ghaemiyeh.com
سرشناسه : واعظ الحسینی، محمد سرور
عنوان و نام پديدآور : مصباحالاصول: تقریرا لابحاث سماحه آیهالله العظمی السیدابوالقاسم الموسوی الخوئی الاصولالعملیه/ تالیف محمد سرور الواعظالحسینی البهسودی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیا آثارالامامالخویی، 14ق.= 2م.= -13
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخویی.
شابک : ج.47، چاپ سوم964-7336-16-0 : ؛ ج.48، چاپ سوم964-7336-20-9 :
يادداشت : فهرستنويسی براساس جلد دوم، 1422ق.=2001م.=1380.
يادداشت : عربی
يادداشت : ج.3(چاپ اول:1422ق.=2001م.=1380)
يادداشت : ج.47 و 48 (چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : اصول فقه شیعه
شناسه افزوده : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
شناسه افزوده : قیومی اصفهانی، جواد، 1342 -
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP159/8/و15م63 1300ی
رده بندی دیویی : 297
شماره کتابشناسی ملی : 1141550
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
المؤلف: السيّد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1422 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-7339-16-0
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
مِصْبَاحُ الْأُصُولِ
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الأصول العملية
تأليف: آية اللّه الشهيد السيد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي (قدس سره)
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء السابع والأربعون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
0 - 16 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الأطهار المعصومين.
أما بعد، فهذه ثمرات اقتطفتها من شجرة طيّبة، ودرر كلمات تلقيتها من أبحاث قيمة لحضرة سيّدنا الأستاذ العلامة صرّاف نقود العلم بأفكاره الباكرة العميقة، غوّاص بحار الفضل بأنظاره العالية الدقيقة، المحدث الخبير والفقيه البارع البصير والأصولي الشهير والرجالي الكبير حجة الاسلام والمسلمين آية اللّه العظمى في العالمين سيدنا ومولانا الحاج السيد أبو القاسم الخوئي (أدام اللّه ظله العالي ومتع المسلمين بوجوده الشريف).
وسنتعرّض في هذا الجزء لمباحث القطع والظن والشك إن شاء اللّه تعالى. كما تعرّضنا قبل هذا في الجزء الثالث لمباحث الاستصحاب والتعادل والترجيح والاجتهاد والتقليد . ومن اللّه سبحانه نستمد العون والتوفيق.
المؤلّف
وقبل الشروع فيها لابدّ من التنبيه على امور :
الأمر الأوّل : أنّه لا ينبغي الشك في أنّ مبحث القطع ليس من مسائل علم الاصول ، إذ قد عرفت في أوّل بحث الألفاظ (1)أنّ المسألة الاصولية هي ما تكون نتيجتها - على تقدير التمامية - موجبة للقطع بالوظيفة الفعلية ، وأمّا القطع بالوظيفة فهو بنفسه نتيجة ، لا أنّه موجب لقطع آخر بالوظيفة ، وإن شئت قلت : إنّ المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي بحيث لو انضمّ إليها صغراها أنتجت حكماً فرعياً ، ومن الظاهر أنّ القطع بالحكم لا يقع في طريق استنباط الحكم ، بل هو بنفسه نتيجة.
وبالجملة : القطع بالحكم ليس إلاّانكشاف الحكم بنفسه ، فكيف يكون مقدّمة لانكشافه كي يكون البحث عنه من المسائل الاصولية. ويزداد هذا وضوحاً بتذكر ما أسلفناه في بيان فهرس مسائل علم الاصول (2)ولا حاجة إلى الاعادة ، وبما أنّ القطع بالوظيفة نتيجة المسائل الاصولية - إذ العلم بالوظيفة من لوازم العلم بالمسائل الاصولية بعد ضمّ الصغرى إليها - ناسب البحث عنه في الاصول
استطراداً. وباعتبار أنّ مرجع البحث عن حجّية القطع إلى صحّة العقاب على مخالفته ، يكون شبيهاً بالمسائل الكلامية الباحثة عن المبدأ والمعاد وما يصح عنه تعالى وما لايصح.
هذا كلّه في القطع الطريقي ، وأمّا القطع الموضوعي فهو وإن كان دخيلاً في فعلية الحكم إلاّأنّ نسبته إليه هي نسبة سائر الموضوعات إلى الأحكام ، فإذا جعل القطع بشيء موضوعاً لوجوب التصدق مثلاً ، تكون نسبة القطع إلى وجوب التصدق هي نسبة الخمر إلى الحرمة ، فكما أنّ الحرمة ليست مستنبطة من الخمر بل مستنبطة من الأدلة الدالة على حرمة الخمر ، كذلك وجوب التصدق ليس مستفاداً من القطع بل من الأدلة الدالة على وجوب التصدق عند القطع بشيء ، فالبحث عن القطع الموضوعي أيضاً ليس داخلاً في علم الاصول.
نعم ، القواعد التي يستنبط منها وجوب التصدق عند القطع بشيء تكون من المسائل الاصولية كما هو ظاهر.
الأمر الثاني : أنّه هل المراد من المكلف المذكور في كلام شيخنا الأعظم الأنصاري قدسسره (1)هو خصوص المجتهد أو الأعم منه ومن المقلد؟
مقتضى الاطلاق الثاني ، وهو الصحيح ، لعدم اختصاص الأقسام وما يذكر لها من الأحكام بالمجتهد. وتوضيح المقام يقتضي التكلم في مقامات ثلاثة :
1 - في بيان حكم المجتهد بالنسبة إلى تكليف نفسه.
2 - في بيان حكم المقلد بالنسبة إلى تكليفه.
3 - في بيان حكم المجتهد بالنسبة إلى تكليف مقلديه.
1) فرائد الاصول 1 : 47
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في أنّ المجتهد إذا التفت إلى حكم شرعي متعلق بنفسه ، فامّا أن يحصل له القطع أو يقوم عنده طريق معتبر ، أو لا هذا ولا ذاك.
فعلى الأوّل يعمل بقطعه ، وعلى الثاني يعمل بما قام عنده من الطريق وعلى الثالث يرجع إلى الاصول العملية على ما سيجيء من التفصيل في مجاريها إن شاء اللّه تعالى ، بلا فرق في جميع ذلك بين الحكم الواقعي والظاهري.
وأمّا المقام الثاني : فالظاهر أنّ المقلد كالمجتهد في الأحكام المذكورة ، فان حصل له القطع بحكم من الأحكام عمل به بلا حاجة إلى الرجوع إلى المجتهد ، وإن لم يحصل له القطع ، فان قام عنده طريق معتبر وليس إلاّفتوى المجتهد عمل به ، وإن فقده أيضاً وبقي شاكاً في الحكم رجع إلى الاصول العملية على نحو يأتي عند التكلم في المقام الثالث.
هذا كلّه في الحكم الواقعي ، وكذا الحال في الحكم الظاهري ، فإن حصل له القطع به - كما إذا قطع بفتوى المجتهد في مورد - عمل به ، وإلاّ فإن قام عنده طريق معتبر - كما إذا أخبر عدلان بأنّ فتوى المجتهد كذا - أخذ به ، وإلاّ رجع إلى الأصل العملي ، فإن كان متيقناً بفتوى المجتهد سابقاً وشك في تبدلها يستصحب بقاءها ، وإن أفتى أحد المجتهدين بالوجوب والآخر بالحرمة ، دار الأمر بين المحذورين فيتخير ، وإن أفتى أحدهما بوجوب القصر مثلاً والآخر بوجوب التمام وجب عليه الاحتياط ، إلاّأن يثبت قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي على ما ادّعاه شيخنا الأنصاري قدسسره (1)إذن فيتخير.
والحاصل : أنّه لا فرق بين المجتهد والمقلّد إلاّفي خصوصية الطرق
1) [لم نعثر عليه]
والأمارات ، فانّ طرق المجتهد إلى الأحكام هي الكتاب والسنّة ، وطريق المقلد هو فتوى المجتهد فقط ، وكما أنّ ظواهر الكتاب والسنّة حجّة للمجتهد ، كذلك ظاهر كلام المجتهد حجّة للمقلد ، فلا وجه لاختصاص المقسم بالمجتهد.
وأمّا المقام الثالث : فتوضيح الكلام فيه : أنّ المجتهد إذا التفت إلى حكم متعلق بمقلديه دون نفسه - سواء كان الحكم بجميع مراتبه مختصاً بغيره كالأحكام المختصة بالنساء ، أو بفعليته كأحكام الحج مع عدم كونه مستطيعاً ، وأحكام الزكاة مع عدم كونه مالكاً للنصاب ، ففي جميع ذلك - إن حصل له القطع بالحكم أو قام عنده طريق معتبر عليه أفتى به بلا إشكال فيه ، وإلاّ فله الرجوع إلى الاصول العملية والإفتاء بمؤداها.
وقد يستشكل في الرجوع إلى الاصول : بأنّ جريان الأصل موضوعه المكلف الشاك ، والمقلد الذي يتوجه إليه التكليف ليس له شك في الحكم ، لكونه غير ملتفت إليه ، فكيف يفتي المجتهد في حقّه بمؤدى الأصل ، والمجتهد وإن كان شاكاً إلاّأنّ التكليف غير متوجه إليه على الفرض ، فمن توجّه إليه التكليف غير شاك في الحكم ، ومن شكّ فيه لم يتوجه إليه التكليف ، فلا موضوع للرجوع إلى الأصل العملي.
وأجاب عنه شيخنا الأنصاري قدسسره : بأنّ المجتهد نائب عن المقلد في إجراء الأصل ، فيكون الشك من المجتهد بمنزلة الشك من المقلد (1).
وفيه : أنّه لا دليل على هذه النيابة ، وأدلة الاصول العملية لا عموم لها للشك النيابي.
والتحقيق في الجواب أن يقال : إن كان الحكم ممّا يلتفت إليه المقلد أيضاً
1) فرائد الاصول 2 : 545
فيشك فيه كما شكّ فيه المجتهد ، كما إذا شكّ في طهارة الماء القليل المتنجس المتمم كراً ونجاسته ، فللمجتهد أن يجري الاستصحاب بلحاظ يقين المقلد وشكّه ، فانّه كان متيقناً بنجاسة الماء قبل التتميم وشكّ في بقائها بعده ، فيجري الاستصحاب في حقّه ويفتي بمؤداه ، وله أن يجري الاستصحاب بلحاظ يقين نفسه وشكّه ، فانّه متيقن بالحكم في حق مقلده شاك في بقائه ، فيجري الاستصحاب ويفتي بمؤداه ، ويرجع المقلد إليه من باب رجوع الجاهل إلى العالم ، إذ لا اختصاص لوجوب رجوع الجاهل إلى العالم بما إذا كان علم العالم مستنداً إلى العلم الوجداني أو الأمارة.
وإن كان الحكم ممّا لا يلتفت إليه المقلّد ، كما إذا لم يكن فعلياً في حقّه ومورداً لابتلائه إلى الآن ، فلا بدّ للمجتهد أن يجري الاستصحاب بلحاظ يقينه وشكّه ، لكونه متيقناً بالحكم في حق مقلده شاكاً في بقائه على ما تقدّم ، وكذا الحال فيما إذا كان الشك مورداً للاحتياط ، كما في موارد العلم الاجمالي بالتكليف فيفتي بوجوب الاحتياط بمقتضى علمه الاجمالي ، وكذا عند دوران الأمر بين المحذورين يفتي بالتخيير ، ويرجع المقلد إليه في جميع ذلك من باب رجوع الجاهل إلى العالم ، لما تقدّم من عدم اختصاص هذا الحكم بما إذا كان علم العالم مستنداً إلى العلم الوجداني أو الأمارة القائمة على الحكم الواقعي.
وقد يستشكل أيضاً : بأ نّه لا يجوز الرجوع إلى الأصل العملي إلاّبعد الفحص عن الدليل على ما هو مذكور في محلّه (1)والمقلد عاجز عن الفحص فكيف يفتي له بوجوب العمل بمؤدى الأصل ، مثلاً البراءة العقلية مبتنية على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وليس في حق المجتهد احتمال العقاب ليرجع إليها ، والمقلّد عاجز عن الفحص وإحراز عدم البيان حتّى تنطبق القاعدة عليه.
1) في ص 566 وما بعدها / شرائط جريان الاصول
والجواب : أنّ المجتهد يفحص ويبيّن له الصغرى وأنّ المقام ممّا لم تقم فيه حجّة على التكليف ، ويرجع المقلد إليه من باب الرجوع إلى أهل الخبرة في تشخيص الصغرى ، فيستقل عقله بما استقلّ به عقل المجتهد من قبح العقاب بلا بيان ، فتكون الكبرى وجدانية للمقلد بعد تشخيص الصغرى بالرجوع إلى المجتهد ، ولو فرض أنّ المقلد لم يكن أهلاً لادراك حكم العقل بذلك فيرجع إلى المجتهد في تشخيص الكبرى أيضاً ، فكما بيّن له أنّ المقام ممّا لم تقم فيه حجّة على التكليف ، يبيّن له أنّ العقاب بلا حجّة وبيان قبيح بحكم العقل.
وبالجملة : في جميع موارد عجز المقلّد عن تشخيص مجرى الأصل العملي ، لا نقول بأنّ المجتهد نائب عن المقلد حتّى نطالب بدليل النيابة ، بل نقول : إنّ المجتهد ينقّح مجرى الأصل بحسب وظيفته ، فانّ وظيفة المجتهد هي وظيفة الإمام عليهالسلام ، وهي بيان الأحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة بنحو القضايا الحقيقية ، غاية الأمر أنّ علم الإمام عليهالسلام بالحكم ينتهي إلى الوحي ، وعلم المجتهد حاصل من ظواهر الكتاب والسنّة ، والمقلد يرجع إليه من باب رجوع الجاهل إلى العالم في تشخيص الصغرى وتعيين مجرى الأصل فقط ، أو في تطبيق الكبرى أيضاً.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّه لا وجه للالتزام باختصاص المقسم بالمجتهد بل يعم المقلد أيضاً.
الأمر الثالث : ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره (1)أنّ المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي ، فامّا أن يحصل له القطع به أو الظن أو الشك. وبحسب هذا التقسيم جعل كتابه مشتملاً على مقاصد ثلاثة :
1) فرائد الاصول 1 : 47
1 - في القطع. 2 - في الظن. 3 - في الشك. ومحط كلامه في التقسيم هو الحكم الواقعي.
وعدل عنه صاحب الكفاية قدسسره (1)وملخّص ما ذكره في وجه العدول امور ثلاثة :
الأوّل : أنّه لا بدّ من أن يكون المراد من الحكم هو الأعم من الواقعي والظاهري ، لعدم اختصاص أحكام القطع بما إذا كان متعلقاً بالحكم الواقعي.
وعليه فلا بدّ من أن يجعل التقسيم ثنائياً ، بأن يقال إنّ المكلف إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري ، فامّا أن يحصل له القطع به أو لا ، وعلى الثاني لابدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتباع الظن لو حصل له وتمّت مقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة ، وإن لم يحصل له الظن أو حصل ولكن لم تتم مقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة ، فعليه الرجوع إلى الاصول العملية العقلية : من البراءة والاشتغال والتخيير على اختلاف الموارد.
الثاني : أنّه لا بدّ من تخصيص الحكم بالفعلي ، لاختصاص أحكام القطع بما إذا تعلّق بالحكم الفعلي ، لعدم ترتب أثر على الحكم الانشائي ما لم يبلغ مرتبة الفعلية.
الثالث : أنّه لا بدّ من تبديل الظن بالطريق المعتبر ، لئلاّ تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام ، فانّ الظن غير المعتبر محكوم بحكم الشك ، وقد جعل في تقسيم الشيخ قدسسره قسيماً له. والأمارة المعتبرة ربّما لا تفيد الظن الشخصي ، ولا يعتبر في حجّيتها الظن الشخصي ، فهي قسيم الشك ، وجعلت في تقسيم الشيخ قدسسره داخلةً فيه. هذا هو وجه العدول عن تقسيم الشيخ
1) كفاية الاصول : 257
(قدسسره) على ما يستفاد من كلامه قدسسره.
أقول : الأنسب بمباحث الاصول ما صنعه الشيخ قدسسره لأنّ الغرض من علم الاصول هو تحصيل المؤمّن من تبعة التكاليف المتوجهة إلى العبد من قبل المولى ، والمؤمّن الأوّل هو القطع ، فينبغي البحث عنه ولو استطراداً في بابٍ ، والمؤمّن الثاني الأمارة المعتبرة ، فلا بدّ من البحث عنها في باب آخر.
والمؤمّن الثالث هو الرجوع إلى الاصول العملية الشرعية المجعولة عند الشك والعجز عن تحصيل الأوّلين ، أو الاصول العملية العقلية عند العجز عن جميع ما تقدّم. فلا مناص من البحث عنها في باب ثالث كما هو المتعارف بينهم. وعليه جرى صاحب الكفاية قدسسره نفسه. فالتقسيم ناظر إلى هذه الأبحاث الثلاثة وإشارة إجمالية إليها.
فالأنسب هو تثليث الأقسام كما صنعه الشيخ قدسسره. وجعل التقسيم ثنائياً ، وبيان أحكام الأقسام في الأبواب الثلاثة - كما في الكفاية - لا يخلو من غرابة ، فانّ المناسب للتقسيم الثنائي المذكور في الكفاية هو البحث عن القطع بالحكم الأعم من الواقعي والظاهري في بابٍ ، والبحث عن الظن الانسدادي على الحكومة والاصول العملية العقلية في باب ثان. إذن لا يبقى مورد للبحث عن حجّية الأمارات والبحث عن الاصول العملية الشرعية.
هذا ، مضافاً إلى أنّ جعل التقسيم ثنائياً غير مناسب في نفسه ، إذ الحكم الظاهري مورده عدم العلم بالحكم الواقعي ، فهو بطبعه في طول الحكم الواقعي ، سواء كان مستفاداً من الأمارة المعتبرة أو من الأصل العملي الشرعي ، فلو جعل التقسيم ثنائياً يجمع بين العلم بالحكم الواقعي وعدم العلم به في مقام التقسيم ، ويصير ما في طول الحكم الواقعي طبعاً في عرضه وضعاً.
وأمّا ما أفاده صاحب الكفاية قدسسره من عدم اختصاص أحكام
القطع بما إذا كان متعلقاً بالأحكام الواقعية ، فهو وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لا يوجب جعل التقسيم ثنائياً ، لأنّ جميع الأبحاث المذكورة في الأبواب الثلاثة غير مختص بالحكم الواقعي ، بل الحكم الظاهري أيضاً قد يتعلق به القطع كما إذا علمنا بحجية خبر قائم على حكم من الأحكام ، وقد يتعلق به الظن المعتبر كما إذا دلّ على حجّية الخبر ظاهر الكتاب مثلاً ، وقد يتعلق به الشك كما إذا شككنا في بقاء حجّية الخبر ، فيجري الاستصحاب. نعم ، لا بدّ من أن ينتهي الأمر بالأخرة إلى القطع ، وإلاّ لدار أو تسلسل.
وأمّا ما أفاده صاحب الكفاية قدسسره - من أنّه لا بدّ من أن يكون المراد من الحكم هو خصوص الفعلي دون الانشائي ، لعدم ترتب أثر على القطع بالحكم الانشائي - فهو خلط بين الانشاء لا بداعي البعث والزجر ، والانشاء بداعي البعث والزجر ، فانّ الانشاء لا بداعي البعث والزجر وإن لم يترتب عليه أثر - كما ذكره صاحب الكفاية قدسسره - إلاّ أنّه ليس من مراتب الحكم أصلاً ، فانّ الانشاء بداعي التهديد كما في قوله تعالى : «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ» (1)أو بداعي التهكّم أو غير ذلك لا يطلق عليه الحكم ، إذ الانشاء بداعي التهديد ليس إلاّالتهديد ، فالانشاء بهذا المعنى خارج عن موضوع البحث ، لعدم صدق الحكم عليه.
وأمّا الانشاء بداعي البعث والزجر فيطلق عليه الحكم وإن لم يبلغ مرتبة الفعلية لعدم تحقق موضوعه في الخارج ، فانّ فعلية الحكم إنّما هي بفعلية موضوعه ، ولا نلتزم بعدم ترتب أثر على الحكم الانشائي بهذا المعنى ، بل له أثر مهم وهو جواز الافتاء به ، فانّ المجتهد إذا علم بصدور الحكم من المولى وإنشائه في مقام التشريع له الافتاء به وإن لم يبلغ مرتبة الفعلية ، فيفتي بوجوب الحج
1) فصّلت 41 : 40
على المستطيع وإن لم يكن المستطيع موجوداً ، وبوجوب قطع يد السارق وإن لم تتحقق السرقة في الخارج ، ويفتي بوجوب الصوم في شهر رمضان وإن لم يحل الشهر بعد ، وهكذا.
وبالجملة : وظيفة المجتهد هي وظيفة الإمام عليهالسلام وهي بيان الأحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة على الموضوع المقدّر وجوده بنحو القضيّة الحقيقية ، غاية الأمر أنّ علم الإمام عليهالسلام بالأحكام ينتهي إلى الوحي ، وعلم المجتهد بها حاصل من ظواهر الكتاب والسنّة ، كما تقدّم.
وإن شئت قلت : إنّ الآثار العقلية للقطع بالحكم - من لزوم متابعة القطع ، والتنجيز مع المطابقة والتعذير مع المخالفة - مختصّة بما إذا كان القطع متعلقاً بالحكم الفعلي. وأمّا جواز الافتاء مع القطع بالحكم فغير مختص بالحكم الفعلي ، بل يترتب على الأحكام الانشائية أيضاً كما عرفت. فلا وجه للالتزام بأنّ المراد من الحكم هو خصوص الفعلي ، بل الصحيح هو الأعم منه ومن الانشائي كما يقتضيه إطلاق كلام الشيخ قدسسره.
وأمّا ما أفاده صاحب الكفاية قدسسره من تداخل الأقسام في تقسيم الشيخ قدسسره فيمكن الجواب عنه بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ المراد من الظن هو الأمارة المعتبرة ، والمراد من الشك عدم قيام الحجة المعتبرة على الحكم على ما صرّح به الشيخ قدسسره في أوّل بحث البراءة (1)فلا تداخل أصلاً.
الوجه الثاني : أنّ التقسيم المذكور في كلام الشيخ قدسسره إنّما هو في رتبة سابقة على الحكم ، باعتبار أنّ المكلف الملتفت إلى حكم شرعي إمّا أن
1) فرائد الاصول 1 : 354
يحصل له القطع ، وهو حجّة بنفسه بلا جعل جاعل ، وإمّا أن يحصل له الشك ، وهو غير قابل للحجية ، إذ ليس فيه كاشفية أصلاً ، ولا معنى لجعل الحيرة حجةً كما هو واضح ، وإمّا أن يحصل له الظن وهو متوسط بينهما ، فانّ الحجية ليست ذاتية له كالقطع ، ولا يمتنع جعله حجةً كالشك ، فان قام دليل على اعتباره يلحق بالقطع ويكون قطعاً تعبّدياً تنزيلياً ، وإلاّ فيلحق بالشك ويجري في مورده الأصل العملي ، فالتقسيم المذكور في كلام الشيخ قدسسره إنّما هو في رتبة سابقة على الحكم ، باعتبار أنّ المكلف الملتفت لا يخلو من هذه الأحوال ليتميز الموضوع في الأبحاث الثلاثة الآتية.
وبعد البحث والتحقيق يظهر : أنّ الظن يلحق بالقطع تارةً وبالشك اخرى ، فأين التداخل في الأحكام؟ ونظير المقام ما إذا قيل : الانسان إمّا مسلم وإمّا مشرك وإمّا أهل الكتاب. أمّا المسلم فلا إشكال في عدم جواز الحرب معه ، وأمّا المشرك فلا إشكال في جواز الحرب معه ، وأمّا أهل الكتاب فيلحق بالمسلم تارةً كما إذا وفوا بالمعاهدة التي بينهم وبين المسلمين من إعطاء الجزية وغيرها ، ويلحق بالمشرك اخرى كما إذا خالفوا المعاهدة ، فهل في هذا التقسيم قبل بيان الحكم تداخل؟ والمقام من هذا القبيل بعينه.
ويقع البحث في جهات ثلاث :
الاولى : في أنّ طريقيته - بمعنى انكشاف المقطوع به به - ذاتية أو جعلية؟
الثانية : في أنّ حجّيته - بمعنى كونه منجّزاً في صورة المطابقة للواقع ومعذّراً في صورة المخالفة - هل هي من لوازم ذاته أو ثابتة ببناء العقلاء أو بحكم العقل؟
وقد خلط بين هاتين الجهتين في كلام الشيخ قدسسره (1)فراجع.
الثالثة : في أنّه هل يمكن للشارع المنع عن العمل به أم لا؟
أمّا الجهة الاولى : فالصحيح فيها أنّ حقيقة القطع هو نفس الانكشاف وذاته ، فلا يعقل الجعل فيه أصلاً بجميع أنحائه ، لا بسيطاً وهو الجعل المتعلق بمفعول واحد ، ولا مركباً وهو الجعل المتعلق بمفعولين ، لا استقلالاً ولا تبعاً ، فانّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري والماهية هي هي بنفسها.
وبالجملة : لا يتصور الجعل في الذات والذاتيات - أي ما هو جزء للماهية والذات - فلا معنى لجعل الانسان إنساناً ، أي حيواناً ناطقاً ، ولا لجعله ناطقاً أو حيواناً. نعم ، يصح تعلّق الجعل البسيط بوجوده ، وهذا هو معنى ما اشتهر من أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) ما جعل المشمشة مشمشة بل أوجدها ، فيمكن للمولى القادر إيجاد القطع الذي هو الانكشاف للعبد ، بل يمكن للمولى العرفي أيضاً إيجاد القطع بايجاد المعدّات والمقدّمات.
وأمّا الجهة الثانية : أعني حجّية القطع وكونه منجّزاً ومعذّراً ، وربّما يعبّر عنها بوجوب متابعة القطع ، فالأقوال فيها ثلاثة :
الأوّل : أنّ حجّية القطع ثابتة ببناء العقلاء إبقاءً للنوع وحفظاً للنظام ، فتكون من القضايا المشهورة باصطلاح المنطقيين ، وهذا البناء قد أمضاه الشارع لذلك فيجب اتباعه.
الثاني : أنّ حجّيته إنّما هي بالزام من العقل وبحكمه.
الثالث : أنّ حجّية القطع من لوازمه العقلية ، واختاره صاحب الكفاية
1) فرائد الاصول 1 : 51
(قدسسره) (1)حيث قال : وتأثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد وحاكم.
أمّا القول الأوّل ، ففيه أوّلاً : أنّ حجّية القطع ولزوم الحركة على طبقه كانت ثابتة في زمان لم يكن فيه إلاّبشر واحد ، فلم يكن فيه عقلاء ليتحقق البناء منهم ، ولم يكن نوع ليكون العمل بالقطع لحفظه.
وثانياً : أنّ الأوامر الشرعية ليست بتمامها دخيلة في حفظ النظام ، فان أحكام الحدود والقصاص وإن كانت كذلك ، والواجبات المالية وإن أمكنت أن تكون كذلك ، إلاّأنّ جلاً من العبادات - كوجوب الصلاة التي هي عمود الدين - لا ربط لها بحفظ النظام أصلاً.
وأمّا القول الثاني ، فيرد عليه : أنّ العقل شأنه الادراك ليس إلاّ ، وأمّا الالزام والبعث التشريعي فهو من وظائف المولى. نعم ، الانسان يتحرّك نحو ما يراه نفعاً له ، ويحذر ممّا يراه ضرراً عليه ، وليس ذلك بالزام من العقل ، بل المنشأ فيه حبّ النفس ، ولا اختصاص له بالانسان ، بل الحيوان أيضاً بفطرته يحبّ نفسه ويتحرّك إلى ما يراه نفعاً له ، ويحذر ممّا أدرك ضرره. وبالجملة حبّ النفس وإن كان يحرّك الانسان إلى ما قطع بنفعه ، إلاّ أنّه تحريك تكويني لا بعث تشريعي. فظهر بما ذكرناه : أنّ الصحيح هو :
القول الثالث ، وهو أنّ حجّية القطع من لوازمه العقلية [و] أنّ العقل يدرك حسن العمل به وقبح مخالفته ، ويدرك صحّة عقاب المولى عبده المخالف لقطعه ، وعدم صحّة عقاب العامل بقطعه ولو كان مخالفاً للواقع ، وإدراك العقل ذلك لا يكون بجعل جاعل أو بناء من العقلاء ، لتكون الحجّية من الامور المجعولة أو
1) كفاية الاصول : 258
من القضايا المشهورة ، بل من الامور الواقعية الأزلية ، كما هو الحال في جميع الاستلزامات العقلية. وظهر الكلام ممّا ذكرناه في :
الجهة الثالثة ، إذ بعد كون الحجّية من اللوازم العقلية للقطع امتنع المنع عن العمل به ، مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً ومطلقاً في صورة الاصابة ، إذ مع القطع بوجوب شيء لو منع الشارع عن العمل بالقطع ورخّص في تركه ، فلو كان القطع مطابقاً للواقع لزم اجتماع الوجوب والاباحة واقعاً واعتقاداً ، ولو كان القطع مخالفاً للواقع لزم اجتماعهما اعتقاداً ، والاعتقاد بالمحال لا يكون أقل من المحال في عدم إمكان الالتزام به.
ولنكتف هنا بهذا المقدار ، وأمّا التعرّض لما ذكره الأخباريون من منع الشارع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة والجواب عنه ، فيأتي الكلام فيه قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
1) في ص 58
وقبل الشروع في البحث عنه لابدّ من التنبيه على أمر : وهو أنّ بحث التجري لا يختص بالقطع ، بل يعم جميع الأمارات المعتبرة والاصول العملية ، بل يعم كل منجز للتكليف ولو كان مجرد احتمال ، كما في موارد العلم الاجمالي بالتكليف ، فإنّ الاقتحام في بعض الأطراف داخل في التجري ، وإن لم يكن فيه إلاّاحتمال المخالفة للتكليف ، وكذا الحال في الشبهات البدوية قبل الفحص. والجامع بين الجميع هو مخالفة الحجّة ، أي ما يحتج به المولى على العبد ، فلو ثبت كون مائع خمراً بالبيّنة أو الاستصحاب وشربه ، ولم يكن في الواقع خمراً كان متجرياً. ولو احتمل كون شيء حراماً وارتكبه قبل الفحص ، وانكشف عدم كونه حراماً كان متجرياً ، وهكذا. فذكر القطع ليس لاختصاص التجري به ، بل إنّما هو لكونه أظهر الحجج وأوضح المنجّزات.
وربّما يتوهّم عدم جريان التجري في موارد الأمارات والاصول العملية الشرعية ، والجامع هو الحكم الظاهري ، بدعوى أنّ الأحكام الظاهرية مجعولة في ظرف الجهل بالواقع ، فبكشف الخلاف ينتهي أمدها وتنتفي بانتفاء موضوعها ، لا أنّه يستكشف به عدم ثبوت الحكم من الأوّل ، فيكون بمنزلة انقلاب الخمر خلاً ، فكما أنّه إذا انقلبت الخمر خلاً تنتفي الحرمة من حين الانقلاب بانتفاء موضوعها ، لا أنّه بعد الانقلاب يستكشف أنّه لم يكن حراماً من الأوّل ، كذلك الحال في الأحكام الظاهرية ، حيث إنّ موضوعها الجهل بالواقع ، فبكشف الواقع تنتفي بانتفاء موضوعها ، فلا يتصور كشف الخلاف في
نفس الحكم الظاهري ، فتكون مخالفته العصيان دائماً لا التجري.
وهذا التوهم فاسد من أساسه ، إذ هو مبني على القول بالسببية ، وأنّ المجعول في مورد الطرق والأمارات هي الأحكام ، وهو فاسد لاستلزامه التصويب الباطل. والصحيح أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الحجّية والطريقية فقط على ما سيجيء الكلام فيه (1)إن شاء اللّه تعالى.
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في حكم التجري من حيث الحرمة واستحقاق العقاب ، ولا بدّ من البحث في مقامين :
المقام الأوّل : في البحث عن حرمة الفعل المتجرى به وعدمها.
المقام الثاني : في البحث عن أنّ التجري هل يوجب استحقاق العقاب من جهة كونه هتكاً وجرأةً على المولى بنفسه ، مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه في الواقع من المحبوبية أو المبغوضية أم لا؟
أمّا المقام الأوّل : فيقع الكلام فيه أيضاً في جهتين :
الجهة الاولى : في البحث عن حرمة الفعل المتجرى به بنفس ملاك الحرام الواقعي ، باعتبار شمول إطلاق الأدلة لما تعلّق به القطع ولو كان مخالفاً للواقع.
الجهة الثانية : في البحث عن حرمة الفعل المتجرى به لا بملاك الحرام الواقعي ، بل بملاك التمرد على المولى.
والفرق بين الجهتين من حيث المفهوم - بعد اشتراكهما في أنّ البحث في كل منهما بحث اصولي تتفرع عليه النتيجة الفقهية ، وهي حرمة الفعل المتجرى به - هو أنّ الجهة الاولى هي البحث عن حرمة الفعل المتجرى به بعنوانه الأوّلي ، والجهة الثانية هي البحث عن حرمته بعنوانه الثانوي وهو عنوان التمرد. ومن
1) في ص 120 - 122
حيث المورد أنّ البحث في الجهة الاولى مختص بما إذا كان الخطأ في الانطباق ، مع كون الحكم مجعولاً في الشريعة المقدّسة ، كما إذا قطع بخمرية ماء فشربه ، ولا يتصور فيما إذا كان الخطأ في أصل جعل الحكم ، كما إذا قطع بحرمة شرب التتن فشربه ولم يكن في الواقع حراماً ، بخلاف البحث في الجهة الثانية ، فانّه شامل لكلا القسمين ، فتكون النسبة بين الجهتين من حيث المورد هي العموم المطلق.
أمّا الكلام في الجهة الاولى : فهو أنّه قد يقال بحرمة الفعل المتجرى به ، بدعوى شمول إطلاقات الأدلّة الأوّلية لموارد التجري. ويستدل له بما هو مركب من مقدّمات :
1 - أنّ متعلق التكليف لا بدّ وأن يكون مقدوراً للمكلف ، لعدم صحّة التكليف بغير المقدور كما هو واضح.
2 - أنّ السبب لحركة العضلات نحو العمل إنّما هو القطع بالنفع ، كما أنّ الزاجر عن عمل إنّما هو القطع بكونه ضرراً ، فانّ المحرّك التكويني هو نفس القطع والانكشاف ، وأمّا جهة كونه مطابقاً للواقع أو مخالفاً له فهي أجنبية عن المحركية أو الزاجرية ، ولذا لو قطع العطشان بوجود ماء يتحرك نحوه وإن كان في الواقع سراباً ، ويموت عطشاً ولا يتحرك نحو ماء موجود ، لعدم علمه به.
وهذا أمر وجداني بديهي لا يحتاج إلى مؤونة برهان.
3 - أنّ التكليف إنّما يتعلق باختيار الفعل وإرادته ، لأنّ الارادة التشريعية إنّما تتعلق بالفعل الصادر عن المكلف بالاختيار ، لا بالفعل الصادر عنه ولو اضطراراً ، فلا محالة يكون متعلق التكليف هو إرادة الفعل واختياره ليكون الفعل صادراً عنه بالارادة والاختيار ، والمفروض أنّ إرادة المكلف تابعة لقطعه بالنفع أو الضرر ، فلا محالة يكون متعلق البعث والزجر هو ما تعلق به القطع ، سواء كان مطابقاً للواقع أو مخالفاً له ، فتكون نسبة العصيان - على تقدير التمرّد -
إلى من كان قطعه مطابقاً للواقع ، ومن كان قطعه مخالفاً له على حد سواء ، إذ مطابقة القطع للواقع ومخالفته له خارجتان عن اختيار المكلف ، فلا معنى لاناطة التكليف والعقاب بهما.
فتحصّل : أنّ متعلق التكليف هو ما تعلّق القطع بانطباق الموضوع عليه فعلاً أو تركاً ، فيكون قول المولى : أكرم العلماء ، بعثاً نحو إكرام من قطع بكونه عالماً ، وقوله : لا تشرب الخمر ، زجراً عن شرب مائع قطع بكونه خمراً ، وإطلاقهما يشمل صورة مخالفة القطع للواقع أيضاً.
والجواب عنه أوّلاً : بالنقض بالواجبات ، لعدم اختصاص الدليل المذكور بالمحرّمات ، فلو فرض أنّ الواجب المستفاد من قول المولى صلّ في الوقت هو اختيار ما قطع بكونه صلاةً في الوقت ، فصلّى المكلف مع القطع بدخول الوقت ، ثمّ بان خلافه ، فلا بدّ من الالتزام بسقوط التكليف ، لتحقق المأمور به الواقعي ، وهو ما قطع بكونه صلاةً في الوقت ، فلزم القول بالإجزاء في موارد الأوامر العقلية الخيالية ، ولم يلتزم به أحد من الفقهاء.
وثانياً : بالحل ، بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها كما هو المشهور من مذهب العدلية ، والمستفاد من ظواهر الأدلة الشرعية ، فانّ الظاهر من مثل قوله تعالى : «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (1)أنّ النهي عن الفحشاء والمنكر إنّما هو من آثار نفس الصلاة ، لا من آثار ما قطع بكونه صلاةً ولو لم يكن في الواقع صلاة. وكذا الحال في الأوامر الصادرة من الموالي العرفية ، فانّها أيضاً تابعة للأغراض الشخصية المتعلقة بنفس العمل ، فلا محالة يكون البعث نحو نفس العمل ، وإنّما الاختيار طريق إلى حصول العمل
1) العنكبوت 29 : 45
خارجاً في مقام الامتثال ، فلا دخل للقطع في متعلق التكليف أصلاً. غاية الأمر أنّه مع القطع بالتكليف يصح عقاب العبد على المخالفة ، لأنّ التكليف الواصل ممّا يصحّ العقاب على مخالفته بحكم العقل ، ولا يصحّ العقاب مع الانقياد ولو كان قطعه مخالفاً للواقع ، لكونه معذوراً حينئذ ، ولهذا نسمّي القطع بالمنجّز مع المطابقة وبالمعذّر مع المخالفة.
وبهذا ظهر أنّ صحّة العقاب على التمرد - على تقدير مصادفة القطع للواقع - وعدمها - على تقدير عدم المصادفة - لاتوجب دخول الأمر الخارج عن الاختيار في حيّز الطلب ، ولا إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار ، إذ العقاب مع المصادفة إنّما هو على مخالفة التكليف الواصل مخالفةً بالارادة والاختيار ، وعدم العقاب مع عدم المصادفة إنّما هو لعدم تحقق مخالفة التكليف في الواقع ولو بلا اختيار ، وعدم العقاب لأمر غير اختياري ممّا لا بأس به ، إنّما القبيح هو العقاب على أمر غير اختياري.
أمّا الكلام في الجهة الثانية : فهو أنّه قد يدعى حرمة الفعل المتجرى به بملاك التمرد على المولى ، ويستدلّ لها بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّ تعلّق القطع بانطباق عنوان ذي مصلحة على شيء يوجب حدوث المصلحة في ذلك الشيء ، فيكون واجباً لكون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، وتعلّق القطع بانطباق عنوان ذي مفسدة على شيء يوجب حدوث المفسدة فيه ، فيكون حراماً لما تقدّم ، فالفعل المتجرى به وإن كان مباحاً بعنوانه الأوّلي ، إلاّ أنّه صار واجباً أو حراماً بعنوانه الثانوي ، وهو كونه مقطوع الوجوب أو مقطوع الحرمة.
وفيه : ما تقدّم من أنّ المصلحة والمفسدة من الامور التكوينية المترتبة على نفس العمل ، بلا دخل للقطع فيهما أصلاً ، إنّما القطع دخيل في التنجيز والتعذير
فقط - كما تقدّم - دون المصالح والمفاسد ، إذ من الواضح أنّ القطع بانطباق عنوان على شيء لا يوجب سلب آثاره التكوينية الواقعية ، ولا حدوث أثر آخر فيه ، فانّ القطع بكون الماء سمّاً لا يجعله سمّاً ، ولا يترتب عليه أثر السم.
والقطع بكون السمّ ماءً لا يجعله ماءً من حيث الأثر ، بل يترتب على شربه أثر السمّ من الموت. ولو سلّمنا إمكان ذلك لا دليل على وقوعه في المقام. ومجرد الامكان لا يثبت به الوقوع كما هو ظاهر.
الوجه الثاني : أنّ التجري كاشف عن سوء سريرة العبد وخبث باطنه وكونه في مقام الطغيان على المولى ، وهذا يوجب قبح الفعل المتجرى به عقلاً ، فيحكم بحرمته شرعاً لقاعدة الملازمة.
وفيه : أنّ كون الفعل كاشفاً عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه لايوجب قبح الفعل ، إذ قبح المنكشف لا يوجب قبح الكاشف ، كما أنّ حسن المنكشف لا يسري إلى الكاشف ، فلم يثبت قبح للفعل المتجرى به عقلاً ليحكم بحرمته شرعاً بقاعدة الملازمة. مضافاً إلى ما سيجيء (1)من عدم تمامية قاعدة الملازمة في المقام أيضاً.
الوجه الثالث : أنّ تعلّق القطع بقبح فعل يوجب قبحه ، والقطع بحسن عمل يوجب حسنه ، فيحكم بحرمته في الأوّل وبوجوبه في الثاني ، لقاعدة الملازمة ، فهنا دعويان :
الاولى : أنّ القطع من العناوين والوجوه المقبّحة والمحسّنة للفعل.
الثانية : أنّ قبح الفعل يستتبع حرمة شرعية ، وحسنه يستتبع وجوباً شرعياً لقاعدة الملازمة.
1) في ص 25
أمّا الدعوى الاولى : فأنكرها صاحب الكفاية (1)قدسسره وتبعه في ذلك المحقق النائيني (2)قدسسره.
أمّا صاحب الكفاية فاستدلّ عليه بما حاصله : أنّ العناوين المحسّنة والمقبّحة لابدّ وأن تكون اختيارية متعلقة لارادة المكلف ، وعنوان القطع لا يكون كذلك ، لأنّ القاطع إنّما يقصد الفعل بعنوانه الواقعي ، لا بعنوان كونه مقطوع الوجوب أو الحرمة أو الخمرية ، فبهذا العنوان لا يكون مقصوداً بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه. بل ذكر في بعض كلماته (3)أنّه لم يصدر منه فعل بالاختيار ، كما إذا قطع بكون مائع خمراً فشربه ولم يكن في الواقع خمراً ، وذلك لأنّ شرب الخمر منتف بانتفاء موضوعه ، وشرب الماء ممّا لم يقصده ، فلم يصدر منه فعل بالارادة والاختيار ، إذ ما قصده لم يقع ، وما وقع لم يقصده ، انتهى ملخّصاً.
وأمّا المحقق النائيني قدسسره فذكر أنّ القطع طريق محض إلى متعلقه لا دخل له في الحسن والقبح ، ولم يستدل بشيء ، وادّعى أنّ هذا أمر وجداني.
أقول : أمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من البرهان ، ففيه : أنّه إن كان مراده من القصد في قوله : إنّ القاطع إنّما يقصد الفعل بعنوانه الأوّلي ، هو الداعي كما هو ظاهر كلامه قدسسره فهو وإن كان صحيحاً ، إذ الداعي لشرب الخمر هو الاسكار مثلاً ، لا عنوان كونه مقطوع الخمرية ، إلاّ أنّه لا يعتبر في الجهات المحسّنة أو المقبّحة أن تكون داعية في مقام العمل ، بل المعتبر صدور الفعل بالاختيار ، مع كون الفاعل ملتفتاً إلى جهة قبحه ، ولذا يكون
ضرب اليتيم مع الالتفات إلى أنّه يتألم ويتأذى ظلماً وقبيحاً ، ولو لم يكن بداعي الايلام والايذاء ، بل كان بداعي امتحان العصا مثلاً. وإن كان مراده من القصد هو الالتفات ، فلا وجه للترقي والاضراب في قوله : بل لا يكون غالباً ممّا يلتفت إليه ، لكونه عين ما ذكره أوّلاً.
وأمّا قوله (قدسسره) : بل لا يكون غالباً ممّا يلتفت إليه ، فان كان مراده هو الالتفات التفصيلي ، فهو وإن كان صحيحاً ، إلاّأنّ الالتفات التفصيلي غير معتبر في العناوين الموجبة للحسن أو القبح ، وإن كان مراده مطلق الالتفات ولو بنحو الاجمال ، ففيه : أنّ الالتفات إلى العناوين المحسّنة أو المقبّحة وإن كان معتبراً ، إلاّأنّ عنوان المقطوعية يكون ملتفتاً إليه دائماً بالالتفات الاجمالي الارتكازي ، كيف وحضور الأشياء في الذهن إنّما هو بالقطع ، ويسمى بالعلم الحصولي ، وحضوره بنفسه ويعبّر عنه بالعلم الحضوري ، فلا يعقل أن يكون الانسان عالماً بشيء مع كونه غير ملتفت إلى علمه ، بل هو ملتفت إليه دائماً ولو بالالتفات الاجمالي الارتكازي.
وأمّا ما ذكره أخيراً : من أنّه لم يصدر منه فعل بالاختيار ، كما إذا قطع بكون مائع خمراً فشربه ولم يكن في الواقع خمراً ... ففيه : أنّ الفعل - أي شرب الماء - لم يقع في الخارج بلا إرادة وقصد بالضرورة ، بل وقع مع القصد إليه بعنوان أنّه شرب الخمر ، وهو عنوان موجب لقبحه. وبعبارة اخرى : القطع بكون مائع خمراً لا يجعل شربه اضطرارياً غير متصف بالقبح ولا بالحسن ، إذ يكفي في كونه اختيارياً صدوره عن إرادة وقصد إليه ، ويكفي في قبحه الالتفات الاجمالي إلى جهة قبحه ، وهي كونه مقطوع الحرمة.
وأمّا ما ذكره المحقق النائيني (قدسسره) من دعوى الوجدان ، ففيه : أنّ الوجدان شاهد على خلافه ، وأنّ العقل حاكم بقبح الفعل المتجرى به ، بمعنى أنّه
يدرك أنّ الفعل المذكور تعدٍّ على المولى وهتك لحرمته ، وخروج عن رسوم عبوديته ، وأنّ الفاعل يستحق الذم واللوم ، كيف ولا خلاف بين العقلاء في حسن الانقياد عقلاً ، بمعنى أنّ العقل يدرك أنّه جري على وظيفة العبودية ، وأنّ الفاعل مستحق للمدح والثناء ، ولذا أنكر عدّة من العلماء دلالة أخبار من بلغ على الاستحباب الشرعي ، وحملها على أنّ المراد إعطاء الأجر والثواب من باب الانقياد ، مع أنّ الانقياد والتجري - مع التحفظ على تقابلهما - من وادٍ واحد ، فكما أنّ الانقياد حسن عقلاً بلا خلاف بين العقلاء ، كذلك لا ينبغي الشك في أنّ التجري قبيح عقلاً.
فالانصاف : أنّ الدعوى الاولى - التي هي بمنزلة الصغرى ، وهي قبح الفعل المتجرى به عقلاً - ممّا لا مناص من التسليم بها. وأمّا الدعوى الثانية - التي هي بمنزلة الكبرى ، وهي أنّ قبح الفعل عقلاً يستلزم حرمته شرعاً ، وحسن الفعل عقلاً يستتبع وجوبه شرعاً لقاعدة الملازمة - فهي غير تامّة. وقاعدة الملازمة أجنبية عن المقام ، بيان ذلك :
أنّ حكم العقل إنّما هو بمعنى إدراكه ليس إلاّ ، فتارةً يدرك ما هو في سلسلة علل الأحكام الشرعية من المصالح والمفاسد ، وهذا هو مورد قاعدة الملازمة ، إذ العقل لو أدرك مصلحة ملزمة في عمل من الأعمال ، وأدرك عدم وجود مزاحم لتلك المصلحة ، علم بوجوبه الشرعي لا محالة ، بعد كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد. وكذا لو أدرك مفسدة ملزمة بلا مزاحم ، علم بالحرمة الشرعية لا محالة.
لكن الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة أو نادرة جداً ، إذ العقل لا يحيط بالمصالح الواقعية والمفاسد النفس الأمرية والجهات المزاحمة لها ، ولذا ورد في
الروايات «أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» (1)و «أنّه ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال» (2).
واخرى يدرك العقل ما هو في مرتبة معلولات الأحكام الشرعية ، كحسن الاطاعة وقبح المعصية ، فانّ هذا الحكم العقلي فرع ثبوت الحكم الشرعي المولوي ، وحكم العقل بقبح التجري وحسن الانقياد من هذا القبيل ، فقاعدة الملازمة أجنبية عنه ، فلا دليل على أنّ حكم العقل بقبح التجري يستلزم الحرمة الشرعية ، بل لنا أن ندّعي عدم إمكان جعل حكم شرعي مولوي في المقام ، إذ لو كان حكم العقل بحسن الانقياد والاطاعة وقبح التمرد والمعصية كافياً في إتمام الحجّة على العبد ، وفي بعثه نحو العمل وزجره عنه - كما هو الصحيح - فلا حاجة إلى جعل حكم شرعي مولوي آخر ، وإن لم يكن كافياً فلا فائدة في جعل حكم آخر ، إذ هو مثل الحكم الأوّل ، فيكون جعل الحكم لغواً يستحيل صدوره من الحكيم (تعالى وتقدّس).
هذا ، ولنا برهان آخر أبسط على عدم إمكان جعل الحكم الشرعي في المقام : وهو أنّ القبح - الذي يتوهم استتباعه للحكم الشرعي - لو كان مختصاً بعنوان التجري - أي مخالفة القطع المخالف للواقع - ففيه : مضافاً إلى فساد هذا الاختصاص وأنّ حكم العقل بالقبح في صورة مصادفة القطع للواقع وصورة مخالفته له على حد سواء ، إذ ملاكه وهو هتك المولى والجرأة عليه موجود في
كلتا الصورتين ، أنّ هذا الحكم غير قابل للبعث والمحركية أصلاً ، إذ من مبادئ قدرة المكلف على الامتثال المعتبرة في صحّة التكليف هو الالتفات إلى الموضوع ، والالتفات إلى هذا العنوان - أي القطع المخالف للواقع - مساوق لزواله ، نظير الالتفات إلى النسيان ، فكما لا يمكن توجيه التكليف إلى الناسي بعنوان الناسي ، إذ الالتفات شرط للتكليف ومع الالتفات إلى كونه ناسياً ينقلب النسيان إلى الذكر ، وينتفي الموضوع ، كذا لا يمكن تكليف القاطع بعنوان مخالفة قطعه للواقع ، إذ مع عدم الالتفات لا يصح التكليف ، ومع الالتفات إلى مخالفة قطعه للواقع يزول القطع.
وأمّا لو كان القبح المتوهم استتباعه للحكم الشرعي عاماً شاملاً للتجري والمعصية بجامع الهتك والجرأة على المولى ، كان جعل الحكم الشرعي مستلزماً للتسلسل ، إذ التجري أو العصيان قبيح عقلاً على الفرض ، وقبحهما يستتبع الحرمة الشرعية ، وعصيان هذه الحرمة أو التجري فيها أيضاً قبيح عقلاً ، والقبح العقلي مستلزم للحرمة الشرعية ، وهكذا إلى ما لا نهاية له.
فتحصّل : أنّ حكم العقل بقبح العصيان والتجري وبحسن الاطاعة والانقياد لا يستلزم حكماً شرعياً مولوياً ، بل لا يمكن جعل الحكم في مورده على ما عرفت ، ولذا حملوا الأوامر الشرعية الدالة على وجوب الاطاعة ، والنواهي الشرعية الدالة على حرمة المعصية على الارشاد دون المولوية. وقد ظهر ممّا ذكرناه الكلام في :
المقام الثاني : وهو أنّ التجري هل يوجب استحقاق العقاب من جهة كونه جرأة على المولى وهتكاً لحرمته مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه في الواقع من المحبوبية أو المبغوضية أم لا؟ لأنّه قد اتّضح ممّا ذكرناه أنّ القبح العقلي وإن لم يكن مستتبعاً للحكم الشرعي ، لكنّه يستلزم حكم العقل باستحقاق العقاب على نفس التجري ، بمعنى أنّ العقل يدرك كون المتجري مستحقاً للعقاب ،
للتعدي على المولى وهتكه ، وخروجه عن رسوم عبوديته كما في المعصية ، بلا فرق بينهما من هذه الجهة ، وما ذكره صاحب الفصول قدسسره (1)من الأمثلة لبيان الفرق بين التجري والعصيان أجنبي عن المقام ، لكون الفرق المذكور في الأمثلة لأجل التشفي المستحيل في حقّه تعالى ، فإذا أراد عبد قتل ابن المولى وصادفه فلا محالة كان عقابه أشد بنظر المولى ممّن أراد قتل ابن المولى ولم يصادفه ، بل صادف عدوّه ، إلاّ أنّه لأجل التشفي ، ومع قطع النظر عنه لا فرق بينهما من حيث استحقاق العقاب لوحدة الملاك وهو الهتك.
أنّ محل الكلام في التجري هو القطع الطريقي ، وأمّا القطع الموضوعي فلا يتصور فيه كشف الخلاف بالنسبة إلى الحكم ليتحقق التجري ، وكذا لو اخِذ الظن في موضوع الحكم ، بل لو اخذ الاحتمال فيه ، ففي الجميع يكون الحكم ثابتاً واقعاً ، ولو كان القطع أو الظن أو الاحتمال مخالفاً للواقع ، لكون موضوع الحكم هو نفس القطع أو الظن أو الاحتمال ، وبعد انكشاف الخلاف ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه ، فليس هناك تجرٍ أصلاً.
وبما ذكرناه ظهر فساد التمسك لحرمة التجري بالاجماع على أنّ سلوك طريق مظنون الضرر معصية ولو انكشف الخلاف ، فلو فاتت الصلاة منه في سفر مظنون الضرر لا بدّ من القضاء تماماً ، ولو بعد انكشاف عدم الضرر ، وكذا الظان بضيق الوقت يجب عليه البدار ، ولو لم يبادر كان عاصياً ولو انكشف
1) الفصول الغروية : 431 و 432 / فصل في أنّ جاهل الحكم غير معذور
بقاء الوقت. والظان بالتضرر من الوضوء أو الغسل يجب عليه التيمم ، فلو توضّأ أو اغتسل مع الظن بالضرر ارتكب الحرام ولو انكشف عدم الضرر ، وهكذا.
أنّه ربّما يستدل لحرمة التجري بالروايات الدالة على العقاب بقصد المعصية.
وهناك روايات اخر دالة على عدم العقاب بالقصد (1)، وقد يجمع تارةً بين هاتين الطائفتين بحمل الطائفة الاولى على القصد مع الاشتغال ببعض المقدّمات.
والطائفة الثانية على القصد المجرد. واخرى بحمل الطائفة الاولى على ما إذا لم يرتدع من قصده حتّى حال بينه وبين العمل مانع قهري ، والطائفة الثانية على ما إذا ارتدع عن قصده بنفسه ، ويجعل الشاهد على هذا الجمع هو النبوي الدال على أنّه إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول كلاهما في النار ، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال صلىاللّهعليهوآله : لأنّه أراد قتل صاحبه (2)فانّ ظاهر التعليل هو ارادة القتل وعدم ارتداعه عن قصده ، وعدم تمكنه منه.
هذا ، ولكن التحقيق عدم صحّة الاستدلال بالروايات الدالّة على ترتّب العقاب على قصد المعصية لحرمة التجري مع قطع النظر عن ابتلائها بالمعارض لوجوه :
الأوّل : أنّها قاصرة من حيث السند أو من حيث الدلالة ، فانّا راجعناها بتمامها ورأينا أنّ ما يدل على المقصود ضعيف السند ، كالنبوي المذكور (3)، وما
هو تام سنداً قاصر من حيث الدلالة ، راجع الوسائل أبواب مقدّمة العبادات (1).
الثاني : أنّ مفادها هي المؤاخذة والمحاسبة على نيّة المعصية الواقعية وقصد ارتكاب الحرام الواقعي ، كما هو مورد النبوي المذكور ، فلا ربط لها بالحرام الخيالي وما يعتقده المكلف حراماً ، مع عدم كونه حراماً في الواقع.
الثالث : أنّه لو سلّمنا كون مفادها أعم من ذلك لا دلالة لها على حرمة الفعل المتجرى به شرعاً ، كما هو محل الكلام ومورد الاستدلال ، غاية ما فيها أنّ القصد ممّا يحاسب به ويعاقب عليه ، وهذا التعبير لا يدل على أزيد ممّا كان العقل مستقلاً به من استحقاق المتجري للعقاب ، فلا يدل على حرمة الفعل المتجرى به شرعاً.
ذكر صاحب الفصول قدسسره (2)أنّ قبح التجري لا يكون ذاتياً ، بل يختلف بالوجوه والاعتبارات ، فإذا صادف الفعل المتجرى به المعصية الواقعية كان فيه ملاكان للقبح : ملاك التجري وملاك المعصية الواقعية ، فلا محالة
1) الوسائل 1 : 50 و 56 / أبواب مقدّمة العبادات ب 6 ح 3 و 4 و 22 ، راجع أيضاً ب 7 ح 1 و 5 ، وب 5 ح 5 ، وهناك روايات استُدلّ بها على حرمة التجري ولم تذكر في مقدّمة العبادات منها : ما دلّ على أن من رضي بأمر كان كمن شهده ، راجع الوسائل 16 : 137 / أبواب الأمر والنهي ب 5 ح 2 وغيره. ومنها : ما دلّ على العقاب على فعل بعض المقدّمات بقصد ترتب الحرام كغرس الخمر ، راجع الوسائل 17 : 224 / أبواب ما يكتسب به ب 55 ح 4 و 5
2) الفصول الغروية : 431 و 432 / فصل في أنّ جاهل الحكم غير معذور ، راجع أيضاً ص 87 من الفصول
يتداخل العقابان ، وقبح التجري - في هذا الفرض - يكون أشد ممّا إذا كان الفعل المتجرى به في الواقع مكروهاً ، كما أنّ القبح - في هذا الفرض أيضاً - أشد ممّا إذا كان الفعل المتجرى به مباحاً ، والقبح فيه أشد ممّا إذا كان الفعل المتجرى به مستحباً ، وأمّا إذا كان الفعل المتجرى به واجباً في الواقع ، فيقع التزاحم بين ملاك الوجوب وملاك قبح التجري ، فربّما يتساويان ، وربّما يكون ملاك الوجوب أقوى فيتقدم ، وربّما يكون ملاك قبح التجري أقوى فيكون قبيحاً ، انتهى.
وما ذكره مشتمل على دعاوٍ ثلاث :
الاولى : أنّ القبح لا يكون ذاتياً للتجري ، بل قابل لأن يختلف بالوجوه والاعتبارات.
الثانية : أنّ الجهات الواقعية - بواقعيتها ومع عدم الالتفات إليها - توجب اختلاف التجري من حيث مراتب القبح ، بل توجب زواله في بعض الموارد.
الثالثة : تداخل العقابين عند مصادفة المعصية الواقعية.
وهذه الدعاوي فاسدة بتمامها :
أمّا الدعوى الاولى : ففيها أنّ التجري على المولى وهتكه بنفسه مصداق للظلم ، والقبح لا ينفك عن الظلم ، فلا ينفك عن التجري ، بل يترتب عليه نحو ترتب المعلول على علّته التامّة.
وأمّا الدعوى الثانية : ففيها أنّه لو سلّمنا اختلاف التجري من حيث القبح ، لا يمكن أن يكون الأمر غير الاختياري رافعاً لقبحه ، لما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ الجهات التي لها دخل في الحسن والقبح لا بدّ من أن تكون من الامور
1) في ص 24
الاختيارية الملتفت إليها ، ومصادفة الجهات الواقعية ليست من الامور الاختيارية ولا ممّا يلتفت إليها المكلف.
وأمّا الدعوى الثالثة : ففيها أنّ استحقاق العقاب دائماً يدور مدار هتك المولى والتعدي عليه ، بلا فرق في ذلك بين التجري والمعصية الواقعية ، وليس في المعصية الواقعية إلاّهتك واحد ، فلا ملاك لتعدّد العقاب حتّى نلتزم بالتداخل ، ولعلّه لوضوح أنّ العاصي لا يستحق إلاّعقاباً واحداً التزم صاحب الفصول بالتداخل مع الالتزام بتعدّد الملاك ، والصحيح أنّه لا تعدّد في الملاك على ما عرفت ، فلا تصل النوبة إلى التداخل.
ظهر بما ذكرناه أنّ استحقاق العقاب إنّما هو على نفس التجري ، أعني الاتيان بالفعل المتجرى به ، لا على العزم والاختيار كما أفاده في الكفاية فوقع في إشكال استلزامه العقاب على أمر غير اختياري ، وأجاب عنه بأنّ العقاب من تبعات البعد عن المولى الناشئ من الشقاوة الذاتية التي هي نظير إنسانية الانسان وحمارية الحمار ، وغير قابلة للتعليل (1).
وبما ذكرناه من أنّ العقاب إنّما هو على الفعل لا على القصد يندفع الاشكال من أصله. وأمّا ما ذكره من أمر الشقاوة الذاتية فقد تقدّم الجواب عنه في بحث الطلب والارادة بما لا مزيد عليه (2)ولا نعيد ، وذكرنا هناك أنّ الاختيار ليس أمراً غير اختياري ، بل اختياري بنفسه ، وغيره اختياري بالاختيار ، إذ كل ما
بالغير لا بدّ من أن ينتهي إلى ما بالذات (1).
قد عرفت أنّ الطريقية شأن القطع ، بل هي نفس القطع ، فلا قابلية لها للجعل أصلاً (2).
وقد يؤخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله ولا يضاده ، بأن يكون الحكم المأخوذ في موضوعه القطع متعلقاً بغير ما تعلّق به الحكم المقطوع ، سواء كان من جنسه - كما إذا قال المولى : إذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق بدرهم - أو لا كما إذا قال : إذا قطعت بوجوب الصلاة حرم عليك الخمر مثلاً.
وقد يؤخذ في موضوع الحكم القطع بموضوع من الموضوعات ، كما إذا قال : إذا قطعت بكون مائع خمراً وجب عليك الاجتناب عنه.
وكيف ما كان ، فقد قسّم شيخنا الأنصاري قدسسره (3)القطع الموضوعي إلى قسمين : باعتبار أنّ القطع قد يكون مأخوذاً في الموضوع بنحو الصفتية ، وقد يكون مأخوذاً بنحو الطريقية.
وتوضيحه : أنّ القطع من الصفات الحقيقية ذات الاضافة ، ومعنى كونه من الصفات الحقيقية أنّه من الامور المتأصلة الواقعية في قبال الامور الانتزاعية التي لا وجود إلاّلمنشأ انتزاعها ، وفي قبال الامور الاعتبارية التي لا وجود لها
إلاّ باعتبارٍ من معتبر ، فانّ القطع ممّا له تحقق في الواقع ونفس الأمر بلا حاجة إلى اعتبار معتبر أو منشأ للانتزاع.
ومعنى كونه ذات الاضافة أنّ القطع ليس من الصفات الحقيقية المحضة كالأعراض التي لا تحتاج في وجودها إلاّإلى وجود موضوع فقط كالبياض مثلاً ، بل من الصفات ذات الاضافة بمعنى كونه محتاجاً في وجوده إلى المتعلق مضافاً إلى احتياجه إلى الموضوع ، فانّ العلم كما يستحيل تحققه بلا عالم كذلك يستحيل تحققه بلا معلوم. والقدرة من هذا القبيل ، فانّه لا يعقل تحققها إلاّبقادر ومقدور فللعلم جهتان :
الاولى : كونه من الصفات المتأصلة وله تحقق واقعي.
الثانية : كونه متعلقاً بالغير وكاشفاً عنه ، فقد يكون مأخوذاً في الموضوع بلحاظ الجهة الاولى وقد يكون مأخوذاً في الموضوع بملاحظة الجهة الثانية.
هذا توضيح مراد الشيخ قدسسره في تقسيمه القطع الموضوعي إلى قسمين.
وقسّمه صاحب الكفاية قدسسره (1)إلى أربعة أقسام : باعتبار أنّ كلاً من القسمين المذكورين تارةً يكون تمام الموضوع ، أي يكون الحكم دائراً مدار القطع ، سواء كان مطابقاً للواقع أو مخالفاً له. واخرى يكون جزءاً للموضوع وكان الجزء الآخر الواقع المقطوع به ، فيكون الحكم دائراً مدار خصوص القطع المطابق للواقع. وذكر صاحب الكفاية قدسسره أيضاً أنّ القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية تارةً يؤخذ صفة للقاطع ، واخرى يؤخذ صفة للمقطوع به.
أقول : القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية ينقسم إلى قسمين كما ذكره
1) كفاية الاصول : 263
صاحب الكفاية ، إذ القطع المذكور - باعتبار كونه صفة من الصفات النفسانية - تارةً يكون تمام الموضوع ، فيترتب الحكم عليه ، سواء كان مطابقاً للواقع أو مخالفاً له. واخرى يكون جزءاً للموضوع ، فيترتب عليه الحكم مع كونه مطابقاً للواقع.
وأمّا القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية فلا يمكن أخذه تمام الموضوع ، إذ معنى كونه تمام الموضوع أنّه لا دخل للواقع في الحكم أصلاً ، بل الحكم مترتب على نفس القطع ولو كان مخالفاً للواقع. ومعنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية أنّ للواقع دخلاً في الحكم ، واخذ القطع طريقاً إليه ، فيكون الجمع بين أخذه في الموضوع بنحو الطريقية وكونه تمام الموضوع من قبيل الجمع بين المتناقضين.
فالصحيح : هو تثليث الأقسام ، بأن يقال : القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية إمّا أن يكون تمام الموضوع أو يكون جزأه ، وأمّا القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية فلا يكون إلاّجزءاً للموضوع.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من أنّ القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية قد يؤخذ صفةً للقاطع وقد يؤخذ صفة للمقطوع به ، ففيه : أنّه إن كان المراد من أخذه صفةً للمعلوم كونه صفةً للمعلوم بالذات - أي الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج - فهو يرجع إلى أخذه صفةً للقاطع ، إذ المعلوم بالذات - وهو الصورة الذهنية - موجود في ذهن القاطع بعين وجود القطع ، فأخذ القطع صفة للمعلوم بهذا المعنى ليس إلاّعبارة اخرى عن أخذه صفة للقاطع ، وليس الفرق بينهما إلاّبمجرد العبارة ، نظير الفرق بين الوجود والماهية الموجودة ، فكما لا فرق بين قولنا : المأخوذ في الموضوع هو الوجود ، وقولنا : المأخوذ في الموضوع هو الماهية الموجودة ، لأنّ الماهية موجودة بعين
الوجود لا بشيء آخر ، فكذا لا فرق في المقام بين قولنا : المأخوذ في الموضوع هو القطع بالقيام مثلاً ، وقولنا : المأخوذ في الموضوع هو القيام المقطوع به ، أي الصورة الذهنية للقيام ووجوده العلمي ، إذ لا فرق بين العلم بالقيام والقيام الموجود بالوجود العلمي إلاّبمجرد العبارة.
وإن كان مراده من أخذ القطع صفةً للمقطوع به هو أخذه صفةً للمعلوم بالعرض - أي الموجود الخارجي - بأن يقال : المأخوذ في الموضوع هو القيام المتحقق في الخارج المنكشف للمكلف القاطع ، فهذا ليس إلاّلحاظ القطع طريقاً وكاشفاً ، فأخذ القطع في الموضوع صفة للمقطوع به - بهذا المعنى - عبارة اخرى عن أخذه في الموضوع بنحو الطريقية ، فالجمع بين أخذه بنحو الصفتية وكونه صفةً للمقطوع به جمع بين المتنافيين.
ثمّ إنّ المراد من القطع الموضوعي هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم واقعاً ، بأن كان له دخل في ترتب الحكم ، كالعلم المأخوذ في ركعات صلاة المغرب والصبح والركعتين الاوليين من الصلوات الرباعية ، على ما يستفاد من الروايات ، ولذا لو شكّ بين الواحدة والاثنتين في صلاة الصبح مثلاً فأتمّ الصلاة رجاءً ثمّ انكشف أنّه أتى بالركعتين كانت صلاته فاسدة ، لكون العلم بهما حال الصلاة مأخوذاً في الحكم بصحّتها ، فالمراد من القطع الموضوعي ما كان له دخل في ترتب الحكم واقعاً ، لا القطع المأخوذ في لسان الدليل فقط ، إذ ربّما يؤخذ القطع في لسان الدليل مع القرينة على عدم دخله في الحكم ، وأنّ أخذه في لسان الدليل إنّما هو لكونه طريقاً إلى الواقع ، بل أظهر أفراد الطرق إليه ، فهو مع كونه مأخوذاً في لسان الدليل ليس من القطع الموضوعي في شيء. وأمثلته كثيرة منها : قوله تعالى «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» (1)فانّ
1) البقرة 2 : 187
الموضوع لوجوب الامساك هو نفس طلوع الفجر لا علم المكلف به.
ثمّ إنّه لا إشكال في قيام الأمارات والطرق مقام القطع الطريقي بنفس أدلة اعتبارها وحجّيتها ، فتترتب عليها الآثار المترتبة عليه من التنجيز عند المطابقة والتعذير عند المخالفة ، كما أنّه لا ريب في عدم قيامها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية بنفس أدلة حجّيتها ، إذ غاية ما تدل عليه أدلة حجّيتها هو إلغاء احتمال الخلاف وترتيب آثار الواقع على مؤدّاها ، والقطع وإن كانت حقيقته الانكشاف ، إلاّأنّ المفروض أخذه في الموضوع بنحو الصفتية ، وعدم ملاحظة جهة كشفه ، فيكون المأخوذ في الموضوع صفة خاصّة نفسانية ، كبقية الصفات النفسانية من الشجاعة والعدالة ونحوهما ، ومن البديهي أنّ أدلة الحجّية وإلغاء احتمال الخلاف في الأمارات والطرق لا تدل على تنزيلها منزلة الصفات النفسانية.
وأمّا قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية ، فقد اختلفت كلماتهم فيه.
فذهب شيخنا الأنصاري قدسسره إلى قيامها مقامه (1)، وتبعه المحقق النائيني قدسسره (2).
واختار صاحب الكفاية قدسسره عدم القيام (3)، وملخص ما ذكره في وجهه بتوضيح منّا : أنّ التنزيل يستدعي لحاظ المنزّل والمنزّل عليه. ولحاظ الأمارة والقطع في تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي آلي ، إذ الأثر مترتب على
الواقع المنكشف بالقطع لا على نفس القطع كما هو المفروض ، فيكون النظر في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الأمارة. ولحاظ الأمارة والقطع في تنزيل الأمارة منزلة القطع المأخوذ في الموضوع استقلالي ، إذ الأثر مترتب على نفس القطع ، فالجمع بين التنزيلين في دليل واحد يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي المتعلقين بملحوظ واحد في آن واحد ولا يمكن الجمع بينهما ، فلا يمكن أن يكون دليل واحد متكفلاً لبيان كلا التنزيلين ، وحيث إنّ أدلة حجّية الأمارات ظاهرة بحسب متفاهم العرف في التنزيل من حيث الطريقية ، فلا بدّ من الأخذ به ما لم تقم قرينة على التنزيل من حيث الموضوعية.
وفيه : أنّ تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع مبني على القول بالسببية والموضوعية في باب الأمارات ، وهذا المسلك منافٍ لما التزمه صاحب الكفاية قدسسره من أنّ المجعول في باب الأمارات هو المنجزية والمعذرية (1)على ما صرّح به غير مرّة. مضافاً إلى أنّه فاسد في أصله ثبوتاً ، وعدم مساعدة الدليل عليه إثباتاً.
أمّا الأوّل ، فلاستلزامه التصويب الباطل.
وأمّا الثاني ، فلأنّ أدلة حجّية الأمارات - وعمدتها سيرة العقلاء - لا دلالة لها على جعل الحكم مطابقاً لمؤدى الأمارات أصلاً. وسيجيء الكلام فيه مفصلاً (2)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا بناءً على ما اختاره صاحب الكفاية قدسسره من أنّ المجعول في باب الأمارات هو المنجزية والمعذرية ، فلا يلزم من تنزيلها منزلة القطع الجمع
بين اللحاظين الآلي والاستقلالي ، بل لزم لحاظ واحد استقلالي ، إذ لا يكون هناك تنزيل المؤدى منزلة الواقع ، فلا يكون إلاّتنزيل واحد ، وهو تنزيل الأمارة منزلة القطع ، غاية الأمر أنّ التنزيل إنّما هو باعتبار خصوص الأثر العقلي للقطع من التنجيز والتعذير ، أو باعتبار خصوص الحكم الشرعي المأخوذ في موضوعه القطع ، أو باعتبار مطلق الأثر. وإطلاق أدلة التنزيل يشمل كلا الحكمين العقلي والشرعي.
وكذا الحال على القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية بالغاء احتمال الخلاف ، وإن شئت فعبّر عنه بتتميم الكشف ، باعتبار أنّ الأمارات كانت كاشفة ناقصة ، فاعتبرها الشارع كاشفة تامّة بالغاء احتمال الخلاف ، فيجري الكلام المذكور هنا أيضاً ويقال : إنّ إطلاق دليل التنزيل شامل للأثر العقلي والأثر الشرعي المترتب على القطع.
بل يمكن أن يقال : إنّه بعد اعتبار الشارع الأمارة كاشفة تامّة عن الواقع تترتب آثار الواقع لا محالة ، إذ الواقع قد انكشف بالتعبد الشرعي ، فلا بدّ من ترتيب آثاره ، فتترتب آثار نفس القطع - أي الحكم المأخوذ في موضوعه القطع - بالأولوية ، إذ ترتيب آثار المقطوع على مؤدى الأمارة إنّما هو لتنزيل الأمارة منزلة القطع ، فيترتب أثر نفس القطع لأجل هذا التنزيل بطريق أولى.
ثمّ إنّ الصحيح في باب الأمارات هو القول بأنّ المجعول هو الطريقية والكاشفية ، لا القول بأنّ المجعول هو المنجزية والمعذرية ، لكونه مستلزماً للتخصيص في حكم العقل ، وحكم العقل بعد ثبوت ملاكه غير قابل للتخصيص ، بيان ذلك :
أنّ العقل مستقل بقبح العقاب بلا بيان واصل ، فإذا قامت الأمارة على التكليف فلا إشكال في تنجزه على المكلف وكونه مستحقاً للعقاب على مخالفته ، فان كان ذلك لأجل تصرف الشارع في موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا
بيان ، بأن جعل الأمارة طريقاً وبياناً ، كان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان منتفياً بانتفاء موضوعه ، ولذا نعبّر عن تقدّم الأمارة عليه بالورود وهو انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه بالتعبد الشرعي ، وعليه فالعقل بنفسه يحكم بالتنجز ، بلا حاجة إلى جعل التنجيز.
وإن لم يتصرّف الشارع في موضوع حكم العقل ولم يعتبر الأمارة بياناً ، بل جعل الأمارة منجّزة للتكليف ، بأن يكون المجعول كون المكلف مستحقاً للعقاب على مخالفة التكليف ، لزم التخصيص في حكم العقل ، بأن يقال : العقاب بلا بيان قبيح إلاّمع قيام الأمارة على التكليف فانّ العقاب بلا بيان في هذا المورد ليس بقبيح ، وقد ذكرنا أنّ حكم العقل غير قابل للتخصيص. هذا والتفصيل موكول إلى محلّه (1).
وأمّا قيام الاصول المحرزة مقام القطع ، وهي الاصول التي تكون ناظرة إلى الواقع ، كالاستصحاب وقاعدة الفراغ والتجاوز - بناءً على عدم كونها من الأمارات - وقاعدة عدم اعتبار الشك من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر ، وقاعدة عدم اعتبار الشك ممّن كثر شكّه وتجاوز عن المتعارف ، وغيرها من القواعد الناظرة إلى الواقع في ظرف الشك - فالظاهر أنّها تقوم مقام القطع الطريقي والقطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية ، إذ الشارع اعتبر موارد جريانها علماً ، فتترتب عليها آثاره العقلية والشرعية من المنجزية والمعذرية ، والحكم المأخوذ في موضوعه القطع.
وتوهم أنّه قد اخذ في موضوع الاصول الشك ، فكيف يمكن اعتبارها علماً ،
1) يأتي وجه تقديم الأمارات على الاصول العقلية وأ نّه من باب الورود في أواخر بحث الاستصحاب ، راجع الجزء الثالث ص 297
فانّ اعتبارها علماً مع التحفظ على الشك المأخوذ في موضوعها اعتبار للجمع بين النقيضين ، فلم يعتبر في مواردها إلاّالبناء العملي مدفوع بأنّ الشك المأخوذ في موضوع الاصول هو الشك الوجداني ، والعلم تعبدي ، ولا تنافي بينهما أصلاً ، إنّما التنافي بين الشك الوجداني والعلم الوجداني لا بين الشك الوجداني والعلم التعبدي ، كيف ولو كان هذا جمعاً بين النقيضين لزم التناقض في جميع موارد التنزيل كقوله عليهالسلام المروي : «الفقاع خمر استصغره الناس» (1)وقوله صلىاللّهعليهوآله المروي في روايات العامّة : «الطواف بالبيت صلاة» (2)فيقال كيف يمكن أن يكون الفقّاع خمراً مع أنّه غيرها ، وكيف يمكن أن يكون الطواف صلاة مع أنّه غيرها. والجواب هو ما ذكرناه ، فانّ الفقّاع فقّاع بالوجدان وخمر بالتعبّد ، ولا منافاة بينهما ، وكذا الطواف مع كونه غير الصلاة بالوجدان صلاة بالتعبد ، ولا منافاة بينهما أصلاً.
هذا مضافاً إلى أنّه لو كان هذا مانعاً عن قيام الاصول مقام القطع ، لمنع عن قيام الأمارات أيضاً مقام القطع ، إذ لا فرق بين الاصول والأمارات من هذه الجهة ، فانّ الأمارات أيضاً قد اخذ في موضوعها الشك ، غاية الأمر أنّ الاصول قد اخذ الشك في موضوعها في لسان الدليل اللفظي ، وفي الأمارات قد ثبت ذلك بالدليل اللبي ، بيانه :
أنّ الاهمال في مقام الثبوت غير معقول كما ذكرناه غير مرّة (3)فامّا أن تكون الأمارات حجّة مع العلم بموافقتها للواقع ، ولا خفاء في أنّ جعل الحجّية للأمارات حين العلم بالواقع لغو محض ، إذ الاستناد - حينئذ - إلى العلم لا إلى الأمارة ،
وإمّا أن تكون حجّة مع العلم بمخالفتها للواقع ، وهذا أفحش من سابقه كما هو ظاهر. وكذا لا يمكن أن يكون الموضوع هو الجامع بينهما ، أي مطلق العالم إمّا بالموافقة أو بالمخالفة ، كما لا يمكن أن يكون الموضوع هو الجامع بين العالم بالموافقة أو بالمخالفة والشاك ، فتعيّن أن يكون الموضوع هو خصوص الشاك.
هذا مضافاً إلى أنّه قد اخذ الشك في موضوع بعض الأمارات في لسان الدليل اللفظي أيضاً ، كقوله تعالى : «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1).
فتحصّل : أنّ حال الاصول المحرزة هي حال الأمارات في أنّها تقوم مقام القطع الطريقي والقطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية. نعم ، يستثنى من ذلك ما لو التزمنا فيه بقيام الأصل مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية ، لزم الغاء اعتبار القطع رأساً ، كما في العلم المأخوذ في ركعات صلاة المغرب والصبح والركعتين الاوليين من الصلوات الرباعية ، فانّ العلم مأخوذ فيها بنحو الطريقية ، ولا يقوم مقامه الاستصحاب ، أي استصحاب عدم الاتيان بالأكثر المعبّر عنه بالبناء على الأقل ، والوجه في ذلك : أنّ الاستصحاب جارٍ في جميع موارد الشك المتعلق بركعات صلاة المغرب والصبح والاوليين من الصلوات الرباعية ، فلو بني على قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في الموضوع ، لزم أن يكون اعتبار العلم لغواً ، ولزم إلغاء الأدلة الدالة على اعتبار العلم.
وأمّا الاصول غير المحرزة التي ليس لها نظر إلى الواقع ، بل هي وظائف عملية للجاهل بالواقع ، كالاحتياط الشرعي والعقلي والبراءة العقلية والشرعية ، فعدم قيامها مقام القطع الطريقي والموضوعي واضح ، لأنّها لا تكون محرزة للواقع لا بالوجدان ولا بالتعبد الشرعي.
1) النحل 16 : 43 ، الأنبياء 21 : 7
توضيح ذلك : أنّ الاحتياط العقلي عبارة عن حكم العقل بتنجز الواقع على المكلف وحسن عقابه على مخالفته ، كما في موارد العلم الاجمالي والشبهة الحكمية قبل الفحص ، والبراءة العقلية عبارة عن حكم العقل بعدم صحّة العقاب ، وكون المكلف معذوراً في مخالفة الواقع لعدم وصوله إليه ، ولا معنى لقيامهما مقام القطع ، إذ لا بدّ في التنزيل وقيام شيء مقام شيء آخر من وجه التنزيل ، أي الأثر الذي يكون التنزيل بلحاظه ، وهو المصحح للتنزيل ، وفي المقام أثر القطع هو التنجز والمعذورية ، فإذا قام شيء مقامه كان بلحاظهما لا محالة. وأمّا نفس التنجز والمعذورية فلا يعقل قيامهما مقام القطع ، وليس الاحتياط والبراءة العقليّان إلاّالتنجز والتعذر بحكم العقل ، فكيف يقومان مقام القطع.
وكذا الحال في الاحتياط والبراءة الشرعيين ، فانّ الاحتياط الشرعي عبارة عن إلزام الشارع إدراك مصلحة الواقع ، والبراءة الشرعية عبارة عن ترخيصه حين عدم إحراز الواقع ، فالاحتياط الشرعي نفس التنجز ، والبراءة الشرعية نفس التعذر بحكم الشارع ، فليس هنا شيء يقوم مقام القطع في التنجز والتعذر.
بقي في المقام شيء ينبغي التعرض له : وهو أنّ صاحب الكفاية قدسسره بعد ما منع عن قيام الأمارات والاصول مقام القطع الموضوعي ، لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في دليل الحجّية على ما تقدّم بيانه (1)ذكر في حاشيته على الرسائل (2)وجهاً لقيامها مقامه ، وحاصل هذا الوجه : أنّ أدلة الأمارات والاصول وإن كانت متكفلة لتنزيل المؤدى منزلة الواقع فقط ، فلا يكون هناك إلاّلحاظ آلي ، إلاّأنّ هذه الأدلة الدالة على تنزيل المؤدى منزلة
الواقع بالمطابقة ، تدل على تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع بالالتزام ، لأجل الملازمة العرفية بين التنزيلين ، هذا ملخص كلامه في الحاشية.
وعدل عنه في الكفاية (1)، وقال : إنّه لا يخلو من تكلّف ، بل من تعسف ، ولعلّ مراده من التكلف منع الملازمة العرفية ، ومن التعسف لزوم الدور على ما يظهر من ذيل كلامه ونشير إليه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
أقول : هذا البحث وإن لم يترتب عليه أثر في خصوص المقام ، لما ذكرناه من أنّ تنزيل المؤدى منزلة الواقع مبني على القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو المؤدى ، وهو فاسد على ما تقدّمت الاشارة إليه ويأتي التعرض له مفصّلاً في محلّه (2)إن شاء اللّه تعالى.
ولكن هذه الكبرى الكلّية - وهي ترتب الحكم على الموضوع المركب بدليل دال على تنزيل أحد الجزأين بدعوى دلالته على تنزيل الجزء الآخر بالملازمة العرفية - على تقدير تماميتها تنطبق على موارد اخرى غير المقام ، فلا بدّ من البحث عنها.
فنقول : إذا كان موضوع حكم من الأحكام مركباً من أمرين أو امور كما في قوله عليهالسلام : «إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء» (3)فانّ الموضوع لعدم الانفعال هو الماء مع كونه كراً ، لا يترتب الحكم إلاّمع إحراز كلا الجزأين بالوجدان أو بالتعبد ، أو أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبد ، فلا يمكن التعبد بأحدهما إلاّمع إحراز الآخر بالوجدان أو بالتعبد في عرض التعبد بالأوّل ، إذ
التعبد إنّما هو بلحاظ الأثر ، والمفروض أنّه لا أثر لأحدهما ليشمله دليل التعبد ، فلو قامت البيّنة مثلاً على كرية مائع لا يترتب عليه الحكم بعدم الانفعال ، إلاّ مع إحراز كونه ماء بالوجدان أو بالتعبد من قيام بيّنة اخرى ، أو جريان الاستصحاب مثلاً. وكذا لو قامت البيّنة على كونه ماءً لا يترتب عليه الحكم إلاّ مع إحراز كونه كراً بالوجدان أو بالتعبد. وكذا الحال لو احرز أحدهما بالاستصحاب لا يترتب عليه الحكم إلاّمع إحراز
الآخر بالوجدان أو بالبيّنة أو بالاستصحاب الجاري في عرض ذلك الاستصحاب ، بأن يكون كلاهما متيقن الحدوث مشكوك البقاء.
والمتحصل من ذلك : أنّ إطلاقات أدلة الأمارات والاصول غير شاملة للأمارة القائمة على أحد جزأي الموضوع ولا الأصل الجاري في أحد جزأي الموضوع ، ليحرز بها الجزء الآخر بالدلالة الالتزامية ، إذ شمولها لأحد الجزأين متوقف على أن يترتب عليه أثر ، وهو يتوقف على شمولها للجزء الآخر المتوقف على شمولها للجزء الأوّل ، لكونه مترتباً عليه على الفرض ، وهذا هو الدور الواضح.
وبالجملة : التعبد بكلا الجزأين إنّما يصح فيما إذا كان الدليل شاملاً لكليهما في عرض واحد ، كما في شمول لا تنقض اليقين بالشك لما إذا شكّ في بقاء المائية والكرية معاً في المثال السابق ، فيجري الاستصحاب في كليهما في عرض واحد بلا ترتب بينهما ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به في المقام ، للزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي على مسلك صاحب الكفاية قدسسره ، بخلاف ما إذا كان شموله لأحدهما في طول شموله للآخر ومتوقفاً عليه ، فانّه ممّا لا يمكن التعبد به ، ولا تشمله أدلة التعبد لاستلزامه الدور على ما تقدّم بيانه. نعم ، لو ورد دليل خاص على حجّية أمارة خاصّة قائمة على أحد جزأي الموضوع أو
أصل خاص كذلك ، دلّ على تنزيل الجزء الآخر بدلالة الاقتضاء ، صوناً لكلام الحكيم عن اللغوية ، بخلاف ما إذا كان الدليل عاماً أو مطلقاً ، فانّه لا يشمل مثل هذه الأمارة وهذا الأصل.
فتحصّل : أنّ الصحيح ما ذكره وعدل إليه في الكفاية لا ما ذكره في الحاشية (1)
مثلاً لو فرضنا أنّ حكم الخمر في نفسه هو وجوب الاجتناب ، وقد اخذ القطع بكون مائع خمراً في موضوع الحكم بوجوب التصدق مثلاً ، فلو قطعنا بكون مائع خمراً يترتب حكمان :
الأوّل : حكم المقطوع به وهو وجوب الاجتناب ويكون القطع بالنسبة إليه طريقاً محضاً.
الثاني : حكم القطع ، أي الحكم الذي اخذ القطع في موضوعه وهو وجوب التصدق ، فلو قامت بيّنة على خمرية مائع كان مقتضى دليل حجّية البيّنة بالمطابقة تنزيل المؤدى منزلة الواقع ، فيجب الاجتناب عنه ، ويدل بالالتزام على تنزيل العلم به منزلة العلم بالواقع فيجب التصدق ، ولا نرى فيه دوراً. نعم ، يصح ما ذكر فيما إذا لم يكن للمقطوع به أثر في نفسه ، وكان القطع به مأخوذاً في حكم من الأحكام ، فانّه حينئذ إذا قامت أمارة عليه لا يمكن الالتزام بشمول دليل الحجّية لمثل هذه الأمارة ، إذ معنى شموله لها تنزيل المؤدى منزلة الواقع. والمفروض أنّه لا أثر للواقع ليصحّ التنزيل بلحاظه ، بل الأثر مترتب على العلم بالواقع على الفرض ، فيحتاج ترتب الأثر على تنزيل آخر وهو تنزيل العلم بالواقع بالدلالة الالتزامية ، وحيث إنّ هذا التنزيل في طول التنزيل الأوّل ومتوقف عليه لزم الدور لا محالة
.1) هكذا ذكر سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) ولكن بنظري القاصر أنّ القاعدة المذكورة - وهي عدم شمول دليل التعبد للأمارة القائمة على أحد جزأي الموضوع على ما تقدّم بيانه - وإن كانت صحيحة تامّة ، إلاّ أنّها لا تنطبق على المقام ، إذ ليس في المقام موضوع مركب قامت على أحد جزأيه أمارة واريد إثبات جزئه الآخر بالملازمة العرفية ، حتّى يرد عليه أنّه مستلزم للدور ، بل المقصود أنّ مفاد دليل حجّية الأمارة هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيما له من الأثر الشرعي ، ويدل بالالتزام على تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع فيما إذا كان العلم مأخوذاً في الموضوع ، فيترتب عليه هذا الحكم المأخوذ في موضوعه العلم أيضاً ، فتكون الأمارة قائمة مقام القطع الطريقي والموضوعي كليهما.
ثمّ إنّه ذكر صاحب الكفاية (1)قدسسره أنّه لا يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم ، للزوم الدور ، ولا في موضوع مثله ، للزوم اجتماع المثلين ، ولا في موضوع ضدّه ، للزوم اجتماع الضدّين. نعم ، يصح أخذ القطع بمرتبةٍ من الحكم في موضوع مرتبةٍ اخرى منه أو مثله أو ضدّه.
أقول : أمّا أخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم ، فلا ريب في كونه مستحيلاً ومستلزماً للدور ، فانّ القطع المتعلق بحكم يكون طريقاً إليه لا محالة ، إذ الطريقية غير قابلة للانفكاك عن القطع ، ومعنى كونه طريقاً إلى الحكم فعلية الحكم مع قطع النظر عن تعلّق القطع به. ومعنى كون القطع مأخوذاً في موضوعه عدم كونه فعلياً إلاّبعد تعلّق القطع به ، إذ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه ، ولذا قد ذكرنا غير مرّة أنّ نسبة الحكم إلى موضوعه أشبه شيء بنسبة المعلول إلى علّته ، فيلزم توقف فعلية الحكم على القطع به ، مع كونه في رتبة سابقة على القطع به ، على ما هو شأن الطريق ، وهذا هو الدور الواضح.
وأمّا أخذ القطع بحكم في موضوع ضدّه ، كما إذا قال المولى : إذا قطعت
1) كفاية الاصول : 266 و 267
بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة ، فقد يقال : إنّه لا يلزم منه اجتماع الضدّين ، إذ الوجوب قد تعلّق بالصلاة بما هي ، والحرمة قد تعلقت بها بما هي مقطوعة الوجوب ، فيكون الموضوع للحكمين متعدداً بحسب الجعل. نعم ، لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال ، إذ الانبعاث نحو عمل والانزجار عنه في آن واحد محال ، وبعد عدم إمكان امتثالهما لا يصح تعلّق الجعل بهما من المولى الحكيم من هذه الجهة.
هذا ، ولكن التحقيق لزوم اجتماع الضدّين ، إذ الحرمة وإن تعلقت بالصلاة بما هي مقطوعة الوجوب في مفروض المثال ، إلاّأنّ الوجوب قد تعلق بها بما هي ، وإطلاقه يشمل ما لو تعلق القطع بوجوبها ، فلزم اجتماع الضدّين ، فان مقتضى إطلاق الوجوب كون الصلاة واجبة ولو حين تعلق القطع بوجوبها ، والقطع طريق محض ، ومقتضى كون القطع بالوجوب مأخوذاً في موضوع الحرمة كون الصلاة حراماً في هذا الحين. وهذا هو اجتماع الضدّين.
وأمّا أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر مثله ، كما إذا قال المولى : إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بوجوب آخر ، فالصحيح إمكانه ، ويرجع إلى التأكد ، وذلك لأنّ الحكمين إذا كان بين موضوعيهما عموم من وجه ، كان ملاك الحكم في مورد الاجتماع أقوى منه في مورد الافتراق ، ويوجب التأكد ، ولا يلزم اجتماع المثلين أصلاً ، كما إذا قال المولى : أكرم كل عالم ، ثمّ قال : أكرم كل عادل ، فلا محالة يكون وجوب الإكرام في عالم عادل آكد منه في عالم غير عادل أو عادل غير عالم ، وليس هناك اجتماع المثلين ، لتعدد موضوع الحكمين في مقام الجعل.
وكذا الحال لو كانت النسبة بين الموضوعين هي العموم المطلق ، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق ، كما إذا تعلق النذر بواجب
مثلاً ، فانّه موجب للتأكد لا اجتماع المثلين ، والمقام من هذا القبيل بلحاظ الموضوعين ، فانّ النسبة بين الصلاة بما هي والصلاة بما هي مقطوعة الوجوب هي العموم المطلق ، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق ، ومن قبيل العموم من وجه بلحاظ الوجوب والقطع به ، إذ قد لا يتعلق القطع بوجوب الصلاة مع كونها واجبة في الواقع ، والقطع المتعلق بوجوبها قد يكون مخالفاً للواقع ، وقد يجتمع وجوب الصلاة واقعاً مع تعلق القطع به ، ويكون الملاك فيه أقوى فيكون الوجوب بنحو آكد.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره أخيراً من أنّه يمكن أخذ القطع بمرتبةٍ من الحكم في مرتبةٍ اخرى منه أو من مثله أو من ضدّه ، فهو صحيح على مسلكه من أنّ للحكم مراتب أربعاً : الاقتضاء والانشاء والفعلية والتنجز ، إذ لا محذور في أخذ القطع بحكم إنشائي محض في موضوع حكم فعلي ، بلا فرق بين أن يكون الحكم الفعلي هو نفس الحكم الانشائي الواصل إلى مرتبة الفعلية أو يكون مثله أو ضدّه ، ولا يتصور مانع من أن يقول المولى : إذا قطعت بأنّ الشيء الفلاني واجب بالوجوب الانشائي المحض ، وجب عليك ذلك الشيء فعلاً ، أو حرم عليك فعلاً.
وأمّا على المبنى المختار من أنّه ليس للحكم إلاّمرتبتان :
الاولى : مرتبة الجعل والانشاء بداعي البعث والتحريك بنحو القضيّة الحقيقية كقوله سبحانه وتعالى : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (1).
الثانية : مرتبة الفعلية والخروج عن التعليق والتقدير بتحقق موضوعه خارجاً ، كما إذا صار المكلف مستطيعاً ، وأمّا الانشاء لغرض الامتحان أو التهديد أو
1) آل عمران 3 : 97
الاستهزاء ونحوها ، فليس من مراتب الحكم ، ولا يطلق عليه الحكم أصلاً ، وكذا الحال في مرتبة الاقتضاء ، إذ مجرد وجود الملاك للحكم مع وجود مانع من إنشائه لا يستحق إطلاق الحكم عليه. فلا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع مرتبة الفعلي منه ، إذ ليس المراد من القطع المأخوذ في مرتبة الفعلي من الحكم هو القطع بالحكم الثابت لغير القاطع ، وإلاّ فامكانه بمكان من الوضوح بلا حاجة إلى فرض تعدد المرتبة ، لصحّة ذلك ولو مع وحدة المرتبة ، كما لو فرض أنّ القطع بوجوب الحج على زيد قد اخذ في موضوع وجوبه على عمرو.
بل المراد هو القطع بالحكم الثابت لنفس القاطع ، وحينئذ لا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع مرتبة الفعلي منه ، إذ ثبوت الحكم لشخص القاطع جعلاً ملازم لفعليته ، فلا محالة يتعلق القطع بالحكم الفعلي ، وحيث إنّ المفروض دخل القطع في فعلية الحكم لزم الدور.
توضيح ذلك : أنّ وجوب الحج مثلاً - المجعول على المستطيع بنحو القضيّة الحقيقية - لايشمل هذا المكلف ، ولا يكون حكماً له إلاّبعد حصول الاستطاعة خارجاً ، وإلاّ فليس حكماً مجعولاً له ، بل هو حكم مجعول لغيره ، فلا يمكن تعلق القطع بشمول الحكم له جعلاً إلاّبعد حصول الاستطاعة له خارجاً ، ومعه يكون الحكم فعلياً في حقّه. فلو فرض أخذ القطع بالحكم المجعول بنحو القضيّة الحقيقية في موضوع مرتبة الفعلي منه ، لا يعلم بثبوت الحكم له جعلاً إلاّبعد حصول القطع ، وحصول القطع به يتوقف على ثبوته له جعلاً ، إذ القطع طريق إلى الحكم ، فلا بدّ في تعلّقه به من تحقق الحكم وثبوته في رتبة سابقة على تعلّق القطع به ، وهذا هو الدور ، هذا كلّه في أخذ القطع في موضوع الحكم.
وأمّا الظن : فملخص الكلام فيه أنّه يتصور أخذه في الموضوع تارةً بنحو
الصفتية ، واخرى بنحو الكاشفية والطريقية. وعلى التقديرين إمّا أن يكون جزءاً للموضوع أو تمامه ، وعلى جميع التقادير إمّا أن يكون الظن معتبراً بجعل الشارع أو غير معتبر.
ولا إشكال في إمكان أخذ الظن بحكمٍ في موضوع حكم يخالفه ، كما إذا قال المولى : إذا ظننت بوجوب الصلاة يجب عليك التصدق ، فان كان الظن تمام الموضوع ترتب عليه الحكم بلا فرق بين أن يكون الظن معتبراً أو غير معتبر ، وإن كان جزءاً للموضوع والجزء الآخر هو الواقع ، فان كان الظن معتبراً بالتعبد الشرعي ترتب عليه الحكم أيضاً ، فانّ أحد جزأي الموضوع - وهو الظن - متحقق بالوجدان ، والجزء الآخر - وهو الواقع - متحقق بالتعبد الشرعي. وإن كان الظن غير معتبر لا يترتب عليه الحكم إلاّمع إحراز الجزء الآخر - وهو الواقع - بأمارة اخرى معتبرة ، أو بأصل من الاصول المعتبرة.
وأمّا أخذ الظن بحكم في موضوع نفسه إن كان متعلقاً بالحكم ، أو أخذه في موضوع حكم متعلقه إن كان متعلقاً بالموضوع ، فهو غير ممكن ، لاسلتزامه الدور على ما تقدّم بيانه في القطع (1)، إذ لا فرق بين القطع والظن من هذه الجهة ، بلا فرق بين الظن المعتبر وغيره في هذه الصورة.
وأمّا أخذ الظن بحكم في موضوع حكم يماثله مع كون الظن معتبراً شرعاً فهو ممكن ، لأنّ النسبة بين ثبوت الواقع والظن به عموم من وجه ولو في نظر الظان ، إذ الظن وإن كان علماً تعبّداً ، إلاّ أنّه يحتمل مخالفته للواقع وجداناً ، ففي مورد الاجتماع يلتزم بالتأكد. وبهذا ظهر أنّ أخذ الظن بحكم في موضوع حكم يماثله ممّا لا مانع منه ، ولو قلنا بعدم إمكان ذلك في القطع ، إذ القاطع لا يحتمل
1) تقدّم في ص 47
أن يكون قطعه مخالفاً للواقع ، فتكون النسبة بين الواقع وتعلّق القطع به في نظر القاطع هو العموم المطلق ، فيمكن أن يتوهم أنّ أخذ القطع بحكم في موضوع حكم يماثله مستلزم لاجتماع المثلين في نظر القاطع ، وإن تقدّم دفع هذا التوهم (1). وأمّا أخذ الظن بحكم في موضوع حكم يماثله ، فليس فيه إلاّاجتماع العنوانين ، فيلتزم بالتأكد كما هو الحال في جميع موارد اجتماع العامين من وجه المحكومين بحكمين متماثلين.
وإن كان الظن غير معتبر ، فأخذه في موضوع الحكم المماثل بمكان من الامكان ، بل نقول بالامكان فيه ولو قلنا بالمنع في الظن المعتبر من جهة كونه علماً تعبداً ، بخلاف الظن غير المعتبر ، إذ لا يتصور فيه مانع أصلاً.
وأمّا أخذ الظن بحكم في موضوع حكم يضاده ، فإن كان الظن معتبراً ، فلا ينبغي الاشكال في عدم إمكانه ، إذ مقتضى حجّية الظن هو الانبعاث نحو عملٍ ، ومقتضى الحكم المضاد هو الانبعاث نحو ضدّه ، فلا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال ، ومعه لا يصح تعلّق الجعل بهما من المولى الحكيم.
هذا ، مضافاً إلى ما ذكرناه في القطع المأخوذ في موضوع الحكم المضاد من لزوم اجتماع الضدّين في مقام الجعل ، فراجع (2).
وبالجملة : حكم الظن المعتبر هو حكم القطع في هذه الجهة ، فكما لا يمكن ذلك في القطع ، لا يمكن في الظن المعتبر أيضاً.
وإن كان الظن غير معتبر ، فالتزم صاحب الكفاية (3)قدسسره بامكانه
بدعوى أنّ الظن غير المعتبر في حكم الشك فتكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة ، فلا يلزم من جعل الحكم المضاد في فرض الجهل بالواقع اجتماع الضدّين ، وإلاّ فلا يمكن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في جميع موارد الجهل بالواقع. وعليه فيمكن أن يحكم المولى بوجوب شرب مائع قام على حرمته ظن غير معتبر ، لأنّ تعدد المرتبة مانع عن التضاد بين الحكمين.
أقول : إنّ ما ذكره قدسسره وإن كان صحيحاً في نفسه ، فان جعل الترخيص في موارد الشك في الوجوب أو الحرمة - على ما هو مقتضى أدلة البراءة - ممّا لا إشكال فيه ، مع أنّه يحتمل أن يكون الحكم الواقعي هو الوجوب أو الحرمة ، إذ لا منافاة بين الترخيص الظاهري في ظرف الجهل والالزام الواقعي ، كما هو مذكور في محلّه (1). إلاّ أنّه لا ربط له بالمقام ، إذ ليس الكلام في إمكان جعل الحكم الظاهري وعدمه ، بل البحث إنّما هو في الحكم الواقعي من حيث إنّه يمكن أخذ الظن بحكمٍ في موضوع حكمٍ آخر يضاده أم لا ، كما هو الحال في القطع ، فانّ الكلام فيه كان في إمكان أخذه في موضوع حكمٍ مضادٍ لمتعلقه ، باعتبار الحكم الواقعي ، إذ لا يتصور فيه حكم ظاهري.
والصحيح : أنّ أخذ الظن بحكم في موضوع حكم آخر مضاد له غير ممكن وإن كان الظن غير معتبر ، كما إذا قال المولى : إذا ظننت بوجوب الشيء الفلاني حرم عليك هذا الشيء ، وذلك لما تقدّم في القطع (2)من أنّ الحكم الذي اخذ في موضوعه الظن وإن كان مقيداً بصورة الظن ، إلاّأنّ الحكم الذي تعلّق به الظن مطلق ، وإطلاقه يشمل صورة الظن به ، فيلزم اجتماع الضدّين في هذا الفرض ،
ففي مفروض المثال الحرمة وإن كانت مقيّدة بصورة الظن بالوجوب ، إلاّأنّ إطلاق الوجوب يشمل ما لو تعلّق به الظن وما لم يتعلق به ، ففي صورة تعلّق الظن به يلزم اجتماع الوجوب والحرمة ، وهو محال.
وتوهّم أنّه يحتمل أن يكون الظن مخالفاً للواقع ، فلا يكون هناك إلاّحكم واحد ، وهو ما اخذ الظن في موضوعه مدفوع ، بأ نّه يكفي في الاستحالة احتمال مطابقته للواقع ، فانّ احتمال اجتماع الضدّين أيضاً محال كما هو ظاهر.
لا يخفى أنّ البحث عن إمكان أخذ الظن بحكم في موضوع حكم آخر يخالفه أو يماثله أو يضاده وعدمه ، إنّما هو بحث علمي بَحت ، ولا تترتب عليه ثمرة عملية أصلاً ، إذ لم يوجد أخذ الظن في موضوع حكم من الأحكام في شيء من الأدلة الشرعية.
وليعلم أنّه يجب تصديق النبي صلىاللّهعليهوآله في كل ما جاء به من الأحكام الالزامية وغير الالزامية ، بل فيما أخبر به من الامور التكوينية الخارجية ، من الأرض والسماء وما فيهما وما تحتهما وما فوقهما ، فانّ تصديقه صلىاللّهعليهوآله في جميع ذلك واجب ، ولكنّه خارج عن محل البحث ، لكونه من اصول الدين لا من الفروع ، باعتبار أنّ تصديقه صلىاللّهعليهوآله في جميع ذلك يرجع إلى تصديق نبوّته صلىاللّهعليهوآله.
ويجب أيضاً الاتيان بالواجبات التعبّدية مضافاً إلى اللّه (سبحانه وتعالى)
ومتقرباً بها إليه على ما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي (1)، وهذا الوجوب - أي وجوب الاتيان بالعبادات مع قصد التقرب - أيضاً خارج عن محل الكلام ، فانّه مختص بالتعبديات ، ووجوب الموافقة الالتزامية على تقدير تسليمه لا اختصاص له بالتعبديات ، بل يجري في التوصليات أيضاً ، فليس المراد من الموافقة الالتزامية - في محل الكلام - هو الاتيان بالواجب مع قصد القربة ، بل المراد هو الالتزام القلبي بالوجوب المعبّر عنه بعقد القلب ، فيكون كل واجب - على تقدير وجوب الموافقة الالتزامية - منحلاً إلى واجبين : العمل الخارجي الصادر من الجوارح ، والعمل القلبي الصادر من الجوانح.
ثمّ إنّهم ذكروا أنّ ثمرة هذا البحث تظهر في جريان الأصل في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وفي أطراف العلم الاجمالي ، فيما إذا كانت الأطراف محكومة بالتكليف الالزامي فعلم إجمالاً بارتفاعه في بعض الأطراف ، فعلى القول بوجوب الموافقة الالتزامية لا يجري الأصل لكونه منافياً للالتزام بالحكم الواقعي وكان مخالفة عملية للحكم بوجوب الالتزام بالواقع. وأمّا على القول بعدم وجوب الموافقة الالتزامية فلا مانع من جريان الأصل.
إذا عرفت محل النزاع وثمرته فنقول : التحقيق عدم وجوب الموافقة الالتزامية ، إذ لم يدل عليه دليل من الشرع ولا من العقل. أمّا الأدلة الشرعية فظاهرها البعث نحو العمل والاتيان به خارجاً ، لا الالتزام به قلباً. وأمّا العقل فلا يدل على أزيد من وجوب امتثال أمر المولى ، فليس هناك ما يدل على لزوم الالتزام قلباً.
ثمّ لو تنزّلنا وسلّمنا وجوب الموافقة الالتزامية ، لا يترتب عليه ما ذكروه
1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 491
من الثمرة ، وهي عدم جريان الأصل في موارد دوران الأمر بين المحذورين وفي أطراف العلم الاجمالي بارتفاع التكليف الالزامي في بعضها ، وذلك لأنّه إن كان مراد القائل بوجوب الموافقة الالتزامية هو وجوب الالتزام بما هو الواقع على الاجمال ، فهو لا ينافي جريان الأصل في الموارد المذكورة ، إذ مفاد الاصول أحكام ظاهرية ووظائف عملية عند الجهل بالواقع ، ولا منافاة بينها وبين الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه ، فإذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة ، لا منافاة بين الالتزام بالاباحة الظاهرية للأصل ، والالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه من الوجوب أو الحرمة ، وكذا الحال في جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، فانّه لا منافاة بين الالتزام بنجاسة الاناءين ظاهراً والاجتناب عنهما للاستصحاب ، والالتزام بطهارة أحدهما واقعاً إجمالاً.
وإن كان مراده هو وجوب الالتزام بكل حكم بعينه وبشخصه ، فهو ساقط لعدم القدرة عليه ، لعدم معرفته بشخص التكليف حتّى يلتزم به ، وبعد سقوطه لا مانع من جريان الأصل.
وإن كان مراده وجوب الالتزام بأحدهما على نحو التخيير ، فهو معلوم البطلان ، إذ كل تكليف يقتضي الالتزام به ، لا الالتزام به أو بضدّه على نحو التخيير ، مضافاً إلى أنّ الالتزام بالوجوب مع عدم العلم به ، أو الالتزام بالحرمة مع عدم العلم بها ، تشريع محرّم.
فتحصّل : أنّه لا مانع من جريان الأصل في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وفي أطراف العلم الاجمالي من ناحية وجوب الموافقة الالتزامية.
نعم ، يبقى الكلام في جريان الأصل من جهة المقتضي وهو شمول إطلاقات أدلة الاصول لأطراف العلم الاجمالي وعدمه. والبحث عنه موكول إلى محلّه ، وهو
مبحث الاصول العملية (1). ونتكلّم فيه هناك إن شاء اللّه تعالى.
وليعلم أنّه ليس المراد من القطّاع من يحصل له القطع كثيراً ، لكونه عالماً بالملازمات في غالب الأشياء بالفراسة الفطرية أو بالاكتساب ، إذ قطعه حاصل من المبادئ المتعارفة التي لو اطّلع غيره عليها حصل له القطع أيضاً ، غاية الأمر أنّه عارف بتلك المبادئ دون غيره ، بل المراد من القطّاع من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب غير العادية ، بحيث لو اطّلع غيره عليها لا يحصل له القطع منها.
إذا عرفت المراد من القطّاع ، فاعلم أنّه ربّما يقال بعدم الاعتبار بقطعه ، ولكن الصحيح خلافه ، لما عرفت سابقاً (2)من أنّ حجّية القطع ذاتية لا تنالها يد الجعل إثباتاً ونفياً ، فهي غير قابلة للتخصيص بغير القطّاع. هذا في القطع الطريقي.
وأمّا القطع الموضوعي فأمره سعةً وضيقاً وإن كان بيد المولى ، فله أن يجعل موضوع حكمه نوعاً خاصاً من القطع ، وهو القطع الحاصل من الأسباب المتعارفة العادية ، إلاّ أنّه لا أثر في ذلك ، إذ القاطع وإن كان ملتفتاً إلى حاله في الجملة ، وأنّ قطعه قد يحصل من سبب غير عادي ، إلاّ أنّه لا يحتمل ذلك في كل قطع بخصوصه ، لأنّ القاطع بشيء يرى أنّ قطعه حصل من سبب ينبغي حصوله منه ، ويخطّئ غيره في عدم حصول القطع له من ذلك السبب ، فلا أثر للمنع عن العمل بالقطع الحاصل من سبب غير عادي بالنسبة إلى القطّاع.
الكلام في إمكان المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة ، ويقع الكلام تارةً في الصغرى وحصول القطع بالحكم الشرعي من المقدمات العقلية. واخرى في الكبرى وحجّية القطع بالحكم الشرعي الحاصل من المقدّمات العقلية.
ذكر صاحب الكفاية (1)قدسسره أنّه وإن نسب إلى بعض الأخباريين منع الكبرى وأ نّه لا اعتبار بالقطع الحاصل من المقدّمات العقلية ، إلاّأنّ مراجعة كلماتهم تشهد بكذب هذه النسبة ، وأ نّهم في مقام المنع عن الصغرى ، فانّ بعضهم في مقام منع الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. واستشهد في ذلك بما حكي عن السيّد الصدر قدسسره في باب الملازمة ، وبعضهم في مقام بيان عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية ، لأنّها لا تفيد إلاّالظن. واستشهد لذلك بكلام المحدِّث الاسترابادي قدسسره. ومن الواضح أنّ كلا الكلامين راجع إلى منع الصغرى وعدم حصول القطع من المقدمات العقلية ، انتهى ملخّصاً.
وما نقله عن المحدِّثين المذكورين وإن كان راجعاً إلى منع الصغرى ، كما ذكره ، إلاّأنّ كلام جملة منهم صريح في منع الكبرى ، وأ نّه لا يجوز العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة ، فراجع رسائل شيخنا الأعظم الأنصاري (2)قدسسره فانّه قد استقصى في نقل كلماتهم. ومن العجيب أنّ هذا الكتاب بمرأى من صاحب الكفاية قدسسره ومع ذلك أنكر منع الأخباريين عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة.
وكيف كان فتحقيق الكلام في الصغرى : أنّ الحكم العقلي - بمعنى إدراك
العقل - يتصوّر على أقسام ثلاثة :
الأوّل : أن يدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في فعل من الأفعال ، فيحكم بالوجوب أو الحرمة ، لتبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد عند أكثر الإمامية والمعتزلة.
الثاني : أن يدرك العقل الحسن أو القبح ، كادراكه حسن الطاعة وقبح المعصية ، فيحكم بثبوت الحكم الشرعي في مورده ، لقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
الثالث : أن يدرك العقل أمراً واقعياً مع قطع النظر عن ثبوت شرع وشريعة ، نظير إدراكه استحالة اجتماع النقيضين أو الضدّين ، ويسمى بالعقل النظري ، وبضميمة حكم شرعي إليه يكون بمنزلة الصغرى ، يستكشف الحكم الشرعي في مورده.
أمّا القسم الأوّل : فالصحيح أنّه غير مستلزم لثبوت الحكم الشرعي ، إذ قد تكون المصلحة المدركة بالعقل مزاحمة بالمفسدة وبالعكس ، والعقل لا يمكنه الاحاطة بجميع جهات المصالح والمفاسد والمزاحمات والموانع ، فبمجرد إدراك مصلحة أو مفسدة لا يمكن الحكم بثبوت الحكم الشرعي على طبقهما ، وهذا القسم هو القدر المتيقن من قوله عليهالسلام : «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» وقوله عليهالسلام : «ليس شيء أبعد من دين اللّه عن عقول الرجال» (1)فان كان مراد الأخباريين من عدم حصول القطع بالحكم الشرعي من المقدمات العقلية هذا المعنى فهو الحق.
وأمّا القسم الثاني : فهو وإن كان ممّا لا مساغ لانكاره ، فانّ إدراك العقل
1) تقدّم الحديثان في ص 26 فراجع
حسن بعض الأشياء وقبح البعض الآخر ضروري ، كيف ولولا ذلك لا طريق إلى إثبات النبوّة والشريعة ، فانّه لولا حكم العقل بقبح إجراء المعجزة على يد الكاذب لم يمكن تصديق النبي صلىاللّهعليهوآله لاحتمال الكذب في ادعائه النبوة. إلاّ أنّك قد عرفت في بحث التجري (1)أنّ هذا الحكم العقلي في طول الحكم الشرعي وفي مرتبة معلوله ، فانّ حكم العقل بحسن الاطاعة وقبح المعصية إنّما هو بعد صدور أمر مولوي من الشارع ، فلا يمكن أن يستكشف به الحكم الشرعي.
وأمّا القسم الثالث : فلا ينبغي التوقف والاشكال في استتباعه الحكم الشرعي ، فانّ العقل إذا أدرك الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته أو بين وجوب شيء وحرمة ضدّه وثبت وجوب شيء بدليل شرعي ، فلا محالة يحصل له القطع بوجوب مقدمته وبحرمة ضدّه أيضاً ، إذ العلم بالملازمة والعلم بثبوت الملزوم علّة للعلم بثبوت اللاّزم ، ويسمّى هذا الحكم بالعقلي غير المستقل ، لكون إحدى مقدّمتيه شرعية على ما عرفت.
وأمّا الكبرى - وهي حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة - فتحقيق الحال فيها يقتضي البحث أوّلاً : عن مقام الثبوت ، وأنّ المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة ممكن أو محال. وثانياً عن مقام الاثبات ، وأنّ الأدلة التي ذكرها الأخباريون تدل على عدم حجّية القطع المذكور أم لا.
أمّا الكلام في مقام الثبوت ، فهو أنّه ذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (2)قدسسره وأكثر من تأخر عنه : أنّه لا يمكن المنع عن العمل بالقطع ولو كان
حاصلاً من غير الكتاب والسنّة ، لأنّ الحجّية ذاتية للقطع ، فيستحيل المنع عن العمل به ، لاستلزامه التناقض واقعاً أو في نظر القاطع.
إلاّأنّ العلاّمة النائيني (1)قدسسره التزم بامكان المنع عنه بمعنىً لا يرجع إلى المنع عن العمل بالقطع ، ليردّ بأنّ حجّية القطع ذاتية لا يمكن المنع عن العمل به ، بل بمعنى يرجع إلى تقييد الحكم بعدم كونه مقطوعاً به من غير الكتاب والسنّة ، فيكون التصرف من الشارع في المقطوع به لا في القطع ليكون منافياً لحجّيته الذاتية ، وذكر لتقريب مراده في المقام مقدّمات ثلاث :
المقدّمة الاولى : أنّه لا يمكن أخذ القطع بحكم في موضوع نفس ذلك الحكم ، لاستلزامه الدور ، لأنّ القطع طريق إلى متعلقه بالذات ، فالقطع بحكم متوقف على تحقق الحكم ، توقف الانكشاف على المنكشف ، ولا مناص من أن يكون الحكم في رتبة سابقة على تعلّق القطع به ، ليتعلق به القطع ويكشف عنه ، وإذا فرض أخذ القطع بحكم في موضوع نفس ذلك الحكم ، كان الحكم متوقفاً عليه توقف الحكم على موضوعه ، وهذا هو الدور الواضح.
المقدّمة الثانية : ما ذكره في بحث التعبدي والتوصلي من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، لأنّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، فكل مورد لايكون قابلاً للتقييد لايكون قابلاً للاطلاق ، فلا يكون هناك تقييد ولا إطلاق.
ونتيجة هاتين المقدّمتين : أنّ الأحكام الشرعية الأوّلية مهملة بالقياس إلى علم المكلف بها وجهله ، لأنّ تقييدها بالعلم بها غير ممكن بمقتضى المقدمة الاولى ، وإطلاقها بالنسبة إلى العلم والجهل أيضاً غير ممكن بمقتضى المقدمة الثانية ، فتكون مهملة لا محالة.
1) أجود التقريرات 3 : 17 - 19 ، راجع أيضاً ص 72 - 74
المقدّمة الثالثة : أنّه مع ذلك كان الاهمال في مقام الثبوت غير معقول ، لأنّ الملاك إمّا أن يكون في جعل الحكم لخصوص العالم به ، فلا بدّ من تقييده به.
وإمّا أن يكون في الأعم منه ، فلا بدّ من تعميمه ، وحيث إنّ تقييد الحكم بالعلم به في نفس دليله غير ممكن ، وكذا تعميمه ، فلا بدّ من تتميمه بجعل ثانوي يعبّر عنه بمتمم الجعل ، فامّا أن يقيّد بالعلم وسمّاه بنتيجة التقييد ، أو يعمم وسمّاه بنتيجة الاطلاق ، فالجعل الأوّل متعلق بنفس الحكم بنحو الاهمال. والجعل الثاني يبيّن اختصاصه بالعالم أو شموله للجاهل أيضاً. وهذا لا يكون مستلزماً للدور أصلاً.
ثمّ إنّه في كل مورد ثبت فيه تخصيص الحكم بالعالم به - كما في موارد وجوب الجهر والاخفات ، ووجوب التقصير في الصلاة - نلتزم فيه بنتيجة التقييد ، بمقتضى ما دلّ على كفاية الجهر في مورد الاخفات وبالعكس مع الجهل ، وكفاية التمام في موضع القصر كذلك ، وكل مورد لم يثبت فيه ذلك نقول فيه بنتيجة الاطلاق ، للعمومات الدالة على اشتراك العالم والجاهل في التكليف.
فتحصّل : أنّ تقييد الحكم بالقطع - الحاصل من سبب خاص أو بعدم كونه مقطوعاً به من طريق خاص - ممّا لا مانع منه بمتمم الجعل ، فالمنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة - على هذا النحو - بمكان من الامكان ، ففي مقام الثبوت لا محذور فيه ، إلاّأنّ مقام الاثبات غير تام ، لعدم تمامية ما ذكره الأخباريون من الأدلة على المنع من العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة.
وبالجملة : المنع عن العمل بالقطع بهذا المعنى الراجع إلى تقييد المقطوع به ممكن ، إلاّ أنّه لم يدل على وقوعه دليل إلاّفي موارد قليلة ، كالقطع الحاصل من القياس على ما يظهر من رواية أبان. انتهى ملخص كلامه زيد في علوّ مقامه.
أقول : أمّا ما ذكره من المقدمة الاولى ، فهو تام ، لما عرفت في بيان أقسام القطع الموضوعي (1)، فلا حاجة إلى الاعادة.
وأمّا ما ذكره في المقدمة الثانية ، من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، فهو غير تام لما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي (2). وقد أشبعنا الكلام فيه هناك بما لا مزيد عليه. وملخّصه : أنّ التقابل بين التقييد والاطلاق وإن كان من تقابل العدم والملكة (3)- كما ذكره قدسسره - لأنّ الاطلاق عبارة عن عدم التقييد فيما كان قابلاً له ، إلاّ أنّه لا يعتبر في تقابل العدم والملكة القابلية في كل مورد بشخصه ، بل تكفي القابلية في الجملة ، ألا ترى أنّ الانسان غير قابل للاتصاف بالقدرة على الطيران مثلاً ، ومع ذلك صحّ اتّصافه بالعجز عنه ، فيقال : إنّ الانسان عاجز عن الطيران ، وليس ذلك إلاّلكفاية القابلية في الجملة ، وأنّ الانسان قابل للاتصاف بالقدرة في الجملة ، وبالنسبة إلى بعض الأشياء وإن لم يكن قابلاً للاتصاف بالقدرة على خصوص الطيران ، وكذا الانسان غير متصف بالعلم بذات الواجب تعالى ، مع أنّه متّصف بالجهل به ، وليس ذلك إلاّلأجل كفاية القابلية في الجملة ، فانّ الانسان قابل للاتصاف بالعلم بالنسبة إلى بعض الأشياء ، وإن كان غير قابل للاتصاف بالعلم بذاته تعالى وتقدّس. وعليه فاستحالة التقييد بشيء تستلزم ضرورية الاطلاق أو التقييد بضدّه ، كما أنّ استحالة الجهل له تعالى تستلزم ضرورية العلم له ، فاستحالة تقييد الحكم بقيد تقتضي ضرورية الاطلاق أو التقييد بضده ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث التعبدي والتوصلي.
ففي المقام حيث إنّ تقييد الحكم بالعلم به مستحيل لما عرفت من استلزامه الدور ، وتقييده بالجهل به أيضاً محال ، لعين ذلك المحذور ، فيكون مطلقاً بالنسبة إلى العلم والجهل لا محالة في الجعل الأوّلي ، بلا حاجة إلى متمم الجعل. وإذا كان كذلك وقطع به المكلف يستحيل منعه عن العمل بقطعه ، لاستلزامه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً ، ومطلقاً في صورة الاصابة.
وقد ظهر بما ذكرناه فساد ما ذكره من صحّة أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطاً أو مانعاً بتتميم الجعل ، لأنّه متوقف على كون الجعل الأوّلي بنحو الاهمال ، وقد عرفت كونه بنحو الاطلاق.
وأمّا ما ذكره من أنّ العلم مأخوذ في الحكم في موارد الجهر والاخفات والقصر والتمام ، ففيه أنّ الأمر ليس كذلك ، إذ غاية ما يستفاد من الأدلة هو إجزاء أحدهما عن الآخر ، وإجزاء التمام عن القصر عند الجهل بالحكم ، لا اختصاص الحكم بالعالم ، فانّ اجتزاء الشارع - في مقام الامتثال بالجهر في موضع الاخفات أو العكس - لا يدل على اختصاص الحكم بالعالم ، ويدل عليه أنّ العنوان المذكور في الرواية هو الجهر فيما ينبغي فيه الاخفات أو الاخفات فيما ينبغي فيه الجهر (1). وهذا التعبير ظاهر في ثبوت الحكم الأوّلي للجاهل أيضاً. ويؤيّده : تسالم الفقهاء على أنّ الجاهل بالحكمين مستحق للعقاب عند المخالفة فيما إذا كان جهله عن تقصير ، فانّه على تقدير اختصاص الحكم بالعالم لا معنى لكون الجاهل مستحقاً للعقاب.
وأمّا ما ذكره من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس برواية أبان (2)، ففيه :
أوّلاً : أنّ رواية أبان ضعيفة السند ، فلا يصحّ الاعتماد عليها (1).
وثانياً : أنّه لا دلالة لها على كونه قاطعاً بالحكم. نعم ، يظهر منها كونه مطمئناً به ، حيث قال : «إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ، ونقول الذي جاء به شيطان».
وثالثاً : أنّه ليس فيها دلالة على المنع عن العمل بالقطع على تقدير حصوله لأبان ، فانّ الإمام عليهالسلام قد أزال قطعه ببيان الواقع ، وأنّ قطعه مخالف له ، وذلك يتّفق كثيراً في المحاورات العرفية أيضاً ، فربّما يحصل القطع بشيء لأحد ويرى صاحبه أنّ قطعه مخالف للواقع ، فيبيّن له الواقع ، ويذكر الدليل عليه ، ليزول قطعه - أي جهله المركب - لا للمنع عن العمل بالقطع على تقدير بقائه.
فتحصّل : أنّ ما ذكره شيخنا الأعظم الأنصاري قدسسره - وتبعه أكثر من تأخّر عنه - من استحالة المنع عن العمل بالقطع متين جداً. نعم ، الخوض في المطالب العقلية لاستنباط الأحكام الشرعية مرغوب عنه ، وعليه فلا يكون معذوراً لو حصل له القطع بالأحكام الشرعية من المقدمات العقلية ، على تقدير كون قطعه مخالفاً للواقع ، لتقصيره في المقدمات.
ولا يخفى أنّه بعدما ثبتت استحالة المنع عن العمل بالقطع ثبوتاً ، لا حاجة إلى البحث عن مقام الاثبات ودلالة الأدلة الشرعية ، كما هو ظاهر.
بقي الكلام في فروع توهم فيها المنع عن العمل بالقطع. وحيث إنّ القطع ممّا لا يمكن المنع عن العمل به - على ما تقدّم الكلام فيه - فلا بدّ من التعرّض لتلك الفروع ودفع التوهم المذكور :
1) [سند الرواية معتبر فلاحظ]
الفرع الأوّل : ما إذا كان لأحد درهم عند الودعي ، وللآخر درهمان عنده ، فسرق أحد الدراهم ، فقد ورد النص أنّه يعطى لصاحب الدرهمين درهم ونصف ، ولصاحب الدرهم نصف (1). فقد يقال : إنّ الحكم بالتنصيف مخالف للعلم الاجمالي بأنّ تمام هذا الدرهم لأحدهما ، فالتنصيف موجب لاعطاء النصف لغير مالكه ، ثمّ لو انتقل النصفان إلى ثالث بهبة ونحوها ، فاشترى بمجموعهما جارية ، يعلم تفصيلاً بعدم دخولها في ملكه ، لكون بعض الثمن ملك الغير ، فالحكم بجواز وطئها مخالف للعلم التفصيلي.
وربّما يقال في دفع الاشكال : إنّ الحكم المذكور في النص موافق للقاعدة ، لأنّ الامتزاج موجب للشركة القهرية ، فيكون كل منهما شريكاً في كل جزء جزء من الدراهم الثلاثة ، فما سرق يكون لهما لا لأحدهما.
وفيه أوّلاً : أنّ المقام أجنبي عن باب الامتزاج ، إذ الامتزاج الموجب للشركة القهرية إنّما هو فيما إذا كان الامتزاج موجباً لوحدة المالين في نظر العرف فصار الممتزجان واحداً في نظر العرف ، بلا فرق في ذلك بين أن يكونا مختلفين في الجنس - كما إذا امتزج الماء والحليب مثلاً - أو متحدين في الجنس ، كما إذا امتزج الحليب بالحليب. والمقام ليس من هذا القبيل ، كما هو ظاهر.
وثانياً : أنّ لازم ذلك هو الحكم باعطاء ثلث الدرهمين وهو ثلثا درهم لصاحب الدرهم ، واعطاء ثلثي الدرهمين وهو درهم وثلث لصاحب الدرهمين ، والمفروض أنّ الحكم المنصوص على خلاف ذلك ، وهو الحكم باعطاء ربع الدرهمين - وهو النصف - لصاحب الدرهم وإعطاء ثلاثة أرباع الدرهمين - أي درهم ونصف - لصاحب الدرهمين.
1) الوسائل 18 : 452 / كتاب الصلح ب 12 ح 1 وفيه بدل الدرهم «الدينار»
والتحقيق أن يقال : إنّ الحكم بتنصيف الدرهم في الفرع المذكور ليس مخالفاً للقطع بالحكم الشرعي ، غاية الأمر أنّ الشارع قد حكم بالتصرف في مال الغير ، والشارع له الولاية على الأموال والأنفس ، بل هو المالك الحقيقي ، وقد حكم بجواز التصرف في بعض الموارد مع العلم التفصيلي بكونه مال الغير ، كما في حقّ المارّة ، وحكم الشارع بتنصيف الدرهم إمّا أن يكون من باب الصلح القهري ، بمعنى أنّ الشارع ملّك نصف الدرهم لغير مالكه حسماً لمادّة النزاع بمقتضى ولايته على الأموال والأنفس ، فيدخل أحد النصفين في ملك الغير بالتعبد الشرعي ، فلا مخالفة للعلم الاجمالي ، ولا للعلم التفصيلي. ولا بأس بتصرف شخص ثالث في مجموع النصفين باشتراء الجارية بهما ، إذ قد انتقل إليه كل من النصفين من مالكه الواقعي ، فلا تكون هناك مخالفة للعلم التفصيلي.
وإمّا أن يكون من باب قاعدة العدل والانصاف التي هي من القواعد العقلائية ، وقد أمضاها الشارع في جملة من الموارد ، كما إذا تداعى شخصان في مال ، وكان تحت يدهما ، أو أقام كل واحد منهما البيّنة ، أو لم يتمكنا من البيّنة وحلفا أو نكلا ، فيحكم بتنصيف المال بينهما في جميع هذه الصور ، وهذه القاعدة مبنية على تقديم الموافقة القطعية - في الجملة مع المخالفة القطعية كذلك - على الموافقة الاحتمالية في تمام المال ، فانّه لو اعطي تمام المال في هذه الموارد لأحدهما للقرعة مثلاً ، احتمل وصول تمام المال إلى مالكه ، ويحتمل عدم وصول شيء منه إليه ، بخلاف التنصيف ، فانّه عليه يعلم وصول بعض المال إلى مالكه جزماً ، ولا يصل إليه بعضه الآخر كذلك ، فيكون التنصيف مقدمة لوصول بعض المال إلى مالكه ، ويكون من قبيل صرف مقدار من المال مقدمةً لايصاله إلى مالكه الغائب حسبة ، إلاّ أنّه من باب المقدمة الوجودية ، والمقام من باب المقدمة العلمية.
وعلى هذا يكون أحدهما مالكاً للنصف واقعاً ، والآخر مالكاً للنصف الآخر ظاهراً ، فان قلنا بكفاية الملكية الظاهرية في جواز تصرف الغير ممّن انتقل إليه مجموع النصفين ، فلا بأس بالتصرف في المجموع واشتراء الجارية به ، وإن لم نقل بها - كما هو الظاهر - فنلتزم بعدم جواز التصرف في مجموع النصفين لشخص ثالث ، وبعدم صحّة اشتراء الجارية به. وليس في ذلك مخالفة للنص ، إذ النص مشتمل على التنصيف ، ولم يتعرض لجواز التصرف فيهما لشخص ثالث.
الفرع الثاني : ما لو اختلف المتبايعان في المثمن أو الثمن بعد الاتفاق على وقوع البيع ، وليفرض الاختلاف في المتباينين لا في الأقل والأكثر ، إذ على تقدير الاختلاف في الأقل والأكثر كما لو ادّعى البائع أنّ الثمن عشرة دنانير وادّعى المشتري كونه خمسة دنانير ، فقد ورد النص على أنّه مع بقاء العين يقدّم قول البائع ، ومع تلفها يقدّم قدم المشتري (1).
وهذا الفرض خارج عن محل البحث ، فانّ الكلام فيما إذا كان الأمر دائراً بين المتباينين ، كما لو ادّعى البائع أنّ الثمن خمسة دنانير ، وادّعى المشتري كونه عشرة دراهم ، أو ادّعى البائع أنّ المبيع عبد ، وادّعى المشتري كونه جارية ، ففي مثل ذلك إن أقام أحدهما البيّنة يحكم له ، وإلاّ فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ، يقدّم قوله ، وإن تحالفا يحكم بالانفساخ ورجوع كل من الثمن والمثمن إلى مالكه الأوّل ، فيقال : إنّ الحكم بردّ المثمن إلى البائع في المثال الأوّل مخالف للعلم التفصيلي بأ نّه ملك للمشتري سواء كان ثمنه خمسة دنانير أو عشرة دراهم ، وكذا الحكم بردّ الثمن إلى المشتري في المثال الثاني مخالف للعلم بكونه ملكاً للبائع ، سواء كان ثمناً للعبد أو الجارية ، ثمّ لو انتقل العبد والجارية معاً إلى ثالث
1) الوسائل 18 : 59 / أبواب أحكام العقود ب 11 ح 1
أفتوا بجواز تصرّفه فيهما ، مع أنّه يعلم بعدم انتقال أحدهما إليه من مالكه الواقعي ، وهو المشتري.
والجواب : أنّه إن قلنا بأنّ التحالف موجب للانفساخ واقعاً بالتعبد الشرعي كما هو ليس ببعيد ، فينفسخ البيع واقعاً ، ويرجع كل من العوضين إلى ملك مالكه الأوّل ، ويكون التحالف نظير تلف العين قبل القبض. وعليه فلا مخالفة للعلم الاجمالي أو التفصيلي ولا مانع من التصرف في الثمن والمثمن ، ولا في العبد والجارية لشخص ثالث.
وإن قلنا بأنّ التحالف لا يوجب الانفساخ واقعاً ، بل الانفساخ ظاهري لرفع الخصومة وقطع المنازعة ، فليس هناك إلاّالعلم بكون المال ملك الغير ، فإن دلّ دليل على جواز التصرف فيه لثالث ، كان المورد ممّا رخّص الشارع في تصرّف مال الغير فيه ، ولا إشكال فيه كما تقدّم (1)، وإن لم يدل عليه دليل نلتزم بعدم جواز التصرف فيه.
الفرع الثالث : ما لو اختلف المتداعيان في سبب الانتقال بعد الاتفاق على أصله ، كما لو قال أحدهما : بعتك الجارية ، وقال الآخر : وهبتني إيّاها ، فتردّ الجارية بعد التحالف إلى مالكها الأوّل ، مع العلم التفصيلي بخروجها عن ملكه.
والجواب : أنّه إن كانت الهبة جائزة كان ادعاء البيع وإنكار الهبة من الواهب رجوعاً عنها ، لأنّ إنكار الهبة يدل بالالتزام على الرجوع عنها ، نظير إنكار الوكالة ، فانّه أيضاً يعدّ فسخاً لها. وعليه فتصير الجارية بمجرد إنكار الهبة ملكاً لمالكها الأوّل ، فليس هناك علم بالمخالفة. وأمّا لو كانت الهبة لازمة ، كما إذا كانت لذي رحم يجري في المقام ما ذكرناه في الفرع السابق : من أنّه إن
1) في الفرع الأوّل
قلنا بأنّ التحالف يوجب انفساخ العقد واقعاً ، سواء كان في الواقع بيعاً أو هبة ، فينفسخ العقد ، وترجع الجارية إلى ملك مالكها الأوّل ، فلا مخالفة للعلم الاجمالي أو التفصيلي.
وإن لم نقل بذلك وقلنا إنّ الانفساخ ظاهري لرفع الخصومة ، فجواز التصرف فيها تابع للدليل ، فان دلّ عليه دليل كان ممّا رخّص فيه الشارع في التصرف في مال الغير ، وإلاّ نلتزم بعدم جواز التصرف. وعلى كلا التقديرين لا مخالفة للعلم الاجمالي أو التفصيلي.
الفرع الرابع : ما لو وجد المني في ثوب مشترك بين شخصين ، فذكروا أنّه يجوز اقتداء أحدهما بالآخر ، مع أنّه يعلم ببطلان صلاته إمّا لجنابة نفسه أو لجنابة إمامه ، وذكروا أيضاً أنّه يجوز لثالث الاقتداء بهما في صلاة واحدة مع أنّه يعلم ببطلان صلاته إمّا لجنابة الإمام الأوّل أو الإمام الثاني ، وكذا يجوز له الاقتداء بهما في صلاتين مترتبتين ، كما إذا اقتدى بأحدهما في صلاة الظهر وبالآخر في صلاة العصر ، مع أنّه يعلم تفصيلاً ببطلان صلاة العصر إمّا لجنابة الإمام أو لفوات الترتيب ، وكذا يجوز الاقتداء بهما في صلاتين غير مترتبتين ، مع أنّه يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، فالحكم بجواز الاقتداء في جميع هذه الفروع مخالف للعلم الاجمالي أو التفصيلي.
والجواب : أنّ الحكم بجواز الائتمام في هذه الفروض ليس ممّا ورد فيه نص ، فلا بدّ من البحث فيه من حيث القاعدة ، ومحلّه الفقه بحث صلاة الجماعة (1). فإن قلنا بأنّ صحّة صلاة الإمام بنظره كافية لجواز الائتمام ولو لم تكن صحيحة في نظر المأموم ، جاز الاقتداء في جميع هذه الفروض ، ولا علم للمأموم ببطلان
1) شرح العروة 17 : 298
صلاته ولو مع علمه تفصيلاً ببطلان صلاة الإمام ، كما لو علم المأموم بأنّ الإمام محدث ولكن الإمام لم يعلم بذلك فصلّى عالماً بالطهارة أو مستصحباً لها ، فيجوز له الاقتداء به وصحّت صلاته مع العلم التفصيلي ببطلان صلاة الإمام ، فكيف الحال في موارد العلم الاجمالي. وإن لم نقل بذلك واعتبرنا في جواز الاقتداء صحّة صلاة الإمام بنظر المأموم أيضاً ، فنلتزم بعدم جواز الاقتداء في جميع هذه الفروض عملاً بالقاعدة مع عدم ورود نص على جواز الاقتداء كما تقدّم.
الفرع الخامس : ما لو أقرّ أحد بعين لشخص ، ثمّ أقرّبها لشخص آخر ، فيحكم باعطاء العين للمقرّ له الأوّل ، وإعطاء بدلها من المثل أو القيمة للثاني ، وقد يجتمع العين والبدل عند شخص آخر ، فهو يعلم إجمالاً بحرمة التصرف في أحدهما ، ولو اشترى بهما شيئاً يعلم تفصيلاً بعدم جواز التصرف فيه ، لكون بعض ثمنه ملكاً للغير ، فلم يدخل المثمن في ملكه.
ويظهر الجواب في هذا الفرع ممّا ذكرناه في الفروع السابقة ، فانّ الحكم المذكور ممّا لم يرد فيه نص خاص ، وإنّما هو بمقتضى القاعدة ، باعتبار أنّ الاقرار الأوّل يوجب إعطاء العين للمقر له الأوّل بمقتضى قاعدة الاقرار ، فيحكم بكونها له ظاهراً ، وبمقتضى الاقرار الثاني يحكم بأنّ العين كانت ملكاً للمقر له الثاني ، وحيث إنّه أتلفها باقراره الأوّل فيحكم عليه بالضمان ، لقاعدة الاتلاف ، فيجوز التصرف لكل منهما في العين والبدل ، لأنّه قد ثبتت ملكية كل منهما بالأمارة الشرعية وهي الاقرار.
وأمّا من اجتمع عنده العين والبدل ، فان قلنا بأنّ الملكية الظاهرية لأحد موضوع لجواز تصرف الآخر واقعاً ، فلا إشكال في جواز تصرّفه فيهما ، إذ ليس له علم إجمالي بحرمة التصرف في أحدهما ، وكذا المال المشترى بهما لعدم العلم بالحرمة أيضاً. وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح ، لعدم الدليل على أنّ
الملكية الظاهرية لأحد موضوع لجواز التصرف لغيره واقعاً ، فنلتزم بعدم جواز التصرف في كلا المالين ، للعلم الاجمالي بحرمة التصرف في أحدهما ، وكذا فيما اشترى بهما عملاً بالقاعدة ، مع عدم ورود دليل خاص يدل على الجواز من آية أو رواية.
الفرع السادس : حكم بعض بجواز الارتكاب في الشبهة المحصورة ، فانّه مخالف للعلم الاجمالي بوجود الحرام في بعض الأطراف.
والجواب : أنّ عنوان المحصور ممّا لم يرد في الأدلة الشرعية ، وإنّما هو اصطلاح المتأخرين من الفقهاء ، والحكم دائر مدار تنجيز العلم الاجمالي ، فان قلنا بأنّ العلم الاجمالي منجّز بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية فقط ، نلتزم بجواز الارتكاب في بعض الأطراف دون الجميع ، حتّى لا ينتهي الأمر إلى المخالفة القطعية ، وإن قلنا بأنّ العلم الاجمالي منجّز حتّى بالنسبة إلى الموافقة القطعية ، نلتزم بعدم جواز الارتكاب في شيء من الأطراف تحصيلاً للموافقة القطعية ، إلاّأن يطرأ عنوان رافع للحكم الواقعي ، كما إذا كان الاجتناب عن الجميع غير مقدور أو حرجياً.
وبالجملة : الحكم في المقام يدور مدار القاعدة ، ولم يرد فيه نص خاص ليكون مفاده مخالفاً للعلم الاجمالي أو التفصيلي.
هذا تمام الكلام في هذه الفروع ، وملخّص القول : أنّه بعد ما ثبتت استحالة المنع عن العمل بالقطع على ما تقدّم بيانه (1)لا يمكن الالتزام بحكم مخالف للقطع في مورد من الموارد.
1) في أوائل هذا البحث
ويقع البحث في مقامين :
المقام الأوّل : في ثبوت التكليف وتنجّزه بالعلم الاجمالي وعدمه.
المقام الثاني : في سقوط التكليف بالامتثال الاجمالي وعدمه - بعد الفراغ عن ثبوته - مع إمكان الامتثال التفصيلي ، كما إذا كان المكلف متمكناً من تعيين تكليفه بأ نّه القصر أو التمام ، فيجمع بينهما ، أو كان متمكناً من تعيين القبلة فلم يعيّن ويأتي بصلاتين إلى جهتين يعلم إجمالاً بكون إحداهما إلى القبلة.
أمّا المقام الأوّل : فيقع البحث فيه في جهتين :
الجهة الاولى : في تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية ، بمعنى عدم إمكان الرجوع إلى الأصل في شيء من أطرافه ، فيجب الاتيان بجميع الأطراف في الشبهة الوجوبية ، ويجب الاجتناب عن جميع الأطراف في الشبهة التحريمية.
الجهة الثانية : في تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية ، بمعنى عدم جواز الرجوع إلى الأصل في مجموع الأطراف ، وإن جاز الرجوع إليه في البعض ، فلا يجوز ترك المجموع في الشبهة الوجوبية وارتكاب المجموع في الشبهة التحريمية ، وإن جاز ترك البعض في الاولى وارتكاب البعض في الثانية.
وحيث إنّ البحث عن الجهة الاولى يناسب مبحث البراءة ، إذ البحث فيها إنّما هو عن جواز ترك بعض الأطراف في الشبهة الوجوبية ، وعن جواز ارتكاب البعض في الشبهة التحريمية ، وليس في بعض الأطراف إلاّاحتمال التكليف ، كما
هو الحال في الشبهة البدوية المبحوث عنها في مبحث البراءة ، فالبحث عنها موكول إلى مبحث البراءة (1).
أمّا البحث عن الجهة الثانية : فهو المناسب للمقام ، إذ البحث فيها إنّما هو عن جواز ترك مجموع الأطراف في الشبهة الوجوبية ، وجواز ارتكاب المجموع في الشبهة التحريمية ، وثبوت التكليف في مجموع الأطراف معلوم ، فيكون البحث راجعاً إلى حجّية القطع فيما إذا كان متعلقه مردداً بين أمرين أو امور المعبّر عنه بالعلم الاجمالي ، فيقع الكلام فعلاً في الجهة الثانية.
وليعلم أوّلاً : أنّ البحث في كل من الجهتين مبتنٍ على أحد طرفي الترديد في الجهة الاخرى ، بيان ذلك : أنّ البحث في الجهة الاولى إنّما هو عن وجوب الموافقة القطعية وعدمه. وهذا البحث مبني على أن نقول في الجهة الثانية بحرمة المخالفة القطعية ، إذ على القول بعدم حرمة المخالفة القطعية وجواز ترك تمام الأطراف في الشبهة الوجوبية ، وجواز ارتكاب تمام الأطراف في الشبهة التحريمية ، لم يبق مجال للبحث عن وجوب الموافقة القطعية ، بمعنى وجوب الاتيان بجميع الأطراف في الشبهة الوجوبية ، ووجوب الاجتناب عن جميع الأطراف في الشبهة التحريمية ، كما هو ظاهر.
وكذا الحال في الجهة الثانية ، فانّ البحث فيها إنّما هو عن حرمة المخالفة القطعية وعدمها. وهذا البحث مبني على أن نقول في الجهة الاولى بعدم وجوب الموافقة القطعية ، إذ على القول بوجوب الموافقة القطعية ، ووجوب الاتيان بجميع الأطراف في الشبهة الوجوبية ووجوب الاجتناب عن جميع الأطراف في الشبهة التحريمية ، لا يبقى مجال للبحث عن حرمة المخالفة القطعية وعدمها. ولهذا
1) يأتي في ص 403 وما بعدها
لا يكون البحث في إحدى الجهتين مغنياً عن البحث في الجهة الاخرى. وحيث إنّ المناسب للمقام هو البحث عن الجهة الثانية لما عرفت ، فيقع الكلام فعلاً فيها ، ولا بدّ من التكلم في مباحث ثلاثة :
المبحث الأوّل : في أنّ العقل الحاكم بالاستقلال في باب الاطاعة والعصيان هل يفرّق بين العلم التفصيلي والاجمالي في تنجيز التكليف ، أم لا؟
وبعبارة اخرى : هل المأخوذ في موضوع حكم العقل بقبح مخالفة المولى هو وصول التكليف بالعلم التفصيلي ، أو الأعم منه ومن العلم الاجمالي؟
وبعبارة ثالثة : هل العقل يرى العلم الاجمالي بياناً كالعلم التفصيلي كي لا تجري معه قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، أم لا؟
المبحث الثاني : في أنّه بعد الفراغ عن كونه بياناً ، هل يمكن للشارع أن يرخّص في المخالفة القطعية بارتكاب جميع الأطراف في الشبهة التحريمية ، وترك الجميع في الشبهة الوجوبية ، أم لا؟
المبحث الثالث : في وقوع ذلك ، والبحث عن شمول أدلة الاصول العملية الشرعية لجميع أطراف العلم الاجمالي وعدمه ، بعد الفراغ عن الامكان.
أمّا المبحث الأوّل : فربّما يقال إنّه يعتبر في موضوع حكم العقل بقبح مخالفة المولى أن يكون المكلف عالماً بالمخالفة حين العمل ، لأنّ القبيح هو عصيان المولى ، ولا يتحقق العصيان إلاّمع العلم بالمخالفة حين العمل. والمقام ليس كذلك ، إذ لا علم له بالمخالفة حين ارتكاب كل واحد من الأطراف ، لاحتمال أن يكون التكليف في الطرف الآخر ، غاية الأمر أنّه بعد ارتكاب جميع الأطراف يحصل له العلم بالمخالفة ، وتحصيل العلم بالمخالفة ليس حراماً ، ولذا لو ارتكب المكلف ما هو مشكوك الحرمة بالشك البدوي تمسكاً بأصالة البراءة ، لا مانع
له بعد ذلك من تحصيل العلم بحرمة ما فعله بالسؤال من المعصوم عليهالسلام أو بالجفر والرمل وغير ذلك. هذا غاية ما قيل في وجه جواز المخالفة القطعية.
ولكنّه بمعزل عن التحقيق ، إذ لا يعتبر في حكم العقل بقبح المخالفة إلاّ وصول التكليف من حيث الكبرى والصغرى. وأمّا تمييز متعلق التكليف عن غيره فغير لازم ، فإذا وصل التكليف إلى العبد من حيث الكبرى ، بمعنى علمه بحرمة شرب الخمر مثلاً ، ومن حيث الصغرى ، بمعنى علمه بتحقق الخمر خارجاً ، فقد تمّ البيان ولا يكون العقاب على المخالفة حينئذ عقاباً بلا بيان. وتردد الخمر بين مائعين لا دخل له في موضوع حكم العقل بقبح المخالفة ، والشاهد هو الوجدان ومراجعة العقلاء ، فانّا لا نرى فرقاً في الحكم بالقبح بين ما إذا عرف العبد ابن المولى بشخصه فقتله ، وما إذا علمه إجمالاً بين عدّة أشخاص فقتلهم جميعاً.
وبالجملة : المعتبر في حكم العقل بقبح المخالفة هو وصول التكليف ، وأمّا تمييز المكلف به ، فلا دخل له في الحكم المذكور أصلاً. ولذلك لا ريب في حكم العقل بقبح المخالفة بارتكاب جميع الأطراف دفعةً ، كما إذا نظر إلى امرأتين يعلم بحرمة النظر إلى إحداهما مع أنّ متعلق التكليف غير مميّز.
أمّا المبحث الثاني : فذهب صاحب الكفاية (1)قدسسره إلى إمكان جعل الترخيص في جميع أطراف العلم الاجمالي ، بدعوى أنّ الحكم الواقعي لم ينكشف به تمام الانكشاف ، فمرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة. بل ادّعى وقوعه كما في الشبهة غير المحصورة ، وذكر أنّه لا مضادّة بين الحكم الظاهري والواقعي ، إذ لو كانت بينهما مضادّة لما أمكن جعل الحكم الظاهري في الشبهات غير المحصورة
1) كفاية الاصول : 272
بل في الشبهة البدوية ، لاستلزامه احتمال الجمع بين الضدّين ، ومن الواضح استحالة احتمال الجمع بين الضدّين كالقطع به ، إذ الجمع بينهما محال ، والمحال مقطوع العدم دائماً. فما به التفصي عن المحذور فيهما كان به التفصي في المقام ، ضرورة عدم الفرق بين الموارد في المضادة بين التكليف الالزامي الواقعي وجعل الترخيص. هذا ملخص كلامه في المقام.
وما ذكرناه هنا مبني على ما ذكره في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ، من أنّ الحكم الواقعي ليس فعلياً من جميع الجهات مع عدم العلم به ، فلا منافاة بينه وبين الحكم الظاهري ، لعدم كونهما في مرتبة واحدة (1). وعلى هذا الأساس التزم في المقام بامكان جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي بالتكليف الالزامي من الوجوب أو الحرمة ، إذ عليه لا منافاة بين الحكم المعلوم بالاجمال وبين الترخيص ، لعدم كون المعلوم بالاجمال فعلياً من جميع الجهات ، لعدم انكشافه تمام الانكشاف.
ولكن البناء المذكور ممّا لا أساس له ، لأنّ العلم لا دخل له في فعلية الحكم ، وإنّما هو شرط لتنجزه وقد ذكرنا غير مرّة (2)أنّه ليس للحكم إلاّمرتبتان : إحداهما مرتبة الجعل والاخرى مرتبة الفعلية. والاولى عبارة عن إنشاء الحكم للموضوع المقدّر وجوده على نحو القضيّة الحقيقية ، كما في قوله تعالى «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (3)والثانية عبارة عن فعلية الحكم بتحقق موضوعه خارجاً ، كما إذا صار المكلف مستطيعاً ، بلا دخل للعلم به
أصلاً ، غاية الأمر أنّ العلم دخيل في تنجز التكليف ، فلا يصحّ العقاب على المخالفة إلاّمع العلم بالتكليف.
وبالجملة : فعليّة الحكم تابعة لفعلية موضوعه ، وليس العلم مأخوذاً في موضوعه كي تكون فعليته متوقفة عليه ، لما دلّ عليه الدليل من اشتراك التكليف بين العالم والجاهل مضافاً إلى ما تقدّم (1)من عدم إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوعه.
فتحصّل : أنّ ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره لا يفيد في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ، ولا في إثبات إمكان الترخيص في أطراف العلم الاجمالي ، لكونه مبنياً على كون العلم دخيلاً في فعلية الحكم ، وقد ظهر بما ذكرناه عدم دخله في فعلية الحكم أصلاً. والصحيح عدم إمكان جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي ، ولا يقاس المقام بجعل الحكم الظاهري في الشبهة البدوية. وتحقيق ذلك يقتضي التكلم في وجه الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بمقدار يتّضح به عدم صحّة قياس المقام به ، وتفصيله موكول إلى محلّه (2).
فنقول : إنّ الأحكام الشرعية لا مضادة بينها في أنفسها ، إذ الحكم ليس إلاّ الاعتبار ، أي اعتبار شيء في ذمة المكلف من الفعل أو الترك. ومن الواضح عدم التنافي بين الامور الاعتبارية ، وكذا لا تنافي بين إبرازها بالألفاظ ، بأن يقول المولى : افعل كذا ولا تفعل كذا ، كما هو ظاهر.
إنّما التنافي بينها في موردين : الأوّل : في المبدأ. الثاني : في المنتهى. والمراد
بالمبدأ ما يعبّر عنه بعلّة الحكم مسامحةً من المصلحة والمفسدة ، كما عليه الإمامية والمعتزلة ، أو الشوق والكراهة ، كما عليه الأشاعرة المنكرين لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. والمراد من المنتهى مقام الامتثال.
أمّا التنافي من حيث المبدأ ، فلأ نّه يلزم من اجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة مثلاً اجتماع المصلحة والمفسدة في المتعلق بلا كسر وانكسار ، وهو من اجتماع الضدّين ، ولا إشكال في استحالته ، وكذا الحال في اجتماع الوجوب والترخيص أو اجتماع الحرمة والترخيص ، فانّه يلزم وجود المصلحة الملزمة وعدم وجودها في شيء واحد ، أو وجود المفسدة الملزمة وعدم وجودها ، وهو من اجتماع النقيضين المحال.
أمّا التنافي بين الأحكام من حيث المنتهى وهو مقام الامتثال ، فلعدم تمكن المكلف من امتثال كلا الحكمين كما هو ظاهر ، فيقع التنافي والتضاد في حكم العقل بلزوم الامتثال.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري في الشبهات البدوية أصلاً ، لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى.
أمّا من ناحية المبدأ ، فلأنّ المصلحة في الحكم الظاهري إنّما تكون في نفس الحكم لا في متعلقه كما في الحكم الواقعي ، سواء كان الحكم الظاهري ترخيصياً لمجرد التسهيل على المكلف ، أو إلزامياً لغرض آخر من الأغراض ، فلا يلزم من مخالفته للحكم الواقعي اجتماع المصلحة والمفسدة في شيء واحد.
وأمّا من ناحية المنتهى ، فلأنّ الحكم الظاهري موضوعه الشك في الحكم الواقعي وعدم تنجزه لعدم وصوله إلى المكلف ، فما لم يصل الحكم الواقعي إلى المكلف لا يحكم العقل بلزوم امتثاله ، فلا مانع من امتثال الحكم الظاهري. وإذا وصل الحكم الواقعي إلى المكلف وحكم العقل بلزوم امتثاله لا يبقى مجال
للحكم الظاهري ، لارتفاع موضوعه بوصول الواقع.
وبعبارة اخرى : حكم العقل بلزوم الامتثال إنّما هو بعد وصول الحكم إلى المكلف ، بلا فرق في ذلك بين الحكم الواقعي والظاهري ، ووصول كلا الحكمين إلى المكلف في عرض واحد محال ، لكون الحكم الظاهري دائماً في طول الحكم الواقعي ، فمع وصول الحكم الواقعي ينتفي الحكم الظاهري بانتفاء موضوعه ، فلا يحكم العقل إلاّبلزوم امتثال الحكم الواقعي ، ومع عدم وصول الحكم الواقعي لا يحكم العقل إلاّبلزوم امتثال الحكم الظاهري ، فلا تنافي بين الحكمين في مقام الامتثال أبداً.
هذا بخلاف الحكم الظاهري المجعول في أطراف العلم الاجمالي ، فانّ التنافي بينه وبين الحكم الواقعي الواصل بالعلم الاجمالي في مقام الامتثال واضح ، لما تقدّم (1)من عدم الفرق في حكم العقل بلزوم الامتثال بين وصول الحكم بالعلم التفصيلي والاجمالي ، فإن كان الحكم الظاهري على خلاف الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال على ما هو المفروض ، لزم محذور اجتماع الضدّين في مقام الامتثال ، فكيف يقاس المقام بالشبهة البدوية. نعم ، يرد النقض بالشبهة غير المحصورة لوصول الحكم الواقعي فيها أيضاً بالعلم الاجمالي. ومجرد قلّة الأطراف وكثرتها لا يوجب الفرق في حكم العقل بلزوم الامتثال.
وأمّا نحن ففي فسحة من هذا النقض ، لأنّا نقول بعدم الفرق بين قلّة الأطراف وكثرتها في حكم العقل بلزوم الامتثال ، فكما لا نلتزم بجريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي مع قلّتها ، كذا لا نقول بجريانه مع كثرتها ، نعم لو كانت الشبهة ممّا لا يمكن إحراز الامتثال فيها أصلاً - لعدم قدرة المكلف على الاتيان
1) في ص 75 - 76
بجميع الأطراف في الشبهة الوجوبية ، أو على ترك جميع الأطراف في الشبهة التحريمية ، أو كان فيه ضرر أو حرج على المكلف - لا يكون العلم الاجمالي فيها منجّزاً ، إذ لا يكون امتثال الحكم الواقعي حينئذ لازماً ، لعدم التمكّن منه ، أو لكونه ضرراً أو حرحاً ، ومع عدم لزوم امتثاله لا مانع من جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، بلا فرق بين قلّتها وكثرتها أيضاً.
فإذا قلنا إنّ الشبهة غير المحصورة لا يكون العلم الاجمالي منجّزاً فيها ، كان مرادنا هو هذا المعنى ، ولا مناقشة في الاصطلاح ، وكم فرق بينها وبين الشبهة المحصورة ، بمعنى كون الحكم الواقعي في أطراف أمكن امتثاله بلا لزوم حرج أو ضرر ، فانّه يحكم العقل حينئذ بلزوم امتثاله كما عرفت ، ومعه لا يمكن جعل الحكم الظاهري فيها كما تقدّم.
فتحصّل : أنّ جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي غير ممكن بحسب مقام الثبوت ، فلا تصل النوبة إلى البحث عن مقام الاثبات وشمول أدلة الاصول لأطراف العلم الاجمالي وعدمه ، إذ بعد حكم العقل باستحالة جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي لو فرض شمول الأدلة لها ، لا بدّ من رفع اليد عن ظاهرها لأجل قرينة قطعية عقلية.
ثمّ إنّا لو تنزّلنا عن ذلك ، وقلنا بامكان جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي ، يقع الكلام في :
المبحث الثالث : وشمول أدلة الاصول العملية لأطراف العلم الاجمالي وعدمه.
وقد منع شيخنا الأعظم الأنصاري (1)قدسسره عن ذلك ، بدعوى المناقضة بين صدر الروايات وذيلها ، لأنّ مقتضى إطلاق الصدر في مثل قوله عليهالسلام :
1) فرائد الاصول 2 : 404 و 405
«كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» (1)هو جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، وثبوت الحكم الظاهري ، إذ كل واحد من الأطراف مشكوك فيه مع قطع النظر عن الآخر ، ومقتضى إطلاق العلم في ذيله الذي جعل غايةً للحكم الظاهري هو عدم جريان الأصل وعدم ثبوت الحكم الظاهري ، فتلزم المناقضة بين الصدر والذيل ، لأنّ الموجبة الكلّية يناقضها السلب الجزئي ، فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الاطلاقين ، وحيث إنّه لا مرجّح لأحدهما على الآخر ، فلا محالة تكون الروايات مجملة من هذه الجهة. ثمّ استشكل على نفسه بأنّ كلمة «بعينه» المذكورة في بعض الروايات تشهد بأنّ المراد من العلم في ذيل هذه الروايات هو خصوص العلم التفصيلي ، لا الأعم منه ومن العلم الاجمالي.
وأجاب عنه بأ نّه يمكن أن يكون ذكر هذه الكلمة لتأكيد العلم لا لتمييز المعلوم ليكون مفادها العلم التفصيلي. هذا ملخص كلامه قدسسره.
وفيه أوّلاً : ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره في بحث الاستصحاب (2): من أنّه على تقدير تسليم إجمال هذه الروايات المذيّلة بذكر الغاية ، لا مانع من التمسك بالروايات التي ليس فيها هذا الذيل ، كقوله صلىاللّهعليهوآله : «رفع ما لايعلمون» (3)وقوله صلىاللّهعليهوآله : «الناس في سعة ما لايعلمون» (4)وإجمال دليل فيه الغاية المذكورة لا يسري إلى غيره ممّا ليس فيه الذيل المذكور.
وثانياً : أنّ العلم المأخوذ في الغاية في هذه الأخبار ظاهر عرفاً في خصوص ما يكون منافياً للشك رافعاً له ، بأن يكون متعلقاً بعين ما تعلّق به الشك ، وكذا الحال في مثل قوله عليهالسلام : «ولكن انقضه بيقين آخر» (1)فانّ الظاهر منه تعلّق اليقين الآخر بعين ما تعلّق به الشك ليكون نقضاً له ، وكذا الحال في أدلة البراءة من قوله عليهالسلام : «حتّى تعلم أو تعرف أنّه حرام» ومن الواضح أنّ العلم الاجمالي لا يكون رافعاً للشك في كل واحد من الأطراف ، لعدم تعلقه بما تعلق به الشك ، فانّه تعلق بعنوان جامع بينهما ، وهو عنوان أحدهما. وعليه فالغاية لا تشمل العلم الاجمالي فيكون إطلاق الصدر محكّماً.
وثالثاً : أنّ ما أفاده - من أنّ كلمة «بعينه» لتأكيد العلم لا لتمييز المعلوم - لو سلّم في رواية مسعدة بن صدقة من قوله عليهالسلام «كل شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه» (2)لا يتم في رواية عبداللّه بن سنان من قوله عليهالسلام : «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه» (3)فانّ مفاده معرفة الحرام بعينه ، ومعرفة الحرام بعينه ظاهر عرفاً في تمييزه عن غيره ، ولا سيّما مع ذكر كلمة «منه» وظهور معرفة الحرام من الشيء بعينه في تمييز الحرام عن غيره غير قابل للانكار ، فتكون الغاية ظاهرةً في خصوص العلم التفصيلي. بخلاف الجملة الاولى ، فانّ مفادها معرفة أنّه حرام بعينه ، أي معرفة الحرمة ، فيمكن أن تكون كلمة «بعينه» تأكيداً للمعرفة.
ولا يخفى الفرق بحسب المفهوم العرفي بين معرفة أنّ الشيء حرام بعينه ، ومعرفة الحرام من الشيء بعينه.
ورابعاً : أنّ لازم ما ذكره من قصور الأدلة عن الشمول لأطراف العلم الاجمالي عدم جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، ولو لم يكن العلم الاجمالي منجّزاً ، لخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء ، أو لكون الامتثال حرجياً أو ضررياً ، مع أنّه قدسسره لا يلتزم بذلك قطعاً. وأمّا على ما ذكرناه (1)من أنّ المانع من جريان الأصل في اطراف العلم الاجمالي ثبوتي من جهة تنجيز العلم الاجمالي التكليف الواقعي ، ولزوم اجتماع الضدّين في مقام الامتثال ، فلا محذور في جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي في فرض خروج بعضها عن محل الابتلاء أو كون الامتثال حرجياً أو ضررياً ، إذ العلم الاجمالي حينئذ لا يكون منجّزاً ولا يحكم العقل بلزوم امتثال الحكم الواقعي ، لعدم القدرة عليه ، أو لاستلزامه الحرج أو الضرر ، فلا يلزم اجتماع الضدّين في مقام الامتثال ، فلا مانع من جعل الترخيص في أطراف العلم الاجمالي.
فتحصّل : أنّ الوجه في عدم جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي هو المانع الثبوتي على ما ذكرناه ، لا قصور الأدلة في مقام الاثبات. هذا تمام كلامنا في المقام الأوّل والبحث عن ثبوت التكليف بالعلم الاجمالي.
وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عن سقوط التكليف بالعلم الاجمالي بعد ثبوته. فتحقيق القول فيه يقتضي التكلم في جهتين :
الجهة الاولى : في البحث عن كفاية الامتثال الاجمالي وعدمها ، مع عدم تمكن المكلف من الامتثال التفصيلي.
ولا ينبغي الشك في الكفاية لحكم العقل والشرع بحسن الاحتياط في هذا الحال وإن استلزم التكرار ، بلا فرق بين التوصليات والتعبديات ، وبلا فرق بين
1) في ص 79 - 80
موارد تنجّز الواقع كما في أطراف العلم الاجمالي ، وبين موارد عدم تنجّزه كما في الشبهة البدوية الحكمية أو الموضوعية ، بلا فرق بين ما قبل الفحص وما بعده ، إذ المفروض عدم تمكن الوصول إلى الواقع ولو بعد الفحص ، فانّ الامتثال الاجمالي في جميع هذه الصور هو غاية ما يتمكن منه العبد في مقام امتثال أمر المولى ، وهذا ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف.
الجهة الثانية : في البحث عن كفاية الامتثال الاجمالي مع تمكن المكلف من الامتثال التفصيلي ، ويقع الكلام تارةً في التوصليات. واخرى في التعبديات.
أمّا التوصليات ، فلا شك أيضاً في كفاية الامتثال الاجمالي فيها ، لأنّ الغرض فيها مجرد حصول المأمور به في الخارج كيف ما اتّفق ، وباتيان جميع المحتملات يتحقق المأمور به لا محالة ، فإذا علم أحد بأ نّه مديون بدرهم إمّا لزيد أو لعمرو وأعطى درهماً لزيد ودرهماً لعمرو ، حصل له العلم بالفراغ.
ويلحق بالتوصليات الوضعيات ، كالطهارة والنجاسة ، فلو غسل المتنجس بمائعين طاهرين يعلم إجمالاً بكون أحدهما ماءً مطلقاً والآخر مضافاً طهر بلا إشكال. وكذا العقود والايقاعات ، فان احتاط المكلف وجمع بين إنشاءات متعددة يعلم إجمالاً بصحّة أحدها ، يكفي في حصول المنشأ لا محالة ، وإن لم يتميز عنده السبب المؤثر.
هذا ، ولكن استشكل شيخنا الأنصاري قدسسره (1)في الاحتياط في العقود والايقاعات باستلزامه الاخلال بالجزم المعتبر في الانشاء ، إذ الترديد ينافي الجزم ، ولذا لا يصحّ التعليق في الانشائيات إجماعاً.
1) لاحظ الجزء الثالث من المكاسب : 173 (مبحث التنجيز في العقد)
وهذا الاشكال ممّا لا يرجع إلى محصّل ، لما ذكرناه في محلّه (1)من أنّ المراد بالجزم المعتبر في الانشاء هو الجزم بالاعتبار النفساني من قبل المنشئ ، بأن يكون جازماً بالاعتبار من قبل نفسه لا متردداً فيه ، والتعليق في الانشاء يوجب الترديد من قبل نفس المنشئ في اعتباره النفساني ، فإذا قال : وهبتك هذا المال إن كنت ابن زيد مثلاً ، لم يتحقق الاعتبار منه ، إذ علّقه على أمر لا يدري حصوله ، فهو لا يدري أنّه تحقق منه الاعتبار النفساني أم لا. وهذا هو الترديد المنافي لقصد الانشاء إجماعاً.
وأمّا التردد في أنّ السبب الممضى شرعاً هو هذا أو ذاك - كما في موارد الاحتياط في العقود والايقاعات - فلا إشكال فيه ، إذ لا ترديد في الانشاء الصادر من المنشئ بل هو جازم به ، غاية الأمر كونه متردداً في أنّ السبب الممضى شرعاً هذا أو ذاك ، فيجمع بينهما.
وبالجملة : التردد في الحكم الشرعي لا ينافي الجزم المعتبر في الانشاء ، بل العلم بعدم إمضاء الشارع لا ينافي الانشاء ، إذ الانشاء اعتبار من قبل نفس المنشئ ولا ربط له بامضاء الشارع ، فلو أوقع الوالد معاملةً ربويةً مع ولده مع العلم بعدم إمضاء الشارع حين الانشاء ، ثمّ انكشف إمضاء الشارع ، يحكم بصحّة المعاملة المذكورة ، وكذا يحكم بصحّة معاملة الكفّار على تقدير اجتماع الشرائط ، مع أنّهم لا يلتزمون بالشرع وإمضاء الشارع أصلاً. فإذا كان الانشاء ممّا لا ينافيه الجزم بعدم إمضاء الشارع ، فكيف ينافيه التردد في إمضاء الشارع.
فالتحقيق : أنّ الاحتياط في العقود والايقاعات ممّا لا ينبغي الاشكال فيه.
وأمّا التعبديات : فمع عدم تنجّز الواقع ، كما في الشبهة البدوية الحكمية بعد
1) لاحظ مصباح الفقاهة 3 : 58 وما بعدها (مبحث التنجيز في العقود)
الفحص ، والشبهة الموضوعية مطلقاً ، فلا إشكال في الاحتياط فيها أيضاً ، بل يمكن أن يقال : إنّ هذا الامتثال الاجمالي مع ترخيص المولى بتركه أرقى من الامتثال التفصيلي في موارد يكون التكليف فيها منجّزاً.
وأمّا مع تنجّز الواقع عليه ، كما في موارد العلم الاجمالي ، بل في الشبهة البدوية الحكمية قبل الفحص ، فالاحتياط فيه تارةً يستلزم التكرار ، واخرى لايستلزمه.
وعلى التقديرين إمّا أن يكون التكليف المعلوم بالاجمال أو المشكوك فيه استقلالياً ، أو يكون ضمنياً. وما لا يستلزم التكرار إمّا أن يكون أصل الطلب فيه معلوماً في الجملة وإنّما الشك في الخصوصية من الوجوب والاستحباب ، وإمّا أن لا يكون كذلك ، لاحتمال الاباحة. فهنا مسائل :
المسألة الاولى : فيما إذا لم يكن الاحتياط مستلزماً للتكرار ، مع كون التكليف استقلالياً ، وكان أصل الطلب معلوماً في الجملة ، كما إذا شكّ في وجوب غسل الجمعة واستحبابه.
والظاهر أنّه لا مانع من الاحتياط فيه والاتيان بما يحتمل الوجوب بداعي الأمر المحرز وجوده على الاجمال ، ولايكون هناك ما يوجب المنع عن الاحتياط إلاّ توهم اعتبار قصد الوجه والتمييز ، وهو مدفوع بالاطلاق إن كان لدليل العبادة إطلاق لفظي ، وإلاّ فالمرجع هي البراءة. هذا على القول بأنّ اعتبار قصد القربة وما يرجع إليه من قصد الوجه والتمييز شرعي ، ويمكن أخذه في متعلق الأمر ، كما هو الصحيح على ما تقدّم بيانه في بحث التعبدي والتوصلي (1).
وأمّا على القول بأنّ اعتباره عقلي لعدم إمكان أخذه في متعلق الأمر شرعاً ،
1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 519 وما بعدها ، وكذا ص 535 وما بعدها
كما اختاره صاحب الكفاية قدسسره (1)فمجرد عدم التنبيه من الشارع على اعتباره يكشف عن عدم اعتباره ، إذ على تقدير اعتباره كان على الشارع التنبيه عليه ولو بعنوان الإخبار بالجملة الاسمية ، لكونه ممّا يغفل عنه نوع المكلفين.
واستدلّ القائل بالاعتبار بوجهين :
الوجه الأوّل : الاجماع المدعى في كلمات المتكلمين.
وفيه : أنّه اجماع منقول لا يصحّ الاعتماد عليه. مضافاً إلى عدم كونه إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام لاحتمال أن يكون الوجه في اعتباره عند المجمعين هو :
الوجه الثاني : وهو أنّ حسن الأفعال وقبحها إنّما يكون بالعناوين القصدية ، بمعنى أنّه إن كان الفعل حسناً بعنوان خاص يعتبر في حسنه الاتيان به مع قصد هذا العنوان ، وإلاّ فلا يتصف بالحسن ، فانّ ضرب اليتيم إنّما كان حسناً إذا قصد به التأديب ، وإلاّ فلا يكون حسناً وإن ترتب عليه التأديب خارجاً. ففي المقام يحتمل أن يكون حسن الفعل منوطاً بعنوان خاص لا يعرفه المكلف ولا يميّزه ، فلا بدّ من الاتيان به مع إشارة إجمالية إلى ذلك العنوان ، بأن يأتي به بعنوان الوجوب أو الندب ، فانّه عنوان إجمالي لكل ما له دخل في حسن الفعل ، فلا بدّ من التمييز وقصد الوجه.
وفيه أوّلاً : أنّ اعتبار قصد عنوان خاص غير محتمل ، إذ الواجب بحكم العقل هو امتثال أمر المولى باتيان ما تعلّق به الأمر ، وكل ما توهم دخله في المأمور به يدفع بالأصل اللفظي أو الأصل العملي ، أو بعدم التنبيه على ما تقدّمت الاشارة إليه.
1) كفاية الاصول : 72
وثانياً : أنّه لا تنحصر الاشارة الاجمالية إلى ذلك العنوان الخاص بقصد الوجه ، بل يمكن الاشارة إليه بقصد الأمر ، فانّه محرز على الفرض وإن لم يعلم الخصوصية ، فلا وجه لاعتبار الوجه والتمييز في المأمور به.
المسألة الثانية : هي المسألة الاولى مع كون التكليف المحتمل ضمنياً ، كما إذا شكّ في أنّ السورة مثلاً جزء واجب للصلاة أو مستحب ، ولا مانع من الاحتياط فيها ، بأن يؤتى بها بداعي الأمر ، وإن لم تعلم خصوصيته من الوجوب أو الاستحباب ، بل الاحتياط في هذه المسألة أولى بالجواز من الاحتياط في المسألة الاولى ، إذ ما توهم كونه مانعاً عن الاحتياط من اعتبار قصد الوجه على تقدير تماميته مختص بالواجبات الاستقلالية ، ولا يجري في الواجبات الضمنية ، إذ مدركه أمران على ما عرفت :
أحدهما : الاجماع المنقول وهو غير متحقق في الواجبات الضمنية ، لأنّ المشهور عدم اعتباره فيها.
ثانيهما : احتمال دخل عنوان خاص في حسن المأمور به. وهذا أيضاً غير جارٍ في الأجزاء ، إذ ليس لكل جزء حسن مستقل ليحتمل دخل عنوان خاص فيه ، فلا حاجة إلى قصد الوجه في كل جزء جزء ، بل يكفي قصد الوجه في مجموع العمل.
المسألة الثالثة : هي المسألة الاولى مع عدم كون التكليف معلوماً أصلاً ، بأن يكون الأمر دائراً بين الوجوب والاباحة. وربّما يمنع من الاحتياط فيها لوجهين :
الوجه الأوّل : ما تقدّم في المسألة الاولى من اعتبار قصد الوجه المانع من الاحتياط. ولا يجري هنا ما ذكرناه في المسألة الاولى من إمكان الاشارة إلى عنوان له دخل في حسن العمل بقصد الأمر ، لعدم إحراز الأمر في المقام ، بخلاف
المسألة الاولى.
إلاّ أنّه يكفي في الجواب عنه ما ذكرناه أوّلاً من أنّ قصد عنوان خاص وقصد الوجه ممّا لا دليل على اعتباره ، واحتماله مدفوع بالأصل اللفظي أو الأصل العملي أو بعدم التنبيه عليه على ما تقدّم بيانه.
الوجه الثاني : ما ذكره المحقق النائيني (1)قدسسره من أنّ العقل يحكم بأ نّه يعتبر في تحقق الاطاعة أن يكون العبد منبعثاً نحو العمل من بعث المولى لا عن احتمال بعثه ، فالامتثال الاحتمالي يكون في طول الامتثال اليقيني بحكم العقل ، فلا مجال للاحتياط مع التمكن من العلم بالواقع تفصيلاً على ما هو المفروض.
وعلى تقدير عدم استقلال العقل بذلك لا أقل من الشك في اعتباره ، لعدم استقلاله بعدمه ، فيكون المرجع قاعدة الاشتغال ، لأنّ الشك متعلق بمرحلة الامتثال وسقوط التكليف ، فكان مورداً للاشتغال لا البراءة.
وفيه : أنّ الاطاعة ليست إلاّعبارة عن الاتيان بما أمر به المولى بجميع قيوده مضافاً إلى المولى ، وقد ذكرنا مراراً أنّ حكم العقل عبارة عن إدراكه ، فهو يدرك حسن الاطاعة ، وأ نّها موجبة لاستحقاق الثواب ، وتركها موجب لاستحقاق العقاب ، وليس له أن يحكم باعتبار شيء في متعلق أمر المولى مع عدم كونه مأخوذاً فيه شرعاً ، إذ العقل ليس مشرّعاً يزيد شيئاً في المأمور به أو ينقص منه ، فلنا جزم بأ نّه لا يعتبر في الطاعة إلاّالاتيان بما أمر به المولى بجميع قيوده مضافاً إليه. وأمّا كون الانبعاث من بعث المولى لا عن احتماله فغير معتبر فيها جزماً.
ومع التنزل والشك كان المرجع هو البراءة لا الاشتغال على ما هو الصحيح
1) أجود التقريرات 3 : 79 - 82 ، فوائد الاصول 3 : 72 - 74
في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. هذا على القول بكون قصد القربة وما يرجع إليه معتبراً شرعاً واختاره المحقق النائيني (1)قدسسره.
وأمّا على القول بكونه عقلياً ، كما هو المختار لصاحب الكفاية (2)قدسسره فالشك في اعتبار شيء يرجع إلى قصد القربة وإن لم يكن مجرى للبراءة ، إلاّ أنّه يستكشف عدم اعتباره من عدم البيان ، لكونه ممّا يغفل عنه نوع المكلفين ، فعلى تقدير الاعتبار كان على المولى البيان والتنبيه عليه ، فمع عدم البيان يستكشف عدم اعتباره لا محالة.
فتحصّل : أنّ الصحيح في هذه المسألة أيضاً كفاية الامتثال الاجمالي والاتيان بما يحتمل وجوبه رجاء ، كما هو المشهور.
وممّا ذكرنا ظهر الحال في موارد احتمال تكليف ضمني ، وأ نّه لا مانع من الاحتياط والاتيان بما يحتمل كونه جزءاً للمأمور به رجاءً ، سواء علم رجحانه إجمالاً كما تقدّم (3)أو لم يعلم كما هو الآن محلّ الكلام. نعم ، لا بدّ من عدم احتمال المانعية ، إذ لو دار الأمر بين كون شيء شرطاً للمأمور به أو مانعاً عنه ، كان الاحتياط فيه مستلزماً للتكرار وخرج عن الفرض ، كما أنّ محل كلامنا في التكليف الاستقلالي إنّما هو فيما إذا لم يحتمل الحرمة ، إذ مع احتمال الحرمة لايمكن الاحتياط وخرج عن الفرض. هذا كلّه فيما إذا لم يكن الاحتياط مستلزماً للتكرار.
وأمّا إذا كان مستلزماً له كما في دوران الأمر بين القصر والتمام ، فربّما يستشكل في جواز الاحتياط فيه وعمدة ما ذكروا في وجه الاشكال أمران :
الأوّل : أنّ التكرار لعب بأمر المولى ، فلا يصدق عليه الامتثال.
وأجاب عنه في الكفاية (1)أوّلاً : بأ نّه يمكن أن يكون التكرار ناشئاً من غرض عقلائي ، فلا يكون لعباً وعبثاً.
وهذا الجواب غير وافٍ بدفع الاشكال ، لأنّ اللعب إن سرى إلى نفس الامتثال لا يجدي كونه بغرض عقلائي ، إذ الكلام في العبادة المتوقفة على قصد القربة ، ولا يجدي في صحّتها مطلق اشتمالها على غرض عقلائي ، بل لا بدّ من صدورها عن قصد التقرب ، واللعب لا يوجب القرب ، فلا يصحّ التقرب به.
وثانياً : بأنّ اللعب على تقدير تسليمه إنّما هو في كيفية الامتثال ، أي في كيفية إحراز الامتثال لا في نفس الامتثال. وبعبارة اخرى واضحة : أنّ الاتيان بما ليس بمأمور به وإن كان لعباً ، إلاّأنّ الاتيان بما هو مصداق للمأمور به ليس لعباً ، ومن الظاهر أنّ ضمّ اللعب إليه لا يوجب كونه لعباً.
وهذا هو الجواب الصحيح.
الثاني : ما تقدّم ذكره من المحقق النائيني قدسسره من أنّ الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني ، لأنّ الطاعة يعتبر فيها كون الانبعاث من بعث المولى بحكم العقل على ما تقدّم بيانه (2).
وفيه أوّلاً : ما تقدّم من أنّ العقل ليس بمشرّع ، ولا يحكم إلاّبلزوم الطاعة ، ولا يعتبر في صدق الطاعة إلاّالاتيان بما أمر به المولى مضافاً إليه ، فكون الانبعاث من بعث المولى ممّا نجزم بعدم اعتباره ، ومع فرض الشك في اعتباره
يرجع إلى البراءة على ما تقدّم بيانه (1).
وثانياً : أنّ هذه الكُبرى على تقدير تسليمها لا تنطبق على المقام ، إذ التكليف معلوم على الفرض ، فيكون الانبعاث نحو كل من العملين عن البعث اليقيني لا الاحتمالي ، غاية الأمر أنّه لا تمييز حال الاتيان ، وهو أجنبي عن كون الانبعاث عن احتمال التكليف.
وبالجملة : الامتثال في المقام يقيني لا احتمالي ، غاية الأمر كونه إجمالياً لا تفصيلياً ، وكم فرق بين الامتثال الاجمالي والامتثال الاحتمالي. نعم ، هذه الكبرى على تقدير تسليمها تفيد في الحكم بعدم جواز الاحتياط في المسألة السابقة ، وهي ما إذا لم يكن أصل التكليف محرزاً ، بل كان مجرّد الاحتمال ، بخلاف المقام. نعم ، لو كان المكلف قاصداً للاتيان ببعض المحتملات فقط ، كان انبعاثه عن احتمال التكليف ، فعلى تقدير تمامية الكبرى المذكورة ، كان العمل فاسداً ولو مع مصادفة الواقع. وأمّا على ما ذكرناه من عدم تماميتها ، فلا إشكال فيه على تقدير المصادفة. نعم ، هو مستحق للعقاب من جهة التجري والاكتفاء بالامتثال الاحتمالي للتكليف المعلوم مع تمكنه من الامتثال اليقيني.
هذا كلّه في فرض التمكن من الامتثال التفصيلي العلمي. وأمّا إذا لم يتمكن منه ودار الأمر بين الاحتياط والامتثال التفصيلي الظنّي ، فإن كان الظن ممّا قام على اعتباره دليل خاص المعبّر عنه بالظن الخاص ، فهو كالعلم التفصيلي ، إذ الحجّة المعتبرة علم بالتعبد وإن لم تكن علماً بالوجدان. فإن قلنا بجواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي ، كما هو الصحيح ، نقول به
1) تقدّم في ص 90 - 91
مع التمكن من الامتثال التفصيلي الظنّي أيضاً. وإن قلنا بعدم جوازه لكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني ، كما عليه المحقق النائيني قدسسره في بعض الصور على ما تقدّم بيانه ، نقول بعدم جوازه مع التمكن من الامتثال التفصيلي الظنّي أيضاً.
وبالجملة : الظن المعتبر علم تعبداً ، فيجري فيه جميع ما ذكرناه في العلم الوجداني. ولا فرق بينهما إلاّفي أنّه مع العلم الوجداني بالواقع لم يبق مجال للاحتياط ، إذ العلم الوجداني لا يجتمع مع احتمال الخلاف حتّى يحتاط ، بخلاف الظن المعتبر ، فانّه لا ينافي احتمال الخلاف ، ومعه لا مانع من الاحتياط ، بل يكون الاحتياط في مثل هذه الموارد ممّا لم يلزمه الشارع بادراك الواقع من أرقى مراتب العبودية والانقياد.
نعم ، وقع الكلام بين الأعلام في جواز تقديم المحتمل على المظنون في صورة الاحتياط ، فقد يقال بعدم جوازه ، واختاره المحقق النائيني قدسسره جرياً على مبناه من كون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني ، وذكر المحقق النائيني قدسسره أنّ هذا - أي عدم جواز تقديم المحتمل على المظنون - هو الوجه في الخلاف الواقع بين شيخنا الأنصاري قدسسره والسيّد الشيرازي الكبير قدسسره في دوران الأمر بين القصر والتمام لمن سافر إلى أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع في يومه ، فاختار الشيخ قدسسره تقديم التمام على القصر عند الاحتياط ، واختار السيّد قدسسره تقديم القصر على التمام ، فهما بعد الاتفاق على الكُبرى - وهي لزوم تقديم المظنون على المحتمل عند الاحتياط - اختلفا في الصغرى فاستظهر الشيخ قدسسره من الأدلة وجوب التمام ، فاختار تقديمه على القصر عند الاحتياط ، واستظهر السيّد قدسسره منها وجوب القصر فقال بتقديمه على التمام (1).
1) أجود التقريرات 3 : 84 ، فوائد الاصول 3 : 71 و 72
هذا ، والصحيح عدم لزوم تقديم المظنون على المحتمل ولو قلنا بأنّ الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني ، وأنّ العقل يحكم بأ نّه مع التمكن لا بدّ من أن يكون الانبعاث عن البعث الجزمي لا عن البعث الاحتمالي ، وذلك لأنّ الاتيان بالمظنون يكون بداعي الأمر الجزمي الثابت باليقين التعبدي ، سواء قدّم على المحتمل أو أخّر عنه ، والاتيان بالمحتمل يكون بداعي احتمال البعث ، بلا فرق بين التقديم والتأخير ، فالكبرى الكلّية المذكورة في كلام المحقق النائيني قدسسره على تقدير تسليمها لا تنطبق على المقام ، ولا تفيد لزوم تقديم المظنون على المحتمل. هذا كلّه في جواز الاحتياط مع التمكن من الظن الخاص.
وأمّا إذا لم يتمكن منه ودار الأمر بين الاحتياط والعمل بالظن الانسدادي المعبّر عنه بالظن المطلق ، فهل يجوز الاكتفاء بالامتثال الاجمالي أو يتعين عليه الامتثال التفصيلي الظنّي؟
ولا يخفى أنّ هذا البحث إنّما هو على تقدير عدم جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي ، أو التمكن من الامتثال بالظن الخاص ، فعلى هذا التقدير يقع الكلام في أنّ الظن المطلق كالظن الخاص في عدم جواز الاحتياط مع التمكن منه أو لا؟
وأمّا على تقدير الالتزام بجواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي أو بالظن الخاص ، فلا يبقى مجال للبحث عن جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال بالظن المطلق ، إذ الظن المطلق لا يكون أرقى من العلم الوجداني والظن الخاص يقيناً.
إذا عرفت ذلك فنقول : ظاهر كلام الشيخ (1)قدسسره جواز الاحتياط
1) فرائد الاصول 1 : 71 و 72
والاكتفاء بالامتثال الاجمالي ، حتّى أنّه تعجب ممّن يعمل بالطرق والأمارات من باب الظن المطلق ، ثمّ يذهب إلى تقديم الامتثال الظنّي على الاحتياط.
والتحقيق في المقام : هو التفصيل بين الكشف والحكومة ، إذ القول بالكشف مبني على بطلان الاحتياط وكونه غير مرضي عند الشارع ، إمّا للاجماع أو لكونه منافياً لقصد الوجه المعتبر في العبادات ، فانّه بعد الالتزام ببطلان الاحتياط وتمامية سائر المقدمات يستكشف أنّ الشارع قد جعل لنا حجّة في تعيين أحكامه ، ثمّ العقل يعيّن تلك الحجّة بالسبر والتقسيم في الظن ، لكونه أقرب إلى الواقع من الشك والوهم ، وعليه فلا مجال للاحتياط مع التمكن من الامتثال بالظن المطلق ، إذ قد اخذ في مقدمات [دليل حجّية] الظن بطلان الاحتياط على الفرض ، وإلاّ لا يستكشف كون الظن حجّة شرعية ، لاحتمال اكتفاء الشارع بما يحكم به العقل من وجوب الاحتياط ، مع العلم الاجمالي بالواجبات والمحرمات.
هذا بخلاف القول بالحكومة ، فانّه مبني على عدم وجوب الاحتياط ، إمّا لعدم التمكن منه أو لاستلزامه الحرج ، فانّه عليه لا يستكشف كون الظن حجّةً شرعيةً ، بل العقل يحكم بتضييق دائرة الاحتياط في المظنونات دون الموهومات والمشكوكات. وعليه فلا مانع من الاحتياط والاكتفاء بالامتثال الاجمالي مع التمكّن من الامتثال بالظن المطلق.
وبالجملة : الاختلاف في كون نتيجة الانسداد هو الكشف أو الحكومة إنّما ينشأ من الاختلاف في كيفية ترتيب المقدّمات ، فان اخذ في مقدّمات دليل الانسداد عدم جواز الاحتياط ، كانت النتيجة بضميمة سائر المقدّمات هو الكشف ، وعليه فلا مجال للامتثال الاجمالي مع فرض التمكن من الامتثال
بالظن المطلق. وإن جعل من مقدّمات الانسداد عدم وجوب الاحتياط كانت النتيجة هي الحكومة ، وعليه فلا مانع من الاحتياط مع التمكن من الامتثال الظنّي بالظن المطلق.
فتحصّل أنّ تعجب الشيخ قدسسره وقع في محلّه على الحكومة دون الكشف ، هذا تمام كلامنا في بحث القطع.
وتحقيق القول فيه يستدعي التكلم في جهات :
الجهة الاولى : لا ينبغي الشك في أنّ الظن ليس كالقطع في كون الحجّية من لوازمه ومقتضياته ، لا بنحو العلّية التامّة بأن لا تكون قابلةً للمنع عن العمل به ، ولا بنحو الاقتضاء بأن تكون قابلةً للمنع ، إذ ليس فيه انكشاف الواقع كما في القطع ، لوجود احتمال الخلاف. ومجرّد الرجحان الموجود فيه لايقتضي الحجّية ، فهو بنفسه غير حجّة لا يجوز العمل به عقلاً ، بلا حاجة إلى تعلّق المنع الشرعي عن العمل به ، فتكون الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن إرشاداً إلى حكم العقل لا نهياً مولوياً عن العمل به.
نعم ، حجّيته تحتاج إلى الجعل الشرعي ، لعدم كونه حجّةً في نفسه كالقطع ، بل حجّيته منحصرة بتعلّق الجعل الشرعي بها ، غاية الأمر أنّ الكاشف عن حجيتها الشرعية قد يكون دليلاً لفظياً كظواهر الآيات ، وقد يكون لبياً كالاجماع ، وقد يكون العقل ببركة مقدمات الانسداد ، فانّ العقل يدرك - بعد تمامية تلك المقدمات - أنّ الشارع جعل الظن حجّةً ، لا أنّ العقل يحكم بحجّية الظن بعد تمامية المقدّمات ، لما ذكرناه مراراً من أنّ حكم العقل عبارة عن إدراكه ، وليس له حكم سوى الادراك ، لعدم كونه مشرّعاً ليحكم بشيء.
وبما ذكرناه ظهر فساد ما في الكفاية : من أنّ ثبوت مقدّمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها الحجية عقلاً (1)إذ على تقدير الكشف كان العقل كاشفاً عن حجيته الشرعية لا حاكماً بحجيته. وأمّا على تقدير الحكومة فلا يحكم العقل بحجية الظن أصلاً ، وإنّما يحكم بتضييق دائرة الاحتياط في مقام الامتثال في المظنونات ورفع اليد عنه في المشكوكات والموهومات.
فتحصّل : أنّ حجية الظن منحصرة بالجعل الشرعي. وأمّا مع عدم تعلّق الجعل بها ، فلا يكون الظن بنفسه حجّة ، بلا فرق في ذلك بين الثبوت والسقوط ، فكما لا حجية للظن في ثبوت التكليف وتجري معه البراءة ، كذلك لا حجية له في سقوط التكليف بعد ثبوته ، وتجري معه قاعدة الاشتغال.
هذا ، ونسب صاحب الكفاية قدسسره إلى بعض المحققين القول بكفاية الظن في سقوط التكليف ، ثمّ وجّهه بقوله : ولعلّه لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل (2).
أقول : كيف يمكن الالتزام بكفاية الظن في سقوط التكليف مع عدم كونه حجةً من قبل المولى. وكيف يكون العبد معذوراً في ترك الامتثال بعد ثبوت التكليف على تقدير مخالفة ظنّه للواقع ، ولم يلتزم بها أحد من العلماء فيما نعلم ، بل لا نظن أن يلتزم بها عالم.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من التوجيه فهو أجنبي عن المقام ، إذ الخلاف في لزوم دفع الضرر المحتمل وعدمه إنّما هو في الضرر الدنيوي لا في الضرر الاخروي ، فانّه لم يخالف أحد في لزوم دفع الضرر المحتمل الاخروي مع تنجز
التكليف. ألا ترى أنّه ليس في كل واحد من أطراف العلم الاجمالي وفي الشبهة الحكمية قبل الفحص إلاّاحتمال الضرر ، ومع ذلك أوجبوا الاحتياط في الأوّل والفحص في الثاني ، وليس ذلك إلاّلوجوب دفع الضرر المحتمل.
هذا ، مضافاً إلى أنّ الالتزام بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل - ولو كان اخروياً - يستلزم الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي أيضاً ، وهو واضح الفساد بل ضروري البطلان.
فتحصّل : أنّ الظن ليس حجّة في نفسه ، بلا فرق بين مقام الثبوت ومقام السقوط ، وأنّ حجيته منحصرة بالجعل الشرعي.
الجهة الثانية : في إمكان التعبد بالظن. وليعلم أنّه ليس المراد بالامكان في المقام هو الاحتمال ، كما هو المراد في قولهم : كل ما قرع سمعك فذره في بقعة الامكان ما لم يذدك عنه ساطع البرهان ، لوضوح أنّ الاحتمال أمر تكويني غير قابل للنزاع ، كما أنّه ليس المراد منه الامكان الذاتي في مقابل الاستحالة الذاتية ، لوضوح أنّ التعبد بالظن ليس ممّا يحكم العقل باستحالته بمجرد لحاظه وتصوّره ، كاجتماع الضدّين ، بل المراد منه الامكان الوقوعي في قبال الاستحالة الوقوعية ، بمعنى أنّه هل يلزم من وقوع التعبّد بالظن محال مطلقاً كاجتماع الضدّين أو المثلين ، أو بالنسبة إلى الحكيم كتحليل الحرام وتحريم الحلال أم لا؟
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ شيخنا الأنصاري (1)قدسسره اختار إمكان التعبد بالظن ، بدعوى أنّ بناء العقلاء على الحكم بالامكان ما لم تثبت الاستحالة.
واستشكل عليه صاحب الكفاية (2)قدسسره بوجوه :
أحدها : أنّه لم يثبت بناء من العقلاء على ترتيب آثار الامكان عند الشك فيه.
ثانيها : أنّه على تقدير تسليم ذلك نمنع ححية بنائهم شرعاً ، لعدم قيام دليل قطعي عليها. والظن بها لو كان موجوداً لايفيد ، إذ الكلام فعلاً في إمكان العمل بالظن ، فلا يمكن إثباته بنفس الظن.
ثالثها : أنّه على تقدير تسليم ذلك أيضاً ، لا فائدة في هذا البحث أصلاً ، إذ مع قيام الدليل على الوقوع لا نحتاج إلى البحث عن الامكان ، لأنّ الوقوع أخص من الامكان ، فثبوت الوقوع كافٍ في ثبوت الامكان أيضاً ، إذ المحال ليس بواقع بالضرورة ، ومع عدم الدليل على الوقوع لا فائدة في البحث عن الامكان ، إذ البحث اصولي لا بدّ فيه من ترتب ثمرة عليه ، وليس البحث بحثاً فلسفياً يبحث فيه عن الامكان والاستحالة بلا لحاظ ترتب ثمرة عليه ، انتهى ملخّصاً.
وزاد المحقق النائيني (1)قدسسره إشكالاً رابعاً ، وهو أنّ بناء العقلاء على الامكان - عند الشك فيه على تقدير التسليم - إنّما هو في الامكان التكويني دون الامكان التشريعي الذي هو محل الكلام.
هذا ، والانصاف تمامية ما ذكره الشيخ قدسسره ولا يرد عليه شيء من هذه الاشكالات ، وذلك لأنّ ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره مبني على أن يكون مراد الشيخ قدسسره هو البناء على الامكان مطلقاً ، ولكن الظاهر أنّ مراده هو البناء على الامكان عند قيام دليل (2)معتبر على الوقوع ، كما إذا
1) أجود التقريرات 3 : 109 ، فوائد الاصول 3 : 88
2) نسأل سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) عن شأن هذا الدليل ونقول : إن كان ظنّياً فالكلام في إمكان العمل به ، وإن كان قطعياً فلم يبق مجال للبحث عن الامكان بعد وجود الدليل القطعي على الوقوع كما هو واضح. والانصاف أنّ مراد الشيخ (طاب ثراه) كما يظهر من مراجعة كلامه هو البناء على الامكان مع قطع النظر عن وجود الدليل على الوقوع. وحينئذ يرد عليه ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من الاشكالات الثلاثة المذكورة
دلّ ظاهر كلام المولى على حجية الظن ، ولا أقل من احتمال ذلك في كلام الشيخ قدسسره. وحينئذ تترتب الثمرة على البحث عن الامكان والاستحالة ، إذ على تقدير ثبوت الامكان لا بدّ من الأخذ بظاهر كلام المولى والعمل بالظن.
وعلى تقدير ثبوت الاستحالة لا مناص من رفع اليد عن الظهور ، للقرينة القطعية العقلية ، ولا ينبغي الشك في أنّ بناء العقلاء في مثل ذلك على الامكان والعمل بالظاهر ما لم تثبت الاستحالة ، فلو أمر المولى عبده بشيء وشكّ العبد في إمكان وجوبه واستحالته لاحتمال أن يكون ذا مفسدة ، واستحال أن يأمر المولى العالم الحكيم بما فيه المفسدة ، فاحتمل أن لا يكون ظاهر الكلام مراده ، ويكون أمره للامتحان أو غيره ممّا ليس فيه طلب جدّي ، فهل يشك أحد في بناء العقلاء على الأخذ بظاهر كلام المولى وعدم الاعتناء باحتمال الاستحالة ، وهل يشك أحد في إمضاء الشارع لهذا البناء من العقلاء. فاندفع جميع ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من الوجوه الثلاثة.
وأمّا ما ذكره المحقق النائيني قدسسره ففيه : أنّ الامكان والاستحالة من الامور الواقعية التي يدركها العقل ، وليس للامكان قسمان تكويني وتشريعي ، بل الامكان دائماً تكويني ، غاية الأمر أنّ متعلقه قد يكون من الامور التكوينية كما إذا قيل : إنّ نزول المطر في يوم كذا ممكن ، وقد يكون من الامور التشريعية كما إذا قيل : إنّ الحكم الكذائي ممكن أو التعبد بالظن ممكن.
فتحصّل : أنّ ما ذكره الشيخ قدسسره متين ولا يرد عليه شيء من الاشكالات المذكورة.
ثمّ إنّ القائل بالاستحالة استند إلى وجهين : أحدهما راجع إلى الملاك ، والآخر إلى التكليف.
أمّا ما يرجع إلى الملاك ، فهو أنّ الأمارة ربّما تقوم على وجوب ما هو مباح واقعاً ، أو على حرمة ما هو مباح كذلك ، ولازم حجّية الأمارة هو الالزام بشيء من الفعل أو الترك ، من دون أن تكون فيه مصلحة ملزمة أو مفسدة ملزمة ، مع أنّا نقول بتبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد ، وهذا هو المراد من تحريم الحلال في قولهم ، وربّما تقوم على إباحة شيء والترخيص فيه مع أنّ حكمه الواقعي هو الالزام بالفعل أو الترك ، فيلزم من حجّية الأمارة تفويت المصلحة الملزمة أو الالقاء في المفسدة الملزمة ، وهذا هو المراد من تحليل الحرام في قولهم ، وكل ذلك صدوره محال عن الحكيم تعالى.
وأمّا ما يرجع إلى التكليف ، فهو أنّ الأمارة التي يتعبد بها إن كانت موافقة للحكم الواقعي لزم من حجيتها اجتماع المثلين ، وهما الحكم الواقعي المفروض وجوده والحكم الظاهري المجعول بمقتضى حجّية الأمارة ، وإن كانت مخالفة له لزم اجتماع الضدّين ، وكلاهما محال. هذا ملخص ما هو المنسوب إلى ابن قبة بتوضيح من المتأخرين.
والجواب : أمّا عن إشكال الملاك ، فهو أنّ صور الاشكال من ناحية الملاك ثلاث :
الصورة الاولى : ما إذا دلّت الأمارة على وجوب ما هو مباح واقعاً أو على حرمته.
الصورة الثانية : ما إذا دلّت الأمارة على إباحة ما هو واجب واقعاً أو حرام كذلك.
الصورة الثالثة : ما إذا دلّت الأمارة على وجوب ما هو حرام واقعاً ، أو على حرمة ما هو واجب واقعاً.
أمّا الصورة الاولى : فليس فيها إشكال ، إذ العقل لا يرى مانعاً من إلزام المولى عبده بفعل ما هو مباح واقعاً أو بتركه تحفظاً على غرضه المهم - أي المصلحة الملزمة الموجودة في بعض الأفراد - فانّ الأحكام وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها على ما هو المعروف من مذهب العدلية ، إلاّ أنّه تكفي المصلحة النوعية ولا تعتبر وجود المصلحة الشخصية دائماً ، إذ قد تكون المصلحة الملزمة في بعض الأفراد ، ولكن المولى يجعل الحكم بنحو العموم فيما لم يتميز واجد المصلحة عن غيره ، تحفظاً على تلك المصلحة الموجودة في البعض.
وقد وقع نظير هذا الحكم في الشرع المقدس ويقع في العرف كثيراً.
أمّا في الشرع ، فكتشريع العدّة ، فانّ المصلحة فيه - وهي حفظ الانساب وعدم اختلاط المياه - وإن لم تكن مطردة في جميع موارد وجوبها ، إلاّأنّ الشارع قد شرّعها بنحو العموم ، تحفظاً على تلك المصلحة الموجودة في بعض الموارد ، فاكتفى في تشريع العدّة بوجود المصلحة النوعية ، وليس دائراً مدار المصلحة الشخصية.
وأمّا في العرف ، فكثيراً ما يتّفق ذلك ، كما إذا علم المولى بأنّ أحداً يريد قتله في يوم معيّن ، فيأمر عبده بأن لا يأذن لأحد في الدخول عليه في ذلك اليوم تحفظاً على عدم دخول من يريد قتله ، فانّ المصلحة وإن كانت تقتضي المنع عن دخول البعض دون جميع الناس ، إلاّ أنّه لعدم معرفة العبد بذلك الشخص يأمره المولى بعدم الاذن في الدخول لأحد من الناس ، تحفّظاً على تلك المصلحة الملزمة.
فتحصّل : أنّه لا محذور في أمر المولى بالعمل بالأمارة الدالة على الوجوب أو الحرمة تحفظاً على فعل الواجب وترك الحرام ، وإن كان مؤدى الأمارة مباحاً أحياناً.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا دلّت الأمارة على إباحة ما هو حرام واقعاً ، أو واجب كذلك ، فمع انسداد باب العلم لا إشكال في جعل المولى حجّية الأمارة أصلاً ، إذ على تقدير عدم كون الأمارة حجّةً من قبل المولى كان المكلف مرخصاً في الفعل والترك ، لاستقلال عقله بقبح العقاب بلا بيان ، وكان له أيضاً أن يحتاط بترك ما هو محتمل الحرمة ، والاتيان بما هو محتمل الوجوب ، فكذا الأمر بعد حجّية الأمارة ، فان مفادها الترخيص على الفرض ، فله أن يفعل وأن يترك بمقتضى حجّية الأمارة ، وله أن يحتاط إذ حسن الاحتياط ممّا لا مجال لانكاره ولو مع قيام الأمارة على الترخيص ، فانّ موضوع الاحتياط هو احتمال التكليف ، وهو موجود بالوجدان.
وبالجملة : بعد فرض عدم تمكن المكلف من الوصول إلى الواقع يدور الأمر بين أن يتركه المولى وعقله المستقل في الترخيص ، أو يجعل له طريقاً يوصله إلى الواقع غالباً. لا ينبغي الشك في أنّ الثاني هو المتعين ، ومخالفة الأمارة للواقع أحياناً ممّا لا محذور فيه بعد عدم تنجّز الواقع على المكلف وكونه مرخصاً في الفعل والترك بمقتضى حكم العقل ، فلا يستند فوات المصلحة أو الوقوع في المفسدة إلى التعبد بالأمارة.
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا دلّت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في الواقع ، أو على حرمة ما كان واجباً في الواقع ، فالتعبد بالأمارة فيها وإن كان مستلزماً لتفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة في بعض الموارد ، إلاّ أنّه لا قبح فيه لو يرى المولى العالم كونها غالبة المطابقة للواقع.
وبعبارة اخرى : الأمر دائر بين عدم جعل الأمارة حجّةً فيختار المكلف ما
يشاء من الفعل والترك والمفروض عدم إمكان الاحتياط ، وبين جعل الأمارة حجّةً فيفعل المكلف ما دلّت الأمارة على وجوبه ، ويترك ما دلّت على حرمته ، ولو يرى المولى العالم بالحقائق أنّ تفويت الملاك الواقعي في الصورة الاولى أكثر من الصورة الثانية تعيّن عليه جعل الأمارة حجّةً وإن استلزم العمل بها فوت الملاك الواقعي أحياناً. والطريقة العقلائية أيضاً كذلك ، كما نرى أنّ سيرة العقلاء جرت على الرجوع إلى الأطبّاء مع ما يرون من الخطأ الصادر منهم الموجب للهلاك أحياناً ، وليس الرجوع إليهم إلاّلغلبة مصادفة معالجتهم للواقع.
هذا كلّه على تقدير انسداد باب العلم ، وأمّا مع الانفتاح ، فإن كان المراد من العلم هو القطع - ولو كان مخالفاً للواقع - فلا إشكال في التعبد بالأمارة في هذا الفرض أيضاً ، بل التحقيق أنّ هذا الفرض داخل في صورة الانسداد موضوعاً ، إذ المراد من الانسداد هو انسداد باب الوصول إلى الواقع ، لا انسداد باب القطع ولو كان جهلاً مركباً ، إذ الجهل المركب كالجهل البسيط لا يؤثر في حسن التعبد بالأمارة شيئاً. وأمّا إن كان المراد من العلم هو العلم المطابق للواقع ، بأن يكون المراد من الانفتاح هو انفتاح باب الوصول إلى الواقع ، فلا إشكال في التعبد بالأمارة أيضاً على القول بالسببية ، وتوضيح ذلك :
أنّ السببية تتصوّر على أقسام ثلاثة :
الأوّل : ما هو المنسوب إلى الأشاعرة من أنّه ليس في الواقع حكم مع قطع النظر عن قيام الأمارة ، بل يكون قيامها سبباً لحدوث مصلحة موجبة لجعل الحكم على طبق الأمارة ، وعلى القول بالسببية بهذا المعنى يرتفع الاشكال من أصله ، إذ عليه لا يكون في الواقع حكم حتّى يكون التعبد بالأمارة موجباً لفواته على المكلف (1).
1) ولا يتصوّر فيه كشف خلاف كما هو واضح
ولكن السببية بهذا المعنى غير معقول في نفسه على ما ذكرناه في بحث الإجزاء (1)، لاستلزامه الدور ، فانّ قيام الأمارة على الحكم فرع ثبوته واقعاً ، فكيف يتوقف ثبوته على قيامها. هذا مضافاً إلى كونه مخالفاً للاجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل.
الثاني : السببية المنسوبة إلى المعتزلة ، وهي أنّ الحكم الواقعي وإن كان متحققاً مع قطع النظر عن قيام الأمارة ، إلاّأنّ قيامها - من قبيل طروء العناوين الثانوية كالحرج والضرر - موجب لحدوث مصلحة في المؤدى أقوى من مصلحة الواقع ، وإذا انكشف الخلاف كان ذلك من قبيل تبدل الموضوع.
وعلى هذا القول لا مجال للاشكال المذكور أيضاً ، إذ مع قيام الأمارة على خلاف الحكم الواقعي يكون الحكم الواقعي الأهم هو مؤداها ، فلا يلزم تفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة.
إلاّأنّ السببية بهذا المعنى وإن كانت أمراً معقولاً في نفسه ، وليست كالسببية بالمعنى الأوّل ، ولكنها أيضاً باطلة بمقتضى الاجماع والروايات (2)الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ، وأنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه بقيام الأمارة.
الثالث : السببية بمعنى المصلحة السلوكية ، والمراد بها أنّ في تطبيق العمل على الأمارة والسلوك على طبقها مصلحةً يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير مخالفتها له ، وحيث إنّ المصلحة السلوكية تابعة للسلوك على طبق الأمارة ، فهي تتفاوت بتفاوت مقدار السلوك قلّةً وكثرةً ، فإذا فرض
قيامها على وجوب صلاة الجمعة مثلاً ، وعمل بها المكلف ، فانكشف خلافها قبل خروج الوقت وأنّ الواجب في يوم الجمعة هو صلاة الظهر ، فلا يتدارك بالأمارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة إلاّالمصلحة الفائتة بالعمل بها ، وهي مصلحة وقت الفضيلة ، وأمّا مصلحة أصل صلاة الظهر أو مصلحة إتيانها في الوقت فلا يتدارك بها ، لعدم فواتهما بسبب السلوك على طبق الأمارة ، لتمكن المكلف من إتيانها في الوقت بعد انكشاف خلاف الأمارة. ولو فرض انكشاف الخلاف بعد خروج الوقت ، فيتدارك بها مصلحة الصلاة في الوقت ، دون مصلحة أصل الصلاة ، لتمكّن المكلف من تداركها بعد خروج الوقت بالقضاء.
نعم ، لو لم ينكشف الخلاف أصلاً لا في الوقت ولا في خارجه ، يتدارك بها مصلحة أصل الصلاة أيضاً الفائتة بسبب العمل بالأمارة.
هذا ، إذا كان الترك مستنداً إلى العمل بالأمارة ، وأمّا إذا لم يكن الترك مستنداً إليه ، كما إذا ترك صلاة الظهر في مفروض المثال بعد انكشاف الخلاف ، فلم يتدارك المصلحة الفائتة حينئذ ، إذ طغيانه كان مفوّتاً لمصلحة الواقع لا السلوك على طبق الأمارة ليتدارك به ما فات من مصلحة الواقع ، والمفروض أنّ المصلحة إنّما هي في السلوك فتدور مداره.
والسببية بهذا المعنى قد اختارها شيخنا الأنصاري قدسسره (1)، وتبعه المحقق النائيني قدسسره (2). وعليه يندفع الاشكال المذكور أيضاً ، إذ عليه يتدارك ما فات من مصلحة الواقع على ما عرفت ، فلا يلزم من التعبد بالظن تفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة.
إلاّأنّ السببية بهذا المعنى أيضاً ممّا لا يمكن الالتزام به ، لكونه مستلزماً
لتبدل الحكم الواقعي بنوع من التصويب ، إذ لو فرض كون سلوك الأمارة مشتملاً على مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة ، لا يعقل تعلّق الايجاب بالواقع تعييناً ، لكونه ترجيحاً بلا مرجح ، بل لا بدّ من تعلّق الايجاب بالواقع وسلوك الأمارة تخييراً. مثلاً لو فرض أنّ مصلحة صلاة الظهر تقوم بأمرين : أحدهما نفس صلاة الظهر ، والآخر سلوك الأمارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة لمن لم ينكشف له الخلاف ، فامتنع من الشارع الحكيم تخصيص الوجوب الواقعي بخصوص صلاة الظهر ، لقبح الترجيح بلا مرجح.
وبعبارة اخرى : بعد كون الوجوب تابعاً للمصلحة على ما هو مذهب المشهور من العدلية ، وكون كلٍّ من الأمرين مشتملاً عليها ، تعيّن على الشارع الحكم بوجوبهما تخييراً ، فيكون الواجب الواقعي - في حق من قامت عنده الأمارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة - أحد أمرين على سبيل التخيير : إمّا صلاة الظهر أو سلوك الأمارة المزبورة ، فلا يكون الحكم الواقعي مشتركاً بين العالم والجاهل بنحو واحد ، بل في حقّ العالم تعييني وفي حقّ الجاهل تخييري. وهذا نوع من التصويب ، ويدل على بطلانه الاجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ، وقد تعرّضنا لتفصيل ذلك كلّه في بحث الإجزاء ، فراجع (1).
ومجمل الكلام في المقام : أنّ الاشكال المنسوب إلى ابن قبة مندفع من أصله على القول بحجية الأمارات من باب السببية بأيّ معنىً من المعاني.
وأمّا على القول بالطريقية وأ نّه ليس في حجّية الأمارات إلاّمصلحة الايصال إلى الواقع ، فالصحيح في الجواب عن الاشكال المذكور أن يقال : إنّ إلزام المكلّفين بتحصيل العلم وإن فرض انفتاح بابه حرج على نوع المكلفين ، ومنافٍ لكون
1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 87 - 89
الشريعة المقدسة سهلةً سمحةً ، فلو قدّم الشارع الحكيم مصلحة التسهيل على النوع على مصلحة الواقع الفائتة عند مخالفة الأمارة للواقع لا يتصور فيه قبح ، وكم للشارع أحكام مجعولة لغرض التسهيل على النوع مع اقتضاء المصلحة الواقعية خلافها ، كالحكم بطهارة الحديد ، ومقتضى الروايات الدالة على أنّ في الحديد بأساً شديداً هو الحكم بنجاسته ، إلاّأنّ اللّه سبحانه وتعالى حكم بطهارته تسهيلاً على العباد (1)، لتوقف كثير من امور معاشهم على استعمال الحديد ، فكان الحكم بنجاسته موجباً للعسر والحرج على المكلفين.
فتحصّل : أنّ تفويت المصلحة الواقعية أو الالقاء في المفسدة أحياناً لا يوجب امتناع التعبد بالأمارة إذا كان فيه مصلحة نوعية.
هذا ، مضافاً إلى أنّ غالب الأمارات بل جميعها طرق عقلائية لا تأسيسية من قبل الشارع ، ومن الواضح أنّ ردع العقلاء عمّا استقرّ بناؤهم عليه في امور معاشهم يحتاج إلى مصلحة ملزمة ، كما إذا كان الطريق غالب المخالفة للواقع كالقياس ، ولذا ورد النهي عن العمل به. وأمّا لو لم تكن مصلحة ملزمة في الردع كما إذا كانت مخالفة الأمارة للواقع قليلةً في جنب مصلحة التسهيل ، فلا وجه للردع أصلاً.
على أنّ الالتزام بامتناع التعبد بالأمارة في فرض انفتاح باب العلم ممّا لا يترتب عليه أثر عملي ، إذ الانفتاح مجرد فرض لا واقع له ، حتّى في زمان حضور المعصوم عليهالسلام فانّ العلم بالواقع في جميع الأحكام - ولا سيّما في الشبهات الموضوعية - ممتنع عادةً حتّى لأصحاب الإمام عليهالسلام ، إذ لايمكن الرجوع إلى نفس المعصوم في كل مسألة وكل شبهة حكمية وموضوعية في كل وقت وساعة كما هو واضح.
1) [لم نعثر عليه]
فتحصّل : أنّه لا مانع من التعبد بالأمارة من ناحية الملاك.
وأمّا الاشكال عليه من ناحية التكليف وأ نّه موجب لاجتماع المثلين أو الضدّين - على ما تقدّم بيانه (1)- فتحقيق الحال في جوابه يحتاج إلى التكلم في مقامين :
المقام الأوّل : في البحث عمّا إذا كانت الأمارة مطابقةً للواقع ، ودفع توهم اجتماع المثلين.
المقام الثاني : في البحث عمّا إذا كانت مخالفةً له ، ودفع توهم اجتماع الضدّين.
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فهو أنّه لا مجال لتوهم اجتماع المثلين على القول بالطريقية أصلاً ، إذ عليه لا يكون هناك إلاّحكم واحد ، إنّما التعدد في مجرد الانشاء لغرض الوصول إلى المكلف ، نظير ما إذا قال المولى لعبده : أكرم زيداً ، فلم يصل إليه أو لم يعرفه ، فأشار بيده إليه ، وقال : أكرم هذا الرجل ومن الواضح أنّ الحكم في مثل ذلك واحد ، إنّما التعدد في إبرازه وإنشائه.
والمقام من هذا القبيل ، فانّ الحكم واحد ينشئه المولى تارةً بعنوانه ، ويقول شرب الخمر حرام مثلاً ، واخرى بعنوان حجّية الأمارة ، ويقول : صدّق العادل مثلاً.
وأمّا على القول بالسببية فلا محالة يكون هناك حكمان ، إلاّ أنّه لا يلزم منه اجتماع المثلين ، بل يوجب التأكد ، إذ النسبة بينهما هي العموم من وجه ، باعتبار أنّ الأمارة قد تكون مخالفةً للواقع ، وقد يكون الحكم الواقعي متحققاً بلا قيام أمارة عليه ، وقد تكون الأمارة مطابقةً للواقع ، وهذا مورد الاجتماع ، ويكون الحكم فيه متأكداً ، كما هو الحال في سائر موارد اجتماع العنوانين ، كما إذا قال
1) في ص 106
المولى : أكرم كل عالم ، ثمّ قال : أكرم كل هاشمي ، فانّ ملاك الحكم في مورد الاجتماع - وهو عالم هاشمي - أقوى منه في مورد الافتراق ، فيكون الحكم فيه آكد ، فلا يلزم اجتماع المثلين أصلاً.
وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا كانت الأمارة مخالفةً للواقع ، فقد اجيب عن توهم اجتماع الضدّين بوجوه :
منها : ما ذكره شيخنا الأنصاري (1)قدسسره وملخص ما أفاده : أنّه يعتبر في التضاد ما يعتبر في التناقض من الوحدات الثمان ، لأنّ استحالة التضاد إنّما هي لرجوعه إلى التناقض ، باعتبار أنّ وجود كل من الضدّين يلازم عدم الآخر ، فبانتفاء إحدى الوحدات ينتفي التضاد. ومن الوحدات المعتبرة في التناقض هي وحدة الموضوع ، إذ لا مضادة بين القيام والقعود مثلاً لو كانا في موضوعين ، وعليه فلا مضادة بين الحكم الواقعي والظاهري ، لتعدّد موضوعيهما ، فانّ موضوع الأحكام الواقعية هي الأشياء بعناوينها الأوّلية ، وموضوع الأحكام الظاهرية هي الأشياء بعناوينها الثانوية ، أي بعنوان أنّها مشكوك فيها ، فلا تضاد بين الحكم الواقعي والظاهري بعد اختلاف الموضوع فيهما. هذا ملخّص كلامه قدسسره.
وفيه : أنّ الاهمال في مقام الثبوت غير معقول كما ذكرناه غير مرّة (2)، إذ لا يتصور الاهمال في مقام الثبوت من نفس الحاكم الجاعل للأحكام ، بأن يجعل الحكم لموضوع لا يدري أنّه مطلق أو مقيد ، فالحكم الواقعي بالنسبة إلى حال العلم والشك إمّا أن يكون مطلقاً ، فيلزم اجتماع الضدّين ، إذ الحكم الظاهري وإن
لم يكن في مرتبة الحكم الواقعي ، إلاّأنّ إطلاق الحكم الواقعي يشمل مرتبة الحكم الظاهري.
وإمّا أن يكون مقيداً بحال العلم ، فيلزم التصويب الباطل ، للاجماع والروايات (1)الدالة على كون الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل. مثلاً إذا جعلت الاباحة حكماً للمائع المشكوك في كونه خمراً ، وكان هناك خمر شكّ في خمريته ، فإن كانت الحرمة الواقعية للخمر مطلقة بالنسبة إلى حال العلم بكونه خمراً والجهل به ، لزم اجتماع الضدّين ، إذ الخمر الواقعي المشكوك في كونه خمراً مباح بمقتضى الحكم الظاهري ، وحرام بمقتضى إطلاق الحكم الواقعي ، وإن كانت الحرمة مقيدةً بحال العلم ، لزم اختصاص الحكم الواقعي بالعالمين ، وهو التصويب الباطل.
ومنها : ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره في حاشيته على الرسائل وفي الكفاية (2)، وحاصل ما أفاده : أنّه إن قلنا بأنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الحجية التي هي عبارة عن المنجّزية مع المطابقة ، والمعذّرية مع المخالفة ، ولا تستتبع حكماً تكليفياً ، فلا يلزم اجتماع حكمين أصلاً ، لا المثلين ولا الضدّين ، إذ ليس المجعول إلاّالحكم الواقعي فقط.
وإن قلنا بأنّ الحجية المجعولة للطرق والأمارات تستتبع حكماً تكليفياً ، أو أنّ المجعول حقيقةً هو الحكم التكليفي والحجية منتزعة منه ، فاجتماع الحكمين وإن كان يلزم ، إلاّ أنّه لا يلزم منه اجتماع المثلين أو الضدّين. ثمّ ذكر في وجه ذلك تعبيرات مختلفة : فذكر تارةً أنّ الحكم الواقعي شأني والحكم الظاهري فعلي ،
واخرى أنّ الحكم الواقعي إنشائي والحكم الظاهري فعلي ، وثالثةً أنّ الحكم الواقعي فعلي من بعض الجهات ، والحكم الظاهري فعلي من جميع الجهات ، والمضادة بين الحكمين إنّما هي فيما إذا كان الحكمان كلاهما فعليين من جميع الجهات. هذا ملخص كلامه ، ولا يخلو من إجمال.
ولا بدّ لنا من التعرّض لكل واحد من محتملاته والجواب عنه ، فنقول :
أمّا ما ذكره من أنّ الحكم الواقعي شأني ، فإن كان مراده من الشأنية مجرد ثبوت المقتضي للحكم الواقعي من دون أن يكون مؤثراً في إنشاء الحكم الواقعي مع فرض قيام الأمارة على خلافه ، ففيه : أنّه لا يكون حينئذ للجاهل حكم واقعي غير مؤدى الأمارة ، وهذا هو التصويب المنسوب إلى الأشاعرة ، وقد دلّ الاجماع والروايات (1)على بطلانه. مضافاً إلى كونه غير معقول في نفسه لاستلزامه الدور ، لأنّ قيام الأمارة على حكمٍ فرع ثبوته واقعاً ، فلو توقف ثبوته واقعاً على قيام الأمارة عليه لزم الدور.
وإن كان مراده أنّ الحكم الواقعي وإن كان ثابتاً للشيء بعنوانه الأوّلي وبطبعه ، إلاّ أنّه لا يمنع من طروء عنوان عرضي يوجب تبدّله - وهو قيام الأمارة على خلافه - إذ لا منافاة بين حكمين أحدهما مجعول للشيء بطبعه ، والآخر مجعول له بعنوان عرضي طارئ عليه ، كما يقال إنّ لحم الغنم حلال بطبعه وإن كان قد يعرضه ما يوجب حرمته كعنوان الضرر ، ولحم الأسد حرام بطبعه وإن كان قد يطرأ عليه ما يوجب حلّيته كعنوان الاضطرار ، فكما لا منافاة بين الحلية الطبعية والحرمة العرضية أو العكس في هذه الموارد ، كذلك لا منافاة بين الحكم الواقعي المجعول للشيء بطبعه ، والحكم الظاهري المجعول له بعنوان عرضي ،
1) تقدّم ما يرتبط بالمقام في ص 110
وهو قيام الأمارة على الخلاف ، ففيه : أنّ هذا تصويب منسوب إلى المعتزلة ، وهو وإن لم يكن كسابقه في الشناعة ، إلاّ أنّه أيضاً فاسد بالاجماع والروايات ، كما تقدّم مراراً (1).
وإن كان مراده أنّ الحكم الواقعي ثابت مع قطع النظر عن قيام الأمارة على نحو الاهمال - فلا يكون مطلقاً حتّى يلزم التضاد ، ولا مقيداً بالعلم كي يلزم التصويب - ففيه : ما ذكرناه مراراً من أنّ الاهمال في مقام الثبوت غير معقول (2)، فلا مناص من أن يكون مطلقاً ، فيلزم محذور اجتماع الضدّين ، أو مقيداً فيلزم التصويب.
وأمّا ما ذكره من أنّ الحكم الواقعي إنشائي ، فإن أراد منه الانشاء المجرد عن داعي البعث والزجر ، كما إذا كان بداعي الامتحان أو الاستهزاء أو غيرهما ، ففيه : أنّ الالتزام بذلك نفي للحكم الواقعي حقيقةً ، إذ الانشاء بلا داعي البعث والزجر لا يكون حكماً ، وإنّما يكون مصداقاً لما كان داعياً إلى الانشاء ، من الامتحان والاستهزاء ونحوهما ، وعليه فالتصويب باقٍ بحاله. مضافاً إلى أنّه إذا لم يكن الانشاء بداعي البعث والزجر ، ولم يكن الحكم الواقعي حكماً حقيقياً ، لاتجب موافقته ولا تحرم مخالفته ، فلا يبقى مجال لوجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية قبل الفحص ، ولا لاستحبابه بعده فيها وفي الشبهات الموضوعية مطلقاً ، بل لا يبقى مورد للفحص ، إذ ليس هناك حكم يجب الفحص عنه. وكل ذلك خلاف المتسالم عليه بين الفقهاء ، ومنهم صاحب الكفاية قدسسره نفسه.
وإن أراد منه الانشاء بداعي البعث والزجر ، فهذا هو الحكم الفعلي من قبل
المولى ، وإن لم يكن محرّكاً للعبد نحو العمل إلاّبعد تحقق الموضوع بجميع قيوده خارجاً ، وتحققه في الخارج ممّا لا ربط له بالمولى الجاعل للحكم ، فإذا قال المولى يجب الحج على المستطيع ، فقد تمّ الحكم من ناحية المولى وصار فعلياً من قبله ، وتحقق الاستطاعة خارجاً ممّا لا ربط له بتمامية الحكم من قبل المولى.
وبعبارة اخرى واضحة : إذا قال المولى : يجب الحج على المستطيع ، فقد تمّ الحكم من قبل المولى وصار فعلياً بالنسبة إلى المستطيع. وأمّا غير المستطيع فليس عليه الحكم بوجوب الحج أصلاً. وعليه فإن كان الحكم الواقعي مطلقاً لزم اجتماع الضدّين ، وإن كان مقيداً بالعلم لزم التصويب على ما تقدّم بيانه.
ولعلّه لأجل هذه الاشكالات عدل عن التعبيرين المذكورين أخيراً ، والتزم بأنّ الحكم الواقعي فعلي من بعض الجهات ، والحكم الظاهري فعلى من جميع الجهات ، فلا مضادة بينهما.
وهو أيضاً غير تام ، إذ لو أراد منه أنّ الحكم الواقعي قد اخذ في موضوعه العلم ، سواء كان العلم وجدانياً أو تعبدياً كما يظهر من قوله قدسسره : إن علم به المكلف يكون فعلياً (1)، ففيه : أنّ هذا تصويب يدل على فساده الاجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل.
وإن أراد أنّ العلم لم يؤخذ في موضوع الحكم ، ومع ذلك لا يكون فعلياً قبل العلم به ، ففيه : أنّه لا معنى لعدم فعلية الحكم بعد تمامية الجعل من قبل المولى وهو الانشاء بداعي البعث ، وتحقق موضوعه خارجاً ، فانّه شبيه بتخلّف المعلول عن العلّة التامّة.
1) [لعلّه قدسسره يشير إلى عبارة الكفاية في ص 278 : لو علم به المكلف لتنجّز عليه]
هذا كلّه على القول بأنّ الحجية المجعولة للأمارات مستتبعة للحكم التكليفي ، أو أنّ المجعول حقيقةً هو الحكم التكليفي ، والحجية منتزعة منه.
أمّا ما ذكره على القول بأنّ المجعول نفس الحجية من دون أن تكون مستتبعةً للحكم التكليفي ، من أنّه لا يلزم حينئذ اجتماع حكمين أصلاً ، ففيه : أنّ محذور اجتماع الضدّين وإن كان مندفعاً على هذا المبنى ، إلاّأنّ المبنى المذكور غير صحيح ، لما أشرنا إليه سابقاً ويأتي التعرض له قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
ومنها : ما ذكره المحقق النائيني (2)قدسسره وملخص ما أفاده : أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو مجرد الطريقية والكاشفية بالغاء احتمال الخلاف ، فلا يكون هناك حكم تكليفي حتّى يلزم اجتماع الضدّين ، بل حال الأمارة هي حال القطع ، لأنّ الشارع اعتبرها علماً في عالم التشريع ، فكما يكون العلم الوجداني منجّزاً مع المطابقة ومعذّراً مع المخالفة ، فكذلك العلم التعبدي يكون منجّزاً ومعذّراً ، فكما لا مجال لتوهم التضاد عند مخالفة القطع للواقع ، فكذلك في المقام. وبالجملة : ليس في مورد الطرق والأمارات حكم تكليفي مجعول كي يلزم اجتماع الضدّين.
وليعلم أنّ مجرد إمكان أن يكون المجعول فيها ذلك كافٍ في دفع الشبهة ، بلا حاجة إلى إثبات وقوعه ، إذ الكلام في إمكان التعبد بالظن ، مع أنّ لنا دليلاً على وقوعه أيضاً ، وهو أنّ الأمارات المعتبرة شرعاً طرق عقلائية يعملون بها في امور معاشهم ، وقد أمضاها الشارع ، وعليه يكون المجعول الشرعي في باب الأمارات ما تعلّق به واستقرّ عليه بناء العقلاء ، ومن الواضح أنّه لم يتعلق
بناؤهم على جعل حكم تكليفي في موارد الطرق ، وإنّما استقرّ بناؤهم على المعاملة معها معاملة العلم الوجداني ، وقد أمضى الشارع هذا البناء منهم ، فليس المجعول إلاّالطريقية والمحرزية.
وبما ذكرناه ظهر ما في كلام صاحب الكفاية قدسسره من أنّ المجعول في باب الأمارات هي الحجية ، بمعنى التنجيز عند المصادفة والتعذير عند المخالفة (1)، إذ التنجيز والتعذير بمعنى حسن العقاب على مخالفة التكليف مع قيام الحجّة عليه وعدمه مع عدمه من الأحكام العقلية غير القابلة للتخصيص ، فالتصرف من الشارع لا بدّ وأن يكون في الموضوع ، بأن يجعل شيئاً طريقاً ويعتبره علماً تعبداً ، وبعد قيام ما اعتبره الشارع علماً على التكليف ، يترتب عليه التنجيز والتعذير عقلاً لا محالة.
وكذا الحال في الاصول المحرزة الناظرة إلى الواقع بالغاء جهة الشك ، كالاستصحاب وقاعدة الفراغ والتجاوز ونحوها ، إذ المجعول فيها أيضاً هي الطريقية والكاشفية ، لكن لا من جميع الجهات ، بل من حيث الجري العملي في موردها فقط ، فهي علم تعبدي من هذه الجهة فقط ، ولذا تقوم مقام القطع الطريقي والقطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية على ما تقدّم بيانه (2). فليس في موردها حكم مجعول حتّى يلزم اجتماع الضدّين.
وأمّا الاصول غير المحرزة التي ليست ناظرةً إلى الواقع ، بل هي متكفلة لبيان الوظائف العملية عند الشك في الواقع ، إمّا تنجيزاً كالاحتياط ، أو تأميناً كالبراءة ، فالجواب عن الاشكال فيها يحتاج إلى التنبيه على أمر ، وهو أنّ الأحكام
بوجوداتها الواقعية لا تكون محرّكةً للعبد نحو العمل وإن بلغت ما بلغت من التأكد ، بل لا بدّ في ذلك من الوصول إلى المكلف ، كما هو ظاهر. وأمّا إذا لم يصل الحكم إلى المكلف وشكّ فيه ، فإن كان ملاك الحكم الواقعي بمرتبة خاصّة من الأهمّية بحيث لا يرضى الشارع بفواته حتّى في ظرف الشك ، كما في الدماء والفروج والأموال الخطيرة ، فيوجب عليه الاحتياط ، ويكون الحكم الواقعي حينئذ واصلاً إلى المكلف بطريقه. وإن لم يكن الملاك بتلك المرتبة من الأهمّية ، فيرخّصه في الترك أو الفعل ، كما في موارد جريان البراءة عند الشك في الوجوب أو الحرمة.
والمتحصّل من ذلك : أنّ الحكم الظاهري مجعول في طول الحكم الواقعي وفي فرض الشك فيه ، لا في مرتبته ، فلا مضادة بينهما. هذا مضافاً إلى أنّ وجوب الاحتياط طريقي ، بمعنى أنّ وجوبه إنّما هو للتحفظ على ملاك الحكم الواقعي ، فإن صادف الواقع فلا محذور فيه أصلاً ، إذ لاتعدّد في الحكم ليلزم اجتماع المثلين ، بل الحكم واحد ناشئ من ملاك واحد ، إنّما التعدد في الانشاء والابراز ، فقد أبرزه المولى تارةً بعنوان وجوب الصلاة مثلاً ، واخرى بعنوان وجوب الاحتياط.
وإن لم يصادف الواقع فلا وجوب للاحتياط حقيقةً ليلزم التضاد بينه وبين الترخيص الواقعي ، إذ وجوب الاحتياط إنّما هو للتحفّظ على ملاك الحكم الواقعي ، ففي فرض مخالفته للواقع لا وجوب له حقيقةً ، بل وجوب الاحتياط حينئذ تخيّلي ، بمعنى أنّ المكلف يتخيّل وجوبه ولا وجوب له حقيقةً. وأمّا البراءة فمع مصادفتها للترخيص الواقعي فلا محذور فيها أصلاً ، كما تقدّم في الاحتياط ، ومع مخالفتها للواقع لا يلزم التضاد ، لعدم كونهما في مرتبة واحدة كما تقدّم.
ثمّ إنّه قدسسره أكّد كلامه بأنّ الشك له اعتباران :
أحدهما : كونه صفة نفسانية.
ثانيهما : كونه موجباً لتحيّر المكلف ، والمأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية هو الاعتبار الثاني. ويمكن أن لا يكون للأحكام الواقعية إطلاق بالنسبة إلى حال الحيرة ، فلا يكون هناك حكم واقعي حتّى يقع التضاد بينه وبين الحكم الظاهري. هذا ملخص كلامه زيد في علوّ مقامه.
أقول : أمّا ما ذكره في الأمارات - من أنّه ليس المجعول فيها إلاّالطريقية والكاشفية ، فلا يكون هناك حكم تكليفي حتّى يلزم اجتماع الضدّين - فمتين جداً ، وكذا ما ذكره في الاصول المحرزة : من أنّ المجعول فيها الطريقية من حيث الجري العملي فقط ، بل نقول : الاصول المحرزة أمارات عند التحقيق على ما ذكرناه في محلّه (1)ولا ينافي ذلك تقدّم الأمارات عليها ، إذ الأمارات أيضاً يتقدّم بعضها على بعض ، فانّ البيّنة تتقدّم على اليد ، وحكم الحاكم مقدّم على البيّنة ، والاقرار مقدّم على حكم الحاكم ، فاشكال اجتماع الضدّين في مورد الأمارات والاصول المحرزة مندفع من أساسه.
وأمّا ما ذكره في الاصول غير المحرزة فغير مفيد في دفع الاشكال ، لأنّ اختلاف المرتبة لا يرفع التضاد بين الحكمين ، ولذا يستحيل أن يحكم المولى بوجوب شيء ثمّ يرخّص في تركه إذا علم بوجوبه ، مع أنّ الترخيص متأخر عن الوجوب بمرتبتين ، والسرّ فيه : أنّ المضادة إنّما هي في فعلية حكمين في زمان واحد ، سواء كانا من حيث الجعل في مرتبة واحدة أو في مرتبتين.
وأمّا ما ذكره في الاحتياط من أنّ وجوبه طريقي ، وإنّما هو للتحفظ على الملاك الواقعي ، فهو وإن كان صحيحاً ، إلاّأنّ تخصيصه وجوب الاحتياط
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 185 و 315
بصورة مصادفة الواقع غير تام ، لأنّ وجوب الاحتياط ليس تابعاً للملاك الشخصي كي يكون مختصاً بصورة مصادفة الواقع ، بل تابع للملاك النوعي ، بمعنى أنّه حيث لايتميّز في الشبهات مورد وجود الملاك الواقعي عن مورد عدم وجوده ، فأوجب الشارع الاحتياط كليةً ، تحفظاً على الملاك في مورد وجوده ، إذ مع ترك الاحتياط قد يفوت الملاك ، ولذا كان لسان أدلة الاحتياط مطلقاً غير مقيد بموافقة الواقع ، كقوله صلىاللّهعليهوآله : «قفوا عند الشبهة ... فانّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (1).
هذا مضافاً إلى أنّ تقييد الاحتياط بصورة مصادفة الواقع غير معقول ، لعدم قابليته للوصول إلى المكلف ، لعدم إحرازه الواقع على الفرض ، وإلاّ كان الاحتياط منتفياً بانتفاء موضوعه ، وهو عدم وصول الواقع إلى المكلف ، فيكون إيجاب الاحتياط لغواً محضاً لا يترتب عليه أثر ، إذ مع عدم إحراز مصادفته للواقع لا يحرز وجوب الاحتياط ، لاحتمال كونه غير مطابق للواقع ، فتجري البراءة عنه ، ومع إحراز الواقع ينتفي الاحتياط بانتفاء موضوعه ، وهو عدم إحراز الواقع.
وأمّا ما ذكره أخيراً من إمكان أن لا يكون للحكم الواقعي إطلاق بالنسبة إلى حال تحير المكلف ، ففيه ما ذكرناه مراراً من أنّ الاهمال في مقام الثبوت غير متصور ، فلا محالة يكون الحكم الواقعي إمّا مطلقاً بالنسبة إلى حال تحيّر المكلف وكونه شاكاً ، وإمّا مقيداً بعدمه ، واعترف هو قدسسره أيضاً بذلك ، غاية الأمر أنّ الاطلاق أو التقييد يكون على مسلكنا لحاظياً ، وعلى مسلكه يكون بنتيجة الاطلاق أو بنتيجة التقييد بمتمم الجعل ، على ما تقدّم بيانه في
1) الوسائل 20 : 259 / أبواب مقدّمات النكاح ب 157 ح 2
بحث التعبدي والتوصلي (1)وفي بحث المطلق والمقيد (2)، فإن كان الحكم الواقعي مطلقاً بالنسبة إلى حال الشك لزم التضاد ، وإن كان مقيداً بعدمه لزم التصويب ، من غير فرق بين أن يكون المأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية هو الشك بما أنّه صفة خاصّة ، أو بما أنّه موجب للتحيّر.
هذا ، والتحقيق في دفع الاشكال أن يقال : إنّ الأحكام الشرعية لا مضادة بينها في أنفسها ، إذ الحكم ليس إلاّالاعتبار ، أي اعتبار شيء في ذمّة المكلف من الفعل أو الترك ، كاعتبار الدين في ذمّة المديون عرفاً وشرعاً ، ولذا عبّر في بعض الأخبار عن وجوب قضاء الصلوات الفائتة بالدين ، كما في قوله عليهالسلام : «إنّ دين اللّه أحق أن يقضى» (3)ومن الواضح عدم التنافي بين الامور الاعتبارية ، وكذا لا تنافي بين إبرازها بالألفاظ ، بأن يقول المولى : افعل كذا أو لا تفعل كذا كما هو ظاهر ، إنّما التنافي بينها في موردين : المبدأ والمنتهى. والمراد بالمبدأ ما يعبّر عنه بعلّة الحكم مسامحةً من المصلحة والمفسدة ، كما عليه الإمامية والمعتزلة ، أو الشوق والكراهة كما عليه الأشاعرة المنكرين لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، والمراد من المنتهى مقام الامتثال.
أمّا التنافي من حيث المبدأ ، فلأ نّه يلزم من اجتماع الحكمين - كالوجوب والحرمة مثلاً - اجتماع المصلحة والمفسدة في المتعلق بلا كسر وانكسار ، وهو من اجتماع الضدّين ، ولا إشكال في استحالته ، وكذا الحال في اجتماع الترخيص مع الوجوب أو الحرمة ، فانّه يلزم وجود المصلحة الملزمة وعدم وجودها في
شيء واحد ، أو وجود المفسدة الملزمة وعدم وجودها وهو من اجتماع النقيضين المحال.
وأمّا التنافي من حيث المنتهى ، فلعدم تمكن المكلف من امتثال كلا الحكمين كما هو ظاهر ، فيقع التنافي والتضاد في حكم العقل بلزوم الامتثال ، ويلزم أن يحكم العقل بالفعل امتثالاً للوجوب ، وبالترك امتثالاً للحرمة ، أو يلزم أن يحكم العقل بالفعل امتثالاً للوجوب ، وأن لا يحكم به للاباحة ، وكذا يلزم أن يحكم بالترك امتثالاً للحرمة وأن لا يحكم به للاباحة. وكل ذلك بديهي الاستحالة.
وإن شئت قلت : إنّه مع وصول كلا الحكمين إلى المكلف ، إن كان كلاهما إلزامياً - كما في اجتماع الوجوب والحرمة - لزم حكم العقل باستحقاق العقاب على الفعل والترك وعدم الاستحقاق على الفعل والترك. أمّا الاستحقاق على الفعل ، فلكونه ارتكاب حرام ، وأمّا على الترك فلكونه ترك واجب ، وأمّا عدم الاستحقاق على الفعل فلكونه فعل واجب ، وأمّا على الترك فلكونه ترك حرام.
وإن كان أحدهما إلزامياً ، لزم حكم العقل باستحقاق العقاب على الفعل أو على الترك ، وعدم الاستحقاق عليه. والوجه في جميع ذلك ظاهر كظهور استحالته.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري أصلاً ، لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى ، وأنّ هذا التضاد العرضي بين الأحكام يختص بما إذا كان الحكمان من سنخ واحد ، بأن كان كلاهما واقعياً أو كلاهما ظاهرياً ، بخلاف ما إذا كان أحدهما واقعياً والآخر ظاهرياً ، فانّه لا مضادة بينهما من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى.
أمّا من ناحية المبدأ ، فلأنّ المصلحة في الحكم الظاهري إنّما تكون في نفس جعل الحكم لا في متعلقه ، كما في الحكم الواقعي ، فلا يلزم من مخالفتهما اجتماع المصلحة والمفسدة ، أو وجود المصلحة وعدمه ، أو وجود المفسدة وعدمه في
شيء واحد ، إذ الأحكام الواقعية ناشئة من المصالح والمفاسد في متعلقاتها ، والأحكام الظاهرية ليست تابعةً لما في متعلقاتها من المصالح بل تابعة للمصالح في أنفسها ، فانّها مجعولة في ظرف الشك في وجود المصلحة الواقعية ، وقد لاتكون مصلحة في المتعلق واقعاً ، فكيف يمكن أن تكون تابعةً للمصالح الواقعية في المتعلقات. ففي موارد الاحتياط - كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص - جعل وجوب الاحتياط لمصلحةٍ في نفس الاحتياط - وهي التحفظ على مصلحة الواقع على تقدير وجودها ، والتحذر عن الوقوع في المفسدة الواقعية أحياناً ، وفي موارد الترخيص - كما في الشبهة الحكمية بعد الفحص ، أو في الشبهة الموضوعية مطلقاً - جعل الترخيص لما في نفسه من المصلحة ، وهي التسهيل على المكلفين.
وأمّا عدم التنافي من ناحية المنتهى ، فلأنّ الحكم الظاهري موضوعه الشك في الحكم الواقعي وعدم تنجزه ، لعدم وصوله إلى المكلف ، فما لم يصل الحكم الواقعي إلى المكلف لا يحكم العقل بلزوم امتثاله ولا باستحقاق العقاب على مخالفته ، فلا مانع من امتثال الحكم الظاهري ، وإذا وصل الحكم الواقعي إلى المكلف وحكم العقل بلزوم امتثاله وباستحقاق العقاب على مخالفته ، لا يبقى مجال للحكم الظاهري لارتفاع موضوعه بوصول الواقع.
وبعبارة اخرى : حكم العقل بلزوم الامتثال إنّما هو بعد وصول الحكم إلى المكلف ، بلا فرق في ذلك بين الحكم الواقعي والظاهري ، ووصول كلا الحكمين إلى المكلف في عرض واحد محال ، لكون الحكم الظاهري دائماً في طول الحكم الواقعي ، فمع وصول الحكم الواقعي ينتفي الحكم الظاهري بانتفاء موضوعه ، فلا يحكم العقل إلاّبلزوم امتثال الحكم الواقعي ، ومع عدم وصول الحكم الواقعي لا يحكم العقل إلاّبلزوم امتثال الحكم الظاهري ، فلا تنافي بين الحكمين
في مقام الامتثال أبداً.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ الحكم الظاهري في موارد الاصول غير المحرزة وإن كان متحققاً ، إلاّ أنّه لا مضادة بينه وبين الحكم الواقعي أصلاً ، لا بالذات باعتبار لحاظهما بأنفسهما ، ولا بالعرض بلحاظ المبدأ والمنتهى.
وأمّا في موارد الأمارات والاصول المحرزة ، فليس المجعول حكماً تكليفياً ليلزم اجتماع الضدّين في مورد المخالفة للواقع ، وعلى تقدير الالتزام بأنّ المجعول فيها أيضاً حكم تكليفي ، فالجواب عن محذور اجتماع الضدّين هو ما ذكرناه في الاصول غير المحرزة. هذا تمام الكلام في إمكان التعبد بالظن.
الجهة الثالثة : في وقوع التعبد بالظن. وقبل الشروع فيه لا بدّ لنا من البحث عن مقتضى الأصل عند الشك في الحجية ، ليكون هو المرجع على تقدير عدم الدليل على الحجية ، وليس المراد من الأصل في المقام هو خصوص الأصل العملي ، بل المراد منه القاعدة الأوّلية المستفادة من حكم العقل أو عمومات النقل. فنقول :
لا ينبغي الشك في أنّ الأصل عدم الحجية عند الشك فيها ، إذ الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها ، لا بمعنى أنّ الشك في إنشاء الحجية مساوق للقطع بعدم إنشائها ، إذ الشيء لا يكون مساوقاً لضدّه أو لنقيضه ، والشك في الوجود ضدّ للقطع بالعدم ، فلا يجتمعان ، بل نقيض له باعتبار ، وهو أنّه مع الشك في الحجية يحتمل الحجية ، ومع القطع بعدم الحجية لا يحتمل الحجية ، واحتمال الحجية وعدمها نقيضان لا يجتمعان ، بل بمعنى أنّ الشك في إنشاء الحجية ملازم للقطع بعدم الحجية الفعلية ، بمعنى عدم ترتب آثار الحجية ، لأنّ الحجة لها أثران :
أحدهما : صحّة الاستناد إليها في مقام العمل.
والآخر : صحّة اسناد مؤداها إلى الشارع ، وهذان الأثران لا يترتبان مع الشك في الحجية ، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجية في مقام العمل ، وإسناد مؤداه إلى الشارع تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلة الأربعة. وأمّا تنجيز الواقع فلا يتوقف على الحجية ، لأنّه ثابت بالعلم الاجمالي الكبير - أي العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية - أو بالعلم الاجمالي الصغير كما في دوران الأمر بين وجوب الظهر والجمعة أو دوران الأمر بين وجوب القصر والتمام ، بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية ، بل قد يكون التنجيز ثابتاً بمجرد الاحتمال كما في الشبهات قبل الفحص. ففي جميع هذه الموارد كان التنجيز ثابتاً قبل قيام الأمارة على التكليف ، ومع قيامها عليه لا يجيء تنجيز آخر.
نعم ، كان قيام الأمارة المعتبرة على أحد طرفي العلم الاجمالي مسقطاً لوجوب الاحتياط ، وكان معذّراً على تقدير مخالفة الواقع كما إذا دلّت الأمارة على وجوب صلاة الظهر وعمل بها المكلف ، وكان الواجب في الواقع هو صلاة الجمعة ، فكان المكلف حينئذ معذوراً غير مستحق للعقاب لا محالة.
هذا خلاصة ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره في مقام تأسيس الأصل عند الشك في الحجية (1).
واستشكل عليه صاحب الكفاية (2)قدسسره بما حاصله : أنّ إسناد مؤدى الأمارة إلى المولى ، والاستناد إليها في مقام العمل ليسا من الآثار المترتبة على الحجية ، بل بينهما وبين الحجية عموم من وجه ، إذ يمكن أن لا يكون
الشيء حجة ، وصحّ إسناد مؤداه إلى الشارع لو دلّ دليل على صحّة الاسناد حينئذ ، كما يمكن أن يكون الشيء حجة ولا يصح إسناد مؤداه إلى الشارع ، كالظن على الحكومة ، فالأثر المترتب على الحجية إنّما هو التنجيز عند المطابقة ، والتعذير عند المخالفة ، انتهى كلامه ملخّصاً.
والصحيح ما ذكره الشيخ قدسسره من أنّ صحّة إسناد المؤدى إلى الشارع والاستناد في مقام العمل من آثار الحجية ، وما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من أنّه يمكن أن لا يكون الشيء حجةً وصحّ إسناد مؤداه إلى الشارع لا يتصور له وجه معقول ، إلاّمع الالتزام بجواز التشريع ، وكذا ما ذكره من أنّه يمكن أن يكون الشيء حجةً ولا يصح إسناد مؤداه إلى الشارع ، فانّه أيضاً مجرد تخيل لا يتعقل له وجه صحيح.
وأمّا ما ذكره من أنّ الظن على تقرير الحكومة حجة ولا يصح إسناد المظنون إلى الشارع ، ففيه : أنّ مقدمات الانسداد على تقرير الحكومة لا تنتج حجية الظن ، بل نتيجتها التبعيض في الاحتياط بالأخذ بالمظنونات دون المشكوكات والموهومات ، على ما يجيء الكلام فيها (1)إن شاء اللّه تعالى. وأمّا ما ذكره من أنّ أثر الحجية هو التنجيز والتعذير ، فقد تقدّم ما فيه (2)ولا نعيد.
فتحصّل : أنّ الصحيح ما ذكره الشيخ قدسسره من أنّ الحجية ملازمة لصحّة الاستناد والاسناد ، وحيث إنّهما ليسا من آثار الحجية بوجودها الواقعي ، بل من آثار وجودها الذهني ، بمعنى الوصول إلى المكلف صغرىً وكبرىً ، لا يترتبان مع الشك في الحجية صغرىً أو كبرىً ، بمعنى الشك في وجود الحجة
أو في حجية الموجود ، وهذا هو المراد من قولنا : إنّ الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها على ما تقدّم.
ثمّ إنّ الشيخ قدسسره بعد ما أسّسه من الأصل تمسك لاثبات حرمة العمل بالظن بالعمومات والآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، كقوله تعالى : «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1)ونحوه ، وذكر أنّ مقتضى هذه الآيات هو حرمة العمل بالظن إلاّما خرج بالدليل ، ونسبة أدلة الحجية إلى تلك العمومات هي نسبة المخصص إلى العام ، فالشك في حجية شيء يكون شكّاً في التخصيص والمرجع فيه عموم العام (2).
وأورد عليه المحقق النائيني (3)قدسسره بأنّ أدلة حجية الأمارات حاكمة على الأدلة المانعة ، لأنّ دليل حجية الأمارة يخرجها عن الأدلة المانعة موضوعاً ، إذ موضوعها غير العلم ، ومفاد دليل الحجية كون الأمارة علماً بالتعبد ، فهو ناف للحكم بلسان نفي الموضوع ، وتخصيص بلسان الحكومة ، فعند الشك في حجية شيء لا يصحّ التمسك بالعمومات المانعة ، لكون الشبهة مصداقية ، باعتبار أنّه يحتمل أن يكون هذا الشيء علماً بالتعبد ، هذا ملخّص كلامه قدسسره.
ولا بدّ لنا من التكلم في مقامين :
المقام الأوّل : في بيان أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم واردة لبيان حكم مولوي ، وهو حرمة العمل بالظن أو لا ، بل مفادها إرشاد إلى حكم
العقل بعدم صحّة الاعتماد على الظن ، وأ نّه لا بدّ من العمل بما يحصل معه الأمن من العقاب ، والعمل بالظن ممّا لا يحصل معه الأمن من العقاب ، لاحتمال مخالفته للواقع؟
المقام الثاني : في بيان أنّه مع تسليم كونها واردةً لبيان حكم مولوي ، وفي مقام تشريع حرمة العمل بالظن ، هل يصح التمسك بها عند الشك في حجية شيء على ما ذكره الشيخ قدسسره أم لا على ما ذكره المحقق النائيني قدسسره؟
أمّا المقام الأوّل : فملخّص الكلام فيه : أنّ الآيات الشريفة الناهية عن العمل بغير العلم إرشاد إلى حكم العقل بعدم صحّة الاعتماد على الظن ، وأنّ العمل به ممّا لا يحصل معه الأمن من العقاب ، لاحتمال مخالفته للواقع ، والعبد لا بدّ له من العمل بما يحصل معه الأمن من العقاب ، ولا يحصل الأمن إلاّبالعلم أو بما ينتهي إليه كالعلم بأمارة دلّ على حجيتها دليل علمي. وقد اشير إلى ذلك في عدّة من الآيات : منها : قوله تعالى : «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (1)وقوله تعالى : «فَأْتُونا بِسُلْطانٍ ...» (2)وبعد كون الآيات الناهية إرشاداً إلى حكم العقل لاتكون قابلةً للتخصيص ، وكيف يمكن الالتزام بالتخصيص في مثل قوله تعالى : «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (3)بأن يقال إلاّالظن الفلاني فانّه يغني من الحق ، فلم يرد عليها تخصيص ولن يرد ، فانّ لسانها آبٍ عن التخصيص.
وأمّا الظن الذي قام على حجيته في مورد دليل علمي ، فليس فيه الاعتماد على الظن بل الاعتماد على الدليل العلمي القائم على حجية الظن ، فهو المؤمّن من العقاب لا الظن ، كما أنّه في موارد جريان أصالة البراءة ليس الاعتماد في ترك ما يحتمل الوجوب أو فعل ما يحتمل الحرمة على مجرد احتمال عدم الوجوب واحتمال عدم الحرمة ، بل الاعتماد إنّما هو على دليل علمي دلّ على عدم لزوم الاعتناء باحتمال الوجوب أو الحرمة.
فتحصّل : أنّ الآيات الشريفة ليست واردةً لبيان حكم مولوي ليصحّ التمسك بها عند الشك في الحجية.
وأمّا المقام الثاني : فملخّص الكلام فيه : أنّ ما ذكره المحقق النائيني قدسسره - من أنّ تقديم أدلة حجية الأمارات على الأدلة المانعة عن العمل بغير العلم إنّما هو من باب الحكومة لا التخصيص - وإن كان صحيحاً ، إذ معنى حجية الأمارة هو اعتبارها علماً في عالم التشريع ، فتخرج عن الأدلة المانعة عن العمل بغير العلم موضوعاً ، إلاّأنّ ذلك لا يوجب عدم صحّة التمسك بالعمومات المانعة عند الشك في الحجية ولا يكون الشك فيها من الشبهة المصداقية ، إذ الحجية الواقعية ممّا لا يترتب عليه أثر ما لم تصل إلى المكلف ، فالحكومة إنّما هي بعد الوصول ، فالعمل بما لم تصل حجيته إلى المكلف عمل بغير علم وإن كان حجةً في الواقع ، إذ كونه حجة في الواقع - مع عدم علم المكلف بالحجية - لا يجعل العمل به عملاً بالعلم كما هو ظاهر.
والذي يوضّح لنا بل يدلّنا على أنّ الحكومة إنّما هي في فرض الوصول لا مطلقاً - وأ نّه لا مانع من التمسك بالعمومات عند الشك في الحجية - أنّه لو كانت الحجة بوجودها الواقعي مانعة عن التمسك بالعمومات ، لما صحّ التمسك بالاصول العملية في شيء من الموارد ، لاحتمال وجود الحجة فيها ، فيكون
التمسك بأدلة الاصول معه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية ، وبلا فرق بين الشك في وجود الحجة أو في حجية الموجود ، مع أنّ الرجوع إلى الاصول العملية في الشبهات الحكمية والموضوعية ممّا لا إشكال فيه ، وتسالم عليه الفقهاء ، ومنهم المحقق النائيني قدسسره نفسه.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه على تقدير الالتزام بأنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم واردة لبيان حكم مولوي ، لا مانع من التمسك بها عند الشك في حجية شيء.
بقي شيء : وهو أنّه هل يصح التمسك باستصحاب عدم الحجية عند الشك فيها أم لا؟ التزم المحقق النائيني (1)قدسسره بعدم جريان هذا الاستصحاب لوجهين :
الوجه الأوّل : أنّه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون للمتيقن السابق أثر عملي يتعبد ببقائه باعتبار ذلك الأثر ، فلو فرض عدم ترتب أثر على خصوص الواقع ، بأن يكون الأثر مترتباً على خصوص الجهل بالواقع ، أو مشترك بين الواقع والجهل به ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، إذ بمجرد الشك في الواقع يترتب الأثر على الفرض ، فالتعبد بالاستصحاب - لترتب الأثر المذكور - يكون من أرادأ أنحاء تحصيل الحاصل ، وهو التحصيل التعبدي لما هو حاصل بالوجدان.
والمقام من هذا القبيل بعينه ، إذ الأثر المترتب على عدم الحجية هو عدم صحّة الاستناد في مقام العمل وعدم صحّة إسناد المؤدى إلى الشارع. وهذان
1) أجود التقريرات 3 : 148 - 151 ، فوائد الاصول 3 : 128 - 131
الأثران كلاهما يترتبان على مجرد الشك في الحجية ، لأنّ الاستناد والاسناد مع الشك في الحجية تشريع محرّم ، سواء فسّرناه بادخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين ، ليكون الأثران لخصوص الجهل بالواقع ، أو فسّرناه بالأعم منه ومن إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ، ليكون الأثران مشتركين بينه وبين الواقع ، فيحصل لنا العلم بعدم صحّة الاستناد وعدم صحّة الاسناد بمجرد الشك في الحجية ، فيكون التعبد بهما - لاستصحاب عدم الحجية - من أرادأ أنحاء تحصيل الحاصل.
الوجه الثاني : أنّ التمسك بالاستصحاب المذكور لغو محض ، إذ الأثر مترتب على نفس الجهل بالواقع والشك في الحجية ، فاحراز عدم الحجية بالتعبد الاستصحابي ممّا لا تترتب عليه فائدة ، فيكون لغواً (1)، انتهى كلامه ملخّصاً.
نقول : أمّا الوجه الأوّل فيردّه : أنّ ما يحكم به العقل بمجرد الشك هو عدم الحجية الفعلية (2)وما هو مورد للتعبد الاستصحابي هو عدم إنشاء الحجية
1) الذي يخطر بالبال القاصر عدم صحّة هذا الوجه وجهاً ثانياً لاثبات عدم جريان الاستصحاب ، بل الصحيح هو جعله متمّماً للوجه الأوّل بأن يقال : إنّ الأثر - وهو عدم صحّة الاستناد والاسناد - إن ترتّب على الاستصحاب فهذا تحصيل للحاصل. وإن لم يترتب عليه فالتمسك به لغو. فظهر بما ذكرناه عدم تمامية أحد الوجهين بدون الآخر
2) نعم الأمر كذلك ، إلاّأنّ الأثر شيء واحد وهو عدم صحّة الاستناد والاسناد ، وحيث إنّ هذا الأثر حاصل بمجرد الشك فالتعبد الاستصحابي بلحاظ هذا الأثر تحصيل للحاصل. والحق ما أجاب به سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) عن الوجه الثاني نقضاً وحلاًّ فانّه يكفي عن الوجه الأوّل أيضاً ، فانّا ذكرنا أنّهما وجه واحد ، فلنكتف في الجواب أيضاً بوجه واحد وهو ما ذكره سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) في المتن
وعدم جعلها ، فما هو حاصل بالوجدان غير ما يحصل بالتعبد ، فلا يكون التمسك بالاستصحاب في المقام من تحصيل الحاصل.
وأمّا الوجه الثاني : فنجيب عنه :
أوّلاً : بالنقض بالروايات الدالة على المنع عن العمل بالقياس (1)، ونقول أيّ فائدة في هذا المنع ، مع كون العقل مستقلاً بعدم صحّة الاستناد والاسناد بمجرد الشك وعدم إحراز الحجية ، وبما دلّ على البراءة شرعاً في موارد الشك في التكليف ، كحديث الرفع (2)مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان.
وثانياً : بالحل وهو أنّ حكم العقل في جميع هذه الموارد منوط بعدم وصول التعبد والبيان من الشارع ، فإذا ثبت التعبد الشرعي يترتب الأثر عليه ، وينتفي حكم العقل بانتفاء موضوعه ، فلا يكون التعبد لغواً.
وبعبارة اخرى : ليس حكم العقل في هذه الموارد في عرض الحكم الشرعي حتّى يلزم كونه لغواً ، بل الحكم العقلي إنّما هو في طول الحكم الشرعي ، فصحّ للشارع أن يتصرف في موضوع حكم العقل ببيان الحجية أو عدمها ، ولايكون ذلك لغواً ، إذ الأثر الذي كان مترتباً عليه بما هو مشكوك الحجية ، يترتب بعد التعبد على ما هو مقطوع عدم حجيته واقعاً بالتعبد الشرعي ، فلا يكون لغواً.
هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل ولنشرع في بيان ما وقع التعبد به من الأمارات ، ويقع فيه الكلام في مباحث :
ولا يخفى أنّ حجية الظواهر ممّا تسالم عليه العقلاء في محاوراتهم ، واستقرّ بناؤهم على العمل بها في جميع امورهم ، وحيث إنّ الشارع لم يخترع في محاوراته طريقاً خاصاً ، بل كان يتكلم بلسان قومه فهي ممضاة عنده أيضاً ، وهذا واضح ولم نعثر على مخالف فيه ، ولذا ذكرنا في فهرس مسائل علم الاصول (1)أنّ بحث حجية الظواهر ليس من مسائل علم الاصول ، لأنّها من الاصول المسلّمة بلا حاجة إلى البحث عنها. وإنّما وقع الكلام في امور ثلاثة :
الأمر الأوّل : في أنّ حجية الظواهر هل هي مشروطة بالظن بالوفاق أم بعدم الظن بالخلاف ، أم غير مشروطة بشيء منهما؟
الأمر الثاني : في أنّ حجية الظواهر مختصة بمن قصد إفهامه أو تعمّ غيره أيضاً؟
الأمر الثالث : في حجية خصوص ظواهر الكتاب.
أمّا الأمر الأوّل : فلا ينبغي الشك في أنّ الظن بالخلاف غير قادح في حجية الظواهر ، فضلاً عن عدم الظن بالوفاق ، لأنّ المرجع في حجية الظواهر هو بناء العقلاء على ما تقدّمت الاشارة إليه ، ونرى أنّ العقلاء لا يعذرون العبد المخالف لظاهر كلام المولى إذا اعتذر عن المخالفة بعدم الظن بالوفاق ، أو بحصول الظن بالخلاف ، وهذا ظاهر. نعم ، فيما إذا كان المطلوب تحصيل الواقع لا يعملون
1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 1
بمجرد الظهور ما لم يحصل لهم الاطمئنان بالواقع ، كما إذا احتمل إرادة خلاف الظاهر في كلام الطبيب فانّهم لا يعملون به ، إلاّأنّ ذلك خارج عن محل الكلام ، إذ الكلام فيما إذا كان المطلوب هو الخروج من عهدة التكليف ، وتحصيل الأمن من العقاب ، وفي مثله تحقق بناء العقلاء على العمل بالظواهر مطلقاً ، ولو مع الظن بالخلاف فضلاً عن عدم الظن بالوفاق.
وأمّا الأمر الثاني : فذهب المحقق القمي قدسسره إلى اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه ، وعليه رتّب انسداد باب العلم والعلمي في معظم الأحكام ، باعتبار أنّ الأخبار المروية عن الأئمة عليهمالسلام لم يقصد منها إلاّ إفهام خصوص المشافهين ، فتختص حجية ظواهرها بهم (1).
وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا القول وجهان ذكرهما شيخنا الأنصاري قدسسره (2).
الوجه الأوّل راجع إلى منع الكبرى ، وأ نّه لا حجّية للظواهر بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام.
الوجه الثاني راجع إلى منع الصغرى ، وأ نّه لا ينعقد ظهور للأخبار بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام.
أمّا الوجه الأوّل : فهو أنّ منشأ حجّية الظواهر هي أصالة عدم الغفلة ، إذ بعد كون المتكلم في مقام البيان كان احتمال إرادة خلاف الظاهر مستنداً إلى احتمال غفلة المتكلم عن نصب القرينة ، أو غفلة السامع عن الالتفات إليها ، والأصل عدم الغفلة في كل منهما. وأمّا احتمال تعمّد المتكلم في عدم نصب
القرينة فهو مدفوع بأ نّه خلاف الفرض ، إذ المفروض كونه في مقام البيان ، فلا منشأ لاحتمال إرادة خلاف الظاهر إلاّاحتمال الغفلة من المتكلم أو من السامع ، وهو مدفوع بالأصل المتحقق عليه بناء العقلاء. وهذا الأصل لا يجري بالنسبة إلى من لم يكن مقصوداً بالافهام ، لعدم انحصار الوجه لاحتمال إرادة خلاف الظاهر بالنسبة إليه في احتمال الغفلة ليدفع بأصالة عدم الغفلة ، إذ يحتمل اتكال المتكلم في ذلك على قرينة منفصلة ، أو قرينة حالية كانت معهودة بينهما وقد خفيت على من لم يكن مقصوداً بالافهام ، فلا تجديه أصالة عدم الغفلة ، ولا يجوز له التمسك بالظواهر.
ثمّ إنّه على تقدير تسليم جريان أصالة الظهور - ولو لم يكن احتمال إرادة خلاف الظاهر مستنداً إلى احتمال الغفلة - إنّما تجري أصالة الظهور فيما إذا لم يعلم أنّ ديدن المتكلم قد جرى على الاتكال على القرائن المنفصلة ، وأمّا مع العلم بذلك فلا تجري أصالة الظهور ، ولا يجوز الأخذ بظاهر كلامه لغير المقصود بالافهام ، ومن الواضح أنّ الأئمة عليهمالسلام كثيراً ما كانوا يعتمدون على القرائن المنفصلة ، وربّما كانوا يؤخّرون البيان عن وقت الخطاب ، بل عن وقت الحاجة لمصلحة مقتضية لذلك ، فكيف يمكن الأخذ بظاهر كلامهم عليهمالسلام لغير المشافهين المقصودين بالافهام.
أمّا الوجه الثاني : فهو أنّ الأخبار المرويّة عن الأئمة عليهمالسلام لم تصل إلينا كما صدرت عنهم عليهمالسلام بل وصلت إلينا مقطّعةً ، ونحتمل وجود قرينة على خلاف ما نفهمه من الكلام ، وقد خفيت علينا من جهة التقطيع ، فلم ينعقد للكلام ظهور مع هذا الاحتمال ، وليس المقام من باب احتمال وجود القرينة ليدفع بأصالة عدم القرينة ، بل من باب احتمال قرينية الموجود ، وفي مثله لا تجري أصالة عدم القرينة ، فلا ظهور للكلام بالنسبة إلى من لم يكن
مقصوداً بالافهام. هذا ملخّص ما ذكره الشيخ قدسسره من الوجهين بتوضيح منّا ، ولا يتمّ شيء منهما.
أمّا ما ذكره في منع الكبرى ، من أنّ منشأ أصالة الظهور هي أصالة عدم الغفلة ، وهي غير جارية بالنسبة إلى من لم يقصد بالافهام ، ففيه : أنّ أصالة عدم الغفلة وإن لم تكن جاريةً بالنسبة إلى غير المقصود بالافهام (1)، إلاّ أنّها ليست أصلاً لأصالة الظهور ، بل كل من أصالة عدم الغفلة وأصالة الظهور أصل برأسه وناشئ من منشأ لايرتبط أحدهما بالآخر ، وإن كان كل واحد منهما من الاصول العقلائية الثابتة حجّيتها ببناء العقلاء. أمّا أصالة عدم الغفلة ، فمنشؤها أنّ الغفلة والسهو في الفعل والقول خلاف طبيعة الانسان ، إذ الانسان بطبعه يفعل ما يفعل عن الالتفات ، ويقول ما يقول عن الالتفات ، ولذا استقرّ البناء من العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة ، وأمّا أصالة الظهور فمنشؤها كون الألفاظ كاشفةً عن المرادات الواقعية بحسب الوضع ، أو بحسب قرينة عامّة ، كالاطلاق الكاشف عن المراد الجدي بضميمة مقدّمات الحكمة.
فتحصّل : أنّ المنشأ لأصالة الظهور هو الوضع أو القرينة العامّة ، والمنشأ لأصالة عدم الغفلة هو كون الغفلة خلاف طبع الانسان في الفعل والقول ، فلا يرتبط أحدهما بالآخر ، والنسبة بينهما من حيث المورد هي العموم من وجه ، لأ نّه تفترق أصالة عدم الغفلة عن أصالة الظهور في فعل صادر عن البالغ العاقل إذا احتمل صدوره منه غفلةً ، وتفترق أصالة الظهور عن أصالة عدم الغفلة في كلام صادر عن النبي صلىاللّهعليهوآله أو الإمام عليهالسلام ، إذ
1) والتحقيق أنّها جارية في غيره كما سيذكر سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) في أصالة الظهور بعد أسطر ، وفي الصفحة 150
لا يحتمل صدوره عن الغفلة ، وتجتمعان في كلام صادر من أهل العرف في محاوراتهم.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ أصالة الظهور بنفسها من الاصول العقلائية ولا اختصاص لها بمن قصد إفهامه ، لأنّ العقلاء يأخذون بالظواهر في باب الأقارير والوصايا ولو كان السامع غير مقصود بالافهام.
وأمّا ما ذكره من جريان ديدن الأئمة عليهمالسلام على الاتكال على القرائن المنفصلة ، فهو وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لا يقتضي اختصاص حجّية الظهور بمن قصد إفهامه ، بل مقتضاه الفحص عن القرائن ، ومع عدم الظفر بها يؤخذ بالظهور.
وأمّا ما ذكره في منع الصغرى ، من أنّ التقطيع مانع عن انعقاد الظهور ، ففيه : أنّ ذلك يتم فيما إذا كان المقطع غير عارف باسلوب الكلام العربي ، أو غير ورع في الدين ، إذ يحتمل حينئذ كون التقطيع موجباً لانفصال القرينة عن ذيها لعدم معرفة المقطع أو لتسامحه في التقطيع ، وكلا هذين الأمرين منتفيان في حقّ الكليني قدسسره وأمثاله من أصحاب الجوامع ، فإذا نقلوا روايةً بلا قرينة نطمئن بعدمها ، بل لا يبعد دعوى القطع به ، إذ التقطيع إنّما هو لارجاع المسائل إلى أبوابها المناسبة لها ، مع عدم الارتباط بينها ، لأنّ الرواة عند تشرّفهم بحضرة الإمام عليهالسلام كانوا يسألون عن عدّة مسائل لا ربط لإحداها بالاخرى ، كما هو المتعارف في زماننا هذا في الاستفتاءات ، فأتعب علماؤنا الأعلام أنفسهم في تبويب المسائل وإرجاع كل مسألةٍ إلى بابها المناسب لها مع الجهد والدقّة ، تسهيلاً للأمر على المراجعين ، ولولا ذلك لزم الفحص من أوّل كتاب الكافي مثلاً إلى آخره لاستنباط مسألة واحدة. وهذا النحو من التقطيع غير قادح في انعقاد الظهور ، كما لعلّه ظاهر.
ثمّ إنّه لو أغمضنا عن جميع ذلك وسلّمنا اختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه ، لا ينتج ذلك انسداد باب العلمي ، إذ لا نسلّم كوننا غير مقصودين بالافهام من الروايات الواردة عن الأئمة عليهمالسلام ، وذلك لأنّ الراوي الذي سمع الكلام من الإمام عليهالسلام مقصود بالافهام قطعاً ، واحتمال غفلته يدفع بالأصل ، واحتمال غفلة المتكلم منفي بالقطع ، فيحكم بأنّ الظاهر هو مراد الإمام عليهالسلام وينقل هذا الراوي ما سمعه من الإمام عليهالسلام لفظاً أو معنىً للراوي اللاحق ، وهو مقصود بالافهام من الكلام الصادر من الراوي السابق ، وهكذا الحال بالنسبة إلى جميع سلسلة الرواة إلى أن ينتهي الأمر إلى أصحاب الجوامع كالكليني قدسسره ومن الواضح أنّ المقصود بالافهام من الكتب كالكافي هو كل من نظر فيها ، فيكون ظاهرها حجّة له.
وعليه فلا يترتب على القول باختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه انسداد باب العلمي ، كما توهمه صاحب القوانين قدسسره.
وأمّا الأمر الثالث : أعني حجّية ظواهر الكتاب ، فمنعها الأخباريون ، وما ذكروه في وجه المنع يرجع تارةً إلى منع الصغرى ، أي انعقاد الظهور ، واخرى إلى منع الكبرى ، أي حجّية الظهور.
أمّا منع الصغرى فقد استدلّ له بوجوه :
الأوّل : أنّ ألفاظ القرآن من قبيل الرموز ، كفواتح السور التي هي كنايات عن أشياء لا يعرفها إلاّالنبي وأوصياؤه المعصومون عليهمالسلام.
وفيه : أنّ كونه من قبيل الرموز منافٍ لكونه معجزة ترشد الخلق إلى الحق ، فلو لم يكن له ظهور يعرفه أهل اللسان لاختلّ كونه إعجازاً. ومن المعلوم أنّ العرب كانوا يفهمون ظواهره ، ويعترفون بالعجز عن الاتيان بمثله ، فمنهم من آمن واعترف بكونه معجزاً ، ومنهم من قال بأ نّه سحر. مضافاً إلى أنّه ورد
الأمر من الأئمة عليهمالسلام بالرجوع إلى الكتاب عند تعارض الخبرين ، بل مطلقاً (1). ولو كان القرآن من قبيل الرموز لم يكن معنىً للارجاع إليه ، فدعوى كون القرآن من قبيل الرموز التي لا يفهم منها شيء في غاية السقوط.
الثاني : أنّ القرآن مشتمل على معانٍ غامضة ومضامين شامخة ، فانّه مع صغر حجمه مشتمل على علم ما كان وما يكون ، على نحو لا يصل إليه فكر البشر إلاّالراسخون في العلم ، وهم الأئمة المعصومون عليهمالسلام ، ولذا ورد في بعض الروايات أنّه «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (2).
وفيه : أنّ كلامنا في ظواهره التي يعرفها أهل اللسان لا في بواطنه التي لا يعرفها إلاّمن خوطب به ، واشتماله على مضامين عالية لا ينافي ظهوره ، فانّه مع اشتماله على معانٍ غامضة عالية يعرف ظواهره أهل اللسان على ما عرفت.
الثالث : أنّ القرآن وإن كان له ظهور في حد ذاته ، ولكن العلم الاجمالي بوجود القرائن المنفصلة الدالة على خلاف الظاهر من مخصصات ومقيدات وقرائن على المجاز يمنع عن العمل بظواهره ، فهي مجملات حكماً وإن كانت ظواهر حقيقة.
وفيه : أنّ العلم الاجمالي المذكور يوجب الفحص عن المخصص والمقيد والقرينة على المجاز ، لا سقوط الظواهر عن الحجية رأساً ، وإلاّ لم يجز العمل بالروايات أيضاً ، لوجود العلم الاجمالي فيها أيضاً ، كما في القرآن.
الرابع : أنّه دلّت عدّة من الروايات على وقوع التحريف في القرآن فيحتمل وجود القرينة على إرادة خلاف الظاهر فيما سقط منه بالتحريف ، وهذا الاحتمال
مانع عن انعقاد الظهور ، لكونه من باب احتمال قرينية الموجود ، لا من باب احتمال وجود القرينة ليدفع بأصالة عدم القرينة.
وفيه أوّلاً : أنّ التحريف بمعنى السقط أمر موهوم لا حقيقة له ، إذ القرآن قد بلغ من الأهمّية عند المسلمين في زمان النبي صلىاللّهعليهوآله مرتبة حفظته الصدور زائداً على الكتابة ، فكيف يمكن تحريفه حتّى عن الصدور الحافظة له.
والروايات الدالة على التحريف ، إمّا ضعاف لا يعتمد عليها ، وإمّا لا دلالة لها على التحريف بمعنى النقيصة ، بل المراد منها التقديم والتأخير أو التأويل أو غير ذلك ممّا ذكرناه في كتابنا البيان فراجع (1).
وثانياً : أنّ التحريف - على تقدير تسليم وقوعه - لا يقدح في الظهور للروايات الدالة على وجوب عرض الأخبار المتعارضة ، بل مطلق الأخبار على كتاب اللّه (2)، وعلى ردّ الشروط المخالفة للكتاب والسنّة (3)، فانّ هذه الروايات قد صدرت عن الصادقين عليهماالسلام بعد التحريف على تقدير تسليم وقوعه ، فيعلم من هذه الروايات أنّ التحريف على تقدير وقوعه غير قادح في الظهور.
وأمّا منع الكبرى ، ودعوى عدم حجّية ظواهر الكتاب على فرض تسليم الظهور ، فقد استدلّ له بوجهين :
الأوّل : أنّ اللّه سبحانه منع من اتباع المتشابه بقوله تعالى : «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ» (4)والمتشابه ما كان ذا احتمالين قبالاً
للمحكم وهو النص الذي لا يحتمل الخلاف ، فيشمل الظواهر ، ولا أقل من احتمال شمول المتشابه للظواهر باعتبار أنّ المتشابه غير ظاهر المراد ، ومجرد احتمال شموله لها يكفي في الحكم بعدم حجيتها ، لأنّ الحجية تحتاج إلى الامضاء ومع احتمال المنع لا يثبت الامضاء.
وفيه : أنّ المتشابه هو التفاعل من الشبه ، فيكون المراد منه كون الكلام ذا احتمالين متساويين ، بحيث كان كل منهما شبيهاً بالآخر ، فيكون المراد منه المجمل ولا يشمل الظواهر يقيناً. ومع الغض عن ذلك والالتزام باحتمال الشمول نقول : إنّ مجرد الاحتمال غير قادح في حجيتها ، فانّها ثابتة ببناء العقلاء ما لم يثبت الردع عنها ، ومجرد احتمال الردع لا يكفي في رفع اليد عنها. مضافاً إلى أنّ الروايات الدالة على عرض الأخبار على الكتاب وطرح الخبر المخالف له تدل على أنّ المتشابه غير شامل للظواهر ، لأنّ الخبر المخالف للكتاب الذي أمر بطرحه هو الذي يخالف ظاهر الكتاب ، لا نص الكتاب ، إذ الخبر المخالف لنص الكتاب لم يوجد ليكون مورداً للطرح ، فيستكشف من ذلك أنّ المتشابه ما ليس له ظهور ، فلا يشمل ما له ظهور (1).
الثاني : الروايات الكثيرة الناهية عن تفسير القرآن بالرأي (2).
وفيه : أنّ الأخذ بظاهر الكلام لا يكون من التفسير ، إذ التفسير عبارة عن كشف القناع على ما قالوا (3)، والكلام الظاهر في معنى ليس له قناع ليكشف ، وعلى تقدير التنزل وتسليم كونه من التفسير ليس هو تفسيراً بالرأي ، بل تفسير بحسب المحاورات العرفية ، إذ المراد بالتفسير بالرأي هو حمل الكلام على
خلاف ظاهره ، أو على أحد محتملاته مع كونه مجملاً غير ظاهر في شيء منها بالاستحسانات ، فالمراد بالتفسير بالرأي المنهي عنه في الأخبار هو حمل الآيات على خلاف ظواهرها ، أو على أحد محتملاتها مع عدم كونها ظاهرةً في شيء منها ، على ما وقع من أكثر المفسرين من العامّة.
ويحتمل أن يكون المراد بالأخبار الناهية عن التفسير بالرأي هو الاستقلال بالعمل بالكتاب ، بلا مراجعة الأئمة عليهمالسلام ، كما هو ظاهر بعض الأخبار.
وأمّا العمل بظواهر الكتاب - بضميمة مراجعة الروايات لاحتمال التخصيص والتقييد وغيرهما من القرائن على المراد - فلم يدل على المنع عنه دليل.
فتحصّل : أنّ الصحيح جواز العمل بظواهر الكتاب بعد الفحص عن الأخبار ، كما هو الحال في العمل بظواهر الأخبار ، إذ العمل بها أيضاً يحتاج إلى الفحص عن المخصص والمقيد ، والقرينة على إرادة خلاف الظاهر. هذا تمام الكلام في البحث عن حجية الظواهر.
إعلم أنّ لكل لفظ دلالات ثلاثاً :
الدلالة الاولى : كون اللفظ موجباً لانتقال المعنى إلى ذهن السامع مع علمه بالوضع. وهذه الدلالة لا تتوقف على إرادة اللاّفظ ، بل اللفظ بنفسه يوجب انتقال المعنى إلى الذهن ولو مع العلم بعدم إرادة المتكلم ، كما إذا كان نائماً أو سكراناً ، أو نصب قرينةً على إرادة غير هذا المعنى ، كما في قولنا : رأيت أسداً يرمي ، فانّ ذهن المخاطب ينتقل إلى الحيوان المفترس بمجرد سماع كلمة الأسد ، وإن كان يعلم أنّ مراد المتكلم هو الرجل الشجاع ، بل هذه الدلالة لا تحتاج إلى متكلم ذي إدراك وشعور ، فانّ اللفظ الصادر من لافظ غير شاعر بل من غير
لافظ يوجب انتقال المعنى إلى ذهن السامع. وبالجملة : هذه الدلالة بعد العلم بالوضع غير منفكة عن اللفظ أبداً ، ولا تحتاج إلى شيء من الأشياء.
وهذه الدلالة هي التي تسمّى عند القوم بالدلالة التصورية مرّةً باعتبار أنّ اللفظ بوجب تصور المعنى في الذهن ، وبالدلالة الوضعية اخرى باعتبار أنّ منشأها الوضع ، وهو عبارة عن جعل العلقة بين اللفظ والمعنى بحيث ينتقل المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ.
والمختار عندنا كون الدلالة الوضعية غيرها ، لأنّ هذه الدلالة لا تكون غرضاً من الوضع لتكون وضعية ، والأنسب تسميتها بالدلالة الانسية ، إذ منشؤها انس الذهن بالمعنى ، لكثرة استعمال اللفظ فيه لا الوضع ، لما ذكرناه في بحث الوضع من أنّ الوضع عبارة عن تعهد الواضع والتزامه بأ نّه متى أراد تفهيم معنى فلان فهو يتكلم باللفظ الفلان (1). وعليه فلا يكون مجرد خطور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ مستنداً إلى تعهده ، بل إلى انس الذهن به الحاصل من كثرة الاستعمال. وهذه الدلالة ممّا لا يرتبط بمحل كلامنا فعلاً ، ولا تترتب ثمرة على البحث عن أنّها هي الدلالة الوضعية أو غيرها.
الدلالة الثانية : دلالة اللفظ على كون المعنى مراداً للمتكلم بالارادة الاستعمالية ، أي دلالة اللفظ على أنّ المتكلم أراد تفهيم هذا المعنى واستعمله فيه ، وهذه الدلالة تسمّى عند القوم بالدلالة التصديقية ، وعندنا بالدلالة الوضعية ، كما عرفت. وكيف كان ، فهذه الدلالة تحتاج إلى إحراز كون المتكلم بصدد التفهيم ومريداً له ، فمع الشك فيه ليست للفظ هذه الدلالة ، فضلاً عمّا إذا علم عدم إرادته له ، كما إذا علم كونه نائماً مثلاً ، بل هذه الدلالة متوقفة على عدم نصب
1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 48
قرينة على الخلاف متصلة بالكلام ، إذ مع ذكر كلمة «يرمي» في قولنا : رأيت أسداً يرمي مثلاً ، لا تكون كلمة أسد دالةً على أنّ المتكلم أراد تفهيم الحيوان المفترس كما هو ظاهر.
الدلالة الثالثة : دلالة اللفظ على كون المعنى مراداً للمتكلم بالارادة الجدية ، وهي التي تسمى عندنا بالدلالة التصديقية في قبال الدلالة الوضعية ، وعند القوم بالقسم الثاني من الدلالة التصديقية ، وهي متوقفة على عدم نصب قرينة منفصلة على الخلاف أيضاً ، مضافاً إلى عدم نصب قرينة متصلة ، فانّ القرينة المنفصلة وإن لم تكن مانعةً عن تعلّق الارادة الاستعمالية كالقرينة المتصلة ، ولذا ذكرنا في مبحث العام والخاص أنّ المخصص المنفصل لا يكون كاشفاً عن عدم استعمال العام في العموم ، ليكون مجازاً (1)، إلاّ أنّها - أي القرينة المنفصلة - كاشفة عن عدم تعلق الارادة الجدية بالمعنى المستعمل فيه. وبعبارة اخرى : القرينة المنفصلة لا تكون مانعةً عن انعقاد الظهور للكلام ، بل مانعة عن حجّية الظهور ، بخلاف القرينة المتصلة ، فانّها مانعة عن انعقاد الظهور من أوّل الأمر.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا احرز مراد المتكلم ، بأن علم عدم نصب القرينة المنفصلة ، فيؤخذ به بلا إشكال. وأمّا إذا شكّ في مراده ، فمرجع الشك إلى أحد أمرين :
الأوّل : عدم انعقاد الظهور للكلام.
الثاني : احتمال عدم كون الظاهر مراداً جدياً له.
أمّا إذا كان الشك في المراد لعدم انعقاد الظهور للكلام أصلاً ، فسبب الشك فيه أحد امور :
1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 318 - 322
إمّا عدم العلم بالموضوع له فلم يحرز المقتضي للظهور.
وإمّا احتمال قرينية الموجود ، أو احتمال وجود القرينة ، والجامع بينهما هو احتمال المانع عن الظهور بعد وجود المقتضي له ، سواء كان لاحتمال مانعية الموجود أو احتمال وجود المانع.
فإن كان الشك في المراد ناشئاً من عدم العلم بالموضوع له وبما يفهم من اللفظ عرفاً ، فلا إشكال في كون اللفظ مجملاً غير ظاهر في شيء ، والمرجع في مثله هو الأصل العملي ، وكذا الحال فيما إذا كان الشك ناشئاً من احتمال قرينية الموجود ، بأن يكون الكلام محتفاً بما يصلح للقرينية ، كما في الأمر الواقع في مقام توهم الحظر ، والضمير الراجع إلى بعض أفراد العام ، فلا ينعقد للكلام ظهور حتّى يؤخذ به ، نعم ، في خصوص ما إذا كان الكلام محتفاً بما يصلح للقرينية على المجاز بأن يكون الأمر دائراً بين المعنى الحقيقي والمجازي إن قلنا بأنّ أصالة الحقيقة بنفسها حجّة بلا حاجة إلى انقعاد الظهور - كما نسب إلى السيّد المرتضى قدسسره (1)- فيؤخذ بها ، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح ، إذ الثابت ببناء العقلاء هو الأخذ بالظاهر لا العمل بأصالة الحقيقة مع عدم انعقاد الظهور للكلام ، فيكون الكلام أيضاً مجملاً لا ظهور له ليؤخذ به.
ولايخفى أنّه لو قلنا بمقالة السيّد قدسسره لا يمكن الأخذ بأصالة الحقيقة فيما إذا احتف العام بما يصلح للقرينيّة على التخصيص ، لما ذكرناه في بحث العام والخاص : من أنّ التخصيص لا يوجب المجازية في لفظ العام (2)، فليس احتمال التخصيص احتمالاً للتجوز ، ليدفع بأصالة الحقيقة.
وأمّا إن كان الشك ناشئاً من احتمال وجود القرينة فهو على قسمين : لأنّ منشأ الاحتمال تارةً يكون أمراً داخلياً ، كما إذا احتمل غفلة المتكلم عن نصب القرينة أو غفلة السامع عن سماعها ، بلا فرق بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد.
واخرى يكون أمراً خارجياً ، كما إذا وقع التقطيع واحتمل سقوط القرينة معه ، ويلحق بهذا الباب ما لو عرض على السامع نوم أو سنة أثناء تكلم المتكلم ، فاحتمل ذكر القرينة في هذا الحال.
أمّا القسم الأوّل : فلا ريب في تحقق بناء العقلاء على عدم الاعتناء بالاحتمال لكن لا ابتداءً كما ذكره صاحب الكفاية قدسسره (1)بل بعد إجراء أصالة عدم القرينة كما ذكره الشيخ قدسسره (2)لأنّ مورد بناء العقلاء هو الأخذ بالظاهر ، فلا بدّ من إثباته أوّلاً باجراء أصالة عدم القرينة ، ثمّ الحكم بحجيته.
وأمّا القسم الثاني : فالمشهور فيه أيضاً عدم الاعتناء بالاحتمال ، إلاّأنّ المحقق القمي (3)قدسسره منع فيه من الأخذ بما يكون اللفظ ظاهراً فيه على تقدير عدم وجود القرينة واقعاً ، وبنى عليه انسداد باب العلمي في الأحكام ، لوقوع التقطيع في الأخبار.
وما ذكره هو الصحيح من حيث الكبرى الكلّية ، إذ لم يثبت بناء من العقلاء على الأخذ بالظاهر التقديري ، أي المعلّق على عدم وجود القرينة واقعاً ، فلو وصل إليهم كتاب مزّق بعضه لا يعملون بظاهر الباقي ، مع احتمال وجود قرينة
صارفة عن الظاهر في المقطوع. وكذا الحال فيما إذا عرض على العبد نوم أو سنة حين تكلم المولى ، فليس له العمل بظاهر ما سمعه من الكلام مع احتمال فوات قرينة صارفة حين عروض النوم أو السنة له.
إلاّأنّ تطبيقها على المقام غير صحيح ، ولا تنتج انسداد باب العلمي في الأحكام ، لما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ المقطّعين للأخبار كانوا عارفين بأسلوب الكلام فلا تخفى عليهم القرائن الدالة على المراد بحسب المحاورات العرفية ، وكانوا في أعلى مراتب الورع والتقى ، فعدالتهم أو وثاقتهم مانعة عن إخفاء القرينة عمداً ، ومعرفتهم باسلوب الكلام والمحاورات العرفية مانعة عن إخفائها جهلاً ، فإذا نقلوا الأخبار بلا قرينة يؤخذ بظواهرها ولا ينسدّ باب العلمي بالأحكام. هذا كلّه فيما إذا كان الشك في المراد لعدم انعقاد الظهور للكلام.
وأمّا إن كان الشك في المراد لاحتمال عدم كون الظاهر مراداً جدياً للمتكلم ، مع انعقاد الظهور لكلامه ، فيكون سبب الشك فيه أيضاً أحد امور ثلاثة :
إمّا احتمال غفلة المتكلم عن بيان القرينة. وهذا الاحتمال منفي بالنسبة إلى الأئمة عليهمالسلام.
وإمّا احتمال تعمده في عدم ذكر القرينة لمصلحة فيه أو لمفسدة في الذكر.
وإمّا احتمال اتكاله على قرينة حالية أو مقالية متقدمة أو متأخرة لم نظفر عليها بعد الفحص. وعلى جميع هذه التقادير الثلاثة كان المرجع أصالة الظهور الثابتة حجيتها ببناء العقلاء ، فانّهم يأخذون بظواهر الكلام ولا يعتنون بالاحتمالات الثلاثة المتقدمة ، فأصالة الظهور بنفسها حجّة ببناء العقلاء وعدم ردع الشارع عنه لا لأصالة عدم القرينة - كما يستفاد من كلام شيخنا
1) في ص 141
الأنصاري قدسسره (1)- لأنّ وجود القرينة المتصلة المانعة عن انعقاد الظهور مقطوع العدم على الفرض ، ووجود القرينة المنفصلة وإن كان محتملاً ، إلاّ أنّه لا يمنع عن انعقاد الظهور ، وإنّما يمنع عن حجّية الظهور على فرض الوصول ، ومع عدم الوصول كما هو المفروض قد ثبت البناء من العقلاء على الأخذ بالظاهر ، فلا حاجة إلى التمسك بأصالة عدم القرينة.
وبعبارة اخرى : الشك في وجود القرينة المنفصلة كافٍ في حجّية الظواهر ، بلا حاجة إلى إحراز عدم القرينة بالأصل ، إذ البناء من العقلاء قد تحقق على الأخذ بالظواهر ما لم تحرز القرينة على الخلاف. هذا تمام الكلام في بحث الظواهر.
قد ذكرنا أنّه إذا علم ظاهر الكلام يؤخذ به لبناء العقلاء على الأخذ به (2)وأمّا إذا لم يعلم ذلك ، فهل يصح الرجوع إلى اللغوي في تعيين الظاهر بلا اعتبار ما يعتبر في الشهادة من التعدد والعدالة أم لا؟ فيه خلاف بينهم ، واستدلّ القائل بحجّية قول اللغوي بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّ اللغوي من أهل الخبرة في تعيين الأوضاع وظواهر الألفاظ ، وقد تحقق البناء من العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة في كل فن ، بلا اعتبار التعدد والعدالة ، كالرجوع إلى المهندس في تقويم الدار مثلاً ، وإلى الطبيب في
تشخيص المرض وعلاجه ، ولم يثبت ردع شرعي عن ذلك. وأمّا اعتبار العدالة في الفقيه فانّما هو لدليل خاص.
وفيه أوّلاً : أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو في الامور الحدسية التي تحتاج إلى إعمال النظر والرأي ، لا في الامور الحسّية التي لا دخل للنظر والرأي فيها. وتعيين معاني الألفاظ من قبيل الامور الحسّية ، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات والمحاورات ، وليس له إعمال النظر والرأي فيها ، فيكون إخبار اللغوي عن معاني الألفاظ داخلاً في الشهادة المعتبرة فيها العدالة بل التعدد في مورد القضاء. وأمّا في غيره ففي اعتباره خلاف مذكور في محلّه (1).
وإن شئت قلت : ليس اللغوي من أهل الخبرة بالنسبة إلى تعيين ظواهر الألفاظ بالوضع أو بالقرينة العامّة ، بل هو من أهل الخبرة بالنسبة إلى موارد الاستعمال فقط.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم كون اللغوي من أهل الخبرة ، لا يصح الرجوع إلى كتب اللغة ، لأنّها لم توضع لبيان الموضوع له ، بل لبيان ما يستعمل فيه اللفظ حقيقة كان أو مجازاً ، وإلاّ لزم كون جميع الألفاظ المستعملة في اللغة العربية إلاّالنادر مشتركاً لفظياً ، لأنّ اللغويين يذكرون للفظ واحد معاني كثيرة ، وهو مقطوع البطلان ، وذكر معنىً من المعاني أوّلاً لا يدل على كونه هو المعنى الحقيقي ، وإلاّ كان عليه ذكر القرينة في الألفاظ المشتركة ، لتدل على أنّ المعنى الثاني أيضاً معنىً حقيقي لا مجازي.
الوجه الثاني : دعوى الاجماع على العمل بقول اللغوي ، فانّ العلماء في جميع الأعصار يراجعون كتب اللغة ، ويعملون بها في تعيين معاني الألفاظ.
1) شرح العروة 3 : 155
وفيه أوّلاً : أنّ الاجماع القولي غير متحقق ، فانّ كثيراً من العلماء لم يتعرّضوا لهذا البحث أصلاً ، وكذا الاجماع العملي ، لأنّ عملهم بقول اللغويين لعلّه لحصول الاطمئنان لهم من اتفاقهم على معنى من المعاني.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم الاتفاق ليس هنا إجماع تعبدي كاشف عن رأي المعصوم عليهالسلام لاحتمال أن يكون مستند المجمعين هو الوجه الأوّل أو الوجه الثالث الذي تعرفه وما فيه الآن إن شاء اللّه تعالى.
الوجه الثالث : أنّ جريان انسداد صغير في خصوص اللغات يستلزم حجّية قول اللغوي ، فانّ معاني الألفاظ مجهولة غالباً ، إمّا أصلاً وإمّا سعة وضيقاً ، ولذا ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره في الطهارة أنّ مفهوم الماء - مع كونه من أوضح المفاهيم العرفية ، ويعرفه كل عارف باللغة العربية حتّى الصبيان - نشك فيه من حيث السعة والضيق كثيراً (1).
وفيه : أنّ انسداد باب العلم في اللغة ممّا لا يترتب عليه أثر ، إذ مع انفتاح باب العلم في الأحكام لا وجه للرجوع إلى قول اللغوي ، انسدّ باب العلم في اللغة أو انفتح ، ومع انسداد باب العلم في الأحكام وتمامية سائر المقدمات كان الظن بالحكم الشرعي حجّة ، سواء حصل من قول اللغوي أو من غيره ، وسواء كان باب العلم باللغة منفتحاً أو منسداً.
ثمّ إنّ بعض الأعاظم التزم بحجّية قول اللغوي ، وذكر جريان الانسداد في اللغة بتقريب آخر ، وهو أنّ عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند انسداد باب العلم والعلمي في الأحكام إنّما هو لأمرين :
أحدهما : لزوم الخروج من الدين ، فانّا إذا اقتصرنا على القدر المتيقن وجوبه
1) كتاب الطهارة 1 : 67
من أجزاءه الصلاة وشرائطها ، ورجعنا في غيره إلى البراءة ، خرجت الصلاة عن حقيقتها ، وكذا الحال في غيرها من العبادات والمعاملات.
ثانيهما : لزوم المخالفة القطعية للعلم الاجمالي بتكاليف إلزامية وجوبية وتحريمية في موارد الجهل بالأحكام. والأمر الأوّل وإن كان منتفياً في الرجوع إلى البراءة عند انسداد باب العلم باللغة ، إلاّ أنّه يلزم الأمر الثاني ، وهو المخالفة القطعية ، لأنّ غالب الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة مجهولة المعاني ، مع العلم الاجمالي بتكاليف إلزامية في موارد الجهل بها ، فلا بدّ فيها من العمل بالظن الحاصل من قول اللغوي.
وفيه أوّلاً : أنّه لا نسلّم لزوم المخالفة القطعية من الرجوع إلى البراءة في موارد الجهل باللغات ، إذ ليس في ألفاظ الكتاب والسنّة المتعلقة بالأحكام الالزامية ما هو مجهول المعنى إلاّالقليل ، كلفظ الصعيد والغناء ونحوهما ، وليس لنا علم إجمالي بتكاليف إلزامية في هذه الموارد ، سوى ما نعلمه تفصيلاً ، فلا محذور في الرجوع إلى البراءة فيها.
وثانياً : أنّ مقدّمات الانسداد غير منحصرة في عدم جواز الرجوع إلى البراءة ، بل من جملتها عدم إمكان الاحتياط ، لعدم قدرة المكلف عليه ، أو لعدم وفاء الوقت به ، أو عدم وجوب الاحتياط لاستلزامه العسر والحرج ، أو عدم جواز الاحتياط لكونه موجباً لاختلال النظام.
وهذه المقدمة غير تامة في المقام ، إذ لايلزم من الرجوع إلى الاحتياط في موارد الجهل باللغة شيء من الامور المذكورة ، فعلى تقدير تسليم العلم الاجمالي بتكاليف إلزامية في موارد الجهل باللغة لا بدّ من الاحتياط ، لا العمل بقول اللغوي.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لا دليل على حجّية قول اللغوي بلا اعتبار العدالة والتعدد.
وكان الأنسب تأخير هذا البحث عن بحث حجّية خبر الواحد ، لترتبه على القول بحجية الخبر ، إذ لو قلنا بعدم حجّية الخبر لا تصل النوبة إلى البحث عن حجّية الاجماع المنقول. نعم ، بعد ثبوت حجّية الخبر يقع الكلام في شمول أدلّتها للاجماع المنقول وعدمه ، إلاّ أنّا تعرّضنا له هنا تبعاً للأصحاب ، والأمر فيه سهل.
ولا يخفى أنّ الإخبار عن الموضوعات الخارجية إذا كان في مقام الترافع فلا إشكال في اعتبار التعدد والعدالة في حجّيته ، وأمّا في غير مورد الترافع فيعتبر فيه العدالة ، وكذلك التعدد على المشهور ، وهو أي الإخبار عن الموضوعات خارج عن محل كلامنا فعلاً ، فانّ الكلام في حجّية الأخبار المتعلقة بالأحكام الشرعية من حيث شمول دليل حجّيتها للاجماع المنقول بخبر الواحد وعدمه.
وأحسن ما قيل في المقام ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وحاصل ما أفاده - بزيادة منّا - أنّ الإخبار عن الشيء تارةً : يكون إخباراً عن حس ومشاهدة ، ولا إشكال في حجّية هذا القسم من الإخبار ببناء العقلاء ، فانّ احتمال تعمد المخبر بالكذب مدفوع بعدالته أو وثاقته ، واحتمال غفلته مدفوع بأصالة عدم الغفلة التي استقرّ عليها بناء العقلاء.
1) فرائد الاصول 1 : 135
واخرى : يكون إخباراً عن أمر محسوس مع احتمال أن يكون إخباره مستنداً إلى الحدس لا إلى الحس ، كما إذا أخبر عن المطر مثلاً ، مع احتمال أنّه لم يره ، بل أخبر به استناداً إلى المقدمات المستلزم للمطر بحسب حدسه ، كالرعد والبرق مثلاً. وهذا القسم أيضاً ملحق بالقسم الأوّل ، إذ مع كون المخبر به من الامور المحسوسة فظاهر الحال يدل على كون الاخبار إخباراً عن الحس ، فيكون حجّة لعين ما ذكر في القسم الأوّل.
وثالثة : يكون إخباراً عن حدس قريب من الحس ، بحيث لا يكون له مقدّمات بعيدة ، كالاخبار بأنّ حاصل ضرب عشرة في خمسة يصير خمسين مثلاً ، وهذا القسم من الاخبار أيضاً ملحق بالقسم الأوّل في الحجّية ، لأنّ احتمال الخطأ في هذه الامور القريبة من الحس بعيد جداً ومدفوع بالأصل العقلائي ، واحتمال تعمد الكذب مدفوع بالعدالة أو الوثاقة ، كما تقدّم في القسم الأوّل.
ورابعة : يكون إخباراً عن حدس مع كون حدسه ناشئاً من سبب كانت الملازمة بينه وبين المخبر به تامّة عند المنقول إليه أيضاً ، بحيث لو فرض اطّلاعه على ذلك السبب لقطع بالمخبر به ، وهذا القسم من الإخبار أيضاً حجّة ، فانّه إخبار عن الأمر الحسّي ، وهو السبب ، والمفروض ثبوت الملازمة بينه وبين المخبر به في نظر المنقول إليه أيضاً.
وخامسة : يكون إخباراً عن حدس مع كون حدسه ناشئاً من سبب كانت الملازمة بينه وبين المخبر به غير تامّة عند المنقول إليه ، وهذا القسم من الإخبار لم يدل دليل على حجّيته ، فانّ احتمال تعمد الكذب وإن كان مدفوعاً بالعدالة أو الوثاقة ، إلاّأنّ احتمال الخطأ في الحدس ممّا لا دافع له ، إذ لم يثبت بناء من العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الخطأ في الامور الحدسية.
والاجماع المنقول من القسم الخامس ، لأنّ الناقل للاجماع لا يخبر برأي المعصوم عليهالسلام عن الحس ، أو ما يكون قريباً منه ، ولا عن حدس ناش عن سبب كان ملازماً لقول المعصوم عليهالسلام عندنا ، فإنّ الإجماع المدّعى في كلام الشيخ الطوسي قدسسره مبني على كشف رأي المعصوم عليهالسلام من اتفاق علماء عصر واحد بقاعدة اللطف ، وهي غير تامّة عندنا على ما ستعرفه قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
وأوهن منه الاجماع المدعى في كلام السيّد المرتضى قدسسره فانّه كثيراً ما ينقل الاجماع على حكم يراه مورد قاعدة اجمع عليها ، أو مورد أصل كذلك مع أنّه ليس من موارد تلك القاعدة أو الأصل حقيقةً ، كدعواه الاجماع على جواز الوضوء بالمائع المضاف استناداً إلى أنّ أصالة البراءة ممّا اتّفق عليه العلماء (2)، مع أنّه لا قائل به فيما نعلم من فقهاء الإمامية ، وليس الشك في جواز الوضوء بالمائع المضاف من موارد أصالة البراءة. وكذا الحال في الاجماع المدعى في كلمات جماعة من المتأخرين المبني على الحدس برأي المعصوم من اتفاق جماعة من الفقهاء ، إذ لا ملازمة بين هذا الاتفاق ورأي المعصوم بوجه.
نعم ، لو علم استناد ناقل الاجماع إلى الحس ، كما إذا كان معاصراً للإمام عليهالسلام ، وسمع منه الحكم فنقله بلفظ الاجماع ، فلا مجال للتوقف في الأخذ به وكان مشمولاً لأدلة حجّية الخبر بلا إشكال ، إلاّأنّ الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة ، بل نقطع بعدمها ، فانّا نقطع بأنّ الاجماعات المنقولة في كلمات الأصحاب غير مستندة إلى الحس ، ونرى أنّ ناقلي الاجماع ممّن لم يدرك زمان
الحضور. وأمّا زمان الغيبة فادّعاء الرؤية فيه غير مسموع مع أنّهم أيضاً لم يدّعوها.
ثمّ إنّ بعض الأعاظم (1)التزم بحجّية الاجماع المنقول في كلمات القدماء ، بدعوى أنّه يحتمل أن يكون مستندهم هو السماع من المعصوم عليهالسلام ، ولو بالواسطة ، لقرب عصرهم بزمان الحضور ، فضمّوا إلى قول المعصوم أقوال العلماء ، ونقلوه بلفظ الاجماع ، فيكون نقل الاجماع من المتقدمين من القسم الثاني من الاخبار ، وهو ما كان الاخبار عن أمر حسّي ، مع احتمال أن يكون الاخبار به مستنداً إلى الحدس ، وأن يكون مستنداً إلى الحس ، وقد تقدّم (2)أنّ هذا القسم من الاخبار حجّة بسيرة العقلاء ، باعتبار أنّ ظاهر الاخبار عن أمر حسّي يدل على كونه مستنداً إلى الحس ، فيكون حجّة. وبالجملة احتمال كون الاخبار مستنداً إلى الحس كافٍ في الحجّية ببناء العقلاء ، هذا ملخص كلامه بتوضيح منّا.
وفيه أوّلاً : أنّ هذا الاحتمال - أي استناد القدماء في نقل الاجماع إلى الحس - احتمال موهوم جداً ، بحيث يكاد يلحق بالتخيل فلا مجال للاعتناء به ، وما ذكرناه - من أنّ احتمال كون الاخبار مستنداً إلى الحس كافٍ في حجّيته - إنّما هو فيما إذا كان الاحتمال عقلائياً ، لا الاحتمال البعيد غاية البعد الملحق بأمر خيالي.
وما يظهر به بعد هذا الاحتمال وكونه موهوماً أمران :
أحدهما : تتبع اجماعات القدماء كالشيخ الطوسي قدسسره والسيّد المرتضى
(قدسسره) ، إذ قد عرفت استناد الأوّل في دعوى الاجماع إلى قاعدة اللطف لا إلى الحس من المعصوم عليهالسلام ولو بالواسطة ، واستناد الثاني إلى أصل أو قاعدة كان تطبيقهما بنظره ، فلو لم ندّع القطع بعدم استنادهما إلى الحس من المعصوم عليهالسلام ولو بالواسطة ، لا أقل من عدم الاعتناء باحتمال الاستناد إلى الحس.
ثانيهما : أنّه لو كان الأمر كذلك كان المتعين هو النقل عن المعصوم عليهالسلام كبقيّة الروايات ، لا نقل الاجماع ، فانّ نقل الاجماع - باعتبار كونه كاشفاً عن قول المعصوم عليهالسلام مع كون نفس قول المعصوم محسوساً له ولو بالواسطة - يكون شبيهاً بالأكل من القفاء.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم ذلك وأنّ إجماع القدماء مستند إلى الحس بالواسطة ، فيكون الاجماع المنقول منهم بمنزلة رواية مرسلة ولا يصح الاعتماد عليه ، لعدم المعرفة بالواسطة بينهم وبين المعصوم عليهالسلام ، وعدم ثبوت وثاقتها. فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام أنّه لا ملازمة بين حجّية خبر الواحد وحجّية الاجماع المنقول بوجه.
بقي الكلام في مدرك حجّية الاجماع المحصّل الذي هو أحد الأدلة الأربعة ، فقد يقال : إنّ مدرك حجّية الاجماع هو الملازمة العقلية بين الاجماع وقول المعصوم عليهالسلام ، وتقريبها بوجهين :
الوجه الأوّل : ما استند إليه الشيخ الطوسي (1)قدسسره من قاعدة اللطف ، وهي أنّه يجب على المولى (سبحانه وتعالى) اللطف بعباده بارشادهم إلى ما يقرّبهم إليه تعالى من مناهج السعادة والصلاح ، وتحذيرهم عمّا يبعّدهم
1) عدّة الاصول 2 : 77 ، 82
عنه تعالى من مساقط الهلكة والفساد. وهذا هو الوجه في إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الإمام عليهالسلام وهذه القاعدة تقتضي - عند اتفاق الامّة على خلاف الواقع في حكم من الأحكام - أن يلقي الإمام المنصوب من قبل اللّه تعالى الخلاف بينهم ، فمن عدم الخلاف يستكشف موافقتهم لرأي الإمام عليهالسلام.
وفيه أوّلاً : عدم تمامية القاعدة في نفسها ، إذ لا يجب اللطف عليه تعالى بحيث يكون تركه قبيحاً يستحيل صدوره منه سبحانه ، بل كل ما يصدر منه تعالى مجرد فضل ورحمة على عباده.
وثانياً : أنّ قاعدة اللطف على تقدير تسليمها لا تقتضي إلاّتبليغ الأحكام على النحو المتعارف ، وقد بلّغها وبيّنها الأئمة عليهمالسلام للرواة المعاصرين لهم ، فلو لم تصل إلى الطبقة اللاحقة لمانع من قبل المكلفين أنفسهم ليس على الإمام عليهالسلام إيصالها إليهم بطريق غير عادي ، إذ قاعدة اللطف لاتقتضي ذلك ، وإلاّ كان قول فقيه واحد كاشفاً عن قول المعصوم عليهالسلام ، إذا فرض انحصار العالم به في زمان. وهذا واضح الفساد.
وثالثاً : أنّه إن كان المراد إلقاء الخلاف وبيان الواقع من الإمام عليهالسلام مع إظهار أنّه الإمام ، بأن يعرّفهم بإمامته ، فهو مقطوع العدم. وإن كان المراد هو إلقاء الخلاف مع إخفاء كونه إماماً فلا فائدة فيه ، إذ لا يترتب الأثر المطلوب من اللطف وهو الارشاد ، على خلاف شخص مجهول كما هو ظاهر.
الوجه الثاني : أنّ اتفاق جميع الفقهاء يستلزم القطع بقول الإمام عليهالسلام عادةً ، إذ من قول فقيه واحد يحصل الظن ولو بأدنى مراتبه بالواقع ، ومن فتوى الفقيه الثاني يتقوى ذلك الظن ويتأكد ، ومن فتوى الفقيه الثالث يحصل الاطمئنان ، ويضعف احتمال مخالفة الواقع ، وهكذا إلى أن يحصل القطع بالواقع ،
كما هو الحال في الخبر المتواتر ، فانّه يحصل الظن باخبار شخص واحد ، ويتقوى ذلك الظن باخبار شخص ثانٍ وثالث وهكذا إلى أن يحصل القطع بالمخبر به.
وفيه : أنّ ذلك مسلّم في الاخبار عن الحس كما في الخبر المتواتر ، لأنّ احتمال مخالفة الواقع في الخبر الحسّي إنّما ينشأ من احتمال الخطأ في الحس أو احتمال تعمد الكذب ، وكلا الاحتمالين يضعف بكثرة المخبرين إلى أن يحصل القطع بالمخبر به وينعدم الاحتمالان. وهذا بخلاف الاخبار الحدسي المبني على البرهان كما في المقام ، فانّ نسبة الخطأ إلى الجميع كنسبته إلى الواحد ، إذ احتمال كون البرهان غير مطابق للواقع لا يفرق فيه بين أن يكون الاستناد إليه من شخص واحد أو أكثر ، ألا ترى أنّ اتفاق الفلاسفة على أمر برهاني كامتناع إعادة المعدوم مثلاً لا يوجب القطع به. نعم ، لو تمّ ما نسب إلى النبي صلىاللّهعليهوآله من قوله : «لا تجتمع امّتي على الخطأ» (1)وقلنا بأنّ المراد من الامّة هو خصوص الإمامية ، ثبتت الملازمة بين إجماع علماء الإمامية وقول المعصوم عليهالسلام ، ولكنّه غير تام سنداً ودلالة. أمّا من حيث السند فلكونه من المراسيل الضعاف ، وأمّا من حيث الدلالة فلعدم اختصاص الامّة بالإمامية كما هو ظاهر في نفسه ، ويظهر من قوله صلىاللّهعليهوآله : «ستفترق امّتي على ثلاث وسبعين فرقة» (2).
وقد يقال بالملازمة العادية بين الاجماع وقول المعصوم عليهالسلام بدعوى أنّ العادة تحكم بأنّ اتفاق المرؤوسين على أمر لا ينفك عن رأي الرئيس ، فانّ اتفاق جميع الوزراء وجميع أركان الحكومة على أمر لا ينفك عن موافقة رأي السلطان بحكم العادة.
وفيه : أنّ ذلك إنّما يتم فيما إذا كان المرؤوسون ملازمين لحضور رئيسهم كما في المثال ، وأنى ذلك في زمان الغيبة. نعم ، الملازمة الاتفاقية - بمعنى كون الاتفاق كاشفاً عن قول الإمام عليهالسلام أحياناً من باب الاتفاق - ممّا لا سبيل إلى إنكارها ، إلاّ أنّه لا يثبت بها حجّية الاجماع بنحو الاطلاق ، فانّ استكشاف قول الإمام عليهالسلام من الاتفاق يختلف باختلاف الأشخاص والأنظار ، فربّ فقيه لا يرى الملازمة أصلاً ، وفقيه آخر لا يرى استكشاف رأي المعصوم إلاّمن اتفاق علماء جميع الأعصار ، وفقيه ثالث يحصل له اليقين من اتفاق الفقهاء في عصر واحد ، أو من اتفاق جملة منهم. وقد شاهدنا بعض الأعاظم أنّه كان يدعي القطع بالحكم من اتفاق ثلاثة نفر من العلماء ، وهم الشيخ الأنصاري والسيّد الشيرازي الكبير والمرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدّس اللّه أسرارهم) ، لاعتقاده بشدّة ورعهم ودقّة نظرهم.
وقد يقال في وجه حجّية الاجماع إنّه كاشف عن وجود دليل معتبر ، بحيث لو وصل إلينا لكان معتبراً عندنا أيضاً.
وفيه : أنّ الاجماع وإن كان كاشفاً عن وجود أصل الدليل كشفاً قطعياً ، إذ الافتاء بغير الدليل غير محتمل في حقّهم فانّه من الافتاء بغير العلم المحرّم ، وعدالتهم مانعة عنه ، إلاّ أنّه لا يستكشف منه اعتبار الدليل عندنا ، إذ من المحتمل أن يكون اعتمادهم على قاعدة أو أصل لا نرى تمامية القاعدة المذكورة أو الأصل المذكور ، أو عدم انطباقهما على الحكم المجمع عليه ، كما تقدّم في الاجماع المدعى في كلام السيّد المرتضى قدسسره (1).
فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّه لا مستند لحجّية الاجماع أصلاً ، وأنّ الاجماع
1) تقدّم في ص 158
لايكون حجّة ، إلاّأنّ مخالفة الاجماع المحقق من أكابر الأصحاب وأعاظم الفقهاء ممّا لا نجترئ عليه ، فلا مناص في موارد تحقق الاجماع من الالتزام بالاحتياط اللازم ، كما التزمنا به في بحث الفقه.
اعلم أنّ الشهرة على أقسام ثلاثة :
القسم الأوّل : الشهرة في الرواية بمعنى كثرة نقلها ، ويقابلها الشذوذ والندرة ، بمعنى قلّة الناقل لها. وهذه الشهرة من المرجحات عند تعارض الخبرين على المسلك المشهور ، استناداً إلى ما في مرفوعة زرارة من قوله عليهالسلام : «خذ بما اشتهر بين أصحابك» (1)وما في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله عليهالسلام : «خذ بالمجمع عليه بين أصحابك» (2)باعتبار أنّ المراد منه المشهور لا الاجماع الاصطلاحي ، بقرينة المقابلة في قوله عليهالسلام : «واترك الشاذ النادر».
ولكن التحقيق عدم كونها من المرجحات ، إذ المراد بالمجمع عليه في المقبولة هو الخبر الذي اجمع على صدوره من المعصوم ، فيكون المراد منه الخبر المعلوم صدوره ، لقوله عليهالسلام : «فانّ المجمع عليه لاريب فيه» وقوله عليهالسلام بعد ذلك : «الامور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتبع ، وأمر بيّن غيه فيجتنب ، وأمر
مشكل يردّ حكمه إلى اللّه» فانّ الإمام عليهالسلام طبّق الأمر البيّن رشده على الخبر المجمع عليه ، وحينئذ يكون الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجّية في نفسه ، لما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة (1)، والمراد بالسنّة كل خبر مقطوع الصدور لا خصوص النبوي كما هو ظاهر. ولا ينافي ما ذكرناه فرض الراوي الشهرة في كلتا الروايتين بعد أمر الإمام عليهالسلام بالأخذ بالمجمع عليه ، وذلك لأنّ القطع بصدور أحدهما لا يستلزم القطع بعدم صدور الآخر ، بل يمكن أن يكون كلاهما صادراً من المعصوم عليهالسلام ، ويكون أحدهما صادراً لبيان الحكم الواقعي ، والآخر للتقيّة.
وظهر بما ذكرناه عدم صحّة الاستدلال بالمرفوعة أيضاً ، إذ المراد بقوله عليهالسلام : «خذ بما اشتهر بين أصحابك» هو الشهرة بالمعنى اللغوي ، أي الظاهر الواضح (2)، كما يقال شهر سيفه وسيف شاهر ، فيكون المراد به الخبر الواضح صدوره ، بأن كان مقطوع الصدور أو المطمأن بصدوره ، ويكون حينئذ الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجّية في نفسه لما تقدّم.
هذا مضافاً إلى عدم تمامية كل من المرفوعة والمقبولة من حيث السند.
أمّا المرفوعة فلكونها من المراسيل التي لا يصحّ الاعتماد عليها ، فانّها مرويّة في كتاب عوالي اللآلي (3)لابن أبي جمهور الاحسائي عن العلاّمة مرفوعة إلى زرارة. مضافاً إلى أنّها لم توجد في كتب العلاّمة قدسسره ولم يثبت توثيق راويها ، بل طعن فيه وفي كتابه من ليس دأبه الخدشة في سند الرواية ، كالمحدِّث
البحراني في الحدائق (1).
ودعوى انجبارها بعمل المشهور ممنوعة صغرىً وكبرى. أمّا من حيث الصغرى فلأ نّه لم يثبت استناد المشهور إليها ، بل لم نجد عاملاً بما في ذيلها من الأمر بالاحتياط. وأمّا من حيث الكبرى فلما ذكرناه في محلّه من عدم كون عمل المشهور جابراً لضعف السند. وسنتعرض له في بحث حجّية الخبر (2)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا المقبولة فلعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة ، ولم يذكر له توثيق في كتب الرجال. نعم ، وردت رواية في باب الوقت تدل على توثيق الإمام عليهالسلام له ونعم التوثيق ، فانّ توثيق الإمام إمام التوثيقات ، وهي ما نقله في الوسائل عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة ، قال قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : «إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت ، فقال عليهالسلام : إذن لا يكذب علينا» (3). إلاّأنّ هذه الرواية بنفسها ضعيفة من حيث السند ، فلا يمكن إثبات وثاقة عمر بن حنظلة بها.
فتحصّل ممّا ذكرناه : عدم كون هذه الشهرة من المرجحات عند تعارض الخبرين.
القسم الثاني : هي الشهرة العملية ، بمعنى استناد الشهرة إلى خبر في مقام الافتاء ، وبهذه الشهرة ينجبر ضعف سند الرواية عند المشهور ، وفي قبالها
إعراض المشهور الموجب لوهن الرواية ، وإن كانت صحيحة أو موثقة من حيث السند على المشهور أيضاً.
هذا ، ولكن التحقيق عدم كون عمل المشهور جابراً على تقدير كون الخبر ضعيف السند في نفسه ، ولا إعراضهم موهناً على تقدير كون الخبر صحيحاً أو موثقاً في نفسه ، بل الميزان في حجّية الخبر تمامية سنده في نفسه ، وسنتعرّض لذلك في بحث حجّية الخبر قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
القسم الثالث : هي الشهرة [الفتوائية] بمعنى اشتهار الفتوى بحكم من الأحكام من دون أن يعلم مستند الفتوى ، وهذه الشهرة هي محل الكلام فعلاً من حيث الحجّية وعدمها ، وقد استدلّ على حجّيتها بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّ مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة (2)تدلاّن على حجّيتها ، بتقريب أنّ المراد من المجمع عليه في المقبولة ليس هو الاجماع المصطلح ، بل المراد منه المشهور بقرينة المقابلة في قوله عليهالسلام : «واترك الشاذ النادر» وإطلاقه يشمل الشهرة الفتوائية أيضاً. وكذا قوله عليهالسلام : «خذ بما اشتهر بين أصحابك» في المرفوعة ، فانّ الموصول من المبهمات ومعرّفه الصلة ، وإطلاقها يشمل الشهرة الفتوائية أيضاً.
وفيه أوّلاً : ما تقدّم (3)من عدم تمامية المقبولة والمرفوعة من حيث السند فلا يصحّ الاستدلال بهما.
وثانياً : ما تقدّم أيضاً من أنّ المراد بالمجمع عليه هو الخبر المقطوع صدوره ،
لأنّ الإمام عليهالسلام قد أدخله في أمر بيّن رشده. وكذا المراد بالمشهور في المرفوعة هو المشهور اللّغوي ، أي الظاهر الواضح ، فالمراد بهما هو الأخذ بالمقطوع ، فلا ربط لهما بالشهرة الفتوائية.
وثالثاً : أنّه مع الغض عمّا تقدّم لا إطلاق لهما ليشمل الشهرة الفتوائية ، لأنّ المراد من الموصول هو خصوص الخبر المشهور ، بقرينة أنّ السؤال إنّما هو عن الخبرين المتعارضين ، ولا مانع من أن يكون معرّف الموصول ومبيّن المراد منه غير صلته ، والسؤال عن الخبرين قرينة على أنّ المراد منه خصوص الخبر المشهور لا مطلق المشهور ، كما يظهر بالتأمل في نظائره من الأمثلة. فإذا قيل أيّ المسجدين تحب؟ فقال في الجواب : ما كان الاجتماع فيه أكثر ، كان ظاهراً في خصوص المسجد الذي كان الاجتماع فيه أكثر ، لا مطلق المكان الذي كان الاجتماع فيه أكثر. وكذا لو قيل أيّ الرمانتين تريد؟ فقال في الجواب : ما كان أكبر ، كان ظاهراً في أنّ المراد هو الأكبر من الرمانتين لا مطلق الأكبر ، وهذا ظاهر ، فحينئذ لا إطلاق للصلة ليشمل مطلق المشهور.
الوجه الثاني : أنّ الظن الحاصل من الشهرة أقوى من الظن الحاصل من خبر الواحد ، فالذي يدل على حجّية الخبر يدل على حجّية الشهرة بالأولوية.
وفيه : أنّ هذا الوجه مبني على أن يكون ملاك حجّية الخبر إفادته الظن ، وعليه لزم الالتزام بحجّية كل ظن مساوٍ للظن الحاصل من الخبر أو أقوى منه ، سواء حصل من الشهرة أو من فتوى جماعة من الفقهاء ، أو من فتوى فقيه واحد ، أو غير ذلك ، فاللازم ذكر هذا الدليل في جملة أدلّة حجّية الظن المطلق لا أدلة الشهرة. ولكن المبنى المذكور غير تام ، إذ يحتمل أن يكون ملاك حجّية الخبر كونه غالب المطابقة للواقع ، باعتبار كونه إخباراً عن حس ، واحتمال الخطأ في الحس بعيد جداً ، بخلاف الاخبار عن حدس كما في الفتوى ، فان
احتمال الخطأ في الحدس غير بعيد ، ويحتمل أيضاً دخل خصوصية اخرى في ملاك حجّية الخبر. ومجرد احتمال ذلك كافٍ في منع الأولوية المذكورة ، لأنّ الحكم بالأولوية يحتاج إلى القطع بالملاك وكل ما له دخل فيه.
الوجه الثالث : عموم التعليل الوارد في ذيل آية النبأ ، وهو قوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ - أي بسفاهة - فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (1)إذ التعليل قد يكون مخصصاً للحكم المعلل به كما في قولنا : لا تأكل الرمان لأنّه حامض ، وقد يكون معمماً له كما في قولنا : لا تشرب الخمر لأنّه مسكر ، فانّه يحكم بحرمة كل مسكر ولو لم يكن خمراً. ومفاد التعليل في الآية الشريفة إنّما هو وجوب التبين في كل ما كان العمل به سفاهة ، وحيث إنّ العمل بالشهرة لا يكون سفاهة ، فلا يجب فيها التبين بمقتضى عموم التعليل.
وفيه : منع الصغرى والكبرى. أمّا الصغرى : فلأنّ المراد من الجهالة في الآية الشريفة إمّا السفاهة بمعنى العمل بشيء بلا لحاظ مصلحة وحكمة فيه ، قبالاً للعمل العقلائي الناشئ من ملاحظة المصلحة ، وإمّا الجهل قبالاً للعلم ، ولفظ الجهالة قد استعمل في كل من المعنيين. فإن كان المراد منها السفاهة كان العمل بالشهرة من السفاهة ، إذ العمل بما لا يؤمن معه من الضرر المحتمل - أي العقاب - يكون سفاهةً بحكم العقل ، فانّ العقل يحكم بتحصيل المؤمّن من العقاب ، والعمل بالشهرة بلا دليل على حجّيتها لا يكون مؤمّناً ، فيكون سفاهة وغير عقلائي ، وإن كان المراد منها الجهل بمعنى عدم العلم ، فالأمر أوضح ، إذ الشهرة لا تفيد العلم فيكون العمل بها جهالة لا محالة.
وأمّا منع الكبرى : فلأنّ التعليل وإن كان يقتضي التعميم ، إلاّ أنّه لا يقتضي
1) الحجرات 49 : 6
نفي الحكم عن غير مورده ممّا لا توجد فيه العلّة ، إذ لا مفهوم له ، لأنّه فرع انحصار العلّة ، وهو لا يستفاد من التعليل ولا ربط له بعموم التعليل ، فانّ التعدي إلى غير الخمر من المسكرات ، والحكم بحرمتها لعموم التعليل لا يوجب الحكم بحلية كل ما ليس بمسكر ، بل قد يكون الشيء حراماً مع عدم كونه مسكراً كما إذا كان نجساً أو كان مال الغير مثلاً ، فالحكم بوجوب التبين في كل ما كان العمل به سفاهة لعموم التعليل لا يدل على عدم وجوب التبين في كل ما ليس العمل به سفاهة ، بل يمكن أن يكون التبين فيه واجباً مع عدم كون العمل به سفاهة.
فتحصّل : أنّ الشهرة الفتوائية ممّا لم يقم دليل على حجّيتها.
وليعلم أنّ هذا البحث من أهمّ المسائل الاصولية ، إذ العلم الضروري بالأحكام الشرعية غير حاصل ، إلاّفي الأحكام الكلّية الاجمالية ، كوجوب الصلاة والصوم وأمثالهما ، والعلم غير الضروري بالأحكام - كالعلم الحاصل من الخبر المقطوع صدوره للتواتر أو للقرينة القطعية - قليل جداً ، فغالب الأحكام وأجزاء العبادات وشرائطها إنّما يثبت بأخبار الآحاد ، فالبحث عن حجّيتها من أهمّ المسائل الاصولية ، وباثباتها ينفتح باب العلمي في الأحكام الشرعية ، وينسد باب الانسداد ، وبعدمها ينسد باب العلمي وينفتح باب الانسداد. وبعد وضوح أنّ هذا البحث من أهمّ المسائل الاصولية ، فالاشكال في كونه منها - نظراً إلى كون موضوع علم الاصول هي الأدلة الأربعة - في
الحقيقة إشكال على حصر موضوع علم الاصول فيها ، فلا بدّ من الالتزام بأنّ موضوع علم الاصول أمر جامع لجميع موضوعات مسائله ، لا خصوص الأدلة الأربعة ، لأنّه لم يدل عليه دليل من آية ولا رواية.
هذا بناءً على الالتزام بلزوم الموضوع لكل علم ، وإلاّ كما هو الصحيح فلا موضوع لعلم الاصول أصلاً ، وعلمية العلم لا تتوقف على وجود الموضوع على ما تقدّم الكلام فيه في أوائل بحث الألفاظ (1).
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدسسره) حيث اختار أنّ الموضوع لعلم الاصول هي الأدلة الأربعة ، تصدّى لدفع الاشكال المذكور (2)وملخص ما أفاده بتوضيح منّا : أنّ العمل بالأخبار يتوقف على امور ثلاثة : حجّية الظهور ، وأصل الصدور ، وجهة الصدور بمعنى كون الكلام صادراً لبيان المراد الجدي لابداع آخر كالتقيّة والامتحان والاستهزاء ونحوها. أمّا حجّية الظواهر فقد تقدّم الكلام فيها. وأمّا جهة الصدور فقد تحققت سيرة العقلاء على حمل الكلام الصادر من كل متكلم على أنّه صادر لبيان المراد الواقعي ، لا لداعٍ آخر كالتقية والسخرية ونحوهما. وأمّا أصل الصدور فالمتكفل لبيانه هذا المبحث ، فيبحث فيه عن أنّ صدور السنّة - وهي قول المعصوم عليهالسلام أو فعله أو تقريره - يثبت بخبر الواحد أم لا ، فيكون البحث بحثاً عن أحوال السنّة ، ويندرج في المسائل الاصولية.
وفيه : أنّه إن كان المراد هو الثبوت الواقعي الخارجي فهو بديهي الفساد ولا يبحث عنه في هذه المسألة ، فإنّ الخبر حاكٍ عن السنّة ، ولا يعقل أن يكون
الحاكي عن شيء من علل تحققه خارجاً ، ولا يكون هذا مراد الشيخ قدسسره قطعاً ، وإن كان المراد هو الثبوت الواقعي الذهني بمعنى حصول العلم بها ، فهو أيضاً معلوم الانتفاء ، إذ خبر الواحد لا يفيد العلم ، ولا يكون هذا أيضاً مراد الشيخ قدسسره ، وإن كان المراد هو الثبوت التعبدي بمعنى تنزيل الخبر الحاكي للسنة منزلتها في وجوب العمل بها ، فالبحث عنه بحث عن عوارض الخبر لا السنّة ، كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ بعض مشايخنا المحققين قدسسرهم وجّه كلام كلام الشيخ قدسسره بما حاصله : أنّ كل تنزيل يستدعي اموراً ثلاثة : المنزّل ، والمنزّل عليه ، ووجه التنزيل. والمنزّل في المقام هو الخبر ، والمنزّل عليه هي السنّة ، ووجه التنزيل وجوب العمل به ، فكما يمكن أن يجعل هذا البحث من عوارض الخبر ، بأن يقال يبحث في هذا المبحث عن كون الخبر منزّلاً منزلة السنّة أم لا ، كذلك يمكن أن يجعل من عوارض السنّة ، بأن يقال يبحث عن كون السنّة منزّلاً عليها الخبر وعدمه (1).
وفيه أوّلاً : ما تقدّم في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري من أنّه لا تنزيل في باب الحجج ، إنّما المجعول هو الطريقية بتتميم الكشف (2)، وليس ذلك إلاّمن عوارض الخبر.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم التنزيل المذكور كان متعلق غرض الاصولي - وهو التمسك بالخبر في مقام استنباط الحكم الشرعي - هي الجهة الاولى ، وهي البحث عن كون الخبر منزّلاً منزلة السنّة أم لا ، لا الجهة الثانية ، إذ لا يترتب عليها غرض الاصولي.
فالتحقيق في الجواب عن هذا الاشكال هو ما أشرنا إليه من أنّه لا ملزم لحصر موضوع علم الاصول في الأدلة الأربعة ، وأنّ الموضوع - على القول بلزومه في كل علم - هو الكلّي المنطبق على موضوعات المسائل ، وأمّا على القول بعدم لزومه كما هو الصحيح فالاشكال مندفع من أصله.
إذا عرفت ذلك فنقول : وقع الخلاف بين الأعلام في حجّية خبر الواحد ، فذهب جماعة من قدماء الأصحاب إلى عدم حجّيته ، بل ألحقه بعضهم بالقياس في أنّ عدم حجّيته من ضروري المذهب ، وذهب المشهور إلى كونه حجّة.
واستدلّ المنكرون بوجوه :
الوجه الأوّل : دعوى الاجماع على عدم حجّية الخبر.
وفيه أوّلاً : عدم حجّية الاجماع المنقول في نفسه.
وثانياً : أنّ الاجماع المنقول من أفراد خبر الواحد ، بل من أخس أفراده باعتبار كونه إخباراً حدسياً عن قول المعصوم عليهالسلام ، بخلاف خبر الواحد المصطلح ، فانّه إخبار حسّي ، فمن عدم حجّية الخبر يثبت عدم حجّية الاجماع المنقول بالأولوية ، فكيف يمكن نفي حجّية خبر الواحد بالاجماع المنقول.
وثالثاً : أنّ دعوى الاجماع على عدم حجّية الخبر مع ذهاب المشهور من القدماء والمتأخرين إلى حجّيته معلومة الكذب. ولعلّ المراد من خبر الواحد في كلام من يدّعي الاجماع على عدم حجّيته هو الخبر الضعيف غير الموثق.
وذكر المحقق النائيني قدسسره (1)أنّ في خبر الواحد اصطلاحين : أحدهما : ما يقابل الخبر المتواتر والمحفوف بالقرينة القطعية. ثانيهما : الخبر الضعيف في مقابل الموثق ، وبهذا يجمع بين القولين باعتبار أنّ مراد المنكر لحجّية خبر الواحد هو
1) أجود التقريرات 3 : 180
الخبر الضعيف ، ومراد القائل بالحجّية هو الخبر الصحيح والموثق. ويشهد بذلك أنّ الشيخ الطوسي قدسسره - مع كونه من القائلين بحجّية خبر الواحد - ذكر في مسألة تعارض الخبرين ، وترجيح أحدهما على الآخر : أنّ الخبر المرجوح لا يعمل به ، لأنّه خبر الواحد (1)فجرى في هذا التعليل على الاصطلاح الثاني في خبر الواحد ، وعليه فيكون خبر الواحد الموثوق به كما هو محل الكلام حجّة إجماعاً.
الوجه الثاني : الروايات الناهية عن العمل بالخبر المخالف للكتاب والسنّة ، والخبر الذي لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب اللّه أو من سنّة نبيّه صلىاللّهعليهوآله ، وهذه الروايات كثيرة متواترة إجمالاً ، ووجه دلالتها أيضاً واضح ، إذ من المعلوم أنّ أغلب الروايات التي بأيدينا ليس عليها شاهد من كتاب اللّه ، ولا من السنّة القطعية ، وإلاّ لما احتجنا إلى التمسك بالخبر.
والجواب : أنّ الروايات الواردة في الباب طائفتان :
الطائفة الاولى : هي الأخبار (2)الدالة على أنّ الخبر المخالف للكتاب باطل أو زخرف أو اضربوه على الجدار أو لم نقله ، إلى غير ذلك من التعبيرات الدالة على عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب والسنّة القطعية ، والمراد من المخالفة في هذه الأخبار هي المخالفة بنحو لا يكون بين الخبر والكتاب جمع عرفي كما إذا كان الخبر مخالفاً للكتاب بنحو التباين أو العموم من وجه ، وهذا النحو من الخبر - أي المخالف للكتاب أو السنّة القطعية بنحو التباين أو العموم من وجه - خارج عن محل الكلام ، لأنّه غير حجّة بلا إشكال ولا خلاف ، وأمّا الأخبار
المخالفة للكتاب والسنّة بنحو التخصيص أو التقييد فليست مشمولة لهذه الطائفة ، للعلم بصدور المخصص لعمومات الكتاب والمقيد لاطلاقاته عنهم عليهمالسلام كثيراً ، إذ لم يذكر في الكتاب إلاّأساس الأحكام بنحو الاجمال ، كقوله تعالى : «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» (1)وأمّا تفصيل الأحكام وبيان موضوعاتها فهو مذكور في الأخبار المروية عنهم عليهمالسلام.
وإن شئت قلت : ليس المراد من المخالفة في هذه الطائفة هي المخالفة بالتخصيص والتقييد ، وإلاّ لزم تخصيصها بموارد العلم بتخصيص الكتاب فيها ، مع أنّها آبية عن التخصيص ، وكيف يمكن الالتزام بالتخصيص في مثل قوله عليهالسلام : «ما خالف قول ربّنا لم نقله» (2). وبالجملة الخبر المخصص لعموم الكتاب أو المقيّد لاطلاقه لا يعدّ مخالفاً له في نظر العرف ، فالمراد من المخالفة في هذه الطائفة هي المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه.
ودعوى أنّ هذه الأهمّية والتأكيد في هذه الأخبار لا تناسب أن يكون المراد من المخالفة هي المخالفة بنحو التباين والعموم من وجه ، لأنّ الوضّاعين لم يضعوا ما ينافي الكتاب بالتباين أو العموم من وجه ، لعلمهم بأنّ ذلك لا يقبل منهم غير مسموعة إذ الوضّاعون ما كانوا ينقلون عن الأئمة عليهمالسلام حتّى لا يقبل منهم الخبر المخالف للكتاب بالتباين والعموم من وجه ، بل كانوا يدسّون تلك المجعولات في كتب الثقات من أصحاب الأئمة عليهمالسلام ، كما روي عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه لعن المغيرة ، لأنّه دسّ في كتب أصحاب أبيه عليهماالسلام أحاديث كثيرة (3).
فتحصّل : أنّ هذه الطائفة من الأخبار لا دخل لها بمحل الكلام.
الطائفة الثانية : هي الأخبار الدالة على المنع عن العمل بالخبر الذي لايكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب اللّه أو من سنّة نبيّه صلىاللّهعليهوآله (1)وهذه الطائفة وإن كانت وافية الدلالة على المدعى ، إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بظاهرها ، للعلم بصدور الأخبار التي لا شاهد لها من الكتاب والسنّة ، بل هي مخصصة لعموماتهما ومقيّدة لاطلاقاتهما على ما تقدّمت الاشارة إليه ، فلا بدّ من حمل هذه الطائفة على صورة التعارض ، كما هو صريح بعضها ، ولذا ذكرنا في بحث التعادل والترجيح أنّ موافقة عمومات الكتاب أو إطلاقاته من المرجّحات في باب التعارض (2)، أو على الأخبار المنسوبة إليهم عليهمالسلام في اصول الدين وما يتعلق بالتكوينيات ممّا لا يوافق مذهب الإمامية. وقد روي هذا النوع من الأخبار عنهم عليهمالسلام كثيراً ، بحيث إنّ الكتب المعتمدة المعتبرة عندنا - كالكتب الأربعة ونظائرها - مع كونها مهذّبة من هذا النوع من الأخبار قد يوجد فيها منه قليلاً ، ومن هذا القليل ما في الكافي الدال على أنّه لو علم الناس كيفية خلقهم لما لام أحد أحداً (3)فانّ هذه الرواية صريحة في مذهب الجبر ومخالفة لنص القرآن ، لأنّ اللّه تعالى يلوم عباده بارتكاب القبائح والمعاصي.
هذا ، مضافاً إلى أنّ هذه الطائفة معارضة بما دلّ على حجّية خبر الثقة ، والنسبة بينهما هي العموم المطلق (4)لأنّ مفاد هذه الطائفة عدم حجيّة الخبر
1) الوسائل 27 : 110 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 11 وغيره
2) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 497
3) الكافي 2 : 44 / باب آخر من درجات الإيمان ح 1 (باختلاف يسير)
4) بل العموم من وجه ، لافتراق الأوّل عن الثاني في الخبر الذي لا شاهد عليه من الكتاب أو السنّة ، ولم يكن مخبره ثقة. وافتراق الثاني عن الأوّل في الخبر الذي يكون مخبره ثقة وعليه شاهد من الكتاب أو السنّة ، واجتماعهما في الخبر الذي لا شاهد له من الكتاب أو السنّة ، ومخبره ثقة. فانّ مقتضى دليل حجّية خبر الثقة هو حجّيته ، ومقتضى هذه الطائفة عدمها ، فيقع التعارض بينها لا محالة ، والمتعيّن تخصيص الأوّل بالثاني والحكم بحجّية خبر الثقة الذي ليس له شاهد من الكتاب أو السنّة دون العكس. وعليه لا يبقى شيء تحت الثاني ، أو يكون الباقي قليلاً جدّاً
الذي لا شاهد له من الكتاب والسنّة ، سواء كان المخبر به ثقة أو غير ثقة ، ودليل حجّية خبر الثقة أخص منها. فيقيد به إطلاقاتها ، وتكون النتيجة بعد الجمع عدم حجّية الأخبار التي لا شاهد لها من الكتاب والسنّة إلاّخبر الثقة.
الوجه الثالث : الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، كقوله تعالى : «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1)وقوله تعالى : «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (2).
وفيه أوّلاً : أنّ مفاد الآيات الشريفة إرشاد إلى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم بالمؤمّن من العقاب وعدم جواز الاكتفاء بالظن به ، بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل إن كان اخروياً ، فلا دلالة لها على عدم حجّية الخبر أصلاً.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم أنّ مفادها الحكم المولوي ، وهو حرمة العمل بالظن ، كانت أدلة حجّية الخبر حاكمة على تلك الآيات ، فان مفادها جعل الخبر طريقاً بتتميم الكشف ، فيكون خبر الثقة علماً بالتعبد الشرعي ، ويكون خارجاً عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم موضوعاً.
هذا بناءً على أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هي الطريقية كما هو
الصحيح ، وقد تقدّم الكلام فيه في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري (1). وأمّا بناءً على أنّ المجعول هو الحكم الظاهري مطابقاً لمؤدى الأمارة ، وأنّ الشارع لم يعتبر الأمارة علماً ، فتكون أدلة حجّية خبر الثقة مخصصة للآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، فانّ النسبة بينها وبين الآيات هي العموم المطلق ، إذ مفاد الآيات عدم حجّية غير العلم من خبر الثقة وغيره في اصول الدين وفروعه ، فتكون أدلة حجّية خبر الثقة أخص منها ، وبالجملة أدلة حجّية خبر الثقة متقدمة على الآيات الشريفة إمّا بالحكومة أو بالتخصيص.
الأوّل : آية النبأ وهي قوله تعالى : «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (2)وتقريب الاستدلال بها من وجوه :
الوجه الأوّل : الاستدلال بمفهوم الوصف باعتبار أنّه تعالى أوجب التبين عن خبر الفاسق ، ومن الواضح أنّ التبين ليس واجباً نفسياً ، بل هو شرط لجواز العمل به ، إذ التبين عنه بلا تعلّقه بعمل من الأعمال ليس بواجب يقيناً ، بل لعلّه حرام ، فانّ التفحص عن كونه صادقاً أو كاذباً يكون من باب التفحص عن عيوب الناس ، ويدل على كون الوجوب شرطياً - مع وضوحه في نفسه - التعليل المذكور في ذيل الآية الشريفة ، وهو قوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» فيكون مفاد الآية الشريفة أنّ العمل بخبر الفاسق يعتبر فيه التبين عنه ، فيجب التبين عنه في مقام العمل به ، ويكون المفهوم بمقتضى التعليق على
الوصف : أنّ العمل بخبر غير الفاسق لا يعتبر فيه التبين عنه ، فلا يجب التبين عن خبر غير الفاسق في مقام العمل به ، وهذا هو المقصود.
وهذا الاستدلال غير تام ، لأنّ الوصف وإن كان يدل على المفهوم ، إلاّأنّ مفهوم الوصف هو أنّ الحكم ليس ثابتاً للطبيعة أينما سرت ، وإلاّ لكان ذكر الوصف لغواً. وأمّا كون الحكم منحصراً في محل الوصف بحيث ينتفي بانتفائه ، فهو خارج عن مفهوم الوصف ويحتاج إلى إثبات كون الوصف علّةً منحصرة ، ولا يستفاد ذلك من نفس الوصف ، فانّ تعليق الحكم على الوصف - لو سلّم كونه مشعراً بالعلّية - لا يستفاد منه العلّة المنحصرة يقيناً ، فإذا قال المولى أكرم الرجل العالم كان مفهوم الوصف أنّ وجوب الاكرام لم يتعلق بطبيعة الرجل ، وإلاّ كان ذكر العالم لغواً. وأمّا انحصار وجوب الاكرام في العالم بحيث ينتفي بانتفائه فلا يستفاد منه ، إذ الوصف وإن كان مشعراً بالعلّية ، وأنّ العلم علّة لوجوب الاكرام ، إلاّ أنّه لا يدل على انحصار العلّية فيه ، فيحتمل وجوب إكرام غير العالم أيضاً لعلّة اخرى ، ككونه هاشمياً مثلاً ، وعليه فيكون مفهوم الوصف في الآية الشريفة أنّ وجوب التبين ليس ثابتاً لطبيعة الخبر ، وإلاّ لكان ذكر الفاسق لغواً ، ولايلزم منه عدم وجوب التبين عن خبر غير الفاسق على الاطلاق ، إذ لا يستفاد منه كون الوصف علّةً منحصرة لوجوب التبين كي ينتفي بانتفائه ، بل يحتمل وجوب التبين عن خبر العادل أيضاً ، إذا كان واحداً ، ويكون الفرق بين العادل والفاسق أنّ خبر الفاسق يجب التبين عنه ولو مع التعدد ، بخلاف خبر العادل ، إذ مع التعدد يكون بيّنة شرعية لا يجب التبين عنها.
فتحصّل : أنّه لا يستفاد من مفهوم الوصف انتفاء وجوب التبين عند انتفاء وصف الفسق (1).
1) محصّل ما أفاده سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) هو أنّ تقييد الحكم بالوصف منطوقه ثبوت الحكم لمحل الوصف ، ومفهومه عدم ثبوته للطبيعة أينما سرت ، وإلاّ لزم كون ذكر الوصف لغواً. فحاصل المفهوم هو السكوت عن غير محلّ الوصف فلا يستفاد من المفهوم انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف. وهذا اعتراف منه (دام ظلّه) بعدم المفهوم للوصف بالمعنى المصطلح عليه ، فإنّ الكلام على تقدير دلالته على المفهوم يكون عندهم ذا دلالتين : إحداهما الدلالة على ثبوت الحكم في محل الوصف ، والاخرى الدلالة على نفيه عن غيره. فالقول بثبوت المفهوم للوصف وعدم استفادة انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ممّا لم نتحصّل معناه وهو خارج عن المصطلح. والتحقيق في الجواب عن الاستدلال بمفهوم الوصف هو أنّه لا مفهوم له ، لأنّ دلالة الوصف على المفهوم تحتاج إلى الدلالة على كونه علّة منحصرة وهي مفقودة كما ذكره سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه العالي)
الوجه الثاني : ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره وملخّصه : أنّ لخبر الفاسق حيثيتين : إحداهما : ذاتية ، وهي كونه خبر الواحد. والاخرى : عرضية وهي كونه خبر الفاسق ، وقد علّق وجوب التبين على العنوان العرضي ، فيستفاد منه أنّه العلّة لوجوب التبين ، دون العنوان الذاتي ، وإلاّ لكان العدول عن الذاتي إلى العرضي قبيحاً وخارجاً عن طرق المحاورة ، فانّه نظير تعليل نجاسة الدم بملاقاته لمتنجس مثلاً ، وعليه فيستفاد انتفاء وجوب التبين عند انتفاء هذا العنوان العرضي ، وهو كونه خبر الفاسق (1).
وقد اورد على هذا الاستدلال بايرادات :
الايراد الأوّل : أنّ كون الخبر خبر واحد أيضاً من العناوين العرضية ، ككونه خبر فاسق ، فكل من العنوانين عرضي يحتمل دخل كليهما في الحكم ، وتخصيص أحدهما بالذكر لعلّه لنكتة كالاشارة إلى فسق الوليد مثلاً.
1) فرائد الاصول 1 : 164 و 165
وفيه : أنّ المراد بخبر الواحد في المقام هو الذي لا يفيد القطع ويحتمل الصدق والكذب في قبال المتواتر والمحفوف بالقرينة القطعية ، وهذا هو المراد من النبأ في الآية الشريفة بقرينة وجوب التبين عنه ، إذ الخبر المعلوم صدقه متبيّن في نفسه ولا معنى لوجوب التبين عنه. وبقرينة التعليل ، وهو قوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» وليس مراد الشيخ قدسسره من الذاتي في المقام هو الذاتي في باب الكلّيات أي الجنس والفصل ، بل مراده هو الذاتي في باب البرهان ، أي ما يكفي مجرد تصوّره في صحّة حمله عليه ، من دون احتياج إلى لحاظ أمر خارج كالامكان بالنسبة إلى الانسان مثلاً ، فانّه ليس جنساً ولا فصلاً له ليكون ذاتياً في باب الكلّيات ، بل ذاتي له في باب البرهان ، بمعنى أنّ تصور الانسان يكفي صحّة حمل الامكان عليه ، بلا حاجة إلى لحاظ أمر خارجي ، ومن الواضح أنّ الخبر في نفسه يحتمل الصدق والكذب ، ويصح حمل ذلك عليه ، بلا حاجة إلى ملاحظة أمر خارج عنه ، فكونه خبر واحد ذاتي له ، بخلاف كونه خبر فاسق ، إذ لا يكفي في حمله على الخبر نفس تصور الخبر ، بل يحتاج إلى ملاحظة أمر خارج عن الخبر ، وهو كون المخبر به ممّن يصدر عنه الفسق.
الايراد الثاني : أنّ الحكم على الطبيعة المهملة غير متصور ، إذ لا يعقل الاهمال في مقام الثبوت ، فلا محالة يكون الحكم بوجوب التبين عن الخبر إمّا مقيداً بكون المخبر به فاسقاً فيكون خبر العادل حجّة ، وإمّا مقيداً بالجامع بينه وبين العادل ، فلا يكون خبر العادل حجّة ، فالتقييد ضروري لا محالة إمّا بخصوص الفاسق أو بالأعم منه ومن العادل ، وحيث إنّ التقييد ضروري فالتقييد بالفاسق لا يشعر بالعلّية ليدل على المفهوم ، لاحتمال أن يكون الحكم مقيداً بالأعم منه ومن العادل وكان ذكر الفاسق لنكتة تقدّمت الاشارة إليه.
وفيه : أنّ الاهمال في مقام الثبوت وإن كان غير معقول إلاّ أنّه لا يلزم منه
كون التقييد ضرورياً بل يدور الأمر بين التقييد والاطلاق ، وقد ذكرنا مراراً أنّ الاطلاق عبارة عن رفض القيود لا الأخذ بها (1)فالقول بحجّية خبر العادل وإن كان يستلزم تقييد الخبر بالفاسق إلاّأنّ القول بعدم حجّيته لا يستلزم التقييد بالأعم منه ومن العادل بل يكفي فيه الاطلاق بمعنى إلغاء الخصوصيات لا الأخذ بجميع الخصوصيات. فإذن لا يكون التقييد ضرورياً حتّى لا يكون مشعراً بالعلّية.
الايراد الثالث : أنّا نقطع من الخارج بعدم دخل الفسق في وجوب التبين ، وإلاّ لزم القول بحجّية خبر غير الفاسق ولو لم يكن عادلاً ، كمن لم يرتكب المعصية في أوّل بلوغه ، ولم تحصل له ملكة العدالة بعد. وكذا الحال في الصغير والمجنون ، فانّه لو قلنا بمفهوم الوصف في الآية الشريفة والتزمنا بحجّية خبر غير الفاسق لزم القول بحجّية خبر الصغير والمجنون أيضاً.
وفيه : مضافاً إلى أنّا لا نقول بالواسطة بين العادل والفاسق - على ما حقق في محلّه (2)، فلا يكون غير الفاسق إلاّالعادل - أنّ رفع اليد عن إطلاق المفهوم لأدلة خاصّة دلّت على اعتبار العدالة في حجّية الخبر لا يقدح في حجّية المفهوم وكم تقييد لاطلاقات المفهوم في أبواب الفقه لأدلة خاصّة ، فعدم حجّية خبر الواسطة بين العادل والفاسق على تقدير إمكانها إنّما هو لأدلة خارجية مقيّدة لاطلاق المفهوم ، وكذا خبر الصبي والمجنون خارج عن إطلاق المفهوم لأدلة خاصّة تدل على اعتبار الكبر والعقل ، هذا مضافاً إلى إمكان القول بأ نّه لا إطلاق للمفهوم بالنسبة إليهما ، باعتبار أنّ الآية الشريفة رادعة عن العمل بغير
التبين بما يعمل العقلاء به لولا الردع ، كخبر الفاسق. وأمّا خبر الصبي والمجنون فالعقلاء بأنفسهم لا يعملون به ، بلا حاجة إلى الردع ، فهو خارج عن الآية الشريفة تخصصاً ، بلا حاجة إلى دليل مقيّد لاطلاق المفهوم.
ولا يخفى أنّ هذا الايراد غير مختص بالاستدلال بمفهوم الوصف ، بل جار على الاستدلال بمفهوم الشرط أيضاً. والجواب الجواب.
فتحصّل : أنّ هذه الايرادات الثلاثة غير واردة على الشيخ قدسسره.
نعم ، يرد عليه أنّ هذا الوجه أيضاً يرجع إلى الاستدلال بمفهوم الوصف ، لا أنّه وجه مستقل في الاستدلال بالآية الشريفة في قبال الاستدلال بمفهوم الوصف ، بل هو توضيح وبيان لكيفية الاستدلال بمفهوم الوصف ، وحينئذ يرد عليه ما تقدّم في الوجه السابق من أنّ التقييد بالوصف وإن كان مشعراً بالعلّية ، إلاّأنّ ذلك لا يدل على الانتفاء عند الانتفاء ، فانّه متفرع على كون الوصف علّة منحصرة ، وهو لا يستفاد من مجرّد التعليق على الوصف على ما تقدّم بيانه ، ولا حاجة إلى الاعادة.
الوجه الثالث : الاستدلال بمفهوم الشرط ، بتقريب أنّ وجوب التبين عن الخبر قد علّق على مجيء الفاسق به ، فينتفي عند انتفائه ، فلا يجب التبين عن الخبر عند مجيء غير الفاسق به.
وقد اورد على هذا الوجه من الاستدلال بامور بعضها راجع إلى منع المقتضي للدلالة على المفهوم ، وبعضها راجع إلى دعوى وجود المانع عنها.
أمّا الايراد من ناحية المقتضي : فهو أنّ القضيّة الشرطية في الآية الشريفة إنّما سيقت لبيان الموضوع نظير قولك : إن رزقت ولداً فاختنه ، فلا مفهوم لها ، فانّ الختان عند انتفاء الولد منتف بانتفاء موضوعه ولا مفهوم له ، فكذا في
المقام انتفاء وجوب التبين عن الخبر عند انتفاء مجي الفاسق به إنّما هو لانتفاء موضوعه لا للمفهوم ، إذ مع عدم مجي الفاسق بالخبر لا خبر هناك ليجب التبين عنه أو لا يجب.
وفيه : أنّ الموضوع في القضيّة هو النبأ ، ومجيء الفاسق به شرط لوجوب التبين عنه ، فلا تكون القضيّة الشرطية مسوقةً لبيان تحقق الموضوع ، توضيح ذلك : أنّ الجزاء تارةً يكون في نفسه متوقفاً على الشرط عقلاً ، بلا دخل للتعبد المولوي ، كما في قولك : إن رزقت ولداً فاختنه وأمثاله. واخرى يكون متوقفاً عليه بالتعبد المولوي ، كما إذا قال المولى : إن جاءك زيد فأكرمه ، فانّ الاكرام غير متوقف على المجيء عقلاً ، نظير توقف الختان على وجود الولد ، فما كان التعليق فيه من قبيل الأوّل فهو إرشاد إلى حكم العقل ، ومسوق لبيان الموضوع فلا مفهوم له ، وما كان من قبيل الثاني فهو يفيد المفهوم ، وهذا هو الميزان في كون القضيّة الشرطية مسوقةً لبيان الموضوع وعدمه.
ثمّ إنّ الشرط قد يكون أمراً واحداً وقد يكون مركّباً من أمرين ، فإن كان أمراً واحداً فقد تقدّم أنّه إن كان الأمر المذكور ممّا يتوقف عليه الجزاء عقلاً فلا مفهوم للقضيّة ، وإلاّ فتدل على المفهوم. وأمّا إن كان مركّباً من أمرين ، فإن كان كلاهما ممّا يتوقف عليه الجزاء عقلاً ، فلا مفهوم للقضيّة الشرطية أصلاً ، كقولك : إن رزقك اللّه مولوداً وكان ذكراً فاختنه ، وإن كان كلاهما ممّا لا يتوقف عليه الجزاء عقلاً ، فالقضيّة تدل على المفهوم بالنسبة إلى كليهما ، بمعنى أنّها تدل على انتفاء الجزاء عند انتفاء كل واحد منهما ولو مع تحقق الآخر ، كقولك : إن جاءك زيد وكان معمماً فأكرمه ، فانّه يدل على انتفاء وجوب الاكرام عند انتفاء المجيء ولو كان معماً ، وعلى انتفاء وجوب الاكرام عند انتفاء كونه معمماً ولو مع تحقق المجيء. وإن كان أحدهما ممّا يتوقف عليه الجزاء عقلاً دون الآخر
كقولك : إن ركب الأمير وكان ركوبه يوم الجمعة فخذ ركابه ، فتدل القضيّة على المفهوم بالنسبة إلى الجزء الذي لا يتوقف عليه الجزاء عقلاً ، دون الجزء الآخر الذي يتوقف عليه الجزاء عقلاً. وقد ظهر وجه ذلك كلّه ممّا تقدّم.
وليعلم أنّ تميّز الجزء الذي اخذ موضوعاً للحكم في مقام الاثبات عن الجزء الذي علّق عليه الحكم إنّما هو بالاستظهار من سياق الكلام بحسب متفاهم العرف ، فانّ الظاهر من قولك : إن جاءك زيد فاكرمه ، أنّ الموضوع هو زيد ، ومجيئه ممّا علّق عليه وجوب إكرامه ، وينعكس الأمر فيما إذا قلت : إن كان الجائي زيداً فأكرمه ، فانّ الظاهر منه أنّ الجائي هو الموضوع وكونه زيداً شرط لوجوب إكرامه وهكذا في سائر الأمثلة.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ الشرط في الآية المباركة - بحسب التحليل - مركب من جزأين : النبأ ، وكون الآتي به فاسقاً ، ويكون أحدهما وهو النبأ موضوعاً للحكم المذكور في الجزاء ، لتوقفه عليه عقلاً ، فلا مفهوم للقضيّة بالنسبة إليه ، والجزء الآخر وهو كون الآتي به فاسقاً ممّا لا يتوقف عليه الجزاء عقلاً ، فتدل القضيّة على المفهوم بالنسبة إليه ، ومفاده عدم وجوب التبين عنه عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً وهو المطلوب (1).
1) ما ذكره (دام ظلّه) من التفصيل وإن كان متيناً جداً ، إلاّأنّ تطبيق تركب الشرط من جزأين على الآية الشريفة لا يخلو من تأمّل ، فانّ المراد هو التركيب المستفاد من ظاهر الجملة الشرطية كما مثّل له (دام ظلّه) لا بحسب التحليل ، لأنّ التحليل يمكن في كل شرط ، فالشرط في قول المولى : إن جاءك زيد فأكرمه ، أمر واحد وبحسب التحليل أمران : زيد ومجيؤه ، نظير النبأ ومجيء الفاسق به. والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الآية الشريفة لا دلالة لها على المفهوم ، فانّ التبيّن عند عدم مجيء الفاسق بنبأ منتفٍ بانتفاء موضوعه كما اعترف به سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) فيما سيأتي من كلامه في الدورة السابقة. وعليه لا يبقى شيء تحت الثاني أو يكون الباقي قليلاً جدّاً
وتوهّم أنّه لا مناص من أن يكون الموضوع في الآية المباركة هو نبأ الفاسق لا طبيعي النبأ ، إذ لو كان الموضوع طبيعي النبأ وكان مجيء الفاسق به شرطاً لوجوب التبين ، لزم التبين عن كل نبأ حتّى نبأ العادل عند مجيء الفاسق بنبأ ، لأنّ المفروض وجوب التبين عن طبيعي النبأ على تقدير مجيء الفاسق بنبأ ، وهذا مقطوع البطلان ، فتعيّن أن يكون الموضوع نبأ الفاسق ، فتكون القضيّة الشرطية مسوقة لبيان الموضوع ولا تدل على المفهوم.
مدفوع بأنّ القيود وإن كانت تختلف بحسب مقام الاثبات من حيث الرجوع إلى الحكم تارةً وإلى الموضوع اخرى ، فانّ القيد قد يرجع - بحسب ظاهر القضيّة ومقام الاثبات - إلى الموضوع كالتوصيف وكذا الشرط فيما إذا كان توقف الجزاء عليه عقلاً ، وقد يرجع إلى الحكم كالشرط فيما إذا لم يتوقف الجزاء عليه عقلاً ، ولا يكون للقضيّة مفهوم إلاّفيما إذا كان القيد راجعاً إلى الحكم ليدل على انتفاء الحكم عند انتفائه باعتبار أنّ مفاد أداة الشرط تعليق جملة على جملة بحسب ظاهر الكلام كما صرّح به أهل العربية وعلماء الميزان ، إلاّ أنّه بحسب مقام الثبوت فالقيود بأجمعها ترجع إلى الموضوع ، لاستحالة ثبوت الحكم المقيد للموضوع المطلق. وعليه فالحكم بوجوب التبين عن النبأ معلّقاً على كون الجائي به فاسقاً لا يقتضي وجوب التبين عن كل نبأ حتّى نبأ العادل ، فانّ مجيء الفاسق بنبأ وإن كان قيداً للحكم إثباتاً ، وينشأ منه المفهوم ، إلاّ أنّه يرجع إلى الموضوع بحسب اللب ومقام الثبوت ، ولازمه وجوب التبين عن النبأ الذي جاء به الفاسق ، ونظير المقام قوله عليهالسلام : «إذا بلغ الماء قدر
كر لم ينجّسه شيء» (1)فانّ الموضوع بحسب ظاهر القضيّة وإن كان طبيعي الماء ، وبلوغه قدر الكر شرط لعدم الانفعال ، إلاّ أنّه لا يقتضي الحكم بعدم انفعال كل ماء بالملاقاة إذا اتّصف فرد منه بالكرية ، بل مقتضاه عدم انفعال خصوص الماء الذي بلغ قدر كر.
وبالجملة : مفاد الكلام بحسب الظهور العرفي عدم انفعال خصوص الماء البالغ قدر الكر ، لا عدم انفعال كل ماء حتّى القليل بمجرد اتصاف فرد منه بالكرية ، وكذا في المقام فانّ مفاد الكلام بحسب فهم العرف هو وجوب التبين عن الخبر الذي جاء به الفاسق لا وجوب التبين عن كل خبر حتّى خبر العادل بمجرد مجيء الفاسق بفرد منه. وكأنّ المتوهم خلط بين رجوع القيد إلى الموضوع في مقام الاثبات ورجوعه إليه في مقام الثبوت.
وظهر بما ذكرناه في المقام الاشكال على ما ذكره في الكفاية : من دلالة الآية على حجّية خبر العادل ولو كانت القضيّة مسوقة لبيان الموضوع ، بدعوى ظهورها في حصر وجوب التبين في خبر الفاسق فيستفاد عدم وجوبه عن غيره (2)، وذلك لما تقدّم من أنّ القضيّة الشرطية لو كانت مسوقة لبيان الموضوع لا تفيد إلاّكون الموضوع للحكم أمراً كذا ، ومن الواضح أنّ إثبات الحكم لموضوع لا يدل على انتفائه عن موضوع آخر. وبعبارة اخرى : استفادة الحصر من الآية المباركة تتوقف على دلالتها على المفهوم ، وبعد تسليم أنّها مسوقة لبيان الموضوع لا مفهوم لها فكيف تصح دعوى ظهورها في الحصر.
هذا وقد ذكرنا في الدورة السابقة أنّ دلالة القضيّة الشرطية على المفهوم
متوقفة على أن يكون الموضوع مفروض الوجود وكان له حالتان ، وقد علّق الحكم على إحدى حالتيه تعليقاً مولوياً ، بأن لا يكون متوقفاً عليها عقلاً ، وهذا هو الميزان الكلّي في دلالة القضيّة الشرطية على المفهوم ، ففي قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، كان الموضوع المفروض وجوده هو زيد ، وله حالتان المجيء وعدمه ، وعلّق وجوب الاكرام على مجيئه تعليقاً مولوياً ، إذ لا يكون الاكرام متوقفاً على المجيء عقلاً ، فتدل القضيّة على انتفاء وجوب الاكرام عند انتفاء المجيء ، بخلاف قولنا : إن ركب الأمير فخذ ركابه ، فانّ الموضوع فيه وهو الأمير وإن كان له حالتان الركوب وعدمه ، إلاّأنّ تعليق أخذ الركاب على ركوبه عقلي ، فتكون القضيّة مسوقةً لبيان الموضوع وإرشاداً إلى حكم العقل ، فلا مفهوم لها ، وعليه فإن كان الموضوع في الآية المباركة هو النبأ وله حالتان مجيء الفاسق به ومجيء غير الفاسق به ، إذ النبأ قد يجيء به غيره ، وقد علّق وجوب التبين عنه على مجيء الفاسق به مولوياً ، إذ لا يكون متوقفاً عليه عقلاً ، ويكون مفاد الكلام حينئذ : إنّ النبأ إن جاءكم به فاسق فتبيّنوا ، فلا محالة تدل القضيّة على المفهوم ، وانتفاء وجوب التبين عند انتفاء مجي الفاسق به ، وكذلك الحال إن كان الموضوع هو الجائي بالنبأ المستفاد من قوله تعالى : «أَنْ جاءَكُمْ» فانّ الجائي بالنبأ قد يكون فاسقاً وقد يكون غير فاسق ، وقد علّق وجوب التبين على كونه فاسقاً ، ولا يكون متوقفاً عليه عقلاً ، ويكون مفاد الكلام حينئذ : أنّ الجائي بالنبأ إن كان فاسقاً فتبينوا ، فتدل القضيّة على المفهوم وانتفاء وجوب التبين عند انتفاء كون الجائي بالنبأ فاسقاً.
وأمّا إن كان الموضوع هو الفاسق وله حالتان ، لأنّ الفاسق قد يجيء بالنبأ وقد لا يجيء به ، وعلّق وجوب التبين على مجيئه بالنبأ ، ويكون مفاد الكلام حينئذ : أنّ الفاسق إن جاءكم بنبأ فتبينوا ، فلا دلالة للقضيّة على المفهوم ، لأنّ
التبين متوقف على مجيئه بالنبأ عقلاً ، فتكون القضيّة مسوقةً لبيان الموضوع ، إذ مع عدم مجيئه بالنبأ كان التبين منتفياً بانتفاء موضوعه ، فلا مفهوم للقضيّة الشرطية في الآية المباركة. هذه هي محتملات الآية الشريفة بحسب التصور ومقام الثبوت.
والظاهر منها في مقام الاثبات بحسب الفهم العرفي هو المعنى الثالث ، فانّه لا فرق بين الآية الشريفة وبين قولنا : إن أعطاك زيد درهماً فتصدق به من حيث المفهوم. والظاهر من هذا الكلام - بحسب متفاهم العرف - وجوب التصدق بالدرهم على تقدير إعطاء زيد إيّاه. وامّا على تقدير عدم إعطاء زيد درهماً ، فالتصدق به منتف بانتفاء موضوعه ، وذلك لأنّ الموضوع بحسب فهم العرف هو زيد ، وله حالتان فانّه قد يعطي درهماً وقد لا يعطيه ، وقد علّق وجوب التصدق بالدرهم على إعطائه إيّاه ، وهو متوقف عليه عقلاً ، إذ على تقدير عدم إعطاء زيد درهماً يكون التصدق به منتفياً بانتفاء موضوعه ، فالقضيّة مسوقة لبيان الموضوع ، ولا دلالة لها على المفهوم وانتفاء وجوب التصدق بالدرهم عند إعطاء غير زيد إيّاه ، والآية الشريفة من هذا القبيل بعينه ، فلا دلالة لها على المفهوم ، ولا أقل من الشك في أنّ مفادها هو المعنى الأوّل أو الثاني أو الثالث ، فتكون مجملة غير قابلة للاستدلال بها على حجّية خبر العادل.
فتحصّل : أنّ دلالة الآية الشريفة على المفهوم غير تامّة من ناحية المقتضي مع قطع النظر عن وجود المانع من عموم التعليل أو غيره ، على ما سنتكلّم فيه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا الايراد من ناحية وجود المانع عن دلالة الآية الشريفة على المفهوم فمن وجوه :
الوجه الأوّل : أنّ في الآية قرينة تدل على أنّه لا مفهوم للقضيّة الشرطية ،
وهي عموم التعليل في قوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» فانّ المراد منه أنّ العمل بخبر الفاسق معرض للوقوع في المفسدة ، والتعبير باصابة القوم إنّما هو لخصوصية مورد نزول الآية ، وإلاّ فالعمل بخبر الفاسق لا يستلزم إصابة القوم دائماً ، لأنّ الفاسق لا يخبر دائماً بما يرجع إلى القوم ، بل ربّما يخبر عن ملكية شيء أو زوجية شخص أو غيرهما ، فلا محالة يكون المراد من التعليل أنّ العمل بخبر الفاسق معرض للوقوع في المفسدة ومظنّة للندامة ، وهذه العلّة تقتضي التبين في خبر العادل أيضاً ، لأنّ عدم تعمده بالكذب لا يمنع عن احتمال غفلته وخطئه ، فيكون العمل بخبره أيضاً معرضاً للوقوع في المفسدة ، فيكون مفاد التعليل عدم جواز العمل بكل خبر لا يفيد العلم ، بلا فرق بين أن يكون الآتي به فاسقاً أو عادلاً ، فهذا العموم في التعليل قرينة على عدم المفهوم للقضيّة الشرطية في الآية ، ولا أقل من احتمال كونه قرينة عليه ، فيكون الكلام مقروناً بما يصلح للقرينية ، فيكون مجملاً غير ظاهر في المفهوم.
وفيه أوّلاً : أنّ الايراد المذكور مبني على أن يكون المراد من الجهالة في التعليل عدم العلم ، والظاهر أنّ المراد منه السفاهة والاتيان بما لا ينبغي صدوره من العاقل ، فانّ الجهالة كما تستعمل بمعنى عدم العلم كذلك تستعمل بمعنى السفاهة أيضاً ، وليس العمل بخبر العادل سفاهة ، كيف والعقلاء يعملون بخبر الثقة فضلاً عن خبر العادل. وأمّا الاشكال على ذلك بأنّ العمل بخبر الوليد لو كان سفاهة لما أقدم عليه الصحابة ، مع أنّهم أقدموا عليه ونزلت الآية ردعاً لهم ، فمندفع بأنّ الأصحاب لم يعلموا بفسق الوليد فأقدموا على ترتيب الأثر على خبره ، فأخبرهم اللّه سبحانه بلسان نبيّه صلىاللّهعليهوآله بفسقه ، وأنّ العمل بخبره بعد ثبوت فسقه سفاهة ، ولو فرض علمهم بفسقه كان إقدامهم على العمل بخبره لغفلتهم عن كونه سفاهة ، فانّه قد يتّفق صدور عمل من الانسان غفلة ،
ثمّ يلتفت إلى كونه ممّا لا ينبغي صدوره وأ نّه سفاهة.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم أنّ المراد من الجهالة عدم العلم لا السفاهة ، لايكون التعليل مانعاً عن المفهوم ، بل المفهوم - على تقدير دلالة القضيّة الشرطية عليه بنفسها - يكون حاكماً على عموم التعليل ، إذ خبر العادل حينئذ يكون علماً تعبدياً ، على ما ذكرناه مراراً من أنّ مفاد دليل حجّية الطرق والأمارات هو تتميم الكشف ، وجعل غير العلم علماً بالاعتبار (1)، فيكون خبر العادل خارجاً عن عموم التعليل موضوعاً ، ويكون المفهوم حاكماً على عموم التعليل ، نظير حكومة الأمارات على الاصول العملية.
وبعبارة اخرى : الأدلة المتكفلة لبيان الأحكام لا تتكفل لاثبات الموضوع ، فانّ مفادها ثبوت الحكم على الموضوع المقدّر وجوده. وأمّا كون الموضوع موجوداً أو غير موجود فهو خارج عن مفادها ، وعليه فمفاد التعليل عدم حجّية كل خبر غير علمي. وأمّا كون خبر فلان علمياً أو غير علمي فهو خارج عن مفاده ، فيكون المفهوم الدال على كون خبر العادل علماً بالتعبد حاكماً على عموم التعليل ، فلا تنافي بينه وبين المفهوم كي يكون عموم التعليل قرينةً على عدم المفهوم للقضيّة الشرطية ، نعم لو لم يكن المفهوم حاكماً على التعليل وقع التنافي بينهما ، فأمكن الالتزام بأنّ عموم التعليل مانع عن ظهور القضيّة الشرطية في المفهوم ، كما إذا قيل : إن كان هذا رماناً فلا تأكله لأنّه حامض ، فانّ مقتضى عموم التعليل المنع عن أكل كل حامض ، ومقتضى مفهوم القضيّة الشرطية جواز الأكل إن لم يكن رماناً ، فيقع التنافي بينهما في حامض غير الرمان ، فيكون عموم التعليل مانعاً عن ظهور القضيّة الشرطية في المفهوم ، وهذا بخلاف الآية الشريفة ، فانّ المفهوم فيها حاكم على عموم التعليل على ما
1) تقدّم في ص 120
عرفت ، فلا تنافي بينهما ليكون التعليل مانعاً عن ظهور الجملة الشرطية في المفهوم.
ثمّ إنّه ربّما يستشكل على كون المفهوم حاكماً على التعليل بأ نّه لو اقتصر في التعليل بقوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» لأمكن الالتزام بكون المفهوم حاكماً على التعليل ، باعتبار أنّ خبر العادل قد اعتبر علماً بالتعبد ، فهو خارج عن الجهالة موضوعاً ببركة التعبد. ولكن التعليل في الآية المباركة مذيّل بما يكون معه مانعاً عن المفهوم ، وهو قوله تعالى : «فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» إذ الندم لا يكون إلاّلأجل الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع. وهذا التعليل مانع عن المفهوم ، لأنّ العمل بخبر العادل أيضاً لا يؤمن معه من الندم الناشئ من الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع.
وفيه : أنّ الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع تارةً يكون مع العمل بالوظيفة المقررة شرعاً. واخرى يكون مع عدم العمل بها ، والأوّل كما إذا عمل بالبيّنة الشرعية في مورد ثمّ انكشف خلافها ، والثاني كما إذا عمل بخلاف البيّنة فوقع في مفسدة مخالفة الواقع ، والندم في القسم الأوّل ممّا لا أثر له ، إذ المكلف فيه معذور في مخالفة الواقع ، ولا يكون مستحقاً للعقاب ، بخلاف الندم في القسم الثاني ، فانّ المكلف لايكون معذوراً في مخالفة الواقع ، ويكون مستحقاً للعقاب.
وليس المراد من الندم في الآية الشريفة هو القسم الأوّل قطعاً وإلاّ يسقط جميع الأمارات والطرق عن الحجّية في الشبهات الحكمية والموضوعية ، لأنّ احتمال الوقوع في مخالفة الواقع موجود في الجميع ، بل في القطع الوجداني أيضاً ، لاحتمال كونه جهلاً مركباً ، وإن لم يكن القاطع ملتفتاً حين قطعه إلى ذلك.
وبالجملة : مجرد الندم على الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع مع كون المكلف عاملاً بالوظيفة غير مستحق للعقاب لا يكون منشأ لأثر من الآثار ، ولا يصحّ
التعليل به ، فالمراد من الندم في الآية الشريفة هو القسم الثاني - أي الندامة على الوقوع في مفسدة مخالفة الواقع ، مع كونه غير معذور في ذلك مستحقاً للعقاب - وخبر العادل على تقدير حجّيته خارج عن هذا التعليل موضوعاً ، إذ المكلف العامل بالحجّة المعتبرة معذور في مخالفة الواقع غير مستحق للعقاب ، فصحّ ما ذكرناه من أنّ المفهوم على تقدير دلالة الجملة الشرطية عليه بنفسها حاكم على عموم التعليل ، لا أنّ التعليل مانع عن المفهوم.
وقد يستشكل أيضاً على كون المفهوم حاكماً على التعليل بأنّ معنى الحكومة أن يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى المحكوم وشارحاً له بالتوسعة أو بالتضييق في الموضوع بلحاظ الأثر الثابت له في الدليل المحكوم ، فيكون الدليل الحاكم مثبتاً لذلك الأثر لغيره ، بلسان ثبوت الموضوع ، كما في قوله عليهالسلام : «الفقّاع خمر استصغره الناس» (1)أو نافياً له عن بعض مصاديقه بلسان نفي الموضوع كقوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (2)فيكون الحاكم دائماً ناظراً إلى الأثر الثابت في الدليل المحكوم فيثبته بلسان ثبوت الموضوع أو ينفيه بلسان نفي الموضوع ، وهذا هو معنى الحكومة ، وهو لا ينطبق على المقام ، إذ المستفاد من المفهوم أوّلاً عدم وجوب التبين عن خبر العادل ، ويستكشف منه أنّ الشارع قد اعتبره علماً فلا معنى للحكومة بمعنى خروج خبر العادل عن التعليل موضوعاً بلحاظ عدم وجوب التبين عنه ، إذ المفروض أنّ عدم وجوب التبين عن خبر العادل هو المستفاد من المفهوم أوّلاً ثمّ يستكشف منه أنّ الشارع قد اعتبره علماً ، فكيف يمكن الالتزام بأ نّه خارج عن عموم التعليل
موضوعاً فلا يجب التبين عنه.
وإن شئت قلت : إنّ الحكومة إنّما هي فيما إذا كان لسان الدليل الحاكم نفي الموضوع وكان الغرض منه نفي الحكم كما في قوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» وأمّا لو كان لسان الدليل نفي الحكم من أوّل الأمر فليس هناك حكومة بل تخصيص لا محالة كما لو كان لسان الدليل هكذا : لا يحرم الرِّبا بين الوالد والولد فانّه مخصص لأدلة حرمة الرِّبا لا أنّه حاكم عليها ، والمقام من هذا القبيل بعينه ، إذ المستفاد من المفهوم أوّلاً عدم وجوب التبين عن خبر العادل ويستكشف منه حجّيته وأ نّه اعتبر علماً فيكون المفهوم مخصصاً للتعليل الدال على وجوب التبين عن كل خبر غير علمي لا أنّه حاكم عليه ، والمفروض عدم إمكان الالتزام بالتخصيص لكون ظهور العام أقوى من ظهور القضيّة الشرطية في المفهوم ، بل التعليل بنفسه آبٍ عن التخصيص في نفسه ، وكيف يمكن الالتزام بالتخصيص في مثل قوله تعالى : «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» فيكون التعليل مانعاً عن انعقاد الظهور للقضيّة الشرطية في المفهوم.
هذا ملخّص الاشكال الذي ذكره بعض الأعاظم (1)بتوضيح منّا ، والانصاف أنّه كلام علمي دقيق وإن كان غير تام ، إذ يمكن الجواب عنه بأنّ الحكومة على قمسين :
القسم الأوّل : هو ما ذكر في الاشكال وهو أن يكون الحاكم ناظراً إلى المحكوم وشارحاً له بالتصرّف في الموضوع تضييقاً أو توسعة بلحاظ الأثر الثابت له في الدليل المحكوم وقد ذكر أمثلته ، وهذا النوع من الحكومة إنّما هو فيما إذا لم يكن الموضوع بنفسه قابلاً للتعبد كالخمر في قوله عليهالسلام :
1) نهاية الأفكار 3 : 115
«الفقّاع خمر استصغره الناس» (1)، وكذا الرِّبا بين الوالد والولد ، فانّ الفقّاع ليس من أفراد الخمر بالوجدان فكيف يمكن التعبد بأ نّه خمر مع قطع النظر عن الأثر الشرعي ، وكذا الرِّبا بمعنى الزيادة موجود بين الوالد والولد بالوجدان ، فكيف يمكن التعبد بأ نّه لا ربا بينهما مع قطع النظر عن الأثر الشرعي ، فلا محالة يكون التعبد ناظراً إلى الأثر الشرعي الثابت للموضوع فيثبته لغيره كما في قوله عليهالسلام : «الفقّاع خمر» أو ينفيه عن بعض مصاديقه كما في قوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (2)غاية الأمر أنّ إثبات الأثر ونفيه إنّما هو بلسان نفي الموضوع وإثباته.
القسم الثاني من الحكومة : ما إذا كان الموضوع بنفسه قابلاً للتعبد بلا احتياج إلى لحاظ أثر شرعي فيتعبد بموضوع ولو لم يكن له أثر شرعي أصلاً كالعلم فانّه يصح أن يعتبر الشارع أمارةً غير علمية علماً وإن لم يكن للعلم أثر شرعي أصلاً ، فيترتب على الأمارة الآثار العقلية للعلم من التنجيز والتعذير ، والمقام من هذا القبيل فانّه بعد ما استفدنا من المفهوم عدم وجوب التبين عن خبر العادل يستكشف منه أنّ خبر العادل قد اعتبر علماً للملازمة بينهما ، فيكون خبر العادل خارجاً عن عموم التعليل موضوعاً بالتعبد ، وهو من الحكومة بهذا المعنى الثاني لا بمعنى أنّ خبر العادل قد اعتبر علماً بلحاظ أثره الشرعي وهو عدم وجوب التبين عنه فانّه ليس من آثار العلم بل لا معنى له ، إذ العلم هو نفس التبين فلا يعقل أن يكون عدم وجوب التبين من آثاره ، ومن هذا النوع من الحكومة حكومة الأمارات على الاصول العملية وحكومة قاعدة الفراغ والتجاوز على الاصول الجارية في الشبهات الموضوعية ، فلا مانع من كون المفهوم حاكماً على عموم التعليل مع قطع النظر عن لحاظ ترتب الأثر
وهو عدم وجوب التبين فلاحظ وتأمّل.
وقد يستشكل أيضاً على كون المفهوم حاكماً على التعليل : بأنّ المفهوم متفرع على المنطوق ومترتب عليه ، لأنّ دلالة اللفظ على المعنى الالتزامي فرع دلالته على المعنى المطابقي كما هو ظاهر ، فالمفهوم متأخر رتبة عن المنطوق تأخر المعلول عن علّته ، وحيث إنّ المنطوق متأخر رتبة عن التعليل لكونه معلولاً له فلا يعقل أن يكون المفهوم حاكماً على التعليل ، إذ ما يكون متأخراً عن الشيء رتبة لا يمكن أن يكون حاكماً عليه.
وهذا الاشكال مردود بوجوه :
الأوّل : أنّ تأخر المفهوم عن المنطوق إنّما هو في مقام الكشف والدلالة ، بمعنى أنّ دلالة القضيّة على المفهوم متأخرة رتبة عن دلالتها على المنطوق ، وأمّا نفس المفهوم فليس متأخراً عن المنطوق. وبعبارة اخرى : عدم وجوب التبين عن خبر العادل ليس متأخراً عن وجوب التبين عن خبر الفاسق ، وبعبارة ثالثة واضحة : حجّية خبر العادل ليست متأخرة عن عدم حجّية خبر الفاسق بل المتأخر كشف القضية عن حجية خبر العادل عن كشفها عن عدم حجية خبر الفاسق ، والحاكم على التعليل إنّما هو نفس المفهوم لا كشفه ، فما هو متأخر رتبة عن المنطوق ليس حاكماً على التعليل وما هو حاكم عليه ليس متأخراً عن المنطوق.
الثاني : أنّه لو سلّم كون المفهوم بنفسه متأخراً عن المنطوق كان ذلك مانعاً عن الحكومة بالمعنى الأوّل ، وهي أن يكون الحاكم ناظراً إلى المحكوم وشارحاً له ، باعتبار أنّ ما يكون متأخراً عن الشيء رتبةً لا يعقل أن يكون شارحاً له.
وأمّا الحكومة بالمعنى الثاني ، وهي أن يكون مفاد الحاكم خارجاً موضوعاً عن مفاد المحكوم بالتعبد فلا مانع منها ، إذ كون المفهوم متأخراً عن المنطوق رتبة لا يمنع من خروج المفهوم عن عموم التعليل موضوعاً بالتعبد كما هو واضح.
الثالث : أنّه لو سلّم كون التأخر الرتبي مانعاً عن الحكومة بكلا معنييها فانّما هو فيما إذا كان التعليل مولوياً ، بأن يكون المراد منه حرمة إصابة القوم بجهالة. وأمّا إذا كان التعليل إرشاداً إلى ما يحكم به العقل من عدم جواز العمل بما لا يؤمن معه من العقاب المحتمل فلا مانع من كون المفهوم حاكماً عليه ، إذ بعد حجّية خبر العادل كان العمل به مأموناً من العقاب وكان خارجاً عن حكم العقل موضوعاً ، وقد ذكرنا سابقاً (1)أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ومنها التعليل في آية النبأ إرشاد إلى حكم العقل.
الوجه الثاني من الاشكال على الاستدلال بالآية الشريفة : أنّه إن اريد بالتبين المذكور في الآية خصوص العلم فيكون العمل به لا بخبر الفاسق ، إذ مع العلم الوجداني كان ضم خبر الفاسق إليه من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الانسان ، وحيث إنّ العمل بالعلم الوجداني واجب عقلاً كان الأمر به في الآية الشريفة إرشاداً إليه لا محالة ، ولا يستفاد المفهوم من الأمر الارشادي ، فلا مفهوم للآية الشريفة ، وإن اريد بالتبين مجرّد الوثوق يقع التنافي بين المفهوم والمنطوق بمعنى عدم إمكان العمل بهما معاً ، إذ مقتضى المنطوق حجّية خبر الفاسق الموثوق به ، بأن يكون متحرزاً عن الكذب وإن لم يكن عادلاً ، ومقتضى المفهوم حجّية خبر العادل وإن لم يحصل الوثوق به كما إذا كان معرضاً عنه عند الأصحاب ، والعلماء بين من اعتبر العدالة في حجّية الخبر ولم يكتف بمجرّد الوثوق ، وبين من اعتبر الوثوق ولم يعمل بخبر العادل الذي لا يوجب الوثوق كما إذا كان معرضاً عنه عند الأصحاب. فالجمع بين العمل بخبر الفاسق الموثوق به بمقتضى المنطوق والعمل بخبر العادل وإن لم يوجب الوثوق بمقتضى المفهوم إحداث لقول ثالث. وهذا هو المراد من عدم إمكان العمل بالمنطوق والمفهوم
1) في ص 132 و 177
معاً ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن أحدهما ، ولا ينبغي الشك في أنّ المتعيّن هو رفع اليد عن المفهوم لأنّه مترتب على المنطوق ومتفرع عليه فلا يمكن الأخذ به مع رفع اليد عن المنطوق ، فتكون النتيجة أنّه لا مفهوم للآية المباركة على كلا التقديرين.
وهذا الاشكال غير وارد على الاستدلال بالآية ، سواء كان المراد من التبين هو خصوص العلم أو مجرد الوثوق ، وذلك لأنّه إن كان المراد منه خصوص العلم لايلزم منه انتفاء المفهوم ، إذ ليس في الآية أمر بالعمل بالعلم ليكون إرشاداً إلى حكم العقل ، بل أمر بتحصيل العلم عند إرادة العمل بخبر الفاسق ، ومفهومه عدم وجوب تحصيل العلم عند العمل بخبر العادل ، ولازمه حجّية خبر العادل وهو المطلوب.
وإن كان المراد مجرد الوثوق لا يلزم التنافي بين المنطوق والمفهوم أصلاً ، إذ مقتضى المنطوق حجّية خبر الفاسق الموثوق به كما ذكر ولا كلام فيه ، ومقتضى المفهوم حجّية خبر العادل وإن لم يوجب الوثوق كما إذا أعرض الأصحاب عنه.
فإن قلنا بأنّ إعراض المشهور لايوجب سقوط الخبر عن الحجّية ولا عملهم بخبر ضعيف يوجب الانجبار على ما اخترناه أخيراً (1)، فلا محذور حينئذ ، إذ يؤخذ بالمفهوم على إطلاقه ، ويحكم بحجّية خبر العادل ولو مع إعراض المشهور عنه.
وإن قلنا بأنّ إعراض المشهور يوجب سقوط الخبر عن الحجّية ، واعتمادهم يوجب الانجبار كما هو المشهور ، فيرفع اليد عن إطلاق المفهوم ويقيّد بما إذا لم يكن معرضاً عنه عند الأصحاب ، وليس فيه تناف بين المنطوق والمفهوم ولا إحداث قول ثالث.
1) يأتي الكلام فيه في ص 235
هذا كلّه مضافاً إلى أنّه ليس المراد من التبين خصوص العلم ولا خصوص الوثوق ، بل المراد منه هو الجامع الأعم منهما ، على ما سيجيء تحقيقه قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
الوجه الثالث من الاشكال : أنّ مورد الآية هو الاخبار بارتداد بني المصطلق ، ولا إشكال في عدم صحّة الاعتماد على خبر العدل الواحد في ارتداد شخص واحد فضلاً عن ارتداد جماعة ، فلو كان للآية الشريفة مفهوم لزم خروج المورد ، وهو أمر مستهجن لا يمكن الالتزام به ، فيستكشف من ذلك أنّه لا مفهوم لها.
وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (2)قدسسره بما حاصله : أنّ الموضوع لوجوب التبين عن النبأ هو طبيعي الفاسق ، فيشمل الواحد والاثنين والأكثر ، ما لم يصل إلى حدّ التواتر ، فيكون الموضوع في المفهوم أيضاً طبيعي العادل ، وإطلاقه وإن كان يشمل الواحد والأكثر ، إلاّ أنّه يرفع اليد عن الاطلاق في خصوص المورد ويقيد بالمتعدد ، وليس فيه خروج المورد عن المفهوم.
وأورد عليه بعض الأعاظم (3)بأ نّه إن كان التبين بمعنى العلم ، كان العمل به واجباً عقلاً ، فيكون الأمر به إرشادياً لا مفهوم له على ما تقدّم (4)، وإن كان بمعنى الوثوق لزم خروج المورد من منطوق الآية ، ضرورة عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق الموثوق به في الارتداد ، وخروج المورد أمر مستهجن كما تقدّم.
وفيه أوّلاً : ما تقدّم من أنّه لو كان المراد من التبين هو العلم لا يلزم كون
الأمر في الآية إرشادياً ، إذ الواجب عقلاً هو العمل بالعلم ، والمستفاد من الآية هو تحصيل العلم لا العمل به.
وثانياً : أنّ التبين المذكور في الآية ليس بمعنى العلم ليلزم كون الأمر إرشادياً ، ولا بمعنى الوثوق ليلزم خروج المورد عن المنطوق ، بل المراد منه المعنى اللغوي وهو الظهور ، كما يقال إنّ الشيء تبين إذا ظهر ، فالأمر بالتبين أمر بتحصيل الظهور وكشف الحقيقة في النبأ الذي جاء به الفاسق ، وهو كناية عن عدم حجّية خبر الفاسق في نفسه ، فيجب عند إرادة العمل بخبره تحصيل الظهور وكشف الواقع من الخارج. ومن الظاهر أنّ ظهور الشيء بطبعه إنّما هو بالعلم الوجداني ، وأمّا غيره فيحتاج إلى دليل يدل على تنزيله منزلة العلم ، ومفهوم الآية عدم وجوب التبين في خبر العادل ، فيدل بالملازمة العرفية على حجّيته ، فيكون ظاهراً بنفسه بلا احتياج إلى تحصيل الظهور من الخارج ، فلو كنّا نحن والآية الشريفة لم نعمل بخبر الفاسق في شيء من الموارد بمقتضى المنطوق ، وعملنا بخبر العادل في جميع الموارد بمقتضى المفهوم. إلاّ أنّه في كل مورد ثبتت حجّية خبر الثقة فيه كما في الأحكام الشرعية ، إذ قد ثبتت حجّيته فيها بالسيرة القطعية الممضاة عند الشارع ، على ما سيجيء الكلام فيها قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى ، بل في الموضوعات أيضاً إلاّفيما اعتبرت فيه البيّنة الشرعية ، كما في موارد الترافع مثلاً.
فيستكشف من دليل حجّية خبر الثقة أنّ الشارع قد اعتبره ظهوراً ، فلا يلزم منه رفع اليد عن المنطوق ، لأنّ مفاد المنطوق تحصيل الظهور عند العمل بخبر الفاسق ، وبعد كون خبر الثقة حجّة في مورد بحكم الشارع يحصل الظهور به في ذلك المورد ، وفي كل مورد ثبت من الشرع اعتبار البيّنة الشرعية وعدم
1) في ص 229
جواز الاعتماد على خبر العدل الواحد فيه ، فضلاً عن خبر الثقة غير العادل ، كما في موارد الترافع ، وفي الاخبار عن مثل الارتداد يستكشف منه أنّ الشارع لم يعتبر خبر العدل الواحد فيه ظهوراً ، فيلزم تقييد المفهوم الدال على حجّية خبر العادل على الاطلاق بما إذا كان متعدداً ، كما ذكره الشيخ قدسسره.
فتحصّل : أنّ عدم صحّة الاعتماد على خبر الفاسق الموثوق به في مورد الآية - وهو الاخبار عن الارتداد - إنّما هو لدليل دلّ على اعتبار البيّنة الشرعية في مثله ، فيستكشف منه أنّ الشارع لم يعتبره ظهوراً ، فليس فيه خروج عن المنطوق ، بل مطابق للمنطوق ، وكذا عدم صحّة الاعتماد في المورد على خبر العدل الواحد إنّما هو لما دلّ على اعتبار البيّنة الشرعية ، فيكون تقييداً للمفهوم بالدليل الخارج لا رفع اليد عن المفهوم ، فلا يكون هناك خروج المورد عن المنطوق ولا عن المفهوم.
ثمّ إنّه قد استشكل على حجّية خبر الواحد باشكالين لا اختصاص لهما بالاستدلال بآية النبأ ، بل يجريان على تقدير الاستدلال بغيرها أيضاً من الأدلة التي اقيمت على حجّية خبر الواحد ، ونذكرهما هنا استغناءً عن ذكرهما عند التعرض لباقي الأدلة :
الاشكال الأوّل : أنّه لو كان خبر الواحد حجّة لزم منه عدم حجّيته ، إذ من جملة الخبر نقل السيّد المرتضى قدسسره الاجماع على عدم حجّية الخبر (1)، ويكون حجّة على الفرض ولزم من حجّيته عدم حجّية الخبر. وهذا الاشكال مردود بوجوه :
الأوّل : أنّ خبر السيّد حدسي ، وقد تقدّم في بحث الاجماع المنقول أنّه لا
1) رسائل الشريف المرتضى 1 : 24 ، 3 : 309
ملازمة بين حجّية الخبر الحسّي والخبر الحدسي (1).
الثاني : أنّ نقله معارض بنقل الشيخ قدسسره الاجماع على حجّية الخبر (2)، فيسقطان ، لأنّ أدلة الحجّية غير شاملة للمتعارضين ، لعدم إمكان التعبد بالمتناقضين.
الثالث : أنّه يستحيل شمول أدلة الحجّية لخبر السيّد قدسسره إذ يلزم من وجوده عدمه ، لأنّه لو كان خبر السيّد حجّة لزم منه عدم حجّية كل خبر غير علمي ، وبما أنّ خبر السيّد قدسسره بنفسه غير علمي ، لزم كونه غير حجّة ، فيلزم من حجّية خبر السيّد عدم حجّيته ، وما لزم من وجوده عدمه محال ، بداهة استحالة اجتماع النقيضين.
الرابع : أنّه مع الاغماض عن جميع ما تقدّم ، دليل الحجّية غير شامل لخبر السيّد قدسسره قطعاً ، لدوران الأمر بين دخوله في أدلة الحجّية وخروج ما عداه ، وبين العكس ، والثاني هو المتعيّن ، لأنّ الأوّل يستلزم أبشع أنواع تخصيص الأكثر المستهجن ، وهو التخصيص إلى الواحد ، ومن الواضح أنّه لا يحتمل أن يكون المراد من مفهوم آية النبأ وآية السؤال وآية النفر وغيرها من أدلة حجّية الخبر خصوص خبر السيّد قدسسره كيف وهو مستلزم لبشاعة اخرى غير تخصيص الأكثر المستهجن ، وهي بيان أحد النقيضين بذكر النقيض الآخر ، أي بيان عدم حجّية الخبر بعنوان حجّية الخبر ، وفيه من القبح ما لا يخفى.
ودعوى أنّ الأمر دائر بين شمول أدلة الحجّية لخبر السيّد قدسسره والأخبار المتحققة قبله ، وبين شمولها لجميع الأخبار ما عدا خبر السيّد قدسسره باعتبار أنّ أدلة الحجّية تشمل خبر السيّد قدسسره من حين تحققه ،
وشمولها له من ذلك الحين إنّما يمنع من شمولها للأخبار المتحققة بعده لا الأخبار المتحققة قبله ، فانّها كانت مشمولة لأدلة الحجّية في زمان لم يتحقق خبر السيّد قدسسره فيه ، فهو غير مانع عن شمولها لها ، فلا يلزم من دخول خبر السيّد قدسسره في أدلة الحجّية تخصيص الأكثر المستهجن.
مدفوعة أوّلاً : بأنّ المحكي بخبر السيّد قدسسره عدم حجّية طبيعي خبر الواحد في الشريعة المقدّسة ، لا خصوص الأخبار المتأخرة ، فنفس خبر السيّد قدسسره وإن كان متأخراً عن الأخبار المتحققة قبله ، إلاّأنّ الذي يخبر به السيّد قدسسره هو عدم حجّية الخبر في الشريعة مطلقاً ، لا خصوص الأخبار المتأخرة ، فلو كان خبر السيّد قدسسره مشمولاً لأدلة الحجّية لزم منه عدم حجّية غيره من الأخبار مطلقاً ، متقدمة كانت أو متأخرة ، وهذا هو التخصيص المستهجن. ولا يحتمل أن يكون مفاد خبر السيّد قدسسره عدم حجيّة الخبر من حين صدوره لا الأخبار الصادرة قبله ، وإلاّ كان نسخاً ، فلا يكون حجّة بلا خلاف وإشكال ، إذ من المعلوم عدم ثبوت النسخ بخبر الواحد.
وثانياً : بأ نّا نقطع بعدم الفرق بين الأخبار المتقدمة والمتأخرة ، وأنّ ملاك الحجّية في الأخبار المتقدمة على خبر السيّد قدسسره بعينه موجود في الأخبار المتأخرة عنه ، فالتفصيل بين الأخبار المتقدمة والمتأخرة فاسد قطعاً ، فإذن يدور الأمر بين أن يكون خبر السيّد قدسسره مشمولاً لأدلة الحجّية دون غيره ، وأن يكون غيره حجّة دونه ، ولا خفاء في أنّ الأوّل من التخصيص المستهجن ، فتعيّن الثاني.
ثمّ إنّه قد استشكل بعض الأعاظم (1)على شمول أدلة الحجّية لخبر السيّد
1) نهاية الأفكار 3 : 118
(قدسسره) بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ الموضوع في أدلة الحجّية هو الخبر الذي شكّ في كونه مطابقاً للواقع أو غير مطابق له ، إذ لا معنى لحجّية الخبر مع العلم بكونه مطابقاً للواقع أو مع العلم بكونه غير مطابق له ، وعليه فكل خبر كان مفاده حجّية الخبر كخبر الشيخ قدسسره أو عدم حجّية الخبر كخبر السيّد قدسسره لا يكون مشمولاً لأدلة الحجّية ، إذ لازم كونه مشمولاً لها أن يكون مشكوك المطابقة للواقع ، وحيث إنّ مفاده نفس حجّية الخبر أو عدم حجّيته ، لزم فرض الشك في الحجّية في رتبة سابقة على شمول أدلة الحجّية ، ومن الواضح أنّ الشك في شيء في رتبة متأخرة عن ذلك الشيء ، ولذا نقول إنّ الحكم الظاهري متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبتين ، إذ الموضوع للحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي ، فالحكم الظاهري متأخر عن الشك في الحكم الواقعي تأخر الحكم عن موضوعه ، والشك في الحكم الواقعي متأخر عن الحكم الواقعي تأخر العارض عن معروضه ، إذ لو لم يكن في الواقع شيء لم يمكن الشك في تعيينه ، فيلزم تأخر الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي بمرتبتين.
وكذا في المقام كان الشك في الحجّية متأخراً عن الحجية تأخر العارض عن المعروض ، وحيث إنّ الشك في الحجّية سابق رتبةً على شمول أدلة الحجّية ، لما تقدّم من أنّ الموضوع في أدلة الحجّية هو الخبر المشكوك في كونه مطابقاً للواقع ، فيلزم أن تكون الحجّية في رتبة سابقة على شمول أدلة الحجّية ، والمفروض أنّ الحجّية مستفادة منها ، فيلزم كون الحجّية متقدمة ومتأخرة ، وهو محال.
وبعبارة اخرى : شمول إطلاق أدلة الحجّية لاخبار السيّد قدسسره بعدم حجّية الخبر أو لاخبار الشيخ قدسسره بحجّيته يستلزم شمول الاطلاق لمرتبة الشك في مضمون نفسها ، إذ التعبد بالحجّية لاخبار الشيخ بها أو بعدم
الحجّية لاخبار السيّد به إنّما هو في ظرف الشك في الحجّية الذي هو عين الشك في مضمون أدلة الحجّية ، ومن المعلوم استحالة شمول إطلاق دليلٍ لمرتبة الشك في مضمون نفس هذا الدليل. وإن شئت قلت : إنّه يلزم التعبّد بالحجّية مع التحفّظ بالشك فيها أو يلزم التعبد بشمول إطلاق أدلة الحجّية مع التحفظ بالشك في مضمونها ، وهو واضح البطلان. هذا ملخّص ما ذكره من الاشكال الأوّل بتوضيح منّا.
وفيه أوّلاً : النقض بما إذا أخبر كاذب بعدم حرمة الكذب في الشريعة ، فإنّه لا إشكال في شمول أدلة حرمة الكذب لهذا الخبر ، مع أنّ المحذور المذكور - على تقدير تماميته - يجري فيه أيضاً ، فيقال إنّ شمول إطلاق أدلة حرمة الكذب لهذا الخبر الذي مفاده عدم حرمة الكذب في الشريعة متوقف على كون الخبر المذكور كاذباً في رتبة سابقة على أدلة حرمة الكذب ، وكذبه عبارة عن حرمة الكذب في الشريعة ، إذ مفاده عدم حرمة الكذب ، والمفروض أنّ حرمة الكذب مستفادة من نفس هذه الأدلة.
وثانياً : الحل بأنّ الاطلاق عبارة عن رفض القيود وإلغائها ، لا الأخذ بجميع القيود ، فانّ مفاد إطلاق قولنا : الخمر حرام ، أنّ الخمر بلا لحاظ كونه أحمر أو أسود وغيرهما من الخصوصيات حرام ، لا أنّ الخمر بقيد كونه أحمر وبقيد كونه أسود حرام ، وهكذا بالنسبة إلى سائر ما يتصور له من الخصوصيات ، فلا يلزم في شمول إطلاق أدلة الحجّية لخبر السيّد قدسسره أو لخبر الشيخ قدسسره لحاظ ما فيهما من الخصوصية ، كي يلزم المحذور المذكور ، فلا مانع من شمولها لهما من هذه الجهة.
الوجه الثاني من الاشكال : أنّ المقام من صغريات دوران الأمر بين التخصيص والتخصص ، إذ على تقدير شمول أدلة الحجّية لما سوى خبر السيّد قدسسره من الأخبار يكون خبر السيّد خارجاً موضوعاً ، لأنّا نقطع حينئذ
بعدم مطابقة خبر السيّد قدسسره للواقع ، باعتبار أنّ شمولها لغير خبر السيّد قدسسره من الأخبار ملازم لعدم كون خبر السيّد قدسسره مطابقاً للواقع ، فيكون خارجاً عن أدلة الحجّية من باب التخصص ، لما ذكرناه من أنّ الموضوع في أدلة الحجّية هو الخبر المشكوك مطابقته للواقع. وهذا بخلاف شمول إطلاق أدلة الحجّية لخبر السيّد قدسسره فانّه لا يوجب القطع بعدم مطابقة غيره من الأخبار للواقع ، إذ ليس مفادها حجّية الخبر كي يلزم من شمول أدلة الحجّية لخبر السيّد قدسسره القطع بعدم مطابقتها للواقع ، بل مفادها امور مختلفة من وجوب شيء وحرمة شيء آخر ، وجزئية شيء للصلاة مثلاً وشرطية شيء آخر لها. وهكذا ، ولا ريب في وجود الشك في هذه الامور ولو مع القطع بحجّية خبر السيّد قدسسره ، فخروجها عن أدلة الحجّية يكون من باب التخصيص لا محالة ، وإذا دار الأمر بين التخصيص والتخصص تعيّن الالتزام بالثاني.
وهذا الوجه أيضاً غير تام ، لأنّ تقديم التخصص على التخصيص - عند دوران الأمر بينهما - إنّما هو في خصوص باب المعارضة بين الدليلين ، سواء كان التنافي بين مدلوليهما بالذات ، كما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء والآخر على عدم وجوبه ، أو بالعرض كما إذا دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة والآخر على وجوب صلاة الظهر ، فإنّه وإن لم يكن بينهما تناف بالذات ، لامكان وجوب صلاة الجمعة والظهر معاً ، إلاّ أنّا نعلم إجمالاً من الخارج بعدم وجوب صلاتين ، فلأجل هذا العلم الاجمالي يحصل التنافي والتكاذب بينهما بالعرض.
وبالجملة : إذا وقع التعارض بين دليلين أو أصلين ، وكان الأخذ بأحدهما موجباً لخروج الآخر عن دليل الحجّية من باب التخصص ، والأخذ بالآخر مستلزماً لخروج الأوّل عنه بالتخصيص ، كان المتعيّن هو الأخذ بالأوّل ، والالتزام
بالتخصص ، عملاً بأصالة العموم أو الاطلاق ، كما في التعارض بين الأصل السببي والأصل المسببي ، فانّ جريان الأصل السببي يرفع الشك عن المسبب فيكون خارجاً عن أدلة الاصول من باب التخصص ، بخلاف جريان الأصل المسببي فانّه لايرفع الشك عن السبب ، فيكون مورده خارجاً عن أدلة الاصول من باب التخصيص لا محالة ، فإذا شككنا في طهارة الثوب المتنجس المغسول بماء مستصحب الطهارة ، كان جريان استصحاب الطهارة في الماء موجباً لرفع الشك عن نجاسة الثوب بالتعبد الشرعي ، فيخرج عن أدلة الاستصحاب كقوله عليهالسلام : «لا تنقض اليقين بالشك» (1)من باب التخصص ، بخلاف جريان استصحاب النجاسة في الثوب ، فانّه لا يرفع الشك عن طهارة الماء ، فيكون خروجه عن أدلة الاستصحاب من باب التخصيص. وكذا الحال في سائر موارد دوران الأمر بين التخصيص والتخصص عند تعارض الأدلة الاجتهادية أو الاصول العملية.
وهذا بخلاف المقام ، فانّه لا تنافي بين خبر السيّد قدسسره وغيره من الأخبار بما لهما من المدلول ، لا بالذات كما هو ظاهر ، لعدم التنافي بين عدم حجّية غير خبر السيّد من الأخبار وبين وجوب شيء وحرمة شيء آخر وغيرهما ممّا هو مفاد الأخبار ، ولا بالعرض لعدم علم إجمالي لنا بعدم مطابقة أحدهما للواقع ، إذ يمكن أن لا تكون الاخبار حجّة ومع ذلك كان مفادها من الوجوب والحرمة وغيرهما ثابتاً في الشريعة المقدّسة ، فلا تنافي بين خبر السيّد قدسسره وغيره من الأخبار من حيث المدلول ، لا بالذات ولا بالعرض ، إنّما التنافي بينهما من حيث شمول دليل الحجّية لهما ، لأنّ مفاد خبر السيّد عدم حجّية غيره من الأخبار ، فلا يمكن الالتزام بحجّيته وحجّية غيره ، وفي مثله لا
1) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1
وجه لتقديم التخصص على التخصيص ، بل المتعيّن هو العكس ، والوجه في ذلك أنّ مرجع تقديم التخصص على التخصيص إلى التمسك بأصالة العموم أو الاطلاق ، كما مرّت الاشارة إليه. وفي المقام لا يمكن التمسك بأصالة العموم ، لأنّ خبر السيّد الدال على عدم حجّية الاخبار يكون قرينةً عرفية على التخصيص.
وبعبارة اخرى : كان خبر السيّد شارحاً للمراد من العموم ، فيكون حاكماً على أصالة العموم أو الاطلاق حكومة القرينة على ذيها ، فلا يبقى شك في التخصيص كي يتمسك بأصالة الاطلاق. ونظير المقام ما إذا وردت رواية دالّة على وجوب شيء مثلاً ، ووردت رواية اخرى دالة على عدم حجّية الرواية الاولى ، فانّه لا ينبغي الاشكال في الأخذ بالرواية الثانية الدالة على عدم حجّية الرواية الاولى ، وإن لزم منه التخصيص في أدلة حجّية الخبر ، ولا يؤخذ بالرواية الاولى وإن كان الالتزام بدخولها تحت أدلة الحجّية يوجب القطع بعدم مطابقة الرواية الثانية للواقع ، فتخرج عن أدلة الحجّية بالتخصص ، وذلك لأنّ الرواية الثانية الدالة على عدم حجّية الرواية الاولى شارحة لأدلة الحجّية ، وقرينة عرفية على المراد منها ، فهي حاكمة على أصالة العموم أو الاطلاق في أدلة الحجّية.
والمقام من هذا القبيل بعينه فلاحظ وتأمل.
الاشكال الثاني على حجّية خبر الواحد الذي لا اختصاص له بالاستدلال بآية النبأ ، بل يجري على الاستدلال بجميع الأدلة التي اقيمت على حجّية الخبر : هو ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وهو مختص بالأخبار الحاكية لقول الإمام عليهالسلام بالواسطة ، ويقرّر بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ فعلية كل حكم متوقفة على فعلية موضوعه ، فلا بدّ من إحراز الموضوع ليحرز فعلية الحكم ، وفي المقام الخبر المحرز لنا بالوجدان هو
1) فرائد الاصول 1 : 170 - 172
خبر الكليني قدسسره أو الشيخ قدسسره أو غيرهما ممّن هو في آخر سلسلة الرواة فيحكم بحجّيته بمقتضى أدلة حجّية الخبر. وأمّا خبر من يروي عنه الكليني قدسسره وخبر من تقدّمه من الرواة إلى أن ينتهي إلى المعصوم عليهالسلام ، فهو غير محرز لنا بالوجدان بل يحرز بالحكم بحجّية خبر الكليني قدسسره فهو متأخر عن الحكم بالحجّية ، فكيف يحكم عليه بهذا الحكم ، فانّه من تأخر الموضوع عن حكمه. وبعبارة اخرى : إنّ موضوع كل حكم متقدم عليه رتبة ، لاستحالة فعلية الحكم بلا فعلية موضوعه فيستحيل أن يكون حكم موجباً لاحراز موضوعه ، فإذا فرض أنّ حكماً أوجب إحراز موضوع امتنع ثبوت ذلك الحكم له ، ففي المقام يحرز خبر من تقدّم على الكليني قدسسره بحجّية خبر الكليني ، فيمتنع أن يحكم عليه بالحجّية ، وإلاّ لزم تأخر الموضوع عن الحكم.
ويمكن الجواب عن هذا الاشكال أوّلاً : بالنقض بالاقرار بالاقرار ، فانّه يحكم بنفوذ إقراره الفعلي بمقتضى قاعدة الاقرار ، ويثبت به إقراره الأوّل ثمّ يحكم بمقتضاه ، وبالبيّنة على البيّنة ، فانّه يحكم بحجّيتها بمقتضى أدلة حجّية البيّنة ، وبها تثبت البيّنة المشهود بها ثمّ يحكم بحجّيتها.
وثانياً : بالحل ، وهو أنّه ليس هنا حكم شخصي لموضوعات متعددة كان إحراز بعضها مستنداً إلى ثبوت ذلك الحكم لبعض آخر منها حتّى يتوجه الاشكال المذكور ، فانّ حجّية الخبر مجعولة بنحو القضيّة الحقيقية ، كما هو الحال في سائر الأحكام الشرعية ، وهي منحلة إلى أحكام متعددة حسب تعدد الموضوع ، على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية ، فلا محذور في أن يكون ثبوت الحجّية لخبر الكليني قدسسره موجباً لاحراز خبر من يروي عنه الكليني قدسسره فيترتب عليه فرد آخر من الحجّية ، لا عين الحجّية الثابتة لخبر
الكليني قدسسره التي بها احرز هذا الخبر ، وهكذا الحال بالنسبة إلى آخر سلسلة الرواة ، وكذا الحال في الاقرار بالاقرار والبيّنة على البيّنة ، ولا حاجة إلى الاعادة.
الوجه الثاني : أنّ التعبد بحجّية الخبر يتوقف على أن يكون المخبر به بنفسه حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي مع قطع النظر عن الحجّية ، ليصحّ التعبد بها بلحاظه ، فانّ التعبد بحجّية الخبر - فيما لم يكن المخبر به حكماً شرعياً ولا ذا أثر شرعي - لغو محض ، وعليه فدليل الحجّية لا يشمل مثل إخبار الشيخ عن خبر المفيد ، لأنّ المخبر به وهو خبر المفيد ليس حكماً شرعياً ولا ذا أثر شرعي ، مع قطع النظر عن دليل الحجّية ، وهذا الاشكال جارٍ في إخبار جميع سلسلة الرواة إلاّ الأخير الذي ينقل عن المعصوم عليهالسلام ، فانّ المخبر به في خبره هو قول المعصوم عليهالسلام فلا محالة يكون حكماً شرعياً من وجوب أو حرمة أو غيرهما ، كما هو ظاهر.
وهذا الاشكال ساقط من أساسه على المختار من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الكاشفية والطريقية بتتميم الكشف ، بمعنى أنّ الشارع يعتبر الكاشف الناقص كاشفاً تامّاً ، والأمارة غير العلمية علماً ، إذ عليه يكون التعبد ناظراً إلى نفس الطريقية والكاشفية ، بلا حاجة إلى كون المؤدى حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي.
نعم ، لو قلنا بأنّ المجعول في باب الطرق هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع ، يتوجّه الاشكال بأنّ التنزيل المذكور متوقف على أن يكون المؤدى حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي ، وإلاّ فلا معنى لتنزيله منزلة الواقع. وسيجيء الجواب عن الاشكال على هذا المسلك قريباً.
وأمّا على المسلك المختار من أنّ المجعول هو الطريقية والكاشفية ، فلا حاجة
إلى اعتبار كون المؤدى حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي ، إذ التعبد ناظر إلى نفس الطريقية والكاشفية لا إلى المؤدى ، غاية الأمر أنّه يلزم أن لا يكون التعبد المذكور لغواً كي يستحيل صدوره من الحكيم. والتعبد بحجّية اخبار الوسائط لا يكون لغواً ، لوقوع الجميع في سلسلة إثبات قول المعصوم عليهالسلام وهذا المقدار كافٍ في صحّة التعبد بحجّية اخبار الوسائط ، فلا ملزم لاعتبار كون المخبر به في كل خبر حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي. وأمّا على المسلك المعروف من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع ، فيمكن الجواب عن الاشكال المذكور بوجوه :
الأوّل : أنّ القضية طبيعية قد حكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر ، وليس المراد هو الطبيعي المعقولي بمعنى الطبيعة بشرط لا ، كقولنا الانسان نوع حتّى لا يسري الحكم من الطبيعة إلى الأفراد ، بل المراد هو الطبيعي الاصولي بمعنى الطبيعة بشرط الوجود السعي ، فيسري الحكم إلى الأفراد ، فلا مانع من شمول دليل الحجّية لخبر الشيخ عن المفيد قدسسره ، مع كون الأثر الشرعي للمخبر به وهو خبر المفيد هو نفس الحجّية ووجوب التصديق ، وهكذا إلى آخر الوسائط.
الثاني : دعوى القطع بتحقق ما هو المناط في سائر الآثار في هذا الأثر ، أي وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب ، وإن لم يشمله لفظاً لأجل المحذور المذكور.
الثالث : عدم القول بالفصل بين هذا الأثر وسائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الاخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق بنفس الحكم في الآية الشريفة ، وإن شئت فعبّر بعدم القول بالفصل في الحجيّة بين الخبر بلا واسطة والخبر مع الواسطة.
الرابع : - وهو أحسن الوجوه - أنّه لم يدل دليل من آية أو رواية على لزوم كون مؤدى الأمارة حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي ، وإنّما نعتبر ذلك من جهة حكم العقل بأنّ التعبد بأمر لا يكون له أثر شرعي لغو لا يصدر من الحكيم ، ويكفي في دفع محذور اللّغوية وقوع الخبر في سلسلة إثبات الحكم الشرعي الصادر من الإمام عليهالسلام. وبعبارة اخرى : يكفي في حجّية اخبار الرواة ترتب الأثر الشرعي على مجموعها من حيث المجموع ، ولا ملزم لاعتبار ترتب أثر شرعي على كل خبر مع قطع النظر عن خبر آخر ، ولا خفاء في ترتب الأثر على اخبار مجموع الرواة الواقعة في سلسلة نقل قول المعصوم عليهالسلام (1).
نعم ، لو كان في جملة الرواة الواقعة في سلسلة نقل قوم المعصوم فاسق غير موثوق به أو رجل مجهول الحال ، لا يشمل دليل الحجّية لاخبار بقية الرواة الواقعة في تلك السلسلة ولو كانوا عدولاً أو ثقات ، لعدم ترتب أثر شرعي على المجموع من حيث المجموع أيضاً ، إذ خبر الفاسق خارج عن أدلة الحجّية موضوعاً ، وبخروجه ينقطع اتصال الاخبار إلى المعصوم عليهالسلام فلا يقع الباقي من الرواة في سلسلة إثبات قول المعصوم عليهالسلام فلا يكون مشمولاً لأدلة الحجّية ، لعدم ترتب أثر شرعي عليه ، فيكون التعبد بحجّيته لغواً.
ومن الآيات التي استدلّ بها على حجّية خبر الواحد آية النفر ، وهي قوله
1) نعم ، هو أحسن الوجوه والمتعيّن في المقام ، إذ الوجوه السابقة راجعة إلى التقرير الأوّل من الاشكال وهو الذي يرجع إليه ما ذكره سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) على مختاره من أنّ المجعول في باب الأمارات هو الكاشفية والطريقية بتتميم الكشف ، بلا فرق بين القول بأنّ المجعول هو الكاشفية والطريقية ، والقول بأ نّه تنزيل المؤدى منزلة الواقع فتأمّل
تعالى : «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1).
والاستدلال بهذه الآية الشريفة يتوقف على إثبات امور :
أحدها : أن يكون المراد إنذار كل واحد من النافرين بعضاً من قومهم ، لا إنذار مجموع النافرين مجموع القوم ، ليقال إنّ إخبار المجموع وإنذارهم يفيد العلم بالواقع ، فيخرج عن محل الكلام في بحث حجّية الخبر ، وهذا الأمر ثابت ، لأنّ تقابل الجمع بالجمع ظاهر في التوزيع ، كما في قوله تعالى : «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» (2)فانّ المراد منه أن يغسل كل واحد وجهه ويده ، لا أن يغسل المجموع وجه المجموع ، كما أنّ طبع الحال وواقع القضيّة أيضاً هو ذلك ، لأنّ الطائفة النافرة للتفقه في الدين إذا رجعوا إلى أوطانهم لا يجتمعون بحسب العادة في محل واحد ليرشدوا القوم مجتمعاً ، بل يذهب كل واحد منهم إلى ما يخصه من المحل ويرشد من حوله من القوم.
ثانيها : أن يكون المراد من الحذر هو التحفظ والتجنب العملي لا مجرد الخوف النفساني ، وهذا الأمر أيضاً ثابت ، لأنّ ظاهر الحذر هو أخذ المأمن من المهلكة والعقوبة وهو العمل ، لا مجرد الخوف النفساني.
ثالثها : أن يكون الحذر والتجنب العملي واجباً عند إنذار المنذر ، وهذا الأمر أيضاً ثابت ، لأنّ كلمة «لعل» ظاهرة في كون ما بعدها غاية لما قبلها ، كما يظهر من مراجعة موارد استعمالها ، سواء كان استعمالها في مقام الاخبار عن الامور الخارجية ، كقولك : اشتريت داراً لعلي أسكنها ، أو في مقام بيان الأحكام المولوية ، وعلى الثاني فإن كان ما بعدها أمراً غير قابل للتكليف كما إذا قيل :
تب إلى اللّه تعالى لعلّه يغفر لك ، فيستفاد منها حسن تلك الغاية وكونها أمراً مرغوباً فيه ، وإن لم يصح تعلّق التكليف به ، لعدم كونه فعلاً للعبد كي يصح البعث نحوه ، وإن كان أمراً قابلاً للتكليف كما إذا قيل : بلِّغ الأحكام إلى العبيد لعلّهم يعملون بها ، دلّ الكلام على كونه محكوماً بحكم ما قبلها من الوجوب أو الاستحباب ، ضرورة أنّ الغاية الموجبة لايجاب أمر آخر تكون واجبة بنفسها بطريق أولى ، وكذا الحال في الغاية الموجبة لاستحباب أمر آخر ، وحيث إنّ الحذر جعل في الآية الشريفة غاية للانذار الواجب فيستفاد منها كونه واجباً لا محالة.
وبعد تمامية هذه الامور الثلاثة ، يظهر أنّ الآية المباركة تدل على وجوب التحذر العملي عند الانذار ، وهذا هو معنى حجّية الخبر.
والانصاف أنّ دلالة هذه الآية على حجّية الخبر أظهر وأتم من دلالة آية النبأ عليها ، ومع ذلك قد اورد على الاستدلال بها بوجوه :
الأوّل : أنّ الآية واردة لبيان وجوب التفقه والانذار ، لا لبيان وجوب الحذر ، وإنّما ذكر الحذر باعتبار كونه فائدة من فوائد التفقه والانذار فلا إطلاق لها بالنسبة إلى وجوب الحذر ، والقدر المتيقن منه ما إذا حصل العلم بمطابقة قول المنذر للواقع.
وفيه أوّلاً : أنّ الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان ، لاستقرار بناء العقلاء على ذلك ما لم تظهر قرينة على خلافه.
وثانياً : أنّ ظاهر الآية المباركة كونها واردة لبيان وظيفة جميع المسلمين المكلفين ، وأ نّه يجب على طائفة منهم التفقه والانذار ، وعلى غيرهم الحذر والقبول ، فكما أنّ إطلاقها يقتضي وجوب الانذار ولو مع عدم حصول العلم للمنذر - بالفتح - بمطابقة كلام المنذر - بالكسر - للواقع ، كذلك يقتضي وجوب الحذر
أيضاً في هذا الفرض.
وثالثاً : أنّ ظاهر الآية ترتب وجوب الحذر على الانذار ، وتخصيص وجوب الحذر بما إذا حصل العلم بالواقع موجب لالغاء عنوان الانذار ، إذ العمل حينئذ إنّما هو بالعلم من دون دخل للانذار فيه ، غاية الأمر كون الانذار من جملة المقدمات التكوينية لحصول العلم لا موضوعاً لوجوب الحذر ، فاعتبار حصول العلم في وجوب الحذر يوجب إلغاء عنوان الانذار لا تقييده بصورة حصول العلم ، مع أنّ ظاهر الآية كون وجوب الحذر مترتباً على الانذار ترتب الحكم على موضوعه.
ورابعاً : أنّه على تقدير تسليم أنّ اعتبار العلم في وجوب الحذر يوجب التقييد لا إلغاء عنوان الانذار ، لا يمكن الالتزام بهذا التقييد ، فانّه تقييد بفرد نادر وهو مستهجن.
الايراد الثاني : أنّ الانذار بمعنى التخويف من العقاب إنّما هو وظيفة الواعظ والمفتي ، أمّا الواعظ فينذر الناس - كما هو شأنه - بالامور المسلّمة ، فيخوّف الناس من ترك الصلاة مثلاً بما ورد فيه من العقاب ، أو من شرب الخمر كذلك ، ولا إشكال في وجوب الحذر عند إنذاره ، لكون الحكم معلوماً ومسلّماً. وأمّا المفتي فيفتي لمقلّديه بما استنبطه من الواجب والحرام ، وافتاؤه بها إنذار بالدلالة الالتزامية ، وتخويف من العقاب على الترك أو الفعل ، ولا شبهة في وجوب الحذر على مقلّديه ، لكون فتواه حجّة عليهم ، بخلاف نقل الرواية فانّه لا إنذار فيه ، إذ ربّما ينقل الراوي مجرد الألفاظ ولا يفهم المعنى لينذر به ، ولذا ورد عنهم عليهمالسلام ربّ حامل فقه غير فقيه أو إلى من هو أفقه منه (1).
1) الوسائل 27 : 89 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 43 و 44
وفيه : أنّ الراوي أيضاً قد ينذر بنقله ، كما إذا نقل رواية دالة على وجوب شيء أو على حرمة شيء ، فانّ نقل هذه الرواية إنذار ضمني بالعقاب على الترك أو الفعل ، كما في إفتاء المفتي بوجوب شيء أو حرمة شيء ، فيجب الحذر عند نقل هذه الرواية بمقتضى الآية الشريفة ، وتثبت حجّية غيره من الأخبار التي لا إنذار فيها لكون الراوي عامياً ، أو كان مفاد الرواية حكماً غير إلزامي بعدم القول بالفصل. هذا على تقدير كون الآية نازلة في مقام التشريع وجعل الحجّية للخبر ، وأمّا بناءً على كونها كاشفة عن حجّية الخبر السابقة على نزول الآية وأ نّها سيقت على نحو تكون حجّية الخبر مفروغاً عنها قبل نزولها كما هو الظاهر ، فلانحتاج إلى التسمك بعدم القول بالفصل ، إذ الآية الشريفة - على هذا التقدير - كاشفة عن حجّية الخبر على الاطلاق ، وأنّ وجوب الحذر عند الانذار إنّما هو من باب تطبيق الكبرى الكلّية على بعض المصاديق.
الايراد الثالث : أنّ ظاهر الآية الشريفة كون وجوب الحذر مترتباً على الانذار بما تفقّه ، لا على مطلق الانذار ، فيختص بما إذا احرز كون الانذار بما تفقّه ، أي احرز كون الخبر مطابقاً للواقع. والفرق بين هذا الايراد والايراد الأوّل ظاهر ، فانّ الايراد الأوّل راجع إلى عدم صحّة التمسك باطلاق وجوب الحذر ، لعدم كونه وارداً في مقام البيان ، لأنّ الآية وردت لبيان وجوب التفقه والانذار لا لبيان وجوب الحذر ، فلم تتم مقدّمات الحكمة ، بخلاف هذا الايراد فانّه راجع إلى منع الاطلاق رأساً ، باعتبار أنّ وجوب الحذر مقيّد بما إذا كان الانذار بما تفقّه في الدين.
وفيه : أنّ الاخبار بوجوب شيء أو بحرمة شيء لا ينفك عن الانذار بما تفقّه ، إذ الاخبار بالوجوب إنذار بالعقاب على الترك بالدلالة الالتزامية ، وكذا
الاخبار بالحرمة إنذار بالعقاب على الفعل ، كما أنّ الانذار بالعقاب على الترك إخبار بالوجوب ، والانذار بالعقاب على الفعل إخبار بالحرمة بالدلالة الالتزامية ، وأمّا كون المخبر به مطابقاً للواقع أو غير مطابق له ، فهو خارج عن مدلول الخبر ، لما ذكرناه في مقام الفرق بين الخبر والانشاء من أنّ مدلول الخبر هو الحكاية عن ثبوت شيء أو نفيه ، وأمّا كون المحكي عنه مطابقاً للواقع أو غير مطابق له ، فهو خارج عن مدلول الخبر (1). وبالجملة : الاخبار عن الوجوب والحرمة إنذار بما تفقّه في الدين دائماً ، وإن كان المخبر به غير مطابق للواقع.
الايراد الرابع : أنّ المأخوذ في الآية عنوان التفقّه ، فيكون الحذر واجباً عند إنذار الفقيه بما هو فقيه ، فلا يشمل إنذار الراوي بما هو راو ، فيكون مفاد الآية حجّية فتوى الفقيه للعامي لا حجّية الخبر. ولايمكن التمسك بعدم القول بالفصل في المقام ، لعدم ارتباط أحد الأمرين بالآخر. وإن شئت قلت : إنّ القول بالفصل بين حجّية فتوى الفقيه وحجّية الخبر موجود ، فلايدل الدليل على حجّية فتوى الفقيه على حجّية الخبر بضميمة عدم القول بالفصل بينهما.
وفيه : أنّ التفقه في زمن المعصومين عليهمالسلام لم يكن بهذه الصعوبة الموجودة في زماننا ، فانّها حصلت من كثرة الروايات ، وتعارضها في العبادات وقلّتها في المعاملات ، فالسلف من الرواة كان يصدق عليهم الفقيه بمجرّد سماع الحديث وحفظه ، لكونهم من أهل اللسان ، فكانوا يعرفون معاني كلامهم عليهمالسلام ، فكانوا فقهاء كما ورد عنهم عليهمالسلام : «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (2)، فكانوا فقهاء فيما ينقلونه عن الأئمة عليهمالسلام ، وإذا ثبتت حجّية خبر الراوي الفقيه بمقتضى الآية ، ثبتت حجّية خبر الراوي غير الفقيه بعدم القول بالفصل.
ومن الآيات التي استدلّ بها على حجّية الخبر آية الكتمان ، وهي قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ» (1)بدعوى الملازمة بين حرمة الكتمان ووجوب العمل ، وإلاّ لزم كون تحريم الكتمان لغواً ، ولذا حكموا بحجّية إخبار المرأة عن كونها حاملاً ، تمسكاً بقوله تعالى : «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» (2).
وفيه : أنّه لا ملازمة بين حرمة الكتمان ووجوب القبول تعبداً في المقام ، إذ الموضوع لحرمة الكتمان عام استغراقي ، بمعنى حرمة الكتمان على كل أحد ، فيحتمل أن يكون الوجه فيها أنّ إخبار الجميع ممّا يوجب العلم كما في الخبر المتواتر ، ولا يقاس المقام بحرمة الكتمان على النساء ، لأنّ طريق إحراز ما في الأرحام منحصر في إخبارهن ، وإخبار المرأة ممّا لايفيد العلم غالباً ، فلو لم يكن إخبارها حجّة تعبداً ، وقيدت بالعلم كان تحريم الكتمان عليها لغواً ، فصحّ دعوى الملازمة بين حرمة الكتمان ووجوب القبول هناك. بخلاف المقام ، فانّ حرمة الكتمان فيه إنّما هو على علماء اليهود الذين أخفوا على الناس ما كان ظاهراً في التوراة من علامات نبوّة نبيّنا وصفاته صلىاللّهعليهوآله بحيث لولا كتمانهم لظهر الحق لعامّة الناس ، فالغرض من تحريم الكتمان إنّما هو ظهور الحق وحصول القطع للناس ، لا قبول الخبر تعبداً. والذي يشهد بما ذكرناه - من أنّ المراد حرمة كتمان ما هو ظاهر في نفسه لولا الكتمان - قوله تعالى في ذيل الآية : «مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ» أي أظهرناه لهم. فتحصّل : أنّه لا ملازمة بين حرمة الكتمان ووجوب القبول في المقام.
إن قلت : مقتضى إطلاق الآية حرمة الكتمان ولو مع علم المخبر بأنّ إخباره لا يفيد العلم للسامع ، ولا ينضم إليه إخبار غيره لكتمانه ، وحرمة الكتمان في هذا الفرض تدل على وجوب القبول ، وإلاّ لزم كونها لغواً كما في حرمة الكتمان على النساء.
قلت : ظهور الحق للناس وحصول العلم لهم إنّما هو حكمة لحرمة الكتمان ، والحكمة الداعية إلى التكليف لا يلزم أن تكون ساريةً في جميع الموارد ، ألا ترى أنّه يجب على الشاهد أن يشهد عند الحاكم إذا دعي لذلك بمقتضى قوله تعالى :
«وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» (1)ولو مع العلم بعدم انضمام الشاهد الثاني إليه ، مع أنّ الحكمة في وجوب الشهادة - وهي حفظ حقوق الناس - غير متحققة في هذا الفرض ، وكذا الحال في وجوب العدّة على المطلّقة وعلى المتوفّى عنها زوجها وإن كانت عقيماً ، مع أنّ الحكمة وهي التحفظ على النسب غير موجودة في مفروض المثال.
ويدل على ما ذكرناه - من أنّ الغرض من حرمة الكتمان في مقام ظهور الحق وحصول العلم به لعامّة الناس لا وجوب القبول تعبداً - أنّ مورد الآية هو نبوّة نبيّنا صلىاللّهعليهوآله ومن الظاهر عدم حجّية خبر الواحد في اصول الدين.
ومن جملة الآيات : آية الذكر ، وهي قوله تعالى : «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ» (2)وتقريب الاستدلال بهذه الآية الشريفة هو تقريب الاستدلال بالآية السابقة ، من أنّ وجوب السؤال يدل على وجوب القبول بالملازمة ، وإلاّ لزم كون وجوب السؤال لغواً.
ويظهر الجواب عن الاستدلال بهذه الآية ممّا ذكرناه في الجواب عن الاستدلال بالآية السابقة ، فانّ تعليق وجوب السؤال على عدم العلم ظاهر في أنّ الغرض منه حصول العلم لا التعبد بالجواب. هذا مضافاً إلى أنّ مورد هذه الآية أيضاً هي النبوّة ، والمأمورون بالسؤال هم عوام اليهود ، وخبر الواحد لا يكون حجّة في اصول الدين كما تقدّم. ولا ينافي ذلك ما في الأخبار من أنّ المراد بأهل الذكر هم الأئمة عليهمالسلام (1)لأنّ أهل الذكر عنوان عام يشمل الجميع ، ويختلف باختلاف الموارد ، ففي مقام إثبات النبوّة الخاصّة بما وصف اللّه نبيّه في الكتب السماوية ، يكون المراد من أهل الذكر علماء اليهود والنصارى ولا يصح أن يراد في هذا المقام الأئمة عليهمالسلام لأنّ الإمامة فرع النبوّة ، فكيف يمكن إثبات النبوّة بالسؤال عن الإمام الذي تثبت إمامته بنص من النبي صلىاللّهعليهوآله نعم بعد إثبات النبوّة والإمامة يكون الأئمة عليهمالسلام أهل الذكر فلا بدّ من السؤال منهم فيما يتعلق بالأحكام الشرعية ، كما أنّ أهل الذكر في زمان الغيبة هم الرواة بالنسبة إلى الفقهاء ، والفقهاء بالنسبة إلى العوام ، والمعنى واحد في الجميع إنّما الاختلاف في المصاديق بحسب الموارد.
ومن جملة الآيات : آية الاذن ، وهي قوله تعالى : «وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» (2). وتقريب الاستدلال بها أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) مدح نبيّه صلىاللّهعليهوآله بتصديقه للمؤمنين ، ولو لم يكن تصديقهم أمراً حسناً لما مدحه به.
وفيه : أنّه لا ملازمة بين تصديق المخبر والعمل باخباره وترتيب الأثر
عليه ، إذ قد يراد من تصديقه عدم المبادرة إلى تكذيبه ، وعدم نسبة الكذب إليه بالمواجهة ، وهذا أمر أخلاقي دلّ عليه بعض الروايات ، كقوله عليهالسلام : «كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال قولاً ، وقال لم أقله فصدّقه وكذّبهم» (1)ومن الظاهر أنّه ليس المراد من التصديق هو العمل بقوله وترتيب الأثر عليه ، وإلاّ لم يكن وجه لتقديم إخبار الواحد على إخبار الخمسين ، مع كونهم أيضاً من المؤمنين. بل المراد اظهار تصديقه وعدم تكذيبه.
وممّا يؤيّد ذلك : ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي (2)من أنّ الآية الشريفة نزلت في عبداللّه بن نفيل ، فانّه كان يسمع كلام النبي صلىاللّهعليهوآله وينقله إلى المنافقين حتّى أوقف اللّه نبيّه صلىاللّهعليهوآله على هذه النميمة ، فأحضره النبي صلىاللّهعليهوآله وسأله عنها ، فحلف أنّه لم يكن شيء ممّا ينم عليه ، فقبل منه النبي صلىاللّهعليهوآله فأخذ هذا الرجل يطعن عليه صلىاللّهعليهوآله ويقول : إنّه اذن يقبل كل ما يسمع ، أخبره اللّه أنِّي أنم عليه فقبل ، وأخبرته أنِّي لم أفعل فقبل ، فردّ عليه اللّه سبحانه بقوله : «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» الآية ، ومن المعلوم أنّ تصديقه صلىاللّهعليهوآله للمنافق لم يكن إلاّ بمعنى عدم اظهار تكذيبه.
هذا واستشهد الشيخ قدسسره على ما ذكرناه باختلاف السياق ، وهو أنّ تعدية كلمة يؤمن بالباء في الجملة الاولى وباللام في الجملة الثانية تدل على اختلاف المراد من الإيمان في المقامين (3).
وفيه : أنّ الإيمان بمعنى التصديق القلبي ، فإن كان متعلقاً بوجود شيء تكون تعديته بالباء ، كما في قوله تعالى : «وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ» الآية (1)وإن كان متعلقاً بقول شخص كانت تعديته باللام كما في قوله سبحانه : «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» (2)وحينئذ تدل التعدية باللام بالاضافة إلى المؤمنين على إرادة تصديق قولهم ، فلا شهادة للسياق على ما ذكر.
لا يقال : على هذا لا يناسب تعديته بالباء في الجملة الاولى ، لأنّ المصدّق به فيها إنّما هو قوله تعالى وإخباره عن نميمة عبداللّه بن نفيل على ما تقدّم.
فانّه يقال : لما كانت لفظة «اللّه» علماً لذات الواجب المستجمع لجميع صفات الكمال ، فالتصديق بوجوده مستلزم للتصديق بقوله ، فجعل المصدّق به ذات الواجب إشارة إلى أنّ الإيمان بوجوده تعالى مستلزم للإيمان بقوله ، ولو كانت التعدية باللام كما في الجملة الثانية لم يستفد منها إلاّالتصديق بقوله فقط. وكيف كان فلا دلالة للآية على حجّية الخبر.
وممّا استدلّ به على حجّية الخبر : الروايات الكثيرة وقد رتّبها الشيخ قدسسره (3)على طوائف أربع :
الطائفة الاولى : الأخبار العلاجية الدالة على أنّ حجّية الاخبار في نفسها كانت مفروغاً عنها عند الأئمة عليهمالسلام وأصحابهم ، وإنّما توقفوا عن العمل من جهة المعارضة ، فسألوا عن حكمها ، ومن الواضح أنّه ليس مورد الأخبار العلاجية الخبرين المقطوع صدورهما ، لأنّ المرجحات المذكورة فيها
لا تناسب العلم بصدورهما ، وأنّ الظاهر من مثل قوله : «يأتي عنكم خبران متعارضان» (1)كون السؤال عن مشكوكي الصدور. مضافاً إلى أنّ وقوع المعارضة بين مقطوعي الصدور بعيد في نفسه.
الطائفة الثانية : الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معينين من الرواة ، كقوله عليهالسلام : «إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس» (2)مشيراً إلى زرارة ، وقوله عليهالسلام : «نعم ، بعد ما قال الراوي : أفيونس بن عبدالرحمن ثقة نأخذ معالم ديننا عنه» (3)وقوله عليهالسلام : «عليك بالأسدي» (4)يعني أبا بصير ، وقوله عليهالسلام : «عليك بزكريا بن آدم المأمون على الدين والدُّنيا» (5)إلى غير ذلك.
الطائفة الثالثة : الأخبار الآمرة بالرجوع إلى الثقات كقوله عليهالسلام : «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» (6)وقد ادّعى المحقق النائيني قدسسره تواتر هذه الطائفة معنى (7)، وهو بعيد لكونها قليلة غير بالغة حدّ التواتر.
الطائفة الرابعة : الأخبار الآمرة بحفظ الروايات واستماعها وضبطها والاهتمام
بشأنها على ألسنة مختلفة ، وقد ذكرها صاحب الوسائل في الباب 8 من أبواب كتاب القضاء فراجع (1).
ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الأخبار متوقف على ثبوت تواترها لتكون مقطوعة الصدور ، وإلاّ فلا يصحّ الاستدلال بها كما هو ظاهر. ولا ينبغي الشك في أنّها متواترة اجمالاً ، بمعنى العلم بصدور بعضها عن المعصوم عليهالسلام وتوضيح ذلك أنّ التواتر على أقسام ثلاثة :
الأوّل : التواتر اللفظي ، وهو اتفاق جماعة امتنع اتفاقهم على الكذب عادةً على نقل خبر بلفظه ، كتواتر ألفاظ الكتاب الصادرة عن لسان النبي صلىاللّهعليهوآله.
الثاني : التواتر المعنوي ، وهو اتفاقهم على نقل مضمون واحد مع الاختلاف في الألفاظ ، سواء كانت دلالة الألفاظ على المضمون بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام أو بالاختلاف ، كالأخبار الحاكية لحالات أمير المؤمنين عليهالسلام في الحروب وقضاياه مع الأبطال ، فانّها متفقة الدلالة على شجاعته عليهالسلام.
الثالث : التواتر الاجمالي ، وهو ورود عدّة من الروايات التي يعلم بصدور بعضها مع عدم اشتمالها على مضمون واحد.
1) منها : ما عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله خطب الناس في مسجد الخيف فقال : «نضر اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، الحديث الوسائل 27 : 89 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 43
وأنكر المحقق النائيني (1)قدسسره التواتر الاجمالي ، بدعوى أنّا لو وضعنا اليد على كل واحد من تلك الأخبار نراه محتملاً للصدق والكذب ، فلا يكون هناك خبر مقطوع الصدور.
وفيه : أنّ احتمال الكذب في كل خبر بخصوصه غير قادح في التواتر الاجمالي ، لأنّ احتمال الصدق والكذب في كل خبر بخصوصه لا ينافي العلم الاجمالي بصدور بعضها ، وإلاّ لكان مانعاً عن التواتر المعنوي واللفظي أيضاً ، إذ كل خبر في نفسه محتمل للصدق والكذب.
وبالجملة : التواتر الاجمالي ممّا لا مجال لانكاره ، فانّ كثرة الأخبار المختلفة ربّما تصل إلى حدّ يقطع بصدور بعضها وإن لم يتميز بعينه ، والوجدان أقوى شاهد وأوضح دليل عليه ، فإنّا نعلم علماً وجدانياً بصدور جملة من الأخبار الموجودة في كتاب الوسائل ولا نحتمل كذب الجميع. وأوضح منه أنّا نعلم بصدق بعض الأخبار المتحققة في هذه البلدة في يوم وليلة ، فضلاً عن الحكايات المسموعة في أيام وليال عديدة.
فتحصّل : أنّ التواتر الاجمالي في هذه الطوائف الأربع من الأخبار غير قابل للانكار ، ومقتضاه الالتزام بحجّية الأخص منها المشتمل على جميع الخصوصيات المذكورة في هذه الأخبار ، فيحكم بحجّية الخبر الواجد لجميع تلك الخصوصيات باعتبار كونه القدر المتيقن من هذه الأخبار الدالة على الحجّية.
وذكر المحقق النائيني (2)قدسسره أنّ الأخص منها هو ما دلّ على حجّية خبر الثقة ، فبناءً على تحقق التواتر الاجمالي تثبت حجّية الخبر الموثوق به.
وفيه : أنّ ظاهر جملة منها اعتبار العدالة كقوله عليهالسلام في الأخبار
العلاجية : «خذ بقول أعدلهما» (1)وقوله عليهالسلام : «عليك بزكريا بن آدم المأمون على الدين والدُّنيا» (2)وبعضها ظاهر في اعتبار الوثاقة ، كقوله عليهالسلام : «نعم ، بعد ما قال السائل أفيونس بن عبدالرحمان ثقة نأخذ معالم ديننا عنه» (3)وبعضها ظاهر في اعتبار كونه إمامياً أيضاً ، كقوله عليهالسلام : «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» (4)فانّ إضافة الثقات إلى ضمير المتكلم وإسنادها إليهم عليهمالسلام ظاهرة في أنّ المراد منها كون الراوي من أهل الولاية لهم ، وحيث إنّ المراد من الثقة في الأخبار هو المعنى اللغوي لا ما هو المصطلح عليه عند المحدِّثين ، فانّهم يطلقون الثقة على الإمامي العادل ، ومنه إطلاقهم ثقة الاسلام على الكليني قدسسره فالنسبة بين العادل والموثوق به هي العموم من وجه ، إذ قد يكون الراوي عادلاً غير موثوق به لكثرة خطئه وسهوه ، وقد يكون موثقاً غير عادل بمعنى أنّه ضابط حافظ متحرز عن الكذب ، إلاّ أنّه فاسق من غير ناحية الكذب كما يوجد كثيراً ، وقد يكون عادلاً موثقاً.
وعليه فالقدر المتيقن منها هو الجامع للعدالة والوثاقة ، فبناءً على التواتر الاجمالي لا يستفاد منها إلاّحجّية الخبر الصحيح الأعلائي.
نعم ، ذكر صاحب الكفاية (5)قدسسره أنّ المتيقن من هذه الأخبار وإن كان هو خصوص الخبر الصحيح ، إلاّ أنّه في جملتها خبر صحيح يدل على حجّية الخبر الموثق ، فتثبت به حجّية خبر الثقة وإن لم يكن عادلاً. وما ذكره متين ، ولعل مراده من الخبر الصحيح الدال على حجّية خبر الثقة قوله عليهالسلام : «نعم ، بعد ما قال السائل أفيونس بن عبدالرحمان ثقة نأخذ معالم ديننا عنه» (6)،
فانّ ظاهره كون حجّية خبر الثقة مفروغاً عنها بين الإمام عليهالسلام والسائل ، وأنّ السؤال ناظر إلى الصغرى فقط.
وممّا استدلّ به على حجّية الخبر : الاجماع وتقريره من وجوه :
الوجه الأوّل : الاجماع المنقول من الشيخ الطوسي قدسسره على حجّية خبر الواحد (1).
الوجه الثاني : الاجماع القولي من جميع العلماء - عدا السيّد المرتضى وأتباعه (2)- عليها ، وخلافهم غير قادح في حجّية الاجماع.
الوجه الثالث : الاجماع القولي من جميع العلماء حتّى السيّد وأتباعه ، بدعوى أنّهم اختاروا عدم الحجّية لاعتقادهم انفتاح باب العلم بالأحكام الشرعية ، ولو كانوا في زماننا المنسدّ فيه باب العلم لعملوا بخبر الواحد جزماً.
الوجه الرابع : الاجماع العملي من جميع العلماء على العمل بالأخبار التي بأيدينا ، ولم يخالف فيه أحد منهم.
الوجه الخامس : الاجماع العملي من جميع المتشرعة من زمن الصحابة إلى زماننا هذا على ذلك ، فيكون كاشفاً عن رضا المعصوم عليهالسلام.
والانصاف أنّ شيئاً من هذه الوجوه لا ينهض دليلاً على حجّية الخبر.
أمّا الوجه الأوّل : فالأمر فيه واضح ، لأنّ حجّية الاجماع المنقول عند القائل بها إنّما هي لكونه من أفراد الخبر ، فكيف يصحّ الاستدلال به على حجّية الخبر.
مضافاً إلى ما تقدّم في بحث الاجماع المنقول (3)من عدم الملازمة بين حجّية
الخبر وحجّية الاجماع المنقول ، وإمكان التفكيك بينهما ، والأمر كذلك لاختصاص أدلة الحجّية بالخبر الحسّي على ما تقدّم بيانه.
وأمّا الوجه الثاني : ففيه أنّه ليس في المقام إجماع تعبدي ليكون كاشفاً عن رضا المعصوم عليهالسلام للعلم بأنّ مستند المجمعين هو الآيات والروايات المتقدمة ولا أقل من احتمال ذلك.
وأمّا الوجه الثالث : فيرد عليه - مضافاً إلى ما ذكرناه في الوجه الثاني - أنّه إجماع تقديري لا نجزم به ، إذ من المحتمل أنّ السيّد وأتباعه - على تقدير الالتزام بالانسداد - لا يلتزمون بكون الخبر حجّة بالخصوص ، بل يرونه من أفراد الظن المطلق كالمحقق القمي (1)قدسسره.
وأمّا الوجه الرابع : ففيه أنّ عمل المجمعين ليس مستنداً إلى حجّية خبر الواحد ، لأنّ عمل جملة منهم وإن كان مبنياً عليها ، إلاّأنّ عمل جملة اخرى منهم مبني على كون ما بأيدينا من الأخبار مقطوع الصدور ، وعمل بعض آخر منهم مبني على كون ما في الكتب الأربعة مقطوع الصدور. وقد ادّعى بعضهم كون الأخبار الموجودة في الكافي مقطوعة الصدور ، فلا يكون هناك إجماع عملي على حجّية خبر الواحد ليكون كاشفاً عن رضا المعصوم عليهالسلام.
وأمّا الوجه الخامس : ففيه أنّ عمل المتشرعة من أصحاب الأئمة عليهمالسلام والتابعين بخبر الثقة وإن كان غير قابل للانكار ، إذ من المقطوع به أنّ جميع المكلفين في عصر النبي والأئمة (عليه وعليهمالسلام) لم يأخذوا الأحكام من نفس النبي صلىاللّهعليهوآله أو الإمام عليهالسلام بلا واسطة شخص آخر ، ولا سيّما النساء ، بل لم يتمكنوا من ذلك في جميع أوقات الاحتياج ، ولا
1) قوانين الاصول 1 : 440
سيّما أهل البوادي والقرى والبلدان البعيدة ، فانّ كل واحد من المكلفين لايتمكن من الوصول إلى المعصوم عليهالسلام في كل وقت من أوقات الحاجة إلى السؤال ، بل كانوا يرجعون إلى الثقات يأخذون الأحكام منهم ، وهذا كلّه ظاهر.
إلاّ أنّه لا يكشف عن كون الخبر حجّة تعبدية ، لأنّ عمل المتشرعة بخبر الثقة لم يكن بما هم متشرعة ، بل بما هم عقلاء ، فان سيرة العقلاء قد استقرّت على العمل بخبر الثقة في جميع امورهم ، ولم يردع عنها الشارع ، فانّه لو ردع عن العمل بخبر الثقة لوصل إلينا ، كما وصل منعه عن العمل بالقياس ، مع أنّ العامل بالقياس أقل من العامل بخبر الثقة بكثير ، وقد بلغت الروايات المانعة عن العمل بالقياس إلى خمسمائة رواية تقريباً (1)، ولم تصل في المنع عن العمل بخبر الثقة رواية واحدة ، فيستكشف من ذلك كشفاً قطعياً أنّ الشارع قد أمضى سيرة العقلاء في العمل بخبر الثقة.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ العمدة في دليل حجّية الخبر هي سيرة العقلاء الممضاة عند الشارع ، ولا يرد عليها شيء من الاشكال إلاّتوهم أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن هذه السيرة ، وقد أفاد في الكفاية (2)متناً وهامشاً في دفع هذا التوهم وجوهاً :
الوجه الأوّل : ما ذكره في المتن ، وهو أن كون الآيات رادعة عن السيرة متوقف على عدم كون السيرة مخصصة لها ، وإلاّ فلا تشملها ، وعدم كونها مخصصة لها متوقف على كونها رادعة عنها ، فكون الآيات رادعة عن السيرة مستلزم للدور. ثمّ أورد على نفسه بأنّ إثبات حجّية الخبر بالسيرة أيضاً دوري ،
لأ نّه متوقف على عدم كون الآيات رادعة عنها ، وهو متوقف على كون السيرة مخصصة لها ، وهو متوقف على عدم كون الآيات رادعة عنها. وأجاب عنه : بأنّ كون السيرة مخصصة للآيات غير متوقف على عدم الردع واقعاً بل على عدم ثبوت الردع ، فلا دور في تخصيص الآيات بالسيرة ، بخلاف العكس فانّ كون الآيات رادعة متوقف على عدم كون السيرة مخصصة لها واقعاً.
الوجه الثاني : ما ذكره في الهامش ، وحاصله : أنّه على تقدير الالتزام بعدم صلاحية كل من الآيات والسيرة لرفع اليد به عن الآخر للزوم الدور ، تصل النوبة إلى الأصل العملي ، والمرجع هو استصحاب الحجّية الثابتة قبل نزول الآيات.
الوجه الثالث : ما ذكره في الهامش أيضاً ، وهو أنّ نسبة السيرة إلى الآيات هي نسبة الخاص المتقدم إلى العام المتأخر في أنّ الأمر دائر بين أن يكون الخاص مخصصاً للعام ، وأن يكون العام ناسخاً للخاص ، وقد ذكرنا في مبحث العموم والخصوص أنّ المتعين هو الأوّل ، لأنّ الخاص المتقدم قرينة على المراد من العام ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة بلا مصلحة ملزمة وإن كان قبيحاً ، إلاّ أنّ تقديمه على وقت الحاجة ممّا لا قبح فيه أصلاً. والمقام من صغريات هذه الكبرى ، فلا بدّ من الالتزام بكون السيرة مخصصة للعمومات. هذا ملخص ما ذكره متناً وهامشاً.
والتحقيق : عدم تمامية شيء من الوجوه الثلاثة :
أمّا الوجه الأوّل ففيه :
أوّلاً : أنّه لو كان عدم ثبوت الردع كافياً في صحّة تخصيص الآيات بالسيرة لكان عدم ثبوت التخصيص كافياً في الردع أيضاً ، ولا يظهر وجه لمنع التوقف في أحدهما دون الآخر.
وثانياً : أنّ التحقيق عكس ما ذكره قدسسره لأنّ تخصيص العمومات بالسيرة متوقف على حجّيتها المتوقفة على الامضاء ، فلا يكفي في التخصيص عدم ثبوت الردع على ما أفاده قدسسره بل لا بدّ من ثبوت عدم الردع فيكون التخصيص دورياً ، بخلاف الردع ، فانّه غير متوقف على ثبوت عدم التخصيص ، بل يكفيه عدم ثبوت التخصيص ، إذ العمومات حجّة ببناء العقلاء ما لم يثبت خلافها ، وعليه فالمتعين هو الالتزام بكون الآيات رادعة عن السيرة ، لا أنّ السيرة مخصصة للآيات.
وأمّا الوجه الثاني : ففيه أوّلاً : عدم حجّية الاستصحاب في الأحكام الكلّية على ما ذكر في محلّه (1)وثانياً : أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن الاستصحاب أيضاً ، فكل ما يقال في السيرة مع الآيات يجري في الاستصحاب معها أيضاً ، فلا وجه للتمسك بالاستصحاب بعد الالتزام بعدم صحّة كون السيرة مخصصة للآيات. وثالثاً : أنّ الدليل على حجّية الاستصحاب هي أخبار الآحاد وعمدتها صحاح زرارة (2)، فكيف يمكن التمسك على حجّية الأخبار بالاستصحاب المتوقف عليها. ورابعاً : أنّ التمسك بالاستصحاب إنّما يصح مع الغض عمّا تقدّم فيما إذا تمكّن الشارع من الردع قبل نزول الآيات ولو بيوم واحد ، فانّه حينئذ يستكشف من عدم الردع إمضاؤه لها ، وتثبت حجّية السيرة قبل نزول الآيات ، فصحّ الرجوع إلى استصحاب الحجّية الثابتة قبل نزول الآيات بعد فرض تساقط كل من السيرة والعمومات. وأمّا إذا لم يتمكن من ذلك كما هو الصحيح ، فانّه صلىاللّهعليهوآله لم يكن متمكناً من الردع عن المحرّمات كشرب الخمر
مثلاً ، ولا من الأمر بالواجبات كالصلاة والصوم في صدر الاسلام ، ولذا كان صلىاللّهعليهوآله يقول : «قولوا لا إله إلاّاللّه تفلحوا» (1)فلا مجال للتمسك بالاستصحاب ، إذ لم تحرز حجّية السيرة قبل نزول الآيات كي يتمسك في بقائها بعد نزولها بالاستصحاب. وبهذا ظهر الاشكال في :
الوجه الثالث أيضاً ، فانّ كون المقام من صغريات دوران الأمر بين التخصيص والنسخ متوقف على إحراز كون السيرة حجّة قبل نزول الآيات لتكون قابلة لتخصيص الآيات ، فيدور الأمر بين النسخ والتخصيص ، وإحراز كون السيرة حجّة قبل نزول الآيات متوقف على إحراز كون الشارع متمكناً من الردع قبل نزول الآيات ، وأنّى لنا باثبات ذلك.
والصحيح في مقام الجواب ودفع توهّم كون الآيات رادعة عن السيرة أن يقال :
أوّلاً : أنّا نقطع بعدم الردع في الشريعة المقدّسة عن هذه السيرة ، لبقائها واستمرارها بين المتشرعة وأصحاب الأئمة عليهمالسلام بعد نزول الآيات ، فانّ عمل الصحابة والتابعين بخبر الثقة غير قابل للانكار ، على ما تقدّم بيانه في تقريب الاستدلال بالسيرة (2)، ولو كانت الآيات رادعة عنها لانقطعت السيرة في زمان الأئمة عليهمالسلام لا محالة.
وثانياً : مع الغض عن ذلك ، أنّ الظاهر من لسان الآيات كونها إرشاداً إلى ما يحكم به العقل من تحصيل المؤمّن من العقاب المحتمل ، والانتهاء إلى ما يعلم به الأمن ، ولذا لا تكون قابلة للتخصيص. وكيف يمكن الالتزام بالتخصيص في
مثل قوله تعالى : «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (1)بأن يقال إلاّالظن الفلاني فانّه يغني من الحق. وعليه فلا يكون مفادها حكماً مولوياً ليكون ردعاً عن السيرة.
وإن شئت قلت : إنّ مفاد الآيات هو الارشاد إلى حكم العقل بدفع الضرر المحتمل إن كان اخروياً ، ويكون الخبر بعد قيام السيرة على حجّيته خارجاً عن الآيات بالورود ، كسائر الأمارات المعتبرة ، لعدم احتمال العقاب مع العمل بما هو حجّة ، ولو على تقدير مخالفتها للواقع ، فحال الخبر بعد قيام السيرة على العمل به مع الآيات بعد كونها إرشاداً إلى حكم العقل حال الأمارات مع الاصول العملية العقلية ، فكما أنّها واردة عليها ، كذلك الخبر وارد على الآيات.
وثالثاً : أنّا لو أغمضنا عن ذلك ، وقلنا بأنّ مفاد الآيات حكم مولوي وهو حرمة العمل بغير العلم ، نقول : إنّ السيرة حاكمة على الآيات ، لأنّ العمل بالحجج العقلائية القائمة على العمل بها سيرة العقلاء لا يكون عملاً بغير العلم في نظر العرف والعقلاء ، ولذا لم يتوقف أحد من الصحابة والتابعين وغيرهم في العمل بالظواهر ، مع أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم بمرأىً منهم ومسمع وهم من أهل اللسان ، وليس ذلك إلاّلأجل أنّهم لا يرون العمل بالظواهر عملاً بغير العلم بمقتضى قيام سيرة العقلاء على العمل بها ، وحال خبر الثقة هي حال الظواهر من حيث قيام السيرة على العمل به ، فكما أنّ السيرة حاكمة على الآيات بالنسبة إلى الظواهر ، كذلك حاكمة عليها بالنسبة إلى خبر الثقة.
فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّ العمدة في حجّية الخبر هي السيرة ، ولا يرد على الاستدلال بها شيء من الاشكال.
1) يونس 10 : 36
ولا يخفى أنّ مقتضى السيرة حجّية الصحيحة والحسنة والموثقة ، فانّها قائمة على العمل بهذه الأقسام الثلاثة ، فإذا بلغ أمر المولى إلى عبده بنقل عادل ، أو بنقل إمامي ممدوح لم يظهر فسقه ولا عدالته ، أو بنقل ثقة غير إمامي ، لا يكون العبد معذوراً في مخالفة أمر المولى في نظر العقلاء. نعم ، الخبر الضعيف خارج عن موضوع الحجّية ، لأنّ العقلاء لا يعملون به يقيناً ، مع أنّ الشك في قيام السيرة على العمل به كافٍ في الحكم بعدم حجّيته.
وأمّا توهّم أنّ إطلاق آية النفر يشمل الخبر الضعيف أيضاً ، حيث إنّ مفادها وجوب الحذر عند الانذار بلا تقييد بكون المنذر عادلاً أو ثقة ، فمدفوع بأنّ الآية الشريفة منزّلة على المتعارف بين العرف والعقلاء ، وهم لا يعملون بخبر الفاسق الكاذب. هذا على تقدير كون الآية واردة في مقام جعل حجّية الخبر.
وأمّا على تقدير كونها كاشفة عن حجّية الخبر قبل نزولها ، وأنّ تفريع وجوب الحذر عند الانذار إنّما هو من باب التطبيق كما تقدّمت الاشارة إليه حين الاستدلال بالآية (1)فالأمر واضح ، إذ ليس مفادها حينئذ جعل الحجّية ليتمسك باطلاقها ، بل مفادها كون حجّية الخبر مفروغاً عنها قبل نزول الآية بمقتضى السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع ، فالمتبع في توسعة موضوع الحجّية وضيقه هي السيرة ، وقد تقدّم أنّ السيرة لم تقم على العمل بخبر الضعيف.
نعم ، الخبر الموجب للوثوق والاطمئنان الشخصي يجب العمل به وإن كان ضعيفاً في نفسه ، وليس ذلك لأجل حجّية الخبر الضعيف ، بل لأنّ الاطمئنان المعبّر عنه بالعلم العادي حجّة وإن كان حاصلاً ممّا لا يكون حجّة في نفسه كخبر الفاسق أو خبر الصبي مثلاً.
1) تقدّم في ص 216
بقي في المقام أمران لا بدّ من التعرّض لهما :
الأمر الأوّل : أنّ الخبر إن كان ضعيفاً في نفسه هل ينجبر ضعفه بعمل المشهور أم لا؟ المشهور بين المتأخرين هو ذلك. وذكر المحقق النائيني قدسسره في وجه ذلك : أنّ الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور حجّة بمقتضى منطوق آية النبأ ، إذ مفاده حجّية خبر الفاسق مع التبين ، وعمل المشهور من التبين (1). ووافقناه على ذلك في الدورة السابقة ، ولكن التحقيق عدم تمامية الوجه المذكور ، إذ التبين عبارة عن الاستيضاح واستكشاف صدق الخبر ، وهو تارةً يكون بالوجدان ، كما إذا عثرنا بعد الفحص والنظر على قرينة داخلية أو خارجية موجبة للعلم أو الاطمئنان بصدق الخبر ، وهذا ممّا لا كلام في حجّيته على ما تقدّمت الاشارة إليه. واخرى : يكون بالتعبد ، كما إذا دلّ دليل معتبر على صدقه فيؤخذ به أيضاً فانّه تبين تعبدي ، وحيث إنّ فتوى المشهور لا تكون حجّة على ما تقدّم الكلام فيها (2)، فليس هناك تبين وجداني ولا تبين تعبدي يوجب حجّية خبر الفاسق.
وإن شئت قلت : إنّ الخبر الضعيف لا يكون حجّة في نفسه على الفرض ، وكذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض أيضاً ، وانضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة لا يوجب الحجّية ، فانّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلاّالعدم.
ودعوى أنّ عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به فيثبت به كونه ثقة ، فيدخل في موضوع الحجّية ، مدفوعة بأنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه ، فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر ومطابقته للواقع بحسب
نظرهم واجتهادهم ، لا لكون المخبر ثقة عندهم ، فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به ، ولا سيّما أنّهم لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر.
هذا كلّه من حيث الكبرى وأنّ عمل المشهور موجب لانجبار ضعف الخبر أم لا. وأمّا الصغرى وهي استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل والفتوى ، فاثباتها أشكل من إثبات الكبرى ، لأنّ مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم عليهالسلام والقدماء لم يتعرّضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف ، وإنّما المذكور في كتبهم مجرد الفتوى ، والمتعرض للاستدلال إنّما هو الشيخ الطوسي قدسسره في المبسوط ، وتبعه من تأخر عنه في ذلك دون من تقدّمه من الأصحاب ، فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف واستنادهم إليه ، غاية الأمر أنّا نجد فتوى منهم مطابقة لخبر ضعيف ، ومجرّد المطابقة لا يدل على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر ، إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره.
فتحصّل : أنّ القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرىً وكبرى.
الأمر الثاني : أنّ الخبر إن كان صحيحاً أو موثقاً في نفسه هل يكون إعراض المشهور عنه موجباً لوهنه وسقوطه عن الحجّية أم لا؟ المشهور بينهم هو ذلك ، بل صرّحوا بأ نّه كلّما ازداد الخبر صحّة ازداد ضعفاً ووهناً باعراض المشهور عنه.
والتحقيق عدم تمامية ذلك أيضاً ، إذ بعد كون الخبر صحيحاً أو موثقاً مورداً لقيام السيرة ومشمولاً لاطلاق الأدلة اللفظية على ما تقدّم ذكرها ، لا وجه لرفع اليد عنه لاعراض المشهور عنه. نعم ، إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم
مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه ، يحصل لنا العلم أو الاطمئنان بأنّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم عليهالسلام أو صدر عن تقيّة فيسقط الخبر المذكور عن الحجّية لا محالة ، كما تقدّمت الاشارة إليه (1)، ولكنّه خارج عن محل الكلام. وأمّا إذا اختلف العلماء على قولين وذهب المشهور منهم إلى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق وأعرضوا عنه ، واختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخبر المذكور فلا دليل لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجّة في نفسه لمجرد إعراض المشهور عنه.
وممّا استدلّ به على حجّية الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة المثبتة للتكليف حكم العقل وتقريبه بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّا نعلم إجمالاً بصدور جملة من تلك الأخبار عن المعصوم ، ولا نحتمل أن يكون جميعها مجعولاً ، ولا سيّما بعد ملاحظة جهد العلماء في تهذيبها وإسقاط الضعاف منها ، ولذا ادّعى صاحب الحدائق العلم بصدور جميع ما في الكتب الأربعة (2). ومقتضى هذا العلم الاجمالي هو الاحتياط والأخذ بجميع هذه الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة بحكم العقل.
وأورد عليه الشيخ (3)قدسسره بأنّ هذا العلم الاجمالي لو كان منجّزاً لزم العمل على طبق جميع الأمارات ، ولو كانت غير معتبرة كالشهرة الفتوائية والاجماعات المنقولة ، للعلم الاجمالي بمطابقة بعضها للواقع ، فلا يفترق الحال بين الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة والأخبار الموجودة في غيرها من الكتب ،
ولا بين الأخبار وغيرها من الأمارات المعتبرة أو غير المعتبرة من حيث تنجيز العلم الاجمالي ، فيجب الأخذ بالجميع ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، كما هو ظاهر.
وأجاب عنه صاحب الكفاية قدسسره بأنّ العلم الاجمالي بثبوت التكاليف في موارد قيام الأمارات قد انحلّ بالعلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة عن المعصوم عليهالسلام (1)وتوضيح ذلك : أنّ لنا ثلاثة علوم إجمالية :
الأوّل : العلم الاجمالي الكبير وأطرافه جميع الشبهات ، ومنشؤه هو العلم بالشرع الأقدس وتأسيس الشريعة المقدّسة ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف رأساً.
الثاني : العلم الاجمالي المتوسط وأطرافه موارد قيام الأمارات المعتبرة وغير المعتبرة ، ومنشؤه كثرة الأمارات بحيث لا نحتمل مخالفة جميعها للواقع بل نعلم إجمالاً بمطابقة بعضها له.
الثالث : العلم الاجمالي الصغير وأطرافه خصوص الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة ، فانّا نعلم إجمالاً بصدور جملة من هذه الأخبار عن المعصوم عليهالسلام.
وحيث إنّ العلم الاجمالي الأوّل ينحل بالعلم الاجمالي الثاني ، وينحل العلم الاجمالي الثاني بالعلم الاجمالي الثالث ، فلا يجب الاحتياط إلاّفي أطراف العلم الاجمالي الثالث ، ونتيجة ذلك هو وجوب العمل على طبق الأخبار المثبتة للتكليف الموجودة في الكتب المعتبرة ، لا الاحتياط في جميع الشبهات كما هو مقتضى العلم الاجمالي الأوّل لولا انحلاله ، ولا الاحتياط في جميع موارد
1) كفاية الاصول : 304 و 305
الأمارات المعتبرة وغير المعتبرة كما هو مقتضى العلم الاجمالي الثاني على تقدير عدم انحلاله. والميزان في الانحلال أن لايكون المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الصغير أقل عدداً من المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الكبير ، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الاجمالي الصغير بالمقدار المتيقن لم يبق لنا علم إجمالي في بقية الأطراف ، ولو انضمّ إليها غيرها من أطراف العلم الاجمالي الكبير.
مثلاً إذا علمنا إجمالاً بوجود خمس شياه مغصوبة في قطيع من الغنم ، وعلمنا أيضاً بوجود خمس شياه مغصوبة في جملة البيض من هذا القطيع ، فلا محالة ينحل العلم الاجمالي الأوّل بالعلم الاجمالي الثاني ، فإنّا لو أفرزنا خمس شياه بيض لم يبق لنا علم إجمالي بمغصوبية البقية ، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الكبير على المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الصغير ، بخلاف ما لو علمنا إجمالاً بوجود ثلاث شياه محرّمة في جملة البيض من هذا القطيع ، فانّ العلم الاجمالي الأوّل لا ينحل بالعلم الاجمالي الثاني ، إذ لو أفرزنا ثلاث شياه بيض بقي علمنا الاجمالي بمغصوبية البعض الباقي بحاله ، لأنّ انطباق الخمس على الثلاث غير معقول ، وعليه فلاينبغي الشك في انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الاجمالي المتوسط ، إذ المعلوم بالاجمال في الأوّل لا يزيد عدداً على المعلوم بالاجمال في الثاني ، لأنّ منشأ العلم الاجمالي الكبير هو العلم باستلزام الشرع لوجود أحكام وتكاليف ، ويكفيه المقدار المعلوم بالاجمال في موارد قيام الامارات.
وكذا العلم الاجمالي الثاني ينحل بالعلم الاجمالي الثالث ، لأنّا لو أفرزنا مقداراً من أطراف العلم الثالث - أي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة - من كل باب من أبواب الفقه ، بحيث يكون المجموع بمقدار المعلوم بالاجمال في العلم الثالث ، لم يبق لنا علم إجمالي بوجود التكاليف في غيره ولو مع ضم سائر الأمارات ، بل وجود التكاليف في غيره مجرّد احتمال فيستكشف بذلك أنّ المعلوم
بالاجمال في العلم الثاني لا يزيد عدداً على المعلوم بالاجمال في العلم الثالث ، فينحل العلم الثاني بالعلم الثالث لا محالة.
والمناقشة في الانحلال بأنّ لنا علماً إجمالياً بمطابقة بعض الأمارات غير المعتبرة للواقع أيضاً ، كالروايات الموجودة في كتب العامّة مثلاً ، فانّا لا نحتمل كذب جميعها وكيف ينحل هذا العلم الاجمالي بالعلم الاجمالي بصدور جملة من الروايات الموجودة في الكتب المعتبرة ، إذ المعلوم بالاجمال في العلم الأوّل غير محتمل الانطباق على المعلوم بالاجمال في الثاني واهية لأنّ جميع الأمارات غير المعتبرة لا يكون مخالفاً لما في الكتب المعتبرة من الروايات ، بل عدّة منها موافقة له ، فافراز مقدار من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة مستلزم لافراز ما يطابقه من الأمارات غير المعتبرة ، والعمل به يستلزم العمل به بل عينه ، وليس لنا علم إجمالي بمطابقة الأمارات غير المعتبرة للواقع فيما لم يكن مطابقاً للأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة.
فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّ الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره وأنّ مقتضى العلم الاجمالي وجوب الأخذ بالأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة المثبتة للتكليف.
بقي الكلام في أنّ وجوب العمل بالأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة من جهة العلم الاجمالي بصدور بعضها هل يترتب عليه ما يترتب على حجّيتها من تقدّمها على الاصول العملية واللفظية أم لا؟ وتحقيق ذلك يقتضي التكلم في مقامين : المقام الأوّل : في تقدّمها على الاصول العملية. المقام الثاني : في تقدّمها على الاصول اللفظية كأصالة العموم والاطلاق.
أمّا المقام الأوّل : فتحقيق القول فيه أنّ الاصول قد تكون من الاصول المحرزة الناظرة إلى الواقع ، بمعنى أنّ المستفاد من أدلتها البناء العملي على أنّ
مفادها هو الواقع ، كالاستصحاب وقاعدة الفراغ والتجاوز ، بناءً على كونها من الاصول لا من الأمارات. وقد تكون من الاصول غير المحرزة ، بمعنى أنّ المستفاد من أدلتها أنّها وظائف عملية مجعولة في ظرف عدم الوصول إلى الواقع لا البناء على أنّ مفادها هو الواقع كالبراءة العقلية والشرعية. وعلى كل تقدير قد يكون الأصل نافياً للتكليف دائماً كالبراءة ، وقد يكون مثبتاً له كذلك كقاعدة الاشتغال.
وثالثةً يكون نافياً للتكليف مرّةً ومثبتاً له اخرى كالاستصحاب.
فإن كان الأصل نافياً للتكليف ودلّ الخبر على ثبوته لا مجال لجريان الأصل ، سواء كان محرزاً أو غير محرز ، بلا فرق بين القول بحجّية الخبر والقول بوجوب العمل به من جهة العلم الاجمالي. أمّا على القول بحجّيته فواضح. وأمّا على القول بوجوب العمل به من جهة العلم الاجمالي ، فلعدم جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، لأنّ جريانه في جميع الأطراف موجب للمخالفة القطعية العملية ، وفي بعضها ترجيح بلا مرجح ، فلا فرق بين القول بحجّية الخبر وبين القول بوجوب العمل به من باب الاحتياط للعلم الاجمالي ، من حيث عدم جريان الأصل في مورده ، إنّما الفرق بينهما من وجهين آخرين :
أحدهما : صحّة إسناد مؤدى الخبر إلى المولى على تقدير حجّيته ، وعدم صحّته على تقدير وجوب العمل به من باب الاحتياط ، لأنّ إسناد الحكم إلى المولى مع عدم قيام الحجّة عليه تشريع محرّم.
ثانيهما : وجوب الأخذ باللوازم على تقدير حجّيته ، وعدمه على تقدير عدمها ، على ما سيجيء التعرّض له مفصّلاً في بحث الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا إن كان الأصل أيضاً مثبتاً للتكليف فلا مانع من جريانه على القول
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 181 وما بعدها (الأصل المثبت)
بوجوب العمل بالخبر من باب الاحتياط ، لأنّ المانع من جريان الأصل أحد أمرين كلاهما مفقود في المقام :
أحدهما : ارتفاع موضوع الأصل وهو الشك بالعلم الوجداني أو التعبدي ، كما إذا قامت الحجّة في مورده والمفروض انتفاء العلم الوجداني وعدم كون الخبر حجّة.
ثانيهما : لزوم المخالفة العملية القطعية ، والمفروض كون الأصل مثبتاً للتكليف كالخبر ، فلا يلزم من جريانه مخالفة عملية أصلاً فلا مانع من جريانه ، إلاّ أنّه لا ثمرة عملية بين الالتزام بجريانه والالتزام بعدم جريانه ، إذ المفروض كون الأصل مثبتاً للتكليف كالخبر.
نعم ، يظهر الفرق بينهما في صحّة إسناد الحكم إلى المولى على تقدير جريان الأصل فيما إذا كان من الاصول المحرزة ، فانّه صحّ إسناد الوجوب المستصحب إلى المولى ، بخلاف ما لو التزمنا بعدم جريان الأصل ، فانّه لا يصح إسناد الحكم إلى المولى حينئذ ، لأنّ المفروض عدم حجّية الخبر ووجوب العمل به من باب الاحتياط ، فكان إسناد الحكم إلى المولى تشريعاً محرّماً كما تقدّم. هذا كلّه على تقدير وجوب العمل بالخبر من باب الاحتياط.
وأمّا على القول بكونه حجّة فلا مجال لجريان الأصل ، لارتفاع موضوعه - وهو الشك - بالتعبد الشرعي ، كما هو ظاهر.
وظهر بما ذكرناه أنّ الفرق بين حجّية الخبر ووجوب العمل به من باب الاحتياط في هذا الفرض من وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّه على تقدير حجّيته لا يجري الأصل ، وعلى تقدير وجوب العمل به من باب الاحتياط لا مانع من جريانه ، وإن لم يفترق الحال في مقام العمل
بين جريانه وعدمه على ما تقدّم.
الثاني : صحّة إسناد مؤداه إلى المولى على تقدير الحجّية ، وعدمه على تقدير وجوب العمل به من باب الاحتياط.
الثالث : لزوم الأخذ باللوازم على تقدير الحجّية ، وعدمه على عدمه. هذا كلّه على تقدير كون مفاد الخبر حكماً إلزامياً كالوجوب والحرمة. وأمّا إن كان مفاده حكماً ترخيصياً ، فإن كان مفاد الأصل أيضاً نفي التكليف كالبراءة أو استصحاب عدم الوجوب أو عدم الحرمة ، فلا تظهر ثمرة بين حجّية الخبر ووجوب العمل به من باب الاحتياط ، إلاّفي صحّة الاسناد والأخذ باللوازم على ما تقدّم. وأمّا إن كان الأصل مثبتاً للتكليف ، فإن كان الأصل من الاصول غير المحرزة كقاعدة الاشتغال ، فلا مانع من جريانها على القول بوجوب العمل بالخبر من جهة العلم الاجمالي ، إذ مع عدم قيام الحجّة على نفي التكليف كانت قاعدة الاشتغال محكّمة ، فانّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية بحكم العقل.
ومجرّد العلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار الترخيصية غير مانع من جريان قاعدة الاشتغال ، إذ العلم بالترخيص في بعض الأطراف حاصل في جميع موارد قاعدة الاشتغال ، ولكنّه لا يزاحم العلم الاجمالي بالتكليف في أحد الأطراف ، فإذا علمنا إجمالاً بوجوب إحدى الصلاتين القصر أو التمام ، ودلّ الخبر على عدم وجوب القصر مثلاً ، فعلى القول بعدم حجّية الخبر لا مانع من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، بخلاف القول بحجّيته ، فانّه عليه كان احتمال وجوب القصر منتفياً بالعلم التعبدي ، فينحل العلم الاجمالي ولا يبقى موضوع لقاعدة الاشتغال ، ففي هذا الفرض تظهر الثمرة العملية بين القول بحجّية الخبر والقول بوجوب العمل به من جهة العلم الاجمالي ، وهي ثمرة مهمّة.
وأمّا إن كان الأصل من الاصول المحرزة كاستصحاب الوجوب أو الحرمة في فرض قيام الخبر على نفي التكليف ، كما في وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال ، فانّ الخبر دلّ على الجواز مع غسل الموضع ومقتضى الاستصحاب هو الحرمة ، ففي مثل ذلك إن كانت موارد الاستصحاب المثبت للتكليف قليلة ، بحيث لم يحصل لنا علم إجمالي بصدور بعض الأخبار الترخيصية في تلك الموارد فلا مانع من جريان الأصل على القول بعدم حجّية الخبر ووجوب العمل به من جهة العلم الاجمالي ، بخلاف القول بحجّيته. فتظهر الثمرة بينهما في هذا الفرض كالصورة السابقة.
وأمّا إذا علم إجمالاً بمخالفة الاستصحاب للواقع في بعض الموارد ، كما إذا كانت موارد جريانه كثيرة وعلم إجمالاً بصدور بعض الأخبار الترخيصية في تلك الموارد ، فجريان الاستصحاب وعدمه مبني على الخلاف بين الأعلام في جريان الأصل المحرز المثبت للتكليف مع العلم الاجمالي بمخالفته للواقع في بعض الأطراف ، كما إذا علمنا بنجاسة إناءين ثمّ علمنا إجمالاً بطهارة أحدهما ، فاختار شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وتبعه المحقق النائيني قدسسره (2)عدم جريان استصحاب النجاسة فيهما. واختار صاحب الكفاية قدسسره جريانه (3)، وهو الصحيح على ما ذكرناه في محلّه (4). والمقام من صغريات تلك المسألة ، فعلى القول بجريانه تظهر الثمرة في المقام بين حجّية الخبر ووجوب
العمل به من باب الاحتياط فانّه لا يجري الأصل على الأوّل ، ويجري على الثاني كما هو ظاهر. وعلى القول بعدم جريانه لا تظهر ثمرة بينهما إلاّفي صحّة الاسناد ووجوب الأخذ باللوازم على ما تقدّم.
أمّا المقام الثاني : فملخص الكلام فيه أنّه إذا ورد عام أو مطلق معلوم الصدور بالتواتر ، كعموم الكتاب والسنّة المتواترة ، أو بغيره كعموم الخبر المحفوف بالقرينة القطعية ، وكان في خبر الواحد خاص أو مقيد ، فعلى القول بحجّية الخبر يخصص العموم ويقيّد الاطلاق ، لأنّ الخبر حجّة على الفرض ، فيكون قرينة على المراد من العام أو المطلق ، ولذا ذكرنا في محلّه أنّ تخصيص الكتاب بخبر الواحد ممّا لا إشكال فيه (1). وأمّا على القول بوجوب العمل بالأخبار من باب الاحتياط للعلم الاجمالي بصدور بعضها ، فهل يتقدّم الخبر على العموم والاطلاق أيضاً لترتفع الثمرة بين القول بحجّية الخبر والقول بوجوب العمل به من باب الاحتياط من هذه الجهة أم لا؟
ظاهر كلام صاحب الكفاية قدسسره وصريح بعض المحققين قدسسرهم هو الثاني (2)بدعوى أنّ العام أو المطلق حجّة في مدلوله ، ولا يرفع اليد عنهما إلاّ بحجّة أقوى ، والمفروض أنّ كل واحد من الأخبار غير ثابت الحجّية ، ومجرّد العلم الاجمالي بصدور بعضها لا أثر له.
هذا ، والتحقيق في المقام هو التفصيل بأن يقال : إن كان مفاد العام أو المطلق حكماً الزامياً ، ومفاد الخبر حكماً غير الزامي ، كقوله تعالى : «وَحَرَّمَ الرِّبا» (3)
وقوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (1)تعيّن العمل بالعام ، ولا يجوز العمل بالخاص ، لأنّ العلم الاجمالي بورود التخصيص في بعض العمومات وإن أوجب سقوط أصالة العموم عن الحجّية ، إلاّأنّ العلم الاجمالي بارادة العموم في بعضها يقتضي الاحتياط ، ووجوب العمل بجميع العمومات المتضمنة للتكاليف الالزامية ، والمفروض أنّ الخاص لا يكون حجّة ليكون موجباً لانحلال العلم الاجمالي المذكور. نعم ، هناك علم إجمالي بصدور بعض المخصصات ، إلاّ أنّه لا أثر له ، إذ المفروض كون مفاد المخصص حكماً غير إلزامي ، وقد ذكر في محلّه أنّه لا أثر للعلم الاجمالي فيما إذا لم يكن متعلقاً بحكم الزامي (2). وعليه فيجب الأخذ بالعمومات والاطلاقات من باب الاحتياط ، لا من جهة حجّية أصالة العموم أو الاطلاق على ما يظهر من صاحب الكفاية ، ويصرّح به بعض المحققين ، ففي هذا الفرض تظهر الثمرة بين القول بحجّية الخبر والقول بوجوب العمل به من باب الاحتياط.
وإن كان مفاد العام أو المطلق حكماً ترخيصياً ، ومفاد الخاص حكماً إلزامياً كقوله تعالى : «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» (3)وقوله عليهالسلام : «نهى النبي صلىاللّهعليهوآله عن بيع الغرر» (4)تعيّن العمل بالخاص ولو كان العمل به من باب الاحتياط ، إذ العلم الاجمالي بصدور جملة من المخصصات المشتملة على أحكام إلزامية أوجب سقوط الاصول اللفظية عن الحجّية ، كما هو الحال في الاصول العملية ، فانّ إجراءها في جميع الأطراف يستلزم المخالفة العملية القطعية ، وفي
بعضها ترجيح بلا مرجّح ، فلا مجال للقول بأنّ العموم أو الاطلاق حجّة في مدلوله ، ولا يرفع اليد عنهما إلاّبحجّة أقوى ، والعلم الاجمالي بارادة العموم في بعض الموارد ممّا لا أثر له ، إذ المفروض كون مفاد العموم حكماً ترخيصياً ، وقد تقدّم أنّه لا أثر للعلم الاجمالي فيما إذا لم يكن متعلقاً بحكم إلزامي. وهذا هو الفارق بين هذه الصورة والصورة السابقة ، فتعيّن العمل بالمخصص في جميع الأطراف ، للعلم الاجمالي بصدور جملة من المخصصات ، والمفروض كونه متعلقاً بحكم إلزامي ، فيجب الأخذ بالمخصص من باب الاحتياط ، ففي هذا الفرض لا تظهر ثمرة بين القول بحجّية الخبر والقول بوجوب العمل به من باب الاحتياط.
وأمّا إن كان مفاد كل من العام والخاص حكماً إلزامياً ، بأن يكون مفاد أحدهما الوجوب ومفاد الآخر الحرمة ، كما إذا كان مفاد العام وجوب إكرام العلماء ، ومفاد الخاص حرمة إكرام العالم الفاسق ، أو كان مفاد العام حرمة إكرام الكفار ومفاد الخاص وجوب إكرام الضيف منهم مثلاً ، فعلى القول بحجّية الأخبار لا إشكال في تقدّمها على العمومات وتخصيصها بها ، كما مرّ مراراً.
وأمّا على القول بوجوب العمل بها من باب الاحتياط ، فهل يجب العمل بالعام أو بالخاص أو يتخيّر؟ المتعيّن هو الثالث ، لعدم إمكان الاحتياط وتحصيل الامتثال القطعي ، إذ مورد اجتماع العام والخاص طرف لعلمين إجماليين ، يقتضي أحدهما الفعل والآخر الترك ، فانّ العلم الاجمالي بارادة العموم من بعض العمومات يقتضي الاحتياط بالفعل ، والعلم الاجمالي بصدور جملة من المخصصات يقتضي الترك كما في المثال الأوّل ، وينعكس الأمر في عكس ذلك كما في المثال الثاني. وعلى التقديرين لا يمكن الاحتياط بلحاظ كلا العلمين ، فيكون مخيراً بين الفعل والترك ، نظير دوران الأمر بين المحذورين ، فانّ العقل مستقل فيه بالتخيير.
والمقام وإن لم يكن من صغريات دوران الأمر بين المحذورين ، لأنّ دوران الأمر بين المحذورين إنّما هو فيما إذا علم جنس الالزام وشكّ في أنّه الوجوب أو الحرمة ، والمقام ليس كذلك ، لاحتمال أن لا يكون مورد اجتماع العام والخاص واجباً ولا حراماً ، إذ نحتمل أن لا يكون العموم مراداً من هذا العام ، بأن يكون العام الذي نعلم إجمالاً بارادة العموم منه منطبقاً على غير هذا العام ، وكذا نحتمل أن لا يكون هذا الخاص صادراً ، بأن يكون الخاص الذي نعلم إجمالاً بصدوره غير هذا الخاص ، فنحتمل أن لايكون مورد الاجتماع حراماً ولا واجباً ، إلاّ أنّه ملحق بدوران الأمر بين المحذورين حكماً ، لما ذكرناه من كونه طرفاً لعلمين إجماليين يقتضي أحدهما الفعل والآخر الترك ، فلا يمكن الاحتياط وتحصيل الامتثال اليقيني ، فإذن لا مناص من الحكم بالتخيير.
الوجه الثاني من الوجوه العقلية التي استدلّ بها على حجّية الخبر : ما ذكره صاحب الوافية على ما حكي عنه مستدلاًّ على حجّية الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة عند الشيعة ، كالكتب الأربعة مع عمل جمع بها من غير ردّ ظاهر ، وهو أنّا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة ، ولا سيّما بالاصول الضرورية كالصوم والصلاة والحج والزكاة ، مع أنّ جل أجزائها وشرائطها وموانعها إنّما يثبت بالخبر غير القطعي ، بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الامور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بخبر الواحد (1)، انتهى ملخّصاً.
وأورد عليه الشيخ قدسسره (2)أوّلاً : بأنّ العلم الاجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط بين جميع الأخبار ، لا خصوص الأخبار الواجدة لما ذكره
من الشرائط ، فاللازم حينئذ إمّا الاحتياط والعمل بكل خبر دلّ على جزئية شيء أو شرطيته (1).
وهذا الايراد يندفع بأنّ العلم الاجمالي وإن كان حاصلاً بوجود الأجزاء والشرائط بين جميع الأخبار ، إلاّأنّ العلم الاجمالي بوجود الأجزاء والشرائط بين الأخبار الواجدة للشرائط المذكورة يوجب انحلال العلم الأوّل ، فاللاّزم حينئذ هو الاحتياط والعمل بكل ما دلّ على الجزئية أو الشرطية من خصوص تلك الأخبار ، لا مطلق ما دلّ على الجزئية والشرطية من الأخبار.
نعم ، يرد عليه ما أورده الشيخ قدسسره ثانياً وحاصله : أنّ مقتضى هذا الوجه هو وجوب العمل بكل ما دلّ على الجزئية والشرطية من الأخبار المذكورة من باب الاحتياط للعلم الاجمالي ، لا حجّية الأخبار الواجدة للشرائط المذكورة ، بحيث تقدّم على الاصول اللفظية والعملية التي مفادها الالزام وثبوت التكليف كما هو المدّعى في المقام.
الوجه الثالث من الوجوه العقلية : ما حكي عن صاحب الحاشية (2)قدسسره وملخصه : أنّا نعلم بلزوم الرجوع إلى السنّة لحديث الثقلين الثابت تواتره عند الفريقين ونحوه ممّا يدل على ذلك ، فيجب علينا العمل بها فيما إذا احرزت بالقطع ، ومع عدم التمكن من إحرازها بالقطع لا بدّ من التنزل إلى الظن والعمل بما يظن صدوره منهم عليهمالسلام.
ويرد عليه : ما ذكره الشيخ قدسسره من رجوعه إمّا إلى الوجه الأوّل ،
وإمّا إلى دليل الانسداد ، إذ لو كان مراده من السنّة نفس قول المعصوم عليهالسلام وفعله وتقريره ، فوجوب العمل بها وإن كان ضرورياً ، إلاّ أنّه لا ملازمة بينه وبين وجوب العمل بالأخبار الحاكية للسنّة المحتمل عدم مطابقتها للواقع كما هو ظاهر. وإن كان مراده من السنّة هي الروايات الحاكية لقول المعصوم أو فعله أو تقريره ، فلا دليل على وجوب العمل بها فانّه أوّل الكلام ومحل البحث فعلاً.
وحديث الثقلين ونحوه الدال على وجوب الرجوع إلى المعصوم عليهالسلام والأخذ بقوله لايدل على وجوب الأخذ بالروايات الحاكية لقول المعصوم عليهالسلام فانّ وجوب متابعة الإمام عليهالسلام لا يدل على وجوب العمل بما يرويه محمّد بن مسلم مثلاً ، مع احتمال كونه غير مطابق للواقع وهو ظاهر ، وحينئذ إن قيل بوجوب العمل بالروايات بدعوى العلم الاجمالي بصدور جملة منها من المعصوم ، فهذا هو الوجه الأوّل ، وإن قيل بوجوب العمل بها بدعوى العلم الاجمالي بتكاليف واقعية وأنّ العقل يحكم بذلك بعد عدم إمكان الوصول إليها بالقطع ، فهذا يرجع إلى دليل الانسداد ولا يتم إلاّبتمامية سائر مقدّماته (1).
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من عدم رجوع هذا الوجه إلى الوجه الأوّل ولا إلى دليل الانسداد وأ نّه دليل مستقل ، بدعوى أنّ ملاكه ليس هو العلم الاجمالي بتكاليف واقعية ليرجع إلى دليل الانسداد ، ولا العلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار عنهم عليهمالسلام ليرجع إلى الوجه الأوّل ، بل ملاكه العلم بوجوب الرجوع إلى الروايات ، مع قطع النظر عن العلمين المذكورين (2)،
ففيه : أنّ العلم بوجوب الرجوع إلى الروايات لا بدّ من أن يكون ناشئاً من منشأ ، إذ العلم بوجوب العمل بما يحتمل مخالفته للواقع لا يحصل جزافاً. فإمّا أن يكون المنشأ هو الجعل الشرعي بأن يجعل الشارع الروايات حجّةً والمفروض عدم ثبوته ، أو يكون المنشأ هو العلم بصدور بعضها من المعصوم ، وهذا هو الوجه الأوّل ، أو يكون المنشأ هو حكم العقل بلزوم الامتثال الظنّي مع عدم إمكان الامتثال القطعي ، وهذا يرجع إلى دليل الانسداد.
واستدلّ عليها بوجوه أربعة كلّها عقلية :
الوجه الأوّل : أنّ الظن بالتكليف مستلزم للظن بالضرر على المخالفة ، ودفع الضرر المظنون واجب بحكم العقل.
واجيب عنه بأجوبة بعضها راجع إلى منع الصغرى ، وبعضها راجع إلى منع الكبرى.
والصحيح في الجواب منع إحدى المقدّمتين على سبيل منع الخلو ، بأن يمنع الصغرى على تقديرٍ والكبرى على تقدير آخر ، وكلتاهما على تقدير ثالث ، بيان ذلك : أنّه إن كان مراد المستدل من الضرر هو الضرر الاخروي فالكبرى وإن كانت صحيحة تامّة ، إذ العقل مستقل بدفع الضرر المظنون ، بل بدفع الضرر المحتمل ، ولذا وجب الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص ، وفي أطراف العلم الاجمالي ، بل الضرر محتمل حتّى في موارد العلم التفصيلي بالتكليف ، فانّ استحقاق العقاب على المخالفة وإن كان مقطوعاً به فيها ، إلاّأنّ العقاب فيها أيضاً محتمل لا معلوم ، لاحتمال صدور العفو منه تعالى واحتمال الشفاعة.
وبالجملة : لا ينبغي الشك في الكبرى على هذا التقدير ، إلاّأنّ الصغرى ممنوعة ، إذ لا ملازمة بين التكليف الواقعي واستحقاق العقوبة على المخالفة ليكون الظن بالتكليف مستلزماً للظن بالعقاب على المخالفة ، وإلاّ كان احتمال التكليف مستلزماً لاحتمال العقاب على المخالفة ولزم الاحتياط في الشبهات البدوية ولو بعد الفحص ، لأنّ دفع الضرر المحتمل أيضاً واجب عقلاً كالضرر المظنون ، مع كونه واضح البطلان لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان.
وبعبارة اخرى : استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التكليف لا من لوازم وجوده الواقعي ، فمع عدم تنجّزه بالعلم الوجداني ولا بالحجّة المعتبرة لا عقاب على مخالفته بقبح العقاب بلا بيان بحكم العقل.
وبما ذكرناه ظهر فساد ما ذكره صاحب الكفاية (1)قدسسره من أنّ العقل وإن لم يكن مستقلاً باستحقاق العقاب على المخالفة ، ولكنّه غير مستقل بعدمه أيضاً ، فالعقاب حينئذ محتمل والعقل حاكم بوجوب دفع الضرر المحتمل ، انتهى. إذ مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان على ما اعترف هو به في مبحث البراءة (2)لا يبقى مجال للترديد في استحقاق العقوبة وعدمه ، فانّ موضوع حكم العقل وهو عدم البيان محقق ، إذ المفروض عدم كون الظن حجّة ، فالعقل مستقل بعدم استحقاق العقاب ، فلا يكون هناك احتمال للعقاب.
وإن كان مراده من الضرر هو الضرر الدنيوي ، فقد يمنع كلتا المقدّمتين وقد يمنع الكبرى فقط ، بيان ذلك : أنّ التكاليف الوجوبية ليس في مخالفتها إلاّتفويت المصلحة ، بناءً على ما هو المعروف بين العدلية من تبعية الأحكام للمصالح
والمفاسد في متعلقاتها ، فالظن بالوجوب لا يستلزم الظن بالضرر في المخالفة ، بل مستلزم للظن بفوات المصلحة ، ولا يصدق عليه الضرر فانّه عبارة عن النقص المالي أو البدني أو العقلي والروحي. وكذا الحال في التكاليف التحريمية الناشئة عن المفاسد النوعية الراجعة إلى اختلال النظام كحرمة قتل النفس وحرمة أكل مال الغير غصباً ، فانّه ليس في ارتكاب تلك المحرّمات ضرر دنيوي على الفاعل ، فالظن بمثل هذا النوع من الحرمة لا يستلزم الظن بالضرر. نعم ، يستلزم الظن بالمفسدة النوعية الراجعة إلى اختلال النظام ، ففي مورد الظن بالتكليف الوجوبي ومورد الظن بهذا النوع من التكليف التحريمي ، كانت الصغرى والكبرى كلتاهما ممنوعة. ودعوى لزوم جلب المصلحة المظنونة ولزوم دفع المفسدة النوعية المظنونة ساقطة لا شاهد عليها ، وإلاّ لزم الاحتياط في الشبهة الموضوعية ، مع احتمال الوجوب أو احتمال هذا النوع من الحرمة ، ولم يلتزم به أحد.
وأمّا التكاليف التحريمية الناشئة عن المفسدة الشخصية ، بمعنى كون الحرمة ناشئة عن الضرر المتوجه إلى شخص المرتكب ، كحرمة أكل السم وحرمة شرب الخمر ونحو ذلك ممّا يكون في ارتكابه ضرر على الفاعل ونقص في بدنه أو في ماله أو في عقله أو في عرضه ، فالظن بمثل هذا النوع من التحريم وإن كان يستلزم الظن بالضرر إلاّأنّ الكبرى ممنوعة ، إذ لم يدل دليل على وجوب دفع الضرر الدنيوي المظنون في هذه الموارد ممّا لم يكن التكليف فيه منجّزاً ، وإلاّ لزم الاحتياط في الشبهات الموضوعية أيضاً مع الظن بالضرر ، ولم يلتزم به أحد.
بل يمكن أن يقال : إنّه لا دليل على وجوب دفع الضرر الدنيوي المتيقن ، ولا سيّما إذا كان فيه غرض عقلائي ، فكيف بالضرر المظنون أو المحتمل. نعم ، قد دلّ الدليل على حرمة الاضرار بالنفس في موارد خاصّة ، كقتل الانسان نفسه أو قطع بعض أعضائه ، كما دلّ الدليل على حرمة ارتكاب ما يخاف ضرره في
موارد خاصّة ، كالصوم والوضوء والغسل ، ولابدّ من الاقتصار في مورد النص (1)، إذ لا يستفاد منه كبرى كلّية ، مع أنّ الاعتبار في تلك الموارد بخوف الضرر المنطبق على الاحتمال أيضاً لا خصوص الظن بالضرر.
الوجه الثاني : أنّ الأخذ بخلاف الظن ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلاً ، فتعيّن الأخذ بالظن.
وفيه : أنّ تمامية هذا الوجه متوقفة على أمرين : تنجز التكليف وعدم إمكان الاحتياط ، إذ على تقدير عدم كون التكليف ثابتاً ، لا مانع من الرجوع إلى البراءة ، وليس فيه ترجيح المرجوح على الراجح كما هو ظاهر. وكذا لو تنجّز التكليف وتمكن المكلف من الاحتياط فعليه العمل بالاحتياط لقاعدة الاشتغال ، وليس فيه أيضاً ترجيح المرجوح على الراجح. نعم ، فيما إذا تنجّز التكليف ولم يمكن الاحتياط كما إذا ترددت القبلة بين جهتين تظنّ القبلة في إحداهما المعيّنة ولم يمكن الاحتياط لضيق الوقت مثلاً ، تعيّن الأخذ بالظن لقبح ترجيح المرجوح على الراجح. وعليه فلا يكون هذا الوجه إلاّمقدّمة من مقدّمات دليل الانسداد ، فلا ينتج إلاّبانضمام الباقي منها إليه.
الوجه الثالث : أنّ العلم الاجمالي بثبوت تكاليف إلزامية وجوبية وتحريمية يقتضي وجوب الاحتياط في جميع الشبهات ، لكنّه موجب للعسر المنفي في الشريعة المقدّسة ، فلا بدّ من التبعيض في الاحتياط والأخذ بمظنونات التكليف ، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح.
وفيه : أنّ هذا الوجه أيضاً من مقدّمات دليل الانسداد ، ولا ينتج ما لم
1) الوسائل 3 : 342 و 348 / أبواب التيمم ب 2 ح 1 و 2 وب 5 ح 7 و 8 ، الوسائل 10 : 214 و 218 / أبواب من يصح منه الصوم ب 16 ح 1 وب 19 ح 1
تنضم إليه البقية.
الوجه الرابع : هو الدليل المعروف بدليل الانسداد ، وتحقيق الكلام فيه يقتضي البحث في جهات أربع :
الجهة الاولى : في بيان أصل المقدّمات التي يتأ لّف منها هذا الدليل.
الجهة الثانية : في تعيين النتيجة المترتبة عليها على تقدير تماميتها من حيث إنّها الكشف أو الحكومة.
الجهة الثالثة : في أنّ نتيجة المقدّمات - على تقدير تماميتها - مطلقة أو مهملة.
الجهة الرابعة : في تمامية المقدّمات وعدمها.
أمّا الكلام في الجهة الاولى : فهو أنّه ذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (1)قدسسره أنّ ما يتأ لّف منه دليل الانسداد امور أربعة :
الأوّل : العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية.
الثاني : انسداد باب العلم والعلمي في كثير من تلك التكاليف.
الثالث : عدم وجوب الاحتياط التام في جميع الشبهات ، إمّا لعدم إمكانه أو لاستلزامه اختلال النظام أو العسر والحرج ، وعدم جواز الرجوع إلى الأصل الجاري في كل مسألة ولا إلى القرعة ونحوها ، ولا إلى فتوى من يرى انفتاح باب العلم أو العلمي.
الرابع : استقلال العقل بقبح ترجيح المرجوح على الراجح.
وذكر صاحب الكفاية (2)قدسسره أنّها خمسة ، وزاد على الامور المذكورة
مقدّمة اخرى وجعلها الثالثة من المقدّمات ، والثالثة في كلام الشيخ قدسسره الرابعة وهي أنّه لا يجوز لنا إهمال التكاليف وعدم التعرض لامتثالها أصلاً.
والصحيح ما صنعه الشيخ قدسسره إذ لو كان مراد صاحب الكفاية قدسسره من المقدّمة الاولى هو العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية في حق كل مكلف ممّن يجري دليل الانسداد في حقّه كما هو ظاهر كلامه ، فهذه المقدمة هي بعينها المقدّمة الثالثة في كلامه ، إذ معنى العلم بالتكاليف الفعلية أنّه لا يجوز إهمالها وعدم التعرض لامتثالها. وإن كان مراده هو العلم بأصل الشريعة لا العلم بفعلية التكاليف في حقّنا ، فلا وجه لجعل ذلك من مقدّمات الانسداد ، وإن كان صحيحاً في نفسه لأنّ المقصود ذكر المقدّمات القريبة التي يتأ لّف منها دليل الانسداد لا المقدّمات البعيدة ، وإن كان دليل الانسداد متوقفاً عليها في نفس الأمر ، وإلاّ لزم أن يجعل من المقدّمات إثبات الصانع وإثبات النبوّة ، إلى غير ذلك من المقدّمات البعيدة التي هي مسلّمة في نفسها ومفروغ عنها.
أمّا الجهة الثانية : ففي تعيين النتيجة المترتبة على المقدّمات المذكورة على تقدير تماميتها ، من حيث إنّها الكشف أو الحكومة. وليعلم أوّلاً : أنّ المراد من الكشف أنّه يستكشف من المقدّمات المذكورة أنّ الشارع جعل الظن حجّة.
والمراد من الحكومة أنّ العقل الحاكم بالاستقلال في باب الاطاعة والامتثال يلزم المكلف بعد تمامية المقدّمات بالامتثال الظنّي وعدم التنزل إلى الامتثال الشكّي والوهمي ، بمعنى أنّ العقل يراه معذوراً غير مستحق للعقاب على مخالفة الواقع مع الأخذ بالظن ، ويراه مستحقاً للعقاب على مخالفة الواقع على تقدير عدم الأخذ بالظن والاقتصار بالامتثال الشكّي والوهمي ، فيحكم العقل بتبعيض الاحتياط في فرض عدم التمكن من الاحتياط التام ، وهذا هو معنى الحكومة ،
لا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من أنّ العقل مستقل بحجّية الظن (1)فانّه غير معقول ، إذ العقل ليس بمشرع ليجعل الظن حجّة ، وإنّما شأنه الادراك ليس إلاّ ، فالجعل والتشريع من وظائف المولى ، والعقل يدرك ويرى المكلف معذوراً في مخالفة الواقع مع الاتيان بما يحصل معه الظن بالامتثال على تقدير تمامية المقدّمات ، ويراه غير معذور في مخالفة الواقع على تقدير ترك الامتثال الظنّي والاقتصار بالامتثال الشكّي أو الوهمي ، وهذا هو معنى الحكومة.
ثمّ إنّه لا بدّ من بيان منشأ الاختلاف في أنّ نتيجة المقدّمات هو الكشف أو الحكومة ، فانّ الاختلاف المذكور ليس جزافياً بدون منشأ ، فنقول : إنّ المنشأ لهذا الاختلاف هو الاختلاف في تقرير المقدّمة الثالثة ، فانّها قد تقرّر بأنّ الاحتياط التام غير واجب ، لعدم إمكانه أو لكونه مستلزماً لاختلال النظام أو العسر والحرج ، وعلى هذا التقرير تكون النتيجة هي الحكومة ، لأنّ عدم جواز الاحتياط التام لاستلزامه اختلال النظام أو عدم وجوبه للزوم العسر والحرج لا ينافي حكم العقل بلزوم الاحتياط في بعض الأطراف وتركه في البعض الآخر ممّا يرفع معه محذور الاختلال أو العسر والحرج ، فالعقل الحاكم بالاستقلال في باب الاطاعة والامتثال يلزم المكلف أوّلاً بتحصيل الامتثال العلمي تفصيلاً أو إجمالاً باتيان جميع المحتملات ، فان تعذّر ذلك حكم بالتبعيض في الاحتياط والاكتفاء بالامتثال الظنّي ، ومع تعذّره أيضاً يحكم بالامتثال الشكّي ، ومع تعذّره يحكم بالامتثال الوهمي ، ولا يراه معذوراً في مخالفة الواقع على تقدير التنزل إلى المرتبة السافلة مع التمكن من المرتبة العالية في جميع هذه المراتب.
وبالجملة : تكون النتيجة على هذا التقرير هو التبعيض في الاحتياط.
وقد تقرّر المقدّمة الثالثة : بأنّ الشارع لا يرضى بالاحتياط والامتثال
1) كفاية الاصول : 280 ، ولاحظ ص 321
الاجمالي ، بدعوى الاجماع على ذلك ، فانّ الاحتياط وإن كان حسناً في نفسه إلاّ أنّه ليس كذلك فيما إذا استلزم انحصار الامتثال في أكثر الأحكام على الامتثال الاجمالي المنافي لقصد الوجه والجزم ، وتكون النتيجة على هذا التقرير هو الكشف ، إذ بعد فرض فعلية التكاليف وانسداد باب العلم والعلمي وعدم رضى الشارع بالامتثال الاجمالي ، يستكشف أنّ الشارع جعل لنا حجّةً وطريقاً إلى أحكامه ، فلا بدّ من السبر والتقسيم في تعيين ذلك الطريق ، فهل هو فتوى الفقيه أو القرعة أو غير ذلك ، والمفروض عدم حجّية كل ذلك ، فيستكشف أنّ الظن هو الطريق المنصوب من قبل الشارع.
وتوهّم عدم لزوم جعل الحجّة على الشارع لاحتمال إيكاله المكلف إلى ما يحكم به العقل ، فلا يتم القول بالكشف ، مدفوع بما ذكرناه من أنّ العقل شأنه الادراك فقط ، وليس له جعل الحجّية لشيء ، فعلى تقدير عدم جعل الشارع الظن حجّةً يحكم العقل بالتبعيض في الاحتياط على ما تقدّم ، والمفروض قيام الاجماع على أنّ الشارع لا يرضى بهذا النحو من الاحتياط ، وهو الاحتياط في أكثر الأحكام المنافي للجزم وقصد الوجه ، فلا مناص من الالتزام بأنّ الشارع جعل الظن حجّةً على فرض تمامية المقدّمات بهذا التقرير.
إذا عرفت معنى الكشف والحكومة وعرفت منشأ الاختلاف فيهما ، ظهر لك أنّ الصحيح على تقدير تمامية المقدّمات هو الحكومة لا الكشف ، إذ الكشف متوقف على قيام الاجماع على أنّ الشارع لا يرضى بالاحتياط ، وأنّى لنا باثبات هذا الاجماع ، وأين هذا الاجماع. وعلى تقدير عدم ثبوت هذا الاجماع يحكم العقل بالتبعيض في الاحتياط على ما تقدّم بيانه ، وقد ذكرنا أنّ هذا هو معنى الحكومة.
الجهة الثالثة : في أنّ نتيجة المقدّمات على تقدير تماميتها مطلقة أو مهملة.
ولايخفى أنّ الاطلاق والاهمال قد يلاحظان بالنسبة إلى الأسباب ، وقد يلاحظان بالنسبة إلى الموارد ، وقد يلاحظان بالنسبة إلى المراتب ، فنقول :
أمّا على تقرير الكشف : فتكون النتيجة مطلقة من حيث الأسباب إذ لا يكون هناك قدر متيقن ، فلا يرى العقل فرقاً بين الأسباب التي يحصل منها الظن ، فلا فرق بين الظن الحاصل من الاجماع المنقول والظن الحاصل من الشهرة والحاصل من فتوى الفقيه مثلاً ، بل العقل يرى بعد تمامية المقدّمات بهذا التقرير أنّ الشارع جعل الظن حجّة من أيّ سبب حصل ، إلاّالسبب الذي نهى الشارع عن العمل بالظن الحاصل منه ، كالظن الحاصل من القياس الثابت عدم جواز العمل به بالأخبار المتواترة.
وأمّا من حيث الموارد فتكون النتيجة مهملة ، إذ العلم بعدم رضى الشارع بالاحتياط الكلّي لاينافي وجوب الاحتياط في خصوص الموارد المهمّة ، كالدماء والأعراض بل الأموال الخطيرة ، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن وهو الظن في غير هذه الموارد. وأمّا هذه الموارد التي علم اهتمام الشارع بها فلا بدّ من الاحتياط فيها ، وكذا الحال من حيث المراتب ، إذ العقل لا يدرك بعد العلم بعدم رضى الشارع بالاحتياط الكلّي أنّه جعل الظن حجّةً بتمام مراتبه ، بل يحتمل أنّه جعل خصوص الظن القوي حجّة. ومجرد احتمال عدم جعل الظن الضعيف حجّة كافٍ في الحكم بعدم الحجّية ، فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقن والعمل بالظن القوي ، وإن لم يكن وافياً بمعظم الفقه - بحيث يلزم من الرجوع إلى الاصول في غير موارد العلم وهذا النوع من الظن محذور المخالفة القطعية - يعمل بالظن الأضعف منه الأقوى من غيره ، وإن لم يكن هو أيضاً وافياً يتنزل إلى الأضعف منه ، وهكذا. هذا كلّه على الكشف.
وأمّا على الحكومة : فالأمر كذلك ، فتكون النتيجة مطلقة بالنسبة إلى
الأسباب ، إذ بعد عدم وجوب الاحتياط الكلّي ، لعدم إمكانه أو لاستلزامه العسر والحرج وتنزّل العقل من الامتثال العلمي إلى الامتثال الظنّي ، لا يرى فرقاً بين أسباب الظن ، إذ لا يكون هناك قدر متيقن ، فلا فرق بين الظنون من حيث الأسباب.
وأمّا من حيث الموارد فتكون النتيجة مهملة ، إذ عدم وجوب الاحتياط الكلّي - لعدم إمكانه أو لاستلزامه اختلال النظام أو العسر والحرج - لا يوجب رفع اليد عن الاحتياط في جميع الموارد ، بل لابدّ من العمل بالاحتياط في الموارد التي علم اهتمام الشارع بها ، والعمل بالظن في غيرها ، ولا يلزم من العمل بالاحتياط فيها محذور اختلال النظام أو العسر والحرج. وكذا الحال بالنسبة إلى المراتب ، فانّ النتيجة بالنسبة إليها أيضاً مهملة لعين ما تقدّم ، ولكنّ التبعيض في مراتب الظنون يكون بعكس الكشف ، إذ على الكشف كان المتعيّن الاقتصار على الظن القوي ، وعلى تقدير عدم الوفاء بمعظم الفقه على ما تقدّم بيانه يتنزل إلى الظن المتوسط ، وعلى تقدير عدم الوفاء أيضاً يتنزّل إلى الظن الضعيف ، فيكون التنزل من الظن العالي إلى السافل ، وتكون دائرة العمل بالظن أضيق. وعلى تقدير عدم الكفاية يتوسع شيئاً فشيئاً على ما تقدّم.
وهذا بخلاف الحكومة ، إذ بعد بطلان الاحتياط الكلّي - لعدم إمكانه أو لاستلزامه اختلال النظام أو العسر والحرج ، وتنزل العقل من الامتثال العلمي إلى الامتثال الظنّي - كان المتعيّن أوّلاً هو الاتيان بالمظنونات والمشكوكات والموهومات بالوهم القوي ، ويطرح الموهوم بالوهم الضعيف فقط ، وإن تعذر ذلك فيأتي بالمظنونات والمشكوكات ، ويطرح جميع الموهومات. وفي الصورتين يحصل الامتثال الظنّي. وإن تعذّر ذلك أيضاً فيأتي بجميع المظنونات ويطرح المشكوكات أيضاً ، وإن تعذّر ذلك أيضاً فيأتي بالمظنونات بالظن القوي فقط ،
ويطرح المظنونات بالظن الضعيف أيضاً كالمشكوكات ، وفي هاتين الصورتين يكون الامتثال شكّياً لطرح مشكوك التكليف على الفرض ، فيكون التنزّل من الضعيف إلى القوي ، وتكون دائرة العمل بالظن أوسع ، وعلى تقدير التعذر يتضيّق شيئاً فشيئاً.
الجهة الرابعة : في البحث عن تمامية المقدّمات وعدمها فنقول :
أمّا المقدّمة الاولى : فبديهية ، إذ العلم الاجمالي بوجود تكاليف فعلية لا بدّ من التعرّض لامتثالها حاصل لكل مكلّف مسلم ، فانّا لسنا كالبهائم نفعل ما نشاء ونترك ما نريد. وأطراف هذا العلم الاجمالي وإن كانت كثيرة بحيث لا يتمكن المكلف من الاحتياط وتحصيل الموافقة القطعية فيها ، ويضطر إلى ترك بعض الأطراف في الشبهة الوجوبية ، وإلى فعل بعض الأطراف في الشبهة التحريمية ، إلاّأنّ هذا الاضطرار لا يرفع تنجيز العلم الاجمالي في مثل المقام.
أمّا على مسلك شيخنا الأنصاري قدسسره من أنّ الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الاجمالي تركاً أو فعلاً لا يرفع تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى بقيّة الأطراف فيما إذا كان الاضطرار إلى غير معيّن (1)فالأمر واضح. وهذا المسلك هو الصحيح على ما سنذكره في مبحث الاشتغال (2)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا على مسلك صاحب الكفاية قدسسره من عدم تنجيز العلم الاجمالي مع الاضطرار إلى غير المعيّن من الأطراف ، بملاحظة أنّ التكليف بالنسبة إلى بعض الأطراف ساقط للاضطرار ، وبالنسبة إلى البقية مشكوك الحدوث ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة فيها (3)، فلأنّ ذلك إنّما هو فيما إذا كان التكليف
المعلوم بالاجمال واحداً أو اثنين ونحوهما ممّا لا يلزم من الرجوع إلى البراءة في غير المضطر إليه من الأطراف محذور.
وأمّا في مثل المقام ممّا كان الرجوع إلى البراءة مستلزماً للمخالفة في معظم الأحكام المعبّر عنها في كلام الشيخ قدسسره بالخروج من الدين (1)، فلا يجوز الرجوع إلى البراءة يقيناً ، للقطع بأنّ الشارع لا يرضى بمخالفة معظم أحكامه. وهذا هو المراد من الخروج من الدين لا الكفر ، إذ مخالفة الفروع لا توجب الكفر.
وبالجملة : المقدّمة الاولى ممّا لا إشكال في تماميتها ، فانّ إهمال التكاليف المعلومة بالاجمال وعدم التعرّض
لامتثالها ممّا يقطع بعدم رضى الشارع به بالضرورة ، إلاّ أنّه قد ذكرنا عند التعرّض لذكر الأدلة العقلية على حجّية الخبر (2)أنّ لنا علوماً إجمالية ثلاثة :
الأوّل : العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية تحريمية ووجوبية.
الثاني : العلم الاجمالي بمطابقة جملة من الأمارات للواقع.
الثالث : العلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة.
والعلم الاجمالي الأوّل ينحل بالثاني ، والعلم الاجمالي الثاني ينحل بالثالث ، فيجب الاحتياط في موارد الأخبار المذكورة فقط ، ولا يكون الاحتياط المذكور موجباً لاختلال النظام ولا مستلزماً للعسر والحرج ، كيف وجماعة من أصحابنا الأخباريين قد عملوا بجميع الأخبار المذكورة ، بدعوى القطع بصدورها ، فلم يختل عليهم النظام ، ولم يرد عليهم العسر والحرج. وعليه فكانت المقدّمة الثالثة من مقدّمات الانسداد غير تامّة. ويأتي الكلام فيها مفصّلاً إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا المقدّمة الثانية : فهي بالنسبة إلى انسداد باب العلم تامّة ، بل ضرورية لكل من تعرّض للاستنباط ، فانّ الضروريات من الأحكام - بل القطعيات منها ولو لم تكن ضرورية - أحكام إجمالية ، كوجوب الصلوات الخمس ، ووجوب الصوم في شهر رمضان ونحوهما ، ولا علم لنا بتفاصيل تلك المجملات من حيث الأجزاء والشرائط والموانع. وأمّا بالنسبة إلى انسداد باب العلمي فصحّتها مبتنية على أحد أمرين على سبيل منع الخلو ، بمعنى أنّ أحدهما يكفي في إثبات انسداد باب العلمي.
أحدهما : عدم حجّية الروايات الموجودة في الكتب المعتبرة ، إمّا من جهة عدم ثبوت وثاقة رواتها ، أو من جهة عدم حجّية خبر الثقة.
ثانيهما : عدم حجّية ظواهرها بالنسبة إلينا ، لاختصاص حجّية الظواهر بالمقصودين بالافهام ولسنا منهم ، فعلى كل من التقديرين ينسدّ علينا باب العلمي ، إذ على تقدير عدم ثبوت وثاقة الرواة ، أو عدم حجّية خبر الثقة تسقط الروايات عن الحجّية من حيث السند وإن قلنا بحجّية الظواهر بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام ، أو قلنا بأ نّا من المقصودين بالافهام ، وعلى تقدير عدم حجّية الظواهر بالنسبة إلينا تسقط الروايات عن الحجّية من حيث الدلالة ولو على تقدير اليقين بصدورها من المعصوم عليهالسلام.
وبالجملة : يكفي القائل بالانسداد تمامية أحد هذين الأمرين ، والقائل بالانفتاح لابدّ له من دفع كلا الأمرين وإثبات حجّية الروايات من حيث السند والدلالة.
وحيث إنّا ذكرنا الأمرين في بحث حجّية الخبر (1)وبحث حجّية الظواهر (2)، وأثبتنا حجّية الخبر من الحيثيتين في ذينك البحثين ، فلا حاجة إلى الاعادة.
وأمّا المقدّمة الثالثة : وهي بطلان الرجوع إلى الغير والعمل بالقرعة ونحوها ، وعدم جواز الرجوع إلى الأصل في كل مورد ، وعدم وجوب الاحتياط التام ، فتفصيل الكلام فيها : أنّ التقليد والرجوع إلى الغير واضح البطلان ، لأنّ القائل بالانسداد يرى خطأ من يدّعي الانفتاح ، فيكون رجوعه إليه من رجوع العالم إلى الجاهل في نظره. وكذا العمل بالقرعة ونحوها ، فانّ أساس الأحكام الشرعية غير مبتنٍ على مثل القرعة بالضرورة. ولا دليل على حجّية القرعة إلاّ في موارد قليلة من الشبهات الموضوعية على ما ذكر في محلّه (1)، فالرجوع إليها في الشبهات الحكمية فاسد بالضرورة.
وأمّا الرجوع إلى الاصول العملية في كل مورد ، فتحقيق الحال فيه يقتضي بسطاً في المقال ، فنقول : إنّ ما كان من الاصول مثبتاً للتكليف ، فإن كان من الاصول غير المحرزة كقاعدة الاشتغال ، فلا مانع من جريانها في مواردها ، وإن كان من الاصول المحرزة كالاستصحاب المثبت للتكليف ، فإن لم يعلم إجمالاً بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد ، فلا مانع من جريانه أيضاً ، وإن علم بذلك ، فعلى القول بأنّ المانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة هو لزوم المخالفة العملية فقط - كما اختاره صاحب الكفاية قدسسره (2)وهو الصحيح - فلا مانع من جريانه في المقام ، إذ المفروض كونه مثبتاً للتكليف ، فلا تلزم من جريانه مخالفة عملية ، نظير ما إذا علم إجمالاً بطهارة الإناءين المسبوقين بالنجاسة فانّه لا يلزم من إجراء استصحاب النجاسة فيهما مخالفة عملية. وأمّا على القول بأنّ العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب ولو لم يلزم منه
مخالفة عملية كما اختاره شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وتبعه المحقق النائيني قدسسره (2)فلا يجري الاستصحاب في المقام ، للعلم بانتقاض الحالة السابقة في الجملة على الفرض.
ثمّ إنّه ذكر صاحب الكفاية (3)قدسسره أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في المقام حتّى على مسلك الشيخ قدسسره لأنّ الاستنباط تدريجي ، والمجتهد لا يكون ملتفتاً إلى جميع الأطراف دفعةً ليحصل له شك فعلي بالنسبة إلى الجميع ، بل يجري الاستصحاب في كل مورد غافلاً عن مورد آخر ، فلا يكون جريان الاستصحاب في جميع الأطراف في عرض واحد ليحصل له علم إجمالي بأنّ هذا الاستصحاب أو ذاك مخالف للواقع.
وبالجملة : العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد متوقف على الالتفات الفعلي إلى جميع الأطراف ، وهو منتف في المقام ، إذ المجتهد حين التفاته إلى حكم غافل عن حكم آخر ولا التفات له إليه ليحصل له العلم بأنّ الاستصحاب في أحدهما مخالف للواقع.
وفيه : أنّ الاستنباط وإن كان تدريجياً والمجتهد لا يكون ملتفتاً إلى جميع الشبهات التي هي مورد الاستصحاب دفعة كما ذكره ، إلاّ أنّه بعد الفراغ عن استنباط الجميع وجمعها في الرسالة مثلاً يعلم إجمالاً بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد التي أجرى فيها الاستصحاب ، فليس له الافتاء بها ، فجريان الأصل المحرز المثبت للتكليف في المقام مبني على مسلكه من أنّ العلم الاجمالي بنفسه غير مانع عن جريان الاستصحاب ما لم تلزم منه مخالفة عملية.
ثمّ إنّ التكليف المعلوم بالتفصيل بضميمة موارد جريان الاصول المثبتة للتكليف إن كان بالمقدار المعلوم بالاجمال وانحلّ العلم الاجمالي ، فلا مانع من الرجوع إلى الاصول النافية للتكليف. وإن لم يكن كذلك بأن كان المعلوم بالاجمال أكثر من ذلك ، فعلى مسلك الشيخ قدسسره من تنجيز العلم الاجمالي مع الاضطرار إلى المخالفة في بعض الأطراف لابعينه (1)، لايجوز الرجوع إلى الاصول النافية. وعلى مسلك صاحب الكفاية قدسسره من أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه موجب لسقوط العلم الاجمالي عن التنجيز (2)فلا مانع من الرجوع إلى الاصول النافية إن كان التكليف المعلوم بالاجمال قليلاً ، وأمّا إن كان كثيراً بحيث لزم من الرجوع إلى الأصل النافي محذور الخروج عن الدين فلا يجوز الرجوع إلى الاصول النافية.
وأمّا الاحتياط التام في جميع الشبهات ، فإن كان غير ممكن ، فلا إشكال في عدم وجوبه ، لقبح التكليف بغير المقدور بضرورة العقل ، وإن كان مخلاً بالنظام فلا إشكال في قبحه عقلاً وعدم جوازه شرعاً ، إذ الشارع لا يرضى بهذا النحو من الاحتياط قطعاً ، بل قد ينتفي موضوعاً لأدائه إلى ترك جملة من الواجبات فلا يكون هناك احتياط. وأمّا إن كان موجباً للعسر والحرج ففي عدم وجوبه - لأدلّة نفي العسر والحرج - خلاف بين الأعلام ، فذهب شيخنا الأنصاري قدسسره (3)إلى أنّ قاعدة نفي الحرج والضرر حاكمة على وجوب الاحتياط ، باعتبار أنّ مفاد الأدلة نفي الحكم الذي ينشأ من قبله الحرج أو الضرر ، ووجوب الاحتياط - وهو الجمع بين المحتملات - وإن كان عقلياً إلاّ أنّه ناشئ
من بقاء الحكم الشرعي الواقعي على حاله ، فهو المنشأ للحرج والضرر ، إذ الشيء يسند إلى أسبق العلل ، فيكون المرتفع بأدلة نفي الحرج والضرر هو الحكم الشرعي الواقعي ، فيرتفع وجوب الاحتياط بارتفاع موضوعه.
واختار صاحب الكفاية قدسسره عدم حكومة قاعدة نفي الحرج والضرر على قاعدة الاحتياط ، بدعوى أنّ ظاهر الأدلة إنّما هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ، وأنّ النفي بحسب ظاهر الأدلة متوجّه إلى الفعل الحرجي أو الضرري ويكون المراد نفي الحكم عن الفعل الحرجي أو الضرري ، نظير قوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (1)فانّه نفي للحكم بلسان نفي الموضوع. فإذن لاتكون قاعدة نفي الحرج والضرر حاكمة على قاعدة الاحتياط ، إذ الفعل الذي تعلّق به الحكم الشرعي واقعاً المردد بين أطراف الشبهة ليس حرجياً ولا ضررياً كي يرتفع حكمه بأدلة نفي الحرج والضرر ، بل الحرج إنّما ينشأ من الاحتياط والجمع بين المحتملات ، ووجوب الجمع بين المحتملات ليس حكماً شرعياً ليرتفع بأدلة نفي الحرج ، وإنّما هو بحكم العقل ، وعليه فلا بدّ من الاحتياط وإن كان مستلزماً للعسر والحرج (2).
والصحيح ما ذكره الشيخ قدسسره من حكومة قاعدة نفي الحرج على قاعدة الاحتياط.
أمّا أوّلاً : فلأنّ ظاهر أدلة نفي الحرج أو الضرر ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره لأنّ الفعل الضرري ليس مذكوراً في لسان الأدلة ، إنّما المذكور لفظ الضرر ، وليس لفظ الضرر عنواناً
للفعل ليكون النفي راجعاً إلى الفعل الضرري ، فلو كان المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع لكان المفاد نفي حرمة الضرر ، كما هو الحال في قوله عليهالسلام : «لا ربا بين الوالد والولد» فانّ المراد نفي حرمة الرِّبا بينهما ، فلو كان المراد من قوله عليهالسلام : «لا ضرر ...» إلخ (1)نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ، لكان معناه نفي حرمة الاضرار بالغير ، وهذا ممّا لم يلتزم به أحد حتّى صاحب الكفاية نفسه قدسسره ، فانّ حرمة الاضرار بالغير ممّا لا كلام فيه ، بل ولا إشكال في حرمة الاضرار بالنفس في الجملة. فهذا المعنى ممّا لا يمكن الالتزام به في أدلة نفي الحرج والضرر ، فيدور الأمر بين أن يكون المراد من النفي هو النهي فيكون المراد النهي عن الاضرار بالغير كما هو الحال في قوله تعالى : «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ» (2)فانّ المراد نهي المحرم عن هذه الامور وحرمتها عليه ، وكذا قوله صلىاللّهعليهوآله : «لا رهبانية في الاسلام» (3)فانّ المراد منه النهي عن الرهبانية. والتزم بهذا المعنى شيخنا الشريعة في رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر (4)، وأصرّ عليه.
وأن يكون المراد هو النفي ، وحيث إنّ النفي التكويني للضرر والحرج غير معقول ، فيكون المراد منه النفي التشريعي ، بمعنى أنّه لا ضرر ولا حرج في الشريعة. وهذا المعنى راجع إلى ما ذكره الشيخ قدسسره من أنّ المراد نفي الحكم الضرري ونفي الحكم الحرجي في الشريعة ، وهذا المعنى هو الظاهر من
أدلة نفي الحرج والضرر ، بقرينة ما في بعض الروايات (1)من أنّه لا ضرر في الاسلام أو في الدين ، فانّه ظاهر في نفي تشريع الحكم الضرري في دين الاسلام ، وكذا قوله تعالى : «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (2). فإذن تكون قاعدة نفي الحرج حاكمة على قاعدة الاحتياط على ما تقدّم تقريبه عند نقل كلام الشيخ قدسسره.
وأمّا ثانياً : فلأنّ قاعدة نفي الحرج والضرر حاكمة على قاعدة الاحتياط في مثل المقام ، ممّا كانت أطراف الشبهة من التدريجيات ، ولو على مسلك صاحب الكفاية قدسسره لأنّ الحرج في مثل ذلك يكون في الأفراد الأخيرة ويكون فعلها والاتيان بها حرجياً ، فيعلم بعدم ثبوت التكليف فيها ، لأنّ التكليف إن كان في الواقع متعلقاً بالأفراد المتقدمة ، فقد امتثله المكلف على الفرض ، وإن كان متعلقاً بالأفراد الأخيرة كان متعلقه حرجياً فيرتفع بقاعدة نفي الحرج ولو على مسلك صاحب الكفاية قدسسره. مثلاً لو فرض تعلّق النذر بصوم يوم معيّن وتردد بين يوم الخميس ويوم الجمعة مثلاً ، وفرض كون الصوم فيهما حرجياً على الناذر ، فإذا صام يوم الخميس يعلم بعدم وجوب الصوم عليه يوم الجمعة ، لأنّ التكليف من ناحية النذر إن كان متعلقاً بصوم يوم الخميس فقد امتثله على الفرض ، وإن كان متعلقاً بصوم يوم الجمعة فمتعلقه حرجي فعلاً ، فقد ارتفع بقاعدة نفي الحرج. والمقام من هذا القبيل بعينه ، لأنّ الشبهات التي يلزم الحرج أو الضرر من الاحتياط فيها طولية تدريجية لا عرضية ، فلا يكون الاحتياط فيها واجباً على المسلكين على ما عرفت ، فلا تظهر ثمرة بينهما في مثل المقام. نعم ، تظهر الثمرة بينهما فيما كانت الأطراف عرضية
كما إذا انحصر الماء في إناءين وعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما ، وكان الاجتناب عنهما حرجاً على المكلف ، فيجب الاجتناب عنهما على مسلك صاحب الكفاية قدسسره دون مسلك الشيخ قدسسره على ما عرفت. وتظهر الثمرة بينهما أيضاً في ثبوت خيار الغبن بقاعدة نفي الضرر ، لأنّ الضرر المتوجه إلى المغبون ناشئ من حكم الشارع باللزوم ، فيرتفع بقاعدة نفي الضرر على مسلك الشيخ قدسسره دون مسلك صاحب الكفاية قدسسره إذ متعلق اللزوم وهو العقد ليس ضررياً ، فلا يرتفع على هذا المسلك.
فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّ الاحتياط التام في جميع الشبهات غير واجب إمّا لعدم إمكانه ، أو لاستلزامه اختلال النظام ، أو لكونه موجباً للعسر والحرج. وأمّا التبعيض في الاحتياط بما لا يلزم منه الاختلال ولا العسر فلا مناص من الالتزام بوجوبه على تقدير تمامية مقدّمات الانسداد ، إذ لم يدل دليل على عدم وجوبه أو عدم جوازه. ودعوى الاجماع على عدم رضى الشارع بالامتثال الاجمالي في معظم أحكامه غير مسموعة ، لأنّ المسألة مستحدثة ، فدعوى اتفاق الفقهاء من المتأخرين والمتقدمين ممنوعة جداً. وعلى فرض تسليم الاتفاق لا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم ، لاحتمال أن يكون مدرك المجمعين هو اعتبار قصد الوجه أو التمييز في العبادات ، فلا ينفع لمن يرى عدم اعتبارهما كما هو الصحيح على ما ذكرناه في محلّه (1).
وأمّا ما ذكره في هامش الرسائل (2)من أنّ الاجماع وإن لم يكن مقطوعاً به إلاّ أنّه مظنون ، والظن به يستلزم الظن بأنّ الشارع جعل حجّة حال الانسداد وقد فرضنا أنّها الظن دون غيره ، فيحصل لنا الظن بحجّية الظن. ولا فرق في
اعتبار الظن على الانسداد بين الظن بالواقع والظن بالطريق.
ففيه أوّلاً : أنّ دعوى الظن بالاجماع كدعوى القطع به ممنوعة ، إذ لا نظن بتحقق الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم عليهالسلام على بطلان العمل بالاحتياط كي يكون الظن به مستلزماً للظن بجعل الظن حجّة.
وثانياً : أنّ الظن بالاجماع - على تقدير تحقّقه - وإن استلزم الظن بحجّية الظن شرعاً ، إلاّأنّ الكلام في حجّية هذا الظن ، ولم تثبت بعد. وما ذكره من عدم الفرق بين الظن بالواقع والظن بالطريق وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لا يفيد إلاّ بعد الفراغ عن حجّية الظن بدليل قطعي ، ولا يمكن إثبات حجّية الظن بالظن فانّه من قبيل إثبات حجّية الشيء بنفسه ، وهو دور واضح (1).
فتحصّل : أنّه لا دليل على بطلان التبعيض في الاحتياط ، وعليه فلو تمّت المقدّمات كانت النتيجة التبعيض في الاحتياط لا حجّية الظن شرعاً.
وملخص ما ذكرناه في هذا البحث : أنّ انسداد باب العلم والعلمي موقوف على عدم حجّية الأخبار سنداً أو دلالة ، وقد أثبتنا حجّيتها سنداً ودلالة ، وباثبات حجّيتها ينفتح باب العلمي وينحل العلم الاجمالي ، فلا مانع من الرجوع إلى الاصول العملية في غير موارد قيام الأخبار ، ومع الغض عن ذلك وتسليم عدم حجّية الأخبار كان مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط والأخذ بجميع الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة الدالة على التكليف ، لأنّ العلم الاجمالي
1) نقل سيّدنا الاستاذ العلاّمة (دام ظلّه) عن استاذه المحقق النائيني قدسسره أنّ هذا الكلام المذكور في هامش الرسائل ليس من قلم الشيخ قدسسره فانّ الكلام المذكور مبني على الكشف ، والشيخ قائل بالحكومة ، بل هو للسيّد الميرزا الشيرازي الكبير قدسسره فانّه كان مائلاً إلى الكشف ، وكيف كان فجوابه ما ذكر
الأوّل قد انحلّ بالعلم الثاني ، والثاني بالثالث على ما تقدّم بيانه (1). وهذا الاحتياط لايوجب اختلال النظام ولا العسر والحرج ، فانّ جماعةً من أصحابنا الأخباريين قد عملوا بجميع هذه الأخبار ، ولم يرد عليهم الحرج ولا اختلّ عليهم النظام.
وعلى تقدير تسليم عدم انحلال العلم الاجمالي الأوّل بدعوى العلم بأنّ التكليف أزيد من موارد الأخبار ، لا بدّ من التبعيض في الاحتياط على نحو لا يكون مخلاً بالنظام ولا موجباً للعسر والحرج ، فلو فرض ارتفاع المحذور بالغاء الموهومات ، وجب الاحتياط في المشكوكات والمظنونات ، وإذا لم يرتفع المحذور بذلك يرفع اليد عن الاحتياط في جملة من المشكوكات ، ويحتاط في الباقي منها وفي المظنونات ، وهكذا إلى حد يرتفع محذور الاختلال والحرج.
ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمان والحالات الطارئة على المكلف والموارد ، ففي الموارد المهمّة التي علم اهتمام الشارع بها - كالدماء والأعراض والأموال الخطيرة - لا بدّ من الاحتياط حتّى في الموهومات منها ، وترك الاحتياط في غيرها بما يرفع معه محذور الاختلال والحرج على ما تقدّم بيانه (2).
فتحصّل : أنّ مقدّمات الانسداد على تقدير تماميتها عقيمة عن إثبات حجّية الظن ، لا بنحو الحكومة لما عرفت من عدم معقولية حجّية الظن بحكم العقل (3)، ولا بنحو الكشف لتوقفه على قيام دليل على بطلان التبعيض في الاحتياط ولم يقم ، فتكون النتيجة التبعيض في الاحتياط لا حجّية الظن ، وعليه فيسقط كثير من المباحث التي تعرّضوا لها في المقام :
منها : البحث عن أنّ نتيجة دليل الانسداد هل هي حجّية الظن بالواقع أو الظن بالطريق أو الأعم منهما ، فانّ هذا البحث متفرع على ثبوت حجّية الظن بمقدّمات الانسداد ، ومع عدم ثبوتها فلا مجال له ، بل نقول لا حجّية للظن بالواقع ولا للظن بالطريق.
ومنها : البحث عن تقدّم الظن المانع أو الممنوع ، وأ نّه إذا قام ظن على حكم من الأحكام وقام ظن آخر على عدم حجّيته ، فهل يقدّم الأوّل أو الثاني ، فانّ هذا البحث أيضاً ساقط ، فإنّا نقول إنّ كليهما ليس بحجّة لا المانع ولا الممنوع.
ومنها : البحث عن كيفية خروج الظن القياسي على الحكومة ، مع أنّ الحكم العقلي غير قابل للتخصيص.
ومنها : ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من أنّ نتيجة مقدّمات الانسداد هل هي حجّية الطريق الواصل بنفسه أو الطريق الواصل بطريقه ، أو الطريق ولو لم يصل أصلاً (1). إلى غير ذلك من الأبحاث المتفرعة على استنتاج حجّية الظن من مقدّمات الانسداد ، فان تلك المباحث كلّها ساقطة ملغاة بعد ما ذكرناه من أنّ مقدّمات الانسداد عقيمة عن إثبات حجّية الظن.
يذكر فيها أمران تبعاً لصاحب الكفاية وشيخنا الأنصاري قدسسرهما (2).
الأمر الأوّل : أنّ الظن الخاص الثابتة حجّيته بالأدلة الخاصّة ، والظن المطلق الثابتة حجّيته بدليل الانسداد - على تقدير تمامية المقدّمات - هل تختص حجّيتهما
بالفروع أو تعمّ الاصول الاعتقادية أيضاً؟ وتفصيل الكلام في المقام أنّ الظن إمّا أن يتعلّق بالأحكام الفرعية ، وإمّا أن يتعلق بالاصول الاعتقادية ، وإمّا أن يتعلق بغيرهما كالامور التكوينية والتاريخية.
أمّا الظن المتعلق بالأحكام الفرعية ، فهو حجّة سواء كان من الظن الخاص أو من الظن المطلق. أمّا الظن الخاص فواضح. وأمّا الظن المطلق فلأنّ المفروض تمامية مقدّمات الانسداد.
وأمّا الظن المتعلق بالاصول الاعتقادية ، فلا ينبغي الشك في عدم جواز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً ، كمعرفة البارئ (جلّ شأنه) ، أو شرعاً كمعرفة المعاد الجسماني ، إذ لا يصدق عليه المعرفة ، ولا يكون تحصيله خروجاً من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، وقد ذكرنا في بحث القطع أنّ الأمارات لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية (1)، فلا بدّ من تحصيل العلم والمعرفة مع الامكان ، ومع العجز عنه لا إشكال في أنّه غير مكلّف بتحصيله ، إذ العقل مستقل بقبح التكليف بغير المقدور. كما أنّه لا إشكال في كونه غير معذور ومستحقاً للعقاب فيما إذا كان عجزه عن تقصير منه المعبّر عنه بالجاهل المقصّر ، فانّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بالنسبة إلى استحقاق العقاب وإن كان ينافيه بالنسبة إلى التكليف على ما قرّر في محلّه (2). وهذا كلّه واضح ، إنّما الكلام فيما إذا كان عجزه عن تحصيل العلم والمعرفة عن قصور للغفلة أو لغموض المطلب مع عدم الاستعداد ، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال ، ويعبّر عن هذا بالجاهل القاصر ، والكلام فيه يقع في مقامات ثلاثة :
المقام الأوّل : في وجود الجاهل القاصر وعدمه.
المقام الثاني : في ترتب أحكام الكفر عليه ، كالنجاسة والمنع من الارث والتناكح وغير ذلك من الأحكام الفرعية المترتبة على الكفر.
المقام الثالث : في استحقاقه العقاب وعدمه.
أمّا المقام الأوّل : فحقّ القول فيه أنّه لا يوجد الجاهل القاصر بالنسبة إلى وجود الصانع إلاّنادراً ، إذ كل إنسان ذي شعور وعقل - ولو كان في غاية قلّة الاستعداد ما لم يكن ملحقاً بالصبيان والمجانين - يدرك وجوده ونفسه ، وهو أوّل مدرك له ، ويدرك أنّه حادث مسبوق بالعدم ، وأ نّه ليس خالقاً لنفسه بل له خالق غيره ، وهذا المعنى هو الذي ذكره سبحانه وتعالى بقوله : «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ» (1)ثمّ ينتقل إلى وجود غيره ، وهو مدرك ثانٍ له ، وينتقل منه أيضاً إلى وجود الصانع ، كما قال عزّ من قائل : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ» (2)أي أنّهم يعترفون بالخالق (جلّ ذكره) بمجرد الالتفات إلى وجود السماوات والأرض. وكذا الحال بالنسبة إلى التوحيد ، فانّ كل إنسان ذي شعور وعقل كما يدرك أنّ له صانعاً يدرك بحسب ارتكازه الفطري أنّ الخالق (جلّ ذكره) واحد لا شريك له.
وبالجملة : الجاهل القاصر بالنسبة إلى وجود الصانع وتوحيده (جلّ ذكره) نادر أو غير موجود. نعم ، الجاهل القاصر بالنسبة إلى النبوّة الخاصّة والإمامة والمعاد الجسماني في غاية الكثرة ، فانّ كثيراً من نسوان اليهود والنصارى قاصرات
عن تحصيل مقدّمات التصديق والجزم بالنبوّة الخاصّة ، وكذا نسوان المخالفين بالنسبة إلى الإمامة ، وكذا بعض من الرجال بالنسبة إلى المعاد الجسماني.
وأمّا المقام الثاني : فالصحيح فيه جريان أحكام الكفر على الجاهل بالاصول الاعتقادية ولو كان جهله عن قصور ، لاطلاقات الأدلة الدالة على ترتب تلك الأحكام ، فإن قلنا بنجاسة أهل الكتاب مثلاً لا فرق بين أن يكون جهلهم عن تقصير أو قصور.
وأمّا المقام الثالث : فالمعروف بينهم أنّ الجاهل القاصر غير مستحق للعقاب وهو الصحيح ، إذ العقل مستقل بقبح العقاب على أمر غير مقدور ، وأ نّه من أوضح مصاديق الظلم ، فالجاهل القاصر معذور غير معاقب على عدم معرفة الحق بحكم العقل إذا لم يكن يعانده ، بل كان منقاداً له على إجماله. ولعل هذا ظاهر ، ولكن مع ذلك التزم صاحب الكفاية قدسسره في هامش الكفاية بأ نّه مستحق للعقاب (1)، وهو مبني على ما ذكره في بحث الطلب والارادة تارةً وفي بحث القطع اخرى من أنّ العقاب إنّما هو من تبعات البُعد عن المولى الناشئ من الخباثة الذاتية ، فينتهي الأمر بالأخرة إلى أمر ذاتي ، والذاتي لايعلّل (2). وهذا الكلام وإن صدر من هذا العالم العيلم ، إلاّ أنّه خلاف الصواب وقد ذكرنا ما فيه في بحث الطلب والارادة (3)ولا نعيد. هذا كلّه فيما إذا كان الظن متعلقاً بما تجب معرفته عقلاً أو شرعاً.
وأمّا إن كان الظن متعلقاً بما يجب التباني وعقد القلب عليه والتسليم والانقياد
له ، كتفاصيل البرزخ وتفاصيل المعاد ووقائع يوم القيامة وتفاصيل الصراط والميزان ونحو ذلك ممّا لا تجب معرفته ، وإنّما الواجب عقد القلب عليه والانقياد له على تقدير إخبار النبي صلىاللّهعليهوآله به ، فإن كان الظن المتعلق بهذه الامور من الظنون الخاصّة الثابتة حجّيتها بغير دليل الانسداد فهو حجّة ، بمعنى أنّه لا مانع من الالتزام بمتعلقه وعقد القلب عليه ، لأنّه ثابت بالتعبد الشرعي ، بلا فرق بين أن تكون الحجّية بمعنى جعل الطريقية كما اخترناه (1)، أو بمعنى جعل المنجزية والمعذرية كما اختاره صاحب الكفاية قدسسره (2).
وإن كان الظن من الظنون المطلقة الثابتة حجّيتها بدليل الانسداد فلا يكون حجّة ، بمعنى عدم جواز الالتزام وعقد القلب بمتعلقه لعدم تمامية مقدّمات الانسداد في المقام ، إذ منها عدم جواز الاحتياط لاستلزامه اختلال النظام ، أو عدم وجوبه لكونه حرجاً على المكلف ، والاحتياط في هذا النوع من الامور الاعتقادية بمكان من الامكان ، بلا استلزام للاختلال والحرج ، إذ الالتزام بما هو الواقع وعقد القلب عليه على إجماله لا يستلزم الاختلال ولا يكون حرجاً على المكلف.
وأمّا الظن المتعلق بالامور التكوينية أو التاريخية ، كالظن بأنّ تحت الأرض كذا أو فوق السماء كذا ، والظن بأحوال أهل القرون الماضية وكيفية حياتهم ونحو ذلك ، فإن كان الظن ممّا لم يقم على اعتباره دليل خاص - وهو الذي نعبّر عنه بالظن المطلق - فلا حجّية له في المقام ، والوجه فيه ظاهر. وأمّا إن كان من الظنون الخاصّة فلا بدّ من التفصيل بين مسلكنا ومسلك صاحب الكفاية (قدسسره)
فإنّه على مسلكنا من أنّ معنى الحجّية جعل غير العلم علماً بالتعبد ، يكون الظن المذكور حجّة باعتبار أثر واحد وهو جواز الاخبار بمتعلقه ، فإذا قام ظن خاص على قضيّة تاريخية أو تكوينية جاز لنا الاخبار بتلك القضيّة بمقتضى حجّية الظن المذكور ، لأنّ جواز الاخبار عن الشيء منوط بالعلم به ، وقد علمنا به بالتعبد الشرعي.
وهذا بخلاف مسلك صاحب الكفاية قدسسره فإن جعل الحجّية لشيء بمعنى كونه منجّزاً ومعذّراً لا يعقل إلاّفيما إذا كان لمؤداه أثر شرعي وهو منتفٍ في المقام ، إذ لا يكون أثر شرعي للموجودات الخارجية ولا للقضايا التاريخية ليكون الظن منجّزاً ومعذّراً بالنسبة إليه. وأمّا جواز الاخبار عن شيء فهو من آثار العلم به لا من آثار المعلوم بوجوده الواقعي ، ولذا لا يجوز الاخبار عن شيء مع عدم العلم به ولو كان ثابتاً في الواقع ، كما أنّ الأمر في القضاء كذلك ، فانّ الناجي من القضاة هو الذي يحكم بالحق ويعلم أنّه الحق ، وأمّا الذي يحكم بالحق وهو لا يعلم أنّه الحق فهو من الهالكين ، كالذي يحكم بغير الحق سواء علم بأ نّه غير الحق أو لم يعلم على ما في الرواية (1).
وظهر بما ذكرناه أنّه - على مسلك صاحب الكفاية قدسسره - لا يجوز الاخبار البتي بما في الروايات من الثواب على المستحبات أو الواجبات ، بأن نقول : من صام في رجب مثلاً كان له كذا ، بل لا بدّ من نصب قرينة دالة على أنّه مروي عنهم عليهمالسلام بأن نقول مثلاً : روي أنّه من صام في رجب كان له كذا.
الأمر الثاني : أنّ الظن الذي لم يقم على حجّيته دليل هل يجبر به ضعف
1) الوسائل 27 : 22 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6
السند أو الدلالة بحيث لولاه لم يكن حجّة أم لا؟ وهل يوهن به السند أو الدلالة بحيث لو قام على خلافه يسقط عن الحجّية أم لا؟ وهل يرجّح به أحد المتعارضين على الآخر أم لا؟ فيقع الكلام في هذه الجهات الثلاث :
أمّا الكلام في الجهة الاولى : فهو أنّ المعروف المشهور بينهم انجبار ضعف السند بعمل المشهور ، مع أنّ الشهرة في نفسها لا تكون حجّة. واختاره صاحب الكفاية قدسسره وذكر في وجهه أنّ الخبر الضعيف وإن لم يكن حجّةً في نفسه ، إلاّأنّ عمل المشهور به يوجب الوثوق بصدوره ويدخل بذلك في موضوع الحجّية (1).
أقول : إن كان مراده أنّ عمل المشهور يوجب الاطمئنان الشخصي بصدور الخبر ، فالكبرى وإن كانت صحيحةً إذ الاطمئنان الشخصي حجّة ببناء العقلاء ، فانّه علم عادي ، ولذا لا تشمله أدلة المنع عن العمل بالظن ، لكنّ الصغرى ممنوعة ، إذ ربّما لا يحصل الاطمئنان الشخصي من عمل المشهور. وإن كان مراده أنّ عمل المشهور يوجب الاطمئنان النوعي ، فما ذكره غير تام صغرىً وكبرى. أمّا الصغرى : فلأ نّه لا يحصل الاطمئنان بصدور الخبر الضعيف لنوع الناس من عمل المشهور. وأمّا الكبرى : فلأ نّه على تقدير حصول الاطمئنان النوعي لا دليل على حجّيته مع فرض عدم حصول الاطمئنان الشخصي ، ولم يثبت ذلك بدليل ، إنّما الثابت - بسيرة العقلاء وبعض الآيات الشريفة والروايات التي تقدّم ذكرها - حجّية خبر الثقة الذي يحصل الوثوق النوعي بوثاقة الراوي ، بمعنى كونه محترزاً عن الكذب ، لا حجّية خبر الضعيف الذي يحصل الوثوق النوعي بصدقه ومطابقته للواقع من عمل المشهور ، بل لا دليل على حجّية خبر الضعيف الذي يحصل منه اليقين النوعي بصدقه في فرض عدم
1) كفاية الاصول : 332
حصول اليقين الشخصي ولا الاطمئنان الشخصي.
وبالجملة : لا بدّ في حجّية الخبر إمّا من الوثوق النوعي بوثاقة الراوي أو الوثوق الشخصي بصدق الخبر ومطابقته للواقع ولو من جهة عمل المشهور ، لا من جهة وثاقة الراوي ، وأمّا مع انتفاء كلا الأمرين فلم يدل دليل على حجّيته ولو مع حصول الوثوق النوعي ، بل اليقين النوعي بصدقه. هذا كلّه مع ما تقدّم في أواخر بحث حجّية الخبر من منع الصغرى ، وأ نّه لم يعلم استناد المشهور إلى الخبر الضعيف ، ومجرد الموافقة من دون الاستناد لا يوجب الانجبار عند القائل به (1).
وأمّا الجهة الثانية : فالمعروف بينهم فيها أنّ الخبر الصحيح يوهن باعراض المشهور عنه ، بل صرّحوا بأ نّه كلّما ازداد الخبر صحّةً ازداد وهناً باعراض المشهور عنه. وليعلم أنّ محل الكلام هو الخبر الذي كان بمرأىً من المشهور ومسمع ولم يعملوا به ، وأمّا الخبر الذي احتمل عدم اطّلاعهم عليه فهو خارج عن محل الكلام ، ولا إشكال في جواز العمل به مع كونه صحيحاً في نفسه ، إذ لا يصدق عليه أنّه معرض عنه عند المشهور ، لأنّ الاعراض فرع الاطلاع ، فمع عدم الاطلاع لا يصح إسناد الاعراض إليهم.
وبالجملة : محل الكلام الخبر الذي احرز إعراض المشهور عنه ، فالمشهور أنّه يوهن به ويسقط عن الحجّية. وذكر صاحب الكفاية قدسسره أنّه لا يسقط بذلك عن الحجّية ، لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره الحاصل من إعراض المشهور أو غيره من أسباب الظن غير المعتبر (2)وهذا هو الصحيح ، وقد تقدّم بعض الكلام في ذلك أواخر بحث
حجّية الخبر فراجع (1). هذا كلّه من حيث السند.
وأمّا من حيث الدلالة فالمعروف بينهم عدم انجبار ضعف الدلالة بعمل المشهور ، مع عدم ظهور الخبر في نفسه ، وعدم وهن الدلالة باعراض المشهور مع ظهوره في نفسه.
وهذا الذي ذكروه متين جدّاً. أمّا عدم الانجبار بعمل المشهور فلاختصاص دليل الحجّية بالظهور ، فلو لم يكن اللفظ بنفسه ظاهراً في معنى ولكن المشهور حملوه عليه لا يكون حملهم موجباً لانعقاد الظهور في اللفظ ، فلا يشمله دليل حجّية الظواهر. وأمّا عدم الانكسار فلعدم اختصاص دليل حجّية الظواهر بما إذا لم يكن الظن بخلافها ، أو بما إذا لم يحملها المشهور على خلافها ، فلو كان اللفظ بنفسه ظاهراً في معنى ، وحمله المشهور على خلافه لم يكن ذلك مانعاً عن انعقاد الظهور ، فلا يسقط عن الحجّية ، فما ذكروه في الدلالة من أنّ عمل المشهور لا يوجب الانجبار ولا إعراضهم يوجب الانكسار متين. فياليتهم عطفوا السند على الدلالة وقالوا فيه بما قالوا فيها من عدم الانجبار والانكسار.
نعم ، هنا شيء وهو أنّه إذا حمل جماعة من العلماء اللفظ على معنىً لم يكن ظاهراً فيه في نظرنا مع كونهم من أهل اللسان العربي ومن أهل العرف ، يستكشف بذلك أنّ اللفظ ظاهر في هذا المعنى الذي حملوه عليه ، إذ المراد من الظهور هو الذي يفهمه أهل العرف من اللفظ ، والمفروض أنّهم فهموا ذلك المعنى وهم من أهل اللسان. ولكن يختص ذلك بما إذا احرز أنّ حملهم اللفظ على هذا المعنى إنّما هو من جهة حاق اللفظ ، وأمّا إذا احتمل أنّ حملهم مبني على قرائن خارجية مستكشفة باجتهاداتهم فلا يكون حجّةً لعدم الظهور العرفي
1) ص 236
حينئذ. واجتهادهم في ذلك ليس حجّةً لنا. وكذا الحال في طرف الإعراض ، فإن كان اللفظ ظاهراً في معنىً في نظرنا ، وحملها جماعة من العلماء على خلافه ، واحرز أنّ حملهم مستند إلى حاق اللفظ لا إلى ظنونهم واجتهاداتهم ، يستكشف بذلك أنّ اللفظ ليس ظاهراً في المعنى الذي فهمناه ، بل هو خلاف الظاهر ، فانّ خلاف الظاهر هو ما يفهم العرف خلافه من اللفظ.
أمّا الجهة الثالثة : وهي ترجيح أحد الدليلين المتعارضين على الآخر بالظن غير المعتبر ، فقد التزم به شيخنا الأنصاري قدسسره واستدلّ له بوجهين مذكورين في الرسائل (1).
ولكن الصحيح عدم صحّة الترجيح بالظن ، لأنّ أخبار الترجيح كلّها ضعيفة سنداً أو دلالةً ، إلاّرواية الراوندي (2)الدالة على الترجيح بموافقة الكتاب أوّلاً ، وبمخالفة العامّة ثانياً فلا وجه للتعدي إلى الترجيح بالعدالة والوثاقة وغيرهما ممّا هو مذكور في الأخبار العلاجية ، فضلاً عن التعدي إلى الترجيح بمطلق الظن. وكذا الحال في أخبار التخيير ، فانّها أيضاً غير تامّة ، فلا وجه للالتزام بالتخيير بين الخبرين المتعارضين ، كما لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر بالظن ، بل يسقط كلاهما عن الحجّية ، لعدم إمكان شمول دليل الحجّية للمتعارضين ، لعدم معقولية التعبّد بالمتناقضين أو بالمتضادين ، ولا لأحدهما لبطلان الترجيح بلا مرجّح ، فلا بدّ من رفع اليد عن كليهما والرجوع إلى عام أو مطلق فوقهما ، ومع عدمهما كان المرجع هو الاصول العملية. وقد تعرّضنا لتفصيل ذلك كلّه في بحث التعادل والترجيح من كتابنا هذا (3).
الأُصول العملية
الاصول العملية هي المرجع عند الشك. وقبل الشروع في المقصود لا بدّ لنا من بيان امور :
الأمر الأوّل : قد ذكرنا في أوّل بحث الألفاظ (1)أنّ المسألة الاصولية هي ما يمكن أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي الفرعي ، بحيث تكون نسبتها إلى الاستنباط نسبة الجزء الأخير من العلّة التامّة إلى المعلول ، وذكرنا أيضاً (2)أنّ المسائل الاصولية تنقسم إلى أقسام :
القسم الأوّل : ما يوصلنا إلى الحكم الشرعي بالقطع الوجداني ، كالبحث عن الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته ، والبحث عن الملازمة بين وجوب شيء وحرمة ضدّه ، والبحث عن إمكان اجتماع الوجوب والحرمة وعدمه ، بمعنى أنّ وجود أحدهما هل يستلزم عدم الآخر أم لا ، فانّ هذه المباحث - على تقدير تمامية الملازمة - توجب القطع بالحكم الشرعي بعد انضمام الصغرى إليها ،
وتسمّى بالبحث عن المداليل تارةً وعن الاستلزامات العقلية اخرى ، وهذه المسائل وإن ذكرها الاصوليون في مباحث الألفاظ ، إلاّ أنّها ليست منها ، إذ البحث فيها إنّما هو عن لوازم نفس الأحكام بما هي لا بما هي مدلولة للأدلة اللفظية ، فلا ربط لها بمباحث الألفاظ.
القسم الثاني : ما يوصلنا إلى الحكم الشرعي بالتعبد ، وهذا على نوعين :
النوع الأوّل : ما يكون البحث فيه صغروياً ، كمباحث الألفاظ ، فانّ البحث فيها إنّما هو عن الصغرى ونفس الظهور ، كالبحث عن أنّ الأمر ظاهر في الوجوب أم لا؟ والنهي ظاهر في الحرمة أم لا؟ وكذا سائر مباحث الألفاظ ، فانّها بحث عن الظهور. وأمّا الكبرى وهي حجّية الظواهر فمسلّمة عند العقلاء والعلماء بلا خلاف فيها. ولايبحث عنها في علم الاصول ، وإن توهم اختصاصها بمن قصد إفهامه وتقدّم دفعه في محلّه (1).
النوع الثاني : ما يكون البحث فيه كبروياً ، أي يكون البحث فيه عن حجّية شيء لاثبات الأحكام الشرعية ، كالبحث عن حجّية الخبر ، والبحث عن حجّية الاجماع المنقول ، والبحث عن حجّية الشهرة. ومنه البحث عن حجّية الظن الانسدادي على الكشف. وهذا النوع هو القسم الثالث من المسائل الاصولية ، كما أنّ مباحث الألفاظ هي القسم الثاني منها.
القسم الرابع : ما لا يوصلنا إلى الحكم الواقعي بالقطع الوجداني ولا بالتعبد الشرعي ، بل يبحث فيه عن القواعد المتكفلة لبيان الأحكام الظاهرية في فرض الشك في الحكم الواقعي وتسمّى هذه القواعد بالاصول العملية الشرعية ، ويعّبر عن الدليل الدال على الحكم الظاهري بالدليل الفقاهتي ، كما يعبّر عن الدليل
1) راجع ص 137 - 142
الدال على الحكم الواقعي بالدليل الاجتهادي.
ووجه المناسبة في هذا التعبير والاصطلاح : ما ذكروه في تعريف الفقه والاجتهاد ، فانّهم عرّفوا الفقه بأ نّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. ومرادهم من الأحكام هو الأعم من الأحكام الظاهرية والواقعية ، بقرينة ذكر لفظ العلم ، ضرورة أنّ الأحكام الواقعية لا طريق إلى العلم بها غالباً ، فناسب أن يسمّى الدليل الدال على الحكم الظاهري بالدليل الفقاهتي ، لكونه مثبتاً للحكم المذكور في تعريف الفقه. وعرّفوا الاجتهاد بأ نّه استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي ، ومن الواضح أنّ المراد بالحكم هو خصوص الواقعي بقرينة أخذ الظن في التعريف ، فانّه هو الذي قد يحصل الظن به للمجتهد. وأمّا الحكم الظاهري فيعلمه المجتهد لا محالة ، فناسب أن يسمّى الدليل الدال على الحكم الواقعي بالدليل الاجتهادي ، لكونه دليلاً على الحكم المذكور في تعريف الاجتهاد.
ولا يخفى أنّ تسمية الحكم المجعول في ظرف الشك في الحكم الواقعي بالحكم الظاهري إنّما هو لتميّزه عن الحكم الواقعي المجعول للشيء بعنوانه الأوّلي لا بعنوان أنّه مشكوك فيه ، وإلاّ فالحكم الظاهري أيضاً حكم واقعي مجعول للشيء بعنوان أنّه مشكوك فيه.
القسم الخامس : ما يبحث فيه عن القواعد المتكفلة لتعيين الوظيفة الفعلية عقلاً عند العجز عن جميع ما تقدّم ، فانّ المكلف إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي بالقطع الوجداني ولا بالتعبد الشرعي ، وعجز أيضاً عن معرفة الحكم الظاهري ، تعيّن عليه الرجوع إلى ما يستقل به العقل من البراءة أو الاحتياط أو التخيير على اختلاف الموارد. وتسمّى هذه القواعد بالاصول العملية العقلية.
هذه هي مسائل علم الاصول على نحو الاجمال. وقد فرغنا عن البحث في
ثلاثة أقسام منها ، ويقع الكلام فعلاً في القسم الرابع والخامس منها ، وحيث إنّ الاصوليين أدرجوا الخامس في الرابع وتعرّضوا للبحث عنهما في عرض واحد ، فنحن نتبعهم في ذلك مراعاةً للاختصار.
الأمر الثاني : أنّ الاصول العملية التي هي المرجع عند الشك منحصرة في أربعة : وهي البراءة والاحتياط - وقد يسمّى بأصالة الاشتغال أو قاعدة الاشتغال - والاستصحاب والتخيير. وهذا الحصر استقرائي بلحاظ نفس الاصول وعقلي بلحاظ الموارد.
أمّا الأوّل : فلأ نّه يمكن بحسب التصور أن يجعل أصل آخر غير الاصول الأربعة في بعض صور الشك ، كما إذا قال المولى : إذا شككت بين الوجوب والاباحة فابن على الاستحباب. أو إذا دار الأمر بين الحرمة والاباحة فابن على الكراهة مثلاً ، إلاّأنّ الاستقراء أثبت انحصار الاصول في الأربعة.
وأمّا الثاني : فلأنّ الشك إمّا أن تعلم له حالة سابقة وقد اعتبرها الشارع أو لا ، بأن لا تعلم له حالة سابقة أو علمت ولم يعتبرها الشارع ، كما إذا كان الشك في بقاء شي ناشئاً من الشك في المقتضي ، على القول بالتفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع في جريان الاستصحاب ، وكذا على غيره من التفصيلات المذكورة في بحث الاستصحاب. والأوّل - أي الشك الذي علمت له حالة سابقة واعتبرها الشارع - مجرىً للاستصحاب ، سواء كان الشك في التكليف أو في المكلف به ، وأمكن الاحتياط أم لم يمكن. والثاني - أي الشك الذي لم يعتبر الشارع حالته السابقة ، سواء كانت له حالة سابقة معلومة ولم يعتبرها الشارع أو لم تكن - فإن كان الشك في أصل التكليف كان مجرى للبراءة ، وإن كان الشك في المكلف به مع العلم بأصل التكليف ، فإن أمكن الاحتياط فهو مجرى لقاعدة الاشتغال ، كما في موارد دوران الأمر بين القصر والتمام ، وإن لم يمكن
الاحتياط كما في دوران الأمر بين المحذورين ، فهو مورد لقاعدة التخيير ، هذا كلّه في الحكم التكليفي. وكذا الحال عند الشك في الحكم الوضعي ، فيجري فيه جميع ما ذكرناه في الحكم التكليفي بناءً على كون الحكم الوضعي أيضاً مجعولاً مستقلاً كما هو الصحيح - على ما سنتكلّم فيه في بحث الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى - وإن كان بعض أقسامه منتزعاً من التكليف كالشرطية والجزئية للمأمور به.
وبالجملة : لا فرق بين الحكم التكليفي والوضعي من حيث تقسيم الشك فيه إلى الأقسام الأربعة ، وجريان الأصل العملي فيه.
ثمّ إنّ عدم ذكر أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة في علم الاصول إنّما هو لعدم وقوع الخلاف فيها فانّها من الاصول الثابتة بلا خلاف فيها ، ولذا لم يتعرّضوا للبحث عنها في علم الاصول ، لا لكونها خارجة من علم الاصول وداخلة في علم الفقه على ما توهّم.
وخلاصة القول : أنّ أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة بمنزلة أصالة الحل عند الشك في الحرمة ، فكما أنّ البحث عن الثانية داخل في علم الاصول باعتبار ترتب تعيين الوظيفة الفعلية عليه ، كذلك البحث عن الاولى أيضاً داخل في علم الاصول لعين الملاك المذكور ، غاية الأمر أنّ مفاد أصالة الحل هو الحكم التكليفي ، ومفاد أصالة الطهارة هو الحكم الوضعي ، ومجرّد ذلك لايوجب الفرق بينهما من حيث كون البحث عن إحداهما داخلاً وعن الاخرى خارجاً عنه.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من أنّ الوجه لعدم التعرّض
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 92 وما بعدها
لأصالة الطهارة في علم الاصول عدم اطرادها في جميع أبواب الفقه ، واختصاصها بباب الطهارة (1)فغير تام ، لأنّ الميزان في كون المسألة اصولية هو أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي ، ولا يعتبر جريانها في جميع أبواب الفقه ، وإلاّ لخرجت جملة من المباحث الاصولية عن علم الاصول ، لعدم اطرادها في جميع أبواب الفقه ، كالبحث عن دلالة النهي عن العبادة على الفساد فانّه غير جارٍ في غير العبادات من سائر أبواب الفقه.
وقد يتخيّل : أنّ الوجه في عدم ذكر أصالة الطهارة في علم الاصول أنّ الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية ، فدائماً يكون الشك فيهما من الشبهة المصداقية ، إذ بعد كونهما من الامور الواقعية لا من الأحكام الشرعية كان الشك فيهما شكاً في الانطباق ، فتكون الشبهة مصداقية. ومن الواضح أنّ البحث عن الشبهات الموضوعية لا يكون من المسائل الاصولية ، لأنّ المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي كما تقدّم مراراً.
وفيه : أنّه إن اريد من كونهما من الامور الواقعية أنّهما ناشئان من المصلحة والمفسدة الواقعيتين ، وليستا من الأحكام الجزافية المجعولة بلا لحاظ مصلحةأو مفسدة ، فالشك في نجاسة شيء وطهارته يرجع إلى الشك في المنشأ الذي هو من الامور الواقعية ، فهذا وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لا يوجب كون الشك فيهما من الشبهة المصداقية ، وإلاّ لزم كون الشك في جميع الأحكام الشرعية من الشبهة المصداقية ، لأنّ جميع الأحكام ناشئ من المصالح والمفاسد النفس الأمرية الموجودة في متعلقاتها على ما هو المشهور أو في نفسها ، والشك فيها يستلزم الشك في منشئها ، فيلزم كون الشبهة مصداقية عند الشك في جميع الأحكام الشرعية ، وهذا ممّا نقطع بفساده بالضرورة.
1) كفاية الاصول : 337
وإن اريد أنّهما ليستا من الأحكام بل من قبيل الخواص والآثار ، كخواص الأدوية التي لا يعرفها إلاّالأطباء ، فالطهارة والنجاسة أيضاً من هذا القبيل ، ولا يعرفهما إلاّالشارع العالم بجميع الأشياء وخواصّها.
ففيه أوّلاً : أنّه خلاف ظواهر الأدلة ، فانّ الظاهر منها أنّهما حكمان مجعولان كسائر الأحكام الوضعية والتكليفية ، وأنّ الشارع قد حكم بهما بما أنّه شارع لا أنّه أخبر بهما بما أنّه من أهل الخبرة وأ نّه العارف بخواصّ الأشياء ، ولعل هذا واضح.
وثانياً : أنّه لو سلّمنا كونهما من قبيل الخواص والآثار وقد أخبر بهما الشارع ، لا نسلّم كون الشك فيهما من الشبهة المصداقية ، لأنّ الميزان في كون الشبهة مصداقية أن يكون المرجع فيها هو العرف لا الشارع ، كما أنّ الأمر في الشبهة الحكمية بعكس ذلك ، إذ المرجع الوحيد في الشبهة الحكمية هو الشارع ولا إشكال في أنّ المرجع عند الشك في نجاسة شيء وطهارته - كالعصير العنبي بعد الغليان ، وكعرق الجنب من الحرام ، وعرق الإبل الجلاّل ونحوها - هو الشارع ليس إلاّ ، فكونهما من قبيل الخواص والآثار لا يجعل الشك فيهما من الشبهة المصداقية بعد الاعتراف بأنّ بيانهما من وظائف الشارع ولا يعلمهما إلاّ هو.
فتحصّل : أنّ البحث عن أصالة الطهارة من المسائل الاصولية ، والوجه في عدم التعرّض له في علم الاصول هو ما ذكرناه من كونها من الامور المسلّمة التي لا نزاع فيها ولا خلاف.
الأمر الثالث : أنّ شيخنا الأنصاري قدسسره (1)جعل الشك في التكليف
1) فرائد الاصول 1 : 356 و 357
الذي هو مجرى للبراءة على أقسام ثمانية ، باعتبار أنّ الشبهة تارةً تكون وجوبية ، واخرى تحريمية. وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون منشأ الشك فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصّين أو الامور الخارجية كما في الشبهات الموضوعية.
وتعرّض للبحث عن كل قسم مستقلاً.
والوجه في هذا التقسيم والبحث عن كل قسم مستقلاً أمران :
الأوّل : اختصاص بعض أدلة البراءة بالشبهة التحريمية ، كقوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (1).
الثاني : أنّ النزاع المعروف بين الاصوليين والأخباريين أيضاً مختص بها ، وأمّا الشبهة الوجوبية فوافق الأخباريون الاصوليين في الرجوع إلى البراءة إلاّ المحدِّث الاسترابادي (2).
ولا يخفى أنّ الأقسام غير منحصرة في ثمانية ، إذ من الشك في التكليف الذي هو مورد للبراءة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة والاباحة ، وعليه كانت الأقسام اثني عشر لا ثمانية.
وجعل صاحب الكفاية قدسسره (3)البحث عاماً لمطلق الشك في التكليف الجامع بين جميع الأقسام المذكورة ، إلاّفرض تعارض النصّين فأخرجه من هذا البحث ، بدعوى أنّه ليس مورداً للبراءة ، لأنّ المتعيّن فيه الرجوع إلى المرجّحات ، ومع فقدها يتخيّر. فالبحث عنه راجع إلى التعادل والترجيح لا إلى البراءة ، لأنّ أصالة البراءة تكون مرجعاً عند عدم الدليل ، ومع وجود
الدليل تعييناً - كما إذا كان أحد النصّين راجحاً على الآخر - أو تخييراً - كما إذا لم يكن لأحدهما ترجيح على الآخر - لا تصل النوبة إلى البراءة.
أقول : أمّا ما صنعه الشيخ قدسسره من التقسيم والتعرّض للبحث عن كل قسم مستقلاً ففيه : أنّ ملاك جريان البراءة في جميع الأقسام واحد ، وهو عدم وصول التكليف إلى المكلف. وعمدة أدلة القول بالبراءة أيضاً شاملة لجميع الأقسام. وهذا هو الوجه لذكر الشبهة الموضوعية الوجوبية والتحريمية في المقام ، فانّ البحث عنها ليس من مسائل علم الاصول ، بل من مسائل الفقه كما هو ظاهر ، فذكرها في المقام إنّما هو لعموم الأدلة لها. واختصاص بعض الأدلة بالشبهة التحريمية لا يوجب تكثير الأقسام وإفرادها بالبحث مع كون الملاك في الجميع واحداً ، وشمول عمدة الأدلة أيضاً للجميع. فالصحيح ما صنعه صاحب الكفاية قدسسره من تعميم البحث لمطلق الشك في التكليف الجامع لجميع الأقسام.
ولكن يرد عليه أيضاً : أنّ إخراج تعارض النصّين على إطلاقه من بحث البراءة ممّا لا وجه له ، لما سنذكره إن شاء اللّه تعالى في مبحث التعادل والترجيح (1)من أنّ مقتضى القاعدة في التعارض هو التساقط والرجوع إلى عام فوقهما ، ومع عدمه يرجع إلى الأصل العملي ، ولا ينحصر التعارض بخصوص الخبرين ، بل يمكن وقوعه بين ظاهري الكتاب ، ويرجع فيه بعد التساقط إلى الأصل العملي بلا كلام وإشكال ، بل وكذا الحال إن وقع التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه ، وكان العموم في كل منهما ناشئاً من الاطلاق ، فيسقط كلا الاطلاقين لعدم جريان مقدّمات الحكمة ، ويرجع إلى الأصل العملي ، بل وكذا الحال لو
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 440 ، 499
كان التعارض بين الخبرين بالتباين أو بالعموم من وجه ، مع كون العموم في كل منهما بالوضع مع عدم رجحان أحدهما على الآخر بموافقة الكتاب ولا بمخالفة العامّة ، فانّ الخبرين يسقطان عن الحجّية ويرجع إلى الأصل العملي ، لما سنذكره في بحث التعادل والترجيح (1)من عدم تمامية أدلة التخيير ، ولا أدلة الترجيح بغير موافقة الكتاب ومخالفة العامّة من المرجحات التي ذكروها في المقام ، فانّ أدلة التخيير وأدلة الترجيح بتلك المرجحات غير تامّة من حيث السند أو من حيث الدلالة أو من الجهتين.
نعم ، إذا وقع التعارض بين الخبرين بالتباين أو بالعموم من وجه ، مع كون العموم فيهما بالوضع وكان أحدهما موافقاً لظاهر الكتاب أو مخالفاً للعامّة تعيّن الأخذ به بمقتضى رواية الراوندي (2)الدالة على كون موافقة الكتاب ومخالفة العامّة من المرجّحات في الخبرين المتعارضين ، فلا يمكن الرجوع إلى الأصل العملي. وعليه فالمناسب بل المتعيّن إدخال تعارض الدليلين بجميع صوره في بحث البراءة ، إلاّصورة واحدة وهي ما إذا كان التعارض بين الخبرين بالتباين أو بالعموم من وجه مع كون العموم فيهما بالوضع ، وكان أحدهما راجحاً على الآخر بموافقة الكتاب أو بمخالفة العامّة.
الأمر الرابع : أنّ النزاع المعروف بين الاصوليين والأخباريين في مسألة البراءة إنّما هو في الصغرى وفي تمامية البيان من قبل المولى وعدمه. وأمّا الكبرى - وهي عدم كون العبد مستحقاً للعقاب على مخالفة التكليف مع عدم وصوله إلى المكلف - فهي مسلّمة عند الجميع ، ولم يقع فيه نزاع بين الاصوليين والأخباريين ، كيف وإنّ العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل من أوضح
مصاديق الظلم ، وقد دلّت الآيات والروايات على أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) لا يعاقب إلاّبعد البيان «لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ» (1)بل له الحجّة البالغة (2).
وبالجملة : عدم استحقاق العقاب في فرض عدم البيان ممّا لم ينكره ولن ينكره عاقل ، إنّما الخلاف بين الاصوليين والأخباريين في الصغرى ، حيث ذهب أصحابنا الأخباريون إلى تمامية البيان ، وقيام الحجّة على التكاليف الواقعية لوجهين : الأوّل : العلم الاجمالي بثبوت التكاليف وهو يقتضي الاحتياط.
الثاني : الأخبار الكثيرة الدالة على التوقف عند الشبهة ، وعلى الاحتياط في المشتبهات ، وعليه فالذي يناسب بحث البراءة هو البحث عن الصغرى والتعرّض لهذين الوجهين ، وإثبات أنّ العلم الاجمالي بثبوت التكاليف قد انحلّ بما عثرنا عليه من الأحكام التي دلّت عليها الأخبار ، على ما أشرنا إليه غير مرّة (3)، وإثبات أنّ أخبار التوقف والاحتياط ظاهرة - بنفسها أو بضميمة الروايات الدالة على جواز الاقتحام في الشبهات - في الارشاد إلى حكم العقل بوجوب تحصيل الأمن من العقاب ، فتكون ناظرةً إلى الشبهة قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي. وسنتكلّم في كلا الوجهين عند التعرّض لاستدلال الأخباريين والجواب عنه (4).
وأمّا البحث عن الكبرى والاستدلال عليها بالآيات والروايات وبحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا ملزم له ، لما ذكرناه من أنّها مسلّمة عند
الأخباريين والاصوليين ، ولم يقع فيها خلاف ليحتاج إلى الاثبات والاستدلال ، إلاّ أنّا نتعرّض للبحث عن الكبرى والاستدلال عليها بالآيات والروايات وحكم العقل ، تبعاً لشيخنا الأنصاري قدسسره (1)وحرصاً على ما فيه من الفائدة ، والتعرّض لفقه الأحاديث الشريفة.
إذا عرفت هذه الامور فاعلم أنّه قد استدلّ على البراءة مع الشك في التكليف بامور :
منها : قوله تعالى : «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (2)وتقريب الاستدلال به : أنّ بعث الرسول كناية عن بيان الأحكام للأنام وإتمام الحجّة عليهم ، كما هو ظاهر بحسب الارتكاز والفهم العرفي ، فتدلّ الآية الشريفة على نفي العقاب بمخالفة التكليف غير الواصل إلى المكلف.
واورد على الاستدلال بهذه الآية الكريمة بوجهين :
الأوّل : أنّ المراد من الآية هو الاخبار عن عدم وقوع العذاب على الامم السابقة إلاّبعد البيان ، بقرينة التعبير بلفظ الماضي في قوله تعالى : «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ» فيكون المراد هو الاخبار عن عدم وقوع العذاب الدنيوي فيما مضى من الامم السابقة إلاّبعد البيان ، فلا دلالة لها على نفي العذاب الاخروي عند عدم تمامية البيان.
الثاني : أنّ المنفي في الآية فعلية العقاب لا استحقاقه ، ونفي الفعلية لا يدل على نفي الاستحقاق ، مع أنّ محل الكلام بيننا وبين الأخباريين هو الثاني.
أمّا الايراد الأوّل فيدفعه أوّلاً : أنّ نفي العذاب الدنيوي عند عدم تمامية
البيان يدل بالأولوية القطعية على نفي العذاب الاخروي ، إذ العذاب الدنيوي أهون من العذاب الاخروي ، لكونه منقطعاً غير دائم.
وثانياً : أنّ جملة ما كان أو ما كنّا وأمثالهما من هذه المادة مستعملة في أنّ الفعل غير لائق به تعالى ، ولا يناسبه صدوره منه (جلّ شأنه) ويظهر ذلك من استقراء موارد استعمالها ، كقوله تعالى : «وَما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ» (1). وقوله تعالى : «ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ» (2)وقوله تعالى : «وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» (3)وقوله تعالى : «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» (4)إلى غير ذلك. فجملة الفعل الماضي من هذه المادة منسلخة عن الزمان في هذه الموارد ، فيكون المراد أنّ التعذيب قبل البيان لايليق به تعالى ولا يناسب حكمته وعدله ، فلا يبقى فرق حينئذ بين العذاب الدنيوي والاخروي. وبهذا ظهر الجواب عن :
الايراد الثاني أيضاً ، لأنّ عدم لياقة التعذيب قبل البيان يدل على عدم كون العبد مستحقاً للعذاب ، إذ مع فرض استحقاق العبد لا وجه لعدم كونه لائقاً به تعالى ، بل عدم لياقته به تعالى إنّما هو لعدم استحقاق العبد له ، فالمدلول المطابقي للآية الشريفة وإن كان نفي فعلية العذاب إلاّ أنّها تدل على نفي الاستحقاق بالالتزام على ما ذكرناه.
وأمّا ما أجاب به شيخنا الأنصاري قدسسره عن الايراد الثاني من أنّ الخصم يسلّم الملازمة بين نفي الفعلية ونفي الاستحقاق ، فنفي الفعلية المستفادة
من الآية كافٍ في إلزامه (1)، فيرد عليه الوجهان المذكوران في الكفاية : من أنّ الاستدلال يكون حينئذ جدلياً لا يمكن أن يستند إليه الاصولي المنكر للملازمة المذكورة ، وأنّ اعتراف الخصم بالملازمة المذكورة بعيد جداً ، بل غير واقع ، إذ ربّما تنتفي فعلية العذاب في مورد العصيان اليقيني للعفو أو التوبة أو الشفاعة ، مع ثبوت الاستحقاق فيه بلا كلام وإشكال ، فكيف يظن الاعتراف بالملازمة بين نفي الفعلية ونفي الاستحقاق من الأخباريين (2).
ومنها : حديث الرفع المروي في خصال الصدوق قدسسره بسند صحيح عن حريز عن أبي عبداللّه عليهالسلام : «قال قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله : رفع عن امّتي تسعة : الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطرّوا إليه والحسد والطيرة والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة» (3).
وتقريب الاستدلال به : أنّ الالزام المحتمل من الوجوب أو الحرمة ممّا لايعلم فهو مرفوع بمقتضى الحديث الشريف ، والمراد من الرفع هو الرفع في مرحلة الظاهر لا الرفع في الواقع ليستلزم التصويب ، وذلك للقرينة الداخلية والخارجية.
أمّا القرينة الداخلية التي قد يعبّر عنها بمناسبة الحكم والموضوع فهي أنّ نفس التعبير بما لا يعلم يدل على أنّ في الواقع شيئاً لا نعلمه ، إذ الشك في شيء والجهل به فرع وجوده ، ولو كان المرفوع وجوده الواقعي بمجرد الجهل به لكان
الجهل به مساوقاً للعلم بعدمه كما هو ظاهر.
وأمّا القرينة الخارجية فهي الآيات والروايات الكثيرة الدالة على اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم والجاهل. وإن شئت فعبّر عن القرينة الخارجية بقاعدة الاشتراك ، فانّها من ضروريات المذهب.
وأيضاً لا إشكال في حسن الاحتياط ، ولو كان المراد من الرفع هو الرفع الواقعي لم يبق مورد للاحتياط كما هو ظاهر ، فيكون المراد من الحديث أنّ الالزام المحتمل من الوجوب أو الحرمة مرفوع ظاهراً ولو كان ثابتاً في الواقع ، فانّ الحكم الشرعي - واقعياً كان أو ظاهرياً - أمر وضعه ورفعه بيد الشارع.
ولا تنافي بين الترخيص الظاهري والالزام الواقعي ، على ما تقدّم بيانه في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي (1). ولعل هذا هو مراد صاحب الكفاية قدسسره من قوله : فالالزام المجهول ممّا لا يعلمون فهو مرفوع فعلاً وإن كان ثابتاً واقعاً (2)، فالمقصود من الفعلية في كلامه هو حال الشك لا الفعلية الاصطلاحية في مقابل الانشائية ، لأنّ فعلية الحكم بهذا المعنى تابعة لفعلية موضوعه ، فمع تحقق الموضوع لا يعقل رفع الحكم في مقام الفعلية مع بقائه في مقام الجعل والانشاء.
وبما ذكرناه - من أنّ الحكم الواقعي بنفسه قابل للرفع في مرحلة الظاهر - يظهر ما في كلام الشيخ قدسسره من أنّ رفع الحكم المشكوك إنّما هو بعدم إيجاب الاحتياط ، فالمرفوع هو وجوب الاحتياط (3)، لأنّ ذلك خلاف ظاهر
الحديث ، فانّ ظاهره أنّ المرفوع هو نفس ما لا يعلم وهو الحكم الواقعي لا وجوب الاحتياط ، وبعد كون الحكم بنفسه قابلاً للرفع في مرحلة الظاهر على ما تقدّم لا وجه لارتكاب خلاف الظاهر ، وحمل الحديث على رفع إيجاب الاحتياط. نعم ، عدم وجوب الاحتياط من لوازم رفع الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر ، لأنّ الأحكام كما أنّها متضادة في الواقع كذلك متضادة في مقام الظاهر ، فكما أنّ عدم الالزام في الواقع يستلزم الترخيص بالمعنى الأعم ، كذلك رفع الالزام في الظاهر يستلزم الترخيص ظاهراً. ولا يعقل وجوب الاحتياط بعد فرض الترخيص ، فيكون المرفوع هو نفس الحكم الواقعي ظاهراً ، ومن لوازم رفعه عدم وجوب الاحتياط ، لعدم إمكان الجمع بين الترخيص الظاهري ووجوب الاحتياط ، لتضاد الأحكام ولو في مرحلة الظاهر ، فالمرفوع هو نفس الحكم الواقعي لا وجوب الاحتياط. نعم ، إذا شكّ في وجوب الاحتياط في مورد ولم يقم دليل على وجوبه ولا على عدم وجوبه ، كان وجوب الاحتياط حينئذ مشمولاً لحديث الرفع ، ولكنّه خارج عن محل الكلام ، وليس كلام الشيخ ناظراً إليه.
ثمّ إنّ الاستدلال بهذا الحديث الشريف على المقام إنّما يتم على تقدير أن يكون المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» خصوص الحكم أو ما يعمه ، فانّ الموصول على كل من التقديرين يشمل الشبهة الحكمية والموضوعية. أمّا على التقدير الثاني فواضح ، إذ المراد من الموصول حينئذ أعم من الحكم المجهول والموضوع المجهول. وأمّا على التقدير الأوّل ، فلأنّ مفاد الحديث حينئذ أنّ الحكم المجهول مرفوع ، وإطلاقه يشمل ما لو كان منشأ الجهل بالحكم عدم وصوله إلى المكلف كما في الشبهات الحكمية ، أو الامور الخارجية كما في
الشبهات الموضوعية ، وأمّا لو كان المراد من الموصول خصوص الفعل الصادر من المكلف في الخارج ، بمعنى كون الفعل غير معلوم العنوان للمكلف ، بأن لا يعلم أنّ شرب هذا المائع مثلاً شرب خمر أو شرب ماء ، فلا يتم الاستدلال به للمقام ، لاختصاص الحديث حينئذ بالشبهة الموضوعية ، لأنّ ظاهر الوصف المأخوذ في الموضوع كونه من قبيل الوصف بحال نفس الموصوف لا بحال متعلقه ، فلو كان الموصول عبارة عن الفعل الخارجي كان الحديث مختصاً بما إذا كان الفعل بنفسه مجهولاً لا بحكمه ، فلا يشمل الشبهات الحكمية التي لا يكون عنوان الفعل فيها مجهولاً.
وربّما يقال بأنّ المراد من الموصول هو الفعل الخارجي ويستشهد له بامور :
الأوّل : وحدة السياق ، لأنّ المراد بالموصول في بقية الفقرات هو الفعل الذي لا يطيقون ، والفعل الذي يكرهون عليه ، والفعل الذي يضطرون إليه ، إذ لا معنى لتعلّق الاكراه والاضطرار بالحكم ، فيكون المراد من الموصول في «ما لايعلمون» أيضاً هو الفعل بشهادة السياق.
وفيه : أنّ الموصول في جميع الفقرات مستعمل في معنى واحد ، وهو معناه الحقيقي المبهم المرادف للشيء ، ولذا يقال إنّ الموصول من المبهمات ، وتعريفه إنّما هو بالصلة ، فكأ نّه صلىاللّهعليهوآله قال : رفع الشيء الذي لا يعلم ، والشيء الذي لا يطيقون ، والشيء المضطر إليه ، وهكذا ، فلم يستعمل الموصول في جميع الفقرات إلاّفي معنىً واحد ، غاية الأمر أنّ الشيء المضطر إليه لا ينطبق خارجاً إلاّ على الأفعال الخارجية ، وكذا الشيء المكره عليه ، بخلاف الشيء المجهول فانّه ينطبق على الحكم أيضاً. والاختلاف في الانطباق من باب الاتفاق من جهة اختلاف الصلة لا يوجب اختلاف المعنى الذي استعمل فيه الموصول كي يضر بوحدة السياق ، فانّ المستعمل فيه في قولنا ما ترك زيد فهو لوارثه ، وما ترك عمرو فهو لوارثه ، وما ترك خالد فهو لوارثه ، شيء واحد فوحدة السياق
محفوظة. ولو كان هذا المفهوم منطبقاً على الدار في الجملة الاولى ، وعلى العقار في الثانية ، وعلى الأشجار في الثالثة ، فلا شهادة لوحدة السياق على أنّ متروكات الجميع منطبقة على جنس واحد. والمقام من هذا القبيل بعينه.
الثاني : أنّ إسناد الرفع إلى الحكم حقيقي ، وإلى الفعل مجازي ، إذ لا يعقل تعلّق الرفع بالفعل الخارجي ، لعدم كون رفعه ووضعه بيد الشارع ، فلو اريد بالموصول في جميع الفقرات الفعل ، كان الاسناد في الجميع مجازياً. وأمّا إذا اريد به الحكم في خصوص ما لا يعلمون ، كان الاسناد بالاضافة إليه حقيقياً. وهذا المقدار وإن لم يكن فيه محذور ، إذ لا مانع من الجمع بين إسنادات متعددة في كلام واحد مختلفة من حيث الحقيقة والمجاز بأن يكون بعضها حقيقياً وبعضها مجازياً ، إلاّأنّ الرفع في الحديث قد اسند باسناد واحد إلى عنوان جامع بين جميع الامور المذكورة فيه ، وهو عنوان التسعة ، والامور المذكورة بعده معرّف له وتفصيل لاجماله ، فلزم أن يكون إسناد واحد حقيقياً ومجازياً بحسب اختلاف مصاديق المسند إليه ، وهو غير جائز.
وفيه أوّلاً : أنّه يتمّ لو اريد بالرفع الرفع التكويني ، لأنّ إسناد الرفع حينئذ إلى الفعل الخارجي يكون مجازياً لا محالة ، إذ الفعل متحقق خارجاً ، ولا يكون منتفياً حقيقةً ليكون إسناد الرفع إليه حقيقياً. وأمّا إن اريد به الرفع التشريعي ، بمعنى عدم كون الفعل مورداً للاعتبار الشرعي. وبعبارة اخرى : الرفع التشريعي عبارة عن عدم اعتبار الشارع شيئاً من مصاديق ما هو من مصاديقه تكويناً ، كما في جملة من موارد الحكومة ، كقوله عليهالسلام : لا رِبا بين الوالد والولد (1)فكان إسناد الرفع إلى الفعل الخارجي أيضاً حقيقياً ، فيكون إسناد الرفع إلى التسعة حقيقياً ، بلا فرق بين أن يراد من الموصول في «ما لا يعلمون» الحكم أو
1) الوسائل 18 : 135 / أبواب الرِّبا ب 7 ح 1 و 3 وفيهما : «ليس بين الرجل وولده رِبا»
الفعل الخارجي.
وثانياً : أنّه لو سلّمنا كون المراد من الرفع هو الرفع التكويني كان إسناده إلى التسعة حينئذ مجازياً لا حقيقياً ومجازياً ، وذلك لأنّ إسناد الرفع إلى بعض المذكورات في الحديث وإن كان حقيقياً وإلى بعض آخر مجازياً ، إلاّأنّ ذلك بحسب اللب والتحليل ، والميزان في كون الاسناد حقيقياً أو مجازياً إنّما هو الاسناد الكلامي لا الاسناد التحليلي ، وليس في الحديث إلاّإسناد واحد بحسب وحدة الجملة وهو إسناد الرفع إلى عنوان جامع بين جميع المذكورات ، وهو عنوان التسعة ، وحيث إنّ المفروض كون الاسناد إلى بعضه وهو الفعل مجازياً ، فلا محالة كان الاسناد إلى مجموع التسعة مجازياً ، إذ الاسناد الواحد إلى المجموع المركب - ممّا هو له ومن غير ما هو له - إسناد إلى غير ما هو له ، كما في قولنا : الماء والميزاب جاريان ، وعليه فاسناد الرفع إلى التسعة مجازي ولو على تقدير أن يكون المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو الحكم أو الأعم منه ، فلا يلزم أن يكون إسناد واحد حقيقياً ومجازياً.
الثالث : أنّ مفهوم الرفع يقتضي أن يكون متعلقه أمراً ثقيلاً ولا سيّما أنّ الحديث الشريف قد ورد في مقام الامتنان ، فلا بدّ من أن يكون المرفوع شيئاً ثقيلاً ليصح تعلّق الرفع به ، ويكون رفعه امتناناً على الامّة. ومن الظاهر أنّ الثقيل هو الفعل لا الحكم ، إذ الحكم فعل صادر من المولى فلا يعقل كونه ثقيلاً على المكلف ، وإنّما سمّي بالتكليف باعتبار جعل المكلف في كلفة الفعل أو الترك.
وبالجملة : الثقيل على المكلف هو فعل الواجب أو ترك الحرام ، لا مجرّد إنشاء الوجوب والحرمة الصادر من المولى ، وعليه فلا بدّ من أن يراد من الموصول في جميع الفقرات هو الفعل لا الحكم.
وفيه : أنّ الثقل وإن كان في متعلق التكليف لا في نفسه ، إلاّ أنّه صحّ إسناد
الرفع إلى السبب بلا عناية ، وصحّ أيضاً إسناده إلى الأثر المترتب عليه ، فصحّ أن يقال : رفع الالزام أو رفع المؤاخذة ، فلا مانع من إسناد الرفع إلى الحكم ، باعتبار كونه سبباً لوقوع المكلف في كلفة وثقل.
الرابع : أنّ الرفع والوضع متقابلان ويتواردان على مورد واحد ، ومن الظاهر أنّ متعلّق الوضع هو الفعل ، باعتبار أنّ التكليف عبارة عن وضع الفعل أو الترك على ذمّة المكلف في عالم الاعتبار والتشريع ، وعليه فيكون متعلق الرفع أيضاً هو الفعل لا الحكم.
وفيه : أنّه إنّما يتم فيما إذا كان ظرف الرفع أو الوضع ذمّة المكلف. وأمّا إذا كان ظرفهما الشرع كان متعلقهما هو الحكم ، وظاهر الحديث الشريف أنّ ظرف الرفع هو الاسلام بقرينة قوله صلىاللّهعليهوآله : «رفع عن امّتي» فانّه قرينة على أنّه رفع التسعة في الشريعة الاسلامية (1).
الخامس : أنّه لا إشكال في شمول الحديث للشبهات الموضوعية ، فاريد بالموصول فيما لا يعلمون الفعل يقيناً ، ولو اريد به الحكم أيضاً لزم استعماله في معنيين وهو غير جائز ، ولا أقل من كونه خلاف الظاهر.
وفيه أوّلاً : ما عرفت (2)من أنّ الموصول لم يستعمل في الفعل ولا في الحكم ، بل استعمل في معناه المبهم المرادف لمفهوم الشيء ، غاية الأمر أنّه ينطبق على الفعل مرّةً وعلى الحكم اخرى ، واختلاف المصاديق لا يوجب تعدّد المعنى
المستعمل فيه.
وثانياً : أنّ شمول الحديث للشبهات الموضوعية لا يقتضي إرادة الفعل من الموصول ، بل يكفي فيه إرادة الحكم منه ، باعتبار أنّ مفاده حينئذ أنّ الحكم المجهول مرفوع ، سواء كان سبب الجهل به عدم تمامية الحجّة عليه من قبل المولى - كما في الشبهات الحكمية - أو الامور الخارجية - كما في الشبهات الموضوعية -.
فتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : تمامية الاستدلال بالحديث الشريف على البراءة. وأمّا البحث عن معارضته بأخبار الاحتياط فسيأتي التعرّض له عند ذكر أدلة الاخباريين (1)إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ إنّه ينبغي التنبيه على امور كلّها راجعة إلى البحث عن فقه الحديث الشريف :
الأمر الأوّل : أنّه ربّما يستشكل في الحديث بأنّ الرفع ظاهر في إزالة الشيء الثابت قبالاً للدفع الذي هو عبارة عن منع المقتضي عن التأثير في وجود المقتضى. وبعبارة اخرى : الرفع عبارة عن إعدام الشيء الموجود ، والدفع عبارة عن المنع عن الايجاد ، وعليه فكيف صحّ استعمال الرفع في المقام ، مع عدم ثبوت تلك الأحكام في زمان.
وأجاب عنه المحقق النائيني (2)قدسسره بأ نّه لا فرق بين الرفع والدفع على ما هو التحقيق من أنّ الممكن كما يحتاج إلى المؤثر في حدوثه كذلك يحتاج إليه في بقائه ، وأنّ علّة الحدوث لا تكفي في البقاء بحيث يكون البقاء غنياً عن
المؤثر ، إذ الممكن لاينقلب إلى الواجب بعد حدوثه ، بل باقٍ على إمكانه ، والممكن محتاج إلى المؤثر دائماً ، وعليه فالرفع أيضاً يزاحم المقتضي في تأثيره في الأكون المتجددة ، وهذا هو الدفع. نعم ، على القول بكفاية علّة الحدوث في البقاء ، وأنّ المعلول في بقائه مستغن عن المؤثر ، كان الرفع مغايراً للدفع ، لكنّه باطل على ما ذكر في محلّه. هذا ملخص كلامه قدسسره.
وهو وإن كان صحيحاً في نفسه ، فانّ الممكن يحتاج إلى المؤثر حدوثاً وبقاءً على ما تقدّم تحقيقه في بحث الضد (1)، إلاّ أنّه بحث فلسفي لا ربط له بالمقام ، ولا يفيد في دفع الاشكال ، لأنّ احتياج الممكن إلى المؤثر حدوثاً وبقاءً ، وكون إعدام الشيء الموجود أيضاً منعاً عن تأثير المقتضي ، لا يستلزم اتحاد مفهوم الرفع والدفع لغة ، لامكان أن يكون الرفع موضوعاً لخصوص المنع عن تأثير المقتضي بقاءً ، بعد فرض وجود المقتضى وحدوثه ، والدفع موضوعاً للمنع عن التأثير حدوثاً. وبالجملة : ما ذكره بحث فلسفي لا ربط له بالبحث اللغوي ومفهوم اللفظ.
والتحقيق أن يجاب عن هذا الاشكال بأحد وجهين :
أحدهما : أن يقال : إنّ إطلاق الرفع في الحديث الشريف إنّما هو باعتبار ثبوت تلك الأحكام في الشرائع السابقة ولو بنحو الموجبة الجزئية ، ويستظهر ذلك من اختصاص الرفع في الحديث بالامّة.
ثانيهما : أن يكون إطلاق الرفع في الحديث بنحو من العناية ، باعتبار أنّه وإن وضع لازالة الشيء الموجود ، إلاّ أنّه صحّ استعماله فيما إذا تحقق المقتضي مع مقدّمات قريبة لوجود الشيء فزاحمه مانع عن التأثير ، مثلاً إذا تحقق المقتضي
1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 313
لقتل شخص ووقع تحت السيف ، فعفي عنه أو حدث مانع آخر عن قتله ، صحّ أن يقال عرفاً : ارتفع عنه القتل ، فيمكن أن يكون استعمال الرفع في الحديث الشريف من هذا القبيل.
الأمر الثاني : أنّ الرفع في الحديث قد تعلّق بامور تسعة ، ونسبة الرفع إلى هذه الامور وإن كانت واحدة بحسب الاسناد الكلامي ، إلاّ أنّها متعددة بحسب اللب والتحليل وتختلف باختلاف هذه الامور التسعة ، لأنّ الرفع بالنسبة إلى ما لايعلمون ظاهري لا واقعي ، وذلك لقرينة داخلية وقرينة خارجية تقدّم بيانهما (1)عند ذكر تقريب الاستدلال بالحديث الشريف ، فلا نعيد.
هذا كلّه في الشبهات الحكمية ، وكذا الحال في الشبهات الموضوعية ، فانّ جعل الحكم لموضوع مع اعتبار العلم به بحيث كان الحكم منتفياً واقعاً مع الجهل بالموضوع ، وإن كان بمكان من الامكان ، ولا يلزم منه محذور التصويب كما لزم في الشبهة الحكمية ، إلاّأنّ مقتضى إطلاقات الأدلة ثبوت الحكم مع العلم بالموضوع والجهل به. وعليه فكان رفع الحكم مع الجهل بالموضوع بمقتضى الحديث الشريف أيضاً رفعاً ظاهرياً ، كما في الشبهة الحكمية. وأمّا الرفع في بقيّة الفقرات فهو واقعي.
ويترتّب على هذا الفرق ثمرة مهمّة ، وهي أنّه إذا عثرنا على الدليل المثبت للتكليف بعد العمل بحديث الرفع ، يستكشف به ثبوت الحكم الواقعي من أوّل الأمر. مثلاً إذا شككنا في جزئية شيء أو شرطيته للصلاة ، وبنينا على عدمها لحديث الرفع ، ثمّ بان لنا الخلاف ودلّ دليل على الجزئية أو الشرطية ، لا يجوز الاكتفاء بالفاقد من ناحية حديث الرفع ، بل لا بدّ من التماس دليل آخر كحديث
1) في ص 298
لا تعاد (1)في خصوص الصلاة ، أو ثبوت الإجزاء في الأمر الظاهري ، وهذا بخلاف باقي الفقرات فانّ الرفع فيها واقعي ، فلو ارتفع الاضطرار أو الاكراه مثلاً تبدل الحكم من حين الارتفاع ، ويجزي المأتي به حال الاضطرار أو الاكراه.
الأمر الثالث : أنّه لا اختصاص لحديث الرفع بالأحكام التكليفية بل يعمّ الأحكام الوضعية ، كما لا اختصاص له بمتعلقات الأحكام ، بل يشمل الموضوعات أيضاً ، فانّ فعل المكلف كما يقع متعلقاً للتكليف قد يقع موضوعاً له كالافطار في نهار شهر رمضان ، فانّه متعلق للحرمة وموضوع لوجوب الكفارة أيضاً ، فإذا اضطرّ المكلف إليه أو اكره عليه ، لايترتّب عليه وجوب الكفّارة كما لاتتعلّق به الحرمة ، لكونه مرفوعاً في عالم التشريع.
نعم ، في طروء الاضطرار أو غيره من العناوين المذكورة في الحديث على متعلق التكليف تفصيل لا بدّ من التعرّض له ، وهو أنّ متعلق التكليف إن كان هو الكلّي الساري كما في المحرّمات المنحلة إلى أحكام عديدة بتعدد الأفراد ، فطروء أحد هذه العناوين على فرد من الطبيعة لا يوجب إلاّسقوط التكليف المتعلق بهذا الفرد ، فانّ الاضطرار إلى أكل حرام معيّن لا يوجب رفع الحرمة عن أكل غيره ، وكذا الاكراه على ارتكاب فرد من الحرام لا يوجب إلاّرفع الحرمة عنه دون غيره من أفراد الحرام ، وهذا ظاهر.
وأمّا إن كان متعلق التكليف هو الكلّي على نحو صرف الوجود كما في التكاليف الايجابية فطروء أحد هذه العناوين على فرد من ذلك الكلّي لا أثر له في ارتفاع الحكم أصلاً ، إذ ما طرأ عليه العنوان وهو الفرد لا حكم له على الفرض ، وما هو متعلق التكليف وهو الطبيعي لم يطرأ عليه العنوان ، فإذا اضطرّ
1) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4
المكلف إلى ترك الصلاة في جزء من الوقت ، لايسقط عنه وجوب طبيعي الصلاة المأمور بها في مجموع الوقت. نعم ، لو اضطرّ إلى ترك الصلاة في تمام الوقت أو في خصوص آخره فيما إذا لم يأت بها قبل ذلك ، كان التكليف ساقطاً لا محالة.
هذا كلّه في التكاليف الاستقلالية ، وكذا الحال في التكاليف الضمنية ، فلو اضطرّ المكلّف إلى ترك جزء أو شرط في فرد مع تمكنه منه في فرد آخر لا يرتفع به التكليف الضمني المتعلق بهذا الجزء أو الشرط ، لما تقدّم من أنّ متعلق التكليف - وهو الكلّي - لم يتعلق به الاضطرار ، فالاتيان بالناقص - مع التمكن من الاتيان بفردٍ تام من حيث الأجزاء والشرائط - لا يكون مجزئاً. نعم ، لو كان الاضطرار إلى ترك الجزء أو الشرط مستوعباً لتمام الوقت ، سقط التكليف المتعلق بالمركب المشتمل على المضطر إلى تركه لا محالة.
وهل يجب الاتيان بغير ما اضطرّ إلى تركه من الأجزاء والشرائط أم لا؟ ربّما يقال بالوجوب ، نظراً إلى أنّ المرفوع بحديث الرفع إنّما هو خصوص الأمر الضمني المتعلق بالمضطر إليه فيبقى الأمر المتعلق بغيره على حاله. وبعبارة اخرى : المرفوع إنّما هو خصوص جزئية المضطر إليه أو شرطيته وأمّا غيره فباقٍ بجزئيته أو شرطيته ، فلا موجب لرفع اليد عن وجوبه.
ولكن التحقيق عدم الوجوب إلاّبدليل من الخارج ، لأنّ الأمر الضمني تابع حدوثاً وبقاءً لأصل التكليف المتعلق بالمجموع ، كما أنّ الحكم الوضعي المنتزع من الحكم التكليفي كالجزئية والشرطية تابع لمنشأ الانتزاع ، وهو أصل التكليف المتعلق بالمجموع والمقيّد ، فإذا ارتفع التكليف بالمجموع للاضطرار كان التكليف ببقية الأجزاء والشرائط محتاجاً إلى دليل آخر. فإذا اضطرّ المكلف إلى ترك القراءة مثلاً في تمام الوقت ، كان التكليف بالصلاة مع القراءة ساقطاً لحديث الرفع ، ووجوب الصلاة بغير القراءة يحتاج إلى دليل آخر. ولا يكفيه حديث
الرفع ، إذ مفاده رفع التكليف المتعلق بالمجموع. وأمّا ثبوت التكليف لغيره الفاقد للقراءة ، فحديث الرفع أجنبي عنه ، فلا بدّ من التماس دليل آخر. نعم ، يمكن دعوى وجود الدليل في خصوص باب الصلاة من جهة أنّ الصلاة لا تسقط بحال على ما هو مستفاد من الروايات (1)، دون غيرها من العبادات.
إن قلت : إنّ من آثار الاخلال ببعض ما اعتبر في الواجب جزءاً أو شرطاً وجوب قضائه بعد الوقت ، فإذا تحقق الاخلال اضطراراً كان وجوب القضاء مرفوعاً بحديث الرفع لا محالة ، فيكون العمل معه صحيحاً ، إذ لا نعني بالصحّة إلاّ إسقاط القضاء ، فثبت كون العمل الفاقد للجزء أو الشرط اضطراراً صحيحاً وهو المدعى.
قلت : وجوب القضاء إنّما هو من آثار الفوت ، ولا يرتفع بالاضطرار أو الاكراه في الوقت على ما سيجيء الكلام فيه قريباً (2)إن شاء اللّه تعالى ، ومن هنا لم يشك أحد في وجوب القضاء فيما إذا اضطرّ إلى ترك الواجب في الوقت رأساً أو اكره عليه ، فمع الاخلال بالجزء أو الشرط للاضطرار أو الاكراه لايكون القضاء ساقطاً ليستكشف بسقوطه صحّة الفاقد.
إن قلت : إنّ ما ذكر من البيان جارٍ بالنسبة إلى ما لا يعلمون أيضاً ، فإذا لم يعلم المكلف بجزئية شيء أو شرطيته للصلاة مثلاً ارتفع التكليف المتعلق بالمجموع بحديث الرفع ، والتكليف المتعلق بالفاقد يحتاج إلى دليل.
قلت : كلاّ ، لأنّ المكلف يعلم إجمالاً بثبوت التكليف مردداً بين أن يكون متعلقاً بخصوص المتيقن من الأجزاء والشرائط ، وأن يكون متعلقاً بالزائد عليه ، فإذا ارتفع تعلّقه بالزائد تعبداً لحديث الرفع ، بقي عليه امتثال التكليف بالمتيقن ، ولا وجه لرفع اليد عن التكليف بالمعلوم برفع التكليف عن المشكوك فيه. وهذا بخلاف صورة الاضطرار إلى ترك الجزء أو الشرط أو الاكراه عليه ، إذ يحتمل فيها عدم التكليف رأساً ، وليس التكليف بالفاقد إلاّمجرد احتمال.
ثمّ إنّه لا يترتب على شمول حديث الرفع لمورد إلاّرفع التكليف أو الوضع الثابت في هذا المورد في نفسه ، فالاكراه على فعل محرّم في نفسه يرفع حرمته والاكراه على معاملة يرفع نفوذها وتأثيرها ، فلو فرض أنّ المكره عليه ممّا لا أثر له في نفسه ، فلا يشمله حديث الرفع ولا يترتب على شموله أثر ، فإذا اكره أحد على ترك بيع داره مثلاً ، لا يمكن الحكم بحصول النقل والانتقال ، إذ مفاد الحديث رفع الحكم التكليفي أو الوضعي عن المكره عليه ، لا إثبات حكم له.
وكذا الحال لو اكره على إيقاع معاملة فاسدة في نفسها ، فانّه لا يمكن الحكم بترتب الأثر على هذه المعاملة الفاسدة لحديث الرفع ، فانّه أيضاً يرجع إلى الاكراه على ترك المعاملة الصحيحة ، ولا أثر لترك المعاملة الصحيحة ليرفع بحديث الرفع.
وبعبارة اخرى واضحة : كل ما كان صحيحاً ونافذاً في نفسه من المعاملات يرتفع عنه حكمه وأثره إذا وقع مكرهاً عليه. وأمّا ما كان فاسداً في نفسه ، فلا يترتب عليه الحكم بالصحّة إذا وقع عن إكراه.
الأمر الرابع : أنّه لا يرفع بحديث الرفع الحكم الثابت للشيء بالعناوين المذكورة في نفس الحديث ، كوجوب سجدتي السهو المترتب على نسيان السجدة في الصلاة ، وكوجوب الدية المترتب على قتل الخطأ ، والسر في ذلك : أنّ مفاد
الحديث كون طروء هذه العناوين موجباً لارتفاع الحكم الثابت للشيء في نفسه ، فلا يشمل الحكم الثابت لنفس هذه العناوين ، إذ ما يكون موجباً لثبوت حكم لا يعقل أن يكون موجباً لارتفاعه. ولعل هذا واضح.
الأمر الخامس : أنّه يعتبر في شمول حديث الرفع أمران :
الأوّل : أن يكون الحكم مترتباً على فعل المكلف بما هو فعل المكلف ، فلا يرفع به مثل النجاسة المترتبة على عنوان الملاقاة ، فإذا لاقى جسم طاهر بدن الانسان المتنجس اضطراراً أو إكراهاً ، لايمكن الحكم بارتفاع تنجس هذا الجسم الملاقي لحديث الرفع ، لأنّ تنجس الملاقي لم يترتب على الملاقاة بما هو فعل المكلف ، بل هو مترتب على نفس الملاقاة وإن فرض تحققها بلا استناد إلى المكلف. فلا وجه لما أفاده المحقق النائيني قدسسره من أنّ ذلك خارج عن حديث الرفع بالاجماع (1). وكذا لا يرفع بحديث الرفع وجوب قضاء الفائت من المكلف اضطراراً أو إكراهاً ، لأنّ وجوب القضاء مترتب على عنوان الفوت بما هو فوت ، لا بما هو فعل للمكلف ، ولذا يجب القضاء فيما إذا لم يكن الفوت مستنداً إلى المكلف أصلاً.
الثاني : أن يكون في رفعه منّة على الامّة ، فلا يرتفع به ضمان الاتلاف المتحقق بالاضطرار أو الاكراه ، لأنّ رفعه خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك وإن كان فيه منّة على المتلف ، وكذا لا يرفع به صحّة بيع المضطر ، فانّ رفعها خلاف الامتنان.
الأمر السادس : لا خفاء في أنّ البراءة العقلية تختص بموارد الشك في التكاليف الالزامية ، ولا تجري في موارد الشك في التكاليف غير الالزامية ، لأنّ
1) [لم نعثر عليه في مظانه]
ملاكها قبح العقاب بلا بيان ، والتكليف غير الالزامي ممّا لا عقاب في مخالفة مقطوعه ، فكيف بمشكوكه.
وأمّا البراءة الشرعية ففي اختصاصها بموارد الشك في التكاليف الالزامية خلاف بينهم. والتحقيق أن يفصّل بين موارد الشك في التكاليف الاستقلالية ، وموارد الشك في التكاليف الضمنية ، ويلتزم بجريانها في الثانية دون الاولى ، والوجه في ذلك : أنّ المراد من الرفع في الحديث الشريف هو الرفع في مرحلة الظاهر عند الجهل بالواقع ، ومن لوازم رفع الحكم في مرحلة الظاهر عدم وجوب الاحتياط ، لتضاد الأحكام ولو في مرحلة الظاهر على ما تقدّم بيانه (1). وهذا المعنى غير متحقق في موارد الشك في التكاليف الاستقلالية ، إذ لو شككنا في استحباب شيء لا إشكال في استحباب الاحتياط ، فانكشف أنّ التكليف المحتمل غير مرفوع في مرحلة الظاهر ، فلا يكون مشمولاً لحديث الرفع. وأمّا التكاليف الضمنية فالأمر بالاحتياط عند الشك فيها وإن كان ثابتاً ، فيستحب الاحتياط باتيان ما يحتمل كونه جزءاً لمستحب ، إلاّأنّ اشتراط هذا المستحب به مجهول ، فلا مانع من الرجوع إلى حديث الرفع ، والحكم بعدم الاشتراط في مقام الظاهر.
وبعبارة اخرى : الوجوب التكليفي وإن لم يكن محتملاً في المقام ، إلاّأنّ الوجوب الشرطي - المترتب عليه عدم جواز الاتيان بالفاقد للشرط بداعي الأمر - مشكوك فيه ، فصحّ رفعه ظاهراً بحديث الرفع.
وممّا استدلّ به على البراءة قوله عليهالسلام : «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (2).
وتوهم اختصاصه بالشبهة الموضوعية - بقرينة السياق على ما تقدّم بيانه (1)عند الاستدلال بحديث الرفع - غير جارٍ هنا ، إذ لم يذكر فيه إلاّموصول واحد كما ترى.
وتوهم أنّ شموله للشبهة الحكمية والموضوعية مستلزم لاستعمال لفظ الموصول في معنيين ، مندفع بما تقدّم في الاستدلال بحديث الرفع (2)ولا حاجة إلى الاعادة.
وقد يستشكل هنا : بأنّ ظاهر إسناد الحجب إلى اللّه (سبحانه وتعالى) هي الأحكام التي لم يبيّنها اللّه تعالى لأجل التسهيل والتوسعة على الامّة ، أو لأجل مانع من البيان مع وجود المقتضي لها ، فيكون مفاد هذا الحديث هو مفاد قوله عليهالسلام : «اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه» (3). وبالجملة : ظاهر هذا النوع من الأخبار أنّ المصلحة الإلهية قد اقتضت إخفاء عدّة من الأحكام إلى زمان ظهور المهدي (عجّل اللّه فرجه) ولعل هذا المعنى هو المراد ممّا ورد في بعض الروايات من أنّه عليهالسلام يأتي بدين جديد (4). وعليه فلا يرتبط هذا الحديث بالمقام من الأحكام التي لم يحجب اللّه تعالى علمه عن العباد ، بل بيّنها بلسان نبيّه صلىاللّهعليهوآله وأخفاها الظالمون.
وهذا الاشكال أيضاً مدفوع بأنّ الموجب لخفاء الأحكام التي بيّنها اللّه تعالى بلسان رسوله صلىاللّهعليهوآله وأوصيائه عليهمالسلام وإن كان هو الظالمين ، إلاّ أنّه تعالى قادر على بيانها بأن يأمر المهدي عليهالسلام
بالظهور وبيان تلك الأحكام ، فحيث لم يأمره بالبيان لحكمة لا يعلمها إلاّهو ، صحّ إسناد الحجب إليه تعالى. هذا في الشبهات الحكمية. وكذا الحال في الشبهات الموضوعية ، فانّ اللّه تعالى قادر على إعطاء مقدّمات العلم الوجداني لعباده ، فمع عدم الاعطاء صحّ إسناد الحجب إليه تعالى ، فصحّ الاستدلال بهذا الحديث على البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية كحديث الرفع.
وممّا استدلّ به على البراءة روايات الحل ، وهي أربع على ما تفحّصناه عاجلاً :
الاولى : موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليهالسلام ، قال : «سمعته يقول : كل شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك ، قد اشتريته ولعلّه سرقة ، أو المملوك يكون عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك ولعلّها اختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة» (1).
الثانية : رواية عبداللّه بن سليمان ، قال : «سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الجبن - إلى أن قال - سأخبرك عن الجبن وغيره ، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه من قبل نفسك» (2).
الثالثة : رواية معاوية بن عمار (3)، وهي متحدة مع الرواية الثانية من حيث المضمون ، بل من حيث الألفاظ إلاّاليسير ، فراجع الجوامع. ويحتمل أن تكونا رواية واحدة ، فانّ عبداللّه بن سليمان رواها عن أبي جعفر عليهالسلام ومعاوية
بن عمار رواها عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليهالسلام ، فيحتمل أن يكون المراد من بعض أصحابنا في كلام معاوية بن عمار هو عبداللّه بن سليمان ، فتكونان رواية واحدة.
الرابعة : رواية عبداللّه بن سنان عن الصادق عليهالسلام : «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال ، حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (1).
هذه هي الروايات الواردة في الباب ، وقد استدلّ شيخنا الأنصاري (2)قدسسره على البراءة في الشبهة الحكمية برواية عبداللّه بن سليمان ورواية عبداللّه بن سنان ولم يستدل عليها بموثقة مسعدة بن صدقة ، ولعل الوجه في عدم استدلاله بها اشتمالها على جملة من أمثلة الشبهة المصداقية فرأى اختصاصها بها ولم يستدل بها على البراءة في الشبهة الحكمية. وعكس الأمر صاحب الكفاية قدسسره (3)فتمسّك للبراءة في الشبهة الحكمية بموثقة مسعدة بن صدقة ، ولم يستدل بالروايتين. ولعل الوجه في عدم استدلاله بهما ظهور قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام» فيهما في فعلية الانقسام إلى القسمين المختصّة بالشبهات الموضوعية ، إذ لا معنى لانقسام الشيء المجهول حرمته وحلّيته إلى القسمين كما هو واضح.
هذا ، والتحقيق عدم صحّة الاستدلال بشيء من هذه الروايات على البراءة في الشبهات الحكمية التي هي محل الكلام ، إذ فيها قرائن تقتضي اختصاصها بالشبهات الموضوعية ، وهذه القرائن بعضها مشترك بين موثقة مسعدة بن صدقة وغيرها ، وبعضها مختص بالموثقة ، وبعضها مختص بغيرها.
أمّا القرينة المشتركة : فهي قوله عليهالسلام : «بعينه» فانّه ظاهر في الاختصاص بالشبهة الموضوعية ، وذلك لأنّ حمل هذه الكلمة على التأكيد - بأن يكون المراد منها تأكيد النسبة والاهتمام بالعلم بالحرمة - خلاف الظاهر ، إذ الظاهر أن يكون احترازاً عن العلم بالحرام لا بعينه ، ولا ينطبق ذلك إلاّعلى الشبهة الموضوعية ، إذ لا يتصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية ، فانّه مع الشك في حرمة شيء وحلّيته لا علم لنا بالحرام لا بعينه.
وبعبارة اخرى : العناوين الكلّية إمّا أن تكون معلومة الحرمة أو لا تكون كذلك. فعلى الأوّل تكون معلومة الحرمة بعينها ، وعلى الثاني لا علم بالحرمة أصلاً. نعم ، يتصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية مع العلم الاجمالي بالحرمة ، ومن الظاهر أنّ هذه الأحاديث لاتشمل أطراف العلم الاجمالي بالحرمة ، إذ جعل الترخيص في الطرفين مع العلم بحرمة أحدهما إجمالاً ممّا لا يمكن الجمع بينهما ثبوتاً ويتناقضان ، على ما سنتكلّم فيه في مبحث الاشتغال (1)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا الشبهة الموضوعية : فلا ينفك الشك فيها عن العلم بالحرام لا بعينه ، فانّا إذا شككنا في كون مائع موجود في الخارج خمراً ، كان الحرام معلوماً لا بعينه ، إذ نعلم إجمالاً بوجود الخمر في الخارج المحتمل انطباقه على هذا المائع فيكون الحرام معلوماً لا بعينه ، ولكن هذا العلم لا يوجب التنجيز لعدم حصر أطرافه ، وعدم كون جميعها في محل الابتلاء ، فما ابتلي به من أطرافه محكوم بالحلية ما لم يعلم أنّه حرام بعينه.
أمّا القرينة المختصّة بالموثقة فهي أمران : الأوّل : كون الأمثلة المذكورة فيها
1) راجع ص 404 - 405
من قبيل الشبهة الموضوعية ، فهي قرينة على اختصاص الموثقة بالشبهة الموضوعية. ولا أقل من احتمال القرينية ، فلا ينعقد لها ظهور في الشمول للشبهات الحكمية. الثاني : قوله عليهالسلام : «أو تقوم به البيّنة» ، بناءً على أنّ المراد منها هي البيّنة المصطلحة وهي إخبار العدلين ، فانّ اعتبار البيّنة المصطلحة إنّما هو في الموضوعات ، وأمّا الأحكام فيكفي فيها خبر الواحد ، فقوله عليهالسلام : «أو تقوم به البيّنة» قرينة أو صالح للقرينية على إرادة خصوص الشبهة الموضوعية ، فيكون المراد أنّ الأشياء الخارجية كلّها على الاباحة حتّى تظهر حرمتها بالعلم الوجداني أو تقوم بها البيّنة. ولا بدّ حينئذ من الالتزام بتخصيص هذا العموم بعدّة امور قد ثبت من الخارج ارتفاع الحلية بها ، كالاقرار وحكم الحاكم والاستصحاب. وأمّا بناءً على أنّ المراد من البيّنة هو معناها اللغوي أي ما يتبين به الشيء ، فيكون المراد منها مطلق الدليل ، كما قوّيناه أخيراً. وهذا المعنى هو المراد في الآيات والروايات ، كقوله تعالى : «أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» (1)فلا قرينية لقوله عليهالسلام : «أو تقوم به البيّنة» على إرادة خصوص الشبهات الموضوعية ، إذ المراد حينئذ أنّ الأشياء كلّها على الاباحة حتّى تستبين أي تتفحّص وتستكشف أنت حرمتها ، أو تظهر حرمتها بقيام دليل من الخارج بلا تفحص واستكشاف ، ولا يلزم تخصيص في الموثقة على هذا المعنى ، لأنّ البيّنة المصطلحة والاقرار وحكم الحاكم والاستصحاب وغيرها من الأدلة كلّها داخل في البيّنة بهذا المعنى.
هذا كلّه على تقدير تسليم دلالة الموثقة على أصالة الاباحة في مشكوك الحرمة ، ويمكن أن يقال : إنّها أجنبية عنها بالكلّية ، لأنّ الأمثلة المذكورة فيها كلّها من قبيل الشبهة الموضوعية ، وليست الحلية في شيء منها مستندة إلى
1) هود 11 : 28
أصالة البراءة وأصالة الحل ، فانّها في الثوب والعبد مستندة إلى اليد ، وهي من الأمارات ، وفي المرأة مستندة إلى الاستصحاب ، أي أصالة عدم تحقق الرضاع بينهما ، فانّه أمر حادث مسبوق بالعدم. هذا عند احتمال كونها اختاً له من الرضاعة ، وكذا الحال عند احتمال كونها اختاً له من النسب ، فانّ مقتضى الأصل عدم كونها اختاً له بناءً على ما قوّيناه في محلّه (1)من جريان الأصل في الأعدام الأزلية ، وعليه فلا يخلو الأمر في قوله عليهالسلام : «كل شيء حلال» من أوجه ثلاثة :
1 - أن يكون المراد منه هو خصوص الحلية المستندة إلى دليل غير أصالة الاباحة ، مثل اليد والاستصحاب ونحوهما كما تقدّم.
2 - أن يكون المراد منه خصوص الحلية المجعولة للشاك المعبّر عنها بأصالة الاباحة.
3 - أن يكون المراد منه معناها اللغوي ، وهو الارسال وعدم التقييد في مقابل المنع والحرمان ، وهو أعم من الحلية المستفادة من الدليل والحلية المستندة إلى أصالة الحل ، ودلالة الموثقة على أصالة الحل متوقفة على ظهورها في الاحتمال الثاني أو الثالث ، وهو غير ثابت ولا سيّما الاحتمال الثاني فانّه خلاف الظاهر ، إذ عليه يكون ذكر الأمثلة من باب التنظير ، وظاهر الكلام وسوق العبارة أنّ ذكر الأمثلة إنّما هو من باب انطباق الكبرى على الصغريات ، لا من باب التنظير.
وأمّا القرينة المختصّة بغير الموثقة : فهي قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام» فانّه ظاهر في الانقسام الفعلي ، بمعنى أن يكون قسم منه حلالاً وقسم
1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 360
منه حراماً ، ولم يعلم أنّ المشكوك فيه من القسم الحلال أو من القسم الحرام ، كالمائع المشكوك في كونه خلاًّ أو خمراً ، وذلك لايتصوّر إلاّفي الشبهات الموضوعية كما مثّلنا ، إذ لا تكون القسمة الفعلية في الشبهات الحكمية ، وإنّما تكون القسمة فيها فرضية إمكانية ، بمعنى احتمال الحرمة والحلية ، فانّا إذا شككنا في حلية شرب التتن مثلاً ، كان هناك احتمال الحرمة والحلية ، وليس له قسمان يكون أحدهما حلالاً والآخر حراماً وقد شكّ في فرد أنّه من القسم الحلال أو من القسم الحرام.
ويؤكّد ما ذكرناه : ذكر الحرام معرفاً باللام في قوله عليهالسلام : «حتّى تعرف الحرام منه بعينه» فانّه إشارة إلى الحرام المذكور قبل ذلك الذي قسم الشي إليه وإلى الحلال في قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام».
وقد يتوهّم : أنّ اشتمال هذه الروايات على التقسيم غير مانع عن شمولها للشبهات الحكمية ، إذ يمكن تصوّر الانقسام الفعلي فيها أيضاً ، كما إذا علمنا بحلية لحم نوع من الطير كالدراج مثلاً ، وعلمنا بحرمة لحم نوع آخر منه كالغراب مثلاً ، وشككنا في حلية لحم نوع ثالث من الطير ، فيحكم بحلية المشكوك فيه ما لم يعلم أنّه حرام بمقتضى هذه الروايات ، إذ يصدق عليه أنّ فيه حلالاً وحراماً.
وهذا التوهم فاسد ، لأنّ الظاهر من قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام» أنّ منشأ الشك في الحلية والحرمة هو نفس انقسام الشيء إلى الحلال والحرام ، وهذا لا ينطبق على الشبهة الحكمية ، فانّ الشك في حلية بعض أنواع الطير - في مفروض المثال - ليس ناشئاً من انقسام الطير إلى الحلال والحرام ، بل هذا النوع مشكوك فيه من حيث الحلية والحرمة ، ولو على تقدير حرمة جميع بقية الأنواع أو حليتها. وهذا بخلاف الشبهة الموضوعية ، فانّ الشك في حلية مائع موجود في الخارج ناشئ من انقسام المائع إلى الحلال والحرام ، إذ لو كان المائع
بجميع أقسامه حلالاً أو بجميع أقسامه حراماً لما شككنا في هذا المائع الموجود في الخارج من حيث الحلية والحرمة ، فحيث كان المائع منقسماً إلى قسمين : قسم منه حلال كالخل ، وقسم منه حرام كالخمر ، فشككنا في حلية هذا المائع الموجود في الخارج لاحتمال أن يكون خلاًّ ، فيكون من القسم الحلال ، وأن يكون خمراً فيكون من القسم الحرام.
ثمّ إنّ المحقق النائيني (1)قدسسره ذكر أنّ الشيئية تساوق الوجود ، فظاهر لفظ الشيء هو الموجود الخارجي ، وحيث إنّ الموجود الخارجي لايمكن انقسامه إلى الحلال والحرام ، فلا محالة يكون المراد من التقسيم الترديد ، فيكون المراد من قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام» هو احتمال الحلية والحرمة ، فيشمل الشبهة الحكمية أيضاً ، لأنّ احتمال الحلية والحرمة في الموجود الخارجي كما يمكن أن يكون ناشئاً من عدم العلم بأنّ هذا الشيء من القسم الحلال أو من القسم الحرام ، فتكون الشبهة موضوعية ، كذلك يمكن أن يكون ناشئاً من عدم العلم بحكم نوع هذا الشيء ، فتكون الشبهة حكمية.
وفيه أوّلاً : أنّ لفظ الشيء موضوع للمفهوم المبهم العام لا للموجود الخارجي ، ولذا يستعمل في المعدومات ، بل في المستحيلات ، فيقال : هذا شي معدوم أو لم يوجد ، وهذا شيء مستحيل أو محال.
وثانياً : أنّه على تقدير التنزل وتسليم أنّ المراد منه الموجود الخارجي نلتزم بالاستخدام في الضمير في قوله عليهالسلام : «فيه حلال وحرام» ، فيكون المراد أنّ كل موجود خارجي في نوعه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه. والقرينة على هذا الاستخدام هو نفس التقسيم باعتبار أنّ
1) أجود التقريرات 3 : 323
الموجود الخارجي غير قابل للتقسيم ، فلا محالة يكون المراد انقسام نوعه ، فتكون الرواية مختصّة بالشبهات الموضوعية.
ومن جملة الروايات التي استدلّ بها على البراءة قوله صلىاللّهعليهوآله : «الناس في سعة ما لا يعلمون» (1)والاستدلال به مبني على أنّ كلمة «ما» موصولة وقد اضيفت إليها كلمة «سعة» ، فيكون المعنى أنّ الناس في سعةٍ من الحكم المجهول ، فمفاده هو مفاد حديث الرفع ، ويكون حينئذ معارضاً لأدلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها. وأمّا إن كانت كلمة «ما» مصدرية زمانية ، فلا يصحّ الاستدلال به على المقام ، إذ المعنى حينئذ أنّ الناس في سعة ما داموا لم يعلموا ، فمفاد الحديث هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وتكون أدلة وجوب الاحتياط حاكمة عليه ، لأنّها بيان.
والظاهر هو الاحتمال الأوّل ، لأنّ كلمة «ما» الزمانية - حسب الاستقراء - لا تدخل على الفعل المضارع ، وإنّما تدخل على الفعل الماضي لفظاً ومعنىً أو معنىً فقط. ولو سلّم دخولها على المضارع أحياناً لا ريب في شذوذه فلا تحمل عليه إلاّمع القرينة. نعم ، لو كان المضارع مدخولاً لكلمة «لم» (2)، لكان للاحتمال المذكور وجه ، باعتبار كون الفعل ماضياً بحسب المعنى ، فالصحيح دلالة الحديث على البراءة. وباطلاقه يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية.
وظهر بما ذكرناه : أنّ ما أفاده المحقق النائيني قدسسره - من ترجيح الاحتمال الثاني وعدم دلالة الحديث على البراءة (3)- خلاف التحقيق. ولكنّ
الذي يسهّل الأمر أنّ الحديث مرسل لا يصحّ الاعتماد عليه ، بل لم يوجد في كتب الأخبار أصلاً. نعم ، في حديث السفرة المطروحة في الفلاة وفيها اللحم أمر الإمام عليهالسلام بأن يقوّم اللحم ويؤكل ، فقال الراوي إنّه لا يدري أمالكه مسلم أو كافر ، ولعلّ اللحم من غير مذكى ، قال عليهالسلام : «هم في سعةٍ حتّى يعلموا» (1)ومورد هذه الرواية خصوص اللحم ، وحكمه عليهالسلام بالاباحة إنّما هو من جهة كونه في أرض المسلمين فهي أمارة على التذكية ، وإلاّ كان مقتضى أصالة عدم التذكية حرمة أكله. وبالجملة : مورد هذه الرواية هي الشبهة الموضوعية القائمة فيها الأمارة على الحلية ، فهي أجنبية عن المقام.
ومن جملة الروايات التي استدلّ بها للمقام قوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (2)وهذه الرواية وإن كانت مختصّة بالشبهة التحريمية ، إلاّ أنّه لابأس بالاستدلال بها من هذه الجهة ، فانّ عمدة الخلاف بين الاصوليين والأخباريين إنّما هي في الشبهة التحريمية. وأمّا الشبهة الوجوبية فوافق الأخباريون الاصوليين في عدم وجوب الاحتياط فيها ، إلاّالقليل منهم كالمحدِّث الاسترابادي (3)، فانّه المتفرد من بين الأخباريين بوجوب الاحتياط فيها أيضاً ، بل اختصاص هذه الرواية بالشبهة التحريمية موجب لرجحانها على سائر روايات البراءة ، باعتبار أنّها أخص من أخبار الاحتياط ، فلا ينبغي الشك في تقدّمها عليها. ولذا ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره (4)أنّها أظهر روايات الباب.
ولكن صاحب الكفاية قدسسره والمحقق النائيني قدسسره لم يرتضيا
الاستدلال بها للمقام ، وذكر كل منهما وجهاً لذلك غير ما ذكره الآخر. أمّا صاحب الكفاية قدسسره (1)فذكر أنّه يحتمل أن يكون المراد من الورود الذي جعل غاية للاطلاق هو صدور الحكم من المولى وجعله ، لا وصوله إلى المكلف ، فيكون مفاد الرواية أنّ كل شيء لم يصدر فيه نهي ولم تجعل فيه الحرمة فهو مطلق. وهذا خارج عن محل الكلام ، فانّ الكلام فيما إذا شكّ في صدور النهي من المولى وعدمه ، فيكون التمسك فيه بالرواية من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وفيه : أنّ الورود وإن صحّ استعماله في الصدور ، إلاّأنّ المراد به في الرواية هو الوصول ، إذ على تقدير أن يكون المراد منه الصدور لا مناص من أن يكون المراد من الاطلاق في قوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق» هو الاباحة الواقعية ، فيكون المعنى أنّ كل شيء مباح واقعاً ما لم يصدر النهي عنه من المولى ، ولا يصح أن يكون المراد من الاطلاق هي الاباحة الظاهرية ، إذ لايصح جعل صدور النهي من الشارع غايةً للاباحة الظاهرية ، فانّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك وعدم وصول الحكم الواقعي إلى المكلف ، فلا تكون الاباحة الظاهرية مرتفعة بمجرد صدور النهي من الشارع ولو مع عدم الوصول إلى المكلف ، بل هي مرتفعة بوصوله إلى المكلف ، فلا مناص من أن يكون المراد هي الاباحة الواقعية ، وحينئذ فامّا أن يراد من الاطلاق الاباحة في جميع الأزمنة أو الاباحة في خصوص عصر النبي صلىاللّهعليهوآله لا سبيل إلى الأوّل ، إذ مفاد الرواية على هذا أنّ كل شيء مباح واقعاً حتّى يصدر النهي عنه من الشارع. وهذا المعنى من الوضوح بمكان كان بيانه لغواً لا يصدر من الإمام عليهالسلام فانّه من جعل أحد الضدّين غايةً للآخر ، ويكون من قبيل أن
1) كفاية الاصول : 342
يقال : كل جسم ساكن حتّى يتحرك. وكذا المعنى الثاني ، فانّه وإن كان صحيحاً في نفسه ، إذ مفاد الرواية حينئذ : أنّ الناس غير مكلفين بالسؤال عن حرمة شيء ووجوبه في زمانه صلىاللّهعليهوآله بل هو صلىاللّهعليهوآله يبيّن الحرام والواجب لهم ، والناس في سعةٍ ما لم يصدر النهي منه صلىاللّهعليهوآله ولذا ورد في عدّة من الروايات المنع عن السؤال :
منها : ما ورد في الحج من أنّه صلىاللّهعليهوآله سئل عن وجوبه في كل سنة وعدمه فقال صلىاللّهعليهوآله : «ما يؤمنك أن أقول نعم ، فإذا قلت نعم يجب ...» (1).
وفي بعضها : «أنّ بني إسرائيل هلكوا من كثرة سؤالهم» (2)، فمفاد الرواية أنّ الناس ليس عليهم السؤال عن الحرام في عصر النبي صلىاللّهعليهوآله بل كل شيء مطلق ومباح ما لم يصدر النهي عنه من الشارع ، بخلاف غيره من الأزمنة ، فانّ الأحكام قد صدرت منه صلىاللّهعليهوآله فيجب على المكلفين السؤال والتعلم ، كما ورد في عدّة من الروايات (3)فاتّضح الفرق بين عصر النبي صلىاللّهعليهوآله وغيره من العصور من هذه الجهة.
إلاّأنّ هذا المعنى خلاف ظاهر الرواية ، فان ظاهر قوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق» هو الاطلاق الفعلي والاباحة الفعلية ، بلا تقييد بزمان دون زمان ، لا الاخبار عن الاطلاق في زمان النبي صلىاللّهعليهوآله وأنّ كل شيء كان مطلقاً في زمانه ما لم يرد النهي عنه ، فتعيّن أن يكون المراد من الاطلاق هي
الاباحة الظاهرية لا الواقعية. وعليه فلا مناص من أن يكون المراد من الورود هو الوصول ، لأنّ صدور الحكم بالحرمة واقعاً لا يكون رافعاً للاباحة الظاهرية ما لم تصل إلى المكلف ، كما هو ظاهر ، فنفس كلمة «مطلق» في قوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق» قرينة على أنّ المراد من الورود هو الوصول.
وأمّا المحقق النائيني قدسسره (1)فذكر أنّ مفاد هذه الرواية هو اللاّحرجية العقلية الأصلية قبل ورود الشرع والشريعة ، فهي أجنبية عن محل الكلام وهو إثبات الاباحة الظاهرية لما شكّ في حرمته بعد ورود الشرع وقد حكم فيه بحرمة أشياء وحلية غيرها.
هذا ، وفيه من البعد ما لا يخفى ، لأنّ بيان الاطلاق الثابت عقلاً قبل ورود الشرع لغو لا يصدر من الإمام عليهالسلام ، إذ لا تترتب عليه ثمرة وفائدة فلا يمكن حمل الرواية عليه ، مضافاً إلى أنّ ظاهر الكلام الصادر من الشارع أو ممّن هو بمنزلته كالإمام عليهالسلام المتصدي لبيان الأحكام الشرعية هو بيان الحكم الشرعي المولوي لا الحكم العقلي الارشادي.
فتحصّل : أنّ الصحيح ما ذكره الشيخ قدسسره من دلالة الرواية على البراءة ، وإطلاقها يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية ، باعتبار أنّ مفادها الحكم بحلية الشيء المشكوك في حرمته ، سواء كان منشأ الشك عدم تمامية البيان من قبل المولى كما في الشبهات الحكمية ، أو الامور الخارجية كما في الشبهات الموضوعية.
الثالث من الوجوه التي استدلّ بها على البراءة : هو الاجماع ، وتقريبه بوجوه ثلاثة :
1) اجود التقريرات 3. 317. فوائد الاصول 3. 363
الأوّل : دعوى اتفاق الاصوليين والأخباريين على قبح العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل إلى المكلف بنفسه ولا بطريقه.
وفيه أوّلاً : أنّ هذا الاتفاق وإن كان ثابتاً ، إلاّ أنّه على أمر عقلي لا على أمر شرعي فرعي كي يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام.
وثانياً : أنّ هذا الاتفاق إنّما هو على الكبرى ، ولا تترتب عليه ثمرة مع عدم ثبوت الصغرى ، ولا اتفاق عليها ، فانّ الأخباريين يدّعون عدم تحققها وأنّ الأحكام المجهولة واصلة إلى المكلفين بطريقها ، إمّا مطلقاً كما ادّعاه المحدِّث الاسترابادي (1)، وإمّا في خصوص الشبهة التحريمية كما عليه المشهور منهم ، للروايات الدالة على الاحتياط والتوقف على ما سيجيء التعرّض لها (2)إن شاء اللّه تعالى.
الثاني : دعوى الاتفاق على أنّ الحكم الشرعي المجعول في موارد الجهل بالأحكام الواقعية وعدم وصولها بنفسها ولا بطريقها هو الاباحة والترخيص.
وفيه : ما ذكرناه في سابقه ثانياً من أنّ الاتفاق على الكبرى لا يفيد مع عدم إحراز الصغرى ، ولا اتفاق عليها على ما سيجيء وتقدّمت الاشارة إليه.
الثالث : دعوى الاتفاق على أنّ الحكم الظاهري المجعول في موارد الجهل بالأحكام الواقعية وعدم وصولها بنفسها هو الاباحة والترخيص ، وهذا الاتفاق لو ثبت لأفاد ، ولكنّه غير ثابت ، كيف وقد ذهب الأخباريون وهم الأجلاء من العلماء إلى أنّ الحكم الظاهري هو وجوب الاحتياط.
الرابع من الوجوه التي استدلّ بها على البراءة : هو حكم العقل بقبح العقاب
بلا بيان. وتحقيق الحال في هذا الاستدلال يقتضي التكلم في جهات ثلاث :
الجهة الاولى : في تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعدمها في نفسها.
الجهة الثانية : في ملاحظتها مع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.
الجهة الثالثة : في لحاظها مع أدلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها.
أمّا الجهة الاولى : فلا ينبغي الشك في تمامية قبح العقاب بلا بيان على القول بالتحسين والتقبيح العقليين كما عليه العدلية والمعتزلة ، فانّه من الواضح أنّ الانبعاث نحو عمل أو الانزجار عنه إنّما هو من آثار التكليف الواصل ، وما يكون محرّكاً للعبد نحو عمل أو زاجراً له عنه إنّما هو العلم بالتكليف لا وجوده الواقعي ، فإذا لم يكن التكليف واصلاً إلى العبد كان العقاب على مخالفته قبيحاً عقلاً ، إذ فوت غرض المولى ليس مستنداً إلى تقصير من العبد ، بل إلى عدم تمامية البيان من قبل المولى ، فنفس قاعدة قبح العقاب بلا بيان تامّة بلا شبهة وإشكال ، ومسلّمة عند الاصولي والأخباري.
وأمّا الجهة الثانية : فالمشهور بينهم - كما ذكره صاحب الكفاية قدسسره (1)- أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، إذ مع حكم العقل بقبح العقاب مع عدم وصول التكليف إلى العبد لا يبقى احتمال الضرر ليجب دفعه بحكم العقل.
وأشكل عليه : بامكان العكس ، بأن تكون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل رافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، إذ مع حكم العقل بوجوب التحفظ على الحكم الواقعي حذراً من الوقوع في الضرر المحتمل ، كان هذا بياناً ، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها ، وهو عدم البيان.
1) كفاية الاصول : 343
وبالجملة : كل من القاعدتين كبروي لا يتكفل لاحراز موضوعه ، بل لا بدّ من إحرازه من الخارج لا من نفس القاعدة كما هو واضح ، وكل منهما صالح لرفع موضوع الآخر ، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
هذا ، والتحقيق في الجواب عن الاشكال يقتضي تقديم مقدّمة : وهي أنّ التعارض والتنافي لا يتصور إلاّبين دليلين ظنيين من جهة ، فقد يكون التنافي بين ظهورين مع كون السند في كل منهما قطعياً ، وقد يكون بين نصّين صريحين فيما إذا كان السند ظنّياً فيهما. وأمّا الدليلان القطعيان سنداً ودلالةً وجهةً فيستحيل وقوع المعارضة بينهما ، لاستلزامه التناقض المستحيل تحققه ، فلا محالة يكون أحد الدليلين وارداً أو حاكماً على الآخر. وظهر من ذلك استحالة وقوع المعارضة بين حكمين عقليين ، لاستلزامه حكم العقل بثبوت المتناقضين ، ففي المقام لا يعقل المعارضة بين القاعدتين ، فانّه مستلزم لحكم العقل باستحقاق العقاب وبعدمه في مورد واحد ، وهو محال. وإن شئت قلت : إنّ القطع بعدم استحقاق العقاب لا يجتمع مع احتماله.
إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول : إنّ الضرر المحتمل الذي يجب دفعه بحكم العقل إمّا أن يراد به الضرر الاخروي أي العقاب ، أو الضرر الدنيوي ، أو المفسدة المقتضية لجعل الحرمة.
فإن كان المراد به العقاب فامّا أن يكون وجوب دفعه غيرياً أو نفسياً أو طريقياً أو إرشادياً ، ولا يتصور له خامس. أمّا الوجوب الغيري فهو غير محتمل في المقام ، إذ الوجوب الغيري هو الذي يترشح من وجوب نفسي عند توقف واجب على شيء آخر ، وليس في المقام واجب متوقف على دفع العقاب الاخروي ليترشح الوجوب منه إليه ، لا في فرض تحقق الحكم واقعاً ولا في فرض عدمه. أمّا في فرض تحققه فلأ نّه ليس هناك إلاّتكليف واحد وليس
متوقفاً على دفع العقاب بل دفع العقاب يحصل بامتثاله وهو من آثاره العقلية.
وأمّا في فرض عدم تحققه ، فالتوقف منتفٍ بانتفاء موضوعه كما هو ظاهر.
وأمّا الوجوب النفسي فهو أيضاً غير صحيح في المقام ، إذ على تقدير الوجوب النفسي يكون العقاب على مخالفة نفسه لا على مخالفة التكليف الواقعي المجهول ، فلا يكون وجوب دفع الضرر المحتمل بياناً للتكليف الواقعي ، فإذن يكون التكليف الواقعي غير واصل إلى المكلف لا بنفسه ولا بطريقه ، فتجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلا مانع. وبها يرفع موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل. هذا ، مضافاً إلى أنّ الوجوب النفسي يستلزم تعدد العقاب عند مصادفة احتمال التكليف للواقع ، ولا يمكن الالتزام به ، فانّ احتمال التكليف لا يزيد على القطع به ، ولا تعدد للعقاب مع القطع بالتكليف ، فكيف مع احتماله.
وأمّا الوجوب الطريقي فهو أيضاً غير معقول في المقام ، إذ الوجوب الطريقي هو الذي يترتب عليه احتمال العقاب ويكون منشأً له ، لأنّ احتمال التكليف الواقعي لا يستلزم احتمال العقاب إلاّمع تنجز التكليف ووصوله إلى المكلف بنفسه أو بطريقه ، فمع عدم تنجّز التكليف وعدم وصوله بنفسه ولا بطريقه ليس هناك احتمال للعقاب أصلاً. وأمّا القطع بالعقاب فغير موجود حتّى في مخالفة التكليف المنجّز الواصل لاحتمال العفو والشفاعة. ففي موارد جعل الوجوب الطريقي كان التكليف على تقدير تحققه واقعاً واصلاً إلى المكلف بطريقه ومنجّزاً ، فاستحقّ العقاب على مخالفته. ومنشأ الاستحقاق هو الوجوب الطريقي ، كوجوب الاحتياط الشرعي الثابت في موارده ، وكوجوب العمل بالاستصحاب المثبت للتكليف مع العلم بالحالة السابقة. فاتّضح أنّ الوجوب الطريقي هو المنشأ لاحتمال العقاب ولولاه لما كان العقاب محتملاً ، فكيف يمكن
الالتزام بأنّ وجوب دفع الضرر المحتمل طريقي ، إذ قد عرفت أنّ الوجوب الطريقي هو المنشأ لاحتمال العقاب ، فلا مناص من أن يكون الوجوب في رتبة سابقة على احتمال العقاب ، مع أنّ احتمال العقاب مأخوذ في موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل ، فلا بدّ من تقدّمه عليه تقدّم الموضوع على الحكم ، وهذا هو الدور الواضح.
وبعبارة اخرى : إن احتمل العقاب مع قطع النظر عن وجوب دفع الضرر المحتمل ، فجعل وجوب دفع الضرر المحتمل لغو ، إذ الأثر المترتب عليه هو احتمال العقاب المتحقق مع قطع النظر عنه على الفرض ، وإن لم يحتمل العقاب فيكون وجوب دفع الضرر المحتمل منتفياً بانتفاء موضوعه. فتعيّن أن يكون وجوب دفع الضرر المحتمل إرشادياً بمعنى أنّ العقل يحكم ويرشد إلى تحصيل المؤمّن من عقاب مخالفة التكليف الواقعي على تقدير تحققه. والفرق بينه وبين الوجوب الطريقي أنّ الوجوب الطريقي هو المنشأ لاحتمال العقاب ، ولولاه لما كان العقاب محتملاً على ما تقدّم بيانه ، بخلاف الوجوب الارشادي فانّه في رتبة لاحقة عن احتمال العقاب ، إذ لولا احتمال العقاب لما كان هناك ارشاد من العقل إلى تحصيل الأمن منه.
وبذلك ظهر أنّ مورد كل من القاعدتين مغاير لمورد الآخر ، ولا تنافي بينهما ، لعدم اجتماعهما في مورد واحد أبداً ، فان احتمل العقاب مع قطع النظر عن وجوب دفع الضرر المحتمل - بأن كان التكليف المحتمل منجّزاً على تقدير ثبوته واقعاً ، كما في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي والشبهة الحكمية قبل الفحص - كان مورداً لحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل إرشاداً إلى تحصيل المؤمّن ، ولا مجال فيه لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وإن لم يحتمل العقاب مع قطع النظر عن وجوب دفع الضرر المحتمل مع احتمال التكليف - فانّ احتمال التكليف لا يستلزم احتمال العقاب ، كما في الشبهة الحكمية بعد الفحص فيما إذا لم يكن
هناك منجّز خارجي من علم إجمالي أو إيجاب احتياط أو غيرهما - كان مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ولا مجال فيه لجريان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل على ما تقدّم بيانه. وبعبارة اخرى واضحة : مورد وجوب دفع الضرر المحتمل فرض وصول التكليف تفصيلاً أو إجمالاً بنفسه أو بطريقه ، كما في أطراف العلم الاجمالي والشبهة قبل الفحص وموارد وجوب الاحتياط الشرعي ، ومورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو فرض عدم وصوله بنفسه ولا بطريقه كما في الشبهة بعد الفحص واليأس عن الحجة على التكليف ، فلا توارد بين القاعدتين في مورد واحد أصلاً.
هذا كلّه على تقدير أن يكون المراد بالضرر المحتمل هو العقاب.
وأمّا لو كان المراد به الضرر الدنيوي فكل من الصغرى والكبرى ممنوع.
أمّا الصغرى فلأ نّه لا ملازمة بين ارتكاب الحرام وترتّب الضرر الدنيوي ، بل ربّما تكون فيه المنفعة الدنيوية كما في موارد الانتفاع بمال الغير غصباً. نعم ، يترتب الضرر الدنيوي على ارتكاب بعض المحرّمات كأكل الميتة وشرب السم مثلاً ، ولكن لا تثبت به الكلية. وأمّا الكبرى فلأ نّه لا استقلال للعقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي بل هو ممّا نقطع بخلافه ، فانّا نرى أنّ العقلاء يقدمون على الضرر المقطوع به لرجاء حصول منفعة ، فكيف بالضرر المحتمل. نعم ، الاقدام على الضرر الدنيوي بلا غرض عقلائي يعدّ سفاهة عند العقلاء ويلام فاعله ، إلاّ أنّ العقل غير مستقل بقبحه الملازم لاستحقاق العقاب ليكون حراماً شرعاً ، وإلاّ لزم كون كل فعل سفهي حراماً شرعاً ، وهذا ممّا نقطع بخلافه.
وأمّا إن كان المراد بالضرر المفسدة ، فالصغرى وإن كانت مسلّمة في خصوص ما يحتمل حرمته ، بناءً على ما عليه العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، فانّ احتمال الحرمة في شيء لا ينفك حينئذ عن احتمال المفسدة فيه ، إلاّ أنّ
الكبرى ممنوعة ، إذ العقل لا يحكم بوجوب دفع المفسدة المحتملة ، كيف وقد اتّفق العلماء من الاصوليين والأخباريين ، بل العقلاء أجمع على عدم لزوم الاجتناب عمّا يحتمل وجود المفسدة فيه في الشبهة الموضوعية ، ولو كان العقل مستقلاً بوجوب دفع المفسدة المحتملة كان الاحتياط واجباً فيها أيضاً ، إذ لا فرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية من هذه الجهة.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لا تعارض قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهات البدوية بعد الفحص واليأس عن الحجّة على التكليف.
أمّا الجهة الثالثة : وهي ملاحظة قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع أدلة وجوب الاحتياط ، فملخص الكلام فيها : أنّه على تقدير تمامية دلالتها على وجوب الاحتياط وجوباً طريقياً ، تسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها ، إذ على تقدير وجوب الاحتياط بهذا النحو يتمّ البيان من قبل المولى ، وتنجز الحكم الواقعي على تقدير ثبوته ، فلا يبقى موضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فكانت أدلة وجوب الاحتياط على تقدير تمامية دلالتها واردة على القاعدة ، وسيجيء الكلام في تمامية دلالتها وعدمها قريباً عند التعرّض لذكر أدلة الأخباريين (1)إن شاء اللّه تعالى.
الوجه الخامس من الوجوه التي استدلّ بها على البراءة : الاستصحاب ، وتقريبه على نحوين ، لأنّ الأحكام الشرعية لها مرتبتان :
الاولى : مرتبة الجعل والتشريع ، والحكم الشرعي في هذه المرتبة متقوّم بفرض الموضوع لا بتحققه فعلاً ، إذ التشريع غير متوقف على تحقق الموضوع
1) في ص 344 وما بعدها
خارجاً ، بل يصح جعل الحكم على موضوع مفروض الوجود على نحو القضيّة الحقيقية ، فصحّ تشريع القصاص على القاتل وإن لم يقتل أحد أحداً إلى الأبد.
الثانية : مرتبة الفعلية ، والحكم الشرعي في هذه المرتبة متقوّم بتحقق الموضوع خارجاً ، لأنّ فعلية الحكم إنّما هي بفعلية موضوعه ، ومع انتفاء الموضوع خارجاً لايكون الحكم فعلياً ، وحيث إنّ الحكم الشرعي في كل واحد من المرتبتين مسبوق بالعدم ، فقد يقرّب الاستدلال بالاستصحاب باعتبار المرتبة الاولى ، وقد يقرّب باعتبار المرتبة الثانية.
أمّا تقريب الاستدلال باعتبار المرتبة الاولى : فهو أنّ الأحكام الشرعية لمّا كانت في جعلها تدريجية ، فالحكم المشكوك فيه لم يكن مجعولاً في زمان قطعاً ، فنستصحب ذلك ما لم يحصل اليقين بجعله.
واورد على هذا التقريب بايرادين :
أحدهما : أنّ عدم الجعل المتيقن عدم محمولي ، والعدم المشكوك فيه هو العدم النعتي المنتسب إلى الشارع ، ولا يمكن إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي إلاّعلى القول بالأصل المثبت. وبعبارة اخرى : العدم المتيقن هو العدم قبل الشرع والشريعة ، وهو غير منتسب إلى الشارع. والعدم المشكوك فيه هو العدم المنسوب إلى الشارع بعد ورود الشرع من قبله ، فالمتيقن غير محتمل البقاء ، وما هو مشكوك الحدوث لم يكن متيقناً سابقاً.
وفيه : أنّ المستصحب إنّما هو العدم المنتسب إلى الشارع بعد ورود الشرع ، لما عرفت من أنّ جعل الأحكام كان تدريجياً ، فقد مضى من الشريعة زمان لم يكن الحكم المشكوك فيه مجعولاً يقيناً ، فيستصحب ذلك. مع أنّ الانتساب يثبت بنفس الاستصحاب.
ثانيهما : أنّ المحرّك للعبد - أعني الباعث أو الزاجر له - إنّما هو التكليف
الفعلي لا الانشائي ، فالحكم الانشائي ممّا لا يترتب عليه أثر ، ومن الواضح أنّه لا يمكن إثبات عدم التكليف الفعلي باستصحاب عدم الجعل ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت.
وفيه أوّلاً : النقض باستصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل الذي لا خلاف في جريانه ، فلو كان نفي الحكم الفعلي باستصحاب عدم الجعل من الأصل المثبت ، كان إثبات الحكم الفعلي باستصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ أيضاً كذلك.
وثانياً : أنّ الانشاء هو إبراز أمر اعتباري على ما ذكرناه غير مرّة (1)والاعتبار كما يمكن تعلّقه بأمر فعلي يمكن تعلّقه بأمر متأخر مقيّد بقيود ، فليس جعل الحكم وإنشاؤه إلاّعبارة عن اعتبار شيء على ذمّة المكلف في ظرف خاص ، ويتحقق المعتبر بمجرد الاعتبار ، بل هما أمر واحد حقيقةً. والفرق بينهما اعتباري كالوجود والايجاد ، فالحكم الفعلي هو الحكم الانشائي مع فرض تحقق قيوده المأخوذة فيه. وعليه فاستصحاب الحكم الانشائي أو عدمه هو استصحاب الحكم الفعلي أو عدمه. نعم ، مجرد ثبوت الحكم في عالم الاعتبار لا يترتب عليه وجوب الاطاعة بحكم العقل قبل تحقق موضوعه بقيوده في الخارج ، وليس ذلك إلاّمن جهة أنّ الاعتبار قد تعلّق بظرف وجود الموضوع على نحو القضيّة الحقيقية من أوّل الأمر ، فمع عدم تحقق الموضوع لا يكون حكم وتكليف على المكلف ، وبعد تحقق الموضوع بقيوده خارجاً لا يكون المحرّك إلاّ نفس الاعتبار السابق لا أمر آخر يسمّى بالحكم الفعلي.
فتحصّل بما ذكرناه : أنّ الاستدلال بالاستصحاب على هذا التقريب ممّا لا بأس به. وعليه فلا يبقى مورد للرجوع إلى البراءة الشرعية أو العقلية.
1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 97 - 98
إن قلت : إنّ استصحاب عدم جعل الالزام معارض باستصحاب عدم جعل الترخيص ، فانّا نعلم إجمالاً بجعل أحد الأمرين ، فيسقطان بالمعارضة ويرجع حينئذ إلى البراءة.
قلت أوّلاً : يمكن المنع عن العلم الاجمالي بثبوت أحد الجعلين في خصوص المورد المشكوك فيه ، لاحتمال أن يكون الترخيص الشرعي ثابتاً بعنوان عام لكل مورد لم يجعل الالزام فيه بخصوصه ، كما كان عمل الأصحاب على ذلك في صدر الاسلام ، ويستفاد أيضاً من ردعه صلىاللّهعليهوآله أصحابه عن كثرة السؤال على ما في روايات كثيرة (1). وعليه فيكون استصحاب عدم جعل الالزام مثبتاً لموضوع الترخيص ، فيكون حاكماً على استصحاب عدم جعل الترخيص.
وثانياً : لا مانع من جريان كلا الاستصحابين بعد ما لم يلزم منه مخالفة عملية للتكليف الالزامي ، فإذا ثبت عدم جعل الالزام وعدم الترخيص بمقتضى الاستصحابين ، كفى ذلك في نفي العقاب ، لأنّ استحقاقه مترتب على ثبوت المنع ، ولا يحتاج نفيه إلى ثبوت الترخيص ، فإذا ثبت عدم المنع ينتفي العقاب ولو لم يثبت الترخيص. نعم ، الآثار الخاصّة المترتبة على عنوان الاباحة لاتترتب على استصحاب عدم جعل الالزام ، فإذا فرض مورد كان الأثر الشرعي مترتباً على الاباحة لا مناص فيه من الرجوع إلى أصالة الاباحة ، ولا يكفي فيه الرجوع إلى استصحاب عدم المنع كما هو ظاهر.
إن قلت : لا يصحّ التمسك باستصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعية ، لأنّ مورد الشبهة لم يجعل له الحكم بشخصه يقيناً. وأمّا الطبيعي المشكوك
1) راجع على سبيل المثال بحار الأنوار 22 : 31
انطباقه على المورد فثبوت الحكم له يقيني ، فلا مورد للاستصحاب أصلاً ، فإذا شككنا في كون مائع معيّن خمراً ، فالمائع المذكور لم تجعل الحرمة له بشخصه ولا الاباحة ، وثبوت الحرمة لطبيعي الخمر كثبوت الاباحة لطبيعي الماء يقيني ، فكيف يصحّ التمسك باستصحاب عدم الجعل.
قلت أوّلاً : إنّ الأحكام المجعولة بنحو القضايا الحقيقية تنحل إلى أحكام متعددة بحسب تعدّد أفراد موضوعاتها ، كما هو مبنى جريان البراءة في الشبهات الموضوعية ، إذ بدونه لا يكون هناك حكم مجهول ليرفع بالبراءة. وعليه فيكون الشك في خمرية مائع مستلزماً للشك في جعل الحرمة له ، فيرجع إلى استصحاب عدم الجعل كما في الشبهة الحكمية.
وثانياً : أنّه لو سلّم عدم جريان استصحاب عدم الجعل في الشبهة الموضوعية لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب الموضوعي إمّا محمولياً كما في كثير من الموارد ، وإمّا أزلياً كما في بعضها. وقد ذكرنا في محلّه (1)جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.
وأمّا تقريب الاستدلال بالاستصحاب باعتبار المرتبة الثانية للحكم وهي المرتبة الفعلية ، فهو استصحاب عدم التكليف الفعلي المتيقن قبل البلوغ ، وقد اورد على هذا التقريب بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب بنفسه أو بأثره مجعولاً شرعياً ، ويكون وضعه ورفعه بيد الشارع ، وعدم التكليف أزلي غير قابل للجعل ، وليس له أثر شرعي ، فانّ عدم العقاب من لوازمه العقلية ، فلا يجري فيه الاستصحاب. ونسب صاحب الكفاية قدسسره (2)في التنبيه
الثامن من تنبيهات الاستصحاب هذا الايراد إلى الشيخ قدسسره.
أقول : أمّا نسبة هذا الايراد إلى الشيخ قدسسره فالظاهر أنّها غير مطابقة للواقع ، لأنّ الشيخ قدسسره قائل بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، كما صرّح بذلك في عدّة موارد من الرسائل والمكاسب (1)، وذكر (2)أيضاً في جملة التفصيلات في جريان الاستصحاب التفصيل بين الوجود والعدم ، وردّه بأ نّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين الوجود والعدم. وبالجملة : الشيخ وإن كان قائلاً بعدم صحّة الاستدلال على البراءة بالاستصحاب ، إلاّ أنّه ليس لأجل هذا الايراد الذي ذكره صاحب الكفاية قدسسره ونسبه إليه.
وسيجيء بيان إيراد الشيخ قدسسره على الاستصحاب المذكور قريباً إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا أصل الايراد المذكور فيردّه : أنّ اعتبار كون المستصحب أمراً مجعولاً بنفسه أو بأثره ممّا لم يدل عليه دليل من آية ولا رواية ، إنّما المعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب قابلاً للتعبد الشرعي ، ولا خفاء في أنّ عدم التكليف كوجوده قابل للتعبد. وتوهم أنّه لا بدّ من أن يكون المستصحب قابلاً للتعبد حدوثاً والعدم الأزلي لا يكون حادثاً ، مدفوع بأنّ المعتبر كونه قابلاً للتعبد عند جريان الاستصحاب وفي ظرف الشك ، فيكفي كون المستصحب قابلاً للتعبد بقاءً وإن لم يكن قابلاً له حدوثاً. وسيأتي الكلام في ذلك مفصلاً في بحث الاستصحاب (3)إن شاء اللّه تعالى.
الوجه الثاني : ما أفاده شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وملخّصه : أنّ استصحاب البراءة لو كان موجباً للقطع بعدم العقاب صحّ التمسك به وإلاّ فلا ، إذ مع بقاء احتمال العقاب بعد جريان الاستصحاب لا مناص من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلابيان ، لسدّ باب هذا الاحتمال ، ومعه كان التمسّك بالاستصحاب لغواً محضاً ، لأنّ التمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان كافٍ في سدّ باب احتمال العقاب من أوّل الأمر ، بلا حاجة إلى التمسك بالاستصحاب. وعليه فإن بنينا على كون الاستصحاب من الأمارات أو قلنا بحجّية مثبتات الاصول ، حصل منه القطع بعدم العقاب وصحّ التمسّك به ، إذ عدم المنع من الفعل الثابت بالاستصحاب مستلزم للرخصة في الفعل ، فإذا فرض ثبوت الرخصة من قبل الشارع بالتعبد الاستصحابي باعتبار كونها من لوازم عدم المنع المستصحب لم يحتمل العقاب ، فانّ العقاب على الفعل مع الترخيص فيه غير محتمل قطعاً. وأمّا لو لم نقل بكون الاستصحاب من الأمارات ولا بحجية مثبتات الاصول كما هو الصحيح ، فلا يصحّ التمسك بالاستصحاب في المقام ، إذ لا يثبت به الترخيص الموجب للقطع بعدم العقاب ، ويبقى احتمال العقاب ، فنحتاج إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، ومعه كان التمسك بالاستصحاب لغواً كما تقدّم.
وفيه أوّلاً : أنّ استصحاب عدم المنع كافٍ في القطع بعدم العقاب ، إذ العقاب من لوازم المنع عن الفعل وتحريمه ، فمع إحراز عدم المنع عن الفعل بالاستصحاب نقطع بعدم العقاب ، بلا حاجة إلى إحراز الرخصة التي هي من لوازم عدم المنع ليكون مثبتاً.
وثانياً : أنّه يمكن جريان الاستصحاب في نفس الترخيص الشرعي المتيقن
1) فرائد الاصول 1 : 378
ثبوته قبل البلوغ ، لحديث رفع القلم وأمثاله ، فيحصل منه القطع بعدم العقاب بلا واسطة شيء آخر.
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (1)وهو أنّ المتيقن الثابت قبل البلوغ إنّما هو عدم التكليف في مورد غير قابل له كما في الحيوانات ، ومثل ذلك لا يحتمل بقاؤه بعد البلوغ ، وإنّما المحتمل فيه عدم التكليف في المورد القابل له ، فلا معنى للتمسك بالاستصحاب. وبعبارة اخرى : العدم الثابت قبل البلوغ عدم محمولي وغير منتسب إلى الشارع ، والعدم بعد البلوغ عدم نعتي منتسب إلى الشارع ، وإثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي مبني على القول بالأصل المثبت ولا نقول به.
وفيه أوّلاً : أنّ عدم التكليف في الصبي غير المميز وإن كان كما ذكره ، إلاّ أنّه ليس كذلك في المميز ، بل هو عدم التكليف في مورد قابل له ، وإنّما رفعه الشارع عنه امتناناً.
وثانياً : أنّ العدم المتيقن وإن كان أزلياً غير منتسب إلى الشارع ، إلاّ أنّه يثبت انتسابه إليه بنفس الاستصحاب ، فانّ الانتساب من الآثار المترتبة على نفس الاستصحاب ، لا من آثار المستصحب ليكون إثباته بالاستصحاب مبنياً على القول بالأصل المثبت. وسنذكر في بحث الاستصحاب (2)أنّ اللوازم التي لا تثبت بالاستصحاب إنّما هي اللوازم العقلية أو العادية للمستصحب. وأمّا اللوازم العقلية لنفس الاستصحاب فهي تترتب عليه ، إذ الاستصحاب بعد جريانه محرز بالوجدان ، فتترتب آثاره ولوازمه عليه عقلية كانت أو شرعية.
الوجه الرابع : ما أفاده أيضاً المحقق النائيني قدسسره (3)وهو أنّه يعتبر
في جريان الاستصحاب أن يكون الأثر المطلوب مترتباً على واقع المستصحب ، وأمّا إن كان مترتباً على مجرد الشك في الواقع أو على الأعم منه ومن الواقع ، فلا مجال لجريان الاستصحاب. مثلاً لو كان التشريع المحرّم عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين ، أو الأعم منه ومن إدخال ما ليس من الدين في الدين ، فمجرد الشك في كون شيء من الدين كافٍ في الحكم بحرمة إسناده إلى الشارع فاجراء استصحاب عدم كونه من الدين لاثبات حرمة الاسناد تحصيل للحاصل ، بل من أردأ أنحائه ، فانّه من قبيل إحراز ما هو مُحرَز بالوجدان بالتعبد. والمقام من هذا القبيل بعينه ، إذ الأثر المرغوب من استصحاب عدم التكليف قبل البلوغ ليس إلاّعدم العقاب ، وهذا مترتب على نفس الشك في التكليف ، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلا نحتاج إلى إحراز عدم التكليف بالاستصحاب.
وفيه : أنّ ما ذكر إنّما يتمّ لو كان الأثر مترتباً على خصوص الشك. وأمّا إن كان الأثر أثراً للجامع بينه وبين الواقع ، فلا مانع من جريان الاستصحاب ، إذ بجريانه يصل الواقع إلى المكلف ويرفع الشك تعبداً ، فلم يبق معه شك ليلزم تحصيل الحاصل أو أردأ أنواعه. نعم ، لو لم يجر الاستصحاب كان الشك موجوداً فيترتب عليه الأثر.
وبالجملة : ترتب الأثر على الشك فرع عدم جريان الاستصحاب ، فكيف يكون مانعاً عن جريانه ، ولذا لا إشكال في جعل الأمارة ونصبها على عدم حرمة شيء مع أنّ أصالة الحل كافية لاثباته. وكذا لا إشكال في التمسك باستصحاب الطهارة المتيقنة ، مع أنّ قاعدة الطهارة بنفسها كافية لاثباتها.
والمقام من هذا القبيل بعينه. وبعبارة اخرى واضحة : قاعدة قبح العقاب بلا
بيان متوقفة على تحقق موضوعها أعني عدم البيان ، فكما أنّها لا تجري مع بيان التكليف لا تجري مع بيان عدم التكليف ، والاستصحاب بيان لعدمه فلا يبقى معه موضوع لها.
الوجه الخامس : ما يظهر من كلام الشيخ قدسسره (1)وهو أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضيّة المتيقنة والمشكوكة ، ليصدق نقض اليقين بالشك عند عدم ترتيب الأثر حين الشك ، فانّه مع عدمه كان إثبات حكم المتيقن للمشكوك من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر ، وذلك داخل في القياس لا في الاستصحاب ، وفي المقام لا اتحاد للقضيّة المتيقنة والمشكوكة من حيث الموضوع ، إذ الترخيص المتيقن ثابت لعنوان الصبي على ما هو ظاهر قوله عليهالسلام : «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم» (2)، وهو مرتفع بارتفاع موضوعه ، والمشكوك فيه هو الترخيص لموضوع آخر ، وهو البالغ ، فلا مجال لجريان الاستصحاب.
والانصاف : أنّ هذا الاشكال وارد على الاستدلال بالاستصحاب في المقام ، وتوضيحه : أنّ العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام على ثلاثة أقسام :
الأوّل : أن يكون العنوان مقوّماً للموضوع بنظر العرف ، بحيث لو ثبت الحكم مع انتفاء العنوان عدّ حكماً جديداً لموضوع آخر ، لا بقاء الحكم للموضوع الأوّل ، كما في جواز التقليد فانّ موضوعه العالم ، ولو زال عنه العلم وصار جاهلاً يكون موضوعاً آخر ، إذ العلم مقوّم لموضوع جواز التقليد في نظر العرف ، وفي مثل ذلك لا مجال لجريان الاستصحاب ، لعدم صدق نقض اليقين بالشك على عدم ترتيب الأثر السابق حين الشك ، فلايكون مشمولاً لأدلّة الاستصحاب.
الثاني : أن يكون العنوان من الحالات وغير دخيل في قوام الموضوع في نظر العرف ، كما إذا قال المولى : أكرم هذا القائم مثلاً ، فانّ العرف يرى القيام والقعود من الحالات ، بحيث لو ثبت وجوب الاكرام حال جلوسه كان بقاءً للحكم الأوّل ، لا حدوث حكم جديد لموضوع آخر. ولا إشكال في جريان الاستصحاب في هذا القسم لو فرض الشك في بقاء الحكم.
الثالث : أن يشك في كون العنوان مقوّماً للموضوع وعدمه ، كعنوان التغير المأخوذ في نجاسة الماء المتغير ، فبعد زوال التغير يشك في بقاء النجاسة ، لعدم العلم بأنّ التغير مقوّم لموضوع الحكم بالنجاسة أو من قبيل الحالات. وبعبارة اخرى : يشك في أنّ حدوث التغير هل هو علّة لحدوث النجاسة للماء وبقائها ، بحيث لايكون بقاؤها منوطاً ببقائه ، أو علّة لحدوث النجاسة فقط بحيث تكون النجاسة دائرة مدار التغير حدوثاً وبقاءً ، أي وجوداً وعدماً. ولا يجري الاستصحاب في هذا القسم كما في القسم الأوّل ، إذ مع الشك في بقاء الموضوع لم يحرز اتحاد القضيّتين ، فلم يحرز صدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحكم السابق ، فيكون التمسك بأدلة الاستصحاب من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
إذا عرفت ذلك ، ظهر لك عدم صحّة التمسك بالاستصحاب في المقام ، لأنّ عنوان الصبي المأخوذ في الحكم بالترخيص في قوله عليهالسلام : «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم» ، مقوّم للموضوع في نظر العرف ، ولا أقل من احتمال ذلك ، ومعه لا مجال لجريان الاستصحاب بعد زواله بعروض البلوغ.
وهي امور ثلاثة :
الأوّل : الآيات الكريمة : فمنها : الناهية عن القول بغير العلم ، كقوله تعالى : «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1)ومنها : الناهية عن إلقاء النفس في التهلكة ، كقوله تعالى : «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (2)ومنها : الآمرة بالتقوى ، كقوله تعالى : «فَاتَّقُوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (3)ولا يتمّ الاستدلال بشيء منها.
أمّا الاولى : فلأنّ حرمة القول بغير العلم ممّا لا خلاف فيه بين الأخبارين والاصوليين ، فانّ الاصولي يعترف بأنّ القول بالترخيص إذا لم يكن مستنداً إلى دليل فهو تشريع محرّم ، ولكنّه يدعي قيام الدليل عليه ، كما أنّ الأخباري القائل بوجوب الاحتياط أيضاً يعترف بأنّ القول بوجوب الاحتياط من غير دليل يدل عليه تشريع محرّم ، ويدّعي قيام الدليل عليه ، فهذه الآية الكريمة الدالة على حرمة القول بغير العلم أجنبية عن المقام.
وأمّا الثانية الناهية عن إلقاء النفس في التهلكة : فلأ نّه إن اريد بها التهلكة الدنيوية ، فلا شك في أنّه ليس في ارتكاب الفعل مع الشك في حرمته احتمال
الهلكة فضلاً عن القطع بها. وإن اريد بها التهلكة الاخروية ، أعني العقاب ، فكان الحكم بترك إلقاء النفس فيها إرشادياً محضاً ، إذ لا يترتب على إيقاع النفس في العقاب الاخروي عقاب آخر ، كي يكون النهي عنه مولوياً. مضافاً إلى أنّ الاصولي يرى ثبوت المؤمّن من العقاب فلا أثر لهذا النهي.
وأمّا الثالثة الآمرة بالتقوى : فلأنّ ارتكاب الشبهة استناداً إلى ما يدل على الترخيص شرعاً وعقلاً ليس منافياً للتقوى. هذا إن كان المراد بالتقوى هو التحفظ عن ارتكاب ما يوجب استحقاق العقاب. وأمّا لو كان المراد بها التحفظ عن الوقوع في المفاسد الواقعية فهو غير واجب قطعاً ، ولذا اتّفق الأخباريون والاصوليون على جواز الرجوع إلى البراءة في الشبهات الموضوعية ، بل وفي الحكمية أيضاً إن كانت وجوبية ، فكانت الآية الشريفة محمولةً على الارشاد لا محالة.
الثاني : الأخبار وهي طائفتان :
الطائفة الاولى : الأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة ، كقوله عليهالسلام فى عدّة روايات : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (1)ونظير هذه الروايات أخبار التثليث كقوله صلىاللّهعليهوآله : «الامور ثلاثة : أمر بيّن لك رشده فاتبعه ، وأمر بيّن غيّه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فردّه إلى اللّه» (2).
والانصاف أنّه لا دلالة لهذه لأخبار على وجوب الاحتياط لوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ المذكور فيها هو عنوان الشبهة ، وهو ظاهر فيما يكون الأمر فيه ملتبساً بقول مطلق ، فلا يعمّ ما علم فيه الترخيص الظاهري ، لأنّ
أدلة الترخيص تخرجه عن عنوان المشتبه ، وتدرجه في معلوم الحلية. ويدل على ما ذكرناه من اختصاص الشبهة بغير ما علم فيه الترخيص ظاهراً ، أنّه لا إشكال ولا خلاف في عدم وجوب التوقف في الشبهات الموضوعية ، بل في الشبهة الحكمية الوجوبية بعد الفحص ، فلولا أنّ أدلة الترخيص أخرجتها عن عنوان الشبهة ، لزم التخصيص في أخبار التوقف ، ولسانها آبٍ عن التخصيص وكيف يمكن الالتزام بالتخصيص في مثل قوله عليهالسلام : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة».
الوجه الثاني : أنّ الأمر بالتوقف فيها للارشاد ، ولا يمكن أن يكون أمراً مولوياً يستتبع العقاب ، إذ علل التوقف فيها بأ نّه خير من الاقتحام في الهلكة ، ولا يصح هذا التعليل إلاّأن تكون الهلكة مفروضة التحقق في ارتكاب الشبهة مع قطع النظر عن هذه الأخبار الآمرة بالتوقف. ولا يمكن أن تكون الهلكة المعلل بها وجوب التوقف مترتبة على نفس وجوب التوقف المستفاد من هذه الأخبار كما هو ظاهر ، فيختص موردها بالشبهة قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي.
وبالجملة : التعليل ظاهر في ثبوت الاحتياط مع قطع النظر عن هذه الأخبار ، فلا يمكن إثبات وجوب الاحتياط بنفس هذه الأخبار كما هو مقصود الأخباري.
إن قلت : إنّما يلزم حمل الأمر على الارشاد لو كان المراد بالهلكة العقاب ، وأمّا لو اريد بها المفسدة الواقعية ، أمكن أن يكون الأمر بالتوقف أمراً مولوياً ، ومع إمكان ذلك لا يصحّ الحمل على الارشاد ، وحينئذ كانت هذه الروايات كافية في تنجيز التكليف الواقعي واستحقاق العقاب على مخالفته ، لأنّها حينئذ تكون إيصالاً له.
قلت : حمل الهلكة على المفسدة الواقعية - مع كونه خلاف الظاهر في نفسه - يستلزم التخصيص في الشبهات الموضوعية ، وقد عرفت أنّ الروايات آبية عن التخصيص ، فلا مناص من حمل الهلكة على العقاب كما هو الظاهر في نفسه ، ومعه كان الأمر بالتوقف إرشادياً لا محالة.
لا يقال : سلّمنا كون التعليل ظاهراً في ثبوت الاحتياط مع قطع النظر عن هذه الأخبار ، إلاّأنّ عموم الشبهات لما هو محل الكلام يكشف عن جعل وجوب الاحتياط قبل الأمر بالتوقف الموجود في هذه الأخبار ، فيكون التنجيز لأجله ، لا لأجل وجوب التوقف.
فانّه يقال : إيجاب الاحتياط لو كان واصلاً مع قطع النظر عن أخبار التوقف فهو خلاف المفروض. مضافاً إلى أنّه لا معنى حينئذ لأن تكون أخبار التوقف كاشفةً عنه ، بل يستحيل ذلك ، وإن لم يكن واصلاً امتنع تنجز الواقع به ، فانّ الايجاب الطريقي لا يزيد على الايجاب الواقعي في استحالة الانبعاث عنه قبل وصوله ، فكما أنّ الوجوب الواقعي لا يكفي في التنجز قبل الوصول كذلك الوجوب الطريقي. وعليه كان مورد أخبار التوقف مثل الشبهات قبل الفحص ، أو المقرونة بالعلم الاجمالي ممّا كان الواقع فيه منجّزاً ، مع قطع النظر عن هذه الأخبار.
هذا ، وأجاب شيخنا الأنصاري قدسسره (1)عن هذا الاشكال : بأنّ إيجاب الاحتياط لا يكفي في تنجيز الواقع المجهول ، لأنّه إن كان وجوبه نفسياً فالعقاب يكون على مخالفة نفسه ، لا على مخالفة الواقع. وإن كان غيرياً فلازمه ثبوت العقاب على مخالفة التكليف الواقعي مع فرض عدم وصوله.
1) فرائد الاصول 1 : 384
ويرد عليه : أنّ الوجوب غير منحصر في القسمين ، فانّ وجوب الاحتياط على تقدير ثبوته طريقي ، وبه يتنجز الواقع.
وبما ذكرناه ظهر الجواب عن أخبار التثليث ، فانّ ما ثبت فيه الترخيص ظاهراً من قبل الشارع داخل فيما هو بيّن رشده ، لا في المشتبه كما هو الحال في الشبهات الموضوعية. وبالجملة : المشكوك حرمته كالمشكوك نجاسته ، وكما أنّ الثاني غير مشمول لهذه الأخبار كذلك الأوّل. والملاك في الجميع ثبوت الترخيص المانع من صدق المشتبه على المشكوك فيه حقيقة ، وإن صحّ إطلاقه عليه بالعناية باعتبار التردد في حكمه الواقعي.
الطائفة الثانية : الأخبار الآمرة بالاحتياط ، كقوله عليهالسلام : «أخوك دينك فاحتط لدينك» (1)وقوله (عليه السلام) : «خد بالحائطة لدينك» (2)وغير ذلك من الروايات الواردة في هذا المعنى.
والصحيح عدم دلالة هذه الأخبار أيضاً على وجوب الاحتياط في المقام لوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ حسن الاحتياط ممّا استقلّ به العقل ، وظاهر هذه الأخبار هو الارشاد إلى هذا الحكم العقلي ، فيكون تابعاً لما يرشد إليه ، وهو يختلف باختلاف الموارد ، ففي بعضها كان الاحتياط واجباً كما في الشبهة قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي ، وفي بعضها كان مستحباً كما في الشبهة البدوية بعد الفحص ، وهي محل الكلام فعلاً.
الوجه الثاني : أنّ هذه الأخبار باطلاقها تعمّ الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية الوجوبية ، مع أنّ الاحتياط فيها غير واجب قطعاً ، فلا بدّ حينئذ من رفع اليد عن ظهورها في الوجوب أو الالتزام فيها بالتخصيص ، وحيث إنّ لسانها آبٍ عن التخصيص كما ترى ، فتعيّن حملها على الاستحباب أو على مطلق الرجحان الجامع بينه وبين الوجوب ، فلا يستفاد منها وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية بعد الفحص ، وهي محل الكلام.
ثمّ إنّه لو سلّم دلالة أخبار التوقف أو الاحتياط على وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية ، فهي لا تعارض أدلّة البراءة ، وذلك لأنّ استصحاب عدم جعل الحرمة - بناءً على جريانه ، وهو الصحيح على ما تقدّم بيانه (1)- يكون رافعاً لموضوع هذه الأخبار ، إذ به يحرز عدم التكليف وعدم العقاب ، فيتقدّم عليها لا محالة. وكذا أخبار البراءة بعد تماميّتها تتقدّم على هذه الأخبار ، لكونها أخص منها ، فانّ أخبار البراءة لا تعم الشبهة قبل الفحص ، ولا المقرونة بالعلم الاجمالي إمّا في نفسها ، أو من جهة الاجماع وحكم العقل ، بل بعضها مختص بالشبهات التحريمية ، كقوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (2)بخلاف أخبار التوقف والاحتياط فانّها شاملة لجميع الشبهات ، فيخصص بها.
وقد يتوهّم الاطلاق في أدلة البراءة ، وأ نّها شاملة في نفسها لجميع الشبهات ، غاية الأمر أنّها مخصصة بحكم العقل أو بالاجماع ، فلا وجه لتقدّمها على أدلة التوقف والاحتياط.
ولكنّه مدفوع بأنّ المانع عن شمول أدلة البراءة لتلك الموارد إن كان حكم العقل باستحالة شمولها لها ، فحاله حال المخصص المتصل في منعه عن انعقاد الظهور في العموم أو الاطلاق من أوّل الأمر ، وإن كان هو الاجماع ، فحاله حال المخصص المنفصل. والمختار فيه القول بانقلاب النسبة على ما سيجيء تفصيل الكلام فيه في محلّه (1)إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ إنّ هنا وجهاً آخر لتقديم أخبار البراءة على خصوص أخبار الاحتياط : وهو أنّ أخبار البراءة كقوله عليهالسلام : «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» نص في عدم وجوب الاحتياط ، وأخبار الاحتياط على تقدير تمامية دلالتها ظاهرة في وجوبه. والجمع العرفي يقتضي رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بسبب النص ، وحمله على الرجحان الجامع بين الوجوب والندب.
وهذا الوجه لا يجري بالنسبة إلى أخبار التوقف ، لأنّ العلّة المذكورة فيها وهي الوقوع في الهلكة تجعلها نصّاً في عدم جواز الاقتحام ، إلاّ أنّه قد ذكرنا قصورها عن الدلالة على الحكم المولوي في نفسها.
ثمّ إنّه ربّما يتوهّم أنّ أخبار التوقف والاحتياط - على تقدير تمامية دلالتها - تتقدّم على أخبار البراءة ، لأنّ المرفوع بحديث الرفع ونحوه هو ما لا يعلم من الأحكام ، ووجوب الاحتياط بناءً على استفادته من الأخبار معلوم ، فهو خارج عن أدلة البراءة موضوعاً.
وهو مدفوع بأ نّه إنّما يتمّ ذلك لو كان وجوب الاحتياط نفسياً. وأمّا لو كان وجوبه طريقياً كما هو المفروض ، فالمترتب عليه هو لزوم امتثال الحكم الواقعي المجهول ، وحديث الرفع يرفعه فتقع المعارضة بين الدليلين لا محالة ، وقد عرفت تقدّم حديث الرفع وأمثاله على أدلة التوقف والاحتياط.
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 464 وما بعدها
الثالث ممّا استدلّ به على وجوب الاحتياط : حكم العقل وتقريبه بوجوه :
الأوّل : أنّ كل مسلم يعلم إجمالاً في أوّل بلوغه بتكاليف إلزامية ، وهذا العلم الاجمالي ينجّز التكاليف الواقعية على تقدير ثبوتها ، وليست الطرق والأمارات رافعة لتنجزها ، إذ لا بدّ في انحلال العلم الاجمالي من ثبوت دليل يدل على نفي التكليف في بعض الأطراف إمّا مطابقة أو التزاماً ، والطرق والأمارات إنّما تثبت أحكاماً في مواردها ، وليس لها تعرّض لنفي أحكام اخر في غير مواردها ، فالتنجز يبقى على حاله ، فإذا علمنا إجمالاً بوجوب الصلاة مرددة بين الظهر والجمعة ، كان قيام الأمارة على أحدهما نافياً لوجوب الآخر بالالتزام ، فينحل به العلم الاجمالي لا محالة. وأمّا إن كان المعلوم بالاجمال أحكاماً كثيرة لا تعيّن لها ، فقيام الدليل على ثبوت أحكام في موارد خاصّة لا ينفي ثبوت الحكم في غيرها فلا ينحل العلم الاجمالي.
ولا يرد على هذا التقريب ما ذكره في الكفاية من أنّ قيام الأمارة على التكليف في بعض الأطراف يوجب صرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، مثلاً إذا علم بحرمة إناء زيد وتردّد بين إناءين ، ثمّ قامت البيّنة على أنّ أحدهما المعيّن إناؤه ، كان كما إذا علم أنّه إناؤه (1). وذلك لوجود الفرق الواضح بين مقامنا وبين المثال المذكور ، إذ المعلوم بالاجمال في المثال أمر معيّن خاص ، فقيام الأمارة على تعيينه في أحد الطرفين ينفي كونه في الطرف الآخر بالالتزام. وهذا بخلاف المقام ، فانّ المعلوم بالاجمال فيه أحكام لا تعيّن لها بوجه ، وليس لها عنوان وعلامة ، فقيام الأمارة على ثبوت التكليف في بعض الموارد لا ينفي ثبوته في غيرها.
1) كفاية الاصول : 347
هذا ، ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال أوّلاً : بالنقض بالشبهات الوجوبية والموضوعية ، فانّ هذا العلم لو كان مانعاً عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية ، كان مانعاً عن الرجوع إليها فيها أيضاً ، مع أنّ الأخباريين لا يقولون بوجوب الاحتياط فيها. وثانياً : بالحل وهو أنّ العلم الاجمالي بتكاليف واقعية ينحل بقيام الأمارات على تكاليف إلزامية بمقدار المعلوم بالاجمال.
وتوضيحه : أنّ لنا هنا ثلاثة علوم إجمالية : الأوّل : العلم الكبير ، وأطرافه جميع الشبهات ممّا يحتمل التكليف ، ومنشؤه العلم بالشرع الأقدس ، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف رأساً. الثاني : العلم الاجمالي المتوسط ، وأطرافه موارد قيام الأمارات المعتبرة وغير المعتبرة ، ومنشؤه كثرة الأمارات والقطع بمطابقة بعضها للواقع ، فانّا لا نحتمل مخالفة جميعها للواقع. الثالث : العلم الاجمالي الصغير ، وأطرافه موارد قيام الأمارات المعتبرة ، ومنشؤه القطع بمطابقة مقدار منها للواقع.
وحيث إنّ العلم الاجمالي الأوّل ينحل بالعلم الاجمالي الثاني ، والثاني بالثالث ، فلا يتنجز التكليف في غير مؤديات الطرق والأمارات المعتبرة. والميزان في الانحلال أن لا يكون المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الصغير أقل عدداً من المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الكبير ، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الاجمالي الكبير مقدار المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الصغير ، لم يبق لنا علم إجمالي في بقية الأطراف. مثلاً إذا علمنا اجمالاً بوجود خمس شياه مغصوبة في قطيع من الغنم ، وعلمنا أيضاً بوجود خمس شياه مغصوبة في جملة البيض من هذا القطيع ، فلا محالة ينحل العلم الاجمالي الأوّل بالعلم الاجمالي الثاني ، فانّا لو أفرزنا خمس شياه بيض لم يبق لنا علم إجمالي بمغصوبية البقية ، لاحتمال
انطباق المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الكبير على المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الصغير. بخلاف ما لو علمنا إجمالاً بوجود ثلاث شياه محرّمة في جملة البيض من القطيع ، فانّ العلم الاجمالي الأوّل لا ينحل بالعلم الثاني ، إذ لو أفرزنا ثلاث شياه بيض ، بقي علمنا الاجمالي بمغصوبية البعض الباقي بحاله ، لأنّ انطباق الخمس على الثلاث غير معقول.
وعليه فلاينبغي الشك في انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الاجمالي المتوسط ، إذ المعلوم بالاجمال في الأوّل لا يزيد عدداً على المعلوم بالاجمال في الثاني ، لأنّ منشأ العلم الاجمالي الكبير هو العلم باستلزام الشرع لوجود أحكام وتكاليف ، ويكفيه المقدار المعلوم بالاجمال في موارد قيام الأمارات. وكذا العلم الاجمالي الثاني ينحل بالعلم الاجمالي الثالث ، لأنّا لو أفرزنا مقداراً من أطراف العلم الثالث ، أي الأخبار المعتبرة في كل باب من أبواب الفقه ، بحيث يكون المجموع بمقدار المعلوم بالاجمال في العلم الثالث ، لم يبق لنا علم إجمالي بوجود التكاليف في غيره ، ولو مع ضم سائر الأمارات ، بل وجود التكاليف في غيره مجرّد احتمال ، فيستكشف بذلك أنّ المعلوم بالاجمال في العلم الثاني لا يزيد عدداً على المعلوم بالاجمال في العلم الثالث ، فينحل العلم الثاني بالعلم الثالث لا محالة.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من الانحلال مبني على العلم الوجداني بمطابقة الأمارات المعتبرة للواقع بمقدار ما علم إجمالاً ثبوته في الشريعة المقدّسة من التكاليف على ما تقدّم بيانه ، وهذا الأمر وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لو منع منه القائل بوجوب الاحتياط ، وادعى عدم العلم بمطابقة الأمارات للواقع بمقدار المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الأوّل ، فنحن ندّعي الانحلال حتّى مع عدم العلم الوجداني بمطابقة الأمارات المعتبرة للواقع.
وتوضيح ذلك : أنّ العلم الاجمالي متقوّم دائماً بقضيّة منفصلة مانعة الخلو ،
ففي العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين يصدق قولنا : إمّا هذا الاناء نجس وإمّا ذاك ، وقد يحتمل نجاستهما معاً ، والمدار في تنجيز العلم الاجمالي على هذا الترديد حدوثاً وبقاءً ، فإذا فرضنا أنّ القضيّة المنفصلة انقلبت إلى قضيّتين حمليتين إحداهما متيقنة ولو باليقين التعبّدي ، والاخرى مشكوكة بنحو الشك الساري ، فلا محالة ينحل العلم الاجمالي ويسقط عن التنجيز ، والسر في ذلك : أنّ تنجيز العلم الاجمالي ليس أمراً تعبدياً ، وإنّما هو بحكم العقل لكاشفيته عن التكليف كالعلم التفصيلي ، فإذا زالت كاشفيته بطروء الشك الساري ، زال التنجيز لا محالة ، كما هو الحال في العلم التفصيلي بعينه.
ولا ينتقض ذلك بما إذا علم بحدوث تكليف جديد في أحد الأطراف معيّناً ، ولا بطروء الاضطرار إلى بعض الأطراف أو تلفه أو امتثال التكليف فيه ، فانّ العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي في جميع هذه الفروض باقٍ على حاله ، غاية الأمر أنّه بتحقق أحد هذه الامور يشك في سقوطه ، فلابدّ من الاحتياط وتحصيل العلم بسقوطه ، فانّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، بخلاف ما إذا زال العلم الاجمالي بطروء الشك الساري ، وانقلبت القضيّة المنفصلة إلى حمليتين : إحداهما متيقنة ولو باليقين التعبدي ، والاخرى مشكوكة بالشك الساري ، فانّ التنجيز يسقط فيه بانحلال العلم الاجمالي لا محالة.
أمّا على القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو نفس الطريقية والمحرزية فالأمر واضح ، لأنّ قيام الأمارة يوجب العلم بالواقع تعبداً. وكما تنقلب القضيّة المنفصلة إلى حمليتين بالعلم الوجداني ، كذلك تنقلب إليهما بالعلم التعبدي ، فقيام الأمارة على ثبوت التكليف بمقدار المعلوم بالاجمال يوجب انحلال العلم الاجمالي لا محالة.
وأمّا على القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هي المنجّزية والمعذّرية ، فقد
يستصعب الانحلال ، وهو في محلّه لو قلنا باشتراط منجزية الأمارات بالوصول ، بمعنى أنّ المنجّز هي الأمارات الواصلة إلى المكلف لا الأمارات بوجودها الواقعي ، لأنّ العلم الاجمالي الموجود في أوّل البلوغ قد أثّر أثره من تنجيز التكاليف الواقعية ، وقيام منجّز آخر بعد ذلك على الحكم في بعض الأطراف لا يوجب سقوط المنجّز السابق. نعم ، إن قلنا - وهو الصحيح - بأنّ مجرد كون الأمارة في معرض الوصول - بمعنى كون الأمارة بحيث لو تفحص عنها المكلف وصل إليها - كافٍ في التنجيز ، انحلّ العلم الاجمالي ، فانّ المكلف في أوّل بلوغه - حين يلتفت إلى وجود التكاليف في الشريعة المقدّسة - يحتمل وجود أمارات دالّة عليها ، فيتنجز عليه مؤدياتها بمجرد ذلك الاحتمال ، وحيث إنّ هذا الاحتمال مقارن لعلمه الاجمالي بالتكاليف ، فلايكون علمه منجّزاً لجميع أطرافه ، لتنجز التكليف في بعض أطرافه بمنجّز مقارن له ، نظير ما لو علمنا بوقوع نجاسة في أحد الاناءين وعلمنا بنجاسة أحدهما المعيّن مقارناً لذلك العلم الاجمالي فانّه لاينجز حينئذ أصلاً ، والسر فيه : أنّ تنجيز العلم الاجمالي إنّما هو بتساقط الاصول في أطرافه للمعارضة ، وفي مفروض المثال يجري الأصل في الطرف المشكوك فيه بلا معارض ، ولذا ذكرنا في محلّه أنّه لو كان الأصل الجاري في بعض الأطراف مثبتاً للتكليف وفي بعضها الآخر نافياً له لا يكون العلم الاجمالي منجّزاً (1).
وممّا ذكرناه ظهر الحال ، وصحّة الانحلال على القول بالسببية في باب الأمارات ، وأنّ المجعول هي الأحكام الفعلية على طبقها ، فانّ قيام الأمارة يكشف عن ثبوت الأحكام في مواردها من أوّل الأمر ، فلا يبقى أثر للعلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية مرددةً بينها وبين غيرها.
1) راجع ص 407 و 415 و 422
والمتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّه على جميع الأقوال في باب الأمارات تكون أطراف العلم الاجمالي من غير مواردها مورداً لأصالة البراءة. أمّا على القول بالطريقية ، فلأنّ العلم الاجمالي ينقلب بقاءً إلى الشك الساري والعلم التفصيلي. وأمّا على القول بالمنجّزية ، فلأنّ قيام الأمارة يكشف عن تنجز التكليف في بعض الأطراف من غير جهة العلم الاجمالي في أوّل الأمر. وأمّا على القول بالسببية ، فلأنّ الأمارة تكشف عن اشتمال مؤدياتها على مصلحة أو مفسدة مستلزمة لثبوت الحكم على طبقها من أوّل الأمر.
الوجه الثاني من تقريب حكم العقل : ما ذكره بعضهم من أنّ الأصل في الأفعال غير الضرورية قبل الشرع هو الحظر بحكم العقل.
وفيه أوّلاً : أنّ أصالة الحظر ليست من الاصول المسلّمة عند العقلاء ، فانّ جماعة منهم ذهبوا إلى أنّ الأصل في الأشياء هو الاباحة ، فلا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف.
وثانياً : أنّه لا ارتباط بين المقام وبين تلك المسألة ، فانّ استقلال العقل بالحظر على تقدير التسليم إنّما هو بمناط غير موجود في المقام ، باعتبار أنّ موضوع أصالة الحظر إنّما هو الفعل بما هو مقطوع بعدم جعل الحكم له ، وفي المقام بما هو مشكوك الحكم ، فلا يستلزم القول بالحظر في تلك المسألة القول بالاحتياط في المقام ، بل يمكن القول بالبراءة في المقام مع الالتزام بالحظر في تلك المسألة.
وثالثاً : أنّ ما ذكر لو تمّ فانّما هو فيما إذا لم يثبت الترخيص عند الشك في التكليف ، وقد عرفت ثبوته فيما تقدّم.
الوجه الثالث من تقريب حكم العقل : أنّ في ارتكاب الشبهة احتمال الوقوع في الضرر ، والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل.
وقد تقدّم (1)الجواب عن هذا التقريب مفصّلاً ولا حاجة إلى الاعادة.
أنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان ، كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو الشك وعدم العلم ، وعليه فكل ما يكون بياناً ورافعاً للشك ولو تعبداً ، يتقدّم عليهما بالورود أو الحكومة ، من غير فرق بين أن تكون الشبهة موضوعية كما لو علم بخمرية مائع ثمّ شكّ في انقلابه خلاً ، فانّ استصحاب الخمرية يرفع موضوع أصالة البراءة عن حرمة شربه ، أو تكون حكمية كما إذا شكّ في جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال ، فانّ استصحاب الحرمة السابقة على تقدير جريانه يمنع عن التمسّك بأصالة البراءة. وعبّر الشيخ قدسسره (2)عن هذا الأصل بالأصل الموضوعي ، باعتبار أنّه رافع لموضوع الأصل الآخر ، ولم يرد منه خصوص الأصل الجاري في الموضوع كما توهّم.
ثمّ إنّ الشيخ قدسسره (3)رتّب على ما أفاده جريان أصالة عدم التذكية ، فيما إذا شكّ في حلية لحم وحرمته من جهة الشك في قابلية الحيوان للتذكية وعدمها ، وأورد على نفسه بأنّ أصالة عدم التذكية معارضة بأصالة عدم الموت حتف الأنف ، فأجاب عنه بأنّ الموت حتف الأنف عبارة اخرى عن عدم التذكية ولا مغايرة بينهما.
وتحقيق المقام يقتضي بسطاً في المقال فأقول : إنّ الشك في حرمة اللحم تارةً يكون من الشبهة الموضوعية ، واخرى : من الشبهة الحكمية.
القسم الأوّل : ما كان الشك في حلية اللحم من جهة دوران الأمر بين كونه من مأكول اللحم أو من غيره ، مع العلم بوقوع التذكية بجميع شرائطها عليه ، كما إذا شكّ في كون اللحم المتخذ من حيوان علم وقوع التذكية عليه من شاة أو من أرنب مثلاً.
القسم الثاني : ما إذا كان الشك في الحلية من جهة احتمال طروء عنوان على الحيوان مانع عن قبوله التذكية ، بعد العلم بقابليته لها في حد ذاته ، كاحتمال الجلل في الشاة ، أو كونها موطوءة إنسان ، أو ارتضاعها من لبن خنزيرة.
القسم الثالث : ما إذا كان الشك في حليته لاحتمال عدم قبول الحيوان للتذكية ذاتاً ، بعد العلم بوقوع الذبح الجامع للشرائط عليه ، كما لو تردد الحيوان المذبوح في الظلمة مثلاً بين كونه شاةً أو كلباً.
القسم الرابع : ما كان الشك فيه من جهة احتمال عدم وقوع التذكية عليه ، للشك في تحقق الذبح أو لاحتمال اختلال بعض الشرائط ، مثل كون الذابح مسلماً أو كون الذبح بالحديد أو وقوعه إلى القبلة ، مع العلم بكون الحيوان قابلاً للتذكية.
أمّا القسم الأوّل : فهو مورد لأصالة الحل ، من دون حاجة إلى الفحص لكون الشبهة مصداقية. وأمّا ما أفاده الشهيد قدسسره (1)من أنّ الأصل في اللحوم مطلقاً هو الحرمة فهو غير صحيح بالنسبة إلى هذا الفرض ، إذ لا وجه
1) الروضة البهيّة 1 : 49
له بعد العلم بوقوع التذكية عليه.
وأمّا ما ذكره بعضهم من التمسك باستصحاب حرمة أكله الثابتة قبل زهاق الروح ، فهو أيضاً غير وجيه أمّا أوّلاً : فلأنّ حرمة أكل الحيوان الحي غير مسلّمة ، وقد أفتى جماعة من الفقهاء بجواز بلع السمك الصغير حيّاً ، مع أنّ تذكيته إنّما هي بموته خارج الماء ، لا بنفس إخراجه منه ، ولذا التزموا بعدم جواز أكل القطعة المبانة من السمك الحي بعد إخراجه من الماء حيّاً. وأمّا ثانياً : فلأنّ الحرمة الثابتة على تقدير تسليمها كانت ثابتة لعنوان الحيوان المتقوّم بالحياة ، وما يشك في حليته إنّما هو اللحم ، وهو مغاير للحيوان فلا يمكن جريان الاستصحاب.
وأمّا القسم الثاني : فلا مانع فيه من الرجوع إلى استصحاب عدم طروء مانع من التذكية ، فإذا تحقق الذبح عليه جامعاً للشرائط المعتبرة فيه تثبت التذكية بضمّ الوجدان إلى الأصل فيحكم بحليته.
وأمّا القسم الثالث : فإن قلنا بأنّ كل حيوان قابل للتذكية إلاّما خرج بالدليل ، كما ادّعاه صاحب الجواهر قدسسره (1). واستدلّ عليه برواية علي ابن يقطين (2)الواردة في الجلود ، وقلنا أيضاً بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية حتّى في العناوين الذاتية كعنوان الكلبية مثلاً ، فلا مانع من التمسك بذلك العموم بعد إجراء استصحاب عدم تحقق العنوان الخارج منه ، فيحكم بحلية لحم تردد بين الشاة والكلب بالشبهة الموضوعية.
وأمّا لو منعنا عن كلا الأمرين أو عن أحدهما ، فإن قلنا بأنّ التذكية أمر
وجودي بسيط مسبب عن الذبح بشرائطه ، كما هو الظاهر من لفظ المذكى ، نظير الطهارة المسببة عن الوضوء أو الغسل ، والملكية الحاصلة من الايجاب والقبول ، فيستصحب عدمها كما في نظائرها. وأمّا إذا قلنا بأ نّها عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصّة ، كما استظهره المحقق النائيني قدسسره (1)من إسناد التذكية إلى المكلف في قوله تعالى : «إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ» (2)الظاهر في المباشرة دون التسبيب ، فلا مجال لاجراء أصالة عدم التذكية ، للقطع بتحققها على الفرض ، فيرجع إلى أصالة الحل. ولكن هذا المبنى فاسد ، والاستظهار المذكور في غير محلّه ، إذ يصحّ إسناد الفعل التسبيبي إلى المكلف من غير مسامحة وعناية ، فيقال : زيد ملك الدار مثلاً.
وأمّا القسم الرابع : فالمرجع فيه أصالة عدم التذكية ، ويترتب عليها حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة فيه ، لأن غير المذكى قد أخذ مانعاً عن الصلاة. هذا كلّه في الشبهة الموضوعية.
الصورة الاولى : أن يكون الشك من غير جهة التذكية ، كما لو شكّ في حلية لحم الأرنب لعدم الدليل ، مع العلم بوقوع التذكية عليه ، والمرجع فيه أصالة الحل ، ولا يتوهم جريان أصالة الحرمة الثابتة قبل وقوع التذكية ، لما تقدّم في الشبهة الموضوعية.
الصورة الثانية : أن يكون الشك في الحلية للجهل بقابلية الحيوان للتذكية ، كما في الحيوان المتولد من الشاة والخنزير ، من دون أن يصدق عليه اسم أحدهما ،
فإن وجد عموم يدل على قابلية كل حيوان للتذكية إلاّما خرج فيرجع إليه بلا حاجة إلى استصحاب العدم الأزلي. وإنّما احتجنا إلى هذا الاستصحاب في الفرض المتقدِّم ، لأنّ الشبهة فيه كانت موضوعية ، ولا يمكن الرجوع فيها إلى العموم إلاّبعد إحراز الموضوع بالاستصحاب ونحوه.
وإن لم يوجد عموم يدل على ذلك ، فإن قلنا بأنّ التذكية أمر بسيط ، فالأصل عدم تحققها ، وإلاّ فيرجع إلى أصالة الحل. هذا كلّه فيما إذا لم يكن الشك في القابلية ناشئاً من احتمال طروء المانع. وأمّا إن كان مستنداً إلى ذلك ، كما لو شككنا في انّ الجلل الحاصل مانع عن التذكية أم لا ، فيرجع إلى أصالة عدم تحقق المانع.
الصورة الثالثة : أن يكون الشك في الحلية ناشئاً من الشك في اعتبار شيء في التذكية وعدمه ، كما إذا شككنا في اعتبار كون الذبح بالحديد مثلاً وعدمه ، والمرجع فيها أصالة عدم تحقق التذكية ، للشك في تحققها. ودعوى الرجوع إلى إطلاق دليل التذكية لنفي اعتبار الأمر المشكوك فيه غير مسموعة ، إذ ليست التذكية أمراً عرفياً كي ينزّل الدليل عليه ويدفع احتمال التقييد بالاطلاق ، كما كان الأمر كذلك في مثل قوله تعالى : «وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» (1)ولعل هذا واضح.
إنّما الكلام في أنّ المترتب على أصالة عدم التذكية خصوص حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة فيه أو النجاسة أيضاً.
والتحقيق : هو الأوّل ، لأنّ حرمة أكل اللحم مترتب على عدم التذكية بمقتضى قوله تعالى : «إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ» (2)وهكذا عدم جواز الصلاة ، بخلاف النجاسة
فانّها مترتبة على عنوان الميتة ، والموت في عرف المتشرعة - على ما صرّح به مجمع البحرين (1)- زهاق النفس المستند إلى سبب غير شرعي ، كخروج الروح حتف الأنف أو بالضرب أو الشق ونحوها ، فيكون أمراً وجودياً لا يمكن إثباته بأصالة عدم التذكية ، وعليه فيتمّ ما ذكره الفاضل النراقي قدسسره من معارضة اصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت ، فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة (2)، وإن كان التحقيق جريانهما معاً ، إذ لا يلزم منه مخالفة عملية ، ومجرّد كون عدم التذكية ملازماً للموت - لأنّ التذكية والموت ضدّان لا ثالث لهما - غير مانع عن جريانهما ، فانّ التفكيك بين اللوازم في الاصول العملية غير عزيز ، كما في المتوضئ بمائع مردد بين الماء والبول مثلاً ، فانّه محكوم بالطهارة الخبثية دون الحدثية للاستصحاب ، مع وضوح الملازمة بينهما بحسب الواقع ، ففي المقام يحكم بعدم جواز الأكل بمقتضى أصالة عدم التذكية ، وبالطهارة لأصالة عدم الموت.
ثمّ إنّ المحقق الهمداني قدسسره (3)ذهب إلى أنّ النجاسة مترتبة على عدم التذكية ، واستدلّ على ذلك بما في ذيل مكاتبة الصيقل من قوله عليهالسلام : «فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس» (4)باعتبار أنّ مفهومه أنّه لو لم يكن ذكياً ففيه بأس. والمراد بالبأس النجاسة ، لأنّها هي المسؤل عنها في المكاتبة. والظاهر عدم دلالة المكاتبة على ذلك ، وإنّما تدل على نفي البأس عمّا
كان يستعمله في عمله من جلود الحمر الوحشية الذكية في قبال الميتة المذكورة في صدرها ، فلا مفهوم لها ، ويدل على ما ذكرناه ذكر الوحشية في الكلام ، لأنّ كون الحمار وحشياً لا دخل له في طهارة جلده يقيناً.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ مقتضى أصالة عدم التذكية إذا جرت في مورد إنّما هي حرمة أكل اللحم وعدم جواز الصلاة في جلده ، وأمّا النجاسة فهي غير مترتبة على هذا الأصل ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة. وعلى هذا يحمل ما أفاده الشهيد قدسسره من أنّ الأصل في اللحوم هي الحرمة والطهارة (1).
ثمّ إنّ صاحب الحدائق قدسسره (2)أورد على الاصوليين وتعجّب منهم ، حيث حكموا بحرمة اللحم المشكوك فيه تمسكاً بأصالة عدم التذكية ، مع أنّهم يقولون بعدم جريان الأصل مع وجود الدليل ، والدليل على الحل موجود في المقام ، وهو قوله عليهالسلام : «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» (3).
وفساد ما ذكره واضح ، لأنّ الدليل الذي لا يجري الأصل مع وجوده هو الدليل على الحكم الواقعي ، والدليل المذكور في كلامه هو الدليل على البراءة التي هي من الاصول العملية ، لا الدليل على الحكم الواقعي ليتقدّم على الاستصحاب ، بل دليل الاستصحاب يخرج مورد جريانه عمّا لا يعلم حرمته ، ويدرجه في معلوم الحرمة ، ومعه كيف يمكن التمسك بدليل البراءة.
لا إشكال في حسن الاحتياط في الواجبات التوصلية ، فانّ المقصود فيها تحقق ذات العمل ، فالاحتياط فيها نوع من الانقياد للمولى. وكذا الحال في العبادات فيما إذا احرز أصل الرجحان وتردد الفعل بين الواجب والمندوب ، فانّ الاحتياط ممكن باتيان العمل بداعي أمره الواقعي.
والاشكال فيه من ناحية قصد الوجه مندفع أوّلاً : بأ نّه غير معتبر كما حقق في محلّه (1). وثانياً : بأ نّه على تقدير التسليم مختص بصورة الامكان ، وأمّا إذا لم يحرز الرجحان ودار الأمر بين الوجوب والاباحة ، فلا يمكن إحراز محبوبية العمل ، فانّه إن أتى به بداعي الأمر كان تشريعاً ، وإن أتى به بغير ذاك الداعي فلم يأت بالعبادة المقيّدة بقصد الأمر ، ومن هنا ربّما يستشكل في جريان الاحتياط في هذا النوع من العبادات.
وتوهم أنّه يستكشف ثبوت الأمر من حكم العقل بحسن الاحتياط بقاعدة الملازمة أو بنحو الإنّ ، مدفوع بأنّ حكم العقل بحسن الاحتياط لا يثبت موضوعه وإمكان الاحتياط ، فانّ حكم العقل والشرع جاريان على نحو القضايا الحقيقية وبيان للكبرى فقط ، ولا تعرّض لهما لبيان الصغرى وتحقق الموضوع خارجاً.
والتحقيق أن يقال : إنّ الاشكال المذكور مبني على أنّ عبادية الواجب متوقفة على الاتيان به بقصد الأمر الجزمي ، وليس الأمر كذلك إذ يكفي في عبادية الشيء مجرّد إضافته إلى المولى ، ومن الواضح أنّ الاتيان بالعمل برجاء
1) في ص 87 - 88 ، راجع أيضاً شرح العروة 5 : 421 - 423
المحبوبية واحتمال أمر المولى من أحسن أنحاء الاضافة ، والحاكم بذلك هو العقل والعرف ، بل هو أعلى وأرقى من امتثال الأمر الجزمي ، إذ ربّما يكون الانبعاث إليه لأجل الخوف من العقاب ، وهو غير محتمل في فرض عدم وصول الأمر والاتيان بالعمل برجاء المطلوبية. هذا مضافاً إلى أنّ اعتبار الجزم على تقدير التسليم مختص بصورة التمكّن كما ذكر في محلّه.
الأوّل : أنّ أوامر الاحتياط هل هي كالأمر بالاطاعة إرشادية إلى ما استقلّ به العقل ، فلا يترتب عليها سوى ما كان العقل مستقلاًّ به من حسن الانقياد واستيفاء الواقع ، أو أنّها مولوية ، فيكون الاحتياط مستحباً كبقية المستحبات ، فتكون إعادة الصلاة التي شكّ في صحّتها مستحباً شرعياً وإن كانت محكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ ونحوها.
الثاني : أنّه بناءً على كونها مولوية فهل هي في طول الأوامر الواقعية ، فيلزم قصد الأمر الواقعي في مقام الاحتياط ، أو أنّها في عرضها ، فيجوز قصد امتثال نفس تلك الأوامر ، كما هو الحال فيما إذا نذر الاتيان بواجب أو مستحب ، فانّه يجزي قصد الأمر النذري ، ولو كان الناذر حين الاتيان بالعمل غافلاً عن الأمر الوجوبي أو الندبي. وبعبارة اخرى : أوامر الاحتياط هل هي متعلقة بذات العمل حتّى يصحّ الاتيان به بداعي الأمر الاحتياطي ، أو أنّها متعلقة بالعمل المأتي به بداعي الأمر الواقعي رجاءً.
أمّا الأمر الأوّل : فذكر المحقق النائيني قدسسره (1)أنّ سياق الأخبار الواردة في الاحتياط يقتضي كونها مؤكّدةً لحكم العقل في مرحلة امتثال الأحكام
1) أجود التقريرات 3 : 354 - 355 ، فوائد الاصول 3 : 398 - 399
الواقعية وسلسلة معلولاتها ، فتكون تلك الأوامر إرشادية ، توضيحه : أنّ الحكم العقلي إن كان في مرتبة علل الأحكام وملاكاتها ، فيستتبع الحكم المولوي ، وإن كان في مرحلة الامتثال المترتب على ثبوت الحكم الشرعي كحكمه بلزوم الاطاعة فلا يستتبع الحكم المولوي ، بل يكون الأمر في هذا المقام إرشادياً ، والأمر بالاحتياط من هذا القبيل.
ثمّ ذكر قدسسره أنّه يمكن أن لا يكون الأمر بالاحتياط ناشئاً عن مصلحة إدراك الواقع ، بل يكون ناشئاً عن مصلحة في نفس الاحتياط ، كحصول قوّة للنفس باعثة على الطاعات وترك المعاصي ، وحصول التقوى للانسان ، وإلى هذا المعنى أشار عليهالسلام بقوله : «من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك» (1)والوجه فيه ظاهر ، فانّ حصول الملكات الحميدة أو المذمومة تدريجي ولترك الشبهات في ذلك أثر بيّن ، وعليه فيمكن أن يكون الأمر بالاحتياط بهذا الملاك ، وهو ملاك واقع في سلسلة علل الأحكام ، فيكون الأمر الناشئ عنه مولوياً.
أقول : أمّا ما ذكره ثانياً من إمكان أن يكون الأمر بالاحتياط مولوياً بملاك حصول التقوى وحصول القوّة النفسانية فمتين جداً.
وأمّا ما أفاده أوّلاً من كون الأمر بالاحتياط إرشادياً لكونه واقعاً في سلسلة معلول الحكم ، ففيه : أنّ مجرد ورود الأمر في مرحلة معلولات الأحكام لايستلزم الارشادية ، فلا يجوز رفع اليد عن ظهور اللفظ في المولوية ، ولايقاس المقام بالأمر بالطاعة ، لأنّ الأمر بالطاعة يستحيل فيه المولوية ولو لم نقل باستحالة التسلسل ، لأنّ مجرد الأمر المولوي ولو لم يكن متناهياً لايكون محرّكاً
1) الوسائل 27 : 161 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 27 (في الطبعة القديمة ح 22)
للعبد ما لم يكن له إلزام من ناحية العقل ، فلا بدّ من أن ينتهي الأمر المولوي في مقام المحركية نحو العمل إلى الالزام العقلي ، فلا مناص من أن يكون الأمر الوارد في مورده إرشاداً إلى ذلك ، وهذا بخلاف الأمر بالاحتياط ، فانّ حسن الاحتياط وإن كان من المستقلات العقلية الواقعة في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية الواقعية ، إلاّأنّ العقل بما أنّه لا يستقل بلزوم الاحتياط في كل مورد فلا مانع من أن يأمر به المولى مولوياً ، حرصاً على إدراك الواقع لزوماً - كما يراه الاخباري - أو استحباباً كما نراه.
وبالجملة : المناط في الحكم الارشادي كونه من المستقلات العقلية التي لا يعقل فيها ثبوت الحكم المولوي لكونه لغواً أو لغير ذلك. وأمّا مجرد وقوع الأمر في سلسلة معلولات الأحكام ومقام امتثالها فهو غير مانع من كونه مولوياً.
وعليه فالأمر بالاحتياط مولوي غاية الأمر أنّه يحمل على الاستحباب بقرينة الترخيص في الترك المستفاد من أخبار البراءة.
وأمّا الأمر الثاني : فملخّص القول فيه : أنّ الأوامر مطلقاً توصلية تسقط باتيان متعلقاتها ، غاية الأمر أنّ متعلق الأمر في التوصليات هو ذات العمل ، وفي التعبديات مقيّد بالاتيان به مضافاً إلى المولى ، سواء كان هذا القيد مأخوذاً في متعلق الأمر الأوّل شرعاً كما هو المختار ، أو الأمر الثاني كما اختاره المحقق النائيني قدسسره (1)أو بحكم العقل كما اختاره صاحب الكفاية قدسسره (2)فلم يعتبر في العبادة خصوص قصد الأمر ، بل عنوان جامع ومطلق إضافة العمل إلى المولى (سبحانه وتعالى) بأيّ نحو كان ، وهو كما يحصل بقصد الأمر الواقعي كذلك يحصل بقصد الأمر الاحتياطي أيضاً. نعم ، لو كان المعتبر في
العبادة قصد خصوص أمرها الواقعي ، أو كانت أوامر الاحتياط متعلقة بالعمل المأتي به بداعي احتمال الأمر الواقعي لكان اللازم فيما نحن فيه إتيان العمل بقصد الأمر الواقعي رجاءً ، لكنّك قد عرفت خلافه.
] ورد في عدّة من الروايات (1)أنّه من بلغه ثواب من اللّه سبحانه على عمل فعمل التماس ذلك الثواب اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه ، والتكلم في سند هذه الروايات غير لازم إذ منها ما هو صحيح من حيث السند فراجع ، إنّما المهم هو البحث عمّا يستفاد منها فيقع الكلام في جهات :
الجهة الاولى : في مفادها ، والمحتمل فيه وجوه ثلاثة :
الوجه الأوّل : أن يكون مفادها الارشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد ، وترتب الثواب على الاتيان بالعمل الذي بلغ عليه الثواب وإن لم يكن الأمر كما بلغه.
الوجه الثاني : أن يكون مفادها إسقاط شرائط حجّية الخبر في باب المستحبات ، وأ نّه لايعتبر فيها ما اعتبر في الخبر القائم على وجوب شيء من العدالة والوثاقة.
الوجه الثالث : أن يكون مفادها استحباب العمل بالعنوان الثانوي الطارئ ، أعني به عنوان بلوغ الثواب عليه ، فيكون عنوان البلوغ من قبيل سائر العناوين الطارئة على الأفعال الموجبة لحسنها وقبحها ولتغير أحكامها ، كعنوان الضرر
1) الوسائل 1 : 80 / أبواب مقدّمة العبادات ب 18
والعسر والنذر وأمر الوالد ونحوها.
هذه هي الوجوه المحتملة بدواً في تلك الأخبار ، والمناسب لما اشتهر بين الفقهاء من قاعدة التسامح في أدلة السنن هو الاحتمال الثاني كما ترى ، ولكنّه بعيد عن ظاهر الروايات غاية البعد ، لأنّ لسان الحجّية إنّما هو إلغاء احتمال الخلاف والبناء على أنّ مؤدى الطريق هو الواقع كما في أدلة الطرق والأمارات ، لا فرض عدم ثبوت المؤدى في الواقع ، كما هو لسان هذه الأخبار ، فهو غير مناسب لبيان حجّية الخبر الضعيف في باب المستحبات ، ولا أقل من عدم دلالتها عليها ، وكذا الاحتمال الثالث ، إذ لا دلالة بل لا إشعار للأخبار المذكورة على أنّ عنوان البلوغ ممّا يوجب حدوث مصلحة في العمل بها يصير مستحباً.
فالمتعيّن هو الاحتمال الأوّل ، فانّ مفادها مجرد الاخبار عن فضل اللّه تعالى وأ نّه سبحانه بفضله ورحمته يعطي الثواب الذي بلغ العامل ، وإن كان غير مطابق للواقع ، فهي كما ترى غير ناظرة إلى العمل وأ نّه يصير مستحباً لأجل طروء عنوان البلوغ ، ولا إلى إسقاط شرائط حجّية الخبر في باب المستحبات.
فتحصّل : أنّ قاعدة التسامح في أدلة السنن ممّا لا أساس لها ، وبما ذكرناه من عدم دلالة هذه الأخبار على الاستحباب الشرعي سقط كثير من المباحث التي تعرّضوا لها في المقام :
منها : أنّ المستفاد منها هل هو استحباب ذات العمل ، أو استحبابه فيما إذا اتي به بعنوان الرجاء والاحتياط؟ فنقول لا دلالة لها على استحباب العمل بأحد من الوجهين ، نعم الثواب مترتب على ما إذا كان الاتيان بالعمل بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية على ما يستفاد من قوله عليهالسلام : «فعمله التماس ذلك الثواب» (1)أو «طلب قول النبي صلىاللّهعليهوآله» (2)، فلا يترتب
الثواب على ما إذا أتى بالعمل لغرض آخر.
ومنها : البحث عن ظهور الثمرة بين الاحتمال الثاني والثالث فيما إذا دلّ خبر ضعيف على استحباب ما ثبتت حرمته بعموم أو إطلاق ، باعتبار أنّه على تقدير كون الخبر المذكور حجّة - كما هو الاحتمال الثاني - كان مخصصاً للعام أو مقيداً للمطلق. وأمّا على الاحتمال الثالث من كون العمل مستحباً شرعياً بعنوان البلوغ ، فيقع التزاحم بين الحكم الاستحبابي الثابت بالعنوان العرضي ، والحكم التحريمي الثابت بالعنوان الأوّلي ، فيقدّم الحكم الالزامي لا محالة.
فانّا نقول : لا دلالة لهذه الأخبار على حجّية الخبر الضعيف ، ولا على استحباب العمل ، فالبحث المذكور ساقط من أساسه ، وفي مفروض المثال لا مجال لكون الخبر الضعيف مخصصاً أو مقيداً ، ولا الاستحباب المستفاد منه مزاحماً للحرمة ، فيحكم بتحريم ما ثبتت حرمته بالعموم أو الاطلاق ، ولا يعتنى بالخبر الضعيف الدال على الاستحباب أصلاً.
ومنها : البحث عن معارضة هذه الأخبار لما دلّ على اعتبار العدالة أو الوثاقة في حجّية الخبر ، وبيان الوجه في تقدّمها عليه من كونها أخص مطلقاً منه أو أشهر منه على ما ذكروه في المقام ، فانّ هذا البحث مبني على تمامية دلالة هذه الأخبار على حجّية الخبر الضعيف في باب المستحبات وتمامية قاعدة التسامح في أدلة السنن ، وقد عرفت عدمها ، فلا معارضة بينها وبين ما دلّ على اعتبار العدالة أو الوثاقة في حجّية الخبر.
ومنها : البحث عن ثبوت الاستحباب بفتوى الفقيه باعتبار صدق عنوان البلوغ عليها وعدمه ، فانّ هذا البحث متفرع على دلالة هذه الأخبار على استحباب عمل بلغ فيه الثواب وقد عرفت عدمها ، نعم لا نضايق عن ترتب
الثواب في كل موردٍ صدق فيه بلوغ الثواب ، سواء كان البلوغ بفتوى الفقيه أو بنقل الرواية ، وسواء كان البلوغ بالدلالة المطابقية أو بالالتزام. إلى غير ذلك من الأبحاث المبتنية على دلالة هذه الأخبار على حجّية الخبر الضعيف في باب السنن ، أو على دلالتها على استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب.
الجهة الثانية : أنّ هذه الروايات لا تشمل عملاً قامت الحجّة على حرمته من عموم أو إطلاق ، فإذا دلّ خبر ضعيف على ترتب الثواب على عمل قامت حجّة معتبرة على حرمته ، لا يمكن رفع اليد به عنها ، والسر فيه واضح ، فانّ أخبار المقام مختصة بما بلغ فيه الثواب فقط ، فلا تشمل ما ثبت العقاب عليه بدليل معتبر. وبعبارة اخرى : أخبار المقام لا تشمل عملاً مقطوع الحرمة ولو بالقطع التعبدي ، فانّ القطع بالحرمة يستلزم القطع باستحقاق العقاب فكيف يمكن الالتزام بترتب الثواب.
الجهة الثالثة : في ثمرة البحث عن دلالة هذه الأخبار على الاستحباب مع أنّ الثواب مترتب على العمل المأتي به برجاء المطلوبية لا محالة ، سواء قلنا باستحبابه شرعاً أم لم نقل به. وبعبارة اخرى : لا فرق بين القول بدلالتها على الحكم المولوي والقول بكون مفادها الارشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد في ترتب الثواب على العمل الذي بلغ الثواب عليه ، فأيّ فائدة في البحث عن ثبوت الحكم المولوي وعدمه ، وذكر الشيخ قدسسره (1)في بيان الثمرة موردين.
المورد الأوّل : جواز المسح ببلة المسترسل من اللحية لو دلّ على استحباب غسله في الوضوء خبر ضعيف ، بناءً على ثبوت الاستحباب الشرعي بالخبر الضعيف ، وعدم جواز المسح بها بناءً على عدم ثبوته ، لعدم إحراز كونه من أجزاء الوضوء حينئذ.
1) فرائد الاصول 1 : 423
واورد على ذلك بوجهين : الأوّل : ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره في تعليقته على الرسائل (1)من عدم جواز المسح بالبلّة المذكورة حتّى على القول باستحباب الغسل شرعاً ، لأنّه مستحب مستقل في واجب أو في مستحب وليس من أجزاء الوضوء.
وفيه : أنّ ذلك خروج عن الفرض ، إذ المفروض دلالة الخبر الضعيف على كونه جزءاً من الوضوء.
الثاني : ما ذكره الشيخ نفسه من أنّه لا دليل على جواز الأخذ من بلة الوضوء مطلقاً ، حتّى من الأجزاء المستحبة ، وإنّما ثبت جواز الأخذ من الأجزاء الأصلية ، فالقول باستحباب غسل المسترسل من اللحية لا يستلزم جواز المسح ببلته.
المورد الثاني : الوضوء الذي دلّ خبر ضعيف على استحبابه لغاية خاصّة ، كقراءة القرآن أو النوم مثلاً ، فانّه على القول باستحبابه يرتفع به الحدث ، وعلى القول بعدمه لا يرتفع به الحدث.
وأورد عليه : بأنّ كل وضوء مستحب لم يثبت كونه رافعاً للحدث ، فانّه يستحب الوضوء للجنب والحائض في بعض الأحوال ، مع أنّه لايرتفع به الحدث ، وكذا الوضوء التجديدي مستحب ولا يرفع الحدث.
وفيه : أنّ الوضوء إنّما يرفع الحدث الأصغر ، والجنب والحائض محدثان بالحدث الأكبر ، فعدم ارتفاع الحدث فيهما إنّما هو من جهة عدم قابلية المورد ، فلا ينتقض بذلك على الارتفاع في مورد قابل كما هو محل الكلام. ومن ذلك ظهر الجواب عن النقض بالوضوء التجديدي ، فهذه الثمرة تامّة ، ولكنّها مبنية
1) دُرر الفوائد في الحاشية على الفرائد : 227
على القول بعدم استحباب الوضوء نفسياً ، من دون أن يقصد به غاية من الغايات. وأمّا لو قلنا باستحبابه كذلك كما هو الظاهر من الروايات ، فلا تتمّ الثمرة المذكورة ، إذ عليه يكون نفس الوضوء مستحباً رافعاً للحدث ، ثبت استحبابه لغاية خاصّة أم لم يثبت.
قد يتوهّم عدم جريان البراءة في الشبهة التحريمية الموضوعية ، بدعوى أنّ الشك فيها ليس شكاً في التكليف ليرجع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو إلى حديث الرفع ، فانّ جعل الحكم بنحو الكلّي الذي هو وظيفة الشارع معلوم ، ووصل إلى المكلف أيضاً ، وإنّما الشك في مقام الامتثال والتطبيق ، فالمتعيّن هو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، لأنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
وأورد عليه الشيخ قدسسره (1)بما ملخّصه : أنّ الأحكام الشرعية مجعولة بنحو القضايا الحقيقية التي يحكم فيها على الأفراد المقدّر وجودها ، فهي تنحل إلى أحكام متعددة بتعدد أفراد الموضوع ، فلكل فرد من أفراد الموضوع حكم مستقل ، وعليه فلو شكّ في كون شيء مصداقاً للموضوع كان الشك في ثبوت الحكم له ، فيكون شكاً في التكليف ، والمرجع فيه البراءة لا الاشتغال.
وذكر صاحب الكفاية قدسسره (2)أنّ النهي قد يكون انحلالياً ، بأن يكون كل فرد من أفراد الموضوع محكوماً بحكم مستقل ، وقد يكون حكماً واحداً متعلقاً بترك الطبيعة رأساً ، بحيث لو وجد فرد منها لما حصل الامتثال
أصلاً. فعلى الأوّل يكون الشك في انطباق الموضوع على شيء شكاً في ثبوت التكليف فالمرجع هي البراءة ، وعلى الثاني كان مورداً لقاعدة الاشتغال ، لأنّ تعلّق التكليف بترك الطبيعة رأساً معلوم ، ولا يحرز امتثاله إلاّبترك كل ما يحتمل انطباق الطبيعة عليه ، إلاّإذا كانت له حالة سابقة فيستصحب ، فيكون الامتثال محرزاً بالتعبد.
وتحقيق المقام يقتضي بسطاً في الكلام ، فانّ تعلّق التكليف التحريمي بالطبيعة ليس منحصراً بما ذكره الشيخ قدسسره من الانحلال إلى تكاليف متعددة بتعدد أفراد الموضوع ، ولا بما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من القسمين ، فنقول : إنّ النهي المتعلق بالطبيعة يتصوّر على أقسام :
الأوّل : أن يكون متعلقاً بها على نحو الطبيعة السارية ، بأن يكون التكليف متعدداً بتعدد أفرادها ، وعليه فلو شكّ في كون شيء مصداقاً للموضوع كان الشك في ثبوت التكليف ، فيرجع إلى البراءة كما ذكره الشيخ وصاحب الكفاية قدسسرهما.
الثاني : أن يكون متعلقاً بها على نحو صرف الوجود ، بأن يكون التكليف واحداً متعلقاً بترك الطبيعة رأساً ، بحيث لو وجد فرد منها لما حصل الامتثال أصلاً ، وإن كان المتصف بالحرمة هو أوّل وجود الطبيعة دون غيره. وفي هذا الفرض لو شكّ في كون شيء مصداقاً للموضوع فذكر صاحب الكفاية قدسسره أنّ المرجع فيه قاعدة الاشتغال ، باعتبار أنّ تعلّق التكليف بترك الطبيعة معلوم ، ولا يحرز امتثاله إلاّبترك كل ما يحتمل انطباق الطبيعة عليه. ولكنّ التحقيق أنّ المرجع فيه أيضاً هي البراءة ، لأنّ الشك في المصداق في هذا الفرض شكّ في تعلّق التكليف الضمني به ، فيرجع إلى البراءة ، إذ لا اختصاص لها
بالتكاليف الاستقلالية ، بناءً على ما ذكرناه في محلّه (1)من جريان البراءة عند الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين.
الثالث : أن يكون النهي زجراً عن المجموع ، بحيث لو ترك فرداً واحداً من الطبيعة فقد أطاع ، ولو ارتكب بقية الأفراد بأجمعها في مقابل القسم الثاني ، إذ فيه لو ارتكب فرداً واحداً فقد عصى ، ولو ترك البقية بأجمعها كما تقدّم ، ومن الواضح أنّه في هذا الفرض الثالث يجوز للمكلف ارتكاب بعض الأفراد المتيقنة مع ترك غيره ، فضلاً عن الفرد المشكوك فيه.
وهل يجوز ارتكاب جميع الأفراد المتيقنة وترك خصوص الفرد المشكوك فيه أم لا؟ الظاهر هو الجواز ، لأنّه يرجع إلى الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين في المحرّمات ، وهو على عكس الشك في الأقل والأكثر في الواجبات ، فانّ تعلّق التكليف بالأقل عند دوران الواجب بين الأقل والأكثر هو المتيقن ، إنّما الشك في تعلّقه بالزائد ، فيرجع في نفيه إلى البراءة. وأمّا في باب المحرّمات فتعلّق التكليف بالأكثر هو المتيقن ، إنّما الشك في حرمة الأقل ، لأنّ الاتيان بالأكثر - أعني الأفراد المتيقنة والفرد المشكوك فيه - محرّم قطعاً ، وأمّا ارتكاب ما عدا الفرد المشكوك فيه فحرمته غير معلومة والمرجع هو البراءة.
الرابع : أن يكون النهي متعلقاً بجميع الأفراد الخارجية ، باعتبار أنّ المطلوب أمر بسيط متحصّل من مجموع التروك ، كما لو فرضنا أنّ المطلوب بالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه هو وقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل. وفي هذا الفرض لو شكّ في كون شيء مصداقاً للموضوع كان المرجع قاعدة الاشتغال ، وعدم
1) في ص 494 وما بعدها
جواز ارتكاب المشكوك في كونه فرداً له ، لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في المحصّل بعد العلم بثبوت التكليف ، فلا مناص من القول بالاشتغال. نعم [لو] كان الأمر البسيط حاصلاً سابقاً ، فمع ارتكاب الفرد المشكوك فيه يجري استصحاب بقاء هذا الأمر ، فيكون الامتثال حاصلاً بالتعبد الشرعي.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ ما ذكره بعضهم - من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في الشبهة التحريمية الموضوعية - إنّما يصح في خصوص قسم واحد من الأقسام المذكورة ، وهو القسم الأخير.
قد عرفت حسن الاحتياط عقلاً وشرعاً حتّى فيما إذا قامت الأمارة على عدم التكليف في الواقع ، فانّ احتمال ثبوت التكليف في الواقع كافٍ في حسن الاحتياط ، لتدارك المصلحة الواقعية على تقدير وجودها ، إلاّأنّ حسنه مقيّد بعدم استلزامه اختلال النظام ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الحالات الطارئة لهم ، وكل ذلك واضح.
إنّما المقصود هو الاشارة إلى أنّ كل فرد من أفراد الشبهة لا يكون الاحتياط فيه مستلزماً لاختلال النظام ، وإنّما المستلزم لذلك هو الجمع بين المحتملات والأخذ بالاحتياط في جميع الشبهات ، وعليه فالاحتياط في كل شبهة في نفسها مع قطع النظر عن الاخرى باقٍ على حسنه ، ويترتب على ذلك أنّه على تقدير كون الاحتياط في جميع الشبهات مستلزماً لاختلال النظام لا بأس بالتبعيض في الاحتياط.
وبعبارة اخرى : كون الاحتياط الكلّي قبيحاً لاستلزامه اختلال النظام لا ينافي حسن التبعيض فيه ، وللتبعيض طريقان :
الأوّل : أن يختار الاحتياط في جميع الشبهات العرضية إلى أن ينتهي الأمر إلى اختلال النظام ، فيترك الاحتياط رأساً وفي جميع الشبهات.
الثاني : أن يختار الاحتياط في بعض الأفراد العرضية دون بعض حتّى لا ينتهي الأمر إلى اختلال النظام أبداً. ولعل هذا الطريق الثاني أولى ، لما ورد عنهم عليهمالسلام من أنّ القليل الذي تدوم عليه خير من كثير لا تدوم عليه (1).
ثمّ إنّ لهذا الطريق أيضاً صورتين :
الاولى : أن يحتاط في الموارد التي كان التكليف المحتمل فيها أهم في نظر الشارع من التكليف المحتمل في غيرها.
الثانية : أن يحتاط في الموارد التي كان ثبوت التكليف فيها مظنوناً أو مشكوكاً ، ويترك الاحتياط فيما كان احتمال التكليف فيه موهوماً ، فان كان ذلك أيضاً مخلاًّ بالنظام يكتفي بالاحتياط في المظنونات فقط. وهذا هو المراد ممّا ذكره صاحب الكفاية قدسسره بقوله : كان الراجح لمن التفت إلى ذلك من أوّل الأمر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالاً أو محتملاً (2).
وقبل ذكر الأقوال في المقام وبيان الصحيح والسقيم منها لا بدّ من التنبيه على أمر ، وهو أنّه يعتبر في محل النزاع أمران :
أحدهما : دوران الفعل بين الوجوب والحرمة فقط ، وعدم احتمال اتصافه بغيرهما من الأحكام غير الالزامية ، فانّه مع احتمال ذلك يرجع إلى البراءة ، لكونه شكاً في التكليف الالزامي ، بل هو أولى بجريان البراءة من الشبهة التحريمية المحضة أو الوجوبية المحضة ، لعدم جريان أدلة الاحتياط فيه لعدم إمكانه.
ثانيهما : أن لا يكون أحد الحكمين بخصوصه مورداً للاستصحاب ، إذ عليه يجب العمل بالاستصحاب وينحل العلم الاجمالي لا محالة.
إذا عرفت محل النزاع فنقول : إنّ تحقيق الحال في دوران الأمر بين المحذورين يقتضي التكلم في مقامات ثلاثة :
المقام الأوّل : دوران الأمر بين المحذورين في التوصليات مع وحدة الواقعة.
المقام الثاني : دوران الأمر بين المحذورين في التعبديات ، بمعنى أن يكون أحد الحكمين أو كلاهما تعبدياً مع وحدة الواقعة. وإن شئت فعبّر عن المقام الأوّل بدوران الأمر بين المحذورين مع عدم إمكان المخالفة القطعية ، وعن المقام الثاني
بدوران الأمر بين المحذورين مع إمكانها على ما سيتّضح قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
المقام الثالث : دوران الأمر بين المحذورين مع تعدد الواقعة ، بلا فرق بين التعبديات والتوصليات في ذلك.
أمّا المقام الأوّل : وهو دوران الأمر بين المحذورين في التوصليات مع وحدة الواقعة ، فالأقوال فيه خمسة : الأوّل : تقديم احتمال الحرمة ، لكون دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة. الثاني : الحكم بالتخيير بينهما شرعاً. الثالث : هو الحكم بالاباحة شرعاً والتخيير بينهما عقلاً ، واختاره صاحب الكفاية قدسسره (2). الرابع : هو الحكم بالتخيير بينهما عقلاً من دون الالتزام بحكم ظاهري شرعاً ، واختاره المحقق النائيني قدسسره (3). الخامس : جريان البراءة شرعاً وعقلاً.
وهذا هو الصحيح ، لعموم أدلة البراءة الشرعية وعدم ثبوت ما يمنع عن شمولها ، ولحكم العقل بقبح العقاب على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به الموجب لصدق عدم البيان. ويتّضح هذا وضوحاً ببيان ما في سائر الأقوال فنقول :
أمّا القول الأوّل : ففيه أوّلاً : منع أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة على نحو الاطلاق ، ضرورة أنّه ربّ واجب يكون أهم من الحرام في صورة المزاحمة.
وثانياً : أنّه على تقدير التسليم ، فانّما يتم فيما إذا كانت المفسدة والمصلحة معلومتين. وأمّا لو كان الموجود مجرد احتمال المفسدة ، فلا نسلّم أولوية رعايته
من رعاية احتمال المصلحة ، كيف وقد عرفت عدم لزوم رعاية احتمال المفسدة مع القطع بعدم وجود المصلحة ، كما إذا دار الأمر بين الحرمة وغير الواجب ، فلا وجه للزوم مراعاة احتمال المفسدة مع احتمال المصلحة أيضاً.
وأمّا القول الثاني : وهو الحكم بالتخيير شرعاً ، ففيه : أنّه إن اريد به التخيير في المسألة الاصولية أعني الأخذ بأحد الحكمين في مقام الافتاء ، نظير الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين ، فلا دليل عليه. وقياس المقام على الخبرين المتعارضين مع الفارق ، لوجود النص هناك (1)دون المقام ، فالافتاء بأحدهما بخصوصه تشريع محرّم. وإن اريد به التخيير في المسألة الفرعية أعني الأخذ بأحدهما في مقام العمل ، بأن يكون الواجب على المكلف أحد الأمرين تخييراً من الفعل أو الترك ، فهو أمر غير معقول ، لأنّ أحد المتناقضين حاصل لا محالة ، ولا يعقل تعلّق الطلب بما هو حاصل تكويناً ، ولذا ذكرنا في محلّه (2)أنّه لا يعقل التخيير بين ضدّين لا ثالث لهما ، لأنّ أحدهما حاصل بالضرورة ، ولا يعقل تعلّق الطلب به.
وأمّا القول الثالث : وهو القول بالاباحة الشرعية ، ففيه أوّلاً : أنّ أدلّة الاباحة الشرعية مختصّة بالشبهات الموضوعية كما عرفت سابقاً (3)، فلا تجري فيما إذا دار الأمر بين المحذورين في الشبهات الحكمية ، فالدليل أخص من المدعى.
وثانياً : أنّ أدلة الحل لا تشمل المقام أصلاً ، لأنّ المأخوذ في الحكم بالاباحة
الظاهرية شرعاً هو الشك فيها ، والمفروض في المقام هو العلم بثبوت الالزام في الواقع إجمالاً ، وعدم كون الفعل مباحاً يقيناً ، فكيف يمكن الحكم بالاباحة ظاهراً.
وأمّا القول الرابع : وهو الحكم بالتخيير عقلاً من دون أن يكون المورد محكوماً بحكم ظاهري شرعاً فقد استدلّ له بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ الحكم الظاهري لا بدّ له من أثر شرعي ، وإلاّ لكان جعله لغواً ، ولا فائدة في جعل حكم ظاهري في المقام ، لعدم خلو المكلف من الفعل أو الترك تكويناً.
وفيه : أنّ الملحوظ في الحكم الظاهري هو كل واحد من الوجوب والحرمة مستقلاًّ باعتبار أنّ كل واحد منهما مشكوك فيه مع قطع النظر عن الآخر ، فيكون مفاد رفع الوجوب ظاهراً هو الترخيص في الترك ، ومفاد رفع الحرمة ظاهراً هو الترخيص في الفعل ، فكيف يكون جعل الحكم الظاهري لغواً. مع أنّه لو كان عدم خلوّ المكلف من الفعل أو الترك موجباً للغوية الحكم الظاهري ، لكان جعل الاباحة الظاهرية في غير المقام أيضاً لغواً ، وهو ظاهر الفساد.
الوجه الثاني : أنّ رفع الالزام ظاهراً إنّما يكون في مورد قابل للوضع بايجاب الاحتياط ، والمفروض عدم إمكانه في المقام ، فإذا لم يمكن جعل الالزام لا يمكن رفعه أيضاً ، فالمورد غير قابل للتعبد الشرعي بالوضع أو الرفع.
وفيه : أنّ المورد قابل للتعبد بالنسبة إلى كل من الحكمين بخصوصه ، فانّ القدرة على الوضع إنّما تلاحظ بالنسبة إلى كل من الوجوب والحرمة مستقلاًّ لا إليهما معاً ، وحيث إنّ جعل الاحتياط بالنسبة إلى كل منهما بخصوصه أمر ممكن ، فلا محالة كان الرفع أيضاً بهذا اللحاظ ممكناً ، وتوضيح ذلك : أنّ القدرة على كل واحد من الأفعال المتضادة كافية في القدرة على ترك الجميع ، ولا يعتبر
فيها القدرة على فعل الجميع في عرض واحد ، ألا ترى أنّ الانسان مع عدم قدرته على إيجاد الأفعال المتضادة في آن واحد يقدر على ترك جميعها ، وليس ذلك إلاّمن جهة قدرته على فعل كل واحد منها بخصوصه ، ففي المقام وإن لم يكن الشارع متمكناً من وضع الالزام بالفعل والترك معاً ، ولكنّه متمكن من وضع الالزام بكل منهما بخصوصه ، وذلك يكفي في قدرته على رفعهما معاً ، وحينئذ فلمّا كان كل واحد من الوجوب والحرمة مجهولاً ، كان مشمولاً لأدلة البراءة ، وتكون النتيجة هو الترخيص في كل من الفعل والترك.
وممّا ذكرناه يظهر أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب أيضاً في المقام لو كان لكل من الحكمين حالة سابقة ، إذ لا فرق في ذلك بين الاصول التنزيلية وغيرها ، كما لا فرق بين أن تكون الشبهة حكمية أو موضوعية ، فلو علم المكلف مثلاً بوقوع الحلف على سفر معيّن أو على تركه ، فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدم الحلف على فعله ، واستصحاب عدم الحلف على تركه ، وكذا لو علمنا بوجوب عملٍ أو حرمته في الشريعة المقدّسة ، كان استصحاب عدم جعل كل منهما جارياً ، بناءً على ما ذكرناه في محلّه من جريان استصحاب عدم الجعل (1).
ثمّ إنّه قد يستشكل في الرجوع إلى الاصول العملية في المقام بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ الرجوع إليها مخالف للعلم الاجمالي بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع.
والجواب : أنّ هذه مخالفة التزامية لا بأس بها. وأمّا المخالفة العملية القطعية فهي مستحيلة كالموافقة القطعية ، ولذا يعبّر عن المقام بدوران الأمر بين محذورين.
الوجه الثاني : أنّ الرجوع إلى الاصول النافية إنّما يصحّ عند الشك في أصل
1) تقدّم في مبحث البراءة في ص 334 ويأتي في الجزء الثالث في ص 54
التكليف ، وحيث إنّا نعلم في المقام بجنس الالزام ، فالشك إنّما هو في المكلف به لا في التكليف ، فكيف يمكن الرجوع إلى الأصل النافي.
والجواب : أنّ العلم بالالزام إنّما يمنع من جريان الاصول فيما إذا كان التكليف المعلوم إجمالاً قابلاً للباعثية ، كما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر ، وأمّا إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته بعينه ، فالعلم بوجود الالزام في حكم العدم ، إذ الموافقة القطعية كالمخالفة القطعية مستحيلة ، والموافقة الاحتمالية كالمخالفة الاحتمالية حاصلة لا محالة ، فلا أثر للعلم الاجمالي بالالزام أصلاً ، فصحّ أن نقول : إنّ مورد دوران الأمر بين محذورين من قبيل الشك في التكليف لا الشك في المكلف به.
وظهر بما ذكرناه ضعف ما في الكفاية من منع جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، لأنّ العلم الاجمالي بيان (1)، وذلك لأنّ العلم الاجمالي غير القابل للباعثية لا يعدّ بياناً ، فالبراءة العقلية كالبراءة الشرعية جارية في المقام ، فلا تصل النوبة إلى التخيير العقلي.
ثمّ إنّه لا منافاة بين ما ذكرناه - من جريان البراءة الشرعية والعقلية ، بل الاستصحاب في المقام - وبين ما قدّمناه من المنع عن جريان أصالة الاباحة فيه ، لأنّ أصالة الاباحة أصل واحد لا مجال لجريانها مع العلم بعدم الاباحة في الواقع تفصيلاً ، لما ذكرناه في محلّه من أنّه يعتبر في جريان الأصل عدم العلم بمخالفته للواقع. وهذا بخلاف أصل البراءة والاستصحاب ، فانّه يجري في كل من الوجوب والحرمة مستقلاًّ على ما تقدّم بيانه ، ولا علم بمخالفة كل من الأصلين للواقع ، غاية الأمر أنّه يحصل العلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع
1) كفاية الاصول : 356
مع الشك في مخالفة كل منهما في نفسه ، وليس في ذلك إلاّالمخالفة الالتزامية ، وقد عرفت أنّه لا محذور فيها.
ثمّ إنّه بناءً على ما اخترناه من جريان الاصول النافية في موارد دوران الأمر بين محذورين لا فرق بين أن يكون أحد الحكمين محتمل الأهمّية وعدمه ، لأنّ كلاً من الحكمين المجهولين مورد لأصالة البراءة ومأمون من العقاب على مخالفته ، سواء كان أحدهما على تقدير ثبوته في الواقع أهم من الآخر أم لم يكن.
وأمّا بناءً على كون الحكم فيه هو التخيير العقلي ، فالمقام يندرج في كبرى دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وهل الحكم فيه هو التعيين أو التخيير؟ وجهان بل قولان.
ذهب صاحب الكفاية قدسسره (1)إلى التعيين ، بدعوى أنّ العقل يحكم بتعيين محتمل الأهمّية ، كما هو الحال في جميع موارد التزاحم عند احتمال أهمّية أحد المتزاحمين بخصوصه. واختار المحقق النائيني قدسسره (2)الحكم بالتخيير على خلاف ما اختاره في باب التزاحم. وهذا هو الصحيح ، وذلك لأنّ المزاحمة بين الحكمين في باب التزاحم إنّما تنشأ من شمول إطلاق كل من الخطابين لحال الاتيان بمتعلق الآخر ، فإذا لم يمكن الجمع بينهما لعدم القدرة عليه فلا مناص من سقوط أحد الاطلاقين ، فإن كان أحدهما أهم من الآخر كان الساقط غيره ، وإلاّ سقط الاطلاقان معاً ، لبطلان الترجيح بلا مرجح.
هذا فيما إذا علم كون أحدهما المعيّن أهم ، أو علم تساويهما. وأمّا إذا احتمل أهمّية أحدهما المعيّن ، فسقوط الاطلاق في غيره معلوم على كل تقدير ، إنّما الشك
في سقوط إطلاق ما هو محتمل الأهمّية ، ومن الظاهر أنّه مع الشك في سقوط إطلاقه يتعيّن الأخذ به ، فتكون النتيجة لزوم الأخذ بمحتمل الأهمّية وترك غيره.
هذا فيما إذا كان لكل من دليلي الحكمين إطلاق. وأمّا إذا لم يكن لشيء منهما إطلاق ، وكان كل من الحكمين ثابتاً باجماع ونحوه ، فالوجه في تقديم محتمل الأهمّية هو أنّ كلاً من الحكمين يكشف عن اشتمال متعلقه على الملاك الملزم ، وعجز المكلف عن استيفائهما معاً يقتضي جواز تفويت أحدهما ، فعند احتمال أهمّية أحد الحكمين بخصوصه يقطع بجواز استيفاء ملاكه وتفويت ملاك الآخر على كل تقدير. وأمّا تفويت ملاك ما هو محتمل الأهمّية - ولو باستيفاء ملاك الآخر - فلم يثبت جوازه ، فلا مناص حينئذ من الأخذ بمحتمل الأهمّية.
وهذا الوجه للزوم الأخذ بالتعيين غير جارٍ في المقام ، إذ المفروض أنّ الحكم المجعول واحد مردّد بين الوجوب والحرمة ، فليس في البين إطلاقان ولا ملاكان.
ونسبة العلم الاجمالي إلى كل من الحكمين على حد سواء ، فالحكم العقلي بالتخيير - بمعنى اللاّ حرجية الناشئ من استحالة الجمع بين النقيضين - باقٍ على حاله.
وإن شئت قلت : إنّ الأهمّية المحتملة في المقام تقديرية ، إذ لم يعلم ثبوت أحد الحكمين بخصوصه. وإنّما المعلوم ثبوت الالزام في الجملة ، غاية الأمر أنّه لو كان الالزام في ضمن أحدهما المعيّن احتمل أهمّيته ، وهذا بخلاف باب التزاحم المعلوم فيه ثبوت كل من الحكمين ، وإنّما كان عدم وجوب امتثالهما معاً للعجز وعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه بناءً على عدم جريان الاصول النافية وكون الحكم هو التخيير العقلي لا يندرج المقام في كبرى التزاحم ، ولا وجه لتقديم محتمل الأهمّية على غيره.
المقام الثاني : فيما إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما تعبدياً مع وحدة الواقعة ، كما إذا دار الأمر بين وجوب الصلاة على المرأة وحرمتها عليها ، لاحتمالها الطهر والحيض مع عدم إحراز أحدهما ولو بالاستصحاب ، بناءً على حرمة الصلاة على الحائض ذاتاً ، بمعنى أن يكون نفس العمل حراماً عليها ولو مع عدم قصد القربة وانتسابه إلى المولى ، ففي مثل ذلك يمكن المخالفة القطعية باتيان العمل بغير قصد القربة ، فانّه على تقدير كونها حائضاً فأتت بالمحرّم ، وعلى تقدير عدم كونها حائضاً فقد تركت الواجب ، ولأجل ذلك كان العلم الاجمالي منجّزاً وإن لم تجب الموافقة القطعية لتعذّرها.
توضيح ذلك : أنّ العلم الاجمالي على أربعة أقسام :
القسم الأوّل : ما يمكن فيه الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ، وهو الغالب ، كما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر ، فانّه يمكن الموافقة القطعية بالجمع بين الاتيان بالأوّل وترك الثاني ، ويمكن أيضاً المخالفة القطعية بترك الأوّل والاتيان بالثاني.
القسم الثاني : ما لا يمكن فيه الموافقة القطعية ولا المخالفة القطعية ، كموارد دوران الأمر بين المحذورين فيما لم يكن شيء من الحكمين المحتملين تعبدياً ، وقد تقدّم حكمه في المقام الأوّل.
القسم الثالث : ما يمكن فيه المخالفة القطعية دون الموافقة القطعية ، كالمثال المتقدِّم في حقّ المرأة المرددة بين الطهر والحيض ، وكما لو علم إجمالاً بوجوب أحد الضدّين اللذين لهما ثالث في زمان واحد ، فانّه يمكن المخالفة القطعية بتركهما معاً ، ولا يمكن الموافقة القطعية لعدم إمكان الجمع بين الضدّين في آنٍ واحد.
القسم الرابع : عكس الثالث بأن يمكن فيه الموافقة القطعية دون المخالفة
القطعية ، كما لو علم إجمالاً بحرمة أحد الضدّين اللذين لهما ثالث في وقت واحد ، فانّه يمكن الموافقة القطعية بتركهما معاً ، ولا يمكن المخالفة القطعية لاستحالة الجمع بين الضدّين. وكذا الحال في جميع موارد الشبهات غير المحصورة في الشبهات التحريمية ، فانّه يمكن فيها الموافقة القطعية بترك جميع الأطراف ، ولا يمكن فيها المخالفة القطعية لعدم إمكان ارتكاب جميع الأطراف.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا أثر للعلم الاجمالي في القسم الثاني ، فتجري الاصول النافية في أطرافه على ما تقدّم بيانه في المقام الأوّل. وأمّا غيره من الأقسام الثلاثة فالاصول في أطراف العلم الاجمالي في مواردها متعارضة متساقطة على ما سيجيء الكلام فيه قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى. ويترتب على ذلك تنجيز العلم الاجمالي من حيث حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية أو من إحدى الجهتين دون الاخرى. وبعبارة اخرى : إذا تساقطت الاصول في أطراف العلم الاجمالي ، فالحكم المعلوم بالاجمال يتنجز بالمقدار الممكن ، فإن أمكن المخالفة القطعية والموافقة القطعية فالتنجيز ثابت من الجهتين ، وإلاّ فمن إحداهما ، وحيث إنّ المخالفة القطعية فيما هو محل الكلام فعلاً ممكنة ، كان العلم الاجمالي منجّزاً بالنسبة إليها ، فحرمت عليها المخالفة القطعية بأن تأتي بالصلاة بدون قصد القربة. وحيث إنّ الموافقة القطعية غير ممكنة ، فلا محالة يحكم العقل بالتخيير بين الاتيان بالصلاة برجاء المطلوبية وبين تركها رأساً.
ثمّ إنّ الشيخ قدسسره (2)قد تعرّض في المقام لدوران الأمر بين المحذورين في العبادات الضمنية ، كما إذا دار الأمر بين شرطية شيء لواجب ومانعيته عنه ، فاختار التخيير هنا أيضاً على حذو ما تقدّم ، فيتخير المكلف
بين الاتيان بما يحتمل كونه شرطاً وكونه مانعاً وبين تركه.
والتحقيق عدم تمامية ذلك ، لأنّ الحكم بالتخيير في باب التكاليف الاستقلالية إنّما كان من جهة عدم تنجز الالزام المردّد بين الوجوب والحرمة لاستحالة الموافقة القطعية. وهذا بخلاف الالزام المعلوم إجمالاً في المقام ، فانّه يمكن موافقته القطعية كما يمكن مخالفته القطعية ، فيكون منجّزاً ويجب فيه الاحتياط ولو بتكرار العمل.
وتوضيح المقام : أنّ احتمال كون شيء مانعاً أو شرطاً يتصوّر بصورتين :
الصورة الاولى : ما يتمكن فيه المكلف من الامتثال التفصيلي ولو برفع اليد عمّا هو مشتغل به فعلاً ، كما لو شكّ بعد النهوض للقيام في الاتيان بالسجدة الثانية ، فانّه بناءً على تحقق الدخول في الغير بالنهوض كان الاتيان بالسجدة زيادةً في الصلاة وموجباً لبطلانها ، وبناءً على عدم تحققه به كان الاتيان بها واجباً ومعتبراً في صحّتها ، فانّه إذا رفع يده عن هذه الصلاة وأتى بصلاة اخرى حصل له العلم التفصيلي بالامتثال.
الصورة الثانية : ما يتمكن فيه المكلف من الامتثال الاجمالي إمّا بتكرار الجزء أو بتكرار أصل العمل ، كما إذا دار أمر القراءة بين وجوب الجهر بها أو الاخفات ، فانّه إذا كرّر القراءة بالجهر مرّةً وبالاخفات اخرى مع قصد القربة فقد علم بالامتثال إجمالاً. وكذا لو كرّر الصلاة كذلك.
أمّا الصورة الاولى : فلا ريب في وجوب إحراز الامتثال ، ولا يجوز له الاكتفاء بأحد الاحتمالين ، لعدم إحراز الامتثال بذلك ، والاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني ، فعليه رفع اليد عن هذه الصلاة وإعادتها ، أو إتمامها على أحد الاحتمالين ثمّ إعادتها. وعلى كل تقدير لا وجه للحكم بالتخيير وجواز الاكتفاء بأحد الاحتمالين في مقام الامتثال.
هذا بناءً على عدم حرمة إبطال صلاة الفريضة مطلقاً أو في خصوص المقام من جهة أنّ دليل الحرمة قاصر عن الشمول له ، فانّ عمدة مدركه الاجماع ، والقدر المتيقن منه هو الحكم بحرمة قطع الصلاة التي يجوز للمكلف الاقتصار عليها في مقام الامتثال. وأمّا الصلاة المحكوم بوجوب إعادتها فلا دليل على حرمة قطعها ، وتمام الكلام في محلّه (1).
وأمّا لو بنينا على حرمة قطع الفريضة حتّى في مثل المقام ، لكان الحكم بالتخيير في محلّه ، إلاّ أنّه لا لأجل دوران الأمر بين الجزئية والشرطية ، بل من جهة دوران الأمر بين حرمة الفعل وتركه ، فهو مخيّر بين الفعل والترك وعليه الاعادة على كلا التقديرين. وإن شئت قلت : إنّ لنا في المقام علمين إجماليين :
أحدهما : العلم الاجمالي بثبوت إلزام متعلق بطبيعي العمل المردّد بين ما يؤتى فيه بالجزء المشكوك فيه وما يكون فاقداً له. ثانيهما : العلم الاجمالي بحرمة الجزء المشكوك فيه ووجوبه ، لدوران الأمر فيه بين الجزئية الموجبة لوجوبه والمانعية المقتضية لحرمته ، لكونه مبطلاً للعمل. والعلم الثاني وإن كان لا يترتب عليه أثر ، لعدم التمكّن من الموافقة القطعية ، ولا من المخالفة القطعية فيحكم بالتخيير بين الاتيان بالجزء المشكوك فيه وتركه ، إلاّأنّ العلم الاجمالي الأوّل يقتضي إعادة الصلاة تحصيلاً للفراغ اليقيني.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما يتمكّن المكلف فيه من الامتثال الاجمالي بتكرار الجزء أو بتكرار أصل العمل ، فلا وجه فيها لجواز الاقتصار على الامتثال الاحتمالي ، فيجب عليه إحراز الامتثال ولو إجمالاً. وبالجملة : الحكم بالتخيير إنّما هو مع عدم التمكن من الامتثال العلمي ، ومع التمكّن منه فالاقتصار على الامتثال الاحتمالي يحتاج إلى دليل خاص ، ومع عدمه - كما هو المفروض في
1) شرح العروة 15 : 523 فصل في حكم قطع الصلاة
المقام - يحكم العقل بلزوم الامتثال العلمي ، باعتبار أنّ شغل الذمّة اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.
هذا فيما إذا أمكن التكرار. وأمّا إذا لم يمكن كما إذا دار الأمر بين القصر والتمام عند ضيق الوقت ، فالتخيير بين الأمرين في الوقت وإن كان ممّا لا مناص منه ، إلاّ أنّه قد يتوهّم عدم سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز بالنسبة إلى وجوب الاتيان بالمحتمل الآخر في خارج الوقت ، فلا يجوز الاقتصار باتيان أحد المحتملين في الوقت ، بل يجب عليه الاحتياط والاتيان بالمحتمل الآخر في خارج الوقت.
ولكنّ التحقيق عدم وجوب الاتيان بالقضاء في خارج الوقت ، إذ القضاء بفرض جديد وتابع لصدق فوت الفريضة في الوقت ، ولم يحرز الفوت في المقام ، لأنّ إحرازه يتوقف على إحراز فعلية التكليف الواقعي في الوقت بالعلم الوجداني أو الأمارة أو الأصل ، وكل ذلك غير موجود في المقام ، فانّ غاية ما في المقام هو العلم الاجمالي بأحد الأمرين من الجزئية أو المانعية ، وهو لا يكون منجّزاً إلاّ بالنسبة إلى وجوب الموافقة الاحتمالية ووجوب الأخذ بأحد المحتملين في الوقت ، دون المحتمل الآخر ، لعدم إمكان الموافقة القطعية ، فإذا لم يحرز التكليف بالنسبة إلى المحتمل الآخر في الوقت لم يحرز الفوت كي يجب القضاء.
المقام الثالث : في دوران الأمر بين المحذورين مع تعدد الواقعة. والتعدّد تارةً يكون عرضياً واخرى يكون طولياً.
أمّا القسم الأوّل : فهو كما لو علم إجمالاً بصدور حلفين تعلّق أحدهما بفعل أمر ، والآخر بترك أمر آخر ، واشتبه الأمران في الخارج ، فيدور الأمر في كل منهما بين الوجوب والحرمة ، فقد يقال بالتخيير بين الفعل والترك في كل منهما ، بدعوى أنّ كلاً منهما من موارد دوران الأمر بين المحذورين ، مع استحالة
الموافقة القطعية والمخالفة القطعية في كل منهما ، فيحكم بالتخيير ، فجاز الاتيان بكلا الأمرين كما جاز تركهما معاً.
ولكنّه خلاف التحقيق ، لأنّ العلم الاجمالي بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة في كل من الأمرين وإن لم يكن له أثر ، لاستحالة الموافقة القطعية والمخالفة القطعية في كل منهما كما ذكر ، إلاّ أنّه يتولد في المقام علمان إجماليان آخران : أحدهما : العلم الاجمالي بوجوب أحد الفعلين. والثاني : العلم الاجمالي بحرمة أحدهما ، والعلم الاجمالي بالوجوب يقتضي الاتيان بهما تحصيلاً للموافقة القطعية ، كما أنّ العلم الاجمالي
بالحرمة يقتضي تركهما معاً كذلك ، وحيث إنّ الجمع بين الفعلين والتركين معاً مستحيل ، يسقط العلمان عن التنجيز بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية ، ولكن يمكن مخالفتهما القطعية بايجاد الفعلين أو بتركهما ، فلا مانع من تنجيز كل منهما بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية ، فانّها المقدار الممكن على ما تقدّم بيانه (1). وعليه فاللازم هو اختيار أحد الفعلين وترك الآخر تحصيلاً للموافقة الاحتمالية وحذراً من المخالفة القطعية.
وأمّا القسم الثاني : وهو ما كان التعدد فيه طولياً ، كما إذا علم بتعلّق الحلف بايجاد فعل في زمان وبتركه في زمان ثان واشتبه الزمانان ، ففي كل زمان يدور الأمر بين الوجوب والحرمة ، فقد يقال فيه أيضاً بالتخيير بين الفعل والترك في كل من الزمانين ، إذ كل واقعة مستقلّة دار الأمر فيها بين الوجوب والحرمة ، ولا يمكن فيها الموافقة القطعية ولا المخالفة القطعية ، ولا وجه لضم الوقائع بعضها إلى بعض ، بل لا بدّ من ملاحظة كل منها مستقلاًّ ، وهو لا يقتضي إلاّ التخيير ، فللمكلف اختيار الفعل في كل من الزمانين ، واختيار الترك في كل منهما ، واختيار الفعل في أحدهما والترك في الآخر.
1) في المقام الثاني في ص 389
ولكن التحقيق أن يقال : إنّه إن قلنا بتنجيز العلم الاجمالي في الامور التدريجية كغيرها ، فلا يفرق بين القسمين المذكورين ، لاتحاد الملاك فيهما حينئذ ، وعليه فالعلم الاجمالي منجّز بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية ، فاللازم اختيار الفعل في أحد الزمانين واختيار الترك في الآخر حذراً من المخالفة القطعية وتحصيلاً للموافقة الاحتمالية. وإن قلنا بعدم تنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات ، فيحكم بالتخيير بين الفعل والترك في كل زمان ، إذ لم يبق سوى العلم الاجمالي بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة في كل من الزمانين ، وقد عرفت أنّ مثل هذا العلم لا يوجب التنجيز ، لعدم إمكان الموافقة القطعية ولا المخالفة القطعية ، فيتخيّر المكلف بين الفعل والترك في كل من الزمانين.
ثمّ إنّه إذا دار الأمر بين المحذورين مع تعدد الواقعة واحتمل أهمّية أحد الحكمين ، فهل يتقدّم ما احتمل أهميّته ، فتجب موافقته القطعية وإن استلزم المخالفة القطعية للتكليف الآخر أم لا؟ وجهان.
والصحيح هو الثاني ، لأنّ الحكمين المردد كل منهما بين الوجوب والحرمة وإن لم يكونا من قبيل المتعارضين ، إذ لا تنافي بينهما في مقام الجعل بعد فرض أنّ متعلق كل منهما غير متعلق الآخر ، إلاّ أنّهما ليسا من قبيل المتزاحمين أيضاً ، إذ التزاحم بين التكليفين إنّما هو فيما إذا كان المكلف عاجزاً من امتثال كليهما ، والمفروض في المقام قدرته على امتثال كلا التكليفين ، غاية الأمر كونه عاجزاً عن إحراز الامتثال فيهما ، لجهله بمتعلق كل منهما وعدم تمييزه الواجب عن الحرام ، فينتقل إلى الامتثال الاحتمالي بايجاد أحد الفعلين وترك الآخر ، فلا وجه لاجراء حكم التزاحم وتقديم محتمل الأهمّية على غيره بايجاد كلا الفعلين لو كان محتمل الأهمّية هو الوجوب ، أو ترك كليهما لو كان محتمل الأهمّية هي الحرمة.
واختار المحقق النائيني قدسسره (1)في بحث دوران الأمر بين شرطية شيء ومانعيته تقديم محتمل الأهمّية ، وذكر في وجه ذلك : أنّ كل تكليف واصل إلى المكلف يقتضي أمرين : لزوم الامتثال وإحرازه. وعليه فالوجوب المعلوم بالاجمال في المقام كما يقتضي إيجاد متعلقه ، كذلك يقتضي إحراز الايجاد باتيان كلا الفعلين ، وكذا الحرمة المعلومة بالاجمال تقتضي ترك متعلقها وتقتضي إحرازه بترك كلا الفعلين ، وهذان الحكمان وإن لم يكن بينهما تزاحم من ناحية أصل الامتثال ، إذ المفروض تغاير متعلقي الوجوب والحرمة وتمكن المكلف من إيجاد الواجب وترك الحرام ، إلاّ أنّهما متزاحمان من ناحية إحراز الامتثال ، إذ قد عرفت أنّ إحراز امتثال الوجوب يستدعي الاتيان بكلا الفعلين ، وإحراز امتثال الحرمة يقتضي ترك كليهما ، فلا يمكنه إحراز امتثالهما معاً. وقد عرفت أيضاً أنّ إحراز الامتثال من مقتضيات التكليف بحكم العقل ، فكما أنّ عدم القدرة على الجمع بين ما يقتضيه الوجوب من الفعل وما تقتضيه الحرمة من الترك يوجب التزاحم بينهما ، كذلك عدم القدرة على الجمع بين ما يقتضيه كل منهما من إحراز الامتثال يوجب التزاحم بينهما أيضاً.
وفيه أوّلاً : النقض بما إذا علم تساوي الحكمين في الأهمّية ، فانّ لازم كونهما من المتزاحمين أن يحكم حينئذ بالتخيير ، فللمكلف أن يختار الوجوب ويأتي بكلا الفعلين ، وله أن يختار الحرمة ويتركهما معاً. مع أنّ المحقق النائيني قدسسره لم يلتزم بذلك (2)وذهب إلى لزوم الاتيان بأحد الفعلين وترك الآخر حذراً من المخالفة القطعية في أحد التكليفين.
وثانياً : أنّه لو سلّمنا دخول المقام في باب التزاحم ، لا دليل على لزوم الأخذ بمحتمل الأهمّية في باب التزاحم مطلقاً ليجب الأخذ به في المقام ، إنّما الوجه في ذلك ما أشرنا إليه سابقاً (1)من أنّ الحكمين المتزاحمين لا مناص من الالتزام بسقوط الاطلاق في كليهما أو في أحدهما ، ومن الظاهر أنّ ما لا يحتمل أهمّيته قد علم سقوط إطلاقه على كلا التقديرين ، وأمّا ما احتمل أهمّيته فسقوط إطلاقه غير معلوم ، فلا بدّ من الأخذ به. هذا فيما إذا كان لدليل كل من الحكمين إطلاق لفظي.
وأمّا إذا لم يكن لشيء من الدليلين إطلاق ، فالوجه في تقديم محتمل الأهمّية هو القطع بجواز تفويت ملاك غيره بتحصيل ملاكه. وأمّا تفويت ملاكه بتحصيل ملاك غيره فجوازه غير معلوم ، فتصحّ العقوبة عليه بحكم العقل ، فلا مناص من الأخذ بمحتمل الأهمّية ، وهذان الوجهان لا يجريان في المقام ، إذ المفروض بقاء الاطلاق في كلا الحكمين ، لعدم التنافي بين الاطلاقين ليرفع اليد عن أحدهما ، وعدم ثبوت جواز تفويت الملاك في شيء منهما ، إذ كل ذلك فرع عجز المكلف عن امتثال كلا التكليفين ، والمفروض قدرته على امتثالهما لتغاير متعلق الوجوب والحرمة على ما تقدّم.
وأمّا ما ذكره قدسسره من حكم العقل بلزوم إحراز الامتثال ، فهو مشترك فيه بين جميع التكاليف الالزامية ، من غير فرق بين ما كان في أعلى مراتب الأهمّية ، وما كان في أضعف مراتب الالزام ، فلا موجب لتقديم محتمل الأهمّية على غيره والحكم بلزوم موافقته القطعية وإن استلزمت المخالفة القطعية للتكليف الآخر.
1) في ص 387
لو كان لمورد دوران الأمر بين المحذورين أفراد طولية ، فهل يكون التخيير بدوياً أو استمرارياً ، فلو علم إجمالاً بأ نّه حلف على الاتيان بفعل أو على تركه كل ليلة جمعة مثلاً فهل يلاحظ ذلك الفعل في كل ليلة من ليالي الجمعة واقعة مستقلّة ، فيحكم بالتخيير فيه ، فيجوز للمكلف الاتيان به في ليلة وتركه في ليلة اخرى ، أو يلاحظ المجموع واقعة واحدة ، فيتخيّر بين الفعل في الجميع والترك في الجميع ، ولا يجوز له التفكيك بين الليالي بايجاد الفعل مرّةً وتركه اخرى؟ وجهان.
ذهب بعضهم إلى الثاني وأنّ التخيير استمراري ، باعتبار أنّ كل فرد من أفراد ذلك الفعل له حكم مستقل ، وقد دار الأمر فيه بين محذورين ، فيحكم العقل بالتخيير لعدم إمكان الموافقة القطعية ولا المخالفة القطعية ، ولا يترتب على ذلك سوى أنّ المكلف إذا اختار الفعل في فردٍ والترك في فردٍ آخر يعلم إجمالاً بمخالفة التكليف الواقعي في أحدهما ، ولا بأس به لعدم كون التكليف الواقعي منجّزاً على الفرض.
وفيه : أنّ العلم بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة وإن لم يوجب تنجيز التكليف المعلوم بالاجمال ، إلاّ أنّه مع فرض تعدّد الأفراد يتولّد من العلم الاجمالي المذكور علم إجمالي متعلق بكل فردين من الأفراد ، وهو العلم بوجوب أحدهما وحرمة الآخر ، إذ المفروض اشتراكهما في الحكم وجوباً وحرمةً ، فان كان أحدهما المعيّن واجباً وإلاّ فالآخر حرام يقيناً. وهذا العلم الاجمالي وإن لم يمكن موافقته القطعية ، لاحتمال الوجوب والحرمة في كل منهما ، إلاّ أنّه يمكن
مخالفته القطعية باتيانهما معاً أو تركهما كذلك (1). وقد عرفت أنّ العلم الاجمالي ينجّز معلومه بالمقدار الممكن من حيث وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية ، فتنجيزه من حيث الموافقة القطعية وإن كان ساقطاً ، إلاّ أنّه ثابت من حيث المخالفة القطعية ، فلا مناص من كون التخيير بدوياً حذراً من المخالفة القطعية ، فلا يجوز للمكلّف التفكيك بين الأفراد من حيث الفعل والترك.
1) [هكذا في الأصل والصحيح : باتيان أحدهما وترك الآخر]
إعلم أنّ التكليف المعلوم بالاجمال تارةً يتردّد بين المتباينين واخرى بين الأقل والأكثر ، فلا مناص من البحث في موردين :
المورد الأوّل : في دوران الأمر بين المتباينين ، وقبل الشروع في تحقيق الحال في هذا المورد ، لا بدّ من ذكر مقدّمة ، وهي أنّ احتمال التكليف الالزامي بنفسه مساوق لاحتمال العقاب على مخالفته ، ومعه كان العقل مستقلاً بلزوم التحرز عنه وتحصيل المؤمّن ، وهذا هو الملاك في حكم العقل بلزوم الاطاعة ، حتّى في موارد العلم التفصيلي بالتكليف ، أو قيام الحجّة عليه ، فانّ مخالفة التكليف الواصل إلى المكلف - بالعلم الوجداني أو بقيام الحجّة المعتبرة - لاتستلزم القطع بالعقاب عليها ، لاحتمال العفو منه سبحانه وتعالى ، والشفاعة من النبي والأئمة عليهمالسلام وإنّما المتحقق هو احتمال العقاب على المخالفة وهو كافٍ في حكم العقل بالتنجيز ، فلا فرق بين موارد التكاليف المعلومة والتكاليف المحتملة في أنّ حكم العقل بلزوم الاطاعة ناشئ من احتمال العقاب ، ففي كل مورد يحتمل فيه التكليف الالزامي يستقل العقل بلزوم التحرز عن المخالفة ، إلاّأن يثبت فيه مؤمّن من العقاب عقلاً ، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، أو شرعاً كالأدلة الشرعية الدالة على البراءة من حديث الرفع ونحوه ، وأمّا إذا لم يثبت المؤمّن عقلاً ولا شرعاً ،
فنفس الاحتمال كافٍ في تنجيز التكليف الواقعي ، ويتحصل من ذلك أنّ تنجيز العلم الاجمالي وعدمه يدور مدار جريان الاصول في أطرافه وعدمه ، فإن قلنا بجريانها في جميع الأطراف ، سقط العلم الاجمالي عن التنجيز مطلقاً. وإن قلنا بعدم جريانها في شيء من الأطراف كان احتمال التكليف في كل طرف بنفسه منجّزاً ، بلا حاجة إلى البحث عن منجّزية العلم الاجمالي ، فتجب الموافقة القطعية كما تحرم المخالفة القطعية. وإن قلنا بجريانها في بعض الأطراف دون بعض لم تجب الموافقة القطعية وإن حرمت المخالفة القطعية. وهذا هو الوجه للتفصيل بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية.
ثمّ إنّه لا فرق في جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي وعدمه ، بين كون العلم الاجمالي متعلقاً بأصل التكليف وكونه متعلقاً بالامتثال ، فانّ الترديد في مورد العلم الاجمالي كما يمكن أن يكون في أصل التكليف أو متعلقه ، كذلك يمكن أن يكون في مرحلة الامتثال بعد العلم التفصيلي بثبوت التكليف ، كما إذا علمنا إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين بعد الاتيان بهما ، فإن قلنا بجريان الاصول النافية في جميع أطراف العلم الاجمالي أو في بعضها لم يكن مانع من جريان قاعدة الفراغ في كلتا الصلاتين أو في إحداهما ، فلا وجه لتخصيص النزاع بالاصول الجارية عند الشك في أصل التكليف ، دون الجارية في مرحلة الامتثال.
إذا عرفت ذلك ، فتحقيق الحال في المقام يستدعي التكلم في مقامات أربعة :
المقام الأوّل : في البحث عن إمكان جعل الحكم الظاهري وعدمه في تمام الأطراف بحسب مقام الثبوت ، وما يتصور مانعاً عن ذلك أمران :
أحدهما : أنّ جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف مستلزم للترخيص في المعصية ومخالفة التكليف الواصل صغرىً وكبرى وهو قبيح عقلاً ، من غير فرق بين أن يكون الحكم الظاهري ثابتاً بالأمارة أو بالأصل التنزيلي أو بالأصل غير
التنزيلي ، لأنّ التمييز غير مأخوذ في موضوعات التكاليف ، ولا فرق في حكم العقل بقبح الترخيص في مخالفة التكليف الواصل بين أن يكون معلوماً تفصيلاً أو يكون معلوماً بالاجمال. وهذا الوجه وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه مختص بموارد العلم الاجمالي بالتكليف مع كون الحكم الظاهري في جميع الأطراف نافياً ، ففي مثل هذا الفرض يستحيل شمول أدلة الاصول لجميع أطراف العلم الاجمالي.
لا يقال : إنّ مورد جريان الأصل إنّما هو كل واحد من الأطراف بخصوصه ، وثبوت التكليف فيه غير معلوم ، فليس فيه ترخيص في المعصية.
لأنّا نقول : جريان الأصل في كل طرف بخصوصه منضمّاً إلى الترخيص في بقية الأطراف - كما هو محل الكلام فعلاً - يكون ترخيصاً في مخالفة التكليف الواصل. وأمّا جعل الحكم الظاهري في كل من الأطراف مقيّداً بعدم ارتكاب الطرف الآخر ، فسيأتي الكلام فيه قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.
ثانيهما : مناقضة الحكم الظاهري الناظر إلى الواقع مع العلم الوجداني ، وهذا الوجه غير مختص بما إذا كان المعلوم بالاجمال إلزامياً. نعم ، يختص بما إذا كان الحكم الظاهري ثابتاً بالأمارة أو بالأصل التنزيلي فيمتنع جعله في جميع الأطراف ، لزم منه المخالفة العملية أم لم يلزم.
هذا ، والذي ينبغي أن يقال في المقام : هو أنّه لو قامت الأمارة في كل من الأطراف على خلاف المعلوم بالاجمال كما إذا علمنا بنجاسة أحد المائعين وقامت البيّنة على طهارة أحدهما المعيّن ، وقامت بيّنة اخرى على طهارة الآخر ، فلا ريب في عدم حجّية شيء من الأمارتين ، فانّ ما دلّ على طهارة أحدهما المعيّن قد دلّ على نجاسة الآخر بالالتزام ، بضميمة العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما ،
1) في ص 412 - 414
فتقع المعارضة بينها وبين ما دلّ على طهارة الآخر ، فتسقطان عن الحجّية على ما هو الأصل في التعارض ، لعدم إمكان شمول دليل الحجّية للمتعارضين ، وشموله لأحدهما ترجيح بلا مرجّح. ولا فرق في ذلك بين كون العمل بالأمارات مستلزماً للمخالفة العملية ، كما إذا كان المعلوم بالاجمال حكماً إلزامياً ودلّت الأمارات على خلافه ، وبين عدم كون العمل بها مستلزماً لذلك ، كما إذا كان المعلوم بالاجمال حكماً ترخيصياً ودلّت الأمارات على خلافه.
وأمّا إن كان الحكم الظاهري مستفاداً من الاصول التنزيلية الجارية في جميع أطراف العلم الاجمالي فمنع المحقق النائيني (1)قدسسره جريانها في جميع الأطراف ، سواء استلزام المخالفة القطعية أم لم يستلزم ، وملخّص ما ذكره في وجه ذلك : أنّ المجعول في باب الاصول التنزيلية هو البناء العملي والأخذ بأحد طرفي الشك على أنّه هو الواقع ، فيمتنع في جميع الأطراف ، إذ لا يعقل البناء والتنزيل على خلاف العلم الوجداني.
هذا ، ولكن الصحيح أنّه لا مانع من جريان الاصول في الأطراف إذا لم يستلزم المخالفة العملية ، بلا فرق بين التنزيلية وغيرها ، إذ الأصل مطلقاً لايترتب عليه إلاّثبوت مؤداه ولا يؤخذ بلوازمه ، فكل من الاصول الجارية في الأطراف إنّما يثبت مؤداه بلا نظر إلى نفي غيره ، وغاية ما يترتب على ضم بعض الاصول إلى البعض هو العلم بمخالفة بعضها للواقع ، ولا ضير فيه بناءً على ما هو التحقيق من عدم وجوب الموافقة الالتزامية.
ونظير ذلك ما التزم به المحقق النائيني (2)نفسه وغيره من أنّه إذا شكّ المصلّي المسبوق بالحدث في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة ، فتجري قاعدة الفراغ بالنسبة
إلى الصلاة الماضية ، ويجري استصحاب الحدث بالنسبة إلى الصلاة الآتية ، مع أنّه يعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحد الأصلين التنزيليين للواقع ، وليس ذلك إلاّ من جهة أنّه لا يترتب على جريان الأصلين إلاّالمخالفة الالتزامية ، وهي غير مانعة عن جريانهما.
هذا فيما إذا كانت الاصول مثبتة للتكليف على خلاف المعلوم بالاجمال. وأمّا إن كانت نافية له ، كما إذا علمنا بطروء النجاسة على أحد المائعين المعلوم طهارتهما سابقاً ، فعدم جريان الاستصحاب فيهما معاً إنّما هو للمانع المتقدم من استلزامه الترخيص في المعصية ، وبذلك ظهر أنّ أدلة الاصول لو فرض شمولها لأطراف العلم الاجمالي لزم تخصيصها عقلاً بغير ما استلزم الترخيص في المعصية.
المقام الثاني : في إمكان جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف وعدمه.
والمعروف بينهم إمكان ذلك في نفسه ، وأ نّه لا مانع منه بحسب مقام الثبوت.
ولذا قالوا إنّ العلم الاجمالي ليس علّةً تامّةً لوجوب الموافقة القطعية.
وذهب صاحب الكفاية وبعض الأساطين من تلامذته إلى استحالة ذلك وذكرا في وجه ذلك أمرين :
الأوّل : ما أفاده صاحب الكفاية قدسسره (1)وملخّصه - بعد دعوى الملازمة بين جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف وجعله في جميع الأطراف إمكاناً وامتناعاً - أنّه لا فرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي في انكشاف الواقع بهما ، إنّما الفرق بينهما من ناحية المعلوم لا من ناحية العلم والانكشاف ، فإن كان الحكم المعلوم بالاجمال فعلياً من جميع الجهات امتنع جعل الحكم الظاهري على خلافه في تمام الأطراف أو في بعضها ، ضرورة استحالة الترخيص ولو
1) كفاية الاصول : 358 ، راجع أيضاً الأمر السابع في مبحث القطع ص 272 و 273
احتمالاً في مخالفة التكليف الفعلي المنجّز. وإن لم يكن الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال فعلياً من تمام الجهات فلا مانع من جهل الحكم الظاهري على خلافه في بعض الأطراف أو في جميعها. فتلخّص : أنّه فيما أمكن جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف لعدم فعليّة الحكم الواقعي من جميع الجهات أمكن جعل الحكم الظاهري في جميع الأطراف أيضاً. ومهما امتنع جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف لفعليّة التكليف الواقعي امتنع جعله في بعض الأطراف أيضاً ، فإنّه كما لايعقل القطع بثبوت المتضادّين كذلك لايعقل احتمال ثبوتهما أيضاً. انتهى مُلخّص كلامه.
وفيه : أنّ فعليّة الحكم إنّما هي بفعليّة موضوعه بما له من الأجزاء والقيود ، فانّ نسبة الحكم إلى موضوعه أشبه شيء بنسبة المعلول إلى علّته التامّة ، فيستحيل تخلّف الحكم عن موضوعه ، وإلاّ لم يكن ما فرض موضوعاً موضوعاً وهو خلف ، وحينئذ فلو أراد من قوله : إنّ الحكم الواقعي قد لا يكون فعليّاً من جميع الجهات ، أنّ العلم التفصيلي مأخوذ في موضوعه ، كما يظهر من قوله قدسسره : إن علم به المكلّف يكون فعليّاً (1)، فيردّه الإجماع والروايات الدالّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل (2)، مُضافاً إلى كونه خروجاً عن محلّ الكلام ، فإنّ البحث عن تنجيز العلم الإجمالي إنّما هو بعد الفراغ عن عدم اختصاص الأحكام بالعالمين. وإن أراد أنّ العلم لم يؤخذ في موضوع الحكم الواقعي ومع ذلك لا يكون فعليّاً قبل العلم به ، ففيه : أنّه غير معقول ، لاستلزامه
الخلف على ما تقدّم بيانه.
الثاني : ما ذكره بعض الأساطين (1)من أنّ الحكم الواقعي قد وصل إلى المكلّف وتنجّز ، فامتنع جعل الترخيص على خلافه ولو احتمالاً ، فانّ نفس التكليف والإلزام واصل ومعلوم تفصيلاً ، إنّما التردّد في متعلّقه ، فلا يمكن الترخيص في مُخالفة هذا الإلزام ولو احتمالا.
وفيه أوّلاً : النقض بما لو فرض كون الأصل الجاري في بعض الأطراف نافياً دون بعض آخر ، كما لو علم اجمالاً بوقوع نجاسة في أحد الإناءين ، وكان أحدهما متيقّن النجاسة سابقاً ، فإنّ أصالة الطهارة تجري في غير مستصحب النجاسة بلا إشكال ، مع أنّ العلم بوجود تكليف فعلي موجود بالوجدان. وتوهّم أنّ التكليف في مستصحب النجاسة ثابت قبل تحقّق العلم الإجمالي على الفرض ، فالعلم بوقوع النجاسة فيه أو في غيره لا يوجب علماً بحدوث تكليف جديد ، فلا يُقاس المقام بذلك ، مدفوع بأنّ سبق النجاسة في أحد الإناءين لا يضرّ بالعلم بالتكليف الفعلي المردّد بين كونه ثابتاً من الأوّل وحدوثه فعلاً ، فلو أمكن جعل الحكم الظاهري والاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في هذا الفرض أمكن في غيره أيضاً ، لوحدة الملاك إمكاناً وامتناعاً. وإن شئت قلت : إنّ العلم الاجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي ، فكما يجوز أن يكتفي الشارع في مورد العلم التفصيلي بالتكليف بالامتثال الاحتمالي كما في موارد قاعدة الفراغ والتجاوز ، كذلك يجوز له الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في موارد العلم الاجمالي بطريق أولى.
وثانياً : الحلّ بأنّ موضوع الاصول إنّما هو الشكّ في التكليف ، وهو موجود في كل واحد من الأطراف بخصوصه ، فإنّ احتمال انطباق التكليف المعلوم بالإجمال
1) نهاية الأفكار 3 : 307 وما بعدها
إنّما هو عين الشك في التكليف.
فتحصل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّه لا مانع من جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف بحسب مقام الثبوت.
المقام الثالث : في البحث عن شمول دليل الحكم الظاهري لجميع الأطراف وعدمه. وليعلم أنّ الحكم الظاهري قد يكون مستفاداً من الأمارة ، وقد يكون مستفاداً من الأصل التنزيلي أو الأصل غير التنزيلي. أمّا الأمارات فقد عرفت (1)استحالة جعل الحجّية لها في جميع الأطراف ، بلا فرق بين أن يكون مؤدّى الأمارات حكماً إلزامياً ، والمعلوم بالاجمال حكماً غير إلزامي ، وبين أن يكون عكس ذلك.
وأمّا الأصل فاختار شيخنا الأنصاري قدسسره (2)عدم شمول دليله للمقام ، لاستلزامه التناقض بين الصدر والذيل ، باعتبار أنّ مقتضى إطلاق الصدر في مثل قوله عليهالسلام : «كل شيء هو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (3)، هو جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، إذ كل واحد من الأطراف بخصوصه مشكوك فيه مع قطع النظر عن الآخر ، ومقتضى إطلاق العلم في ذيله الذي جعل غايةً للحكم الظاهري هو عدم جريان الأصل ، فتلزم المناقضة بين الصدر والذيل. وكذا الحال في دليل الاستصحاب ، فانّ الشك المأخوذ في صدره يعم الشك البدوي والمقرون بالعلم الاجمالي ، واليقين المجعول في ذيله ناقضاً يشمل العلم التفصيلي والاجمالي ، ومن الظاهر أنّ الحكم بحرمة النقض في جميع الأطراف يناقض الحكم بالنقض في بعضها.
وفيه أوّلاً : أنّ أدلة الاصول غير منحصرة بما هو مشتمل على تلك الغاية ، فعلى تقدير تسليم إجمال هذه الروايات المذيّلة بذكر الغاية لا مانع من التمسّك بالروايات التي ليس فيها هذا الذيل ، فانّ إجمال دليلٍ فيه الغاية المذكورة لا يسري إلى غيره ممّا ليس فيه الذيل المذكور.
وثانياً : أنّ العلم المأخوذ في الغاية في هذه الأخبار ظاهر عرفاً في خصوص ما يكون منافياً للشك رافعاً له ، بأن يكون متعلقاً بعين ما تعلّق به الشك ، وكذا الحال في دليل الاستصحاب كقوله عليهالسلام : «ولكن انقضه بيقين آخر» (1)فانّ الظاهر منه تعلّق اليقين الآخر بعين ما تعلّق به الشك واليقين الأوّل ، ليكون نقضاً له ، ومن الواضح أنّ العلم الاجمالي لا يكون ناقضاً للشك في كل واحد من الأطراف لعدم تعلّقه بما تعلّق به الشك ، بل بعنوان جامع بينها وهو عنوان أحدها. وعليه فلا مانع من شمول أدلة الاصول لجميع الأطراف لولا المانع الثبوتي ، ولذا نلتزم بجريانها فيما لم يلزم منه المخالفة العملية ، كما إذا كان الحكم المعلوم بالاجمال غير إلزامي ومفاد الأصل حكماً إلزامياً على ما تقدّم بيانه (2).
المقام الرابع : في البحث عن شمول أدلة الاصول لبعض الأطراف وعدمه.
والتحقيق عدم شمولها لشيء من الأطراف. أمّا البراءة العقلية فلأنّ ملاكها قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، ولا مجال لجريانها بعد تمامية البيان ووصول التكليف إلى المكلف بالعلم الاجمالي. وأمّا الاصول الشرعية فلأنّ شمول أدلتها لبعض الأطراف معيّناً ترجيح بلا مرجح ، وللبعض غير المعيّن غير صحيح ، إذ الغالب حصول القطع باباحة البعض غير المعيّن من الأطراف ، فالبعض غير المعيّن غير مشكوك فيه ليكون مشمولاً لأدلة الاصول. وعلى تقدير احتمال ثبوت التكليف في جميع
الأطراف ، لا أثر للحكم باباحة بعضها غير المعيّن ، بعد وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف بحكم العقل مقدّمةً للاجتناب عن الحرام المعلوم بالاجمال.
وبعبارة اخرى : مورد جريان الأصل هو المشكوك فيه ، وهو كل واحد من الأطراف بخصوصه. وأمّا عنوان أحدها فليس من المشكوك فيه بل الغالب هو القطع باباحته.
وبعبارة ثالثة : كل واحد من أطراف العلم الاجمالي وإن كان بنفسه مشكوكاً فيه ، إلاّأنّ شمول دليل الأصل له مع شموله لغيره غير معقول كما تقدّم في المقام الأوّل (1)، ومن دون شموله لغيره ترجيح بلا مرجح. وأمّا عنوان أحدها غير المعيّن فلا شكّ فيه غالباً ، إذ الغالب في موارد العلم الاجمالي بالالزام يعلم بعدمه في بعض الأطراف غير المعيّن ، ولا يحتمل ثبوت التكليف في جميع الأطراف.
وعلى تقدير الشك فيه والحكم باباحته الظاهرية للأصل فهو لا يزيد على القطع بها ، فكما أنّ القطع الوجداني بها لا ينافي وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف بحكم العقل دفعاً للعقاب المحتمل وتحصيلاً للأمن منه ، كذلك التعبد بها لا ينافي ذلك بالأولوية. فتحصّل : أنّ أدلة الاصول غير شاملة لبعض الأطراف أيضاً.
بقي الكلام في احتمال شمولها لجميع الأطراف تخييراً ، بأن يلتزم بجريان الأصل في كل منها على تقدير عدم ارتكاب الباقي ، لتكون النتيجة اكتفاء المولى بالموافقة الاحتمالية ، ولا بدّ قبل تحقيق الحال في ذلك من بيان أقسام التخيير وهي ثلاثة :
القسم الأوّل : التخيير الشرعي الثابت بدليل خاص ، كالتخيير بين الخبرين المتعارضين عند فقد المرجحات.
1) في ص 405
القسم الثاني : التخيير العقلي الثابت في مورد التزاحم كذلك.
القسم الثالث : التخيير العقلي الثابت بضميمة الدليل الشرعي من جهة الاقتصار على القدر المتيقن في رفع اليد عن ظواهر الخطابات الشرعية ، وذلك كما لو ورد عام له إطلاق أحوالي ، كما لو قال : أكرم كل عالم ، الظاهر في وجوب إكرام كل فرد من العلماء تعييناً من غير تقييد باكرام غيره وعدمه ، ثمّ علمنا من الخارج بعدم وجوب إكرام فردين منه معاً كزيد وعمرو مثلاً ، ودار الأمر بين خروجهما عن العموم رأساً بأن لايجب إكرامهما أصلاً ، وخروجهما تقييداً بأن لا يجب إكرام كل منهما عند إكرام الآخر ويجب إكرام كلٍّ منهما عند عدم إكرام الآخر ، ففي مثل ذلك لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن في رفع اليد عن ظاهر الدليل ، وهو الحكم بعدم إكرام كل منهما عند إكرام الآخر.
وبعبارة اخرى : الدليل العام كما دلّ على وجوب إكرام كل منهما دلّ باطلاقه على وجوب إكرامه حال اكرام الآخر وعدمه ، وقد علمنا من الخارج بعدم إرادة الاطلاق بالنسبة إلى حال إكرام الفرد الآخر ، فيرفع اليد عن هذا الاطلاق.
وأمّا عدم وجوب الاكرام رأساً فهو غير معلوم ، فيؤخذ بظاهر الدليل في ثبوته ، فتكون النتيجة هي التخيير بين إكرام زيد وترك إكرام عمرو وعكسه ، وهذا البيان جارٍ في كل ما إذا دلّ دليلان على وجوب أمرين وعلمنا من الخارج عدم وجوبهما تعييناً ، واحتملنا ثبوت الوجوب لهما تخييراً ، كما لو دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة الظاهر في كونه تعييناً ، ودلّ دليل آخر على وجوب صلاة الظهر كذلك ، فمقتضى القاعدة رفع اليد عن الظهور في الوجوب التعييني المستفاد من الاطلاق ، وحمل كل منهما على الوجوب التخييري.
وبالجملة : كلّما دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الحكم ورفع اليد عن إطلاقه كان الثاني هو المتعيّن لأنّه المتيقن.
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ القسم الأوّل من التخيير غير جارٍ في المقام ،
لعدم الدليل عليه كما هو واضح ، وكذا القسم الثاني ، لأنّ المكلف في مورد العلم الاجمالي قادر على الامتثال القطعي بالاجتناب عن جميع الأطراف. نعم ، التخيير في الخبرين المتعارضين على مسلك المعتزلة من باب التخيير في باب التزاحم ، إلاّ أنّه مع بطلانه في نفسه أجنبي عن التخيير في باب الاصول العملية.
وأمّا القسم الثالث فربّما يتوهّم جريانه في المقام ، بدعوى أنّ مقتضى إطلاق أدلة الاصول هو ثبوت الترخيص في كل واحد من أطراف العلم الاجمالي ، وقد علمنا من الخارج استحالة هذا الجعل ، لاستلزامه الترخيص في مخالفة التكليف الواصل ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن الترخيص في جميع الأطراف ورفع اليد عن إطلاقه بأن يقيد الترخيص في كل طرف بما إذا لم يرتكب الطرف الآخر ، وقد عرفت أنّ المتعيّن هو الثاني ، فتكون النتيجة هي التخيير في تطبيق الترخيص على أيّ طرف من الأطراف. وقد وقع نظير هذا التوهّم في تعارض الأمارتين ، فتوهّم أنّ مقتضى القاعدة هو رفع اليد عن إطلاق دليل الحجّية بالنسبة إلى كل منهما ، فتثبت الحجّية تخييراً.
وردّه المحقق النائيني قدسسره (1)بأنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ، فاستحالة الاطلاق تستدعي استحالة التقييد وبالعكس ، وحيث إنّ الاطلاق في محل الكلام ممتنع ثبوتاً ، فامتنع التقييد أيضاً.
وفيه : أنّ استحالة الاطلاق يستلزم ضرورة التقييد ، لما ذكرناه مراراً (2)من أنّ الاهمال بحسب مقام الثبوت غير متصور ، فلا مناص من الاطلاق أو التقييد ، وكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة لا يقتضي استلزام استحالة الاطلاق
استحالة التقييد ، ألا ترى أنّ استحالة الجهل له تعالى لا تستلزم استحالة العلم له سبحانه ، بل تقتضي ضرورة العلم له تعالى ، مع أنّ التقابل بين العلم والجهل من تقابل العدم والملكة ، وكذا التقابل بين الفقر والغنى من تقابل العدم والملكة ، واستحالة الغنى للممكن لا تقتضي استحالة الفقر له ، بل تقتضي ضرورة الفقر له ، وهكذا في بقية أمثلة الأعدام والملكات.
والتحقيق في الجواب : أنّ لزوم رفع اليد عن إطلاق الحكم لا عن أصله فيما إذا دار الأمر بينهما وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه لا ينطبق على المقام ، لأنّ ذلك إنّما هو فيما إذا أمكن التقييد ، كما في الأمثلة المذكورة ، بخلاف المقام ، فانّ التقييد فيه غير معقول في نفسه ، فلا محالة يكون المانع عن الاطلاق مانعاً عن أصل الحكم ، إذ المفروض وصول الحكم الواقعي إلى المكلف ، وإن كان متعلقه مردداً بين أمرين أو امور ، فكيف يعقل الترخيص في مخالفته ولو مقيداً بترك الطرف الآخر ، فانّ هذا التقييد لا يرفع قبح الترخيص في المعصية ، فلو فرض أنّ الخمر موجود في الخارج وقد علم المكلف به وبحرمته ، واشتبه بين مائعين مثلاً ، فكيف يعقل الحكم باباحته والترخيص في شربه ولو مشروطاً بترك الطرف الآخر الذي هو مباح في الواقع.
وبعبارة اخرى : إذا علمنا بحرمة أحد المائعين وإباحة الآخر ، فالحرمة المعلومة غير مقيّدة بترك المباح يقيناً ، كما أنّ الاباحة غير مقيّدة بترك الحرام قطعاً.
فالحكم باباحة كل منهما مقيداً بترك الآخر غير مطابق للواقع ، ومنافٍ للعلم بالحرمة والاباحة المطلقتين. ومن الواضح أنّه يعتبر في الحكم الظاهري احتمال المطابقة للواقع ، فلا يعقل جعله في ظرف القطع بمخالفته للواقع.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ العلم الاجمالي إذا تعلّق بحكم إلزامي فلا تجري الاصول النافية للتكليف في شيء من أطرافه. أمّا عدم جريانها في تمام الأطراف
فللمانع الثبوتي وهو قبح الترخيص في مخالفة التكليف الواصل. وأمّا عدم جريانها في بعضها ، فلقبح الترجيح بلا مرجح. نعم ، إن كان بعض الاصول نافياً للتكليف وبعضها مثبتاً له ، فيجري الأصل النافي والمثبت بلا معارض. وأمّا إذا تعلّق العلم الاجمالي بحكم غير إلزامي. فلا مانع من جريان الاصول المثبتة في جميع أطرافه بحسب مقام الثبوت ، كما أنّه لا مانع من شمول أدلّتها لها في مقام الاثبات.
نعم ، لا تجري الأمارات في تمام الأطراف لاستلزامها التناقض بحسب الدلالة الالتزامية على ما تقدّم بيانه (1).
أنّ الأصل الجاري في أحد طرفي العلم الاجمالي إمّا أن يكون من سنخ الأصل الجاري في الطرف الآخر ، أو يكون مغايراً له. وعلى الأوّل إمّا أن يكون أحد الطرفين مختصاً بجريان أصل طولي فيه دون الآخر ، أو لا يكون كذلك ، فهذه هي أقسام ثلاثة :
أمّا القسم الأوّل : وهو ما كان الأصل الجاري في طرف من سنخ الأصل الجاري في الطرف الآخر ، مع اختصاص أحدهما بأصل طولي ، كما إذا علم إجمالاً بوقوع نجاسة في الماء أو على الثوب فانّ الأصل الجاري في كل منهما مع قطع النظر عن العلم الاجمالي هو أصالة الطهارة. ولا إشكال في سقوطها وعدم جريانها في كل من الطرفين لما تقدّم ، فلا يجوز التوضي بالماء ولا لبس الثوب في الصلاة ، إلاّأنّ العلم بالنجاسة لا أثر له في حرمة لبس الثوب ، بل يجوز
1) في ص 405 - 406
لبسه مع العلم التفصيلي بالنجاسة ، فيبقى شرب الماء محتمل الحرمة والحلية ، لاحتمال نجاسته ، فهل تجري فيه أصالة الحل أو تسقط بالعلم الاجمالي كسقوط أصالة الطهارة؟ وجهان.
ذهب المحقق النائيني قدسسره (1)إلى سقوطها للمعارضة بالأصل الجاري في الطرف الآخر وإن كان واحداً ، فالتزم بعدم جواز شرب الماء في المثال لعدم المؤمّن من احتمال العقاب عليه.
ولكنّ التحقيق جريانها وعدم معارضتها بأصالة الطهارة في الطرف الآخر ، وذلك لما عرفت (2)من أنّ العلم الاجمالي بالتكليف لا يوجب تنجّز الواقع إلاّبعد تساقط الاصول في أطرافه ، فإذا كان الأصل الجاري في الطرفين من سنخ واحد كأصالة الطهارة في المثال المذكور ، فلا مناص من القول بعدم شموله لكلا الطرفين لاستلزامه الترخيص في المعصية ، ولا لأحدهما لأنّه ترجيح بلا مرجّح.
وأمّا الأصل الطولي المختص بأحد الطرفين ، فلا مانع من شمول دليله للطرف المختص به ، إذ لا يلزم منه ترجيح من غير مرجّح ، لعدم شمول دليله للطرف الآخر في نفسه.
وبعبارة اخرى : أنّ دليل أصالة الطهارة - بعد العلم بعدم شموله لكلا الطرفين على ما تقدّم بيانه - نعلم بتخصيصه ، فلا بدّ من رفع اليد عنه إمّا في كلا الطرفين أو في أحدهما ، وحيث إنّ الثاني مستلزم للترجيح بلا مرجّح فتعيّن الأوّل.
وأمّا دليل أصالة الحل ، فهو بعمومه لا يشمل إلاّأحد الطرفين من أوّل الأمر ، فلا موجب لرفع اليد عنه.
وهذا أحد الموارد التي يرجع فيها إلى الأصل المحكوم بعد سقوط الأصل الحاكم ، ونظير ذلك في الفروع الفقهية كثير منها : ما لو علم بنجاسة شيء في زمان وطهارته في زمان آخر وشكّ في المتقدم منهما ، فانّه بعد تساقط الاستصحابين بالمعارضة يرجع إلى قاعدة الطهارة. ومنها : ما إذا علم حلية شيء في زمان وحرمته في زمان آخر وشكّ في المتقدم منهما ، فانّه بعد تساقط الاستصحابين يرجع إلى أصالة الحل ، إلى غير ذلك من الموارد التي يرجع فيها إلى الأصل المحكوم بعد سقوط الأصل الحاكم.
أمّا القسم الثاني : وهو ما إذا كان الأصل الجاري في كل طرف من سنخ الأصل الجاري في الطرف الآخر مع عدم اختصاص أحدهما بأصل طولي ، فلا ينبغي الشك في عدم جريان الأصل في شيء منهما ، على ما تقدّم بيانه ، وهذا القسم يتحقق في موردين : أحدهما : ما إذا لم يكن لشيء من الطرفين أصل طولي ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الثوبين فانّ الأصل الجاري في كل منهما مع قطع النظر عن العلم الاجمالي هي أصالة الطهارة فتسقط فيهما. ثانيهما : ما إذا كان الأصل الطولي مشتركاً فيه بين الطرفين ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين ، فانّ الأصل الجاري في كل منهما ابتداءً هي أصالة الطهارة ، وبعد سقوطها تصل النوبة إلى أصالة الحل في الطرفين ، والعلم الاجمالي كما يوجب تساقط الأصلين الحاكمين كذلك يوجب تساقط الأصلين المحكومين أيضاً بملاك واحد ، وهو كون جريان الأصل في الطرفين مستلزماً للترخيص في المعصية ، وفي أحدهما ترجيحاً بلا مرجح.
وأمّا القسم الثالث : وهو ما إذا كان الأصل الجاري في أحد الطرفين مغايراً في السنخ للأصل الجاري في الطرف الآخر ، فإن لم يكن أحد الطرفين مختصاً بأصل طولي ، فلا إشكال في عدم جواز الرجوع إلى الأصل في كلا الطرفين ،
ولا في أحدهما ، للزوم الترخيص في المعصية أو الترجيح بلا مرجّح.
وأمّا إن كان أحدهما مختصاً بأصل طولي ، فهو يتصوّر بصورتين :
الصورة الاولى : ما إذا كان الأصل الطولي فيها موافقاً في المؤدى مع الأصل الجاري في مرتبة سابقة عليه.
الصورة الثانية : ما كان الأصل الطولي فيها غير موافق للمؤدى مع الأصل الجاري في رتبة سابقة عليه.
أمّا الصورة الاولى : كما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين أو غصبية الآخر ، فانّ الأصل الجاري في محتمل النجاسة هو أصالة الطهارة ، وفي محتمل الغصبية هي أصالة الحل ، وفي فرض سقوط أصالة الطهارة في محتمل النجاسة تصل النوبة إلى أصالة الحل ، ففي مثل ذلك كان العلم الاجمالي منجّزاً للواقع ، لأنّ الأصلين الجاريين في الطرفين وإن كانا مختلفين ، إلاّأنّ العلم الاجمالي بوجود الحرام في البين مانع عن الرجوع إلى الأصل ، باعتبار أنّ الترخيص في كلا الطرفين ترخيص في مخالفة التكليف الواصل ، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجّح ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الأصل من الاصول الحاكمة أو الاصول المحكومة.
توضيح ذلك : أنّ الأصل الجاري في أحد الطرفين - وهو المائع المحتمل غصبيته - هو أصالة الحل ، والأصل الجاري في الطرف الآخر - وهو المائع المحتمل نجاسته - هو أصالة الطهارة ، ويترتب عليها جواز الشرب. والعلم الاجمالي بوجود الحرام يمنع من جريانهما لا لخصوصية فيهما ، بل لأن جريانهما مستلزم للترخيص في المعصية ، فكما أنّ أصالة الطهارة المترتب عليها جواز الشرب إذا انضمّت إلى أصالة الحل في الطرف الآخر لزم الترخيص في المعصية ، كذلك أصالة الحل إذا انضمّت إليها أصالة الحل في الطرف الآخر ، فإذا علم حرمة أحد المائعين كان الترخيص في كليهما ترخيصاً في المعصية ، وفي أحدهما ترجيحاً
بلا مرجّح ، سواء كان الترخيص بلسان الحكم بالطهارة المترتب عليه الحلية أو بلسان الحكم بالحلية من أوّل الأمر.
وبعبارة اخرى : الأمر في المقام دائر بين سقوط أصالة الاباحة في محتمل الغصبية ، وسقوط أصالة الطهارة وأصالة الاباحة في محتمل النجاسة ، وبما أنّه لا ترجيح في البين يسقط الجميع لا محالة. ومن هذا القبيل ما إذا علم إجمالاً ببولية أحد المائعين أو بتنجس الآخر بنجاسة عرضية ، فانّ الأصل الجاري فيما يحتمل نجاسته بالعرض وإن كان هو الاستصحاب ، والأصل الجاري في الطرف الآخر هو أصالة الطهارة ، إلاّ أنّه مع ذلك لا مجال لجريان أصالة الطهارة فيما يحتمل نجاسته العرضية بعد سقوط الاستصحاب فيه ، لأنّ العلم بالنجس الموجود في البين مانع عن جعل الطهارة الظاهرية في الطرفين بأيّ لسان كان لاستلزامه المخالفة القطعية ، وكذا في أحدهما للزوم الترجيح بلا مرجّح.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما كان الأصل الطولي مخالفاً في المؤدى مع الأصل الجاري في مرتبة سابقة عليه ، فيرجع إليه بعد تساقط الاصول العرضية ، بلا فرق بين أن تكون الاصول العرضية متماثلة أو متخالفة.
مثال الأوّل : ما إذا علم إجمالاً بزيادة ركوع في صلاة المغرب أو نقصانه في صلاة العشاء بعد الفراغ عنهما ، فقاعدة الفراغ في كل من الصلاتين تسقط بالمعارضة ، وبعد تساقطهما يرجع إلى استصحاب عدم الاتيان بالركوع المشكوك فيه من صلاة العشاء ، فيحكم ببطلانها واستصحاب عدم الاتيان بالركوع الزائد في صلاة المغرب ، ويحكم بصحّتها ، ولا يلزم محذور المخالفة العملية القطعية ، نعم تلزم المخالفة الالتزامية باعتبار العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع ، وقد عرفت غير مرّة أنّ الموافقة الالتزامية غير واجبة.
مثال الثاني : ما إذا علم إجمالاً بنقصان ركعة من صلاة المغرب أو عدم
الاتيان بصلاة العصر ، فانّ قاعدة الفراغ في صلاة المغرب وقاعدة الحيلولة في صلاة العصر تسقطان للمعارضة ، ويرجع إلى استصحاب عدم الاتيان بالركعة المشكوك فيها في صلاة المغرب ، فيحكم ببطلانها ووجوب إعادتها ، وإلى أصالة البراءة من وجوب قضاء صلاة العصر لما ثبت في محلّه (1)من أنّ الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء لا يثبت بأصالة عدم الاتيان.
وهذا التفصيل الذي ذكرناه من جواز الرجوع إلى الأصل الطولي في بعض الموارد ، وعدم جواز الرجوع إليه في بعض الموارد الاخر ، تترتب عليه ثمرات مهمّة في بحث الخلل وفي بحث فروع العلم الاجمالي فانتبه.
بعد ما عرفت أنّ تنجيز العلم الاجمالي وعدمه يدور مدار جريان الاصول في أطرافه وعدمه ، يظهر لك أنّه لا ملازمة بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية ، بل يمكن التفكيك بينهما فيما إذا جرى الأصل في بعض الأطراف دون بعضٍ لجهة من الجهات ، فلا تجب الموافقة القطعية وإن حرمت المخالفة القطعية. نعم ، فيما إذا لم يجر الأصل في شيء من الأطراف للمعارضة ، تجب الموافقة القطعية كما تحرم المخالفة القطعية ، فإذا علم إجمالاً بحرمة أحد المائعين مثلاً ، كانت أصالة الاباحة في كل منهما معارضة بمثلها في الآخر ، فتجب الموافقة القطعية بالاجتناب عنهما ، كما تحرم المخالفة القطعية بارتكابهما معاً. وأمّا إذا علم بحرمة الجلوس في إحدى الغرفتين في زمان معيّن ، فيسقط الأصلان للمعارضة ، وتجب الموافقة القطعية بترك الجلوس فيهما وإن كانت المخالفة القطعية
1) شرح العروة 16 : 78
غير محرّمة لعدم التمكن منها ، وعليه فلا وجه لما ذكره المحقق النائيني قدسسره (1)من عدم وجوب الموافقة القطعية فيما إذا لم تحرم المخالفة القطعية ، ورتّب على هذا جواز الاقتحام في أطراف الشبهة غير المحصورة ، من جهة عدم حرمة المخالفة القطعية ، لعدم التمكن منها.
وعلى الجملة : فالنسبة بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية هي العموم من وجه ، ويظهر الافتراق من الجانبين واجتماعهما فيما ذكرنا من الأمثلة.
إذا تردّد الواجب بين أمرين أو امور ، وأتى المكلف ببعض المحتملات فانكشف مصادفته للواقع ، فلا إشكال في سقوط الواجب فيما إذا كان توصلياً. وأمّا إذا كان الواجب تعبدياً ، فهل يسقط أو لا؟
اختار شيخنا الأنصاري قدسسره (2)عدم السقوط ، إلاّفيما إذا كان المكلف عازماً على الموافقة القطعية بالجمع بين المحتملات ، فلو لم يكن قاصداً إلاّ الاتيان ببعض المحتملات لا يحكم بالصحّة.
وما ذكره قدسسره مبني على اعتبار الجزم في نيّة العبادة ، وحيث إنّه لم يقم دليل على اعتباره ، كان المرجع هو البراءة ، لما ذكرناه في محلّه (3)من أنّه إذا شكّ في اعتبار قصد القربة أو قصد الوجه أو التمييز أو الجزم في النيّة وغيرها
ممّا لم يقم على اعتباره دليل بالخصوص ، يرجع إلى البراءة. وعليه فلو أتى المكلف ببعض المحتملات برجاء إصابة الواقع ، فقد قصد القربة بفعله ، فإذا صادف الواقع كان صحيحاً ومسقطاً للأمر.
وظهر ممّا ذكرناه أنّه لو دار أمر الواجبين المترتبين كالظهر والعصر بين أفعال متعددة ، لم يعتبر في صحّة الثاني الفراغ اليقيني من الأوّل ، بل يكفي الاتيان ببعض محتملاته ، فإذا دار أمر القبلة بين الجهات الأربع ، جاز للمكلف أن يصلّي الظهر والعصر إلى جهة ، ثمّ يصلّيهما إلى جهة ثانية ، وهكذا. نعم ، لو صلّى الظهر إلى جهة لا يجوز له أن يصلّي العصر إلى جهة اخرى قبل أن يصلّي الظهر إليها ، والوجه فيه ظاهر ، فان صلاة العصر حينئذ تكون باطلة يقيناً إمّا لأجل الاخلال بالاستقبال أو الترتيب.
قد عرفت الاشارة (1)إلى أنّه لو كان الأصل النافي للتكليف جارياً في بعض الأطراف دون بعض آخر ، فلا مانع من جريانه ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً حينئذ ، كما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء أو مضطراً إليه ، فانّ الأصل لا يجري فيه ، إذ يعتبر في جريان الأصل ترتب الأثر العملي عليه ، ولا يترتب أثر على جريانه في الخارج عن محل الابتلاء أو المضطر إليه.
وكذلك الحال لو كان الأصل الجاري فى بعض الأطراف مثبتاً للتكليف ، فانّه يجري الأصل النافي في الطرف الآخر بلا معارض ، كما إذا علمنا بوقوع
1) في ص 416 وفي التنبيهين الأوّلين
نجاسة في أحد الاناءين ، وكان أحدهما المعيّن متيقن النجاسة سابقاً إمّا وجداناً أو تعبداً لقيام أمارة أو أصل محرز ، فكان مجرى لاستصحاب النجاسة ، فيجري الأصل النافي في الطرف الآخر بلا معارض. وكذا لو كان بعض الأطراف طرفاً لعلم إجمالي سابق قد تنجّز فيه التكليف بذلك العلم ، فيجري الأصل النافي في الطرف الآخر من العلم الاجمالي الثاني بلا معارض.
ثمّ إنّ هذا الذي ذكرناه لا إشكال فيه فيما إذا كان حدوث العلم الاجمالي متأخراً عن طروء هذه الامور وعن العلم بها ، أو كان مقارناً له ، وإنّما الكلام فيما إذا علم بطروء أحد هذه الامور بعد تحقق العلم الاجمالي ، فهل يوجب ذلك سقوطه عن التأثير في تنجّز التكليف ليجري الأصل النافي في بعض الأطراف أم لا؟ وبعبارة اخرى : إذا كان العلم الاجمالي حين حدوثه مقارناً لأحد الامور المتقدمة فلا يكون مؤثراً في التنجيز من أوّل الأمر. وأمّا إذا فرض تأثيره في زمان وحكم بتساقط الاصول في أطرافه ، ثمّ طرأ شيء من هذه الامور ، فهل يوجب ذلك سقوطه عن التأثير بقاءً أم لا؟ قولان : الأظهر هو السقوط (1)لأنّ العلم الاجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي ولا
1) والذي يخطر بالبال القاصر هو أنّ الأظهر عدم السقوط ، لأنّ الاصول في أطراف العلم الاجمالي الموجب للتنجز الساقط باقية بحالها على الفرض ، وسيصرّح سيّدنا الاستاذ (دام ظلّه) به في الصفحة 426 ، وبعد بقاء العلم الاجمالي بحاله لو خرج بعض الأطراف عن محل الابتلاء مثلاً لا يكون الشك في الطرف الآخر شكّاً حادثاً ليرجع فيه إلى الأصل ، بل الشك فيه هو الشك الموجود أوّلاً وقد سقط الأصل فيه للمعارضة فكيف يعود بعد سقوطه. وظهر بما ذكرناه عدم انطباق ما استدلّ به (دام ظلّه) - من أنّ العلم الاجمالي ... إلى قوله : سقط عن التنجز - على المقام فانّ العلم الاجمالي باقٍ بحاله ولم يتبدّل على الفرض باعترافه (دام ظلّه) ، نعم الاستدلال المذكور إنّما يتمّ فيما إذا تبدّل العلم الاجمالي بما ذكر ، ولكنّه خلاف الفرض ، وقد تعرّض (دام ظلّه) للتبدّل في آخر الصفحة الآتية وسيأتي اعترافه بما ذكرنا في التنبيه الثامن الصفحة 443
على سائر الحجج والأمارات في تنجيز التكليف ، فكما أنّه لو تبدّل العلم التفصيلي بالشك الساري أو زالت البيّنة بقاءً لشبهة موضوعية ، كما لو شكّ في عدالة البيّنة القائمة على نجاسة شيء مثلاً ، أو لشبهة حكمية كما إذا شكّ في حجّية البيّنة في مورد اقيمت عليه ، سقط الحكم عن التنجيز في جميع هذه الموارد لعدم منجّز له بقاءً. نعم ، لو كان الشك في التكليف راجعاً إلى الامتثال بعد العلم بثبوته تفصيلاً أو بعد قيام الحجّة عليه ، كما إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر مثلاً ثمّ شكّ فيه لاحتمال الاتيان بها والخروج عن عهدتها ، كان التنجيز باقياً بحاله ، فلا بدّ من الاتيان بها ليحصل الفراغ اليقيني ويؤمّن من احتمال العقاب.
فكذا الحال في العلم الاجمالي كما إذا علم إجمالاً بوجوب إحدى الصلاتين القصر أو التمام مثلاً فأتى بإحداهما ، فانّ العلم بالتكليف وإن كان زائلاً لا محالة ، إلاّ أنّ زواله راجع إلى مرحلة الامتثال ، لا إلى مرحلة الحدوث ، فالتنجيز باقٍ بحاله ، فلا بدّ من الاتيان بالاخرى ، ليحصل الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمّة.
إن قلت : إذا أتى المكلف بإحدى الصلاتين المعلوم وجوب إحداهما إجمالاً ، فالعلم الاجمالي بحدوث التكليف وإن كان موجوداً فعلاً ، إلاّ أنّه لا يمنع من الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى الصلاة التي لم يؤت بها ، فيرفع بذلك وجوبها ، فانّ وجوبه فعلاً مشكوك فيه ، والأصل الجاري فيها غير معارض بالأصل في الطرف الآخر ، لعدم ترتب أثر عليه بعد الاتيان بهذا الطرف ، وقد تقدّم (1)أنّ تنجيز العلم الاجمالي إنّما كان من جهة تعارض الاصول وتساقطها.
1) في ص 404
قلت : الشك في وجوب الصلاة التي لم يؤت بها وإن كان موجوداً فعلاً ، إلاّ أنّه ليس شكاً حادثاً غير الشك الذي كان موجوداً أوّلاً ، وقد فرضنا عدم شمول دليل الأصل له للمعارضة ، فكيف يشمله بعد الاتيان بإحدى الصلاتين ، وكيف يعود الأصل الساقط بعد سقوطه.
إن قلت : لا مانع من ذلك بعد إطلاق الدليل لكل حال من الحالات ، وإنّما رفع اليد عنه قبل الاتيان بإحدى الصلاتين للمعارضة ، والضرورات تقدّر بقدرها ، فإذا ارتفعت المعارضة باتيان إحدى الصلاتين لا مانع من التمسك باطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى الطرف الآخر. وبعبارة اخرى : الأمر في المقام دائر بين رفع اليد عن أصل الدليل ورفع اليد عن إطلاقه ، وبما أنّ الموجب لرفع اليد هو المحذور العقلي وهو لزوم الترخيص في المعصية ، فيقتصر فيه على مورده وهو صورة تعارض الأصلين. وأمّا إذا فرض عدم جريان الأصل في بعض الأطراف ولو بقاءً ، فلا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر.
قلت : نعم ، ليس الموجب لرفع اليد عن الدليل إلاّالمحذور العقلي ، ولكنّه كما يقتضي عدم شمول دليل الأصل للطرفين في زمان واحد ، كذلك يقتضي عدم شموله لهما في زمانين أيضاً. فإذا علم بحرمة أحد المائعين ، فكما لا يمكن الحكم بحليتهما معاً في زمان واحد ، كذلك لا يمكن أن يحكم بحلية أحدهما في زمان ، ويحكم بحلية الآخر في زمان آخر ، فانّه من الترخيص في المعصية ، فلا يمكن جريان الأصل في كليهما على كل نحو ، للزوم الترخيص في المعصية ، ولا في أحدهما لعدم الترجيح.
هذا كلّه فيما إذا كان العلم الاجمالي باقياً على حاله وكان الشك شكّاً في الانطباق. وأمّا إذا زال بتبدله بالعلم التفصيلي بحرمة أحد المائعين بخصوصه من أوّل الأمر ، فالشك في نجاسة الآخر - لو فرض - شك حادث لا مانع من شمول
دليل الأصل له.
ولا فرق فيما ذكرناه بين زوال العلم الاجمالي بالوجدان كالمثال المتقدم وبين زواله بالتعبد ، كما إذا قامت الأمارة على حرمة أحد المائعين بخصوصه من أوّل الأمر ، أو كان ذلك مقتضى الأصل التنزيلي كالاستصحاب ، بل الأمر كذلك في الأصل غير التنزيلي أيضاً ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين الأبيض أو الأحمر ، ثمّ علمنا بعد ذلك بنجاسة الأبيض ، أو إناء آخر من أوّل الأمر ، بأن يكون المنكشف سابقاً ولو كان الكشف متأخراً ، فالعلم الاجمالي الأوّل ينحل بالعلم الاجمالي الثاني ، إذ بعد العلم الثاني لا يبقى لنا علم بحدوث نجاسة بين الأبيض والأحمر ، فيحتمل أن يكون الأبيض هو النجس من أوّل الأمر ، وقد فرضنا العلم بنجاسته أو بنجاسة الآخر ، فلا يبقى إلاّالشك في حدوث نجاسة جديدة في الاناء الأحمر ، غير ما هو المتيقن بين الأبيض والاناء الآخر ، فيكون المرجع في الاناء الأحمر أصالة الطهارة بلا معارض.
لو كان الأثر في بعض أطراف العلم الاجمالي أكثر من البعض الآخر ، فقد يكون بينهما قدر مشترك ، وقد لا يكون.
أمّا القسم الثاني : فلا إشكال في تنجيز العلم الاجمالي فيه ، فيجب ترتيب الآثار المتباينة بأجمعها ، كما إذا علم بوجوب قراءة سورة يس أو سورة التوحيد في ليلة الجمعة مثلاً بنذر ونحوه ، فانّ سورة يس وإن كانت أكثر من سورة التوحيد ، إلاّ أنّه لمّا لم يكن بينهما قدر مشترك ليكون هو المتيقن ، كان العلم الاجمالي منجّزاً بالنسبة إلى السورتين.
وأمّا القسم الأوّل : وهو ما كان بين الأطراف أثر مشترك مع اختصاص أحد الأطراف بأثر خاص ، كما إذا علم إجمالاً بوقوع نجاسة في الاناء الذي فيه ماء مطلق ، أو في الاناء الآخر الذي فيه مائع مضاف ، فانّ أثر النجاسة في كلا الطرفين هو حرمة الشرب ، وهذا هو الأثر المشترك فيه ، لكن الماء المطلق يختص بأثر آخر وهو عدم جواز التوضي به على تقدير وقوع النجاسة فيه ، فلو كانت النجاسة واقعةً في المائع المضاف لا يترتب عليه إلاّحرمة شربه. وأمّا لو كانت واقعة في المطلق ترتب عليه حرمة الشرب وعدم جواز التوضي به ، ففي تنجيز هذا العلم الاجمالي من حيث جميع الآثار أو من حيث الأثر المشترك فيه فقط ، وجهان.
ذهب المحقق النائيني قدسسره إلى الثاني (1)، بدعوى أنّ الأصل في كل طرف يتعارض بمثله في الطرف الآخر بالنسبة إلى الأثر المشترك فيه ، فيسقط في كل من الطرفين فيكون العلم الاجمالي منجّزاً بالنسبة إليه. وأمّا بالنسبة إلى الأثر المختص ببعض الأطراف ، فيجري فيه الأصل بلا معارض ، ففي المثال المتقدم لا يجوز شرب المائع المضاف ولا شرب الماء المطلق ، ولكن لا مانع من التوضي به.
والتحقيق أنّ العلم الاجمالي منجّز بالنسبة إلى جميع الآثار ، وذلك لأنّ جواز التوضي به متفرّع على جريان قاعدة الطهارة فيه ، فإذا فرض عدم جريانها للمعارضة ، فلا طريق للحكم بطهارته كي يجوز التوضي به ، فانّ نفس احتمال نجاسة الماء مانع عن التوضي به لو لم يكن ما يوجب الحكم بطهارته ظاهراً.
هذا كلّه في فرض تعدد الموضوع وتحقق العلم الاجمالي بثبوت حكم واحد
1) أجود التقريرات 3 : 429 ، فوائد الاصول 4 : 50
لموضوع واحد ، أو ثبوت حكمين لموضوع آخر ، كما في المثال المتقدِّم. وأمّا لو كان الموضوع واحداً ، وكان الترديد في السبب الذي تعلّق به العلم الاجمالي ، كما لو علم إجمالاً بأ نّه استدان من عمرو عشرة دراهم ، أو أنّه أتلف من ماله ما يساوي عشرين درهماً ، ففي مثل ذلك يكون القدر المشترك معلوم التحقق ، والزائد مشكوك الحدوث ، فيرجع فيه إلى الأصل ، إذ الترديد في السبب لا ينافي انحلال الحكم المسبب إلى المتيقن والمشكوك فيه ، فانّ الموجب للتنجز إنّما هو العلم بنفس التكليف لا بسببه.
ولا يخفى أنّ ما ذكرناه في الفرض الأخير إنّما هو فيما إذا لم يكن فيه أصل موضوعي حاكم على أصالة البراءة ونحوها ، فلو دار الأمر بين كون نجاسة الثوب مستندةً إلى ملاقاة الدم أو البول ، لايمكن الرجوع إلى أصالة عدم وجوب غسله ثانياً ، باعتبار أنّ وجوب الغسل الأوّل معلوم ، والغسل الثاني مشكوك الوجوب ، فيرجع إلى البراءة ، وذلك لأنّ استصحاب النجاسة قبل الغسلة الثانية حاكم على أصالة البراءة كما هو ظاهر.
هل العلم الاجمالي منجّز للواقع إذا تعلّق بالامور التدريجية ، مثل ما إذا تعلّق بالامور الدفعية أم لا؟ قولان.
ولا بدّ لنا قبل الشروع في تحقيق الحال في المقام من التنبيه على أمر ، وهو أنّ محل الكلام في هذا البحث هو ما إذا لم تكن أطراف العلم الاجمالي مورداً للاحتياط في نفسها مع قطع النظر عن العلم الاجمالي ، فانّه لو كانت كذلك كما إذا علم إجمالاً بأ نّه يبتلى في هذا اليوم بمعاملة ربويّة من جهة الشبهة الحكمية ،
فلا إشكال في وجوب الاحتياط ، سواء قلنا بتنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات أم لم نقل به ، والوجه فيه : أنّ كل معاملة يحتمل فيها الرِّبا مع قطع النظر عن العلم الاجمالي مورد للاحتياط لكون الشبهة حكمية ، ولا يجوز فيها الرجوع إلى البراءة قبل الفحص ، هذا من جهة الحكم التكليفي. وأمّا من جهة الحكم الوضعي ، فيحكم بالفساد في كل معاملة تقع في الخارج ، لأصالة عدم النقل والانتقال.
وتوهم جواز الرجوع إلى العمومات الدالة على صحّة كل معاملة ، كقوله تعالى : «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)مدفوع بأنّ العمومات مخصّصة بالمعاملة الربوية ، فالشك في الصحّة والفساد إنّما هو من جهة الشك في الانطباق ، لا من جهة الشك في التخصيص ، وفي مثله لايمكن التمسك بالعموم كما هو ظاهر. هذا مضافاً إلى أنّ التمسك بالعموم أيضاً مشروط بالفحص ، كما أنّ الأمر كذلك في الرجوع إلى البراءة.
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ تدريجية أطراف العلم الاجمالي على أقسام :
القسم الأوّل : أن تكون مستندةً إلى اختيار المكلف مع تمكنه من الجمع بينها ، كما إذا علم بغصبية أحد الثوبين ، وكان متمكناً من لبسهما معاً ولكنّه اقترح لبس أحدهما في زمان ولبس الآخر في زمان متأخر. ولا إشكال في خروج هذا القسم عن محل الكلام ، فانّ العلم بالتكليف الفعلي مع تمكن المكلف من الموافقة القطعية والمخالفة القطعية يوجب التنجز على ما تقدّم بيانه.
القسم الثاني : أن تكون التدريجية مستندةً إلى عدم تمكن المكلف من الجمع بين الأطراف مع تمكنه من ارتكاب كل منها بالفعل مع ترك الآخر ، كما إذا علم
1) المائدة 5 : 1
بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة ، فانّه وإن لم يتمكن من الجمع بينهما في زمان واحد ، إلاّ أنّه متمكن من الاتيان بأ يّهما شاء ، ونظيره العلم بحرمة أحد ضدّين لهما ثالث. ولا ينبغي الاشكال في تنجيز العلم الاجمالي في هذا القسم أيضاً ، للعلم بالتكليف الفعلي ، وسقوط الاصول في الأطراف للمعارضة.
القسم الثالث : أن تكون التدريجية مستندةً إلى تقيد أحد الأطراف بزمان أو بزماني متأخر. والتكليف المعلوم في هذا القسم تارةً يكون فعلياً على كل تقدير ، واخرى لا يكون فعلياً إلاّعلى تقدير دون تقدير.
الأوّل : كما إذا علم بتعلّق النذر بقراءة سورة خاصّة في هذا اليوم أو في الغد ، فانّه بناءً على كون الوجوب بالنذر فعلياً من باب الواجب التعليقي ، نعلم بتكليف فعلي متعلِّق بالقراءة في اليوم أو بالقراءة في الغد ، فالتدريجية في المتعلق وأمّا الوجوب فهو حاصل بالفعل ، وفي مثل ذلك لا مناص من القول بتنجيز العلم الاجمالي ، لما عرفت من أنّ الميزان في التنجيز هو العلم بالتكليف الفعلي ، وهو متحقق على الفرض.
الثاني : وهو ما لا يكون العلم فيه متعلقاً بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، كما إذا علم بوجوب مردّد بين كونه فعلياً الآن وكونه فعلياً فيما بعد ، كما إذا تردد الواجب بين كونه مطلقاً أو مشروطاً بشرط يحصل فيما بعد ، ففي مثل ذلك ذهب صاحب الكفاية (1)إلى جواز الرجوع إلى الأصل في كل من الطرفين. واختار المحقق النائيني قدسسره (2)عدم جواز الرجوع إلى الأصل في شيء
من الطرفين. وفصّل شيخنا الأنصاري قدسسره (1)بين ما إذا كان الملاك في الأمر المتأخر تاماً من الآن ، وما إذا لم يكن كذلك.
وتحقيق الحال بحيث تتّضح كيفية الاستدلال لجميع الأقوال يستدعي ذكر مقدّمة ، وهي أنّ تأخّر التكليف قد يكون مستنداً إلى عدم إمكانه فعلاً مع تمامية المقتضي له ، كما إذا تعلّق النذر بأمر متأخر بناءً على استحالة الواجب التعليقي ، فانّ الفعل المنذور يتّصف فعلاً بالاشتمال على الملاك الملزم بتعلّق النذر به ، إلاّأنّ الأمر بالوفاء مشروط بمجيء زمانه بناءً على استحالة الأمر الفعلي بالشيء المتأخر ، وقد يكون مستنداً إلى عدم تمامية المقتضي لعدم تحقق ما له دخل في تماميته ، وهذا كأكثر الشرائط التي تتوقف عليها فعلية التكليف ، كما إذا علمت المرأة بأ نّها تحيض ثلاثة أيام مرددة بين جميع أيام الشهر ، فلا علم لها بالتكليف الفعلي ولا بملاكه التام ، لعدم العلم بالحيض فعلاً المترتب عليه التكليف وملاكه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ من نظر إلى أنّ تنجيز العلم الاجمالي متوقف على كونه متعلقاً بالتكليف الفعلي ، اختار عدم تنجيزه في المقام وجواز الرجوع إلى الاصول في جميع الأطراف ، إذ المفروض تردد التكليف فيه بين أن يكون فعلياً وأن يكون مشروطاً بشرط غير حاصل ، فلا علم بالتكليف الفعلي ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى الطرف المبتلى به فعلاً ، كما لا مانع منه بالنسبة إلى الطرف الآخر في ظرف الابتلاء به.
ونظر شيخنا الأنصاري قدسسره إلى أنّ العلم بالملاك التام الفعلي بمنزلة
1) فرائد الاصول 2 : 426 و 427
العلم بالتكليف ، فالتزم بعدم تنجيز العلم الاجمالي عند عدم العلم بالملاك التام فعلاً ، وبتنجيزه فيما إذا علم الملاك التام فعلاً ، لأنّ الترخيص في تفويت الملاك الملزم فعلاً بمنزلة الترخيص في مخالفة التكليف الفعلي ، إذ عدم فعلية التكليف إنّما هو لوجود المانع مع تمامية المقتضي ، وهو لا يرفع قبح الترخيص في تفويت الملاك الملزم. ومن هنا التزم شيخنا الأنصاري قدسسره بتنجيز العلم الاجمالي في مسألة العلم بالنذر المردد تعلّقه بأمر حالي أو استقبالي ، وبعدم تنجيزه في مسألة علم المرأة بالحيض المردد بين أيام الشهر ، فتمسك باستصحاب عدم تحقق الحيض إلى الآن الأوّل من ثلاثة أيام في آخر الشهر ، وبالبراءة بعده ، والوجه في رجوعه من الاستصحاب إلى البراءة هو أنّ المرأة بعد تحقق الآن الأوّل من ثلاثة أيام في آخر الشهر يحصل لها العلم بتحقق حيض وطهر قبل ذلك الآن ، وبما أنّ تاريخ كل منهما مجهول ، فالاستصحاب غير جارٍ للمعارضة على مسلكه (1)، ولعدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين على مسلك صاحب الكفاية قدسسره (2)، فلا مجال لجريان الاستصحاب على كل حال فيرجع إلى البراءة.
والتحقيق هو ما ذهب إليه المحقق النائيني قدسسره من تنجيز العلم الاجمالي وعدم جواز الرجوع إلى الأصل في شيء من الطرفين. أمّا فيما تمّ فيه الملاك فعلاً فقد عرفت وجهه. وأمّا فيما لم يتم فلما تقدّم في بحث مقدّمة الواجب من استقلال العقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه بتعجيز النفس قبل مجيء وقته ، كاستقلاله بقبح تعجيز النفس عن امتثال التكليف الفعلي (3). ولا فرق في قبح التفويت بحكم العقل بين كونه مستنداً إلى العبد كما تقدّم ، وبين كونه مستنداً
إلى المولى بترخيصه في ارتكاب الطرف المبتلى به فعلاً ، وترخيصه في ارتكاب الطرف الآخر في ظرف الابتلاء ، فانّه ترخيص في تفويت الملاك التام الملزم ، وهو بمنزلة الترخيص في مخالفة التكليف الواصل وعصيانه في حكم العقل.
في تحقيق ما ذكروه من عدم تنجيز العلم الاجمالي فيما إذا كانت الأطراف غير محصورة. وتوضيح الحال في المقام يستدعي التكلم في مقامين : الأوّل : في تحديد الموضوع وبيان المراد من الشبهة غير المحصورة. الثاني : في بيان حكمها.
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فهو أنّه ذكر لتعريفها وجوه كثيرة ، ونكتفي بذكر ما هو العمدة منها :
الوجه الأوّل : أنّ غير المحصورة ما يعسر عدّه.
وفيه أوّلاً : أنّ عسر العدّ لا انضباط له في نفسه من جهة اختلاف الأشخاص واختلاف زمان العد ، فالألف يعسر عدّه في ساعة مثلاً ، ولا يعسر في يوم أو أكثر ، فكيف يمكن أن يكون عسر العدّ ميزاناً للشبهة غير المحصورة.
وثانياً : أنّ تردد شاة واحدة مغصوبة بين شياه البلد التي لا تزيد على الألف مثلاً من الشبهة غير المحصورة عندهم ، وتردد حبّة واحدة مغصوبة بين ألف ألف حبّة مجتمعة في إناء لا تعدّ من غير المحصورة عندهم ، مع أنّ عدّ الحبّات أعسر بمراتب من عدّ الشياه ، فيستكشف بذلك أنّ عسر العد لا يكون ضابطاً للشبهة غير المحصورة.
الوجه الثاني : ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره (1)من أنّ الشبهة
1) فرائد الاصول 2 : 433 و 438
غير المحصورة ما كان احتمال التكليف في كل واحد من الأطراف موهوماً لكثرة الأطراف.
وفيه أوّلاً : ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (1)من أنّه إحالة إلى أمر مجهول ، فانّ الوهم له مراتب كثيرة ، فأيّ مرتبة منه يكون ميزاناً لكون الشبهة غير محصورة.
وثانياً : أنّ موهومية احتمال التكليف لايمنع من التنجيز ، ولذا يتنجز التكليف المردد بين طرفين ، ولو كان احتماله في أحدهما ظنّياً وفي الآخر موهوماً ، والسر في ذلك ما تقدّم (2)من أنّ مجرد احتمال التكليف بأيّ مرتبة كان يساوق احتمال العقاب ، وهو الملاك في تنجز التكليف ما لم يحصل المؤمّن.
الوجه الثالث : أنّ الشبهة غير المحصورة ما يعسر موافقتها القطعية.
وفيه أوّلاً : أنّ العسر بنفسه مانع عن تنجز التكليف وفعليته ، سواء كانت أطراف الشبهة قليلة أو كثيرة ، فلايكون ذلك ضابطاً لكون الشبهة غير محصورة.
وثانياً : أنّ العسر إنّما يوجب ارتفاع التكليف بمقدار يرتفع به العسر لا مطلقاً ، فالعسر لا يمنع عن تنجيز العلم الاجمالي على الاطلاق ، كما هو المدّعى للقائل بعدم التنجيز في الشبهة غير المحصورة.
الوجه الرابع : أنّ الميزان في كون الشبهة غير محصورة هو الصدق العرفي ، فما صدق عليه عرفاً أنّه غير محصور يترتب عليه حكمه ، ويختلف ذلك باختلاف الموارد.
وفيه أوّلاً : أنّ هذه الكلمة لم ترد في موضوع دليل شرعي ليرجع في فهم
معناها إلى العرف ، وإنّما هي من الاصطلاحات المستحدثة.
وثانياً : أنّ العرف لا ضابطة عندهم لتمييز المحصور عن غيره ، والسر فيه أنّ عدم الحصر ليس من المعاني المتأصلة ، وإنّما هو أمر إضافي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ونحوهما.
الوجه الخامس : ما اختاره المحقق النائيني قدسسره من أنّ الميزان في كون الشبهة غير محصورة عدم تمكن المكلف عادةً من المخالفة القطعية بارتكاب جميع الأطراف ، ولو فرض قدرته على ارتكاب كل واحد منها (1). ومن هنا تختص الشبهة غير المحصورة بالشبهات التحريمية ، إذ في الشبهات الوجوبية يتمكن المكلف من المخالفة القطعية بترك جميع الأطراف وإن بلغت من الكثرة ما بلغت ، فالعلم بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية يكون منجّزاً ، إلاّ أنّه لا يتمكن من الموافقة القطعية بالاتيان بجميع الأطراف ، فيجري حكم الاضطرار إلى ترك بعض الأطراف (2)على ما سيجيء الكلام فيه قريباً (3)إن شاء اللّه تعالى. والاضطرار مانع آخر عن التنجيز غير كون الشبهة غير محصورة.
وفيه أوّلاً : أنّ عدم التمكن من ارتكاب جميع الأطراف لا يلازم كون الشبهة غير محصورة ، فقد يتحقق ذلك مع قلّة الأطراف وكون الشبهة محصورة ، كما إذا علمنا إجمالاً بحرمة الجلوس في إحدى غرفتين في وقت معيّن ، فانّ المكلف لايتمكّن من المخالفة القطعية بالجلوس فيهما في ذلك الوقت. وكذا الحال لو تردد الحرام بين الضدّين في وقت معيّن.
وثانياً : أنّ عدم القدرة على المخالفة القطعية غير منضبط في نفسه ، فانّه يختلف باختلاف المعلوم بالاجمال وباختلاف الأشخاص وباختلاف قلّة الزمان وكثرته وغير ذلك من الخصوصيات ، فليس له ضابط فكيف يكون ميزاناً لكون الشبهة غير محصورة.
وثالثاً : أنّ عدم التمكن من المخالفة القطعية إن اريد به عدم التمكن منها دفعةً ، فكثير من الشبهات المحصورة كذلك ، وإن اريد به عدم التمكن منها ولو تدريجاً فقلّما تكون شبهة غير محصورة ، إذ كثير من الشبهات التي تعدّ غير محصورة عندهم يتمكن المكلف من ارتكاب جميع أطرافها في ضمن سنة أو أكثر أو أقل.
فتحصّل : أنّه لم يظهر لنا معنىً محصّل مضبوط للشبهة غير المحصورة حتّى نتكلّم في حكمها.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ العلم الاجمالي بالتكليف قد يتمكن المكلف معه من الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ، وقد يتمكن من إحداهما دون الاخرى ، وقد لا يتمكن من شيء منهما. أمّا الفرض الأخير فلا إشكال في عدم تنجيز العلم الاجمالي فيه على ما تقدّم بيانه في بحث دوران الأمر بين المحذورين (1)وأمّا الفرض الأوّل فلا إشكال في تنجيزه على ما تقدّم (2)بيانه أيضاً. وأمّا الفرض المتوسط فله صورتان :
الصورة الاولى : ما تمكن فيه المكلف من المخالفة القطعية دون الموافقة القطعية ، وقد عرفت أنّ العلم الاجمالي موجب للتنجيز بالمقدار الممكن ، فتحرم المخالفة القطعية وإن لم تجب الموافقة القطعية ، وسيأتي (3)الكلام فيه مفصّلاً عند
البحث عن حكم الاضطرار إلى بعض الأطراف.
الصورة الثانية : ما تمكن فيه المكلف من الموافقة القطعية دون المخالفة القطعية ، فاختار المحقق النائيني قدسسره (1)فيه عدم تنجيز العلم الاجمالي بدعوى أنّ وجوب الموافقة القطعية متفرّع على حرمة المخالفة القطعية ، فإذا لم تحرم الثانية لم تجب الاولى. ولكنّك قد عرفت سابقاً (2)أنّه لا ملازمة بينهما ، وأنّ الميزان في تنجيز العلم الاجمالي هو سقوط الاصول في أطرافه ، فعلى تقدير تمكن المكلف من الموافقة القطعية وجبت عليه ، لأنّ احتمال التكليف موجب لتنجيز الواقع لو لم يكن مؤمّناً من العقاب المحتمل على مخالفته ، فعجز المكلف عن المخالفة القطعية المستلزم لعدم حرمتها عليه لا يوجب عدم وجوب الموافقة القطعية المفروض قدرة المكلف عليها ، وعدم المؤمّن من احتمال العقاب على المخالفة. نعم ، لو كان عدم حرمة المخالفة القطعية مستنداً إلى قصور في ناحية التكليف لا إلى عجز المكلف عنها ، استلزم ذلك عدم وجوب الموافقة القطعية كما هو ظاهر ، ولكنّه خارج عن الفرض ، إذ الكلام في عدم حرمة المخالفة القطعية المستندة إلى عجز المكلف وعدم تمكنه منها.
فاتّضح ممّا ذكرناه أنّه لا فرق [في] تنجيز العلم الاجمالي بين كثرة الأطراف وقلّتها. نعم ، ربّما تكون كثرة الأطراف ملازمة لطروء بعض العناوين المانعة عن تنجيز العلم الاجمالي ، كالعسر والحرج والخروج عن محل الابتلاء ونحو ذلك ، إلاّأنّ العبرة بتلك العناوين لا بكثرة الأطراف ، فلو طرأ بعضها لمنع عن
التنجيز ولو مع قلّة الأطراف.
أمّا الكلام في المقام الثاني : وهو بيان حكم الشبهة غير المحصورة ، فهو أنّه قد استدلّ على عدم وجوب الاجتناب في الشبهة غير المحصورة بوجوه :
الأوّل : ما ذكره شيخنا الأنصاري (1)من عدم اعتناء العقلاء باحتمال التكليف إذا كان موهوماً. وقد ظهر الجواب عن ذلك ممّا تقدّم (2).
الثاني : ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (3)من أنّ وجوب الموافقة القطعية متفرع على حرمة المخالفة القطعية ، فإذا لم تحرم الثانية لم تجب الاولى.
وقد ظهر الجواب عنه أيضاً بما تقدّم (4).
الثالث : دعوى الاجماع على عدم وجوب ذلك. وفيه أوّلاً : أنّ هذه المسألة من المسائل المستحدثة التي لم يتعرّض لها القدماء ، فكيف يمكن فيها دعوى الاجماع. وثانياً : أنّه على فرض تحقق الاتفاق لا يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام إذا علم استناد العلماء على أحد الامور المذكورة.
الرابع : دعوى أنّ لزوم الاجتناب في الشبهة غير المحصورة مستلزم للحرج وهو منفي في الشريعة المقدّسة. وفيه : ما تقدّم (5)من أنّ دليل نفي العسر والحرج إنّما يتكفل نفي الحكم عمّا يكون مصداقاً للعسر والحرج فعلاً ، بمعنى أنّ المعتبر في نفي الحكم هو الحرج الشخصي ، كما هو الحال في الضرر ، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان وغير ذلك من الخصوصيات. فلا دليل على نفي الحكم
بالنسبة إلى شخصٍ لا حرج عليه ، وسيجيء (1)تفصيل الكلام في ذلك عند التعرّض لقاعدة نفي الضرر إن شاء اللّه تعالى.
وتوهّم عدم شمول أدلة نفي الحرج لمثل المقام ممّا كان العسر في تحصيل الموافقة القطعية لا في متعلق التكليف نفسه ، بدعوى أنّها ناظرة إلى أدلة الأحكام الأوّلية الثابتة بجعل الشارع ، ومخصّصة لها بما إذا لم يكن متعلقها حرجياً ، وليست ناظرة إلى الأحكام الثابتة بحكم العقل ، والمفروض فيما نحن فيه عدم الحرج في الاتيان بمتعلق التكليف الشرعي وإنّما الحرج في تحصيل الموافقة القطعية الواجبة بحكم العقل ، فالأدلة المذكورة لا تدل على نفي وجوبها.
مدفوع بأنّ أدلة نفي الحرج وإن كانت ناظرةً إلى الأحكام الشرعية لا الأحكام العقلية ، إلاّ أنّها ناظرة إلى مقام الامتثال ، بمعنى أنّ كل حكم كان امتثاله حرجاً على المكلف فهو منفي في الشريعة ، فانّ جعل الحكم وإنشاءه إنّما هو فعل المولى ، ولا يكون حرجاً على المكلف أبداً ، وحينئذ فإن كان إحراز امتثال التكليف المعلوم بالاجمال حرجاً على المكلف ، كان التكليف المذكور منفياً في الشريعة بمقتضى أدلة نفي الحرج ، فلا يبقى موضوع لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية.
الخامس : رواية الجبن (2)المدّعى ظهورها في عدم تنجيز العلم الاجمالي عند كون الشبهة غير محصورة. وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة من حيث السند ،
1) في ص 620
2) وهي رواية أحمد بن أبي عبداللّه البرقي عن أبيه عن محمّد بن سنان عن أبي الجارود قال : «سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الجبن ، فقلت له : أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة؟ فقال عليهالسلام : أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين ...» الوسائل 25 : 119 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 5
لمحمّد بن سنان على ما ذكر في محلّه (1)، فلا تصلح للاستدلال بها. وثانياً : أنّها غير تامّة من حيث الدلالة أيضاً ، فانّها غير متعرضة للمحصور أو غيره من الشبهة ، بل ظاهرها أنّ العلم بوجود فرد محرّم دار أمره بين ما يكون في محل الابتلاء ، وما يكون خارجاً عنه لا يوجب الاجتناب عمّا هو محل الابتلاء ، وإلاّ لزم حرمة ما في جميع الأرضين لوجود حرام واحد ، فهي أجنبية عن الشبهة غير المحصورة.
بقي في بحث الشبهة غير المحصورة أمران لا بدّ من التنبيه عليهما :
الأوّل : أنّه بناءً على عدم تنجيز العلم الاجمالي في الشبهة غير المحصورة فهل يفرض العلم كعدمه ، فيجري حكم الشك في كل واحد من الأطراف ، فيرجع إلى قاعدة الاشتغال فيما إذا كان الشك في نفسه مورداً لها ، أو يكون الشك في كل واحد من الأطراف أيضاً بمنزلة العدم ، فلا يرجع إلى قاعدة الاشتغال أصلاً ، لا من جهة العلم الاجمالي ولا من جهة الشك؟ فإذا علمنا إجمالاً بوجود مائع مضاف مردد بين ألف إناء مثلاً ، فعلى الاحتمال الأوّل لا يصحّ الوضوء باناء واحد ، لاحتمال كونه مضافاً. والشك في كونه ماءً مطلقاً كافٍ في الحكم بعدم صحّة الوضوء به. وعلى الاحتمال الثاني صحّ الوضوء باناء واحد مع احتمال كونه مائعاً مضافاً. ولا يعتنى بهذا الاحتمال بعد كون الشبهة غير محصورة.
والتحقيق أنّه يختلف الحال باختلاف المباني في الشبهة غير المحصورة ، فبناءً على مسلك الشيخ قدسسره من أنّ الملاك في عدم التنجيز كون الاحتمال موهوماً لا يعتني به العقلاء ، فالشك في مفروض المثال يكون بمنزلة العدم ، فلا
1) معجم رجال الحديث 17 : 169
يعتنى باحتمال كون المتوضأ به مضافاً بعد كونه موهوماً على الفرض. وأمّا على مسلك المحقق النائيني قدسسره من أنّ الملاك في عدم التنجيز عدم حرمة المخالفة القطعية لعدم القدرة عليها ، وأنّ وجوب الموافقة القطعية متفرع عليها ، فالعلم بالتكليف المردد بين أطراف غير محصورة يكون كعدمه. وأمّا الشك في كل واحد من الأطراف فهو باقٍ على حاله ، وهو بنفسه مورد لقاعدة الاشتغال ، إذ يعتبر في صحّة الوضوء إحراز كون ما يتوضأ به ماء مطلقاً ، فنفس احتمال كونه مضافاً كافٍ في الحكم بعدم صحّة الوضوء به ، ولو لم يكن علم إجمالي بوجود مائع مضاف ، فلا بدّ حينئذ من تكرار الوضوء بمقدار يعلم معه وقوع الوضوء بماء مطلق.
الثاني : أنّه بناءً على عدم تنجيز العلم الاجمالي في الشبهة غير المحصورة لو كانت أطراف الشبهة في نفسها كثيرة ، وكان المعلوم بالاجمال في البين أيضاً كثيراً ، وقد يعبّر عنها بشبهة الكثير في الكثير ، كما لو فرض كون أطراف الشبهة ألفاً والمعلوم بينها مائة ، فانّ الأطراف في نفسها وإن كانت كثيرة ، إلاّأنّ نسبة المعلوم إليها هي نسبة الواحد إلى العشرة ، فهل يكون العلم الاجمالي في مثل ذلك الفرض منجّزاً أم لا؟
والتحقيق هنا أيضاً أنّه يختلف الحال باختلاف المسالك في عدم تنجيز العلم الاجمالي في الشبهة غير المحصورة ، فعلى مسلك الشيخ قدسسره من أنّ الملاك في عدم التنجيز كون احتمال التكليف موهوماً لا يعتني به العقلاء كان العلم الاجمالي في مفروض المثال منجّزاً ، لأنّ احتمال التكليف في كل واحد من الأطراف من قبيل تردد الواحد في العشرة ، ومثله لا يعدّ موهوماً كما هو ظاهر.
وأمّا على مسلك المحقق النائيني قدسسره من أنّ الوجه في عدم التنجيز عدم حرمة المخالفة القطعية لعدم التمكن منها ، ووجوب الموافقة القطعية متفرّع
عليها ، فلا بدّ من الالتزام بعدم التنجيز في المقام أيضاً ، فانّ المخالفة القطعية لا تتحقق إلاّبارتكاب جميع الأطراف ، وهو متعذر أو متعسّر عادةً ، فلا تجب الموافقة القطعية أيضاً ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً لا محالة.
في انحلال العلم الاجمالي للاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف وعدمه.
وقبل التكلم في ذلك لا بدّ من بيان مقدّمة يتّضح بها محل البحث في هذا التنبيه فنقول : إنّ الكلام في انحلال العلم الاجمالي وعدمه للاضطرار إنّما هو فيما إذا كان الاضطرار رافعاً لجميع الآثار للحكم المعلوم بالاجمال ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الخلين مثلاً مع الاضطرار إلى شرب أحدهما ، فانّ الأثر المترتب على هذا المعلوم بالاجمال ليس إلاّالحرمة المرتفعة بالاضطرار ، فيمكن القول بانحلال العلم الاجمالي في هذا الفرض ، باعتبار أنّ التكليف في الطرف المضطر إليه مرتفع بالاضطرار ، وفي الطرف الآخر مشكوك فيه ، فيرجع فيه إلى الأصل.
وأمّا إذا لم يكن الاضطرار رافعاً لجميع آثار المعلوم بالاجمال ، بأن تكون له آثار يرتفع بعضها بالاضطرار دون بعض آخر ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد المائعين : الماء أو الحليب ، مع الاضطرار إلى شرب الماء ، فانّ الأثر المترتب على هذا المعلوم بالاجمال تكليف وهو حرمة الشرب ، ووضع وهو عدم صحّة الوضوء بالماء ، والمرتفع بالاضطرار إنّما هو التكليف وحرمة الشرب فقط دون الوضع ، فانّ الاضطرار إلى شرب النجس [لا] يوجب جواز التوضي به كما هو ظاهر.
هذا فيما إذا كان الاضطرار إلى أحد الأطراف على التعيين. وكذا الحال فيما إذا كان الاضطرار إلى أحدها لا على التعيين ، كما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد
الماءين مع الاضطرار إلى شرب أحدهما لا بعينه ، فانّ المرتفع بالاضطرار إنّما هو حرمة الشرب لا عدم صحّة الوضوء به ، ففي مثل ذلك لا ينحل العلم الاجمالي بالاضطرار بلا إشكال ولا خلاف ، لبقاء أثر المعلوم بالاجمال في الطرف المضطر إليه بعد الاضطرار أيضاً ، فانّا نعلم إجمالاً - ولو بعد الاضطرار - أنّ هذا الماء لايجوز التوضي به أو هذا الحليب لايجوز شربه ، وهذا العلم منجّز للتكليف لا محالة ، فلا يجوز التوضي بالماء ولا شرب الحليب. وكذا الحال في مثال الاضطرار إلى أحد الأطراف لا على التعيين ، فانّا نعلم إجمالاً بعدم صحّة الوضوء بهذا الماء أو بذلك الماء وإن جاز شرب أحدهما للاضطرار.
وبالجملة : رفع بعض الآثار لأجل الاضطرار ليس إلاّمثل انتفاء بعض الآثار من غير جهة الاضطرار ومن غير ناحية النجاسة ، كما في الحليب فانّه لا يجوز التوضي به مع قطع النظر عن عروض النجاسة وكونه طرفاً للعلم الاجمالي ، ففي مثال دوران الأمر بين نجاسة الماء والحليب يكون أثر المعلوم بالاجمال قبل الاضطرار عدم جواز الشرب وحده في طرفٍ وهو الحليب ، وعدم جواز الشرب وعدم صحّة التوضي في الطرف الآخر وهو الماء ، وبعد الاضطرار إلى شرب الماء ترتفع حرمة شربه فقط ، ويبقى الحكم الوضعي وهو عدم صحّة الوضوء به بحاله ، فيكون المعلوم بالاجمال ذا أثر في الطرفين ، فيكون العلم الاجمالي منجّزاً لا محالة ، ولا يكون الاضطرار موجباً لانحلاله.
فتحصّل : أنّ الكلام في انحلال العلم الاجمالي للاضطرار وعدمه إنّما هو فيما إذا كان الاضطرار موجباً لرفع جميع الآثار ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الحليبين أو أحد الخلين مثلاً.
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ تحقيق الحال في انحلال العلم الاجمالي للاضطرار يستدعي التكلم في مقامين :
المقام الأوّل : فيما إذا كان الاضطرار إلى أحدهما المعيّن ، كما في مثال العلم الاجمالي بنجاسة الماء أو الحليب مع الاضطرار إلى شرب الماء.
المقام الثاني : فيما إذا كان الاضطرار إلى أحدهما لا على التعيين ، كما في مثال العلم الاجمالي بنجاسة أحد الماءين مع الاضطرار إلى شرب أحدهما لا بعينه.
أمّا المقام الأوّل : فهو يتصوّر بصور ثلاث :
الصورة الاولى : أن يكون الاضطرار حادثاً بعد التكليف وبعد العلم به.
الصورة الثانية : أن يكون الاضطرار حادثاً بعد التكليف وقبل العلم به ، كما إذا كان أحد الماءين نجساً في الواقع ، ولكنّه لم يكن عالماً به فاضطرّ إلى شرب أحدهما ثمّ علم بأنّ أحدهما كان نجساً قبل الاضطرار.
الصورة الثالثة : أن يكون الاضطرار حادثاً قبل التكليف وقبل العلم به.
أمّا الصورة الاولى : فاختلفت كلماتهم فيها ، فاختار شيخنا الأنصاري (1)قدسسره عدم انحلال العلم الاجمالي ، بدعوى أنّ التكليف قد تنجز بالعلم الاجمالي قبل عروض الاضطرار ولا رافع له في الطرف غير المضطر إليه.
وذهب صاحب الكفاية قدسسره في متن الكفاية (2)إلى الانحلال وعدم التنجيز ، بدعوى أنّ تنجيز التكليف يدور مدار المنجّز حدوثاً وبقاءً ، والمنجّز هو العلم الاجمالي بالتكليف ، وبعد الاضطرار إلى أحد الطرفين لا يبقى علم بالتكليف في الطرف الآخر بالوجدان ، كما هو الحال في العلم التفصيلي بعد زواله بالشك الساري ، فانّ التنجيز يسقط بزواله ، فالعلم الاجمالي لا يكون أقوى في التنجيز من العلم التفصيلي.
ثمّ نقض بفقدان بعض الأطراف باعتبار أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلاّكفقد بعضها ، فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي هنا ، كذلك لا ينبغي الاشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الاضطرار إلى بعض الأطراف. وهذا النقض وإن خصّه صاحب الكفاية بفقدان بعض الأطراف ، إلاّ أنّه جارٍ في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء بعد العلم بالتكليف ، بل يجري في الامتثال والاتيان ببعض الأطراف أيضاً ، فانّه لا يبقى علم بالتكليف في جميع هذه الصور.
وأجاب عنه : بأنّ الاضطرار من حدود التكليف ، لأنّ التكليف من أوّل حدوثه يكون مقيّداً بعدم الاضطرار ، بخلاف الفقدان فانّه ليس من حدوده ، وإنّما يكون ارتفاع التكليف بفقدان بعض الأطراف من قبيل انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه. هذا ملخّص ما ذكره في المتن.
وعدل عنه في الهامش فيما إذا كان الاضطرار إلى أحدهما المعيّن ، كما هو محل كلامنا فعلاً ، والتزم ببقاء التنجيز في الطرف غير المضطر إليه ، بتقريب أنّ العلم الاجمالي تعلّق بالتكليف المردد بين المحدود والمطلق ، باعتبار أنّ التكليف في أحد الطرفين محدود بعروض الاضطرار ، وفي الطرف الآخر مطلق ، ويكون من قبيل تعلّق العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين القصير والطويل ، ولا فرق في تنجّز التكليف بالعلم الاجمالي بين أن يكون الطرفان كلاهما قصيرين ، أو كلاهما طويلين ، أو يكون أحدهما قصيراً والآخر طويلاً ، كما إذا علمنا إجمالاً بوجوب دعاء قصير ولو كلمة واحدة ، ودعاء طويل ، فانّ العلم الاجمالي منجّز فيه بلا إشكال.
والمقام من هذا القبيل بعينه ، فانّ الاضطرار حادث بعد التكليف وبعد العلم به على الفرض ، فيكون التكليف في الطرف المضطر إليه قصيراً ومنتهياً بعروض الاضطرار ، وفي الطرف الآخر طويلاً ، ولا مانع من تنجيز التكليف المعلوم
بالاجمال في مثله. هذا ملخص ما ذكره في الهامش بتوضيح منّا.
والصحيح ما ذكره في الهامش من بقاء التنجيز في الطرف غير المضطر إليه ، لماذ كرناه مراراً (1)من أنّ التنجيز منوط بتعارض الاصول في أطراف العلم الاجمالي وتساقطها ، وفي المقام كذلك ، فانّ العلم الاجمالي بثبوت التكليف في الطرف غير المضطر إليه في جميع الأزمان أو في الطرف المضطر إليه إلى حدوث الاضطرار موجود ، وحيث إنّ التكليف المحتمل في أحد الطرفين على تقدير ثبوته إنّما هو في جميع الأزمان ، وفي الطرف الآخر على تقدير ثبوته إلى حدوث الاضطرار ، فلا محالة يقع التعارض بين جريان الأصل في أحدهما بالنسبة إلى جميع الأزمان ، وبين جريانه في الطرف الآخر بالنسبة إلى حدوث الاضطرار ، وبعد تساقطهما كان العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف ، فانتهاء التكليف في أحد الطرفين بانتهاء أمده لأجل الاضطرار لايوجب جريان الأصل في الطرف الآخر.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره في المتن من أنّ التنجيز دائر مدار المنجّز ، وهو العلم حدوثاً وبقاءً إلى آخر ما تقدّم ذكره ، فهو صحيح من حيث الكبرى ، إذ لا إشكال في أنّ التنجيز دائر مدار العلم بالتكليف حدوثاً وبقاءً ، ولكنّه غير تام من حيث الصغرى من أنّه لا يبقى علم بالتكليف بعد حدوث الاضطرار ، وذلك لأنّ العلم الاجمالي بالتكليف باقٍ بحاله حتّى بعد حدوث الاضطرار ، فانّه يعلم إجمالاً ولو بعد الاضطرار بأنّ التكليف إمّا ثابت في هذا الطرف إلى آخر الأزمان ، أو في الطرف الآخر إلى حدوث الاضطرار ، فلا وجه لدعوى تبدّل العلم بالشك [فانّه] انّما يكون فيما إذا زال العلم بطروء الشك الساري ، بلا فرق في ذلك بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي ، كما إذا علمنا تفصيلاً بنجاسة هذا الماء المعيّن ، ثمّ زال العلم وطرأ الشك الساري في
1) راجع على سبيل المثال ص 404
نجاسته ، وكذا إذا علمنا إجمالاً بنجاسة الماءين ثمّ طرأ الشك الساري في نجاسة أحدهما واحتملنا طهارة كليهما. وهذا بخلاف المقام ، فانّ العلم الاجمالي باقٍ بحاله ، إنّما المرتفع بالاضطرار هو المعلوم لا العلم به ، فانّ التكليف المعلوم بالاجمال على تقدير ثبوته في الطرف المضطر إليه قد ارتفع بالاضطرار ، والعلم المتعلق به إجمالاً باقٍ على حاله ، كما هو الحال في صورة خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء أو فقدانه أو الاتيان به ، فانّ العلم الاجمالي باقٍ على حاله في جميع هذه الصور ، غاية الأمر أنّ المعلوم بالاجمال وهو التكليف محتمل الارتفاع ، لأجل الخروج عن محل الابتلاء ، أو لأجل الفقدان أو لأجل الاتيان والامتثال ، فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر لبقاء العلم الاجمالي وتنجّز التكليف به.
ولولا ما ذكرناه من بقاء العلم الاجمالي في جميع الصور المذكورة لتمّ النقض المذكور في كلامه. ولا يجدي الجواب عنه بأنّ الاضطرار من حدود التكليف ، دون الفقدان والخروج من محل الابتلاء ونحوهما ، بل التكليف في الأمثلة المذكورة منتفٍ بانتفاء موضوعه ، وذلك لما ذكرناه في الواجب المشروط (1)من أنّ فعلية الحكم تدور مدار وجود الموضوع بما له من القيود والخصوصيات ، فكما أنّ وجود نفس الموضوع دخيل في الحكم ، كذا كل واحد من القيود الماخوذة فيه دخيل في الحكم ، وبانتفاء كل واحد من القيود ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه ، فلا فرق بين انتفاء ذات الموضوع كما في الفقدان أو الخروج عن محل الابتلاء ، وبين انتفاء قيده وهو عدم الاضطرار كما في محل الكلام. هذا كلّه حكم الصورة الاولى ، وهي ما إذا كان الاضطرار بعد التكليف وبعد العلم به ومقابلها بتمام المقابلة هي :
الصورة الأخيرة : وهي ما إذا كان الاضطرار فيه قبل التكليف وقبل العلم
1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 167 ، راجع أيضاً بحث الشرط المتأخر ص 133
به ، كما إذا اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مثلاً ، ثمّ علم بوقوع النجاسة في أحدهما بعد الاضطرار. ولا ينبغي الاشكال في عدم التنجيز في هذه الصورة ، إذ لا علم بالتكليف فيها ، لاحتمال وقوع النجاسة في الطرف المضطر إليه ، وحيث إنّ المفروض كون الاضطرار قبل وقوع النجاسة ، فوقوعها في الطرف المضطر إليه لا يوجب حدوث التكليف ، ووقوعها في الطرف الآخر مجرد احتمال لا مانع من الرجوع فيه إلى الأصل. ويلحق بهذه الصورة صورة تقارن الاضطرار والعلم بالتكليف فيجري فيه الكلام السابق من عدم التنجيز بلا فرق بينهما.
بقي الكلام في الصورة المتوسطة : وهي أن يكون الاضطرار بعد التكليف وقبل العلم به كما إذا اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مثلاً ، ثمّ علم بأنّ أحدهما كان نجساً قبل الاضطرار ، فهل الاعتبار بسبق التكليف على الاضطرار ، فيحكم بالتنجيز ، أو على العلم الحادث بعد الاضطرار ، فيحكم بعدمه لكون الاضطرار قبل العلم بالتكليف على الفرض؟ الصحيح هو الثاني ، لأنّ المانع من جريان الأصل هو العلم الاجمالي بالتكليف لا التكليف بواقعيته ولو لم يعلم به المكلف أصلاً ، فهو حين الاضطرار إمّا قاطع بعدم التكليف فلا يحتاج إلى إجراء الأصل بل لا يمكن. وإمّا شاك فيه فلا مانع من جريانه في الطرفين ، لعدم المعارضة ، لعدم العلم بالتكليف على الفرض ، والعلم الاجمالي الحادث بعد الاضطرار ممّا لا أثر له ، لاحتمال وقوع النجاسة في الطرف المضطر إليه ، ولا يوجب حدوث التكليف فيه لكون الاضطرار رافعاً له.
وبالجملة : التكليف في الطرف المضطر إليه ممّا نقطع بعدمه ، لأنّ الأمر دائر بين كون التكليف منفياً فيه من أوّل الأمر وبين سقوطه بالاضطرار. وأمّا الطرف الآخر ، فالتكليف فيه وإن كان محتملاً ، إلاّ أنّه لا مانع فيه من الرجوع إلى الأصل ، إذ لا معارض له ، لأنّه لا يجري في الطرف المضطر إليه ، لعدم الأثر
له للقطع بالحلية فيه كما تقدّم.
وها هنا شبهة : وهي أنّ التكليف الواقعي وإن لم يكن مانعاً من جريان الأصل ، إلاّ أنّه بعد العلم به تترتب آثاره من حين حدوثه لا من حين العلم به ، كما هو الحال في العلم التفصيلي فانّه لو علمنا بأنّ الماء الذي اغتسلنا به للجنابة قبل اسبوع مثلاً كان نجساً ، يجب ترتيب آثار نجاسة الماء المذكور من حين نجاسته لا من حين العلم بها ، فيجب الاتيان بقضاء الصلوات التي أتينا بها مع هذا الغسل ، وكذا سائر الآثار المترتبة شرعاً على نجاسة الماء المذكور.
ففي المقام أيضاً لا مناص من ترتيب آثار التكليف من حين حدوثه لا من حين انكشافه ، وحينئذ لمّا كان حدوث التكليف قبل الاضطرار ، فلا بدّ من اعتبار وجوده قبله ولو كان منكشفاً بعده ، وعليه فبعد طروء الاضطرار نشك في سقوط هذا التكليف الثابت قبل الاضطرار لأجل الاضطرار ، لأنّه لو كان في الطرف المضطر إليه فقد سقط بالاضطرار ، ولو كان في الطرف الآخر كان باقياً لا محالة ، فيرجع إلى استصحاب بقاء التكليف أو قاعدة الاشتغال على خلاف بيننا وبين المحقق النائيني (1)قدسسره وعلى كل تقدير لا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة في الطرف غير المضطر إليه. وبالجملة : بعد العلم بثبوت التكليف قبل الاضطرار والشك في سقوطه له يحكم بوجوب الاجتناب عن الطرف الآخر لأجل الاستصحاب أو لقاعدة الاشتغال.
والجواب عن هذه الشبهة : أنّ المقام ليس مجرى للاستصحاب ولا لقاعدة الاشتغال ، فانّ الاستصحاب أو القاعدة إنّما يجريان فيما إذا كانت الاصول في أطراف العلم الاجمالي ساقطة بالمعارضة ، كما في الشك في بقاء الحدث المردد
1) أجود التقريرات 3 : 454 و 455 ، فوائد الاصول 4 : 94
بين الأصغر والأكبر بعد الوضوء ، فانّ الأصل في كل منهما معارض بالأصل الجاري في الآخر ، وبعد تساقطهما يرجع إلى الاستصحاب ويحكم ببقاء الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر. وهذا بخلاف ما إذا كان الأصل جارياً في بعض الأطراف بلا معارض كما في المقام ، فانّ التكليف في الطرف المضطر إليه معلوم الانتفاء بالوجدان ، فلا معنى لجريان الأصل فيه ، وفي الطرف الآخر مشكوك الحدوث فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، فليس لنا علم بالتكليف وشكّ في سقوطه حتّى نحكم ببقائه للاستصحاب أو لقاعدة الاشتغال ، كما في مثال الحدث المردد بين الأكبر والأصغر ، لأنّ التكليف في الطرف المضطر إليه منفي بالوجدان ، وفي الطرف الآخر مشكوك الحدوث ومنفي بالتعبد للأصل الجاري فيه بلا معارض ، ومن هنا نقول بأنّ المرجع عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين هي البراءة ، فانّه مع الاتيان بالأقل يشك في بقاء التكليف المعلوم بالاجمال ، ومع ذلك لا يرجع إلى الاستصحاب ولا إلى قاعدة الاشتغال ، وليس ذلك إلاّلأنّ منشأ الشك في بقاء التكليف احتمال تعلّقه بالأكثر الذي يجري فيه الأصل بلا معارض ، فالتكليف بالأقل ساقط بالامتثال ، والتكليف بالأكثر مشكوك الحدوث من أوّل الأمر ، ومنفي بالتعبّد للأصل الجاري فيه بلا معارض ، فلم يبق مجال للرجوع إلى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال.
وظهر ممّا ذكرناه - في حكم الاضطرار إلى المعيّن من الأطراف بأقسامه الثلاثة - حكم غير الاضطرار ممّا يرتفع معه الحكم ، كفقدان بعض الأطراف أو خروجه عن محل الابتلاء أو الاكراه إلى البعض المعيّن من الأطراف ونحوها ، فانّه يجري فيها جميع ما ذكرناه في الاضطرار من الأقسام والأحكام ، فلاحاجة إلى الاعادة.
وأمّا المقام الثاني : وهو ما كان الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه ، فاختار
صاحب الكفاية قدسسره (1)فيه عدم التنجيز ، بدعوى أنّ الترخيص في بعض الأطراف لأجل الاضطرار لا يجامع التكليف الفعلي على كل تقدير ، فليس في غير ما يختاره المكلّف لرفع اضطراره إلاّاحتمال التكليف ، وهو منفي بالأصل.
واختار شيخنا الأنصاري قدسسره (2)التنجيز مطلقاً حتّى في صورة تقدّم الاضطرار على حدوث التكليف وعلى العلم به ، وتبعه المحقق النائيني قدسسره (3)وهو الصحيح ، لأنّ الاضطرار لم يتعلّق بخصوص الحرام كي ترتفع حرمته به ، وإنّما تعلّق بالجامع بينه وبين الحلال على الفرض ، فالجامع هو المضطر إليه وأحدهما مع الخصوصية هو الحرام ، فما هو مضطر إليه ليس بحرام ، وما هو حرام ليس بمضطر إليه ، فلا وجه لرفع اليد عن حرمة الحرام المعلوم بالاجمال لأجل الاضطرار إلى الجامع ، كما لو اضطرّ إلى شرب أحد الماءين مع العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعيّن ، فهل يتوهّم رفع الحرمة عن الحرام المعلوم تفصيلاً لأجل الاضطرار إلى الجامع.
والمقام من هذا القبيل لعدم الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي من هذه الجهة ، وهذا أعني تعلّق الاضطرار بالجامع هو الفارق بين هذا المقام والمقام السابق ، فانّ الاضطرار هناك كان متعلقاً بأحدهما المعيّن ، وهو رافع للحرمة على تقدير ثبوتها مع قطع النظر عن الاضطرار ، بخلاف المقام فانّ الاضطرار فيه لم يتعلّق إلاّبالجامع ، والاضطرار إلى أحد الأمرين من الحرام أو الحلال لا يوجب رفع الحرمة عن الحرام كما تقدّم بيانه ، غاية الأمر أنّ وجوب الموافقة
القطعية ممّا لا يمكن الالتزام به بعد الاضطرار إلى الجامع ، لأنّ الموافقة القطعية إنّما تحصل بالاجتناب عنهما معاً وهو طرح لأدلة الاضطرار ، ويكون نظير الاجتناب عمّا اضطرّ إليه معيّناً ، وتبقى حرمة المخالفة القطعية بارتكابهما معاً على حالها ، إذ لا موجب لرفع اليد عنها بعد التمكن منها كما هو المفروض.
والذي تحصّل ممّا ذكرناه امور ينبغي الاشارة إليها لتوضيح المقام :
الأوّل : أنّ الحرام المعلوم بالاجمال لم يطرأ ما يوجب ارتفاعه ، لما عرفت من أنّ الاضطرار إنّما هو إلى الجامع لا إلى خصوص الحرام ليرتفع حكمه.
الثاني : أنّه لايمكن الترخيص في ارتكاب جميع الأطراف ، لاستلزامه الترخيص في المعصية ومخالفة التكليف الواصل.
الثالث : أنّه لا بدّ من رفع اليد عن وجوب الموافقة القطعية ، لتوقف رفع الاضطرار على ارتكاب بعض الأطراف ، فلا مناص من الترخيص في الارتكاب بمقدار يرتفع به الاضطرار.
الرابع : أنّه إن انطبق ما اختاره المكلف لرفع اضطراره على الحلال الواقعي ، فالحرمة الواقعية في الطرف الآخر باقية بحالها ، ولا وجه لرفع اليد عنها ، فانّ الحرام الواقعي لا يكون مضطراً إليه ، ولا انطبق عليه ما اختاره المكلف لرفع اضطراره ، وإن انطبق ما اختاره المكلف لرفع اضطراره على الحرام الواقعي ، فالحرمة الواقعية وإن لم ترتفع ، لأنّ اختيار المكلف له لرفع اضطراره لا يكشف عن تعلّق الاضطرار به ، فلا موجب لرفع حرمته ، إلاّأنّ الجهل به مستلزم للترخيص الظاهري في ارتكابه المستلزم لعدم العقاب عليه.
ونتيجة ما ذكرناه من الامور : أنّ التكليف في المقام في مرتبة متوسطة بين الشبهة البدوية التي لم يتنجز الواقع فيها أصلاً ، وبين العلم الاجمالي الذي لم يتعلّق
الاضطرار بشيء من أطرافه وكان الواقع فيه منجّزاً على كل تقدير ، فانّ التكليف في المقام منجّز على تقدير عدم مصادفة ما يختاره المكلف لرفع اضطراره مع الحرام ، وغير منجّز على تقدير مصادفة ما يختاره المكلف مع الحرام ، فانّ الجهل به يسقط تنجّزه ، فصحّ أن نقول : إنّ التكليف في المقام في رتبة التوسط من التنجّز ، كما هو الحال في دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فانّ التكليف بالنسبة إلى الأقل منجّز للعلم بوجوبه على كل تقدير ، وبالنسبة إلى الأكثر غير منجّز للشك فيه ، فيكون مجرىً للبراءة ، فصحّ أن نقول : إنّ للتكليف - على تقدير تعلّقه بالأكثر - توسطاً في التنجز ، بمعنى أنّه لو أتى بالأقل فغير منجّز ، أي ليس على ترك الأكثر حينئذ عقاب ، لعدم العلم بوجوبه. وعلى تقدير ترك الأقل أيضاً فهو - أي التكليف المتعلق بالأكثر - منجّز ويعاقب على تركه ، حيث لا ينفك عن ترك الأقل.
وكذا الحال في دوران الأمر بين الوجوب النفسي والغيري بعد العلم بأصل الوجوب ، كما إذا علمنا بوجوب غسل الجنابة مثلاً ، وشككنا في أنّه واجب نفسي أو واجب غيري ومقدّمة لواجب آخر كالصلاة مثلاً ، فالتكليف بالصلاة على تقدير ثبوته واقعاً منجّز على تقدير ترك الوضوء ، فانّ تركها لا ينفك عن تركه ، فيعاقب على ترك الصلاة لا على ترك الوضوء ، لكونه غيرياً في الواقع على الفرض ، وغير منجّز على تقدير الاتيان بالوضوء للشك في وجوبها ، فيكون مجرىً للبراءة ، فالتكليف المتعلق بالصلاة واقعاً منجّز على تقدير ترك الوضوء ، وغير منجّز على تقدير الاتيان به ، وهذا هو التوسط في التنجّز.
واتّضح بما ذكرناه الفرق بين الاضطرار إلى المعيّن وبين المقام ، فانّ المضطر إليه المعيّن لو كان حراماً في الواقع ترتفع حرمته واقعاً ، والاضطرار إليه يوجب الترخيص الواقعي في ارتكابه ، بخلاف المقام فانّ الاضطرار إنّما تعلّق بالجامع
وهو لا يوجب ارتفاع الحرمة عن الحرام الواقعي كما تقدّم. وظهر فساد ما في الكفاية من أنّ الترخيص في بعض الأطراف لا يجامع العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، فلا يبقى إلاّاحتمال التكليف في غير ما يختاره المكلف لرفع اضطراره وهو منفي بالأصل ، وذلك لأنّ الترخيص في بعض الأطراف لو كان ترخيصاً واقعياً كما في الاضطرار إلى المعيّن ، لكان الأمر كما ذكره قدسسره وليس المقام كذلك ، إذ المفروض عدم تعلّق الاضطرار بالحرام الواقعي بل بالجامع ، غاية الأمر أنّه يحتمل انطباقه على ما يختاره المكلف لرفع اضطراره لجهله به ، وهو لا يوجب إلاّالترخيص الظاهري ، فالحكم الواقعي ثابت على كل تقدير ، ومعه لا يمكن الرجوع إلى البراءة في الطرف الآخر ، فانّه يوجب المخالفة القطعية للتكليف الواصل.
ثمّ إنّ المحقق النائيني قدسسره (1)التزم في المقام بأ نّه لو صادف ما يختاره المكلف لرفع اضطراره مع الحرام الواقعي ترتفع الحرمة واقعاً ، بدعوى أنّ الاضطرار وإن كان متعلقاً بالجامع إلاّ أنّه باختياره الحرام الواقعي لرفع اضطراره من باب الاتفاق يصير الحرام مصداقاً للمضطر إليه ، فترتفع حرمته واقعاً ، ومع ذلك التزم بعدم جريان البراءة في الطرف الآخر ، بدعوى أنّ ارتفاع الحرمة إنّما يكون بعد اختياره الحرام لرفع اضطراره ، وأمّا قبله فالحكم المعلوم بالاجمال فعلي ومنجّز. وقد مرّ (2)عند البحث عن الاضطرار إلى المعيّن أنّ الرافع للتكليف إن كان متأخراً عن التكليف وعن العلم الاجمالي به إنّما يقتصر في رفع التكليف بمورد تحقق الرافع ، وأمّا غيره من الأطراف فالحكم فيه باقٍ على تنجّزه. وعليه يكون المقام نظير الاضطرار إلى المعيّن بعد العلم الاجمالي بالتكليف وسقوط
الاصول في الأطراف للمعارضة. ونتيجة ذلك سقوط التكليف واقعاً على تقدير مصادفة ما يختاره المكلف لرفع اضطراره مع الحرام الواقعي من باب الاتفاق ، وعدم سقوطه على تقدير عدم المصادفة معه. وهذا هو التوسط في الفعلية لا التوسط في التنجّز على ما اخترناه.
ويرد عليه أوّلاً : أنّ اختيار المكلف الحرام الواقعي لرفع اضطراره لايوجب ارتفاع حرمته واقعاً كما عرفت ، ودعوى أنّه بالاختيار يصير مصداقاً للمضطر إليه من باب الاتفاق غير مسموعة ، لأنّ الاضطرار إلى الجامع لا ينقلب إلى الاضطرار إلى المعيّن بارادة المكلف واختياره ، كما هو ظاهر.
وثانياً : أنّه على تقدير تسليم ارتفاع الحرمة واقعاً عمّا يختاره المكلف ، كيف يعقل الحكم بحرمته إلى زمان اختيار المكلف له لرفع اضطراره ، فانّ تحريم الشيء إنّما هو لأن يكون رادعاً للمكلف عن اختياره وساداً لطريقه ، فكيف يعقل أن يكون مغيّىً به ومرتفعاً عند حصوله ، فانّ جعل الحرمة لشيء المرتفعة باختيار المكلف فعله لغو محض ، فلا مناص من الالتزام بكون ما يختاره المكلف لرفع اضطراره محكوماً بالحلية من أوّل الأمر ، ومعه لا يبقى مجال لدعوى العلم الاجمالي بالتكليف على كل تقدير ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة في الطرف الآخر ، فيما كان الاضطرار إلى غير المعيّن سابقاً على العلم الاجمالي بالتكليف ، كما هو الحال في الاضطرار إلى المعيّن. وبالجملة : أنّ الالتزام بسقوط التكليف واقعاً عمّا يختاره المكلف لرفع اضطراره لا يجتمع مع القول بالتنجّز في الطرف الآخر ، فلا بدّ من الالتزام بعدم السقوط واقعاً كما اخترناه ، أو بعدم التنجّز في الطرف الآخر كما اختاره صاحب الكفاية قدسسره.
هذا كلّه في الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف في الشبهة التحريمية.
ومنه يظهر الحال إلى الاضطرار في ترك بعض الأطراف في الشبهة الوجوبية ،
ويجري حكم الاضطرار في غيره ممّا هو رافع للتكليف من الاكراه ونحوه. ولا نعيد الكلام.
لا ينبغي الشك في أنّه يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي أن يكون جميع أطرافه مقدوراً للمكلف ، إذ لو كان بعضها غير مقدور له كان التكليف بالنسبة إليه ساقطاً يقيناً ، لاعتبار القدرة في التكليف ، ويكون التكليف في الطرف الآخر مشكوك الحدوث فتجري أصالة البراءة. وبعبارة اخرى : لو كان بعض الأطراف غير مقدور للمكلف يؤول الأمر إلى الشك في التكليف لا الشك في المكلف به ، فيكون المرجع أصالة البراءة لا أصالة الاحتياط ، وهذا واضح.
وذكر شيخنا الأنصاري قدسسره (1)شرطاً آخر لتنجيز العلم الاجمالي في خصوص الشبهة التحريمية ، وهو أن يكون جميع الأطراف في محل الابتلاء ، فالتزم بعدم التنجيز فيما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء وإن كان مقدوراً له ، لأنّه يعتبر في صحّة النهي عن شيء وحسنه كونه في معرض الابتلاء بحيث يتعلّق بفعله إرادة المكلف عادةً ، وإلاّ كان النهي عنه لغواً مستهجناً صدوره عن الحكيم.
وبعبارة اخرى : الغرض من جعل التكليف التحريمي إحداث المانع للمكلف عن فعله ، فلو فرض عدم كونه في معرض الابتلاء وعدم الداعي له إلى فعله ، كان تركه مستنداً إلى عدم المقتضي ، فاحداث المانع له لغو محض ، وعليه فلو كان بعض الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء ، كان التكليف بالنسبة إليه منتفياً
1) فرائد الاصول 2 : 420
يقيناً ، وفي الطرف الآخر مشكوك الحدوث ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة فيه ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً. فلو علم المكلف اجمالاً بنجاسة إنائه أو إناء الملك مثلاً ، كان إناء الملك خارجاً عن محل الابتلاء ، إذ لا داعي له في تحمل المشقّة وتوطئة الأسباب للتصرف في إناء الملك ولو كان مقدوراً له بالارتباط إلى بعض غلمانه مثلاً ، فالتكليف بالنسبة إليه منتفٍ يقيناً ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في إنائه.
ووسّع الأمر صاحب الكفاية قدسسره في هامش الرسائل (1)، وذكر أنّ الملاك المذكور موجود في الشبهة الوجوبية أيضاً ، فلا يكون العلم الاجمالي فيها أيضاً منجّزاً إلاّفيما إذا كان جميع الأطراف محلاً للابتلاء من حيث الترك ، لأنّ التكليف الوجوبي والبعث نحو شيء أيضاً لا يصحّ إلاّفيما إذا كان للمكلف داعٍ إلى تركه عادةً ، إذ لو كان الشيء ممّا يفعله المكلف بطبعه ولا داعي له إلى تركه ، كان جعل التكليف الوجوبي بالنسبة إليه لغواً محضاً ، وعليه فلو كان بعض أطراف العلم الاجمالي في الشبهة الوجوبية خارجاً عن محل الابتلاء ، بمعنى أنّ المكلف لا يبتلى بتركه عادةً ويأتي به بطبعه ، كان التكليف بالنسبة إليه منتفياً يقيناً ، وفي الطرف الآخر مشكوك الحدوث ، فيكون المرجع هو الأصل الجاري بلا معارض.
وأورد عليه المحقق النائيني قدسسره (2)بأنّ متعلّق التكليف الوجوبي هو الفعل ، وهو مستند إلى الارادة والاختيار حتّى فيما إذا كان مفروض التحقق عادةً بدون أمر من المولى ، فصحّ تعلّق التكليف به ولا يكون مستهجناً ، بخلاف
متعلّق التكليف التحريمي فانّه الترك وهو عدمي لا يحتاج إلى العلّة الوجوبية ، بل يكفيه عدم إرادة الفعل وهو أيضاً عدمي ، فلو كان الترك حاصلاً بنفسه عادةً لأجل عدم الداعي للمكلف إلى الفعل ، كان النهي عنه لغواً مستهجناً.
والتحقيق أن يقال : إنّه لو بنينا على أنّ التكليف بما هو حاصل عادةً وإن كان مقدوراً فعله وتركه يكون لغواً ، فلا فرق بين التكليف الوجوبي والتحريمي ، فانّه كما يقال إنّ النهي عن شيء متروك في نفسه حسب العادة لغو مستهجن ، كذلك يقال إنّ البعث نحو شيء حاصل بنفسه لغو مستهجن ، فيعتبر حينئذ في تنجيز العلم الاجمالي عدم كون بعض الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء عادةً في المقامين ، كما ذكره صاحب الكفاية قدسسره.
وإن بنينا على أنّ التكليف بما هو حاصل عادةً لا يكون لغواً ، ولا يشترط في صحّة التكليف أزيد من القدرة ، فلا فرق أيضاً بين التكليفين ، ولا يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي عدم خروج بعض الأطراف عن معرض الابتلاء في المقامين.
وهذا هو الصحيح ، إذ ليس الغرض من الأوامر والنواهي الشرعية مجرد تحقق الفعل والترك خارجاً ، كما في الأوامر والنواهي العرفية ، فانّ غرضهم من الأمر بشيء ليس إلاّتحقق الفعل خارجاً ، كما أنّ غرضهم من النهي عن شيء لا يكون إلاّانتفاء هذا الشيء خارجاً ، وحينئذ كان الأمر بشيء حاصل بنفسه عادةً لغواً وطلباً للحاصل لا محالة ، وكذا النهي عن شيء متروك بنفسه لغو مستهجن بشهادة الوجدان. وهذا بخلاف الأوامر والنواهي الشرعية ، فانّ الغرض منها ليس مجرد تحقق الفعل والترك خارجاً ، بل الغرض صدور الفعل استناداً إلى أمر المولى ، وكون الترك مستنداً إلى نهيه ليحصل لهم بذلك الكمال النفساني ،
كما اشير إليه بقوله تعالى : «وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ» (1)ولا فرق في هذه الجهة بين التعبدي والتوصلي ، لما ذكرناه في مبحث التعبدي والتوصلي (2)من أنّ الغرض من الأمر والنهي في كليهما هو الاستناد في الأفعال والتروك إلى أمر المولى ونهيه ، بحيث يكون العبد متحركاً تكويناً بتحريكه التشريعي ، وساكناً كذلك بتوقيفه التشريعي ، ليحصل لهم بذلك الترقي والكمال النفساني. إنّما الفرق بينهما في أنّ الملاك - أي المصلحة في متعلق الأمر والمفسدة في متعلق النهي - لو توقف حصوله على قصد القربة فهو تعبدي وإلاّ فهو توصلي ، ومع كون الغرض من التكليف الشرعي هو الفعل المستند إلى أمر المولى والترك المستند إلى نهيه لا مجرد الفعل والترك ، لا قبح في الأمر بشيء حاصل عادةً بنفسه ، ولا في النهي عن شيء متروك بنفسه ، إذ ليس الغرض مجرد الفعل والترك حتّى يكون الأمر والنهي لغواً وطلباً للحاصل.
ويشهد بذلك : وقوع الأمر في الشريعة المقدّسة بأشياء تكون حاصلة بنفسها عادة كحفظ النفس والانفاق على الأولاد والزوجة. وكذا وقوع النهي عن أشياء متروكة بنفسها ، كالزنا بالامّهات وأكل القاذورات ونحو ذلك ممّا هو كثير جداً.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لا يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي عدم كون بعض الأطراف خارجاً عن معرض الابتلاء ، لا في الشبهة الوجوبية ولا في الشبهة
التحريمية ، بل المعتبر كون جميع الأطراف مقدوراً للمكلف على ما تقدّم بيانه.
ولا يخفى أنّ الغالب في الأمثلة التي ذكروها لخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء كونها أمثلة لخروج بعض الأطراف عن القدرة ، فراجع رسائل الشيخ قدسسره (1).
ثمّ إنّ الداعي النفساني إلى الفعل أو الترك لا ينافي قصد القربة المعتبر في صحّة العبادات ، وفي تحقق الامتثال في غيرها بنحو الاطلاق ، بل قد يجتمعان ، بيان ذلك : أنّه تارةً يكون الداعي للمكلف إلى الفعل أو الترك هو أمر المولى أو نهيه ، ويكون الداعي النفساني تابعاً ومندكاً فيه. ولا إشكال في صحّة العبادة وحصول الامتثال في هذه الصورة.
واخرى : يكون عكس ذلك ، بأن يكون الداعي إلى الفعل أو الترك ميله النفساني ، وتكون داعوية أمر المولى أو نهيه مندكاً فيه. ولا إشكال في عدم صحّة العبادة وعدم حصول الامتثال في هذه الصورة ، فانّ الفعل أو الترك لم يستند في الحقيقة إلى أمر المولى ونهيه ، كما هو ظاهر.
وثالثة : يكون قصد القربة والداعي النفساني كلاهما داعياً إلى الفعل أو الترك. وهذه الصورة تتصوّر على وجهين :
الأوّل : أن يكون كل منهما دخيلاً في تحقق الفعل أو الترك ، بأن يكون كل واحد منهما جزءاً للسبب. ولا ينبغي الاشكال في عدم صحّة العبادة وعدم حصول الامتثال بعد عدم كون أمر المولى أو نهيه كافياً ومؤثراً في تحقق الفعل أو الترك ، ولذا ورد في الحديث حكاية عنه تعالى : «أنا خير شريك من عمل لي ولغيري جعلته لغيري» (2).
الثاني : أن يكون كل واحد منهما سبباً تامّاً في عالم الاقتضاء ، بمعنى أن
يكون كل واحد منهما كافياً في تحقق الفعل أو الترك مع عدم الآخر ، وإن كان صدور الفعل خارجاً مستنداً إليهما فعلاً ، لاستحالة صدور الواحد من السببين المستقلين في التأثير. والأقوى فيه أيضاً هو الحكم بصحّة العبادة ، وحصول الامتثال ، لصحّة استناد الفعل إلى أمر المولى بعد كونه سبباً تامّاً في التأثير.
بقي الكلام في مسألتين :
المسألة الاولى : أنّه إذا شككنا في أنّ الدخول في محل الابتلاء معتبر في صحّة التكليف أم لا ، أو شككنا في كون بعض الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء من جهة الشك في مفهومه وعدم تعيّن حدّه ، بناءً على اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف ، فهل يرجع إلى إطلاقات أدلة التكليف ويحكم بالتنجيز في الطرف المبتلى به ، أو إلى أصالة البراءة؟
ذهب شيخنا الأنصاري قدسسره (1)وتبعه المحقق النائيني قدسسره (2)إلى الأوّل ، بدعوى أنّ الاطلاق هو المرجع ما لم يثبت التقييد ، فلا مجال لجريان الأصل ، فانّ مقتضى الاطلاق هو العلم بالتكليف الفعلي ، فلا يجري الأصل في أطرافه.
وذهب صاحب الكفاية (3)قدسسره إلى الثاني ، بدعوى أنّ التمسك بالاطلاق في مقام الاثبات إنّما يصحّ فيما إذا أمكن الاطلاق بحسب مقام الثبوت ، ليستكشف بالاطلاق في مقام الاثبات الاطلاق في مقام الثبوت ، ومع الشك في إمكان الاطلاق ثبوتاً لا أثر للاطلاق إثباتاً. والمقام من هذا القبيل ، فانّه بعد
الالتزام باعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف عقلاً ، كان الشك في دخول بعض الأطراف في محل الابتلاء من حيث المفهوم شكّاً في إمكان الاطلاق بالنسبة إليه ، ومع الشك في الامكان ثبوتاً لا ينفع الرجوع إلى الاطلاق في مقام الاثبات. وكذا الحال عند الشك في أصل اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف ، فانّه أيضاً شك في الامكان ثبوتاً ، فلايمكن الرجوع إلى الاطلاق إثباتاً.
والتحقيق صحّة ما ذهب إليه الشيخ قدسسره لما ذكرناه (1)في أوائل بحث حجّية الظن من أنّ بناء العقلاء على حجّية الظواهر ما لم تثبت القرينة العقلية أو النقلية على إرادة خلافها. ومجرد احتمال الاستحالة لا يعدّ قرينةً على ذلك ، فانّه مَن ترك العمل بظاهر خطاب المولى لاحتمال استحالة التكليف لا يعدّ معذوراً عند العقلاء ، فإذا أمر المولى باتباع خبر العادل وترتيب الأثر عليه ، واحتملنا استحالة حجّيته ، لاستلزامه تحليل الحرام وتحريم الحلال أو الالقاء في المفسدة وتفويت المصلحة ، أو غير ذلك ممّا ذكروه في استحالة العمل بالظن ، لا يكون هذا الاحتمال عذراً في مخالفة ظاهر كلام المولى. والمقام من هذا القبيل بعينه ، فلا مانع من التمسك بالاطلاق عند الشك في الدخول في محل الابتلاء مفهوماً ، أو الشك في اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف ، فانّ الاطلاق في مقام الاثبات كاشف عن الاطلاق في مقام الثبوت كشفاً تعبدياً.
المسألة الثانية : أنّه إذا شككنا في خروج بعض أطراف العلم الاجمالي عن تحت القدرة أو خروجه عن محل الابتلاء لشبهة مصداقية ، بناءً على اعتبار الدخول في محل الابتلاء في تنجيز العلم الاجمالي ، فهل يرجع في غيره من
1) في ص 105
الأطراف إلى البراءة أو إلى الاطلاق أيضاً؟
الظاهر هو الأوّل لما ذكرناه في مباحث الألفاظ (1)من عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، ولا سيّما في موارد التخصيصات اللبية التي هي من قبيل القرائن المتصلة الموجبة لعدم انعقاد الظهور من أوّل الأمر إلاّفي الأفراد الباقية. والمقام كذلك ، فان إطلاقات الأدلة الأوّلية الدالة على التكليف ليس لها ظهور في أوّل الأمر إلاّفي المقدور من جهة القرينة القطعية العقلية.
وكذا ليس لها ظهور إلاّفي موارد الابتلاء بناءً على اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف ، وحيث إنّه لا يمكن الرجوع في الطرف المشكوك في كونه تحت القدرة أو في كونه المبتلى به إلى الاطلاقات ، لما ذكرناه من عدم جواز الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية ، لايمكن الرجوع فيه إلى أدلة البراءة أيضاً ، لأن كل مورد لا يكون قابلاً لوضع التكليف فيه لا يكون قابلاً للرفع أيضاً ، فإذا احتملنا عدم القدرة أو عدم الابتلاء في بعض الأطراف لا يمكننا الرجوع إلى أدلة البراءة ، لكون الشبهة مصداقية ، وحينئذ لا مانع من الرجوع إلى البراءة في الطرف الآخر ، وهو الطرف المحرز كونه تحت القدرة ومحلاًّ للابتلاء ، لعدم المعارضة بين الأصل في الطرفين.
وعلى ما ذكرناه من الرجوع إلى البراءة في الطرف المقدور عند الشك في خروج بعض الأطراف عن تحت القدرة تقل الثمرة بيننا وبين القائل باعتبار الدخول في محل الابتلاء في تنجّز العلم الاجمالي ، فانّ غالب الموارد التي ذكرها للخروج عن محل الابتلاء تكون من موارد الشك في القدرة ، فلا يكون العلم
1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 343 وما بعدها
الاجمالي منجّزاً للشك في القدرة على ما ذكرناه ، أو للخروج عن محل الابتلاء على ما ذكره القائل ، باعتبار الدخول في محل الابتلاء. وتنحصر الثمرة بيننا فيما إذا كان جميع الأطراف مقدوراً يقيناً ، وكان بعضها خارجاً عن محل الابتلاء ، فانّا نقول فيه بالتنجيز والقائل باعتبار الدخول في محل الابتلاء يقول بعدمه.
بقي في المقام إشكال : وهو أنّه كيف تجري البراءة في المقام مع أنّ الشك في التكليف فيه ناشئ من الشك في القدرة ، ومن الواضح المتسالم عليه أنّ الشك في القدرة لايكون مورداً للبراءة ، بل يجب الفحص ليتحقق الامتثال ، أو يحرز عجزه ليكون معذوراً ، فإذا شكّ المكلف في قدرته على حفر الأرض لدفن ميّت ، فهل يجوز تركه للشك في القدرة واحتمال العجز. وكذا إذا شكّ الجنب في أنّ باب الحمام مثلاً مفتوح حتّى يكون قادراً على الغسل أو لا ، فهل يجوز له الرجوع إلى البراءة عن وجوب الغسل وترك الفحص ، والمقام من هذا القبيل.
والجواب : أنّه لا يجوز الرجوع إلى البراءة عند الشك في القدرة فيما إذا علم فوات غرض المولى بالرجوع إلى البراءة كما في المثال ، وقد ذكرنا في بحث الإجزاء أنّ العلم بالغرض بمنزلة العلم بالتكليف (1)، فبعد العلم بالغرض وجب الفحص بحكم العقل حتّى لا يكون فوت غرض المولى مستنداً إلى تقصيره.
وبعد الفحص إن انكشف تمكنه من الامتثال فيمتثل ، وإلاّ كان فوت غرض المولى مستنداً إلى عجزه فيكون معذوراً ، بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك كما في المقام ، إذ لم يحرز وجود غرض المولى في الطرف المقدور أو الطرف المبتلى به ، فلا يكون في الرجوع إلى البراءة إلاّاحتمال فوات غرض المولى ، وهو ليس بمانع لوجوده في جميع موارد الرجوع إلى البراءة ، حتّى الشبهات البدوية.
1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 55
وبعبارة اخرى : الفرق بين المثال والمقام أنّ الغرض في المثال معلوم والقدرة مشكوك فيها ، وفي المقام الغرض مشكوك فيه والقدرة معلومة فكم فرق بينهما.
يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي أن يكون لكل واحد من الأصلين في الطرفين أثر عملي فعلي ، فلو لم يكن للأصل في أحد الطرفين أثر فعلي لا يجري فيه الأصل لعدم ترتب أثر عليه. وحينئذ لا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً ، لما ذكرناه مراراً (1)من أنّ تنجيزه متوقف على تساقط الاصول في أطرافه ، فلو علم المكلف بنجاسة أحد ثوبين ، وعلم بكون أحدهما المعيّن مغصوباً ، لا مانع من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في غير المغصوب ، لعدم جريانها في المغصوب حتّى تسقط بالمعارضة ، إذ لا أثر عملي لجريانها فيه بعد العلم بحرمة استعماله على تقديري الطهارة والنجاسة ، فتجري القاعدة في الطرف الآخر بلا معارض. ولا يكون العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما منجّزاً.
وإن شئت قلت : إنّه كما يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي القدرة العقلية في جميع الأطراف ، كذلك تعتبر القدرة الشرعية فيها ، فانّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، فلو خرج بعض الأطراف عن تحت قدرته شرعاً - كما في المثال المذكور - لا يكون العلم الاجمالي منجّزاً ، لجريان الأصل في الطرف الآخر بلا مُعارِض.
1) راجع على سبيل المثال ص 404
قد عرفت أنّ تنجيز العلم الاجمالي فيما إذا كانت الاصول الجارية في أطرافه عرضية ، بمعنى كون جميعها في مرتبة واحدة ، كما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الماءين مثلاً وقد تقدّم (1)تفصيل الكلام في مثل ذلك. وأمّا إذا كانت الاصول طولية ، بأن يكون الأصل الجاري في بعض الأطراف في مرتبة لاحقة عن الأصل الجاري في الطرف الآخر ، كما لو علم بوقوع نجاسة في الماء أو التراب مع انحصار الطهور بهما ، فانّه لو جرت أصالة الطهارة في الماء لا تصل النوبة إلى جريانها في التراب ، إذ لا أثر له ، لعدم جواز التيمم مع وجود الماء الطاهر ، فهل يكون مثل هذا العلم منجّزاً وتتساقط الاصول في أطرافه ، أو يجري الأصل في الماء لتقدّم رتبته على الأصل الجاري في التراب ، ولا يكون الأصل الجاري في التراب معارضاً للأصل الجاري في الماء ، لعدم كونه في رتبته ، فتجري أصالة الطهارة في الماء بلا معارض؟ وعلى تقدير التساقط فهل يحكم بكون المكلف فاقداً للطهورين ، أو بوجوب الجمع بين الوضوء والتيمم عليه تحصيلاً للطهارة اليقينية؟ وجوه.
والتحقيق أن يقال : إنّ التراب المحتمل نجاسته تارةً لا يكون لطهارته أثر شرعي في عرض الأثر الشرعي لطهارة الماء ، وكان الأثر الشرعي لطهارته جواز التيمم فقط الذي ليس في مرتبة طهارة الماء ، كما إذا كان التراب مال الغير ولم يأذن في السجدة عليه ، أو كان المكلف غير مكلف بالسجدة وكان تكليفه الايماء مثلاً. واخرى يكون لطهارته أثر آخر غير جواز التيمم ، وكان
1) في أوائل هذا البحث فراجع ص 404 وما بعدها
ذلك الأثر في عرض الأثر الشرعي لطهارة الماء ، كجواز السجدة عليه.
أمّا الصورة الاولى : فلا ينبغي الاشكال في جريان أصالة الطهارة في الماء بلا معارض ، لعدم جريانها في التراب لعدم ترتب أثر عليه. وقد ذكرنا (1)أنّ تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على كونه متعلقاً بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، وهو مفقود في المقام ، إذ النجاسة على تقدير وقوعها في التراب لا يترتب عليها عدم جواز التيمم ، بل عدم جوازه حينئذ إنّما هو من جهة التمكّن من الماء الطاهر لا من جهة نجاسة التراب. وإن شئت قلت : إنّ النجاسة المعلومة بالاجمال لا يترتب عليها عدم جواز التيمم أصلاً ، لأنّها إن كانت واقعة في الماء فهي مقتضية لجواز التيمم لا لعدم جوازه ، وإن كانت واقعة في التراب فعدم جواز التيمم مستند إلى وجود الماء الطاهر لا إلى نجاسة التراب ، وعليه فلا تجري أصالة الطهارة في التراب ، وتجري في الماء بلا معارض. وبجريانها يرتفع موضوع جواز التيمم وهو عدم التمكن من الماء الطاهر.
أمّا الصورة الثانية : فجريان أصالة الطهارة في الماء المترتب عليه جواز الوضوء به يعارض بجريانها في التراب المترتب عليه جواز السجدة عليه ، وبعد التساقط يكون العلم الاجمالي منجّزاً ، وحينئذ لا وجه لادراج المكلف في فاقد الطهورين بل يجب عليه الجمع بين الوضوء والتيمم تحصيلاً للطهارة اليقينية.
وما يتصوّر كونه مانعاً عنهما أمران : أحدهما : حرمة التوضي بالماء المتنجس لكونه تشريعاً ، وكذلك التيمم بالتراب المتنجس. ثانيهما : احتمال نجاسة بدنه بملاقاة الماء المحتمل كونه نجساً. أمّا الأوّل : فمدفوع بأنّ المكلف يحتاط ويأتي بهما رجاءً فلا تشريع هناك. وأمّا الثاني : فمدفوع بأنّ مجرد الاحتمال ممّا لا بأس
1) في التنبيه السابق
به بعد كونه مورداً لأصالة الطهارة. وسيجيء (1)أنّ الحكم في ملاقي الشبهة المحصورة هو الطهارة.
فتحصّل : أنّ المتعيّن هو الجمع بين الوضوء والتيمم تحصيلاً للطهارة اليقينية.
وبعبارة اخرى : هناك علمان إجماليان أحدهما العلم الاجمالي بنجاسة الماء أو التراب ، والثاني العلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم. ومقتضى العلم الأوّل ليس حرمة الوضوء والتيمم ذاتاً ، بل عدم الاجتزاء بكل واحد منهما في مقام الامتثال. ومقتضى العلم الثاني هو الجمع بينهما تحصيلاً لليقين بالطهارة ، ولا منافاة بينهما. نعم ، يجب تقديم التيمم على الوضوء ، لأنّه مع تقديم الوضوء على التيمم يعلم تفصيلاً بفساد التيمم إمّا من جهة نجاسة التراب على تقدير كون الماء طاهراً ، وإمّا من جهة نجاسة محل التيمم على تقدير كون الماء نجساً ، بناءً على ما هو المعروف المشهور من اشتراط طهارة المحل في التيمم ، وإن لم نجد دليلاً عليه إلى الآن.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن للمعلوم بالاجمال أثر تكليفي ، كما في العلم الاجمالي بنجاسة الماء أو التراب ، فانّ المترتب على المعلوم بالاجمال هو الحكم الوضعي فقط ، وهو عدم صحّة الوضوء أو التيمم. وأمّا إذا كان المترتب على المعلوم بالاجمال حكماً تكليفياً أيضاً ، كما إذا علمنا إجمالاً بغصبية الماء أو التراب ، فانّ الأثر المترتب على هذا المعلوم بالاجمال ليس الوضع فقط وهو عدم صحّة الوضوء والتيمم ، بل له أثر تكليفي أيضاً وهو حرمة التصرّف والاستعمال ، فحينئذ يكون المقام من موارد دوران الأمر بين المحذورين ، لأنّا نعلم بحرمة التصرّف في أحدهما
1) في التنبيه اللاّحق
وبوجوب استعمال أحدهما ، ولا يمكن تحصيل الموافقة القطعية إلاّمع المخالفة القطعية ، إذ في صورة الجمع بين الوضوء والتيمم نقطع بالموافقة من ناحية الوجوب ونقطع بالمخالفة من ناحية الحرمة. وفي صورة تركهما معاً نقطع بالموافقة من جهة الحرمة ، ونقطع بالمخالفة من جهة الوجوب ، فيسقط حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية لاقترانها بالمخالفة القطعية ، فلا مناص من الاجتزاء بالموافقة الاحتمالية والاكتفاء بأحدهما ، فانّه ليس فيه إلاّاحتمال المخالفة ولا بأس به بعد عدم إمكان الزائد منه. ولا ترجيح للوضوء على التيمم ، لأنّ الأصل الجاري في التراب ليس هنا متأخراً عن الأصل الجاري في الماء ، لعدم انحصار أثر غصبية التراب في عدم جواز التيمم به. بل يترتب عليها عدم جواز التصرّف فيه مطلقاً كما تقدّم. وليس المقام من باب التزاحم فانّه تابع لوجود الملاكين في الطرفين ، بخلاف المقام كما لا يخفى.
وممّا ذكرناه ظهر حكم صورة ثالثة ، وهي العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما أو غصبية الآخر ، كما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة الماء أو غصبية التراب ، فيجري الكلام السابق من تساقط الاصول وتنجيز العلم الاجمالي ، ودوران الأمر بين المحذورين والاكتفاء بالموافقة الاحتمالية ، إلاّ أنّه يجب الوضوء في الفرض المذكور ، ولا يجوز التيمم بحكم العقل ، إذ في الوضوء احتمال الموافقة مع عدم احتمال الحرمة وعدم احتمال العقاب أصلاً ، بخلاف التيمم ، فانّ فيه احتمال الموافقة مع احتمال الحرمة من جهة احتمال الغصبية ، فتعيّن الوضوء بحكم العقل. ولو انعكس الأمر انعكس الحكم ، أي لو علمنا إجمالاً بأنّ الماء غصب أو التراب نجس ، تعيّن عليه التيمم بحكم العقل لعين ما ذكرناه.
في حكم ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة. وقبل التكلم فيه لا بدّ من بيان أمرين :
الأوّل : أنّ الكلام إنّما هو فيما إذا كانت الملاقاة مختصّة ببعض الأطراف ، إذ لو فرضنا أنّ شيئاً واحداً لاقى جميع الأطراف فهو معلوم النجاسة تفصيلاً وخارج عن محل الكلام. وكذا لو فرضنا شيئين لاقى أحدهما طرفاً من العلم الاجمالي والآخر لاقى الطرف الآخر ، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن كلا الملاقيين ، كوجوب الاجتناب عن نفس الطرفين ، لتوليد علم إجمالي آخر بنجاسة أحد الملاقيين زائداً على العلم الاجمالي الأوّل المتعلق بنفس الطرفين ، فهذا الفرض أيضاً خارج عن محل الكلام.
الثاني : أنّ تنجيز العلم الاجمالي متوقف على تساقط الاصول كما تقدّم مراراً (1)، والتساقط إنّما يكون مع العلم بالتكليف الفعلي ، سواء كان العلم متعلقاً بالتكليف الفعلي ابتداءً ، كما في الشبهات الحكمية كما إذا علم بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر يوم الجمعة ، أو كان متعلقاً بالموضوع التام للحكم كما في الشبهات الموضوعية كما إذا علم بخمرية أحد المائعين مثلاً. وأمّا إذا لم يعلم إلاّ الموضوع الناقص أي جزء الموضوع ، فلا مانع من جريان الأصل والحكم بعدم تحقق الموضوع التام ، كما إذا علم بكون أحد الجسدين ميت إنسان ، والآخر جسد حيوان مذكى مأكول اللحم ، فانّ هذا العلم الاجمالي وإن كان يقتضي
1) راجع على سبيل المثال ص 404
وجوب الاجتناب عن أكل لحم كل من الجسدين ، إلاّ أنّه إذا مسّ شخص أحدهما لا يحكم عليه بوجوب الغسل ، لأنّ المعلوم بالاجمال وهو بدن ميّت الانسان جزء للموضوع للحكم بوجوب الغسل ، وتمامه مس بدن ميّت الانسان وهو مشكوك التحقق والأصل عدمه.
والوجه في ذلك : أنّ العلم الاجمالي إذا تعلّق بثبوت التكليف الفعلي فالشك في كل واحد من الأطراف إنّما يكون شكاً في انطباق المعلوم بالاجمال عليه ، ومعه لايمكن الرجوع إلى الأصل النافي في جميع الأطراف ، لاستلزامه الترخيص في المعصية ومخالفة التكليف الواصل ، ولا في بعضها لبطلان الترجيح بلا مرجّح على ما تقدّم بيانه مفصّلاً (1). وأمّا إن كان الشك في تمامية الموضوع ، كما في المثال الذي ذكرناه ، فمرجعه إلى الشك في أصل التكليف ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه. وما ذكرناه من تساقط الاصول فيما إذا كان المعلوم بالاجمال تمام الموضوع ، وعدم المانع من الرجوع إلى الأصل فيما إذا كان المعلوم بالاجمال جزء الموضوع ، واضح لا إشكال فيه من حيث الكبرى.
إلاّ أنّه وقع الاشكال والخلاف في بعض الموارد من حيث الصغرى ، فقد يدّعى أنّه من موارد العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي ، للعلم بتمام الموضوع فيحكم بالتنجيز. وقد يقال : إنّه من موارد العلم بجزء الموضوع لا تمامه ، فيكون التكليف مشكوكاً فيه فيرجع إلى الأصل. ومن ذلك ما إذا علم إجمالاً بغصبية إحدى الشجرتين ثمّ حصلت لإحداهما ثمرة دون الاخرى ، فقد يقال فيه بجواز التصرّف في الثمرة تكليفاً وبعدم ضمانها وضعاً باعتبار أنّ الموجب لحرمة الثمرة كونها نماء المغصوب وهو مشكوك فيه والأصل عدمه ، كما أنّ
1) في ص 404 وما بعدها
موضوع الضمان وضع اليد على مال الغير وهو أيضاً مشكوك فيه والأصل عدمه. فالعلم الاجمالي بغصبية إحدى الشجرتين لا يترتب عليه الحكم بحرمة التصرف ، ولا الضمان بالنسبة إلى الثمرة لإحداهما ، للشك في تحقق الموضوع والأصل عدمه. نعم ، يترتب عليه الحكم بحرمة التصرف في نفس الشجرتين وضمان المغصوب منهما بوضع اليد عليه.
وقد يقال : بتنجيز العلم الاجمالي المذكور كلا الحكمين التكليفي والوضعي بالنسبة إلى الثمرة أيضاً. واختاره المحقق النائيني قدسسره (1)بدعوى أنّ وضع اليد على العين المغصوبة موجب لضمانها وضمان منافعها إلى الأبد ، لأنّه بأخذ العين يتحقق أخذ المنافع ، أو أخذ العين مستتبع لأخذ المنافع ، ومن ثمّ جاز للمالك الرجوع إلى الغاصب الأوّل في المنافع المتجددة الحاصلة بعد خروج العين عن يده ودخولها تحت الأيادي المتأخرة ، فالعلم بغصبية إحدى الشجرتين كما يترتب عليه ضمان نفس العين المغصوبة كذلك يترتب عليه ضمان منافعها المتجدِّدة. هذا من حيث الحكم الوضعي ، وأمّا الحكم التكليفي أي حرمة التصرّف في الثمرة ، فهو وإن كان منتفياً بانتفاء موضوعه وهو الثمرة في الزمان الأوّل ، إلاّ أنّ ملاكه قد تمّ بغصب العين الموجب لضمانها وضمان منافعها الموجودة بالفعل والمتجددة بعد ذلك ، وهو كون اليد عاديةً بالنسبة إلى العين ومنافعها الموجودة وغير الموجودة ، فتترتب حرمة التصرف في الثمرة بعد وجودها لا محالة.
والتحقيق عدم تمامية ما ذكره من الوجه للحكم الوضعي ولا ما ذكره للحكم التكليفي. أمّا ما ذكره للحكم الوضعي ، فلأنّ الحكم بضمان منافع العين المغصوبة مسلّم من حيث الكبرى كما ذكره ، إلاّ أنّه لا يترتب الحكم على الكبرى الكلّية
1) أجود التقريرات 3 : 440 و 441 ، فوائد الاصول 4 : 73
إلاّ بعد إحراز الصغرى خارجاً ، وتحققها مشكوك فيه ، إذ لم يحرز كون الثمرة من منافع العين المغصوبة ، لاحتمال كونها من منافع العين المملوكة ، فيجري استصحاب عدم كونها من منافع العين المغصوبة ، ولا يعارض باستصحاب عدم كونها من منافع العين المملوكة ، لما ذكرناه سابقاً (1)من أنّه لا مانع من جريان الاستصحابين إذا لم يستلزم مخالفة عملية ، ولو نوقش في الاستصحاب المذكور لأجل المعارضة فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة من الضمان.
وأمّا الحكم التكليفي فتجري البراءة عنه أيضاً ، لعدم العلم بتحقق موضوعه وهو التصرّف في مال الغير ، لعدم إحراز كون الثمرة مال الغير. ولا تتحقق حرمة التصرّف إلاّبعد إحراز كون التصرف تصرفاً في مال الغير ، وهو مشكوك فيه فيرجع إلى الأصل.
وأمّا ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري قدسسره (2)في موارد متعددة من عدم جريان البراءة في الأموال تمسكاً بقوله عليهالسلام : «لا يحل مال إلاّ من حيث أحلّه اللّه» (3)، ففيه أوّلاً : أنّ الرواية مرسلة لا يصحّ الاعتماد عليها ، بل لم نجدها إلى الآن في الجوامع المعتبرة. وثانياً : أنّ الشك في الحرمة من أسباب الحلية شرعاً لأدلة البراءة ، فبالتعبد الشرعي يثبت كون النماء ممّا أحلّه اللّه تعالى. وثالثاً : أنّ منشأ الشك في الحرمة احتمال كون النماء ملك الغير ، والاستصحاب يقتضي عدمه بناءً على جريانه في الأعدام الأزلية ، كما هو
الصحيح على ما ذكرناه في محلّه (1). وبهذا الاستصحاب يحرز كونه ممّا أحلّه اللّه تعالى ، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم دخوله في ملكه ، إذ لا يثبت بذلك كونه ملكاً للغير الذي هو الموضوع لحرمة التصرّف إلاّعلى القول بالأصل المثبت ولا نقول به. وأمّا جواز التصرف فلا يتوقف على كونه ملكاً له ، بل يكفيه عدم كونه ملكاً للغير ، فلا يكون الأصل بالنسبة إلى جواز التصرّف مثبتاً.
هذا كلّه فيما إذا لم تكن الأطراف مسبوقةً بملكية الغير ، كما لو اصطاد رجلان صيدين ، فغصب أحدهما صيد الآخر واشتبها وحصل لأحدهما النماء ، وأمّا إن كانت الأطراف مسبوقةً بملكية الغير ، كما إذا اشترى إحدى الشجرتين وغصب الاخرى فاشتبها وحصل لإحداهما النماء ، فلا إشكال في الحكم بضمان المنافع وحرمة التصرّف فيها ، لاستصحاب بقاء الشجرة في ملك مالكها وعدم انتقالها إليه. ومقتضى هذا الاستصحاب الحكم بملكية المنافع لمالك الشجرة ، فيحرم التصرّف فيها ويضمنها.
وتوهّم أنّ استصحاب بقاء الشجرة ذات النماء على ملك مالكها معارض باستصحاب بقاء الشجرة الاخرى على ملك مالكها للعلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع ، فاجراء الأصل في الشجرة ذات النماء دون الاخرى ترجيح بلا مرجح مدفوع بأ نّه لا معارضة بينهما ، لما عرفت غير مرّة من أنّ العلم الاجمالي بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع لا يمنع من جريانهما ما لم يستلزم المخالفة العملية كما في المقام.
هذا كلّه في التصرّفات غير المتوقفة على الملك كالأكل والشرب واللبس
1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 360
ونحوها. وأمّا التصرفات المتوقفة عليه كالبيع ونحوه ، فلا ينبغي الشك في عدم جوازها ، لما ذكرناه من أنّ الاستصحاب المذكور لا يثبت كونه ملكاً له إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، ولا نقول به.
ولا يخفى أنّ جميع ما ذكرناه في الثمرة من جواز التصرف فيها وعدمه وثبوت الضمان وعدمه يجري في حق غير الغاصب أيضاً ممّن وهب الغاصب له الثمرة أو اشتراها منه ، فليس ما ذكرناه من التفصيل مختصاً بالغاصب.
إذا عرفت ما ذكرناه من الأمرين فلنعد إلى حكم الملاقي لبعض أطراف الشبهة المحصورة ، فنقول : إنّ الكلام في الملاقي يتم في مسائل ثلاث : الاولى : ما إذا كانت الملاقاة والعلم بها بعد العلم الاجمالي. الثانية : عكس الاولى بأن كانت الملاقاة والعلم بها قبل العلم الاجمالي. الثالثة : ما إذا كان العلم الاجمالي بعد الملاقاة وقبل العلم بها.
أمّا المسألة الاولى : فملخص الكلام فيها : أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - على فرض تحقّقها ليست توسّعاً في نجاسة الملاقى - بالفتح - ولا تكون بمنزلة تقسيم النجس الواحد إلى قسمين ، حتّى تكون نجاسة الملاقي - بالكسر - قسماً من نجاسة الملاقى - بالفتح - بل تكون نجاسة اخرى حاصلة من نجاسة الملاقى - بالفتح - حصول المعلول من العلّة ، ولذا لا تجري على الملاقي - بالكسر - أحكام الملاقى - بالفتح - فانّه لو ولغ الكلب في إناء فلا بدّ في تطهيره من التعفير ، ولكنّه لو لاقى شيء آخر هذا الاناء من الثوب أو الاناء أو غيرهما ، لا يجب في تطهيره التعفير ، وكذا يجب الغسل من البول مرّتين دون الملاقي له ، فلا يجب الغسل من الماء الملاقي للبول إلاّمرّة واحدة.
فتحصّل : أنّ نجاسة الملاقي ليست عين نجاسة الملاقى بل غيرها ، نظير الطهارة الحاصلة من الماء الطاهر مثلاً ، فانّه لو أصاب المطر ثوباً متنجساً فطهّره ،
كانت طهارة الثوب غير طهارة المطر لا محالة حاصلة من طهارة المطر حصول المعلول من العلّة. وبالجملة : نجاسة الملاقي - بالكسر - على فرض تحققها نجاسة جديدة حادثة ، والمفروض وجود الشك في تحققها والأصل عدمه. فلا ينبغي الشك في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، لأنّ وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس موضوعه مركب من أمرين : النجس وملاقاته ، والعلم الاجمالي بنجاسة أحد المائعين ليس إلاّعلماً بما هو جزء الموضوع ، والجزء الآخر وهو الملاقاة مشكوك فيه ولايكون العلم منجّزاً له ، فيرجع عند الشك فيه إلى أصالة عدم ملاقاة النجس أو أصالة الطهارة.
وربّما يقال بوجوب الاجتناب عن الملاقي أيضاً ، ويستدل عليه بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ نجاسة الملاقي إنّما هي بنحو السراية الحقيقية من نجاسة الملاقى ، فنجاسة الملاقي متحدة مع نجاسة الملاقى ، غاية الأمر أنّها توسّعت بالملاقاة وثبتت لأمرين بعد ما كانت ثابتة لأمر واحد ، نظير ما لو قسّم ما في أحد الاناءين إلى قسمين وجعل كل قسم في إناء ، فكما يجب الاجتناب عن كليهما وعن الطرف الآخر تحصيلاً للموافقة القطعية ، كذلك يجب الاجتناب عن الملاقى والملاقي وعن الطرف الآخر تحصيلاً للموافقة القطعية. والدليل على كون تنجس الملاقي بنحو السراية الحقيقية من نجاسة الملاقى هو الخبر المروي عن الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى اليقطيني عن النضر بن سويد عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام : «قال أتاه رجل فقال : وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟ قال فقال أبو جعفر عليهالسلام : لا تأكله ، فقال له الرجل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها ، فقال عليهالسلام : إنّك لم تستخف
بالفأرة ، وإنّما استخففت بدينك ، إنّ اللّه حرّم الميتة من كل شيء» (1).
وتقريب الاستدلال : أنّ السائل لم يرد بقوله : «الفأرة أهون عليّ» إلخ ، أكل الفأرة مع السمن أو الزيت ، بل أراد أكل السمن أو الزيت الملاقي لها ، فقول الإمام عليهالسلام في مقام التعريض له «إنّ اللّه حرّم الميتة من كل شيء» يدل على أنّ نجاسة الملاقي للميتة هي عين نجاسة الميتة ، وحرمته عين حرمتها ، فأكل الملاقي للميتة ينافي الاجتناب عنها. وبعبارة اخرى : علّل الإمام عليهالسلام حرمة الملاقي بحرمة الميتة ، فيدل على اتحادهما.
وفيه : ما تقدّم من أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - حاصلة من نجاسة الملاقى - بالفتح - حصول المعلول من العلّة ، لا أنّها عينها ، ولذا لا تجري عليها أحكامها على ما تقدّم بيانه.
وأمّا الاستدلال بالخبر ففيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف بعمرو بن شمر ، فلا يصحّ التمسك به. وثانياً : أنّه لا دلالة للخبر على أنّ نجاسة الملاقي عين نجاسة الملاقى بنحو السراية الحقيقية ، كيف والخبر غير ناظر إلى هذه الجهة ، فانّ السائل استبعد كون الفأرة مع صغرها موجبة لنجاسة ما في الخابية من السمن والزيت ، على ما يظهر من كلامه «الفأرة أهون عليّ» فردّ عليه الإمام عليهالسلام بأنّ اللّه حرّم الميتة من كل شيء ، أي لا فرق بين الكبير والصغير ، فغاية ما يستفاد من الخبر أنّ نجاسة الشيء الموجبة لحرمته مستلزمة لنجاسة ملاقيه وحرمته ، وليس في ذلك دلالة على أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - عين نجاسة الملاقى - بالفتح - وحرمته هي عين حرمته.
1) الوسائل 1 : 206 / أبواب الماء المضاف ب 5 ح 2
الوجه الثاني : أنّه بعد العلم بالملاقاة يحدث علم اجمالي آخر بوجود نجس بين الملاقي والطرف الآخر ، وهذا العلم الاجمالي ممّا لا مجال لانكاره بعد فرض الملازمة بين نجاسة الشيء ونجاسة ملاقيه واقعاً ، ومن ثمّ لو فرض انعدام الملاقى - بالفتح - كان العلم بالنجاسة المرددة بين الملاقي والطرف الآخر موجوداً ، فهذا العلم الاجمالي الحادث بعد العلم بالملاقاة يقتضي الاجتناب عن الملاقي والطرف الآخر تحصيلاً للموافقة القطعية. نعم ، لو فرضت الملاقاة بعد انعدام الطرف الآخر ، لم يكن العلم الثاني مؤثراً في التنجيز ، لعدم كونه علماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير الموجب لتساقط الاصول في الأطراف.
وأجاب شيخنا الأنصاري قدسسره (1)عن هذا الوجه من الاستدلال : بأنّ العلم الثاني لا يمنع من جريان الأصل في الملاقي ، لأنّ جريان الأصل في الملاقي - بالكسر - إنّما هو في طول جريان الأصل في الملاقى - بالفتح - لكون الشك في الملاقي ناشئاً من الشك في الملاقى ، فيكون الأصل الجاري في الملاقى أصلاً جارياً في الشك السببي ، والأصل الجاري في الملاقي أصلاً جارياً في الشك المسببي. ومن الظاهر أنّ الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي ، فعلى تقدير جريان الأصل في الملاقى - بالفتح - لا تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي - بالكسر - وبعد سقوط الأصل في الملاقى - بالفتح - لأجل المعارضة بينه وبين الأصل في الطرف الآخر ، تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي - بالكسر - فيجري فيه بلا معارض.
ويتوجّه الاشكال على هذا الجواب بالشبهة الحيدرية ، وتقريرها : أنّه كما أنّ جريان أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - في طول جريان أصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - كذلك جريان أصالة الحل في الطرفين في طول جريان أصالة
1) فرائد الاصول 2 : 424
الطهارة فيهما ، إذ لو اجريت أصالة الطهارة وحكم بالطهارة لا تصل النوبة إلى جريان أصالة الحل ، فتكون أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - وأصالة الحل في الطرف الآخر في مرتبة واحدة ، لكون كليهما مسببياً ، فانّا نعلم إجمالاً - بعد تساقط أصالة الطهارة في الطرفين - بأن هذا الملاقي - بالكسر - نجس أو أنّ الطرف الآخر حرام ، فيقع التعارض بين أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الحل في الطرف الآخر ويتساقطان ، فيجب الاجتناب عن الملاقي. نعم ، لا مانع من جريان أصالة الحل في الملاقي - بالكسر - بعد سقوط أصالة الطهارة فيه للمعارضة بأصالة الحل في الطرف الآخر ، لعدم معارض له في هذه المرتبة.
والصحيح في الجواب عن الاستدلال المذكور أن يقال : إنّ تنجيز العلم الاجمالي منوط ببطلان الترجيح بلا مرجّح ، فانّه بعد العلم الاجمالي لا يمكن جريان الأصل في جميع الأطراف ، للزوم المخالفة القطعية ، ولا في بعضها للزوم الترجيح بلا مرجح ، فتسقط الاصول ويتنجّز التكليف لا محالة. وعليه فلو لم يجر الأصل في بعض الأطراف في نفسه لجهة من الجهات ، فلا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً ، ولنذكر لتوضيح المقام أمثلة :
منها : ما لو علمنا إجمالاً بوقوع النجاسة في أحد المائعين مثلاً ، وكان أحدهما المعيّن محكوماً بالنجاسة لأجل الاستصحاب مثلاً قبل العلم الاجمالي ، فلا تجري فيه أصالة الطهارة بنفسها كي تكون معارضةً بجريانها في الطرف الآخر ، فتجري أصالة الطهارة في الطرف الآخر بلا معارض. وبعبارة اخرى : لا يكون العلم الاجمالي المذكور علماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، بل ليس إلاّاحتمال التكليف في الطرف الآخر ، فيجري الأصل النافي بلا معارض.
ومنها : ما لو كان مجرد الشك منجّزاً للتكليف في بعض الأطراف ، كما لو
علمنا إجمالاً بأ نّا لم نأت بصلاة العصر أو بصلاة العشاء ، وكان ذلك في الليل ، فانّ مجرد الشك في الاتيان بصلاة العشاء يكفي في تنجيز التكليف بالنسبة إليها ، لبقاء الوقت ، فوجوب الاتيان بها لا يحتاج إلى جريان أصالة عدم الاتيان فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر وهو صلاة العصر ، فيرجع إلى قاعدة الحيلولة أو أصالة عدم وجوب القضاء ، لكونه بفرض جديد والأصل عدمه.
ومنها : ما لو علمنا بنجاسة أحد المائعين ، ثمّ علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة في أحدهما أو في إناء ثالث ، فانّه لا أثر للعلم الاجمالي الثاني في تنجيز التكليف بالنسبة إلى الاناء الثالث ، لأنّ التكليف قد تنجّز بالعلم الاجمالي الأوّل بالنسبة إلى المائعين الأوّلين ، فليس العلم الاجمالي الثاني علماً بالتكليف على كل تقدير ، لاحتمال وقوع النجاسة في أحد المائعين الأوّلين ، وقد تنجّز التكليف فيهما بالعلم الأوّل ، فليس في الاناء الثالث إلاّاحتمال التكليف ، وينفيه الأصل الجاري بلا معارض.
ومقامنا من هذا القبيل بعينه ، فانّ العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف الآخر وإن كان حاصلاً بعد العلم بالملاقاة ، إلاّ أنّه لا يمنع عن جريان الأصل في الملاقي - بالكسر - لأنّ الأصل الجاري في الطرف الآخر قد سقط للمعارضة قبل حدوث العلم الثاني ، فليس العلم الاجمالي الثاني علماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، إذ يحتمل أن يكون النجس هو الطرف الآخر المفروض تنجّز التكليف بالنسبة إليه للعلم السابق ، ومعه لا يبقى إلاّاحتمال التكليف في الملاقي - بالكسر - فيجري فيه الأصل النافي بلا معارض. وقد أشرنا سابقاً (1)
1) في التنبيه الرابع في ص 423
إلى أنّه يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي أن لا يكون التكليف في بعض أطرافه منجّزاً بمنجّز سابق على العلم الاجمالي ، إذ معه لا يبقى إلاّاحتمال التكليف في الطرف الآخر ، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل النافي.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن الطرف الآخر الذي هو عدل للملاقى - بالفتح - مجرى لأصل طولي سليم عن المعارض ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد المائعين ثمّ لاقى أحدهما شيء آخر. وأمّا إذا كان كذلك ، كما إذا علمنا بنجاسة مرددة بين الثوب والماء ثمّ لاقى الثوب شيء آخر ، فتسقط أصالة الطهارة في الطرفين للمعارضة ، وتبقى أصالة الحل في الماء بلا معارض ، لعدم جريانها في الثوب في نفسها ، فيقع التعارض حينئذ بين أصالة الطهارة في الملاقي - بالكسر - وبين أصالة الاباحة في الماء فانّا نعلم إجمالاً بأنّ هذا الملاقي نجس ، أو أنّ هذا الماء حرام ، وبعد تساقط الأصلين يكون العلم الاجمالي بالنسبة إلى الملاقي - بالكسر - أيضاً منجّزاً ، فيجب الاجتناب عنه أيضاً في هذا الفرض.
وأمّا المسألة الثانية : وهي ما إذا حصلت الملاقاة وعلم بها ثمّ حصل العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى أو شيء آخر ، فهي تتصوّر على صورتين :
الصورة الاولى : ما إذا كان زمان نجاسة الملاقى على فرض تحققها واقعاً ، وزمان نجاسة ملاقيه متحداً. وبعبارة اخرى : كان زمان المعلوم بالاجمال وزمان الملاقاة واحداً ، كما إذا كان ثوب في إناء فيه ماء ، وعلمنا إجمالاً بوقوع نجاسة فيه أو في إناء آخر.
الصورة الثانية : أن يكون زمان نجاسة الملاقى على فرض تحققها واقعاً سابقاً على زمان نجاسة الملاقي - بالكسر -. وبعبارة اخرى : كان زمان المعلوم بالاجمال سابقاً على زمان الملاقاة ، كما إذا علمنا يوم السبت بأنّ أحد هذين الاناءين كان نجساً يوم الخميس ولاقى أحدهما الثوب يوم الجمعة.
أمّا الصورة الاولى : فقد وقع الخلاف بينهم في وجوب الاجتناب عن الملاقي فيها وعدمه ، فاختار شيخنا الأنصاري (1)قدسسره وتبعه المحقق النائيني (2)قدسسره عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، بدعوى أنّ الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - متأخر رتبةً عن الأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - إذ الشك في نجاسة الملاقي ناشئ عن الشك في نجاسة ما لاقاه ، ولا تصل النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي إلاّبعد سقوط الأصل فيما لاقاه. وبعد سقوطه للمعارضة بينه وبين الأصل في الطرف الآخر يجري الأصل في الملاقي - بالكسر - بلا معارض.
وذهب صاحب الكفاية (3)قدسسره إلى وجوب الاجتناب من الملاقي - بالكسر - باعتبار أنّ العلم الاجمالي كما تعلّق بالنجاسة المرددة بين الملاقى - بالفتح - والطرف الآخر ، كذلك تعلّق بالنجاسة المرددة بين الملاقي - بالكسر - وذاك الطرف ، فالأمر دائر بين نجاسة الملاقى والملاقي ونجاسة الطرف الآخر ، نظير ما لو علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة في الاناء الكبير أو في الاناءين الصغيرين ، فكما يجب الاجتناب عن جميع الأواني الثلاث في هذا المثال ، كذلك يجب الاجتناب في المقام عن الملاقى والملاقي والطرف الآخر ،
لعدم الفرق بين المثال وما نحن فيه ، إلاّفي أنّ نجاسة الملاقي مسبّبة عن نجاسة الملاقى في المقام ، بخلاف المثال فانّ نجاسة أحد الاناءين الصغيرين ليست مسببة عن نجاسة الآخر ، ومجرّد ذلك لا يوجب الفرق في التنجيز بعد كون نسبة العلم الاجمالي إلى كليهما على حد سواء.
والصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدسسره من وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة ، لأنّ الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - وإن كان متأخراً رتبةً عن الأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - إلاّ أنّه أي الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - ليس متأخراً عن الأصل الجاري في الطرف الآخر ، كما أنّ الأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - ليس متأخراً عنه ، فكما يقع التعارض بين جريان الأصل في الملاقى - بالفتح - وجريانه في الطرف الآخر ، كذلك يقع التعارض بين جريان الأصل في الملاقي - بالكسر - وجريانه في الطرف الآخر.
وبالنتيجة تسقط الاصول ويكون العلم الاجمالي منجّزاً ، فيجب الاجتناب عن الجميع الملاقى والملاقي والطرف الآخر.
وتوهّم أنّ الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - حيث يكون متأخراً عن الأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - والأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - مع الأصل الجاري في الطرف الآخر في رتبة واحدة ، فلزم كون الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - متأخراً عن الأصل الجاري في الطرف الآخر ، لأنّ المتأخر عن أحد المتساويين متأخر عن الآخر أيضاً لا محالة مدفوع بأنّ ذلك إنّما يتمّ في التقدّم والتأخّر من حيث الزمان أو من حيث الشرف ، دون التقدّم والتأخّر من حيث الرتبة ، لأنّ تأخر شيء عن أحد المتساويين في الرتبة لا يقتضي تأخره عن الآخر أيضاً ، فانّ وجود المعلول متأخر رتبة عن وجود علّته وليس متأخراً عن عدمها ، مع أنّ وجود العلّة وعدمها في رتبة واحدة ، لأنّه ليس بينهما علّية ومعلولية ، ويعبّر عن عدم العلّية والمعلولية بين شيئين بوحدة الرتبة.
وبعبارة اخرى : التقدّم والتأخّر الرتبي عبارة عن كون المتأخر ناشئاً من المتقدم ومعلولاً له ، وكون شيء ناشئاً من أحد المتساويين في الرتبة ومعلولاً له لايقتضي كونه ناشئاً من الآخر ومعلولاً له أيضاً. مضافاً إلى أنّ التقدّم والتأخّر
الرتبي إنّما تترتب عليهما الآثار العقلية دون الأحكام الشرعية ، لأنّها مترتبة على الموجودات الخارجية التي تدور مدار التقدّم والتأخّر الزماني دون الرتبي.
وممّا يدلّنا على ذلك : أنّه لو علم المكلف إجمالاً ببطلان وضوئه لصلاة الصبح أو بطلان صلاة الظهر لترك ركن منها مثلاً ، يحكم ببطلان الوضوء وبطلان صلاة الصبح وبطلان صلاة الظهر ، فتجب إعادة الصلاتين ، مع أنّ الشك في صلاة الصبح مسبب عن الشك في الوضوء ، وكان الأصل الجاري فيها في مرتبة متأخرة عن الأصل الجاري فيه ، إلاّ أنّه لا أثر لذلك بعد تساوي نسبة العلم الاجمالي إلى الجميع ، فتسقط قاعدة الفراغ في الجميع. ولو كان للتقدّم الرتبي أثر لكانت قاعدة الفراغ في صلاة الصبح جاريةً بلا معارض ، لتساقطها في الوضوء وصلاة الظهر للمعارضة ، فتجري في صلاة الصبح بلا معارض ، لكون جريان القاعدة فيها في رتبة متأخرة عن جريانها في الوضوء ، فيحكم بصحّة صلاة الصبح وبطلان الوضوء وصلاة الظهر. ولا أظن أن يلتزم به فقيه.
فتحصّل : أنّ الصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدسسره من وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا كان زمان المعلوم بالاجمال سابقاً على زمان الملاقاة ، كما إذا علمنا يوم السبت بأنّ أحد هذين الاناءين كان نجساً يوم الخميس ، ولاقى أحدهما ثوب يوم الجمعة ، فقد ذكرنا في الدورة السابقة عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي فيها ، لأنّ المعلوم بالاجمال هي النجاسة المرددة بين الماءين في مفروض المثال. وأمّا الثوب فليس من أطراف العلم الاجمالي ، فيكون الشك في نجاسته شكاً في حدوث نجاسة جديدة غير ما هو معلوم إجمالاً ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه.
والفرق بين الصورتين : أنّه في الصورة الاولى لايكون تخلّل زماني بين نجاسة
الملاقى - بالفتح - على تقدير تحققها واقعاً ونجاسة الملاقي - بالكسر - فالعلم الاجمالي قد تعلّق من أوّل الأمر بنجاسة الملاقى والملاقي والطرف الآخر ، نظير تعلّق العلم الاجمالي بنجاسة إناء كبير أو إناءين صغيرين. بخلاف الصورة الثانية لكون زمان المعلوم بالاجمال سابقاً على زمان الملاقاة ، فيكون الملاقي - بالكسر - غير داخل في أطراف العلم الاجمالي ، ويكون الشك شكاً في حدوث نجاسة جديدة ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه والحكم بعدم وجوب الاجتناب عنه. هذا ملخص ما ذكرناه في الدورة السابقة.
ولكن الظاهر عدم الفرق بين الصورتين ووجوب الاجتناب عن الملاقي في الصورة الثانية أيضاً ، إذ المعلوم بالاجمال فيها وإن كان سابقاً بوجوده الواقعي على الملاقاة ، إلاّ أنّه مقارن له بوجوده العلمي ، والتنجيز من آثار العلم بالنجاسة لا من آثار وجودها الواقعي ، وحيث إنّ العلم الاجمالي متأخر عن الملاقاة فلا محالة يكون الملاقي - بالكسر - أيضاً من أطرافه. ولا أثر لتقدّم المعلوم بالاجمال على الملاقاة واقعاً ، فانّا نعلم إجمالاً يوم السبت - في المثال المتقدِّم - بأن أحد الماءين والثوب نجس ، أو الماء الآخر وحده ، فيكون نظير العلم الاجمالي بنجاسة الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين ، فلا يمكن إجراء الأصل في الملاقي - بالكسر - لعين ما ذكرناه في الصورة الاولى ، فيجب الاجتناب عنه أيضاً.
وبعبارة اخرى : لا بدّ في جريان الأصل من الشك الفعلي كما يأتي التعرّض له مفصّلاً في باب الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى. ولا بدّ في التنجيز من العلم ، لعدم تنجّز التكليف بوجوده الواقعي ما لم يعلم به المكلف ، فقبل العلم
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 109 / التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب
الاجمالي لايكون في أطرافه شك ، فلا مجال لجريان الأصل ولا لتساقط الاصول كما هو ظاهر. وبعد العلم الاجمالي كان الملاقي - بالكسر - أيضاً من أطرافه ، فتتساقط الاصول ، ويجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى والطرف الآخر.
أمّا المسألة الثالثة : وهي ما إذا كان العلم الاجمالي بعد الملاقاة وقبل العلم بها ، فهل الحكم فيها عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي وإلحاقها بالمسألة الاولى ، لاشتراكهما في كون العلم الاجمالي مقدّماً على العلم بالملاقاة ، أو الحكم فيها وجوب الاجتناب عن الملاقي وإلحاقها بالمسألة الثانية ، لاشتراكهما في كون العلم الاجمالي متأخراً عن الملاقاة؟ وقد التزمنا في الدورة السابقة بوجوب الاجتناب إلحاقاً لها بالمسألة الثانية ، لأنّ العلم الاجمالي بحدوثه وإن كان متعلقاً بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف الآخر ، إلاّ أنّه بعد العلم بالملاقاة ينقلب إلى العلم بنجاسة الملاقى والملاقي أو الطرف الآخر. والتنجيز في صورة الانقلاب يدور مدار العلم الثاني ، فتتساقط الاصول بمقتضى العلم الثاني ، ويجب الاجتناب عن الجميع. ونظير ذلك ما إذا علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة في الاناء الكبير أو الاناء الصغير ، ثمّ تبدّل العلم المذكور بالعلم بوقوعها في الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين ، فانّه لا إشكال في وجوب الاجتناب عن الجميع ، لأنّ العلم الأوّل وإن كان يوجب تساقط الأصلين في الاناء الكبير وأحد الصغيرين حدوثاً ، ويوجب تنجيز الواقع فيهما ، إلاّأنّ العلم الثاني يوجب تساقط الاصول في الجميع بقاءً ، لتبدّل العلم الأوّل بالثاني. وقد ذكرنا أنّ التنجيز في صورة الانقلاب يدور مدار العلم الثاني ، هذا ملخص ما ذكرناه في الدورة السابقة.
ولكنّ الظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه المسألة كما في المسألة الاولى ، وذلك لما ذكرناه في ذيل المسألة الثانية من أنّ مدار التنجيز إنّما هو العلم بالنجاسة لا وجودها الواقعي ، فالملاقاة وإن كانت سابقة على العلم
الاجمالي ، إلاّ أنّه لا يترتب عليها أثر ، فبعد العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف الآخر يتساقط الأصلان فيهما للمعارضة ويتنجز التكليف ، ويجب الاجتناب عنهما. ولا أثر للعلم بالملاقاة بعد تنجّز التكليف بالعلم الأوّل ، فانّ العلم بالملاقاة وإن كان يوجب علماً إجمالياً بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف الآخر ، إلاّ أنّه لا أثر لهذا العلم بالنسبة إلى الطرف الآخر ، لتنجّز التكليف فيه بمنجّز سابق ، وهو العلم الأوّل. فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الملاقي - بالكسر - لما ذكرناه سابقاً (1)من أنّه لو كان التكليف في أحد أطراف العلم الاجمالي منجّزاً بمنجّز سابق ، لا أثر للعلم الاجمالي بالنسبة إليه ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر.
والمقام من هذا القبيل ، فانّ التكليف قد تنجّز في الطرف الآخر بالعلم السابق فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الملاقي - بالكسر - بعد العلم الاجمالي الثاني الحاصل من العلم بالملاقاة ، لعدم معارض له ، بلا فرق بين أن يكون زمان المعلوم بالاجمال متحداً مع زمان الملاقاة أو سابقاً عليه. وما ذكرناه في الدورة السابقة من أنّ مدار التنجيز في صورة التبدل إنّما هو العلم الثاني وإن كان صحيحاً في نفسه ، فانّا إذا علمنا إجمالاً بنجاسة القباء أو القميص ، ثمّ تبدّل علمنا بالعلم الاجمالي بنجاسة القباء أو العباء مثلاً ، كان مدار التنجيز هو العلم الثاني لا محالة ، فيجب الاجتناب عن القباء والعباء لا عن القباء والقميص ، إلاّ أنّ المقام ليس من قبيل التبدل ، بل من قبيل انضمام العلم إلى العلم ، فانّا نعلم أوّلاً بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف الآخر ، ثمّ بعد العلم بالملاقاة كان العلم الاجمالي الأوّل باقياً بحاله ولم يتبدّل ، غاية الأمر أنّه انضّم إليه علم آخر وهو
1) في التنبيه الرابع ص 423
العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف الآخر ، والعلم الثاني ممّا لا يترتب عليه التنجيز ، لتنجّز التكليف في أحد طرفيه بمنجّز سابق وهو العلم الأوّل ، فيجري الأصل في طرفه الآخر بلا معارض وهو الملاقي - بالكسر -.
وكذا الحال في المثال الذي ذكرناه في الدورة السابقة ، فانّه لا مانع من الرجوع إلى الأصل في أحد الاناءين الصغيرين ، لتنجّز التكليف في الاناء الكبير وأحد الصغيرين بالعلم الأوّل ، فيجري الأصل في الاناء الصغير الآخر بلا معارض (1).
بقي الكلام فيما ذكره صاحب الكفاية قدسسره (2)من تثليث الأقسام ، وأ نّه قد يجب الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - دون الملاقي - بالكسر - كما في المسألة الاولى ، وقد يجب الاجتناب عن الملاقى والملاقي كما في المسألة الثانية ، وقد يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - وذكر لذلك موردين :
المورد الأوّل : ما إذا علم بالملاقاة ثمّ علم إجمالاً بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف الآخر ، ولكن كان الملاقى - بالفتح - حين حدوث العلم خارجاً عن محل الابتلاء ، فانّه حينئذ تقع المعارضة بين جريان الأصل في الملاقي - بالكسر -
1) هذا فيما إذا كان العلم الاجمالي بنجاسة الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين من قبيل انضمام علمٍ إلى علم بعروض العلم الثاني بعد الأوّل ، مع بقاء العلم الأوّل ، كما إذا لاقى أحد الاناءين الصغيرين للآخر ، وأمّا لو كان العلم الاجمالي بنجاسة الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين من قبيل الانقلاب كما إذا علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة في الاناء الكبير أو الاناء الصغير ثمّ تبدّل العلم المذكور بالعلم بوقوعها في الكبير أو الصغيرين ، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن الجميع
2) كفاية الاصول : 362 و 363
وجريانه في الطرف الآخر ، ويسقطان فيجب الاجتناب عنهما. وأمّا الملاقى - بالفتح - فلا يكون مجرىً للأصل بنفسه ، لخروجه عن محل الابتلاء ، فانّه لا يترتب عليه أثر فعلي ، ويعتبر في جريان الأصل ترتب أثر عملي فعلي ، فإذا رجع الملاقى - بالفتح - بعد ذلك إلى محل الابتلاء ، لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل فيه لعدم ابتلائه بالمعارض ، لسقوط الأصل في الطرف الآخر قبل رجوعه إلى محل الابتلاء ، فيكون حال الملاقى - بالفتح - في هذا الفرض حال الملاقي - بالكسر - في المسألة الاولى من حيث كون الشك فيه شكاً في حدوث تكليف جديد يرجع فيه إلى الأصل.
هذا ، والتحقيق عدم تمامية ما أفاده قدسسره لأنّ الخروج عن محل الابتلاء لا يمنع من جريان الأصل فيه إذا كان له أثر فعلي ، والمقام كذلك فانّ الملاقى - بالفتح - وإن كان خارجاً عن محل الابتلاء ، إلاّ أنّه يترتب على جريان أصالة الطهارة فيه أثر فعلي ، وهو الحكم بطهارة ملاقيه ، فمجرد الخروج عن محل الابتلاء أو عن تحت القدرة غير مانع عن جريان الأصل ، كما إذا غسل ثوب متنجس بماء مع القطع بطهارته أو مع الغفلة عن طهارته ونجاسته ، ثمّ انعدم ذلك الماء أو خرج عن محل الابتلاء ثمّ شكّ في طهارته ، فلا مانع من جريان أصالة الطهارة فيه لترتيب الحكم بطهارة الثوب المغسول به. وكذلك لو كان ماء نجساً فلاقاه ثوب حين الغفلة عن نجاسته ثمّ انعدم ذلك الماء أو خرج عن محل الابتلاء ، فشككنا في طهارته قبل ملاقاة الثوب لاحتمال وصول المطر إليه أو اتصاله بالجاري أو الكر ، فانّه لا مانع من جريان استصحاب النجاسة فيه لترتيب الحكم بنجاسة الثوب عليه ، مع أنّ المستصحب خارج عن محل الابتلاء أو معدوم.
والمقام من هذا القبيل ، فانّ الملاقى - بالفتح - وإن كان خارجاً عن محل
الابتلاء ، إلاّ أنّه لا مانع من جريان أصالة الطهارة فيه في نفسه لترتيب الحكم بطهارة ملاقيه ، إلاّأنّ العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر يمنع من الرجوع إلى الأصل في كل منهما ، فيجب الاجتناب عنهما. وأمّا الملاقي - بالكسر - فحكمه من حيث جريان الأصل فيه وعدمه على التفصيل الذي تقدّم في المسائل الثلاث ، وملخّصه : أنّه إن كان العلم بالملاقاة بعد العلم الاجمالي ، فلا مانع من جريان الأصل فيه كما في المسألة الاولى ، وإن كان قبله فالعلم الاجمالي مانع عن جريان الأصل فيه. وكلام صاحب الكفاية قدسسره مفروض على الثاني فراجع.
المورد الثاني : ما لو تعلّق العلم الاجمالي أوّلاً بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو شيء آخر ، ثمّ حدث العلم بالملاقاة والعلم بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو ذلك الشيء قبل الملاقاة ، ولو مع العلم بأنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - على تقدير تحققها ناشئة من الملاقاة لا غير ، كما لو علم يوم السبت إجمالاً بنجاسة الثوب أو الاناء الكبير ، ثمّ علم يوم الأحد بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير يوم الجمعة وبملاقاة الثوب للاناء الصغير في ذلك اليوم ، فانّ نجاسة الثوب ولو مع عدم احتمالها من غير ناحية الملاقاة قد تنجّزت بالعلم الاجمالي الحادث يوم السبت ، لتساقط الأصلين في طرفيه للمعارضة ، فيجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - وهو الثوب والاناء الكبير. وأمّا الملاقى - بالفتح - وهو الاناء الصغير ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، لكون الشك فيه شكاً حادثاً بعد تنجّز التكليف في الاناء الكبير والثوب.
هذا ، وقد ذكرنا في الدورة السابقة عدم تمامية ما ذكره من وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - في المورد الثاني أيضاً ، لأنّ التنجيز يدور مدار العلم الاجمالي حدوثاً وبقاءً ، فالعلم الاجمالي الحادث يوم
السبت في المثال وإن أوجب تنجّز التكليف بالنسبة إلى الثوب والاناء الكبير ، إلاّ أنّه بعد حدوث العلم الاجمالي يوم الأحد بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير ، ينحلّ العلم الأوّل بالثاني ، فيكون الشك في نجاسة الثوب شكاً في حدوث نجاسة اخرى غير ما هو معلوم إجمالاً ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، لخروجه عن أطراف العلم الاجمالي بقاءً.
ولكن التحقيق تمامية ما ذكره قدسسره من وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - في هذا المورد ، وذلك لما ذكرناه في ذيل المسألة الثانية من أنّ مناط التنجيز هو العلم الاجمالي لا النجاسة بوجودها الواقعي ولو لم يعلم بها المكلف ، فنجاسة الاناء الصغير على تقدير تحققها واقعاً ممّا لا أثر لها من دون العلم بها. وبعد تنجّز التكليف في الاناء الكبير والثوب لا أثر للعلم الثاني بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير ، لكون التكليف في الاناء الكبير منجّزاً بالعلم الأوّل ، فلا أثر للعلم الثاني بالنسبة إليه ، فيجري الأصل في الاناء الصغير بلا معارض ، فتكون النتيجة وجوب الاجتناب عن الاناء الكبير والثوب وهو الملاقي - بالكسر - دون الاناء الصغير وهو الملاقى - بالفتح -.
وأمّا ما ذكرناه في الدورة السابقة من أنّ العلم الاجمالي الأوّل ينحل بالعلم الثاني ويخرج الملاقي - بالكسر - من أطرافه ، فيكون الشك في نجاسته شكاً في نجاسة جديدة غير ما هو المعلوم بالاجمال ، فيجري فيه الأصل بلا معارض ، ففيه : أنّ الملاقي - بالكسر - وهو الثوب في مفروض المثال لم يخرج من أطراف العلم الاجمالي الثاني ، إذ المفروض حدوث العلم بالملاقاة مقارناً لحدوث العلم الاجمالي الثاني ، فيكون العلم الاجمالي بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير في مفروض المثال علماً إجمالياً بنجاسة الثوب والاناء الصغير أو الاناء الكبير ، غاية الأمر أنّ الشك في نجاسة الثوب ناشئ من الشك في نجاسة الاناء الصغير ،
وهو لا يوجب خروج الثوب عن أطراف العلم الاجمالي الثاني بعد كون العلم بالملاقاة حادثاً حين حدوث العلم الاجمالي الثاني ، وحيث إنّ التكليف بالنسبة إلى الاناء الكبير قد تنجّز بالعلم الاجمالي الأوّل ، ولا مجال لجريان الأصل فيه ، فيجري الأصل في الاناء الصغير بلا معارض (1)
فتحصّل : أنّ ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من تثليث الأقسام وأ نّه قد يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - ممّا لم نجد له مورداً ولم نتعقّل له وجهاً. والحق أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - متفرّعة على نجاسة الملاقى - بالفتح - فوجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - لأجل الملاقاة دون الملاقى - بالفتح - غير متصوّر بوجه
.1) للتأمل فيما ذكره (دام ظلّه) مجال ، إذ لو كان المراد من العلم الاجمالي الثاني المتعلق بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير في مفروض المثال هو العلم المنضم إلى العلم الأوّل مع بقائه بحاله ، فوجوب الاجتناب عن الثوب والاناء الكبير وعدم وجوب الاجتناب عن الاناء الصغير وإن كان صحيحاً لما ذكر في المتن من تنجّز التكليف بالنسبة إلى الثوب والاناء الكبير بالعلم الأوّل وجريان الأصل في الاناء الصغير بلا معارض ، إلاّأنّ وجوب الاجتناب عن الثوب ليس للملاقاة ، بل لكونه طرفاً للعلم الاجمالي الأوّل ، ولا يعدّ الاجتناب عنه اجتناباً عن الملاقي - بالكسر - لأنّ معناه هو الاجتناب عنه لأجل الملاقاة وهذا هو محل الكلام. وأمّا لو كان الملاقي - بالكسر - بنفسه طرفاً للعلم الاجمالي الأوّل ، أو كان معلوم النجاسة بالعلم التفصيلي ثمّ حصل العلم الاجمالي الثاني والعلم بملاقاته لبعض أطرافه ، فلا يسمّى الاجتناب عنه اجتناباً عن الملاقي - بالكسر - كما هو واضح. ولو كان المراد من العلم الاجمالي الثاني المتعلق بنجاسة الاناء الكبير أو الاناء الصغير هو الذي انقلب إليه العلم الأوّل ، فلا وجه لوجوب الاجتناب عن الثوب دون الاناء الكبير ، بل يجب الاجتناب عن الاناء الكبير والاناء الصغير بمقتضى العلم الاجمالي الثاني ، لأنّ المدار في صورة الانقلاب على العلم الثاني كما اعترف به (دام ظلّه) في بعض كلماته. وكذا يجب الاجتناب عن الثوب أيضاً لأنّه لم يخرج عن أطراف العلم الاجمالي الثاني على الفرض ، إذ المفروض حدوث العلم بالملاقاة مقارناً لحدوث العلم الاجمالي الثاني.
فتحصّل : أنّ ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره من تثليث الأقسام صحيح تام ، فالأمر دائر بين وجوب الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - دون الملاقي - بالكسر - كما في المسألة الاولى ، ووجوب الاجتناب عن الملاقى والملاقي معاً كما في المسألة الثانية ، ووجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - عكس المسألة الاولى كما في المثال المذكور.
المورد الثاني : في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. انتهى الأمر في الأبحاث السابقة إلى أنّ الشك إن كان في تحقق الجعل من قبل الشارع ، فهو مورد للبراءة العقلية والنقلية ، وإن كان في انطباق المجعول بعد العلم بالجعل فهو مورد لقاعدة الاشتغال. وبعبارة اخرى : الشك في التكليف مورد للبراءة ، والشك في المكلف به مورد لقاعدة الاشتغال ، فبعد الفراغ عن هذين الأمرين يقع الكلام في الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين ، من حيث إنّه ملحق بالشك في التكليف ، ليكون وجوب الأكثر مورداً للبراءة ، أو أنّه ملحق بالشك في المكلف به ليكون مورداً لقاعدة الاشتغال. فبعضهم نظر إلى أنّ التكليف بالأقل متيقن وبالأكثر مشكوك فيه فألحقه بالشك في التكليف. وبعض آخر نظر إلى وحدة التكليف وتردده بين الأقل والأكثر فألحقه بالشك في المكلف به لكون التكليف متيقناً ،
إنّما الشك في انطباقه على الأقل أو الأكثر ، فيكون الشك في المكلف به.
وتحقيق المقام يقتضي التكلم في مقامين : الأوّل : في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء الخارجية. الثاني : في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء التحليلية كدوران الأمر بين الاطلاق والتقييد ، ودوران الأمر بين الجنس والفصل مثلاً.
أمّا المقام الأوّل : فقال بعضهم بكونه مجرىً لقاعدة الاشتغال ، وعدم جريان البراءة العقلية والبراءة النقلية. وذهب جماعة منهم شيخنا الأنصاري (1)قدسسره إلى جريان البراءة العقلية والنقلية. وفصّل صاحب الكفاية (2)قدسسره وتبعه المحقق النائيني (3)قدسسره فقال بجريان البراءة النقلية دون العقلية ، فتنقيح البحث يستدعي التكلم في جهتين :
الجهة الاولى : في جريان البراءة العقلية وعدمه.
الجهة الثانية : في جريان البراءة النقلية وعدمه.
أمّا الجهة الاولى : فالصحيح فيها ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري قدسسره من جريان البراءة العقلية ، وذكر لتقريبه وجوهاً :
الوجه الأوّل : ما ذكره الشيخ (4)قدسسره في الرسائل من أنّ وجوب الأقل المردّد بين النفسي والغيري متيقن ، إذ لو كان الأقل واجباً فوجوبه نفسي ،
ولو كان الأكثر واجباً فوجوب الأقل غيري ، وأمّا وجوب الأكثر فهو مشكوك فيه فيجري فيه الأصل. وتمامية هذا الوجه يتوقف على إثبات أمرين : الأوّل :
اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري ، وإلاّ لم يصحّ القول بأن وجوب الأقل متيقن مردد بين النفسي والغيري ، إذ على تقدير عدم اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري ، لايكون هناك إلاّوجوب نفسي شك في تعلّقه بالأقل أو الأكثر ، فلا علم بوجوب الأقل على كل تقدير. الثاني : كون العلم بالوجوب الجامع بين النفسي والغيري موجباً لانحلال العلم الاجمالي بالوجوب النفسي المردّد تعلّقه بالأقل أو الأكثر ، إذ على تقدير عدم انحلال العلم الاجمالي لا يكون وجوب الأكثر مورداً لجريان البراءة.
أمّا الأمر الأوّل : أي اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري ، فهو لم يثبت بل الثابت خلافه ، لما بيّناه في بحث وجوب المقدّمة (1)من استحالة اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري ، لأنّ الوجوب الغيري ناشئ عن توقف وجود على وجود آخر ، وليس وجود المركب غير وجود الأجزاء كي يتوقف عليه توقف وجود الشيء على وجود غيره ، فيترشح من وجوب المتوقف نفسياً وجوب المتوقف عليه غيرياً ، بل وجود المركب عين وجود الأجزاء ، ولا فرق بينهما إلاّبمجرد الاعتبار واللحاظ ، فانّ الأجزاء إذا لوحظت بشرط الشيء أي بشرط الانضمام فهي المركب ، وإذا لوحظت لا بشرط فهي الأجزاء.
وأمّا الأمر الثاني : أي كون العلم بالوجوب الجامع بين النفسي والغيري موجباً لانحلال العلم الاجمالي بالوجوب النفسي ، فقد يقال فيه بعدم الانحلال ، بدعوى أنّه يعتبر في الانحلال أن يكون المعلوم بالتفصيل من سنخ المعلوم
1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 117 - 119
بالاجمال ، والمقام ليس كذلك ، لأنّ المعلوم بالاجمال هو الوجوب النفسي سواء كان متعلقاً بالأقل أو الأكثر ، والمعلوم بالتفصيل هو الوجوب الجامع بين النفسي والغيري ، فلا ينحل العلم الاجمالي. ولكن التحقيق هو الانحلال على ما ذكرناه في بحث مقدّمة الواجب مفصلاً (1)ولا نعيد الكلام فيه ، لأنّ التقريب المذكور غير تام من جهة عدم تمامية الأمر الأوّل ، فلا حاجة إلى إعادة الكلام في تمامية الأمر الثاني وعدمها.
الوجه الثاني : وهو أيضاً مأخوذ من كلام الشيخ (2)وهو أنّ الأقل واجب يقيناً بالوجوب الجامع بين الوجوب الاستقلالي والوجوب الضمني ، إذ لو كان الواجب في الواقع هو الأقل فيكون الأقل واجباً بالوجوب الاستقلالي. ولو كان الواجب في الواقع هو الأكثر ، فيكون الأقل واجباً بالوجوب الضمني ، لأنّ التكليف بالمركب ينحل إلى التكليف بكل واحد من الأجزاء ، وينبسط التكليف الواحد المتعلق بالمركب إلى تكاليف متعددة متعلقة بكل واحد من الأجزاء ، ولذا لا يكون الآتي بكل جزء مكلفاً باتيانه ثانياً ، لسقوط التكليف المتعلق به ، بل الآتي بكل جزء يكون مكلفاً باتيان جزء آخر بعده ، لكون التكليف متعلقاً بكل جزء مشروطاً بلحوق الجزء التالي بنحو الشرط المتأخر.
فتحصّل : أنّ تعلّق التكليف بالأقل معلوم ويكون العقاب على تركه عقاباً مع البيان وإتمام الحجّة ، وتعلّقه بالأكثر مشكوك فيه ، ويكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان. وبعبارة اخرى : يكون العقاب على ترك الصلاة مثلاً لأجل ترك الأجزاء المعلومة عقاباً مع البيان وهو العلم ، ويكون العقاب على تركها لأجل
ترك الأجزاء المشكوك فيها عقاباً بلا بيان ، والعقل يحكم بقبحه ، وهذا معنى البراءة العقلية.
وهذا الوجه ممّا لا بأس به ، وتوضيحه يستدعي التنبيه على أمر ، وهو أنّ محل الكلام في دوران الأمر بين الأقل والأكثر إنّما هو فيما إذا كان الأقل متعلقاً للتكليف بنحو لا بشرط القسمي ، بمعنى أنّا نعلم أنّ الواجب لو كان هو الأقل لا يضره الاتيان بالأكثر ، وأمّا إذا كان الأقل مأخوذاً في التكليف بشرط لا حتّى يضره الاتيان بالأكثر ، كما في دوران الأمر بين القصر والتمام ، فهو خارج عن محل الكلام ، لكون الدوران فيه من قبيل الدوران بين المتباينين. وبعبارة اخرى : الكلام في دوران الأمر بين الأقل والأكثر إنّما هو فيما إذا كان مقتضى الاحتياط الاتيان بالأكثر ، وإذا كان الأقل مأخوذاً بشرط لا لا يمكن الاحتياط باتيان الأكثر ، لاحتمال كون الزائد مبطلاً ، بل مقتضى الاحتياط هو الاتيان بالأقل مرّةً وبالأكثر اخرى ، ولذا كان مقتضى الاحتياط عند الشك في القصر والتمام هو الجمع بينهما لا الاتيان بالتمام فقط. وهذا هو الميزان في تمييز دوران الأمر بين الأقل والأكثر عن دوران الأمر بين المتباينين.
إذا عرفت محل الكلام في دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فاعلم أنّ ذات الأقل معلوم الوجوب وإنّما الشك في أنّه مأخوذ في متعلق التكليف على نحو الاطلاق أي بنحو اللا بشرط القسمي ، أو مأخوذ بشرط شيء وهو الانضمام مع الأجزاء المشكوكة ، فانّا نعلم بوجوب ذات الأقل أي الجامع بين الاطلاق والتقييد ، وإنّما الشك في خصوصية الاطلاق والتقييد ، فانّهما وإن كانا قسمين من الماهية الجامعة بينهما ، إلاّ أنّه لا إشكال في كونهما قسيمين بالنسبة إلى نفسيهما.
وبالجملة : تعلّق التكليف بذات الأقل متيقن ، وإنّما الشك في أنّه واجب مطلق وبلا تقييد بشيء ، أو أنّه واجب مقيداً بانضمام الأجزاء المشكوكة ، وحيث إنّ
الاطلاق لا يكون تضييقاً على المكلف كما هو ظاهر ، فلا معنى لجريان البراءة العقلية أو النقلية فيه ، فانّه لا يحتمل العقاب في صورة الاطلاق حتّى ندفعه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بحديث الرفع ، فتجري البراءة العقلية في التقييد بلا معارض. وقد ذكرنا مراراً (1)أنّ تنجيز العلم الاجمالي موقوف على تعارض الاصول في أطرافه وتساقطها ، وأ نّه لو لم يجر الأصل في أحد طرفيه في نفسه لا مانع من جريانه في الطرف الآخر ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً. والمقام كذلك ، لما عرفت من أنّ الاطلاق توسعة على المكلف ، فلا يكون مورداً للبراءة في نفسه ، فتجري البراءة في التقييد بلا معارض ، نظير ما إذا علمنا إجمالاً بحرمة شيء أو إباحته ، فهذا العلم الاجمالي وإن كان طرفاه متباينين ، إلاّ أنّه حيث لا تجري البراءة العقلية ولا النقلية في طرف الاباحة ، لعدم احتمال العقاب فيه كي يدفع بقاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بحديث الرفع وأمثاله من الأدلة النقلية ، فيكون احتمال الحرمة مورداً لجريان البراءة العقلية والنقلية بلا معارض.
هذا ، وقد ذكر لجريان البراءة موانع :
منها : ما ذكره صاحب الكفاية (2)قدسسره من استحالة انحلال العلم الاجمالي في المقام لاستلزامه الخلف وعدم نفسه. أمّا الأوّل : فلأنّ العلم بوجوب الأقل يتوقف على تنجّز التكليف مطلقاً ، أي على تقديري تعلّقه بالأقل وتعلّقه بالأكثر ، فلو كان وجوبه على كل تقدير مستلزماً لعدم تنجّزه فيما إذا كان متعلقاً بالأكثر كان خلفاً. وأمّا الثاني : فلأ نّه يلزم من وجود الانحلال عدم تنجّز التكليف على تقدير تعلّقه بالأكثر ، وهو مستلزم لعدم وجوب الأقل على
كل تقدير المستلزم لعدم الانحلال. وملاك الاستحالة في التقريبين واحد ، وهو أنّ الانحلال يتوقف على تنجّز التكليف على كل تقدير ، ومعه لا تنجّز بالنسبة إلى الأكثر ، فيلزم الخلف ومن فرض وجود الانحلال عدمه.
والجواب عن كلا التقريبين كلمة واحدة ، وهي أنّ الانحلال لا يتوقف على تنجّز التكليف على تقديري تعلّقه بالأقل وتعلّقه بالأكثر ، بل الانحلال وتنجّز التكليف بالنسبة إلى الأكثر متنافيان لا يجتمعان ، فكيف يكون متوقفاً عليه ، بل الانحلال مبني على العلم بوجوب ذات الأقل على كل تقدير ، أي على تقدير وجوب الأقل في الواقع بنحو الاطلاق ، وعلى تقدير وجوبه في الواقع بنحو التقييد ، فذات الأقل معلوم الوجوب ، إنّما الشك في الاطلاق والتقييد ، وحيث إنّ الاطلاق لا يكون مجرىً للأصل في نفسه على ما تقدّم بيانه ، فيجري الأصل في التقييد بلا معارض ، وينحل العلم الاجمالي لا محالة. وهذا واضح لا غبار عليه فلا يكون مستلزماً للخلف ، ولا وجود الانحلال مستلزماً لعدمه ، وإنّما نشأت هذه المغالطة من أخذ التنجّز على كل تقدير شرطاً للانحلال ، وهذا ليس مراد القائل بالبراءة.
ومنها : أنّ التكليف المعلوم المحتمل تعلّقه بالأقل والأكثر تكليف واحد متعلق بالأجزاء مقيداً بعضها ببعض ثبوتاً وسقوطاً ، إذ المفروض كون الأجزاء ارتباطية ، ومعه لا يعقل سقوط التكليف بالاضافة إلى بعض الأجزاء مع عدم سقوطه بالاضافة إلى بعض آخر ، لكون التكليف واحداً والأجزاء ارتباطية ، وعليه فلا يحصل القطع بسقوط التكليف باتيان الأقل حتّى بالنسبة إلى نفس الأقل المقطوع وجوبه ، لاحتمال وجوب الأكثر ، واحتمال وجوبه ملازم لاحتمال عدم سقوط التكليف رأساً ، لأنّه ملازم لعدم سقوطه بالاضافة إلى خصوص
الأكثر ، فيكون المقام من موارد العلم بثبوت التكليف والشك في سقوطه ، فيكون مجرىً لقاعدة الاشتغال ، لأنّ العلم بشغل الذمّة يقتضي العلم بالفراغ ولا يحصل إلاّ باتيان الأكثر.
والجواب : أنّ الشك في السقوط تارةً يكون ناشئاً من الشك في صدور الفعل من المكلف بعد تمامية البيان من قبل المولى ، كما إذا علمنا بوجوب صلاة الظهر مثلاً وشككنا في إتياننا بها ، ففي مثل ذلك تجري قاعدة الاشتغال بلا شبهة وإشكال ، لتمامية البيان من قبل المولى ووصول التكليف إلى المكلف ، إنّما الشك في سقوط التكليف بعد وصوله ، فلا بدّ من العلم بالفراغ بحكم العقل.
واخرى يكون ناشئاً من عدم وصول التكليف إلى المكلف ، فلا يعلم العبد بما هو مجعول من قبل المولى ، كما في المقام فانّ الشك في سقوط التكليف باتيان الأقل يكون ناشئاً من الشك في جعل المولى ، ففي مثل ذلك كان جعل التكليف بالنسبة إلى الأكثر مشكوكاً فيه فيرجع إلى الأصل العقلي وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والأصل النقلي المستفاد من مثل حديث الرفع ، فبعد الاتيان بالأقل وإن كان الشك في سقوط التكليف واقعاً موجوداً بالوجدان ، لاحتمال وجوب الأكثر ، إلاّ أنّه ممّا لا بأس به بعد العلم بعدم العقاب على مخالفته لعدم وصوله إلينا ، والعقل مستقل بقبح العقاب بلا بيان.
وبما ذكرناه ظهر الفرق بين المقام وبين دوران الأمر بين المتباينين ، فانّه بعد الاتيان بأحد المحتملين يكون سقوط التكليف هناك أيضاً مشكوكاً فيه ، ويكون الشك في السقوط ناشئاً من الشك في جعل المولى ، إلاّ أنّه لا يجري الأصل في أحد الطرفين للمعارضة ، فيكون العلم الاجمالي منجّزاً لا محالة ، بخلاف المقام لجريان الأصل في التقييد بلا معارض على ما عرفت مفصّلاً.
ومنها : ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (1)من أنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقل إنّما هو على نحو الاهمال الجامع بين الاطلاق والتقييد مع الشك في خصوصية الاطلاق والتقييد ، وهذا المقدار من العلم التفصيلي هو المقوّم للعلم الاجمالي ، لأنّ كل علم إجمالي علم إجمالي بالنسبة إلى الخصوصيات ، وعلم تفصيلي بالنسبة إلى الجامع ، فلا يكون هذا العلم التفصيلي موجباً للانحلال ، وإلاّ لزم انحلال العلم الاجمالي بنفسه.
وبعبارة اخرى : انحلال العلم الاجمالي بعد كونه قضيّةً منفصلةً مانعة الخلو إنّما يكون بتبدلها بقضيتين حمليتين : إحداهما متيقنة والاخرى مشكوكة كما في الأقل والأكثر الاستقلاليين ، وهذا مفقود في المقام. وبعبارة ثالثة : الموجب لانحلال العلم الاجمالي هو العلم التفصيلي بوجوب الأقل بنحو الاطلاق ، والموجود في المقام هو العلم التفصيلي بوجوب الأقل على نحو الاهمال الجامع بين الاطلاق والتقييد ، فما هو موجود لا يكون موجباً للانحلال ، بل مقوّم للعلم الاجمالي ، وما هو موجب للانحلال لا يكون موجوداً.
وبالجملة : العلم التفصيلي بالجامع بين الخصوصيات لايكون موجباً للانحلال وإلاّ كان موجباً له في المتباينين أيضاً ، لأنّ العلم بالجامع موجود عند دوران الأمر بين المتباينين أيضاً.
والجواب : أنّ ما ذكره قدسسره متين لو قلنا بالانحلال الحقيقي ، فانّ العلم التفصيلي بالجامع هو عين العلم الاجمالي باحدى الخصوصيتين ، فكيف يكون موجباً للانحلال الحقيقي ، ولكنّا نقول بالانحلال الحكمي ، بمعنى أنّ المعلوم بالاجمال وإن كان يحتمل انطباقه على خصوصية الاطلاق وعلى خصوصية
1) أجود التقريرات 3 : 493 ، فوائد الاصول 4 : 160
التقييد ، إلاّ أنّه حيث تكون إحدى الخصوصيتين مجرىً للأصل دون الاخرى ، كان جريان الأصل في إحداهما في حكم الانحلال ، لما ذكرناه غير مرّة (1)من أنّ تنجيز العلم الاجمالي متوقف على تعارض الاصول في أطرافه وتساقطها ، فبعد العلم بوجوب الأقل بنحو الاهمال الجامع بين الاطلاق والتقييد وإن لم يكن لنا علم باحدى الخصوصيتين حتّى يلزم الانحلال الحقيقي ، إلاّ أنّه حيث يكون التقييد مورداً لجريان الأصل بلا معارض كان جريانه فيه مانعاً عن تنجيز العلم الاجمالي فيكون بحكم الانحلال. وهذا الانحلال الحكمي لا يكون في المتباينين ، لعدم جريان الأصل في واحد منهما لابتلائه بالمعارض ، فانّ الأصلين في المتباينين يتساقطان للمعارضة ، وهذا هو الفارق بين المقامين.
ومنها : ما ذكره صاحب الكفاية أخذاً من كلام الشيخ (2)قدسسره وهو أنّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات في متعلقاتها من المصالح والمفاسد على ما هو الحق من مذهب العدلية ، وحيث إنّه يجب تحصيل غرض المولى بحكم العقل ، فلا مناص من الاحتياط والاتيان بالأكثر ، إذ لا يعلم بحصول الغرض عند الاقتصار بالأقل لاحتمال دخل الأكثر في حصوله.
وأجاب شيخنا الأنصاري قدسسره عن هذا الاشكال بجوابين :
الأوّل : أنّ الكلام في جريان البراءة وعدمه في المقام لا يكون مبتنياً على مذهب العدلية القائلين بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها بل عام.
الثاني : أنّ الغرض ممّا لا يمكن القطع بحصوله في المقام على كل تقدير. أمّا على تقدير الاتيان بالأقل فلاحتمال دخل الأكثر في حصوله. وأمّا على تقدير
الاتيان بالأكثر فلاحتمال دخل قصد الوجه في حصوله ، فلو أتينا بالزائد عن المتيقن بقصد الأمر الجزمي فهو تشريع محرّم لا يحصل معه الغرض قطعاً ، وإن أتينا به بقصد الأمر الاحتمالي ، فلا يقطع معه بحصول الغرض ، لاحتمال اعتبار قصد الوجه في حصوله ، فإذن لا يجب علينا تحصيل القطع بتحقق الغرض ، لعدم إمكانه ، فلا يبقى في البين إلاّالحذر من العقاب وتحصيل المؤمّن منه ، وهو يحصل باتيان الأقل المعلوم وجوبه. وأمّا الأكثر فاحتمال العقاب على تركه يدفع بالأصل وقاعدة قبح العقاب بلا بيان. هذا ملخّص ما أفاده قدسسره من الجوابين.
ولا يخفى ما في كليهما. أمّا الأوّل : ففيه أنّه جدلي ، لأنّ جواز الرجوع إلى البراءة على مسلك الأشعري لا يجدي القائل ببطلانه.
وأمّا الثاني ففيه أوّلاً : أنّ ما ذكره من عدم إمكان القطع بحصول الغرض لو تمّ فانّما يتمّ في التعبديات دون التوصليات ، لعدم توقف حصول الغرض فيها على قصد الوجه قطعاً ، فيلزم القول بوجوب الاحتياط في التوصليات دون التعبديات ، وهو مقطوع البطلان ، ولم يلتزم به أحد حتّى الشيخ نفسه.
وثانياً : أنّ اعتبار قصد الوجه على القول به يختص بصورة الامكان دون ما لو لم يمكن قصد الوجه أصلاً ، لعدم المعرفة بالوجه كما في المقام ، إذ القول باعتبار قصد الوجه مطلقاً مستلزم لعدم إمكان الاحتياط في المقام ، لأنّ معنى الاحتياط هو الاتيان بما يحصل معه العلم بفراغ الذمّة. وهذا ممّا لا يمكن العلم به بناءً على اعتبار قصد الوجه مطلقاً ، إذ لايحصل العلم بالفراغ بالاتيان بالأقل ، لاحتمال وجوب الأكثر ، ولا بالاتيان بالأكثر لاحتمال اعتبار قصد الوجه ، فلا يحصل العلم بالفراغ لا بالاتيان بالأقل ولا بالاتيان بالأكثر. وهذا ممّا لم يلتزم به أحد حتّى الشيخ قدسسره نفسه ، إذ لا إشكال ولا خلاف في إمكان الاحتياط ، بل في حسنه بالاتيان بالأكثر. إنّما الكلام في وجوبه وعدمه ، والسر فيه : أنّ
قصد الوجه على القول بوجوبه يختص بصورة الامكان ، ففي مثل المقام لايكون واجباً قطعاً ، وإلاّ لزم بطلان الاحتياط رأساً.
وثالثاً : أنّ احتمال اعتبار قصد الوجه ممّا لم يدل عليه دليل وبرهان ، بل هو مقطوع البطلان على ما تقدّم بيانه في بحث التعبدي والتوصلي (1).
ورابعاً : أنّ اعتبار قصد الوجه مع عدم تمامية دليله إنّما هو في الواجبات الاستقلالية ، دون الواجبات الضمنية أي الأجزاء ، فراجع الأدلة التي ذكروها لاعتبار قصد الوجه (2).
وأجاب المحقق النائيني (3)قدسسره عن أصل الاشكال بأنّ الغرض تارةً تكون نسبته إلى الفعل المأمور به نسبة المعلول إلى علّته التامّة كالقتل بالنسبة إلى قطع الأوداج ، واخرى تكون نسبته إليه نسبة المعلول إلى العلل الاعدادية.
والفرق بينهما واضح ، فانّ الغرض على الأوّل مترتب على الفعل المأمور به بلا توسط أمر آخر خارج عن قدرة المكلف ، وعلى الثاني لا يترتب على الفعل المأمور به ، بل يتوقف على مقدّمات اخرى خارجة عن قدرة المكلف كحصول السنبل من الحبّة ، فانّ الفعل الصادر من المكلف هو الزرع والسقي ونحوهما من المقدّمات الاعدادية. وأمّا حصول السنبل فيتوقف على مقدّمات اخرى خارجة عن قدرة المكلف ، كحرراة الشمس وهبوب الريح مثلاً ، فلو علمنا بأنّ الغرض
1) [ذكر قدسسره في ذلك البحث أنّ قصد القربة ممّا يمكن أخذه في متعلق الأمر ومع الشك فيه يُنفى بالاطلاق إن كان وإلاّ فبالبراءة. وهذا الوجه يصلح لنفي اعتبار قصد الوجه أيضاً وقد استدلّ به في ص 87 من هذا الكتاب فراجع]
2) تقدّم ذكرها في ص 88
3) أجود التقريرات 3 : 501 - 503 ، فوائد الاصول 4 : 165 وما بعدها
من القسم الأوّل يجب القطع بحصوله ، بلا فرق بين أن يكون الأمر في مقام الاثبات متعلقاً بنفس الغرض أو بعلّته ، ففي مثله لو دار الأمر بين الأقل والأكثر كان مورداً للاحتياط ، فيجب الاتيان بالأكثر تحصيلاً للقطع بغرض المولى ، ولو علمنا كون الغرض من القسم الثاني فلا إشكال في أنّ حصول الغرض ليس متعلقاً للتكليف لعدم صحّة التكليف بغير المقدور ، فلا يجب على المكلف إلاّ الاتيان بما أمر به المولى وهو نفس الفعل المأمور به. وفي مثله لو دار الأمر بين الأقل والأكثر وجب الاتيان بالأقل ، للعلم بوجوبه على كل تقدير ، وكان وجوب الأكثر مورداً للأصل لعدم العلم به. وأمّا لو شككنا في ذلك ولم نعلم بأنّ الغرض من القسم الأوّل ليجب الاحتياط عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، أو من القسم الثاني ليرجع إلى أصالة البراءة عن الأكثر ، فلا مناص من الرجوع إلى الأمر ، فإن كان متعلقاً بالغرض كالأوامر المتعلقة بالطهارة من الحدث في مثل قوله تعالى : «إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (1)يستكشف منه كون الغرض مقدوراً لنا ، لأنّه لو لم يكن مقدوراً لم يأمر المولى الحكيم به ، لقبح التكليف بغير المقدور ، فيجب الاحتياط عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر تحصيلاً للعلم بغرض المولى ، وإن كان متعلقاً بفعل المأمور به كالأوامر المتعلقة بالصلاة والصوم ونحوهما ، يستكشف منه كون الغرض غير مقدور لنا ، وإلاّ كان تعلّق الأمر به أولى من تعلّقه بالمقدّمة ، فلا يجب الاحتياط عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر. والمقام من هذا القبيل ، فانّ الأمر قد تعلّق بنفس الفعل المأمور به ويستكشف منه أنّ الغرض ليس متعلقاً للتكليف ، فلا يجب علينا إلاّالاتيان بما علم تعلّق التكليف به وهو الأقل ، وأمّا الأكثر فيرجع فيه إلى الأصل.
1) المائدة 5 : 6
وفيه : ما تقدّم في بحث الصحيح والأعم (1)من أنّ المترتب على المأمور به غرضان ، أحدهما : الغرض الأقصى الذي نسبته إلى المأمور به نسبة المعلول إلى العلل الاعدادية ، فليس مقدوراً للمكلف ولا متعلقاً للتكليف. ثانيهما : الغرض الاعدادي الذي نسبته إلى الفعل المأمور به نسبة المعلول إلى علّته التامّة ، وقد يعبّر عنه في كلام بعض الأساطين (2)بسد باب العدم من ناحية هذه المقدّمة ، أي الفعل المأمور به ، فعلى القول بوجوب تحصيل الغرض يجب الاتيان بالأكثر تحصيلاً للعلم بهذا الغرض الذي تكون نسبته إلى المأمور به نسبة المعلول إلى علّته التامّة ، فكون الغرض الأقصى خارجاً عن قدرة المكلف لا يفيد في دفع الاشكال ، بعد الالتزام بوجوب الاحتياط ، فيما إذا كان الغرض مترتباً على المأمور به ترتب المعلول على العلّة التامّة ، لأنّ الغرض الاعدادي الذي نشك في حصوله باتيان الأقل يكفي لوجوب الاحتياط والاتيان بالأكثر.
والصحيح في الجواب أن يقال : إنّه إن كان الغرض بنفسه متعلقاً للتكليف كما إذا أمر المولى بقتل زيد ، ففي مثل ذلك يجب على المكلف إحراز حصوله والاتيان بما يكون محصّلاً له يقيناً. وأمّا إن كان التكليف متعلقاً بالفعل المأموربه ، فلا يجب على العبد إلاّالاتيان بما أمر به المولى ، وأمّا كون المأمور به وافياً بغرض المولى فهو من وظائف المولى ، فعليه أن يأمر العبد بما يفي بغرضه ، فلو فرض عدم تمامية البيان من قبل المولى لا يكون تفويت الغرض مستنداً إلى العبد ، فلا يكون العبد مستحقاً للعقاب.
وبالجملة : لا يزيد الغرض على أصل التكليف ، فكما أنّ التكليف الذي لم يقم عليه بيان من المولى مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، كذلك الغرض الذي لم يقم عليه بيان من المولى مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فإذا دار الأمر بين الأقل والأكثر ، فكما أنّ التكليف بالزائد على القدر المتيقن ممّا لم تقم عليه حجّة من قبل المولى ، فيكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان ، كذلك الغرض المشكوك ترتبه على الأقل أو الأكثر ، فانّه على تقدير ترتبه على الأقل كانت الحجّة عليه تامّة ، وصحّ العقاب على تفويته بترك الأقل. وعلى تقدير ترتبه على الأكثر لم تقم عليه الحجّة من قبل المولى ، وكان العقاب على تفويته بترك الأكثر عقاباً بلا بيان.
هذا كلّه بناءً على ما هو المشهور من مذهب العدلية من تبعية الأحكام للملاكات في متعلقاتها ، وأمّا على القول بكونها تابعةً للمصالح في نفسها كما مال إليه صاحب الكفاية في بعض كلماته (1)، وكما هو الحال في الأحكام الوضعية مثل الملكية والزوجية ونحوهما ، فالاشكال مندفع من أصله كما هو ظاهر.
الجهة الثانية : في جريان البراءة الشرعية وعدمه ، وملخص الكلام فيه : أنّه إن قلنا بجريان البراءة العقلية ، فلا ينبغي الاشكال في جريان البراءة الشرعية أيضاً بملاك واحد ، وهو عدم جريان الأصل في الاطلاق ، باعتبار كونه سعة على المكلف ، ولا يكون تضييقاً عليه ليشمله حديث الرفع ونحوه ، فيجري الأصل في التقييد بلا معارض ، فكما قلنا إنّ الأصل عدم التقييد بمعنى قبح العقاب عليه لعدم البيان ، كذلك نقول برفع المؤاخذة على التقييد لكونه ممّا لا يعلم ، فيشمله مثل حديث الرفع. وإن قلنا بعدم جريان البراءة العقلية وعدم
1) كفاية الاصول : 309
انحلال العلم الاجمالي ، ففي جواز الرجوع إلى البراءة الشرعية وجهان. ذهب صاحب الكفاية قدسسره (1)والمحقق النائيني قدسسره (2)إلى الأوّل.
أمّا صاحب الكفاية فذكر في وجهه أنّ عموم مثل حديث الرفع قاضٍ برفع جزئية ما شكّ في جزئيته ، فبمثله يرتفع الاجمال والتردد عمّا تردد أمره بين الأقل والأكثر ، ويعينه في الأوّل.
وأمّا المحقق النائيني قدسسره فذكر في وجهه أنّ مفاد حديث الرفع ونحوه عدم التقييد في مرحلة الظاهر ، فيثبت به الاطلاق ظاهراً ، لأنّ عدم التقييد هو عين الاطلاق ، باعتبار أنّ التقابل بينهما هو تقابل العدم والملكة ، فالاطلاق عدم التقييد في مورد كان صالحاً للتقييد ، فبضميمة مثل حديث الرفع إلى أدلة الأجزاء والشرائط يثبت الاطلاق في مرحلة الظاهر.
والتحقيق عدم صحّة التفكيك بين البراءة العقلية والشرعية ، وأ نّه على تقدير عدم جريان البراءة العقلية كما هو المفروض لا مجال لجريان البراءة الشرعية أيضاً ، وذلك لأنّ عمدة ما توهم كونه مانعاً عن جريان البراءة العقلية أمران :
الأوّل : لزوم تحصيل الغرض المردد ترتبه على الأقل والأكثر. الثاني : أنّ الأقل المعلوم وجوبه على كل تقدير هو الطبيعة المرددة بين الاطلاق والتقييد ، فكل من الاطلاق والتقييد مشكوك فيه ، فلا ينحل العلم الاجمالي لتوقفه على إثبات الاطلاق ، فما لم يثبت الاطلاق كان العلم الاجمالي باقياً على حاله. وعليه يكون الشك في سقوط التكليف باتيان الأقل لا في ثبوته ، فيكون مجرىً لقاعدة الاشتغال دون البراءة. ومن الظاهر أنّ كلاً من هذين الوجهين لو تمّ لكان مانعاً
عن الرجوع إلى البراءة الشرعية أيضاً.
أمّا الوجه الأوّل : فلأنّ الغرض الواصل بالعلم الاجمالي لو لزم تحصيله على كل تقدير كما هو المفروض ، فلا ينفع الرجوع إلى مثل حديث الرفع مع الشك في حصول الغرض باتيان الأقل ، إذ غاية ما يدل عليه حديث الرفع ونحوه من أدلة البراءة الشرعية هو رفع الجزئية عن الجزء المشكوك فيه ظاهراً ، بمعنى عدم العقاب على تركه ، ومن المعلوم أنّ رفع الجزئية عن الجزء المشكوك فيه ظاهراً لا يدل على كون الغرض مترتباً على الأقل.
وبعبارة اخرى : أصالة عدم جزئية المشكوك لا يترتب عليها كون الغرض مترتباً على الأقل ، لعدم كونه من آثاره الشرعية ، فاحراز كون الغرض مترتباً على الأقل بها مبني على القول بالأصل المثبت ولا نقول به ، فيجب الاتيان بالأكثر لاحراز حصول الغرض.
وبعبارة ثالثة : بعد الالتزام بوجوب تحصيل الغرض بحكم العقل وكون المكلف معاقباً بترك تحصيله ، لا ينفع الرجوع إلى مثل حديث الرفع ، لكونه دالاًّ على عدم العقاب بترك الجزء المشكوك فيه ، لا على رفع العقاب بترك تحصيل الغرض. نعم ، لو كان ما دلّ على رفع الجزئية من الأمارات الناظرة إلى الواقع لترتبت عليه لوازمه العقلية ، فيحكم بترتب الغرض على الأقل ، لحجّية مثبتات الأمارات دون الاصول على ما ذكر في محلّه (1)، كما أنّه لو كان دليل البراءة الشرعية وارداً في خصوص دوران الأمر بين الأقل والأكثر لزم الحكم بكفاية الأقل وترتب الغرض عليه صوناً لكلام الحكيم عن اللغوية. وأمّا إذا لم تكن أدلة البراءة من الأمارات الناظرة إلى الواقع ، بل من الاصول الناظرة إلى تعيين
1) لاحظ الجزء الثالث من هذا الكتاب ص 186
الوظيفة عند العجز عن الوصول إلى الواقع ، ولم تكن واردةً في خصوص دوران الأمر بين الأقل والأكثر كما هو المفروض ، فلا يفيد الرجوع إليها لنفي وجوب الأكثر بعد حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض وعدم العلم بترتبه على الأقل.
وأمّا الوجه الثاني : فلأنّ جريان البراءة عن الأكثر - اي عن تقييد الأقل بانضمام الأجزاء المشكوك فيها - لايثبت تعلّق التكليف بالأقل على نحو الاطلاق ، إلاّ على القول بالأصل المثبت ، لما ذكرناه مراراً (1)من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد بحسب مقام الثبوت هو تقابل التضاد ، إذ الاطلاق بحسب مقام الثبوت عبارة عن لحاظ الطبيعة بنحو السريان واللا بشرط القسمي ، والتقييد عبارة عن لحاظها بشرط شيء ، والطبيعة الملحوظة بنحو لا بشرط مضادة مع الطبيعة الملحوظة بشرط شيء ، ومع كون التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد لايمكن إثبات الاطلاق بنفي التقييد ، ومعه لاينحل العلم الاجمالي المقتضي لوجوب الاحتياط ، فلا تجري البراءة النقلية كما لا تجري البراءة العقلية. نعم ، بناءً على ما ذكرناه (2)من أنّ انحلال العلم الاجمالي لا يحتاج إلى إثبات الاطلاق بل يكفيه جريان الأصل في أحد الطرفين بلا معارض ، جرت البراءة العقلية والنقلية في المقام بملاك واحد.
فتلخص ممّا ذكرناه : عدم صحّة التفكيك بين البراءة العقلية والنقلية في المقام ، فلا بدّ من القول بجريان البراءة عقلاً ونقلاً كما اختاره شيخنا الأنصاري قدسسره وهو الصحيح على ما تقدّم بيانه ، أو الالتزام بقاعدة الاشتغال وعدم جواز الرجوع إلى البراءة العقلية والنقلية.
ذكر صاحب الكفاية (1)قدسسره في المقام إشكالاً : وهو أنّه بعد جريان البراءة الشرعية عن وجوب الأكثر كيف يمكن الالتزام بوجوب الأقل ولا دليل عليه ، فانّ الأدلة الأوّلية تدل على وجوب المركب التام ، وبعد رفع جزئية الجزء المشكوك فيه بمثل حديث الرفع لا يبقى دليل على وجوب الباقي.
وأجاب عنه : بأنّ نسبة حديث الرفع إلى أدلة الأجزاء والشرائط نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه ، فبضميمته إليها يحكم باختصاص الجزئية بغير حال الجهل.
والتحقيق : أنّ وجوب الأقل لا يحتاج إلى دليل آخر ، فانّ نفس العلم الاجمالي بوجوب الأقل المردّد بين كونه بنحو الاطلاق أو التقييد كافٍ في وجوبه ، فالاشكال المذكور وجوابه ساقط من أصله.
والظاهر واللّه العالم أنّ الاشكال المذكور نشأ من الخلط بين الجهل والنسيان والاضطرار والاكراه ، فانّه في باب الاضطرار بعد رفع جزئية بعض الأجزاء للاضطرار إلى تركه بقوله صلىاللّهعليهوآله : «وما اضطروا إليه» (2)يحتاج وجوب الباقي إلى الدليل ، لأنّ الأدلة الأوّلية إنّما دلّت على وجوب المركب التام ، وبعد رفع اليد عنها لأدلة الاضطرار لم يبق دليل على وجوب بقية الأجزاء ، وكذا الحال في باب الاكراه والنسيان.
والاشكال المذكور وارد لا مدفع له في هذه الموارد ، ولا يفيد ما ذكره صاحب الكفاية في مقام الجواب عنه من أنّ نسبة حديث الرفع إلى أدلة الأجزاء والشرائط هي نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه ، وذلك لأنّ النسبة المذكورة إنّما تتمّ بعد ما دلّ دليل على وجوب البقية ، والكلام فعلاً في وجود هذا الدليل ، ولا يمكن إثباته ، أي إثبات وجوب البقية بنفس حديث الرفع ، فانّ مفاده نفي وجوب ما اضطرّ إليه ، لا إثبات وجوب بقية الأجزاء والشرائط ، فبعد رفع اليد عن الأدلة الأوّلية الدالة على المركب التام لأجل الاضطرار لم يبق دليل على وجوب البقية.
نعم ، لو دلّ دليل خاص على وجوب البقية في مورد كما في الصلاة فانّها لا تسقط بحال ، فهو المتبّع ، أو تمّت قاعدة الميسور كبرىً وصغرى ، فيعمل بها ، وإلاّ فيشكل الحكم بوجوب البقية كما في الصوم ، فانّه بعد الافطار في بعض أجزاء اليوم لأجل الاضطرار لا دليل على وجوب الامساك في بقية أجزاء ذلك اليوم. وأوضح منه الوضوء فيما لم يكن الماء كافياً لغسل جميع الأعضاء ، فانّه لا دليل على وجوب غسل بعض الأعضاء دون بعض آخر ، وسيجيء التعرّض لتفصيل ذلك في محلّه (1)إن شاء اللّه تعالى. وقد عرفت أنّ كل ذلك أجنبي عن المقام ، لأنّ العلم الاجمالي بوجوب الأقل المردد بين كونه بنحو الاطلاق أو التقييد كافٍ في إثبات وجوبه بلا حاجة إلى دليل آخر.
بقي الكلام في الاستصحاب ، فقد تمسّك به للاشتغال مرّة وللبراءة اخرى.
أمّا التمسّك به للاشتغال فتقريبه : أنّ التكليف متعلق بما هو مردد بين الأقل والأكثر ، فالواجب مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ،
1) في التنبيه الأوّل والثالث ، ص 532 و 546
فانّ التكليف لو كان متعلقاً بالأقل ، فهو مرتفع بالاتيان به يقيناً ولو كان متعلقاً بالأكثر فهو باقٍ يقيناً ، فبعد الاتيان بالأقل نشك في سقوط التكليف المتيقن ثبوته قبل الاتيان به ، فيستصحب بقاؤه على نحو القسم الثاني من استصحاب الكلّي. وبعد جريان هذا الاستصحاب والحكم ببقاء التكليف تعبداً يحكم العقل بوجوب الاتيان بالأكثر تحصيلاً للعلم بالفراغ ، لا أنّه يترتب الحكم بوجوب الأكثر على نفس الاستصحاب حتّى يكون مثبتاً بالنسبة إليه ، بل المترتب على الاستصحاب هو الحكم ببقاء التكليف فقط ، وأمّا وجوب الاتيان بالأكثر فانّما هو بحكم العقل بعد إثبات الاشتغال وبقاء التكليف ، للملازمة بين بقاء التكليف وحكم العقل بوجوب تحصيل العلم بالفراغ. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بالاستصحاب للاشتغال.
ويرد عليه أوّلاً : أنّ جريان القسم الثاني من استصحاب الكلّي متوقف على كون الحادث مردداً بين المرتفع والباقي ، لأجل تعارض الأصل في كل منهما ، كما إذا تردد الحدث المتحقق ممّن كان متطهراً بين الأصغر والأكبر فانّ أصالة عدم تحقق الأكبر معارضة بأصالة تحقق الأصغر ، فبعد الوضوء نشك في ارتفاع الحدث المتيقن حدوثه ، لكونه مردداً بين ما هو مرتفع يقيناً وما هو باقٍ كذلك ، فيستصحب الحدث الكلّي. وأمّا فيما لم تتعارض فيه الاصول بل احرز حال الفرد الحادث بضميمة الأصل إلى الوجدان فلم يبق مجال للرجوع إلى استصحاب الكلّي ، كما إذا كان المكلف محدثاً بالأصغر ثمّ احتمل عروض الجنابة له بخروج بلل يحتمل كونه منياً ، ففي مثل ذلك لا معنى للرجوع إلى استصحاب الكلّي بعد الوضوء ، لأنّ الحدث الأصغر كان متيقناً ، إنّما الشك في انقلابه إلى الأكبر ، فتجري أصالة عدم حدوث الأكبر ، وبضم هذا الأصل إلى الوجدان يحرز الفرد الحادث وأ نّه الأصغر ، فلم يبق مجال لجريان استصحاب الكلّي.
والمقام من هذا القبيل بعينه ، فانّ وجوب الأقل هو المتيقن ، وبضميمة أصالة عدم وجوب الأكثر يحرز حال الفرد ويتعيّن في الأقل ، فلم يبق مجال لجريان استصحاب الكلّي.
وبالجملة الرجوع إلى القسم الثاني من استصحاب الكلّي إنّما هو فيما إذا كان الفرد الحادث مردداً بين المرتفع والباقي ، وأمّا لو كان أحد الفردين متيقناً والآخر مشكوكاً فيه ، فيجري الأصل فيه بلا معارض ، فلا تصل النوبة إلى استصحاب الكلّي.
وثانياً : أنّ الاستصحاب المذكور - على تقدير جريانه في نفسه - معارض باستصحاب عدم تعلّق جعل التكليف بالأكثر لو لم نقل بكونه محكوماً ، فيسقط للمعارضة أو لكونه محكوماً.
وأمّا التمسّك بالاستصحاب للبراءة فتقريبه بوجوه :
التقريب الأوّل : استصحاب عدم لحاظ الأكثر حين جعل التكليف.
وفيه أوّلاً : أنّ عدم اللّحاظ ليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي ، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه.
وثانياً : أنّ الأمر في المقام دائر بين لحاظ الأقل بشرط شيء الذي هو عبارة عن لحاظ الأكثر ، وبين لحاظ الأقل بنحو اللا بشرط القسمي ، بعد العلم الاجمالي بتحقق أحدهما لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت ، وكما أنّ لحاظ الأقل بشرط شيء مسبوق بالعدم ومشكوك الحدوث ، كذلك لحاظ الأقل بنحو اللا بشرط القسمي أيضاً مسبوق بالعدم ومشكوك الحدوث ، فجريان الاستصحاب في كل منهما معارض بجريانه في الآخر.
التقريب الثاني : استصحاب عدم الجزئية لما هو مشكوك الجزئية ، وحيث
إنّ الجزئية أمر انتزاعي تنتزع عن الأمر بالمركب ، فاستصحاب عدم الجزئية يرجع إلى استصحاب عدم تعلّق الأمر بالمركب من هذا الجزء المشكوك فيه وهو التقريب الثالث.
ويرد عليه : أنّ هذا الاستصحاب معارض بمثله حسب ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الأقل المتيقن الذي تعلّق الأمر والتكليف به أمره دائر بين الاطلاق والتقييد ، فكما أنّ تعلّق التكليف بالأقل على نحو التقييد مشكوك الحدوث ، كذلك تعلّق التكليف به على نحو الاطلاق أيضاً مشكوك الحدوث ، فاجراء الاستصحاب فيهما منافٍ للعلم الاجمالي ، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح.
فتلخّص ممّا ذكرناه : عدم صحّة التمسّك بالاستصحاب في المقام ، لا للاشتغال ولا للبراءة.
المقام الثاني : في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء التحليلية وهو على أقسام ثلاثة :
القسم الأوّل : أن يكون ما يحتمل دخله في المأمور به على نحو الشرطية موجوداً مستقلاً غاية الأمر أنّه يحتمل تقيد المأمور به به ، كما إذا احتمل اعتبار التستر في الصلاة مثلاً. والحكم في هذا القسم هو ما ذكرناه في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء الخارجية من جريان البراءة عقلاً ونقلاً ، فانّ الأقل المتيقن الذي تعلّق التكليف به أمره دائر بين الاطلاق والتقييد ، فتجري أصالة البراءة عن الاشتراط. ولا تعارضها أصالة البراءة عن الاطلاق ، لعدم كون الاطلاق ضيقاً على المكلف ، فلا يكون مورداً للبراءة في نفسه ، ويجري في المقام جميع الاشكالات المتقدمة والموانع من جريان البراءة. والجواب عنها هو ما تقدّم حرفاً بحرف ، ولا حاجة إلى الاعادة.
القسم الثاني : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب أمراً غير مستقل عنه خارجاً ، ولم يكن من مقوماته الداخلة في حقيقته ، بل كانت نسبته إليه نسبة الصفة إلى الموصوف والعارض إلى المعروض ، كما لو دار أمر الرقبة الواجب عتقها بين كونها خصوص المؤمنة أو الأعم منها ومن الكافرة. وهذا القسم كسابقه في جريان البراءة العقلية والنقلية فيه بملاك واحد ، فانّ تعلّق التكليف بالطبيعي المردد بين الاطلاق والتقييد معلوم إجمالاً ، فتجري أصالة البراءة عن التقييد بلا معارض ، ولا تعارض بأصالة البراءة عن الاطلاق ، لعدم كون الاطلاق ضيقاً وكلفة على المكلف ، ولا يكون مجرىً للأصل في نفسه كما مرّ مراراً.
واستشكل صاحب الكفاية (1)قدسسره في جريان البراءة العقلية فيه وفي سابقه بدعوى أنّ جريان البراءة في موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر مبني على انحلال العلم الاجمالي بكون الأقل متيقناً على كل تقدير ، والمقام ليس كذلك ، لأنّ وجود الطبيعي في ضمن المقيّد متحد معه بل عينه خارجاً ، ووجود الطبيعي في ضمن غيره ممّا هو فاقد للقيد مباين له ، فلا يكون هناك قدر متيقن في البين لينحل به العلم الاجمالي وتجري أصالة البراءة.
وفيه أوّلاً : أنّ الملاك في الانحلال جريان الأصل في بعض الأطراف بلا معارض كما مرّ مراراً ، والمقام كذلك ، فانّ تعلّق التكليف بطبيعي الرقبة المردد بين الاطلاق بالنسبة إلى الإيمان والكفر أو التقييد بخصوص الإيمان معلوم وهذا هو القدر المتيقن ، إنّما الشك في خصوصية الاطلاق والتقييد ، وحيث إنّ في الاطلاق توسعة على المكلف لا ضيقاً وكلفة عليه ، فلا يكون مورداً لجريان
1) كفاية الاصول : 367
الأصل في نفسه ، فتجري أصالة البراءة عن التقييد بلا معارض.
وبعبارة اخرى : المراد من كون الأقل متيقناً الموجب لانحلال العلم الاجمالي ليس هو المتيقن في مقام الامتثال ، كي يقال إنّ وجود الطبيعي في ضمن المقيّد مباين مع وجوده في ضمن غيره ، فلا يكون هناك قدر متيقن ، بل المراد هو المتيقن في مقام تعلّق التكليف وثبوته ، ولا ينبغي الاشكال في وجود القدر المتيقن في هذا المقام ، فانّ تعلّق التكليف بالطبيعي المردد بين الاطلاق والتقييد متيقن ، إنّما الشك في خصوصية الاطلاق والتقييد فتجري البراءة عن التقييد بلا معارض على ما ذكرناه مراراً.
وثانياً : أنّ هذا الاشكال لو تمّ لجرى في الشك في الجزئية أيضاً ، وذلك لأن كل واحد من الأجزاء له اعتباران : الأوّل : اعتبار الجزئية وأنّ الوجوب المتعلق بالمركب متعلق به ضمناً. الثاني : اعتبار الشرطية وأنّ سائر الأجزاء مقيّد به ، لأنّ الكلام في الأقل والأكثر الارتباطيين ، فيكون الشك في الجزئية شكاً في الشرطية بالاعتبار الثاني ، فيجري الاشكال المذكور ، فلا وجه لاختصاصه بالشك في الشرطية.
القسم الثالث : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب مقوّماً له ، بأن تكون نسبته إليه نسبة الفصل إلى الجنس ، كما إذا تردد التيمم الواجب بين تعلّقه بالتراب أو مطلق الأرض الشامل له وللرمل والحجر وغيرهما ، وكما إذا أمر المولى عبده باتيان حيوان فشكّ في أنّه أراد خصوص الفرس أو مطلق الحيوان ، ففي مثله ذهب صاحب الكفاية قدسسره والمحقق النائيني قدسسره إلى عدم جريان البراءة. أمّا صاحب الكفاية فقد تقدّم وجه إشكاله والجواب عنه ،
فلا نحتاج إلى الاعادة. وأمّا المحقق النائيني (1)قدسسره فذكر أنّ الجنس لا تحصّل له في الخارج إلاّفي ضمن الفصل ، فلا يعقل تعلّق التكليف به إلاّمع أخذه متميزاً بفصل ، فيدور أمر الجنس المتعلق للتكليف بين كونه متميزاً بفصل معيّن أو بفصلٍ ما من فصوله ، وعليه فيكون المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، لا من دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، لأنّه لا معنى للقول بأن تعلّق التكليف بالجنس متيقن ، إنّما الشك في تقيده بفصل ، بل نقول تقيّده بالفصل متيقن ، إنّما الشك والترديد في تقيّده بفصل معيّن أو فصل من فصوله ، لما ذكرناه من عدم معقولية كون الجنس متعلقاً للتكليف إلاّمع أخذه متميزاً بفصل ، فيدور الأمر بين التخيير والتعيين ، والعقل يحكم بالتعيين ، فلا مجال للرجوع إلى البراءة عن كلفة التعيين.
ثمّ إنّه قدسسره (2)قسّم دوران الأمر بين التخيير والتعيين إلى أقسام ثلاثة ، واختار في جميعها الحكم بالتعيين. وحيث إنّ التعرّض لذكر الأقسام وما لها من الأحكام ممّا تترتّب عليه فوائد كثيرة في استنباط الأحكام الشرعية ، فنحن نتبعه في ذكر الأقسام ونتكلّم في أحكامها حسب ما يساعده النظر فنقول :
القسم الأوّل : ما إذا دار الأمر بين التخيير والتعيين في مرحلة الجعل في الأحكام الواقعية ، كما إذا شككنا في أنّ صلاة الجمعة في عصر الغيبة هل هي واجب تعييني أو تخييري.
القسم الثاني : ما إذا دار الأمر بين التخيير والتعيين في مرحلة الجعل في الأحكام الظاهرية ومقام الحجّية ، كما إذا شككنا في أنّ تقليد الأعلم واجب
تعييني على العامي العاجز عن الاحتياط ، أو هو مخيّر بين تقليده وتقليد غير الأعلم.
القسم الثالث : ما إذا دار الأمر بين التخيير والتعيين في مقام الامتثال لأجل التزاحم ، بعد العلم بالتعيين في مقام الجعل ، كما إذا كان هنا غريقان يحتمل كون أحدهما بعينه نبياً مثلاً ، ولم نتمكن إلاّمن إنقاذ أحدهما ، فيدور الأمر بين وجوب إنقاذه تعييناً أو تخييراً بينه وبين الآخر ، هذه هي أقسام دوران الأمر بين التخيير والتعيين ، وقبل الشروع في بيان حكم الأقسام من البراءة أو الاحتياط لا بدّ من بيان أمرين :
الأوّل : أنّ محل الكلام إنّما هو فيما إذا لم يكن في البين أصل لفظي من الاطلاق ونحوه ، ولا استصحاب موضوعي يرتفع به الشك ، كما إذا علمنا بالتعيين ثمّ شككنا في انقلابه إلى التخيير أو بالعكس ، فانّه مع وجود أحد الأمرين يرتفع الشك فلا تصل النوبة إلى البراءة أو الاحتياط.
الثاني : أنّ محل الكلام إنّما هو فيما إذا كان الوجوب في الجملة متيقناً ودار أمره بين التخيير والتعيين ، كما في الأمثلة التي ذكرناها. وأمّا إذا لم يكن الوجوب متيقناً في الجملة ، كما إذا دار الأمر بين كون شيء واجباً تعيينياً أو واجباً تخييرياً أو مباحاً ، فلا ينبغي الشك في جواز الرجوع إلى البراءة عن الوجوب.
إذا عرفت هذين الأمرين فنقول :
أمّا القسم الأوّل فله صور ثلاث :
الصورة الاولى : أن يعلم وجوب كل من الفعلين في الجملة ، ويدور الأمر بين أن يكون الوجوب فيهما تعيينياً ليجب الاتيان بهما معاً في صورة التمكن ، أو تخييرياً ليجب الاتيان بأحدهما.
الصورة الثانية : أن يعلم وجوب فعل في الجملة ، وعلم أيضاً سقوطه عند الاتيان بفعل آخر ، ودار الأمر بين أن يكون الفعل الثاني عدلاً للواجب ، ليكون الوجوب تخييرياً بينه وبين الواجب الأوّل ، أو مسقطاً له لاشتراط التكليف بعدمه كالقراءة الواجبة في الصلاة المردّدة بين أن يكون وجوبها تعيينياً مشروطاً بعدم الائتمام ، أو يكون تخييرياً بينهما على ما مثّلوا. وفي التمثيل بها للمقام إشكال سيجيء التعرّض له قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى. وتظهر الثمرة بين الاحتمالين فيما إذا عجز المكلف عن القراءة ، فانّه على تقدير كون الوجوب تخييرياً يتعيّن عليه الائتمام ، كما هو الحال في كل واجب تخييري تعذّر عدله. وعلى تقدير كون وجوب القراءة تعيينياً مشروطاً بعدم الائتمام لا يجب عليه الائتمام.
ثمّ إنّ هاتين الصورتين على طرفي النقيض ، فانّ وجوب ما يحتمل كونه عدلاً للواجب الأوّل معلوم في الجملة في الصورة الاولى ، إنّما الشك في أنّ الاتيان به مسقط للامتثال بالواجب الأوّل أو لا. وأمّا في الصورة الثانية فالمسقطية متيقنة ، إنّما الشك في كونه عدلاً للواجب الأوّل ليكون واجباً تخييرياً ، أو أنّ عدمه شرط لوجوب الواجب (2).
1) في ص 523 - 524
2) بل هاتان الصورتان على طرفي النقيض في مراحل ثلاث : الاولى : في نفس التكليف المعلوم ، فانّ وجوب ما يحتمل كونه عدلاً للواجب الأوّل معلوم في الجملة في الصورة الاولى ، إنّما الشك في أنّ الاتيان به مسقط للواجب أم لا. وأمّا الصورة الثانية فالمسقطية متيقّنة إنّما الشك في وجوبه كما ذكر (دام ظلّه). الثانية : في ظهور الثمرة ، فانّ الثمرة في الصورة الاولى تظهر فيما إذا تمكن المكلف منهما بخلاف الصورة الثانية فانّ الثمرة فيها فيما إذا تعذّر ما علم وجوبه. الثالثة : في الحكم فانّ الحكم في الصورة الاولى هو التخيير بخلاف الصورة فانّ الحكم فيها هو التعيين وتتّضح هذه المراحل بما في المتن
الصورة الثالثة : أن يعلم وجوب فعل في الجملة ، واحتمل كون فعل آخر عدلاً له ، مع عدم إحراز وجوبه ولا كونه مسقطاً ، كما إذا علمنا بوجوب الصيام في يوم ، واحتملنا أن يكون إطعام عشرة مساكين عدلاً له في تعلّق الوجوب التخييري بهما ، هذه هي الصور الثلاث.
أمّا الصورة الاولى : فلا أثر للشك فيها فيما إذا لم يتمكن المكلف إلاّمن أحد الفعلين ، ضرورة وجوب الاتيان به حينئذ إمّا لكونه واجباً تعيينياً أو عدلاً لواجب تخييري متعذِّر. وبعبارة اخرى : يعلم كونه واجباً تعيينياً فعلاً غاية الأمر لا يعلم أنّه تعييني بالذات أو تعييني بالعرض لأجل تعذّر عدله ، وإنّما تظهر الثمرة فيما إذا تمكن المكلف من الاتيان بهما معاً ، فيدور الأمر بين وجوب الاتيان بهما وجواز الاقتصار على أحدهما. والتحقيق هو الحكم بالتخيير وجواز الاكتفاء بأحدهما ، لأنّ تعلّق التكليف بالجامع بينهما متيقن ، وتعلّقه بخصوص كل منهما مجهول مورد لجريان البراءة بلا مانع.
وأمّا الصورة الثانية : فقد عرفت أنّه لا ثمرة فيها في كون الوجوب تعيينياً أو تخييرياً ، إلاّفيما إذا تعذّر ما علم وجوبه في الجملة ، فانّه على تقدير كون وجوبه تخييرياً ، يجب عليه الاتيان بالطرف الآخر المعلوم كونه مسقطاً للواجب ، وعلى تقدير كون وجوبه تعيينياً لا شيء عليه ، فالشك في التعيين والتخيير في هذه الصورة يرجع إلى الشك في وجوب ما يحتمل كونه عدلاً للواجب عند تعذّره وهو مورد للبراءة ، فتكون النتيجة في هذه الصورة هي نتيجة التعيين دون التخيير.
ثمّ إنّ المحقق النائيني (1)قدسسره استدلّ على كون الوجوب تعيينياً في خصوص مسألة القراءة والائتمام التي ذكروها مثالاً لهذه الصورة بما ورد عن النبي صلىاللّهعليهوآله من «أنّ سين بلال عند اللّه شين» (2)بتقريب أنّ الائتمام لو كان عدلاً للقراءة لوجب عليه الائتمام على تقدير التمكن منه ، وعدم جواز الاكتفاء بالسين بدلاً عن الشين.
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بالارسال فلا يصحّ الاستدلال بها.
وثانياً : أنّ ما يتحمّله الإمام عن المأموم هي القراءة ، وليس فيها حرف الشين ليتعين الائتمام عند تعذّر التلفظ به على تقدير كون الوجوب تخييرياً ، فأمر بلال دائر بين ترك الصلاة رأساً والاكتفاء بالسين بدلاً عن الشين في التشهد الذي لا فرق فيه بين الاتيان بالصلاة فرادىً أو جماعة ، لعدم قدرته على التلفظ بالشين. والتكليف بغير المقدور قبيح يستحيل صدوره من الحكيم تعالى فقال النبي صلىاللّهعليهوآله - على تقدير صحّة الرواية - إنّ تكليفه الاكتفاء بالسين لا ترك الصلاة رأساً.
وهذا ممّا لا يرتبط بالمقام أصلاً ، ولو كان الاستدلال المذكور مبنياً على أنّ قوله صلىاللّهعليهوآله : «إنّ سين بلال شين» يدل على أنّ التلفظ بالحروف غلطاً يكفي عن التلفظ بها صحيحاً عند التعذّر حتّى في القراءة ، فلا يجب الائتمام فيستكشف منه عدم كونه عدلاً للقراءة ، فيردّه : أنّ هذا خروج عن مفاد النص ، فانّ مفاده الاكتفاء بالسين بدلاً عن الشين لا الاكتفاء بكل لفظ عن الآخر.
وثالثاً : أنّ التمثيل بمسألة القراءة والائتمام للمقام غير صحيح ، لأنّ المكلف مكلف بطبيعي الصلاة ، وله أن يوجده في ضمن أيّ فرد من أفراده ، فهو مخيّر بين الاتيان بالصلاة فرادى فتجب عليه القراءة ، والاتيان بها جماعة فيتحملها الإمام عنه ، فليس هناك ترديد ودوران بين التخيير والتعيين ، بل التخيير بين هذين الفردين من الكلّي ثابت ومعلوم ، مع كون أحدهما أفضل من الآخر كالتخيير في سائر الجهات والخصوصيات المتفاوتة في الفضيلة أو في بعض الأحكام ، فانّ المكلف مخيّر بين الاتيان بالصلاة في البيت والاتيان بها في المسجد ، مع التفاوت بينهما في الفضيلة. وعليه فلو تعذّر الاتيان بفرد لا إشكال في وجوب الاتيان بفرد آخر ، فانّه لا ريب في تعيّن الاتيان بالصلاة في البيت على تقدير تعذّر الاتيان بها في المسجد وبالعكس ، ففي المقام لا ينبغي الاشكال في وجوب الاتيان بالصلاة جماعةً على تقدير تعذّر الاتيان بها فرادىً ، لعدم القدرة على القراءة. هذا ما تقتضيه القاعدة ، إلاّ أنّه وردت نصوص كثيرة (1)تدل على جواز الاكتفاء بما يحسنه من القراءة عند تعذّر الجميع ، وإلاّ فيكتفي بما تيسّر له من القرآن ، ولولا هذه النصوص لكان مقتضى القاعدة هو وجوب الائتمام على من لم يتمكن من القراءة الصحيحة.
وأمّا الصورة الثالثة : فذهب جماعة من المحققين إلى أنّ المرجع فيها أصالة الاشتغال والحكم بالتعيين ، واستدلّ عليه بوجوه :
الوجه الأوّل : ما ذكره صاحب الكفاية قدسسره (2)من أنّ دوران
الأمر بين التعيين والتخيير إن كان من جهة احتمال أخذ شيء شرطاً للواجب ، فيحكم فيه بالتخيير ، لأنّ الشرطية أمر قابل للوضع والرفع ، فيشملها حديث الرفع عند الشك فيها. وأمّا إن كان الدوران بينهما من جهة احتمال دخل خصوصية ذاتية في الواجب - كما في المقام - لا يمكن الرجوع فيه إلى أدلة البراءة ، لأنّ الخصوصية إنّما تكون منتزعة من نفس الخاص ، فلا تكون قابلة للوضع والرفع فلايمكن الرجوع عند الشك فيها إلى أدلة البراءة ، فلا مناص من الحكم بالاشتغال والالتزام بالتعيين في مقام الامتثال.
وفيه : أنّ الخصوصية وإن كانت منتزعة من نفس الخاص وغير قابلة للوضع والرفع ، إلاّأنّ اعتبارها في المأمور به قابل لهما ، فإذا شكّ في ذلك كان المرجع هو البراءة.
الوجه الثاني : ما ذكره المحقق النائيني (1)قدسسره وهو أنّ الشك في المقام شك في حصول الامتثال بعد العلم بثبوت التكليف ، فيكون المرجع قاعدة الاشتغال والحكم بالتعيين ، فإذا دار الأمر في كفّارة تعمّد الافطار مثلاً بين خصوص صيام شهرين وبين الأعم منه ومن إطعام ستّين مسكيناً ، كان الصيام مفرّغاً للذمّة يقيناً ، وأمّا الاطعام فسقوط التكليف المعلوم به مشكوك فيه ، فلا يجوز الاكتفاء به في مقام الامتثال بحكم العقل.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ التخيير المحتمل في المقام إمّا أن يكون تخييراً عقلياً ، كما إذا دار الأمر بين تعلّق التكليف بحصّة خاصّة أو بالجامع العرفي بينها وبين غيرها من سائر حصص الجامع. وإمّا أن يكون تخييراً شرعياً ، كما إذا
1) أجود التقريرات 3 : 374 ، فوائد الاصول 3 : 428
كان ما يحتمل وجوبه مبايناً في الماهية لما علم وجوبه في الجملة ولم يكن بينهما جامع عرفي ، نظير ما تقدّم من المثال في كفّارة تعمّد الافطار. وقد ذكر في محلّه (1)أنّ الوجوب التخييري في هذا القسم يتعلّق بالجامع الانتزاعي المعبّر عنه بأحد الشيئين أو أحد الأشياء.
أمّا في موارد احتمال التخيير العقلي ، فتعلّق التكليف بالجامع معلوم ، وإنّما الشك في كونه مأخوذاً في متعلق التكليف على نحو الاطلاق واللا بشرط ، أو على نحو التقييد وبشرط شيء ، إذ لا يتصور الاهمال بحسب مقام الثبوت ، والاطلاق والتقييد وإن كانا متقابلين ولم يكن شيء منهما متيقناً ، إلاّ أنّك قد عرفت سابقاً (2)أنّ انحلال العلم الاجمالي غير متوقف على تيقن بعض الأطراف ، بل يكفي فيه جريان الأصل في بعض الأطراف بلا معارض. وقد سبق أنّ جريان أصالة البراءة العقلية والنقلية في جانب التقييد غير معارض بجريانها في طرف الاطلاق ، فإذا ثبت عدم التقييد ظاهراً لأدلة البراءة لا يبقى مجال لدعوى رجوع الشك إلى الشك في الامتثال ، ليكون المرجع قاعدة الاشتغال ، فانّ الشك في الامتثال منشؤه الشك في إطلاق الواجب وتقيده ، فإذا ارتفع احتمال التقيد بالأصل يرتفع الشك في الامتثال أيضاً.
ومن ذلك يظهر الحال في موارد احتمال التخيير الشرعي ، وأنّ الحكم فيه أيضاً هو التخيير ، لأنّ تعلّق التكليف بعنوان أحد الشيئين في الجملة معلوم ، وإنّما الشك في الاطلاق والتقييد فتجري أصالة البراءة عن التقييد ، وبضم الأصل إلى الوجدان يحكم بالتخيير.
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني (1)قدسسره أيضاً : وهو أنّ الوجوب التخييري يحتاج إلى مؤونة زائدة في مقامي الثبوت والاثبات. أمّا في مقام الثبوت فلاحتياجه إلى ملاحظة العدل ، وتعليق التكليف بالجامع بينه وبين الطرف الآخر. وأمّا في مقام الاثبات فلاحتياجه إلى ذكر العدل وبيانه ، فما لم تقم الحجّة على المؤونة الزائدة يحكم بعدمها ، فيثبت الوجوب التعييني.
وفيه أوّلاً : أنّا لا نسلّم أنّ الوجوب التخييري بحسب مقام الثبوت يحتاج إلى مؤونة زائدة بنحو الاطلاق ، أي سواء كان التخيير المحتمل تخييراً عقلياً أو تخييراً شرعياً ، فانّ التخيير العقلي يحتاج إلى لحاظ الجامع فقط ، كما أنّ الوجوب التعييني يحتاج إلى لحاظ الواجب الخاص فقط ، فليس هناك مؤونة زائدة في الوجوب التخييري. نعم ، فيما كان التخيير المحتمل تخييراً شرعياً يحتاج إلى مؤونة زائدة ، لأنّ الجامع في التخيير الشرعي هو عنوان أحد الشيئين كما تقدّم ، ومن الواضح أنّ لحاظ أحد الشيئين يحتاج إلى لحاظ نفس الشيئين فيكون الوجوب التخييري محتاجاً إلى مؤونة زائدة بالنسبة إلى الوجوب التعييني.
وثانياً : أنّ مرجع ما ذكره إلى استصحاب عدم لحاظ العدل ، وإثبات الوجوب التعييني به متوقف على القول بالأصل المثبت ولا نقول به. مضافاً إلى كونه معارضاً باستصحاب عدم لحاظ الطرف الآخر بالخصوص على ما سيجيء التعرّض له في الجواب عن الوجه الرابع إن شاء اللّه تعالى. هذا كلّه فيما ذكره بحسب مقام الثبوت.
وأمّا ما ذكره من أنّ الوجوب التخييري يحتاج إلى مؤونة زائدة في مقام
1) أجود التقريرات 3 : 372 و 373 ، فوائد الاصول 3 : 427 و 428
الاثبات ، فهو إنّما يتم فيما إذا دلّ دليل لفظي على وجوب شيء من دون ذكر عدل له ، فيتمسك باطلاقه لاثبات كون الوجوب تعيينياً. وأمّا فيما إذا لم يكن هناك دليل لفظي كما هو المفروض في المقام ، إذ محلّ كلامنا عدم وجود دليل لفظي والبحث عن مقتضى الاصول العملية وقد أشرنا إلى ذلك في أوّل بحث دوران الأمر بين التعيين والتخيير (1)، فلا يترتب عليه الحكم بالوجوب التعييني في المقام بل لا ارتباط له بمحل البحث أصلاً.
الوجه الرابع : ما ذكره بعضهم من التمسّك بأصالة عدم وجوب ما يحتمل كونه عدلاً لما علم وجوبه في الجملة ، وبضم هذا الأصل إلى العلم المذكور يثبت الوجوب التعييني.
وفيه : أنّه إن اريد بالأصل المذكور أصالة البراءة العقلية بمعنى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فمن الظاهر أنّه غير جارٍ في المقام ، إذ لا يحتمل العقاب على ترك خصوص ما احتمل كونه عدلاً للواجب في الجملة. وأمّا الجامع بينهما فاستحقاق العقاب على تركه معلوم ، فلا معنى للرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وإن اريد به البراءة الشرعية ، فهو أيضاً غير تام ، لأنّ تعلّق التكليف بالجامع معلوم على الفرض ، وتعلّقه بخصوص ما يحتمل كونه عدلاً غير محتمل ، فلا معنى لجريان البراءة فيهما. وأمّا جريان البراءة في جعل العدل لما علم وجوبه في الجملة ، فهو راجع إلى جريان البراءة عن الاطلاق ، ومن الواضح عدم جريانها ،
1) في ص 520
لما تقدّم (1)من أنّ الاطلاق توسعة لا منّة في رفعه فلا يكون مشمولاً لأدلة البراءة الشرعية.
وإن اريد به استصحاب عدم جعل العدل للواجب المعلوم في الجملة ، ففيه أوّلاً : انّه معارض باستصحاب عدم جعل الوجوب التعييني لما يحتمل وجوبه تعييناً. وثانياً : أنّه لا يثبت الوجوب التعييني بالاستصحاب المذكور إلاّعلى القول بالأصل المثبت ولا نقول به.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّه لا وجه للقول بالتعيين في هذا القسم من دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، وأنّ المرجع هو البراءة عن وجوب الاتيان بخصوص ما يحتمل كونه واجباً تعييناً ، فتكون النتيجة هي الحكم بالتخيير.
ثمّ إنّ الحكم بالتخيير إنّما يتم فيما إذا كان المكلف متمكناً من الاتيان بما يحتمل كونه واجباً تعيينياً ، ليدور أمر الوجوب الفعلي الثابت في الجملة بين التعيين والتخيير. وأمّا إذا لم يتمكن من ذلك فالشك في كون الوجوب المجعول تعيينياً أو تخييرياً يرجع إلى الشك في تعلّق الوجوب الفعلي بما يحتمل كونه عدلاً ، ولا يحكم حينئذ بالتخيير ليترتب عليه الوجوب المذكور ، بل يرجع إلى أصالة البراءة عنه ، لأنّه مجهول وكان العقاب على مخالفته عقاباً بلا بيان ، هذا كلّه في القسم الأوّل من دوران الأمر بين التخيير والتعيين.
وأمّا القسم الثاني : وهو دوران الأمر بين التخيير والتعيين في الحجّية ، فيحكم فيه بالتعيين ، لأنّ ما علم بحجّيته المرددة بين كونها تعيينية أو تخييرية قاطع
1) في ص 508
للعذر في مقام الامتثال ومبرئ للذمّة بحسب مقام الظاهر يقيناً ، وأمّا الطرف الآخر المحتمل كونه حجّة على نحو التخيير ، فهو محكوم بعدم الحجّية عقلاً وشرعاً ، لما عرفت في أوّل بحث حجّية الظن (1)من أنّ الشك في الحجّية بحسب مقام الجعل مساوق للقطع بعدم الحجّية الفعلية ، فكل ما شكّ في حجّيته لشبهة حكمية أو موضوعية لا يصحّ الاعتماد عليه في مقام العمل ، ولا يصح إسناد مؤداه إلى المولى في مقام الافتاء ، فتكون النتيجة هي الحكم بالتعيين.
وأمّا القسم الثالث : وهو ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال لأجل التزاحم ، فالحق فيه أيضاً هو الحكم بالتعيين ، وتحقيق ذلك يستدعي ذكر أمرين :
الأوّل : أنّ التزاحم في مقام الامتثال يوجب سقوط أحد التكليفين عن الفعلية لعجز المكلف عن امتثالهما ، ويبقى الملاكان في كلا الحكمين على حالهما ، إذ المفروض أنّ عجز المكلف هو الذي أوجب رفع اليد عن أحد الحكمين في ظرف امتثال الآخر ، وإلاّ كان الواجب عليه امتثالهما معاً لتمامية الملاك فيهما.
الثاني : أنّ تفويت الملاك الملزم بعد إحرازه بمنزلة مخالفة التكليف الواصل في القبح واستحقاق العقاب بحكم العقل ، ولا يرتفع قبحه إلاّبعجز المكلف تكويناً أو تشريعاً ، كما إذا أمره المولى بما لا يجتمع معه في الخارج ، فما لم يتحقق أحد الأمرين يحكم العقل بقبح التفويت واستحقاق العقاب عليه.
إذا عرفت هذين الأمرين فنقول : إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين معلوم الأهمّية فلا محالة يكون التكليف الفعلي متعلقاً به بحكم العقل ، والملاك في الطرف الآخر وإن كان ملزماً في نفسه ، إلاّأنّ تفويته مستند إلى عجزه تشريعاً ، لأنّ
1) في ص 128
المولى أمره بصرف القدرة في امتثال الأهم ، فيكون معذوراً في تفويته. نعم ، لو عصى التكليف بالأهم كان مكلفاً بالمهم بناءً على ما ذكرناه في محلّه من إمكان التكليف بالضدّين على نحو الترتب (1).
وإذا كان الواجبان المتزاحمان متساويين من حيث الملاك ، فلا يعقل تعلّق التكليف الفعلي المطلق بخصوص أحدهما دون الآخر ، لقبح الترجيح بلا مرجح ، فلا مناص من الالتزام بتعلّق التكليف بكل منهما مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر أو بهما معاً على نحو التخيير على الخلاف المذكور في شرح الواجب التخييري (2). وعلى كل تقدير لا إشكال في جواز الاكتفاء بأحدهما عن الآخر لعدم قدرته على أزيد من ذلك في تحصيل غرض المولى ، وأمّا إذا كان أحدهما محتمل الأهمّية فلا إشكال في جواز الاتيان به وتفويت الملاك في الآخر ، لدوران الأمر بين كونه واجباً متعيناً في مقام الامتثال ، أو مخيراً بينه وبين الطرف الآخر. وعلى كل تقدير كان الاتيان به خالياً عن المحذور. وأمّا الاتيان بالطرف الآخر وتفويت الملاك الذي احتمل أهمّيته فلم يثبت جوازه ، فانّه متوقف على عجز المكلف عن تحصيله تكويناً أو تشريعاً ، والمفروض قدرته عليه تكويناً وهو واضح ، وتشريعاً لعدم أمر المولى باتيان خصوص الطرف الآخر ليوجب عجزه عن تحصيل الملاك الذي احتمل أهمّيته ، فلا يجوز تفويته وإلاّ لاستحقّ العقاب عليه بحكم العقل.
وممّا ذكرناه ظهر الفرق بين هذا القسم والقسم الأوّل ، فانّ الشك في التخيير
والتعيين في القسم الأوّل إنّما كان ناشئاً من الشك في كيفية الجعل والجهل بمقتضى التكليف وبما يفي بغرض المولى ، فلا مانع فيه من الرجوع إلى البراءة عن التكليف الزائد على القدر المتيقن ، بخلاف الشك في هذا القسم ، فانّه ناشئ من التزاحم وعدم القدرة على الامتثال ، بعد العلم بمتعلق التكليف وباشتمال كل من الواجبين على الملاك الملزم ، فلا مناص فيه من القول بالاشتغال تحصيلاً للفراغ اليقيني والأمن من العقوبة على كل تقدير.
أنّه إذا ثبت كون شيء جزءاً للمأمور به أو شرطاً له في الجملة ودار الأمر بين كون الجزئية أو الشرطية مطلقة ليبطل العمل بفقدانه ولو في حال النسيان ، أو مختصّة بحال الذكر ليختصّ البطلان بتركه عمداً ، فهل القاعدة تقتضي الاطلاق ما لم يثبت التقييد بالدليل ، أو تقتضي الاختصاص بحال الذكر ما لم يثبت الاطلاق بدليل خاص؟ وجهان.
وتحقيق ذلك يقتضي البحث عن إمكان تكليف الناسي بغير ما نسيه من الأجزاء والشرائط واستحالته ، فإذا ثبتت صحّة العمل الفاقد لبعض الأجزاء والشرائط نسياناً ، كما في الصلاة إن كان المنسي من غير الأركان ، فهل يكون الحكم بالصحّة لأجل انطباق المأمور به على هذا العمل لاختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر ، أو لوفاء المأتي به بالملاك الملزم وسقوط الأمر باستيفاء ملاكه. وهذا البحث وإن لم تترتب عليه ثمرة في الفرض المذكور ، أي فيما ثبتت صحّة العمل الفاقد بالدليل ، إلاّ أنّه يترتب الأثر فيما لم تثبت صحّة العمل بالدليل
باعتبار جريان الأصل العملي كما ستعرفه (1)إن شاء اللّه تعالى.
فذهب جماعة إلى استحالة توجيه التكليف إلى الناسي ، وأنّ الصحّة في الفرض المذكور إنّما هي للوفاء بالملاك لا لانطباق المأتي به على المأمور به ، نظراً إلى أنّ الناسي إن التفت إلى كونه ناسياً انقلب إلى الذاكر ، فلا يكون الحكم الثابت لعنوان الناسي فعلياً في حقّه ، وإن لم يلتفت إلى نسيانه ، فلا يعقل انبعاثه عنه ، وما لم يمكن الانبعاث لم يمكن البعث بالضرورة ، فعلى تقديري الالتفات وعدمه يستحيل فعلية التكليف في حقّه ، ومع استحالة الفعلية يمتنع الجعل بالضرورة.
واختار صاحب الكفاية (2)قدسسره إمكان ذلك بوجهين :
الوجه الأوّل : أن يوجّه الخطاب إلى الناسي لا بعنوانه ، بل بعنوان آخر ملازم له واقعاً ، وإن لم يكن الناسي ملتفتاً إلى الملازمة ليعود المحذور.
وفيه : أنّ هذا مجرد فرض وهمي لا واقع له ، ولا سيّما أنّ النسيان ليس له ميزان مضبوط ليفرض له عنوان ملازم ، فانّه يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ، واختلاف متعلقه من الأجزاء والشرائط ، فكيف يمكن فرض عنوان يكون ملازماً للنسيان أينما تحقق ولا سيّما إذا اعتبر فيه عدم كون الناسي ملتفتاً إلى الملازمة بينهما.
الوجه الثاني : أنّ يوجّه التكليف إلى عامّة المكلفين بما يتقوّم به العمل ثمّ يكلف خصوص الذاكر ببقية الأجزاء والشرائط ، فتختص جزئيتها وشرطيتها بحال الذكر.
وهذا الوجه ممّا لا بأس به في مقام الثبوت ، إلاّ أنّه يحتاج في مقام الاثبات إلى الدليل ، وقد ثبت ذلك في الصلاة ، فانّ الأمر بالأركان فيها مطلق بالنسبة إلى عامّة المكلفين ، وأمّا بقية الأجزاء والشرائط فالأمر بها مختص بحال الذكر بمقتضى حديث «لا تعاد الصلاة إلاّمن خمسة» (1)وغيره من النصوص الواردة في موارد خاصّة. وعليه فالناسي وإن كان غير ملتفت إلى نسيانه إلاّ أنّه ملتفت إلى أنّ ما يأتي به هو المأمور به ، فيأتي به بما أنّه المأمور به غاية الأمر أنّه يتخيّل أنّ ما يأتي به مماثل لما يأتي به غيره من الذاكرين ، وأنّ الأمر المتوجه إليه هو الأمر المتوجه إليهم. وهذا التخيّل ممّا لا يضر بصحّة العمل بعد وجود الأمر الفعلي في حقّه ومطابقة المأتي به للمأمور به ، وإن لم يكن الناسي ملتفتاً إلى كيفية الأمر. ولعل هذا هو مراد الشيخ (2)قدسسره فيما أفاده في المقام من إمكان توجيه الخطاب إلى الناسي والحكم بصحّة عمله ، وإن كان مخطئاً في التطبيق ، فلا يرد عليه ما ذكره المحقق النائيني (3)قدسسره من أنّ الخطأ في التطبيق إنّما يعقل فيما إذا أمكن جعل كل من الحكمين في نفسه ، وكان الواقع أحدهما وتخيّل المكلف أنّه الآخر ، كما إذا أتى المكلف بعمل باعتقاد أنّه واجب فبان كونه مستحباً أو بالعكس. وهذا بخلاف المقام لأنّ تكليف الناسي مستحيل في مقام الثبوت ، فكيف يمكن إدراجه في كبرى الخطأ في التطبيق. فتحصّل : أنّ الصحيح إمكان توجيه التكليف إلى الناسي في مقام الثبوت وإثباته يحتاج إلى دليل.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى أصل البحث ونقول : إنّ الكلام تارةً يكون فيما
تقتضيه الاصول اللفظية. واخرى فيما تقتضيه الاصول العملية ، فيقع الكلام في مقامين :
أمّا المقام الأوّل فملخص الكلام فيه : أنّ دليل الجزئية أو الشرطية إمّا أن يكون له إطلاق يشمل حال النسيان أيضاً ، كقوله عليهالسلام : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (1)وقوله عليهالسلام : «لا صلاة لمن لم يقم صلبه» (2)أو لايكون له إطلاق ، كما في الاستقرار المعتبر في الصلاة ، فانّ عمدة دليله الاجماع ، وهو دليل لبّي لا إطلاق له ، والقدر المتيقن منه حال الذكر والالتفات. وعلى كل من التقديرين إمّا أن يكون لدليل أصل الواجب كالصلاة إطلاق يشمل جميع الحالات ، أو لا يكون له إطلاق ، هذه هي صور أربع :
الصورة الاولى : ما إذا كان لكل من دليل الجزئية أو الشرطية ودليل أصل الواجب إطلاق ، وحكمها أنّه يتقدّم إطلاق دليل الجزئية على إطلاق دليل الواجب ، ويحكم بالجزئية أو الشرطية المطلقة الشاملة لجميع الحالات ، وذلك لأنّ إطلاق دليل المقيد يتقدّم على إطلاق دليل المطلق على ما ذكر في محلّه (3). وفيها لا مجال للرجوع إلى البراءة ورفع الجزئية أو الشرطية في حال النسيان ، إذ الاطلاق دليل لا يمكن معه الرجوع إلى الأصل كما هو ظاهر. ويعلم منه حكم :
الصورة الثانية : وهي ما إذا كان لدليل الجزئية أو الشرطية إطلاق فقط ، من دون أن يكون لدليل الواجب إطلاق ، فانّه يؤخذ باطلاق دليل الجزئية أو الشرطية ويحكم بالجزئية المطلقة أو الشرطية المطلقة الشاملة لجميع الحالات
بلا شبهة وإشكال.
وتوهّم أنّه لا يعقل الاطلاق في دليل الجزئية أو الشرطية لأنّهما تنتزعان من الأمر بالمركب والأمر بالمقيد ، ومن الظاهر أنّ الأمر بما هو مركب من المنسي أو مقيّد به مستحيل ، لأنّه تكليف بغير المقدور ، فلا يعقل الجزئية أو الشرطية المطلقة مدفوع بأ نّه ليس المراد باطلاق دليل الجزئية أو الشرطية ثبوت الجزئية والشرطية حال النسيان ليقال إنّه مستحيل ، بل المراد ثبوتهما في جميع حالات الأمر بالمركب والمقيّد ، ولازم الاطلاق المذكور سقوط الأمر بالمركب أو المقيد عند نسيان الجزء أو الشرط لا ثبوته متعلقاً بما يشتمل على المنسي من الجزء أو الشرط ، فيكون العمل الفاقد لبعض الأجزاء أو الشرائط حال النسيان باطلاً من هذه الجهة.
إن قلت : إنّ حديث الرفع رافع لجزئية المنسي أو شرطيته ، لما عرفت سابقاً (1)من أنّ الرفع بالاضافة إلى غير ما لا يعلمون واقعي ، فيكون الحديث حاكماً على إطلاقات الأدلة المثبتة للأحكام في ظرف الخطأ والنسيان وغيرهما ممّا هو في الحديث الشريف ، وبذلك تثبت صحّة العمل المأتي به حال النسيان ، وكونه مطابقاً لما امر به فعلاً. نعم ، الرفع بالنسبة إلى ما لايعلمون ظاهري بشهادة نفس ما لا يعلمون ، فانّه يدل على أنّ هناك شيئاً لا يعلمه المكلف ، فرفع عنه ظاهراً لجهله به.
قلت : رفع الخطأ والنسيان لا يترتب عليه فيما نحن فيه إلاّنفي الالزام عن المركب من المنسي أو المقيد به ، ضرورة أنّ نفي الجزئية أو الشرطية لا يكون إلاّ برفع منشأ انتزاعهما من الأمر بالمركب أو المقيّد ، ولا يترتب عليه ثبوت الأمر
1) في ص 307
بغير المنسي كما هو المدعى. مضافاً إلى ما ذكرناه عند البحث عن حديث الرفع من أنّ نسيان جزء أو شرط في فرد من أفراد الواجب لا يكون مشمولاً لحديث الرفع أصلاً فراجع (1). وممّا ذكرناه ظهر الحال فيما إذا اكره أو اضطر إلى ترك جزء أو شرط ، فانّه يوجب سقوط الأمر بالمركب أو المقيد في ظرف الاكراه أو الاضطرار ، لا الأمر ببقية الأجزاء والشرائط ممّا لا يكون مكرهاً أو مضطراً إلى تركه. هذا فيما إذا لم يدل دليل بالخصوص ، وإلاّ فلا إشكال في عدم سقوط الأمر ووجوب الاتيان بما يتمكن منه ، كما في باب الصلاة على ما يأتي الكلام فيه مفصلاً (2)إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا لم يكن لدليل الجزئية أو الشرطية إطلاق وكان لدليل الواجب إطلاق ، فيؤخذ به ويحكم بصحّة العمل الفاقد للجزء أو الشرط المنسي ، والوجه فيه ظاهر.
وأمّا الصورة الرابعة : وهي ما إذا لم يكن لدليل الجزئية أو الشرطية إطلاق ، ولا لدليل الواجب إطلاق ، فتصل النوبة فيها إلى البحث عن الاصول العملية.
ويقع الكلام فيها في المقام الثاني.
ثمّ إنّه قد يقال بأن كل ما ثبتت جزئيته أو شرطيته بورود الأمر به بنفسه ، فلا إطلاق له ليشمل حال النسيان ، لاشتراط التكليف بالقدرة والمنسي غير مقدور ، فلو كان لدليل الواجب إطلاق حينئذ يرجع إليه لاثبات التكليف بغير المنسي من الأجزاء والشرائط.
وفيه : ما ذكرناه في محلّه (1)من أنّ الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط ليست أوامر مولوية ، بل هي إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية حسب اختلاف المقامات ، كما أنّ النهي عن الاتيان بشيء في الواجب إرشاد إلى المانعية لا زجر مولوي عنه ، وعليه فلا مانع من التمسك باطلاق الأمر المتعلق بالجزء أو الشرط لاثبات الجزئية أو الشرطية المطلقة ، فتكون النتيجة سقوط الأمر بالمركب أو المقيد عند نسيان الجزء أو الشرط على ما تقدّم بيانه.
المقام الثاني : فيما إذا لم يكن لدليل الجزئية أو الشرطية إطلاق ولا لدليل الواجب إطلاق ، فلا بدّ فيه من البحث عن مقتضى الاصول العملية ، وتحقيق الكلام في هذا المقام يقتضي البحث في موردين : المورد الأوّل : ما إذا لم يتمكن المكلف من الاتيان بالعمل مستجمعاً لجميع الأجزاء والشرائط بعد نسيان جزء أو شرط منه. المورد الثاني : ما إذا تمكن من ذلك.
أمّا المورد الأوّل : فالشك في الجزئية أو الشرطية المطلقة فيه ملازم للشك في وجوب غير المنسي من الأجزاء والشرائط ، فانّه إذا أمر المولى عبده بالوقوف في يوم معيّن من طلوع الشمس إلى الزوال مثلاً ، ونسي المكلف فلم يقف ساعة من أوّل النهار ، وشكّ في أنّ جزئية الوقوف في هذه الساعة مطلقة ليترتب عليها سقوط الأمر بالوقوف في الساعات المتأخرة أو أنّها مقيّدة بحال الذكر ليكون الأمر متعلقاً بالوقوف في الساعات المتأخرة ، فلا محالة يكون الشك في الاطلاق والتقييد شكاً في التكليف بغير المنسي من الأجزاء والشرائط فيكون المرجع هو البراءة ، ويحكم بعدم وجوب الاتيان بغير المنسي من الأجزاء والشرائط. وهذا واضح.
1) محاضرات في اصول الفقه 3 : 350 - 351
وأمّا المورد الثاني : فيكون الشك في إطلاق الجزئية أو الشرطية أو تقييدهما بحال الذكر شكاً في جواز الاكتفاء بما أتى به من الأجزاء والشرائط وعدمه ، فانّه إذا نسي المكلف جزءاً من الصلاة وتذكر بعد تجاوز محلّه ، فان كانت الجزئية مطلقة لزمه إعادتها والاتيان بها مستجمعةً لجميع الأجزاء والشرائط.
وإن كانت الجزئية مقيّدة بحال الذكر اكتفى بما أتى به ، ولا تجب عليه الاعادة ، لأنّ العمل المأتي به حينئذ لم يكن فاقداً لشيء من الأجزاء والشرائط ، فينطبق المأمور به على المأتي به. وعليه فيكون المرجع أيضاً هو البراءة عن وجوب الجزء أو الشرط حال النسيان ، بعد ما عرفت (1)من إمكان تكليف الناسي بغير ما نسيه من الأجزاء والشرائط.
وبعبارة اخرى : بعد العلم بوجوب الصلاة وبجزئية التشهد مثلاً المرددة بين الاطلاق والتقييد بحال الذكر ، تردد الواجب بين خصوص المشتمل على التشهّد أو الجامع بينه وبين الفاقد له حال النسيان ، فيكون القدر الجامع معلوماً إنّما الشك في خصوص المشتمل على التشهد على الاطلاق ، فيؤخذ بالقدر المتيقن ، وهو وجوب التشهّد حال الذكر ، ويرجع إلى البراءة في المشكوك فيه وهو التشهّد حال النسيان. هذا بناءً على ما هو الصحيح من إمكان تكليف الناسي على ما تقدّم بيانه. وأمّا بناءً على استحالته ، فما صدر من الناسي غير مأمور به يقيناً ، فالشك في صحّته وفساده يكون ناشئاً من الشك في وفائه بغرض المولى وعدمه ، فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، والحكم بوجوب الاتيان بالعمل مستجمعاً لجميع الأجزاء والشرائط ، لأنّ سقوط الأمر بالاتيان بغير المأمور به يحتاج إلى دليل مفقود في المقام على الفرض. وهذه هي الثمرة التي أشرنا إليها (2)
عند التكلم في إمكان تكليف الناسي.
وممّا ذكرناه ظهر الحال من حيث جريان البراءة وعدمه فيما إذا استند ترك الجزء أو الشرط إلى الاضطرار أو الاكراه ونحوهما ، فلا حاجة إلى الاعادة.
في حكم الزيادة عمداً أو سهواً في المركبات الاعتبارية. وتحقيق الكلام في ذلك يستدعي البحث أوّلاً : عن مفهوم الزيادة من جهتين : الاولى : في إمكان تحقق الزيادة في المركبات الاعتبارية وعدمه. الثانية : في اعتبار قصد الزيادة في تحققها وعدمه.
أمّا الجهة الاولى : فقد يقال باستحالة تحقق الزيادة ، لأنّ الجزء المأخوذ في المركب إن اخذ فيه على نحو الاطلاق من دون تقييد بالوجوب الواحد أو الأكثر ، فلا يعقل فيه تحقق الزيادة ، إذ كل ما أتى به من أفراد ذلك الجزء كان مصداقاً للمأمور به ، سواء كان المأتي به فرداً واحداً أو أكثر. وإن اخذ فيه مقيداً بالوجود الواحد ، أي اخذ بشرط لا بالنسبة إلى الوجود الثاني ، فالاتيان به مرّةً ثانية مستلزم لفقدان الجزء لا لزيادته ، إذ انتفاء القيد المأخوذ في الجزء موجب لانتفاء المقيد ، فكان الجزء المأخوذ في المأمور به منتفياً بانتفاء قيده ، فلا يتصوّر تحقق الزيادة على كل تقدير.
وفيه أوّلاً : أنّ اعتبار الاطلاق واللا بشرطية في الجزء لا ينافي تحقق الزيادة فيه ، فانّ أخذ شيء جزءاً للمأمور به على نحو اللاّبشرطية يتصوّر على وجهين : أحدهما : أن يكون الطبيعي مأخوذاً في المركب من دون نظر إلى الوحدة والتعدد ، وفي هذا لا يمكن تحقق الزيادة كما ذكر. ثانيهما : أن يكون مأخوذاً بنحو صرف
الوجود المنطبق على أوّل الوجودات ، ففي مثل ذلك وإن كان انضمام الوجود الثاني وعدمه على حد سواء في عدم الدخل في جزئية الوجود الأوّل ، فانّ هذا هو معنى أخذه لا بشرط ، إلاّ أنّه لا يقتضي كون الوجود الثاني أيضاً مصداقاً للمأمور به ، وحينئذ تتحقق الزيادة بتكرر الجزء لا محالة.
وثانياً : أنّ عدم صدق الزيادة حقيقةً بالدقّة العقلية ممّا لا يترتب عليه أثر ، لأنّ الأحكام الشرعية تابعة للصدق العرفي ، ومن الظاهر صدق الزيادة عرفاً ولو مع أخذ الجزء بشرط لا فضلاً عمّا إذا اخذ على نحو لا بشرط. هذا كلّه فيما إذا كان الزائد من سنخ أجزاء المأمور به ، كما إذا أتى بركوعين أو سجودين مثلاً.
وأمّا إذا كان الزائد غير مسانخ لأجزاء المأمور به ، فصدق الزيادة فيه عرفاً ظاهر لا خفاء فيه.
أمّا الجهة الثانية : فتحقيق الكلام فيها هو التفصيل بين الموارد المنصوصة وغيرها ، بأن يقال باعتبار القصد في تحقق عنوان الزيادة في غير الموارد المنصوصة ، والوجه فيه : أنّ المركب الاعتباري كالصلاة مثلاً مركب من امور متباينة مختلفة وجوداً وماهيةً. والوحدة بينها متقوّمة بالقصد والاعتبار ، فلو أتى بشيء بقصد ذلك المركب كان جزءاً له وإلاّ فلا. وأمّا الموارد المنصوصة فتحقق عنوان الزيادة فيها غير متوقف على القصد كالسجود ، لما ورد من أنّ الاتيان بسجدة التلاوة في أثناء الصلاة زيادة فيها ، فبالتعبد الشرعي يجري عليه حكم الزيادة وإن لم يكن من الزيادة حقيقة. ويلحق بالسجدة الركوع بالأولوية القطعية ، ويترتب على ذلك عدم صحّة الاتيان بصلاة في أثناء صلاة اخرى في غير الموارد المنصوصة ، فانّ الركوع والسجود المأتي بهما بعنوان الصلاة الثانية محقق للزيادة في الصلاة الاولى الموجبة لبطلانها ، كما أفتى به جماعة من
الفقهاء : منهم المحقق النائيني (1)قدسسره والمرحوم السيّد الاصفهاني (2)(قدّس اللّه أسرارهم).
إذا عرفت تحقيق القول في مفهوم الزيادة ، فنقول : إنّ الشك في بطلان العمل من جهة الزيادة يكون ناشئاً من الشك في اعتبار عدمها في المأمور به ، ومن الظاهر أنّ مقتضى الأصل عدمه ما لم يقم دليل على اعتباره ، فلا بأس بالزيادة العمدية فضلاً عن الزيادة السهوية. هذا فيما إذا لم تكن الزيادة موجبةً للبطلان من جهة اخرى ، كما إذا قصد المكلف امتثال خصوص الأمر المتعلق بما يتركب من الزائد ، فانّه لا إشكال في بطلان العمل في هذا الفرض إذا كان عبادياً ، لأنّ ما قصد امتثاله من الأمر لم يكن متحققاً وما كان متحققاً لم يقصد امتثاله.
نعم ، لو قصد المكلف امتثال الأمر الفعلي ، وقد أتى بالزائد لاعتقاد كونه جزءاً للمأمور به من جهة الخطأ في التطبيق أو من جهة التشريع في التطبيق صحّ العمل ، لما عرفت من أنّ الزيادة بنفسها لا توجب البطلان. والتشريع في التطبيق وإن كان قبيحاً عقلاً وشرعاً إلاّ أنّه لا ينافي التقرّب بامتثال الأمر الموجود ، وقد أتى بمتعلقه وقصد امتثاله كما هو المفروض.
هذا ما تقتضيه القاعدة بلا فرق بين عمل دون عمل وبين جزء دون جزء ، إلاّ أنّه وردت نصوص تدل على بطلان الصلاة والطواف بالزيادة ، فلا بدّ من ملاحظتها والحكم بما يستفاد منها من الصحّة أو البطلان بالزيادة ، فنقول : أمّا الصلاة فالروايات الواردة فيها على طوائف :
الطائفة الاولى : ما تدلّ على بطلانها بالزيادة مطلقاً كقوله عليهالسلام :
«من زاد في صلاته فعليه الاعادة» (1).
الطائفة الثانية : ما تدلّ على بطلانها بالزيادة السهوية كقوله عليهالسلام : «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها ، فاستقبل صلاته استقبالاً» (2).
الطائفة الثالثة : ما تدلّ على بطلانها بالاخلال سهواً في الأركان بالزيادة أو النقصان. وأمّا الاخلال بغير الأركان سهواً فلا يوجب البطلان ، كقوله عليهالسلام : «لا تعاد الصلاة إلاّمن خمسة : الطهور والقبلة والوقت والركوع والسجود» (3).
وتوهّم اختصاص هذا الحديث الشريف بالنقيصة لعدم تصوّر الزيادة في الوقت والقبلة والطهور - كما عن المحقق النائيني (4)قدسسره - مدفوع بأنّ ظاهر الحديث أنّ الاخلال بغير هذه الخمس لا يوجب الاعادة ، والاخلال بها يوجب الاعادة ، سواء كان الاخلال بالزيادة أو النقيصة. وهذا المعنى لا يتوقف على أن تتصوّر الزيادة والنقيصة في كل واحد من هذه الخمس ، فعدم تحقق الزيادة في الوقت والقبلة والطهور في الخارج لا يوجب اختصاص الحديث بالنقيصة ، بعد قابلية الركوع والسجود للزيادة والنقيصة.
1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2
2) المصدر السابق ح 1 وفيه : «... زاد في صلاته المكتوبة ركعة» لكن المنقول هنا موافق للكافي 3 : 354 و 355 ح 2 والتهذيب 2 : 194 ح 763 والاستبصار 1 : 376 / ح 1428
3) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4
4) [يتّضح بمراجعة تقريراته قدسسره في الفقه والاصول أنّه يرى شمول «لا تعاد» للزيادة والنقيصة فلاحظ أجود التقريرات 3 : 528 وفوائد الاصول 4 : 238 وكتاب الصلاة 3 : 24]
ومقتضى الجمع بين هذه الروايات هو الحكم ببطلان الصلاة بالزيادة العمدية مطلقاً ، وبالزيادة السهوية أيضاً إن كان الزائد من الأركان ، وبعدم البطلان بالزيادة السهوية إن كان الزائد من غير الأركان.
وذلك لأنّ الطائفة الاولى الدالة على البطلان بالزيادة وإن كانت عامّة من حيث العمد والسهو ، ومن حيث كون الزائد ركناً أو غير ركن ، إلاّ أنّها خاصّة بالزيادة ، فالنسبة بينها وبين حديث لا تعاد - الدال على عدم بطلان الصلاة بالاخلال سهواً في غير الأركان - هي العموم من وجه ، لأنّ حديث لا تعاد وإن كان خاصاً من جهة أنّ الحكم بالبطلان فيه مختص بالاخلال بالأركان ، إلاّ أنّه عام من حيث الزيادة والنقصان.
كما أنّ الطائفة الثانية الدالة على البطلان بالزيادة السهوية عامّة من حيث الأركان وغيرها وخاصّة بالزيادة ، فالنسبة بينها وبين حديث لا تعاد أيضاً هي العموم من وجه ، فتقع المعارضة في مورد الاجتماع ، وهو الزيادة السهوية في غير الأركان ، فانّ مقتضى الطائفة الاولى والثانية بطلان الصلاة بها. ومقتضى حديث لا تعاد عدم البطلان ، إلاّأنّ حديث لا تعاد حاكم عليهما ، بل على جميع أدلة الأجزاء والشرائط والموانع كلّها ، لكونه ناظراً إليها وشارحاً لها ، إذ ليس مفاده انحصار الجزئية والشرطية في هذه الخمس ، بل مفاده أنّ الاخلال سهواً بالأجزاء والشرائط التي ثبتت جزئيتها وشرطيتها لايوجب البطلان إلاّالاخلال بهذه الخمس ، فلسانه لسان الشرح والحكومة ، فيقدّم على أدلة الأجزاء والشرائط بلا لحاظ النسبة بينه وبينها ، كما هو الحال في كل حاكم ومحكوم.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الزيادة العمدية موجبة لبطلان الصلاة مطلقاً بمقتضى إطلاق الطائفة الاولى ، وبمقتضى الأولوية القطعية في الطائفة الثانية. ولا معارض لهما ، لاختصاص حديث لا تعاد بالاخلال السهوي ، لظهوره في إثبات الحكم
لمن أتى بالصلاة ثمّ التفت إلى الخلل الواقع فيها ، فلا يعمّ العامد. وأنّ الزيادة السهوية موجبة للبطلان إن كانت في الأركان بمقتضى إطلاق الطائفتين الاولى والثانية وخصوص حديث لا تعاد. وأمّا الزيادة السهوية في غير الأركان فهي مورد المعارضة ، وقد عرفت أنّه لا مناص من تقديم حديث لا تعاد والحكم بعدم البطلان فيها. هذا كلّه في الزيادة.
وأمّا النقيصة فلا ينبغي الشك في بطلان الصلاة بها إن كانت عمدية بمقتضى الجزئية والشرطية ، وإلاّ لزم الخلف كما هو ظاهر. وأمّا إن كانت سهوية فهي موجبة للبطلان إن كانت في الأركان دون غيرها من الأجزاء والشرائط بمقتضى حديث لا تعاد.
وأمّا الطواف فلا إشكال في بطلانه بالزيادة العمدية ، لما ورد من أنّ الطواف مثل الصلاة ، فإذا زدت فعليك بالاعادة (1). وأمّا الزيادة السهوية فلا توجب البطلان ، فان تذكّر قبل أن يبلغ الركن فليقطعه وليس عليه شيء ، وإن تذكر بعده فلا شيء عليه أيضاً ، إلاّ أنّه مخيّر بين رفع اليد عن الطواف الزائد وبين أن يجعله طوافاً مستقلاً ، فيضم إليه ستّة أشواط حتّى يتم طوافان ، ولا ينافيه ما ورد (2)من عدم جواز اقتران الاسبوعين لاختصاصه بصورة العمد. وحكم الزيادة العمدية والسهوية في السعي هو حكم الطواف.
وأمّا النقيصة العمدية فلا إشكال في كونها موجبةً لبطلان الطواف. وأمّا النقيصة السهوية فلا توجب البطلان ، فان تذكّر وهو في محل الطواف فيأتي بالمنسي ويتم طوافه ، وإن تذكر وهو ساع بين الصفا والمروة ، فيقطع السعي
ويرجع إلى البيت ، ويتم طوافه ثمّ يسعى ، وإن لم يتذكّر إلاّوقد أتى أهله فيستنيب من يطوف عنه. وكل ذلك للنصوص الواردة في المقام فراجع (1)والتفصيل موكول إلى محلّه في الفقه (2).
إذا تعذّر الاتيان ببعض أجزاء الواجب أو بعض شرائطه ، فهل القاعدة تقتضي سقوط التكليف رأساً ، أو بقاءه متعلقاً بغير المتعذر من الأجزاء والشرائط؟
والتكلم في هذا البحث من جهة التمسك بالاطلاق أو الرجوع إلى الأصل العملي من البراءة أو الاشتغال على تقدير عدم وجود الاطلاق قد ظهر الحال فيه ممّا تقدّم (3)في التنبيه الأوّل ، عند البحث عن نسيان الجزء أو الشرط ، فلا حاجة إلى الاعادة.
والكلام في هذا التنبيه متمحض في البحث عن وجوب المقدار الميسور من الأجزاء والشرائط من جهة الاستصحاب ، أو من جهة الروايات الواردة في المقام ، وقد يعبّر عن هذا البحث بالبحث عن تمامية قاعدة الميسور وعدمها.
أمّا الاستصحاب فتقريبه بوجوه :
الوجه الأوّل : أن يستصحب الوجوب الجامع بين الضمني والاستقلالي
المتعلق بغير المتعذر من الأجزاء والشرائط ، فانّ وجوبها الضمني قبل طروء التعذر في ضمن وجوب المركب كان ثابتاً ، ونشك في ارتفاع أصل الوجوب بارتفاعه ، فنتمسّك بالاستصحاب ونحكم ببقائه.
وفيه : أنّه مبني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي ولا نقول به ، فانّ الفرد المعلوم تحققه وهو الوجوب الضمني قد ارتفع يقيناً ، والفرد الآخر وهو الوجوب الاستقلالي مشكوك الحدوث ، فليس هنا وجود واحد متيقن الحدوث مشكوك البقاء ليحكم ببقائه للاستصحاب.
الوجه الثاني : أن يستصحب الوجوب الاستقلالي بنحو مفاد كان التامّة ، بأن يقال : إنّ أصل الوجوب قبل تعذّر بعض الأجزاء كان ثابتاً ، فيشك في ارتفاعه بعد طروء التعذّر ، فيحكم ببقائه للاستصحاب.
وفيه أوّلاً : أنّ الوجوب عرض لايتحقق إلاّمتعلقاً بشيء ، وعليه فالوجوب المتيقن كان متعلقاً بالمركب من المتعذر وغيره ، والوجوب المشكوك فيه بعد التعذر هو وجوب آخر متعلق بغير ما تعلّق به الوجوب الأوّل ، فجريان الاستصحاب في خصوص ما كان متيقناً لا معنى له للعلم بارتفاعه ، وكذا في خصوص ما هو متعلق بغير المتعذر لعدم العلم بحدوثه ، وفي الجامع بينهما متوقف على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي ولا نقول به.
وثانياً : أنّ استصحاب الوجوب بنحو مفاد كان التامّة ، وهو ما لوحظ فيه نفس الوجوب مع قطع النظر عن متعلقه ، لا يترتب عليه وجوب غير المتعذر من الأجزاء والشرائط إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، ولا نقول به على ما سيجيء الكلام فيه في محلّه (1)إن شاء اللّه تعالى. ونظير المقام ما إذا علمنا
1) راجع الجزء الثالث من هذا الكتاب ، ص 181 / التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب
بوجوب إكرام زيد ، ثمّ علمنا بارتفاعه واحتملنا وجوب إكرام عمرو ، فهل يصح جريان الاستصحاب في أصل الوجوب بنحو مفاد كان التامّة ليترتب عليه وجوب إكرام عمرو؟
الوجه الثالث : أن يستصحب الوجوب الاستقلالي الثابت للصلاة مثلاً فيما إذا لم يكن الجزء المتعذر من الأجزاء المقوّمة ، باعتبار أنّ الصلاة الفاقدة للجزء المتعذر متحدة مع الواجدة له بنظر العرف ، فيقال إنّ هذه الصلاة كانت واجبة قبل طروء التعذر ، فيستصحب بقاؤها على صفة الوجوب بعد التعذر أيضاً.
والفرق بين هذا الوجه والوجهين السابقين هو أنّ جريان الاستصحاب - على هذا التقريب - يختص بما إذا كان المتعذر غير مقوّم للواجب بنظر العرف ، لتكون القضيّة المتيقنة متحدةً مع المشكوك فيها ، بخلاف التقريبين السابقين ، فانّه لو صحّ جريان الاستصحاب عليهما لا يختص بمورد دون مورد ، كما هو ظاهر.
وتمامية هذا الوجه تتوقف على أمرين :
الأوّل : صحّة جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية من جهة الشك في المجعول الشرعي ، والمختار عدمها لابتلائه بالمعارض وهو استصحاب عدم الجعل على ما سنتكلّم فيه في مبحث الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى.
الثاني : إحراز كون المتعذر غير مقوّم للواجب ، ليكون الشك في وجوب غير المتعذر من الأجزاء والشرائط شكاً في البقاء لا في الحدوث ، وعليه فقد يقال بعدم جريان الاستصحاب عند الشك في وجوب غير المتعذر من الأجزاء والشرائط في المركبات الشرعية ، بدعوى أنّه لا طريق لنا إلى تمييز المقوّم من غيره في المركبات الشرعية ، فكل جزء أو شرط كان متعذراً يحتمل كونه مقوّماً ،
1) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 42
ومعه لايصح جريان الاستصحاب ، لعدم إحراز اتحاد القضيّة المتيقنة والمشكوك فيها. نعم ، إن كان المركب من المركبات العرفية كان تمييز المقوّم من أجزائه عن غير المقوّم منها موكولاً إلى نظر العرف ، فكلّ ما كان المتعذر مقوّماً بنظرهم لا يجري الاستصحاب ، كما أنّه إذا كان المتعذر غير مقوّم بنظرهم لا مانع من جريان الاستصحاب.
ولكن التحقيق أنّه إذا ثبت من الشرع كون جزء أو شرط مقوّماً للمركب ، فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب عند تعذره. وأمّا إذا لم يصدر من الشارع بيان في ذلك ، فالظاهر إيكال الأمر إلى العرف ، فان كانت نسبة المتعذر إلى البقية غير معتد بها في نظرهم ، كنسبة الواحد إلى العشرين مثلاً ، فيجري الاستصحاب. وأمّا إن كانت النسبة معتداً بها بنظرهم كنسبة النصف أو الثلث إلى المجموع مثلاً ، فلا يجري الاستصحاب.
ثمّ إنّ جريان الاستصحاب في المقام يختص بما إذا كان التعذر حادثاً بعد دخول الوقت ، وأمّا إذا كان حادثاً قبل دخول الوقت أو مقارناً لأوّل الوقت ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، لعدم كون الوجوب متيقناً في زمان ليجري فيه الاستصحاب ويحكم ببقائه ، بل المرجع حينئذ هو البراءة عن وجوب غير المتعذر من الأجزاء والشرائط.
هذا ، والتزم المحقق النائيني (1)قدسسره بجريان الاستصحاب ولو كان التعذر مقارناً لأوّل الوقت ، بدعوى أنّ جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية لا يتوقف على فعلية الموضوع خارجاً ، فانّ إجراءه وظيفة المجتهد لا المقلّد ، ولا يعتبر فيه تحقق الموضوع خارجاً ، ومن ثمّ يتمسّك الفقيه في حرمة وطء الحائض
1) أجود التقريرات 2 : 445 ، فوائد الاصول 4 : 561 و 562
بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال بالاستصحاب مع عدم تحقق الموضوع خارجاً.
وفيه : أنّ جريان الاستصحاب وإن لم يكن متوقفاً على تحقق الموضوع في الخارج ، إلاّ أنّه متوقف على فرض تحقق الموضوع في الخارج ، فانّ الفقيه يفرض امرأةً حائضاً ثبتت حرمة وطئها وشكّ في ارتفاعها بانقطاع الدم ، فيتمسك بالاستصحاب ويحكم بحرمة وطئها على نحو القضيّة الحقيقية. ولا يعقل أن يفرض امرأةً أيام طهرها ويحكم بحرمة وطئها للاستصحاب ، باعتبار أنّه لايعتبر في جريان الاستصحاب تحقق الموضوع خارجاً ، إذ لا يقين بحرمة وطئها ولو على حسب الفرض ليحكم ببقائها للاستصحاب. والمقام من هذا القبيل ، فانّ الفقيه إذا فرض مكلفاً تعذّر عليه الاتيان ببعض أجزاء المركب مقارناً لأوّل الوقت ، لا يقين له بثبوت التكليف عليه ولو بالفرض والتقدير ، إذ التكليف بغير المتعذر من الأجزاء والشرائط مشكوك الحدوث من أوّل الأمر ، فكيف يحكم بوجوب غير المتعذر تمسكاً بالاستصحاب.
وبالجملة : لابدّ في جريان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء ولو على سبيل الفرض والتقدير ، وفي المقام فرض الشك في الحدوث فلا يعقل جريان الاستصحاب فيه ، ولعمري أنّ هذا واضح. ويزداد وضوحاً بذكر أقسام جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي ، فنقول : إنّ الاستصحاب الجاري في الأحكام الشرعية يتصوّر على وجوه :
الأوّل : أن يستصحب الحكم باعتبار مرحلة الجعل والتشريع عند احتمال نسخة ، ولا ينبغي الشك في أنّ جعل الحكم وتشريعه لا يتوقف على تحقق الموضوع خارجاً ، فانّ الجعل جعل على الموضوع المقدّر لا على الموضوع المحقق ، بل ربّما يكون جعل الحكم وتشريعه موجباً لعدم تحقق الموضوع في الخارج ، كما في الحكم بالقصاص ، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى : «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ
حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (1)ففي مثل ذلك يجعل الحكم على الموضوع المقدّر على نحو القضيّة الحقيقية ولا رافع له إلاّالنسخ ، فإذا شكّ في بقائه لاحتمال النسخ يتمسّك بالاستصحاب ، ويحكم ببقائه بلا دخل لوجود الموضوع في الخارج وعدمه.
الثاني : أن يستصحب الحكم الكلّي عند الشك في بقائه لأجل الشك في سعة موضوعه وضيقه ، كما إذا شككنا في حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال. ولا إشكال أيضاً في عدم توقف جريان الاستصحاب فيه على تحقّق الموضوع في الخارج ، بل الفقيه يجري الاستصحاب مبنياً على الفرض والتقدير كما تقدّم ، فانّ فتاوى الفقيه كلّها مبتنية على فرض وجود الموضوع ومفاد (لو) فيقول لو صار شخص جنباً وجب عليه الغسل ، ولو أفطر أحد عمداً في شهر رمضان كان عليه كذا من الكفارة ، وهكذا.
والفرق بين هذا القسم والقسم السابق بعد اشتراكهما في عدم توقف الاستصحاب على وجود الموضوع خارجاً : أنّ الشك في هذا القسم شك في مقدار المجعول من أوّل الأمر ، وأنّ الموضوع في القضيّة الحقيقية المجعولة أمر وسيع أو ضيّق.
وأمّا القسم الأوّل فليس الشك فيه ناشئاً من الشك في حدّ الموضوع ، بل من احتمال النسخ وعدم بقاء الحكم في عمود الزمان ، ولذا كان الشك في القسم الثاني ناشئاً من تبدّل خصوصية في الموضوع ، مع القطع بعدم النسخ ، بخلاف القسم الأوّل فانّ الشك فيه ناشئ من احتمال النسخ مع القطع بعدم تبدّل شيء من خصوصيات الموضوع ، فالقسمان من هذه الجهة متعاكسان.
الثالث : أن يستصحب الحكم الجزئي الثابت لموضوع شخصي عند الشك في بقائه وزواله لأجل الطوارئ الخارجية ، مع إحراز الحكم الكلّي من جهة
1) البقرة 2 : 179
عدم النسخ ومن جهة تحديد موضوعه سعةً وضيقاً ، كما إذا شككنا في طهارة ثوب لاحتمال ملاقاته البول مثلاً ، فيجري الاستصحاب ويحكم ببقاء طهارته.
وإجراء الاستصحاب في هذا القسم لا يختص بالفقيه ، بل للمقلد أيضاً إجراؤه بعد ما حصل له اليقين في الحدوث والشك في البقاء. وجريان الاستصحاب في هذا القسم متوقف على تحقق الموضوع خارجاً كما هو واضح.
إذا عرفت ذلك يظهر لك أنّ جريان الاستصحاب في محل الكلام - مع كون التعذر حادثاً مقارناً لأوّل الوقت - ممّا لا وجه له ، لأنّ الحكم غير متيقن في زمان ليكون الشك في بقائه ، فيجري الاستصحاب ، أمّا على القسم الأوّل فواضح ، لعدم كون الشك في المقام ناشئاً من احتمال النسخ على الفرض. وأمّا على القسم الثاني فلأ نّه لا يقين بحدوث الحكم ولو على سبيل الفرض والتقدير ، إذ التكليف بغير المتعذر من الأجزاء والشرائط مشكوك الحدوث من أوّل الأمر ، فإذا فرض الفقيه مكلفاً تعذّر عليه الاتيان ببعض أجزاء المركب مقارناً لأوّل الوقت ، فهو شاك في حدوث التكليف عليه ابتداءً ، بلا سبق يقين منه ولو على سبيل الفرض والتقدير ، فلا يقاس المقام بالشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال ، إذ الحرمة هناك متيقنة ، فيشك في ارتفاعها بانقطاع الدم فيجري الاستصحاب ويحكم ببقائها. هذا كلّه من حيث جريان الاستصحاب وعدمه.
وأمّا الروايات التي استدلّ بها على قاعدة الميسور فهي ثلاث روايات :
الرواية الاولى : ما رواه أبو هريرة المروية بطرق العامّة ، قال : «خطبنا رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله ، فقال : أيُّها الناس قد فرض اللّه عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل أكلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت صلىاللّهعليهوآله حتّى قالها ثلاثاً ، فقال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله : لو قلت نعم لوجب ، ولما
استطعتم ، ثمّ قال صلىاللّهعليهوآله : ذروني ما تركتكم ، فانّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (1). وزاد في الكفاية (2)قوله صلىاللّهعليهوآله لكفرتم بعد قوله «لما استطعتم» ولم أجده حسب ما راجعت الكتب الحاوية لهذه الرواية (3). وعلى كل تقدير يقع الكلام تارةً في سند هذه الرواية ، واخرى في دلالتها ، فيقع الكلام في مقامين :
أمّا المقام الأوّل : فلا شبهة في أنّ الرواية من المراسيل الضعاف ، ولا سيّما أنّ راويها أبو هريرة الذي حاله أظهر من أن يخفى. وقد تصدّى لاثبات كونه متعمداً في الكذب على الرسول صلىاللّهعليهوآله سماحة السيّد شرف الدين العاملي (4)قدسسره ولا سيّما أنّها غير موجودة في كتب متقدمي الأصحاب ، وإنّما رواها المتأخرون نقلاً عن محكي كتاب عوالي اللآلي (5). والكتاب المذكور أيضاً ليس موثوقاً به وقد تصدّى للقدح عليه مَن ليس من عادته القدح في كتب الأخبار كصاحب الحدائق (6)قدسسره.
وأمّا دعوى انجبارها بعمل الأصحاب فمدفوعة أوّلاً : بعدم ثبوت استناد
الأصحاب إليها في مقام العمل ، ومجرد موافقة فتوى الأصحاب لخبر ضعيف لا يوجب الانجبار ما لم يثبت استنادهم إليه ، ولم يعلم من الأصحاب العمل بقاعدة الميسور إلاّفي الصلاة ، وفيها دليل خاص دلّ على عدم جواز تركها بحال ، فلم يعلم استنادهم إلى الرواية المذكورة. وثانياً : بأنّ مجرّد عمل الأصحاب لايوجب الانجبار بعد كون الخبر في نفسه ضعيفاً غير داخل في موضوع الحجّية على ما ذكرناه في محلّه (1).
هذا ، مضافاً إلى أنّه في صحيح النسائي مروي بوجه آخر لا يدل على المقام أصلاً ، وهو قوله صلىاللّهعليهوآله : «فإذا أمرتكم بشي فخذوا به ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (2)ومن المعلوم أنّ كلمة «ما» في هذه الرواية ظاهرة في كونها زمانية ، فمفاد الرواية هو وجوب الاتيان بالمأموربه عند الاستطاعة والقدرة ، وهذا المعنى أجنبي عن المقام. وتوهّم أنّ اختلاف الطريقين لايضر بالاستدلال بعد كون أحدهما منجبراً بالشهرة عند الأصحاب دون الآخر مدفوع بأنّ الرواية كما نقلت في كتب العامّة بوجهين كذلك نقلت في كتب الخاصّة أيضاً بوجهين ، فانّ الموجود في باب صلاة العراة من البحار (3)«فائتوا به ما استطعتم» فلا وجه لدعوى انجبار أحد الطريقين ، فالمنجبر على تقدير التسليم إنّما هو إحدى الروايتين إجمالاً ، فلا يصحّ الاستدلال بخصوص إحداهما مع عدم ثبوت انجبارها.
وأمّا المقام الثاني : فتوضيح الكلام فيه أنّ محتملات الرواية ثلاثة :
الاحتمال الأوّل : أن تكون كلمة «ما» موصولة ومفعولاً لقوله «فائتوا» وكلمة «من» تبعيضية متعلقة ب- «ما استطعتم» ، فيكون مفاد الرواية وجوب الاتيان بما هو المقدور من أجزاء المأمور به وشرائطه. والاستدلال بالرواية على المقام مبني على هذا المعنى ، ولكنّه على تقدير تسليم ظهور الجملة فيه في نفسها لا يمكن الالتزام به ، لعدم انطباقه على المورد أوّلاً ، فانّ الذي يعلم بعدم قدرته على الطواف أو بعض الأعمال الاخر من مناسك الحج ، لا يجب عليه الاتيان بالبقية اتفاقاً ، ولعدم مناسبته للسؤال الذي وقع هذا الكلام في جوابه ثانياً ، فانّ السؤال إنّما هو عن وجوب الحج في كل سنة ، ولا يناسبه الجواب بوجوب الاتيان بما هو مقدور من أجزاء المركب وشرائطه.
الاحتمال الثاني : أن تكون كلمة «ما» موصولة وكلمة «من» بيانية ، فيكون حاصل المعنى أنّه إذا أمرتكم بطبيعة فائتوا ما استطعتم من أفرادها ، ولا يبعد أن تكون كلمة «من» إذا كانت بيانية متحدة في المعنى معها إذا كانت تبعيضية ، غاية الأمر أنّه تختلف مصاديق التبعيض باختلاف الموارد ، فانّ الفرد بعض الطبيعة كما أنّ الجزء بعض المركب ، فكما أنّ كلمة «من» في قولنا : اشتريت من البستان نصفه مستعملة في التبعيض ، كذلك في قولنا : لا أملك من البستان إلاّ واحداً ، وعليه فكلمة «من» في كلا الاحتمالين مستعملة في التبعيض. وهذا المعنى الذي لا يتم معه الاستدلال بالرواية على المقام وإن كان وجيهاً في نفسه ، إلاّ أنّه أيضاً لا ينطبق على المورد ، لعدم وجوب الاتيان بما هو مقدور من أفراد الحج في كل سنة بلا خلاف بين المسلمين إلاّما شذّ ، بل هو خلاف ظاهر نفس الرواية ، فانّها ظاهرة أو صريحة في عدم وجوبه في كل سنة ، فلاحظ قوله صلىاللّهعليهوآله : «لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم» ، فلا يمكن حمل الرواية على هذا المعنى أيضاً.
الاحتمال الثالث : أن تكون كلمة «من» زائدة كما في قوله تعالى : «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ» (1)أو تكون للتعدية بمعنى الباء وكلمة «ما» مصدرية زمانية ، فيكون حاصل المعنى أنّه إذا أمرتكم بشيء فائتوا به حين استطاعتكم ، فلا يستفاد من الرواية إلاّاشتراط التكليف بالقدرة الساري في جميع التكاليف الشرعية. وهذا المعنى ممّا لا مناص من الالتزام به بعد عدم إمكان الالتزام بالاحتمالين الأوّلين ، وعليه فلا مجال للاستدلال بالرواية على قاعدة الميسور.
الرواية الثانية : هي المرسلة المحكية عن كتاب العوالي أيضاً عن أميرالمؤمنين عليهالسلام أنّه قال : «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2)وتقريب الاستدلال بها أنّ لفظة كل المذكورة في الرواية مرّتين أمرها دائر بحسب مقام التصوّر بين صور أربع : الاولى : أن يكون المراد بها في كلتا الفقرتين العموم الاستغراقي.
الثانية : أن يكون المراد بها فيهما العموم المجموعي. الثالثة : أن يكون المراد بها في الفقرة الاولى العموم الاستغراقي وفي الثانية العموم المجموعي. الرابعة : عكس الثالثة.
أمّا الصورة الاولى والثانية فلا يمكن الالتزام بهما ، إذ لا يعقل الحكم بوجوب الاتيان بكل فرد فرد ، مع تعذّر الاتيان بكل فرد فرد. وكذا الحكم بوجوب الاتيان بالمجموع مع تعذّر الاتيان بالمجموع. وكذا لايمكن الالتزام بالصورة الثالثة إذ لايعقل وجوب الاتيان بالمجموع مع تعذّر الاتيان بكل فرد فرد ، فتعيّن الالتزام بالصورة الرابعة ، فيكون المراد النهي عن ترك الجميع عند تعذّر المجموع ، فيكون
مفاد الرواية أنّه إذا تعذّر الاتيان بالمجموع لا يجمع في الترك ، بل يجب الاتيان بغير المتعذر ، وهذا المعنى يشمل الكلّي الذي له أفراد متعددة تعذّر الجمع بينها ، والكل الذي له أجزاء مختلفة الحقيقة قد تعذّر بعضها ، لأنّ العام إذا لوحظ بنحو العموم المجموعي لايفترق الحال بين كون أجزائه متفقة الحقيقة أو مختلفة الحقيقة.
وعليه فكلّما كان الواجب ذا أفراد أو ذا أجزاء وجب الاتيان بغير المتعذر من أفراده أو أجزائه.
ولا يخفى أنّه لا يفترق الحال في الاستدلال بهذه الرواية بين أن تكون «لا» في قوله عليهالسلام «لا يترك» ناهية والجملة إنشائية ، أو تكون نافية والجملة خبرية اريد بها الانشاء والطلب ، فانّه كثيراً ما يعبّر عن المطلوب بلفظ الخبر رغبة في وقوعه. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بهذه الرواية.
واستشكل صاحب الكفاية (1)قدسسره على الاستدلال بها بأنّ ظهور النهي في التحريم يعارضه إطلاق الموصول الشامل للمستحبات أيضاً ، وحيث إنّه لا مرجح لأحدهما على الآخر لا يستفاد منها إلاّرجحان الاتيان بما هو المقدور دون وجوبه.
وفيه أوّلاً : ما ذكرناه في مباحث الألفاظ (2)من أنّ الوجوب ليس داخلاً في مفهوم الأمر ، ولا الحرمة داخلة في مفهوم النهي ، فانّ مفهوم الأمر هو الطلب والوجوب إنّما هو بحكم العقل ، فانّ العقل بعد صدور الطلب من المولى يحكم بلزوم إطاعة المولى ، ويرى العبد مستحقاً للعقاب على ترك ما أمر المولى بفعله وهذا هو معنى الوجوب. وكذا الحرمة إنّما هي بحكم العقل بلزوم الاطاعة وكون
العبد مستحقاً للعقاب على فعل ما نهى المولى عنه ، فلم يستعمل الأمر في موارد الوجوب والاستحباب إلاّفي معنى واحد ، إنّما التفاوت بينهما في ثبوت الترخيص في الترك من قبل المولى وعدمه. فعلى الأوّل لم يبق مجال لحكم العقل بلزوم الاتيان بالفعل ، فكان الفعل راجحاً مع الترخيص في تركه ، وهذا هو معنى الاستحباب. وعلى الثاني يحكم العقل بلزوم الاتيان بالفعل جريا على قانون العبودية ، وهذا معنى الوجوب.
وكذا الحال في النهي ، فانّ المستعمل فيه في موارد الحرمة والكراهة شيء واحد إنّما التفاوت بينهما في ثبوت الترخيص من قبل المولى على الفعل وعدمه فعلى الأوّل كان الفعل مكروهاً ، وعلى الثاني حراماً بحكم العقل.
فتحصّل : أنّ شمول الموصول للمستحبات لا ينافي ظهور النهي في التحريم ، لأنّ الترخيص بترك المقدور من أجزائها لا ينافي حكم العقل بلزوم الاتيان بالمقدور من أجزاء الواجب بعد عدم ثبوت الترخيص في تركها.
وثانياً : أنّ رجحان الاتيان بغير المتعذر من أجزاء الواجب يستلزم وجوبه لعدم القول بالفصل ، فانّ الأمر دائر بين كونه واجباً أو غير مشروع ، فرجحانه مستلزم لوجوبه كما هو ظاهر.
والتحقيق في الجواب - مضافاً إلى كون الرواية ضعيفة غير منجبرة على ما تقدّم بيانه (1)- أن يقال : إنّ أمر الرواية دائر بين حملها على تعذّر الاتيان بمجموع أجزاء المركب مع التمكن من بعضها ، ليكون الوجوب المستفاد منها مولوياً ، وبين حملها على تعذّر بعض أفراد الواجب مع التمكن من البعض الآخر ، ليكون الوجوب إرشادياً إلى حكم العقل بعدم سقوط واجب بتعذّر غيره
1) في ص 553
وحيث إنّه لا جامع بين الوجوب المولوي والارشادي لتكون الرواية شاملة لهما ، ولا قرينة على تعيين أحدهما ، فتكون الرواية مجملةً غير قابلة للاستدلال بها.
هذا ، وقد ذكرنا في الدورة السابقة إشكالاً آخر على الاستدلال بها : وهو أنّه لو حملنا الرواية على تعذّر مجموع المركب مع التمكن من بعض أجزائه ، لزم تقييدها بما إذا كان المتمكن منه معظم الأجزاء ، إذ لو كان المتعذر هو معظم الأجزاء لا يجب الاتيان بالباقي بلا خلاف وإشكال ، والتقييد خلاف الأصل ، فالمتعيّن حملها على تعذّر بعض أفراد الواجب مع التمكن من بعض آخر لعدم لزوم التقييد فيه.
ولكن الانصاف أنّ هذا الاشكال غير وارد عليه ، بناءً على كون المراد من الموصول هو الجامع بين الكل والكلّي ، كما هو مبنى الاستدلال ، إذ المفروض دخول الكلّي الذي تعذّر بعض أفراده في الموصول ، سواء كان المتعذر معظم الأفراد والمتمكن منه أقلّها أو بالعكس ، فلا دوران بين التقييد وعدمه ليترجح الثاني على الأوّل. نعم ، لو كان الاستدلال مبنياً على حمل الرواية على خصوص تعذّر المركب دون الجامع بينه وبين الكلّي كان للاشكال المذكور وجه.
إن قلت : ظهور الأمر في المولوية يعيّن احتمال تعذّر بعض أجزاء المركب ، فلم يبق إجمال في الرواية.
قلت : هذا إنّما يصح فيما إذا علم متعلق الأمر وشكّ في كونه مولوياً أو إرشادياً. وأمّا إذا دار الأمر بين تعلّقه بما لا يصح تعلقه به إلاّإرشادياً ، وبين تعلّقه بما يكون تعلّقه به مولوياً ، فلا ظهور للأمر في تعيين متعلقه ، إذ ليس ظهور الأمر في المولوية ظهوراً وضعياً ليكون قرينة على تعيين المتعلق ، بل هو ظهور مقامي ناشئ عن كون المتكلم في مقام الجعل والتشريع ، فلا يصلح للقرينية على تعيين المتعلق.
الرواية الثالثة : هي المرسلة المنقولة عن كتاب العوالي أيضاً عن أميرالمؤمنين عليهالسلام أنّه قال : «الميسور لايسقط بالمعسور» (1)وهي كسابقتها من حيث السند ، فيجري فيها جميع ما ذكرناه في الرواية السابقة من المناقشات السندية ولا حاجة إلى الاعادة (2). وأمّا من حيث الدلالة فتحقيق الكلام فيها يتوقف على بيان المحتملات ، وهي امور :
الأوّل : أن تكون كلمة «لا» نهياً ابتداءً ، وعليه فيجري جميع ما ذكرناه من إجمال الرواية وعدم ظهور النهي في كونه مولوياً أو إرشادياً ، وعدم صحّة إرادة الجامع. وكذا يجري ما ذكره صاحب الكفاية من الاشكال ، وهو أنّ شمول الميسور للمستحبات مانع عن التمسك بها على وجوب الباقي من أجزاء المأموربه.
وقد عرفت جوابه أيضاً فلا حاجة إلى الاعادة (3).
ولكن التحقيق عدم إمكان الالتزام بهذا الاحتمال ، لأنّ النهي سواء كان مولوياً أو إرشادياً لا بدّ من أن يتعلّق بفعل المكلف ، وما هو تحت قدرته واختياره وجوداً وعدماً ، وسقوط الواجب عن ذمّة المكلف كثبوته بيد الشارع ، وليس مقدوراً للمكلف ، فلا معنى للنهي عنه ولو إرشادياً.
الثاني : أن تكون الجملة خبرية قصد بها الانشاء ، فالجملة وإن كانت خبرية ونافية بحسب الصورة اللفظية ، إلاّ أنّها إنشائية بحسب اللبّ والمعنى.
وهذا الاحتمال أيضاً ساقط لعين ما ذكرناه في الاحتمال الأوّل ، فانّه لا فرق بينهما إلاّبحسب الصورة.
الثالث : أن تكون الجملة خبرية محضة اريد بها الاخبار عن عدم سقوط الواجب والمستحب عند تعذّر بعض أجزاء المركب أو تعذّر بعض أفراد الطبيعة أو عدم سقوط وجوبه أو استحبابه ، فانّ السقوط والثبوت كما يصحّ إسنادهما إلى الحكم ، كذلك يصحّ إسنادهما إلى الواجب والمستحب أيضاً ، فكما يقال سقط الوجوب عن ذمّة المكلف أو ثبت في ذمّته ، كذلك يصح أن يقال سقط الواجب أو ثبت في ذمّته. وكيف كان ، فالرواية على هذا الاحتمال تدل على بقاء الحكم أو متعلقه في ذمّة المكلف عند تعذّر بعض الأجزاء أو بعض الأفراد ، بل نسب إلى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (1)قدسسره دلالتها على وجوب المرتبة النازلة من الشيء إذا تعذّرت المرتبة العالية منه فيما إذا عدّت المرتبة النازلة ميسورة من المرتبة العالية بنظر العرف ، فاذا تعذّر الايماء بالرأس والعين للسجود على ما هو المنصوص يجب الايماء باليد لقاعدة الميسور ، باعتبار أنّ الايماء باليد مرتبة نازلة من الايماء بالنسبة إلى الايماء بالرأس والعين ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بالرواية للمقام.
ولكن التحقيق عدم تمامية الاستدلال المذكور ، لأنّ السقوط فرع الثبوت ، وعليه فالرواية مختصّة بتعذّر بعض أفراد الطبيعة باعتبار أنّ غير المتعذر منها كان وجوبه ثابتاً قبل طروء التعذر ، فيصدق أنّه لا يسقط بتعذّر غيره ، بخلاف بعض أجزاء المركب ، فانّه كان واجباً بوجوب ضمني قد سقط بتعذّر المركب من حيث المجموع ، فلو ثبت وجوبه بعد ذلك ، فهو وجوب استقلالي وهو حادث ، فلا معنى للإخبار عن عدم سقوطه بتعذّر غيره. وكذلك الحال في المرتبة النازلة ، فانّ وجوبها لو ثبت بعد تعذّر المرتبة العالية لكان وجوباً حادثاً جديداً لايصحّ
1) كشف الغطاء : 241
التعبير عنه بعدم السقوط ، فارادة معنى عام من الرواية شامل لموارد تعذّر بعض الأفراد ، وموارد تعذّر بعض الأجزاء ، وموارد تعذّر المرتبة العالية ، تحتاج إلى عناية لا يصار إليها إلاّبالقرينة.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : عدم تمامية قاعدة الميسور ، ووجوب الاتيان بالميسور من الأجزاء عند تعذّر بعضها. نعم ، لا نضايق عن وجوب الاتيان بغير المتعذر من الأجزاء في بعض موارد مخصوصة لأجل أدلة خاصّة ، كما في الصلاة ، فانّها لا تسقط بحال بمقتضى الاجماع والروايات (1)على ما ذكر في محلّه.
في حكم ما إذا تردد الأمر بين جزئية شيء أو شرطيته ، وبين مانعيّته أو قاطعيته ، بمعنى أنّا نعلم إجمالاً باعتبار أحد الأمرين في الواجب إمّا فعل هذا الشيء أو تركه. وتحقيق الكلام فيه يستدعي البحث في مسائل ثلاث :
المسألة الاولى : ما إذا كان الواجب واحداً شخصياً لم تكن له أفراد طولية ولا عرضية ، كما إذا ضاق الوقت ولم يتمكن المكلف إلاّمن الاتيان بصلاة واحدة ، ودار الأمر بين الاتيان بها عارياً أو في الثوب المتنجس ، والحكم فيه هو التخيير بلا شبهة وإشكال ، إذ الموافقة القطعية متعذرة ، والمخالفة القطعية بترك الصلاة رأساً غير جائزة يقيناً ، فلم يبق إلاّالموافقة الاحتمالية الحاصلة بكل واحد من الأمرين ، وهذا واضح.
1) تقدّم ما ينفع المقام في ص 310 فراجع
المسألة الثانية : ما إذا كانت الوقائع متعددة وإن لم يكن للواجب أفراد طولية ولا عرضية ، كما إذا دار الأمر بين كون شيء شرطاً في الصوم أو مانعاً عنه ، وحيث إنّ المكلف به متعدد فالحكم فيه هو التخيير الابتدائي ، فله أن يختار الفعل في جميع الأيام أو الترك كذلك ، ولا يجوز له أن يأتي به في يوم ويتركه في يوم آخر ، لكونه موجباً للمخالفة القطعية. وقد تقدّم أنّ العقل يحكم بقبحها ولو كانت تدريجية ملازمةً للموافقة القطعية أيضاً من جهة. ومرّ تفصيل الكلام فيه في بحث دوران الأمر بين المحذورين (1).
المسألة الثالثة : ما إذا كان الواجب واحداً ذا أفراد طولية بحيث يكون المكلف متمكناً من الاحتياط وتحصيل العلم بالموافقة بالاتيان بالواجب مع هذا الشيء مرّةً وبدونه اخرى ، كما في المثال المذكور في المسألة الاولى ، مع سعة الوقت ، فهل الحكم في مثل ذلك هو التخيير أيضاً أو الاحتياط وتكرار العمل؟
ظاهر شيخنا الأنصاري (2)قدسسره ابتناء هذه المسألة على النزاع في دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فعلى القول بوجوب الاحتياط هناك لا بدّ من الاحتياط في المقام أيضاً ، وعلى القول بالبراءة فيه يحكم بجريان البراءة في المقام ، فانّ العلم الاجمالي باعتبار وجود شيء أو عدمه لا أثر له ، لعدم تمكن المكلف من المخالفة العملية القطعية ، لدوران الأمر بين فعل شيء وتركه ، وهو لا يخلو من أحدهما ، مع قطع النظر عن العلم الاجمالي ، فلم يبق إلاّالشك في الاعتبار ، وهو مورد لأصالة البراءة.
ولكن التحقيق وجوب الاحتياط والاتيان بالواجب مع هذا الشيء مرّةً
وبدونه اخرى ، وذلك لأنّ المأمور به هو الطبيعي وله أفراد طولية ، فالمكلف متمكن من الموافقة القطعية بتكرار العمل ، ومن المخالفة القطعية بترك العمل رأساً ، فيكون العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف لا محالة ، فيجب الاحتياط. وأمّا عدم التمكن من المخالفة القطعية في الفرد الخارجي لاستحالة ارتفاع النقيضين فهو لا ينافي تنجيز العلم الاجمالي بعد تمكن المكلف من المخالفة القطعية في اصل المأمور به وهو الطبيعة ، إذ الاعتبار إنّما هو بما تعلّق به التكليف لا بالفرد الخارجي ، فلا مناص من القول بوجوب الاحتياط في المقام ، وإن قلنا بالبراءة في دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، إذ في المقام لنا علم إجمالي باعتبار شيء في المأمور به ، غاية الأمر أنّا لا ندري أنّ المعتبر هو وجوده أو عدمه في المأمور به ، فلا بدّ من الاحتياط والاتيان بالعمل مع وجوده تارةً وبدونه اخرى ، تحصيلاً للعلم بالفراغ ، بخلاف دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فانّه ليس فيه إلاّاحتمال اعتبار شيء في المأمور به ، فيكون مجرى للبراءة على ما مرّ تفصيل الكلام فيه (1)، فكيف يقاس العلم بالاعتبار على الشك فيه ، ومن العجيب أنّ الشيخ (2)قدسسره التزم بوجوب الاحتياط عند دوران الأمر بين القصر والتمام ، مع أنّه داخل تحت كبرى هذه المسألة ومن صغرياتها ، لأنّ الركعة الثالثة والرابعة أمرهما دائر بين الجزئية والمانعية كما هو واضح. وإن شئت قلت : إنّ التسليم في الركعة الثانية على تقدير وجوب القصر جزء للواجب ، وعلى تقدير وجوب التمام مانع عن الصحّة ومبطل للصلاة.
أمّا الاحتياط : فلا يعتبر في حسنه شيء ، سوى ما اعتبر في تحقق عنوانه ، وهو إدراك الواقع على ما هو عليه ، وكل ما اعتبر في حسنه فهو على تقدير صحّته يرجع إلى اعتباره في صدق هذا العنوان ، ضرورة أنّه مع صدقه لا تبقى حالة منتظرة لحكم العقل بحسنه.
فالاحتياط في المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات الشامل للعقود والايقاعات وغيرها من التوصليات لا يعتبر في حسنه إلاّالجمع بين المحتملات الذي به يتحقق أصل عنوان الاحتياط ، ما لم يؤد إلى اختلال النظام ، ولم يخالف الاحتياط من جهة اخرى ، إذ مع كونه مخلاً بالنظام لا يصدق عنوان الاحتياط ، لكونه مبغوضاً للمولى. وكذا مع كونه مخالفاً للاحتياط من جهة اخرى ، فانّه لا يصدق عليه عنوان الاحتياط ، وإدراك الواقع على ما هو عليه.
وأمّا الاحتياط في العبادات ، فلا شكّ في حسنه فيما إذا لم يتمكن المكلف من تحصيل العلم التفصيلي. وكذا فيما إذا لم يكن الواقع منجّزاً عليه كما في الشبهات البدوية من الشبهات الموضوعية مطلقاً ، والشبهات الحكمية بعد الفحص وعدم الظفر بالدليل. وأمّا إن كان المكلف متمكناً من الامتثال التفصيلي بالعلم أو العلمي ، أو كان الواقع منجّزاً عليه على تقدير وجوده ، كما في الشبهات البدوية الحكمية قبل الفحص ، ففي جواز الاحتياط قبل الفحص وعدمه أقوال ، ثالثها : التفصيل بين كون الاحتياط مستلزماً للتكرار وعدمه. رابعها : التفصيل بين موارد العلم الاجمالي بثبوت التكليف وعدمه.
والصحيح جوازه مطلقاً ، إذ المعتبر في تحقق العبادة أمران : تحقق العمل في الخارج ، وكونه مضافاً ومنسوباً إلى المولى ، وكلاهما متحقق في الاحتياط.
وأمّا اعتبار نيّة الوجه والتمييز وغيرهما ممّا ذكروه وجهاً لعدم جواز الاحتياط فلا دليل على اعتباره. وقد تقدّم تفصيل الكلام فيه في مبحث القطع فراجع (1).
وأمّا البراءة العقلية : فلا ريب في اعتبار الفحص في جريانها ، لأنّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنّما هو عدم البيان ، فما لم يحرز ذلك بالفحص لا يستقل العقل بقبح العقاب ، إذ ليس المراد من البيان إيصال التكليف إلى العبد قهراً ، بل المراد منه بيانه على الوجه المتعارف ، وجعله بمرأىً ومسمع من العبد بحيث يمكن الوصول إليه ، فلو كان التكليف مبيّناً من قبل المولى ولم يتفحص عنه العبد ، صحّ العقاب على مخالفته ، ولا يكون عقابه بلا بيان.
وأمّا البراءة الشرعية : فلا إشكال أيضاً في عدم اعتبار الفحص في جواز الرجوع إليها في الشبهات الموضوعية عملاً باطلاق أدلّتها من قوله عليهالسلام : «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» (2)وغيره ممّا ذكر في محلّه ، وقد ورد بعض الأخبار في خصوص الشبهات الموضوعية (3)فراجع.
وأمّا الشبهات الحكمية فقد استدلّ لاعتبار الفحص في الرجوع إلى البراءة فيها مع إطلاق الأدلة فيها أيضاً بامور :
الأوّل : دعوى الاجماع على ذلك.
وفيه : أنّ اتفاق الفقهاء على وجوب الفحص في الشبهات الحكمية وإن كان مسلّماً ، إلاّ أنّه لا يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام لأ نّه معلوم المدرك. فإذن لا بدّ من النظر في المدرك ولا يصحّ الاعتماد بنفس الاتفاق ، فانّه ضمّ قول غير المعصوم إلى مثله.
الثاني : أنّ العلم الاجمالي بثبوت تكاليف إلزامية في الشريعة المقدّسة مانع عن الرجوع إلى البراءة قبل الفحص.
وأورد عليه صاحب الكفاية قدسسره (1)بما حاصله : أنّ موجب الفحص لو كان هو العلم الاجمالي لزم جواز الرجوع إليها قبل الفحص ، بعد انحلاله بالظفر على المقدار المعلوم بالاجمال ، مع أنّه غير جائز قطعاً ، فلا بدّ من أن يكون الوجه لوجوب الفحص أمراً آخر غير العلم الاجمالي. وخلاصة هذا الايراد أنّ الدليل أخص من المدّعي.
وأشكل عليه المحقق النائيني قدسسره (2)بأنّ المعلوم بالاجمال ذو علامة وتميز ، فالعلم الاجمالي المتعلق به غير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال ، لأنّ الواقع قد تنجّز حينئذ بما له من العلامة والتميز ، فكيف يعقل انحلاله قبل الفحص بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال ، فانّه إذا علم إجمالاً بدين مردد بين الأقل والأكثر ، مع العلم بكونه مضبوطاً في الدفتر ، فهل يتوهّم أحد جواز الرجوع إلى البراءة في المقدار الزائد على المتيقن قبل الفحص عمّا في الدفتر؟ والمقام كذلك ، فانّ التكاليف المعلومة بالاجمال مضبوطة في الكتب
المعتبرة عند الشيعة ، وعليه فالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال قبل الفحص لا يوجب انحلال العلم الاجمالي ليصحّ الرجوع إلى البراءة قبل الفحص. نعم ، إذا لم يكن المعلوم بالاجمال ذا علامة وتميز وكان مردداً بين الأقل والأكثر ، جاز الرجوع إلى البراءة بعد الظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال ، لكن المقام ليس من هذا القبيل كما عرفت.
وتوضيح ما أفاده قدسسره : أنّ منشأ العلم الاجمالي بالتكاليف الالزامية أحد امور ثلاثة : الأوّل : هو العلم بثبوت الشرع والتصديق بالنبوّة.
الثاني : العلم الاجمالي بمطابقة جملة من الأمارات للواقع. الثالث : العلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة. وهذه العلوم الثلاثة ينحل السابق منها باللاّحق ، فتكون أطراف العلم الاجمالي بالتكاليف خصوص الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة ، وتكون هذه الكتب كالدفتر في المثال ، فلا ينحل العلم الاجمالي المذكور بالظفر بالمقدار المتيقن قبل الرجوع إلى هذه الكتب والفحص عنها. هذا توضيح مرامه زيد في علو مقامه.
وفيه أوّلاً : أنّ كون المعلوم بالاجمال ذا علامة وتميز إنّما يمنع عن انحلال العلم الاجمالي على تقدير التسليم فيما إذا لم يكن بنفسه مردداً بين الأقل والأكثر كما إذا علمنا إجمالاً بوجود إناءٍ نجس بين أواني محصورة مرددة بين الأقل والأكثر وعلمنا أيضاً بنجاسة إناء زيد المعلوم وجوده بينها ، فلو علم بعد ذلك تفصيلاً بنجاسة إناء معيّن منها وجداناً ، أو تعبداً كما إذا قامت البيّنة على نجاسته من دون إحراز أنّه إناء زيد ، أمكن القول بعدم كونه موجباً لانحلال العلم الثاني الذي يكون لمتعلقه علامة وتميز ، لعدم كون المعلوم بالتفصيل معنوناً بذلك العنوان ، أي عنوان أنّه إناء زيد ، وأمّا إن كان ما له العلامة والتميز أيضاً مردداً بين الأقل والأكثر ، كما إذا كان إناء زيد المعلوم نجاسته في مفروض المثال
أيضاً مردداً بين الأقل والأكثر ، ثمّ علمنا بعد ذلك بكون إناء معيّن إناء زيد ، فينحل العلم الاجمالي الثاني أيضاً ، ويكون الشك في نجاسة غيره من الأواني شكّاً بدوياً لا محالة. والمقام من هذا القبيل ، لأنّ التكاليف المعلومة بالاجمال بعنوان أنّها مذكورة في الكتب المعتبرة بنفسها مرددة بين الأقل والأكثر ، فاذا ظفرنا بالمقدار المتيقن ، ينحل العلم الاجمالي لا محالة.
وثانياً : أنّه لانسلّم عدم الانحلال حتّى فيما إذا كان المعلوم بالاجمال ذا علامة وتميز ، ولم يكن مردداً بين الأقل والأكثر ، إذ بعد العلم التفصيلي بنجاسة إناء بعينه يحتمل أن يكون هو إناء زيد المعلوم كونه نجساً ، ومعه لا يبقى علم بوجود نجاسة في غيره من الأواني ، إذ العلم لا يجتمع مع احتمال الخلاف بالضرورة ، فينحل العلم الاجمالي بالوجدان. وليس لنا علمان إجماليان علم بوجود نجس مردد بين الأقل والأكثر ، وعلم بنجاسة إناء زيد حتّى يقال بعد العلم بنجاسة إناء بخصوصه أنّ العلم الأوّل قد انحلّ دون العلم الثاني ، بل مرجع العلم بوجود نجاسة مرددة بين الأقل والأكثر والعلم بنجاسة إناء زيد إلى العلم بوجود نجس واحد بعنوانين ، فاذا علمنا تفصيلاً بنجاسة إناء معيّن من الأواني ينحل العلم الاجمالي لا محالة.
وثالثاً : أنّه على تقدير تسليم عدم الانحلال وبقاء العلم الاجمالي على حاله ، لايكون هذا العلم منجّزاً بالنسبة إلى الزائد على القدر المتيقن ، لما ذكرناه مراراً (1)من أنّ التنجيز دائر مدار تعارض الاصول في أطراف العلم الاجمالي وتساقطها ، وحيث إنّه لا معنى لجريان الأصل في الطرف المعلوم كونه نجساً في مفروض المثال ، فيجري الأصل في غيره بلا معارض ، فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً.
وأمّا ما ذكره (قدسسره) من عدم جواز الرجوع إلى البراءة بعد الظفر
1) كما في ص 404
بالقدر المتيقن من الدين المضبوط في الدفتر ، فهو على تقدير صحّته لا بدّ من أن يكون مستنداً إلى أمر آخر غير العلم الاجمالي ، كما ادّعي ذلك في موارد من الشبهات الموضوعية التي لا كلام في جواز الرجوع إلى البراءة فيها قبل الفحص ، منها : ما لو شكّ في بلوغ المال حدّ النصاب. ومنها : ما لو شكّ في حصول الاستطاعة للحج وغيرهما من الموارد ، وذكروا الوجه في ذلك : أنّا علمنا من الخارج أنّ الشارع لا يرضى بالرجوع إلى الأصل في هذه الموارد قبل الفحص ، للزوم المخالفة الكثيرة ، فلو صحّ هذا الادّعاء لقلنا بمثله في مثال الدين ، فانّه أيضاً شبهة موضوعية ، وإلاّ التزمنا بجواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص فيه.
ومن الشواهد على أنّ عدم جواز الرجوع إلى الأصل في المقدار الزائد على القدر المتيقن على تقدير تسليمه ليس من جهة العلم الاجمالي ، أنّه لو فرض عدم التمكن من الرجوع إلى الدفتر لضياعه مثلاً لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل في الزائد على القدر المتيقن ، مع أنّه لو كان المانع هو العلم الاجمالي لم يكن فرق بين التمكن من الفحص وعدمه كما هو ظاهر.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ المانع من الرجوع إلى الأصل قبل الفحص لا بدّ من أن يكون شيئاً آخر غير العلم الاجمالي ، كما ذكر صاحب الكفاية قدسسره.
الثالث : دعوى انصراف الأدلة إلى ما بعد الفحص بحكم العقل بوجوب الفحص ، وعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبله ، فانّه كما يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان كذلك يحكم بوجوب الفحص عن أحكام المولى من باب وجوب دفع الضرر المحتمل. وبالجملة : فكما أنّه على المولى إبلاغ أحكامه إلى عبيده ، وبيان مراداته لهم جرياً على وظيفة المولوية ، فكذلك يجب على العبد الفحص عن أحكام المولى جرياً على وظيفة العبودية ، إذ لا يجب على المولى إلاّبيان أحكامه على النحو المتعارف ، من أن يجعلها في معرض الوصول ، وأمّا فعلية
الوصول والبحث عنها فهي من وظائف العبد. فهذا الحكم العقلي بمنزلة القرينة المتّصلة المانعة عن انعقاد الظهور في إطلاقات أدلة البراءة ، فهي مختصّة من أوّل الأمر بما بعد الفحص في الشبهات الحكمية.
وهذا الوجه ممّا لا بأس به.
الرابع : الآيات والروايات الدالة على وجوب التعلّم مقدّمةً للعمل ، وهي كثيرة ، منها : قوله تعالى : «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1). ومن الروايات : ما ورد في تفسير قوله تعالى : «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» (2)من أنّه يقال للعبد يوم القيامة : هل علمت؟ فإن قال نعم ، قيل له : فهلاّ عملت؟ وإن قال : لا ، قيل له : فهلاّ تعلّمت حتّى تعمل (3)؟ ومن الظاهر أنّه لو جاز الرجوع إلى البراءة أو غيرها من الاصول قبل الفحص والتعلّم لم يجب سؤال أهل العلم كما في الآية الشريفة ، ولم يتوجّه العتاب إلى من لم يتعلّم كما في الرواية. وهذا الوجه أيضاً لا بأس به.
الخامس : الأخبار الدالة على وجوب التوقف ، وقد تقدّم ذكر جملة منها في مبحث البراءة (4). والنسبة بينها وبين أخبار البراءة وإن كانت هي التباين ، لدلالة أخبار البراءة باطلاقها على البراءة مطلقاً قبل الفحص وبعده ، وكذا جملة من أخبار التوقف تدل على وجوب التوقف مطلقاً ، إلاّأنّ مورد جملة من أخبار التوقف هي الشبهة قبل الفحص ، كقوله عليهالسلام : «فأرجئه حتّى
تلقى إمامك» (1)أي يجب عليك التوقف حتّى تلقى إمامك فتتفحّص وتسأله ، فنسبتها إلى أخبار البراءة هي الخصوص المطلق ، فتخصص أخبار البراءة بما بعد الفحص ، وبعد هذا التخصيص تكون النسبة بين أخبار البراءة وبين بقية أخبار التوقف الدالة على وجوب التوقف مطلقاً أيضاً هو العموم المطلق ، فتخصص أخبار التوقف بما قبل الفحص ، كما هو الشأن في جميع المتعارضين ، فانّه تلاحظ النسبة بينهما بعد ورود التخصيص في أحدهما أو في كليهما من الخارج.
ولاتلاحظ النسبة بينهما في أنفسهما مع قطع النظر عن ورود التخصيص الخارجي على ما هو مذكور في محلّه (2). هذا بناءً على الاغماض عمّا ذكرناه من كون أخبار البراءة مختصّة بما بعد الفحص لأجل قرينة عقلية ، وإلاّ فلا نحتاج إلى تخصيص أدلة البراءة ببعض أخبار التوقف ، بل هي بنفسها مختصّة لأجل القرينة العقلية على ما تقدّم بيانه (3).
وبما ذكرناه ظهر اختصاص أدلة الاستصحاب أيضاً بما بعد الفحص. وظهر أيضاً عدم جواز الرجوع إلى سائر الاصول العقلية قبل الفحص كالتخيير العقلي ونحوه.
وملخّص الكلام في المقام : أنّ الاصول العقلية في نفسها قاصرة عن الشمول لما قبل الفحص ، لأنّ موضوعها عدم البيان ، وهو لا يحرز إلاّبالفحص فلا مقتضي لها قبله. وأمّا الاصول النقلية فأدلّتها وإن كانت مطلقة في نفسها ، إلاّ أنّها مقيّدة بما بعد الفحص بالقرينة العقلية المتصلة والنقلية المنفصلة.
بقي الكلام في جهات لا بدّ لنا من التعرّض لها :
الجهة الاولى : في مقدار الفحص ، فهل يجب الفحص بمقدار يحصل العلم بعدم الدليل ، أو يكفي الاطمئنان ، أو يكفي مجرد الظن بالعدم؟ وجوه خيرها أوسطها.
أمّا عدم وجوب تحصيل العلم فلعدم الدليل عليه. مضافاً إلى كونه مستلزماً للعسر والحرج ، بل موجب لسدّ باب الاستنباط ، لعدم حصول القطع بعدم الدليل عادةً وإن أصرّ في الفحص. وأمّا عدم اعتبار الظن فلعدم الدليل على اعتباره ، فهو لا يغني عن الحق شيئاً.
فتعيّن الوسط وهو كفاية الاطمئنان لكونه حجّة ببناء العقلاء ، ولم يردع عنه الشارع. وأمّا تحقق الصغرى لهذه الكبرى ، أي حصول الاطمئنان بعدم الدليل ، فهو سهل لمن تصدّى لاستنباط الأحكام الشرعية فعلاً ، فانّ المتقدمين من العلماء أتعبوا أنفسهم الشريفة ورتّبوا الأخبار وبوّبوها ، فبالرجوع إلى أخبار باب وبعض الأبواب الاخرى المناسبة لهذا الباب يحصل الاطمئنان. ولولا هذا الترتيب والتبويب لكان اللاّزم هو الفحص في كتب الأخبار من أوّلها إلى آخرها لتحصيل الاطمئنان في مسألة واحدة.
الجهة الثانية : بعد ما عرفت وجوب تعلّم الأحكام الشرعية والفحص عنها ، وقع الاشكال في أنّ وجوبه طريقي لا يترتب العقاب عند تركه إلاّعلى مخالفة الواقع كما هو المشهور ، أو نفسي يعاقب العبد على تركه ولو لم يخالف الواقع ، كما عن المحقق الأردبيلي (1)قدسسره وصاحب المدارك (2)ومال إليه صاحب الكفاية (3)قدسسره في آخر كلامه. وقبل الشروع في تحقيق المقام وبيان
المختار فيه لا بدّ من التنبيه على امور :
الأوّل : أنّ محل الكلام هو العلم بالأحكام الفرعية ، وأمّا العلم بالاصول الاعتقادية كالعلم بالتوحيد والنبوّة وسائر ما يجب تحصيله والاعتقاد به ، فهو خارج عن محل الكلام. ولا إشكال في وجوب تحصيله والتعلّم نفسياً لا طريقياً ، عينياً لا كفائياً.
الثاني : أنّ وجوب تعلّم الأحكام الشرعية مقدّمة للعمل مختص بالواجبات والمحرّمات ، وما يرجع إليهما من الأحكام الوضعية كالنجاسة والطهارة والزوجية والملكية ونحوها ، إذ لايجب تعلّم المستحبات والمكروهات ، لا نفسياً ولا طريقياً.
الثالث : أنّ محل الكلام إنّما هو وجوب التعلّم والفحص عن الحكم الخاص المتعلق بهذا المكلف نفسه بالوجوب العيني. والمراد من التعلّم هو الأعم من المعرفة بالاجتهاد أو بالرجوع إلى الرسالة إن كان مقلّداً. وأمّا تعلّم كل الأحكام الشرعية بالاجتهاد حتّى الأحكام المتعلقة بغيره كمسائل الحيض والنفاس وغيرهما ، فلا إشكال في وجوبه كفائياً ، فهذا أيضاً خارج عن محل الكلام ، فلا وجه للاستدلال على وجوب الفحص في المقام بآية النفر (1)كما ارتكبه شيخنا الأنصاري (2)قدسسره فانّها دليل على وجوب تعلّم الأحكام الشرعية كفائياً ولا كلام لنا فيه ، إنّما الكلام في وجوب التعلّم والفحص بالوجوب العيني عمّا يجب على نفس هذا المكلف.
إذا عرفت هذه الامور فنقول : إنّ الصحيح هو الوجوب الطريقي ، وتظهر
صحّته بذكر دليل القول بالوجوب النفسي وجوابه ، وهو أنّ الأوامر المتعلقة بالتعلّم والسؤال ظاهرة في الوجوب النفسي.
والجواب : أنّ كون الأمر ظاهراً في الوجوب النفسي العيني التعييني وإن كان مسلّماً كما تقدّم في مبحث الأوامر (1)، إلاّأنّ في المقام خصوصية داخلية وقرينة خارجية توجب ظهور الأوامر المتعلقة بالتعلّم في الوجوب الطريقي مقدّمةً للعمل.
أمّا الخصوصية الداخلية : فهي أنّ نفس السؤال عن شيء وتعلّمه طريق إلى العمل بهذا الشيء ، فالأمر بالسؤال بنفسه ظاهر في الوجوب الطريقي بحسب الارتكاز العرفي ، فانّ السؤال عن الطريق إلى كربلاء مثلاً إنّما هو للمشي من هذا الطريق ، فالأمر بالسؤال عن طريق كربلاء ظاهر في الوجوب الطريقي ، لا الوجوب النفسي ، بأن يكون مجرد السؤال عن الطريق مطلوباً نفسياً ، فكذا الحال في قوله تعالى : «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (2)فانّ الأمر بالسؤال فيه ظاهر في الوجوب الطريقي وأنّ السؤال من أهل الذكر إنّما هو للعمل ، لا لكونه مطلوباً بنفسه. ولعل ظهور الأمر بالسؤال في الوجوب الطريقي ظاهر غير قابل للانكار.
وأمّا القرينة الخارجية : فروايتان إحداهما : ما ورد في تفسير قوله تعالى : «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» وقد تقدّم ذكره (3)، فانّ قوله «فهلاّ تعلّمت حتّى تعمل»
صريح في أنّ وجوب التعلّم إنّما هو للعمل. الثانية : ما ورد في مجدور صار جنباً فغسلوه فمات ، فقال عليهالسلام : «قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا ألا يمموه» (1)فانّ عتاب الإمام عليهالسلام ودعاءه عليهم لم يكن لمجرد ترك السؤال ، بل لترك التيمم أيضاً ، إذ من الواضح أنّ مجرد السؤال والتعلّم لم يكن موجباً لنجاته من القتل الذي نسبه الإمام عليهالسلام إليهم وعيّرهم به ، وإنّما الموجب لنجاته العمل بالتيمم ، فكان الأمر بالسؤال والتعلّم إنّما هو للعمل لا محالة.
هذا ، مضافاً إلى أنّه على تقدير ترك التعلّم والفحص لو صادف خلاف الواقع بارتكاب الحرام أو ترك الواجب ، فالقول باستحقاق العقاب لأجل ترك التعلّم دون مخالفة الواقع بعيد ، لأنّ وجوب الفحص والتعلّم إنّما هو لتنجّز الواقع قبله فكيف يمكن الالتزام بعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع ، واستحقاقه على ترك الفحص عنه فانّه خلف. والالتزام باستحقاق عقابين أبعد ، ولم يقل به أحد.
فتعيّن القول باستحقاق عقاب واحد لأجل مخالفة الواقع ، دون ترك الفحص والتعلّم. وهذا هو معنى الوجوب الطريقي. وأمّا لو ترك الفحص ولكنّه صادف الواقع من باب الاتفاق ، فلا يستحقّ العقاب إلاّعلى القول باستحقاق المتجري للعقاب. وقد تقدّم (2)الكلام فيه مفصّلاً في بحث القطع.
ثمّ إنّه ربّما يستشكل في الوجوب الطريقي فيما إذا كان الواجب مشروطاً بشرط غير حاصل كالموقت قبل وقته ، ولم يكن المكلف متمكناً من الاتيان به في ظرفه لتركه التعلّم قبل حصول الشرط ، باعتبار أنّه قبل حصول الشرط لم يثبت وجوب الواجب حتّى يجب تعلّمه وتحصيل سائر مقدّماته ، وبعد حصوله
لا يكون قادراً على الامتثال ، فالتكليف ساقط للعجز ، فيلزم عدم وجوب التعلّم لا قبل حصول الشرط ولا بعده. ولعلّه لأجل هذا الاشكال التزم صاحب الكفاية قدسسره وغيره بالوجوب النفسي.
وتحقيق الحال حول هذا الاشكال يقتضي البسط في المقال فنقول وعلى اللّه الاتكال :
قد يكون الواجب فعلياً مع اتّساع الوقت لتعلّمه والاتيان به ، فلا إشكال في عدم وجوب التعلّم عليه قبل الوقت ، لعدم فعلية وجوب الواجب ، فانّه بعد الوقت مُخيّر بين التعلّم والامتثال التفصيلي ، والأخذ بالاحتياط والاكتفاء بالامتثال الاجمالي ، سواء كان الاحتياط مستلزماً للتكرار أم لا ، بناءً على ما تقدّم بيانه (1)من أنّ الصحيح جواز الاكتفاء بالامتثال الاجمالي ولو كان مستلزماً للتكرار مع التمكن من الامتثال التفصيلي.
وقد يكون الواجب فعلياً مع عدم اتّساع الوقت للتعلّم وللاتيان به ، ولكن المكلف يتمكن من الاحتياط والامتثال الاجمالي ، ولا إشكال أيضاً في عدم وجوب التعلم عليه قبل الوقت ، لعدم فعلية وجوب الواجب ، ولا بعد الوقت لعدم اتّساع الوقت له وللاتيان بالواجب على الفرض ، فله أن يتعلّم قبل الوقت ، وله أن يحتاط بعد دخوله. وتوهّم أنّ الامتثال الاجمالي إنّما هو في طول الامتثال التفصيلي ، فمع القدرة على الثاني لا يجوز الاكتفاء بالأوّل ، غير جارٍ في هذا الفرض ، لعدم التمكن من الامتثال التفصيلي في ظرف العمل ، نعم هو متمكن من التعلّم قبل الوقت ، إلاّ أنّه لا يجب عليه حفظ القدرة على العمل قبل الوقت ولم يقل بوجوبه أحد.
1) في ص 92
وقد يكون الواجب فعلياً مع عدم اتّساع الوقت للتعلّم وللإتيان به ، ولا يكون المكلف متمكناً من الاحتياط ، ولكنّه متمكن من الامتثال الاحتمالي فقط ، كما إذا شكّ في الركوع حال الهوي إلى السجود ، مع عدم تعلّمه لحكم ذلك قبل العمل ، فانّه لا يتمكن من الاحتياط وإحراز الامتثال ، إذ في الرجوع والاتيان بالركوع احتمال زيادة الركن وهو مبطل للصلاة ، وفي المضي في الصلاة وعدم الاعتناء بالشك احتمال نقصان الركن وهو أيضاً مبطل للصلاة ، فلا يتمكن من الاحتياط. وفي كل من الرجوع والاتيان بالركوع والمضي في الصلاة احتمال الامتثال ، هذا إذا كان الشك متعلقاً بالأركان كما مثّلناه.
وأمّا إن كان متعلقاً بغير الأركان ، فهو متمكن من الاحتياط والاتيان بالمشكوك فيه رجاءً ، وهو خارج عن هذا الفرض ، ففي هذا الفرض وجب عليه التعلّم قبل الابتلاء بالشك بحكم العقل بملاك دفع العقاب المحتمل عند فعلية الشك وتشمله أدلة وجوب التعلّم أيضاً ، فانّه لو لم يتعلّم قبل الابتلاء واكتفى بالامتثال الاحتمالي فلم يصادف الواقع كانت صلاته باطلةً وصحّ عقابه ، ولا يصح اعتذاره بأ نّي ما علمت ، لأنّه يقال له : «هلاّ تعلّمت حتّى عملت» كما في الرواية (1). ومن هذا الباب فتوى الأصحاب بوجوب تعلّم مسائل الشك والسهو قبل الابتلاء ، حتّى أفتوا بفسق من لم يتعلّم. وأنت ترى أنّ الاشكال المذكور من ناحية وجوب التعلّم غير جارٍ في هذه الصورة يقيناً فلاحظ.
وقد لا يكون الواجب فعلياً بعد دخول الوقت لكونه غافلاً - ولو كانت غفلته مستندة إلى ترك التعلم - أو لكونه غير قادر ، ولو كان عجزه مستنداً إلى ترك التعلم قبل الوقت ، مع عدم اتّساع الوقت للتعلّم وللاتيان بالواجب ، والاشكال المذكور مختص بهذه الصورة.
1) تقدّمت في ص 571
والذي ينبغي أن يقال : إنّه إن كانت القدرة المعتبرة في مثل هذا الواجب معتبرة عقلاً من باب قبح التكليف بغير المقدور وغير دخيلة في الملاك ، كما إذا ألقى أحد نفسه من شاهق إلى الأرض ، فانّه أثناء الهبوط إلى الأرض وإن لم يكن مكلفاً بحفظ نفسه ، لعدم قدرته عليه ، إلاّأنّ قدرته ليست دخيلة في الملاك ، ومبغوضية الفعل للمولى باقية بحالها ، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في وجوب التعلّم قبل الوقت للتحفظ على الملاك الملزم في ظرفه ، وإن لم يكن التكليف فعليّاً في الوقت ، لما تقدّم سابقاً (1)من أنّ العقل يحكم بقبح تفويت الملاك الملزم ، كما يحكم بقبح مخالفة التكليف الفعلي.
وإن كانت القدرة معتبرة شرعاً ودخيلة في الملاك ، فلا يجب التعلّم قبل الوقت حينئذ ، بلا فرق بين القول بوجوبه طريقياً والقول بوجوبه نفسياً. أمّا على القول بالوجوب الطريقي فالأمر واضح ، إذ لا يترتب على ترك التعلّم فوات واجب فعلي ولا ملاك ملزم. وأمّا على القول بالوجوب النفسي ، فلأنّ الواجب إنّما هو تعلّم الأحكام المتوجهة إلى شخص المكلف ، والمفروض أنّه لم يتوجّه إليه تكليف ولو لعجزه ، ولا يجب على المكلف تعلّم الأحكام المتوجهة إلى غيره ، وهو القادر ، ولذا لا يجب على الرجل تعلم أحكام الحيض.
وظهر بما ذكرناه : أنّه لا ثمرة عملية بيننا وبين المحقق الأردبيلي قدسسره إذ قد عرفت عدم وجوب التعلّم في هذا الفرض على كلا القولين ، فلا يجدي الالتزام بالوجوب النفسي في دفع الاشكال المذكور ، بل الحق هو الالتزام بالاشكال وعدم وجوب التعلّم ، ولا يلزم منه محذور.
الجهة الثالثة : هل يختص وجوب التعلّم بما إذا علم المكلف تفصيلاً أو إجمالاً أو اطمأنّ بابتلائه بما لا يعلم حكمه ، كحكم الشكوك المتعارفة التي يعمّ بها
1) في ص 530
الابتلاء ، أو يجب بمجرّد احتمال الابتلاء؟ وجهان بل قولان.
المشهور بينهم بل المتسالم عليه هو الثاني. وربّما يقال بالأوّل تمسّكاً باستصحاب عدم الابتلاء ، وبعد إحراز عدم الابتلاء ولو بالتعبد لا يجب التعلّم.
وردّ هذا الاستصحاب بوجهين :
الأوّل : أنّ أدلة الاستصحاب لا تشمل المقام ، بدعوى أنّها لا تشمل إلاّ الامور الماضية المتعلق بها اليقين السابق والشك اللاحق ، فعدم الابتلاء في المستقبل لا يكون مشمولاً لأدلة الاستصحاب.
وفيه : أنّ الميزان في جريان الاستصحاب إنّما هو تقدّم زمان المتيقن على زمان المشكوك فيه ، من دون فرق بين الامور الماضية والاستقبالية ، على ما سيجيء الكلام فيه في بحث الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى. ولذا بنينا على ذلك فروعاً كثيرة منها : جواز البدار في أوّل الوقت لذوي الأعذار تمسّكاً باستصحاب بقاء عذره إلى آخر الوقت.
الثاني : ما ذكره المحقق النائيني (2)قدسسره وهو أنّ جريان الاستصحاب متوقف على كون الواقع المشكوك فيه بنفسه أثراً شرعياً أو ذا أثر شرعي. وأمّا إذا لم يكن كل من الأمرين ، ولم يكن أثر شرعي في البين ، أو كان الأثر مترتباً على نفس الشك دون الواقع ، فلا معنى لجريان الاستصحاب. والمقام من هذا القبيل ، لأنّ وجوب التعلّم من باب وجوب دفع الضرر المحتمل بحكم العقل مترتب على احتمال الابتلاء لا على واقع الابتلاء ، ليتمسّك بالاستصحاب لاحراز عدمه.
وفيه : أنّه لا يعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب أثراً شرعياً أو ذا أثر شرعي ، بناءً على ما هو التحقيق من أنّ الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي أيضاً ، فيكفي في جريان الاستصحاب ترتّب الأثر على نفس الاستصحاب. وعليه فلا مانع من إجراء الاستصحاب في المقام وإحراز عدم الابتلاء بالتعبّد ، ويترتب عليه عدم وجوب التعلّم ، فلا يبقى موضوع لحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل. نعم ، بناءً على عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وكونه بمنزلة القطع الطريقي فقط ، كما عليه صاحب الكفاية (1)قدسسره يعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب أثراً شرعياً أو ذا أثر شرعي ، فلا يجري في المقام ، لما ذكره المحقق النائيني قدسسره ولكنّه خلاف ما التزم به في مبحث الاستصحاب ، فانّه اختار فيه كون الاستصحاب بمنزلة القطع الموضوعي أيضاً (2).
هذا ، ولكن التحقيق أنّ الاستصحاب غير جارٍ في المقام ، للأدلة الدالة على وجوب التعلّم ، فانّ إطلاقها يشمل المقام. وتخصيصها بموارد العلم أو الاطمئنان بالابتلاء مستهجن لندرتها ، فانّ الغالب في مسائل الشكوك ونحوها مجرد احتمال الابتلاء ، فيكون وجوب التعلّم عند احتمال الابتلاء ثابتاً بالدليل ، ومعه لا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب كما هو واضح.
الجهة الرابعة : لا شكّ في أنّ الشاك في التكليف لو ترك الفحص واقتحم في الشبهة فصادف ارتكاب الحرام يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع ، إذ بعد وجوب الفحص طريقياً تنجّز الواقع عليه. هذا فيما إذا كان الواقع بحيث لو تفحّص المكلف عنه لظفر به. وأمّا فيما إذا كان الواقع على نحو لا يصل المكلف
إليه بعد الفحص ، بل ربّما يؤدّي فحصه إلى خلافه ، فهل يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع أم لا؟ وجهان بل قولان.
ولا يخفى أنّ استحقاق العقاب من جهة التجري وعدم الفحص مبني على ما تقدّم الكلام فيه في مبحث التجري (1)، فمحل الكلام فعلاً إنّما هو استحقاق العقاب على مخالفة الواقع ، فالتزم المحقق النائيني (2)قدسسره باستحقاق العقاب ، بدعوى أنّ مخالفة الواقع ما لم تكن مقرونة بالمؤمّن شرعاً أو عقلاً موجبة لاستحقاق العقاب. والمقام كذلك لأنّ المفروض عدم جريان البراءة الشرعية ولا العقلية قبل الفحص على ما تقدّم بيانه (3).
وقد ذكرنا في الدورة السابقة أنّه يمكن الالتزام بعدم استحقاق العقاب لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، إذ المراد بالبيان جعل التكليف في معرض الوصول على ما تقدّم بيانه ، فمع عدم تمكن المكلف من الوصول إليه كان البيان غير تام من قبل الشارع ، ومعه يستقل العقل بقبح العقاب ، فتكون مخالفة الواقع حينئذ مقرونة بالمؤمّن العقلي ، غاية الأمر أنّ المكلف غير ملتفت إلى عدم تمامية البيان من قبل المولى وكان يحتملها فتجرّى واقتحم الشبهة بلا فحص ، فلو كان مستحقاً للعقاب ، فانّما هو على التجري لا على مخالفة الواقع ، لأنّ الواقع ممّا لم تقم الحجّة عليه ، فيكون العقاب عليه بلا بيان.
ولكن التحقيق هو التفصيل في المقام بأن يقال : إن بنينا على وجوب الفحص لآية السؤال والأخبار الدالة على وجوب التعلّم وتحصيل العلم بالأحكام (4)
فالحق عدم استحقاق العقاب ، لعدم إمكان التعلّم والفحص وتحصيل العلم على الفرض ، فلا يكون المقام مشمولاً للآية الشريفة والأخبار الدالة على وجوب التعلّم. وإن بنينا على وجوب الفحص لأجل العلم الاجمالي أو لأجل أدلة التوقف والاحتياط ، بناءً على كونها دالة على الوجوب المولوي الطريقي لا الارشادي المحض ، على ما استظهرنا منها (1)، فالحق استحقاق العقاب على مخالفة الواقع ، لكونه حينئذ منجّزاً بالعلم الاجمالي أو بوجوب التوقف والاحتياط.
الجهة الخامسة : لا ينبغي الاشكال في أنّ العمل الصادر من الجاهل المقصّر قبل الفحص محكوم بالبطلان ظاهراً ، بمعنى أنّ العقل يحكم بعدم جواز الاجتزاء به في مقام الامتثال ، لعدم إحراز مطابقته للواقع. وهذا المعنى من البطلان هو المراد لصاحب العروة قدسسره في قوله : إنّ عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (2)، فلا وجه لما ذكره المحشّون على قوله المذكور ، على تفصيل يأتي ، لأنّ التفصيل الذي ذكره بعد سطور (3)بأ نّه إن كان مطابقاً للواقع فكذا ، وإن كان مخالفاً له فكذا ، إنّما هو بعد انكشاف الواقع. والمراد من البطلان في صدر عبارته بمعنى عدم جواز الاجتزاء به بحكم العقل ، إنّما هو قبل انكشاف الواقع ، فلا ربط له بالتفصيل المذكور بعد سطور. ولا فرق في الحكم بالبطلان ظاهراً بالمعنى المذكور بين المعاملات والعبادات إذا فرض تمشّي قصد القربة منه في العبادات.
وإلاّ فلا ينبغي الشك في بطلان العبادات واقعاً. هذا كلّه قبل انكشاف الحال بالعلم أو بالحجّة. وأمّا إذا تبيّن الحال فالصور المتصورة أربع :
الصورة الاولى : أن تنكشف مخالفة المأتي به للواقع بفتوى من كان يجب
الرجوع إليه حين العمل ، وبفتوى من يجب الرجوع إليه فعلاً ، أو كان من يجب الرجوع إليه فعلاً هو الذي كان يجب الرجوع إليه حين العمل. ولا إشكال في الحكم ببطلان العمل في هذه الصورة ، لعدم مطابقته للواقع على حسب الحجّة الفعلية والحجّة حين العمل.
الصورة الثانية : أنّ تنكشف مطابقة المأتي به للواقع بفتوى كلا المجتهدين ، أو كان من يجب الرجوع إليه فعلاً هو الذي كان يجب الرجوع إليه حين العمل ، وكان العمل المأتي به مطابقاً للواقع بفتواه. ولا إشكال في الحكم بصحّة العمل في هذه الصورة ، لكونه مطابقاً للواقع على حسب الحجّة الفعلية والحجّة حين العمل ، بل يستفاد الحكم بصحّته في هذه الصورة من الحكم بالصحّة في الصورة الرابعة بالأولوية القطعية.
الصورة الثالثة : أن تنكشف مطابقة العمل المأتي به لفتوى من كان يجب الرجوع إليه حين العمل ، ومخالفته لفتوى من يجب الرجوع إليه فعلاً. والظاهر هو الحكم بالبطلان في هذه الصورة ، لأنّ المقتضي للصحّة إمّا أن يكون الأدلة الخاصّة الدالة على عدم وجوب الاعادة في خصوص الصلاة كحديث لاتعاد (1)بناءً على عدم اختصاصه بالناسي ، وشموله للجاهل أيضاً كما هو الصحيح ، ولذا نحكم بصحّة عمل الجاهل القاصر خلافاً للمحقق النائيني قدسسره فانّه أصرّ على اختصاصه بالناسي (2)، وهو لا يشمل الجاهل المقصّر ، لعدم إتيانه بوظيفة العبودية من التعلّم والفحص. وبالجملة : الجاهل المقصّر بمنزلة العامد ، فلا يشمله حديث لا تعاد وأمثاله.
وإمّا أن يكون المقتضي للصحّة الأدلة العامّة التي أقاموها على دلالة الأوامر الظاهرية للاجزاء ، بلا فرق بين الصلاة وغيرها ، وعمدتها الاجماع على عدم وجوب الاعادة والقضاء بعد امتثال الأوامر الظاهرية ولو انكشف خلافها ، ولا يكون المقام داخلاً في معقد الاجماع يقيناً ، لأنّ الاجماع على الاجزاء وعدم وجوب الاعادة والقضاء إنّما هو فيما إذا كان العامل في عمله مستنداً إلى الأمر الظاهري. وأمّا إذا لم يستند إليه كما في المقام فلا إجماع على صحّته.
الصورة الرابعة : أن تنكشف مطابقة العمل المأتي به للواقع بحسب فتوى المجتهد الفعلي ، ومخالفته له بفتوى المجتهد الأوّل. والحكم في هذه الصورة الصحّة ، إذ الحجّة الفعلية قامت على صحّة العمل وعدم وجوب القضاء ، فجاز الاستناد إليها في ترك القضاء.
نعم ، هنا شيء وهو أنّه لو كان العمل مخالفاً للواقع في نفس الأمر ومضى وقته ، صحّ عقابه على مخالفة الواقع بالنسبة إلى ما مضى من الأعمال ، لكون العمل مخالفاً للواقع على الفرض ، وعدم الاستناد إلى الحجّة فيه ، والسر فيه : أنّ ترك الواجب الواقعي في الوقت له عقاب غير عقاب ترك القضاء ، فالاستناد إلى فتوى المجتهد الفعلي بصحّة العمل المأتي به وعدم وجوب القضاء يوجب رفع العقاب على ترك القضاء ، لا رفع العقاب على ترك الأداء ، إذ تركه كان بلا استناد إلى الحجّة. فمن صلّى بلا استناد إلى فتوى مجتهد ومضى وقتها ، ثمّ انكشف صحّتها بفتوى المجتهد الفعلي ، بمعنى أنّه قلّد من أفتى بصحّتها وعدم وجوب القضاء عليه وكانت في الواقع فاسدة ، صحّ عقابه لترك الأداء ، لكونه بلا استناد إلى حجّة ، فلا يكون معذوراً فيه. نعم ، لا يصح عقابه على ترك القضاء ، لاستناده فيه إلى الحجّة الفعلية ، فيكون معذوراً لا محالة. نعم ، لو صلّى بلا تقليد مجتهد ثمّ قلّد من أفتى بصحّة صلاته والوقت باقٍ وكانت صلاته فاسدة
في نفس الأمر ، لا يصح عقابه على ترك الأداء أيضاً ، لاستناده حينئذ في عدم الاعادة إلى الحجّة الفعلية.
ومن جميع ما ذكرناه في حكم المقلد ظهر حكم المجتهد التارك للفحص أيضاً ، فانّ نسبة الأمارة إليه نسبة فتوى المجتهد إلى المقلد ، بلا تفاوت بينهما من حيث الحكم أصلاً ، فلا حاجة إلى الاعادة.
ثمّ إنّ المتسالم عليه بين الفقهاء صحّة الصلاة جهراً في موضع الاخفات وبالعكس ، وكذا صحّة الاتمام في موضع القصر ، وكذا صحّة الصوم في السفر.
وكل ذلك مع الجهل بالحكم ولو تقصيراً ، ومع ذلك التزموا باستحقاق العقاب على ترك الواقع الناشئ عن ترك التعلّم والفحص. وأصل الحكم بالصحّة في هذه الموارد ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف نصّاً (1)وفتوىً ، إنّما الاشكال في الجمع بين الحكم بالصحّة واستحقاق العقاب ، فانّه كيف يعقل الحكم بصحّة المأتي به والحكم باستحقاق العقاب على ترك الواجب ، ولا سيّما مع بقاء الوقت ، والحكم بعدم وجوب الاعادة.
وقد اجيب عن ذلك بوجهين :
الأوّل : ما ذكره صاحب الكفاية (2)قدسسره وهو أنّه يمكن أن يكون المأتي به حال الجهل مشتملاً على مصلحة ملزمة ، وأن يكون الواجب الواقعي مشتملاً على تلك المصلحة وزيادة لا يمكن تداركها عند استيفاء المصلحة التي
كانت في العمل المأتي به جهلاً ، لتضادّ المصلحتين ، فالحكم بالصحّة إنّما هو لاشتمال المأتي به على المصلحة الملزمة ، وعدم إمكان استيفاء الزيادة ، والحكم باستحقاق العقاب إنّما هو لأجل أنّ فوات المصلحة الزائدة مستند إلى تقصيره وترك التعلّم ، فلا منافاة بينهما.
وفيه أوّلاً : أنّ التضاد إنّما هو بين الأفعال ، وأمّا التضاد بين الملاكات مع إمكان الجمع بين الأفعال فهو أمر موهوم يكاد يلحق بأنياب الأغوال.
وثانياً : أنّ المصلحتين إن كانتا ارتباطيتين ، فلا وجه للحكم بصحّة المأتي به ، مع فرض عدم حصول المصلحة الاخرى ، وإن كانتا استقلاليتين ، لزم تعدّد الواجب وتعدّد العقاب عند ترك الصلاة رأساً ، وهو خلاف الضرورة.
الثاني : ما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدسسره (1)من الالتزام بالترتب ، بتقريب أنّ الواجب على المكلف ابتداءً هو صلاة القصر مثلاً ، وعلى تقدير تركه واستحقاق العقاب على تركه ، فالواجب هو التمام ، فلا منافاة بين الحكم بصحّة المأتي به واستحقاق العقاب على ترك الواجب الأوّل.
وأورد المحقق النائيني قدسسره (2)على هذا الوجه بوجوه :
الأوّل : أنّ الخطاب المترتب لا بدّ من أن يكون موضوعه عصيان الخطاب المترتب عليه ، كما في مسألة الصلاة والازالة. ومن الظاهر عدم إمكان ذلك في المقام ، لأنّ المكلف إن التفت إلى كونه عاصياً للتكليف بالقصر ، انقلب كونه جاهلاً بوجوب القصر إلى كونه عالماً به ، فيخرج من عنوان الجاهل بالحكم ، فلا يحكم بصحّة ما أتى به. وإن لم يلتفت إلى ذلك ، فلا يعقل أن يكون الحكم
المجعول بهذا العنوان محرّكاً له في مقام العمل.
الثاني : أنّ وجوب الصلاة بما أنّه غير موقت بوقت خاص ، بل هو ثابت موسعاً بين المبدأ والمنتهى ، فعصيانه لا يتحقق إلاّبخروج الوقت. وعليه فكيف يعقل تحقق العصيان في أثناء الوقت الذي فرض موضوعاً للحكم الثاني.
الثالث : أنّ الترتب لو سلّم إمكانه في المقام لا دليل على وقوعه ، فالقول به قول بغير دليل ، وهذا بخلاف الترتب في موارد التزاحم إذ قد عرفت في محلّه (1)أنّ القول بالترتب فيه ممّا يقتضيه نفس إطلاق دليل الواجب ، بلا حاجة إلى التماس دليل آخر.
هذا ، ولكن الانصاف أنّه لايرد عليه شيء من الوجوه المذكورة. أمّا الوجهان الأوّلان فلما ذكرناه في محلّه (2)من أنّ الالتزام بالخطاب الترتبي لا يتوقف على أن يكون موضوعه عصيان التكليف الآخر ، بل يصح ذلك مع كون الموضوع فيه مطلق الترك ، فصحّ أن يقال في المقام : إنّ القصر واجب مطلق ، والتمام واجب مشروط بترك القصر جهلاً بوجوبه. وأمّا الوجه الأخير فلأنّ صحّة العمل المأتي به مفروغ عنها في المقام ، وقد دلّ الدليل عليها ، إنّما الكلام في تصويرها وإمكانها ، فلو أمكن القول بالترتب لا يحتاج وقوعه إلى أزيد من الأدلة الدالة على صحّة المأتي به جهلاً.
والصحيح أن يقال : إنّ الترتب وإن كان أمراً معقولاً في نفسه ، إلاّ أنّه لا يمكن الالتزام به في خصوص المقام لأمرين : الأوّل : أنّ لازم ذلك هو الالتزام
بتعدد العقاب عند ترك الصلاة رأساً ، وقد عرفت بطلانه (1). الثاني : أنّ ذلك منافٍ للروايات (2)الكثيرة الدالة على أنّ الواجب على المكلف في كل يوم وليلة خمس صلوات ، إذ يلزم على القول بالترتب كون الواجب على من أتمّ صلاته وهو مسافر ثمان صلوات ، وكذا على من أجهر في صلاته موضع الاخفات وبالعكس كما لا يخفى.
والذي ينبغي أن يقال في مقام الجواب عن أصل الاشكال : إنّا لا نلتزم باستحقاق العقاب في هذه الموارد ، فانّ مسألة استحقاق العقاب وعدمه عقلية لا يعتمد فيها على الشهرة والاجماع. مضافاً إلى عدم حجّية الشهرة في نفسها ولو في المسائل الشرعية على ما ذكر في محلّه (3)، وأنّ الاجماع غير محقق لعدم التعرّض لها في كلمات كثير من الأصحاب ، فنلتزم بصحّة العمل المأتي به بمقتضى الدليل وبعدم استحقاق العقاب في هذه الموارد.
وتوضيح ذلك : أنّ الجاهل بوجوب القصر مثلاً لو صلّى قصراً ، وحصل منه قصد القربة حال العمل ، فامّا أن يحكم بصحّة صلاته وعدم وجوب الاعادة عليه بعد ارتفاع جهله ، أو يحكم بفسادها ووجوب الاعادة.
أمّا على الأوّل : فلا مناص من الالتزام بأنّ الحكم للجاهل هو التخيير بين القصر والتمام ، وهذا هو الصحيح ، فيحكم بصحّة القصر بمقتضى إطلاقات الأدلة الدالة على وجوب القصر على المسافر ، غاية الأمر أنّه يرفع اليد عن ظهورها في الوجوب التعييني بما دلّ على صحّة التمام. مضافاً إلى استبعاد الحكم ببطلان
القصر والأمر باعادة الصلاة قصراً بلا زيادة ونقصان ، ويحكم بصحّة التمام أيضاً لورود النص الخاص ، فيكون المكلف الجاهل بوجوب القصر مخيّراً بين القصر والتمام وإن لم يكن ملتفتاً إلى التخيير. وعليه فلا موجب لاستحقاق العقاب عند الاتيان بالتمام وترك القصر.
وأمّا على الثاني : فلا مناص من الالتزام بكون التمام واجباً تعيينياً عند الجهل بوجوب القصر ، ومعه كيف يمكن الالتزام باستحقاق العقاب على ترك القصر ، وكذا الحال في مسألة الجهر والاخفات ، فلا حاجة إلى الاعادة. ولتوضيح المقام نفرض شخصين كان كل واحد منهما جاهلاً مقصّراً ، فأتى أحدهما بصلاة الصبح مثلاً جهراً والآخر إخفاتاً ، فنحكم بصحّة صلاة الثاني وإن كانت مخالفة للواقع بمقتضى النص الخاص. وحينئذ إن حكمنا ببطلان صلاة الأوّل مع مطابقتها للواقع ، يكون الأمر أقبح ، للحكم ببطلان ما هو مطابق للواقع ، وصحّة ما هو مخالف له ، مضافاً إلى لزوم القول ببطلان الصلاة مع الساتر إذا كان المصلي جاهلاً باعتبار الستر في الصلاة ، وكذا يلزم القول ببطلان الصلاة إلى القبلة إذا كان المصلي جاهلاً باعتبار الاستقبال في الصلاة. وهكذا بالنسبة إلى سائر الشروط ، فلا مناص من الحكم بصحّة صلاته أيضاً ، فإذا حكمنا بصحّة الصلاة جهراً وإخفاتاً فلا محالة يكون الجاهل مخيراً بين الجهر والاخفات وإن لم يكن ملتفتاً إلى التخيير حين العمل ، فلا وجه للالتزام باستحقاق العقاب.
الجهة السادسة : اشتراط الرجوع إلى الاصول العملية بالفحص مختص بالشبهات الحكمية ، لاختصاص دليله بها. وأمّا الشبهات الموضوعية ، فلا يكون الرجوع إلى الأصل فيها مشروطاً بالفحص ، بل يجوز الرجوع إليها ولو قبل الفحص ، لاطلاق أدلتها وعدم جريان الوجوه التي ذكرت لوجوب الفحص في الشبهات الحكمية ها هنا. مضافاً إلى خصوص بعض الروايات الواردة في
موارد خاصّة ، كصحيحة زرارة (1)الواردة في الاستصحاب.
وبالجملة : عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف ، إلاّ أنّه ذكر جماعة وجوب الفحص في بعض موارد الشبهات الموضوعية ممّا كان العلم بالحكم فيه متوقفاً على الفحص عادة ، منها : ما إذا شكّ في المسافة فقالوا يجب الفحص والسؤال من أهل الخبرة ، مع كون المورد مجرىً لاستصحاب عدم تحقق المسافة. ومنها : ما إذا شكّ في تحقق الاستطاعة إلى الحج من حيث المال أو من جهة اخرى. ومنها : ما إذا شك في زيادة الربح عن مؤونة السنة ، واستدلّوا لوجوب الفحص في هذه الموارد بأنّ جعل الحكم في مورد يتوقف العلم به على الفحص يدل بالملازمة العُرفية على وجوب الفحص ، وإلاّ لزم اللغو في تشريعه.
وفيه : أنّ الكبرى المذكورة وإن كانت مسلّمة ، إلاّ أنّها غير منطبقة على الأمثلة المذكورة ، فانّ العلم بتحقق المسافة في السفر وبلوغ المال حدّ النصاب أو كفايته للحج أو زيادته عن مؤونة السنة قد يحصل بلا احتياج إلى الفحص وقد يحصل العلم بعدمه ، وقد يكون مشكوكاً فيه كبقية الموضوعات الخارجية.
نعم ، ربّما يتفق توقف العلم بالموضوعات المذكورة على الفحص ، والتوقف أحياناً من باب الاتفاق لا يوجب وجوب الفحص ، وإلاّ لوجب الفحص عن أكثر الموضوعات.
نعم ، بناءً على ما هو المشهور في الخمس من تعلّقه بالربح حين حصوله ، وكون التأخير إلى آخر السنة من باب الارفاق ، وجب الفحص عند الشك في الزيادة على المؤونة ، لأنّ الوجوب حينئذ يكون متيقناً إنّما الشك في سقوطه
1) الوسائل 3 : 466 / أبواب النجاسات ب 37 ح 1
لأجل الشك في كونه زائداً على المؤونة فيجب الفحص لاحراز السقوط بعد العلم بالوجوب. وأمّا على ما ذهب إليه ابن إدريس قدسسره (1)من تعلّق الخمس بالربح بعد مضي السنة وهو الظاهر ، فلا وجه لوجوب الفحص كما ذكرناه (2).
ثمّ إنّ المحقق النائيني قدسسره (3)قد اعتبر في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية أن لاتكون مقدّمات العلم بأجمعها تامّة. وأمّا فيما إذا كانت المقدّمات تامّة بحيث لا يحتاج حصول العلم إلاّإلى مجرد النظر ، فلا تجري البراءة بل لا بدّ من النظر وتحصيل العلم أو الاحتياط. ومثّل لذلك بما إذا كان المكلف بالصوم في سطح لا يتوقف علمه بطلوع الفجر إلاّعلى مجرد النظر إلى الافق ، فلا يجوز له
1) السرائر 1 : 489
2) هكذا ذكر سيّدنا الاستاذ العلاّمة (دام ظلّه) وفي ذهني القاصر أنّه لا فرق بين مسلك المشهور وما ذهب إليه الحلِّي قدسسره في عدم وجوب الفحص ، إذ لا خلاف بينهم في عدم تعلّق الخمس في مقدار المؤونة ، بل الاتفاق حاصل على تعلّق الخمس بالمقدار الزائد عن المؤونة ، إنّما الخلاف في أنّ تعلّق الخمس بالمقدار الزائد عن المؤونة هل هو حين حصوله كما هو المشهور ، أو بعد مضي السنة كما عليه الحلي قدسسره فلو شكّ في زيادة الربح عن مؤونة السنة ، كان الشك في الوجوب على كلا القولين ، فلا وجه لوجوب الفحص على كليهما. نعم ، لو كان المشهور قائلاً بتعلّق الخمس بمطلق الربح ولو لم يكن زائداً على المؤونة ، وأنّ ما يصرفه المكلف في مؤونته عفو وإرفاق منه تعالى عليه ، كان لوجوب الفحص وجه لكون الوجوب حينئذ معلوماً ، إنّما الشك في السقوط والعفو ، ولكنّ المشهور لم يقولوا بذلك على ما راجعنا عاجلاً ، ولا بدّ من المراجعة التامّة والفحص الأكيد ، ومن اللّه سبحانه وتعالى التوفيق والعناية
3) أجود التقريرات 3 : 556 ، فوائد الاصول 4 : 302
الرجوع إلى استصحاب بقاء الليل أو البراءة بدون النظر ، لأنّ مجرد النظر لا يعدّ من الفحص عرفاً ليحكم بعدم وجوبه.
وفيه : أنّ مجرد النظر وفتح العين من دون إعمال مقدّمة اخرى وإن كان لا يعدّ من الفحص ، إلاّأنّ الفحص بعنوانه لم يؤخذ في لسان دليل ليكون الاعتبار بصدقه عرفاً ، بل المأخوذ في أدلة البراءة إنّما هو الجاهل وغير العالم.
ولا شك في أنّ المكلف بالصوم في المثال المذكور جاهل بطلوع الفجر ، ولا دليل على وجوب النظر ليكون مقيّداً لاطلاقات الأدلة الدالة على الاستصحاب أو البراءة ، فالاطلاقات المذكورة محكّمة لا وجه لتقييدها.
الجهة السابعة : ذكر الفاضل التوني (1)قدسسره على ما حكى عنه شيخنا الأنصاري (2)قدسسره للبراءة شرطين آخرين بعد الفراغ عن كونها مشروطةً بالفحص :
أحدهما : أن لا يكون جريانها موجباً للضرر على مسلم أو من بحكمه ، ومثّل له بما لو فتح إنسان قفص طائر فطار ، أو حبس شاة فمات ولدها ، أو أمسك رجلاً فهربت دابته ، فانّ إجراء البراءة في هذه الموارد يوجب الضرر على المالك.
ثانيهما : أن لا يكون مستلزماً لثبوت حكم إلزامي من جهة اخرى ، ومثّل له بما إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد الاناءين ، فانّ جريان البراءة عن وجوب أحدهما يوجب وجوب الاجتناب عن الآخر ، للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما.
وبما إذا لاقى الماء المشكوك في كونه كراً النجاسة ، فانّ جريان أصالة عدم الكرية يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عنه. وكذا إذا علم بكرية الماء وشكّ في تقدّمها على ملاقاة النجاسة ، فانّ جريان أصالة عدم التقدّم يوجب الاجتناب
عنه ، وهذا المثالان [لا] ينطبقان على البراءة. وإنّما هما مثالان للاستصحاب.
ولم يظهر وجه لذكرهما في المقام.
أمّا الشرط الأوّل : فقد أورد عليه الشيخ (1)قدسسره وغيره بأنّ البراءة وإن لم تكن جاريةً في موارد جريان قاعدة لا ضرر ، إلاّ أنّه لا ينبغي عدّه من شرائطها ، إذ مع جريان قاعدة لا ضرر ينتفي موضوع البراءة وهو الشك ، فانّ القاعدة ناظرة إلى الواقع ، وتكون من جملة الأدلة الاجتهادية. ولا مجال للرجوع إلى الأصل مع وجود الدليل كما هو الحال في سائر الاصول العملية بالنسبة إلى الأدلة الاجتهادية.
هذا ملخص ما ذكره الشيخ قدسسره من الاشكال ، فإن كان مراد الفاضل التوني هذا المعنى ، فالاشكال وارد عليه كما ذكره الشيخ قدسسره.
ولكن يحتمل أن يكون مراده ما ذكرناه في أوّل بحث البراءة من أنّ حديث الرفع وارد في مقام الامتنان (2)، بقرينة انتساب الامّة إليه في قوله صلىاللّهعليهوآله «رفع عن امّتي ...» (3)فلا بدّ في شموله أن لا يكون فيه خلاف الامتنان على أحد من الامّة ، فلو لزم من جريان البراءة تضررّ مسلم ، فلا تجري ولا يشمله حديث الرفع ، ولذا ذكرنا في محلّه (4)أنّ حديث الرفع لا يقيد به إطلاق قوله عليهالسلام «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» (5)، فلو أتلف مال الغير
جهلاً أو خطأ أو نسياناً لا يمكن القول بعدم الضمان لأجل حديث الرفع ، لكونه خلاف الامتنان على المالك ، بخلاف الأدلة الدالة على وجوب الكفارة على من أفطر في شهر رمضان مثلاً ، فانّ حديث الرفع يقيدها بما إذا كان عالماً عامداً ، ولم يصدر الافطار منه خطأ أو نسياناً.
وأمّا الأمثلة المذكورة في كلام الفاضل التوني فلا يمكن التمسّك فيها بقاعدة لا ضرر ، لوقوع الضرر فيها لا محالة إمّا على المالك أو على المتلف ، فانّه لو حكم بالضمان لزم الضرر على المتلف ، ولو حكم بعدم الضمان لزم الضرر على المالك. ولا يمكن جريان البراءة عن الضمان ، لكونه خلاف الامتنان على المالك ، فيحكم بالضمان لاطلاق قوله عليهالسلام : «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» فيما إذا ترتب الطيران وموت الولد وهروب الدابة على فعل هذا الشخص ترتب المعلول على العلّة بنظر العرف ، بحيث يعدّ فعله إتلافاً بنظرهم وإن لم يكن بنحو العلية الحقيقية الفلسفية ، فانّه من الواضح ترتب الطيران على فتح القفص وكونه إتلافاً عرفاً. وكذا المثال الثالث إذا كان الحيوان ممّا يترتب هروبه على الامساك كالغزال بل الفرس. وكذا المثال الثاني إذا انحصر بقاء الولد بلبن امه ، بحيث يعدّ حبس امه إتلافاً له في نظر العرف. وأمّا إذا أمكن بقاؤه بتغذيته بشيء آخر ، بحيث لا يعدّ حبس امه إتلافاً له ، فلا يكون ضامناً. وبالجملة الميزان هو صدق الاتلاف عرفاً.
فالمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لو كان مراد الفاضل التوني قدسسره أنّ جريان البراءة مشروط بعدم كونه منافياً للامتنان ، فهو متين لايرد عليه شيء.
نعم ، ذكر في ذيل عبارته المحكية في الرسائل ما هذا لفظه : فلا علم ولا ظن بأنّ
الواقعة غير منصوصة ، فلا يتحقق شرط التمسّك بالأصل (1)انتهى. ويظهر منه أنّ جريان الأصل مشروط بالعلم بعدم النص ، وهذا واضح الفساد ، فانّ الأصل مشروط بعدم العلم بالنص ، لا بالعلم بعدم النص.
وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره من أنّه إذا فتح القفص متعمداً عليه الاثم والتعزير ، وإلاّ فلا يكون عليه شيء. فلعل المراد منه نفي الاثم في صورة عدم العمد كما يشهد عليه صدر العبارة لا نفي الضمان أيضاً ، لاطلاق قوله عليهالسلام : «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» على ما تقدّم بيانه.
وأمّا الشرط الثاني : فتحقيق الحال فيه يستدعي التفصيل في المقام ، وهو أنّ ترتب الالزام من جهة على جريان البراءة يتصوّر على أقسام :
القسم الأوّل : أن لا يكون بينهما في ذاتهما ترتب شرعاً ولا عقلاً ، إلاّأنّ شيئاً خارجياً أوجب ذلك بينهما ، كما في المثال الذي ذكره الفاضل التوني من العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين ، فانّه لا ترتب بين طهارة أحدهما ونجاسة الآخر بحسب الواقع ، ويمكن أن يكون كلاهما نجساً في الواقع ، لكن العلم الاجمالي أوجب الترتب المذكور ، فلأجله كان جريان البراءة عن وجوب الاجتناب في أحدهما موجباً لوجوب الاجتناب عن الآخر ، ففي مثل ذلك لا يمكن الرجوع إلى الأصل ، لا لما ذكره الفاضل التوني من كون الأصل فيه مثبتاً ، بل لعدم جريانه في نفسه لابتلائه بالمعارض ، فلا تصل النوبة إلى استناد عدم الجريان إلى كون الأصل مثبتاً. ولذا لو فرضنا قيام الأمارة في الطرفين
1) فرائد الاصول 2 : 532
لا يمكن العمل بها لأجل المعارضة ، مع حجّية المثبتات من الأمارات.
القسم الثاني : أن يكون الترتب عقلياً كترتب وجوب المهم على عدم وجوب الأهم ، بناءً على القول باستحالة الترتب ، فانّ الموجب لرفع اليد عن إطلاق دليل وجوب المهم ، إنّما هو فعلية التكليف بالأهم وتنجّزه الموجب لعجز المكلف عن الاتيان بالواجب المهم ، فلو فرضنا ترخيص الشارع ولو ظاهراً في ترك الأهم ، كان المهم واجباً لا محالة. فوجوب المهم مترتب عقلاً على إباحة ضدّه الأهم ، وفي هذا القسم لا مناص من الحكم بوجوب المهم عند الشك في تعلّق التكليف بالأهم ، لاطلاق دليل وجوب المهم ، فهو المثبت لوجوب المهم حقيقةً لا البراءة ، وهي إنّما ترفع المانع وهو عجز المكلف ، ففيه لا يبقى مورد لاشتراط جريان البراءة بعدم إثباته للحكم الالزامي ، فانّ المثبت للوجوب فيه هو إطلاق الدليل لا البراءة ، كما تقدّم بيانه.
القسم الثالث : أن يكون الترتب شرعياً ، بأن يكون جواز شيء مأخوذاً في موضوع وجوب شيء آخر في لسان الدليل الشرعي. وهذا يكون أيضاً على أقسام ثلاثة :
الأوّل : أن يكون الالزام المترتب حكماً واقعياً مترتباً على الاباحة الواقعية.
الثاني : أن يكون الالزام حكماً واقعياً مترتباً على مطلق الاباحة الجامع بين الواقعية والظاهرية.
الثالث : أن يكون الالزام هو الأعم من الواقعي والظاهري مترتباً على مطلق الاباحة الأعم من الواقعية والظاهرية ، بمعنى أنّ الالزام الواقعي كان مترتباً على الاباحة الواقعية ، والالزام الظاهري مترتباً على الاباحة الظاهرية.
أمّا القسم الأوّل : فلا يكفي جريان البراءة فيه في فعلية الالزام ، لأنّ أصالة البراءة غير ناظرة إلى الواقع ، فلا تثبت بها الاباحة الواقعية ، كي يترتب على جريانها الحكم الالزامي المترتب على الاباحة الواقعية. نعم ، إن كان الأصل
الجاري تنزيلياً كالاستصحاب أو قامت أمارة على ثبوت الاباحة الواقعية يترتب عليه الالزام ظاهراً ، لاحراز موضوعه بالتعبد ، والعجب من الفاضل التوني قدسسره حيث لم يعتبر الاستصحاب في مسألة الشك في صيرورة ماءٍ كراً ، بعد القطع بعدم كونه كراً ، فأصابته نجاسة ، فقال بعدم ترتب النجاسة على استصحاب قلّة الماء ، مع أنّ الاستصحاب من الاصول التنزيلية وبمنزلة القطع الطريقي.
وأمّا القسم الثاني : فيترتب على الأصل الجاري فيه الالزام ، سواء كان الأصل تنزيلياً أو غيره ، لتحقق موضوع الالزام على كل تقدير كما هو واضح.
وأمّا القسم الثالث : فيكفي في فعلية الالزام فيه ثبوت الاباحة الظاهرية ، غاية الأمر أنّ الالزام حينئذ ظاهري ، فإذا انكشف الخلاف يحكم بعدم ثبوت الالزام من أوّل الأمر ، بخلاف القسم الثاني ، فانّ كشف الخلاف فيه يستلزم ارتفاع الالزام من حين الانكشاف لا من أوّل الأمر. ولنذكر مثالين لهذين القسمين ليتّضح الفرق بينهما فنقول : أمّا مثال القسم الثالث فهو وجوب حجّة الاسلام المترتب على الاستطاعة وإباحة المال الذي به صار المكلف مستطيعاً ، فلو حكم باباحة المال لجريان أصل من الاصول التنزيلية أو غيرها ، يترتب عليه وجوب حجّة الاسلام ظاهراً ، فلو انكشف الخلاف وبان عدم إباحة المال له ينكشف عدم كونه مستطيعاً وعدم وجوب حجّة الاسلام عليه من أوّل الأمر. وأمّا مثال القسم الثاني فهو الماء المشكوك في إباحته ، فانّ وجوب التوضي به واقعاً مترتب على إباحته ظاهراً ، فلو أحرزنا إباحته الظاهرية - ولو بأصالة الاباحة أو أصالة البراءة مثلاً - يترتب عليها وجوب التوضي به واقعاً ، وبعد انكشاف الخلاف يرتفع الوجوب من حين الانكشاف دون ما قبله.
وبما ذكرناه من التفصيل في المقام ظهر أنّ أصالة البراءة في مورد جريانها تترتب عليها آثارها بلا فرق بين كونها الزامية أو غير الزامية ، فلا وجه لما ذكره الفاضل التوني من اشتراط عدم ترتب حكم الزامي على جريانها.
ختام :
نتعرّض فيه لبيان قاعدة لا ضرر ، تبعاً لشيخنا الأنصاري (1)وصاحب الكفاية قدسسره (2)وتحقيق الكلام في هذه القاعدة يستدعي البحث في جهات :
الجهة الاولى : في بيان سند الروايات الواردة فيها ومتنها.
أمّا السند : فلا ينبغي التأمّل في صحّته ، لكونها من الروايات المستفيضة المشتهرة بين الفريقين حتّى ادّعى فخر المحققين في باب الرهن من الايضاح تواترها (3)، والسند في بعض الطرق صحيح أو موثق ، فلو لم يكن متواتراً مقطوع الصدور فلا أقل من الاطمئنان بصدورها عن المعصوم عليهالسلام فلا مجال للاشكال في سندها.
وأمّا المتن : فقد نقلها الخاصّة على ثلاثة وجوه :
الأوّل : ما اقتصر فيه على هاتين الجملتين «لا ضرر ولا ضرار» بلا زيادة شيء كما في حديث ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في قضيّة سمرة بن جندب (4)، وكما في حديث عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليهالسلام في قضاء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله بين أهل البادية «أنّه لا يمنع فضل
ماء ليمنع به فضل كلاء» (1). وما رواه عقبة بن خالد أيضاً عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال عليهالسلام : «قضى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن ، وقال صلىاللّهعليهوآله : لا ضرر ولا ضرار» (2)وكذا رواها القاضي نعمان المصري في كتاب دعائم الاسلام (3).
الثاني : ما زيد فيه على الجملتين كلمة «على مؤمن» كما في حديث ابن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في قضيّة سمرة بن جندب (4).
الثالث : ما زيد فيه على الجملتين كلمة «في الاسلام» ، كما في رواية الفقيه في باب ميراث أهل الملل (5)، وقد حكيت بهذه الزيادة عن تذكرة العلاّمة قدسسره مرسلة (6)، وكذلك عن كتاب مجمع البحرين (7)هذا كلّه من طرق الخاصّة. وأمّا العامّة فرووها بطرق متعددة كلّها بلا زيادة (8)، إلاّرواية ابن
1) الوسائل 25 : 420 / كتاب إحياء الموات ب 7 ح 2
2) الوسائل 25 : 399 / كتاب الشفعة ب 5 ح 1
3) رواه في الدعائم بلفظ «لا ضرر ولا إضرار» ورواه عنه في المستدرك بلفظ «لا ضرر ولا ضرار». دعائم الاسلام 2 : 499 / ح 1781 و 504 / ح 1805 ، مستدرك الوسائل 17 : 118 / كتاب إحياء الموات ب 9 ح 1 و 2
4) الوسائل 25 : 429 / كتاب إحياء الموات ب 12 ح 4
5) الفقيه 4 : 243 / ح 777 وفيه : لا ضرر ولا إضرار ، الوسائل 26 : 14 / أبواب موانع الارث ب 1 ح 10
6) تذكرة الفقهاء 1 : 522 / خيار الغبن
7) مجمع البحرين 3 : 373 مادّة ضرر
8) سنن ابن ماجه 2 : 784 / ح 2340 و 2341 ، سنن الدارقطني 4 : 227 / ح 83 - 85 ، مسند أحمد 6 : 446 و 447 / ح 22272
الأثير في النهاية ، ففيها زيادة لفظ «في الاسلام» (1).
ثمّ اعلم أنّه لا معارضة بين الروايات من جهة الزيادة والنقيصة ، لصدور هاتين الجملتين عن النبي صلىاللّهعليهوآله في موارد متعددة فيحتمل صدورها بوجوه مختلفة ، نعم قد اختلفت الروايات في قصّة سمرة بن جندب مع كونها قصّة واحدة ، فلا محالة تكون الروايات الواردة في خصوص هذه القصّة متعارضة ، فقد رويت تارةً بلا ذكر الجملتين كما في رواية الفقيه عن الصيقل الحذّاء (2)، واخرى مع ذكرهما بلا زيادة شيء آخر ، كما في رواية ابن بكير المتقدمة عن زرارة (3)وثالثةً بزيادة كلمة «على مؤمن» كما في رواية ابن مسكان المتقدمة عن زرارة (4)والترجيح لرواية ابن مسكان المشتملة على الزيادة ، لأنّ احتمال الغفلة في الزيادة أبعد من احتمالها في النقيصة ، فيؤخذ بالزيادة.
فتلخّص ممّا ذكرناه : أنّ هاتين الجملتين قد وصلت إلينا بالحجّة بلا زيادة ، ومع زيادة «على مؤمن» كما في رواية ابن مسكان ، ومع زيادة «في الاسلام» كما في رواية الفقيه ، والقول بأنّ رواية الفقيه مرسلة لم يعلم انجبارها ، لاحتمال أن يكون عمل الأصحاب بغيرها من الروايات ، فلم تثبت كلمة «في الاسلام» مدفوع بأنّ الارسال إنّما يكون فيما إذا كان التعبير بلفظ روي ونحوه. وأمّا إذا كان بلفظ قال النبي صلىاللّهعليهوآله مثلاً كما فيما نحن فيه ، فالظاهر كون
الرواية ثابتة عند الراوي ، وإلاّ فلا يجوز له الاخبار البتي بقوله : قال. فتعبير الصدوق قدسسره في الفقيه بقوله : قال النبي صلىاللّهعليهوآله يدل على أنّه ثبت عنده صدور هذا القول منه صلىاللّهعليهوآله بطريق صحيح ، وإلاّ لم يعبّر بمثل هذا التعبير ، فيعامل مع هذا النحو من المراسيل معاملة المسانيد.
هذا ما ذكرناه في الدورة السابقة ، لكنّ الانصاف عدم حجّية مثل هذه المرسلة أيضاً ، لأنّ غاية ما يدل عليه هذا النحو من التعبير صحّة الخبر عند الصدوق. وأمّا صحّته عندنا فلم تثبت ، لاختلاف المباني في حجّية الخبر ، فانّ بعضهم قائل بحجّية خصوص خبر العادل مع ما في معنى العدالة من الاختلاف ، حتّى قال بعضهم العدالة هي شهادة أنّ لا إله إلاّاللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله مع عدم ظهور الفسق. وبعضهم قائل بحجّية خبر الثقة ، كما هو التحقيق. وبعضهم لا يرى جواز العمل إلاّبالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة العلمية ، فمع وجود هذا الاختلاف في حجّية الخبر كيف يكون اعتماد أحد على خبر مستلزماً لحجّيته عند غيره.
وبالجملة : كون الخبر حجّةً عند الصدوق قدسسره لا يثبت حجّيته عندنا ، ولذا لا يمكن الاعتماد على جميع الروايات الموجودة في الفقيه ، بل لا بدّ من النظر في حال الرواة لتحصيل الاطمئنان بوثاقتهم ، مع أنّ الصدوق قدسسره ذكر في أوّل كتاب الفقيه : إنِّي لا أذكر في هذا الكتاب إلاّما هو حجّة عندي وكذا ذكر الكليني قدسسره في كتاب الكافي مثل ما ذكره الصدوق قدسسره في الفقيه ، ومن الواضح أنّه لا يمكننا العمل بجميع ما في الكافي ، بل لا بدّ من الفحص وتحصيل الاطمئنان بوثاقة الراوي.
فتحصّل : أنّ زيادة لفظ «في الاسلام» لم تثبت لنا بطريق معتبر. نعم ،
الزيادة المذكورة موجودة في رواية ابن الأثير في النهاية (1)، ولكنّه من العامّة ، فلا يصحّ الاعتماد عليها كما هو واضح.
ثمّ إنّ ذكر الجملتين في إحدى روايتي عقبة بن خالد (2)منضماً إلى قضائه صلىاللّهعليهوآله بالشفعة ، وفي الاخرى منضماً إلى نهيه صلىاللّهعليهوآله أهل البادية عن منع فضل الماء ، وإن أمكن في مقام الثبوت أن يكون من باب الجمع في المروي ، بأن كان ذكرهما منضماً إلى الحكم بالشفعة وإلى النهي عن منع فضل الماء في كلام النبي صلىاللّهعليهوآله وأن يكون من باب الجمع في الرواية ، بأن كانت الجملتان في كلامه صلىاللّهعليهوآله في مورد ، وحكمه بالشفعة في مورد آخر ، ونهيه عن منع فضل الماء في مورد ثالث ، وجمعها الراوي عند النقل كما هو دأبهم في نقل الروايات ، وكثيراً ما يتّفق في نقل الفتاوى أيضاً ، إلاّأنّ الظاهر هو الثاني ، فانّ مقام الاثبات لا يساعد الأوّل ، والشاهد عليه في الرواية الاولى أمران :
الأوّل : أنّ بين موارد ثبوت حقّ الشفعة وتضرر الشريك بالبيع عموماً من وجه ، فربّما يتضرر الشريك ولا يكون له حقّ الشفعة ، كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين ، وقد يثبت حقّ الشفعة بلا ترتب ضرر على أحد الشريكين ببيع الآخر ، كما إذا كان الشريك البائع مؤذياً وكان المشتري ورعاً بارّاً محسناً إلى شريكه ، وربّما يجتمعان كما هو واضح ، فإذن لا يصح إدراج الحكم بثبوت حقّ الشفعة تحت كبرى قاعدة لا ضرر.
الثاني : أنّ مفاد لا ضرر - على ما سيجيء بيانه (1)- إنّما هو نفي الحكم الضرري أو نفي الموضوع الضرري ، بأن يكون المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على اختلاف بين الشيخ وصاحب الكفاية قدسسرهما والضرر في مورد ثبوت حقّ الشفعة إنّما يأتي من قبل بيع الشريك حصّته ، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة لا ضرر لزم الحكم ببطلان البيع ، ولو كان الضرر ناشئاً من لزوم البيع لزم الحكم بثبوت الخيار ، بأن يردّ المبيع إلى البائع. وأمّا جعل حقّ الشفعة لجبران الضرر وتداركه ، بأن ينقل المبيع إلى ملكه فليس مستفاداً من أدلة نفي الضرر ، فانّها لا تدل على جعل حكم يتدارك به الضرر ، غايتها نفي الحكم الضرري على ما سيجيء بيانه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا الرواية الثانية : فالشاهد فيها أيضاً أمران : الأوّل : أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل ماله عن الغير ، إذ من الواضح أنّ منع المالك غيره عن الانتفاع بماله لا يعدّ ضرراً على الغير ، غايته عدم الانتفاع به. وسيجيء (2)أنّ عدم الانتفاع لا يعدّ ضرراً. الثاني : أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً ، لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة ، فلا يندرج تحت كبرى قاعدة لا ضرر بجميع معانيها.
الجهة الثانية : في فقه الحديث ومعناه ، إنّ في هاتين الجملتين ثلاث كلمات : ضرر ، وضرار ، وكلمة لا ، فلنشرح كل واحدة ليعلم المراد التركيبي منها :
أمّا الضرر : فهو اسم مصدر من ضرّ يضرّ ضرّاً ، ويقابله المنفعة لا النفع كما في الكفاية (3)، لأنّ النفع مصدر لا اسم مصدر ، ومقابله الضر لا الضرر ، كما في قوله تعالى : «لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا» (4)والفرق بين المصدر
واسمه واضح ، فانّ معنى المصدر نفس الفعل الصادر من الفاعل ، ومعنى اسم المصدر هو الحاصل من المعنى المصدري. ومادّة الضرر تستعمل متعدية إذا كانت مجردة ، فيقال : ضرّه ويضرّه. وأمّا إن كانت من باب الإفعال فتستعمل متعدية بالباء ، فيقال : أضرّ به ولا يقال أضرّه.
وأمّا معنى الضرر فهو النقص في المال ، كما إذا خسر التاجر في تجارته ، أو في العرض كما إذا حدث شيء أوجب هتكه مثلاً ، أو في البدن بالكيفية كما إذا أكل شيئاً فصار مريضاً ، أو بالكمّية كما إذا قطع يده مثلاً. والمنفعة هي الزيادة من حيث المال كما إذا ربح التاجر في تجارته ، أو من حيث العرض كما إذا حدث شيء أوجب تعظيمه ، أو من حيث البدن كما إذا أكل المريض دواءً فعوفي منه.
وبينهما واسطة ، كما إذا لم يربح التاجر في تجارته ولم يخسر ، فلم يتحقق منفعة ولا ضرر. فظهر أنّ التقابل بينهما من تقابل التضاد لا من تقابل العدم والملكة على ما في الكفاية (1).
وأمّا الضرار : فيمكن أن يكون مصدراً للفعل المجرد كالقيام ، ويمكن أن يكون مصدر باب المفاعلة ، لكن الظاهر هو الثاني ، إذ لو كان مصدر المجرد لزم التكرار في الكلام بحسب المعنى بلا موجب ، ويكون بمنزلة قوله : لا ضرر ولا ضرر. مع انّ قوله صلىاللّهعليهوآله : «إنّك رجل مضار» (2)في قصّة سمرة ابن جندب يؤيّد كونه مصدر باب المفاعلة.
ثمّ إنّ المعروف بين الصرفيين والنحويين بل المسلّم عندهم أنّ باب المفاعلة فعل للاثنين ، لكنّ التتبع في موارد الاستعمالات يشهد بخلاف ذلك ، وأوّل من
تنبّه لهذا الاشتباه المسلّم هو بعض الأعاظم من مشايخنا المحققين قدسسرهم (1)والذي يشهد به التتبع أنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادة وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل. وأقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية : فمنها قوله تعالى : «يُخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ» (2)فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إيجاد الخدعة ، ولكن لا تقع خدعتهم إلاّعلى أنفسهم ، ومن ثمّ عبّر في الجملة الاولى بهيئة المفاعلة ، لأنّ اللّه تعالى لا يكون مخدوعاً بخدعتهم ، لأنّ المخدوع ملزوم للجهل ، وتعالى اللّه عنه علواً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرد ، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لا محالة.
ومنها قوله تعالى : «إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ...» (3)ووجه الدلالة واضح لا حاجة إلى البيان. والشواهد على ما ذكرناه في هيئة المفاعلة كثيرة في الآيات الشريفة جداً ، ومن تتبع يجد صدق ما ذكرناه ، فانّ بعض مشايخنا المتقدِّم ذكره قد تتبع لاستفادة هذا المطلب من أوّل القرآن إلى آخره. هذا ما يرجع إلى معنى لفظي الضرر والضرار.
وأمّا كلمة لا الداخلة عليهما في الجملتين : فهي لنفي الجنس ، وتوضيح المراد منها وبيان مفادها في المقام يتوقف على ذكر موارد استعمال الجمل المنفية بها في
الأحكام الشرعية ، وفي مقام التشريع ، وهي على أقسام :
فمنها : ما تكون الجملة مستعملة في مقام الاخبار عن عدم تحقق شيء كنايةً عن مبغوضيته فيكون الكلام نفياً اريد به النهي ، والسر في صحّة هذا الاستعمال هو ما ذكرناه في مبحث الأوامر (1)من أنّ الاخبار عن عدم شيء كالاخبار عن وجوده ، فكما صحّ الاخبار عن وجود شيء في مقام الأمر به ، بمعنى أنّ المؤمن الممتثل يفعل كذا ، كقول الفقهاء يعيد الصلاة أو أعاد الصلاة ، كذلك صحّ الاخبار عن عدم وجود شيء في مقام النهي عنه بالعناية المذكورة أي بمعنى أنّ المؤمن لا يفعل كذا. وقد وقع هذا الاستعمال في الآيات والروايات.
أمّا الآيات فكقوله تعالى : «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» (2). وأمّا الروايات فكقوله صلىاللّهعليهوآله : «لا غش بين المسلمين» (3).
فظهر بما ذكرناه أنّه لا وجه لانكار صاحب الكفاية قدسسره تعاهد هذا النحو من الاستعمال للتركيب المشتمل على كلمة «لا» التي لنفي الجنس (4).
ومنها : ما تكون الجملة فيه مستعملة أيضاً في مقام الاخبار عن عدم تحقق شيء في الخارج ، لكن لا بمعنى عدم التحقق مطلقاً ، بل بمعنى عدم وجود الطبيعة في ضمن فرد خاص أو حصّة خاصّة ، بمعنى أنّ الطبيعة غير منطبقة على هذا الفرد أو على هذه الحصّة. والمقصود نفي الحكم الثابت للطبيعة عن
الفرد أو عن الحصّة ، كقوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (1)وقوله صلىاللّهعليهوآله : «لا غيبة لمن ألقى جلباب الحياء» (2)وقوله عليهالسلام : «لا سهو للإمام مع حفظ من خلفه» (3)، فانّ المقصود نفي حرمة الرِّبا بين الوالد والولد ، ونفي حرمة الغيبة في المورد المذكور ونفي حكم الشك مع حفظ المأموم ، فانّ المراد من السهو في هذه الرواية وغيرها هو الشك على ما ذكر في محلّه (4). وهذا هو الذي يعبّر عنه بنفي الحكم بلسان نفي الموضوع. وظهر أنّه لا بدّ في هذا الاستعمال من ثبوت حكم إلزامي أو غيره ، تكليفي أو وضعي في الشريعة المقدّسة لنفس الطبيعة ، ليكون هذا الدليل نافياً له عن الفرد أو عن الحصّة بلسان نفي الموضوع. هذا فيما إذا كان النفي حقيقياً ، وأمّا إذا كان النفي ادّعائياً فلا يترتب عليه إلاّنفي الآثار المرغوبة المعبّر عنه بنفي الكمال ، كما في قوله صلىاللّهعليهوآله : «لا صلاة لجار المسجد إلاّفي مسجده» (5).
ومنها : ما تكون الجملة فيه مستعملةً في نفي شيء في الشريعة المقدّسة الاسلامية ، فتارةً تكون مستعملة في نفي موضوع من الموضوعات في الشريعة
1) لم نجد هذا النص في مصادر الحديث المتداولة والموجود فيها : «ليس بين الرجل وولده رِبا». الوسائل 18 : 135 / أبواب الرِّبا ب 7 ح 1 ، 3
2) مستدرك الوسائل 8 : 461 / أبواب أحكام العشرة ب 93 ح 4. وفيه : «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»
3) لم نجد هذا النص في مصادر الحديث المتداولة والموجود فيها : «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه» الوسائل 8 : 241 / أبواب الخلل ب 24 ح 8
4) ذكر في موارد منها : شرح العروة الوثقى 19 : 45
5) الوسائل 5 : 194 / أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1
المقدّسة فيستفاد منه نفي الحكم الثابت له في الشرائع السابقة أو في العرف كما في قوله صلىاللّهعليهوآله : «لا رهبانية في الاسلام» (1)فانّ الرهبانية كانت مشروعة في الامم السابقة ، فنفيها في الاسلام كناية عن نفي تشريعها. وكقوله صلىاللّهعليهوآله : «لا مناجشة في الاسلام» (2)فانّ الازدياد في ثمن السلعة من غير إرادة شرائها كان متعارفاً عند العرف فنفاه الشارع. والمقصود نفي تشريعها ، ومن هذا الباب قوله عليهالسلام : «لا قياس في الدين» (3)فانّ حجّية القياس كانت مرتكزة عند العامّة فنفاها بنفيه. وبالجملة : الحكم المنفي في هذا القسم هو ما كان ثابتاً للموضوع في الشرائع السابقة أو في سيرة العرف ، بلا فرق بين أن يكون إلزامياً أو غير إلزامي ، تكليفياً أو وضعياً.
واخرى تكون الجملة مستعملةً في نفي نفس الحكم الشرعي ابتداءً ، كما في قوله تعالى : «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (4)فانّ ثبوت الحرج في الشريعة إنّما هو بجعل حكم حرجي ، فنفيه في الشريعة إنّما هو بعدم جعل حكم يلزم من امتثاله الحرج على المكلف.
إذا عرفت ما ذكرناه من موارد استعمال كلمة «لا» النافية للجنس ، فلنرجع إلى استظهار المراد من الحديث الشريف ، وما يستفاد منها بحسب خصوصية
المقام ، فقد ذكر له احتمالات أربعة :
الأوّل : أن يكون الكلام نفياً اريد به النهي بمنزلة قوله تعالى : «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ» على ما تقدّم بيانه (1). وعلى هذا فمفاد الجملتين حرمة الاضرار بالغير ، وحرمة القيام مقام الاضرار. واختار هذا الاحتمال شيخنا الشريعة الاصفهاني قدسسره (2)وأصرّ عليه.
وهذا الاحتمال وإن كان ممكناً في نفسه ، إلاّ أنّه لا يمكن الالتزام به في المقام.
أمّا بناءً على اشتمال الرواية على كلمة «في الاسلام» كما في رواية الفقيه ونهاية ابن الأثير (3)فظاهر ، لأنّ هذا القيد كاشف عن أنّ المراد هو النفي في مقام التشريع ، لا نفي الوجود الخارجي بداعي الزجر. وأمّا بناءً على عدم ثبوت اشتمالها عليها كما هو الصحيح لكون رواية الفقيه مرسلةً غير منجبرة ، ورواية ابن الأثير للعامّة ، فلأنّ حمل النفي على النهي يتوقف على وجود قرينة صارفة عن ظهور الجملة في كونها خبرية كما هي ثابتة في قوله تعالى : «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ» فانّ العلم بوجود هذه الامور في الخارج مع العلم بعدم جواز الكذب على اللّه (سبحانه وتعالى) قرينة قطعية على إرادة النهي. وأمّا المقام فلا موجب لرفع اليد عن الظهور وحمل النفي على النهي ، لامكان حمل القضيّة على الخبرية على ما سنذكره قريباً (4)إن شاء اللّه تعالى.
الثاني : أن يكون المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على ما تقدّم
بيانه (1)، كما في قوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (2)، فانّ الرِّبا بمعنى الزيادة موجود بينهما ، إنّما المقصود نفي الحرمة. وعليه فيكون مفاد الجملتين أنّ الأحكام الثابتة لموضوعاتها - حال عدم الضرر - منفية عنها إذا كانت تلك الموضوعات ضررية ، فانّ الوضوء إذا كان ضررياً ينفى عنه الوجوب.
واختار هذا الاحتمال صاحب الكفاية قدسسره (3).
وهذا الاحتمال أيضاً ممّا لا يمكن الالتزام به في المقام ، وإن كان الاستعمال المذكور صحيحاً في نفسه ، كما ذكرناه في الأمثلة المتقدمة ، وذلك لأنّ المنفي في المقام هو عنوان الضرر ، والضرر ليس عنواناً للفعل الموجب للضرر ، بل مسبب عنه ومترتب عليه ، فلو كان النفي نفياً للحكم بلسان نفي موضوعه ، لزم أن يكون المنفي في المقام الحكم الثابت لنفس الضرر ، لا الحكم المترتب على الفعل الضرري ، فيلزم نفي حرمة الاضرار بالغير بلسان نفي الاضرار ، وهو خلاف المقصود ، فانّ المقصود حرمة الاضرار بالغير.
هذا مضافاً إلى أنّ الضرر بالنسبة إلى الحكم المترتب عليه موضوع ، فهو مقتضٍ له ، فكيف يعقل أن يكون مانعاً عنه. نعم ، لو كان المنفي في المقام هو الفعل الضرري أمكن القول بأنّ المراد نفي حكم هذا الفعل بلسان نفي الموضوع كالوضوء الضرري مثلاً ، فما هو المنفي في المقام لا يمكن الالتزام بنفي حكمه بلسان نفي الموضوع ، وما يمكن الالتزام بنفي حكمه بلسان نفي الموضوع لا يكون منفياً في المقام.
وبالجملة : نفي الحكم بلسان نفي الموضوع إنّما يكون فيما إذا كان دليل بعمومه أو إطلاقه شاملاً لمورد الضرر ، ليكون دليل النفي ناظراً إلى نفي شموله لمورد الضرر بلسان نفي انطباق الموضوع عليه. وأمّا إذا كان المنفي عنوان الضرر فلا معنى لنفي الحكم الثابت له بعنوانه وهو الحرمة لما ذكرناه.
وربّما يقال - كما في الكفاية (1)- إنّ رفع الخطأ والنسيان في حديث الرفع إنّما يكون رفعاً للحكم المتعلق بالفعل الصادر حال الخطأ والنسيان ، بلسان رفع الموضوع ، مع أنّ المرفوع في ظاهر الحديث هو نفس الخطأ والنسيان ، فليكن المقام كذلك ، وعليه فالمنفي هو حكم الفعل الضرري بلسان نفي الموضوع.
وفيه أوّلاً : أنّ الالتزام بنفي الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان في حديث الرفع إنّما هو للقرينة القطعية ، باعتبار أنّ رفع الخطأ والنسيان تكويناً مستلزم للكذب ، لوجودهما بالوجدان ، ورفع الحكم المتعلق بنفس الخطأ والنسيان مستلزم للخلف والمحال ، فانّ الموضوع هو المقتضي للحكم فكيف يعقل أن يكون رافعاً له ، فلا مناص من الحمل على رفع الحكم المتعلق بالفعل الصادر حال الخطأ والنسيان. وهذا بخلاف المقام إذ يمكن فيه تعلّق النفي بنفس الضرر في مقام التشريع ، ليكون مفاده نفي جعل الحكم الضرري على ما سيجيء بيانه قريباً (2)إن شاء اللّه تعالى.
وثانياً : أنّ نسبة الخطأ والنسيان إلى الفعل هي نسبة العلّة إلى المعلول ، فيصح أن يكون النفي نفياً للمعلول بنفي علّته ، فيكون المراد أنّ الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان كأ نّه لم يصدر في الخارج أصلاً فيرتفع حكمه لا محالة ،
بخلاف الضرر فانّه معلول للفعل ومترتب عليه في الخارج ، ولم يعهد في الاستعمالات المتعارفة أن يكون النفي في الكلام متعلقاً بالمعلول وقد اريد به نفي العلّة ليترتب عليه نفي الحكم المتعلق بالعلّة. ولو سلّم صحّة هذا الاستعمال فلا ينبغي الشك في كونه خلاف الظاهر جداً ، فلا يصار إليه إلاّبالقرينة القطعية.
وثالثاً : أنّ الرفع المتعلق بالخطأ والنسيان في حديث الرفع يمكن أن يكون من قبيل القسم الثالث من أقسام استعمالات لا النافية للجنس ، فيكون المنفي حينئذ الحكم الثابت لهما في الشرائع السابقة ، كما يشهد به قوله صلىاللّهعليهوآله : «رفع عن امّتي» (1)فانّه ظاهر في اختصاص الرفع بهذه الشريعة ، ولازمه ثبوت الحكم في الشرائع السابقة ، ولا تكون المؤاخذة على الخطأ والنسيان منافيةً للعدل ، حتّى تستنكر في الشرائع السابقة أيضاً ، فانّ المؤاخذة على عدم التحفظ عن الخطأ والنسيان بأن يكتب شيئاً أو يضع مقابل وجهه شيئاً مثلاً كي لا يخطئ ولا ينسى ، لا ينافي العدل. نعم ، إذا صدر الخطأ أو النسيان بغير اختياره بحيث لا يمكنه التحفظ عنهما لا تصحّ المؤاخذة عليهما حينئذ لا محالة.
وعليه فلا وجه لقياس المقام برفع الخطأ والنسيان في حديث الرفع ، لعدم كون الرفع رفعاً للحكم بلسان نفي الموضوع ، بل يكون رفعاً للآثار التي كانت للخطأ والنسيان في الشرائع السابقة (2).
1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1
2) هكذا ذكر سيّدنا الاستاذ العلاّمة (دام ظلّه العالي) وفي ذهني القاصر أنّ الآثار الثابتة في الشرائع السابقة أيضاً كانت للفعل الصادر حال الخطأ والنسيان ، لا لنفس الخطأ والنسيان ، فيرجع الأمر إلى نفي تلك الآثار في هذه الشريعة المقدّسة بلسان نفي الموضوع فلاحظ
الثالث : أن يكون المراد نفي الضرر غير المتدارك ، ولازمه ثبوت التدارك في موارد الضرر بأمر من الشارع ، فانّ الضرر المتدارك لا يكون ضرراً حقيقة.
وهذا الوجه أبعد الوجوه ، إذ يرد عليه أوّلاً : أنّ التقييد خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل.
وثانياً : أنّ التدارك الموجب لانتفاء الضرر - على تقدير التسليم - إنّما هو التدارك الخارجي التكويني لا التشريعي ، فمن خسر مالاً ثمّ ربح بمقداره صحّ أن يقال - ولو بالمسامحة - أنّه لم يتضرر. وأمّا حكم الشارع بالتدارك ، فلا يوجب ارتفاع الضرر خارجاً ، فمن سرق ماله متضرر بالوجدان ، مع حكم الشارع بوجوب ردّه عليه.
وثالثاً : أنّ كل ضرر خارجي ليس ممّا حكم الشارع بتداركه تكليفاً أو وضعاً ، فانّه لو تضرر تاجر باستيراد تاجر آخر لا يجب عليه تداركه ، مع كون التاجر الثاني هو الموجب للضرر على التاجر الأوّل ، فضلاً عمّا إذا تضرر شخص من دون أن يكون أحد موجباً للضرر عليه ، كمن احترقت داره مثلاً ، فا نّه لا يجب على جاره ولا على غيره تدارك ضرره. نعم ، لو كان الاضرار باتلاف المال وجب تداركه على المتلف ، لكن لا بدليل لا ضرر ، بل بقاعدة الاتلاف من أنّه من أتلف مال الغير فهو له ضامن.
الرابع : ما أفاده شيخنا الأنصاري قدسسره من أنّ المراد نفي الحكم الناشئ من قبله الضرر ، فيكون الضرر عنواناً للحكم لكونه معلولاً له في مقام الامتثال ، فكل حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر فهو مرتفع في عالم التشريع. وأمّا العبد العاصي فهو لا يتضرر بجعل أيّ حكم من الأحكام لعدم امتثاله. وبالجملة : مفاد نفي الضرر في عالم التشريع هو نفي الحكم الضرري ، كما
أنّ مفاد نفي الحرج في عالم التشريع هو نفي الحكم الحرجي (1).
وهذا هو الصحيح ، ولا يرد عليه شيء ممّا كان يرد على الوجوه المتقدمة ، فيكون الحديث الشريف دالاًّ على نفي جعل الحكم الضرري ، سواء كان الضرر ناشئاً من نفس الحكم كلزوم البيع المشتمل على الغبن ، أو ناشئاً من متعلقه كالوضوء الموجب للضرر ، فاللزوم مرتفع في الأوّل والوجوب في الثاني.
الجهة الثالثة : في انطباق قاعدة نفي الضرر على ما ذكر في قصّة سمرة بن جندب ، فربّما يقال بعدم انطباقها عليه ، لأنّ الضرر في تلك القضيّة لم يكن إلاّ في دخول سمرة على الأنصاري بغير استئذان. وأمّا بقاء عذقه في البستان فما كان يترتب عليه ضرر أصلاً ، ومع ذلك أمر النبي صلىاللّهعليهوآله بقلع العذق ، فالكبرى المذكورة فيها لا تنطبق على المورد ، فكيف يمكن الاستدلال بها في غيره.
وأجاب عنه المحقق النائيني قدسسره (2)بما حاصله : أنّ دخول سمرة على الأنصاري بغير استئذان إذا كان ضررياً ، فكما يرتفع هذا الضرر بمنعه عن الدخول بغير استئذان ، كذلك يرتفع برفع علّته وهي ثبوت حق لسمرة في إبقاء عذقه في البستان ، فلأجل كون المعلول ضررياً رفعت علّته ، كما إذا كانت المقدمة ضررية ، فانّه كما ينتفي وجوب المقدمة كذلك ينتفي وجوب ذي المقدمة ، فإذا كان على المكلف غسل ولم يكن الغسل بنفسه موجباً للضرر عليه ، ولكن كانت مقدمته كالمشي إلى الحمام مثلاً ضررياً ، فلا إشكال في رفع وجوب ذي المقدمة وهو الغسل ، كرفع وجوب المقدمة وهي المشي إلى الحمام ، فلا مانع من
سقوط حق سمرة استناداً إلى نفي الضرر ، لكون معلوله ضررياً وهو الدخول بغير استئذان.
وفيه : أن كون المعلول ضررياً لا يوجب إلاّارتفاع نفسه ، فانّ رفع علّته بلا موجب ، فإذا كانت إطاعة الزوج في عمل من الأعمال ضرراً على الزوجة لا يرتفع به إلاّوجوب الاطاعة في ذلك العمل. وأمّا الزوجية التي هي السبب في وجوب الاطاعة فلا مقتضي لارتفاعها. وكذا إذا اضطرّ أحد إلى شرب النجس فالمرتفع بالاضطرار إنّما هو الحرمة دون نجاسته التي هي علّة الحرمة وهكذا. وقياس المقام بكون المقدمة ضررية الموجبة لارتفاع وجوب ذي المقدمة مع الفارق ، لأنّ كون المقدمة ضررية يستلزم كون ذي المقدمة أيضاً ضررياً ، لأنّ الاتيان بذي المقدمة يتوقف على الاتيان بالمقدمة على ما هو معنى المقدمية ، فضررية المقدمة توجب ضررية ذيها لا محالة ، فارتفاع وجوب ذي المقدمة إنّما هو لكونه بنفسه ضررياً ، فانّ المشي إلى الحمام لو كان ضررياً كان الغسل بنفسه ضررياً مع فرض توقفه على المشي إلى الحمام ، فكيف يقاس المقام به.
وأجاب شيخنا الأنصاري قدسسره بأ نّا لا ندري كيفية انطباق الكبرى على المورد ، والجهل بها لا يضر بالاستدلال بالكبرى الكلّية فيما علم انطباقها عليه (1).
وما ذكره وإن كان صحيحاً في نفسه ، إلاّأنّ المقام ليس كذلك أي مجهول الانطباق على المورد ، بل معلوم الانطباق عليه ، فانّ ما يستفاد من الرواية الواردة في قصّة سمرة أمران : أحدهما : عدم جواز دخول سمرة على الأنصاري
1) رسائل فقهية : 111
بغير استئذان. ثانيهما : حكمه صلىاللّهعليهوآله بقلع العذق. والاشكال المذكور مبني على أن يكون الحكم الثاني بخصوصه أو منضماً إلى الأوّل مستنداً إلى نفي الضرر ، وأمّا إن كان المستند إليه خصوص الحكم الأوّل ، وكان الحكم الثاني الناشئ من ولايته صلىاللّهعليهوآله على أموال الامّة وأنفسهم ، دفعاً لمادّة الفساد أو تأديباً له لقيامه معه صلىاللّهعليهوآله مقام العناد واللجاج ، كما يدل عليه قوله صلىاللّهعليهوآله : «اقلعها وارم بها وجهه» (1)وقوله صلىاللّهعليهوآله لسمرة : «فاغرسها حيث شئت» (2)مع أنّ الظاهر واللّه العالم سقوط العذق بعد القلع عن الاثمار ، وعدم الانتفاع بغرسه في مكان آخر.
فهذان الكلامان ظاهران في غضبه صلىاللّهعليهوآله على سمرة وكونه صلىاللّهعليهوآله في مقام التأديب ، كما هو في محلّه لمعاملته معه صلىاللّهعليهوآله معاملة المعاند التارك للدنيا والآخرة والاطاعة والأدب معاً كما يظهر من مراجعة القضيّة بتفصيلها.
فتلخّص : أنّ حكمه صلىاللّهعليهوآله بقلع العذق لم يكن مستنداً إلى قاعدة نفي الضرر ، فالاشكال مندفع من أصله.
أنّه بناءً على ما ذكرناه - من أنّ قوله صلىاللّهعليهوآله «لا ضرر» ناظر إلى نفي تشريع الحكم الضرري - يختص النفي بجعل حكم إلزامي من الوجوب
والحرمة ، فانّه هو الذي يكون العبد ملزماً في امتثاله ، فعلى تقدير كونه ضررياً كان وقوع العبد في الضرر مستنداً إلى الشارع بجعله الحكم الضرري. وأمّا الترخيص في شيء يكون موجباً للضرر على نفس المكلف أو على غيره ، فلا يكون مشمولاً لدليل نفي الضرر ، لأنّ الترخيص في شيء لا يلزم المكلف في ارتكابه حتّى يكون الترخيص ضررياً ، بل العبد باختياره وإرادته يرتكبه ، فيكون الضرر مستنداً إليه لا إلى الترخيص المجعول من قبل الشارع.
وبالجملة : نفي الضرر في الحديث الشريف - على ما ذكرناه من المعنى - ليس إلاّ كنفي الحرج المستفاد من أدلة نفي الحرج ، فكما أنّ المنفي بها هو الحكم الالزامي الموجب لوقوع المكلف في الحرج دون الترخيصي ، إذ الترخيص في شيء حرجي لا يكون سبباً لوقوع العبد في الحرج ، فكذا في المقام بلا فرق بينهما ، فلا يستفاد من قوله صلىاللّهعليهوآله «لا ضرر» حرمة الاضرار بالغير ولا حرمة الاضرار بالنفس ، وإن كان الأوّل ثابتاً بالأدلة الخاصّة ، بل يمكن استفادته من الفقرة الثانية في نفس هذا الحديث ، وهي قوله صلىاللّهعليهوآله «لا ضرار» بتقريب أنّ المراد من النفي في هذه الفقرة هو النهي ، كما في قوله تعالى «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ» (1).
وذلك لأنّ الضرار أمر خارجي وهو كون الشخص في مقام الاضرار بالغير ، فلا معنى لنفيه تشريعاً ، كما لا يصح حمله على الإخبار عن عدم تحقق الاضرار في الخارج ، للزوم الكذب ، فلا محالة يكون المراد منه النهي عن كون الشخص في مقام الاضرار بالغير ، فيدل على حرمة الاضرار بالغير بالأولوية القطعية.
ولا يلزم من حمل النفي على النهي في هذه الفقرة التفكيك بين الفقرتين ، لأنّ
1) البقرة 2 : 197
المعنى في كلتيهما هو النفي ، غاية الأمر كون النفي في الفقرة الاولى حقيقياً ، وفي الفقرة الثانية ادّعائياً على ما تقدّم بيانه. وهذا نظير ما ذكرناه في حديث الرفع من أنّ الرفع بالنسبة إلى ما لا يعلمون حقيقي وبالنسبة إلى الخطأ والنسيان وغيرهما من الفقرات مجازي (1). وأمّا الثاني وهو الاضرار بالنفس فلا يستفاد حرمته من الفقرة الثانية أيضاً ، لأنّ الضرار وغيره ممّا هو من هذا الباب كالقتال والجدال لا يصدق إلاّمع الغير لا مع النفس.
أنّ الضرر كسائر العناوين الكلّية المأخوذة في موضوعات الأحكام المتوقف ثبوت الحكم فعلاً على تحقق مصداقها خارجاً ، ومن المعلوم أنّ الضرر لايكون من الامور المتأصلة التي لايفترق الحال فيها بالاضافة إلى شخص دون شخص ، بل من الامور الاضافية التي يمكن تحقّقها بالنسبة إلى شخص دون شخص ، كما في الوضوء فانّه يمكن أن يكون الوضوء ضرراً على شخص دون آخر ، فوجوبه منفي بالنسبة إلى المتضرر به دون غيره ، فما كان مشتهراً في زمان من أنّ الضرر في العبادات شخصي ، وفي المعاملات نوعي لا يرجع إلى محصّل ، بل الصحيح أنّ الضرر في المعاملات أيضاً شخصي ، لما ذكرناه من أنّ فعلية الحكم المجعول تابعة لتحقق الموضوع. ولا يظهر وجه للتفكيك بين العبادات والمعاملات في ذلك.
وكأنّ الوجه في وقوعهم في هذا التوهّم هو ما وقع في كلام جماعة من أكابر
1) [تقدّم في ص 302 - 303 ما يرتبط بالمقام لكنّه اختار خلاف ما هنا]
الفقهاء ومنهم شيخنا الأنصاري قدسسره (1)من التمسك بقاعدة نفي الضرر لثبوت خيار الغبن وحقّ الشفعة ، مع أنّ الضرر لا يكون في جميع موارد خيار الغبن ، بل النسبة بين الضرر وثبوت خيار الغبن هي العموم من وجه ، إذ قد يكون الخيار ثابتاً مع عدم تحقق الضرر ، كما إذا كان البيع مشتملاً على الغبن وقد غلت السلعة حين ظهور الغبن بما يتدارك به الغبن ، فلا يكون الحكم باللزوم في مثله موجباً للضرر على المشتري ، وقد لايكون الخيار ثابتاً مع تحقق الضرر ، كما إذا كان البيع غير مشتمل على الغبن ولكن تنزّلت السلعة من حيث القيمة السوقية ، وقد يجتمعان كما هو واضح. كما أنّ النسبة بين الضرر وثبوت حقّ الشفعة أيضاً عموم من وجه ، وقد تقدّمت أمثلة الافتراق والاجتماع (2)ولا نعيد. فلأجل هذا الاستدلال توهّموا أنّ الضرر في المعاملات نوعي لا شخصي ، وقد عرفت أنّ الصحيح كون الضرر شخصياً في المعاملات أيضاً.
وليس المدرك لثبوت خيار الغبن وثبوت حقّ الشفعة هي قاعدة لا ضرر ، بل المدرك لثبوت حقّ الشفعة هي الروايات الخاصّة الدالة عليه في موارد مخصوصة ، ولذا لانقول بحقّ الشفعة إلاّفي هذه الموارد الخاصّة المنصوص عليها ، ككون المبيع من الأراضي والمساكن ، دون غيرها من الفروش والظروف وغيرها ، وكونه مشتركاً بين اثنين لا بين أكثر منهما ، وقد تقدّم أنّ ذكر حديث لا ضرر منضماً إلى قضائه صلىاللّهعليهوآله بالشفعة في رواية عقبة بن خالد إنّما هو من قبيل الجمع في الرواية لا الجمع في المروي (3)، ولو سلّم كونه من باب الجمع
في المروي فلا بدّ من حمله على الحكمة دون العلّة.
والمدرك لخيار الغبن هو تخلّف الشرط الارتكازي الثابت في المعاملات العقلائية من تساوي العوضين في المالية ، فانّ البناء الارتكازي من العقلاء ثابت على التحفظ على الهيولى والمالية عند تبديل الصور والتشخصات لأغراض وحوائج تدعوهم إليه ، فلو فرض نقصان أحد العوضين عن الآخر في المالية بحيث ينافي ويخالف هذا الشرط الارتكازي ، ثبت خيار تخلّف الشرط. نعم ، النقصان اليسير لا يوجب الخيار ، لكونه ثابتاً في غالب المعاملات المتعارفة. والتفصيل موكول إلى محلّه (1).
ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره (2)أنّ كثرة التخصيصات الواردة على قاعدة لا ضرر بالاجماع والنصوص الخاصّة موهنة للتمسك بها في غير الموارد المنصوص عليها والمنجبرة بعمل الأصحاب ، فانّ الأحكام المجعولة في باب الضمانات والحدود والديات والقصاص والتعزيرات كلّها ضررية ، وكذلك تشريع الخمس والزكاة والحج والجهاد ضرري ، مع كونها مجعولةً بالضرورة. ومن هذا القبيل الحكم بنجاسة الملاقي فيما كان مسقطاً لماليته ، كما في المرق أو منقصاً لها كما في الفرو ، مع أنّه ثابت بلا إشكال ، وكذا غيرها ممّا تأتي الاشارة إلى بعضها ، فما خرج من عموم القاعدة أكثر ممّا بقي تحتها ، وحيث إنّ تخصيص الأكثر
مستهجن في الكلام ، فلا مناص من الالتزام بأنّ الضرر المنفي في الحديث ضرر خاص غير شامل لهذه الموارد ، حتّى لا يلزم تخصيص الأكثر ، ولازم ذلك هو الالتزام بكون مدلول الحديث مجملاً غير قابل للاستدلال به [في] غير الموارد المنصوص عليها أو المنجبرة بعمل الأصحاب. هكذا ذكره الشيخ قدسسره ولنا في صحّة هذا الانجبار كلام مذكور في محلّه (1).
ثمّ أجاب عن ذلك بأ نّه يمكن أن يكون التخصيص في هذه الموارد بعنوان واحد جامع لجميعها ، ولا قبح في التخصيص بعنوان واحد ، ولو كان أفراده أكثر من الباقي تحت العام. وعليه فلا مانع من التمسك بعموم القاعدة عند الشك في التخصيص.
وردّ عليه في الكفاية (2)بأ نّه لا فرق في استهجان تخصيص الأكثر بين أن يكون التخصيص بعنوان واحد يكون أفراده أكثر من الباقي تحت العام أو يكون بعناوين مختلفة.
ونحن نتكلّم أوّلاً في تحقيق هذه الكبرى أي استهجان تخصيص الأكثر ، ثمّ في تطبيقها على المقام ، فنقول : إنّ العموم المذكور في الكلام تارةً يكون من قبيل القضايا الخارجية ويكون الملحوظ في الكلام ثبوت الحكم للأفراد الخارجية ، فحينئذ لا إشكال في استهجان تخصيص الأكثر ، بلا فرق بين أن يكون التخصيص بعنوان واحد أو بعناوين مختلفة ، فلو قيل قتل جميع العسكر إلاّبني تميم ، وكان في العسكر من غير بني تميم رجل أو رجلان ، ففي الحقيقة كان المقتول رجلاً أو
رجلين ، فلا إشكال في استهجان التعبير عن قتلهما بمثل قتل جميع العسكر إلاّ بني تميم ، وإن كان التخصيص بعنوان واحد مثل ما إذا كان التخصيص بعناوين مختلفة ، كما لو قيل : قتل جميع العسكر إلاّزيداً وإلاّ عمراً وإلاّ ... حتّى لا يبقى إلاّ رجل أو رجلان مثلاً.
واخرى : يكون العموم المذكور في الكلام بنحو القضايا الحقيقية ، ويكون الحكم ثابتاً للموضوع المقدّر بلا نظر إلى الأفراد الخارجية ، فلا يكون التخصيص حينئذ مستهجناً وإن بلغ أفراده ما بلغ ، لعدم لحاظ الأفراد الخارجية في ثبوت الحكم حتّى يكون الخارج أكثر من الباقي. وهذه هي القاعدة الكلّية لقبح تخصيص الأكثر.
وأمّا تطبيقها على المقام فالظاهر أنّ الحديث الشريف من القسم الأوّل ، أي من قبيل القضايا الخارجية ، فانّه ناظر إلى الأحكام التي بلّغها اللّه سبحانه إلى الناس بلسان نبيّه صلىاللّهعليهوآله وأ نّه لم يجعل في هذه الأحكام ما يكون ضررياً ، فالحق مع صاحب الكفاية قدسسره في أنّه لا فرق في قُبح تخصيص الأكثر في المقام بين أن يكون التخصيص بعنوان واحد أو بعناوين مختلفة.
وأمّا الجواب عن أصل الاشكال : فهو أنّه ليس في المقام تخصيص إلاّفي موارد قليلة ، ونذكر أوّلاً موارد التخصيص ، ثمّ الجواب عمّا توهّم كونه تخصيصاً للقاعدة ، ليتّضح عدم ورود تخصيص الأكثر على القاعدة فنقول :
الأوّل من موارد التخصيص : هو الحكم بنجاسة الملاقي للنجس ، مع كونه مستلزماً للضرر على المالك ، كما لو وقعت فأرة في دهن أو مرق ، فالحكم بنجاستهما كما هو المنصوص (1)موجب للضرر على المالك ، وكذا غير الدهن
1) الوسائل 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 5
والمرق ممّا كان الحكم بنجاسته موجباً لسقوطه عن المالية أو لنقصانها.
الثاني : وجوب الغسل على مريض أجنب نفسه عمداً ، وإن كان الغسل ضرراً عليه على ما ورد في النص (1)، وإن كان المشهور أعرضوا عن هذا النص وحكموا بعدم وجوب الغسل على المريض على تقدير كونه ضرراً عليه ، فعلى القول بوجوب الغسل عملاً بالنص كان تخصيصاً للقاعدة.
الثالث : وجوب شراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته ، فانّه ضرر مالي عليه ، لكنّه منصوص (2)ومستثنى من القاعدة.
هذه هي موارد التخصيص ، وأمّا غيرها ممّا ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره (3)فليس فيه تخصيص للقاعدة.
أمّا باب الضمانات فليس مشمولاً لحديث لا ضرر من أوّل الأمر ، لكونه وارداً في مقام الامتنان ، والحكم بعدم الضمان موجب للضرر على المالك ، والحكم بالضمان موجب للضرر على المتلف ، فكلاهما منافيان للامتنان خارجان عن مدلول الحديث بلا حاجة إلى التخصيص ، والحكم بالضمان مستند إلى عموم أدلة الضمان من قاعدة الاتلاف أو اليد أو غيرهما ممّا هو مذكور في محلّه (4)، ولما ذكرناه من أنّ الحديث الامتناني لا يشمل كل مورد يكون منافياً للامتنان على أحد من الامّة ، قلنا في باب البيع (5)بصحّة بيع المضطر وفساد بيع المكره
مع أنّ الاضطرار والاكراه كليهما مذكوران في حديث الرفع ، لأنّ رفع الحكم عن بيع المضطر منافٍ للامتنان عليه ، فلا يكون مشمولاً لحديث الرفع ، بخلاف بيع المكره فانّ الرفع فيه لا يكون منافياً للامتنان عليه ، بل يكون امتناناً عليه ، فيكون مشمولاً لحديث الرفع. وهذا هو الوجه في التفكيك بين بيع المضطر والمكره في الحكم بصحّة الأوّل وفساد الثاني.
وأمّا الأحكام المجعولة في الديات والحدود والقصاص والحج والجهاد ، فهي خارجة عن قاعدة لا ضرر بالتخصص لا بالتخصيص ، لأنّها من أوّل الأمر جعلت ضررية لمصالح فيها ، كما قال سبحانه وتعالى : «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (1)وحديث لا ضرر ناظر إلى العمومات والاطلاقات الدالة على التكاليف التي قد تكون ضررية وقد لا تكون ضررية ، ويقيدها بصورة عدم الضرر على المكلف ، فكل حكم جعل ضررياً بطبعه من أوّل الأمر لا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر ، فلا يحتاج خروجه إلى التخصيص.
وأمّا الخمس فتشريعه لا يكون ضرراً على أحد ، لأنّ الشارع لم يعتبره مالكاً لمقدار الخمس ، حتّى يكون وجوب إخراجه ضرراً عليه ، بل اعتبره شريكاً مع السادة ، غاية الأمر أنّه يصدق عدم النفع أو قلّة النفع. وعدم النفع لا يكون ضرراً ، فمثله مثل الولد الذي مات أبوه وكان له أخ شريك معه في ميراث أبيه فانّه لا يصدق الضرر عليه. نعم ، في باب الزكاة يصدق الضرر لتعلّق الزكاة بما كان ملكاً له ، فانّه كان مالكاً للنصاب وبعد تمام الحول في زكاة الأنعام وزكاة النقدين يتعلّق الزكاة بملكه. وكذا الحال في زكاة الغلات فانّه
1) البقرة 2 : 179
مالك للزرع والثمر قبل تعلّق الزكاة ، فوجوب إخراجها ضرر عليه ، ولكنّه لا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر ، لكونه مجعولاً بطبعه ضررياً من أوّل الأمر.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ ما ذكر من الموارد تخصيصاً لقاعدة لا ضرر أمره دائر بين أن لا يكون فيه تخصيص أصلاً ، أو لا يلزم من التخصيص به تخصيص الأكثر ، فلا إشكال في التمسك بالقاعدة في غير الموارد المذكورة.
قد ذكرنا (1)أنّ دليل لا ضرر ناظر إلى العمومات والاطلاقات المثبتة للتكاليف ويقيّدها بصورة عدم الضرر ، إلاّأنّ النسبة بين دليل لا ضرر وبين كل واحد من الأدلة المثبتة للتكليف عموم من وجه ، فانّ مقتضى إطلاق دليل وجوب الوضوء مثلاً وجوبه حتّى في حال الضرر ، وإطلاق دليل لا ضرر ينفي وجوبه حال الضرر ، فالوضوء الضرري يكون مورد الاجتماع ، فيقع التعارض بينهما فيه ، فوقع الكلام بينهم في وجه تقديم دليل لا ضرر على الدليل المثبت للتكليف. وقد ذكروا للتقديم وجوهاً لا محصّل لها ، فلا نتعرّض لها وللكلام عليها فانّه بلا طائل.
والتحقيق في وجه التقديم : أنّ دليل لا ضرر حاكم على الأدلة المثبتة للتكاليف ، والدليل الحاكم يقدّم على الدليل المحكوم بلا ملاحظة النسبة بينهما وبلا ملاحظة الترجيحات الدلالية والسندية ، بل الدليل الحاكم بعد إحراز حجّيته يقدّم على المحكوم ، وإن كان أضعف منه دلالةً وسنداً ، فلنا في المقام دعويان ، الاولى : صغرويّة ، وهي أنّ دليل لا ضرر حاكم على العمومات
1) في التنبيه السابق
والاطلاقات المثبتة للتكاليف. والثانية : كبروية ، وهي أنّ كل دليل حاكم يقدّم على المحكوم بلا ملاحظة النسبة والترجيح بينهما.
أمّا الدعوى الاولى : فبيانها أنّ كل دليلين يكون بينهما تنافٍ إن لم يكن أحدهما ناظراً إلى الآخر ، بل كان التنافي بينهما لعدم إمكان الجمع بين مدلوليهما للتضاد أو التناقض ، والأوّل كما في أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ، والثاني كما في أكرم العلماء ولا يجب إكرام الفساق ، بالنسبة إلى مادة الاجتماع ، فهذا هو التعارض ، فلا بدّ فيه من الرجوع إلى قاعدة التعارض من تقديم الأقوى منهما دلالةً أو سنداً ، أو التخيير أو التساقط على اختلاف الموارد والمسالك ، والتفصيل موكول إلى محلّه ، وهو بحث التعادل والترجيح. وأمّا إن كان أحدهما ناظراً إلى الآخر فهو حاكم عليه ومبيّن للمراد منه.
ثمّ إنّ النظر إلى الآخر قد يكون بمدلوله المطابقي وبمفاد أعني وأردت ، وقد يكون بمدلوله الالتزامي.
والأوّل : إمّا أن يكون ناظراً إلى ظهور الدليل الآخر وجهة دلالته على المراد الجدي. وهذا القسم من الحكومة في الروايات نادر جداً ، حتّى ادّعى المحقق النائيني قدسسره عدم وجوده (1). لكن الحق وجوده في الروايات مع الندرة ، ومن ذلك قوله عليهالسلام : إنّما عنيت بذلك الشك بين الثلاث والأربع (2)بعد ما سئل عن قوله عليهالسلام «الفقيه لا يعيد الصلاة». وإمّا أن يكون ناظراً إلى جهة صدور الدليل الآخر ، كما إذا ورد دليل ظاهر في بيان الحكم الواقعي ، ثمّ ورد دليل آخر على أنّ الدليل الأوّل إنّما صدر عن تقية لا لبيان
الحكم الواقعي ، وهذا القسم من الحكومة كثير في الروايات كما يظهر عند المراجعة.
والثاني : أي ما يكون ناظراً إلى الدليل الآخر بمدلوله الالتزامي تارةً يكون ناظراً إلى عقد الوضع إمّا بالاثبات والتوسعة كما في النبوي «الطواف بالبيت صلاة» (1)أو بالنفي والتضييق كما في قوله عليهالسلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» (2)ففي الأوّل يجري جميع أحكام الصلاة في الطواف ، وفي الثاني لا يجري حكم الرِّبا في الرِّبا بين الوالد والولد. واخرى يكون ناظراً إلى عقد الحمل ، كدليل لا حرج بالنسبة إلى الأدلة المثبتة للتكاليف. وكذا دليل لا ضرر بالنسبة إلى الأدلة المثبتة للتكاليف ، فانّ دليل لا ضرر لا يكون ناظراً إلى عقد الوضع ، وأنّ الوضوء الضرري مثلاً ليس بوضوء ، بل ناظر إلى عقد الحمل ، وأنّ الوضوء الضرري ليس بواجب. وقد ظهر بما ذكرناه أنّ الدليل الحاكم من حيث كونه ناظراً إلى الدليل المحكوم ومفسّراً له يكون متأخراً عنه رتبة ، سواء كان من حيث الزمان متقدماً عليه أو متأخراً عنه.
هذه هي أقسام الحكومة ، والجامع بينها أنّ الدليل الحاكم الناظر إلى الدليل المحكوم هو الذي لو لم يكن الدليل المحكوم مجعولاً كان الحاكم لغواً ، فانّه منطبق على جميع الأقسام المذكورة فلاحظ.
وأمّا الدعوى الثانية : وهي أنّ كل حاكم يقدّم على المحكوم بلا ملاحظة النسبة والترجيح بينهما ، فبيانها : أنّ الدليل الحاكم إن كان ناظراً إلى عقد الوضع بالتوسعة أو التضييق ، فالوجه في تقديمه ظاهر ، لأنّ كل دليل مثبت للحكم لا يتكفل لبيان موضوعه ، فإذا ورد دليل كان مدلوله وجود الموضوع أو نفيه
لايكون بينهما تنافٍ وتعارض أصلاً ، فانّ دليل حرمة الرِّبا مثلاً لا يكون متكفلاً لبيان تحقق الرِّبا ، بل مفاده حرمة الرِّبا على نحو القضيّة الحقيقية ، فاذا ورد في دليل آخر أنّه لا ربا بين الوالد والولد فلا منافاة بينهما ، فانّه ينفي ما لا يثبته الدليل الأوّل ، فيجب العمل بهما والحكم بحرمة الرِّبا ، وأ نّه لا ربا بين الوالد والولد.
وكذا الحال في التوسعة. ولا حاجة إلى إعادة الكلام.
وأمّا إن كان الدليل الحاكم ناظراً إلى جهة الصدور في الدليل المحكوم أو إلى عقد الحمل فيه ، فالوجه في تقديمه عليه أنّ حجّية الظهور وحجّية جهة الصدور ثابتتان بسيرة العقلاء ، فانّ بناء العقلاء قد استقرّ على كون الظاهر هو المراد الجدي ، وكون الداعي إلى التكلم هو بيان الحكم الواقعي ، ومورد هذا البناء وموضوعه هو الشك في المراد والشك في جهة الصدور ، وبعد ورود الدليل الدال على بيان المراد وجهة الصدور لا يبقى شكّ حتّى يعمل بالظهور أو جهة الصدور ، فيكون الدليل الحاكم مبيّناً للمراد من الدليل المحكوم ، ومبيّناً لجهة صدوره ، وبه يرتفع الشك ولم يبق مورد للعمل بأصالة الظهور أو بأصالة الجهة. وهذا هو السر في تقديم الحاكم على المحكوم ، من دون ملاحظة النسبة والترجيح بينهما بعد إحراز حجّية الحاكم. وهذا الكلام جارٍ في كل قرينة متصلة أو منفصلة مع ذيها فانّه تقدّم القرينة بعد إحراز قرينيتها على ظهور ذي القرينة وإن كان أقوى من ظهور القرينة.
أنّ لفظ الضرر المذكور في أدلة نفي الضرر موضوع للضرر الواقعي ، كما هو الحال في جميع الألفاظ ، ولهذا قلنا في محلّه إنّ مقتضى الأدلة ثبوت الأحكام للموضوعات الواقعية من دون تقييد بالعلم والجهل ، غاية الأمر أنّ الجاهل
المستند في مخالفتها إلى الأمارة أو الأصل معذور غير مستحق للعقاب. وأمّا الأحكام فهي مشتركة بين العالم والجاهل (1)، وعليه فيكون الميزان في رفع الحكم كونه ضررياً في الواقع ، سواء علم به المكلف أم لا. وقد استشكل بذلك في موردين :
الأوّل : تقييد الفقهاء خيار الغبن والعيب بما إذا جهل المغبون. وأمّا مع العلم بهما فلا يحكم بالخيار ، فيقال ما وجه هذا التقييد مع أنّ دليل لا ضرر ناظر إلى الضرر الواقعي ، بلا فرق بين العلم والجهل. ودعوى أنّه مع العلم هو أقدم على الضرر مدفوعة بأنّ إقدامه على الضرر غير مؤثر في لزوم البيع بعد كون الحكم الضرري منفياً في الشريعة ، وبعد كون اللزوم منفياً شرعاً لا فائدة في إقدامه على الضرر.
الثاني : تسالم الفقهاء على صحّة الطهارة المائية مع جهل المكلف بكونها ضررية ، مع أنّ مقتضى دليل لا ضرر عدم وجوبها حينئذ ، وكون الوظيفة هي الطهارة الترابية ، فيلزم الحكم ببطلان الطهارة المائية مع جهل المكلف بكونها ضررية ، ووجوب إعادة الصلاة الواقعة معها.
والجواب أمّا عن المورد الأوّل : فهو أنّ الاشكال فيه مبني على أنّ الدليل لثبوت خيار الغبن والعيب هو دليل نفي الضرر. وقد ذكرنا (2)أنّ الدليل على ثبوت خيار الغبن تخلف الشرط الارتكازي ، باعتبار أنّ بناء العقلاء على التحفظ بالمالية عند تبديل الصور الشخصية ، فهذا شرط ضمني ارتكازي ، وبتخلّفه يثبت خيار تخلّف الشرط. وعليه فيكون الاقدام من المغبون مع علمه بالغبن
إسقاطاً للشرط المذكور فلا إشكال فيه. وأمّا خيار العيب فان كان الدليل عليه هو تخلّف الشرط الضمني ، بتقريب أنّ المعاملات العقلائية مبنية على أصالة السلامة في العوضين ، فإذا ظهر العيب كان له خيار تخلّف الشرط ، فيجري فيه الكلام السابق في خيار الغبن ولا حاجة إلى الاعادة. وإن كان الدليل عليه الأخبار الخاصّة (1)كما أنّ الأمر كذلك ، غاية الأمر أنّ الأخبار مشتملة على أمر آخر زائداً على الخيار وهو الأرش ، فهو مخيّر بين الفسخ والامضاء مع الأرش ، فالأمر أوضح لتقييد الخيار في الأخبار بصورة الجهل بالعيب.
وأمّا الجواب عن الاشكال في المورد الثاني : فذكر المحقق النائيني (2)قدسسره أنّ مفاد حديث لا ضرر هو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع.
والضرر الواقع في موارد الجهل لم ينشأ من الحكم الشرعي ليرفع بدليل لا ضرر ، وإنّما نشأ من جهل المكلف به خارجاً ، ومن ثمّ لو لم يكن الحكم ثابتاً في الواقع لوقع في الضرر أيضاً.
وفيه : أنّ الاعتبار في دليل نفي الضرر إنّما هو بكون الحكم بنفسه أو بمتعلقه ضررياً ، ولا ينظر إلى الضرر المتحقق في الخارج وأ نّه نشأ من أيّ سبب. ومن الظاهر أنّ الطهارة المائية مع كونها ضرريةً لو كانت واجبةً في الشريعة يصدق أنّ الحكم الضرري مجعول فيها من قبل الشارع ، وعليه فدليل نفي الضرر ينفي وجوبها.
والصحيح في الجواب أن يقال : إنّ دليل لا ضرر ورد في مقام الامتنان على الامّة الاسلامية ، فكل مورد يكون نفي الحكم فيه منافياً للامتنان لا يكون
مشمولاً لدليل لا ضرر ، ومن المعلوم أنّ الحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل بكونها ضررية والأمر بالتيمم وباعادة العبادات الواقعة معها مخالف للامتنان ، فلا يشمله دليل لا ضرر ، بل الحكم بصحّة الطهارة المائية المذكورة وبصحّة العبادات الواقعة معها هو المطابق للامتنان.
ثمّ إنّ مجرد كون الوضوء الضرري مثلاً الصادر حال الجهل غير مشمول لدليل لا ضرر لا يكفي في الحكم بصحّته ، بل إثبات صحّته يحتاج إلى دليل من عموم أو إطلاق يشمله ، لأنّ عدم كونه مشمولاً لدليل لا ضرر عبارة عن عدم المانع من صحّته ، وعدم المانع لا يكفي في الحكم بالصحّة ، بل لا بدّ من إحراز المقتضي وشمول الأدلة ، وهذا يتوقف على أحد أمرين على سبيل منع الخلو ، الأوّل : أن لا يكون الاضرار بالنفس حراماً ما لم يبلغ حدّ التهلكة ، ولم يكن ممّا علم مبغوضيته في الشريعة المقدّسة كقطع بعض الأعضاء ونحوه. الثاني : أن لا يكون النهي المتعلق بالعنوان التوليدي سارياً إلى ما يتولد منه ، فانّ الاضرار بالنفس وإن فرض حرمته ، إلاّأنّ حرمته لا تسري بناءً على ذلك إلى الطهارة المائية التي يتولد منها الاضرار ، فلا مانع من الحكم بصحّتها وإن كان الاضرار المتولد منها حراماً. وأمّا إذا لم نقل بأحد الأمرين ، بأن قلنا بحرمة الاضرار بالنفس وبسراية الحرمة من الاضرار المسبّب من الطهارة المائية إلى السبب فتكون الطهارة المائية حينئذ حراماً ، وحرمتها مانعة عن اتصافها بالصحّة ، ولا يكون الجهل موجباً للتقرّب بما هو مبغوض واقعاً.
ولذا ذكرنا في بحث اجتماع الأمر والنهي أنّه بناءً على الامتناع وتقديم جانب النهي يحكم بفساد العبادة ولو في حال الجهل (1)وما ذكره الفقهاء من الحكم
1) محاضرات في اصول الفقه 3 : 435 ، الدراسات 2 : 113
بالصحّة في حال الجهل فهو إمّا مبني على جواز اجتماع الأمر والنهي ، فيكون المقام من باب التزاحم لا من باب التعارض ، ولا مانع من الحكم بصحّة أحد المتزاحمين في صورة عدم وصول الآخر إلى المكلف وجهله به (1)، وإمّا ناشئ من الاشتباه في التطبيق والغفلة عن كون العمل مورداً لاجتماع الأمر والنهي (2). ومن العجيب ما صدر عن المحقق النائيني قدسسره في رسالته العملية (3)من الفتوى بصحّة الوضوء بماء مغصوب حال الجهل بالغصبية مع كونه ملتفتاً إلى كونه مورداً لاجتماع الأمر والنهي على ما تعرّض له في الاصول. والاجماع المدّعى في مفتاح الكرامة على صحّة الوضوء مع الجهل بالغصبية (4)ممّا لا مجال للاعتماد عليه ، فانّه إجماع منقول معلوم المدرك.
وربّما يتوهّم في المقام : أنّه لا يمكن الحكم بصحّة الطهارة المائية ولو لم نقل بسراية الحرمة من المسبب إلى السبب ، إذ مع حرمة المسبب لا يمكن القول بوجوب السبب ، ولو لم نقل بحرمته لعدم إمكان اختلاف السبب والمسبب في الوجوب والحرمة ، بأن يكون السبب واجباً والمسبب حراماً ، فلا يمكن القول بوجوب الطهارة المائية الضررية مع حرمة الاضرار بالنفس.
ويدفعه : أنّ عدم إمكان اختلاف السبب والمسبب في الوجوب والحرمة ليس إلاّمن جهة استلزامه التكليف بما لا يطاق لعدم إمكان امتثال أحدهما إلاّ بمخالفة الآخر ، ولا مانع من أن يكون في السبب ملاك الوجوب ، وفي المسبب
ملاك الحرمة ، غاية الأمر عدم فعلية كلا الحكمين ، لعدم قدرة المكلف على امتثالهما ، فيكون من باب التزاحم ، كما إذا توقف إنقاذ غريق على التصرف في ملك الغير ، فانّه يكون المسبب واجباً والسبب حراماً - عكس ما نحن فيه - ولا إشكال في تنجّز وجوب الانقاذ مع الجهل بحرمة التصرف حكماً أو موضوعاً ، كما لا إشكال في تنجّز حرمة التصرف مع الجهل بوجوب الانقاذ حكماً أو موضوعاً ، فكذلك الحال في المقام لا مانع من وجوب الطهارة المائية مع الجهل بالضرر.
وليس المقام من قبيل اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ليكون المورد من باب التعارض على القول بامتناع الاجتماع ، لأنّ التعارض على القول بامتناع الاجتماع إنّما هو فيما إذا لم يمكن الاجتماع في نفسه مع قطع النظر عن عدم قدرة المكلف على الامتثال ، وحينئذ فعلى القول بتقديم جانب الحرمة يكون العمل مبغوضاً في الواقع ، فلايمكن التقرّب به ، وبعد كونه غير مأمور به لا يمكن كشف وجود الملاك فيه كي يمكن القول بالصحّة لأجل وجود الملاك ، وإن لم يكن مأموراً به ، لأنّا لا نعلم وجود الملاك إلاّبالأمر المفقود على الفرض. والمقام ليس من هذا القبيل ، بل من باب التزاحم على التقريب المتقدم. فالصحيح أنّ الالتزام بأحد الأمرين المذكورين كافٍ في الحكم بصحّة الطهارة المائية مع الجهل بالضرر.
ولنقدّم الكلام في الأمر الثاني لكون البحث فيه مختصراً بالنسبة إلى الأمر الأوّل فنقول :
أمّا الكلام فيه من حيث الكُبرى : فقد تقدّم في بحث مقدّمة الواجب (1)
1) الهداية في الاصول 2 : 77 ، الدراسات 1 : 361
وملخّص ما ذكرناه هناك : أنّ العنوان التوليدي إن كان ينطبق على نفس ما يتولّد منه في نظر العرف ، فالحكم المتعلق بالعنوان التوليدي يتعلق بما يتولد منه ، لوحدة الوجود خارجاً. ولا عبرة بتعدد العنوان مع اتحاد الوجود خارجاً ، كالفعل الذي يتولّد منه الهتك مثلاً ، فانّ الهتك ينطبق على نفس هذا الفعل ، وهو فرد منه ، فلو كان الهتك حراماً تسري حرمته إلى الفعل لا محالة ، بل حرمته عين حرمة الفعل لاتحادهما خارجاً في نظر العرف.
وأمّا إن كان الفعل التوليدي مغايراً في الوجود مع ما يتولّد منه ، كالاحراق المتولد من الالقاء ، حيث إنّهما موجودان بوجودين ، ضرورة أنّ اللقاء مغاير للاحتراق وجوداً ، فايجاد اللقاء أي الالقاء مغاير لايجاد الاحتراق أي الاحراق ، لأنّ الايجاد والوجود متحدان ذاتاً ومختلفان اعتباراً ، فلا تسري حرمة الفعل التوليدي إلى ما يتولد منه ، والوجه فيه ظاهر بعد كونهما متغايرين من حيث الوجود.
وأمّا الكلام من حيث الصغرى : فهو أنّا قد ذكرنا في الدورة السابقة أنّ الضرر المتولد من الطهارة المائية من قبيل الأوّل ، ولكن التحقيق أنّه من قبيل الثاني ، لأنّ الضرر هو النقصان على ما ذكرناه سابقاً (1)، كحدوث الحمى مثلاً ، وهو غير الطهارة المائية في الوجود ، وعليه فلا تسري حرمة الاضرار إلى الطهارة المائية ، وصحّ الحكم بصحّتها بلا احتياج إلى البحث عن الأمر الأوّل ، إلاّ أنّا نتكلّم فيه أيضاً تتميماً للبحث فنقول : ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره في رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر أنّ الاضرار بالنفس كالاضرار بالغير محرّم بالأدلة العقلية والنقلية (2). ولكن
التحقيق عدم ثبوت ذلك على إطلاقه ، أي في غير التهلكة وما هو مبغوض في الشريعة المقدّسة كقطع الأعضاء ونحوه ، فانّ العقل لا يرى محذوراً في إضرار الانسان بماله بأن يصرفه كيف يشاء بداعٍ من الدواعي العقلائية ما لم يبلغ حدّ الاسراف والتبذير ، ولا بنفسه بأن يتحمّل ما يضر ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي ، بل جرت عليه سيرة العقلاء ، فانّهم يسافرون للتجارة مع تضررهم من الحرارة والبرودة بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر. وكذا النقل لم يدل على حرمة الاضرار بالنفس ، فانّ أقصى ما يمكن أن يستدل به لحرمة الاضرار بالنفس روايات نتكلّم فيها :
منها : الروايات الدالة على نفي الضرر والضرار. وقد عرفت الحال فيها ، فانّ الفقرة الاولى منها لا تدل على حرمة الاضرار بالغير فضلاً عن الاضرار بالنفس ، بل هي ناظرة إلى نفي الأحكام الضررية في عالم التشريع. والفقرة الثانية منها تدل على حرمة الاضرار بالغير بالأولوية على ما عرفت وجهها ولا تدل على حرمة الاضرار بالنفس بوجه كما تقدّم (1).
ومنها : ما رواه الكليني قدسسره في الكافي عن أبي عبداللّه عليهالسلام في حديث طويل من قوله عليهالسلام : «إنّ اللّه تعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه رغبةً منه فيما حرّم عليهم ولا زهداً فيما أحلّ لهم ، ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم ، فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم ، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم - إلى أن قال
1) في ص 620
(عليهالسلام) - أمّا الميتة فانّه لا يُدمنها أحد إلاّضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوّته ...» (1)فربّما يستدل بها لحرمة الاضرار بالنفس ، لكون الظاهر منها أنّ علّة حرمة المحرمات هي إضرارها ، فالحرمة تدور مداره.
ولكن التأمّل فيها يشهد بعدم دلالتها على حرمة الاضرار بالنفس ، فانّ المستفاد منها أنّ الحكمة في تحريم جملة من الأشياء كونها مضرةً بنوعها ، لا انّ الضرر موضوع للتحريم. والذي يدلّنا على هذا امور :
الأوّل : أنّ الضرر لو كان علّةً للتحريم يستفاد عدم حرمة الميتة من نفس هذه الرواية ، لأنّ المذكور فيها ترتب الضرر على إدمانها ، فلزم عدم حرمة الميتة من غير الادمان ، لأنّ العلّة المنصوصة كما توجب توسعة الحكم توجب تضييقه أيضاً ، فإذا ورد أنّ الخمر حرام لكونه مسكراً ، فالتعليل المذكور كما يدل على حرمة غير الخمر من المسكرات ، يدل على عدم حرمة الخمر إن لم يكن فيه سكر. وهذا من حيث القاعدة مع قطع النظر عن النص الخاص الدال على حرمة الخمر قليله وكثيره.
الثاني : أنّه لو كان الضرر علّةً للتحريم كانت الحرمة دائرة مدار الضرر ، فاذا انتفى الضرر في مورد انتفت الحرمة ، ولازم ذلك أن لا يحرم قليل من الميتة مثلاً بمقدار نقطع بعدم ترتب الضرر عليه ، مع أنّ ذلك خلاف الضرورة من الدين.
الثالث : أنّا نقطع بعدم كون الميتة بجميع أقسامها مضرّة للبدن ، فاذا ذبح حيوان إلى غير جهة القبلة ، فهل يحتمل أن يكون أكله مضرّاً بالبدن مع التعمّد في ذبحه إلى غير جهة القبلة ، وغير مضرّ مع عدم التعمد في ذلك ، أو يحتمل أن يكون مضرّاً في حال التمكن من الاستقبال وغير مضرّ في حال العجز عنه.
1) الكافي 6 : 242 / 1 ، الوسائل 24 : 99 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 1 ح 1
الرابع : ما ورد في الروايات من ترتب الضرر على أكل جملة من الأشياء ، كتناول الجبن في النهار وإدمان أكل السمك وأكل التفاح الحامض إلى غير ذلك ممّا ورد في الأطعمة والأشربة ، فراجع أبواب الأطعمة والأشربة من الوسائل ، مع أنّه لا خلاف ولا إشكال في جواز أكلها.
ومن الروايات التي يمكن أن يستدل بها للمقام ما رواه في الوسائل في باب الأطعمة والأشربة عن تحف العقول (1)، عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام ، بعد تقسيم ما أخرجته الأرض إلى ثلاثة أصناف ، من قوله عليهالسلام : «فكل شيء من هذه الأشياء فيه غذاء للانسان ومنفعة وقوّة ، فحلال أكله ، وما كان منها فيه المضرة فحرام أكله إلاّفي حال التداوي ...» وفي باب الأطعمة والأشربة من المستدرك عن دعائم الاسلام مثله (2)، وفي المستدرك أيضاً عن فقه الرضا عليهالسلام قريب منه مع الاختلاف في العبارة (3).
والجواب عنها : أنّ ظاهرها تقسيم الحبوب والثمار والبقول إلى قسمين ، فما كان منها مضرّاً للانسان بنوعه فهو حرام إلاّفي حال التداوي ، وما كان منها نافعاً للانسان بنوعه فهو حلال ، أي أنّ الحكمة في حرمة بعض الأشياء هي كونه مضرّاً بحسب النوع ، والحكمة في حلية بعض الأشياء هي كونه ذا منفعة ومصلحة نوعية ، فلا دلالة لها على كون الحرمة دائرةً مدار الضرر. هذا مضافاً إلى ضعف الروايات المذكورة من حيث السند ، فانّا قد تعرّضنا في بحث
المكاسب (1)لعدم صحّة الاعتماد على روايات كتاب تحف العقول وروايات دعائم الاسلام. وأمّا فقه الرضا عليهالسلام فلم يثبت كون ما فيه رواية فضلاً عن صحّة سنده ، ويحتمل كونه كتاب فتوى كما يظهر عند المراجعة.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : عدم حرمة الاضرار بالنفس ، وصحّة ما ذهب إليه المشهور من الحكم بصحّة الطهارة المائية مع كون المكلف جاهلاً بكونها موجبةً للضرر. هذا كلّه فيما إذا كان المكلف جاهلاً بالضرر.
وأمّا مع العلم به فهل يحكم بصحّة الطهارة المائية أم بفسادها؟ أفتى السيّد قدسسره في العروة بالفساد ، وفصّل بين العلم بالضرر والعلم بالحرج ، فحكم بالفساد في الأوّل وبالصحّة في الثاني (2). والمحشّون كذلك فيما رأيناه من الحواشي ، إلاّ المحقق النائيني (3)قدسسره فاختار عدم الصحّة في المقامين ، وسنذكر الوجه لما ذكره والكلام فيه. فالأقوال في المسألة ثلاثة :
الأوّل : هو الحكم بصحّة الطهارة المائية مع العلم بالضرر والعلم بالحرج.
الثاني : هو الحكم بالفساد في المقامين كما اختاره المحقق النائيني قدسسره.
الثالث : هو التفصيل بين العلم بالضرر فيحكم بالفساد ، وبين العلم بالحرج فيحكم بالصحّة ، كما اختاره في العروة ، ولعلّه المشهور بين المتأخرين.
والأقوى هو القول الأوّل والحكم بالصحّة في المقامين ، لكن في خصوص الغسل والوضوء دون غيرهما من العبادات وأجزائها ، فانّه يحكم بالفساد في غير الوضوء والغسل ، مع العلم بالضرر والعلم بالحرج ، على ما سنشير إليه
قريباً إن شاء اللّه تعالى.
والوجه في ذلك : أنّ الغسل مستحب لنفسه وكذا الوضوء ، وقد تقدّم (1)أنّ دليل لا ضرر حاكم على الأدلة الدالة على الأحكام الالزامية دون الأدلة الدالة على الأحكام غير الالزامية كالاستحباب والاباحة ، باعتبار أنّ دليل لا ضرر ناظر إلى نفي الضرر من قبل الشارع. والضرر في موارد الاباحة والاستحباب مستند إلى اختيار المكلف وإرادته لا إلى الشارع ، فالأحكام غير الالزامية باقية بحالها ، وإن كانت متعلقاتها ضررية ، فالوضوء الضرري وإن كان وجوبه مرفوعاً بأدلة نفي الضرر ، إلاّأنّ استحبابه باقٍ بحاله ، فصحّ الاتيان بالوضوء الضرري بداعي استحبابه النفسي أو لغاية مستحبّة ، وتحصل له الطهارة من الحدث ، وبعد حصولها لا مانع من الصلاة معها لحصول شرطها وهي الطهارة.
وكذا الحال في الغسل الضرري فيجري فيه ما ذكرناه في الوضوء بلا حاجة إلى الاعادة.
نعم ، لا نقول بالصحّة في غير الوضوء والغسل ، كما إذا كان القيام حال القراءة ضررياً أو حرجياً ، فانّه تجب الصلاة جالساً ، فلو قام في الصلاة مع العلم بالضرر أو الحرج نحكم ببطلان الصلاة في كلا المقامين ، لعدم الأمر بالقيام حينئذ وإن لم نقل بحرمة الاضرار بالنفس. وعدم الأمر كافٍ في الحكم بالبطلان ، ولذا نحكم بالبطلان مع العلم بالحرج أيضاً كالعلم بالضرر ، لعدم الأمر في كليهما بدليل لا ضرر ولا حرج ، فلا يبقى مقتضٍ للصحّة بعد عدم تعلّق الأمر. ووجود الملاك أيضاً غير محرز ، لما ذكرناه سابقاً (2)من أنّه لا سبيل لنا إلى إحراز الملاك
إلاّ الأمر ، فمع عدمه لا يحرز وجود الملاك أصلاً.
وأمّا ما ذكره المحقق النائيني قدسسره من الحكم بالفساد مع العلم بالضرر والعلم بالحرج (1)، فهو مبني على ما ذكره في بحث الترتب من أنّ المكلف منقسم بحسب الأدلة إلى واجد الماء فيتوضأ وإلى فاقده فيتيمم ، والتقسيم قاطع للشركة ، فلا يمكن الحكم بصحّة الطهارة المائية في ظرف الحكم بصحّة الطهارة الترابية على ما هو المفروض ، فانّ الحكم بصحّة الوضوء عند الحكم بصحّة التيمم يستلزم تخيير المكلف بينهما ، وهو يشبه الجمع بين النقيضين ، لأنّ الأمر بالتيمم مشروط بعدم وجدان الماء على ما في الآية الشريفة ، والأمر بالوضوء - بقرينة المقابلة - مشروط بالوجدان ، فالحكم بصحّة الوضوء والتيمم يستلزم كون المكلف واجداً للماء وفاقداً له ، وهو محال (2). وحيث إنّ الحكم بصحّة الطهارة الترابية في محل الكلام مفروغ عنه وليس محلاًّ للاشكال ، فلا مناص من الحكم ببطلان الطهارة المائية ، بلا فرق بين العلم بالضرر والعلم بالحرج.
وفيه : أنّ المعلّق على عدم وجدان الماء في الآية الشريفة (3)هو وجوب التيمم تعييناً ، وكذلك المعلّق على وجدان الماء هو وجوب الوضوء تعييناً ، وليس فيها دلالة على انحصار مشروعية التيمم بموارد فقدان الماء ، فبعد رفع وجوب الوضوء لأدلة نفي الضرر أو أدلة نفي الحرج يبقى استحبابه بحاله ، لما تقدّم من عدم حكومة أدلة نفي الضرر ونفي الحرج إلاّعلى الأحكام الالزامية.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ هذا النوع من الواجد أي الذي يكون الوضوء ضرراً أو حرجاً عليه ، يجوز له التيمم إرفاقاً له من قبل الشارع وامتناناً عليه ، ويجوز له الوضوء أيضاً نظراً إلى استحبابه النفسي ، فتكون النتيجة هي التخيير بين الوضوء والتيمم ، ولا نقول إنّ هذا المكلف واجد للماء وفاقد له حتّى يلزم اجتماع النقيضين ، بل نقول هو واجد للماء ولكن أجاز له الشارع أن يتيمم إرفاقاً له من جهة كون الوضوء ضرراً أو حرجاً عليه ، فانّ جواز التيمم مع كون المكلف واجداً للماء قد ثبت في بعض الموارد.
منها : ما إذا آوى إلى فراشه فذكر أنّه غير متوضئ ، فيجوز له التيمم مع كونه واجداً للماء.
ومنها : ما إذا أراد أن يصلّي على الميت فيجوز له التيمم مع وجدان الماء ، وإن وقع الخلاف بينهم من حيث إنّه مختص بما إذا خاف عدم إدراك الصلاة أو يعم غيره أيضاً.
ومنها : صاحب القرح والجرح فيما إذا لم تكن عليهما جبيرة وكانا عاريين ، فانّه إن كانت عليهما جبيرة لا إشكال في وجوب المسح عليها ، وأمّا إن كانا عاريين فقد تعارضت في حكمه الأخبار ، ففي بعضها أنّه يغتسل ويغسل ما حول القرح والجرح ، كما ذكره في الوسائل في باب الجبيرة (1)، وفي بعضها أنّ عليه التيمم كما ذكره في الوسائل أيضاً في باب التيمم (2)ومقتضى الجمع بينها هو الحكم بالتخيير بين الغسل والتيمم ، فيجوز له التيمم مع كونه واجداً للماء.
وأمّا ما ذكره السيّد قدسسره في العروة من التفصيل بين العلم بالضرر والعلم بالحرج ، والحكم بالفساد في الأوّل وبالصحّة في الثاني ، فهو مبني على ما هو المشهور بين المتأخرين من حرمة الاضرار بالنفس ، فيكون المكلف غير قادر على استعمال الماء شرعاً ، والممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، فتكون الطهارة المائية مبغوضة باطلة ، ويجب عليه التيمم. وهذا هو الوجه في التفكيك بين الضرر والحرج. ولا يمكن تصحيح الطهارة المائية على القول بحرمة الاضرار بالنفس ، سواء قلنا بسراية الحرمة من المسبب - وهو الاضرار - إلى السبب وهو الطهارة المائية ، أم لم نقل بها.
أمّا على الأوّل فواضح ، لكون الطهارة المائية حينئذ محرّمة لا يمكن التقرّب بها.
وأمّا على الثاني فلأنّ حرمة المعلول وإن لم تكن مسرية إلى العلّة ، إلاّ أنّه لا يمكن كون العلّة واجباً بالفعل مع حرمة المعلول ، للزوم التكليف بما لا يطاق ، لعدم قدرة المكلف على امتثال كليهما ، فيكون من قبيل التزاحم. ومن المعلوم عدم كون كلا التكليفين فعلياً في باب التزاحم ، ومحل الكلام إنّما هو صورة العلم بالضرر لا صورة الجهل به حتّى نحكم بصحّة أحد المتزاحمين مع الجهل بالآخر كما تقدّم ، فلا يمكن القول بوجوب الطهارة المائية فعلاً مع حرمة الاضرار بالنفس ، لما يلزم من التكليف بما لا يطاق ، فلا أمر بالطهارة المائية فتكون باطلة لا محالة. ولا يمكن تصحيحها على القول بالترتب أيضاً لوجهين :
الأوّل : أنّ الترتب إنّما يتصور فيما إذا كان المتزاحمان عرضيين ، بحيث يمكن الالتزام بفعلية أحدهما في ظرف عصيان الآخر كوجوب الازالة والصلاة ، والمقام ليس كذلك فانّه بعد وقوع التزاحم بين وجوب الطهارة المائية وحرمة
الاضرار بالنفس لا يمكن الالتزام بوجوب الطهارة المائية بعد تحقق عصيان حرمة الاضرار ، لأنّ العصيان والاضرار إنّما يتحققان بنفس الطهارة المائية ، لكونها علّةً للاضرار ، فكيف يمكن الالتزام بوجوب الطهارة المائية بعد عصيان حرمة الاضرار.
الثاني : أنّ الترتب إنّما هو فيما إذا كان الملاك تامّاً في كلا الحكمين ، والمانع عن فعلية كليهما إنّما هو عجز المكلف عن امتثالهما معاً ، وعليه لا يصحّ الترتب في باب الطهارات لكونها مشروطةً بالقدرة الشرعية ، فمع حرمة الاضرار بالنفس لا يمكن القول بصحّة الطهارة المائية لفقدان الشرط وهو عدم المنع الشرعي ، وقد تقدّم تفصيل ذلك في بحث الترتب (1).
فتحصّل : أنّه على القول بحرمة الاضرار بالنفس لا مناص من الالتزام ببطلان الطهارة المائية مع العلم بالضرر. ولكن التحقيق عدم حرمة الاضرار بالنفس ، وقد تقدّم الكلام فيه (2)بما لا مزيد عليه.
فالصحيح ما ذكرناه من عدم الفرق بين الضرر والحرج والحكم بصحّة الطهارة المائية مع العلم بالضرر كما في صورة العلم بالحرج.
إذا اعتقد المكلف فقدان الماء أو كون استعماله ضرراً عليه فتيمم وصلّى ثمّ انكشف الخلاف ، فهل يحكم بصحّة ما أتى به ، وعدم وجوب الاعادة إذا كان
الانكشاف في أثناء الوقت ، وعدم وجوب القضاء فيما إذا كان الانكشاف بعد الوقت؟ وجوه.
نسب المحقق النائيني قدسسره الحكم بالصحّة وعدم وجوب الاعادة إلى المشهور ، وذكر في تقريبه أنّ موضوع التيمم من لم يتمكن من استعمال الماء ، ومن اعتقد فقدان الماء فهو غير متمكن من استعماله ، فالموضوع محرز بالوجدان فصحّ تيممه. وكذا الحال في معتقد الضرر ، فانّه من يعتقد عدم وجوب الوضوء غير متمكن من امتثاله ولو كان اعتقاده مخالفاً للواقع (1).
أقول : أمّا ما ذكره في من اعتقد عدم وجود الماء فمتين جداً ، فانّ التمكن لا يدور مدار الواقع ، بل يدور مدار الاعتقاد ، فانّ الانسان ربّما يموت عطشاً والماء في رحله ، بل نقول إنّ الماء موجود دائماً لعدم كون الأرض خاليةً من الماء ، غاية الأمر أنّه لا يتمكن من استعماله.
وأمّا من اعتقد الضرر مع عدم الضرر في الواقع فالحكم بعدم تمكّنه من استعمال الماء مبني على القول بحرمة الاضرار بالنفس ، فانّ المعتقد بالمنع الشرعي عاجز عن الامتثال ، إذ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي. وأمّا بناءً على ما ذكرناه من عدم حرمة الاضرار بالنفس ، فالمكلف متمكن من استعمال الماء مع العلم بالضرر غاية الأمر أنّه يعتقد ترخيص الشارع له بترك الوضوء والاكتفاء بالتيمم إرفاقاً وامتناناً ، فإذا انكشف عدم الضرر ينكشف بطلان التيمم وعدم ترخيص الشارع فيه من أوّل الأمر. هذا هو مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الأخبار.
ولكن وردت في المقام روايات تدل على جواز التيمم بمجرد خوف
1) منية الطالب 3 : 411
الضرر (1)، فإذا ثبت جواز التيمم مع الخوف المنطبق على مجرد الاحتمال العقلائي بمقتضى هذه الروايات ثبت جوازه مع اعتقاد الضرر قطعاً ، فيحكم بصحّة التيمم من جهة كون الخوف تمام الموضوع بمقتضى الروايات ، ولا يضره انكشاف عدم الضرر في الواقع. نعم ، بعد الانكشاف ينقلب موضوع الخوف أمناً. هذا كلّه فيما إذا انكشف الخلاف بعد خروج الوقت.
وأمّا إذا انكشف الخلاف في أثناء الوقت فالحكم بالصحّة وعدم وجوب الاعادة مبني على أنّ جواز التيمم منوط بعدم وجدان الماء وعدم التمكن من استعماله في جميع الوقت ، أو بعدم التمكن منه حال الاتيان بالعمل ولا يعتبر عدم التمكن منه في جميع الوقت. وهذا هو منشأ الاختلاف في جواز البدار إلى العمل مع التيمم وعدمه.
فإن قلنا بالثاني وأنّ عدم وجدان الماء حال الاتيان بالعمل كافٍ في جواز التيمم ، وكذا كون الاستعمال ضرراً عليه حال الاتيان بالعمل كافٍ في جواز التيمم وإن وجد الماء في آخر الوقت ولم يكن استعماله ضرراً عليه ، فلا إشكال في صحّة التيمم المذكور وعدم وجوب الاعادة ، ولازمه جواز البدار إلى الاتيان بالعمل مع التيمم ، كما أنّ الحكم في جواز التقيّة كذلك ، ولا تتوقف صحّة العمل المطابق للتقيّة على عدم المندوحة إلى آخر الوقت.
وإن قلنا بالأوّل فلا يجوز البدار إلى العمل مع التيمم في صورة العلم بزوال العذر إلى آخر الوقت ، وهو واضح. نعم ، لا مانع من التيمم في صورة العلم بعدم زوال العذر إلى آخر الوقت ، وكذا لا مانع من التيمم في صورة الشك في زوال العذر من وجدان الماء أو عدم كون الاستعمال ضرراً عليه ، لاستصحاب
1) الوسائل 3 : 388 / أبواب التيمم ب 25
بقاء العذر ، فإذا انكشف وجود الماء أو انكشف عدم كون الاستعمال ضرراً عليه في أثناء الوقت كان الحكم بصحّة التيمم الواقع بمقتضى الاستصحاب عند الشك مبنياً على القول بالاجزاء في الأمر الظاهري ، وحيث إنّا ذكرنا في مسألة الاجزاء (1)أنّ الأمر الظاهري - كما في الاستصحاب الجاري عند الشك - والأمر التخيلي كما في صورة العلم بعدم وجود الماء وكان الماء في الواقع موجوداً ، وكما في صورة العلم بالضرر مع عدم الضرر في الواقع ، لا يقتضي الإجزاء ، فبعد انكشاف الخلاف ينكشف بطلان التيمم وتجب عليه الاعادة.
ذكر بعضهم أنّ قاعدة لا ضرر كما أنّها حاكمة على الأحكام الوجودية كذلك حاكمة على الأحكام العدمية ، فكما أنّ الحكم الوجودي الضرري يرتفع بحديث لا ضرر ، كذلك نفي الحكم إن كان ضررياً يرتفع به ونفي النفي يستلزم ثبوت الحكم ، فيثبت الحكم بدليل لا ضرر في مورد كان نفيه ضررياً. ومثّل لذلك بأمثلة ، منها : ما تقدّم ذكره (2)عند نقل كلام الفاضل التوني قدسسره وهو أنّه لو حبس أحد غيره عدواناً فشرد حيوانه أو أبق عبده ، فانّ عدم حكم الشارع فيه بالضمان ضرر على المحبوس ، فينفى بحديث لا ضرر ويحكم بالضمان. ومنها : ما ذكره السيّد قدسسره في ملحقات العروة (3)واستدلّ له بقاعدة لا ضرر تارةً ، وبالروايات الخاصّة اخرى ، وهو أنّه لو امتنع الزوج عن
نفقة زوجته ، فعدم الحكم بجواز طلاقها للحاكم ضرر عليها ، فينفى بحديث لا ضرر ويحكم بجواز طلاقها للحاكم.
وقد أورد المحقق النائيني (1)قدسسره على ذلك بوجهين : الأوّل راجع إلى منع الكبرى ، أي إلى أصل القاعدة المذكورة ، وهي أنّ دليل لا ضرر حاكم على الأحكام العدمية. والثاني راجع إلى منع الصغرى ، أي إلى تطبيق القاعدة المذكورة على المثالين. أمّا الأوّل : فهو أنّ حديث لا ضرر ناظر إلى الأحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة ، ويقيّدها بصورة عدم الضرر ، وعدم الحكم ليس حكماً مجعولاً فلا يشمله حديث لا ضرر. وأمّا الثاني : فهو أنّ حديث لا ضرر ناظر إلى نفي الضرر في عالم التشريع كما مرّ مراراً (2)، ولا دلالة فيه على وجوب تدارك الضرر الخارجي المتحقق من غير جهة الحكم الشرعي ، والضرر في المثالين ليس ناشئاً من قبل الشارع في عالم التشريع حتّى ينفى بحديث لا ضرر.
وعليه فلا يمكن التمسك بحديث لا ضرر لاثبات الضمان في المسألة الاولى ، ولا لاثبات جواز الطلاق في المسألة الثانية.
أقول : أمّا إيراده الأوّل فغير وارد ، لأنّ عدم جعل الحكم في موضع قابل للجعل جعل لعدم ذلك الحكم ، فيكون العدم مجعولاً ، ولا سيّما بملاحظة ما ورد من أنّ اللّه سبحانه لم يترك شيئاً بلا حكم (3)، فقد جعل الحكم من قبل الشارع لجميع الأشياء ، غاية الأمر أنّ بعضها وجودي وبعضها عدمي ، كما أنّ بعضها
تكليفي وبعضها وضعي. وعليه فلا مانع من شمول دليل لا ضرر للأحكام العدمية أيضاً إن كانت ضررية ، هذا من حيث الكبرى ، إلاّأنّ الصغرى لهذه الكُبرى غير متحققة ، فانّا لم نجد مورداً كان فيه عدم الحكم ضررياً حتّى نحكم برفعه وبثبوت الحكم بقاعدة لا ضرر.
وأمّا إيراده الثاني فوارد ، وتوضيحه : أنّ الحكم بالضمان في المسألة الاولى إنّما هو لتدارك الضرر الواقع على المحبوس من ناحية الحابس ، وقد عرفت (1)أنّ حديث لا ضرر لا يشمل مثل ذلك ولا يدل على وجوب تدارك الضرر الواقع في الخارج بأيّ سبب ، بل يدل على نفي الضرر من قبل الشارع في عالم التشريع. وكذا الحال في المسألة الثانية ، فانّ فيها اموراً ثلاثة : امتناع الزوج عن النفقة ، ونفس الزوجية ، وكون الطلاق بيد الزوج. أمّا الأوّل فهو الموجب لوقوع الضرر على الزوجة ولم يرخص فيه الشارع. وأمّا الثاني فليس ضررياً وقد أقدمت الزوجة بنفسها عليه في مقابل المهر وكذا الثالث ، فليس من قبل الشارع ضرر في عالم التشريع حتّى يرفع بحديث لا ضرر ، غاية الأمر أنّ الحكم بجواز الطلاق يوجب تدارك الضرر الناشئ من عدم الانفاق ، وقد عرفت أنّ مثل ذلك لا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر. هذا مضافاً إلى أنّ التمسك بحديث لا ضرر - لاثبات الضمان في المسألة الاولى ، ولاثبات جواز الطلاق للحاكم في المسألة الثانية - معارض بالضرر المترتب على الحكم بالضمان على الحابس ، والضرر المترتب على جواز الطلاق على الزوج من زوال سلطنته على الطلاق ، ولا ترجيح لأحد الضررين على الآخر.
إن قلت : إنّ الحابس بحبسه والزوج بامتناعه عن النفقة قد أقدما على الضرر ، فلا يعارض به الضرر الواقع على المحبوس والزوجة.
1) في ص 615
قلت : إنّ الحابس لم يقدم على الضرر على نفسه ، بل أقدم على الضرر على المحبوس ، وكذا الزوج بامتناعه عن النفقة لم يقدم على الضرر على نفسه ، بل أقدم على الضرر على الزوجة ، وصدق الاقدام على الضرر على نفسيهما متوقف على ثبوت الحكم بضمان الحابس وبزوال سلطنة الزوج ، فلا يمكن إثباتهما بالاقدام على الضرر ، فانّه دور واضح.
هذا ما تقتضيه القاعدة ، ولكنّه وردت روايات خاصّة في المسألة الثانية تدل على زوال سلطنة الزوج عند امتناعه عن النفقة على الزوجة ، وأ نّه للحاكم أن يفرّق بينهما (1). ولا مانع من العمل بها في موردها. وأمّا ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (2)من معارضتها للروايات الدالة على أنّها «ابتليت فلتصبر» (3)ففيه : أنّ هذه الروايات الآمرة بالصبر واردة فيما إذا امتنع الزوج عن المواقعة ، فلا معارضة بينها ، فيعمل بكل منها في موردها. نعم ، الروايات الدالة على أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق (4)معارضة لها ، لكنّها أخص منها ، فتقدّم عليها ، ونتيجة التقديم أن يجبر الزوج على الانفاق ، وإن امتنع فيجبر على الطلاق ، وإن امتنع عنه أيضاً يفرّق الحاكم بينهما.
1) الوسائل 21 : 509 / أبواب النفقات ب 1 ح 1 و 2
2) منية الطالب 3 : 420
3) المستدرك 15 : 337 / أبواب أقسام الطلاق ب 18 ح 7 ، وراجع الوسائل 20 : 506 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 44 ح 1 و 2 ، وراجع أيضاً روايات الباب 23 من أقسام الطلاق
4) عوالي اللآلي 1 : 234 / ح 137 ، راجع الوسائل 22 : 98 / أبواب مقدّمات الطلاق ب 42 ح 1
والظاهر أنّ الروايات الدالة على جواز الطلاق للحاكم مختصّة بما إذا امتنع الزوج عن الانفاق بلا عذر ، فلا تنافي بينها وبين الروايات الدالة على أنّها إن غاب زوجها فليس للحاكم طلاقها إلاّبعد التفحص عنه أربع سنوات (1)، فلعل عدم الانفاق من الزوج الغائب يكون لعذر.
في تعارض الضررين ومسائله ثلاث :
المسألة الاولى : ما لو دار أمر شخص واحد بين ضررين بحيث لا بدّ له من الوقوع في أحدهما ، وفروعه ثلاثة :
الأوّل : ما إذا دار أمره بين ضررين مباحين ، بناءً على ما ذكرناه (2)من عدم حرمة الاضرار بالنفس بجميع مراتبه. وفي مثله يجوز له اختيار أيّهما شاء بلا محذور.
الثاني : ما إذا دار الأمر بين ضرر يحرم ارتكابه كتلف النفس ، وما لا يحرم ارتكابه كتلف المال. وفي مثله لا ينبغي الشك في لزوم اختيار المباح تحرزاً عن الوقوع في الحرام.
الثالث : ما إذا دار الأمر بين ضررين محرمين. ويكون المقام حينئذ من باب التزاحم ، فلا بدّ له من اختيار ما هو أقل ضرراً والاجتناب عمّا ضرره أكثر وحرمته أشد وأقوى ، بل الاجتناب عمّا كان محتمل الأهمّية. نعم ، مع العلم
بالتساوي أو احتمال الأهمّية في كل من الطرفين يكون مخيّراً في الاجتناب عن أيّهما يشاء. والوجه في ذلك كلّه ظاهر. وممّا ذكرناه ظهر الحكم فيما لو دار الأمر بين الاضرار بأحد الشخصين ، إذ بعد حرمة الاضرار بالغير يكون المقام من باب التزاحم ، فيجري فيه ما تقدّم في الفرع الثالث ولا حاجة إلى الاعادة.
المسألة الثانية : ما لو دار أمر الضرر بين شخصين عكس المسألة الاولى ومثاله المعروف ما إذا دخل رأس دابة شخص في قدر شخص آخر ، ولم يمكن التخليص إلاّبكسر القدر أو ذبح الدابة ، وفروع هذه المسألة أيضاً ثلاثة :
الأوّل : أن يكون ذلك بفعل أحد المالكين ، والحكم فيه وجوب إتلاف ماله وتخليص مال الآخر مقدمةً لردّه إلى مالكه ، لقاعدة اليد ، ولا يجوز إتلاف مال الغير ودفع مثله أو قيمته إلى مالكه ، لأنّه متى أمكن ردّ العين وجب ردّها ، ولا تصل النوبة إلى المثل أو القيمة ، والانتقال إلى المثل والقيمة إنّما هو بعد تعذّر ردّ العين.
الثاني : أن يكون ذلك بفعل شخص ثالث غير المالكين ، وفي مثله يتخيّر في إتلاف أيّهما يشاء ويضمن مثله أو قيمته لمالكه ، إذ بعد تعذّر إيصال كلا المالين إلى مالكيهما ، عليه إيصال أحدهما بخصوصيته والآخر بماليته من المثل أو القيمة ، لعدم إمكان التحفظ على كلتا الخصوصيتين.
الثالث : أن يكون ذلك غير مستند إلى فعل شخص ، بأن يكون بآفة سماوية ، وقد نسب إلى المشهور في مثله لزوم اختيار أقل الضررين ، وأنّ ضمانه على مالك الآخر ، ولا نعرف له وجهاً غير ما ذكره بعضهم من أنّ نسبة جميع الناس إلى اللّه تعالى نسبة واحدة ، والكل بمنزلة عبد واحد ، فالضرر المتوجه إلى أحد شخصين كأحد الضررين المتوجه إلى شخص واحد فلا بدّ من اختيار أقل الضررين (1)
1) رسائل فقهية للشيخ الأنصاري قدسسره : 125 / التنبيه السادس
وهذا لا يرجع إلى محصل. ولا يثبت به ما هو المنسوب إلى المشهور من كون تمام الضرر على أحد المالكين ، وهو من كانت قيمة ماله أكثر من قيمة مال الآخر. ولا وجه لالزامه بتحمل تمام الضرر من جهة كون ماله أكثر من مال الآخر ، مع كون الضرر مشتركاً بينهما بآفة سماوية.
والصحيح أن يقال : إنّه إذا تراضى المالكان باتلاف أحد المالين بخصوصه ولو بتحملهما الضرر على نحو الشركة ، فلا إشكال حينئذ ، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم (1)، وإلاّ فلا بدّ من رفع ذلك إلى الحاكم ، وله إتلاف أيّهما شاء ويقسّم الضرر بينهما بقاعدة العدل والانصاف الثابتة عند العقلاء.
ويؤيّدها : ما ورد في تلف درهم عند الودعي ، من الحكم باعطاء درهم ونصف لصاحب الدرهمين ونصف درهم لصاحب الدرهم الواحد ، فانّه لايستقيم إلاّ على ما ذكرناه من قاعدة العدل والانصاف ، وقد تقدّم في بحث القطع (2). هذا فيما إذا تساوى المالان من حيث القيمة ، وأمّا إن كان أحدهما أقل قيمةً من الآخر ، فليس للحاكم إلاّإتلاف ما هو أقل قيمةً ، لأنّ إتلاف ما هو أكثر قيمةً سبب لزيادة الضرر على المالكين بلا موجب.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من الفروع وأحكامها إنّما هو فيما إذا لم تثبت أهمّية أحد الضررين في نظر الشارع ، وأمّا إذا ثبت ذلك فلا بدّ من اختيار الضرر الآخر في جميع الفروع السابقة ، كما إذا دخل رأس عبد محقون الدم في قدر شخص آخر ، فانّه لا ينبغي الشك في عدم جواز قتل العبد ، ولو كان ذلك بفعل مالك العبد ، بل يتعيّن كسر القدر وتخليص العبد ، غاية الأمر كون ضمان القدر عليه ، كما أنّه
إن كان بفعل الغير كان الضمان عليه ، وإن كان بآفة سماوية كان الضرر مشتركاً بينهما.
المسألة الثالثة : وهي لا تخلو من الأهمّية من حيث كثرة الابتلاء بها ، ما إذا دار الأمر بين تضرر شخص والاضرار بالغير من جهة التصرف في ملكه ، كمن حفر في داره بالوعة أو بئراً يكون موجباً للضرر على الجار مثلاً ، وتوضيح المقام يقتضي ذكر أقسام تصرّف المالك في ملكه الموجب للاضرار بالجار ، فنقول : إنّ تصرّفه يتصوّر على وجوه :
الأوّل : أن يكون المالك بتصرّفه قاصداً لإضرار الجار ، من دون أن يكون فيه نفع له أو في تركه ضرر عليه.
الثاني : الصورة مع كون الداعي إلى التصرف مجرد العبث والميل النفساني ، لا الاضرار بالجار.
الثالث : أن يكون التصرف بداعي المنفعة ، بأن يكون في تركه فوات منفعة.
الرابع : أن يكون الداعي التحرز عن الضرر بأن يكون في تركه ضرر عليه.
والمنسوب إلى المشهور جواز التصرّف وعدم الضمان في الصورتين الأخيرتين ، بعد التسالم على الحرمة والضمان في الصورتين الاوليين (1)أمّا وجه الحرمة والضمان في الصورتين الاوليين فظاهر ، فانّه لا إشكال في حرمة الاضرار بالغير ولا سيّما الجار ، والمفروض أنّه لا يكون فيهما شيء ترتفع به حرمة الاضرار بالغير.
وأمّا الوجه لجواز التصرّف وعدم الضمان في الصورتين الأخيرتين ، فقد استدلّ له بوجهين :
1) راجع فرائد الاصول 2 : 538 و 539 ، ورسائل فقهية للشيخ الأنصاري قدسسره : 126 / التنبيه السابع
الوجه الأوّل : أنّ منع المالك عن التصرف في ملكه حرج عليه ، ودليل نفي الحرج حاكم على أدلة نفي الضرر ، كما أنّه حاكم على الأدلة المثبتة للأحكام.
وهذا الدليل ممنوع صغرىً وكبرى : أمّا الصغرى : فلعدم كون منع المالك عن التصرف في ملكه حرجاً عليه مطلقاً ، فانّ الحرج المنفي في الشريعة المقدّسة إنّما هو بمعنى المشقّة التي لا تتحمل عادة ، ومن الظاهر أنّ منع المالك عن التصرف في ملكه لا يكون موجباً للمشقة التي لا تتحمل عادة مطلقاً ، بل قد يكون وقد لا يكون. وليس الحرج المنفي في الشريعة المقدّسة بمعنى مطلق الكلفة ، وإلاّ كان جميع التكاليف حرجية ، فانّها كلفة ومنافية لحرّية الانسان وللعمل بما تشتهي الأنفس. وأمّا الكبرى : فلأ نّه لا وجه لحكومة أدلة نفي الحرج على أدلة نفي الضرر ، فانّ كل واحد منهما ناظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام الأوّلية ، ويقيّدها بغير موارد الحرج والضرر في مرتبة واحدة ، فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر.
الوجه الثاني : أنّ تصرف المالك في ملكه في المقام لا بدّ من أن يكون له حكم مجعول من قبل الشارع : إمّا الجواز أو الحرمة ، فلا محالة يكون أحدهما خارجاً عن دليل لا ضرر ، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ، فيكون دليل لا ضرر مجملاً بالنسبة إليهما ، فلا يمكن التمسك بحديث لا ضرر لشيء منهما ، فيرجع إلى أصالة البراءة عن الحرمة ويحكم بجواز التصرف.
وفيه : ما تقدّم (1)من أنّ دليل لا ضرر لا يشمل إلاّالأحكام الالزامية ، لأ نّه ناظر إلى نفي الضرر من قبل الشارع في عالم التشريع. والضرر في الأحكام الترخيصية لا يستند إلى الشارع حتّى يكون مرتفعاً بحديث لا ضرر ، فحرمة الاضرار بالغير تكون مشمولةً لحديث لا ضرر ومرتفعةً به دون الترخيص.
1) في ص 618 / التنبيه الأوّل
هذا ، ولكن التحقيق عدم شمول حديث لا ضرر للمقام ، لأنّ مقتضى الفقرة الاولى عدم حرمة التصرف لكونها ضرراً على المالك ، ومقتضى الفقرة الثانية - وهي لا ضرار - حرمة الاضرار بالغير على ما تقدّم بيانه (1)، فيقع التعارض بين الصدر والذيل ، فلا يمكن العمل بإحدى الفقرتين. وإن شئت قلت : إنّ حديث لا ضرر لا يشمل المقام أصلاً لا صدراً ولا ذيلاً ، لما ذكرناه (2)من كونه وارداً مورد الامتنان على الامّة الاسلامية ، فلا يشمل مورداً كان شموله له منافياً للامتنان ، ومن المعلوم أنّ حرمة التصرف والمنع عنه مخالف للامتنان على المالك ، والترخيص فيه خلاف الامتنان على الجار ، فلايكون شيء منهما مشمولاً لحديث لا ضرر.
وبما ذكرناه ظهر أنّه لا يمكن التمسك بحديث لا ضرر فيما كان ترك التصرف موجباً لفوات المنفعة وإن لم يكن ضرراً عليه ، لأنّ منع المالك عن الانتفاع بملكه أيضاً مخالف للامتنان ، فلا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر ، فلا يمكن التمسك بحديث لا ضرر في المقام أصلاً ، بل لا بدّ من الرجوع إلى غيره ، فإن كان هناك عموم أو إطلاق دلّ على جواز تصرف المالك في ملكه حتّى في مثل المقام يؤخذ به ويحكم بجواز التصرف ، وإلاّ فيرجع إلى الأصل العملي وهو في المقام أصالة البراءة عن الحرمة ، فيحكم بجواز التصرف. وبما ذكرناه ظهر الحكم فيما إذا كان التصرف في مال الغير موجباً للضرر على الغير ، وتركه موجباً للضرر على المتصرف ، فيجري فيه الكلام السابق من عدم جواز الرجوع إلى حديث لا ضرر ، لكونه وارداً مورد الامتنان ، فيرجع إلى عموم أدلة حرمة التصرف في مال الغير ، كقوله صلىاللّهعليهوآله : «لا يحل مال
امرئ إلاّبطيب نفسه» (1)، وغيره من أدلة حرمة التصرف في مال الغير ، ويحكم بحرمة التصرف.
هذا كلّه من حيث الحكم التكليفي. وأمّا الحكم الوضعي وهو الضمان فالظاهر ثبوته حتّى فيما كان التصرف جائزاً ، لعدم الملازمة بين الجواز وعدم الضمان ، فيحكم بالضمان لعموم قاعدة الاتلاف. ودعوى كون الحكم بالضمان ضررياً فيرتفع بحديث لا ضرر ، مدفوعة بأنّ الحكم بالضمان ضرري في جميع موارده ، فلا يمكن رفعه بحديث لا ضرر ، لما تقدّم (2)من أنّ حديث لا ضرر لا يشمل الأحكام المجعولة ضرريةً من أوّل الأمر ، وحديث لا ضرر ناظر إلى الأحكام التي قد تكون ضررية وقد لا تكون ضررية ، ويقيّدها بصورة عدم الضرر.
هذا مُضافاً إلى ما تقدّم أيضاً من أنّه حديث امتناني لا يشمل باب الضمان أصلاً (3).
هذا تمام كلامنا في قاعدة لا ضرر في هذه الدورة ، والحمد لله أوّلاً وآخراً على ما وفّقني لكتابة هذا السِّفر القيِّم ، وصلّى اللّه على رسوله الكريم وآله الأبرار الأطهار وأصحابه الأخيار الكبار.
كتبتهُ وأنا مُعْتَكِف بجوار العتبة المقدّسة العلويّة في النجف الأشرف ، على مشرّفها آلاف التحيّة والإكرام والصلاة والسلام ، وأنا مستجير بذمّته حيّاً وميِّتاً ، وكان ذلك في 8 / 8 / 1376 اللّيلة الثامنة من شهر شعبان المُعظّم من شهور سنة ست وسبعين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة على هاجرها الصلاة والسلام.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
مباحث القطع
التنبيه على أمور... 3
الأمر الأوّل : خروج القطع عن مسائل علم الاصول... 3
الأمر الثاني : المراد بالمكلف في كلام الشيخ قدسسره... 4
الاشكال في إجراء المجتهد الأصل بالنسبة إلى تكليف مقلّديه... 6
الأمر الثالث : تقسيم حالات المكلف... 8
عدول صاحب الكفاية عن تقسيم الشيخ الأنصاري والمناقشة فيه... 9
الكلام في حجّيةالقطع... 13
1 - ذاتية طريقية القطع... 14
2 - الأقوال في منجزية القطع ومعذّريته... 14
3 - المنع عن العمل بالقطع... 16
الكلام في التجرى... 17
عدم اختصاص التجري بالقطع... 17
توهم عدم جريان التجري في مورد الأمارات والاصول العملية... 17
الكلام في حرمة الفعل المتجرى به بنفس ملاك الحرام الواقعي... 18
دعوى حرمة الفعل المتجرى به بملاك التمرد على المولى... 21
نقد كلام صاحب الكفاية والمحقق النائيني في المقام... 23
الكلام في استحقاق المتجري للعقاب... 27
تنبيهات في المقام
التنبيه الأوّل : التجري في القطع الموضوعي... 28
التمسك لحرمة التجري بالاجماع على حرمة سلوك طريق مظنون الضرر... 28
التنبيه الثاني : الاستدلال لحرمة التجري بروايات قصد المعصية... 29
التنبيه الثالث : كلام صاحب الفصول في قبح التجري... 30
تعدد العقاب عند مصادفة التجري للواقع... 32
التنبيه الرابع : ترتب العقاب على التجري لا على العزم والاختيار... 32
الكلام في القطع الموضوعي... 33
نقل كلام الشيخ في تقسيم القطع... 33
نقل كلام صاحب الكفاية في تقسيم القطع... 34
المراد من القطع الموضوعي... 36
قيام الأمارات والطرق مقام القطع الطريقي... 37
الأقوال في قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي بنحو الطريقية... 37
الكلام في قيام الاصول مقام القطع... 40
نقد كلام الآخوند في حاشيته على الرسائل... 43
أخذ القطع بحكم في موضوعه أو في موضوع مثله أو ضدّه... 47
أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه... 49
مراتب الحكم... 49
أخذ الظن بحكم في موضوع نفسه... 51
أخذ الظن بحكم في موضوع حكم يماثله... 51
الكلام في الموافقة الالتزامية... 54
وجوب تصديق النبي في كل ما جاء به... 54
معنى الموافقة الالتزامية... 55
عدم الدليل على وجوب الموافقة الالتزامية... 55
عدم ترتب ثمرة على وجوب الموافقة الالتزامية... 55
قطع القطّاع... 57
المراد من القطّاع... 57
حجّية قطع القطّاع لنفسه... 57
القطع الحاصل من المقدّمات العقلية... 58
نقل كلام صاحب الكفاية في المقام... 58
أقسام الحكم العقلي... 59
مورد ملازمة الحكم الشرعي لحكم العقل... 59
نقل كلام الشيخ في المقام... 60
نقل كلام المحقق النائيني في المقام... 61
فروع توهم المنع عن العمل بالقطع... 65
مباحث العلم الاجمالي... 73
تنجز التكليف بالعلم الاجمالي... 73
تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى الموافقة القطعية... 73
تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى المخالفة القطعية... 73
وجه عدم تنجز التكليف بالعلم الاجمالي ونقده... 75
كلام صاحب الكفاية في إمكان الترخيص في أطراف العلم الاجمالي... 76
الصحيح عدم إمكان الترخيص في أطراف العلم الاجمالي... 78
تضاد الأحكام في المبدأ والمنتهى... 78
الكلام في شمول أدلة الاصول أطراف العلم الاجمالي... 81
نقل كلام الشيخ الأنصاري في المقام... 81
الكلام في الامتثال الاجمالي... 84
كفاية الامتثال الاجمالي مع التمكن من العلم التفصيلي... 84
الامتثال الاجمالي في التوصليات لغير المتمكن من التفصيلي... 85
الاحتياط في العبادات المستقلّة... 87
الاحتياط في جزء العبادة... 89
الاحتياط في العابدة مع عدم معلومية التكليف... 89
كلام المحقق النائيني في المقام... 90
الاحتياط في العابدة مع استلزامه تكرارها... 91
دوران الأمر بين الاحتياط والمتثال الظنّي... 93
دوران الأمر بين الاحتياط والعمل بالظن الانسدادي... 95
مباحث الظن
عدم كون الحجية ذاتية للظن... 101
انحصار حجية الظن بالجعل الشرعي... 101
القول بكفاية الظن في سقوط التكليف... 102
البحث عن إمكان التعبّد بالظن... 103
معنى الامكان في المقام... 103
دعوى الأنصاري امكان التعبّد بالظن لبناء العقلاء... 103
مناقشة صاحب الكفاية كلام الشيخ... 103
نقد ما ذكره النائيني في المقام... 104
الوجه الأوّل لاستحالة التعبد بالظن... 106
نقد كلام ابن قبة... 106
أقسام السببية... 109
الوجه الثاني لاستحالة التعبّد بالظن... 114
كيفية جمع الشيخ بين الحكم الواقعي والظاهري... 115
كيفية جمع الآخوند بين الحكم الواقعي والظاهري... 116
كيفية جمع النائيني بين الحكم الواقعي والظاهري... 120
المختار في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري... 125
البحث عن وقوع التعبد بالظن... 128
مقتضى الأصل عند الشك في الحجية... 128
معنى الأصل في المقام... 128
ما ذكره الشيخ في تأسيس الأصل... 129
التمسك بالآيات لاثبات حرمة العمل بالظن... 131
كلام المحقق النائيني في المقام... 131
إرشاد الآيات إلى حكم العقل بعدم حجحية الظن... 132
التمسك باستصحاب عدم حجية الظن... 134
حجّية الظواهر... 137
تسالم العقلاء على حجية الظهور... 137
اختصاص حجية الظواهر ببمن قصد إفهامه... 138
منع الأخبار بين حجية ظواهر الكتاب... 142
انقسام الدلالة إلى الانسية والوضعية والتصديقية... 146
صور عدم إحراز الظهور ومنشؤها... 146
حجّية قول اللغوي... 152
الاستدلال على حجية قول اللغوي بكونه من أهل الخبرة... 152
الاستدلال على حجية قول اللغوي بالاجماع... 153
الاستدلال على حجية قول اللغوي بالانسداد الصغير... 154
ذكر بعض الأعاظم تقريبا آخر للانسداد... 154
الاجماع المنقول... 156
تقسيم الشيخ الأخبار عن شيء إلى أقسام... 156
مستند بعض الاجماعات... 158
مقالة المحقق العراقي في حجية الاجماع المنقول... 159
مدرك حجية الاجماع المحصّل... 160
حجّية الشهرة... 164
الشهرة في الرواية... 164
ضعف سند ودلالة مرفوعة زرارة ومقبولة ابن حنظلة... 164
الشهرة في العمل بالرواية... 166
الشهرة في الفتوى... 167
حجّية خبر الواحد... 170
البحث عن كون حجية الخبر مسألة اصولية... 170
كلام الشيخ الأنصاري في المقام... 171
توجيه بعض المحققين كلام الشيخ... 172
الخلاف في حجية خبر الواحد... 173
أدلة المنكرين لحجية خبر الواحد... 173
أدلة حجية خبر الواحد... 178
1 - الاستدلال بآية النبأ... 178
الاستدلال بمفهوم الوصف... 178
كلام الشيخ الأنصاري في المقام... 180
عدم الواسطة بين العادل والفاسق... 182
الاستدلال بمفهوم الشرط... 183
ضابط الجملة الشرطية التي سيقت لتحقق الموضوع... 184
الاشكالات على دلالة الآية على المفهوم... 189
أقسام الحكومة... 194
إشكالان على أصل حجية خبر الواحد... 201
دوران الأمر بين التخصيص والتخصص... 206
الاشكال في حجية الخبر مع الواسطة... 208
2 - الاستدلال بآية النفر... 212
توقف الاستدلال بالآية على ثبوت امور ثلاثة... 212
الاشكالات على الاستدلال بالآية... 214
3 - الاستدلال بآية الكتمان... 218
4 - الاستدلال بآية الذكر... 219
5 - الاستدلال بآية الاذن... 220
الاستدلال على حجّية الخبر بطوائف من الروايات... 222
أقسام التواتر... 224
حجية الخبر الموثوق به... 225
الاستدلال على حجّية الخبر بالاجماع... 227
استقرار سيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة... 229
الجواب عن توهم رادعية الآيات للسيرة... 229
الكلام في جبر عمل المشهور ضعف الخبر... 235
الكلام في وهن الخبر باعراض المشهور... 236
الاستدلال على حجّية الخبر بحكم العقل... 237
كلام الشيخ وإيراد صاحب الكفاية عليه... 237
هل يترتب على وجوب العمل بالخبر ما يترتب على حجيته؟... 240
الكلام في تقدّم الخبر على الاصول العملية... 240
الكلام في تقدّم الخبر على أصالة العموم والاطلاق... 245
الوجه الثاني : ما ذكره صاحب الوافية... 248
الوجه الثالث : ما حكي عن صاحب الحاشية... 249
حجية الظن المطلق... 251
أدلة حجية الظن... 251
مقدّمات الانسداد... 255
في تعيين نتيجة المقدمات وانّها الكشف أو الحكومة... 256
في أنّ نتيجة المقدمات مطلقة أو مهملة... 258
البحث عن تمامية مقدمات الانسداد... 261
الكلام في حكومة قاعدة نفي الضرر والحرج على الاحتياط... 266
حجية الظن في غير الأحكام الشرعية... 273
حجية الظن بالاصول الاعتقادية... 274
عدم وجود جاهل قاصر بالنسبة إلى الصانع وتوحيده... 275
وجود جاهل قاصر بالنسبة إلى النبوّة والإمامة والمعاد... 275
جريان أحكام الكفر على الجاهل القاصر بالاصول الاعتقادية... 276
شهرة عدم استحقاق الجاهل القاصر للعقاب... 276
حجية الظن بما يجب التباني وعقد القلب عليه... 276
حجية الظن بالامور التكوينية والتاريخية... 277
شهرة انجبار ضعف الخبر بعمل المشهور... 279
شهرة وهن الخبر باعراض المشهور عنه... 280
استكشاف معنى اللفظ من حمل جماعة من العلماء لفظا على معنى خاص... 281
ترجيح أحد المتعارضين بالظن... 282
مباحث الأصول العملية
الأمر الأوّل : تقسيم مباحث الاصول... 285
الأمر الثاني : حصر الاصول العملية ومواردها في أربعة... 288
سبب عدم ذكر قاعدة الطهارة في علم الاصول... 289
الأمر الثالث : وجه تقسيم الشيخ مسائل الشك في التكليف إلى ثمانية... 291
الأمر الرابع : اختصاص نزاع الاصولي مع الأخباري في الصغرى لا الكبرى... 294
أصالة البراءة
أدلة البراءة... 296
الاستدلال بالآيات على البراءة... 296
الاستدلال بالروايات على البراءة... 298
1 - حديث الرفع... 298
تنبيهات حديث الرفع... 305
التنبيه الأوّل : الإشكال على الحديث بأنّ ظاهره الرفع لا الدفع... 305
التنبيه الثاني : اختلاف الرفع بالنسبة إلى الامور التسعة... 307
التنبيه الثالث : عموم حديث الرفع للأحكام الوضعية وللموضوعات... 308
هل يجب الاتيان بغير ما اضطرّ إلى تركه من الأجزاء والشرائط؟... 309
التنبيه الرابع : عدم ارتفاع الحكم الثابت للشيء بالعناوين المذكورة في الحديث... 311
التنبيه الخامس : اعتبار أمرين في شمول حديث الرفع... 312
اعتبار ترتب الحكم على فعل المكلف... 312
اعتبار المنّة في رفع الحكم... 312
التنبيه السادس : جريان البراءة في التكاليف غير الالزامية... 312
2 - حديث الحجب... 313
3 - روايات الحل... 315
4 - حديث السعة... 322
5 - حديث كل شيء مطلق... 323
الاستدلال بالاجماع على البراءة... 326
الاستدلال بالعقل على البراءة... 327
البحث عن تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان... 328
كيفية الجمع بين قاعدة قبح العقاب وقاعدة دفع الضرر... 328
المراد بالضرر المحتمل الواجب دفعه... 329
كيفية الجمع بين قاعدة قبح العقاب وأدلة الاحتياط... 333
الاستدلال على البراءة بالاستصحاب... 333
استصحاب البراءة الثابتة قبل البلوغ... 337
الاشكالات على استصحاب البراءة... 337
أدلة وجوب الاحتياط... 344
الاستدلال بالآيات على لزوم الاحتياط... 344
الاستدلال بالأخبار على وجوب الاحتياط... 345
وجه تقديم أدلة البراءة على أخبار الاحتياط... 349
توهم تقدم أخبار الاحتياط على أخبار البراءة... 350
الاستدلال على البراءة بحكم العقل من وجوه... 351
الوجه الأوّل : العلم الاجمالي بالتكاليف... 351
الوجه الثاني : أصالة الحظر... 356
الوجه الثالث : وجوب دفع الضرر المحتمل... 356
تنبيهات أصالة البراءة... 357
التنبيه الأوّل : أصالة عدم التذكية... 357
كلام الشيخ الأنصاري في المقام... 357
أقسام الشك في حلية اللحم من جهة الشبهة الموضوعية... 358
صور الشك في حلية اللحم من حيث الشبهة الحكمية... 360
الكلام في ترتب النجاسة أيضا على أصل عدم التذكية... 361
التنبيه الثاني : حسن الاحتياط في التوصليات والعبادات... 364
هل إنّ أوامر الاحتياط إرشادية أو مولويّة؟... 365
هل إنّ أوامر الاحتياط في طول الأمر الواقعي أو في عرضه؟... 367
التنبيه الثالث : قاعدة التسامح في أدلة السنن... 368
التنبيه الرابع : جريان البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية... 373
صور تعلق النهي بالطبيعة... 376
التنبيه الخامس : عدم لزوم اختلال النظام من الاحتياط في كل فرد... 376
أصالة التخيير
اعتبار أمرين في محل النزاع... 381
المقام الأوّل : دوران الأمر بين المحذورين في التوصليات مع وحدة الواقعة... 382
الأقوال في المسألة وأدلتها... 382
المقام الثاني : دوران الأمر بين المحذورين مع كون أحد الحكمين أو كلاهما تعبديا... 389
أقسام العلم الاجمالي... 389
دوران الأمر بين محذورين في العبادات الضمنية... 390
المقام الثالث : دوران الأمر بين محذورين مع تعدد الواقعة... 393
الكلام في تقديم محتمل الأهمّية من المحذورين... 395
الكلام في كون التخيير في المقام بدويا أو استمراريا... 398
أصالة الاحتياط
المقام الأوّل : دوران الأمر بين المتباينين... 403
توقف منجزية العلم الاجمالي على عدم جريان الاصول في أطرافه... 403
البحث عن إمكان جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف... 404
البحث عن إمكان جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف... 407
البحث عن شمول دليل الحكم الظاهري لتمام الأطراف... 410
البحث عن شمول دليل الحكم الظاهري لبعض الأطراف... 411
البحث عن شمول أدلة الاصول لجميع الأطراف تخييرا... 412
تنبيهات دوران الأمر بين المتباينين... 416
التنبيه الأوّل : اختلاف الاصول الجارية في أطراف العلم الاجمالي... 416
التنبيه الثاني : نفي الملازمة بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة... 421
التنبيه الثالث : الاتيان ببعض الأطراف مع مصادفته للواقع... 422
التنبيه الرابع : خروج بعض الأفراد عن محل الابتلاء بعد العلم الاجمالي... 423
التنبيه الخامس : لو كان الأثر في بعض الأطراف أكثر من البعض الآخر... 427
التنبيه السادس : العلم الاجمالي في التدريجيات... 429
التنبيه السابع : الشبهة غير المحصورة... 434
تعريف الشبهة غير المحصورة... 434
ما استدل به على عدم وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة غير المحصورة... 439
هل يجري حكم الشك في أطراف الشبهة غير المحصورة أو يكون الشك كالعدم؟... 441
شبهة الكثير في الكثير... 442
التنبيه الثامن : الاضطرار إلى ارتكاب بعض أطراف العلم الاجمالي... 443
توقف انحلال العلم الاجمالي للاضطرار على رفعه جميع الآثار... 443
الاضطرار إلى أحد الأطراف على التعيين... 445
حدوث الاضطرار بعد التكليف وبعد العلم به... 445
حدوث الاضطرار قبل التكليف وقبل العلم به... 448
حدوث الاضطرار بعد التكليف وقبل العلم به... 449
الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه... 451
لو صادف ما اختاره المكلف لرفع اضطراره مع الحرام الواقعي... 455
الاضطرار إلى ترك بعض الأطراف في الشبهة الوجوبية... 456
التنبيه التاسع : خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء... 457
الشك في اشتراط التكليف بدخول الأطراف في محل الابتلاء... 462
الشك في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء من جهة الشبهة المفهومية... 462
الشك في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء لشبهة مصداقية... 463
جريان البراءة عند الشك في القدرة... 465
التنبيه العاشر : اشتراط تنجيز العلم الاجمالي بترتب أثر على كل واحد من الأطراف 466
التنبيه الحادي عشر : جريان الاصول الطولية في أطراف العلم الاجمالي... 467
التنبيه الثاني عشر : ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة... 471
الرجوع إلى الأصل فيما كان المعلوم بالاجمال جزء الموضوع... 472
1 - تحقّق الملاقاة والعلم بها بعد العلم الاجمالي... 476
الشبهة الحيدرية... 479
2 - تحقق الملاقاة والعلم بها قبل العلم الاجمالي... 482
3 - ما إذا كان العلم الاجمالي بعد الملاقاة وقبل العلم بها... 487
نقل كلام صاحب الكفاية في المقام... 489
المقام الثاني : دوران الأمر بين الأقل والأكثر... 494
1 - دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء الخارجية... 495
الوجوه التي ذكروها لتقريب البراءة العقلية... 495
اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري... 496
الموانع التي ذكروها لجريان البراءة العقلية... 499
جريان البراءة الشرعية في المقام... 508
تنبيه : الاشكال في وجوب الأقل بعد جريان البراءة عن الأكثر... 512
التمسك بالاستصحاب للشتغال... 513
التمسك بالاستصحاب للبراءة... 515
2 - دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأجزاء التحليلية... 516
الأوّل : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب على نحو الشرطية موجودا مستقلا... 516
الثاني : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب أمرا غير مستقل عنه خارجا... 517
الثالث : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب مقوّما له... 518
أقسام دوران الأمر بين التعيين والتخيير... 519
1 - دوران الأمرى بين التعيين والتخيير في مرحلة الجعل... 520
2 - دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية... 529
3 - دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال... 530
تنبيهات الأقل والأكثر... 532
الأوّل : إذا ثبتت جزئية شيء لواجب فهل هي مطلقة؟... 532
البحث عن إمكان تكليف الناسي... 532
مقتضى الاصول اللفظية في المقام... 535
مقتضى الاصول العملية في المقام... 538
الثاني : حكم الزيادة العمدية والسهوية... 540
الثالث : قاعدة الميسور... 546
الاستدلال بالاستصحاب على وجوب الميسور... 546
الاستدلال بالروايات على قاعدة الميسور... 552
الرابع : دوران الأمر بين الجزئية والشرطية وبين المانعية والقاطعية... 562
خاتمة : شروط جريان الاصول... 565
عدم اشتراط حسن الاحتياط بشيء... 565
اشتراط البراءة العقلية بالفحص... 566
عدم اشتراط البراءة الشرعية في الموضوعات بالفحص... 566
أدلة اعتبار الفحص في جريان البراءة الشرعية في الأحكام... 566
اشتراط الاستصحاب وسائر الاصول بالفحص... 572
بقي الكلام في جهات من البحث... 573
الاولى : المقدار اللازم من الفحص... 573
الثانية : طريقية وجوب التعلم... 573
الثالثة : عمومية وجوب التعلم لاحتمال الابتلاء... 579
الرابعة : العقاب على ترك الفحص... 581
الخامسة : حكم عمل التارك للتعلم... 583
الكلام في عقاب من صلّى جهرا في موضع الاخفات... 586
السادسة : وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية... 590
السابعة : اشتراط الفاضل التوني شرطين للبراءة... 593
قاعدة لا ضرر
الجهة الاولى : بيان سند الروايات ومتنها... 600
الجهة الثانية : فقه الحديث ومعناه... 605
الجهة الثالثة : كيفية انطباق الحديث على قصّة سمرة... 616
تنبيهات لا ضرر... 618
الأوّل : اختصاص الحديث برفع الحكم الالزامي... 618
الثاني : كون الضرر في العبادات والمعاملات شخصيا... 620
الثالث : وهي القاعدة بكثرة التخصيصات... 622
الرابع : حكومة لا ضرر على العمومات الأوّلية... 627
الخامس : كون الضرر في القاعدة الضرر الواقعي... 630
الاشكال في تقييد خيار الغبن والعيب بجهل المغبون... 631
تسالم الفقهاء على صحة الطهارة المائية مع جهل المكلف بضرريتها... 631
حرمة الاضرار بالنفس... 636
فرع : إذا تيمم وصلّى باعتقاد عدم الماء أو الضرر ثمّ انكشف الخلاف... 645
السادس : حكومة لا ضر على الأحكام العدمية... 648
السابع : في تعارض الضررين... 652
فهرس الموضوعات... 661 - 681
قد بذلت غاية الجهد في تصحيحه - الطبعة الاولى - ولكن بما أنّ العصمة لأهلها ، قد وقعت أغلاط طفيفة لا تخفى على القارئ الكريم...
محمّد كاظم الخوانساري
17 / ج 1 / 87
الصورة