرج عبد الرحمن بن الاشعث انحاز الأعشىٰ إليه واستولىٰ على سجستان معه ، وقاتل رجال الحجّاج الثقفي ، ثمّ جيء به إلى الحجّاج أسيراً بعد مقتل ابن الأشعث فأمر به الحجّاج فضربت عنقه . ( أعلام الزركلي : ج 3 ص 321) .
2) سحبان بن زفر بن اياس الوائلي من باهلة ت 54 ه- خطيب يضرب به المثل في البيان يقال : أخطب من سحبان ، وأفصح من سحبان اشتهر في الجاهلية وعاش زمناً في الإسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقاً ولا يعيد كلمة ، ولا يتوقف ، ولا يقعد حتّى يفرغ أسلم في زمن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ولم يجتمع به . ( الأعلام ج 3 ص 79 ) .
3) سحيم عبد بني الحسحاس توفي نحو 40 ه- . شاعر رقيق الشعر ، كان عبداً نوبياً ، اشتراه بنو الحسحاس (وهم بطن من بني أسد) فنشأ فيهم ، مولده في أوائل عصر النبوة رآه النبي صلی الله علیه و آله و سلم وكان يعجبه شعره ، وعاش إلى أواخر أيام عثمان ، قتله بنو الحسحاس وأحرقوه ، لتشبيبه بنسائهم ، له ديوان شعر صغير مطبوع . ( الأعلام : ج 3 ص 79) .
4) نصيب بن رباح توفّي 108 ه- أبو محجن مولىٰ عبد العزيز بن مروان شاعر فحل مقدم في النسيب والمدائح كان عبداً اسوداً لراشد بن عبد العزىٰ من كنانة من سكان البادية وأنشد أبياتاً بين يدي عبد العزيز بن مروان فاشتراه واعتقه . (الأعلام ج 8 ص 31) ، ونصيب الأصغر ، توفي نحو 175 مولىٰ المهدي ، شاعر مجيد من الموالي السود ومن بادية اليمامة ، يقال له نصيب الأصغر للتمييز بينه وبين الذي قبله ، كنيته أبو الحجناء . (الأعلام ج 8 ص 32) .
5) تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السلمية . أشهر شاعرات العرب عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي وأدركت الاسلام فأسلمت أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها (صخر ومعاوية) وكانا قد قتلا في الجاهلية ، وكان لها أربعة بنين شهدوا حرب القادسية سنة 16 ه- فجعلت تحرضهم على الثبات حتّىٰ قتلوا جميعاً . (اعلام الزركلي : ج 2 ص 86) .
وجليلة (1)
يا ابنة الاقوام إن لمت فلا *** تعجلي باللوم حتّىٰ تسألي
وبقيت في بيت أخيها جساس إلى أن قتل . ( الأعلام : ج 2 ص 133 ) .
وليلىٰ الأخيليّة (2)وتوبة أحيىٰ من فتاة حييّة *** وأجرأ من ليث بخفّانَ خادر
(الاعلام : ج 5 ص 249) .
، ثمّ لا تزال تعدّ عليَّ من فلانة وفلان ما يملأ الصحف والطوامير (3)؟إذاً فبماذا أُجيبك وبأيّ وسيلة أتوسّل إلى إقناعك ؟! هل تراك تقنع مني لو قلت لك : إنّ في ما ها هنا حكمةً سامية ومقاصد عالية ؛ ربّما أراد ربّك وعسىٰ أن يكون قد أحبَّ أن يعود لسان البشر لساناً واحداً كما أحبَّ أن يكون دينهم ديناً واحداً ، ربّما كان عنده أنّه هو خير الأديان كما أنّ تلك اللغة خير لسان ؟ .
وإن شئت قل : مثل ما جعلهم من أب واحد وأُمّ واحدة - كما كان
1) جليلة بنت مرّة الشيبانية توفّيت نحو 80 ق .ه- : شاعرة فصيحة من ذوات الشأن في الجاهلية ، وهي اخت جساس وكانت زوجة كليب فلمّا قتل أخوها جساس زوجها كليباً ، انصرفت إلى منازل قومها ، فبلغها أنّ اختاً لكليب قالت بعد رحلتها : رحلة المعتدي وفراق الشامت ، فقالت جليلة : أسعد الله جد أختي افلا قالت : نفرة الحياء وخوف الاعتداء ؟ ثمّ انشدت قصيدتها المشهورة التي مطلعها :
2) ليلىٰ بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب الأخيلية من بني عامر ابن صعصعة : شاعرة فصيحة ذكية جميلة اشتهرت بأخبارها مع توبة بن الحُمَيِّر ، قال لها عبد الملك بن مروان : ما رأىٰ منك توبة حتّىٰ عشقك ؟ ، فقالت : ما رأىٰ الناس منك حتّىٰ جعلوك خليفة ! وماتت ودفنت في مدينة (ساوىٰ) ، وطبقتها في الشعر تلي طبقة الخنساء ، وكانت بينها وبين النابغة الجعدي مهاجاة ، وأبلغ شعرها قصيدتها في رثاء توبة ، منها :
3) الطامور والطومار : الصحيفة ( القاموس المحيط : ص 80 مادّة « طمر » ) .
المقطوع به عند البشر أنفسهم ، فكل صنف هو أعرف بسلائله وفصيلته ، وأصله وقبيلته ، نعم كان هو المقطوع به وإلى اليوم لولا تشكيكات دروین (1)وفقاقيعه القردية ، ومن ذكرتَ وذكرنا من حملة عرشه إلينا - ربّما أراد بالإنسان كما جعله من أصل واحد وعلى خلق سواء أن يكون أيضاً ذا لسان واحد ودين واحد ، كي يصطلح البشر ويتآخی ، ويتحابب ويتقارب ، ولا يقع فيه كلّ ما نراه اليوم ومن قبلُ ممّا لا نجده بين شيء من الحيوان الذي نسّميه بالوحش وما هو - أيْمُ الله - (2)بأشد توحشاً منّا لو أنصفنا .
نعم ، لعل ربّك أراد ذلك ولكن - عَمْرَكَ الله - (3)أبتِ البشر أنفسهم ما هناك . وربّك وإن كان جبّاراً ولكن ما هو بمجبر أحداً ، ولا هو بنازعٍ من أحدٍ ما منّ به عليه من حريته واختياره ، وسلطان مشيئته واقتداره .
وحقّاً أن اللسان العربي هو اللسان الطبيعي للإنسان ، الموافق لكل أهواء النفس ، والجاري على سنن النواميس الطبيعية ، فكان أوسع اللغات وأقومها بالأوَدِ (4)وأملكها لأِعنّة البلاغة حتى كأنّه هو اللسان الذي خلق مع الإنسان ، وخلق للإنسان ، وارتقى بارتقائه ، وصار ينشأ وينمو بنشوّه ونموّه .
وأرجوك أن تقبل مني هذه النظرية على جملتها وطيّتها ، حتّى ينفسح
1) تشارلز دارون : باحث إنجليزي صاحب نظرية التطوّر المشهورة . نشر في سنة 1859 كتابه (أصل الأنواع) معتبراً أصل الحياة خلية كانت في مستنقع آسن قبل ملايين السنين وقد تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل منها مرحلة القرد ، انتهاءً بالإنسان . (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصره : ص 211) .
2) أيم الله : أصلها أيمن وهو اسم وضع للقسم ، وحذفت النون منه تخفيفاً . (لسان العرب : ج 15 ص 458 مادّة « يمن » ) .
3) عَمْركَ الله : معناه سألت الله أن يطيل عمرك ، وسألت الله أن يُعمّرك . (لسان العرب : ج 9 ص 391 مادّة « عمر » ) .
4) الأود : العوج . (لسان العرب : ج 1 ص 260 مادّة « أوَدَ » ) .
وقتٌ لإقامة الحجّة والبرهان بالكشف عنها والنشر لها .
ولكن هل تراك تقنع منّي بما تقدّم في جواب ما سألتَ أم تسحب السؤال جرّاً ؛ فتقول : فما باله - تعالىٰ - لم يفعل ما أراد وفي يده قبضة العباد ، وتردُّ السؤال عوداً على بدء وتعيد عليّ من باب الإلزام قوله تعالىٰ : ( ولو شاء ربّك لجعل الناس أُمّة واحدة ولا يزالون مختلفين ) (1).
فإذا قلت لك : المشيّة غير المحبة والإرادة ، فقد يريد الله ما لا يشاء ، وقد يشاء مالا يريد (2)خشيتُ أن تعدّه ضرباً من الهوس والهذيان ، حتّى أشرحه لك شرحاً وافياً ، وإذا شرحته على دأبي من الحرص على الإيضاح والبيان ، قلت أو قيل لي : إنّك تسهب وتطيل إطالة تخلّ بالمقصود ، وتشوّه مُحيّا أسلوبك الإنشائي ، وإن قنعت بالرمز والإشارة قلت أو قيل لي : إنّك تُجمجم في الكلام إمّا تقية أو اجتهاداً ، إلى الآخر .
ألا بُقيا عليّ يا أخي ! ولا تكن أنت كسائر الكتّاب والناقدين ، ولا أقول : المتحاملين ، فقد أنهكتني الحسرة ، وأدهشتني الحيرة ، وضاع عليّ لاحب (3)قصدي ، وطفقت لا أدري كيف السبيل إلى ما لا ينال من موافقة الأهواء والأميال .
وحذراً من الملل ، ولضيق فسحة هذه المكاتبة عن تسهيل تلك المصاعب ، نطوي أذيال ما سدلنا أطرافه من تلك العويصات، ونُرجئُ ما
نرتاح إلى بيانه منها إلى ما عساه يسنح لنا ويتفق من مباحث اللاهوت ، إن
شاء الله .
أمّا ذهاب جمال إعجازه في ترجمته بالإفرنسية والإنكليزية (1)، فلا محالة هو كائن ، بل وحتّى لو سُبك في أُسلوب آخر من العربية . وهذا آيةُ إعجازه وبرهان وحيه ولا أقول : إنّ ذهاب ذلك الجمال من جهة قصور اللغتين ، أو قصور الترجمة ، كَلّا بل من علوّ الشأو وسموِّ المقام ، وتقاصر كلّ متطالٍّ (2)له متطاول إليه .
أمّا استغرابك ، ولا أقول همزك ولمزك ، في أن يكون القرآن مشتملاً على جمّ من العلوم والمعارف ، حيث تقول : « ولكني آسف لما أجده في نفسي من عجز أو جهل » إلى قولك : «إنّ في الكتب الدينية كلّها ما يناقض الحقائق العلمية من جيولوجية وبيولوجية وغيرها » (3).
أنت - فتح الله عليك أبواب رحمته - تفتح لنا أبواباً ، كل واحد منها يقضي لمن يريد بلوغ أقصىٰ أثره ، ومنتهى علمه ، أن يفرده في البحث والتأليف والعقد والتبويب وإنّ مُساجِلَكَ - ولا تحسبه سوىٰ هذا العاجز - لو فسح الله له بنهزة (4)يفرغ فيها لتحرير شيء من علوم القرآن ، لجلّىٰ لك منها على منصّة البيان عرائس أفكار ، وخرائد أبكار ، لم يستجلها الغزالي في كتابه ( جواهر القرآن ) ، ولا في ( درّته الفاخرة ) ، ولا في غيرها من أمثالها ولا القديس اوغسطينوس في ما كتب كما ذكرتَ عن التوراة .
ثمّ إنّي إذا تريّثتُ فلم أحكم بأنّ فيه جميع العلوم ، فلا أتمهّل ولا أرتاب في قضية أنّ فيه على الجملة أكثرها ، وفي ضمنه - بلطائف الإشارة والإيماء - أُمّهاتُ جميعها .
نعم ، القرآن الكريم يشير إلى بدء خلق الإنسان وعلم الحياة بقوله تعالىٰ : ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين * ثمّ خلقنا النُّطفة عَلَقة فخلقنا العلَقة مضغة فخلقنا المُضغة عِظاماً فكسونا العِظامَ لحماً ثمّ أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1)ويشير إلى علم طبقات الأرض : ( الله الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرض مثلهن ) (2)، وإلى علم اكتشاف الآثار والعاديّات (3): ( فانظروا إلى آثار رحمة الله ) (4)، ( أوَلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) (5)، ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمىٰ الأبصار ولكن تعمىٰ القلوب التي في الصدور ) (6).
بشرف العلم عليك أيّها الفاضل ، قف على هذه الآيات الذهبية ، وأطِل وقوفك عليها ، فإنّك مهما زدتها تأملاً زادتك عجباً ، وعرّفتك معنى
1) سورة المؤمنون 23: 12 - 14.
2) سورة الطلاق 65 : 12 .
3) نسبة إلى عاد وهم قوم هود علیه السلام وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم ، وفي كتاب علي إلى معاوية : لم يمنعنا قديم عزّنا وعاديّ طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا . (لسان العرب : ج 98 مادّة « عدا » ) .
4) سورة الروم 30 : 50 .
5) سورة الروم 30 : 9 ، وفاطر 35: 44 .
6) سورة الحجّ 22 : 46 .
الإعجاز ، واضطرّتك إلى أنّ القرآن فيه علم جمّ ، وفضل كبير ، ربّما لا يحصل في غيره .
نعم ويشير إلى علم بدء الكون وما يُسمّى (قبلُ) بسمع الكيان (1)
(راجع شرح المنظومة لمنبع تاب ج 2 ص 53 متناً وهامشاً وتعليقة الاشتياني على شرح المنظومة : ص 61 - 62 ، وتعليقة السبزواري على الاسفار : ج 1 ص 22 ، قاموس العلوم العقلية : ص 303) .
، بقوله تعالىٰ : ( وكان عرشُه على الماء ) (2)( ثمّ استوى إلى السماء وهي دُخان ) (3). أليس من الجائز القريب - إن لم يكن من النص أو الظاهر - أن يكون هذا إشارة إلى مابدأ الله منه الأكوان من المادة الغازية ودقائق السديم (4)المزيجة بذرارٍ سوداء محترقة ، يعبّر عن المجموع بالدخان المتصاعد من ذلك الماء الذي هو حامل عرش القدرة ومبدأ حياة كل كائن ماديّ ؟ .كما ليس من المجازفة أن يكون كثير من الآيات توحي إلى علم كائنات الجوّ ، وأخرى إلى علم النبات من الزرع والغرس : ( إنّ السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ) (5)، تلك بالمطر وهذه بالزرع : ( وجعلنا من الماء كلّ شيء حي ) (6)، ( وما أنزل من السماء من رزق فأحيا به
1) سمع الكيان : هو الفنّ الطبيعيّ الذي يبحث عنه في الفلسفة وسمي بذلك لأنّ الأمور الطبيعية هي أوّل ما يطرق ذهن السامع ، أو أوّل ما يسمع في الطبيعيات ، كالجسم الطبيعي ، والشكل الطبيعي ، والأجزاء والأبعاد ، وغيرها .
2) سورة هود 11 : 7 .
3) سورة فصّلت 41 : 11 .
4) السديم : الضباب الرقيق . ( لسان العرب : ج 6 ص 219 مادّة « سَدَمَ » ) .
5) سورة الأنبياء 21 : 30 .
6) سورة الأنبياء 21 : 30 .
الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) (1)، ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ) (2)، فيها سرٌّ عظيم ، لا أظنّك تغفل عنه وأنت تنثر بذوراً للزارعين : ( ويُنزل من السماء من جبال فيها من برَد ) (3).
أمّا علم الفلك فما أكثر ما ورد فيه :
( إنّ في خلق السمٰوات والأرض واٝختلاف الليل والنهار لآيات لِأُولي الألباب ) (4)، ( والقمر قدّرناه منازلَ ) (5)، ﴿ والشمس تجري لمستقرٍّ ) (6).
وليس هذا مما يؤيد القول بحركة الشمس على ما يذهب إليه الأكثر من الأقدمين ، فإنّ اللام في قوله ( لمستقرٍّ ) : إمّا بمعنىٰ ( علىٰ ) ، مثلها في قوله تعالىٰ : ( ويخرّون للأذقان ) (7)، وقوله : «فخر صريعاً لليدين وللفم » (8)
هتكت لهُ بالرمحِ جيبَ قميصهِ *** فخرّ صريعاً لليدين وللفم
وقائله قاتل محمّد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل من أبيات أولّها :
واشعث قوّام بآيات ربّه *** قليل الاذىٰ في ما ترىٰ العين مسلمِ
واختلف في قاتله ، فقيل قتله المكعبر الأسدي والمكعبر الضبي ، وقيل : معاوية بن شداد العبسي ، وعصام بن مقشعر النصري ، وقيل كعب بن مدلج ، وقيل الاشتر ، وقال الشيخ المفيد في الجمل : ص 320 العكبر بن جديد الأسدي وهو الذي قتل محمّد بن طلحة يوم الجمل .
( راجع مروج الذهب : ج 2 ص 366 ، تاريخ الطبري ج 3 ص 51 ، الاستيعاب : ج 3 ص 1372 ، اسد الغابه : ج 4 ص 322 ) .
..أو بمعنىٰ (في) ، مثلها في قوله : ( ونضع الموازين القِسط ليوم القيامة ) (1).
أو بمعنىٰ ( مع ) ، مثلها في قوله :
... كأنّي ومالكاً *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (2)
لَعمري وما دهري بتأبين مالك *** ولا جَزَعاً ممّا أصاب فأوجعا
(راجع المفضليات للضبي : ص 151 ، جمهرة أشعار العرب : ص 599 ، الشعر والشعراء : ج 1 ص 338 ، الاغاني : ج 15 ص 299 ، خزانة الأدب : ج 8 ص 274 ، وكامل المبرد : ج 2 ص 354 ، والاصابة : ج 5 ص 763 ) .
وعلى كلّ هذه التقادير يكون المعنى تجري في مستقرِّها ، أي تجري وهي مستقرّة في مكانها من دون انتقال عن فراغها الحائز لها (3)، ولعله إشارة إلى حركتها المركزية على نفسها . ولا أُعيّن أنّها تدل على حركة الأرض ، بل هي بمعزل من هذه الجهة ، ولعل الإشارة إليها قد وقعت في قوله تعالىٰ : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرُّ مرّ
1) سورة الانبياء 21 : 47 .
2) البيت لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك الذي قتله خالد بن الوليد في قصّة مشهورة وتمام صدره : فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً ، من قصيدة مطلعها :
3) ذكر علماء الفلك في نظرياتهم الجديدة أن المجموعة الشمسية بأكملها تسير في الفضاء على شكل لولبي أو حلزوني ، متجهة نحو نجمة تسمّىٰ بالنسر الواقع بسرعة قدرها في الساعة حوالي (70) ألف كيلومتر وقد ثبت علمياً قول الله تعالىٰ قبل أربعة عشر قرناً حين يقول : (والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز الحكيم) . ( التكامل في الإسلام ج 5 ص 5 ) .
السحاب ) (1)، إن جعلناها منقطعة عمّا قبلها ، ويناسبه قوله بعدها : ( صنع الله الذي أتقن كلّ شيء ) (2).
كل هذا جرى به القلم عفواً ، واندفع على الذهن فوراً ، وما كان من القصد في شيء ، معرفةً مِنّي أنّ مباحث كهذه لا يفي بها مثل هذا المقام ، ولا يغني فيها الوجيز من المقال، ولكن أردت تنبيه خاطرك ، وتحريك نشاطك ، عسىٰ أن تنبعث قريحتك الوقّادة ، وطبعك المترسِّل ، فتصيب منه أكثر ممّا عندي أضعافاً ، فإنّ المعارف والعلوم تفيض من معادنها على قدر القوابل والظروف ، وتلك الأحرف الإلٰهية رموز وإشارات ، وإن شئت فقل : متون موجزة ، وشذرات خطب على الملأ أجمع ، فلا ترتقب منها أن تعقد الأبواب والفصول وتسرد الحجج والأقوال .
واذكر نفسك - ( ولله المثل الأعلىٰ ) (3)- إذا وقفت خطيباً في إحدى الحفلات ، وبين أُمّة من الناس ، وأنت تملي عليهم في الأخلاق أو السياسة أو الدين أو غير ذلك ، فهل تستطيع إلّا الإيجاز والإدماج ، والإشارة والتلويح ؟ هذا ، وإنّ خطبتك ليومك لا للدهر ، ولقومك لا للبشر . أخي ! على هونك ورسلك ، ولا تستغرب كثيراً وتعدّ عجيباً اشتمال القرآن على العلوم أو على أكثرها ، ولا تفصل بين العلم والإعجاز أو الدين ، ولا تسخر من قوم يذهبون إلى شيء من ذلك ، ولا تغبطني على بديهة تريني في شجر الزيتون سرِّ الكهرباء (4)، ( يكاد زيتها يضيء ولو لم
1) سورة النمل 27 : 88 .
2) سورة النمل 27 : 88 .
3) سورة النمل 16 : 60 .
4) إشارة إلىٰ قول الريحاني في ص 100 ، وتحت عنوان ( الكهرباء في إسبانيا من الزيتون ) قالت جريدة الديار اللبنانية العدد 4138 ليوم الاربعاء 29/ اذار/ 2000 الصفحة الأخيرة : الزيتون الذي يعد من أساسيات مطبخ بلدان حوض البحر المتوسط ستجد مخلفات زراعية مهمة جديدة ... توليد الكهرباء . بدأت أكبر شركة اسبانية للطاقة (أنديسا) بناء مصنعين في قلب منطقة زراعات الزيتون لتوليد الطاقة من مخلفات صناعة الزيتون وهو أوّل مشروع من نوعه في العالم .
تمسسه نار ) (1).
وإذا كنت آليت على نفسك أن لا تكون فيما تكتب وتقول إلّا حرّاً صريحاً - وأكرِم بها من سجيّة - فأنا أسألك بالمودة يابن ودّي ! أن تضمّ إلى تلك الحرية تثبّتاً وصرامة ، وحلماً ووقاراً ، وريثاً وأناةً ، بأن تقول في أكثر ما لا يتضح لك وجهه : عسىٰ ولعلّ ، وليت وربّما ، فليس العلم هو المبادرة بالإنكار ، بل الإصابة والإقرار .
قصاراي من هذه الإطالة التي أودّ أن أتحايد عنها ، نظراً إلى نقدك السابق عليّ فيها . ولكن قد أحسن أبو الطيّب في قوله :
يُرام (2)من القلب نِسيانُكُمْ *** وتأبىٰ الطِّباعُ على الناقلِ (3)
إلامَ طماعيّة العاذل *** ولا رأي في الحبِّ للعاقلِ
(ديوان المتنبي بشرح البرقوقي : ج 3 ص 153) .
قصاراي يا حبيبي أنّ القرآن ليس كما تظنّ خلواً من العلوم ، فراغاً من الحقائق ، صفراً من الإشارة إلى أسرار الكون ، وموادّ الاختراع ، وأمّهات الإبداع ، وما به السعادة البشرية ، وجوالب الراحة والهنا له في الحياتين ، وكلا النشأتين .
نعم - أخي ! - فرقٌ واحد في البين - ولعله وحاشاك هو الذي أصبح
سدّاً بین الأذهان وبين تلك الحقائق التي هي من الألفاظ خلف رقائق ، بل لعلها هي السبب في إنكار من أنكر - ذاك هو أنّ القرآن المجيد ذكر علم الحياة أو بدء خلق الإنسان ولكن ما أسماه بعلم (الفسيولوجيا) مثلاً ، وذكر طبقات الأرض ولكن ما رسمها بعلم (الجيولوجيا)، وذكر تكوّنات الجوّ وتصاريفها ولكن ما رسمها بعلم (المترولوجيا) ، وهلمّ جرّاً ... هذا أكبر ما أجده من الفرق .
أمّا التوراة فأنا في غنى عن مناظرة القدّيس (أوغسطينوس) (1)في تلك الدعوىٰ (2)بعد ما جاء الانجيل المقدّس نفسه لتكميلها أو تعديلها ، أو جعلها روحية بعد أن كانت مادية ، أو ما أشبه ذلك .
عفواً يا أخي وحبيبي ! فقد أكثرتُ عليك ، وإن كنتُ لم أُورد ممّا هو حقّ هذه المباحث إلّا كغيض من فيض ، وقطرة من بحر . ولكنّي أخشىٰ أن أكون قد أتعبت الكريمين ؛ سمعك وبصرك ، وأشغلت النفيسين ؛ ذهنك ووقتك ، سوى أنّي أحسبك تحسّ أنّ أكثر ذلك أو كلّه بدافع ميلي إليك ، وعلاقتي بك وحسبي من ذلك شهادة ضميرك .
قلت : « فما قولكم بمن أسلموا وأبوا التعرّب كالترك مثلاً ، وما قولكم بأقوام في الهند ، وما قولكم بمساعي الاتّحاديين حديثاً في تتريك العرب ... » إلى آخر ما ذكرت (3).
فاعلم - يا ريحاني ! - أنَّ لكل واحد من هذه النقوض جواباً يخصُّه ،
وللجميع جواب يعمّها ، وحيث إنّنا قد أدركنا ضيق الوقت ، وذهب عنّا طور البحث ، وصرنا نودّ الاختصار ، ونستعمل التقية كما ذكرت (1)، سيّما (2)
اٝنظر : مغني اللبيب : ص 186 ، جامع الدروس العربية ج 3 ص 143 .
في نقضك الأخير ، فإنّنا نخشى أن تطير شررة من لاهب بياننا فيمسّ هشيم السياسة المستنقعة بزيت المكر والخداع ، وحبّ الغلب والافتراس ، وعندها تضطرم سعيراً ، وتتنهّد زفيراً ، فإمّا سحباً إلى الديوان .. أو دفعاً بأيدي زبانية السجون ، كما فُعل بأشياعهم من قبل (3).على أنّنا وربّك لا نبالي ، لو تعلّق لنا غرض البيان ، وأحرزنا نفعاً في القول ، ولكن دعها تستأكل من نفسها ، وتتلاشىٰ من ذاتها ، ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) (4).
ولكن نشدتك أيّها الفاضل إلّا ما جدّدت مراجعة ذلك المقام وسبرته برويّة ، فإنّي واثق أن سوف تجد ما يغنينا عن كلفة الجواب ومؤنة البحث ، فانظر هناك ، هل تجدنا قلنا : إنّ كلّ من أسلم تعرّب أو لا بدّ أن يتعرّب ، حتّى تنقض علينا بمسلمي الهند والترك وغيرهم ، أو أنّنا أقصى ما ادّعيناه أنّ من إعجاز القرآن وكرامته وتصديق نبوّته في قوله : ( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (5)، أن حفظ الله اللغة العربية ،
1) تقدّم في ص 102 .
2) سِيّ : اسمٌ بمنزلة « مثل » وزناً ومعنىً ، وتثنيته سِياّن ، تستخدم بتقدّم « لا » عليها ، والغالب تقدّم « الواو » أيضاً ، هكذا : « ولا سيّما » ، وتستعمل لترجيح ما بعدها علىٰ ما قبلها ، وقد تستعمل أحياناً بمعنىٰ خصوصاً .
3) مقتبس من قوله تعالىٰ : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكٍّ مريب ) سورة سبأ - الآية 54 .
4) سورة البقرة 2 : 137 .
5) سورة الحجر 15 : 9 .
واستخدم لها حتّى الأباعد منها والاجانب عنها ، فتجد كثيراً من علمائها الاختصاصيين بين جرجاني (1)
اٝنظر : كشف الظنون ج 1 ص 606 .
، وتفتزاني (2)ولد بتفتازان احدىٰ قرىٰ نواحي « نسا » عام 712 ه- وقيل : 722 ه- ، أخذ عن القطب والعضد ، وانتفع الناس بتصانيفه الكثيرة ، التي من أشهرها : شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان ، حاشية علىٰ الكشاف للزمخشري في التفسير ، التهذيب في المنطق ، المقاصد في علم الكلام ، شرح العقائد النسفية ، وغيرها في العلوم الأخرىٰ . توفّىٰ بسمرقند سنة 791 ه- ، وقيل : 792 كما عن البدر الطالع . ( معجم المؤلفين ج 3 ص 849 ) .
، وهرويّ (3)، وفراهيدي (4)ولد في البصرة عام 100 ه- ، وعاش فقيراً زاهداً صابراً ، وكان شعِث الرأس ، شاحب اللون قشِف الهيئة ، متمزِّق الثياب ، مغموراً في الناس . قال تلميذه النضر بن شميل : أقام الخليل في خصٍّ من أخصاص البصرة لا يقدر علىٰ فلسين ، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال .
وللخليل أخبارٌ كثيرة ، وسبب موته أنّه كان يعمل فكره في ابتكار طريقة في الحساب تسهِّله علىٰ العامّة ، فدخل المسجد وهو يعمل فِكره ، فصدمته سارية وهو غافل وذلك في سنة 170 ه- .
والفراهيدي نسبة إلىٰ بطن من الأزد ، واليحمدي كذلك .
اٝنظر : وفيات الأعيان ج 2 ص 244 ، الأعلام ج 2 ص 314 .
1) الجرجاني : هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ، أبو بكر الشافعي ، الأديب النحويُّ ، المتوفّىٰ سنة 474 ه- ، من أشهر تصانيفه : أسرار البلاغة ، الإيجاز في مختصر الإيضاح في النحو ، المغني في شرح الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ ، وغيرها .
2) التفتازاني : هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني ، سعد الدين ، عالمٌ مشارك في النحو والتصريف والمعاني والبيان والفقه والأصلين وغيرها .
3) الهرويُّ : هو عبد الملك بن علي الهروي ، لغويٌّ مفسِّرٌ ، كان مؤدِّباً بهراة ، من آثاره : المحيط في اللّغة ، الصفات والأدوات التي يبتدأ بها الأحداث . توفّي سنة 489 ه- . ( معجم المؤلفين ج 2 ص 319 ) .
4) الفراهيدي : هذا سبقُ قلم من الشيخ قدس سره ؛ لأنّ الفراهيدي عربيٌّ قُحٌّ ولم يطعن أو يشككّ أحدٌ من المؤرّخين والرواة في نسبه ؛ واسمه الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي اليحمدي الأزدي ، أبو عبد الرحمن ، من أئمة اللّغة والأدب ، وواضع علم العروض ، وهو استاذ سيبويه النحوي .
وخوارزمي (1)
ولد في 3 جمادىٰ عام 555 ه- ، وهو عالمٌ في النحو والتصريف والبلاغة والعروض وغير ذلك . من آثاره : تلخیص مفتاح العلوم ، مصحف الزهره . توفّي بخوارزم في أوائل رجب سنة 626 ه- . ( معجم المؤلفين ج 4 ص 149 ) .
، وسجستاني (2)أخذ عنه المبرّد وابن دريد . من تصانيفه : إعراب القرآن ، ما يلحن فيه العامّة ، المقصور والممدود ، وغيرها . توفّي سنة 255 ه- ، وقيل 254 ه- . ( معجم المؤلّفين ج 1 ص 803 ) .
، وهلمّ جرّاً ؟ .وعليه فانظر - عافاك الله - أين يكون كلامك من هذا ؟ وكيف يرتبط به ويعلّق عليه ؟ .
أمّا ما ذكرت من أنّنا أحياناً نُجَمْجِمُ الكلام إمّا تقيّة أو اجتهاداً (3).
فاعلم - أصلحك الله وإيّاي - أنّني لا أرى غضاضة عليّ بالتقيّة ، فضلاً عن الاجتهاد ، ولعلّي من العصبيّة للاجتهاد ورفض التقليد أُفَضّل الاجتهاد ولو مع الخطأ على التقليد ولو مع الصواب ، أمّا التقيّة فقد قيل : « التقيّة ديني ودين آبائي » (4)وهي من أكبر نواميس العلم ، وخير سياج للأسرار التي لا تساعد البيئة على الإصحار بها ، بل التقيّة حصن للضعيف المضطهد ،
1) الخوارزمي : هو يوسف بن أبي بكر بن محمّد بن علي السكاكي الخوارزمي ، سراج الدين أبو يعقوب .
2) السجستاني : هو سهل بن محمّد بن عثمان بن يزيد الجشمي السجستاني البصري ، أبو حاتم . ولد عام 172 ه- وهو نحويٌّ لغويٌّ عروضيٌّ مقريٌّ . روىٰ عن أبي يزيد الأنصاري وأبي عبيدة الأصمعي .
3) تقدّم في ص 102 .
4) راجع : محاسن البرقي : ج 1 ص 397 - 398 ح 890 في حديث عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام والكافي : ج 2 ص 248 ح 12 عن أبي جعفر الباقر علیه السلام ، ومختصر بصائر الدرجات : ص 101 .
والعاجز المستعبد ، فضلاً عن كونها حصناً وعيبة لما لا يحتمل المكان والزمان نشره ، ولا تستطيع الأمزجة الضعيفة هضمه ونضجه ، تلك الطباع الجافّة ، والأذهان الكثيفة .
ولا أحسبك - أيّها الفاضل ! - إلّا أنّ قلمك الجوّال قد طغى عليك ، فجرى في حديث المتشابهات بما جرى . ولو كان عنانه في يدك ورقابتك لجاء بما هو أنقىٰ ديباجة وأعذب مجاجة (1).۟
يا هل ترى أنّ يراعك حين جرى بتلك المجاري ، وخاض في تلك السيول ، قد غاب عنه الحكمة في اختلاف طبقات البشر ، وعدم استواء الخلائق ؟ وأنّ بهذا تمّ النظام وانتظمت الأكوان ، ولولا ذلك لتلاشى هذا المحيط ، ولعدنا في عوالم أُخرىٰ ما أدري كيف هي ؟ وما هي ؟
نعم ، لَعُدْنا في نشأة أُخرىٰ ، ولا أظنّها إلّا كهذه النشأة في اختلاف الطبقات ، وعدم تساوي الجهات .
أيريد يراعك أن يكون الناس أُمّة واحدة ، كلّها سواءٌ في العلم وشَرَعٌ في المعرفة ، إذاً فهلّا تساوَوْا أوّلاً في الخلائق والغرائز والسجايا والطبائع ، والصباحة والملاحة ، وتناسب الخلق ، وتلائم التراكيب .
ثمّ هلّا تساووا في الغنىٰ والفقر ، والقوة والضعف ، والصحّة والسقم ، والغباوة والفطانة ، إلى أضراب ذلك ممّا لا أُحصيه .
وليس جعل البشر سواء في هذه الخلال إلّا إبطالاً للحكمة ، وأن لا يكون هذا الكون هو هذا الكون على أنّه هو . وهذا هو التمانع بعينه ،
1) المجاجة : الريق تمجّه من فيك . ومجاجة الشيء : عصارته . ومجاج النحل : عسلها . ( لسان العرب ، ج 13 ص 26 ، « مجج » ) .
والمستحيل بذاته .
وليست هذه التسوية كتلك التسوية التي ألمعنا إليها ، أعني التسوية في الدين واللسان وأمثالها ، فإنّها هي التي يُلتمس بها - لو كانت - أن تخفّف وطأة الشرور الناتجة من طغيان الطبائع المودعة في النفوس لِحكم شريفة وغايات جليلة ، كالحرص ، والأمل ، والشهوة ، والغضب ، وأمثالها . ولكنّها بالخروج عن أوساط الاعتدال تقع في أحد الجانبين بعيداً أو قريباً ، تكون رذيلة شديدة أو ضعيفة . فيُطلب من وحدة الدين واللسان ما يُطلب من أصل الدين من تعديل تلك الطباع ، ودفع ميولها إلى الأوساط ، كَعْماً (1)لتلك الشرور ، وكبحاً لتلك النفوس ، التي لا تقف عند حدّ ، ولا تنتهي إلى غاية .
عفواً أخي ! فإنّ رشحات قلمك هنا أوقفتني موقف المُدَلّه الحيران ، والآسف الوقيذ (2)، أثقلني ما خفّت إليه ريشتك عند تحبيرها فقراتٍ ، ما أفقرها إلى التثبُّت والأناة ، والتمهّل والتروّي .
يا هل تُرى أنّ الراسخون (3)في العلم يُنيرون مصابيح الهدى أكثر ممّا أنارته الأنبياء ؟ !
فماذا كان مغبّة ذلك ؟ وهل نفع شيئاً أو أجدى في كبح شهوات
1) كعم البعير كعماً : شدّ فاهُ لئلّا يأكل أو يعضَّ ، والكعام : شيء يجعل على فم البعير . ( لسان العرب : ج 12 ص 111 مادّة « كَعَمَ » ) .
2) الوقذ : شدّة الضرب . والوقيذ : البطيء الثقيل كأنّ ثقله وضعفه وقذَهُ ، وكذلك هو الشديد المرض ؛ ووقيذ الجوانح : أي محزون القلب كأنّ الحزن قد كسره وضعّفهُ ، وهو المعنىٰ المراد هنا . ( لسان العرب : ج 15 ص 363 مادة « وقَذَ » ) .
3) رفع « الراسخون » علىٰ سبيل الحكاية .
النفوس الجامحة إلى الشرور ؟ !
وهل خفّض شيئاً من زماعها (1)ونزواتها ؟!
لا وأبيك وربِّك ! على أنّ ذلك لا يبطل الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب ، ( ليهلكَ من هلكَ عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيّنة ) (2)، ولتبلغَ النفوس المستعدّة للخير أو الشرِّ إلى غاياتها ، ولا يتّسع المقام لأكثر من هذا .
ولكن ما أدري ماذا عنيت من قولك : « ففي التسليم والتفويض في صغير الأمور وكبيرها جهالة ، هي طامّة الناس الكبرى » (3).
فإن أردت التسليم والتفويض فيما يضيق العبد ذرعاً به من الموت والأسقام وأمثالها ، عافاك الله من صروف الدهر ، ونكبات الزمان ، وفجائع الحدثان ، وعثرات الليالي والأيّام بالكرام .
ولا أظنّك إلّا جِدُّ خبير ، أنّ التسليم في مثل ذلك إلى تلك القوّةِ المدبّرة ، هو أعظمُ عزاءٍ وسلوةٍ وهو عوض أن يكون الطامّة الكبرى ، ما هو إلّا النعمة الكبرى والراحة العظمىٰ .
وإنّ من الحقائق الراهنة لمن تدبّر قول القائل في مثل تلك الفوادح :
سأصبِرُ حتّى يقضيَ الله ما قضىٰ *** وإنْ أنا لم أصبر فما أنا صانعُ (4)
وإن أردت التسليم إلى من تشير إليهم من المنافقين والمتنطّعين ، وطلّاب السيادة والاثرة ، الذين هم أُمناء وحي التدليس ، وحملة عرش إبليس ، فليست المؤاخذة بهؤلاء على وجود المتشابهات وعدمها ، فإنّ المتشابه ليس مّما أُنيط به حكمٌ من الأحكام ، ولا كُلّف العلماء بالبحث عنه فضلاً عن العوام ، وإنّما هي اسرار ورموز لأهلها ، إنّما الوزر في ذلك على الناس أنفسهم .
فليتهم إذ لم يكونوا خُلِقوا *** مهذّبين عَرِفوا المهذّبا (1)
من ناظر لي بين سلع وقبا *** كيف أضاء البرق أم كيف خبا ؟
(راجع : دیوانه : ج 1 ص 122 ، معادن الجواهر ونزهة الخواطر ج 3 ص 307 وفيها ( صحبوا المهذبا ) .
على أنّ هذه الغائلة (2)اذا لم يصلح المرشدون والمصلحون أنفسهم فهي ممّا لا تتلاشىٰ شرورُها ، ولا تأمن العبادُ معرّتها (3)، إلّا إذا تساوت الأفراد كلُّها في المعارف والعلوم ، والمدارك والفهوم ، والاستعدادات والقابلية ، والنتائج الفعلية .
فان كان يروق لك الحكم بإمكان هذا وأنّه على شيء من الصواب ، وطرف من الصلاح ، فاحكم بما ترى ، فليس عليك حرجٌ ولا جُناح .
وإذا وجدته غير ممكن ولا معقول ، فاعدل إلى ما هو أقرب منه سبيلاً ، وأسهل طريقاً ، وأوضح مناراً ، من قيام رجال صالحين مهذّبين ، زراعيّين ماهرين ، أنضجتهم العِبرُ ، وشذّبتهم الحكمةُ حتّى أصبح كلُّ واحدٍ
منهم إنساناً بحقيقة معنىٰ الإنسانية ، لا بكونه منتصب القامة أملسَ البشرةِ ، إلى آخرها - يقوم أولئك الزراعيّون فأوّل ما يعملونه قلع تلك الأشواك والغيلان ، ورفع الأحجار والصخور من باحة تلك الأراضي الطيّبة ثمّ ينثرون ما معهم من حَبّ المعارف وبذور الحكمة التي بعث الله بها عباده الخِيَرة من قبل ، وهي السلام والرحمة ، والحنان والرأفة ، وإخراج الوحوش والسباع والبهائم من داخل الهيكل الإنساني ، والحِصن الإلٰهي التي امتلكته قسْراً ، ودخلت فيه ظلماً فأفْسدتْهُ وأفسدت الارضَ به فساداً لا تجده في نوعٍ من الحيوانات على اختلافها .
أخي ! لعلّ هذا أسهل بكثير من أن يصبح العالم كلّه علماء ، والله وليّ التوفيق لمن يشاء
أمّا ما ردَدْتَ به كلامنا : « في أنّ محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم خاتُم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع » (1)- من نفس كلامنا - (2)الذي نشكر عواطفك الكريمة في استحسانه واستجادته .
ولكنّ الأمر سهلٌ بيننا وبينك في هذا المنزل ؛ فإنّنا إنْ تصافينا على أنّ محمّداً صادقٌ أمين فيما يوحىٰ إليه ، فآية : ﴿ وخاتم النبيين ) (3)تفصل بيننا الخصومة .
وإلّا فالشأن فيما هو الأساس والحجر الأوّل ، فإنّ كلّ ما بعده مبتنٍ عليه وللكلام اتّجاهات ، وما كانت وجهة كلامنا الذي أوردتَه ناظراً إلى هذه
الغاية .
كما أن ليس الغاية - من جميع مراجعتنا هذه معك - سوىٰ البحث عن دفينة الصواب ، وخبيئة الحقيقة على الوثيقَيْن من عروتي الإخاء والولاء ، والصدق والصفاء ، ولا أزيدك بها علماً ، وعندك من شهادة فراستك ، وصدق ظنّك ، ما يغنيني عن إطالة البيان عنه .
وهذا هو شفيعي إليك في استماحة سماحك ، عمّا أنا أهلُه من سوء الرعاية ، وأنت جديرٌ بالغضّ عن مثله .
ومثلك من يتجافى حتّى عن صريح الجناية ، ولا يجد الإحفاظ (1)مأوى ومقيلاً منه .
وأهديك في الختام ما أهديتك في البدء من الودّ الذي يتمثّل لك بفائق الاحترام والتكريم والسلام .
وافق الفراغ منه
في جمادىٰ الآخر 18 آيار
سنة 1331 ه- 1913 م
صفيُّك ومصافيك
محمّد الحسين
آل كاشف الغطا النجفي
1) أحْفظهُ حِفظةً : أي أغضبهُ ، ولا يكون الاحفاظ إلّا بكلام قبيح من الذي تعرض لهُ ، وإسماعهُ إيّاه ما يكره . ( تاج العروس : ج 1 ص 467 مادّة « حفِظَ » ) .
فكتب - دام فضله - في جواب ما تقدّم ، ما نصُّه :
أيّها الأخُ العزيزُ الفاضلُ !
أمامي ردُّك بنصّه الشائق وخطّه الشريف ، فقرأته ثمّ قرأته ، وكان البصر مرتاحاً إلى كلّه والعقل إلى بعضه .
والنفس بين هذا وذاك تُردِّد ما رويتَ من قول الشاعر :
ظَفِرَ الطالبون واتّصلَ الوصلُ *** وفازَ الأحباب بالأحبابِ (1)
على أنّ من الهمّ ما يشحذ سيفَ النفس ، ويُنير طرق الصواب ، ويصقل مرآة الحقيقة .
وأنّ الوقوف فترةً بين لذيذ الوصل وألم النوى نحكّم العقل في أهوائنا وآرائنا ، في أميالنا وآمالنا ، لخيرٌ من الاسترسال إلى إحدى الحالتين .
وأنّ حيرةً فيها سهامُ البحث تشقُّ ظلمات الجهل ، وتخترق سُحباً نشیم (2)فيها برق الغيب ، لأجملُ من فوزٍ فيه قناعةٌ ، وقناعةٌ فيها ابتذال ،
وابتذال فيه المللُ والضجر والخمول والخمود .
نعم ، إنّ ما تُثقِل به المدنيّة الجديدة الأنفس والعقول من الهموم والمتاعب والاحزان ، وما تسلبنا من الراحة والهناء ، وطيب العيش وصفاء البال ، لممّا يؤلمني في ساعات من هاته الحياة قليلات ، تغور فيها مياه
النفس فتكاد تتلاشىٰ ، وتخمد فيها نارُ العقل فتكاد تنطفئ ، وتتمثّل أمام ناظرتيها آمال الحياة الدنيا مصلوبةً على الصليب ، مكلّلَةً بالشوك ، منتصرة على الموت .
أجل ، فلا تكاد تجمد النقطةُ الأخيرة من دمائها حتّى أراها مبعوثةً أمامي ، متجلّيةً في قلبي ، ممتشقّةً سيف الحقِّ ، ناظرةً إلى الجوزاء (1)تقدح من قلبها النار ، لتنير بها سُبلاً لا يحدُّها موتٌ ولا تقيّدها حياةٌ .
ويا لها من جولاتٍ تعود فيها النفسُ إلى نشاطها ، والعقل إلى مرصاده !
فنُؤثِر اذ ذاك العمل والجدّ على ما ضربته لنا من أمثال الحياة البدويّة الهنيّة الشعرية .
ولا أكتمك أنّ تلك الحياة عندي ، إنّما يصفو جمالها في بُعدها لا في قربها .
تحلو لي الراحة الروحيّة التي يُحدِثُها الإيمان ، ولكنّ النشاط الفكريَّ الذي يُحدثه العقلُ العاملُ لأحلى وأجمل وأنفعُ ، ما الحياة الدنیا بِلَعبٍ ولهو (2)! .
لا يا أخي! إنّ على أُولي الألباب والمعرفة مسؤوليةً عظيمة ، والواجب فيها من أقدس الواجبات ، لا يجوز أن يعلوَ عليه شيء من لذّات العيش ، ورفاه الحياة ، وأعلاق (3)الدنيا .
1) الجوزاء : من بروج السماء . ( لسان العرب ج 2 ص 418 ) .
2) إشارة إلىٰ ما وردَ في قوله تعالىٰ : ( وما الحياة الدنيا إلّا لعبٌ ولهو وللدّار الآخرة خيرٌ للّذين يتّقون أفلا تعقلون ) سورة الأنعام الآية 32 .
3) أعلاق الدنيا : كلّ ما يُتعلّق به منها ، والأعلاق : جمع العِلْق ؛ وهو المال الكريم . ( لسان العرب : ج 9 ص 362 مادّة « علق » ) .
لقد حلّلنا بفضل العلم بعض عُقَد الوجود ، ولا نلبثُ أن نحلّ أكثرها بفضل العلم والدين ، ولا يتسنّى لنا ذلك في القناعة والتفويض والتسليم ، ولا في الاسترسال إلىٰ أسباب الراحة والسكينة ، ولا في رغد العيش وهدوء البال .
ولا أظنُّ أنّ الإنسان خُلِقَ ليكون دائماً هادئ البال ، راضياً في كلّ أحواله مرضيّاً .
وما المدنيّةَ التي نُحِبّذُها ونُكبِرُها قائمة بالسفاسف والزخارف .
لا لَعمري ! وليست هي التي تُسمعنا المدافع أصواتها ، والمرسلين (1)غنائها ، وتجارَ المغرب رنين أصفرها وأبيضها (2).
لا لعمري ! وليست هي التي يتشدّق بأفضالها وبمحاسنها أربابُ السياسة الأوروبيّة .
وليست هي التي تُرينا الحِراب سرابَها ، ومحافل الطربِ واللّهو ألعابَها .
كلّا ثمّ كلّا ! .
للمدنيّة الحقيقية عندي وجهتان : خصوصيّة ؛ وهي التي تهب العقل البشريّ بساطاً من الريح، وتقلّد النفس البشرية صولجاناً من النور . وعموميّة ، وهي التي يكثر في علومها ، وفنونها ، وشرائعها ، الوسائل الفعّالة الصالحة الشريفة ، لتخفّف في الناس وطأة الجهل ، والظلم ، والفقر ،
والخوف والشقاء ، وإنّ ارتقاء الإنسان عقليّاً وروحيّاً وأدبياً لأهم عندي من عمران البلاد .
علينا إذاً أن نسعىٰ طاقَتنا في توسيع نطاق العقل ، وفي إزالة الحدود والتخوم (1)، أو في الأقلّ أشواك التعصّب والجهل منها ، إن كان في الدين أو في السياسة أو في الشعوب .
علينا أن نَبُثّ روح التساهل الأدبي والجنسيّ والدينيّ في الأمم ، وفي الشرق ، شرقنا بالأخصِّ .
لِنُشَيدَ متاحف الأدب ، لِنُعظم مسارح الفنون ، لنقدّس معاهد العلم ، فهي من المدنيّة الأوروبية بمكان ، بل هي المدنيّة الحقيقيّة بعينها .
وإنّنا إذا حملنا على آفات تلك المدنيّة - ولا أستغرب اليوم جولاني في ذا المضمار بالأمس ولا أنكرها - لا ينبغي أن نُغفل محاسنها الجمّة .
ناهيك بالطعن بها فإنّ هذا لإثم كبير لا يُغتفر لمثلك عند مثلي .
وإنّ ما نشاهده في الشرق من التقهقر ، وفي الشرقيّين من الانحطاط ، من التقاعس ، والتقاعد ، والكسل والخمول ، لمن الشرق أسبابه لا من الغرب .
وأظنُّكَ أشرت إلى هذا في الجزء الثاني من تأليفك (2)، وجئت تنقضه اليوم بردّك (3).
وإنّ لفساد أخلاق الشرقيّين أسباباً غير ماذكرت ، وقد فُهْتُ فيها في
خطابي : ( الأخلاق) الذي ظهر مؤخراً في مجلّة « المقتطف » (1).
وأيمُ الله ! إنّ زمناً من الأزمنة الغابرة ، وقت كان الاسلام رفيع الشأن ، منيع الجانب ، عزيز الكلمة ، ولم يكن للتمدّن الغربي فيه لا ناقة ولا جملٌ ، بل لم يكن وقتئذ من تمدّن غربي ، إنّ زمناً من تلك الأزمنة ليمتاز بما وصفت به الإسلام من فساد أخلاق بنيه ، وتوسيع نطاق الزخرف والبهرجة وشهوات الحياة فيه .
وهل تأذن بأن أُعيد على مسمعك ذكر الأُمويّين والفاطميّين ؟ .
وهل يا ترىٰ التَّهَتُكَ والفسق والفحشاء اليوم أعمّ وأخبث منها في ذاك الزمان ؟ ! لا أحسبك زاعماً هذا الزعم الباطل .
وإنّي لأرىٰ في الإسلام اليوم إذا نظرنا إليه من هذه الوجهة الخصوصيّة تحسيناً كبيراً وإصلاحاً يُذكر .
ألم يتزحزح فيه حجاب المرأة ؟ !
ألم يقلّ في بيت الرجل الواحد تعدّد الزوجات ؟ !
ألم تنشأ فيه المدارس لتعليم البنات ؟ !
ألم تبطل النخاسة والتجارة بالرقيق ؟ !
1) المقتطف : مجلّة تبحث في العلوم الماديه أنشأها يعقوب صروف م - 1927 مع تربه فارس نمر وشاهين مكاريوس ، باستشارة أستاذهما كرينليوس فانديك الامريكاني فشجعهما - صروف ونمر - على عملهما ، سمىٰ مجلتهما «المقتطف» وبدأ يوازر فيها وينظر فيما يترجمان ويؤلفان ، وصدرت المقتطف في أول أيار 1876م في مدينة بيروت ثمّ رأيا الانتقال إلى مصر وأنشآ في القاهرة سنة 1888م جريدة سياسية يومية سمياها المقطم ، وظلا على اصدار « المقتطف » و« المقطم » ، وتقاسم الشريكان العمل فانفرد الدكتور نمر ب- «المقطم» ، وانقطع الدكتور صروف لانشاء « المقتطف » . (راجع معجم المؤلفين - لكحالة - : ج 4 ص 131) .
إذن لفي ظلماتنا بصيصٌ من النور ، وبوارقٌ من الأمل .
قوّوا قلوبكم إخواني ولا تخافوا من الجديد المفيد .
ولقد ندبتَ - في الجزء الأوّل من كتابك - حظّ الإسلام ، وتمزيق شمله وتشتيت كلمته ، وتفريق شعوبه ... إلىٰ آخره، وقلت : « إنّ هذا هو السببُ في تقهقره » (1)وقد فاتك أنّ المسيحيّة منقسمةٌ أقساماً شتّىٰ ، قائمة بعضُها على بعض سياسّياً ودينياً وجنسياً ، وبالرغم من ذلك نراها قد فازت بشيء من ثمار العلوم والرقيّ والعمران .
أفلا يجدر بكم إخواني - معشر المسلمين - ! أن تنحتوا الفكر إذاً ، وتشحذوا الذهن ، وتشمّروا للبحث العلمي المجرد الحر .
علّكم تكتشفون الأسباب الحقيقيّة في تقهقركم ، فتعملوا بمداواتها وإزالتها .
وإنّه ليؤلمني - والله - أن يرتاب المسلمُ بما فيَّ من حبٍّ وتجرّدٍ للإسلام .
فإنّي لا اكتب وأيمُ الحقِّ ، كلمةً في هذا الموضوع ، ولا أقول قولاً إلّا غيرةً على هذه الأُمّة الشرقية العظيمة ، التي كتبت عليها الذلّةُ بعد مجدٍ لها أثيل (2)، وخيّمت عليها الظلمةُ بعد نورٍ أشعلتهُ في أربعة (3)أقطار العالم .
وإنّي أشير إلى سبب واحدٍ من أسباب ذا التقهقر ، وأترك ما سواه لذوي الألباب فيكم .
لا أظنّكَ تُنكر أنّ حرِّيّة الفكر من أعظم أسباب الرقيّ والفلاح .
ولا أظنُّك تشكّ في أنّ الحكومة الدينيةَ (1)الإلٰهية لمن أكبر أعداء الفكر والحرّية ؛ فهي تضع للأفكار قيوداً من الإيمان فتضغط عليها بها ؛ وتشدُّ على الأعناق نِيْراً (2)من التقاليد فتعرقل مساعي العلمِ والعلماء ، وتضرب على حرّيّة البحث والباحثين ضريبة السجن والموت .
الحكومة الإلٰهية - وقد انتهىٰ والحمد لله أجلُها في المغرب - هي العامل الأكبر في تقاعد الشرقيّين وسُباتهم في جمودهم العقليّ وتقهقرهم الفكريّ ، بل في عبودّيتهم الروحيّة والمادّية والمعنويّة .
الظلم والاستبداد في الحاكم وقد تقلّد سيفَ الأرض وسيف السماء .
والجهلُ والجبن والانقياد في المحكوم وقد حُرم كلّ ما في الأرض من خيرٍ ، وكلَّ ما في السماء من نور .
إنّ في ذي الرذائل لجهنّم حياتنا الدنيا .
ليحدُث في الإسلام إصلاحٌ دينيٌّ كما حدث في المسيحيّة ، فيُجرّد السلطان من الخلافة ، وتقلّد كبيراً من آل البيت ، وتنحصر في الحرمين وليُعملْ بالشريعة - بالشَّرع الشريف - في محكمة الخليفة فقط ، لا في المحاكم المدنيّة ، فيتمهّد السبيلُ إلىٰ تكوين أُمّةٍ أُسْويّةٍ جديدةٍ ، عزيزة الشأن ، منيعة الجانب ، متّحدة موحّدة ، رابطتُها اللغة العربيّةُ ، والجنسيّة
1) [يريد بالحكومة الدينية : الحكومة التي يكون زعماؤها أهل الدين ، لا نفس الحكومة الإلٰهية ، كما سيأتي في آخر مكاتيبه تصريحه بذلك ، والرجل إلٰهيٌّ غير معطِّل ، كما اعترف به وعرفناه منه] ما بين المعقوفتين من المصنّف قدس سره .
2) النَّيْرُ : الخشبة التي تكون علىٰ عُنُقِ الثَّور بأداتها . (لسان العرب : ج 14 ص 348 مادّة « نَيَرَ » ) .
العربيّة ، والوطنية العربية .
وإنّي أعتقد وأتيقّن أنّ هذا الطلاق بين الخلافة والمُلك يعزّز شأن المسلمين ولا يضرُّ بالإسلام .
ولا نظنّك تريد أن يبقىٰ الكون على ما هو ، وأن يظلّ الإسلام اليوم وغداً كما كان في سابق الأحقاب .
(التطوّر سُنّةُ الحياة ) ، وقد عالجت هذا الموضوع في خطبتي الأخيرة « روح الثورة » التي تظهر في مجلّة « الهلال » (1)قريباً.
إنّ غاية العلوم القصوى وجلَّ مساعي العلماء الصادقين ، أن يكون هذا العالم صالحاً للعيش ، لا لأفراد فيه قلائل كأصحاب اليسار ، وأصحاب السيادة ، وبعض أرباب العلم والحكمة ، بل للناس أجمعين .
الجهل ، والفقر ، والظلم ، والتعصّب ، والخوف ، والجبانة ، إنّما هي زبانيّة جهنّم هذي الحياة ، وعلى كّلٍ منّا أن يسعى جهده في محاربتهم وقتلهم .
علينا أن نسعىٰ في الأقل في استئصال شيءٍ من ظلمهم الخبيث وسيطرتهم المهلكة .
وما لنا وللآخرة الآن ؟ لنصلح بيتنا هنا .
أوَلم يقل الغزاليُّ : « إنّ تعمير المنازل من شروط تعمير الآخرة » (2)أو
شيئاً من هذا ؟ .
لنصلح إذاً بيوتاً لنا هنا ، وربُّك يُصلح بيوتاً لنا هناك .
وإن شاء أن يكون في بعضها الزبانيةُ ، وفي بعضها الحوريّات .
في بعضها أنهارٌ من اللبن والعسل ، وفي بعضها نارٌ وكبريت ، فالمشيئة له تعالىٰ .
ولكنّ أباً بشريّاً مهما تناهىٰ في الوحشيّة ، لا يستطيع أن يكون أرحمَ من خالقه وأشفق .
والأب البشريُّ على حدّ علمي لا يُحرق أبناءه مهما تناهَوْا في الكفر ، والعصيان ، والعُتُوِّ والطغيان (1)
ولذا قال برتراند رسل : كيف يمكن أن يكون هناك إلٰه يجازينا على الذنوب الصغيرة والتافهة جداً بتلك العقوبات القاسية جداً ؟
والجواب على هذه المغالطة من وجوه :
أولاً : إنّ الله تعالىٰ حذّر العبد من مغبّة العصيان ووعده بالثواب عند إطاعته ، وجعله حرّاً في اختياره ، وإلى هذا أشار الإمام علي علیه السلام بقوله :
(إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلّف يسيراً ، ولم يكلّف عسيراً ، وأعطىٰ على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مُكرهاً ، ولم يرسل الأنبياء لعباً ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً) كما في شرح نهج البلاغة : ج 4 ص 17 لعبده .
فجزاء العبد في الآخرة من خير أو شر هو نتيجة لما عمله في الدنيا باختياره .
ثانياً : إنّ هذا الإشكال يمكن أن يرتبط بالعقوبات الوضعية والجعلية ، أمّا إذا كانت العقوبة أثراً وضعياً للفعل فلا أثر لهذه المغالطة ، فبينهما علّة ومعلولية وعلاقة تكوينية ، فيكون الجزاء نتيجة حتمية للفعل لما بينهما من الترابط ، فالسائق الذي يغفل للحظة واحدة، ربّما تكون عاقبته الموت أو العوق الدائم ، وغفلته هذه إذا قيست على أساس هذا المنطق لا تتناسب مع نتيجتها ، وعليه فالدنيا مزرعة الآخرة ، والعمل الصالح حرث الآخرة كما عبّر أئمتنا علیهم السلام عن ذلك .
ثالثاً : إنّ ما يلقاه العبد من ثواب وعقاب في الآخرة هو تجسيم وصورة لنفس الفعل الدنيوي ، وهو الأثر التكويني للفعل ، قال تعالىٰ : (إنّ الذين يأكلون أموال اليتامىٰ ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا) النساء 4 : 10 ، فهذا التجسيم وهذه الصورة هو ما يراه العبد ويلقاه في الآخرة أثراً لما فعله باختياره وعلمه ، فإن كان هناك لوم ، فاللوم متوجه إلى العبد نفسه . (من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً) .
رابعاً : إنّ هذه النظرة أُخذت من جانب العبد فقط ، والذين قالوا بها تناسوا أثر الفعل على الآخرين والمجتمع وما يسبّبه من آثار سلبية مادية ومعنوية .
، و ... ، ولكن شغفي اليوم في الدنيا لا في1) إنّ الأصل في هذا الإشكال ، بل المغالطة مبني على أنّه لا بدّ للمقنِّنين والعقلاء عند وضع قوانين العقوبات الجزائية ، من رعاية التناسب بين الذنب والعقوبة كمّاً ونوعاً ، وهذا هو مقتضىٰ العدالة ، فكيف بالله وهو العادل الحكيم أن يعاقب اخروياً بهذه العقوبات المهولة ؟ ألا يتناقض هذا مع مقتضىٰ العدل الإلٰهي ؟ .
الآخرة .
أمّا أنت فلله درُّك ، فقد ضربت على وترٍ حيٍّ فيّ حسّاسٍ ، في ما ذكرت ممّا شِمتُ فيه وميضَ برق المتصوفين ، وأنا إلى هذا أميلُ .
حبّذا سماء يستوي فيها العبد وربّه . «كنتُ سمعه ونظره ويده» (1)تبارك ذا الكرم من ربي وذا الحلم : «لا يزال عبدي يتقرب إليّ حتّى أحبّه فإذا أحببته قتلته ، وإذا قتلته كنت أنا ديتُهُ » ولا أجمل من هذا ولا أرقّ ولا أسمىٰ .
(2)أمّا المناقشات الدينية ، فإنّ مثل المتناقشين في مسائل دينية
1) تقدّم تخريجه في ص 158 .
2) [نشرت هذه النبذة منفردة في (المراقب الاغر) عدد السبت 8 و 21 حزيران سنة 1913م تحت عنوان كلمة قالها الريحاني في بحث له مع أحد علماء الإسلام رأينا اثباتها لما فيها من الحكم المتجلية ] ما بين المعقوفتين من المصنف قدس سره . وأوردها الريحاني في ريحانياته : ج 1 ص 293 ، تحت عنوان (النسور في القمر) .
ولاهوتية - رأس الحجّة فيها التسليم وأهم براهينها الإيمان - مثَل رجلين صفيّين خرجا ذات يوم إلى البرية وقصدهما التنزه ، فوصلا إلى جبل شامخ - حُلّته حتىٰ رأسه خضراء ، تغرّد في غاباته الأطيار ، وتتغلغل فيها السواقي والأنهار ، وقد نورت على ضفاتها الأعشاب النديّة والأزهار - فصعَدا في الجبل نهاراً يستحمّان في نور مدارجه ، ويستريحان في ظلال منعرجاته ، ويرتشفان كؤوس الرياحين والأزهار ، ويسبِّحان خالق الأكوان كالأطيار ، کریمان حران دون تكلّف واجتهاد ، فازا بساعة من الدهر تجلت فيها فضائل الحياة وحسنات الوجود .
وما أُحيْلاها ساعة كانت نفسهما فيها واحدة وقلبهما واحداً ، وما أجملها نزهة توحدّت في حقيقتها الأبصار والأسماع، بل البصائر والطباع ، وأي سبيل للاختلاف في جمال السوسن ؟ وأي باب للنزاع في بهجة المياه الجارية وفي شذا الرياحين ، وفي سكينة الغابات وجلال الراسيات العاليات ؟
وصل الرجلان إلى قلة (1)الجبل الجرداء - وكانت الشمس آذنت بالمغيب - فجلسا هنالك ينظران إلى ما انحدر تحتهما ، وانبسط أمامهما من جمال الطبيعة وجلالها ، ومن بديع أفانينها في الأحراج (2)وفي السهول ، ومن معجزاتها في غروب الشمس وفي سكينة الجبال .
إنّها لآية آيات ربّك تبارك اسمه وتباركت آياته إنّها لمعجزة - والله - من معجزاته .
وغاب الصديقان مع الشمس في بحر من التأمل بعيد القرار ، فيه الجزائر الخالدات ؛ جزائر الحقائق الأزليّات، وما هي إلّا هنيهة (1)حتّى أسدل الليل سدوله ، وأمسىٰ ما حولهما من الجبال والأودية والسهول والأنهار ملتحفة كلّها بالظلمات ، فوقفا - والدهشة تملأ قلبيهما - وكلّ منهما يسأل الآخر :
وأين آيات ربّك الآن ؟ وأين معجزاته ؟
ثمّ نظرا إلى السماء ، واذ هي كاشفة القناع ، بادية في جميل زينتها وحُلاها (2)ممنطقة بالمجرة مكللة بالقمر منتعلة النجوم .
فهتفا الاثنان قائلان :
« ها هي والله ها هي ! » .
ثمّ قال الأوّل : وإنّي لأرى نسراً على ربوة من ربىٰ القمر .
فقال الثاني : وإنّي لأرى بلبلاً طائراً فوق نهر المجرة أمّا النسر فلا أراه ، أين هو ؟ بالله تدلّني .
1) هنيهة : قليلٌ من الزمن ، وهي تصغير هنةٍ ، علىٰ إبدال الهاء من الياء ، والقياس : هُنيّةٌ . ( لسان العرب : ج 15 ص 150 مادّة « هنا » ) .
2) الحُلِىٰ بضم الحاء وكسرها : جمع الحِليَةِ ؛ وهى كلّ ما يُتَحلّىٰ به ويُتَزَيّن من مصوغات ونحوها . (لسان العرب : ج 3 ص 311 مادّة «حَلَا » ) .
3) اللِّمّة : شعر الرأس إذا كان فوق الوفرة . (لسان العرب : ج 12 ص 333 ، مادّة « لمم » ) .
إليها الآن ، حدّق النظر تراه هنالك .
والله لا أرىٰ ممّا تصفه شيئاً ، لكنّي أرى البلبل في المجرّة وأكاد أسمع أغاريده الجميلة .
أنت واهم ، أنا لا أرى في المجرّة بلابل ، المجرة بحر من الشهب والنيازك وشرر المذنّبات وأنّىٰ للبلبل أن يعيش هنالك .
والقمر جبال قرعاء (1)وأودية جرداء لا شجر فيها ولا ماء ، فمن أين للنسر أن يقيم فيها ؟
أما إنّ نظرك خفَّاشيٌّ وليس لك أن ترى النسور في القمر .
وأمّا أنت فَمِلءُ ناظريك من ذا الظلام حولنا ، فمن أين لك أن ترى البلابل في المجرّة ؟
يالك من خُفّاش ! يالك من ضبّ !
وعلى هذا المثال تناقشا وتخاصما ، ونام كلّ منهما بعيداً عن الآخر في ظل صخرة سحماء (2)، وفي الهزيع (3)الأخير من الليل نهضا من نومهما وسار كلّ في طريق عائداً إلى المدينة ، ولمّا انبلج الفجر التقيا في منعرج الوادي عند ضفة النهر فوقفا متواجهين وكلّ منهما يدهشه صفاء في طلعة رفيقه ويبهجه ، وكانت قد اطلت الغزالة من فوق الجبل فاستحال سواد المياه فضّة واخضرار ضفتي النهر ذهباً وهَّاجاً ، فسلّما وتصافحا وجلسا
على الشاطئ يتصيّدان السمك ، وقسما يميناً معظّمة أنّهما لا يتجادلان ليلاً ، وفي ظلمات الجبال فيما بعد ، ولم يلبث صاحب «البلبل في المجرّة» أن سحب شبكته ، وهي مثقلة بالأسماك ، فالتفت إلى رفيقه وقال :
اسمع يا صاح ، لقد حلمت الليلة البارحة أن صوتاً همس في أذني : « نسور القمر تسلِّم عليك » .
فأجابه صاحب « النسر في القمر » - وهو يفرغ السمك من شبكته -: وأنا والله سمعت في منامي البلابل تغرّد في أودية المجرّة .
ولبثا صامتين يتأمّلان الأوراق التي كانت تتناثر من الأشجار فوق المياه فتحملها الأمواج إلى حيث لا تدري البلابل فوقها والنسور ، ثمّ أكلا من صيدهما أكلة سمك لذيذة ، وعادا في طريقهما إلى المدينة وكلّ يقول :
ما اقبح المناقشة في ظلمات الليل في رأس الجبل !
وليتها تنتهي كذلك مع كلّ من يتناقشون !
هذا آخر ما أكتبه في الموضوع ، ولك أن تطبع وتنشر رسائلي الثلاث ردّك إذا شئت علّ في الكلّ ما يُنبه في الناس الفكر ، ويشحذ منهم الذهن ، ويستنهض منهم العزم والهمّة ، فيؤثروا العمل والجدّ في سبيل الأمّة والوطن والحياة الدنيا، على جمود، وتقاعد، وخمول يفقدهم الدنيا والآخرة .
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
محبّك
أمين الريحاني
بيروت في 20 أيار سنة 1913
ثمّ كان آخر ما كتبه إليّ قبل رحلته إلی محطّ هجرته - كان الله معه - هو هذا الكتاب وإليك نصّه (1).
الفريكة في 24 يونيو سنة 1913 .
أخي العزيز الفاضل !
لم تزل ذكرى تلك الجلسات التي جلسناها تسرّني وتحبّب إليّ من مثلها الكثير ، حقّق الله أماني الأصفياء المحبين .
أخبرني صهري (2)أنّك زرته يوم جئت الفريكة ، فتأسّفتُ لما فات ، وقلت في نفسي : ليت صاحبنا الكريم ينشط إلينا في الوادي ، وادي الأحباب من ذوي الألباب .
وقد قال صهري : إنّك حدّثته في ما كتبته إليك أخيراً ، وبالأخصّ في ما قلته عن الحكومات الإلٰهية ، وقد أكون أخطأت التعبير ، فإنّني أريد بما قلت :
إنّ الحكومات الدينية (3)بل الحكومات التي يكون أرباب الأديان أُمراءها وحكامها ، لا تمهّد للإنسان وللأُمم سبل الرقيِّ والعمران ، وإذا
أحببت أن تضيف هذه الحاشية شرحاً لما كتبت فلك الرأي الموفّق .
كتبتُ في الأُسبوع الماضي رسالة شبيهة بالمقامات ، مثَّلْتُ فيها صديقاً لي من علماء المُسلمين ؛ حُرِّ الكلمة ، مجيد الأخلاق ، (ذي رأي حصيف وحجّة سديدة ، منوع ، غضوب للحق ، ناقم علىٰ العالم والناس أجمعين) (1)، انتقدني فيها أيضاً ، وكان انتقاده - شأنه في كلّ ما يقول - قاسياً صارماً ، وقد بعثتُ بها إلى صديقي (كرد علي أفندي) (2)في الشام ، ولست أدري إذا كان يجرأ على نشرها ، أظنّ المقالة تروقك ، وقد يتمثّل لك فيها شيء من نفسك الصافية ، إذا ظهرت ، وأنا هنا أبعث إليك بها (3).
أسألك باسم الصداقة والحبّ بيننا ألّا تقطع أخبارك عنّي .
وفقك الله إلى ما تبغي من رسالتك وسدّد خطواتك ، وأطال بقاءك عزيزاً معزّزاً .
أخوك
أمين الريحاني
1) كذا في الأصل والصحيح : (ذا رأي حصيف وحجّة سديدة ، منوعاً ، غضوباً للحق ، ناقماً على العالم والناس أجمعين ) .
2) محمّد بن عبد الرزاق بن محمّد كرد علي ، مؤرخ ، كاتب ، صحفي ، سياسي رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق ومؤسسه ، وصاحب مجلّة « المقتبس » ، وخطط الشام ، وغيرها . أصله من أكراد السليمانية بالعراق ، وولد بدمشق سنة 1876م من أُم شركسية وتوفّي فيها سنة 1953م . (راجع ترجمته في الأعلام : ج 6 ص 202 ، ومعجم المؤلفين ج 3 ص 406 ) .
3) [هي ثلاث مقالات حافلة قد نشر « المهذب الأغر » واحدة منها تحت عنوان (صديقي الأعز) : إن لم تحاسب نفسك سرّاً حاسب غيرك جهراً في جزء 55 . 19 تموز غ و 6 تموز ش سنة 1913] ما بين المعقوفتين من المصنف قدس سره و(غ) أي الغربي ، و(ش) الشرقي .
هذا آخر ما دار بيني وبين الفاضل الريحاني ، لوقت رحلته إلى محطّ هجرته . أعاده الله إلينا بخفارة (1)الدعة والسلامة ، إن شاء الله .
ولستُ أُريد أن أدلّ القرّاء على لطيف أفكاره ، وتشذَّب مبادئه ، ومُتّسع فضله ؛ فإنّ ذلك ليس من همّي ولا من همّه ، وإنّما أودُّ أن أشير إلى ملحوظة أراها جديرة بالاعتبار ، حريّة بالذكر ، جوهريّة في آداب الجدل والمناظرة ، أساسيّة في باب النقد والمشارفة (2)، وجدتها تتجلىٰ في مراجعات صاحبنا بأظهر مجاليها ، وتلوح من ظواهر كلماته وخوافيها ، ويستحيل فيما أرى بلوغ المتناظرينَ إلى الحقيقة التي ينشُدانِها بدون أن يعتمدا على ذلك الأساس ، ويسيرا على ذلك النهج .
ألا وهي أن ينزع المناظر أو الناقد أو المشارف - قبل الخوض والنظر - روح كلّ تعصُّب ، ونعرة كلّ تحزّب ، فيستقبل القول مجرّداً ، ويتدبّره عارياً ، ولا يلبسه لباس حبّ أو بغضاء ، ولا يكيله كيل محاباة أو تطفيف (3)، ولا ينظره إلّا من حيث نسبته إلى واقعه ، لا من حيث نسبته إلى
1) الخفارة : الأمان ، والذمّة ، والخفير : المجير . (لسان العرب : ج 4 ص 152 مادّة « خَفَرَ » ) .
2) المشارفة : مفاعلة من الشرف ، يقال : شارفه مشارفةً : إذا ساماه وفاخره بالشرف . ( لسان العرب ج 7 ص 190 مادّة « شرفَ » ) .
3) التطفيف : البخس في الكيل والوزن ونقص المكيال . ( لسان العرب : ج 8 ص 173 مادّة « طفَفَ » ) .
قائله أو إلى أي نسبة تفترض سوى تلك ؛ حتّى يعود الكلام وكأن ليس له قائل من البشر ، وإنّما عصفت به الريح أو صوّره حفيف الشجر . هنالك حيث لا تعمل المغايرات الجنسية ، ولا القومية ولا الدينية ، كما لا تعمل العلائق الودية ، والنسب الأهلية ، فتستوي دعوى العدوّ والصديق ، وحجّة البعيد والقريب .
هنالك تتجلىٰ الحقائق ناصعة ، والآيات بيّنة ، والمغيبات بارزة مكشوفة .
هنالك لا محاباة ولا تحامل ، ولا صلف (1)ولا تجامل ، ولا مباغضة ولا تحاسد ، ولا ذحول (2)ولا ترات (3).
أمّا لو دبّت أضعف ريح من التعصب في روح المناظر ، فهنالك احتجاب المعارف وانقلاب الحقائق ، وتطفيف الكيل وهضم الحقوق - نقصاً أو زيادة - فالحسنات سيئات ، والنور ظلمات ، والعلم جهالة ، والهدى ضلالة .
ولعلّ إلى هذا توعز جوهرية قول الإمام « انظر إلى ما قيل ، لا إلى من قال » (4)وسبَكها بعض الشعراء في قوله :
لا تكن ناظراً إلى قائل القو *** ل بل اٝنظر إليه ماذا يقول
1) الصَّلَف : الكِبْرُ ومجاوزة القدر . ( لسان العرب : ج 7 ص 389 مادّة « صلف » ) .
2) الذحول : جمع الذحل ؛ وهو الثأر ، وقيل : العداوة والحقد . (لسان العرب : ج 5 ص 27 مادّة « ذَحَل » ) .
3) التِّرات : جمع التِّرَةِ ؛ وهي الثأر ؛ يقال : وتَرهُ وَتْراً وتِرَةً : إذا أصابه بوَتْرٍ ؛ وهو الظلم في الثأر ، وقيل : الثأر عامّة . (لسان العرب : ج 15 ص 205 ، مادّة « وتر » ) .
4) رواه الجاحظ كما في مناقب الخوارزمي : ص 375 ، واخرجه ابن حجر في الصواعق المحرقة : ص 200 .
وخذ القول حين تلقاه معقو *** لاً وإن قاله عدىً أو جهول
فنباح الكلاب مع خسة فيها *** على منزل الكرام دليلُ (1)
تلك الروح الجميلة ، والسجية الفاضلة ، هي من بعض ما أعجبني من مناظرة ذلك الناقد ، نصصت عليها بالقول وخصصتها بالذكر ، عساني وكلّ متناظرَين نعتبر بها ، وننهج عليها ، ونتحلّى كتحلّيه بها ، ونتخلّى عن رذيلة التعصّب الأعمىٰ كتخليه منها ، ونقول كما قال رسول الله صلوات الله عليه : « اللّهم أرنا حقائق الأشياء كما هي » (2)أو كما قال : .... (3).
وكنت أهديتُ « الجزء الأوّل » من كتابي السالف الذكر لحضرة الأب أنستاس الكرملي (1)صاحب المجلّة التي أسماها « لغة العرب » والتي فتح فيها باباً للنقد والمشارفة ، أهديته وأنا أعتدّ أنّه من تلك الشاكلة ، وعلى تلك الوتيرة ، سيّما والرهبنة تُطمع في أنّ صاحبها ملاك بشري وإنسانٌ إلهيّ ، لا تعمل فيه إلّا عوامل الصدق والصفاء ، والدعة والحلم ، والحقيقة والواقع .
وكنت أرتقب منه نظراً لشهرته ، أن سوف يقرع الحجّة بالحجّة ، ويصدع الدليل بالدليل ، ويدفع البرهان بمثله ، والإقناع بشكله ، فنستفيد من ذلك التقارع والصدع نوراً لامعاً ، ودليلاً ساطعاً ، نهتدي به إلى حقيقة راهنة ، أو حلّ عقدة معضلة ، أخلاقية أو دينية ، طبيعية أو رياضية ، اجتماعية أو إقتصادية ، فإنّ هذه المباحث هي التي يعني اليوم بها العلماء ، وتتهافت عليها أقلام المحنكين ، وتحوم عليها أفكار الفلاسفة ، سيّما وكتابنا على اعترافه قد ألمّ في أكثر تلك المباحث ، وسلك في جملة من هاتيك المناحي والسبل ، ثمّ ما أُلقي إليّ من تلك المجلّة العددُ الذي يشتمل على ما أفرغتُ صبري بانتظاره من نقد ذلك الجزء ، حتّى انصببت عليه - وكلّي نظرٌ وفكر فيه - عساني أعثر على تلك البغية ، وأنال شذرة من تلك الأُمنية ، ولكنّي - ولا أسف - ما وجدتُني أتدرج في مطالعته إلّا والفشل يتدرج إلى
1) راجع ترجمته في ص 118 .
روح أملي ، والخمود يسري إلى جذوة عزيمتي ، والجمود يدبّ إلى ملتهب نشاطي ، دبيب الخمود إلى الجمر ، والجمود إلى الماء ، فكان كما يقال في أمثالهم (مفيأةٌ رباعها السمائم) (1).
كيف لا وقد أهوى بآمالي من حالق (2)الحقائق إلى هوّة السفاسف ، فلم أجد فيها سوى انتقادات تافهة ، ومناقشات لفظية ، ومؤاخذات مطبعية ، أكبرها نقطة ، (لا نقطة العلم) ، أو حركة أو حرف لا يغيّر معنى ولا يبدل كلمة ، ينعى نقطةً زلّت عن موضعها ، أو حركة تأخرت أو تقدّمت عن مكانها ، مع ظهور القصد لكل متهجٍّ وكل قاريء ، فإن تعالىٰ عن ذلك فإلى أمور يزعم أن فيها خروجاً عن قواعد العربية ، وتعدّياً حدودها .
هذا فذلكة ما نقده على « الجزء الأوّل » كما سنورده لك .
ثمّ قلنا : عساه يصحو في « الجزء الثاني » من هذه الغمرة (3)، وينشط من تلك الفترة ، فيخرج من دائره الألفاظ إلىٰ المعاني ، ومن العرضيات إلى الجوهريات ، ومن السفاسف إلىٰ الحقائق ، فإنّنا لسنا وإيّاه اليوم كصبية المكاتب ، وتلامذة الصف الأوّل من المدارس ، نتعلم الحرف والحركة ، وأين موضع الفتحة والضمة ؟ فإن وقع شيء من الخلل بها في شيء من
1) كذا والظاهر أنّه (مَقْنأةٌ رياحها السّمائمُ) المقنأة والمقْنوُة يهمزان ولا يهمزان ، وهما المكان لا تطلع عليه الشمس ، والسموم : الريح الحارة ، تقول : ظلٌّ في ضمنه سموم يضرب للعريض الجاه العزيز الجانب يرجىٰ عنده الخير ، فإذا أدّى إليه لا يكون له حسن معونة ونظر . (مجمع الأمثال ج 3 ص 337 ) .
2) الحالق من الجبال : المنيف المشرف ، ولا يكون إلّا مع عدم ثبات . ويقال جاء من حالق : أي من مكان مشرف . (لسان العرب : ج 3 ص 288 مادّة « حلَقَ » ) .
3) الغمرة : الحيرة والانهماك في الباطل ، وغمرة كلّ شيءٍ : منهمكه وشدّته ؛ كغمرة الهمِّ والحرب ونَحوهما ، والغمرة في الأصل : الماء الكثير . (لسان العرب : ج 10 ص 117 مادّة « غمر » ) .
نفثات أقلامنا ، فكلٌّ مني ومنه يعلم أنّ ذلك لتساهل في الأمر ، وانصراف الذهن إلى ما هو أملك بقياده ، وأحق أن يكون شاغلاً له عمّا لا يعود إلى كثير طائل ، والخَلّة (1)فيه لا تضر في جوهر الغرض ، كما أن سدادها لا يغيب عن كلّ ذي حظ من التِّلاوة .
ومحافظة على علائق الودّ القديم بيننا وأن لا ييبس الثرى بيني وبينه ، كتبت إليه مجاملاً له ، وأهديته « الجزء الثاني » وأصحبته الاعتذار عمّا لعلّه يسوءه من بعض ما فيه من تلك المباحث والمناقشات ، وذكرنا له أنّها من قبيل المدافعة لا المهاجمة ، وأنّها لردّ المطاعن عن الإسلام لا للطعن على غیره .
على أنني قد احترمت مبادئه الجليلة وما مسست شيئاً منها - معاذ الله - بسوء كما فعله أصحاب الضلالة (الهداية) (2)في شعائر الدين الإسلامي من النبيّ والإسلام ، حيث لم يدعوا همزاً ولا لمزاً ولا فرية إلّا نبزوهما بها ، وإذا قيس كتابنا إلى كتابهم ظهر الفرق أو بان الفضل ، وعرف المتساهل من المتعصب ، والقاسط من المتطرّف .
كتبنا إليه ذلك وأكثر بكلّ لطف ومجاملة ، تبريداً لوغر (3)صدره ، وحرارة قلبه ، ومحافظة على ذات ودّه ، وعرّفناه أنّ له رأيه في النقد وهو أقصىٰ ما نبتغيه ولكن على أنّ لا يخرج به إلى مناحي الأغراض والأهواء فيكون بالسباب أشبه منه بالنقد ، وبالمشاتمة أشبه منه بالمشارفة .
فما كان وراء ذلك كلّه إلّا أن ألقي إليّ العدد الذي ذكر فيه « الجزء الثاني » ، فإذا هو يجسّم لنا روح التعصب ، ويمثل لنا هيكل التحامل ، ويصوّر لنا تماثيل الأهواء والأغراض ، وأوثان الحيف (1)والجنف (2)، ويشتمنا بالطاهر والنجس ، والمنبوذ والقذر ، ممّا كنّا نظن من المستحيل أن يلوّث (لغة العرب) به ، وإن لم تمنعه حشمته وصونه عن ذلك ، فرهبنته لا تسمح له به - ثمّ إنّي لم أراجعه بشيء ، وقلت :
أنا لا أعتبه في ما جرى *** صفح الله له عن ذنبه
وها أنا أورد هنا نقوده وما يسنح لي في جوابها ، لا لأنّي أريد أن أنزه نفسي عن الغلط ، أو أدعي لها العصمة من الشطط - معاذ الله - فإنّني لا أزال أعرف وأعترف أنّني أكثر الكاتبين غلطاً ، وأبعدهم فيه شوطاً ، ولكنّي أبتغي أن أدلّ المنصفين ، بل أدلّ صديقنا ودخيل وطننا (أنستاس) نفسه على ما دبّ في نقوده من روح التعصّب الذميم ، والغرض الشائن ، الذي ستر عنه جمال الحقيقة ، وحجب دونه وجه الصواب .
وأقصىٰ غرضي من تنبيهه على ذلك ، أن أسدّ باباً من الجور الأدبي ، والحيف العلمي ، فلا يظلم الكاتبين - بعدُ - والمؤلفين شروى (3)ظلامتي ، بل يعدّل خطة نقده ويقيم من وزن قوله ، ولا يطفف الناس في كيله .
وأنا واثق أنّه سوف يكون هو أوّل من يشكر لي هذه الصنيعة ويعتدّ لي في الآداب بهذه الشريعة ، والله - سبحانه - أسأل أن يعصمني من
التحامل والسوء ، ومقابلتهٍ بالمثل وأن أخرج عر آداب المناظرة ، أو أتجاوز البحث العلمي والوجهة الأدبية ، إنّه ولي التوفيق وبه المستعان .
قال في العدد العاشر من سنته الثانية ، الموافق نیسان وجمادی الأولىٰ ، صفحة 468 ، ناقلاً قطعةً من كلام لنا وضعناه في آخر الكتاب كالإعلانات التي توضع على مغلّفات الكتب فليس هو من الكتاب في شيء ، وإنّما هو بعد ختم الجزء ، بل وبعد الفهرس ، بل وبعد الخطأ والصواب وهذا ممّا يبصره حتّى الأعشىٰ والأعمش وكلّ القصد في مثل تلك الإعلانات أن تكون على العبارة الدارجة ؛ كي يفهمها عامّة الناس ، ولا تختص بصنف دون آخر .
هنالك من العربية أن لا يتقيّد الكاتب بالعربية ؛ لأنّها مخلّة بإفهام من يريد إفهامه وهذا ممّا يعرفه حتى الأبكم والبليد .
وما أدري هل ضيق الخناق وحبّ النقد حجب عن صاحبنا تلك الظواهر ودفعه إلى ما سنورده من نقوده ؟
أم الاسترسال والاتّباع ساقه إليه على حين أنّنا كنا نأمل أن يأتي بشيء جديد ، ويترفّع بنفسه عن خسّة ذلك التقليد ، ونحن نريد أن نتساهل معه ونفترض أنّ ذلك الكلام من أصل الكتاب وصلبه ، وننظر في تلك النقود ، هل العامل فيها والدافع إليها هو طلب الحقيقة وعامل الإخلاص ، أم عامل الهوى والتعصّب ؟
علّق على قولنا هناك : « وتصفيف الأقوال الضخيمة » (1).
قوله : « كذا ، وهو يريد الضخمة ، ولعلّه فعل ذلك للمزاوجة » .
1) الدين والاسلام : ج 2 ص 239 .
قف أيّها الناظر هنا واعجب ! ما أدري ما وجه اختصاص النقد بالضخيمة دون الفخيمة وهما من وادٍ واحدٍ ؟ !
أمّا القياس فيقتضي صحتهما معاً كأكثر صيغ هذا الباب من الثلاثي المضموم العين ؛ مثل جسُم ، وكرُم ، وعظُم ، ولطُف ، حيث يأتي فاعلها كريم ، وعظيم ، ولطيف ، وجسيم .
وأمّا نصوص اللغويين وتتّبع الكلمات الفصحىٰ ، فلم يرد النص على صحة شيء منهما ، كما لم يرد المنع ، ولكن ورد النص على أنّ نفس الفعلين سواء معنىً ولفظاً .
قال في القاموس في مادة (فخُم) ما نصه : فخم ککرم : ضخُم ، والفخم : العظيم القدر (1).
وقال في مادة « ضخم » ككرم ضخماً وضخامة ، وفسره بالعظيم من كلّ شيء (2).
وتقرب من هذا عبارات أكثر من تيسّر لي مراجعته من المعاجم وأنت تری سوائية اللفظين صيغة ومعنىً وعدم النص على ورود فعيل منهما كعدم النص على المنع .
ثمّ ما أدري ما وجه التعليل بقوله : « ولعله فعل ذلك للمزاوجة » ؟ !
أفهل غمَّ (3)عليه أن المزاوجة تحصل بقولنا : ( الفخمة والضخمة ) ، أم تلقفها ممن لا ينبغي له تقليده ؟
ثمّ - ولا أدري أيضاً - أيُّ شريعة أم نصُّ أيِّ لغوي أباح لحضرة ( أنستاس ) أن يستعمل هو الفخيمة ولم تجوّز لنا أن نستعملها أو نستعمل الضخيمة ؟ !
راجع أوّل العدد التاسع عشر من المجلد الثالث من « المشرق » في مقالة له نشرها هنالك عن العراق يقول فيها : « إنّ العراق من الأصقاع التي كثرت فيها الآثار القديمة ، والأبنية الجسيمة الفخيمة » ، ثمّ لم يكتف حتّى نشر مقالة في (لغة العرب) لبعض خاصّته أثنى وأطرى عليها بما لا مزيد عليه وقد استعمل هذه الصيغة ولم ينتقد صاحب المجلّة عليها بشيء .
راجع أوّل الحادي عشر من مجلته في سنتها الأولىٰ الموافق نيسان سنة 1912 تجد مقالة تحت عنوان : (نظر تاريخي لغوي انتقادي) يقول فيها صفحة 418 : « وشيدوا الصروح الفخيمة » وقد قرّظ أنستانس هذه المقالة في فاتحة العدد من حيث البلاغة بأربعة أسطر، مع أنّ فيها عدّة أغلاط جوهرية من حيث العربية فضلاً عن غيرها وكلّها لم تقدح في نظر الأب ولم تشن وجه بلاغتها عنده وعسانا نتعرض لها في غير هذا الجزء .
ولكن الذي أعيد السؤال عنه في ما هاهنا ، أنّه ما بال الفخيمة حلّت له ولكاتبيه وحرمت الضخيمة علينا ؟ !
هل عندكم من سلطان بهذا ، أم هو التعصب يبيح لكم ما يحرمه على غيركم ؟
ثمّ نقد على قولنا في ذلك البيان الخارج عن الكتاب (في تقريظه
وتوصيفه ) (1): أنّه لم يرد (وصف) مشدداً .
قلت : نعم ، ولم يرد المنع أيضاً ، والقياس يقضي بصحته ككثير من نظائره ، ولسنا في استعمال لغتنا وتصاريف ألفاظها (صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون ) (2)جامدين جمود الطفل أمام ملقّنه ، لا نفوه بكلمة حتّى نسمعها من العرب ، بل اللغة العربية أوسع وأجمع وأعلى وأرفع من هذا الضيق والحرج .
نعم ، ولا نجعلها فوضىٰ حتّى تخرج بها عن تخومها وحدودها وحتّىٰ تكون أشبه بأغيارها منها بنفسها ، بل نبتغي بين ذلك سبيلاً ، يعرفه أهل الذوق والفطنة من العريقين بهذا اللسان والصميمين منه لا الدخلاء فيه واللصيقين به .
ثمّ عادت إلىٰ عترها لميس (3)، فنبزنا حضرة الأب بأنّنا نفعل ذلك للتسجيع ، ثمّ كرّر ذلك مرّة ثالثة ، فقال صفحة 471 من ذلك العدد : « إنّنا نتوخّىٰ السجعات فنضطر إلىٰ ركوب ما لا تحمد عقباه ...» إلىٰ آخره .
يا حضرة أنستاس ! العرب تقول في أمثالها :
(إقدح لي أُضيء لك ) (4).
1) الدين والإسلام : ج 2 ص 239 .
2) سورة البقرة 2 : 171 .
3) عادت لعترها لميسُ ، مثل مشهور يُضرب لمن يرجع إلىٰ عادةِ سوء تركها . والعتر : الأصل ، ولميس : اسم امرأة . ( مجمع الأمثال : ج 2 ص 321 و ص 370) .
4) (أضئ لي أقدح لك) أي كن لي أكن لك ، يضرب للمساواة في المكافأة بالأفعال . (مجمع الأمثال : ج 2 ص 264 ، جمهرة الأمثال : ج 1 ص 56) .
أو العكس ، فاسمع لما أتلو عليك :
حقاً أقول : أن ليس كلّ تسجيع يكون معرّة على الكاتب ويعدّ منقصة عليه ، ويدخل الشين في أسلوب كتابته ، وإنّما هو التسجيع الذي يكدّ الطبع ويبلّد الذهن ، بما فيه من البرودة والفهاهة (1)وما يظهر عليه من التكلّف المعيي والتصنع المضني .
ألا أعطيك نموذجاً منه ، ومثالاً له ، تعرف به إذا قسته إلى التسجيع الذي عبته تفاوت الصنعة ، وتباين المنح والمقدرة ، واختلاف النسج والديباجة (2).
ارم بطرفك واحدج (3)
(لسان العرب : ج 3 ص 78 مادّة «حدج») .
ببصرك إلى تلك المقالات التي نشرتها أنت في « المشرق » وأنا أدلّك على بعضها :خذ تلك المقالة التي تقدّمت الإشارة إليها قريباً التي كتبت فيها عن العراق أوّل ( عدد 19 من المجلد الثالث ) التي تقول فيها :
«ومن العجب العجاب . أنّنا نرىٰ الأغراب ؟ يمتطون متون العباب (4).
1) فهّ الرجل في خطبته وحجّته فهّاً وفههاً وفهاهة : عييَ وعَجزَ . (لسان العرب : ج 10 ص 343 ، مادّة «فَهَهَ») .
2) ديباجة الكلام : فصاحته وحسنُ تأليفه ، وديباجة الكتاب مقدّمته وحسنُ تقسيمه ، ومن المجاز أيضاً : دبج المطر الأرض دبجاً : زينّها بالرياض ، وديباجة الوجه : حسن بشرته ، وقصيدة مدبّجة : محبّرة . وكلّ ذلك مأخوذ من الدّبج ؛ وهو النقش والتزيين ، فارسيّ معرّب . (تاج العروس : ج 3 ص 359 ، أساس البلاغة : ص 182 مادّة «دبَجَ» ) .
3) حدجهُ ببصره وحَدَّجهُ : نظر إليه نظراً يرتاب به الآخر ويستنكره ، وقيل : هو شدّة النظر وحدّته .
4) العباب : كثرة الماء ، وعباب البحر : معظمه وموجه حيث يرتفع . (لسان العرب : ج 9 ص 7 مادّة «عببَ») .
أو رحال (1)الركاب (2). معانين الأتعاب والأوصاب (3). ليقفوا على ما في بلادنا من العاديات (4)والأنصاب (5). أو يكتبوا عنها لأولي الألباب ، ولا ترىٰ من الناطقين بالإعراب ، من كتب شيئاً في هذا الباب ، ما يقصع (6)اللُّهاب (7)، ويدفع بعض العذاب ، بل رأينا بعض الكتّاب ، يعرّب مؤلفات الأجناب ، من التصحيف المعاب ، ما جاوز أطوار الصواب ، فضاعت الفائدة من الكتاب، لا بل أتوا من الضرر ما لا يقع تحت الحساب» .
ثمّ انتقلت إلى سجعة اللام فقلت :
«نورد شيئاً من هذا القبيل ، من تعريب أو تحصيل ، يكون بمنزلة تعلّة (8)للجائع العليل ، أو جرعة للناهل الغليل ، ريثما يتصدّىٰ لهذا الأمر الجليل ، من يمهد له سوآء السبيل .
1) الرِّحال : جمع الرَّحل ؛ وهو مركب للبعير كالسرج للفرس . (لسان العرب : ج 5 ص 168 ، مادّة « رحل » ) .
2) الرِّكاب : الإبل ، واحدتها راحلة ، ولا واحد لها من لفظها ، وتجمع علىٰ ركائب ، وقالوا أيضاً : ركُب بضم الكاف . (لسان العرب : ج 5 ص 295 مادّة «ركبَ») .
3) الأوصاب : جمع الوصب ، وهو الوجع ، والمرض ، والفتور في البدن (لسان العرب : ج 15 ص 313 مادّة «وصب») .
4) العاديات ، جمع العادية ؛ وهي شغل من أشغال الدهر يعدوك عن أمورك أي يشغلك . (لسان العرب : ج 9 ص 93 مادّة «عدا») .
5) النصب : الاعياء من التعب . (لسان العرب : ج 14 ص 154) .
6) قصع العطشان غلته بالماء : إذا سكّنها . (لسان العرب ج 11 ص 193 مادّة «قصع») .
7) اللهاب : العطش . (لسان العرب : ج 12 ص 338 مادّة «لَهَب») .
8) التعلّة : ما يتعلّل به ، والعلل : ما يعلل به المريض من الطعام الخفيف . (لسان العرب : ج 9 ص 366) .
وفي ذلك المجلد نفسه في مقالتك عن الصابئة (1)
أ - جماعة المندائيّين ، هم أتباع يوحنا المعمدان .
ب - صابئة حرّان الذين عاشوا زمناً في كنف الاسلام ولهم عقائدهم وعلماؤهم . ورد ذكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارىٰ مما يؤذن بأنّهم من أهل الكتاب وفي هذا ما يصدق على المندائيين ، وإن تستّر وراءه صابئة حران الوثنيون .
عني بهم المؤرخون الإسلاميون ، وخاصّة الشهرستاني في (الملل والنحل) والدمشقي في (نخبة الدهر في عجائب البحر) ويعدون بين الروحانيين الذين يقولون بوسائط بین الله والعالم ؛ وهي الأسباب المباشرة للتغير ، فهي التي تدير الكون وتفيض عليه الوجود ، وتفننوا في إقامة هياكل لها ، وصفها الدمشقي بدقة .
ويحرص الصابئة على تطهير أنفسهم من دنس الشهوات ، والارتقاء بها إلى عالم الروحانيات ، لهم طقوس ثابتة ، فيتطهرّون بالماء إذا لمسوا جسداً ، ويحرمون الختان ، كما يحرمون الطلاق إلّا بأمر القاضي ، ويمنعون تعدد الزوجات ، ويؤدون ثلاث صلوات كلّ يوم ، عاشوا متفرقين في شمال العراق، مركزهم الرئيسي حرّان ولغتهم السريانية . (راجع الموسوعة العربية الميسرة ص 1112) .
والمندائية صفحة 436 :« إذا أخذ أحد الأدباء عن هذه الديانة وأصحابها ، وتصفح لهذه الغاية كتب المتأخرين والمتقدمين على اختلاف مشاربها وأحزابها ».
ثمّ أفضت في هذه التسجيعات التي تأخذ من قارئها بالمخنّق (2)، وتكاد روحه قبل الوصول إلى القافية أن تزهق ، إلى أن قلت :
« وقابل ذلك بما هو مشهور عن الصابئة في مثل هذه الأيام . سَمْعُ أقوالاً مناقضة في الفحوىٰ وفي الكلام ، إذ كلّ واحد من الكتبة يكذّب من سبقه ، لا بل وكلّ من ناصبه » .
وهكذا على سجعة الباء إلى ما يقرب من سواد صفحة ، ثمّ قلت :
« الصابئة ديانة تغيّرت على كرّ الأعصار ، وتبدّلت متنقلة من أطوار إلى أطوار ؛ بموجب ما حلّ بها من الأغيار ؛ أو بموجب ما طرأ في عصرها من الطوارئ الكبار ، أو الأديان السائدة في تلك الأقطار ، فتفرّع منها فروع عديدة ، واتّسعت فشملت شيعاً غير زهيدة ... منذ عهد عهيد ، والاحتفاء بها عيداً بعد عيد » .
ولو اتّسع معنا المجال لجمعنا لك من مقالاتك في المشرق وحده ما يريك العجب العجاب ويعرفك وغيرك التسجيع المعاب ، وما يقصع اللهاب ويطيل العذاب ، إلى آخر تلك القوافي .
ولكن الأولىٰ بنا ترك المخاضة في هذه الأوحال المتعبة . وأن نخوض بدلاً عنها في حديث علمي عسىٰ أن ننتفع به ويستفيد فيه من يبتغي الدخول في صناعة الإنشاء ، إن شاء الله .
إنّ التسجيع تختلف مراتبه حسب مراتب الكلام من البلاغة وحسب منزلته من البيان ، وجمهرة القول فيه ، وضابطة النبأ عنه : إن التسجيع قد يكون هو البلاغة نفسها ، والبيان بذاته ، وذلك حيث ينساق على سوق الكلام الطبيعي ، ويجري على نسق النظام الواقعي ، وتقع كلّ واحدة من مفردات الألفاظ في الوقع الذي تستحقه بنسبة معناها من معانيه ، بحيث لو أردنا أن نبطل التسجيع ونقدّم ونؤخر في الكلام ، لأخلّ في فصاحته ووقع الكلام مشوشاً ، وعقد نظامه محلولاً ، ولدخل عليه التعقيد والإبهام فضلاً عن ذهاب مائه وروائه ، ولظهر عليه أنّه مقلوب به عن وجهه ، ومحوّل عن أصل فطرته ، ومجرى طبيعته ، ونموذج ذلك قوله تعالىٰ : ﴿ في سدرٍ
مخضودٍ* وطلحٍ منضودٍ* وظلٍّ ممدودٍ) (1).
فإنّ الكلام هو هكذا وليس غيره وما جاء السجع إلّا من عمود الكلام وأصل الديباجة ، لا من تطريزها وتفويفها (2)، وادخال شيء عليها .
ألا ترىٰ أنّك لو أردت أن تزيل السجع لجاء الكلام ظاهر فیه أنّه معكوس عن سيره الطبيعي وخلقه القويم ، كما لو قلت : (في مخضود سدر . ومنضود طلح . وممدود ظل) ، فتكون قدمت الصفة على الموصوف وهو عدول عن الأصل من غير مسوِّغ على أنّه خروج عن النظام الطبيعي في نفس الأمر الواقع ، لا أنّه خروج عن القواعد العربية والاصطلاحات النحوية فقط .
وكذلك لو أردنا أن نبدّل تلك الأسجاع بمرادفاتها فنقول : ( في سدر منعطف . وطلح مثمر أو مزهر . وظل منبسط ) ، لفاتت من الكلام مزايا كثيرة أقلّها العدول عن فرائد الألفاظ الفصحىٰ المصونة إلى العامية المبتذلة الغسيلة ، بل ربّما يكون التبديل ، والتقديم والتأخير ، كالمستحيل في بعض الجمل ، لرصانتها واستحكام مبانيها كقوله تعالىٰ : ( ما أغنى عنِّي ماليه * هلك عنِّي سلطانيه ) (3).
ومثله قول النبي صلوات الله عليه : «الأرواح جند مجنّدة ، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » (4).
1) سورة الواقعة 56 : 28 - 30 .
2) الفوف : ثياب رقاق من ثياب اليمن موشّاة ، وبُردٌ مفوّف : رقيق أو فيه خطوط بيض . (لسان العرب : ج 10 ص 421 مادّة «فوَفَ») .
3) سورة الحاقّة 69 : 28 - 29 .
4) اٝنظر : صحيح البخاري : ج 4 ص 268 ، كتاب الأنبياء باب الأرواح جند مجندة ، الأدب المفرد : ص 243 ح 924 - 926 ، صحيح مسلم : ج 8 ص 41 كتاب البر والصلة - باب الأرواح جند مجنّدة ، سنن أبي داود : ج 4 ص 261 ح 4834 .
وقول أمير المؤمنين علیه السلام في النهج : « وإنّما حظ أحدكم من الأرض ، ذات الطول والعرض ، قيد قدِّه ، متعفراً على خده » (1).
وهكذا أكثر أسجاع نهج البلاغة ، بل كلّها ، وملاك الجميع أنّ السجع وقع في صلب الكلام ومقوماته ، لا في حواشيه وأطرافه ، وفضوله وزوائده التي وقعت كلّاً (2)على كاهله وثقلاً على عاتقه ، ولا فائدة فيها سوىٰ السجع ليس إلّا (3)، وأقرب مثال إليك من هذا القسم ، ما تقدّم من أمم من مثل الأغراب ، والأجناب والناطقين بالإعراب وأخواتها .
فإن كان في تسجيعاتنا ما هو من هذا القبيل ، ففي الحقّ إنّه لممّا يصم ويشين ، ويؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه ، وإلاّ فلا تكثر اللائمة علينا في أمر أنت أسبق وأعرق به منا :
إذا فعل الفتىٰ ما عنه ينهىٰ *** فمن جهتين لا جهة أساءَ (4)
رويدك قد غررت ، وأنت حر *** بصاحب حيلة يعظ النساء
اللزوميات : ج 1 ص 61 .
ثمّ علق على قولنا : فيذكرون (5)؛ ( أي فيذكروا ) .
1) نهج البلاغة : ج 1 ص 146 شرح محمّد عبدة آخر الخطبة الغراء .
2) الكَلُّ : العيال والثِّقلُ علىٰ صاحبه ، ورجلٌ كلٌّ : ثقيل لا خيرَ فيه ، علىٰ الاستعارة هنا . (لسان العرب : ج 12 ص 143 مادّة « كللَ ») .
3) [وهذا الوزن والعيار ليس للسجع في النثر فقط ، بل هو في النثر والشعر على سواء ، كما أنّه ليس هو عيار السجع ، بل العيار لسائر أنواع البديع ، والمقام يحتاج إلى بسط لا يتّسع له مجال هذا الجزء ، وعسىٰ أن يتفق في غيره إن شاء الله] ما بين المعقوفتين من المصنّف (قدس سره) .
4) البيت لأبي العلاء المعرّي من أبيات مطلعها :
5) الدين والاسلام : ج 2 ص 239 .
أيّها الحبر ! ليس كلّ فاء بعد الأمر ناصبة بأنْ مضمرة ، ألا ترى ما في القرآن الكريم ( كن فيكون ) (1).
ثمّ علق علامة الاستفهام على قولنا : ( ما يستحقّه بنفسه ) (2)، وقولنا : ( فالانسان مهما كان أعمىٰ عن عيوبه وأصمَّ بنفسه عن سيئاته ) (3)، وكان بالعزيز علينا أن تجهل ( لغة العرب ) من لسان قومها هذا الأمر الجليّ كأنّها لم تسمع : ( وإذا استطال الشيء قام بنفسه ) (4)
وتركت مدحي للوصي تعمداً *** إذ كان نوراً مستطيلاً شاملا
وإذا استطال الشيء قام بنفسه *** وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
راجع نسمة السحر : ج 1 ص 185 ، والبرقوقي في شرح ديوان المتنبي مما استدركه من ذيل لشرح الواحدي المطبوع في أوربا .
، أي لا بضميمة شيء آخر ، وبالنظر إلى أمر خارجي عن الشيء ، والإنسان أصم بنفسه إلّا أن ينبّهه على عيوبه غيره ، فأي محل للاستفهام هنا ؟ !وأعجب منه الاستفهام عن قولنا : مكسوّة بالعبارات الرشيقة ( أي البراهين ) وما أدري هل الاستفهام من جهة اللفظ أم المعنىٰ ؟
أمّا اللفظ : فكسیٰ يكسو : فعل واوي ، وفاعله كاسي ، ومفعوله مكسو كما ذكر ذلك أكثر المعاجم المتداولة .
وأمّا المعنىٰ : فلا شك أنّ الألفاظ كسوة المعاني ولباسها .
ثمّ علق على قولنا محاسنه ومساويه ( أي ومساوئه ) .
لا يا أنستاس ! بل هي بالياء (ولكن عين السخط تبدي المساويا) (1)
(وعين الرضا عن كلّ عيبٍ كليلة) .
من جملة أبيات قالها للحسين بن عبد الله العباسي قالها لمّا تهاجرا وكانا متصافيين .
اٝنظر : الأغاني ج 12 ص 272 ، وفيات الأعيان : ج 1 ص 467 .
لا المساوئا ، ثمّ أخذ في تعداد ما في الكتاب من المحاسن والمساوي ، وحيث إنّ الرجل مولع بالنقد والبحث عن العيوب ، فلا نلومه إن عدّ من المساوي تسعة وجعلها هي محل العناية والنظر .قال : « أمّا مساوئ الكتاب ، فأولها : أنّه أطال مقدّمة الكتاب ... » إلىٰ آخره حقاً إنّ هذه السيئة نستغفر الله منها ، ونستميح الأب أنستاس عفواً عنها ، وكان ذلك منّا قبل أن ننظر في مقالاته التي نشرها في مجلدات « المشرق » التي هي من الإيجاز والإعجاز بمكان ! .
كما إنّنا ما كنّا نظرنا في ما ينشره هو في « لغة العرب » عن مُكاتبيه الذين يُثني عليهم بالبلاغة والبراعة ، ومنها تلك المقالة التي قال عن كاتبها أنّه قد دبجها يراعه البليغ وهي لا تنقص عن عشرين صفحة ، على حين أنّ جميع ما فيها يمكن مع سلامة التعبير أن يُحبَك في صفحتين أو أقل ومثلها كثير ، وجوهر الجواب عن هذا النقد قد سبق في هذا الجزء (2)فراجع .
قال : « ثانياً لا يجدر بالمؤلّف أن يمدح كتابه أو عبارته أو نفسه ، وإنّما يدع ذلك إلى القراء ... » إلىٰ آخره (3).
أمّا إنّ هذه السيئة لهي أكبر من الأولىٰ ، ولكن أَلا رجل جزاه الله خيراً (1)
الا رجل جزاه الله خيرا *** يدُلّ علىٰ محصِّلَةٍ تُبيتُ
اٝنظر: تاج العروس: ج 14 ص 152 مادّة «حصل».
يحكم في هذه القضية ويعرفنا أن من يقول : إنّي أملك أن اُبين ما أريد وأن أعرب عمّا في نفسي أو إني توخيت أن تكون عبارة كتابي سلسة واضحة يفهمها العالم والعامي .. هل يعد مثل هذا من مدح الإنسان نفسه أو كتابه ؟ ! أفتونا أيّها الناس تؤجروا .أيّها الأب ! إننا وجدنا من يكتب عن قرية ذي الكفل (2)
راجع : تفسير الفخر الرازي : ج 11 ص 211 ، مجمع البيان : ج 7 ص 94 .
، فيقول : أمّا حالة مزار ذي الكفل ، فخذ أخبارها عنّي (3)، ثمّ ما هي الأخبار ؟ هي قرية واقعة على الضفة اليسرى من نهر الهندية وأهلها بين إسلام ويهود وما أشبه ذلك من الأمور التافهة التي يعرفها الأعمىٰ والبصير والقروي والبدوي ولا تقضي بشيء من ذلك الحماس والتبجح (خذ أخبارها عنّي ) .ومن يقول (4)في موضوع مبتذل : « ومن ثمّ فأظنُّ أنني إذا خدمت الباحثين في مثل هذا الموضوع الجلل لا ينكرون فضلي » .
ويقول في أوّل عدد من ثاني أعوام مجلته عن نفسه : «إنّما يعرف ذا
1) صدر بيت لعمر بن مقاس المرادي، وهو من الشواهد اللّغويّة، وتمامه:
2) ذو الكفل : نبيٌّ جاء بعد سليمان علیه السلام ، ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الأنبياء الآية 85 بقوله تعالىٰ : (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين) والكفل لغةً : الكساءُ كما قاله الزجّاج أو الخطِّ . وقصّته معروفة في التفاسير .
3) [في (المشرق) ثمّ في (مجلة الحياة) البغدادية] ما بين المعقوفتين من المصنّف (قدس سره) .
4) [في المجلد الثامن من (المشرق) عدد 21] مابين المعقوفتين من المصنّف (قدس سره) .
الفضل من الناس ذووه » (1)
وهل يجحد الشمس إلّا العمىٰ *** وهل يعرف الفضل إلّا ذووه
أو من بيت لأبي العتاهية كما في ديوانه : ص 482 :
إنّما يصطنع المعروف *** في الناس ذووه
والأخير من الشواهد النحوية كما في تاج العروس ج 2 ص 389 مادّة «ذو» .
إلى كثير من أمثال هذا .قال ثالثاً : إنّه ينحي على أهل الغرب باللائمة ويعامل صالحهم وفاسدهم معاملة واحدة ... إلى آخر ما قال .
أمّا الجواب عن هذا النقد ، فقد تقدّم (2)شوط منه يغنينا عن إعادته ، وأمّا أنستاس فلا نلومه على هذه المدافعة التي حملته على أسوأ المغالطة ، فإنّ كلامنا ، بل كتابنا كلّه ينادي بحيث يسمعه الأصم والأبكم ، والناطق والأعجم .
إنّ وجهة كلّ أقوالنا إنّما نريد بها الماديّين المعطلِّين من الغربيين ولا شأن لنا مع غيرهم تالله وإنّي لأعجب أشد العجب من الغرض كيف یعمي ؟! وإلّا فكيف يغيب عن الناقد قولنا بعد ذلك في مباحث إثبات الصانع عن جماعة الغربيين : بل الكثير منهم أنّهم فلاسفة روحيون كما هم فلاسفة ماديون وأساتذة مخترعون وإنهم أركان المدنية الجديدة (3)؟ !
فكيف مع هذا يقال : إننا لا نميز بين صالحهم وفاسدهم ... إلىٰ آخره ؟ ! ولكن (لغة العرب) وبالأسف أصبحت إحدىٰ العوامل لغيرها ، فلا محالة يلزمها أن تدافع عنهم جميعاً ، وقد قالوا في أمثالهم (حميمُ المرء
واصِلهُ ) (1)( وربّما استعبد الإنسانَ احسانُ ) (2)
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الانسان إحسان
من قصيدة مطلعها :
زيادة المرء في دنياه نقصان *** وربحه غير محض الخير خسران
جواهر الأدب : ص 670 .
.وهذا وأمثاله هو من أحد البراهين المؤيدة لذلك الكلام والوجدان يغني عن البرهان .
قال رابعاً : «قد يأتي بعض الأحيان باعتراض محكم المعنىٰ والمبنىٰ ويجيب عنه بجواب لا يقابله قوة ومتانة ...» إلى آخر ما قال .
وأنت إذا نظرت إلى طليعة هذا الكلام لا تشك أن هناك إشكال فلسفي أو معضل حكمي في مباحث التوحيد أو إثبات الصانع أو القضاء والقدر التي اشتمل عليها الجزء .
ولكنك ويا لهضيمة العلم والحقايق لا تصل إلى ما أورده شاهداً على تلك الدعوىٰ حتّىٰ تقول : نعوذ بك اللّهمّ من عقارب (3)السعاية ، ودبادب (4)الوشاية . إذ تراه يستشهد بقولنا : «ما الذي أوجب سكوتهم» وفسّره بقوله : ( أي سكوت مصلحي الإسلام) .
وقال : « ولا سيما لأنّه يعرّض بمن لا يجدر بهم التعريض أو لعل ما يتوهم فيهم الظن لا يصدق فيهم ، بل في غيرهم » . انتهىٰ .
1) راجع مجمع الامثال : ج 1 ص 354 .
2) عجز بيت لأبي الفتح البستي ت 1122 ه- وروايته :
3) العقارب : النمائم علىٰ التشبيه ، يقال : دبّت عقاربه ؛ إذا سرّت نمائمه وأذاه . (لسان العرب : ج 9 ص 318 مادّة «عقرب») .
4) الدبادب: حكاية صوت؛ كأنّه دب دب، لِمن يمشي بالوشاية والنميمة، ورجل دبوب وديبوب نمّام، من الدبيب. (لسان العرب ج 4 ص 276 مادّة «دبَبَ»).
يا أنستاس ! هذا موضع المثل ( حَنَّ قِدْحٌ ليس منها ) (1)
(راجع مجمع الأمثال : ج 1 ص 341 ، وجمهرة الأمثال : ج 1 ص 370) .
، وكانت سلامة النفس وصرامة العقل لو كانتا يقولان لك : (ليس هذا بعشِّك فادرج) (2)، ولكن أبىٰ وغر الصدور ودبابات الأغراض إلّا أن يطفح ذاك وتدبّ تلك .نعم ، ومهما تكن ...(3)
أمِنْ أُمّ أوفىٰ دِمنةٌ لَمْ تَكَلَّم *** بحومانة الدرّاج فالمتثلِّمِ
حيث يقول فيها :
ومهما تَكُن عندَ امِرىءٍ من خليقةٍ *** وإن خالها تَخفىٰ علىٰ الناس تُعلمِ
اُنظر : شرح شعر زهير بن أبي سُلمىٰ لأبي العبّاس : ص 16 .
ثمّ ولا نجد هنا في كرم الصفح ، وشرف العفو ، وترفع النفس ، أحسن من أن نسبل على هذه السقطة حجاب الصون ، ولا نرفع رواق الحشمة ، فنبين من الأولىٰ بهذه التهمة ومن هو الحريّ بها .بيد أنّنا لا نريد أن نكافئ المعتدي بفعله أو قوله ، ولا نرغب أن نكيل له بصاعه ، لاهَ الله (4)لا نفعل ونحن نرجو أن نكون من قوم :
1) القِدح : أحد قداح الميسر ، وقولهم : حنّ قدح ليس منها ؛ مثلٌ يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها ، أو يمتدح بما لا يوجد فيه .
2) (ليس هذا بعشِّك فادرجي) : مثلٌ يضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره . (الميداني في مجمع الأمثال : ج 3 ص 93 ، والعسكري في جمهرة الأمثال : ج 2 ص 197 وفيه (ليس بعيشك فادرجي) .
3) إشارة إلىٰ قول زهير بن أبي سُلمىٰ من معلّقته المشهورة ، ومطلعها :
4) لا هاالله : قسم أي لا والله ، أبدلت الهاء من الواو ، ويجوز إثبات ألفها ؛ لأنّ الذي بعدها مدغم ، كما يجوز حذفها ؛ وذلك لالتقاء الساكنين . (تاج العروس ج 20 ص 427) .
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة *** ومن إساءة أهل السوء إحسانا (1)
وفي ديوان الحماسة لأبي تمام للأعلم الشنتمري : ج 1 ص 359 نسبه إلى رجل من بَلَعْنبر بن عمرو بن تميم ، من أبيات مطلعها :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي *** بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
ولكن ، أفهذا حقّ الفضيلة وشأن أهل العلم ؟ !
اٝنظر أنت أيها القارئ واحكم بيننا بإنصافك .
قال خامساً : «علم المؤلّف أنّ بين المسيحيين زعانفة ، والزعانفة غير مخصوصین بدین دون آخر ، بل هم في جميع الاديان ... » إلىٰ آخره . ما أدري يا أنستاس ! من أي فحوىٰ أو صراحة ارتأيتَ أنّي أدّعي الاختصاص ، وهذا كتابي ينطق عليك بالحق قائلاً : « إن في كلا الفريقين من قد خرج عن الآداب ، وهتك الحرمات ، وإننا جميعاً لو رجعنا إلى نواميس أدياننا لما وجدناها تبيح لنا شيئاً من ذلك » ؟ !
راجع السوانح (2)وغيرها من كتابنا وتصفّح تجد الكثير مما يدلّك أنّك في أكثر هذه النقود قد أتعبت نفسك من غير طائل ، إلّا أن تكون هناك أغراض نسأله تعالىٰ أن يسامحنا وإيّاك فيها .
ومن العبث قولك : « إنّ الردّ على مثل أُولئك من العبث » ، فإنّنا لم نكتب أكثر ما تراه لأجل أمثالك من الراسخين القدم في الإيمان ، الذين لا يحولون ولا يزولون ولو جئتهم بألف برهان وإنّما نكتب للعوامّ والأوساط والمستضعفين من الناس الذين تميل بهم أضعف ريح من الشبهات والأغاليط .
نكتب لهولاء عسىٰ أن يثبِّتهم الله بالقول الثابت ، وإذا لم نكتب لهم يقال لنا : « ما أعطىٰ الله أحداً علماً إلّا وأخذ عليه ألّا يكتمه أحد » (1)، ولو تركناهم لذهبت بأغاليط المشكّكين ثلَّة منهم .
سادساً : « ربّما استعمل ألفاظاً حديثة الوضع لكن في غير مواطنها» ، ثمّ أخذ علينا قولنا : « انظر بالمجهر الكبير » (2).
يحكى : أنّ أبا تمام لمّا أنشأ قصيدته الهمزية (3)التي أوّلها :
قَدْكَ اتّئِدَ أربيت في الغَلواءِ *** كَمْ تعذلون وأنتم سُجَرائي (4)
وفيها يقول :
لا تسقني ماء الملام فإنّني *** صب قد استعذبت ماء بكائي
أرسل إليه أحد أدباء عصره (5)قدحاً يطلب أن يرسل له فيه شيئاً من ماء الملام ، فقال أبو تمام للرسول : قل له يرسل لنا ريشة من جناح الذل في قوله تعالىٰ : ( ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) (6)كي نرسل له شيئاً من ماء الملام (7).
فيا أنستاس ! إذا كان للملام ماء ، وللذل جناح ، فلا يعزّ على
1) تقدّم تخريج الحديث في ص 102 .
2) الدين والاسلام : ج 1 ص 24 .
3) ديوان أبي تمام : ج 1 ص 86 ، قصيدة يمدح بها محمّد بن حسّان الضبّي ، وكان مدح بهذه القصيدة أيضاً يحيىٰ بن ثابت ..
4) قدك : حسك . وفي المصدر (اتئب) بدل (اتئد) واتّئب : استحِ . أربيتَ : أسرفتَ . الغلواء : الزيادة في القول والفعل . السجراء : الأصدقاء ، مفردها سجير .
5) هو مخلد الموصلي .
6) سورة الاسراء 17 : 24 .
7) راجع أعيان الشيعة : ج 4 ص 404 .
الزوبعة إذا كان مثارها وإعصارها بعيداً أن يكون لها مجهراً ، ما استعاراتك في « ما يقصع اللهاب والناطقين بالإعراب » ، وأمثال تلك الأضراب ، التي شوّهت بها (لغة العرب) ، فندعها ولا نأتي بشيء منها .
نعم ، ندعها خوفاً على النفس أن تختنق ، وإشفاقاً على القلب أن ينقبض .
قال سابعاً : « الكتاب مشحون بأغلاط صرفية ونحوية ولغوية ... » ، ثمّ أخذ علينا مؤاخذات أقواها أوّلها : وهي استعمالنا ( الآنات ) جمع ( آن ) الذي يجمع على آناء أيضاً ، فقال : « إنّها غير مألوفة ولا معروفة » ، ونحن نورد هنا كلام عَوْد (1)، بل طود من أساطين العربية ليعرف القارئ أن الأصل في الجموع هو الجمع بالألف والتاء ونعذر أنستاس في جهله ذلك ؛ فإنّه يحتاج إلى تضلع في العربية ، ولا يتسنىٰ لمن يجعلها خدمة لغيرها . قال القاضي الجرجاني (2)في « الوساطة » عند دفع ما أورده خصوم المتنبي عليه ، حيث غلطوه في جمعه (بوق) على (بوقات) في قوله (ففي الناس بوقات لها وطبول) (3)
لیاليّ بعد الظاعنين شكول *** طِوال وليل العاشقين طويلُ
وتمام البيت الذي استشهد به الشيخ قدس سره :
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولة *** ففي الناس بوقاتٌ لها وطبولُ
(شرح ديوان المتنبي للبرقوقي : ج 3 ص 229) .
وقالوا : حقّه أن يجمع على أبواق ، فإنّ باب فعل ،1) العَوْد : الجمل المُسِنُّ وفيه بقيّة ، يُشّبه به الرجل ذو السنِّ والتجربة والمعرفة ، وفي المثل : زاحِم بعوْدٍ أوْ دَع : أي استعن علىٰ حربك بأهل السنِّ والمعرفة . (لسان العرب : ج 9 ص 458 مادّة «عَوَدَ») .
2) القاضي الجرجاني : علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني ، أبو الحسن : قاضٍ من العلماء بالأدب ، كثير الرحلات ، له شعر حسنٌ . ولد بجرجان وولي قضاءها ، ثمّ قضاء الريّ ، فقضاء القضاة ، توفّي بنيسابور سنة 392 وهو دون السبعين ، وحمل تابوته إلىٰ جرجان . من كتبه المشهورة : «الوساطة بين المتنبي وخصومه» و «تفسير القرآن» و «دیوان شعر» وغيرها . (اٝنظر : الأعلام ج 4 ص 300) .
3) عجز بيت لأبي الطيّب المتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ، مطلعها :
إنّما يجمع على أفعال ، كقفل وأقفال وإليك نص كلامه بطوله .
قال : « وسئل أبو الطيب عن ذلك ، فقال : هذا الاسم مُولّد لم يسمع واحده إلّا هكذا ولا جمعه بغير التاء ، وإنّما هو مثل : (حمّام) و (حمّامات) ، و (ساباط) (1)و (ساباطات) ، وسائر ما جمعوه من المذكّر بالتاء .
وقال المحتج عنه : إنّ أصل الجمع التأنيث ولذلك جاء ما جاء منه بالتاء وإن كان في الأصل مذكراً .
قال فمن جمع اسماً لم يجد عن العرب جمعه فأجراه على الأصل لم يسغ الرد عليه ولم يجز أن ينسب إلى الخطأ لأجله وهذا اسم أعجمي تكلمت به العرب ولم يحفظ عنه جمعه فلّما احتاج المولدون إليه أجروه على أصل الجموع وتبعوا فيه عادة العرب في الأسماء المنقولة عن الأسماء الأعجمية ، نحو :
(سرادق) و (سرادقات) و (ساباط) و (ساباطات) و (خان) و (خانات) و (هارون) و (هارونات) و (أوان) و (أوانات) ، فعدلوا بجميع هذه الأبنية عن أصول قياسها وألحقوها بأصل الجمع وغلبوا فيها التأنيث ولولا ذلك لما جاز في (خان) وهو مثال (مال) أن
1) الساباط : سقيفة بين دارين ، وساباط : موضعٌ بالمدائن ، ومنه المثل : أفرغ من حجّام ساباط . (تاج العروس : ج 10 ص 274 . مادّة «سَبَطَ») .
يجمع (خانات) ، كما لا يقال : (مال) و (مالات) ، ولا في (أوان) وهو مثل (جراب) وقد ترخصوا في الأسماء العربية بمثل ذلك تغليباً للتأنيث في هذا الباب فأخرجوها عن أبوابها ، وخالفوا فيه أخواتها .
قالوا : (بُوان) (1)و (بُوانات) و (خيال) و (خیالات) و (جمل) و (جمالات) ، و (سجل) و (سجلات) ، ولميلهم لهذا الاختيار قالوا في جمع ذي القعدة : ذوات القعدة ، وفي جمع ابن آوى : بنات أوى ، وكذلك بنات عرس .
وقالوا مثل ذلك في الشهور ، فجمعوا رمضان وشوال ، رمضانات وشوالات كلّ هذا تقديماً للتأنيث في باب الجمع وميلاً به عن التذكير ولكلّ اسم من هذه الأسماء قياس مطرد وباب متسق عدلوا به عنه وهو معرض ، وتركوه وهو سهل ممكن .
فلهذا وأشباهه اختار أبو الطيب (بوقات) على (أبواق) والوزن يتم بهما والضرورة لا تدفع أحدهما انتهىٰ » (2).
ثمّ ذكر كلام الخصم ولم يُسْجِلْ (3)فيه على دفع ذلك الأصل وإن حاوله وعلى أي ففي ذلك مفسح للعذر . ومسوّغ للاستعمال ، وهب أنّنا
1) البوان : عمودٌ للخباء . (تاج العروس : ج 18 ص 73 ، مادّة «بَوَنَ») .
2) الوساطة بين المتنبى وخصومه : ص 443 - 445 .
3) أسْجَلَ الكلام : أرسَلَه ، والمساجلة : أن يستقي ساقيان فيخرج كلّ واحدٍ منهما في سَجْلهِ ؛ أي دَلْوِه مثل ما يخرج الآخر ، فأيّهما نَكَلَ فقدْ غُلِب ، فضربته العرب مثلاً للمفاخرة ، والمراد هنا : أنّه لم يردّهُ ويناقش فيه . (لسان العرب : ج 1 ص 181 . مادّة «سَجَلَ»).
اعتمدنا على الرأي الأوّل ، وليس ميزان أن يكون معروفاً ومألوفاً ، أن يعرفه حتّى الغريب ، ويألفه حتّىٰ الأعجم .
أزيدك على ذلك أنّ « المشرق » الذي كنت أكثر من عشر سنين تسبّح وتقدّس بحمده وأصبحت اليوم تُفوّق (1)إليه ما تفوّق إلينا لأسباب أنتما العليمان بها ، ولعلّني على طرف منها قد اتفق له مثل ذلك وشتان .
قال في العدد الأوّل من المجلد الثالث صفحة 45 في مناظرة له مع اليازجي (2)
(راجع ترجمته في الاعلام : ج 1 ص 76) .
ما حرفه : « بكّتنا (3)في استعمال (آنات) كجمع ل-(آن) وقال أنّه لم يسمع لهذا اللفظ جمع فضلاً عن أن يجمع بالألف والتاء » .جوابنا : أنّ قوماً من الثقات كحضرة العلّامة الشيخ محمّد عبده (4)وهو حجة في الكتابة ، سبقونا إلى هذا الجمع وأحْرِ بلفظة لم يسمع لها جمع أن تجمع بالألف والتاء إلى أن قال : وحسبك أنّ سيبويه (5)جمع
1) فوّق السَّهمَ تفويقاً : عمل له فوقاً ، ليضعه في الوتر ويرمي به ، والفوق من السهم : موضعُ الوتر منه ، وسهم أفوق : مكسورُ الفوق . (لسان العرب : ج 10 ص 354 ، مادّة «فوق») .
2) ابراهيم بن ناصيف اليازجي ت 1906م عالم باللغة والادب ، اصل اسرته من حمص ، ولد ونشأ في بيروت ، تولىٰ تحرير جريدة النجاح سنة 1872م ، له ديوان شعر ، ومعجم في اللغة العربية ، وكان من الطراز الاوّل في كتاب عصره .
3) بكّته : قرّعهُ ووَبّخهُ . (لسان العرب : ج 1 ص 469 ، مادّة «بكتَ») .
4) الشيخ محمّد عبده بن حسن بن خير الله من آل التركماني ت 1905م مفتي الديار المصرية ،ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام لهُ تفسير القرآن لم يتمّمه ،وشرح نهج البلاغة وغير ذلك (راجع ترجمته في الأعلام : ج 6 ص 252) .
5) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء ، أبو بشر ، الملقّب سيبويه : إمام النحاة ، وأوّل من بسط علم النحو ، ولد في إحدىٰ قرىٰ شيراز عام 148 ه- ، وقدم البصرة ، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه ، ورحل إلىٰ بغداد ، فناظر الكسائي ، وعاد إلىٰ الأهواز فتوفي بها عام 180 ه- ، وقيل : وفاته وقبره بشيراز وهناك خلاف في مكان وفاته والسنَة التي مات بها . (أعلام الزركلي ج 5 ص 81) .
(أوان) على (أوانات) ، فلماذا لا يجوز جمع (آن) على هذه الصورة . انتهىٰ .
وما أوردت هذا النقل ليكون سنداً ودليلاً وإنّما أردت أن أدلّ على قوله : « إنّها غير معروفة ولا مألوفة » ، يحسب أنّنا قد ابتدعناها ، ولم يسمع بها سامع ولا رآها .
ثمّ أخذ علينا أغلاطاً في الطبع كنّا نظنها لا تخفىٰ على كلّ متهجٍّ ولا أظنها خفيت عليه أو يحسبها خفيت علينا ، ولكن الباب باب المشارفة والانتقاد ... منها : ولا (تتصرف) ، وصوابها : لا (تنصرف) ، ومنها : (توطُّد) ، وصوابها : ( توّطِد) ، أمّا (تجوّل) فهي فعل مضاعف مثل (تنقل) وأخواتها .
ومن الغريب نقده أننا ضبطنا ( تلبّد ) بضم التاء وفتح اللام ، ثمّ قال « فلينظر ماذا يراد بهذا الفعل هنا » .
وما كنّا نحسب أنّ التهالك على النقد يبلغ بأحد إلى هذا الحد وإلّا فكيف تخفىٰ هذه اللفظة على كاتبٍ ما ؟ ! .
قال في القاموس : « تلبّد الصوف ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض » (1)، نعم ، وقعت غُفلاً من التشديد فإن كان هذا من الأغلاط الصرفية والنحوية واللغوية التي يزعم أنّ الكتاب مشحون بها ، فحقّاً ما
1) القاموس المحيط : ج 1 ص 347 .
يقول وهذا أحسن توجيه لكلامه وإلّا فإنّ سجاح (1)ومسيلمة (2)والفاختة (3)
أكذب من فاختة *** تقول وسط الكرب
والطلع لما يطلع *** هذا أوان الرطب
راجع مجمع الأمثال : ج 3 ص 69 ، وجمهرة الأمثال : ج 2 ص 173 .
وسهيلة (4)التي ضربت العرب بها الأمثال ما بلغت إلى معشار هذا.ولكن عليه فإنّ أكثر الكتب أو كلّها مشحونة بتلك الأغلاط دع عنك (لغة العرب) فإنها آلت على نفسها أن لا تضبط كلمة واحدة بالتشكيل ، لا بحركة ولا بتشديد ولا بغيره وهو يرمي وزر ذلك على مطابع بغداد مع أنّ فيها ما هو في غاية الإتقان والضبط واستيفاء جميع ما يلزم وعليه فليس في
1) سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية ، من بني يربوع ، ادّعت النبوّة بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وكانت في بني تغلب بالجزيرة ، وكان لها علم بالكتاب أخذته عن نصارىٰ تغلب ، فتبعها جمع من عشيرتها بينهم بعض كبار تميم ، كالزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب ، وشبث بن ربعي الرياحي ، وعمرو بن الأهتم ، فأقبلت بهم من الجزيرة تريد غزو أبي بكر ، فنزلت باليمامة ، فبلغ خبرها مسيلمة (المتنبئ أيضاً) ، وقيل لهُ إن معها أربعين ألفاً ، فخافها ، وأقبل عليها في جماعة من قومه ، وتزوج بها فأقامت معهُ قليلاً ، وأدركت صعوبة الإقدام على قتال المسلمين فانصرفت راجعة إلى أخوالها بالجزيرة ، ثمّ بلغها مقتل مسيلمة فأسلمت ، وهاجرت إلى البصرة وتوفيت فيها وصلىٰ عليها سمرة بن جندب والي البصرة لمعاوية . (راجع الاعلام : ج 3 ص 78) وأخبارها مشهورة ذكرها أرباب التواريخ والسير والمغازي .
2) مسيلمة بن ثمامة بن حبيب الحنفي الوائلي أبو ثمامة ، متنبئ ، وفي الأمثال (أكذب من مسيلمة) . ولد ونشأ باليمامة بوادي حنيفة بنجد ، وأخباره وأخبار مقتله مشهورة ومعروفة . (راجع ترجمته في الاعلام : ج 7 ص 226) .
3) يقال (أكذب من فاختة) مثل مولّد ، لأنّ حكاية صوتها (هذا أوان الرطب) ، تقول ذلك والطلع لم يطلع بعد مأخوذ من قول الشاعر :
4) سُهيلة: كجهينة، كذاب، وفي المثل: أكذب من سهيلة، قال الصاغاني: وقيل هي الريح، وفي المستقصىٰ: هي الريح. (تاج العروس: ج 14 ص 364، والمستقصىٰ في أمثال العرب: ج 1 ص 292).
(لغة العرب) كلمة صحيحة .
ثمّ قال : « وفيها ولا ربوة غدر (1)إلاّ افترعتها » ، وهذا المعنىٰ غريب ونحن في غنىٰ عنه .
يا أنستاس ! الذباب يقع على الموضع الفاسد من الجسد فيمتص منه ، وأمّا السامة (2)فتقع على الصحيح فتفسده ، افترعتها من فرع الجبل بمعنىٰ : صعده وطلع عليه معدول به إلى باب الافتعال ، مثل رقىٰ الجبل وارتقىٰ الجبل في المتعدي ، وقنع واقتنع في اللازم وهو باب واسع ، وفي أكثر الأفعال مطرد هذا هو معنىٰ افترع ، لا ما تحدّث نفسك به وتظن أنّك في غنىٰ عنه (3).
وقال ثامناً : « إنّ الألفاظ الأعجمية من علمية وجنسية جاءت مصحّفة تصحيفاً شنيعاً ... » إلىٰ آخره .
ولكني لا أظنه أشنع من هذه العصبية التي تملأ أرجاء الأجواء دخاناً يحول بين البصر وبين جلي الحقائق .
أفمثلك يا أنستاس ! يجهل لوقته هذا أنّ الألفاظ الأعجمية ولا سيما الأعلام الشخصية منها إذا نقلت إلى العربية تساهلوا في النقل واتسعوا ولم يقفوا فيه على ما هو ضربة لازب (4)كالعربي الصراح ؟ !
1) الغدر : الموضع الظلف الكثير الحجارة ، وكلّ موضع صعب لا يُكاد ينفذ فيه ، ويقال : رجلٌ ثبتُ الغدر ؛ إذا ثبت في مواضع القتال والجدل والكلام . (لسان العرب : ج 1 ص 23 مادّة «غَدَر») .
2) السامّة : ذوات السموم من الهوام . (لسان العرب : ج 6 ص 372 ، مادّة «سَمَمَ») .
3) راجع : لسان العرب : ج 10 ص 238 مادّة «فرعَ» .
4) اللّزب : الضيق ، واللّزبة : الشدّة ، ومنه قولهم : هذا الأمر ضربة لازب : أي لازم شديد . (لسان العرب : ج 12 ص 270 مادّة «لزبَ») .
أفتراك لا تدري أنهم يقولون عن المعلّم الاول أرسطو (1)
(راجع ترجمته في دائرة معارف القرن العشرين : ج 1 ص 164 - 169) .
تارة وأرسطاطاليس وأرسطاليس اخرىٰ وعن أستاذه أفلاطون (2)لأفلاطون مذهب مشهور في الالٰهيات والكائنات عني به العرب ودوّنوه في كتبهم ، ومن أقواله : إنّ أشياء لا ينبغي للإنسان أن يجهلها منها : أن له صانعاً وأنّ صانعه يعلم أفعاله ، وذكر أنّ الله تعالىٰ إنّما يعرف بالسلب أي لا شبيه له ولا مثال وأنّه ابدع العالم من لا نظام إلى نظام ، وأنّ كلّ مركّب فهو للانحلال وإن لم يسبق العالم زمان ولم يبدع عن شيء .
(راجع ترجمته في دائرة المعارف : ج 1 ص 418 - 429) .
وأفلاط وفلاطن وعن ذيموكريت : ذيمقراطيس (3)وديمقراط إلى كثير من أمثال ذلك ؟ !1) أرسطو : رائد مدرسة المشائين ، وهو أشهر فلاسفة اليونان الأقدمين دعاه الفلاسفة عن جدارة بأمير الفلسفة ، وهو يعتبر مع هذا أكبر عقل ظهر في السابقين ولد في اسطاغيرا من مقدونيا سنة 284 ق .م ، وتوفي سنة 222 ق .م يلقب بالمعلم الأوّل ، لأنّه أوّل من وضع التعاليم المنطقية ، عني ابن رشد بفلسفة ارسطو عناية خاصّة ، فأوسعها شرحاً وتفصيلاً كان ضعيف الجسم نحيف الساقين ذا صحة مضطربة ، من آرائه ، اثباته للوحدانية ، وواجب الوجود لا يتغير .
2) أفلاطون : رائد مدرسة الاشراق ؛ وهو أشهر فلاسفة الأقدمين من اليونانيين ، ولد في جزيرة (آجين) سنة 303 ق .م وتوفي سنة 247 ق .م وهو من أسرة عريقة في النسب ، كانت فلسفة أفلاطون فلسفة أستاذه سقراط بعينها إلّا انّه بما اكتسب من العلوم الكونية ألقاها على الناس في ثوب جديد ، ثمّ أضاف إليها أفكاره الخاصّة المكتسبة فجاءت أكمل فلسفة عرفها الناس لذلك الحين فذاع صيته في البلاد ، وقد لقب بالالٰهي .
3) ديمقريطس (460 - 370 ق.م) فيلسوف يوناني يرىٰ العالم مؤلفاً من ذرات متجانسة في طبيعتها ، لكنها مختلفة حجماً وشكلاً وثقلاً ، ولا تدرك بالحواس ، ولا تنقسم ولا تفنىٰ ، وتتحرك دائماً ، فيلتصق بعضها ببعض وتتكون الاجسام ، وقد تدرك الحواس اختلافات في الكيف بين الاشياء واختلافها راجع إلى فروق كمية ناشئة عن توزيع الذرات التي تتألف منها ، ولهذا فلا يركن إلى الحواس في ادراك حقائق الاشياء ، بل يركن إلى العقل، وغاية الحياة عنده هي السعادة ، متحقّقة بالسكينة النفسية (الموسوعة العربية الميسرة : ص 837) .
دع عنك الأقدمين وعرج بالحديث إلى الحديث ، فطورا فيكتور هيكو وفيكتور هيجو (1)
كتب مقدّمة لمسرحية (كروميل) 1827م جعلته في مقدّمة الكتاب الرومانسيين ، أهم قصائده الشرقيات ، أوراق الخريف ، الأصوات الداخلية ، الأشعة والظلال ، العقوبات ، التأملات ، وأسطورة القرون ، ومن أشهر مسرحياته (هرناني) و(ري بلاس) ، ومن أعظم رواياته (البؤساء ) 1862م و(نوتردام دي باريس) .
لعب هوجو دوراً سياسياً خطيراً ، فكان مؤيداً لابن نابليون ، ثمّ ناصر لويس فيليب وبعدئذ قاوم سياسة نابليون الثالث ، ونتيجة لذلك صدر قرار بنفيه وظل في منفاه حتّىٰ عاد 1870م ، عندها انتخب في باريس عضواً بمجلس الأمّة ، وعضواً بمجلس الشيوخ ، وقضىٰ آخر أيامه مبجلاً محترماً ودفن في البانثيون (مقبرة العظماء بفرنسا) . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 1914) .
وهوجو ، وفلتر وفولتير ، إلى ما يطول المقام بتعداده وللجميع وجه ظاهر من اختلاف الحروف والحركات في اللغات ، ولا يتسع المقام لبسطه .أفتحسب يا أنستاس ! أنّ الأوران أتاون (2)والغورلا (3)والشمبنزي (4)وغيرها من أنواع القرود أسماء نزلت من السماء فهي مقدّسة ، أو وضعها
1) فكتور هوجو (1802 - 1885م) : شاعر وروائي وكاتب مسرحي فرنسي ، نشر أوّل ديوان له في سن مبكرة ، وكان قد صمم على أن يكون مثل (شاتوبريان) .
2) اورانجوتان : أو انسان الغابة : من القردة الشبيهة بالانسان (جنس بنك أو الفطساوات) يعيش بغابات برونيو وسومطرة الساحلية الموحلة ، ذكي قابل للتعليم يمشي على اربع ويتطوح بين الاشجار وشعره خشن أحيمر ، طول الذكر البالغ حوالي 150 سم ويزن حوالي 250 رطلاً . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 258) .
3) الغورلّا : من القردة العليا الشبيهة بالإنسان ، تستوطن المنطقة الغربية من إفريقيا الاستوائية ؛ وهي أضخم القردة العليا ويصل ارتفاع الذكر إلى 183 سم وتزن 272 كغم . (الموسوعة العربية الميسرة : ص 1259) .
4) الشمبنزي: من القردة العليا الشبيهة بالإنسان، موطنه وسط وغرب إفريقيا ، وأكثرها ذكاءً وقابلية للتعليم ، طول البالغ 123 - 152 سم ويزن ( 150 - 200) رطلاً وينقلب متوحشاً في بعض الأحيان. (الموسوعة العربية الميسرة : ص 1094) .
جد العرب الأوّل فهي محترمة ؟ !
ويلي عليك يا أنستاس ! ، ولكن هو ما أنبأناك عنه من أنّ الباب باب المشارفة والانتقاد وإيصال النقود إلى عشرة أو تسعة أو أكثر .
قال تاسعاً : «كثيراً ما يستعمل المؤلف ألفاظاً تدل على الدعاء بالشر وهي اليوم ليست من آداب هذا العصر » ، وأخذ علينا قولنا عن المعطلين : « قال قائلهم سلّ الله أسَلَةَ لسانه كما سل عقله بيد شيطانه : إنّا قد قتلنا الٰهنا واسترحنا » (1)...
وما أدري ماذا يأمل أنستاس أن نقول لمن يسب آلهتنا ويهزأ بديننا ؟
أنت فكن ذاك ، أمّا أنا فلا املك احترامه بعد هتك الحرمات :
وشتان ما بيني وبينك إنني *** أَحنُّ إلى شيءٍ وتنحو لآخر (2)
هذا كلّ ما في كنانة (لغة العرب) من النبال التي فوّقتها إلينا ولا أقول إلى ( الدين والاسلام ) ؛ فإنّني لا أريد أن أجعل المناظرة بيننا دينية ، ولا الأغراض مذهبية ، ومن أجل ذلك وجدتني حين وقفت على كلّ ما سبق اغمضتُ واغضيتُ ، وقلت لعل وليت، وطفقتُ أنتظر كلامه على الجزء الثاني وقلت عسىٰ تلك حال تحول ، وساعة تزول ، فما جاءتنا إلّا بما هو أدهىٰ وأمرّ ، وأحرج في التحامل وأجرح ، وأشرفت إذ ذاك على أنّ الرجل يتحكك من ألم ألمّ به ، أو غرّر به وغرٌ في صدره ، وإلّا فالانتقاد لا يتوغل بصاحبه إلى هذا المدى ، ولا يتيه به تلك المتاهة عن محجّة الهدىٰ ،
والحسد حسك (1)، من وطئه هلك ، والكهانة والرهبنة يترفعان عنه وعن كلّ تحامل .
وها أنا ذا أورد لك ما أورده ثمة ، فكن أنت أيّها القارئ نصفاً عدلاً ، وإلّا فكفىٰ بالله حكماً ، وبالحق نصيراً ، وقد قالوا : « أن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» (2)وإليك البيان :
أنظر الجزء الثاني عشر من سنتها الثانية صفحة 581 تجده عاد إلى بضاعته الأولىٰ ورأس ماله الأوّل من الحوم حول الأطراف والملحقات والأخذ بالنقط والحركات، والتشبث بأذيال المماحكات (3)التافهة ، والمناقشات الباردة ، فإن تجاوز فإلىٰ الدعاوي الفارغة ، والسباب والشتيمة . وضعنا رسمنا بطلب البعض منّا على أبواب الكتاب ، بل في خارجه على ماهو الدارج في بعض مطبوعات هذه العصور ، وعلى هذه المناسبة وضعنا إزاء الرسم أبياتاً جلُّ الغرض منها الدعوة إلى التساهل ورفض العصبية والأوبة إلى عواطف الأخوة البشرية ، وعميق معنىٰ الإنسانية . فجاء يبدي لنا رأيه السديد زاعماً أنّه كان من اللائق حذفها من
1) الحسك : جمع الحسكة ؛ وهي شوكة صلبة معروفة . (لسان العرب : ج 3 ص 175 مادّة «حسك») .
2) مثلٌ يضرب للأمر المشهور ، وأصله كما قال المفضّل بن محمّد : إنّ بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا علىٰ الشمس والقمر ليلة أربع عشرة ، فقالت طائفة : تطلع الشمس والقمر يُرىٰ ، وقالت أخرىٰ : بل يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس ، فتراضوا برجل جعلوه بينهم ، فقال رجل منهم : إنّ قومي يبغون عليّ ، فقال العدل : إن يبغِ عليك قومك لا يبغ عليك القمر ، فذهب مثلاً . (راجع : مجمع الأمثال : ج 1 ص 46 ، وجمهرة الأمثال : ج 1 ص 34) .
3) المماحكة : الملاجّة ،والمنازعة في الكلام . (لسان العرب : ج 13 ص 39 مادّة «محكَ») .
الكتاب لركاكتها وقلق ألفاظها .
فيا أنستاس ! متىٰ دخلت الأبيات فى الكتاب حتّىٰ تشير علينا بحذفها منه .
ثانيا : ما هو الدليل على ركاكتها ؟
نعم ، هو قولك في البيت الثاني منها :
رأيتكم شتىٰ الحزازات بينكم *** ... (البيت) (1)
فزعمت أنّ إضافة (شتىٰ) إلى (الحزازات) في منتهىٰ الركاكة ؛ لأن (شتىٰ) لا تعرّف (بأل) ولا تضاف إلى ما بعدها . انتهىٰ .
فيا أنستاس ! يحكىٰ أنّ جماعة حضرتهم الصلاة فأرادوا أن يقدّموا منهم إماماً ، فاتّفق أن وقع اختيارهم على واحد كان أُمّياً ، وهم لا يعلمون هذه الخلة منه واستحيىٰ أن يقرّ لهم بها على نفسه ، فتقدّم للصلاة بهم عسىٰ أن يفتح الله عليه ، فلمّا قرأ الحمد بعد الجهد أراد أن يقرأ شيئاً بعدها فلم يتفق له ، فجعل يكرر الاستعاذة من الشيطان الرجيم واللعنة عليه كالناسي ليتذكر ، ولم يزل يكرر ذلك حتىٰ أضجر من خلفه ، فقال له أحدهم : يا هذا ! لا ذنب للشيطان الرجيم هنا ، وإنّما أنت لا تعرف القراءة .
فيا أنستاس ! ليس الذنب للشعر ، وإنّما أنت لا تعرف أن تقرأ ، أو أنّ حظك من معرفة الشعر في منتهىٰ الضعف والركاكة ، فإنّ (شتىٰ) غير مضافة إلى (الحزازات) ، وإنّما هي خبر مقدّم والحزازات مبتدأ مؤخر وتقدير البيت هكذا : رأيتكم الحزازاتُ شتىٰ بينكم ، وهذه الجملة في موضع مفعول ثاني لرأيتكم .
1) قصيدة الشيخ (قدس سره) في مقدّمة ج 2 من الدين والإسلام البيت الثاني .
ويشهد الله العظيم أنّه لم يخطر على بالنا أنّ أحداً يذهب به خمود القريحة في الأدب إلى ذلك الوهم المعكوس ، فإنّ البيت ينهدم على قارئه بتلك الإضافة ويبقىٰ (رأيتكم) لغواً من الكلام ، بل ولا سنح لنا ذلك الاحتمال حتّى جائتنا (لغة العرب) به ولله درُّها .
ثمّ لو تنازلنا وجعلناه مضافاً ، قولك : « إنّ شتىٰ لا تضاف » ممنوع أشد المنع ، كيف وقد ورد في فصيح الشعر الجاهلي ؟ ! قال تأبّط شراً (1):
« كثير الهوىٰ شتىٰ النوى والمسالك » (2)
إنّي لمُهدٍ من ثنائي فقاصدٌ *** به لابن عمّ الصّدقِ شُمسِ بن مالكِ
وصدره :
قليل التشكّي للملمّ يصيبه *** کثیر الهویٰ
راجع : شرح الحماسة للأعلم الشنتمري : ج 1 ص 256 .
.راجع المعجمات تجد ، وهذا إبراهيم بن العباس الصولي (3)وهو باقعة (4)في البلاغة ، وربّ من أرباب الفصاحة ، وأحد شعراء الحماسة
1) تأبّط شرّاً : هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب ... بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار ، سُمِّي تأبّط شرّاً ؛ لأنّ أمّه رأته وهو خارج يتأبّط سيفه ، فقالت لمن سألها عنه : لا أدري تأبّط شرّاً وخرج ، وقيل غير ذلك في تسميته ، كان أحد أشجع الصعاليك وأفرسهم عدّاءً مشهوراً ، قُتل بعد خاله الشنفرىٰ سنة 80 أو 92 ق . ه- . (معجم الشعراء الجاهليّين : ص 64) .
2) عجز بيت من قصيدة قالها تأبّط شراً ، مطلعها :
3) إبراهيم بن العبّاس بن محمّد بن صول 176 - 243 ه- أبو إسحاق : كاتب العراق في عصره ، أصله من خراسان ، وكان جدّه من رجال الدولة العباسيّة ودعاتها ، نشأ إبراهيم في بغداد فتأدّب ، وقرّبه الخلفاء فكان كاتباً للمعتصم والواثق والمتوكّل ، تنقّل في الأعمال والدواوين إلىٰ أن مات متقلّداً ديوان الضياع والنفقات بسامراء ، قال المسعودي : لا يُعلم فيمن تقدّم وتأخر من الكُتّاب أشعر منه وكان يدّعي خؤولة العبّاس بن الأحنف الشاعر . (راجع : الأعلام للزركلي : ج 1 ص 45) .
4) الباقعة : الداهية ، والرجل البصير بالأمور . (لسان العرب : ج 1 ص 462 مادّة «بقعَ») .
يقول - كما في طبقات الأدباء للحموي :
أتيتك (شتىٰ الرأي) لا بس حَيرَةٍ *** فشددتني حتّىٰ رأيت العواقبا (1)
ثمّ سلمنا كلّ ذلك ، ولكن أين الألف واللام في شتىٰ ؟
نعم ، يحكى : أنّ بعض الملوك ممن آتاه الله من الدنيا فضولاً ، وحرمه معقولاً ، رأى على إحدى شُرَف قصره غراباً فحسبه فرساً فقال : عليَّ برئيس بيت الطبخ ، فلمّا أحضر بين يديه جعل يلكمه ويشتمه قائلاً : لماذا أهملت حتّى تركت الفرس يخرج من الاصطبل ، فقال له ذلك المهين : هبْ أيّها الملك ! إنّه لا بصيرة لك تميز بها أنّني لست المسؤول بالخيل والدواب وإنّما المسؤول بها أمير الاصطبل ، ولكن ماذا غشّىٰ على بصرك حتّىٰ صرت لا تميز بين الغراب والفرس ؟ !
وأنت يا أنستاس ! ماذا أصاب بصرك فعدت لا تبصر أنّ (أل) إنّما هي داخله على (الحزازات) لا علىٰ (شتىٰ) ولكنّها الحزازات يا أنستاس تعمل فوق ما هنالك ، وهي التي كنت أخافها عليك وعلى أمثالك .
نعم ، والتحذير منها كان هو الشعر والشعور في الأبيات التي أتيت تزعم أن ليس فيها شيء من الشعر والشعور ، ثمّ قال : ( التضارب بالوهم) في قولنا : ( وما بينكم غير التضارب بالوهم) (2)، من باب المجاز ضعيف غير مأنوس يا أنستاس ! إن الذي أدنىٰ طرفي قوس الوهم عليك ، هو أنسك بهذه الاستعارات والمجازات ، وإذا كان للوهم قوس وله طرفان كما استعملته أنت في هذا العدد نفسه صفحة 558 فلماذا يكون التضارب به ضعيفاً غير مأنوس ؟! ولكنكم تحلّونه تارة وتحرمونه اخرىٰ ، وتبصرون
القذىٰ ، وتغفلون عن الجذع ، ثمّ أخذ علينا قولنا :
فأهديتكم بالود نُصحي قائلاً : *** عليكم سلامي دايباً (كذا) ولكم سلمي (1)
فقال : وعندي أنّ (بالودّ نصحي) ضعيف ، وإن كان يجوز من باب زيادة الباء كما هو مشهور .
يا أنستاس ! عذرناك فيما إذا غلطت في فهم المعنىٰ من جهة الغلط في القراءة كما في (شتىٰ الحزازات) ، ولكن ما أدري بأي عذر نعتذر عنك في مثل هذا الذي لا يخفىٰ على أوائل المبتدئين فخذ إليك إعراب البيت ولا تجدنا إلّا صابرين على حكم الدهر إذ نعود كيوم كنّا نقرأ المبادي في النحو ، ونعرب شواهدها .
نعم ، ( أهديتكم) - وليتني لا أهديتكم - فعل وفاعل ومفعول أوّل ، و (بالود) ظرف متعلق به و (الباء) ليست زائدة كما حسبت ، بل هي سببيّة مثلها في قوله تعالىٰ : (فبما رحمة من الله لنت لهم) (2)و (نصحي) مفعول ثاني ل-(أهديتكم) ، و (قائلاً) حال وما بعده مقول القول ، هذا هو إعراب البيت الذي لا يفهم أحد غيره، وما أدري لو جعلنا (الباء) زائدة فلينظر أنستاس الفاضل ماذا يكون الحاصل ؟
نعم ، يا أنستاس ! الأمر أجلىٰ من أن يخفىٰ عليك ولكنك تلك التي :
تعدُّ عليّ الذنب إن ظفرت به *** وإن لم تجد جرماً عليّ تجرّم (3)
ثمّ إنّ أكبر عدّة لأنستاس في الردّ والنقد علينا، والذي جاء يشوب ويروب (1)فيه هو رسمنا أحياناً للهمزة ياء مثل ( دايباً ولطايفي) وأمثالها من الهمزة المكسورة بعد الألف وقد أتانا بتهويل بلا تحصيل زاعماً أنّ ذلك مخالف لجميع الأصول المقررة عند النحاة وليته أشار إلى أصل واحد منها والذي نعهده أنّ الهمزة إذا وقعت مكسورة بعد الألف جاز رسمها بالهمزة أو بالياء ؛ لمناسبتها للكسر .
ويخطر لي أن أحد علماء العربية كالقالي (2)
(الأعلام - للزركلي - : ج 1 ص 321) .
في «أماليه» أو المبرد (3)في «كامله» (4)قد أشار إلىٰ ذلك في بعض مستطرداته ولا تحضرني تلك الكتب لأجدد العهد بها وأكون على يقين من وجودها أو عدمها ، بید أنّه لا يسعفني الوقت باستحضارها ، فقد سطرت هذه النُتف وأنا1) يشوب ويروب : أي يخلط الماء باللبن : يضرب مثلاً للذي يخطئ ويصيب ، ويروىٰ (هو يشوب ولا يروب) قاله الاصمعي (جمهرة الأمثال : ج 2 ص 421 ، و مجمع الأمثال ج 3 ص 495 ، والمستقصى من أمثال العرب : ج 2 ص 413) .
2) أبو علي القالي ( 288 - 356 ه-) هو اسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسىٰ بن محمّد بن سلمان ، أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب ، ولد ونشأ في منازجرد علىٰ الفرات الشرقي بقرب بحيرة (وان) ، ورحل إلىٰ العراق ، فتعلّم في بغداد ، وأقام 25 سنة ، ثمّ رحل إلىٰ المغرب سنة 328 ه- ، فدخل قرطبة أيّام عبد الرحمن الناصر واستوطنها ، وأحبه وقرّبه ابن الناصر الحكم المستنصر ، ونشطه علىٰ التأليف بواسع العطاء ، ومات أبو على في أيامه بقرطبة . من أشهر تصانيفه كتاب (النوادر) و (الأمالي) في الأخبار والأشعار ، وله كتاب (البارع) في اللّغة وغيرها كثير .
3) المبرّد : 210 - 286 ه- : هو محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي ، أبو العباس ، المعروف بالمبرّد : إمام العربيّة ببغداد في زمنه ، وأحد أئمّة الأدب والأخبار ، مولده بالبصرة ووفاته ببغداد . أشهر كتبه (الكامل) في اللغة والأدب ، و(التعازي والمراثي) وغيرها . (الأعلام : ج 7 ص 144) .
4) كامل المبرد : ج 1 ص 299 .
على جناحي الطائر ، غريب دار ، وأسير أسفار ، نعم كان بقايا حفظي أنّ ذلك الرسم يوجد في الخطوط القديمة التي يعوّل عليها وكان إلى جنبي ساعتي هذه كتابٌ نادر الوجود ، وهو كتاب «سلوة العارفين وأنس المشتاقين» تأليف أبي خلف محمّد بن عبد الملك بن محمّد (1)السلمي الطبري (2)
(راجع ترجمته في : طبقات الشافعية الكبرىٰ : ج 4 ص 179 ، ومعجم المؤلفين : ج 3 ص 464) .
وهو من الكتب النفيسة في موضوعه وآخره وإن كان ساقطاً ولكن يظهر من أسلوب خطّه أنّه من خطوط القرن السادس من الهجرة أو السابع وخطّه في غاية الإتقان والجودة من خطوط تلك العصور وأكثر ما يكتب تلك الهمزة ياءً .نموذج ذلك ما حرفه ، قال سهل بن عبد الله : «خير الناس المؤمنون وخير المؤمنين العلماء وخير العلماء الخايفون وخير الخايفين المخلصون وخير المخلصين الذين وصلوا إخلاصهم بالموت»، وأمثال ذلك كثير
1) الظاهر أنّه تصحيف والصحيح هو ابن خلف كما في : طبقات الشافعية الكبرىٰ : ج 4 ص 179 ، 179 ، ومعجم المؤلفين : ج 3 ص 464 .
2) محمّد بن عبد الملك بن خلف ، أبو خلف الطبري السلمي ت 470 ه- . تفقه على الشيخين : القفال ، وأبي منصور البغدادي ، وكان فقيهاً أصولياً ، قال السبكي : وقفت لهُ على كتاب (سلوة العارفين وأنس المشتاقين) في التصوف وهو كتاب جليل في بابه ، أعجبت به جداً ، صنّفه للرئيس أبي علي حسان بن سعيد المنيعي ، ورتّبه على اثنين وسبعين باباً أوّلها في معنىٰ التصوف ، وآخرها على بيان طبقات الصوفية وتراجمهم ، وما أراه إلّاحاكي رسالة أبي القاسم القشيري ، ولعل خمول هذا الكتاب بهذا السبب ، وإلّا فهو حسن جداً ولم أقف منه قط إلّا على النسخة التي قدّمها هو للمنيعي نفسها وهو خط مليح مضبوط ، وقفها الملك الأشرف موسىٰ في خزانة كتبه ، بدار الحديث الأشرفية (بدمشق) وقد خاض أبو خلف في هذا الكتاب مع الصوفية في أحوالهم ، وأبان عن معرفة جيدة بهذه الطريقة ، وتكيف بها .
يضيق عن حصره المقام .
ومثله كتاب (خطب ابن نباتة) (1)
ولهذه الخطب شروح ، منها شرح أبي البقاء عبدالله بن حسين العكبري ت 616ه- وشرح موفق الدين عبد اللطيف ابن يوسف البغدادي ت 629 ، وشرح تاج الدين أبي اليمن زيد بن حسن الكندي المتوفى 613 ه- فيه اشكالات أجاب عنها موفق الدين ، وشرح عثمان بن يوسف القليوبي المتوفي سنة 644 ه- ومن شروحه ، روضة الناصحين للنسفي .
(راجع : وفيات الأعيان : ج 3 ص 156 - 157 ، كشف الظنون لحاجي خليفة : ج 1 ص 714) .
الشایعة ولكنّها بخط خليل بن أيبك الصفدي (2)(راجع ترجمته في الأعلام : ج 2 ص 315) .
الكاتب البارع الشهير وخطّه كما يوجد الكثير منه في العراق في غاية الحسن والإبداع وهو لا يكتب تلك الهمزة إلّا ياءً إلّا ما ندر مثال ذلك ما نصّه :(الدنيا دوايرها دايرة وتجايرها بايرة) ، وتاريخ نسخها سنة سبعمئة وثمانية عشر ، ثمّ هب أنّه غلط في النسخ والإملاء ، ولكنّه ليس بأمر ذي بال يقتضي كلّ ذلك الصخب واللجب ، والرقص والطرب .
ثمّ إن حضرة الأديب أنستاس لا يزال يتذمر من التكرير ولكن إلّا في
1) خطب ابن نباتة في الأدبيات لأبي يحيىٰ عبد الرحيم بن محمّد الفارقي المتوفىٰ سنة 374 ه- ، كان خطيب حلب ، وبها اجتمع مع أبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة ، وكان سيف الدولة كثير الغزوات ، فكثرت خطبه في الجهاد ليحضّ الناس علىٰ نصر سيف الدولة. ونباتة بضم النون وفتح الباء .
2) صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي ت 764 ه- . أديب مؤرخ كثير التصانيف الممتعة ، ولد بصفد (بفلسطين) وإليها نسبته ، وتعلم في دمشق فعانىٰ صناعة الرسم فمهر بها ، ثمّ ولع بالأدب وتراجم الأعيان ، وتولىٰ ديوان الإنشاء في صفد ومصر وحلب ثمّ وكالة بيت المال في دمشق ، فتوفي فيها . له زهاء مئتي مصنّف ، منها الوافي بالوفيات كبير جداً في التراجم وغيرها .
القذع والتعيير ، فكأنّه يراه ضربة لازب ، فإنّه بعد أن ذكر أن الأبيات ركيكة لا شيء فيها من الشعر والشعور عاد ثانياً ، فقال : « ولا سيما لأننا لا نرى فيه سوى نظم فارغ ، بل أفرغ من فؤاد أم موسىٰ ولا أثر فيه للشعر ... » إلىٰ آخره .
وقد وجب علينا هنا ان نعرّف انستاس النظم الركيك الفارغ ، والشعر الخالي من الشعور ، يا أنستاس ! هو ذلك الشعر الذي سوّدت به أوجهاً من (لغة العرب) وأبقيته لمن بعدنا عاراً على العراق والعراقيين ذاك مثل ما في الجزء الثامن من سنتها الثانية صفحة 328 الذي منه :
جعلت ذكراك ذكري كي اذكر ما *** بي من مذكر تأنيث الجوىٰ السقم (1)
فلينظر الأدباء ما معنىٰ هذا البيت وكيف وزنه وسبكه وما ذا فيه من الشعور الذي تتحراه في النثر (لغة العرب) وتعيب الخالي منه ؟! ثمّ في تلك الصفحة قول ذلك القائل :
من درة في شعره من جوهر *** في نثره متلألئ اللألاء
شكراً لمجلس سيدي عثمان مذ *** بجلوسه مستجلب الآلاء (2)
وفي الجزء الذي قبله صفحة 280 قول القائل :
أقولُ للواكفِ المنهلّ من مقلتي(كذا) *** اكفف لتنجو من مجراه جرعاكِ (3)
1) البيت من مجموعة أبيات للشيخ محمّد سعيد السويدي المتوفّىٰ 1808 م . (مجلة لغة العرب المجلد الثاني السنة الثانية ج 8 ص 328) .
2) البيتان من مجموعة أبيات للشيخ محمّد سعيد السويدي المتوفّىٰ 1808 م . (مجلة لغة العرب المجلد الثاني السنة الثانية ج 8 ص 328) .
3) البيت من قصيدة للشاعر عبد الرحمن السويدي المتوفّىٰ سنة 1786 م حيث أرسلها من الشام إلىٰ صديق له في بغداد . (مجلة لغة العرب - السنة الثانية - المجلد الثاني - ج 7 ص 280) .
وأنت إذا نظرت إلىٰ هذه الأبيات تعرف لا محالة مقدار شعور (لغة العرب) وحظها من الشعر والأدب في نشرها لمثل هذه السبائك الذهبية واختياراتها الأدبية انظر طليعتها إذ يقول :
لولاك يا بلد الزوراء لولاك *** ما أحرق القلب مني شجو شجواك
انظر ما ألطف (شجو شجواك) ومثله ما بعده :
سقىٰ أديم الثرى منك الحيا وحيت *** سحب الكرائم في التكريم محياك
انظر ما أفصح قوله (وحيت) وأفصح منه ما بعده :
واخضر ربعك من دون الربيع ولا *** زالت زهورك في صيف ومشتاك
ما أبدع هذا العطف (مشتاك) وأظرفه ، وأظرف منه قوله :
شتان ما بين بغداد وجُلق مع *** إقعاد حظي فحظي مدمع الباكي
هذا هو النظم الذي أخذ كلّ حظ من الشعر والشعور الذي يتطلّبه أنستاس ، وهلمّ جرا إلى آخر الأبيات ثمّ انظر في العدد الذي قبله صفحة 222 (تهيأ لأشجانٍ بقلبك حلت) إلىٰ آخره ، وبعدها (إلى مَ تطلب الجدّ) هنالك ترى عجائب الشعر .
وإذا كان اختيار المرء قطعة من عقله على حدّ قوله :
قد عرفناك باختيارك اذ كا *** ن دليلاً على اللبيب اختياره (1)
فقد عرفناك يا أنستاس ! باختيارك وعليه فلا غضاضة لو قلت : « إنّ تلك الأبيات خالية من كلّ شعر وشعور » ، أيُّ شعور تريد وأي لطايف روحانية تسأل عنها أحسن ممّا اشتملت عليه تلك الأبيات في قولها :
خذوا ظاهراً من صورتي فضميرها *** تصوّر من روح التحنُّن والرَّحمِ
يودُّ لو أنّ الأرض تُصْبحُ جنّة *** تفيؤكُمْ ظلَّ السلامة والسِّلم
وقولها :
حناناً على هذي النفوس فإنّها *** سماوية من رشح ذيالك اليم
ثمّ كفاك منها :
تخارس إذا الآذان صمت عن الدعا *** فأضيع شيء دعوة الصمّ والبُكمِ
إذا كانت الأفعال نثراً نظامها *** فلا خير في نثر المقالات والنَّظمِ
وفيها :
إليكم بني الأديان مني دعوة *** دعوتكم فيها إلى الشرف الجمِّ
إلى السِّلم فيكم والتساهل بينكم *** فيا حبّذا شرع التساهل والسلم
إلى قوله :
1) لم نعثر عليه فيما بین أيدينا من المصادر .
نظمت لكم أفلاذ قلبي بدعوتي *** وأفرغتُها عن قالب الحبّ والحلم
أريد بكم خيراً وتنحو لشرِّها *** نفوس على رغم الحقيقة أو رغمي
يقولون : إنّ الدين فرّق بيننا *** فيا لك من حيف ويا لك من ظلم (1)
فيا لله وللمماحكة والبهتان ، ولمباهتة العيان ، أفحقّاً ما تقول يا أنستاس ! أن ليس في هذه الأبيات شيء من الشعر والشعور ، أم كقولهم :
« من لا يعرف الفقه قد صنّف فيه » (2).
نعم ، لا أكتمك يا أنستاس ! وأقول لك بكل صراحة : إنّك تلز (3)نفسك بالشعر والأدب ولست على شيء منها وإلّا لترفعت (بلغة العرب) عن نشر مثل تلك الممخرقات ، ولعرفت أن : ( أقول للواكف المنهل من مقلتي ) البيت ، غير مستقيم الوزن ولا محصل المعنىٰ وكذا سائر ما تنشره من الشعر ولكن كان الله عوناً (للغة العرب) على شدّة عنائها من حلفائها ومدّعي ولائها ، فضلاً عن أعدائها .
ثمّ إنّ (أنستاس) بعد أن استهدف تلك الأبيات التي لم يكن لها شيء من الشأن ولا الشعر من مهنتنا ، ولا هو من همّنا ، وإنّما هي بويتات
1) القصيدة في مقدّمة الجزء الثاني من الدين والإسلام .
2) ذكر هذا القول سعد الدين التفتازاني في مختصر المعاني ص 52 ، ولفظه (أنّ الذي لا يحسن معرفة الفقه قد صنّف فيه ) ، ولم ينسبه لأحد .
3) اللز : لزوم الشيء بالشيء ،يقال : لزّ الشيء بالشيء لِزّاً وألزّه : ألزمه إيّاه . (لسان العرب ج 12 ص 271 مادّة «لَزَزَ») .
وضعناها خارج الكتاب في ورقة لو نزعت وألقيت لم تكن لتخل في عدد صفحاته ولا في مواضيعه ، فما كان يلزم كلّ هذا الاستهداف لها والتحامل عليها ، والعناية في نقدها وردّها ، ولا سيما لأنستاس الذي يريد السير سريعاً راكباً أجنحة البخار أو وميض البرق كما تشهد له بذلك كلّ مقالاته وبالأخص (لغة العرب) ولكن شاءت له الأغراض الخاصّة أن يقف هنا على الأبيات : (وقوف شحيح ضاع في التُّرب خاتمه) (1)
من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ؛ وهي أوّل ما أنشده سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة عند نزوله أنطاكية من ظفره بحصن بَرزويه ومطلعها : وفاؤكما كالربع أشجاه طاسِمه *** بأن تسعدا والدمع اشفاه ساجمه
ديوان المتنبي بشرح البرقوقي : ج 4 ص 46 .
.أو يمشي مشية ابن الصمّة (2):
قصير الخطو يحسب من رآني *** ولست مقيداً أمشي بقيد (3)
حنتني حانيات الدَّهر حتّىٰ *** كأنّي خاتِلٌ يدنو لصید
وذكر البيت أبو علي القالي في أماليه : ج 1 ص 110 ، وفي حماسة البحتري : ص 294 ، وكتاب المعمرين من العرب للسجستاني- : ص 64 .
نعم ، بعد أن برّد حرارة قلبه ، وحزازات صدره وما أدري هل بردت أم لا ؟ شرع في جهة الموضوع ، وأبدع في النقد ما شآء ، وأنصف الحقيقة
1) عجز بيت للمتنبي وصدره : بليت بلى الاطلال إن لم أقف بها .
2) هو دريد بن الصمّة من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن الشاعر والفارس الجاهلي المعروف ، شهد حنين مع هوازن وهو شيخ كبير وقتل يومئذ في من قتل مع المشركين ، له أشعار وأخبار كثيرة في كتب الأدب ، وإنّما ضرب الشيخ المثل بمشيته ؛ لأنّه لما أسنّ جعل له قومه بيتاً منفرداً ووكّلوا به أمةً تخدمه ، فكانت إذا أرادت أن تبعد في حاجةٍ قيّدته بقيد الفرس . (الأغاني : ج 10 ص 5 50) .
3) البيت لأبي الطمحان القيني واسمه حنظلة بن الشرقي ت 30 ه- كما في الاغاني : ج 12 ص 403 ، وقبله :
والوجدان ، فقال : «وأمّا من جهة الموضوع فإنّ حضرة صديقنا ووطنينا أرصد هذا الجزء (للنبوّة) وفي مطاوي البحث خرج إلى مواضيع شتىٰ ذكر فيها نُتفاً من جميع العلوم العقلية والنقلية ، الأصلية والفرعية ، الطبيعية والغيبية ، المعروفة والمجهولة ، الغريبة والمألوفة ... » إلىٰ آخره . ولكني أقف هنا وأقول أفما كان الأحرىٰ بالفضيلة والأجدر بنواميس الشرف أن يقف الكاتب على واحدة من تلك المباحث عقلية أو نقلية أو غيرها ، وينقدها نقداً علمياً ، أو يستدرك شيئاً عليها ، أو يبدي رأيه فيها أو غير ذلك من المناحي المفيدة الخالية من لوث كلّ غرض ، وشوب كلّ سوء ؟ ! أفما كان هذا السبيل أسجح (1)وأربح من تسويد وجهين من (لغة العرب) بما لا فائدة فيه للقرّاء سوىٰ تمثيل روح العصبية والهوىٰ ؟! .
فإنّه بعد أن ذكر أنّ الكتاب يشتمل على نُتَف من تلك العلوم والموسوعات ، ماذا بنى على ذلك ؟ وما ذا سمح له جوهر ذاته أن يقول ؟ ، لم يسمح له طبعه الكريم ، وجوهره السليم ، إلّا أن قال : « حتّىٰ إنّ المطالع لا يأتي على صفحات إلّا ويتصوّر أمامه فلك نوح علیه السلام ، الذي كان فيه زوج من أصناف جميع الحيوانات من طاهرة ومن نجسة ... » إلىٰ آخره .
أما وربك يا أنستاس ! لقد عزّ عليّ أن يسيئك (الدين والإسلام) هذه المساءة ، التي أخرجتك من حدود الأدب والحشمة إلى البذاءة ، وأشدّ من ذلك أسفي على (لغة العرب) التي أصبحت تلوّثها وهي الطاهرة ، وتعيث بها وهي الصالحة .
أمّا أنا فلا جواب لك عندي هنا إلّا بتعليم كتابنا الكريم : ( سلام
1) أسجح : ألين وأسهل . (لسان العرب : ج 6 ص 174 ، مادّة « سجح ») .
عليكم لا نبتغي الجاهلين ) (1)سامحنا الله يا أنستاس ! وعفا عنّا فإنّه أهل ذلك ، وإن لم نكن أهلاً له .
ثمّ قال : « نعم إنّ أجدادنا العرب الأقدمين كانوا يجرون في هذه الطريق لقربهم من عهد نوح » .
شُكِرَتْ مساعيك يا أنستاس ! عن الشعوبية وحقّ (للغة العرب) أن تشهد لقومها بهذه المزايا والمآثر ، قضاءً للغيرة القومية والعاطفة الجنسية .
ثمّ ما أدري أي قرب بين أجدادنا العرب وعهد نوح علیه السلام وبينهم أكثر من خمسة آلاف سنة ، فللّٰه تضلُّعك بالآداب والتاريخ ! لا وكلّا يا أنستاس ! ولكنّه التعصب الأصم ، والغرض الأعمىٰ ، وعبثاً كنت أحاول وأرتقب إنصافك لي واعتدال خطتك معي ، وكيف وأنّي عربي وشعوبي ، ومسلم ومسيحي ، وعراقي وشئآمي ؟!
(عمرك الله كيف يجتمعان) (2)
أيّها المنكح الثريا سهيلاً *** عَمرك الله كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استقلت *** وسهيل إذا استقلّ يماني
اٝنظر : الشعر والشعراء : ج 2 ص 558 ، الأغاني : ج 1 ص 131، جمهرة أنساب العرب لابن حزم : ص 76 ، وفي الأخيرين (يلتقيان) ، وراجع ديوانه ص 587 .
، لا وأستغفر الله إن هذا إلّا شعرٌ ولا شعور وإلّا فلأنستاس من الحملات الشعواء على ابن جلدته ودينه الأب(لويس شيخو) (1)
(راجع اعلام الزركلي : ج 5 ص 246 ، ومعجم المؤلفين ج 2 ص 679) .
وعلى مجلته (المشرق) التي كانت لأنستاس القبلة والمصلىٰ ، والآخرة والأولىٰ ، ثمّ أصبح اليوم مشنّاً لغاراته ، وهدفاً لأوجع ضرباته له من الحملات عليه ما يهوّن علينا ما لقيناه منه . راجع نفس العدد (12) الذي نتكلم عنه وانظر نقوده على لويس شيخو في رحلته إلى بغداد ترَ العجب !والغريب أنّه يناقشه في تسميته السيّد بالشيخ مثلاً مع أنّ أنستاس في آخر العدد (11) الذي قبله في فتاوىٰ علماء العراق في حرب البلقان ، حرّف وصحّف في أسماء الأعلام بما يضحك الثكلىٰ لمن يعرفهم ، هذا وهم بين سمعه وبصره أكثر عمره ، ولكن أنستاس أبىٰ إلّا أن ينظر القذى في عين أخيه ويغفل عن الجذع في عينه .
ولكن ليت شعري ، ولعمري إن كانت الصحف والمجلات وأبواب المشارفة والانتقاد قد وضعت تلك وفتحت هذه لمثل تلك الأمور التافهة ، والمناقشات الباردة ، فليتها لا كانت ولم تكن وحبّذا لو أنّها ما وضعت ولا
1) لويس شيخو اليسوعي (1859 - 1927م) : منشئ مجلّة المشرق في بيروت ، وأحد المؤلفين المكثرين ، كان اسمه قبل الرهبنة (رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب شيخو) ولد في ماردين بالجزيرة الفراتية ، وانتقل إلى الشام يافعاً في مدرسة الآباء اليسوعيين في غزير بلبنان وانتظم في سلك الرهبانية اليسوعية سنة 1874م ، وتنقل في بلاد اوربا والشرق فاطلع على ما في الخزائن من كتب العرب ، ونسخ واستنسخ كثيراً منها ، وحمله إلى الخزانة اليسوعية في بيروت ، وانصرف إلى تعليم الآداب العربية في كلّية القديس يوسف ، ثمّ انشأ مجلّة (المشرق) سنة 1898م فاستمر يكتب أكثر مقالاتها مدّة خمس وعشرين سنة ، وكان همّه في كلّ ما يكتب أو في معظمه ، خدّمة طائفته ، وتوفي في بيروت ، من تصانيفه الكثيرة : مجاني الادب في عشرة أجزاء ، شعراء النصرانية ، النصرانية وآدابها ، بين عرب الجاهلية ، وغيرها .
طبعت ، هذا لو نظرناها من وجهة ذاتها المجرّدة ، أما لو تحسسنا بما تنثره من بذور الشقاق، وما تفسده بذلك من أخلاق الناشئة ، فهناك الهواء الموبئ والأدواء المهلكة ، والجراثيم القاتلة .
وقصاراي من جميع ما جرني القول إليه وإن لم يكن من القصد إيضاح رذيلة التعصب إلى نفسي ولطلاب الفضيلة، عسىٰ أن يعصمنا الله منها ، ويبعد بأنفسنا عنها ، فإنّها وربّك العظيم لمن أكبر رزايانا، وأعظم مصائبنا .
ثمّ من جميع ما تلوناه عليك تجلىٰ بادها لديك ، أنّ القلم الذي يحرر في تلك التي أسمت نفسها ب- (لغة العرب) ، قلم يحركه الهوىٰ ، ويعمل فيه التعصب، ويدفعه الغرض ، توسلاً إلى أسرار لا يبيح لنا كرم النفس ، وسلامة الذات ، أن نصحر (1)بها ، إلّا متىٰ وجدناها أوشكت أن تضر بمجموعنا ، وتمسّ روح عواطفنا .
وهذا الذي ذكرناه من كلّ ما تقدّم هو الذي سوّغ لأنفسنا الجواب عليه والتعرض له ، ممّا عليه مسحة علمية وصورة أدبية .
أمّا ما تحامل به ذاك الصحافي في غير هذا المقام علينا، وعلى من ليس له سابقة سوء أو خير معه من عظمائنا ، فذاك لا نذكره ، بل ولا يليق بنا ان نذكره سوىٰ أنني أكتفي بكلمة واحدة ؛ هي أنّه إذا كان في عزم أنستاس أن يحوّر باب النقد والمشارفة إلى القدح في أساطين الدين وأكابر المسلمين ، وجرح عواطف من يأخذ بحجزتهم (2)من الخاصّة والعامّة ،
1) أصْحَرَ بأمره : كشفه وأوضحه ، مأخوذ من أصحر القوم : إذا برزوا إلىٰ الصحراء حيث لا يواريهم شيء . (لسان العرب : ج 7 ص 289 مادّة «صَحَرَ») .
2) الحُجْزةُ : موضع شدّ الإزار في الأصل ، ثمّ استعيرت للاعتصام والالتجاء ، فيقال : أخذت بحجزته : أي اعتصم به والتجأ إليه مستجيراً . (لسان العرب : ج 8 ص 43 مادّة «حجز» ، تاج العروس : ج 8 ص 42 - 44)
فنحن نهنيه على هذه الخطّة ، ونبارك له في هذه الطريقة ، ثمّ أنا البشير إليه أن سوف يجد من سفلة الناس ، وأوباش البشر ، أعواناً وأنصاراً ، أولئك الذين يتَّجرون بالسباب ويعيشون بالشتائم ، أولئك الذين هم على ما وصفهم ربّهم في قوله تعالىٰ : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإنْ أعطوا منها رضوا وإنْ لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) (1)، لا بل يسبّون ويشتمون ، لا بل يكفرون ويلحدون ، فإن شاء أنستاس أن يعترض بين السهم والهدف، ويدخل بين العصا ولحائها، ويتلقىٰ تلك المؤتفكات (2)بصدر رحيب من صحيفته فينشرها على عواهنها (3)وهناتها (4)، فنعماه بذلك ثمّ نعماه ! ، فقد ظفر ببغيته، ووقع على أقصىٰ قصده وغاية سعيه ، وبشرى أولئك الذين يخرّبون بيوتهم بأيديهم ، ليملؤا أكراش بطونهم إلى تراقيهم .
وأمّا وعزة الحقّ ، إنّني لو شئت الانتصار والمشيئة لله لأشقحنّ (5)تلك الزقاق المنفوخة ، والشِّنان (6)الفارغة إلّا من اللّؤم
1) سورة التوبة 9 : 58 .
2) المؤتفكات : الرياح تختلف مهابها ، والرياح التي تقلب الارض ، علىٰ الاستعارة هنا . (لسان العرب : ج 1 ص 166 167 مادّة «أفَكَ») .
3) يقال : ألقىٰ الكلام علىٰ عواهنه : إذا تهاون به ولم يتدبّره ، جمع العاهنة ؛ وهي في الأصل جريدة النخل إذا يبست ، وقيل هو من قولك : عَهِنَ له كذا : أي عَجِلَ . (لسان العرب : ج 9 ص 455 مادّة «عَهَنَ») .
4) الهنات : الشرور والمفاسد . (لسان العرب : ج 15 ص 150 مادّة «هنا») .
5) شقح الشيء: كسره شقّاً.(لسان العرب: ج 7 ص 160 مادّة «شقَحَ»).
6) الشِّنان : جمع الشَّنِّ ، وهي القربة الخَلَقُ . (لسان العرب ج 7 ص 218 مادّة «شَنَنَ») .
والشنآن (1).
لو شئت لأشقحنَّها شَقْحَ الجوزة بالجندل ، وأرضخنّها رضخْ الطينة على الصفا (2)ولكن يأبىٰ الله لي والشرف ذلك ، فما كلّ فعّالٍ يُجازیٰ بفعله ، ولا كلّ قوّال يجاب عن قوله نعم :
أصمُّ عن الكلم الفاحشات *** وأحلم والحِلم بي أشبهُ
إذا ما اجتررت سفاه السَّفيه *** عليَّ فإنّي إذاً أسفه (3)
وكأنّ أنستاس قد أحس في هذه الأواخر بحملاته الشعواء العدائية التي تجسم للعيان روح التعصب وتحمل أمام الأنام هيكل التحامل على القريب منه والبعيد ، فلذلك سخَّر قلم بعض من يقارضه الثناء والولاء من ناهضته (4)وحاشيته ، فلزّه إلى أن ينشر في (المقتطف) (5)ما أقصىٰ الغرض منه تبرئة (لغة العرب) من تلك الشّية (6)الشائنة ، والسمة الفاضحة (وكفىٰ برغائها مناديا ) (7).
1) الشنآن : البغض . (لسان العرب : ج 7 ص 207 مادّة «شنأ») .
2) الصفا : الصخرة الملساء . (لسان العرب : ج 7 ص 371 مادّة «صفا») .
3) ينسب هذان البيتان لأمير المؤمنين علیه السلام ، كما جاء في الديوان : ص 206 ، والعقد الفريد : ج 1 ص 59 ، ومطالب السوؤل : ص 63 .
4) ناهضة الرجل : قومه الذين ينهض بهم فيما يحزنه من الأمور . (لسان العرب : ج 14 ص 307 مادّة «نَهَضَ») .
5) راجع ص 190 .
6) الشّية : سواد في بياض أو بياض في سواد ، وقيل : هو كلّ لون يخالف معظم لون الجسد في جميع الدّوابّ ، والنمام يشي الكذب : أي يلوّنه ويزيّنه . (لسان العرب : ج 15 ص 312 مادّة «وشي») .
7) يضرب مثلاً للشيء تكتفي بمنظره عن تعرّف حاله . (جمهرة الامثال : ج 2 ص 151 ، ومجمع الامثال : ج 3 ص 22 ، والمستقصىٰ : ج 2 ص 221) .
فقال ذلك الكاتب في مقالة يُقرِّضُ بها (لغة العرب) عبطة (1)من غیر علّة حادثة ولا سبب والمريب يكاد يقول : خذوني (2)
هيهات لا تخفىٰ علامات الهوىٰ *** كاد المريب بأن يقول : خذوني
من قصيدة مطلعها :
أبي جفون معذبي وجفوني *** فهي التي جلبت إليّ منوني
دیوان ابن سهل : ص 223 .
يقول في تلك المقالة : إلّا أنّها أي (لغة العرب) والحالة هذه قد أضافت إلى ذلك عدم التخلّف عن الطريقة المثلىٰ التي رسمتها لنفسها ؛ ألا وهي التجافي عن سبيل المماحكات والمشاحّات في تنوع أغراضها وتشعب أبحاثها ، لا سيما في ما عنّ لها في بعض التآليف العصرية من مواضع النظر دون أن يعترضها في ذلك إثرة ، أو يجذب أعنّتها الميل مع الهوىٰ ، انتهىٰ . هذا موضع قول الأرجاني (3):واعتد مغالطة العيان *** فإن أمر الناس إمرُ (4)
والبيت للأرجاني ، من قصيدة يمدح بها فخر الدين أبو منصور ومطلعها :
في الجيرة الغادين بدر *** وجه الظلام به أغرّ
ديوان الأرجاني : ج 2 ص 737 .
وأنت إذا أحطتَ خُبراً بما استطردناه وهو النزر من حال تلك
1) عبط عليه الكذب عَبطاً وعِبطةً : افتعله ، والعَبطُ : الكذب الصُّراح من غير عُذر . (لسان العرب : ج 9 ص 21 . مادّة عَبَطَ») .
2) مأخوذ من بيت لابن سهل الأندلسي ، وهو :
3) أحمد بن محمّد بن الحسين أبو بكر الارجاني ت 544 ه- : شاعر في شعره رقة وحكمة ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صباه بالمدرسة النظّامية باصبهان ، جمع ابنه بعض شعره في ديوان ط1 . ( راجع المنتظم : ج 10 ص 382 ، والاعلام : ج 1 ص 215) .
4) أمرٌ إمرٌ : عجيبٌ منكرٌ ، وقيل : العظيم الشنيع .
الصحيفة وصاحبها يتضح لك حال هذه الدعوىٰ ، وموقعها من الصدق والصحة ، والسلامة عن الميل مع الهوىٰ .
قاتل الله الإفك ما أقدرك أيّها الإنسان عليه وعلى مباغتة البديهة بالجحود والجدال بالباطل !
ولقد عزّ علي وربّ العزّة أن أخوض بقلمي هذه الأوحال ، وأكلِّفه سبر تلك الأحوال ، على أني على عادتي في كلّ ما أكتب - وعليك السَبْرُ - لا أكتب إلّا بصفتي مدافعاً لا مهاجماً ، ودارئاً لا بادئاً بيد أنّي سواء أجحفت أم اعتدلت لا أقول قول الحماسيّ :
فإنْ قُلتُم : إنّا ظَلمنا فلم نكن *** ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا (1)
بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما *** دفنتم بصحراء الغُمير القوافيا
(راجع : شرح الحماسة للأعلم الشمنتري : ج 1 ص 439 .
بل الجميل عني قول جميل :
وقالت لنا قولاً أجبنا بمثله *** لكل كلام يا بُثین جواب (2)
على أنّ قصاراي ، وأقصىٰ آمالي ومناي ، غايةٌ أخلاقية ، وأمنية اجتماعية ، ألا وهي تخفيف وطأة التعصب عنّا ، فإنّها أعيتنا وأبهضتنا وقعدت عن كلّ خير بنا ، فإن عجزنا عن تلاشيها فلا أقلّ من السعي في تخفيفها ، أو درء تزايدها وتكالبها .
نعم ، وإنّ بارقة من الأمل تنعش النفس الشِّعاع ، والروح المتلاشي وتَعِدها بنهضة عبّاد أولي بأس شديد من مسلمين ومسيحيّين يضعون بعزمة
اسكندرية (1)سداً بيننا وبين تيار تلك البلية التي طال عهد عهادها ، وارجحنت (2)طخياء (3)أعاصيرها ، واستحكمت في النفوس أسس دعائمها .
أولئك من زعماء الحقّ وراحة العباد والبلاد ، فلهم أحيي ، وإلى كعبتهم كعبة الحقيقة أصلي ، وعلى سنّتهم من الإنصاف والتساهل وطلب الحقّ أحيا وأموت إن شاء الله .
هذا ، ولولا منزلة (للغة العرب) عندي ، ومكانة لها ولصاحبها لديّ ، لما عنيت بها ولا أصخت (4)إليها ، ولا انحدرت إلى جوابها ، فإنّ غيرها من الصحف قد نقد علينا وبعضها شارك (لغة العرب) في الحياد عن السداد ، ولكن ما أهمنا أمرها ولا خطر على بالنا ذكرها .
وبالختام : فإنّ نصيحتي لكل من يريد أن يرتقي إلى ذلك الأوج المتعالي ، ويضع نفسه في موضع النقد والإشراف ، بعد أن أحسّ من نفسه أهلية هذا العمل بما لا يقوم إلّا به من المكانة في العلوم ، والبراعة في المبادي منها والغايات ، نصيحتي بل رجائي وملتمسي من أولئك أن يأخذوا بعرى الحزم ، وأسباب الحكمة ، وأمراس (5)النصف ، فيتدبروا القول ،
1) نسبة إلى الاسكندر والذي يقال : أنّه ذو القرنين الوارد ذكره في القرآن الكريم في سورة الكهف ، ومنها استعار الشيخ بعض الألفاظ ، وقصة بنائه للسد أشار إليها القرآن الكريم وذكرها أصحاب التفاسير والتواريخ .
2) ارجَحَنَّ الشيء : اهتز ، ومال . (لسان العرب : ج 5 ص 143 ، مادّة «رَجْحَنَ») .
3) الطخياء : ظلمة اللّيل ، وفي الصِّحاح : اللّيلة المظلمة . (لسان العرب : ج 8 ص 134 ، مادّة «طخا») .
4) أصاخ له إصاخة : استمع وأنصَتَ . (لسان العرب : ج 7 ص 450 ، مادّة «صيخ») .
5) الأمراس : جمعُ المَرَسة ؛ وهو الحبلُ لِتَمرُّس الأيدي به . (لسان العرب : ج 13 ص 77 ، مادّة «مَرَس») .
ويتريثوا في الحكم ، ويكون أكثر همهم ، وأكبر علمهم ، في التصحيح أكثر منه في الفساد ، وإلى التقويم أرغب منهم إلى الإسقاط وأن يكون جهدهم في نشر الحسنات لا في تكلّف السيئات، فإن وقفوا على ما يتراءىٰ لهم لحنهُ ، أو يبدو لهم فساده ، فليتطلبوا له الجوازات ، ويفحصوا له الوجوه والرُخص ، عسى أن يجدوا له مصرفاً في اللغة ، وجوازاً في العربية ، أو مساغاً في مسارح العلوم ، ومطارح العقول إن كان منها ليأمنوا من ملامة غير مليم، ومذمّة غير ذميم، فإن أعيى وتعذر ذلك وجب التنبيه عليه حرصاً على الفضيلة، وصوناً للحقيقة ، وتقديساً للعلم عن الكتمان ، ولكن كما يجب التنبيه عليه ، والإصحار به ، يجب أيضاً أن يكون ذلك بحكمة ، وعلى وجه اللطف والموادعة ، والحسنىٰ والمجاملة ، وبطريق اللباقة ، وحسن الصنيعة ، والإرشاد والدلالة ، لا على وجه الإيذاء والإقذاع ، والتشفي باشاعة الفحشاء ، إذ ليس الغرض إلّا خدمة العلم والحقيقة لا أن يثأر الإنسان لنفسه، وينتقم لغيظه ، ويتشفىٰ ممن جعله الهوىٰ والغرض عدواً له ، وهو أخوه من وجوه أكثرها جوهرية لا تدفع ، وثابتة لا تزول .
نعم ، وكلّ ذلك لا يتسنىٰ إلّا بما قلناه من رفع العصبية والشخصيات ، ورفض التحزبات والجنسيات، ولا سيما عند النقد والمناظرة ، والجدل والخصومة ، فهذه قبل كلّ شيء ، ( والنقد عند الحافرة ) (1)ثمّ : ( ولا تزر وازرة ) (2).
1) مثل يضرب معناه: النقد عند السبق، والحافرة الارض التي حفرها بقوائمه، وأصل المثل في الخيل ثمّ استعمل في غيرها ويقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أوّل كلمة أو عند أوّل ما التقوا (جمهرة الأمثال : ج 2 ص 310، ومجمع الامثال: ج 3 ص 378، ولسان العرب: ج 3 ص 237).
2) سورة الانعام 6 : 164 ، وآيات أُخَر .
فيا أيها الأفاضل ! . لا تحملوا على الكتب والآراء أوزار مؤلفيها ، ولا تؤاخذوها بتبعات قائليها ، ولا تجعلوها سبابة المتندم ، وحرفي الواحد الذي أجعله تمام الختام :
أيّها الناس ! إنّ كتبنا قلوبُنا لديكم ، فلا توسعوها هضماً . والسلام .
كان العزم على الوقوف عند هذا الحد من هذا الجزء ، ولكن حضرة الفاضل المحترم ( يوسف صادر ) (1)دام فضله استصوب تتميماً للفائدة بجمع كلّ ما دار وجرىٰ في ذلك المضمار، أن نلحق بما سبق تلك المقالات الثلاث لحضرة الفيلسوف ( الريحاني ) التي أشار إليها في كتابه الأخير صفحة 78 وقد نشرت إضمامة منها في (المهذب) ، وجليت سبيكة أخرى منها في (المراقب).
وها نحن نجلوها على أولي الفضل أفكاراً سامية ، وحكماً ناضجة ، وبذوراً طاهرة ، عسىٰ أن تقع في أرض طيبة ، وتربة صالحة فتورق وتثمر ، وتزهو وتزهر ، فلا يستهدفها الناظر لأوّل نظرة ، ولا يطعمها نيّ الفكر وفطير الفطرة ، بل يدعها أفكاره حتّىٰ تختمر وتنضج ، وتسمو في اللطف تلك وتعرج ، فهنالك فليأكل أكلاً شهياً وطعاماً هنياً مرياً إن شاء الله . (الأولىٰ) فى الجزء 55 من (المهذّب) الأغر .
1) يوسف بن إبراهیم صادر ، فاضل من أصحاب المطابع توفي ببيروت عام 1953م ، من آثاره زبدة الصنائع والفنون وغيرها . (معجم المؤلفين : ج 4 ص 140) .
[الأولىٰ]
صديقي الأعزّ (1)
إن لم تحاسب نفسك سراً ، حاسبك غيرك جهراً .
لي صديق من علماء المسلمين ، حرُّ الكلمة ، شديد العارضة ، كثير المعارضة ، لا يوارب (2)ولا يصانع ولا يحابي ، يصدق في الجدال ، ويصلب في القتال ، منيع عنيد مريد ، يؤمن بالله ، ولا يؤمن بسواه ، يخالف لا ليُعرف بل لينصف ويُنصف ، فينتزع الحقيقة من بين جنبيك اذا جُنّت على شيء هناك ، أو يريك أنّها بعيدة منك ، غريبة عنك ، وإنّ حياتك بدونها كالطل في الصحراء ، كالكتابة على الماء .
صديق من أعز الإصدقاء ، بل أعزهم وأيم الله لديَّ ، وأقربهم إليَّ ؛ إلى ذاتي المعنوية العلوية المجردة ، إلى قدس الأقداس فيها .
وهو لا يزورني إلّا في عثرة من عثرات النفس، أو كبوة من كبوات القلم ، أو سقطة من سقطات الفعل والعمل ، وقد جاءني منذ أيام يناقشني الحساب ، فسلّم وجلس ، وأشعل سيكارته وطلب فنجاناً من القهوة ، وبدأ باسم الله :
«لم أكن في المدينة ليلة خطبت خطبتك (روح الثورة) ، ولو كنت لما حضرت الحفلة ، لأنني أفضل قراءة المفيد من الخطب على استماعها ،
وبودي لو جعلت الحكومة ضريبة على الخطابة العصرية والدستورية وخطبائها المصاقيع (1)، إذ لست أرى فيها كبير فائدة .
الخطيب المليح الطلق ، الحسن البادرة، العالي الصوت ، الكثير الحركات والسكنات، يموّه ماشاء وما شاءت عنجهيته ، ويخبط في دقيق الأمور خَبْطَ عشواء (2)، فيسمعه القوم مرتاحين معجبين ، ويصفقون لنكتة باردة ، أو لطعنة صاردة (3)، وتفوتهم تمويهاته كلّها وما قد يتخلّلها من شذرات حقّ أو لمعات برهان .
والخطيب العالم الرصين الحصيف (4)يمله الناس ولا يعلق من خطبته ساعتين في أذهانهم غير كلمات الشكر للجمعية التي انتدبته وبعض عبارات الثناء على تأدبهم وكرم أخلاقهم وجميل صبرهم في الإصغاء إلى مثل معضلاته وترهاته .
الخطيب الأوّل ضرره أكثر من نفعه ، والخطيب الثاني لا يفيد قطعاً .
فاستأذن الأستاذ بكلمة فقال :
« أدركت لحنك ، لا الخطيب الأوّل أنت ولا الثاني ، يتّهمونك يا صاح
1) المصاقيع : جمع المِصقع ؛ وهو : البليغ الماهرُ في خطبته ، والصقع : رفع الصوت ، والبلاغة في الكلام والوقوع على المعاني . (لسان العرب : ج 7 ص 376 ، مادّة «صقَعَ») .
2) (يخبط خبط عشواء) مثل يضرب للمتهافت في الشيء ، والعشواء : الناقة الضعيفة البصر التي تضرب كلّ شيء أمامها . (مجمع الأمثال : ج 3 ص 520) .
3) الصاردة : النافذة، والصّرْدُ : الطعنُ النافذ . (لسان العرب : ج 7 ص 319 ، مادّة «صَرَدَ») .
4) الحصيف : الرجل المحكم العقل . (لسان العرب : ج 3 ص 206 ، مادّة «حصف») .
بالعلم وأنت بريء منه» .
فقلت وشأني في ذلك شأن شاعرنا المعري القائل :
يظنُّ بي اليسر والديانة والعلم *** وبيني وبينها حجب
أقررت بالجهل وادّعى فهمي *** قوم فأمري وأمرهم عجب (1)
من لي بأن أقيم في بلدٍ *** أُذكر فيه بغير ما يجب
اللزوميات : ج 1 ص 110 .
نعم ، « ويسمونك فيلسوفاً وما أنت بفيلسوف ، ويدعونك شاعراً وما في نثرك من الشعر ضائع ، والحقّ في ذلك عليك لا على الناس ، ولو شئت لاستطعت ان تكون واحد الثلاثة ، ولكنك طمّاع طمّاح ، لقد اشتغلت في درع نفسك الأيادي الثلاث ؛ يد العلم ويد الفلسفة ويد الشعر ، فبالغت في صناعتها وترصيعها فرّقتْ حتّىٰ كادت تنقصف وتبلىٰ .
درع أنيقة الصنع وهّاجة براقة تبهر الناظر إليها، وتخدع السامعين بها ، ولكن من ينقرها مثلي نقرة الناقد ، يسمع الغنّة في صوتها ، ويأسف أسفاً شديداً .
نعم ، درعك دقيقة واهية ولا تقيك شر الأضاليل المقدّسة وأغاوي الحياة الدنيا .
خذها يا ريحاني ! مني : ينبوعك لم يزل عكراً ومياهه لم تزل متضعضعة ، أمّا النفس فلم تملك بعدُ عنانها ، لم تزل بعيداً عنها ، لم تزل عدوها ، وبالتالي عدو الحقيقة .
« ولكن هذا غير الموضوع الذي حملني إليك ، قلت : لم أسمع
1) البيتان لأبي العلاء المعري من أبيات في الحكمة ، مطلعها :
خطبتك ولكني قرأتها في المجلة وكنت قد طالعت في مجلة أُخرىٰ خطبتك «الأخلاق» فما وجدتك فيها فيلسوفاً ولا عالماً ولا شاعراً ، أديباً كسائر الأدباء تطلي الحديث وتجمجم (1)الكلام ، تصدع ببعض الحقائق وتوهم الناس أنّك مظهرها كلّها، بل إنّك محتكرها ، أبدأت تجربز (2)أيّها الصاح ! وتداري وتجامل وتحابي ؟
ما هذا عهدي بك ، عرفتك حراً غير هياب، وجريئاً غير ذبذاب فما بالك صرت تتكلم كعلمائنا الموقّرين عبيد الأمراء والأغنياء ؟ !
كنت تحمل على الكهان مثلاً فاعتضت عن اسمهم الحقيقي بأدعياء الدين ، أتعميم هذا منك أم تلطيف ؟
طرت بنا إلى الهند لترينا شر الخرافات والأضاليل الدينية هناك ، وعندنا ما هو أخبث منها وأضر .
ذكرت شرائع كنفوشيوس (3)
من تعاليمه : الطاعة العمياء للوالدين والولاء لهما لتماسك الاسرة ، وركز على العدالة بين الحاكم والرعية ودعىٰ الناس إلى الفضيلة بالتدرج وبالرفق ، كان أوّل من نادىٰ بإلٰه واحد في الصين فصادف الكثير من المتاعب ، ولكنّه رفض الإيمان باليوم الاخر والحياة بعد الموت . (راجع : البحث عن الحقيقة الكبرىٰ لعصام قصاب : ص 179 - 180) .
وتعاليم بوذا التي لا تصلح للناس في1) الجمجمة : أن لا يبين کلامه من غير عيّ . (لسان العرب : ج 2 ص 369 ، مادّة «جمم» ) .
2) جربز الرجل : ذهب وانقبض في الأصل ، وأمّا هنا فهو بمعنىٰ التمويه والخداع . من الجُربُز ، وهو الخِبُّ من الرجال ، الخدّاع الخبيث ، وهو دخيلٌ معرّبٌ عن لفظة كربز بالفارسية . (محيط المحيط : ص 99 ، مادّة «جربز») .
3) كونفشيوس نحو (551 - 479 ق .م) : فيلسوف صينى وهو من أسرة عريقة حاكمة عاش بعد وفاة والده حياة الفقر ، فتحت له دراسة أثناء حياة أبيه آفاق الفلسفة والتأمل ، عمل مدرساً لأصول الفلسفة ثمّ افتتح مدرسة لتعليم الفلسفة والشعائر الدينية .
كلّ مكان وزمان ، وأغفلت ما بلي من شرائعنا ونحن لم نزل نقدّسها» .
فقلتُ : والحق في ذلك على صاحب المجلّة ، لأنّه أبدل في خطبتي ألفاظاً كالتي أشرتَ إليها وحذف منها كلّ ما خاله يخدش الأذهان ، عملاً بالقول المأثور : « دارِهِم ما زلت في دارِهم » (1)
فدارهم مادمت في دارهم *** وأرضهم مادمت في أرضهم
اٝنظر : مقدّمة العمدة - لابن رشيق : ج 1 ص 22 ، معادن الجواهر للسيد الأمين : ج 1 ص 474 .
.يا للذلّ ويا للعار ! أيّة دار وأي قوم ؟ أيُفرّقنا التعصب ويقتلنا الجهل ثمّ تجهز علينا المداراة ؟ ولكنك في خطبتك «روح الثورة» أغفلت أهم الحقائق . أو أنّك تجاهلت وداريت ، فاعلم أصلحك الله أنّ من الحقائق الرائعة أنّ الثورة للأمة كالحمّام للإنسان تنبه فيه الدم وتوقظ النشاط ، ناهيك بالنظافة ، فالخمود الملازم لحكومات الشرق كلّها والفساد الذي اعتراها والاقذار التي تراكمت عليها لا يزيلها غير الحمّام ، حمّام الثورة الغالي .
ولعمري إذا انحطّ الجيل إلىٰ درجة يُصبح الدم في عروقه كالماء فهدره لا يضر وقد ينفع .
1) صدر بيت لابن شرف القيرواني ت 460 ، وروايته هكذا :
2) كَهُمَ الرجلُ وكَهَمَ كهامةً فهو كَهامٌ وكَهيم : بَطُؤ عَن النُّصرة والحرب ، ورجلٌ كهام : ثقيل مُسِنُّ لا غَناءَ عنده . (لسان العرب : ج 12 ص 180 ، مادّة «كهَمَ» .
3) الحَرَض : الساقط الذي لا خير فيه ، والحَرضُ والأحراض : السفلة من الناس . (لسان العرب : ج 3 ص 126 - 127 ، مادّة «حَرَضَ») .
السبيل لتهذيب الجيل الوليد الجديد .
اعلم أدام الله تمكينك أن للدم وظيفة هي أهم في بعض الأحايين من وظيفة العقل، أمّا العقل إذا اختل فيلقون بصاحبه بالبيمارستان (1)ويأسرونه هناك ، والدم إذا فسدت ماهيته فهدره وحقنه سواء ، إذا فسدت ماهية الدم تبطل وظيفته ، ومن أشرف أعمالها أنّه إذا امتهنت حقوق الانسان ينبهه الدم الحي ويستفزه ، والدم يحمله على المناهضة والمكافحة ، والدم يثير من كريم العواطف وشريف السخط والغضب .
وأمّا الجيل الذي لا يشعر بالمظالم ولا ينفر منها ، الجيل الذي ألف العبودية ولم يزل يسترحم حكامه ليجددوا له القيود والأغلال فأي فضل له في الحياة ؟ ! على أنّ الأمّة وإن لم يبق فيها غير واحد من أبنائها يدرك الحقيقة ويصدع بها ، لا تعدم رجاء فأملاً فسعياً فنفوذاً في تجديد حياتها وعزّها ومجدها .
إلّا أنّ ثورة طبيعية دموية لتُلقي كلاً منّا إلى ساحل الحياة ، الطفل يولد باكياً ، والأم في تلك الساعة العجيبة ضارعة متألَمة متوجعة .
الولادة ! كلّ صنوف الولادة ! طريقها الدم، ومهدها الأنين ، والثورات في الأمم صنف منها ، وبعد أن يولد الطفل تأخذ الأم بالتعافي فتشفىٰ رويداً رويداً ، ويمتعها الله بأضعاف ما زال من حسنها وانحل من عزمها وقواها .
الأمُّ ! الأمّة ! فضل كلتيهما عظيم ، وعذاب كلتيهما أثناء الولادة أثناء الثورة شديد أليم .
ولعمري إنّ ولادة الروح الجديدة في الأمّة لأهمُّ من الولادات البشرية
1) البيمارستان : لفظة فارسيّة معناها : المستشفىٰ .
كلّها ، هذه هي الحقيقة بعينها أضعتها أو حاولت أن تخفيها في التفلسف بنواميس الكون الأزلية ، سامحك الله .
وهلّا خطر في بالك أنّ الثورة المقبلة في البلاد سيكون الجوع مثيرها ؟
آسيا الصغرىٰ (1)وقد بارت أرضها ونضبت ينابيع الرزق فيها وتزاحمت على مواردها القليلة القصية الغرباء من الرومللي (2)ومن أوربا ، أيموت سكانّها جوعاً وحكامها في كراسي الحكم آمنين مطمئنين ؟
لا والله الثورة التي ينفخ الجوع في نارها لأشدّ هولاً من سواها ، كان إذا اقترح أحد رجال نبوليون (3)عليه اقتراحاً يبادره سائلاً : وهل أنت كافل مغبّته ، أفلا يثير مثل هذا العمل الشعب البائس الجائع ؟
نبوليون العظيم ولم يخش يوماً صولة جيوش الأعداء المتألبة كان يخشىٰ ثورة رأس أسبابها رغيف من الخبز .
هياج الشعب البائس ؟ لطالما خشيه واتقاه أكبر أبطال العالم ، والويل ثمّ الويل يوم تستفيق شعوب المشرق من سباتهم الطويل العميق فيبتدرون
1) هي تركيا حاليّاً .
2) اللام والياء التركية ، بمثابة ياء النسب في العربية والرومللي الشرقية : قطر أوربي كان تابعاً لتركية أوربا إلى سنة 1885 م ثمّ اتبع لبلغاريا إداريّاً تحت سيادة تركيا ، فلمّا أعلن الدستور العثماني الحقته بلغاريا نهائياً بمملكتها . (دائرة معارف القرن العشرين : ج 4 ص 493) .
3) نابليون الاوّل (1769 - 1821) امبراطور الفرنسيين الشهير قام بغزو البلاد الأوربية ووصل إلى مصر وبلاد الشام وانتهىٰ أمره بالهزيمة في معركة واترلوا الفاصلة عام 1815 ، فنزل عن العرش وسلم نفسه إلى سفينة حربية بريطانية فنفي إلى جزيرة سنت هيلانة إلىٰ أن مات بداء السرطان . (راجع ترجمته في الموسوعة العربية الميسرة : ص 1812 - 1813) .
الحسام يمتشقونه على الظلام؟ »
هذا بعض ما قاله سيدي الأستاذ ناصر الدين البغدادي منتقداً خطتي وخطبتي ، لله دره من صديق يناقش غير عاذر وينبه ويذكر وينذر ! .
(الفريكة - لبنان)
أمين الريحاني
الثانية : (1)
ونشر المقال في مجلّة (الفنون) نيويورك الجزء الخامس السنة الاولىٰ آب 1913 تحت عنوان (رسم ناصر الدين وصورته) كما في الريحانيّات : ج 1 ص 308 .
رسم الأستاذ ناصر الدين البغدادي
التقيت في الشارع الجديد (ببيروت) بسيدي الأستاذ ناصر الدين وهو يمشي بين خطّي «الترام» منكساً رأسه مناجياً نفسه ، فجبهني بعد السلام بكلمة من كلماته القاسية شأنه كلّ مرّة نتقابل :
جنيت يا ريحاني عليّ ! .
بمَ ؟
أو تسأل متجاهلاً ؟ ألا تعلم رعاك الله أنّني أتمثل دائماً بقول الشاعر :
وخمول ذكرك في الحياة سلامة *** ودهاك من أمسى لذكرك ناشرا (2)
لم أرض رأي ولاة قوم لقبوا *** ملكاً بمقتدرٍ وآخر قاهرا
اللزوميات : ج 1 ص 510 ، وفيها «شاهراً» بدل «ناشراً» .
ألأنّني بحت إلى القرّاء باسمك ووعدتهم برسمك ؟
هو ذاك .
فما الاسم والرسم والجسم غير أشراك للأنفس وحبائل للعقول .
المرء بأفكاره ، ولكنكم معشر الكتاب ! تعنون بزخارف الشهرة وتلهون بالأباطيل ، أمّا الحقيقة فلا تعرفكم ولا تعرفونها ، وإذا اجتمعتم بها صدفة مرة في الزمان تجاملونها ظاهراً وتلعنونها سراً ، شأنكم وأسيادكم ،
وما الفائدة من شهرة تطلبونها وأسماء تذيعونها ، ورسوم تزخرفونها ؟
سمادير (1)والله وترهات (2)جاءتكم من أوربا فحسبتم الحياة لغواً بدونها .
أي فضل لشهرة لا تجديكم نفعاً في غرة كلّ شهر حين يتقاضاكم الخياط والأسكاف والفرّاش والبقّال والحمّال ؟
اتنقدونهم من ذائع صيتكم ؟ أتهدونهم جميل رسمكم ؟ أتحيونهم من ترهاتكم ؟ أتتلون عليهم من رطاناتكم ؟ أشعلوا النار وانفثوا في العقد حياتكم .
هيهات هيهات! خذها منّي لتأكل النار يوماً سماديركم كلّها وأوهامكم ، نار الفكر المقدّسة لتحرقكم أجمعين .
أمّا أفكاري فإذا كانت تفيد فهي لك ، بثها في الناس وادّعها إن شئت ، ما قيل ، لا من قال (3)، والفكر الذي لا يقبله الناس إن لم يدعم بشهرة باطلة او باسم كبير رنان ، لا يستحق أنْ أحرك من أجله أناملي أو لساني .
الحقيقة تنبو عن الطبل والزمر ، وإذا أُغفلت زمناً وأشعرت بدنوّ أجلها تلجأ إلى السيف فينميها ويعيدها عزيزة ظافرة، خذها مني ، ودعني في خمولي آمناً شر الناس ، بعيداً من ضوضاء الشهرة ، مرتاحاً من تكاليف
1) السمادير : هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب وغشي النعاس والدوار . (لسان العرب : ج 6 ص 357 ، مادّة «سَمْدَر») .
2) التُّرّهات : الأباطيل ، جمع التُرّهة ، وهي في الأصل : الطرق الصِّغار المتشعّبة عن الطريق الأعظم . (لسان العرب : ج 2 ص 33 ، مادّة «تَره»)
3) مأخوذ من قول الإمام علي علیه السلام : «انظر إلى ما قيل لا إلى من قال» راجع ص 201 .
الحياة الاجتماعية .
ضوضاء الشهرة إنّ مسامعي لتستك منها ولتنبو عنها ، أمّا ضوضاء الثورة صليل السيوف وقرع الرماح ودوي المدافع فمثل الأغاريد في أذني . وبينا هو ينثر من حكمه وبيانه ، ويكنس الهواء بأردانه ، إذا بجرس (الترام) يدق ، وحمال ينق ، وحوذي (1)يصيح ، وحمار يحلف بالمسيح تعثّر في الزحام ف- (كدّم) (2)وظريف سمع الأستاذ ينطق بالفصحىٰ فتهكّم : استفيقوا إنّكم في الطريق ، فاستفقنا ، وإلى الرصيف تسابقنا ، ولكن الأستاذ وقد سبقه الحمار ، تعوذ واستجار ، وصاح : يا للعار ويا للشنار ! أتیس يسوق ، ووحوش تفلت في السوق ؟ فضحك سائق (الترام) وتنطس (3)في الفك والإدغام ، ونادىٰ الحوذي : يا بومشمش اللوزي ! ظهرك ، رجلك ، فذعر صاحب الطبق ووثب ، وقد شاهد المنية عن كثب ، فنطح الأستاذ في قفاه ، وراح يلعن أمّه وأخته وأباه ، فضربه الحوذي بالسوط فلم يصبه ، لكنه أصاب من سيدي ناصر الدين أذنه ، وعلق جسر العربة ردنه ، فزحف وانشدخ ، ورسىٰ على الرصيف وتلهف :
يا ما أحيلىٰ البعير العاري ، نجوب به القفار والصحاري ! ومسح العرق عن جبينه ، وهو يضحك في كم الفلسفة من حينه ، أي والله وردن ممزق ، رحمة في مثل ذا المأزق ، فقلت : والحمد الله ، الذي لا يشكر على
الشر سواه ، ربّ زحام ، فيه كأس الحِمام .
تمام ، لا بارك الله بالمدنية وبهرجها ، أما وقد نجونا من مهلكاتها فلا بدّ من خطبة أخطبها غداً في المسجد ، وأحب أن تسمعها ، وبما أنّ المسجد الذي أصلي فيه صغير لا يعرفه من الناس غير المقيمين بجواره ، أدلك اليوم عليه فتؤمه صباح الغد ، فتسمع خطبة عربية (ومكّن اللفظة الأخيرة وشددها ووقف عندها) .
خطبة عربية وجيزة بليغة ، لا كالخطب العصرية التي هي أطول من شهر الصوم وأبرد من ظلف الظربان (1)
(راجع حياة الحيوان : ج 2 ص 107 ، تاج العروس : ج 2 ص 194 ، مادّة «ظرب») .
.خطبكم العصرية إن هي إلّا رسائل جافة عقيمة حرية أن تنشر أو بالحري أن تدفن في مجلاتنا العلمية التي لا يطالعها غير المتنطسين أدام الله تمكينهم ، مجلاتنا العلمية التي لا تزيدها السنون إلّا قشوراً .
وكاد الأستاذ يذهل ثانية فيقف غضباً ناقماً في قارعة الطريق لو لم أستوقفه على الرصيف ريثما ينتهي من كلامه وما خلته ينتهي وموضوعه مجلاتنا العلمية .
وكان وقوفنا أمام دكان تباع فيه الأسلحة ، وصاحب الدكان صديق الأستاذ ولا غرو فبادره بالسلام وسألنا أن نشرِّف المكان ، فقال الأستاذ على الفور : إن ما في حانوتك يشرّف الإنسان ، أفلم يقل الشاعر :
1) الظربان : دابّة صغيرة القوائم فوق الجرو ، عريضة الظهر ، صلبة الجلد ، منتنة الرائحة ، جمعها ضربىٰ على وزن فعلىٰ ، ولا يوجد في العربية غيرها وغير حجلى على وزن فعلىٰ ، (حكاه أبو الطيب المتنبي) .
لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى *** حتّى يراق على جوانبه الدم (1)
لهوى النفوس سريرة لا تُعلَم *** عرضاً نظرت وخِلْتُ أَنّي أَسْلَمُ
(الديوان بشرح البرقوقي : ج 4 ص 252)
وأنت يا ريحاني مخطئ في ما كتبت في «ريحانياتك» ! أتتجاسر على أبي الطيب وكلامه عين الحكمة ؟
سامحك الله .... اجلس . ها هنا سرُّ من أسرار الحياة ، وأخذ الأستاذ مسدّساً وشرع يقلبه ويتأمله ثمّ قال :
« إنّي لأوثر السيف على هاته الآلة الذميمة ، السيف عنوان الفراسة رمز الشجاعة والبطولة ، وهذه سمة الغدر ضريبة الجبن ، أم الاغتيال ، إنّ ما يجيئنا من أوروبا ليذهب بالبأس والمنعة والنشاط .
الحضارة تعلم الناس الدهاء، وتشربهم روح المكر والجبن والخداع ، ولكن هذا غير ما أريد من قولي إنّ ها هنا وأشار إلى المسدس سر من أسرار الوجود والفناء .
أعطني يا أبا حسن رصاصة ، تأمّلها يا ريحاني ! قطعة من الحديد الصماء لا توزن عشرة دراهم ولا تبلغ طول بنصري هذا ، إذا وضعتها في هاته الآلة الإفرنجية الذميمة وأطلقتها عليك تخترق الأضلع منك ، و تخمد جمرة الحياة فيك .
الحياة هبة إلهية من لدنه تعالىٰ ألست من القائلين بهذا ؟ يكلّلها نور العقل الذي يدرك الإنسان بواسطته ما خفي من الأشياء ، ومادق من الحوادث ، وما بعد من الأكوان ، وينظم بفضله الشعر، ويقيس الشمس ، ويوزن النجوم ويحلل طبقات الأرض ، ويخطط فلك السموات وأبراجها ،
1) البيت لأبي الطيب المتنبي من قصيدة يهجو بها ابن كيغلغ ومطلعها :
ويدس مع ذلك الدسائس لأخيه الإنسان ، ينافق ويخادع ويجور ويتجبر .
أمّا هاته الآلة فبكلمة واحدة من كلماتها تبطل كلّ أعماله السامية والسافلة معاً ، إلّا أنّ الرصاصة هذه لأبعد سراً من الحياة وأسبابها ، فإنّها إذا استقرت في صدرك أو تحت أضلعك توقف الحركة الدموية فيك فتفسد القوة العاقلة الإلهية فتدعك جثة باردة هامدة ، أَقَبَسٌ إلٰهي في الإنسان تطفئه قطعة من الرصاص ؟
ومهما يكن من عزّ له ومجد وسلطان مليكاً كان أو قائداً أو شاعراً أو نبياً فهو إذا بغت بهاته الآلة الزرية الذميمة يقف مذعوراً مرتجفاً صاغراً . فقلت : وما أدراك يا أستاذي ! أنّ عامل الرصاصة هذه كعوامل الزلازل والسيول في الأرض تقلب تربتها فتنبت نبتاً جديداً وتجدد فيها أصول الحياة ؟
وإنّ جثة الإنسان لتعمل عمل الزلزال في تربة الأرض . فتغذي الكلأ وتنميه .
دعنا من هذا الآن وانظر إلى الواقع، ها إنّي أتحرك أمامك وأتكلم ، أرى الأشياء فأعقلها إلى حدّ ما .
أحب وأكره ، أغضب وأعطف، أبتهج وأتألم ، أضحك وأبكي ، هي حقيقة لا أظنك تنكرها ، وهذه الرصاصة حقيقة أُخرىٰ إذا اعترضت الأولىٰ أفسدتها ، صرعتها ، هدمتها ، حولتها تراباً ودوداً وكلأ وحيواناً ، أمر غريب بسر عجیب .
أفي هذه الرصاصة قوة سلبية تذل لها قوىٰ الحياة الإيجابية السامية كلّها ؟
أفي هاته الرصاصة كلمة كامنة تمحو إذا بدت كلمة الله المتجسدة في الإنسان ؟
خذها واحتفظ بها ، إنّها لرمز من رموز الحياة والموت ، إنّها لسرّ من أسرار الوجود والعدم ، ولكن حبة من القنّب (1)أو نقطة من السم إذا سرت في عروق الإنسان تفعل فعل هاته الرصاصة ، وهذا أغرب وأعجب .
أفلا يؤيد كلامي أنّ أتفه الأشياء وأحطّها لتفسد مبدأ الحياة في الإنسان ، لتخمد مصدر النور فيه لتهدم ما بناه الله ؟
قم بنا اهديك إلى المسجد » .
فودعنا صاحب الأسلحة ، وخرجت أتلو الآية ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدىٰ ) (2).
ونكبنا (3)عن السبيل الفجاج (4)، والغوغاء فيها والعجاج ، وأدلجنا (5)في أحياء دامسة ، كسرداب الأطلال الدارسة ، ليلها لا يدور ، وظلامها لا يغور ، جادّاتها كأسنان منشار ، وحوانيتها حفائر وأوجار (6)، ولكنّها
1) القِنّب : نبات مسكّن ومخدّر مهلوس يدخن مثل الأفيون ، وهو مضاد للتشنّجات و مخفف من آلام الأعصاب ولكن له عوارض جانبية سامّة . (ألف باء الأعشاب والنباتات الطبيّة ج 1 ص 312) .
2) سورة مريم 19 : 76 .
3) نكَبَ عن الطريق وتنكّب : عَدَلَ . (لسان العرب : ج 14 ص 275 ، مادّة «نَكَبَ») .
4) الفجاج : جمع الفجّ ؛ وهو الطريق الواسع بين جبلين . (لسان العرب : ج 10 ص 185 ، مادّة «فجج») .
5) أدلج القوم : ساروا اللّيل كلّه ،فهم مدلجون . (لسان العرب : ج 4 ص 385 ، مادّة «دلج») .
6) الأوجار : جمع الوجر ؛ وهو مثل الكهف يكون في الجبل ، أو حفرةٌ يجعل للوحوش فيها مناجل فإذا مرّت بها عرقبتها . (لسان العرب : ج 15 ص 220 ، مادّة «وجر») .
بالطنافس (1)مفروشة ، وبالبضائع مصفوفة ، وفيها التجار متربعون ، يسبحون وينعسون ، العطار قبالة العطار ، (مثل الدمىٰ في خزف الأغيار) (2)، والبزاز تجاه البزاز ، كأنّهما وردتان من شيراز ، إذا رغبوا في المصافحة أو المكافحة فما هي إلّا أياد تُمدّ وكلمات تردد ، وأصحابها جلوس ، لا كسب يقيمهم ولا فلوس ، ولا حب ولا وقار ، ولا ولي ولا نعّار (3)، ولا سيف ولا نار ، كأنّهم صبيان الجنان ، تجارتهم سلام وأمان ، فشكرت على ذا الاكتشاف العناية ، وتلوت الآية : ( ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ إخواناً على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) (4).
فسمعني الأستاذ الرفيق ، ووقف مبتسماً ابتسام الريب والازدراء ، وهمس في أذني قائلاً : ذئاب في جلود الحملان ، ما خلتك تخدع بالسبح (5)والتناعس .
ثمّ استأنفنا السير ساكتين ، فاجتزنا سوق العطارين ، فسوق البزازين فمنعرج في سوق الخضر ، فجادة البدو والحضر وأنا الضارع اتلو القوارع - (6)فميدان ككفة الميزان ، في وسطه بركة
1) الطنفسة: البساط الذي لهُ خمل رقيق.
2) ما بين القوسين لم ترد في الريحانيات المطبوع .
3) رجل نعار في الفتن : خرّاج فيها سعّاء ، والنعّار : العاصي . (لسان العرب : ج 14 ص 199 - 200 ، مادّة «نعر») .
4) سورة الحجر 15 : 47 - 48 .
5) السبح الفراغ ، وقال الليث معناه فراغاً للنوم . (تاج العروس: ج 4 ص 78) .
6) الضارع: المتذلل والمستكين والضعيف والصغير كما في تاج العروس مادة «ضرع»، والقوارع هي الآيات التي من قرأها آمن من الشياطين والانس والجن كأنّها سميت لأنّها تقرع الشياطين مثل (آية الكرسي وآخر سورة البقرة، ويٰس لأنّها تصرف الفزع عمن قرأها). تاج العروس: ج 11 ص 364.
كالكشتبان (1)، فجادة أخرىٰ ، وأخاديد تحت البيوت تترىٰ (2)، لست أدري الآن من أيّها خرجت وأيّها دخلت ، حتّىٰ وصلنا والحمد لله كثيراً إلى زاوية الأستاذ المباركة فوقفنا في باب مكتبة هناك ، لا كفر يدنسها ولا إشراك ، يباع فيها المصحف والغزالي ، والبردة (3)
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم إثرها لم يُفْدَ مكبولُ
وقد نسج على هذه القصيدة جمع من الشعراء منهم البوصيري وغيره.
راجع: جمهرة أشعار العرب: ص 632، الشعر والشعراء: ج 1 ص 154، سيرة ابن هشام ج 5 ص 182، والديوان ص 6.
والبيضاوي (4)، صاحبها شيخ عبوس ذميم، في جبة بيضاء كالريم (5)، لحيته تندىٰ بالخضاب ، وأنفه صيوان (6)بلا أطناب عيناه نقطتان هزازتان ، كأنّهما زئبق في كشتبان ، وأذنه صغيرة زبّاء (7)تبدو كالدواة تحت عمامته البيضاء .فالقىٰ إليه الأستاذ السلام ، ثمّ قال وهو يشير إليّ : أتعرف من الرجل ؟
1) الكشتبان : من أدوات الخياطة : توضع في الإصبع ويدفع بها الإبرة .
2) تترىٰ : تتوالىٰ .
3) هي قصيدة كعب بن زهير والتي أنشدها عندما جاء معتذراً إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وسميت بالبردة لأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أعطاه بردته بعد إنشاده، ومطلعها:
4) البيضاوي : هو التفسير المسمىٰ ب- (أنوار التنزيل وأسرار التأويل للقاضي ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمّد الشيرازي البيضاوي المتوفى 691 ه- ، وقيل 696 ه- .
5) الريم : الظبي الخالص البياض . (تاج العروس ج 16 ص 309) .
6) الصيوان : خيمة كبيرة من القماش (فارسية) . (المنجد : ص 443) .
7) أذن زبّاء : كثيرة الشعر . (لسان العرب : ج 6 ص 7 ، مادّة «زبب») .
فأجاب الشيخ على الفور : إفرنجي كافر ولا شك .
فقال الأستاذ : بل هو من المستشرقين .
فترجرج الزئبق في ناظريه إذ زلقني (1)بهما وخاطب رفيقي قائلاً : وماذا يريد ؟ يبحث عن الكتب الإسلامية لا أبيع ! لا أبيع !
وعاد الشيخ إلى مجلسه غير حافل بالزائر الغريب ، فضحك الأستاذ ناصر الدين وقال : جازت يا شيخي ولا بأس ، هذا صاحبنا الريحاني الذي طالما وددت أن تراه وتتعرف به .
فأخذت الشيخ دهشة جعلته هنيهة كالجماد ، ثمّ ترجرج الزئبق في عينيه ونهض إليّ هاشاً باشاً ، يعتذر ويستغفر ، وأجلسني إلى يمينه على الديوان وهو يقول : لا كانت ساعة . لا كانت ساعة . خدعتني يا ناصر الدين ! بل هذه القبعة لعنها الله خدعتني .
فقال الأستاذ : وليخدعنك من هذا الرجل أشياء أخرىٰ لو عرفتها فإنّ لكلّ رأي من آرائه قبعة ، ولكلّ شيطان من شياطينه جبّة ، ظاهره أوروبي ، وباطنه الله أعلم بالسرائر .
فهتف الشيخ قائلاً : لا سمح الله ! لا سمح الله !
فقال الأستاذ شارحاً الاكتفاء : كيف لا ، وبين الشرقيين والغربيين وهدة (2)عظيمة .
فاجبته بالآية : ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) (3).
وفي تلك الآونه مرّ بياع السوس (1)وهو يقرع الفنجان بالفنجان وينادي : (برّد يا عطشان) ، فأوقفه الشيخ في الباب وأمر لنا بقصعة مما في ظرفه الأسود الردغ (2)، وقال يطمنني : لا تتقزز للظاهر ! كلّ شيء طاهر ، ثمّ مد يده إلى رزمة من الكتب تحت الديوان فأخذ منها كتاباً ، ونفض عنه الغبار وهو يقول : هذا سفر جليل أحب أن تطالعه ، أهديكه ذكرىٰ لزيارتك مكتبتي .
فقبلته شاكراً ، وقرأت ما على الجلد فإذا بالآية ﴿ إنّ الدين عند الله الإسلام ) (3)فخطر لي فكر ، ولكنّي تذكرت ما جاء في الكتاب الكريم : ولا تتساءلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم (4).
وفطنت إذ ذاك أنّني في غور (5)من المدينة بعيد القرار ، وأنّ دون منزلي سراديب وأخاديد لا يرمقها « قمر » (6)البلدية بشيء من نوره فقمت أعتذر ، فقال سيدي الأستاذ : لا أدعك والله ترجع وحدك ، أما المسجد فها هو في وجه هاته المكتبة ، تعال غداً .
فدهش الشيخ لهذه الدعوة ، وبهت وأومأ إلى الأستاذ فكلمه كلمة في الزاوية ، ثمّ خاطبني مجاملاً مستغفراً متعذراً ملحناً ملغزاً ، فأراحه وأراحني
1) السوس : شجر معروف في عروقه حلاوة وفي فروعه مرارة ، وهو ببلاد العرب كثير . (تاج العروس ج 8 ص 321 ، مادّة «سوس») .
2) الردغ : الماء والطين والوحل الكثير الشديد (لسان العرب : ج 5 ص 189 ، مادّة «ردغ») .
3) سورة آل عمران 3 : 19 .
4) كذا والصحيح (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوكم) سورة المائدة 5 : 101 .
5) الغور : القعر من كلّ شيء . (تاج العروس : ج 7 ص 324) .
6) كانت بلديّة بيروت لا تنوّر أسواقها في الليالي المقمرة .
الأستاذ بكلمة من كلماته الصريحة إذ قال : أمّا ترجمة ذا الهذيان كلّه فإليك بها : لا تجئنا غداً بالقبعة .
فقلت : وعلى رأسي الطربوش والعمامة .
وفي اليوم التالي يمّمت المسجد ، وكان الأستاذ ناصر الدين في حين وصولي ، فسمعته يقول :
ويل أمراء الناس من عواقب الإفلاس ، ويل أمراء الكلام من منطق الأيام ، ويل أمراء المؤمنين من كتائب الحقّ واليقين !
إفلاس في الإيمان ، مغبته السقم والهوان ، إفلاس في الآداب ، مغبته العقم والخراب ، إفلاس في الحكومة ، عواقبه معلومة .
ويل المنافقين والطغاة من نهوض الجماعات ، ويل الأمّة من جهل الأقسة (1)والائمة ! قلانس لا تزين ، وعمائم لا تعين ، أرياء وإكرام ، أسفه واحترام ، أفسق وإجلال ، أنفاق وإقبال .
لا وربِّ الجلال !
ويل للرؤساء المتنطعين ، ويل للأعيان الأغمار (2)يحلفون بالرسل والأنبياء ، وهم لإبليس إخوان وحلفاء .
ويل الظالمين ، من حمم البراكين ، ويل لصوص الملك والسفهاء ، من غضب الأرض والسماء .
غداً ينقدون ، ممّا يضربون (3)، غداً يشربون ممّا يسقون ، غداً
1) الأقسّة : جمع القسِّ ؛ وهو رجل الدين النصراني ، ويجمع علىٰ قسِّيسون وقُسان وقساوسة أيضاً . (محيط المحيط : ص 734) .
2) الغمر : من لم يجرب الأمور وهو الجاهل الغر . (تاج العروس : ج 7 ص 318) .
3) من ضرب النقود : أي سكّها ، ومراده : أنّهم سيؤخذ منهم ويُفعل بهم مثل ما يأخذونه أو يفعلونه اليوم بالناس سواء في الدنيا أو الآخرة .
يأكلون ممّا يطبخون ، غداً يحصدون مما يزرعون ، ازْرَعِ العاصفة ، تحصد القاصفة ، ليحصدون وأيم الله مما يزرعون .
وهل يحصد المرء غير ما يزرع ، ازرع الوفاء ، تحصد جميل الدعاء ازرع الآداب ، تحصد المجد والاعجاب ، ازرع الصدق والرصانة ، تحصد الثقة والأمانة ، ازرع العلم والحلم والإحسان ، تحصد السؤدد وولاء الزمان ، ازرع البرّ والقناعة ، تحصد الحكمة والدّعة ، ولكنك اذا زرعت الإثرة تحصد النقمة ، وإذا زرعت الفسق والفحشاء ، تحصد الويل والبلاء ، وإذا زرعت الشبهات ، تحصد الخيانات ، وإذا زرعت الكذب والبهتان ، تحصد الذلّ والهوان ، وإذا زرعت الجهل ، تحصد التعصب الذميم ، وإذا زرعت الظلم ، تحصد الجحيم .
جير (1)والزارعون فساداً ، ليحصدون رماداً ، والزارعون عاراً ، ليحصدون نارا .
رحبة سبل الإثم والفساد ، مجيدة (2)عروش الظلم والاستبداد ، ولكن الزنابير تكمن في الأزاهير ، وتحت الرياحين تلبث الثعابين .
اليوم ديوان وإجلال ، وغداً سجن وأغلال ، اليوم قبّة مضروبة ، وغداً آلة منصوبة ، اليوم تاج وصولجان وكأس وعود وقيان (3)، وغداً لا جنازة غداً ولا أكفان .
لنا النفوس وللطير اللحوم وللوحش العظام وللثوّارة السلب .
وبعد الخطبة والصلاة اجتمعت في مكتبة الشيخ ... تجاه المسجد ... بنفر من إخواني شبان المسلمين الذين ينزعون إلى الوهابية في الدين وإلى شبه مذهب الخوارج في السياسة .
فقال سيدي ناصر الدين : هؤلاء من غراسة الناشئة الإسلامية الجديدة .
وقال أحدهم مشيراً إليه : من غرس هذا الفاضل .
فرفع الأستاذ يديه مستغفراً لله مردداً قول الشاعر :
إذا المرء اسرىٰ ليلة خال أنّه *** قضىٰ عملاً والمرء ما عاش عامل (1)
ألا تسألان المرءَ ماذا يحاول *** أنحب فيقضىٰ أم ضلال وباطل ؟
وفيها يقول :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكلّ نعيم لا محالة زائل
راجع : خزانة الادب : ج 2 ص 222 ، الشعر والشعراء : ج 1 ص 279 ، وفيه «آمل» ، الديوان : ص 131 .
الفريكة - لبنان
أمين الريحاني
1) البيت من قصيدة أزيد من خمسين بيتاً للبيد بن ربيعة العامري رثىٰ بها النعمان بن المنذر وأوّلها :
أقول : كأن حضرة الريحاني وناصر الدين البغدادي قد اتفقت آراؤهما وتطابقت في الكثير أفكارهما ، وامتزجت على الصفاء روحاهما ، فعادا وهما :
رفیقان شتّىٰ ألّف الدهر بينهم *** وقد يلتقي (الشتّىٰ) فيأتلفان (1)
نزلت [نزلنا] على قيسية يمنية *** لها نسب في الصالحين هجان
اٝنظر : معجم الادباء : ج 2 ص 368 ، وج 5 ص 338 ، الأغاني : ج 6 ص 335 - 336 مع بعض الاختلاف في الأبيات .
وبهذا البيت العربي الذي سار مسير الامثال تعرف أنّ (انستاس الكرملين) قد غلط في زعم أن (شتىٰ) لا تدخل عليها (ال) كما غلط في دعوىٰ أنّها لا تضاف إذاً فقد غلط في لفظ واحد غلطين فاضحين فنعماك يا (لغة العرب) .
أمّا المقالة الثالثة فربّما نوردها بعدُ إن توفقنا لمتابعة هذا الجزء إن شاء الله .
1) البيت من أبيات أربعة أنشدها ابن الأعرابي ومطلعها :
1 - كلمة المحقق في حفل استقبال المصنّف .
2 - قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي .
3 - قصيدة الشيخ علي الصغير .
4 - قصيدة معروف الرصافي .
5 - قصيدة الشيخ محمّد حسين اليعقوبي .
6 - قصيدة محمّد مهدي الجواهري .
7 - الصور .
[كلمة المحقق في حفل استقبال المصنّف]
سيدي يا آية الله (1)
يا حكيم الإسلام أهلاً وسهلاً *** قد حللت القلوب والأرواحا
ملئت فيك بهجة وحبوراً *** وهناء وغبطة وأرتياحا
واكتست من اغر وجهك نوراً *** وبهاء ورونقاً وصلاحا
سيدي أبا الإسلام :
شاهدتم ، ولا عجب وجوهاً مسفرة ضاحكة مستبشرة ، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم ، غنيهم وفقيرهم ، رضيعهم ووضيعهم ، رئيسهم ومرؤسهم ، الجميع في مهرجان زاهر قد ارتدَوا أبراد الحبور والمسرات ، فالبشرُ قد غمر النفوس ، والأسارير قد طفحت بالسرور لمقدمكم المبارك ، لمبسم هذا الثغر (معقل) الذي يفتخر فيه غاية الفخر ويعتدّ به إلىٰ أبعد حدّ :
قد مددنا لك الرقاب صراطاً *** وهتفنا لوجهك المحبوبِ
وفتحنا لك الصدور اغتباطاً *** فسكبنا النفوس بالترحيبِ
وفرشنا حر الخدود بساطاً *** ونثرنا عليك حبّ القلوبِ
1) كلمة ألقاها محقق هذا الكتاب في حفل تكريمي أقيم لسماحته في معقل - البصرة - جامع السيد عبد الحكيم الصافي عند عودته من باكستان وذلك في 1371 ه- الموافق 1952م .
سيدي يا آية الله :
لست أدري ماذا يقول أديبٌ *** في معاني علاك وهي الوفُ
عالِمٌ مصلحٌ أديبٌ خطيبٌ *** عبقريٌ مجاهدٌ فيلسوفُ
اخواني الأماجد :
الأمّة ترفع رأسها عالياً بعظمائها ، ولا يقاس رقي أمّة من الأمم إلّا بما تضمه من ذوي المواهب النادرة ، والأفكار النيرة ، والمعارف الواسعة ، لا بما تملك من الدينار والدرهم ، لأنّ المال غادٍ ورائح ، أمّا عباقرة الرجال فإنّ صوالح أعمالهم أوسمة شرف علىٰ العصر الذي عاشوا فيه ، لا يمحوها كر العصور ولا مرّ الدهور ، فالعظيم رمز الأمّة وبيده الميزان ، فإذا كثر العظماء في أي أمّة من الأمم كانت كفتها هي الراجحة في الرقيّ والمكانة العالية .
وإذا ندر فيها العظماء ، خفّت موازينها ، وأمّا من خفّت موازينه فأمّه هاوية وما أدراك ما هي ، العار والشنار والهمود والخمود ، إلىٰ أن تذهب إلىٰ أسوء حال وبئس المصير .
فالعرب ، وخصوصاً العراق ، لا يقيم للمواهب وزناً ، ولا يعرف لها معنىً ، بل يجزي عباقرته من إحسانهم سوءاً ، ومن حبهم احتواء .
اخواني الأعزاء :
من الفضول أن يقف أمثالي في هذه الدقائق ليقول كلمة في عظمة
آية الله الحسين إذ :
تغنيك شمس الضحىٰ عن أن تقيم لها *** علىٰ سنىٰ نورها الوهاج برهانا
ولكن ، فضول دفعني حبي إليه ، فالإمام الحجّة فيلسوف كبير واجتماعي محنّك وطبيب روحي وفقيه نير :
بين جنبيه للعلوم خضم *** مترامي الأطراف رحب الفضاءِ
لجج الحقّ فيه والحكمة الغراء *** تترىٰ صخّابة الأصداءِ
في ثنايا هديره روعة *** يتمطر فيها جلال وحي السماءِ
أيّها الحفل الكريم :
من الشباب وقد ناف علىٰ الثمانين ، خطيباً علىٰ منبر الحياة بذلك النشاط الروحي الزاخر ، وتلك العزيمة التي لم تكل عن العمل يوماً ما ، يطالع ويعلم ، ويجلس في مدرسته للافتاء واستقبال الزائرين وذوي الحاجات ، وينشر ما يصلح للمجتمع ، ويؤلف ويدافع عن الدين إذا طغىٰ عدوٌ عليه ، ويراسل علماء المسلمين في جميع الأقطار ، وما إلىٰ ذلك من الجولات الاصلاحية ، وما تستلزم من العنّة والمشقّة ، فترىٰ جميع الفرق والنحل والطوائف تزدحم حول هذا المنهل العذب أينما حلّ ، (والمنهل العذب كثير الزحامِ) .
وهو بسعة عقله ، وعلو مداركه ، وإحاطة نظره ، يتفاهم مع كلّ قبيل منها ، كأنّه نشأ فيهم ، يناظرهم بكلّ توءدة واطمئنان ، ويحل لهم ما أشكل عليهم ، وقد ظنوا قبل ذلك أن يُعْجِزوه ، فإذا هو يبطل ما يؤفكون .
فالأمم الأجنبية عامّة تقدّسه وتسجل اسمه في طليعة النوابغ والمبرزين ، فتلك مؤلفاته التي تقارب المئة مرايا تعكس شخصيته الكبيرة وشجرة قطوفها دانية بنبوغه وعبقريته .
سلوا عنه (آياته البينات) *** وما قد حوت من عظيم السور
سلوا عنه آياته الخالدات *** وما خلدت من عظيم الأثر
سلوا عنه ( توضيحه ) المشكلات *** سلو عنه ( تحرير ) تلك الزبر
فالمصلح آل كاشف الغطاء سيف من سيوف الله المنضاة للدفاع عن دينه ولغة كتابه الكريم في هذا العالم الصاخب الذي يزخر بالمادّة ويموج بالشرور ، ينافح أعداء الله ، ويقارع أولياء الشيطان ، وغايته أن يشق الطريق الشائك ، ليرىٰ الأحفاد نهج الأجداد واضحاً ، فيسيرون فيه آمنين مطمئنين إلىٰ الغايات الإنسانية التي دعىٰ إليها الإسلام ، وجاهد من أجلها المسلمون ، حاملاً راية جهاده المطهّر المجرّد ، إلّا عن الخير الذي تتدفق ينابيعه وتشيع بركاته وتطيب مغارسه ، فلا تنبت إلّا كلّ زوج بهيج .
فالإمام كاشف الغطاء :
هو آية الله التي هبطت علىٰ *** فرق الشعوب لكي تكون دليلا
وبفترة الرسل التي طالت بنا *** بعثت لارشاد الأنام رسولا
نعم ، ارسله الله من وراء الغيب ليؤدي رسالة الإسلام ، فأدّاها كاملة ، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ، ولا يزال في ميدان الجهاد يمطرهم بمقالاته التي هي قذائف ذريّة وحجارة من سجيل دكت تلك الصروح التي أقاموها علىٰ البغي والعدوان والمكر السيئ فدمّرها تدميرا وجعلها كعصف مأكول ، نعم فيضه سناداً للأمّة (ولكل يوم كريهةٍ سيار)
فهو المقصد في كلّ مهمة لم يعرف منذ آخا النجدة ركوناً إلىٰ دعة أو اطمئناناً إلىٰ ضعة .
أيّها الحفل الكريم :
وإذا حلّت الهداية قلباً *** نشطت للعبادة الاعضاء
ها أنا وكأنّي أسمع صوته علىٰ موجات الأثير من دار الإذاعة الباكستانية وهو يرتّل الآية الكريمة : ( إنّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ) ، وقد تجشم هذه المتاعب والأسفار البعيدة إلىٰ باكستان .
فجمَّع مختل ذاك الشتات *** ووحد مفترقات تلك الفكر
فاقبل بالنصر تضفوا عليه *** برود الهنا وبنود الظفر
نعم ، تجشم هذا السفر ولاقىٰ هذه المتاعب والأنصاب وهو مفعم القلب جذلاً ، لأنّ ذلك في سبيل الدعوة إلىٰ الله ورسوله ، والعمل الصالح ، تحت شعار واحد - توحيد الكلمة وكلمة التوحيد - قابضاً بيده مشعل التنوير في ذلك الغسق وفي تلك الحنادس نافخاً في بوق الإيمان ليرى ذو عين وليسمع من كانت له اُذن وهو بصير ، لأنّه حامل رسالة حقّه تنوء بحملها السماوات والأرض والجبال ، وحامل الرسالة هو من الذين يضحون بانفسهم ليكون مناراً للبشرية إنّه يريد أن يبسط الدين الإسلامي ويردّه إلينا بيعة الأولىٰ ، وإن ينحو في الوقت نفسه منحىً روحياً عقلياً ، وإن يبث في نفوس سائر المسلمين شعوراً دينياً عالياً ، وفكراً اخلاقياً نقياً .
ولا عجب - أيها السادة - فإنّه ( اشترىٰ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون ) ،
فالإسلام دين فداء واستشهاد ، وكذلك عرفه أسلافنا الأماجد ، لا يبالون بالموت وقع عليهم أو وقعوا عليه ، بل يستقبلونه بثغور باسمة وقلوب جذلة ، كيف ومنهم من ينادي عند استشهاده : « فزت وربّ الكعبة » ، والآخر يقول : « وأيتمتُ العيال لكي أراكا » ، وثالث رنحته نشوة الفرح عندما عرف أنّها ساعة شهادته فأخذ يهرول في حومة الوغىٰ ويقول :
اليوم ألقىٰ الأحبه *** محمداً وحزبه
فكان هذا الشعور الغامر هو الدعامة المكينة التي بنوا عليها تاريخهم الزاهر ، وسجلوا فيها صحائف خلودهم .
أيّها الاخوان الأماجد :
لقد قيل : « اتقوا فراسة المؤمن فإنّ المؤمن ينظر بنور الله » .
فكر متّعنا الله بحياته ، وقدّر النتيجة قبل حدوثها فكأنّه كشف له الغطاء ، فعلم بما يكون ، وتلك صفات الرجل الحكيم ، لطهارة نفسه وصفائها ، فهي مرآة نقيّة تنعكس عليها صور الحقائق .
رقىٰ المنبر دامت إفاضاته في جامع (المقام) في العشّار في السابع من ذي القعدة 1352 ه- وكان متحمساً لفلسطين والعرب يغطون في نوم عمیق ، بل ما هي عندهم إلّا محض تصور .
قال في خطبته : « الصهيونية بين أضلاعكم وهي سوس السياسة ، والبلاء المبرم ، والداء العضال ، وأنتم هامدون خامدون ، لا تحسّون بهذا البلاء العظيم الذي لا يبقي منكم باقية ، ولا يذر في الديار ديارا » ، وقال أيضاً : « زجّهم القضاء الأسود إلىٰ فلسطين، فأوشكوا أن يبتلعوها ، ثمّ
يسري البلاء إلىٰ سوريا ، ثمّ إلىٰ العراق ، هم لا يزالون يدأبون في السعي ، مخططين الخطط ، ومشكّلين المناهج ، ونحن غرقىٰ في المنام ، نتضارب في الأحلام علىٰ الأوهام » .
وأخيراً كان الأمر كما قال سماحته ، فقد اقتطعت دولة من كياننا أسسوا فيها ملكهم - جمهورية اسرائيل - وماذلك إلّا عقوبة أزلية لمن آتاهم الدين والملك فلم يحفظوا عهده ، ولم يؤدوا أمانته ، ولم يشكروا له كرامته ونعمته ، ولا زالت الصحف تنبئنا كلّ يوم باعتداءاتهم المتتالية علىٰ القرىٰ المجاورة وإن عشت سيريك الدهر عجبا ، والدهر أبو العجائب كما قيل .
رأىٰ دام ظلّه أنّ من الواجب في ذلك الدور الخطر إحكام أسس هذه الدولة الفتيّة وتقوية دعامتها ، وإلّا سيقضىٰ عليها وهي في المهد ، فتذهب تلك الأتعاب أدراج الرياح .
رأى الناس تفلّتت من ربقة الدين، والسموم قد نفثت في جسد العراق ، وأصبح التظاهر بنقض عقائد الدين ودحض نواميس الإيمان نوعاً من التَنَوّرْ وطوراً من الرقي في المعارف، فبادر قبل أن يتسع الخرق علىٰ الراقع ، ويستفحل الداء فلا دواء ، فقام بجولة إصلاحية شرّف بها عدّة ألوية ، منها :
البصرة ، وكان خطابه فيها خطاباً مؤثراً أبكىٰ الجماهير .
والناصرية ، واجتمعت عشائرها وهبّ أهالي المركز إلىٰ أور لاستقباله وخطب فيها أيضاً .
ثمّ الحلّة ، حيث خطب سماحته في جامعها الكبير ، وقد احتشد فيه الجماهير ، حتّىٰ تسوروا السطوح ، وتعلقوا بشرفات الجامع ، وكذلك
خطبته في الديوانية ، وبغداد ، والكوفة .
نعم ، أيّها الاخوان الأكارم ، لم تقف إشراقات أنواره في سماء وطنه خاصّة ، بل أشرقت شمس هدايته علىٰ خارج العراق .
وكم وقفات له طيبات *** واما جهلتم سلوا المؤتمر (1)
في فلسطين ذلك المؤتمر العام ، والشام ولبنان والحجاز وإيران ومصر وباكستان، وكلّها تزودت بكلمه الطيب ، وله فيها مواقف شريفة مشرفة .
1) المؤتمر في باكستان .
[قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي]
أبا الفضائل
ألقيت في الحفلة التي أقيمت في مدرسة كاشف الغطاء حيّتْ بها الحجّة الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء عند مجيئه من المؤتمر الإسلامي في الباكستان عام 1371 هج- - 1951 م .
للفتح آيات بوجهك تعرف *** هل أنّ طلعتك السعيدة مصحف
شعت علىٰ قسمات وجهك مثلما *** شعت بقلبي من ولائك أحرف
هي أحرفٌ ذهبيّةٌ خطت علىٰ *** قلبي وريشتها فمٌ متلهفُ
أبصرت قلبي ظلمة من يأسه *** ورأيتُها فجر المنىٰ إذ يكشف
أجللتها من أن تمسّ قداسة *** واسم (الحسين) مُقدسٌ ومشرف
فغرستُها في تربة أزكىٰ ثرىّ *** في الطهر من قلب الوليد وانظفُ
ذكراك للارواح في خلواتها *** سمر يلذ به الحديث ويطرف
نفحات مسك بدؤها وختامها *** طيب بها نادي الفخار يعرَّف
وأرىٰ العواطف تنتشي من رشفها *** فكأنّما هي للعواطف قرقف
والقلب يمرح راقصاً فكأنّها *** وتر له في كلّ لحن يعزف
تتلهف الدنيا عليك كأنّما *** هي قلب يعقوب وشخصك يوسف
وافيت كالأمل اللذيذ لأنفس *** كادت عليك من التلهف تتلف
وهبطت في جرحىٰ القلوب مرفرفاً *** كالبرء حين يحس فيه المدنف
وطلعت كالفجر البهي بطلعة *** غرّا عروس الافق منها تكسف
فمك الضحوك زجاجة دريّة *** فيها وبسمته شعاع يخطف
وكأنّها مصباح قدس مشرق *** ينشق عنه ستار غي اسدف
للحقّ من عينيك فيها منبعٌ *** والصدق من شفتيك فيها يقطف
لو أنّها للدهر كانت طالعاً *** سعد الزمان فلا نحوس تعرف
الافق وهو زجاجة وشعاعه *** كمدامة منها النواظر ترشف
زرقاء صافيةُ الأديم كأنّها *** مرآة عذراء بها تتشوف
والشمس وهي عروسة مجلوةٌ *** والنيرات بصفحتيها زخرف
لو أنّ غرتك السعيدة اشرقت *** فيها ومبسمك المبارك يرصف
أغنت عن القمرين في اشراقها *** وتزّينت منها بما هو ألطفُ
قلب عليه جنىٰ الطموح فلو سما *** للافق قال الافق قدرك أشرف
وفم يلذ حديثه لطرافة *** فيه وكلّ حديثه مستطرف
وشمائل هي للربيع خمائلٌ *** حتّىٰ نسيم الفجر منها يلطف
شیخ نحيف الجسم من أتعابه *** وهي الفضائل والفضائل تنحف
محدودبٌ حدباً عليها كلّه *** عين تذوب ومهجة تتلهف
يضرىٰ فتهزأ بالفتوّة روحه *** ويجلّ عن ضم الشباب المطرف
ويخف حين يهزُّه داعي الهدىٰ *** وهو الوقور ورأيه المستحصف
ومن الذي يحمي شريعة (أحمد) *** غير (الحسين) ومن بها يتكلّف
أأبا الفضائل والفضائل بعضها *** للبعض أُلّاف وأنت المألف
لك كلّ يوم نهضة جبارة *** منها ميادين المفاخر ترجف
ومواقف غراء في أجوائها *** للآن أصداء الثنا بك تعصف
ما غاب منها موقف إلا بدا *** لك موقف هو للجهاد مشرف
کسلاسل ذهبية موصولةٍ *** بسلاسل احداثها لا توصف
المسجد الاقصىٰ يردد ذكرها *** والجامع الأموي فيها يهتف
لك رحلةٌ يكفيك منها أنّها *** للمسلمين رعاية وتعطف
وعزيمة للدهر لو حمّلتها *** لرأيت أنّ الدهر عنها يضعف
كالوتر لولا أنّها مشفوعة *** برفیق صدق نفسه لك تألف
وسمير ذهنك حينما تخلو له *** قلم به سمرُ المعاني يظرف
قلم اذا استمطرت طلّ بيانه *** للغيث قال الغيث أنّك مسرف
يجري فتلمس في الطروس عزائم *** فكأنّ روحك في الطروس يرفرف
وتكاد تحترق الطروس اذا استقت *** منه المعارف وهو سيل يجرف
فكأنّ قلبك قوة قد كهربت *** تلك الصحائف وهو سلك مرهف
سعدت بلاد جبتها وتثقفت *** فيها عقول من هداك تُثقف
وتشرّفت أرض وطأت صعيدها *** والافق إذ تسعىٰ به يتشرف
وتطاولت شرفات حفل ودّ من *** حدب عليك بأنّها تتعطف
زینت جلسته فأنت بصدره *** ملك ومجلسك المبارك رفرف
وعلوت منبره فكبّرت السما *** والارض هذا المصلح المتصوّف
هو فيك مؤتمر وأنت أميره *** لو أنّ مقياس الفضيلة يعرف
المجلس الأعلىٰ المريع وكلّ ما *** فيه لناظره مريع مرجفُ
قد جُللت آفاقه في روعةٍ *** غمرته حتىٰ سال منه الموقف
وعلا به صمتٌ رهيبٌ ما به *** همسٌ سوىٰ أنّ القلوب ترفرف
من ذا أهاب به فلا متفوّهٌ *** فيه ولا عين لعين تطرف
المصلح الأعلىٰ أطلّ بأفقه *** متألقاً منه الجبين المشرف
والقائد العربي سلّ فرنده *** فغدت له تعنو الرقاب وتعطف
والصقر حلق في الفضاء فمن به *** شبه البغاث من الرفيف تخوفوا
إنّ الفصاحة دولةٌ جبارةٌ *** تهوي العروش ومجدها لا ينسف
أنت المليك المستقل بعرشها *** والنصر أكليل عليك مرفرف
ونوافذ الكلم البليغ أُجلّها *** من أن يقال لها سهام ترهفُ
تُخطي السهام كما تُصيب وأنها *** أبدا تسدد كلّ ما تستهدف
ولسانك الجبّار لولا أنني *** ظلماً أجور عليه قلت المرهف
وإذا استطلت علىٰ يراعك أعفني *** قصر اللسان فقلت فيه مثقف
وعصاك آيتك الكريمة في يدٍ *** بيضاء وهي لكل سحر تلقف
المجمع الديني وهو عناصر *** من وحدة دينية تتألف
حدِّث فدتك النفس عن أهدافه *** وعن الحقائق هل لها مستهدف
ما ذا به أهیاكل منحوتةٌ *** هي فيه كالآثار وهو المتحفُ
أم قادة عظماء لا يغريهم *** جرس يجلجل فيه طبل أجوف
إنّا لنرجو أن نرىٰ ثمراته *** ملموسة عمّا قريب تُقطف
ونود أن البذر تغرسه يدٌ *** ميمونة تحنو عليه وتعطف
هي حرة فيه وليس وراءها *** خلف الستار ید به تتصرف
يا قادة الدين الحنيف تطلعوا *** للافق أن الافق ليل أسدف
وتصفحوا فيه ودلوني علىٰ *** نجم له ترنو العيون وتطرف
النشء روض كلّ حين تقطف *** منه الحوادث زهرة لا تخلف
النشء خير لئالیء ولأنتمُ *** عقد به تلك اللئالئ ترصف
ولانتم من قبلُ نشء فاحمدوا *** ثمرات غرس صالح وتشوّفوا
هو تائه بحياته وحياته *** ان قلت أضيع منه لا أتطرفُ
كسفينة قد أعوزت ربّانها *** فغدت بها لجج الحوادث تقذف
إنّا لنبغي للجهاد قيادة *** يرتاعُ منها المستبد ويرجف
ونريد أفئدةً علىٰ أضلاعها *** تطغىٰ عزائمُها وحيناً تعصفُ
وأناملاً يهوي علىٰ تقبيلها *** في حين تلطمه فم متكلّف
ونروم اصلاحاً لانظمة بها *** لعب الغريم وعاث فيها المجحف
ونريد أفكاراً مثقّفة بها *** نسمو ومن عرفانها نتثقف
وعقائداً دینية ميمونة *** في النشء يغرسها أبٌ متعطفُ
إنّا لننشد مصلحين نفوسهم *** عن حمل ما قد حُمِّلوا لا تضعف
[قصيدة الشيخ علي الصغير]
الإمام كاشف الغطاء أو يوم الحسين
بعلاكَ يُفتتحُ الحديثُ وينشرُ *** فكأنكَ التوحيدُ إذ يَتَكررُ
ولقد أفضتَ علىٰ العقول شعاعَها *** حتىٰ كأنّكَ للعقول المجهرُ
وإذا تحررت العقول فإنما *** بهداك من ليل العمىٰ تتحرر
فكأنّ أفلاطون يلقي درسه *** فيها وسقراطاً يعاد وينشر
وتكاد تشرق في النفوس لعلمها *** أن الهداية فيك نور مسفر
تتساءل الأرواح عنك لظنّها *** أن المسيح بسفر روحك يظهر
لا تعجبوا علماء أمة أحمد *** كالأنبياء لها المحل الأطهر
يا مشعل الإصلاح أسرج زيتُه *** بالعلم فهو علىٰ البسيطة نیر
وذبالة للعلم أوقد نورها *** - كي تستضيء بها - النبي وحيدر
ميمونة الأنوار لا شرقية *** تزهو ولا غربية تتنور
مشكاتها العلم المشع وزيتها *** ذهن زجاجة فضله لا تكسر
ويكاد يوقد من سناك فإنّه *** من وحي قلبك يستمد ويعصر
ويكاد يلهبها السنا لو لم تكن *** من فيض قدسك للمواهب أبحر
ويكاد يزبد طامياً تيارها *** لو لم يكن ميناء فضلك يسفر
عفواً أبا عبد الحليم فإنما *** هذي العواطف عن علائك تقصر
فلأنت ألهمت العواطف وحيها *** سحراً فصاغ لك العواطف «عبقر»
ولأنت صورت الحقائق فانبرىٰ *** للفن «روفائيل» فيه يصور
ولأنت ألهبت الشعور حماسة *** شرراً أوار الشعر فيه يسعر
وإذا إدّعيت فللحديث شواهد *** أن المنابر في بيانك تسحر
تتفاخر الأعواد فيك فتنثني *** طرباً ويرقص للبيان المزبر
ويكاد ينطقه البيان فسحره *** نادىٰ النفوس إلي هذا الكوثر
ويقول لقّن «جبرئيل» رسالة *** باسم «الحسين» علىٰ الخلائق تنشر
«يوم الحسين» وللحسين مواقف *** معروفة في الدين دوماً تشكر
علمتنا سنن الجهاد فمزبر *** بصريره يسطو وسيف يشهر
وكذا الجهاد علىٰ العقول فريضة *** وعلىٰ النفوس إذا تراءى المنكر
والشرع حامية الهدىٰ وجنودها *** هذي العمائم والسلاح المبزبر
وإذا تدار علىٰ المفارق إنها *** تاج يشع علىٰ الرؤوس ويزهر
وتلوح في رأس الحسين كأنّها *** قطب وهذا الدين منها المحور
وكأنما هو في الشريعة كوكب *** للفضل في أفق الشريعة نيّر
أفقاه إن زهت السماء بإفقها *** شرفاً «علي» للجلال و«جعفر» (1)
أرسالة الإسلام في عصر به *** تتقاذف الشهوات والمستنكر
1) الشيخ علي كاشف الغطاء صاحب كتاب «الحصون المنيعة» والد المحتفىٰ به والشيخ جعفر آل كاشف الغطاء جده الأعلىٰ صاحب كتاب «كشف الغطاء» وإليه تنسب الأسرة .
ومبشر في وحدة دينية *** للدين فرق شملها المستعمر
ويكاد في الإسلام يلعب دوره *** أمر يدبرّه الذين تستروا
وتكاد تلعب في الشعوب سياسة *** للأجنبي علىٰ الشعوب تسيطر
وتهب عاصفة الشقاء وملؤها *** محن تهددنا وأخرىٰ تنذر
وإذا بنهضتك المباركة التي *** عظمت فجاءت بالرجاء تبشر
تسمو علىٰ الإسلام راية عزّها *** شرفاً وفي ركب الشريعة تخطر
وتصيح في الإسلام يا أبناءه *** هذا الحسين ونهجه فتبصروا
مولاي هذا الفتح سفر خالد *** يبقىٰ علىٰ مر الزمان ويذكر
وتبارك الأعصار عصر هيبة *** فيه وتحسده عليك الأعصر
فمن «ابن سينا» إذ يقام لأجله *** حفل إلىٰ غرض هناك يسر
لولا السياسة والحديث تهامس *** وعلىٰ الحقيقة والعواطف محجر
لشرحت أن الدار باسم دخيلهاتسعىٰ *** وإن غضب الذين تأمروا
لو أنصفوك وأنت باني مجدهم *** عقدوا النجوم عليك حفلاً يزهرُ
ويباركون الفتح باسمك مفرداً *** من دونه تقف الجموع وتقصر
ولأنت نعمتهم ودام لك البقا *** حتىٰ إذا فقدت هنالك تشكر
وكذاك عافية الصحيح إذا عرا *** سقم عليه فباشتياق تذكر
ومن الشقا أن البلاد وأهلها *** للمصلحين المخلصين تنكر
وكذاك شأن الرافدين وأهله *** أن المثقف وهو حي يقبر
فهنا يموت هنا النبوغ وربما *** تتساءلون فذاك سر مضمر
مرحا أبا عبد الحليم فإنّما *** لك من نواظرنا احتفال أزهر
وإذا اطلعت علىٰ القلوب فإنّما *** لك في القلوب المهرجان الأكبر
وتكاد إن لمست يداك صدورنا *** إن الصدور بما تكنّ تعبر
وإذا اطلعت علىٰ ولائي إنّه *** لك من «أبي» في الحب ما أنا أضمر
وعلاقة الأدباء يحفظ حقّها *** عند البنين .. وإن تخالف عنصر
فإذا عتبت وللعتاب حقوقه *** يوماً عليك فربما أنا أعذر
ويلذ عتبي المستهام إذا رأىٰ *** أحبابه في الود لم يتغيروا
هذا الغري وأنت مصلح أمة *** فاصلحه كي يزكو وكيما يثمر
أتمر فيه الحادثات ولم يكن *** أحد يقاومها وعينك تنظر
ويقال «رجعي» لناشيء علمه *** والعلم فيه تجدد وتحرر
وترىٰ العمائم والجلال يحوطها *** رهن الشقا بين الجموع تحقر
فابعث من الإصلاح فكرة مصلح *** يقض المشاعر بالأمور يفكر
وانهض فناشئة الشبيبة في الحمىٰ *** جيش بأسلحة العلوم مظفر
إخواني الأدباء شكراً وافراً *** لكم ففضل شعوركم لا ينكر
فخيالكم خصب الشعور وإننا *** في حالة من أجلها نتأخر
فدعوا الخيال وعالجوا أوضاعكم *** بحقائق فیها نحس ونشعر
ليس المثقف من يجيد قصيدة *** جوفاء في مدح هنالك تحصر
فأبو الحليم إذا نظمت بمدحه *** زهر النجوم فعن علاه أقصر
إن المثقف من يعالج أمة *** مما تكابده ومنه تضجر
ودعوا عواطفكم يجيش شعورها *** نحو الحقائق فالصباح سيسفر
وترون أفئدة يحزّ بها الأسىٰ *** ظلماً وأذهان الشباب تحير
وبمثل هذا الاحتفال وشبهه *** يوماً يعالج وضعنا المتقهقر
وإذا الثقافة كان فيها موردٌ *** للشعر فهي إلىٰ الحقائق مصدر
وإذا تأخرت البلاد ثقافة *** فاعلم بأنّ أديبها متأخر
مرحا «جمال الدين» خير تحيّة *** تهدىٰ فروحك بالفضيلة تصهر (1)
أتروم تغيير المناهج في الحمىٰ *** وعلىٰ الحمىٰ من ساكنيه تبعثر
فعلىٰ الشيوخ من المهابة روعة *** وعلىٰ الشباب النابغين تحرر
وكلاهما من غير توجيه إلىٰ *** غاياته يسعىٰ !!لذاك يؤخر
فاغرس من الأدب الرفيع بذوره *** فبسعي لطف «أبي الحليم» سيثمر
سيريك أن البذر يبسم زهره *** لطفاً .. وأفق الحقل فيه معطّر
ويريك في النجف الأغر جهوده *** جبارة للدهر فينا تشكر
فهو المجرب للأمور .. وقائد *** نحو المنىٰ .. وهو الإمام الأكبر
1) المراد به الدكتور مصطفىٰ جمال الدين لمّا تحدث به في قصيدته بتكريم الإمام کاشف الغطاء .
[قصيدة معروف الرصافي]
تجاه الريحاني (هي النفس)
أنشدها في حفلة أقيمت في بيروت لأمين الريحاني بعد رجوعه من سياحته في بلاد العرب .
هي النفس أغشیٰ في رضاها المعاطبا *** وأحمل منها بينَ جنبي قاضبا (1)
تكلّفني أن أخبط الليل بالسُّرىٰ *** وأن أمتطي فیه من الهول غاربا (2)
وتنهضني للمجد بالعزم ماضيا *** وبالهم مِقلاقاً وبالرأي صائبا
ولم ترض إلّا كالجبالِ معزة *** ولم تهو إلّا كالشموس مناقبا
إذا أنا أنزلت النجوم لأرضها *** أبتهن إلّا أن يكن ثواقبا (3)
وترفضُ منّي كلّ عيش منعم *** إذا ازورّ ذاك العيش بالذلِ جانبا
ولم تبغ لي إلّا الحقيقة بغية *** ولم ترض لي إلّا الكريمَ مصاحبا
تقول إذا أوردتها ماء مِذنَب *** ردِ البحرَ بي غمراً وخلّ المذانبا (1)
وإنّي لأشكوها إليها تظلماً *** فأرجعُ عنها بعد شکواي خائبا
علىٰ أنّ لي منها حصاةً رزينة *** قتلت بها كلّ الأمور تجاربا (2)
لقد تعبت فيما تروم من العلىٰ *** كذلك نفس الحرّ تلقىٰ المتاعبا
ألم ترَ ما لاقىٰ ابن لبنان في العلىٰ *** من الأين لما ساح في الأرض ضاربا
تيمم من بعد الحجاز تهامة *** وراح إلىٰ صنعاء يُزجي الركائبا
وجاء إلىٰ أرض العراقين مبجِراً *** وكرّ إلىٰ نجد يجوب السباسبا (3)
ليجمع من أبناء يَعرُبَ شملَهم *** ويقضيَ حقّاً للمواطن واجبا
أخو همّة لو مدّ باعاً إلىٰ العلىٰ *** لأوشك منها أن ينال الكواكبا
له قلم عزّ القرائحَ شاعراً *** كما ابتزَّ فرسان البلاغة كاتبا (1)
لقد زرت نجداً يا أمينُ فقل لنا *** أتذكر من أخبار نجد جوائبا (2)
فما حالة الإخوان فيها فإننا *** نرىٰ الناس عنهم يذكرون الغرائبا
فهل كفروا من ليس يرسل لحية *** وهل فسقوا من ليس يحفي الشواربا (3)
وما أنا من قوم يدينون باللحىٰ *** ولم يقبلوا إلّا من الحلق تائبا
ودعْ عنك أخبار العراق فإنني *** لأعلم منها ما يفوق العجائبا
فويحاً لأهل الرافدين إذا انطووا *** علىٰ اليأس من نور يَشق الغياهبا (1)
ألا عدّ عمّا في العراق فإنني *** أراه بأخلاق الزمان معايبا
معايبُ لو أنّي هتكت ستارها *** لأرسلتُ منها للمعاند حاصبا (2)
فلا تحسبْنه أنّه ذو حكومة *** ولو ضربوا ظُلماً عليه الضرائبا
لئن ألّفوا بالكذب فيه وزارة *** فإن بها للكاذبين مآربا
وإنّي لأهوىٰ الفجر إن كان صادقاً *** وتنكر عيني الفجر إن كان كاذبا
تبسَّم لبنان بعَود أمينه *** وأضحىٰ لأذيال المسَرَّة ساحبا
أخا الفضل قد آنستَ لبنان حاضراً *** كما كنت قد أوحشتَ لبنان غائبا
وما أنتَ إلّا البدرُ يبهج طالعاً *** ويُحزِن آفاقَ المواطن غاربا
يُحیِّيكَ في بغداد إذ جئتَ قادماً *** يحيِّيكَ في بيروتَ إذ جئت آئبا
تجاه الريحاني (شكواي العامة)
هذه هي القصيدة التي أنشدها الرصافي في حفلة أقامها المعهد العلمي تكريماً لأمين الريحاني ؛ عند قدومه بغداد في أيلول سنة 1933.
إن العراق بعرضه وبطوله *** وبرافديه وباسقات نخيلهِ
يهتز مبتهجاً بمقدم ضيفه *** ويَبَشُ مبتسماً بوجه نزيله
ومُرحِّباً والشكر في ترحيبه *** ومؤهلاً والحمد في تأهيلهِ
بربيب لبنان ، بريحانيِّهِ *** بکبير معشره ، بفخر قبیلهِ
بالعبقريِّ ، بفيلسوف زمانه ، *** بأديب أمته ، بداهي جيلهِ
بأصحِّ أحرار الأنام تحرراً *** في فكره ، وبفعله ، وبِقيلهِ
إنّا نبجِّلُ منه خيرَ مبَجِّل *** تبجيل كلّ الفضل في تبجيلهِ
أأمين جئتَ إلىٰ العراق لكي ترىٰ *** ما فيه من غُرَر العلىٰ وحجولهِ
عفواً فذاكَ النجمُ أصبح آفلاً *** والقوم مُحتربونَ بعد أُفولهِ (1)
1) محتربون : يحارب بعضهم بعضاً ؛ لذهاب نور العزّ الذي كان بيديهم . والأفول : غروب الكواكب .
أوَ ما ترىٰ قُطر العراق بحسنه *** قد فاقَ مُقفِرهُ علىٰ مأهولِهِ (1)
أمّا الحيا فيه فذَّياكَ الحيا *** لكن مَسيلُ الماء غير مَسيلهِ
وربيعه ذاك الربيع وإن شكا *** من جهل ساكنه اشتدادَ مُحولِهِ (2)
فأقم به ولك الغنىٰ بفراته *** عن قطر مصَر وعن موارد نیلهِ
وأنزل علىٰ وادي السلام ممتَّعاً *** برَغيد عيش تحت ظل نخيلهِ
وألثِم به ثغرَ الطبيعة باسماً *** يشفي من المشتاق حَر غليلهِ (3)
وترقبَنْ أسحاره حتّىٰ إذا *** هبّ النسيم فجُس نَبضَ عليلهِ (4)
وانظر محاسن أرضه وسمائه *** وانشق اريج شماله وقبولهِ
فالجو فيه مُنيرةٌ أوضاحهُ *** والحسن فيه دقيقهُ كجليلهِ
واللیل فيه مكلَّل بمرصَّع *** وكواكب الإكليل من إكليلهِ
وترىٰ النهار به كذهنك واقداً *** بالشمس تُشرق في وجوه سهولهِ
وترىٰ ضياء الشمس فيه مغلقاً *** بنظيره ومُسلسلاً بمثيلهِ
وإذا وقفت بدارس من مجدِهِ *** فكوَقفةِ الباكين بين طلولهِ
وانحب كما نحب الحزين مُكفكِفاً *** غَرب الدموع بجانبيْ مِنديلهِ
فلقد عفا المجد القديم بأرضه *** وعليه جرّ الدهر ذيل خُمولهِ
وإذا نظرتَ إلىٰ قلوب رجاله *** فانظر حديد الطرق غير كليلهِ
تجد الرجال قلوبها شتّىٰ الهوىٰ *** مدّ الشقاق بها حِبالةَ غولهِ (1)
متناكرين لدىٰ الخطوب تناكراً *** يعيا لسان الشعر عن تمثيلهِ
فالجار ليس بآمن من جاره *** والخِل ليس بواثق بخليلهِ
والدينُ فيه يقولُ ذو قُرآنه *** قولاً يحاذر منه ذو إنجيلهِ
وإذا تأوّل قولَهم متأوّل *** صرفوه بالتكفير عن تأويلِهِ
وإذا تكلّم عالم في أمرهم *** خَفرُوا ذِمام العلم في تجهيلهِ
حال لو افتكر الحكيم بكنهه *** طول الزمان لعيَّ عن تعليلهِ (2)
من ذا يبدّله فإن قوارعي *** يئست لعمر الله من تبديلهِ (3)
والجهلُ لا يُبقى علىٰ أربابه *** كالسيف ليس براحم لقتيلِهِ
أأمينُ لا تغضب عليّ فإنّني *** لا أدعي شيئاً بغير دليلهِ
من أينَ يرجىٰ للعراق تقدّم *** وسبيل ممتلكيه غيرُ سبيلهِ
لاخير في وطن يكون السيف *** عند جبائه والمال عند بخيلهِ
والرأي عندَ طريده ، والعلم *** عند غریبه ، والحكم عند دخیلهِ
وقد استبد قليله بكثيره *** ظُلماً ، وذلَّ كثيره لقليلهِ
إني إذا جدّ المقال بموقف *** فضلت مُجمله علىٰ تفصيله
وإذا المخاطب كان مثلك واعياً *** أغنىٰ اختصار القول عن تطويله
يا من يكتُمُ فضله متواضعاً *** والناس مجمعة علىٰ تفضيلهِ
شكوايَ بحت بها إليكَ وليس في *** شكوىٰ الزميل غضاضة لزميلهِ
إنّ المريض ليستريح إذا اشتكىٰ *** مما به لطبيبه وخليلهِ
وكذا الحزينُ إذا تهيَّج حزنه *** يَبكي فيسكنُ حُزنُهُ بعويلهِ
إنّي لآنف أن أبوح بمضمَري *** إلّا لمقتدر علىٰ تحصيلهِ
ولديَّ إنّ وصل الحبيب تمسُّكٌ *** بالعز يمنعُ فايَ من تقبيلهِ
[قصيدة محمّد حسين اليعقوبي]
[في سبيل فلسطين]
القيت في الاحتفالين الذين عقدا في كربلاء والنجف ترحيباً بمقدم حجّة الإسلام الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء عند عودته من فلسطين بعد انفضاض (المؤتمر الإسلامي) وذلك في 5 رمضان سنة 1350ه-.
حياك يشكر سعيك الإسلام *** وزهت بمطلعِ سعدِكَ الأيامُ
لبيتَ داعيَ الحقّ حين سمعته *** وعليكَ تلبية الدعا إلزامُ
عظمته فعظمت عند أولي النُهىٰ *** قدراً وحق لمثلك الإعظامُ
ما قمت عنه مناضلاً في حجة *** إلّا وأعجز خصمك الأفحامُ
ونهضت بالأمر الذي لم تستطع *** (رضوي) يقوم ببعضه (وشمامُ)
هي منك نهضةُ ماجدٍ لكَ سنَّها *** الأباءُ والأجداد والأعمامُ
يا واحد العلماء قمت بواجبٍ *** يجزيكَ عنه الواحد العلّامُ
ورأيتَ فرضاً أن تجيب ولم تكن *** تصغي لأقوام نهوك ولاموا
الآن أسفرت الحقائق وانجلىٰ *** للناس عن شمس النهار قتامُ
فاخر بنفسكَ من تشا إن رشحت *** للفخر قوماً أعظم ورمامُ
بالجد نلت من العلىٰ مارمته *** أن المعالي بالجدود ترامُ
ما زلت غوث المسلمين وغيثهم *** إن عمهم خطب وأمحل عامُ
همم تخال النيرات توهماً *** تسمو لها فكبت بها الأوهامُ
حنت (فلسطين) لمقدمك الذي *** (بيروت) فيه استبشرت (والشامُ)
وتشوقت مصر إليك وأوشكت *** تهتزُّ من طرب بها (الأهرامُ)
ماذاك إلّا أنك النور الذي *** ينجاب فيه الظلم والأظلامُ
ذكرت مواقفك التي سلفت بها *** شاب الزمان وذكرهنُ غلامُ
حيث الحلوم من الرجال مطاشة *** وتزل في إقدامها الأقدامُ
لولاكَ لم يخفق هنالك للهدىٰ *** علمٌ ولا للحقّ قام دعامُ
أوضحت فيها (دعوة) الحقّ التي *** (آياتها) حارت بها الأفهامُ
هتفت بك الأرض المقدّسة التي *** طمعت بمسجدها الشريف طغامُ
ولو أنّهم ملكوه ما سمحوا به *** كالمال إن قبضت عليه لئامُ
فنقضت ما قد أبرموه كأنما *** بيديك كان النقضُ والإبرامُ
قوم نراعي أمس ذمّة عهدهم *** لم يرع فيهم للبلاد ذمامُ
حتىٰ لقد سئم الإقامة أهلها *** ما للكريم علىٰ الهوان مقامُ
فرددت عادية اليهود كأنّهم *** شاء سطا بقطيعها الضرغامُ
قد غرّها «بلفور» في أوعاده *** هيهات ينقع بالسراب أوام
راموا المحال فخيبوا ولطالما *** خاب الألىٰ طلبوا المحال وراموا
فكأنّما أنت (الكليم) وما العصا *** إلّا اليراعة والعدىٰ أغنامُ
طهَّرت ذاك البيت منهم بعدما *** کالبیت كان تحفه الأصنامُ
لم ينعقد لولاكَ (مؤتمر) به *** فكأنّه عقد وأنت نظّامُ
لولاكَ لم يرج الصلاح بعقده *** أبداً ولا برق النجاح يشامُ
ألفت بين المسلمين ولم يكن *** لولاك وفقٌ بينهمُ ووئامُ
أسست فيهم وحدةً دينية *** هدت صروح كيانها الأيامُ
فعناصر وطوائف ما بينها *** إلّا نزاع قائمُ وخصامُ
قد قدموك أمَامهم بصلاتهم *** علماً بأنك في الزمان إمامُ
إن فهت في خطب فرّب فصاحة *** يملي عليك الوحي والإلهامُ
الماضيات كأنّهنّ صوارمٌ *** والراميات كأنّهنّ سهامُ
لهجت بها صحف البلاد وترجمتها *** باختلاف لغاتها الأقلامُ
تحكي برقتها المدام فتنتشي *** منها العقول وليس ثمّ مدامُ
ورجعت محفوفاً بأبهة الهدىٰ *** وعليك من عزّ الجليل وسامُ
إن عجت في بلدٍ أتتك فرحبت *** بك أهله ولهم عليك زحامُ
قد عدت في شهر حكت أيامه *** الأعياد فيك عجبت كيف يصامُ
بك قد أعزّ الله شرعة (أحمد) *** أنیٰ وناصرها (الحسين) تضامُ
فإليكها منّي وليدة يومها *** إن أنشدت قعد الأنام وقاموا
لو أنّ (همّام بن غالب) قد صغىٰ *** لنشيدها لصبا لها همامُ
لك قادها الحبّ الصميم وساقها *** شوق إليك مبرح وغرامُ
[أمين الريحاني]
قصيدة الشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري يحيي بها أمين الريحاني ساعة يمم النجف.
لمن المحافل جمّة الوفاد *** جلّ المقام بها عن الإنشادِ
من زان صدر المجلس الأعلىٰ وقد *** طفح الجلال بحيث فاض النادي
من صاحب السمة التي دلت علىٰ *** أدب الحضارة في جمال البادي
یا نجل سوريا وتلك مزية *** شهدت بها بمهارة الأولادِ
في كلّ يوم للمحافل رنّة *** لك من نيويورك إلىٰ بغدادِ
ماقدر هذا الأحتفال وإنما *** كلّ الزمان محافل ونوادي
تعداد مجد المرء منقصة إذا *** فاقت مزایاه عن التعدادِ
يا كاشف الآثار زور أهلها *** وكفت بذورك عندهم من زادِ
رحماك بالأمم الضعاف هوت بها *** أحن فمد لها يد الإسعادِ
واشفق علىٰ تلك الجوانح أنّها *** حنيت أضالعها علىٰ الأحقادِ
اقرأ علىٰ مصر السلام وقل لها *** حيّت رباك روائح وغوادي
لا توحشي دار الرشيد فإنّها *** وقف علىٰ الأبراقِ والأرعادِ
وتصافحي بيد الاخاء فهذه *** كف العراق تمد حبل ودادِ
لا ترهبنك قسوة من غاصبٍ *** عاتٍ فإنّ الحق بالمرصادِ
ما أنصفوا التاريخ وهو صحائفٌ *** بيض نواصع لفعت بسوادِ
أمثقف القلم الذي آل علىٰ *** أن ليس ترجح كفة استعبادِ
ومشيداً للشرق ركناً يلتجي *** منه بأمنع ذمّة وعمادِ
أنّيٰ سمعت وما سمعت بمثله *** نبأ يرن علىٰ مدىٰ الآمادِ
سورية أُمّ النوابع تغتدي *** هدف العداة فريسة الأوغادِ
تضحى علىٰ البلوىٰ كما تمسي وقد *** خفت الزئير بها من الآسادِ
لم تكفها آراؤك الظُلَمَ التي *** غشيت ولم تهمم بقدح زنادِ
أكذا يكون علىٰ الوداد جزاؤها *** أم لست من أبنائها الأمجادِ
حنت إليك مرابع فارقتها *** لو أنّ بيناً هزّ قلب جمادِ
ماذا نويت غداً إذا بك حدقت *** خوص العيون بمحضر الأشهادِ
وتساءل الأقوام عنّا هل نما *** فينا الشعور وما غناء الحادي
وتعجبوا من مهبط الوحي الذي *** سمعوا وليس سوىٰ قرارة وادي
وعلمت ما في الدار غير تشاجر *** وتطاحن ومذلّة وفسادِ
هل تجرحن عواطفاً إن غيبت *** منها السرائر بالرسوم بوادي
«كلّ المصائب قد تمر علىٰ امرىء *** فتهون غير شماتة الحساد»
قل إن سئلت عن الجزيرة مفصحاً *** ما أشبه الأحفاد بالأجدادِ
ما حولت تلك الخيام ولا قدت *** فينا علىٰ تلك الطباع عوادي
نار القرى مرفوعة وبجنبها *** نار الوغىٰ مشبوبة الإيقادِ
أبقية السلف الكريم عجيبة *** ما غيرتك طوارىء الآبادِ
ما لوثت منك الحقائب مسحة *** موروثة لك قبل أعصر عادِ
ما للحوادث فاجأتك كأنّها *** كانت علىٰ وعد من الأوعادِ
نام الرشيد عن العراق وما درىٰ *** عن مصره فرعون ذو الأوتادِ
حالت عن العهد البلاد وإنّما *** لبست لفقدهم ثیاب حدادِ
واستوحشت عرصاتها ولقد ترىٰ *** دار الوفادة كعبة الوفادِ
اذ ملكها غض الشباب وروضها *** زاهي الطراز مفوف الأبرادِ
وعلىٰ الحمىٰ للوافدين تصلع *** بتعاقب الأصدار والإيرادِ
أغرىٰ بها الأعداد صيقل حسنها *** وجنت عليها نضرة المرتادِ
فتساندوا بعد اختلاف مطامع *** أن لا يقيم الشرق أي سنادِ
وإذا أردت علىٰ الحياة دلائلاً *** لم تلق مثل تآلف الأضدادِ
إن هزكم هذا الشعور فطالما *** لانَ الحديد بضربة الحدادِ
أو تنكروا منّي حماسة شاعر *** فالقوم قومي والبلاد بلادي
عَجلَتْ علىٰ وطني الخطوبُ فحتمت *** أن لا يقرّ وساده ووسادي
الصورة
الشيخ كاشف الغطاء
الملك فيصل الأوّل
ياسين الهاشمي
صالح جبر
الصورة
من اليمين الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين
والإمام محمّد الحسين كاشف الغطاء في لقطة تذكارية (القدس الشريف 1931م)
الصورة
وفد المؤتمر الإسلامي في القدس في زيارة إلىٰ جمعية الرابطة العلمية الأدبية في النجف الأشرف (1933م)
الصورة
كاشف الغطاء في مسجد سماحة السيّد عبد الحكيم الصافي - والد المحقق - في معقل البصرة ، حيث حلّ ضيفاً عنده وهو في طريقه إلىٰ مؤتمر باكستان 1371 ه- والموافق 1952م ، وقد وضعنا علامة دائرة علىٰ صورة الشيخ كاشف الغطاء والسيد عبد الحكيم الصافي .
الصورة
صورة للأب أنستاس الكرملي مع نموذج من خطه .
الصورة
صورة تذكارية لسماحة السيّد عبد الحكيم الصافي - والد محقق الكتاب - مع صالح جبر رئيس وزراء العراق السابق .
الصورة
الشيخ كاشف الغطاء يخطب في مسجد الكوفة
الصورة
صورة لجمال الدين القاسمي
الصورة
سماحة السيّد المحقق مع الاستاذ الدكتور أمين ألبرت الريحاني (ابن أخ فليسوف الفريكة أمين الريحاني) في مكتب الدكتور الريحاني في جامعة السيدة لويزة في بيروت 2002م .
مقدّمة التحقيق
مقدّمة المحقق ... 5 - 11
ترجمة الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء ... 12 - 44
مصادر ترجمة الشيخ كاشف الغطاء ... 45
ترجمة أمين الريحاني ... 46 - 74
مصادر ترجمة أمين الريحاني ... 75
عملنا في تحقيق الكتاب ... 76 - 77
متن الكتاب
مقدّمة المؤلف ... 81
رسالة الشيخ كاشف الغطاء إلىٰ أمين الريحاني ... 83 - 84
جواب أمين الريحاني إلىٰ الشيخ كاشف الغطاء ... 85 - 113
رسالة الشيخ كاشف الغطاء ... 114 - 185
جواب أمين الريحاني ... 186 - 202
ردّ الشيخ كاشف الغطاء ... 203 - 205
ردّ الشيخ علىٰ انتقادات أنستاس الكرملي ... 206 - 262
ثلاث مقالات للريحاني
المقالة الأولىٰ : صديقي الأعزّ ... 263 - 270
المقالة الثانية : رسم الأستاذ ناصر الدين البغدادي ... 271 - 284
رأي الشيخ في المقالتين ... 185
الملاحق
الملحق 1 / كلمة المحقق في حفل استقبال المصنّف ... 289 - 296
المحلق 2 / قصيدة الشيخ الفرطوسي ... 197 - 302
المحلق 3 / قصيدة الشيخ علي الصغير ... 303 - 307
المحلق 4 / قصيدتان لمعروف الرصافي ... 308 - 312
المحلق 5 / قصيدة الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ... 313 - 315
المحلق 6 / قصيدة محمّد مهدي الجواهري ... 316 - 320
المحلق 7 / الصور ... 321 - 330
فهرس الموضوعات ... 331 - 332
صدر للمحقّق
1 - السجود علىٰ التربة الحسينية .
للشيخ عبد الحسين الأميني (ت 1390 ه) .
صدر في بيروت سنة 1420 عن دار المحجّة البيضاء .
2 - دعوة الهدىٰ إلىٰ الورع في الأفعال والفتوىٰ .
للشيخ محمّد جواد البلاغي (ت 1352 ه) .
صدر في بيروت 1420 عن دار المحجّة البيضاء .