ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی ، محمد تقی
عنوان و نام پديدآور : موسوعة الإمام الخوئي : مجمع الرسائل: تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی/ تالیف: محمد تقی الخوئی
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاءآثارالامام الخوئی، 1430ق.=2009م.=1388ش.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعة الامام الخوئی؛49.
وضعیت فهرست نویسی : در انتظار فهرستنویسی
يادداشت : الطبعة الثالثة
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدللّه ربّ العالمین
والصلاة والسلام علی سیّدنا محمدوآله الطّاهرین
و لعنة الله علی أعدائهم أجمعین
من الان إلی قیام یوم الدین
محرر الرقمي: علي الرضائي
مجمع الرسائل
مجمع الرسائل
تقريرا الإبحاث
الاستاذ الاعظم سماحة آیة الله العظمی
السیّد ابوالقاسم الموسوی الخوئي (قدّس سرّه)
« 1317-1413ه- »
تحتوی عَلَى
رسالة في الارث. رسالة في الامر بین الامرین
رسالة في الرضاع. رسالة في اللبّاسِ المشكوك
كليات علم الرجال. نفحات الاعجاز
طبعةٌ منقّحة
موسّسَة الخوئى الإسلاميّة
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء التاسع والأربعون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سرّه)
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 982512932264 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع : 1430 ه- ، 2009م
المطبعة: نينوى
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com
www. alkhoei.net
تقرير الابحاث
الأستاذ الأَعظَمَ سماحَة آیة الله العظمى
السيد ابو القاسم الموسة الخوئي (قدّس سرّه)
«1317_1413ه- »
حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد الجواهری
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين ، الواحد الأحد، الفرد الصمد ، الذي دانت له السماوات والأرض بالعبودية ، المنفرد بالوحدانية ، ثمّ الصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل بريّته ، الرسول المسدّد ، والمصطفى الأمجد ، المبعوث رحمة للعالمين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .
وبعد ، فمن فضل الله ولطفه الذي منّ به عليّ أنّي كنت أدوّن دروسي كلّها ، التي من ضمنها درس سيّدنا الأستاذ « السيد الخوئي » (رحمه الله) ، وأعتني بها عناية خاصّة حتّى اليوم الأخير من درسه قدّس الله نفسه الزكية .
فكان ممّا دوّنته كتاب الميراث ، الذي بحثه (رحمه الله) مرتّباً حسب ترتيب مسائل الإرث في رسالته العملية «منهاج الصالحين » وكان ذلك في الظروف الرهيبة والأيّام العصيبة التي مرّت علينا في النجف الأشرف ، على مشرّفه آلاف التحيّة والسلام ، في عهد الظلم والطغيان والوحشية البعثية التي لم تكن الوحشية التترية إلّا مثالاً صغيراً لها ، إلى أن أدّى ذلك إلى استشهاد سيّدنا الأستاذ المفدى ، بعد أن فرضت عليه الإقامة الجبرية فى منزله فى الكوفة إثر انتكاس الانتفاضة الشعبانية عام 1991م التي ذهب ضحيّتها الملايين من الشعب العراقي الغيور .
وفي الختام أُهدي كتابي هذا إلى روح والدي الشهيد آية الله الفقيه الشيخ محمد تقي الجواهري تغمّده الله برحمته ورضوانه .
محمد الجواهري 4 جمادى الثاني 1424ه-
كتاب الميراث
لا خلاف بين المسلمين ، بل وغيرهم في ثبوت الإرث في الجملة ، وقد نطق به الكتاب الكريم ، والسنّة النبوية .
الكلام في الإرث في فصول :
وفيه عدة مباحث :
وهو أحد أمرين :
الأوّل : السبب ، وهو منحصر بالزوجية ، والولاء بأقسامه الثلاثة : ولاء العتق ، وولاء ضمان الجريرة ، وولاء الإمامة .
ومن يرث بسبب الزوجية يرث مع جميع الطبقات ، وأمّا من يرث بسبب الولاء فإرثه مشروط بعدم وجود من يتقرب إلى الميّت بالنسب وإن كان بعيداً كأبناء العمومة والخؤولة .
الثاني : النسب ، وله ثلاث طبقات :
الطبقة الأولى : الأبوان المتّصلان دون الأجداد ، والأولاد وإن نزلوا ، وهما صنفان . والمراد من كونهما صنفين أنّه لو لم يكن للميّت أولاد حين الموت قام أولادهم مقامهم ، ولا ينفرد الأبوان بالميراث ، فيشارك أولاد الأولاد أجدادهم أو
جدّاتهم أو هما معاً في الميراث.
الطبقة الثانية : الإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا ، والأجداد والجدات وإن علوا ، كآبائهم وأجدادهم .
ولا ترث هذه الطبقة مع وجود ولو وارث واحد من الطبقة الأولى .
وهما صنفان أيضاً ، فلو لم يكن للميّت أخ ولا أخت حين الموت قام أولادهم مقامهم وشاركوا الأجداد ، أو لم يكن للميّت جدّ أو جدة حين الموت قام أبو الجدّ والجدة وأمهما مقامهم في مقاسمة الإخوة والأخوات.
الطبقة الثالثة : الأعمام والأخوال وإن علوا - كأعمام الآباء والأمهات وأخوالهم ، أو أعمام الأجداد والجدات وأخوالهم - وأولادهم وإن نزلوا ، كأولاد أولادهم ، أو أولاد أولاد أولادهم ، وهكذا مع صدق القرابة للميّت عرفاً .
ولا ترث هذه الطبقة أيضاً مع وجود ولو وارث واحد من الطبقة الثانية .
وهذه الطبقة صنف واحد ، فلو لم يكن للميّت أخوال أو خالات حين الموت كان جميع المال للأعمال والعبات ، ولا يشاركهم ابن الخال أو ابن المخالة ، وبالعكس.
فإنّ الوارث تارةً يرث بالفرض دائماً فقط، ولا يرد عليه شيء ، وأخرى يرث بالفرض دائماً ولكن قد يردّ عليه أيضاً ، وثالثة بالقرابة فقط ، ورابعة بالفرض تارةً وبالقرابة أخرى ، وخامسة لا بالفرض ولا بالقرابة .
والأوّل: منحصر بالزوجة ، فإنّ لها مع الولد الثمن ، ومع عدمه الربع ، ولا يردّ عليها شيء . وهذه دائماً إرثها بالفرض ، كان هناك وارث آخر أم لم يكن .
والثاني : كالزوج ، فإنّ له الربع مع الولد ، والنصف مع عدمه، ويرد عليه إذا لم يكن وارث إلّا الإمام (عليه السلام) .
وكذا الأمّ ، فإنّ فرضها مع وجود الولد السدس ، ومع عدمه الثلث إذا لم يكن
حاجب . وربما يردّ عليها ، كما لو ترك الميت أباه وأُمّه وبنتاً ، أو ترك بنتين وأمّاً ، أو بنتاً وأُمّاً .
والثالث : كالولد الذكر ، أو الذكور ، أو الذكور والإناث، حيث لم يجعل لهم فرض في الكتاب والسنة ، وإنما يرثوا ما تركه أبوهم ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإن انفرد أخذ جميع المال .
وكذا الإخوة من الأبوين ، أو من الأب خاصة ، وكذا الجد ، والأعمام والأخوال .
والرابع : كالبنت الواحدة ، فإنّها تارةً ترث بالفرض ، كما لو لم يكن معها ابن ، فإنّ لها النصف . وأخرى بالقرابة ، كما لو كان معها ابن ، فللذكر مثل حظ الأنثيين .
والأب ، فإنه يرث بالفرض مع وجود الولد ، وفرضه السدس ، وبالقرابة مع عدمه.
والبنتين فصاعداً ، فإنهن يرثن بالفرض إذا لم يكن معهن ابن ، وفرضهنّ الثلثان ، وبالقرابة إذا كان معهنّ ابن .
والأخت الواحدة من الأبوين أو من الأب خاصة ، فإنها مع عدم الأخ ترث بالفرض ، وفرضها النصف ، ومع وجود الأخ ترث بالقرابة .
والأختين فصاعداً من الأبوين أو من الأب خاصة ، فإنّهنّ مع عدم الأخ يرثن بالفرض ، وفرضهن الثلثان ، ومع الأخ يرثن بالقرابة .
والإخوة والأخوات من الأم خاصة، فإنهم يرثون بالفرض مع عدم وجود الجد من طرف الأم، وفرضهم الثلث ، وبالقرابة مع وجوده .
والخامس : منحصر بالإرث بالولاء ، فإنه لو لم يكن للميّت وارث نسبي فارته للمعتق ، أو لضا من الجريرة ، أو للإمام (عليه السلام).
الأول : قد لا يزاد على فرضه شيء أبداً - سواء وجد قريب أم لا - وهو منحصر بالزوجة ، فإنّها ترث مع وجود الولد الثمن ، ومع عدمه الربع . ولا يزاد على ذلك شيء في جميع الفروض ، كما أشرنا إليه .
الثاني : قد يزاد على فرضه شيء ، وموارده كثيرة ، كالبنت الواحدة إذا انفردت ، فإنّ لها النصف بالفرض والباقي بالقرابة ، وكذا لو اجتمعت مع الأبوين فإنّ لها النصف بالفرض وثلاثة أخماس الباقي - بعد سدسي الأبوين - بالقرابة .
من يزاد على فرضه قد ينقص من فرضه وقد لا ينقص .
والأوّل : كما لو زادت الحصص على التركة، كأن ترك الميت بنتاً واحدة وأبوين وزوجاً ، فللزوج الربع ، وللأبوين السدسان ، وللبنت النصف . ولا يفي المال يجميع الحصص، ولا يرد النقص على الأبوين، ولا على الزوج، وإنما يرد على البنت فقط ، فتكون حصتها حينئذ الباقي .
وهنا يتوجّه إشكال وحاصله : أنّ البنت الواحدة إذا نقصت الفريضة عن السهام كان النقص عليها ، وإذا زادت الفريضة على السهام اختصت الزيادة بها كما لو انفردت - أو شاركت غيرها فيه كما لو كانت مع الأبوين ، أو مع أحدهما - فلا مورد ترث فيه البنت الواحدة ،النصف، بل إمّا أن يزيد أو ينقص ، وقد نصت الآية المباركة على النصف.(1)
والجواب : مضافاً إلى وجود ما ترث فيه البنت الواحدة النصف من دون زيادة ولا نقصان ، كما لو كان أحد أبوي الميت - الوارثين مع بنت الميت - مبعضاً أي نصفه عبد ونصفه حر ، كما كان كثيراً في زمان المعصومين (عليهم السلام) وزمان
1) أي قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ) النساء 11:4 .
نزول القرآن . فلو ماتت امرأة وتركت والداً حرّاً ، ووالدة مبعّضة ، وبنتاً واحدة وزوجاً . فللزوج الربع ، وللبنت النصف ، وللأب السدس ، وللأم نصف السدس .
إنّ هذا الإشكال مبني على أن يكون التقسيم بالنصف أو الربع أو السدس ونحوها في الآيات المباركة تقسيماً على الإطلاق ، وهو خلاف ظاهر الآيات المباركة، فإنّ ظاهرها كون التقسيم تقسيماً بالنسبة لا على الإطلاق.
ولهذا التقسيم باب في علم الحساب ، ومنه ما نسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)حينما أوصى رجل له سبعة عشر بعيراً بأن يعطى أحد أولاده نصفاً والآخر ثلثاً ، والثالث تسعاً ، فأضاف (عليه السلام) إليها بعيراً ، فصارت ثمانية عشر ، فقسمها بينهم ، لصاحب النصف تسعة ، ولصاحب الثلث ستة ، ولصاحب التسع اثنان ، فبقي واحد فأخذه (عليه السلام). وهذا التقسيم هو التقسيم الصحيح بحسب موازين القسمة بالنسبة .
ولتوضيح الفرق بين التقسيم المطلق والتقسيم بالنسبة يلاحظ أن المال الواحد إذا جعل لأشخاص على حسب الحصص المشاعة بينهم ، فكان المال زائداً على حصصهم ، فإما أن لا يكون من الأول لهم ، بل لهم الحصص فقط ، وإمّا أن يكون المال من الأول لهم، ثمّ تبيّن كيفية التقسيم على الحصص المذكورة .
ومثال ذلك في باب الوصية ، فإنّه تارةً يوصي الميّت بأنّ لولده الأكبر نصف الأغنام ، ولولده الأوسط ربعها ، ولولده الأصغر ثمنها ، فيبق حينئذ ثمن الأغنام خارجاً عن مورد الوصية ، فينتقل إلى الورثة . وأخرى يوصي أن تكون جميع الأغنام لهم ، ثم يبين كيفية القسمة ، كما لو قال
1) [ راجع قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) : 121 ، فقد حكى التستري القضية بلفظ الخصومة لا الوصية ] .
ما أتركه من الأغنام كلّها لولدي الثلاثة ، نصفها للأكبر ، وربعها للأوسط ، وثمنها للأصغر ، فإذا قسم المال بينهم يزيد ثمناً ، وهذا الثمن أيضاً داخل في الوصية ، فنصفه للأكبر ، وربعه للأوسط ، وثمنه للأصغر ، ويبقى ثمن الثمن أيضاً فيقسّم هكذا ، وهكذا إلى أن تستوفى الفريضة .
ومورد التقسيم بالنسبة إنما هو الثاني لا الأول ، والمستفاد من آيات الإرث أن الوارث هم أولوا الأرحام والأقربون ، فما تأخذه البنت إذا اجتمعت مع الأبوين أو مع أحدهما - النصف بالنسبة إلى التركة .
فلو ترك الميّت 30 ديناراً كان لها 15 ، ولكلّ واحد من أبويها 5 ، والباقي 5 أيضاً من التركة ، فتأخذ البنت نصفه والأبوان سدسيه ، ويبقى سدس السدس وهكذا إلى أن تستوفى الفريضة .
وكذا لو انفردت البنت ، فلها النصف 15 ونصف النصف الباقي وهو 7/500 ونصف النصف الباقي وهو 3/750 ، إلى أن تستو فى الفريضة ، فلا تتصوّر هنا زيادة أبداً ، لأنّ التقسيم كما هو ظاهر الآيات المباركة تقسيم بالنسبة ، لا على الإطلاق .
وبهذا يتضح صحة ما ذهب إليه فقهاؤنا الأعلام ، تبعاً لما ورد عن أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) من بطلان التعصيب كما سيأتي أيضاً (1)إذ لا زيادة في البين بل حكم الباقي حكم الأصل ، ففي فم العصبة التراب.(2)
الإرث بالنسب إنّما هو مع صدق القرابة والرحم :
ذكر جملة من الفقهاء منهم صاحب الجواهر (3)أنّ الإرث بالنسب لابدّ وأن
يكون مع صدق القرابة أو الرحم ، لأنّ الموضوع في الآيات المباركة والروايات الشريفة ذلك ، كما في قوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) (1)وقوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) (2)ونحو ذلك ممّا استفيد منه قاعدة (الأق-رب يمنع الأبعد).
وعلى هذا لا يكفي مجرّد الاتصال بالنسب إذا كان بعيداً لا يصدق عليه عنوان الرحم أو القريب ، كما هو الحال في السادة مثلاً ، فإنّهم كلهم من أمير المؤمنين (عليه (السلام) أو كلّهم من هاشم - إذا عمّمنا السيادة لكل من انتسب إليه - ولكن ليس كل سید لسيد رحماً ولا قريباً ، بل هو أجنبي وإن اشتركوا في جدّ واحد .
وقد يشكل على ذلك فيقال : أنّه لا موجب لهذا التقييد ، لإطلاق قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثيين ... )(3)والأولاد أعم من الأولاد مع الواسطة أو بدونها ، قريباً أو بعيداً ، ولذلك عمم الحكم في تحريم النكاح بالولادة للقريب والبعيد ، فليس للجد وإن كان بعيداً أن يتزوّج بنات أولاده ، ولا إشكال في ذلك ولا كلام ، ولذا قال (عليه السلام) : « لا يخطب إليّ ولا أجيبه » (4)لأنّ
1) الأنفال 8: 75
2) النساء 4: 7
3) النساء 11:4 .
4) فيما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) « أنّه قال للرشيد - في حديث - يا أمير المؤمنين ، لو أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال : ولِمَ لا أجيبه ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام) لكنه لا يخطب إلي ولا أجيبه ، قال : ولِمَ؟ قال : لأنه ولدني ولم يلدك » الوسائل 20 : 363 / أبواب ما يحرم بالنسب ب 2 ح 3 ، عيون أخبار الرضا (علیه السلام) 1 : 83 [ نقل مع اختلاف يسير ] .
بنتي بنته ، ومن أولدني أولدها.
إلّا أنّ كثرة وجود من ينتسب بهذا النحو في العالم كأولاد آدم - يوجب عدم إمكان الوصول إليهم لكثرتهم ، فلذا لا يرثون ، ويكون الإرث لغيرهم .
وفيه : أنّك قد عرفت ظهور الآيات المباركة في اختصاص الحكم بالرحم والقريب ، وليست هذه الآيات في مقام تشريع الإرث ، وأن كل ولد يرث ، قريباً كان أو بعيداً ، وإلا لاشترك ولد الولد مع الولد وكان في عرضه ، وهو باطل جزماً بل في مقام بيان كيفية التقسيم ، وأنّ للذكور ضعف الإناث . واستفادة أولوية الوالد من الولد إنما هو من آيات أخرى (1).
ولو فرض ثبوت عدم الفرق بين القريب والبعيد فلا تصل النوبة إلى الولاء بأقسامه ، لأنّ أي شخص فرض موته لا شكّ أنّ له ابن عم ، أو ابن خال ولو بعيداً غاية الأمر أنّه مجهول ، فيكون داخلاً في مجهول المالك ، لا في من لا وارث له .
والكثرة بمجرّدها ليست مانعة من الإرث ، فلو فرض أن لرجل ستين ولداً كما هو متحقّق في عصرنا الحاضر - ففي الطبقة الثانية - لو فرض أنّ لكلّ ولد عشرة أولاد - يكون الأولاد ستمائة ، وفي الثالثة ستة آلاف ، وفي الرابعة ستين ألفاً . أفيحتمل أن لا يكون هنا إرث لكثرتهم !؟ نعم الذي لا يكون وارثاً من لا مقتضي له في الإرث لبعده ، لا لكثرته .
وعليه فالصحيح ما ذهب إليه جمع منهم صاحب الجواهر ، من اعتبار أن يكون الوارث قريباً ورحماً ، وإلا فلا إرث بينهما ، وإن كان النسب نسباً واحداً .
1) منها قوله تعالى : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله الأنفال 8: 75، ) الأحزاب 33 : 6 ، وقوله تعالى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ النساء 4 : 7 .
فائدة : الفرض هو السهم المقدّر في القرآن الكريم ، وهو ستّة أنواع : النصف والربع ، والثمن ، والثلثان ، والثلث ، والسدس .
وأربابها ثلاثة عشر :
فالنصف : 1 - للبنت الواحدة ، 2 - والأخت للأبوين أو للأب فقط إذا لم يكن معها أخ ، 3 - وللزوج مع عدم الولد للزوجة وإن نزل .
والربع : 4 - للزوج مع الولد للزوجة وإن نزل ، 5 - وللزوجة مع عدم الولد للزوج وإن نزل ، فإن كانت واحدة اختصت به ، وإلا فهو لهنّ بالسوية .
والثمن : 6 - للزوجة مع الولد للزوج وإن نزل ، فإن كانت واحدة اختصّت به ، وإلّا فهو لهنّ بالسوية
والثلثان : 7 - للبنتين فصاعداً مع عدم الابن المساوي ، 8 - وللأختين فصاعداً للأبوين أو للأب فقط مع عدم الأخ .
والثلث : 9 - للأمّ مع عدم الولد وإن نزل ، وعدم الإخوة على تفصيل يأتي (1)، 10 - وللأخ والأخت من الأم مع التعدد.
والسدس : 11 - لكل واحد من الأبوين مع الولد وإن نزل ، 12 - وللأم مع الإخوة للأبوين أو للأب على تفصيل يأتي (2)، 13 - وللأخ الواحد من الأم والأخت الواحدة منها .
إذا تعدّد الوارث ، فامّا أن يكون أ - إرث كلّ واحد منهم بالقرابة دون الفرض . ب - أو بعضهم بالقرابة وبعضهم بالفرض ج- - أو كل واحد منهم بالفرض دون القرابة .
أ - فإن ورث كلّ واحد منهم بالقرابة فلا إشكال ، كما لو خلف الميت ولداً وبنتاً واحدة أو أكثر ، فالمال بينهم ، للذكر مثل حظ الأنثيين .
ب - وإن ورث بعضهم بالفرض والآخر بالقرابة ، أخذ صاحب الفرض فرضه ، وقسّم الباقي بين غيره على ما ذكره الله تعالى في كتابه .
فلو خلف الميت أبويه وولداً ، أو أبويه وولداً وبنتاً ، أو أبويه وأولاداً وبناتاً أخذ كل واحد من الأبوين سدس التركة، وقسم الباقي بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ، أو انفرد به الولد الذكر . ولا إشكال في ذلك أيضاً .
ج وإن ورث الجميع بالفرض ففيه أقسام ثلاثة :
الأوّل : أن تكون الفريضة مساوية للتركة ، كما لو ترك الميت أبوين وبنتين فلكل من الأبوين سدس ، وللبنتين ثلثان . ولا إشكال في ذلك أيضاً .
الثاني : أن تزيد التركة على الفروض ، كما لو ترك بنتاً واحدة وأبوين فللبنت النصف ، وللأبوين السدسان، ويزيد سدس لم يذكر له وارث في الآية المباركة
وكذا لو ترك بنتين وأباً فقط، أو بنتين وأمّاً فقط ، فيبق سدس أيضاً لم يذكر له وارث ، فلمن يكون هذا السدس ؟
المتسالم عليه بين فقهائنا تبعاً لما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) أن تردّ الزيادة على الورثة بنسبة حصصهم ، فلو كان الوارث بنتاً وأبوين قسم السدس الزائد أخماساً . ، ثلاثة منه للبنت ، والباقي للأبوين . وإذا كان الوارث بنتين وأباً قسم السدس الزائد أخماساً أيضاً ، أربعة منه للبنتين والخامس للأب ، وإن كان الوارث بنتاً وأحد الأبوين قسم الثلث الباقي أرباعاً ، ثلاثة منه للبنت والرابع لأحد الأبوين . فحكم الباقي حكم الأصل ، ولا تصل النوبة للعصبة .
وخالفنا في ذلك العامة (1)فقالوا إنّ الباقي يعطى للعصبة ، وهم الذكور المنتسبون إلى الميت بلا واسطة كالأخ ، أو مع الواسطة كالعم أو ابن العم أو ابن الأخ . وقد يورّثون الإناث في بعض الفروض ، على ما هو المذكور في كلامهم ، من دون أن يردّوا شيئاً من ذلك إلى الورثة الأصليين(2)
والصحيح ما ذكره فقهاؤنا ، لعدة وجوه :
الوجه الأول : كون التقسيم في ظاهر الآيات المباركة تقسيماً بالنسبة ، لا تقسيماً على الإطلاق ، على ما تقدّم توضيحه (3)في ردّ الإشكال الوارد على حصة البنت الواحدة ، وقلنا أنّه لا يتصوّر على هذا في الخارج مورد تكون فيه زيادة على التركة كي يبحث عنه . فما ورد من أنّ في فم العصبة التراب (4)هو الموافق لظاهر الآيات المباركة
1) المغنى لابن قدامة :: 7 ، 9 . الشرح الكبير :7 : 53 . المجموع 16 : 81، 97 . حلية العلماء 6:296
2) ) [ في موارد منها : ما لو خلف الميت بنتين وأخت لأب وأمّ . راجع المغني لابن قدامة 7 : 7 ، 9 ، الشرح الكبير 7 : 53 ، حلية العلماء 6 : 283] .
3) في ص 8 - 9 .
4) الوسائل 26 : 85 / أبواب موجبات الإرث ب 8 ح 1 ، وفيه : « والعصبة في فيه التراب ».
الوجه الثاني : مع الإغماض عن الجواب الأول ، وفرض ظهور الآيات المباركة في التقسيم على الإطلاق - لا التقسيم بالنسبة - فتتصوّر الزيادة حينئذ كزيادة السدس في مثال البنت والأبوين ، أو البنتين وأحد الأبوين ، أو البنت الواحدة ، فإنّ مقتضى قوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) (1)إرجاع الزائد عليها أو عليهم بنسبة حصصهم ، فيكون إرث النصف للبنت الواحدة ، أو الثلثين للبنتين بالفرض ، والزائد بالقرابة ، ولا يرث الأبعد مع وجود الأقرب .
ولأجل هذه الأقربية التزمت العامة (2)بالردّ عليهم لو لم تكن في البين عصبة فأعطوا البنت النصف الثاني أيضاً ولكن بالقرابة ، ولم يدخلوا ذلك في بيت المال . فإذا كانت الأقربية والرحمية موجبة للردّ ، فكيف لا تكون موجبة له مع وجود العصبة ! وأي دليل دلّ على إرث العصبة ؟
الوجه الثالث : ومع الإغماض عن ذلك أيضاً ، فقد دلت الروايات الشريفة (3)والسيرة القطعية في زمان المعصومين (عليهم السلام) على عدم إعطاء العصبة من الإرث شيئاً .
الوجه الرابع : ومع الإغماض عن ذلك أيضاً ، فالقول بالتعصيب باطل وجداناً ، لمخالفته لصريح الآية المباركة وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) (4)بعد وضوح أن مقتضاه أن يكون ابن العم مقدماً في الميراث على الإبن ، وأن
يكون حاجباً لإرث البنات أو البنت ، مع أن الولد لا يكون حاجباً فكيف بابن العم . ومعنى ذلك أن يكون ابن العم أعظم مقاماً من الولد ، وهو غير محتمل أبداً .
توضيح ذلك : لو ترك الميت ست بنات وابناً ، وكانت التركة 24 ديناراً فللابن ستة دنانير ، ولكل بنت ثلاثة دنانير . فلو فرض انحصار الورثة بالبنات أخذن على التعصيب ستة عشر ، وأخذ ابن العم ثمانية ، ومعنى ذلك أنّه حجبهنّ عمّا زاد على ستة عشر إلى ثمانية عشر ، فإنّ حصّة البنات مع الابن أكثر من حصتهنّ مع ابن العم .
وكلّما ازداد عدد البنات ازداد النقص عليهنّ ، وكانت حصّة ابن العم أكثر من حصّة الابن ، وهو غير محتمل قطعاً مع قوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ ....) وكفى بهذا شاهداً على بطلان التعصيب ، كان في المقام رواية أم لم تكن .
الثالث : أن تنقص التركة عن الفروض ، كما لو ترك الميت في الطبقة الأولى بنتين فصاعداً ، وأبوين ، وزوجاً . فللزوج الربع ، وللأبوين السدسان ، وللبنتين فصاعداً الثلثان ، فتنقص التركة عن الفروض .
وكذا لو كان بدل الزوج زوجة ، فللزوجة الثمن ، وللأبوين السدسان وللبنتين فصاعداً الثلثان ، فتزيد الفروض على التركة .
وكذا لو ترك الميّت في الطبقة الثانية زوجاً وأختاً من الأبوين - أو من الأب خاصة - وأختين من الأم . فللزوج النصف ، وللأخت من الأبوين النصف وللأختين من الأمّ الثلث ، فتنقص التركة عن الفروض .
وهذه هي مسألة العول، التي تتحقّق بدخول الزوج أو الزوجة ، فما هو الحل في المقام ؟
ذهب العامّة (1)إلى تقسيم النقص على الجميع بنسبة حصصهم ، وذهب فقهاؤنا إلى اختصاص النقص في الطبقة الأولى بالبنت أو البنتين فصاعداً في مفروض المثالين ، ولا يرد النقص على أحد الأبوين ، ولا على أحد الزوجين . واختصاص النقص في الطبقة الثانية بالمتقرّب بالأب والأم - أو بالأب كالأخت في مفروض المثال ، ولا يرد على المتقرّب بالأم ولا الزوج نقص أبداً .
استدلّ المخالفون بعدم معقولية الترجيح بلا مرجّح ، فلا وجه لاختصاص ورود النقص على البنت أو البنتين فصاعداً، دون غيرهم ، بل يرد على الجميع ، كما هو الحال في التقسيم بين الغرماء - في الدين - بنسبة حقهم ، وهذا هو ما تقتضيه القاعدة .
فكما أنّ الشخص لو كان مديناً لأحد ب- 10 دنانير ، ولآخر ب- 20 ديناراً ولثالث ب- 30 ديناراً ، ولم يترك المدين إلّا 30 ديناراً ، كان لصاحب العشرة خمسة ، ولصاحب العشرين عشرة ، ولصاحب الثلاثين خمسة عشر ، فكذلك في المقام .
فلو تركت الميتة 12 ديناراً ، وورثها أبواها وزوجها وبنتها ، كان للبنت 6 وللأبوين 4 ، وللزوج 3 ، فيكون المجموع 13 ، إلّا أنّ التركة كلّها 12 ، فينقص دينار واحد ، وهذا الناقص يقسم على الجميع ، فيقسّم 13 جزءاً ، ينقص من البنت 6 أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، ومن الأبوين 4 أجزاء من 13 جزءاً من الدينار ، ومن الزوج 3 أجزاء من 13 جزءاً من الدينار .
وفيه : أنّ قياس المقام بالدين واضح البطلان ، لأنّ الكلام في الدين في أداء
1) المحلى 9 : 264 ، المبسوط 29 : 160 - 163 ، المغني لابن قدامة 7 : 26 ، الشرح الكبير 7 : 69 ، المجموع 16 : 92 ، المبسوط 29 : 160 ، فقه السنة 404:4 .
الحقّبعد ثبوته ، وفي المقام في أصل ثبوت الحق ، فإنّ جعل هذا الحق بهذا النحو غير معقول .
بل يعدّ هذا الجعل لو كان في كلام واحد متهافتاً ومتناقضاً وموجباً للسقوط ولذا يحكم ببطلان الوصية لو أوصى بأن يعطى نصف داره لزيد وربعها لبكر وثلثها لخالد ، وكذا لا يسمع إقراره لو أقرّ بأنّ داره للمذكورين على النحو المتقدّم إذ لا يكون لمال واحد هذه الأقسام .
ولو كان جعل هذا الحق بهذا النحو في كلام متعدّد فهو موجب لتعارض الإطلاقات . وإيراد النقص عليهم كلّهم بالنسبة والالتزام بالعول تقييد لهذه الإطلاقات بلا مقيّد ، ولا دليل لهم على ذلك إلّا ما ذكروه من القياس ، الذي قد عرفت فساده .
فإن وجد دليل على التقييد اتّبع ، وإلّا سقطت جميع الإطلاقات المذكورة . والدليل على التقييد في المقام موجود ، وهو عدة روايات دلّت على عدم ورود النقص على الزوجين ، ولا على الأبوين (1)فيبق دليل فرضهم المطلق على إطلاقه ويكون ذلك قرينة وموجباً لرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على أخذ البنت النصف والبنتين الثلثين ، بعد عدم ورود ما يدل على أنّها - أنّهما - لا ينقص منها شيء .
إذن فيختصّ ورود النقص على البنت أو البنتين فصاعداً . وكذا الكلام في تقييد الإطلاقات في الطبقة الثانية ، وتفصيل الكلام في صور اجتماع هؤلاء يأتي فيما بعد .
على أنّ ما ذكرناه في الوجه الرابع (2)من وجوه بطلان التعصيب جارٍ في
العول أيضاً ، فإنّ لازم العول أن تكون البنت أقرب إلى الميت من الولد ، مع أنّ الرجال لهم الفضل على النساء ، وأنهم قوامون ، ولهم عليهن درجة .
توضيح ذلك : لو تركت الميّتة 12 ديناراً ، وورثها أبواها وزوجها وولدها أخذ الأبوان السدسين أربعة ، وأخذ الزوج الربع ثلاثة ، وبقيت خمسة للولد فلو فرض أنّ بدل الولد بنت ، فتأخذ البنت 6 ، لأنّ لها النصف ، فيكون المجموع 13 فتنقص الفريضة ديناراً واحداً .
ولو ورد النقص على الجميع بالنسبة نقصت البنت عن الستة دنانير ستة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، ومعنى ذلك أن حصتها أكثر من حصة الولد ، لأنه أخذ خمسة ، وأخذت خمسة وسبعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، وهذا غير محتمل في نفسه ، وباطل جزماً .
وهي ثلاثة : الكفر ، القتل ، الرقّ .
وهنا فروع :
لا يرث الكافر بأقسامه المسلم ، فلو مات مسلم وله ولد كافر ، لا يعطى الكافر من الإرث شيئاً ، ولو لم يكن له وارث مسلم في جميع الطبقات كان ميراثه للإمام (عليه السلام) .
ودلّت على ذلك نصوص لا يبعد تواترها ، في بعضها « لا يتوارث أهل ملتين». (1)
و ما رواه عبدالرحمن بن أعين ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يتوارث أهل ملّتين نحن نرثهم ولا يرثونا ، إنّ الله عزّ وجل لم يزدنا بالإسلام إلّا عزاً » الوسائل 26 : 13 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 6 . ورواية أبي العباس ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا يتوارث أهل ملّتين يرث هذا هذا ، ويرث هذا هذا ، إلّا أنّ المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم» المصدر المتقدّم ح 15 . وهكذا الحديث 17 ، 20 من الباب المذكور .
1) کصحيحة جميل وهشام، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنّه قال فيما روى الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله أنّه قال : لا يتوارث أهل ملّتين ، قال : نرثهم ولا يرثونا ، إنّ الإسلام لم يزده في حقه إلّا شدة ( الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 14 .
وفي بعضها « لا يرث الكافر المسلم ».(1)
ورواية عبدالرحمن بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) « في النصراني يموت وله ابن مسلم (أيرثه ) ؟ قال : (نعم) ، إنّ الله عزّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلّا عزاً ، فنحن نرثهم ، وهم لا يرثونا ( المصدر المتقدم ح 4 . ومعتبرة سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن المسلم هل يرث المشرك ؟ قال : نعم ، فأما المشرك فلا يرث المسلم ( المصدر المتقدم ح ه . وكذا رواية أبي العبّاس المتقدمة في الهامش المتقدم.
مضافاً إلى الاتّفاق على الحكم بين الخاصّة والعامّة .
أقول : هذا هو محل الكلام بيننا وبين العامة
ذهب العامّة (2)إلى أنّ المسلم لا يرث الكافر أيضاً ، واستدلّوا على ذلك بالنبوي « أهل ملّتين لا يتوارثان » (3)فكما لا يرث الكافر المسلم ، لا يرث المسلم
1) كصحيحة أبي ولاد ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : المسلم يرث امرأته الذمية ، وهي لا ترثه » الوسائل 26 : 11 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1 . وصحيحة أبي خديجة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يرث الكافر المسلم وللمسلم أن يرث الكافر » المصدر المتقدم ح 3 .
2) المجموع 16 : 58 ، المغني لابن قدامة :7 : 166 ، الشرح الكبير :7: 160 ، حلية العلماء 6 : 262
3) الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 14 ، وقد تقدّم في الهامش من ص 21 [ ونقلته صحاحهم أيضاً بلفظ « لا يتوارث أهل ملّتين ( راجع سنن أبي داود 3: 126 / 2911 ، وسنن الترمذي 4 : 424 / 2108 ] .
الكافر أيضاً .
ولكن رواياتنا المستفيضة دالّة على أنّ المسلم يرث الكافر ، لأنّ الإسلام لم يزده إلّا عزاً (1)وشرفاً وشدّة (2).
وأمّا قوله (صلّى الله عليه وآله) : « لا يتوارث أهل ملّتين » فالمراد من النفي هو نفي التوارث من الجانبين - أي إرث الكافر من المسلم ، وإرث المسلم من الكافر - كما صرح بهذا المعنى في بعض الروايات المعتبرة (3)وأنّ المراد من نفي التوارث هو نفيه من الجانبين ، لا نفي الإرث من كل جانب . ونتيجة ذلك هو إرث المسلم من الكافر لا العكس . هذا كلّه لو كان المسلم قريباً للميّت
لو كان المسلم بعيداً عن الميّت ، كما لو كان المسلم حفيد الكافر أو سبطه أو أخاه ، وللكافر ولد كافر . أو كان المسلم عمّ الكافر أو ابن عمّه ، وللكافر ولد كافر فهل يحجب المسلم الكافر عن الميراث ، ويكون الميراث للمسلم . أو أنّ الولد الكافر يتقدم على المسلم ؟
صرّح أصحابنا بأنّ المسلم يحجب الكافر ، ويختصّ بالميراث وإن كان بعيداً
1) الوسائل 26 : 12 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 4 ، 6 ، وقد تقدما في ص 22 ، 21
2) فقد روى عبدالرحمن بن أعين ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قوله (صلى الله عليه وآله) : لا يتوارث أهل ملّتين ، قال فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : نرثهم ولا يرثونا إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلّا شدة » . الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 17 . وصحيحة جميل وهشام المتقدمة في ص 21 .
3) فعن أبي العباس ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا يتوارث أهل ملّتين يرث هذا هذا ، ويرث هذا هذا ، إلّا أنّ المسلم يرث الكافر ، والكافر لا يرث المسلم » الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 15 .
ولا يرث الكافر وإن كان قريباً . وهذا هو مقتضى ما دلّ من الروايات ، وإن كان بعضها ضعيفاً (1)
وكذا مرفوعة علي بن رباط ، قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لو أنّ رجلاً ذمّياً أسلم وأبوه حي حي ، ولأبيه ولد غيره ، ثم مات الأب ، ورثه المسلم جميع ماله ، ولم يرثه ولده ولا امرأته مع المسلم شيئاً » الوسائل 26 : 24 / أبواب موانع الإرث ب 5 ح 1 .
وكذا رواية مالك بن أعين المروية فى الكافى 7 143 / 1 والتهذيب 9 : 368 / 1315 - والآتي وجه ضعفها في ص 39 وإن وصفها العلّامة [ في المختلف 9 : 74 مسألة 23 ] ، بل الشهيد المتضلّع بالرجال [ في حاشية الإرشاد 3 : 197 ] بالصحّة - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن نصراني مات ، وله ابن أخ مسلم ، وابن أخت مسلم ، وله أولاد وزوجة نصارى ، فقال : أرى أن يعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما تركه ، ويعطى ابن أخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد صغار ، فإن كان له ولد صغار فإن على الوارثين أن ينفقا على الصغار ممّا ورثا عن أبيهم حتّى يدركوا ، قيل له : كيف ينفقان على الصغار ؟ فقال : يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة ، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة ، فإذا أدركوا قطعوا النفقة عنهم قيل له : فإن أسلم أولاده وهم صغار ؟ فقال : يدفع ما ترك أبوهم إلى الإمام حتّى يدركوا فإن أتموا (بقوا) على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إليهم ، وإن لم يتمّوا (لم يبقوا) على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إلى ابن أخيه وابن أخته المسلمين ، يدفع إلى ابن أخيه ثلثي ما ترك ، ويدفع إلى ابن أخته ثلث ما ترك » الوسائل 26 : 18 / أبواب موانع الإرث ب 2 ح 1 .
إلّا أنّ في المعتبر منها دلالة واضحة على أن الكافر إذا أسلم قبل القسمة اختص بالميراث الذي كان لولا إسلامه مشتركاً بين غيره من المسلمين أو الكفّار .والمعتبر من الروايات الواردة في الإسلام قبل القسمة على قسمين :
1) كرواية الحسن بن صالح - الضعيفة به - عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « المسلم يحجب الكافر ويرثه ، والكافر لا يحجب المسلم ، ولا يرثه (( الوسائل 26 : 11 / أبواب موانع الإرث ب 1 ح 2 .
منها : ما دلّ على أنّه « من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه »(1)وليس في هذا القسم من الروايات دلالة على الحجب ولا على عدمه، بل غاية دلالتها أنّه يفرض مسلماً فيأخذ ميراثه ، فإن كان معه شريك أخذ حصّته ، وإلّا أخذ جميع المال .
ومنها : ما دلّ على أنّه إذا أسلم قبل القسمة فله الميراث كلّه (2)
ومعتبرة أبي العباس البقباق ، قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فهو له » المصدر المتقدم من الوسائل ح5 .
وكذا صحيحة محمّد بن مسلم ، راجع المصدر المتقدم من الوسائل ح 4 .
وإن أسلم بعدها فلا شيء له .وهذا يفرض فيما إذا كان الميّت مسلماً وله أولاد كفّار ، وإخوة مسلمون ، ففي
1) ففي صحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه ، وإن أسلم وقد قسّم فلا ميراث له » الوسائل 26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب 3 ح 2
2) ففي صحيحة أبي بصير ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم مات وله أم نصرانية ، وله زوجة وولد مسلمون ، قال فقال : إن أسلمت أمه قبل أن يقسم ميراثه أعطيت السدس ، قلت : فإن لم يكن له امرأة ، ولا ولد ، ولا وارث له سهم في الكتاب من المسلمين ، وأمّه نصرانية ، وله قرابة نصارى ممن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين ، لمن يكون ميراثه ؟ قال : إن أسلمت أمه فإنّ جميع ميراثه لها ، وإن لم تسلم أمه وأسلم بعض قرابته ممن له سهم في الكتاب فإنّ ميراثه له ، وإن لم يسلم من قرابته أحد فإنّ ميراثه للإمام » نقلها في الوسائل 26 : 20 / أبواب موانع الإرث ب 3 ح 1 عن الكافي 7: 144 / 2 مع نحو تغيير . وصحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما ( عليهما السلام) قال : « من أسلم على ميراث (من) قبل أن يقسم فهو له ، ومن أسلم بعد ما قسم فلا ميراث له ... » المصدر المتقدّم من الوسائل ح3.
مثل ذلك لا يرث الولد الكافر الأب المسلم قطعاً، ويكون الإرث للإخوة المسلمين الذين هم من الطبقة الثانية ، فلو فرض أنّ الولد الكافر أسلم قبل القسمة كان تمام المال له ، لأنّه من الطبقة الأولى ، فيحجب من هو في الطبقة الثانية . ولو أسلم بعد القسمة فليس له شيء . إلّا أن وجود هذا الفرض في الخارج إمّا بعيد ، أو غير محقّق .
وكذا يفرض هذا لو كان الميّت مسلماً وولده كفّار ، وأحفاده وأسباطه مسلمون . وهذا أيضاً بعيد ، أو غير محقّق .
وكذا يفرض هذا لو كان الميّت كافراً ، فإنّه يمكن أن يكون جميع أولاده وإخوته وأرحامه وجميع من يتقرب به بواسطة أو بدونها كفّاراً ، ففي مثل هذه الصورة لو أسلم من في الطبقة المتأخرة كالأخ أو الحفيد أو السبط - قبل القسمة كان تمام المال له ، وإن أسلم بعد القسمة لم يكن له شيء . وهذا كثير الوجود . وشمول المعتبر من الروايات هذا القسم هو المتيقّن ، فتدلّ هذه الروايات على أنّ إسلام من هو في المرتبة المتأخّرة موجب لحجب المرتبة المتقدّمة إذا كان قبل القسمة ، سواء كان الموروث كافراً أو مسلماً .
فإذا كان الإسلام قبل القسمة موجباً لأن يكون تمام المال لمن أسلم ، فكون تمام المال له إذا كان مسلماً من الأول بطريق أولى . فلو مات كافر وله أولاد كفّار وإخوة مسلمون كان الإرث للإخوة المسلمين ، دون الأولاد الكفّار ، وهو معنى الحجب
لو لم يكن للكافر وارث مسلم ، قريب أو بعيد - ولو كان إسلامه بعد الموت - كان إرثه لورثته الكفّار ، حسب ما يرونه من الإرث . ولا يرثه الإمام (عليه السلام) لأنه وارث من لا وارث له ، والكافر في المقام له وارث - وإن كان كافراً - بمقتضى
قوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله )(1)فإنَّه لا قصور في شموله للكفّار أيضاً .
على أنّه لو كان الإمام (عليه السلام) هو الوارث لما كان مورد لإرث النصارى والمجوس ، الوارد في الروايات (2)وفي كيفية تقسيم الإرث بين المجوس ، وأنّ النصارى يرث بعضهم بعضاً .
على أنّ السيرة القطعية من زمان المعصومين (عليهم السلام) إلى يومنا هذا قائمة على عدم التوريث ، فلم ينقل أنّ ماله يؤخذ ويجعل في بيت المال ، على كثرة من كان من أهل الذمّة في بلاد المسلمين في زمانهم (عليهم السلام) وبعده .
ادّعي الإجماع على أنّ المرتدّ الفطري لا يرثه ورثته الكفّار ، والمشهور شهرة عظيمة أن المرتدّ الملي كذلك ، فإرثها حينئذ للإمام (عليه السلام) .
أقول : أمّا المرتدّ الملّي فالصحيح أنّه كالأصلي ، كما ذهب إليه الشيخ الصدوق (3)، والشيخ الطوسي في كتابي أخباره (4)، واختاره من المتأخرين صاحب المستند (5)، إذ لا دليل على استثنائه من سائر الكفّار ، فيبق ما دلّ على أنّ إرثه كغيره من الكفّار الأصليين لورثته الكفّار ، على ما دلّ عليه إطلاق الآية
المباركة( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ...) (1)فإنّها شاملة لكلّ ميّت مسلماً كان أو كافراً ، أصلياً كان كفره أو بالارتداد ، نعم خرج عنه ما إذا كان للكافر وارث مسلم ، للروايات المعتبرة الدالّة على ذلك (2).
وأمّا في المقام فاستدلّوا على الخروج بعدّة وجوه ، بلغ ضعف بعضها درجة لا تقبل الذكر ، بعد وضوح عدم تحقّق الإجماع .
وعمدة ما ذكر من الوجوه ما في الجواهر ، من أنّ المرتدّ متحرّم بالإسلام ولذا لا يجوز استرقاقه ، ولا يصحّ نكاحه لكافرة ولا لمسلمة (3).
وفيه : أنّ ذلك لا يخرج عن القياس ، إذ أنّه مع ثبوت ذلك لم يثبت أنّه للتحرّم بالإسلام ، وعلى تقديره فهو قياس مع الفارق ، لأنّ مسألة النكاح والاسترقاق يمكن أن تكون في مورد قابل للبقاء ، و المرتدّ محكوم بالقتل إن كان عن فطرة وبالاستتابة ثلاثة أيام إن كان عن ملة ، فإن لم يتب قتل ، ففرض عدم جواز نکاحه ولا استرقاقه لا يوجب التعدّي إلى الإرث .
على أنّه لا وجه لعدم جواز تزويجه بالكتابية متعة أو دواماً ، لأنّ للمسلم أن يتزوّج بها متعة بلا خلاف ، ودائماً على خلاف - وإن كان الأظهر عندنا جوازه أيضاً ، خلافاً للمشهور - فكيف لا يجوز للمرتدّ ذلك . بل لا دليل على عدم جواز تزويجه بغير الكتابية من أقسام الكفّار ، كالمشركة والوثنية ، نعم ليس له أن يتزوّج بالمسلمة ، لأنّه كافر ، ولا ربط لذلك بالمقام .
وأمّا عدم استرقاقه فليس لأجل التحرّم ،بالإسلام ، بل لأجل أن الاسترقاق
على خلاف الأصل ، فيحتاج إلى دليل ، فإنّ ملكية إنسان لإنسان أو غيره يحتاج إلى دليل ، ولا دليل ، فإنّ أدلّة الاسترقاق كلّها في الكافر الأصلي ، ، دون غيره . فلا مقتضي للاسترقاق من الأول .
الوجه الثاني : التمسّك بالاستصحاب ، وأنّ الأصل أن الوارث الكافر لا يرث من المرتدّ .
وفيه : على فرض جواز الأصل فى نفسه ، كيف يمكن التمسّك به مع وجود إطلاق الآية المباركة لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...) (1)والروايات الشريفة .
الوجه الثالث : أنّ المرتدّ إذا تاب وجب عليه قضاء صلاته وصيامه الفائت حال الردّة ، فحاله حال المسلم ، فهو ملحق به لا بالكافر .
وهذا عجيب ، لأنّ القاعدة تقتضي قضاء ما فات من أي شخص ، خصّص بما إذا كان كافراً ، فإنّه لا يجب عليه قضاء ما فاته حال كفره ، وهو مختص بالكافر الأصلي ، ولا يشمل المرتدّ ، فكيف يتعدّى منه إلى مسألة الإرث . على أن إطلاق الآية المباركة دال على الإرث .
الوجه الرابع : إطلاق قولهم (عليهم السلام) : « لا يرث الكافر المسلم» (2)الشامل للمرتدّ ، لأنه كان مسلماً ، ولذا يصحّ إطلاق المسلم عليه ولو مجازاً ، باعتبار انقضاء المبدأ عنه .
وهذا الوجه وغيره غير قابل للذكر ، لأنّ المراد بالمسلم في قولهم (عليهم السلام) : « لا يرث الكافر المسلم « المسلم بالفعل ، و المرتدّ كافر بالفعل ، فلا يشمله ذلك .
فالصحيح : أنّ المرتدّ الملّي إذا لم يكن له وارث مسلم ورثه ورثته الكفّار لإطلاق الآية المباركة . مضافاً إلى صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد ، قال « قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) : نصراني أسلم ، ثم رجع إلى النصرانية ثم مات ، قال : ميراثه لولده النصارى ومسلم تنصر ثم مات ، قال : ميراثه لولده المسلمين » (1).
وإشكال صاحب الجواهر وغيره عليها بشمولها حتّى لمّا إذا كان له ورثة مسلمون ، وهو خلاف الإجماع والنصّ (2)لا وجه له ، للزوم رفع اليد عن الإطلاق على فرضه ، بل يمكن أن يقال : لا إطلاق لها ، لأنه بطبيعة الحال حينما كان نصرانياً كان له أولاد كفّار، ولم يذكر أنّه بعد إسلامه تولّد له ولد ، وربما كان إسلامه يوماً أو شهراً أو سنة . فقوله ( عليه السلام) : « ميراثه لولده النصاری » باعتبار موردها . فلا إطلاق لها حتّى يقيّد بغيره .
هذا ، ولكن الصحيح أنّ رواية إبراهيم بن عبد الحميد لم يثبت أنّها عن الإمام (عليه السلام) لأنه وإن رواها إبراهيم بن عبد الحميد كما في الفقيه (3)عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، إلّا أنها في التهذيب في موردين (4)وفي الاستبصار في مورد (5)رواها إبراهيم عن رجل عن الإمام (عليه السلام) . فلم يثبت إسنادها إلى المعصوم (عليه السلام) . ولا حاجة لها بعد اقتضاء القاعدة أن يكون إرثه لورثته الكفّار ، لا للإمام (عليه السلام) .
وأمّا المرتدّ الفطري : فقد ادّعى غير واحد من الأعاظم ، منهم صاحب
الجواهر (1)الإجماع القطعي على أنّه لو لم يكن له وارث مسلم فإرثه للإمام (عليه السلام) ولا يرثه ورثته الكفّار ، وادعى أنّ الحكم مقطوع به بين الأصحاب .
والظاهر أنّ دعوى الإجماع وإن صدرت من مثل صاحب الجواهر وغيره إلّا أنّها لا محصّل لها ، وذلك لأنّ لنا في المرتدّ الفطري بحثين :
الأوّل : فى انتقال ماله إلى ورثته حين ارتداده - فإن لم يكن له وارث مسلم فإلى الإمام (عليه السلام) ولا يرثه الكافر - والحكم عليه بالموت التنزيلي ، وبينونة زوجته واعتدادها عدة الوفاة ، ووجوب قتله ، وعدم قبول توبته ، وعدم ارتفاع هذه الأحكام بالتوبة . وهذا واضح ، وتدلّ عليه النصوص (2)، بلا حاجة إلى الإجماع . وهذا خارج عن محل الكلام .
الثاني : ما إذا مات المرتدّ الفطري موتاً حقيقياً - لا تنزيلياً - بأن فرض عدم قتله ، لفراره أو لعدم إمكانه ، كما في زماننا ، فاكتسب مالاً جديداً ثم مات موتاً حقيقياً ، فلمن يكون ميراثه ؟ وهو محلّ الكلام .
المشهور عدم قبول توبته حتّى في غير ما ذكر من الأحكام المتقدّمة ، فلا يحكم بطهارته ، ولا يجوز تزويجه من زوجته أو غيرها ، وعدم إمكان تملّكه لشيء .
وخالف في ذلك جماعة منهم صاحب العروة (3)والشهيد في الروضة (4)والمحقّق القمّي في جامع الشتات (5)وقالوا بقبول توبته - في غير الأحكام المذكورة - باطناً بينه وبين الله ، بل ظاهراً أيضاً ، وهو الصحيح . ورتب عليه ما يترتّب على
المسلم من الأحكام ، وإن كان يجب قتله وتبين زوجته ، إلّا أنّه يحكم بطهارته وجواز تملّكه لأي شيء ، وصحّة معاملاته ، وتزويجه من مسلمة ، بل حتّى بامرأته السابقة .
وعلى أي حال ، لا معنى - على المشهور - لدعوى الإجماع على انتقال ماله إلى ورثته المسلمين دون الكفّار . والإجماع التقديري - أي لو فرض أنّه يملك فلا ينتقل إلى ورثته الكفّار - بعيد جداً .
والظاهر أنّ مدّعي الإجماع اشتبه عليه الأمر بين البحثين ، فادّعى الإجماع القائم في الموت التنزيلي - على عدم إرث الوارث الكافر من المرتدّ الفطري واختصاص إرثه بالورثة المسلمين ، فإن لم يكونوا فإلى الإمام (عليه السلام) - ادعاه في الموت الحقيقي الذي لا موضوع للإجماع فيه ، لالتزام المشهور بعدم قابلية ملكية المرتدّ فيه لأي شيء (1)وإن ناقشنا ذلك في كتاب الطهارة وقلنا : أنّه يملك حتّى حال الارتداد(2)
فامّا أن يتعدّد المسلم أو يتّحد .
وعلى الأوّل : لا يكون كفر الوارث الآخر مانعاً من الإرث ، فإن أسلم قبل القسمة شاركهم في الميراث إن كان في طبقتهم ، واختصّ به إن كان مقدّماً عليهم . فلو كان لميت أولاد مسلمون وولد كافر ، فأسلم قبل القسمة شاركهم . ولو كان لميّت
1) أقول : إنّ الذي يحكم بانتقال ماله إلى ورثته بمجرد ارتداده إنّما هو الرجل من المرتدّ الفطري ، وأمّا المرأة فلا ، كما لا يحكم بقتلها . ولا شك أن نسبتهن إلى الرجال أكثر ، فللإجماع المزبور موضوع . وكون الرجل هو القدر المتيقن في المقام - كما أجابني به السيد الأستاذ كما ترى .
2) شرح العروة الوثقی 204:4 .
إخوة مسلمون وأحفاد كذلك ، فأسلم آبائهم قبل القسمة اختصّوا به دون الحفدة . فالكفر المانع إنما هو مع بقائه ، لا في أصل حدوثه . وقد دلّت على ذلك عدة روایات(1).
ولو حصل للتركة نماء بعد الموت وقبل القسمة ، فهل يكون لمن أسلم قبل القسمة أيضاً ، أو يختص بغيره ؟
المعروف والمشهور على ما في الجواهر (2)تبعيّة النماء للعين ، وإن لم يكن هذا النماء ملكاً للميّت ، وليس من التركة خلافاً للإيضاح ، حيث اختار اختصاصه بغيره ، باعتبار أنّه ليس من التركة ، بل هو ملك لغير من أسلم قبل القسمة (3).
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لأنّ انتقال المال إلى من أسلم قبل القسمة إنما هو بعنوان الميراث ، لا بعنوان أنّه من الورثة - فيكشف ذلك عن انتقاله إليه من الأول - والمانع إنما هو الكفر المستمر ، لا المنقطع قبل القسمة . فلو تصرّف غيره بالنماء قبل ذلك لابدّ له من ردّ حصّته ، لأنه تصرّف في مال الغير بمقتضى الكشف بالشرط المتأخّر الذي هو الإسلام ، ولا إشكال في عدم اعتبار الإسلام حال موت المورّث في الإرث .
ثمّ إنّ الإسلام إما أن يكون قبل القسمة ، أو حالها ، أو بعدها .
لا إشكال في وضوح الحكم في الطرفين بمقتضى الروايات المتقدّمة (4)الدالّة على أن الإسلام قبل القسمة موجب لمشاركة من أسلم لغيره في الميراث ، أو انفراده
به ، كما لا أثر له بعدها .
وأمّا الإسلام حال القسمة فهل حكمه حكم الإسلام قبلها ، أو بعدها ؟
ذكر صاحب الجواهر (1)أنّ لما دلّ على أن «من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فهو له ومن أسلم بعد ما قسم فلا ميراث له (2)أو « من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه وإن أسلم وقد قسّم فلا ميراث له » (3)مفهومين ، الأول : أنّه لا يرث لو أسلم حال القسمة . الثاني : أنّه لا يرث لو أسلم بعد القسمة . فيتعارضان حال القسمة - لأنّ مقتضى الأول عدم الارث حال القسمة ، ومقتضى الثاني الإرث حالها - فيتساقطان ، ويجب حينئذ الرجوع إلى مانعية الكفر ، والحكم بعدم إرث من أسلم حال القسمة .
أقول : ما ذكره وإن كان صحيحاً ، إلّا أنّه غير صحيح من جهة الدليل ، إذ ليس للشرطية الثانية مفهوم يعارض مفهوم الشرطية الأولى ، بل هو بيان لها ، فإنّ مفهوم ( من أسلم قبل القسمة يرث )أنّه إذا لم يسلم قبل القسمة لا يرث ، فإسلامه حال القسمة لا أثر له .
وأمّا قوله : ( وإن أسلم بعد القسمة فلا يرث) فلا مفهوم له جديد ، بل هو بيان لمفهوم الشرطية الأولى ، وليس مفهومه أنّه إذا أسلم قبل القسمة - الشامل لحال القسمة - يرث حتّى يتعارضا ، لوضوح أن الإسلام المتأخّر عن القسمة لا يقتضي الإرث ، لا أنّه مانع منه .
فتكفي الشرطية الأولى للدلالة على عدم الإرث لمن أسلم حال القسمة ، وبه
يقيّد إطلاق ما في بعض الروايات التي فيها : إن قسّم المال فلا يرث ، وإن لم يقسّم يرث (1)فإنّه ليس بين التقسيم وعدمه فاصلة ، بل هما وجود وعدم . و (لم يقسّم) يشمل حال القسمة أيضاً .
فمقتضى هذا الإطلاق أنّه يرث لو أسلم حال القسمة ، لصدق أنّه أسلم ولم يقسم المال ، فيقيّد هذا الإطلاق بقوله ( عليه السلام) : إن أسلم قبل أن يقسم المال . وينحصر الحكم بالإرث بما إذا كان الإسلام مقدّماً على التقسيم .
ومن هنا يعلم حال ما إذا علم التقسيم وإسلام الوارث ، وشكّ في المتقدّم والمتأخّر ، فإنّه يحكم بعدم الإرث ، لأصالة عدم تحقّق الإسلام إلى زمان القسمة . وأمّا استصحاب عدم القسمة إلى زمان الإسلام فلا يثبت تأخر القسمة عن الإسلام وتقدّمه عليها . فيحكم بعدم الإرث حال الشكّ ، لعدم معارضة الأصلين .
ولو أسلم الوارث بعد قسمة بعض التركة دون بعضها ، فهل إسلامه بعد القسمة باعتبار ما قسّم ، فلا يرث حتّى ممّا لم يقسّم . أو قبلها باعتبار أنّه قبل قسمة المجموع فيرث حتّى ممّا قسّم . أو أنّه إسلام بعد القسمة بالنسبة لما قسّم ، وقبل القسمة بالنسبة لما لم يقسّم ؟
الظاهر الثالث ، لكون القضية قضية حقيقية تنحل بحسب ما تركه الميت فيكون إسلامه بعد تقسيم البعض فلا يرث منه ، ويكون إسلامه قبل تقسيم البعض الآخر فيشارك فيه أو يختص به .
وعلى الثاني : وهو ما لو كان المسلم متحداً ، كما إذا كان للميّت أخوان أحدهما مسلم والآخر كافر ، أو أخ مسلم وابن كافر ، كان الكفر حينئذ مانعاً من الإرث ، وموجباً لاختصاص المسلم به ، سواء كان في مرتبة متأخرة أو مساوية
1) الوسائل 26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب 3 ح 4 .
لأنّ المستثنى ممّا دلّ على عدم إرث الكافر ، خصوص ما إذا أسلم الكافر قبل القسمة ، وهو مختص بما إذا كانت هناك قسمة .
ولكن هذا لو كان تمام المال للوارث المسلم ، كما في المثالين المتقدّمين ، وأمّا لو لم يكن تمام المال له ، بل بعضه، والعبض الآخر لا وارث له ، كما لو كان الوارث زوجة مسلمة لا غير ، فإنّ لها الربع ، والباقي للإمام (عليه السلام) . فلو أسلم هنا وارث للميّت - من ابن ، أو عم ، أو خال - قبل تقسيم المال بين الزوجة والإمام (عليه السلام) صدق أنّه أسلم قبل القسمة ، فيرث ، ولا تصل النوبة للإمام (عليه السلام) لأنه وارث من لا وارث له .
وهذا بخلاف الزوج ، فإنّ تمام المال له ، فلا أثر لإسلام الوارث بعد الموت ، إذ لا قسمة فيه .
ثمّ لو كان الوارث المتّحد هو الإمام (عليه السلام) فهل لا ينفع إسلام الوارث الكافر حينئذ ، أو يختص ذلك بالوارث بعنوان الوارث ، وأما من يرث بعنوان من لا وارث له فلا يجري فيه هذا الحكم ؟
الظاهر هو الثاني ، للنصّ - وإن كان مقتضى القاعدة كونه (عليه السلام) كالوارث الواحد - فإن صحيحة أبي بصير دالّة بوضوح على عدم كونه كالوارث الواحد ، بل الانتقال إليه فرع أن لا يكون هنا إسلام قبل إرثه وتملكه ، وإلا كان المال لمن أسلم ، كلاً أو بعضاً ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم مات وله أمّ نصرانية ، وله زوجة وولد مسلمون ، فقال : إن أسلمت أمه قبل أن يقسم ميراثه أعطيت السدس ، قلت : فإن لم يكن له امرأة ولا ولد ، ولا وارث له سهم في الكتاب من المسلمين ، وأمه نصرانية ، وله قرابة نصارى ممن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين ، لمن يكون ميراثه ؟ قال : إن أسلمت أمه فإنّ جميع ميراثه لها ، وإن لم تسلم أمه وأسلم بعض قرابته ممن له سهم في الكتاب فإنّ ميراثه له ، وإن
لم يسلم من قرابته أحد فإن ميراثه للإمام (1)».
احتمل صاحب الجواهر ذلك ، وقال : ولم أعرف أحداً اعتبر ذلك ، نعم عن المصنف في النكت التنبيه عليه . قيل : ويوافقه الاعتبار (2).
واستدلّ على ذلك بصحيحة أبي ولّاد الحنّاط ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً ، فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمة من قرابته ، فقال : على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام ، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل إليه ، فإن شاء قتل ، وإن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدية ، فإن لم يسلم أحد كان الإمام ولي أمره ، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الديّة فجعلها في بيت مال المسلمين ، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام ، فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين . قلت : فإن عفا عنه الإمام ؟ قال فقال : إنما هو حقّ جميع المسلمين ، وإنما على الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية ، وليس له أن يعفو»(3)
أقول : الصحيحة أجنبية عن محل الكلام ، لأنّها من جهة حقّ القصاص فإنّها دالّة على أنّ ليس للإمام (عليه السلام) أن يقتص أو يأخذ الديّة قبل أن يعرض الإسلام على قرابته ، باعتبار أنّ ذلك حقّ لهم ، فإن قبلوا الإسلام كان هذا الحق ثابتاً لهم ، وإلا فإلى الإمام (عليه السلام) . وهو صحيح ونقول به ، إلّا أن التعدّي
منه إلى محل الكلام لا وجه له ، فلا يعتبر عرض الإسلام على الورثة في الإرث .
ثمّ استثنى المشهور من المتقدّمين على ما نسب إليهم(1)من عدم تأثير الإسلام بعد القسمة في الإرث مورداً ، وهو ما إذا مات نصراني وكان له ولد صغار وابن أخ مسلم ، وابن أخت مسلم ، فلابن الأخ الثلثان ، ولابن الأخت الثلث وعليهما الإنفاق بنسبة إرثها على الأولاد الصغار إلى أن يكبروا فينقطع الإنفاق . وإن أسلم الصغار قبل البلوغ كانت التركة لهم ، فتبقى عند الإمام (عليه السلام) فإن بقوا على الإسلام بعد البلوغ أعطي المال لهم ، وإلا فإلى ابن الأخ وابن الأخت .
وذلك لما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن نصراني مات وله ابن أخ مسلم ، وابن أخت مسلم ، وله أولاد وزوجة نصارى ، فقال : أرى أن يعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما تركه ، ويعطى ابن أخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد صغار ، فإن كان له ولد صغار فإنّ على الوارثين أن ينفقا على الصغار ممّا ورثا عن أبيهم حتّى يدركوا ، قيل له : كيف ينفقان على الصغار ؟ فقال : يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة ، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة ، فإن أدركوا قطعوا النفقة عنهم . قيل له : فإن أسلم أولاده وهم صغار ؟ فقال : يدفع ما ترك أبوهم إلى الإمام حتّى يدركوا ، فإن أتموا « بقوا خ ل » على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إليهم وإن لم يتمّوا « لم يبقواخ ل » على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إلى ابن أخيه وابن أخته المسلمين ، يدفع إلى ابن أخيه ثلثي ما ترك ، ويدفع إلى ابن أخته ثلث ما ترك».(2)
وقد وصف العلّامة والشهيد على ما في الجواهر (1)الرواية بالصحّة .
أقول : الرواية مشتملة على ثلاثة مطالب :
الأول : أنّ المسلم وإن كان بعيداً في الطبقة يحجب غير المسلم ، فابن الأخ وابن الأخت المسلمان يحجبان الأولاد الكفّار . وهو على طبق القاعدة المستفادة من الروايات المعتبرة كما تقدّم (2).
الثاني : يجب على الوارث المسلم الإنفاق على الصغار حتّى يكبروا فينقطع الإنفاق . وهذا الحكم على خلاف القاعدة ، إذ لا مقتضي للإنفاق على غير الأبوين والأولاد .
الثالث : أنّ الإسلام بعد القسمة يوجب الإرث بشرط بقائهم عليه إلى البلوغ ، وهو أيضاً خلاف القاعدة المستفادة من الروايات (3)الدالة على أن الإسلام بعد القسمة لا أثر له بالنسبة إلى الميراث .
فإن كانت الرواية صحيحة التزم بالتخصيص في الموردين ، والقول بوجوب الإنفاق ، وتأثير الإسلام في الإرث في خصوص المورد .
ولكن الظاهر أنّ الرواية ضعيفة ، فإنّها ذكرت في الكافي (4)والتهذيب (5)عن مالك بن أعين ، ولا يبعد أن يكون منصرفاً إلى مالك بن أعين الجهني ، وهو وإن لم يوثق ولم يمدح ، إلّا أنّه ثقة ، لوجوده في أسناد كامل الزيارات (6).
إلّا أنّ الشيخ الصدوق روى هذه الرواية بعينها وبعين السند ، ولكن عن مالك بن أعين أو عبد الملك بن أعين على نحو الترديد (1)فكأنّ الصدوق نسي أو اشتبه عليه الأمر في راوي هذه الرواية .
ومن المطمأن به أنّ مالك بن أعين هو أخو زرارة بن أعين ، ولم نتيقن بوجود رواية له في الكتب الأربعة ، وهو من المخالفين ، وليس بمستقيم ، ولم يرد فيه توثيق أبداً . فالرواية ضعيفة .
وروى هذه الرواية صاحب الوسائل (2)عن الصدوق عن عبدالملك بن أعين ومالك بن أعين جميعاً عن أبي جعفر (عليه السلام) ، ولم يعلم أنّه على أي نسخة من نسخ من لا يحضره الفقيه اعتمد
وفي الوافي نقلها عن الصدوق (3)كما في الكافي والتهذيب بدون كلمة « أو » . وعلى كل حال ، لم يثبت أنّ راوي الرواية هو مجموع الأخوين . والظاهر أنّ الاشتباه من قلم صاحب الوسائل (4).
وعلى فرض أنّ نسخ الفقيه متّفقة على ما ذكره صاحب الوسائل فمع ذلك لا تثبت صحة الرواية ، لاتحاد رواتها في طريق الشيخ والكليني والصدوق ، ولا يحتمل
أنّهم رووا في طريق الكليني والشيخ عن خصوص مالك وفي طريق الصدوق عن مالك وعبد الملك ، بل لا شكّ في حصول اشتباه في أحد الطريقين ، فتسقط الرواية عن الحجية ، ولذا ذهب المتأخّرون ومنهم صاحب الجواهر (1)إلى طرح هذه الرواية لضعفها .
ولم نعرف وجه تصحيح العلّامة (2)وخصوصاً الشهيد (3)المتضلّع بالرجال لها.
الفرع السابع : المراد بالكفر هنا هو الكفر في مقابل الإسلام كما في الروايات الناطقة » لا يتوارث أهل ملّتين » (4)المفسّرة بإرث المسلمين من الكفّار ، دون العكس ، فكل من لم يحكم بإسلامه لإنكاره الألوهية أو الرسالة أو التوحيد أو المعاد فهو كافر ، سواء لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام ، أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنّه من الدين الإسلامي ، بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة .
والكفر ملّة واحدة ، لا فرق بين أفراده من يهودي ونصراني ومجوسي وغيرهم ، فيرث اليهودي من النصراني وبالعكس ، وكلاهما من المجوسي وغيره وما دلّ من الروايات على عدم توارث أهل ملّتين مفسّر بما ذكرنا من إرثنا منهم دون العكس ، وأمّا إرث الكافر من الكافر فدلّت عليه إطلاق الآيات المباركة كما تقدّم (5).
ثمّ أنّه لا فرق في المسلم بين أنواعه وأصنافه ومذاهبه ، فإنّ من يعترف بالله
عزّوجلّ ورسوله (صلى الله عليه وآله وما أنزل إليه ، وبالآخرة ، حكم بإسلامه وإن كان فاسد العقيدة .
فالكفر في مقابل الطاعة كما في بعض الروايات (1)، أو في مقابل الإيمان (2)والنعمة كما في بعضها الآخر (3)ليس بمانع من الإرث وإن أطلق عليه الكفر ، كما في تارك الصلاة (4)أو الحج (5)أو الولاية (6)، إلّا أنّه ليس كفراً في مقابل الإسلام .
وقد دلّت على ذلك عدّة روايات في الكافي ، صرّح فيها بأنّ الإسلام ما عليه الناس ، والذي جرت عليه المناكح والمواريث (7)فلا أثر لانحراف العقيدة في الإرث بعد الحكم عليه بالإسلام .
نعم ، من حكم عليه بالكفر تعبّداً حتّى مع اعترافه بالله والرسول وما أنزل إليه وبالآخرة ، وهم النواصب الذين هم كما صرّح في الرواية - أنجس من الكلب
1) ) [ لعله إشارة إلى ما ورد في الكافي :2 : 389 باب وجوه الكفر) / 1 وغيره ] .
2) راجع الكافي :2 : 388 / 16 ، 18 ، 20 وغيرها .
3) راجع الكافي 2 : 389 / 1 وغيره
4) راجع الكافي 2 : 386 / 9 وغيره .
5) الوسائل 11 : 29 / أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 7 ، وما في سورة آل عمران 3 : 97 .
6) [ لعلّه إشارة إلى نفس ما ورد في الهامش رقم (1)].
7) راجع الكافي 2 : 25 ، منها [ ح 1 ، أي ] معتبرة سماعة ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام : أخبرني عن الإسلام والإيمان ، أهما مختلفان ؟ فقال : إن الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان ، فقلت : فصفهما لي ، فقال : الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ، به حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث ، وعلى ظاهره جماعة الناس ، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ، إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر ، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن ، وإن اجتمعا في القول والصفة » .
والخنزير (1)فهم خارجون بالدليل، فلا تجري عليهم أحكام الإرث ، كما لا تجوز مناكحتهم .
وكذا يحكم بكفر بعض الفرق المنتسبين إلى الإسلام إذا رجعت عقائدهم إلى إنكار الألوهية والخلق ، أو النبوّة أو المعاد ، كالقائلين بوحدة الوجود من الصوفية الظاهر ذلك من أشعارهم ، بل من متونهم ، كما في عبارة محي الدين بن العربي التي هي (الحمد لله الذي خلق الأشياء وهو عينها ) (2)الدال على وحدة الوجود ، فإذا لوحظت المراتب فيكون خلقاً ، وإذا لغيت فهو نفس الخالق ، فالواجب والممكن عندهم موجود واحد ، وإنما يختلف بالاعتبار ، فباعتبار حده هو ممكن ، ومع إلغاء الحد هو واجب ، وهو راجع في الحقيقة إلى إنكار الخالق ، ويحتمل أن يكون هذا هو المراد من أشعار بعضهم ، التي معناها أنّه لا فرق بين موسى وفرعون إلّا بالحد ، فإذا لغي الحد فموسى وفرعون شيء واحد .
ثمّ إنّه لا فرق في الكافر والمسلم بين الأصالة والتبعية ، كالأطفال والمجانين حيث يتبعون آباءهم وأمهاتهم ، فكل طفل انعقدت نطفته حال كون أحد أبويه مسلماً حكم بإسلامه ، وكل طفل انعقدت نطفته حال كون أبويه معاً كافرين ، حكم بكفره . نعم إذا أسلم أحد أبويه قبل بلوغه تبعه في الإسلام .
وتقدّم الكلام في الكفر والإسلام بالأصالة والتبعية في كتاب الطهارة(3)مفصلاً .
1) الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف والمستعمل ب 11 ح 5 [ نقل بالمضمون مع زيادة والخنزير » ]
2) راجع الفتوحات المكية 2 : 459 حيث قال ما نصه :(فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها ، فما نظرت عيني إلى غير وجهه وما سمعت أذني خلاف كلامه ، فكلّ وجود كان فيه وجوده وكلّ شخيص لم يزل في منامه ) .
3) شرح العروة الوثقى 3 : 59، 4 : 211 .
يقع الكلام أوّلاً في موضوع المرتدّ الفطري والملّي ، وثانياً في حكمها .
البحث الأول : الروايات الواردة في المقام بالنسبة إلى المرتدّ الفطري و المرتدّ الملي على طوائف :
فمنها : ما دلّ على أنّ من كفر بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) وبما أنزل عليه قتل ، كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : «ومن جحد نبياً مرسلاً نبوّته وكذّبه فدمه مباح...».(1)
وكذا صحيحته الثانية ، قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتدّ فقال : من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) بعد إسلامه فلا توبة له ، وقد وجب قتله ، وبانت منه امرأته ، ويقسم ما ترك على ولده »(2). وهذه الروايات مطلقة بالنسبة إلى المرتدّ الفطري والملّي .
وبازاء هذه الروايات ما دلّ على أنّ المرتدّ يستتاب ، فإن لم يتب قتل ، كما في صحيحة ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) « في المرتدّ يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل ... » (3)وهي مطلقة أيضاً للمرتد الفطري والملي .
وهناك طائفة ثالثة من الأخبار فصلت بين ما لو كان مسلماً ثم كفر وتنصر فيقتل ، وبين ما لو كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر استتيب ، فإن تاب وإلا قتل . وهذه
الروايات هي صحيحة علي بن جعفر ، «سألته عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال : عن مسلم تنصّر ، قال : يقتل ولا يستتاب ، قلت : فنصراني أسلم ثم ارتدّ قال : يستتاب ، فإن رجع وإلا قتل » (1)وكذا غيرها(2)
وصحيحة الحسين بن سعيد ، قال : « قرأت بخطّ رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) رجل ولد على الإسلام ، ثم كفر وأشرك وخرج عن الإسلام ، هل يستتاب ، أو يقتل ولا يستتاب ؟ فكتب (عليه السلام) : يقتل » الوسائل 28 : 325 / أبواب حد المرتدّ ب 1 ح 6 . وكذا معتبرة عمار الساباطي ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام وجحد محمّداً (صلى الله عليه وآله) نبوّته وكذبه ، فإن دمه مباح لمن سمع ذلك منه ، وامرأته بائنة منه يوم ارتد ، ويقسم ماله على ورثته ، وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها ، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه ( الوسائل 28 : 324 / أبواب حد المرتدّ ب 1 ح 3 .
.وهذه الطائفة مقيّدة للروايات المتقدمة ، فتكون النتيجة : أنّ المرتدّ الملّي هو من كان كافراً ثمّ أسلم ثم كفر ، وهو الذي يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . وأن المرتدّ الفطري هو من كان مسلماً من الأول فارتد ، وهو الذي يقتل ابتداءً ولا يستتاب .
ثمّ أنّه يثبت الإسلام من الأول لكلّ من ولد من أبوين مسلمين ، أو من أبوين أحدهما مسلم
1) الوسائل 28 : 325 / أبواب حد المرتدّ ب 1 ح 5 .
2) کمر فوعة عثمان بن عيسى ، قال : « كتب عامل (غلام) أمير المؤمنين إلّا إليه : إني أصبت قوماً من المسلمين زنادقة ، وقوماً من النصارى زنادقة ، فكتب إليه : أما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ، ثم تزندق ، فاضرب عنقه ، ولا تستتبه . ومن لم يولد منهم على الفطرة فاستتبه ، فإن تاب وإلا فاضرب عنقه . وأمّا النصارى فما هم عليه أعظم من الزنادقة ورواه الصدوق مرسلاً ، إلّا أنّه قال : ثم ارتد . الوسائل 28 : 333 / أبواب حد المرتدّ ب 5 ح 5.
أمّا الأول : فيدلّ عليه - مضافاً إلى الإجماع والضرورة القائمين على كونه مسلماً - معتبرة عمار الساباطي ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : كلّ مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام وجحد محمّداً (صلى الله عليه وآله) نبوّته وكذبه فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه...»(1).
وأمّا الثاني : فيدلّ عليه مضافاً إلى عدم الخلاف ما دلّ على أنّ الرجل المسلم إذا مات وكانت له زوجة أو أمة حامل يعزل ميراث الحمل فينتظر به حتّى يولد حيّاً (2)وهي مطلقة شاملة لما إذا كانت الزوجة أو الأمة مسلمة أو غير مسلمة ومقتضى ذلك الحكم بإسلام الولد حتّى لو كانت الزوجة أو الأمة كافرة . وهو دالّ على أنّ إسلام الأب كافٍ في إسلام الولد ، لما دلّ على أنّ وارث المسلم يعتبر فيه الإسلام على ما دلّت عليه الروايات المتقدّمة (3)فإذا حكم بإرثه حكم بإسلامه للملازمة .
وكذا العكس ، فلو كانت المرأة مسلمة وحملت من كافر شبهة ، أو كانت كافرة فحملت وأسلمت قبل أن تلد ، فإنّ مقتضى إطلاق الأدلة أنها مسلمة ماتت فيرثها ولدها ، وإذا حكم بإرث الولد حكم بإسلامه للملازمة ، وحينئذ فيجري عليه حكم المرتدّ الفطري .
على أنّ معتبرة عمار الساباطي المتقدّمة (4): من ولد بين مسلمين ثمّ ارتدّ قتل . ليس لها مفهوم ينفي القيد ، فتحمل على الغالب ، لأنّ التولّد من مسلم وكافر
قليل بالنسبة للتولّد من مسلمين ، فيعمل بالروايات الدالة على أن من تولّد من مسلم حكم بإسلامه ، ويحمل ما دلّ على أنّ من تولّد من مسلمين حكم بإسلامه على الغالب .
هذا مضافاً إلى معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الصبي يختار الشرك وهو بين أبويه ، قال : لا يترك وذاك إذا كان أحد أبويه نصرانياً » (1).
وكذا معتبرة الصدوق ، عن فضالة ، عن أبان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الصبي إذا شبّ فاختار النصرانية وأحد أبويه نصراني أو جميعاً مسلمين ، قال : لا يترك ، ولكن يضرب على الإسلام » (2)فإنهما دالتان على تبعية الولد لأحد أبويه في الإسلام ، ولذا لا يترك على حاله .
هذا إذا كان أحد أبويه مسلماً قبل أن يولد ، وأمّا لو صار أحد أبويه مسلماً بعد أن ولد فبالتبعية يحكم بإسلام الطفل أيضاً ، ولكن لا يكون لو ارتد بعد البلوغ مرتداً فطرياً ، وإن نسب إلى كاشف اللثام كما في الجواهر أنّه مرتد فطري (3)إلّا أنّه ليس له وجه صحيح ، حيث أنّه مسبوق بالكفر ، فهو مرتد ملّي ، أي كان كافراً ولو حال طفولته ، ثم أسلم بالتبعية ثمّ كفر .
حكم المرتدّ الفطري : فلا خلاف بين الأصحاب في وجوب قتله بمجرّد
ارتداده ، وتنزيله منزلة الميّت تعبّداً ، فتنتقل تركته إلى ورثته المسلمين ، وتبين زوجته ، وتعتد عدة الوفاة . ولا أثر لتوبته في رفع هذه الأحكام ، فلا ترجع إليه زوجته ، ولا أمواله ، ويقتل وإن تاب . وقد دلّت على ذلك عدة روايات :
منها : معتبرة عمار الساباطي ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام ، وجحد محمّداً (صلّى الله عليه وآله) نبوّته وكذبه فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه ، وامرأته بائنة منه يوم ارتد ، ويقسم ماله على ورثته ، وتعتدّ امرأته عدة المتوفى عنها زوجها ، وعلى الإمام أن يقتله ولا بستتیبه ».(1)
ومنها : صحيحة الحسين بن سعيد ، قال : « قرأت بخطّ رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : رجل ولد على الإسلام ثم كفر وأشرك وخرج عن الإسلام هل يستتاب ، أو يقتل ولا يستتاب ؟ فكتب (عليه السلام) : يقتل » (2). ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن مسلم تنصر ، قال : يقتل ولا يستتاب ، قلت : فنصراني أسلم ثم ارتدّ قال : يستتاب فإن رجع ، وإلّا قتل».(3)
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : ومن جحد نبياً مرسلاً نبوته وكذبه قدمه مباح ، قال قلت : أرأيت من جحد الإمام منكم ما حاله ؟ فقال : من جحد إماماً من الله وبرئ منه ومن دينه فهو كافر مرتدّ عن الإسلام ، لأنّ الإمام من الله ، ودينه من دين الله ، ومن برى من دين الله فهو
كافر ، ودمه مباح في تلك الحال ، إلّا أن يرجع ويتوب إلى الله ممّا قال ... »(1).
ومنها : صحيحته الثانية ، قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتدّ فقال : من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) بعد إسلامه فلا توبة له ، وقد وجب قتله ، وبانت منه امرأته ، ويقسّم ما ترك على ولده » (2).
وهل أنّ المرتدّ الفطري تقبل توبته واقعاً فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى فتترتب عليه سائر الأحكام - غير القتل وعدم رجوع زوجته وأمواله له - أم لا ؟ وعلى تقدير قبولها فهل تقبل ظاهراً أيضاً ، أم لا ؟
فيه خلاف ، المشهور عدم قبول توبته ، وأنه مخلّد في النار كبقية الكفار . وذهب جمع من المحقّقين إلى قبول توبته واقعاً وظاهراً ، وفصل ثالث بين قبولها واقعاً وعدم قبولها ظاهراً .
أقول : الصحيح القول الثاني ، ويدلّ عليه : أمّا بالنسبة إلى قبول توبته واقعاً فيما لا ينبغي الشكّ فيه ، لقوله تعالى : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3).
فإنّه قيّد سبحانه وتعالى حبوط الأعمال في الدنيا والآخرة بما إذا مات المرتدّ وهو كافر ، وأما إذا تاب فلا يكون داخلاً في الآية المباركة .
بل تقبل توبته ظاهراً أيضاً - في غير الأحكام الثلاثة المتقدّمة - لإطلاقات
أدلّة التوبة من الكتاب والسنّة ، وأنّ « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » (1)، ولا فرق في ذلك بين المرتدّ وغيره . ولا ينافي وجوب قتل المرتدّ كونه مسلماً ، فإنّ المسلم يقتل كما في كثير من الموارد كسابّ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) وكالزاني في بعض الموارد .
ويدلّ على قبول توبته ظاهراً أيضاً ما دلّ على أن من أقرّ بالشهادتين التوحيد والرسالة - جرت عليه أحكام المسلمين ، فله ما لهم وعليه ما عليهم ، فإنّه شامل للمقام .
هذا مضافاً إلى القطع الوجداني ، فإنه بعد توبته هو مكلّف بالأحكام التعبّدية ، كالصلاة والصوم ، وهما إنّما يصحّان من المسلم ، فمقتضى التكليف بالأحكام الحكم بإسلامه ، وإلّا فهو من التكليف بما لا يطاق ، لأنّ من حكم بنجاسته ولا يتمكن من تطهير بدنه فكيف يكون مكلّفاً بالصلاة وغيرها ممّا هو مشروط بالطهارة .
وعليه فيحكم بطهارته ، وجواز تزويجه مسلمة وغيرها ، سواء في ذلك زوجته الأولى أو غيرها ، وإن كان يجب قتله ، ولا ترجع إليه أمواله ولا زوجته بمجرد توبته .
وأمّا ما يكسبه حال ردّته وقبل توبته ، أو بعدها إن قلنا بعدم قبول توبته فقال السيد في العروة بصحة معاملاته بعد توبته بناءً على ما اختاره من قبول توبته واقعاً وظاهراً(2).
وذلك مستفاد من عبارة المحقّق القمي في جامع الشتات في موردين(1)، فإنّه جعل صحة تكسبه ونفوذ معاملاته متفرّعاً على قبول توبته . وكذا الشهيد في الروضة (2).
وذكر صاحب الجواهر (3)عبارة الشهيد ولم يعلّق عليها من جهة توقّف صحة كسبه على توبته ، فيظهر منه أنّ عدم صحة تكسبه حال كفره ، وكذا بعد توبته -بناءً على عدم قبولها - متسالم عليه بين الأصحاب .
أقول : المساعدة على ما ذكروه غير ممكنة ، فإنّ الإطلاقات والعمومات الدالّة على صحة التكسب والتملّك شاملة للمقام ، فهو كسائر المسلمين - بل والكفّار - مسلّط على نفسه ، فلو حاز شيئاً أو استولى على شيء من المباحات الأصلية ، أو آجر نفسه كيف لا يكون مالكاً مع شمول العمومات والإطلاقات له . وليس على القول بأنه لا يملك بعد كفره دليل . فالصحيح عدم الفرق بين ما يملكه قبل أو بعد توبته ، سواء قبلت توبته أم لا .
وأمّا حكم المرتدّ الملّي : فلا شكّ في أنّه لا يقتل ابتداءً وإنما يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل . وقد دلّت على ذلك صحيحة علي بن جعفر (4)وغيرها (5)فإذا قتل
1) جامع الشتات 2 : 712 ، 750 .
2) الروضة البهية 8: 30 .
3) الجواهر 6 : 296 - 297
4) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن مسلم تنصر ، قال : يقتل ولا يستتاب ، قلت : فنصراني أسلم ثم ارتد ، قال : يستتاب ، فإن رجع وإلا قتل » الوسائل 28 : 325 / أبواب حد المرتدّ ب 1 ح 5 .
5) كصحيحة ابن محبوب ، عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليها السلام) « في المرتدّ يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ... » . الوسائل 28 : 327 / أبواب حد . المرتدّ ب 3 ح 2 .
أو مات انتقلت تركته إلى ورثته ، فإن كان فيهم مسلم فهي له ، وإلّا فعلى الخلاف المتقدّم (1)في أن تركته لورثته الكفّار .
وأمّا مدّة استتابته فثلاثة أيّام ، والقتل في اليوم الرابع على ما دلّت عليه معتبرة السكوني (2).
وأمّا بالنسبة إلى زوجته فتبين منه بمجرّد ارتداده ، وتعتدّ عدّة الطلاق البائن على ما صرّح به في معتبرة أبي بكر الحضرمي (3)فلو تاب أثناء العدّة ليس له الرجوع إلى زوجته ، بل هو خاطب من الخطاب لابدّ له من عقد جديد ، ولا مانع من وقوعه في العدّة ، لأنّ العدّة عدّة نفسه .
1) في ص 27 - 30 .
2) رواها الشيخ الصدوق بطريقه المعتبر عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه (عليهم السلام) قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : المرتدّ عن الإسلام تعزل عنه امرأته ، ولا تؤكل ذبيحته ، ويستتاب ثلاثاً ، فإن رجع ، وإلا قتل يوم الرابع إذا كان صحيح العقل ( الفقيه :: 334/892 ، الوسائل 28 : 328 / أبواب حد المرتدّ ب 3 ذيل ح 5 . أقول : طريق الشيخ الصدوق إلى السكوني ذكره الصدوق في إسماعيل بن مسلم ، وفي الطريق الحسين بن يزيد النوفلي ، وتوثيقه منحصر بروايته في تفسير القمي . راجع الفقيه 4 : (المشيخة ) : 55 ، معجم رجال الحديث 7: 122 / 3715 [ لم ترد في الفقيه جملة « قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ( وإنما وردت في سند الكافي والتهذيبين ] .
3) عن أبي عبدالله (عليه السلام) « إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثاً ، وتعتدّ منه كما تعتد المطلقة ، فإن رجع إلى الإسلام وتاب قبل أن تتزوّج فهو خاطب ، ولا عدّة عليها منه له ، وإنما عليها العدّة لغيره ... » الوسائل 26 : 27 / أبواب موانع الإرث ب 6 ذيل ح 5 .
ثمّ إنّه لو تاب فرفع عنه القتل ، ثم كفر ، وتكرّر ذلك منه عدّة مرّات ، فهل الحكم بالاستتابة يتكرّر بتكرّر الكفر ، أم لا ؟ الظاهر ذلك ، لشمول الأدلّة له ، فإنّه مرتدّ ملّي يستتاب ، فإن تاب وإلّا قتل .
ونسب إلى الشيخ في الخلاف القتل في المرّة الرابعة بلا استتابة (1).وهذه الدعوى غير قابلة للتصديق من الشيخ ، فإنّه صرّح جملة من الفقهاء بوجوب القتل في المرّة الثالثة بلا استتابة ، بل نسب الشيخ نفسه هذا إلى الأصحاب في غير هذا الموضع (2).وعلى كل حال ، لا دليل على وجوب القتل بلا استتابة في المرة الرابعة . وأما القتل بلا استتابة في المرّة الثالثة فقد صرّح به جماعة ، لما ورد من أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في المرّة الثالثة مع جريان الحدّ عليهم في المرتين السابقتين (3).
أقول : الاستدلال بهذه الروايات في المقام غير تامّ ، لأنّ المفروض عدم جريان الحدّ على المرتدّ - وهو القتل - في المرتين السابقتين ، وعليه فلا دليل على وجوب القتل في المرّة الثالثة - بل الرابعة فما فوقها - بلا استتابة ، وإنما يستتاب كلّما كفر ، فإن لم يتب قتل .
وهنا روايتان ربما يستدلّ بهما على وجوب القتل في المرّة الثالثة بلا استتابة : الرواية الأولى : رواية جميل بن درّاج وغيره ، عن أحدهما (عليها السلام) في رجل رجع عن الإسلام ، قال : يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل . قيل لجميل : فما
تقول إن تاب ثمّ رجع عن الإسلام ؟ قال : يستتاب ، قيل : فما تقول إن تاب ثمّ رجع ؟ قال : لم أسمع في هذا شيئاً ، ولكنّه عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه الحدّ مرتين ثم يقتل بعد ذلك . وقال : روى أصحابنا أنّ الزاني يقتل في المرة الثالثة » (1)استدلّ بها على لزوم القتل في المرة الثالثة بلا استتابة .
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بعلي بن حديد ، المتعارض فيه التوثيق والتضعيف ، فقد ضعفه جداً الشيخ في موارد (2)، ووثقه علي بن إبراهيم في تفسيره (3)فلا دليل على وثاقته .
وثانياً : أنّ الرواية فتوى من جميل بن درّاج ، ودليلها القياس .
الرواية الثانية : رواية جابر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل من بني ثعلبة قد تنصر بعد إسلامه ، فشهدوا عليه ، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما يقول هؤلاء الشهود ؟ فقال : صدقوا ، وأنا أرجع إلى الإسلام ، فقال : أما أنك لو كذبت الشهود لضربت عنقك ، وقد قبلت منك ، فلا تعد ، فإنّك إن رجعت لم أقبل منك رجوعاً بعده » (4).
وهي غير قابلة للاستدلال بها على الدعوى المذكورة. أوّلاً : لضعف سندها ، ولا أقل من أنّ في السند عمرو بن شمر ، ولم تثبت وثاقته للمعارضة ، فإنّه ضعفه النجاشي (5).
ووثّقه علي بن إبراهيم في تفسيره(1)
وقد يقال : إنّه اعتمد عليه الشيخ المفيد(2).
أقول : الاعتماد لا يدلّ على الوثاقة ، وإن كان توثيق الشيخ المفيد لشخص معتمداً ، إلّا أنّ اعتماده على شخص لا يدلّ على التوثيق(3).
وثانياً : هي غير دالّة على القتل في المرّة الثالثة ، بل ظاهرها وجوب القتل في المرّة الثانية ، مع أنّه ليس كذلك جزماً .
على أنّ متن الرواية غير قابل للتصديق ، لأنّ تكذيب الشهود هو بنفسه رجوع إلى الإسلام ، كتكذيب الزوج الطلاق في العدّة الرجعية . ومع التنزل فلماذا تضرب عنقه بعد كونه مرتداً ملّياً ، بل لابدّ من استتابته ، فإن لم يتب قتل ، وأمّا ضرب العنق بلا استتابة فلا يقبل التصديق .
ثمّ إنّ المرأة لو ارتدّت عن فطرة فضلاً عمّا إذا كان ارتدادها عن ملّة لا تقتل بلا خلاف بين الفقهاء ، بل تستتاب ، وتضرب لأجل الصلاة في أوقاتها ، وتلبس خشن الثياب ويضيّق عليها ، وتستخدم ، وتحبس حتّى تتوب . وقد دلّت على ذلك روايات صحيحة .
منها : صحيحة حريز ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يخلّد في السجن إلّا ثلاثة : الذي يمسك على الموت ، والمرأة ترتد عن الإسلام ، والسارق بعد
1) [ بمعنى وروده في أسانيده ، راجع تفسير القمّي 1 : 339] .
2) راجع المستدرك 22 (الخاتمة (4) : 196 ، ولاحظ الكافئة في إبطال توبة الخاطئة (مصنفات الشيخ المفيد (6) : 31 / 33 وغيره .
3) على أنّ في السند أيضاً محمد بن سالم ، وليس ممن اسمه محمد بن سالم ثقة إلّا محمد بن سالم بن ، عبد الحميد . والجزم بانطباق محمد بن سالم عليه يحتاج إلى قرينة ، وهي مفقودة .
قطع اليد والرجل»(1).
ومنها : صحيحة حمّاد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في المرتدّة عن الإسلام ، قال : لا تقتل ، وتستخدم خدمة شديدة ، وتمنع الطعام والشراب إلّا ما يمسك نفسها ، وتلبس خشن الثياب ، وتضرب على الصلوات (2)وغيرهما .
إلّا أنّ بازاء ذلك صحيحة لمحمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام في وليدة كانت نصرانية ، فأسلمت وولدت لسيّدها ، ثمّ إنّ سيّدها مات ، وأوصى بها عتاقة السرية على عهد عمر ، ، فنكحت نصرانياً ديرانياً وتنصرت ، فولدت منه ولدين ، وحبلت بثالث ، فقضى فيها أن يعرض عليها الإسلام ، فعرض عليها الإسلام ، فأبت ، فقال : ما ولدت من ولد نصرانياً فهم عبيد لأخيهم الذي ولدت لسيّدها الأول ، وأنا أحبسها حتّى تضع ولدها ، فإذا ولدت قتلتها » (3)
وهي شاذّة ، لا عامل بها ، بل لا يمكن العمل بها ، إذ لا وجه لكون من ولدت من ولد نصرانياً عبيداً للولد الأول ، إذ ليس هو بوارث للأم . و المرتدّ الملّي وإن كان رجلاً لا يقتل ، فكيف بما إذا كان امرأة . فلا وجه لقتلها أيضاً .
ووجّهها الشيخ بتوجيه بعيد جداً (4)، لا موجب له ، بل لا بد من ردّ علمها إلى أهله.
1) الوسائل 28 : 331 / أبواب حد المرتدّ ب 4 ح 3 .
2) الوسائل 28 : 330 / أبواب حد المرتدّ ب 4 ح 1 .
3) الوسائل 28 : 331 / أبواب حد المرتدّ ب 4 ح 5 .
4) قال الشيخ في التهذيب 10 : 143 / ذيل ح 567 : قال محمد بن الحسن : هذا الحكم مقصور على القضيّة التي فصلها أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يتعدّى إلى غيرها ، لأنه لا يمتنع أن يكون هو رأى قتلها صلاحاً ، لارتدادها وتزويجها ، ولعلّها كانت تزوجت بمسلم ثم ارتدت وتزوجت فاستحقت القتل لذلك ، ولا متناعها من الرجوع إلى الإسلام ....
ثمّ إنّ المرتدّة تبين من زوجها بارتدادها ، إذ لا يمكن أن تكون زوجة المسلم كافرة ، لقوله تعالى : (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (1)نعم ثبت بدليل خارجي جواز تزويج المسلم بالكتابية متعة بلا إشكال ، ودواماً على القول الصحيح . كما دلّ الدليل أيضاً على أن الزوج والزوجة إذا كانا كتابيين فأسلم الزوج بقيت زوجته على زوجيّتها له . وأما في غير ذلك فيحكم ببطلان الزواج ، لما ذكرنا .
ثمّ أنّه لابدّ من العدّة ، لما دلّ على وجوبها عند التقاء الختانين (2)
وكذا صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة والغسل ( المصدر المتقدم ح 4 .
وهي منصرفة إلى عدة الطلاق ، كما في الوطء شبهة وغيره . وأمّا عدّة الوفاة كما كانت فيما إذا ارتد الزوج عن فطرة - فتحتاج إلى قرينة .كما لا تنتقل أموالها إلى ورثتها بمجرد الارتداد ، وإن كان عن فطرة ، بل لابدّ في الإرث هنا من الموت الحقيقي .
ثمّ إنّ الارتداد - وهو إظهار الكفر بعد الإسلام - لابدّ وأن يكون عن قصد فلا يتحقّق بسبق اللسان ونحوه ممّا لا قصد معه .
1) الممتحنة 60: 10.
2) كما في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « سأله أبي وأنا حاضر ، عن رجل تزوّج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسها ، ولم يصل إليها حتّى طلقها ، هل عليها عدة منه ؟ فقال : إنما العدّة من الماء ، قيل له : فإن كان واقعها في الفرج ولم ينزل ؟ فقال : إذا أدخله وجب الغسل والمهر والعدة ( الوسائل 21 : 319 / أبواب المهور ب 54 ح 1 . وكذا صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في رجل دخل بامرأة ، قال : إذا التق الختانان وجب المهر والعدّة ( المصدر المتقدّم ح 3 .
كما يعتبر في الارتداد العقل، فلا يؤخذ المجنون بشيء من أفعاله وأقواله ، لرفع القلم .
وكذا يعتبر البلوغ ، فلو أظهر الصبي الكفر لا يحكم بكفره ، لرفع القلم ، بل تجري عليه أحكام الإسلام إلى أن يبلغ .
وكذا يعتبر الاختيار ، فلا عبرة بكفر المكره ، لقوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ) (1)
وأمّا لو أظهر الكفر وادّعى الإكراه فهل تسمع دعواه ، أم لا ؟ نسب إلى المشهور سقوط القتل بذلك ، لدرء الحدود بالشبهات .
أقول: مستند درء الحدود بالشبهات مرسلة رواها الصدوق (2)، ولم تثبت بطريق معتبر . وعلى فرض اعتبارها فليس المراد بالشبهة الاحتمال الواقعي لوجوده في أكثر موارد الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف وغيرها فإنّ احتمال كونه معذوراً واقعاً لا شكّ في وجوده . بل المراد بالشبهة الشبهة ظاهراً وواقعاً ، ففى مثل ذلك لا يحكم بالحدّ .
إذن فيحمل إظهار الكفر في المقام على الاختياري ، لأن الإكراه أمر حادث والأصل عدمه ، ولا شبهة في المقام .
لا شكّ ولا ريب ولا خلاف في أنّ القتل في الجملة مانع من الإرث ، إلّا أنّ
الكلام في بعض خصوصياته ، فإنّ القتل تارةً يكون عن عمد ، وأخرى عن خطأ . وما كان عن عمد قد يكون عن عمد وظلم وتعد ، وقد يكون عن عمد وحق . وما كان عن خطأ قد يكون خطأ محضاً ، وقد يكون خطاً شبيهاً بالعمد . فهنا أقسام أربعة .
أقول :
1 - أمّا القتل العمدي عن ظلم وعدوان وتعدٍ فلا شكّ أنّه مانع من الإرث ، لقوله (صلى الله عليه وآله في صحيحة هشام بن سالم: « لا ميراث للقاتل » (1)وللتصريح بذلك في جملة من الروايات :
منها : صحيحة أبي عبيدة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) « في رجل قتل أمّه قال : لا يرثها ، ويقتل بها صاغراً ، ولا أظنّ قتله بها كفارة لذنبه (2)و موردها القتل ظلماً وعدواناً .
ومنها : صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : « إذا قتل الرجل أباه قتل به ، وإن قتله أبوه لم يقتل به ، ولم يرثه »(3)وموردها أيضاً القتل ظلماً .
2 - وأمّا لو كان القتل العمدي لا عن ظلم وتعدٍ ، بل قتل بحقٍ ، كما لو كان لأجل الدفاع عن النفس أو العرض أو المال المحترم ، فالمشهور والمعروف ، بل المتسالم عليه اختصاص الحكم بعدم الإرث بالقتل العمدي الذي يكون عن ظلم وتعدٍ ، وأما لو كان عن حقّ - سيما إذا كان واجباً - فيرث . وهو الصحيح ، لأنّ المقابلة في الروايات بين العمد والخطأ ظاهرة في الفرق
بين المعذور وغير المعذور . فإن كان معذوراً ورث ، وإلا فلا يرث .
فإن كان الحكم بالإرث ثابتاً في القتل الخطاني - كما سيأتي - مع وجود المبغضوية الواقعية إلّا أن الحكم غير منجز في حقه ومرفوع للخطأ ، فلا يمكن أن يكون الحكم بالإرث غير ثابت فيما إذا لم تكن المبغوضية الواقعية ثابتة ، وكان القتل مأذوناً فيه، بل ربما كان واجباً .
على أنّ مناسبة الحكم والموضوع بحسب الفهم العرفي أيضاً تقتضي ذلك ، فإنّ منع القاتل وحرمانه من الإرث أخذاً له بضدّ غرضه - الذي هو تعجيل الإرث من مورّثه - ردعاً له عن ارتكاب هذه الجريمة ، غير موجود في المقام .
مع أنّ صحيحة أبي عبيدة وصحيحة الحلبي المتقدّمتين موردهما القتل ظلماً ولو لم يكن وجه لذلك لما كان للتقييد به وجه ، بل كان الحكم ثابتاً لمطلق القتل .
ويؤيد (1)عدم المنع من الإرث في المقام ما رواه الشيخ والصدوق عن سليمان ابن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن طائفتين من المؤمنين ، إحداهما باغية والأخرى عادلة ، اقتتلوا فقتل رجل من من أهل العراق أباه ، أو ابنه ، أو أخاه ، أو حميمه ، وهو من أهل البغي ، وهو وارثه ، أيرثه ؟ قال : نعم ، لأنه قتله بحق » (2)وقد علّلت الإرث بأنّ القتل بحقّ.
3 - وأمّا لو كان القتل خطاً محضاً فالمعروف والمشهور - إلّا القليل ، منهم
1) وجه جعله مؤيّداً ضعف طريق الشيخ [ في الفهرست : 77 / 326 ] والصدوق [ في الفقيه 4 ( المشيخة ) : 65 ] إلى سليمان بن داود المنقري، وإلا فكل من سليمان بن داود وحفص بن غياث ثقة ، وإن كان الثاني عامياً ، إلّا أنّه ثقة ، وعملت الطائفة برواياته .
2) الوسائل 26 : 41 / أبواب موانع الإرث ب 13 ح 1 ، التهذيب 9 : 381 / 1364 ، الفقيه 4 : 233 / 748
الكليني (1)- أنّه غير مانع عن الإرث ، وقد دلّت على ذلك عدة روايات :
منها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أنّ أمير المؤمنين قال : إذا قتل الرجل أمه خطأً ورثها ، وإن قتلها عمداً لم يرثها » (2)
ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل أُمّه ، أيرثها ؟ قال : إن كان خطاً ورثها ، وإن كان عمداً لم يرثها (3).
وفي قبال ذلك روايتان دلّتا على أنّ القاتل خطأ لا يرت (4)إلّا أنّهما لضعفهما (5)لا يعتمد عليهما .
1) والفضل والعماني كما حكاه عنهم في الجواهر 39 : 37
2) الوسائل 26 : 33 / أبواب موانع الإرث ب 9 ح 1 ، الفقيه 4 : 232 / 742 [ لم يذكر في الفقيه جملة « إنّ أمير المؤمنين قال » ].
3) الوسائل 26 : 34 / أبواب موانع الإرث ب 9 ح 2 .
4) الرواية الأولى : رواية العلاء بن الفضيل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - قال : « ولا يرث الرجلُ الرجل إذا قتله وإن كان خطأ ( الوسائل 26 : 35 / أبواب موانع الإرث ب 9 ح 4 الرواية الثانية : مرسلة الجعفريات عن علي (عليه السلام) قال : « من قتل حميماً له عمداً أو خطأ لم يرثه « مستدرك الوسائل 17 : 146 / أبواب موانع الإرث ب 6 ح 3 ، الجعفريات.379 / 200
5) أما الرواية الأولى فضعيفة بمحمّد بن سنان ، الذي لم تثبت وثاقته ، لمعارضة توثيق الشيخ المفيد [ في الإرشاد 2 (مصنفات الشيخ المفيد (11) : 248] وعلي بن إبراهيم [ لوروده في أسانيد تفسيره 1 : 221 ] بتضعيف الشيخ [ في رجاله : 364 / 5394 ] والنجاشي [ في رجاله : 328/ 888 ] والمفيد نفسه [ في جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية المعروفة بالرسالة العددية (ضمن مصنفات الشيخ المفيد (9) : 20 ] وعد الفضل بن شاذان [ كما رواه عنه الكشي في رجاله : 507 / 979 ] إيَّاه من الكذابين . وأمّا الرواية الثانية فلا أقل من ضعفها بالإرسال .
فيرث القاتل خطأ ، وبما دلّ على إرثه يقيّد قوله (صلى الله عليه وآله) في صحيحة هشام المتقدّمة (1): « لا ميراث للقاتل » على فرض عدم ظهوره في العمد فيختص بالقاتل عمداً .
4 - ثمّ إنّ هنا قسماً رابعاً ، وهو الخطأ الشبيه بالعمد ، فهل هو مانع من الإرث أم لا ؟ ولأجل بيان الخطأ الشبيه بالعمد لابدّ من توضيح أقسام الخطأ والعمد فنقول :
إنّ الفعل المترتّب عليه القتل الواقع على المقتول ، قد لا يكون ذات الفعل مقصوداً أصلاً ، ولم يكن ممّا يترتّب عليه القتل عادةً ، ولكن تحقّق في الخارج اتفاقاً وقد يكون ذات الفعل مقصوداً . وعلى الثاني إما أن لا يكون القتل مقصوداً ولم يكن الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادةً ، أو يكون القتل أيضاً مقصوداً أو كان الفعل ممّا يوجب القتل عادةً. فهنا أقسام ثلاثة :
أ - أن يكون الفعل المترتب عليه القتل غير مقصود ، ولم يكن ممّا يترتّب عليه القتل عادةً ، إلّا أنّه وقع خارجاً فاتفق تحقّق القتل به .
وهذا هو المسمّى بالخطأ المحض ، كما إذا رمى حجراً على طائر فوقع على رأس إنسان فقتله ، ففي مثل ذلك المعروف والمشهور ثبوت الدية بهذا القتل على العاقلة ، و هم عصبة القاتل . وقد تقدّم أنّه غير مانع من الإرث في المقام .
ب - أن يكون ذات الفعل مقصوداً ، والقتل كذلك ، أو كان الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادةً وإن لم يكن قاصداً للقتل ، كما إذا ألقاه من شاهق ، أو ضربه بالسيف على رأسه ، ونحو ذلك .
وهذا هو القتل العمدي، وحكمه القصاص ابتداءً . ويمكن فيه التراضي مع
1) في ص 59 .
ولي المقتول بالدية ، أو بأقل منها أو أكثر. وتقدّم أنّه مانع من الإرث إن كان عن ظلم وتعدٍ ، وغير مانع إن كان عن حقّ ، سيما إذا كان واجباً .
ج -كون الفعل المترتب عليه القتل مقصوداً ، ولكن ترتب القتل عليه غير مقصود ، وليس الفعل ممّا يترتّب عليه القتل عادةً ، كما إذا ضربه بعصا فاتفق تحقّق القتل بها.
وهذا هو المسمّى عندهم بالخطأ الشبيه بالعمد ، وتكون الدية فيه على نفس القاتل ، لا على عاقلته . ولا قصاص هنا ، لأنه ليس بقاصد للقتل ، ولم يكن العمل ممّا يترتّب عليه القتل عادة .
وأمّا بالنسبة إلى كونه مانعاً من الإرث أو لا، ففيه خلاف . ذهب جماعة إلى أنّه يمنع من الإرث كالقتل العمدي ، وذهب آخرون إلى أنّه لا يمنع كالقتل الخطائي وهو الصحيح ، لأنّ تقسيم الخطأ إلى قسمين إنما هو باعتبار الدية ، وإلا فلا فاصل بين الخطأ المحض والخطأ الشبيه بالعمد . ومجرد تسمية أحدهما بالخطأ الشبيه بالعمد لا يوجب جريان حكم العمد عليه ، ولا شكّ في شمول قوله (عليه السلام) : « إن كان خطاً ورثها » (1) للقسمين معاً(1).
والتفصيل بينهما في وجوب الدية على العاقلة في الخطأ المحض وعلى الجاني في الشبيه بالعمد لا يوجب تبدلاً في أحكام الإرث ، فإن ذلك حكم آخر ثبت بدليل وأجنبي عن الإرث . وحمل الروايتين الضعيفتين المشار إليهما سابقاً (2)على القتل الشبيه بالعمد ، لا دليل عليه ، مضافاً إلى ضعفهما .
على أنّا ذكرنا في بحث الديات (1)أنّه لا فرق في الدية بين قسمي الخطأ في أنّها في كليهما على الجاني وفي ذمّته ، غاية الأمر يجب على العاقلة في الخطأ المحض تفريغ ذمّة الجاني ، وأنّ ما هو المعروف من أنّ الدية في الخطأ المحض على العاقلة لا يعني أنّها في ذمتهم وأنّهم مدينون بها ، بل هو مجرّد تكليف محض على العاقلة بتفريغ ذمّة الجاني ، فهي عليه تكليف وعليهم وضع كما دلّت عليه الآية المباركة (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)(2)
ولذا لو فرض أن لا عاقلة للجاني ، أو أنّ العاقلة فقيرة ، أو لا تؤدّي عصياناً ، وجب على الجانب نفسه دفع الدية . كما أنّ الكفّارة - وهي عتق رقبة - واجبة في ذمّة نفس الجاني على ما دلّت عليه صريحاً عدة روايات(3). فلا موجب للتفريق بين قسمي الخطأ في باب الإرث
الفرع الأول : هل يرث القاتل خطاً من الدية أيضاً ، أو أن إرثه مختصّ بغيرها ؟
اختار المفيد (4)- بل نُسب إلى المشهور ، بل ادّعي عليه الإجماع - الاختصاص بغيرها . وقال المحقّق : وهو حسن ، إلّا أنّ الإرث من الدية أيضاً
أشبه (1). وقوّى صاحب الجواهر (2)قول المفيد .
أقول : ما ذكره المحقّق مبني على تعارض الروايات الواردة في المقام ، فإنّ طائفة منها دالّ على أنّ القاتل خطأ يرث (3)، ومقتضى إطلاقها الشمول للدية وغيرها . والطائفة الثانية منها دالّة على أنّ القاتل لا يرث من الدية (4)، وإطلاقها شامل للقتل العمدي والخطائي ، وبينهما عموم من وجه بالنسبة إلى الدية ، فالأولى دالّة على الإرث منها ، والثانية دالة على عدمه ، وحينئذ يرجع إلى إطلاق الآية المباركة (وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) (5).
إلّا أنّ ما ذكره صاحب الجواهر وغيره من المحقّقين - من عدم الإرث من الدية - هو الصحيح ، وذلك لأنه لو كنا نحن ولم تكن في البين رواية لما كانت الدية إرثاً وممّا تركه الميت ، بل إنما تجب بعد موت المورّث ، فلم يكن المورّث مالكاً لها حال حياته كي تكون من جملة تركته ، والآيات المباركة واردة فيما تركه الميّت .
وإنّما التزمنا بأنّ حكم الدية حكم سائر التركة ، تقضى منها ديونه ، وتخرج منها وصاياه، والباقي تركة للروايات الواردة في المقام (6)، ولولاها لالتزمنا بأنّ الدية للورثة ابتداءً وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (7). إذن لا يمكن أن يقال : إن المرجع بعد تعارض الرواياتِ الآية المباركة .
بل الصحيح أن يقال : بعد تعارض الروايات يكون الترجيح مع الطائفة المانعة من إرث القاتل من الدية ، لأنّ تقييد هذه الطائفة بالقتل العمدي وإن كان ممكناً ، إلّا أنّه بعيد جداً ، باعتبار أنّ الموضوع هو الدية ، فيعلم أن للدية خصوصية وإلّا فلا معنى لأن يقال : إنّ القاتل يرث من الدية ، لأنه لو كان القتل عمداً فكما لا يرث القاتل من الدية لا يرث من أصل المال أيضاً .
فالتقييد بالدية دال على أنّ إرثه من أصل المال مفروغ عنه ، وإنما المنع من الدية خاصة ، فيؤخذ بإطلاقها ، ويحكم بأنّ القاتل مطلقاً - سواء كان القتل عمداً أو خطاً - لا يرث من الدية ، فتقيّد هذه الطائفة حينئذ الطائفة الأخرى الدالة على أنّ القاتل يرث - بالإرث من أصل المال.
على أنّه لو فرض عدم إمكان الترجيح فالمرجع هو عموم قوله تعالى : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (1)ومقتضاه أنّ كل من يكون قاتلاً خطاً تجب عليه مضافاً إلى عتق رقبة الدية ، وتقدم قريباً (2)أن وجوب ، الدية إنما هو على نفس الجاني وفي ذمّته ، وإن كان في الخطأ المحض يجب على العاقلة تكليفاً تفريغ ذمّة الجاني ، والوضع إنما هو على الجاني نفسه .
والقول بأنّ القاتل يرث حتّى من الدية موجب لتقييد الآية المباركة بغير القتل الخطائي ، إذ لا معنى لأن يقال : ودية مسلّمة إلى نفس الجاني كلاً أو بعضاً سواء كان الإرث منحصراً به أو مشتركاً بينه وبين غيره . وتقييد القاتل بغير الوارث وتخصيص الحكم بغيره لا موجب له
وبعبارة أخرى : المرجع على تقدير المعارضة بين الروايات عمومات
وجوب الدية ، حتّى لو كان القاتل وارثاً ، بل حتّى لو كان منحصراً ، ومعه لا يمكن أن يرث هو ، للزوم تخصيص الآية بلا موجب .
الفرع الثاني : هل القاتل الممنوع من الإرث يحجب من يتقرب به ، أو لا ؟ إذا كان في طبقة القاتل من يرث الميت كما لو كان للقاتل أخ ، أو في الدرجة الثانية من نفس الطبقة ، كما لو كان للقاتل ابن أخ فلا شكّ في انتقال التركة إلى الأخ أو إلى ابن الأخ في الفرض الثاني .
وأمّا لو كان في نفس الدرجة مع القاتل ، كما لو كان للقاتل ولد ، فالقتل وإن كان موجباً لكون القاتل كالعدم، إلّا أنّ ذلك لا يسري إلى من يتقرّب به لإطلاقات أدلّة الإرث ، وعدم الدليل على حجب القاتل من يتقرب به .
هذا مضافاً إلى صحيحتي جميل بن درّاج الدالّتين على ذلك :
الصحيحة الأولى : عن أحدهما عليها السلام) قال : « لا يرث الرجل إذا قتل ولده أو والده ، ولكن يكون الميراث لورثة القاتل ».(1)
الصحيحة الثانية : عن أحدهما ( عليها السلام) أيضاً : « في رجل قتل أباه قال : لا يرثه ، وإن كان للقاتل ولد ورث الجد المقتول(2).
الفرع الثالث : لا فرق في القتل المانع من الإرث بين ما كان بالمباشرة كما إذا ضربه بسيف فقتله ، أو بالتسبيب كما إذا كتفه وألقاه إلى السبع ، أو أمر صبياً أو مجنوناً بقتله فقتله، فإنه في الموردين ينسب القتل إلى الملقي والآمر حقيقة ، والسبع أو الصبي أو المجنون آلة.
وهذا بخلاف ما لو صدر القتل من الفاعل المختار بأمر آمر ، فإنّ القتل هذا وإن
نسب إلى الآمر ، كما هو الحال في السلاطين وغيرهم ، إلّا أنّه مجاز ، فإنّ المباشر للقتل شخص آخر ، فلا يكون الآمر حينئذ ممنوعاً من الإرث ، لأنه ليس بقاتل حقيقة وإن فعل حراماً ، وعوقب بالحبس المؤبد على ما نطقت به الروايات المعتبرة (1)إلّا أنّ القاتل حقيقة هو المباشر المختار ، فهو الممنوع من الإرث ، لا الأمر الذي ليس هو بموضوع للحكم .
نعم هنا ما دلّ على أنّ المولى والعبد مستثنى من هذه الكبرى الكلية ، ففي معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : في رجل أمر عبده أن يقتل رجلاً فقتله ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : وهل عبد الرجل إلّا كسوطه أو كسيفه ، يقتل السيد ، ويستودع العبد السجن (2)فلو أمر المولى عبده أن يقتل أحداً فقتله كان القاتل هو المولى ، وإن كان العبد مختاراً إلّا أنّ ذلك لتعبّد شرعي.
ولا مانع من العمل بها في موردها ، فيمنع المولى من الإرث ، ويقتصّ منه إلّا أنّ المشهور لم يفرّقوا بين المولى وغيره في عدم القصاص من المولى وعدم المنع من إرثه ، لأنه ليس بقاتل حقيقة ، وتمام الكلام في محله(3).
الفرع الرابع : لو قتل القاتل اثنين هو وارث لهما معاً منع من إرثها ، لأنّ القتل مانع من الإرث، بلا فرق بين أن يكون المقتول واحداً أو أكثر ، وهذا ظاهر .
وكذا لو قتل اثنان واحداً منعا معاً من إرثه ، لأنّ كل واحد منهما قاتل ، ولا
1) التي منها صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) « في رجل أمر رجلاً بقتل رجل فقال : يقتل به الذي قتله ، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت » الوسائل 29 : 45 / أبواب القصاص في النفس ب 13 ح1 .
2) الوسائل 29 : 47 / أبواب القصاص في النفس ب 14 ح 2
3) مباني تكملة المنهاج (موسوعة الإمام الخوئي (42) : 15 / المسألة 18
فرق في صدق القتل بين الاشتراك والانفراد . فكما يجوز الاقتصاص منهما معاً - وإن وجب دفع نصف الدية إلى ورثة كلّ منها - يمنع من إرثهما معاً .
الثابت في القتل العمدي ابتداءً القصاص، وإنما ينتقل إلى الدية لو تنازل ولي المقتول عن حقّ القصاص ورضي بالمال ، سواء كان بمقدار الدية أو أقل منها أو أكثر.
وقد يكون الثابت في القتل العمدي هو الدية ابتداءً، لعدم ثبوت حقّ القصاص من الأول ، كما في قتل الوالد ولده ، أو المسلم غير المسلم ، أو كان القاتل أعمى ، فإنّ عمده كعمد الصبي خطأ . وكذا لو لم يكن القصاص ممكناً ، كما لو هرب القاتل ، فينتقل الأمر حينئذ إلى الدية .
والثابت في الخطأ بقسميه ابتداء الدية كما في قوله تعالى : (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ) (1)وكذا الروايات (2)على ما هو الفرق بين قسمي الخطأ من ثبوتها على نفس الجاني في الخطأ الشبيه بالعمد ، وعلى العاقلة في الخطأ المحض ، وإن كانت الدية ثابتة في المحض في ذمّة القاتل أيضاً ، ولذا لو لم تؤدّ العاقلة وجب على القاتل نفسه تفريغ ذمّته .
وفي الصورتين - الخطأ المحض والشبيه بالعمد - لو لم تؤدّ العاقلة ، أو لم تكن له عاقلة ، وكان القاتل فقيراً ، تكون الدية على الإمام بما هو إمام ، فيؤدّي من بيت المال، كما صرح به في بعض المعتبرات ، وإن لم يكن نصّ في الخطأ، إلّا أنّه لا شكّ في
ذلك لمعتبرتين :
الأولى : معتبرة أبي عبيدة ، قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح ، فقال : إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ ، هذا فيه الدية في ماله ، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ، ولا يبطل حقّ امرئ مسلم ».(1)
الثانية : صحيحة أبي بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ، ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه ؟ قال : إن كان له مال أخذت الدية من ماله ، وإلا فمن الأقرب فالأقرب ، فإن لم يكن له قرابة أداء الإمام ، فإنه لا يبطل دم امرئ مسلم».(2)
وفي كلا المعتبرتين : « لا يبطل دم امرئ مسلم » . وهو بمنزلة الكبرى الكلية ففي كلّ مورد أمكن الأخذ من القاتل فهو ، وإلا فعلى الإمام أن يؤدّي من بيت المال ، وإن كان مورد الرواية هو العمد .
مقدار الدية بالنسبة إلى قتل النفس على ما هو المعروف والمشهور ، بل لم ينقل فيه خلاف من أحد ، بل أرسل إرسال المسلّمات ، ما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ، وغيرها (3)مائة من الإبل ، أو مائتان من البقر ، أو ألف شاة ، أو ألف دينار ، أو عشرة آلاف درهم ، أو مائنا حلة من حلل اليمن .
قال عبدالرحمن بن الحجاج : « سمعت ابن أبي ليلى يقول : كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل ، فأقرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم إنّه فرض على أهل
البقر مائتي بقرة ، وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنيّة ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل اليمن الحلل مائتي حلّة . قال عبدالرحمن بن الحجاج : فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عما روى ابن أبي ليلى فقال : كان علي (عليه السلام) يقول : الدية ألف دينار ، وقيمة الدينار عشرة دراهم وعشرة آلاف لأهل الأمصار ، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل ، ولأهل السواد مائنا بقرة ، أو ألف شاة».(1)
والمذكور فيها وفي غيرها وإن كان أنّ الإبل على أهل الإبل ، والبقر على أهل البقر ، والشاة على أهل الشاة ، والدرهم على أهل الورق ، والحلل على أهل اليمن ونحو ذلك ، إلّا أنّه لا شكّ في عدم اختصاص الحكم بمن يكون مالكاً لأحد هذه الأمور ، وإنما ذلك من جهة التخفيف ، وعدم إلزام القاتل بالإعطاء من مال آخر فعلى القاتل خطأ بقسميه أحد هذه الأمور على نحو التخيير ، وليس لولي المقتول إلزامه بأحدها بخصوصه .
على أنّ ولي المقتول لا يملك إلّا الجامع بين الأمور المذكورة ، لا هو مع الخصوصية - كالتخيير الذي يكون للبائع في بيع الكلّي ، له تطبيقه على أي فرد شاء - والفارق بين الأمور المذكورة ، كبير جداً .
والمراد بالدينار - على ما ثبت في غير واحد من الروايات - المثقال الشرعي المساوي لثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ، والمثقال الصير في أربعة وعشرون حبّة فيكون المثقال الشرعي ثمانية عشر حبّة . فألف مثقال ذهب - بالمثقال الشرعي - تساوي سبعمائة وخمسين مثقالاً صيرفياً . هذا بالنسبة إلى الرجل . وأما بالنسبة إلى المرأة فديتها نصف دية الرجل ، على ما صرح به في عدة من
1) الوسائل 29 : 193 / أبواب ديات النفس ب 1 ح 1 .
الروايات (1)والتخيير فيه أيضاً للقاتل. هذا كله بالنسبة إلى دية النفس .
لو كان المقتول خطاً - بقسميه - جنيناً لم تلجه الروح - لأنّ ديته مع الولوج دية النفس - فقد يكون القتل حال كونه نطفة ، أو علقة ، أو مضغة ، أو بعد أن يكون عظاماً ، أو بعد أن تكسى العظام لحماً . وعلى كلّ تقدير ، المتسالم عليه بين الفقهاء بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى العماني (2)- أنّه إذا كان الإتلاف في المرحلة الأولى فالدية عشرون ديناراً ، وإن كان في الثانية فأربعون ، وفي الثالثة فستون ، وفي الرابعة فثمانون ، وفي الخامسة فمائة .
ويدلّ على ذلك معتبرة ظريف ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : « جعل دية الجنين مائة دينار ، وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء ، فإذا كان جنيناً قبل أن تلجه الروح مائة دينار، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ خلق الإنسان من سلالة - وهي النطفة - فهذا جزء ، ثم علقة فهو جز آن ، ثمّ مضغة فهو ثلاثة أجزاء، ثمّ عظماً فهو أربعة أجزاء ، ثم يكسى لحماً فحينئذ تم جنيناً ، فكملت له خمسة أجزاء مائة دينار . والمائة دينار خمسة أجزاء ، فجعل للنطفة خمس المائة عشرين ديناراً وللعلقة خمسي المائة أربعين ديناراً ، وللمضغة ثلاثة أخماس المائة ستين ديناراً وللعظم أربعة أخماس المائة ثمانين ديناراً ، فإذا كسي اللحم كانت له مائة كاملة ، فإذا نشأ فيه خلق آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً ، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار. وإن قتلت امرأة وهي حبلى متم فلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أو أنثى ، ولم يعلم أبعدها مات أم قبلها فديته نصفان ، نصف دية الذكر
ونصف دية الأنثى ، ودية المرأة كاملة بعد ذلك ، وذلك ستّة أجزاء من الجنين . وأفتى (علیه السلام) في منيّ الرجل يفزع عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير ، وإذا أفرغ فيها عشرين ديناراً . وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والأنثى والرجل والمرأة كاملة ، وجعل له في قصاص جراحته ومعقلته على قدر ديته ، وهي مائة دینار».(1)
ونسب إلى العماني : أنّه إذا كسي لحماً فديته دية كاملة ، ويكون كما إذا ولجته الروح . واستدل على ذلك بصحيحتين :
الأولى : صحيحة أبي عبيدة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في امرأة شربت دواءً وهي حامل لتطرح ولدها ، فألقت ولدها ، قال : إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإنّ عليها دية تسلّمها إلى أبيه ، قال : وإن كان جنيناً علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين ديناراً ، أو غرّة تسلّمها إلى أبيه ، قلت : فهي لا ترث من ولدها من ديته ؟ قال : لا ، لأنّها قتلته».(2)
الثانية : صحيحة محمد بن مسلم ، قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة ؟ فقال : عليه عشرون ديناراً ، فقلت : يضربها فتطرح العلقة ، فقال : عليه أربعون ديناراً ، فقلت : فيضربها فتطرح المضغة ، فقال : عليه ستون ديناراً ، فقلت : فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم ، فقال : عليه الدية كاملة ، وبهذا قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلت : فما صفة النطفة ...»
الحديث(1).
أقول : الالتزام بذلك غير ممكن .
أوّلاً : لإمكان حملها على ما إذا كسي لحماً وولجته الروح ، فترفع اليد عن الإطلاق بما إذا ولجته الروح ، لمعتبرة ظريف (2)التي هي نص في أنّ العظم إذا كسي لحماً ولم تلجه الروح فديته مائة دينار ، فتكون المعتبرة حينئذ مقيدة لهاتين الصحيحتين ، والنتيجة أنّه إذا كسى لحماً وولجته الروح فالدية كاملة .
وثانياً : لو فرض أن الجمع المذكور ليس جمعاً عرفياً ، فتسقط الروايات للمعارضة ، ويدور الأمر بين الأقل وهو مائة دينار ، والأكثر وهو الدية كاملة والمتيقن هو الأقل ، والزائد منفي بأصالة البراءة .
قد يقال : إنّ معتبرة ظريف معارضة - في دلالتها بالنسبة إلى دية الجنين - بصحيحة أبي عبيدة والحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سئل عن رجل قتل امرأة خطاً وهي على رأس ولدها تمخض ؟ فقال : خمسة آلاف درهم ، وعليه دية الذي في بطنها ، وصيف أو وصيفة ، أو أربعون ديناراً » (3)ولا شك في المعارضة.
حمل الشيخ هذه الصحيحة على ما إذا كان الجنين علقة أو مضغة ، وجوّز حملها على التقية (4).
أقول : الحمل على ما إذا كان الجنين علقة أو مضغة في غاية البعد ، بل لا يحتمل ، لفرض أنّ المرأة على رأس الولد ، وهي في حالة المخاض .
والمهم في المقام عدم إمكان الالتزام بمضمون هذه الصحيحة ، ولم يقل بها أحد ، لا من الخاصة ولا من العامة ، ولا يعقل أنّ دية الجنين على شرف الولادة أقلّ من ديته حال كونه مضغة . فتسقط هذه الصحيحة ، ويردّ علمها إلى أهله ، بعد وضوح عدم إمكان الحمل على التقيّة أيضاً .
وقد تعارض معتبرة ظريف بصحيحة داود بن فرقد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « جاءت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنيناً ، فقال الأعرابي : لم يهلّ ولم يصحّ ، ومثله يطل (1)، فقال النبي : اسكت سجاعة (2)عليك غرّة وصيف عبد أو أمة».(3)
وكذا بمعتبرة السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جنين الهلالية حيث رميت بالحجر فألقت ما في بطنها ميتاً فإنّ عليه غرّة عبداً أو أمة (4).
وكذا بصحيحة سليمان بن خالد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنّ رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقد ضرب امرأة حبلى فأسقطت سقطاً ميتاً ، فأتى زوج المرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فاستعدى عليه ، فقال الضارب : يارسول الله ما أكل ، ولا شرب ، ولا استهل، ولا صاح ، ولا استبش (5)فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : إنّك رجل سجاعة ، فقضى فيه رقبة » (6).
أقول : لو كانت هذه الروايات واردة في خصوص العلقة والمضغة لأمكن القول بالمعارضة بينها وبين معتبرة ظريف بالإطلاق ، فإنّ كلّاً منها ظاهرة في الوجوب المطلق ، والإطلاق يقتضي الوجوب التعييني ، فيجمع بينهما برفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنص الآخر، ويلتزم بالوجوب التخييري بين أربعين ديناراً وغرّة أو بين ستين ديناراً وغرّة . إلّا أنّ الالتزام بذلك غير ممكن ، لعدم ورود هذه الروايات في خصوص العلقة والمضغة ، بل هي في مطلق الجنين ، سيما التعبير بقوله : فألقته ميتاً . الظاهر في أنّ ذلك بعد ولوج الروح.
وحمل الشيخ لها على العلقة والمضغة (1)لا موجب له أصلاً .
ومقتضى هذه الروايات أنّ دية الجنين - سواء ولجته الروح أم لا - غرّة على الإطلاق ، ولم يقل به أحد من أصحابنا ، نعم نسب ذلك إلى العامة (2)، وعليه فتحمل الروايات المعارضة لمعتبرة ظريف على التقية
والمتحصّل من جميع ما ذكرنا : صحّة ما ذهب إليه المشهور ، بل المتسالم عليه بين الأصحاب .
تتمّة : أشكل المحقّق الأردبيلي (3)على المشهور إطلاق الحكم بثبوت المائة في المرحلة الخامسة من دون التفريق بين الذكر والأنثى ، حيث أنّه غير منطبق على ما هو المقرّر من أنّ دية الأنثى نصف دية الذكر ، فلابدّ من تقييد المائة بما إذا كان الجنين
ذكراً ، وإن كان أنثى فديته خمسون ديناراً .
واستشهد على ذلك بما يستفاد من معتبرة ظريف (1)من أنّه إذا قتل امرأة ولم يعلم ما في بطنها أذكر هو أو أنثى ، فقدر تارةً ذكراً وأخرى أنثى ، كما في إرث الخنثى وذلك دالّ على أنّ دية الذكر ضعف دية الأنثى ، كما ذكر في نفس المعتبرة أيضاً أنّ الجرح الوارد على الجنين يكون على حساب المائة ، ولابدّ في ذلك أيضاً من ملاحظته ، فإن كان ذكراً كان بنسبة المائة ، وإن كان أنثى كان بنسبة الخمسين .
وفيه : أنّ الميزان الكلّي في كون دية المرأة نصف دية الرجل إنما هو بالنسبة إلى ما فوق ثلث الدية ، لا ما دونه ، قال (عليه السلام) في الصحيح (2): « إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف ... » وفي المقام حيث إنّ المائة عُشر الدية فيشترك الذكر والأنثى في مقدار الدية ، فدية كل منهما مائة دينار ، هذا بالنسبة إلى الكبرى الكلية .
وأمّا بالنسبة إلى معتبرة ظريف فالظاهر منها بوضوح - بعد ذكر المراحل
1) المتقدّمة في ص 72 - 73 .
2) صحيحة أبان بن تغلب ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة ، كم فيها ؟ قال : عشرة من الإبل ، قلت : قطع اثنتين ؟ قال : عشرون ، قلت : قطع ثلاثاً ؟ قال : ثلاثون ، قلت : قطع أربعاً ؟ قال : عشرون ، قلت : سبحان الله ، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبراً ممن قاله ، ونقول : الذي جاء به شيطان ، فقال : مهلاً يا أبان ، هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّ المرأة تعاقل(في الكافي :7 : 299 / 6 : تقابل . ) الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف ، يا أبان أنك أخذتني بالقياس ، والسنة إذا قيست محق الدين » الوسائل 29 : 352 / أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 1 .
الخمسة ، وبيان أنّه إذا ولجته الروح فالدية كاملة ، فإن كان ذكراً فألف دينار ، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار - أنّ التنصيف للأنثى إنما هو بعد ولوج الروح لا قبله ومقتضى إطلاقها أنّه قبل ولوج الروح الدية مائة دينار في المرحلة الخامسة ، ذكراً كان الجنين أو أنثى .
وأمّا ما ذكره من أنّه إذا قتلت المرأة وفي بطنها جنين لا يعلم أنّه ذكر أو أنثى فديته نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى فإنما هو بعد ما ذكره (عليه السلام) من أنّ دية الذكر ألف ودية المرأة نصفه ، فهي ناظرة إلى ما بعد ولوج الروح ، فإن علم أنّه ذكر فديته ألف ، وإن علم أنّه أنثى فديته خمسمائة ، وإن شك في ذلك فالدية نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى ، وليست هذه الجملة ناظرة إلى ما قبل ولوج الروح .
وكذا قوله (عليه السلام) : إذا جرح فبنسبة المائة (1)، أيضاً ناظر إلى الجنين قبل ولوج الروح ، وهو مطلق للذكر والأنثى ، فإن قطعت يده فنصف المائة ، وإن قطعت يداه فتمام المائة ، لأنّ كلّ يد نصف الدية ، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى ، وكلّ منهما يلاحظ بنسبة المائة
المشهور شهرة عظيمة أن لكل مرحلة أربعين يوماً ، وهو الصحيح بمقتضى ما ورد من الروايات المعتبرة في المقام .
منها : معتبرة ابن فضّال ، عن الحسن بن الجهم ، قال : « سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول : قال أبو جعفر (عليه السلام) : إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً ، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً ، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً ، فإذا كمل
1) وهو مضمون ما ورد في معتبرة ظريف المتقدمة في ص 72 - 73 .
أربعة أشهر بعث الله ملكين خلّاقين فيقولان...»(1)
ومنها : صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ الله عزّوجلّ إذا أراد أن يخلق النطفة - إلى أن قال - فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم فتردّد (2)فيه أربعين يوماً ... ثم تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة ، ثم يبعث الله ملكين ... »(3)
ومنها : صحيحة زرارة الأخرى ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إذا وقعت النطفة في الرحم استقرّت فيها أربعين يوماً ، وتكون علقة أربعين يوماً ، وتكون مضغة أربعين يوماً ... »(4)
ونسب إلى ابن إدريس أنّه جعل المدة لكل مرحلة عشرين يوماً (5)، ولم تدلّ على ذلك أي رواية ولو ضعيفة ، بل لعلّ ذلك خلاف الوجدان على ما نقل عن أهل الخبرة.
نعم هنا صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا (عليه السلام) قال : « سألته أن يدعو الله عزّوجل لامرأة من أهلنا بها حمل ، فقال : قال أبو جعفر (عليه السلام : الدعاء ما لم تمض أربعة أشهر ، فقلت له : إنما لها أقل من هذا ، فدعا لها ، ثمّ قال : إنّ النطفة تكون في الرحم ثلاثين يوماً ، وتكون علقة ثلاثين يوماً ، وتكون مضغة ثلاثين يوماً ، وتكون مخلّقة وغير مخلّقة ثلاثين يوماً ، فإذا تمت الأربعة
أشهر...»(1).
ولابدّ من ردّ علمها إلى أهله ، لمخالفتها لظاهر الكتاب ، وهو قوله تعالى : (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (2)فإنّ الظاهر أنّ المخلقة وغير المخلّقة صفتان للمضغة ، فإنّها حينما تكون مضغة تارةً تكون تامّة الخلقة ، وأخرى غير تامة الخلقة ، لا أنهما قسيم للمضغة وفي مقابلها وفي مرحلة لاحقة لها كما في الصحيحة
وعلى فرض المعارضة بينها وبين الروايات المتقدّمة والتساقط ، يدور الأمر بين الأقل والأكثر ، فيرجع بالنسبة إلى الزائد - أي ما بين ثلاثين وأربعين يوماً - إلى أصالة البراءة ، فإنّ مقتضى صحيحة زرارة ومعتبرة ابن فضال - في هذه العشرة أيام - أنّ الدية عشرون ديناراً لأنها نطفة ، ومقتضى صحيحة البزنطي أنها أربعون ديناراً لأنها علقة ، فبالنسبة للزائد على العشرين ديناراً - أي العشرين الأخرى في هذه العشرة أيام - أصالة البراءة فيها محكمة ، وكذا بالنسبة إلى المراحل الأخر.(3)
المعروف والمشهور بين الفقهاء أنّ الدية - في قتل الخطأ مطلقاً ، أو في العمد إذا أخذت الدية - بمنزلة تركة الميت ، تخرج منها ديونه ، وتقضى منها وصاياه ، والباقي ميراث . والنصوص بذلك كثيرة :
منها : ما ورد في القتل خطأ فقط (4).
1) الوسائل 7: 142 / أبواب الدعاء ب 64 ح 4 .
2) الحج 22 : 5 .
3) تحديد كل مرحلة بأربعين يوماً يكون دليلاً على أنّ الروح لا يمكن أن تلج في الشهر الرابع .
4) كمعتبرة السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من أوصى بثلثه ثم قتل خطاً ، فإنّ ثلث ديته داخل في وصيته » الوسائل 19 : 285 / كتاب : الوصايا ب 14 ح 2 . وصحيحة محمد بن قيس ، قال « قلت له : رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ - يعني الموصي - فقال : يجاز لهذا الوصية من ماله ومن ديته » الوسائل المصدر المتقدم ح 1
ومنها : ما ورد في القتل على الإطلاق (1)
وكذا رواية محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) الوسائل 19 : 286 / كتاب الوصايا ب 14 ح 3
بضميمة عدم استفصال الإمام (عليه السلام) في أن القتل كان عمداً أو خطاً ، الدال على عموم الحكم للقتل بقسميه .ومنها : معتبرة إسحاق بن عمّار الواردة في القتل العمدي ، عن جعفر (عليه السلام) « أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال».(2)
ونسب صاحب الجواهر (3)الخلاف إلى بعضهم في موردين :
الأول : المنع من إخراج الديون والوصايا في القتل العمدي، باعتبار أنّ الدية
1) كصحيحة أبي بصير - يعني : المرادي - قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين ، وليس له مال ، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين ؟ فقال : إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء ، وإلا فلا الوسائل 29 : 122 / أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 1 . و رواية يحيى الأزرق ، عن أبي الحسن (عليه السلام) « في رجل قتل وعليه دين ، ولم يترك مالاً ، فأخذ أهله الدية من قاتله ، عليهم أن يقضوا دينه ؟ قال : نعم ، قلت : وهو لم يترك شيئاً ، قال : إنّما أخذوا الدية ، فعليهم أن يقضوا دينه (( الوسائل 18 : 364 / أبواب الدين والقرض ب 24 ح 1 .
2) الوسائل 26 : 41 / أبواب موانع الإرث ب 14 ح 1 .
3) الجواهر 39: 45 .
بدل عن حقّ القصاص ، وبما أنّه للولي والوارث ، فالدية أيضاً للوارث ، فلا وجه لإخراج ما ذكر منها . ولم يذكر من هو القائل ، ولم يعلم من هو .
الثاني : المنع من إخراج الديون مطلقاً والوصايا حتّى من القتل غير العمدي، باعتبار عدم دخول الدية في تركة الميت، فإنّها ليست ملكاً للميّت حال حياته ، ولا يملك بعد مماته ، بل تنتقل إلى الوارث ، فلا يشملها ما دلّ على إخراج الديون والوصايا من مال الميت وتقدّمهما على الميراث .
أقول : لو تمّ ما ذكر - في الموردين - في نفسه لكفتنا الروايات المتقدّمة الدالة بوضوح على أنّ الدية بحكم مال الميت وما ترك ، ولذا قال في الجواهر إنها القولين - اجتهاد في مقابل النص . على أنّ ما ذكر من جهة عدم الانتقال من الميت إما مطلقاً أو في خصوص القتل العمدي من أنّ حقّ الاقتصاص للوارث ، غير تام في نفسه ، لأنّ الظاهر من الروايات أنّ الدية ملك للميّت ولو بعد الموت ، فهي داخلة في تركة الميت ، فتنتقل إلى الوارث ، لا أنها تنتقل إلى الورثة ابتداءً إمّا مطلقاً أو في خصوص العمدي .
وهذا مستفاد من عدة روايات ، منها : ما دلّ على أنّ في القتل العمدي إذا لم يمكن القصاص - ولو لفرار القاتل - انتقل الأمر إلى الدية ، فإن كان له مال أخرج منه ، وإلا فمن الأقرب إليه فالأقرب ممن ينتمون إليه ، فإن لم يكن له قريب فمن بيت مال المسلمين ، معلّلاً بأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً(1).
1) کصحيحة أبي بصير ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمداً ثم هرب القاتل ، فلم يقدر عليه ؟ قال : إن كان له مال أخذت الدية من ماله ، وإلا فمن الأقرب فالأقرب ، فإن لم يكن له قرابة أداه الإمام ، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم » الوسائل 29: 395 / أبواب العاقلة ب 4 ح 1 1
فإنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ الدية حتّى في القتل العمدي ليست بدلاً القصاص ، بل بدل عن الدم ، بمعنى أنّ للدم بدلين ، القصاص إن أمكن ، وإلّا عن فالدية . فهي بدل عن النفس لا القصاص ، والنفس نفس الميت فالبدل له ، ومنه تنتقل إلى الورثة .
ويؤكّد ذلك اختصاص حقّ القصاص بالرجال من طرف الأب ، وهم العصبة - دون النساء على الإطلاق ، بل ليس للزوج من الرجال حقّ القصاص لأنه ليس من العصبة - مع أنّ الدية تنتقل إلى جميع الورثة ، وذلك كاشف عن أنّ الدية ليست بدلاً عن حقّ القصاص، وإلا لاختصت بمن له هذا الحقّ.
وأيضاً يستفاد ذلك من بعض المعتبرات الدالة على أنّ الوارث إذا عفا عن الدية ، أو في القتل العمدي عن الدية والقصاص ، كان ضامناً لدين الميت (1)وذلك کاشف عن أنّ الدية ملك للميّت ، ومنه تنتقل إلى الورثة ، وإلا فلا معنى للضمان . ولا مانع من أن يملك الميت الدية ، فإنّ الملكية أمر اعتباري ، يمكن أن تتعلّق حتّى بالجمادات ، كالمسجد والشبكة التي نصبها الميت فصادت بعد موته .
فالصحيح أن الدية ملك للميّت في جميع أقسام القتل ، ومنه تنتقل إلى
1) كما في صحيحة أبي بصير - يعني : المرادي - قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين ، وليس له مال ، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين ؟ فقال : إن أصحاب الدين هم الخصماء (في أحد موردين نقلت فيه هذه الرواية في التهذيب فيه بدل « الخصماء » : « الغرماء » راجع التهذيب 10 : 703/180 ، ولكن في مورد آخر من التهذيب [ 10 : 314 / 1170 ] وفي الفقيه [ 4 : 119 / 411 ] : الخصماء .) للقاتل ، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء ، وإلا فلا » الوسائل 29 : 122 / أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 1 .
الوارث ، نعم في القتل العمدي لا يجب على الوارث أخذ الدية ، بل له القصاص ولو فرض أنّ للميّت دَيناً ، فإنّ الدية إنما هي متأخّرة عن القصاص في القتل العمدي فلو اقتصّ لم يضمن شيئاً .
الفرع الأول : لا فرق في الوارث للدية بين الوارث النسبي والسببي ، فكما يرث الأب والابن من الدية ، كذلك يرث منها الزوج أو الزوجة وإن لم يرثا من حقّ القصاص شيئاً ، لأنّ ثبوت حقّ القصاص إنما هو إلى العصبة ، إلّا أنّ إرث الدية مشترك بين الجميع ، لأنّها كما تقدّم في حكم مال الميّت .
نعم ورد ما دلّ على منع المتقرّب بالأمّ منها ، ففي صحيح عبدالله بن سنان قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) : : أن الدية يرثها الورثة ، إلّا الإخوة والأخوات من الأمّ ، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً » (1)وكذا غيرها (2).
ومورد هذه الروايات الإخوة والأخوات من الأم ، إلّا أنّ الفقهاء (رضوان) الله عليهم) عمّموا الحكم لكل متقرّب بالأمّ ، كالجد والجدة من طرفها ، أو الخال والخالة ، والوجه في ذلك : أما بالنسبة إلى الجد والجدة فلما ورد في عدة روايات (3)من أنهما بمنزلة الأخ والأخت من الأم ، ففى كل مورد كان الأخ والأخت من الأم
1) الوسائل 26 : 36 / أبواب موانع الإرث ب 10 ح 2 .
2) کصحيحة سليمان بن خالد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، « قال : قضى علي (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب الله وسهامهم ، إذا لم يكن على المقتول دين ، إلّا الإخوة والأخوات من الأم، فإنّهم لا يرثون من ديته شيئاً » الوسائل 26 : 35 / أبواب موانع الإرث ب 10 ح 1 .
3) الوسائل 26 : 164 / أبواب ميراث الإخوة والأجداد ب 6 ح 2 - 4 وغيرها .
وارثين كان الجد والجدة من طرفها وارثين أيضاً ، وفي كلّ مورد منع الأخ والأخت من الأمّ من الإرث منع الجد والجدة من طرفها كذلك.
وأما بالنسبة إلى الخال والخالة فلأولويته من الأخ والأخت من الأم، فمناسبة الحكم والموضوع قاضية بعدم اختصاص الحكم بالإخوة والأخوات من الأم ، بل الحكم ثابت لكل متقرّب بها .
الفرع الثاني : إذا جرح أحد شخصاً - سواء كان الجرح عمداً أو خطأ - وأبرأ المجروح الجارح من الدية ، ثم سرى الجرح فات المجروح ، فهل يكون الإبراء السابق على الموت نافذاً ، أم لا ؟
الظاهر عدم نفوذه ، لأنّ لزوم الدية إنما هو بعد الموت ، وقبله لا موضوع لها فالإبراء قبل الموت إبراء لما لم يجب ، لا أثر له ، كالإبراء قبل الجرح في عدم الأثر له فعلى القاتل حينئذ أداء الدية إلى الورثة .
الفرع الثالث : لا شكّ في ثبوت حقّ القصاص لولي المقتول عمداً ، وله الرضا بالمال ، سواء كان بمقدار الدية أو أقل منها أو أكثر ، ولكن مع رضا القاتل. ولو لم يرض القاتل لا يسقط حقّ القصاص ، لأنّ العفو عنه بشرط المال ، والمفروض عدم رضا القاتل به . ولا تثبت الدية ، لأنها إنما تثبت مع التراضي ، والمفروض عدمه من جانب القاتل . كما أنّ لولي المقتول العفو عن القصاص والدية معاً ، لأنّ ذلك حقه ، فله إسقاطه .
وأمّا لو لم يكن للمقتول ولي من المسلمين ، فإن كان له وارث من غيرهم عرض الإمام (عليه السلام عليه الإسلام، فإن أسلم فهو الولي ، وإلا فالولي هو الإمام . وليس للإمام العفو مجاناً ، بل إمّا أن يقتص أو يأخذ الدية ، وتكون في بيت مال المسلمين
ويدلّ على ذلك صحيحة أبي ولّاد الحنّاط (1)قال : « سألت أبا عبدالله (عليه (السلام عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً ، فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمة من قرابته ، فقال : على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام ، فمن أسلم منهم فهو وليه ، يدفع القاتل إليه ، فإن شاء قتل ، وإن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدية ، فإن لم يسلم أحد كان الإمام ولي أمره ، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين ، لأن جناية المقتول كانت على الإمام فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين ، قلت : فإن عفا عنه الإمام ؟ قال : إنّما هو حقّ جميع المسلمين ، وإنما على الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية ، وليس له أن يعفو ».(2)
الفرع الرابع : القصاص حقّ من هو وليّ ووارث ، فلو عفا بعضهم فهل يسقط حقّ القصاص عن الباقين ، أم لا ؟ فيه خلاف شديد ، قال بكلّ من القولين جماعة ، وادّعيت الشهرة على كلّ منهما ، بل ادّعي الإجماع على الثاني في كلمات بعضهم ، بعد أن ذهب إليه الشيخ (3)وجماعة من المتقدمين والمتأخرين ، كما ذهب إلى القول الأول(4)
ولا يبعد أنّ السيد الأستاذ (قدّس سرّه) قد اعتمد في ذلك على ما ذكره في مباني تكملة المنهاج (موسوعة الإمام الخوئي (42) : 158 في مسألة ما إذا كان للمقتول أولياء متعدّدون
فهل يجوز لكلّ واحد منهم الاقتصاص من القاتل مستقلاً وبدون إذن الباقين أو لا ؟ والظاهر أنّه رأى وحدة الملاك بين المسألتين ، وهو انحلال الحكم المستفاد من ظاهر قوله تعالى : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً بانحلال موضوعه .
1) الوسائل 29 : 124 / أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1 .
2) وكذا صحيحه الآخر ، قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) في الرجل يقتل وليس له ولي إلّا الإمام : أنّه ليس للإمام أن يعفو ، وله أن يقتل أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين ، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام ، وكذلك تكون ديته لإمام المسلمين الوسائل 29 : 125 / أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 2 .
3) الخلاف 5 : 151 / مسألة 44 ، المبسوط 7: 55 .
4) أقول : لا يخفى أنّ صريح كلام هؤلاء كما سيتضح ممّا سننقله من كلماتهم - هو القول بعدم السقوط أيضاً ، فلاحظ.
أقول : قد يستفاد من هذه العبارة حكم العفو بلا عوض ، بل صرّح به الشهيد الثاني في ص 95 حيث قال : « ومن ثم لا يسقط بعفو البعض على مال أو مطلقاً ، بل للباقين الاقتصاص » .
، والأردبيلي (3)، والفاضل المقداد (4)وأيضاً لم يعلّق على قول المحقّق بعد ذلك : ولو عفا البعض لم يقتص الباقون حتّى يردوا عليه نصيب من عفا .
، والكاشاني (5)وجماعة .1) لاحظ قواعد الأحكام 3 : 624 حيث قال : ولو اختار بعض الأولياء الدية وأجاب القاتل كان للباقي القصاص ... ولو عفا البعض لم يسقط القصاص ، بل يقتص طالبه
2) لاحظ الروضة البهية 10 : 96 فقد قالا : ولو صالحه بعض الأولياء ( على الدية لم يسقط القود عنه للباقين على الأشهر) .
3) لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 13 : 431 - 432 حيث قال : إذا كانت ورثة المقتول متعدّدة ، ورضي بعضهم بالدية ، ورضي القاتل أيضاً بذلك ، ولم يرض الباقون ، بل أرادوا القصاص ، لهم ذلك ... ولو عفا بعض الورثة دون بعض جاز لغير العافي أخذ الدية بحساب حصته .... وله القصاص أيضاً .
4) لاحظ التنقيح الرائع 4 : 446 فقد قال تعليقاً على عبارة المحقّق (لو اختار بعض الدية فدفعها القاتل لم يسقط القود على الأشهر ) : هذا هو المشهور بين الأصحاب ، لم نعلم فيه مخالفاً ... والفتوى على المشهور .
5) لاحظ مفاتيح الشرائع 2 : 139 حيث قال : إذا عفا بعض على مالٍ أو بدونه لم يسقط حقّ الباقين من القود ...
أقول : ما ذهب إليه الشيخ وجماعة من المتقدّمين والمتأخّرين من أنّ حقّ القصاص لا يسقط عن الباقين باسقاط البعض هو الصحيح ، قال تعالى : (وَمَنْ قُتِلَ مظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ أنّه كَانَ مَنصُوراً)(1).
و في المراد من الولي في الآية المباركة ثلاثة احتمالات :
الأول : أنّ المراد بالولي هو مجموع الورّاث ، فيكون حقّ القصاص قائماً بالمجموع ، كحق الخيار والشفعة ، وعليه فاسقاط البعض هذا الحق موجب لسقوطه عن الباقين أيضاً .
الثاني : أنّ المراد بالولي هو الجامع لطبيعي الولي بما هو طبيعي ، كما في ملك الخمس والزكاة ، فإنّ المالك هو طبيعي الفقير والسيد ، لا المجموع ، ولا كل واحد منهم ، وعلى هذا أيضاً إذا أسقط البعض هذا الحق سقط عن الباقين أيضاً .
الثالث : أنّ المراد بالولي الطبيعي على نحو الانحلال ، أي أن يكون قائماً بكل واحد منهم ، فكلّ من صدق عليه أنّه ولي قد جعل له سلطان ، فالحق قائم بكلّ واحدٍ واحدٍ منهم ، بلا توقف على ثبوته لآخر ، وعلى هذا لو أسقط بعضهم حقّ القصاص لا يسقط عن الباقين.
والاحتمال الثالث هو الظاهر من الآية المباركة ، لأنّ الحكم ينحل بطبيعة الحال بانحلال موضوعه ، فلكل ولي سلطان .
واحتمال أن يكون المراد بالولي هو المعنى الأول أو الثاني بعيد في نفسه ومنافٍ لحكمة جعل القصاص التي حفظ الحياة ، حيث إن للقاتل أن يتوسل إلى بعض الأولياء بمال أو نحوه فيسقط حقه ، فإذا كان إسقاط حقه موجباً
1) الإسراء 17 : 33 .
لإسقاط حقّ الباقين انتفت حكمة القصاص .
ولا وجه لقياس المقام بحقّالخيار ونحوه ممّا يورث ، لأنّ الخيار شيء واحد قائم بواحد ، فبانتقاله إلى جماعة يكون حقاً لهم ، لا حقّاً لكلّ واحد منهم ، حيث لم يكن المجعول خيارات متعدّدة . وفي المقام السلطنة المجعولة إنّما هي مجعولة ابتداءً للولي - لا أنّ ذلك منتقل من الميت إليهم - فينحل لا محالة . وللانحلال توضيح سيأتي .
هذا مضافاً إلى عدّة روايات دالّة بصراحة على ذلك ، منها : صحيحة أبي ولّاد الحنّاط ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل ، وله أمّ وأب وابن ، فقال الابن : أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب : أنا أريد أن أعفو وقالت الأمّ : أنا أريد أن آخذ الدية ، قال فقال : فليعط الابن أم المقتول السدس من الدية ، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا ، وليقتله »(1)وهي دالّة بوضوح على أنّ حقّ القصاص لا يسقط باسقاط البعض ، إلّا أنّ على المقتص إعطاء حصة الآخرين (2)
أقول : لا منافاة بين استحقاق الأمّ الدية ، وعدم ثبوت حقّ القصاص لها .
.ولكن بازاء هذه الصحيحة عدّة روايات(3)
ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار ، عن جعفر ، عن أبيه « أن علياً (عليه السلام) كان يقول : من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز ، وسقط الدم وتصير دية ، ويرفع عنه حصّة الذي عفا الوسائل 29 : 116 / أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 4 . ومنها صحيحة عبدالرحمن - في حديث - قال « قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) : رجلان قتلا رجلاً عمداً ، وله وليّان ، فعفا أحد الوليين ، قال فقال : إذا عفا بعض الأولياء دُرِئ عنها القتل ، وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا ، وأدّيا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا ( الوسائل 29 : 115 / أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 1 .
صحيحة ومعتبرة دلّت على1) الوسائل 29 : 113 / أبواب القصاص في النفس ب 52 ح1 .
2) قد يقال : إنّ هذه الصحيحة منافية لما تقدّم [ في ص 83 ] من أنّ النساء لا حقّ لهنّ في القصاص ، فعلى أي شيء تعطى الأم السدس ، وهذا موجب لسقوط الرواية .
3) منها : معتبرة أبي ،مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في من عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز ، وقضى في أربعة إخوة عفا أحدهم ، قال : يعطى بقيتهم الدية ، ويرفع عنهم بحصة الذي عفا ( الوسائل 29 : 115 / أبواب القصاص في النفس ب 54 2 .
السقوط باسقاط البعض صريحاً ، وهي موافقة للمشهور من العامة منه-م أب-و حنيفة (1)والشافعي (2)وأبو ثور (3)، فتحمل على التقيّة .
توضيح الانحلال : ما ذكرناه من الانحلال إنما هو فيما إذا ثبت حقّ القصاص للولي ابتداءً ، وأمّا لو كان مجعولاً للميّت ابتداءً ، ومنه ينتقل إلى الوارث ، كما لو قطعت يد أب عدواناً ، ومن باب الاتفاق مات بسبب آخر - لا بالسراية - فلم يتمكن من القصاص ، فينتقل حقّ القصاص إلى الورثة ، ولا يجري في هذا الحق ما ذكرناه من الانحلال وثبوته لكلّ واحد منهم ، لأنه حقّ واحد انتقل إلى جماعة فيكون كحق الخيار قائماً بالمجموع
الفرع الخامس : لو قتل مهدور الدم فهل فيه القصاص ، أو الدية ، أو
1) المبسوط (للسرخسي) 26 : 129 ، الفقه على المذاهب الأربعة 5 : 240، 236 ، الميزان 2 : 146 ، رحمة الأمّة 2 : 119
2) الأم 6: 13 ، المجموع 18 : 476 ، المیزان 2 : 146 ، رحمة الأمة 2 : 119 .
3) [ لم نعثر على رأيه بالخصوص ، إذ المصرح به في المغني لابن قدامة) 9 : 465 أنّه قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة والشافعي والثوري . نعم قد يشمله نقل البعض اتفاقهم على هذا الحكم ] .
الكفّارة ، أو لا ؟
أقول : مهدور الدم على قسمين :
الأول : كلّ من كان قتله جائزاً للقاتل ، كساب النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة ( عليهم السلام) أو لكون القتل دفاعاً عن النفس ، أو العرض ، أو المال .
ولا إشكال في أنّه لا قصاص ولا دية ولا كفارة ، وهو واضح .
الثاني : ما لو كان الشخص مهدور الدم، لكن لا بالنسبة إلى كل أحد ، الذي منه القاتل ، كالزاني المحصن ، أو اللائط ، أو المرتدّ الفطري ، بل للحاكم الشرعي أن يقتله ، فلو قتله شخص آخر فهل يثبت فيه القصاص ، أو الدية مع التراضي (1)، أو الكفّارة ، أو لا تثبت هذه كلّها ؟
ذهب جماعة إلى الثاني ، واستدلوا على ذلك بما رواه الشيخ عن يحيى بن سعيد (المسيب ) (2)عن سعيد بن المسيب، والصدوق عن يحيى بن سعيد بن المسيب بلا ذكر لأبيه - وفي الوسائل ذكر في السند الحسين بن عمرو ، وهو خطأ (3)والصحيح الحصين بن عمرو : « أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري : أنّ ابن أبي الجسرين (4)وجد رجلاً مع امرأته فقتله ، فاسأل لي علياً عن هذا ، قال أبو
1) لعلّ المناسب : الدية ، بلا قيد (مع التراضي) إذ كلّ مورد ثبت فيه القصاص جاز دفع الديةمع التراضي .
2) ليس فى السند ، ولكن يحيى بن سعيد هو المسيّب .
3) [ هذا في الطبعة القديمة ، وقد صحح في طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ] .
4) في الجواهر [ 42 : 168 ] : « أن معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري : أن ابن أبي الحسين وجد رجلاً مع امرأته فقتله ، وقد أشكل فاسأل لي علياً ( عليه السلام) عن هذا الأمر ، قال أبو موسى : فلقيت علياً ( عليه السلام) قال فقال : والله ما هذا في هذه البلاد - يعني الكوفة - ولا هذا بحضرتي ، فمن أين جاءك هذا ؟ قلت : كتب إلى معاوية أن ابن أبي الحسين وجد مع امرأته رجلاً فقتله ، وقد أشكل عليه القضاء فيه ، فرأيك فى ذلك . فقال : أنا ... » والظاهر أنّه نقله عن التهذيب 10 : 314/ 1168 . إلّا أنّ فيه في الموردين ابن أبي الجسرين ، بدل ابن أبي الحسين [ ثمّ إنّ المذكور في الجواهر 41 : 370 أنّ ابن أبي الحسن وجد ... ] .
موسى : فلقيت علياً (علیه السلام) فسألته - إلى أن قال : - فقال : أنا أبو الحسن ، إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد ، وإلّا دفع برمّته (1)حيث ادّعي دلالتها على » جواز قتل مهدور الدم - وهو الزاني في المقام - إذا أقيمت البينة على ذلك ، وعدم ترتب القصاص والدية والكفّارة لذلك ، فيختصّ ترتب هذه الأحكام على محقون الدم.
أقول : هذه الرواية ضعيفة من جهات :
الأولى : أنّ أحمد بن النضر - الواقع في السند - معاصر للإمام الرضا (عليه السلام) ويروي عنه إبراهيم بن هاشم ، وأبو عبدالله البرقي ، بل أحمد بن أبي عبدالله البرقي ، فلا يمكن أن يروي عن الحصين بن عمرو الذي هو من أصحاب السجّاد (علیه السلام) فالرواية مرسلة .
الثانية : أنّ الحصين بن عمرو لم يوثق ، ولم يمدح .
الثالثة : أنّ يحيى بن سعيد بن المسيب أيضاً لم يوثق ، سواء كان هو راوياً عن أبيه ، أو كان نفسه الذي ينتهي إليه السند وروى هذه الرواية بعينها - بعين القضية - صاحب الجواهر (2)عن داود بن فرقد ، ووصفها بالصحّة . وهو اشتباه من قلمه الشريف ، فإنّه لم ترد رواية عن داود بما كتبه معاوية إلى أبي موسى الأشعري ، نعم له رواية في قتل الرجل زوجته إذا
رأى أحداً يزني بها (1)، وهو أجنبي عن هذا الموضوع.
وعلى كل تقدير ، لو فرض صحّة الرواية ، أو كونها عن داود بن فرقد ، فهي قاصرة الدلالة على المدّعى ، لأنّ موردها خصوص قتل الزوج الزاني بزوجته وهي مسألة أخرى خارجة عن محلّ الكلام، الذي هو اعتبار كون المقتول محقون الدم أو لا . فعلى فرض القول بالرواية لابدّ من الاقتصار على موردها ، وهو قتل الزوج الزاني بزوجته أو هما معاً .
فالصحيح عدم سقوط القصاص والدية والكفّارة ، بعد وضوح عدم الملازمة بين كونه مهدور الدم وجواز قتله لكلّ أحد ، بل القتل للحاكم أو ولي الأمر ليس إلّا .
الفرع السادس : لو كان المقتول عمداً - ظلماً - مديناً ، وليس له ما يؤدّى به دينه ، فهل على الولي إسقاط حقه من القصاص والرضا بالدية ، وتفريغ ذمّة المقتول ، أم لا ؟
قيل بالوجوب ، نظراً إلى وجوب تفريغ ذمّة الميّت .
وفيه : أنّه لا دليل عليه ، ومجرّد إمكان ذلك ليس دليلاً ، وإنما يجب تفريغ ذمّة المدين ممّا يملكه فعلاً ، ولا يجب تحصيل مال له ليفرغ به ذمّته . وإلزام الولي باسقاط من القصاص ورضائه بالدية لتكون وفاءً لدين الميّت يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود في المقام ، بل إطلاق قوله تعالى : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً ... (2)وكذا الروايات(3)الشمول لما إذا كان على الميت دين ، نعم يجوز
للولي التنازل عن حقّ القصاص والرضا بالدية .
الفرع السابع : لا شكّ في أنّ حرمة الميّت كحرمة الحي، على ما ورد في عدّة روايات (1)فالجناية على الميت كالجناية على الحي، إلّا أنّها في الحي لو كانت موجبة لإزهاق الروح الدية كاملة ، وفي الميّت لو كانت موجبة لإزهاق روحه لو كان حيّاً كما لو قطع رأسه - فالدية كدية الجنين الذي لم تلجه الروح مائة دينار كما نطقت به الروايات(2).
وتفترق عن دية الجنين أنّ دية الجنين يرثها الوارث ، ودية الميّت لا يرثها الوارث، بل تصرف في وجوه البر بالنسبة إليه .
1) الوسائل 29 : 328 / أبواب ديات الأعضاء ب 25 .
2) منها صحيحة الحسين بن خالد - على ما رواها البرقي في المحاسن [ 2 : 16 / 1087 (مع اختلاف يسير) ] ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن مهران ، عن الحسين بن خالد - قال : « سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع رأس ميّت ، فقال : إن الله حرم منه ميتاً كما حرّم منه حيّاً ، فمن فعل بميت فعلاً يكون في مثله اجتياح نفس الحي فعليه الدية ، فسألت عن ذلك أبا الحسن (عليه السلام) فقال : صدق أبو عبد الله (عليه السلام) هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ، قلت : فمن قطع رأس ميت أو شق بطنه أو فعل به ما يكون فيه اجتياح نفس الحي فعليه دية النفس كاملة ؟ فقال : لا ، ولكن ديته دية الجنين في بطن أمه قبل أن تلج فيه الروح ، وذلك مائة دينار ، وهي لورثته ، ودية هذا هي له لا للورثة . قلت : فما الفرق بينهما ؟ قال : إنّ الجنين أمر مستقبل مرجو نفعه ، وهذا قد مضى وذهبت منفعته ، فلما مثل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره ، يحج بها عنه ، ويفعل بها أبواب الخير والبر من صدقة أو غيره ، قلت : فإن أراد رجل أن يحفر له ليغسله في الحفرة فسدر الرجل ممّا يحفر فدير به فمالت مسحاته في يده فأصاب بطنه فشقه ، فما عليه ؟ فقال : إذا كان هكذا فهو خطأ وكفارته عتق رقبة ، أو صيام شهرين ، أو صدقة على ستين مسكيناً ، مد لكل مسكين بمد النبي (صلى الله عليه وآله) الوسائل :29 : 325 / أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 2 .
وهل تقضى منها ديونه ؟ ربما يقال - كما قيل - إنّ إخراج الديون إنما ورد في دية الحي ، ولم يرد مثل ذلك في دية الميّت .
إلّا أنّ الصحيح أنّه تقضى منها ديونه ، إذ لا برّ كقضاء دين الميّت ، وهو أولى من الصلاة والصيام عنه ونحو ذلك ، سيما أنّ في بعض النصوص أن الدية إنّما هي للميّت خاصّة (1)، أي ملكه ، فإذا كانت ملكه فلابدّ من أداء ديونه ، فكيف بالإشكال في ذلك ، نعم لم يرد نصّ خاصّ في المقام ، ولا حاجة إليه .
1) ) [ ربما أشار بذلك إلى معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) : « أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال : إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهى ميراث كسائر الأموال وغيرها ، راجع الوسائل 26 : 41 / أبواب موانع الإرث ب 14 ح 1 ، 29 : 231 / أبواب 1 ديات النفس ب 23 ح 1 ، 18 : 364 / أبواب الدين والقرض ب 24 ح 1 ، وغيرها ] .
جعل الرقّ من موانع الإرث مبني على أن يكون العبد مالكاً كما اخترناه(1)
ومنها صحيحة عبدالله بن سنان الأخرى ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سأله رجل وأنا حاضر عن مال المملوك ، أعليه زكاة ؟ فقال : لا ، ولو كان له ألف ألف درهم ، ولو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء » الوسائل 9: 91 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 3. وممّا ورد في باب الإرث : أ - موثّقة عمار الساباطي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام » في مكاتبة بين شريكين ، يعتق أحدهما نصيبه ، كيف يصنع بالخادم ؟ قال : تخدم الباقي يوماً ، وتخدم نفسها يوماً ، قلت : فإن ماتت وتركت مالاً ؟ قال : المال بينهما نصفين ، بين الذي أعتق وبين الذي أمسك » الوسائل 26 : 61 / أبواب موانع الإرث ب 24 ح 1 .
وكذا موثقته الأخرى ، المصدر المتقدم ح 2 .
ب - صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أحدهما ( عليهما السلام) قال : « لا يتوارث الحرّ والمملوك » الوسائل 26 : 43 / أبواب موانع الإرث ب 16 ح 1 .
وكذا غيرها ممّا ورد فى هذا الباب
1) ذكر السيد الأستاذ بحث ملكية العبد في كتاب الزكاة [ 1 (موسوعة الإمام الخوئي (23) : 20 ] عند التعرّض لاشتراط الحرية فى وجوبها ، واستدلّ على الملكية بنصوص عديدة قال : لاستفادته - القول بالملكية - من الروايات الواردة في الأبواب المتفرّقة - التي من المقام - في نصوص عديدة مضمونها أنّه : لا زكاة في مال المملوك ... ومنها : ما ورد في باب الإرث من انتقال مال العبد إلى مولاه دون أقاربه ، وأنّ الرقّ لا يرث ولا يورث . أقول : ممّا ورد في باب الزكاة : صحيحة عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ليس في مال المملوك شيء ، ولو كان له ألف ألف ، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئاً » الوسائل 9 91 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 1 وموثّقة إسحاق بن عمار ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف ألف درهم ، أو أقل ، أو أكثر ، فيقول حلّلني من ضربي إيّاك ، ومن كل ما كان مني إليك ، وممّا أخفتك وأرهبتك ، فيحلّله ويجعله في حلّ ، رغبة فيا أعطاه ، ثمّ إنّ المولى بعد أصاب الدراهم التي كان أعطاها في موضع قد وضعها فيه العبد ، فأخذها المولى ، أحلال هي له ؟ قال فقال : لا تحل له ، لأنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة ، قال فقلت له : فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول ؟ قال : لا ، إلّا أن يعمل له بها ، ولا يعطى العبد من الزكاة شيئاً » . التهذيب : 808/225، [ وأورد صدره وذيله في الوسائل 9 92 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 6] .
وإن كان ملكه في طول ملك المولى ، لعدّة روايات ، منها : ما دلّ على أنّه لا زكاة في مال المملوك حيث فرض له مال ، كمال الصغير والمجنون .
وأمّا بناءً على أنّه لا يملك فعدم الإرث منه أو إليه لعدم المقتضي ، لا لوجود المانع ، فإنه لا يملك كي يتملك أو يتركه إرثاً .
وكيف كان ، الروايات الواردة في المقام متظافرة (1)، ودلالتها على أنّ العبد والحرّ لا يتوارثان ظاهرة ، فإذا مات عبد كان إرثه لمولاه ، لا لوارثه الحرّ . وإذا مات حرّ لا يرثه العبد ، بل يرثه حرّ وإن كان في طبقة متأخرة عن العبد . وكما أنّ العبد لا يرث لا يحجب ، فلو مات حرّ وكان له ابنان أحدهما
والآخر عبد ، ورثه الحرّ دون العبد أو كان له ابن عبد وحفيد حرّ ، ورث الحفيد جده ، كما نص على ذلك في الروايات(2).
الفرع الأول : إذا اعتق العبد قبل القسمة - حتّى التي بين الزوجة والإمام (عليه السلام) - كان كإسلام الكافر قبلها ، موجباً لمشاركته في الإرث إن كان مساوياً واختصاصه به إن كان أولى . وإذا اعتق بعد القسمة أو مقارناً لها كان كإسلام الكافر بعد القسمة أو حينها ، لا يرث شيئاً ، والروايات في ذلك متظافرة أيضاً (1).
نعم لو فرض أنّ الوارث واحد ولو كان هو الإمام (عليه السلام) ، فلا موضوع للقسمة ، بل بمجرد الموت ينتقل المال إلى الوارث ، فلا أثر لانعتاقه بعد ذلك .
الفرع الثاني : لو كان الوارث منحصراً بالعبد ، وكانت التركة وافية بشرائه اشتري من التركة ، والأحوط عتقه بعد ذلك . ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان العبد واحداً ، أو متعدّداً ووفي المال بذلك ، ولو امتنع مالكه عن بيعه أجبر ، فإن بقي شيء من المال أعطي له أو لهم . وقد دلّت على ذلك عدة روايات(2)
ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في رجل توفي وترك مالاً ، وله أمّ مملوكة ، قال : تشترى أمه ، وتعتق ، ثم يدفع إليها بقية المال » الوسائل 26 : 50 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 2 . وكذا غيرهما ممّا ورد في هذا الباب .
.1) منها : صحيحة عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قضى أمير المؤمنين (علیه السلام) في من ادّعى عبد إنسان أنّه ابنه : أنّه يعتق من مال الذي ادّعاه ، فإن توفّي المدّعي وقسّم ماله قبل أن يعتق العبد فقد سبقه المال ، وإن اعتق قبل أن يقسم ماله فله نصيبه منه ( الوسائل 26 : 46 / أبواب موانع الإرث ب 18 ح 1 .
2) منها : صحيحة سليمان بن خالد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في الرجل الحرّ يموت وله أمّ مملوكة ، قال : تشترى من مال ابنها ، ثم تعتق ، ثم يورثها ( الوسائل 26 : 49 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 1 .
إلّا أنّ الكلام يقع في أمرين :
الأمر الأول : في اعتبار أن يكون العبد الوارث قريباً للميّت ، كأبيه ، أو ابنه أو أخيه ، أو أخته ، أو أمه ، فيشترى ويعتق ويعطى الباقي . أو يجري ذلك حتّى لو كان العبد الوارث بعيداً ، كضا من الجريرة بإذن سيده ، يجب شراؤه أيضاً وعتقه ويعطى له الباقي ؟
لم يتعرّض صاحب الجواهر لهذه المسألة ، ولكن ذكر أنّه لا فرق في كلمات الأصحاب في الوارث المنحصر بين القريب وغيره على إشكال(1).
قد يقال : إنّ الروايات الواردة في المقام وإن كان أكثرها غير شامل لمثل ضامن الجريرة ، لأنّ موردها ابن الميّت ، أو أخوه ، أو أمّه ، أو أخته ، أو بنته ، أو عصبته ، وليس ضامن الجريرة داخلاً في ذلك ، إلّا أنّ معتبرة إسحاق بن عمار التي رواها الشيخ الصدوق بسنده الصحيح عن حنان بن سدير ، عن ابن أبي يعفور ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) - ورواها الشيخ بطرق كلّها ضعاف - كافية الدلالة على عموم الحكم ، قال : « مات مولى لعلي (عليه السلام) فقال : انظروا هل تجدون له وارثاً ؟ فقيل له : إنّ له ابنتين باليمامة مملوكتين ، فاشتراهما من مال الميت ، ثم دفع إليهما بقيّة الميراث » (2)
قال : مات مولى لعلي (عليه السلام) وكذلك في الكافي 7 : 148 / 8 ، وكذا في الوسائل 26 : 52 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 8 .
ورواها في التهذيب :9 : 330 / 1186 وفيها : إسحاق بن عمار ، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) .
وفي كل ما رواه الشيخ والكليني الموجود في السند أبو ثابت ، وهو مجهول .
فإنّ قوله : « انظروا هل تجدون له وارثاً »ظاهر في مطلق الوارث ، لا خصوص القريب ، فيشمل ضامن الجريرة أيضاً .
وفيه أوّلاً : أنّ كلمة « وارث » وإن كانت مطلقة ، إلّا أنّه لم يذكر الحكم بالشراء والعتق فيما إذا كان الوارث ضامن جريرة ، فإنّ مورد الرواية « فقيل له : إنّ له ابنتين باليمامة مملوكتين ، فاشتراهما ... » .
وثانياً : أنّ هذا المولى كان معتقاً من قبل السجّاد (عليه السلام) ولا شكّ في أنّ عتقه تبرعي ، إذ لا يتصوّر في حقه (عليه السلام) العتق كفّارة لإفطار عمدي ، أو قتل كذلك ، أو خطائي ، أو نحو ذلك ، فله (عليه السلام) ولاء العتق ، ومعه لا تصل النوبة إلى ضامن الجريرة لو كان حرّاً ، فضلاً عما لو كان عبداً . فقوله : « انظروا هل تجدون ... » ناظر إلى خصوص القريب ، إذ لو لم يكن له وارث قريب كان إرثه للإمام (عليه السلام) بولاء العتق .
الأمر الثاني : لا إشكال في أنّه يعتبر في شراء العبد وعتقه وإعطائه الباقي أن لا يكون وارث حرّ غيره، وإلا كان الحرّ هو الوارث ، فإذا فرض أن للميّت وارثاً حرّاً ولكنّه ليس من الأقارب، بل هو ضامن جريرة ، فهل يكون الإرث لضامن الجريرة باعتبار أنّه حرّ، ومعه لا يرث العبد أو أن الإرث للعبد ، باعتبار أن العبرة بعدم وجود وارث قريب ، وأمّا ضامن الجريرة فلا عبرة بوجوده وعدمه ؟ فيه خلاف .
صرّح الفاضل الهندي (1)
1) كشف اللثام 2 : 281 ، السطر 37 .
وغيره كما في الجواهر (1)بعموم المنع ، بمعنى أن وجود الوارث الحر وإن كان ضامن جريرة مانع من إرث العبد ، فلا فرق بين القريب والبعيد .
وقال صاحب الجواهر : إن تم على ذلك إجماع فهو ، وإلا كان للنظر فيه مجال . والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الروايات الواردة في إرث العبد (2)مطلقة ، سواء أكان هنا ضامن جريرة حرّ أم لا .
وناقش في ذلك صاحب الجواهر بأنّ هذا الإطلاق معارض بإطلاق ما دلّ على أنّ من لا وارث له ، فوارثه ضامن الجريرة ، وإطلاق هذه الروايات شامل لما إذا كان هناك عبد يمكن شراؤه وعتقه وإعطاؤه الباقي أم لا . والمعارضة بالعموم من وجه ، فلا يمكن التمسك بالإطلاق حينئذ لإثبات أنّ وجود ضامن الجريرة غير ضارّ.
وفيه : أنّ المعارضة وإن كانت عموماً من وجه ، إلّا أنّ أدلّة المقام رافعة لموضوع الأدلة المعارضة ، فتتقدّم عليها على نحو الحكومة ، فإنّ الروايات الواردة في إرث ضامن الجريرة مقيّدة بعدم الوارث في الطبقات السابقة ، وروايات المقام تثبت وجود الوارث ، وأنّ العبد في المقام وارث ، فترفع موضوع أدلّة إرث ضامن الجريرة .
على أنّه يكفينا في ذلك صحيحة عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : « قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجل يموت وله أمّ مملوكة ، وله مال ، أن تشترى أمّه من ماله ، ثمّ يدفع إليها بقيّة المال إذا لم يكن له ذوو قرابة لهم
سهم في الكتاب » (1)فإنّ المستفاد منها بوضوح أن موضوع الحكم عدم وجود قريب له ، ووجود ضامن الجريرة وعدمه سيّان من هذه الجهة .
فالصحيح : أنّه يعتبر في إرث العبد أن لا يكون هنا وارث قريب للميّت وأما ضامن الجريرة فوجوده غير ضارّ في إرث العبد .
الفرع الثالث : هل يعتبر في العتق الإتيان بالصيغة في المقام ، أو أنّ العتق قهري يتحقّق بمجرد الشراء ؟
لم يذكر في بعض الروايات أنّه يعتق ، بل يشترى ويعطى له الباقي (2)، إلّا أنّ في جملة منها أنّه يشترى ثم يعتق (3)ثمّ يعطى له الباقي . وثم للترتيب ، فلابدّ من العتق ، لتصريح هذه الروايات به .
وإشكال لابدّية كون العتق في ملك ، ولا مالك للعبد هنا بعد الشراء كي يعتق ، مندفع بكون الشراء بما تركه الميت ، ومقتضى المبادلة - كما ذكرنا في بحث البيع (4)مفصلاً - كون كلّ من العوضين في مكان الآخر ، فيكون العبد حينئذ ملكاً للميّت ، فيتصدى لعتقه من يكون الأمر له ، من إمام أو نائبه ، أو وصيّ ، أو عدول المؤمنين ، أو أيّ شخص تولّى أمور الميت .
بل مقتضى بعض المعتبرات (5)عدم الانعتاق هنا ، وإن كان العبد لو كان ملكاً
1) الوسائل 26 : 51 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 6
2) كما في صحيحة عبدالله بن سنان « تشترى أمّه من ماله ، ثم يدفع إليها بقيّة المال » الوسائل 26 : 51 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 6 وغيره .
3) كما في صحيحة سليمان بن خالد ، قال : « تشترى من مال ابنها ، ثم تعتق ، ثم يورثها الوسائل 26 : 49 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 1 .
4) راجع محاضرات في الفقه الجعفري 2 : 13 ، مصباح الفقاهة 2 : 23 .
5) كما في صحيحة وهب بن عبد ربه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل كانت له أمّ ولد ، فمات ولدها منه ، فزوجها من رجل فأولدها ، ثم إن الرجل مات ، فرجعت إلى سيّدها ، فله أن يطأها قبل أن يتزوّج بها ؟ فقال : لا يطؤها حتّى تعتد من الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام، ثمّ يطؤها بالملك من غير نكاح ، قلت : فولدها من الزوج ؟ قال : إن كان ترك مالاً اشتري بالقيمة منه ، فاعتق ، الحديث ( الوسائل 26 : 54 / أبواب موانع الإرث ب 20 ح 12 .
للميّت أيّام حياته لكان منعتقاً عليه قهراً ، كالام والبنت ونحوهما ، وأما الميت فليس كذلك ، فإنّه لا مانع من أن يملك الميّت عموديه وأولاده ، فيحتاج إلى عتق .
إذن فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على أنّه « ثمّ يعتق » . نعم يستثنى من ذلك صورة واحدة ، كما ذكرها صاحب الجواهر (1)، وهي ما إذا كان هذا العبد مملوكاً للميّت ، وليس له وارث سواه ، فلا يتصوّر حينئذ الشراء ، بل يعتق ويعطى له الباقي .
الفرع الرابع : هل لمالك العبد أو الأمة المطالبة بأكثر من القيمة السوقية المملوكه ، أم لا ؟
ذهب بعض إلى الأوّل . ولا يمكن المساعدة عليه ، بل الظاهر أنّ له المطالبة بالقيمة السوقية فقط ، وذلك لأنّ المستفاد من الروايات تقويم العبد وإعطاء المالك القيمة لو أبى عن البيع ، ومعنى ذلك سقوط سلطنة المالك على ملكه في المقام ، نعم هو مسلّط على القيمة السوقية ، فإن رضي بها فهو ، وإلّا أخذ بالبيع القهري .
بل قد لا تكون التركة وافية بما يطلبه من الزيادة ، فيدخل هذا في إبائه عن البيع ، بل يستفاد هذا من بعض الروايات بوضوح ، للتعبير فيها بأنه يشترى بالقيمة (2)ولا يمكن أن تكون الألف واللام لطبيعي القيمة ، إذ الشراء لابدّ وأن
يكون بقيمة ، وإلّا فلا يمكن ، فلابدّ وأن تكون إشارة إلى القيمة السوقية المعهودة ويفهم هذا من روايات أخرى أيضاً(1).
ثمّ إنّه لا فرق في العبد أو الأمة بين الواحد والمتعدّد مع وفاء التركة بذلك ا في قوله (عليه السلام) : «فاشتراهما من مال الميّت ، ثم دفع إليهما بقيّة الميراث (2).
ولو لم تف التركة بذلك فهل يجب شراء أحدهما ويعين بالقرعة كما احتمله بعضهم ، أو ينتقل المال إلى الإمام (عليه السلام) إن لم يكن هنا ضامن جريرة باعتبار أن عتق أحدهما ترجيح بلا مرجّح ؟
لا يمكن الأول ، إذ لا دليل على القرعة بالخصوص ، ولا يمكن الالتزام بها ، بأدلّتها المطلقة ، لأنها لكلّ أمر مشكل ، وليس الأمر في المقام مشكلاً ، لأنه استثني ممّا دلّ على أنّ العبد لا يرث صورة واحدة يلزم فيها الشراء والعتق ، فلابدّ في تخصيصها من دليل ، وإلا فمقتضى القاعدة عدم الإرث ، وترجيح أحدهما بلا مرجّح .
هذا لو لم تف حصّة أحدهما بقيمته ، وأمّا لو وفت دون حصة الآخر ، فهل ينتقل المال هنا إلى الإمام أيضاً ، أو يجب شراء من وفت حصته بقيمته لو كان حرّاً دون الآخر ؟
اختار جماعة منهم المحقّق في الشرائع (3)الأول ، وأشكل صاحب الجواهر (4)
على تعبيره بحصّته ، باعتبار أنّه ليس للعبد حصة . وهو متّجه لو لم يكن معلوماً من الخارج أنّ المراد بالحصة الحصة على تقدير كونه حراً .
وعلى كل حال ، لا يبعد أن يكون القول بالعتق هو الأظهر ، وإن لم يكن له نصيب بالفعل ، وذلك لما ثبت في الأصول من أنّ المطلق أو العام إذا دار أمره بين التخصيص بالأقل أو بالأكثر تعيّن التخصيص بالأقل ، بمعنى أن شمول الإطلاق لمن لا تفي حصّته على تقدير حرّيته بقيمته معلوم العدم ، لأنّ شمول الإطلاق له إمّا مع من تفي حصّته بقيمته ، أو بدونه .
وعلى الثاني فهو ترجيح بلا مرجّح ، بل لا يحتمل أن يشترى من لا تفي حصّته بقيمته دون من تفي حصّته بقيمته .
وعلى الأول فهو غير ممكن ، لفرض قصور التركة عن شرائهما معاً .
وأمّا التقييد بالنسبة إلى من تفي حصته بقيمته فغير معلوم العدم، فيبقى داخلاً تحت إطلاق من مات وله وارث عبد فيشترى ويعتق
هذا تمام الكلام في القنّ .
وأمّا المبعّض فالمعروف والمشهور ، بل المتسالم عليه بينهم أنّ إرثه والإرث منه إنّما يكون بنسبة حرّيته .
أمّا إرثه كما لو كان للميّت ولدان ، أحدهما حرّ والآخر نصفه حرّ ، كان للمبعّض الربع ، وللآخر ثلاثة أرباع . أو كان له ولد مبعّض بالنصف وأخ حرّ ، كان للمبعض نصف المال وللأخ النصف الثاني . ويدلّ على ذلك عدة روايات وردت في المكاتب(1)
1) منها صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « المكاتب يرث ويورّث على قدر ما أدّى » الوسائل 26 : 48 / أبواب موانع الإرث ب 19 ح 3 .
وأمّا الإرث منه : فكذلك يورث منه بمقدار حرّيته ، فلو كان نصفه حرّاً ورث الوارث نصف ماله ، سواء في ذلك المال الذي حصله المبعض في أيّامه أم في أيّام مولاه .
وأشكل جماعة منهم صاحب الجواهر(1)بأنّه لا مقتضي لانتقال ما حصّله المبعّض بجزئه الحرّ - أي في أيامه - إلى مولاه ، بل لابدّ من انتقال ذلك إلى ورثته نعم ما كان بجزئه الرقّ فهو إلى مولاه .
والظاهر أنّ الصحيح هو الأول ، وذلك لعدم شمول الروايات الواردة في أنّ العبد لا يرث ولا يورث (2)للمقام ، لأنّ موضوعها العبد ، والمبعض ليس بعبد والمالك هنا المبعض بما هو مبعض واحد - لا أنّ المالك نصفه الحرّ لما ملكه أيّام حرّيته ، ونصفه العبد لما ملكه أيام رقيته - والرقية والحرّية إنما هي من قبيل الواسطة في الثبوت، أي هي علّة للملكية ، لا موضوع لها ، فالمالك هو المبعض ، وسبب الملكية قد يكون جزءه الحرّ، وقد يكون جزءه الرقّ ، والروايات الواردة في المبعض تدلّ بوضوح على أنّ الإرث منه إنما يكون بنسبة حرّيته ، ففي صحيحة منصور بن حازم : « المكاتب يرث ، ويورّث على قدر ما أدّى » (3)فإذا أدّى نصف المال كان نصفه حرّاً ، فيرث الوارث منه نصف ماله .
وفي معتبرة عمّار الساباطي التصريح في أنّ الإرث منه إنّما يكون بنسبة الحرّية ، بلا فرق بين ما إذا كان قد حصل المال بجزئه الحرّ أو بجزئه الرق، فقد روى عن أبي عبدالله (عليه السلام) » في مكاتبة بين شريكين ، يعتق أحدهما نصيبه ، كيف
تصنع الخادم ؟ قال : تخدم الباقي يوماً ، وتخدم نفسها يوماً ، قلت : فإن ماتت وتركت مالاً ؟ قال : المال بينهما نصفان ، بين الذي أعتق ، وبين الذي أمسك » (1). فما ذكره صاحب الجواهر لا يمكن المساعدة عليه .
1) الوسائل 26 : 48 / أبواب موانع الإرث ب 19 ح 4 .
للإرث بالنسب مراتب ثلاث :
المرتبة الأولى : الأبوان دون آبائهم، والأولاد وإن نزلوا ، وهم الذين تتحقّق فيهم القرابة بولادة واحدة ، فإنّه إذا تولّد مولود يكون المتولّد ابناً أو بنتاً لأبويه ، وأبواه والدان له ، وبهذه الولادة توجد قرابة بين المولود وأبويه . والقرابة بولادة واحدة منحصرة بالأبوين وأولادهم .
المرتبة الثانية : الإخوة والأجداد ، وهم الذين تتحقّق فيهم القرابة بولادتين ، فإنّه بالولادة الثانية يكون المولود أخاً أو ابناً لابن الشخص الذي يكون هو جداً له ، ولا يمكن أن تتحقّق القرابة هنا بولادة واحدة . والتوأم أيضاً فيه ولادتان ، وإن كانتا في زمان واحد .
المرتبة الثالثة : الأعمام والأخوال ، وهم الذين تتحقّق فيهم القرابة بثلاث ولادات ، فبالأولى تتحقّق البنوّة ، وبالثانية الأخوّة ، وبالثالثة لأحد الإخوة العمومة والخؤولة(1)
المرتبة الأولى : من وَلَدَ الميّت ، ومن أولده الميت ، وهذه المرتبة هي عمود النسب .
المرتبة الثانية : من ولد أبا الميّت ، ومن ولده أبو الميّت ، وهذه المرتبة بعضها من عمود النسب ، وبعضها من حاشية النسب .
المرتبة الثالثة : من ولده أجداد الميّت ، وجميع هذه المرتبة من حاشية النسب ويترتبون فيما بينهم ، كترتب الأولاد وإن نزلوا ، والأجداد وإن علوا ، والإخوة وأولادهم وأعمام الميت وأخواله بالنسبة إلى أعمام أبيه وأمه وأخوالهما ، وأعمام جده وجدته وأخوالهما .
.1) لعلّ الأولى أن يقال :
أمّا المرتبة الأولى : فمنحصرة بالأبوين والأولاد - ذكوراً كانوا أو إناثاً أو بالاختلاف - فنازلاً ، ومع ، ومع وجود واحد من هذه المرتبة لا تصل النوبة إلى المرتبة الثانية ، فضلاً عن الثالثة ، على ما يستفاد من الآية المباركة : (وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) (1)وكذا قوله تعالى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ممّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (2).
وكذا الروايات ، ففي صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا يرث مع الأم، ولا مع الأب ، ولا مع الابن ، ولا مع الابنة إلّا الزوج والزوجة ، وإنّ الزوج لا ينقص من النصف شيئاً إذا لم يكن ولد ، وإنّ الزوجة لا تنقص من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد ، فإن كان معهما ولد فللزوج الربع ، وللمرأة
الثمن». (3)
وتفصيل الكلام : أنّ المستفاد من الآية والروايات التي منها الصحيحة المتقدّمة ، أنّ الأب إذا كان منفرداً كان المال كلّه له بالقرابة ، وليس له فريضة في كتاب الله ، وكذا إذا كان الوارث منحصراً بالأم . وإذا كانا مجتمعين ، ولم يكن للميّت ولد ، كان للأمّ الثلث ، أو السدس مع حجب الإخوة على تفصيل يأتي(4)، وللأب الباقي .
وأمّا بالنسبة إلى الأولاد فإن كان الوارث ذكراً فقط ورث تمام المال بالقرابة لا بالفرض ، إذ ليس له فريضة في الكتاب ، فإن كان الذكر متعدّداً فبينهم بالسوية . وإن كان الوارث بنتاً واحدة فلها النصف بالفرض ، والنصف الآخر بالقرابة وفي فم العصبة التراب(1).
وإن كان الوارث بنتين فصاعداً فلهما الثلثان بالفرض ، والباقي بالقرابة والعصبة في فيها التراب .
وإن كان الوارث ذكراً وأنثى - فصاعداً من الذكور ، أو الإناث ، أو هما معاً - فللذكر مثل حظ الأنثيين .
وأمّا إذا اجتمع الأب أو الأم أو هما معاً مع الأولاد على اختلاف صور انفرادهم المتقدمة ، فتارةً يجتمع الأبوان مع ذكر ، أو ذكور ، أو ذكور وإناث ، فلكلّ واحد من الأبوين بوین سدس التركة بالفرض ، والباقي للباقي بالقرابة ، يقسم بينهم مع تعدّدهم - وإلا فللمنفرد منهم تمام الباقي - واتحادهم في الذكورة بالتساوي ، وإلّا فبالتفاضل
وأخرى يجتمع مع الأبوين بنتان فصاعداً ، فلكل واحد من الأبوين سدس التركة ، وللبنتين فصاعداً الثلثان (2)
وأخرى لا يترك من يحجب الأمّ عن ذلك ، فالثلث للأم والباقي للأب .
وهل هذا الحجب وعدمه يجري أيضاً فيما إذا ترك الميّت مع أبويه والحاجب بنتاً واحدة ، أم لا ؟ فيه خلاف : وإن اختار السيد الأستاذ عدم الحجب ، وإرجاع السدس السادس على الجميع بنسبة حصصهم ، فللأبوين خمساه وللبنت ثلاثة أخماسه الأخرى .
1) الوسائل 26 : 85 / أبواب موجبات الإرث ب 8 ح 1 .
2) بقيت هنا صورة واحدة من صور اجتماع الأبوين مع الأولاد ، أخر السيد الأستاذ بيانها إلى ما بعد ، وهي ما لو كان مع الأبوين بنت واحدة ، وهذه المسألة فرع مسألة أخرى ، وهي ما لو ترك الميت أبويه ، فتارةً يترك معها ما يحجب الأمّ عن الثلث إلى السدس ، كأن يترك معهما أخوين ، أو أربع أخوات ، أو أخاً وأختين ، بشرائط الحجب المذكورة في محلّها ، فللاُمّ السدس ، والباقي للأب
وإذا اجتمع أحد الأبوين مع الأولاد على اختلاف صور انفرادهم المتقدّمة فتارةً يجتمع أحد الأبوين - أباً كان أو أماً - مع ذكر أو ذكور ، أو ذكور وإناث فلأحد الأبوين السدس بالفرض ، والباقي للأولاد بالقرابة ، يقسم بينهم مع تعدّدهم - وإلا فللمنفرد منهم تمام الباقي - واتحادهم في الذكورة بالتساوي ، وإلا فبالتفاضل .
وأخرى يجتمع مع أحد الأبوين بنتان فصاعداً ، فلأحد الأبوين السدس بالفرض ، وللبنتين فصاعداً الثلثان بالتساوي ، ويرد السدس السادس عليهم بنسبة ، حصصهم فلأحد الأبوين خمسه ، وللبنتين فصاعداً أربعة أخماسه ، وفي فم العصبة التراب .
وثالثة يجتمع مع أحد الأبوين بنت واحدة ، فلأحد الأبوين السدس بالفرض ، وللبنت النصف بالفرض ، ويرد الثلث الباقي عليهم - بنسبة حصصهم - بالقرابة ، فلأحد الأبوين ربعه ، وللبنت ثلاثة أرباعه ، والعصبة في فيها التراب .
هذا كلّه لو لم يكن في البين زوج أو زوجة .
إلى هنا ترك السيد الأستاذ بحث الإرث ، بعد إلحاح بعض الطلّاب ممّن لا يروق لهم بحث الإرث ! ومال السيد الأستاذ إلى تعطيل الدرس كليّاً ، لكبره وتعبه ، وكثرة الآلام والمصاعب التي لاقاها في ظروف رهيبة وأيام عصيبة ، حيث كنا وكأن لا أرض تقلّنا ، ولا سماء تظلّنا ، إلّا أنّ الحوزة العلمية في النجف الأشرف وسير الدراسة فيها كانت متمثلة بدرسه ، فألجأته الضرورة إلى مواصلة البحث
فشرع في كتاب القضاء - بعد أن كان قد صدر كتابه مباني تكملة المنهاج - جازى الله من كان السبب في نقلنا من بحث لم يبحثه لنا السيد الأستاذ إلى بحث قد كتبه وطبعه وإن كان مختصراً ، والحمد لله ربّ العالمين
المقدّمة ...3
الفصل الأول ...5
المبحث الأول : موجبات الإرث ...5
1 - السبب ...5
2 - النسب ...5
المبحث الثاني : أقسام الوارث ...6
من يرث بالفرض على نحوين ...8
الإشكال بعدم وجود مورد ترث فيه البنت الواحدة النصف والجواب عنه ...8
الفارق بين التقسيم المطلق وبالنسبة ...9
اعتبار صدق القرابة في الإرث بالنسب ...10
أنواع الفروض في القرآن وأربابها ...13
المبحث الثالث : التعصيب والعول ...14
المراد من التعصيب ...15
الأدلة على بطلان التعصيب ...15
المراد من العول ...17
دليل العامة عليه والجواب عنه ...18
الفصل الثاني : موانع الإرث ...21
المانع الأول : الكفر...21
الفرع الأول : إرث الكافر من المسلم ...21
أدلّة منع الكفر عن الإرث ...21
الفرع الثاني : إرث المسلم من الكافر ...22
دليل العامة على عدم الإرث ...22
دليل الإمامية على الإرث ...23
الفرع الثالث : حجب المسلم الكافر ...23
الروايات الدالّة على اختصاص الكافر بالارث إذا أسلم قبل القسمة ...24
الفرع الرابع : اختصاص الحجب بغير الإمام (عليه السلام) ...26
الفرع الخامس : اختصاص الكافر بالأصلي أو شموله للمرتد بقسميه ...27
حكم المرتدّ الملي ...27
الأدلّة على أنّ حكمه حكم المسلم في عدم إرث الكافر منه ...28
حكم المرتدّ الفطري ...30
الفرع السادس : ما إذا كان بين الورثة مسلم وكافر ...32
1 - ما إذا تعدّد المسلم ...32
هل يرث من أسلم قبل القسمة من نماء التركة المتجدد بعد الموت ؟ ...33
حكم ما لو أسلم الوارث قبل أو بعد أو حين القسمة ...33
حكم ما لو أسلم الوارث بعد قسمة بعض التركة ...35
2 - ما إذا اتحد المسلم ...35
حكم ما لو كان الوارث المتحد هو الإمام (عليه السلام) ...36
هل يعتبر عرض الإمام (عليه السلام) الإسلام على الوارث الكافر ؟...37
استثناء المشهور مورداً من عدم تأثير الإسلام بعد القسمة ...38
الفرع السابع : بيان المراد من الكفر ...41
الفرع الثامن : البحث عن المرتدّ من غير جهة الإرث ...44
موضوع المرتدّ الفطري والملي ...44
حكم المرتدّ الفطري ...47
قبول توبته واقعاً ...49
حكم ما يكسبه حال ردّته وقبل توبته ...50
حكم المرتدّ الملي ...51
تكرّر الارتداد عن ملّة عدّة مرّات...53
ارتداد المرأة عن فطرة أو ملّة ...55
شرائط تحقّق الارتداد ... 57
المانع الثاني : القتل ...58
1 - القتل العمدي عن ظلم وتعدَّ ...59
2 - القتل العمدي لا عن ظلم وتعد ...59
3 - القتل الخطائي المحض ...60
4 - القتل الشبيه بالعمد ...62
بيان أقسام قتل الخطأ والعمد ...62
فروع ...64
الأول : عدم إرث القاتل خطأً من الدية ...64
الثاني : هل القاتل يحجب من يتقرّب به ؟ ...67
الثالث : لا فرق في القتل المانع بين المباشري والتسبيبي...67
الرابع : لا فرق في المنع بين تعدّد القاتل والمقتول واتّحادهما ...68
حكم القتل بالنسبة إلى الدية ...69
مقدار دية النفس ...70
مقدار دية الجنين ...72
إشكال المحقّق الأردبيلي والجواب عنه ...76
تحديد مراحل نشوء الجنين زماناً ...78
الدية بحكم مال الميت ...80
فروع ...83
الأول : لا فرق في الوارث للدية بين النسبي والسببي ..84
الثاني : عدم نفوذ إبراء المجروح لو سرى الجرح فمات ...85
الثالث : حكم ما لو لم يكن للميّت ولي مسلم ...85
الرابع : عدم سقوط القصاص لو عفا بعض الأولياء...86
الخامس : حكم قتل مهدور الدم ...90
السادس : جواز اقتصاص الولي وإن كان المقتول مديناً ...93
السابع : الجناية على الميت ...94
موارد صرف دية الجناية على الميت ...94
المانع الثالث : الرق ...96
الروايات الدالة على ملكية العبد ...96
عدم حجب العبد غيره من الإرث ...97
فروع ...98
1 - عتق العبد قبل القسمة ...98
2 - انحصار الوارث بالعبد ...98
اعتبار كون العبد قريباً للميّت ...99
حكم ما لو كان العبد قريباً للميّت والحرّ بعيداً كضامن الجريرة ...100
3 - يعتبر في العتق الإتيان بالصيغة في المقام...102
4 - ليس لمالك العبد المطالبة بأكثر من القيمة السوقية ...103
حكم ما لو تعدّد الوارث العبد ...104
إرث العبد المبعض والإرث منه ...105
الفصل الثالث : كيفية الإرث حسب مراتبه ...108
مراتب الإرث النسبي ...108
تفصيل الكلام في إرث المرتبة الأولى ...109
الفهرس ...113
تقریر الأبحاث
الأستاذ الاعظم سماحة آیة اللّه العظمی
السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي
«1317-1413ه-»
تاليف
آیة اللّه الشَیخ مُحمدَ تَقَىّ الْجَعفرى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، باعث الأنبياء والمرسلين ، ليهدي بهم الخلق إلى سواء السبيل ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة ، وصلى الله على أشرف أنبيائه ورسله وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .
وبعد ، فهذه وجيزة في حلّ غامضة الجبر والتفويض ، المعروفة عند الفلاسفة والمتكلّمين ، المبحوث فيها عن كيفية صدور الأفعال من الناس ، وقد تعرّض لهذا البحث العظيم سيّد أساتيذنا العظام ، نابغة الزمان ، علامة الآفاق ، فريد عصره حامي الشريعة المصطفوية، وركن الشيعة المرتضوية ، حجّة الحق ، آية الله العظمى الحاج السيد أبو القاسم الخوئي النجفي متع الله المسلمين بطول بقائه عند البحث في الطلب والإرادة في بحث الأصول استطراداً ، وفاقاً للمحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه).
وما أفاده سيّدنا الأستاذ (مدّ ظلّه) وإن كان إفادة تامة مستوفاة ، إلّا أنّه مع ذلك لا يخلو البحث الاستطرادي من الحاجة إلى التكميل ، ولهذا حاولت الاستقصاء عما وقع في المقام من الاستدلال والنقض والإبرام ، وبحثت عما كان تكميل المسألة غير مستغن عنه ، بأمر من سيّدي الأستاذ أدام الله إفاضاته علينا وعلى جميع روّاد العلم والإهداء إلى حضرته الشريفة .
فلابدّ لنا قبل الورود في المسألة من التنبيه على أمور لا يستغنى عنها في الأبحاث الآتية :
الأوّل : من الغالب على الظنّ أنّ المسألة بعنوانها ليست من المسائل القديمة الملتفت إليها الإنسان من أقدم العصور ، كحديث العلة والمعلول (العامل والمعمول)
وقضية أنّ المعلول لابدّ له من علّة ، السارية في جميع النشآت الطبيعية وما وراءها .
ولكن لابدّ من أن يعلم أنّ عدم التعرّض لها قديماً لا يدلّنا على صعوبتها بتوهم أنها لو كانت واضحة لالتفت الناس إليها من قديم الأعصار ، وذلك لأنّ عدم تعرّضهم لعله لكون المسألة بديهية عندهم ، ولم يشكوا في استناد الفعل إلى فاعله .
غير أنّ التصدّي للبحث عنه - على ما يحكى في محله - ابتدأ من نشوء الفلاسفة الإغريقيين ، فإنّهم قاموا بالبحث عن الحقائق الكونية ، ورتبوا الأبحاث على منوال اصطلاحات ألزموا أنفسهم على التبعية عنها ، فعندئذٍ وقعت المسألة في غموض الألفاظ ، وجعل الأكثر يميلون على حسب الصناعة - كما سوف تقف عليه - إلى انتهاء جميع الذوات والصفات والملكات والأفعال إلى الله تعالى بحسب النظام الجملي ، لكنّهم معترفون بمسؤولية الفاعل عن فعله .
وهكذا مرّت الأزمنة على المسألة إلى أن حدث قوم مشكّكون - المصطلح على تسميتهم بالسوفسطيقيين فأوقعوا الشكّ في الأفعال كما هو ديدنهم في جميع نظرياتهم في الموجودات ، ومع ذلك فقد كان أتباع الفلاسفة معرضين عن مثل تلك الشكوك .
وأمّا الملل المقتدية بأنبيائهم في عقائدهم وأعمالهم فهم على ما يظهر من الأدلّة المتقنة ذهبوا إلى إثبات الاختيار ، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله ، ولم يظهر بعد بعثة نبينا (صلّى اللّه عليه وآله) من يخالفهم إلّا الأشعري ، فإنّه ذهب إلى ما كان يقول السوفسطيقيين على ما سنشرحه (1). وأمّا الفلاسفة بعد الإسلام - أمثال محمّد بن طرخان الفارابي والشيخ الرئيس
1) في ص 28 و 34 .
حسين بن عبدالله بن سينا - فقد أخذوا عن الفلاسفة السابقين على اختلاف مسالكهم وبياناتهم ، وذهب قليل منهم إلى استقلال العبد فيما يصدر عنه من الأفعال ، وقد اشتهر التعبير عنهم بالمفوّضة .
وأمّا الفلاسفة المتأخّرون من غير المسلمين ، الناظرون في الكون والفساد بغير النظريات القديمة ، فكلماتهم في المقام أيضاً متشتتة ، ونحن نتعرّض لها ولما يرد على بعضها مع بيان ما هو الحق الموافق للعقل والشرع بعونه تعالى وإرشاده .
الثاني : أنّ المقصود من هذه الأبحاث إنما هو إثبات أن الفعل إنّما يصدر من الإنسان لا على نحو الاستقلال التام، بحيث يكون مستغنياً عن الله تعالى في إصداره كما عليه المفوّضة ، ولا على نحو الاضطرار التام لينتهي أمر الفعل إلى الواجب ، فلا يكون لاختيار العبد دخل فيه كما عليه المجبّرة ، ليتبيّن أنّ الحق هو الأمر بين الأمرين ، كما هو المصرّح به فيما هو المأثور من أهل البيت فيما تواتر عنهم (سلام الله عليهم) (1)وأما ترتيب الأبحاث فقد ذكرناه في الفهرست، فلا حاجة إلى إعادته .
الثالث : أنّ ما يقوم بالإنسان من المعاني على قسمين :
الأوّل : ما يكون ناشئاً منه ، ويكون قيامه به قیام صدور ، كالأكل والشرب والضرب والمشي .
الثاني : ما يقوم به قيام حلول ، من باب قيام الوصف بموصوفه .
وكلّ منهما إمّا أن يكون قائماً بالأعضاء والبدن الجسماني ، أو بالنفس . فالأقسام أربعة :
1 - فعل الأعضاء ، كالحركات الخارجية القائمة بها .
1) الكافي 1 : 155 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، وبحار الأنوار 5 : 1/4 ، 18، 27 ، 28 وغيرها ، ويأتي بعضها في ص 94 - 95 من هذه الرسالة .
2 - صفة الأعضاء ، كالطول والقصر، والسواد والبياض ، القائمة بها .
3-فعل النفس ، كالاعتبارات النفسانية ، فإنّ قيامها بالنفس قيام صدور من باب قيام الفعل بفاعله ، وتسمّى هذه في الاصطلاح بأفاعيل النفس .
4 - صفة النفس ، كالانقباض والانبساط الحاصل منهما الحزن والفرح .
وسيظهر لك إن شاء اللّه تعالى أنّ الإرادة والاختيار من القسم الثالث ، ومن أفعال النفس لا من صفاتها .
والضابط في الفرق بين الصفة والفعل وإن كان بحسب العرف في أنّ قيام الصفة بموصوفها قيام حلول ، وقيام الفعل بفاعله قيام صدور ، وكل منهما قد يكون اختيارياً وقد يكون غير اختياري ، إلّا أنا اصطلحنا على أن نعبر عن كل أمر اختياري بالفعل ، وعن كل أمر قائم بشيء غير اختياري بالصفة ، فإذا قلنا بأنّ الشيء الفلاني من الصفات دون الأفعال أردنا به أنّه لا دخل لاختيار الموصوف وإرادته في وجوده ، سواء كان قيامه به قیام صدور او حلول .
الرابع : لا ينبغي لعاقل أن يشكّ في أنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، وأنّ إدراكه هذا بديهي و ممّا يستقل به ، ونعني بإدراك العقل حسن شيء أو قبحه إدراكه أنّ الإتيان بفعل ما من وضع الشيء في مورده ، أو من وضعه في غير مورده ، وهذا المعنى معنى جامع الجميع أفراد الحسن و القبح ، وإن كانت تلك الأفراد مختلفة غايته في الشدّة والضعف بحسب الموارد والأزمنة والأمكنة ، واختلاف الأفراد في ذلك لا ينا في بداهة إدراك الجامع وما هو جهة الاشتراك بين الأفراد حقيقة .
بل أقول : إنّ إنكار إدراك الإنسان الحسن و القبح على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وهل يسع الإنسان أن ينكر أنّه هو وأنه ليس غيره ، إلّا وإنّ استقلال العقل بالحسن والقبح هو المبدأ الوحيد الذي به تقوم جميع الشرائع والاجتماعيات .
فلو وجد في الخارج من ينكر الخير والشر إن كان مقصوده بذلك اختلاف
أفرادهما ونسبيّتهما فهو صحيح ، إذ لا جامع مقولي يجمع تلك الأمور النسبية ، بل يختلف الحسن والقبح باختلاف الموارد والإضافات ، كما أنّ جميع الأمور النسبيّة كذلك .
وإن أراد به أنّ العقل لا يدرك الحسن والقبح في محالهما ، فلا يدرك أن هذا الفعل حسن وذاك قبيح ، وهذا ظلم وذاك عدل ، فقد عرفت أنّ القول بذلك على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وكيف يمكن القول به مع أنّ المسؤوليات الاجتماعية والشرعية كلّها تدور على ذلك ، إذن لا ينبغي هذا القول إلّا من فاقد الشعور ، أو ممن حذا حذو السوفسطيقي كإنكاره جميع المحسوسات والمعقولات على خلاف بداهة عقله
فإذا تبيّن ذلك فاعلم أنّه قد ذهب الأشعريون إلى عدم حكم العقل بالحسن والقبح (1)، وقد خالفوا بذلك جميع أهل الأديان وغيرهم ، والذي أوقعهم في ذلك أمران :
الأول : أنّه لو كان الكذب مثلاً ممّا يحكم العقل بقبحه لم يتغيّر عن ذلك ولو توقف عليه إنجاء نبي بل مؤمن ، أو إصلاح ذات بين ، ونحو ذلك ، مع أن القائلين بإدراك العقل الحسن و القبح لم يتوقفوا في حسن ذلك عقلاً وشرعاً
الثاني : أنّه لو قال قائل : لأكذبن غداً ، فإن حسن منه الوفاء بالوعد كان الكذب حسناً ، وهو خلف ، وإن كان الكذب قبيحاً فيكون الوفاء بالوعد قبيحاً. وهو خلف أيضاً .
والجواب عنهما على ما أفاده المحقّقون من علمائنا (رضوان اللّه عليهم أجمعين) ومنهم سيّدنا الأستاذ (مدّ ظله) إنّما يتضح بتنقيح مقدّمة ، وتقريرها أن يقال : إنّ
1) راجع المواقف 3 : 261 / المقصد الخامس ، وشرح المقاصد 4 : 282
الأفعال الصادرة اختياراً من العباد على أقسام ثلاثة :
القسم الأوّل : ما لا يعقل انفكاكه عن الحسن أو القبح كما لا يعقل انفكاك العلّة التامة عن معلولها ، وذلك مثل العدل والظلم ، فمتى صدق على فعل أنّه ظلم كان قبيحاً لا محالة ، كما أنّه متى صدق عليه العدل كان حسناً بالضرورة ، وفي مثل ذلك يستحيل ارتفاع الحسن أو القبح إلّا بارتفاع موضوعه وتغيّره ، فلا يكون عدم الاتصاف بالحسن أو القبح حينئذ من جهة التخصيص في حكم العقل ، بل من جهة التخصص وكون سلب الحكم من جهة انتفاء موضوعه ، مثلاً إنّ ضرب اليتيم للتشفّي أو الإيذاء ظلم ، وهو قبيح ، لكنّه متى كان بقصد التأديب لا يكون ظلماً ، فلا يكون قبيحاً ، لا أنّه ظلم وليس بقبيح .
ومن ذلك يظهر الحال في العدل والإحسان وإطاعة المولى الحقيقي ، فإنّها لا تنفك عن الحسن أبداً ، إلّا مع تغيّر في عناوينها ، فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه .
القسم الثاني : ما يعقل فيه الانفكاك عن الحسن أو القبح بعروض عنوان آخر مغيّر لحكمه مع بقاء العنوان الأوّلي بحاله ، إلّا أنّ الفعل في ذاته وفي طبعه يكون حسناً أو قبيحاً ، فنسبة الفعل إلى أحدهما كنسبة المقتضي إلى مقتضاه ، وذلك مثل الصدق والكذب ، فإنّهما في نفسهما يتصفان بالحسن و القبح ، لكنه لا يمنع العقل من طروء بعض الحالات والاعتبارات الموجب لانقلابهما عما كانا عليه .
فالصدق في نفسه وإن كان حسناً ، إلّا أنّه إذا ترتّب عليه سفك الدماء ونهب الأموال بل أقلّ وأيسر من ذلك ارتفع حسنه ، وكان من القبائح الواضحة التي يدركها كل عاقل ، وكذلك الكذب فإنّه في نفسه وإن كان قبيحاً ، إلّا أنّه إذا ترتب عليه صيانة النفوس وحراسة الأعراض والأموال لم يكن قبيحاً ، بل كان ممّا استقل العقل بحسنه وندب الشرع إليه .
وإن شئت قلت : إنّ العقل لم يستقلّ بحسن كلّ صدق ولا بقبح كل كذب ، بل
إنّما استقلّ بحسن الصدق الذي لا تترتّب عليه مفسدة ، وبقبح الكذب الذي لم يعرض عليه عنوان حسن عقلاً وشرعاً .
القسم الثالث : ما لا يكون في نفسه متّصفاً بالحسن ولا بالقبح ، وإنّما يكون اتّصافه بواحد منهما بتبع عروض عنوان آخر ، كالمشي بلا غرض يوجبه ، ونحوه من الأفعال المباحة عقلاً وشرعاً ، فإنّها في نفسها لا تكون قبيحة ولا حسنة ، كما أنّه إذا كانت لغاية قبيحة أو حسنة كانت قبيحة أو حسنة ، ومع قطع النظر عن عروض العنوان الخارجي لا يتصف بشيء منهما ، والعقلاء لا يمدحون فاعله بفعله هذا ، ولا يذمونه .
إذا عرفت ذلك ظهر لك جواب الأشعري فيما ذكره من الأمرين ، وتوضيح الجواب : أنّ استقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق ليس على حذو استقلاله بقبح الظلم وحسن العدل لئلا يعقل التخلّف في مورد ما ، وإنما استقل بقبح الكذب فيما لم يتعنون بعنوان حسن عقلاً وشرعاً ، كما إذا كان موجباً لإنجاء مؤمن أو إصلاح ذات بين ونحو ذلك ، والكذب في أمثال هذه الموارد لم يكن محكوماً بحكم العقل بالقبح من الأوّل ، لا أنّه كان قبيحاً وارتفع قبحه ، فعدم ثبوت الحكم له إنما هو لعدم دخوله في موضوع القضيّة العقليّة ، لا أنّه خرج عنها بالتخصيص.
وأمّا النقض بالوعد على الكذب فيدفعه أنّ العقل لم يستقل بحسن الوفاء بالوعد مطلقاً ، وإنّما استقل به فيا إذا لم يكن الموعود به قبيحاً عقلاً وشرعاً ، وإلا كان العمل بالوعد قبيحاً لا محالة ، وليس ذلك من باب التخصيص ، بل هو من باب التخصص وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه .
ثم لا يخفى أنّا لم نرد بلفظ الحكم في قولنا : يحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل واللطف على الله تبارك وتعالى ، معناه الاصطلاحي المتبادر إلى الذهن من البعث والإلزام والإيجاب ونحو ذلك كي يقال باستحالته ، إذ كيف يعقل حكومة
العقل المقهور على خالقه القاهر جلّ شأنه ليلزمه بشيء أو يزجره عنه ، وهو الحاكم على عباده والقاهر عليهم ، بل المراد بذلك هو إدراك الواقع وما هو أمر ثابت في نفس الأمر ، وهو على حذو قولنا : إنّ العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين ، وبأنّ الاثنين مكرّر الواحد ، وأنّ الواحد نصف الاثنين ، فهل يتوهم عاقل أن معنى الحكم في أمثال ذلك هو البعث أو ما يقاربه من المعاني ؟ كلّا.
وبالجملة : إذا قلنا : يحكم العقل بوجوب فعل ما أو قبحه على الله تعالى أردنا به إدراك العقل استلزام الوجوب الذاتي والغناء المطلق لوجود شيء وعدمه فحكمه هذا من فروع الحكمة النظرية ، لا من قبيل الحكمة العملية .
وبما ذكرنا تندفع شبهة أخرى للأشاعرة ، حيث منعوا قبح الظلم على الله تعالى ، بتوهّم أنّه تعالى هو الحاكم المطلق في سلطانه ، ولا يحكم أحد عليه بالقبح . وهذه الشبهة إنما نشأت من الجهل بمعنى الحكم في المقام ، وبعد ما ظهر لك ذلك لا يبقى للشبهة المزبورة وقع علمى أبداً ، إلّا أنّه مع ذلك سنتعرّض لأصل الشبهة وجوابها تفصيلاً فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.(1)
الخامس : في بيان معنى قول الفلاسفة (2): إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، أو إنّ الشيء ما لم يوجد لم يجب . وهذه القاعدة قد ذكرها الفلاسفة في باب لزوم معيّة المعلول ، وهي من الأصول الموضوعة عندهم في الفلسفة العالية وغيرها من أبواب الفلسفة .
قال الشيخ الرئيس في كتاب الشفاء في البحث عن وجوب معيّة المعلول لعلّته ما لفظه : فلا يبعد أن يكون الشيء مهما وجد وجب بالضرورة(1).
وقال صاحب الأسفار في حاشيته على الكتاب : يريد بيان أنّ العلة ما لم يجب كونها علّة لم تكن علّة بالحقيقة ، وأنّ المعلول ما لم يجب وجوده بالغير لم يكن موجوداً(2).
وقد صرّح بهذه القاعدة كثير منهم في مواضع عديدة ، والمهم لنا هو معنى القاعدة وما قصدوا بها عند استدلالاتهم ، وبيان أنها صحيحة أو فاسدة .
الذي ظهر لنا في معنى أصل القاعدة من كلماتهم : أن تكوّن كلّ شيء وتحصله في الأعيان أو الأذهان فرع تمامية علّته بما لها من الأجزاء والشرائط وارتفاع الموانع ، وعند ذلك يجب وجود المعلول، فوجود كلّ شيء مسبوق بضرورة سابقة وتعيّن وجوبي في مرتبة علّته .
ولا يخفى أنّ هذا المعنى من الضروريات الأولية في الجملة ، إذ كل عاقل يحكم بضرورة عقله بأنّ المعلول لا يتحقّق في موطن وجوده بأدنى إخلال في ناحية علّته بعدم تمامية مقتضيه ، أو بعدم وجود شرطه ، أو من جهة وجود مانعه ، وإنما الكلام في سعة هذه القاعدة وضيقها .
فنقول : لو كان المراد بوجوب الشيء قبل وجوده وجوده الاضطراري الناشئ عن استحالة تخلّف المعلول عن علته ولزوم معيّته لها في الزمان ، بحيث لا يتخلّل بين وجوديهما جزء من الزمان ، وإن كان أحدهما مترتباً على الآخر ، ومن
ثَمّ يقال : وجدت العلّة فوجد معلولها ، فهو معنى معقول مطابق للبرهان في المعاليل والمسبّبات الصادرة عن عللها وأسبابها من غير إرادة واختيار ، وذلك فإنّ الشيء بعد ما فرض ممكناً احتاج في وجوده إما إلى إرادة فاعل مختار أو إلى بلوغه مرتبة الوجوب بالغير من جهة علّته ، وإلا كان وجوده مع إمكانه ترجحاً بلا مرجّح ، وهو محال .
وإن أُريد به لزوم وجوب الشيء قبل وجوده ولو فيا كان الوجود مستنداً إلى إرادة الفاعل المختار ، ليرجع محصّل القاعدة إلى استحالة وجود كل ممكن اختيارياً كان أو غير اختياري ما لم يصل إلى حدّ الوجوب وضرورة الوجود ، فهو معنى يخالفه الوجدان ، ولم يقم على طبقه برهان .
وإيفاء البحث في هذا المقام بأن يقال : إنّ الممكن بما أنّه ممكن لا يقتضي في نفسه الوجود والعدم، فهما بالإضافة إليه ككفّتي الميزان ، فلا يعقل أن يوجد في الخارج إلّا وله موجد ، وإلا لزم الترجّح بلا مرجّح ، وهو باطل بضرورة العقل وقد أشير إليه في قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (1)فالممكن يستحيل أن يوجد من غير موجد ، كما يستحيل أن يكون هو الموجد لنفسه .
ثمّ إن كان الموجد فاعلاً بالاضطرار فلابدّ في صدور الممكن منه من وصوله إلى حدّ العلية التامة ، الذي يستحيل معه تخلّف المعلول عنه ، إذ قبل ذلك كان الممكن باقياً على إمكانه فيستحيل وجوده ، لأنّه ترجح بلا مرجّح .
وهذا معنى أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، بمعنى أن الممكن الصادر من الفاعل بغير الاختيار إن لم يصل إلى حدّ الإلجاء والوجوب يستحيل وجوده ، فوجود الممكن مساوق لوجوبه ، كما أنّ عدمه مساوق لامتناعه ، فإنّه لا يكون معدوماً إلّا
1) الطور 52 : 35 .
بعدم علّته التامّة ، وفي هذا الفرض كان وجوده محالاً ، وإلا لزم الترجّح بلا مرجّح .
وبالجملة : أمر الممكن دائر بين الوجوب والامتناع الغيريّين ، فإنّه مع فرض وجود علّته التامة واجب ومع عدمها ممتنع ، لكن مثل هذا الوجوب والامتناع لا ينا في الإمكان الذاتي الذي هو بمعنى عدم اقتضاء الماهية في نفسها للوجود والعدم وعدم إبائها لشيء منهما .
وأمّا لو كان الفاعل فاعلاً بالاختيار فهو وإن كان ممّا لابدّ منه في صدور الفعل وتحقّقه ، لما عرفت من استحالة وجود الممكن بلا موجد له ، إلّا أنّه لا يعتبر فيه وصول الأمر إلى حد الإلجاء والاضطرار، بل لابدّ من أن لا يكون كذلك ، وإلا خرج الفعل عن كونه اختيارياً ، وهو خلف .
وبالجملة : فرض كون الفعل اختيارياً يستلزم كون أمره وجوداً وعدماً بيد الفاعل وتحت سلطانه ، فلو فرض وجود جميع المقدّمات التي يتوقف عليها وجود الفعل ، وكان شوق الإنسان إليه في غاية مرتبة القوّة والشدّة ، لم يكن الفعل مع ذلك خارجاً عن تحت قدرة الإنسان ، بل كان أمره بيده ، فله أن يعمل قدرته في وجوده الذي نعبّر عنه بالاختيار ، وله أن لا يعملها فيه .
فتحصّل : أنّ قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد لا تجري في الأفعال الاختيارية ، ومن أسراها إليها قد التبس عليه الأمر ، فلم يميز بين الفاعل بالاختيار والعلّة الاضطرارية .
نعم إنّ لنا بحثاً آخر، وهو أن العقل يستقلّ بقبح الترجيح بلا مرجّح فالفاعل بالاختيار إذا كان حكيماً لابدّ في فعله من مرجّح له ، وهذا بحث آخر أجنبي عما نحن فيه ، وسيجيء الكلام فيه عن قريب إن شاء اللّه (1)
1) في ص 39 .
وممّا ذكرنا بطل قول من زعم قدم العالم ، بدعوى أنّه يستحيل تخلّف المعلول علته التامة ، وأنّ المفروض أنّه لا علّة غيره تعالى ، وهو قديم ، فالعالم يلزم أن يكون قديماً .
والجواب : أن لا علّية في ذلك المقام الشامخ ولا اضطرار فيه إلى إيجاد فعل ما وإنّما هو تحت إرادته وسلطانه ، فمتى شاء إيجاد فعل حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية أوجده ، ومتى لم يشأ لم يوجده ، ولعلنا نتكلّم في ذلك فيا بعد مستوفى(1)، واللّه الهادي إلى سواء السبيل .
السادس : العناوين الاشتقاقية المحمولة على الله تعالى على قسمين :
الأوّل : ما يكون مبدأ العنوان الاشتقاقي متحداً مع الذات المقدّسة خارجاً كالعالم والقادر والحي ، فإنّ القدرة والعلم والحياة من الصفات التي هي متّحدة مع الذات المقدّسة ، ولا مغايرة بينها وبين الذات ، بخلاف الذوات الممكنة المتصفة بها حيث إنّ بينها التغاير خارجاً تغاير الصفة والموصوف والعرض والمعروض ، وأمّا الذات المقدّسة فيستحيل اتصافها بالعرض ، لاستحالة التركيب فيها ، فعلمه عين
قدرته وهما عين ذاته .
الثاني : ما لا يكون مساوقاً للذات ولا اتحاد بينها ، بل تكون حادثة ومنتزعة من فعله ، ويسمّى هذا القسم بالصفات الفعلية ، كالرازقية والخالقية وغيرهما ، وسيجيء الفرق بين القسمين من ء الفرق بين القسمين من الصفات بعد هذا إن شاء اللّه (2).
ثمّ إنّ في كون هذه الأمور المتغايرة من الصفات الذاتية - وهي العلم والقدرة والحياة مثلاً - عين الذات مع أنها واحدة بسيطة من جميع الجهات غموضاً أوجب إشكالات ثلاثة ، لا بأس بالتعرّض لها والجواب عنها .
الأوّل : أنّ مبادي هذه الصفات لما كانت متّحدة مع الذات فكان حملها عليها من قبيل حمل الشيء على نفسه ، الذي لا فائدة فيه .
والجواب عنه كما ذكره المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) (1)أنّ المدعى هو اتحاد الذات مع تلك الصفات خارجاً لا مفهوماً ، والذي يستلزم حمل الشيء على نفسه هو الاتحاد في المفهوم ، دون الخارج والمصداق .
الثاني : أنّه يعتبر في حمل العنوان الاشتقاقي على شيء مغايرة مبدئه لذلك الشيء ، وإذ قلنا باتحاد المبادي مع الذات المقدّسة استلزم ذلك القول بمجازية استعمال هذه المشتقات عند حملها على الله تعالى ، وهو خلاف الأصل ، بل خلاف الوجدان ، لأنا لا نرى عناية في هذه الاستعمالات أصلاً .
وقد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بما حاصله : أنّ المعتبر هو التغاير المفهومي ، وهو حاصل ، وأما التغاير الخارجي فهو غير معتبر أصلاً (2).
والصحيح في الجواب : أنّ التغاير لا يعتبر أصلاً ، لا في المفهوم ولا في المصداق ، ويشهد لذلك صحة قولنا : الضوء مضيء ، وغير ذلك ، والمستشكل قد التبس عليه الأمر ، فخلط المغايرة المعتبرة بين الموضوع والمحمول من وجه بالمغايرة بين الذات ومبدأ المشتقات ، والذي يقتضيه البرهان هو الأول دون الثاني ، ففي
قولنا : الله عالم ، محمول القضية هو لفظ عالم ، وقد حقّقنا في بحث المشتق (1)أنّه دالّ على الذات المقيّدة بثبوت المبدأ لها نحو ثبوت، ومن الضروري أن مفهوم الذات المقيّدة بثبوت العلم لها مغاير لما هو المفهوم من لفظ الجلالة ، فقد حصل التغاير المعتبر في القضية بين الموضوع والمحمول ، وأما التغاير بين موضوع القضية ومبدأ الاشتقاق فلم يدلّ على اعتباره دليل
الثالث : إشكال استحالة انتزاع مفاهيم متعدّدة مختلفة من ذات واحدة بلا اختلاف جهات وحيثيات ، وقد ذكر صاحب الأسفار (2)بداهة استحالة انتزاع مفهوم واحد من أمور متعدّدة بلا جهة اشتراك بينها ، فالعكس أيضاً كذلك .
والجواب : أنّ الذات المقدّسة بما أنّه لا نقص فيها أصلاً فالعقل إذا توجّه إلى كماله الذاتي غير المتناهي ينتزع منه مفاهيم عديدة حسب اختلاف اعتباراته وجهات لحاظه ، فإذا لاحظ حضور جميع الموجودات لديه ينتزع من هذا الحضور مفهوم العالم ، وإذا لاحظ كون الممكنات بأجمعها تحت سلطانه ينتزع عنه مفهوم القادر، فاختلاف الجهات إنما هو في لحاظ العقل واعتباره ، وهو لا ينافي بساطة الذات على الإطلاق وعدم تركبه أصلاً .
عباراتنا شتّى وحسنك واحد *** وكلّ إلى ذاك الجمال يشير
وأمّا الصفات الفعلية التي ليس بينها وبين الذات اتّحاد فإنّها تنتزع من نفس الأفعال ، كالخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها ، فهي حادثة بحدوث الأفعال . ولا يخفى أنّ إرادته ومشيّته تعالى وتقدّس من قبيل القسم الثاني ، ويظهر ذلك بعد إيضاح الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية
وما ذكروه من الفرق بينهما أُمور ثلاثة :
الأوّل : عدم جواز اتصاف الذات المقدّسة بنقيض في الصفات الذاتية ، فيستحيل أن لا تكون الذات عالماً ولا قادراً ولا حيّاً ، بخلاف الصفات الفعلية فإنّها تنفكّ عنالذات وتتصف بنقيضها ، فيصح أن يقال : أنّه تعالى لم يكن خالقاً قبل خلقه ، ولم يكن رازقاً قبل رزقه .
ولا يخفى أنّ الصفات الفعلية على قسمين، فإنّها تارة تكون من العناوين الأولية لنفس الفعل كالخالقية والرازقية ، وأخرى تكون من العناوين المنتزعة منه كالصدق والعدل .
وفي القسم الأوّل يصحّ اتصاف الذات به وبعدمه ، بخلاف القسم الثاني فإنّ سلبه إنّما هو هو بسلب منشأ انتزاعه لا بسلب نفسه ، فلا يصدق على الله تعالى أنّه ليس بصادق ، ولكن يصدق أنّه لم يحدث كلاماً كان على تقدير صدوره صدقاً .
الثاني : أنّ الملاك في كون الصفة ذاتية عدم صحة تعلّق القدرة بها إيجاداً وإعداماً ، فلا يعقل أن يعمل القدرة في سلب العلم والقدرة عن نفسه ، بخلاف الصفات الفعلية فيجوز فيها تعلّق القدرة بالفعل والترك ، كالخلق والرزق ، فإنّه تعالى قادر على أن يخلق ويرزق ، كما أنّه قادر على أن لا يخلق ولا يرزق . وكذلك الأوصاف الفعلية المنتزعة عن الفعل، كالصدق والعدل على ما عرفت .
الثالث : صحة تعلّق الإرادة بوجودها وعدمها ، فالصفة إذا كانت من الصفات الذاتية امتنع تعلّق الإرادة بوجودها أو بعدمها ، بخلاف ما إذا كانت من الصفات الفعلية ، فيجوز فيها تعلّق الإرادة بكل من وجودها وعدمها .
ولا يخفى أنّ هذا الوجه إن كان مرجعه إلى الوجه الثاني - وهو إمكان تعلّق القدرة وعدمه - فهو ، وإلا فهو ليس بسديد ، لأنّ الإرادة نفسها من الصفات الفعلية على ما نشرحها بعد هذا ، ومع ذلك لا تكون متعلّقة لإرادة أخرى ، فلا يكون ما
ذکر ضابطة بين القسمين .
إذا عرفت الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية فاعلم أنّه قد وقع الخلاف بين المتكلّمين في بعض الأوصاف - كالإرادة - في أنها من أي القسمين ، ومن جميع ما ذكرنا تحصل أنها أيضاً من الصفات الفعلية ، نعم القدرة على الإرادة قديمة ومن الصفات الذاتية ، وهذا ليس مختصاً بها ، بل القدرة على جميع الصفات الفعلية من هذا القبيل، وأمّا نفس الإرادة والخلق والإحياء والإماتة - مثلاً - فهي من الصفات الفعلية.
وأمّا الاستدلال على كونها من الصفات الفعلية بتعلّقها بالأمور الجزئية المتغيّرة الموجبة لتغيّر الصفة ، فلو كانت من الصفات الذاتية لزم التغير المستحيل فى الذات المقدّسة فمحل نظر .
والجواب عنه عين الجواب عن إشكال العلم ، فكما أنّ تعلقه بالأمور الجزئية المتغيّرة لا يوجب تغيّراً في الذات ، لأنّ المتغيّر من العلم جهة إضافته إلى المعلوم ، لا نفس العلم وحقيقته المساوقة للذات ، وكذلك الإرادة لو كانت من الصفات الذاتية . والعمدة في الفرق هو ما ذكرناه من صحة تعلّق القدرة بها وعدمها .
فى الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي
السابع : ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية الله تعالى القائمة بالذات ، وسموه بالكلام النفسي (1)، فلابدّ قبل تحقيق ذلك من بيان مرادهم من الكلام النفسي .
فنقول : قد حكي عنهم أنّ للكلام - غير ألفاظه ومفاهيمه وغير التصديق
1) شرح المواقف 8 : 91 ، شرح المقاصد 4 : 143 .
بثبوت النسبة في الخارج وعدمه في الأخبار ، وإيجاد النسبة من الطلب والتمنّي والترجي وغيرها في الإنشاء أمراً يسمّى بالكلام النفسي ، قائماً بالنفس وراء العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسية المعروفة ، وهو مدلول الكلام اللفظي .
ولكن لا يخفى ما في هذه الحكاية ، فإنّ ظاهر كلماتهم كما يشهد عليه النظر فيها هو أنّ هناك أمراً قائماً بالنفس يكشف عنه الكلام اللفظي ، وهو فرد من نوع الكلام ، لا أنّه من مداليل الكلام اللفظي كي يستشهد عليه بقول القائل :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فعليه تكون نسبة الكلام اللفظي إلى الكلام النفسي نسبة الكاشف إلى المنكشف ، نظير كشفه عن حياة المتكلّم وعقله وشعوره ، لا نسبة الدالّ إلى المدلول .
ثمّ إنّهم استدلّوا على إثبات الكلام النفسي بوجوه أربعة :
الأول : ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على ثبوت التكلّم له تعالى ، كقوله عزّوجلّ : (وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً) (1)وحيث كان الكلام اللفظي مركباً من الحروف المتعاقبة المتدرّجة المتصرّمة ، فلو كان هو المقصود في هذه الآيات لزم أن تكون الذات المقدّسة محلاً للحوادث ، وهو يخالف القدم والبساطة بخلاف ما لو كان المراد منه الكلام النفسي ، حيث أنّه ليس من مقولة الألفاظ ، فلا يلزم المحذور .
الثاني : أنّ لازم صدق المتكلّم عليه تعالى هو أن يكون قيام التكلّم به قيام الصفة بالموصوف ، إذ لو كان من باب قيام الفعل بالفاعل لما صح هذا الصدق ، ومن ثم لا يصح إطلاق النائم والقائم والذائق عليه تعالى مع أنّه خالقها ، وذلك ليس إلّا من جهة أنّ قيام مثل هذه المبادى بالذات من باب قيام الفعل بالفاعل ، لا الصفة بالموصوف .
1) النساء 4 : 164 .
ولا يخفى أنّ عدّ هذا وجهاً مستقلاً لا يخلو عن مناقشة ، إذ هو كما تراه أصل موضوعي لتتميم الوجه الأوّل ، لأنّ إثبات اللازم الفاسد في الفرض الأول بعد إثبات أنّ قيام التكلّم بالذات قيام الصفة بالموصوف ، والمتكفّل لإثباته هو هذا الوجه .
والجواب عنه : هو أنّ المراد من المبدأ في المتكلّم لا يخلو عن أحد أمرين : إمّا نفس الكلام الذي هو الكيف المسموع المتحصل من تموج الهواء واصطكاكه ، أو التكلّم .
وعلى الأوّل فلا يصحّ اتّصاف أي شخص به اتصاف الموصوف بصفته ، من دون فرق بين الله تعالى وغيره، ضرورة أنّ المتكيّف بهذا الكيف والمتصف به هو الهواء ، لا الشخص المتكلّم به .
وعلى الثاني فالواجب أو الممكن وإن كان متصفاً به ، إلّا أنّ من الظاهر كونه من قبيل الأفعال دون الأوصاف ، فيكون معنى قولنا : الله متكلّم ، أنّه موجد للكلام (1)، وعليه يكون المقصود من الكلام المأخوذ مبدأ هو الكلام اللفظي بلا استلزام المحذور .
وبما ذكرناه من كون المبدأ هو التكلّم دون الكلام بطل النقض بعدم صدق النائم أو الذائق عليه تعالى مع أنّ مباديها مخلوقة له تعالى ، على أنّ المبدأ لو فرض كونه الكلام أيضاً لم يكن النقض وارداً ، إذ لا اطّراد في صدق ما كان على زنة فاعل كغيره من الأوزان ، فقد يكون ذلك فيما كان المبدأ من الأوصاف كالأمثلة المزبورة وقد يكون المبدأ من الأفعال كالخالق والرازق والباسط والقابض ، فلا ملازمة بين
1) لا يخفى أن المناسب : للتكلّم .
عدم صدق النائم ونحوه عليه تعالى وبين كون الكلام أمراً نفسياً وراء الكلام اللفظي .
هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لا إشكال في صحة إطلاق المتكلّم عليه تعالى بلحاظ كلامه اللفظي ، فلو كان صحة الإطلاق كاشفة عن قيام المبدأ بالذات قيام الصفة بموصوفها لزم كون الكلام اللفظي أيضاً من صفاته تعالى ، فيلزم كونه محلاً للحوادث ، فلا مناص من الالتزام بكون الإطلاق من جهة قيام الكلام به قيام
الفعل بفاعله .
وأمّا الوجه الأوّل فيظهر الجواب عنه بما ذكرناه في الأمر السادس(1)من الفرق البين بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية ، وأنّ التكلّم من قبيل القسم الثاني كما عرفته ، نعم لو كان المقصود من التكلّم القدرة عليه فهي من الصفات الذاتية ، كما هو في جميع الصفات الفعلية ، فإنّ القدرة على جميعها ذاتية ، هذا أوّلاً .
وثانياً : أنّ قدم الكلام كما يستلزم قدم متكلّمه كذلك يستلزم قدم مخاطبه في هذه الموارد ، أي أمثال وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً إذ المقصود من الكلام فيها هو الكلام القائم بالطرفين ، فعليه يلزم قدم موسى (على نبينا وآله وعليه السلام).
الوجه الثالث : ما ورد من الآيات الدالّ على علمه تعالى بما يكون في النفس وحسابه عليه ، كقوله عزّ من قائل : إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ) (2)فما يكون مخفياً فى النفس وغير ظاهر هو المراد من الكلام النفسي .
ويرد عليه : أنّ المقصود من كلمة (ما) الموصولة في هذه الآية الشريفة هو نية السوء والحسن ، وأن معناها على الظاهر : إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من
النيات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به الله ، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات .
وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا أريد إيرازه .
وفيه : أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز ، هذا مضافاً إلى أنا لا تنكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي ، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما بيانه (1)، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير سيجي العلم ونحوه من الأمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي ، وليس في شيء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك ، فضلاً عن الدلالة .
الوجه الرابع : هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة ، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثم إلقائها إلى المخاطب ، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصة بالألفاظ ، كالخطابة والشعر وغيرهما ، فهذا المرتب والمنظّم في النفس أوّلاً هو المقصود من الكلام النفسي .
والجواب عنه : أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختص بالكلام ، بل كلّ فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقف صدوره منه على تصوّره والعلم به وترتيبه ، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له فردان : فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل الخارجي ، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي ، ولا نظن أن يلتزم به الأشعرى.
1) بعد قليل .
ثمّ إنّ الدليل الحاصر المتحصّل من السبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي من رأسه هو أن يقال : إنّ ما نجده للكلام اللفظي من الأمور منحصر في سبعة : الأوّل : ألفاظه المفردة من دون ملاحظة معانيها وهيئتها ، الثاني : معاني تلك الألفاظ ، الثالث: الألفاظ مقيّدة بهيئتها التركيبية ، الرابع : المعنى المتحصل من الكلام بهيئته ، الخامس : تصوّر تلك الأمور جميعاً ، السادس : التصديق بثبوت النسبة ، ثبوتية كانت أو سلبية ، السابع : مطابقة النسبة للواقع وعدمها .
والأخيران منها يختصّان بالجملة الخبرية . وأما في الجمل الإنشائية فالأمور الخمسة المتقدمة مع أمر سادس ، وهو الصفة القائمة بالنفس من الاعتبارات الإنشائية ، كالطلب ونحوه .
وليس للكلام أمر وراء هذه الأمور المذكورة كي نسمّيه بالكلام النفسي المنكشف بالكلام اللفظي .
أمّا الثلاثة الأول فليست هي بالكلام النفسي ، إذ ليس اللفظ ولا معناه ولا هيئته التركيبية كلاماً نفسياً حتّى عند الأشعري .
وأما الرابع - وهو معنى الهيئة التركيبية - فلما عرفته من أنّ الكلام النفسي ليس من مدلول الكلام اللفظي ، بل هو منکشف به .
وأمّا الخامس فلأنّ الكلام النفسي عندهم ليس من قبيل التصوّر والعلم ، ولا غيرهما من الصفات المعروفة .
وأمّا السادس - وهو التصديق بثبوت النسبة - فلوضوح أنّ المتكلّم ربما يعلم - بكذب كلامه وأنّ النسبة ليست بثابتة في الخارج ، مضافاً إلى تصريحهم بأنه ليس من قبيل التصديق أيضاً .
وأمّا السابع - وهو مطابقة النسبة في الخارج وعدمها - فليس من الكلام النفسي بالبداهة .
فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه وإن لم يقم البرهان العقلي على استحالة الكلام النفسي ، إلّا أنّ الوجدان أقوى شاهد على عدمه ، وما ذكروه من الوجوه لإثباته قد عرفت أنّه لا يصلح شيء منها لذلك.
فى أنّ الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية
الثامن : لابدّ في كلّ مطلوب من أن ينتهي إلى إحدى الضروريات الست فإنّها التي يكتسب بها جميع المطالب النظرية ، وهي كما ذكرها الفلاسفة في محلّها (1)منحصرة في الست :
الأولى : الأوّليات ، وهي التي لا تحتاج في تصديقها إلى أزيد من التفات النفس إليها بعد تصوّر طرفيها ، كالتصديق بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان وبأنّ الكلّ أعظم من الجزء .
الثانية : الحسّيات ، كالشمس مضيئة ، والنار حارّة ، وأمثالهما ممّا لا يحتاج في التصديق به إلّا إلى التفات الحاسة إليه .
الثالثة : الوجدانيات ، وهي التي تحضر في النفس بإحدى قواها الباطنية كإدراك أنّ لنا شهوة وغضباً ، وكعلمنا بذواتنا .
والفرق بين الثانية والثالثة أنّ الإدراك في الثانية لا يكون إلّا بالحواس الظاهرية ، وفي الثالثة بالحواس الباطنية ، وأنّ المدرك في الثانية لا يكون إلّا من الأمور الجزئية ، وأمّا في الثالثة فهو قد يكون أموراً كلية ، وذلك فيما كانت آلة الحضور عند النفس هي القوة العقلانية .
الرابعة : الفطريات ، وهي التي يكون الحكم بها مستغنياً عن التفات الحاسّة
1) الإشارات والتنبيهات 1 : 213 / النهج السادس ، شرح المنظومة (المنطق) 1 : 323.
إليها ، وقد يعبّر عنها بالتي قياساتها معها ، كانقسام الزوج إلى عددين متساويين .
الخامسة : التجربيّات، وهي التي تتحصّل من تكرّر المشاهدة ، أو مقارنتها لقياس استثنائي خفي في بدو النظر ، مثل قولنا : لو كانت هذه القضية اتفاقية لما تكرّرت دائماً ، إلّا أنّها متكرّرة دائماً فليست باتّفاقية .
والفرق بين التجربيّات والاستقراء الناقص أنّ التجربيات ممّا تفيد العلم والاستقراء الناقص لا يفيد إلّا ظنّاً ، وأمّا الاستقراء التام فالظاهر أنّه يلحق بالتجربيات .
السادسة : المتواترات، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان .
وهذا البحث له تفصيلات أعرضنا عن ذكرها لعدم ارتباطها بالمقام ، وإنّما المقصود من ذكر هذه الأمور الست التنبيه على أنّها هي التي ينقطع السؤال عند انتهاء المطلوب إليها ، وقد أوجبت الغفلة عن تعيين محالّها وتميّزها أن يكون الاستنتاج بها عقيماً ، فربما يدعي أحد المتخاصمين الوجدان على إثبات مطلوبه وفي الموضوع نفسه يدّعي الآخر الوجدان على نفيه ، وليس هذا إلّا ناشئاً عن عدم الوصول إلى معنى الوجدان .
فإن قلت : على هذا تخرج القضية الوجدانية عن الضرورية ، وإلا فكيف يستدلّ بها الخصمان في موضوع واحد وتكون مدركاً لمطلوبين متناقضين ، وقد وقعت فى الحكمة الطبيعية والإلهية مسائل قد ادّعى كلّ واحد من الطرفين البداهة والوجدان على خلاف صاحبه ، وهذا ممّا يوجب الوهن في التمسّك بالوجدان .
قلت : نعم ، ولكن أمثال هذه الموارد التي تعارضوا في ادعاء الوجدان فيها إنما كان للمغالبة في المسألة ، أو من جهة خلط مقدّمة ضرورية إلى مقدمة نظرية كحديث إثبات الهيولى ، حيث كان استدلال كلّ من الطرفين مركباً من مقدّمتين : نظرية وبديهية ، وهناك موارد أخرى أوجبت دعوى الوجدان فيها القصور في
الالتفات إليها ولو من ناحية ما ، فلربما لا تلتفت النفس تمام الالتفات إلى أمر وهي تتخيّل حضوره فيها بجميع ما له من الشؤون ، فيدعى الوجدان مع أنّ الالتفات لو كان تاماً لكان الوجدان على خلافه ، وما ذلك إلّا لاختلاف ما هو شرط في دعوى الوجدان .
ونظير هذا فى المطالب المفتقرة إلى الاستدلال ما عن بعض المعاصرين من الفلاسفة ، حيث يقول : إن كثيراً ما تكون جميع المقدّمات المرتبة لتحصيل مطلوب صحيحة تامة ، ولكن الغفلة عن اشتراط شرط في المقدّمة أو اشتراط عدمه يوجب كون الاستنتاج عقيماً ، وهذا منبّه جيّد .
فما يدور في ألسنة البعض من أنّ الوجدان ليس حاكماً لأنّ الخصم أيضاً. يدعيه ، فهو من القصور وعدم التنبه لما ذكرناه من أنّ قصوراً ما في شؤون الحكم الوجداني من اكتساب طرفي القضية وغيره يوجب منافرة الحكم عن النفس .
التاسع : لا يعقل وقوع التعارض بين دليلين موجبين للقطع ، ضرورة رجوعه إلى اجتماع النقيضين، من دون فرق بين كون الدليلين عقليين أو نقليين أو مختلفين ، فإنّ القطع بشيء يستلزم إلغاء احتمال خلافه ، فضلاً عن القطع به .
ومن ذلك يتبيّن أنّه لا يجتمع القطع الحاصل من دليل مع الظنّ الحاصل من دليل آخر على خلافه ، كما أفاده شيخنا العلّامة أعلى الله مقامه في الرسائل بقوله : فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشيء كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه(1).
ثمّ إنّ مباحث التعارض وإن كانت في نفسها كثيرةً مذكورة في الأصول ، إلّا أنّ الذي يرتبط بمسألتنا منها هو أمران ، الأوّل : معنى التعارض ، الثاني : تعيين
1) فرائد الأصول 1 : 63 / الأمر الثاني .
المرجع بعد تحقّق التعارض بين الدليلين .
أمّا الأمر الأوّل فنقول : التعارض على ما عرّفه جمع من المحقّقين ومنهم شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) هو تنافي الدليلين وتمانعها مع اتحاد الموضوع(1)فما لم يتحقّقا في دليلين لا يكونان من المتعارضين ، فعليه ليس بين الدليل المجمل والدليل المبيّن والعام والخاص والحاكم والمحكوم تعارض أصلاً ، فإنّ الدليل المبيّن يكشف عن مراد المتكلّم من الإجمال ، وكذلك الخاص والحاكم يعيّنان المراد الواقعي من العام والمحكوم .
وأمّا أنّ تقدّم الخاص والحاكم على العام والمحكوم من جهة كون الأولين نصّين في مدلولهما أو من جهة كونهما من باب القرينة وذي القرينة فهو بحث خارج عما نحن بصدده .
فالمدار في تحقّق التعارض عدم إمكان الجمع بينهما ودفع التمانع عنهما بالطرق التي يبني عليها العقلاء في محاوراتهم ، فما دام يمكن الجمع بينهما ورفع التمانع عنهما لا يكون التعارض محققاً .
ولا يخفى أيضاً أنّ التعارض إنّما يكون دائماً في الأدلّة النقلية ، وأما الأدلّة العقلية فلا نفهم للتعارض فيها معنى محصلاً ، فإنّ فرض الدليل عقلياً آبٍ عن كونه مشكوكاً ، بل لا يبقى احتمال الخلاف حتّى يعارضه دليل آخر ، إلّا أن يكون مغالطة في صورة البرهان ، وهو ليس بدليل حتّى يكون تخصيصاً فيما ادعيناه ، كما ذكرناه في مسألة دليلية الوجدان ، وقد ذكرنا وجه التهافت في بعض الأدلة العقلية في بعض المسائل الحكمية ، وأنه ناشئ عن قصور في شرط من شرائط المقدمات أو ترتيبها .
وأمّا الأمر الثاني : فبعد فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما بأحد
1) فرائد الأصول 2 : 750
الوجوه المذكورة لابدّ من ملاحظة الترجيح بينهما ، والأخذ بما يقتضيه ، وهو كما ذكروه في محلّه (1)يكون بأمور ، منها الترجيح بجهة الصدور، وهو الذي يكون الترجيح بها في مسألتنا على الأكثر، وستعرف إن شاء الله (2)شهرة القول عند العامّة في زمان الأئمّة ( عليهم السلام) بعدم اختيار العباد في أفعالهم، بل لا يخفى أنّ أكثر الروايات الواردة في باب المعارف من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) المخالفة للدليل العقلي إنما صدرت تقيّة وخوفاً من الظالمين .
فهذه هي الأمور التي رأينا من اللازم تقديمها على المقصود ، لترتّب فوائد عظيمة عليها .
ونشرع بعد ذلك فيما اشتهر في أفعال العباد من الأقوال ، وهي أربعة :
الأوّل : ما ذهب إليه الأشاعرة(3)من أنّ كلّ ما يصدر عن العبد فهو اضطراري له ، بمعنى أنّه ليس له اختيار أن يفعل وأن لا يفعل ، فالفعل والترك لايستند شيء منهما إلى اختياره ، وإنما هو مقهور في كلّ ما يصدر عنه ، زعماً منهم أنّ في القول بذلك التزاماً بالتوحيد وفراراً من الشرك ، وقد غفلوا عما يترتّب عليه من التوالي الفاسدة .
وربما يعبّر عن الأشاعرة بالقدرية، باعتبار إسنادهم جميع ما يصدر عن العبد إلى القضاء والقدر .
الثاني : مذهب المفوّضة (1)، وهو يقابل المذهب الأوّل مقابلة تامّة ، حيث يرى الذاهبون إليه عدم استناد الأعمال والأفعال إلى الله تبارك وتعالى بوجه من الوجوه ، وأنّ العبد هو الفاعل التام المستقل في جميع شؤونه ، وليس الله عزّ سلطانه أيّ مدخلية في وجود الفعل غير إحداث القدرة ، نعم له تعالى أن يمنع عن نفوذ إرادة العبد.
وربما يسمّون هذه الطائفة أيضاً بالقدرية ، لأنّهم يسندون الأفعال إلى قدرة العبد لا غير.
وهذه الطائفة أرادوا أن يتحفّظوا على عدل الله جلّ شأنه فسلبوا عنه سلطانه ، كما أنّ الطائفة الأولى أرادوا التحفّظ على سلطانه فسلبوا عنه عدله ، فهم بين إفراط و تفريط .
الثالث : ما يظهر من كلمات الفلاسفة ، أعني بهم من كان قبل القرون الوسطى : ، ومن يميل إلى مبانيهم من فلاسفة المسلمين ، كالفارابي وابن سينا وابن رشد والشيخ المقتول وغيرهم، وخلاصة ما يظهر منهم أن صدور الأفعال وإن كان مستنداً إلى العباد وأنهم الفاعلون لها ، إلّا أنّ فاعليتهم بالواسطة ، أي أنّ إرادتهم من علل الأفعال الطولية الواقعة في النظام الجملي ، وأنّ كلّها مستند إلى الإرادة الأزلية .
وبين هذا القول وقول الأشاعرة فرق واضح ، لأنّ إسنادهم الأفعال إلى الله عزّوجلّ إسناد بغير توسيط إرادة العبد واختياره ، فلا قدرة له على الفعل والترك أبداً ، وأمّا الفلاسفة فالفعل عندهم صادر بقدرة العبد وإرادته واختياره وإن كان جميع ذلك منتهياً إلى إرادة الله الأزلية ، ونتيجة ذلك أنّ العبد مختار في فعله ومضطرّ
1) راجع شرح المواقف 8: 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس .
في اختياره وإرادته ، كما يشير إليه بقوله في البيت : وباختياره اختیار ما بدا .
وهذا القول وإن كان دون القول الأول في وضوح فساده ، إلّا أنّه يشترك معه في أصل الفساد ، وفي ترتب التوالي الفاسدة عليه .
وهناك عقائد مختلفة ببيانات متشتتة للفلاسفة المتأخّرين ، فمنهم من يريد إثبات الاختيار بمقدّمات تنتهي إلى الجبر، ومنهم بالعكس ، وبعضهم يرى منشأ صدور الأفعال هو الأوصاف النفسية التي ليست تحت اختيار الإنسان بوجه من الوجوه ، إما من جهة كونها مخلوقة الله تعالى بجميع شؤونها ، أو من جهة انتقالها عن الآباء والأمهات بقاعدة الوراثة .
ومن المباني المهمّة عندهم المذهبان المعروفان : قانون العلة العامة وقانون الغاية ، فالجبر مقتضى المذهب الأوّل والاختيار مقتضى المذهب الثاني ، ونحن نتكلّم فيهما أيضاً بقدر الحاجة والكفاية إن شاء الله تعالى.
الرابع : مذهب الإمامية العادلة ، وهو المذهب الحق الصحيح ، وذهابهم إليهم إنما هو من نتائج تمسكهم بأهل بيت العصمة ، الراسخين في العلم ، المطّلعين على الحقائق برمّتها .
وخلاصة مذهبهم في الأفعال : أنّ القدرة على الفعل والسبيل إليه إنّما هو من اللّه عزّوجلّ ، وأمّا إعمال القدرة والسلطنة فمن العبد ، فالعبد هو فاعل الفعل وموجده حقيقة ، فعليه تكون لكلّ ما يصدر من العبد جهتان وإضافتان : إضافة إلى الله تعالى لأنه معطي القدرة ، وإضافة إلى العبد لأنه أعملها وأخرجها إلى الفعل .
وهذا هو معنى ما تواتر عنهم (سلام اللّه عليهم) في باب الأفعال ، المعبّر عنه في ألسنتهم (سلام اللّه عليهم) (1)بالأمر بين الأمرين، والمنزلة بين المنزلتين ، ولطف من ربّك
1) راجع الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح 13 ، البحار 5 : 22 / 30 ، 91 ، المصدر المتقدم من الكافي ح8.
بين ذلك . فإذا عرفت هذا المذهب بحقيقته فقد تحفّظت على التوحيد ، ولا تلزمك التوالي الفاسدة .
وإن شئت التعبير عن خلاصة مذهبهم بعبارة لطيفة فقل : بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد .
ولتوضيح كلّ من الأقوال لابدّ من التمثيل بأمور قريبة من الذهن ، فنبدأ أوّلاً بمثال الأمر بين الأمرين ، وهو مثالان :
الأول : نفرض إنساناً مبتلى بمرض الفالج ، بحيث ليس في استطاعته أن يتحرّك ولو تحرّكاً ما ، ونفرض أن طبيباً قد ربط به سلكاً كهربائياً فحركته القوة بسبب إيصال الطبيب السلك إليه ، بحيث لو قطع الطبيب السلك عنه فهو على حالته الأولية من الفلج والسكتة ، فلما قدر على الحركة قام فمشى فقتل شخصاً ، فهذا القتل الصادر منه له جهتان من الإضافة :
الأولى : إضافته إلى الطبيب الموصل للقوّة الموجبة لتحرّكه ، بحيث كانت إفاضة القوّة في حين الفعل مستمرة من الطبيب حقيقة .
والثانية : إضافته إلى نفس الفاعل الذي قد صدر الفعل عن اختياره في أن يفعل وأن لا يفعل ، بمعنى تمكنه من إعمال القدرة في تركه أو فعل غيره من الأفعال . وهذا أوضح مثال سمعناه من سيّدنا الأستاذ (مدّ ظله) في مجلس درسه .
المثال الثاني : أن نفرض كأسين في مكان عال مملوء أحدهما من السم القاتل ، وثانيها من العسل أو أحد الشرابت الطيبة ، فرفع أب ابنه معرفاً للابن ما في الكأسين ومكانها ، فأخذ الابن السم القاتل وشربه ، ففي هذه الحالة للشرب إضافتان :
الأولى : إضافته إلى الأب ، حيث إنّه رفعه وكان له إلقاء الابن في تلك الحالة
الثانية : إضافته إلى الابن ، حيث أنّه كان متمكناً من ترك الشرب من الكأس
المملوء بالسمّ ، واختيار الكأس المملوء بالعسل .
وأمّا المثال على قول المجبّرة فيها إذا فرضنا إنساناً مبتلى بارتعاش اليدين ، بحيث ليس في استطاعته إسكانهما بالمرّة ، وفرضنا أيضاً أنا قد شددنا بیده آلة قتل ، وأقعدنا تحت يديه إنساناً بحيث تصل إليه الآلة عند ارتعاش اليدين فقتله بضرب الآلة ، المعلول من ارتعاش اليد الاضطراري ، فإنّه ليس لهذا القتل جهة استناد إلى العبد بوجه من الوجوه ، إذ المفروض أنّه صادر عن ضرب الآلة المشدودة بيده ، المعلول من ارتعاش اليد ووقوع الإنسان تحت يديه ، وكل ذلك اضطراري له ، فالعبد ليس إلّا آلة محضة .
وأمّا المثال على قول الفلاسفة فبأمرين :
الأوّل : أن تفرض زجاجتان مقعرتان ، إحداهما مواجهة للشمس بحيث يصل الضوء من الشمس إليها ، وثانيتها موضوعة مقابل الأولى بحيث يقع الضوء فيها بمجرد الانكسار من الأولى ، فالنور الواقع في الثانية مثل الفعل الصادر عن العبد ، فكما أنّ الزجاجة الثانية تتصف بنفسها بالنور ، كذلك العبد هو المتصف بالفاعلية حقيقة ، إلّا أنّ هذه الفاعلية مسبّبة عن الإرادة المسبّبة عن الإرادة الأزلية ، كمسبّبية نور الزجاجة الثانية عن نور الأولى ، المسبب عن ضوء الشمس .
الثاني : عروض الارتعاش للبدن المسبّب عن الخوف ، المعلول من رؤية السبع، فمثل الفعل عندهم مثل الارتعاش المسبّب عن الخوف ، ومَثَل الإرادة المعلولة للإرادة الأزلية مثل الخوف المسبّب عن رؤية الأسد
وأمّا المثال على قول المفوّضة فبأمور ثلاثة
الأوّل : لو أعطى الملك سلاحاً لجنده ليقاتل به عدوّه ، فقتل الجند ابن الملك فهذا القتل فعل الجند من دون احتياجه فيه إلى الملك ، لا في بقاء القدرة حين إعمال السلاح ولا في إعمال القدرة واختياره ، فإنّ قاطعية السلاح وكذلك قدرة الجند في
إعماله لم تكن مفتقرة إلى إفاضة من الملك ، فليس له ارتباط بالفعل إلّا من ناحية إعطائه السلاح إيّاه .
الثاني : الأفعال الصادرة من الوالي المنصوب من قبل السلطان المفوض إليه أمور البلد ، فالأفعال الواقعة من الوالي كلّها منتهية إليه وغير مستندة إلى السلطان إلّا من جهة نصبه والياً .
الثالث : لو أرسلنا أسداً ضارياً من القيد فحمل على إنسان فقتله ، فإنّ القتل حينئذ يصدر من الأسد مستقلاً ، ولا يستند إلى المرسل إلّا من جهة فكّه عن عن القيد . فإذا عرفت الأمثلة لجميع الأقوال تعرف الفرق بينها ، وأنّه في غاية الوضوح ، إلّا الفرق بين التفويض وبين ما اختاره الإمامية من الأمر بين الأمرين ولذلك نوضح الفرق بينهما أيضاً ببيان واضح ، وهو يبتني على ذكر مقدّمة وهي أنّه قد وقع الخلاف في محلّه (1)أنّ الموجود هل يحتاج بعد علّته المحدثة إلى العلة المبقية أم لا.
ذهبت المفوّضة إلى الثاني ، وأنّ ما يحتاج إليه الموجود منحصر في العلة المحدثة ، بمعنى أنّ سدّ جميع أبواب العدم وما يكون مانعاً عن دخول الممكن في دار الوجود لا يفتقر إلى أزيد من مرجّح ابتدائي ليخرجه من العدم إلى الوجود ، وأمّا بعد وجوده فلا يحتاج بقاؤه إلى العلة والمؤثر .
وأمّا الإمامية وكثير من الفلاسفة فبرهنوا على أنّ الممكن كما يفتقر في حدوثه إلى العلة ، لأنه غير مقتض للوجود ولا للعدم في حدّ ذاته ، فكذلك يحتاج في بقائه واستمرار وجوده إلى العلة المبقية ، فمع قطع النظر عن إفاضة الوجود من الفياض المطلق يكون حاله في البقاء كحاله في الحدوث، من جهة عدم الاقتضاء له في نفسه
1) الأسفار الأربعة 1 : 219 ، بداية الحكمة : 53 ، نهاية الحكمة : 83 ، كشف المراد : 81 .
ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية التي صارت في يومنا من البديهيات . وتفصيل الكلام في محلّه وقد تعرّضنا لها نحن أيضاً في « التعليم». (1)
فإذا عرفت المقدّمة يتّضح الفرق الواضح بين الرأيين ، حيث إنّ بقاء القدرة والتمكن من الفعل والترك يحتاج إلى الله المفيض ، بحيث لو انقطعت الإفاضة من الفياض لم يكن في العبد مقتض للفعل أصلاً ، كما كان مفتقراً إليه في حدوثه ، هذا .
وأمّا بناءً على رأي المفوّضة فالممكن لا يحتاج في استمرار وجوده - المعبّر عنه ببقائه - إلى العلة ، بل تكفي العلة الأولى المحدثة ، نعم له قطع الاستمرار والبقاء . وعليه يكون الفعل حال صدوره أجنبياً عن الله تعالى بالكلية ، فإنّه من جهة إفاضة القدرة عليه وغيرها من المبادي غير الاختيارية مستغن عن المؤثر بقاء على الفرض ، ومن جهة إعمال القدرة فيه مستند إلى العبد فقط ، فهو الفاعل بالاستقلال والمتصرّف في سلطان الله تعالى بغير قضائه وإرادته على هذا الرأي الفاسد ، أعاذنا اللّه منه ومن أمثاله .
ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك الفرق بين الأقوال بذكر الأمثلة لها لابدّ لنا من الشروع في ذكر أدلّة كلّ من الأقوال الأربعة ، مع بيان ما هو الحق منها ، ونقدّم البحث عن مذهب الجبرية ونذكر أدلّتهم العقلية والنقلية(2)مع الجواب عنها .
أمّا الأدلّة العقلية فهي أمور :
الأوّل : هو أنّه لا شك ولا ريب في أنّ المؤثّر الوحيد في الوجود بجميع شؤونه وأحواله هو الله الواحد ، إذ هو مقتضى سلطنته المطلقة وفاعليته التامة ، وعبّروا عن هذا المعنى بعبارة معروفة في الكتب الكلامية والفلسفية : « لا مؤثر في الوجود إلّا
اللّه » فليس غيره مؤثراً ومتصرّفاً في الكون والفساد ، وكيف يكون العبد مؤثّراً مع أنّه محتاج في جميع شؤونه وأطواره إلى الله تعالى ، بل قد تحقّق في محلّه (1)أن الممكن في ذاته نفس الافتقار ، لا أنّه ذات ثبت لها الافتقار ، هذا .
مع أنّه لو كان غيره تعالى مؤثراً في الوجود وخالقاً لشيء لزم الشرك وتعدّد الخالق . هذا ملخص ما بينوه من الأمر الأوّل .
ونقول في الجواب : إن إطلاق المؤثر والخالق على من يكون الفعل ناشئاً عنه ليس على معنى واحد ، وقد بيّن في محلّه (2)أنّ هذا الإطلاق يقع على أنحاء كثيرة ولابدّ لنا من بيان أقسام ثلاثة منها توطئة للجواب :
الأوّل : المؤثر الحقيقي القائم بنفسه ، المستغني في فعله عما سواه ، وهو منحصر في الله الواحد إذ هو القائم بنفسه ، المستغني في فعله حتّى عن الروية والآلة .
الثاني: ما يصدر منه الفعل ويتصف بالمؤثرية ، ولكن ليس له أيّ قدرة واختيار في فعله وتركه ، وشأنه شأن الآلة التابعة للإرادة الفاعلة ، كالأدوات الصناعية .
وهذا القسم وإن كان اتصافه بالفعل صحيحاً كاتصاف السيف بالقاطعية ، إلّا أنّ استناد التأثير إليه تابع لصدور الفعل عن الفاعل ، ولضعف الاستناد إليه يوشك أن يصح سلبه عنه .
الثالث : ما يكون وسطاً بين القسمين ، وذلك بأن كان اتصافه بالفاعلية اتصافاً بالحقيقة بلا عناية ، إلّا أن كونه قادراً على الفاعلية تابع لإرادة الغير وإفاضته ، وهذا كالإنسان المختار ، فإنّ القدرة على اختياره - كجميع أطوار
وجوده - وإن كان منه تعالى مع دوام الإفاضة وتجدّدها في جميع الآنات الممتدّة ، إلّا أنّ اتّصافه بالفاعلية بإعمال قدرته مستند إلى نفسه .
إذا تحقّقت ذلك ظهر لك أنّه لا ملازمة بين الالتزام بصدور الأفعال من العباد على النحو الثالث وبين القول بالشرك وتعدّد الخالق ، نعم القول باستقلال العبد في فعله كما عليه المفوضة مرتبة من القول بالشرك ، كما أشير إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيأتي التعرّض لذلك فيما بعد إن شاء الله(1).
الثاني : هو أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات ومنها أفعال العباد ، وذلك يوجب وقوعها منهم في الخارج، وإلّا انقلب علمه جهلاً ، تعالى الله عن ذلك .
وتوضيحه : أنّ العلم لما كان متعلّقاً بالفعل الذي يوجده زيد - مثلاً - لزم وجوده في الخارج ليطابق علمه معلومه ، فلو فرضنا قدرة زيد على الفعل والترك وأنه لم يفعل باختياره كان العلم المزبور جهلاً ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدّم مثله .
ثمّ إنّ بناء هذه الشبهة يمكن أن يكون على أحد أمرين :
الأوّل : ما فهمه خاتم المحقّقين نصير الدين الطوسي وغيره من المحقّقين (2)(قدّس اللّه أسرارهم) من أنّ أساس الشبهة على دعوى أن العلم الأزلي علة لصدور
الفعل من العبد . والجواب عنه حينئذ ظاهر ، فإنّ العلم بالأمر المتأخّر وانكشافه لدى العالم به ليس علّة لوجوده ، سواء في ذلك علمه تعالى وعلم غيره . الثاني : ما يظهر من بعضهم من أنّ أساس الشبهة على دعوى استلزام العلم
الأزلي وقوع الفعل في الخارج ، وإن لم يكن بينهما علية ومعلولية .
والجواب عنه : أنّ العلم الأزلي إذا كان متعلّقاً بصدور الفعل من الفاعل باختياره وإرادته فهو لا يستلزم وقوعه على أي نحو وقع في الخارج ، بل يستلزم وقوعه عن إرادة واختيار ، والسرّ فيه : أنّ العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه ، فإذا كان الواقع في نفسه اختيارياً لم يوجب انكشافه لدى العالم به انقلابه إلى كونه اضطرارياً ، بل لو فرض الانقلاب لزم انقلاب العلم جهلاً ، إذ المفروض تعلّق العلم به بما هو اختياري ، فكيف يمكن أن يصدر بغير اختيار من الفاعل وإرادته .
وهذا الذي ذكرناه هو المراد بقول من قال : إنّ العلم تابع للمعلوم(1)، دون العكس .
وإن شئت توضيح ذلك فلاحظ المرآة إذا كان في قبالها جسم وقعت صورته فيها ، فهل الواقع فيها يغاير الصورة الخارجية ، أو أنّ الصورة الخارجية على ما هي عليها تنعكس في المرآة ؟ لا سبيل إلى الأوّل بالضرورة ، بل الموجود في الخارج تنعكس صورته فيها على ما هو عليه ، والانكشاف لا يغيّر الواقع ولا يبدله .
ولا يخفى أنا لم نرد بهذا التمثيل إلّا تقريب الذهن ، وبيان أن انكشاف شيء لا يغير واقعه ، لا التمثيل التام كي يقال بأنّ علم الله تعالى بالأفعال حاصل قبل تحقّقها فكيف يقاس ذلك بالمرآة المنكشف فيها صورة الموجود الخارجي بعد وجوده .
ويمكن الجواب عن الشبهة على كلا الأساسين بما عن المحقّق الطوسي (2)بالنقض بعلمه تعالى بأفعال نفسه ، بتقريب : أنّ العلم بصدور فعل لو كان علة لصدوره بغير اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في
أفعاله ، لأنّها معلومة له قبل وقوعها ، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً .
وبما ذكرناه من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد ، كقوله تعالى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)الخ ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلّا لزم الكذب عليه تعالى ، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً ، وجه الظهور : أنّ الإخبار عن شيء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده ، بل بوجوده الاختياري ، فلا يوجب انقلابه عما هو عليه ، وإلا لزم الكذب ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل الله سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك ، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل الله أيضاً ، والأشعري لا يلتزم به ، وسيجيء التعرّض لذلك مفصلاً عند البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى(2)
الثالث : وهو عمدة ما استدلّوا به لإثبات مطلوبهم ، وتقريره كما يظهر من كلماتهم أخذاً من الفلاسفة (3)أن يقال: إنّ الفعل الصادر عن العبد إمّا أن يكون على نحو الاضطرار والوجوب فهو المطلوب ، أو يكون مسبوقاً بالاختيار والإرادة ، بحيث تكون نسبة الفعل والترك إلى الفاعل على السواء، فيختار أحد الطرفين ، وعليه فإما أن يكون هذا الاختيار بلا مرجّح فهو ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح
وهو محال ، أو يكون الصدور بمرجّح فننقل الكلام إليه فنقول : هل كان صدور هذا المرجّح الذي هو من الممكنات بلا مرجّح فعاد المحذور ، وإن كان بمرجح آخر فننقل الكلام إليه ، وكذلك يتكرّر السؤال ، فإما أن يتسلسل فيلزم اجتماع العلل غير المتناهية الطولية على معلول واحد ، وإما أن ينتهي إلى الضرورة والوجوب ، وهو المطلوب .
وبالجملة : الفعل الخارجي بما أنّه من الممكنات لابدّ في وجوده من علة موجبة سابقة عليه ، وإلا فهو على إمكانه ، ومعه يستحيل وجوده ، لأنه يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح ، وهو ممتنع .
والتحقيق في جواب ذلك يظهر بعد الالتفات إلى مقدمتين :
إحداهما : هي التي أسلفناها (1)في شرح القاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) حيث قد بينا فيها أنّ سبق الوجوب على الوجود إنما هو في العلل والمعاليل التكوينية ، وأمّا الأفعال الصادرة عن العباد المسبوقة بالإرادة والاختيار فلا تحتاج إلى سبق الوجوب عليه ، وإنما تفتقر فيه إلى مرجّح ، وهذا الاحتياج ليس من باب استحالة صدور الفعل بدونه ، بل لإخراج الفعل عن السفهية والعبثية إلى العقلائية كما سيأتي (2).
ثانيهما : أنّ البحث في مسألتنا هذه - وهي تحليل كيفية صدور الأفعال من العباد - بحث معنوي ، لا يتغير بتغيّر الألفاظ وإلقائه في الاصطلاحات الفنّية المندمجة ، بل لو فرضنا أنّه لم يوضع لفظ العلّة والمعلول والإرادة والوجوب في لغة العرب أصلاً كان لنا أن نبحث عن حقيقة هذه المسألة الواقعية .
وإذا تمهّدت هاتان المقدّمتان فاعلم أنّ ما نجد من المبادي للفعل إلى حين تحقّقه وصدوره في الخارج فهي أربع مراحل ، وبسيرها يكمل وجود الفعل ويتحقّق في الخارج :
الأولى : تصوّر الفعل وإدراكه إدراكاً مطلقاً ، بمعنى ارتسامه في الذهن ، أو التفات النفس إليه .
الثانية : إدراك ملائمته للفاعل ملائمة روحية أو جسمية .
الثالثة : عدم وجود مزاحم مكافئ لتلك الملائمة من المفسدة .
الرابعة : الاشتياق والميل إليه ، وحينئذ يعقد الفاعل قلبه على الفعل ، فيعمل قدرته فيفعل .
ولا يخفى أنّ عقد القلب الذي ذكرناه في آخر المراحل هو المراد من الإرادة وهو فعل من أفعال النفس ، لا من صفاتها كما تقدّم في المقدمات(1)، وليس وجوده مسبوقاً بالوجوب المصطلح عليه كما سمعته من مراتبه السابقة ، هذا .
وأمّا سؤال السائل عن المرجّح لإعمال القدرة الذي هو نفس الاختيار المأخوذ عن طلب الخير في شيء ، فيندفع بأنّ إعمال القدرة وإن كان في نفسه فعلاً من أفعال النفس إلّا أنّه ليس ممّا يقصد بنفسه كي يسأل عن مرجّحه ، بل تعلّق القصد به تعلّق تبعي آلي حيث أنّه مقصود لغيره ، وسيجي في البحث عن قول الفلاسفة (2)أنّ السؤال عن مرجّح الإرادة بالمعنى الذي ذكرناه عين السؤال عن مرجّح الفعل .
وملخّص الكلام : أنّ أساس الشبهة إنّما هو على طبق القاعدة المعروفة
(الشيء ما لم يجب لم يوجد) فإذا منعنا شمولها للأفعال الإرادية والاختيارية فتندفع الشبهة من أصلها .
وأمّا ما اشتهر في ألسنة الجمهور من استحالة الترجيح بلا مرجّح فإن كان مرجعه إلى استلزامه الترجّح بلا مرجّح فهو صحيح ، لرجوعه إلى حدوث الممكن من غير مؤثر في وجوده ، وإن لم يكن مرجعه إلى ذلك بل إلى اختيار الفاعل المختار أمراً ما بلا رجحان فلا استحالة فيه
والعلّامة (قدّس سرّه) في شرح التجريد (1)في هذا الباب نقل الاعتراف منهم بوقوعه ، وقد مثلوا لذلك باختيار أحد الكأسين المتساويين من جميع الجهات للعطشان ، واختيار أحد الرغيفين كذلك للجوعان ، وبمن فرّ عن سبع سالكاً أحد طريقين موصلين إلى مقصوده من دون ترجيح بينهما .
ودعوى أنّ تعلّق الإرادة والاختيار بنفسه كاف في ترجيح ما تعلّق به سفسطة واضحة ، إذ البداهة تقتضي عدم تعلّق لحاظ الفاعل به لحاظاً استقلالياً ، بل هو غافل عنه بالمرّة ، فكيف يكون هو مرجّحاً ، هذا .
وقد أجاب جمع من المحقّقين عن الشبهة المزبورة ببيانات مختلفة ومنهم خاتم المحقّقين (قدّس سرّه) على ما حكى عنه في هامش القبسات نقلاً عن نقد المحصل ، فقد أجاب عنها بما هذه عبارته : وكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته وإرادته فهو باختياره ، وكلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره ، وسؤال السائل أنّه بعد حصول القدرة والإرادة هل يقدر على الترك كمن يقول : الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوماً حال وجوده، ومحال أن تكون قدرته إنّما تحصّل
1) كشف المراد : 309 .
بقدرته ، وإلّا لتسلسل(1).
فالظاهر من كلامه (قدّس سرّه) إلى هنا أن وجود الفعل بعد تحقّق القدرة وتعلّق الإرادة به يجب لا محالة ، كما يظهر من تنظيره بقول من يقول : الممكن إلخ .
والظاهر أنّه (قدّس سرّه) يعترف بصحة القاعدة ، وأن الفعل قبل وجوده يكون واجباً عند حصول القدرة والإرادة كما صرح به في التجريد في المسألة السادسة في عنوان (إنّا فاعلون) (2)بقوله : والوجوب للداعي لا ينافي القدرة : كالواجب(3).
وقال العلّامة في شرحه بعد تقرير أصل الشبهة بقوله : والجواب أن الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن ، وواجب بالنظر إلى داعيه ، وذلك لا يستلزم الجبر فإنّ كلّ قادر فإنّه يجب عنه الأثر عند وجود الداعي ، كما في حقّ الواجب(4).
فعليه يكون ترتّب الفعل على القدرة والإرادة ترتباً وجوبياً غيرياً ، وأمّا نفس الإرادة فتحقّقها ليس بضروري عنده ، كما أفاده في ذيل عبارة نقد المحصل (5)بقوله : وأمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرته وإرادة سابقة ، كالمتروّي في طلب أصلح الوجوه ، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد منها بفكره الذي
يصدر عنه أيضاً ، وباختياره (1)ينكشف الصلاح والفساد فيها ، فتحصّل له الإرادة بما يراه أصلح ، وهذه الإرادة مكتسبة له ، أما أسباب كسبها - وهي القدرة على الفكر والعلوم السابقة - فبعضها أيضاً يحصل بقدرته وإرادته إلخ .
ففيما أفاده (قدّس سرّه) تصريح بكون الإرادة من الأفعال الاختيارية والملخّص كلامه جهتان ، بإحداهما يوافقنا ويخالف الفلاسفة حيث يرى نفس تحقّق الإرادة ومباديها القريبة من الأمور الاختيارية ، وبثانيتهما يخالفنا ويوافق الفلاسفة حيث التزم بسبق وجوب الفعل على وجوده ، وقد أبطلنا ذلك بما لا مزيد عليه وذكرنا أنّ الفعل لا يتصف بالوجوب في جميع المراحل المتقدّمة عليه
بقيت في المقام شبهتان أخريان للأشاعرة ، استدلوا بهما على مطلوبهم (2):
الأولى : أنّ كلّ ما يصدر عن العبد لا يخلو إما أن يكون قد تعلّقت به الإرادة الأزلية أو لا ، فعلى الأوّل لابدّ من وقوعه لاستحالة تخلّف الإرادة عن مراده تعالى ، وعلى الثاني فلابدّ من عدم وقوعه ، لاستحالة وقوع شيء ما لم يرده تعالى .
الثانية : أنّ الأفعال لا تقع وفق المقاصد ، فإنّ كثيراً ما يقصد الإنسان الإطاعة والعبادة وغيرهما من الأفعال العادية مع كثرة اشتياقه إليها ، ومع ذلك لا يحصل الفعل على وفق مقصوده . ولما كانت الشبهة الأولى مأخوذة من الفلاسفة القدماء أخرنا الجواب عنها عندما نتعرّض لأقوال الفلاسفة(3)
وأمّا الشبهة الثانية - وهي وقوع الأفعال على خلاف مقاصد العباد - فلمّا
كانت بظاهرها في غاية السخافة أعرضنا عن جوابها ، ولو أريد بها ما ذكره بعض متأخري الفلاسفة ببيان أتم معروف عندهم بقانون العلة فالجواب عنها يظهر عند التعرّض له والجوابها عندما نتكلّم عن أقوال الفلاسفة وردودها (1).
السادس : أنّ القدرة على الإيجاد صفة كمال ، لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان .
وجوابه أوضح من أن يخفى على العاقل ، إذ نقصان العبد ليس إلّا من جهة ذاته الإمكانية التي لا تقتضي الوجود ولا العدم، وأما بعد كونه محلاً لإفاضة الوجود كيف يبقى على حالته الأولية ، ولا شكّ في ترتب الأوصاف الكمالية على هذه الإفاضة بمقدار اكتسابه من الكمالات ، نعم اتصاف العبد بالكمال المطلق أمر مستحيل ، ولا نقول به .
وتوضيح ذلك : أنّ ما يتصوّر من الكمال على قسمين :
الأوّل : الكمال غير المحدود بحد الذي هو من لوازم وجوب الوجود ، فهو مختصّ باللّه تبارك وتعالى .
الثاني : الكمال المحدود بحدّ خاص ، ولا مانع من اتصاف الممكن به بافاضته تعالى عليه ، فالممكن وإن كان فقيراً بذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، إلّا أنّه بفضل الله ولطف عنايته يتصف بصفات كمالية ، ومنها القدرة على الفعل والترك ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بيّنة . أو ليس العلم والكرم وسائر الأخلاق الفاضلة من الكمالات ، بل لا غرو في أن يصل العبد بمجاهداته ورياضاته في مراتب الكمال إلى حدّ يكون مظهراً للصفات الإلهية ، وبذلك يصير متصرفاً في الموجودات التكوينية .
1) في ص 70 .
هذه هي الأدلّة التي أقاموها على اضطرار العباد في أفعالهم ، وقد ظهر عدم صلاحية شيء منها لإثبات مطلوبهم ، ولهم شبهات واهية أخرى ضربنا عنها صفحاً.
ثمّ إنّه لمّا أُشكل على القائلين باضطرار العباد في أفعالهم وعدم اختيارهم على الفعل والترك بأنّ ذلك يستلزم قبح العقاب على الكفر والمعصية ، ولغوية بعث الرسل وإنزال الكتب ، أجابوا عنه بأنّ العبد وإن لم يكن مختاراً في أفعاله ، إلّا أنّه هو الكاسب لها ، والثواب أو العقاب إنما هو لكسبه الإطاعة أو المعصية ، ولما لم يكن لكلمة الكسب معنى ظاهر في المقام فسروه بمعان ثلاثة :
الأوّل : ما نقله في مصابيح الأنوار من أنّه أمر يتصف به العبد ، لا بمعنى إيجابه فاعليته ، ولا اتصافه بالفعل (1)
وهو أمر في تعقله غموض ، ولما كان التكلّم في صحة هذا المعنى وفساده متوقفاً على تعقّله وهو غير متعقل أعرضنا عن التعرّض له .
الثاني : ما ينسب إلى الأشعري من أن معنى كون العبد كاسباً هو كونه محلاً للفعل ، ككونه محلاً للسواد والبياض (2).
وهذا المعنى بيّن الفساد ، إذ كون العبد محلاً لفعل ككون الجسم محلاً للسواد والبياض خارج عن اختياره ، فلا يصح العقاب ولا بعث الرسل وإنزال الكتب .
الثالث : ما نسب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني من أن نفس الفعل وإن لم يكن صادراً بالاختيار ، إلّا أنّ جعله معنوناً بعنوان الطاعة والمعصية بيد الفاعل
وباختياره ، وهو المصحح للثواب والعقاب (1).
وهذا الجواب أيضاً ساقط ، وذلك لأنّ هذا العنوان إمّا أن يكون منتزعاً من نفس الفعل ، وأنّ الفعل هو المنشأ لانتزاعه ، فليس لجعله معنوناً بالطاعة أو المعصية وجود متأصل في الخارج ، وإنما انتزعه العقل من منشئه الذي هو الفعل ، فلا يعقل أن يكون التعنون اختيارياً مع اضطرارية منشئه . وإما أن يكون له وجود متأصل غير حقيقة الفعل فلا شكّ في نقل الكلام إليه ، فإن كان فعلاً من الأفعال فهو أيضاً اضطراري على رأيه ، وإن كان من قبيل الصفة فهو ممّا ذكره الأشعري ، وقد عرفت جوابه .
وربما أجاب بعضهم عن إشكال استلزام قولهم قبح العقاب لكونه ظلماً تارة بإنكار حكم العقل وإدراكه الحسن والقبح ، وأخرى بأن الظلم لا يتصوّر في فعل الله تعالى ، فإنّ الظلم عبارة عن التصرّف في ملك الغير ، وهذا لا يتحقّق في أفعاله فإنّها كلّها تقع في ملكه ، فلا موضوع فيها للظلم .
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن والسقوط، فإنّ إنكار إدراك العقل الحسن والقبح يساوق إنكار البديهيات كما مرّ الكلام فيه في المقدمات (2).
وأمّا حديث عدم إمكان تحقّق الظلم في أفعاله تعالى لانتفاء موضوعه فهو ناشئ عن تخيّل اختصاصه بالتصرف في ملك الغير ، مع أنّه واضح البطلان ، فإنّ الظلم معنى جامع قد يتعلّق بنفس الفاعل ، وقد يتعلّق بغيره المملوك له وقد يتعلق بغيره غير المملوك له .
أفيشكّ عاقل في أنّه لو كان لأحدٍ عبدان وقد أطاعه أحدهما غاية الطاعة وتمرّد الثاني عليه غاية التمرّد ، فضرب المالك المطيع المنقاد وأهانه وأكرم المتمرّد غاية الإكرام ، في أنّ العقل يحكم بقبح فعله ، مع أنّه مالك لكلا العبدين وله التصرف فيهما كيف ما شاء .
والسرّ في ذلك ليس إلّا ما عرفت من عدم اختصاص الظلم بالتصرف في ملك الغير بل أعم من ذلك ، ومعناه الجامع هو الخروج عن الجادة الوسطى ، ووضع الشيء في غير محله ، والحاكم بقبحه على الإطلاق هو العقل .
تتميم يذكر فيه أمران :
الأوّل : أنّه ذكر بعضهم أن العقل وإن كان له أن يحكم بحسن شيء أو قبحه إلّا أنّ ذلك لا يعمّ أفعال الله سبحانه ، إذ لا يحكم عليه أحد بشيء ، فإنّه الحاكم على الإطلاق ، وكلّ من سواه مخلوق له ومحكوم بحكمه ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
والجواب عن ذلك : ما عرفت في الأمر الرابع (1)من الأمور التي قدمناها من أنّ حكم العقل على الله تعالى ليس معناه هو مسؤوليته للعقل ، أو إلزام العقل له بفعل أو بترك ، بل معناه إدراك العقل استلزام الكمال المطلق لأمر ما .
فإذا قلنا : العقل يدرك قبح الظلم على الله تعالى ، معناه أنّ العقل يدرك أنّ الخروج عن الجادة الوسطى ووضع الشيء في غير محله - المعبّر عنه بالتعدّي أ. أحياناً - ينشأ من أحد أمرين : إمّا جهل الفاعل بقبح ما يفعله ولو كان من جهة التقصير في التعلّم ، وإمّا حاجته مع العلم بقبحه ، وبما أنّ الله سبحانه يستحيل فيه الجهل والاحتياج يستحيل فيه الظلم ، لا من جهة عدم قدرته عليه ، بل من جهة استلزامه المحال .
1) في ص 9 - 10 .
فالظلم منه سبحانه وإن كان ممكناً ذاتاً إلّا أنّه مستحيل وقوعاً ، وهذا معنى ما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ حكم العقل في هذه الموارد من فروع الحكمة النظرية دون العملية .
الثاني : أنّ منع استقلال العقل في حكمه بالتحسين والتقبيح يوجب سد باب الحجّة على العبد ، إذ كيف يمكنه التصديق بنبوّة مدّعيها مع إظهار المعجز مع عدم استقلال العقل بقبح إظهار المعجز على يد الكاذب ، وكيف يلزم نفسه بالطاعة والاجتناب عن المعصية لو لم يستقل العقل بقبح عقاب المطيع وصحة عقاب العاصي .
وقد أجابت الأشاعرة عن ذلك بأنّ العقل وإن لم يستقل بشيء ممّا ذكر ، إلّا أنّ عادة الله جرت على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، وعلى عدم التخلّف عن وعده ، وقد وعد المطيع الثواب والعاصي العقاب (2).
وهذا الجواب لم يكن ينبغي صدوره عن عاقل واحد ، فكيف بما إذا أطبقت عليه كلماتهم ، وذلك لأنه يردعليه :
أوّلاً : أنّه من الذي اطلع على عادة الله سبحانه من الأزل إلى الابدّ لولا استقلال العقل بقبح شيء عليه ، ولا سيما فيما إذا كان الأمر ممّا يرجع إلى النشأة الآخرة ، وهل المؤمنون بالنبي الأول كانوا عالمين بجريان عادة الله على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب، أو أنهم بمقتضى فطرتهم وعقلهم السليم أدركوا استحالة تثبيت الله سبحانه دعوى النبوّة الكاذبة بإظهار المعجز على يد مدعيها . وثانياً : لو سلّم إحراز جريان عادة الله بشيء مع قطع النظر عن الحكم
العقلي ، لكنّه ما هو المانع من احتمال تغيير الله عادته في مورد ما ، ومن الظاهر أنّه لا دافع لهذا الاحتمال إلّا حكم العقل .
وبالجملة : إنّ إنكار حكم العقل بالتحسين والتقبيح يوجب هدم أساس الشريعة وفروعها ، أعاذنا الله منه ومن سائر الأقوال الفاسدة ، وهدانا إلى صراطه المستقيم .
هذا آخر ما أردنا نقله من أقوال الأشاعرة ، وما يرد عليها وعلى أدلّتها بما لا مزيد عليه ، والحمد لله ربّ العالمين .
ونشرع الآن فيما نوّهت إليه الفلاسفة في حقيقة صدور الأفعال من العباد ولهم في ذلك بيانات مختلفة :
البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه
ولمّا كان البيان الأوّل مشتملاً على أمرين فتحقيقه يتوقف على معرفتها ولذلك نوضح كلاً منهما ليتم بهما البيان ، ثم نذكر ما يمكن أن يكون وجه النظر فيه .
الأوّل : أنّ نسبة الإرادة إلى الفعل نسبة العلّة إلى معلولها ، بحيث إذا تمت الإرادة والمشية فقد وجب الفعل ، وإلا فهو ممتنع ، تعلّقت المشية بالترك أو لم تحدث من رأسها أصلاً.
قال سيّد المحقّقين في القبسات : أليس إذا كان الفاعل بحسب نفس ذاته ، بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل كان لا محالة من حيث نفس ذاته مع عزل النظر عن المشيّة واللامشيّة يصحّ منه الفعل والترك ، وإن كان يجب منه الفعل إذا وجب المشيّة ، والترك إذا وجبت اللامشيّة(1).
1) کتاب القبسات : 309 (ضمن القبس (الثامن) وص 206 من الطبعة القديمة .
فإنّ هذه العبارة كما تراها وغيرها ممّا عبر بها في المقام صريحة في نسبة الفعل إلى الإرادة نسبة المعلول إلى العلة التامة ، فكما يمتنع تخلّف العلّة عن معلولها كذلك يستحيل تخلّف المشيّة عن الفعل .
الثاني : أن تحصل الإرادة في النفس ووجودها فيها فرع وجوبها الذي تقتضيه قاعدة ، سبق الوجوب على الوجود ، فهى أيضاً ضرورية ليست باختيارية كما يدلّ عليه ما حكى السبزواري في شرح منظومته في البحث عن قدرته تعالى عند شرح قوله عن المعلّم الثاني : وباختياره اختيار ما بدا :
قال المعلّم الثاني في الفصوص (1): فإن ظنّ ظانّ أنّه يفعل ما يريد ويختار ما يشاء ، استكشف من اختياره هل هو حادث فيه بعد ما لم يكن أو غير حادث ، فإن كان غير حادث لزم أن يصحبه منذ أوّل وجوده ، وإن كان حادثاً ولكلّ حادث محدث فيكون اختياره عن سبب ، فامّا أن يكون هو أو غيره ، فإن كان هو نفسه فإما أن يكون إيجاده للاختيار بالاختيار فيتسلسل ، أو يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار فيكون مجبولاً على ذلك الاختيار من غيره ، وينتهي إلى الاختيار الأزلي(2).
وبعد ما تنبّهت الأمرين يظهر لك ملخّص البيان الأول ، وهو أنّ ذات الممكن وإن كانت في نفسها لها أن تفعل وأن لا تفعل ، إلّا أن الإرادة إنما تحصلت بعد اتصافها بالإيجاب في رتبة متقدمة على الوجود ، وبذلك صارت ضرورية ، وكذلك الفعل إنما ترتب لا يجابها إيَّاه وجوباً اضطرارياً، هذا. والذي يمكن أن يقال في الجواب : إن لفظ الإرادة يطلق على معان ، فإنّه
قد يطلق ويراد منه الشوق النفساني القائم بالنفس قيام الصفة بالموصوف ، وقد يطلق ويراد منه عقد القلب ، وقد يراد منه الاختيار الذي هو بمعنى طلب الخير من الفعل أو الترك .
فإن كان المراد منه هو المعنى الأوّل - أي الشوق - فعدم ترتّب الفعل عليه ترتب المعلول على علّته في غاية الوضوح ، إذ كثيراً ما نشتاق إلى أفعال ولا تتحصل في الخارج ، نعم هو من مرجّحات الفعل ، كما سبق (1)في ترتيب مراتب تحصل الفعل إلى أن يوجد في الخارج .
وإن كان المقصود هو المعنى الثاني أو الثالث - أي عقد القلب أو الاختيار الذي قيامه بالنفس قيام الفعل بالفاعل - فالسؤال عن علته عين السؤال عن علة الفعل ، لأنه ليس إلّا طريقاً محضاً إلى الفعل، ولا يتعلّق القصد به ، ولا يحصل الداعي إليه من حيث هو ، فيبقى السؤال عن علّة حدوث الفعل ، وقد عرفت غير مرّة أنّ ما لابدّ منه في صدور الفعل إنما هو الفاعل من دون افتقار إلى وجوب يسبقه ، بل من دون احتياج إلى المرجح أيضاً ، وإنما التزمنا بلزوم المرجح لإخراج الفعل عن السفه والعبث إلى كونه عقلائياً .
هذا مع أنّ التزامهم بضرورية علّة الفعل التي هي الإرادة وقولهم باختيارية الفعل الصادر من العبد من باب الالتزام بالمتناقضين ، إذ كيف يعقل أن تكون العلّة ضرورية ومعلولها اختيارياً .
البيان الثاني للفلاسفة : وهو - كما نقرّره الآن على ما أخذناه عن ظواهر كلماتهم ، بل من تصريحاتهم في بعض المقامات - موضوع على قاعدة مسلّمة عندهم ، وهي ، وهي أنّ جميع الموجودات سوى الواجب تعالى بأسرها - عللها ومعاليلها
1) في ص 40 .
وغاياتها ، طولية وعرضية - مترتّبة واقعة في النظام الجملي الأتم ، منتهية إلى مبدأ واحد ، لا سبيل إلى تدخّل غيره في أي شأن من شؤونها لينتهي إلى الشرك ، ولا شبهة في أنّ الأفعال الصادرة من العباد أيضاً من جملة أجزاء النظام الجملي ، فهي بنفسها وعللها تنتهي إلى الله تعالى
قال سيّد الفلاسفة في الإيقاظ الخامس من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات : ثم من بعد ما قضى البرهان قضاء فصلاً أنّ طباع الإمكان هو العلة التامة للاحتياج إلى الواجب بالذات ، كيف يتصحّح الدخول في إقليم الوجود من دون انتهاء الفيض إليه ، واستناد الأمر إلى جنابه ( علا ذكره وتعالى جدّه) وهل هذا إلّا طريق الثنوية وسبيل الإشراك .
ومن هناك ما قد ورد وتكرّر عنهم (صلوات الله عليهم) فيما رواه الصدوق في جامعه المسند في التوحيد وغيره من الحكم بأنّ من يقول بذاك فهو كافر ، ومن يقول بهذا فهو مشرك(1).
ولا يتوهّمن إلزام القول بالتشريك على الأمة الوسط ، لأنّ ذلك أن يكون المعلول في درجة الاستناد مستنداً إلى مبدأين هما إرادة الله سبحانه وقدرته وقدرة العبد وإرادته جميعاً على سبيل الشركة ، بل إنّ هنالك مسبّبات مترتبة على أسباب متسلسلة ، والأسباب والمسبّبات منتهية الاستناد جميعاً في نظامها الجملي وفي سلسلتها الطولية والعرضية معاً إلى مبدأ واحد هو الله الحق سبحانه ، وهو مسبّب الأسباب على الإطلاق من غير سبب ، فهذا ميقات الحق ، وعنده تجتمع الآيات وتتوافق الروايات المتعارضة ، وينصرح سرّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
1) التوحيد : 168 / 25 ، 31، 36 ، 363 - 364 / 12 .
یکن(1).
وقريب منه ما قاله الشيخ رئيس مشائي الإسلام في الشفاء في المقالة العاشرة : والإرادات التي لنا كائنة بعد ما لم تكن ، وكل كائن بعد ما لم يكن فله علّة وكلّ إرادة لنا فلها علّة ، وعلّة تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة في ذلك إلى غير النهاية ، بل أمور تعرض من خارج ، أرضية وسماوية ، والأرضية تنتهي إلى السماوية ، واجتماع ذلك كله يوجب وجود الإرادة .
وأمّا الاتفاق فهو حادث عن مصادمات هذه ، فإذا حللت الأمور كلّها استندت إلى مبادئ إيجابها منزل من عند الله تعالى(2).
ولا يبعد أن يكون جعل جميع الكائنات - من المواد والصور ، والعلل والمعاليل ، والأفاعيل والانفعالات - جملة واحدة منظمة في سلسلة مترتبة وإنهائها إلى المبدأ الأوّل ممّا اتفقت عليه كلمة الفلاسفة المتقدّمين والمتأخرين عن الإسلام كما يظهر ذلك بأدنى تفحص في آثارهم ، ولا يخفى اندماج الأفعال الصادرة عن العباد أيضاً في تلك السلسلة المنظمة ، وعليه يستحيل أن يصدر فعل عن فاعل باختياره ، إذ صدوره كذلك يوجب عدم الانتظام في الجملة .
وتوضيحه : أنّه إذا فرضنا أنّ فعل زيد في زمان خاص ومكان خاص مثلاً مرتبط بالسلسلة الجملية المنتهية إلى المبدأ الأوّل ، فلو كان بعد ذلك زيد مختاراً في الفعل والترك لزم الفوضى ، فلم يكن النظام نظاماً ، هذا خلف .
إذا عرفت ذلك فنقول : أما وجوب انتهاء الموجودات إلى المبدأ الأوّل فهو من الضروريات التي لا تقبل التشكيك ، لأنه مقتضى الإمكان ، إذ قد ثبت أنّ
الإمكان في حدّ ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم لا حدوثاً ولا بقاء ، فإنّ بقاء الممكن أيضاً ممكن فيحتاج إلى إفاضة من الله تعالى .
إلّا أنّ الكلام لنا في هذا البيان في مقامين:
الأوّل : أنّ دخول الأفعال الصادرة عن العباد - على اختلاف حقائقها وجهاتها من الخيرات والشرور والأفعال العبثية وغيرها ممّا لا يرى العقل بينها ارتباطاً أبداً - في النظام السلسلي لا يمكن تعقله ، وأنّ النظام المدّعى أيّ نظام هو يجمع تلك الشتات من الأفعال ويركب من خيرها وشرها وعبثها وسفهها جملة واحدة حقيقية .
ولا يتوهّم أنّا ننكر بذلك النظام الحقيقي في الكائنات ونجعلها فوضى ، بل نقول : إنّ ما يدخل تحت النظام هو العلل والمعاليل وغيرهما من الموجودات التكوينية بالجملة ، حتّى قدرة العبد على الاختيار على نحو قد أسلفناه غير مرّة وأمّا الأفعال الصادرة من العباد فهي غير داخلة في النظام الجملي ، بل هي صادرة باختيارهم ، وإن كانت القدرة عليها بمباديها مفاضة من الله سبحانه آناً فاناً .
الثاني : أنّ الأخبار الواردة في المقام على ما ستقف عليه في محلّه إن شاء الله (1)الدالّة على كون القول باستقلال العبد في فعله شركاً ، إنما تدلّ على شرك من يرى العبد مفوّضاً إليه جميع شؤونه وأحواله ، كما بيناه فيما مضى (2)عند شرح مذهب المفوّضة والفرق بينه وبين مذهب الأمر بين الأمرين بما لا مزيد عليه ، وأمّا على ما اختاره الإمامية من افتقار العبد إليه تعالى في جميع أطواره ، ومنها قدرته التي بها يفعل ويترك ، فليس هذا شركاً وقولاً بانتهاء السلسلة الجملية إلى مبدأين : قدرة اللّه
وإرادته ، وقدرة العبد وإرادته .
وقد سلك الفلاسفة في إثبات انتهاء الأفعال إلى الله سبحانه .
بياناً ثالثاً : وهو أنّ جميع ما يقع في عالم الكون والفساد قد تعلّقت به الإرادة الأزلية فيجب أن يوجد ، وإلا لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، وبما أنّ الأفعال الصادرة في الخارج منها فهي أيضاً ممّا تعلّقت به الإرادة الأزلية فلابدّ من وقوعها .
ولا يخفى أنّ هذا البيان كسابقه كاد أن يكون ممّا اتفقت عليه كلمتهم . وليعلم أيضاً أنّ الإرادة الأزلية لما كانت من الصفات الذاتية عندهم ، وهي متحدة مع الذات ، فاسناد جميع الكائنات إليها مساوق لإسنادها إلى نفس الذات والمآل فيهما واحد .
قال سيّد المحقّقين في الإيقاظ الأوّل من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات : خيرات نظام الوجود وكمالاته الفرائض والنوافل بأسرها ، والذوات والصفات والأخلاق والملكات والأفعال والأعمال إنما انبعاثها بالذات من إرادة الله الحقة الواجبة ، ورحمته الفيّاضة الواسعة ، وخيريّته المحضة التامة ، ووهابيته الفعّالة الدائمة ، وإن كان فيضانه من فيض جوده العظيم بمقدار استعدادات المواد على مبلغ استحقاقات الماهيات . فأما الشرور والآلام والنقائص والآثام فمن تلقاء سوء الاستعدادات ، ونقص الاستحقاقات ، وتزاحمات أرهاط الهيولانيات وتصادمات سكان عالم الظلمات ، لا من بخل من المفيض وضنانة من الجائد ، أو عجز في القدرة وقصور في الإفاضة ، تعالى جناب الفيّاض الحق عن ذلك كلّه علوّاً كبيراً(1)
1) راجع القبسات : 75 الهامش الأيسر / الإيقاظ الأوّل (الطبعة القديمة) ، وذكرها مع زيادة في نفس القبسات : 475 ضمن القبس العاشر - الطبعة الجديدة .
والكلام في هذا البيان يقع من جهات :
الأولى : حقيقة إرادته ومشيته تعالى .
الثانية : في صحة تعلّق الإرادة الأزلية بالأفعال وعدمها .
الثالثة : في علل الشرور والآلام والنقائص والآثام .
أمّا الجهة الأولى فنقول : قد حققنا سابقاً (1)أنّ صفات الله تبارك وتعالى على قسمين : ذاتية وفعلية ، وبيّنا أيضاً الفرق بينهما بصحة تعلّق القدرة بالنسبة إلى الصفات الفعلية إيجاداً وإعداماً ، وعدمها بالنسبة إلى الصفات الذاتية ، وقد وجدنا الإرادة من الصفات الفعلية الحادثة بصحة تعلّق القدرة عليها إيجاداً وإعداماً ، وبه نطق كثير من الروايات الآتية المتضمّنة لكلمتي الإرادة والمشيّة (2)، فالالتزام بكونها من الصفات الذاتية التزام من غير ملزم .
نعم بناءً على ما يظهر من كلمات بعض الفلاسفة بل أكثرهم - من أنّ حقيقة الإرادة هو العلم بالأصلح - فهي من الصفات الذاتية ، إلّا أنك قد عرفت بطلان ذلك فيما تقدّم(3).
وبناءً على ما صرّح به بعض آخر منهم من أنّ الإرادة المتعلقة بإيجاد الكائنات أيّاً ما كان لا تنفكّ عن الذات المقدّسة، لدوام فيضه وجوده كما صرح به المحقّق المذكور ، لابدّ من الالتزام بقدم العالم أو حدوث الذات المقدّسة ، والتالي
باطل فالمقدّم مثله كما أشبعنا القول فيه فيما مضى(1).
وأمّا الجهة الثانية : فالصحيح فيها أنّ أفعال العباد غير متعلقة لإرادة الله وجوداً أو عدماً ، فإنّ الإرادة كما عرفت - من الصفات الفعلية ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في الوجود والعدم، فهي لا تتعلّق إلّا بفعل نفس المريد أو تركه لا بفعل شخص آخر الصادر منه باختياره ، فكما لا معنى لتعلّق إرادة زيد بفعل عمرو أو بعدمه كذلك لا معنى لتعلّق إرادة الله به مع فرض صدوره منه باختياره .
نعم لا ننكر تعلّق إرادة الله بصدور فعل من أحد أحياناً حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، إلّا أنّ الفعل حينئذ لابدّ من صدوره في الخارج ، ولا معنى لدخل اختياره فيه بوجه ، فيصدر الفعل منه في الخارج قهراً عليه ، كما نرى من نوم أحد أحياناً أو يقظته من نومه وغير ذلك .
فلو أُطلق لفظ الإرادة وأريد به العلم فلا شك في إمكان تعلّقها بالفعل الاختياري من شخص آخر ، كما لا شك في علمه سبحانه بجميع العوالم من موجوداتها ومعدوماتها من الأفعال وغيرها ، إلّا أنك قد عرفت (2)في جواب شبهة الأشاعرة أنّ تعلّق العلم الأزلي بفعل شيء أو تركه لا ينافي صدوره أو تركه بالاختيار . هذا مع أنّه لا شكّ في صدور الأفعال القبيحة والعبثية في الخارج ، وكيف يتفوّه العاقل بتعلق إرادة الله بها ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .
وأمّا الجهة الثالثة : فقد عرفت (3)أنّ الأفعال الصادرة عن العباد - خيرها وشرّها - إنما تصدر عنهم بإعمالهم قدرتهم فيها ، بإفاضة الله سبحانه مبادئ
وجودها من القدرة وغيرها آناً فاناً ، فلا جبر ولا تفويض بل منزلة بينهما .
وأمّا الملكات النفسانية فما كان منها حاصلاً باختيار العبد بإيجاد مبادئه وأسبابه ، فحاله حال الفعل الاختياري في كونه وسطاً بين الجبر والتفويض ، وما كان منها خارجاً عن اختياره فهو مستند إلى إرادة الله سبحانه حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، وتوصيف بعض تلك الملكات بالشرّ إنما هو بضرب من المسامحة وبالإضافة إلى جهة دون جهة ، وإلا فهو ممّا لا بدّ منه في نظام الوجود ، ومثل ذلك لا يكون إلّا خيراً . فكما أنّ الحكمة اقتضت إعطاء القوة الجسمية لأحد وضعفها لآخر كذلك اقتضت إعطاء القوّة في الإدراك لشخص وضعفها لشخص آخر ، وهكذا الأمر في سائر الصفات النفسانية المقتضية في أنفسها للخيرات والشرور ، مع بقاء الاختيار في جميعها للعبد ، وأنّ الله له الإعطاء والمنع والبسط والقبض ، وهو الحكيم الخبير .
وأمّا ما ذكره السيّد (قدّس سرّه) (1)من استناد الشرور والآلام والنقائص والآثام إلى سوء الاستعدادات ونقص الاستحقاقات فيظهر بطلانه ممّا ذكرناه ، على يرد عليه : أن نقصان الاستحقاق وسوء الاستعداد أمر قائم بالوجود أو الماهية ؟ فإن قيل : إنّ معروضه الوجود فلا ريب في أنّه مخالف لما اتفقت عليه كلمتهم من أنّ الوجود خير محض ، وتعلّقه بجميع الممكنات بإفاضة الله سبحانه على حدّ سواء .
وإن قيل : إنّه الماهية كما هو ظاهر كلام السيّد وصريح كلام غيره ، ولذلك قال الشيخ : ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها (2)، فيرد عليه أنّ الماهية ليست
إلّا حداً للوجود ، ولا تقرّر لشيء منها في شيء من العوالم العرضية والطولية ، فكيف تكون معروضة لكمال الاستحقاق ونقصانه .
إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك فساد ما ذهب إليه صاحب الكفاية في المقام ولا بأس بذكر عباراته وتذييلها ببعض ما يرد عليها .
فمنها : قوله بعد ما ذهب إلى اتّحاد الطلب والإرادة مفهوماً ومصداقاً وإنشاء : إشكال ودفع ، أما الإشكال فهو أنّه يلزم بناءً على اتّحاد الطلب والإرادة في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّي إن لم يكن هناك إرادة ، حيث أنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقي واعتباره في الطلب الجدّي ربما يكون من البديهي . وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد ، ولا يكاد يتخلّف ، إذا أراد الله شيئاً يقول له كن فيكون .
وأمّا الدفع فهو أن استحالة التخلّف إنما تكون في الإرادة التكوينية وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الإرادة التشريعيّة وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف ، وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان (1)انتهى .
فإنّه يرد عليه أوّلاً : أنّ المتبادر من لفظ الطلب إنّما هو التصدّي لتحصيل المراد ، فلا يقال : طالب العلم أو طالب الضالة أو طالب الدنيا ، إلّا لمن تصدّى لتحصيلها .
وأمّا لفظ الإرادة فالمراد به كما عرفت (2)- إمّا الشوق النفساني ، أو عقد
القلب ، أو إعمال القدرة المعبّر عنه بالاختيار ، وعلى كل حال فشيء منها لا يكون متحداً مع مفهوم الطلب أبداً .
وثانياً : أنّ تقسيم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية لا أساس له أصلاً ، فإنّ الإرادة بمعنى الشوق وإن أمكن تعلّقها بفعل نفس المريد تارةً وبفعل غيره أخرى إلّا أنها بهذا المعنى لا يصح إسنادها إلى الله تعالى ، لاستحالة تحقّق الشوق فيه سبحانه ، بل قد عرفت (1)عدم صحة ذلك في نفسه ، فإنها من الأفعال القائمة بالنفس لا من صفاتها ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في أحد طرفي المقدور ، وعليه فلا يعقل تعلّقه بفعل الغير أبداً ، بل هى تتعلّق دائماً بفعل نفس المريد ، نعم قد يكون فعله هو التشريع ، كما قد يكون غيره ، وعلى كل حال فالإرادة تكوينية لا تشريعية .
وثالثاً : أنّ ما ذكره من ضرورة تحقّق الإيمان والطاعة عند توافق الإرادتين وضرورة تحقّق الكفر والعصيان عند تخالفهما ، يستلزم بطلان استحقاق الثواب والعقاب وبطلان التكليف بالبعث والزجر من أصله ، وسنذكر أنّ ما أجاب به عن ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع .
ومنها قوله : إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلّف عن المراد فلا يصح أن يتعلّق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه .
قلت : إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدّماتها الاختيارية ، وإلا فلابدّ من صدورها بالاختيار ، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً (2)انتهى .
فإنّه يرد عليه : أنّ الفعل إذا كان ضروري الوجود ولو لضرورة مباديه وامتنع عدمه في الخارج ، كيف يعقل البعث إليه أو الزجر عنه حقيقة ، أو ليس التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب حينئذ من العبث واللغو الظاهر ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، أفهل أوجب تسمية الأمر النفساني إرادة واختياراً مع فرض ضرورة وجوده وكونه علة الفعل صحة البعث والزجر وصحة العقاب والثواب .
وليت شعري ما هو الفارق بين الإرادة المفسّرة عنده وعند الفلاسفة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات ، وبين الخوف الحادث للنفس الموجب للوقوع على الأرض أو أمر آخر ، فإن ترتّب الفعل على كلتا الصفتين ضروري ومن باب ترتب المعلول على علّته ، وحدوث كلتا الصفتين في النفس خارج عن اختيارها ، فبماذا تفترق الصفتان غير تسمية الأولى بالإرادة والثانية بالخوف ، وبماذا صح التكليف والعقاب والثواب مع الأولى دون الثانية .
وأمّا ما ذكره في الجزء الثاني من الكفاية من أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب إنما لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربه أنسه ، وليكون حجّة على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة (1)انتهى.
فيظهر جوابه ممّا بيّناه ، إذ الفعل بعد ضرورة وجوده وانتهائه إلى الذات كيف يعقل إقامة الحجة على فاعله ، أفهل يعقل سلب الذاتي عن الذات بإقامة ألف حجة ؟ أو يعقل تخلّف المعلول عن علّته !
وليت شعري كيف يعقل الجمع بين القول بأنّ الحياة والهلاك كلاهما عن بيّنة والقول بأنّ الفعل معلول للإرادة ويستحيل انفكاكه عنها ، والإرادة منتهية إلى
1) كفاية الأصول : 261
الذات أو إلى الإرادة الأزلية .
ومنها قوله : إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلّا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقتها الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار .
قلت : العقاب إنما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار ، الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتها ، فإنّ السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه (1)، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة كما في الخبر (2)، والذاتي لا يعلّل ، فانقطع سؤال أنّه لم جُعل السعيد سعيداً والشقي شقيّاً فإنّ السعيد سعيد بنفسه ، والشقي شقيّ كذلك ، وإنما أوجدهما الله تعالى كذلك(3)انتهى.
وكأنّه أراد بذلك ما عن جماعة من الفلاسفة من أنّ العقاب والثواب ليسا من معاقب ومثيب خارجي ، وإنما هما من اللوازم الذاتية للأفعال الحسنة والقبيحة المنتهية إلى الشقاوة والسعادة الذاتيتين .
فيرد عليه أوّلاً : أنّه مخالف لما ثبت من الشرائع من أن الثواب أو العقاب إنّما هو جزاء من قبل الله تعالى على العمل الحسن أو القبيح ، كما يفصح عن ذلك كثير من الآيات القرآنية فضلاً عن الروايات المتواترة .
وأمّا ما ورد في بعض الروايات من تجسّم بعض الأعمال (1)فلا دلالة فيها على كون ذلك من قبيل اللوازم الذاتية ، بل هو أيضاً من باب الجزاء بالعمل كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ العقاب أو الثواب لو كان ذاتياً للعمل فلا معنى لتوقيف العباد وسؤالهم كما هو صريح قوله تعالى : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (2)وهل يعقل وجه صحيح للسؤال عن الذاتي ؟
وثالثاً : لو كان العقاب من اللوازم الذاتية للفعل الخارجي فما هو معنى العفو والإغماض عن بعض المعاصي بالشفاعة أو بغيرها ؟
ورابعاً : أغمضنا النظر عن العقاب أو الثواب الأخروي فما هو المصحح للمسؤوليات الاجتماعية إذا كانت الأفعال ضرورية الوجود في الخارج ؟ فهل يُسأل أحد عن حركة نبضه ودوران دمه في العروق ؟
وخامساً : أنّ الشقاوة والسعادة وصفان ينتزعان من الطاعة والمعصية ومن الإتيان بالأعمال الحسنة والقبيحة ، وأما الأوصاف والملكات النفسية فهي من عوارض النفس ، وشيء من ذلك لا معنى لكونه ذاتياً ، لا بمعنى الذاتي في كتاب الكليات - أعني به الجنس والفصل - ولا بمعنى الذاتي في كتاب البرهان ، أعني به ما يكفي في انتزاعه وضع نفس الذات من دون حاجة إلى ضم ضميمة ، الذي هو من الخارج المحمول كالإمكان بالإضافة إلى الإنسان .
وقد تلخّص ممّا ذكرنا : أنّه بناءً على ما ذكرته الفلاسفة (1)من كون الإرادة المفسّرة عندهم بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات علّة تامة للفعل ، وانتهائها إلى الإرادة الأزلية ، يكون الفعل ضروري الوجود لا محالة ، فيكون البعث أو الزجر لغواً ، ويكون العقاب أو الثواب عقاباً أو ثواباً على أمر غير اختياري .
إذا تحقّقت ذلك فلا بأس بذكر بعض ما أجيب به في المقام عن إشكال لغوية البعث أو الزجر ، أو عدم صحة الجزاء على أمر غير اختياري .
فمنها ما ذكره الشيخ ابن سينا على ما حكاه عنه السيّد في القبسات وهو : أنّ العقاب للنفس على خطيئتها كما ستعلم هو كالمرض للبدن ، إلى قوله : فكما (2)لحوق المرض الجسماني للبدن بسبب تراكم الفضلات الفاسدة التابعة لنهمه ضروري وكذلك لحوق العقاب للنفس بحسب مرضها العقلاني من جهة العقائد الباطلة والأخلاق الرذيلة ضروري ، وهذا النوع من العقاب إنما يكون للنفس الإنسانية بسبب الملكات الردية الراسخة فيها المضادة لجوهر ذاتها (3)انتهى .
والظاهر أنّ الشيخ أراد بذلك أنّ العقاب من اللوازم الذاتية للخطيئة ، وهو كعروض المرض للبدن لفساد المزاج بتراكم الفضلات الفاسدة ، وجوابه يظهر تما ذكرناه آنفاً .
ومنها : ما ذكره الشيخ أيضاً ، فإنّه قال بعد كلام له ما هذه عبارته : فإذن إحقاق الوعيد وتصديقه أي الإيفاء به من العناية بالإرادة والاختيار واجب في الحكمة التامة البالغة لأجل الغرض الكلّي ، وهو كفّ الخلق عن مباشرة أسباب
العقاب الموجبة للفساد ، وإن كان ذلك غير ملائم للمجرم العاصي ، ولا واجباً أيضاً من مختار رحيم لو لم يكن الملحوظ إلّا هذا الجانب الجزئي ولم تكن مصلحة كلّية عامّة(1).
ولا يخفى عليك أنّ الكلام تارةً يقع في فعلية العقاب بالإيفاء بالوعيد بعد فرض الاستحقاق من جهة المخالفة الاختيارية ، وهذا ممّا لا إشكال فيه في المقام ولو مع قطع النظر عما ذكره الشيخ من الغرض الكلّي وهو كفّ الناس عن مباشرة أسباب العقاب الموجبة للفساد ، فإنّه بعد صدور المخالفة الاختيارية المقتضية لصحة العقاب في حكم العقل لا إشكال فيهما ، فإن عاقب الله تعالى فبعدله ، وإن عفا فبفضله .
وأخرى يقع الكلام فيما يوجب استحقاق العقاب ، وهذا هو محلّ الكلام في المقام ، فإنّه بعد فرض ضرورة الفعل واستحالة عدمه بضرورة علّته كيف يصح العقاب عليه ، وهل هو إلّا من الظلم القبيح في حكم العقل ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومنها : ما أجاب به إمام أصحابه الفخر الرازي بقوله : فإن قيل : فإذا كان الكلّ بقدره فما فائدة الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فالجواب : أما الأمر والنهي فوقوعها أيضاً من القضاء والقدر ، وأمّا الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء (2). ثمّ أتمّ جوابه بما سلكه الشيخ في جوابه الأوّل .
أقول : أمّا جوابه عن إشكال عدم إشكال عدم صحة العقاب على تقدير ضرورة الفعل
وانتهائه إلى الإرادة الأزلية فقد مرّ فساده .
وأمّا جوابه عن لغوية البعث والزجر بأنّ وقوع الأمر والنهي أيضاً من القضاء والقدر فهو عجيب جداً ، إذ المراد بالأمر والنهي لو كان مجرد التكلّم بصيغتيها ولو لم يكن بداعي البعث والتحريك فهو وإن كان ممكناً في نفسه ، ولو مع عدم القدرة على متعلّقه ، إلّا أنّ الالتزام به يقتضي القول بعدم تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان بالعمل بالأركان ، فبماذا يستحق الكافر والعاصي العقاب مع فرض عدم مخالفتهما لتكليف المولى ، أو يستحق المطيع للثواب مع فرض عدم التكليف في حقّه .
وإن أريد به الإنشاء بداعي جعل الداعي ، المعبّر عنه بالبعث أو الزجر فكيف يعقل صحة ذلك مع عدم قدرة العبد على الامتثال وكون الفعل أو الترك ضرورياً ، أو ليس البعث على ما يستحيل وجوده والزجر عما يجب وجوده من اللغو والعبث ، بل من المستحيل ممن يلتفت إلى عدم قدرة العبد على الامتثال .
وقد ظهر من جميع ما ذكرناه : أنّه لا ينحلّ شيء من هذه الإشكالات إلّا بما قرّرناه وبيناه من ثبوت الأمر بين الأمرين، كما صرّحت به روایات أهل البيت (1)الذين هم كمثل سفينة نوح ، من تمسك بهم نجى ، ومن تخلف عنهم غرق .
تتميم
ذكر بعض الأساطين (قدّس سرّه) على ما في تقرير بعض تلامذته وجهاً غريباً لتصوير الأمر بين الأمرين ، ولا بأس بنقل عبارة المقرّر ثم تذييله بما يرد عليه ، قال في بدائع الأفكار : وتحريره يتم بتمهيد مقدّمة وهي أنّ عوارض الشيء على أقسام
1) الآتي بعضها في ص 94 - 95
ثلاثة :
أحدها : ما يعرض على الشيء وليس بلازم لوجوده ولا لماهيته ، كالبياض للجسم مثلاً .
ثانيها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لماهيّته .
ثالثها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لوجوده ، كالحرارة للنار .
أمّا القسم الأوّل : فلا ريب في أنّ جعل المعروض بمعنى إيجاده لا يستلزم جعل عارضه ، بل يحتاج العارض إلى جعل مستقل .
وأمّا القسمان الآخران : فما هو قابل لتعلّق الجعل به هو المعروض ، وهو المجعول بالذات ، وأمّا لازم كل من القسمين المذكورين فيتحقّق قهراً بجعل نفس ملزومه ومعروضه ، بلا حاجة إلى جعل مستقل غير جعل ملزومه ومعروضه . فالمعروض يتحقّق بالإرادة الأزليّة المتعلّقة به ، ولازمه لا يحتاج إلى تعلّق إرادة أزلية به ، بل إرادة معروضه تكفي في تحقّقه عن تعلّق إرادة أزلية أخرى به.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن أوصاف الإنسان على قسمين :
أحدهما : أنّه يكون من عوارض وجوده ، وليس بلازم لوجوده أو ماهيته كالعلم والضحك ونحوهما ، وقد عرفت في المقدّمة أنّ هذا النحو من العوارض يحتاج إلى جعل مستقل يتعلّق به ، ولا يغني جعل معروضه عن جعله ، مثلاً علم الإنسان بكون العمل الكذائي ذا مصلحة يحتاج إلى تعلّق إرادة أزلية توجده في نفس الإنسان، ولا تكفي الإرادة الأزلية المتعلقة بوجود الإنسان عن تعلّق إرادة أخرى به .
وثانيهما : أن يكون الوصف من لوازم وجوده ولو في بعض مراتبه ، وقد عرفت أنّ هذا النحو من الأوصاف لا يحتاج في تحقّقه إلى جعل مستقل غير جعل معروضه ، فالإنسان ولو في بعض مراتب وجوده مقهور بالاتصاف بصفة الاختيار
ويكفي في تحقّق صفة الاختيار للإنسان تعلّق الإرادة الأزلية بوجود نفس الإنسان .
ولا ريب في أنّ كلّ فعل صادر من الإنسان بإرادته له مباد ، كعلم بفائدته و كشوق إليه ، وقدرة عليه ، واختياره في أن يفعله وأن لا يفعله ، وإرادته المحرّكة نحوه ، وعليه يكون للفعل الصادر من الإنسان نسبتان :
إحداهما إليه باعتبار تعلّق اختياره به ، الذي هو من لوازم وجود الإنسان المجعولة بجعله لا يجعل مستقل .
والأخرى إلى الله تعالى باعتبار إيجاد العلم بفائدة ذلك الفعل في نفس فاعله وإيجاد قدرته عليه ، وشوقه إليه ، إلى غير ذلك من المبادي التي ليست من لوازم وجود الإنسان ، وليست مجعولة بجعله بل بجعل مستقل منه تعالى .
فحينئذ لا يكون الفعل الصادر من الإنسان بإرادته مفوّضاً إليه بقول مطلق ولا مستنداً إليه تعالى كذلك ليكون العبد مقهوراً عليه ، ومعه يصح أن يقال : لا جبر في البين ، لكون أحد مبادي الفعل هو اختيار الإنسان المنتهي إلى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة كون بقية مباديه الأخرى مستندة إليه تعالى ، ولا مانع من أن يكون ما ذكرنا هو المقصود بقوله (عليه السلام) : « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين ».(1)انتهى .
ويرد على ما ذكره :
أوّلاً : أنّ ذلك لو تم وكان الاختيار مجعولاً بجعل أصل وجود الإنسان لم يصحّ العقاب على الفعل المترتب عليه ، فإنّ مبادي الفعل حينئذ بين ما هو متعلق الإرادة الأزليّة مستقلاً ، كالعلم والقدرة والشوق ونحوها ، وما هو متعلّق لها بتعلّق الإرادة بأصل الوجود وكونه مجعولاً بجعله ، وبذلك يكون الفعل ضرورياً لا محالة
1) بدائع الأفكار : 203 - 205 .
ومعه لا يبقى مجال للتكليف بالبعث أو الزجر ، ولا لصحة العقاب على المخالفة كما عرفت .
وثانياً : أنّ جعل الاختيار - الذي هو أمر يحدث بعد وجود الإنسان بكثير - من لوازم الوجود من الغرائب ، فإنّ لازم الوجود غير قابل الانفكاك عنه والاختيار ليس كذلك بالضرورة .
نعم كون الإنسان مالكاً لاختياره - بمعنى سلطنته عليه - من لوازم وجوده في الجملة ، إلّا أنّه عبارة أخرى عن قدرته على الفعل والترك ، وليس أمراً آخر في قباله ، وقد صرّح في العبارة المتقدّمة بكون القدرة مجعولة بجعل مستقل من الله تعالى .
وثالثاً : أن لازم الوجود إذا كان موجوداً بوجود غير ملزومه كيف يعقل جعله بجعل ملزومه ، وهل الجعل غير الإيجاد، وهل الإيجاد غير الوجود المتحد معه بالذات والمختلف معه بالاعتبار. فإذا كان الوجود متعدّداً كان الجعل متعدّداً بالضرورة ، غاية الأمر يكون الجعلان متقارنين زماناً ، وأين هذا من وحدة الجعل وتعدّد المجعول .
ورابعاً : أنّ ما ذكره من كون اللازم لازماً للوجود مرة وللماهية أُخرى كلام مشهور لا أصل له ، إذ الماهية لا تقرّر لها في وعاء لها ليعرض لها شيء ، بل العوارض كلّها للوجود ، غاية الأمر أن بعضها لا يختص بالوجود الخارجي ، بل يعرض له وللوجود الذهني أيضاً كالزوجية للأربعة ونحوها .
هذا آخر ما أردنا نقله من بيانات القدماء من الفلاسفة الفلاسفة ومن حذا حذوهم وما تيسر لنا من تحقيق الحق فيها ، وممّا لابدّ منه للخائض في أمثال هذه المسائل العويصة أن يجرّد قصده لكشف الحقائق ومعرفة طرقه ، ولا يغتر بالاصطلاحات الرهيبة والخطابيات المدهشة ، فإنّ مثلها مثل الكابوس تنفعل منه النفس وليس
وراءه شيء من الحقيقة ، وأنّ الاصطلاح يمحوه الاصطلاح ، والحقائق باقية على حالها لم تزل ولا تزال فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ).
ولمّا تمّ الكلام في بيانات القدماء من الفلاسفة شرعنا فيا ذهب إليه المتأخّرون منهم ، أعني بهم من قارب عصورنا المتأخرة .
وقد بنى بعضهم هذه المسألة - الجبر والاختيار - على المذهبين المعروفين : مذهب العلّية العامة ومذهب الغاية ، ولما كان بيان الابتناء يتوقف على معرفة حقيقة المذهبين لم نر بُداً من تقديم مقدمة في توضيحها ، فنقول :
إنّ معنى مذهب العلّية العامة هو اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث يتصل بعضها ببعض اتصالاً علياً بحتاً ، لا دخل لاختيار الإنسان فيه ، وأنّ كلّ ما يحدث من الحوادث قد قدّر أزلاً وأحصي عدداً ، كما لو كان نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل محاسب .
وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من المتأخرين ، وقد قام بالبرهنة عليه في کتاب نظام الطبيعة على ما حكاه عنه في المدخل إلى الفلسفة (1).
و ممن أصرّ على هذا المذهب صاحبا كتاب الأخلاق مؤيّدة بالدليل الهندسي وكتاب العالم فإنّهما على ما حكاه عنهما صاحب قصة الفلسفة الحديثة يقولان والعبارة لصاحب كتاب العالم - : إنّ الله قد دفع العالم دفعة واحدة منذ البداية كانت نتيجتها كلّ هذه الحركات التي تطرأ على الأجسام المادية كائنة ما كانت
1) المدخل إلى الفلسفة : 222 - 223 .
وكلّ حركة من حيوان أو إنسان إن هى إلّا نتيجة حتمية آلية لتلك الدفعة الإلهية الأولى ، فإذن العالم كله بما فيه من أجسام آلية تسير مجبرة (1).
وقد نقل عن الأوّل منهما : أنّ ما نشعر به في أنفسنا من حرّية في العمل فليس سوى جهل بالأسباب التي تؤدّي إليه ، وكما تلزم الخواص الهندسية للمثلث من طبيعة شكل المثلث ، كذلك يلزم سلوك كلّ كائن حي من محض طبيعته (2).
هذا هو مقتضى قاعدة العلّية العامة ، وأحسن عبارة كاشفة عنه هو ما سمعته من اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث ، يتصل بعضها ببعض اتصالاً علياً بحتاً . وقد وعدنا سابقاً أن نذكر إحدى شبهات الأشاعرة عند هذا البحث ، وهاهي التي نقرّرها مستوفى .
ولا يخفى أنّ هذا التعابير التي نقلناها من مصادرها لا تبعد عن اتفاق القدماء من الفلاسفة بذهابهم إلى اعتبار الكون كله منظماً بنظام جملي ، بعضه علل وبعضه معاليل وغايات ، ومن المستحيل وقوع التخلّف والتبدل فيما هو اقتضاء السلسلة (الدائرة المقفلة) هذا هو مقتضى القانون المعروف عند المتأخرين بقانون العلة العامة .
وأمّا مذهب الغاية فقد فسّره في المدخل إلى الفلسفة بقوله : وتظهر لنا فكرة الغاية كما تظهر في الكائن الحي الذي تعمل أعضاؤه ووظائفه وتؤثر أجزاؤه المختلفة بعضها في بعض من أجل المحافظة على نفسه وعلى نوعه ، بل إننا ننتقل من فكرة
الغاية في الكائن الحي إلى الغاية في الطبيعة برمتها ، فننظر إليها على أنّها هي أحرى(1)نظام ألّف على نحو معيّن لتتحقّق منه غاية عامة ، والغاية القصوى التي نعتقد أنّ العالم يجري نحوها في تطوّره غاية أخلاقية، لأنا نلح دائماً في السؤال بما هي الغاية ، أو بما هو الغرض من كيت وكيت ، حتّى نصل إلى هدف أخلاقي ما (2).
ومعنى هذا المذهب كما تراه من العبارة وغيرها المذكور فى محلّه - أنّ الكون بمعناه المطلق وإن كان تحت نظام تام ، إلّا أنّ الأفعال الواقعة فيه إنما تقع لتحصيل غايات ، وترتبها على الأفعال والحركات من قبيل ترتب الأخلاق على الأعمال فإنّ الأخلاق ليست مندمجة تحت النظام ، بل هي متحصلة متحصلة من النظام وأطواره .
وإذا عرفت حقيقة المذهبين فنقول : إنّ ابتناء الجبر والاضطرار في الأفعال على المذهب الأوّل في غاية الظهور ، بداهة استحالة تصرّف الإنسان الداخل في الكون - الدائرة المقفلة - بشيء من التصرف . وجوابه ما عرفته سابقاً (3)في إثبات الاختيار مع الالتزام بالنظام الجملي ، فلا حاجة إلى الإعادة . وأما ابتناء الاختيار على المذهب الثاني - مذهب الغاية - فلوضوح أن سؤالنا لماذا فعلت هذا وتركت ذلك ، وجوابه فعلته لغاية كذا أو تركته لكذا ، ينم عن بداهة الاختيار [ و ] دليل ظاهر على الاختيار، ضرورة أنّه لا معنى للمسؤولية عن فعل أو ترك غير اختياري ، أفهل يعترض على أحد بحركة نبضه أو بعدم طيرانه في الجو بغير آلة ؟
وبالجملة : إنّ هذا المذهب الذي هو في الحقيقة إرجاع الإنسان إلى وجدانه
وبداهة عقله هادم أساس القول بالجبر ، وما بنى عليه تخيّلات القائلين به من الاصطلاحات الفارغة عن الحقيقة
ذهب عدّة من المتأخّرين إلى تبعيّة الأفعال للأوصاف والنعوت المنتقلة من الآباء والأمهات بقانون الوراثة ، كصاحبي مجلة الحيوان (1)وكتاب أصل الأنواع (2)وغيرهما ممن رأى انتقال الصفات من الضروريات في القوانين الكونية ولهم في تقريبه بيانات مختلفة ، ذكرنا بعضها في التعليم (3)ولا نحتاج إلى نقلها في المقام .
والذي نقول في الجواب هو : أنّ ثبوت الوراثة في ظواهر الأجسام النامية والحية وإن كان مسلماً في الجملة ، وقد أسهبنا البحث عنه في التعليم إلّا أن ثبوتها في الأوصاف الأولية غير العارضية محلّ نظر ، بل منع رأساً
ونعني بالأوصاف الأوّليّة ما يكون جميع أفراد النوع بما هي أفراد النوع واجدة لها ، كالتعجب والضحك مثلاً ، فإنّ هاتين الصفتين اللتين هما من لوازم النفس الناطقة : الأولى بواسطة إدراك الكلّي والثانية بواسطتهما ، ممّا لا يقبل الوراثة ولا يخضع لها أصلاً ، ومن هذا القبيل القدرة على الفعل والترك .
فهذان البيانان - أي بيان مذهب العلة وقاعدة الوراثة - هما عمدة ما استدلوا به على الجبر والاضطرار ، وأمّا بياناتهم الأخر فأكثرها استدلالات للاختيار
وبعضها في غاية الجودة والمتانة .
وقد أوضحوا حقيقة صدور الأفعال ببيان آخر نبيّنه بأكمل وجه ، ولعلّ المراجع يفهم غير ما ظهر لنا من هذا البيان ، وهو تقسيم البحث عن الفعل باعتبار جهات ثلاث .
والذي دعاهم إلى هذا التفصيل هو أنّ كلّ كائن حي أو غير حي من الجواهر أو من الصفات قد لا يكون للبحث فيه من جهة واحدة شيء محصل ، بل لابدّ من ملاحظة اختلاف جهات البحث، ولذلك حاولوا تحليل صدور الفعل مع ملاحظة تلك الجهات الثلاث : الأولى جهة البحث الفلسفي ، الثانية : جهة البحث النفسي ، الثالثة : جهة البحث الأخلاقي ، فليس البحث عن صدور الفعل ذا جهة بسيطة كي يدور الإثبات والنفي عليها وحدها .
فبالنظر إلى الجهة الأولى - وهي ربط الفعل بالقوانين الفلسفية - يبدو الفعل إجبارياً، وقد مرّ بيان الاستدلال والجواب مسهباً.
وأما جهة البحث النفسي فمقتضاها اختيار الإنسان في أفعاله وتروكه ، لظهور حكم الوجدان بكون النفس ذات قوة حقيقية بها توجب اختيار الفعل في حين انّه قادر على اختيار الآخر وتركهما ، وإنّما نعرف وجود تلك القوة بمعونة الأفعال وتعقبها بالغايات التي جعلها الفاعل أهدافاً لأفعاله .
وأمّا جهة الأخلاق فهي أوضح من أختيها ، فلا نطيل الكلام فيها .
ولكن الذي نرومه في المقام هو بيان أنّ القوانين الفلسفية المزعوم أنها تؤدي إلى الجبر مأخوذة من أحد طريقين : إمّا من طريق العقل كالقوانين غير المرتبطة بالمحسوسات موضوعاً و محمولاً ونسبة، وإما من طريق المحسوسات كقاعدة الوراثة
عندهم أو الملازمة بين الحركة والنور مثلاً ، فإذا لم يدلنا أحد الطريقين على مطلوب لا تطمئن إليه نفوسنا .
ولا يخفى أنّ البحث النفسي أو الأخلاقي اللذين ينتجان نتيجة كلية وضابطة عامّة يكشفان لا محالة عن أنّ ما أثبتناه إنما هو مقتضى القوانين الفلسفية أيضاً .
و به تعرف فساد توهّم من ذهب إلى أنّ مقتضى القانون العلمي هو الجبر ومقتضى القوانين الدولية والمقرّرات الحكومية القضائية والجزائية وغيرها هو الاختيار.
ووجه الفساد : أنّ من المعلوم شدّة اختلاف قوانين الأمم والأقوام باختلاف عاداتها ومعتقداتها ، ومع ذلك لم تشدّ واحدة منها في السؤال عن الفعل والجزاء طبق ما وقع عليه ، وهل يعقل أن يكون ذلك من باب البناء والتعبد المحض ، بل لا استبعاد في كون اختيارية الأفعال من أوّل الضروريات حيث لم يختلف فيها اثنان ، لما ذكرناه من المسؤوليات والقضاء في جميع محاكم العالم ، بخلاف (1)الضروريات حيث ذكرنا سابقاً كثرة وقوع الخلط والاشتباه فيها
وهناك بيان رابع يظهر منه التفويض ، وهو أنّ الله تبارك وتعالى إنما جعل الكون منظماً بقوانين تكوينية يتبعها ، وأما بقاءً فهي تابعة لشؤون نفس المادة وحركاتها وسكناتها .
والجواب عنه يظهر بما سنذكره في مذهب المفوّضة .
1) لعلّ هناك كلمة ساقطة هنا وهي « سائر » إن كان المقصود عدم وقوع الاختلاف في خصوص أوّل الضروريات أو « غير » إن كان المقصود عدمه في كلّ ضرورية ، ولا يخفى عدم ذكره سابقاً بوضوح ، راجع ص 24 وما بعدها .
الكلام فى مذهب المفوّضة
قد أُطلق هذا المذهب عند القدماء على معانٍ كا عن صاحب مصابيح الأنوار (1)وقد أشار إليه المحدث المجلسي (قدّس سرّهما) أيضاً في المجلد الثالث من البحار في باب القضاء والقدر(2).
أحدها : تفويض الله الأمر إلى العباد ، بحيث لا تأثير لسلطنته تعالى في أفعال العباد أصلاً.
ثانيها : رفع الحظر عن العباد في أفعالهم وإباحتها لهم . وقد مال إلى هذا القول جمع من المتأخرين أيضاً .
ثالثها : تفويض أمر الخلق وما يتبعه من الشؤون إلى بعض عباده . وهو باطل بجميع معانيه .
أمّا الأوّل : فلما قلنا سابقاً كراراً من أنّ شأن الممكن هو الافتقار في جميع أطواره وأحواله ، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فهو في جميع آنات وجوده الممتدة مفتقر إلى إفاضة الله سبحانه وتعالى ، فكيف يعقل أن يكون مستقلاً في شؤون نفسه ، ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية الثابتة عند المحقّقين من الفلاسفة . والقول بعدم سلطنته تعالى بقاءً يستلزم استغناء الممكن في بقائه ، وهو أمر مستحيل .
وأمّا الثاني : فهو يستلزم تكذيب جميع الأديان ، وإبطال جميع الشرائع ومنافٍ لحكم العقل بلزوم بعث الرسول لهداية البشر إلى طريق سعادته الابدّية و حفظ النظام عن الاختلال
وأمّا الثالث : فهو أيضاً مخالف لضرورة العقل والدين ، فإنّه تعالى هو الخالق والرازق ، وأنّ له السلطنة التامة والغناء المطلق، وأنّ جميع مخلوقاته تحت سلطنته وقدرته ، لا يستقل أحد منهم في فعله ، والآيات القرآنية في حصر الخلق والرزق وغيرهما من شؤون المخلوقات في كونها الله تعالى وحده كثيرة ، لا حاجة إلى ذكرها في المقام .
فإذا أمعنت النظر في جميع ما قلناه من أوّل البحث إلى هنا تعرف أنّ ما استدلوا به لإثبات اضطرار العباد إلى أفعالهم إمّا ناشئ من الخلط في مقدّمات الاستدلال ، أو الغرور بالاصطلاح البحت أو تقليد الماضين ، وغيرها ممّا لا يرجع إلى شيء محصّل .
وقد عرفت أيضاً بطلان استقلال العبد في شؤونه وأفعاله ، فلا مناص من الالتزام بما ذهبت إليه الإمامية من الأمر بين الأمرين ، فإنّه الذي يحكم به الوجدان والأدلّة العقلية ، وقد نطقت به الآيات القرآنية والروايات المأثورة عن أهل البيت (سلام اللّه عليهم) كما سنذكر بعضها عن قريب إن شاء الله تعالى(1).
هذا تمام الكلام في الأدلة العقلية للمذاهب في الأفعال والنظر فيها .
ونشرع الآن في الأدلة النقلية من الآيات والروايات ، مستعينين بالله الحكيم العدل .
في تقسيم الآيات الدالة على الاختيار
اعلم أن الآيات التي يمكن أن يستفاد منها الاختيار على أقسام خمسة :
الأول : ما يكون منها في قوة التصريح بالاختيار.
الثاني : ما يدلّ منها على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هما لإتمام
1) في ص 94 .
الحجّة ، وعدم تعذيبه تعالى إياهم إلّا بعده .
الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عن الله سبحانه .
الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد .
الخامس : الآيات التي تدلّ على خطاب الله تبارك وتعالى العصاة يوم القيامة ، واعترافهم بتقصيرهم فيه .
وهذه الآيات آيات محكمة ، وظاهرة الدلالة على المطلوب وأما ما استدل به من الآيات على كون العباد مضطرين في أفعالهم فسيجيء الجواب عن الاستدلال بها فيما بعد إن شاء الله تعالى (1).
ولا يخفى أنّا لا نورد من أقسام الآيات المذكورة إلّا نموذجاً من كل قسم ، لأنّ إيراد جميعها يقتضي التفصيل كثيراً ، ولا حاجة إليه بعد وضوح الحق وظهوره . أمّا القسم الأوّل : فكقوله تعالى : قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ)(2)
وقوله تعالى : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيّ) (3).
وقوله تعالى : لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (4). وقوله تعالى : (وَمَنْ يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيناً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً
وَإِثْماً مبيناً )(1).
وقوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الخ (2).
وقوله تعالى : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ )(3).
وقوله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحقّمِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (4).
وقوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (5).)وقوله تعالى : (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً(6).)وقوله تعالى : ( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَشْهَدُونَ (7).)وقوله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (8).)
وقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (1).)وقوله تعالى : ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةً فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (2).)وقوله تعالى : (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (3).)القسم الثاني : ما يدلّ على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنما هو لإتمام الحجّة . وآياته كثيرة جداً ، ونذكر عدة منها : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (4)﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلّا لَهَا مُنذِرُونَ )(5)(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (6).)وتقريب الاستدلال بهذا القسم من الآيات من جهتين :الأولى : ما ذكرنا سابقاً (7من قبح العقاب على الفعل الاضطراري ، فإنّه ظلم والله عدل حكيم ، ومن هذه الجهة يشترك هذا القسم مع القسم الثالث . الثانية : لزوم التكليف بما لا يطاق ، فإنّ بعث الرسول للعبد المجبور لأن يكلّفه بفعل ليس في اختياره تكليف بما لا يطاق ، مع لزوم لغويّته)القسم الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عنه تعالى ، كقوله عزّ من قائل : إِنَّ
الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (1)وكقوله تعالى : ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (2)وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (3)(إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (4)وتقريب الاستدلال بها ظاهر .)وأمّا إنكار الأشعري لقبح الظلم على الله عرفت (5ما فيه ، وأنّ حكم العقل بقبحه لا يختص بفرد دون فرد ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . على أنّ الآيات المزبورة دالة على عدم الوقوع لا محالة ، وهذا المقدار كافٍ في عدم صحة العقاب على أمر غير اختياري .)القسم الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد . وهذا القسم شامل لجميع القرآن إلّا الأحكام والوعد والوعيد كما لا يخفى ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا (6)(الَّذِينَ آمَنُوا) (7)، السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) (8)، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) (9)القسم الخامس : الآيات الدالّة على ندامة الكفّار يوم القيامة ، كقوله : وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ) (10))
1) النساء 40:4 .
2) البقرة :2 : 281 ، آل عمران 3: 25 ، 161 ، الأنعام 6 : 160 ، وغيرها من الآيات .
3) آل عمران 3 : 182 ، الأنفال 8: 51 ، الحج 22 : 10 .
4) يونس 10 : 44 .
5) في ص 46 .
6) البقرة 2 : 6 ، 26 ، 39 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها
7) البقرة 2 : 25 ، 62 ، 82 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها
8) المائدة 5: 38 .
9) النور 24 : 2 .
10) النبأ 78 : 40 .
أو خطابه تعالى : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ (1)(يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) (2)وغيرها من الآيات الواردة بهذا العنوان .)ووجه الاستدلال بها أنّه لو لم تكن الأفعال اختيارية فلماذا هذه الندامة ولماذا هذا الخطاب.فإذا تبيّن دلالة الآيات الكثيرة على الاختيار فلا يبقى وزن لدعوى الأشعري دلالة بعض الآيات على الاضطرار ، مع أنّ جميع تلك الآيات غير ظاهرة فيما يدعيه كما ستقف عليها .والوجه في ذلك : أنّ ما ادّعي من الآيات التي تدلّ على الاضطرار لا يخلو عن أحد أقسام ستة### الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامهاالأوّل : ما يقترن بالقرائن السابقة أو اللاحقة التي تمنع عن انعقاد ظهور الآية في المقصود ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (3).)والجواب : أنّ هذه الآية إنما وردت في طائفة خاصة ، ضرورة أن جميع الكفّار ليسوا ممن لا ينفعهم الإنذار ، فإنّ كثيراً منهم قد اهتدوا بهداية النبي الأكرم وأوصيائه الكرام بل بتبليغ سائر المسلمين وإرشادهم ، فالمراد طائفة خاصة من
الكفّار ، وهم الذين تعصبوا في كفرهم وعاندوا الإسلام والمسلمين ووصلوا إلى حدّ لا ينفعهم الإنذار ، فلهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون ، فالختم مستند إلى اختيارهم الكفر ومعاندتهم الحق ، دون العكس .فالمتحصّل من الآية المباركة : أنّ الكفر ربما يصل إلى حد لا ينفع معه الإنذار والمراد بالختم المنسوب إلى الله تعالى إمّا الختم الحقيقي المشاهد للملائكة ، وإما الختم المجازي المراد به انتهاء أمرهم وحرمانهم من تسديد الله تعالى وتوفيقه وهدايته . وكيف كان ، فهو مستند إلى اختيارهم الكفر ، ومترتب عليه .فإن قلت : ظاهر الآية يدلّ على خروجهم عن القدرة بالمرّة ، وهذا ينافي صحة إسناد الفعل والترك إليهم .قلت : كلّا ، فإنّ غاية ما يستفاد من الآية المباركة هو بلوغ تلك الطائفة غاية الكفر والشقاء وأنهم لا يؤمنون ولا يتأثرون بالإنذار ، وليس في ذلك دلالة على عدم قدرتهم على الإيمان أصلاً .على أنّه لو سلّم ذلك لم ينفع الخصم ، لأنّ الخروج عن القدرة بالاختيار ، ولا ينا في الاختيار ، أما ترى صحة لوم من ألقى نفسه من شاهق مع أنّه غير قادر على حفظ نفسه بعد إلقائه .وأمّا قوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (1)فليس فيه أدنى إشعار بكون الإنسان مسلوب الاختيار ، فإنّ المراد بالمرض الموجود فيهم إن كان هو الحقد والحسد والعناد ونحو ذلك فزيادته بظهور شوكة الإسلام وقوته أمر ظاهر ، فإنّه كلّما قوي الإسلام وزادت شوكته زاد)
1) البقرة 2 : 10 .
حقد المعاندين وحسدهم بالضرورة ، وإن كان المراد به الكفر وعدم الخضوع للحق فالأمر أيضاً كذلك ، فإنّ كفر الكفرة يشتدّ لا محالة بمعارضة الإسلام ومعاداته .فالغاية من بعث الرسول وإنزال الكتاب وإن كانت هداية الناس أجمعين ، إلّا أنّ من أعرض عن الدين واتبع شهواته ولم يكترث بغير الحياة الدنيا وعارض النبي الأكرم وشريعته يزيد طغيانه وشقاؤه ، فالمؤمن باتباعه الحق واختياره الإيمان يصل إلى مرتبة الهداية والفلاح ، كما أنّ الكافر باتباعه الباطل واختياره الكفر يزاد في كفره وشقائه ، وكلّ ذلك مستند إلى الاختيار إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(1).)الثاني : الآيات الواردة في وقائع شخصية ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (2)وغيره ممّا ورد في أشخاص مخصوصين وأقوام معينين . ) والجواب عنها : أنّ أكثر هذه الموارد محفوفة بالقرائن السابقة أو اللاحقة من نفس الآيات من أنهم أنذروا وأبشروا بتعاليم الدين ، كقوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (3)ولم يعتدوا بها بل غرّتهم الحياة الدنيا فاختاروا الكفر والعصيان ، هذا فيما لو كانت الآية ظاهرة في تحقّق ذلك منهم ، وأمّا فيما لو كانت دالة على لحوق الشقاء وأنّ مصير الشخص الخاص أو قوم إلى الشقاء ،)فقد قلنا أنّه إنما أخبر الله تبارك وتعالى بوقوع الشقاء منهم بمباديه الاختيارية . الثالث : ما ورد من كون جميع ما كان وما يكون وما هو كائن ثابت في أمّ
الكتاب ، أو اللوح المحفوظ(1.)والجواب عن مثل هذه الآيات كالجواب عن تعلّق العلم بالأفعال ، فيكون ثبوت الأفعال والأعمال في اللوح المحفوظ على واقعها الذي ستقع عليه بمباديها ومقتضياتها ، وسيأتي تفصيل ذلك في باب القضاء والقدر إن شاء الله تعالى(2)الرابع : الآيات التي دلّت على كون الأفعال والتروك متعلّقة بمشيته تعالى .الظاهرة في تبعيتها لها ، وهي على قسمين :الأوّل : ما يدلّ على النهي عن إسناد الفعل إلى العبد نفسه إلّا بمشية الله ، كقوله تعالى : ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إلّا أَنْ يَشَاءَ الله(3).)ولكن لا يخفى أنّ ظاهر الآية الشريفة هو النهي عن القول بكون العبد فاعلاً تامّاً إلّا أن يشاء الله نقض فاعليته ، وبعبارة واضحة : أن لا يتخيّل ويزعم العبد أنّه هو الفاعل ، وأنه المحصل لجميع شرائط الفاعلية ومقتضياتها إلّا أن يمنع الله تبارك وتعالى عن تأثير فاعليته بمشيته كما زعمه المفوّضة على ما سبق (4في شرح عقيدتهم ، ففي الحقيقة أنّ الآية وما شابهها من الأدلة الرادة على المفوّضة .)الثاني : ما يدلّ على تعلّق المشيّة بنفس الفعل ، كقوله تعالى : (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (5)ممّا لم يحتف بالقرائن الصارفة عن ظهوره ، ولما كان هذا القسم
يشمل عدّة آيات لذلك جعلناه :
القسم الخامس من الآيات ، ولنمهد للجواب عن هذا القسم مقدّمة كثيرة الفائدة ، وبها يظهر الجواب عنها وافياً .
فنقول : إنّ الهداية على ما يظهر من موارد استعمالها تطلق على معان :
الأوّل : الهداية التكوينية ، التي هي إفاضة الوجود على الكائنات ، وجعلها منظمة وخاضعة للسنن الكونية ، كتبعية وجود المعاليل لوجود عللها ، والترتيب الثابت في الحركات والأفاعيل والانفعالات الإدراكية وغير الإدراكية مع ترتيب غايات وأغراض لها ، بحيث لا تتحصل تلك الغايات إلّا على ما جعل الترتيب عليه ، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة طه : قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (1)وقوله تعالى في سورة الأعلى : (الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )(2)
الثاني : الهداية التشريعية ، وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل وسائر أسباب تبليغ الشرائع من الأوصياء وغيرهم ، كقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (3)وهذا القسم من الهداية لا يكون إلّا على نحو إراءة الطريق وأنه أيّ طريق يوصل العبد إلى المطلوب لو سلكه باختياره .
الثالث : الهداية الموصلة إلى المطلوب ، وهذا يقابل القسم الثاني ، إذ ليس لهذا المهدي اختيار قبول الهداية وعدمه ، كقوله تعالى في سورة الأنعام : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (4)
الرابع : الهداية بمعنى توجيه مقتضيات الخير والعبودية على نحو غير منافٍ لاختياره ، كتولّد العبد في الجامعة الفاضلة ومن أبوين تقيّين ، أو فقدان أسباب المعصية وأمثالها ممّا يكون دخيلاً في توجّه العبد إلى الخيرات وإعراضه عن الشرور ، لا كدخل العلل التامة بل العلل المعدّة في معاليلها .
فإذا عرفت المقدّمة تظهر لك منها نتيجتان :
الأولى : ارتفاع الاختلاف عمّا يتراءى عن بعض الآيات في بادئ النظر حيث دلّ بعضها على أنّ الله تعالى هدى الناس أجمعين ، ودلّ بعضها الآخر على أنّه إنما هدى البعض دون بعض ، فإنّ ما دلّ على هداية جميع الناس ناظرة إلى المعنى الثاني ، وما دلّ على اختصاصها ببعض دون بعض ناظرة إلى المعنى الرابع .
الثانية : ما نحن بصدده من الجواب عن الآيات الظاهرة في استناد الهداية والضلالة إلى مشيّته ، وهي تعلق المشيّة بتوجيه تلك المقتضيات إلى العبد إن شاء هدايته وسلبها عنه إن شاء ضلالته، وذلك من دون منافاة بين هذا التعلّق واختيار العبد.
السادس : الآيات التي ادعيت صراحتها في اضطرار العباد في أفعالهم وتروكهم ، كقوله تعالى في سورة الأنفال : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى )(1).
والجواب عنه بالحلّ أوّلاً ، وبالنقض ثانياً .
أمّا الحلّ فبالنظر إلى مورد نزول الآية الشريفة ، حيث إنّها نزلت في غزوة بدر على ما عن المفسّرين ، مستندين فيه إلى الروايات الواردة في المقام ، منها ما نقله الفيض في الصافي عن القمّي « أنّ قريشاً لما جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال : خذ قبضة من التراب فارمهم بها ، فقال لعلي (عليه السلام) أعطني قبضة من حصاة
1) الأنفال 8 : 17 .
الوادي ، فأعطاه فرمى بها في وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلّا شغل بعينيه ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر ، فيقول الرجل قتلت وأسرت » (1)الحديث .
فإنّ من المعلوم عدم كفاية قدرة البشر على مثل هذه الغلبة ، فنفي الرمي عنه (صلى الله عليه وآله) إنما هو لإثبات أنّه من المعجزات وخوارق العادة ، وأن لا يتفاخر المؤمنون بما فعلوا في إثره من القتل والأسر.
ومثلها قوله تعالى في الآية السابقة : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ الله قَتَلَهُمْ) .
وأمّا النقض فبأنّه لو كان المقصود إسناد الفعل المطلق الصادر عنه (صلى الله عليه وآله) إليه تعالى لكان من التناقض الظاهر ، كأن يقال : وما أكلت إذ أكلت ، وما قمت إذ قمت ، وما صليت إذ صليت . وفساده أظهر من أن يخفى .
ثم لا يخفى أنّه بعد الغضّ عن جميع ما ذكرناه من الأجوبة لنا وجه آخر عن جميع ما ادعي ظهوره في اضطرار العباد إلى أفعالهم وتروكهم ، آية كانت أو رواية وهو احتفاف جميع ذلك بالقرينة ، وهي ما ذكرناه من الأدلة العقلية ، وأظهرها الوجدان ، الذي هو قرينة متصلة ، ومعها لا يبقى لهذه الآيات والروايات الآتية ظهور فيما ادعي لو سلّم ظهورها فيه في نفسها ، كما هو الشأن في القرائن المتصلة على ما هو الثابت في باب التفهيم والتفهم وحكمة المحاورات العقلائية ، هذا مع وجود القرائن اللفظية الكثيرة من الآيات الصريحة في الاختيار، والروايات التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
1) تفسير الصافي 2 : 287
إنّ الروايات الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد على أقسام ، منها : ما يكون ظاهراً فيه ، ومنها : ما يكون نصاً وصريحاً في أنّ الفعل الصادر من العباد ليس بالإجبار ولا بالاضطرار ، بل على نحو الأمر بين الأمرين ، ومنها : ما يدل على نفي الظلم عنه تعالى .
وليعلم أيضاً أنا لا نورد عن كلّ واحد من هذه العناوين إلّا ما يكون نموذجاً للعنوان كما فعلناه في الآيات ، لأن استقصاء جميعها يحتاج إلى تأليف مجموعة مستقلة مفصّلة .
أمّا القسم الأوّل : ففي الوافي نقلاً عن الكافي مرفوعاً ، وغيرهما من كتب الحديث بعضها مرسلاً (1)وبعضها مسنداً (2)، والعبارة عن الكافي على ما نقله في الوافي قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : أجل ياشيخ ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ إلّا بقضاء من الله وقدر ، فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، فقال له : مه ياشيخ ، فوالله لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليه مضطرين ، فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له : وتظن أنّه كان قضاءً حتماً
وقدراً لازماً ، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي والزجر من الله ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمة للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان وقدرية هذه الأمة ومجوسها ، إنّ الله تبارك وتعالى كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعض مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك مفوّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، فأنشأ الشيخ يقول :
أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته *** يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً *** جزاك ربّك بالإحسان إحسانا (1).
الرواية الشريفة من أحسن الروايات الواردة في المقام ، ولقد بينت عمدة ما في مسألتنا - الجبر والاختيار - من الغوامض والنكات المهمة : الأولى : تقسيم القضاء والقدر إلى قسمين : حتميّين وغير حتميين ، وأنّ الذي تعلّق منها بالأفعال هو القسم الثاني ، غير الموجب لاضطرار العباد في أفعالهم وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير معنى القضاء والقدر إن شاء الله تعالى(2).
الثانية : تحقّق الملازمة بين كون الأفعال مقضيّاً عليها بالقضاء الحتم ، وبين بطلان الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، ولغوية المدح والذمّ لوضوح عدم كون المحسن فاعل الفعل الحسن ، والمذنب فاعل الفعل القبيح .
الثالثة : التصريح بتكليفهم وهم مختارون ، غير مكرهين ولا مضطرّين .
الرابعة : عدم تمليكه إيّاهم بحيث ينا في سلطانه جلّ وعلا كما يقوله المفوّضة بقيت في الرواية نكتة أخرى ، وهي كيفية تصوير أولوية المذنب بالإحسان والمحسن بالعقوبة على فرض الإجبار والاضطرار ، وقد ذكر علماؤنا (رضي الله عنهم) في وجه الأولوية وجوهاً قد نقل بعضها في مصابيح الأنوار فراجع(1).
وفي الوافي عن الكافي باسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشر إليه فقد كذب على الله(2).
وفي الوافي عن الكافي باسناده عن حفص بن قرط ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ) : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشر بغير مشيّة الله فقد أخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله أدخله الله النار(3).
ولا يخفى أنّ الرواية الشريفة ناظرة إلى الردّ على القولين - الجبر والتفويض - وإثبات الأمر بين الأمرين ، وذلك لأنّ القول باسناد المعاصي إلى الله مساوق للقول بأمره بالفحشاء ، وكذلك القول باستقلال العباد في خيراتهم وشرورهم من الأفعال
مساوق للقول بالتفويض ، الذي هو إخراج الله عن سلطانه كما يراه المفوضة ، فعليه تكون الجملة الأخيرة » ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوة الله » بياناً لتعلّق المشيّة بالخير والشر، فيكون معناها أنّ القدرة على الخير والشر حدوثاً وبقاء ممّا تعلّقت به المشيّة ، كما عليه الإمامية .
والحاصل : أن المقصود من متعلّق المشيّة ليس نفس الخير والشر، وإلّا تكون مع الجملة السابقة - وهي قوله (صلى الله عليه وآله) : « من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله » - في قوّة الناقض .
وفي الوافي عن الكافي باسناده عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) إن «الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون ، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد ».(1)
ومعنى الرواية الشريفة كسابقتها في مقام الردّ على القولين ، حيث إن التكليف للمضطرّ من باب التكليف بما لا يطاق، وهو ممّا لا يصح استناده إليه تعالى ، وكذلك مقتضى سلطنته تعالى أن لا يكون العبد غنيّاً في ذاته بحيث لا يحتاج إلى إرادته تعالى ومشيّته في إبقاء قدرته على الفعل .
وبهذا المضمون روايات الاستطاعة ، منها ما في الوافي عن الكافي باسناده عن علي بن أسباط ، قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الاستطاعة فقال : يستطيع العبد بعد أربع خصال : أن يكون مخلّى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح ، له سبب وارد من سبب وارد من الله . قلت : جعلت فداك فسّر لي هذا ، قال : أن يكون العبد مخلّى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح ، يريد أن يزني فلا يجد امرأة ثم
1) الوافي 1 : 540 / ب 54 ح 4 ، الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح 14 .
يجدها ، فإمّا أن يعصم نفسه فيمتنع كما امتنع يوسف (عليه السلام) أو يخلّي بينه وبين إرادته فيزني فيسمى زانياً ، ولم يطع الله باكراه ولم يعصه بغلبة » (1)
والرواية الشريفة ممّا أوضح السر في المسألة ، ودلّت على أنّ ما أشرنا إليه سابقاً من استناد الفعل إلى الاختيار بمعنى عقد القلب من الأفعال الاختيارية ونفت كون الإرادة هى العلّة التامة للفعل ، بحيث يوجب وجودها في النفس وجود الفعل في الخارج، فإنّ التخلية بين النفس والإرادة مع إمكان أخذها ومنعها عن انجرارها إلى الفعل لا تعقل إلّا بعد فرض عدم كون الإرادة علة تامة ، لاستحالة الانفكاك بينهما ، هذا .
وقد رأينا مع قصر الباع وقلة التتبع أن الروايات الواردة بهذا المضمون فوق التواتر .
القسم الثاني : الأخبار الدالّة على نفي الظلم عنه تعالى ، وقد عقد المحدّث الأعظم المجلسي (قدّس سرّه) باباً لهذا العنوان (2)ولم نورد منها لكثرتها .
ووجه الاستدلال بها في غاية الوضوح بعد قضاء العقل بأنّ العقاب على الفعل المضطر إليه من الظلم الذي قد استقلّ العقل بقبحه ، من دون فرق في من يتلبّس به .
القسم الثالث : وكان هذا القسم بترتيب عنوانه القسم الثاني ، وإنما أخّرناه لتفصيله ، والأمر سهل .
وهذا القسم هو الذي صرّح بمذهبنا الإمامية ، وقد ادعى تواتره من أهل الحديث غير واحد ، ونذكر عدة منها للتبرك :
ففي البحار ، باسناده عن يونس ، عن غير واحد ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا : « إنّ الله عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون ، قال : فسئلا (عليهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم ، أوسع ممّا بين السماء والأرض »(1).
ومن طريق الكافي وتوحيد الصدوق، عن محمّد بن يحيى الخزاز ، عن طريق الكليني عمّن حدّثه ، وعن المفضّل بن عمر عن طريق الصدوق عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين ».(2)
وفي الكافي عن صالح بن سهل ، عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « سئل عن الجبر والقدر ، فقال : لا جبر ولا قدر ، ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لا يعلمها إلّا العالم ، أو من علمها إيَّاه العالم » (3).
وفي الكافي عن يونس ، عن عدة ، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « قال له رجل : جعلت فداك ، أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذبهم عليها ، فقال له : جعلت فداك ، ففوّض الله إلى العباد ؟ قال : لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي ، قال له : جعلت فداك ، فبينها منزلة ؟ قال فقال : نعم أوسع ما بين السماء والأرض » (4)
وفي الكافي باسناده عن أبي طالب القمي ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه
السلام) قال « قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : لا ، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال : لا ، قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك » (1).
ولا يخفى أنّ اختلاف التعبيرات بحسب اختلاف مراتب السائلين في الفهم وإلا فالمؤدّى واحد ، وهو كما ذكرناه مراراً إسناد الفعل إلى الله من جهة إفاضة القدرة من الله على العبد في جميع الآنات حتّى في آنات الاشتغال بالفعل ، وإسناده إلى العبد لعقد قلبه عليه واختياره ، وقد أوضحناه بمثال كافٍ في أوّل الكتاب
فراجع(2).
ثمّ إنّ هناك روايات توهم دلالتها على الاضطرار ، وهي بحسب التقسيم ثلاثة أقسام نورد كلّاً منها تحت عنوان مستقل ، الأول : عنوان القضاء والقدر الثاني : عنوان المشيّة ، الثالث : عنوان الفطرة والطينة .
الأوّل : عنوان القضاء والقدر، والتقريب الكلّي الجامع لدلالة الروايات المتضمّنة لإحدى الكلمتين أو كلتيهما أنّ الفعل والترك لما تعلّق بهما القضاء والقدر
فلابدّ من وقوعه على ما قضي عليه .
والجواب عنه يتوقف على إيراد نبذة من الروايات المتضمّنة لهما ، وحيث إنّها مختلفة بحسب اختلاف ألسنتها نقسمها إلى طوائف ثلاث :
الأولى : ما وردت منها مطلقة
الثانية : ما كانت متضمّنة لهما مع تعرّض نفس الرواية لتفسيرهما .
الثالثة : الروايات المجملة .
أمّا الطائفة الأولى : وهى الروايات المطلقة ، فمنها : ما رواه في البحار باب القضاء والقدر والمشيّة - باسناده عن عبد الله بن مسكان(1)، قال « قال أبو جعفر (عليه السلام) : لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بهذه الخصال السبعة : بمشيّة ، وإرادة ، وقضاء ، وقدر ، وإذن ، وكتاب ، وأجل ، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة منهنّ فقد كفر ».(2)
وفي هذا الباب في البحار باسناده عن محمّد بن عبدالرحمن العزر مي(3)، قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة »(4).
وأمّا تفسير هذه الروايات فهو بأحد طريقين :
الأوّل : الروايات الواردة في تفسير الكلمتين .
الثاني : استكشافه من موارد استعمالاتها التي تناسب المقام . أمّا الطريق الأوّل : وهو التفسير بالطائفة الثانية من الروايات . فمنها : ما نقلناه سابقاً (5)، وهو الرواية المعروفة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
عند انصرافه من صفّين ، وفيها : « قال الشيخ : فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين ؟ قال : الأمر بالطاعة ، والنهي عن المعصية ، والتمكين من فعل الحسنة وترك
المعصية، والمعونة على القربة إليه ، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، كلّ ذلك قضاء الله فى أفعالنا وقدره لأعمالنا ، أما غير ذلك فلا تظنّه » .
ولا يخفى أنّ هذا الذيل للرواية نقله المحدّث الأعظم المجلسي (قدّس سرّه) (1)فالرواية الشريفة قد فسّرت القضاء والقدر بثبوت جميع الأشياء بمباديها وأسبابها فالفعل مثلاً وإن كان ثابتاً في القضاء إلّا أنّ التمكين منه والأمر به أو النهي عنه أيضاً واقع في مباديه .
ويظهر من بعض الروايات أنّ القضاء المستعمل في الروايات على قسمين : قضاء حتم وقضاء غير حتم ، والذي تعلّق بالأفعال هو الثاني ، بمعنى أن القضاء الذي ثبت فيه الفعل هو ما لا ينافي قدرة العبد على الفعل والترك واختياره كما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة ، معللاً بأنه لو كان القضاء والقدر الحتميين لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والوعد والوعيد .
فبقرينة أمثال هذه تحمل الروايات الدالّة على استحالة تخلّف الكائنات عما قضى عليه على الأمور التكوينية ، وهو مفاد القضاء والقدر الحتميين ، كرواية الدقاق في البحار : « فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء » (2)وغيرها ممّا أوقع الاستلزام بين القضاء وتبعيّة المقضي عليه .
وفي بعض الروايات أنّ القضاء غير القدر ، وأنّ الثاني إنّما يتعلّق بالأمور التكوينية ، كما في رواية يونس عن الرضا (عليه السلام) وفيها : «أتدري ما المشيّة يا يونس ؟ قلت : لا ، قال : هو الذكر الأوّل . وتدري ما الإرادة ؟ قلت : لا ، قال : العزيمة على ما شاء . وتدري ما التقدير ؟ قلت : لا ، قال : هو وضع الحدود من
الآجال والأرزاق والبقاء والفناء . وتدري ما القضاء ؟ قلت : لا ، قال : هو إقامة لعين ، ولا يكون إلّا ما شاء الله في الذكر الأوّل » (1)فإن تفسير القضاء بإقامة العين وإن كان لا يخلو عن إجمال ، إلّا أنّ تفسير القدر بكونه وضع الحدود من الآجال وغيرها تفسير بالأمور التكوينية .
ومثلها بعض روايات أخر ، كرواية أخرى ليونس وفيها : « أو تدري ما قدر ؟ قال : لا ، قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء » (2)
وملخّص الكلام : أنّ هذه الروايات المفسّرة التي نقلناها ليس فيها أدنى ما يشعر بتعلّق القضاء بالأفعال على نحو يستلزم سلب الاختيار عن العبد .
الطريق الثاني : حمل هذه الروايات على أحد المعاني التي تستعمل كلمة القضاء فيها ، وأهمها ما ورد في القرآن الكريم ، وهي كما عن بعض الأعاظم(3):
المعنى الشاهد
1 - العلم إلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا (4).
2 – الإعلام وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ (5).
3- الحكم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (6).
4 – القول وَالله يَقْضِي بِالْحقّ(1).
5- الحتم فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ (2).
6 - الأمر وَقَضَى رَبُّكَ إلّا تَعْبُدُوا إلّا إِيَّاهُ (3).
7 – الخلق فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (4).
8 – الفعل فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِ (5).
9 – الإتمام فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ (6).
10 – الفراغ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(7)
ولا يخفى أنّه يمكن إرجاع بعض هذه المعاني إلى بعض آخر ، وكيف كان فليس من هذه المعاني شيء يناسب إسناد فعل العبد إليه بحيث يوجب اضطراره إليه .
أمّا العلم فقد عرفت سابقاً (8)أنّ انكشاف الواقع على ما هو عليه لا يستلزم وقوعه في الخارج مستنداً إليه .
وأمّا الإعلام بمعنى إخباره تعالى عن أفعالهم فقد عرفت فيما مضى (9)عدم
استلزامه الاضطرار ، لأنه إعلام بصدور الفعل بمباديه ومنها الاختيار .
وأمّا الحكم والأمر فإن كان المقصود منهما هو الأمر والنهي المصطلحين كما هو الظاهر - فلا منافاة بينهما وبين اختيار العبد في أفعاله ، كما نراه من وجود الأمر والنهي وعدم اعتداد الكفّار والفسّاق بهما ، وإن كان المراد غير ما ذكرناه فهو مجهول ، ولمدّعيه بيانه وإثباته .
وأمّا الحتم فقد أنكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة(1)وغيرها ممّا ورد مفسّراً لكلمتي القضاء والقدر .
وأمّا الخلق والفعل فلوضوح استحالة إسناد الأفعال السفهية والعبثية والشرور إلى جنابه تعالى ثم العقوبة عليها ، كما أوضحناه في المباحث السابقة (2)مبسوطاً .
وأمّا الإتمام والفراغ فإن أُريد منها الإتمام والفراغ التشريعيان فهو ممّا لابدّ من القول به ، فإنّ مالها إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل وغيرهما من أسباب إيصال الشرائع ، وإن أريد منها ما يقتضي إجبار العبد واضطراره إلى أفعاله و تروكه فهو ممّا قامت الأدلّة العقلية والنقلية على خلافه .
ثم إنّه لا يخفى تسمية المجبّرة بالقدرية كما سبق في أوّل البحث (3)، لورود بعض الروايات في المقام (4)، ومن أوضح ما ورد في المقام في نفي القدر على كلا الاصطلاحين - الجبر والتفويض - الصحيح الذي رواه العلّامة شبّر في مصابيح
الأنوار عن الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله تعالى أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم فهذا قد وهن الله في سلطانه فهو كافر ، ورجل يقول : إنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا أحسن حمد الله وإذا ساء استغفر الله ، فهو مسلم بالغ».(1)
فإنّك ترى كيف أوقع الاستلزام بين القدر على معنى الإجبار والاضطرار وبين إسناد الظلم إليه تعالى ، وكذلك الاستلزام بين القدر بمعنى التفويض وتوهين الله وإخراجه عن سلطانه جلّ سلطانه ، وفسّر القدر بالتكليف بما يطيقون ، كما كانت الروايات السابقة ناطقة بها ، لا سيما ما روي عن أمير المؤمنين.(2)
وممّا ذكرنا يظهر حال الطائفة الثالثة وهي الروايات المجملة ، فإنّ ما بيناه من الطريقين هو المبيّن لها ، فإن كانت هناك رواية صريحة الدلالة على الاضطرار فمع قصورها عن معارضة تلك الروايات المتظافرة المتواترة الدالة على الاختيار - بل فوق التواتر الاصطلاحي يقيناً - ومع دلالة حكم العقل على خلاف مضمونها حكماً بديهيّاً بحيث توجب بداهته كونه قرينة متصلة عليها ، فلابدّ من حملها على التقيّة ، لما ذكرناه في المقدّمات (3)، لكون مذهب الجبر أشهر المذاهب عند العامة .
الثاني : عنوان المشيّة . ويقع الكلام في هذا العنوان في مقامين ، الأوّل : في معنى المشيّة ، الثاني : فيما يراد منها في الأخبار المتضمّنة لها .
أمّا المقام الأوّل : فقد أخذها أهل اللغة (1)والفلاسفة(2)مرادفة للإرادة وعن بعض الماضين الفرق بين إسنادها إلى الله تعالى فبمعنى التقدير ، وإسنادها إلى العبد فبمعنى الإرادة .
وكيف كان ، فلا ريب في كونها من صفات الله تبارك وتعالى ، وقد اتفقت عليه كلمة المسلمين بل أكثر أهل الملة ، وإنما الاختلاف في كونها من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ، أو من الصفات الفعلية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتكلم .
وقد ذهبت الفلاسفة إلى الأوّل ، وقد حققنا - فيما مرّ غير مرّة - أنّها من الصفات الفعلية ، لتعلّق قدرته تعالى بها إيجاداً وإعداماً ، فإنه تعالى قادر على أن يشاء وأن لا يشاء ، وليس كذلك العلم ونفس القدرة ، وأما ما اختاروه من كونها مرادفة للإرادة فهو الحقّ، نعم إنّ معنى الإرادة والمشيّة المستندة إلى الله تعالى ليس إلّا إعمال قدرته .
وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عما أريد منها في الروايات الواردة في المقام وكيفية تعلّقها بالموجودات عامّة .
والروايات الدالّة على تعلّق المشيّة بها وإن كانت كثيرة إلّا أنا ننقل منها رواية واحدة ، وهي ما رواه في البحار باسناده عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال : « لا يكون شيء في السماوات والأرض إلّا بسبعة : بقضاء ، وقدر ، وإرادة ، ومشيّة ، وكتاب ، وأجل ، وإذن » الحديث(3).
وقد حقّقنا فيما مضى (1)أنّ الإرادة والمشيّة منه تعالى هي إعمال القدرة فتعلّقها بالموجودات إنفاذ قدرته عليها بإفاضة الوجود ، وكلّ موجود في الخارج فوجوده وكلّ ماله من الأطوار والأحوال والشؤون الكونية إنما هي باعمال قدرته المطلقة ، وإنفاذ فياضيّته التامة .
وبهذا التقريب لا يوجد موجود في الخارج إلّا ووجوده منته إليه سبحانه وهذا الأنتهاء يكون على قسمين :
الأوّل : أن ينتهي الموجود بنفسه إلى إعمال قدرته ، كالذوات على اختلافها وكثرتها ، والعلائق الكونية كعلاقة العلية والمعلولية ، وعلاقة الغايات بالمغيّات والمواد والصور وغيرها ممّا صيّر العالم متكوّناً بها ، فإنّ هذه كلها أفعاله سبحانه ومنتهية إلى مشيّته التي هي إعماله قدرته بنفسها .
القسم الثاني : ما تنتهي إلى جنابه تعالى لا بأنفسها وبلا واسطة كالذوات بل انتهاؤها إليه باقداره عليها ، كالأفعال الصادرة عن العباد ، وهذا الإقدار كما بيناه فيما مضى من الأبحاث (2)هو فعله سبحانه على الدوام على طبق دوام إفاضته على الموجودات التكوينية على الدوام وبلا انقطاع .
وبهذا ندفع ما ربما يقال من أنّ الإقدار على الفعل لا يصحح الانتهاء إليه (إلى مشيّته) ووجه الاندفاع ما ذكرناه من استمرار الفيض وإعمال قدرته في جميع الآنات حتّى الآنات المارّة بالفعل الصادر عن العبد .
ثم إنّه قد ذكر في بعض الروايات للمشية معان أخر لا تعم جميع أنحاء التعلق
والمتعلّق ، فمنها : ما تفرّق بين الطاعات والعبادات وبين سائر التكوينيات (1)بحيث يوجب اختلافاً في معنى المشيّة على حسب اختلاف متعلقاتها . ومنها : ما يفسّرها بالعلم وغير ذلك من الأمور.(2)
والمعنى الجامع بحيث يسلم عما قيل أو يمكن أن يقال هو ما ذكرناه من اختلاف الانتهاء إليه تعالى ، وليس فيه ما يدل على اضطرار العبد في فعله .
الثالث : عنوان الطينة . وقبل الخوض في تحقيق ما أريد بها في الروايات لا بد من تمهيد مقدّمتين :
الأولى : لا ريب ولا شك في أن لوجود الإنسان قبل هذا العالم - عالم الكون والفساد - عوالم أخر ، سار فيها حتّى وصل إليه ومنها عالم الأرواح ، وقد عبر عنه بعالم الذرّ في بعض الأخبار.(3)
وقد ذهب إلى وجوده جمع من المتألّهمين وفلاسفة الإسلام ، وهو العالم الذي لم تكن فيه للابدّان والأجسام عين ولا أثر .
وقد فسّرت الآيات الواردة في مضمون أخذ العهد من العباد (4)به (5)وبذلك قد يعبّر عنه بعالم العهد ، وهو على ما بيّنوه بدء خلق الأرواح ثم تكليفهم بالتوحيد والإيمان في حال كونهم مختارين
1) الكافي 1 : 151 / 3، 4 .
2) بل يوجد خلافه في بحار الأنوار 4 : 144 / 15 .
3) الكافى 2 : 6 ، 8 .
4) كقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...) الأعراف 7: 172
5) راجع الكافي 2 : 2/7 ، 1/8.
الثانية : قد وقع النزاع والخلاف في تفسير الطينة ، فقد ذهب بعض إلى أنّ المراد بها ما هو الظاهر منها ، وهو التراب الممتزج بقليل من الماء ، وهذا هو الذي نختاره ، وقريب منه ما فسّرها به بعضهم من أنها المواد والصور المعدة للنطفة .
وربما يظهر من الآخرين الفرق بين استعمالها فيما قبل الحياة الدنيوية وما بعدها ، فاختار كون المراد بها في الأوّل أحد المعنيين المذكورين ، وفي الثاني المادة المستديرة الثابتة بعد الممات وفناء الجسم .
فإذا عرفت المقدّمتين فنقول : إن اختلاف الطينات بحسب الشقاوة والسعادة وإن كان ظاهراً من الأخبار (1)إلّا أنّ هذا الاختلاف في الطينة لا يرتبط بالجبر والاختيار أصلاً ، لأنا قلنا في المقدّمة الثانية إنّ المراد بالطينة ليست إلّا ما يظهر من لفظها ، وهو ليس قابلاً لجعل الشقاوة والسعادة فيه ، فإنّما هي شيء جامد لا تحسّ ولا تشعر ، ومحل الشقاوة والسعادة إنما هو الأرواح ، وقد دلّت الروايات (2)على أنّ التكليف قد توجّه إليها حال كونها مختارة ، فعليه يكون اختلاف الطينات كاشفاً عما اختاروه في عالم العهد ، فلا تنا في خصوصية الطينة التي اكتسبها باختياره في عالم التكليف الأوّل وهذا العالم كونه مختاراً .
وهناك روايات أخر يظهر منها كون الطينة هي المؤثرة(3). والجواب عنه واضح ، وذلك لأنّ الروايات الدالة على تأثيرها قد صرّحت بتركب كل طينة من جزأين : أحدهما مقتضي الشقاوة ، وثانيهما مقتضي السعادة ، فكلا الوصفين بالنسبة إلى اختيار العبد على السواء ، هذا .
وإن كان من الروايات شيء ظاهر في كون تخصيص الطينة هو العلّة التامّة للسعادة والشقاوة فإنّها آحاد ، لا تكافئ الضرورة العقلية والآيات الكثيرة والروايات المتجاوزة عن حد التواتر على اختلاف عناوينها ، فهي إما مؤوّلة أو مطروحة .
والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمد وعترته الطاهرين المعصومين .
المقدمة...3
أمور هامّة ...3
الأوّل : تأريخ البحث عن الجبر والتفويض...3
الثاني : الغرض من هذه الأبحاث ....5
الثالث : أقسام ما يقوم بالإنسان من المعاني ...5
الرابع : استقلال العقل بالحسن والقبح ...6
الأسباب التي دعت الأشاعرة لإنكار حكم العقل بهما ...7
أقسام الأفعال الصادرة اختياراً ....8
الخامس : قاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) ...10
السادس : البحث عن صفات الله الذاتية والفعلية ...14
إشكالات ثلاثة والجواب عنها ...15
الفروق بين الصفات الذاتية والفعلية ...17
الإرادة من الصفات الفعلية. ..18
السابع : الكلام النفسي ...18
أدلّة الأشاعرة على ثبوت الكلام النفسي ...19
الدليل الحاصر بالسبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي ....23
الثامن : الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية. ..24
الضروريات الست ...24
التاسع : التعارض بين الدليلين ...26
المذاهب في أفعال العباد ...28
مذهب الأشاعرة ...28
مذهب المفوضة ...29
مذهب كثير من الفلاسفة ...29
مذهب الإمامية ...30
أمثلة المذاهب المتقدّمة...31
الأدلّة العقلية على المذاهب المتقدّمة ...34
الأدلّة العقلية للقائلين بالجبر ...34
الدليل الأول ....34
الدليل الثاني ...36
الدليل الثالث ...38
الدليل الرابع والخامس ...43
الدليل السادس ...44
المراد من الكسب (في نظرية (الأشعري )...45
عموم حكم العقل بالقبح والحسن لأفعال الله ...47
ما يرد على منع استقلال العقل في الحكم بالحسن والقبح ...48
بيانات الفلاسفة القدماء في حقيقة أفعال العباد ...49
البيان الأوّل ...49
البيان الثاني ...51
البيان الثالث ... 55
رأي صاحب الكفاية وما يرد عليه.. .59
جواب ابن سينا عن إشكال لغوية البعث أو الزجر أو عدم صحة الجزاء على أمر غير اختياري ...64
جواب الفخر الرازي عن ذلك ... 65
رأي الشيخ العراقي في الأمر بين الأمرين ...66
بيانات الفلاسفة المتأخرين في صدور الأفعال ...70
البيان الأوّل ...70
البيان الثاني البيان الثالث ... 73
البيان الرابع ...75
معاني التفويض ...76
الأدلّة النقلية على المذاهب المتقدمة في الأفعال ...77
الآيات الدالة على الاختيار وأقسامها ...77
الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها ...82
جواب عام عن كل ما هو ظاهر في الاضطرار ...88
الروايات الدالة على الاختيار وأقسامها ...89
الروايات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها ...95
الفهرس ...107
تقرير الأبحاث
الأستاذ الأَعظم سماحة آیة الله العظمى
السيد ابوالقاسم ي الخوئي
«1317 -1413ه- »
تأليف العلمين المحقّقين
آیة الله الشيخ محمد تقى الايرواني(قدّس سرّه)
اية الله السعيد محمد مهدي الوسوى الخلخالى(دامة بركانه)
بسم الله الرحمن الرحيم
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الأخ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كانَ غَفُوراً رَحِيماً )
«نساء 4 : 23»
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الأئمّة الميامين .
أضع هذه المقدّمة - بين يدي الأفاضل من القرّاء - لكتاب أحكام الرضاع في فقه الشيعة (فقه الرضاع) متوخّياً فيها عرض المفاهيم التي تحوّل بها الرضاع من موضع الفتوى إلى عالم الاستدلال والمبنى ، شمل مناقشة العامة - أيضاً - في فقههم ممّا أفصح عن مكانة الفقيه المحاضر وقيمة الكتاب في الفقه المعاصر ، وما اقتضى الأمر من الإشارة إلى الوحي ، والتشريع والاجتهاد ، وما بذله أصحاب التقرير من الجهد والدقة ، والضبط والاستيعاب ، رائدهم في ذلك نشر العلم ، وإحياء الشريعة وتراث فقه الشيعة .
بين التشريع والاجتهاد :
جاءت الأديان الإلهية شرعة للسلوك ، ومنهاجاً للعمل . وقد بلّغت الرسالة الإسلامية للناس كافة عبر الكتاب والسنة ، والسيرة النبوية ، وحياً من الله ، اتخذها المسلمون قدوة للعمل، والتمسها الفقهاء أساساً لمعرفة الأحكام.
ولذلك يحقّ لنا أن نقول : إن الدين يبدأ بالوحي وينتهي بالفتوى ، وحي من الله ، وبلاغ من الرسول (صلى الله عليه وآله) وتبيين من الأئمة (عليهم السلام) وفتوى من المجتهدين ، ممن وصفوا - وصفاً عاماً - في هذا الحديث : « فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن
يقلّدوه » (1)هذا المنصب الخطير . ولهذا كانت المرجعيّة شاخصة العلم بالرسالة الإسلامية ، رائدة العمل بالوحي والتشريع الإلهي . ومن المواضيع التي تناولتها أيدي الفقهاء هو موضوع :
فقه الرضاع : فإنّ في هذا الموضوع أحكاماً تتعلّق بعموم المنزلة ، ونشر الحرمة ، وما يقتضي ذلك من موازنة في الأقوال والمذاهب ، وتفضيل الروايات بعضها على بعض وترجيحها من حيث المضمون، والدلالة ، والسند . ويدور البحث فيها حول موضوعات ومسائل عويصة ، ترجع إلى أحكام الرضاعة ، والرضيع ، والمرتضع والشروط المعتبرة فيها ، وما إلى ذلك من فروض وفروع ، ومناقشات أدت إلى البحث الجامع حول هذه القاعدة التحريميّة : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (2)والمزايا المتعلقة بها ، وما يستثنى منها ، وما يترتّب عليها من أحكام شرعيّة ثابتة .
الرضاع في فقه الإمامية والعامة :
لم يختلف الفقهان في تحريم النكاح بالنسب ، كما حددته الآية الكريمة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَا تُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأخت (3).
ولم يختلفا - أيضاً - في أصل تحريم النكاح بالرضاع ، كما في هذه الآية
الكريمة : (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ) (1).
وإنّما الاختلاف فيما حرم من الرضاع بعموم المنزلة في السنّة ، وفي جملة من الشروط .
الف - في فقه الشيعة الإماميّة :
أهمّ شرائط التحريم في الرضاعة(2).
1 - أن يكون الوطي صحيحاً ، وإن كان عن شبهة.
2 - أن تكون الرضاعة في يوم وليلة ، لا يفصل بينهما برضاع آخر .
3- أو ما أنبت اللحم، وشدّ العظم.
4 - أن يكون خلال الحولين . كلّ ذلك من الثدي، وتكون المرضعة بالغة وحيّة .
5-كفاية عشر رضعات كاملة في التحريم من الثدي ، إذا لم يتخلّل فيها بأكل أو شرب .
6 - اتّحاد الفحل في اللبن .
ب - في فقه العامّة :
أهم شرائط التحريم في الرضاعة(3):
1 - كفاية الرضعة الكاملة
2 - أو لا يكون عدد الرضعات بأقلّ من خمس رضعات متفرّقات .
3- أو مطلق التغذية من اللبن ، وإن لم يكن من الثدي .
4 - عدم اشتراط أن تكون المرضعة بالغة وحيّة .
ويذكر الشيخ الطوسي - شيخ الطائفة - في الخلاف من متفرّدات الإمامية التي خالفها جميع الفقهاء ، هو ما : إذا حصل بين صبيين الرضاع الذي يحرّم مثله ، فإنّه ينشر الحرمة إلى أخويهما وأخواتها ... وقال جميع الفقهاء خلاف ذلك(1).
ومن أوجه النقاش بين الفقهين ما تعرّض له هذا الكتاب - فقه الرضاع - في مسألة التحديد في نشر الحرمة بعشر رضعات برواية رووها عن عائشة أنها قالت : «كان في القرآن أنّ ما يحرم من الرضاع عشر رضعات ، ثم نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات»(2)
قال الإمام الخوئي ردّاً على ذلك : ومن هنا ذهب إلى كلّ منهما طائفة ، فإنّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر ، ونزول التحديد بالخمس ، كيف يسوغ الإفتاء بأن الحد هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ (3)كما لا يجوز الإفتاء بخمس رضعات ، لعدم وجود هذا النسخ في القرآن .
تشريع الحرمة في الرضاع :
وقد تضمّن هذا التشريع سرّاً من أسرار التكوين ، من اتساع دائرة المحارم بالرضاع ، وتضييق حدودها من حيث حرمة النكاح في الموقت والدائم .
ولعلّ تأثير اللبن الواحد في تكوين الإنسان ، وتكييف بنيته الروحية والجسمية هو الذي أدّى إلى إلحاقه بالمحارم الذين يختلفون عن غيرهم في الخصائص الجنسيّة والعاطفية فيما بينهم
فكان دور التشريع في هذا الأمر دور الكشف عن الواقع المجهول عند البشريّة ، ودور خروجها عن حدّ البهائم ، وحياة الحيوانات الضارية .
ثمّ إنّه لابدّ من أن يكون في هذا التحريم مفسدة ملزمة تلحق بالأُسرة البشريّة، وهي تريد التناكح والتناسل والمصاهرة فيما بينها بعيدة عن التلوثات والأوضار المادية والمفاسد الأخلاقية ، الأمر الذي لا يمكن استكناهه وكشف أسراره وكوامنه إلّا بالتشريعات الإلهية ، التي تزامل المصالح الإنسانية العليا ، وفق أسرار الخليقة المنسجمة معها ، فيما ينبغي أن يتخالط الناس أو لا يتخالطوا .
ونظير هذا التشريع القرآني هو النهي عن نكاح ما نكح الآباء ، والجمع بين الأختين : (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ )(1)وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ (2)تجويزاً لما مضى، وتحريماً لما يأتي .)والرخصة في الإبقاء على ما مضى من هذا النكاح المحظور بعد نزول الآية الكريمة في التحريم ، دليل على ما للمشرع من سلطة تشريعية مطلقة فيما يرى من ترخيص أو حظر في زمان دون زمان إذا كان المشرع هو الله . ولم يفعل الشارع مثل ذلك في ارتداد أحد الزوجين عن الإسلام ، أو إسلام أحدهما دون الآخر، بل شرّع البينونة بينهما .ومن هذا المنطلق يمكن الإجابة عن نكاح الأخوات والإخوة - إن صحّ ذلك - فيما سلف من ولد آدم ، إباحة في جيل ، وحظراً في جيل آخر . ولعلّ هناك أمراً آخر في التوالد استأثر بعلمه الله ، وهو أعلم ببواطن الأمور.منهجيّة الكتاب :وقد اتّبع في هذا الكتاب المنهج الموضوعي الذي يتميّز بوحدة الموضوع
واستيعاب جميع العناصر والأحكام التشريعية ذات الانطباق الواحد في إطار موحّد ، ونظرية عامة وتخطيط شامل ، يحيط بجميع مفردات الموضوع وموادّها ومسائلها المبسّطة فى مختلف كتب الفقه الموسوعيّة .وقد اقتضى هذا المنهج التعرّض للبحث عن النكاح الدائم والمنقطع المملوكة والمحلّلة ، وما يتعلّق به من وطي الشبهة ومسألة الضمان ومهر المثل ، وغير ذلك من الأبحاث المترابطة .مكانة المحاضر :ومن أبرز المجتهدين - وهو على قمّة الفقاهة والاجتهاد - الإمام الخوئي ، الذي تدارس مع طلابه النابهين الفقة والأصول ، ودلّهم على الاجتهاد والفتوى ، وحاضر عليهم - فيما حاضر - هذا المبحث الجليل ، وخرج معهم بهذا الموضوع الجديد .وتطوير فقه الرضاع من الفتوى إلى الاستدلال والمبنى أمر غير يسير ، يدلّ على قدرة الفقيه ودقّة اجتهاده، وما بلغ إليه من تفوّق ومهارة ، وإبداع وأعلميّة إلى جانب نهوضه بالمرجعيّة العليا في مجاري الأمور (1وقيامه بالنيابة العامة عن الإمام الغائب (عليه السلام) .)وكان الإمام الخوئي (رحمه الله العالم الذي نُعتت حياته : (العالم حتي وإن مات) ونعيت (2)مماته : (إذا مات العالم ثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء).)جهد المقرّرين :وقد عنّ لي - ببضاعتي المزجاة - أن أقدّم لهذا الكتاب : (فقه الرضاع الذي تظافرت عليه جهود الإمام الخوئي ، وتلميذيه : آية الله الشيخ محمّد تقي الإيرواني)
وآية الله السيّد محمّد مهدي الخلخالي ، اللذين وصف تقريرهما - في تقريظه ب- « ... حسن العبارة ، جيّد البيان ، وافياً بالمراد ...».ورجا من الله جلّ شأنه « ... أن يزيد من توفيقهما ، ويجعلها من أعلام الدين ، وحفّاظ شريعة سيّد المرسلين ».وهو ما دلّ على إبداعهما في إعداد هذا الأثر الجليل من شريعة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وفقه آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) راجين أن يكون هذا الجهد مرضيّاً لدى بقيّة الله الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف) إنّه ولي التوفيق .)مرتضى الحكميطهران - صفر المظفّر 1314 ه- ق - 9 / 5 / 72ه ش
### كلمة المؤلّف الشيخ محمّد تقي الإيروانيبسم الله الرحمن الرحيمالحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين .وبعد ، فإنّ من نعم الله تعالى علي فيما مضى من حياتي وما قضيته من سنيّ عمري التوفيق لحضور مجالس و محاضرات المربّي الثقافي الأعظم السيّد الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي (دام ظله الشريف في الموضوعات المختلفة الفقهية والأصولية وغيرها في شتى المناسبات ، وكان من ذلك المحاضرات التي ألقاها في أحكام الرضاع في الفقه الإسلامي في مناسبتين ، وقد وفقت للحضور في إحدى المناسبتين وسجلت ما ألقاه (دام ظله) وحضر الأخ العلّامة السيد محمد مهدي الخلخالي في كلتا المناسبتين ، وقد مزجت ما سجلته وما سجّله ، وهذبته بعنوان : الرسالة الرضاعيّة في تقرير ما ألقاه الأستاذ الأعظم السيد الأكبر الخوئي (دام ظله الوارف) في هذا الجانب من الفقه الإسلامي . وقد أبدى بعض إخواننا الأفاضل بعض الملاحظات في مختلف جوانب الرسالة ليستفيد منها المراجع لهذه الرسالة .)وأسأله تعالى أن يكون ذلك كلّه مقبولاً لدى من نتقرب إليه تعالى برضاه وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين .محمد تقي الإيرواني1412ه- ق - النجف الأشرف
### كلمة المؤلّف السيد محمد مهدي الخلخاليبسمه تعالیأحمده تبارك وتعالى على نعمه و آلائه ، وأصلي وأسلم على أشرف بريّته وخير خلقه ، وخاتم رسله محمّد صلّى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ، الذين ارتضعوا من ثدي الرسالة النبوية لبانة الوحي الإلهية .أمّا بعد ، فقد حظيت مسألة الرضاع في الفقه الإسلامي بمنزلة هامّة ، وأهميّة فائقة ، فإنّ الرضاع لحمة كلحمة النسب (1، يحرم به ما يحرم بالنسب ، وله ربط وثيق بحرمة النكاح ، فإنّ ربط الرضاعة بين الرضيع والمرضعة يكون كربط النسب بين الولد والوالدة ربط تكوين واشتقاق ، وليس ذلك إلّا لسريان حقيقة الأصل في فروعه . والرضاع بشرائطه له تأثير في ذلك الربط الأصيل ، وإن كان أضعف من النسب ، ومن هنا أوسع الله تعالى لنا دائرة القرابة بالحاق الرضاع بها ، لأن بدن الرضيع يتكوّن من لبن المرضعة ، ولذلك يرث منها الطباع والأخلاق ، كما يرث منها ولدها الذي ولدته . وحيث إنّا لم تُحط علماً بتأثير الرضاعة ، لا في مقدارها ولا شرائطها ، ولا شرائط المرضعة ولا الرضيع ، فلابدّ وأن نقتصر على ما ورد به النص الشرعي ، ونرجع فيما شكّ إلى ما تقتضيه الأصول والقواعد العامة . وقد اختلفنا مع سائر المذاهب في جملة من الشروط ، ومن المعلوم أن مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو الحق الذي لا ريب فيه ، فإنّهم المطهرون من الدنس والخطأ ، والمرتضعون من ثدي الرسالة ، وهم أحد الثقلين اللذين تركها الرسول الأعظم مرجعاً للأمة .)ولقد أشار الكتاب الكريم إلى أهمية الربط الرضاعي ، حيث أنّه عده في
1) لاحظ ملحق رقم (1) ص 177 .
سياق الربط النسبي الموجب لحرمة نكاح الأمهات والأخوات ، حيث قال عزّ من قائل : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ...(1).)كما وقد اهتمت به السنّة الشريفة ، وأحاديث العترة الطاهرة ، فورد حوله وحول أحكامه عشرات الروايات والأخبار، منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله عن طرق الفريقين (2)قوله (صلى الله عليه وآله) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ».)ولهذا قد اهتم فقهاؤنا العظام بمسألة الرضاع على مرّ تاريخ الفقه الإسلامي وعمدوا على تشييد قاعدة في الرضاع يرجع إليها في التفريعات المناسبة وكانت من أهم القواعد الفقهيّة .وكان ممن تصدّى لتحقيق هذه القاعدة وتشييد مبانيها من فُجع الإسلام والمسلمون والأوساط العلميّة بفقده (3بفاجعة عظيمة في عصرنا الحاضر ، وهو سيّدنا الأستاذ الأعظم آية الله العظمى الإمام الخوئي (قدّس سرّه) فإنّه كان مناراً للعلم ، وعلماً للفضيلة والتحقيق ، وباباً من أبواب مدينة علوم أهل البيت (عليهم)
1) النساء 4 : 23 .
2) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 1 ح 1 ، 7. والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله) 1 : 452 مادّة حرم ، عن البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن النبي (صلى الله عليه وآله) .
3) قد ارتحل سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) إلى جوار ربِّه الكريم في 8 صفر سنة 1413ه- في النجف الأشرف ، وكانت ولادته في 15 رجب سنة 1317ه- في بلدة (خوي) من بلاد آذربیجان .
السلام ويا أسفاه ياسيّدي الأستاذ حين أحرّر هذه الكلمات ، ولا أرى لك شخصاً في الحياة ، ولا أستطيع أن أؤدي حقك يا فقيد العلم ، ويا زعيم الأمة ، فهنيئاً لك ثم هنيئاً لك ، لقد عشت سعيداً ، ومت سعيداً مظلوماً ، ووفدت على ربّ كريم، ونزلت ضيفاً عزيزاً على جدّك أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلّين) وبقيت الأوساط العلميّة تنعاك ، ولكن أنت حتّى بآثارك لا تنسى ، وتكون كمن سبقك من أعلام الدين خالداً ومناراً للهدى، وأنت حيّ مرزوق عند ربّك أبداً ، فسلام عليك ، طبت مضجعاً وموئلاً .)ولعمر و الحقّ لقد اشتملت أبحاث سماحته (قدّس سرّه في هذه الرسالة كغيرها من أبحاثه على تدقيقات لطيفة، وتحقيقات عميقة ، اقتضاها البحث ، كما هو المشهود في أبحاثه في سائر المجالات العلمية ، فقهاً وأصولاً وتفسيراً ورجالاً .)وقد وفّقني الله تعالى بمنّه ولطفه للحضور في أبحاثه العالية في الأصول والفقه والتفسير ، وقرّرت من أبحاثه القيمة ما ساعدني التوفيق على تقريره وتحريره ، ومن تلك الأبحاث ما ألقاه (قدّس سرّه في تشييد قاعدة الرضاع محتوى هذه الرسالة في مناسبتين (1)من أيّام العطلات التقليدية في الحوزة العلميّة المباركة في النجف الأشرف زادها الله شرفاً وعزّاً . لقد كان ممن حضر في المناسبة الأولى سماحة العلامة الحجة الفقيه الشيخ محمّد تقي الإيرواني (دامت بركاته) محرّراً ما أفاده السيد الأستاذ (قدّس سرّه) وقد حبّذ نشر هذه الرسالة الكريمة التي هي من إفادات أستاذنا المعظم (قدّس سرّه) مزجاً بين ما)
1) الأولى في شهر رمضان سنة 1374 ه- ق ، والثانية في شهر رمضان سنة 1375ه- ق ، وقد كان (قدّس سرّه) ملحاً على الدراسة حتّى في أيام العطلات التقليدية بنشاط تام، وحوله تلامذته يغتنمون الفرصة بالارتشاف من منهله العذب .
حرّرته وما حرّره (دامت افاضاته فأجبته على ما أحبّ ، وقدّمت له ما طلب ، أداءً لمقامه الكريم وتقديراً لحقه على الحوزة العلمية .)وقد طبعت (1هذه الرسالة في النجف الأشرف بعد ملاحظة سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) لها والإدلاء عليها بتقريظه العطر ، وحيث إنّ البحث عن الرضاع كان ينطوي على دقائق وتحقيقات أفادها (قدّس سرّه) تجدر بالاهتمام وتليق بالتأمل والدراسة ، لذلك آثرنا تجديد طباعة (2)هذه الرسالة ثانيةً ، ونشرها على الملأ الفقهي العام ، تعميماً للفائدة ، وإغناء للمكتبة الإسلامية ، وخدمة للفقه والفقهاء والله ولي التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .)محمّد مهدي الموسوي الخلخاليربيع الأول 1414ه- ق - طهران
### أسباب حرمة النكاح في الإسلامبسم الله الرحمن الرحیموهي أربعة : فإنّ حرمة النكاح في شريعة الإسلام بين أي رجل وأيّة امرأة سواء أكانت على نحو الدوام أم على النحو المؤقت - إما أن تستند إلى النسب القائم بينهما خاصة ، كحرمة النكاح بين الرجل وأمّه ، وأخته ، وبنته ، وبنت أخيه ، وبنت أخته ، وعمّته ، وخالته ، وهي العناوين النسبية السبعة المذكورة في الآية (1.)أو تستند إلى الرضاع المحقّق لأحد العناوين المتقدمة بينهما خاصة ، فتتحقّق به أمومة رضاعيّة ، وأخوة رضاعيّة ، وهكذا.أو تستند إلى السبب فقط ، ونعني به ما لم يكن نسباً ولا رضاعاً ، كالتزويج بذات العدّة مع العلم بكونها ذات عدة والعلم بعدم جواز التزويج في العدّة ، أو مع الدخول بها وإن جهل الحكم والموضوع . وكالتزويج بذات البعل مع العلم بالحكم وبأنّها ذات بعل ، أو مع الدخول بها وإن جهل الحكم أو كونها ذات بعل .أو تستند إلى المركب من النسب وغيره ، أو المركب من الرضاع وغيره وذلك كامّ الزوجة نسباً أو رضاعاً ، فإنّ حرمتها على زوج بنتها تستند إلى مجموع الأمرين : الزوجيّة القائمة بين ذلك الزوج وزوجته ، وبنوّة تلك الزوجة لتلك المرأة نسباً أو رضاعاً . وهكذا بنت الزوجة المدخول بها ، وزوجة الأب ، وزوجة الابن، وأخت الزوجة ، فإنّ الكلام فيما يعم التحريم الموقت ، كما تقدّم . وقد اصطلح
1) النساء 4 : 23 ، وقد تقدمت في ص 4 .
الفقهاء على هذا القسم من أسباب التحريم بالمصاهرة .### الفروج المحرّمة في الإسلام (التعليقة)وقد تعرّض القرآن الكريم للأقسام الأربعة ، فذكر العناوين النسبيّة السبعة أوّلاً في الآية (1، وهي الأم والبنت والأخت - وهذه الثلاثة متقومة بنسب واحد - والعمّة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت ، وهذه الأربعة تتقوم بنسبين .)ثم أخذ في ذكر القسم الثاني ، فذكر نوعين منه ، وهما الأمّ الرضاعيّة والأخت الرضاعيّة ، وثبت الباقي بالسنّة .ثم ذكر أربعة أصناف من القسم الرابع ، وهي : 1 - أمّهات النساء . 2 - والربائب من النساء المدخول بهنّ . 3 - وحلائل الأبناء . 4 - والجمع بين الأختين .وذكر الصنف الخامس ، وهي زوجات الآباء قبل هذه الآية(2.)وذكر من القسم الثالث صنفاً واحداً ، وهي المطلقة ثلاثاً .(3) لا بأس بذكر رواية تضمّنت لذكر فهرس جميع الفروج المحرّمة في الشريعة الإسلامية هي ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام عن أبيه جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال : « سئل أبي ( عليه السلام) عما حرمه الله عزّوجل من الفروج في القرآن ، وعمّا حرّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سنّته ، فقال : الذي حرّم الله عزّ وجل أربعة وثلاثون وجهاً: سبعة عشر في القرآن ، وسبعة عشر في السنة فأما التي في القرآن : 1 -(4)فالزنا ، قال الله عزّوجلّ : وَلَا تَقْرَبُوا)
أسباب حرمة النكاح في الإسلامالزِّنَى (1)2 - ونكاح امرأة الأب ، قال الله تعالى : (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) (2)3 - (أُمَّهَاتُكُمْ 4 - وَبَنَاتُكُمْ 5 - وَأَخَوَاتُكُمْ 6 - وَعَمَّاتُكُمْ 7 - وَخَالَاتُكُمْ 8 - وَبَنَاتُ الأخ 9 - وَبَنَاتُ الْأُخْتِ 10 - وَأُمَّهَاتُكُمُ اللأتِي أَرْضَعْنَكُمْ 11 - وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ 12 - وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ 13 - وَرَبَائِبُكُمُ اللأَتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللأتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ 14 - وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ 15 - وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ (3)16 - والحائض حتّى تطهر ، قال الله عزّوجلّ : وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتّى يَطْهُرْنَ) (4)17 - والنكاح في)الاعتكاف ، قال الله عزّوجلّ : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (5).)وأمّا التي في السنة 1 - فالمواقعة في شهر رمضان نهاراً . 2 - وتزويج الملاعنة بعد اللعان . 3 - والتزويج في العدّة . 4 - والمواقعة في الإحرام . 5 - والمحرم يتزوّج أو يزوّج . 6 - والمظاهر (6قبل أن يكفّر 7 - وتزويج المشركة . 8 - وتزويج الرجل امرأة قد طلقها للعدّة تسع تطليقات . 9 - وتزويج الأمة على الحرّة . 10 - وتزويج الذمية على المسلمة 11 - وتزويج المرأة على عمتها وخالتها . 12 - وتزويج الأمة من غير إذن مولاها . 13 - وتزويج الأمة على من (7)يقدر على تزويج الحرّة . 14 - والجارية من السبي قبل القسمة . 15 - والجارية (8)المشركة . 16 - والجارية المشتراة قبل أن يستبرأها. 17 - والمكاتبة التي قد أدت بعض المكاتبة » (9).)
وقد تقدّم أنّ الكلام فيما يعمّ التحريم الموقّت .والمقصود بالبحث في هذه الرسالة إنما هو الرضاع ، باستيفاء جميع الأحكام المتعلّقة بسببيته الحرمة النكاح ، فنقول :### سببيّة الرضاع لنشر الحرمةسببيّة الرضاع لنشر حرمة النكاح في الجملة مورد اتفاق فقهاء الإسلام ، وإن وقع الخلاف في خصوصياته (1، وقد استفاضت الأخبار بذلك ، وهي على قسمين : قسم يتضمّن بيان قاعدة كلّية تطبيقاً على بعض الموارد الخاصة ، أو ابتداءً وهو قولهم (عليهم السلام) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (2)أو ما يقرب من هذا التعبير ، وفي بعضها : « يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة » (3)كما أنّ في بعضها رواية الجملة الأولى عن النبي (صلى الله عليه وآله)(4).)وقسم تعرّض لبيان الحكم في الموارد الخاصة ، ولم يتعرّض للقاعدة الكلية
المزبورة (1ولا إشكال في هذه الأخبار من ناحية السند ، لاستفاضتها وصحّة بعضها.)### حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسبوينبغي التكلّم في مدلول هذه الجملة الشريفة ، ومقداره سعة وضيقاً ، تمهيداً لما يأتي من المباحث ، ويتم ذلك ضمن جهات :### ما هو المراد من الموصول ؟الجهة الأولى : أنّ من الواضح أنّه ليس المراد بكلمة (ما الموصولة شخص من يحرم بالنسب ، ليكون المعنى : أنّ كلّ شخص يحرم من النسب فهو بعينه يحرم من الرضاع ، لأنّ نفس المحرّم بالنسب لا معنى لكونه محرّماً من جهة الرضاع .)وأمّا إرادة النوع منها - بأن تكون كناية عن العناوين التي هي مورد الحكم بالحرمة في باب النكاح ، كالأمومة والبنوة والأخوة ، ليكون المعنى : أنّ كلّ عنوان محرّم من جهة النسب يحرم نظيره من جهة الرضاع - فيبعدها أنها خلاف الظاهر ، إذ الظاهر أنّ المحرّم بالرضاع هو نفس المحرّم بالنسب ، لا نظيره . مضافاً إلى استلزامها استعمال لفظ (ما في من يعقل .)والذي يقوى في النظر أن تكون (ما كناية عن الفعل ، فيكون المعنى : أنّ الفعل الذي يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع أيضاً ، فنكاح الأُمّ النسبيّة محرّم من جهة النسب ، فكذا نكاح الأم الرضاعيّة محرّم من جهة الرضاع .)وعليه فالجملة الشريفة بمقتضى إطلاق الموصول فيها باطلاق صلته تعمّ كل حكم تحريمي مترتب على النسب ، ولا يختصّ بباب النكاح ، مثلاً : يحرم تملك الأُمّ
1) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع .
والأب النسبيين ، فكذا الأُم والأب الرضاعيين بمقتضى إطلاق الجملة الشريفة .والذي يعضد ذلك ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان في الصحيح ، عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « سئل وأنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتّى فطمته ، هل لها أن تبيعه ؟ فقال : لا ، هو ابنها من الرضاعة ، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه ، ثمّ قال : أليس رسول الله (صلى الله عليه وآله قال : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (1).)فاستدلّ الإمام (عليه السلام على عدم جواز بيع الابن الرضاعي وتنزيله منزلة الابن النسبي في ذلك بالجملة المباركة، بتقريب : أن تملك الابن من النسب حرام فهو حرام من الرضاع .)ويدلّ على ذلك أيضاً ما رواه الشيخ بسند معتبر عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد ، كلّهم جميعاً عن أبي عبد الله (عليه السلام في حديث قال : « ولا يملك أُمّه من الرضاعة ، ولا أخته ولا عمّته ولا خالته ، إذا ملكن عتقن. وقال : ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع».(2))والحاصل : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (3والخبرين المتقدمين تنزيل الرضاع منزلة النسب في كل حكم تحريمي مترتب على النسب ، من غير اختصاص بباب النكاح .)
1) الوسائل 20 : 405 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 17 ح 1 ، الكافي 5 : 446 / 16 [ لا يخفى أنّ السند في الكافي هكذا : عن ابن سنان ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ]
2) الوسائل 18 : 247 / أبواب بيع الحيوان ب 4 ح 1 ، التهذيب : 243 / 877 مع اختلاف يسير عما في التهذيب ] . .
3) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 1 ح 1 : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » .
وربما يتوهّم في المقام أنّ لازم إطلاق الموصول في الجملة الشريفة (1من هذه الجهة ما لا يمكن الالتزام به من الأحكام، فإنّ لازمه أنّه إذا ارتضع غير هاشمي من لبن هاشمي أن تحرم على المرتضع الزكاة، مع أنّه غير هاشمي ، لأن حرمة الزكاة مترتبة في الشريعة المقدّسة على الانتساب إلى هاشم ، فيقوم الرضاع مقامه في هذه الجهة . وكذا لازمه أن يحرم الخمس على الهاشمي المرتضع من لبن غير الهاشمي إذا كان موضوع حرمة الخمس الانتساب إلى غير هاشم ، لا عدم الانتساب إلى هاشم . وكذا لازمه حرمة مباشرة ولد المسلم المرتضع من لبن كافر ، حيث إن ولد الكافر بحكم الكافر ، والرضاع يقوم مقام النسب.)ولكنّ التوهّم المذكور يندفع بأنّ ظاهر الجملة الشريفة (2تنزيل الرضاع منزلة النسب بما هو نسب ، من دون نظر إلى أيّة خصوصية من الخصوصيات القائمة بالنسب ، فهي ليست ناظرة إلى خصوصيات الأنساب ، بحيث يترتّب على الرضاع حكم كل نسب بما له من الخصوصيات، ليترتب على ابن الكافر الرضاعي حكم ابن الكافر النسبي ، وعلى غير الهاشمي المرتضع من لبن الهاشمي حكمه بما أنّه هاشمي ، بل مفادها ليس إلّا حكماً عاماً بالإضافة إلى جميع البشر ، وهو تنزيل الرضاع منزلة النسب بما هو نسب ، لا بما هو نسب خاص. فهي تنزل الأمومة الرضاعيّة منزلة الأمومة النسبية فيما لها من الأحكام التحريمية ، وهكذا سائر العناوين .)
### عدم اختصاص التنزيل بالحرمة الدائمةالجهة الثانية : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (1عدم اختصاص التنزيل في باب النكاح بالحرمة الدائمة ، فتشمل الحرمة الموقتة ، كالجمع بين الأختين ، فيحرم الجمع بين الأختين الرضاعيتين بحكم إطلاقها .)مضافاً إلى صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المروية في الكافي والفقيه ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام يقول : لا تنكح المرأة على عمّتها ، ولا على خالتها ، ولا على أختها من الرضاعة » (2))### عدم اختصاص التنزيل بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلالالجهة الثالثة : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة (3أيضاً عدم اختصاص التنزيل فيها بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال ، فتعمّ الحرمة التي للنسب فيها دخل بنحو الجزئية ، كما في المصاهرة التي هي علقة متقوّمة بعلقتين ، كالعلقة المتحقّقة بين أم الزوجة وزوج بنتها ، فإنّها متقومة بالزوجيّة الكائنة بينه وبين بنتها والأمومة المتحقّقة بينها وبين بنتها . فأُمّ المرأة التي ليست زوجة للشخص لا تحرم عليه من هذه الجهة ، كما أنّ من ليست أُمّاً لزوجة الشخص لا تحرم من هذه عليه الجهة ، فهي علقة قائمة بنسب وسبب ، والقاعدة المتقدّمة (4)بحكم إطلاقها تنزّل)
1) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
2) الوسائل 20 : 402 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 13 ح 1 ، 476 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 24 - 2، 487 / ب 30 - 2 [ المصدر الأخير خال من جملة « ولا على أختها ح من الرضاعة ] ، الكافي 5 : 11/445 ، الفقيه 3 : 260 / 1236
3) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
4) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
الرضاع منزلة النسب في هذه العلقة . فالأُمّ الرضاعية للزوجة تحرم على زوج بنتها الرضاعية ، كما تحرم عليه أُمّها النسبيّة .نعم هذه القاعدة (1لا تتكفّل تنزيل الرضاع منزلة الجزء الآخر وهو الزوجية ، فإذا أرضعت امرأة ولد زيد فلا تحرم على زيد أُمّ هذه المرأة النسبية ، لعدم تنزيل القاعدة المزبورة الرضاع منزلة الزوجية ، فلا تصير تلك المرأة برضاعها ولد زید بحكم زوجته لتكون أُمها النسبية أُمّ زوجته .)ثم إنّه يترتّب على ما ذكرناه حرمة أُمّ الموطوء وأُخته وبنته الرضاعيات على الواطئ ، وكذلك حرمة أمّ المزني بها وبنتها الرضاعيتين على الزاني ، بناءً على ما هو المشهور بين الفقهاء من الحرمة في النسب . فما عن العلّامة (2والمحقّق الثاني (3)(قدّس سرّهما) - من القول بعدم التحريم في المسألة الثانية - لا نعرف له وجهاً صحيحاً . على أن صحيحة محمّد بن مسلم (4)قد دلّت بظاهرها على التحريم ، نعم بناءً على ما اخترناه - من عدم الحرمة فيها في النسب - لا مجال للقول بها في الرضاع ، وتحمل الصحيحة حينئذ على الكراهة .)### هل التنزيل مقصور على العناوين السبعة المذكورة في الآية الكريمة ؟### البحث حول عموم المنزلةالجهة الرابعة : هل التنزيل في الجملة الشريفة (5مقصور على العناوين)
السبعة المذكورة في الآية المباركة (1فلا يثبت بالرضاع غيرها ، أو أنّه يعمّ العناوين الملازمة لها ؟ مثلاً : عنوان أُمّ الأخ يتحقّق في ضمن عنوان الأُمّ أو منكوحة الأب فهو عنوان ملازم لبعض العناوين المذكورة ، فإذا تحقّق بالرضاع هذا العنوان ، كما إذا ارتضع صبي مع زيد فأصبح أخاً لزيد من الرضاعة ، فهل تحرم أمّ ذلك الصبي على زيد ، حيث إنها أم أخيه من الرضاعة ؟ المشهور عدم العموم .)### موارد عموم المنزلة (التعليقة) المراد من عموم المنزلة شمول الحرمة بالرضاع للعناوين الملازمة للعناوين المحرمة بالذات وإن افترقت عنها ، لأنها لازم أعمّ ، أي العنوان اللازم يكون أعم من الملزوم المحرّم ذاتاً فيقال مثلاً : إنّ أُمّ الأخ بمنزلة الأُمّ ، فكما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع أيضاً، ويتحقّق عموم المنزلة في الموارد التالية :أحدها : أُمّ الأخ .وهذا العنوان بنفسه ليس من المحرّمات بالنسب كي يحرم مثله بالرضاع ، لعدم الدليل على الحرمة بهذا العنوان ، إلّا أنّه قد يقترن مع عنوان محرّم بالنسب أو بالمصاهرة ، وقد يفترق عنهما ويتحقّق بالرضاع فقط ، ولكن لا يوجب الحرمة إلّا عن طريق عموم المنزلة لملازمة هذا العنوان لبعض العناوين النسبية المحرّمة كما أشرنا ، ولكن حيث أنّه لازم أعمّ فإذا افترق عن المحرّم الذاتي فلا يوجب الحرمة .بيان ذلك : أنّ العنوان المذكور يتحقّق إمّا بالنسب ، أو المصاهرة ، أو بالرضاع وتحرم المرأة بالأولين، دون الرضاع إلّا على القول بعموم المنزلة ، فيتحقّق في :1 - أُمّك .فإنّه يصدق عليها أُمّ أخيك ، إذا كان لك أخ شقيق ، وهي محرمة عليك بالنسب وهذا ظاهر
1) النساء 4 : 23
2 - زوجة أبيك ( أي أُمّ أخيك من أبيك.)وهي محرّمة عليك بالمصاهرة ، لأنها زوجة أبيك ، وقال عزّ من قائل : ﴿وَلَا تَنكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (1).)3 - الأمّ الرضاعية لأخيك .وهذه كما إذا أرضعت أجنبيّة أخاك - وهى ليست بأمك ولا زوجة أبيك - فإنّ هذه أُمّ رضاعية لأخيك ، تحرم عليه ، ولكن لا تحرم عليك ، لعدم صدق عنوان الأم، ولا زوجة الأب عليها ، نعم يصدق عليها العنوان الملازم للعنوانين المحرمين (2وهو عنوان أُمّ الأخ ولكن هذا ليس من العناوين المحرّمة ، إلّا على القول بعموم المنزلة ، ولا نقول به .)ومثل أُمّ الأخ أمّ الأخت ، فهي إما أن تكون أُمّاً لك أيضاً - كما إذا كانت الأخت شقيقة لك - أو تكون أُمّها زوجة أبيك ، كما إذا لم تكن شقيقة . والأولى تحرم عليك نسباً والثانية تحرم عليك مصاهرة .وأمّا إذا أرضعت امرأة أجنبية أختك فهي تكون أُماً رضاعية لأختك ، ولكن لا تحرم عليك إلّا بعموم المنزلة ، كما عرفت في أُمّ الأخ .فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّه إذا كانت أُمّ أخيك أو أختك أُماً لك أيضاً فتحرم عليك نسباً ورضاعاً ، لأنّ أُمّ الأخ أو الأخت حينئذ تكون أُمّك ، وهي محرمة عليك نسباً ورضاعاً .وكذا أُمّ الأخ أو الأُخت بالمصاهرة ، فهي محرمة أيضاً، لأنها زوجة أبيك .وأمّا الأم الرضاعية لأخيك أو أختك من دون أن تكون زوجة لأبيك فلا تحرم عليك ، لا بالنسب ولا بالمصاهرة ، لعدم النسبة ولا المصاهرة ، ولا الرضاع المحرّم ، إلّا
عن طريق عموم المنزلة ، ولا نقول به . وكذا الأُمّ النسبية لأخيك الرضاعي كما في مثال المتنالمورد الثاني : أُمّ ولد الولد (أُمّ الحفيد أو الحفيدة .)وهذا العنوان أيضاً لا يحرم ذاتاً ، نعم يتحقّق بالنسب والمصاهرة والرضاع ، وتحرم عليك المرأة في الأوّلين ، دون الثالث ، إلّا عن طريق عموم المنزلة ، فيتحقّق في :1 - بنتك :فإنّه يصدق عليها أنّها أُمّ ولد ولدك ، إذا كان لها ولد من زوجها ، إذ هي ولدك ، فابنها يكون ولد ولدك ، وهي أُمه ، لأنها أُمّ حفيدك أو حفيدتك ، وهي محرمة عليك ، لأنها بنتك النسبيّة ، وهذا ظاهر .2 - زوجة ابنك :إذ يصدق عليها أنّها أُمّ ولد ولدك ، فيما إذا كان لها ولد من ابنك - زوجها - وهذه تحرم بالمصاهرة كما هو ظاهر ، فإنّها حليلة الابن المحرمة بالنص القرآني(1، لا بعنوان أُمّ الحفيد .)3 - الأُمّ الرضاعيّة للحفيد .وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبيّة حفيدك أو حفيدتك ، فإنّها يصدق عليها عنوان ولد الولد ، ولكن لا تحرم عليك ، لعدم النسبة ، ولا المصاهرة ، وليس هناك إلّا الرضاع بعموم المنزلة ، لملازمة هذا العنوان (أمّ ولد الولد) مع العنوان النسبي (البنت) .)ويتحقّق هذا العنوان عن طريق الرضاع غير المحرّم على الموارد التالية أيضاً وتكون من موارد عموم المنزلة تحت عنوان « أمّ ولد الولد » كالمثال المتقدّم ، وهي : أ - لو أرضعت زوجة ابنك ولداً أجنبياً ، وكان لذلك الولد أُمّ نسبيّة ، فإنّها تحلّ
1) النساء 4 : 23 .
لك وإن صدق عليها عنوان « أُمّ ولد ولدك ».ب -- نفس الفرض وكان لذلك الولد أُمّ أُخرى رضاعيّة ، فإنها تحل لك أيضاً ، وإن صدق عليها عنوان « أُمّ ولد الولد ».والحاصل : أنّ التي تحرم مع صدق هذا العنوان عليها هي زوجة الابن عن طريق المصاهرة ، والبنت عن طريق النسب . وأما لو صدق هذا العنوان عن طريق الرضاع فقط دون المصاهرة والنسب ، فلا أثر له إلّا بعموم المنزلة ، لعدم حرمة هذا العنوان بالنسب ذاتاً كي يحرم مثله بالرضاع ، نعم هو ملازم للمحرّم الذاتي .وبالجملة : إنّ أمّهات ولد الولد لا تحرمن ، إلّا من كانت بنتك ، أو زوجة ابنك .المورد الثالث : جدّة الولدوهذا العنوان يتحقّق أيضاً بالنسب والمصاهرة والرضاع ، ويحرم في الأولين ، دون الأخير ، لتحقّقه في :1 - أمّك :إذ هى جدّة ولدك ، فإنّه لو كان لك ولد فأُمّك جدة ولدك ، وحرمة هذه ظاهرة .2- أمّ الزوجة (جدة الولد بالمصاهرة :)فإنّه إذا كان لك ولد من زوجتك ، فأُمها تكون جدة ولدك ، وهذه تحرم بالمصاهرة بعنوان أُمّ الزوجة (أُمهات النساء دون عنوان جدة الولد .)3 - أمّ مرضعة ولدك جدّته الرضاعية :كما إذا أرضعت أجنبية ولدك وكانت لتلك المرضعة أُمّ ، فهي لا تحرم عليك وإن صدق عليها ( جدة ولدك لعدم حرمة هذا العنوان بما هو في النسب كي يحرم مثله بالرضاع إلّا بعموم المنزلة ، لأنها بمنزلة الأم النسبيّة .)هذا كلّه فيها إذا كان ولدك نسبياً وكان له جدة من الرضاع ، وأمّا إذا كان لك ولد
رضاعي ، كما إذا أرضعت زوجتك طفلاً أجنبياً ، وكان لذاك الطفل الرضيع ج-دة م-ن النسب ، أو من الرضاع - بأن رضع من ثدي امرأة أُخرى لها أُمّ - فجداته تحلّ لك ، لعدم النسب ، ولا المصاهرة ، إلّا الرضاع غير المحرم ، لكونها بمنزلة الأُمّ النسبيّة .هذا كله في جدة ولدك ، وأمّا أُمّ ولدك فهي حلال لك ، لأنها إما زوجتك ، أو مرضعة ولدك ، ولا مانع من تزويجها إذا لم تكن مزوّجة .المورد الرابع : أُمّ العمّ أو العمّة .فإنّها لا تحرم بهذا العنوان أيضاً ، إلّا أن يقترن بعنوان محرّم ذاتي ، أو نقول بعموم المنزلة ، ولا نقول به ، فإنّ هذا العنوان يتحقّق أيضاً إما بالنسب ، أو المصاهرة ، أو الرضاع ويحرم في الأولين دون الثالث ، لتحقّقه في:1 - الجدّة للأب :فإنّه يصدق عليها أنّها أمّ عمّك أو عمّتك ، وهذه تحرم بالنسب كما هو ظاهر ، لأنه-ا أُمّك بالواسطة .2 - زوجة الجدّ :كما إذا لم يكن العمّ أو العمة شقيقاً لأبيك ، وهذه تحرم بالمصاهرة لأنها زوجة الجد 3 - الأم الرضاعيّة للعم أو العمة :وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبية عمّك أو عمتك ، فإنّها تكون أُمّاً لهما .وهذه لا تحرم عليك ، لعدم النسب ولا المصاهرة بينك وبينها ، وليس هناك إلّا الرضاع ، وهو لا يحرم في الفرض ، لعدم حرمة هذا العنوان (أُمّ العمّ أو العمة في النسب كي يحرم مثلها بالرضاع ، إلّا عن طريق الملازمة بينه وبين الجدة ، ولا نقول باستلزامها الحرمة إلّا على القول بعموم المنزلة .)
المورد الخامس : أُمّ الخال أو الخالة .وهذه أيضاً تتحقّق في ثلاثة موارد :1 - الجدّة للأُمّ :وهذه تحرم عليك بالنسب كما هو ظاهر .2 - زوجة الجدّ للأُم :وهذه تحرم عليك بالمصاهرة .3- الأم الرضاعية لهما :وهذه لا تحرم عليك ، لعدم النسب ولا المصاهرة ، فلا موجب لتحريمها إلّا الرضاع بعموم المنزلة ، ولا نقول به كما في الموارد السابقة .المورد السادس : أُخت الولد .وهذا العنوان بنفسه ليس من العناوين المحرّمة بالذات أيضاً ، كالعناوين المتقدّمة ولكن قد يتحد مع العنوان المحرّم بالنسب أو المصاهرة ، لتحقّقه في الموارد الثلاثة التالية أيضاً :1 - بنتك :فإنّه يصدق عليها أنها أُخت ولدك إذا كان لك ولد آخر، وهذه تحرم بالنسب ، لأنّها بنتك ، وهذا ظاهر .2 - بنت امرأتك :وهي الربيبة ، فإنها تكون أُختاً لولدك من أُمه ، وهذه تحرم عليك بالمصاهرة ، لأنّها ربيبتك .3- الأخت الرضاعية لولدك :وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبية ولدك ، وكانت لها أو لزوجها بنت ، وكان
الزوج هو الذي نشأ اللبن بسببه - المعبّر عنه في الاصطلاح الفقهي بالفحل أو صاحب اللبن - فإنه يصدق على تلك البنت أنها أُخت ولدك عن طريق الرضاع . وهذه لا تحرم عليك بهذا العنوان ، لأن المحرّم إنما هو عنوان البنت ، لا أُخت الولد ، فإنّها لا تحرم عليك إلّا أن تكون بنتك أو ربيبة لك، أو نقول بعموم المنزلة في الرضاع ، هذا .ولكن قد دلّت النصوص الخاصة (1على أنّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن (2)ولا في أولاد المرضعة (3)فلا يصح نكاحهنّ ابتداءً ولا استدامة . وعليه لو ارتضع ولدك من جدته لأمه حرمت عليك زوجتك التي هي أم ذاك الولد ، لأنّها صارت حينئذ من أولاد صاحب اللبن ، كما أنها صارت من أولاد المرضعة ، ويحرم نكاحهن على أبي المرتضع والمفروض أنت أبو المرتضع ، وصارت زوجتك - التي هي أُمّ المرتضع - من أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة ، فيبطل نكاحها معك ، فإنّ أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة بمنزلة أولادك كما في النصوص المذكورة .)ومن هنا قال السيد الأستاذ (قدّس سرّه في المنهاج 2 : 268 : مسألة 1280 : لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعاً ، ولا في أولاد المرضعة ولادة لا رضاعاً ، فإذا أرضعت زوجة الجد للأم طفلاً من لبن جده لأمّه (4)حرمت أُمّ المرتضع على أبيه (5)، ولا فرق في المرضعة بين أن تكون أُمّاً لأُمّ المرتضع ، وأن لا تكون أُمّاً لها ، بل تكون زوجة لأبيها .)
1) الوسائل 20 : 391 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 10 (صحيحة علي بن مهزیار) 404 / ب 16 ح 1 (صحيحة أيوب بن نوح) . ويأتي ذكرهما في ص 37 . ح 2 في نفس الباب ويأتي الكلام في ذلك في ص 56 في المسألة الثالثة ، وص 59 في المسألة الرابعة .
2) ولادة ورضاعاً .
3) ولادة ورضاعاً . كما صرح بذلك السيد الأستاذ (قدّس سرّه) في المنهاج 2 : 268 كتاب النكاح أحكام الرضاع . والدليل على التفصيل بين أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة بذلك هو ما يستفاد من نصوص الباب ، ولسنا بصدد التحقيق من هذه الناحية ، فراجع ص 56 م3 و ص 59 م 4 من هذا الكتاب .
4) أي جد الولد لأم الولد .
5) أي على أبي الولد ، وهي زوجته .
وعن المحقّق الداماد(1اختيار العموم ، وحكي ذلك عن الحلّي(2)في أُخت الابن وجدته لأمه)وقبل الورود في البحث ينبغي التنبيه على أمرين :### تحرير محلّ الكلام :الأوّل : أنّ محلّ الكلام في المسألة يلزم أن يكون العنوان الملازم الذي لا ينفكّ عن بعض العناوين المحرّمة نسباً أو سبباً ، كعنوان أُمّ الأخ وأُخت الابن وجدة الابن ، دون العنوان الذي يمكن انفكاكه عنها ، كأُخت الأخ ، فإنّها قد تكون أُختاً فتحرم ، وقد لا تكون أختاً فلا تحرم ، كما إذا كان لزيد أخ من أُمّه دون أبيه وكان لذلك الأخ أخت من أبيه ، فهي أُخت أخي زيد ، لكنها ليست أُختاً لزيد ، لا من أُمّه ولا من أبيه ، فلا تحرم على زيد . وإذا لم تحرم أُخت الأخ - التي ليست بأُخت - في باب النسب فعدم حرمتها بالرضاع أولى ، فعدم تأثير الرضاع في مثل هذا العنوان ينبغي أن يخرج عن محل النزاع . نعم أخت الأخ من الأبوين تحرم في النسب دائماً فتحرم مثلها من الرضاع أيضاً ، بناءً على عموم التنزيل .
### ما هو مقتضى الأصل في موارد الشك في تحقّق الرضاع المحرم ؟الأمر الثاني : أنّ مقتضى الأصل في موارد الشك في تحقّق الرضاع المحرّم ، أو سببيته لنشر الحرمة ، هل هو الحرمة أو الحل ؟### أ - بنحو الشبهة المصداقيةفنقول : أمّا الشبهة المصداقية بأن يشكّ في تحقّق أصل الرضاع أو بعض شروطه ، فإذا لم يكن ما يثبت ذلك المشكوك من أصل أو أمارة ، فمقتضى الاستصحاب عدم تحقّقه ، مثلاً : إذا شك في أصل تحقّق الرضاع بين زيد وهند فالأصل عدمه ، وكذا إذا شك في مدة الرضاع أو عدده ولم يعلم تحقّق المقدار المعتبر في التحريم . وإذا شكّ في تحقّق النكاح الصحيح بين الفحل والمرضعة أو كون الوطء بنحو الزنا ، فمقتضى أصالة الصحّة فيه كونه بنحو مشروع ، فيكون اللبن محرّماً . وكذا إذا شككنا في حياة المرضعة ، فمقتضى استصحاب حياتها تحقّق هذا الشرط .### ب - بنحو الشبهة الحكميةوأمّا الشبهة الحكميّة ، كأن يشكّ في اشتراط نشر الحرمة بالرضاع بشكل خاص ، فإن كان هناك إطلاق يتمسك به لنفي اعتبار ذلك الأمر فهو ، وإلا بأن كان الدليل مجملاً ، أو كان معارضاً بإطلاق دليل آخر ، ولم تنته النوبة إلى الترجيح أو التخيير ، فلا مانع من التمسّك بعمومات الحلّ ، كالآية المتضمنة لحل ما وراء العناوين المحرّمة (1والآية المتضمّنة لإباحة نكاح ما طاب من النساء (2)لأن مقتضى العمومات جواز نكاح أيّة امرأة ، وقد خرج عن هذا العموم طوائف من النساء فإذا شكّ في اعتبار شيء في العنوان الخارج بالتخصيص كان المخصص مردّداً بين الأقل والأكثر ، وحيث أنّه منفصل فالقاعدة في مثله تقتضي التمسك بالعموم في مورد الشكّ.)
### أصالة الحلّولا يخفى أنّه لا يمكن التمسك في المقام بأصالة الحلّ ، لأنها محكومة بأصالة عدم تحقّق الزوجية بين الشخصين اللذين يشكّ في تحقّق الحرمة بينهما بالرضاع ، وهذا بخلاف الشبهة المصداقية ، فإنّ استصحاب عدم تحقّق الزوجية فيها محكوم بالأصل المنقح عدم تحقّق الرضاع ، لكون الشكّ في تحقّق الزوجية مسبّباً عن الشك في تحقّق الرضاع.وأمّا أصالة الحلّ الواردة في رواية مسعدة بن صدقة المعتبرة التي يقول الإمام (عليه السلام فيها : « والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيئة » (1)فقد تحقّق في محله (2)أنّ المراد ما يعم الأصل التنزيلي والأمارة المقتضيين للحلّ ، لا خصوص ما يساوق أصالة البراءة ، وذلك بقرينة ما ذكر فيها من الأمثلة فإنّ مثبت الملكيّة في العبد والثوب هي اليد ، ونا في الأخوة والرضاع في الزوجة هو الاستصحاب .)هذا تمام الأمرين اللذين أردنا التنبيه عليهما .ونقول بعد ذلك : ما يمكن أن يستدلّ به ، أو استدلّ به للقائلين بعموم المنزلة وجهان :### أدلة القول بعموم المنزلة### الأوّل : إطلاق الحديث1 - إطلاق الحديث :الأوّل : إطلاق قولهم (عليهم السلام : « يحرم من الرضاع ما يحرم من)
النسب » (1حيث إنّ أُمّ الأُخت ، وأُخت الابن ، وجدة الابن لأمه ، وغيرها من العناوين الملازمة محرّمة بالنسب ، فتحرم بالرضاع . فصلة الموصول باطلاقها تعمّ هذه العناوين ، فيعمّها الموصول ، فيشملها الحكم ، وهو التحريم بالرضاع ، هذا .)ولا يخفى أنّ توهّم الإطلاق من على هذه الجهة في الجملة الشريفة (2یبتني علی كون (ما) الموصولة كناية عن الأشخاص كما عليه المشهور ، وحينئذ فلتوهّم أنّ شخص أُمّ الأخ - مثلاً - محرمة في النسب بأي عنوان كان من العناوين فتحرم بالرضاع مجال ، وأما على ما سلكناه - من كون الموصول كناية عن الفعل - فلا مجال للتوهّم المزبور أصلاً ، إذ عليه يكون المعنى : يحرم بالرضاع الفعل الذي يحرم بالنسب . ومن الواضح أنّ مورد الحرمة في الأدلّة هي العناوين السبعة ، فليس الموصول على مسلكنا بمعنى الشخص ليتوجه النظر إليه ، ويقطع النظر عن العنوان .)### الجواب عن ذلك :والجواب عن هذا الوجه على مسلك المشهور هو أن ظاهر الجملة الشريفة النظر إلى المحرّمات الثابت تحريمها في الشريعة المقدّسة بنحو القضايا الحقيقية ، ومن الواضح اختصاص ذلك بالعناوين المذكورة فيها ، إذ لم يرد في دليل من الأدلة التحريم بعنوان من العناوين الملازمة. وعلى تقدير إجمال القاعدة من هذه الجهة فالمرجع عمومات الحل المتقدّمة (3كما تقتضيه القاعدة في تردّد المخصص المنفصل)بين الأقل والأكثر.### الثاني : الروايات الخاصة2 - الروايات الخاصة :الوجه الثاني : الروايات الخاصّة الواردة في الباب ، وعمدتها روايتان :
الأولى : صحيحة علي بن مهزیار ، قال : « سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام إنّ امرأة أرضعت لي صبياً ، فهل يحلّ لي أن أتزوج ابنة زوجها ؟ فقال : ما أجود ما سألت ، من هاهنا يؤتى أن يقول الناس : حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل ، هذا هو لبن الفحل لا غيره . فقلت له : الجارية ليست ابنة المرأةّ التي أرضعت لي ، هي ابنة غيرها ، فقال : لو كن عشراً متفرقات ما حلّ لك شيء منهنّ ، وكن في موضع بناتك».(1))الثانية : صحيحة أيّوب بن نوح ، قال : كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن (عليه السلام : امرأة أرضعت بعض ولدي ، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها ؟ فكتب (عليه السلام) : لا يجوز ذلك لك ، لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك » (2).)وتقريب الاستدلال بهاتين الصحيحتين هو أن مقتضى إطلاق تنزيل بنات الفحل في الصحيحة الأولى منزلة بنات أبي المرتضع بقوله (عليه السلام : « وكنّ في موضع بناتك » ، وتنزيل أولاد المرضعة في الصحيحة الثانية منزلة أولاد أبي المرتضع بقوله ( عليه السلام) : « لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك » هو التنزيل بلحاظ جميع الآثار ، فيصير أخو أبي المرتضع بمنزلة العم ، وأبو أبي المرتضع بمنزلة الجد، وأمّ المرتضع بمنزلة حليلة الأب ، فإذا كان أولاد الفحل ذكوراً حرم عليهم التزويج بها وكذا مقتضاه صيرورة أولاد أبي المرتضع إخوة لأولاد الفحل ، وهكذا .)### جواب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه عن الاستدلال بها)جواب المحقّق الخراسانی (قدّس سرّه : وقد أجاب عن الاستدلال بهاتين الصحيحتين صاحب الكفاية المحقّق)
الخراساني (قدّس سرّه في رسالته الرضاعية (1)بأنّ المستفاد من التنزيل الذي تضمنته الصحيحتان ليس إلّا التنزيل بلحاظ حرمة تزويج أبي المرتضع بأولاد المرضعة أو صاحب اللبن ، ولا يستفاد منهما حكم تزويجه بغيرهن أو تزويج غيره بهنّ ، وأنّ السؤال عن جواز تزويجه وعدمه يوجب صرف وجه الإطلاق في التنزيل إلى التنزيل بلحاظ حرمة تزويجه بهنّ ، هذا .)### المناقشة في جوابه :ولا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدّس سرّه إذ هو خلاف المفهوم العرفي من الصحيحتين المتقدّمتين ، فإنّ التنزيل قد جاء بلسان التعليل للحكم بعدم الجواز في الصحيحة الثانية ، وبلسان تطبيق الكبرى على الصغرى في الصحيحة الأولى ، ومن الواضح إفادة كلّ منهما العموم بالنظر العرفي ، نعم إذا كان التنزيل في مرتبة نفس الحكم كان قاصراً عن إفادة العموم، كما في قوله (عليه السلام) في بعض روايات العصير العنبي : « هو خمر لا تشربه » (2)فإنّ مجيء الحكم بقوله (عليه السلام) : « لا تشربه » بالتنزيل بقوله : « هو خمر » يمنع عن استفادة الإطلاق من التنزيل المزبور فإنّه يصلح لكونه قرينة على اختصاص التنزيل بهذا الأثر ، ولا أقل من الاحتمال وهذا بخلاف ما إذا جاء التنزيل بلسان التعليل ، أو تطبيق الكبرى على الصغرى في)
1) كتاب الرضاع (ضمن مجموعة من كتب الآخوند (قدّس سرّه)) : 5 - 6 [ مجموعة الكتب هذه مودعة في مكتبة السيّد النجفي المرعشي (قدّس سرّه) تحت عنوان : قطرات من يراع بحر العلوم ]
2) الوسائل 25 : 293 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 4 عن التهذيب 9 : 122 / 526 [ 7 يخفى أنّ الموجود في الوسائل » لا تشربه » من دون كلمة « خمر » نعم هي موجودة في التهذيب ] .
الرتبة المتقدّمة على الحكم ، فإنّه يفيد العموم بلا ريب ، وعليه فلا مناص من استفادة عموم التنزيل من الصحيحتين المتقدّمتين .والذي يوضّح ذلك أنّ العناوين المتضايفة كما هي متلازمة في مرحلة الثبوت والواقع متلازمة في مرحلة التنزيل ، فكما أن كون زيد أباً لعمر و لا ينفكّ في الواقع عن كون عمرو ابناً له ، فكذا في مرحلة التنزيل لا ينفك تنزيل زيد منزلة الأب لعمرو عن تنزيل عمرو منزلة الابن له . وهكذا تنزيل شخص منزلة ابن الأخ ، أو ابن الابن لشخص آخر لا ينفك عن تنزيل الآخر منزلة العمّ والجد ، وهكذا ، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي المصير إلى عموم المنزلة بالمعنى المصطلح عليه ، وهو شمول التنزيل للعناوين الملازمة ، فإنّ مقتضاه - مع غض النظر عما سيأتي (1ليس إلّا التعدي في الحكم بالحرمة إلى كلّ عنوان أصلي مترتب على كون أولاد المرضعة أو صاحب اللبن أولاداً لأبي المرتضع ، فيكون المستفاد منها عموم التنزيل في المورد الخاص فيحرم على أخي أبي المرتضع أن يتزوج بأولاد المرضعة أو صاحب اللين لأنه عمّهنّ ، ويحرم عليهم أن يتزوجوا بأخت أبي المرتضع لأنها عمّتهم ، كما يحرم أن يتزوجوا بأمّ أبي المرتضع لأنها جدتهم ، ويحرم على أبي أبي المرتضع أن يتزوّج بهنّ لأنّه جدّهن .)كما أنّ مقتضى ذلك حرمة تزويج أولاد المرضعة أو صاحب اللين بأولاد أبي المرتضع ، لا من جهة أنهم إخوة أخيهم ، فإنّ هذا العنوان كما تقدّم (2لا يقتضي التحريم في النسب فضلاً عن الرضاع ، بل لصيرورتهم إخوة لهم بالتنزيل المزبور فإنّ حقيقة الأخوة ليست إلّا الاشتراك في الأب أو في الأم أو في كليهما ، إلّا في)
الأخوين الرضاعيين ، فإنّ الشارع اعتبر هناك في الأخوّة الاشتراك في الفحل ، ولم يكتف بالاشتراك بالأمّ ، وبالتنزيل المزبور يصبح الأب الحقيقي لأولاد أبي المرتضع أباً تنزيلياً لأولاد المرضعة أو صاحب اللبن ، فيشتركون في أب واحد ، فتتحقّق الأخوّة بينهم ، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه في رسالته الرضاعية(1)وإن كان الأشهر خلاف ذلك .)وما أورده عليه بعض الأساطين من اختلاف الأخوة والاشتراك في الأب مفهوماً ، وأنّ كلاً منهما ليس عين الآخر ، وأنّ عنوان أولاد الأب عنوان ملازم للأخوة لا عينه ، لا يساعد عليه الفهم العرفي .ثمّ إنّ مقتضى عموم التنزيل في الصحيحتين المتقدمتين (2حرمة زوجة أبي المرتضع - سواء أكانت أمّاً للمرتضع أم لا - على أولاد صاحب اللبن أو المرضعة لأنها حليلة أبيهم التنزيلي، فتشملها الآية المتضمّنة لحرمة نساء الآباء على أولادهم (3).)### ما أفاده الشيخ الأنصاري والمناقشة فيه :وأمّا ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه في المقام (4)- من أن مقتضى التنزيل المزبور صيرورة أمّ المرتضع بمنزلة الأمّ لأولاد صاحب اللبن أو المرضعة - فهو أمر غريب ، إذ لا ملازمة أصلاً بين تنزيل أبي المرتضع منزلة الأب لهم وتنزيل أمه منزلة الأمّ ، نعم تحرم عليهم بما أنها حليلة أبيهم كما تقدّم .)
وتظهر الثمرة في أُمّ أُمّ المرتضع ، فإنّها على قول الشيخ تحرم عليهم ، لأنّها جدتهم ، وعلى ما قلناه لا تحرم ، لعدم حرمة أُمّ حليلة الأب ما لم تكن جدّة .### أدلّة أخرى لعموم المنزلة :وقد يستدلّ لعموم المنزلة ببعض الروايات الآخر ، كرواية مالك بن عطيّة عن أبي عبدالله (عليه السلام : « في الرجل يتزوّج المرأة فتلد منه، ثم ترضع من لبنه جارية ، يصلح لولده من غيرها أن يتزوّج تلك الجارية التي أرضعتها ؟ قال : لا ، هي بمنزلة الأخت من الرضاعة ، لأن اللبن لفحل واحد » (1).)وصحيحة صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام في حديث قال :« قلت له : أرضعت أمّي جارية بلبني ؛ قال : هي أختك من الرضاعة ، قلت : فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه - يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر - ؟ قال : والفحل واحد ؟ قلت : نعم ، هو أخي لأبي وأمي . قال : اللبن للفحل ، صار أبوك أبوها وأمّك أمّها »(2)وغيرهما من الروايات .)المناقشة فيهاولا يخفى أنّ الاستدلال لذلك بهذه الطائفة من الروايات في غير محلّه ، إذ لا ريب في تحقّق مثل عنوان الأخوة والأبوّة والأمومة بالرضاع ، لأنّها من العناوين السبعة ، فإنّ الرضاع إذا تحقّق بشروطه المعتبرة أصبح الفحل والمرضعة أبوين للمرتضع ، وأصولها أجداداً وجدات له ، ومن في حاشيتهما عمومة وخؤولة وأولاد عمومة وخؤولة ، وفروعهما إخوة وأولاد إخوة ، وكان فروع المرتضع أولاداً لهما والكلام في المقام إنما هو في تحقّق العناوين الملازمة بالرضاع ، وهذه الروايات أجنبية عن ذلك .
### الالتزام بعموم المنزلة في تنزيل أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن منزلة أولاد أبي المرتضع أم لا ؟هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة ، وقد ظهر ممّا حققناه فيها : أنّ عموم المنزلة بالمعنى الذي ذهب إليه بعض ، كالمحقّق الداماد (قدّس سرّه (1)لا دليل عليه .)ولكن عموم التنزيل في تنزيل أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن منزلة أولاد أبي المرتضع كما دلّت عليه الروايتان الصحيحتان المتقدمتان (2ممّا لا محيص عن الالتزام به في مقام الإثبات في نفسه .)ولكن هنا أمر آخر يمنعنا عن الالتزام به ومخالفة المشهور ، وهو أنّ هذه المسألة ممّا يعمّ الابتلاء بها ، وكان الابتلاء بها يقع كثيراً في زمان الأئمّة (سلام الله عليهم ومن بعدهم ، فلو كانت الحرمة ثابتة لأولاد أبي المرتضع ولمن في حاشيته لكان ذلك من الواضحات ، ولظهر وبان ، فكيف ولم ينسب القول به إلى أحد من أصحابنا القدماء غير ابن حمزة (3)، ومن المتأخرين غير صاحب الكفاية (السبزواري) (4)واختاره المحقّق الشيخ الأنصاري(5)، وأما الشيخ الطوسي فقد قال به في كتابي النهاية والخلاف (6)وعدل عنه في كتاب المبسوط (7)الذي هو آخر كتبه ، كما صرح بذلك ابن إدريس في سرائره(8))
والسيّد الطباطبائي في رجاله (1، بل الشيخ نفسه حيث أحال في مواضع من مبسوطه على سائر كتبه ومنها النهاية والخلاف(2).)وأمّا العلّامة (3فقد توقّف في الحكم ، وهذا يكشف كشفاً قطعيّاً عن اختصاص التحريم بأبي المرتضع ، وعدم عمومه لمن هو في حواشيه أو فروعه . أضف إلى ذلك أنّه لا توجد رواية واحدة - وإن كانت ضعيفة - تدلّ على عدم جواز تزويج من في حاشية أبي المرتضع وفروعه بأولاد صاحب اللبن أو المرضعة .)بل الظاهر من موثّقة إسحاق بن عمار جواز ذلك على كراهة ، فقد روى عن أبي عبدالله (عليه السلام «في رجل تزوّج أخت أخيه من الرضاعة ؟ قال : ما أحبّ أن أتزوّج أخت أخي من الرضاعة »(4)فإنّ السائل سأل عن حكم تزوّج رجل أخت أخيه من الرضاعة ، والإمام (عليه السلام) لم يردعه عن ذلك ، وإنما أجاب بأنه لا يحبّ ذلك لنفسه ، وهذا يدلّ بوضوح على الكراهة وعدم الحرمة .)وكيف كان ، فممّا ذكرناه يتّضح أنّ علقة الرضاع كما تحدث أبوّةً رضاعية لصاحب اللبن بالإضافة إلى المرتضع ، فيكون صاحب اللبن أباً له مضافاً إلى أبيه النسبي ، كذلك تحدث أبوّة تنزيلية لأبي المرتضع بالإضافة إلى أولاد المرضعة ، وكذا بالإضافة إلى أولاد صاحب اللبن ، فعلقة الرضاع تحدث أبوّتين .فأركان الرضاع بعد ما كانت في نفسها ثلاثة : المرتضع ، والمرضعة وصاحب اللبن ، كما في النسب ، صارت بضميمة التنزيل المزبور أربعة :
الثلاثة المتقدّمة وأبو المرتضع ، حيث صار بالرضاع أباً لأولاد صاحب اللبن ولأولاد المرضعة .### الأركان الأربعة للرضاع1 - المرتضع .2 - المرضعة .3 - صاحب اللبن (زوج المرضعة.)4 - أبو المرتضع .فإذا تحقّق الرضاع بشروطه المعتبرة تحقّقت العلقة بين المرتضع ومن يتفرّع منه وبين كل من المرضعة وصاحب اللبن ، بفروعهما وأصولها ومن في حاشيتها نسباً أو رضاعاً ، أو في حاشية أصولهما على تفصيل يأتي بيانه إن شاء الله ، وتحقّقت أيضاً بين أبي المرتضع وبين أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن .ويقع الكلام في حكم كلّ واحد من الأركان الأربعة بالإضافة إلى من عداه ممن تحقّقت العلقة بالرضاع بينه وبينه منها ، ومن الأصول والفروع والحواشي ، في فصل مستقل . كما يقع الكلام في حكم الأصول والفروع والحواشي من كل واحد بالإضافة إلى الأصول والفروع والحواشي من الآخرين في فصل خاص ، فتكون الفصول خمسة :
### الفصل الأوّل: في حكم المرتضعالفصل الأوّل : في حكم المرتضع بالإضافة إلى غيره ، ويتم بيانه في ضمن مسائل :### المسألة الأولى : حرمة المرضعة على المرتضع1 - حرمة المرضعة على المرتضعالمسألة الأولى : تحرم المرضعة على المرتضع ، لأنّها بالإرضاع تكون أمّاً له وقد دلّ على ذلك الكتاب (1والسنة (2)كما تقدّم .)### المسألة الثانية : حرمة أصول المرضعة على المرتضع2 - حرمة أصول المرضعة على المرتضعالمسألة الثانية : تحرم أصول المرضعة على المرتضع ، لأنّهم يكونون أجداداً وجدات له ، فلا يجوز أن يتزوّج أبو المرضعة فصاعداً بالمرتضعة ، كما لا يجوز أن يتزوّج المرتضع بأمّ المرضعة فصاعداً . وكذا الحكم في حواشي أصول المرضعة كأخي أبي المرضعة وأخته ، وأخي أمّ المرضعة وأختها ، لأنّهم يكونون أعماماً وعمات وأخوالاً وخالات .ولا فرق في حرمة أصول المرضعة على المرتضع بين النسبيين والرضاعيين كما سيظهر إن شاء الله في المسألة الثالثة .
### المسألة الثالثة : حرمة حواشي المرضعة على المرتضع3 - حرمة حواشي المرضعة على المرتضعالمسألة الثالثة : تحرم حواشي المرضعة على المرتضع ، فلا يجوز أن يتزوّج المرتضع بأخت المرضعة ، لأنها خالته من الرضاعة ، كما لا يجوز أن يتزوج أخو المرضعة بالمرتضعة ، لأنها بنت أخته من الرضاعةوما ذكرناه من الحكم في هذه المسألة والمسألة السابقة لا إشكال فيه ولا خلاف إذا كانت علقة الأصول والحواشي بالمرضعة علقة نسبية .وأمّا إذا كانت علقتهم بها رضاعية فالمشهور هو الحكم بالحرمة أيضاً ، إلّا أنّ العلّامة في القواعد (1والمحقّق الثاني في جامع المقاصد (2)خالفا في ذلك ، وحكما بعدم الحرمة ، واستندا في ذلك إلى اعتبار اتحاد الفحل في نشر الرضاع الحرمة مطلقاً وحيث إنّ وحدة الفحل غير متحقّقة في هذه الموارد - لأنّ العلقة بين المرتضع وأصول المرضعة أو حواشيهم أو حواشيها الرضاعيين قائمة برضاعين ، وصاحب اللبن في كل من الرضاعين غير صاحب اللبن في الآخر بالطبع - فلا حرمة في البين .)ويرد على ذلك : أنّ اعتبار وحدة الفحل بمقتضى ما يفهم من أدلّة اعتبارها (3إنّما هو في تحقّق الأخوّة الرضاعية بين شخصين ، فإذا ارتضع شخصان الرضاع المحرّم من امرأة واحدة مثلاً ، وكان اللبن في رضاع كليهما لشخص واحد تحقّقت الأخوّة بينهما ، كما تتحقّق الحرمة بين كلّ منهما وكلّ من الفحل والمرضعة . وإذا كان اللبن في رضاع أحدهما لشخص وفي رضاع الآخر لشخص آخر ، لم تتحقّق الأخوة بينهما ، وإن حرم كلّ منهما على كلّ من الفحل والمرضعة)
ففي المقام يعتبر أن يكون رضاع المرتضعة ورضاع أخيها أو أختها الرضاعيين من لبن شخص واحد ، فإذا تحقّق ذلك تحقّقت الأخوة بينهما ، فتحرم على أخيها الرضاعي بنتها الرضاعيّة ، كما تحرم عليها بنتها النسبية . وكذا يحرم على أختها الرضاعية ابنها الرضاعي ، كما يحرم عليها ابنها النسبي ، فتقييد إطلاق أدلة الرضاع بوحدة الفحل إنما هو في مورد خاص ، والإطلاق في سائر الموارد باقٍ بحاله .مضافاً إلى دلالة صحيحة الحلبي على ذلك ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام ، أيحل له أن يتزوّج أختها لأمها من الرضاعة ؟ فقال : إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ ، وإن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك». (1))وكذا موثّقة عمّار الساباطي ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن غلام رضع من امرأة ، أيحل له أن يتزوّج أختها لأبيها من الرضاع ؟ فقال لا ، فقد رضعا جميعاً من لبن فحل واحد من امرأة واحدة ؛ قال : فيتزوّج أختها لأمها من الرضاعة ؟ قال فقال : لا بأس بذلك ، إنّ أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل)التي أرضعت الغلام ، فاختلف الفحلان ، فلا بأس».(2)### المسألة الرابعة : حرمة فروع المرضعة على المرتضع4- حرمة فروع المرضعة على المرتضعالمسألة الرابعة : تحرم على المرتضع فروع المرضعة نسباً وإن نزلوا ، سواء أكان أبوهم فحلاً للمرتضع أم لا ، لتحقّق الأخوة من قبل الأمّ بينه وبينهم بالرضاع. ولا يشترط اتحاد الفحل هنا ، بلا خلاف ظاهراً ، لإطلاق الآية المباركة
المتضمّنة لحرمة الأخوات من الرضاعة (1، وقوله (عليه السلام) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ».(2))مضافاً إلى موثّقة جميل - بأحمد بن الحسن بن علي بن فضّال - عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها وإن كان من غير الرجل الذي كانت أرضعته بلبنه » (3)هي صريحة الدلالة على ذلك .)ولكن تعارضها صحيحة صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام في حدیث قال « قلت له : أرضعت أمّي جارية بلبني ، فقال : هي أختك من الرضاعة قلت : فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه - يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر - ؟ قال : والفحل واحد ؟ قلت : نعم ، هو أخي لأبي وأمي ، قال : اللبن للفحل ، صار أبوك أباها وأمّك أمّها » (4)فإنّها بمقتضى الاستفصال بقوله عليه السلام : « والفحل واحد » تدلّ على اعتبار وحدة الفحل في المقام ، حيث إنّ ظاهرها أنّ الأخ أخ نسبي بمقتضى إضافة اللبن إليه .)ولكنّها بمقتضى إعراض المشهور عنها ساقطة عن الحجية، على ما هو المعروف بينهم من سقوط الحجية بالإعراض .وأما بناءً على ما اخترنا - من أنّ الشهرة العمليّة ليست جابرة ، وأن إعراض المشهور لا يوجب سقوط الحجية - فلابدّ من إعمال قواعد التعارض بين الموثّقة
والصحيحة ، وحيث إنّ الموثّقة موافقة للكتاب والسنّة ، والصحيحة مخالفة لهما - لأن إطلاقهما يقتضي عدم اعتبار وحدة الفحل في المقام كما تقدّم - فالترجيح للموثّقة .هذا مضافاً إلى الاضطراب الموجود في متن الصحيحة ، حيث إن المناسب للمقام أن يقول عقيب قوله (عليه السلام : « اللبن للفحل » : أبوه أباها وأمه أمها . إذ مورد الكلام هو الأخ والجارية ، لا السائل والجارية .)وأمّا اختلافهما من حيث الصحّة والتوثيق فلا يوجب ترجيح الصحيحة لأن الترجيح بصفات الراوي إنما هو في الحكم ، لا في الرواية .وأمّا فروع المرضعة رضاعاً فيشترط في حرمتهم على المرتضع اتحاد الفحل كما هو المشهور ، خلافاً للطبرسي (1، حيث أنّه لم يعتبر اتحاد الفحل في تحقّق الأخوّة بالرضاع ، وسيأتي تضعيفه في محله(2).)ويتبع الطبقة الأولى من فروع المرضعة بالنسب أو الرضاع في الحرمة على المرتضع سائر الطبقات، لأنهم يكونون أولاد إخوة المرتضع .ولا يخفى أنّ خلاف العلّامة والمحقّق الثاني (قدّس سرّهما (3)آتٍ هنا ، فمقتضى ظاهر كلامهما عدم حرمة غير الطبقة الأولى من فروع المرضعة الرضاعيين ، لعدم اتحاد الفحل ، وإن كان كلامها وارداً في مورد المسألة الثانية والثالثة من هذا الفصل .)
### المسألة الخامسة : حرمة المرتضع على الفحل5- حرمة المرتضع على الفحلالمسألة الخامسة : يحرم المرتضع إذا كان أنثى على الفحل إجماعاً ، لأنّها بنته من الرضاع .### المسألة السادسة : حرمة المرتضع على أصول الفحل6 - حرمة المرتضع على أصول الفحلالمسألة السادسة : يحرم المرتضع على أصول الفحل ، لأنّهم يصيرون بالرضاع أجداداً وجدات له ، من غير فرق بين الأصول النسبيين والأصول الرضاعيين وخلاف العلّامة والمحقّق الثاني آتٍ هنا أيضاً .وفي حكم أصول الفحل من في حاشية نسب أصول الفحل ، ومن في حاشية رضاعهم ، لأنهم أعمام وعمات وأخوال وخالات .### المسألة السابعة : حرمة المرتضع على من في نسب الفحل أو رضاعه7 - حرمة المرتضع على من في نسب الفحل أو رضاعهالمسألة السابعة : يحرم المرتضع على من في حاشية نسب الفحل أو رضاعه لأنّهم عمومته . ويأتي خلاف العلّامة والمحقّق الثاني هنا في الحاشية الرضاعية أيضاً.### المسألة الثامنة : حرمة المرتضع على فروع الفحل8-حرمة المرتضع على فروع الفحلالمسألة الثامنة : يحرم المرتضع على فروع الفحل نسباً ورضاعاً ، لأنّهم إخوة وأولاد إخوة ، ولا فرق بين أن يكون رضاعهم من مرضعة المرتضع وأن يكون من غيرها ، كما يدل على ذلك بعض الأخبار (1. ويأتي هنا أيضاً خلاف العلّامة والمحقّق الثاني في غير الطبقة الأولى من فروعه الرضاعيين .)هذا تمام الفصل الأوّل .
1) وهي الأخبار الدالّة على أنّ العبرة بوحدة الفحل في تحقّق الأخوة الرضاعية ، الواردة في الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6، 394 / ب 8 .
### الفصل الثاني في حكم المرضعةويتمّ في ضمن مسائل :### المسألة الأولى : عدم حرمة المرضعة على أصول المرتضع1 - عدم حرمة المرضعة على أصول المرتضعالمسألة الأولى : لا تحرم المرضعة على أصول المرتضع ، أما أبوه فلأنّها إنّما تصير بالرضاع أمّاً لولده ، وأمّ الولد أولى بالتحليل من كلّ أحد .وأمّا جدّه لأبيه فلأنّها إنّما تصير بالرضاع أماً لولد ابنه ، وأمّ ولد الابن إنّما تحرم على الشخص لأنها زوجة ابنه ، والزوجية لا تتحقّق بالرضاع ، لأنّ الرضاع يقوم مقام النسب ، ولا يقوم مقام المصاهرة كما تقدّم (1، فهي لا تحرم عليه حتّى على القول بعموم المنزلة .)وأمّا جدّه لأمّه فلأنّها إنّما تصير بالرضاع أمّاً لسبطه ، وأمّ السبط ليست من العناوين المحرّمة ، نعم هي ملازمة لعنوان البنتية ، فتحرم بناء على القول بعموم المنزلة.وفي حكم أصول المرتضع من في حاشية أصوله بطريق أولى .### المسألة الثانية : عدم حرمة المرضعة على حواشي المرتضع2 - عدم حرمة المرضعة على حواشي المرتضعالمسألة الثانية : لا يحرم على المرضعة من في حاشية نسب المرتضع أو رضاعه ، لأنّها لا تزيد أن تكون أمّ الأخ بالإضافة إليه ، وهذا العنوان ليس من
1) في ص 25 .
العناوين المحرّمة بنفسها ، نعم هو ملازم لعنوان الأمّ أو منكوحة الأب ، فلا يحرم إلّا على القول بعموم المنزلة .### المسألة الثالثة : حرمة فروع المرتضع على المرضعة3-حرمة فروع المرتضع على المرضعةالمسألة الثالثة : يحرم على المرضعة فروع المرتضع ، وهم أولاده وإن نزلوا نسبيين كانوا أم رضاعيين ، لأنّها جدّتهم من الرضاع . ويأتي هنا خلاف العلّامة والمحقّق الثاني في أولاده الرضاعيين(1.)وأمّا حرمة المرضعة على المرتضع نفسه فقد تقدمت في الفصل الأوّل (2.)هذا تمام الفصل الثاني
### الفصل الثالث فى حكم الفحلويتم في ضمن مسائل :### المسألة الأولى : عدم حرمة أصول المرتضع على الفحل1 - عدم حرمة أصول المرتضع على الفحلالمسألة الأولى : لا تحرم أصول المرتضع على الفحل ، أمّا أُمّه فلأنها لا ينطبق عليها بالرضاع إلّا عنوان أمّ الولد ، وهي من العناوين المحلّلة .وأمّا جدّته لأبيه فلأنّ جدّة الولد لأبيه إنما تحرم في النسب ، لكونها ملازمة لعنوان الأمّ ، فيبتني تحريمها في المقام على القول بعموم المنزلة .وأمّا جدّته لأمّه فلأنّ جدّة الولد لأمه إنّما تحرم في النسب لكونها أم زوجة والرضاع لا يقوم مقام المصاهرة كما تقدّم (1، فلا تتحقّق به الزوجية ، فهي لا تحرم على الفحل حتّى على القول بعموم المنزلة .)ونسب إلى الحلّي (2تحريم جدة المرتضع على الفحل ، وضعفه ظاهر .)وإذا لم تحرم أصول المرتضع على الفحل فعدم حرمة من في حاشية أصوله على الفحل أولى ، فعمّة المرتضع وخالته لا تحرمان على الفحل ، لأن الفرع لا يزيد على الأصل.### المسألة الثانية : عدم حرمة حواشي المرتضع على الفحل2 - عدم حرمة حواشي المرتضع على الفحلالمسألة الثانية : لا يحرم من في حاشية نسب المرتضع على الفحل ، لأنّه لا
ينطبق عليه بالرضاع إلّا عنوان أخت الولد ، وهي إنّما تحرم في النسب لكونها بنتاً أو ربيبة ، فيبتني تحريمها عليه على القول بعموم المنزلة .ونسب إلى الشيخ (قدّس سرّه في الخلاف(1)والحلي (قدّس سرّه) (2)تحريم أخت المرتضع على الفحل . ولا يخفى ضعفه . وكذا الحكم في من في حاشية رضاع المرتضع من غير هذا الفحل .)### المسألة الثالثة : حرمة فروع المرتضع على الفحلالمسألة الثالثة : تحرم فروع المرتضع على الفحل ، لأنّهم يصيرون بالرضاع أحفاداً له ، ولا فرق بين النسبيين منهم والرضاعيين . وخلاف العلّامة والمحقّق الثاني (قدّس سرّهما (3)آت هنا ، إلّا أنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) حكى عدم الخلاف في المسألة (4).)ويمكن أن يكون وجه عدم مخالفة العلّامة والمحقّق الثاني في خصوص المقام بناءً على حكاية الشيخ (قدّس سرّه - هو أنّهما يعتبران وحدة الفحل في الرضاعيين بالإضافة إلى غير الفحل .)وأمّا حرمة المرتضع نفسه - إذا كان أنثى - على الفحل فقد تقدمت في الفصل الأوّل (5.)هذا تمام الفصل الثالث .
### الفصل الرابع في حكم أبي المرتضعويتم في ضمن مسائل :### المسألة الأولى : عدم حرمة المرضعة على أبي المرتضع1 - عدم حرمة المرضعة على أبي المرتضعالمسألة الأولى : لا تحرم المرضعة على أبي المرتضع ، لأنّها إنما تصير بالرضاع أمّاً لولده ، وهو من العناوين المحللة كما تقدّم(1.)وكذا أختها ، لأن أخت أم الولد إنّما تحرم لكونها أخت الزوجة ، والرضاع لا يحدث الزوجية ، فهي لا تحرم على أبي المرتضع حتّى على القول بعموم المنزلة .وكذا أمها فصاعداً ، لأنّ أمّ أُمّ الولد إنما تحرم لكونها أم الزوجة ، والرضاع لا يحدث الزوجية كما تقدّم (2ومن ذلك يظهر حكم خالة المرضعة وعمّتها .)### المسألة الثانية : عدم حرمة أم الفحل على أبي المرتضع2 - عدم حرمة أم الفحل على أبي المرتضع(3)المسألة الثانية : لا تحرم على أبي المرتضع أم الفحل فصاعداً ، لأنّها إنّما تصير بالرضاع أماً لأبي ولده ، وأمّ أبي الولد إنّما تحرم لكونها أمّاً ، فيبتني تحريمها على القول بعموم المنزلة . وكذا أخته وعمته وخالته
### المسألة الثالثة : حرمة فروع المرضعة على أبي المرتضع3-حكم فروع المرضعة على أبي المرتضع (1.)المسألة الثالثة : تحرم على أبي المرتضع فروع المرضعة نسباً وإن كانت القاعدة لا تقتضي ذلك ، لأنّهم لا يصيرون بالإضافة إليه إلّا إخوة لولده ، وأخت الولد كما تقدّم (2- لا تحرم إلّا لكونها بنتاً أو ربيبة ، ولذا حكي عن جماعة - منهم الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط(3)عدم التحريم .)إلّا أنّه قد دلّت على الحرمة صحيحة أيوب بن نوح المتقدمة (4وفيها : التعليل للحكم بقوله ( عليه السلام) : « لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك ».)وما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر ، قال : « كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام امرأة أرضعت ولد الرجل ، هل يحل لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أو لا ؟ فوقع (عليه السلام) : لا تحلّ له » (5).)وأمّا فروعها رضاعاً فلا دليل على تحريمهم عليه ، لظهور الولد في الرواية الأولى ، والابنة في الثانية في النسبيين ، فيتمسّك لحليتها بالإضافة إليه بعمومات الحلّ المتقدّمة (6.)ولكن يمكن أن يقال : إنّ ما دلّ على تنزيل الرضاع منزلة النسب (7)
يقتضي تنزيل فروع المرضعة رضاعاً منزلة فروعها نسباً ، فيحر من على أبي المرتضع .### ما أفاده المحقّق الخراساني والإيراد عليهوقد أجاب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه عن ذلك بما ملخّصه : أنّ مقابلة النسب بالرضاع في دليل التنزيل ظاهرة في أنّ المراد بما يحرم من النسب غير من كانت حرمته بسبب الرضاع من ذوي النسب ، فيكون دليل التنزيل قاصراً عن شمول المورد ، لأنّ فروع المرضعة نسباً إنّما حرمت على أبي المرتضع بسبب الرضاع ولولا الرضاع لما حرمت عليه(1).)ويرد عليه : أنّ القضية المتضمنة للتنزيل المزبور - أعني قولهم (عليهم السلام : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (2)- حيث إنّها قضية حقيقية تتضمّن الحكم على الأفراد المفروضة الوجود ، فتكون متضمّنة لأحكام بعدد ما يفرض لها من الموضوعات ، لا مانع من شمولها للموضوع الذي تكون فعليته بشمولها لمورد آخر ، بأن تكون القضية محققة لموضوع نفسه ، كما في أدلّة حجية الخبر الواحد بالإضافة إلى الإخبار مع الواسطة ، فتكون القضية المزبورة مقتضية لتنزيل الفروع النسبية للمرضعة منزلة الأولاد بالإضافة إلى أبي المرتضع ، بسبب العلقة الرضاعيّة المتحقّقة بين المرتضع وأولاد المرضعة وتنزيلها منزلة العلقة النسبية ، فتحرم الفروع النسبية للمرضعة على أبي المرتضع بمقتضى التنزيل المزبور ، وبذلك يتحقّق موضوع جديد للقضية المتضمنة له بمقتضى إطلاقها ، حيث تقدم أن النسب المأخوذ في)
موضوعها يعمّ النسب الذي لا يكون سبباً للحرمة بالاستقلال ، فإذا تحقّقت العلقة الرضاعية بين المرضعة ورضيع آخر فالقضية المزبورة تقتضي تنزيلها منزلة العلقة النسبيّة .وبالجملة : القاعدة المزبورة باطلاقها تقتضي حرمة فروع المرضعة رضاعاً على أبي المرتضع ، ولعله أشار بقوله (قدّس سرّه : فتأمّل . في آخر كلامه إلى ما تقدّم .)ويشهد لما ذكرناه صحيحة الحلبي المتقدّمة (1المتضمنة حرمة الأخت الرضاعية للمرضعة على المرتضع ، فإنّها نزلت الرضاع المتحقّق بين المرضعة وأختها الرضاعية منزلة النسب بالإضافة إلى المرتضع ، مع أن تحريم هذا النسب إنّما جاء من ناحية الرضاع المتحقّق بين المرضعة والمرتضع .)ويرد عليه أيضاً النقض بموارد عديدة ، منها : الفروع الرضاعية للمرتضع بالإضافة إلى الفحل والمرضعة، فإنّ الحرمة في الفروع النسبيّة له بالإضافة إليهما لم تأت إلّا من ناحية الرضاع ، وهو (قدّس سرّه بالطبع يلتزم بحرمتها عليهما ، هذا .)ولكن الذي يوجب خروجها عن القاعدة المزبورة هو ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه(2)في المقام ، وهو أنّ مورد الكلام هي الفروع الرضاعية المرتضعة من هذه المرضعة بلبن فحل آخر غير الذي ارتضع هذا الرضيع من لبنه ، إذ لو كانت مرتضعة منها بلبن هذا الفحل كانت فروعاً رضاعيّة للفحل .)فتدخل في موضوع المسألة الآتية ، وهي حرمة أولاد الفحل نسباً ورضاعاً على أبي المرتضع ، وإذا كان مورد الكلام ذلك فالأخوة الرضاعية غير متحقّقة بين المرتضع وهذه الفروع ، لعدم اتحاد الفحل الذي هو شرط في تحقّق الأخوة الرضاعية
بين المرتضعين ، فهي لا تحرم على المرتضع .ومن الواضح أنّ السائل إنّما يسأل عن حكم الرضاع الذي يكون ناشراً للحرمة بين المرتضع وأولاد المرضعة ، لا عن مطلق الرضاع ، فتكون الروايتان (1سؤالاً وجواباً ناظرتين إلى أولاد المرضعة الذين يحرمون على المرتضع ، وأنّ مثل هؤلاء الأولاد هل يحرمون على أبي المرتضع بعدما حرموا على ابنه ، وأما أولادها الذين لا يحرمون على المرتضع فعدم حرمتهم على أبي المرتضع مفروغ منه ، ولا يخطر ببال السائل السؤال عن حكمهم بالإضافة إليه ، فهم خارجون عن مفروض الرواية وداخلون في عمومات الحل (2)قطعاً .)نعم المحكي عن الشيخ الطبرسي (قدّس سرّه (3)الحاق فروع المرضعة الرضاعية بفروعها النسبية ، حيث لم يشترط اتحاد الفحل في تحقّق الأخوّة الرضاعية ، كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى (4).)### المسألة الرابعة : حرمة فروع الفحل على أبي المرتضع4- حرمة فروع الفحل على أبي المرتضعالمسألة الرابعة : تحرم فروع الفحل على أبي المرتضع ، على خلاف القاعدة كما تقدّم في المسألة الثالثة ، وذلك بمقتضى الدليل الخاص ، وهي صحيحة علي بن مهزيار
1) الوسائل 20 : 404 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 16 ح 1، 2 ، وقد تقدمتا في ص 56 .
2) الآية 24 من سورة النساء الدالّة على حلّ ما وراء العناوين المحرّمة . والآية 3 من السورة الدالة على حل نكاح ما طاب من النساء .
3) ) [ حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم 20) : 341 ، ولكنه لم يصرح به في مجمع البيان 3 : 28 - 29 ، والمؤتلف البيان 3 : 28 - 29 ، والمؤتلف من المختلف 2 : 281 فلاحظ ] .
4) في ص 86 .
المتقدّمة (1ولا فرق بين النسبيين والرضاعيين، لتحقّق الشرط هنا ، وهو اتّحاد الفحل ، فيقوم الرضاع مقام النسب .)وخالف المحقّق الخراساني (قدّس سرّه في ذلك ، ففصل بين النسبيين والرضاعيين ، استناداً إلى ما حكيناه عنه في المسألة المتقدمة ، وقد ظهر ضعفه بما تقدّم في تلك المسألة ، هذا .)ويحكى الخلاف هنا في أصل المسألة كالمسألة السابقة ، ولكنّه ضعيف بعد ورود الدليل الخاص .هذا تمام الفصل الرابع .
1) في ص 37 .
الفصل الخامس : أحكام أصول وفروع المرتضع وغيرهماويشتمل على مسائل### المسألة الأولى : حكم أصول المرتضع1 - حكم أصول المرتضع المسألة الأولى : في حكم أصول المرتضع بالإضافة إلى من عداهم ، فنقول : لا تحرم أصول المرتضع على أصول الفحل ، ولا على حواشي أصول الفحل ، ولا على حواشي الفحل ، ولا على أصول المرضعة ، ولا على حواشي أصول المرضعة ، ولا على حواشي المرضعة ، لعدم تحقّق عنوان من العناوين المحرمة بينهم ، نعم على القول بعموم المنزلة تتحقّق الحرمة في بعض الفروع .وأمّا فروع الفحل وفروع المرضعة فقد تقدّمت حرمتها على أبي المرتضع في المسألة الثالثة والرابعة من الفصل الرابع ، على تفصيل في فروع المرضعة بين النسبيين والرضاعيين .ويتفرّع على ما تقدّم - وهو حرمة أولاد الفحل وأولاد المرضعة على أبي المرتضع ، المعبّر عنه في لسان الفقهاء بنحو القاعدة بقولهم : لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ، ولا في أولاد المرضعة - أنّه إذا أرضعت ولداً جدّته لأمه بلبن جده أو غيره حرمت أمّه على أبيه ، لأنّها من أولاد صاحب اللبن والمرضعة في الصورة الأولى ، ومن أولاد المرضعة في الثانية ، والرضاع كما يحرّم سابقاً يحرّم لاحقاً ، وذلك لثبوت العناوين الخاصة من البنوّة والأخوة والأمومة ونحوها
بالرضاع ، كما تدلّ عليه الأخبار (1، ومنها ما ورد في خصوص المقام ، حيث تضمّن تنزيل أولاد الفحل والمرضعة منزلة أولاد أبي المرتضع ، كقوله (عليه السلام) : لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك » (2)وقوله ( عليه السلام) : « وكنّ في موضع بناتك » (3)ومتى تحقّق العنوان الذي هو موضوع لحرمة النكاح تبعه الحكم .)هذا مضافاً إلى إطلاق التنزيل (4، وخصوص بعض الأخبار الواردة في الموارد الخاصة (5)، فتحرم أمّ المرتضع على أبي المرتضع في مفروض المسألة .)### المسألة الثانية : حكم حواشي أصول المرتضع2 - حكم حواشي أصول المرتضعالمسألة الثانية : في حكم حواشي أصول المرتضع بالإضافة إلى من عداهم فنقول : لا تحرم حواشي أصول المرتضع على أصول الفحل ، ولا على حواشي أصول الفحل ، ولا على حواشي الفحل ، إلّا على القول بعموم المنزلة في بعض الفروض . وكذا بالإضافة إلى أصول المرضعة ، وحواشي أصول المرضعة ، وحواشي المرضعة ، وذلك لعدم تحقّق عنوان من العناوين المحرّمة في شيء من ذلك .### المسألة الثالثة : حكم حواشي المرتضع3- حكم حواشي المرتضعالمسألة الثالثة : في حكوم حواشي المرتضع . لا تحرم حواشي المرتضع على أصول الفحل ، ولا على حواشي أصول الفحل ، ولا على حواشي الفحل ، إلّا على القول بعموم المنزلة في بعض الفروض .
وكذا لا تحرم على أصول المرضعة ، ولا على حواشي أصول المرضعة ، ولا على حواشي المرضعة ، لعدم حدوث عنوان محرّم في شيء من ذلك.وأمّا بالإضافة إلى فروع الفحل وفروع المرضعة ، فعن الشيخ (قدّس سرّه في الخلاف والنهاية (1)وجماعة الحكم بحرمتهم عليهم ، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع عليها ، وإن كان الأشهر كما قيل - عدم التحريم .)### المسألة الرابعة : حكم فروع المرتضع4 - حكم فروع المرتضعالمسألة الرابعة : في حكم فروع المرتضع . تحرم فروع المرتضع نسباً ورضاعاً على أصول الفحل وأصول المرضعة، لأنّهم أجدادهم الرضاعيون .وكذا تحرم على حواشي أصول الفحل وحواشي أصول المرضعة ، وعلى حواشي الفحل وحواشي المرضعة ، لكونهم عمومة أو خؤولة لهم ، من دون فرق بينالنسبيين منهم والرضاعيين . وكذا تحرم على فروع الفحل نسباً ورضاعاً، وعلى فروع المرضعة نسباً، لأن فروع المرتضع أولاد أخ أو أخت بالإضافة إليهم . ولكن هذا الحكم يختص بالطبقة الأولى منهم ، وأما غير الطبقة الأولى من فروع الفحل أو المرضعة فلا حرمة بينهم وبين فروع المرتضع ، كما هو ظاهر .هذا تمام الكلام في أحكام أركان الرضاع ومتعلقاتها .
1) الخلاف 5 : 93 / مسألة 1 ، النهاية : 462 .
### أقسام الشروط المعتبرة في الرضاع المحرّمالكلام فى شروط الرضاع الناشر للحرمةويقع الكلام في شروط الرضاع المحرّم ، وهي أربعة أقسام ، من حیث اعتبارها في المرضعة ، واللبن ، والرضيع ، والرضاع (1فنقول :)حياة المرضعة### القسم الأوّل : ما يعتبر في المرضعةالقسم الأوّل : يعتبر في المرضعة الحياة ، فلا عبرة بالرضاع من المرأة بعد موتها على المشهور عندنا (2بل لم يعثر على حكاية القول بالخلاف صريحاً كما قيل .)### الوجوه التي استدل بها على ذلكواستدلّ لذلك بوجود الدليل الأول :### الأوّل : الأصل ، والجواب عنهالأوّل : الأصل فإنّ الرضاع من الميتة يشكّ في نشره الحرمة ، فيتمسّك في مورده بعمومات حلّ النكاح (3كما تقتضيه القاعدة في المخصص المنفصل المردّد بين)
1) لاحظ ملحق رقم (4) ص 180 .
2) أمّا سائر المذاهب فالحنفية والمالكية والحنابلة قالوا : لا يشترط فيها الحياة ، وقالوا : لو ماتت امرأة وبجانبها طفل ، فالتقم ثديها ورضع منه فإنه يوجب التحريم . إلّا أنّ الحنابلة اشترطوا أن يكون اللبن ناشئاً من الحمل ، نعم الشافعية اعتبروا الحياة في المرضعة . كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 226 - 232 باقتباس وتلخيص) وكتاب الخلاف للشيخ الطوسي 5 : 104 / مسألة 14 .
3) النساء 4 : 3، 24 .
الأقل والأكثر . وعلى تقدير الغضّ عن العمومات فالاستصحاب يقتضي الحلية أيضاً في غير مورد اليقين بالحرمة.ويرد على هذا الوجه أنّ تماميّته تتوقّف على عدم ثبوت الإطلاق في أدلّة الرضاع ، كالآية المتضمنة لتحريم الأخوات من الرضاعة (1وقولهم (عليهم السلام) : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (2)، بأن تكون مجملة وفي مقام بيان أصل التحريم ، لا في مقام بيان الحكم من جميع الجهات ، وإلّا فاطلاقها مقدّم كما هو ظاهر.)### الثاني : الإجماع ، والمناقشة فيهالدليل الثانيالثاني : الإجماع ، فإنّ الحكم المذكور قد تسالم عليه الفقهاء ، ولم ينقل الخلاف فيه عن أحد .وفيه : أنّ محصّله غير حاصل ، فإنّ ما يحكى منه إنما هو من قبيل الإجماع المنقول ، وهو غير حجّة . وعلى تقدير تحصيل الإجماع في المقام فهو غير كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام بعد استناد الفقهاء في الحكم المزبور إلى الوجوه المذكورة في المسألة .)### الثالث : أن الميتة ليست مورداً للحكم الشرعي في المقام ، والخدشة فيهالدليل الثالثالثالث : أنّ الميتة ليست مورداً للحكم الشرعي في المقام ، فالارتضاع منها كالارتضاع من البهيمة ، لا أثر له في حرمة النكاح . وفيه : أنّ مورد الكلام في المقام هو نشر الحرمة بين المرتضع وغير المرضعة من الأشخاص الذين هم مورد الأثر الشرعي .
### الرابع : ظهور لفظ الإرضاع في الرضاع الاختياري ، والردّ عليهالدليل الرابعالرابع : أنّ لفظ الإرضاع الوارد في جميع الأدلّة المبيّنة لحكم الرضاع ظاهر في الرضاع المتحقّق بالاختيار ، ومن مبادئ الاختيار الحياة ، فهي تدلّ على اعتبار الحياة بالالتزام .وفيه : أنّ الأفعال لا تدلّ على الاختيار ، لا بمادّتها ولا بهيئتها ، كما حقق في الأصول (1، فإنّ المادة كالأكل والشرب والرضاع ونحو ذلك موضوعة لطبيعي الحدث ، وهيئة الأفعال التي هي مورد الكلام لم يؤخذ فيها الاختيار ، لصحة إسناد الفعل بهذه الهيئة إلى غير ذوي الشعور والاختيار ، ولا وضع للمركب من الهيئة والمادة بالاستقلال .)وعلى تقدير الغضّ عن ذلك فالإجماع كما عن المسالك (2۔ قائم على عدم اعتبار الاختيار في نشر الرضاع الحرمة ، من دون فرق بين الاختيار في مقابل الإكراه والاختيار في مقابل صدور الفعل بلا إرادة ، ولهذا يقولون بنشر الحرمة في الرضاع من المرأة لو سعى إليها الولد وهي نائمة ، أو التقم ثديها وهي غافلة أو مغمى عليها .)وما ربما يقال من أنّ الدلالة المطابقية إذا سقطت عن الحجّية فلا مانع من الأخذ بمقتضى الدلالة الالتزامية ، يدفعه أن الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية في الحجية ، كما حقق في الأصول(3.)
### الخامس : ما استدلّ به الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)الدليل الخامس والشيخ الأنصاريالخامس : ما استند إليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه (1)وملخّصه : أنّ آية التحريم (2)منصرفة عن بعض صور الرضاع من الميتة ، وهي صور وقوع جميع الرضعات حال الموت ، فهذه الصورة خارجة عن آية التحريم ، وداخلة في الآية المتضمّنة لحلّ ما وراء ذلك (3)ويجب إلحاق غيرها من الصور التي يشملها إطلاق آية التحريم - وهي صورة وقوع جميع الرضاع حال الحياة عدا جزء يسير منه وإكماله بعد الموت ، وما بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة - بالصورة المتقدّمة ، لعدم القول بالفصل .)والإشكال على هذا التقريب بإمكان قلبه ، بأن يقال : إنّ صور تحقّق بعض الرضاع في حال الحياة وبعضه بعد الموت مشمولة لآية التحريم (4قطعاً ، فهي خارجة عن الآية المتضمّنة لحلّ ما وراء ذلك (5)وتلحق بها صورة وقوع جميع الرضاع بعد الموت - وهي الصورة المنصرفة عنها آية التحريم (6)- لعدم القول بالفصل .)يندفع : بأنّ غاية الأمر تكافؤ التقريبين ، فتقع المعارضة بواسطة عدم القول بالفصل بين آية التحريم (7وآية حلّ ما وراء ذلك ، فيرجع إلى أدلّة الإباحة من العمومات والأصول ، ويحكم بعدم النشر فيها إذا لم يتحقّق جميع الرضاع في حال الحياة .)
هذا ملخّص ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه في المقام .)### مناقشة المحقّق الخراسانيوقد أورد عليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه في رسالته الرضاعية (1)بأنّ التعارض بين آية التحريم وآية حلّ ما وراء ذلك غير ممكن ، بعد كون آية حلّ ما وراء ذلك ناظرة إلى آية التحريم ، أي قد أخذ في موضوعها عدم العناوين المأخوذة في آية التحريم ، إذ بعد أن يكون موضوع الدليل هو الشيء الذي لا يكون معنوناً بعنوان موضوع الدليل الآخر لا يمكن أن يشمل هذا الدليل مورداً يشمله الدليل الآخر ليقع التعارض بينهما ، وقد حرم بمقتضى دلالة آية التحريم المطابقية والالتزامية الصور الداخلة تحت إطلاقاتها والخارجة منها ، فلا تشملها آية حلّ ما وراء ذلك ، لأن عنوان موضوعها هو ما لم تتناوله آية التحريم .)ردّ المناقشةويردّه : أنّ دلالة آية التحريم الالتزامية على حكم الصورة الخارجة منها بالانصراف إن كانت بنحو توجب ظهور آية التحريم في هذه الصورة أيضاً فالأمر كما ذكره (قدّس سرّه ، ووجه ظاهر ، وإن لم توجب ظهورها فيها فكلام الشيخ (قدّس سرّه متوجّه ، لأنّ مراده من التعارض في المقام هو أنّ بعض الصور مشمولة لأدلّة التحريم قطعاً ، فلا تشملها آية حلّ ما وراء ذلك ، لضيق دائرة موضوعها . كما أنّ بعض الصور لا تشملها آية التحريم قطعاً، لانصرافها عنها ، فتشملها آية حلّ ما وراء ذلك ، فتختلف الصور في الحكم . والإجماع قد قام على الاتحاد في الحكم فبقرينة الإجماع يحصل العلم بخروج جميع الصور عن أحد الدليلين ودخولها في)
1) كتاب الرضاع ضمن مجموعة من كتب الآخوند (قدّس سرّه)) : 8 [ لاحظ ما ذكرناه في صفحة 38].
حكم الدليل الآخر ، وليس المراد بالتعارض التعارض المصطلح بين الدليلين ليرد عليه ما تقدّم ، هذا .ولا يخفى أنّ ما في بعض الكلمات من أنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه جعل آية الحل(1)حاكمة على آية التحريم (2)، ليس كما ينبغي ، فإن نص عبارته هكذا : لا يكاد يقع التعارض بين الآيتين بذلك ، فإنّ آية التحليل إنما تكون في دلالتها ناظرة طبعاً لآية التحريم ، حيث حلّل فيها ما وراء ما حرم في آيته .)وهى نصّ في أنّ مراده من نظر آية الحل إلى آية التحريم هو تعنون موضوعها بما وراء ذلك ، أي ما لم تتناوله آية التحريم. ومن الواضح أن هذا ليس من الحكومة في شيء ، لأن الحكومة المصطلحة هي تصرف دليل الحاكم لموضوع المحكوم بتوسعته أو تضييقه ، هذا .### الجواب الصحيح عما أفاده الشيخ الأنصاريإيرادنا على الشيخوالصحيح في الإشكال على ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه من الوجه هو منع انصراف إطلاق آية التحريم عن صورة تحقّق جميع الرضاع حال الموت ، إذ لا منشأ له إلّا فهم الاختيار من لفظ الإرضاع الوارد في الأدلة ، وقد تقدم (3)أنّه لا يدل على الاختيار . هذا مع أنّ التقريب المزبور تبعيد للمسافة في طريق الاستدلال ، إذ هو إنما يتم بالإجماع ، فليتمسك بالإجماع من أوّل الأمر بعد عدم وجود مخالف من الخاصة في هذا الشرط .)### السادس : الوجه المختار في اعتبار الحياة في المرضعةالدليل السادس وهو المختارالوجه السادس : أنّ لفظ « الامرأة » الوارد في نصوص الباب (4المبيّنة)
لحدود الرضاع المحرّم لا تشمل الميتة ، إما لعدم الصدق، حيث إن الميت جماد ، وهو فاقد لما تتقوم به الحيوانية ، فضلاً عن الإنسانية ، والامرأة هي الإنسان المؤنّث . وإنما يطلق على الميّت أنّه رجل أو امرأة أو أنّه إنسان بعلاقة المشاكلة ، أو بلحاظ الحالة السابقة . وإما للانصراف عنها من هذه الجهة ، فتختص النصوص المفسّرة للرضاع المحرّم والشارحة لقيوده بالامرأة الحية .ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقل من إجمال لفظ « الامرأة » فيرجع في الرضاع من غير الحيّة إلى عمومات الحل(1. وهذا الوجه هو الذي يترجّح في النظر .)هذا كلّه فيما يعتبر في المرضعة .### القسم الثاني : ما يعتبر في اللبنشروط اللبنالقسم الثاني : وهو ما يعتبر في اللبن فأمور :### الأول : أن يكون اللبن عن حمل ناشئ عن وطء صحيحالشرط الأوّل : دَرّ اللبن عن وطء صحيحمنها : أن يكون اللبن عن علوق وحمل ناشئ عن وطء صحيح ، فلو درّ اللبن بنفسه من دون وطء ، أو كان مسبوقاً بالوط ، ولم يكن علوق وحمل ، أو كان الحمل مستنداً إلى وطء غير مشروع ، فلا نشر للحرمة ، كما هو المعروف بين الأصحاب بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه وأمّا سائر المذاهب فقال الشيخ (قدّس سرّه في الخلاف 5 : 108 مسألة 22 : إذا درّ لبن امرأة من غير ولادة فأرضعت صبيّاً صغيراً لم ينشر الحرمة ، وخالف جميع الفقهاء في ذلك)وجاء في كتاب فقه السنة :2 : 398 : والمرضعة التي يثبت بلبنها التحريم هي كل
1) النساء 4: 3، 24 .
امرأة درّ اللبن من ثدييها ، سواء أكانت بالغة أم غير بالغة ، وسواء أكانت يائسة من الحيض أم غير يائسة ، وسواء أكان لها زوج أم لم يكن ، وسواء أكانت حاملاً أم غير حامل .ولكن في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 243 ما يدلّ على اختلافهم في اعتبار الحمل ، فإنّه يظهر منه أنّ الحنابلة والشافعية يعتبرون في الرضاع المحرّم أن يكون اللبن عن حمل ، بخلاف الحنفية والمالكية ، حيث يقول نقلاً عن الحنابلة : ولا فرق في التحريم بين أن تكون المرضعة على قيد الحياة ، أو رضع منها وهي ميتة ما دام اللبن ناشئاً عن الحمل بالفعل ، فإذا كانت عجوزاً أو يائسة من الحيض والحبل ، ولم يكن لبنها ناشئاً من حمل سابق ، فإنّ الرضاع منها لا يحرم ، خلافاً للحنفية والمالكية . أما الشافعية فإنّهم وإن قالوا : إنّ المعتبر هو اللبن الناشئ من الحمل ، إلّا أنهم اكتفوا في ذلك باحتمال الحمل ، ومتى بلغت سن تسع سنين - وهو سنّ الحيض عندهم كان حملها وولادتها محتملين ولو لم تحض بالفعل ، لأنّ حيضها محتمل أيضاً ، فالاحتمال عندهم كافٍ . أما الحنابلة فإنّهم يشترطون أن يكون اللبن ناشئاً من الحمل ، ولذا قالوا في تعريف الرضاع : أنّه مص أو شرب لبن ثاب من حمل . وثاب بمعنى اجتمع ، أي اجتمع في ثدي المرأة ، أو بمعنى رجع إلى ثدي المرأة بسبب الحمل.نعم لم يظهر منهم اعتبار انفصال الولد ، فيكفي عند القائل مجرد تكوّن اللبن من الحمل في مقابل تكوّنه بنفسه .قال الشافعي في كتاب الأمّ 5: 30 : فإن ولدت امرأة حملت من الزنا - اعترف الذي زنا بها أو لم يعترف - فأرضعت مولوداً فهو ابنها ، ولا يكون ابن الذي زني بها ....وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 239 : إذا زنى بامرأة وجاءت بولد من هذا الزنا ونزل لها لبن بسبب هذه الولادة ، فأرضعت منه طفلة أجنبية ، أصبحت هذه الطفلة بنتاً للزانية بلا كلام ، كما أنّ ولد الزنا ابنها بلا خلاف ، فتحرم الرضيعة على أصولها وفروعها وحواشيها . وإن كان الرضيع ذكراً حرمت عليه المرضعة وأصولها وفروعها وحواشيها ، كما يحرمون على ولد الزنا نفسه . أما الزاني فإنّ هذه الطفلة تحرم عليه وعلى أصوله وفروعه فقط ، فلا تحرم على إخوته وأعمامه وأخواله ، كما تحرم بنت الزنا نفسها ، وذلك لأنّ المولودة من الزنا لم يثبت نسبها منه ، فلم تنشر الحرمة إلى حواشي الرجل ، وإنما حرمت عليه أصوله وفروعه لكونها جزءاً منه متولدة من منيه ، كما تتولّد بنت النسب ، وقد رضعت من لبنه القائم مقام المني في تحقّق هذه الجزئية .
والدليل على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان ، قال : « سألت أبا عبدالله عليه السلام عن لبن الفحل ، فقال : هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة أخرى فهو حرام »(1).)وحسنته أيضاً - بإبراهيم بن هاشم - عن أبي عبدالله (عليه السلام : « هو ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة أخرى ».(2))ووجه دلالتهما على اعتبار نشوء اللبن عن الحمل هو أن عنوان اللبن في الصحيحة قد أسند إلى الفحل وإلى ولده ، و في الحسنة إلى الولد ، ولا يكون اللبن كذلك إلّا بالوطء والحمل ، وحيث إنهما في مقام بيان اللبن المحرّم وشرحه بقيوده كما هو مقتضى السؤال فيهما - فظاهر هما دخل كلّ ما يذكر فيهما من القيود في ذلك ولذا يعتبر أن يكون اللبن من الامرأة ، حيث عبّر فيها بهذا اللفظ . فاللبن من الرجل لا ينشر الحرمة ، وكذا من الخنثى وإن لم تكن مشكلاً ، بناءً على كونها طبيعة ثالثة لعدم إحراز كونها امرأة . فالأصل عدم النشر .
وأمّا اعتبار نشوء الحمل عن وطء صحيح فقيل إنّ وجه دلالتهما عليه هو إسناد الولد إلى الفحل في كليهما ، الظاهر في اعتبار كونه ولداً شرعياً ، حيث إنّ الولد من الزنا ليس بولد .ويرد عليه : أنّ الولد لغة من يتكون من ماء الشخص ، وليس له حقيقة شرعية ، والشارع لم ينفي النسب في باب الزنا، ولم يرد منه أن ولد الزنا ليس بولد وإنما نفي الإرث عنه فقط ، فأحكام النسب تترتب في باب الزنا ما عدا الإرث ، فهو ولد لغة وشرعاً ، ولذا لا يجوز أن يتزوج الزاني ببنته من الزنا ، ولا ابن الزانية بأمه .وأمّا ما ورد من أنّ « الولد للفراش وللعاهر الحجر»(1فهو حكم ظاهري في مقام تردّد الولد بين كونه ولداً لمن يجوز له نكاح الامرأة وكونه ولداً للزاني وليس في مقام بيان حكم واقعي . فالاستدلال بالروايتين المتقدّمتين على اعتبار هذا الأمر من هذا الطريق لا یتمّ.)والصحيح هو الاستدلال باضافة الامرأة إلى الفحل في كلتا الروايتين حيث قال (عليه السلام : « هو ما أرضعت امرأتك » فإنّ هذه الإضافة ظاهرة في اعتبار كون الامرأة منسوبة إلى الشخص وذات اختصاص به بنحو من الأنحاء والمزني بها ليست بامرأة الزاني ، بل هى إمّا امرأة لشخص آخر ، أو ليست بامرأة لشخص أصلاً .)### عدم الفرق بين النكاح الدائم والمنقطعثمّ إنّه لا خلاف ظاهراً في عدم الفرق بين النكاح الدائم والمنقطع ، لتحقّق الزوجيّة في المنقطع ، المصححة لإضافة الامرأة إلى الشخص ، فيصدق عليها أنّها
1) الوسائل 26 : 274 / أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 1 ح 1 .
امرأته ، كما في الدائم .### شمول الحكم للمملوكة والمحلّلةكما لا خلاف ظاهراً في عدم اختصاص الحكم بالزوجة ، وشموله للمملوكة والمحللة ، والوجه فيه هو صدق لفظ « امرأتك » عليها كما يصدق على الزوجة من دون فرق أصلاً ، فإنّ الامرأة واحدة النساء ، وإضافتها إلى الرجل ليست بعلاقة الزوجية كي يكون معنى امرأتك » زوجتك ، بل هي بنحو من أنحاء الاختصاص فتعمّ الزوجيّة والملك والتحليل ، كسائر موارد الإضافة ، فإنّ ملاك الإضافة ه-و مطلق الاختصاص الجامع بين أنحائه ، والشاهد على ذلك ما ورد في آية المباهلة(1من إضافة النساء إلى ضمير التكلّم والخطاب ، فإنّه ليس بمعنى زوجاتنا وزوجاتكم وكما ورد في الآية المتضمّنة جواز إبداء النساء زينتهن إلى نسائهن (2)، فقوله (عليه السلام) في الروايتين (3): « امرأتك » يصدق على المملوكة والمحللة بنحو الحقيقة ، كما يصدق على الزوجة بقسميها .)ثم إن هذا الكلام بعينه يجري في أمهات النساء الوارد في آية التحريم (4فإنّها لا تختص بأمهات الزوجات ، بمقتضى البيان المتقدم .)### الإشكال فيما أفاده المحقّق الخراساني في المقاموبذلك يتضح أنّ إشكال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه(5)-في المملوكة والمحللة لعدم صدق عنوان « امرأتك » -ليس كما ينبغي ، هذا)
مضافاً إلى صحيحة الحلبي وعبد الله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام : «في رجل تزوّج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده ، قال : تحرم عليه » (1)وعطف اُمّ الولد على الامرأة ب- « أو » كما في الوافي (2)هو المتعيّن ، لا كما في الوسائل ورسالة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) (3)وهو العطف بالواو .)وصحيحة أخرى للحلبي أيضاً تدلّ على المقصود ، وهي : قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام : أمّ ولد رجل أرضعت صبيّاً وله ابنة من غيرها ، أتحلّ لذلك الصبي هذه الابنة ؟ قال : ما أحبّ أن يتزوّج (4)ابنة رجل قد رضعت من لبن ولده » .(5))ورواية محمّد بن عبيدة الهمداني ، قال قال الرضا (عليه السلام : ما يقول أصحابك في الرضاع ؟ قال قلت : كانوا يقولون : اللبن للفحل ، حتّى جاءتهم الرواية عنك : أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب ، فرجعوا إلى قولك . قال فقال : وذاك أنّ أمير المؤمنين سألني عنها البارحة فقال لي : اشرح لي (اللبن للفحل) وأنا أكره الكلام ، فقال لي : كما أنت حتّى أسألك عنها ، ما قلت في رجل كانت له أمهات أولاد شتى فأرضعت واحدة منهنّ بلبنها غلاماً غريباً ، أليس كل شيء من ولد ذلك الرجل من أمهات الأولاد الشتى محرّماً على ذلك الغلام ؟ قال قلت : بلى ، قال فقال)
1) الوسائل 20 : 399 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 10 ح 2 .
2) الوافي (21 : 221 / ب 35 (من يحرم بالرضاع) ح 12 .
3) كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (20 : 318 .
4) [ هكذا في نسخة التهذيب :7 319 / 1319 ، وفي الوسائل والاستبصار 3: 199 / 722 أتزوّج » ، وفي الكافي 5: 6/441 تتزوّج » ] .
5) الوسائل 20 : 390 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 8 .
أبو الحسن (عليه السلام : فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الأمهات ، وإنما الرضاع من قبل الأمهات ، وإن كان لبن الفحل أيضاً يحرم » (1).)وكذا رواية صالح بن عبد الله الخثعمي (2، ورواية السكوني ، ورواية إسحاق ابن عمار(3)فإنّ هذه الروايات كلّها تدلّ على تحقّق الحرمة برضاع المملوكة .)ويشهد لذلك قوله (عليه السلام في صحيحة بريد العجلي : « كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام فذلك الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) » (4)فإنّ لفظ الفحل الوارد في هذه الصحيحة وغيرها يصدق على المالك والمحلل له ، ولا يختص بالزوج)### حكم وطء الشبهةوأمّا الوطء بالشبهة ، فعن المشهور إلحاقه في النشر بالنكاح وأخويه ، وعن المحقّق في الشرائع التردّد فيه (5، وعن الحلّي الجزم بعدم النشر أوّلاً ، ثم بالنشر ثانياً ثم النظر والتردّد ثالثاً (6)، هذا .)والصحيح عدم النشر فيه ، لعدم صدق عنوان « امرأتك » الواردة في صحيحة عبدالله بن سنان وحسنته المتقدّمتين (7على الموطوءة بالشبهة ، وعدم صدق)
1) الوسائل 20 : 391 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح 9 .
2) الوسائل 20 : 401 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 12 ح 2، 4 .
3) الوسائل 20 : 407 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 19 ح 1 ، 2
4) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح1 .
5) لفظ الشرائع [ 4 : 330 ] في السبب الثاني من أسباب التحريم هكذا : وفي نكاح الشبهة تردّد ، أشبهه تنزيله على النكاح الصحيح .
6) السرائر 2 : 552 .
7) في ص 72
«فحلها » الوارد في صحيحة بريد المتقدّمة على الواطئ ، فإن صحة الإضافة تتوقّف على نحو اختصاص وملابسة ، وليس في الوطء بالشبهة ذلك ، وعليه يلزم تقييد الأخبار المطلقة من هذه الجهة بهذه الروايات الثلاث .### دليل الشيخ الأنصاري على نشر الحرمة والجواب عنهكلام مع الشيخ الأنصاريوقد قوّى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه القول بالنشر ، استناداً إلى أنّ دلالة المطلقات على الإطلاق أقوى من دلالة المقيّد على الاختصاص ، فحمل لفظ «امرأتك » أو « فحلها » على الورود مورد الغالب(1))ويرد عليه : أنّه كيف تكون دلالة المطلقات أقوى مع أنّ الإطلاق يتوقّف على عدم ورود البيان ، والمقيد بيان .هذا مضافاً إلى استلزام ذلك انسداد باب الاستدلال على اعتبار كثير من الشروط ، فإنّ طريق إثباتها إنما هو هذه الأخبار المقيدة### دليل صاحب البلغة والجواب عنهمناقشة مع صاحب البلغةوقد اختار صاحب البلغة (قدّس سرّه القول بالنشر أيضاً ، استناداً إلى أن ولد الشبهة ولد شرعي ، وأنه يساوي الولد الصحيح في أغلب الأحكام ، وأنّ اللبن يتبع النسب(2).)ويرد عليه : أنّه لا دليل على الملازمة بين هذه الأحكام ونشر اللبن الحرمة .### هل يختص النشر على هذا القول بما إذا كانت الشبهة من الطرفين أو لا ؟حكم الشبهة من طرف واحدثمّ إنّه على تقدير التنزل والقول بنشر الحرمة في وطء الشبهة ، فهل يختصّ النشر بما إذا كانت الشبهة من الطرفين ، أو يعمّ ما إذا كانت من طرف واحد ؟
ذهب صاحب البلغة (قدّس سرّه إلى ثبوت النشر في خصوص طرف الشبهة لثبوت النسب بالنسبة إليه ، دون الطرف الآخر ، وأن اللبن يتبع النسب .)ولكن مقتضى ما سلكناه عدم النشر في هذه الصورة أصلاً ، إذ لو سلّمنا صدق عنوان « امرأتك » و « فحلها » في وطء الشبهة - كما في مفروض المسألة - فإنما هو فيها إذا كانت الشبهة من الطرفين ، ولو كانت من طرف واحد لصدق أحد العنوانين دون الآخر ، على الاختلاف بين ما إذا كانت الشبهة من طرف الواطئ وما إذا كانت من طرف الموطوءة ، والمفروض ثبوت اعتبار صدق كليهما من الأدلة ، فإذا كانت الشبهة من طرف الرجل صدق على الامرأة أنها امرأته على الفرض ، ولا يصدق عليه أنّه فحلها ، وإذا كانت من طرف الامرأة ينعكس الأمر .لا يعتبر في نشر الحرمة :أ - وجود الفحل .ب كون المرأة في نكاحه.ج - وجود الولد .### عدم اعتبار وجود الفحل في نشر الحرمة بالرضاعثمّ إنّه لا يعتبر في النشر وجود الفحل ، ولا كون الامرأة في حبالته ، ولا وجود الولد . فلو مات الفحل ، أو طلق امرأته ، أو مات الولد ، تحقّق النشر بارضاع الامرأة ، كلّ ذلك للفهم العرفي من الأدلة ولو بمناسبة الحكم والموضوع ، فإنّ العرف لا يفهم من الأخبار المتقدّمة سوى اعتبار انتساب اللبن إلى الفحل والولد ، بحيث يكون ناشئاً من العلوق والحمل الذي تحقّق منه حين كون الامرأة امرأته .### هل يعتبر في نشر الحرمة انفصال الولد أو يكفي الحمل ؟وهل يعتبر في النشر انفصال الولد ، أو يكفي الحمل ؟ وجهان : بل قولان أشهرهما - كما قيل - هو الأوّل ، وهو الذي يقوى في النظر ، وذلك لإضافة
اللبن إلى الولد في صحيحة عبد الله بن سنان وحسنته (1وهو غير صادق على الحمل لانه مأخوذ من الولادة ، والانفصال مأخوذ في مفهومه ، فلا عبرة بالإرضاع قبل انفصاله ، وبهاتين الروايتين يقيّد إطلاق صحيحة بريد (2)وصحيحة الحلبي (3)وموثّقة جميل (4)ورواية أبي بصير (5)ونحوها ممّا دلّ على إناطة التحريم بكون اللبن من الفحل ، من دون تقييد بكونه بعد الولادة .)وتدلّ عليه مضافاً إلى ذلك موثّقة يونس بن يعقوب عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة ، فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللبن ، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع ؟ قال : لا »(6.)وطعن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه (7)في الرواية بعدم الصحّة غير وارد بعد كونها موثّقة وشمول أدلّة الحجية لها ، كالصحيحة .)نعم رواية يعقوب بن شعيب (8الدالّة على ذلك أيضاً لا تنهض حجّة لضعف سندها .)وأمّا ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه (9)وتبعه عليه المحقّق الخراساني ()
1) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 4 ، وقد تقدمت في ص 72 .
2) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 1 ، وقد تقدمت في ص 76 .
3) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 3 ، وقد تقدمت في ص 47 .
4) الوسائل 20 : 403 / أبوا ما يحرم بالرضاع ب 15 ح 3 ، وقد تقدمت في ص 48 .
5) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح 5 .
6) الوسائل 20 : 398 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 9 ح 1 .
7) كتاب النكاح إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (20) : 292
8) الوسائل 20 : 399 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 9 ح 2 .
9) كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (20) : 291 - 292 .
(قدّس سرّه (1)من أنّ وجود الولد بالفعل لا يعتبر في إضافة اللبن إليه ، وإن اعتبر في صدقه ، ففي حال كونه حملاً يصدق على لبنه أنّه لبن الولد وإن لم يصر بعد ولداً .)فلا يمكن المساعدة عليه ، إذ ظاهر الإضافة إلى عنوان هو فعليّة عنوان المضاف إليه ، فلا يقال : دخلت دار العالم إلّا إذا كان صاحب الدار عالماً بالفعل .وكذا لو قال المولى : ادخل دار العالم . لم يتحقّق الامتثال بدخول دار من سيكون عالماً ، لعدم صدق دار العالم عليها بالفعل . فلبن الولد غير صادق حين كونه حملاً هذا .### الثاني : وحدة المرضعةالشرط الثاني : وحدة المرضعة في المقدار المعتبرومن الأمور المعتبرة في اللبن أن يكون المقدار المعتبر من الرضاع من امرأة واحدة ، فلو تلفّق من مرضعتين لم ينشر الحرمة ، ولم يصر الفحل أباً له .والظاهر عدم الخلاف في ذلك بين من اعتبر التعدّد في الرضاع ، وعن التذكرة أن عليه علماءنا أجمع(2.)وأمّا مثل ابن الجنيد القائل بتحقّق النشر برضعة واحدة (3فلا يتصوّر على قوله اعتبار هذا الأمر ، نعم يمكن تصويره بالنسبة إلى الرضعتين الناقصتين المعدودتين برضعة كاملة ، وبالنسبة إلى اللبن الموجور في حلق الصبي .)### ما استدل به على ذلك والجواب عنهواستدلّ لذلك بموثّقة زياد بن سوقة ، قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام : هل للرضاع حد يؤخذ به ؟ فقال : لا يحرم الرضاع أقل من يوم وليلة ، أو خمس)
عشرة رضعة متواليات ، من امرأة واحدة ، من لبن فحل واحد ، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها ، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد ، وأرضعتها امرأة أخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نکاحهما ». (1)ولكن دلالتها على اعتبار هذا الشرط بنحو الموجبة الكلية محلّ إشكال ، إذ قوله (عليه السلام : « من امرأة واحدة ... » يتردّد بين الرجوع إلى جميع ما قبله وبين الرجوع إلى خصوص الخمس عشرة رضعة ، كما في الاستثناء المسبوق بجمل متعدّدة ، فالقدر المتيقن رجوعه إلى الخمس عشرة رضعة .)واستدلّ لذلك أيضاً بخبر عبيد بن زرارة ، عن زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « سألته عن الرضاع ، فقال : لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين(2).)وفي بعض المؤلّفات (3تذييله بقوله : « وإن حصل منه ما ينبت اللحم » فاستشكل في مخالفة الذيل لما تسالم عليه الفقهاء من عدم التعدي عن أحد الحدود الثلاثة .)ولكن الذيل المزبور لا وجود له في كتب الفقهاء ، ولا في كتب الحديث ، ولعله جزء من خبر آخر ضم إلى هذا الخبر اشتباهاً .
1) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 1 .
2) الوسائل 20 : 386 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 5 ح 8 .
3) وهي رسالة في الرضاع لمؤلّفها العلّامة الشيخ محمّد تقي التبريزي الجعفري (دامت بركاته) تقريراً لبحث أستاذه آية الله العظمى المرحوم السيد الميرزا عبدالهادي الشيرازي (قدّس سرّه) طبع النجف الأشرف سنة 1373ه- . ق / ص 23
نعم يقع الإشكال في مخالفة الخبر المزبور لما تسالم عليه الفقهاء ، وتطابقت عليه النصوص ، من أن مناط التحريم أحد الحدود الثلاثة ، حيث إن ظاهره اعتبار استمرار الرضاع حولين كاملين . ونعم ما وجهه به الشيخ الأنصاري (1(قدّس سرّه) (2)من أنّ المراد بالحولين الظرفية للرضاع ، أي في أثناء حولين كاملين . ولكن الخبر المزبور أجنبي عن إفادة الشرط المزبور ، لأنّ مورده الرضيعان ، كما يدلّ عليه ضمير التثنية في قوله (عليه السلام) : « ارتضعا » ، بل هو في مقام اعتبار وحدة الفحل بين الرضيعين ، بأن يكون الثدي كناية عن اللبن ، من دون فرق بين أن يكون قوله : « ثدي واحد » بنحو الإضافة أو بنحو التوصيف . أو في مقام اعتبار وحدة المرضعة بينهما ، بأن يكون الثدي كناية عن المرضعة ، وذلك للقطع بعدم كون المراد من الثدي معناه الحقيقي ، إذ لا يعتبر قطعاً أن يكون الرضاع من أحد الثديين بالخصوص . وعلى المعنى الثاني يكون مخالفاً لما نطقت به النصوص من عدم اعتبار وحدة المرضعة في نشر الحرمة بين المرتضعين ، وأنّ المناط وحدة الفحل (3).)وكيف كان ، فالخبر المزبور أجنبي عن مورد الكلام ، فإنّ اعتبار الشرط المزبور - كما تقدّم - إنما هو في رضاع الرضيع الواحد ، وأنه يلزم أن يكون كله من امرأة واحدة ، ومورد الخبر اتحاد الفحل أو المرضعة في الرضيعين .
واستدلّ أيضاً بصحيحة الحلبي ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام ، أيحل له أن يتزوّج أختها لأمها من الرضاعة ؟ فقال : إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ ، فإن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك » (1))وموثّقة عمّار الساباطي ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن غ--لام رضع من امرأة ، أيحل له أن يتزوّج أختها لأبيها من الرضاع ؟ فقال : لا ، فقد رضعتا جميعاً من لبن فحل واحد من امرأة واحدة . قال : فيتزوّج أختها لأمها من الرضاعة ؟ فقال : لا بأس بذلك ، إنّ أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير الفحل التي أرضعت الغلام ، فاختلف الفحلان ، فلا بأس (2).)فإنّ ظاهرهما اعتبار اتّحاد المرضعةولكن يرد على الاستدلال بهما ما تقدّم في خبر عبيد من عدم الارتباط بمورد الكلام ، فإنّ موردهما تعدّد الرضيع ، ومقتضاهما اعتبار وحدة المرضعة -كالفحل - في نشر الحرمة بين الرضيعين### الدليل الصحيح والمختاروالصحيح في الاستدلال على اعتبار هذا الشرط هو الاستدلال بالأخبار المتقدّمة الواردة في تفسير الرضاع المحرّم وشرحه ، فإنّ الظاهر من لفظ « امرأتك » في صحيحة ابن سنان وحسنته (3هو شخص الامرأة لا نوعها ، وكذا « كلّ امرأة » في صحيحة بريد (4)فإنّ ظاهره إرادة كلّ شخص من أشخاص هذا الجنس .)وحيث إنّ هذه الروايات - كما تقدّم - في مقام البيان ، فالظاهر دخل كلّ ما
يذكر فيها من القيود في نشر الحرمة ، وعليه يكون ظاهرها اعتبار قيام امرأة الفحل بشخصها بالرضاع في نشر الحرمة ، وبعد تقييد إطلاقها بالأخبار المحدّدة للرضاع المحرّم بأحد الحدود الثلاثة يكون مفادها اعتبار قيام امرأة الفحل بشخصها بالرضاع بالحدّ الخاص في نشر الحرمة ، وهذا هو معنى اعتبار وحدة المرضعة في المقام .### الثالث : وحدة الفحلالشرط الثالث : وحدة الفحلومن الأمور المعتبرة في اللبن وحدة الفحل ، ويقع الكلام هنا في ثلاث مسائل (1:)### المسألة الأولى : تلفيق الرضاع من لبن فحلين لا ينشر الحرمة1 - حكم تلفيق الرضاع من لبن فحلينالأولى : يعتبر أن يكون المقدار المعتبر من الرضاع من لبن فحل واحد ، فلو تلفّق من لبن فحلين لم ينشر الحرمة ، ولم يصر واحد منهما أباً للمرتضع ، وإن اتحدت المرضعة . والظاهر عدم الخلاف في اعتبار هذا الشرط ، وعن التذكرة دعوى الإجماع عليه(2.)ويدلّ عليه قوله (عليه السلام في صحيحة بريد المتقدّمة : «كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام فذلك الذي قال رسول الله (3)فإنّ الظاهر فإنّ الظاهر من لفظ « فحلها » فحلها الشخصي ، لا جنس فحلها وبعد تقييد الرضاع فيها بما دلّ على اعتبار المقدار الخاص يكون مدلولها اعتبار كون)
المقدار الخاص بتمامه من لبن فحل واحد .وكذا قوله (عليه السلام في صحيحة عبدالله بن سنان : « هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ».(1))وقوله (عليه السلام في حسنته : « هو ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك»(2)فإنّ لبن الولد هو لبن الفحل .)هذا كلّه في اعتبار الشرط المذكور ، وهو وحدة الفحل .وأمّا تصوير تعدّد الفحل مع اتحاد المرضعة في الرضاع الواحد ، فهو أن ترضع الامرأة الطفل من لبن فحلها بعض العدد ، ثم يطلقها ذلك الفحل ، وتتزوّج بشخص آخر وتحمل منه ، ثم ترضع الطفل المذكور من لبن هذا الفحل تتمّة العدد ، من غير أن يتخلل بين الإرضاعين إرضاع امرأة أخرى ، بأن يستقل الطفل في المدة الفاصلة بين الإرضاعين بالمأكول والمشروب ، بناءً على عدم إخلال فصلهما بتوالي الرضعات العددية .### المسألة الثانية : يعتبر في نشر الرضاع المحرمة بين الرضيعين اتحاد الفحل2 - نشر الحرمة بين الرضيعينالمسألة الثانية : يعتبر في نشر الرضاع الحرمة بين الرضيعين - بحيث تتحقّق بينهما الأخوّة الرضاعية - اتحاد الفحل ، فلو ارتضع أحدهما الرضاع المحرم من مرضعة بلبن فحل ، وارتضع الآخر الرضاع المحرّم من تلك المرضعة بلبن فحل آخر لم تتحقّق بينهما الأخوّة الرضاعية ، وإن تحقّق النشر في كلّ منهما بالنسبة إلى المرضعة وإلى فحله .وهذا هو المشهور بين الفقهاء ، استناداً إلى ما دلّ على ذلك صريحاً من
الروايات ، وهي صحيحة الحلبي و صحيحة بريد العجلي ، وموثّقة عمّار المتقدّمة (1.)### مخالفة الشيخ الطبرسي والمحدّث الكاشاني في ذلكوخالف في ذلك الشيخ الطبرسي (قدّس سرّه (2)على ما يحكى عنه ، والمحدّث الكاشاني (قدّس سرّه) في محكي مفاتيحه (3)ووافيه .)قال في الوافي بعد نقل صحيحة بريد : وهذا الخبر يدل على أن مع تعدّد الفحل لا تحصل الحرمة وإن كانت المرضعة واحدة ، وهذا مخالف لقوله تعالى : (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (4)وقول النبي (صلى الله عليه وآله) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » وقول الرضا (عليه السلام) في حديث محمّد بن عبيدة الهمداني : « فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الأمهات ؟ وإنما حرم الله الرضاع من قبل الأمهات ، وإن كان لبن الفحل أيضاً يحرم » . ثمّ قال : وقد قالوا (صلوات الله عليهم : « إذا جاءكم عنّا حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف فردّوه » فما بال أكثر أصحابنا أخذوا بهذه الأخبار الثلاثة وتركوا ما وافق كتاب الله (5). ويعني بالأخبار الثلاثة : صحيحة الحلبي ، وصحيحة بريد ، وموثّقة عمّار (6).)
1) في ص 82 ، 76 ، 83 .
2) ) [ على ما حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (20 : 321 ، ولكنّه لم يصرح به في مجمع البيان 3 : 28 - 29 ، والمؤتلف من المختلف 2 : 281 فلاحظ ]
3) راجع مفاتيح الشرائع 2 : 238 .
4) النساء 4: 23 .
5) الوافي 21 : 248 / ب 37 (صفة لبن الفحل) ذيل ح 10 .
6) الوسائل 20 : 389 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 3 ، 1 ، 2 ، وقد تقدمت في ص 82 .83،76
### تحقيق الكلام في المقاموتوضيح الكلام في المقام : أنّ هنا أخباراً دالة على اعتبار وحدة الفحل هي الأخبار الثلاثة المتقدّمة ، وتعارضها رواية محمّد بن عبيدة الهمداني المتقدمة (1في نشر الحرمة برضاع المملوكة ، حيث قال فيها : « فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الأمهات ، وإنما الرضاع من قبل الأمهات ، وإن كان لبن الفحل أيضاً يحرم » فإنه يدل على أن الاشتراك في الأم كالاشتراك في الأب في باب الرضاع في تحقّق الأخوة ، وإن كان الأب مختلفاً .)فإن كان مراد المحدث المزبور لزوم طرح الأخبار الثلاثة لعدم حجيتها في نفسها لمخالفتها للكتاب .فيرد عليه : أنّ المخالفة المعنيّة في أخبار العرض على الكتاب هي المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه ، ولا تشمل المخالفة بنحو العموم المطلق ، كما هو محقق في محلّه (2، ولو شملت هذا النوع من المخالفة لسقطت أكثر أخبار الوافي عن الحجية ، إذ ما أكثر التقييدات والتخصيصات في الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بالإضافة إلى عمومات الكتاب وإطلاقاته ، والمخالفة في هذه الأخبار الثلاثة من هذا القبيل . وإن أراد لزوم طرحها لمعارضتها برواية محمّد بن عبيدة ، وتقدّمها عليها بموافقة الكتاب .)فيرد عليه أوّلاً : أنّ رواية محمّد بن عبيدة ضعيفة السند ، وليست بحجة في نفسها ، فإنّ محمّد بن عبيدة مهمل في كتب الرجال ، ولا يذكر بمدح ولا ذمّ ، فلا تعارض الأخبار المعتبرة .وثانياً : أنّ ظاهر إضافة الولد إلى شخص إرادة الولد النسبي ، فقوله في
الرواية : « أليس كل شيء من ولد ذلك الرجل ... » قبل قوله : « فما بال الرضاع ظاهر في ولد الرجل نسباً ، وبهذه القرينة يكون المراد من تحريم الرضاع من قبل الأمهات تحريم أولادهنّ نسباً بالإضافة إلى المرتضع ، وقد تقدّم أنّ حرمة أولاد المرضعة نسباً على المرتضع غير مشروطة بوحدة الفحل ، كما دلّت عليه موثّقة جميل (1المتقدّمة . فلا تعارض أصلاً بين رواية محمّد بن عبيدة والأخبار الثلاثة .)وثالثاً : أنّ غاية الأمر إطلاق الرواية من حيث الأولاد النسبيين والرضاعيين ، فتقيّد بالأولاد النسبيين بقرينة الأخبار الثلاثة .ورابعاً : أنّ أمارات التقية في الرواية تسقطها عن الحجية ، وهي قوله : « وأنا أكره الكلام » إذ لو كان الإمام (عليه السلام متمكناً من بيان الحكم الواقعي لم يكن وجه لكراهة الكلام وبيان حكم الله الواقعي في المسألة . وتعبيره عن المأمون ب-« أمير المؤمنين ».)فالرواية ساقطة أوّلاً من حيث الصدور ، وثانياً من حيث الدلالة ، وثالثاً من حيث جهة الصدور .فيتعيّن الأخذ بالأخبار الثلاثة ، وتقييد إطلاق الكتاب والسنّة من حيث تحقّق الأخوّة الرضاعية من قبل الأم بها ، فإنّ الأخوة ليست حقيقتها إلّا الاشتراك في الأب أو الأمّ كما تقدّم ، إلّا أنّ هذه الأخبار قد دلّت على إلغاء الأخوّة من قبل الأمّ في المرتضعين من مرضعة واحدة .فتعجّب المحدّث الكاشاني من الأصحاب في غير محله .### المسألة الثالثة : اختصاص اعتبار وحدة الفحل بالرضاعين المحقّقين الأخوة بين الرضيعين3 - اختصاص وحدة الفحل بالأخوة بين الرضيعينالمسألة الثالثة : المعروف بين الأصحاب اختصاص اعتبار وحدة الفحل في
1) الوسائل 20 : 403 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 15 ح 3 ، وقد تقدّمت في ص 48 .
الرضاعين بالرضاعين المحقّقين الأخوة بين الرضيعين .### مخالفة العلّامة والمحقّق الثاني في ذلكوخالف في المقام العلّامة والمحقّق الثاني (قدّس سرّهما كما تقدّم (1)، فاعتبراها في جميع الموارد ، وفرّعا على ذلك عدم حرمة الأم الرضاعية للمرضعة على المرتضع ، وكذا أختها الرضاعية ، وعمّتها الرضاعية ، وخالتها الرضاعية ، لعدم اتّحاد الفحل في شيء من هذه الصور .)والمتعيّن بحسب الدليل هو القول المشهور ، لأنّ ما دلّ على اعتبار وحدة الفحل - وبه قيّد إطلاق الكتاب والسنة - دلّ على اعتبارها في تحقّق الأخوّة الرضاعية فقط ، فهو قاصر عن إفادة اعتبارها في غير هذا المورد . هذا مضافاً إلى التصريح بحرمة الأخت الرضاعية للمرضعة على المرتضع في صحيحة الحلبي وموثّقة عمّار(2.)و ممّن يلزم عدّه مخالفاً في المقام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه حيث حكم بعدم شمول دليل التنزيل لأولاد المرضعة رضاعاً ، استناداً إلى قصوره عن إفادة تنزيل الرضاع منزلة النسب الآتي تحريمه من قبل الرضاع ، كما تقدّم (3). وقد أوردنا عليه بأنّ لازم كلامه عدم حرمة أولاد المرتضع رضاعاً على الفحل وعلى المرضعة ، وكذا في كلّ مورد لا يستقل النسب بالتحريم ، فهو يخالف في هذه الموارد كالعلّامة والمحقّق الثاني ، إلّا أنّ خلافه ليس بملاك اعتبار وحدة الفحل ، بل من جهة قصور دليل التنزيل كما تقدّم .)
### الرابع : خلوصه وعدم امتزاجه بغيرهالشرط الرابع : خلوص اللبنومن الأمور المعتبرة في اللبن أن يكون خالصاً غير ممتزج بشيء يوجب سلب اسم اللبن عنه ، فلو ألقي في فم الصبي شيء جامد كالدقيق ، وفتيت السكر ، أو مائع - كيسير من الأطعمة المائعة - ثم ارتضع بحيث امتزج اللبن ، وخرج عن كونه لبناً ، لم يعتد به * ، وكذا لو جبن اللبن .والوجه في ذلك : عدم صدق الإرضاع من اللبن أو باللبن (1الوارد في)* وأما سائر المذاهب ففي كتاب فقه السنة 2 : 398 إذا اختلط لبن المرأة بطعام ، أو شراب ، أو دواء ، أو لبن شاة ، أو غيره ، وتناوله الرضيع ، فإن كان الغالب لبن المرأة حرّم ، وإن لم يكن غالباً فلا يثبت به التحريم .وهذا مذهب الأحناف ، والمزني ، وأبي ثور .المالكية .وقال ابن القاسم من المالكية : إذا استهلك اللبن في ماء أو غيره ، ثم سقيه الطفل لم تقع به الحرمة .الشافعية .ويرى الشافعي ، وابن حبيب ، ومطرف ، وابن الماجشون من أصحاب مالك : أنّه تقع به الحرمة بمنزلة ما لو انفرد اللبن ، أو كان مختلطاً لم تذهب عينه .سبب الاختلافقال ابن رشد : وسبب اختلافهم هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره ، أم لا یبقی به حكمها ، كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر . والأصل المعتبر في ذلك إطلاق اسم اللبن عليه كالماء ، هل يطهر إذا خالطه شيء من الطاهر . [ انتهى ] أي أنّه إذا اختلط اللبن بغيره هل يبقى إطلاق اسم اللبن عليه أم لا ، فإن كان يطلق اسم اللبن عليه كان محرّماً ، وإلا فلا.
1) 1) [ لم يرد هذا اللفظ في الصحيحتين أو الحسنة ] .
صحيحة ابن سنان وحسنته وصحيحة بريد (1فلابدّ من صدق الإرضاع ، وصدق كونه باللبن ، ولذا لو اجتمع اللبن في فم الصبي وقبل أن يدخل في جوفه أخرجه من فمه لم يكف ، لعدم صدق الإرضاع لاعتبار الوصول إلى الجوف في صدقه ، وكذا لو استحال لبن امرأة دماً وأرضعته به ، لعدم الإرضاع باللبن .)وبذلك يظهر ما في استشكال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه (2)في اعتبار هذا الشرط ، من حيث صدق الإرضاع والارتضاع. وجه الظهور : أنّ المعتبر في الأدلّة - كما تقدّم - عنوان الإرضاع باللبن وصدقه متوقف على دخول اللبن بعنوان كونه لبناً في جوف الصبي ، هذا .)ولا يخفى أنّ عدّ هذا الأمر شرطاً للبن لا يخلو من مسامحة ، إذ هو في الحقيقة مقوّم ، لا شرط . هذا تمام الكلام في الأمور المعتبرة في اللبن .### القسم الثالث : ما يعتبر في الرضيعسنّ الرضاع### اعتبار وقوع مجموع الرضاع في حولي الرضاعوأمّا القسم الثالث - وهو ما يعتبر في الرضيع - : فهو أن يكون مجموع
الرضاع المعتبر واقعاً في حولي الرضاع ، على ما هو المعروف بين الفقهاء* ، فلا* قال الشيخ (قدّس سرّه في الخلاف 5: 98 مسألة 4 : الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيراً ، فأمّا إن كان كبيراً ، فلو ارتضع المدّة الطويلة لم ينشر الحرمة ، وبه قال (عمرو بن العاص عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، وابن عبّاس ، وابن مسعود ، وهو قول جميع الفقهاء ، أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي، ومالك وغيرهم . وقالت عائشة : رضاع الكبير يحرم كما يحرم رضاع الصغير ، وبه قال أهل الظاهر.)وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 223 - 224و في كتاب فقه السنّة :2 : 399 - 401 ما محصله الاستدلال على اعتبار الحولين في سن الرضيع بالآية الكريمة قوله تعالى : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ....)وبجملة من الروايات المروية عن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وقال أنّه رأي جماهير العلماء للأدلة المتقدمة ، إلّا أنّه رووا عن عائشة رواية نسبتها إلى النبي(صلّی اللّه علیه وآله) تعارض الآية الكريمة وتلك الروايات ، لأنّها تدلّ على نشر الحرمة برضاع الكبير أيضاً ، وهي رواية أعرض عنها مشهور العامة أيضاً ، حتّى اضطروا إلى القول بنسخها ، أو حملها على صورة الاضطرار والحاجة ، أو التخصيص بموردها)وليس إلّا تأويلاً تبرّعياً لا دليل عليه ، والأولى طرحها رأساً ، ولكن عملت بها عائشة في من كانت تحبّ أن يدخل عليها من الرجال ، فكانت تأمر أختها أُمّ كلثوم وبناتِ أخيها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها من الرجال ، كما عن عروة(1.)وأما الرواية فهي ما روي عن زينب بنت أم سلمة ، قالت « قالت أم سلمة لعائشة إنّه يدخل عليك الغلام الأيفع (2الذي ما أحبّ أن يدخل عليَّ ، فقالت عائشة : أما لك في رسول الله له أسوة حسنة ؟ فقالت : إنّ امرأة أبي حذيفة (3)قالت : يارسول الله ، إنّ سالماً يدخل عليَّ ، وهو رجل ، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء ، فقال رسول الله الله أرضعيه حتّى يدخل عليك ».وقد أجاب عنها في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 224 : أنّ ذلك كان قبل تحديد مدة الرضاع بالحولين ، فنسخ العمل به ، أو هو خصوصية لسالم وسهلة ، لما رآه النبي الله من الضرورة الملحة التي تستلزم الترخيص لأهل هذا البيت ، حيث لا يمكن الاستغناء عن دخول سالم بحال . على أنّ هناك إشكالاً آخر ، وهو أن الرضاع يستلزم كشف الثدي ومصه ولمسه ، وهو محرّم . ولكن أجاب : أنّه لا يستلزم ، لأن التحريم كما يكون بالمص يكون بالشرب ، فيصح أن تكون قد حلبت له ثديها فشربوقريب منه ما ذكره في كتاب فقه السنة 2 : 401 . أقول : فتأمّل في هذه التمحلات حول رواية هجرها المسلمون قاطبة ، لمخالفتها للكتاب والسنّة ، وسيرة المسلمين .
1) فقه السنة 2 : 400 ، والأمّ (الشافعي) 5 : 28 .
2) يَفَع الغلام : ترعرع ، وناهز البلوغ .
3) اسمها « سهلة ( بنت سهيل ، وأمّا ) سالم ( فهو مولى لامرأة من الأنصار ، تبنّاه أبو حذيفة زوج سهلة ، وكان يدخل عليها لأنها كانت تراه ابناً له ، ولما نزلت آية (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ .... شكت ذلك إلى رسول الله لعل الله فرووا رواية الرضاع فيه كما ذكرنا .)راجع فقه السنة 2 : 400 [ وفيه .... كانت تراه ابناً لها ... ] والفقه على المذاهب الأربعة 4 : 224 ، وكتاب الأم للشافعي 5 : 28 .
عبرة عندهم بالرضاع بعد الحولين .واستندوا في ذلك إلى قوله (عليه السلام في عدّة أخبار : « لارضاع بعد فطام » المفسّر بسنّ الفطام في رواية حماد بن عثمان ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا رضاع بعد فطام ، قلت : وما الفطام ؟ قال : الحولين الذي قال الله (1)عزّوجل » (2).وتحقيق الكلام في المقام : أنّ هنا أربع طوائف من الأخبار :)
### طوائف الأخبار الواردة في المقامأُولاها : ما تضمّن قوله (علیه السلام : « لا رضاع بعد فطام من دون تفسير ، كحسنتي الحلبي ومنصور بن حازم(1)..)ثانيتها : ما اشتمل على تفسيره بالحولين ، وهي رواية حماد المتقدّمة .ثالثتها : ما تضمّن أنّ «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم » بهذا النصّ وهي رواية البقباق(2.)رابعتها : ما تضمّن أنّ « الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم محرّم » ، وهي رواية داود بن الحصين(3.)ولا ريب أنّ الفطام في الطائفة الأولى ظاهر في نفسه في الفطام الفعلي ، ولا وجه لحمله على سنّ الفطام.ورواية حماد المفسّرة له بسنّ الفطام لا تنهض حجّة على التفسير ، لأنّ في طريقها سهل بن زياد، وهو مختلف فيه ، ولم يثبت توثيقه ، فلا يمكن الاستناد إليها على مسلكنا ، وهو عدم انجبار ضعف السند بالعمل .وأمّا رواية البقباق المتضمنّة أنّ الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم ، في طريقها عبدالله بن محمّد ، الذي لم يذكر في كتب الرجال بمدح ولا ذم ، ورواية محمّد
ابن يحيى - الذي هو من الأجلّاء - عنه لا تدلّ على توثيقه . هذا مضافاً إلى معارضتها برواية داود بن الحصين (1، والترجيح للثانية ، لموافقتها لإطلاق الكتاب .)وبما ذكرناه يتضح أنّ ما يظهر من بعض المؤلّفات(2من أنّ هذه الروايات صحيحة بأجمعها - ليست في محلّه .)وكيف كان ، فبعد سقوط الرواية المفسّرة للفطام (3ورواية البقباق (4)يتعيّن الحكم بأن الرضاع إنما يسقط عن التأثير بتحقّق الفطام خارجاً ، وأنه لا أثر لبلوغ الحولين في ذلك وجوداً أو عدماً ، فالفطام قبل الحولين يوجب خروج الرضاع الواقع بعده عن إطلاق أدلّة تحريم الرضاع ، بمقتضى قوله (علیه السلام) : « لا رضاع بعد فطام » (5)كما أنّه ما لم يتحقّق الفطام خارجاً يكون الرضاع محرّماً ، بمقتضى إطلاق الأدلة ، وإن تجاوز سنّ الصبي الحولين ، لما تقدّم من ظهور قوله (عليه السلام) : لا رضاع بعد فطام في أنّ المزيل للتأثير هو الفطام الفعلي . مضافاً إلى قوله (عليه السلام في رواية داود بن الحصين : « الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم محرّم » (6)هذا ، والمحكي عن ابن أبي عقيل (7)هو ذلك .)
1) المتقدمة آنفاً .
2) رسالة في الرضاع : 35 ، المشار إليها في تعليقة ص 81.
3) وهي رواية حماد ، راجع الوسائل 20 : 385 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 5 ح 5 .
4) الوسائل 20 : 385 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 5 ح 4 .
5) الوسائل 20 : 384 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 5 ح 1 ، 2
6) الوسائل 20 : 386 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 5 ح 7 .
7) راجع المختلف 7 35 / المسألة 3
والحاصل : أنّ ما هو المعروف بين الفقهاء في المقام لا يمكن المصير إليه ، نعم إطلاق أدلّة تحريم الرضاع منصرف عن بعض الصور قطعاً ، كما إذا فرضنا أن طفلاً بقي على الرضاع ولم يفطم إلى أن بلغ العاشرة من عمره ، فإنّ مثل هذا لا تشمله أدلّة الرضاع قطعاً ، فلا أثر فيه للفطام وجوداً أو عدماً .بل يمكن أن يقال : إن قوله سبحانه : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (1)يدلّ على أنّ حدّ الرضاع يتم بتمام الحولين وعليه فلا أثر للرضاع بعده ، ولا تعمّ مثله المطلقات .)### القسم الرابع : ما يعتبر في نفس الرضاعوأمّا القسم الرابعشروط الرضاعويقع الكلام فيما يعتبر في نشر الحرمة من ناحية نفس الرضاع ، وهي أمور :### الأول : اعتبار كميّة خاصة في الرضاعالشرط الأوّل (2: الكمية الخاصّة)### التحديدات الثلاثة للكميةمنها : الكميّة ، ولها ثلاثة تحديدات : العدد ، الزمان ، الأثر .### أ - التحديد بالعددالأوّل : التحديد بالعددوالكلام الآن في التحديد بالعدد ، فنقول :### اختلاف الأقوال في العدداختلفت الكلمات في العدد المعتبر في نشر الحرمة بين العامة والخاصة ، بل العامة اختلفوا فيما بينهم في ذلك ، فذهب بعضهم إلى انتشار الحرمة بمجرد ارتضاع الصبي ولو بمقدار ما يفطر الصائم حتّى بمقدار رأس أبرة ، والمشهور بينهم تحقّق
التحريم بالمصة الواحدة ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك ، وذهب بعضهم إلى اعتبار ثلاث رضعات ، وآخرون إلى اعتبار خمس رضعات، وذهبت عائشة وحفصة إلى اعتبار سبع رضعات ، وذهب بعضهم إلى اعتبار عشر رضعات ، وإن نسب إلى الشذوذ * ، هذا اختلاف العامة فيما بينهم .* المغني لابن قدامة 9 193 - 194 ، والأم للشافعي 5 : 26 وما بعدها ، وكتاب رحمة الأمة على هامش كتاب الميزان 2 : 107 .وقال في كتاب فقه السنة 2 : 395 - 397 : « الظاهر أنّ الإرضاع الذي يثبت به التحريم هو مطلق الإرضاع ، ولا يتحقّق إلّا برضعة كاملة ، وهي أن يأخذ الصبي الثدي ويمتص اللبن منه ، ولا يتركه إلّا طائعاً ، من غير عارض يعرض له ، فلو مص مصة أو مصتين فإنّ ذلك لا يحرّم ، لأنه دون الرضعة ، ولا يؤثر في الغذاء .قالت عائشة : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله : « لا تُحرّم المصّة ولا المصّتان »رواه الجماعة إلّا البخاري. والمصة هي الواحدة من المص ، وهو أخذ اليسير من الشيء ، يقال أمصه ومَصَصتُهُ أي شربته رقيقاً(1)، هذا هو الأمر الذي يبدو لنا راجحاً ، وللعلماء في هذه المسألة عدّة آراء نجعلها فيما يلي :)1 - أنّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم ، أخذاً باطلاق الرضاع في الآية ... إلى أن قال :2 - إنّ التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات متفرّقات ... إلى أن قال :3 - إنّ التحريم يثبت بثلاث رضعات فأكثروقد نسب كلاً من هذه الأقوال إلى جمع من علماء السنّة ، فراجع .وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 228 أنّ الشافعية والحنابلة يقولون : إنّ الرضاع لا يحرم إلّا إذا كان خمس مرات، والمالكية والحنفية يقولون : إن الرضاع يحرّم مطلقاً ، قليلاً كان أو كثيراً ، ولو قطرة . وقد استدلّ الشافعية والحنابلة بما رواه مسلم عن عائشة ، قالت : كان فيما أنزل الله في القرآن أن عشر رضعات معلومات يحرمن ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وهنّ فيما يقرأ من القرآن ...)ثمّ أطال الكلام في توجيه هذا الحديث بما لا يجدي شيئاً ، وهو حديث مردود مضطرب المتن ، فراجع الكتاب المذكور ص 228 - 231 . وقد جاء في كتاب الخلاف 5 : 95 المسألة 3 نقل الأقوال عن الفريقين ، فراجع
1) [ في المصدر : (رفيقاً) بدل (رقيقاً) ].
وأمّا الخاصة فقد اختلفت أقوالهم أيضاً في كميّة ما ينشر الحرمة من ناحية العدد ، فأقل ما قيل - ممن عدا القاضي نعمان المصري وابن الجنيد - هو أنّه عشر رضعات متوالية ، وذهب بعضهم إلى اعتبار خمس عشرة رضعة ، وذهب بعضهم إلى اعتبار رضاع يوم وليلة .القول بالرضعة الواحدةواكتفى ابن الجنيد بالرضعة الواحدة (1محتجاً باطلاقات الكتاب (2)والسنة (3)وبرواية زيد بن علي بن الحسين التي أوردها الخاصة والعامة عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال : « الرضعة الواحدة كالمائة رضعة)
لا تحل له أبداً » (1وبمرسلة ابن أبي عمير « الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع حتّى يتضلّع ويمتلى (2)وينتهي نفسه» (3)ومثلها حسنة ابن أبي يعفور (4).)وفيه : أنّ الإطلاقات - مع عدم كون جملة منها في مقام البيان من هذه الجهة - مقيّدة بما هو متواتر معنى ، من اعتبار كمية خاصة في الرضاع كما سيأتي .ورواية زيد بن علي لم تثبت على نحو تكون حجّة .ومرسلة ابن أبي عمير لا يمكن الاعتماد عليها ، لأنه إن سلّمنا أنّه لا يروي إلّا عن ثقة ، فكونه ثقة عنده لا يستلزم كونه ثقة عندنا .نعم حسنة ابن أبي يعفور لا بأس بالاعتماد عليها ، لولا معارضتها بالروايات المشهورة الدالة على اعتبار أكثر من رضعة واحدة (5، وحينئذ فتقدّم هذه الروايات لكثرتها وشهرتها ، وشذوذ تلك الرواية وندرتها ، مع موافقتها لجمهور العامة كما ذكرنا ، ولا ريب في أنّ الرشاد في الأخذ بما خالفهم (6))المصة الواحدةوالمنسوب إلى القاضي نعمان المصري نشر التحريم بالمصة الواحدة ، مستنداً
1) الوسائل 20 : 378 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 12 .
2) [ في الوسائل والتهذيب : 1306/316 ، والاستبصار 3: 195 / 707: « ويتملى » ] .
3) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 4 ح 2 .
4) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 4 ح 1 ، سيأتي متنها في ص 124 .
5) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 .
6) كما في مقبولة عمر بن حنظلة ، ورواها في الوسائل 27 : 106 / أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به ب 9 ح1 . 1
في ذلك إلى ما رواه هو عن أمير المؤمنين (عليه السلام : « يحرم من الرضاع كثيره وقليله حتّى المصة الواحدة » (1)وإلى مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي الحسن (عليه السلام) أنّه « كتب إليه يسأله عما يحرم من الرضاع ، فكتب (عليه السلام) : قليله وكثيره حرام » (2).ولا يخفى أنّ الكتاب المنسوب إلى القاضي - وهو دعائم الإسلام لم يثبت أنّه له ، ولم يروه عنه من يمكن الاعتماد عليه ، فما فيه غير حجّة ، وإن كان شخص القاضي عالماً جليل القدر من أصحابنا القدماء .)القول المشهور بين القدماء : عشر رضعاتوبعد أن اتّضح حال القولين المنسوبين إلى ابن الجنيد والقاضي نقول : إنّ المشهور بين القدماء من أصحابنا في تحديد الرضاع المحرّم من ناحية العدد هو اعتبار عشر رضعات ، والمشهور بين المتأخرين منهم هو اعتبار خمس عشرة رضعة ومنشأ الاختلاف بينهم هو اختلاف الروايات الواردة في دة في هذا الحكم ، هذا .### استعراض أدلة التحديد بعشر رضعاتأدلّة التحديد بعشر رضعات ويمكن أن يستدلّ للقول بالعشر أوّلاً : بالإطلاقات الواردة في بعض أخبار الباب ، فإنّ بعضها كالآية الشريفة (3وقوله (صلى الله عليه وآله ) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (4)ليس في مقام البيان من هذه الناحية ، إلّا أنّه قد)
قدّمنا في بعض المباحث السابقة (1وجود إطلاقات تكون في مقام البيان من هذه الجهة (2)فيمكن الاستدلال بها .)وتقريبه بأن يقال : لو لم يكن في المقام سوى هذه الإطلاقات لقلنا بكفاية مسمّى الرضاع كما عليه جمهور العامة (3وينسب إلى القاضي نعمان المصري منّا (4)إلّا أنّه قد قام الإجماع عندنا على عدم كفاية الأقل من عشر رضعات ، فلا يعتنى بالقول الشاذ النادر ، بل في بعض الروايات الصحيحة أو الموثّقة التصريح بعدم الاكتفاء بالأقل منها (5)كما سيأتي ذكرها (6)، فترفع اليد عن الإطلاقات بمقدار دلالة الدليل على خلافها ، وهو الأقل من العشر ، وأمّا نفس العشر فلا مانع من التمسك بها لإثبات نشر الحرمة بها .)وهذا الاستدلال في محلّه إن لم يقم دليل على التحديد بالأكثر ، كما ذهب إليه جملة من علماء الإماميّة ، بل قيل : أنّه المشهور عند المتأخرين .### الأخبار الدالة على التحديد بالعشرويستدلّ للقول بالعشر ثانياً : بالأخبار الدالة على التحديد بالعشر وعمدتها ثلاث روايات :
1) وهو بحث اعتبار وحدة المرضعة في نشر الحرمة في ص 83 .
2) وهي صحيحة بريد ، وصحيحة ابن سنان وحسنته المذكورة في الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 1، 4 ، وقد تقدمت في ص 76 ، 72 .
3) ارجع إلى ص 96 وما بعدها .
4) بلغة الفقيه 3 : 157 .
5) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 [ ح 5 ، 9 ، 19 ، 2 ، 3 وغيرها ] .
6) في ص 105 وما بعدها .
### 1-رواية الفضيل بن يسارإحداها : ما عن الشيخ في التهذيب باسناده إلى حريز ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر (عليه السلام قال : « لا يحرم من الرضاع إلّا المخبورة - وفي نسخة (المخبور) وفي أخرى (المجبور ) - أو خادم ، أو ظئر ، ثم يرضع عشر رضعات يروي الصبي وينام»(1).)### المناقشة فيها بضعف السندضعف سندهاوهذه الرواية ضعيفة السند بمحمّد بن سنان الواقع في طريقها ، فإنّه قد اختلفت الأقوال فيه ، فبعضهم وثقه (2، وبعضهم ضعفه (3)، حتّى قيل : أنّه كذَّاب (4)، ومنهم من اعتمد عليه ، كالعلّامة في بحث الرضاع (5))وقال السيّد الميرداماد (قدّس سرّه في دفع الضعف عن هذه الرواية : إنّ للشيخ (قدّس سرّه) طريقين إلى حريز ، ليس فيهما محمّد بن سنان (6). ولم يظهر لنا وجه ما ذكره (قدّس سرّه) لأنّ الشيخ يروي هذه الرواية في التهذيب عن حريز من طريق محمّد بن سنان ، وثبوت طريقين آخرين له إلى حريز)
1) الوسائل 20 : 377 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 11 ، التهذيب : 315 / 1305] في المصدر : « المجبورة » بدل « المخبورة » ]
2) ) [ كالشيخ المفيد في الإرشاد 2 (مصنفات الشيخ المفيد (11) : 248 ] .
3) ) [ كالشيخ في رجاله : 364 / 5394 ، والنجاشي في رجاله : 328/ 888 ، والشيخ المفيد في الرسالة العددية (مصنفات الشيخ المفيد (9) : 20 ]
4) [ والقائل هو الفضل بن شاذان كما حكاه عنه الكشي في رجاله : 507 / 979 ] .
5) المختلف 7 :31
6) رسالة في الرضاع (ضمن رسائل تسع مسماة بالرضاعيات والخراجيات) : 99.
ليس فيها محمد بن سنان (1لا ينافي نقل هذه الرواية بهذا الطريق .)والإنصاف : أنّ هذه الرواية ضعيفة السند ، لم تثبت حجيتها عندنا ، فلا يمكن الاعتماد عليها### مناقشة الشيخ الأنصاري فيها بوجهين آخرين والجواب عنهاوقد ناقش شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (2)في هذه الرواية بوجهين آخرين من حيث المتن .)أحدهما : أنّ هذه الرواية رواها الصدوق (قدّس سرّه (3)باسناده إلى حريز عن الفضيل ، بلا زيادة قوله : « ثمّ يرضع عشر رضعات يروي الصبي وينام » (4)فتقع المعارضة بين رواية الشيخ ورواية الصدوق من حيث الزيادة والنقيصة ومقتضى القاعدة الكلية في ذلك ترجيح جانب الزيادة والأخذ به، لأن احتمال السقط في الكتابة سهواً أقوى من احتمال إضافة شيء فيها .)إلّا أنّه لا يمكن العمل بهذه القاعدة في خصوص روايات الصدوق ، لسبق زمانه على زمان الشيخ ، وأضبطيّته في نقل الأخبار وكتابتها ، حتّى علل ذلك بأنه صدوق في نقله ، بخلاف نقل الشيخ في التهذيب ، فإنا أيضاً قد وجدنا فيه موارد الاشتباه والسهو ، فتقدّم رواية الصدوق، وهي لا تتضمّن الزيادة المذكورة.هذه هى المناقشة الأولى من مناقشتي الشيخ (قدّس سرّه .)
الجواب عنهاأقول: هذه المناقشة مدفوعة ، لأنّها إنّما تتم لو كانت الرواية واحدة ، ولكن بعد المراجعة يظهر أنها روايتان ، وأنّ رواية الشيخ غير رواية الصدوق سنداً ومتناً .أمّا اختلاف السند فيظهر بالمراجعة إلى كتاب الفقيه ، فإنّ الصدوق يذكر في آخره (1إسناده إلى حريز ، وليس في إسناده إليه محمّد بن سنان .)وأمّا اختلاف المتن فرواية الشيخ هي ما ذكرناه ، ورواية الصدوق ه- باسناده إلى حريز عن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « لا يحرم من الرضاع إلّا ما كان مخبوراً ، قلت : وما المخبور ؟ قال : أمّ تربّي ، أو ظئر تستأجر ، أو خادم تشتري » (2)فإنّ هذه الرواية - كما ترى - يغاير متنها متن رواية الشيخ بالكليّة ، إذ ليس في رواية الشيخ السؤال عن معنى المخبور ، وإن اشتملت على زيادة : « ثم يرضع عشر رضعات ... » هذا .)ولا يخفى أنّ هنا وجهاً آخر لتعدد الروايتين ، وهو أن رواية الصدوق عن أبي عبدالله (عليه السلام ورواية الشيخ عن أبي جعفر (عليه السلام) .)
1) في المشيخة [ أي في الفقيه 4 (المشيخة ) : 35 ] ذكر أن له في الرواية عن حريز أربع طرق كلّها صحيحة ، وليس محمد بن سنان في أي من الطرق ، قال : وما كان عن حريز فقد رويته عن أبي ، عن سعد عبدالله ، عن أحمد بن ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل بن عيسى ، كلّهم عن حماد بن عيسى ، عن حريز . هذا أحد الطرق ، اكتفينا بذكره [ الموجود في المصدر : عن أبي ، عن سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد وعلي بن حديد وعبدالرحمن بن أبي نجران ، عن حماد بن عيسى عن حريز ] .
2) ) [ في الفقيه ... إلّا ما كان مجبوراً ، قال قلت : وما المجبور ؟ ... » وذيلها « أو أمة تشترى » ].
المناقشة الثانية : هي أنّ الحصر الوارد بقوله : « لا يحرم من الرضاع إلّا المخبور » خلاف الإجماع ، لأن نشر الحرمة بالرضاع لا ينحصر بالمخبور المفسّر في الرواية الأخرى ب- « أُمّ تربي ، أو ظئر تستأجر ، أو أمة تشتري » لأنّ إرضاع غير هذه الثلاثة يوجب نشر الحرمة أيضاً إذا كان بالشروط المعتبرة في ذلك ، فتطرح الرواية لمخالفة متنها الإجماع .الجواب عنهاأقول : هذه المناقشة مندفعة ،أيضاً ، لأنّ الحصر فيها إنّما هو بالإضافة إلى غير المستمرة في الإرضاع ، بأن ترضع مرّة أو مرتين أو أكثر ، بحيث لا يبلغ العدد المعتبر في نشر الحرمة ، فيكون المراد : أنّ الرضاع المحرّم هو الرضاع المستمر الكثير البالغ إلى الحد الذي يوجب نشر الحرمة ، لا الأقل من ذلك .ومن هنا يظهر أن نسخة « المخبور » - بالخاء المعجمة - أصح من بقية النسخ لأنه مأخوذ من خبر الأرض إذا كثر زرعها ، وأما المجبورة - بالجيم - بمعنى الملزمة بالرضاع فهي قليلة الاستعمال ، لأنه يقل استعمال لفظ « الجبر » ثلاثياً بهذا المعنى ، وإنما تستعمل من باب الإفعال ، ويقال : (أجبره على ذلك أي ألزمه به . فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّه لا يرد على هذه الرواية سوى أنها ضعيفة السند بمحمد بن سنان .)### موثّقة عمر بن يزيدالثانية من روايات التحديد بالعشر : موثّقة عمر بن يزيد ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين ، فقال : لا يحرم ، فعددت عليه حتّى أكملت عشر رضعات ، فقال : إذا كانت متفرّقة فلا ».(1))
1) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 5 .
### موثّقة هارون بن مسلمالثالثة : موثّقة هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن زياد العبدي ، عن أبي عبدالله (علیه السلام قال : « لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم ، فأما الرضعة والثنتان والثلاث - حتّى بلغ العشر - إذا كن متفرّقات فلا بأس » (1).)ونحو ذلك عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : لا يحرم من الرضاع ... إلى آخر ما تقدم(2).)وبهذا الإسناد يكون عدد الروايات الدالة على اعتبار العشر في نشر التحريم بالمفهوم ثلاثاً.### وتقريب الاستدلال بهماهو أن مفهوم الشرط فيها دال على ثبوت البأس في العشر إذا كن متواليات.### معارضتها بجملة من الرواياتويظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (3)أنّهما معارضتان بروايات)معتبرة - بين صحيحة وموثّقة - دالّة على عدم الاعتبار بالعشر ، وهي : صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبدالله (عليه السلام قال « قلت : ما يحرم من الرضاع ؟ قال : ما أنبت اللحم وشدّ العظم ، قلت : فتحرم عشر رضعات ؟ قال : لا لأنه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات » (4). وموثّقة ابن زرارة - بعلي بن الحسن بن فضال - عن أبي عبدالله (عليه السلام))
قال : « سمعته يقول : عشر رضعات لا يحرّ من شيئاً ».(1)وموثّقة أخرى رواها الشيخ عن ابن فضال ، عن أخويه عن أبيهما ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد الله (عليه السلام قال : « سمعته يقول : عشر رضعات لا تحرم».(2))وهذه الروايات صريحة في نفي نشر الحرمة بالعشر ، وعلّل في بعضها بأنّها لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم ، هذا .### دفع المعارضة المذكورةوتندفع المعارضة بحمل المطلق على المقيّد ، لأنّ هذه الروايات مطلقة من حيث التوالي وعدمه ، فهي تدلّ على نفي الحرمة بالعشر ، سواء أكانت متواليات أم متفرّقات ، ومفهوم الروايات السابقة هو نشر الحرمة بها إذا كن متواليات ، فلا تعارض بينها ، ولا مانع من تقييد الإطلاق بالمفهوم ، خصوصاً بمفهوم الشرط ، وكم له من نظير في الفقه ، منه ما ورد في الكرّ ، فإنّه بمفهوم قوله (عليه السلام : إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء (3)يقيّد إطلاق ما دلّ على طهارة الماء الملاقي للنجس الشامل باطلاقه للقليل (4).)ونظير ما ذكرنا في المقام ما ذكروه في الرواية التي رواها الشيخ (قدّس سرّه باسناده عن عمر بن يزيد ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « خمس)
1) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 3 .
2) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 4 ، التهذيب : 313 / 1300
3) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، واللفظ « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء »
4) الوسائل 1 : 135 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9 [ لكنّها مرسلة، ولعلّ المناسب الإشارة 1 إلى روايات ب 3 من المصدر المتقدّم ] .
عشرة رضعة لا تحرّم » (1وحملها نفس الشيخ على كون الرضعات متفرقات بقرينة ما صرّح فيه بكفاية خمس عشرة رضعة إذا كنّ متواليات (2))والحاصل : أنّ مقتضى الصناعة هو الجمع بين الطائفتين بحمل المطلق على المقيّد ، ونتيجة الجمع هو نشر الحرمة بعشر رضعات متواليات .### دلالة موثّقة زياد بن سوقة على عدم كفاية عشر رضعاتإلّا أنّ موثّقة زياد بن سوقة قد صرّحت بعدم كفاية عشر رضعات وإن كانت متوالية ، وهي ما رواه الشيخ (قدّس سرّه باسناده عن زياد بن سوقة ، قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به ؟ فقال : لا يحرم الرضاع أقل من يوم وليلة ، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة ، من لبن فحل واحد لم تفصل بينها رضعة امرأة غيرها ، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد ، وأرضعتها امرأة أخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما». (3))### معارضة الموثّقة للروايات الدالة على كفاية العشروهذه الموثّقة كما تراها - قد صرّحت أوّلاً بأنّ الحدّ باعتبار العدد خمس عشرة رضعة متوالية ، ثم نفت بعد ذلك الحرمة برضاع عشر رضعات ، ويعرف من صدرها أنّ المنفي العشر المتوالية أيضاً .فتقع المعارضة بينها وبين مفهوم الروايات السابقة الدالة على كفاية العشر
المتوالية بالتباين ، فلابدّ من العلاج ، وليس في المقام رواية تدلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة إلّا هذه الرواية ، ولولاها لكان القول بكفاية العشر متعيّناً .### ترجيح الموثّقة بمخالفة العامة والمناقشة فيهوربما يقال كما في بعض المؤلّفات (1بترجيح هذه الموثّقة ، لأنها مخالفة للعامة ، وليست روايات العشر كذلك ، لوجود القول منهم باعتبار العشر .)الخدشة فيهوفيه أوّلاً : أنّ الترجيح بمخالفة العامة في طول الترجيح بموافقة الكتاب كما تقرّر في الأصول (2، أعني أنّه لابدّ أوّلاً من ملاحظة أن أياً من المتعارضين موافق للكتاب فيرجح على الآخر ، فإن كانا موافقين للكتاب أو لم يكن في الكتاب بيان للحكم الخاص لوحظ عند ذلك المخالف للعامة منهما ، ورجّح على الآخر ، وفي المقام روايات العشر موافقة للكتاب (3)إن كان فيه إطلاق ، وإلا فقد قدّمنا في بعض المباحث (4)وجود السنّة المطلقة الواردة في مقام البيان ، وهي في حكم الكتاب لأنّ المرجّح هو موافقة الكتاب أو السنة المعتبرة .)وثانياً : أنّه لم يعرف القائل من العامة باعتبار العشر في نشر الحرمة ، بل هم ينسبون هذا القول إلى الشذوذ (5ولم يذكروا قائله ، ومن المحتمل أنهم يريدون)
1) رسالة الرضاع : 56 ، التي أشرنا إليها في تعليقة ص 81.
2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 498 - 499 .
3) النساء 4 : 23 .
4) وهو بحث اعتبار وحدة المرضعة في نشر الحرمة ، راجع ص 83.
5) [ لم نعثر خلال مراجعة مجموعة من كتب العامة على النسبة المذكورة ، بل قال في بداية المجتهد :2 : 35 : وقالت طائفة عشر رضعات ، وفي المحلى 10 : 9: فروي عن طائفة أنّه لا يحرم إلّا عشر رضعات ]
بذلك الإمامية القائلين باعتبار العشر ، وأمّا جمهور العامة فهم يكتفون بمسمّى الرضاع الموجب لإفطار الصائم ، أو يعتبرون الرضعة الواحدة ، نعم منهم من يعتبر في نشر الحرمة سبع رضعات كما قدمنا عن عائشة وحفصة(1)فتحصّل : أنّه ليس القول بالعشر قولاً معروفاً قائله من العامة كي تطرح رواياته باعتبار موافقتها لهم ، بل القول بأن كلتا الطائفتين مخالفتان للعامة غير بعيد .### ترجيحها بموافقة الكتاب والخدشة فيهوقد يتوهم - كما في بعض المؤلفات (2أيضاً - أن الترجيح مع الموثّقة ، بتوهّم موافقتها للكتاب ، لأنّ مفادها يوافق قوله تعالى المتضمّن لحل ما وراء ذلك (3)لأنّها تقتضي بقاء الحليّة إلى أن تكمل خمس عشرة رضعة .)الخدشة فيهويدفع هذا التوهّم أنّه ليس في الكتاب ما يوافق الموثّقة ، لعدم تعرّضه لبيان ما به يتحقّق الرضاع المحرّم ، لينظر في الروايات الواردة في التحديد أنّ أيّاً منها موافق له ، وأيّاً منها مخالف له ، بل هو مجمل من هذه الناحية ، وإنما ورد فيه تحريم النكاح في موضوع الأمهات والأخوات الرضاعيات (4، وشأن الأخبار الواردة)
المتعارضة إنّما هو بيان موضوع الذي حرّمه الكتاب ، فكلتا الطائفتين تفسّران هذا الموضوع ، وتتعارضان في تفسيره ، وقوله تعالى المتضمّن لحل ما وراء ذلك (1يثبت الحلّ لما عدا الموضوع المحرّم ، فالقول بأن رواية الخمس عشرة توافق الحلّ المستفاد من الكتاب ليس كما ينبغي ، وإن كان في الكتاب إطلاق (2)فروايات العشر هي الموافقة للكتاب ، لصدق الرضاع بالعشر ، إلّا أنا قدمنا عدم كون الكتاب في مقام البيان من هذه الجهة .)### مناقشة الشيخ الأنصاري في تقديم روايات العشر على الموثّقةثمّ إنّ للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه (3)في المقام مناقشة في تقديم روايات العشر على موثّقة زياد بالموافقة للكتاب ، وهي أنّ صحيحة ابن رئاب وموثقتي ابن زرارة وابن بكير (4)لا تدع مجالاً لموافقة روايات العشر للكتاب ، لأن النسبة بينها وبين الكتاب نسبة العام والخاص، فتكون مقيّدة لإطلاق الكتاب ، بناءً على جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد ، فلا مرجّح لروايات العشر المعارضة بموثّقة زياد ابن سوقة عليها ، لأنّ المرجّح لها كان الكتاب ، وقد فرضنا أنّ الصحيحة والموثقتين قد أخرجت العشر مطلقاً من الكتاب ، فيسقط كلا المعارضين)وإذا كان مقتضى الصحيحة والموثّقتين النافيات للعشر مطلقاً هو عدم تحقّق النشر بالعشر ، يتعيّن القول بالخمس عشرة ، لعدم القائل باعتبار الأزيد منها ، أو باعتبار عدد بينهما .
ثم أورد على نفسه بأنّ روايات العشر تقيّد الصحيحة والموثّقتين بما لا يكون عشر رضعات متواليات ، فيكون الخارج من الكتاب بعد التقييد العشر غير المتوالية ، فتبقى العشر المتوالية مشمولة لإطلاق الكتاب ، فيرجح به روايات العشر على معارضتها ، وهي موثّقة زياد بن سوقة .ثمّ أجاب بأنّ ذلك مستلزم للدور ، لأنّ تقييدها للصحيحة والموثقتين متوقف على ترجيحها - على الموثّقة المعارضة لها - بالكتاب ، لأن المقيد أو المخصص المبتلى بالمعارض لا يصلح لتقييد المطلق أو تخصيص العام إلّا بعد زوال معارضه و ترجيحها عليها بالكتاب متوقف على تقييدها للصحيحة والموثقتين ، وهذا دور .هذا ما أفاده في المقام تضعيفاً للقول بالعشر .### الجواب على ما أفاده (قدّس سرّه)أقول : ينبغي أن يعدّ هذا من غرائب كلامه (قدّس سرّه وذلك لأن روايات العشر الدالة على كفاية العشر المتوالية بالمفهوم في نشر الحرمة تعارضها طائفتان من الروايات :)إحداهما : موثّقة زياد بن سوقة ، وتعارضها بنحو التباين والنصوصية ، لأنّ المفروض دلالتها على عدم كفاية العشر المتوالية .وثانيتهما : صحيحة ابن رئاب والموتقتان ، لأنّها تدلّ على عدم كفاية العشر مطلقاً ، فتعارضها بالظهور ، فتقدّم الروايات على الطائفتين في عرض واحد ، أمّا على الموثّقة فلترجيحها عليها بموافقة الكتاب ، وأمّا على الصحيحة والموثقتين فلأنها أخص منها ، وليس في البين تقديم وتأخير، لأنّ معارضتها بكلتا الطائفتين في مرتبة واحدة .وبعبارة واضحة : الإرضاع بأقلّ من عشر رضعات خارج عن جميع
الطوائف الثلاث ، فإنّها أجمع تدلّ على عدم كفايتها ، فتكون خارجة عن إطلاقات الكتاب والسنّة . والإرضاع بعشر متفرّقات ليست مورداً للمعارضة لدلالة الصحيحة والموثقتين ، وهكذا روايات العشر على عدم كفايتها بالمنطوق ، ودلالة الموثّقة على ذلك بالأولوية ، إذ هي تدلّ على عدم كفاية العشر المتوالية ، فإنّ الصحيحة والموثقتين تدلّ على عدم كفايتها بالإطلاق ، وكذلك موثّقة زياد بالنصوصية ، وهاتان الطائفتان في طرف واحد ، وفي مقابلها روايات العشر الدالّة على كفايتها مع التوالي ، فتقدّم هذه الروايات على موثّقة زياد بموافقة الكتاب وعلى الطائفة الأخرى بالأخصيّة . هذا تمام الكلام في مناقشة الشيخ والجواب عنها .### مقالة ابن إدريس حول الروايةثمّ إنّ ابن إدريس (قدّس سرّه قال في أوّل كتاب النكاح من السرائر : المحرِّم (1)عشر رضعات متواليات على الصحيح من المذهب ، وذهب بعض أصحابنا إلى خمس عشرة رضعة ، معتمداً على خبر واحد ورواية (2)عمار بن موسى الساباطي (3)وهو فطحي المذهب مخالف للحق ، مع أنا قدمنا أن أخبار الأحاد لا يعمل بها ولو رواها العدل، فالأوّل مذهب السيّد المرتضى وخيرته وشيخنا المفيد ، والثاني خيرة شيخنا أبي جعفر الطوسي ، والأول هو الأظهر الذي تقتضيه أصول المذهب (4)انتهى .)
### مناقشة والجواب عنهاوقد تعجّب منه في بعض المؤلّفات (1بأنّه كيف خفيت على ابن إدريس الروايات الدالة على التحديد بالخمس عشرة ، حتّى ادّعى أنّه ليس في الباب [ إلّا ] رواية واحدة ، وهي رواية عمار الساباطي، وقد ذكر المؤلّف المذكور روايات زعم دلالتها على التحديد بالخمس عشرة رضعة ، وذكر أيضاً أنّه لم يجد رواية عار الساباطي في الوسائل ولا في غيره من كتب الحديث ، فكيف أنكر ابن إدريس هذه الروايات وادّعى رواية لا توجد في كتب الحديث .)دفع المناقشةأقول : من الغريب ما ذكره هذا المؤلّف في المقام ، لأن رواية عمار الساباطي التي ذكرها ابن إدريس هي رواية زياد بن سوقة ، وهو - أعني عماراً - ينقل هذه الرواية عن جميل بن صالح عن زياد بن سوقة (2عن الإمام (عليه السلام) ، وإنما نسب ابن إدريس الرواية لعمار لبيان السبب في ضعفها ، حيث أنّه فطحي المذهب وفي كتب الفقه تنسب الرواية إلى زياد بن سوقة ، لأنّه هو الراوي عن الإمام (عليه السلام مباشرة .)وما يظهر من كلام ابن إدريس - من أنّه ليس في المقام ما يدلّ على اعتبار الخمس عشرة رضعة إلّا هذه الرواية - هو صحيح أيضاً ، لأن الروايات (3التي ذكرها المؤلّف المذكور للاستدلال بها على اعتبار العدد المزبور قاصرة عن إفادة ذلك ، إلّا رواية الشيخ الصدوق في المقنع ، وهي هكذا : محمّد بن علي بن الحسين في)
المقنع ، قال : « وسئل الصادق (عليه السلام : هل لذلك حدّ ؟ فقال : لا يحرم من الرضاع إلّا رضاع يوم وليلة ، أو خمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينهنّ ».(1))وهي كما ترى - مرسلة . ترجيح روايات العشروبالجملة : فالمحتمل ممّا ذكرنا أنّ الترجيح مع روايات العشر ، لأنّه - مضافاً إلى ذهاب جلّ الأعاظم كالسيد المرتضى (2، وشيخنا المفيد (3)إلى هذا القول ، بل نسب إلى معظم الأصحاب في الروضة (4)وإلى عامة المتأخرين في كنز العرفان (5)ومضافاً إلى تعاضد روايات العشر وكثرتها ، وإلى أنّ الاحتياط يقتضي العمل بها لأنّ مقتضاها المنع من النكاح بتحقّق العشر ، وغاية ما يترتّب على ذلك جواز النظر ، بالنظر إلى أنّ المرضعة عشراً اُمّ رضاعية ، والمرتضعة عشراً أخت رضاعية وهذا بخلاف ما تقتضيه رواية الخمس عشرة ، فإنّ مقتضاها جواز النكاح ما لم يكمل هذا العدد وإن كملت العشر ، وهذا خلاف الاحتياط كما هو واضح - يجب ترجيح روايات العشر ، لأنها موافقة المطلقات السنة الواردة في مقام البيان (6)وإن)
1) المقنع : 330 ، الوسائل 20 : 379 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 14 . [ وفي بعض نسخ المقنع : وسئل أبو جعفر (عليه السلام) ] .
2) حكاه عنه ابن إدريس في سرائره 2 : 520 .
3) المقنعة : 502 .
4) الروضة البهية 5 : 157
5) [ لاحظ كنز العرفان 2 : 232 ، بل اختار التحريم بخمس عشرة رضعة في التنقيح الرائع 3: 46]
6) وهي صحيحة بريد وابن سنان وحسنته المذكورة في الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 1 ، 4 ، وقد تقدّمت في ص 72،76 .
لم يرد في الكتاب مطلق في مقام البيان .### الاستشهاد بموثّقة عبيد بن زرارة على صدور روايات العشر على وجه التقيةثمّ إنّه ربما يستشهد بروايتين على صدور روايات العشر على وجه التقيّة فلابدّ من الأخذ بمعارضها ، وهي رواية الخمس عشرة رضعة :إحداهما : موثّقة (1عبيد بن زرارة ، قال : « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنا أهل بيت كبير ، فربما كان الفرح والحزن الذي يجتمع فيه الرجال والنساء ، فربما استخفّت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها وبينه رضاع ، وربما استخفّ الرجل أن ينظر إلى ذلك ، فما الذي يحرّم من الرضاع ؟ فقال : ما أنبت اللحم والدم ، فقلت : وما الذي ينبت اللحم والدم ؟ فقال : كان يقال عشر رضعات ، قلت : فهل تحرم عشر رضعات ؟ فقال : دع ذا ، وقال : ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع » (2))بدعوى أنّها تدلّ على عدم النشر بالعشر ، لأنّه نقل ذلك عن غيره وترك الجواب ، وهما من قرائن التقية ، فهي تكون قرينة على أنّ ما يدلّ على نشر الحرمة بالعشر من الروايات صدرت على وجه التقيّة ، لا لبيان الحكم الواقعي ، هكذا ذكر صاحب الحدائق (3وغيره من المتأخرين .)وقد استفاد منها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه (4)أنّ الإمام (عليه السلام) لم يرتض الاكتفاء بالعشر ، وإن لم يذكر ما يكفي في نشر الحرمة ، ولم يحمل صدورها على وجه التقيّة .)
### الجواب عن الاستشهاد المذكورإلّا أنّ التأمّل فيها يعطي خلاف ما ذكروه ، وذلك لأنّ هذه الرواية بنفسها واردة مورد التقيّة ، بقرينة أنّ الإمام (عليه السلام لم يبين فيها ما هو الحد المحرّم ، ولم يجب عن سؤال الراوي عن ذلك ، وقد أجمل الجواب وقال : « ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع » وهذا ظاهر لا ينبغي الإشكال فيه ، وأمّا استفادة أنّ التحديد بالعشر صادر منهم (عليهم السلام) على وجه التقية فلا ، لأن التحديد بها وعدم التحديد بها كلاهما خلاف التقيّة ، لأنّ أكثر العامة بنوا على كفاية المسمّى وذهب بعضهم إلى اعتبار الرضعة الواحدة ، وبعض آخر إلى اعتبار خمس رضعات ، ولم يزد على هذا العدد إلّا الشاذ منهم فذهب إلى اعتبار العشر (1)، على ما راجعنا كتب الفقه والتفسير للعامة .)فليس القول بالعشر من الأقوال المعروفة لديهم كي يتقى منه في تلك الروايات ، والتحديد به خلاف التقية ، لأن مقتضى التحديد عدم كفاية الأقل ولو كان تسع رضعات ، مع أنّ جمهور العامة أفتوا بكفاية الأقل ، ولم يحدّد بالعشر إلّا الشاذ منهم(2والتحديد بالأكثر خلاف التقيّة أيضاً ، وهو ظاهر .)وأمّا نسبة القول بالعشر في الرواية إلى الغير فهو لا يدلّ على عدم ارتضائه إذا كان ذلك في مقام التقيّة ، إذ ربما يكون المتكلّم قائلاً بشيء إلّا أنّه ينسبه إلى الغير تقيّة عمّن لا يقول به ، وقد عرفت أنّ نفس هذه الرواية صادرة على وجه التقيّة
وإلّا لصرّح الإمام (عليه السلام بالحدّ الواقعي مع تكرار السائل عليه . وأما قوله (عليه السلام) : « دع ذا » فهو أمر بترك السؤال عن الحد ، لا أمر بترك القول بالعشر .)ومن تمسّك بهذه الرواية لكفاية النشر بالعشر لم يكن مجازفاً في دعواه ، لأنّه ( عليه السلام مع كونه في مقام التقيّة في ذكر الجواب صريحاً ذكر القول بالعشر ناسباً له إلى الغير، ثمّ أصرّ السائل عليه بأن يصرّح بالحد الواقعي ، فأمره (عليه السلام) بترك السؤال وطلب التصريح بالجواب ، وهذا لو لم يدلّ على كفاية العشر في نشر الحرمة يشعر بذلك ، فلا تعجب من هذا المستدل . كذا في بعض المؤلّفات (1).)### الاستشهاد بصحيحة صفوان بن يحيى لهذا المدعى والجواب عنهالرواية الثانية : صحيحة صفوان بن يحيى ، قال : « سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرضاع ما يحرم منه ؟ فقال : سأل رجل أبي عنه فقال : واحدة ليس بها بأس ، وثنتان ... حتّى بلغ خمس رضعات ، قلت : متواليات أو مصة بعد مصة ؟ فقال : هكذا قال له ، وسأله آخر عنه فانتهى به إلى تسع ، وقال : ما أكثر ما أسأل عن الرضاع ... » الحديث (2وفي الوافي (3)« إلى سبع » إلّا أنّه في بقية الكتب(4)وهي أصح - ورد الضبط بالتسع .)الجواب عنهاوقد ظهر الجواب عن الاستشهاد بهذه الرواية بما ذكرنا ، أمّا أنّ أصل هذه الرواية واردة مورد التقيّة فظاهر ، فإنّه (عليه السلام لم يجب السائل عن الحدّ)
الواقعي مع كثرة تكراره عليه والحاجة في طلب معرفته، كما يظهر من تتمّة الحديث.وأمّا استفادة أنّ التحديد بالعشر الوارد منهم (عليهم السلام في بقيّة الروايات صادر على وجه التقيّة فلا ، لأنه لا إشعار فيها بذلك ، بل إشعارها بعكس المطلوب أولى ، لأنّه لم يرد فيها التحديد بالعشر أصلاً ، بل حكى (عليه السلام) التحديد بالخمس عن أبيه ( عليه السلام)، وهو من الأقوال المشهورة عند العامة .(1))فاستشعار كفاية العشر منها بضميمة عدم كفاية الأقل كما عن السيد الداماد (قدّس سرّه(2)غير بعيد .)### استدلال بعض العامة للتحديد بالعشر والخدش فيهثمّ إنّ من الغريب ما صدر عن بعض العامة من الاستدلال للتحديد بالعشر برواية رووها عن عائشة أنّها قالت : «كان في القرآن أن ما يحرم من الرضاع عشر رضعات ، ثم نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات (3ومن هنا ذهب إلى كل منهما طائفة (4)، فإنّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر ونزول التحديد بالخمس ، كيف يسوع الإفتاء بأن الحد هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ .)
1) المغني لابن قدامة 9: 193 – 194 ، والأم للشافعي 5 : 26 وما بعدها ، وكتاب رحمة الأمة على هامش كتاب الميزان 2 : 107 .
2) رسالة في الرضاع (ضمن رسائل تسع مسماة بالرضاعيات والخراجيات) : 96 - 97 .
3) سنن أبي داود :2 : 223 / 2062 ، سنن النسائي 6 : 100 (مع اختلاف في الألفاظ)
4) المغني لابن قدامة 9 : 193 - 194 ، والأم للشافعي 2 : 26 وما بعدها ، كتاب رحمة الأمة على هامش كتاب الميزان 2 : 107 ، وكتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 228 ، [ لاحظ المصادر المذكورة ، فإنّه لم ينسب التحديد بالعشر إلى طائفة ] .
وقد اعتذر القرطبي - لمن استند إلى ذلك في التحديد بالعشر - بأنّ من المحتمل عدم وصول ذيل الرواية إليه (1.)والمتحصّل من ذلك : أنّ مدرك التحديد بالعشر عندهم الرواية المذكورة عن عائشة ، مع الاعتراف بأنها تتضمّن نسخ هذا التحديد من القرآن ، هذا .وبما ذكرناه إلى هنا - من الكلام في التحديد بالعدد وأنّه العشر أو الخمس عشرة - يظهر أنّ مقتضى القواعد المقرّرة والصناعة العلمية هو ترجيح روايات العشر على معارضها ، لموافقتها للكتاب (2لو كان فيه إطلاق في مقام البيان ، وإلّا فتكفى في ذلك إطلاقات السنة (3)مضافاً إلى التأييد بذهاب مشهور القدماء ومحققي المتأخرين إلى ذلك . مضافاً إلى كثرة روايات العشر ، وانحصار التحديد بالخمس عشرة في رواية زياد بن سوقة (4)ومضافاً إلى موافقة روايات العشر للاحتياط كما ذكرنا سابقاً (5).)### التعارض بين ما دلّ على التحديد بالعشر والتحديد بالزمانملحوظة : ثمّ أنّه لو اخترنا التحديد بالخمس عشرة لم يعارضه التحديد برضاع يوم وليلة ، لأنّ كلا التحديدين قد ورد في موثّقة زياد بن سوقة (6مع العطف بينهما بكلمة « أو »ممّا يظهر منه كفاية كل من التحديدين على سبيل منع الخلو ، فيكون المحرّم بمقتضى هذه الرواية الرضاع إما بالعدد الخاص أو بالزمان الخاص.)
وأمّا إذا اخترنا التحديد بالعشر ، استناداً إلى تلك الروايات المتضمّنة للتحديد بها (1ورجّحناها على موثّقة زياد بن سوقة من ناحية العدد ، فلا موجب لطرح الموثّقة رأساً ، وعدم العمل بغير ذلك ممّا اشتملت عليه ، فتتحقّق المعارضة بين تلك الروايات وبين الموثّقة من ناحية التحديد بالزمان بالعموم من وجه ، لأنّ الرضاع عشراً قد يتحقّق في أقل من يوم وليلة ، وقد يكون الرضاع يوماً وليلة بأقلّ من عشر رضعات ، وقد يتحدان ، فتقع المعارضة بينهما في موردين :)أحدهما : الرضاع يوماً وليلة بأقل من العشر ، فإنّ مقتضى الموثّقة تحقّق الحرمة ، ومقتضى روايات العشر عدمها .ثانيهما : الرضاع عشراً في أقل من يوم وليلة ، فإنّ مقتضى روايات العشر الحرمة ، ومقتضى الموثّقة عدمها .### علاج التعارضوعلاج هذا التعارض إنما هو بالجمع العرفي بين الروايتين المشتملتين على التحديدين المذكورين، بحمل كل منهما على كفاية الحد الذي تضمنته في نشر الحرمة إذا تحقّق قبل الحد الآخر ، فتكون النتيجة هو أنّ الحدّ أحدهما على سبيل منع الخلو ويكون التصرّف في كلّ منهما برفع اليد عن ظهوره في التعيين وحمله على التخيير بقرينة الآخر ، وإلا لكان ذكر الآخر لغواً ، وهو مستحيل على الحكيم ، هذا .مع أنّ الصناعة في خصوص المقام تقتضي الحمل على ما ذكرنا ، وذلك لموافقة كلّ منهما للكتاب أو السنة في مورد المعارضة مع الآخر ، فيكون الترجيح معه
1) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 5 ، 9 ، 11 .
بيان ذلك : أنّ أخبار التحديد بالعشر (1يعارضها التحديد بالزمان (2)فيما لو تحقّق الرضاع بالعدد المذكور قبل تحقّق الزمان المذكور ، فإنّ مقتضى التحديد بالعدد الخاص تحقّق الحرمة ، ومقتضى التحديد بالزمان الخاص عدم الحرمة ، ومع التعارض يكون الترجيح مع روايات التحديد بالعدد الخاص ، لموافقتها لمطلقات الكتاب (3)لو تمّت ، وإلّا فتكون موافقة لمطلقات السنّة (4).)ورواية التحديد بالزمان الخاص يعارضها التحديد بالعدد الخاص ، فيما إذا تحقّق الرضاع في الزمان الخاص قبل كمال العدد ، كما إذا ارتضع الطفل في اليوم والليلة تسع رضعات أو أقل، فإنّ مقتضى التحديد بالزمان المذكور تحقّق الحرمة ومقتضى التحديد بالعدد الخاص عدمها ، والترجيح حينئذ مع رواية التحديد بالزمان ، لموافقتها لمطلقات الكتاب (5أو السنّة (6).)هذا كلّه فى التعارض بين روايات العشر (7وموثّقة زياد بن سوقة (8)من حيث التحديد بالزمان الخاص ، وقد قدمنا أنّ النتيجة هي الاكتفاء بأحد الحدّين بمقتضى القاعدة ، هذا .)
1) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 5 ، 9 ، 11 ، [ تقدمت في ص 105 ،101]
2) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 1، 14 ، [ تقدمت في ص 115، 80 ]
3) النساء 4 : 23 .
4) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 1، 4 ، [ تقدمت في ص 72،76] .
5) النساء 4 : 23 .
6) الوسائل 20 : 388 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 6 ح 4،1 .
7) الوسائل 20 : 375 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 11،9،5 .
8) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 1 .
### ما يعتبر في الإرضاع بالعددويعتبر في الإرضاع بالعدد أمران : إكمال الرضعة ، وتوالي الرضعات ، وأمّا وحدة المرضعة واتّحاد الفحل فقد تقدّم الكلام فيهما في شروط اللبن (1فنقول :)### أ - إكمال الرضعة1 - إكمال الرضعةالشرط الأوّل : إكمال الرضعة ، سواء أقلنا إنّ المحرّم عشر رضعات أم قلنا أنّه خمس عشرة رضعة ، فإنّه يجب أن تكون كلّ رضعة كاملة ، بحيث يشبع الصبي وينصرف عن الثدي بنفسه ، والمرجع في ذلك هو العرف ، لأنه المحكّم في تشخيص المفاهيم العرفية .ولا يعتبر في وحدة الرضعة وكمالها اتصال التقام الثدي ومص اللبن ، فلا يضرّ بذلك إخراج الطفل الثدي من فمه في الأثناء للسعال أو التنفّس ونحو ذلك لو رجع إليه والتقمه ثانياً ، نعم لو أخرجه من فمه أو أخرجته المرضعة من فمه قبل كمال الرضعة ، ولم يعد إليه إلّا بعد مدة لم يحسب المجموع رضعة واحدة ، ولا يعدّ ذلك في العدد المعتبر .### الدليل على هذا الشرطظهور لفظ « الرضعة » الوارد في أخبار الباب في الرضعة الكاملة ، وهو ، وهو المعتمد ، وتؤيّده روایات :إحداها : رواية فضيل المتقدّمة (2حيث قال (عليه السلام) فيها : « ثم يرضع عشر رضعات يروي الصبي وينام » والمراد أنّه يشبع باللبن وينام . ولا يخفى أنّه لا خصوصية للنوم ، وإنما هو كناية عن الاكتفاء بالغذاء . ولكن تقدّم ضعف سندها .)الثانية : مرسلة ابن أبي عمير، قال (عليه السلام فيها : « الرضاع الذي ينبت)
اللحم والدم هو الذي يرضع حتّى يتضلّع ويمتلئ وينتهي نفسه (1وقد عمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير، وجعلوها كالصحاح . إلّا أنّه لم تثبت حجيتها عندنا كما ذكرنا سابقاً (2). وهذه الرواية مطلقة من حيث التحديد بالعدد ، ولابدّ من تقييدها بما دلّ على اعتباره .)الثالثة : رواية ابن أبي يعفور ، قال : « سألته عما يحرم من الرضاع ، قال : إذا رضع حتّى يمتلى بطنه ، فإنّ ذلك ينبت اللحم والدم ، وذلك الذي يحرم » (3وهذه كسابقتها في الدلالة والضعف (4).)### ب - توالي الرضعات2 - توالي الرضعاتالشرط الثاني من شرطي الرضاع المحرّم بالعدد : توالي الرضعات (5. ولا إشكال في اعتباره ، سواء أقلنا إنّ الحدّ العددي المحرّم خمس عشرة رضعة ، أم قلنا)
1) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 4 ح 2 [ لاحظ ما تقدّم في ص 99 ] .
2) في ص 99 .
3) الوسائل 20 : 383 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 4 ح 1 .
4) [ لكنّها حسنة كما تقدّم في ص 99 ] .
5) لا يخفى أنّ اعتبار توالي الرضعات إنما يصح على القول باعتبار العدد في الرضعات ، وأمّا على القول بكفاية مطلق الرضاع ولو قطرة من اللبن - كما عليه المالكية والحنفية ، على ما عرفت في نقل الأقوال ص 98 ، - فلا مجال لاعتبار هذا الشرط كما هو واضح . وأما على القول باعتبار العدد فيعتبر التوالي على النحو المقرّر في المتن ، ولكن حكى الشيخ (قدّس سرّه) في الخلاف 5 : 100 مسألة 7 عن الشافعي أنّه قال : المرجع في الرضعة إلى العادة ، فما يسمّى في العرف رضعة اعتبر ، وما لم يسم لم يعتبر ، ولم يعتبر المصات كما قلناه - ولم يعتبر أن لا يدخل بينهما رضاع أجنبية ، بل لا فرق أن يدخل بينهما ذلك أو لا يدخل . وكلامه هذا دال على عدم اعتبار التوالي .
إنّه عشر رضعات ، إذ على الأوّل قد صرّح به في الموثّقة الناطقة بهذا العدد حيث قال (عليه السلام : « أو خمس عشرة رضعة متواليات ... » (1)وعلى الثاني يدلّ عليه مفهوم الروايات النافية لتأثير العشر المتفرّقة (2)فإن مفهومها ثبوت الحرمة إذا كانت العشر غير متفرّقة .)### المراد من التوالي بناءً على كفاية العشر في نشر الحرمةوظاهر التوالي وعدم التفرّق هو الاتصال ، وعدم الفصل بغذاء آخر . إلّا أنّ ظاهر الموثّقة هو أن التوالي يتحقّق بعدم إرضاع امرأة أخرى ولو رضعة واحدة ، حيث قال (عليه السلام بعد قوله : « متواليات » : « من امرأة واحدة من لبن فحل واحد ، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها » (3)فإنّ ظاهر قوله : « من امرأة واحدة » أنّه تفسير لقوله : « متواليات » فارضاع امرأة أخرى بين الرضعات يمنع من نشر الحرمة ، لفقد الشرط وهو التوالي . هذا مضافاً إلى اعتبار وحدة المرضعة في نشر التحريم.)ولا يخفى أنّ الرضعة المتخلّلة المضرة بصدق التوالي هي الرضعة الكاملة ، كما استظهرناه من لفظها في الشرط الأوّل ، فلا يضر الارتضاع بقليل من اللبن من امرأة أخرى في الأثناء في نشر الحرمة ، كما لا يضر شرب الماء أو الدواء .ومقتضى إطلاق المؤثّقة - بناءً على ما استظهرناه منها من تفسير التوالي - هو عدم مانعية التغذي بالمأكول والمشروب في الأثناء من صدق التوالي أيضاً .هذا كلّه على تقدير ترجيح الموثّقة على روايات العشر ، واختيار أن العدد المحرّم هو خمس عشرة رضعة متوالية .
إلّا أنّا قد رجّحنا روايات العشر على الموثّقة كما عرفت(1، وحينئذ فيكون المعتبر في العشر رضعات بمقتضى مفهوم تلك الروايات هو عدم التفرّق ، لأنّه (عليه السلام) قال فيها : إذا كان العشر متفرقات فلا بأس (2)، ومفهوم الشرط هو أنّه إذا كانت العشر غير متفرّقات نشرت الحرمة ، وحينئذ فلابدّ من الرجوع إلى العرف في تشخيص مفهوم (عدم التفرّق لعدم تفسيره في الروايات ، والعرف يرى أن التغذي بالمأكول والمشروب في الأثناء - كإرضاع امرأة أخرى - مانع من صدق عدم التفرّق ، فيتحقّق التفرّق في نظره بأحد أمرين : إرضاع امرأة أخرى ، والتغذي بالمأكول والمشروب في الأثناء . فنشر الحرمة يتوقف على عدم كلا الأمرين .)وبما ذكرنا يتّضح : أنّ المعتبر في نشر الحرمة على القول بأنّ الحدّ المحرّم خمس عشرة رضعة هو عدم إرضاع امرأة أخرى فقط ، وعلى القول بأنّه عشر رضعات هو عدم إرضاع امرأة أخرى ، وعدم التغذي بالمأكول والمشروب في الأثناء معاً .وعلى تقدير التنزل عما استظهرناه من تفسير التوالي بعدم إرضاع امرأة أخرى في الموثّقة (3واستظهار المعنى العرفي لعدم التفرّق في روايات العشر وحصول الشكّ في بعض الموارد في تحقّق التوالي أو عدم التفرّق شرعاً أو عرفاً فالمرجع إطلاقات التحريم (4)لأنّ الشكّ حينئذ في مفهوم المخصص من ناحية السعة)
والضيق ، فيؤخذ بالقدر المتيقّن من المخصّص، ويرجع في الباقي إلى عموم العام والخارج من عمومات نشر التحريم بالرضاع (1هو غير المتوالي ، أو ما كان متفرّقاً فما علم أنّه متوالٍ أو غير متفرّق بحكم الشرع أو بنظر العرف حكم فيه بنشر الحرمة وما علم أنّه من غيره حكم فيه بعدم النشر ، وما شكّ فيه أنّه من أي القسمين فهو من الشبهة الحكميّة المفهوميّة ، فيحكم فيه بالنشر ، لأنّه شكّ في التخصيص الزائد نظير الشكّ في سعة مفهوم الفاسق وضيقه بالنسبة إلى عموم (أكرم النحوي) و (لا تكرم النحوي الفاسق حيث يرجع في النحوي المشكوك الفسق بالشبهة المفهومية إلى عموم (أكرم النحوي) .)نعم إذا كانت الشبهة مصداقية ، كالشكّ في أنّ عدد الرضعات مفصول برضعة امرأة أخرى ، فالمرجع هو الأصول العملية ، كما في الشكّ في أنّ المتحقّق في الخارج عشر رضعات أو تسع رضعات.ثمّ إنّ الموثّقة (2كما تدلّ على نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة متواليات كذلك تدلّ على عدم النشر بأقل من هذا العدد ولو مع التوالي ، لأنّها في مقام التحديد ، فإنّ الإمام (عليه السلام) هو الذي حدد الرضاع المحرّم بذلك أو برضاع يوم وليلة ، فلو أنّ طفلاً ارتضع أربع عشرة رضعة متوالية لما نشرت الحرمة ، فهذه الموثّقة كما تتضمّن القضية الإيجابية كذلك تتضمّن القضية السلبية بالمفهوم . مضافاً إلى التصريح في ذيلها بأنّ العشر لا تنشر الحرمة .)وأمّا روايات العشر (3فليست كذلك ، لأنّ التحديد لم يقع في كلام الإمام)
(عليه السلام ابتداءً ، وإنّما سأل عن حكم عشر رضعات ، فقال (عليه السلام) : « إذا كنّ متفرّقات فلا بأس » (1)بعد أن سأل عن حكم الرضعتين والثلاث إلى أن بلغ العشر . فالروايات المذكورة لا تتضمّن حكم إرضاع إحدى عشرة رضعة مع التفرّق أو لا معه إلى أكثر من ذلك ، نعم تدلّ على عدم النشر بأقل من العشر .)وحينئذ فيشكل الأمر في إرضاع إحدى عشرة رضعة أو اثنتي عشرة رضعة مثلاً وإن كانت متفرّقة ، لأن مقتضى إطلاق الكتاب (2والسنّة (3)نشر الحرمة بها ولا يمكن الخروج عنها إلّا بأحد أمرين : إما القطع بعدم نشر الحرمة بها إذا كانت متفرّقة ، وهذا لا يتم في جميع الصور ، لأنّ جملة من علمائنا ذهبوا إلى نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة ولو مع التفرّق بالغذاء ، حيث اعتبروا عدم الفصل بارضاع امرأة أخرى فقط . وإمّا بمفهوم مولّقة زياد بن سوقة (4)لأنّ مفهومها عدم نشر الحرمة بأقل من خمس عشرة رضعة ، وتعارضها روايات العشر(5)في خصوص الإرضاع بالعشر مع عدم التفرّق ، ولابدّ من تقييد ذلك المفهوم بمفهوم هذه الروايات ، لأنّ النسبة بينهما نسبة الإطلاق والتقييد ، وبذلك ترتفع المعارضة من البين .)بيان ذلك : أنّ منطوق موثّقة زياد بن سوقة نشر الحرمة بخمس عشرة رضعة مع التوالي بالمعنى الذي فسّر به في نفس الرواية ، وهو عدم الفصل بارضاع امرأة
أخرى ، ولا يضرّ التغذّي بالمأكول والمشروب في الأثناء كما ذكرنا . ومفهوم روايات العشر نشر الحرمة بالعشر مع عدم التفرّق ، وقد عرفت أن عدم التفرّق مفهوم عرفي ، لا يتحقّق ظاهراً ، إلّا بعدم كلا الأمرين ، ولا منافاة بين الحدّين أصلاً لأنه لا مانع من أن تكون خمس عشرة رضعة مع التوالي بالمعنى المفسّر به في الموثّقة حداً محرماً ، وأن تكون عشر رضعات مع عدم التفرّق بالمفهوم العرفي حداً آخر لنشر الحرمة .هذا من جهة ملاحظة موضوع الحرمة وما يوجب نشرها في الموثّقة وروايات العشر . وأمّا بالنظر إلى القضية السلبية وما لا يوجب نشر الحرمة فالموثّقة تنفي نشر الحرمة بالأقل من خمس عشرة رضعة ولو مع التوالي أو عدم التفرّق ، لأنها في مقام التحديد ، فتنفي نشر الحرمة عن جميع الأعداد التي تكون أقل من خمس عشرة رضعة ولو مع عدم التفرّق ، وروايات العشر ليس فيها جهة سلب بالنسبة إلى الزائد عن العشر رضعات إذا كان مع التفرّق ، فتتحقّق المعارضة بين الجهة السلبية لموثّقة زياد بن سوقة والجهة الإيجابية لروايات العشر ، فإنّ الموثّقة تدلّ على عدم نشر الحرمة بالأقل من خمس عشرة رضعة مطلقاً ، وروايات العشر تدلّ على نشر الحرمة بها مع عدم التفرّق ، وحيث إنّ النسبة بينهما نسبة الإطلاق والتقييد يقيّد مفهوم الموثّقة بروايات العشر ، لأنها أخص ، وبذلك ترتفع المعارضة .نشر الحرمة بأحد أمور أربعةوبما ذكرنا يصحّ لنا أن نقول : إنّ الحدود الموجبة لنشر الحرمة بالرضاع أربعة خلافاً لما عليه المشهور من أنّها ثلاثة - : التحديد بخمس عشرة رضعة مع التوالي وهو عدم الفصل بارضاع امرأة أخرى. والتحديد بعشر رضعات فصاعداً إلى خمس عشرة رضعة مع عدم التفرّق ، وهو عدم الفصل بارضاع امرأة أخرى وعدم الفصل بالغذاء غير اللبن . والتحديد باليوم والليلة . والتحديد بالأثر ، وهو نبات اللحم واشتداد العظم .
### ب - التحديد بالزمانالتحديد بالزمان : اليوم والليلةوالكلام الآن في التحديد بالزمان(1، فنقول :)ما يحدّد الرضاع المحرّم من ناحية الزمان ليس إلّا موثّقة زياد بن سوقة حيث قال (عليه السلام فيها : « لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة ، أو خمس عشرة رضعة متواليات » الحديث (2)وقد تقدّم أنّ عدم العمل بهذه الموثّقة في التحديد العددي - لتقديم روايات العشر رضعات عليها - لا يوجب طرحها رأساً وعدم العمل بغير ذلك ممّا اشتملت عليه ، وكم له من نظير في الفقه ، فلا مانع من الاستناد إليها في التحديد الزماني الوارد فيها ، بعد عدم العمل بها في التحديد العددي الوارد فيها لتقديم معارضها عليها من ناحية العدد .)نعم بين التحديد بالعشر رضعات والتحديد باليوم والليلة نسبة العموم من وجه ، وقد تقدّم (3أنّ مقتضى الجمع العرفي بينهما - وبعد ورودهما في دليلين - هو التصرّف في ظهور كلّ منهما في التعيين ، وحمله على التخيير ، فتكون النتيجة هو كفاية كلّ منهما على سبيل منع الخلو .)### الروايات المتضمّنة للتحديد باليوم والليلةوأمّا مرسلة الصدوق في المقنع المتضمّنة للتحديد باليوم والليلة أيضاً (4فلا يمكن الاستناد إليها في الحدّ المذكور لإرسالها ، مضافاً إلى احتمال أن الصدوق (قدّس)
سرّه ينظر في قوله : « وسئل الصادق (عليه السلام) » إلى موثّقة زياد بن سوقة ، فلم) يحرز في المقام وجود رواية غير الموثّقة . فالمدرك لتحديد الرضاع المحرم من حيث الزمان باليوم والليلة هي موثّقة زياد بن سوقة .)### كفاية التلفيقولا ينبغي التأمّل والإشكال في كفاية التلفيق في المقام ، لندرة الإرضاع من أوّل النهار إلى آخر الليل ، أو من أوّل الليل إلى آخر النهار ، بل الغالب هو الشروع فيه في أثناء النهار أو أثناء الليل، فلا ينبغي الإشكال في كفاية الإرضاع من زوال يوم إلى زوال يوم آخر - مثلاً - في التحريم ، لأنّ الحد حسبما يفهم من الدليل هو الإرضاع في هذا المقدار من الزمان ، وهو أربع وعشرون ساعة ، من دون خصوصية للتقديم والتأخير في هذا الزمان المحدّد به الرضاع ، لقيام القرينة في خصوص المقام على عدم اعتبار ذلك .شروط نشر الحرمة في التحديد بالزمان### 1-التغذي المتعارف1 - التغذي المتعارف ثمّ إنّ ظاهر الموثّقة (1هو الإرضاع في اليوم والليلة كلّما احتاج إليه الطفل بحسب حاله الشخصي عادة ، فلو احتاج الطفل بحسب مزاجه إلى عشر رضعات في اليوم والليلة ولم ترضعه إلّا تسعاً - مثلاً - لم تكف في نشر الحرمة ، لأن المقصود - على ما يظهر من الموثّقة - هو أن يكون غذاؤه في الزمان المذكور من لبن المرأة المعيّنة ، ولم يتحقّق.)وكذا لو مرض الطفل مرضاً لم يتمكّن معه من الرضاع في اليوم والليلة إلّا مرة أو مرتين - مثلاً - وأغمي عليه فيما بقي من الزمان المذكور لم يكف ذلك الرضاع في
1) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 ح 1 ، [ تقدمت في ص 108 ] .
نشر الحرمة ، لأنّه خارج عن المتعارف في الإرضاع يوماً وليلة ، ولا يصدق ، الإرضاع في الزمان المذكور ، لما تقدّم من أنّ المراد بمقتضى ظهور الموثّقة هو أن يتغذّى الطفل بلبن المرأة المعيّنة يوماً وليلة ، ولم يتحقّق ذلك في الفرض المذكور .نعم لو نقص رضاعه بقليل كالمرّة والمرّتين لم يمنع ذلك من نشر الحرمة ، كما أنّه لو زاد كان نشر الحرمة متوقفاً عليه ، فلو كان الطفل كثير الرضاع يرتضع في اليوم والليلة عشرين رضعة - مثلاً - فإنّما ينشر الحرمة رضاعه بهذا المقدار ، ولا يؤثر الأقل من ذلك في النشر ، وإن كان نوع الأطفال يرتضع بأقل من هذا المقدار .### 2-عدم التغذي بشيء آخرثمّ إنّ الظاهر من الموثّقة أيضاً عدم تغذّي الطفل بشيء آخر غير اللبن ، سواء كان معتاداً له كما يتعارف ذلك فى الأطفال الذين تقرب أعمارهم من سنتين - أم لا ، فلو تغذّى الطفل أثناء النهار بغذاء غير لبن المرضعة ولو مرّة واحدة سقط الإرضاع عن التأثير في نشر الحرمة ، نعم لا يضر بذلك شرب الماء في الأثناء خصوصاً في البلاد الحارّة التي لا يستغني الطفل فيها عن شرب الماء ، وكذا شرب الدواء ، لأنّ ذلك كلّه خارج عن عنوان التغذي الذي هو الملاك في نشر الحرمة ، نعم لا يعباً بحصول تغذ قليل بشرب دواء مثلاً ، كما قد يتفق ، لعدم إضراره بصدق التغذّي باللبن في اليوم والليلة .وبالجملة : عنوان التغذي باللبن في الزمان المذكور مفهوم عرفي ، فيكون العرف هو المرجع في تشخيصه .### الروايات الدالّة على التحديد بخمسة عشر يوماً وليلة ، والجواب عنهاتتمّة : ورد في بعض الروايات التحديد بخمسة عشر يوماً ولياليهنّ ، كمرسلة الصدوق ، قال : « وروي : لا يحرم من الرضاع إلّا رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ
ليس بينهنّ رضاع » (1وقد يتوهم معارضتها لما سبق ، ويندفع بأنّ هذه الرواية ضعيفة السند)ونحوها التحديد بثلاثة أيام كما في الفقه الرضوي (2.)وفي بعضها التحديد بسنتين ، كرواية زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : سألته عن الرضاع ؟ فقال : لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين » (3)وقد حمل قوله : « حولين كاملين » على الظرفية ، أي إذا لم يكن الرضاع بعد تجاوز سنها الحولين، بل كان في أثناء الحولين . فإن تم ، وإلا فلابدّ من طرحها لشذوذها .)وفي بعضها التحديد بسنة ، كرواية العلاء بن رزين عن أبي عبدالله (عليه (السلام قال : « سألته عن الرضاع ، قال : لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد سنة » (4).)وهذه الرواية كسابقتها في صحة السند ، إلّا أنّها تؤوّل بالظرفية أو بمعنى آخر ، وإن لم تقبل التأويل فلابدّ من طرحها ، للشذوذ كما في سابقتها . وعلى تقدير معارضتها الروايات السابقة فالترجيح لتلك الروايات ، لموافقتها لإطلاقات الكتاب والسنّة .هذا تمام الكلام في التحديد بالزمان .
### التحديد بالأثرالتحديد بالأثر (1[ الظاهر اختصاص السعوط بالصبّ في الأنف كما في تاج العروس 5: 453 مادة سَعَطَ ] . (2أنشز : قوي وشدّ ، وفي المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 2 : 265 مادة (رضع) عن أبي داود عنه (صلى الله عليه وآله) ما لفظه : « لا رضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم ».(3))الروايات الواردة فى التحديد بالأثر بين صحيحة وموثّقة وحسنة(4وهي على طائفتين : إحداهما تحدّد بانبات اللحم وشدّ العظم ، والأخرى بانبات اللحم والدم .)
1) لم نجد في كتب العامة القول بنشر الحرمة بالأثر - إنبات اللحم وشدّ العظم - فإنّهم بين من يقول بكفاية مطلق الرضعة ولو بالقطرة من اللبن كالحنفية والمالكية كما عرفت في التعليقة السابقة ص 98 - إذ لا مجال حينئذ للالتزام بالأثر المذكور كما هو واضح ، إلّا بالدقة العقلية التي لا أثر لها في الخطابات العرفية ، وبين من يقول باعتبار العدد - خمس رضعات - كالشافعية والحنابلة - من دون اعتبار أمر آخر وراء ذلك .)نعم جاء في كتاب فقه السنة 2 : 398 تعليلاً لكفاية وجور اللبن في فم الصبي أو سعوطه في أذنه
2) ،فينشر بهما الحرمة ، كما ينشر بشربه اللبن من الثدي : بأنّه يحصل به ما يحصل بالإرضاع من إنبات اللحم وإنشاز العظم فيساويه في التحريم .)وروى في ص 399 عن أبي داود مرفوعاً عن النبي (صلى الله عليه وآله « لا رضاع إلّا ما أنشز
3) العظم ، وأنبت اللحم » إلّا أنّه مع ذلك لم يجعلوا اشتداد العظم وإنبات اللحم سبباً مستقلاً لنشر الحرمة ، ولعلّه لرفع الحديث المذكور من دون سند صحيح عندهم فلاحظ .
4) الوسائل 20 : 374 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 2 [ ح 2 ، 9 ، 14 ، 18 ، 19 ، 21 ، 23 ]ب.3 /382
والكلام في هذا التحديد يقع في أمور :### هل يعتبر في النشر اجتماع إنبات اللحم والدم وشدّ العظم ؟الأوّل : هل يعتبر اجتماع كلا الأمرين أو يكفي أحدهما ؟ فنقول : إن كانت هذه الأمور - أعني إنبات اللحم والدم ، وشدّ العظم - متلازمة ثبوتاً كما ليس ذلك بالبعيد - لأنّ الغذاء يكون بدلاً عما يتحلّل من جميع أجزاء البدن ، وإن كان تأثيره في بعض كالعظم أخفى من تأثيره في البعض الآخر - فلا بحث .وإن لم يكن الأمر كذلك فقد يقال إنّ مقتضى الجمع بين الروايات هو اعتبار اجتماعهما ، لتقييد إطلاق كل منهما بالآخر . ويندفع بما ذكرنا سابقاً (1من أن مقتضى الجمع العرفي في أمثال هذه الموارد هو الحمل على كفاية كلّ من الحدين ، لأن مقتضى إطلاق مفهوم كلّ منهما عدم كفاية الآخر بدلاً عنه ، فيقيّد هذا الإطلاق بمنطوق الآخر ، كما ذكروا ذلك في تحديد حد الترخّص ، حيث ورد في بعض الروايات التحديد بما إذا خفي الجدران ، وفي بعضها الآخر بما إذا خفي الأذان (2)وقد جمعوا بينهما بكفاية كلّ منهما في وجوب قصر الصلاة على المسافر . فتكون النتيجة في المقام الاكتفاء بكلِّ منهما في نشر الحرمة : إمّا إنبات اللحم وشدّ العظم ، وإمّا إنبات اللحم والدم .)ثمّ إنّ مقتضى النصوص التي أشرنا إليها (3اعتبار كلا الأمرين - إنبات اللحم)
وشدّ العظم - الذي هو أحد التقديرين المتقدمين ، على ما هو المعروف بينهم .إلّا أنّه قد يتوهّم كفاية كلّ منهما استناداً إلى صحيحة علي بن رئاب المتقدّمة (1حيث فصل فيها بين الأمرين بواو العاطفة ولفظة « لا » الظاهرة في استقلال كلّ من الأمرين في التأثير ، فإنّه قال (عليه السلام) فيها في جواب السؤال عن تحريم عشر رضعات : « لا ، لأنه لا ينبت اللحم ولا يشد العظم عشر رضعات ».(2))ويندفع بأنّه لا شهادة في ذلك على استقلال كلّ منهما في التأثير ، وذلك لأنّ المركّب كما ينتفي بانتفاء أحد جزأيه كذلك ينتفي بانتفاء كلا جزأيه ، فإذا انتفى أحد الجزأين استند انتفاء المركب إلى انتفاء ذلك الجزء ، كما أنّه إذا انتفى كلا الجزأين استند انتفاؤه إلى انتفاء كليهما ، وذلك يتبع واقع الأمر من حيث انتفاء كلا الجزأين أو أحدهما ، فإذا فرضنا أن نشر الحرمة يتوقف على كلا الأمرين - شدّ العظم وإنبات اللحم - وفرضنا أن عشر رضعات لا تؤثر في شيء منهما ، استند انتفاؤه إلى عدمهما بلا عناية أصلاً ، مثلاً : لو ترك شخص الركوع في صلاته وأتى بباقي الأجزاء والشروط استند فساد صلاته إلى عدم الركوع ، وإذا ترك شخص آخر في صلاته الركوع والسجود والطهارة استند فساد صلاته إلى عدم هذه الأمور الثلاثة . وبالجملة : الظاهر اعتبار كلا الأمرين : شدّ العظم ، وإنبات اللحم .ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد بانبات الدم في التقدير الآخر هو جريان الدم في العروق ، لا تبدل الغذاء به في المعدة قبل أن يكون جزءاً للبدن ، فإنّ الظاهر من الروايات هو صيرورة اللبن جزءاً لبدن الطفل من عظمه ولحمه ودمه .
### الإشكال بلغوية التحديد بالأثر والجواب عنهالأمر الثاني : أنّ التحديد بالأثر - وهو إنبات اللحم وشدّ العظم - من حيث عدم إمكان حصول العلم به لأكثر الناس يكون لغواً ، فينحصر الحدّ في العدد والزمان ، ويكونان طريقاً إليه ، فليس هو حداً ثالثاً في عرضهما .وأجاب صاحب الجواهر (1عن ذلك بأنه يمكن معرفة الأثر بأحد أمرين من دون توسيط الحدّين الآخرين :)أحدهما : الرجوع إلى أهل الخبرة ، كسائر الموضوعات التي يرجع فيها إليهم ، فيرجع في المورد إلى الأطباء أو إلى القوابل إن كن من أهل خبرة ذلك .ثانيهما : تحقّق الرضاع مدّة طويلة كشهرين وثلاثة أو أكثر مع اختلال شرط الزمان والعدد ، كما إذا كانت الرضعة ناقصة في الحدّ العددي ، أو أكل الطفل شيئاً في اليوم والليلة بنحو لا يوجب إنبات لحمه وشدّ عظمه ، بل يحصل به مجرّد ملء المعدة وهذا أمر ممكن ، يتفق كثيراً حتّى في الكبار ، فيحصل العلم عادة باستناد نبات اللحم واشتداد العظم إلى الارتضاع بعد مدة طويلة . انتهى .وما أفاده (قدّس سرّه متين ، لا مانع من الموافقة عليه .)### تنافي التحديد بالأثر مع التحديد بالزمان والعدد ، والجواب عنهالأمر الثالث : أنّ نبات اللحم واشتداد العظم الوارد حدّاً لنشر الحرمة بالرضاع إن كان المنظور فيه تحقّقه الواقعي بالدقّة ، فهو يتحقّق بالأقل من رضعة واحدة ، لأنّ الغذاء إذا ورد في المعدة واستقرّ فيها تبدّل إلى الدم ، وجرى الدم في العروق ، فتستفيد منه جميع أجزاء البدن وتنمو به ، ويكون بدلاً عما يتحلّل ، فلا وجه لجعل الحدّ من ناحية العدد خمس عشرة رضعة أو عشر رضعات على الخلاف
1) راجع الجواهر 29 : 271 - 276 ، 277 / كتاب النكاح .
ومن ناحية الزمان الإرضاع يوماً وليلة ، لأنّ ذلك تحديد بما يزيد عن الحد الواقعي فيكون لغواً .وإن كان المنظور فيه تحقّقه بنظر العرف ، فنبات اللحم واشتداد العظم لا يتحقّق بنظر العرف بارضاع يوم وليلة وبالعدد الخاص ، فالتحديد بهذين الحدين لا وجه له ، لعدم تحقّق الأثر على هذا بهما .والجواب : أنّه لا مانع من أن يكون المقياس في الأثر الخاص هو نظر العرف إلّا في موردين : أحدهما الارتضاع يوماً وليلة ، وثانيها الارتضاع بالعدد الخاص بالشروط المقرّرة لهما ، فيكون دليل الحدين الآخرين مخصصاً لدليل التحديد بالأثر ، فيكون الموجب لنشر الحرمة أموراً ثلاثة : الإرضاع إلى أن يتحقّق الأثر الخاص بنظر العرف ، والإرضاع يوماً وليلة ، والإرضاع بالعدد الخاص .ومن هنا يظهر أنّه لا موجب للالتزام بما ذكروه من جعل نبات اللحم واشتداد العظم هو الأصل في نشر الحرمة ، وكون الحدين الآخرين كاشفين عنه بالتعبّد الشرعي .وأمّا توهّم دلالة بعض الروايات على أنّ الحدّ الأصلي هو نبات اللحم واشتداد العظم كصحيحة ابن رئاب ، حيث قال (عليه السلام في جواب السؤال عما يحرم من الرضاع : « ما أنبت اللحم وشدّ العظم » ثمّ قال : « قلت : فتحرم عشر رضعات ؟ قال : لا ، لأنه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات » (1)وكقوله (عليه السلام) في موثّقة هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد العبدي : « لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم ».(2))
فيندفع بأنّه لا ينافي ما ذكرناه ، لأنّ ذلك لا ينافي التخصيص في الموردين فتكون نتيجة الجمع بين الأدلّة أنّ المحرّم من الرضاع هو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إلّا إذا ارتضع يوماً وليلة ، أو بالعدد الخاص بالشروط المتقدمة . وتعليله (عليه السلام في الصحيحة (1)لعدم النشر بالعشر بأنها لا تنبت اللحم ولا تشد العظم - بعد حملها على العشر المتفرّقات كما عرفت سابقاً (2)- لا يدلّ على أن العشر غير المتفرّقة تكون ناشرة للحرمة بهذا الملاك .)هذا تمام الكلام في التحديد بالأثر .### الشرط الثاني للرضاع المحرّم : الامتصاص من الثديومن شروط الرضاع المحرّم أن يكون بالامتصاص من الثدي وخالفنا في هذا الشرط فقهاء العامّة ، وذهبوا إلى كفاية مطلق التغذي باللبن .قال في كتاب فقه السنّة 2 : 398 : التغذية بلبن المرضعة محرّم ، سواء أكان شرباً ، أو وجوراً (3أو سعوطاً (4)حيث كان يغذّي الصبي ويسد جوعه ، ويبلغ قدر رضعة ، لأنّه يحصل به ما يحصل بالإرضاع من إنبات اللحم ، وإنشاز العظم ، فيساويه في التحريم .)فتراه لم ينقل الخلاف من أحد من فقهائهم ، فكأنّه ممّا اتّفقوا عليه .وأمّا استدلاله بحصول غذاء الصبي وسدّ جوعه بذلك فضعيف ، لأنّ العبرة بصدق الرضاع المغذّي ، تبعاً لظاهر الكتاب والنصوص ، ولا يصدق إلّا بالتقام الثدي ، دون مطلق التغذي باللبن .
وجاء في متن كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 223 أيضاً عند تعريفه للرضاع :الرضاع - بفتح الراء ، وكسرها - ويقال : رضاعة - بفتح الراء وكسرها - أيضاً . معناه اللغوي : أنّه اسم لمص الثدي ، سواء كان مص ثدي آدمية أو ثدي بهيمة أو نحو ذلك ... إلى أن قال : أمّا معناه شرعاً فهو وصول لبن آدميّة إلى جوف طفل لم يزد سنّه على حولين أربعة وعشرين شهراً - فإن شرب صغير وصغيرة لبن بهيمة لا تحرم عليه ، ولا فرق بين أن يصل اللبن إلى الجوف من طريق الفم بمص الثدي ، أو بصبّه في حلقه ، أو إدخاله من أنفه فمتى وصل اللبن إلى معدة الطفل أثناء الحولين المذكورين بالشروط الآتية كان رضاعاً يترتّب عليه التحريم الآتي بيانه .بل حكى عند تفصيل المذاهب عن المالكيّة كفاية حقنة اللبن في الحرمة ، حيث يقول عنهم : أما إذا وصل من الدبر بواسطة الحقنة فإنّه يحرّم ، إذا كان يكفي لغذاء الطفل وقت وصوله ، ولو احتاج إلى غذاء بعد ذلك بزمن قريب . ولا يعتبر إذا وصل إلى الجوف من الأذن أو العين أو مسام الرأس ، ولو تحقّق وصوله إلى الجوف . (ص 227 نفس المصدر.)بل حكى عن الشافعية كفاية وصول اللبن إلى الدماغ، حيث يقول نقلاً عنهم : وأما الشرط الثاني المتعلّق بحالة اللبن وكيفية وصوله إلى جوف الطفل : فهو أنّه يشترط أن يصل اللبن إلى المعدة أو الدماغ ، بواسطة الفم والصبّ في الحلق ، ويقال له : الوجور ، أو الصبّ في الأنف ويقال له : السعوط ، وبذلك ينفذ إلى الدماغ ، أما إذا وصل إلى الجوف بحقنة من القبل أو الدبر ، أو وصل إلى الدماغ بتقطير في الأذن والقبل ، فإنّه لا يتعلّق به تحريم ، وبعضهم قيّد التقطير في الأذن بما إذا لم يصل إلى الدماغ، وإلا فإنّه يعتبر ... نفس المصدر ص 231 - 232.أقول : جعل الاصطلاح في الرضاع المحرّم لابدّ وأن يستند إلى دليل شرعي ، وإلا فلابدّ من التحفّظ على المعاني اللغوية الواردة في الآيات والروايات ، ولا دليل على هذاالتعميم حتّى عن طريق أهل السنّة ، لأنّ موضوع التحريم في الآية الكريمة هو الرضاع
فوجور اللبن في حلق الصبي لا يكون محرّماً على ما هو المعروف بين الأصحاب وكذلك سقيه الصبي بعد حلبه في إناء ، وخالف في المقام الإسكافي (1والشيخ في موضع من مبسوطه (2)فاكتفيا في المحكى عنهما بالوجور.)بمعناه اللغوي ، وهو مصّ الثدي ، كما اعترفوا بذلك . وهكذا النصّ المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » وكذا المروي عن أبي داود عن طريقهم عنه (صلى الله عليه وآله) : « لا إرضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم» (3)فإنّ المستفاد منه أيضاً أنّ الناشر للحرمة هو الرضاع الذي يشدّ العظم وينبت اللحم ، دون مطلق التغذي باللبن ولو من غير رضاع ، فلا وجه لما ذهبوا إليه سوى الاستحسان وتوهم إناطة الحرمة بالتغذي باللبن مطلقاً ، ولا وجه له سوى تنقيح المناط الظنّي الذي لا نقول به .)* قال الشيخ (قدّس سرّه في الخلاف 5 : 101 مسألة 8 : إذا وجر اللبن في حلقه وهو أن يصبّ في حلقه صبّاً ووصل إلى جوفه - لم يحرم ، وبه قال عطاء وداود وقال باقي الفقهاء : أنّه ينشر الحرمة .....)فتراه يفتي بعدم النشر بالوجور في كتاب الخلاف .ثم قال في مسألة 9 : إذا سقط باللبن حتّى يصل إلى دماغه فإنه لا ينشر الحرمة ، وبه قال عطاء وداود ، وقال باقي الفقهاء : أنّه ينشر الحرمة .ثم قال في مسألة 10 : إذا حقن المولود باللبن لا ينشر الحرمة ، وللشافعي فيه قولان :أحدهما - وهو الصحيح عندهم - مثل ما قلناه ، وبه قال أبو حنيفة ، والآخر أنّه ينشر الحرمة ، وبه قال محمد ، واختاره المزني .انتهى ما في كتاب الخلاف 5 : 101 - 102 .
1) قال الشيخ في المبسوط 5 : 294 : لو شرب منها وهي نائمة نشر الحرمة ، ولو شرب منها وهو نائم أو وجرته نشر ا ته نشر الحرمة .)هذه العبارة تدلّ على قوله بنشر الحرمة بالوجور.ولكن قال (قدّس سرّه بعد أسطر - في ص 295 - الوجور : أن توجر في حلقه اللبن حتّى يصل إلى جوفه ، بأن يصبّ في حلقه صبّاً ، فإذا وصل إلى جوفه فهو كالرضاع منها بنفسه عند الفقهاء ، وقال عطاء وداود : لا ينشر الحرمة . وهو الأقوى عندي تجده في هذه العبارة قوّى عدم الحرمة ، ولعلّ الأولى من باب الفرض والتقدير ، لا الاختيار.
2) حكاه عنه العلّامة فى المختلف 7: 38 / المسألة 5
3) المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 2 : 265) مادة (رضع) عن أبي داود عنه (صلى الله عليه وآله ما لفظه : « لا رضاع إلّا ما شدّ العظم وأنبت اللحم».
والوجه في اعتبار التقام الثدي وامتصاصه - وعدم كفاية غيره في نشر التحريم - هو عدم صدق الإرضاع والارتضاع الذي أنيط به الحكم في الأدلة عرفاً بدون ذلك ، فلا يقال لمن شرب اللبن المحلوب من البهائم أنّه ارتضع منها ، بخلاف ما لو امتص اللبن من ثديها .وعلى تقدير التنزل وتسليم صدق الإرضاع والارتضاع على غيره ، فهو منصرف إلى النحو المتعارف منه ، وما عداه باقٍ على الأصل .### الاستدلال لكفاية الوجور والجواب عنهوقد استدلّ لكفاية الوجور في نشر التحريم بوجهين :الأوّل : مرسل الصدوق عن الصادق (عليه السلام : « وجور الصبي بمنزلة الرضاع » (1).)وهذا المرسل لو تم سنداً كان حاكماً على جميع أدلة الرضاع ، ومثبتاً لجميع
1) الوسائل 20 : 394 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب ح 3 ، الفقيه 3 : 308 / 1485
أحكام الرضاع للوجور ، لأنّه نزّل منزلته ، إلّا أنّه لم تثبت حجّيته لإرساله ، ولم ينجبر بعمل الأصحاب ، بناءً على انجبار السند به .الثاني : أنّ علّة نشر الرضاع الحرمة التي نُصّ عليها في أخبار الباب هي نبات اللحم واشتداد العظم ، فإذا تحقّقت بالوجور ترتّب الحكم ، لأنّ العلة تعمّم الحكم وتخصصه باختلاف الموارد ، هذا .ويرد عليه أوّلاً : أنّه أخص من المدعى ، لما تقدّم (1من أن نبات اللحم واشتداد العظم الواردين في الأدلة (2)محمولان على العرفي منهما ، وأن تحقّقه متوقف على مضي مدة من الزمن ، وأنّ الزمان والعدد الخاصين لا يحققانه ، وأن دليلها مخصصان لدليل النبات والاشتداد .)وثانياً : أنّه لم يرد في شيء من أخبار الباب تعليل الحكم بذلك ، وإنّما تعرّضت لموضوع نشر الحرمة وحده ، وأنه نبات اللحم واشتداد العظم .نعم ربما يتوهّم من صحيحة علي بن رئاب التعليل ، حيث ورد فيها : أن عشر رضعات لا تحرم ، لأنّها لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم (3لكنّه يندفع بأنّ السؤال فيها إنما هو عن الرضاع المحرم ، وقد أجيب بأنّ الرضاع المحرّم ما أنبت اللحم وشدّ العظم .)وقد سأل ثانياً عن تحريم عشر رضعات، فأجيب بعدم تحريمها ، لعدم انطباق الكبرى المتقدّمة - وهي الإرضاع الذي ينبت اللحم ويشدّ العظم - عليها ، وهذا
أجنبي عن التعليل بذلك ، إذ لم يرد في الصحيحة أنّ الرضاع يحرم لأنّه يؤثّر الأثر الخاص، ليترتّب على ذلك أنّ كل ما يؤثّر الأثر الخاص يكون محرّماً ، وإنّما ورد فيها أن الرضاع المحرّم هو الرضاع الخاص، وأنّه لا ينطبق على العشر رضعات وثالثاً : أنّ ما ذكر لا يختص بالوجور ، بل هو متحقّق في سقي اللبن بعد حلبه في إناء ، ولم يلتزما بالنشر فيه .هذا تمام الكلام في شروط نشر الرضاع الحرمة .### مسائل تتعلّق بالرضاع من حيث نشره الحرمة وعدمهالكلام في مسائلويقع الكلام في مسائل تتعلّق بالرضاع من حيث نشره الحرمة وعدمه :### المسألة الأولى : لا فرق بين الرضاع السابق على النكاح واللاحق لهالمسألة الأولى (1: لا فرق في نشر الرضاع الحرمة بين السابق على النكاح واللاحق ، فالرضاع المتحقّق بالشروط المتقدّمة بعد العقد يوجب الحرمة ، وبطلان العقد ، لشمول الأدلّة للمورد ، حيث إنّ العناوين الرضاعية المحرمة تتحقّق في صورة اللحوق ، كصورة السبق ، فيلحقها الحكم)مضافاً إلى روايات خاصّة تدلّ على أن ذلك مقتضى القاعدة :منها : صحيحة عبدالله بن سنان ، عن الصادق (عليه السلام قال : « سئل وأنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتّى فطمته ، هل لها أن تبيعه ؟ فقال : لا ، هو ابنها من الرضاعة ، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه ، ثم قال : أليس رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (2)فإنّ)
الاستدلال بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله يعطي أنّ الحكم المزبور على طبق القاعدة .)ومنها : الروايات الدالّة على فساد النكاح بارضاع الزوجة الكبيرة الزوجة الصغيرة ، كرواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام : « لو أنّ رجلاً تزوّج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته ، فسد النكاح».(1))ويترتّب على ذلك أنّه لو تزوّج صغيرة فأرضعتها أمّه أصبحت أختاً له وكذلك إذا أرضعتها زوجة أبيه أصبحت أختاً له من أبيه ، فيبطل العقد السابق ويحرم النكاح أبداً، وكذلك إذا أرضعته (2جدته أم أبيه أصبحت عمّته، وإذا أرضعته(3)جدته أم أمه أصبحت خالته .)وقس على ذلك سائر الصور الموجبة للتحريم المؤبد وبطلان النكاح السابق كما لو أرضعتها زوجة ابنه ، فإنها تصبح بنتاً له من ابنه . أو أرضعتها زوجة أخيه فإنّها تصبح بنت أخيه . أو أرضعتها أخته ، فإنّها تكون بذلك بنت اخته .والجامع لذلك هو أن ينطبق عليها بالرضاع اللاحق أحد العناوين السبعة التي يحرم نكاحها .وهكذا إذا كان الرضاع اللاحق موجباً للعنوان الذي يحرم نكاحه جمعاً ، كما إذا كان له زوجتان صغيرتان ، فأرضعتهما أجنبية ، فإنّ الصغيرتين تصيران بذلك أختين من الرضاع ، فيحرم جمعهما في النكاح . وبما أنّ ترجيح بطلان أحد النكاحين على الآخر بلا مرجّح يبطل النكاحان معاً ، ولا مانع من تجديد نكاح إحداهما بعد ذلك ، والحكم في هذه المسألة لا إشكال فيه .
### المسألة الثانية : إرضاع الزوجة الكبيرة للصغيرةالمسألة الثانية (1: هي ما إذا كانت له زوجتان كبيرة وصغيرة ، فأرضعت الكبيرة الصغيرة)فالمعروف بينهم بطلان نكاحها ، وذلك لأنّ اللبن إذا كان للزوج صارت الصغيرة بذلك بنتاً له ، والكبيرة أم زوجته ، فيبطل نكاحها ، وتحرمان مؤبّداً .وإذا كان اللبن لغير الزوج ، فإن كانت الكبيرة مدخولاً بها حرمت الصغيرة عليه مؤبداً ، لأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها ، فتكون من مصاديق الآية المباركة الواردة في الربائب (2، وحرمت الكبيرة عليه ، لأنّها أم زوجته .)وإن لم تكن الكبيرة مدخولاً بها بطل النكاحان ، لحرمة الجمع بين الأمّ والبنت في النكاح ، كما يحرم الجمع بين الأختين فيه ، وبطلان الترجيح بلا مرجّح .وبعبارة أخرى : أنّهما قبل الإرضاع كانتا زوجتين للرجل ، وبالإرضاع حصلت نسبة الأمومة والبنوة بينهما ، فلابدّ من بطلان نكاح إحداهما ، لحرمة الجمع بين الأم والبنت في النكاح ، وترجيح نكاح إحداهما في البطلان ترجيح بلا مرجّح ، فلابدّ من الالتزام ببطلان كلا النكاحين ، ويجوز تجديد العقد على الصغيرة
1) تعرّض الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) لهذه المسألة ( في كتاب الخلاف 5 : 105 مسألة 18 بشكل أوسع ، لأنه فرض أنّ له زوجة كبيرة ، وثلاث زوجات صغار دون الحولين فأرضعت منهنّ واحدة بعد واحدة . فراجعها إذا شئت ، لأنّ المسألة المفروضة أشبه بالفرض المحض ، من دون وقوع لها في الخارج. وقد جاء في كتاب الأم للشافعي 5 : 32 - 33 ذكر فروع متعددة لإرضاع الزوجة الكبيرة للصغيرة ، واحدة أو متعدّدة ، لا يهمّنا التعرّض لها ، ومن شاء فليراجع .
2) النساء 4 : 23
لأنّها بنت زوجته التي لم يدخل بها ، وأما الكبيرة فقد صارت بارضاعها الصغيرة أمّ زوجته ، فتحرم عليه مؤبّداً .فظهر ممّا ذكرناه : أنّ الزوجة الكبيرة تحرم على الزوج مؤبّداً بارضاعها الزوجة الصغيرة ، سواء كان اللبن للزوج أم لغيره ، كانت مدخولاً بها أم لم تكن مدخولاً بها . وأما الزوجة الصغيرة فتحرم عليه مؤبّداً في الصورة الأولى لصيرورتها بالإرضاع بنتاً له ، وفي الصورة الثانية أيضاً ، لصيرورتها بذلك ربيبته التي قد دخل بأمها ، وفي الصورة الثالثة تحرم جمعاً بينها وبين أمها .هذا هو المعروف بين الأصحاب ، إلّا أنّ للمناقشة - في بطلان نكاح الزوجة الكبيرة ، وحرمتها على الرجل مؤبداً - مجالاً واسعاً ، وذلك لأنّ آن حصول الأمومة للزوجة الكبيرة هو آن حصول البنوّة للزوجة الصغيرة ، لأنهما من الأمور المتضايفة ، و آن حصول البنوّة للزوجة الصغيرة هو آن زوال الزوجية عنها ، لا آن وجود زوجيتها ، فلم تكن الكبيرة في آنٍ أم زوجة للرجل حتّى يبطل نكاحها . نعم هي أمّ لزوجته السابقة ، لا أمّ لزوجته الفعلية ، وظاهر العنوان المحرّم هو أن يكون فعلياً .### أدلّة بطلان نكاح الكبيرة وحرمتها مؤيداً وما يرد عليهاويمكن الاستدلال لبطلان نكاح الزوجة الكبيرة وحرمتها مؤبداً بوجوه لا بأس بالتعرّض لها وما يرد عليها :### الأول : أعمّية المشتق لما انقضى عنه عنه المبدأالوجه الأوّل : أنّ المشتق حقيقة في الأعم من المتلبس بالمبدأ ومن انقضى عنه المبدأ ، فالصغيرة حيث كانت زوجة قبل أن يصدق عليها في آن زوال زوجيتها أنها زوجة ، فيصدق على الزوجة الكبيرة أنها أم زوجة الرجل ، فيبطل نكاحها و تحرم عليه مؤبّداً .
وفيه : أنّا لا نسلّم ذلك ، بل المشتقّ كما ذكرنا في الأصول (1حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدأ .)### الثاني : كفاية أدنى ملابسة في الإضافةالوجه الثاني : أنّ الحكم في المورد لا يبتني على مسألة المشتق ، بل هو مبني على الإضافة ، ويكفي فيها أدنى ملابسة ، لأنّ العنوان المذكور في آية التحريم (2هو أمهات النساء ، باضافة النساء إلى ضمير المخاطب ، ويكفي في إضافة النساء إلى ضمير الخطاب كون المرأة زوجة المخاطب في الآن السابق .)وفيه : أنّ البحث في المشتق ليس من حيث الاشتقاق ، بل من حيث اشتماله على النسبة ، وأنه هل يكفي في نسبة شيء إلى شيء ثبوته له سابقاً ، أو يعتبر ثبوته له بالفعل ، وهذا المعنى يعمّ الإضافة . لأنّها تشتمل على نسبة المضاف إلى المضاف إليه وظاهرها الفعلية .### الثالث : دلالة الآية على كفاية الزوجية السابقة في حرمة الكبيرةالوجه الثالث : وحدة السياق في الآية المباركة المتضمنة لحرمة المحرّمات بالنسب والمصاهرة (3تدلّ على كفاية الزوجية السابقة في حرمة الزوجة الكبيرة بتقريب : أنّ القرينة الخارجية - وهي الروايات الكثيرة - دلّت على أنّ ربيبة الرجل من الزوجة السابقة المدخول بها تحرم على ذلك الرجل (4)فلو طلّق الزوج زوجته التي قد دخل بها ، فتزوّجها شخص آخر ، فأولدها بنتاً ، حرمت هذه البنت على الزوج الأوّل ، لأنها ربيبته من الزوجة التي قد دخل بها ، فإذا كان المراد من أمهات الربائب في الآية المباركة (5)ما يعمّ النساء السابقة ، فوحدة السياق تقتضي)
أن يراد بالنساء في أمّهات النساء ما يعمّ الزوجات السابقة .ويرد عليه : أنّ قيام القرينة في مورد خاص لا يوجب تعميمها لمورد آخر بل يمكننا أن نقول : أنّه لا قرينية لتلك الأخبار على إرادة الأعم من الآية الشريفة بل هي باقية على ظهورها في النساء الفعليّة ، وتلك الأخبار تدلّ على ثبوت الحكم في موردها ، لأنّ الأحكام تدريجية في البيان ، فمن الممكن أن يكون الحكم في الآية المباركة مختصاً بربائب النساء الفعلية ، ثمّ وردت الروايات بثبوت الحكم في ربائب النساء السابقة .وأمّا أمّهات النساء فلم ترد أخبار تدلّ على ثبوت الحرمة للأعم، وليس في المورد إلّا ظاهر الآية الشريفة (1وهو لا يقتضي أزيد من حرمة أمهات النساء الفعلية. بحيث تكون الأمومة والزوجية في زمان واحد.)### الرابع : التشبث بالمسامحة العرفيةالوجه الرابع : أنّ العرف يتسامح في أمثال هذه الموارد ، لأنّ زمان زوال الزوجية متصل بزمان نفس الزوجية ، أي يكون في آنٍ بعد آنها ، والمفروض أنّ زمان الأمومة متّحد مع زمان زوال الزوجيّة ، فيتّصل زمان الأمومة بزمان الزوجيّة ، وهذا المقدار من التأخّر ممّا يتسامح فيه العرف ، والخطابات الشرعية منزلة على المفاهيم العرفية .ويرد عليه : أنّ العرف إنّما يكون متبعاً في تشخيص المفاهيم ، لا في المسامحة في التطبيق بعد أخذ المفهوم منه ، والمفهوم من أمّ الزوجة أو أمهات النساء الوارد في الآية الكريمة (2- اتحاد زمان الأمومة والزوجية ، أي من تكون أُمّاً للزوجة الفعلية عرفاً ، فلا تتبع مسامحة العرف في تطبيق هذا المفهوم العرفي على من تكون أُمّاً)
للزوجة السابقة ، بلحاظ اتصال الزمانين وعدم الفصل بينهما .### الخامس : رواية علي بن مهزيارالوجه الخامس : رواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام قال قيل له : إنّ رجلاً تزوّج بجارية صغيرة ، فأرضعتها امرأته ، ثم أرضعتها امرأة له أخرى ، فقال ابن شبرمة : حرمت عليه الجارية وامرأتاه ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : : أخطأ ابن شبرمة ، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً ، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه ، كأنها أرضعت ابنته».(1))وهذه الرواية التي يذكرها الفقهاء في المسألة الآتية - وهي من تكون له زوجتان كبيرتان وزوجة صغيرة ، فأرضعتا الزوجة الصغيرة - يمكن الاستدلال بها في مورد الكلام أيضاً ، لأنها قد صرحت بتحريم الزوجة الكبيرة الأولى والصغيرة وإن خطأ ابن شبرمة في حكمه بحرمة الكبيرة الثانية ، لأنّها أرضعت بنته ، لا زوجته كي تكون أم زوجته.ويرد على الاستدلال بهذه الرواية أنّها ضعيفة السند بصالح بن أبي حماد كما ذكروا .وقد ناقش في سندها صاحب المسالك (قدّس سرّه بأنّها مرسلة ، لأنّ علي بن مهزيار لم يدرك الباقر (عليه السلام) وأبو جعفر عند الإطلاق يراد به الباقر (عليه السلام فلا محالة تكون مرسلة . ويؤيّده أنّ ابن شبرمة كان في زمان الباقر (عليه السلام) لا الإمام الجواد ، وهو أبو جعفر الثاني (عليه السلام) (2)، هذا .)فإن سلّمنا أنّ أبا جعفر عند الإطلاق ظاهر في الإمام الباقر (عليه السلام فهو كما أفاد (قدّس سرّه) ، وإلّا فظاهر قوله : « قيل له » هو الإخبار عن حسّ ، فيكون)
قرينة على إرادة الإمام الجواد (عليه السلام المعاصر له ، فلا تكون مرسلة من هذه الجهة.إلّا أنّ صاحب البلغة نبه على إرسالها من جهة أخرى ، وهي أنّ الرواية منقولة في الكافي ، وفيه يقول : وروي عن أبي جعفر (عليه السلام (1)أي ينقلها ابن مهزیار عن الإمام (عليه السلام) بلفظ « روي » وهو صريح في وجود الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام) ولو كان الإمام هو الإمام الجواد(2).)وكيف كان الأمر ، فلا إشكال في ضعف سند هذه الرواية .### السادس : اتحاد رتبة أمومة الكبيرة مع زوجية الصغيرة وكفايته في نشر الحرمةالوجه السادس : أنّ أُمومة الكبيرة بمقتضى التضايف مساوقة لبنوّة الصغيرة ، فتكون علّة لزوال زوجيّتها ، وحيث إنّ العلّة متحدة مع المعلول زماناً متقدمة عليه رتبة ، تكون مقارنة مع نفس الزوجية رتبة ، ففي رتبة أمومة الكبيرة تكون الصغيرة زوجة للرجل ، فالأمومة والزوجية تكونان في مرتبة واحدة وإن اختلفتا في الزمان ، وهذا المقدار كافٍ في نشر الحرمة .وفيه : أنّ الأحكام الشرعية لا تبتني على التدقيقات الفلسفية ، بل ظاهر الدليل هو اعتبار اتّحاد زمان الأمومة والزوجية ، لا اتّحاد رتبتهما ولو اختلفا زماناً فإنّ الظاهر من الآية المباركة الواردة في حرمة أمّهات النساء (3هو أمهات النساء خارجاً ، لا أمهات النساء رتبة ، أي من تكون في الخارج أم زوجة ، لا في الرتبة .)### دلیل عدم بطلان نكاح الكبيرةهذه هي الوجوه التي يمكن أن يستدلّ بها على حرمة الزوجة الكبيرة ، وقد
عرفت ضعفها ، فلا دليل على حرمة الزوجة الكبيرة إذا أرضعت الزوجة الصغيرة .ويؤيد هذا ، بل يدلّ عليه صحيحة الحلبي أو حسنته ، عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « لو أنّ رجلاً تزوّج جارية رضيعة ، فأرضعتها امرأته فسد النكاح »(1)والآخر بنفس السند عنه ( عليه السلام أيضاً : « في رجل تزوّج جارية صغيرة ، فأرضعتها امرأته وأمّ ولده ؟ قال : تحرم عليه » (2))فإنّ ظاهر الروايتين هو الحكم بفساد عقد الصغيرة ، فسكوته عن نكاح الكبيرة دال على عدم بطلانه .### حرمة الصغيرة إذا كان الرضاع بلبنه أو كانت الكبيرة مدخولاً بهاوأمّا الصغيرة المرتضعة فتحرم مؤبّداً مضافاً إلى بطلان نكاحها ، إذا كان اللبن للرجل ، لأنها تكون حينئذ بنته الرضاعيّة ، أو كانت الكبيرة مدخولاً بها واللبن لغيره ، لأنّها تكون حينئذ ربيبته من زوجته التي دخل بها ، وإن كانت زوجة سابقة ، للفرق بين الربيبة وأمّ الزوجة في عدم اعتبار المقارنة في الأولى بصريح الروايات الواردة في ذلك (3واعتبارها في الثانية كما عرفت ، وتحريمها في هاتين الصورتين - كما هو المعروف - ممّا لا ينبغي التأمل فيه ، لموافقته للأدلّة .)### دليل المشهور على بطلان نكاح الصغيرة مع عدم كون اللبن له وعدم الدخول بالكبيرةوفيما إذا لم يكن اللبن للرجل ، ولم تكن الكبيرة مدخولاً بها ، فلا تحرم ، بل يبطل نكاحها على المشهور ، مستدلين على ذلك بحرمة الجمع بين الأم والبنت في النكاح ، وبالرضاع تتحقّق نسبة الأمومة والبنوّة بينهما ، وبما أن ترجيح بطلان نكاح
1) الوسائل 20 : 399 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 10 ح 1 ، 2 عن محمد بن يعقوب واللفظ في الأولى في الكافي 5 : 444 / 4 « فسد نكاحها » [ مع اختلاف يسير آخر ] والراوي في الثانية الحلبي وعبدالله بن سنان .
2) الوسائل 20 : 399 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 10 ح 1 ، 2 عن محمد بن يعقوب واللفظ في الأولى في الكافي 5 : 444 / 4 « فسد نكاحها » [ مع اختلاف يسير آخر ] والراوي في الثانية الحلبي وعبدالله بن سنان .
3) الوسائل 20 : 465 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب21 .
إحداهما على بطلان النكاح الآخر بلا مرجّح ، فلابدّ من الحكم ببطلانهما معاً ، فإن شاء جدّد العقد على الصغيرة .### المناقشة فيما استدل به للقول المشهوروللنظر في هذا الاستدلال مجال واسع ، بل يعدّ هذا من غرائب فتاوى المشهور ، إذ بعد الالتزام بحرمة الكبيرة مؤبداً لأنها تصير أم زوجة الرجل ، حتّى في هذه الصورة - حيث صرّحوا هنا بجواز تجديد العقد على الصغيرة دون الكبيرة لأنها أم زوجته - لا مجال للالتزام ببطلان عقد الصغيرة ، استناداً إلى حرمة الجمع بين الأم والبنت في النكاح ، وعدم المرجّح .وبعبارة أخرى : بعد تسليم أنّ الرضاع في المقام يوجب صدق عنوان اُمّ الزوجة على الزوجة الكبيرة ، فلا محالة يبطل نكاحها ، وتحرم عليه مؤبداً ، سواء أبطل نكاح الزوجة الصغيرة أم لا ، فتعيّن بطلان نكاح الزوجة الكبيرة هو المرجّح فلا وجه لبطلان نكاح الزوجة الصغيرة في هذه الصورة .وقياس المقام على ما لو عقد على الأمّ وبنتها بعقد واحد ، أو بعقدين متقارنين في الزمان كما لو عقد الرجل على الأمّ وعقد وكيله على بنتها في نفس ذلك الزمان حيث يبطل العقدان لعدم المرجّح ، فيقاس بقاء العقدين على حدوثها كذلك - قياس مع الفارق ، لتعين بطلان عقد الزوجة الكبيرة في المقام ، لأنها أُمّ زوجة كما ذكرنا فبطلان عقد الزوجة الصغيرة بلا موجبنعم بناءً على ما قوّيناه من عدم بطلان نكاح الزوجة الكبيرة ، لعدم تقارن أمومتها وزوجية الزوجة الصغيرة ، يصح الالتزام ببطلان كلا النكاحين ، لعدم المرجّح لأحدهما على الآخر ، وله تجديد العقد على أيها شاء ، لا على خصوص الصغيرة كما ذهب إليه المشهور . هذا تمام الكلام في المسألة الثانية ، وقد ظهر من التحقيق فيها أنّه لا وجه لحرمة الزوجة الكبيرة بارضاعها الزوجة الصغيرة في أيّ من الصور الثلاثة
وأنّ الحكم في الصورة الثالثة هو بطلان النكاحين ، لحرمة الجمع ، وعدم المرجّح .### المسألة الثالثة : إرضاع الزوجتين الكبيرتين للصغيرةالمسألة الثالثة : لو كانت للرجل زوجتان كبيرتان وزوجة صغيرة فأرضعتها إحدى الكبيرتين الرضاع المحرّم أوّلاً ، ثم أرضعتها الأخرى كذلك .والمشهور حرمة الكبيرتين مؤبّداً ، لأنّ كلّاً منهما تصير أمّ زوجته ، وكذلك الصغيرة إن كان لبن إحداهما له ، أو كانت إحداهما مدخولاً بها ولم يكن اللبن له لأنها على الأوّل بنته ، وعلى الثاني ربيبته من زوجته التي دخل بها . وإن لم يكن اللبن له ولم يتحقّق الدخول حرم جمعهما . هذا هو المشهور .أقول : أمّا الكلام في المرضعة الأولى فهو بعينه الكلام فيما لو اتّحدت ، من حيث وجوه استدلال المشهور على أنّها أمّ زوجته وفسادها ، وقد عرفت أنّ التحقيق عدم حرمتها .ومنه يظهر عدم حرمة الثانية ، لأنّه لو سلّمنا صدق أمّ الزوجة على الأولى لاتصال زمان زوجية الصغيرة بزمان أمومة الكبيرة ، لما سلّمنا ذلك في هذه المسألة بالنسبة إلى الكبيرة الثانية ، لعدم اتصال الزمانين ، بل قد يتأخر إرضاع الثانية بأيام أو بشهور ، فكيف يصدق عليها أنها أم لزوجته ؟ نعم هي أم لزوجته السابقة ، لتأخّر زمان الأمومة عن زمان زوجية الصغيرة بكثير ، فهي أرضعت بنته لا زوجته ، كما صرح بذلك في رواية ابن مهزيار(1.)ولو لا ضعف سندها لكانت أقوى شاهد على فساد ما ذهب إليه المشهور ولعلّه لذلك أعرض عنها الأصحاب ، وأفتوا بحرمة الثانية مؤبداً أيضاً كالأولى .
1) المتقدمة ص 150 .
وبالجملة : لو استند المشهور في تحريم الكبيرة الأولى إلى أحد الوجوه الثلاثة الأول من الوجوه الستة المتقدّمة - وهي أعمّية المشتق من المتلبس ومن انقضى عنه المبدأ ، أو كفاية أدنى الملابسة في الإضافة ، أي إضافة الأم إلى النساء في الآية الشريفة (1، أو وحدة السياق في الآية المباركة بين أمهات النساء والربائب من النساء المدخول بهنّ (2)المقتضية لإرادة الأعم من النساء الفعلية والنساء السابقة - لكان للقول بحرمة الكبيرة الثانية ،وجه ، لجريان تلك الوجوه فيها ، إلّا أنّك قد عرفت ضعفها .)ولو استندوا إلى الوجوه الثلاثة الأخيرة - من مسامحة العرف لو اتّصل زمان أمومة الكبيرة بزمان زوجيّة الصغيرة ، ومن رواية ابن مهزيار (3المصرّحة بحرمة الأولى دون الثانية ، و من كفاية المقارنة في الرتبة ، أي رتبة أمومة الكبيرة وزوجية الصغيرة لم يسعهم القول بحرمة الكبيرة الثانية ، لعدم جريان تلك الوجوه فيها ، بل الرواية المذكورة قد صرّحت بفساد ما أفتوا به .)وكيف كان ، فالقول بحرمة الكبيرة الثانية أضعف من القول بحرمة الأولى عندنا ، وإن ذهب إليه المشهور .وأمّا الصغيرة فالمختار فيها ما تقدّم في المسألة الأولى من حرمتها مؤبّداً في صورة كون اللبن للزوج ، أو كون المرضعة مدخولاً بها ، وبطلان نكاحها ونكاح الكبيرة في صورة عدم تحقّق شيء من الأمرين، لحرمة الجمع، وعدم الترجيح، وله تجديد العقد على أيّهما شاء .
### مسائل في أحكام مهر الزوجة الصغيرةالكلام في هذا الأمر يقع في ضمن مسائل :هل الصغيرة تستحق المهر ؟### الأولى : هل الصغيرة تستحق المهر ببطلان نكاحها بالرضاع ؟الأولى : أنّ الصغيرة الرضيعة هل تستحقّ المهر في الصورة التي يبطل فيها نكاحها بارضاع الزوجة الكبيرة أو غيرها ممن يوجب إرضاعها بطلان نكاحها مطلقاً ، أو يسقط مهرها كذلك ، أو ينتصف ، كما في الطلاق قبل الدخول والموت قبله على الأظهر في الثاني - وقد نسب هذا القول إلى الشيخ (قدّس سرّه (1)_ أو يفصل بين تحقّق السبب المحرّم منها ، كما لو سعت بنفسها إلى ثدي المرضعة ، فامتصت منه مقدار الرضاع المحرّم ، والمرضعة نائمة أو مغمى عليها بحيث لا تشعر بذلك ، وبين إرضاع الكبيرة إيّاها باختيارها ، فلا تستحق المهر في الأوّل ، وتستحقه في الثاني ؟ وجوه أربعة ، بل أقوال :
1) قال الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط 5: 297 : فأما الكلام فيما يجب لها على زوجها ، فإن لم يكن للمرضعة صنع ، مثل أن كانت نائمة فدنت هذه الصغيرة إليها وارتضعت منها سقط كلّ مهرها ، ولا شيء عليها ، ولا على زوجها ، لأنّ الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول ، كما لو كانت كبيرة فارتدت قبل الدخول .)وإن كان للمرضعة فيه صنع ، مثل أن أرضعتها هي ، أو مكنتها فشربت منها فللصغيرة على زوجها نصف المهر ، كما لو طلّقها .فإنّه (قدّس سرّه التزم بنصف المهر ، لكن في صورة الارضاع الاختياري من قبل المرضعة ، لا مطلقاً .)وذهب الشافعي إلى القول بنصف المهر أيضاً ، وضمان الكبيرة له ، راجع كتاب الأمّ 32:5
### الثانية : هل تضمن الكبيرة المهر للزوجالثانية : أنّه على تقدير استحقاق المهر ، فهل تضمنه الكبيرة المرضعة مطلقاً أو لا تضمنه مطلقاً ، أو يفصل بين أن ترضعها باختيارها بحيث لم تكلّف شرعاً بالإرضاع فتضمنه وبين أن تكلّف شرعاً بارضاعها ، كما إذا توقف حفظ الرضيعة من الهلاك أو الضرر الكثير على أن ترضعها ، وليست هناك مرضعة أخرى وليست الرضيعة تجد التغذي بالطعام ، أو أنّ المرضعة أكرهت على الإرضاع ، فلا تضمنه .هل تضمن المهر المسمى أو مهر المثل ؟### الثالثة : على تقدير ضمان المرضعة فهل تضمن المهر المسمّى أو مهر المثل ؟الثالثة : أنّه على تقدير الضمان ، هل يضمن المهر المسمّى ، أو مهر المثل ؟ ويترتّب على ذلك أنّه على القول بالتفصيل فى المسألة الثانية - وأن المرضعة ليست ضامنة للمهر في رضاع الصغيرة منها بغير اختيارها - يكون مهر المثل ثابتاً للزوج في ذمّة الصغيرة ، لأنها هي التي سبّبت بطلان نكاحها على الزوج .إذا عرفت ذلك ، ففي تحقيق البحث في المسائل الثلاث نقول :### جواب المسألة الأولىأمّا المسألة الأولى : فقد عرفت أنّ الوجوه بل الأقوال فيها أربعة :وقد نسب إلى المشهور سقوط المهر مطلقاً ، وعلى تقدير صحّة النسبة فالوجه لهذا القول هو أن مقتضى انفساخ العقد رجوع كل من العوضين إلى صاحبه الأوّل ، وفي المقام حيث انفسخ العقد وبطل بسبب الرضاع ، فلازمه رجوع المهر إلى الزوج.ويرد عليه : أن عقد النكاح لا يقاس على العقود المتقومة بالمعاوضة ، كالبيع والإجارة ، فإنّه لا معاوضة في النكاح بين المهر والزوجية ، ولا بينه وبين الاستمتاع بشهادة العرف والشرع ، فإنّ عنوان الزوجية أو الاستمتاع بالزوجة لا
يقابل بالمال ، لا عرفاً ولا شرعاً ، ومن هنا لا يكون قاتل الزوجة ضامناً لمهر الزوجة مضافاً إلى الديّة ، ولا يكون حابسها ضامناً لقيمة الاستمتاع بها حتّى عند العرف ، بل قيل إنّ بعض الطوائف لا يجعلون مهراً لزوجاتهم، مع وقوع عقد النكاح بينهم .وأمّا المعاوضة بين الزوجيّة أو البضع وبين المهر فغير محتملة ، لأنّ الحرّة لا تملك ولا بعضها ، بل المعاوضة في باب النكاح بين نفس الزوجين ، أي تكون زوجية كل منهما للآخر بدلاً وعوضاً عن زوجية الآخر له ، وثبوت المهر حكم شرعي تعبّدي ، وليست له جهة العوضية في عقد النكاح .وبعد وضوح أنّ حقيقة النكاح ذلك فلا مجال لقياسه على عقود المعاوضة كالبيع ونحوه ، فإنّ عقد البيع إذا ظهر بطلانه يرجع كل من العوضين فيه إلى صاحبه فيرجع الثمن إلى المشتري والمثمن إلى البائع ، قضاء لحقّالمبادلة بين المالين .وهكذا في الإجارة ، فإذا بطل عقد الإجارة في الأثناء كما لو انهدمت الدار المستأجرة في أثناء السنة ، وانكشف بطلان العقد من حين الانهدام ، لعدم وجود المنفعة بعد ذلك رجع ما يقابل المنفعة الفائتة من الأجرة إلى المستأجر ، بمقتضى المبادلة بين المنفعة والأجرة . وهكذا سائر عقود المعاوضة ، وهذا بخلاف عقد النكاح ، حيث أنّه لا معاوضة فيه بين المهر وشيء آخر كالزوجية أو الاستمتاع .نعم في صورة فسخ أحد الزوجين العقد باختياره بالعيوب المعلومة في الزوج أو الزوجة ، يرجع المهر إلى الزوج ، وذلك لفرض العقد كأن لم يكن ، وكأنّه لم يقع عقد من الأصل ، فلا تستحق الزوجة مهراً .وأمّا في صورة انفساخ العقد وبطلانه في الأثناء بغير إرادتهما واختيارهما في إنشاء الفسخ فليس الأمر كذلك ، بل تستحق الزوجة تمام المهر ، لثبوته بالعقد ، ولا دليل على رجوعه إلى الزوج .
والحاصل : أنّ مجرّد تحقّق عقد النكاح وحدوثه كافٍ في ثبوت المهر على الزوج واستحقاق الزوجة له ، ورجوعه إلى الزوج ثانياً يحتاج إلى الدليل الشرعي وقد ثبت في الطلاق قبل الدخول رجوع نصفه إلى الزوج تعبداً (1بعد ما صار كلّه ملكاً للزوجة بالعقد ، يجوز لها التصرف فيه بما شاءت . وهكذا ثبت رجوع نصفه إليه بموت أحدهما قبل الدخول على الأظهر (2)، ولم يقم دليل على الرجوع في غير هذين الموردين .)ومن هنا يظهر أنّ القول بالتنصيف في المقام كما عن الشيخ (قدّس سرّه (3)لا وجه له ، لأنّ غايته القياس على الطلاق والموت قبل الدخول ، وليس القياس من أدلتنا ، ولم نعرف له وجهاً آخر ، وإن كان الشيخ (قدّس سرّه) أجل من أن يستند في فتواه إليه .)فظهر من جميع ما ذكرنا : أنّه لا وجه لسقوط المهر رأساً ، كما نسب إلى المشهور ، ولا لسقوط نصفه كما عن الشيخ (قدّس سرّه .)وأمّا التفصيل بين اختصاص السبب المحرّم بالرضيعة كما إذا سعت بنفسها إلى ثدي المرضعة وهي نائمة أو مغمى عليها - فيسقط ، وبين تحقّقه من المرضعة فيثبت ، فقد علّلوه بأنّ الانفساخ في الصورة الأولى يستند إلى نفس الرضيعة فلا تستحق المهر ، وفي الصورة الثانية يستند إلى غيرها ، وهي الزوجة الكبيرة أو غيرها ممن يوجب إرضاعها فساد نكاح الصغيرة ، فلا موجب لسقوطه وقد أورد على هذا الوجه بأنّ الرضيعة الصغيرة لا شعور لها ، فكيف يكون فعلها موجباً لسقوط مهرها ؟
وأجيب بأنّ الشعور لا يعتبر في الأحكام الوضعيّة ، كسقوط المهر أو ضمان التلف ونحو ذلك ، وإنّما يعتبر في الأحكام التكليفيّة .أقول : لا وجه لهذا القول أيضاً ، لأنّه لو قلنا بأنّ التسبيب إلى بطلان النكاح يوجب ضمان المهر - ولا نقول به كما ستعرف في المسألة الثانية - لما كان لسقوط مهر الرضيعة إذا استند السبب إليها وجه ، بل تستحق المهر المسمّى بالعقد ، وتضمن للزوج مهر المثل ، لأنها أتلفت عليه الزوجية أو منافع البضع ، فتضمن بدلها .وهذا نظير ما إذا باع شخص متاعه من شخص آخر ثمّ أتلفه بعد التسليم إلى المشتري ، فإنّ البائع لا يضمن الثمن المسمّى بعد أن ملكه بالعقد ، وإنّما يضمن للمشتري بدل ما أتلفه عليه من المثل أو القيمة .فالزوجة الرضيعة تأخذ المهر المسمّى من الزوج ، وتضمن له مهر المثل ، وربما يزيد على المسمّى وربما ينقص .### جواب المسألة الثانيةوأمّا المسألة الثانية : وهي أنّ المرضعة - سواء أكانت الزوجة الكبيرة ، أو أمّ الزوج ، أو بنتها ، أو أختها ، أو غيرهنّ ممن يوجب إرضاعها الزوجة الصغيرة بطلان نكاح الصغيرة - هل تضمن المهر للزوج على تقدير استحقاق الصغيرة له ، أو يفصل بين صورتي الاختيار في الإرضاع وعدمه ؟ وقد تقدّم أنّ الوجوه في المسألة ثلاثة . فالتحقيق فيها عدم الضمان مطلقاً ، وربما ينسب إلى المشهور الضمان مطلقاً .وما استدلّ له به أحد وجوه ثلاثة:الوجه الأوّل : قاعدة الإتلاف المتسالم عليها عند العقلاء والممضاة شرعاً وقد جرت سيرتهم على تضمين من أتلف مال الغير ببدله من المثل والقيمة وتقريب الاستدلال بها في المقام : أنّ المرضعة بارضاعها الزوجة الصغيرة قد أتلفت
على الزوج الاستمتاع بالزوجة أو نفس الزوجيّة ، فتكون ضامنة لبدل ذلك وهو المهر . ولا يخفى أن مقتضى ذلك ضمان مهر المثل ، لا المهر المسمّى .ويرد على الاستدلال بهذه القاعدة في المقام : أنّ موردها الأموال ، لا كلّ شيء ولو لم يكن مالاً ، وعليه فليس لها صغرى في المقام ، لأنّ علقة الزوجية أو الاستمتاع بالزوجة ليس ممّا يتموّل ، أي لا يبذل المهر بازائه ، فإنّ المهر كما قلنا (1- ليس عوضاً عن علقة الزوجية أو الانتفاع بالبضع ، ومن هنا لم يقل أحد بضمان قاتل الزوجة أو حابسها مهر المثل ، وثبوت المهر في النكاح إنما هو تعبّد شرعي كما تقدّم (2)، ولم تتلف المرضعة على الزوج شيئاً آخر ، نعم هي صارت سبباً البطلان نكاح الرضيعة .)الوجه الثاني : قاعدة نفي الضرر (3بدعوى أن المرضعة صارت سبباً لتضرّر الزوج ، حيث أنّه ببطلان النكاح تضرّر بتسليم مقدار المهر المسمّى الذي لم يحصل له في مقابله شيء ، ومقتضى هذا الوجه ضمان المرضعة المهر المسمّى ، لأنه الذي تضرّر به الزوج ، حيث لم يسلم له النكاح .)ويرد على الاستدلال بهذه القاعدة .أوّلاً : أنّها إنّما ترفع الأحكام المجعولة في الشريعة إذا كانت ضررية ، لا عدم الحكم الضرري ، مثلاً لو كان وجوب شيء أو حرمته ضررياً لارتفع بهذه القاعدة لأنّ الضرر حينئذ ناشئ من الجعل الشرعي ، ورفعه بيد الشارع ، وأمّا عدم الوجوب إذا كان ضررياً فلا يرتفع بهذه القاعدة ليصير الشيء واجباً دفعاً للضرر لأن الضرر حينئذ لم ينشأ من قبل الشارع ، وإن كان رفعه مقدوراً للشارع أيضاً
بأن يقلبه إلى وجود الحكم ، إلّا أنّه ليس مدلول الحديث الشريف كما قلنا - إلّا رفع الضرر الذي ينشأ من الجعل الشرعي ، ولا يعمّ الضرر الناشئ من عدم الجعل الشرعي .وليس في المقام حكم وجودي ضرري ليرتفع ، وإنما ينشأ الضرر من عدم تضمين المرضعة ، وهو بمعنى أنّ الشارع لم يجعل عليها الضمان ، فلا يرتفع بهذه القاعدة لتكون ضامنة .وأمّا جواز الإرضاع فلم يستشكل فيه أحد ، لعدم وجود منع شرعي عن الإرضاع الموجب لبطلان النكاح ، وإن سلّم أنّه مستلزم للضرر ، فقاعدة نفي الضرر ترفع جواز الإرضاع ، ولا تثبت الضمان .وثانياً : أنّه لو سلّم شمول القاعدة لعدم الجعل الذي ينشأ منه الضرر لم تشمل المقام أيضاً ، لأنّ الامتنان على الزوج برفع عدم الضمان ينافي الامتنان على المرضعة ، ولا ترجيح لضرر أحدهما على الآخر ، ومورد القاعدة ما كان في رفعه امتنان على الأمّة ، ولا تشمل ما كان فيه امتنان على بعض دون بعض .وربما يقال : إنّ المرضعة هي التي أقدمت على ضرر نفسها ، فلا يكون نفي الضرر عن الزوج خلاف الامتنان عليها .ويندفع أوّلاً : بأنّ هذا أخصّ من المدعى ، إذ ربما يكون الإرضاع واجباً عليها ، لتوقف حفظ نفس الرضيعة على ذلك ، فكيف يقال هي التي أقدمت على ضرر نفسها في حين أنّ الداعي لها أمر الشارع بالإرضاع وإن كان ذلك لا ينافي الضمان ، إلّا أنّه ليس إقداماً منها على الضرر .وثانياً : بأنّ الإقدام على الضرر فرع ثبوت الضمان ، وهو أول الكلام .الوجه الثالث : رواية ضعيفة ذكرها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه في رسالته)
الرضاعية (1، وهي ما رواه الفقيه (2)بسند ضعيف عن داود بن الحصين عن عمر ابن حنظلة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل قال لآخر : اخطب لي فلانة ، فما فعلت من شيء ممّا قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك لي رضى ، وهو لازم لي . ولم يشهد على ذلك ، فذهب فخطب له ، وبذل عنه الصداق وغير ذلك ممّا طالبوه وسألوه ، فلما رجع إليه أنكر ذلك كله قال : يغرم لها نصف الصداق عنه ، وذلك أنّه هو الذي ضيّع حقها ، إذ (3)لم يشهد عليه بذلك الذي قال » (4)بتقريب : أنّ عموم التعليل يشمل المقام ، لأنّ المرضعة قد ضيّعت حقّ الزوج ، فيجب عليها أن تغرم له ما خسره من المهر .)ويرد عليه : أنّ ضعف سندها يغنينا عن التكلّم في دلالتها ، مع أنّها لا دلالة لها على المطلوب أيضاً ، لأنّ مورد الرواية الحق المالي ، والتعليل إنما يعمّ كلّ حقّ مالي ، ولا يعم غيره ، والمرضعة في المقام لم تضيّع حقاً مالياً على الزوج ، وإنّما ضيعت زوجيّة الرضيعة عليه بارضاعها ، والمهر قد وجب عليه بنفس العقد ، لا بارضاعها .فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّه لا موجب لضمان المرضعة ، وإن كان إرضاعها باختيارها من دون ضرورة تقتضي ذلك ، وبه يظهر فساد التفصيل المتقدم .
### جواب المسألة الثالثةوأمّا المسألة الثالثة - وهي أنّه على تقدير ثبوت الضمان على المرضعة هل تضمن المهر المسمّى أو مهر المثل : فالحق فيها هو الثاني ، لأن مدرك الضمان إن كان: قاعدة الإتلاف فهي تقتضي ضمان ما أتلفته على الزوج من منافع البضع أو الزوجية ، لا المهر المسمّى الثابت على الزوج بالعقد .وإن كان قاعدة نفي الضرر فكذلك أيضاً ، لأنّ الزائد على مهر المثل قد أقدم عليه الزوج بنفسه ، فتضرّره به مستند إلى إقدامه لا إلى المرضعة بارضاعها الصغيرة ، والمقدار الذي أضرّته به المرضعة هو مقدار مهر المثل .والحمد للّه أوّلاً وآخراً . هذا آخر ما أفاده سيّدنا الأستاذ (دام ظله في بحث الرضاع ، وكان ذلك في الليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1375 الهجرية (1.)
1) قد كان تحرير أصل الرسالة في سنة 1374 و 1375ه- ، كما أشرنا في المقدمة ، وكان طبعها في سنة 1412ه- في النجف الأشرف ، وقد أعيد طبعها
### من وقائع الرضاعأروع حادثة عالجها الدكتور محمد التيجاني السماوي وانتهى فيها إلى نصرة الحق وحلّ العقدةبما استند إليه من فتاوى الإمام الخوئي (قدّس سرّه في كلّ رضاع لم يبلغ حد النصاب الصحيح)
بسم الله الرحمن الرحيميطالع القارئ الكريم كتاب أحكام الرضاع في فقه (الشيعة وهو ممّا ألقاه الإمام الراحل من المحاضرات الفقهية، والدراسات الاجتهادية ، والأبحاث العلمية العُليا ، على صفوة من طلابه الذين أعدّهم للاجتهاد ، واختصهم بالعلم والتحقيق وتوسم فيهم الزعامة والمرجعية ، طرح عليهم أبحاث الرضاع بكل شقوقها ومسائلها ، بما فيه من نقاط الخلاف بين المذاهب الإسلامية كمّاً يرجع إلى عدد الرضعات ودفعاتها ، وكيفاً يعود إلى شروطها الخاصة بها ، تلك التي تنشر الحرمة بين الرضيعين ويجعل المرضعة أُمّاً وإن علت ، وصاحب اللبن أباً وإن علا ، كما تحقّق الأخوة بين الرضيعين وإخوانهما وأخواتهما .)والذي عنانا في هذا التذييل هو ضرورة أن نلحق بالكتاب ما استعرضه الأستاذ التيجاني في كتابه (ثم اهتديت (1)بما يتصل بالمحاكم الشرعية ، والأحكام القضائية التي تلابس حياة المسلمين ، وتواجههم ، بوقائع معقدة لا قبل لهم بها تورث بينهم الاختلاف ، وتضطرهم إلى التخاصم في المحاكم الشرعية ، إبقاء على الزوجية ، أو البينونة عنها ، بعد أن أصبحوا آباء وأمهات لعدد من الأولاد إناثاً وذكوراً ، واختلط بعضهم ببعض .)ولشدّ ما تهدّمت البنية العائلية، وتحطّمت الحياة الزوجية ، وتفسّخت العقود وانتهى الأمر إلى تخريج الأولاد على قاعدة (وطء الشبهة ممّا أصاب العوائل الشريفة الوهن ، واللمز والتجريح ، غير أنّ كتاب (أحكام الرضاع في فقه الشيعة) في كلّ أبحاثه الفقهية ، ومناقشاته الاستدلالية ، واستعراض أقوال الفقهاء من مختلف المذاهب قد استقر على ما هو الحق الصراح في المسألة، ومن الله التوفيق، وعلى الله التكلان.)
1) اهتدى بالإمام الخوئي (قدّس سرّه) كما أورد ذلك في كتابه هذا .
يقول الدكتور محمد التيجانيفي كتاب « ثمّ اهتديت »هدى الحقفي إحدى قرى الجنوب التونسي وخلال حفل زفاف كانت النساء يتحدثن عن فلانة زوجة فلان ، واستغربت العجوز الكبيرة التي كانت تجلس وسطهنّ وتسمع حديثهنّ أن تكون فلانة قد تزوّجت فلاناً ، ولما سألنها عن سبب استغرابها أخبرتهنّ بأنها أرضعت الاثنين، فهما أخوان من الرضاعة ، ونقل النسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهنّ ، وتثبت الرجال ، فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنها مرضعة، كما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة ، وقامت قيامة العشيرتين ، وتقاتلوا بالعصي ، كل منهما تتهم الأخرى بأنها سبب الكارثة التي سوف تجرّهم إلى سخط الله وعقابه ، وخصوصاً وأنّ هذا الزواج مرّ عليه عشرة أعوام، وأنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال ، وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها ، وامتنعت عن الأكل والشراب ، وأرادت الانتحار لأنها لم تتحمّل الصدمة، وكيف أنها تزوجت من أخيها وولدت منه وهي لا تعلم ، وسقط عدد من الجرحى من العشيرتين ، وتدخل أحد الشيوخ الكبار وأوقف المعارك ونصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضية عسى أن يجدوا حلاً .فصاروا يتجوّلون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حلّ لقضيّتهم ، وكلّما اتصلوا : عالم وأطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج، وضرورة تفريق الزوجين إلى الابدّ وتحرير رقبة أو صيام شهرين ، إلى غير ذلك من الفتاوى .
ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفس الشيء ، لأنّ المالكية كلّهم يحرّمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة ، اقتداءً بالإمام مالك الذي قاس الحليب على الخمر ، إذ أنّ « ما أسكر كثيره فقليله حرام » ، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب، والذي وقع أنّ أحد الحاضرين اختلى بهم ودلّهم على بيتي قائلاً لهم : اسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا ، فإنّه يعرف كل المذاهب ، وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات فيبرهم بالحجّة البالغة .هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيّاً عندما أدخلته إلى المكتبة وحكى لي كلّ القضية بالتفصيل من أوّلها إلى آخرها ، وقال : ياسيدي إن زوجتي تريد الانتحار وأولادي مهملين ، ونحن لا نعرف حلاً لهذه المشكلة ، وقد دلّونا عليك ، وقد استبشرت خيراً لما رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها ، فعسى أن يكون الحلّ عندك .أحضرت له قهوة ، وفكّرت قليلاً ثمّ سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة ، فقال : لا أدري ، غير أن زوجتي رضعت منها مرتين أو ثلاث ، وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرتين أو ثلاث مرات لتلك العجوز المرضعة ، فقلت : إذا كان هذا صحيحاً فليس عليكما شيء ، والزواج صحيح وحلال محلل ، وارتمى المسكين على يقبل رأسي ويدي ويقول : بشرك الله بالخير ، لقد فتحت أبواب السكينة أمامي ، ونهض مسرعاً ولم يكمل قهوته ، ولا استفسر مني ، ولا طلب الدليل ، غير أنّه استأذن للخروج حتّى يسرع فيبشّر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته .لكنّه رجع في اليوم التالي ومعه سبعة رجال وقدمّهم إلي قائلاً : هذا والدي وهذا والد زوجتي ، والثالث هو عمدة القرية، والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الديني ، والسادس شيخ العشيرة ، والسابع هو مدير المدرسة وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة ، وبماذا حلّلتها .
وأدخلت الجميع إلى المكتبة ، وكنت أتوقّع جدالهم ، وأحضرت لهم القهوة ورحّبت بهم ، قالوا : إنّما جئناك نناقشك عن تحليلك الرضاعة وقد حرّمها اللّه في القرآن ، وحرّمها رسوله بقوله : يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب . وكذلك حرّمها الإمام مالك .قلت : يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية وأنا واحد ، فإذا تكلمت مع الجميع فسوف لن أقنعكم ، وتضيع المناقشة في الهامشيات ، وإنما أقترح عليكم اختيار أحدكم حتّى أتناقش معه ، وأنتم تكونون حكماً بيني وبينه .وأعجبتهم الفكرة واستحسنوها ، وسلّموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين بأنه أعلمهم وأقدرهم ، وبدأ السيّد يسألني كيف أحلّل ما حرم الله ورسوله والأئمة.قلت : أعوذ بالله أن أفعل ذلك ، ولكنّ الله حرّم الرضاعة بآية مجملة ، ولم يبيّن تفصيل ذلك ، وإنما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف والكمّ .قال : فإنّ الإمام مالك يحرّم الرضاعة من قطرة واحدة .قلت : أعرف ذلك ، ولكنّ الإمام مالك ليس حجّة على المسلمين ، وإلّا فما هو قولك بالأئمة الآخرين ؟ أجاب : رضي الله عنهم وأرضاهم ، فكلّهم من رسول الله ملتمس . قلت : فما هي إذن حجّتك عند الله في تقليدك الإمام مالك الذي يخالف رأيه نص الرسول الله (صلی اللّه علیه وآله؟)قال محتاراً : سبحان الله ، أنا لا أعلم بأنّ الإمام مالك إمام دار الهجرة يخالف النصوص النبويةوتحيّر الحاضرون من هذا القول ، واستغربوا مني هذه الجرأة على الإمام مالك ، والتي لم يعهدوها من قبل في غيري، واستدركت قائلاً : هل كان الإمام مالك من الصحابة ؟ قال : لا ، قلت : هل كان من التابعين ؟ قال : لا ، وإنما هو من تابعي
التابعين ، قلت : فأيهما أقرب هو أم الإمام علي بن أبي طالب ؟ قال : الإمام علي أقرب ، فهو من الخلفاء الراشدين .وتكلّم أحد الحاضرين قائلاً : سيّدنا علي كرّم الله وجهه هو باب مدينة العلم ، فقلت : فلماذا تركتم باب مدينة العلم واتبعتم رجلاً ليس من الصحابة ولا من التابعين ، وإنما ولد بعد الفتنة وبعد ما أبيحت مدينة رسول الله الجيش يزيد ، و وفعلوا فيها ما فعلوا ، وقتلوا خيار الصحابة ، وانتهكوا فيها المحارم، وغيّروا سنّة الرسول ببدع ابتدعوها ؟ فكيف يطمئن الإنسان بعد ذلك إلى هؤلاء الأئمة الذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة لأنّهم أفتوها بما يلائم أهواءهم .)وتكلّم أحدهم وقال : سمعنا أنّك شيعي تعبد الإمام علياً ، فلكزه صاحبه الذي كان بجانبه لكزة أوجعته وقال له : اسكت ، أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا ، وقد عرفت العلماء وحتى الآن لم تر عيني مكتبة مثل هذه المكتبة ، وهذا الرجل يتكلّم عن معرفة ووثوق ممّا يقولأجبته قائلاً : أنا شيعي ، هذا صحيح ، ولكنّ الشيعة لا يعبدون علياً ، وإنما عوض أن يقلدوا الإمام مالك (1فهم يقلدون الإمام علياً ، لأنه باب مدينة العلم حسب شهادتكم .)قال المرشد الديني : وهل حلّل الإمام علي زواج الرضيعين ؟ قلت : لا ولكنّه يحرّم ذلك إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتواليات ، أو ما أنبت لحماً وعظماً .وتهلّل وجه والد الزوجة وقال : الحمد لله ، فابنتي لم ترضع إلّا مرتين أو ثلاث مرّات فقط ، وإنّ في قول الإمام علي هذا مخرجاً لنا من هذه الورطة ، ورحمة لنا من الله بعد أن يئسنا .
1) ) [ الظاهر أنّ الصحيح : مالكاً ] .
فقال المرشد : أعطنا الدليل على هذا القول حتّى نقتنع ، فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي ، وقرأ هو بنفسه عليهم باب الرضاعة ، وفرحوا بذلك فرحاً عظيماً ، وخصوصاً الزوج الذي كان خائفاً أن لا يكون لديّ الدليل المقنع وطلبوا مني إعارتهم الكتاب حتّى يحتجوا به في قريتهم ، فسلّمته إليهم ، وخرجوا مودعين داعين معتذرين .وبمجرّد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين ، وحملهم إلى بعض علماء السوء ، فخوّفوهم وحذروهم بأنّي عميل لإسرائيل ، وأن كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إيَّاه كله ضلالة، وأن أهل العراق هم أهل الكفر والنفاق ، وأن الشيعة مجوس ، يبيحون نكاح الأخوات ، فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الأخت من الرضاعة ، إلى غير ذلك من التهم والأراجيف ، وما زال بهم يحذرهم حتّى ارتدوا على أعقابهم ، وانقلبوا بعد اقتناعهم ، وأجبروا الزوج أن يقوم بقضية عدلية في الطلاق لدى المحكمة الابتدائية في قفصة ، وطلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا للعاصمة ويتصلوا بمفتي الجمهورية ليحل هذا الإشكال .وسافر الزوج وبقي هناك شهراً كاملاً حتّى تمكن من مقابلته ، وقص عليه قصته من أوّلها لآخرها ، وسأله مفتي الجمهورية عن العلماء الذين قالوا بحلّية الزواج وصحته ، وأجاب الزوج بأنّه ليس هناك من قال بحليته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي ، وسجّل المفتي اسمي ، وقال للزوج : ارجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة ، وبالفعل جاءت الرسالة من مفتي الجمهورية واطلع عليها وكيل الزوج وأعلمه بأن مفتي الجمهورية حرم ذلك الزواج.هذا ما قصه عليَّ زوج المرأة الذي بدا عليه الضعف والإرهاق من كثرة التعب ، وهو يعتذر إليّ لما سبّبه لي من إزعاج وحرج ، فشكرته على عواطفه متعجّباً
كيف يُبطل مفتي الجمهورية الزواج القائم في مثل هذه القضية ، وطلبت منه أن يأتيني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتّى أنشرها في الصحف التونسية ، وأبيّن أن مفتي الجمهورية يجهل المذاهب الإسلامية ، ولا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرضاعة .وقال الزوج بأنه لا يمكنه أن يطلع على ملفّ قضيّته ، فضلاً عن أن يأتيني برسالة منه ، وافترقنا .وبعد بضعة أيّام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة ، وهو يأمرني بإحضار الكتاب والأدلّة على عدم بطلان ذلك الزواج بين الرضيعين ، وذهبت محمّلاً بعدة مصادر انتقيتها مسبقاً ، ووضعت في كلّ منها بطاقة في باب الرضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة ، وذهبت في اليوم والساعة المذكورة، واستقبلني كاتب الرئيس وأدخلني إلى مكتب الرئيس ، وفوجئت برئيس المحكمة الابتدائية ورئيس محكمة الناحية ووكيل الجمهورية ومعهم ثلاثة أعضاء ، وكلّهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء ، وكأنهم في جلسة رسمية ، ولاحظت أيضاً أنّ زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم ، وسلّمت على الجميع ، فكانوا كلّهم ينظرون إلي باشمئزاز واحتقار ولما جلست كلّمني الرئيس بلهجة خشنة قائلاً : أنت هو التيجاني السماوي ؟قلت : نعم .قال : أنت الذي أفتيت بصحة الزواج في هذه القضية ؟قلت : لا ، لست أنا بمفت ، ولكنّ الأئمة وعلماء المسلمين هم الذين أفتوا بحلّيته وصحّته .قال : ومن أجل ذلك دعوناك ، وأنت الآن في قفص الاتهام ، فإذا لم تثبت دعواك بالدليل فسوف نحكم بسجنك ، وسوف لن تخرج من هنا إلّا إلى السجن .وعرفت وقتها أنّني بالفعل في قفص الاتهام ، لا لأنّني أفتيت في هذه القضية
ولكن لأنّ بعض علماء السوء حدّث هؤلاء الحكّام بأنّني صاحب فتنة ، وأنّني أسبّ الصحابة ، وأبثّ التشيّع لآل البيت النبوي ، وقد قال له رئيس المحكمة : إذا أتيتني بشاهدين ضده فسوف القيه في السجن .أضف إلى ذلك فإنّ جماعة الإخوان المسلمين استغلوا هذه الفتوى ، وروّجوا لدى الخاص والعام بأنني أبيح نكاح الأخوات ، وهو قول الشيعة على زعمهم !كلّ ذلك عرفته من قبل وتيقنته عندما هددني رئيس المحكمة بالسجن ، فلم يبق أمامي إلّا التحدّي والدفاع عن نفسي بكل شجاعة .فقلت للرئيس : هل لي أن أتكلّم بصراحة وبدون خوف ؟قال : نعم تكلّم ، فأنت ليس لك محام ...قلت : قبل كلّ شيء أنا لم أنصّب نفسي للإفتاء ، ولكن هاهو زوج المرأة أمامكم فاسألوه فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي ويسألني ، فكان واجباً علي أن أجيبه بما أعلم ، وقد ، وقد سألته بدوري عن عدد الرضعات ، ولما أعلمني بأنّ زوجته لم ترضع غير مرتين أعطيته وقتها حكم الإسلام فيها ، فلست أنا من المجتهدين ولا من المشرعين .قال الرئيس : عجباً ، أنت الآن تدّعي أنك تعرف الإسلام ونحن نجهله !قلت : أستغفر الله ، أنا لم أقصد هذا ، ولكن كل الناس هنا يعرفون مذهب الإمام مالك ويتوقفون عنده ، ويتوقفون عنده ، وأنا فتشت في كلّ المذاهب ووجدت حلّاً لهذه القضية.قال الرئيس : أين وجدت الحل ؟قلت : قبل كل شيء هل لي أن أسألكم سؤالاً ياسيّدي الرئيس ؟قال : اسأل كل ما تريد .قلت : ما قولكم في المذاهب الإسلامية ؟
قال : كلّها صحيحة ، فكلّهم من رسول الله ملتمس ، وفي اختلافهم رحمة .قلت : فارحموا إذن هذا المسكين - مشيراً إلى زوج المرأة - الذي قضى الآن أكثر من شهرين وهو مفارق لزوجه وولده ، بينما هناك من المذاهب الإسلامية من حل مشكلته .فقال الرئيس مغضباً : هات الدليل وكفاك تهريجاً ، نحن سمحنا لك بالدفاع عن نفسك فأصبحت محامياً لغيرك.فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي ، وقلت : هذا مذهب أهل البيت ، وفيه الدليل ، وقاطعني قائلاً : دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به .كنت متوقّعاً هذا ، ولذلك أحضرت معي بعد البحث والتنقيب عدّة مصادر لأهل السنة والجماعة ، وكنت رتبتها حسب علمي ، فوضعت البخاري في المرتبة الأولى ، ثمّ صحيح مسلم ، وبعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت ، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ، وكتاب زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي وعدة مصادر أخرى من كتب أهل السنّة ، ولما رفض الرئيس أن ينظر في كتاب السيد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها ، قال : البخاري ومسلم ، وأخرجت صحيح البخاري وفتحته على الصفحة المعيّنة ، وقلت : تفضّل ياسيدي اقرأ .قال : اقرأ أنت ؟ وقرأت : حدّثنا فلان عن فلان عن عائشة أمّ المؤمنين قالت : توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله ولم يحرّم من الرضعات إلّا خمسة فما فوق .)وأخذ الرئيس منّي الكتاب وقرأ بنفسه ، وأعطاه وكيل الجمهورية بجانبه وقرأ هو الآخر ، وناوله لمن بعده ، في حين أخرجت صحيح مسلم وأطلعته على نفس الأحاديث ، ثم فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الأزهر شلتوت وقد ذكر هو الآخر اختلافات الأئمة في مسألة الرضاعة ، فمنهم من ذهب إلى القول بأنّ المحرّم ما بلغ
خمس عشرة رضعة ، ومنهم من قال بسبعة ، ومنهم من حرّم فوق الخمسة ، عدا مالك الذي خالف النصّ وحرّم قطرة واحدة، ثمّ قال شلتوت : وأنا أميل إلى أوسط الآراء ، فأقول سبعة فما فوق .وبعد ما اطّلع رئيس المحكمة على كل ذلك قال : يكفي ، ثمّ التفت إلى زوج المرأة وقال له : اذهب الآن واتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنها رضعت مرّتين أو ثلاثة ، وسوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم ...وطار المسكين فرحاً ، واعتذر وكيل الجمهورية وبقية الأعضاء الحاضرين للالتحاق بأعمالهم ، وأذن لهم الرئيس ، ولما خلا بنا المجلس التفت إلى معتذراً وقال : سامحني يا أستاذ ، لقد غلطوني فيك ، وقالوا فيك أشياء غريبة ، وأنا الآن عرفت بأنّهم حاسدون ومغرضون ، يريدون بك شرّاً .وطار قلبي فرحاً بهذا التحوّل السريع ، وقلت : الحمد لله الذي جعل نصري على يديك ياسيدي الرئيس .فقال : سمعت بأنّ عندك مكتبة عظيمة ، فهل يوجد فيها كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري ؟قلت : نعم .فقال : هل تعيرني إيّاه ، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه .قلت : هو لك ياسيّدي متى أردت .قال : هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبتي لنتحدّث وأستفيد منك .قلت : أستغفر الله ، فأنا الذي أستفيد منك ، فأنت أكبر منّي سنّاً وقدراً وعندي أربعة أيام راحة في الأسبوع ، وأنا رهن إشارتك ، واتفقنا على يوم السبت من كل أسبوع ، لأنه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم .وبعد ما طلب مني أن أترك له كتاب البخاري ومسلم وكتاب الفتاوى لمحمود
شلتوت لكي يحرّر منهم النصّ قام بنفسه وأخرجني من مكتبته مودّعاً ، وخرجت فرحاً أحمد الله سبحانه على هذا النصر، وقد دخلت خائفاً مهدّداً بالسجن وخرجت وقد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم، يحترمني ويطلب مني مجالسته ليستفيد منى ، إنها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسك بهم ، ويأمن من لجأ إليهم .وتحدّث زوج المرأة في قريته ، وشاع الخبر في كلّ القرى المجاورة بعدما رجعت المرأة إلى بيت زوجها ، وانتهت القضية بحلّية الزواج ، فأصبح الناس يقولون بأنّي أعلم من الجميع ، وأعلم حتّى من مفتي الجمهورية.وقد جاء زوج المرأة إلى البيت ومعه سيارة كبيرة ، ودعاني إلى القرية أنا وكل عائلتي ، وأعلمني بأنّ كلّ الأهالي ينتظرون قدومي ، وسيذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح ، واعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة ، وقلت له : سوف أزوركم مرة أخرى إن شاء الله .وتحدث رئيس المحكمة إلى أصدقائه ، واشتهرت القضية ، وردّ الله كيد الكائدين ، وجاء بعضهم معتذرين ، وقد فتح الله بصيرة البعض منهم ، فاستبصروا وأصبحوا من المخلصين ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين .بنقل من كتاب « ثم اهتديت » للدكتور التيجاني من ص 176 - 184
### الملحقات### ملحق رقم (1:)قد تكرّرت هذه الجملة : « الرضاع لحمة كلحمة النسب » في ألسنة الفقهاء بحكم اشتراك الرضاع مع النسب في تأثير المنع ، وقال في المستند : أنّه ورد في السنة المقبولة عنه (صلى الله عليه وآله أنّه قال : « الرضاع لحمة كلحمة النسب »(1). ولكن قال بعض الأعلام (2): أنّه ليس حديثاً ولا رواية ، وإنما الحديث النبوي المذكور في عامة كتب الحديث للفريقين هو قوله (صلى الله عليه وآله ) ( الولاء لحمة كلحمة النسب » فجاء هذا الكلام على هذا الغرار ، بحكم وجود الملاك في الثلاثة : النسب والرضاع والولاء ، فلاحظ الوسائل 23 : 75 / كتاب العتق ب 42 ح 2 قوله (صلى الله عليه وآله ) : «الولاء لحمة كلحمة النسب ، لا تباع ولا توهب».)### ملحق رقم(2:)تعريف الرضاع :الرضاع - بفتح الراء وكسرها - ويقال : رضاعة - بفتح الراء وكسرها - أيضاً ، معناه لغة : مص الثدي ، سواء كان مص ثدي آدمية ، أو ثدي بهيمة ، أو نحو ذلك ، فيقال لغة لمن مص ثدي بقرة ، أو شاة ، أنّه رضعها . فإذا حلب لبنها وشربه الصبي فلا يقال له : رضعه ولا يشترط في المعنى اللغوي أن يكون الرضيع صغيراً. أمّا معناه شرعاً فعند العامة (3هو : وصول لبن آدميّة إلى جوف طفل لم يزد سنّه على)
حولین(1.فإن شرب صغير وصغيرة لبن بهيمة لا تحرم عليه . ولا فرق بين أن يصل اللبن إلى الجوف من طريق الفم بمصّ الثدي ، أو بصبّه في حلقه ، أو إدخاله من أنفه ، فمتى وصل اللبن إلى معدة الطفل مدة الحولين المذكورين بالشروط الآتية كان رضاعاً شرعياً ، يترتّب عليه التحريم الآتي بيانه .)هكذا عرّف الرضاع الناشر لحرمة النكاح في متن كتاب الفقه على المذاهب الأربعة .وأمّا عند الشيعة فالرضاع الشرعي المحرّم للنكاح عبارة عن امتصاص طفل لم يزد سنه على حولين ثدي آدميّة بالشروط الآتية (2فلا يكفي مطلق وصول اللبن إلى جوف الصبي ، تحفّظاً على المعنى اللغوي الوارد في الآية الكريمة (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) والسنّة المتواترة « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » ولم يرد دليل على التوسعة وأعمّية المراد شرعاً ، كما أشرنا إلى ذلك في تعليقة ص 139 - 140 .)### ملحق رقم(3:)قد اشتهرت هذه القاعدة في ألسنة الفقهاء ، أخذاً من الروايات ، وهي « لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ، ولادة ورضاعاً ، ولا في أولاد المرضعة ، ولادة لا رضاعاً » والسبب فيه أنهم بمنزلة أولاده .وقد تقدّم (3أنّ هذه القاعدة تكون تخصيصاً في عموم المنزلة ، لأن أولاد صاحب [ اللبن ] يكونون إخوة لأولاد أبي المرتضع ، لا أولاداً رضاعيين له ، إلّا أنّه مع ذلك دلت الروايات على حرمتهم عليه .)وقد تقدّم (4أيضاً وجه الفرق بين صاحب اللبن والمرضعة في تحريم أولاده على أبي)
المرتضع مطلقاً ، دون أولادها ، فإنّ المحرّم خصوص أولادها النسبية ، دون الرضاعية فراجع ، ولا حاجة إلى الإعادة ، وإنما نتعرّض هنا لفروض هذه القاعدة في الرضاع قبل النكاح وبعده ، فإنّه لا يصح في الأول ، ويبطل في الثاني .حرمة أولاد صاحب اللبن على أبي المرتضع .الرضاع السابق على النكاحلو ارتضع ابنك من لبن رجل يحرم عليك بنات ذاك الرجل ، لأنك أبو المرتضع ، ولا يجوز لك نكاح أولاد صاحب اللبن وهو الرجل المذكور .الرضاع اللاحق بالنكاحويترتّب على ذلك أنّه لو أرضعت زوجتك من لبنك ابن بنتك يبطل نكاح بنتك مع زوجها - صهرك - سواء كانت زوجتك المرضعة له أمّاً لأم المرتضع بحيث يكون أبو المرتضع صهركها معاً أم لا ، إذ يكفي في الحرمة أن تكون أمّ المرتضع بنتاً لصاحب اللبن ، وإن لم تكن بنتاً لزوجتك المرضعة ، وكانت من غيرها من زوجاتك .وبتعبير آخر : إذا أرضعت زوجة الجدّ للأمّ طفلاً من لبن جدّه لأمّه حرمت أمّ المرتضع على أبيه ، ولا فرق في المرضعة بين أن تكون أمّاً لأمّ المرتضع وأن لا تكون أمّاً لها بل تكون زوجة لأبيها ، لأنّ العبرة في الفرض بصاحب اللبن ، وهو جدّه الأمّي ، لا بالمرضعة ، فيبطل نكاح أبي المرضع - وهو صهر صاحب اللين - مع زوجته أمّ المرتضع ، أي بنت صاحب اللبن . حرمة أولاد المرضعة على أبي المرتضع .الرضاع السابق على النكاحلو ارتضع ابنك عن امرأة تحرم عليك بنتها النسبية ، لأنك أبو المرتضع ، لا يجوز لك نكاح بنت المرضعة النسبية .الرضاع اللاحق بالنكاحويترتّب على ذلك : أنّه لو ارتضع طفل من جدّته لأمّه يبطل نكاح أمّ ذاك الطفل مع
أبيه - صهر المرضعة - لأنّ صهرها يكون حينئذ أباً للمرتضع ، ولا يحل له نكاح بنت المرضعة التي هي أم الطفل . ولا يفرق في ذلك بين أن يكون صاحب اللبن جده الأمّي أيضاً أي أباً لأم المرتضع – أو لا ، لأن العبرة في الحرمة في المثال بأولاد المرضعة ، من دون رعاية صاحب اللبن ، لكفايتها في المنع .### الملحق رقم (4 :)إنّ مجموع الشروط المعتبرة في الرضاع المحرّم للنكاح - سواء في المرضعة ، أو اللبن أو الرضيع ، أو الإرضاع - تكون كما يلي :1 - حياة المرضعة(1.)فلو ماتت أثناء الرضاع فلا ينشر الحرمة .2 - درّ لبنها عن وطء غير محرّم ، كالنكاح .فلا أثر للبن الزانية (2.)3 - درّ لبنها عن حمل الولد .فلو درّ لبنها من دون حمل - وإن كانت منكوحة بنكاح صحيح - فلا أثر له ، وأمّا انفصال الولد ، وعدم الاكتفاء بالحمل ففيه كلام تقدّم (3.)4 - وحدة المرضعة في تمام المقدار المعتبر في الرضاع، إما عدداً ، أو زماناً ، أو أثراً .فلو كان لرجل زوجتان مرضعتان فأرضعت إحداهما طفلاً بعض المقدار - كعشر رضعات - وأرضعته الأخرى بقيّة المقدار - كخمس رضعات - لم ينشر الحرمة ، أي لا يصير الفحل - الزوج - أباً رضاعياً له ، ولا المرأتان أمّاً ، فضلاً عن حرمة الحواشي كالإخوة (4.)
ويؤيّد هذا الشرط أنّه لو اكتفينا في المقدار الناشر للحرمة بوحدة الفحل وإن تعددت المرضعة ، لزم أن يكون للمرتضع أب رضاعي من دون أمّ رضاعية ، لعدم حصول الإرضاع الكامل من كل واحد من المرأتين ، إذ المفروض أنّ المقدار المعتبر قد حصل من مجموع إرضاعهما معاً، دون كل واحد منهما مستقلاً .5 - وحدة الفحل في اللبنفلو أرضعت امرأة طفلاً المقدار المعتبر من مجموع لبن فحلين لم ينشر الحرمة حتّى بين الرضيع والمرضعة، فضلاً عن الحواشي ، فكما يشترط في اللبن وحدة المرضعة في تمام المقدار يشترط فيه أيضاً وحدة الفحل ، فلو اتحدت المرضعة وتعدّد الفحل لزم أن يكون الرضيع ذا ام رضاعية بلا أب رضاعي ، لعدم ارتضاعه من لبن كل واحد منهما تمام الرضاع ، كما أنّه لو تعدّدت المرضعة واتحد الفحل لزم أن يكون له أب رضاعي من دون أمّ رضاعية ، لعدم تحقّق الرضاع المعتبر من كلّ واحدة منهما على الفرض ، فلابدّ وأن يرتضع المرتضع تمام الحدّ المعتبر من لبن فحل واحد عن مرضعة واحدة .صور تلفيق الرضاع من لبن فحلينأمّا تلفيق الرضاع من مجموع لبن فحلين فيمكن تصوّره بالكيفيات الآتية ، وإن كانت نادرة :الأولى : أن ترضع امرأة طفلاً من لبن زوجها عشر رضعات مثلاً ، ثمّ تنفصل عنه بطلاق ونحوه وتتزوّج بعد العدة برجل آخر ، وتلد منه ، وترضع الطفل المذكور بقية العدد خمس رضعات - من لبن زوجها الثاني ، فإنّه حينئذ يحصل تلفيق العدد المعتبر من لبن فحلين ، لحصول مجموع العدد المعتبر من لبنهما .ولا يخفى أنّه لابدّ وأن نفرض أنّ الطفل المذكور كان يتغذّى بالأكل والشرب في المدّة المتخلّلة بين الرضاعين ، ونلتزم بأنّ التغذي بهما لا يمنع عن تحقّق التوالي المعتبر في الرضعات شرعاً ، لأنّ المانع عنه إنّما هو الفصل برضاع امرأة أخرى ، دون الأكل والشرب
كما التزمنا (1بذلك في خمس عشرة رضعات ، دون العشر . وتصوير تلفيق اللبن من فحلين بهذه الكيفية سهل ، وقد أشار إليها في الجواهر (2)والمستند (3)وبلغة الفقيه (4)، وقد ، تقدّم (5).)الصورة الثانية : وهي تلائم اعتبار عدم الفصل بين الرضعات حتّى بالأكل والشرب في جميع الحدود المقدّرة للرضاع، حتّى غير العددية فضلاً عنها وإن كانت نادرة وهي نفرض أنّ الزوج الأوّل قد طلق المرضعة ، وهي ذات لبن منه تُرضع ابنه ، وبعد الخروج عن العدة تزوّجت برجل آخر وحملت منه ، وهي بَعد تُرضع ولدها من لبن الزوج الأوّل ، فإنّ هذا اللبن بعد محكوم شرعاً بأنّه للزوج الأوّل ، وإن حملت من الزوج الثاني ما لم تضع حملها منه .وحينئذ لو فرضنا أنّها شرعت في إرضاع طفل قبل وضع حملها من الزوج الثاني بيوم أو ساعات ، وأرضعته في هذه المدّة القصيرة بعض المقدار الناشر للحرمة ، ثم وضعت حملها في الأثناء ، واستمرّت في إرضاع الطفل المذكور بقيّة المقدار المعتبر من دون فصل يتغذّى فيه الطفل بالأكل والشرب ، فحينئذ يتحقّق الرضاع من لبن فحلين من دون فصل إذ لبنها قبل الوضع من الثاني كان للزوج الأوّل ، وبعده يكون للزوج الثاني ، لنشوئه من ولادة ابنه منها ، وبذلك يتمّ تصوير إرضاع الصبي من مجموع لبن فحلين تمام المقدار المعتبر من دون فصل ، سواء قُدّر بانبات اللحم ، أو اليوم والليلة ، أو العدد مع التوالي ، لإمكان تصوّر جميع ذلك في الكيفية المزبورة ، وإن كانت نادرة ، فلاحظ .
الصورة الثالثة : أن يكون أحد اللبنين ناشئاً من وطئ الشبهة ، بناءً على كونه ناشراً للحرمة كالنكاح ، إذ حينئذ يمكن تصوير اللبن الثاني وإن كانت المرأة مزوّجة أرضعت طفلاً بعض المقدار المعتبر من لبن زوجها ، ثم أرضعته تتمّة المقدار بعد وضع ولدها من الشبهة وقد أشار إليها في الجواهر (1إلّا أنّ المبنى ممنوع (2)لعدم إلحاق لبن الواطي شبهة بالواطي عن النكاح في نشر الحرمة بالرضاع .)6 - وحدة الفحل في أخوة المرتضعين خاصةبمعنى أنّ حصول الأخوّة الرضاعية بين المرتضعين يتوقف على وحدة الفحل ، وإن كان حرمة الولد الرضاعي على الولد النسبي للمرضعة لا يتوقف على ذلك كما تقدّم(3.)البحث عنه في حرمة فروع المرضعة على المرتضعولو أرضعت امرأة طفلاً من لبن زوجها تمام الرضاع المعتبر ، ثم تزوّجت برجل آخر بعد مفارقتها الزوج الأوّل بطلاق ونحوه ، وأرضعت طفلاً آخر من لبن زوجها الثاني تمام الرضاع ، أيضاً لم تتحقّق الأخوّة الرضاعية بين هذين الطفلين المرتضعين ، وإن اتحدت المرضعة ، نعم تتحقّق به الأبوّة بين كلّ من الزوجين والطفل المرتضع من لبنه ، والأمومة بين المرضعة وبينهما ، من دون حصول الأخوّة الرضاعية بين نفس المرتضعين ، ولا محذور.ومعنى ذلك أنّه لا تكفي في الأخوّة الرضاعية وحدة الأمّ خاصّة ، بخلاف الأخوّة من ناحية الأب ، فإنّه يكفي فيها وحدة الأب وإن تعددت الأمّ ، فلو ارتضع مائة طفل - مثلاً - من لبن فحل واحد المقدار المعتبر حرم بعضهم على البعض ، والكلّ على الفحل وإن تعددت المرضعات ، كما لو كانت لرجل واحد مائة امرأة - مثلاً - أرضعت كلّ واحدة منها رضيعاً . واشتراط وحدة الفحل في الأخوّة الرضاعية بين المرتضعين هو المشهور الموافق للدليل
وإن خالف فيه بعض ، وهذا غير اشتراطها في اللبن الناشر لأصل الحرمة كما تقدّم(1.)7- خلوص اللبن ، فلو امتزج بغيره كالسكر ، ونحوه لم ينشر الحرمة(2.)8- أن يكون المرتضع في الحولين ، فلا أثر للرضاع بعدهما .9 - أن يكون الرضاع بكميّة خاصة محدّدة شرعاً ، إما بالعدد ، أو الزمان ، أو الأثر(3.)10 - إكمال الرضعة في الإرضاع بالعدد أو الزمان ، فلا أثر للرضاع الناقص (4)11 - توالي الرضعات ، أي من دون فصل برضاع امرأة أخرى (5)12 - الامتصاص من الثدي ، فلا يكفي الوجور في حلق الصبي ، أو حلب اللبن في إناء ثم سقيه به (6.)هذه فهرس مجموع الشروط المعتبرة في نشر الحرمة بالرضاع ، وأما الدليل على كلّ واحد منها فمذكور في المتن .### الملحق رقم (5:)وذلك لأنّ الكلام تارةً في اعتبار وحدة الفحل في ارتضاع رضيع واحد بالنسبة إلى أصل نشر الحرمة بالرضاع ، وأخرى في حرمة أحد الرضيعين على الآخر - أي الأخوّة الرضاعية بين المرتضعين - وثالثة في اعتبارها بالنسبة إلى الحواشي ، وقد بيّن في المسائل الثلاث .
### الفهرستقريظ السيد الأستاذ (قدّس سرّه.. .3)المقدّمة للسيد مرتضى الحكمي ...5كلمة المؤلّف الشيخ محمّد تقي الإيرواني ...12كلمة المؤلّف السيد محمد مهدي الخلخالي...13أسباب حرمة النكاح في الإسلام ...17الفروج المحرّمة في الإسلام (التعليقة ...18)سببية الرضاع لنشر الحرمة ...20حديث : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب »...21ما هو المراد من الموصول في الحديث ؟ ...21عدم اختصاص التنزيل بالحرمة الدائمة ...24عدم اختصاص التنزيل بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال ...24هل التنزيل مقصور على العناوين السبعة المذكورة في الآية الكريمة ؟ ...25البحث حول عموم المنزلة ...25موارد عموم المنزلة (التعليقة...26)تحرير محلّ الكلام ...33ما هو مقتضى الأصل في موارد الشك في تحقّق الرضاع المحرم ؟...34
أ - بنحو الشبهة المصداقية ...34ب - بنحو الشبهة الحكمية ...34عمومات الحلّ ...34أصالة الحلّ ...35أدلّة القول بعموم المنزلة ...35الأوّل : إطلاق الحديث...35الجواب عنه ...36الثاني : الروايات الخاصة ...36جواب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه عن الاستدلال بها ...37)المناقشة في جوابه ...38ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه والجواب عنه ...40)أدلة أخرى لعموم المنزلة وما يرد عليها ...41الالتزام بعموم المنزلة في تنزيل أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللبن منزلة أولاد أبي المرتضع أم لا ؟ ...42أركان الرضاع : المرتضع والمرضعة وصاحب اللبن وأبو المرتضع ...44الفصل الأول : في حكم المرتضع ...45المسألة الأولى : حرمة المرضعة على المرتضع ...45المسألة الثانية : حرمة أصول المرضعة على المرتضع ...45المسألة الثالثة : حرمة حواشي المرضعة على المرتضع ...46المسألة الرابعة : حرمة فروع المرضعة على المرتضع ...47المسألة الخامسة : حرمة المرتضع على الفحل ...50المسألة السادسة : حرمة المرتضع على أصول الفحل ...50
المسألة السابعة : حرمة المرتضع على من في نسب الفحل أو رضاعه ...50المسألة الثامنة : حرمة المرتضع على فروع الفحل ...50الفصل الثاني : في حكم المرضعة ...51المسألة الأولى : عدم حرمة المرضعة على أصول المرتضع ...51المسألة الثانية : عدم حرمة المرضعة على حواشي المرتضع ...51المسألة الثالثة : حرمة فروع المرتضع على المرضعة ...52الفصل الثالث : في حكم الفحل ...53المسألة الأولى : عدم حرمة أصول المرتضع على الفحل...53المسألة الثانية : عدم حرمة حواشي المرتضع على الفحل...53المسألة الثالثة : حرمة فروع المرتضع على الفحل ...54الفصل الرابع: في حكم أبي المرتضع...55المسألة الأولى : عدم حرمة المرضعة على أبي المرتضع ...55المسألة الثانية : عدم حرمة أم الفحل على أبي المرتضع ...55المسألة الثالثة : حرمة فروع المرضعة على أبي المرتضع ...56ما أفاده المحقّق الخراساني في المقام والجواب عنه ....57المسألة الرابعة : حرمة فروع الفحل على أبي المرتضع ...59الفصل الخامس : أحكام أصول وفروع المرتضع وغيرهما ...61المسألة الأولى : حكم أصول المرتضع ...61المسألة الثانية : حكم حواشي أصول المرتضع ...62المسألة الثالثة : حكم حواشي المرتضع ...62المسألة الرابعة : حكم فروع المرتضع ....63أقسام الشروط المعتبرة في الرضاع المحرّم ...64
القسم الأوّل : ما يعتبر في المرضعة. ..64اعتبار الحياة في المرضعة ...64الوجوه التي استدل بها على ذلك ...64الأوّل : الأصل ، والجواب عنه ...64الثاني : الإجماع ، والمناقشة فيه...65الثالث : أن الميتة ليست مورداً للحكم الشرعي في المقام ، والخدشة فيه .... 65الرابع : ظهور لفظ الإرضاع في الرضاع الاختياري ، والردّ عليه ...66الخامس : ما استدلّ به الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه ...67)إيراد المحقّق الخراساني والجواب عنه ...68الجواب الصحيح عما أفاده الشيخ الأنصاري ...69السادس : الوجه المختار في اعتبار الحياة في المرضعة ...69القسم الثاني : ما يعتبر في اللبن ...70الأول : أن يكون اللبن عن حمل ناشئ عن وطء صحيح ...70عدم الفرق بين النكاح الدائم والمنقطع ...73شمول الحكم للمملوكة والمحلّلة ...74الإشكال فيا أفاده المحقّق الخراساني في المقام ...74حكم وطء الشبهة ...76دليل الشيخ الأنصاري على نشر الحرمة والجواب عنه ...77دليل صاحب البلغة والجواب عنه ...77هل يختص النشر على هذا القول بما إذا كانت الشبهة من الطرفين أو لا ...77عدم اعتبار وجود الفحل في نشر الحرمة بالرضاع ...78هل يعتبر في نشر الحرمة انفصال الولد أو يكفي الحمل ؟ ...78
الثاني : وحدة المرضعة ...80ما استدل به على ذلك والجواب عنه ...80الدليل الصحيح والمختار ...83الثالث : وحدة الفحل ...84المسألة الأولى : تلفيق الرضاع من لبن فحلين لا ينشر الحرمة ...84المسألة الثانية : يعتبر في نشر الرضاع المحرمة بين الرضيعين اتحاد الفحل ...85مخالفة الشيخ الطبرسي والمحدّث الكاشاني في ذلك ...86تحقيق الكلام في المقام ...87المسألة الثالثة : اختصاص اعتبار وحدة الفحل بالرضاعين المحقّقين الأخوة بين الرضيعين ...88مخالفة العلّامة والمحقّق الثاني في ذلك ...89الرابع : خلوصه وعدم امتزاجه بغيره ...90القسم الثالث : ما يعتبر في الرضيع ...91اعتبار وقوع مجموع الرضاع في حولي الرضاع ...91طوائف الأخبار الواردة في المقام ...94القسم الرابع : ما يعتبر في نفس الرضاع ...96الأول : اعتبار كميّة خاصة في الرضاع ...96التحديدات الثلاثة للكمية ...96أ - التحديد بالعدد ...96اختلاف الأقوال في العدد المعتبر في نشر الحرمة بالرضاع ...96استعراض أدلة التحديد بعشر رضعات.. .100الأخبار الدالة على التحديد بالعشر ...101
1 - رواية الفضيل بن يسار ...102المناقشة فيها بضعف السند ...102مناقشة الشيخ الأنصاري فيها بوجهين آخرين والجواب عنها ...1032 - موثّقة عمر بن يزيد ...1053- موثّقة هارون بن مسلم ...106تقريب الاستدلال بهما ...106معارضتها بجملة من الروايات ...106دفع المعارضة المذكورة ...107دلالة موثّقة زياد بن سوقة على عدم كفاية عشر رضعات ...108معارضة الموثّقة للروايات الدالة على كفاية العشر ...108ترجيح الموثّقة بمخالفة العامة والمناقشة فيه ...109ترجيحها بموافقة الكتاب والخدشة فيه ...110مناقشة الشيخ الأنصاري في تقديم روايات العشر على الموثّقة ...111الجواب على ما أفاده (قدّس سرّه ...112)مناقشة ابن إدريس الموثّقة زياد ...113مناقشة والجواب عنها ...114الاستشهاد بموثّقة عبيد بن زرارة على صدور روايات العشر على وجه التقية ...116الجواب عن الاستشهاد المذكور ...117الاستشهاد بصحيحة صفوان بن يحيى لهذا المدعى والجواب عنه ...118استدلال بعض العامة للتحديد بالعشر والخدش فيه ...119التعارض بين ما دلّ على التحديد بالعشر والتحديد بالزمان ...120علاج التعارض ...121
ما يعتبر في الإرضاع بالعدد ...123أ - إكمال الرضعة ...123الدليل على هذا الشرط ...123ب - توالي الرضعات ...124المراد من التوالي بناءً على كفاية العشر في نشر الحرمة ...125ب - التحديد بالزمان ...130الروايات المتضمّنة للتحديد باليوم والليلة ...130كفاية التلفيق فيهما ...131شروط نشر الحرمة في التحديد بالزمان ...1311 - التغذي المتعارف ... 1312 - عدم التغذي بشيء آخر ...132الروايات الدالّة على التحديد بخمسة عشر يوماً وليلة ، والجواب عنها .... 132ج التحديد بالأثر ...134هل يعتبر في النشر اجتماع إنبات اللحم والدم وشدّ العظم ؟...135الإشكال بلغوية التحديد بالأثر والجواب عنه ...137منافاة التحديد بالأثر مع التحديد بالزمان والعدد والجواب عنه ...137الثاني : اعتبار الامتصاص من الثدي ...139الاستدلال لكفاية الوجور والجواب عنه ...142مسائل تتعلّق بالرضاع من حيث نشره الحرمة وعدمه ...144المسألة الأولى : لا فرق بين الرضاع السابق على النكاح واللاحق له ....144المسألة الثانية : إرضاع الزوجة الكبيرة للصغيرة ...146أدلّة بطلان نكاح الكبيرة وحرمتها مؤيداً وما يرد عليها ...147
الأول : أعمّية المشتق لما انقضى عنه عنه المبدأ ...147الثاني : كفاية أدنى ملابسة في الإضافة ...148الثالث : دلالة الآية على كفاية الزوجية السابقة في حرمة الكبيرة ...148الرابع : التشبث بالمسامحة العرفية ...149الخامس : رواية علي بن مهزيار ...150السادس : اتحاد رتبة أمومة الكبيرة مع زوجية الصغيرة وكفايته في نشر الحرمة ... 151دلیل عدم بطلان نكاح الكبيرة ...152حرمة الصغيرة إذا كان الرضاع بلبنه أو كانت الكبيرة مدخولاً بها... 152دليل المشهور على بطلان نكاح الصغيرة مع عدم كون اللبن له وعدم الدخول بالكبيرة ...152المناقشة فيما استدل به للقول المشهور...153المسألة الثالثة : إرضاع الزوجتين الكبيرتين للصغيرة ...154مسائل في أحكام مهر الزوجة الصغيرة ...156الأولى : هل الصغيرة تستحق المهر ببطلان نكاحها بالرضاع ؟ ...156الثانية : هل تضمن الكبيرة المهر للزوج ...157الثالثة : على تقدير ضمان المرضعة فهل تضمن المهر المسمّى أو مهر المثل ؟ ...157جواب المسألة الأولى ...157جواب المسألة الثانية ...160جواب المسألة الثالثة ...164من وقائع الرضاع ...165الملحقات...177
ملحق رقم (1 ص 13 ... 177)ملحق رقم (2 ص 20 ... 177)ملحق رقم (3 ص 55، 56 ...178)ملحق رقم ( 4 ص 64 ...180)ملحق رقم (5 ص 84 ... 184)الفهرس ...185
## رسالة في اللباس المشكوك### اشارةتاليفالاستاذ الاعظم آیةالله العظمیالسَّيَّد ابُوالقَاسِم لموسوي الخوئي« 1317-1413ه- »
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف بريّته محمّد وعترته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين .### الأقوال في المسألةوبعد ، فيقول العبد الآثم ، المفتقر إلى رحمة ربّه الغني أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي عفا الله عن جرائمه ، وحشره مع الأئمة المعصومين : بما أنّ مسألة اللباس المشكوك فيه من عويصات مسائل الفقه مبتنية على أصول ومبانٍ مهمّة ، تضاربت فيها أنظار العلماء ، ولقد عادت حلبةً لسباق التحقيق ومجالاً لفرسانه ، فلم يجر فيها إلّا كلّ حائز قصب السبق ، ومالك أزمة التنقيب . وبما أنّ الحاجة إليها مسيسة في كل حين ، عمدت إلى تنقيح القول فيها بما يسعه الوقت كنت ألقيها دروساً ، فأفرغتها في رسالة مستقلة ، ليعم الانتفاع بها على حين القريب والنائي ، وينتجع بها الداني والقاصي .وأنّ من النواميس المطّردة إهداء الكتب إلى كبير من كبراء الدهر ، وإنّي لا أجد أكبر من حجة بيت الوحي المنتظر (صلوات الله وسلامه عليه أهدي إليه بضاعتي المزجاة ، فعسى أن يمن على فيو في لي الكيل دنيا وعقبى .)فأقول مستمدّاً من الله عزّوجل ومن وليّه المأمول (عجل الله تعالى فرجه : إنّ المسألة أصبحت ذات وجوه وأقوال ، بعد ما كان القول بعدم الجواز معروفاً بين الأصحاب ، وقد اختاره بعض المحقّقين من المتأخرين (1)أيضاً . فمن قائل بالجواز مطلقاً ، ومفصّل بين الشرطية والمانعية ، فاختار المنع على الأولى والجواز على)
1) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك : 2 .
الثانية ، وهذا هو المعروف بين المتأخرين ، بل أفاد شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه في رسالته المفردة أن النزاع في الجواز وعدمه مبني على القول بالمانعية ، وأمّا على الشرطية فلا إشكال في عدم الجواز(1).)وأنت بعد ما تحيط خبراً بما سنذكره إن شاء الله تعالى تعرف أنّ مقتضى بعض ما استدلّ به على الجواز (2هو القول به حتّى على الشرطية ، فيكون ما أفاده (قدّس سرّه) تفصيلاً في المسألة ، كما أفاده في الجواهر (3)، لا قولاً بالجواز مطلقاً . وعلى هذا التفصيل يبتني القول بالتفصيل بين الساتر وغيره ، باختيار المنع في الأول والجواز في الثاني ، بدعوى الشرطية في الساتر والمانعية في غيره.)ومنهم من فصّل بين اللباس وغيره ممّا يقع على بدن المصلّي أو على لباسه بعد الفراغ عن مانعية غير المأكول مطلقاً حتّى ما يكون من غير اللباس ، وهو الذي أفتى به صاحب الجواهر (قدّس سرّه في كتاب النجاة (4)وأمضاه شيخ مشايخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (5).)ومنهم من فصّل بين ما يكون مع المصلّي من افتتاح صلاته وما يقع عليه أو يلبسه بعد الشروع فيها ، فاختار الجواز في الثاني وعدمه في الأول .ومنهم من فصل بين ما تكون جزئيته للحيوان معلومة ، وما يحتمل كونه من غير الحيوان أيضاً . وهذا التفصيل مبني على استفادة الشرطية من الأدلة على تقدير
العلم بجزئية ما يصلّي فيه للحيوان ، وعلى القول بالمنع على تقدير الشرطية .ولعلّك تقف على تفصيل آخر لا يبتني على التفصيل بين الشرطية والمانعية والمختار عندنا هو القول بالجواز على المانعية مطلقاً ، وعلى الشرطية في بعض موارد الشبهة ، ويتضح لك الحال في ضمن الاستدلال إن شاء الله تعالى .إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ التكلّم في حكم المسألة إما أن يكون من جهة مقتضيات الأدلّة الاجتهادية ، أو من جهة الأصول الموضوعية ، أو من جهة الأصول الحكمية، عقلية أو نقلية ، فلنفرد لكلّ جهة بحثاً مستقلاً ، فمباحث الرسالة ثلاثة .### أمور نافعةولنقدّم قبل الشروع في المباحث أموراً ينتفع بها فيها :### الأوّل : ما المراد من الجواز المبحوث عنه في المسألةالأوّل : الجواز المبحوث عنه في المقام إمّا وضعي بمعنى المضي والصحّة أو تكليفي بمعنى الإباحة المقابلة للتحريم التكليفي ، لكنه مسنداً إلى الصلاة المأتي بها بداعي الأمر والمضافة إلى المولى ، فإنّ جواز الشيء بهذا المعنى مع ثبوت الأمر بالعبادة يلازم الصحّة والمضي في مقام الامتثال ، وإلا لكان الفعل من التشريع المحرّم بالأدلة الأربعة ، فإنّ حرمته غير تابعة لعدم الحكم واقعاً ، بل يكفي فيها عدم الإحراز ، فإذا لم يحرز صحة الصلاة في المشكوك في كونه ممّا لا يؤكل بأصل أو أمارة فهي محكومة بالحرمة إذا أتى بها بداعي الامتثال .ثمّ إنّ الصحّة الملازمة للقول بالجواز صحة واقعية ، فلا يجب الإعادة ولو انكشف بعد ذلك كون ما وقع فيه الصلاة من أجزاء غير المأكول . وهذا بناءً على اختصاص المانعية بصورة العلم بكونه ممّا لا يؤكل ظاهر ، وأما بناءً على عدم الاختصاص ، وكون المانعية مطلقة - كما هو الظاهر وسيجيء ء الكلام فيه
مفصّلاً (1- فلأن دليل » لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة » (2)حاكم على عموم م أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ، وموجب لاختصاصها بغير ما إذا وقع العمل واحتاج التدارك إلى الإعادة ، وقد ذكرنا في محلّه (3)أنّه يشمل ما إذا كان النقصان من جهة الجهل بالحكم أو بالموضوع من غير تقصير ، ولا موجب للتخصيص بالناسي ، بل لا يبعد عمومه للجاهل المقصر غير الملتفت إلى عدم انطباق المأتي به على المأمور به ولو احتمالاً ، لولا قيام الإجماع على خلافه .)نعم لا إشكال في عدم شمول الدليل للعامد أو المحتمل لعدم الانطباق مع تنجز الواقع عليه ، وذلك فإنّ الظاهر منه أنّ الإعادة على تقدير عدم الدليل كان من جهة الانكشاف المتأخّر ، بحيث لولا الانكشاف لما كان يعيد المصلّي ، من غير حاجة إلى ورود دليل ، ومن المعلوم أنّه يختص بغير الصورتين المذكورتين .وبذلك يندفع ما ذهب إليه بعض المحقّقين من المعاصرين (4من عمومه للعامد فضلاً عن الجاهل المقصر ، وتمام الكلام في محلّه .)### الثاني : اعتبار إحراز صحة العمل ظاهراًالثاني : أنّه لا بدّ على كلا القولين - أعني بهما القول بالشرطية أو المانعية - من إحراز صحة العمل ظاهراً ، ولو من جهة أصل حكمي عقلي أو نقلي ، ولا يجوز الجري مع الشك بلا معذر، وذلك فإنّ المانعية الثابتة لشيء في أمثال المقام ليست إلّا بمعنى أخذ عدم ذلك الشيء في المأمور به ، فكما أنّه لابدّ من إحراز المأمور به من
جهاته الوجودية كذلك لابدّ من إحرازه من جهاته العدمية .ومن هنا يندفع ما ربما يتوهّم من عدم الحاجة إلى الإحراز على تقدير القول بالمانعية ، عملاً بقاعدة المقتضي والمانع ، فإنّ تلك القاعدة وإن لم تكن تامة عندنا على ما بيّن في محلّه (1إلّا أنّها على تقدير تماميتها تختص بما إذا أحرز أجزاء العلّة التامة من غير جهة المانع وشكّ في وجوده ، ليحكم حينئذ بالعدم وبوجود المعلول ولا تجري في كل ما يطلق عليه المانع وإن لم يكن من أجزاء العلة كما في المقام .)نعم الغالب في الموانع أنّ عدمها يحرز بأصل موضوعي أو حكمي ، وهذا بخلاف الشروط ، ولكن هذا لا يوجب الفرق فيما هو المهم في المقام من لزوم إحراز هما في مقام الامتثال بحكم العقل ، وعدم جواز الاكتفاء بتحقّق بعض المأمور به في الخارج .### الثالث : عمومية الملاك لكل مشتبه من بقية الموانعالثالث : أنّ النزاع في المقام وإن كان في خصوص الصلاة فيما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، إلّا أنّ ملاكه يعمّ كل مشتبه من بقية الموانع ، سواء كانت المانعية عقلية أو شرعية ، نعم بعض الوجوه المذكورة للجواز لا يجري في بعض الشبهات الموضوعية ، إلّا أنّ ما هو المهم يجري في الجميع ، ويظهر لك ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى .وما توهمه بعض المحقّقين من المعاصرين (2تبعاً للمحقق صاحب الكفاية(3)(قدّس سرّهما) من اختصاص المانعية العقلية بصورة ،الإحراز ، وعدم عمومها صورة الشكّ في وجود الموضوع ناش من الخلط بين بابي التزاحم والتعارض ، فإنّ المانعية)
العقلية إن كانت ناشئة من التزاحم بين التكليفين فلا ريب في أنّ التكليف المزاحم إنما يكون مزاحماً ومعجزاً مولوياً في ظرف تنجزه ، ومع عدم التنجز ولو من جهة الشكّ في موضوعه فلا مزاحم في البين أصلاً .وأمّا إذا كانت ناشئة من التعارض ، كما إذا حرم لبس الحرير ووجب لبس الساتر فى الصلاة فوقعت المعارضة بين الدليلين ، فقيد اللباس بغير الحرير بحكم العقل ، فكيف يمكن أن يقال باختصاص المانعية بصورة العلم بعد ما كان الحرير بوجوده الواقعي محكوماً بحرمة لبسه المضادة لوجوبه في الصلاةولذلك قد ذكرنا في محلّه (1أنّ عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية يعمّ ما إذا كان التخصيص بحكم العقل أيضاً ، وعليه بنينا فساد الصلاة الواقعة في الغصب ولو مع الجهل بغصبيّته ، بناءً على القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي ، ووجهنا فتوى المشهور بالصحّة بأنهم ذهبوا إلى جواز الاجتماع وذلك لا ينافي حكمهم بالفساد في صورة العلم بالغصبية ، فإنّه من جهة التزاحم وتقديم جانب النهي (2)، والتفصيل يحتاج إلى بسط في الكلام بما لا يناسبه وضع الرسالة .)هذا كلّه من جهة الشبهة الموضوعية ، وأمّا الشبهة الحكمية فلا ريب في جواز الصلاة معها ، بناءً على البراءة فيما تردّد أمر المأمور به بين الأقل والأكثر كما هو المعروف ، نعم بناءً على لزوم الاحتياط فيه فلابدّ من القول بعدم الجواز في الشبهة الحكمية أيضاً .### الرابع : توجيه حكم المشهور بعدم الجواز مع اتفاقهم على البراءة في الأقل والأكثرالرابع : أنّ ذهاب المشهور في محلّ البحث إلى عدم الجواز مع اتفاقهم على
جريان البراءة فيما تردّد أمره بين الأقل والأكثر ، واتفاقهم على البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية لعله من جهة أنهم يرون النهي الغيري المستفاد منه المانعية نهياً واحداً متعلّقاً بالطبيعة ، ولا ينحل إلى نواءٍ عديدة حسب تعدد الأفراد ، فيكون العلم بتعلّق النهي بالطبيعة موجباً لتنجزه على المكلّف ولو مع الشكّ في فردية شيء لها ، وذلك للعلم بفعلية التكليف والقدرة على امتثاله . وهذا بخلاف النواهي النفسية المنحلة إلى النواهي الكثيرة حسب كثرة الأفراد الخارجية ، فإذا شك في فردية شيء الموضوعاتها فلا مناص عن الرجوع إلى البراءة .وهذا الوجه وإن لم يكن تامّاً عندنا ، إلّا أنّه يندفع به تعجب شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه (1)من ذهاب المشهور إلى البراءة في المقامين وإلى عدم الجواز في المقام . وسيتّضح (2)الحال فيما كان الحكم متعلّقاً بالطبيعة أو الأفراد من حيث الرجوع إلى البراءة والاحتياط ، ونبيّن إن شاء الله تعالى أن مانعية الطبيعة غير معقولة ، بل لابدّ من الالتزام بما نعية كل فرد ، وعليه يكون القول بالبراءة في المقامين ملازماً للقول بالجواز في المقام . ولعلّ المشهور لم يلتفتوا إلى استحالة ما نعية الطبيعة . ويمكن أن يقال : أنّه لم يثبت من المشهور إلّا ذهابهم إلى عدم الجواز في خصوص الساتر ، كما هو صريح عبارة العلّامة (قدّس سرّه) في المنتهى(3)بدعوى اشتراط الساتر بكونه من غير ما لا يؤكل لحمه .)ولعلّ المشهور ذهبوا إلى الشرطية أيضاً في خصوص الساتر ، وعليه فعدم ذهابهم إلى البراءة في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، ومن جهة عدم بنائهم على المانعية .
وكيف كان ، فالمتّبع هو الدليل ، وسيظهر الحال فيما بعد إن شاء الله تعالى .### الخامس : جريان الأصل في جزء الموضوع مع إحراز الباقي وجداناًالخامس : لا ريب في صحة إجراء الأصل في تمام الموضوع ، وترتب الحكم عليه ، وهل يجري في بعض أجزاء الموضوع مع إحراز الباقي بالوجدان ، أم لا ؟ فيه خلاف، ذهب بعض المحقّقين من المعاصرين (1إلى عدم الجواز، نظراً إلى أن أخذ شيء قيداً في الموضوع أو المتعلّق للحكم ليس إلّا عبارة عن أخذ التقيد به فيهما ، ومن المعلوم أنّ استصحاب القيد مع إحراز ذات الموضوع بالوجدان لا يحرز به التقيد ، لا بالوجدان ولا بالتعبّد ، لأنّه من الأصول المثبتة ودعوى خفاء الواسطة بطلانها غير خفي على الناقد البصير ، وعليه رتب عدم الجواز في الأجزاء أيضاً ، لما هو الظاهر من أنّ كل جزء فيه شائبة الشرطية فإنّ الأثر إنّما يترتّب عليه مقيداً بالجزء الآخر ، وقد عرفت أنّه لا يحرز التقيد بجريان الأصل في ذات القيد)أقول : الأمور المتباينة إذا أخذت في متعلّق الحكم أو موضوعاً له فلا معنى لتركبها ووحدتها إلّا اعتبار كل منها في زمان وجود الآخر ، من دون اعتبار وصف زائد على نفس الأجزاء ، فالأجزاء بالأسر هي التي تترتب عليها المصلحة أو تكون مأخوذة في الموضوع ، والأمر المتعلّق بالمركب بنفسه يكون متعلّقاً بالأجزاء ، ويكون كل جزء مأموراً به بنفس الأمر بالمركب ، إذ هو هو بعينه .فكما أنّه إذا كان شيء موضوعاً لحكم في يوم معين فتحقّق ذلك اليوم ، لكن كان بقاء الموضوع إلى زمانه مشكوكاً فيه ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه وترتب الأثر عليه ، فكذلك فيما ترتب الأثر على الوجود في زمان وجود شيء آخر
1) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس والمشكوك : 11.
من الزمانيات ، فإذا أحرز أحد الجزأين بالوجدان ، وصار هذا الزمان زمان وجوده ، فجريان الاستصحاب في الجزء الآخر يكون محققاً للموضوع لا محالة .وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى معرفة حال المقتضيات التكوينية ، فإنّه إذا كان المقتضي الواحد مركباً من جزأين فهل هناك يكون الاقتضاء إلّا لنفس الجزأين المجتمعين في الزمان الواحد ، أو أنّ لوصف الاجتماع أيضاً دخلاً في الاقتضاء ، بحيث يكون له الدخالة في رشح الأثر ، أو تقول إن وصف الاجتماع له دخل في فعلية الاقتضاء فيكون شرطاً للاقتضاء . وهذا مع أنّه فاسد في نفسه لازمه أن يكون المقتضي للاقتضاء ذات الجزأين ، وهو المطلوب من كون المقتضي هو ذات المركب من دون أن يكون لوصف الاجتماع دخل فيه .ومن هنا تعرف الحال فيما كان الموضوع أو المتعلّق مركباً من وجوديين في زمانين ، بأن اعتبر الموجودان في زمانين إما مطلقاً أو مع تقيّد أحدهما أو كليهما بزمان خاص شيئاً واحداً ، وجعل متعلقاً للحكم أو موضوعاً له ، فإنه لا مانع في جميع ذلك من إحراز أحدهما بالأصل وضمه إلى الوجدان ، نعم فيما إذا أخذ مطلق الوجودين بلا تقييد بزمان موضوعاً أو متعلّقاً له لا يجري فيه ذلك ، والوجه فيه ظاهر .وأمّا توهّم معارضة جريان الأصل وضمّه إلى الوجدان باستصحاب عدم تحقّق المركب فسيجيء الكلام فيه في الوجه الخامس من تقريب الأصول الموضوعية(1.)وممّا ذكرنا يظهر الحال في الشرائط أيضاً ، فإنّه لا معنى للشرطية إلّا أخذ شيء مقيداً بزمان وجود شيء موضوعاً أو متعلقاً للحكم
1) في ص 52
والفرق بين الأجزاء والشروط أنّ الأثر مترتب على الأجزاء ولكل منها دخل فيه ، وهذا بخلاف الشرائط ، فإنّ الأثر لا يترتّب عليها ، وإنما يترتّب على ذات المشروط في زمان وجودها ، وحينئذ فيجري فيه جميع ما ذكرنا في الجزء بعينه .هذا كلّه إذا لم يعلم من نفس الدليل أو من الخارج دخل عنوان آخر في الموضوع أو المتعلّق ، وإلا فلابدّ من إحرازه ، ولا أثر لإحراز ذات الجزأين أو ذات المشروط في زمان الشرط بضم الوجدان إلى الأصل .ومن هنا وقع الكلام فيما إذا ركع المؤتم وشك في إدراكه ركوع الإمام، في أن استصحاب بقاء الإمام راكعاً هل يكفي في الحكم بصحة الاقتداء ، من جهة أنّ الموضوع هو ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام وهو محرز بضم الوجدان إلى الأصل ، أو أنّ الموضوع هو إدراك المأموم لركوع الإمام المنتزع عن اجتماع الركوعين في زمان واحد ، واستصحاب بقاء الإمام راكعاً لا يثبت هذا العنوان . وقد مال إلى كلّ من الوجهين شيخ مشايخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه في موضعين من كلامه (1)والمسألة محرّرة في محلّها(2).)وملخّص الكلام : أنّ نفس التركّب لا يمنع من ضمّ الوجدان إلى الأصل ما لم يكن هناك قرينة على دخل عنوان آخر ، ومن ذلك ما إذا أخذ عدم وصف قيداً في الموضوع أو المتعلّق بنحو النعتية - أعني به الاتصاف بالعدم - كما إذا ترتب الأثر على الماء المتصف بعدم الكرّية ، فإنّه لا يكفي حينئذ استصحاب عدم نفس الوصف وضمّه إلى الوجدان في ترتب الحكم ، لعدم إثبات الاتصاف بذلك ، بل
لابدّ في ترتيب الأثر من إحراز الاتّصاف وجداناً ، أو بالأصل فيما كان له حالة سابقة ، كما إذا كان الماء مسبوقاً بالقلة . وسيجيء لذلك تتمّة فيما يأتي إن شاء الله تعالى(1.)### السادس : إمكان جعل الشرطية لأحد الضدّين والمانعية لآخرالسادس: في تحقيق الحال في أنّه يمكن جعل الشرطية لأحد الضدين والمانعية للضدّ الآخر ، أو يستحيل ذلك . وقبل الخوض فيه لابدّ من تحقيق الحال في أجزاء العلّة ، وبيان كيفية دخل كل منها في وجود المعلول فنقول :أمّا المقتضي فدخله في أجزاء العلة باعتبار أنّه هو الذي يترشّح منه المعلول .وأمّا الشرط فهو أجنبي عن الرشح، ضرورة أنّ الاحتراق - مثلاً - لا يترشّح من المحاذاة ، بل الترشح إنما هو من ذات النار، والمحاذاة كغيرها من الشرائط دخيلة في فعلية الأثر من المقتضي ، إما من جهة نقص في الفاعلية أو القابلية . وعلى كل حال فهي أجنبية عن المؤثرية والفاعلية .ومن هنا يعلم أنّ دخل الشرط في وجود المعلول ليس على حذو دخل المقتضي فيه ، فإنّ المؤثر في وجود المعلول هو المقتضي ليس إلّا ، غاية الأمر أنّ تمامية مؤثريته أو قابلية المعلول للوجود إنّما يكون بوجود الشرط ، مثلاً الطهارة ليست مؤثرة في النهي عن الفحشاء ، بل المؤثر فيه هو الصلاة ، لكنّها لا تقتضيه مطلقاً ، بل إذا كانت مقرونة بالطهارة ، أو أنّ النفس لا تتأثر منها إلّا مع كون المصلّي طاهراً . وعلى كل حال فالنهي عن الفحشاء لا يترشّح إلّا من الصلاة ، لا من الطهارة .وأمّا المانع فدخل عدمه في وجود المعلول مباين لدخل المقتضي والشرط فإنّ العدم يستحيل أن يكون دخيلاً في الوجود بالضرورة ، بل دخالته من جهة
1) في ص 56 .
مزاحمة وجوده للتأثير ، ولولا المزاحمة بين الوجودين لما كان يعقل كون عدم شيء من أجزاء علّة شيء آخر .إذا عرفت ذلك فنقول : إذا كان أحد الضدّين شرطاً لوجود شيء فإما أن يكون هو والمقتضي موجودين في الخارج أم لا ، وعلى الأول لا يعقل وجود الضد الآخر حتّى يكون مزاحماً في التأثير ، وإلا لزم اجتماع الضدين . وعلى الثاني يستند عدم المعلول إلى عدم المقتضي أو إلى عدم الشرط ، لا إلى وجود المزاحم . وعلى كل حالٍ تستحيل المانعية الناشئة عن المزاحمة .ومن هنا يندفع ما يقال من أنّ استناد وجود المعلول إلى مجموع أجزاء العلة يستدعي استناد عدمه إلى عدم المجموع من دون ترتب ، نعم إذا كان بعض أجزاء العلة موجوداً دون بعض لاستند العدم إلى عدم ذلك البعض ، فإنك قد عرفت أنّ استناد الوجود إلى عدم المانع إنما كان من جهة المزاحمة ، ومع عدم المقتضي أو الشرط كيف يعقل استناد العدم إلى وجود المزاحم .إن قلت : هب أنّ عدم المعلول يستند إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع لكنّه لا يسلّم عند عدم الشرط، فإن الشرط دخالته في العلة إنما هو باعتبار دخله في فعلية الأثر، والمانع إنما يمنع عن الفعلية ، فهما في مرتبة واحدة ، فلا مرجّح لاستناد عدم المعلول إلى عدم شرطه ، بل يستند إليه وإلى وجود المانع في مرتبة واحدة . فما هو المستحيل اقتضاء أحد الضدين لشيء ومانعية الآخر عنه ، لا شرطية أحدهما ومانعية الآخر كما هو محلّ الكلام .قلت : قد عرفت (1أنّ الشرط إمّا أن يكون متممّا لفاعلية الفاعل أو متمّماّ القابلية القابل ، وعلى كل تقدير فالمعلول في نفسه غير قابل للوجود ، ومعه كيف)
1) في ص 13 .
يعقل أن يكون عدمه مستنداً إلى وجود المزاحم .فإن قلت : إنّ ما نعية الشيء إنّما تنتزع من كونه بحيث لو وجد المقتضي مع الشرائط يمنع وجود المعلول ويزاحم المقتضي في تأثيره ، ومن الضروري إمكان ذلك في في الضدّ مع شرطية الضدّ الآخر ، غاية الأمر أنّه لا يستند عدم المعلول إلى وجود المانع خارجاً ، لاستحالة اجتماع الضدّين كما ذكرت ، لكن صدق القضية الشرطية - وهي أنّه لو كان المقتضي مع سائر الشرائط موجوداً لاستند العدم إلى وجود المانع - لا يستدعي صدق الطرفين ، بل الميزان في صدقها هو تحقّق الملازمة .قلت : إذا كان استناد العدم إلى وجود المانع - الذي هو معنى المانعية - متوقفاً على وجود الضدين معاً ، فصدق القضية الشرطية لا يستدعي صلوح اتصاف الضدّ بالمانعية ، فإنّه إذا كان التالي مترتباً على محال - وهو اجتماع الضدين - فلا محالة يكون هو محالاً أيضاً ، فإنّ مستلزم المحال محال ، وإن كانت الملازمة بين المحالين صادقة .على أنّ الملازمة أيضاً كاذبة ، من جهة أنّه لو فرض الضدّان المفروض أحدهما شرطاً والآخر ما نعاً موجودين في الخارج ولم يكن اجتماع الضدين محالاً فلماذا تقع الممانعة ولا يوجد المعلولان المتضادان أيضاً، فإن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، فإذا أمكن اجتماع الضدين في طرف العلة أمكن اجتماعهما في طرف المعلول أيضاً .فإن قلت : هب أنّ ذلك لا يجوز في التكوينيات لكنه لماذا لا يجوز كون أحد الضدين شرطاً للمأمور به والآخر مانعاً عنه في التشريعيات ، إذ لا تأثير ولا تأثر فيها ، ولا معنى لاعتبار شيء شرطاً أو مانعاً في المأمور به إلّا اعتبار وجوده أو عدمه فيه ، وعليه لا مانع من اعتبار وجود أحد الضدّين وعدم الآخر فيه إذا
كان فيهما ملاك الشرطية والمانعية .قلت : ليس أخذ شيء شرطاً أو مانعاً في المأمور به إلّا من جهة دخلهما في ملاكه ، بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، فيرجع الأمر إلى دخل وجود أحد الضدين وعدم الآخر في تحقّق الملاك والمصلحة ، فيعود المحذور .ودعوى أنّ اللازم هو وجود المصلحة في نفس الأمر ، وأمّا في المتعلّق فلا ملزم له ، فلا مسرح لها في الأحكام الحقيقية الناشئة عن الإرادة والكراهة والحبّ والبغض ، وهل يعقل تعلّق الإرادة بشيء بلا مصلحة في متعلقها بل لمصلحة في نفسها ، كلا . نعم يمكن ذلك في الأحكام غير الحقيقية الناشئة عن مصلحة في نفس الإنشاء وجعل الحكم ، لكنّها بمراحل عن محلّ البحث والكلام ، هذا .مضافاً إلى أن جعل الشرطية لأحد الضدين وأخذ وجوده في متعلّق الأمر يغني عن أخذ عدم الضدّ الآخر فيه والخطاب به ، ولو فرض فيه ملاك المانعية أيضاً ، فكيف يمكن البعث المولوي نحو عدم الضدّ مع فرض البعث إلى وجود ضده ، مع أنّه من اللغو الواضح .فإن قلت : إذا كان إغناء أحد الجعلين عن الجعل الآخر موجباً للغويته لما كان يقع النزاع في وجوب المقدّمة شرعاً ، وفي استلزام الأمر بأحد الضدين للنهي عن الضد الآخر ، أو في استلزام وجوب أحد المتلازمين لوجوب الآخر ، فإن كل ذلك يكون من اللغو كما عرفت .قلت : استلزام وجوب ذي المقدّمة لوجوب مقدّمته ليس بمعنى استلزام البعث نحوه للبعث نحوها ، كيف وهو خلاف الواقع وجداناً ، بل بمعنى استلزام إرادة الشيء لإرادة مقدّمته قهراً من دون اختيار في ذلك للمريد ، أو بمعنى أنّ البعث إلى الشيء بعث نحو مقدّمته بالعرض . وعلى كل حال ، فليس هناك بعثان مولويان حتّى يكون أحدهما من اللغو الباطل.
ومنه يظهر الجواب عن استلزام وجوب الشيء للنهي عن ضدّه ، أو الأمر بملازمه.فإن قلت : إذا كان الأمر بشيء مع عدم الحاجة إليه في تحقّق متعلّقه خارجاً موجباً للغويته ، فلابدّ من قصر الأحكام الشرعية بما لا يكون للمكلف بنفسه داعٍ إلى إيجاد متعلّقاتها ، وإلّا فيكون الأمر بالإيجاد من اللغو كما ذكرت .قلت : الحكم في القضايا الحقيقيّة ليس إلّا بمعنى الإنشاء بداعي جعل الداعي على المكلف إمكاناً ، أي جعل ما يمكن أن يكون داعياً له، من دون نظر إلى شخص خاص ، ومن المعلوم عدم التفاوت في ذلك بين ما يكون للمكلّف داع إلى الفعل خارجاً وعدمه .وأمّا في القضايا الخارجية فإن كان الأمر لا يعلم بتحقّق مراده من غير جهة أمره في الخارج فالحال فيه هي الحال بعينها في القضايا الحقيقية ، وإلا فيكون من اللغو الواضح ، نعم فيما إذا كان المطلوب خصوص وجوده العبادي ومضافاً إلى المولى فالعلم بوجوده المطلق في الخارج لا يوجب لغوية الأمر به بنحو خاص .فإن قلت : الأمر بشيء مطلقاً يكون أمراً بإيجاده مضافاً إلى المولى وبداعي أمره ، ضرورة استحالة الأمر بشيء مقيّداً بأن يكون الداعي إلى إيجاده غير أمر المولى ، لما عرفت من أنّ الأمر إنما هو لجعل الداعي، فيستحيل تقييد المأمور به بأن يكون بداع آخر ، ومن المعلوم أن استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق . وما يرى من سقوط الأمر بما إذا أتى بذات المأمور به في التوصليات فهو من جهة حصول الغرض ، كما إذا صدر الفعل لا عن اختيار ، لا من جهة الإتيان بالمأمور به .قلت : استحالة التقييد بكون الداعي غير أمر المولى لا تكشف عن كون المأمور به خصوص الوجود المضاف إلى المولى ، وذلك فإنّه كما يستحيل التقييد
المذكور يستحيل التقييد بكون الداعي هو الأمر أيضاً على ما بيّن في محلّه (1.فالمأمور به ليس إلّا الوجود المهمل ، لا المطلق ولا المقيّد ، كما هو الحال في كلّ ما يكون من التقسيمات الثانوية المترتبة على جعل الحكم وفرض وجوده .)وقد ذكرنا في محلّه أنّ التقييد بكون الداعي هو الأمر لابدّ وأن يكون بأمر آخر متمم للأمر الأول كما في العباديات، وعليه فالأمر بما يعلم تحقّقه خارجاً في غير العباديات يكون من اللغو الواضح .فإن قلت : يكفي في عدم لغوية الخطاب بعدم الضدّ مع الخطاب بوجود ضدّه الآخر كونه تأكيداً له ، إذ اللغوية ترتفع بأدنى نكتة ، ولتكن النكتة هو التأكيد . على أنّ اللغوية على تقدير تسليمها إنّما تكون مع توجه الخطاب إلى مخاطب واحد ، وأمّا إذا كان خطاب الشرطية مع واحد والخطاب بالمانعية مع آخر فأين اللغوية ؟قلت : اندفاع اللغوية لنكتة التأكيد عين الالتزام باستحالة الجعلين ، فلابدّ وأن يكون المجعول إما الشرطية أو المانعية ، غاية الأمر أنّه في مقام الإثبات ربما يطلب الوجود وأخرى عدم ضدّه . وأما اندفاع اللغوية من جهة تعدّد المخاطب فهو إنّما يفيد إذا لم تكن الأحكام مشتركة ، وكان كل مخاطب محكوماً بحكم خاص، وإلا فكل منهما مخاطب بخطابين يكون أحدهما لغواً لا محالة .فتحصّل ممّا ذكرناه : استحالة جعل المانعية لأحد الضدين مع جعل الشرطية للضدّ الآخر ، نعم إذا كان الضدّان لا ثالث لهما فلا تتمحض اللغوية في جعل المانعية ، بل يكون اللغو هو جعل إحداهما مع جعل الأخرى من دون ترجيح في البين .
1) لاحظ محاضرات في أصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي (43) : 520 فإنّ المذكور فيه ينافي ما ذكره هنا .
### السابع : اعتبار عدم وقوع الصلاة فيما لا يؤكل هل هو بنحو الشرطية أو المانعيةالسابع : في بيان أنّ المانع من الصلاة هو وقوعها في أجزاء ما لا يؤكل ، أو أنّ الشرط وقوعها في غيرها ، وأنه هل هناك فرق بين الساتر وغيره أم لا .وقبل ذلك لابدّ من بيان أمر ، وهو أنّ شرط المأمور به أو المانع عنه لا يكون إلّا فعلاً اختيارياً للمكلّف ، ضرورة أنّ الشرطية والمانعية إنما تنتزعان من أخذ المأمور به مقيداً بأمر وجودي أو عدمي ، فلابدّ من تعلّق الأمر بذلك الأمر الوجودي أو العدمي في ضمن تعلّقه بالمقيّد ، وإلا لكان القيد مفروض الوجود وخارجاً عن حيّز الطلب ، فيكون قيداً للوجوب لا للواجب ، وهذا خلف . مثلاً الشرط في مثل اشتراط الصلاة بالقبلة هو إيقاعها إليها وهو فعل اختياري ، لا نفس القبلة .ومنه يعلم أنّ الشرط أو المانع في محلّ البحث لابدّ وأن يرجع إلى اعتبار أمر وجودي أو عدمي في الصلاة ، بأن يكون إيقاعها في لباس مخصوص - مثلاً - شرطاً أو مانعاً ، وأمّا نفس المأكولية في الحيوان فيستحيل اعتبار الشرطية لها ، كما يستحيل اعتبار المانعية لغير المأكولية .ومنه يظهر أنّ ما أفاده بعض الأساطين (قدّس سرّه (1)من أنّ الشرطية والمانعية إنّما تنتزعان من إضافة الواجب إلى شيء خارجي ، فذلك الشيء الخارجي اختيارياً كان أو غيره هو الشرط أو المانع ، بمراحل عن الواقع .)
1) ) [ لعلّ المقصود به المحقّق العراقي (رحمه الله). راجع نهاية الأفكار 1 : 277 وبحث الواجب المعلّق . راجع أيضاً نهاية الأفكار 4 : 91 - 93 ، وكذلك رسالته (رحمه الله) في اللباس المشكوك (المقام الأوّل ) وقد صرّح (رحمه الله) فيها ص 152 و 153 بكون القيد غیر اختياري فيما نحن فيه ]
### الروايات الواردة في المقامإذا عرفت ذلك فلابدّ لنا من ذكر الروايات الواردة في المقام ، ثمّ التكلّم في مفادها .فقد روى ابن بكير في الموثّق ، قال : « سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الصلاة في وبركلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه (1)وكلّ شيء منه فاسدة ، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل الله أكله ، ثمّ قال : يا زرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله فاحفظ ذلك يا زرارة ، وإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكي قد ذكاه الذابح ، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شيء منه فاسدة ، ذكاه الذابح أو لم يذكّه » (2))وروى أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام في وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه ».(3))وروى إسماعيل بن سعد الأحوص في الصحيح ، قال : « سألت الرضا (عليه السلام عن الصلاة في جلود السباع ، قال (عليه السلام) : لا تصل فيها » (4).)وروى سماعة في الموثق ، قال : «سألته عن لحوم السباع وجلودها ، قال :
أمّا لحوم السباع فمن الطير والدواب فإنّا نكرهه ، وأمّا الجلود فاركبوا عليها ، ولا تلبسوا منها شيئاً تصلون فيه ». (1)وروى الشيخ الصدوق في كتاب العلل عن محمّد بن إسماعيل البرمكي رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام قال : « لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه ».(2))وروى علي بن [ أبي ] حمزة قال : « سألت أبا عبدالله وأبا الحسن (عليها السلام عن لباس الفراء والصلاة فيها ، فقال : لا تصل فيها إلّا فيما كان منه ذكيّاً قال قلت : أو ليس الذكيّ ما ذكي بالحديد ؟ فقال : بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه قلت : وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم ؟ قال : لا بأس بالسنجاب ، فإنّه دابة لا تأكل اللحم ، وليس ممّا نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب » (3))وروی محمّد بن إسماعيل - في المرفوعة عن أبي عبد الله (عليه السلام قال : «لا يجوز الصلاة في وبر وشعر ما لا يؤكل لحمه ، لأنّ أكثرها مسوخ » (4).)وروي عن [ الحسن بن ] علي بن شعبة - في حديث - عن الصادق (عليه (السلام أنّه قال : «كلّ ما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه ، وكلّ شيء يحلّ لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه وصوفه وشعره [ ووبره ] ، وإن كان)
الصوف والشعر [ والريش ] والوبر من الميتة وغير الميتة ذكياً فلا بأس بلبس ذلك والصلاة فيه » (1إلى غير ذلك من الروايات الواردة في المنع عن الصلاة في موارد خاصّة ممّا وقع السؤال عنه . وفيما ذكرناه غنىً وكفاية فيما يحتاج إليه من البحث فنقول :)### ما يستفاد منه مانعية ما لا يؤكللا ريب في استفادة المانعية من النواهي المتعلّقة بالصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، أو بخصوص عنوان خاص . وتوهّم أنّ ما لا يؤكل لحمه لو لم يكن كناية عن حرمة الأكل بل عن عدم حلّيته ، لكان الفساد من جهة عدم الحلّية ، فيكون ظاهر النهي هو شرطية حلّية الأكل كما عن بعض الأساطين (قدّس سرّه (2)مبني على ما أفاده من إمكان كون المانع هو الفعل غير الاختياري . وأمّا على ما بيناه (3)من استحالة ذلك فلابدّ وأن يكون سبب الفساد هو الوقوع فيما لا يحلّ ، لا عدم الوقوع في الحلال ، وهو عبارة أخرى عن المانعية ، سواء كان ذلك من جهة الحرمة أو من جهة عدم من جهة عدم الحلّية ، هذا . مضافاً إلى أنّ الفساد فى الموثّقة (4)رتّب على حرمة الأكل ، لا على عدم الحلّية .)### ما يستفاد منه شرطية ما يؤكلوأمّا الشرطية فليس في الروايات ما يتوهّم دلالته عليها إلّا أمور :منها : قوله (صلى الله عليه وآله فى الموثّقة : « لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصليها في غيره ممّا أحل الله أكله » بدعوى أن ظاهره إيجاب وقوع الصلاة فيما)
يؤكل لحمه ، فيدلّ على الشرطية .وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه (1)بأنّ ظهور صدرها في المانعية مانع عن استفادة الشرطية من الإيجاب المزبور، لتصادم الظهورين في كلام واحد متصل ، فيكون ذلك من سوء تعبير ابن بكير بما يظهر منه المانعية أولاً والشرطية ثانياً .)لكنّه يمكن أن يقال : إنّ صدر الموثّقة ناظر إلى بطلان الصلاة بوقوعها في غير المأكول ، وهو متمحّض في أن يكون الفساد من جهة وجود المانع ، إذ لا يشترط في الصلاة وجود غير الساتر قطعاً ، فضلاً عن اشتراطه بشيء آخر .وتوهّم إمكانه على تقدیر وجوده ، نظیر اشتراط القراءة بكونها جهرية على تقدير عدم الائتمام .فاسد ، فإنّه على تقدير لبس لباس آخر غير الساتر ، أو حمل شيء في الصلاة ، يستحيل الأمر بإيقاعها في مأكول اللحم أو في غير ما لا يؤكل منه الذي هو منشأ انتزاع الشرطية ، فإنّه من طلب المحال أو طلب الحاصل ، وكلاهما غير معقول ، وذلك فإنّ اللباس الآخر المفروض وجوده إن كان من المأكول أو من غير الحيوان فهو من طلب الحاصل ، وإن كان من غير المأكول فهو من طلب المحال .ومن ذلك يظهر بطلان الالتزام بالشرطية على تقدير كون اللباس حيوانياً أيضاً ، كما أنّه يظهر منه بطلان الالتزام بها معلّقاً على تعلّق الإرادة بلبس لباس آخر ، أو بحمل شيء معه في الصلاة ، وذلك فإنّ الإرادة الحدوثية لا يحتمل كونها تقديراً للشرطية ، والإرادة البقائية الملازمة للبسه خارجاً حالها حال نفس اللبس في استحالة الأمر المزبور على فرض وجودها وتحقّقها في الخارج .
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 146 وما بعدها
وبالجملة : شرط الواجب مطلقاً - سواء كانت الشرطية مطلقة أو على تقدير - لابدّ وأن يكون فعلاً اختيارياً قابلاً لتوجيه الخطاب إليه ، وليس في المقام شيء قابل له ولو في فرض تحقّق اللبس ، أو فرض كون اللباس حيوانياً .نعم يصحّ أن يقال : إذا كنت لابساً لشيء غير الساتر يشترط فيه أن يكون من غير ما لا يؤكل لحمه ، لكنّه لا بمعنى الشرطية في الواجب ، ضرورة أن كونه كذلك لا يعقل تعلّق الأمر به، بل بمعنی دوران الصحّة مداره ، وهو يجتمع مع مانعية الوقوع في غير المأكول أيضاً.فتلخّص : أنّ البطلان فيما إذا لم يكن غير المأكول ساتراً لابدّ وأن يكون من جهة المانعية المستفادة من صدر الموثّقة ، وأما ذيلها الأمر بوقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل فهو ناظر إلى الشرطية ، لكنّها في خصوص الساتر ، إذ لا يكفي في صحة الصلاة مجرّد عدم وقوعها في غير المأكول ، بل لابدّ من وقوعها في ساتر غير ما لا يؤكل لحمه ، وهو في فرض كونه حيوانياً كما هو في مورد السؤال في الموثّقة لابدّ وأن يكون مقيداً بالمأكولية ، أو بعدم كونه من غير المأكول .وعلى كل حال ، لا يكفي في الصحّة مجرّد عدم الوقوع في غير المأكول ، بل لا بد من الوقوع في غيره في قبال صلاة العاري ونحوها. وعلى ما ذكرناه لا تنافي بين الفقرتين ، وفي استفادة المانعية من إحداهما والشرطية من الأخرى .إلّا أنّ التحقيق عدم الدلالة فيها على الشرطية أصلاً ، فإنّ الإشارة في قوله (عليه السلام : « لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل الله أكله » إما أن تكون إلى طبيعي الصلاة ، أو إلى خصوص صنف من أصنافه من صلاة الظهر والمغرب مثلاً ، أو إلى شخص الصلاة الواقعة بما أنها واقعة في الحيواني ، لا بما هي شخص ، ضرورة أنّه بعد وقوعها فاسدة يستحيل أن تنقلب عمّا هي عليها فيحكم عليها بالصحّة.)
لا ريب في استفادة الشرطية على الأول والثاني بالتقريب المتقدّم ، وأمّا على الثالث فلا يمكن استفادتها منها ، ضرورة أنّه بعد ما فرض وقوع الصلاة في الحيواني ، وحكم بفسادها فيما إذا وقعت في غير المأكول ، فلا مناص من توقّف الصحّة على وقوعها في غيره ممّا أحلّ اللّه أكله .ومع هذا الاحتمال بل أظهريته - ولو من جهة حصر الصحّة فيما إذا وقعت في المحلّل أكله كيف يمكن دلالتها على الشرطية حتّى يعارض بها دلالة الصدر على المانعية . فالرواية متمحضة في الدلالة على المانعية ، وليس لها إجمال من هذه الجهة أصلاً .فإن قلت : هب أنّ الموثّقة لا يستفاد منها الشرطية ولو بالقياس إلى الساتر إلّا أنّه لا إشكال في اشتراط الستر اللباسي في الصلاة ، وحيث إن اللباس له قسمان في الخارج ، أحدهما ممّا لا يؤكل ، والآخر من غيره ، فلا محالة يكون النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل موجباً لتقيّد الأمر بلبس الساتر بغيره ، لامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوان واحد ، فيكون ذلك شرطاً في الساتر لا محالة ، ولا يضره عدم وجود المطلق في باب الساتر ، فإنّ التقييد المستفاد من النهي إنّما هو بالقياس إلى الحكم الواقعي ولو لم يكن دليل في البين ، فإنّ متعلّق الحكم الواقعي إذا استحال فيه الاهمال فلابدّ وأن يكون إما مطلقاً أو مقيّداً ، فإذا ثبت عدم الإطلاق من جهة النهي وامتناع اجتماعه مع الأمر فلابدّ من الالتزام بالتقييد .قلت : أمّا تقييد الستر الواجب بدليل النهي فهو غير قابل للإنكار ، إلّا أنّ القيد المعتبر فيه هو أن لا يكون الساتر ممّا لا يؤكل ، لا أن يكون من غيره الذي هو معنى الشرطية . فاعتبار هذا القيد العدمي في الستر الواجب كاعتبار القيود العدمية في نفس الصلاة ، فإنّها أيضاً توجب تقييدها بما لا يكون مع شيء منها ، إلّا
أنّه يرجع إلى المانعية ، لا إلى الشرطية .ومنها : تعليق الجواز في ذيل الموثّقة (1على كون الحيوان مأكول اللحم ، فإنّه توهّم دلالته على الشرطية ، من جهة ظهور القضية الشرطية في المفهوم ، وأنّ عدم الجواز مستند إلى عدم الوقوع في المأكول .)ويرد عليه - مضافاً إلى ما عرفت من أنّ تعليق الجواز على الوقوع في محلّل الأكل بعد فرض كون اللباس حيوانياً ، والحكم بفساد الصلاة إذا وقعت في غير المأكول لا يدلّ على الشرطية أنّه إنما يتم فيما إذا لم يعلق الفساد بعده على الوقوع في غير المأكول ، وأمّا معه فلا يبقى له دلالة عليها أصلاً .ومنها : رواية علي بن [أبي ] حمزة (2، وغاية ما يمكن أن يستدلّ بها على الشرطية أن يقال : إنّها تدلّ على اعتبار التذكية في جواز الصلاة ، المقيّدة في ذيلها بخصوص مأكول اللحم ، فكأنه (عليه السلام) قال : جواز الصلاة مشروط بالتذكية الخاصة ، وهي ما كانت في مأكول اللحم .)وبعبارة أخرى : بعد ما علم في الشريعة قبول غير مأكول اللحم من السباع وغيرها للتذكية ، وتأثيرها في الطهارة وجواز الانتفاع بها ، فلابدّ من جعل اشتراط كون الحيوان مأكول اللحم إما قيداً ابتداءً لجواز الصلاة وإن كان مؤخراً في العبارة أو يجعل قيداً للتذكية لكن بالقياس إلى خصوص الصلاة . وعلى كل حال يستفاد منها الشرطية وفساد الصلاة بدون القيد المزبور .إلّا أنّه يرد عليه : أنّ النهي فيها لو كان عن الصلاة إلّا في خصوص المذكّى لكان لتوهم الشرطية مجال واسع ، وأمّا إذا كان النهي فيها عن الصلاة في الفراء
إلّا في المذكّى فلا تدلّ الرواية إلّا على بطلان الصلاة في فراء لا يكون مذكّى وصحّتها مع التذكية ، وأين ذلك من الشرطية ، وهل هو إلّا الحكم بصحة الصلاة في فرد وبالفساد في آخر . فكما يمكن أن يكون ذلك من جهة الشرطية يمكن أن يكون من جهة المانعية ، بل تجويز الصلاة في السنجاب في ذيل الرواية معلّلاً بأنه لا يأكل اللحم وليس ممّا نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله يدلّ على المانعية وأن الصحّة تدور مدار عدم النهي ، فكل ما لم يكن ممّا نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة فيه يحكم بجوازها فيه .)وأمّا رواية [ الحسن بن ] علي بن شعبة (1فعدم دلالتها على الشرطية واضح ، فإنّ عدم البأس في الصلاة فيما أنبتت الأرض أو ما أحل الله أكله يمكن أن يكون من جهة مانعية غير المأكول ، كما يمكن أن يكون من جهة شرطية ذلك فلا دلالة لها على خصوص الشرطية .)فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أن فساد الصلاة في غير المأكول منحصر بجهة المانعية ، وليس في شيء من الروايات دلالة على الشرطية ، وأنه لا فرق بين الساتر وغيره في أنّ البطلان في كلّ منهما مستند إلى المانعية .### الثامن : مقتضى الأصل عند الشكّ في أنّ المجعول هو المانعية أو الشرطيةالثامن : إذا لم تثبت المانعية وتردّد أمر فساد الصلاة في غير المأكول بين أن يكون من جهة وجود المانع أو عدم الشرط ، فلا أصل يحرز به المانعية أو عدم الشرطية ، وذلك للعلم الإجمالي بأحد الجعلين إمّا جعل الشرطية أو جعل المانعية فلا مجال لجريان الأصل في أحد الطرفين . فإذا فرضنا أن الحكم كان على تقدير ثبوت المانعية هو الرجوع إلى البراءة في الشبهات الموضوعية ، كما أن مقتضى الأصل هو الاشتغال على تقدير الشرطية ، فعند عدم إحراز المانعية يكون المرجع
1) المتقدمة في ص 21 .
هو قاعدة الاشتغال ، فإنّ احتمال الشرطية وعدم إحراز حصول المأمور به في الخارج ولو بمعونة الأصل كافٍ في عدم استقلال العقل بالبراءة .وإن شئت قلت : إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان أو شمول أدلّة البراءة الشرعية يتوقف على إحراز أن يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف ، كما إذا ثبتت المانعية، وأمّا عند احتمال الشرطية فيحتمل أن يكون الشكّ في الامتثال ، واحتمال أن يكون الشكّ في الامتثال بعينه شكّ في الامتثال ، ومعه يحكم العقل بالاشتغال لا محالة .وبهذا اندفع ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه (1)من رفع الكلفة الزائدة على تقدير الشرطية بحديث الرفع ، إذ الكلفة إنّما هي في حكم العقل بلزوم إحراز الامتثال ، وليس هناك مجعول شرعي يشكّ فيه حتّى يتمسك في رفعه بالأصل ، نعم نفس الشرطية مجعول شرعي ، إلّا أن الأصل في نفيها معارض بأصالة عدم جعل المانعية .)### التاسع : تحديد مدلول الروايات الدالة على المانعية سعةً وضيقاًالتاسع : هل المانع عن صحّة الصلاة على تقدير المانعية هو وقوع الصلاة في أجزاء ذوات ما لا يؤكل من الأسد والأرنب وغيرهما ، وقد أخذ عنوان ما لا يؤكل لحمه معرّفاً لها ، فتكون حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة ثابتين لموضوع واحد. أو أنّ الموضوع لعدم الجواز هو وقوع الصلاة فيما حرم الله أكله بهذا العنوان ، حتّى تكون حرمة الأكل مأخوذة في موضوع عدم الجواز ، فيكون أحد الحكمين في طول الآخر ؟وعلى الثاني فهل المانعية للحرمة الذاتية ، فلا تفسد الصلاة فيما وقعت في المحرّم لعارض كالجلل ونحوه . أو للحرمة الفعلية حتّى تصح الصلاة فيما إذا
1) لم نعثر عليه في مظان وجوده .
اضطر الإنسان إلى أكل لحم ما كان محرّماً في نفسه . أو للحرمة الشأنية ولو لعارض ، حتّى لا تصح في شيء من ذلك ؟ وجوه .والتحقيق أن يقال : إنّه إن اقتصرنا في بطلان الصلاة في غير المأكول بخصوص السباع كما هو صريح رواية علي بن أبي ] حمزة المتقدّمة (1_ فلا مناص من كون المانعية ثابتة للعنوان الذاتي ، وهو وقوع الصلاة في أجزاء السباع .)وأمّا إذا تعدّينا منها إلى غيرها ، بحمل الرواية على التقية ونحوها ، فلا موجب لرفع اليد عن ظواهر الأدلّة في أخذ حرمة الأكل في موضوع عدم الجواز فإنّ الحمل على المعرفية وعدم كون العنوان المأخوذ في الموضوع موضوعاً خلاف الظاهر ، لا يصار إليه إلّا بقرينة .فما عن شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه(2)من جعل المانع هو الوقوع في أجزاء العناوين الذاتية بلا موجب ، مضافاً إلى أنّه لا موجب حينئذ للتعدّي إلى ما لا يكون محرّماً في ذاته بل عرض له هذا العنوان ، مثل الموطوء وشارب لبن الخنزيرة والجلال ، وإن كان الأستاذ (قدّس سرّه) (3): في الأخير ، نظراً إلى كون الجلل مثل الاضطرار من العناوين القابلة للزوال .)وأنت خبير بأنّ القبول للزوال أجنبي عن المانعية ، وكيف يقاس ذلك بالاضطرار ، فإنّه موجب للحلّية بالقياس إلى خصوص المضطر ، لا تبدلاً في ذات اللحم حتّى يحرم على عامة المكلّفين ، كما في الجلل . فالجلال ما دام كونه كذلك محرّم على كل أحد ، وكونه قابلاً للزوال لا ينافي مانعيّته عن الصلاة حال وجوده .
وبالجملة : إن كان محرّم الأكل معرّفاً للعنوان الذاتي فلا موجب للتعدّي إلى غير ما كان حراماً في ذاته.ودعوى أنّ ما دلّ على الملازمة بين الحرمة وعدم جواز الصلاة يقتضي التعدّي إلى ما ذكر يمنعها أنّ ما دلّ على الملازمة يدلّ على موضوعية نفس عنوان محرّم الأكل أيضاً ، فإن أخذ بظهوره فهو ، وإن جعل معرّفاً فالقدر المتيقن هو معرّفيته الخصوص المحرّمات الذاتية .وممّا يؤكد ما ذكرناه من كون حرمة الأكل مأخوذة في الموضوع هو أنّه إذا دل دليل على نسخ حرمة أكل لحم حيوان فلا يشكّ أحد في جواز الصلاة في أجزائه ، مع أنّ الذات بعينها هي الذات الأولية التي لم تكن الصلاة جائزة في أجزائها .ثمّ إنّ الحرمة المأخوذة في الموضوع لا تختصّ بالحرمة الذاتية الثابتة للشيء مع قطع النظر عن العوارض ، بل تعمّ الحرمة ولو كانت من جهة العارض كالجلل ونحوه ، وذلك لإطلاق الدليل على أنّ ما حرم الله أكله لا تجوز الصلاة في شيء منه (1. كما أنّ المراد منها ليس هي الحرمة الفعلية المقابلة لإباحة الأكل فعلاً ، ضرورة أنّه لا تجوز الصلاة في أجزاء ما اضطر إلى أكل لحمه ، وتجوز في أجزاء الحي وما خرج روحه بغير التذكية.)بل المراد منها على ما هو المستفاد من قوله (عليه السلام: ما حرّم الله أكله (2هو كون اللحم حراماً على تقدير وجود الشرائط ، فلو فرضنا عدم فعلية)
الحرمة لعدم ابتلاء مكلّف به أصلاً فهو لا يوجب صحة الصلاة في صوفه مثلاً ، فإنّه صوف حيوان حرّم الله أكله ، أي جعل له الحرمة في عالم التشريع وإن لم تكن الحرمة فعلية ، لعدم شرط أو وجود مانع ، وهذه الحرمة هي المرادة من الحرمة الشأنية التي تدور المانعية مدارها .### العاشر : البحث عن متعلّق المانعية وأنه الصلاة أو المصلّي أو اللباسالعاشر : أنّ اعتبار المانعية لغير المأكول في الصلاة إما أن يكون في نفس الصلاة، أو في المصلي، أو في اللباس، بمعنى أن القيد الاعتباري في الصلاة هل يكون مركزه نفس الصلاة ، فاعتبر فيها أن لا تقع في غير المأكول ، من دون إضافة إلى المصلّي أو اللباس . أو أن مركزه هو المصلّي ، فاعتبر فيها أن لا يكون المصلّي لابساً أو مصاحباً لغير المأكول . أو أنّ المركز هو اللباس ، فاعتبر فيها أن لا يكون هو أو كلّ ما مع المصلّي من غير المأكول . وعلى كل حال ، فالتقييد الاعتباري لنفس الصلاة ، والاختلاف في المركز والمورد .الذي ينبغي أن يقال : أنّه لا معنى لأخذ شيء شرطاً في المأمور به إلّا أن يكون هو أيضاً متعلقاً للأمر بتبع الأمر به، من جهة أخذ التقيد فيه ، ولذا قد ذكرنا في الأمر السابع (1أن شرط المأمور به لا يمكن إلّا أن يكون فعلاً اختيارياً ، وحيث إن اتصاف اللباس بكونه من المأكول أو من غيره أو عدم كونه من غير المأكول لا يعقل تعلّق التكليف به وجوداً أو عدماً ، فلا معنى لكونه قيداً في المأمور به ، نعم يصح أن يقال : يشترط في الصلاة أن لا يكون اللباس من غير المأكول . لكنه لا بمعنى أخذه في المأمور به ، بل بمعنی دوران الصحّة مداره ، ولو من جهة تقيّد الصلاة بأن لا تقع فيه .)فيدور الأمر بين أن يعتبر التقيد في ناحية المصلي ، بأن يكون الأمر متعلقاً
1) في ص 19 .
بالصلاة المقيّدة بأن لا يكون المصلّي لابساً أو مصاحباً لغير المأكول ، فيكون عدم لبسه أو مصاحبته إيَّاه مطلوباً من ناحية الأمر بالمقيّد . أو في ناحية نفس الصلاة فيكون الأمر متعلقاً بها بقيد أن لا تكون في غير المأكول .ولا يبعد أن يكون بعض الروايات ظاهرة في الأول ، كقوله (عليه السلام في موثّقة سماعة : « ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه » (1)إذ جعل متعلّق النهى الغيري المستفاد منه المانعية فيها هو اللبس حال الصلاة ، وليس في غيرها ما ينافي دلالته فإنّها دالّة على النهي عن الصلاة في غير المأكول ، وحيث إن غير المأكول لا معنى لكونه ظرفاً للصلاة إلّا باعتبار كونه ظرفاً للمصلّى من جهة كونه لباساً له أو مصاحبته إيّاه حتّى تكون الظرفية بالعناية .)وعلى كل حال ، فالصلاة من أفعال المصلّي وكونه لابساً لغير المأكول أو مصاحباً إيَّاه من جملة أفعاله أيضاً ، ولا مصحح لظرفية متعلّق أحد الفعلين للآخر إلّا بتوسيط الفاعل في البين حتّى يكون الإسناد إلى الفعل بالعرض والمجاز وعليه يكون مركز التقييد حقيقة هو عدم لبس المصلّي أو عدم مصاحبته لغير المأكول ، فيكون التقيد بالعدم المنتزع عنه المانعية معتبراً في ناحيته ، فلا تكون لها دلالة على خلاف ما يستفاد من الموثّقة ، بل يكون مفادها منطبقاً على ما يستفاد منها بعينه ، فلا يبقى في البين ما يدلّ على اعتباره في ناحية الصلاة حتّى يكون المانع وقوعها في غير المأكول من غير لحاظ المصلّي .وممّا ذكرناه يظهر فساد ما أفاده بعض المحقّقين من المعاصرين (2- من أنّ)
القيدية الاعتبارية لابدّ وأن ترجع إلى الصلاة ، والقيدية الحقيقية أعني بها الاتصاف الخارجي ليس إلّا للمصلّي أو اللباس ، فإن اللباس في نفسه إما يكون من المأكول أو لا يكون منه ، كما أن المصلّى إما يكون لابساً له أو لا . فالترديد ليس بين الثلاثة ، بل بين الاثنين - فإنّك قد عرفت أنّ القيدية الاعتبارية وإن كانت للصلاة لا محالة إلّا أن مركزها يمكن أن يكون نفسها ، ويمكن أن يكون المصلى أو اللباس مع قطع النظر عمّا ذكرناه من لزوم كون الشرط فعلاً اختيارياً . وسيظهر ثمرة هذا البحث في إجراء الأصول العملية إن شاء الله تعالى .إذا تحقّقت هذه الأمور فيقع الكلام في المباحث :
### فيما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديةالمبحث الأوّل### المبحث الأوّل : الأدلّة الاجتهادية على الجوازوتقريب دلالتها على جواز الصلاة فيما يشكّ في كونه من غير المأكول من وجوه :### الأوّل : اختصاص أو انصراف النصوص المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل إلى صورة العلمالأوّل : دعوى اختصاص الألفاظ وضعاً أو انصرافاً بخصوص المصاديق المعلومة ، فيكون النهي عن الصلاة في غير المأكول مختصاً بما يعلم أنّه من غير المأكول ، فلا يكون الفرد المشكوك فيه محتملاً لتعلّق النهي به واقعاً ، وإن كان من غير المأكول في نفس الأمر .ولا يخفى أنّ هذه الدعوى لو تمّت لكان لازمها الحكم بالصحّة الواقعية، وعدم تحقّق انكشاف الخلاف بانكشاف الوقوع في غير المأكول حتّى يكون الحكم بالصحّة متوقفاً على جعل شرعي ، بل يكون المأتي به موافقاً للمأمور به في الواقع . إلّا أنّ فسادها من الوضوح بمرتبة لا يحتاج معه إلى اتعاب النفس بإقامة البرهان والاستدلال عليه .### الثاني : التمسّك بما دلّ على جواز الصلاة بكل ساترالثاني : دعوى أنّ العمومات أو المطلقات الواردة في وجوب الصلاة أو في وجوب التستر حجّة على جوازها في كلّ شيء ، ولا يزاحمها إلّا حجّة أخرى ومن الضروري أنّ دليل التخصيص لا يكون حجّة إلّا فيما علم انطباق موضوعه على الموجود الخارجي ، فما لم يعلم كون شيء من غير المأكول لا يكون دليل
النهي عن الصلاة فيه حجّة بالقياس إليه ، فيتمسّك بالعموم ، فيحكم بجواز الصلاة فيه واقعاً .ويرد عليه : أنّه على تقدير تسليم وجود عموم أو إطلاق في البين فلا محالة يكون دليل التخصيص كاشفاً عن تقيّد موضوعه بغير عنوان المخصّص واقعاً ، فإنّه مقتضى الجمع بين الدليلين ، ضرورة استحالة بقاء العام أو المطلق على عمومه أو إطلاقه بعد ورود التخصيص أو التقييد ، فكاشفية العموم أو الإطلاق تتضيّق بورود التخصيص أو التقييد ، وينكشف بهما عدم إرادة العموم أو الاطلاق من أوّل الأمر .وحينئذ فصدق عنوان المخصص على فرد وإن كان مشكوكاً فيه فلا يكون دليل التخصيص حجّة بالقياس إليه ، إلّا أنّ صدق عنوان العام بعد تقييده بغير عنوان المخصص يكون مشكوكاً فيه ، فلا يكون الدليل العام حجّة بالقياس إليه أيضاً.وبالجملة : إنّما يصحّ التمسّك بالعموم أو الإطلاق فيما إذا كان الشكّ راجعاً إلى الشكّ في أصل التخصيص أو التقييد ، ولو بالنسبة إلى غير ما يعلم التخصيص أو التقييد بالقياس إليه ، وأما إذا علم التخصيص أو التقييد وكان الشك راجعاً إلى الانطباق كما في الشبهات المصداقية - فلا يمكن التمسك معه بالعموم أو الإطلاق ، فإنّ صدق عنوان العام الثابت تقييده بدليل المخصص لا يكون محرزاً معه ، ومع عدم إحرازه لا يصح التمسك به ، ولتحقيق المقام وتوضيحه مقام آخر (1.)ثمّ إنّه لو قلنا بجواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية فلا يثبت به إلّا الحكم الظاهري بجواز الصلاة ، وبعد انكشاف الخلاف وأنها وقعت في غير المأكول لابدّ من إعادتها ، إلّا أن يدل دليل شرعي على الصحّة والإجزاء ، كحديث
1) محاضرات في أصول الفقه 4 موسوعة الإمام الخوئي (46) : 343 .
لا تعاد (1أو غيره .)### الثالث : عدم فعلية النهي الدال على المنع فيما لا يؤكل حال الجهلالثالث : دعوى أنّ المانعية في المقام حيث إنها منتزعة عن النهي عن الصلاة في غير المأكول فتكون فعليتها تابعة لفعليّته ، وحيث إنّ النهي لا يكون فعلياً مع الجهل فلا تكون المانعية أيضاً فعلية ، فتصح الصلاة في فرض الجهل بكون اللباس أو ما يستصحبه المصلّي من غير المأكول واقعاًنعم لو كان دليل المانعية بلسان أنّه لا صلاة في غير المأكول ونحوه ممّا لا يكون من قبيل التكليف ، لكان مقتضاه المانعية المطلقة المقتضية للفساد ولو في ظرف الجهل أو النسيان ، ما لم يدلّ دليل ثانوي على الصحّة والإجزاء. لكن الأمر في المقام ليس كذلك .ويرد عليه أوّلاً : أنّ غالب أدلّة عدم الجواز وإن كانت بلسان النهي إلّا أنّ موثّقة ابن بكير (2صريحة في المانعية وفي فساد الصلاة في غير المأكول ، فيتمسك باطلاقها للحكم بالبطلان في حال الجهل ، فلابدّ من التماس دليل آخر [ للصحة ] في ظرف الجهل .)وثانياً : أن النواهى الواردة في أجزاء المركب وقيودها كالأوامر المتعلقة بها ليس لها ظهور في إنشاء البعث والزجر ، كيف وتعلقها في العبادات والمعاملات بسنخ واحد ، مع عدم شائبة الطلب في المعاملات أصلاً ، بل الظاهر منها الإرشاد إلى المانعية ، كما أنّ الظاهر من الأوامر فيها الجزئية أو الشرطية .وكونها منتزعة عن الحكم التكليفي معناه أنّها تنتزع عن الأوامر المتعلّقة بالمركبات المقيّدة بالقيود الوجودية أو العدمية ، لا أنّها تنتزع عن الأمر المتعلّق
بالجزء أو الشرط أو النهي المتعلّق بالمانع . وعليه لا موجب لاعتبار العلم في فعلية هذا النهي الذي هو إرشادي محض ، ضرورة أنّ الاشتراط بالعلم من لوازم الطلب ، لا من لوازم كل إنشاء ولو لم يكن بداعي البعث والزجر ، وهذا ظاهر بأدنى تأمّل .وثالثاً : أنّه لا وجه لاعتبار العلم بالموضوع في فعلية الطلب مع عدم أخذه فيه في لسان الدليل ولا في دليل آخر منفصل، ضرورة أن فعلية الحكم إنما تكون بفعلية موضوعه التام، وإلا لزم تخلّف الموضوع عن حكمه ، وهو في حكم تخلّف العلة التامة عن معلولها.نعم لا يكون الحكم الفعلي منجّزاً في ظرف الجهل ، ولا يصحّ العقاب على مخالفته ، وأين ذلك من الفعلية وتحقّق البعث أو الزجر في الواقع ، خصوصاً في القضايا الحقيقية التي لا نظر فيها إلى شخص موضوع ، وإنما أُنشئ فيها الحكم على موضوعها المقدّر وجوده أينما تحقّق .ومن هنا علم أنّ الأمر كذلك حتّى فيما كانت المانعية مترتبة على التكليف النفسي التحريمي ، كما إذا بنينا على استحالة اجتماع الأمر والنهي من جهة اتحاد متعلقهما في الخارج وجوداً و تقديم جانب النهي، فإنّ حرمة المجمع واقعاً تكون مانعاً عن شمول إطلاق الأمر له ولو لم يعلم المكلف بالتحريم ، لأن استحالة اجتماع الضدين غير متوقفة على علم المكلّف .ولذا ذكرنا في محلّه (1أنّ لازم هذا القول هو الحكم بفساد الصلاة في الدار المغصوبة ولو مع الجهل بغصبيتها ، إلّا أن يدل دليل خارجي على الصحّة والإجزاء وأنّ فتوى المشهور بالصحّة في الفرض المزبور لابدّ وأن تكون مبنية على القول)
1) شرح العروة الوثقى 13 : 17 - 18 .
بالجواز ، المبني على تعدّد الوجودين وكون التركيب بينهما انضمامياً لا اتحادياً فإنّه على هذا القول يدخل المجمع في كبرى باب التزاحم لا التعارض ، ولازمه الالتزام بالصحّة في فرض المعذورية وعدم تنجز الحرمة الواقعية المستلزمة لعدم اتصاف الفعل بالقبح الفاعلي.وما وجّه به المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه فتوى المشهور من عدم فعلية النهي في ظرف الجهل فلا مانع من شمول إطلاق دليل الأمر له (1)، قد عرفت ما فيه ، وتمام الكلام في محلّه .)### الرابع : التمسك بما دلّ على جواز الصلاة في الخزالرابع : دعوى أن الروايات الدالة على جواز الصلاة في الخز (2تدلّ على جوازها فيما كان يطلق عليه الخز ، وكان لبسه متعارفاً في تلك الأزمنة ، ومن المعلوم ندرة العلم بخلوص الخز وعدم غشه بوبر الأرانب وغيرها ، فتكون تلك الأدلّة دالّة على جواز الصلاة فيما احتمل غشّه بغيره ممّا لا يؤكل لحمه ، إذ تخصيصها بخصوص الخالص يوجب إلغاءها وعدم الفائدة في تجويز الصلاة فيه فإنّ إحراز خلوصه من الغش نادر ، لا يمكن اختصاص تلك الأدلة بمورده . وبعدم القول بالفصل بين موارد المشتبه يتعدّى إلى سائر موارد الشبهة ، فيتمّ المطلوب .)ويرد عليه أوّلاً : أنّ تلك الأدلة على تقدير دلالتها على جواز الصلاة في غير الخالص أيضاً قد قيّدت بما دلّ على عدم الجواز في المغشوش ، فيكون التمسك بها لجواز الصلاة فيما احتمل فيه الغش من التمسك بالإطلاق في الشبهات
المصداقية ، وقد عرفت (1عدم جوازه .)وثانياً : أنّ الحكم بجواز الصلاة في محتمل الغشّ - بدعوى أنّ التخصيص بخصوص ما علم خلوصه يوجب التقييد بالفرد النادر - على تقدير تماميته يوجب تخصيصاً آخر في أدلّة عدم جواز الصلاة في غير المأكول ، فكما أنّ الخز خارج تلك الأدلّة يكون خليطه خارجاً عنها إمّا مطلقاً أو في خصوص الجهل عن بالحال ، ومعه كيف يمكن دعوى عدم القول بالفصل ، وأن جواز الصلاة في محتمل الغش يوجب جواز الصلاة في غيره من المشتبهات أيضاً .وبالجملة : ليس في تلك الأدلّة ولو بقرينة ما دلّ على عدم الجواز في المغشوش دلالة على الجواز فيما احتمل فيه الغش، ويكون حينئذ إحراز موضوعها متوقّفاً على حصول العلم أو حجّة أخرى من الخارج ، كبقية الموضوعات الخارجية ، وليس إحراز الخلوص ولو بحجّة غير العلم من الفرد النادر الذي لا يمكن حمل المطلقات عليه ، وعلى تقدير الدلالة فلا يمكن التعدّي من موردها إلى غيره .ولا يخفى أنّ هذا الوجه على تقدير تماميته يترتّب عليه الجواز حتّى على القول بالشرطية وأنّ الأمر تعلّق بالصلاة في غير ما لا يؤكل ، فإنّ مقتضى دلالة الأخبار على جواز الصلاة في الخز المحتمل للغش هو ذلك كما لا يخفى
1) في ص 35 .
### المبحث الثاني : الأصول الموضوعية المدعى جريانها في المقامالمبحث الثانيفيما تقتضيه الأصول الموضوعيةوقد استدلّ بها على جواز الصلاة في المشتبه بوجوه :### الأول : أصالة الحلّالأوّل : التمسّك بأصالة الحلّ في لحم الحيوان المتخذ منه الصوف المشتبه مثلاً ، فيحرز بها حلّية اللحم ظاهراً ، ويترتب عليها جواز الصلاة في الصوف المأخوذ من حيوانه . وقد أورد عليه بوجوه :منها : ما عن شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه(1)من أنّها على تقدير جريانها لا تجري فيما إذا علم حرمة أكل لحم حيوان معيّن وحلّية الآخر بعينه متميزاً في الخارج عن الحرام، فإنّه ليس هناك لحم يشك في حليته وحرمته ، بل الشك راجع إلى أخذ الصوف من معلوم الحرمة أو الحلية ، نعم العنوان الانتزاعي وهو ما أخذ منه هذا الصوف - وإن لم يعلم حرمته ، إلّا أنّه ليس له وجود في الخارج ، ولا يترتّب عليه أثر شرعي ، وما هو موجود فيه وموضوع للأثر إمّا معلوم الحرمة أو معلوم الحلية .)### ايرادات الميرزا النائيني (رحمه الله على الأصل المذكور)ويرد عليه : أنّ معلومية حلّية أحد الحيوانين في نفسه وحرمة الآخر كذلك
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 316 .
لا ينافي الشكّ الفعلي في حرمة ما أخذ منه هذا الصوف المبتلى به مثلاً ، ومن الضروري أنّ معنون هذا العنوان موجود خارجي يشكّ في حلّيته وحرمته فعلاً وإن كان معلوم الحرمة أو الحلية سابقاً بعنوان آخر ، والميزان في جريان الأصل هو فعلية الشكّ بأي عنوان كان .فهو نظير ما إذا وقعت قطعة من أحد اللحمين المعلوم حرمة أحدهما بعينه وحلّية الآخر كذلك بيد المكلف ، وشكّ في أخذها من أي منهما ، فإنّه لا إشكال في جريان أصالة الحلّ في تلك القطعة ، وإن كان حكمها من الحلية أو الحرمة كان معلوماً سابقاً ، إلّا أنّه لا يضر بكونها مشكوكاً فيها فعلاً لتجري فيها أصالة الحل .وما إذا فقد أحد اللحمين في مفروض المثال وبقي الآخر ، وشكّ في أنّ الباقي هل هو ما علم حليته أو حرمته ، فإنه لا ريب في جريان أصالة الحل فيه حينئذ ، مع أنّه مردّد بين أن يكون معلوم الحلّ أو الحرمة .ومنها : ما عنه (قدّس سرّه (1)أيضاً من أنّ الموضوع لعدم جواز الصلاة ليس هو ما حرم أكله بما هو كذلك ، بل المانع هو وقوع الصلاة في شيء من أجزاء حيوان معرّفه كونه محرّم الأكل ، فذات الأسد والأرنب والذئب ونحوها هي التي لا يجوز الصلاة في أجزائها ، كما أن الموضوع لجواز الصلاة هي ذوات ما أحل الله أكله . ومن البديهي أن أصالة الحل لا يثبت بها كون الحيوان من الأنواع المحلّلة أو عدم كونه من الأنواع المحرّمة.)وقد أورد عليه بعض المحقّقين من المعاصرين (2بأنّ المانعية وإن كانت من أحكام ذوات ما يحرم أكل لحمها ، إلّا أن أصالة الحل على تقدير إثباتها لأحكام)
الحلّية الواقعية يترتّب عليها أحكام المعنونات لما يحل أكل لحمه أيضاً ، والسرّ في ذلك : أن الدليل الحاكم كما يكون حاكماً على موضوع الحكم واقعاً ، ويوجب توسعته أو تضييقه كذلك يكون حاكماً على موضوع الحكم في لسان الدليل فيوجب توسعته أو تضييقه ، وقصر الحكومة على القسم الأول بلا موجب .فإذا ورد في الدليل أنّ ما يحرم لحمه لا يجوز الصلاة في شيء منه ، فكما أنّ أصالة الحل توجب ارتفاع موضوعه، ويثبت جواز الصلاة في المشكوك فيه فيما كان نفس العنوان موضوعاً ، فكذا الحال فيما كان الموضوع غيره ، فإنّها توجب التضييق في دليل المانعية باعتبار الموضوع المأخوذ فيه فلا فرق في الحكومة بين أن يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الموضوع الواقعي أو الدليلي .ويرد عليه أولاً : أنّه على تقدير تماميته إنّما يتم فيما لم يكن الموضوع الواقعي مأخوذاً في موضوع الدليل أصلاً، وأما فيما أخذ فيه ولو في بعض الأدلة - كما في المقام فغاية ما يترتّب على أصالة الحل عدم المانعية من جهة الحرمة ، وأمّا احتمال المانعية من جهة احتمال كون المشكوك فيه من أجزاء الأسد مثلاً فلا دافع له أصلاً . وثانياً : أنّ التوسعة والتضييق في موضوع الدليل إن كان باعتبار اللفظ المأخوذ فيه فلا معنى محصل له، ضرورة أنّ الحكم الشرعي لا يترتّب عليه حتّى يكون قابلاً للتوسعة أو التضييق .وإن كان باعتبار المراد منه فالمفروض أنّ المراد منه الذوات الخارجية ، لا نفس العنوان ، فما معنى التوسعة والتضييق بالقياس إليه . مثلاً إذا أمر المولى بوجوب إكرام الجائي ، وعلمنا أنّه عنوان لزيد ، بلا دخل لمجيئه في ثبوت الحكم له ، فإذا شككنا في بقاء الوجوب فهل يصح التمسك لإثباته باستصحاب المجيء ؟ فما أفاده شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه في غاية المتانة ، إلّا أنّه مبني على)
أن لا يكون نفس العنوان موضوعاً للحكم، وقد عرفت في الأمر التاسع (1أنّه خلاف ظواهر الأدلّة .)ومنها : ما عنه (قدّس سرّه (2)أيضاً من أنّ موضوع عدم جواز الصلاة على تقدير كونه محرّم الأكل بهذا العنوان ليس المراد من الحرمة المأخوذة فيه هي الحرمة الفعلية المقابلة للإباحة فعلاً ، ضرورة أنّه تجوز الصلاة في صوف الغنم الميت مع أنّ لحمه لم يحكم عليه بالحلّية في شيء من أزمنة وجوده، فالقطع بالحرمة الفعلية المانعة من جريان أصالة الحل لا ينافي الحكم بجواز الصلاة قطعاً، فلابدّ وأن يكون موضوع عدم الجواز هي الحرمة الشأنية الاقتضائية ، أعني بها الحرمة على تقدير تحقّق الذبح الشرعي . فاتّصاف الحيوان بذلك مانع عن الصلاة في شيء من أجزائه ، حيّاً كان أو ميتاً ، كما أنّ اتصافه بالحلّية كذلك موضوع للجواز في حال الحياة وبعدها .)وعليه لا تجري أصالة الحل في فرض الشكّ لإثبات موضوع الجواز ، فإنّها كغيرها من الأدلّة المثبتة للأحكام الظاهرية أو الواقعية لا تثبت إلّا أحكاماً فعلية عند تحقّق موضوعاتها . فما يثبت بأصالة الإباحة أجنبي عمّا أخذ في موضوع الحكم بالكلية .نعم لو كانت الحلية الشأنية مورداً للتعبد الشرعي كما في موارد احتمال التبدل من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية لكان لجريان الأصل في موضوع الحكم الشرعي مجال واسع ، لكنه غير ما نحن فيه ، فإنّه لا يثبت بأصالة الإباحة إلّا أحكام الإباحة الفعلية ، وقد عرفت أن جواز الصلاة ليس منها .
هذا محصّل ما أفاده (قدّس سرّه . ولقد أجاد فيما أفاد ، وبه يمنع عن جريان أصالة الإباحة في المقام .)وأمّا ما قيل : أنّه لا يترتّب على أصل الإباحة إلّا الآثار المترتّبة على الأعم من الحلّية الواقعية والظاهرية، وأما الآثار المترتبة على خصوص الحلّية الواقعية كما في المقام فلا يترتّب على أصالة الحل ، لعدم إحراز الواقع بها .ففيه : أنّ الأصل العملي وإن لم يكن له نظر إلى الواقع إلّا أنّه يوجب الجري العملي على طبقه ، من دون تصرّف في الواقع بتوسعة موضوعه . فأصالة الطهارة مثلاً توجب جواز شرب الماء المشكوك في نجاسته والتطهير به ، مع أنّهما من الأحكام المترتّبة على الطهارة الواقعية .والسرّ فيه : أنّها تكون حاكمة على الأدلّة الواقعية ، فتوجب ترتيب جميع آثار الواقع على المشكوك فيه ، لكن الحكومة حيث إنّها ظاهرية وفي ظرف الشكّ فلا توجب توسعة في الواقع بجعل الشرط أعم من الواقع والظاهر ، فيجب إعادة الوضوء مثلاً (1وغسل الثوب المغسول به ثانياً فيما انكشف الخلاف (2)، نعم في خصوص الصلاة لا تجب الإعادة بدليل خاص (3). وتمام الكلام والفرق بين الحكومة الظاهرية والواقعية في محلّه (4).)وعليه يكون جريان أصالة الحلّ موجباً لترتب آثار الحلال الواقعي على
المشكوك فيه ، ومنها جواز الصلاة فيه ، مع قطع النظر عما ذكرناه من أنّه مترتب على الحلّية الشأنية دون الفعلية .ثمّ أنّه بعد ما تحقّق أنّه لا يترتّب على أصالة الإباحة الأحكام المترتّبة على الحلّية الشأنية يعرف أنّه لا فرق في ذلك بين جريانها في الشبهات الموضوعية أو الحكمية ، فإنّ الأثر المرغوب إن كان مترتباً على الحلّية الفعلية فهو يترتّب عند جريانها في الصورتين ، وإلّا فلا يترتّب مطلقاً .### أمور ترتبط بالاستدلال بأصالة الحلّوينبغي التنبيه على أمور :الأول : كما لا يترتّب على أصالة الإباحة جواز الصلاة في المشكوك فيه كذلك لا يترتّب عدم الجواز على أصالة الحرمة من جهة الشكّ في التذكية أو من جهة أخرى ، وذلك لأنّ عدم الجواز كما عرفت (1مترتب على الحرمة الشأنية وأين ذلك ممّا يثبته الأصل العملي من الحرمة الفعلية . فحال الحيوان المشتبه حلّ أكل لحمه على حدّ سواء من جهة الجواز وعدمه ، سواء كان الأصل الجاري فيه مقتضياً للحلّية أو الحرمة . وكذلك الحال بناءً على أن يكون المانع وقوع الصلاة في أحد العناوين الذاتية ، نعم لو كان نفس العنوان الذاتي أو الحلّية أو الحرمة الشأنيتين مورداً للتعبد الشرعي لترتّب عليه أثره من الجواز وعدمه .)الثاني : إذا اقتضى الأصل بقاء الحيوان على ما هو عليه من كونه متصفاً بأحد العناوين الذاتية المحلّلة ، فهل يترتّب عليه جواز الصلاة في أجزائه ، بناءً على كون عدم الجواز مترتباً على الحرمة لا على نفس العنوان ، أم لا ؟الظاهر هو الأول ، فإنّ الأصل الموضوعي يحرز به [عدم] الحرمة التي هي
1) في ص 43
موضوع عدم الجواز ، بناءً على ما هو المحقّق في محلّه(1من أنّه لا بأس بترتب الآثار الشرعية المترتبة على الأثر الشرعي المترتب على المستصحب ، وليس هذا من الأصول المثبتة في شيء ، وهذا كالنجاسة المستصحبة ، فإنّه كما يترتّب عليها نجاسة الملاقي يترتّب عليها نجاسة الملاقي للملاقي أيضاً ، وهكذا .)والسرّ فيه : أنّ الأثر الشرعى إذا كان مترتباً على المستصحب بواسطة أمر شرعي فهو مترتّب عليه بلا عناية ، فيشمله حرمة نقض اليقين بالشكّ ، ووجوب ترتيب آثار المتيقن ، وهذا بخلاف الأثر الشرعي المترتب على لازم عادي أو عقلي ، فإنّه لا ترتب له على الملزوم شرعاً إلّا بالعناية ، فإن الترتب إذا كان في تمام السلسلةشرعياً أو عقلياً فالأثر الأخير يترتّب على أوّل الوجود من السلسلة شرعاً أو عقلاً .وأمّا إذا اختلف الترتب فكان في أوّلها عقلياً وبعده شرعياً فليس ترتب الأثر الشرعي على أوّل السلسلة شرعياً ، ومن الضروري لزوم كون الترتب كنفس الأثر شرعياً فيما كان إثبات الأثر بالتعبّد الشرعي .وإن أبيت عن ذلك فليجعل المستصحب في محلّ الكلام نفس الحلّية الشأنية ، فيرتّب عليها أثرها الشرعي ، وهو جواز الصلاة على الفرض . والإشكال في الأصول المثبتة إنّما هو فيما لم يكن اللازم بنفسه مسبوقاً باليقين ، وإلا فيستصحب نفس اللازم كما في المقام .ومن ذلك يعلم ما في كلام بعض المعاصرين من المحقّقين (2من جعل جواز)
الصلاة في أجزاء الحيوان المفروض مبنيّاً على اختيار الجواز في أصل المسألة .الثالث : بناءً على كون المأخوذ في موضوع عدم الجواز هي الحرمة الفعلية فهل يعتبر في جريان أصالة الحلّ كون اللحم في محلّ الابتلاء ، حتّى يكون قابلاً للتعبّد بحلّيته ، فيترتب عليه جواز الصلاة فيما يتخذ من حيوانه ، أم يكفي فيه مجرّد كون الصوف في محلّ الابتلاء ، وإن لم يكن اللحم كذلك ؟ذهب بعض المحقّقين (1إلى الأول ، نظراً إلى أن أصالة الإباحة حيث إنّها من الأصول الحكمية فلابدّ في جريانها من قابلية المحل للحكم عليه بالإباحة ، ومع عدمها من جهة كون اللحم خارجاً عن محلّ الابتلاء لا معنى للحكم عليه بالإباحة حتّى يترتّب عليه جواز الصلاة ، نعم إذا كان اللحم محكوماً عليه بالحلّية في زمانٍ فلا مانع من الحكم بجواز الصلاة فيما أخذ من حيوانه إلى الابدّ ، والسرّ فيه واضح لا يكاد يخفى .)وأنت خبير بما فيه ، فإنّ أصالة الإباحة وإن كانت من الأصول الحكمية إلّا أنّ الإباحة أخذت في موضوع جواز الصلاة على الفرض ، فالحكم بجوازها فعلاً يكفي في جريانها في اللحم، وإن لم يكن هو محلاً للابتلاء في شيء من الأزمنة. وهذا نظیر جریان استصحاب النجاسة فيما لاقاه الماء مثلاً ، مع عدم كونه محلاً للابتلاء حين جريانه .والسرّ فيه : أنّه يكفي في جريان الأصل العملي وجود أثرٍ ما ، وأمّا كون مجرى الأصل محلاً للابتلاء فلا ملزم له أصلاً .### الثاني : قاعدة الطهارةالوجه الثاني : التمسّك بقاعدة الطهارة فيما إذا دار الأمر بين أن يكون اللباس
1) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله في رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك : 39
من الغنم أو الكلب مثلاً ، فإذا جرى الأصل وثبت جواز الصلاة فيه مع احتمال كونه من الكلب غير المأكول لحمه ، فيثبت في غيره من الشبهات بعدم القول بالفصل . ويرد عليه : أنّ أصالة الطهارة لا يترتّب عليها إلّا ما يترتّب على مجرّد الطهارة من الأحكام ، وأمّا ما يترتّب عليها مع غيرها كما في المقام - فلا يمكن إحراز ذلك الغير بها ، إلّا بناءً على الأصل المثبت . وعلى تقدير القول به فيحرز عدم كونه من غير المأكول بالتعبد في مفروض المثال ، ومعه كيف يتعدّى إلى ما لم يحرز فيه ذلك .### الثالث : استصحاب عدم حرمة اللحم الثابت قبل البلوغالوجه الثالث : التمسّك باستصحاب عدم الحرمة في اللحم الثابت لعامة المكلّفين قبل البلوغ ، فيثبت به جواز الصلاة فيما اتخذ من حيوانه . ولا يضرّ به علم جماعة منهم بالحرمة أو الإباحة ، فإنّ عدم ثبوت الحرمة لهم موضوع لجواز صلاة المستصحب . فالمدار على يقينه وشكه ، نظير استصحاب عدالة شخص أو حياته ، فإنّه لا يضرّ به علم ذاك الشخص أو غيره بالوجود أو العدم مع شكّ من يريد ترتيب أثر المتيقن في ظرف الشك .وفيه أوّلاً : أنّ عدم ثبوت الحرمة قبل البلوغ من جهة عدم الموضوع فاستصحابه بعده من باب إسراء الحكم إلى موضوع آخر .وثانياً : أنّه إنّما يفيد فيما كان الموضوع لعدم الجواز هو الحرام الفعلي ، وأمّا إذا كان موضوعه الحرام الشأني أو العناوين الذاتية لما لا يؤكل لحمها -كما عرفت (1-فلا حالة سابقة له قبل البلوغ أصلاً ، بل المتيقن إنّما هو عدم الحرمة الفعلية ، لكنّه أجنبي عما هو موضوع الأثر على الفرض .)### الرابع : استصحاب عدم الحرمة الثابت قبل الشرعالوجه الرابع : التمسّك باستصحاب عدم الحرمة الثابت قبل الشرع ، فيثبت
1) في ص 43 .
به عدم كون الحيوان المشكوك فيه ممّا حرم الله أكله ، فيجوز الصلاة في أجزائه . ولا فرق فيه بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية ، فإنّ مرجع الشك مطلقاً إلى الشكّ في جعل الحرمة من قبل الشرع للحيوان الخارجي ، فيستصحب عدمه .وأورد عليه تارةً : بأنّ عدم الحرمة قبل الشرع من باب السلب بانتفاء الموضوع ، وقد علمنا انقلابه إما بإضافة الحرمة إلى الشرع أو إضافة عدمه إليه ، فلا يجري الاستصحاب لإثبات إضافة العدم إليه ، التي هي المأخوذة في موضوع الجواز.وأخرى : بأنّا نعلم ثبوت حكم له في الشريعة ، إمّا الإباحة أو الحرمة فاستصحاب عدم التحريم معارض باستصحاب عدم الإباحة .وثالثة : بأنّ استصحاب عدم جعل الحرمة في الشريعة لا يثبت اتصاف الحيوان الخارجي بعدم الحرمة ، الذي هو الموضوع للحكم ، فإنّ الأثر الشرعي مترتب على عدم الحرمة الفعلية على تقدير الذبح الشرعي ، وإثباته بعدم جعل الحرمة مبني على القول بالأصول المثبتة .والتحقيق أن يقال : إنّ الشريعة ليست إلّا عبارة عن مجموع أحكام مجعولة من الشارع ، فإن قلنا : إنّ الله تعالى هو الشارع فلا ريب في أن العدم كان مضافاً إليه قبل البعثة ، فيستصحب فيما بعدها . وإن قلنا : أنّه النبي (صلى الله عليه وآله بوحي من الله فلا ريب في مضي زمان بعد نبوّته (صلى الله عليه وآله) وهو بعد لم يحرّم هذا المشكوك في حرمته بالشبهة الموضوعية أو الحكمية كما هو المستفاد من قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) الآية (1)فإنّ حصر المحرّم حال نزول الآية في المذكورات فيها يدلّ على حلّية غيرها فيستصحب بعدها .
1) الأنعام 6 : 145 .
ومن هنا يعلم أنّه لا مجال لمعارضة هذا الاستصحاب باستصحاب عدم الإباحة ، فإنّ المتيقن في السابق هو الإباحة ، لا عدمها .
وأمّا حديث عدم إثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل فهو وإن أصرّ عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)إلّا أنّه يرد عليه : أن جعل الأحكام إذا كان على سبيل القضايا الحقيقية وغير متوقف على وجود موضوعاتها خارجاً ، فكما أنّه يثبت فعلية المجعول باستصحاب بقاء الجعل وعدم نسخه ، فيحكم بها وبما يترتّب عليها من الآثار عند فعلية الموضوع خارجاً ، فكذا يثبت عدمها بعدم الجعل ولو بالاستصحاب ، والسرّ فيه : أنّ الحرمة الفعلية وعدمها إنما تتحقّق عند تحقّق الموضوع بنفس الجعل الأوّلي ، فمعنى بقاء الجعل بقاء الحرمة على تقدير وجود الموضوع ، كما أنّ معنى عدم الجعل عدم الحرمة على تقديره أيضاً ، فأين المثبتية .
لكن ما ذكرناه كله مبني على كون المانع هي الحرمة ، لا العناوين الذاتية، وإلا فلا يثبت باستصحاب عدم الحرمة عنوان من عناوين المحللات ، ولا عدم عنوان من المحرّمات كما هو ظاهر .
نعم بناءً على أن يكون جعل المانعية متأخّراً عن تشريع أصل الصلاة ووجوبها يمكن أن يستصحب عدم جعل المانعية لهذا المشكوك فيه ، لكنه يحتاج إلى الإثبات وقيام دليل خارجي عليه ، لكن قد عرفت في الأمر التاسع (2)أنّه لا ملزم للالتزام بذلك ، بل هو خلاف ظواهر الأدلّة .
فتحصّل ممّا ذكرناه صحة التمسّك بالاستصحاب المذكور للحكم بجواز
الصلاة في المشكوك فيه ، بل مقتضاه ذلك ولو قلنا بالشرطية ولزوم أن تكون الصلاة في غير ما لا يؤكل ، فإنّ الاستصحاب الموضوعي يحرز به هذا العنوان الوجودي ، فيترتب عليه حكمه .
إلّا أنّ هذا الوجه لا يجري فيما كان أمر المشكوك فيه مردداً بين أن يكون من حيوان محرّم الأكل أو من غير الحيوان ، والوجه فيه ظاهر لا يخفى الوجه .
الخامس : التمسك باستصحاب عدم كون المشكوك فيه جزءاً ممّا لا يؤكل ، الثابت قبل وجوده ، بتقريب : أنّه قبل وجود الحيوان كان هو واتصافه بكونه جزءاً ممّا لا يؤكل معدوماً في الخارج ، وقد علم انقلاب عدم نفسه إلى الوجود ، لكن يشكّ في انقلاب عدم الاتصاف ، فيحكم ببقائه على ما كان .
وقد عبّر في كلماتهم عن هذا الاستصحاب باستصحاب العدم الأزلي ، وحيث إن تحقيق الحال في ذلك وأنّه هل هو جارٍ مطلقاً كما هو مختار المحقّق صاحب الكفاية (1)، أو غير جارٍ كذلك كما اختاره شيخنا الأستاذ العلامة (2)، أو أن هناك تفصيلاً كما هو مختار بعض أعاظم العصر (3)(قدس الله تعالى أسرارهم) يترتّب عليه فوائد كثيرة في أبواب مختلفة ، فلا بأس به ، وإن كان يطول بنا المقام ، فأقول وبه أستعين : لابدّ من تقديم مقدمات :
الأولى : أنّ المركّب من أمور متعدّدة إذا أخذ موضوعاً أو متعلقاً للحكم فليس ذلك إلّا من جهة دخل كلّ منها في ترتب غرض الحاكم عليها ، وإلّا لكان
أخذه في شيء منهما لغواً صرفاً ، ولا يكشف ذلك عن دخل عنوان آخر منتزع عنها فيه ، بل الدخيل فيه هو ذوات أجزاء المركب أعني بها كل واحد منها بنحو العموم المجموعي ، أعني به الوجودات التوأمة ، وإلا فليس لعنوان اجتماعها في الوجود دخل في الموضوع أو المتعلّق أصلاً ، وعليه فالحاكم يلاحظها شيئاً واحداً من جهة دخالتها في الغرض الواحد ، فيأخذها في متعلّق حكمه أو موضوعه .
ومن هنا إذا كان أحد الأجزاء موجوداً وجداناً والآخر مستصحباً فلا محالة يترتب عليه الأثر ، لإحراز الموضوع أو المتعلق بضم الوجدان إلى الأصل .
ولا يمكن معارضة ذلك باستصحاب عدم المركّب ، المتحقّق قبل زمان الشك ، فإنّ المركّب بما هو مركب - أعنى به وصف الاجتماع - لا حكم له ، وإنما الحكم لذوات الأجزاء على الفرض ، ولا شك في تحقّقها بضم الوجدان إلى الأصل ، نعم لو كان وصف الاجتماع أو المقارنة أو غير ذلك من المفاهيم موضوعاً له لخرج عن محلّ الكلام من فرض الموضوع مركباً ، ولا يكون حينئذ إشكال في استصحاب عدمه ، وأنه لا يثبت ذلك باستصحاب بعض الأجزاء وضمّه إلى الوجدان حتّى يكون معارضاً له .
مثلاً إذا كان الأثر مترتباً على وجود العالم العادل ، فإن كانت عدالة زيد متحقّقة فعلاً مع القطع بعدمها سابقاً ، ولكن كان علمه متيقناً سابقاً ومشكوكاً فيه فعلاً ، فلا مناص عن استصحاب العلم ، فيثبت به الأثر المترتب عليه ، كوجوب الإكرام مثلاً . . ولا يمكن معارضته باستصحاب عدم العدالة المقارنة للعلم ، لعدم ترتب الأثر على المقارنة على الفرض .
وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى نفسك فيما إذا كان شرب الخمر حراماً يوم الجمعة ، فإذا شكّ في خمرية مائع يوم الجمعة مع كونه مسبوقاً بها ، فهل لا تستصحب الخمرية مع إحراز يوم الجمعة وجداناً ، فتحكم بذلك بحرمته ، أو تقول :
إنّ هذا المائع لم يكن خمراً مقيّداً بيوم الجمعة ، والآن كما كان .
والسرّ فيه : ما ذكرناه من أن الحكم يترتّب على ذوات الأجزاء المجتمعة ، لا مع وصف الاجتماع ، نظير ترتب الأثر التكويني على عدة أمور خارجية ، بحيث يكون الاقتضاء الواحد قائماً بالمركب
وهذا هو الوجه في عدم المعارضة ، لا ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من كون الشك في وجود المركب مسبباً عن الشك في وجود أجزائه ، ومع جريان الأصل في السبب لا تصل النوبة إلى جريانه في المسبّب ، وذلك لأن السببية وإن كانت واضحة إلّا أنها ليست بشرعية ، فلا حكومة لأحد الأصلين على الآخر .
هذا كلّه في المركب من غير العرض ومحلّه ، وإن كان التركيب من عرضين لمحلّ واحد .
وأمّا في المركب من العرض ومحله فلا مناص فيه من اعتبار العرض نعتيّاً ، ضرورة أنّ العرض وجوده في الخارج لا ينفك عن وجود نسبة بينه وبين موضوعه، فإنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، فإذا أخذ في الموضوع فإمّا أن يؤخذ بنحو النعتية - أعني بها وجوده بما هو عرض وقائم بالغير أو بما هو شيء في نفسه مع إلغاء جهة النسبة والنعتية .
فعلى الأول لا مناص عن أخذ الموضوع متصفاً به ، فإنّه معنى النعتية .
وعلى الثاني لابدّ من ترتيب الأثر على مطلق وجوده ، ولو في غير هذا الموضوع ، وهو خلف مع فرض التركب من العرض ومحلّه .
وهذا هو الوجه فيما ذكرناه ، لا ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)من
كون الإطلاق والتقييد بالقياس إلى انقسامات نفس الشيء في مرتبة سابقة على انقسامه بالقياس إلى مقارناته ، فإنّ ذلك بلا ملزم .
مضافاً إلى أنّه يستلزم اعتبار صفة المقارنة في الموضوع المركب مطلقاً ، فإنّ المقارنة من صفات الشيء وأعراضه ، فلابدّ في كل من الأجزاء بالإضافة إلى اتصافه بالمقارنة وعدمها من لحاظه مطلقاً أو مقيداً في مرتبة سابقة على وجود المقارن وعدمه ، وبه يرتفع موضوع الإطلاق والتقييد بالإضافة إلى ذات المقارن
كما هو الحال بعينه في العرض ومحله ، وهذا خلف .
الثانية : أنّ موضوع الحكم أو متعلقه بما أنّه معرّف للوجودات الخاصة في مقام الثبوت ، فإذا نظر إليه فإما أن يؤخذ على نحو يسري إلى جميع أفراده ، وهو المطلق - أعني به الطبيعة السارية - أو يؤخذ على نحو يسري إلى بعضها دون بعض ، فلابدّ من التقييد وأخذه في مقام الحكم على نحو لا ينطبق إلّا على خصوص ذلك البعض .
فإذا حكم بوجوب إكرام العالم ، فإمّا أن يكون العالم في مقام الثبوت ملحوظاً بنحو يسري إلى العادل والفاسق ، فلا يختص وجوب الإكرام بأحد القسمين ، ويكون موضوع الحكم حينئذ ملحوظاً بنحو الإطلاق . وإما أن يكون ملحوظاً بنحو يسري إلى خصوص العادل ، فلابدّ من التقييد في مقام الثبوت ضرورة أنّ المفهوم الجامع لا يمكن أن يكون مشيراً إلى خصوص قسم منه إلّا بالتقييد بقيد وجودي أو عدمي .
فموضوع الحكم أو متعلّقه في الواقع لا يخلو عن الإطلاق أو التقييد بالقياس إلى أيّ انقسام يمكن أن ينقسم بالإضافة إليه ، وهذا بعد وضوح استحالة الإهمال في نفس الأمر وفي لبّ الإرادة الواقعية من الوضوح بمكان .
الثالثة : أنّ دليل التخصيص إذا كان منفصلاً فهو وإن لم يوجب انقلاب
ظهور العام فيما قاله المتكلّم ، لكنّه يوجب انقلاب ظهوره من جهة كاشفيته عن مراد المتكلّم واقعاً ، فإنّه إذا كشف عن عدم جعل الحكم للخاص من أوّل الأمر فلا مناص من أن يكون ما ثبت له الحكم ملحوظاً من أوّل الأمر بنحو التقييد ، فإنه إذا علم عدم الإطلاق واستحالة الإهمال فلا مناص عن التقييد .
والعجب من بعض الأعاظم (قدّس سرّه) (1)كيف غفل عن ذلك ، وذهب إلى عدم تعنون العام من جهة التخصيص ، بدعوى أن خروج فرد عن تحت العام نظير موته في الخارج ، فإنّه وإن كان يوجب قصر الحكم بالباقي لا محالة إلّا أنّه لا يوجب تعنونه بعنوان آخر زائد على ما كان عليه ، مع وضوح أنّ القصر في مقام الفعلية بعدم الموضوع خارجاً لا يكشف عن القصر في مقام الجعل ، فإنّ الحكم في ذلك المقام قد جعل على موضوعه المقدّر وجوده ، ففعلية الوجود الخارجي وعدمها أجنبيتان عن سعة الحكم وضيقه . فالذات المعدومة ما لم يكن دليل التخصيص محكومة بالحكم على تقدير وجودها خارجاً، وهذا بخلاف التخصيص، فإنّه يوجد قصر الحكم على غير أفراد المخصص في مقام الجعل لا محالة ، فإنّ عدم الإطلاق يكشف عن التقييد كما عرفت .
ومن الغريب أنّه (قدّس سرّه) استشهد على ما أفاده من عدم إيجاب التخصيص تضييقاً في ناحية العام بخلاف التقييد في المطلقات بذهاب جماعة إلى جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية ، مع تسالمهم على عدم الجواز في المطلق ، ولذا لم يذكر هذا البحث هناك .
فإنّ القائل بجواز التمسّك لا يفرّق بين المقامين قطعاً ، كما ينادي به بأعلى
1) وهو المحقّق العراقي (قدّس سرّه) في مقالات الأصول 1 : 440 - 441 ، نهاية الأفكار 1 519 : 2
صوته ما استند إليه في الحكم بالجواز من أنّ العام حجّة فيما لا حجة على خلافه وحيث إنّ الخاص ليس بحجة فيما شكّ في كونه من أفراده فيكون العام فيه حجّة بلا معارض ، ضرورة أنّ هذا الوجه يجري في كلا المقامين حذو النعل بالنعل .
وأمّا عدم ذكرهم هذا البحث في مباحث المطلق والمقيّد فهو من جهة ظهور اتحاد الملاك بين البابين ، ولأجله لم يذكروا أكثر مباحث العموم والخصوص فيها كالبحث عن جواز التمسك بالمطلق في تمام الباقي ، والبحث عن سراية إجمال المقيد إلى المطلق ، والبحث عن أنّ المطلق إذا قيد في زمان فهل المرجع بعده إطلاق المطلق أو استصحاب حكم المقيّد ، إلى غير ذلك من المباحث المذكورة في مباحث العموم والخصوص .
الرابعة : إذا كان عدم الوصف مأخوذاً فيما يترتّب عليه الحكم بنحو النعتية فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه وإحراز الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل إلّا فيما كان العدم بوصف النعتية مسبوقاً باليقين ، فإذا فرضنا أنّ موضوع الحكم هي المرأة غير القرشية ، وشكّ في امرأة أنها قرشية أو غيرها، فلا يجدي استصحاب عدم تحقّق وصف القرشية أو أصالة عدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش في إثبات كونها غير قرشية .
وهذا بخلاف ما إذا أخذ عدم الوصف في الموضوع بنحو العدم المحمولي ، فإنّه يصح حينئذ استصحاب عدمه وضمّه إلى الوجدان في ترتيب الأثر على المركّب منهما .
ولبعض الأعاظم (قدّس سرّه) (1)تفصيل في المقام ، وحاصله : أن المركب من
1) رسالة في اللباس المشكوك (للمحقق العراقي (رحمه الله) وهو مطبوع مع روائع الأمالي : 158، 164
العرض ومحلّه ربما يؤخذ بنحو التركيب في الجمل التقيدية غير التامّة ، فيكون الموضوع حينئذ أمراً قابلاً للوجود والعدم، نظير الإنسان الكاتب ، غير الملحوظ وجوده وعدمه . وأخرى يؤخذ بنحو التركيب في الجمل التامة التصديقية ، فيفرض العرض في الموضوع المفروض وجوده .
أمّا على الأول : فلا مناص عن جريان الاستصحاب في العدم وترتيب آثاره ، سواء كان العرض مأخوذاً على وجه النعتية أو المحمولية ، ضرورة مسبوقية الموضوع الخاصّ أو الذات ووصفها المقارن بالعدم، فيجري فيه الاستصحاب .
وأمّا على الثاني : فلا مجال لاستصحاب عدم العرض مطلقاً ، ناعتياً كان أو محمولياً ، فإنّ العرض إذا فرض دخله في الموضوع في مرتبة وجود معروضه فلا محالة يكون نقيض وجوده عدمه البديل له ، وهو العدم في مرتبة وجود المعروض لا العدم المطلق ولو بعدم الموضوع . فالعدم المتيقن السابق على وجود الموضوع أجنبي عما هو نقيض له ، والعدم في مرتبة وجود الموضوع مشكوك فيه من أوّل الأمر.
وأيضاً إنّ الوجود والعدم إنّما يعرضان للماهيات المعرّاة عنهما ، فإنّه كما يستحيل عروض الوجود والعدم لشيء منهما كذلك يستحيل عروضهما للماهية المقيّدة بأحدهما أيضاً. فكما لا يمكن أن يتصف الوجود بالعدم لا يمكن اتصاف الماهية المقيّدة به بالعدم أيضاً ، فإذا فرض أن العرض أخذ فى الموضوع ناعتياً أو حمولياً بشرط تقیّده بوجود موضوعه فكيف يعقل اتصافه بالمعدومية إلّا بعد وجود موضوعه ، ففي مثله لا مجال لاستصحاب العدم قبل وجود الموضوع ، فإنّه ليس عدماً لهذا العرض ونقيض وجوده .
فتحصّل أنّ أخذ العرض ناعتياً أو محمولياً لا يترتّب عليه أثر في محلّ
الكلام ، وإنّما الأثر مترتّب على كون التركّب من قبيل التركّب في الجمل التقييدية أو من قبيله في الجمل التامّة الخبرية .
وأنت خبير بفساد ما أفاده . أمّا في المركب التقييدي فلان جريان استصحاب عدم المركب في فرض ناعتية العرض ومحموليته ونفي آثار الوجود وإن كان من الوضوح بمكان ، إلّا أنّه خارج عن محلّ البحث ، فإنّ الممنوع في المقام هو إجراء الاستصحاب في العدم لترتيب آثار العدم النعتي ، وأين هو من استصحاب عدم المركب لنفي آثار الوجود ، أو لترتيب آثار عدمه .
مثلاً إذا وجب إكرام الرجل العالم فلا ريب في استصحاب عدمه عند الشكّ تحقّقه ، ولو من جهة الشكّ في تحقّق العلم المأخوذ في الموضوع ناعتياً أو محمولياً ، لكنّه إذا كان الأثر مترتباً على اتصاف الرجل بعدم العلم الذي هو معنى العدم النعتي فلا يمكن إثبات ذلك باستصحاب عدم تحقّق العالم ، أو عدم تحقّق العلم ، وهذا بخلاف ما إذا كان الدخيل في الموضوع العدم المحمولي ، فإنّه إذا وجد الرجل في الخارج وشكّ في انقلاب عدم علمه بالوجود فيستصحب العدم المتيقن في السابق ، فيلتئم الموضوع المركب بضم الوجدان إلى الأصل . فكم فرق بين جريان استصحاب العدم فيما كان وجود العرض دخيلاً في الموضوع ولو بنحو النعتية ، وبين جريانه فيما كان العدم مأخوذاً فيه ناعتياً ، ومحلّ الكلام هو الثاني دون الأول .
وأمّا ما أفاده في المركب التصديقي فلأنّ ما أفاده من كون نقيض وجود العرض في مرتبة وجود موضوعه هو العدم في تلك المرتبة أيضاً واضح الفساد كيف ولازمه ارتفاع النقيضين قبل وجود الموضوع ، وهو محال .
والحلّ أن نقيض الخاص هو عدم الخاص ، لا العدم الخاص . فقيام زيد يوم الجمعة نقيضه عدم ذلك القيام ولو بعدم يوم الجمعة ، لا العدم يوم الجمعة حتّى يلزم
ارتفاع النقيضين قبل تحقّق يوم الجمعة ، وهذا من الوضوح بمكان ، لا يحتاج معه إلى تطويل الكلام .
وممّا يدلّ على أنّ الوجود في مرتبة ليس نقيضه العدم في تلك المرتبة ، بل عدم ذلك الوجود الخاص ، أنّ وجود النسبة لا يتحقّق إلّا متقوّماً بالطرفين فوجودها في ظرف وجودهما ، مع أنّ عدمها حاصل قبل وجود الموضوع أيضاً .
وأمّا ما أفاده من عدم اتّصاف الوجود وما يكون مقيّداً به بالمعدومية فيرد عليه : أنّه خلط بين نحوي الاتصاف ، فإنّ اتصاف الماهية بالوجود إنّما هو بعروض الوجود لها ، وكون الخارج ظرفاً لوجودها ، وأما اتصاف الوجود بالموجودية فهو بتحقّق نفسه في الأعيان وكون الخارج ظرفاً لنفسه ، فعدمه بعدم نفس الذات ، لا بعروض العدم له مع حفظ ذاته حتّى يلزم اجتماع النقيضين ، كيف ولو لم يكن الوجود قابلاً للاتصاف بالمعدومية لكان كل وجود قديماً ، بل واجباً لذاته ، فلا يكون ممكناً ، وهو خلاف الوجدان والضرورة .
ومن ذلك يظهر حال المقيّد بالوجود ،أيضاً ، وأنه يمكن اتصافه بالمعدومية قبل تحقّق قيده أيضاً.
ثمّ إنّ هذا الذي ذكرناه وإن كان ظاهراً بناءً على أصالة الوجود وأن اتصاف الماهية بالموجودية بتبع تحقّق الوجود خارجاً ، إذ عليها يكون اتصافها بالمعدومية بعدم تحقّقه أيضاً ، فمناط الموجودية وعدمها هو تحقّق الوجود وعدمه ، إلّا أنّه يجري على القول بأصالة الماهية أيضاً كما يظهر بالتدبّر في مناط اتّصاف الماهية بالموجودية .
ثمّ إنّ ما ذكرناه إنما يفيد في جريان الاستصحاب إذا كان العدم مأخوذاً بنحو المحمولية ، فإنّه المتيقن سابقاً ، وأما إذا كان أخذه بنحو الناعتية فلا يجري الاستصحاب إلّا فيما كان العدم النعتي مسبوقاً باليقين ، وإلّا فلا يكاد يترتّب الأثر
على استصحاب العدم المحمولي ، فإنّه أجنبي عمّا هو دخيل في الموضوع وإثبات العدم النعتي باستصحابه من أوضح أنحاء الأصول المثبتة .
فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ صحّة جريان الاستصحاب في العدم الأزلي وإحراز الموضوع المركب بضمّه إلى الوجدان متوقفة على أخذه فيه محمولياً ، لا نعتياً .
الخامسة : قد عرفت أنّ وجود العرض فى نفسه عين وجوده لموضوعه فإذا أخذ في الموضوع المركّب منه ومن معروضه فلابدّ وأن يكون ناعتياً ، وأما عدم العرض فهو وإن كان بعدمه لموضوعه ، بمعنى أن العرض إذا لم يتحقّق لا تتحقّق النسبة الثبوتية والناعتية الإيجابية قهراً ، إلّا أنّه لا يلزم أن يكون نعتاً ، بأن تلاحظ النسبة بينه وبين الذات كما في طرف الوجود . فعدم قیام زید بعدم نسبته إلى زيد ، لا بانتساب العدم إليه ، ضرورة أن ما يكون متقوماً بالمحل ومحتاجاً إليه هو وجود العرض لا عدمه ، فالربط مأخوذ في طرف الوجود لا العدم، فإن العدم يكون بعدم النسبة ، بل بعدم الموضوع أيضاً.
ومن هنا يظهر أن أخذ عدم العرض في الموضوع ليس على حد أخذ وجوده فيه من لزوم كونه رابطياً ، بل لا معنى لارتباط العدم بشيء إلّا بأخذ خصوصية فيه ملازمة لعدم العرض ، وإلا فلا معنى لانتساب العدم وارتباطه فإنّهما من شؤون الوجود.
وأمّا ما قرع سمعك من تقسيم النسبة إلى إيجابية وسلبية فهو ليس باعتبار أنّ طرف الربط ربما يكون وجودياً وربما يكون عدمياً ، كيف والربط نحو من الوجود ، إلّا أنّه لا في نفسه ، وهو لا يكون متقوماً إلّا بين العرض ومحلّه ، فكيف يعقل تقومه بما هو أمر عدمي وبطلان محض ، كما أنّه لا يتحقّق بين الوجود والماهية ، أو بين الذات والذاتي بكلا معنييه ، كما في قولنا : الإنسان موجود ، أو
زيد إنسان ، أو ممكن . بل باعتبار أنّ النسبة في كل قضية مركبة من موضوع ومحمول - حتّى فيما كان المحمول نفس الوجود أو ما هو من ذاتيات الموضوع - إمّا أن تكون إيجابية أو سلبية ، بمعنى أنّ الحكم ربما يكون بإثبات شيء لشيء وربما يكون بنفيه عنه . فكون النسبة في القضية سلبية أو إيجابية أجنبي عن كون عدم العرض منتسباً إلى الموضوع ، فإنّك قد عرفت أن الانتساب نحو من الوجود ، وهو لا يتحقّق إلّا بين الموجودين .
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ أخذ عدم العرض في الموضوع لا يقتضي بطبعه إلّا أخذه على ما هو عليه ، من كونه عدماً محموليّاً ، على ما هو الحال في القضايا السالبة ، مثل قولنا : زيد ليس بقائم ، فإنّ النسبة السلبية فيها لا تحكي إلّا عن عدم الربط بين القيام وزيد في الخارج . وأما أخذه فيه ناعتياً كما في موارد الموجبة معدولة المحمول ، كما في قولنا : زيد لا قائم ، فيحتاج إلى عناية زائدة ، بأخذ خصوصية في الذات ملازمة لعدم المحمول ، فإن كان هناك ما يدلّ عليها فهو ، وإلّا فالأصل يقتضي عدمه .
ومن ذلك يتبيّن فساد ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّ المرجع عند الشكّ ليس أصالة عدم اعتباره ناعتياً ، فإنّ الاعتبارين متباينان ، وليس أحدهما متيقناً والآخر مشكوكاً فيه ، فإنّك قد عرفت أن اعتبار الناعتية هو المحتاج إلى عناية زائدة واعتبار خصوصية في الذات ملازمة للعدم ، فتدبّر في أطراف ما ذكرناه فإنّه حقيق به .
إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول : لا إشكال في جريان استصحاب العدم ونفي آثار الوجود عند الشكّ في تحقّق أي موضوع مركب من أمرين وجوديين
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 423 .
إلّا فيما كان التركيب بين أمرين متباينين ، وكان أحدهما محرزاً بالوجدان والآخر بالأصل على ما عرفت ، لكن الأصل المزبور لا يحرز به حال الموجود الخارجي فيما كان المهم معرفة حاله ، كالمرأة الخارجية التي يشك في كونها قرشية ، أو الصوف المشكوك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فنحتاج إلى إجراء الأصل في نفي عدم الوصف وترتيب آثار العدم في ظرف الشكّ ، فإن كان هناك ما يدلّ على اعتبار العدم في الموضوع ناعتياً فلا مجال لاستصحابه إلّا فيما كان له حالة سابقة بوصف النعتية ، وأما استصحاب العدم الأزلي المحمولي فلا يثبت به الناعتية وأنّ الموجود الخارجي متّصف به ، وهذا ظاهر .
وإن لم يكن ما يدلّ عليه كما إذا كان مدرك اعتبار العدم هو الإجماع ، أو الدليل المخصّص المنفصل ، أو كالاستثناء من المتصل - فغاية ما هناك هو اعتبار نفس العدم في الموضوع أو المتعلّق ، وتضييق إطلاق الدليل بالقياس إلى حال عدم الوصف المزبور ، وأمّا اعتبار النسبة بين الذات والعدم بالنحو المعقول فهو خارج عن مدلول دليل الاعتبار.
فإذا دلّ الدليل على إخراج الفاسق عن موضوع الوجوب في أكرم العلماء فهو لا يقتضي إلّا تقييد العالم بأن لا يكون متصفاً بالفسق ، وأمّا اعتبار اتصافه بعدم الفسق فيحتاج إلى مؤونة زائدة ، لا يصار إليها إلّا بدليل ، وقد عرفت حديث لزوم اعتبار الناعتية في طرف العدم وفساده . وحينئذ فإذا فرض ذات المرأة أو الصوف موجودة في الخارج ، وشكّ في تحقّق اتصافها بالقرشية أو بكونها من غير المأكول ، فمقتضى الأصل عدم
تحقّقه فيثبت الموضوع المركب من وجود الذات وعدم اتصافه بالوصف .
وممّا ذكرناه يظهر الخلل فى كثير ممّا أفاده شيخنا العلّامة الأستاذ (قدّس
سرّه) (1)في المقام ، وإن كان ما ذكرناه وحققناه مقتبساً من أنوار علومه وإفاداته تربيته ، فجزاه الله عنا وعن العلم خير جزاء المحسنين
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الوجه إنّما يفيد إذا لم نقل باعتبار كون الساتر من غير ما لا يؤكل ، كما ذهب إليه العلّامة (قدّس سرّه) (2)بل كان المعتبر في الصلاة هو وجود الساتر وأن لا يكون من غير المأكول ، كما هو الظاهر .
وأمّا إذا قلنا به فاستصحاب عدم تحقّق اتصاف الساتر بكونه من غير المأكول لا يثبت به أنّه من غير ما لا يؤكل ، بل يمكن التمسك باستصحاب عدم تحقّق الاتصاف بكونه من غير ما لا يؤكل في الحكم بعدم الجواز. فهذا الوجه إنما ينفع القائل بالمانعية ، دون من يقول بالشرطية .
الوجه السادس : التمسك باستصحاب عدم كون المصلّي لابساً لغير المأكول ، الثابت قبل لبسه للمشكوك فيه ، فيترتب عليه صحة الصلاة وجوازها لما عرفت من جواز إحراز متعلّق الحكم بضمّ الوجدان إلى الأصل .
ولا يخفى أنّ هذا الوجه إنّما يتمّ إذا كان اعتبار المانعية متعلّقه لبس المصلّي أو مصاحبته لغير المأكول ، كما استظهرناه في الأمر العاشر (3)، وأما إذا كان متعلّقه هو اتصاف اللباس بغير المأكولية أو وقوع الصلاة في غير المأكول ، فلا يثبت بالأصل المزبور شيء من ذلك ، إلّا على القول بالأصل المثبت ، فإن جرى الأصل في نفس اللباس - بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، أو فرض عدم كون الحيوان محرّم الأكل في زمان - فهو أصل موضوعي يحرز به عدم وقوع
الصلاة في غير المأكول ، من دون فرق بين كون المانعية راجعة إلى الصلاة أو إلى المصلّي أو إلى اللباس ، كما هو الحال في بقية الاستصحابات الموضوعية ، وإلا فلابدّ من الرجوع إلى أصل آخر ، لفرض عدم جريان الأصل في اللباس ، وعدم كون الصلاة مسبوقة بالحالة السابقة ، إذ هي من أوّل وجودها واقعة إمّا فيما لا يؤكل أو في غيره ، فليس هناك حالة سابقة حتّى يتعبد ببقائها في ظرف الشكّ .
نعم فيما إذا لبس المصلّي أثناء صلاته ما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل يجري استصحاب عدم اتصاف الصلاة بوقوعها في غير المأكول ، ويحكم بالصحّة ، وإن لم يحرز به حال اللباس وأنه ممّا لا يؤكل أو من غيره ، كما في بقية موارد الشكّ في رافعية الموجود ، فإنّه على فرض كون المانع هو وقوع الصلاة في غير المأكول فالأثر مترتب على إحراز عدمه، سواء أحرز معه حال الموجود الخارجي أيضاً أم لا.
ثمّ لا يخفى أنّ جريان هذا الاستصحاب لا يبتني على اعتبار الهيئة الاتصالية في الصلاة ، المستفاد من أدلّة القواطع ، حتّى يشكل عليه بأن القاطع ليس إلّا ما يكون عدمه بنفسه معتبراً فيها ، وليس من اعتبار الهيئة الاتصالية زائداً على اعتبار الشرائط وعدم الموانع في الروايات عين ولا أثر .
بل هو مبني على كون الصلاة موجوداً واحداً ولو بالاعتبار ، افتتاحها التكبير واختتامها التسليم ، فما دام المصلّي لم يسلّم فهو بعد في الصلاة ولم يخرج عنها .
وعلى أنّ أدلّة الموانع يستفاد منها اعتبار عدم كلّ منها في نفس العمل من المبدأ إلى المنتهى كما هو الظاهر ، إذ مقتضى اعتباره في كل جزء بخصوصه بحيث لا يرجع إلى تقيّد ذات العمل به - عدم فساد العمل فيما وقع المانع في الآنات المتخلّلة ، بل مع الاشتغال بالجزء أيضاً ، فإنّ غايته بطلان الجزء ووجوب
تداركه ، لا بطلان العمل إلّا فيما كان التدارك موجباً للبطلان من جهة أخرى ، إذ عليه يكون العمل الوحداني عند تحقّقه ولو بتحقّق أوّل جزء منه متصفاً بأنه لم يكن واقعاً في غير المأكول ، فيحكم عليه الآن بأنّه كما كان ، كما في غير المقام من إجراء الاستصحاب في نفس بقاء الأمور التدريجية ، أو في بقاء اتصافها بوصف كالسرعة في الحركة مثلاً .
ومنه يظهر الحال في منع شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه) (1)عن جريانه في المقام .
الوجه السابع : التمسّك بالاستصحاب التعليقي ، فيقال : إن الصلاة قبل لبس المصلّي للمشكوك فيه لو كانت موجودة لم تكن واقعة فيما لا يؤكل ، فالآن كما كانت .
وأورد عليه شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه ) (2)بأنّ الاستصحاب التعليقي على تقدير القول بصحّته وجريانه إنّما يجري فيما كان الموضوع والركن الركين في القضية باقياً في ظرف الشكّ ، وليس المقام كذلك ، فإنّ موضوع الصحّة فيه هو الصلاة ، وهي لم تكن موجودة سابقاً ، وعند وجودها يشكّ في صحتها وفسادها من جهة احتمال وقوعها في غير المأكول وعدمه ، من دون حالة سابقة متيقنة .
ولأجله منع عن جريان استصحاب الحرمة التعليقية الثابتة للعنب في حال الزبيبية ، بدعوى أن موضوع الحكم هو العصير العنبي ، وهو مرتفع بعد كون العنب زبيباً قطعاً ، والماء الخارجي الملقى على الزبيب موضوع آخر ، على أنّا لا نقول بصحة جريان الاستصحاب التعليقي من أصله .
أقول : أمّا منعه عن جريان الاستصحاب التعليقي حتّى فيما كان المستصحب من الأحكام الشرعية فهو في محلّه ، وذلك لما ذكرنا في محلّه (1)من أنّ القيود المعلّق عليها ثبوت الحكم لا محالة ترجع إلى كونها مأخوذة في موضوعه ، فمرجع قولنا : العنب إذا غلى يحرم ، إلى أن العنب المغلي حرام فالحكم - وهي الحرمة - ثابت للعنب مع وجود الغليان فيه ، فما لم يكن كلا الجزأين متحقّقين في الخارج معاً لا يكون الحكم فعلياً ، ضرورة توقف فعلية الحكم على فعلية تمام موضوعه ، نظیر توقف المعلول على وجود علته التامة .
نعم بعد ثبوت هذا الحكم الشرعي للمركّب من الجزأين وتحقّق أحدهما فالعقل يحكم بلزوم وجوده على تقدير وجود الجزء الآخر ، وأين هذا من الحكم الشرعي ، بل هو عقلي صرف جارٍ في كل عارض لمركب ، شرعياً كان أو غيره فإنّ العارض متى ما كان عارضاً لمركب وفرض وجود أحد الجزأين فالعقل يحكم بتحقّقه على تقدير وجود الجزء الآخر ، وإلّا لزم الخلف وعدم كون العارض عارضاً له .
فتحصّل : أنّ الحكم بمرتبته الفعلية لم يكن متحقّقاً في الخارج حتّى يستصحب ، وبمرتبته الإنشائية - أعني بها ثبوته على موضوعه المقدر وجوده بلا توقف على وجوده التحقيقي ، على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية - غير محتمل الارتفاع ، لعدم النسخ يقيناً ، فإنّ العنب المغلي بعد باقٍ على حرمته قطعاً ، وليس هناك بين المرتبتين مجعول شرعي متحقّق خارجاً يشك في بقائه ، إلّا إذا بنينا على أنّ التقدير من قيود الحكم ، بأن تكون الحرمة الخاصة ثابتة لذات العنب ، فإنّه
1) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48 : 164 ، محاضرات في أصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي (44 : 167 .
حينئذ يكون تمام الموضوع لذلك الحكم الخاص ذات العنب المتحقّق في الخارج ، فيحكم ببقائه في ظرف الشكّ . لكنه بمراحل عن الواقع ، كما أنّ التمسّك باستصحاب الملازمة بين الغليان والحرمة كذلك ، وتمام الكلام في محلّه (1).
كما أنّ منعه عن جريانه في خصوص مثال العنب ولو على القول بصحة الاستصحاب التقديري فهو في غاية المتانة ، لما عرفت .
وأمّا منعه عن جريانه في المقام ، بدعوى عدم بقاء الموضوع ، فيرد عليه : أنّ موضوع المستصحب في المقام هو نفس طبيعة الصلاة ، ومن الضروري إضافة اليقين والشكّ إليها ، ولا يعتبر في جريان الاستصحاب إلّا اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة ، وهو متحقّق في المقام قطعاً، فإنّ طبيعي الصلاة لو كانت موجودة سابقاً لم تكن واقعة في غير المأكول ، فيحكم ببقائها على ما كانت عليه في ظرف الشك .
فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ الاستصحاب التعليقي على تقدير صحة جريانه فإنّما يصح إجراؤه في الأحكام الشرعية ، دون موضوعاتها أو متعلقاتها ، فإنّ الموضوع أو المتعلّق للحكم الشرعي إنّما يترتّب عليه الأثر فيما كان موجوداً بالفعل ومتحقّقاً في الخارج ، وأما وجوده التقديري المعلّق على شيء لم يتحقّق فهو غير قابل للتعبد به ، لعدم أثر مترتب عليه ، وعدم كونه بنفسه قابلاً للتعبد .
وأمّا الملازمة المتيقنة فهي غير قابلة للتعبّد ، لعدم كونها بنفسها قابلة للتعبّد وعدم أثر شرعي مترتب عليها . مثلاً إذا رتب الأثر الشرعي على وجود الغسل بالماء ، وشككنا في وجوده من جهة الشكّ في وجود الماء في الحوض ، فإنّه وإن
1) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 161 وما بعدها .
كنّا على يقين سابقاً من تحقّق غسل الثوب النجس على تقدير وقوعه فيه ، الراجع إلى ثبوت الملازمة بين الوقوع والغسل ، إلّا أنّه غير قابل للتعبد به ، فإنّ موضوع الحكم هو فعلية الغسل ، لا الغسل التقديري ، ولا الملازمة . فإثباتها بجريان الأصل فيه أو في الملازمة مبني على القول بالأصل المثبت .
ومنه يظهر الحال في إجراء الأصل في صحة الصلاة التقديرية ، المنتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً ، أو في منشأ انتزاعها ، وهو عدم اتصاف الصلاة بكونها في غير المأكول على تقدير وجودها خارجاً ، فإنّ متعلّق التكليف هي الصلاة الغير الواقعة في غير المأكول خارجاً وبالفعل ، والاستصحاب المزبور لا يثبت أن الصلاة الخارجية كذلك .
وبالجملة : الأثر مترتب على الوجود الخارجي ، وهو غير معلوم التحقّق في زمان . والوجود التقديري المتيقن أجنبي عمّا له الأثر ، وغير مثبت له إلّا على القول بالأصل المثبت
المبحث الثالث
فيما تقتضيه الأصول الحكمية
ولنفرض الكلام فيه مع قطع النظر عن ثبوت الجواز بالأصل الموضوعي وإلا فلا مجال لجريان شيء من الأصول الحكمية في ظرف جريانه ، كما هو ظاهر .
ثم إنّه إن تمّ شيء منها في إثبات الجواز وصحّة اقتصار المكلّف في مقام الامتثال بما يأتي به في المشكوك فيه فهو ، وإلا فلابدّ من القول بعدم الجواز ولزوم الإتيان بالصلاة فيما يقطع أنّه ليس من غير المأكول ، فإنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، وقد مرّ في الأمر الثاني من الأمور المتقدمة في صدر الرسالة(1)أنّه لا فرق في لزوم إحراز وجود المأمور به بقيوده بين أن يكون القيد وجودياً أو عدمياً ، فنقول : تقريب الاستدلال بالأصل الحكمي في المقام من وجهين :
الأول : ما استند إليه صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (2)من إجراء أصالة الإباحة في نفس الصلاة ، بدعوى أنّ الصلاة في المشكوك فيه لم يعلم حرمتها من الشرع ، فهي مباحة على ما يقتضيه قوله (عليه السلام) : «كلّ شيء فيه حلال وحرام
فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه » (1)وغيره ممّا دلّ على حلّية كل فعل لم يعلم حرمته .
ويرد عليه : أنّ الصلاة في غير المأكول ولو في فرض العلم بالحال لا يحتمل حرمتها شرعاً في نفسها حتّى يتمسّك بأصالة الحل في ظرف الشكّ ، وأمّا الحرمة من جهة التشريع فهي غير محتملة أيضاً مع الإتيان بها في المشكوك فيه لا بقصد الأمر ، بل بعنوان الرجاء والاحتمال . لكنه لا ينفع في قطع حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني ما لم يرتفع الشك باليقين .
وأمّا في فرض الإتيان بها مع قصد الأمر وإضافتها إلى المولى فجوازه وإن كان ملازماً للصحة على ما عرفت في الأمر الأول (2)إلّا أنّه غير محتمل في المقام ، للقطع بحرمته من جهة كونه تشريعاً محرّماً ، فإنّه إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين ، وهو متحقّق في مفروض المقام وجداناً ، فلابدّ في الحكم بجوازه من إثبات أن الصلاة غير متقيّدة بأن لا تقع في هذا المشكوك فيه ، على ما ستعرف الحال فيه في الوجه الثاني إن شاء الله تعالى .
نعم لو كان المنشأ في أخبار أصالة الحل (3)مطلق الحلّية الشاملة للحلّية الوضعية ، بدعوى أنّ المراد بها معناها اللغوي ، المقابل لمحرومية المكلّف عن شيء ، فقولنا : شرب الماء حلال ، يراد به أنّ المكلّف ليس محروماً منه في عالم التشريع ، وبهذا المعنى لا يصح إطلاق الحلال على البيع الفاسد أو الصلاة في غير
المأكول ، لمحرومية المكلّف عنهما في عالم تشريع الصلاة واعتبار الملكية عند تحقّق البيع ، لصح التمسك بها في المقام ، إلّا أنّه بمراحل عن الواقع ، ضرورة أنّ المراد بها في الروايات هو الترخيص العملي وعدم البأس في الفعل مع عدم العلم بالحرمة ، وأين ذلك من الحكم بالمضي في مقام الامتثال ، المستلزم لتأسيس فقه جديد في أبواب العقود والإيقاعات والعبادات فيما إذا شك في تحقّق شرط من شروطها ، أو في وجود مانع من موانعها .
الثاني : ما استند إليه جملة من الأعاظم تبعاً لسيد أساتيدنا العلّامة الشيرازي (قدّس سرّه) (1)وقد اختلف تقريبه في كلماتهم ، وتوضيحه على وجه نعتمد عليه يتوقف على تقديم أمور :
الأمر الأول : أنّ جريان البراءة فيما إذا دار المأمور به بين الأقل والأكثر الارتباطيين وإن كان محل الخلاف بين الأعلام ، إلّا أن التحقيق عندنا جريانها فيه عقلاً ونقلاً (2)فإنّ العلم الإجمالي بالوجوب المردّد بينهما ينحل إلى العلم بوجوب الأقل والشكّ في وجوب الزائد عليه ، فيكون العقاب على تركه عقاباً بلا بيان وهو قبيح .
وتوهّم(3)أنّ الانحلال يلزم من وجوده عدمه ، فإنّه يستلزم عدم العلم بوجوب الأقل على كل تقدير ، إذ من جملة تقاديره وجوبه في ضمن وجوب الأكثر ، فإذا حكم بعدم وجوب الأكثر فكيف يكون وجوب الأقل معلوماً على كل تقدير ، مدفوع بأنّ الانحلال لازمه عدم تنجز وجوب الأكثر ، لا عدم وجوبه حتّى
يلزم منه عدم العلم بوجوب الأقل على كل تقدير .
وأمّا ما عن شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه ) (1)من أنّ الأقل حيث إنّه مردّد بين كونه مطلقاً بالإضافة إلى ما شكّ في جزئيته أو شرطيته ، أو مقيداً به لعدم تعقل الإهمال في الواقع ونفس الأمر ، فليس العلم بوجوبه المردّد بين الإطلاق والتقييد إلّا علماً بوجوب الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيد وهو عبارة أخرى عن نفس العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر ، فلازم القول بالانحلال عقلاً هو أن يكون العلم الإجمالي موجباً لانحلال نفسه ، وهو مستحيل بالضرورة .
فيرد عليه : أنّ العلم بوجوب المهمل المتيقن مع الشك في كل من خصوصيتي الإطلاق والتقييد إذا لم يكن له أثر لكان ما أفاده (قدّس سرّه) في غاية المتانة ، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، ضرورة أنّه يترتّب على العلم المزبور العلم بترتب العقاب على ترك الأقل ، فإنّ الواجب الواقعي على كلا تقديريه لابدّ في تحقّقه من الإتيان بالأقل ، فتركه يوجب العقاب قطعاً . وأما الزائد عليه فلا يعلم تعلّق الوجوب به ، الملازم لتقيّد الأقل وعدم إطلاقه بالقياس إليه ، فلا يصح العقاب على تركه ، لأنه بلا بيان .
ومن هنا يعلم أنّه ليس المقام من انحلال الشيء بنفسه ، بل العلم بوجوب المهمل هو الموجب لانحلال العلم بوجوب المطلق أو المقيد ، ولولا ذلك لما أمكن الرجوع إلى البراءة الشرعية أيضاً ، فإنّ رفع وجوب الزائد شرعاً في مرحلة الظاهر لا يترتّب عليه الإطلاق، ضرورة أنهما متضادان في لبّ الإرادة ، فإنّه لابدّ في مقام الأمر من لحاظ أحدهما لا محالة ، لما عرفت من استحالة الإهمال في
1) أجود التقريرات 3 : 493 ، فوائد الأصول 4 : 160 .
الواقع ونفس الأمر ، فكيف يمكن إثبات أحدهما بنفي الآخر ، أو بنفي منشأ انتزاعه ، وهل هو إلّا من أوضح أنحاء [الأصل ] المثبت .
ولعلّ ما أفاده (قدّس سرّه) من إثبات الإطلاق الظاهري بالأصل مبني على ما أسسه من كون التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة (1)، لكنّه متين في الإطلاقات الكلامية المقابلة لتقييداتها ، وبمراحل عن الواقع في الإطلاقات المقابلة للتقيّدات في نفس الأمر ومقام الثبوت .
وبالجملة : حيث إنّ المفروض في محلّ البحث هي الارتباطية ، وعدم تحقّق الامتثال باتيان الأقل على تقدير وجوب الأكثر في الواقع ، فإن كان جريان البراءة الشرعية كافياً في إثبات تحقّق الامتثال ظاهراً فالبراءة العقلية كذلك ، وإن لم تكن البراءة العقلية كافية في ذلك فالشرعية مثلها . فالتفصيل بينهما كما عليه شيخنا الأستاذ العلّامة (2)والمحقّق صاحب الكفاية (3)(قدّس سرّهما) في غير محلّه .
الأمر الثاني : أنّ العلم بجعل الكبرى الكلية في الشريعة في التكاليف الانحلالية - كالعلم بجعل الحرمة للخمر - لا يوجب تنجّز التكليف على المكلّف فيما يشكّ في كونه من أفراد الموضوع ، بتوهّم أنّ البيان الذي هو وظيفة الشارع قد ثبت و تحقّق ، وإنّما الشكّ في الانطباق على الوجود الخارجي ، وبيانه ليس من الوظائف الشرعية ، فلا يمكن التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان . وذلك فإنّ المراد من البيان المأخوذ عدمه في موضوع القاعدة هو
الوصول ، ضرورة أنّ التكليف غير الواصل ولو بعدم إحراز موضوعه لا يصلح للمحرّكية والباعثية ، فالعقاب على مخالفته عقاب بلا مقتضي ، وبما أنّ التكليف المجعول في الكبرى الكلّية ينحل إلى تكاليف عديدة بتعدد وجود موضوعه في الخارج ، فالشكّ في الانطباق شكّ في تعلّق التكليف به ، فيكون مورداً للبراءة
عقلاً وشرعاً .
الأمر الثالث : أنّ جريان البراءة في محلّ الشكّ لا يكون إلّا مع رجوع الشكّ إلى ناحية التكليف ، وأما إذا رجع إلى مرحلة الامتثال بعد العلم بفعلية التكليف ووجوده فلا إشكال في كونه مورداً لحكم العقل بوجوب الاحتياط ولزوم إحراز البراءة اليقينية .
وعلى ذلك فإن رجع الشكّ إلى أصل الجعل فلا ريب في جريان البراءة حينئذ ، وأما إذا رجع الشكّ إلى الانطباق بعد الجعل ففيه تفصيل ، وتوضيح ذلك يحتاج إلى بسط في المقام .
فنقول : الفعل الاختياري المتعلّق للتكليف إما أن يكون له تعلّق بشيء آخر ، كذات الخمر بالقياس إلى الشرب المتعلّق به الحرمة ، أو العقد بالقياس إلى الوفاء المتعلّق به الوجوب ، أو لا يكون له ذلك . وعلى الثاني : إما أن يكون التكليف وجوبياً أو تحريمياً ، وعلى الأوّل : إما أن يكون ما تعلّق به الفعل الاختياري - الذي يعبّر عنه بموضوع الحكم - أمراً شخصياً ، أو نفس الطبيعة الكلّية ، أو الطبيعة السارية بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي . فهذه أقسام ستّة :
أمّا القسم الأول : وهو ما كان الحكم فيه إيجابياً ، ولم يكن لمتعلّقه متعلّق في الخارج ، كوجوب التكلّم والذكر والدعاء مثلاً ، فإن كان المطلوب فيه صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات قهراً كما هو الغالب ، فلا إشكال في لزوم
إحرازه في الخارج ، ومع الشكّ في الانطباق يكون الامتثال بعد العلم بفعلية التكليف وقدرة المكلّف على امتثاله مشكوكاً فيه ، فيحكم العقل معه بالاشتغال ولزوم البراءة اليقينية كما هو ظاهر .
وإن كان المطلوب فيه كل الوجودات أو مجموعها بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي ، فحيث إنّ فعلية التكليف والبعث نحو أي وجود فرض يتوقف على كون هذا الوجود في نفسه وجوداً لتلك الطبيعة المتعلّق بها الإيجاب بأحد النحوين ، فالشكّ في الانطباق شكٍّ فى تعلّق الوجوب به استقلالاً أو ضمناً فتجري معه البراءة .
وبعبارة أخرى : انطباق عنوان المأمور به على الموجود الخارجي شرط تعلق البعث بذاك الوجود ، فإنّ المفروض أنّه تعلق بوجودات تلك الطبيعة جمعاً أو مجموعاً ، فكون الوجود وجوداً لذلك العنوان لابدّ وأن يكون مفروضاً في مرتبة سابقة على البعث ، فالشكّ في كونه وجوداً له موجب للشكّ في تعلّق البعث إليه ، فيكون مورداً للبراءة .
ومن هنا يندفع ما أفاده شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه) (1)من كون موارد الشكّ في الشبهات الموضوعية في الأفعال الاختيارية مطلقاً مورداً لقاعدة الاشتغال .
ومن الغريب ما أفاده (قدّس سرّه) من أن عنوان الفعل الاختياري لا يكون مشكوكاً فيه حال صدوره الإرادي إلّا في المسبّبات التوليدية ، أو من ناحية الشكّ في موضوعه ، فإنّ هوية الفعل الاختياري لابدّ وأن يكون معلوماً للمريد والمختار ، فإنّ الفعل الاختياري إنّما يلزم فيه حضوره للفاعل من الجهة التي تعلّق
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 200 .
بها غرضه ، وأمّا صدق عنوان آخر من العناوين الخارجية فالشكّ فيه بمكان من الضرورة ، كما إذا شكّ المتكلّم في صدق عنوان الذكر على ما يصدر منه من الكلام حال صدوره.
هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ في الانطباق ، وأمّا إذا كان في التحقّق الخارجي بعد العلم بانطباق عنوان المأمور به عليه على تقدير وجوده فهو مورد لقاعدة الاشتغال قطعاً، للعلم بفعلية التكليف حينئذ ، والشك في تحقّق امتثاله .
وأمّا القسم الثاني : وهو ما كان الحكم فيه تحريمياً ، ولم يكن لما تعلّق به الحرمة تعلّق بشيء آخر ، كحرمة التكلّم ونحوه .
فإن كان الشكّ فيه في الانطباق ، وكون الموجود الخارجي مصداقاً لمتعلّق التحريم ، فالمرجع فيه البراءة ، فإنّ الحكم في التحريميات لا يتعلّق إلّا بالوجود الساري أو بمجموع الوجودات . فالشكّ في انطباق المتعلّق على الوجود الخارجي يكون شكاً في التكليف الضمني أو الاستقلالي ، على ما عرفت من أنّ الانطباق وكون الوجود الخارجي في نفسه وجوداً للمتعلّق من شرائط فعلية التكليف في العام المجموعي أو الاستغراقي ، فإذا شكّ فيه فالمرجع هو البراءة .
والوجه فيما ذكرناه - من عدم تعلّق الحكم التحريمي إلّا بالوجود الساري أو مجموع الوجودات - هو أن الحكم التحريمي لا ينشأ إلّا عن مفسدة في متعلّقه فتلك المفسدة إن كانت في الطبيعة السارية فلابدّ من تعلّق الحكم بكل وجود بنحو الاستغراق ، وإن كانت في مجموع الوجودات فلا مناص عن تعلّق حكم شخصي بالمجموع .
وعلى كلّ حال ، فلا يقاس الحكم التحريمي بالإيجابي في إمكان كون متعلقه صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات قهراً ، فإنّ الإيجاب إنّما ينشأ من مصلحة في متعلّقه ، ويمكن أن تكون المصلحة في صرف وجود الطبيعة غير
الملحوظ معه خصوصية أخرى ، فينطبق على أوّل الوجودات لا محالة .
وهذا بخلاف التحريم ، فإنّه كما عرفت إنّما ينشأ عن المفسدة ، فإذا كانت في نفس الطبيعة فلابدّ من تعلّق الحكم بجميع أفرادها ، فإنّ الانزجار عنها أو إعدامها في الخارج لا يكون إلّا بالانزجار عن كل فرد ، وترك جميع أفرادها فإنّ نقيض السالبة الكلّية الموجبة الجزئية ، وبالعكس .
فالامتثال في طرف الأمر إنّما يكون بفرد ، لكن العصيان لا يكون إلّا بعدم جميع الأفراد . وأما في طرف النهي فالعصيان يكون بفرد ، والامتثال بترك الجميع .
والسرّ فيه : أنّ الطبيعة إذا لوحظت مطلقة بالإضافة إلى خصوصية أفرادها فوجودها في نفس الأمر ووعاء الخارج يتحقّق بوجود فرد واحد ، بناءً على ما هو التحقيق من وجود الكلّي الطبيعي في الخارج ، فإنّ الفرد لا ينقص عن الطبيعة بشيء ، بل يزيد عليها بخصوصياتها الشخصية فالفرد هو نفس الطبيعي بعينه ، ولذا يصح حمله عليه بلا عناية .
وأمّا عدمها في نفس الأمر فلا يكون إلّا بعدم جميع الأفراد ، لا بعدم فرد واحد ، فإنّ انتفاء الخاص لا يستلزم انتفاء العام الذي هو نفس الطبيعي ، ومن هنا قيل : إن نقيض الأخص يكون أعم من نقيض الأعم مطلقاً .
وبذلك يندفع ما أفاده بعض أساتيدنا المحقّقين (قدّس سرّه) (1)من أنّ كل وجود لا يكون إلّا ناقضاً لعدم نفسه ، فوجود زید ناقض لعدم الطبيعة المتحصصة في ضمن زيد ، لا له وللأعدام الآخر . فكما أن الطبيعة يكون لها وجودات كثيرة يكون لها أعدام كذلك ، فكل عدم بديل لوجود ونقيضه ، فإنّك عرفت أنّ
1) نهاية البداية 4 : 196 ، راجع أيضاً 2 : 289 .
الخصوصيات الفردية الملازمة للوجودات الخارجية إذا الغيت عن الطبيعة فعدمها واحد ، وهو البديل لصرف الوجود . وأما وجودها فيتحقّق في ضمن أي فرد ، فإنّه نفس الطبيعي ، ولا ينقص منه شيء .
إن قلت : إذا كانت المفسدة قائمة بأوّل وجودات الطبيعة بحيث لا يكون للوجود الثاني مفسدة أصلاً ، فلا محالة يكون النهي متعلقاً بصرف الوجود ، كما في طرف الأمر بعينه .
قلت : قيام المفسدة بأوّل الوجود إنّما ينفع في سقوط النهي بعد العصيان وإيجاد الطبيعة في الخارج، وهو أجنبي عمّا نحن بصدد إثباته من إثبات تعلّق النهي بكل فرد فيما كانت المفسدة قائمة بالطبيعة ، غاية الأمر أنّه في محلّ الفرض يكون النهي متعلّقاً بكل فرد ما دام كونه فعلياً وغير ساقط بالعصيان ، ولا يكفي في امتثاله ترك بعض الأفراد والانزجار عنه . وأين هذا من تعلّق النهي بصرف الوجود كما في طرف الأمر.
فتلخّص : أنّ أمر النواهي مطلقاً دائر بين أن يكون متعلّقاً بجميع أفراد الطبيعة ، وأن يكون متعلقاً بمجموعها . وعلى كل حال ، يكون الشكّ في الانطباق شكاً في التكليف ومجرى البراءة ما لم يكن هناك علم إجمالي بالتكليف ، كما إذا شكّ في انطباق عنوان الكذب على الكلام الخارجي ، فإنّ العلم الإجمالي بكون إحدى القضيتين الإيجابية أو السلبية كاذبة مانع عن إجراء البراءة في خصوص إحداهما ، وإن لم يعلم كونها بالخصوص كاذبة .
هذا كلّه إذا كان الشك في الانطباق .
وأمّا إذا كان في التحقّق الخارجي ، بعد العلم بالانطباق على تقدير الوجود ، كما إذا شكّ في تحقّق خروج المني باللمس أو النظر ، فهو مورد لقاعدة الاشتغال في نفسه ، كما في الشبهات الوجوبية ، إلّا أنّ الشبهات التحريمية لا تخلو
من أصل حاكم يحرز به الامتثال أبداً ، مثلاً استصحاب عدم خروج المني بالنظر واللمس في المقام يرتفع به الشكّ ، ويكون معذراً في مقام الامتثال بحكم الشارع ، إذ المطلوب ليس إلّا عدم تحقّق المني في الخارج ، وهو يحرز بالاستصحاب المذكور .
وأمّا القسم الثالث : وهو ما كان متعلّق الحكم فيه له تعلّق بموضوع خارجي شخصي ، كوجوب الصلاة إلى القبلة ، وحرمة الإفاضة من عرفات قبل الغروب يوم عرفة ، فإن كان الحكم فيه إيجاباً متعلّقاً بصرف وجود الطبيعة فلابدّ من الحكم فيه بالاشتغال عند الشكّ في الانطباق ، ولزوم إحراز الامتثال اليقيني .
وإن كان متعلّقاً بكل فرد من أفراده أو بمجموعها ، إيجابياً كان التكليف أو تحريمياً ، فالحكم فيه هو البراءة ، إلّا فيما كان هناك علم إجمالي بالتكليف غير مردّد بين الأقل والأكثر ، وقد مرّ الوجه في جميع ذلك فيما تقدّم (1).
ثمّ لا يذهب عليك أنّه يختلف الحال فيما كان التكليف متعلقاً بمجموع الأفراد في التكليف الإيجابي والتحريمي . ففي الأول يكون تعلّق التكليف بغير ما شكّ في انطباق عنوان المأمور به عليه معلوماً ، ويشكّ في تعلّقه بالمشكوك فيه ، فتجري فيه البراءة ، ويحكم بحصول الامتثال بغيره .
وأمّا في التكليف التحريمي فحيث إنّ الزجر إنما هو عن المجموع ، ولا بأس بإيجاد فرد أو أكثر ما لم يبلغ حد المجموع ، فلا محالة يجوز الإتيان بجميع الأفراد إذا لم يؤت بما يشك في انطباق عنوان المأمور به عليه ، ضرورة أنّ المعلوم إنما هو تعلّق الزجر بمجموع المركب منه ومن غيره ، وأما بقية الأفراد غير
1) في ص 74 - 75 .
ما يشكّ في انطباق عنوان المأمور به عليه فتعلّق الزجر بها مشكوك فيه ، فتجري فيها البراءة .
نعم لو كان النهي عن الطبيعة أمراً باعدامها ، لكنه بمعنى طلب مجموع التروك ، لا طلب ترك المجموع ، لكان حال النهي حال الأمر بعينها ، فإنّه يرجع إلى إيجاب مجموع التروك ، فيكون تعلّق الأمر بما يشك في الانطباق عليه مشكوكاً فيه ، فتجري فيه البراءة
وأمّا القسم الرابع : وهو ما كان الحكم فيه متعلقاً بما هو متعلّق بنفس الطبيعة وصرف الوجود ، فيستحيل تحقّقه في التكاليف التحريمية ، ويظهر وجهها ممّا ذكرناه (1)من استحالة تعلّق الحرمة بصرف وجود المتعلّق ، بل لابدّ من لحاظه سارياً أو مجموعاً .
نعم يعقل ذلك في التكليف الوجوبي ، بأن يكون وجود الموضوع في الجملة موجباً لحدوث المصلحة في الفعل المتعلّق به ، من غير فرق بين تعدّد وجوده في الخارج ووحدته ، إلّا من جهة التوسعة في مقام الامتثال وضيقه ، وإلا فالوجوب يتقوم بصرف الوجود ، من دون دخل لكثرة الأفراد وقلّتها فيه أصلاً ، وهذا كوجوب الوضوء بالماء ، فإنّه متقوّم بوجود الماء في الخارج مقدار ما يكفي للوضوء ، من غير فرق بين كثرته وقلته ، إلّا من جهة التوسعة والتضييق في مقام الامتثال .
وحينئذ فإن شكّ في أصل وجود الموضوع فلا ريب في أنّه فلا ريب في أنّه مورد للبراءة عقلاً ونقلاً ، وإن شكٍّ في انطباقه على موجود خارجي مع العلم بوجوده ولو في ضمن فرد آخر ، كما إذا علم وجود الماء في الجملة معيّناً أو غير معين ، وشكّ في
1) في ص 76 .
انطباقه على مائع خارجي ، فالحكم فيه هو الاشتغال ، ولزوم إحراز الامتثال يقيناً.
هذا كلّه في حكم كلّي المسألة ، وأما في خصوص المثال فلا يمكن الرجوع فيه إلى البراءة ولو مع الشكّ في أصل وجود الماء في الخارج ، وذلك من جهة العلم الإجمالي بوجوب الطهارة على المكلّف ، المردّدة بين المائية والترابية ، فإنّه مانع عن إجراء البراءة من وجوب الوضوء ، إذ لا يثبت به فقدان الماء الذي هو موضوع لوجوب التيمم ، فلابدّ من الفحص وإحراز أنّه واجد أو فاقد ، ومع عدمه لا يجوز الاكتفاء بالتيمم في امتثال الأمر بالصلاة المشروطة بالطهارة .
ومنه يعلم أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه)(1)- من كون وجوب الفحص من جهة النصّ (2)وعلى خلاف القاعدة - ليس على ما ينبغي ، بل لولا النصّ في المقام لحكمنا بوجوبه حتّى يحصل اليأس أو يبلغ إلى مرتبة العسر والحرج ، فالنص هو الذي أوجب الترخيص في ترك الفحص في المقدار الزائد على الحد الشرعي ، ولو كان هناك رجاء الوجدان ولم يكن فيه عسر أصلاً .
وأمّا القسم الخامس : وهو ما كان متعلّق الحكم فيه متعلّقاً بالطبيعة السارية بنحو العموم الاستغراقي ، حتّى يرجع الأمر إلى ثبوت الحكم لكل فرد من أفرادها ، فالرجوع إلى البراءة فيه فيما كان الشكّ في انطباقه على موجود خارجي وإن كان لا يخفى ، من دون فرق بين الشبهة الوجوبية والتحريمية ، إلّا أنّ منشأه ما عرفت (3)من أن انطباق عنوان متعلّق التكليف ولو كان له تعلّق بشيء
آخر لابدّ من أن يكون متحقّقاً في مرتبة سابقة على تعلّق الحكم به .
فإذا فرضنا أنّ كل فرد من العلماء يجب إكرامه فالشك في عالمية زيد مثلاً شكّ في كون إكرامه مصداقاً لطبيعي إكرام العالم ، ومعه يشكّ في تعلّق الوجوب به ، فيرجع إلى البراءة .
وأمّا ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه)(1)من كون الوجه فيه هو أن وجود الموضوع خارجاً شرط في فعلية التكليف مطلقاً ، على ما هو الميزان في القضايا الحقيقية ، فإنّها ترجع إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له ، فالشكّ في وجود الموضوع يرجع إلى الشكّ في وجود شرط فعلية التكليف ، الموجب لكون الشكّ شكاً في التكليف ، وإن كان متيناً في الجملة ، إلّا أنّه ليس على إطلاقه .
وتوضيح ذلك : أنّ ما تعلّق به الفعل الاختياري الذي هو متعلّق التكليف الوجوبي أو التحريمي إما أن يكون خارجاً عن تحت قدرة المكلف واختياره كالوقت المأخوذ في موضوع وجوب الصلاة ، أو لا يكون كذلك ، كالعقد المأخوذ في موضوع وجوب الوفاء .
أمّا الأوّل : فلا ريب في لزوم أخذه مفروض الوجود في الخطاب لاستحالة التكليف بإيجاده أو إعدامه ، بل الممكن هو توجيه الخطاب نحو الفعل المتعلّق به على تقدير وجوده .
وأمّا الثاني : فهو على قسمين ، فإنّه إما أن يكون دخيلاً في اتصاف متعلّق التكليف بكونه ذا ملاك من مصلحة أو مفسدة ، بحيث لولاه لما كان الفعل ذا مصلحة أو مفسدة ، كالمرض بالقياس إلى شرب الدواء واستعمال الحامض ، فإنّه
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 197 - 198 .
لولا وجوده في الخارج لما كان الشخص محتاجاً إلى شرب الدواء ، ولم يكن يضره استعمال الحامض مثلاً .
أو يكون دخيلاً في تحقّق ما هو متصف بكونه ذا ملاك متصف بكونه ذا ملاك في نفسه ، بحيث لولاه لما تحقّق ما هو متصف بالمصلحة أو المفسدة في الخارج ، فيكون شرطاً للوجود ، لا للاتصاف .
أمّا القسم الأوّل : فلابدّ من أخذه مفروض الوجود في الخطاب أيضاً ضرورة أنّه لا يلزم على المولى إلّا الإلزام بفعل ما فيه المصلحة وترك ما فيه المفسدة ، لا الإلزام بجعل الفعل ذا مصلحة أو عدم جعله ذا مفسدة . ففي مثل الوفاء بالعقد لا يلزم على المولى إلّا إيجابه على تقدير تحقّق العقد في الخارج ، ولا يلزم عليه أن يلزم العبد بإيجاد العقد ليفي به .
وأمّا القسم الثاني : فإن كان التكليف إيجابياً فلابدّ للمولى من الأمر بإيجاده ، أيضاً بتوجيه الخطاب إلى القيد والمقيّد ، فإنّ المفروض أن حاجة المكلّف إلى الفعل من جهة كونه ذا مصلحة فعلية ، وأنّه قادر على إيجاده بذاته وقيده .
وإن كان التكليف تحريمياً فلا محالة يكون فعلياً قبل وجود موضوعه أيضاً ، ويكون امتثاله بعدم إيجاد الموضوع خارجاً ، أو بعدم إيجاد الفعل المتعلّق به بعد وجوده ، وفي مثله لا يكون وجود الموضوع شرطاً لفعلية التكليف قطعاً .
مثلاً شرب الخمر حيث أنّه فعل ذو مفسدة في نفسه فقد تعلّق به النهي الشرعي ، لكن وجود الخمر في الخارج من مبادي تحقّق المفسدة ، فإذا قدر المكلّف على إيجاده فالنهي الفعلي يكون زاجراً عنه أو عن شربه بعد وجوده ضرورة أنّ الانزجار عن شرب الخمر على تقدير القدرة على إيجاده يمكن أن يكون بعدم إيجاد الخمر ، أو بعدم شربه بعد وجوده ، وفي مثله لا يكون وجود الموضوع شرطاً في فعلية التكليف قطعاً .
ومن هنا يعلم أنّه إذا علم المكلّف من حاله أنّه لو أوجد الخمر في الخارج الشربه لا محالة يحرم عليه إيجاده ، وذلك من جهة أنّه لا مانع من فعلية التكليف قبل وجود موضوعه خارجاً في هذا القسم ، فإنّ المفروض اتصاف الفعل المتعلّق به التحريم بكونه ذا مفسدة قبل وجود موضوعه وقدرة المكلّف على إيجاده وإعدامه .
وعليه يترتّب أنّ الشكّ في وجود الموضوع مطلقاً لا يكون من الشكّ في تحقّق شرط التكليف ، بل شرطية وجود الموضوع تنحصر بأن يكون خارجاً عن القدرة ، أو يكون وجوده دخيلاً في اتصاف الفعل بكونه ذا ملاك من مصلحة أو مفسدة ، وأما في غيرها فلا يكون وجود الموضوع إلّا من مبادي تحقّق ما هو متصف بالملاك في نفسه ، فلا محالة يكون التكليف قبله فعلياً أيضاً .
فتحصّل : أنّ المناط في الرجوع إلى البراءة هو ما ذكرناه من كون انطباق متعلّق التكليف على المأتي به في الخارج على تقدير وجوده شرطاً في التكليف الانحلالي لا محالة ، فعند الشكّ فيه يكون التكليف الفعلي مشكوكاً فيه ، فيرجع إلى البراءة .
وأمّا القسم السادس : وهو ما كان الحكم فيه متعلّقاً بما له تعلّق بالطبيعة السارية بنحو العموم المجموعي ، فيظهر الحال فيه ممّا قدمناه (1)في تعلّق الحكم بمجموع الأفراد من المتعلّق ، إيجابياً كان أو تحريمياً ، وأنه لابدّ من إحراز الانطباق في مرتبة سابقة على فعلية التكليف ولو كان ضمنياً ، ومع الشكّ لا مناص عن الرجوع إلى البراءة ، وقد عرفت (2)أنّ مقتضاها في التكليف الوجوبي جواز
الاقتصار على الموارد المعلومة ، وفي التحريمي جواز الإتيان بغير المشكوك فيه إلّا أن يرجع التحريم إلى طلب العدم، بمعنى طلب مجموع الأعدام ، فإنّ حاله حينئذ يكون حال التكليف الوجوبي بعينه
ثمّ إنّ ما ذكرناه في ملاك الرجوع إلى البراءة والاشتغال في الشبهات الموضوعية في التكاليف النفسية يجري بعينه في التكاليف الضمنية ، فإذا كان الشرط أو الجزء مثلاً هو صرف الوجود فلابدّ من إحراز وجوده في الخارج ، وأمّا إذا كان مجموع الوجودات أو كلاً منها فلابدّ من إحراز انطباق المتعلّق في الحكم بفعلية التكليف ، ومع الشكّ فيه فالمرجع هو البراءة .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ النهي عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه حيث أنّه تكليف بما له تعلّق بموضوع خارجي كلّي ، وهو ما لا يؤكل ، فالنهي إمّا تعلّق بالصلاة في كل فرد فرد حتّى يرجع الأمر إلى مانعية وقوعها في كل واحد أو تعلّق بإيقاعها في مجموع وجوداته ، لما عرفت (1)من استحالة تعلّق النهي بالطبيعة بما هي .
لكنّه لا سبيل إلى الثاني ، لاستلزامه صحة الصلاة فيما وقعت في بعض أفراد غير المأكول ، فيتعيّن الأول ، وتكون المانعية انحلالية ، بمعنى أن كل فرد من غير المأكول اعتبر في الصلاة عدم وقوعها في أجزائه . وحينئذ فكل ما علم في الخارج كونه من غير المأكول فقد علم تقيّد الصلاة بعدمه ، وكل ما لم يعلم ذلك فلا يعلم المانعية ، فتجري فيه البراءة ، ويكون من دوران أمر المأمور به بين الأقل والأكثر ، وقد عرفت (2)أنّ العلم بجعل الكبرى الكلية لا يكون منجزاً للتكليف ما لم يعلم الانطباق .
هذا كلّه إذا أبقينا النهي على ظاهره من كونه زجراً عن الفعل ، وأما إذا قلنا إنّه إرشادي إلى تقيّد المأمور به بعدم وقوعه في غير المأكول كما هو الظاهر - إذ لا مقتضي للزجر عمّا ليس فيه مفسدة وليس بحرام من غير جهة التشريع قطعاً فالنهي يكون كاشفاً . دخل الأعدام الخاصة في غرض المولى ، بمعنى أنّه يكشف عن ترتب الغرض على وجودات خاصة مقيّدة بأعدام كذلك ، فتكون الأعدام متعلّقة للأمر الغيري كالوجودات بعينها ، ويرجع الأمر حينئذ إلى مطلوبية كل عدم لا محالة ولو كان مجموع الأعدام متعلّقاً للأمر الغيري في مقام الإثبات فإنّ الأمر المتعلّق بالمجموع يتعلّق بكل واحد في ضمن المجموع ، نظير تعلّق الأمر بقراءة الفاتحة بكل واحدة من آياتها ، فإذا علم كون شيء من غير المأكول فقد علم تقيّد الصلاة بعدمه ، وإلّا فيرجع إلى البراءة .
نعم إذا كان النهي عن الصلاة في غير المأكول إرشاداً إلى أخذ عنوان وجودي في المأمور به ملازم لعدم وقوعه في غير المأكول ، فلابدّ من إحرازه في مقام الامتثال ، لما عرفت (1)من أنّ الأمر بإيجاد صرف وجود الطبيعة يستدعي إحراز وجودها في الخارج، وعدم جواز الاكتفاء بما يشكّ في انطباقها عليه بما لها من الخصوصيات ، وحينئذ فلا يجوز الاكتفاء بالصلاة فيما يحتمل كونه من غير المأكول .
لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة ، مع أنّه يستلزم صحة الصلاة فيما إذا اضطر إلى ، لیس غير المأكول فيما إذا وقعت في المقدار الزائد على مقدار اضطراره ، وهو خلاف المقطوع به والمتسالم عليه من الفقهاء .
1) في ص 74، 79 .
إن قلت : لعلّ ذلك من جهة أنّ طبيعي غير المأكول إذا كان مانعاً عن صحة الصلاة فمقتضى القاعدة الأوّلية هو سقوط الأمر عند الاضطرار وعدم التمكن من إيقاع الصلاة في غير ما لا يؤكل ، لكن قاعدة الميسور أوجبت الإتيان بما تيسّر وبها يجب التحفّظ عن غير المقدار المضطر إليه ، وإن لم يكن كل فرد مانعاً بخصوصه .
قلت : قاعدة الميسور ، إنّما تجري فيما كان الأمر متعلقاً بعدة أمور لا يتمكن المكلّف من إيجاد جميعها ، فيتعلّق الأمر بالمقدار الميسور ، كما هو الحال فيما كانت المانعية ثابتة لكل فرد فرد . وأما إذا كان الدخيل في المأمور به هو العنوان البسيط الملازم أو المنتزع عن الأعدام الخارجية فالمكلّف مضطر إلى ترك ذلك القيد ، فلابدّ من الإتيان ببقية أجزاء الواجب وقيوده ، ولا موجب لترك المقدار الممكن من لبس غير المأكول ، لأنّ ما هو الدخيل في المأمور به غير ممكن التحصيل ، وما هو الممكن غير دخيل فيه على الفرض .
نعم لو قيل : إنّ العنوان المزبور ملازم أو منتزع عن ترك المقدار الممكن وهو يحصل بترك الجميع مع عدم الاضطرار، وبترك الزائد على مقدار الاضطرار مع وجوده . أو قيل : إن العنوان المزبور وإن كان بسيطاً إلّا أنّه ذا مراتب ، فالمرتبة العالية منها الملازمة لمجموع الأعدام تكون مطلوبة في فرض التمكن ، ومع التعدّر يتعلّق الطلب بالمرتبة الناقصة الملازمة لعدم غير المقدار المضطرّ إليه .
لكان اللازم هو ترك المقدار الممكن مع الاضطرار إلى لبس غير المأكول في الجملة ، ولو بناءً على كون الدخيل في المأمور به عنواناً بسيطاً ملازماً ، لا نفس الأعدام الخارجية . إلّا أنّه تكلّف في تكلّف ، لا يصار إليه إلّا بدليل ، فكيف بما إذا كان الدليل ظاهراً في مانعية نفس غير المأكول المنحل إلى مانعية كل فرد
كما عرفت .
وعليه يكون جريان البراءة في محلّ الشكّ من الوضوح بمكان ، من غير فرق بين الساتر وغيره ، وبين ما علم كون الملبوس حيواناً وغيره ، وبين ما يكون مع المصلّي من افتتاح صلاته وغيره ، وبين ما يكون من قبيل اللباس وغيره ، فإنّ الشكّ في جميع ذلك يرجع إلى الشكّ في المانعية الفعلية ، فيكون مورداً للبراءة .
هذا كلّه إذا لم نقل باعتبار وقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل في خصوص الساتر ، على ما صرّح به آية الله العلّامة (قدّس سرّه) (1)وإلا فلابدّ من إحرازه وعدم كفاية جريان البراءة في إثبات ما علم تعلّق التكليف به ، وقد مرّ الكلام في ذلك وأنّه لا يمكن استفادة الشرطية من الأدلة ولو في خصوص الساتر ، في الأمر السابع (2).
ثمّ إنّك قد عرفت (3)فيما مرّ صحة التمسك بالأصل الموضوعي في المقام ويترتب عليه عدم وصول النوبة إلى إجراء الأصل الحكمي ، وقد عرفت أنّ مقتضى الوجه الرابع من الأصول الموضوعية هو جواز الصلاة في المشكوك فيه ولو قلنا بشرطية الوقوع في غير ما حرم الله أكله ، إلّا أنّه يختص جريانه بما علم كون اللباس أو ما مع المصلّي حيوانياً ، وإلّا فلا مجرى لجريانه ، فلابدّ من التمسك باستصحاب العدم الأزلي ، وهو لا يثبت إلّا عدم كون اللباس من غير المأكول وأمّا كونه من غيره فلا يثبت بالأصل المزبور كما هو ظاهر .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : جواز الصلاة فيما يشكّ في كونه من غير المأكول مطلقاً ، بناء على ما هو المختار من كون المجعول هي المانعية ، وأما على
القول بالشرطية فلابدّ من الحكم بالاشتغال ولزوم إحراز وجود الشرط في مقام الامتثال ، وهو لا يتحقّق في فرض الشك إلّا مع العلم بكون اللباس حيوانياً ، فإنّه يحرز بالأصل الموضوعي حينئذ كونه من غير ما حرم الله أكله ، فيصح الصلاة فيه فيكون ذلك تفصيلاً آخر في المسألة ، قد أشرنا إليه في أول الرسالة (1)
1) في ص 4 .
خاتمة
بعد ما تحقّق جواز الصلاة في المشتبه وجواز الاكتفاء بها في مقام الامتثال فاعلم أنّه جواز ظاهري ، لا يقتضي إلّا عدم وجوب الإعادة ما دام الجهل باقياً فإذا انكشف الخلاف ووقوع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه فلابدّ من الإعادة ما لم يدل دليل على الإجزاء ، الحاكم على دليل المانعية واختصاصها بحال العلم .
وكذا الحال فيما لو صلّى في غير المأكول نسياناً ، فإنّ مقتضى القاعدة الأولية فيه هو وجوب الإعادة إلّا أن يدل دليل على عدمه .
لكنّك عرفت في الأمر الأول (1)أن حديث لا تعاد (2)حاكم على عموم أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ، وموجب لاختصاصها بحال العلم والعمد عليه يكون مقتضى القاعدة الثانوية هو عدم وجوب الإعادة في فرض الجهل النسيان ، إلّا أن يدلّ دليل على وجوب الإعادة فيه .
وقد أفاد شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه ) (3)أنّ صدر مولّقة ابن بكير المتقدمة (4)وهو قوله (عليه السلام) : « لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّيها في غيره ممّا أحلّ الله أكله » بعد الحكم بفساد الصلاة الواقعة في غير المأكول في صدرها يدلّ على إنشاء حكم ثانوي مجعول للمصلّي في غير المأكول ناسياً أو جاهلاً
فإنّ حمله على التأكيد خلاف الأصل .
وحينئذ تقع المعارضة بينه وبين حديث لا تعاد في خصوص الناسي بالعموم من وجه ، فإنّ الحديث المزبور خاص بالناسي وعام بالقياس إلى خصوص الوقوع في غير المأكول ، والموثّقة بالعكس .
لكن صحيحة عبدالرحمن الدالّة على عدم وجوب الإعادة فيما وقعت الصلاة في عذرة الإنسان أو الكلب أو السنور جهلاً (1)تقتضي اختصاص الموثّقة بالناسي ، فتكون مخصصة لحديث لا تعاد ، وموجبة للإعادة على من صلّى في غير المأكول نسياناً .
وأنت خبير بأن كون الحمل على التأكيد خلاف الأصل إنّما هو فيما كان اللفظ ظاهراً في معنى تأسيسي .
وما أفاده ليس معنى عرفياً قابلاً لحمل الكلام عليه ، فلا مناص عن حمله على التأكيد ، فيبقى حديث لا تعاد بلا معارض ، فيحكم بالصحّة في غير صورة العلم والعمد .
ثمّ إنّ اختصاص الحديث بالناسي قد عرفت (2)أنّه بلا موجب ، لكنّه على تقديره لابدّ من الحكم بالفساد فيما وقعت الصلاة في غير المأكول جهلاً في غير مورد الصحيحة ، ولا موجب للتعدّي منه إلى غيره ، خصوصاً إذا كان نفس اللباس من غير المأكول . ودعوى عدم القول بالفصل غير مسموعة . هذا ما أردنا إيراده في هذه الرسالة ، والحمد لله ، وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين .
الفهرس
الأقوال في المسألة ... 3
أمور نافعة ...5
الأوّل : ما المراد من الجواز المبحوث عنه في المسألة...5
الثاني : اعتبار إحراز صحة العمل ظاهراً ...6
الثالث : عمومية الملاك لكل مشتبه من بقية الموانع ...7
الرابع : توجيه حكم المشهور بعدم الجواز مع اتفاقهم على البراءة في الأقل والأكثر...8
الخامس : جريان الأصل في جزء الموضوع مع إحراز الباقي وجداناً ...10
السادس : إمكان جعل الشرطية لأحد الضدّين والمانعية لآخر ...13
السابع : اعتبار عدم وقوع الصلاة فيما لا يؤكل هل هو بنحو الشرطية أو المانعية ...19
الروايات الواردة في المقام ...20
ما يستفاد منه مانعية ما لا يؤكل ...22
ما يستفاد منه شرطية ما يؤكل ...22
الثامن : مقتضى الأصل عند الشكّ في أنّ المجعول هو المانعية أو الشرطية ...27
التاسع : تحديد مدلول الروايات الدالة على المانعية سعةً وضيقاً ...28
الفهرس
العاشر : البحث عن متعلّق المانعية وأنه الصلاة أو المصلّي أو اللباس ... 31
ما تقتضيه الأدلّة في مسألة اللباس المشكوك ...34
المبحث الأوّل : الأدلّة الاجتهادية على الجواز. ..34
الأوّل : اختصاص أو انصراف النصوص المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل إلى صورة العلم...34
الثاني : التمسّك بما دلّ على جواز الصلاة بكل ساتر ...34
الثالث : عدم فعلية النهي الدال على المنع فيما لا يؤكل حال الجهل ...36
الرابع : التمسك بما دلّ على جواز الصلاة في الخز ...38
المبحث الثاني : الأصول الموضوعية المدعى جريانها في المقام...40
الأول : أصالة الحلّ. ..40
ايرادات الميرزا النائيني (رحمه الله) على الأصل المذكور ...40
أمور ترتبط بالاستدلال بأصالة الحلّ. ...45
الثاني : قاعدة الطهارة ...47
الثالث : استصحاب عدم حرمة اللحم الثابت قبل البلوغ ...48
الرابع : استصحاب عدم الحرمة الثابت قبل الشرع. ...48
الخامس : استصحاب عدم كون المشكوك جزءاً ممّا لا يؤكل بنحو العدم الأزلي ...51
مقدمات قبل البحث عن استصحاب العدم الأزلي ...51
الأولى : استصحاب أحد جزأي الموضوع أو المتعلق ...51
الثانية : البحث عن المفهوم المأخوذ موضوعاً أو متعلّقاً ...54
الثالثة : التخصيص بالمنفصل لا يصادم ظهور العام في عمومه ...54
الرابعة : كيفية أخذ عدم العرض إذا كان الموضوع مركباً منه وغيره ...56
تفصيل المحقّق العراقي في الموضوع المركب من العرض ومحله...56
الخامسة : التفرقة بين أخذ وجود العرض وعدمه في الموضوع المركب ...60
جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ..61
السادس : استصحاب عدم كون المصلّي لابساً لغير المأكول ...63
السابع : استصحاب عدم وقوع الصلاة فيما لا يؤكل بنحو الاستصحاب التعليقي ...65
المبحث الثالث : الأصول الحكمية التي قيل بجريانها في المقام ...69
الأوّل : أصالة الإباحة في الصلاة الثاني : أصالة البراءة ...71
تعيين الأصل الجاري عند الشكّ في صدق المأمور به على الخارج وأقسام المسألة ...74
الأوّل : ما إذا لم يكن للمتعلّق متعلّق في الخارج وكان التكليف إيجابياً ... 74
الثاني : ما إذا لم يكن للمتعلّق متعلّق وكان الحكم تحريمياً...76
الثالث : ما إذا كان الموضوع (متعلّق المتعلّق جزئياً شخصياً ...79
الرابع : ما إذا كان الموضوع كلّياً ملحوظاً بنحو صرف الوجود...80
الخامس : ما إذا كان الموضوع كلّياً ملحوظاً بنحو السريان والاستغراق... 81
السادس : ما إذا كان الموضوع كلّياً ملحوظاً بنحو العموم المجموعي ...84
المختار في نحو أخذ الموضوع في مورد البحث ...85
الصلاة في غير المأكول جهلاً أو نسياناً ...90
الفهرس ...92
رسالة
في كليات علم الرّجال
تاليف
الأستاذ الأعظم سماحة آية الله العظمى
السيد ابو القاسم الموسوي الخوئی
«1317-1413ه- »
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
قد ثبت بالأدلّة الأربعة حرمة العمل بالظنّ ، وأنّه لا يجوز نسبة حكم إلى الله سبحانه ما لم يثبت ذلك بدليل قطعي ، أو بما ينتهي إلى الدليل القطعي ، وناهيك في ذلك قوله سبحانه : ( ا الله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ) (1)دلّت الآية المباركة على أنّ كلّ ما لم يثبت فيه إذن من الله تعالى ، فنسبته إليه افتراء عليه سبحانه . كما ثبت بتلك الأدلّة أنّ الظن بنفسه لا يكون منجزاً للواقع ، ولا معذراً عن مخالفته فيما تنجز بمنجز ، ويكفي في ذلك قوله تعالى : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )(2)وقوله تعالى : ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحقّشَيْئاً) (3).
وأمّا الروايات الناهية عن العمل بغير العلم فهي فوق حد الإحصاء ، ففي صحيح أبي بصير : قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة ، فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما أنك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله » (4).
ثمّ إنّه لا ريب في أنّ العقل لا طريق له إلى إثبات الأحكام الشرعية ، لعدم
إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعية . نعم يمكن ذلك في موارد قليلة ، وهي إدراك العقل الملازمة بين حكم شرعي وحكم آخر ، كإدراكه الملازمة بين النهي عن عبادة كالصوم يومي العيدين - وفساده .
وأمّا الكتاب العزيز فهو غير متكفّل ببيان جميع الأحكام ، ولا بخصوصيات ما تكفّل ببيانه من العبادات كالصلاة والصوم والحج والزكاة ، فلم يتعرّض لبيان الأجزاء والشرائط والموانع.
وأمّا الإجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فهو نادر الوجود ، وأمّا غير الكاشف عن قوله ( عليه السلام) فهو لا يكون حجّة ، لأنه غير خارج عن حدود الظن غير المعتبر .
والمتحصّل : أنّ استنباط الحكم الشرعي في الغالب لا يكون إلّا من الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم) والاستدلال بها على ثبوت حكم شرعي يتوقف على إثبات أمرين :
الأوّل : إثبات حجّية خبر الواحد ، فإنّا إذا لم نقل بحجيته انتهى الأمر إلى الالتزام بانسداد باب العلم والعلمي ، ونتيجة ذلك هو التنزل في مرحلة الامتثال إلى الامتثال الظنّي ، أو القول بحجية الظنّ في هذا الحال ، على ما ذهب إليه بعضهم .
الثاني : إثبات حجّية ظواهر الروايات بالإضافة إلينا أيضاً ، فإنّا إذا قلنا باختصاصها بمن قصد بالإفهام، وأنهم المخاطبون فقط ، لم يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم من الأحكام أصلاً .
وهذان الأمران قد أشبعنا الكلام فيهما في مباحثنا الأصولية(1)، ولكن ذكرنا أن كل خبر عن معصوم لا يكون حجّة ، وإنما الحجّة هو خصوص خبر الثقة أو
1) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي (47) : 170 وما بعدها ، 138 وما بعدها .
الحسن . ومن الظاهر أنّ تشخيص ذلك لا يكون إلّا بمراجعة علم الرجال ومعرفة أحوالهم ، وتمييز الثقة والحسن عن الضعيف . وكذلك الحال لو قلنا بحجية خبر العادل فقط ، فإنّ الجزم بعدالة رجل أو الوثوق بها لا يكاد يحصل إلّا بمراجعته .
هذا ، والحاجة إلى معرفة حال الرواة موجودة حتّى لو قلنا بعدم حجّية خبر الواحد ، أو قلنا باختصاص حجّية الظهور بمن قصد إفهامه فانتهى الأمر إلى القول بحجية الظنّ الإنسدادي أو لزوم التنزل إلى الامتثال الظني ، فإن دخل توثيق علماء الرجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها غير قابل للإنكار .
ومن الغريب بعد ذلك إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة ، وكل رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجّة ، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء .
فإنّه مع تسليم ما ذكره من الكلية - وهي غير مسلّمة ، وقد أوضحنا بطلانها في مباحثنا الأصولية (1)فالحاجة إلى علم الرجال باقية بحالها ، فإنّ جملة من المسائل لا طريق لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها ، لعدم التعرّض لها في كلماتهم وجملة منها لا شهرة فيها على أحد الطرفين فهما متساويان ، أو أن أحدهما أشهر من الآخر ، وليست كل مسألة فقهية كان أحد القولين أو الأقوال فيها مشهوراً ، وكان ما يقابله شاذاً .
بل الحال كذلك حتّى لو قلنا بأنّ صدور روايات الكتب الأربعة قطعي ، فإنّ أدلة الأحكام الشرعية لا تختص بالكتب الأربعة ، فنحتاج في تشخيص الحجّة من الروايات الموجودة في غيرها عن غير الحجة إلى علم الرجال .
ومن الضروري التكلّم على هذا القول بما يناسب المقام .
1) مصباح الأصول 2 موسوعة الإمام الخوئي (47) : 235 - 236 ، 279 - 280
ذهب جماعة من المحدّثين إلى أنّ روايات الكتب الأربعة قطعية الصدور وهذا القول باطل من أصله ، إذ كيف يمكن دعوى القطع بصدور رواية رواها واحد عن واحد ، ولا سيّما أنّ في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب والوضع ، على ما ستقف عليه قريباً وفي موارده إن شاء الله تعالى .
ودعوى القطع بصدقهم في خصوص روايات الكتب الأربعة - لقرائن دلّت على ذلك - لا أساس لها ، فإنّها بلا بينة وبرهان ، فإنّ ما ذكروه في المقام وادعوا أنها قرائن تدلّنا على صدور هذه الروايات من المعصوم (عليه السلام) لا يرجع شيء منها إلى محصّل .
وأحسن ما قيل في ذلك هو : أن اهتمام أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وأرباب الأصول والكتب بأمر الحديث إلى زمان المحمدين الثلاثة (قدس الله أسرارهم) يدلّنا على أنّ الروايات التي أثبتوها في كتبهم قد صدرت عن المعصومين (عليهم السلام) فإنّ الاهتمام المزبور يوجب - في العادة - العلم بصحة ما أودعوه في كتبهم ، وصدوره من المعصومين (عليهم السلام) .
ولكن هذه الدعوى فارغة من وجوه :
أوّلاً : أنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) وإن بذلوا غاية جهدهم واهتمامهم في أمر الحديث وحفظه من الضياع والاندراس حسبما أمرهم به الأئمة (عليهم السلام) إلّا أنهم عاشوا في دور التقيّة ، ولم يتمكّنوا من نشر الأحاديث علناً ، فكيف بلغت هذه الأحاديث حد التواتر أو قريباً منه ! وهذا ابن أبي عمير حبس أيام الرشيد ، وطلب
منه أن يدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام) وأن أخته دفنت كتبه عندما كان في الحبس فهلكت ، أو تركها في غرفته فسال عليها المطر فهلكت . وهكذا حال سائر أصحاب الأئمة ( عليهم السلام) فإنّ شدّتهم فيما كانوا عليه وعدم تمكنهم من نشر الأحاديث علناً ممّا لا يشكّ فيه ذو مسكة ، ومع ذلك كيف يمكن دعوى أنها قطعيّة الصدور.
ثانياً : أنّ الاهتمام المزبور لو سلّمنا أنّه يورث العلم ، فغاية الأمر أنّه يورث العلم بصدور هذه الأصول والكتب عن أربابها ، فنسلّم أنها متواترة ، ولكنه مع ذلك لا يحصل لنا العلم بصدور رواياتها عن المعصومين (عليهم السلام) وذلك فإنّ أرباب الأصول والكتب لم يكونوا كلّهم ثقات وعدولاً ، فيحتمل فيهم الكذب . وإذا كان صاحب الأصل ممن لا يحتمل الكذب في حقه فيحتمل فيه السهو والاشتباه .
وهذا حذيفة بن منصور قد روى عنه الشيخ بعدة طرق ، منها : ما رواه بطرقه المعتبرة عن محمد بن أبي عمير عنه رواية : أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً (1)ثم قال : وهذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه : أحدها أن متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المصنفة ، وإنّما هو موجود في الشواذ من الأخبار ومنها : أنّ كتاب حذيفة بن منصور عريّ منه ، والكتاب معروف مشهور ولو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه . إلى آخر ما ذكره (قدّس سرّه) .
فنرى أنّ الشيخ (قدّس سرّه) يناقش في صحة هذا الحديث عن حذيفة مع أنّ في رواته عنه محمّد بن أبي عمير، وقد رواها الشيخ عنه بطرق معتبرة ، ولا يكون منشأ ذلك إلّا احتمال وقوع السهو والاشتباه من الرواة . فإذا كانت مثل هذه الرواية
1) التهذيب 4 : 168 / باب علامة أوّل شهر رمضان وآخره ح 482 [ ولم ينقل الشيخ حديث حذيفة بواسطة ابن أبي عمير إلّا بطريق واحد ].
لا يحكم بصحّتها ، فما حال الروايات التي يرويها الضعفاء أو المجهولون ؟!
ثالثاً : لو سلّمنا أنّ صاحب الكتاب أو الأصل لم يكذب ولم يشتبه عليه الأمر ، فمن الممكن أنّ من روى عنه صاحب الكتاب قد كذب عليه في روايته ، أو أنّه اشتبه عليه الأمر ، وهكذا .
ومن هنا قال الشيخ (قدّس سرّه) في كتاب العدّة عند بحثه عن حجية خبر الواحد : والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقة ، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في أصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ، حتّى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور ، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا ، وسلّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله(1).
فإنّ دلالة هذا الكلام على أن روايات الكتب المعروفة والأصول المشهورة لم تكن قطعية الصدور ، وإنما يلزم قبولها بشرط أن تكون رواتها ثقات ، للإجماع على حجّيتها - حينئذ - واضحة ظاهرة .
رابعاً : أنّ الأصول والكتب المعتبرة لو سلّمنا أنّها كانت مشهورة ومعروفة إلّا أنّها كانت كذلك على إجمالها ، وإلّا فمن الضروري أنّ كلّ نسخة منها لم تكن معروفة ومشهورة ، وإنّما ينقلها واحد إلى آخر قراءة أو سماعاً ، أو مناولة الإجازة في روايتها ، فالواصل إلى المحمدين الثلاثة إنّما وصل إليهم من طريق الأحاد.
ولذلك ترى أنّ الشيخ الصدوق بعد ما ذكر في خطبة كتابه (من لا يحضره الفقيه )أنّ جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة ، أشار إلى طريقه
1) العدة في أصول الفقه 1 : 126 .
إليها وقال : طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي (رضي الله عنهم) (1).فإنّه يظهر من ذلك أنّه (قدّس سرّه) كان قد ألف فهرساً ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه وأسلافه ، فهو إنّما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس ، ولكنّه لم يصل إلينا ، فلا نعرف من طرقه غير ما ذكره في المشيخة من طرقه إلى من روى عنهم في كتابه.
وأمّا طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا ، ولا ندري أنّ أيّاً منها كان صحيحاً ، وأيّاً منها غير صحيح . ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين (عليهم السلام) .
وعلى الجملة : إنّ دعوى القطع بصدور جميع روايات الكتب الأربعة من المعصومين (عليهم السلام) واضحة البطلان ، ويؤكد ذلك أن أرباب هذه الكتب بأنفسهم لم يكونوا يعتقدون ذلك .
وهذا محمّد بن يعقوب (قدّس الله تعالى سرّه) بعد ما ذكر أنّه طلب منه تأليف كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ، ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين ( عليها السلام) قال بعد كلام له :
فاعلم يا أخي أرشدك الله أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلّا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام) : «اعرضوها على كتاب الله فما وافق (2)كتاب الله عزّوجل فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه » وقوله : « دعوا ما وافق القوم ، فإنّ الرشد في خلافهم » وقوله
(عليه السلام) : « خذوا بالمجمع عليه ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه » ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقله ، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم (عليه السلام) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله : « بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم » وقد يسّر اللّه - وله الحمد - تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخّیت(1).
وهذا الكلام ظاهر في أنّ محمّد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين (عليهم السلام) جزماً ، وإلا لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض ، فإنّ هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما ، فإنّ الشهرة إنما تكون مرجّحة لتمييز الصادر عن غيره ، ولا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور .
وأمّا الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) فقد قال في خطبة كتابه : ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته ، وأعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني وبين ربي (2).
فإنّ هذا الكلام ظاهر في أنّ كتاب الكافي في اعتقاد الصدوق كان مشتملاً على الصحيح وغير الصحيح ، كسائر المصنّفات، فكيف يمكن أن يدعى أن جميع رواياته قطعيّة الصدور ؟.
وأيضاً فإنّ الشيخ الصدوق إنما كتب كتابه (من لا يحضره الفقيه) إجابة لطلب السيد الشريف أبي عبد الله المعروف ب- (نعمة الله) فإنّه قد طلب من الشيخ الصدوق أن يصنّف له كتاباً في الفقه ليكون إليه مرجعه ، وعليه معتمده ، ويكون شافياً في
معناه ، مثل ما صنّفه محمّد بن زكريّا الرازي و ترجمه بكتاب (من لا يحضره الطبیب).
ولا شكّ أنّ كتاب الكافي أوسع وأشمل من كتاب من لا يحضره الفقيه ، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) فضلاً عن أن تكون قطعيّة الصدور لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب من لا يحضره الفقيه ، بل كان على الشيخ الصدوق أن يُرجع السيد الشريف إلى كتاب الكافي ، ويقول له : إنّ كتاب الكافي في بابه ككتاب من لا يحضره الطبيب في بابه ، في أنّه شاف في معناه .
ويزيد ذلك وضوحاً أنّ الشيخ الصدوق قال في باب الوصيّ يمنع الوارث : ما وجدت هذا الحديث إلّا في كتاب محمد بن يعقوب ، وما رويته إلّا من طريقه (1)فلو كانت روايات الكافي كلّها قطعيّة الصدور فكيف يصح ذلك القول من الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) .
بقي هنا شيء وهو : أنّه قد يتوهّم أنّ شهادة الشيخ الصدوق بصحة جميع روایات كتابه شهادة منه بصدور جميعها عن المعصومين (عليهم السلام) فإنّ الصحيح عند القدماء هو ما علم صدوره من المعصوم (عليه السلام) . فهو وإن لم يكن يرى صحة جميع روايات الكافي ، إلّا أنّه كان معتقداً بصحة جميع ما اشتمل عليه كتابه من الروايات .
ولكن هذا توهّم صرف ، فإنّ الصدوق إنما يريد بالصحيح ما هو حجّة بينه وبين الله ، أي ما أحرز صدوره من المعصوم (عليه السلام) ولو بالتعبّد ، ولم يرد بذلك قطعي الصدور وما لا يحتمل فيه الكذب أو الخطأ ، كما سيجيء منه (قدّس سرّه)(2)
عند البحث عن صحة جميع أخبار الكتب الأربعة وعدمها - تصريحه بأنه يتبع في التصحيح وعدمه شيخه ابن الوليد ، فيصحح ما صححه ، ولا يصحح ما لم يصححه أفهل يمكن أن يقال : أنّه كان يتبع شيخه في القطع بالصدور وعدم القطع به فكل ما كان مقطوع الصدور لابن الوليد كان مقطوع الصدور للشيخ الصدوق ، وإلّا فلا ؟!
فالمتلخّص : أنّه لم يظهر من الشيخ الصدوق إلّا أنّه كان يعتقد حجّية جميع روايات كتابه ، ولم يكن يرى ذلك بالإضافة إلى الكافي وغيره من المصنّفات .
وأمّا الشيخ (قدّس سرّه) فلا شكّ في أنّه لم يكن يعتقد صدور جميع روايات كتابيه ، ولا سائر الكتب والأصول عن المعصومين (عليهم السلام) ومن ثم ذكر في آخر كتابه أنّه يذكر طرقه إلى أرباب الكتب الذين روى عنهم في كتابه لتخرج الروايات بذلك عن الإرسال إلى الإسناد ، فإنّ هذا الكلام صريح في أنّ ما رواه في كتابه أخبار آحاد محتملة الصدق والكذب ، فإن كان الطريق إليها معلوماً كانت من الروايات المسندة ، وإلّا فهي مرسلات وغير قابلة للاعتماد عليها .
وبعبارة أخرى : أنّ الشيخ إنما التزم بذكر الطريق لئلا تسقط روايات كتابه عن الحجية لأجل الإرسال ، فلو كانت تلك الروايات قطعية الصدور ، وكان ذكر الطريق لمجرد التيمن والتبرك ، لم يكن الأمر كذلك ، مع أنّه خلاف ما صرح به (قدّس سرّه) وأيضاً فإنه قد تقدّم (1)منه أن جواز العمل بما في الكتب المعروفة والأصول المشهورة مشروط بوثاقة الراوي . وهذا ظاهر في أنّه لم يكن يرى صحة جميع روايات تلك الكتب ، فضلاً عن القطع بصدورها .
وأيضاً أنّه (قدّس سرّه) قد ناقش في غير مورد من كتابه في صحة رواية رواها
1) في ص 8.
عن الكافي ، أو أنّه لم يروها عنه ولكنّها موجودة في الكافي ، أو فيه وفي من لا يحضره الفقيه أيضاً ومع ذلك قد حكم بضعفها ، فلو كانت تلك الروايات صحيحة ومقطوعة الصدور من المعصومين (عليهم السلام) فكيف ساغ للشيخ أن يناقش فيها بضعف السند . ومن تلك الموارد :
1 - ما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال : « أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلالاً أن ينادي...». (1)
فإنّه قال بعد رواية الحديث : قال محمد بن الحسن : فما تضمّن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامة ، والرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم عامّة ، وما يختصّون بنقله لا يلتفت إليه .
وهذا تصريح منه بأن روايات الكافي ليست كلّها بصحيحة ، فضلاً عن كونها مقطوعة الصدور .
2 - ما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ السماء تطبق علينا ... » .
وما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني أيضاً ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّا نمكث في الشتاء ...»(2).
فإنّه قال بعد روايتهما : إنّهما خبر واحد ، لا يوجبان علماً ولا عملاً ، ولأنّ راويهما عمران الزعفراني ، وهو مجهول ، وفي إسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته .
وهذا تصريح من الشيخ بأنّ كلّ رواية في الكافي أو غيره إذا كان في سندها
ضعفاء لا يعمل بها فيما إذا اختصّوا بروايتها .
3-ما رواه بسنده عن القاسم بن محمد الزيات ، قال « قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إنّي ظاهرت من امرأتي ...».
وما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن ابن بكير عن رجل ، قال « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إني قلت لامرأتي ...».
وما رواه بطريقه عن ابن فضال عمّن أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام )قال : « لا يكون الظهار إلّا على مثل موضع الطلاق».(1)
والأولى من هذه الروايات الثلاث رواها محمد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد ، عن القاسم بن محمد الزيات (2)كما أنّ الثالثة منها رواها الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) مرسلة عن الصادق (عليه السلام) (3).
قال الشيخ بعد ذكر هذه الروايات : أوّل ما في هذه الأخبار أنّ الخبرين منهما - وهما الأخيران - مرسلان ، والمراسيل لا يعترض بها على الأخبار المسندة ، لما - بيّناه في غير موضع . وأما الخبر الأوّل فراويه أبو سعيد الآدمي - سهل بن زياد - وهو ضعيف جداً عند نقاد الأخبار ، وقد استثناه أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة .
أقول : لو كان الشيخ يعتقد أنّ جميع روايات الكافي والفقيه قطعية الصدور أو أنها صحيحة وإن لم تكن قطعيّة الصدور لم يكن يعترض على هذه الروايات بضعف السند أو بالإرسال ، ولا سيما أن المرسل ابن بكير وهو من
أصحاب الإجماع ، وابن فضّال المعروف بالوثاقة .
4-الروايات التي دلّت على أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً فإنّ هذه الروايات مع أنّ جملة منها مذكورة في الكافي والفقيه قد ناقش فيها الشيخ (1)ومن قبله الشيخ المفيد (2)، وحكما بعدم صحتها ، وبأنها من شواذّ الأخبار .
وبيان ذلك : أنّ محمد بن يعقوب قد عقد باباً ذكر فيه ثلاث روايات دلّت على أن شهر رمضان لا ينقص أبداً : الأولى : ما رواه حذيفة بن منصور عن أبي عبدالله (عليه السلام) . الثانية : ما رواه محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) . الثالثة : ما رواه حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير عن أبي عبدالله (علیه السلام)(3)
وهذه الروايات ذكرها الصدوق، إلّا أنّه روى الثانية عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع ، عن محمد بن يعقوب بن (4)شعيب ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) وزاد رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) ورواية ياسر الخادم عن الرضا (علیه السلام) (5).
قال الصدوق بعد ذكر هذه الروايات : قال مصنّف هذا الكتاب (رضي الله عنه) : من خالف هذه الأخبار ، وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامة في ضدّها ، اتقي
كما يُتّقى العامة ، ولا يكلّم إلّا بالتقيّة كائناً من كان ، إلّا أن يكون مستر شداً فير شد ويبين له ، فإنّ البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ، ولا قوة إلّا بالله .
أقول : هذه الروايات التي ذكرها محمد بن يعقوب ، وصححها الصدوق وبالغ في تصحيحها ولزوم العمل بها قد تعرّض لها الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في رسالته المعروفة بالرسالة العددية ، وناقش في إسنادها ، وذكر أنها روايات شاذة لا يمكن الاستدلال بها.
قال المفيد : وأمّا ما تعلّق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً فهي أحاديث شاذة ، قد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر ، والنوادر هي التي لا عمل عليها . وأنا أذكر جملة ما جاءت به الأحاديث الشاذة ، وأبين عن خللها وفساد التعلق بها في خلاف الكافّة إن شاء الله .
فمن ذلك حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن سنان ، عن حذيفة بن منصور ، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « شهر رمضان ثلاثون يوماً ، لا ينقص أبداً».
وهذا حديث شاذ نادر ، غير معتمد عليه ، في طريقه محمد بن سنان ، وهو مطعون فيه ، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه ، وما كان هذا سبيله لم يعمل عليه في الدين .
ومن ذلك حديث رواه محمد بن يحيى العطّار ، عن سهل بن زياد الآدمي عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إنّ الله عزّوجلّ خلق الدنيا في ستة أيّام، ثم اختزلها من أيّام السنة ، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً ، وشعبان لا يتم، وشهر رمضان لا ينقص أبداً ، ولا
تكون فريضة ناقصة، إنّ الله تعالى يقول : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ )(1).
وهذا الحديث شاذّ مجهول الإسناد ، ولو جاء بفعل صدقة أو صيام أو عمل برّ لوجب التوقف فيه ، فكيف إذا جاء بشيء يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ولا يصح على حساب ذمّي ولا ملّي ولا مسلم ولا منجم ، ومن عوّل على مثل هذا الحديث في فرائض الله تعالى فقد ضل ضلالاً بعيداً .
وبعد ، فالكلام الذي فيه بعيد من كلام العلماء فضلاً عن أئمّة الهدى (عليهم السلام) لأنّه قال فيه : « لا تكون فريضة ناقصة » وهذا لا معنى له ، لأن الفريضة بحسب ما فرضت ، فإذا أديت على الثقيل أو الخفيف (2)لم تكن ناقصة . والشهر إذا كان تسعة وعشرين يوماً ففرض صيامه لا ينسب إلى النقصان في الفرض ، كما أنّ صلاة السفر إذا كانت على الشطر من صلاة الحضر لا يقال لها صلاة ناقصة . وقد أجلّ الله إمام الهدى (عليه السلام) عن القول بأنّ الفريضة إذا أديت على التخفيف كانت ناقصة . وقد بيّنا أنّ من صام شهرين متتابعين في كفّارة ظهار ، فكانا ثمانية وخمسين يوماً لم يكن فرضاً ناقصاً ، بل كان فرضاً تاماً
ثم احتج لكون شهر رمضان ثلاثين يوماً لم ينقص عنها بقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) . وهذا نقد (3)في قضاء الفائت بالمرض والسفر ، إلّا ترى إلى قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أي عدّة صوم شهر رمضان ، وما أوجب ذلك أن يكون ثلاثين يوماً ، بل كانت الفائدة فيه كمال صيام عدّة الشهر ، وقد تكمل عدة)
الشهر ثلاثين يوماً إذا كان تامّاً ، وتكمل بتسعة وعشرين يوماً إذا كان ناقصاً . وقد بينا ذلك في صيام الكفّارة إذا كان شهرين متتابعين ، وإن كانا ناقصين أو أحدهما كاملاً والآخر ناقصاً .وممّا تعلّقوا به أيضاً حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن محمد بن يعقوب بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله (علیه السلام قال « قلت له : إنّ الناس يروون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله صام شهر رمضان تسعة وعشرين يوماً أكثر ممّا صام ثلاثين يوماً ؟ فقال : كذبوا ، ما صام إلّا تامّاً ، ولا تكون الفرائض ناقصة ».)وهذا الحديث من جنس الأول وطريقه ، وهو حديث شاذّ ، لا يثبت عند أصحابه إلّا نادراً (1، وقد طعن فيه فقهاء الشيعة ، فإنّهم قالوا : محمد بن يعقوب بن شعيب لم يرو عن أبيه حديثاً واحداً غير هذا الحديث ، ولو كانت له رواية عن أبيه لروى عنه أمثال هذا الحديث ، ولم يقتصر على حديث واحد لم يشركه فيه غيره مع أن ليعقوب بن شعيب (رحمه الله ) أصلاً قد جمع فيه كل ما رواه عن أبي عبدالله (عليه السلام) ليس هذا الحديث منه ، ولو كان ممّا رواه يعقوب بن شعيب لأورده في أصله الذي جمع فيه حديثه عن أبي عبدالله (عليه السلام) وفي خلوّ أصله منه دليل على أنّه وضع .)مع أنّ في الحديث ما قد بيّناه بعده في قول الأئمة (عليهم السلام وهو الطعن في قول من قال : إن شهر رمضان تسعة وعشرون يوماً ، لأنّ الفريضة لا تكون ناقصة والشهر إذا كان تسعة وعشرين يوماً كانت فريضة الصوم فيه غير ناقصة (2)، وإذا)
كان فرض السفر لصلاة الظهر ركعتين لم يكن الفرض ناقصاً ، وإن كان على الشطر من صلاة الحضر ، كما أنّ صلاة العليل جالساً لا يكون فرضها ناقصاً ، كذلك إذا صام الكفّارة فصام شهرين ناقصين لا تكون الكفّارة ناقصة . وهذا يدلّك على أنّ واضع الحديث عامّي غفل (1، بعيد من العلماء ، وحاشا أئمة الهدى (عليهم السلام) ممّا أضافه إليهم الجاهلون ، وعزاه إليهم المفترون ، والله المستعان .)فهذه الأحاديث الثلاثة مع شذوذها، واضطراب سندها ، وطعن العلماء في رواتها التي يعتمد عليها أصحاب العدد ، المتعلّقون بالنقل ، وقد بينا ضعف التعلّق بها بما فيه كفاية ، والحمد الله(2.)وتقدّم كلام الشيخ الطوسي في ذلك قريباً .ولا شكّ في أنّ المفيد والشيخ كانا يتعاملان مع روايات الكافي والفقيه وغيرها من الروايات المودعة في الكتب والأصول معاملة الخبر غير القطعي ، فإن كان راويها من الضعفاء أو كانت الرواية مرسلة طرحاها ، سواء كانت الرواية مروية في الكافي أو الفقيه أو غيرهما من الكتب والأصول المعروفة والمشهورة .وليت شعري إذا كان مثل المفيد والشيخ (قدّس سرّهما مع قرب عصرهما وسعة اطلاعهما لم يحصل لها القطع بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين (عليهم السلام) فمن أين حصل القطع لجماعة متأخرين عنهما زماناً ورتبة ؟ أوليس حصول القطع يتوقف على مقدّمات قطعية بديهية أو منتهية إلى البداهة ؟.)وقد ذكر صاحب الوسائل لإثبات ما ادعاه من صحة ما أودعه في كتابه من الأخبار ، وصدورها من المعصومين (عليهم السلام وجوهاً ، سماها أدلّة . ولا يرجع)
شيء منها إلى محصّل ، ولا يترتّب على التعرّض لها والجواب عنها غير تضييع الوقت . وأحسنها الوجه الأوّل الذي أشرنا إليه (1وأجبنا عنه ، ولا بأس أن نذكر له كلاماً في المقام ليظهر للباحث حال بقية ما ذكره دليلاً على مدعاه .)قال في الوجه التاسع ممّا ذكره : والعجب أنّ هؤلاء المتقدمين ، بل من تأخر عنهم كالمحقّق والعلّامة والشهيدين وغيرهم إذا نقل واحد منهم قولاً عن أبي حنيفة أو غيره من علماء العامّة أو الخاصة أو نقل كلاماً من كتاب معيّن ، ورجعنا إلى وجداننا ، نرى أنّه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه ، وصحة نقله - لا الظن - وذلك علم عادي ، كما نعلم أنّ الجبل لم ينقلب ذهباً ، والبحر لم ينقلب دماً ، فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم ، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظنّ ، مع أنّه لا يتسامح ولا يتساهل من له أدنى ورع وصلاح في القسم الثاني ، وربما يتساهل في الأول(2.)### بعض ما استدلّ به الحرّ لإثبات صحة ما في الوسائل والجواب عنهأقول : ليت شعري كيف خفي على مثل الشيخ الحرّ الفارق بين الأمرين والمائز بين الموردين ، فإنّ المحقّق والعلّامة والشهيدين وأمثالهم إذا نقلوا شيئاً من أبي حنيفة فإنّما ينقلونه عن حسّ ، لمشاهدة ذلك في كتاب جامع لآرائه ، وأما إذا نقلوا أمراً من معصوم فإنما ينقلونه عنه حسبما أدّت إليه آراؤهم وأنظارهم ، وكيف يقاس الثاني بالأوّل .وممّا يؤكّد أيضاً بطلان دعوى القطع بصدور أخبار الكتب الأربعة عن المعصومين (عليهم السلام اختلاف هذه الكتب في السند أو المتن ، وسنبين موارده في ضمن التراجم إن شاء الله تعالى .)
بل يتّفق - في غير مورد - أنّ الرواية الواحدة تذكر في كتاب واحد مرّتين أو أكثر مع الاختلاف بينهما في السند أو المتن ، وأكثر هذه الكتب اختلافاً كتاب التهذيب ، حتّى أنّه قال في الحدائق (1: قلّما يخلو حديث من ذلك (2)في متنه أو سنده . وما ذكره (قدّس سرّه) وإن كان لا يخلو من نوع من المبالغة ، إلّا أنّه صحيح في الجملة . والخلل في روايات التهذيب كثير ، نتعرّض لبيانه من جهة السند ضمن التراجم إن شاء الله .)### بعض الشواهد على عدم صحة جميع روايات الكافيثمّ إنّ في الكافي - ولا سيما في الروضة - روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم (عليه السلام ولابدّ من ردّ علمها إليهم (عليهم السلام) . والتعرّض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب ، لكنّنا نتعرّض لواحدة منها ونحيل الباقي إلى الباحثين .)فقد روی محمد بن يعقوب باسناده عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام في قول الله عز وجل : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) (3)فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكر ، وأهل بيته المسؤولون ، وهم أهل الذكر (4).)أقول : لو كان المراد بالذكر في الآية المباركة رسول الله (صلى الله عليه وآله فمن المخاطب ، ومن المراد من الضمير في قوله تعالى : لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وكيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام من المعصوم (عليه السلام) فضلاً عن دعوى القطع بصدوره ؟!.)
وعلى الجملة : إنّ دعوى القطع بعدم صدور بعض روايات الكافي عن المعصوم (عليه السلام ولو إجمالاً قريبة جداً ، ومع ذلك كيف يصحّ دعوى العلم بصدور جميع رواياته عن المعصوم (عليه السلام)، بل ستعرف بعد ذلك (1)أنّ روايات الكتب الأربعة ليست كلّها بصحيحة ، فضلاً عن كونها قطعيّة الصدور .)
1) في ص 69 وما بعدها .
### لطرق ثبوت الوثاقة أو الحُسنالمقدمة الثانية*المعايير العلمية التي تثبت بها الوثاقة أو الحُسن .*تحديد هذه المعايير وتمحيصها وجلاؤها بشكل دقيق .*بماذا تثبت الوثاقة أو الحسنما تثبت به الوثاقة أو الحسن أمور :### 1-نصّ أحد المعصومين :ممّا تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينصّ على ذلك أحد المعصومين (عليهم السلام وهذا لا إشكال فيه ، إلّا أنّ ثبوت ذلك يتوقف على إحرازه بالوجدان ، أو برواية معتبرة . والوجدان وإن كان غير متحقّق في زمان الغيبة إلّا نادراً ، إلّا أنّ الرواية المعتبرة موجودة كثيراً ، وستعرف موارده في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى .)وربما يستدلّ بعضهم على وثاقة الرجل أو حسنه برواية ضعيفة ، أو برواية نفس الرجل . وهذا من الغرائب ، فإنّ الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها ، كما أن في إثبات وثاقة الرجل وحُسنه بقول نفسه دوراً ظاهراً .### كلام المحدّث النوري في حجّية الظنّ الرجالي ومناقشة ذلكهذا ، وقد ذكر المحدّث النوري في ترجمة عمران بن عبدالله القمي ما لفظه : روى الكشي خبرين فيهما مدح عظيم، لا يضر ضعف سندهما بعد حصول الظنّ
منهما (1وذكر ذلك غيره أيضاً ، مدّعياً الإجماع على حجية الظنون الرجالية .)أقول : يرد على ذلك :أوّلاً : أنّ وجود الرواية الضعيفة لا يلازم الظنّ بالصدق .وثانياً : أنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ، ودعوى الإجماع على حجيته في المقام قطعيّة البطلان .كيف وهذه الكتب الأصولية - قديماً وحديثاً - ترى أنها ذكرت أنّ العمل بالظنّ حرام ما لم يقم دليل على حجيته . ونسبة الحكم المظنون إلى الشارع حينئذ تشريع محرّم . وقد ذكروا موارد خاصة قام الدليل فيها على حجية الظنّ ، وموارد وقع الخلاف فيها ، ولم يذكر في شيء من الموردين الظنون الرجالية ، ولم تنسب حجية الظنّ الرجالي إلى أحد من الأعلام ، فضلاً عن أن يدعى الإجماع عليها .وهذه الكتب الفقهية الاستدلالية من زمان الشيخ إلى زمان الفاضلين المحقّق والعلّامة - ومن بعدهما لا تجد فيها من يدعي ذلك أبداً ، وإنما صدر هذا القول من بعض متأخري المتأخّرين من دون ذكر منشئه . ولا يبعد أنّ منشأ ذلك تخيّله أنّ باب العلم منسدّ في باب الرجال ، فينتهي الأمر إلى العمل بالظنّ لا محالة .ولعلّ مدّعي الإجماع على حجّية الظنّ الرجالي استند إلى هذا أيضاً ، بتخيّل أنّ حجّية الظنِّ - على تقدير إنسداد باب العلم - إجماعية .ويرد على هذا القول :أوّلاً : أنّ باب العلم بالتوثيقات وما بحكمها غير منسد ، بناءً على ما نبيّن من جواز الاعتماد على أخبار الأعلام المتقدمينوثانياً : أنّ انسداد باب العلم في كل موضوع لا يوجب حجية الظنّ في ذلك
1) المستدرك 26 (الخاتمة 8) : 271 / 2054
الموضوع ، وإنّما العبرة في حجّية الظنّ من باب الكشف أو الحكومة بانسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية ، فإن ثبت ذلك كان الظن بالحكم الشرعي - وإن نشأ من الظنّ الرجالي - حجّة ، سواء أكان باب العلم في الرجال منسداً أم لم يكن ، وإذا كان باب العلم والعلمي بمعظم الأحكام مفتوحاً لم يكن الظن الرجالي حجّة ، سواء أكان باب العلم بالرجال منسداً أم لم يكن .وعلى الجملة ، فدعوى حجية الظنّ الرجالي بخصوصه - فضلاً عن دعوى الإجماع عليها - باطلة جزماً .### 2-نصّ أحد الأعلام المتقدمين :وممّا تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام ، كالبرقي وابن قولويه ، والكشي ، والصدوق ، والمفيد ، والنجاشي ، والشيخ وأضرابهم . وهذا أيضاً لا إشكال فيه ، وذلك من جهة الشهادة وحجية خبر الثقة .وقد ذكرنا في أبحاثنا الأصولية (1أنّ حجّية خبر الثقة لا تختص بالأحكام الشرعية ، وتعمّ الموضوعات الخارجية أيضاً ، إلّا فيما قام دليل على اعتبار التعدّد كما في المرافعات . كما ذكرنا (2)أنّه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة ، ولهذا نعتمد على توثيقات ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما .)فإن قيل : إنّ إخبارهم عن الوثاقة والحسن لعلّه نشأ من الحدس والاجتهاد وإعمال النظر ، فلا تشمله أدلّة حجية خبر الثقة ، فإنّها لا تشمل الأخبار الحدسية فإذا احتمل أنّ الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية
قلنا : إنّ هذا الاحتمال لا يعتنى به بعد قيام السيرة على حجّية خبر الثقة فيما لم يعلم أنّه نشأ من الحدس ، ولا ريب في أنّ احتمال الحدس في أخبارهم ولو من جهة نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة - موجود وجداناً ، كيف وقد كان تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح من السقيم أمراً متعارفاً عندهم ، وقد وصلتنا جملة من ، ذلك ، ولم تصلنا جملة أخرى ، وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفاً ومائة كتاب على ما يظهر من النجاشي(1والشيخ وغيرهما . وقد جمع ذلك البحاثة الشهير المعاصر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه مصفى المقال .)قال الشيخ في كتاب العدّة في آخر فصل في ذكر خبر الواحد : إنا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوتقت الثقات منهم ، وضعفت الضعفاء وفرّقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره ، ومدحوا الممدوح منهم وذمّوا المذموم . وقالوا : فلان متهم في حديثه ، وفلان كذاب ، وفلان مخلّط ، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد ، وفلان واقفي ، وفلان فطحي ، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها . وصنفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم ، حتّى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً طعن في إسناده ، وضعفه بروايته . هذه عادتهم على قديم وحديث لا تنخرم (2.)والنجاشي قد يسند ما يذكره إلى أصحاب الرجال ويقول : ذكره أصحاب الرجال .وهذه العبارات - كما ترى - صريحة الدلالة على أنّ التوثيقات أو
التضعيفات ، والمدح أو القدح كانت من الأمور الشائعة المتعارفة بين العلماء ، وكانوا ينصّون عليها في كتبهم .### الاستشكال باحتمال حدسيّة التوثيقات والجواب عنهوبهذا يظهر أنّ مناقشة الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته (1- بأنّ توثيقات النجاشي أو الشيخ يحتمل أنها مبنيّة على الحدس ، فلا يعتمد عليها - في غير محلّها .)### 3-نص أحد الأعلام المتأخرين :وممّا تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر أو قريب العصر منه ، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهر آشوب ، وأما في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاووس والعلّامة وابن داود ومن تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيداً عن عصرهم فلا عبرة بها ، فإنها مبنيّة على الحدس والاجتهاد جزماً . وذلك فإنّ السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ ، فأصبح عامة الناس إلّا قليلاً منهم مقلدين ، يعملون بفتاوى الشيخ ويستدلون بها ، كما يستدلّ بالرواية ، على ما صرّح به الحلّي في السرائر (2وغيره في غيره .)والذي يكشف عما ذكرناه أنهم حينما يذكرون طرقهم إلى أرباب الأصول والكتب ، المعاصرين للمعصومين (عليهم السلام يذكرون طرقهم إلى الشيخ ويحيلون ما بعد ذلك إلى طرقه .)فهذا العلّامة ذكر في إجازته الكبيرة لبني زهرة طريقاً له إلى الشيخ
الصدوق (1وإلى والده علي بن الحسين بن بابويه، وإلى الشيخ المفيد ، وإلى السيد المرتضى ، وإلى أخيه السيد الرضي (قدس الله أسرارهم) ، ثم ذكر طرقه إلى كثير من كتب العامة وصحاحهم ، وإلى جماعة من المتأخرين عن الشيخ (قدّس سرّه) ثم قال : ومن ذلك جميع كتب أصحابنا السابقين الذين تقدموا على الشيخ أبي جعفر الطوسي زماناً ، مثل الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ، والحسين بن سعيد ، وأخيه الحسن ، وظريف بن ناصح ، وغيرهم ، ممّا هو مذكور في كتاب فهرست المصنّف للشيخ أبي جعفر الطوسي برجاله المثبتة في الكتاب(2).)وهذا الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي بعد ما ذكر عدة طرق له إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي ، قال : وبهذه الطرق نروي جميع مصنفات من تقدّم على الشيخ أبي جعفر من المشايخ المذكورين وغيرهم ، وجميع ما اشتمل عليه كتابه فهرست أسماء المصنّفين ، وجميع كتبهم ورواياتهم ، بالطرق التي له إليهم ثم بالطرق التي تضمنتها الأحاديث . وإنّما أكثرنا الطرق إلى الشيخ أبي جعفر لأنّ أصول المذهب كلّها ترجع إلى كتبه ورواياته (3.)وعلى الجملة : فالشيخ (قدّس سرّه هو حلقة الاتصال بين المتأخرين وأرباب الأصول التي أخذ منها الكتب الأربعة وغيرها . ولا طريق للمتأخرين إلى توثیقات رواتها وتضعيفهم غالباً إلّا الاستنباط ، وإعمال الرأي والنظر .)و ممّا يؤكد ما ذكرناه من انقطاع السلسلة : أنّ كتاب الكشي الذي هو أحد الأصول الرجالية - وقد حكى عنه النجاشي في رجاله - لم يصل إلى المتأخرين ، فلم
ينقلوا عنه شيئاً ، وإنّما وصل إليهم اختيار الكشي ، الذي رتّبه الشيخ واختاره من كتاب الكشي . وكذلك كتاب رجال ابن الغضائري ، فإنّه لم يثبت عند المتأخرين وقد ذكر ابن طاووس عند ذكره طرقه إلى الأصول الرجالية أنّه لا طريق له إلى هذا الكتاب (1. وأمّا العلّامة وابن داود والمولى القهبائي فإنهم وإن كانوا يحكون عن هذا الكتاب كثيراً ، إلّا أنّهم لم يذكروا إليه طريقاً . ومن المطمأن به عدم وجود طريق لهم إليه .)وهذا العلّامة قد ذكر في إجازته الكبيرة أسماء الكتب التي له طريق إليها حتّى أنّه - مضافاً إلى ما ذكره من كتب أصحابنا المتقدمين على الشيخ والمتأخرين عنه - ذكر شيئاً كثيراً من كتب العامة في الحديث والفقه والأدب وغير ذلك. ومع ذلك فلم يذكر رجال ابن الغضائري فيها ذكره من الكتب . وهذا كاشف عن أنّه لم يكن له طريق إليه ، وإلّا لكان هذا أولى بالذكر من أكثر ما ذكره في تلك الإجازة.نعم ، إنّ الشهيد الثاني في إجازته المتقدّمة (2، والآغا حسين الخونساري في إجازته لتلميذه الأمير ذى الفقار (3)ذكرا كتاب الرجال للحسين بن عبيد الله بن الغضائري في ضمن الكتب التي ذكرا طريقهما إليها .). فربما يستظهر من ذلك أنّ كتاب الرجال للحسين بن عبيدالله قد وصل إليهما وكان عندهما ، ولكن واقع الأمر على خلاف ذلك ، فإنّ الشهيد (قدّس سرّه يذكر في طريقه إلى هذا الكتاب العلّامةَ ، وأنه يروي هذا الكتاب بطريق العلّامة إليه . وقد)
عرفت أنّ المطمأنّ به أنّ العلّامة لا طريق له إلى هذا الكتاب .هذا ، مضافاً إلى أنّ الشهيد يوصل طريقه إلى النجاشي عن الحسين بن عبيد الله الغضائري وهذا على خلاف الواقع ، فإنّ الحسين بن عبيدالله شيخ النجاشي، وتعرّض النجاشي لترجمته ، وذكر كتبه (1، ولم يذكر فيها كتاب الرجال بل لم ينقل عنه في مجموع كتابه شيئاً يستشعر منه أنّ له كتاب الرجال . وكذلك الشيخ يروي عن الحسين بن عبيد الله كثيراً ، ولم ينسب إليه كتاب الرجال ، ولا ما يستشعر منه وجود كتاب له في الرجال .)والمتحصّل : أنّ ما ذكره الشهيد الثاني من وجود طريق له إلى كتاب الحسين بن عبيد الله فيه سهو بيّن . وبذلك يظهر الحال في طريق الآغا حسين الخونساري ، فإنّ طريقه هو طريق الشهيد الثاني ، ويروي ما ذكره من الكتب بطريقه إلى الشهيد (قدّس سرّه(2).)هذا حال كتاب الكشي وكتاب ابن الغضائري المعدودين من الأصول الرجالية ، وأمّا باقي الكتب الرجالية المعروفة في عصر الشيخ والنجاشي فلم يبق منها عين ولا أثر في عصر المتأخريننعم قد يتّفق أنّ العلّامة وابن داود يحكيان عن ابن عقدة توثيقاً لأحد ، إلّا أنّها لا يذكران مستند حكايتهما . والعلّامة لم يذكر فيما ذكره من الكتب - التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة كتاب الرجال لابن عقدة .وقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنّ ابن طاووس والعلّامة وابن داود ومن تأخر عنهم إنما يعتمدون في توثيقاتهم وترجيحاتهم على آرائهم واستنباطاتهم ، أو على ما
استفادوه من كلام النجاشي أو الشيخ في كتبهم ، وقليلاً ما يعتمدون على كلام غيرهما ، وقد يخطئون في الاستفادة كما سنشير إلى بعض ذلك في موارده . كما قد يخطئون في الاستنباط ، فترى العلّامة يعتمد على كل إمامي لم يرد فيه قدح ، يظهر ذلك ممّا ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة (1وغير ذلك .)وترى المجلسي يعدّ كلّ من للصدوق إليه طريق ممدوحاً (2وهو غير صحيح على ما نبيّنه عن قريب إن شاء الله تعالى . وعليه فلا يعتدّ بتوثيقاتهم بوجه من الوجوه .)### 4- دعوى الإجماع من قبل الأقدمين :ومن جملة ما تثبت به الوثاقة أو الحسن هو أن يدّعي أحد من الأقدمين الأخيار الإجماع على وثاقة أحد ، فإنّ ذلك وإن كان إجماعاً منقولاً ، إلّا أنّه لا يقصر عن توثيق مدعي الإجماع نفسه منضمّاً إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين ، بل إنّ دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها حتّى إذا كانت الدعوى من المتأخرين ، كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم ، فقد ادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته (3، فإنّ هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة ، وهو يكفي في إثبات الوثاقة .)
### التوثيقات العامةالمقدمة الثالثة* قيمة التوثيق الضمني للأشخاص الذين تم توثيقهم ضمن توثيق غيرهم .* تساوي التوثيق التضمني مع التوثيق المطابقي .* المناقشة في بعض هذه التوثيقات الجماعية .التوثيقات العامةقد عرفت فيما تقدّم (1أنّ الوثاقة تثبت بإخبار ثقة ، فلا يفرق في ذلك بين أن يشهد الثقة بوثاقة شخص معين بخصوصه ، وأن يشهد بوثاقته في ضمن جماعة ، فإن العبرة هي بالشهادة بالوثاقة ، سواء أكانت الدلالة مطابقية أم تضمنية .)### شهادة القمّي وابن قولويه بوثاقة رجال كتابيهماولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين (عليهم السلام فقد قال في مقدمة تفسيره : ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم ... (2)فإنّ في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنّه لا يروي في كتابه هذا إلّا عن ثقة .)بل استفاد صاحب الوسائل في الفائدة السادسة في كتابه في ذكر شهادة جمع
كثير من علمائنا بصحّة الكتب المذكورة وأمثالها ، وتواترها وثبوتها عن مؤلّفيها وثبوت أحاديثها عن أهل بيت العصمة ( عليهم السلام أن كل من وقع في إسناد روايات تفسير علي بن إبراهيم المنتهية إلى المعصومين (عليهم السلام) قد شهد علي بن إبراهيم بوثاقته ، حيث قال : وشهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت أحاديث تفسيره وأنها مرويّة عن الثقات عن الأئمّة ( عليهم السلام)(1).)أقول : إنّ ما استفاده (قدّس سرّه في محلّه ، فإنّ علي بن إبراهيم يريد بما ذكره إثبات صحة تفسيره ، وأنّ رواياته ثابتة وصادرة من المعصومين (عليهم السلام) وأنها انتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة ، وعلى ذلك فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم علي بن إبراهيم بلا واسطة ، كما زعمه بعضهم.)وبما ذكرناه نحكم بوثاقة جميع مشايخه الذين وقعوا في إسناد كامل الزيارات أيضاً ، فإنّ جعفر بن قولويه قال في أوّل كتابه : وقد علمنا بأنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ، ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله برحمته ، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشدّاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية ، المشهورين بالحديث والعلم ...(2).)فإنّك ترى أنّ هذه العبارة واضحة الدلالة على أنّه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلّا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله .)قال صاحب الوسائل بعد ما ذكر شهادة علي بن إبراهيم بأنّ روايات تفسيره
ثابتة ومرويّة عن الثقات من الأئمة ( عليهم السلام : وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه ، فإنّه صرّح بما هو أبلغ من ذلك في أوّل مزاره .)أقول : إنّ ما ذكره متين ، فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته ، اللهم إلّا أن يبتلي بمعارض .### عبارة النجاشي واستفادة توثيق مشايخه منهاوممّن شهد بوثاقة جماعة - على نحو الإجمال - النجاشي ، فإنّه يظهر منه توثيق جميع مشايخه . قال (قدّس سرّه في ترجمة أحمد بن محمد بن عبیدالله بن الحسن الجوهري : رأيت هذا الشيخ ، وكان صديقاً لي ولوالدي ، وسمعت منه ، وسمعت منه شيئاً كثيراً ورأيت شيوخنا يضعفونه ، فلم أرو عنه شيئاً ، وتجنّبته ...(1).)وقال في ترجمة محمد بن عبداللّه بن محمد بن عبيد الله بن البهلول : وكان في أوّل أمره ثبتاً ، ثمّ خلط ، ورأيت جلّ أصحابنا يغمزونه ويضعفونه ... رأيت هذا الشيخ ، وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلّا بواسطة بيني وبينه (2.)ولا شكّ في ظهور ذلك في أنّه لا يروي عن ضعيف بلا واسطة ، فيحكم بوثاقة جميع مشايخه ، هذا .وقد يقال : إنّه لا يظهر من كلامه إلّا أنّه لا يروي بلا واسطة عمّن غمز فيه أصحابنا أو ضعفوه ، ولا دلالة فيه على أنّه لا يروي عمّن لم يثبت ضعفه ولا وثاقته إذن لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه .ولكنّه لا يتمّ ، فإنّ الظاهر من قوله : ورأيت جلّ أصحابنا ... أنّ الرؤية أخذت طريقاً إلى ثبوت الضعف، ومعناه أنّه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة . فكل من روى عنه فهو ليس بضعيف ، فيكون ثقة لا محالة .
وبعبارة واضحة : أنّه فرّع عدم روايته عن شخص برؤيته أنّ شيوخه يضعفونه ، ومعنى ذلك أنّ عدم روايته عنه مترتب على ضعفه ، لا على التضعيف من الشيوخ ، ولعلّ هذا ظاهر .وهذا الذي ذكرناه هو المهم من التوثيقات العامة ، ويأتي عن النجاشي في ترجمة عبيد الله بن أبي شعبة الحلبي : أنّ آل أبي شعبة بيت بالكوفة ، وهم ثقات جميعاً (1، وفي ترجمة محمد بن الحسن بن أبي سارة : أن بيت الرواسي كلهم ثقات (2)، ويأتي عن الشيخ في ترجمة علي بن الحسن بن محمد الطائي(3): أن من روى عنه علي بن الحسن الطاطري في كتبه يوثق به وبروايته (4).)### هل يستفاد من كلام ابن المشهدي توثيق رجال كتابه ؟بقي هنا أمران :الأوّل : أنّ الشيخ محمد بن المشهدي قال في أوّل مزاره : فإنّي قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات والأدعية المختارات ، وما يدعى به عقيب الصلوات ، وما يناجي به القديم تعالى من لذيذ الدعوات والخلوات ، وما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمات ممّا اتصلت به من ثقات الرواة إلى السادات ... (5.)وهذا الكلام منه صريح في توثيق جميع من وقع في أسناد روايات كتابه . لكنّه لا يمكن الاعتماد على ذلك من وجهين :
1 - أنّه لم يظهر اعتبار هذا الكتاب في نفسه ، فإنّ محمد بن المشهدي لم يظهر حاله ، بل لم يعلم شخصه ، وإن أصر المحدّث النوري (1على أنّه محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري، فإنّ ما ذكره في وجه ذلك لا يورث إلّا الظن .)2 - أنّ محمد بن المشهدي من المتأخرين ، وقد مرّ (2أنّه لا عبرة بتوثيقاتهم لغير من يقرب عصرهم من عصره، فإنّا قد ذكرنا أنّ هذه التوثيقات مبنيّة على النظر والحدس ، فلا يترتّب عليها أثر .)### هل يستفاد من كلام الصدوق توثيق رجال المقنع ؟الثاني : أنّ الصدوق قال في أوّل كتابه المقنع : وحذفت الإسناد منه لئلا يثقل حمله ، ولا يصعب حفظه ، ولا يمله قاريه ، إذ كان ما أبينه فيه في الكتب الأصولية موجوداً مبيناً عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات (رحمهم الله(3).)وهذا الكلام قد يوهم أنّه شهادة إجمالية من الشيخ الصدوق بوثاقة رواة ما ذكره في كتابه ، فلابدّ وأن يعامل معه معاملة الخبر الصحيح .ولكنّ ذلك خلاف الواقع ، فإنّ الشيخ الصدوق لا يريد بذلك أنّ رواة ما ذكره في كتابه ثقات إلى أن يتصل بالمعصوم (عليه السلام وإنما يريد بذلك أن مشايخه الثقات قد رووا هذه الروايات ، وهو يحكم بصحة ما رواه الثقات الفقهاء وأثبتوه في كتبهم ، على ما ستعرفه (4).)والذي يدلّ على ما ذكرناه أنّ الشيخ الصدوق وصف المشايخ بالعلماء الفقهاء الثقات ، وقلّما يوجد ذلك في الروايات في تمام سلسلة السند ، فكيف يمكن ادعاء
ذلك في جميع ما ذكره في كتابه .وبذلك يظهر الحال فيما ذكره الطبري في ديباجة كتابه (بشارة المصطفى قال : ولا أذكر فيه إلّا المسند من الأخبار ، عن المشايخ الكبار والثقات الأخيار (1). على أنّه قد مرّ أنّه لا عبرة بتوثيقات المتأخرين لغير من يقرب عصره من عصرهم .)
1) بشارة المصطفى : 18 .
### مناقشة سائر التوثيقات العامةالمقدمة الرابعة* الوقوف على مناشئ سائر التوثيقات العامة .عدم حجية هذه التوثيقات . نفي دلالة نصوصها على التوثيق .مناقشة سائر التوثيقات العامةإنّ ما قيل بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن موارد :### 1-أصحاب الصادق في رجال الشيخ :قيل : إنّ جميع من ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام ثقات ، واستدلوا على ذلك بما ذكره الشيخ المفيد في أحوال الصادق (عليه السلام) قال : إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه (عليه السلام) من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف(1).)وقال ابن شهر آشوب : نقل عن الصادق (عليه السلام من العلوم ما لم ينقل عن أحد ، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات ، وكانوا أربعة آلاف رجل . وقال : إنّ ابن عقدة مصنّف كتاب)
1) الإرشاد 2 (مصنفات الشيخ المفيد (11) : 179 .
الرجال لأبي عبدالله عددهم فيه...(1.)وقد ذكر الشيخ في أوّل رجاله بأنّه يذكر فيه جميع من ذكره ابن عقدة (2.)وممّن مال إلى هذا القول الشيخ الحرّ (قدّس سرّه قال في أمل الآمل في ترجمة خليد بن أوفى أبي الربيع الشامي : ولو قيل بتوثيقه وتوثيق جميع (3)أصحاب الصادق (عليه السلام) إلّا من ثبت ضعفه لم يكن بعيداً ، لأن المفيد في الإرشاد ، وابن شهر آشوب في معالم العلماء (4)والطبرسي في إعلام الورى قد وثقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق (عليه السلام) والموجود منهم في كتب الرجال والحديث لا يبلغون ثلاثة آلاف . وذكر العلّامة وغيره أنّ ابن عقدة جمع الأربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال ... (5).)أقول : الأصل في ذلك هو الشيخ المفيد (قدّس سرّه وتبعه على ذلك ابن شهر آشوب وغيره ، وأما ابن عقدة فهو وإن نسب إليه أنّه عدد أصحاب الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف ، وذكر لكل واحد منهم حديثاً ، إلّا أنّه لم ينسب إليه توثيقهم . وتوهم المحدث النوري (6)أن التوثيق إنما هو من ابن عقدة ، ولكنه باطل جزماً . وكيف كان ، فهذه الدعوى غير قابلة للتصديق ، فإنّه إن أريد بذلك أنّ)
1) مناقب آل أبي طالب 4 : 268 - 269 (مع اختلاف يسير) .
2) رجال الطوسي : 17 .
3) ) [ كلمة (جميع) غير موجودة في المصدر ] .
4) هذا سهو من قلمه الشريف ، فإنّ ابن شهر آشوب لم يذكر هذا في معالم العلماء ، وإنما ذكره في المناقب كما مرّ
5) أمل الآمل 1 : 83 .
6) المستدرك (25) (الخاتمة (7) : 71 / الفائدة الثامنة .
أصحاب الصادق (عليه السلام كانوا أربعة آلاف كلّهم كانوا ثقات ، فهي تشبه دعوى أنّ كل من صحب النبي (صلى الله عليه وآله) عادل ، مع أنّه ينافيها تضعيف الشيخ جماعة ، منهم إبراهيم بن أبي حبّة (1)، والحارث بن عمر البصري (2)وعبد الرحمن بن الهلقام (3)، وعمرو بن جميع (4)، وجماعة أخرى غيرهم . وقد عدّ الشيخ أبا جعفر الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام)(5)أفهل يحكم بوثاقته بذلك ؟ وكيف تصح هذه الدعوى. مع أنّه لا ريب في أنّ الجماعة المؤلّفة من شتى الطبقات على اختلافهم في الآراء والاعتقادات يستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقات .)وإن أريد بالدعوى المتقدّمة أنّ أصحاب الصادق كانوا كثيرين ، إلّا أن الثقات منهم أربعة آلاف، فهي في نفسها قابلة للتصديق ، إلّا أنّها مخالفة للواقع ، فإنّ أحمد بن نوح زاد على ما جمعه ابن عقدة ممن روى عن الصادق (عليه السلام على ما ذكره النجاشي (6)، والزيادة كثيرة على ما ذكره الشيخ في ترجمة أحمد بن نوح (7). والشيخ مع حرصه على جميع (8)الأصحاب حتّى من لم يذكره ابن عقدة على)
ما صرّح به في أوّل رجاله (1.ولأجل ذلك ذكر موسى بن جعفر (علیه السلام)(2)والمنصور الدوانيقي في أصحاب الصادق (عليه السلام) ومع ذلك فلم يبلغ عدد ما ذكره الشيخ أربعة آلاف ، فإنّ المذكورين في رجاله لا يزيدون على ثلاثة آلاف إلّا بقليل .)على أنّه لو سلّمت هذه الدعوى لم يترتّب عليها أثر أصلاً ، فلنفرض أنّ أصحاب الصادق (عليه السلام كانوا ثمانية آلاف ، والثقات منهم أربعة آلاف ، لكن ليس لنا طريق إلى معرفة الثقات منهم ، ولا شيء يدلنا على أن جميع من ذكره الشيخ من قسم الثقات ، بل الدليل قائم على عدمه كما عرفت .)### 2-سند أصحاب الإجماع:وممّا قيل بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن هو وقوع شخص في سند رواية رواها أحد أصحاب الإجماع ، وهم ثمانية عشر رجلاً على ما يأتي ، فذهب جماعة إلى الحكم بصحة كل حديث رواه أحد هؤلاء إذا صح السند إليه ، حتّى إذا كانت روايته عمّن هو معروف بالفسق والوضع ، فضلاً عما إذا كانت روايته عن مجهول أو مهمل ، أو كانت الرواية مرسلة .وقد اختار هذا القول صريحاً صاحب الوسائل في أوائل الفائدة السابعة من خاتمة كتابه(3.)### عبارة الكشي في أصحاب الإجماعأقول : الأصل في دعوى الإجماع هذه هو الكشي في رجاله ، فقد قال في
تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله (عليها السلام :)1 - اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأصحاب أبي عبدالله (عليها السلام وانقادوا لهم بالفقه ، فقالوا : أفقه الأولين ستة : زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم الطائفي . قالوا : وأفقه الستة : زرارة . وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي ، أبو بصير المرادي ، وهو ليث بن البختري(1).)وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام :)2 - أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء، وتصديقهم لما يقولون ، وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم(2ستّة نفر : جميل بن درّاج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عثمان وحماد بن عيسى ، وأبان بن عثمان .)قالوا : وزعم أبو إسحاق الفقيه - وهو ثعلبة بن ميمون - أن أفقه هؤلاء جميل ابن درّاج ، وهم أحداث أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام (3).وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليهما السلام):)3-أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم ، وأقروا لهم بالفقه والعلم ، وهم ستة نفر آخر ، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام منهم : يونس بن عبدالرحمن ، وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمّد بن أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، وأحمد بن محمد بن)
أبي نصر . وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب ، الحسن بن علي بن فضال وفضالة بن أيوب . وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوب ، عثمان بن عيسى . وأفقه هؤلاء يونس بن عبدالرحمن ، وصفوان بن يحيى (1.)وأمّا من تأخّر عن الكشي فقد نقل عنه الإجماع ، أو أنّه ادعى الإجماع تبعاً له ، فقد ذكر السيّد بحر العلوم (قدّس سرّه في منظومته الإجماع على تصحيح ما يصح عن المذكورين (2). ولكنه في فوائده في ترجمة ابن أبي عمير (3)حكى دع-وى الإجماع عن الكشي ، واعتمد على حكايته ، فحكم بصحة أصل زيد النرسي ، لأنّ راويه ابن أبي عمير .)### المراد من عبارة الكشيوكيف كان ، فمن الظاهر أنّ كلام الكشي لا ينظر إلى الحكم بصحة ما رواه أحد المذكورين عن المعصومين (عليهم السلام حتّى إذا كانت الرواية مرسلة أو مروية عن ضعيف أو مجهول الحال ، وإنما ينظر إلى بيان جلالة هؤلاء ، وأن الإجماع قد انعقد على وثاقتهم وفقههم وتصديقهم فيما يروونه ، ومعنى ذلك أنّهم لا يتهمون بالكذب في إخبارهم وروايتهم . وأين هذا من دعوى الإجماع على الحكم بصحة جميع ما رووه عن المعصومين (عليهم السلام) وإن كانت الواسطة مجهولاً أو ضعيفاً ؟!)قال أبو علي في المقدّمة الخامسة من رجاله عند تعرضه للإجماع المدعى على تصحيح ما يصح عن جماعة : وادعى السيد الأستاذ (دام ظله - السيد علي صاحب)
1) نفس المصدر : 556 / 1050 .
2) ) [ لم ترد في المنظومة أبيات تشير إلى الإجماع وعددهم وأسمائهم ، نعم ذكر في رجاله 1 : 9 / المقدّمة أنّ للسيد ( رحمه الله رسالة في تحقيق معنى (أجمعت العصابة على تصحيح يصح عنهم) وقد ذكر المحدث النوري في المستدرك 25 (الخاتمة (7 : 61 أبياته في ذلك ] .
3) ) [ بل في ترجمة زيد الفرسي ، راجع رجال السيد بحر العلوم 2 : 366 وما بعدها ] .
الرياض - أنّه لم يعثر في الكتب الفقهية من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات على عمل فقيه من فقهائنا بخبر ضعيف محتجاً بأن في سنده أحد الجماعة وهو إليه صحيح .(1)أقول : لابدّ أنّ السيّد صاحب الرياض أراد بذلك أنّه لم يعثر على ذلك في كلمات من تقدّم على العلّامة (قدّس سرّه وإلا فهو موجود في كلمات جملة من المتأخرين ، كالشهيد الثاني (2)والعلّامة المجلسي (3)والشيخ البهائي(4)، ويبعد أن ، يخفى ذلك عليه .)ثمّ إنّ التصحيح المنسوب إلى الأصحاب في كلمات جماعة منهم صاحب الوسائل - على ما عرفت - نسبه المحقّق الكاشاني في أوائل كتابه الوافي إلى المتأخّرين ، وهو ظاهر في أنّه أيضاً لم يعثر على ذلك في كلمات المتقدمين .قال في المقدّمة الثانية من كتابه بعدما حكى الإجماع على التصحيح من الكشي : وقد فهم جماعة من المتأخرين من قوله : أجمعت العصابة أو الأصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء . الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم ، ونسبته إلى أهل البيت (عليهم السلام بمجرد صحته عنهم ، من دون اعتبار العدالة في من يروون عنه حتّى لو رووا عن معروف بالفسق أو بالوضع ، فضلاً عما لو أرسلوا الحديث كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم) .)وأنت خبير بأنّ هذه العبارة ليست صريحة في ذلك ، ولا ظاهرة فيه ، فإنّ ما
يصحّ عنهم إنما هو الرواية ، لا المروي . بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم ، بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع على عدالته(1.)أقول : ما ذكره متين لا غبار عليه.ثمّ إنّا لو تنزّلنا عن ذلك ، وفرضنا أن عبارة الكشي صريحة فيما نسب إلى جماعة واختاره صاحب الوسائل ، فغاية ذلك دعوى الإجماع على حجية رواية هؤلاء عن المعصومين (عليهم السلام تعبّداً ، وإن كانت الواسطة بينهم وبين المعصوم ضعيفاً أو مجهول الحال ، فترجع هذه الدعوى إلى دعوى الإجماع على حكم شرعي ، وقد بينا في المباحث الأصولية (2)أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد ليس بحجة ، وأدلّة حجية خبر الواحد لا تشمل الأخبار الحدسية .)بقي هنا شيء ، وهو أنّه قد يقال : إن دعوى الإجماع على تصحيح ما يصح عن الجماعة المذكورين لا ترجع إلى دعوى حجّية روايتهم تعبداً كما ذهب إليه صاحب الوسائل ، وإنّما ترجع إلى دعوى أن هؤلاء لا يروون إلّا عن ثقة . وعليه فيعتمد على مراسيلهم وعلى مسانيدهم ، وإن كانت الوسائط مجهولة أو مهملة .ولكنّ هذا القول فاسد جزماً ، فإنّه لا يحتمل إرادة ذلك من كلام الكشي . ولو سلّم أنّه أراد ذلك فهذه الدعوى فاسدة بلا شبهة ، فإنّ أصحاب الإجماع قد رووا عن الضعفاء في عدة موارد ، تقف عليها في تراجمهم في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى ونذكر جملة منها قريباً(3.)
### 3-رواية صفوان وأضرابه :### منشأ الدعوى المذكورة وما يرد عليهاوممّا قيل أيضاً بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن هو رواية صفوان ، أو ابن أبي عمير ، أو أحمد بن محمد بن أبي نصر، وأضرابهم عن شخص ، فقد قيل : إنّهم لا يروون إلّا عن ثقة . وعليه فيؤخذ بمراسيلهم ومسانيدهم ، وإن كانت الواسطة مجهولاً أو مهملاً .أقول : الأصل في هذه الدعوى هو الشيخ (قدّس سرّه فقد قال في أواخر بحثه عن خبر الواحد في كتاب العدة : وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل ، فإن كان ممن يعلم أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عمّن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ...(1).)ولكنّ هذه الدعوى باطلة ، فإنّها اجتهاد من الشيخ ، قد استنبطه من اعتقاده تسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم . وهذا لا يتم .أوّلاً : بأنّ التسوية المزبورة لم تثبت ، وإن ذكرها النجاشي أيضاً في ترجمة محمد بن أبي عمير ، وذكر أن سببها ضياع كتبه وهلاكها (2، إذ لو كانت هذه التسوية صحيحة ، وأمراً معروفاً متسالماً عليه بين الأصحاب ، لذكرت في كلام أحد من القدماء لا محالة ، وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر .)فمن المطمأن به أنّ منشأ هذه الدعوى هو دعوى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عن هؤلاء . وقد زعم الشيخ أن منشأ الإجماع هو أن هؤلاء لا
يروون إلّا عن ثقة ، وقد مرّ قريباً بطلان ذلك .ويؤكّد ما ذكرناه أنّ الشيخ لم يخص ما ذكره بالثلاثة المذكورين ، بل عمّمه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلّا عمّن يوثق به ، ومن الظاهر أنّه لم يعد يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي الإجماع على التصحيح ، والشيخ بنفسه أيضاً لم يدع ذلك في حقّ أحد غير الثلاثة المذكورين في كلامه .و ممّا يكشف عمّا ذكرناه - من أنّ نسبة الشيخ التسوية المذكورة إلى الأصحاب مبتنية على اجتهاده ، وهي غير ثابتة في نفسها - أن الشيخ بنفسه ذكر رواية محمد بن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام ثمّ قال في كلا الكتابين : فأوّل ما فيه أنّه مرسل ، وما هذا سبيله لا : عارض به الأخبار المسندة(1).)وأيضاً ذكر رواية محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس عن عبدالله بن المغيرة ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام . وقال في التهذيب : وهذا خبر مرسل . وقال في الاستبصار : فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل(2). وغير ذلك من الموارد التي ناقش الشيخ فيها بالإرسال ، وإن كان المرسل ابن أبي عمير أو غيره من أصحاب الإجماع.)و تقدّم (3عند البحث عن قطعيّة روايات الكتب الأربعة مناقشته في رواية)
ابن بكير وابن فضّال ، وأنهما مرسلان لا يعارض بهما الأخبار المسندة .ثانياً : فرضنا أنّ التسوية المزبورة ثابتة ، وأنّ الأصحاب عملوا بمراسيل ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي وأضرابهم ، ولكنّها لا تكشف عن أنّ منشأها هو أنّ هؤلاء لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة ، بل من المظنون قوياً أنّ منشأ ذلك هو بناء العامل على حجّية خبر كل إمامي لم يظهر منه فسق ، وعدم اعتبار الوثاقة فيه كما نسب هذا إلى القدماء ، واختاره جمع من المتأخرين : منهم العلامة (قدّس سرّه على ما سيجيء في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن عبدالله (1). وعليه فلا أثر لهذه التسوية بالنسبة إلى من يعتبر وثاقة الراوي في حجّية خبره .)ثالثاً : أنّ هذه الدعوى وأنّ هؤلاء الثلاثة وأضرابهم من الثقات لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة ، دعوى دون إثباتها خرط القتاد ، فإنّ معرفة ذلك في غير ما إذا صرّح الراوي بنفسه أنّه لا يروي ولا يرسل إلّا عن ثقة أمر غير ميسور . ومن الظاهر أنّه لم ينسب إلى أحد هؤلاء إخباره وتصريحه بذلك ، وليس لنا طريق آخر لكشفه ، غاية الأمر عدم العثور على رواية هؤلاء عن ضعيف ، لكنّه لا يكشف عن عدم الوجود .على أنّه لو تمّت هذه الدعوى فإنما تتم في المسانيد دون المراسيل ، فإنّ ابن أبي عمير بنفسه قد غاب عنه أسماء من روى عنهم بعد ضياع كتبه ، فاضطر إلى أن يروي مرسلاً على ما يأتي في ترجمته (2، فكيف يمكن لغيره أن يطلع عليهم ويعرف وثاقتهم . فهذه الدعوى ساقطة جزماً .)### أمثلة على رواية المشايخ الثلاثة عن الضعفاءرابعاً : قد ثبت رواية هؤلاء عن الضعفاء في موارد ، ذكر جملة منها الشيخ
بنفسه ، ولا أدري أنّه مع ذلك كيف يدعي أن هؤلاء لا يروون عن الضعفاء !فهذا صفوان روى عن علي بن أبي حمزة البطائني كتابه ، ذكره الشيخ (1. وهو الذي قال فيه علي بن الحسن بن فضال : كذاب ملعون (2). وروى محمد بن یعقوب بسند صحيح عن صفوان بن يحيى عن علي بن أبي حمزة (3).)وروى الشيخ بسند صحيح عن صفوان وابن أبي عمير، عن يونس بن ظبيان (4، ويونس بن ظبيان ضعفه النجاشي (5)والشيخ (6).)وروى [ الكليني ] بسند صحيح عن صفوان بن يحيى ، عن أبي جميلة(7، وأبو جميلة هو المفضّل بن صالح ، ضعّفه النجاشي (8).)وروى أيضاً بسند صحيح عن صفوان ، عن عبدالله بن خداش (9وعبدالله ابن خداش ضعّفه النجاشي (10).)
1) الفهرست 96 / 418 .
2) رجال الكشي : 404 / 756 .
3) الكافي 1 : 104 / باب النهي عن الجسم والصورة ح 1 .
4) التهذيب 5 : 32 / باب ضروب الحج ح 95 ، والاستبصار 2 : 157 / باب أنّ التمتع فرض من نأى عن الحرم ح 513 [ في الكتابين : عن صفوان وابن أبي عمير عن بريد ويونس بن ظبيان ] .
5) رجال النجاشي : 448 / 1210 .
6) [لم نعثر عليه في مظانه ] .
7) الكافي 6 : 531 / باب النوادر من كتاب الزي والتجمّل ح 7 .
8) رجال النجاشي : 128 / 332 ترجمة جابر بن يزيد الجعفي .
9) الكافي: 872 / باب ميراث الولد ح 4 .
10) رجال النجاشي : 228 / 604 .
وهذا ابن أبي عمير روى عن علي بن أبي حمزة البطائني كتابه ، ذكره النجاشي والشيخ(1.)وروی محمد بن يعقوب بسند صحيح ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن أبي حمزة(2.)وروی بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري(3والحسين بن أحمد المنقري ضعفه النجاشي والشيخ(4).)وروى الشيخ بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن علي بن حديد (5وعلي ابن حديد ضعفه الشيخ في موارد من كتابيه ، وبالغ في تضعيفه (6).)وتقدّمت روايته عن يونس بن ظبيان آنفاً .وأمّا روايته عن المجاهيل غير المذكورين في الرجال فكثيرة ، تقف عليها في محلّه إن شاء الله تعالى . وهذا أحمد بن محمد بن أبي نصر روى عن المفضّل بن صالح في مواردكثيرة ، وروى عنه أيضاً في موارد كثيرة بعنوان أبي جميلة . روى محمد بن يعقوب بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن
1) رجال النجاشي : 249 / 656 ، الفهرست : 96 / 418 .
2) الكافي :3: 255 / باب النوادر من كتاب الجنائز ح 20 .
3) الكافي 2 : 6230 / باب فضل القرآن ح 18 .
4) رجال النجاشي : 53 / 118 ، رجال الطوسي : 334 / 4977 .
5) التهذيب :7 : 276 / باب من أحل الله نكاحه من النساء ح 1171 ، والاستبصار 3: 159 باب أنّ حكم المملوكة في هذا الباب حكم الحرّة ح 575 .
6) التهذيب : 101 / ذيل ح 435 ، الاستبصار 3: 95 / ذيل ح 40:1،325 / ذيل ح 112 .
المفضّل بن صالح(1.)وروی بسنده الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عبدالله بن محمد الشامي (2وعبد الله بن محمد الشامي ضعيف (3).)وروى الشيخ بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة (4والحسن بن علي بن أبي حمزة ضعيف (5).)ثمّ إنّا قد ذكرنا جملة من الموارد التي ورد فيها رواية هؤلاء الثلاثة عن الضعفاء ، وهي غير منحصرة فيما ذكرناه ، ستقف على بقيتها عند تعرضنا لجميع من روى هؤلاء عنهم .إن قلت : إنّ رواية هؤلاء [ عن ] الضعفاء - كما ذكرت - لا تنافي دعوى الشيخ أنهم لا يروون إلّا عن ثقة ، فإنّ الظاهر أنّ الشيخ يريد بذلك أنهم لا يروون إلّا عن ثقة عندهم . فرواية أحدهم عن شخص شهادة منه على وثاقته ، وهذه الشهادة يؤخذ بها ما لم يثبت خلافها ، وقد ثبت خلافها كالموارد المتقدّمة .قلت : لا يصحّ ذلك ، بل الشيخ أراد بما ذكر أنهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة في الواقع ونفس الأمر ، لا من يكون ثقة باعتقادهم ، إذ لو أراد ذلك لم يمكن الحكم بالتسوية بين مراسيلهم ومسانيد غيرهم ، فإنّه إذا ثبت في موارد روايتهم من الضعفاء - وإن كانوا ثقات عندهم - لم يمكن الحكم بصحة مراسيله ، إذ من المحتمل أنّ
الواسطة هو من ثبت ضعفه عنه ، فكيف يمكن الأخذ بها ؟.ولذلك قال المحقّق في المعتبر في آداب الوضوء : ولو احتج بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا ... كان الجواب الطعن في السند ، لمكان الإرسال . ولو قال : مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الأصحاب . منعنا ذلك ، لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه ، وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم (1.)والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ ما ذكره الشيخ من أن هؤلاء الثلاثة - صفوان وابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر - لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة غير قابل للتصديق ، وهو أعلم بما قال .وأمّا بقية أصحاب الإجماع ، فرواية جملة منهم عن غير المعصوم قليلة جداً ، وروى جماعة منهم عن الضعفاء ، وستقف على مواردها فيما يأتي ، ونذكر هنا بعضها :1 - هذا سالم بن أبي حفصة قد تظافرت الروايات في ذمه وضلاله وإضلاله (2، روی محمد بن یعقوب بسند صحيح عن زرارة عنه(3).)2 - وهذا عمرو بن شمر ، بالغ النجاشي في تضعيفه (4، وروى عنه جماعة من أصحاب الإجماع ، روی محمد بن یعقوب بسند صحيح عن حماد بن عيسى عنه (5).)
وروى بسند صحيح أيضاً عن يونس بن عبدالرحمن عنه (1. وروى بسند صحيح أيضاً عن ابن محبوب عنه (2). وروى بسند صحيح أيضاً عن عبد الله بن المغيرة عنه (3).)### القول بعدم رواية آخرين إلّا عن ثقةبقي الكلام في جماعة أخرى قيل إنّهم لا يروون إلّا عن ثقة ، فكل من رووا عنه فهو ثقة :### 1-منهم : أحمد بن محمد بن عيسى :واستدلّوا على أنّه لا يروي إلّا عن ثقة بأنه أخرج أحمد بن محمد بن خالد من قم لروايته عن الضعاف ، فيظهر من ذلك التزامه بعدم الرواية عن الضعيف .ويردّه : أنّ الرواية عن الضعاف كثيراً كان يعدّ قدحاً في الراوي ، فيقولون إنّ فلاناً يروي عن الضعفاء ، ويعتمد المراسيل . ومعنى ذلك : أنّه لم يكن متثبتاً في أمر الرواية ، فيروي كل ما سمعه عن أيّ شخص كان . وأما الرواية عن ضعيف أو ضعيفين أو أكثر في موارد خاصة فهذا لا يكون قدحاً . ولا يوجد في الرواة من لم يرو عن ضعيف أو مجهول أو مهمل إلّا نادراً .ويدلّ على ما ذكرناه : أن أحمد بن محمد بن عيسى بنفسه روى عن عدة من الضعفاء ، نذكر جملة منهم :فقد روى محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى، عنه ، عن محمد بن سنان (4.)
وروى أيضاً عن محمد بن يحيى ، عنه ، عن علي بن حديد(1.)وروى أيضاً عن محمد بن يحيى ، عنه ، عن إسماعيل بن سهل (2.)وروى أيضاً عن محمد بن يحيى ، عنه ، عن بكر بن صالح (3.)### 2-ومنهم : بنو فضّال :استدلّ على وثاقة من رووا عنهم بما روي عن الإمام العسكري (عليه السلام أنّه قال : « خذوا ما رووا ، وذروا ما رأوا ، وأرسل شيخنا الأنصاري هذا إرسال المسلّمات ، فذكر في أوّل صلاته حينما تعرّض لرواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا ، قال : وهذه الرواية وإن كانت مرسلة ، إلّا أنّ سندها إلى الحسن بن فضال صحيح ، وبنو فضال ممن أمرنا بالأخذ بكتبهم ورواياتهم (4).)أقول : الأصل في ذلك ما رواه الشيخ عن أبي محمد المحمدي ، قال : وقال أبو الحسين بن تمام : حدثني عبدالله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح (رضي الله عنه قال : سئل الشيخ - يعني أبا القاسم (رضي الله عنه) - عن كتب ابن أبي العزاقر بعدما ذمّ وخرجت فيه اللعنة ، فقيل له : فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملاء ؟ فقال : أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي (صلوات الله عليها) وقد سئل عن كتب بني فضال ، فقالوا : كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منه ملاء ؟ فقال (صلوات الله عليه) : خذوا بما رووا ، وذروا ما رأوا » (5).)
لكنّ هذه الرواية ضعيفة ، لا يمكن الاعتماد عليها ، فإنّ عبد الله الكوفي مجهول مضافاً إلى أنّ الرواية قاصرة الدلالة على ما ذكروه ، فإنّ الرواية في مقام بيان أن فساد العقيدة بعد الاستقامة لا يضر بحجية الرواية المتقدمة على الفساد وليست في مقام بيان أنّه يؤخذ بروايته حتّى فيما إذا روى عن ضعيف أو مجهول فكما أنّه قبل ضلاله لم يكن يؤخذ بروايته فيما إذا روى عن ضعيف أو مجهول ، كذلك لا يؤخذ بتلك الرواية بعد ضلاله .وكيف كان ، فما ذكره الشيخ الأنصاري وغيره من حجية كل رواية كانت صحيحة إلى بني فضّال كلام لا أساس له.### 3- ومنهم : جعفر بن بشير :واستدلوا على وثاقة من روى عنهم بقول النجاشي في ترجمته : روى عن الثقات ورووا عنه (1. فكل من روى عنه جعفر بن بشير يحكم بوثاقته .)والجواب عن ذلك : أنّه لا دلالة في الكلام على الحصر ، وأن جعفر بن بشير لم يرو عن غير الثقات . ويؤكد ذلك قوله : ورووا عنه . أفهل يحتمل أن جعفر بن بشير لم يرو عنه غير الثقات ، والضعفاء يروون عن كلّ أحد ، ولا سيما عن الأكابر بل المعصومين أيضاً. وغاية ما هناك أن تكون رواية جعفر بن بشير عن الثقات وروايتهم عنه كثيرة .فقد روى الشيخ بإسناده الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن صالح بن الحكم (2. وصالح بن الحكم ضعّفه)
النجاشي (1.)وروى الصدوق بسنده الصحيح عنه ، عن عبدالله بن محمد الجعفي . ذكره في المشيخة في طريقه إلى عبدالله بن محمد الجعفي(2وعبد الله بن محمد الجعفي ضعّفه النجاشي (3). وستقف على سائر رواياته عن الضعفاء فيما يأتي إن شاء الله (4).)### 4-ومنهم: محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني :واستدلّ على وثاقة من روى عنهم بقول النجاشي في ترجمته : روى عن الثقات ورووا عنه (5. ويظهر الجواب عنه بما ذكرناه آنفاً.)### 5-ومنهم : علي بن الحسن الطاطري :واستدلّ على وثاقة من روى عنهم بقول الشيخ في ترجمته : وله كتب في الفقه ، رواها عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم ...(6.)والجواب عن ذلك : أنّه لا دلالة في هذا الكلام على أن كل من يروي عنه علي ابن الحسن الطاطري ثقة ، غاية ما هناك أنّ رواياته في كتبه الفقهية مروية عن الثقات ، فكل ما نقله الشيخ عن كتبه - بأن كان علي بن الحسن قد بدأ به السند - يحكم فيه بوثاقة من روى عنه ، ما لم يعارض بتضعيف شخص آخر .وأمّا من روى عنه علي بن الحسن في أثناء السند فلا يحكم بوثاقته ، لعدم
إحراز روايته عنه في كتابه .والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لم تثبت دلالة رواية المذكور أسماؤهم عن شخص على وثاقة المروي عنه ، هذا .### دعوى المحدّث النوري وثاقة من يروي الثقة عنهوقد أفرط المحدّث النوري في المقام ، فجعل رواية مطلق الثقة عن أحد كاشفاً عن وثاقته واعتباره، ومن هنا استدرك على صاحب الوسائل جماعة كثيرة لرواية الثقات كالحسين بن سعيد ، ومحمد بن أبي الصهبان ، والتلعكبري ، والشيخ المفيد والحسين بن عبيد الله الغضائري ، وأمثالهم - عنهم(1.)وهذا غريب جدّاً ، فإنّ غاية ما يمكن أن يتوهم أن تكون رواية ثقة عن رجل دليلاً على اعتماده عليه ، وأين هذا من التوثيق أو الشهادة على حسنه و مدحه. ولعلّ الراوي كان يعتمد على رواية كل إمامي لم يظهر منه فسق .ولو صحّت هذه الدعوى لم تبق رواية ضعيفة في كتب الثقات من المحدثين سواء في ذلك الكتب الأربعة وغيرها ، فإنّ صاحب الكتاب المفروض وثاقته إذا روى عن شيخه يحكم بوثاقة شيخه ، وهو يروي عن شخص آخر فيحكم بوثاقته أيضاً ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المعصومين (عليهم السلام .)وكيف تصح هذه الدعوى ، وقد عرفت (2أنّ صفوان ، وابن أبي عمير والبزنطي وأضرابهم قد رووا عن الضعفاء ، فما ظنك بغيرهم ؟.)هذا ، مع أنّ الرواية عن أحد لا تدلّ على اعتماد الراوي على المروي عنه فهذا أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي أبو نصر ، روى عنه الشيخ
الصدوق في كتاب العلل، والمعاني ، والعيون ، وقال فيه : ما لقيت أنصب منه ، ، وبلغ من نصبه أنّه كان يقول : اللهم صلّ على محمد فرداً ، ويمتنع من الصلاة على آله(1.)### 4-الوقوع في سند محكوم بالصحّة :ومن جملة ذلك : وقوع شخص في سند رواية قد حكم أحد الأعلام من المتقدمين أو المتأخرين بصحتها ، ومن هنا يحكم باعتبار كل من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى ، ولم يستثن من رواياته .بيان ذلك : أنّ النجاشي (2والشيخ (3)قد ذكرا في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى أنّ محمد بن الحسن بن الوليد استثنى من رواياته ما رواه عن جماعة - والجماعة قد ذكرت أسماؤهم في ترجمته - وتبعه على ذلك أبو جعفر بن بابويه ، وكذلك أبو العباس بن نوح ، إلّا في محمد بن عيسى بن عبيد ، فإنّه لم يستثنه . إذن فكل من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى ولم يكن ممن استثناهم ابن الوليد فهو معتمد عليه ومحكوم عليه بصحة الحديث .)أقول : إنّ اعتماد ابن الوليد أو غيره من الأعلام المتقدمين فضلاً عن المتأخرين على رواية شخص والحكم بصحتها لا يكشف عن وثاقة الراوي أو
1) علل الشرائع : 134 / ب 116 ح 1 ، عيون أخبار الرضا (علیه السلام) 2 : 279 / ب 69 ، ح 3 ، معاني الأخبار : 4/56. [ ولا يخفى أنّ العبارة المذكورة ذكرها في العيون ، بينما اقتصر على صدرها في الكتابين الآخرين ] .
2) رجال النجاشي : 348 / 939 .
3) لاحظ الفهرست : 144 / 622 فإنّه نسب الاستثناء إلى الصدوق - لا أستاذه ابن الوليد - مضيفاً استثناء شخصين هما: الهيثم بن عدي ، وجعفر بن محمد الكوفي .
حسنه ، وذلك لاحتمال أنّ الحاكم بالصحّة يعتمد على أصالة العدالة ، ويرى حجية كل رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق ، وهذا لا يفيد من يعتبر وثاقة الراوي أو حسنه في حجية خبره .هذا بالإضافة إلى تصحيح ابن الوليد وأضرابه من القدماء ، الذين قد يصرحون بصحة رواية ما ، أو يعتمدون عليها من دون تعرّض لوثاقة رواتها .وأمّا الصدوق فهو يتبع شيخه في التصحيح وعدمه، كما صرح هو نفسه بذلك ، قال (قدّس سرّه : وأمّا خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه ، فإنّ شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول : أنّه من طريق محمد بن موسى الهمداني ، وكان غير ثقة . وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ (قدس الله روحه) ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح(1).)وقال أيضاً : كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه سيّىء الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي راوي هذا الحديث ، وإني أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب ، لأنه كان في كتاب الرحمة ، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي (2).)### 5-وكالة الإمام :ومن ذلك أيضاً : الوكالة من الإمام (عليه السلام فقيل إنّها ملازمة للعدالة التي هي فوق الوثاقة)
أقول : الوكالة لا تستلزم العدالة ، ويجوز توكيل الفاسق إجماعاً وبلا إشكال غاية الأمر أنّ العقلاء لا يوكلون في الأمور المالية خارجاً من لا يوثق بأمانته وأين هذا من اعتبار العدالة في الوكيل ؟وأمّا النهي عن الركون إلى الظالم فهو أجنبي عن التوكيل فيما يرجع إلى أمور الموكّل نفسه ، هذا .وقد ذكر الشيخ في كتابه الغيبة (1عدّة من المذمومين من وكلاء الأئمة (عليهم)السلام فإذا كانت الوكالة تلزمها العدالة ، فكيف يمكن انفكاكها عنها في مورد ؟ وبعبارة أخرى : إذا ثبت في مورد أنّ وكيل الإمام (عليه السلام) لم يكن عادلاً كشف ذلك عن عدم الملازمة ، وإلّا فكيف يمكن تخلّف اللازم عن الملزوم .)وبهذا يظهر بطلان ما قيل من أنّه إذا ثبتت الوكالة في مورد اخذ بلازمها - وهو العدالة - حيث يثبت خلافه .### الاستدلال بالرواية والجواب عنهثمّ أنّه قد يستدلّ على وثاقة كل من كان وكيلاً من قبل المعصومين (عليهم السلام في أمورهم بما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد ، عن الحسن بن عبدالحمید ، قال : « شككت في أمر حاجز ، فجمعت شيئاً ثم صرت إلى العسكر فخرج إليّ : ليس فينا شكّ ، ولا في من يقوم مقامنا بأمرنا ، ردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد » (2). ورواه الشيخ المفيد أيضاً(3).)والجواب عن ذلك : أنّ الرواية ضعيفة السند ، ولا أقل من أنّ الحسن بن
عبد الحميد مجهول . مضافاً إلى أنّ الرواية لا تدلّ على اعتبار كل من كان وكيلاً من قبلهم (سلام الله عليهم في أمر من الأمور ، وإنما تدلّ على جلالة من قام مقامهم بأمرهم ، فيختص ذلك بالنوّاب والسفراء من قبلهم (سلام الله عليهم) ، هذا .)وقد أفرط بعضهم فجعل كون الرجل بوّاباً للمعصوم (عليه السلام دليلاً على اعتباره ، مع أنّه لا دلالة فيه على الاعتبار بوجه من الوجوه .)### 6-شيخوخة الإجازة :فقد اشتهر أنّ مشايخ الإجازة مستغنون عن التوثيق .والجواب عن ذلك : أنّ مشايخ الإجازة على تقدير تسليم وثاقتهم لا يزيدون في الجلالة وعظمة الرتبة عن أصحاب الإجماع وأمثالهم ممن عرفوا بصدق الحديث والوثاقة ، فكيف يتعرّض في كتب الرجال والفقه لوثاقتهم ولا يتعرّض لوثاقة مشايخ الإجازة لوضوحها وعدم الحاجة إلى التعرّض لها .والصحيح : أنّ شيخوخة الإجازة لا تكشف عن وثاقة الشيخ ، كما لا تكشف عن حسنه.بيان ذلك : أنّ الراوي قد يروي رواية عن أحد بسماعه الرواية منه ، وقد يرويها عنه بقراءتها عليه ، وقد يرويها عنه لوجودها في كتاب قد أجازه شيخه أن يروي ذلك الكتاب عنه من دون سماع ولا قراءة ، فالراوي يروي تلك الرواية عن شيخه ، فيقول : حدثني فلان ، فيذكر الرواية. ففائدة الإجازة هي صحة الحكاية عن الشيخ وصدقها ، فلو قلنا بأن رواية الثقة عن شخص كاشفة عن وثاقته أو حسنه فهو ، وإلا فلا تثبت وثاقة الشيخ بمجرد الاستجازة والإجازة .
وقد عرفت آنفاً (1أنّ رواية ثقة عن شخص لا تدلّ لا على وثاقته ، ولا على حسنه . ويؤيّد ما ذكرناه أنّ الحسن بن محمد بن يحيى ، والحسين بن حمدان الحصيني من مشايخ الإجازة على ما يأتي في ترجمتها (2)قد ضعفهما النجاشي(3).)### 7-مصاحبة المعصوم :وقد جعل بعضهم أنّ توصيف أحد بمصاحبته لأحد المعصومين (عليهم السلام من أمارات الوثاقة.)وأنت خبير بأنّ المصاحبة لا تدل بوجه لا على الوثاقة ، ولا على الحسن كيف وقد صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسائر المعصومين (عليهم السلام مَن لا حاجة إلى بيان حالهم وفساد سيرتهم ، وسوء أفعالهم .)### 8-تأليف كتاب أو أصل :فقد قيل : إن كون شخص ذا كتاب أو أصل أمارة على حسنه ، ومن أسباب مدحه .والجواب عنه ظاهر : إذ رب مؤلّف كذاب وضاع ، وقد ذكر النجاشي والشيخ جماعة منهم ، وستقف على ذلك إن شاء الله تعالى .
### 9- ترحم أحد الأعلام :واستدلّ على حسن من ترحم عليه أحد الأعلام كالشيخ الصدوق ، ومحمد ابن يعقوب ، وأضرابهما - بأنّ في الترحم عناية خاصة بالمترحم عليه ، فيكشف عن ذلك حسنه لا محالة .والجواب عنه : أنّ الترحّم هو طلب الرحمة من الله تعالى ، فهو دعاء مطلوب ومستحبّ في حقّ كل مؤمن ، وقد أمرنا بطلب المغفرة لجميع المؤمنين وللوالدين بخصوصها ، وقد ترحّم الصادق (عليه السلام لكل من زار الحسين (عليه السلام بل أنّه (سلام الله عليه) قد ترحّم لأشخاص خاصة معروفين بالفسق ، لما فيهم ما يقتضي ذلك ، كالسيد إسماعيل الحميري (1)وغيره ، فكيف يكون ترحّم الشيخ الصدوق أو محمد بن يعقوب وأمثالهما كاشفاً عن حسن المترحّم عليه ؟ وهذا النجاشي قد ترحم على محمد بن عبدالله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول ، بعدما ذكر أنّه رأى شيوخه يضعّفونه ، وأنّه لأجل ذلك لم يرو عنه شيئاً وتجنّبه (2).)### 10-كثرة الرواية عن المعصوم :استدلّ على اعتبار الشخص بكثرة روايته عن المعصوم (عليه السلام -بواسطة أو بلا واسطة - بثلاث روايات :)1 - حمدويه بن نصير الكشي ، قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان ، عن حذيفة بن منصور ، عن أبي عبدالله (عليه السلام ، قال :)
اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا ».(1)2 - محمد بن سعيد الكشي بن يزيد ، وأبو جعفر محمد بن أبي عوف البخاري قالا : حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي رفعه ، قال « قال الصادق (علیه السلام : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعد الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدثاً ، فقيل له : أو يكون المؤمن محدّثاً ؟ قال : يكون مفهّماً . والمفهم محدث».(2))3-إبراهيم بن محمد بن عباس الختلي ، قال : حدثنا أحمد بن إدريس القمّي المعلّم ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن عمران ، قال : حدثني سليمان الخطابي ، قال : حدثني محمد بن محمد ، عن بعض رجاله ، عن محمد بن حمران العجلي ، عن علي بن حنظلة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا » (3).)والجواب عنها : أنّ هذه الروايات بأجمعها ضعيفة ، أما الأخيرتان فوجه الضعف فيهما ظاهر ، وأمّا الأولى فلأنّ محمد بن سنان ضعيف على الأظهر .على أنّه لو أغمضنا عن ضعف السند فالدلالة فيها أيضاً قاصرة ، وذلك فإنّ المراد بجملة : « قدر رواياتهم عنّا » ليس هو قدر ما يخبر الراوي عنهم (عليهم السلام وإن كان لا يعرف صدقه وكذبه ، فإنّ ذلك لا يكون مدحاً في الراوي ، فربما تكون روايات الكاذب أكثر من روايات الصادق ، بل المراد بها هو قدر ما تحمّله الشخص من رواياتهم (عليهم السلام) وهذا لا يمكن إحرازه إلّا بعد ثبوت حجية قول)
الراوي ، وأنّ ما يرويه قد صدر عن المعصوم (عليه السلام .)### 11-ذكر الطريق إلى الشخص في المشيخة :وقد جعل المجلسي (قدّس سرّه ذكر الصدوق شخصاً في من له إليه طريق موجباً للمدح ، وعده في وجيزته من الممدوحين(1).)والجواب : أنّه لا يعرف لذلك وجه إلّا ما يتخيّل من أن من ذكر إليه طريق في المشيخة لابدّ وأن يكون له كتاب معتمد عليه ، فإنّ الصدوق قد التزم في أوّل كتابه أن يروي فيه عن الكتب المعتبرة المعتمد عليها . وعليه فيكون صاحب الكتاب ممدوحاً لا محالة . ولكن هذا تخيّل صرف ، نشأ من قول الصدوق في أوّل كتابه :وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل ، وإليها المرجع ، مثل کتاب حریز بن عبدالله السجستاني ، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي ، وكتب الحسين بن سعيد ، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري ، وكتاب الرحمة لسعد بن عبدالله ، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه ونوادر محمد بن أبي عمير، وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبدالله البرقي ، ورسالة أبي (رضي الله عنه) إليّ ، وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي (رضي الله عنهم)(2).)ولكن من الظاهر أنّه يريد بذلك أنّ الروايات المستخرجة في الفقيه مستخرجة من الكتب المعتبرة ، ولا يريد أنّه استخرجها من كتب من ذكرهم في
المشيخة ، وذكر طريقه إليهم ، كيف وقد ذكر في المشيخة عدة أشخاص وذكر طريقه إليهم ، مثل إبراهيم بن سفيان ، وإسماعيل بن عيسى ، وأنس بن محمد ، وجعفر بن القاسم ، والحسن بن قارن (1، وغيرهم . مع أنّ النجاشي والشيخ لم يذكراهم في كتابيهما الموضوعين لذكر أرباب الكتب والأصول ، بل ولم يذكرهم الشيخ في رجاله ، مع أنّ موضوعه أعمّ ، فكيف يمكن أن يدعى أنّ هؤلاء أرباب كتب ، وأنّ كتبهم من الكتب المشهورة .)بل إنّ الصدوق ذكر طريقه إلى أسماء بنت عميس (2، أفهل يحتمل أنّه كان لها کتاب معروف ؟ بل أنّه قد يذكر في المشيخة طريقه إلى نفس الرواية ، مثل ذكره طريقه إلى ما جاء نفر من اليهود(3).)وعلى الجملة : فلاشك في أن الصدوق لم يرد بالعبارة المزبورة أنّه استخرج في كتابه الروايات الموجودة في الكتب المعتبرة المعروفة لمن ذكرهم في المشيخة .و ممّا يؤكّد ذلك : أنّ الصدوق لم يرو عن بعض من ذكر طريقه إليه في المشيخة إلّا رواية واحدة في كتابه ، مثل المذكورين ، وأيوب بن نوح ، وبحر السقا ، وبزيع المؤذن ، وبكار بن كردم (4وغيرهم . ومن البعيد جداً أن يكون لهم كتاب معروف ولم يرو الصدوق عنه إلّا رواية واحدة. وعليه فلا يمكن الحكم بحسن رجل بمجرّد أن للصدوق إليه طريقاً . وبما ذكرناه يظهر بطلان أمر آخر قد توهمه غير واحد ممن لم يتأملوا في عبارة الصدوق .)
بیان ذلك : أنّ جملة من طرق الصدوق ضعيفة على ما تقف عليها وعلى جهة ضعفها فيما يأتي إن شاء الله تعالى ، ولكنه مع ذلك توهّم بعضهم أن ضعف الطريق لا يضر بصحة الحديث ، بعدما أخبر الصدوق بأن روايات كتابه مستخرجة من كتب معتبرة معروفة معوّل عليها ، فالكتاب إذا كان معروفاً ومعوّلاً عليه لم يضره ضعف الطريق الذي ذكره الصدوق في المشيخة تبرّكاً ، أو لأمر آخر .وقد ظهر بطلان هذا التوهم ، وأنّ الكتب المعروفة المعتبرة التي أخرج الصدوق روايات كتابه منها ليست هي كتب من بدأ بهم السند في الفقيه وقد ذكر جملة منهم في المشيخة ، وإنما هي كتب غيرهم من الأعلام المشهورين التي منها رسالة والده إليه طاب ثراهما ، وكتاب شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (قدّس سرّه . فالروايات الموجودة في الفقيه مستخرجة من هذه الكتب ، وأما أنها صحيحة أو غير صحيحة فهو أمر آخر أجنبي عن ذلك .)نعم من بدئ به السند في كتابي التهذيب والاستبصار هو صاحب كتاب يروي الشيخ ما رواه فيهما عن كتابه ، على ما صرّح به في آخر كتابيه (1إلّا أنّ الشيخ لم يذكر أنّ الكتب التي استخرج روايات كتابيه منها هي كتب معتبرة معروفة .)وحاصل ما ذكرناه أنّ طريق الصدوق أو الشيخ إلى شخص إذا كان ضعيفاً حكم بضعف الرواية المرويّة عن ذلك الطريق لا محالة .نعم إذا كان طريق الشيخ إلى أحد ضعيفاً فيما يذكره في آخر كتابه ، ولكن كان له إليه طريق آخر في الفهرست وكان صحيحاً ، يحكم بصحة الرواية المرويّة عن ذلك الطريق .
1) التهذيب 10 (المشيخة) : 4 ، الاستبصار 304:4 - 305 .
والوجه في ذلك : أنّ الشيخ ذكر (1أنّ ما ذكره من الطرق في آخر كتابه إنما هو بعض طرقه ، وأحال الباقي على كتابه الفهرست ، فإذا كان طريقه إلى الكتاب الذي روى عنه في كتابيه صحيحاً في الفهرست حكم بصحة تلك الرواية .)بل لو فرضنا أنّ طريق الشيخ إلى كتاب ضعيف في المشيخة والفهرست ولكن طريق النجاشي إلى ذلك الكتاب صحيح ، وشيخها واحد ، حكم بصحة رواية الشيخ عن ذلك الكتاب أيضاً ، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبره شخص واحد كالحسين بن عبيد الله بن الغضائري مثلاً للنجاشي مغايراً لما أخبر به الشيخ فإذا كان ما أخبرهما به واحداً وكان طريق النجاشي إليه صحيحاً ، حكم بصحة ما رواه الشيخ عن ذلك الكتاب لا محالة ، ويستكشف من تغاير الطريق أن الكتاب الواحد روي بطريقين ، قد ذكر الشيخ أحدهما ، وذكر النجاشي الآخر .
1) التهذيب 10 (المشيخة) : 88 ، وراجع أيضاً الاستبصار 4 : 342
### نظرة في روايات الكتب الأربعةالمقدّمة الخامسة* النظر في صحّة روايات الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ، والتهذيبين .* مناقشة الأدلة القائمة على صحّة جميعها .* إبطال هذه الأدلّة وتفنيدها ، وإثبات عدم صحّة جميع روايات الكتب الأربعة ولزوم النظر في سند كل رواية منها و فحصها .نظرة في روايات الكتب الأربعةإنّ إبطال ما قيل من أن روايات الكتب الأربعة كلّها صحيحة يقع في فصول ثلاثة :الفصل الأوّلالنظر في صحة روايات الكافي### دعوى صحة روايات الكافيوقد ذكر غير واحد من الأعلام أنّ روايات الكافي كلّها صحيحة ، ولا مجال لرمي شيء منها بضعف سندها .وسمعت شيخنا الأستاذ الشيخ محمد حسين النائيني (قدّس سرّه في مجلس بحثه يقول : إنّ المناقشة في أسناد روايات الكافي حرفة العاجز .)### الاستدلال على الصحّة والجواب عنهوقد استدلّ غير واحد على هذا القول بما ذكره محمد بن يعقوب في خطبة كتابه :أمّا بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت ... وذكرت أنّ أموراً قد أشكلت عليك
لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها ، وأنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها ، وأنّك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممّن تثق بعلمه فيها ، وقلت : إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع (فيه من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلّم ، ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام والسنن القائمة التي عليها العمل ، وبها يؤدّي فرض الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله) وقلت : لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله (تعالى) بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملّتنا ، ويقبل بهم إلى مراشدهم ... وقد يسّر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخّيت، فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة ، إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملّتنا ، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه ، وعمل بما فيه في دهرنا هذا ، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا ، إذ الرب جل وعزّ واحد ، والرسول محمد خاتم النبيين (صلوات الله وسلامه عليه وآله) واحد ، والشريعة واحدة ، وحلال محمد حلال ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، ووسّعنا قليلاً كتاب الحجة ، وإن لم نكمله على استحقاقه ، لأنّا كرهنا أن نبخس حظوظه كلّها (1).)ووجه الاستدلال : أنّ السائل إنّما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب جامع لفنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام ومحمد بن يعقوب قد لبى دعوته فألف له كتاب الكافي .)والظاهر أنّه كتب الخطبة بعد إتمام الكتاب ، وقال : وقد يسر تأليف ما سألت . فهذه شهادة من محمد بن يعقوب بأنّ جميع ما ألفه في كتابه من الآثار الصحيحة عن الصادقين (سلام الله عليهم .)
1) الكافي 1 : 5 - 9 .
أقول : أمّا ما ذكر من أنّ الظاهر أنّ الخطبة قد كتبها محمد بن يعقوب بعد تأليف كتاب الكافي فغير بعيد ، بل هو مقطوع به في الجملة ، لقوله : ووسّعنا قليلاً كتاب الحجّة ..وأمّا ما ذكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه ، وأنّها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام فيردّه :)أوّلاً : أنّ السائل إنّما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (سلام الله عليهم ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة ، أو ما صح عن غير الصادقين (عليهم السلام ، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله ، فكتب كتاباً مشتملاً على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) في جميع فنون علم الدين ، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم (عليهم السلام) أو الصحيحة عن غيرهم أيضاً استطراداً وتتميماً للفائدة ، إذ لعلّ الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلّف ، أو لم تثبت صحتها .)ويشهد على ما ذكرناه أنّ محمد بن يعقوب روى كثيراً في الكافي عن غير المعصومين أيضاً ، ولا بأس أن نذكر بعضها :1 - ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن هشام بن الحكم ، قال : « الأشياء لا تدرك إلّا بأمرين...».(1)2 - ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي ، قال : « بعث إليّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل...».(2)
ورواه أيضاً عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد(1.)3 - ما رواه بسنده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله قال : « لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء».(2))4 - ما رواه بسنده عن إدريس بن عبدالله الأودي ، قال : « لمّا قتل الحسين (عليه السلام أراد القوم أن يوطئوه الخيل».(3))5 - ما رواه بسنده عن الفضيل ، قال : « صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ». (4)6 - وما رواه بسنده عن ابن مسكان ، عن أبي حمزة ، قال : « المؤمن خلط عمله بالحلم ... » .(5)7 - ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله ، قال : « رأيت يحيى بن أم الطويل وقف بالكناسة ... » .(6)8 - ما رواه بسنده عن إسحاق بن عمار ، قال : « ليست التعزية إلّا عند القبر ...».(7)
1) الكافي 1 : 310 / باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى (علیه السلام) ح 14 .
2) الكافي 1 : 454 / باب مولد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ح 4 .
3) الكافي 1 : 465 / باب مولد الحسين بن علي (عليهما السلام) ح 8 .
4) الكافي 2 : 103 / باب حسن البشر ح 5 .
5) الكافي 2 : 111 / باب الحلم ح 2 .
6) الكافي 2 : 379 / باب مجالسة أهل المعاصي ح 16 .
7) الكافي 3 : 204 / باب التعزية وما يجب على صاحب المصيبة ح 3 .
9 - ما رواه بسنده عن يونس ، قال : « كل زنا سفاح ، وليس كلّ سفاح زنا ... » وهو حديث طويل عقد محمد بن يعقوب له باباً مستقلاً (1)وأيضاً روى بسنده عن يونس ، قال : « العلة في وضع السهام على ستة لا أقل ولا أكثر ».وأيضاً قال : « إنّما جعلت المواريث من ستة أسهم ... » (2. وقد جعل لهما : أيضاً محمد بن يعقوب باباً مستقلاً)10 - ما رواه بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد ، قال : أخذني العباس بن موسى ...(3.)11 - ما رواه عن كتاب أبي نعيم الطحان ، رواه عن شريك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر ، عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء (4.)12 - ما رواه بسنده عن إسماعيل بن جعفر ، قال : « اختصم رجلان إلى داود (عليه السلام في بقرة ... » (5).)وثانياً : لو سلّم أنّ محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة ، فإنّه إن أراد بذلك أنّ روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية فهو مقطوع البطلان ، لأنّ فيها مرسلات ، وفيها روايات في أسنادها
مجاهيل ، ومن اشتهر بالوضع والكذب كأبي البختري وأمثاله .وإن أراد بذلك أنّ تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجّة ، إلّا أنّه دلّت القرائن الخارجية على صحتها ولزوم الاعتماد عليها ، فهو أمر ممكن في نفسه ، لكنّه لا يسعنا تصديقه ، وترتيب آثار الصحّة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية ، فإنّها كثيرة جداً .ومن البعيد جداً وجود أمارة الصدق في جميع هذه الموارد ، مضافاً إلى أنّ إخبار محمد بن يعقوب بصحة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكون شهادة ، وإنما هو اجتهاد استنبطه ممّا اعتقد أنّه قرينة على الصدق ، ومن الممكن أنّ ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظنّ بالصدق أيضاً ، فضلاً عن اليقين .وثالثاً : أنّه يوجد في الكافي روايات شاذة لو لم ندع القطع بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام فلا شكّ في الاطمئنان به ، ومع ذلك كيف تصح دعوى القطع بصحة جميع روايات الكافي ، وأنّها صدرت من المعصومين (عليهم السلام) .)و ممّا يؤكّد ما ذكرناه من أن جميع روايات الكافي ليست بصحيحة : أنّ الشيخ الصدوق (قدّس سرّه لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي (1)وكذلك شيخه محمد ابن الحسن بن الوليد على ما تقدّم من أنّ الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف (2).)والمتحصّل : أنّه لم تثبت صحّة جميع روايات الكافي ، بل لا شكّ في أنّ بعضها ضعيفة ، بل إنّ بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام والله أعلم ببواطن الأمور .)
### النظر في صحة روايات من لا يحضره الفقيهالفصل الثانيوقد استدلّ على أنّ روايات كتاب من لا يحضره الفقيه كلّها صحيحة بما ذكره في أول كتابه ، حيث قال :### مناقشة الدعوى المذكورةولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته ، وأعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني وبين ربي تقدّس ذكره وتعالت قدرته . وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة ، عليها المعوّل ، وإليها المرجع ... وغيرها من الأصول والمصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي (رضي الله عنهم (1).)والجواب : أنّ دلالة هذا الكلام على أنّ جميع ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه ( من لا يحضره الفقيه صحيح عنده ، وهو يراه حجّة فيما بينه وبين الله تعالى واضحة ، إلّا أنّا قد ذكرنا (2أنّ تصحيح أحد الأعلام المتقدمين رواية لا ينفع من يرى اشتراط حجية الرواية بوثاقة راويها أو حسنه . على أنا قد علمنا من تصريح الصدوق نفسه على ما تقدّم (3)أنّه يتبع في التضعيف والتصحيح شيخه ابن الوليد ولا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه ، وأنه ثقة أو غير ثقة)
أضف إلى ذلك أنّه يظهر من كلامه المتقدّم : أنّ كل رواية كانت في كتاب شيخه ابن الوليد أو كتاب غيره من المشايخ العظام والعلماء الأعلام يعتبرها الصدوق رواية صحيحة ، وحجّة فيما بينه وبين الله تعالى . وعلى هذا الأساس ذكر في كتابه طائفة من المرسلات ، أفهل يمكننا الحكم بصحّتها باعتبار أنّ الصدوق يعتبرها صحيحة ؟وعلى الجملة : إنّ إخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره ، وهذا لا يكون حجّة في حقّ غيره .
### النظر في صحة روايات التهذيبينالفصل الثالث### الاستدلال بما حكاه الكاشانى وما يرد عليهوقد استدلّ على ما قيل من صحّة جميع روايات التهذيبين بما حكاه المحقّق الكاشاني في الوافي عن عدّة الشيخ (قدّس سرّه من أنّه قال فيه : إنّ ما أورده في كتابي الأخبار إنّما أخذه من الأصول المعتمد عليها (1). فإنّ في هذا الكلام شهادة على أنّ جميع روايات كتابيه مأخوذة من هذه الكتب ، فهي صحيحة .)والجواب أوّلاً : أنّا لم نجد في كتاب العدّة هذه الجملة المحكية عنه . والظاهر أنّ الكاشاني نسب هذه الجملة إلى الشيخ لزعمه أنّه المستفاد من كلامه ، فإنّ الشيخ بعدما ذكر اختياره ، وهو حجّية خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مروياً عن النبي (صلى الله عليه وآله أو عن أحد الأئمة (عليهم السلام) وكان ممن لا يطعن في روايته ، ويكون سديداً في نقله ، قال :)والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقة ، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في أصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ، حتّى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وروايته ، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه ، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك ، وقبلوا قوله ...(2.)
وقال بعدما ذكر جملاً من الاعتراض على حجية الخبر وأجاب عنها : وممّا يدلّ أيضاً على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها ما ظهر من الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها ، فإنّي وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام ويفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه ، من الطهارة إلى باب الديات ، من العبادات والأحكام والمعاملات والفرائض وغير ذلك ، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم ، واختلافهم في أنّ التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا ، ومثل اختلافهم في باب الطهارة في مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء ونحو اختلافهم في حدّ الكرّ ، ونحو اختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين ، واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس ، واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة وغير ذلك في سائر أبواب الفقه ، حتّى أن باباً منه لا يسلم إلّا وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوي .وقد ذكرت ما ورد عنهم (عليهم السلام في الأحاديث المختلفة التي يختص الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار ، وفي كتاب تهذيب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث ، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها ، وذلك أشهر من أن يخفى .)وقد تخيّل المحقّق الكاشاني دلالة هاتين الجملتين على أنّ الشيخ لا يذكر في كتابيه إلّا الروايات المأخوذة من الكتب المعتمدة ، المعوّل عليها عند الأصحاب . ولكن من الظاهر أن هذا تخيل لا أساس له ، ولا دلالة في كلام الشيخ على أن جميع روايات كتابيه مأخوذة من كتاب معروف ، أو أصل مشهور ، بل ولا إشعار فيه بذلك أيضاً .على أنّ الشيخ ذكر أنّ عدم إنكار الحديث الموجود في كتاب معروف أو أصل مشهور إنّما هو فيما إذا كان الراوي ثقة ، فأين شهادة الشيخ بأنّ جميع روايات
الكتاب المعروف أو الأصل المشهور صحيحة ، ولا ينكرها الأصحاب ؟.وممّا يؤيّد ما ذكرناه : أنّ الشيخ ذكر في غير مورد من كتابيه (1أنّ ما رواه من الرواية ضعيف لا يعمل به ، وقد رواها عن الكتب التي روى بقية الروايات عنها ، فكيف يمكن أن ينسب إليه أنّه يرى صحة جميع روايات تلك الكتب ؟)وثانياً : لو سلّمنا أنّ الشيخ شهد بصحة جميع روايات كتابيه ، فلا تزيد هذه الشهادة على شهادة الصدوق بصحة جميع روايات كتابه ، فيجري فيها ما ذكرناه (2في شهادة الصدوق من أن الشهادة على صحة الحديث وحجيته لا تكون حجة في حقّ الآخرين ، بعدما كانت شرائط الحجية مختلفة بحسب الأنظار .)وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه لم تثبت صحّة جميع روايات الكتب الأربعة ، فلابدّ من النظر في سند كل رواية منها ، فإن توفّرت فيها شروط الحجّية أخذ بها ، وإلّا فلا.
### الأصول الرجاليةالمقدمة السادسة*استعراض الأصول الرجالية المعتمدة .*التشكيك في نسبة الرجال إلى الغضائري .*الحكم عليه بالوضع والاختلاق .وهذه الأصول خمسة :1 - رجال البرقي : المعبّر عنه في فهرست الشيخ بطبقات الرجال (1. وقد اعتنى العلّامة بهذا الكتاب في الخلاصة، وذكر في إجازته الكبيرة (2)وغيرها طريقه إلى فهرست الشيخ ، وإلى ما اشتمل عليه الفهرست من الكتب .)2 - رجال الكشي : فقد ذكرنا (3أنّه لم يصل إلى العلّامة ومن تأخر عنه فيما نعلم ، وقد وصل إليهم وإلينا اختيار الكشي ، وهو الذي اختاره الشيخ من أصل الكشي .)3 - رجال الشيخ .4 - فهرست الشيخ .
5 - رجال النجاشي .وهذه الكتب - عدا رجال البرقي - من الكتب المعروفة التي تناولتها الأيدي طبقة بعد طبقة ، ولا يحتاج ثبوتها إلى شيء ، ومع ذلك فقد ذكرها العلّامة في إجازته الكبيرة ، وذكر طريقه إليها .### الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائريوأمّا الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري فهو لم يثبت ، ولم يتعرّض له العلّامة في إجازاته وذكر طرقه إلى الكتب ، بل إنّ وجود هذا الكتاب في زمان النجاشي والشيخ أيضاً مشكوك فيه ، فإنّ النجاشي لم يتعرّض له ، مع أنّه (قدّس سرّه بصدد بيان الكتب التي صنّفها الإمامية ، حتّى أنّه يذكر ما لم يره من الكتب ، وإنّما سمعه من غيره أو رآه في كتابه ، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيد الله أو ابنه أحمد وقد تعرّض (قدّس سرّه) لترجمة الحسين بن عبيد الله وذكر كتبه (1)، ولم يذكر فيها كتاب الرجال ، كما أنّه حكى عن أحمد بن الحسين في عدة موارد (2)، ولم يذكر أنّ له كتاب الرجال .)نعم إنّ الشيخ تعرّض في مقدّمة فهرسته [ إلى ] أنّ أحمد بن الحسين كان له كتابان ، ذكر في أحدهما المصنفات وفي الآخر الأصول ، ومدحهما ، غير أنّه ذكر عن بعضهم أنّ بعض ورثته أتلفها ولم ينسخها أحد (3.)والمتحصّل من ذلك : أنّ الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت ، بل جزم بعضهم بأنه موضوع ، وضعه بعض المخالفين ونسبه إلى ابن الغضائري .
وممّا يؤكد عدم صحّة نسبة هذا الكتاب إلى ابن الغضائري : أنّ النجاشي ذكر في ترجمة الخيبري عن ابن الغضائري أنّه ضعيف في مذهبه (1ولكن في الكتاب المنسوب إليه أنّه ضعيف الحديث غالي المذهب (2)فلو صح هذا الكتاب لذكر النجاشي ما هو الموجود أيضاً .)بل إنّ الاختلاف في النقل عن هذا الكتاب ، كما في ترجمة صالح بن عقبة بن قيس (3وغيرها يؤيّد عدم ثبوته ، بل توجد في عدة موارد ترجمة شخص في نسخة ولا توجد في نسخة أخرى ، إلى غير ذلك من المؤيّدات .)والعمدة هو قصور المقتضي ، وعدم ثبوت هذا الكتاب في نفسه ، وإن كان يظهر من العلّامة في الخلاصة أنّه يعتمد على هذا الكتاب ويرتضيه .وقد تقدّم (4عن الشهيد الثاني ، والآغا حسين الخونساري ذكر هذا الكتاب في إجازتيهما ، ونسبته إلى الحسين بن عبيد الله الغضائري ، لكنّك قد عرفت أنّ هذا خلاف الواقع ، فراجع .)ثمّ إنّ النجاشي قد التزم في أوّل كتابه (5أن يذكر فيه أرباب الكتب من أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم فكلّ من ترجمه في كتابه يحكم عليه بأنّه إماميّ ، إلّا)
1) رجال النجاشي : 154 / 408 .
2) الرجال (لابن الغضائري) : 56 / 43
3) ) [ فقد نقل العلّامة في الخلاصة : 360 / 1419 عنه أنّه : كذاب غال ، لا يلتفت إليه ، بينما نقل عنه ابن داود في رجاله 250 / 237 في القسم الثاني أنّه : ليس حديثه بشيء ، كذاب غال كثير المناكير . وما ذكرناه عن العلّامة هو الموجود في كتاب الرجال لابن الغضائري) : 69 / 70]
4) في ص 29 .
5) رجال النجاشي : 3
أن يصرّح بخلافه ، فإنّه وإن ذكر جملة من غير أصحابنا أيضاً ، وترجمهم استطراداً إلّا أنّه صرّح بانحرافهم وانتحالهم المذاهب الفاسدة .وأمّا الشيخ فلم يلتزم بذلك في فهرسته ، بل تصدّى لذكر من له كتاب مر المصنّفين وأرباب الأصول ، وإن كان اعتقاده مخالفاً للحق ومنتحلاً لمذهب فاسد فذكره أحداً في كتابه - مع عدم التعرّض لمذهبه - لا يكشف عن كونه إماميّاً بالمعنى الأخص ، نعم يستكشف منه أنّه غير عامّي ، فإنّه بصدد ذكر كتب الإمامية بالمعنى الأعم.وقد تصدّى الشيخ في رجاله لذكر مطلق الرواة ، ومن كانت لهم رواية عن المعصوم مع الواسطة أو بدونها ، سواءً كان من الإمامية أم لم يكن ، فليس ذكره أحداً في رجاله كاشفاً عن إماميته ، فضلاً عن إيمانه .### طريقة الشيخ في رجاله وفهرستهثمّ إنّ الشيخ قال في أوّل رجاله : أمّا بعد ، فإني قد أجبت إلى ما تكرّر سؤال الشيخ الفاضل فيه من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وعن الأئمة ( عليهم السلام) من بعده ، إلى زمن القائم (عجل الله فرجه الشريف) ثمّ أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث ، أو من عاصرهم ولم يرو عنهم (1).)هذا ، وقد اتفق في غير مورد أنّ الشيخ ذكر اسماً في أصحاب المعصومين (عليهم السلام وذكره في من لم يرو عنهم أيضاً ، وفي هذا جمع بين المتناقضين ، إذ كيف يمكن أن يكون شخص واحد أدرك أحد المعصومين (عليهم السلام) وروى عنه ، ومع ذلك يدرج في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) .)### وجوه الجمع بين ذكر الشيخ راوياً من أصحابهم (عليهم السلام وذكره في من لم يرو عنهم)وقد ذكر في توجيه ذلك وجوه ، لا يرجع شيء منها إلى محصل
1) رجال الطوسي : 17 .
الأوّل : أن يراد بذكره في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام مجرّد المعاصرة وإن لم يره ولم يرو عنه ، فيصح حينئذ ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً.)ويردّه :1 - أنّه خلاف صريح عبارته من أنّه يذكر أوّلاً من روى عن النبي أو أحد المعصومين (عليهم السلام ثم يذكر من تأخّر عنهم أو عاصرهم ولم يرهم .)2 - أنّه لا يتم في كثير من الموارد ، فإنّ من ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم (السلام أيضاً قد روى عنهم (عليهم السلام كما ستقف عليها في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى .)الثاني : أنّ شخصاً واحداً إذا كانت له رواية عن أحد المعصومين (عليهم السلام بلا واسطة ، صح ذكره في أصحابه (عليه السلام) وإذا كانت له رواية عن المعصوم مع الواسطة صحّ ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) فلا تنافي بين الأمرين .)ويردّه : أنّ وجود رواية شخص عن المعصوم (عليه السلام مع الواسطة لا يصحح ذكره في من لم يرو عنهم ( عليهم السلام) بعدما كانت له رواية عنهم عليهم) السلام) فإنّ المصحح لذكر أحد في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) هو عدم روايته عنهم بلا واسطة ، مع كونه من رواة الحديث ، لا روايته عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة ولو كان راوياً عنه بلا واسطة أيضاً ، كيف ولو صح ذلك لزم ذكر جميع أصحاب الأئمة في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) إلّا من شد وندر منهم ، فإنّه قل في أصحابهم (عليهم السلام) من لم يرو عن غير المعصوم ، على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى .)الثالث : أن يتحفّظ في كل من الموردين على ظاهر الكلام ، فيلتزم بالتعدّد
وأنّ من ذكر في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام مغاير لمن ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) .)ويردّه : أنّ هذا وإن أمكن الالتزام به في الجملة ، إلّا أنّه لا يمكن الالتزام به في جملة منها ، فإنّه لا شكّ في عدم تعدّد بعض المذكورين في كلا الموردين ، كفضالة بن أيوب ، فقد ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (1والرضا (2)(عليهما السلام) ومع ذلك فقد ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً (3)، وكمحمد بن عيسى العبيدي فقد ذكره في أصحاب الرضا (4)والهادي (5)والعسكري (6)(عليهم السلام) ومع ذلك فقد ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً (7)، وكقاسم بن محمد الجوهري فقد ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) (8)تارةً ، وفي من لم يرو عنهم (عليهم السلام) (9)أخرى . وغير ذلك ممّا تقف عليه في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى .)### الوجه الصحيح في المقاموالتوجيه الصحيح : أنّ ذلك قد صدر من الشيخ لأجل الغفلة والنسيان فعندما ذكر شخصاً في من لم يرو عنهم (عليهم السلام غفل عن ذكره في أصحاب المعصومين (عليهم السلام) وأنه روى عنهم بلا واسطة ، فإنّ الشيخ لكثرة اشتغاله)
بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ ، فقد يذكر شخصاً واحداً في باب واحد مرتين ، أو يترجم شخصاً واحداً في فهرسته مرّتين . وأما خطؤه في كتابيه التهذيب والاستبصار فكثير ، وستقف على ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى .وقد تقدّم (1عن الحدائق قوله : قلّما يخلو حديث في التهذيب من ذلك -التحريف والتصحيف ، والزيادة ، والنقصان - في متنه أو سنده .)### المراد من قول الشيخ « أسند عنه»ثمّ إنّ الشيخ في عدّة موارد بعد ذكر شخص في أصحاب الصادق (عليه السلام وصفه بجملة (أسند عنه ) وقد اختلف في معنى هذه الجملة وفي هيئتها ، فقرئت تارةً بصيغة المعلوم ، وأخرى بصيغة المجهول . ولا يكاد يظهر لها معنى محصل خال من الإشكال .)وذكروا في معنى هذه الجملة وجوهاً :1 - قيل إنّها بصيغة المعلوم، ومعناها : أنّه روى عن الصادق (عليه السلام مع واسطة .)وهذا المعنى هو الظاهر في نفسه ، وهو الذي تعارف استعماله فيه ، فيقال : روى الشيخ الصدوق باسناده عن حريز مثلاً ، ويراد به أنّه روى عنه مع واسطة .وقد يؤيّد ذلك بقول الشيخ في غياث بن إبراهيم : أسند عنه ، وروى عن أبي الحسن (علیه السلام (2). فإنّ ظاهر هذا الكلام أنّه لم يرو عن أبي عبدالله (عليه السلام) وإنّما أسند عنه ، أي روى عنه مع الواسطة .)إلّا أنّ هذا المعنى لا يتم من وجوه :الأول : أنّه لو صحّ ذلك ، لم يكن وجه حينئذ لذكر الرجل في أصحاب
الصادق (عليه السلام فإنّ المفروض أنّه لم يرو عنه إلّا مع الواسطة ، بل لا بد من ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أو في أصحاب من روى عنه بلا واسطة .)الثاني : أنّ كثيراً ممن ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام وقال أسند عنه ، قد ذكرهم النجاشي والشيخ نفسه في الفهرست ، وقال أنّه روى عن أبي عبدالله (علیه السلام) وستقف على ذلك في موارده إن شاء الله تعالى .)الثالث : أنّ هذا ينافي ما ذكره الشيخ في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي (1ومحمد بن إسحاق بن يسار (2)، ومحمد بن مسلم بن رباح (3)، حيث قال : أسند عنه ، وروى عنهما . فإنّ الإسناد عنه إذا كان معناه أن روايته عن الصادق (عليه السلام) مع واسطة ، فكيف يجتمع هذا مع روايته عنه (عليه السلام) بلا واسطة .)2 - وقيل إنها بصيغة المجهول : ومعناها أنّ الأجلاء رووا عنه على وجه الاعتماد ، فهذا يكون مدحاً في حقّ من وصف بذلك .ويردّه : - مضافاً إلى أنّ هذا خلاف ظاهر اللفظ في نفسه - أن أكثر من وصفهم الشيخ بهذا الوصف مجاهيل وغير معروفين ، بل لم يوجد لبعضهم ولا رواية واحدة على ما تقف على ذلك في موارده إن شاء الله تعالى .ولو كان المراد من التوصيف ما ذكر لم يختصّ ذلك يجمع من أصحاب الصادق وبعدد قليل من أصحاب الباقر والكاظم (عليهم السلام بل كان على الشيخ أن يذكره في أصحاب جميع المعصومين ممن عرفوا بالصدق والصلاح ، مثل أصحاب الإجماع ومن يقاربهم في العظمة والجلال .)
وقيل إن معناها : أن رواياته مختصة بما رواه عن الصادق (عليه السلام ولم يرو عن غيره .)ويردّه : - مضافاً إلى أنّه خلاف ظاهر اللفظ ، إذ لا دلالة فيه على الحصر - أنّه ينافيه تصريح الشيخ نفسه بروايته عن غير الصادق أيضاً ، كما تقدّم ذلك آنفاً في غياث بن إبراهيم ، وجابر بن يزيد ، ومحمد بن إسحاق ، ومحمد بن مسلم .4 - وقيل معناها : أن ابن عقدة أسند عنه ، أي أن ابن عقدة حينما ذكر الموصوف بهذا الوصف روى عنه رواية .ويردّه أوّلاً : أنّ من وصفهم الشيخ بذلك قليلون يبلغ عددهم مئة ونيّفاً وستين مورداً ، ومن ذكره ابن عقدة في رجال أصحاب الصادق (عليه السلام كثيرون على ما ذكره الشيخ في ديباجة رجاله (1). وقد ذكر العلامة (2)أنّهم أربعة آلاف رجل ، وأن ابن عقدة قد أخرج لكل واحد منهم رواية ، فكيف يمكن أن يقال إنّ من وصفهم الشيخ بهذا الوصف هم الذين أخرج لهم ابن عقدة حديثاً .)ثانياً : أنّ الشيخ صرّح في ديباجة كتابه أنّ ابن عقدة لم يذكر غير أصحاب الصادق (عليه السلام والشيخ قد ذكر هذه الجملة في جمع من أصحاب الباقر والكاظم والرضا (عليهم السلام) أيضاً ، كحماد بن راشد الأزدي (3)، ويزيد بن الحسن (4)، وأحمد بن عامر بن سليمان (5))
و داود بن سليمان بن يوسف (1، وعبدالله بن علي (2)، ومحمد بن أسلم الطوسي (3).)فتلخّص : أنّه لا يكاد يظهر معنى صحيح لهذه الجملة في كلام الشيخ (قدّس سرّه في هذه الموارد ، وهو أعلم بمراده .)
### الفهرسحاجة إلى علم الرجال ...3طعيّة صدور روايات الكتب الأربعة ...6دليل المحدّث الحرّ العاملي على قطعية صدورها والجواب عنه ...6عدم اعتقاد المحمدين الثلاثة صدور ما في كتبهم ...9مناقشة الشيخ الطوسي أسانيد بعض روايات كتابيه ...13مناقشة الشيخ المفيد للروايات المذكورة في الكافي والفقيه في عدم نقصان شهر رمضان ...16بعض ما استدلّ به الحرّ لإثبات صحة ما في الوسائل والجواب عنه ...20بعض الشواهد على عدم صحة جميع روايات الكافي ...21لطرق ثبوت الوثاقة أو الحُسن ...231 - نصّ أحد المعصومين (عليهم السلام ...23)كلام المحدّث النوري في حجّية الظنّ الرجالي ومناقشة ذلك...232 - نص أحد الأعلام المتقدمين ...25الاستشكال باحتمال حدسيّة التوثيقات والجواب عنه ...273- نص أحد الأعلام المتأخرين ....274 - دعوى الإجماع من قبل الأقدمين ...31التوثيقات العامة ...32شهادة القمّي وابن قولويه بوثاقة رجال كتابيهما ...32
عبارة النجاشي واستفادة توثيق مشايخه منها ...34هل يستفاد من كلام ابن المشهدي توثيق رجال كتابه ؟ ...35هل يستفاد من كلام الصدوق توثيق رجال المقنع ؟...36مناقشة سائر التوثيقات العامة ...381 - أصحاب الصادق في رجال الشيخ...382 - سند أصحاب الإجماع...41عبارة الكشي في أصحاب الإجماع ...42المراد من عبارة الكشي ...433-رواية صفوان وأضرابه ...46منشأ الدعوى المذكورة وما يرد عليها ...46أمثلة على رواية المشايخ الثلاثة عن الضعفاء ...49القول بعدم رواية آخرين إلّا عن ثقة ...53أ - أحمد بن محمد بن عيسى ...53ب - بنو فضال ...54ج - جعفر بن بشير ...55د - محمد بن إسماعيل الزعفراني ...56ه-- علي بن الحسن الطاطري ...56دعوى المحدّث النوري وثاقة من يروي الثقة عنه...574- الوقوع في سند محكوم بالصحّة...585- الوكالة من الإمام عليه السلام...59الاستدلال بالرواية والجواب عنه...606 - شيخوخة الإجازة...61
7 - مصاحبة المعصوم ...628- تأليف كتاب أو أصل ...629 - ترحم أحد الأعلام ...6310 - كثرة الرواية عن المعصوم ...6311 - ذكر الطريق إلى الشخص في المشيخة ...65لرة في روايات الكتب الأربعة ...69دعوى صحة روايات الكافي ...69الاستدلال على الصحّة والجواب عنه ...69دعوى صحة روايات كتاب من لا يحضره الفقيه ...75مناقشة الدعوى المذكورة ...75دعوى صحة روايات التهذيبين ...77الاستدلال بما حكاه الكاشانى وما يرد عليه ...77صول الرجالية الخمسة ...80الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري ...81طريقة الشيخ في رجاله وفهرسته ...83وجوه الجمع بين ذكر الشيخ راوياً من أصحابهم (عليهم السلام وذكره في من لم يرو عنهم...84)الوجه الصحيح في المقام ...85المراد من قول الشيخ « أسند عنه»...86الفهرس ...90
## رسالة في نفحات الإعجاز### اشارةرسالة فينفحات الأعجازفي ردّ الكتاب المسمّى حُسن الايجازتاليفالأستاذ الأعظم سماحة آیة الله العظمىالسيد ابو القاسم الموسوي الخوئي«1317-1413ه- »
### سبب تأليف الكتاببسم الله الرحمن الرحيمالحمد لمن أنزل القرآن بأفصح لسان، وأبلغ بيان ، والصلاة والسلام على من بلّغه أحسن إبلاغ ، وأقام به الحجّة على من تمرّد عليه وزاغ ، وعلى آله الأطهار .وبعد ، فقد وقع - في جملة ما وقع - بيدي كتيّب صدر من المطبعة الانكليزية الأمريكانية ببولاق مصر ، سنة 1912 ، وهو يدعى « حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز » فحملني تصفّح صفحاته على أن حملت القلم على الفور ، وكتبت هذه السطور حسب الميسور ، على ما أنا فيه من قصور الباع ، وقلة الاطلاع ، وانشغال الذهن ، وحداثة السن .كما عرّفني تحامل كاتبه أنّ بضاعته بذاءة كلمه ، وهفوات قلمه ، فكتبت هذا المختصر في بعض ما عليه من الردّ والنقد ، والله المستعان ، وهو حسبي ونعم الوكيل .### تمهيدالقرآن ، وما أدراك ما القرآن ، كتاب جاء به بشر مبلغاً أنّه وحي يوحى (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (1)في العصر الوحيد في رُقي الفصاحة والبلاغة - في نوع العرب - وقيام سوقهما وعموم أدبها .)وكانت دعوة القرآن باهضة لأهل ذلك العصر ، مضادّة لأهوائهم ، مهدّدة
1) النجم 53 : 5 .
لطاغوتهم في جميع شؤونهم ، وكانوا هم أهل السلطة والصولة ، والاقتدار والثروة وأهل اللسان ، الراقين في الفصاحة والبلاغة ، فاحتج القرآن ونبيه بجلالة مقامه بحيث يعجزون عن معارضته والإتيان بمثله .### عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن الكريموكم تحدّاهم (1في ذلك بطلب المعارضة تعجيزاً ، فلمّا عجزوا تنازل في تعجيزهم إلى « عشر سور من مثله » (2)فلما عجزوا تنازل معهم إلى الإتيان (بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (3)وقد كان لهم بالمعارضة أحسن مندوحة تقوم لهم بها الحجّة وتظهر الغلبة ، ويخلد لهم الذكر ، ويسمو الشرف ، ويستريحون إليها من مقاساة أهوال الحروب التي طحنتهم ، ومعاناة (4)هوان الأسر ، وصغار المغلوبية ، وذلّة الانحطاط من جبروتهم ، والتنازل عن ضلالهم وعوائدهم .)لكنّهم يعرفون - لا كغيرهم - أنّ الذي يُفتخر به ويتنافس فيه من ارتفاع قدر الكلام وبلاغته إنما يكون بمقدار مطابقته لمقتضى الحال الذي يتكلّم فيه ، وجريانه على الوجوه اللازمة فى ذلك ، لا بمجرّد تزويق (5الألفاظ وتحوير العبارات ، وقد وجدوا القرآن الكريم يعطي كلّ مقام حقه من المطابقة لحقيقته ومناسباتها ، بحيث لم يجدوا في ذلك شبهة غميزة (6)مع خوضه حقّ الخوض في كلّ حقيقة يحوم حولها العارف الإلهي ، والمصلح الديني ، والمصلح السياسي، والمصلح المدني الاجتماعي)
والمصلح التاريخي ، والنبي المتعرّض للغيب ، فيوفّي كلّ حقيقة حقّها على النحو الباهر ، مع الاستقامة في المسلك ، والاطراد في المجرى ، والانسجام في البيان .وعلموا أنّه لا يجدي في المعارضة خيالياتهم في الغزل والنسيب ، والمدح والحماسة ، بل لابدّ أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائياً، لا اتّباعاً تقليدياً .فأقعدهم عرفانهم لذلك مقعد العجز ، وأوقفهم موقف الحيرة ، فاحتملوا ما احتملوا من البلاء ، إذ لم يجدوا لما دعاهم إليه من النصفة سبيلاً ، فبان منهم العجز عن ذلك ، وظهر عند القاصي والداني إعجاز القرآن ، وأنه خارج عن طوق البشر .ولو كان من ذلك شيء يرضونه أو يتوهمون لياقته للحجة ورواجه في سوق المحاكمة لرفعوه علماً للاحتجاج ، وأنطقوه مستصرخاً للانتصار ، وصارخاً في الأقطار بالظليمة ، وداعياً إلى المحاكمة ، وللهجت به الأندية (1، وعجّت بنشيده أسواق العرب ، وسارت به الركبان، ودوّنت به الدفاتر ، وتعنونت باسمه الحروب والمنافرات ، ولكثر له الأعوان والمحامون (2)والمدّعون ، ولضجت به اليهود والنصارى في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا، فكان لهم أشهى حديث يؤثر وأجلّ سيرة تسجّل ، ولكان أقرّ لعيونهم في التاريخ من أحاديث شمشون (3)ومجلّة استير (4).)
ورؤيا يوحنّا (1، وها أنت وكلّ أحد لا تحسّ لذلك همساً ، ولا تسمع له حسيساً .)فإن توهّم « حسن الإيجاز » أن قد جاءوا بمثله واختفى علينا فقد أخطأ وجدانه ، كيف وإنّهم أهل السلطة والكثرة القاهرة ، وحاجتهم إلى ذلك أشدّ من حاجتهم إلى حفظ شعر امرئ القيس وغيره من الشعراء ، فكيف يأتون بمثل هذا القرآن ويضيّعونه ولم يضيّعوا المعلقات السبع التي علّقوها بالكعبة إعجاباً بها ، فلما جاء القرآن أنزلوها استحقاراً لها في جنب جلالته كما حفظ ذلك لنا التاريخ ؟! وحينئذ فاعتراف أهل اللسان بإعجاز القرآن حسبما دلّ عليه الوجدان أوضح دليل على إعجازه ، ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز عن إدراك ذلك فلا ينبغي له الخوض فيه ، بل يلزم عليه أن يتبع أهل اللسان ، ولا يبقى هالكاً في ورطة الجهل ، أعاذنا الله منه ، ومن الجهل بأنا جاهلون ، والله الهادي إلى سواء السبيل .ومن ظرائف الشواهد (2أنّ بعض المولدين والدخلاء في اللغة العربية في أواخر القرن الثاني وما بعده من نزول القرآن ، أرادوا أن يعرفوا علم القرآن ويتعلّموا منه مجاري البلاغة وأسرار اللغة العربية وفذلكاتها في الكلام ، فوقف بهم التعلّم في بعض الموارد على عقبات الجهل والشكّ ، فجاء بعض النصارى ، كهاشم المتعرّب (3)وغيره ، فجعلوا تلك الشكوك والجهالات انتقادات على القرآن ، فزادوا على الجهل جهلاً آخر.)
فجاء كتاب « الهدى » (1وأوضح ببيانه في تلك الموارد أنها في المقام السامي من فذلكات البلاغة وبراعة البيان ومزايا العربية ، فانظر أقلاً إلى الجزء الأوّل من کتاب « الهدى » (2)لكي تعرف ماذا يصنع الجهل والتعصّب .)إذا عرفت ذلك فلنشرح المقصود بعون الله في ضمن أمور :
### الأمر الأوّل : ردّ ادّعاء عدم عجز البشر عن مثل القرآن الكريمالأمر الأوّللا شبهة أنّ القرآن ورد معجزاً ، والمسلمون وغيرهم من أهل اللسان - من الأعصار السابقة إلى العصر الحاضر - يعرفون إعجازه ، والقرآن صريح في ذلك وإن وقع الخلاف من بعض في سبب الإعجاز فإنّه لا يضر بجهة أصلاً ، لبداهة عجز أهل اللسان عن الإتيان بمثله ، ولو كان العجز بأي سبب من الأسباب ، وهذا المقدار دليل واضح على خروجه عن طوق البشر .على أنّ إبطال أيّة ديانة لابدّ وأن يكون بإبطال ما هو مسلّم بين جميع المتديّنين بها ، لا بما ذهب إليه (1 بعض من المنسوبين إلى ذلك المذهب ، وإلّا لبطلت الأديان بأجمعها ، وذلك لاختلاف علمائهم أصولاً وفروعاً . إلّا ترى انتقاد الفرقة البروتستانتية علماء هم السابقين عملاً وقولاً واعتقاداً ؟! فهل يوجب مجرد ذلك بطلان الديانة النصرانية ؟! وهل يجعل ذلك عاقل ردّاً على أصل المذهب ؟! كلّاً .)فما في «حسن الإيجاز » من أنّ القرآن لم يدع عجز البشر والناس عن مثله إلّا على سبيل المبالغة ، غير جارٍ على طريقة الفهم ، لبداهة أن القرآن لم يتعرّض للإعجاز إلّا في مقام الحجة والاستدلال، وإثبات أنّه كلام الله ووحي منزل على نبيه المرسل صلوات الله وسلامه عليه وآله ومن ثم صار عجز الشعراء والبلغاء - مع كثرتهم في تلك الأعصار - دليلاً قاطعاً على إعجازه .
### الأمر الثاني : عدم حجّية إنكار إعجاز القرآن ممن يلتصق بالإسلامالأمر الثانيإن أنكر بعض من يلتصق باسم الإسلام في هذا العصر دلالة الإعجاز على أنّ القرآن وحي الله وكلامه - كبعض البابية - فإنّ إنكاره لا يكون حجّة على المسلمين كما تشبّث به « حسن الإيجاز » ، لأنّ من البديهي أنّ تلك الفرقة ليست من أهل الديانة الإسلامية ، إذ أنّ كتب علي محمّد - الذي هو مؤسس مذهبهم - مشحونة بالمتناقضات ، وادّعاء النبوة والألوهية ، وغير ذلك . إلّا ترى أنّ البابية اتبعوا هذا الرجل في الأمور الهائلة مع أنّهم أخفوا كتبه لشناعتها وسقوطها ، فهل يحتج بأقوالهم إلّا من هو مثلهم في السقوط ؟!### دلالة الإعجاز على الوحي دلالة عقليةعلى أنّ دلالة الإعجاز على الوحي إنما هو من الأمور العقلية التي يستقلّ بإدراكها العقل ، فلا يضرّ فيه جهل فلان وإنكار فلان . فليراجع كل عاقل وجدانه ويلاحظ أن عجز البشر عن الإتيان بمثل ما أتى به المدعي للنبوة هل يكون دليلاً على صدق المدعي كما في سائر النبوات أم لا ؟فليت شعري ما الوجه لحسن الإيجاز في قياس القرآن بكتاب اقليدس في الهندسة ، بمشابهة أنّه لم يأت أحد بمثله ممن قبله ولا تمن بعده ؟! مع أن عدم الاتيان لا يستلزم العجز عنه لو سلّم أنّه لم يأت أحد بمثلهسلّمنا ، ولكن الذي يقبح - عند العقل - على الله تعالى إنّما هو إظهار المعجز على يد الكاذب، فلا يمتنع إظهاره على من لم يدع النبوة كذباً ، والقرآن إنما ورد في مقام الإعجاز والبرهان على النبوّة ، فبم يرتبط هذا المقام بغيره ؟!
### الأمر الثالث : ظهور المعجزة للعالم والجاهلالأمر الثالثلا كلام ولا إشكال في أن المعجزة لابدّ وأن تكون ظاهرة لكلّ أحد من العلماء والجهلاء ، مانعة لاحتمال الخداع والتدليس .والقرآن كذلك رغماً على إنكار« حسن الإيجاز » ، غاية الأمر أنّه بالنسبة إلى أهل اللسان بإدراكهم وبلا واسطة ، وبالنسبة إلى غيرهم بإخبارهم القاطع وإذعانهم المعروف ، وهو كسائر المعجزات المشاهدة للحاضرين المعدودين بلا واسطة ، والمعلومة لغيرهم بنقلهم .ويفوق القرآن على سائر المعجزات بأنّ إعجازه ظاهر لجميع من يعرف البلاغة في جميع الأديان ، ولا يختص ذلك بزمان دون زمان ، والمشاهدة لسائر المعجزات السابقة مختصة بعدد قليل من الحاضرين في ذلك الزمان .
### الأمر الرابع : البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحالالأمر الرابعقال صاحب « حسن الإيجاز » : إنّه يمكن عقلاً أن يأتي إنسان بأفصح العبارات ، وأبلغها وأحسنها نظماً ، وهي تحكم بأنّ الله شرير ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، فهل يصدّق قائلها إذا اتخذ ذلك دليلاً على أنّ عباراته من وحي الله ؟! وإلّا فما الدليل على أن ذلك محال ؟!فإن قيل : إنّ نسبة الشر إليه تعالى دليل على بطلان أنها وحي الله .قلنا : إنّ كثيرين من أهل الأديان نسبوا أمثال ذلك إليه تعالى . انتهى محلّ الحاجة.### تزویق الألفاظ في العهدينأقول : [ أوّلاً ] لا لوم على هذا الرجل إذا لم يعرف معنى البلاغة ، فتوهم لنفسه أنها عبارة عن تزويق الألفاظ ، وإن كان معناها فاسداً قبيحاً في مورده ، ومن تقحم مثل تقدّمه جدير بأن لا يعرف أنّ البلاغة التي بها يعلو قدر الكلام ويتفاخر إنما هي مطابقته لمقتضى الحال ، كما ذكرناه في التمهيد (1. إلّا وإن العبارات التي تحكم بأنّ الله شرير لتخسأ ، وتذلّ عن أن يدنّس بها اسم البلاغة ومعناها .)إلّا ترى أنّ كاتب التوراة الرائجة لما لم تكن عنده حقيقة القصة في أكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نها هما الله عنها ، وأراد أن يصوّرها كشاعر خيالي ، فإنّه مهما تأنق في تزويق عباراتها وتنميق (2محاوراتها جاء بها شنعاء شوهاء ، تشوّهت)
ألفاظها بتشويه معانيها ، فكانت من الكلام الساقط الذي تشمئز منه النفوس ، أنظر في الفصل الثالث من التكوين(1.)نعم ، لو ذكرت (2في مثل كليلة ودمنة مثالاً خيالياً لملك خدوع جائر ورعيّة مغفّلين ، وناصح فاهم غيور ، لكان لها مقام في الخياليات .)وهذا كاتب إنجيل لوقا (3لما كتب من مخيّلته توبة المجدلية على يد المسيح تحذلق (4)في تحسينها جهد خياله ، ولكنّه جاء بها شوهاء ، سمجت ألفاظها بسماجة معانيها ، حيث اجترأ بها على مقام المسيح (5)ودنّس بها قدس التوبة والتائب . أنظر في سابع لوقا / عدد 37 إلى 49.(6))وهذا كاتب إنجيل يوحنّا لما أراد أن يصوّر محبّة المسيح لتلميذه يوحنا بن زبدى ذكر لذلك حالة يجلّ عن شناعتها سائر المؤمنين (7، فضلاً عن رسول الله وتلميذه ، فتلوثت ألفاظها بقبح معانيها . أنظر في ثالث عشر يوحنّا / عدد 22 إلى26 .(8))
1) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 6 / الإصحاح الثالث من سفر التكوين .
2) وذلك لأنه نسب الكذب إلى الله تعالى ، والصدق والنصيحة للحيّة في أكل آدم وحواء من شجرة معرفة الخير والشر ، فالله تبارك وتعالى - بزعم كاتب التوراة الرائجة - ملك خدوع جائر ، والحيّة وطني فاهم غيور ، والرعيّة المغفلين كناية عن آدم وحواء .
3) ثالث الأناجيل الأربعة المنسوبة إلى المسيح (عليه السلام) .
4) تحذلق : أظهر .
5) فإنّه نسب إلى المسيح (عليه السلام) - وحاشاه - ما يناسب الفجار .
6) الكتاب المقدّس (العهد الجديد) : 105 (إنجيل لوقا / الإصحاح السابع عدد 37 - 48
7) فإنّه ذكر ما هو المناسب للعاشق والمعشوق ، دون النبي وتلميذه .
8) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 174 (إنجيل يوحنا ) / الإصحاح 13 ، عدد 23 - 26 .
ولو ذكرت هاتان القصّتان لأناس مجهولين في رومان يمثل غرام (1فلسطين (2)لكان لها حظ في خياليات الغرام ورقة الغزل ، وقد تركنا من نحو ذلك في العهدين أمثالاً كثيرة .)وها فانظر إلى كلام القرآن الكريم في جميع موارده وفنونه المختلفة ، وانظر إلى براعته فيها ، وبلاغته المعجزة بمطابقته لمقتضى الحال .وإنّ صدور هذه المقامات الثلاثة وأمثالها الكثيرة من كتبة العهدين الرائجين لأدلّ دليل على كذب أولئك الكتبة .### دلائل صدق الرسول والأمور التي يمتنع وجوده فيهاوإنّ استنادنا في صدق الرسول إلى القرآن لهو من جهات شتّى منها : الجهة العامة لمعاصريه من العرب ، وهي براعة كلامه في مطابقة مقتضى حقيقة الحال التي يتكلّم بها في فنونه الراقية ، مع تحديه لهم بمعارضته وفصل القضاء لهم بذلك وعجزهم عن معارضة قليل منه بمثل كرامته ، مع أنّهم من أهل اللسان والبيان بحيث يكشف ذلك عن كونه عن مصدر إلهي وعناية خاصّة بالرسول .وثانياً : ما هو المحصّل المعقول من جوابه في قوله : « فإن قيل ، قلنا » ، فهل تراه يزعم أنّه إذا كان كثير من أهل الأديان يزعمون أن الله شرير - تعالى شأنه - فإنّه يدلّ على أنّ ذلك حقيقة راهنة (3تدلّ على صدق المتنبي بهذا الزعم ، ولا تدلّ على بطلان زعمه بأنه وحي إلهي ؟! أو تقول : أنّه قال ذلك ولم يدر ماذا قال ، ولذا سمی کتابه حسن الإيجاز » ؟!)وثالثاً : لا شبهة في أن مدعى النبوة لابدّ وأن لا يكون فيه الموانع التي يحكم
العقل الفطري بامتناع وجودها في النبي :منها : كونه مكذباً في دعواه من نبي مسلّم النبوّة ، ولو كان التكذيب بعنوان عامّ ينطبق عليه .ومنها : كونه فاعل أمور قبيحة من الكذب وشرب الخمر وأمثالهما .ومنها : أن يأتي في دعواه بما هو مخالف للعقل القطعي ، كالدعوة إلى الشرك وإلى تعدّد الآلهة ، وتعدّد الأرباب ، وإلى عبادة غير الله .ومنها : تناقض تعليماته أو أقواله .فيتفرّع على هذا أنّ القول بأنّ الله شرير - تعالى عن ذلك - دليل على عدم النبوّة ، وعلى كون المدعي كاذباً في دعواه .ولا يقاس ذلك بما ذكره من أنّ كثيرين من أهل الأديان نسبوا أمثال ذلك إليه تعالى ، لوضوح أنّ إسناد بعض أهل الأديان أمثال ذلك إليه تعالى يكشف عن خطئهم في رأيهم ، وهو لا يكشف عن بطلان أصل الدين كما ذكرنا في الأمر الأول - بخلاف إسناد من يدّعي النبوة مثله إليه تعالى ، فإنّه يكشف عن خطئه في عقيدته ، المنافي لنبوّته كما هو واضح .ولأجل ذلك لو لم تعلمنا الشريعة المقدّسة الإسلامية نبوّة موسى وعيسى (عليها السلام ونزول الوحي والكتاب لهما ، لكنّا من المنكرين لذلك أشدّ الإنكار ، لما نجد في نبوّتهما وفي كون العهدين المسمّيين بالكتاب المقدس - اللذين يزعمهما النصارى كتب وحي وإلهام - من الموانع المذكورة في تلك الكتب البالغة فوق حدّ الإحصاء ، ولا بأس أن نشير إلى بعض ذلك تذكرة للعلماء منهم ، وتبصرة لجهلائهم ، فنقول :)### الموانع من نبوّة موسى(علیه السلام على ما في العهدين)الموانع من نبوّة موسى (عليه السلام - على ما في العهدين كثيرة :)منها : ما وجدناه في الفصل العاشر من يوحنّا ما يقدح بعمومه في رسالته
ورعايته للأمة ، قال في عدد 7-8 : « الحق الحق أقول لكم ، إنّي أنا باب الخراف جميع الذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص».(1)ومنها : ما وجدناه في تعليم التوراة عن قول الله عزّوجل في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج / عدد 13 : « ولا تذكروا اسم آلهة أخرى ، ولا يسمع من فمك » (2)وفي الرابع من سفر التثنية / عدد 35 : « لتعلم أنّ الربّ هو الإله ليس آخر سواه».(3)ووجدنا أيضاً في التوراة عن قول الله عزّوجل في رابع الخروج / عدد 16 : أنّ موسى يكون إلهاً لهارون (4.)وفي سابع الخروج / عدد 1 : « أنا جعلتك إلهاً لفرعون » (5.)ومنها : ما في التوراة أيضاً، في رابع الخروج / عدد 10 إلى 14 : أن موسى استعفى عن الرسالة بخطاب مع الله بغير أدب ، ولم يثق بوعد الله حتّى حمي غضب الربّ عليه (6.)وفي خامس الخروج / عدد 22 : وقال الله : « لماذا أسأت إلى هذا الشعب ؟
1) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 166) (إنجيل يوحنا) / الإصحاح العاشر ، العدد 7، 8 .
2) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 124 / الإصحاح 23 من سفر الخروج ، عدد 13 .
3) الكتاب المقدّس (العهد القديم) : 286 / الإصحاح 4 من سفر التثنية ، عدد 35
4) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 92 / الإصحاح 4 من سفر الخروج ، عدد 16 ، وقد جاء فيه « وأنت تكون له إلهاً ».
5) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 96/ الإصحاح 7 من سفر الخروج عدد 1
6) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 92 / الإصحاح 4 من سفر الخروج ، ع ، عدد 10 - 14 .
لماذا أرسلتني ».(1)وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر العدد / عدد 11 : « لماذا أسأت إلى عبدك ».(2)وفي الثاني والثلاثين من الخروج / عدد 32 ، قال في شأن عبدة العجل : «والآن إنْ غفرت لهم ، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت ».(3)وفي الحادي عشر من العدد / عدد 22 و 23 أنّه شكّ في قدرة الله على إشباع بني إسرائيل من اللحم ، وخاطب الله بما يشبه الإنكار لذلك (4.)وذكرت التوراة أن موسى وهارون لم يؤمنا بالله كما في العشرين من العدد / عدد 12.(5)وعصيا قوله ، كما في السابع والعشرين / عدد 14(6.)و خاناه ، كما في الثاني والثلاثين من سفر التثنية / عدد 51(7.)### الموانع من نبوّة عيسى(علیه السلام على ما في العهدين)والمانع من نبوّة عيسى (عليه السلام - على ما في العهدين - أمور :)منها : التناقض في الكلام ، فقد نقل عن المسيح أنّه قال : « إن كنت أشهد
1) الكتاب المقدّس (العهد القديم) : 94 / الاصحاح 5 من سفر الخروج ، عدد 22 .
2) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 229 / الإصحاح 11 من سفر العدد ، عدد 11
3) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 141 / الإصحاح 32 من سفر الخروج ، عدد 32 ، وفيه : خطيتهم » بدل « لهم »
4) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 230 / الإصحاح 11 من سفر العدد ، عدد 22 – 23 .
5) الكتاب المقدّس (العهد القديم) : 246 / الإصحاح 20 من سفر العدد ، عدد 12 .
6) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 260 / الإصحاح 27 من سفر العدد ، عدد 14 .
7) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 334 / الإصحاح 32 من سفر التثنية ، عدد 51 .
لنفسي فشهادتي ليست حقاً » كما في خامس يوحنا / عدد 31(1.)ونقل عنه أيضاً أنّه قال : « إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حقّ » كما في ثامن يوحنّا / 14 (2.)ومن التناقض في الكلام أيضاً ما في تاسع عشر متّى (3لمّا قال له بعض الناس : « أيّها المعلّم الصالح » أنكر عليه هذا القول وقال : « لماذا تدعوني صالحاً ؟! ليس أحد صالحاً إلّا واحد هو الله .» (4). ومثله في عاشر مرقس (5)/ عدد 18(6)والثامن عشر من لوقا / عدد 19(7))وهذا مناقض لما يحكى عن قوله : ( الإنسان الصالح » كما في ثاني عشر متى / عدد 35(8، وسادس لوقا / عدد 45(9)وقوله : « أنا هو الراعي الصالح . أما أنا فإنّي الراعي الصالح » كما في عاشر يوحنّا / عدد 11 و 14(10). ومن هذا القبيل أيضاً ما في ثاني عشر متى / عدد 30 : « من ليس معي فهو)
1) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 154) (إنجيل يوحنّا ) / الإصحاح 5 ، عدد 31 .
2) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 162) (إنجيل يوحنا) / الإصحاح 8، عدد 14 .
3) هو أوّل الأناجيل الأربعة .
4) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 35 (إنجيل متى ) / الإصحاح 19 ، عدد 16 ، 17 .
5) هو ثانى الأناجيل الأربعة .
6) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 74 (إنجيل مرقس ) / الإصحاح 10 ، عدد 18
7) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 129) إنجيل لوقا / الإصحاح 18 ، عدد 19 .
8) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 22) (إنجيل متى) / الإصحاح 12 ، عدد 35 .
9) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 103 (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 6 ، عدد 45 .
10) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 166 (إنجيل يوحنّا ) / الإصحاح 10 ، عدد 11 و 14 .
عليَّ ، ومن لا يجمع معي فهو يفرّق » (1وكذا في حادي عشر لوقا / عدد 23(2). وهذا مناقض (3)لما يحكى من قوله : « من ليس علينا فهو معنا » كما في تاسع مرقس / عدد 40(4)وتاسع لوقا / عدد 50(5).)ومنها : ما ذكرت الأناجيل من أنّ المسيح - وحاشاه - شريب خمر ، أي كثير الشرب لها ، كما في سابع لوقا / عدد 32 إلى 35(6، وحادي عشر متى / عدد 17 إلى 20(7).)وأنّه قال في الخمر قول المودّع المولّع بها المتلهّف عليها ، كما في السادس والعشرين من متى / عدد 27 و 29 (8، ورابع عشر مرقس / عدد 23 و 25(9)والثاني والعشرين من لوقا / عدد 17 و 18(10).)وأنّه حضر مجلس العرس المنعقد للسكر ، وإذ نفد خمرهم عمل لهم بمعجزة
1) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 22 (إنجيل متى ) / الإصحاح 12 ، عدد 30 .
2) الكتاب المقدس (العهد الجديد : 115 / إنجيل لوقا ) / الإصحاح 11 ، عدد 23
3) بيان المناقضة : أنّ من ليس على المسيح ولا معه محكوم بحكم من عليه بمقتضى الفقرة الأولى ، وبحكم من معه بمقتضى الثانية .
4) الكتاب المقدّس (العهد الجديد : 73 (إنجيل مرقس ) / الإصحاح 9 ، عدد 40 .
5) الكتاب المقدس (العهد الجديد : 111) (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 9 ، عدد 50 .
6) الكتاب المقدّس (العهد الجديد ) : 105 إنجيل لوقا) / الإصحاح 7 ، عدد 34
7) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 20 (إنجيل متى ) / الإصحاح 11 ، عدد 19
8) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 49 (إنجيل متى ) / الإصحاح 26 ، عدد 27 ، 29 .
9) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 83 (إنجيل مرقس ) / الإصحاح 14 ، عدد 23 ، 25
10) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 137 (إنجيل لوقا / الإصحاح 22 ، عدد 17 - 18 .
ستّة أجران من الخمر ، كما في ثاني يوحنّا / عدد 1 إلى 11(1.)ومنها : ما نسبت الأناجيل إلى قدس المسيح - وحاشاه - من قوله ما يرجع إلى تعدّد الآلهة ، كما في عاشر يوحنا / عدد 33 إلى 37(2.)وكذا تعدّد الأرباب ، كما في الثاني والعشرين من متى عدد 41 إلى 46(3وثاني عشر مرقس / عدد 35 إلى 38(4)والعشرين من لوقا / عدد 41 إلى45 (5).)وذكرنا (6عن التوراة ما يدلّ على توحيد الربّ ، بل جاء في ثاني عشر مرقس / عدد 29: « الربّ إلهنا ربّ واحد ».(7))ولا يخفى أنّ الأناجيل الثلاثة المذكورة (8تذكر في هذا المقام أنّ المسيح أنكر قولهم إنّ المسيح ابن داود ، واحتج لذلك بأنّ داود قال في المزامير عن الوحي : قال الرب لربي» وكذا في ثاني أعمال الرسل / عدد 34(9)والمراد من ذلك أوّل المزمور العاشر بعد المائة (10)، مع أنّ الموجود فيه في الأصل العبراني حتّى إلى الآن :)
1) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : (147 (إنجيل يوحنّا ) / الإصحاح 2 ، عدد 1 - 11 .
2) الكتاب المقدس (العهد الجديد : 167 (إنجيل يوحنا ) / الإصحاح 10 ، عدد 34 - 35 .
3) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 41) (إنجيل متى ) / الإصحاح 22 ، عدد 41 - 45 .
4) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 80 (إنجيل مرقس ) / الإصحاح 12 ، عدد 35 - 37 .
5) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 134 (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 20 ، عدد 41 - 44 .
6) في ص 15 .
7) الكتاب المقدس (العهد الجديد : 79 (إنجيل مرقس / الإصحاح 12 ، عدد 29 .
8) في الهوامش 3 - 5 .
9) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 192 ( أعمال الرسل) / الإصحاح 2 ، عدد 34 .
10) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 12 / المزمور 110 ، عدد 1 .
«نؤم (1يهوه لادناي » وترجمته الحرفية : « أوحى الله لسيدي » وهذا خال عن ضلال الكفر وتعدّد الأرباب .)فليت شعري من أين جاء هذا التحريف ؟! هل جاء من المسيح وحاشاه ؟! أو من كتبة الأناجيل والأعمال ؟؟؟ أم يقول النصارى : جاء من تحريف اليهود للمزامير ؟!لا ، لا ، فإنّ التوحيد الحقيق يشهد بأنّ التحريف وضلال الكفر وسخافة الاحتجاج المناقض لافتخار العهد الجديد بكون المسيح ابن داود ، كلّه جاء من كتبة الأناجيل والأعمال ، كما أنّ النصارى الذين ترجموا المزامير حرّفوا تراجمهم تأسياً بتحريف الأناجيل ، فانظر واعجب .### الموانع من كون العهدين كتب وحي وإلهاموالموانع من كون العهدين كتب وحى وإلهام أمور كثيرة :منها : ما وجدناه فيها من إسناد القبائح والشرور إلى الله تبارك وتعالى وإلى الأنبياء (عليهم السلام الممتنع ذلك في حقهم بحكم العقل القطعي .)فمنها : ما في ثالث التكوين من خوف الله تبارك وتعالى من آدم أن يأكل من شجرة الحياة ، لأنه صار مثل الله في معرفة الخير والشر / عدد 22(2.)ومنها : مصارعة يعقوب مع الله تبارك وتعالى ، حتّى أنّه لم يقدر على يعقوب فطلب منه أن يطلقه فلم يطلقه حتّى باركه (3، أنظر في الثاني والثلاثين من التكوين / عدد 24 إلى 31(4))
ومنها : ما في العشرين من إشعياء ، من أنّ الله أمر نبيه إشعيا أن يمشي عرياناً وحافياً بين الناس ثلاث سنين ، عدد 1 إلى 5(1.)ومنها : ما في الرابع من حزقيال ، من أنّ الله أمر نبيه حزقيال أن يأكل كعكاً من خبز (2الشعير ، الذي يخبزه أمام عيون بني إسرائيل على الخرء الذي يخرج عن الإنسان ، عدد 12 إلى (15(3).)ومنها : ما في أوّل هو شع ، من أن الله أمر نبيه هو شع أن يأخذ لنفسه امرأة زنا وأولاد زنا (4.)ومنها : ما في الثامن عشر من التكوين / عدد ،8 ، والتاسع عشر / عدد 3 من أكل الله عزّوجل من طعام إبراهيم (5ولوط (6).)ومنها : ما في تاسع التكوين / عدد 21 : « فشرب نوح من الخمر فسكر و تعرّى داخل خبائه».(7)ومنها : ما في سابع لوقا / عدد 33 - 34 : « لأنّه جاء يوحنا المعمدان (8لا)
1) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 1014 / الإصحاح 20 من سفر إشعياء ، عدد 1 - 4 .
2) لا توجد هذه الكلمة في المصدر ، فراجع .
3) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 1180 / الإصحاح 4 من سفر حزقيال ، عدد 12 - 14 .
4) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 1286 / الإصحاح 1 من سفر هوشع ،عدد2
5) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 25 / الإصحاح 18 من سفر التكوين ، عدد 1 - 8.
6) لاحظ جيداً المصدر المتقدّم : 27 / الإصحاح 19 من سفر التكوين ، عدد 1 - 3 .
7) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 15 / الإصحاح 9 من سفر التكوين ، عدد 21 [ وفيه : وشرب من الخمر ... ] .
8) يوحنا المعمدان هو الذي كان يغسل الناس تطهيراً لهم قبل المسيح .
يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان . جاء ابن الإنسان (1يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر » (2)ونحوه في حادي عشر متى / عدد 19(3).)ومن جملة الموانع ما وجدناه فيهما من التناقضات في النقل والحكايات : فمنها ما ورد في السابع والعشرين من متى / عدد 44 في السارقين المصلوبين مع عيسى (عليه السلام من أنّهما كانا يعيّرانه (4). وهو مناقض لما ورد في الثالث والعشرين من لوقا / عدد 39 إلى 44 من أن أحدهما عيّره وجدف (5)عليه فلامه الآخر وبرأ المسيح ومجده (6).)ومنها : ما ورد في ثالث يوحنّا / عدد 13 : « وليس أحد صعد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء » (7وهذا يناقض صعود إيليا إليها ، كما في ثاني الملوك الثاني / عدد 11(8).)وفي هذا المقدار الطالب الحق كفاية ، فإنّ الإكثار يخرج عن حد البحث إلى سوء القالة
1) هو نفس المسيح
2) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 105 إنجيل لوقا ) / الإصحاح 7 ، عدد 33 - 34 .
3) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 20 (إنجيل متى ) / الإصحاح 11 ، عدد 18 - 19 .
4) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 53 (إنجيل متى ) / الإصحاح 27 ، عدد 44 .
5) أي تكلّم معه بكلمة الكفر .
6) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 141 إنجيل لوقا / الإصحاح 23 ، عدد 39 - 42 .
7) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 149 (إنجيل يوحنّا ) / الإصحاح 3 ، عدد 13 .
8) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 584 / الإصحاح 2 من سفر الملوك الثاني ، عدد 11 .
### الأمر الخامس : في إبطال ما توهم أنّه دليل على عدم بلاغة القرآن الكريمالأمر الخامسفي إبطال ما توهّمه دليلاً على عدم بلاغة القرآن ، وهو على قسمين :قسم ليس فيه ما يوهم ذلك ، بل ادّعاؤه دليل على أن المدعي لا يدري بما يقول ، أو لا يبالي بما يقول .وقسم ربما يوهم ذلك ، إلّا أنّه يكشف عن عدم تدرّب المتوهّم في فهم سوق الكلام ، وعن عدم كونه من أهل اللسان .أمّا القسم الأوّل : فمنه ما ادّعى من التنافر في المفرد والمركب في قوله تعالى : (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ (1)وفي قوله تعالى : (أَنفِقُوا ممّا رَزَقَكُمُ الله) (2)وفي قوله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ) (3).)وليت شعري لماذا اقتصر هذا المدعي على هذا المقدار ؟! بل إنّ أكثر الكلمات العربية تثقل على لسان غير العربي - كالزنجي والأوربي ونحوهما - ممن لا يحسن النطق بالثاء والجيم والحاء والذال والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف والكاف والهاء ، فكيف إذا اجتمع في الكلمة من هذه الحروف حرفان أو ثلاثة ؟! فكان على هذا المدّعي أن يقول : إنّ اللغة العربية والقرآن جلّها متنافرة علىنوع الزنجي والأوربي ونحوهما ، فتقرّ عينه بهذه الدعوى !
ومنه ما ادّعى من الغرابة في لفظة (الْكَوْثَر (1)مع غفلته عن أنّه بمعناه اللغوي لم يكن مجهولاً لمعاصري النبي (صلى الله عليه وآله) وإنّما فسره النبي (صلى الله عليه وآله) باعتبار المراد من المعنى الكلّي ، وأين هذا من الغرابة ؟!)ومنه ما توهّم من الكراهة في السمع في لفظة (ضِيزَى (2)ولا يخفى أنّ من نظر إلى كتب اللغة وخصوص كتاب لسان العرب (3)يعرف كثرة استعمال العرب للفظة « ضيزى » وتصاريف مادّتها في الشعر والنثر ، وأنّ لهم فيها بحسب كثرة استعمالها لغات كثيرة . ومن ذا الذي قال من العرب : إنّها كريهة ؟! ومن ذا الذي عابها منهم ؟! ولئن كانت - أخيراً - قليلة الاستعمال عند المولّدين والدخلاء فإنّ ذلك لا ينقص من مجدها ومألوفيتها عند العرب ، وأن للمولدين في التحكم في الألفاظ العربية شؤوناً تتقلب بها أزمانهم وألفتهم ، وإنّما يضر ذلك بتعربهم لا بالعربية ! وعناية القرآن إنّما هي بسداد لغة العرب ، لا بتحكّمات المولّدين والدخلاء .)ومنه ما توهّم من مخالفة القياس في قوله تعالى : (وَالله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (4)قال : « القياس إنباتاً » لتوهّمه أنّ المراد بالنبات المصدر ، وغفلته عن أنّ المراد منه اسم العين ، لمساواة أحوال الإنسان لأحوال النبات في نموه وأطواره في البهجة والذبول ، وفي هذا التعبير من الفائدة التي يقتضيها الحال ما لا يكون بلفظ الإنبات .)
ومنه ما توهّم - ص 15 - في قوله تعالى : (فِي جِيدِهَا حَبْلُ مِنْ مَسَدٍ (1)من أنّ التبديل بلفظ (سلب) أولى ، قال : « فإنّ المسد ليف المقل ، والسلب أيضاً كذلك » مع جهله بأنّ المسد ليس هو ليف المقل ، بل هو مطلق المفتول بشدة ، أو الليف المفتول بشدّة ، سواء كان من المقل أو النخل أو غيرهما .)ومنه ما توهّم من الركاكة - ص 21 - في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى (2)قال : « وهذا تحصيل حاصل ، فليس له من فائدة » مع غفلته عن أنّ اللام في الآية للعهد ، والمراد أنّ الذكر المعهود بيني وبينك ليكون - بحسب النذر - نذيراً محرّراً لخدمة بيت المقدس - على رسوم بني إسرائيل - ليس كالأنثى التي لا تقوم بوظائف النذير وخدمة البيت المقدّس كما أرادت أمها أن تتقرّب به إلى الله .)ومنه ما توهّم من الركاكة أيضاً - ص 21 - في قوله تعالى : (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى (3)بتوهم أن الضمير عائد إلى الأنثى ، مع الغفلة عن رجوعه إلى كلمة (ما) في قوله تعالى : (مَا فِي بَطْنِي، وإنما أنت لمطابقة الحال .)ومن كبائر الوهم معارضته لقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (4)بقوله : « الحمد للرحمن . ربّ الأكوان » إذ لم يشعر بأن لفظة (الله) علم للذات المقدّسة الجامعة لصفات الجمال والجلال ، وأنّ الله بيّن أنّه ربّ العوالم بأسرها دلالة على تعدّدها ، كما هي متعدّدة في مراتبها ترتباً ومقارنة ، فضلاً عن تعدّدها من حيث المادية والروحية ، ولا يصلح لفظ الأكوان لشيء من ذلك .
وكذا معارضته لقوله تعالى : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (1)بقوله : « الملك الديّان . لك العبادة وبك المستعان « فإنّه غفل عن أنّه ليس المقصود فى البيان مجرّد أنّ الله ملك ديّان ، بل المقصود ذكر يوم الدين ، وتثبيت المعرفة به ، والرهبة من نكاله ، والرغبة في جزائه ، وبيان عظمة ملكوت الله وإحاطة سلطانه القاهر بشؤون يوم الدين .
كما أنّه ليس المقصود مجرّد بيان أنّ له العبادة وبه المستعان ، بل المقصود تلقين المؤمن بأن يخضع الله بالعمل ، والاعتراف بالطاعة الله دون غيره ، ويستكين له بالاستعانة والالتجاء إليه تعالى وحده .
وكذا معارضته لقوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) (2)بقوله : « اهدنا صراط الإيمان » مع جهله بأنه ليس المقصود هو مجرّد الهداية إلى الإيمان ، بل الصراط الممجّد باستقامته في الإيمان، والعلم ، والأخلاق ، والعبادات والمعاملات ، والسياسة ، والرئاسة ، والكلام ، والكتابة ، والتأليف ، وجميع لوازم الإنسان في المدنية والاجتماع ، وما يقوم بنعمته في حياته الأولى ومعاده .
وكذا قوله : « إنّ ما بعد الصراط المستقيم حشو و تحصيل حاصل » وقد غفل عن أنّ السلوك في هذا الصراط الفاضل هو روح الحياة الحقيقية ، وجامع السعادة بالنعم ، وشأن الحكيم أن يرغب إليه ، وينشّط طالبيه بإيضاح مجده وقبح ضده فأوضح القرآن مجده ، ومجد سالكيه بالاستقامة ، وشرف اختصاصه بالسعداء بالنعمة ، دون الناكبين عنه ، المتلوّثين بخساسة التعرّض لغضب الله ، والمتدنسين برجاسة الضلال ، وهذه المطالب العالية من أوّل ما يلزم بيانه على الهادي الحكيم .
وهذا بعض ما أمكن بيانه من فوائد الآيات في هذا المختصر .
هذا مع أنّ المعارض بمعارضته الرديئة لم يهتد إلّا باتباع أسلوب القرآن وتقليده ، وقد أشرنا في التمهيد (1)أنّ المعارضة لا يكون لها أدنى حظ إلّا بالأسلوب الابتدائي .
وممّا ذكرنا تعرف الشطط والغرور في دعوى المعارضة ص 15 - في قولهم (2): « إنا أعطيناك الجواهر . فصل لربّك وجاهر . ولا تعتمد قول ساحر » ولا عجب من عجبه بهذا الكلام !
وكذا عجبه بقول بعض الشيوخ : « يا أيها الذي غوى . وهام في ليل الهوى . الفت ما وهى . فرأيته معجز القوى . فسر في صبح الهدى . وانهج ما استوى . معجزة الله ترى . كنشر الميت وبرء ذي العمى . ودينه الحق والسوى . ونفع الأولياء والعدى ».
وكيف ألومه ، وهذا الكلام يساعده على الكفر والجرأة على قدس القرآن الكريم ؟! ولا أقول له ، بل أقول لغيره : إن قوله : « وهام في ليل الهوى » غلط في المعنى الذي يريده ، فإنّ الهيام إنما يناسب هوى العشق ، كما نظم الشعراء هذه الفقرة كثيراً ، وسرقها المتكلّم لغرضه بدون تعقل ، فإنّ هوى الضلال كما يزعم إنما يناسبه أن يقول : تاة .
وأمّا قوله : « ألفت ما وهى » فإنّي أحكّم فيه كل مستشرق عالم حرّ وأسأله : هل القرآن الكريم واه في معارفه وآدابه وأخلاقه واجتماعه وسياسته وأسلوبه وبلاغته في الكلام العربي ؟!
وليت شعري ما معنى قوله : « معجز القوى » وهل نقول إلّا أنّ القرآن أعجز البشر عن الإتيان بمثله ، فما هو ربط القوى التي منها الباطشة والسامعة واللامسة والشامّة والهاضمة والجاذبة ؟! ولئن كان هذا اللفظ صحيحاً فالغلط ما هو ؟!
وما هو المعنى في تقديم المفعول في قوله : « معجزة الله ترى » فهل من يسير في صبح الهدى تنحصر رؤيته بمعجزة الله ؟! فما تقديم المفعول هنا إلّا من سخيف التكلّم بالعربية ، بل إنّ مراده لا يصح إلّا بتقديم « ترى » التي يلزم جزمها بحسب مراده فإبقاؤها على الرفع غلط ، إلّا أن يقول : إنّ جملتها لغو لا يرتبط بالكلام !
وقوله : «كنشر الميّت وبرء ذي العمى » يريد به معجزات المسيح التي تذكرها الأناجيل ، ولا يخفى أنّ المتفاهم من نشر الموتى لا يعمّ الإحياء المذكور في الأناجيل ، بل هو إحياء ما تفرّقت أوصاله وبليت صورته .
وقوله : « برء ذي العمى » لا يفهم منه البرء من العمى إلّا بلعلّ وليت ، ولو قال : « برء العمى » لصح كلامه . فلفظة « ذي » لغو زائد يعود بالكلام إلى الخلل .
وقوله : « ودينه الحق والسوى » إن أراد بواوه العطف على « معجزة الله » فهو واهِ مختل بسبب الفاصلة الأجنبية ، وإن أراد الاستئناف فعلى م يعود الضمير في دينه » ؟! وماذا يكون موقع « السوى » ؟! فإنّه وإن قيل : أنّه بمعنى العدل - من المساواة - لكنّه لم يرد في الصحيح من الكلام إلّا وصفاً ، أو مضافاً إلى الموصوف فلا يصح عطفه على الخبر ابتداءً .
هذه أغلاط هذا الكلام ، وأمّا ركاكته وسخافة نظمه فأمرها موكول إلى وجدان العارف بمجد الكلام العربي في بلاغته ، ودع « حسن الإيجاز » يكثر في تمجيد هذا الكلام كما كتبه
ومنه ما توهّم من منافاة التكرار في القرآن الكريم للبلاغة ، ولا يخفى - على من له أقل إلمام بالفهم - أن للعرب وغيرهم في تكرار ما يعتنى بشأنه مقاماً راقياً
يتسابقون إلى نيله حسب إعطاء المهم حقّه من البيان .
ولأجل أنّ الشواهد على ذلك كثيرة فالأولى بهذا المختصر أن يحيل بيان بعضها على الجزء الأوّل من كتاب « الهدى » (1)، وقد ذكر في أثنائها ما جاء في العهدين - وخصوص الأناجيل - من بعض التكرار الكثير .
ومن جملة ذلك أنّه تكرّر في المزمور المائة والسادس والثلاثين ستاً وعشرين مرّة قوله : « لأنّ إلى الابدّ رحمته »(2)وذلك لأن المزامير ناظرة بأسلوبها إلى مقام ) البلاغة ، مع أن المزمور المذكور لا يبلغ نصف سورة « الرحمن »!
ومن ذلك تعرف حال « حسن الإيجاز » في أدبه وقوله الساقط : « والخلاصة أنّه ليس في كتاب مثل ما في القرآن من التكرار » ولعلّ ذلك لأن كتب وحيه ليس لها عنده قيمة تستحق بها أن ينظر إليها ويعرف ما فيها ، فراجع كتاب « الهدى »فيما ذكرناه .
وإن كان المعترض يتعرّض لتكرار القرآن لقصصه ، فهل يخفى على ذي المعرفة محلّ ذلك من البراعة والبلاغة ، وبيان القدرة على إيراد القصّة حسب مناسباتها بعبارات مختلفة كلّها راقية في مقامها ، من دون تناقض ولا اختلاف جوهري ؛ لا كما وقع في الأناجيل من التناقض والاختلاف الجوهري الكبير الكثير في قصصها التي تكرّرت فيها ، مع أنّ كلّ واحد من الأناجيل لا يبلغ مقدار مجلّة شهرية .
وكذا التوراة حيث تعرّضت لمراحل بني إسرائيل ، فذكرتها في الثالث
والثلاثين من سفر العدد (1)، وكرّر ذكرها في العاشر من التثنية / عدد 6 و 7 و 8(2)فوقعت في التناقض والاختلاف الباهض ، فضلاً عن خلل المناسبة ، وعدم الربط بالمقام . وفي هذا الأنموذج من الاختلاف هاهنا كفاية .
ومن جملة ما تشبّث به مزاعم بعض القرّاء والنحاة في قراءتهم وخيالاتهم في اللغة العربية .
وقد أشرنا في التمهيد (3)أنّه لا اعتداد بتحكمات الدخلاء والمولّدين وشكوكهم في اللغة العربية التي لم يصلوا بتعلّمهم الناقص إلى مزاياها ونكاتها وحقائقها .
وأما القسم الثاني : فمنه ما توهّم من التغيير في قوله تعالى : (وَطُورِ سينينَ) (4)قال : « وهو طور سيناء ».
ولا يخفى أنّ لهذا المسمّى في اللغة العربية اسمين « سيناء » و « سينين » كما يسمّى في العهد القديم مرّة «سيني» بفتح النون وإسكان الياء ، ومن ذلك ما في التاسع عشر من الخروج / عدد 2 و 18 و 20(5)، والمزمور الثامن والستين / عدد 9(6).
1) الكتاب المقدّس (العهد القديم) : 270 / الإصحاح 33 من سفر العدد .
2) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 295 / الإصحاح 10 من سفر التثنية ، عدد 6 - 7 .
3) في ص 6
4) التين 95 : 2 .
5) لاحظ الكتاب المقدس (العهد القديم) : 117 / الإصحاح 19 من سفر الخروج ، عدد 1 ، 2 18 ، 20 [ فقد ورد فيها « سيناء » ] .
6) لاحظ الكتاب المقدس (العهد القديم) : 878 / المزمور 68 من سفر المزامير ، عدد 9 [ فقد ورد فيه «سينا » ] .
ونصّ في حاشيته على ذلك بقوله : « فتح بأتنح ».
ويسمّى مرّة أخرى « سيناى » بالفتحة المشالة إلى الألف ، ومن ذلك ما في السادس عشر من الخروج / عدد 1 ، والتاسع عشر / عدد 1 / عدد 1 و 11(1).
وقد أقسم القرآن بالبلاد المقدّسة (2)تعظيماً لشأنها ، وكنّي بالتين والزيتون (3)عن منبتهما ، وهي الأرض المقدّسة ، أرض الموعد . والتين فاكهة شهية وغذاء يتقوّت به الإنسان من دون مشقة وعمل ، فقُدّم على الزيتون ، إشعاراً بفضله ، فإنّ عناية القرآن إنما هي بمهمات البلاغة من جهة المعاني ، لا بتزويق الألفاظ بالسجع الفارغ ، فانظر إلى شطط « حسن الإيجاز » في هذا المقام .
ومنه ما توهم من ضعف التأليف والتعقيد في قوله تعالى : (أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيْماً ) (4)بتوهّم أنّ (قَيِّماً) حال من (الْكِتَابَ) والواو في وَلَمْ يَجْعَلْ للعطف ، مع غفلته عن أنّه لا لزوم في هذا التحكّم ، بل تكون الواو حالية و قيماً حالاً بعد حال ، أو حالاً من ضمير لَهُ) ، ومعنى « القيم» كونه قائماً بأمور العباد في المعارف والشريعة والإرشاد والإنذار ، كما يقال : قيّم المرأة ، وقيم اليتيم ، وقيّم القوم .
ومنه ما توهّم من تقديم ما يقتضي الحال تأخيره في قوله تعالى : (الرَّحْمَنِ (5)
1) لاحظ الكتاب المقدس (العهد القديم) : 112 ، 117 / الإصحاح 16، 19 من سفر الخروج ، عدد 1 ، 1 ، 11 [ فإنّ الوارد فيها : «سيناء » وورد أيضاً في عدد 1 من الإصحاح ، 16 « برية سين » ]
2) التين 95 : 1،3 .
3) التين 95 : 1،3 .
4) الكهف 18 : 1 ، 2
5) أي بفتح وسطه . [ لعلّ المراد الحاشية على «حسن الإيجاز » ] .
الرَّحِيمِ) . (1)قال : « فإنّ الكلام موجب ، فيقتضي تقديم أدنى الوصفين للترقّي من الأدنى إلى الأعلى».والجواب : أنّ صيغة « فعلان » وإن كانت للمبالغة ، إلّا أنّ في صيغة « فعيل »ما ليس فيها ، وهو الدلالة على كون الوصف ذاتياً للموصوف ، كالعليم والقدير .
ومنه ما توهّم من تأخير ما يقتضي الحال تقديمه في قوله تعالى : (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (2)قال : « والمقتضى : نوم ولا سنة ، للتدلّي من الأعلى إلى الأدنى » .
والجواب : أنّ مقتضى الحال هو تقديم السِنة على النوم دون العكس ، وإن كان الكلام نفياً ، لأنّ الأخذ بمعنى الغلبة ، فالمناسب في الاستقصاء أن تنفي أوّلاً غلبة الضعيف وهي السنة ، ثم تنفي غلبة القويّ وهو النوم ، دون العكس ، كما لا يخفى على غير البسطاء ، كما تقول : لا يغلبك عشرة رجال ولا مائة ، فإنّه لو قدّم المائة التي هي المرتبة العليا لزم التكرار والزيادة في ذكر العشرة التي هي المرتبة السفلى .
ومنه ما توهّم اللحن من نصب المرفوع في قوله تعالى : (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) (3).
والجواب : أنّ النصب على المدح شائع معروف في اللغة العربية ، وقد صرّح بذلك جملة من أهل الأدب (4)، وترجيح (الصَّابِرِينَ) في الآية على قوله : (الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) من جهة أنّ الوفاء بالعهد - مع كونه حسناً - يعمّ جميع أصناف الرجال مع اختلافهم من حيث النقص والكمال ، وأمّا الصبر - المذكور في الآية - فلا يتّصف به
إلّا من كان في أعلى مراتب العقل والإيمان .
ومن ذلك تعرف شطط قوله : « لأنّ قوله : (الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) أولى منها لتقدّمها ، ونفع الوفاء بالعهد ليس بأقل من نفع الصبر » .
ومنه تعرف سقوط اعتراضه على نصب حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) (1)، مع أنّ النصب على الذمّ يساوق النصب على المدح عند البلغاء في فوائده .
وكذا قوله : « إذ امْرَأَتَهُ) أولى بذلك النصب من حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) » إذ لم يشعر أنّ الذمّ في نفس هذا الوصف والتوصيف ، لا في كونها امرأته .
ومنه ما توهّم من رفع المنصوب في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى) الآية (2).
والجواب : أنّ عطف المرفوع على منصوب (إِنَّ) ممّا لا يمكن إنكار جوازه بشواهده المحفوظة فى اللغة العربية (3).
نعم ، مقتضى البلاغة أن يكون تغيير الأسلوب لنكتة ، والنكتة في الآية هي الإشارة إلى أنّ الصابئين وإن كانوا أشدّ بعداً من التوحيد الحقيقي إلّا أنهم مشتركون مع اليهود والنصارى في أنّ من آمن منهم وعمل صالحاً فهو آمن .
على أنّ من المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله ) كان من العرب الذين يُستشهد بكلامهم على صحة التركيب العربي ، وأنه أعرف بالعربية من الشعراء المولّدين الذين يُستشهد بكلامهم على ذلك ، فلو لم يكن كلامه وحياً من الله فلابدّ أن نحكم
بصحّته ، لكونه من العرب الذين يكون تكلّمهم باللغة دليلاً على صحّتها .
ثمّ لا يخفى على كلّ من يفهم أنّه لا يلزم في الكلام أن يكون كلّه متسلسلاً في أمر واحد بسيط كرواية رومانية ، أفلا تنظر إلى خطب الملك إذ تتضمّن جملاً كل منها متكفّل بفائدة كبيرة في مهمات الإصلاح، كالوعظ والإنذار والتهديد والنظر في الشؤون الخارجية والداخلية والعدلية والمعارف النافعة والعسكرية وغيرها والترغيب ببيان مجد المملكة والحكومة ونتائج ترقّيها ، والتنبيه على دسائس الأجانب في تهديدها ، إلى غير ذلك ممّا يهم الملك في الإصلاح ، حسب ما يقتضيه المقام من التنقل في المهمات ؟!
فهل يقول ذو عقل : إنّ خطبته قد انقطع بعض مضامينها عن بعض ، فهي معيبة ليس لها شيء من مجد التسلسل الموجود في ألف ليلة وليلة ، أو (رومان) زيدان ، أو (أفسانة) حسين كرد ؟!
كلّا ، بل انظر أيضاً إلى خطب الوزراء والأمراء وأعضاء المجالس الملّية .
والقرآن جاء على أرقى نهج في الهداية والتعرّض لمهمات الإصلاح العام، مع جريانه على البراعة بتهذيب اللفظ من الفضول ، فمن فضله أن كل سورة منه جاءت مشتملة على عدة مضامين ، عالية في الإصلاح ، يفهمها بأمجد إفهام ، لا ككلام فارغ طويل في أمر واحد بسيط زهيد .
أوليس من الجهل قول « حسن الإيجاز » : « ومن مزيلات البلاغة عدم المناسبة بين الآيات ، فتراها في أكثر السور منقطعاً بعضها عن بعض ، أجنبياً عنه »؟!
ومن المضحكات استشهاده الجهله بسورة العلق ! وحيث أنّه تعرّض لها بخصوصها ، فلنقتصر على بيان البعض من مفادها مع قلة ألفاظها ، وقد تضمّنت عدة من المضامين العالية بأوجز لفظ، وأظهر معنى في الامتنان بالخلق الباهر ، وبيان
فضل الله على الإنسان بنعمة المعرفة والعلم الذي هو الحياة الكاملة ، والتنبيه على أنّ نوع الإنسان هل يلتفت إلى عدمه وجهله وشرفه بعد ذلك بنعمة الوجود والعلم فيتواضع للعرفان والصلاح ، ويختار الهدى على الضلال ؟ (کلّا) (1)بل يتغاضى بغيّه عن ذلك ، ويتناساه (وَيَطْغَى أَنْ رَآهُ) بوهمه (اسْتَغْنَى) وهو الفقير في جميع أحواله وكفى بذلك موعظة وتوبيخاً يستلفت الحرّ إلى رشده .
ولكنّ القرآن زاد في لطف الإرشاد وتعليم المعارف ، فهدّد الإنسان المتمرّد بأنه إن لم يتعظ بما ذكر ، بل اغتر بتمتعه بالنعم في زمان المهلة القصير في هذه الحياة ( فإِنَّ إِلَى الله الرُّجْعَى) في يوم الحساب والنكال .
ثم ترقّى بالتوبيخ للإنسان على سفاهة ضلاله ، بالإشارة إلى ما يشاهد من سفاهته الفاضحة ، وأنه لم يكتف بغواية نفسه ، بل ينهى غيره عن الصلاة التي هي رابطة الصلاح ومظهر المعرفة ، فكم ترى في هذا الإنسان من الخسة والسفاهة ! وكيف تراه في الكمال والمعرفة والسداد (إن كان على الهدى) أو ترقى لإرشاد غيره (وأمر بالتقوى ) التي بها نظام الدين والدنيا .
ثم ترقّى بالتوبيخ للإنسان على استرساله وتهوّره في الغي ، وقال : كيف تراه مع وضوح ما ذكر من الحجج الساطعة ( أن كذب) بعناده (وتولّى) بتمرّده ؟!
وانظر إلى الجمل الباقية الفاضلة في المضامين العالية ، ثمّ انظر إلى انتظام جمل السورة بأجمعها في سلك إصلاح الإنسان بالامتنان بالنعم ، وموعظته وتوبيخه وإنذاره وتهديده والتحذير منه .
وأظنّ أنّ تعصّب « حسن الإيجاز » لا يدعه يفهم ذلك لكي يصدّق به ، فإنّ داء التعصّب عضال .
1) هذه الكلمة وغيرها ممّا يأتي بين قوسين وردت لفظاً أو معنى في سورة العلق 96 : 6 - 8 11-13
الأمر السادس
قال « حسن الإيجاز » : « ورأى بعضهم أنّ إعجاز القرآن ما فيه من أنباء الماضي، مع أنّ الذي ادعى أنّه أوحي إليه أمي لا يعرف القراءة .
وهي دعوى لم أقف على أوهى منها ، فإن كثيرين من الشعراء الأميين نظموا كثيراً من أنباء الماضي ، لأنّ الأمّي يسمع ويحفظ ، وحضرة نبي المسلمين كان يسمع أنباء الماضي من اليهود والنصارى والعرب وغيرهم ، وكان يخالط بعض الرهبان والأحبار وعلماء اليهودية والنصرانية ، ويساعدوه وينصرونه في أوّل أمره لتصديقه كتبهم ، وأمل كلِّ من الفريقين أن يكون منهم ، ويهدي الوثنيين إلى دينهم على أنّه كان ينسى بعض ما يحدثونه به ، فيؤلّفه وفيه خطأ كثير».
قلنا : لم يقل أحد : إن إعجاز القرآن هو محض ما ذكره ، بل أنّه أحد وجوه إعجازه كما أشرنا (1)، وذلك أن القرآن اشترك مع العهدين في أصول قصص كثيرة ولكنّه خالفها بمخالفات كبيرة ، تعود إلى تصحيحهما وتهذيبهما ممّا فيها من خرافات الكفر ، وما ينجرّ إليه من الوقيعة في قدس الأنبياء . ولو كان رسول الله قارئاً ينظر إلى العهدين ، أو حافظاً يأخذ من اليهود والنصارى ، لنقل تلك القصص على خرافاتها ، وكان ذلك هو اللازم له في تقربه إلى اليهود والنصارى ، والأسلم من نقدهم عليه بالمخالفة .
فلم تكن تلك المخالفات الجارية على الحقائق المعقولة إلّا لصدورها عن وحي
1) لم يتقدّم تصريح بل إشارة إلى ذلك .
الله محقّ الحقّ ومزهق الباطل ، والعقل والوجدان يشهدان بأنّ رسول الله الذي نشأ بين وثنيين وحشيين خالين من كل المعارف، مجاوراً لليهود والنصارى الزاعمين بأنّ تلك الخرافات من وحي الله الصادق ، لو جاء بالقرآن من ناحية بشريته لأثبت تلك الخرافات على شناعتها ، وذلك لقصور أبناء جنسه في عصرهم المظلم ووحشيّة وثنيّتهم وجاهليّتهم العمياء عن إدراك خرافيتها وكفرها ، مع شيوع كونها من وحي الله عند أهل الكتاب ، ولكن وحي الله الهادي بيّن لهم ضلالهم في هذه الخرافات بأجمل إشارة .
وجاء في العهدين أيضاً قصص كفرية وخرافية لا أصل لها ، وهي ممّا يرغب أصحاب القصص في نقلها وإدخالها في ضمن مقاصدهم ، ولو كان القرآن من ناحية البشرية وأهوائها لوافق اليهود والنصارى أيضاً بذكر هذه القصص ، تقرباً إليهم وافتخاراً عندهم وعند العرب بسعة ميدانه في العلم والوحي ، ولكنّه مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1).
فليقل « حسن الإيجاز » ما قال ، وليكتب ما يكتب ، فإنّا نشكره إذا كتب مخالفات القرآن للعهدين تفصيلاً ، لكي نعرّفه وأصحابه الحق من الباطل .
فمن جملة المخالفات أنّ القرآن تعرّض مراراً لقصة آدم والشجرة (2)، فلم يذكر ما ذكرته التوراة الرائجة من نسبتها الكذب إلى الله جل شأنه ، والصدق والنصيحة للحيّة ، وخوف الله من حياة آدم ، ومحاذرته من أن يكون آدم مثله فيهدّد مملكته ، إلى غير ذلك من الخرافات، فراجع الفصل الثالث من سفر
التكوين (1)، فإنّك ترى العجب .
وذكر القرآن قصة بمجيء الملائكة إلى إبراهيم للبشرى (2)، وإلى لوط بإهلاك قومه(3).
ولكنّه لم يذكرهم تارةً ثلاثة ، وتارة واحداً ، وتارة اثنين ، ولم يصفهم تارةً بصفات الله ، وتارة بالملائكة ، وتارة بالأكل من طعام إبراهيم ولوط ، ولم يصفهم بعدم القدرة ، كما وقع كلّ هذه التناقضات الخرافية في التوراة ، فراجع الفصل الثامن عشر والتاسع عشر من سفر التكوين (4).
وذكر القرآن (5)قصة طلب إبراهيم من الله أن يريه إحياءه للموتى ، ليطمئن قلب إبراهيم بمشاهدة ذلك في الحسّ زيادة على إيمانه الغيبي بهذه الحقيقة .
فكانت قصّته مخالفة أشدّ المخالفة لقصّة التوراة في وعد الله لإبراهيم بأنّه يرث أرض فلسطين وقول إبراهيم : بماذا أعلم أني أرثها ، فقال الله له : خذ عجلة وعنزاً وكبشاً ويمامة وحمامة ، فأخذها وشقها من الوسط ، وجعل شق كلّ واحد مقابل صاحبه ، وأما الطير فلم يشقه ، فنزلت الجوارح على الجثث ، وصار إبراهيم يزجرها . أنظر في الخامس والعشرين من التكوين / عدد 7 إلى 12(6).
1) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 6 / الإصحاح 3 من سفر التكوين
2) في موارد منها ما في سورة هود 11 : 69 ، 74 ، العنكبوت 29 : 31 .
3) في موارد منها ما في سورة هود :11 : 77 ، الحجر 15 : 61 .
4) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 24 / الإصحاح 18 ، 19 من سفر التكوين .
5) البقرة 2 : 260 .
6) بل راجع الكتاب المقدس (العهد القديم) : 22 / الإصحاح 15 من سفر التكوين ، عدد 7 - 11 (مع اختلاف يسير).
فراجع المقام وانظر ما يناسب إيمان إبراهيم وأدبه مع الله ، وما هو وجه حجّة الله التي تفيد إبراهيم علماً ، وما هو محصّل القصة وغايتها ، وقل : بماذا يخرج ذلك الكلام عن الكلام الفارغ المبتور الخرافي ؟! وطابقها مع قصة القرآن ، وقل إن شئت بعد ذلك : إن كلام التوراة كلام الله ، وإن كلام القرآن كلام بشر أُمّي يخالف كلام الله في التوراة ، وابتهج في نفسك بتمييزك !
وذكر القرآن (1)قصص إرسال الله موسى إلى فرعون ليعظه، ويدعوه للإيمان وخشية الله ، وإطلاق بني إسرائيل من العبودية القاسية ، وأن موسى أراد أن يتعرّف البشرى بنجاح هذه الرسالة ، وأنهم لا يعاجلونه بالقتل والانتقام لصاحبهم ، وسأل من الله جريان الرسالة وحسن التبليغ ، والتأييد على أسبابها العادية في طلاقة اللسان والمؤازرة بالدعوة والإيمان ، فطلب مشاركة هارون بذلك ، فجرى القرآن الكريم في مكرّرات هذه القصّة على الوجه المعقول ، المناسب لجلال الله وقدس الرسول .
وحاشا كتاب الله أن يذكر ما ذكرته التوراة الرائجة من أنّ الله وعد موسى بالنجاح ، والمجيء ببني إسرائيل إلى أرض فلسطين ، وموسى مع ذلك يرفض الرسالة بسوء الأدب في الكلام (2).
وأنّ الله جلّ شأنه افتتح الرسالة بأن أمر موسى أن يأمر شيوخ بني إسرائيل بالكذب على فرعون بقولهم : « إله العبرانيين التقانا » وأن يكذب موسى معهم بقولهم : « نذهب سفر ثلاثة أيام لنذبح ».(3)
وأنّ الله جل شأنه بعد تلك المواعيد لموسى التقى موسى في الطريق وأراد أن يقتله ، فخادعته صفورة امرأة موسى فانفكّ عنه(1).
وأنّ موسى يكون إلهاً لهارون ولفرعون ، انظر الفصل الثالث والرابع والسادس من سفر الخروج(2)
ودع عنك ما تنسبه إلى قدس موسى من سوء الأدب في مكالمته مع الله ، وأنّ الذي عمل العجل لبني إسرائيل إلهاً ودعاهم إلى عبادته هو هارون (3)حينما كان الله يكلّم موسى في تقديس ثيابه ونصبه لرئاسة الدين .
والقرآن الكريم يذكر أنّ الذي صنع العجل هو السامري (4)، أي الشمروني من عشيرة شمرون بن يساكر بن يعقوب ، وأن هارون كان بريئاً من ذلك مغلوباً على أمره .
وذكر القرآن(5)داود فوصفه بحسن العبادة والاستقامة ، كما في المزامير الرائجة ، وذكر قصة الخصمين اللذين تسوّرا المحراب .
وحاشا كلام الله أن يقرف نبي الله وحامل وحيه الزبور بما قرفه به العهد القديم ، من خرافة زوجة أوريا والزنا بها ، وحملها من الزنا وإرادة تمويه الحمل والسعي في قتل أوريا المؤمن المجاهد الناصح ، انظر شناعة الفصل الحادي عشر
1) راجع الكتاب المقدس (العهد القديم) : 92 / الإصحاح الرابع من سفر الخروج ، عدد 24 - 20 [ فقد ورد فيه : أنّ الربّ التقاه وطلب أن يقتله ... ] .
2) المصدر المتقدّم : 92 ، 96 / الإصحاح الرابع والسابع من سفر الخروج ، عدد 16 ، 1 .
3) راجع المصدر المتقدّم : 139 / الإصحاح 32 من سفر الخروج ، عدد 1 - 5 .
4) طه 20 : 87- 96 .
5) في سورة ص 38 : 17 - 26 .
والثاني عشر من صموئيل الثاني ، وانظر إلى الثالث عشر أيضاً(1).
وذكر القرآن (2)سليمان النبي بجميل الذكر وحسن الإيمان .
وحاشا كلام الله أن يقرف نبي الله بكبائر المعاصي وعبادة الأوثان والإعانة على الشرك ، كما فعله العهد القديم، انظر الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الأول (3)، والثاني والثلاثين من الملوك الثاني / عدد 13(4).
ولیت شعري كيف يجتمع ذلك مع قول العهد القديم : « إنّ الله قال لداود : سليمان ابنك ، هو يبني بيتي ودياري ، لأنّي اخترته لي ابناً ، وأنا أكون له أباً » ؟! انظر الثامن والعشرين من الأيام الأول / عدد 6(5).
ووصف القرآن (6)المسيح بالبر بوالدته .
وذكرت الأناجيل أنّ والدته مريم المقدسة جاءته مشتاقة لرؤيته ، وطلبت أن يخرج إليها لتراه ، فقال : « من هي أمي ؟؟ ومد يده إلى تلاميذه وقال : ها أمّي وإخوتي ، لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختى وأُمّى » انظر في ثاني عشر متى / عدد 46 إلى 50 ، وثالث مرقس / عدد 31 إلى 35 ، وثامن
1) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 498 / الإصحاح 11 من سفر صموئيل الثاني .. ، عدد 2 - 17 . 499 / الإصحاح 12 ، عدد 1 - 14 . لاحظ الإصحاح 13
2) في سورة ص 38 : 30 - 40 ، وغيرها من الآيات . 3
3) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 553 / الإصحاح 11 من سفر الملوك الأول ، عدد 1 -12
4) راجع المصدر المتقدم : 627 / الإصحاح 23 من سفر الملوك الثاني ، عدد 13 .
5) المصدر المتقدم : 676 / الإصحاح 28 من أخبار الأيام الأول ، عدد 6 .
6) مریم 19 : 32 .
لوقا / عدد 19 إلى 21(1).
فأين يكون برّه بأمّه القديسة البرّة مع انتهاره لها وحرمانها رؤيته ، والتنديد بقداستها ، وتفضيل التلاميذ عليها ؟!
وإن شئت أن تعرف حال التلاميذ فراجع الجزء الأوّل من كتاب الهدی».(2)
وذكر القرآن براءة المسيح من ادعاء الإلوهية والشرك والثالوث ، كما في سورة المائدة (3).
وإنجيل يوحنّا يقرف قدس المسيح بالقول بتعدد الآلهة والاحتجاج له ، حيث يذكر أنّ اليهود نسبوه إلى الكفر وقالوا له : «إنّك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً فقال : أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت : إنّكم آلهة ... ولا يمكن أن يُنقض المكتوب » انظر في عاشر يوحنّا / عدد 31 إلى 36(4).
هذا ، مع أنّ الاستشهاد بالمكتوب في الناموس غلط واضح ، فإنّ المزمور الثاني والثمانين يُعرف منه أنّه أورد هذا الكلام في مقام التوبيخ على دعواهم مراتب الالوهية (5).
1) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 23 (إنجيل متى ) / الإصحاح 12 ، عدد 46 - 61.50 (إنجيل مرقس / الإصحاح الثالث ، عدد 31 - 35 . 106) (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 8 عدد 19 - 21
2) الهدى إلى دين المصطفى (دار الكتب الإسلامية) 1 : 31 - 32 .
3) المائدة 5 : 116، 117
4) الكتاب المقدس (العهد الجديد : 167 (إنجيل يوحنّا ) / الإصحاح 10 ، عدد 31 - 35 .
5) لاحظ الكتاب المقدّس (العهد القديم) : 891 / المزمور 82(مزمور لأساف).
والحاصل : أنّ القرآن بمخالفته للعهدين في هذه المقامات قد أشار إشارة جميلة إلى أغلاطهما الفاحشة ، وتصحيحها بذكر الحقائق المعقولة ، وليقل صاحب حسن الإيجاز » وأصحابه : « لأنّ نبي المسلمين أمّي لم يقع فيما وقع فيه العهدان من الأغلاط الخرافية الكفرية » بل أورد هذه القصص وغيرها على الحقائق المعقولة .
ولأجل ذلك لم يذكر ما ذكره العهدان من نسبة الزنا للوط بابنتيه(1)ولروابين بن يعقوب بزوجة أبيه (2)، ولفارص بكنّته (3)ثامار ، فصار من ذلك الزنا سبط يهوذا (4)، ومنهم داود وسليمان ، بل ولادة المسيح بزعم الأناجيل (5).ولداود بامرأة أوريا على الوجه الشنيع (6)، ولأمنون بن داود بأخته ثامار بقيادة ابن عمها و صفح داود عن ذلك (7).
ولم يذكر أنّ الله تحيّر كيف يخدع أخاب ، واستشار جند السماء فلم يوفّق لوجه الكذب والخديعة إلّا روح الكذب ، فأعطى هذه المأمورية(8)
1) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 29 / الإصحاح 19 ، عدد 30 - 38 .
2) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 58 / الإصحاح 35 ، عدد 32.
3) أي امرأة ابنه المسماة ب- « ثامار » .
4) لاحظ الكتاب المقدس (العهد القديم) : 63 / الإصحاح 38 عدد 12 - 30 ، فإنّ المذكور فيه زنا يهوذا بكنته ثامار فصار منها توأمان أحدهما فارص .
5) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 3 (إنجيل متى ) / الإصحاح 1 ، عدد 1 - 16 .
6) راجع الهامش رقم 1 من ص 41 .
7) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 501 / الإصحاح 13 من سفر صموئيل الثاني .
8) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 579 / الإصحاح 22 من سفر الملوك الأول ، عدد 19 - 23
ولم يذكر أنّ يعقوب تصارع مع الله فغلبه (1)، وأنّه انتهب بركة النبوّة من أبيه بالتزوير والخديعة والكذب المتكرّر(2).
ولم يذكر أن المسيح كذب على إخوته(3).
ولم يتبع الأناجيل في تناقضاتها - كما أشير إليها في كتاب « الهدى » - بل أشار بجميل الإشارة ، بالوحي المطابق للعقل ، إلى كذب ما نسبه العهدان من الكذب والمخادعة ليعقوب ، والزنا الفاحش لداود ، وعبادة الأوثان لسليمان ، والقول بتعدد الآلهة والأرباب للمسيح ، وأوضح ذلك بقوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (4).
كما أشار إلى بطلان نسبة العهدين إلى الوحي لما فيها من التناقض والاختلاف بالحجّة العقلية على كرامة وحي القرآن بقوله تعالى : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ) (5).
وإذا أردت بيان ما في العهدين من التناقض والاختلاف فراجع الجزء الأول من كتاب « الهدى » (6)وستراه مفصلاً إن شاء الله تعالى في « الرحلة المدرسية».(7)
1) الكتاب المقدس (العهد القديم ) : 54 / الإصحاح 32 ، عدد 24 - 30 .
2) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 42 / الإصحاح 27 ، عدد 1 - 29 .
3) الكتاب المقدس (العهد الجديد ) : 159 إنجيل يوحنا) / الإصحاح 7 ، عدد 8 - 10 .
4) البقرة 2 : 124 .
5) النساء 4 : 82
6) الهدى إلى دين المصطفى (ط) دار الكتب الإسلامية) 1 : 190 - 247 .
7) في أكثر من موضع منها ما في ص 140 - 185
ألا وإنّه ليكفي من معجزات القرآن الكريم ما ذكرناه على الاختصار من الملاحظات التاريخية ، فضلاً عن غيرها .
وبما ذكرناه من حال القرآن في تصحيح أغلاط العهدين في التاريخ - مع أنها كتب يدّعي نسبتها إلى الوحي ملايين من البشر في قرون متطاولة - تعرف شطط الاعتراض - ص 22 - على قصة ذي القرنين ، بدعوى مخالفة القرآن لبعض التواريخ المتخالفة في نفسها ، إلّا تقول من هو المؤرّخ ؟! ومن أين عُرف صدقه وتحقيقه بحيث يعترض به على غيره ؟!
الأمر السابع
في إبطال ما ذكره في الفصل الثالث ، من أنّ في القرآن كلاماً أخذ من الرجال والنساء والشياطين بلفظه ، أو بشيء من التغيير ، فهو ليس من وحي الله .
وذكر لذلك أمثلة منها قول عنترة : « وإذا ما الأرض صارت وردة مثل الدهان » وقول أُميّة : «من طين صلصال له فخّار » إلى غير ذلك من أوهامه فراجعها .
ولا يخفى أن القرآن نزل باللغة العربية ، فهل يمنع عليه استعماله للألفاظ التي استعملها غيره من العرب ؟! وهل قال أحد : إن بلاغة القرآن وإعجازه إنما هو بمثل ألفاظ (وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) (1)و (صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (2)لكي يقال : إنّ هذا الإعجاز سبق به عنترة وأميّة لو صحت النسبة لهما ؟!
وأمّا الاعتراض بذكر الفصيل وأُمّه والصيحة فإنّه من فلتات التعصّب وبوادر الجهل ، وليت شعري من قال لهذا المعترض : إنّ قصص القرآن المنزل للوعظ والتحذير ، وبيان نعم الله على عباده ، ونكاله ،بالمتمرّدين ، وجلالة آثار النبوّة والصلاح ، يلزم ويشترط فيه أن يكون غير مسموع لأحد ؟! أفلا يشعر هذا المعترض أنّ هذا الشرط مناف لحكمة التصديق والاحتجاج والتذكير ؟! بل إنّ حكمة ذلك أن يورد القصص المأثورة في الجملة على حقيقتها ، وينزهها عن
الخرافات ، ويصحّح أغلاطها كما سمعته (1)في تعرّضه لبعض القصص المذكورة في العهدين .
وأمّا ما تشبّث به من أخبار الآحاد التي لا يعرفها غالب المسلمين ، ولا يحتفل بها أحد في الأمور العلمية حتّى رواتها ، وذلك في قوله : « إنّ علماء المسلمين ذكروا أنّ من القرآن ما نزل على لسان بعض الصحابة » مع أنّ ذلك لو صح لم يضرّ بكون القرآن وحياً ، لجواز أن تكون مصلحة الوحي والتشريع وحكمتها قد اقتضت أن ينزل الوحي بعد ذلك القول من الصحابي . وقد ذكرنا في الأمر الأوّل (2)أن مباحثة أي مذهب وأية ديانة لابدّ وأن يكون بإيراد ما هو مسلم بين جميع المتديّنين بذلك المذهب ، أو تلك الديانة .
الأمر الثامن
في إبطال ما توهم من نسبة الأغلاط إلى القرآن الكريم فيما نقل من أنباء الماضي ، وهو على قسمين : القسم الأوّل : ما توهّم فيه المناقضة ، فحكم بكذب أحد الأمرين، وهو قوله تعالى في سورة آل عمران : (آيَتُكَ إلّا تُكَلَّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) (1)فتوهّم مناقضته لقوله تعالى في سورة مريم : ( آيَتُكَ إلّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) (2).
مع غفلته عن أنّ اليوم يستعمل في اللغة العربية في بياض النهار مرة ، ومجموع النهار والليل أخرى ، وعلى الأوّل جاء قوله تعالى في عذاب عاد بالريح الصرصر في سورة الحاقة : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسوماً) (3)وعلى الثاني جاء قوله تعالى أيضاً في عذاب عاد في سورة فصلت : (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) (4)وقوله تعالى في سورة هود : (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (5)وقوله تعالى في أمر زكريا : (ثَلَاثَةَ أَيَّام) (6)
وقوله (1)تعالى في سورة البقرة : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (2)وقوله تعالى في أمر زكريا : (ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) (3)وشواهده من الشعر والنثر كثيرة .
ومثله أيضاً في اللغة العبرانية كثير ، فقد جاء على الأوّل قول التوراة في ميعاد موسی أربعين يوماً وأربعين ليلة . أنظر الرابع والعشرين من الخروج / عدد 18 والرابع والثلاثين / عدد 28 ، وتاسع التثنية / عدد 9 و 18 و 25(4).
وعلى الثاني قول التوراة : « فكان صباح وكان مساء يوماً أوّلاً ، وثانياً » وهكذا إلى السابع . أنظر تمام الفصل الأوّل من التكوين ، وثاني عشر الخروج / عدد 18(5)ومثله كثير في التوراة .
وإن أراد الاعتراض فعليه بإنجيله الرائج، فإنّ إنجيل متى يذكر في الباب الثاني عشر / عدد 40 أن المسيح أخبر أنّه يبقى مدفوناً في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال (6)، مع أنّ إنجيل متى والأناجيل الثلاثة الباقية متفقة على أنّه لم يبق في الأرض إلّا يسيراً من آخر يوم الجمعة ، وليلة السبت ونهار السبت ، وليلة الأحد إلى ما قبل الفجر ؛ فأين تكون الثلاثة أيام وثلاث ليال ؟! فانظر أخريات الأناجيل
1) لا يخفى ما في هذه العبارة المشتملة على الآيتين من تشويش ، ولعلّ فيها سقطاً
2) البقرة 2 : 51 .
3) مریم 19 : 10 .
4) لاحظ الكتاب المقدس (العهد القديم) : 126 / الإصحاح 24 من سفر الخروج ، عدد 18 : والإصحاح 34 ، عدد 28 . 263 / الإصحاح 9 من سفر التثنية ، عدد 9 ، 18 ، 25 ، فإنّ الوارد فيها جميعاً : أربعين نهاراً وأربعين ليلة
5) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 3 / الإصحاح 1 من سفر التكوين ، 105 / الإصحاح 12 من سفر الخروج ، عدد 18 . راجع عدد 15 أيضاً
6) الكتاب المقدس (العهد الجديد) : 22) (إنجيل متى) / الإصحاح 12 ، عدد 40 .
في دفن المسيح وقيامه(1).
وأمّا القسم الثاني : فهو ما رأى فيه المخالفة لما ورد في العهدين ، فتوهّم كذب القرآن الكريم ، بتوهم أنهما هي الكتب الإلهامية المنزلة إلى الأنبياء (عليهم السلام) ، هكذا قال .
ولكن له الأسف من أنّ داخلية كتب العهدين تُبطل كونها كتب وحي وإلهام وقد بينا شيئاً من ذلك (2)، كما بينا (3)أن مخالفات القرآن للعهدين في قصصها إنما هي تصحيح لأغلاطها في تلك القصص ، وتنزيهها من خرافات الكفر .
ومن أغلاطه قوله : « إن المحراب هو قدس الأقداس » فاعترض به على القرآن في قصة مريم وزكريا (4)، مع أنّه في العربية مطلق المحل المعد للصلاة (5).
وإذا أحطت بما ذكرناه عرفت توهّم « حسن الإيجاز » حيث قال : « إنّ علماء المسلمين قالوا بالمحال ، وهو تحريف التوراة والإنجيل ، مع أن القرآن صدقها واعتمد عليها ».
1) راجع الكتاب المقدّس (العهد الجديد) : 54 إنجيل متى ) / الإصحاح 27 ، عدد 59 الإصحاح 28 ، عدد 7 . وأيضاً ص 87 (إنجيل مرقس / الإصحاح 15 ، عدد 45 . الإصحاح 16 ، عدد 9. وأيضاً ص 142 (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 23 ، عدد 52 . الإصحاح 24 ، عدد 3 . وأيضاً ص 185 (إنجيل يوحنا الإصحاح 19 ، عدد 38. الإصحاح 20، عدد 1
2) في ص 15 وما بعدها
3) في ص 36 - 45 .
4) وهو قوله تعالى في سورة آل عمران 3 : 37 : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ....
5) راجع لسان العرب 1 : 305 مادة حرب .
وتعرف أنّ القرآن (1)إنّما صدّق التوراة والإنجيل الحقيقيين دون الرائجين اللذين ملنا بأغلاط الكفر والخرافات والاختلافات الكبيرة ، فاعتنى القرآن ما يدخل منها في مواضيعه ، فأشار إلى أغلاطهما بأجمل إشارة واضحة بتصحيح و تفصيل ما ذكرناه موكول إلى إيضاح « الرحلة المدرسية » (2).
إلّا وإنّ العهد القديم يشهد بعضه على بعض ، أنظر الثالث والعشرين من إرميا / عدد 36 : « وأما وحي سيدي فلا تذكروه بعد ، لأنّ وحي سيدي لإنسان كلامه وقد حرّفتم كلام الإله الحيّ ربّ الجنود إلهنا (3)وثامن إرميا أيضاً / عدد 8 : كيف تقولون نحن حكماء وتوراة سيّدي معنا ، هو ذا للكذب حوّلها قلم كذب الكتبة » (4).
ألا وإنّ المزمور العاشر بعد المائة يشهد على أناجيل متى ومرقس ولوقا بتحريفها بقولها : « قال الربّ لربيّ » (5)
ولا يخفى أنّ جملة « قال الربّ لربي وردت أيضاً في المزامير من نسخة التوراة التي اعتمدنا عليها وهي طبعة دار الكتاب المقدس .
راجع الكتاب المقدس (العهد القديم) : 912 / المزمور 110 ، عدد 1 . الكتاب المقدس العهد الجديد) : 41) (إنجيل متى) / الإصحاح 22 ، عدد 41 - 46 800 (إنجيل مرقس) / الإصحاح 12 ، عدد 35 37 . 134 (إنجيل لوقا ) / الإصحاح 20 ، عدد 41 - 44 . )
انظر ص 20 ، ولكن من أين يعرف «حسن1) كما في قوله تعالى في سورة آل عمران 3 : 3 - 4 : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحقّمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ) وفي سورة المائدة 5 : 66 .
2) الرحلة المدرسية (ط) دار المرتضى) : 17 وما بعدها .
3) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 1111 / الإصحاح 23 من سفر إرميا ، عدد 36(مع اختلاف واضح .
4) الكتاب المقدس (العهد القديم) : 1087 / الإصحاح 8 من سفر إرميا ، عدد 8(مع اختلاف في الألفاظ)
5) لعلّ المقصود من العبارة هو نفس ما ذكره العلّامة البلاغي في الرحلة المدرسية : 78 من أنّ الكاتب لهذه الكلمات لم يكتف بالكفر بالقول بتعدد الأرباب بل حرّف وافترى على المزامير ، فإنّ في أوّل المزمور العاشر بعد المائة في الأصل العبراني « نأم يهوه لادنای شب ليمينى وترجمته : أوحى الله لسيدي اجلس ليميني . فلم يقل : لربي كما في الأناجيل - بل قال :لسيّدي ، والسيد يجوز أن يكون من البشر . وأين معنى السيد وأين معنى الربّ .
الإيجاز » هذه الأمور ؟!!
ومن جميع ما ذكرناه تعرف شططه في خاتمته من دعاويها التي أوضحنا كذبها وبطلانها، وقد قصرنا كلامنا في هذا المختصر على ذلك .
وليعلم أصحابنا النصارى أنّا لا نبتدئ في هذه الأمور ، وإنّما نتصدّى لها لصدّ بعض المغرورين عن عدوانهم بالأباطيل ، التي كثر بها الهياج في هذا العصر .
ونسأل الله أن يهدي عباده إلى سواء السبيل ، والحمد لله أوّلاً وآخراً .
سبب تأليف الكتاب ...3
تمهيد ...3
عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ...4
الأمر الأوّل : ردّ ادّعاء عدم عجز البشر عن مثل القرآن الكريم...8
الأمر الثاني : عدم حجّية إنكار إعجاز القرآن ممن يلتصق بالإسلام ...9
دلالة الإعجاز على الوحي دلالة عقلية ...9
الأمر الثالث : ظهور المعجزة للعالم والجاهل ...10
الأمر الرابع : البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ...11
تزویق الألفاظ في العهدين ...11
دلائل صدق الرسول والأمور التي يمتنع وجوده فيها ...13
الموانع من نبوّة موسى(علیه السلام) على ما في العهدين ...14
الموانع من نبوّة عيسى(علیه السلام) على ما في العهدين ...16
الموانع من كون العهدين كتب وحي وإلهام ...20
الأمر الخامس : في إبطال ما توهم أنّه دليل على عدم بلاغة القرآن الكريم ...23
الأمر السادس : إيطال دعوى أن إعجاز القرآن الكريم هو ما فيه من أنباء الماضي فقط ...36
مخالفات القرآن الكريم للعهدين في إيراد قصص الأنبياء (علیهم السلام)...37
الأمر السابع : في إيطال أنّ في القرآن الكريم كلاماً أخذ من الإنس والجن ...46
الأمر الثامن : في إيطال ما توهم من نسبة الأغلاط إلى القرآن الكريم فيما نقل من أنباء الماضي ...48
الفهرس ...53