موسوعة الإمام الخوئی جلد 43

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : محاضرات في اصول الفقه/ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ محمداسحاق الفیاض.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار‌الامام الخوئی(قدس سره)، 14ق.= -13

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه الامام الخوئی.

شابک : ج.43 ، چاپ سوم : 964-7336-12-8 ؛ ج. 44، چاپ سوم 964-7336-13-6 : ؛ ج. 45 ، چاپ سوم 964-7336-14-6 : ؛ ج. 46، چاپ سوم 964-7336-15-2 :

يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد چهل ششم، 1422ق. = 1380.

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلدهای قبلی کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشران متفاوت منتشر شده است.

يادداشت : ج. 43 - 46 (چاپ سوم: 1428 ق. = 2007 م. = 1386 ).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : اصول فقه شیعه

شناسه افزوده : فیاض، محمداسحاق، 1934 - م.، گردآورنده

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP159/8/خ‌9م‌3 1300ی

رده بندی دیویی : 297/312

شماره کتابشناسی ملی : م‌81-4695

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسّسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثالث والأربعون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 98251 + - 9121530367 98 +

تاريخ الطبع : 1430 ه-، 2009.

المطبعة نينوى

الطبعة الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 8 – 12 – 7336 - 964

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com www. alkhoei.net

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين

والصّلاة والسّلام علی سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين

و لعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين

من الآن إلی قیام يوم الدّين

ص: 2

محاضرات

في

أصول الفقه

تقرير الأبجاث

الأسَتاد الأعظم سماحة آية اللّه العظمی

السيّد ابوالقاسم الموسويّ الخوئي (قدّس سِرُّه)

«1317-1413ه-»

تأليف آية اللّه

الشيخ محمّد اسحاق الفيّاض (دام ظلّه)

مؤسسة الخوئي الإسلاميّة

ص: 3

ص: 4

-5-43.jpg^

ص: 5

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

وبعد، فهذا هو الجزء الأوّل من كتابنا «محاضرات في أُصول الفقه» وهو مشتمل على ما استفدته من تحقيقات عاليةٍ ومطالب شامخة وأفكار مبتكرة من مجلس درس سيّدنا الأستاذ الأفخم فقيه الطائفة سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، إذ عكفت ضمن المئات من الطلاب على مجلس درسه الشريف في جامعة العلم الكبرى «النجف الأشرف» التي أسندت إليها زعامتها، وألقت بين يديه مقاليدها، فقام بالعبأ خير قيام في محاضراته وبحوثه، وتربّى على يديه الكريمتين جيل بعد جيل من الأفاضل الأعلام.

وإني إذ أبتهل إلى المولى سبحانه أن يوفقني لإلحاق الجزء الثاني بهذا الجزء في الطبع، أسأله تعالى أن يمتعنا وعموم المسلمين بدوام وجود أستاذنا الأفخم ويديم أيام إفاداته العامرة، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب.

ص: 6

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تمهید

إشارة:

من الضروري الذي لا يشكّ فيه أحد أنّ الشريعة الإسلامية المقدسة تشتمل على أحكام إلزامية، من وجوبات وتحريمات تتكفّل بسعادة البشر ومصالحهم المادية والمعنوية، ويجب الخروج عن عهدتها وتحصيل الأمن من العقوبة م--ن ناحيتها بحكم العقل.

وهذه الأحكام ليست بضرورية لكل أحد بحيث يكون الكل عالمين بها، من دون حاجة إلى تكلف مؤونة الإثبات وإقامة البرهان عليها.

نعم عدّة منها أحكام ضرورية أو قطعية فيعلمها كل مسلم، من دون حاجة إلى مؤونة الإثبات والاستدلال.

ولكن جلّها نظريّات تتوقف معرفتها وتمييز موارد ثبوتها عن موارد عدمها على البحث والاستدلال، وأنّ ذلك يتوقف على معرفة قواعد ومبادئ تكون نتيجتها معرفة الوظيفة الفعلية وتشخيصها في كل مورد، وأن هذه القواعد هي القواعد الأصولية، فهي مبادٍ تصديقية لعلم الفقه المتكفل لتشخيص الوظيفة الفعلية في كل مورد بالنظر والدليل، وأنّ المباحث الأصولية قد مهدت وأسست لمعرفة هذه القواعد وتنقيحها.

ص: 7

ص: 8

أقسام القواعد الأصولية

وينبغي التنبيه على أُمور:

الأمر الأوّل

أنّ هذه القواعد والمبادئ على أقسام

القسم الأوّل : ما يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي بعلم وجداني، وبنحو البت،والجزم وهي مباحث الاستلزامات العقلية كمبحث مقدّمة الواجب، و مبحث الضد، ومبحث اجتماع الأمر والنهي ومبحث النهي في العبادات، فانّه بعد القول بثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته مثلاً، يترتب عليه العلم الوجداني بوجوب المقدّمة عند وجوب ذيها بعد ضم الصغرى إلى هذه الكبرى.

وكذا يحصل العلم البتي بفساد الضدّ العبادي عند الأمر بضدّه الآخر إذا ضمّ ذلك إلى كبرى ثبوت الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه.

القسم الثاني : ما يوصل إلى الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي بعلم جعلي تعبدي، وهي مباحث الحجج والأمارات، وهذه على ضربين :

الضرب الأوّل: ما يكون البحث فيه عن الصغرى بعد إحراز الكبرى والفراغ عنها، وهي مباحث الألفاظ بأجمعها، فانّ كبرى هذه المباحث - وهي مسألة حجية الظهور - محرزة ومفروغ عنها، وثابتة من جهة بناء العقلاء وقيام

السيرة القطعية عليها، ولم يختلف فيها اثنان ولم يقع البحث عنها في أي علم، ومن هنا قلنا إنها خارجة عن المسائل الأصولية.

نعم، وقع الكلام في موارد ثلاثة :

الأوّل: في أنّ حجية الظهور هل هي مشروطة بعدم الظن بالخلاف أم بالظن بالوفاق، أم لا هذا ولا ذاك ؟

الثاني: في ظواهر الكتاب وأنها هل تكون حجة أم لا؟

الثالث: في أنّ حجية الظواهر هل تختص بمن قصد إفهامه أم تعم غيره أيضاً ؟

والصحيح فيها على ما يأتي بيانه (1)هو حجية الظهور مطلقاً، بلا اختصاص لها بالظن بالوفاق ولا بعدم الظن بالخلاف، ولا بمن قصد إفهامه، كما أنّه لا فرق فيها بين ظواهر الكتاب وغيرها.

ثمّ إنّ البحث في هذا الضرب يقع من جهتين :

الجهة الأولى : في إثبات ظهور الألفاظ بحد ذاتها وفي أنفسها مع قطع النظر عن ملاحظة أية ضميمة خارجية أو داخلية كمباحث الأوامر والنواهي والمفاهيم، ومعظم مباحث العموم والخصوص والمطلق والمقيد، كالبحث عن أن الجمع المحلى باللام هل هو ظاهر في نفسه في العموم أم لا، وعن أنّ النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي هل هي ظاهرة في العموم بحد ذاتها، وعن أنّ الفرد المعرف باللام هل هو ظاهر بنفسه فى الاطلاق بلا معونة قرينة خارجية ما عدا مقدّمات المحكمة أم لا.

الجهة الثانية : في إثبات ظهورها مع ملاحظة معونة خارجية كبعض مباحث


1) في مصباح الأصول 2: 137 وما بعدها.

العام والخاص والمطلق والمقيد، كالبحث عن أنّ العام والمطلق إذا خصصا بدليلين منفصلين فهل هما بعد ذلك ظاهران في تمام الباقي أم لا. والبحث عن أنّ المخصص والمقيد المنفصلين المجملين هل يسري إجمالها إلى العام والمطلق أم لا، ونحوهما.

الضرب الثاني: ما يكون البحث فيه عن الكبرى وهي مباحث الحجج - بعد إحراز الصغرى والفراغ عنها - كمبحث حجية خبر الواحد، والاجماعات المنقولة، والشهرات الفتوائية، وظواهر الكتاب ويدخل فيه مبحث الظن الانسدادي - بناءً على الكشف - ومبحث التعادل والترجيح، فانّ البحث فيه في الحقيقة عن حجية أحد الخبرين المتعارضين في هذا الحال.

القسم الثالث : ما يبحث عن الوظيفة العملية الشرعية للمكلفين في حال العجز عن معرفة الحكم الواقعي واليأس عن الظفر بأي دليل اجتهادي، من عموم أو إطلاق بعد الفحص بالمقدار الواجب، وما هو وظيفة العبودية في مقام الامتثال وهي مباحث الأصول العملية الشرعية، كالاستصحاب والبراءة والاشتغال.

القسم الرابع : ما يبحث عن الوظيفة العملية العقلية في مرحلة الامتثال في فرض فقدان ما يؤدي إلى الوظيفة الشرعية، من دليل اجتهادي أو أصل عملي شرعي، وهي مباحث الأصول العملية العقلية، كالبراءة والاحتياط العقليين، ويدخل فيه مبحث الظن الانسدادي بناءً على الحكومة.

فالنتيجة المتحصلة إلى الآن : هي أنّ المسائل الأصولية وقواعدها على أقسام أربعة :

الأوّل: ما يثبت الحكم الشرعي بعلم وجداني.

الثاني : ما يثبته بعلم جعلي تعبدي، وهذا القسم على ضربين كما مرّ.

الثالث : ما يعيّن الوظيفة العملية الشرعية بعد اليأس عن الظفر بالقسمين المتقدمين.

الرابع : ما يعيّن الوظيفة العملية بحسب حكم العقل في فرض فقدان الوظائف الشرعية - يعني الأقسام الثلاثة المتقدمة - وعدم الظفر بشيء منها. فهذا كله فهرس المسائل الأصولية وترتيبها الطبيعي.

ومن هنا ظهر فائدة علم الأصول وهي : تعيين الوظيفة في مقام العمل الذي هو موجب لحصول الأمن من العقاب.

وحيث إنّ المكلف الملتفت إلى ثبوت الأحكام في الشريعة يحتمل العقاب وجداناً، فلا محالة يلزمه العقل بتحصيل مؤمن منه، وحيث إن طريقه منحصر بالبحث عن المسائل الأصولية، فإذن يجب الاهتمام بها، وبما أن البحث عنها منحصر بالمجتهدين دون غيرهم فيجب عليهم تنقيحها وتعيين الوظيفة منها في مقام العمل لنفسهم والمقلديهم حتّى يحصل لهما الأمن في هذا المقام.

الأمر الثاني في تعريف علم الأصول

وهو : العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون حاجة إلى ضميمة كبری أو صغرى أصولية أخرى إليها.

وعليه فالتعريف يرتكز على ركيزتين وتدور المسائل الأصولية مدارهما

وجوداً وعدماً :

الركيزة الأولى : أن تكون استفادة الأحكام الشرعية الإلهية من المسألة من باب الاستنباط والتوسيط لا من باب التطبيق - أي تطبيق مضامينها بنفسها على مصاديقها - كتطبيق الطبيعي على أفراده.

والنكتة في اعتبار ذلك في تعريف علم الأصول هي الاحتراز عن القواعد الفقهية، فانّها قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية، ولا يكون ذلك من باب الاستنباط والتوسيط بل من باب التطبيق، وبذلك خرجت عن التعريف.

ولكن ربّما يورد بأنّ اعتبار ذلك يستلزم خروج عدّة من المباحث الأصولية المهمّة عن علم الأصول، كمباحث الأصول العملية الشرعية والعقلية، والظن الانسدادي بناءً على الحكومة، فانّ الأولى منها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلّي، لأنّ إعمالها في مواردها إنما هو من باب تطبيق مضامينها على مصاديقها وأفرادها لا من باب استنباط الأحكام الشرعية منها وتوسيطها لاثباتها، والأخيرتين منها لا تنتهيان إلى حكم شرعى أصلاً لا واقعاً ولا ظاهراً.

وبتعبير آخر : أنّ الأمر في المقام يدور بين محذورين: فانّ هذا الشرط على تقدير اعتباره في التعريف يستلزم خروج هذه المسائل عن مسائل هذا العلم فلا يكون جامعاً، وعلى تقدير عدم اعتباره فيه يستلزم دخول القواعد الفقهية فيها فلا يكون مانعاً. فإذن لا بد أن نلتزم بأحد هذين المحذورين، فاما نلتزم باعتبار هذا الشرط لتكون نتيجته خروج هذه المسائل عن كونها أصولية، أو نلتزم بعدم اعتباره لتكون نتيجته دخول القواعد الفقهية في التعريف، ولا مناص من أحدهما.

والتحقيق في الجواب عنه : هو أنّ هذا الاشكال مبتن على أن يكون المراد

بالاستنباط المأخوذ ركناً في التعريف، الاثبات الحقيقي بعلم أو علمي، إذ على هذا لا يمكن التفصي عن هذا الإشكال أصلاً، ولكنّه ليس بمراد منه، بل المراد به معنی جامع بينه وبين غيره، وهو الاثبات الجامع بين أن يكون وجدانياً أو شرعياً أو تنجيزياً أو تعذيرياً، وعليه فالمسائل المزبورة تقع في طريق الاستنباط، لأنها تثبت التنجيز مرّة والتعذير مرّة أخرى، فيصدق عليها حينئذ التعريف لتوفر هذا الشرط فيها، ولا يلزم إذن محذور دخول القواعد الفقهية فيه.

نعم، يرد هذا الإشكال على التعريف المشهور وهو : العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية، فانّ ظاهرهم أنهم أرادوا بالاستنباط الاثبات الحقيقي، وعليه فالاشكال وارد ولا مجال للتفصي عنه كما عرفت. ولو كان مرادهم المعنى الجامع الذي ذكرناه، فلا وقع له أصلاً كما مرّ.

وعلى ضوء هذا البيان ظهر الفرق بين المسائل الأصولية والقواعد الفقهية، فإنّ الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية، سواء كانت مختصة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ واليد والحلية ونحوها، أم كانت تعم الشبهات الحكمية أيضاً كقاعدتي لا ضرر ولا حرج - بناءً على جريانها في موارد الضرر أو الحرج النوعي - وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرها، إنّما هی من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها، لا من باب الاستنباط والتوسيط، مع أنّ نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية.

هذا، والصحيح أنه لا شيء من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فان قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدة ما يضمن أساسها ثبوت الضمان باليد مع عدم إلغاء المالك لاحترام ماله، فالقواعد الفقهية نتائجها أحكام شخصية لا محالة.

وعلى كل حال فالنتيجة هى أنّ القواعد الفقهية من حيث عدم توفر هذا الشرط فيها غير داخلة في المسائل الأصولية.

وعلى هذا الأساس ينبغي لك أن تميّز كل مسألة ترد عليك أنها مسألة أصولية أو قاعدة فقهية، لا كما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ نتيجة المسألة الفقهية قاعدة كانت أو غيرها بنفسها تلقى إلى العامي غير المتمكن من الاستنباط وتعيين الوظيفة في مقام العمل فيقال له : كلّما دخل الظهر وكنت واجداً للشرائط فقد وجبت عليك الصلاة فيذكر في الموضوع تمام قيود الحكم الواقعي، فيلق إليه. وهذا بخلاف نتيجة المسألة الأصولية فانها بنفسها لا يمكن أن تلقى إلى العامي غير المتمكن من الاستنباط، فان إعمالها في مواردها وظيفة المجتهدين دون غيرهم. نعم، الذي يلقى إليه هو الحكم المستنبط من هذه المسألة لا هي نفسها (1).

وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) بالقياس إلى المسائل الأصولية وإن كان كما أفاد، فان إعمالها في مواردها وأخذ النتائج منها من وظائف المجتهدين، فلا حطّ فيه لمن سواهم، إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) بالاضافة إلى المسائل الفقهية غير تام على إطلاقه، إذ ربّ مسألة فقهية حالها حال المسألة الأصولية من هذه الجهة كاستحباب العمل البالغ عليه الثواب بناءً على دلالة أخبار من بلغ عليه، وعدم كونها إرشاداً ولا دالّة على حجية الخبر الضعيف، فانّه ممّا لا يمكن أن يلقى إلى العامي، لعدم قدرته على تشخيص موارده من الروايات وتطبيق أخبار الباب عليها. وكقاعدة نفوذ الصلح والشرط باعتبار كونهما موافقين للكتاب أو السنّة أو


1) أجود التقريرات 4: 9.

غير مخالفين لهما، فان تشخيص كون الصلح أو الشرط في مواردهم-ا م-واف-ق-اً لأحدهما أو غير مخالف ممّا لا يكاد يتيسر للعامي.

وكقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن، فانّ تشخيص مواردهما وتطبيقها عليها لا يمكن لغير المجتهد. إلى غيرها من القواعد التي لا يقدر العامي على تشخيص مواردها وصغرياتها ليطبّق القاعدة عليها.

بل ربّ مسألة فقهية في الشبهات الموضوعية تكون كذلك، كبعض فروع العلم الاجمالي، فانّ العامي لا يتمكن من تشخيص وظيفته فيه، مثلاً إذا فرضنا أنّ المكلف علم إجمالاً بعد الفراغ من صلاتي الظهر والعصر بنقصان ركعة من إحداهما، ولكنّه لا يدري أنها من الظهر أو من العصر، ففي هذا الفرع وأشباهه لا يقدر العامي على تعيين وظيفته في مقام العمل بل عليه المراجعة إلى مقلده، بل الحال في كثير من فروع العلم الاجمالي كذلك.

شبهة ودفع

أما الشبهة : فهي توهم أنّ مسألتي البراءة والاحتياط الشرعيين خارجتان عن تعريف علم الأصول، لعدم توفر الشرط المتقدم فيهما، إذ الحكم المستفاد منهما في مواردهما إنّما هو من باب التطبيق لا من باب الاستنباط، وقد سبق أنّ المعتبر في كون المسألة أصولية هو أن يكون وقوعها في طريق الحكم من باب الاستنباط دون الانطباق.

وأمّا الدفع : فلأنّ المراد بالاستنباط ليس خصوص الاثبات الحقيقي، بل الأعم منه ومن الاثبات التنجيزي والتعذيري، وقد سبق أنهما يثبتان التنجيز والتعذير بالقياس إلى الأحكام الواقعية، وهذا نوع من الاستنباط، وإطلاقه

عليه ليس بنحو من العناية والمجاز، بل على وجه الحقيقة، فانّ المعنى الظاهر منه عرفاً هو المعنى الجامع لا خصوص حصة خاصة.

ولو تنزّلنا عن ذلك وفرضنا أنّ وقوعها في طريق الحكم ليس من باب الاستنباط، وإنما هو من باب التطبيق والانطباق، كانطباق الطبيعي على مصاديقه وأفراده، فلا نسلّم أنهما خارجتان من مسائل هذا العلم، وذلك لأنهما واجدتان لخصوصية بها امتازتا عن القواعد الفقهية، وهي كونهما ممّا ينتهي إليه أمر المجتهد في مقام الافتاء بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي كاطلاق أو عموم.

وهذا بخلاف تلك القواعد فانّها ليست واجدة لها، بل هي في الحقيقة أحكام كلّية إلهية استنبطت من أدلّتها المتعلقاتها وموضوعاتها، وتنطبق على مواردها بلا أخذ خصوصية فيها أصلاً، كاليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي ونحوه. فهما بتلك الخصوصية امتازتا عن القواعد الفقهية، ولأجلها دوّنتا في علم الأصول وعدتا من مسائله. هذا تمام الكلام في الركيزة الأولى.

الركيزة الثانية : أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، وعليه فالمسألة الأصولية هي المسألة التي تتصف بذلك.

ثمّ إنّ النكتة في اعتبار ذلك في تعريف علم الأصول أيضاً هي أن لا تدخل فيه مسائل غيره من العلوم، كعلم النحو والصرف واللغة والرجال والمنطق ونحوها، فانّها وإن كانت دخيلة في استنباط الأحكام الشرعية واستنتاجها من الأدلة، فانّ فهم الحكم الشرعي منها يتوقف على علم النحو ومعرفة قوانينه من حيث الإعراب والبناء، وعلى علم الصرف ومعرفة أحكامه من حيث الصحّة والاعتلال، وعلى علم اللغة من حيث معرفة معاني الألفاظ وما تستعمل فيه، وعلى علم الرجال من ناحية تنقيح أسانيد الأحاديث وتمييز صحيحها

عن سقيمها وجيّدها عن رديئها، وعلى علم المنطق لمعرفة صحّة الدليل وسقمه.

ولكن كل ذلك بالمقدار اللازم في الاستنباط لا بنحو الاحاطة التامة، فلو لم يكن الانسان عارفاً بهذه العلوم كذلك، أو كان عارفاً ببعضها دون بعضها الآخر، لم يقدر على الاستنباط، إلّا أنّ وقوعها ودخلها فيه لا يكون بنفسها وبالاستقلال، بل لابد من ضم كبرى أصولية وبدونه لا تنتج نتيجة شرعية أصلاً، ضرورة أنه لا يترتب أثر شرعي على وثاقة الراوي ما لم ينضم إليها كبرى أصولية وهي حجية الرواية، وهكذا.

وبذلك قد امتازت المسائل الأصولية عن مسائل سائر العلوم، فان مسائل سائر العلوم وإن كانت تقع في طريق الاستنباط كما عرفت، إلا أنها لا بنفسها بل لا بد من ضم كبرى أصولية إليها وهذا بخلاف المسائل الأصولية، فانّها كبريات لو انضمت إليها صغرياتها لاستنتجت نتيجة فقهية من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى.

ومن هنا يتّضح أنّ مرتبة علم الأصول فوق مرتبة سائر العلوم، ودون مرتبة علم الفقه، وحدّ وسط بينهما.

كما أنه يظهر أن مبحث المشتق، ومبحث الصحيح والأعم، وبعض مباحث العام والخاص، كمبحث وضع أداة العموم، كلّها خارجة عن مسائل هذا ألفاظ مفردة العلم، لعدم توفر هذا الشرط فيها، إذ البحث في هذه المباحث عن وضع مادةً كما في بعضها، وهيئةً كما في بعضها الآخر، ومن الواضح جداً أنه لا تترتب آثار شرعية على وضعها فقط، مثلاً أيّ اثر شرعي يترتب على وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل أو للجامع بينه وبين المنقضي عنه المبدأ، وعلى وضع أسامي العبادات أو المعاملات الخصوص المعاني الصحيحة أو للأعم منها ومن الفاسدة، وعلى وضع الأدوات للعموم مثلاً من دون أن تنضم إليها مسألة

أصولية.

فالصحيح: هو أنها من المسائل اللغوية، ولكن حيث إنها لم تدوّن في علم اللغة دوّنت في الأصول.

ونتيجة ما ذكرناه أنّ المسائل الأصولية يعتبر فيها أمران:

الأوّل : أن يكون وقوعها في طريق الحكم من باب الاستنباط لا من باب الانطباق، وبها تتميز عن المسائل الفقهية.

الثاني : أن يكون وقوعها فيه بنفسها وبالاستقلال، من دون حاجة إلى ضم مسألة أخرى، وبها تتميز عن مسائل سائر العلوم.

شبهات ودفوع

الشبهة الأولى : توهم أن مسألة اجتماع الأمر والنهي بناءً على اعتبار الشرط الثاني تخرج عن مسائل هذا العلم، إذ على القول باستحالة الاجتماع وعدم إمكانه لا يترتب عليها أثر شرعي ما عدا القطع بعدم فعلية كلا الحكمين، وإنما نحتاج في ترتبه عليها إلى ضم مسألة أخرى وهي إجراء قوانين باب التعارض التي يكون المقام من صغرياتها على القول بالامتناع، وهذا ليس شأن المسألة الأصولية بمقتضى هذا الشرط كما عرفت.

ويدفعها : أنه يكفي في كون المسألة أصولية، وقوعها في طريق الاستنباط وتعيين الوظيفة في مقام العمل بأحد طرفيها، وإن كانت لا تقع كذلك بطرفها الآخر، إذ لو لم يكن ذلك كافياً في الاتصاف بكونها مسألة أصولية، للزم خروج كثير من المسائل الأصولية عن تعريف علم الأصول بمقتضى الشرط المزبور، منها مسألة حجية خبر الواحد، فانّه على القول بعدمها لا يترتب عليها أثر

شرعي أصلاً. ومنها مسألة حجية ظواهر الكتاب، على القول بعدم حجيتها، إلى غيرها من المسائل.

فالنتيجة هي أنّ الملاك في كون المسألة أصولية، وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها ولو باعتبار أحد طرفيها، في قبال ما ليس له هذا الشأن وهذه الخاصّة، كمسائل بقية العلوم، والمفروض أنّ هذه المسألة كذلك، فانّه يترتب عليها أثر شرعي على القول بالجواز، وهو صحّة العبادة، وإن لم يترتب على الق-ول بالامتناع.

الشبهة الثانية : توهم خروج مسألة الضدّ عن التعريف، لعدم توفر ه-ذا الشرط فيها، إذ لا يترتب أثر شرعي على نفس ثبوت الملازمة بين وج-وب شيء وحرمة ضدّه لتكون المسألة أصولية. وأما حرمة الضدّ فهي وإن ثبتت بثبوت الملازمة، إلا أنها حرمة غيرية لا تقبل التنجيز، كي تصلح لأن تكون نتيجة فقهية للمسألة الأصولية. وأما فساد الضدّ فهو لا يترتب على ثبوت هذه الملازمة بلا ضم كبرى أصولية أخرى، وهي ثبوت الملازمة بين حرمة العبادة وفسادها.

ويدفعها : ما مرّ من الجواب عن الشبهة الأولى، وملخصه : أنه يكفي في كون المسألة أصولية، ترتب نتيجة فقهية على أحد طرفيها وإن لم تترتب على طرفها الآخر، والمفروض أنّه يترتب على مسألتنا هذه أثر شرعي على القول بعدم الملازمة، وهو صحّة الضدّ العبادي، وإن لم يترتب على القول الآخر.

الشبهة الثالثة : دعوى أنّ اعتبار هذا الشرط يستلزم خروج مسألة مقدمة

الواجب عن المسائل الأصولية، لا من جهة أن البحث فيها عن وجوب المقدمة وهيمسألة فقهية، فانّ البحث فيها كما أفاد المحققون من المتأخرين، عن ثبوت الملازمة العقلية بين وجوب شيء ووجوب مقدماته وعدم ثبوتها، بل من جهة

عدم ترتب أثر شرعي عليها بنفسها وعدم توفر ذاك الشرط فيها. أما وجوب المقدمة فهو وإن ترتب على ثبوت هذه الملازمة، إلّا أنّه حيث كان غيرياً، لا يصلح أن يكون أثراً للمسألة الأصولية، بل وجوده وعدمه سيان من هذه الجهة، وأما غيره ممّا هو قابل لذاك، فلم يكن حتّى يترتب عليها.

ويدفعها ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى في محلّه، من أن لتلك المسألة ثمرة مهمة - غير وجوب المقدمة - تترتب عليها، وبها تكون المسألة أصولية. وتفصيل الكلام فيها موكول إلى محلّها، فلينتظر.

الأمر الثالث: في بيان موضوع العلم وعوارضه الذاتية وتمايز العلوم

فيقع الكلام في جهات:

الجهة الأولى : في مدرك ما التزم به المشهور من لزوم الموضوع في كل علم.

الجهة الثانية : في وجه ما التزموا به من أن البحث في كل علم لا بد أن يكون عن العوارض الذاتية لموضوعه.

الجهة الثالثة : في بيان تمايز العلوم بعضها عن بعض.

أمّا الكلام في الجهة الأولى : فغاية ما قيل أو يمكن أن يقال في وجهه: هو أنّ الغرض من أيّ علم من العلوم أمر واحد، مثلاً الغرض من علم الأصول الاقتدار على الاستنباط، ومن علم النحو صون اللسان عن الخطأ في المقال، ومن علم المنطق صون الفكر عن الخطأ في الاستنتاج.

وحيث إنّ هذا الغرض الوحداني يترتب على مجموع القضايا المتباينة في

الموضوعات والمحمولات التي دوّنت علماً واحداً وسميت باسم فارد، يستحيل أن يكون المؤثر فيه هذه القضايا بهذه الصفة، لاستلزامه تأثير الكثير بما هو كثير في الواحد بما هو واحد، فإذن يكشف إناً عن أن المؤثر فيه جامع ذاتي وحداني بينها، بقانون أنّ المؤثر في الواحد لا يكون إلّا الواحد بالسنخ، وهو موضوع العلم.

الاشارة إلى قاعدة الواحد لا يصدر إلا من واحد

وبتعبير آخر: أن البرهان على اقتضاء وحدة الغرض لوحدة القضايا موضوعاً و محمولاً، ليس إلا أن الأمور المتباينة لا تؤثر أثراً واحداً، كما عليه جلّ الفلاسفة لولا كلّهم.

ويرد عليه أوّلاً: أنّ البرهان المزبور وإن سلّم في العلل الطبيعية لا في الفواعل الارادية، إلّا أنّ الغرض الذي يترتب على مسائل العلوم، لا يخلو إمّا أن يكون واحداً شخصياً، أو واحداً نوعياً، أو عنوانياً، وعلى أي تقدير لا تكشف وحدة الغرض عن وجود جامع ماهوي وحداني بين تلك المسائل.

أما على الأوّل، فإنّه يترتب على مجموع المسائل من حيث المجموع، لا على كل مسألة مسألة بحيالها واستقلالها، فحينئذ المؤثر فيه المجموع من حيث هو، فتكون كل مسألة جزء السبب لا تمامه، نظير ما يترتب من الغرض الوحداني على المركبات الاعتبارية من الشرعية كالصلاة،ونحوها، أو العرفية، فانّ المؤثر فيه مجموع أجزاء المركب بما هو، لا كل جزء جزء منه، ولذا لو انتفى أح---د أجزائه انتفى هذا الغرض.

فوحدة الغرض بهذا النحو لا تكشف عن وجود جامع وحداني بينها بقاعدة استحالة صدور الواحد عن الكثير، فان استناده إلى المجموع بما هو لا يكون مخالفاً لتلك القاعدة ليكشف عن وجود الجامع، إذ سببية المجموع من حيث هو، سببية واحدة شخصية فالاستناد إليه استناد معلول واحد شخصي إلى

علة واحدة شخصية لا إلى علل كثيرة.

ومقامنا من هذا القبيل، فانّ المؤثر في الغرض الذي يترتب على مجموع القضايا والقواعد المجموع من حيث المجموع لا كل واحدة واحدة منها، والمفروض - كما عرفت - أنّ سببية المجموع سببية واحدة شخصية ف-اردة، فاستناده إليه ليس من استناد الواحد إلى الكثير، بل حقيقةً من استناد معلول واحد شخصي إلى علة كذلك.

فإذن لا سبيل لنا إلى استكشاف وجود جامع ذاتي بين المسائل.

وأمّا على الثاني، بأن كان الغرض كلياً له أفراد يترتب كل فرد منها على واحدة من المسائل بحيالها واستقلالها - كما هو الصحيح - فالأمر واضح، إذ بناءً على ذلك لا محالة يتعدد الغرض بتعدد المسائل والقواعد، فيترتب على كل مسألة بحيالها غرض خاص غير الغرض المترتب على مسألة أخرى.

مثلاً الاقتدار على الاستنباط الذي يترتب على مباحث الألفاظ، ي-ب-اين الاقتدار على الاستنباط المترتب على مباحث الاستلزامات العقلية، وهما يباينان ما يترتب على مباحث الحجج والأمارات، فانّ الاقتدار على الاستنباط الحاصل من مباحث الاستلزامات العقلية اقتدار على استنباط الأحكام الشرعية على نحو البتّ والجزم، وهذا بخلاف الاقتدار الحاصل من مباحث الحجج والأمارات، وهكذا...

وإذا كان الأمر كذلك فلا طريق لنا إلى إثبات جامع ذاتي وحداني ب--ين موضوعات هذه المسائل، لأنّ البرهان المزبور لو تم فانّما يتم في الواحد الشخصي البسيط بحيث لا يكون ذا جهتين أو جهات، فضلاً عن كونه واحداً نوعياً، فإذا فرضنا أن الغرض واحد نوعي فلا يكشف إلا عن واحد كذلك، لا عن واحد شخصي.

وأمّا على الثالث، فالحال فيه أوضح من الثاني، فانّ القاعدة المزبور لو تمّت فانّما تتم في الواحد الحقيقي لا في الواحد العنواني، والمفروض أن الغرض في كثير من العلوم واحد بالعنوان لا بالحقيقة، فان صون الفكر عن الخطأ في الاستنتاج في علم المنطق، وصون اللسان عن الخطأ في المقال في علم النحو، والاقتدار على الاستنباط في علم الأصول، وهكذا، ليس واحداً بالذات، بل بالعنوان الذي انتزع من مجموع أغراض متعددة بتعدد القواعد المبحوث عنها في العلوم، ليشار به إلى هذه الأغراض.

فإذن كيف يكشف مثل هذا الواحد عن جامع ذاتي ؟ فان الواحد بالعنوان لا يكشف إلا عن واحد كذلك.

وثانياً : أنّ الغرض المترتب على كل علم لا يترتب على نفس مسائله الواقعية وقواعده النفس الأمرية، ليكشف عن جامع وحداني بينها، ويقال ذلك الجامع الوحداني موضوع العلم ومؤثر في ذلك الغرض، وهذا لعله من أبده البديهيات، فانّ لازم ذلك حصول ذلك الغرض لكل من كان عنده كتب كثيرة من علم واحد أو علوم مختلفة، من دون أن يكون عالماً بما فيها من القواعد والمسائل.

بل هو مترتب على العلم بنسبها الخاصّة وبثبوت محمولاتها لموضوعاتها، فانّ الاقتدار على الاستنباط في علم الأصول، إنّما يترتب على معرفة قواعده، بأن يعرف حجية أخبار الثقة، وحجية ظواهر الكتاب، والاستصحاب، ونحوها، فإذا عرف هذه القواعد، وعلم بنسبها الخاصّة، يحصل له الاقتدار على الاستنباط.

وصون اللسان عن الخطأ في المقال في علم النحو إنما يحصل لمن يعرف مسائله وقواعده، كرفع الفاعل ونصب المفعول وجرّ المضاف إليه، ونحو ذلك. وصون الفكر عن الخطأ في علم المنطق، إنّما يترتب على معرفة قوانينه وقواعده، كايجاب الصغرى وكلية الكبرى وتكرر الحد الأوسط، وهكذا.

فلابد من تصوير الجامع حينئذ بين العلوم أو لا أقل بين النسب الخاصّة، لا بين الموضوعات.

وثالثاً : أن المحمولات التي تترتب على مسائل علم الفقه بأجمعها، وعدة من محمولات مسائل علم الأصول، من الأمور الاعتبارية التي لا واقع له-ا ع-دا اعتبار من بيده الاعتبار، فانّ محمولات مسائل علم الفقه على قسمين :

أحدهما الأحكام التكليفية كالوجوب والحرمة والاباحة والكراهة والاستحباب.

والآخر : الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية والرقية ونحوها، وكلتاهما من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها إلا في عالم الاعتبار.

نعم، الشرطية والسببية والمانعية ونحوها من الأمور الانتزاعية التي تنتزع من القيود الوجودية أو العدمية المأخوذة في متعلقات الأحكام أو موضوعاتها، ولهذا لا تكون موجودة في عالم الاعتبار إلا بالتبع، ولكن مع ذلك تحت هي تصرف الشارع رفعاً ووضعاً، من جهة أنّ منشأ انتزاعها تحت تصرفه كذلك.

وإن شئت قلت : إنّ محمولات مسائل علم الفقه على سنخين :

أحدهما موجود في عالم الاعتبار بالأصالة، كجميع الأحكام التكليفية، وكثير من الأحكام الوضعية.

والآخر موجود فيه بالتبع كعدّة أخرى من الأحكام الوضعية.

ومن هنا ظهر حال بعض محمولات علم الأصول أيضاً، كحجية خبر الواحد والاجماع المنقول، وظواهر الكتاب، وأحد الخبرين المتعارضين في هذا الحال ونحوها، فانّها من الأمور الاعتبارية حقيقة وواقعاً، بل البراءة والاحتياط الشرعيان أيضاً من هذا القبيل.

نعم، محمولات مثل مباحث الألفاظ والاستلزامات العقلية والبراءة والاحتياط العقليين، ليست من الأمور الاعتبارية في اصطلاح الأصوليين، وإن كانت كذلك في اصطلاح الفلاسفة، فانّ المصطلح عندهم إطلاق الأمر الاعتباري على الأعم منه ومن الأمر الانتزاعي كالامكان والامتناع ونحوهما. والمصطلح عند الأصوليين إطلاق الأمر الاعتباري في مقابل الأمر الانتزاعي الواقعي.

إذا عرفت ذلك فأقول : لو سلّم ترتب الغرض الواحد على نفس مسائل العلم الواحد، فلا يكاد يعقل أن يكشف عن جامع واحد مقولي بينها، ليقال إنّ ذلك الجامع الواحد يكشف عن جامع كذلك بين موضوعاتها، بقاعدة السنخية والتطابق، ضرورة أنه كما لا يعقل وجود جامع مقولي بين الأمر الاعتباري والأمر التكويني، كذلك لا يعقل وجوده بين أمرين اعتباريين أو أمور اعتبارية، فانّه لو كان بينها جامع، لكان من سنخها لا من سنخ الأمر المقولي، فلا كاشف عن أمر وحداني مؤثر في الغرض الواحد، فانّ التأثير والتأثر إنما يكونان في الأشياء المتأصلة، كالمقولات الواقعية من الجواهر والأعراض.

ورابعاً : أن موضوعات مسائل علم الفقه على أنحاء مختلفة :

فبعضها من مقولة الجوهر كالماء والدم والمني، وغير ذلك.

ونحو من مقولة الوضع كالقيام والركوع والسجود، وأشباه ذلك.

وثالث من مقولة الكيف المسموع كالقراءة في الصلاة، ونحوها.

ورابع من الأمور العدمية كالتروك في بابي الصوم والحج وغيرهما.

وقد برهن في محلّه أنّه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين المقولات كالجواهر والأعراض، لأنّها أجناس عالية ومتباينات بتمام الذات والحقيقة، فلا اشتراك أصلاً بين مقولة الجوهر مع شيء من المقولات العرضية، ولا بين كل واحدة منها مع الأخرى، وإذا لم يعقل تحقق جامع مقولي بينها، فكيف بين الوج--ود

والعدم.

وملخص ما ذكرناه أمران :

الأوّل : أنه لا دليل على اقتضاء كل علم وجود الموضوع، بل سبق أنّ حقيقة العلم عبارة عن : جملة من القضايا والقواعد المختلفة بحسب الموضوع والمحمول، التي يجمعها الاشتراك في الدخل في غرض واحد دعا إلى تدوينها علماً.

الثاني : أنّ البرهان قد قام على عدم إمكان وج-ود ج-امع مقولي ب-ين موضوعات مسائل بعض العلوم كعلم الفقه والأصول.

وأمّا الكلام في الجهة الثانية : فتفصيل القول فيها يحتاج إلى تقديم مقدمة وهي : أنّ المشهور قد قسّموا العوارض على سبعة أقسام: فانّ العارض على الشيء إما أن يعرض ذلك الشيء ويتصف المعروض به بلا توسط أمر آخر، كادراك الكليات العارض للعقل، أو بواسطة أمر آخر مساوٍ للمعروض، كصفة الضحك العارضة للانسان بواسطة أمر مساوٍ له وهو صفة التعجب، أو هذه الصفة عارضة له بواسطة ما هو مساوٍ له، وهو صفة الادراك - هذا في الواسطة المساوية الخارجة عن ذات ذيها، بأن لا تكون جزءه -.

وقد يعرض على شيء بواسطة جزئه الداخلي المساوي له في الصدق كعروض عوارض الفصل على النوع، مثل عروض النطق على الانسان بواسطة النفس الناطقة، أو بواسطة أمر أخص كعروض عوارض النوع أو الفصل على الجنس، كما هو الحال في أكثر مسائل العلوم، فانّ نسبة موضوعات مسائلها إلى موضوعات العلوم نسبة الأنواع إلى الأجناس، فعروض عوارضها لها من العارض على الشيء بواسطة أمر أخص، أو بواسطة أمر أعم كعروض عوارض الأجناس للأنواع، مثل صفة المشي العارضة للانسان بواسطة كونه حيواناً، هذا

في الأعم الداخلي.

وربّما يعرض على شيء بواسطة أعم خارجي - أي خارج عن ذاته ولا يكون جنسه ولا فصله - أو بواسطة أمر مباين له، كعروض الحرارة للماء بواسطة النار أو الشمس، أو عروض الحركة للسيارة أو الطيارة بواسطة القوة الكهربائية.

وملخص ما ذكرناه : هو أنّ الواسطة إما مساوية أو أعم، وهما إمّا داخليان كالجنس والفصل، وإما خارجيان، وإما خارجي أخص، وإما مباين، فهذه ستّة أقسام،والسابع منها ما لا يكون له واسطة.

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ المعروف والمشهور بل المتفق عليه بينهم، أنّ ما لا واسطة له أو كانت أمراً مساوياً داخلياً من العوارض الذاتية، كما أنّ ما كانت الواسطة فيه أمراً مبايناً أو أعم خارجياً من العوارض الغريبة عندهم.

وأما الثلاثة الباقية فكلماتهم فيها مختلفة غاية الاختلاف، فاختار جمع منهم أنّ عوارض النوع ليست ذاتية للجنس، ومنها عوارض الفصل، واختار جمع آخر بل نسب إلى المشهور أنّ عوارض الجنس ليست ذاتية للنوع.

وبهذا يشكل كون محمولات العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها، فانّها إنما تعرض لموضوعات المسائل أوّلاً وبالذات وبوساطتها تعرض لموضوعات العلوم فإذا فرض أنّ عوارض الأنواع ليست ذاتية للأجناس وبالعكس، لزم أن يكون البحث في العلوم عن العوارض الغريبة، لوضوح أن نسبة موضوعات المسائل إلى موضوعات العلوم نسبة الأنواع إلى الأجناس.

كما أنّ البحث في عدّة من مسائل هذا العلم عمّا يعرض لموضوعه بواسطة أمر أعم، كمباحث الألفاظ والاستلزامات العقلية، فان موضوع العلم خصوص

الكتاب والسنّة، وموضوع البحث الأعم منهما، إذن بناءً على أنّ عوارض الجنس ليست ذاتية للنوع، يكون البحث فيهما عن العوارض الغريبة لموضوع العلم.

وملخص الكلام أنّ هذا الإشكال يبتني على أمرين:

الأوّل : أن يكون البحث في العلوم عن العوارض الذاتية لموضوعها.

الثاني : أن لا تكون عوارض النوع ذاتية للجنس وبالعكس.

ثم إنهما يبتنيان على أمر واحد وأصل فارد، وهو الالتزام بلزوم الموضوع في

كل علم، وإلا فلا موضوع لهذين الأمرين فضلاً عن الاشكال.

وكيف كان، فقد ذهب غير واحد من الأعلام والمحققين في التفصي عنه يميناً وشمالاً، منهم صدر المتألهين في الأسفار، إلّا أنّ جوابه لا يجدي إلا في المسائل الفلسفية فقط(1)

ثم قال (قدس سره) أيضاً : وهذا الجواب وإن كان أجود ما في الباب، إلّا أنّ-ه وجيه بالنسبة إلى علم المعقول، وتطبيقه على سائر الموضوعات للعلوم لا يخلو عن تكلف، فانّ موضوع علم الفقه هو فعل المكلف، وموضوعات مسائله الصلاة والصوم والحج، إلى غير ذلك، وهذه العناوين نسبتها إلى موضوع العلم كنسبة الأنواع إلى الجنس، وهي وإن كانت لواحق ذاتية له إلّا أنّه لا يبحث عن ثبوتها له، والحكم الشرعي ليس بالإضافة إليها كالعقلية بالإضافة إلى الجوهرية، بل هما موجودان متباينان وكذا الأمر في النحو والصرف. [نهاية الدراية 1: 22، 24].


1) قال: نعم، كلّ ما يلحق الشيء لأمر أخص وكان ذلك الشيء مفتقراً في لحوقه له إلى أن يصير نوعاً متهيأ لقبوله، ليس عرضاً ذاتياً بل عرض غريب على ما هو المصرح به في كتب الشيخ وغيره. كما أنّ ما يلحق الموجود بعد أن يصير تعليمياً أو طبيعياً، ليس البحث عنه من العلم الإلهي في شيء، وما أظهر لك أن تفطن بأنّ لحوق الفصول لطبيعة الجنس کالاستقامة والانحناء للخط - مثلاً - ليس بعد أن يصير نوعاً متخصص الاستعداد، بل التخصص إنّما يحصل بها لا قبلها، فهي مع كونها أخص من طبيعة الجنس أعراض أولية له...». الأسفار الأربعة ج 1 ص33]، فصل موضوع العلم الإلهي. وأوضحه بعض المحققين بما إليك نصه : توضيحه : أنّ الموضوع في علم المعقول - مثلاً - هو الموجود أو الوجود، وهو ينقسم أوّلاً إلى الواجب والممكن ثمّ الممكن إلى الجوهر والمقولات العرضية، ثمّ الجوهر إلى عقل ونفس وجسم، ثمّ العرض كل مقولة منه إلى أنواع، والكل من مطالب ذلك العلم ومن لواحقه الذاتية، مع أن م-ا ع-دا التقسيم الأول، يتوقف على تخصص الموضوع بخصوصية أو خصوصيات، إلا أن جميع تلك الخصوصيات مجعولة بجعل واحد وموجودة بوجود فارد، فليس هناك سبق في الوجود لواحد بالإضافة إلى الآخر، كي يتوقف لحوق الآخر على سبق استعداد وتهيؤ للموضوع بلحوق ذلك الواحد المفروض تقدمه رتبة، فانّ الموجود لا يكون ممكناً أوّلاً ثمّ يوجد له وصف الجوهرية أو العرضية، بل إمكانه بعين جوهريته وعرضيته، كما أن جوهريته بعين العقلية أو النفسية أو الجسمية، ففي الحقيقة لا واسطة في العروض والحمل الذي هو الاتحاد في الوجود، بل الامكان يتحد مع الوجود بعين الاتحاد الجوهري العقلي أو النفسي أو الجسماني في الوجود، فليس هناك عروضان حتّى يكون أحدهما بالذات والآخر بالعرض، بخلاف لحوق الكتابة والضحك للحيوان، فانّه يتوقف على صيرورة الحيوان متخصصاً بالنفس الإنسانية تخصصاً وجودياً حتّى يعرضه الضحك والكتابة، وليس الضحك والكتابة بالإضافة إلى الانسان كالعقلية والنفسية بالإضافة إلى الجوهر، بداهة أنّ إنسانية الانسان ليست بضاحكيته وكاتبيته، ن-ع-م تجرد النفس وما يماثله ممّا يكون تحققه بتحقق النفس الانسانية، من الأعراض الذاتية للحيوان كالنفس.

ولكن على ضوء ما حققناه سابقاً يتّضح لك أنّه لا أساس للاشكال المذكور،

فانّه يبتني على الالتزام بالأمرين المزبورين اللذين هما مبتن-ي-ان على أصل وأساس واحد، وهو الالتزام بلزوم الموضوع في كل علم، وقد سبق أنه لا دليل عليه بصورة عامة وعرفت قيام الدليل على عدمه بصورة خاصة في بعض العلوم، كعلم الفقه والأصول.

وتوهم أن وحدة العلم تدور مدار وحدة موضوعه، فإذا فرض أنه لا موضوع له فلا وحدة له، مدفوع بأنّ وحدة كل علم ليست وحدة حقيقية، لنحتاج إلى تكلف إثبات وجود جامع حقيقي بين موضوعات مسائله، ب--ل وحدته وحدة اعتبارية، فانّ المعتبر يعتبر عدّة من القضايا والقواعد المتباينة بحسب الموضوع والمحمول علماً ويسميها باسم فارد من جهة اشتراكها في الدخل في غرض واحد.

ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا لزوم الموضوع للعلم، فلا دليل على اعتبار أن يكون البحث فيها عن العوارض الذاتية لموضوعه بالمعنى الذي فسرها المشهور به، والوجه في ذلك ما بيناه من أنّ حقيقة العلم عبارة عن عدّة من المسائل والقواعد المختلفة موضوعاً ومحمولاً، التي جمعها الاشتراك في غرض واحد، وعليه فيبحث في كل علم عمّا له دخل في غرضه، سواء كان من العوارض الذاتية في الاصطلاح أم كان من الغريبة ضرورة أنه لا ملزم بأن يكون البحث عن العوارض الذاتية فقط، بعد فرض دخل العوارض الغريبة أيضاً في المهم.

ولو تنزلنا عن هذا أيضاً وسلّمنا أنّ البحث في العلوم عن العوارض الذاتية لموضوعاتها، إلا أنّه لا دليل على أنّ عوارض الأنواع ليست ذاتية للأجناس وبالعكس، بل الصحيح أنّ ما يلحق الشيء بتوسط نوعه أو جنسه ذاتي له لا غريب، بداهة أنّ المراد منه ليس ما يعرض الشيء أوّلاً وبالذات ومن دون

واسطة، فانّ لازمه خروج كثير من محمولات العلوم التي لها دخل في الأغراض المترتبة عليها.

وبالجملة : لا وجه للقول بكون عوارض النوع غريبة للجنس، فانّ البحث عنها لا بد منه في العلوم، وبدونه لا يتم أمرها.

وعليه فنقول : لا بد من الالتزام بأحد أمرين : إما أن نلتزم بأن عوارض النوع ذاتية للجنس، وإما أن نلتزم بأنّ المبحوث عنه في العلوم أعم من العوارض الذاتية والغريبة، وهو: كل ما له دخل في الغرض ذاتياً كان أو غريباً، ومع التنزل عن الثاني، فلا مناص من الالتزام بالأوّل.

وعلى ذلك فملاك الفرق بينهما : هو أنّ ما له دخل في الغرض فليس بعرض غريب، وما لا دخل له فيه غريب. ومن ذلك ظهر أنّه لا ذلك ظهر أنه لا وجه لإطالة الكلام في المقام في بيان أنّ عارض النوع ذاتي للجنس وبالعكس، أو لا، كما صنعه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)وغيره.

ثمّ إنّ مرادنا من العرض مطلق ما يلحق الشيء، سواء كان من الأمور الاعتبارية أم من الأمور المتأصلة الواقعية، لا خصوص ما يقابل الجوهر.

وأمّا الكلام في الجهة الثالثة : فقد اشتهر أنّ تمايز العلوم بعضها عن بعض بتمايز الموضوعات. وقد خالف في ذلك صاحب الكفاية (قدس سره) (2)واختار أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض المترتبة عليها الداعية إلى تدوينها، كالاقتدار على الاستنباط في علم الأصول، وصون اللسان عن الخطأ في المقال في علم النحو، وصون الفكر عن الخطأ في الاستنتاج في علم المنطق، وهكذا....


1) أجود التقريرات 1: 8.

2) كفاية الأصول : 8.

وأورد على المشهور بما ملخصه : أنّ الملاك في تمايز العلوم لو كان تمايز موضوعاتها، فلازمه أن يكون كل باب بل كل مسألة علماً على حدة، لتحقق هذا الملاك فيهما.

والتحقيق في المقام أن يقال : إنّ إطلاق كل من القولين ليس في محلّه، وبيان ذلك : أنّ التمايز في العلوم تارةً يراد به التمايز في مقام التعليم والتعلم، لكي يقتدر المتعلم ويتمكن من تمييز كل مسألة ترد عليه، ويعرف أنها مسألة أصولية أو مسألة فقهية أو غيرهما.

وأخرى يراد به التمايز في مقام التدوين وبيان ما هو الداعي والباعث لاختيار المدوّن عدّة من القضايا والقواعد المتخالفة، وتدوينها علماً واحداً، وتسميتها باسم فارد، واختياره عدّة من القضايا والقواعد المتخالفة الأخرى وتدوينها علماً آخر وتسميتها باسم آخر، وهكذا.

أما التمايز في المقام الأوّل: فيمكن أن يكون بكل واحد من الموضوع والمحمول والغرض، بل يمكن أن يكون ببيان فهرس المسائل والأبواب إجمالاً، والوجه في ذلك : هو أنّ حقيقة كل علم حقيقة اعتبارية، وليست وحدتها وحدةً بالحقيقة والذات ليكون تمييزه عن غيره بتباين الذات، كما لو كانت حقيقة كل واحد منهما من مقولة على حدة، أو بالفصل كما لو كانت من مقولة واحدة، بل وحدتها بالاعتبار، وتمييز كل مركب اعتباري عن مركب اعتباري آخر يمكن بأحد الأمور المزبورة.

وأمّا التمايز في المقام الثاني : فبالغرض إذا كان للعلم غرض خارجي يترتب عليه، كما هو الحال في كثير من العلوم المتداولة بين الناس كعلم الفقه والأصول والنحو والصرف ونحوها، وذلك لأنّ الداعي الذي يدعو المدوّن لأن يدوّن عدة من القضايا المتباينة علماً كقضايا علم الأصول مثلاً، وعدّة أخرى منها

علماً آخر كقضايا علم الفقه، ليس إلّا اشتراك هذه العدّة في غرض خاص، واشتراك تلك العدّة في غرض خاص آخر، فلو لم يكن ذلك ملاك تمايز هذه العلوم بعضها عن بعض في مرحلة التدوين، بل كان هو الموضوع، لكان اللازم على المدوّن أن يدوّن كل باب بل كل مسألة علماً مستقلاً، لوجود الملاك كما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره).

وأما إذا لم يكن للعلم غرض خارجي يترتب عليه سوى العرفان والاحاطة به، كعلم الفلسفة الأولى، فامتيازه عن غيره إما بالذات أو بالموضوع أو بالمحمول، كما إذا فرض أن غرضاً يدعو إلى تدوين علم يجعل الموضوع فيه الكرة الأرضية مثلاً، ويبحث فيه عن أحوالها من حيث الكمية والكيفية والوضع والأين، إلى نحو ذلك، وخواصها الطبيعية ومزاياها على أنحائها المختلفة.

أو إذا فرض أنّ غرضاً يدعو إلى تدوين علم يجعل موضوعه الإنسان ويبحث فيه عن حالاته الطارئة عليه، وعن صفاته من الظاهرية والباطنية وعن أعضائه وجوارحه وخواصها، فامتياز العلم عن غيره في مثل ذلك، إمّا بالذات أو بالموضوع، ولا ثالث لهما لعدم غرض خارجي له ما عدا العرفان والإحاطة، ليكون التمييز بذلك الغرض الخارجي.

كما أنه قد يمكن الامتياز بالمحمول فيما إذا فرض أن غرض المدوّن يتعلق بمعرفة ما تعرضه الحركة مثلاً، فله أن يدوّن علماً يبحث فيه عما تثبت الحركة له، سواء كان ما له الحركة من مقولة الجوهر أم من غيرها من المقولات، فمثل هذا العلم لا امتياز له إلّا بالمحمول.

وبما حققناه تبيّن لك وجه عدم صحّة إطلاق كل من القولين، وأن تميّز أيّ علم عن آخر كما لا ينحصر بالموضوع، كذلك لا ينحصر بالغرض، ب-ل ك--ما يمكن أن يكون بهما، يمكن أن يكون بشيء ثالث لا هذا ولا ذاك.

ثم إن من القريب جداً أن يكون نظر المشهور فيما ذهبوا إليه من أن تمايز العلوم بالموضوعات، إلى تقدم رتبة الموضوع على رتبتي المحمول والغرض، ولعلّهم لأجله قالوا إنّ التمايز بها، وليس مرادهم الانحصار، وإلا فقد عرفت عدمه.

ويتلخص ما ذكرناه في أمور :

الأوّل : أن صحّة تدوين أيّ علم لا تتوقف على وجود موضوع له، لما بينا من أنّ حقيقة العلم عبارة عن مجموع القضايا والقواعد المتخالفة التي جمعها الاشتراك في غرض خاص لا يحصل ذلك الغرض إلا بالبحث عنها.

الثاني : أنّه لا منافاة بين ما ذكرناه من عدم قيام الدليل على لزوم الموضوع في العلوم، وبين أن يكون لبعض العلوم موضوع، وذلك لأنّ ما ذكرناه إنما هو من جهة عدم قيام البرهان على لزوم الموضوع في كل علم، بحيث لا يكون العلم علماً بدونه، ولذا يبحث في أكثر العلوم عن محمولات مسائلها المترتبة على موضوعاتها، وذلك لا ينافي وجود الموضوع لبعض العلوم، كما إذا فرض تعلق غرض المدوّن بمعرفة موضوع ما، فيدوّن علماً يبحث فيه عن عوارض موضوعه.

الثالث : أنّ تمايز العلوم بعضها عن بعض كما لا ينحصر بالموضوع، كذا لا ينحصر بالغرض، بل كما يمكن أن يكون بهما يمكن أن يكون بالمحمول، وببيان الفهرس والأبواب إجمالاً، بل بالذات تارة، على حسب اختلاف العلوم والمقامات، هذا كلّه في موضوع العلم بصورة عامة

موضوع علم الأصول

وأمّا الكلام في موضوع هذا العلم، فقد سبق أنه أقمنا البرهان على أنه لا موضوع له واقعاً، وأنّ حقيقته عبارة عن عدّة من القضايا والقواعد المتباينة بحسب الموضوع والمحمول التي جمعها في مرحلة التدوين اشتراكها في الدخل في

غرض واحد.

ولو تنزلنا عن ذلك، وفرضنا أنّ له موضوعاً، فما هو الموضوع له ؟ قيل : إنّ موضوعه الأدلة الأربعة بوصف دليليتها، وهذا القول هو مختار المحقق القمي (قدس سره) كما هو ظاهر كلامه في أوّل كتابه (1)وقد صرّح بذلك في هامشه عليه (2).

ويرد عليه : أنّ لازم ذلك خروج المسائل الأصولية عن علم الأصول، وكونها من مبادئه، كمباحث الحجج والأمارات، ومباحث الاستلزامات العقلية، والأصول العملية : الشرعية والعقلية ومبحث حجية العقل، وظواهر الكتاب بل مبحث التعادل والترجيح ما عدا مباحث الألفاظ، فانّ كبرى هذه المسألة - وهي مسألة حجية الظواهر - مسلّمة عند الكل، ولم يخالف فيها أحد ولم يقع البحث عنها في أيّ علم من العلوم، فلا كلام فيها.

وإنما الكلام في صغريات هذه الكبرى، أعني ظهور الألفاظ في شيء وعدم ظهورها فيه، كالبحث عن أنّ الأمر أو النهي هل هو ظاهر في الوجوب أو التحريم أم لا، وغير ذلك. وعليه فيكون البحث عنها عن عوارض الدليل بما هو دليل، فانه لا شبهة في دليليّة الكتاب والسنّة في أنفسهما، وإنما الكلام هناك في تعيين مدلولها، وذلك من عوارضهما.

أما خروج مباحث الحجج والأمارات،فواضح، لأن البحث فيها بأسرها عن الدليلية، وهو بحث عن ثبوت الموضوع لا عن عوارضه الذاتية، فتدخل إذن في مقدماته ومبادئه لا في مسائله حتّى مبحث التعادل والترجيح، على ما


1) قوانين الأصول 1: 9 السطر 22.

2) نفس المصدر ص 8.

هو الصحيح من أن البحث فيه في الحقيقة عن حجية أحد الخبرين المتعارضين في هذا الحال.

وأما خروج مباحث الاستلزامات العقلية، فلأجل أن البحث فيها ليس عن عوارض أحد الأدلة الأربعة، لا بما هي ادلة ولا بما هي هي، بل عن الأحكام بما هي أحكام، مع قطع النظر عن كونها مستفادةً منها ومداليل أدلة.

ويظهر بذلك وجه خروج الأصول العملية : الشرعية والعقلية.

ولأجل ذلك عدل صاحب الفصول (قدس سره) عن هذا المسلك، واختار أنّ الموضوع ذوات الأدلة الأربعة بما هي هي (1)وعليه فالبحث عن دليليتها بحث عن عوارض الموضوع لا عن ثبوته.

ويرد عليه أيضاً : لزوم خروج كثير من مسائل هذا العلم ع-ن ك-ونه-ا أصولية، كمباحث الحجج والأمارات - ما عدا مبحث حجية العقل وظواه---ر الكتاب - ومباحث الاستلزامات العقلية، والأصول العملية : الشرعية والعقلية. والوجه في ذلك: : هو أنّ البحث في كل علم لابد أن يكون عن العوارض الذاتية لموضوعه، وإذا لم يكن كذلك، فهو ليس من مباحث العلم ومسائله في شيء، وعليه فكل مسألة يكون البحث فيها عن العوارض الذاتية لأحد الأدلة الأربعة، فهي من مسائل علم الأصول وإلّا فلا.

وعلى ذلك يترتب خروج مباحث الاستلزامات العقلية، فانّ البحث فيها ليس عن أحوال أحد الأدلة مطلقاً، بل عن الاستحالة والامكان، وخروج مسألة حجية خبر الواحد، إذ البحث فيها ليس عن عوارض السنّة التي هي موضوع علم الأصول، بل عن عوارض الخبر، وخروج مسألة حجية الإجماع


1) الفصول الغروية : 12 السطر 10.

المنقول والشهرة الفتوائية، ومبحث التعادل والترجيح، والأصول العملية : الشرعية والعقلية، فانّ البحث في جميع هذه المسائل ليس عن العوارض الذاتية لأحد الأدلة الأربعة كما هو ظاهر.

فتحصل : أنه لا فرق بين هذا القول والقول الأوّل إلا في مسألة حجية ظواهر الكتاب وحجية العقل، فانّها ليستا من المسائل الأصولية على القول الأوّل، وتكونان منها على هذا القول.

ومن هنا التجأ شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) إلى إرجاع البحث عن مسألة حجية خبر الواحد إلى البحث عن أحوال السنّة، وأن مرجعه إلى أن السنّة - أعني قول المعصوم أو فعله أو تقريره - هل تثبت بخبر الواحد أو لا ؟ وبذلك تدخل في مسائل أصول الفقه الباحثة عن أحوال الأدلة (1).

ويرد عليه : أنه غير مفيد، وذلك لأنه لو أريد من الثبوت، الثبوت التكويني الواقعي، أعني كون خبر الواحد واسطة وعلة لثبوت السنّة واقعاً، فهذا غير معقول، بداهة أن خبر الواحد ليس واقعاً في سلسلة علل وجودها، وكيف يمكن أن يكون كذلك وهو حاك عنها، والحكاية عن شيء متفرعة عليه وفي مرتبة متأخرة عنه. على أنّ البحث في هذه المسألة حينئذ يكون عن مفاد كان التامة، أي عن ثبوت الموضوع، لا عن عوارضه.

ولو أريد منه الثبوت التكويني الذهني، أعني كون خبر الواحد واسطة لاثبات السنّة واقعاً ووجداناً، فهو أيضاً غير معقول، ضرورة أن خبر الواحد لا يفيد العلم الوجداني بالسنّة، ولا يعقل انكشاف السنّة به واقعاً كما تنكشف بالمتواتر والقرينة القطعية، ومع فرض الانكشاف حقيقة، لا تبقى للبحث ع-ن


1) فرائد الأصول 1 : 156.

حجية خبر الواحد موضوعية أصلاً، فانّ العبرة حينئذ بالعلم الوجداني الحاصل بالسنّة، فيجب الجري على وفقه دون الخبر بما هو.

والحاصل أنّ لازم خبر الواحد بما هو أن يحتمل الصدق والكذب، فكما لا يعقل أن يكون واسطة في ثبوت السنّة،واقعاً، فكذلك لا يعقل أن يكون واسطة لاثباتها كذلك.

وإن أريد. منه الثبوت التعبدي - كما هو الظاهر - فالأمر وإن كان كذلك، أي أنّ السنّة الواقعية تثبت تعبّداً بخبر الواحد، إلا أنّه من عوارض الخبر دون السنّة، وذلك لأنّ الثبوت التعبدي - بناءً على ما سلكناه - عبارة عن إعطاء الشارع صفة الطريقية والكاشفية لشيء وجعله علماً للمكلف شرعاً بعد ما لم يكن كذلك، وهذا وإن استلزم إثبات السنّة وانكشافها شرعاً - وه-و م-ن عوارضها ولواحقها - إلّا أنّه ليس هو المبحوث عنه في هذه المسألة، وإنما المبحوث عنه فيها طريقية خبر الواحد وجعله علماً تعبداً، ومن الواضح أنها من عوارض الخبر دون السنّة والثبوت التعبدي بناءً على ما سلكه المشهور عبارة عن إنشاء الحكم الظاهري على طبق الخبر، وهو أيضاً من عوارضه دونها كما هو ظاهر.

ومنه يظهر الحال على ما سلكه المحقق صاحب الكفاية من أنّه عبارة عن جعل المنجزية والمعذريّة (1)فانّهما أيضاً من عوارضه وصفاته لا من عوارضها، وهو واضح.

فتحصّل : أن البحث في هذه المسألة على جميع المسالك بحث عن عوارض الخبر لا عن عوارض السنّة الواقعية على أنّ ما أفاده (قدس سره) لو تم فانّما


1) كفاية الأصول: 277.

يتم في خصوص هذه المسألة دون غيرها، وقد عرفت أن الإشكال المزبور غير منحصر فيها.

ولذلك عدل صاحب الكفاية (قدس سره) عن مسلك المشهور وذهب إلى أنّ موضوع العلم عبارة عن جامع مقولي واحد بين موضوعات مسائله (1).

ولكن قد مرّ الكلام في هذا مفصلاً وذكرنا هناك أنّه لم يقم برهان على لزوم موضوع كذلك في العلوم فضلاً عن علم الأصول، بل سبق منّا أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين موضوعات مسائله لتباينها تبايناً ذاتياً.

ثم إن أبيت إلا أن يكون لكل علم موضوع ولو كان واحداً بالعنوان كعنوان الكلمة والكلام في علم النحو، وعنواني المعلوم التصديقي والتصوري في علم المنطق، وعنوان فعل المكلف في علم الفقه وهكذا.

فأقول : إن موضوع علم الأصول هو : الجامع الذي ينتزع من مجموع مسائله المتباينة، كعنوان ما تقع نتيجة البحث عنه في طريق الاستنباط وتعيين الوظيفة في مقام العمل.

الأمر الرابع في الوضع

إشارة:

توضيح:

ويقع الكلام فيه من جهات:

الجهة الأولى في أنّ منشأ دلالة الألفاظ على المعاني هل هي المناسبة الذاتية بينهما لتصبح الدلالة ذاتية ؟ أو الجعل والمواضعة لتصبح جعلية محضة ؟


1) كفاية الأصول: 7.

الجهة الثانية : في أنّ الواضع هل هو اللّه تبارك وتعالى أو البشر ؟

الجهة الثالثة : في أنّ الوضع من الأمور الواقعية أو من الأمور الاعتبارية ؟

الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً مرّة، ووقوعاً مرّة أخرى.

منشأ الوضع

أمّا الجهة الأولى: فربّما يقال فيها : إنّ دلالة الألفاظ على معانيها ناشئة عن مناسبة ذاتية بينهما (1).

وفيه : أنّه لو أريد بذاتية الدلالة أنّ الارتباط الذاتي والمناسبة الذاتية بينهما بجد يوجب أن يكون سماع اللفظ علّة تامة لانتقال الذهن إلى معناه، فبطلانه من الوضوح بمكان لا يقبل النزاع، فانّ لازم ذلك تمكن كل شخص من الإحاطة بتمام اللغات فضلاً عن لغة واحدة.

ولو أريد أنّ الارتباط المزبور والمناسبة المزبورة بينهما بحد يوجب أن يكون سماع اللفظ مقتضياً لانتقال الذهن إلى معناه أي أنّ المناسبة اقتضائية لا علة تامّة، ففيه : أنّ ذلك وإن كان بمكان من الامكان ثبوتاً وقابلاً للنزاع - إذ لا مانع عقلاً من ثبوت هذا النحو من المناسبة بين الألفاظ ومعانيها، نظير الملازمة الثابتة بين أمرين فانها ثابتة في الواقع والأزل بلا توقف على اعتبار أي معتبر أو فرض أيّ،فارض، وبلا فرق بين أن يكون طرفاها ممكنين أو مستحيلين أو مختلفين، إذ صدقها لا يتوقف على صدق طرفيها فهي صادقة مع استحالتهما كما في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيها آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَتَا) (2)نعم، إن سنخ ثبوتها غير سنخ


1) كما نسبه إلى بعض في القوانين 1: 194.

2) الأنبياء 21: 22.

ثبوت المقولات كالجواهر والأعراض، ولذا ليست داخلة تحت شيء منها - إلا أنه لا دليل على ثبوتها كذلك في مرحلة الإثبات فلا يمكن الالتزام بها.

وأما ما قيل من أنّه لولا هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني، لكان تخصيص الواضع لكل معنى لفظاً مخصوصاً بلا مرجح، وهو محال كالترجح بلا مرجح، أي وجود حادث من دون سبب وعلّة.

فيرد عليه أوّلاً: أن المحال هو الثاني دون الأوّل، بل لا قبح فيه فضلاً عن الاستحالة إذا كان هناك مرجح لاختيار طبيعي الفعل مع فقد الترجيح بين أفراده ومصاديقه على ما يأتي بيانه في الطلب والارادة إن شاء اللّه تعالى، وحيث إنّ المرجح لاختيار طبيعي الوضع والتخصيص موجود فهو كاف في تخصيص الواضع وجعله لكل معنى لفظاً مخصوصاً وإن فقد الترجيح بين كل فرد من أفراده.

على أنه لا يعقل تحقق المناسبة المذكورة بين جميع الألفاظ والمعاني، لاستلزام ذلك تحققها بين لفظ واحد ومعانٍ متضادة أو متناقضة، كما إذا كان للفظ واحد معان كذلك كلفظ جون الموضوع للأسود والأبيض، ولفظ القرء للحيض والطهر وغيرهما، وهو غير معقول، فان تحققها بين لفظ واحد ومعان كذلك يستلزم تحققها بين نفس هذه المعاني كما لا يخفى.

وثانياً : سلّمنا امتناع الترجيح بلا مرجح، إلا أن المرجح غير منحصر بالمناسبة المزبورة كي يلزم الالتزام بها، بل يكفي فيه وجود مرجح ما وإن كان أمراً اتفاقياً، ضرورة أنّ العبرة إنّما هي بما لا يلزم معه الترجيح بلا مرجح سواء كان ذاتياً أو اتفاقياً.

على أن المرجح لا بد وأن يقوم بالفعل الصادر من الفاعل فيجوز أن يكون الرجحان في نفس الوضع وإن لم يكن هناك مناسبة بين اللفظ والمعنى.

تعيين الواضع

وأمّا الكلام في الجهة الثانية : فقد اختار المحقق النائيني (قدس سره) أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم، وقال في وجهه : فإنّا نقطع بحسب التواريخ التي بين أيدينا، أنه ليس هنا شخص أو جماعة وضعوا الألفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التي تدل عليها فضلاً عن سائر اللغات، كما أنا نرى وجداناً عدم الدلالة الذاتية، بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به، بل اللّه (تبارك وتعالى) هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا وجعله تبارك وتعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل وإنزال كتب، وجعل الأمور التكوينية التي جبل الانسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك.

فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتّى لا يحتاج إلى أمر آخر، ولا تشريعي صرف حتّى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصي، بل يلهم اللّه (تبارك وتعالى عباده - على اختلافهم - كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص. وممّا يؤكد المطلب : أنا لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه، فما ظنك بشخص واحد مضافاً إلى كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة (1).

أقول : يتلخص نتيجة ما أفاده (قدس سره) في أمور:

الأوّل : أنّ الواضع هو اللّه (تبارك وتعالى)، ولكن لا بطريق إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما هو الحال في إيصال الأحكام الشرعية إلى العباد، ولا بطريق


1) أجود التقريرات 1: 19.

جعل الأمور التكوينية التي جبل الانسان على إدراكها، بل بطريق الإلهام إلى كل عنصر من عناصر البشر على حسب استعداده.

الثاني : التزامه (قدس سره) بوجود مناسبة مجهولة بين الألفاظ والمعاني.

الثالث : أنّ وضعه تبارك وتعالى إنّما كان على طبق هذه المناسبة.

الرابع : أنّ الوضع جعل متوسط بين الجعل التكويني والجعل التشريعي.

الخامس : أنه (قدس سره) بعد نفي الدلالة الذاتية استند في دعوى أنّ اللّه (تبارك وتعالى) هو الواضع الحكيم دون غيره إلى أمرين :

الأوّل : أنّه لا يمكن أن يكون الواضع هو البشر، لعدم إمكان إحاطته بتمام ألفاظ لغة واحدة فضلاً عن جميع اللغات، فإذا امتنع أن يكون البشر واضعاً تعيّن أن اللّه تعالى هو الواضع الحكيم.

الثاني : أنّه على فرض تسليم أنّ البشر قادر على وضع الألفاظ لمعانيها بمعنى أن شخصاً أو جماعة معينين من أهل كل لغة يتمكن من وضع ألفاظها لمعانيها، إلّا أنّه لما كان من أكبر خدمات للبشر فلابد من تصدي التواريخ لضبطه التي هي معدّة لضبط الأخبار السالفة والوقائع المهمة، خصوصاً مثل هذا الأمر المهم، مع أنّه لم يكن فيها عن حدوث الوضع في أي عصر وزمان وعمّن تصدى له عين ولا أثر، فإذا فرض أنّ البشر كان هو الواضع لنقل ذلك في التواريخ فانّها تتكفل بنقل ما هو دونه فكيف بمثله.

ولكن للتأمل في جميع هذه الأمور مجالاً واسعاً :

أمّا الأوّل : فيظهر ضعفه ممّا نذكره من ضعف ما اعتمد عليه من الوجهين المذكورين.

وأمّا الثاني : فيرده أنه تخرّص على الغيب، لما قد سبق من أنّه لا دليل على

وجود هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني، بل الدليل قائم على عدمها في الجميع.

وأمّا الثالث : فيرد عليه أنا لو سلّمنا وجود المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى فلا نسلّم أنّ الواضع جعل لكل معنى لفظاً مخصوصاً على طبق ت-لك المناسبة، وذلك لأنّ الغرض من الوضع يحصل بدون ذلك، ومعه فأي شيء يستدعي رعاية تلك المناسبة في الوضع. اللهمّ إلّا أن يتمسك بذيل قاعدة استحالة الترجيح من دون مرجح، ولكن قد عرفت بطلانها.

وأما الرابع : وهو أنّ الوضع وسط بين الأمور التكوينية والجعلية، فهو ممّا لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لعدم واسطة بينهما، ضرورة أنّ الشيء إذا كان من الموجودات الحقيقية التي لا تتوقف في وجودها على اعتبار أي معتبر، فهو من الموجودات التكوينية، وإلا فمن الأمور الاعتبارية الجعلية، ولا نعقل ما يكون وسطاً بين الأمرين. وأما حديث الإلهام فهو حديث صحيح ولا اختصاص له بالوضع.

وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: أَهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (1)أَنَّ اللّه (تبارك وتعالى) كما منّ على عباده بهدايتهم تشريعاً، وسوقهم إلى الحياة الأبدية بارسال الرسل وإنزال الكتب، كذلك منّ عليهم بهدايتهم تكويناً بالهامهم إلى سيرهم نحو كمالهم، بل إنّ هذه الهداية موجودة في جميع الموجودات، فهي تسير نحو كمالها بطبعها أو باختيارها، والله هو الذي أودع فيها قوة الاستكمال فترى الفارة تفرّ من الهرة ولا تفرّ من الشاة.)وعلى الجملة : أنّ مسألة الإلهام أجنبية عن تحقق معنى الوضع بالكلية، فانّ الإلهام من الأمور التكوينية الواقعية، ولا اختصاص له بباب الوضع، والمبحوث


1) البيان في تفسير القرآن : 496.

عنه هو معنى الوضع، كان الوضع بإلهام إلهي أم لم يكن.وأمّا الأمر الخامس : وهو استناده فيما ذكره من أنّ اللّه (تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم، فلو تم فانّما يتم لو كان وضع الألفاظ لمعانيها دفعياً وفي زمان،واحد، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فان سعة دائرة الوضع وضيقها تتبع سعة دائرة الغرض وضيقها، ومن الواضح أنّ الغرض منه ليس إلا أن يتفاهم بها وقت الحاجة وتبرز بها المعاني التي تختلج في النفوس لئلا يختل نظام حياتنا المادية والمعنوية، ومن الظاهر أنّ كمّية الغرض الداعي إليه تختلف سعة وضيقاً بمرور الأيام والعصور، ففي العصر الأوّل - وهو عصر آدم (عليه السلام) - ك-انت الحاجة إلى وضع ألفاظ قليلة بازاء معان كذلك، لقلة الحوائج في ذلك العصر، وعدم اقتضائها أزيد من ذلك، ثمّ ازدادت الحوائج مرّة بعد أخرى وقرناً بعد آخر بل وقتاً بعد وقت فزيد في الوضع كذلك.)وعليه فيتمكن جماعة بل واحد من أهل كل لغة على وضع ألفاظها بازاء معانيها في أيّ عصر وزمن، فانّ سعة الوضع وضيقه تابعان لمقدار حاجة الناس إلى التعبير عن مقاصدهم سعة وضيقاً، ولما كان مرور الزمن موجباً لاتساع حاجاتهم وازديادها، كان من الطبيعي أن يزداد الوضع ويتّسع.أما الذين يقومون بعملية الوضع فهم أهل تلك اللغة في كل عصر، من دون فرق بين أن يكون الواضع واحداً منهم أو جماعةً، وذلك أمر ممكن لهم، فانّ المعاني الحادثة التي يبتلى بها في ذلك العصر إلى التعبير عنها ليست بالمق-دار الذي يعجز عنه جماعة من أهل ذلك العصر أو يعجز عنه واحد منهم، فانّها محدودة بحد خاص.وقد تلخّص من ذلك أمران :الأوّل : أنّ أهل اللغة ليسوا بحاجة إلى وضع ألفاظها للمعاني التي تدور عليها

الافادة والاستفادة في جميع العصور ليقال إنّ البشر لا يقدر على ذلك، بل يمكن الوضع بشكل تدريجي في كل عصر حسب تدريجية الحاجة إلى التعبير عنها.الثاني: أننا لسنا بحاجة إلى وضع جميع الألفاظ لجميع المعاني، فانّ الوضع لما يزيد عن مقدار الحاجة لغو محض.وأما الثاني : وهو أنّ الواضع لو كان بشراً لنقل ذلك في التواريخ، لأن مثل هذا العمل يعتبر من أعظم الخدمات للبشر ولذلك تتوفر الدواعي على نقله.فيرد عليه : أنّ ذلك إنّما يتم لو كان الواضع شخصاً واحداً أو جماعة معيّنين، وأما إذا التزمنا بما قدمناه من أنّ الواضع لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة معينين، بل كل مستعمل من أهل تلك اللغة واضع بشكل تدريجي، فلا يبق مجال للنقل في التواريخ.نعم، لو كان الواضع شخصاً واحداً أو جماعة معينين، لنقله أصحاب التواريخ لا محالة.و ممّا يؤكّد ما ذكرناه ما نراه من طريقة الأطفال عندما يحتاجون إلى التعبير عن بعض المعاني فيما بينهم، فانّهم يضعون الألفاظ لهذه المعاني ويتعاهدون ذكرها عند إرادة إبراز ما يختلج في أذهانهم من الأغراض والمقاصد، ولا نجدهم يتخلّفون عن هذه الحال، حتّى إنّهم لو عاشوا في مناطق خالية من السكان لتكلموا بلغة مجعولة لهم لا محالة ولا نعني بالوضع إلا هذا التعهد وهذا الالتزام، وإليه أشار تعالى بقوله : (خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (1)وذلك وإن كان ينتهي إليه تعالى، لأنه من لطفه وعنايته، إلا أنه أمر آخر غير أنه هو الواضع الحكيم.)


1) الرحمن 55: 3 - 4.

وهذا الذي ذكرناه من دفع الاشكالين المتقدمين لا يفرق فيه بين مسلكنا ومسلك القوم في تفسير العلقة،الوضعية، فانّ تدريجية الوضع وعدم اختصاصه بشخص خاص لاتدع مجالاً للاشكال المزبور، غاية الأمر أنه بناءً على مسلكنا كان كل مستعمل واضعاً وإن كانت كلمة الواضع عند إطلاقها تنصرف إلى الواضع الأوّل، إلّا أنّه من جهة الأسبقية، وهذا بخلاف غيره من المسالك كما لا يخفى.فالمتحصّل ممّا ذكرناه أمران:الأوّل : أنّ اللّه تبارك وتعالى ليس هو الواضع الحكيم.الثاني : أنّ الواضع لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة معينين على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع.#### في حقيقة الوضعوأمّا الكلام في الجهة الثالثة : وهي تعيين حقيقة الوضع : فذهب بعض الأعاظم (قدس سره (1)إلى أنها من الأمور الواقعية، لا بمعنى أنها من إحدى المقولات، ضرورة وضوح عدم كونها من مقولة الجوهر، لانحصارها في خمسة أقسام : العقل، النفس، الصورة، المادة، الجسم، وهي ليست من إحداها، وكذا عدم كونها من المقولات التسع العرضية أيضاً، لأنها متقومة بالغير في الخارج، لاستحالة تحققها في العين بدون موضوع توجد فيه، فانّ وجودها في نفسها عين وجودها لغيرها، وهذا بخلاف حقيقة العلقة الوضعية فانها قائمة بطبيعي اللفظ والمعنى ومتقوّمة بهما فلا يتوقف ثبوتها وتحققها على وجودهما في الخارج،)


1) نهاية الأفكار 1: 25 - 26.

وهذا واضح، ولذا يصح وضع اللفظ لمعنى معدوم بل مستحيل كما لو فرضنا وضع لفظ الدور أو التسلسل لخصوص حصّة مستحيلة منه لا للمعنى الجامع بينها وبين غيرها، فلو كانت حقيقتها من إحدى هذه المقولات لاستحال تحققها بدون وجود اللفظ والمعنى الموضوع له.بل بمعنى أنها عبارة عن ملازمة خاصة وربط مخصوص بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، نظير سائر الملازمات الثابتة في الواقع بين أمرين من الأمور التكوينية، مثل قولنا: إن كان هذا العدد زوجاً فهو منقسم إلى متساويين، وإن كان فرداً فهو غير منقسم كذلك. فالملازمة بين زوجية العدد وانقسامه إلى متساويين، وبين فرديته وعدم انقسامه كذلك ثابتة في نفس الأمر والواقع أزلاً، غاية الأمر أنّ تلك الملازمة ذاتية أزلية وهذه الملازمة جعلية اعتبارية، لا بمعنى أنّ الجعل والاعتبار مقوّم لذاتها وحقيقتها، بل بمعنى أنه علّة أنه علّة وسبب لحدوثها وبعده تصير من الأمور الواقعية، وكونها جعلية بهذا المعنى لا ينافي تحققها وتقررها في لوح الواقع ونفس الأمر، وكم له من نظير.وقد حققنا في محلّه أنّ هذه الملازمات ليست من سنخ المقولات في شيء كالجواهر والأعراض، فانها وإن كانت ثابتة في الواقع في مقابل اعتبار أيّ معتبر وفرض أيّ فارض كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَتَا (1)فانّ الملازمة بين تعدد الآلهة وفساد العالم ثابتة واقعاً وحقيقة، إلا أنها غير داخلة تحت شيء منها، فإن سنخ ثبوتها في الخارج غير سنخ ثبوت المقولات فيه، كما هو واضح.)والجواب عن ذلك : أنّه (قدس سره إن أراد بوجود الملازمة بين طبيعي)


1) الأنبياء 21: 22.

اللفظ والمعنى الموضوع له وجودها مطلقاً حتّى للجاهل بالوضع، فبطلانه من الواضحات التي لا تخفى على أحد، فان هذا يستلزم أن يكون سماع اللفظ و تصوره علة تامة لانتقال الذهن إلى معناه ولازمه استحالة الجهل باللغات مع أنّ إمكانه ووقوعه من أوضح البديهيات وإن أراد (قدس سره به ثبوتها للعالم بالوضع فقط دون غيره فيرد عليه : أن الأمر وإن كان كذلك - يعني أنّ هذه الملازمة ثابتة له دون غيره - إلا أنها ليست بحقيقة الوضع بل هي متفرعة عليها ومتأخرة عنها رتبة، ومحل كلامنا هنا في تعيين حقيقته التي تترتب عليها الملازمة بين تصور اللفظ والانتقال إلى معناه.)وذهب كثير من الأعلام والمحققين (قدس سرهم إلى أنّ حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية، ولكنهم اختلفوا في كيفيتها على أقوال:)القول الأوّل : ما قيل (1من أنّ حقيقة الوضع عبارة عن: اعتبار ملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، وحقيقة هذه الملازمة متقوّمة باعتبار من بيده الاعتبار - أي الواضع - كسائر الأمور الاعتبارية من الشرعية أو العرفية. ثمّ إنّ الموجب لهذا الاعتبار والداعي إليه إنما هو قصد التفهيم في مقام الحاجة لعدم إمكانه بدونه.)ولكن لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنه لو أريد به اعتبارها خارجاً بمعنى أنّ الواضع جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى في الخارج، فيرده: أنه لا يفيد بوجه ما لم تكن الملازمة بينهما في الذهن ضرورة أن بدونه لا يحصل الانتقال إلى المعنى من تصور اللفظ وسماعه، وعلى تقدير وجودها وثبوتها فالملازمة الخارجية غير محتاج إليها، فانّ الغرض وهو الانتقال يحصل بتحقق هذه


1) كما في نهاية الأفكار 1: 25 - 26.

الملازمة الذهنية، سواء كانت هناك ملازمة خارجية أم لم تكن، فلا حاجة إلى اعتبار المعنى موجوداً في الخارج عند وجود اللفظ فيه، بل هو من اللغو الظاهر.وإن أريد به اعتبار الملازمة ذهناً، يعني أنّ الواضع اعتبر الملازمة بين اللفظ والمعنى في الذهن، ففيه: أنّه لا يخلو إما أن يكون مطلقاً حتّى للجاهل بالوضع أو يختص بالعالم به.لا يمكن المصير إلى الأوّل، فأنّه لغو محض لا يصدر من الواضع الحكيم لأنه لا أثر له بالقياس إلى الجاهل به، ولا معنى لأن يعتبر الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ له، فانّه إن علم بالوضع فالانتقال من اللفظ إلى معناه ضروري له وغير قابل للجعل والاعتبار، وإن لم يعلم فالاعتبار يصبح لغواً.ولا إلى الثاني لأنه تحصيل حاصل، بل من أرداً أنحائه، فانّه لو كان عالماً بالوضع كان اعتبار الملازمة في حقه من قبيل إثبات ما هو ثابت بالوجدان بالاعتبار وبالتعبد.وعلى الجملة : فالملازمة الذهنية أمر تكويني غير قابلة للجعل والاعتبار وليست معنى الوضع في شيء، بل هي مترتبة عليه فلابد حينئذ من تحقيق معناه وأنّه ما هو الذي تترتب عليه تلك الملازمة ؟القول الثاني: أنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فهو هو في عالم الاعتبار وإن لم يكن كذلك حقيقة (1.)بيان ذلك : أن الموجود على قسمين :أحدهما: ما له وجود تكويني عيني في نظام التكوين والعين، كالمقولات الواقعية من الجواهر والأعراض.


1) شرح منطق الاشارات: 21 - 22.

والثاني : ما له وجود اعتباري فهو موجود في عالم الاعتبار وإن لم يكن موجوداً في الخارج، وذلك كالأمور الاعتبارية الشرعية أو العرفية من الأحكام التكليفية والوضعية، وقد قيل إن حقيقة العلقة الوضعية من قبيل القسم الثاني بمعنى أنّ الواضع جعل وجود اللفظ وجوداً للمعنى في عالم الاعتبار واعتبره وجوداً تنزيلياً له في ذلك العالم دون عالم الخارج والعين كالتنزيلات الشرعية أو العرفية مثل قوله (عليه السلام: «الطواف في البيت صلاة»(1)وقوله (عليه السلام: «الفقاع خمر استصغره الناس» (2)ونحوهما. ومن ثمة يكون نظر المستعمل إلى اللفظ آلياً في مرحلة الاستعمال، وإلى المعنى استقلالياً بحيث لا يرى في تلك المرحلة إلّا المعنى ولا ينظر إلّا إليه.)وإن شئت قلت : إنّ الوضع لأجل الاستعمال ومقدمة له، فهم المستعمل في هذه المرحلة إيجاد المعنى باللفظ وإلقاؤه إلى المخاطب، فلا نظر ولا التفات له إلّا إليه.ويرد عليه أوّلاً: أنّ تفسيرها بهذا المعنى تفسير بمعنى دقيق بعيد عن أذهان عامة الواضعين غاية البعد ولا سيما القاصرين منهم كالأطفال والمجانين الذين قد يصدر الوضع منهم عند الحاجة، بل قد يصدر الوضع من بعض الحيوانات أيضاً، وكيف كان فحقيقة الوضع حقيقة عرفية سهل التناول والمأخذ، فلا تكون بهذه الدقة التي تغفل عنها أذهان الخاصّة فضلاً عن العامّة.وثانياً : أن الغرض الداعي إلى الوضع، هو استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له لكي يدل عليه ويفهم منه معناه، فالوضع مقدمة للاستعمال والدلالة، ومن الواضح أنّ الدلالة اللفظية إنما تكون بين شيئين أحدهما دال والآخر مدلول


1) المستدرك 9: 410 / أبواب الطواف ب 38 ح 2. وفيه «بالبيت».

2) الوسائل 25 : 365 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 28 ح 1 (مع اختلاف يسير).

فاعتبار الوحدة بينهما بأن يكون وجود اللفظ وجوداً للمعنى أيضاً لغو وعبث.وأما ما ذكره أخيراً ففيه : أنّ لحاظ اللفظ آلة في مقام الاستعمال، لا يستلزم أن يكون ملحوظاً كذلك في مقام الوضع للفرق بين المقامين.وبكلمة واضحة : أنّ حال واضع اللفظ كحال صانع المرآة ومستعمله كمستعملها، فكما أنّ صانع المرآة في مقام صنعها يلاحظها استقلالاً من حيث الكم والكيف والوضع وفي مرحلة استعمالها تلاحظ آلياً، فكذلك وضع الألفاظ واستعمالاتها من هذه الناحية. وعلى الجملة : أنّ لحاظ اللفظ آلياً في مرحلة الاستعمال لا يلازم اعتبار وجوده وجوداً للمعنى حال الوضع بوجه.القول الثالث: ما عن بعض مشايخنا المحققين (قدس اللّه أسرارهم قال: وقد لا يكون المعنى المعتبر تسبيبياً كالاختصاص الوضعي، فانّه لا حاجة في وجوده إلا إلى اعتبار من الواضع ومن الواضح أنّ اعتبار كل معتبر قائم به بالمباشرة لا بالتسبيب كي يتسبب إلى اعتبار نفسه بقوله : وضعت ونحوه، فتخصيص الواضع ليس إلا اعتباره الارتباط والاختصاص بين لفظ خاص ومعنى خاص.)ثم إنه لا شبهة في اتحاد حيثية دلالة اللفظ على معناه وكونه بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع حيثية دلالة سائر الدوال كالعلم المنصوب على رأس الفرسخ، فانّه أيضاً ينتقل من النظر إليه إلى أنّ هذا الموضع رأس الفرسخ، غاية الأمر أنّ الوضع فيه حقيقي وفي اللفظ اعتباري، بمعنى أنّ كون العلم موضوعاً على رأس الفرسخ خارجي ليس باعتبار معتبر، بخلاف اللفظ فانّه كأنه وضع على المعنى ليكون علامة عليه، فشأن الواضع اعتبار وضع لفظ خاص على معنى خاص.ومنه ظهر أنّ الاختصاص والارتباط من لوازم الوضع لا عينه، وحيث عرفت اتحاد مع حيثية دلالة اللفظ حيثية دلالة سائر الدوال، تعرف أنه لا

حاجة إلى الالتزام بأنّ حقيقة الوضع تعهد ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى كما عن بعض أجلّة العصر، فانّك قد عرفت أنّ كيفية الدلالة والانتقال في اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال فهل ترى تعهداً من ناصب العلم على رأس الفرسخ بل ليس هناك إلا وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، فكذلك فيا نحن فيه غاية الأمر أنّ الوضع هناك حقيقي وهنا اعتباري (1.)يتلخّص ما أفاده (قدس سره في أمور :)الأمر الأوّل: أنّ حقيقة الوضع ليست أمراً تسبيبياً، بل هو أمر مباشري قائم بالمعتبر بالمباشرة.الأمر الثاني : أنّ الارتباط والاختصاص ليسا من حقيقة الوضع في شيء، بل هما من لوازمها.الأمر الثالث : أنّ حقيقته ليست التعهد والالتزام النفساني، ولكن من دون أن يشيده بالبرهان.الأمر الرابع : أنها من سنخ وضع سائر الدوال، غاية الأمر أن الوضع فيها حقيقي خارجي وفي المقام جعلي واعتباري، فهذا الأمر في الحقيقة نتيجة الأمور الثلاثة المتقدمة ووليدتها.أقول: أمّا الأمر الأوّل والثاني فهما في غاية الصحّة والمتانة على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع، من دون فرق بين مسلكنا ومسلك القوم.وأما الأمر الثالث فيدفعه ما سنبينه إن شاء اللّه تعالى عن قريب من أنّ الصحيح عند التحقيق هو أنّ حقيقة الوضع عبارة عن ذلك التعهد والالتزام النفساني.


1) نهاية الدراية 1: 47.

وأما الأمر الرابع وهو أنّ سنخ الوضع هنا سنخ الوضع الحقيقي الخارجي فيرد عليه :أولاً : عين الايراد الذي أوردناه على القول الثاني، وهو أنّ تفسير الوضع بهذا المعنى على فرض صحته في نفسه، تفسير بمعنى دقيق خارج عن أذهان عامة الواضعين ولا سيما القاصرين منهم كالأطفال والمجانين، مع أن-ا ن-رى صدور الوضع منهم كثيراً، والحال أنهم لا يدركون هذا المعنى الدقيق، وأنه من قبيل وضع العلم على رأس الفرسخ غاية الأمر أنّ الوضع فيه حقيقي وفي المقام اعتباري. ومن الواضح أنه لا يكاد يمكن أن يكون الوضع أمراً يغفل عنه الخواص فضلاً عن العوام.وثانياً : أنّ وضع اللفظ ليس من سنخ الوضع الحقيقي كوضع الع-لم ع--لى رأس الفرسخ، والوجه في ذلك هو أنّ وضع العلم يتقوم بثلاثة أركان:الركن الأوّل: الموضوع وهو العلم.الركن الثاني : الموضوع عليه وهو ذات المكان.الركن الثالث : الموضوع له وهو الدلالة على كون المكان رأس الفرسخ.وهذا بخلاف الوضع في باب الألفاظ فانّه يتقوّم بركنين:الأوّل: الموضوع وهو اللفظ.الثاني : الموضوع له وهو دلالته على معناه، ولا يحتاج إلى شيء ثالث ليكون ذلك الثالث هو الموضوع عليه، وإطلاقه على المعنى الموضوع له لو لم يكن من الأغلاط الظاهرة فلا أقل من أنّه لم يعهد في الاطلاقات المتعارفة والاستعمالات الشائعة، مع أنّ لازم ما أفاده (قدس سره هو أن يكون المعنى هو الموضوع عليه.)

ويتلخص نتيجة ما ذكرناه إلى الآن في خطوط ثلاثة : الخط الأوّل: بطلان الدلالة الذاتية وأنها وضعية محضة.الخط الثاني : فساد كون حقيقة الوضع حقيقة واقعية.الخط الثالث : بطلان تفسير الوضع بكل واحد من التفسيرات الثلاثة المتقدمة، فالنتيجة على ضوئها هي أنّ حقيقة الوضع ليست إلا عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : يرشد إلى ذلك الغرض الباعث على الوضع، بل الرجوع إلى الوجدان والتأمل فيه أقوى شاهد عليه، وبيان ذلك : أن الانسان بما أنّ-ه مدني بالطبع يحتاج في تنظيم حياته المادية والمعنوية، إلى آلات يبرز بها مقاصده وأغراضه ويتفاهم بها وقت الحاجة، ولما لم يمكن أن تكون تلك الآلة الاشارة أو نحوها لعدم وفائها بالمحسوسات فضلاً عن المعقولات، فلا محالة تكون هي الألفاظ التي يستعملها في إبراز مراداته من المحسوسات والمعقولات، وهي وافية بهما، ومن هنا خص (تبارك وتعالى الإنسان بنعمة البيان بقوله عزّ من قائل: (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (1).)ومن هنا - أي من أنّ الغرض منه قصد التفهيم وإبراز المقاصد بها - ظهر أنّ حقيقة الوضع هي التعهد والتباني النفساني فان قصد التفهيم لازم ذاتي للوضع بمعنى التعهد. وإن شئت قلت: إنّ العلقة الوضعية حينئذ تختص بصورة إرادة تفهيم المعنى لا مطلقاً، وعليه يترتب اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية كما سيأتي بيانه مفصلاً من هذه الجهة إن شاء اللّه تعالى.### مسلك التعهدوعلى ذلك فنقول: قد تبيّن أنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهد بابراز المعنى


1) الرحمن 55: 3 - 4.

الذي تعلّق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص، فكل واحد من أهل أي لغة متعهد في نفسه متى ما أراد تفهيم معنى خاص، أن يجعل مبرزه لفظاً مخصوصاً. مثلاً التزم كل واحد من أفراد الأمة العربية بأنه متى ما قصد تفهيم جسم سیّال بارد بالطبع أن يجعل مبرزه لفظ الماء، ومتى قصد تفهيم معنى آخر أن يجعل مبرزه لفظاً آخر، وهكذا.فهذا التعهد والتباني النفساني بابراز معنى خاص بلفظ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيمه، ثابت في أذهان أهل كل لغة بالاضافة إلى ألفاظها ومعانيها بنحو القوة، ومتعلق هذا التعهد أمر اختياري وهو التكلم بلفظ مخصوص عند قصد تفهيم معنى خاص.ثم إنّ ذلك ثابت بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له بنحو القضية الحقيقية. نعم، في مرحلة الاستعمال يوجد المستعمل فرداً منه في استعمال، وفرداً آخ---ر منه في استعمال آخر، وهكذا.وبهذا يندفع إشكال الدور الذي قد يتوهم هنا، بتقريب أن تعهد ذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعنى، يتوقف على العلم بأنه وضع له، فلو فرض أنّ الوضع عبارة عن ذلك التعهد لدار.وتوضيح الاندفاع: أنّ ما يتوقف على العلم بالوضع إنما هو التعهد الشخصي الفعلي الثابت في مرحلة الاستعمال دون التعهد الكلي النفساني المتعلق بذكر طبيعي اللفظ عند إرادة تفهيم طبيعي المعنى بنحو القضية الحقيقية، وقد عرفت أنّ حقيقة الوضع عبارة عن ذلك التعهد، ومن الظاهر أنه لا يتوقف على شيء، فظهر أنّ منشأ التوهم خلط المتوهم بين التعهد في مرحلة الاستعمال والتعهد في مرحلة الوضع، والذي يتوقف على الثاني هو الأوّل دونه.وبتعبير آخر أنّ حال الألفاظ حال الاشارت الخارجية، فكما قد يقصد

بها إبراز المعنى الذي تعلّق القصد بتفهيمه مثل ما إذا قصد إخفاء أمر عن الحاضرين في المجلس، أو قصد تصديق شخص، أو غير ذلك فيجعل مبرزه الاشارة باليد أو بالعين أو بالرأس، فكذلك الألفاظ فانه يبرز بها أيضاً المعاني التي يقصد تفهيمها، فلا فرق بينهما من هذه الناحية. نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى وهي أنّ الاشارة على نسق واحد في جميع اللغات والالسنّة دون الألفاظ.وعلى ضوء هذا البيان تبين أنّ كل مستعمل واضع حقيقة، فانّ تعهد ك--ل شخص فعل اختياري له فيستحيل أن يتعهد شخص آخر تعهده في ذمته، لعدم كونه تحت اختياره وقدرته. نعم، يمكن أن يكون شخص واحد وكيلاً من قبل طائفة في وضع لغاتهم ابتداءً لمعانيها فيضعها بازائها - يعني يجعلها مستعدة لابرازها عند قصد تفهيمها - ويتعهد بذلك، ثمّ إنهم تبعاً له يتعهدون على طبق تعهداته. أو يضع لغاتهم بلا توكيل من قبلهم بل فضولياً ولكنهم بعد ذلك يتبعونه في ذلك ويتبانون على وفق تبانيه والتزاماته، ومع هذا فهم واضعون حقيقة.ومن هنا لا فرق بين الطبقات السابقة واللاحقة، غاية الأمر أن الطبقات اللاحقة تتبعها في ذلك، بمعنى أنهم يتعهدون على وفق تعهداتهم وتبانيهم، وقد تتعهد الطبقات اللاحقة تعهدات أخرى ابتدائية بالنسبة إلى المعاني التي يحتاجون إلى تفهيمها في أعصارهم، وقد سبق أنّ الوضع تدريجي الحصول فيزيد تبعاً لزيادة الحاجة في كل قرن وزمن.ومن ذلك تبين ملاك أنّ كل مستعمل واضع حقيقة. وأما إطلاق الواضع على الجاعل الأوّل دون غيره فلأسبقيته في الوضع، لا لأجل أنه واضع في الحقيقة دون غيره.ولكن ربّما يشكل بأنّ التعهد والالتزام حسب ما ارتكز في الأذهان، أم--ر

متأخر عن الوضع ومعلول له فانّ العلم بالوضع يوجب تعهد العالم به بابراز المعنى عند قصد تفهیمه بمبرز مخصوص لا أنه عينه، ومن هنا لا يصح إطلاق الواضع على غير الجاعل الأوّل، فلو كان معنى الوضع ذلك التعهد والالتزام النفساني لصح إطلاقه على كل مستعمل من دون عناية، مع أن الأمر ليس كذلك.والجواب عنه أن يقال : إنه لو أريد بتأخر التعهد عن الوضع تعهد المتصدي الأوّل للوضع فذاك غير صحيح، وذلك لأنّ تعهده غير مسبوق بشيء ما عدا تصوّر اللفظ والمعنى، ومن الواضح أنّ ذلك التصور ليس هو الوضع بل هو من مقدماته، ولذا لابد منه في مقام الوضع بأي معنى من المعاني فسّر، وعليه فنقول : إنّ المتصدي الأوّل له بعد تصور معنى خاص ولفظ مخصوص، يتعهد في نفسه بأنه متى قصد تفهيمه أن يجعل مبرزه ذلك اللفظ ثمّ يبرز ذلك التعهد بقوله : وضعت أو نحوه في الخارج.وممّا يدلنا على ذلك بوضوح : وضع الأعلام الشخصية، فان كل شخص إذا راجع وجدانه ظهر له أنه إذا أراد أن يضع اسماً لولده مثلاً يتصوّر أولاً ذات ولده، وثانياً لفظاً يناسبه، ثمّ يتعهد فى نفسه بأنه متى قصد تفهيمه يتكلم بذلك اللفظ، وليس هاهنا شيء آخر ما عدا ذلك.وإن أريد به تعهد غيره من المستعملين، فالأمر وإن كان كذلك - يعني أنّ تعهدهم وإن كان مسبوقاً بتعهده - إلا أنه لا يمنع عن كونهم واضعين حقيقة، ضرورة أن تعهد كل أحد لما كان فعلاً اختيارياً له، يستحيل أن يصدر من غيره، غاية الأمر التعهد من الواضع الأوّل تعهد ابتدائي غير مسبوق بشيء، ومن غيره ثانوي، ولأجله ينصرف لفظ الواضع إلى الجاعل الأوّل.وعلى هذه الالتزامات والتعهدات قد استقرّت السيرة العقلائية في مقام

الاحتجاج واللجاج، فيحتج العقلاء بعضهم على بعض بم-خ-الف-ت-ه التزام-ه، ويؤاخذونه عليها، وكذلك الموالي والعبيد، فلو أن أحداً خالف التزامه ولم يعمل على طبق ظهور كلام،مولاه، يحتج المولى عليه بمخالفته التزامه ويعاقب عليها ولا عذر له في ذلك، ولو عمل على طبق ظهوره فله حجة يحتج بها على مولاه، وهكذا. وعلى الجملة : أنّ أنظمة الكون كلّها من المادية والمعنوية تدور مدار الجري على وفق هذه الالتزامات، ولولاه لاختلت.فبالنتيجة : أنّ مذهبنا هذا ينحل إلى نقطتين :النقطة الأولى : أن كل متكلم واضع حقيقة، وتلك نتيجة ضرورية لمسلكنا: أنّ حقيقة الوضع التعهد والالتزام النفساني.النقطة الثانية : أنّ العلقة الوضعية مختصة بصورة خاصة، وهي ما إذا قصد المتكلم تفهيم المعنى باللفظ، وهي أيضاً نتيجة حتمية للقول بالتعهد، بل وفي الحقيقة هذه هي النقطة الرئيسية لمسلكنا هذا، فانّ عليها تترتب نتائج ستأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.وأما ما ربّما يتوهم هنا من أنّ العلقة الوضعية لو لم تكن بين الألفاظ والمعاني على وجه الاطلاق فلا يتبادر شيء من المعاني منها فيما إذا صدرت عن شخص بلا قصد التفهيم، أو عن شخص بلا شعور واختيار، فضلاً عما إذا صدرت عن اصطكاك جسم بجسم،آخر مع أنّه لا شبهة في تبادر المعنى منها وانتقال الذهن إليه في جميع هذه الصور، فمدفوع : بأن تبادر المعنى فيها وانسباقه إلى الذهن غير مستند إلى العلقة الوضعية، بل إنّما هو من جهة الأنس الحاصل بينهما بكثرة الاستعمال أو بغيرها، وذلك لأنّ الوضع حيث كان فعلاً اختيارياً فصدوره من الواضع الحكيم في أمثال هذه الموارد التي لا يترتب على الوضع فيها أي أثر وغرض داع إليه، يصبح لغواً وعبثاً.

ثمّ إنّ الوضع بذلك المعنى الذي ذكرناه، موافق لمعناه اللغوي أيضاً، فانّه في اللغة بمعنى الجعل والاقرار، ومنه وضع اللفظ، ومنه وضع القوانين في الحكومات الشرعية والعرفية، فأنّه بمعنى التزام تلك الحكومة بتنفيذها في الأمة. كما أنه بذلك المعنى أيضاً يصح تقسيمه إلى التعييني والتعيني، باعتبار أن التعهد والالتزام المزبور إن كان ابتدائياً فهو وضع تعييني، وإن كان ناشئاً عن كثرة الاستعمال فهو وضع تعيّني، وعليه فيصح تعريفه بتخصيص شيء بشيء وتعيينه بإزائه أيضاً.هذا كله في بيان الأقوال في حقيقة الوضع وقد عرفت المختار من بينها.### أقسام الوضع#### إشارة:وأما الجهة الرابعة : فملخص الكلام فيها : أنّ الوضع لما كان فعلاً اختيارياً للواضع بأي معنى من المعاني فسّر، توقف تحققه على تصور اللفظ والمعنى، وعليه فالكلام يقع في مقامين الأوّل: في ناحية المعنى. والثاني: في ناحية اللفظ.أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه يقع في جهات:الجهة الأولى في الوضع العام والموضوع له العام، وهو أن يتصور الواضع المعنى الكلّي حين الوضع فيضع اللفظ بازائه، سواء كان تصوره بالكنه والحقيقة، كما إذا تصور الانسان مثلاً بحده التام أم كان ذلك بالوجه والعنوان كما إذا تصوره بحده الناقص، أو بالعنوان المعرّف والمشير من دون دخل لذاك العنوان فيه، نظير بعض العناوين المأخوذ في موضوع القضيّة لأجل الاشارة إلى ما هو الموضوع فيها حقيقة بدون دخل له فيه أصلاً. فالوضع العام والموضوع له العام من قبيل القضية الطبيعية كقولنا : الانسان نوع، فكما أن المحمول فيها

ثابت للطبيعي بما هو، فكذلك الوضع هنا أي لطبيعي المعنى الجامع.الجهة الثانية : في الوضع الخاص والموضوع له الخاص، وهو أن أن يتصور الواضع حين إرادته الوضع معنى خاصاً وجزئياً حقيقياً فيضع اللفظ بإزاء ذلك الخاص كوضع الأعلام الشخصية، سواء كان تصوره بالكنه أم كان بالوجه والعنوان، لكفاية تصور الشيء بوجهِ ما في وضع لفظ بازائه، ولا يلزم تصوره بكنهه وحقيقته، فقضيّة الوضع الخاص والموضوع له الخاص كالقضية الشخصية التي ثبت الحكم فيها لأشخاص معينين.الجهة الثالثة : في الوضع العام والموضوع له الخاص، وهو أن يلاحظ الواضع حين الوضع معنى عاماً يكون وجهاً وعنواناً لأفراده ومصاديقه، بحيث يكون تصوره تصوراً لها بوجه فيضع اللفظ بازاء الأفراد والمصاديق. فهذا هو الوضع العام والموضوع له الخاص، وحاله كحال القضية الحقيقية.وقد يتوهم أنّ ذلك غير معقول، بتقريب أنّ أيّ مفهوم جزئياً كان أو كلياً لا يحكي إلا عن نفسه، فيستحيل أن يحكي مفهوم عن مفهوم آخر، فكما لا يعقل أن يحكي المفهوم الخاص بما هو خاص عن مفهوم عام أو خاص آخر، فكذلك لا يعقل أن يحكي المفهوم العام بما هو، عن مفهوم خاص أو عام آخر، بداهة أنّ لحاظ كل مفهوم وتصوره عين إراءة شخصه لا إراءة شيء آخر به، فكيف يكون معرّفة لغيره بوجه وعليه فلا يمكن الوضع العام والموضوع له الخاص.والجواب عنه : أنّ المفهوم في الجملة بما هو، سواء كان عاماً أو خاصاً، وإن كان لا يحكي في مقام اللحاظ إلا عن نفسه، إلّا أنّ تصور بعض المفاهيم الكلية يوجب تصور أفراده ومصاديقه بوجه.وتفصيل ذلك : هو أنّ المفاهيم الكلية المتأصلة كمفاهيم الجواهر والأعراض

كالحيوان والإنسان والبياض والسواد ونحو ذلك، لا تحكي في مقام اللحاظ والتصور إلا عن أنفسها، وهي الجهة الجامعة بين الأفراد والمصاديق، وكذلك بعض المفاهيم الانتزاعية كالوجوب والامكان والامتناع والأبيض والأسود وما شاكلها، فان عدم حكايتها عن غيرها من الواضحات.وأما العناوين الكلية التي تنتزع من الأفراد والخصوصيات الخارجية كمفهوم الشخص والفرد والمصداق، فهي تحكي في مقام اللحاظ عن الأفراد والمصاديق بوجه وعلى نحو الإجمال، فانّها وجه لها وتصوّرها في نفسها تصوّر لها بوجه وعنوان.وبتعبير آخر: أنّ مرآتيتها للأفراد والأشخاص ذاتية لها، فتصوّرها لا محالة تصوّر لها إجمالاً بلا إعمال عناية في البين، فإذا تصوّرنا مفهوم ما ينطبق عليه مفهوم الانسان مثلاً فقد تصوّرنا جميع أفراده بوجه، ومن ثمّ جاز الحكم عليها في القضية الحقيقة، فلو لم يحك المفهوم عن أفراده لاستحال الحكم عليها مطلقاً، مع أنّ الاستحالة واضحة البطلان.الجهة الرابعة : في الوضع الخاص والموضوع له العام، وهو أن يتصور الواضع حين إرادة الوضع معنى خاصاً - أي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين - فيضع اللفظ بازاء معنى كلّي.ولكن على ضوء ما ذكرناه في الجهة الثالثة قد تبين عدم إمكان ذلك، فان مفهوم الخاص مهما كان لا يحكي بما هو خاص عن مفهوم عام أو عن خاص آخر، ضرورة أن تصور مفهوم الخاص بما هو تصور نفسه وإراءة شخصه، فيستحيل أن يكون تصوراً لغيره بوجه، بل لحاظ كل مفهوم لحاظ نفسه، وهو هو لا هو وغيره.وعلى الجملة : أنّ الخاص بما هو لا يكون وجهاً وعنواناً لل-ع-ام ليكون

تصوره تصوراً له بوجه، وهذا بخلاف مفهوم العام كمفهوم الشخص والف--رد والمصداق فانّه وجه وعنوان للأفراد والمصاديق ولحاظه لحاظ لها بوجه، ومن هنا قلنا بامكان الوضع العام والموضوع له الخاص، وأما الخاص فلما لم يكن كذلك فلا يمكن الوضع الخاص والموضوع له العام.وقد يتوهم إمكان ذلك، أي الوضع الخاص والموضوع له العام، فيما إذا رأى شبحاً من بعيد وتيقن أنه حيوان ولكن لم يعلم أنه من أي نوع من أنواعه أو أي صنف من أصنافه، فان له حينئذ أن يتصور ذلك الشبح الذي هو جزئي حقيقي ويضع اللفظ بازاء معنى كلّي منطبق عليه وعلى غيره من الأفراد، فهذا من الوضع الخاص والموضوع له العام.إلا أنه توهم فاسد، وذلك لأنه قد يتصور ذلك الشبح بعنوان أنه جزئي ومعنى خاص فيضع اللفظ بازاء واقعه - الشبح -، وقد يتصور ذلك بعنوان الكلّي المنطبق عليه وعلى غيره فيضع اللفظ بازاء معنونه ولا ثالث له، فهو على الأوّل من الوضع الخاص والموضوع له الخاص، وعلى الثاني من الوضع العام والموضوع له العام أو الخاص كما لا يخفى.فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه لحد الآن هي: أن الممكن من أقسام الوضع ثلاثة وهي: الوضع العام والموضوع له العام الوضع الخاص والموضوع له الخاص الوضع العام والموضوع له الخاص. وأما القسم الرابع منها وهو الوضع الخاص والموضوع له العام فقد عرفت أنه غير ممكن.ثمّ إنّ المعنى الموضوع له سواء كان عاماً أو خاصاً إنما يكون من المفاهيم القابلة في نفسها للحضور في ذهن السامع في مرحلة التخاطب، فالألفاظ كما لم توضع للموجودات الخارجية لأنها غير قابلة للحضور في الأذهان، كذلك لم توضع للموجودات الذهنية، فانّ الموجود الذهني غير قابل لوجود ذهني

آخر، بل هي موضوعة لذوات المعاني غير الآبية عن قبول نحوين من الوجود في نفسها، وتلك المعاني تتصف بالسعة وبالضيق لا بنفسها بل باعتبار الانطباق والصدق الخارجي. وبهذا اللحاظ كان تقسيم الموضوع له إلى العام تارة وإلى الخاص تارة أخرى، أي بلحاظ الانطباق على ما في الخارج لا في نفسه. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.وأمّا الكلام في المقام الثاني وهو تصور اللفظ : فالواضع حين إرادة الوضع إما أن يلاحظ اللفظ بمادته وهيئته كما في أسماء الأجناس وأعلام الأشخاص، وإما أن يلاحظ المادة فقط كما في مواد المشتقات، وإما أن يلاحظ الهيئة كذلك كما في هيئات المشتقات وهيئات الجمل الناقصة والتامة، فالوضع في الأوّل والثاني شخصي، وفي الثالث نوعي.ثم إن ملاك شخصية الوضع هو لحاظ الواضع شخص اللفظ بوحدته الطبيعية وشخصيته الذاتية التي امتاز بها في ذاته عما عداه، وملاك نوعية الوضع هو لحاظ الواضع اللفظ بجامع عنواني كهيئة الفاعل مثلاً، لا بشخصه وبوحدته الذاتية. وبهذا ظهر ملاك الشخصية والنوعية في الطوائف الثلاث:أمّا الطائفة الأولى، فلأنّ الواضع لم يلحظ فيها في مقام الوضع إلا شخص اللفظ بوحدته الطبيعية وشخصيته الممتازة، فالموضوع هو ذلك اللفظ الملحوظ كذلك، سواء كان الموضوع له معنى عاماً أو خاصاً، وكذا الحال في الطائفة الثانية.وأما الطائفة الثالثة، فلما كانت الهيئة مندمجة في المادة غاية الاندماج، فلا يعقل لحاظها بنفسها مع قطع النظر عن المادة، إذ لا وجود لها بدونها في الوجود الذهني فضلاً عن الوجود العيني، فتجريدها عن المواد لا يمكن حتّى في مقام اللحاظ، فلا محالة يجب الوضع لأشخاصها بجامع عنواني كقولك : كل ما كان

على هيئة الفاعل، لا بشخصيتها الذاتية، وهذا معنى نوعية الوضع.#### المعنى الحرفيوأمّا الكلام في الجهة الرابعة من حيث مرحلة الاثبات والوقوع، فيقع في الأقسام الثلاثة من الوضع وهي الأقسام الممكنة من الوضع العام والموضوع له العام، والوضع الخاص والموضوع له الخاص، والوضع العام والموضوع له الخاص. وأما القسم الرابع وهو الوضع الخاص والموضوع له العام، فحيث إنه غير ممكن، فلا تصل النوبة إلى البحث عنه في مرحلة الإثبات، لأنه متفرع على إمكانه.وعلى ذلك فنقول : لا شبهة في وقوع الوضع العام والموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس، كما أنّه لا شبهة في وقوع الوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام الشخصية، وإنما الكلام والإشكال في وقوع الوضع العام والموضوع له الخاص، فذهب جماعة إلى أنّ وضع الحروف وما يشبهها منه، أي من الوضع العام والموضوع له الخاص (1ولكن أنكره جماعة آخرون منهم المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (2).)وتحقيق الكلام في المقام يتوقف أوّلاً على تحقيق المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية، ثمّ التكلم في أنّ الموضوع له فيها كوضعها عام أو أنه خاص، فيقع الكلام في مقامين :المقام الأوّل: في تحقيق المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية وبيان المراد من عدم استقلالها.


1) نسبه صاحب الحاشية : 31 السطر 13 إلى أكثر المتأخرين.

2) كفاية الأصول : 10.

المقام الثاني: في تحقيق أنّ معناها الموضوع له عام أو خاص.أمّا الكلام في المقام الأوّل : فقد اختلفوا فيها على أقوال:#### القول باتحاد المعنى الاسمى والحرفيالقول الأوّل : ما نسب إلى المحقق الرضي (قدس سره (1)وتبعه فيه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (2)من أنّ المعنى الحرفي والاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ والاعتبار، فكلمة (ابتداء) وكلمة (من) مشتركتان في طبيعة معنى واحد، ولا امتياز لاحداهما على الأخرى إلا في أنّ اللحاظ في مرحلة الاستعمال في الأسماء استقلالي، وفي الحروف آلي.)وقد ذكر صاحب الكفاية (قدس سره أن الاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في نفسه لا يتصف بأنه مستقل ولا بأنه غير مستقل، بل هما من توابع الاستعمال وشؤونه.)واستدلّ على عدم إمكان أخذ اللحاظ الآلي كاللحاظ الاستقلالي لا في المعنى الموضوع له ولا في المستعمل فيه بوجوه:الوجه الأوّل : ما توضيحه أنّ لحاظ المعنى في مقام الاستعمال ممّا لا بدّ منه، وعليه فلا يخلو الحال من أن يكون هذا اللحاظ عين اللحاظ المأخوذ في المعنى الموضوع له، أو يكون غيره، فعلى الأوّل يلزم تقدّم الشيء على نفسه والثاني خلاف الوجدان والضرورة، إذ ليس في مقام الاستعمال إلا لحاظ واحد. على أن الملحوظ بما هو ملحوظ غير قابل لتعلق لحاظ آخر به، فان القابل لطروء الوجود الذهني إنما هو نفس المعنى وذاته، والموجود لا يقبل وجوداً آخر.


1) شرح الكافية 1: 10.

2) كفاية الأصول: 11.

الوجه الثاني : أنّ أخذ اللحاظ الآلي فيما وضعت له الحروف يلزمه أخذ اللحاظ الاستقلالي فيما وضعت له الأسماء، فكيف يمكن التفرقة بينهما بأنّ الموضوع له في الحروف جزئي وفي الأسماء كلّي.الوجه الثالث : أنه يلزمه عدم صحّة الحمل وعدم إمكان الامتثال بدون تجريد الموضوع والمحمول عن التقييد بالوجود الذهني، لعدم انطباق ما في الذهن على ما في العين.فتحصل : أنّ المعنى الحرفي وإن كان لابد من لحاظه آلياً، كما أنّ المعنى الاسمي لا بد من لحاظه استقلالاً، إلّا أنّ ذلك لم ينشأ من أخذهما في الموضوع له، بل منشأ ذلك هو اشتراط الواضع ذلك في مرحلة الاستعمال، لا بمعنى أنه اشترط ذلك على حذو الشرائط في العقود والايقاعات فانّه لا يرجع في المقام إلى معنى محصل.أمّا أوّلاً: فلعدم الدليل عليه، وعلى فرض تسليمه فلا دليل على وجوب اتباعه ما لم يرجع إلى قيد الموضوع أو الموضوع له.وأما ثانياً : فلأنه لو ثبت هذا الاشتراط ولزوم اتباعه لم يستلزم ذلك استهجان استعمال الحرف موضع الاسم وبالعكس، بل غاية الأمر أن مخالفة الشرط توجب استحقاق المؤاخذة، وإلا فالعلقة الوضعية على هذا غير مختصة بحالة دون أخرى، بل المراد بالاشتراط أنّ العلقة الوضعية في الحروف والأدوات مختصة بحالة مخصوصة، وهي ما إذا لاحظ المتكلم المعنى الموضوع له في مرحلة الاستعمال آلياً، وفي الأسماء بحالة أخرى، وهي ما إذا لاحظ المعنى في تلك المرحلة استقلالاً.وتوضيح ذلك : هو أنّ الوضع لما كان فعلاً اختيارياً للواضع فله تخصيصه بأي خصوصية شاء، فيخصص العلقة الوضعية في الحروف بحالة وفي الأسماء

بحالة أخرى، بل له ذلك في شيء واحد بجعله علامة لارادة أمرين أو أمور من جهة اختلاف حالاته وطوارئه، كما إذا فرض أنّ السيد قد تبانى مع عبده أنه إذا وضع العمامة عن رأسه في وقت كذا فهو علامة لارادته أمر كذا، وإذا وضعها عنه في الوقت الفلاني فهو علامة لارادته الأمر الفلاني. ومن ثمة كانت الآلية والاستقلالية خارجتين عن حريم المعنى وليستا من مقوماته وقيوده، بل من قيود العلقة الوضعية ومقوماتها، فلذا كان استعمال كل واحد من الحرف والاسم في موضع الآخر بلا علقة،وضعية، وإن كان طبيعي المعنى واح-داً ف-يه-ا ك--ما عرفت، ولأجله لا يصح ذلك الاستعمال.وبتعبير واضح : أنّ القيد تارة من الجهات الراجعة إلى اللفظ، وأخرى من الجهات الراجعة إلى المعنى، وثالثة من الجهات الراجعة إلى الوضع نفسه.أمّا على الأوّل : فيختلف اللفظ باختلافه كالحركات والسكنات والتقدم والتأخّر بحسب الحروف الأصلية الممتازة بالذات عما عداها أو بالترتيب، - مثلاً - كلمة (بر تختلف باختلاف الحركات والسكنات (بر) بالكسر و (بر) بالضم و (بر) بالفتح، فللكلمة الأولى معنى وللثانية معنى آخر وللثالثة معنى ثالث، مع أنه لا تفاوت فيها بحسب حروفها الأصلية أصلاً. وكلمة (علم) يختلف معناها بتقدم بعض حروفها الأصلية على بعضها الآخر وتأخره عنه كعمل أو لمع، وهكذا في بقية الموارد.)وأما على الثاني : فيختلف المعنى باختلافه فان هيئة القاعد مثلاً هيئة واحدة، ولكنها مع ذلك تختلف باختلاف الخصوصيات والحالات الطارئة عليها، فإذا كانت مسبوقة بالقيام يطلق عليها لفظ قاعد، وإذا كانت مسبوقة بالاضطجاع يطلق عليها لفظ جالس، وهكذا في غير ذلك من الموارد.وأمّا على الثالث : فتختلف العلقة الوضعية باختلافه ك-ل-ح-اظ الآلية

والاستقلالية، فانّها إذا قيّدت بالآلية تختلف عما إذا قيّدت بالاستقلالية، وحينئذ فلما كانت العلقة مختصة في الحروف بما إذا قصد المعنى آلة وفي الأسماء بما إذا قصد المعنى استقلالاً، فمن الواضح أنها تكون في الحروف والأدوات غير ما هي في الأسماء، فتختص في كل واحدة منها بحالة تضاد الحالة الأخرى. ومن هنا قال (قدس سره في مبحث المشتق : إنّ استعمال لفظ (الابتداء) في موضع كلمة (من) ليس استعمالاً في غير الموضوع له بل هو استعمال فيه ولكنّه من دون علقة وضعية (1).)فبالنتيجة : أنّ ذلك القول ينحل إلى نقطتين :النقطة الأولى : هي نقطة الاشتراك، وهي أنّ الحروف والأسماء مشتركتان في طبيعي معنى واحد، فالاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في نفسه لا مستقل ولا غير مستقل.النقطة الثانية: هي نقطة الامتياز، وهي أنّ ملاك الحرفية ملاحظة المعنى آلة، وملاك الاسمية ملاحظة المعنى استقلالاً فبذلك يمتاز أحدهما عن الآخر.هذا، ولكن يرد على النقطة الأولى : أنّ لازمها صحّة استعمال كل من الاسم والحرف في موضع الآخر مع أنّه من أفحش الأغلاط، والوجه في ذلك : هوأنّ استعمال اللفظ في معنى غير المعنى الموضوع له إذا جاز من جهة العلقة الخارجية والمناسبة الأجنبية مع فرض انتفاء العلقة الوضعية بينه وبين ذلك المعنى، كان مقتضاه الحكم بالصحة بطريق أولى إذا كانت العلقة ذاتية وداخلية، ضرورة أنه كيف يمكن الحكم بصحة الاستعمال إذا كانت المناسبة خارجية والعناية أجنبية، وبعدم صحته إذا كانت داخلية وذاتية.


1) كفاية الأصول: 42.

وإن شئت فقل : إنّ القدر الجامع بين هذا الاستعمال - أي استعمال الحرف في موضع الاسم وبالعكس - وبين استعمال اللفظ في المعنى المجازي، هو انتفاء العلقة الوضعية في كليهما معاً، ولكن لذاك الاستعمال مزيّة بها يمتاز ويتفوّق على ذلك الاستعمال، وهي أنّ الاستعمال هنا استعمال في المعنى الموضوع له، لفرض اشتراكهما في طبيعي معنى واحد ذاتاً، وهذا بخلاف ذلك الاستعمال فانّه استعمال في غير المعنى الموضوع له بعناية من العنايات الخارجية، فإذا صح ذلك فكيف لا يصح هذا، مع أنّه من الغلط الواضح، بل لو تكلم به شخص لرمي بالسفه والجنون.وعلى ضوء بياننا هذا يتضح لك جلياً أنّ المعنى الحرفي والاسمي ليسا بمتحدين ذاتاً ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد، بل هما متباينان بالذات والحقيقة، فانّ هذا هو الموافق للوجدان الصحيح، ولأجله لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر.ويرد على النقطة الثانية : أنّ لازمها صيرورة جملة من الأسماء حروفاً، لمكان ملاك الحرفية فيها وهو لحاظها آلة،ومرآة كالتبين المأخوذ غاية لجواز الأكل والشرب في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ...الآية (1)فانّه قد أخذ مرآة وطريقاً إلى طلوع الفجر، من دون أن يكون له دخل في حرمة الأكل والشرب وعدمها، فبذلك يعلم أن كون الكلمة م--ن الحروف لا يدور على لحاظه آلياً.)وبتعبير آخر : إذا كان الملاك في كون المعنى حرفياً تارة واسمياً أخرى هو اللحاظ الآلي والاستقلالي وكان المعنى بحد ذاته لا مستقلاً ولا غير مستقل،


1) البقرة 2: 187.

فكل ما كان النظر إليه آلياً فهو معنى حرفي فيلزم محذور صيرورة جملة م-ن الأسماء حروفاً، هذا أولاً.وثانياً : أنّ ما هو المشهور من أنّ المعنى الحرفي ملحوظ آلة لا أصل له، وذلك لأنه لا فرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في ذلك، إذ كما أنّ اللحاظ الاستقلالي والقصد الأوّلي يتعلقان بالمعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال كذلك قد يتعلقان بالمعنى الحرفي فانّه هو المقصود بالافادة في كثير من الموارد، وذلك كما إذا كان ذات الموضوع والمحمول معلومين عند شخص ولكنّه كان جاهلاً بخصوصيتهما فسأل عنها فأجيب على طبق سؤاله، فهو والمجيب إنّما ينظران إلى هذه الخصوصية نظرة استقلالية.مثلاً إذا كان مجيء زيد معلوماً ولكن كانت كيفية مجيئه مجهولة عند أحد فلم يعلم أنه جاء مع غيره أو جاء وحده فسأل عنها، فقيل إنه جاء مع عمرو، فالمنظور بالاستقلال والملحوظ كذلك في الافادة والاستفادة في مثل ذلك إنما هو هذه الخصوصية التي هي من المعاني الحرفية، دون المفهوم الاسمي فانّه معلوم، بل إنّ الغالب في موارد الافادة والاستفادة عند العرف النظر الاستقلالي والقصد الأوّلي بافادة الخصوصيات والكيفيات المتعلقات بالمفاهيم الاسمية.#### القول بعلامية الحروفالقول الثاني : أنّ الحروف لم توضع لمعنى وإنما وضعت لتكون علامة على كيفية إرادة مدخولاتها، نظير حركات الاعراب التي لم توضع لمعنى وإنّما وضعت لتكون قرينة على إرادة خصوصية من خصوصيات مدخولها من الفاعلية والمفعولية ونحوهما. فكما أنّ كل واحد من حركات الاعراب يفيد خصوصية متعلقة بمدخوله، فانّ الفتحة تفيد خصوصية في مدخولها، والكسرة تفيد خصوصية أخرى فيه، والضمة تفيد خصوصية ثالثة فيه، فكذلك كل واحد من الحروف، فان كلمة في تفيد إرادة خصوصية في مدخولها غير ما تفيده كلمة على م-ن

الخصوصية وهكذا، من دون أن تكون لها معانٍ مخصوصة قد وضعت بازائها (1.)ولكن هذا القول لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن الخصوصيات التي دلت عليها الحروف والأدوات هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بازائها، إذ المفروض أن تلك المعاني ليست ممّا تدلّ عليه الأسماء، لعدم كونها مأخوذة في مفاهيمها، فانحصر أن يكون الدال عليها هو الحروف، ومن الواضح أنّ دلالتها عليها ليست إلّا من جهة وضعها،بازائها، وعليه فلا معنى للقول بأنها لم توضع لمعنى وإنّما وضعت لكذا، بل هذا يشبه الجمع بين المتناقضين. وعلى كل حال فبطلان هذا القول من الواضحات الأولية. ومنه ظهر حال المقيس عليه وهو حركات الاعراب بلا زيادة ونقيصة.القول الثالث : ما اختاره جماعة من المحققين (قدس سرهم وهو أن المعاني الحرفية والمفاهيم الاسمية متباينتان بالذات والحقيقة ولكنهم اختلفوا في كيفية هذا التباين وما به الامتياز.)#### مسلك إخطارية المعنى الاسمي وإيجادية المعنى الحرفيفقد ذهب شيخنا الأستاذ (قدس سره إلى التباين بينهما بالايج-ادية والاخطارية بمعنى أنّ المفاهيم الاسمية بأجمعها مفاهيم إخطارية ومتقررة في عالم المفهومية ومستقلة بحد ذاتها وهويتها في ذلك العالم، والمعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية بأجمعها معان إيجادية في الكلام ولا تقرر لها في عالم المفهومية ولا استقلال بذاتها وحقيقتها.)وبيان ذلك : أنّ الموجودات في عالم الذهن كالموجودات في عالم العين، فكما أنّ الموجودات في عالم العين على نوعين:أحدهما ما يكون له وجود مستقل بحد ذاته في ذلك العالم، كالجواهر


1) تشريح الأصول: 40.

بأنواعها من النفس والعقل والصورة والمادة والجسم، ولذا قالوا: إنّ وجودها في نفسه لنفسه يعني لا يحتاج إلى موضوع محقق في الخارج.وثانيهما ما يكون له وجود غير مستقل كذلك في هذا العالم، بل هو متقوّم بالموضوع كالمقولات التسع العرضية، فان وجوداتها متقوّمة بموضوعاتها، فلا يعقل تحقق عرض ما بدون موضوع يتقوّم به، ولذا قالوا: إن وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين :أحدهما : ما يكون له استقلال بالوجود في عالم المفهومية والذهن، كمفاهيم الأسماء بجواهرها وأعراضها و اعتبارياتها،وانتزاعياتها، فان مثل مفهوم الانسان والسواد والبياض وغيرها من المفاهيم المستقلة ذاتاً، فانها تحضر في الذهن بلا حاجة إلى أية معونة خارجية، سواء كانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن، بل لو فرضنا فرضاً أنه لم يكن في العالم مفهوم ما عدا مفهوم واحد مثلاً، لما كان هناك ما يمنع من خطوره في الذهن، فظهر أنّ حال المفاهيم الاسمية في عالم المفهوم والذهن حال الجواهر في عالم العين والخارج.وثانيهما : ما لا استقلال له في ذلك العالم، بل هو متقوم بالغير كمعاني الحروف والأدوات، فانّها بحد ذاتها وأنفسها متقوّمة بالغير ومتدلية بها، بحيث لا استقلال لها في أي وعاء من الأوعية التي فرض وجودها فيه لنقصان في ذاتها، فعدم الاستقلالية من ناحية ذلك النقصان لا من ناحية اللحاظ فقط فلذا لا تخطر في الذهن عند التكلم بها وحدها - أي من دون التكلم بمتعلقاتها - فلو أطلق كلمة (في وحدها - أي من دون ذكر متعلقها - فلا يخطر منها شيء في الذهن.)فتبيّن : أنّ حال المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية في عالم المفهوم، حال المقولات التسع العرضية في عالم العين.

إذا عرفت ذلك فنقول : قد اتضح من ضوء هذا البيان أن المفاهيم الاسمية حيث إنها كانت إخطارية ومتقررة ومستقلة في عالم المفهوم والمعنى، فيستحيل أن تكون الأسماء موجدة إيّاها فى الكلام، ضرورة عدم إمكان كونها إيجادية بهذا المعنى، لما عرفت من أنّ معانيها تخطر في الذهن عند التكلم بها، سواء كانت مفردة أم كانت في ضمن تركيب كلامي، ولكن لما لم تكن بينها رابطة ذاتية توجب ربط بعضها ببعض، دعت الحاجة في مقام الإفادة والاستفادة إلى روابط تربط بعضها ببعضها الآخر، وليست تلك الروابط إلا الحروف وتوابعها، فان شأنها إيجاد الربط بين مفهومين مستقلين، ولذا قلنا إن معانيها إيجادية محضة، نسبية كانت كحرف من وعلى وإلى،ونحوها، أو غير نسبية كحرف النداء والتشبيه والتمني والترجي فانّها في كلا القسمين موضوعة لإيجاد المعنى الربطي بين المفاهيم الاسمية في التراكيب الكلامية. مثلاً كلمة (في موضوعة لإيجاد معنى ربطي بين الظرف والمظروف. وكلمة (على) موضوعة لإيجاد معنى ربطي بين المستعلي والمستعلى عليه. وكلمة (من) لإيجاده بين المبتدأ به والمبتدأ منه.)وبعبارة جامعة : أنّ كل واحد منها موضوع لايجاد معنى ربطي خاص في تركيب مخصوص، ولا واقع له سواه، فلولا وضع الحروف لم توجد رابطة بين أجزاء الكلام أبداً، بداهة أنّه لا رابطة بين مفهوم زيد ومفهوم الدار في أنفسهما، لأنهما مفهومان متباينان بالذات، فلابد من رابط يربط أحدهما بالآخر، وليس ذلك إلا كلمة (في مثلاً التي هي الرابطة بينهما، كما أن كلمة (من) رابطة بين المبتدأ به والمبتدأ منه و وكلمة (على) رابطة بين المستعلي والمستعلى عليه، وهكذا.)وعلى الجملة : أنّ المعاني الحرفية بأجمعها معان إيجادية، وليس لها واقع في أي وعاء من الذهن والخارج وعالم الاعتبار ما عدا التراكيب الكلامية، ونظيرها

صيغ العقود والايقاعات بناءً على ما ذهب إليه المشهور فيها من أنها آلات وأسباب لايجاد مسبباتها كالملكية والزوجية والرقية ونحوها، ولكن الفرق بينها وبين المقام من ناحية أخرى وهي أنها بتوسط الاستعمال توجد مسبباتها في عالم الاعتبار فوعاؤها هو عالم الاعتبار، وأمّا الحروف فهي موجدة لمعانيها غير الاستقلالية في وعاء الاستعمال. على أنّ معاني صيغ العقود والايقاعات مستقلة في موطنها دون معاني الحروف، فالفرق إذن من جهتين :الأولى : أنّ المعاني الانشائية مستقلة في أنفسها دون المعاني الحرفية.الثانية : أنّ معانيها موجودة في عالم الاعتبار، فوعاؤها ذلك العالم دون المعاني الحرفية، فان وعاءها عالم الاستعمال. وإلى ما ذكرناه من أنّ المعنى الحرفي إيجادي، أشارت الرواية المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام وهي: «أنّ الحرف ما أوجد معنى في غيره» (1)وقال (قدس سره): إنّ هذا التعريف أجود تعريفات الباب من حيث اشتماله على أركان المعاني الحرفية كلّها.)وقد اتضح ممّا قدمناه: أنّ المعاني إما إخطارية مستقلة بحد ذاتها في ع-الم مفهوميتها، وإما إيجادية غير مستقلة كذلك في ذلك العالم فلا ثالث لهما، فالاخطارية تلازم الاستقلالية بالذات والايجادية تلازم عدمها كذلك، وعليه فحكمة الوضع دعت إلى وضع الأسماء للطائفة الأولى من المعاني، ووضع الحروف والأدوات للطائفة الثانية منها لتكون رابطة بين الطائفة الأولى بعضها ببعض، وبذلك يحصل الغرض من الوضع.ومن هنا أجاد أهل العربية عندما عبّروا في مقام التفسير عن المفاهيم الحرفية بأن كلمة (في للظرفية، ولم يقولوا بأنّ (في) هي الظرفية، كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المفاهيم الاسمية، وإن تسامحوا من جهة عدم التصريح بالنسبة)


1) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام: 60.

بأن يقولوا كلمة (في للنسبة.)ثم قال (قدس سره : يشبه المعاني الحرفية جميع ما يكون النظر فيه آلياً، كتعظيم شخص لأجل تعظيم آخر، أو إهانة شخص لأجل إهانة آخر، وهكذا (1).)ويتلخص ما أفاده (قدس سره في أمور:)الأوّل : أن المعنى الحرفي والاسمي متباينان بالذات والحقيقة، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد.الثاني : أن المفاهيم الاسمية مفاهيم استقلالية بحد ذاتها وأنفسها، والمفاهيم الحرفية مفاهيم غير استقلالية كذلك، بل هي متقوّمة بغيرها ذاتاً وهوية.الثالث : أن معاني الأسماء جميعاً معان إخطارية ومعاني الحروف معان إيجادية، ولا يعقل أن تكون إخطارية كمعاني الأسماء وإلا لكانت مثلها في الافتقار إلى وجود رابط يربطها بغيرها، فيلزم أن يكون في مثل قولنا: زيد في الدار، مفاهيم ثلاثة إخطارية : كمفهوم زيد ومفهوم الدار ومفهوم الظرفية، دون أن تكون هناك رابطة بين هذه المفاهيم التي لا يرتبط بعضها ببعض، فإذن لا يتحقق التركيب ولا يصح الاستعمال، لتوقفهما على وجود الرابط بين المفاهيم الاستقلالية، ومن الواضح أنه ليس إلا الحروف أو ما يشبهها.الرابع : أنّ حال المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية حال الألفاظ في مرحلة الاستعمال، فكما أنّ الألفاظ في حال الاستعمال ملحوظة آلةً والمعاني ملحوظة استقلالاً، فكذلك المعاني الحرفية فانّها في مقام الاستعمال ملحوظة آلة والمعاني الاسمية ملحوظة استقلالاً.الخامس : أنّ جميع ما يكون النظر إليه آلياً يشبه المعاني الحرفية كالعناوين


1) أجود التقريرات 1: 25 وما بعدها.

الكلية المأخوذة معرّفات وآليات لموضوعات الأحكام أو متعلقاتها.أقول: أما ما أفاده (قدس سره أوّلاً وثانياً، من أنّ المعنى الحرفي والاسمي متباينان بالذات والحقيقة، ومن أنّ المعاني الاسمية مستقلة بحد ذاتها في عالم المفهومية والمعاني الحرفية ليست كذلك، ففي غاية الصحّة والمتانة، بل ولا مناص من الالتزام بذلك كما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.)وأما ما ذكره (قدس سره ثالثاً، من أنّ معاني الأسماء إخطارية ومعاني الحروف إيجادية، ففيه : أنّ المعاني الاسمية وإن كانت إخطارية تخطر في الأذهان عند التكلم بألفاظها - سواء كانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن - إلّا أنّ المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية ليست بإيجادية، وذلك لأنّ المعاني الحرفية وإن كانت غير مستقلّة في أنفسها ومتعلقة بالمفاهيم الاسمية بحد ذاتها وعالم مفهوميتها بحيث لم تكن لها أي استقلال في أي وعاء فرض وجودها من ذهن أو خارج، إلّا أنّ هذا كله لا يلازم كونها إيجادية بالمعنى الذي ذكره (قدس سره) لأنّ ربط الحروف بين المفاهيم الاسمية في التراكيب الكلامية غير المربوطة بعضها ببعض، إنّما هو من جهة دلالتها على معانيها التي وضعت بازائها، لا من جهة إيجادها المعاني الربطية في مرحلة الاستعمال والتركيب الكلامي.)مثلاً كلمة (في في قولهم : زيد في الدار، باعتبار دلالتها على معناها الموضوع له، رابطة بين جزئي هذا الكلام غير المربوط أحدهما بالآخر ذاتاً، لا أنها توجد الربط في نفس ذلك التركيب، ولا واقع له في غير التركيب الكلامي، فكما أنّ الأسماء تحكي عن مفاهيمها الاستقلالية في حد أنفسها في عالم مفهوميتها، كذلك الحروف تحكي عن المفاهيم غير المستقلة كذلك.)فالكاشف في مقام الاثبات عن تعلّق قصد المتكلم في مقام الثبوت بافادة المعاني الاستقلالية هو الأسماء، والكاشف عن تعلّق قصده كذلك بافادة المعاني

غير الاستقلالية هو الحروف وما يحذو حذوها.ونتيجة ذلك : عدم الفرق بين الاسم والحرف إلا في نقطة واحدة، وهي أنّ المعنى الاسمي مستقل بحد ذاته في عالم المعنى وبذلك يكون إخطارياً، والمعنى الحرفي غير مستقل كذلك فلا يخطر في الذهن إلا بتبع معنى استقلالي، وهذا لا يستلزم كونه إيجادياً.ومن هنا يظهر فساد ما أفاده (قدس سره من أن المعنى إمّا إخطاري مستقل وإما إيجادي غير مستقل ولا ثالث لهما، فالأوّل معنى اسمي والثاني معنى حرفي.)وتوضيح الفساد: هو أنّ المعنى الحرفي وإن لم يكن إخطارياً في نفسه، لعدم استقلاله في نفسه إلّا أنّه ليس بإيجادي أيضاً، لما قدمناه من أنّ له نحو ثبوت في وعاء المفاهيم كالمعنى الاسمي.وقد ظهر ممّا ذكرناه أمران :الأوّل : بطلان القول بأنّ المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية إيجادية محضة وليس لها ثبوت في أي وعاء، إلّا الثبوت في ظرف الاستعمال، وأن المعاني الحرفية تساوي المعاني الاسمية في أنها متقررة في عالم المفهومية والتعقل.الثاني : أنّ عدم استقلالية المعاني الحرفية في حد أنفسها وتقومها بالمفاهيم الاسمية المستقلة لا يستلزم كونها إيجادية لامكان أن يكون المعنى غير مستقل في نفسه، ومع ذلك لا يكون إيجادياً.وأما ما ذكره (قدس سره رابعاً، من أنّ المعاني الحرفية مغفول عنها في حال الاستعمال، دون المعاني الاسمية فلا أصل له أيضاً، وذلك لأنهما من واد واحد من تلك الجهة، فكما أنّ اللحاظ الاستقلالي يتعلق بافادة المعاني الاسمية عند الحاجة إلى إبرازها والتعبير عنها فكذلك يتعلق بالمفاهيم الحرفية م-ن)

دون فرق بينهما في ذلك، بل كثيراً ما يتعلّق اللحاظ الاستقلالي بالمعاني الحرفية، وإنما يؤتى بغيرها في الكلام مقدّمة لافادة تلك الخصوصية والتضييق، فيقال في جواب السائل عن كيفية مجيء زيد مع العلم بأصله : إنه جاء في يوم كذا، ومعه كيف يمكن القول بأنّ المعاني الحرفية ملحوظة آلة في حال الاستعمال، ومغفول عنها في تلك الحال.فقد تحصل ممّا بيناه : أنّ الفرق بين المعنى الحرفي والاسمي في نقطة واحدة، وهي استقلال المعنى بالذات في الاسم وعدم استقلاله في الحرف، وأما من بقية الجهات فلا فرق بينهما أصلاً.وبذلك يتضح فساد ما أفاده (قدس سره من أنّ الفرق بينهما في أركان أربعة، وتوضيح الفساد : أن الأركان التي جعلها ملاك الفرق في المقام كلّها فاسدة.)أما الركن الأوّل: فلأنه يبتني على المقابلة بين إيجادية المعاني وإخطاريتها، فنفي الأولى يستلزم إثبات الثانية. ولكنّك عرفت أنه لا مقابلة بينهما أصلاً، ومعه لا يكون نفي الايجادية عن المعاني الحرفية مستلزماً لاخطاريتها، فان ملاك إخطارية المعنى الاستقلال الذاتي، فإذا كان كذلك يخطر في الذهن ع-ن-د التعبير عنه، سواء كان في ضمن تركيب كلامي أم لم يكن، وملاك عدم الاخطارية عدم الاستقلال كذلك، ولذا لا يخطر في الذهن عند التكلم به منفرداً، وهذا غير كونه إيجادياً وعليه فلا مقابلة بينهما.وأما الركن الثاني وهو أنّه لا واقع للمعاني الحرفية بما هي معان حرفية فيما عدا التراكيب الكلامية، فلما بيّناه من أنّها كالمعاني الاسمية ثابتة ومتقررة في عالم المفهومية، سواء استعملت الحروف والأدوات فيها أم لم تستعمل، غاية الأمر لا استقلال لها بحسب الذات.

وأما الركن الثالث : وهو الفرق بين الايجاد في الانشاء والايجاد في الحروف، فيظهر فساده بما ذكرناه من أنّ معانيها ليست إيجادية ليكون الفرق بينهما مبتنياً على ما ذكره (قدس سره من أنّه لا وعاء لها غير الاستعمال والتركيب الكلامي، وهذا بخلاف الايجاد في الانشاء فانّ له وعاءً مناسباً وهو عالم الاعتبار.)وأما الركن الرابع : وهو أنّ حال المعاني الحرفية حال الألفاظ ح-ين استعمالاتها فيتضح بطلانه أيضاً بما تقدّم.ثمّ إنّ من الغريب جداً أنه (قدس سره جعل هذا الركن هو الركن الوطيد في المقام، وذكر أنّ بانهدامه تنهدم الأركان كلّها، فانّ المعنى الحرفي لو كان ملتفتاً إليه لكان إخطارياً وكان له واقع غير التركيب الكلامي، وذلك لأنه مضافاً إلى ما بيناه من أنّ المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي مقصود في مقام التفهيم، أنّ الملاك في إخطارية المعنى استقلاليته بالذات كما عرفت لا الالتفات إليه واللحاظ الاستقلالي، ضرورة أنّ الالتفات إلى المعنى لا يجعله إخطارياً إذا لم يكن مستقلاً بحد ذاته، بحيث كلّما يطلق يخطر في الذهن ولو كان وحده ولم يكن في ضمن تركيب كلامي، ومن هنا قلنا : إنّ المعنى الحرفي مع كونه ملتفتاً إلي-ه غ-ير إخطاري، لعدم استقلاله في عالم مفهوميته.)وأما ما ذكره (قدس سره خامساً، من أن جميع ما يكون النظر إليه آلياً يشبه المعاني الحرفية، فيرد عليه :)أولاً : ما ذكرناه الآن من أنّ النظر إلى المعنى الحرفي كالنظر إلى المعنى الاسمي استقلالي.وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك، وسلّمنا أن النظر إليه ألى، إلا أنه لا يكون ملاكاً الحرفية المعنى، كما أنّ اللحاظ الاستقلالي لا يكون ملاك الاسمية بل ملاك المعنى

الحرفي التبعية الذاتية، وأنها تعلّقية محضة، وملاك الثانية الاستقلالية الذاتية وأنها بحد ذاتها غير متقوّمة بالغير.وبتعبير آخر : أنّه على المبنى الصحيح كما بنى (قدس سره عليه من أنّ المعنى الحرفي والاسمي متباينان بالذات والحقيقة لا يدور المعنى الحرفي والاسمي بما هما كذلك مدار اللحاظ الآلي والاستقلالي، بداهة أنّ المعنى حرفي وإن لوحظ استقلالاً، واسمي وإن لوحظ آلة لعدم كونها متقومين بهما ليختلف باختلافها.)#### القول بأنّ المعاني الحرفية نسب وروابطالقول الرابع: ما اختاره بعض مشايخنا المحققين (قدس سرهم(1)من أنّ المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية عبارة عن النسب والروابط الخارجية التي ليس لها استقلال بالذات، بل هي عين الربط لا ذات له الربط.)وأفاد في وجه ذلك ما ملخصه : أنّ المعاني الحرفية تباين الاسمية ذاتاً بدون أن تشتركا في طبيعي معنى واحد، فانّ الفرق بين الاسم والحرف لو كان بمجرد اللحاظ الآلي والاستقلالي، وكانا متحدين في المعنى، لكان قابلاً لأن يوجد في الخارج على نحوين، كما يوجد في الذهن كذلك، مع أنّ المعاني الحرفية كأنحاء النسب والروابط لا توجد في الخارج إلا على نحو واحد، وهو الوج-ود لا في نفسه.وبيان ذلك : أن الفلاسفة قد قسّموا الوجود على أقسام أربعة:القسم الأوّل : وجود الواجب (تعالى شأنه، فانّ وجوده في نفسه ولنفسه وبنفسه، يعني أنه موجود قائم بذاته وليس بمعلول لغيره، فالكائنات التي يتشكل منها العالم بشتى ألوانها وأشكالها معلولة لوجوده (تعالى وتقدس)، فانّه سبب أعمق وإليه تنتهي سلسلة العلل والأسباب بشتى أشكالها وأنحائها.)


1) نهاية الدراية 1: 51.

القسم الثاني : وجود الجوهر، وهو وجود في نفسه ولنفسه، ولكن بغيره، يعني أنه قائم بذاته لكنّه معلول لغيره، ولذا يقال : الجوهر ما يوجد في نفسه لنفسه.القسم الثالث : وجود العرض، وهو وجود في نفسه ولغيره، يعني أنه غير قائم بذاته بل متقوّم بموضوع محقق في الخارج وصفة له، فان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، فلا يعقل تحقق عرض ما بدون موضوع موجود في العين، ولذا يقال : العرض ما يوجد في نفسه لغيره، ويسمى ذلك الوجود بالوجود الرابطي في الاصطلاح.القسم الرابع : الوجود الرابط في مقابل الوجود الرابطي، وهو وجود لا في نفسه، فان حقيقة الربط والنسبة لا توجد في الخارج إلا بتبع وجود المنتسبين من دون نفسية واستقلال لها أصلاً، فهي بذاتها متقوّمة بالطرفين لا في وجودها، وهذا بخلاف العرض فان ذاته غير متقوّمة بموضوعه، بل لزوم القيام به ذاتي وجوده.وقد استدلوا على ذلك، أي على الوجود الرابط في مقابل الوجود الرابطي: بأن كثيراً ما كنا نتيقن بوجود الجوهر والعرض ولكن نشك في ثبوت العرض له، ومن الواضح جداً أنه لا يعقل أن يكون المتيقن بعينه هو المشكوك فيه، بداهة استحالة تعلق صفة اليقين والشك بشيء في ان واحد، لتضادهما غاية المضادة، وبذلك نستدل على أن للربط والنسبة وجوداً في مقابل وجود الجوهر والعرض، وهو مشكوك فيه دون وجودهما.أمّا أنّ وجوده وجود لا في نفسه، فلأنّ النسبة والربط لو وجدت في الخارج بوجود نفسي، لزمه أن لا يكون مفاد القضيّة الحملية ثبوت شيء لشيء، بل ثبوت أشياء ثلاثة، فيحتاج حينئذ إلى الرابطة بين هذه الموجودات الثلاثة،

فإذا كانت موجودة في نفسها احتجنا إلى رابطة، وهكذا إلى ما لا يتناهى.ويترتب على ذلك : أنّ الأسماء موضوعة للماهيات القابلة للوجود المحمولي - الوجود في نفسه - بجواهرها وأعراضها على نحوين، كما توجد في الذهن كذلك، والتي تقع في جواب ما هو إذا سئل عن حقيقتها.والحروف والأدوات موضوعة للنسب والروابط الموجودات لا في أنفسها المتقوّمة بالغير بحقيقة ذاتها لا بوجوداتها فقط، ولا تقع في جواب ما هو، فانّ الواقع في جواب ما هو ما كان له ماهية تامة، والوجود الرابط سنخ وجود لا ماهية له، ولذا لا يدخل تحت شيء من المقولات، بل كان وجوده أضعف جميع مراتب الوجودات.ومن هنا يظهر أن تنظير المعنى الحرفي والاسمي بالجوهر والعرض في غير محله، إذ العرض موجود في نفسه لغيره.ثمّ إنّ الحروف والأدوات لم توضع لمفهوم النسبة والربط فانّه من المفاهيم الإسمية الاستقلالية في عالم مفهوميتها، وإنما الموضوع لها الحروف واقع النسبة والربط - أي ما هو بالحمل الشائع نسبة وربط - الذي نسبة ذلك المفهوم إليه نسبة العنوان إلى المعنون لا الطبيعي وفرده، فإنّه متحد معه ذهناً وخارجاً، دون العنوان فانّه لا يتعدى عن مرحلة الذهن إلى الخارج، ومغاير للمعنون ذاتاً ووجوداً، نظير مفهوم العدم وشريك الباري (عزّ وجلّ، واجتماع النقيضين، بل مفهوم الوجود على القول بأصالة الوجود، فانّ نسبة هذه المفاهيم إلى واقعها نسبة العنوان إلى المعنون لا الطبيعي وأفراده، لأنّ تلك المفاهيم لا تتعدى عن مرحلة الذهن إلى الخارج، ولأجل ذلك لا يصح حملها على واقعها بالحمل الشائع الصناعي، فمفهوم النسبة والربط نسبة وربط بالحمل الأولي الذاتي ولا يكون كذلك بالحمل الشائع الصناعي فان ما كان بهذا الحمل نسبة وربطاً)

معنون هذا العنوان وواقعه.ومن ثمة كان المتبادر من إطلاق لفظ الربط والنسبة واقعه لا مفهومه، فانّ إرادته تحتاج إلى عناية زائدة، كما هو الحال في قولهم: شريك الباري ممتنع و اجتماع النقيضين مستحيل، والمعدوم المطلق لا يخبر عنه، فانّ المحكوم به بهذه الأحكام معنونات هذه الأمور، لا مفاهيمها فانها غير محكومة بها، كيف وأنها موجودة وغير معدومة ولا ممتنعة.تحصل ممّا ذكرناه : أنّ الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط مطلقاً، سواء كانت بمفاد هل المركبة أم بمفاد هل البسيطة، أم كانت من النسب الخاصّة المقومة للأعراض النسبية، ككون الشيء في الزمان أو المكان، أو نحو ذلك.وأما الموضوع بازاء مفاهيمها فهي ألفاظ النسبة والربط ونحوهما من الأسماء، المحكية عنها بتلك الألفاظ، لا بالحروف والأدوات، هذا ملخص ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره.)أقول : يقع الكلام هنا في مقامين :المقام الأوّل: في أنّ للنسبة والربط وجوداً في الخارج في مقابل وج-ودي الجوهر والعرض، أم لا ؟المقام الثاني: على تقدير تسليم أنّ لها وجوداً، فهل الحروف موضوعة لها ؟أمّا الكلام في المقام الأوّل : فالصحيح هو أنه لا وجود لها في الخارج في قبال وجود الجوهر أو العرض، وإن أصر على وجودها جماعة الفلاسفة.من والوجه في ذلك : هو أنّه لا دليل على ذلك سوى البرهان المذكور وهو غير تام، وذلك لأنّ صفتي اليقين والشك وإن كانتا صفتين متضادتين فلا يكاد يمكن أن تتعلّقا بشيء في آن واحد من جهة واحدة، إلا أن تحققها في الذهن لا يكشف

عن تعدد متعلقهما في الخارج، فانّ الطبيعي عين فرده ومتحد معه خارجاً، ومع ذلك يمكن أن يكون أحدهما متعلقاً لصفة اليقين والآخر متعلقاً لصفة الشك، كما إذا علم إجمالاً بوجود إنسان في الدار ولكن شك في أنه زيد أو عمرو، فلا يكشف تضادهما عن تعدد متعلقيهما بحسب الوجود الخارجي، فانها موجودان بوجود واحد حقيقة، وذلك الوجود الواحد من جهة انتسابه إلى الطبيعي متعلق لليقين، ومن جهة انتسابه إلى الفرد متعلق للشك. أو إذا أثبتنا أنّ للعالم مبدأ، ولكن شككنا في أنه واجب أو ممكن على القول بعدم استحالة التسلسل فرضاً، أو أثبتنا أنه واجب ولكن شككنا في أنه مريد أو لا، إلى غير ذلك، مع أن صفاته تعالى عين ذاته خارجاً وعيناً كما أن وجوبه كذلك.وما نحن فيه من هذا القبيل، فانّ اليقين متعلق بثبوت طبيعي العرض للجوهر، والشك متعلق بثبوت حصة خاصة منه له، فليس هنا وجودان أحدهما متعلق لليقين والآخر للشك، بل وجود واحد حقيقة مشكوك فيه من جهة ومتيقن من جهة أخرى.تلخّص : أنّ تضاد صفتي اليقين والشك لا يستدعي إلا تعدد متعلقهما في أفق النفس، وأمّا في الخارج عنه فقد يكون متعدداً وقد يكون متحداً.وإن شئت فقل : إنّ الممكن في الخارج إمّا جوهر أو عرض، وكل منهما زوج تركيبي - يعني مركب من ماهية ووجود - ولا ثالث لهما، والمفروض أن ذلك الوجود - أي الوجود الرابط - سنخ وجود لا ماهية له، فلا يكون من أقسام الجوهر ولا من أقسام العرض والمفروض أنه ليس في الخارج موجود آخر لا يكون من أقسام الجوهر ولا العرض.وأمّا الكلام في المقام الثاني : فعلى تقدير تسليم أنّ للنسبة والرابط وجوداً في الخارج في مقابل الجوهر والعرض، لا نسلّم أن الحروف والأدوات موضوعة

لها، لما بيناه سابقاً من أنّ الألفاظ موضوعة لذوات المفاهيم والماهيات لا للموجودات الخارجية ولا الذهنية، فانّ الأولى غير قابلة للاحضار في الذهن وإلّا فلا تكون بخارجية، والثانية غير قابله للاحضار ثانياً، فانّ الموجود الذهني لا يقبل وجوداً ذهنياً آخر، والمفروض أن الغرض من الوضع التفهيم والتفهم وهو لا يجتمع مع الوضع للموجود الذهني أو الخارجي، بل لا بد أن يكون الوضع لذات المعنى القابل لنحوين من الوجود.وبتعبير آخر : أنّ اللفظ موضوع بازاء المعنى اللا بشرطي، سواء كان موجوداً في الخارج أم معدوماً، ممكناً كان أو ممتنعاً، وقد يعبّر عنه بالصور المرتسمة العلمية أيضاً، وعلى ذلك فلا يمكن أن تكون الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط، لأنها كما عرفت سنخ وجود لا ماهية لها فلا تكون قابلة للاحضار في الذهن، وأمّا مفاهيم نفس النسب والروابط فهي من المفاهيم الاسمية وليست ممّا وضعت لها الحروف والأدوات.هذا، ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا إمكان وضع اللفظ للموجود بما هو، ولكنّا نقطع بأن الحروف لم توضع لأنحاء النسب والروابط لصحة استعمالها بلا عناية في موارد يستحيل فيها تحقق نسبة ما حتّى بمفاد هل البسيطة فضلاً عن المركبة، فلا فرق بين قولنا: (الوجود للانسان ممكن و (للّه تعالى ضروري) و(لشريك الباري مستحيل) فان كلمة اللام في جميع ذلك تستعمل في معنى واحد، وهو تخصص مدخولها بخصوصية ما في عالم المعنى على نسق واحد، بلا عناية في شيء منها، وبلا لحاظ أيّة نسبة في الخارج حتّى بمفاد كان التامة، فان تحقق النسبة بمفاد كان التامة إنّما هو بين ماهية ووجودها كقولك : زيد موجود. وأمّا في الواجب تعالى وصفاته وفي الانتزاعيات والاعتبارات فلا يعقل فيها تحقق أية نسبة أصلاً.)

فالمتحصّل ممّا ذكرناه هو أن صحّة استعمال الحروف في موارد يستحيل فيها ثبوت أيّة نسبة خارجية كما فى صفات الواجب تعالى وغيرها من دون لحاظ أية علاقة، تكشف كشفاً يقيناً عن أنّ الحروف لم توضع لأنحاء النسب والروابط في الخارج.ومن هنا يظهر : أنّ حكمة الوضع لا تدعو إلى وضع الحروف لتلك النسب، وإنما تدعو إلى وضعها لما يصح استعمالها فيه في جميع الموارد. فهذا القول لو تمّ فانّما يتم في خصوص الجواهر والأعراض، وما يمكن فيه تحقق النسبة بمفاد هل البسيطة، وأما في غير تلك الموارد فلا.#### القول بوضع الحروف والأدوات للأعراض النسبيةالقول الخامس : ما عن بعض الأعاظم (قدس سره من أن الحروف والأدوات وضعت للأعراض النسبية الإضافية كمقولة الأين والاضافة ونحوهما، وملخّص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ الموجود في الخارج على أنحاء ثلاثة :)النحو الأوّل: ما يكون وجوده وجوداً لنفسه كالجوهر بأصنافه.النحو الثاني : ما يكون وجوده في نفسه وجوداً لغيره كالأعراض التسعة التي قد يعبّر عن وجودها بالوجود الرابطي، وهي على طائفتين:إحداهما : ما يحتاج في تحققه إلى موضوع واحد في الخارج ويستغنى به كالكم والكيف ونحوهما.والثانية : ما يحتاج في تحققه إلى موضوعين ليتقوّم بهما كالعرض الأي--ني والاضافي وغير ذلك.النحو الثالث : ما يكون وجوده لا في نفسه كأنحاء النسب والروابط.وعلى ذلك فنقول : إنّ الحاجة دعت العقلاء إلى وضع الألفاظ التي تدور عليها الإفادة والاستفادة، وبعد أن فحصنا وجدنا أنهم وضعوا الأسماء للجواهر

وعدة من الأعراض، ووضعوا الهيئات من المركبات والمشتقات للنسب والروابط، ووضعوا الحروف للأعراض النسبية الإضافية. فكلمة (في مثلاً في قولنا : زيد في الدار، تدل على العرض الأيني العارض على موضوعه كزيد، والهيئة تدل على ربط هذا العرض بموضوعه وهكذا.)وإن شئت قلت : إنّ المعاني منحصرة بالجواهر والأعراض وربطها بمحلّها ولا رابع لها، ومن المعلوم أنّ الحروف لم توضع للأولى ولا لبعض الأقسام الثانية، لأن الموضوع لها الأسماء، ولا للثالثة لأنّ الموضوع لها الهيئات، فلا محالة تكون موضوعة للأعراض النسبية الاضافية. فكلمة (في وضعت للأين الظرفي، وكلمة (من) للأين الابتدائي وهكذا. ولا فرق في ذلك بين أقسام الحروف مطلقاً من الداخل على المركبات الناقصة والداخل على المركبات التامة كحروف التمني والترجي والتشبيه ونحوها (1).)والجواب عنه : يظهر بما ذكرناه من الجواب عن القول الرابع، وتوضيح الظهور :أوّلاً : أنا نقطع بعدم كون الحروف موضوعة للأعراض النسبية الاضافية، لصحة استعمالها فيما يستحيل فيه تحقق عرض نسبي كما في صفات الواجب تعالى والاعتبارات والانتزاعيات، فانّ العرض إنما هو صفة للموجود في الخارج فلا يعقل تحققه بلا موضوع محقق خارجاً، وعليه فيستحيل وجوده في تلك الموارد.وكيف كان، فلا شبهة في فساد هذا القول، فانّ صحّة استعمال الحروف في الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد بلا لحاظ عناية في شيء منها، تكشف كشفاً قطعياً عن أنّ الموضوع لها المعنى الجامع الموجود في جميع هذه


1) بدائع الأفكار 1: 49.

الموارد على نحو واحد لا خصوص الأعراض النسبية الإضافية.وثانياً : أنّ ذلك أفسد من القول السابق، بل لا يترقب صدوره من مثله (قدس سره والوجه فيه : هو ما بيناه من أنّ للأعراض التسعة جميعاً مفاهيم مستقلة بحد ذاتها وأنفسها في عالم مفهوميتها من دون فرق بين الأعراض النسبية وغيرها، غاية الأمر أنّ الأعراض النسبية تتقوّم في وجود وجودها بأمرين، وغير النسبية لا تتقوّم إلا بموضوعها، وكيف فانّ الأعراض جميعاً موجودات في أنفسها وإن كان وجودها لموضوعاتها.)وقد تلخص من ذلك : أنّ الحروف والأدوات لم توضع للأعراض النسبية الاضافية، بل الموضوع لها هي الأسماء ككلمة الظرفية والابتداء والاستعلاء ونحوها، هذا كله بالاضافة إلى معاني الحروف.وأما ما ذكره (قدس سره بالاضافة إلى معاني الهيئات وأنها موضوعة لأنحاء النسب والروابط، فيرد عليه عين ما أوردناه على القول المتقدم من عدم الدليل على وجود النسبة في الخارج في مقابل وجود الجوهر أو العرض أوّلاً، وعدم وضع اللفظ لها ثانياً، وعدم ثبوتها في جميع موارد استعمالاتها ثالثاً، على تفصيل تقدم (1).)والنتيجة لحد الآن : ظهور بطلان جميع الأقوال والآراء التي سبقت، وعدم امكان المساعدة على واحد منها.


1) في ص 77.

#### المختار في المعنى الحرفيوعلى ذلك فيجب علينا أن نختار رأياً آخر في مقابل هذه الآراء.التحقيق : أنّ المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية وإن كانت مرتكزة في أذهان كل أحد ومعلومة لديه إجمالاً، ولذا يستعملها فيها عند الحاجة إلى تفهيمها، إلّا أن الداعي إلى البحث عنها في المقام حصول العلم التفصيلي بها.وبيان ذلك : أن الحروف والأدوات تباين الأسماء ذاتاً وحقيقة، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد. وقد تبيّن حكم هذه الناحية من مطاوي كلماتنا فيها، وأنّه لا شبهة في تباين المعنى الاسمي والحرفي بالذات فلا حاجة إلى الاعادة والبيان.ونتكلم فيها فعلاً من ناحية أخرى بعد الفراغ عن تلك الناحية، وهي أنّ المعاني الحرفية التي تباين الاسمية بتمام الذات ما هي ؟فنقول : إنّ الحروف على قسمين :أحدهما: ما يدخل على المركبات الناقصة والمعاني الافرادية كمن وإلى وعلى ونحوها.والثاني : ما يدخل على المركبات التامة ومفاد الجملة كحروف النداء والتشبيه والتمني والترجي وغير ذلك.أمّا القسم الأوّل : فهو موضوع لتضييق المفاهيم الاسمية في عالم المفهوم والمعنى وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها، ومع هذا لا نظر لها إلى النسب والروابط الخارجية ولا إلى الأعراض النسبية الاضافية، فان التخصيص والتضييق إنما هو في نفس المعنى سواء كان موجوداً في الخارج أم لم يكن.

توضيح ذلك : أنّ المفاهيم الاسمية بكليتها وجزئيتها وعمومها وخصوصها قابلة للتقسيمات إلى غير النهاية باعتبار الحصص أو الحالات التي تحتها، ولها إطلاق وسعة بالقياس إلى هذه الحصص أو الحالات، سواء كان الاطلاق بالقياس إلى الحصص المنوّعة كاطلاق الحيوان مثلاً بالاضافة إلى أنواعه التي تحته، أو بالقياس إلى الحصص المصنّفة أو المشخّصة كاطلاق الانسان بالنسبة إلى أصنافه أو أفراده، أو بالقياس إلى حالات شخص واحد من كمه وكيفه وسائر أعراضه الطارئة وصفاته المتبادلة على مرّ الزمن.ومن البديهي أنّ غرض المتكلم في مقام التفهيم والافادة كما يتعلق بتفهيم المعنى على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلق بتفهيم حصة خاصة منه فيحتاج حينئذ إلى مبرز لها في الخارج، وبما أنّه لا يكاد يمكن أن يكون لكل واحد من الحصص أو الحالات مبرز،مخصوص لعدم تناهي الحصص والحالات، بل عدم تناهي حصص أو حالات معنى واحد فضلاً عن المعاني الكثيرة، فلا محالة يحتاج الواضع الحكيم إلى وضع ما يدلّ عليها ويوجب إفادتها عند قصد المتكلم تفهيمها، وليس ذلك إلا الحروف والأدوات وما يشبهها من الهيئات الدالة على النسب الناقصة، كهيئات المشتقات وهيئة الاضافة والتوصيف.فكل متكلم متعهد في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم حصة خاصة من معنى، أن يجعل مبرزه حرفاً مخصوصاً أو ما يشبهه على نحو القضية الحقيقية، لا بمعنى أنّه جعل بازاء كل حصّة أو حالة حرفاً مخصوصاً أو ما يحذو حذوه ب-ن-ح-و الوضع الخاص والموضوع له الخاص، لما عرفت من أنه غير غير ممكن من جهة عدم تناهي الحصص. فكلمة (في في جملة : الصلاة في المسجد حكمها كذا، تدل على أنّ المتكلم أراد تفهيم حصة خاصة من الصلاة، وفي مقام بيان حكم هذه الحصة لا الطبيعة السارية إلى كل فرد وأمّا كلمتا الصلاة والمسجد فهما مستعملتان)

في معناهما المطلق واللا بشرط بدون أن تدلا على التضييق والتخصيص أصلاً.ومن هنا كان تعريف الحرف بمادلّ على معنى قائم بالغير من أجود التعريفات وأحسنها، وموافقاً لما هو الواقع ونفس الأمر ومطابقاً لما ارتكز في الأذهان من أنّ المعنى الحرفي خصوصية قائمة بالغير وحالة له.وإن شئت فعبّر : أنّ الأسماء بجواهرها وأعراضها وغيرهما تدل على المعاني المطلقة اللّا بشرطية، ولا يدل شيء منها على تضييقات هذه المعاني وتخصيصاتها بخصوصيات، فلا محالة انحصر أن يكون الدال عليها هو الحروف أو ما يقوم مقامها. مثلاً كلمة (الدور موضوعة لمعنى جامع وسيع ودالّة عليه، ولكن قد يتعلق الغرض بتفهيم حصّة خاصة منه وهي خصوص الحصة المستحيلة مثلاً، فإذن ما الذي يوجب إفادتها، وليس ذلك إلا الحرف أو ما يشبهه، لعدم دال آخر على الفرض ونفس الكلمة لا تدل إلّا على الطبيعي الجامع، وهكذا.)وبكلمة واضحة : أنّ وضع الحروف لذلك المعنى من نتائج وثمرات مسلكنا في مسألة الوضع، فانّ القول بالتعهد لا محالة يستلزم وضعها لذلك، حيث عرفت أن الغرض قد يتعلق بتفهيم الطبيعي وقد يتعلق بتفهيم الحصّة، والمفروض أنّه لا يكون عليها دال ما عدا الحروف وتوابعها، فلا محالة يتعهد الواضع ذكرها أو ذكر توابعها عند قصد تفهيم حصة خاصة، فلو قصد تفهيم حصة من طبيعي الماء مثلاً، كماء له مادة أو ماء البئر يبرزه بقوله : ما كان له مادة لا ينفعل بالملاقاة، أو : ماء البئر معتصم، فكلمة اللام في الأوّل وهيئة الاضافة في الثاني تدلان على أنّ المراد من الماء ليس هو الطبيعة السارية إلى كل فرد، بل خصوص حصّة منه.ولا فرق في ذلك بين أن تكون الحصص موجودة في الخارج أو معدومة، ممكنة كانت أو ممتنعة. ومن هنا يصح استعمالها في صفات الواجب تعالى

والانتزاعيات كالامكان والامتناع ونحوهما، والاعتباريات كالأحكام الشرعية والعرفية بلا لحاظ عناية في البين، مع أن تحقق النسبة في تلك الموارد حتّى بمفاد هل البسيطة مستحيل، وجه الصحّة: هو أنّ الحروف وضعت لافادة تضييق المعنى في عالم المفهومية مع قطع النظر عن كونه موجوداً في الخارج أو معدوماً، ممكناً كان أو ممتنعاً، فانها على جميع التقادير تدل على تضييقه وتخصيصه بخصوصية ما على نسق واحد، فلا فرق بين قولنا : ثبوت القيام لزيد ممكن وثبوت القدرة اللّه تعالى ضروري وثبوت الوجود لشريك الباري ممتنع، فكلمة اللام في جميع ذلك استعملت في معنى واحد، وهو تخصص مدخولها بخصوصية ما في عالم المعنى، بلا نظر لها إلى كونه محكوماً بالامكان في الخارج أو بالضرورة أو بالامتناع، فان كل ذلك أجنبي عن مدلولها، ومن هنا يكون استعمالها في الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد بلا لحاظ عناية في شيء منها.نعم، إنها تحدث الضيق في مقام الاثبات والدلالة، وإلا لبقيت المفاهيم الاسمية على إطلاقها وسعتها، وهذا غير كون معانيها إيجادية، وكم فرق بين الايجادية بهذا المعنى والايجادية بذلك المعنى.وأمّا بحسب مقام الثبوت فهي تكشف عن تعلق قصد المتكلم بافادة ضيق المعنى الاسمي، فما يستعمل فيه الحرف ليس إلا الضيق في عالم المفهومية من دون لحاظ نسبة خارجية، حتّى في الموارد الممكنة كما في الجواهر والأعراض فضلاً عما يستحيل فيه تحقق نسبة ما كما في صفات الواجب تعالى وما شاكلها. وعلى الجملة : حيث إنّ الأغراض تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والحالات فالمستعملون بمقتضى تعهداتهم النفسانية يتعهدون أن يتكلموا بالحروف أو ما يشبهها عند تعلق أغراضهم بتفهيم حصص المعاني وتضييقاتها،

فلو أنّ أحداً تعلق غرضه بتفهيم الصلاة الواقعة بين زوال الشمس وغروبها يبرزه بقوله : الصلاة فيما بين الحدّين حكمها كذا، وهكذا.وملخص ما ذكرناه في المقام : هو أنّ المفاهيم الاسمية وإن كان بعضها أوسع من بعضها الآخر، مثلاً مفهوم الممكن أوسع من مفهوم الوجود وهو أوسع من مفهوم الجوهر، وهكذا إلى أن ينتهي إلى مفهوم لا يكون تحته مفهوم آخر، ولكل واحد منها لفظ مخصوص يدل عليه عند الحاجة إلى تفهيمه، إلّا أنّ حصصها أو حالاتها غير المتناهية لم يوضع بازاء كل واحدة منها لفظ خاص كي يدل عليها عند الحاجة وذلك لعدم تناهيها، فإذن ما هو الذي يوجب إفادتها في الخارج، وليس ذلك إلا الحروف أو ما يشبهها بالتقريب الذي قدّمناه من أن الواضع تعهد بذكر حرف خاص عند قصد تفهيم حصة خاصة م-ن المعنى، ففى كل مورد قصد ذلك جعل مبرزه حرفاً من الحروف على اختلاف الموارد والمقامات.يتلخص نتيجة ما ذكرناه في أمور:الأمر الأوّل: أنّ المعاني الحرفية تباين الاسمية ذاتاً ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد، فانّها متدليات بها بحد ذاتها وهي مستقلات في أنفسها ولا جامع بين الأمرين أصلاً.الأمر الثاني : أنّ معانيها ليست بإيجادية، ولا بنسبة خارجية، ولا بأعراض نسبية إضافية، بل هي عبارة عن تضييقات نفس المعاني الاسمية في عالم المفهومية وتقييداتها بقيود خارجة عن حقائقها، بلا نظر إلى أنها موجودة في الخارج أو معدومة ممكنة أو ممتنعة، ومن هنا قلنا: إنّ استعمالها في الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد.والذي دعاني إلى اختيار ذلك القول أسباب أربعة :

السبب الأوّل : بطلان سائر الأقوال والآراء.السبب الثاني : أنّ المعنى الذي ذكرناه مشترك فيه بين جميع موارد استعمال الحروف من الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد، وليس في المعاني الأخر ما يكون كذلك كما عرفت.السبب الثالث : أنّ ما سلكناه في باب الوضع من أنّ حقيقة الوضع هي : التعهد والتباني، ينتج الالتزام بذلك القول لا محالة، ضرورة أنّ المتكلم إذا قصد تفهيم حصة خاصة فبأي شيء يبرزه، إذ ليس المبرز له إلّا الحرف أو ما يقوم مقامه.السبب الرابع: موافقة ذلك للوجدان ومطابقته لما ارتكز في الأذهان، فانّ الناس يستعملونها لإفادة حصص المعاني وتضييقاتها في عالم المعنى، غافلين عن وجود تلك المعاني في الخارج أو عدم وجودها، وعن إمكان تحقق النسبة بينها أو عدم إمكانها، ودعوى إعمال العناية في جميع ذلك يكذبها صريح الوجدان والبداهة كما لا يخفى، فهذا يكشف قطعياً عن أن الموضوع له الحرف ذلك المعنى لا غيره.الأمر الثالث : أن معانيها جميعاً حكائية ومع ذلك لا تكون إخطارية، لأن ملاك إخطارية المعنى الاستقلالية الذاتية في عالم المفهوم والمعنى، وهي غير واجدة لذلك الملاك، وملاك حكائية المعنى نحو من الثبوت في عالم المعنى، هي واجدة له، فلا ملازمة بين عدم كونها إخطارية وكونها إيجادية كما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره.)الأمر الرابع: في نقاط الامتياز بين رأينا وسائر الآراء :يمتاز رأينا عن القول بأنّ معاني الحروف إيجادية في نقطة واحدة، وهي أنّ المعنى الحرفي على ذلك الرأي ليس له واقع في أي وعاء ما عدا التراكيب

الكلامية، ن، وأما على رأينا فله واقع في عالم المفهوم وثابت فيه كالمعنى الاسمي، غاية الأمر بثبوت تعلقي لا استقلالي.ويمتاز عن القول بأنّ الحروف وضعت بازاء النسب والروابط في نقطة واحدة أيضاً، وهى أنّ المعنى الحرفي على ذلك الرأي سنخ وجود خارجي، وهو وجود لا في نفسه، ولذا يختص بالجواهر والأعراض ولا يعم الواجب والممتنع، وأمّا على رأينا فالمعنى الحرفي سنخ مفهوم ثابت في عالم المفهومية ويعم الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد.ويمتاز عن القول بأن الموضوع لها الحروف هي الأعراض النسبية في نقطتين:النقطة الأولى : أنّ المعنى الحرفي على ذلك الرأي مستقل بالذات، وأما على رأينا فهو غير مستقل بالذات.النقطة الثانية : أنّ المعنى الحرفي على ذلك الرأي سنخ معنى يخص الجواهر والأعراض ولا يعمّ غيرهما، وأما على رأينا فهو سنخ معنى يعمّ الجميع، هذا تمام الكلام في القسم الأوّل من الحروف.وأمّا القسم الثاني من الحروف وهو ما يدخل على المركبات التامة أو ما في حكمها كمدخول حرف النداء، فانّه وإن كان مفرداً إلا أنه يفيد فائدة تامة - فحاله حال الجمل الانشائية بيان ذلك : أنّ الجمل على قسمين: أحدهما: إنشائية. والثاني : خبرية، والمشهور بينهم أنّ الأولى موضوعة لايجاد المعنى في الخارج، ومن هنا فسّروا الانشاء بايجاد ما لم يوجد والثانية موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه.والصحيح - على ما سيأتي بيانه (1- أنّ الجملة الانشائية وضعت للدلالة)


1) في ص 97.

على قصد المتكلم إبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية عند إرادة تفهيمه. والجملة الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية عن الواقع ثبوتاً أو نفياً.توضيح ذلك : أنّ هذا القسم من الحروف كالجملة الانشائية، بمعنى أنه وضع للدلالة على قصد المتكلم إبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية عند قصد تفهیمه، فحروف النداء ك- (يا مثلاً، وضعت لابراز قصد النداء وتوجيه المخاطب إليه، وحروف الاستفهام موضوعة لابراز طلب الفهم، وحروف التمني موضوعة لابراز التمني، وحروف الترجي موضوعة لابراز الترجي وكذا حروف التشبيه ونحوها.)وبتعبير آخر : أنّ وضع هذا القسم من الحروف لذلك المعنى أيضاً من نتائج وثمرات مسلكنا في مسألة الوضع فان لازم القول بالتعهد والالتزام هو تعهد كل متكلم بأنه متى ما قصد تفهيم معنى خاص تكلم بلفظ مخصوص، فاللفظ مفهم له ودال على أنه أراد تفهيمه به، فلو قصد تفهيم التمني يتكلم بلفظ خاص وهو كلمة (ليت، ولو قصد تفهيم الترجي يتكلّم بكلمة (لعل) وهكذا. فالواضع تعهد ذكر هذا القسم من الحروف عند إرادة إبراز أمر من الأمور النفسانية من التمني والترجي ونحوهما.)ومن هنا يظهر بطلان ما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)من أنّ معاني هذه الحروف أيضاً إيجادية، ووجهه ما تبين لك من أن معانيها ثابتة في عالم المفهومية كمعاني الجمل الانشائية، ولا فرق بينهما من هذه الجهة. فالنتيجة هي : أنّ حال هذا القسم من الحروف حال الجمل الانشائية، كما أنّ القسم الأوّل منها حاله حال الهيئات الناقصة هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.)


1) أجود التقريرات 1: 25.

#### كون الوضع في الحروف عاماً والموضوع له خاصاًوأما الكلام في المقام الثاني :وهو أن الموضوع له في الحروف عام أو خاص، فيتضح ممّا بيناه في المقام الأوّل، فان نتيجة ذلك أنّ الموضوع له فيها خاص والوضع عام.أما في الطائفة الأولى، فلأنها لم توضع بازاء مفاهيم التضييقات والتحصصات، لأنّها من المفاهيم الاسمية الاستقلالية في عالم مفهوميتها، بل لواقعها وحقيقتها اي ما هو بالحمل الشائع تضييق وتحصص - ومفاهيمها ليست بهذا الحمل تضييقاً وإن كان كذلك بالحمل الأولي الذاتي. نعم، لا بد من أخذ تلك المفاهيم بعنوان المعرّف والآلة للحاظ أفرادها ومصاديقها إجمالاً حتّى يمكن الوضع بازائها.وبتعبير آخر : أنه كما لا يمكن أن يكون وضعها خاصاً كالموضوع له، لم-ا تقدم (1من أنّ حصص المعنى الواحد غير متناهية فضلاً عن المعاني الكثيرة، فلا يمكن تصور كل واحد منها على وجه التفصيل، كذلك لا يمكن أن يكون الموضوع لها عاماً،كالوضع، فانّه لا يعقل ذلك إلا أن توضع لمفاهيم الحصص والتضييقات، والمفروض أنها من المفاهيم الاسمية وليست من المعاني الحرفية في شيء، ولا جامع مقولي بين أفراد التضييق وأنحائه لتوضع بازائه، فلابد حينئذ من أن نلتزم بكون الموضوع له فيها خاصاً والوضع عاماً، بأن نقول: إن كل واحد من هذه الحروف موضوع لسنخ خاص من التضييق في عالم المعنى، فكلمة (في) لسنخ من التضييق، وهو سنخ التضييق الأيني، وكلمة (على) لسنخ آخر منه، وهو سنخ التضييق الاستعلائي، وكلمة (من) لسنخ ثالث منه وهو سنخ التضييق الابتدائي، وهكذا سائر هذه الحروف.)ومن هنا يظهر أنّ الموضوع له في الهيئات الناقصة كهيئات المشتقات وهيئة


1) في ص 84.

الإضافة والتوصيف أيضاً من هذا القبيل - يعني أنّ الوضع فيها عام والموضوع له خاص - لما عرفت من عدم الفرق بينها وبين هذا القسم من الحروف أصلاً.وأما القسم الثاني منها فأيضاً كذلك، ضرورة أنّ الحروف في هذا القسم لم توضع لمفهوم التمني والترجي والتشبيه ونحوه، لأنها من المفاهيم الاسمية الاستقلالية.على أنّ لازمه أن تكون كلمة لعل مرادفاً للفظ الترجي، وكلمة ليت مرادفاً للفظ التمني وهكذا، وهو باطل يقيناً، كما أنها لم توضع بازاء مفهوم إبراز هذه المعاني، فأنّه أيضاً من المفاهيم الاسمية، بل وضعت لما هو بالحمل الشائع إبراز للتمني والترجي والاستفهام ونحو ذلك، ولا جامع ذاتي بين مصاديق الاب--راز وأفراده ليكون موضوعاً بازاء ذلك الجامع، ولأجل ذلك في هذا القسم أيضاً يكون الموضوع له خاصاً والوضع عاماً، بمعنى أنّ الواضع تصور مفهوماً عاماً كابراز التمني مثلاً فوضع كلمة ليت بازاء أفراده ومصاديقه، وتعهد بأنه متى ما قصد تفهيم التمني يتكلم بكلمة ليت.وهكذا هذا تمام الكلام في تحقيق المعاني الحرفية والمفاهيم الأدوية وما يشبهها.### الانشاء والاخبارقال المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)بعد ما اختار أنّ المعنى الحرفي والاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ الآلي والاستقلالي: لا يبعد أن يكون الاختلاف بين الانشاء والخبر أيضاً من هذا القبيل، بمعنى أن طبيعي المعنى الموضوع له واحد فيهما والاختلاف بينهما إنما هو في الداعي، فأنّه في)


1) كفاية الأصول : 12.

الانشاء قصد إيجاد المعنى، وفي الخبر قصد الحكاية عنه، وكلاهما خارجان عن حريم المعنى.توضيح ذلك : أنّ الصيغ المشتركة كصيغة : بعت وملكت وقبلت ونحوها، تستعمل في معنى واحد مادة وهيئة في مقام الإخبار والإنشاء.أمّا بحسب المادة فظاهر، لأن معناها الطبيعي اللابشرط وهي تستعمل في ذلك الطبيعي دائماً، سواء كانت الهيئة الطارئة عليها تستعمل في مقام الاخبار أو الانشاء.وأما بحسب الهيئة، فلأنها تستعمل في نسبة إيجاد المادة إلى المتكلم في كلا المقامين، غاية الأمر أنّ الداعي في مقام الانشاء إنما هو إيجادها في الخارج وفي مقام الاخبار الحكاية عنها، فالاختلاف بينهما في الداعي لا في المستعمل فيه.وإن شئت قلت : إنّ العلقة الوضعية في أحدهما غير العلقة الوضعية في الثاني، فإنّها في الجمل الانشائية تختص بما إذا قصد المتكلم إيجاد المعنى في الخارج، وفي الجمل الخبرية تختص بما إذا قصد الحكاية عنه (1.


1) وقد أورد عليه بعض الأعاظم (قدس سره) على ما نسب إليه بعض مقرري بحثه: من أنّ لازم تقوم الانشاء بقصد الإيجاد وتقوم الخبر بقصد الحكاية، أن يكون الكلام الصادر من المتكلم إذا لم يقصد به أحد الأمرين لا إنشاء ولا خبراً. وهذا فاسد لا نحصار الكلام الذي يصح السكوت عليه فيهما وإن لم يكن قاصداً لأحدهما، هذا)أولاً. وثانياً : لزوم تعلّق القصد بالقصد في مقام الإنشاء والإخبار، لأنهما فعلان اختياريان محتاجان إلى القصد والمفروض أنّ هنا قصداً سابقاً عليه مقوّماً لها فيلزم تعلقه به، وهذا خلاف الوجدان والبرهان. [نهاية الأفكار 1: 57].ولكن لا يمكن المساعدة عليه، فلأن ما ذكره أوّلاً يرد عليه : أن الكلام المفيد الذي يصح السكوت عليه لا ينفك عن قصد الحكاية أو الإنشاء كما هو ظاهر.ويرد على ما ذكره ثانياً : أنه مبني على أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه ولكن الأمر ليس كذلك، فانّ المعنى الموضوع له على ما هو عليه من الإطلاق والسعة من دون تقييده بقصد الحكاية،والإيجاد، بل هي مأخوذة في العلقة الوضعية بمعنى أنها تقيدت في الإنشاء بقصد الإيجاد في مقام الاستعمال، وبقصد الحكاية في الاخبار.

أقول : ما ذكره (قدس سره مبني على ما هو المشهور بينهم بل المتسالم عليه، من أنّ الجمل الخبرية موضوعة لثبوت النسبة في الخارج أو عدم ثبوتها فيه، فان طابقت النسبة الكلامية النسبة الخارجية فصادقة وإلا فكاذبة، وأنّ الجمل الانشائية موضوعة لايجاد المعنى في الخارج الذي يعبّر عنه بالوجود الانشائي، كما صرّح (قدس سره) به في عدّة من الموارد (1)وقال : إنّ الوجود الانشائي نحو من الوجود، ولذا لا تتصف بالصدق أو بالكذب، فانّه على هذا لا مانع من أن يكون المعنى واحداً في كلتا الجملتين، وكان الاختلاف بينهما من ناحية الداعي إلى الاستعمال.)أقول : يقع الكلام هنا في مقامين:المقام الأوّل: في الجملة الخبرية.والمقام الثاني: في الجملة الانشائية.أمّا الكلام في المقام الأوّل: فالصحيح هو أنّ الجملة الخبرية موضوعة


1) منها ما في الكفاية : 66.

للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن الثبوت أو النفي في الواقع، ولم توضع للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه، وذلك لسببين:السبب الأوّل : أنّها لا تدل على ثبوت النسبة خارجاً أو على عدم ثبوتها ولو ظنّاً مع قطع النظر عن حال المخبر وعن القرائن الخارجية، مع أن دلالة اللفظ لا تنفك عن مدلوله الوضعي بقانون الوضع، وإلا لم يبق للوضع فائدة، فإذا فرضنا أنّ الجملة بما هي لا تدل على تحقق النسبة في الواقع ولا كاشفية لها عنه أصلاً حتّى ظناً، فما معنى كون الهيئة موضوعة لها، بل يصبح ذلك لغواً فلا يصدر من الواضع الحكيم. نعم، إنّها وإن كانت عند الإطلاق توجب تصور الثبوت أو النفي في الواقع، إلّا أنّه ليس مدلولاً للهيئة، فانّ التصور لا يكون مدلولاً للجملة التصديقية بالضرورة. وعلى الجملة : أن قانون الوضع والتعهد يقتضي عدم تخلف اللفظ عن الدلالة على معناه الموضوع له في نفسه، فلو كانت الجملة الخبرية موضوعة للدلالة على النسبة الخارجية لدلّت عليها لا محالة.السبب الثاني : أنّ الوضع على ما سلكناه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، ومقتضاه تعهد كل متكلم من أهل أي لغة أنّه متی ما قصد تفهيم معنى خاص أن يتكلم بلفظ مخصوص، فاللفظ مفهم له ودال على أنّ المتكلم أراد تفهيمه بقانون الوضع، ومن الواضح أنّ التعهد والالتزام لا يتعلقان إلا بالفعل الاختياري، إذ لا معنى للتعهد بالاضافة إلى أمر غير اختياري، وبما أنّ ثبوت النسبة أو نفيها في الواقع خارج عن الاختيار فلا يعقل تعلّق الالتزام والتعهد به فالذي يمكن أن يتعلق الالتزام به هو إبراز قصد الحكاية في الاخبار وإبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية في الانشاء، لأنهما أمران اختياريان داعيان إلى التكلم باللفظ في الجملة الخبرية والانشائية.إذا عرفت ذلك فنقول : على ضوء هذا البيان قد أصبحت النتيجة أن الجملة

الخبرية لم توضع للدلالة على ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها عنه، بل وضعت لابراز قصد الحكاية والاخبار عن الواقع ونفس الأمر.وتوضيح ذلك على وجه أبسط : هو أنّ الانسان لما كان محتاجاً في تنظيم حياته المادية والمعنوية إلى آلات بها يبرز مقاصده وأغراضه، والإشارة ونحوها لا تفي بجميع موارد الحاجة في المحسوسات فضلاً عن المعقولات، فلا مناص من التعهد والمواضعة بجعل ألفاظ خاصة مبرزة لها في موارد الحاجة، ودالة على أنّ الداعي إلى إيجاد تلك الألفاظ إرادة تفهيمها.وعليه، فالجملة الخبرية بمقتضى تعهد الواضع بأنه متى ما قصد الحكاية عن الثبوت أو النفي في الواقع أن يتكلم بها تدل على أن الداعي إلى إيجادها ذلك، فتكون بنفسها مصداقاً للحكاية، وهذه الدلالة لا تنفك عنها حتّى فيما إذا لم يكن المتكلم في مقام التفهيم والافادة في مقام الثبوت والواقع إذا لم ينصب قرينة على الخلاف في مقام الاثبات غاية ما في الباب أن تكلمه حينئذ يكون على خلاف مقتضى تعهده والتزامه، وأما الدلالة فهي موجودة لا محالة ويكون كلام المتكلم حجّة عليه ببناء العقلاء من جهة التزامه وتعهده.نعم، تنتفي هذه الدلالة فيما إذا نصب قرينة على الخلاف، كما إذا نصب قرينة على أنه في مقام الإرشاد أو السخرية أو الاستهزاء أو الهزل، أو في مقام تعداد الجمل وذكرها من باب المثال فانّ الجملة حينئذ لا تدل على قصد الحكاية عن الواقع، بل تدل على أنّ الداعي إلى إيجادها أمر آخر غير قصد الحكاية.ويترتب على ما ذكرناه: أنّ الجملة الخبرية من جهة الدلالة الوضعية لا تتصف بالصدق أو الكذب، فانّها ثابتة على كلا تقديري الصدق والكذب، فقولنا : زيد عادل، يدل على أنّ المتكلم في مقام قصد الحكاية ع-ن ثبوت العدالة لزيد، أما أنّه مطابق للواقع أو غير مطابق فهو أجنبي عن دلالته على

ذلك بالكلية.ومن هنا يظهر أنه لا فرق بينها وبين الجمل الانشائية في الدلالة الوضعية، فكما أنّ الجملة الإنشائية لا تتصف بالصدق أو الكذب، بل إنها مبرزة لأمر من الأمور النفسانية، فكذلك الجملة الخبرية فانّها مبرزة لقصد الحكاية عن الواقع نفياً أو إثباتاً، حتّى فيما إذا علم المخاطب كذب المتكلم في إخباره، فالجملة الانشائية والإخبارية تشتركان في أصل الإبراز والدلالة على أمر نفساني، وإنما الفرق بينهما فيما يتعلق به الابراز فانّه في الجملة الانشائية أمر نفساني لاتعلق له بالخارج، ولذا لا يتصف بالصدق أو الكذب، بل يتصف بالوجود أو العدم، وفي الجملة الخبرية أمر متعلق بالخارج فان طابقه فصادق وإلا فكاذب.ومن هنا يتضح أنّ المتصف بالصدق والكذب إنما هو مدلول الجملة لا نفسها، واتصاف الجملة بهما إنما هو بتبع مدلولها وبالعرض والمجاز، ولذا لو أمكن فرضاً الحكاية عن شيء بلا دال عليها في الخارج لكانت الحكاية بنفسها متصفة بالصدق أو الكذب لا محالة.وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا فرق في إبراز الحكاية بين اللفظ وغيره من الاشارة أو الكتابة أو نحوهما، فان كل ذلك بالإضافة إلى إبراز الحكاية في الخارج على نسق واحد، كما أنّه لا فرق في ذلك بين الجملة الاسمية والفعلية.ثم ليعلم أن مرادنا من الخارج هو واقع نفس الأمر المقابل للفرض والتقدير أعم من الخارج والذهن، بل كل وعاء مناسب لثبوت النسبة وعدمها، ف-ان موارد استعمالات الجملة الخبرية كما عرفت لا تنحصر بالجواهر والأعراض، بل تعم الواجب والممكن والممتنع والأمور الاعتبارية على نحو واحد، هذا تمام الكلام في تحقيق معنى الجملة الخبرية.وأما الكلام في المقام الثاني : فالصحيح هو أن الجملة الإنشائية موضوعة

لابراز أمر نفساني غير قصد الحكاية ولم توضع لايجاد المعنى في الخارج، والوجه في ذلك هو أنهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني كايجاد الجوهر والعرض فبطلانه من الضروريات التي لا تقبل النزاع، بداهة أنّ الموجودات الخارجية بشتى أشكالها وأنواعها، ليست ممّا توجد بالإنشاء، كيف والألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللها وأسبابها كي توجد بها.وإن أرادوا به الإيجاد الاعتباري كايجاد الوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية وغير ذلك، فيرده : أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم به، ضرورة أنّ اللفظ في الجملة الإنشائية لا يكون ع--لة لإيجاد الأمر الاعتباري، ولا واقعاً في سلسلة علته، فانّه يتحقق بالاعتبار النفساني، سواء كان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن.نعم، اللفظ مبرز له في الخارج لا أنّه موجد له، فوجوده بيد المعتبر وضعاً ورفعاً، فله أن يعتبر الوجوب على ذمة أحد وله أن لا يعتبر، وله أن يعتبر ملكية مال لشخص وله أن لا يعتبر ذلك، وهكذا.وأمّا الاعتبارات الشرعية أو العقلائية فهى وإن كانت مترتبة على الجمل الانشائية، إلّا أنّ ذلك الترتب إنّما هو فيا إذا قصد المنشئ معاني هذه الجمل بها لا مطلقاً، والمفروض في المقام أنّ الكلام في تحقيق معانيها، وفيما يترتب عليه تلك الاعتبارات.وبتعبير آخر : أنّ الجمل الإنشائية وإن كانت ممّا يتوقف عليها فعليّة تلك الاعتبارات وتحققها خارجاً، ولكن لا بما أنها ألفاظ مخصوصة، بل من جهة أنها استعملت فى معانيها.على أنّ في كل مورد من موارد الانشاء ليس فيه اعتبار من العقلاء أو من الشرع، فان في موارد انشاء التمني والترجي والاستفهام ونحوها ليس

اعتبار من الاعتبارات لا من الشارع ولا من العقلاء، حتّى يتوصل بها إلى ترتبه في الخارج.إذا عرفت ذلك فنقول : قد ظهر ممّا قدّمناه أنّ الجملة الإنشائية - بناءً على ما بيناه من أنّ الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفساني - موضوعة لابراز أمر نفساني خاص، فكل متكلم متعهد بأنه متى ما قصد إبراز ذلك يتكلم بالجملة الإنشائية، مثلاً إذا قصد إبراز اعتبار الملكية يتكلم بصيغة بعت أو ملكت، وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية يبرزه بقوله : زوّجت أو أنكحت، وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب يتكلم بصيغة إفعل ونحوها، وهكذا.ومن هنا قلنا إنه لا فرق بينها وبين الجملة الخبرية في الدلالة الوضعية والابراز الخارجي، فكما أنها مبرزة لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما، فكذلك تلك مبرزة لقصد الحكاية والاخبار عن الواقع ونفس الأمر.فتحصّل ممّا ذكرناه: أنه لا وجه لما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره من أنّ طبيعي المعنى في الإنشاء والاخبار واحد، وإنما الاختلاف بينهما من ناحية الداعي إلى الاستعمال، فانك عرفت اختلاف المعنى فيها، فانّه في الجملة الخبرية شيء وفي الجملة الانشائية شيء آخر.)و ممّا يؤكد ما ذكرناه أنه لو كان معنى الانشاء والاخبار واحداً بالذات والحقيقة، وكان الاختلاف بينهما من ناحية الداعي، كان اللازم أن يصح استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب كما يصح استعمال الجملة الفعلية فيه، بأن يقال: المتكلم في الصلاة معيد صلاته، كما يقال إنه يعيد صلاته أو إنّه إذا تكلم في صلاته أعاد صلاته، مع أنه من أفحش الأغلاط، ضرورة وضوح غلطية استعمال زيد قائم في مقام طلب القيام منه، فانّه ممّا لم يعهد في أي لغة من اللغات.

نعم، يصح إنشاء المادة بالجملة الاسمية، كما في جملة أنت حر في وجه اللّه أو هند طالق، ونحو ذلك.### أسماء الإشارة والضمائرقال صاحب الكفاية (قدس سره يمكن أن يقال : إنّ المستعمل فيه في أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما أيضاً عام، وأنّ تشخصه إنما جاء من قبل ط-ور استعمالها، حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، وكذا بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب بها المعنى والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى، فدعوى أنّ المستعمل فيه في مثل هذا وهو وإياك، إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من قبل الإشارة والتخاطب بهذه الألفاظ إليه، فانّ الاشارة والتخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه، غير مجازفة انتهى (1).)والتحقيق : أنا لو سلّمنا اتحاد المعنى الحرفي والاسمي ذاتاً وحقيقة، واختلافها باللحاظ الآلي والاستقلالي، لم نسلّم ما أفاده (قدس سره في المقام، والوجه فيه : هو أنّ لحاظ المعنى في مرحلة الاستعمال ممّا لا بد منه ولا مناص عنه، ضرورة أنّ الاستعمال فعل اختياري للمستعمل فيتوقف صدوره على تصور اللفظ والمعنى، وعليه فللواضع أن يجعل العلقة الوضعية في الحروف بما إذا لوحظ المعنى في مقام الاستعمال آلياً، وفي الأسماء بما إذا لوحظ المعنى استقلالاً، ولا يلزم على الواضع أن يجعل لحاظ المعنى آلياً كان أو استقلالياً قيداً للموضوع له، بل هذا لغو وعبث بعد ضرورة وجوده، وأنه في مقام الاستعمال ممّا لا بدّ منه.)


1) كفاية الأصول : 12.

وهذا بخلاف أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، فانّ الإشارة إلى المعنى ليست ممّا لا بدّ منه في مرحلة الاستعمال بيان ذلك أنّه إن أريد بالاشارة استعمال اللفظ في المعنى ودلالته عليه، كما قد تستعمل في ذلك في مثل قولنا: قد أشرنا إليه فيما تقدّم أو فلان أشار إلى أمر فلاني في كلامه أو كتابه، فهذه الاشارة يشترك فيها جميع الألفاظ، فلا اختصاص لها بأسماء الاشارة وما يلحق به-ا. وإن أريد بها أمر زائد على الاستعمال، فلابد من أخذه في الموضوع له، ضرورة أنه ليس كلحاظ المعنى ممّا لا بدّ منه في مقام الاستعمال، بمعنى أنه ليس شيئاً يقتضيه طبع الاستعمال بحيث لا يمكن الاستعمال،بدونه، فلابد من أخذه قيداً في المعنى الموضوع له، وإلا فالاستعمال بدونه بمكان من الامكان.فالصحيح في المقام أن يقال: إنّ أسماء الإشارة والضمائر ونحوهما وضعت للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب لا مطلقاً، فلا يمكن إبراز تفهيم تلك المعاني بدون الاقتران بالاشارة والتخاطب، فكل متكلم تعهد في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم معانيها أن يتكلم بها مقترنة بهذين الأمرين، فكملة (هذا أو (ذاك) لا تدل على معناها وهو المفرد المذكر إلا بمعونة الاشارة الخارجية، كالإشارة باليد كما هي الغالب أو بالرأس أو بالعين، وضمير الخطاب لا يبرز معناه إلّا مقترناً بالخطاب الخارجي.)ومن هنا لا يفهم شيء من كلمة (هذا مثلاً عند إطلاقها مجردة عن أيّ-ة إشارة خارجية، وعلى ذلك جرت سيرة أهل المحاورة في مقام التفهيم والتفهم، وصريح الوجدان ومراجعة سائر اللغات أقوى شاهد على ما ذكرناه.)ثمّ لا يخفى أنّ مثل كلمة (هذا أو (هو) إنما وضعت لواقع المفرد المذكر أعني به كل مفهوم كلّي أو جزئي لا يكون مؤنثاً، لا لمفهومه، وإلا فلازمه أن يكون لفظ هذا مرادفاً مع مفهوم المفرد المذكر، مع أنّه خلاف الضرورة والوجدان،)

وعلى ذلك فيكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، وقس عليها غيرهما من أسماء الاشارة والضمائر.### استعمال اللفظ في المعنى المجازياختلفوا في أنّ ملاك صحّة استعمال اللفظ في المعنى المجازي وما يناسب الموضوع له، هل هو بالطبع أو بالوضع، أعني ترخيص الواضع في الاستعمال لوجود علقة من العلائق ؟ وجهان بل قولان:فذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)إلى الأوّل، بدعوى أن ملاك صحّة ذلك الاستعمال قبول الطبع له وكونه حسناً عند العرف، فأي استعمال مجازي كان حسناً عندهم وقبله الطبع السليم فهو صحيح وإن فرض أنّ الواضع لم يأذن فيه، بل وإن منع عنه، وكل استعمال لم يقبله الطبع فهو غير صحيح وإن أذن الواضع فيه، فاطلاق لفظ القمر على حسن الوجه واستعماله فيه صحيح وإن فرض أنّ الواضع لم يأذن فيه بل منع عنه، هذا.)وذهب المشهور إلى الثاني، وأنّ ملاك صحّة استعمال اللفظ في المعنى المجازي إذن الواضع وترخيصه، سواء كان ممّا يقبله الطبع أم لا.وعلى الجملة : فعلى القول الأوّل تدور صحّة استعمال اللفظ في المعنى المجازي وعدم صحته مدار حسنه طبعاً وعرفاً وعدم حسنه كذلك، سواء أكان هناك إذن نوعي من الواضع أيضاً أم لم يكن. وعلى القول الثاني تدور مدار الوضع


1) كفاية الأصول : 13.

النوعي وجوداً وعدماً، كان حسناً عند الطبع والعرف أيضاً أم لم يكن.التحقيق في المقام أن يقال: إنّ البحث عن ذلك يبتني على إثبات أمرين :الأوّل: وجود الاستعمالات المجازية في الألفاظ المتداولة بين العرف.الثاني : انحصار الواضع بشخص واحد أو جماعة وإلا فلا مجال لهذا البحث، فانا إذا التزمنا بأنّ كل مستعمل واضع حسب تعهده، فهو لم يتعهد إلّا بارادة المعنى الموضوع له عند عدم القرينة على الخلاف، وأما مع وجود القرينة فلا مانع من الاستعمال، وحيث لم يثبت كلا الأمرين فلا موضوع لهذا البحث.أما عدم ثبوت الأمر الأوّل، فلإمكان أن نلتزم بما نسب إلى السكاكي من أنّ اللفظ يستعمل دائماً في المعنى الموضوع له غاية الأمر أن التطبيق قد يكون مبتنياً على التنزيل والادعاء، بمعنى أنّ المستعمل ينزل شيئاً منزلة المعنى الحقيقي ويعتبره هو فيستعمل اللفظ فيه فيكون الاستعمال حقيقياً، ولا بعد فيما نسب إليه، فان فيه المبالغة في الكلام الجارية على طبق مقتضى الحال، وهذا بخلاف مسلك القوم، فانّه لا مبالغة فيه، إذ لا فرق حينئذ بين قولنا: زيد قمر، وقولنا : زيد حسن الوجه أو بين قولنا : زيد أسد، وقولنا : زيد شجاع، مع أنّ مراجعة الوجدان تشهد على خلاف ذلك، ووجود الفارق بين الكلامين.ونظير ذلك ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره من أن كلمة (لا) في مثل قوله (عليه السلام) «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» إنما استعمل في نفي الحقيقة لكنّه على نحو الادعاء والمبالغة، لا في نفي الصفة أو الكمال، وإلا فلا دلالة في الجملة على المبالغة (1).)وقد ذكرنا في بعض مباحث الفقه أنّ المبالغة ليست من أفراد الكذب ولا


1) كفاية الأصول : 29.

مانع منها فيما إذا اقتضتها الحال (1.)وقد تلخص من ذلك : أنّ ما نسب إلى السكاكي من إنكار المجاز في الكلمة، وأن جميع الاستعمالات بشتى أنواعها وأشكالها استعمالات حقيقية، أقرب إلى الحق.وعلى ذلك لا يبقى مجال لهذا البحث فان موضوعه الاستعمال المجازي، والمفروض أنه لا مجاز في الكلمة حتّى يقع البحث في أن صحته متوقفة على الاذن أو على الطبع، بل المجاز حينئذ إنما هو في الاسناد والتطبيق، وبعد التصرف في الاسناد وتنزيل المعنى المجازي بمنزلة المعنى الحقيقي واعتباره فرداً منه ادعاءً، فالاستعمال استعمال في المعنى الحقيقى لا محالة.وأما عدم ثبوت الأمر الثاني، فلما حققناه سابقاً في مبحث الوضع (2من أنّ الواضع لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة ولا سيما على مسلكنا من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، فانّه على هذا كان كل مستعمل واضعاً حقيقة فلا يختص الواضع بشخص دون شخص، وعليه فنقول : إنّ الواضع كما تعهد بذكر لفظ خاص عند إرادة تفهيم معنى خاص دون أن يأتي بأية قرينة، كذلك قد تعهد بذكر ذلك اللفظ عند إرادة معنى آخر، ولكن مع نصب قرينة تدل عليها، غاية الأمر أنّ الوضع على الأوّل شخصي وعلى الثاني نوعي، وتسميته بذلك بملاحظة أنّ العلائق والقرائن غير منحصرة بواحدة.)وعلى الجملة : فالتعهد والالتزام كما هما موجودان بالقياس إلى تفهيم المعاني الحقيقية، كذلك موجودان بالقياس إلى تفهيم المعاني المجازية، فكل متكلم كما


1) مصباح الفقاهة 1: 394.

2) في ص 39 وما بعدها.

تعهد بأنه متی ما قصد تفهيم معنى خاص يتكلم بلفظ مخصوص مجرداً ع--ن القرينة، كذلك تعهد بأنه متى ما قصد تفهيم معنى مناسب للمعنى الموضوع له يتكلم بذلك اللفظ مصحوباً بالقرينة ليكون المجموع مبرزاً له.وقد تلخص من ذلك : أنّ عدم انحصار الواضع بشخص أو جماعة لا يدع مجالاً وموضوعاً للبحث المذكور، فانّه مبتن على أن يكون الواضع من أهل كل لغة شخصاً خاصاً أو جماعة معيّنين، ليقال إنّ جواز استعمال اللفظ في المعنى المجازي هل هو منوط بإذنه أم لا ؟ وأمّا إذا لم يكن الواضع منحصراً بشخص أو جماعة وكان كل مستعمل واضعاً فلا مجال له أصلاً.### إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو...ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره أنّه لا شبهة في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به، كما إذا قيل : ضرب مثلاً فعل ماض، أو صنفه كما إذا قيل : زيد في ضرب زيد فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول، أو مثله كضرب في المثال فيما إذا قصد، وقد أشرنا إلى أن صحّة الإطلاق كذلك وحسنه إنما كان بالطبع لا بالوضع وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك، لصحة الإطلاق كذلك فيها، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى، وأما إطلاقه وإرادة شخصه كما إذا قيل: زيد لفظ وأريد منه شخص نفسه، ففي صحته بدون تأويل نظر (1).)توضیح ذلك : أنّ العلاقة الخارجية بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازي


1) كفاية الأصول : 14.

إذا كانت مقتضية لارتباط اللفظ بالمعنى المجازي ولحسن الاستعمال بالطبع، كانت العلاقة الذاتية بين اللفظ وما استعمل فيه - فانّه من سنخ اللفظ وفرده - مقتضية له لا محالة، فانّ الذاتية أقوى بمراتب من العلاقة الخارجية الموجودة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، واستشهد على أنّ هذه الاستعمالات طبعية لا وضعية، بصحة ذلك الإطلاق في الألفاظ المهملة أيضاً مع أنّه لا وضع فيها أصلاً، فهذا يكشف قطعياً عن أنه بالطبع لا بالوضع.أقول : تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنّ ما أفاده (قدس سره يبتني على أمرين:)الأوّل : إثبات أن الواضع شخص واحد أو جماعة معينون، إذ لو كان كل مستعمل واضعاً لم يستبعد وجود الوضع في المهملات أيضاً، فأنّه كما تعهد باستعمال الألفاظ في معانيها، كذلك قد تعهد بأنه متى ما أراد تفهيم نوع اللفظ أو صنفه أو مثله يبرزها به ولا مانع من الالتزام بمثل ذلك الوضع والتعهد في الألفاظ المهملة أيضاً، فانّه لا يوجب خروجها عن الاهمال إلى البيان، وذلك لأنّ إهمالها باعتبار أنها لم توضع لافادة المعاني وهذا لا ينافي ثبوت الوضع فيها لافادة نفسها.الثاني : إثبات أنّ هذه الإطلاقات من قبيل الاستعمال، فانّه إذا لم يكن كذلك لم يبق مجال للبحث عن أنه بالوضع أو بالطبع.والصحيح هو أنها ليست من قبيل الاستعمال في شيء، بيان ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة وهي : أنّ المعاني لما كانت بأنفسها ممّا لا يمكن إبرازها في الخارج وإحضارها في الأذهان من دون واسطة ضرورة أنه في جميع موارد الحاجة لا يمكن إراءة شخص معنى أو صورته أو ما يشبهه، فان كل ذلك لا يفي بالمحسوسات فضلاً عن المعقولات والممتنعات فلا محالة نحتاج إلى واسطة بها

تبرز المعاني وتحضر في الأذهان، وتلك الواسطة منحصرة بالألفاظ، فانّ بها تبرز المعاني للتعهد بذكرها عند إرادة تفهيمها في موارد الحاجة، وهذا بخلاف نفس الألفاظ، فانها بأنفسها قابلة لأن تحضر في الأذهان من دون أيّة أيّة واسطة خارجية، فلا حاجة إلى إبرازها وإحضارها فيها إلى آلة بها تبرز وتحضر، ضرورة أنها لو لم تحضر بنفسها في الذهن واحتيج في إحضارها فيه إلى آلة أخرى، فتلك الآلة إمّا أن تكون لفظاً أو غير لفظ.أما غير اللفظ، فقد عرفت أنه غير واف في إبراز المقصود في جميع موارد الحاجة، وأمّا اللفظ، فلأنا ننقل الكلام إلى ذلك اللفظ ونقول إنّه إما أن يحضر في الذهن بنفسه أو لا يحضر، وعلى الأوّل فلا فرق بين لفظ دون لفظبالضرورة، وعلى الثاني فان احتاج إلى لفظ آخر ننقل الكلام إلى ذلك اللفظ وهكذا فيذهب إلى غير النهاية، وأمّا المعنى فهو يحضر فيه بتوسط اللفظ، فالحاضر أوّلاً في الذهن هو اللفظ وبتبعه يحضر المعنى، فكل سامع للفظ الصادر من المتكلم ينتقل إلى اللفظ أوّلاً وإلى المعنى ثانياً وبتبعه.فعلى ضوء ذلك نقول : قد ظهر أن إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو نوعه أو صنفه أو مثله ليس من قبيل استعمال اللفظ في المعنى لا بالوضع النوعي ولا بالوضع الشخصي، والوجه فيه هو أنّ الوضع مقدمة للاستعمال وإبراز المقاصد ولولاه لاختلت أنظمة الحياة كلّها من المادية والمعنوية، فتنظيمها وتنسيقها بشتى ألوانها وأشكالها متوقف على الوضع، فانّ المعاني النفسانية التي تتعلق بها الأغراض المادية أو المعنوية لا يمكن إبرازها وإحضارها في الأذهان إلا بالجعل والمواضعة والتعهد بذكر الألفاظ عند إرادة تفهيم تلك المعاني، ولذلك السبب فالوضع يصبح ضرورياً.ومن هنا يتبين لك أنّ ما لا يحتاج إبرازه وإحضاره في الأذهان إلى واسطة

بل يمكن إحضاره فيها بنفسه عند تعلق الغرض به فلا حاجة إلى الوضع فيه أصلاً بل هو لغو وعبث.وحيث إنّ اللفظ بنفسه قابل لأن يحضر في ذهن المخاطب بلا واسطة أيّ شيء فالوضع فيه لغو محض لا محالة، وهذا بيان إجمالي لجميع الأقسام المذكورة.وإليك بيان تفصيلي بالقياس إلى كل واحد منها :أقول : أما القسم الأوّل منها : وهو ما إذا أطلق اللفظ وأريد به شخصه كما إذا قيل : زيد ثلاثي وأريد به شخص ذلك اللفظ، فليس هو من قبيل استعمال اللفظ في المعنى في شيء، وذلك لأن لازمه اتحاد الدال والمدلول ذاتاً وحقيقةً، إذ شخص هذا اللفظ دال وهو بعينه مدلول، وهذا غير معقول.وقد أجاب عن ذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)بأن الدال والمدلول في المقام وإن كانا متحدين حقيقة إلا أنه يكفي تعددهما اعتباراً، ولا يلزم أن يكون الدال والمدلول متعددين ذاتاً، وبما أن هنا حيثيتين واقعيتين وهما حيثية صدور اللفظ عن لافظه وحيثية أن شخصه متعلق إرادته، فهو من الحيثية الأولى دال ومن الحيثية الثانية مدلول فلا يتحد الدال والمدلول من جميع الجهات.)ويردّه : أنّ هذه الدلالة - أي دلالة اللفظ على أنه مراد ومقصود - وإن كانت موجودة هنا إلّا أنّها أجنبية عن دلالة اللفظ على المعنى رأساً، بل هي دلالة عقلية سائرة في جميع الأفعال الاختيارية، فان كل فعل صادر بالاختيار يدل على أنه مراد لا محالة، بداهة لزوم سبق الارادة على الفعل الاختياري في تمام الموارد، فهذه الدلالة من دلالة المعلول على علته وهي أجنبية عن دلالة الألفاظ على معانيها بالكلية.


1) كفاية الأصول : 14.

ومن هنا قد أجاب شيخنا المحقق (قدس سره عن الاشكال بجواب آخر وإليك نصه : التحقيق أنّ المفهومين المتضائفين ليسا متقابلين مطلقاً بل التقابل في قسم خاص من التضائف، وهو ما إذا كان بين المتضائفين تعاند وتناف في الوجود، كالعلية والمعلولية والأبوّة والبنوّة ممّا قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد لا في مثل العالمية والمعلومية والمحبية والمحبوبية، فانها يجتمعان في الواحد غير ذي الجهات كما لا يخفى، والح-اك-ي والمحكي والدال والمدلول كاد أن يكون من قبيل القسم الثاني، حيث لا برهان على امتناع حكاية الشيء عن نفسه كما قال (عليه السلام): «يا من دلّ على ذاته بذاته» وقال (عليه السلام): «أنت دللتني عليك» (1).)ولكن لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره من أن التقابل في قسم خاص من التضائف لا في مطلق المتضائفين وإن كان صحيحاً، إلّا أنّه أجنبي عن محل كلامنا هنا بالكلية، فأنّه في دلالة اللفظ على المعنى وهي قسم خاص من الدلالة التي لا يمكن أن تجتمع في شيء واحد، لما بيناه من أنّ حقيقة تلك الدلالة عبارة عن وجود اللفظ وحضوره في ذهن المخاطب أوّلاً وحضور المعنى ووجوده فيه بتبعه ثانياً، فكل مخاطب بل كل سامع عند سماع اللفظ ينتقل إلى اللفظ أوّلاً وإلى المعنى ثانياً، فحضور اللفظ علّة لحضور المعنى، ومن البين الواضح أنّ ذلك لا يعقل في شيء واحد، بداهة أنّ العلية تقتضي الاثنينية والتعدد فلا يعقل علية حضور الشيء في الذهن لحضور نفسه، هذا بالقياس إلى المخاطب والسامع.)وأما بالقياس إلى المتكلم والمستعمل، فحقيقة الاستعمال إمّا هي عبارة عن إفناء اللفظ في المعنى فكأنه لم يلق إلى المخاطب إلا المعنى ولا ينظر إلّا إليه كما


1) نهاية الدراية 1: 65.

هو المشهور فيما بينهم، أو عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى ومبرزاً له كما هو الصحيح. فعلى التقديرين لا يعقل استعمال الشيء في نفسه، ضرورة استحالة فناء الشيء في نفسه وجعل الشيء علامة لنفسه، فانّهما لا يعقلان إلا بين شيئين متغايرين في الوجود.وقد تلخص من ذلك : أنّ اتحاد الدال والمدلول في الدلالة اللفظية غير معقول.ومن هنا يظهر أن قياس المقام بدلالة ذاته تعالى على ذاته قياس مع الفارق، فان سنخ تلك الدلالة غير سنخ هذه الدلالة، هذه الدلالة، إذ أنّها بمعنى ظهور ذاته بذاته وتجلّي ذاته لذاته، بل ظهور جميع الكائنات بشتى ألوانها وأشكالها من الماديات والمجردات بذاته تعالى، وهذا بخلاف الدلالة هنا فانّها بمعنى الانتقال من شيء إلى شيء آخر.فعلى ضوء ذلك يظهر أنّ إطلاق اللفظ وإرادة شخصه لا يكون من قبيل الاستعمال في شيء، فانّ المتكلم بقوله : زيد ثلاثي مثلاً لم يقصد إلا إحضار شخص ذلك اللفظ في ذهن المخاطب وهو بنفسه قابل للحضور فيه ومعه لا حاجة إلى الواسطة كما مرّ آنفاً (1.)وقد يشكل على هذا بأنّ لازم ذلك تركب القضية الواقعية من جزأين، فانّ القضيّة اللفظية تحكي بموضوعها ومحمولها ونسبتها عن القضية الواقعية، وحيث قد فرض أنه لا موضوع في المقام للقضيّة الواقعية في قبال القضية اللفظية، فليس هناك بحسب الفرض غير المحمول والنسبة، مع أن تحقق النسبة ب-دون الطرفين محال، هذا.


1) في ص 107.

وقد أجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)بما ملخصه مع أدنى توضيح هو أنّ الاشكال المزبور مبتن على أن يكون الموضوع في القضية الحقيقية يحتاج في وجوده وحضوره في الأذهان إلى واسطة كاللفظ بالإضافة إلى المعنى فانّه واسطة لوجوده وحضوره وليس نفسه بموضوع للقضية، بل)لفظ هو الموضوع وحاك عنه، فموضوعية اللفظ لها إنّما هي باعتبار أنه الواسطة لإحضار ما هو موضوع فيها حقيقة، نعم هو موضوع في القضية اللفظية.وأمّا إذا فرض أنّ الموضوع في القضيّة الحقيقية لا يحتاج في وج-وده وحضوره إلى الواسطة، بل كان حاله حال بقية الأفعال الخارجية والموجودات الفعلية، فلا يلزم محذور تركب القضية من جزأين، ومقامنا من هذا القبيل، فانّ الموضوع في مثل قولنا : زيد ثلاثي، إذا أريد به شخصه، شخص ذلك اللفظ الذي هو من الكيف المسموع لا أنّه لفظه ومن البيّن الواضح أنّ اللفظ لا يحتاج في وجوده في الذهن إلى أيّة واسطة لامكان إيجاده على ما هو عليه وإثبات المحمول،له وعليه فالقضيّة مركبة من أجزاء ثلاثة : الموضوع وهو ذات اللفظ وشخصه، والمحمول وهو ثلاثي، مع النسبة بينهما.وبتعبير آخر : أنّ كون الشيء موضوعاً في القضية باعتبار أن المحمول ثابت له، فقد يكون المحمول ثابتاً لما يحتاج في وجوده وحضوره إلى الواسطة كالمعنى كما هو الحال في القضايا المتعارفة، وقد يكون ثابتاً لما لا يحتاج في وجوده إلى الواسطة كاللفظ، ولما كان الموضوع في المقام شخص اللفظ من جهة أنّ المحمول ثابت له، فانّه سنخ حكم محمول عليه دون المعنى فلا يلزم المحذور المزبور، فان لزومه هنا مبتن على أن لا يكون الموضوع هو نفس اللفظ، وأما إذا فرض أنّه


1) كفاية الأصول : 15.

الموضوع في القضيّة والحكم ثابت له فلا محذور أصلاً.وأما القسم الثاني : وهو ما إذا أطلق اللفظ وأريد منه نوعه كما إذا قيل : زيد لفظ أو ثلاثي، وأريد به طبيعي ذلك اللفظ فليس من قبيل الاستعمال أيضاً، بل هو من قبيل إحضار الطبيعي في ذهن المخاطب باراءة فرده، فالمتكلم بذلك اللفظ قد قصد ثبوت الحكم للطبيعي ليسري منه إلى أفراده، فأوجد المتكلم في ذهن المخاطب أمرين، أحدهما : شخص اللفظ الصادر منه. والثاني : طبيعي ذاك اللفظ الجامع بينه وبين غيره، ولما لم يمكن إيجاده على ما هو عليه في الخارج إلا بايجاد فرده فلا يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى في شيء، فان وجوده عين وجود فرده في الخارج وإيجاده عين إيجاد فرده، وعليه فلا يعقل أن يجعل وجود الفرد فانياً في وجوده أو مبرزاً له وعلامة عليه، فان كل ذلك لا يعقل إلا بين وجودين خارجاً والمفروض أنّه لا اثنينية في المقام، فلا يمكن أن يكون وجود الفرد واسطة لاحضار الطبيعي في الأذهان، فانّ الواسطة تقتضي التعدد في الوجود ولا تعدد هنا فيه أصلاً.وقد تلخص من ذلك : أنّ ملاك الاستعمال لا يكون موجوداً في أمثال المقام، بل لا يعقل الاستعمال كما عرفت فحال المقام حال ما إذا أشار أحد إلى حية فقال سامة، فانّه قد أوجد في ذهن المخاطب باشارته هذه أمرين أحدهما : شخص هذه الحية، والثاني : الطبيعي الجامع بينها وبين غيرها، فحكم على الطبيعي بسنخ حكم يسري إلى أفراده، فمقامنا من هذا القبيل بعينه.وعلى الجملة : حيث إنّ إيجاد الطبيعي على ما هو عليه في الخارج أو الذهن بلا وساطة شيء بمكان من الامكان فلا يحتاج تفهيمه إلى دال ومبرز له.وأما القسم الثالث والرابع : وهما ما إذا أطلق اللفظ وأريد منه صنفه أو مثله، فقد يتوهم أنها من قبيل الاستعمال، بل لعل ذلك مشهور بينهم ولا سيما

في القسم الرابع.وكيف كان، فالصحيح هو أنّ حال هذين القسمين حال القسمين الأولين من دون فرق بينهما أصلاً، وبيان ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة: وهي أنا قد ذكرنا فيما تقدّم (1أنّ الحروف والأدوات موضوعة لتضييقات المفاهيم الاسمية و تقييدها بقيود خارجة عن حريم،ذواتها، فانّ الغرض قد يتعلق بتفهيم طبيعي المعنى الاسمي على إطلاقه وسعته، وقد يتعلق بتفهيم حصة خاصة منه، وقد ذكرنا أن الدال على الحصّة ليس إلّا الحروف أو ما يحذو حذوها.)وإن شئت فقل : إنّ الموجود الذهني ليس كالموجود الخارجي، فانّه مطلقاً من أيّ مقولة كان لا ينطبق على أمر آخر وراء نفسه، وهذا بخلاف المفهوم الذهني فانّه بالقياس إلى الخارج عن أفق الذهن قابل لأن ينطبق على عدّة حصص، ولكن الغرض يتعلق بتفهيم حصة خاصة والدال عليه كما م-ر ه-و الحرف أو ما يشبهه.وعلى ضوء ذلك فنقول : إنّ المتكلم كما إذا قصد تفهيم حصة خاصة من المعنى يجعل مبرزه الحرف أو ما يقوم مقامه، كذلك إذا قصد تفهيم حصة خاصة من اللفظ يجعل مبرزه ذلك، فالحرف كما يدل على تضييق المعنى وتخصيصه بخصوصية ما، كذلك يدل على تضييق اللفظ وتقييده بقيود ما، فانّ الغرض كما قد يتعلق بايجاد طبيعي اللفظ على ما هو عليه من الاطلاق والسعة يتعلق بتفهيم حصّة خاصة من ذلك الطبيعي كالصنف أو المثل، فالمبرز لذلك ليس إلا الحرف أو ما يشبهه، بداهة أنّه لا فرق في إفادة الحروف التضييق بين الألفاظ والمعاني فكلمة (في في قولنا : زيد في ضرب زيد فاعل، تدل على تخصص)


1) في ص 83.

طبيعي لفظ زيد بخصوصية ما من الصنف أو المثل، كما أنها في قولنا : الصلاة في المسجد حكمها كذا تدل على أنّ المراد من الصلاة ليس هو الطبيعة السارية إلى كل فرد، بل خصوص حصة منها.وعلى الجملة : فلا فرق بين قولنا : الصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في الدار، وقولنا : زيد في ضرب زيد فاعل، فكلمة (في كما تدل في المثال الأوّل على أنّ المراد من الصلاة ما يقع منه في المسجد، كذلك تدل في المثال الثاني على أنّ المراد من لفظ زيد ليس هو الطبيعة المطلقة، بل حصة خاصة منه من المثل أو الصنف.)ومن هنا يظهر لك ملاك القول بأنّ هذين القسمين ليسا من قبيل الاستعمال أيضاً، لما مرّ من إمكان إيجاد اللفظ بنفسه وإحضاره في ذهن المخاطب بلا وساطة شيء، فإذا تعلّق الغرض بتقييده بخصوصية ما يجعل الدال عليه الحرف أو ما يحذو حذوه، مثلاً لو قال أحد : زيد في ضرب زيد فاعل، فقد أوجد طبيعي لفظ زید وأحضره بنفسه في ذهن المخاطب، وقد دلّ على تقييده بخصوصية ما من المثل أو الصنف بكلمة (في فأين هنا استعمال لفظ في مثله أو صنفه.)فالنتيجة أنّ شيئاً من الاطلاقات المتقدمة ليس من قبيل الاستعمال، بل هو من قبيل إيجاد ما يمكن إرادة شخصه مرّة، ونوعه أخرى، وصنفه ثالثة، ومثله رابعة.ثمّ إنّه لا يخفى : أنّ ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره في آخر كلامه في هذا المقام بقوله : وفيها ما لا يكاد يصح أن يراد منه ذلك، ممّا كان الحكم في القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ كما في مثل : ضرب فعل ماض، ريب منه، وذلك لأنّ الفعل الماضي أو غيره إنما لا يقع مبتدأ إذا استعمل في معناه الموضوع له وأريد منه ذلك لا مطلقاً حتّى فيما إذا لم يستعمل فيه ولم يرد)

معناه، وحيث إنّ فيها نحن فيه لم يرد معناه، بل أريد به لفظه لا بما له من المعنى، فلا مانع من وقوعه مبتدأ ولا يخرج بذلك عن كونه فعلاً ماضياً، غاية ما في الباب أنّه لم يستعمل في معناه، وهذا لا يوجب خروجه عن ذلك، وهذا نظير قولنا : ضرب وضع في لغة العرب للدلالة على وقوع الضرب في الماضي، فهل يتوهم أحد أنّه لا يشمل نفسه لأنه مبتدأ.### أقسام الدلالةلا شبهة في أنّ اللّه تعالى شأنه فضّل الانسان على سائر مخلوقاته بنعمة عظيمة وهي نعمة البيان بمقتضى قوله عزّ من قائل: (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (1)وذلك لحكمة تنظيم الحياة المادية والمعنوية، فان مدنية الانسان بالطبع تستدعي ضرورة الحاجة إلى البيان لابراز المقاصد خارجاً لئلا تختل نظم الحياة، فالقدرة على البيان ممّا أودعه اللّه تعالى في الانسان.)إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الدلالة على أقسام ثلاثة :القسم الأوّل : الدلالة التصورية وهي الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ. وهي لا تتوقف على شيء ولا تكون معلولة لأمر ما عدا العلم بالوضع، فهي تابعة له وليس لعدم القرينة دخل فيها أصلاً، فالعالم بوضع لفظ خاص لمعنى مخصوص ينتقل إليه من سماعه، ولو فرض أنّ المتكلم نصب قرينة على عدم إرادته، بل ولو فرض صدوره عن لافظ بلا شعور واختيار أو عن اصطكاك


1) الرحمن 3:55 - 4.

حجر بحجر آخر وهكذا، وعلى الجملة : فالدلالة التصورية بعد العلم بالوضع أمر قهري خارج عن الاختيار.القسم الثاني : الدلالة التفهيمية المعبّر عنها بالدلالة التصديقية أيضاً، لأجل تصديق المخاطب المتكلم بأنّه أراد تفهيم المعنى للغير، وهي عبارة عن ظهور اللفظ في كون المتكلم به قاصداً لتفهيم معناه، وهذه الدلالة تتوقف زائداً على العلم بالوضع على إحراز أنّه في مقام التفهيم ولم ينصب قرينة متصلة على الخلاف، بل لم يأت في الكلام بما يصلح للقرينية، فأنّه يهدم الظهور ويوجب الاجمال لا محالة، فلو لم يكن في ذلك المقام فلا ظهور ولا دلالة على الارادة التفهيمية أصلاً، كما أن وجود القرينة المتصلة مانع عن الظهور التصديقي. وعلى الجملة فهذه الدلالة تتقوم بكون المتكلم في مقام التفهيم وبعدم وجود قرينة متصلة في الكلام.القسم الثالث : الدلالة التصديقية، وهي دلالة اللفظ على أنّ الارادة الجدية على طبق الارادة الاستعمالية، وهذه الدلالة ثابتة ببناء العقلاء إلا أنها تتوقف زائداً على ما مرّ على إحراز عدم وجود قرينة منفصلة على الخلاف، وإلا فلا يكون الظهور كاشفاً عن الارادة الجدية في مقام الثبوت، فان وجود القرينة المنفصلة مانع عن حجيته. والحاصل : أنّ بناء العقلاء قد استقر على أن الارادة التفهيمية مطابقة للارادة الجدية ما لم تقم قرينة على عدم التطابق.وبعد ذلك نقول : : قد وقع الكلام بين الأعلام في أنّ الدلالة الوضعية هل هي الدلالة التصوّرية أو أنها الدلالة التصديقية ؟ فالمعروف والمشهور بينهم هو الأوّل، بتقريب أنّ الانتقال إلى المعنى عند تصور اللفظ لا بد أن يستند إلى سبب، وذلك السبب إما الوضع أو القرينة وحيث إنّ الثاني منتف لفرض خطور المعنى في الذهن بمجرد سماع اللفظ فيتعين الأول. وذهب جماعة من

المحققين إلى الثاني أي إلى انحصار الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية.التحقيق حسب ما يقتضيه النظر الدقيق : هو القول الثاني، والوجه فيه أمّا بناءً على ما سلكناه في باب الوضع من أنه عبارة عن التعهد والالتزام فواضح ضرورة أنه لا معنى للالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعور واختيار، بل ولو صدر عن اصطكاك حجر بآخر وهكذا، فانّ هذا غير اختياري فلا يعقل أن يكون طرفاً للتعهد والالتزام، وعليه فلا مناص من الالتزام بتخصيص العلقة الوضعية بصورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته. سواء كانت الإرادة تفهيمية محضة أم جدية أيضاً، فانّه أمر اختياري فيكون متعلقاً للالتزام والتعهد.وعلى الجملة : قد ذكرنا سابقاً (1أنّ اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية لازم حتمي للقول بكون الوضع بمعنى التعهد والالتزام. وأما الدلالة التصورية وهي الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ، فهي غير مستندة إلى الوضع، بل هي من جهة الأنس الحاصل من كثرة الاستعمال أو من أمر آخر، ومن ثمة كانت هذه الدلالة موجودة حتّى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة الوضعية بما ذكرناه.)بل إنّ الأمر كذلك حتّى على ما سلكه القوم في مسألة الوضع من أنّه أمر اعتباري، فانّ الأمر الاعتباري يتبع الغرض الداعي إليه في السعة والضيق، فالزائد على ذلك لغو محض، ولما كان الغرض الباعث للواضع على الوضع قصد تفهيم المعنى من اللفظ وجعله آلة لاحضار معناه في الذهن عند إرادة تفهيمه، فلا موجب لجعل العلقة الوضعية واعتبارها على الإطلاق، حتّى في اللفظ


1) في ص 48.

الصادر عن لافظ غير شاعر كالنائم والمجنون ونحوهما، فان اعتباره في أمثال هذه الموارد من اللغو الظاهر.وإن شئت فقل : حيث إنّ الغرض الباعث على الوضع هو إبراز المقاصد والأغراض خارجاً، فلا محالة لا يزيد سعة الوضع عن سعة ذلك الغرض، فانّه أمر جعلي واختياره بيد الجاعل، فله تقييده بما شاء من القيود إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وبما أنّ الغرض في المقام قصد التفهيم فلا محالة تختص العلقة الوضعية بصورة إرادة التفهيم.ودعوى مصادمة حصر الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية للبداهة، من جهة أنّ الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ ضروري مدفوعة بما عرفت من أنّ ذلك الانتقال إنّما هو من ناحية الأنس الحاصل من كثرة الاستعمال أو نحو ذلك لا من ناحية الوضع، فالانتقال عادي لا وضعي.فالنتيجة هي انحصار الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية على جميع المسالك والآراء في تفسير حقيقة الوضع، من دون فرق في المسألة بين رأينا وسائر الآراء.نعم، الفرق بينهما في نقطة واحدة وهي أنّ ذلك الانحصار أنّ ذلك الانحصار حتمي على القول بالتعهد دون غيره من الأقوال.ولا يخفى أن مراد العلمين المحقق الطوسي (قدس سره والشيخ الرئيس ممّا حكي عنهما من أنّ الدلالة تتبع الارادة هو ما ذكرناه من أنّ العلقة الوضعية مختصة بصورة إرادة تفهيم المعنى، وليس مرادهما من ذلك أخذ الارادة التفهمية في المعنى الموضوع له، لكي يرد عليه ما أورد، فالألفاظ من جهة وضعها تدل)

على إرادة اللافظ بها تفهيم معانيها كما هو صريح كلامهما في بحث الدلالات (1 وعليه فلا وجه لما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من حمل الدلالة في كلامهما على الدلالة التصديقية غير الوضعية، فانّ تبعيتها للارادة في الواقع ونفس الأمر واضحة، فلا مجال للكلام فيها أصلاً.)ومن هنا يظهر فساد ما أورده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره على حصر الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية بوجوه ثلاثة وإليك نصه :)لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بازاء معانيها من حيث هي لا من حيث هي مرادة للافظها :-------------------------------------------------------------------(1 قال العلّامة الطوسي (قدس سره) : دلالة اللفظ لما كانت وضعية كانت متعلقة بارادة المتلفظ الجارية على قانون الوضع فما يتلفظ به ويراد منه معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى يقال له إنّه دال على ذلك المعنى، وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلق ب-ه إرادة المتلفظ وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى أو بارادة أخرى يصلح لأن يدل عليه، فلا يقال له إنّه دال عليه، انتهى شرح منطق الاشارات، مبحث تعريف المفرد والمركب [ ص 32].)قال ابن سينا (1: الدلالة الوضعية تتعلق بارادة اللافظ الجارية على قانون الوضع حتّى أنه لو أطلق وأريد منه معنى وفهم منه لقيل إنّه دال عليه، وإن فهم غيره فلا يقال إنه دال عليه، وإن كان ذلك الغير بحسب تلك اللغة أو غيرها أو بارادة أخرى يصلح لأن يدل عليه...- إلى أن قال - والمقصود هي الوضعية وهي كون اللفظ بحيث يفهم منه عند سماعه أو تخيله بتوسط الوضع معنى هو مراد اللافظ، انتهى. شرح حكمة الاشراق، باب الدلالات الثلاث [ ص 36].)


1) [ لا يخفى أنّ العبارة المنقولة عن شرح حكمة الاشراق إنما هي لقطب الدين الشيرازي ].

1 - لما عرفت من أنّ قصد المعنى على أنحائها من مقومات الإستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه.2 - هذا مضافاً إلى ضرورة صحّة الحمل والاسناد في الجمل بلا تصرف في ألفاظ الأطراف، مع أنه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة أن المحمول على زيد في (زيد قائم والمسند إليه في (ضرب زيد) مثلاً هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان)3 - مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عاماً، والموضوع له خاصاً، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانّه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه كما لا يخفى، وهكذا الحال في طرف الموضوع (1، انتهى.)والجواب عن جميع هذه الوجوه بكلمة واحدة، وهي أن تلك الوجوه: بأجمعها مبتنية على أخذ الارادة التفهيمية في المعاني الموضوع لها، وقد تقدّم أنّ الارادة لم تؤخذ فيها، وأنّ الانحصار المذكور غير مبتن على ذلك، بل هي مأخوذة فى العلقة،الوضعية، فالعلقة مختصة بصورة خاصة بصورة خاصة وهي ما إذا أراد المتكلم تفهيم المعنى باللفظ (2


1) كفاية الأصول : 16.

2) وأورد بعض الأعاظم (قدس سره) على ما قرره بعض مقرري بحثه على انحصار الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية ايراداً رابعاً وملخصه : هو أنّ الانحصار يستلزم أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مركب من معنى اسمي ومعنى حرفي، كما إذا قيد المعنى الاسمي بارادة المتكلم على كيفية دخول التقيد وخروج القيد، وهذا مخالف لطريقة الوضع المستفادة من الاستقراء، فانّه بحسبه لم يوجد في أية لغة لفظ واحد موضوع لمعنى مركب من معنى اسمي وحر في هذا (بدائع الأفكار : 1: 92.).)ويردّه أوّلاً: أن الاختلاف بين المعنى الحرفي والاسمي كما عرفت اختلاف بالذات والحقيقة لا باللحاظ الآلي والاستقلالي، فالمعنى الحرفي حرفي وإن لوحظ استقلالاً، والمعنى الاسمي اسمي وإن لوحظ آلياً، وقد اعترف هو (قدس سره أيضاً بذلك، وعليه فالارادة معنى اسمي وإن لوحظت،آلة، ولا تنقلب بذلك عن المعنى الاسمي إلى المعنى الحرفي حتّى يلزم وضع اللفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي. على أنك قد عرفت أنّ المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي ملحوظ استقلالاً لا آلياً، فلا وجه حينئذ لتخصيص الايراد بصورة أخذ الارادة قيداً لا جزءاً، إلا أن يكون مراده من المعنى الحر في نفس التقيد بالارادة لا نفس الارادة، فانّه معنى حرفي. ولكنّه مدفوع أولاً : بالنقض بوضع الألفاظ للمعاني المركبة أو المقيدة، فانّ معانيها متضمنة للمعنى الحرفي لا محالة، إذ كل جزء مقيد بجزء آخر فالتقيد معنى حرفي. وثانياً : أنه لا مانع م--ن وضع لفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي إذا دعت الحاجة إليه، فإذا فرض أنّ الغرض تعلّق بوضع الألفاظ للمعاني المقيّدة بارادة المتكلم فلا مانع من وضع الألفاظ لها كذلك، إذ الوضع فعل اختياري للواضع فله أن يقيد المعنى الموضوع له بقيود ما ولا محذور فيه والاستقراء المدعى في كلامه (قدس سره) لو تم فلا يدل على استحالة ذلك الوضع. على أنّ ذلك لو تم فانّما يتم إذا كان الواضع من أهل كل لغة واحداً أو جماعة معينين ليثبت له الطريقة الخاصّة في الوضع التي فرض عدم جواز التخلف عنها، إلّا أنّه فرض في فرض.)وثانياً : أنه لا أساس لذلك الايراد أصلاً، فانّه مبتن على أخذ الارادة في المعنى الموضوع له، وأما إذا لم تؤخذ فيه أبداً، بل كانت مأخوذة في العلقة الوضعية فلا مجال لذلك الايراد.

فالنتيجة: هي أنّ جعل الارادة من قيود العلقة الوضعية لا يدع مجالاً للايرادات، لابتنائها جميعاً على أخذ الارادة التفهيمية في المعاني الموضوع لها، وقد ظهر أنّ الأمر خلاف ذلك وأنّ الارادة لم تؤخذ في المعاني لا قيداً ولا جزءاً، بل هي مأخوذة في العلقة الوضعية فهي تختص بصورة إرادة تفهيم تلك المعاني(1بنحو


1) )وأورد بعض الأعاظم (قدس سره على ما في تقريرات بعض تلاميذه على ذلك بما ملخصه هو : أنّ اللفظ لا يدل بالدلالة الوضعية على أنّ المتكلم أراد المعنى في الواقع، لأن تحصيله بالوضع لا يمكن فالذي يمكن تحصيله بالوضع هو الدلالة التصورية، ضرورة أن السامع شاك في أنّ المتكلم يريد هذا المعنى واقعاً فيفتقر السامع في إحراز أنّ المتكلم أراد هذا المعنى في الواقع إلى دلالة أخرى كأصالة الظهور والحقيقة، فلا يكون الوضع وحده كافياً لاثبات ذلك، ومعه فالوضع لذلك يصبح لغ--واً وعبثاً، فلا يكون هذا غرضاً للواضع من الوضع، بل الغرض منه تهية مقدمة من مقدماتالافادة (بدائع الأفكار 1: 93.).)أقول : لا شبهة في أنّ الغرض الداعي إلى الوضع الباعث للواضع الحكيم عليه إنّما هو إبراز المقاصد والمرادات النفسانية، فلولا الجعل والمواضعة والتعهد بذكر الألفاظ عند إرادة تفهيم المعاني لم يمكن إبرازها بل اختلت أنظمة الحياة كلّها، فلذلك يصبح الوضع ضرورياً، ولولا ذلك لما احتجنا إلى الوضع أبداً، فالتشكيك فيه تشكيك في البداهة. وعلى ذلك فلا يشك أيضاً أحد في أنّ اللفظ الصادر من المتكلم يدل على أنه أراد تفهيم معناه بمقتضى قانون الوضع، فهذه الدلالة لا تتوقف على ما عدا إحراز كون المتكلم في مقام التفهيم، وهي موجودة حتّى فيما إذا علم المخاطب كذب المتكلم في كلامه إذا لم ينصب قرينة متصلة على انه ليس في مقام التفهيم.ومن هنا يظهر أن ما ذكره (قدس سره من الايراد مبني على الخلط بين الارادة التفهيمية والارادة الجدية، فانّ الثانية يحتاج إثباتها في الواقع ومقام الثبوت إلى مقدمة أخرى وهي التمسك بأصالة الظهور أو الحقيقة دون الأولى.)وعلى الجملة : فاللفظ بمقتضى قانون الوضع والتعهد يدل على إرادة المتكلم تفهيم معناه سواء كانت هذه الارادة متصادقة مع الارادة الجدية في مقام الثبوت والواقع أم كانت على خلافها.

القضية الحقيقية وبنحو القوة والتقدير، وفي مرحلة الاستعمال تخرج من القوة والتقدير إلى الفعلية والتحقق، ولعل لأجل ذلك الاختصاص قد عبّر عن الموضوع له بالمعنى باعتبار كونه مقصوداً بالتفهيم.قد أصبحت النتيجة بوضوح : أنّ الدلالة الوضعية تنحصر بالدلالة التصديقية ولا مناص من الالتزام بتلك النتيجة، ولا يرد عليها شيء من الايرادات التي تقدّمت هذا تمام الكلام في الدلالات الثلاث.### وضع المركبات#### إشارة:وقبل البدء فيه ينبغي التنبيه على مقدمة وهي: أنّ محل الكلام هنا في وضع المركب بما هو مركب أعني وضعه بمجموع أجزائه من الهيئة والمادة، مثلاً في قولنا : زيد شاعر قد وضعت كلمة زيد لمعنى خاص، وكلمة شاعر لمعنى آخر، والهيئة القائمة بهما لمعنى ثالث، فكل ذلك لا إشكال ولا كلام فيه، وإنما الكلام والإشكال في وضع مجموع المركب من هذه المواد على حده، وأما وضع هيئة الجملة فلا كلام في وضعها لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع أو مع إفادة

خصوصية أخرى أيضاً، أو لابراز أمر نفساني غير قصد الحكاية.فعلى ضوء هذه المقدّمة قد ظهر أنّ الصحيح هو أنه لا وضع للمركب بما هو مركب بيان ذلك : هو أن كل جملة ناقصة كانت أو تامة لها أوضاع متعددة باعتبار وضع كل جزء جزء منه أقلها ثلاثة حسب ما يدعو إليه الحاجة، مثلاً جملة زيد انسان لها أوضاع ثلاثة : 1 - وضع زيد. 2 - وضع انسان. 3 - وضع الهيئة القائمة بها.ولجملة الانسان متعجب أوضاع أربعة : 1 - وضع الانسان. 2- وضع متعجب مادة. 3 - وضعه هيئة. 4 - وضع الهيئة القائمة بالجملة. ولجملة زيد ضارب عمر أوضاع ستة : 1 - وضع زيد. 2 - وضع ضارب مادة. 3 - وضعه هيئة. 4 - وضع الهيئة القائمة بجملة زيد ضارب. 5 - وضع عمرو. 6 - وضع الهيئة القائمة بالمجموع. وهكذا إلى أن ربّما يبلغ الوضع إلى عشرة أو أزيد على اختلاف الأغراض الموجبة لاختلاف المركبات زيادة ونقيصة، فانّ الغرض قد يتعلق بالمركب من شيئين، وقد يتعلق بالمركب من أشياء ثلاثة، وقد يتعلق بالمركب من أشياء أربعة، وهكذا.ومن الواضح أنّ هذه الأوضاع وافية لافادة الأغراض والمقاصد المتعلقة بالمركبات، سواء كان الغرض قصد الحكاية عن الواقع، أو إبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية، ولا يبقى أي غرض لا تكون تلك الأوضاع وافية لافادته، لنحتاج إلى وضع المركب بما هو على حدة لافادة ذلك الغرض، مثلاً هيئة ضرب زيد تدل على قصد الحكاية عن حدوث تلبس زيد بالمبدأ في الخارج، كما أن جملة ما أكرم القوم إلا زيداً تدل على حصر الاكرام بزيد زائداً على دلالتها على قصد الاخبار عن تلبس القوم بذلك. وهيئة إنّ زيداً عادل تدل على التأكيد وهيئة ضرب موسى عيسى تدل على أن موسى فاعل، لعدم دال آخر هنا غير تلك الهيئة، وهكذا.وعلى الجملة: فالمتكلم متى ما أراد تفهيم خصوصية من الخصوصيات وإبرازها

في الخارج يتمكن من ذلك بهيئة من الهيئات وعليه فلسنا بحاجة إلى وضع المركب بما هو، بل هو لغو وعبث.وممّا يدلنا على ذلك - أي على عدم وجود وضع مستقل للمركبات بما هي - مضافاً إلى لغويته، أنه يستلزم إفادة المعنى الواحد مرّتين والانتقال إليه بانتقالين، وذلك لفرض تعدد الوضع الذي يقتضي تعدد الإفادة والانتقال، وهذا كما إذا تكلم الانسان بلفظ الدار مرّة، وبكلمات الحائط والغرفة والساحة أخرى، فانّه لا ريب حينئذ في أنّ الانتقال إلى المعنى يكون مرتين غايته أنهما طوليان.وأمّا في مقامنا فلو التزمنا بتعدد الوضع للزمنا الالتزام بعرضية الانتقالين، وذلك لأنّ المركبات بما هي لو كان لها وضع فلا محالة كان وضعها لافادة ما يستفاد من مجموع الهيئة والمادة في الجملة، لعدم معنى آخر على الفرض، وعليه فلزمنا الالتزام بعرضية الانتقالين لتحقق كل من الدالين في عرض تحقق الآخر، وهذا مخالف للوجدان كما هو واضح. ومن هنا لم نجد قائلاً به وإن كان اب--ن مالك (1قد نسب القول به إلى بعض، ولكن من المحتمل قوياً أن يكون النزاع لفظياً بأن يكون مراد القائل بالوضع وضع هيئة المركب لا هو بنفسه.)ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره أهل الأدب من تقسيم المجاز إلى المجاز في المفرد وإلى المجاز في المركب (2غير صحيح، وذلك لأنّ الاستعمال المجازي فرع وجود الموضوع له، فاذا فرض عدم الموضوع له للشي فلا يعقل المجاز فيه، وقد)عرفت أنّ المركب بما هو لم يوضع لشيء ومعه كيف يتصور المجاز فيه. نعم، يجوز تشبيه المركب بالمركب كما في قوله تبارك وتعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ


1) لم نعثر عليه في مظانه.

2) مفتاح العلوم : 362.

الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً (1)وكذا يجوز الكناية في المركب كما في قولهم: أراك تقدّم رجلاً وتؤخر أخرى، فهو كناية عن التردد الحاصل في النفس الموجب لذلك.)#### الوضع الشخصي والنوعيقسموا الوضع إلى نوعي كوضع الهيئات وإلى شخصي كوضع المواد.ولا يخفى أنّ المراد بالوضع الشخصي ليس وضع شخص اللفظ الصادر من المتكلم، فان شخصه قد انقضى وانعدم فلا يمكن إعادته، وما يصدر منه ثانياً هو مثله لا عينه، بل المراد منه وضع اللفظ بوحدته الطبيعية وشخصيته الذاتية في قبال وضع اللفظ بجامعه العنواني ووحدته الاعتبارية، هذا.وقد يشكل على ذلك : بأنّ ملاك شخصية الوضع في المواد إن كان وحدة كل واحدة منها طبيعة وذاتاً وامتيازها عن مادة أخرى بذاتها، فهو ب-ع-ي-ن-ه موجودة في الهيئات، فان كل هيئة بنفسها وبشخصها ممتازة عن هيئة أخرى، مثلاً هيئة فاعل ممتازة بذاتها عن سائر الهيئات فلها وحدة طبيعية وشخصية ذاتية، وإن كان ملاك نوعية الوضع في الهيئات عدم اختصاص الهيئة بمادة دون مادة فهو موجود بعينه في المواد، بداهة عدم اختصاص المادة بهيئة دون هيئة أخرى، مثلاً مادة (ض ر ب كما هي موجودة في (ضرب) كذلك موجودة في زنة (ضارب) و (مضروب) ونحو ذلك من الأوزان، فلا فرق بين الهيئة والمادة ليكون وضع الأولى نوعياً والثانية شخصياً.)وقد أجاب عنه شيخنا المحقق (قدس سره بوجهين، وإليك قوله :)1 - والتحقيق أن جوهر الكلمة،ومادتها أعني الحروف الأصلية المترتبة


1) البقرة 2: 17.

الممتازة عن غيرها ذاتاً أو ترتيباً، أمر قابل للحاظ الواضع بنفسه فيلاحظ بوحدته الطبيعية وتوضع لمعنى، بخلاف هيئة الكلمة، فان الزنة لمكان اندماجها في المادة لا يعقل أن تلاحظ بنفسها لاندماجها غاية الاندماج في المادة، فلا استقلال لها في الوجود اللحاظي كما في الوجود الخارجي كالمعنى الحرفي، فلا يمكن تجريدها ولو في الذهن عن المواد، فلذا لا جامع ذاتي لها كحقائق النسب، فلا محالة يجب الوضع لأشخاصها بجامع عنواني كقولهم : كل ما كان على زنة فاعل، وهو معنى نوعية الوضع، أي الوضع لها بجامع عنواني لا بشخصيتها الذاتية.2 - أو المراد أنّ المادة حيث يمكن لحاظها فقط فالوضع شخصي، والهيئة حيث لا يمكن لحاظها فقط إلا في ضمن مادة فالوضع لها يوجب اقتصاره عليها فيجب أن يقال : هيئة فاعل وما يشبهها، وهذا معنى نوعية الوضع، أي لا لهيئة شخصية واحدة بوحدة طبيعية بل لها ولما يشبهها فتدبر (1، انتهى.)وما أفاده (قدس سره من الجواب في غاية المتانة وحاصله : أنّ كل مادة يمكن للواضع أن يلاحظها بشخصها وبوحدتها الطبيعية، مثلاً لفظ الانسان أو مادة (ض ر ب) يمكن أن يلاحظه بشخصه وبوحدته ويوضع لمعنى، فالوضع لا محالة يوجب الاقتصار على تلك المادة أو ذلك اللفظ فلا ينحل إلى أوضاع عديدة، فيكون نظير الوضع الخاص والموضوع له الخاص، وهذا بخلاف الهيئة، فانّها حيث لا يمكن أن تلاحظ بشخصها ووحدتها الذاتية بدون مادة ما، يجب أن توضع بجامع عنواني، ومن هنا ينحل إلى أوضاع متعددة فيثبت لكل هيئة وضع خاص مستقل نظير وضع العام والموضوع له الخاص، وهذا معنى كون الوضع فيها نوعياً، أي أن الملحوظ حال الوضع جامع عنواني، ولكن الموضوع)


1) نهاية الدراية 1: 77.

معنون هذا العنوان لا نفسه.والنتيجة : أنّ الوضع ينحل إلى أوضاع عديدة بتعدد أفراد تلك الهيئة الانتزاعية، وهذا معنى أنّ الوضع نوعي. وهذا بخلاف المواد، فان شخص كل مادة موضوع بازاء معنى ما، فلأجل ذلك كان الوضع فيها شخصياً.### الأمر الثامن علامات الحقيقة والمجاز#### إشارة:إنهم ذكروا للحقيقة علائم :#### 1 - التبادرمنها : التبادر وهو خطور المعنى في الذهن بمجرد سماع اللفظ وإطلاقه من دون لحاظ أية قرينة وعناية في البين من حالية أو مقالية، ومن الواضح أنّ مثل هذا التبادر معلول للوضع لا محالة وكاشف عنه كشفاً إنياً، والوجه في ذلك : هو أنّ دلالة اللفظ لا تخلو إمّا أن تكون ذاتية، أو تكون جعلية، وعلى الثاني إما أن تكون الدلالة مع القرينة أو بدونها.أما الأولى فقد عرفت بطلانها على ما حققناه في مسألة الوضع.وأمّا الثانية فهي خارجة عن مفروض كلامنا في المقام، فيتعين الثالثة فيدل التبادر على الوضع.وبتعبير آخر أنّ مطلق تبادر المعنى من إطلاق اللفظ وفهمه منه ليس علامة لاثبات الحقيقة، بل العلامة حصة خاصة منه وهي فهم المعنى من اللفظ نفسه بلا معونة خارجية، وهي كاشفة عن الوضع لا محالة، كما يكشف المعلول عن علته

وقد يورد على ذلك باستلزامه الدور، بيانه أنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الوضع وحده لا يكفي للتبادر ولا يكون علّة تامة له، فانّ الموجب للتبادر هو العلم بالوضع لا نفسه، فلو انتفى العلم به انتفى التبادر فينتج أنّ التبادر في الحقيقة معلول للعلم بالوضع، فلو كان العلم بالوضع متوقفاً عليه لدار.وأجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)بوجهين:)الأوّل : أنّ التبادر عند العالم بالوضع علامة الحقيقة للجاهل به، فالمستعلم يرجع في ذلك إلى العالم بالوضع، كما هو طريقة دارجة بين أهل المحاورة في مقام استعلام اللغات الأجنبية وتعاليمها، وبذلك يندفع الدور من أصله.الثاني : أنّ التبادر وإن كان متوقفاً على العلم بالوضع لا محالة إلا أن ذلك العلم ارتكازي مكنون في خزانة النفس، وثابت في حافظة أهل كل لغة بالقياس إلى لغاتهم وهم يستعملون تلك اللغات في معانيها حسب ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيلي منهم إلى خصوصيات تلك المعاني من حيث السعة والضيق فإذا حصل الالتفات منهم إلى خصوصيات تلك المعاني حصل لهم العلم تفصيلاً بها، وبذلك تحصل المغايرة بين العلمين فارتفع الدور من البين.ثم لا يخفى أنّ تبادر المعنى من نفس اللفظ من دون قرينة لا يثبت به إلا وضع اللفظ لذلك المعنى، وكون استعماله فيه حقيقياً في زمان تبادره منه، له، وأمّا وضعه لذلك المعنى في زمان سابق عليه فلا يثبت بالتبادر المتأخر، فلابد في إثبات ذلك من التشبث بالاستصحاب القهقرى الثابت حجيته في خصوص باب الظهورات بقيام السيرة العقلائية وبناء أهل المحاورة عليه، فانهم يتمسكون بذلك الاستصحاب في موارد الحاجة ما لم تقم حجة أقوى على خلافه، ب-ل


1) كفاية الأصول : 18.

على ذلك الأصل تدور استنباط الأحكام الشرعية من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، ضرورة أنّه لولا اعتباره لا يثبت لنا أن هذه الألفاظ كانت ظاهرة في تلك الأزمنة في المعاني التي هي ظاهرة فيها في زماننا، ولكن ببركة ذلك الاستصحاب نثبت ظهورها فيها في تلك الأزمنة أيضاً ما لم تثبت قرينة على خلافها، وسمي ذلك الاستصحاب بالاستصحاب القهقرى، فانّه على عكس الاستصحاب المصطلح السائر في الالسنّة، فانّ المتيقن فيه أمر سابق، والمشكوك فيه لاحق، على عكس الاستصحاب القهقرى فانّ المشكوك فيه، أمر سابق، والمتيقن لاحق.هذا كله فيما إذا أحرز التبادر وعلم أنّ المعنى ينسبق إليه الذهن من نفس اللفظ، وأمّا إذا لم يحرز ذلك، واحتمل أنّ ظهور اللفظ مستند إلى وجود قرينة داخلية أو خارجية فلا يمكن إثبات الحقيقة بأصالة عدم القرينة، إذ لا دليل على حجيته، فانّه إن تمسك في إثبات حجيته بأخبار الاستصحاب، فيردّه أنّ الاستصحاب لا يثبت اللوازم غير الشرعية، ومن الظاهر أن استناد الظهور إلى نفس اللفظ من لوازم عدم القرينة عقلاً، فلا يثبت باستصحاب عدمه.وإن تمسك فيه ببناء العرف على عدم الاعتناء باحتمال القرينة، فيردّه أنّ بناء العرف وأهل المحاورة إنّما يختص بما إذا شكّ في مراد المتكلم ولم يعلم أنه المعنى الحقيقي أو معنى آخر غيره، وقد نصب على إرادته قرينة قد خفيت علينا، وأمّا إذا علم المراد وشكّ في أنّ ظهور اللفظ فيه من جهة الوضع أو من جهة القرينة، فلا بناء من أبناء المحاورة على عدم الاعتناء باحتمال القرينة. فتلخّص : أن إثبات الحقيقة يتوقف على إحراز أن الظهور مستند إلى نفس اللفظ لا إلى القرينة.#### 2 - عدم صحّة السلبومنها : أي علائم الحقيقة عدم صحّة السلب، وذكروا أن صحّة السلب علامة المجاز، وقد يعبّر عن الأولى بصحة الحمل، وعن الثانية بعدم صحّة

الحمل، فيقال إنّ حمل اللفظ بما له من المعنى الارتكازي على معنى علامة أنه حقيقة فيه وكاشف عن كونه موضوعاً بازائه، كما أنّ عدم صحّة حمل اللفظ كذلك على معنى علامة للمجاز، وكاشف عن عدم وضعه بازائه.والصحيح أن يقال : إنّ شيئاً منهما لا يصلح لأن يكون علامة للحقيقة أو المجاز، بيان ذلك : أنّ ملاك صحّة الحمل مطلقاً، سواء كان حملاً أولياً ذاتياً، أم كان حملاً شائعاً صناعياً، هو الاتحاد من جهة لئلا يلزم حمل المباين على مباين آخر، والمغايرة من جهة أخرى حتّى لا يلزم حمل الشيء على نفسه، والمغايرة قد تكون بالاعتبار، والمراد منه الاعتبار الموافق للواقع لا مجرد الفرض كما في حمل الحد على المحدود، فانّهما متحدان بالذات والحقيقة، ومختلفان باللحاظ والاعتبار، أعني به الاختلاف من جهة الاجمال والتفصيل والجمع والتفريق، مثلاً المفهوم من لفظ (الانسان، ومن جملة (الحيوان الناطق) حقيقة واحدة، وهذه الحقيقة الواحدة المركبة ممّا به الاشتراك وما به الامتياز، ملحوظة في الانسان بنحو الوحدة والجمع، وفي الحيوان الناطق بنحو الكثرة والتفريق، فجهة الوحدة في الانسان كجهة الكثرة في الحيوان الناطق اعتبار م-واف-ق للواقع، ضرورة أنّ هذه الحقيقة الواحدة بتلك الجهة غير تلك الحقيقة بالجهة الأخرى.)وقد ذكرنا سابقاً أنه يمكن تصوير شيء واحد مرّة بنحو الوحدة، ومرة أخرى بنحو الكثرة، وقد مثلنا لذلك بمفهوم الدار فانّه مركب من حيطان وساحة وغرفة أو غرف، وهذا المفهوم ملحوظ بنحو الجمع في لفظ الدار، وبنحو التفريق في كلمات الحيطان والساحة والغرف. وقد تكون المغايرة ذاتية والاتحاد في أمر خارج عن مقام الذات كما في الحمل الشائع الصناعي مثل قولنا : زيد إنسان أو كاتب، فان مفهوم زيد غير مفهوم الانسان أو الكاتب، فهما مفهومان متغايران،

ولكنها موجودان في الخارج بوجود واحد، ويسمّى هذا الحمل بالشائع لأجل شيوعه بين عامة الناس على عكس الأولى، وبالصناعي لأجل استعماله في صناعات العلوم وأقيستها، وإذا اتضح ذلك فنقول: إن صحّة شيء من ذينك الحملين لا تكون علامة للحقيقة، ولا يثبت بهما المعنى الحقيقي.وتفصيل ذلك : أنّ الحمل الذاتي لا يكشف إلّا عن اتحاد الموضوع والمحمول ذاتاً، ومغايرتها اعتباراً، ولا نظر في ذلك إلى حال الاستعمال وأنه حقيقي أو مجازي، مثلاً حمل (الحيوان الناطق على الانسان لا يدل إلّا على اتحاد معنييهما حقيقة، ولا نظر فيه إلى أنّ استعمال لفظ الانسان فيما أريد به حقيقي أو مجازي، ومن الظاهر أن مجرد الاستعمال لا يكون دليلاً على الحقيقة.)وعلى الجملة : فصحة الحمل الذاتي بما هو لا يكشف إلا عن اتحاد المعنيين ذاتاً، وأمّا أنّ استعمال اللفظ في القضيّة استعمال حقيق فهو أمر آخر أجنبي عن صحّة الحمل وعدمها. نعم، بناءً على أنّ الأصل في كل استعمال أن يكون حقيقياً كما نسب إلى السيد المرتضى (1(قدس سره) يمكن إثبات الحقيقة إلا أنه لم يثبت في نفسه، كما ذكرناه غير مرّة. على أنه لو ثبت فهو أجنبي عن صحّة الحمل وعدمها.)وبكلمة أخرى: أنّ صحّة الحمل وعدم صحته يرجعان إلى عالم المعنى والمدلول، فمع اتحاد المفهومين ذاتاً يصح الحمل وإلا فلا، وأما الحقيقة والمجاز فهما يرجعان إلى عالم اللفظ والدال، وبين الأمرين مسافة بعيدة.نعم، لو فرض في القضيّة الحملية أنّ المعنى قد استفيد من نفس اللفظ من دون قرينة، كان ذلك علامة،الحقيقة إلّا أنّه مستند إلى التبادر لا إلى صحّة


1) الذريعة إلى أصول الشريعة : 13.

الحمل.وقد أصبحت النتيجة بوضوح أنّ صحّة ذلك الحمل بما هو حمل لا تكون علامة لاثبات،الحقيقة وكذا عدمها لا يكون علامة لاثبات المجاز، بل هما علامة الاتحاد والمغايرة لا غير، فنحتاج في إثبات الحقيقة إلى التمسك بالتبادر من الاطلاق أو نحوه، هذا.وأمّا الحمل الشائع فتفصيل الكلام فيه : أنّ ملاك صحته بجميع أنواعه اتحاد المعنيين، أي الموضوع والمحمول وجوداً، ومغايرتها مفهوماً، فذلك الوجود الواحد إمّا أن يكون وجوداً لهما بالذات، أو يكون لأحدهما بالذات وللآخر بالعرض، أو لكليهما بالعرض، فهذه أقسام ثلاثة :أما القسم الأوّل : فهو في حمل الطبيعي على أفراده ومصاديقه، وحمل الجنس على النوع، وحمل الفصل عليه، وبالعكس، فانّ الموضوع والمحمول في تمام هذه الموارد متحدان في الوجود الخارجي، بمعنى أن وجوداً واحداً وجود لهما بالذات والحقيقة، مثلاً وجود زيد هو وجود الانسان بعينه، لأنّ وجود الطبيعي بعين وجود فرده، وليس له وجود آخر غيره، فالوجود الواحد وجود لهما بالذات، وإنما الاختلاف في جهتي النسبة، وكذلك الحال في قولنا: الانسان حيوان، أو قولنا : الانسان ناطق إلى غير ذلك، فانّ المحمول والموضوع في جميع ذلك متحدان فيما يكون وجوداً لهما بالذات.وأما القسم الثاني : فهو في حمل العناوين العرضية على معروضاتها، كحمل الضاحك أو الكاتب أو العالم أو الأبيض أو الأسود على زيد مثلاً، فان هذه العناوين جميعها عرضية انتزاعية منتزعة من قيام الأعراض بموضوعاتها، وليس لها وجود في الخارج، والموجود فيه نفس الأعراض والمقولات التي هي من مبادئ تلك العناوين ومنشأ،انتزاعها وعليه فنسبة ما به الاتحاد وهو وجود

زيد المتصف بتلك المبادئ إلى تلك العناوين بالعرض والمجاز، وبمقتضى القاعدة السائرة في الكائنات بأجمعها وهي أنّ كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، ينتهي هذا الحمل - أي العناوين على معروضاتها - إلى حم--ل ث-ان، ويدل الكلام عليه بالدلالة الإلتزامية لا محالة، فذلك الحمل يكون من قبيل حمل الطبيعي على أفراده فان في قولنا زيد ضاحك مثلاً، بما أنّ الضاحك عنوان عرضي انتزاعي، فلا محالة ينتهي الأمر إلى حمل الضحك على الصفة القائمة بزيد، وهو من حمل الكلّي على فرده، فبالنتيجة يرجع هذا القسم إلى القسم الأوّل، وإن كان مغايراً له بحسب الصورة.وأمّا القسم الثالث : فهو في حمل بعض العناوين العرضية على بعضها الآخر كقولهم: الكاتب متحرك الأصابع، أو المتعجب ضاحك ونحو ذلك. وقد اتضح لك أنه ليس للعناوين العرضية وجود في عالم الخارج بالذات، بل يضاف إليها وجود ما يتصف بها إضافة بالعرض، وبقانون أنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، فلا محالة ينتهي الأمر إلى حملين آخرين: أحدهما: حمل صفة الكتابة أو التعجب على شيء. وثانيهما: حمل الحركة أو الضحك على شيء آخر، فيدخل هذا القسم أيضاً في القسم الأوّل، والاختلاف بينهما في الصورة لا في الحقيقة.فتلخص من ذلك : أنّ مرجع جميع هذه الأقسام إلى قسم واحد وهو القسم الأوّل، وعلى ضوء أنّ الملاك في صحّة الحمل الشائع هو الاتحاد في الوجود الخارجي، ظهر أنّ صحته لا تكشف عن الحقيقة، ضرورة أنها لا تكون أمارة إلا على اتحاد المحمول مع الموضوع خارجاً، وأمّا أنّ استعمال اللفظ في المحمول على نحو الحقيقة فهي لا تدل عليه، إذ ليس هنا إلّا مجرد التعبير عنه بذلك اللفظ،، وهو لا يزيد على الاستعمال، وهو أعم من الحقيقة.نعم، إذا فرض تجرد اللفظ عن القرينة وتبادر منه المعنى، كان ذلك آية

الحقيقة إلّا أنّه خارج عن محل الكلام بالكلية.وعلى الجملة : فملاك صحّة الحمل نحو من أنحاء الاتحاد خارجاً، وملاك الحقيقة استعمال اللفظ في الموضوع له، فأحد الملاكين أجنبي عن الملاك الآخر، لامكان أن يتحد الموضوع والمحمول في الخارج مع كون استعمال اللفظ في المحمول مجازاً، وقد عرفت أنّ الحقيقة والمجاز أمران يرجعان إلى عالم الألفاظ، وصحة الحمل ترجع إلى عالم المدلول فاثبات أحدهما لا يكون دليلاً على إثبات الآخر.فقد أصبحت النتيجة لحد الآن : كما أن صحّة الحمل الأولي الذاتي لا تكشف عن الحقيقة، كذلك صحّة الحمل الشائع الصناعي، ومن ذلك يظهر حال عدم صحّة الحمل أيضاً حرفاً بحرف.ولكن في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره أن صحّة الحمل مطلقاً، سواء كان ذاتياً أم كان شائعاً صناعياً، كاشفة عن الحقيقة، وأفاد في وجه ذلك ما ملخصه : أن صحّة الحمل الذاتي تكشف عن أنّ المعنى المعلوم لدى المستعلم تفصيلاً، والمعنى المعلوم لديه ارتكازاً متحدان بالذات والحقيقة، وبذلك الاتحاد يستكشف له تفصيلاً أنّ اللفظ موضوع لذاك المعنى المعلوم لديه تفصيلاً، ولكنّه (قدس سره) استثنى من ذلك حمل الحد على المحدود، كما في مثل الانسان حيوان ناطق فقال : إنّ صحّة الحمل فى مثل ذلك لا تكشف عن الحقيقة اللغوية، بدعوى أن مفهوم الحيوان الناطق مفهوم مركب مفصل، ومفهوم الانسان مفهوم مفرد بسيط. هذا في الحمل الأولي.)وأما صحّة الحمل الشائع الصناعي فهي تكشف عن اتحاد الموضوع والمحمول اتحاد الطبيعي مع فرده، وبذلك الاتحاد يستكشف أنّ اللفظ موضوع للطبيعي (1.)


1) بدائع الأفكار 1: 98.

والجواب عن ذلك : قد ظهر ممّا تقدّم، فانّك قد عرفت أن صحّة الحمل مطلقاً ذاتياً كان أم صناعياً لا تتوقف على كون الاستعمال حقيقياً لتكون كاشفة عنه، فان ملاك أحدهما غير ملاك الآخر، فملاك صحّة الحمل اتحاد المفهومين، إمّا بحسب الحقيقة والذات أو بحسب الوجود، فإذا كانا كذلك صح الحمل سواء كان التعبير عن المعنى المعلوم تفصيلاً حقيقياً أم كان مجازياً، وهذا أجنبي عن صحّة الحمل وعدمها رأساً ضرورة أنّ حمل الانسان على زيد صحيح سواء كان إطلاق لفظ الإنسان على الطبيعي المنطبق على زيد في الخارج حقيقياً أم مجازياً.وعلى الجملة : بمجرد صحّة حمل شيء على شيء عند العرف وأبناء المحاورة لا يستكشف منها الوضع والحقيقة إلّا بمعونة التبادر أو نحوه، وإلا فالحمل لو خلّي وطبعه لا يدل على أزيد من الاتحاد بين الموضوع والمحمول بنحو من أنحاء الاتحاد.ومن الغريب أنه (قدس سره فرّق في الحمل الذاتي بين حمل الحد على المحدود كقولك : الانسان حيوان ناطق، وبين غيره كقولك : الغيث مطر، فقال : إن الأوّل لا يدل على الوضع دون الثاني، وذلك لأنّ الاتحاد لو كان طريقاً إلى الحقيقة فمن اتحاد الحيوان الناطق مع الانسان بالذات والحقيقة، يستكشف بالضرورة أنّ لفظ الانسان موضوع لمعنى يحلله العقل إلى جزأين جزء مشترك ف-ي-ه وه-و الحيوان وجزء آخر يميزه عن غيره وهو الناطق فهما بعينهما معنى الانسان بالتحليل العقلي، كما هو شأن كل مفهوم بالاضافة إلى حكم العقل. وهذا لعله من الواضحات.)ثم لا يخفى أنّ ما ذكره من أنّ صحّة الحمل عند المستعلم علامة لاثبات الحقيقة لا محصل له، وذلك لأنّ الصحّة في مرتبة متأخرة عن إحراز ملاك الحمل بين المفهومين، فلابد أوّلاً من تصورهما تفصيلاً وإحراز الملاك المصحح لحمل

أحدهما على الآخر، ثمّ يحمل هذا على ذاك، والعلم الارتكازي بالمعنى لا يكفي في صحّة الحمل، بل لا بد من الالتفات التفصيلي.#### 3 - الاطرادومنها: أي علائم الحقيقة الاطراد، وذكروا عدم الاطراد من علائم المجاز. لا يخفى أنّ المراد من الاطراد ليس تكرار الاستعمال في معنى، ضرورة أنه إذا صح الاستعمال فيه مرّة واحدة يصح فيه مرّات عديدة، من دون فرق في ذلك بين الاستعمال الحقيقي والمجازي.ومن هنا فسّر الإطراد شيخنا المحقق (قدس سره بمعنى آخر وإليك قوله : مورد هاتين العلامتين - الاطراد وعدمه - ما إذا أطلق لفظ باعتبار معنى كلي على فرد يقطع بعدم كونه من حيث الفردية من المعاني الحقيقية، لكنّه يشك في أن ذلك الكلي كذلك أم لا، فاذا وُجد صحّة الإطلاق مطرداً باعتبار ذلك الكلي کشف عن كونه من المعاني الحقيقية، لأنّ صحّة الاستعمال فيه - وإطلاقه على أفراده مطرداً - لابد من أن تكون معلولة لأحد الأمرين : إما الوضع أو العلاقة، وحيث لا اطراد لأنواع العلائق المصححة للتجوز ثبت الاستناد إلى الوضع، فنفس الاطراد دليل على الحقيقة وإن لم يعلم وجه الاستعمال على الحقيقة، كما أن عدم الاطراد في غير مورد يكشف عن عدم الوضع له، وإلا لزم تخلّف المعلول عن العلة، لأنّ الوضع علّة صحّة الاستعمال مطرداً، وهذه العلامة علامة قطعية لو ثبت عدم اطراد علائق المجاز، كما هو المعروف والمشاهد في جملة من الموارد (1)انتهى.)وحاصله : أن إطلاق لفظ باعتبار معنى كلّي على فرد مع القطع بعدم كون ذلك الفرد من حيث الفردية معنى حقيقياً، إن كان مطرداً كشف عن كونه من


1) نهاية الدراية 1: 84.

المعاني الحقيقية، وإن لم يكن مطرداً كشف عن كونه من المعاني المجازية، مثلاً إطلاق لفظ الأسد على كل فرد من أفراد الحيوان المفترس مع العلم بعدم كون الفرد بخصوصه من المعاني الحقيقية، لما كان مطرداً كشف ذلك عن كون الحيوان المفترس معنى حقيقياً له، وإطلاقه على كل فرد من أفراد الشجاع لما لم يكن مطرداً، فانّه يصح إطلاقه باعتبار هذا المفهوم الكلي على الانسان وعلى جملة من الحيوانات، إلّا أنّه لا يصح إطلاقه على النملة الشجاع مثلاً، كشف ذلك عن كونه من المعاني المجازية.نعم، إن إطلاق لفظ الشجاع باعتبار هذا المفهوم الكلي على جميع أفراده حيث كان مطرداً كشف هذا عن كون ذلك الاطلاق حقيقياً.ولكن الصحيح أنّه لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنّ المراد من الاطراد كما لا يمكن أن يكون تكرار الاستعمال لما مرّ، كذلك لا يمكن أن يراد به التكرار في التطبيق أي تطبيق المعنى على مصاديقه وأفراده.بيان ذلك: أن انطباق الطبيعي على أفراده والكلي على مصاديقه أمر عقلي، وأجنبي عن الاستعمال بالكلية، فلا يعقل أن يكون المعنى كلياً ومع ذلك لا ينطبق على تمام أفراده و مصاديقه، ولا يصح إطلاقه عليها، فهذا من الواضحات الأولية وغير قابل للنزاع فيه أصلاً.وأما عدم انطباق بعض المفاهيم في بعض الموارد فهو إنما كان من جهة ضيق دائرة ذلك المفهوم من ناحية تخصصه بخصوصية ما عرفاً، ومن الواضح أنّ مثل هذا المفهوم لا ينطبق إلا على أفراد تلك الحصة خاصة دون غيرها، فانّ سعة الانطباق وضيقه تابعان لسعة المفهوم وضيقه، فإذا كان المفهوم وسيعاً كان الانطباق كذلك، وإذا كان مفهوماً ضيّقاً كان الانطباق مثله، وعلى كلِّ فلا يعقل انطباقه على غير أفراده وعدم انطباقه إلا على بعض أفراده، مثلاً مفهوم الانسان

إذا لاحظناه بما له من السعة والإطلاق فلا محالة ينطبق على جميع أفراده فلا يعقل انطباقه على بعضها دون بعضها الآخر، وإن لاحظناه بما له من الخصوصية كالعالمية أو الهاشمية أو العربية أو غير ذلك، فلا يعقل انطباقه إلا على أفراد هذه الحصة، فعدم الاطراد بهذا المعنى أو الاطراد، مشترك فيه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وتابع لسعة المعنى وضيقه مثلاً لفظ الماء في لغة العرب موضوع للجسم السيال البارد بالطبع، مع أنه لا ينطبق على كل جسم سیال بارد بالطبع، وليس ذلك إلّا من جهة أن معناه حصة خاصة منه، لا هو على إطلاقه وسريانه، وعليه فلا محالة لا ينطبق إلّا على أفراد تلك الحصة دون غيرها وهكذا، وعلى ذلك لا يكون عدم الاطراد كاشفاً عن عدم الحقيقة.ومنه يظهر أنّ عدم اطراد إطلاق لفظ الأسد باعتبار مفهوم الشجاع على كل فرد من أفراده، لا يكون إلا من جهة أن صحّة ذلك الإطلاق إنما كانت باعتبار حصة خاصة من ذلك الكلّي، لا هو باطلاقه، ومن المعلوم أن ذلك الاطلاق باعتبار تلك الحصة مطرد.فالنتيجة لحد الآن أمور:الأوّل : أن انطباق طبيعي المعنى على أفراده ومصاديقه قهري وأجنبي عن الاستعمال رأساً.الثاني : أنّ سعة الانطباق وضيقه تابعان لسعة المعنى وضيقه عرفاً، فان تعيين المفاهيم وخصوصياتها من حيث السعة والضيق أمر راجع إلى أهل العرف، فان كان معنى اللفظ عندهم وسيعاً كان الانطباق أيضاً كذلك، وإن كان ضيقاً وحصّة خاصة فالانطباق تابع له.الثالث: أنه لا فرق في ذلك بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فهما على حد سواء في ذلك.

الرابع : أنّ الاطراد بهذا المعنى وعدمه أجنبيان عن الحقيقة والمجاز.والذي ينبغي أن يقال في المقام: هو أن الاطراد الكاشف عن الحقيقة في الجملة عبارة عن استعمال لفظ خاص في معنى مخصوص في موارد مختلفة بمحمولات عديدة، مع إلغاء جميع ما يحتمل أن يكون قرينة على إرادة المجاز، فهذا طريقة عملية لتعليم اللغات الأجنبية، واستكشاف حقائقها العرفية.توضیح ذلك : هو أنّ من جاء من بلد إلى بلد آخر لا يعرف لغاتهم إذا تصدى لتعلم اللغة السائرة في هذا البلد رأى أنّ أهل البلد يطلقون لفظاً ویریدون به معنى، ويطلقون لفظاً آخر ویریدون به معنى آخر وهكذا، ولكنّه لا يعلم أنّ هذه الاطلاقات من الاطلاقات الحقيقية أو المجازية، فإذا رأى أنهم يطلقون هذه الألفاظ ويريدون بها تلك المعاني في جميع الموارد حصل له العلم بأنها معان حقيقية، لأن جواز الاستعمال معلول لأحد أمرين: إما الوضع، أو القرينة وحيث فرض انتفاء القرينة من جهة الاطراد فلا محالة يكون مستنداً إلى الوضع، مثلاً إذا رأى أحد أنّ العرب يستعملون لفظ الماء في معناه المعهود، ولكنّه شكّ في أنّه من المعاني الحقيقية، أو من المعاني المجازية، فمن إلغاء م-ا يحتمل أن يكون قرينة من جهة الاطراد علم بأنّه من المعاني الحقيقية، ولا يكون فهمه منه مستنداً إلى قرينة حالية أو مقالية.وبهذه الطريقة غالباً يتعلمون الأطفال والصبيان اللغات والألفاظ.فقد تحصل من ذلك : أنّ الاطراد بهذا التفسير الذي ذكرناه علامة لاثبات الحقيقة، بل إنّ هذا هو السبب الوحيد لمعرفة الحقيقة غالباً، فان تصريح الواضع وإن كان يعلم به الحقيقة إلّا أنّه نادر جداً، وأما التبادر فهو وإن كان يثبت به الوضع كما عرفت إلّا أنّه لا بد من أن يستند إلى العلم بالوضع، إما من جهة تصريح الواضع، أو من جهة الاطراد، والأوّل نادر فيستند إلى الثاني لا محالة.

### تعارض الأحوالالتخصيص والتقييد والمجاز والاشتراك والاضمار.ذكر وا لتقديم كل واحد منها على الآخر فيما إذا وقعت المعارضة بينها وجوهاً.ولكن الصحيح ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)من أن تلك الوجوه بأجمعها من الأمور الاستحسانية التي لا اعتداد بها أصلاً في ب-اب الألفاظ، فانّ المتبع في ذلك الباب الظهورات العرفية التي قد جرت على متابعتها السيرة العقلائية في مسألة الاحتجاج واللجاج، دون الاستحسانات العقلية، والأمور الظنية، إذ لم يترتب عليها أي أثر شرعي، إلا إذا كانت موجبة للظهور العرفي، فحينئذ العمل بالظهور، لا بها كما لا يخفى، فلا وجه لاطالة الكلام في ذلك أصلاً.)### الأمر التاسع في الحقيقة الشرعية#### إشارة:الكلام في هذه المسألة يقع في جهات:#### ثمرة البحثالجهة الأولى : قال جماعة منهم المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (2)تظهر الثمرة في المسألة بحمل الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة كألفاظ العبادات والمعاملات على المعاني الشرعية، بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعية، وعلى)


1) كفاية الأصول : 20.

2) كفاية الأصول: 22.

المعاني اللغوية بناءً على عدم ثبوتها.وقيل بالتوقف في المقام بناءً على الثاني بدعوى أن الحقيقة الشرعية وإن لم تثبت إلّا أنّه لا شبهة في صيرورة المعاني الشرعية من المجازات المشهورة من جهة كثرة استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني والمختار في تعارض الحقيقة مع المجاز المشهور التوقف، بل المشهور على ذلك، إلّا بناءً على حجية أصالة الحقيقة تعبداً كما نسب إلى السيّد المرتضى (1(قدس سره) وأما بناءً على اعتبار الظهور فلا ظهور لها في معانيها الحقيقية، هذا.)والتحقيق : أنّه لا ثمرة لهذه المسألة أصلاً، وفاقاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره(2)والوجه في ذلك هو أن الكبرى المذكورة وهي: حمل الألفاظ المستعملة في لسان الشارع على المعاني اللغوية أو التوقف بناءً على عدم الثبوت، وعلى المعاني الشرعية بناءً على الثبوت وإن كانت مسلّمة، إلا أن الصغرى غير ثابتة، لعدم الشك في المراد الاستعمالي من هذه الألفاظ، سواء قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية أم لم نقل، فهي على التقديرين استعملت في عرف المتشرعة في المعاني الشرعية، إذن لا يبقى مورد نشك فيه في المراد الاستعمالي.)وعلى الجملة : أنّ ألفاظ الكتاب والسنّة قد وصلت إلينا من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله بواسطة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ومن الواضح جداً أنّ الحقيقة الشرعية وإن فرض أنها لم تثبت إلّا أنّه لا شبهة في ثبوت الحقيقة المتشرعية في زمن ما وعليه فليس لنا مورد نشك فيه في مراد الشارع المقدّس من هذه الألفاظ، حتّى تظهر الثمرة المزبورة.)


1) الذريعة إلى أصول الشريعة : 13.

2) أجود التقريرات 1: 48.

نعم، لو فرض كلام وصل إلينا من النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله بلا وساطة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فيمكن أن تظهر الثمرة فيه إذا فرض الشك في مراده (صلى اللّه عليه وآله) منه، إلا أنه فرض في فرض، فبالنتيجة أنّه لا ثمرة للبحث عن هذه المسألة اصلاً، بل هو بحث علمي فقط.)#### إمكان الوضع التعييني بالاستعمالالجهة الثانية : قد تقدّم أنّ الوضع على قسمين: أحدهما: تعييني. والثاني: تعيّني.أما الوضع التعييني في المقام - بأن كان الشارع المقدس قد تصدى للوضع صريحاً - فهو مقطوع العدم، ضرورة أنه لو كان كذلك لنقل إلينا بالتواتر، كيف ولم ينقل حتّى بخبر الواحد، وذلك لعدم المانع منه مع توفر الداعي على نقله، وليس الوضع كمسألة الخلافة ونحوها لتوفّر الدواعي هناك على إخفائها وكتمانها، دونه.وأما الوضع التعييني بمعنى آخر، بأن يكون الوضع متحققاً بنفس الاستعمال كما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)فيقع الكلام في إمكانه أوّلاً، وفي وقوعه ثانياً، فهنا مقامان:)أما الكلام في المقام الأوّل : فقد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره(2)عدم إمكانه، بدعوى أنّ حقيقة الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى وإلقاء المعنى في الخارج، بحيث تكون الألفاظ مغفولاً عنها، فالاستعمال يقتضي أن يكون النظر إلى الألفاظ آلياً، والوضع يستدعي أن يكون النظر إلى الألفاظ استقلالياً، فالجمع بين الوضع والاستعمال في شيء يلازم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي وهو غير معقول.)


1) كفاية الأصول: 21.

2) أجود التقريرات 1: 49.

والتحقيق : أنّ الوضع - سواء كان بمعنى التعهد والالتزام النفساني، أو بمعنى اعتبار نفساني - على تمام أنحائه في مرتبة متقدمة على الاستعمال. أما على الأوّل: فواضح ضرورة أنّ التعهد والتباني بذكر لفظ خاص عند إرادة تفهيم معنی ما، يكون مقدّماً على الاستعمال لا محالة من دون فرق بين أن يكون إبراز هذا التعهد بمثل كلمة وضعت أو نحوها الدالة على التعهد بالمطابقة، أو يكون المبرز نفس الاستعمال الدال على ذلك بالالتزام بمعونة القرينة. وأما على الثاني : فلأنّ اعتبار الملازمة أو نحوها بين لفظ خاص ومعنى ما، مقدّم على الاستعمال بالضرورة، وإن كان المبرز لذلك الاعتبار نفس الاستعمال مع نصب القرينة على ذلك، وكيف كان فالاستعمال متأخر عن الوضع لا محالة.ونظير ذلك الهبة، فانّه تارة يبرزها بجملة (وهبتك الدالة عليها بالمطابقة وأخرى يبرزها بجملة (خذ هذا الثوب) مثلاً الدالة عليها بالالتزام.)فقد أصبحت النتيجة أنّ محذور لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي مندفع على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع، فانّ الوضع أمر نفساني ثابت في أفق النفس، والاستعمال أمر خارج عن أفق النفس، فالوضع سابق على الاستعمال دائماً.بل لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا الجمع بين الوضع والاستعمال في آن واحد، لم نسلّم استلزامه الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، فانّ هذا اللازم مبتن على مذهب المشهور في مسألة الاستعمال، حيث إنهم يرون الألفاظ في مرحلة الاستعمال آليات، وأمّا على المذهب الصحيح من أنّ حال الألفاظ حال المعاني في مقام الاستعمال، فكما أنّ المعاني ملحوظة استقلالاً، فكذلك الألفاظ، ومن هنا يلتفت المتكلم إلى خصوصيات الألفاظ الصادرة منه من كونها لغة عربية أو فارسية أو غير ذلك، فلا يلزم من الجمع بين الوضع والاستعمال، الجمع بين

اللحاظين الآلي والاستقلالي.فقد ظهر ممّا ذكرناه إمكان الوضع التعييني على أن يكون الدال عليه نفس الاستعمال، مع نصب القرينة على ذلك.#### ثبوت الحقيقة الشرعيةوأمّا الكلام في المقام الثاني : فالظاهر أنّه لا شبهة في وقوع الوضع التعييني على هذا النحو خارجاً، بل لعله كثير بين العرف والعقلاء في وضع الأعلام الشخصية والمعاني المستحدثة، وعليه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني على النحو المزبور في الجملة غير بعيدة.إنما الإشكال في أنّ ذلك الاستعمال، هل هو استعمال حقيقي أو مجازي، أو لا هذا ولا ذاك ؟ وجهان، بل قولانفقد اختار المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)الاحتمال الأخير، بدعوى أنه لا يكون من الاستعمال الحقيقي، من جهة أنّ الاستعمال الحقيقي استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له، والمفروض أنّه لا وضع قبل هذا الاستعمال، ليكون الاستعمال استعمالاً فيه، وأمّا أنّه لا يكون من الاستعمال المجازي، فلأجل أنّ الاستعمال المجازي استعمال اللفظ في المعنى المناسب للمعنى الموضوع له، والمفروض أنه لا وضع قبل هذا الاستعمال، ومعه لا يعقل المجاز، فانحصر أن لا يكون ذلك الاستعمال حقيقياً ولا مجازياً، وقد ذكرنا أن صحّة الاستعمال لا تدور مدار كونه حقيقياً أو مجازياً، بل صح الاستعمال بدون أن يكون متصفاً بأحدهما إذا كان حسناً عند الطبع، وقد عرفت أنّ إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله من هذا القبيل هذا محصل ما أفاده (قدس سره).)


1) كفاية الأصول: 21.

وقد ظهر ممّا حققناه سابقاً (1أنّ الإطلاقات المذكورة ليست من قبيل الاستعمال في شيء على تفصيل تقدّم.)كما أنه قد قد تبين ممّا ذكرناه الآن أنّ هذا الاستعمال استعمال حقيقي وفي المعنى الموضوع له، بيانه : هو أنك عرفت أنّ الوضع في مرتبة متقدمة على الاستعمال على جميع المسالك في تفسير الوضع، وعليه فالوضع يحصل قبل الاستعمال، فاذا كان كذلك فالاستعمال استعمال في الموضوع له، وهذا واضح.ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ الوضع ليس عبارة عن مجرد أمر نفساني من تعهد واعتبار ملازمة ونحو ذلك، بل للابراز دخل في حقيقة الوضع جزءاً أو قيداً، وبدونه لا يتحقق الوضع، كما هو الحال في مثل عنوان البيع والتجارة والهبة والصلح وما شاكل ذلك، فانّ هذه العناوين لا تتحقق عرفاً ولا تصدق خارجاً على مجرد الاعتبار النفساني ما لم يبرزه في الخارج بمبرز من قول أو فعل، فللابراز دخل فيها جزءاً أو قيداً، مثلاً عنوان البيع لا يصدق عرفاً على مجرد اعتبار البائع ملكية المبيع لزيد مثلاً، واعتبار زيد تملكه لنفسه بعوض معلوم ما لم يبرزه البائع بقوله : بعت أو ملكت والمشتري بقوله: اشتريت أو قبلت، فالبيع عبارة عن الأمر الاعتباري الخاص المبرز في الخارج بمبرز، وهكذا غيره، فلو سلمنا أن الوضع أيضاً كذلك فلا يكون هذا الاستعمال استعمالاً في غير ما وضع له، والوجه في ذلك : هو أنّه لا يعتبر في كون الاستعمال حقيقياً واستعمالاً في الموضوع له تقدّم الوضع على الاستعمال، بل غاية ما يقتضيه ذلك هو أن لا يكون الوضع متأخراً عن الاستعمال فيكفي في كون الاستعمال حقيقياً مقارنة الوضع معه،زماناً، والمفروض أنّ الوضع والاستعمال في مقامنا هذا


1) في ص 106.

كذلك، وإن كان الاستعمال مقدّماً عليه طبعاً ورتبة باعتبار أنه جزؤه أو قيده، إلّا أنّه لا يوجب تقدمه عليه زماناً.وقد تحصل من ذلك بوضوح : أنّ هذا الاستعمال استعمال في الموضوع له، ولو قلنا بأنّ الوضع يتحقق بنفس ذلك الاستعمال، وأنه الجزء الأخير والمتمم لتحققه.وكيف كان، فقد ذكر صاحب الكفاية (قدس سره ما نصه :)فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جداً، ومدعي القطع به غير مجازف قطعاً، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته، ثمّ يؤيد ذلك بعدم وجود علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية واللغوية في بعض الموارد...إلخ. وهذا الذي ذكره هو الصحيح.ثم قال (قدس سره هذا كله بناءً على كون معانيها مستحدثة في شرعنا، وأما بناءً على كونها ثابتة في الشرائع السابقة، كما هو قضيّة غير واحد م--ن الآيات مثل قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ...) إلخ، وقوله تعالى : (وأذن في الناس بالحج) وقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) إلى غير ذلك، فألفاظها حقائق لغوية لا شرعية، واختلاف الشرائع فيها جزءاً وشرطاً لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية، إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا، كما لا يخفى (1)انتهى.)وهذا الذي أفاده (قدس سره يمكن الجواب عنه بوجهين:)


1) كفاية الأصول: 21.

الوجه الأوّل : أنّ ثبوت هذه المعاني في الشرائع السابقة لا يضر بثبوت الحقيقة الشرعية في شرعنا، ضرورة أنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصّة، وليس في المقام إلّا التعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز، ومن الواضح أنه لا يدل على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة، بل هو لأجل اقتضاء مقام الافادة ذلك، كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات والقصص القرآنية التي كانت بالسريانية كما في لغة عيسى (عليه السلام، أو العبرانية كما في لغة موسى (عليه السلام) بل من المعلوم أن تلك المعاني كانت يعبّر عنها بألفاظ سريانية أو عبرانية، وقد نقلت عنها بهذه الألفاظ الخاصّة في شريعتنا لاقتضاء مقام الافادة ذلك.)وإن شئت فقل : إنّ معنى الحقيقة الشرعية ليس جعل المعنى واختراعه، بل جعل اللفظ بازاء معنى من المعاني، ولا يفرق فيه بين كون المعنى قديماً أو حادثاً في هذه الشريعة.وما يتوهم من أنّ الصلاة بهذه اللفظة موجودة في إنجيل برنابا لا بلفظة أخرى، عبرانية أو سريانية، فكما أنّ المعاني لم تكن مستحدثة، فكذلك الألفاظ التي يعبر بها عنها، مدفوع بأنّ وجود لفظ الصلاة في الإنجيل الرائج لا يدل على وجوده في أصله المعلوم أنّه لم يكن باللغة العربية. هذا مضافاً إلى أنّ لفظ الصلاة الموجود في الانجيل والتوراة لم يكن بالمعنى المركب من الأجزاء والشرائط والكيفية الخاصّة، بل كان بمعنى الدعاء، فالصلاة بهذه الكيفية والأجزاء والشرائط والموانع مستحدثة لا محالة.وربّما قيل بأنّ الألفاظ المذكورة موضوعة بازاء تلك المعاني قبل الشريعة الاسلامية، فالعرب قبلها كانوا قد تعهدوا لهذه المعاني في استعمالاتهم، والتزموا بذكر هذه الألفاظ عند إرادة تفهيمها، ومن هنا كانوا ينتقلون إلى معاني هذه

الألفاظ من لدن نزول هذه الآيات الكريمة كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كُمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (1)وقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (2)إلى غير ذلك، وهم لا يتوقفون في فهم هذه المعاني من تلك الألفاظ، ومن المعلوم أنّ هذا يكشف كشفاً قطعياً عن كونها حقيقة فيها قبل زمن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فهي حقيقة لغوية وليست بحقيقة شرعية، والقرآن الكريم قد تابعهم في استعمالها، ليكون أوقع في النفوس، حيث إنهم كانوا مستأنسين بالتعبير عنها بهذه الألفاظ الخاصّة.)والجواب عنه : أنّ هذا وإن كان ممكناً في نفسه إلا أنه لا شاهد عليه، لا من الآيات ولا من الروايات ولا من القرائن الخارجية.أمّا الأخيرتان فظاهر. وأمّا الأولى فكذلك، لأنّ شيئاً من هذه الآيات لا يشهد على ذلك، فقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... إلخ مثلاً، لا يدل على أنّ الصوم بهذا اللفظ الخاص كان موجوداً قبل الشريعة، غاية ما في الباب أنّ الآية تدل على أنّ الصوم كان موجوداً قبلها، أما أنه كان يعبّر عنه بهذا اللفظ الخاص، فهي ساكتة عن ذلك، والتعبير عنه في الآية المباركة من جهة اقتضاء مقام الافادة ذلك.)وأمّا انسباق هذه المعاني في أذهان القوم بمجرد نزول هذه الآيات، فهو من جهة أنّ هذه الألفاظ قد صدرت عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله قبل نزولها، ثمّ بعد ذلك جاءت الآيات الكريمة فحكت عما جاء به النبي الأعظم (صلى اللّه عليه وآله) وقد استند فهم العرب إلى ذلك لا محالة.)


1) البقرة :2 : 183.

2) مریم 31:19.

الوجه الثاني : أنا لو سلّمنا أنّ تسمية هذه المعاني بهذه الألفاظ بالحقيقة الشرعية تدور مدار كونها مستحدثة في شرعنا، إلا أن ثمرة ثبوت الحقيقة الشرعية تترتب على القول بثبوت الحقيقة في لسان الشارع لا محالة، ولا أثر لكون هذه المعاني قديمة وثابتة في الشرائع السابقة بالقياس إلى الثمرة المزبورة أصلاً، ولا يترتب على كونها معاني حديثة أثر ما عدا التسمية بالحقائق الشرعية، فانّ الثمرة التي ذكرت في المسألة وهي - حمل الألفاظ في استعمالات الشارع المقدّس على المعاني الشرعية بناءً على الثبوت - لا تترتب على كون هذه المعاني مستحدثة في هذه الشريعة، إذ المراد من هذه الألفاظ في استعمالات النبي (صلّى اللّه عليه وآله هو هذه المعاني، سواء قلنا بكونها معاني حديثة في شريعتنا أم كانت معاني ثابتة في الشرائع السابقة. فعلى كلا التقديرين تعهد الشارع المقدّس لهذه المعاني في استعمالاته قبال معانيها اللغوية، كانت مسماة بالحقائق الشرعية أو بالحقائق اللغوية، فلا فرق بين التسميتين في ثمرة النزاع أصلاً.)فتلخص أنّ ما أفاده (قدس سره من توقف ثبوت الحقيقة الشرعية على كون هذه المعاني مستحدثة في هذه الشريعة على تقدير تسليمه لا يترتب على ذلك أي أثر.)وأما القسم الثاني وهو الوضع التعيّني الذي ينشأ من كثرة الاستعمال، لا من الجعل والمواضعة، فثبوته في زمن الصادقين (عليهما السلام معلوم، ب--ل وحتى في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل ولا يبعد ثبوته في عصر النبي (صلى اللّه علیه و آله) بلسانه (صلّی اللّه علیه و آله) ولسان تابعيه، لكثرة استعمالات هذه الألفاظ في هذه المعاني وكثرة الأسئلة التي ترد من السائلين لا سيما في مثل لفظ الصلاة الذي هو أكثر استعمالاً من غيره من ألفاظ العبادات.)نعم، ثبوته في خصوص لسانه (صلّى اللّه عليه وآله مشكل جداً، لعدم)

العلم بكثرة استعمالاته (صلّى اللّه عليه وآله على حد توجب التعين، وقد أشار إلى ذلك الاشكال المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) بقوله، فتأمل (1).)وعليه فالروايات التي صدرت عنهم (عليهم السلام واشتملت على هذه الألفاظ قد أصبحت معلومة المراد فانّها تحمل على هذه المعاني بلا قرينة، لثبوت الحقيقة المتشرعية في زمنهم (عليهم السلام على الفرض، ومعه تنتفي الثمرة التي كنا نتوقعها من هذا البحث، باعتبار أن الروايات التي وصلت ع--ن المعصومين (عليهم السلام) إلينا المشتملة على هذه الألفاظ كان المراد منها معلوماً فلا ثمرة، بل لا داعي لهذا البحث بعد ذلك.)فقد أصبحت النتيجة لحد الآن في أمور :الأوّل : أنّ الصحيح ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني المتحقق بنفس الاستعمال.الثاني : إن قلنا بعدم الوضع التعييني فلا شبهة في ثبوت الوضع التعيّني في زمن الأئمة الأطهار (عليهم السلام من جهة كثرة استعمالات المتشرعة تلك الألفاظ في المعاني الجديدة.)الثالث : أنّه لا ثمرة للبحث عن هذه المسألة أصلاً، فان ألفاظ الكتاب والسنّة الواصلتين إلينا يداً بيد معلومتان من حيث المراد، فلا نشك في المراد الاستعمالي منهما، ولا يتوقف في حملها على المعاني الشرعية.ومن هنا لا يهمنا إطالة البحث عن أنّ الحقيقة الشرعية ثابتة أو غير ثابتة، فانّ الثمرة المذكورة غير مبتنية على ثبوت الحقيقة الشرعية.


1) كفاية الأصول : 22.

### الأمر العاشر الصحيح والأعم#### جريان النزاع على القول بعدم الحقيقة الشرعيةوقع الكلام بين الأعلام في أنّ ألفاظ العبادات والمعاملات هل تكون أسامي للصحيحة أو للأعم؟ قبل بيان ذلك ينبغي التنبيه على جهات:الجهة الأولى : لا إشكال في جريان النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، فانه القدر المتيقن في المسألة.وإنّما الاشكال في جريانه على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، ولكن الظاهر بل المقطوع به جريان النزاع على هذا القول أيضاً، والوجه في ذلك: هو أن مرجع هذا القول إلى أنّ الشارع المقدس من لدن نزول القرآن الحكيم هل استعمل هذه الألفاظ في المعاني الصحيحة من جهة لحاظ علاقة بينها وبين المعاني اللغوية، أو استعملها في الأعم من جهة لحاظ علاقة بينه وبين المعاني اللغوية ؟ فعلى الأوّل يكون الأصل في استعمالات الشارع الاستعمال في الصحيح إلا إذا قامت قرينة على الخلاف، وعلى الثاني ينعكس الأمر.بل يجري النزاع حتّى على القول بأنّ هذه الألفاظ استعملت في لسان الشارع في معانيها اللغوية، ولكنّه أراد المعاني الشرعية من جهة نصب قرينة تدل على ذلك بنحو تعدّد الدال والمدلول، كما نسب هذا القول إلى الباقلاني(1والوجه في ذلك: هو أن يقع النزاع في أنّ الشارع حين إرادته المعاني الشرعية بالقرينة، هل نصب القرينة العامّة على إرادة المعاني الصحيحة حتّى يحتاج إرادة الأعم)


1) قوانين الأصول : 39.

إلى قرينة خاصة؟ أو أنه نصبها على إرادة الأعم فارادة الصحيحة تحتاج إلى قرينة خاصة ؟#### معنى «الصحيح» في محل النزاعالجهة الثانية : الظاهر أنّ الصحّة بمعنى التمامية من حيث الأجزاء والشرائط التي يعبّر عنها في لغة الفرس بكلمة (درستي وهي معناها لغة وعرفاً.)وأما تفسير الفقهاء الصحّة بمعنى إسقاط القضاء والإعادة، والمتكلمين بمعنى موافقة الشريعة، فكلاهما من باب التفسير باللازم، فالصلاة مثلاً إذا كانت تامة من حيث أجزائها وشرائطها كانت موافقة للشريعة، ومسقطة للاعادة والقضاء، وليس شيء من ذلك معنی الصحّة، ولا من الحيثيات التي يتم بها حقيقتها. وهذا هو الحال في سائر المركبات الشرعية والعرفية.ومن ذلك ظهر فساد ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره حيث قال ما لفظه:)إنّ حيثية إسقاط القضاء اء وموافقة الشريعة وغيرهما، ليست من لوازم التمامية بالدقة، بل من الحيثيات التي يتم بها حقيقة التمامية، حيث لا واقع للتمامية إلا التمامية من حيث إسقاط القضاء، أو من حيث موافقة الأمر، أو من حيث ترتب الأثر إلى غير ذلك، واللازم ليس من متممات معنی ملزومه فتدبر.ثمّ قال في هامش كتابه: إنّه إشارة إلى أنّ اللازم إن كان من لوازم الوجود صح ما ذكر، وإن كان من لوازم الماهية فلا إذ لا منافاة في لازم الماهية وعارضها بين اللزوم وكونه محققاً لها كالفصل بالإضافة إلى الجنس، فانّه عرض خاص له، مع أن تحصل الجنس بتحصله، انتهى (1.)وجه الظهور : هو أنّ إسقاط القضاء والاعادة وموافقة الشريعة وغيرهما


1) نهاية الدراية 1: 95.

جميعاً من آثار التمامية ولوازمها وهي التمامية من حيث الأجزاء والشرائط، وليست من متممات حقيقتها ضرورة أنّ لها واقعية مع قطع النظر عن هذه الآثار واللوازم، والظاهر أنه وقع الخلط في كلامه (قدس سره بين تمامية الشيء في نفسه، أعني بها تماميته من حيث الأجزاء والشرائط، وتماميته بلحاظ مرحلة الامتثال والإجزاء، فانّه لا واقع لهذه التمامية مع قطع النظر عن هذه الآث--ار واللوازم. أو وقع الخلط بين واقع التمامية، وعنوانها، فان عنوان التمامية عنوان انتزاعي منتزع عن الشيء باعتبار أثره، فحيثية ترتب الآثار من متممات حقيقة ذلك العنوان. ولا واقع له إلا الواقعية من حيث ترتب الآثار، ولكنّه خارج عن محل الكلام، فان كلمة الصلاة مثلاً، لم توضع بازاء ذلك العنوان ضرورة، بل وضعت بازاء واقعه ومعنونه وهو الأجزاء والشرائط، ومن الظاهر أن حيثية ترتب الآثار ليست من متممات حقيقة تمامية هذه الأجزاء والشرائط، وعلى أي حال فلا وقع لما ذكره (قدس سره) أصلاً.)وأما ما أفاده (قدس سره من أنّه لا منافاة بين كون شيء لازماً لماهية وكونه محققاً لها، فانّ الفصل لازم لماهية الجنس، مع كونه محققاً لها في الخارج، فهو وإن كان صحيحاً، إلّا أنّ اللازم لا يعقل أن يكون من متممات معنى ملزومه، من دون فرق فيه بين لازم الوجود ولازم الماهية، فماهية الفصل بما هي من لوازم ماهية الجنس لا يعقل أن تكون من متمماتها بالضرورة، نعم الفصل بحسب وجوده محصل لوجود الجنس ومحقق له، ولكنّه بهذا الاعتبار ليس لازماً له، فاطلاق قوله (قدس سره) إنّ ذلك - أي اللازم ليس من متممات معنى ملزومه - إنما يتم في لازم الوجود دون لازم الماهية غير تام، وكيف كان فالأمر ظاهر لا سترة فيه.)وقد تحصّل من ذلك : أنّ الصحّة بمعنى تمامية المركب في نفسه وذاته، أعني بها

تماميته من حيث أجزائه وقيوده. ومن هنا يتبين أنّ البسيط لا يتصف بالصحة والفساد بل يتصف بالوجود أو العدم.كما ظهر أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيان يختلفان باختلاف حالات المكلّفين، مثلاً الصلاة قصراً صحيحة للمسافر، وفاسدة للحاضر، كما أنه-ا إذا وقعت إلى ما بين المشرق والمغرب صحيحة لمن لم يتمكن من تشخيص القبلة، وفاسدة للمتمكن من ذلك، وهكذا.فتحصّل : أنّ الصحّة التي هي داخلة في المسمّى على أحد القولين في المسألة من حيث أجزائه وقيوده مع قطع النظر عن أي أثر يترتب عليها، فانها في مرتبة سابقة على ترتب الآثار.ومن هنا يظهر أنّ الصحّة الفعلية التي هي منتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً خارجة عن محل الكلام ضرورة أنها في مرتبة متأخرة عن الأمر فكيف يعقل أخذها في المسمّى وفي متعلق الأمر، ومن الواضح أن المراد من الوضع للصحيح أو للأعم الوضع لما هو واقع في حيّز الأمر.وعلى ذلك فلا وجه للترديد والقول بأنّ الصحّة والفساد المبحوث عنهما في هذه المسألة هل هي بمعنى التمامية وعدمها من حيث موافقة الأمر، أو م-ن حيث إسقاط القضاء والاعادة، أو من حيث استجماع الأجزاء والشرائط، أو من حيث ترتب الأثر،وعدمه، أو غير ذلك، فانّك قد عرفت (1أن المبحوث عنه لا يمكن أن يكون إلّا التمامية وعدمها بالاضافة إلى الأجزاء والشرائط، وأما بقية الحيثيات فهي اجنبية عن معنى التمامية بالكلية، بل هي من الآثار واللوازم المترتبة عليها في مرتبة متأخرة. وهذا واضح، فلا وجه لاطالة الكلام)


1) في ص 153.

في ذلك كما عن شيخنا المحقق (قدس سره.)#### دخول الأجزاء والشرائط في محل النزاعالجهة الثالثة : لا شبهة في دخول الأجزاء جميعاً في محل النزاع، بلا فرق بين الأركان كالركوع والسجود والتكبيرة، وبين غيرها، وكذلك لا شبهة في دخول شرائط المأمور به في محل النزاع.وتوهم أنها خارجة عن محل النزاع بدعوى أن مرتبة الأجزاء مرتبة المقتضي، ومرتبة الشرائط متأخرة عن المقتضي، فانّ الشرائط دخيلة في فعلية التأثير كما في تقريرات شيخنا العلّامة الأنصاري (1(قدس سره) ولا يجوز إدخالها في المسمى، لتكون مساوية مع الأجزاء في الرتبة، مدفوع بأنّ تأخر الشرائط رتبة عن الأجزاء لا يستلزم عدم إمكان وضع اللفظ بازاء المجموع، ضرورة أنّ الوضع بازاء المتقدم والمتأخر رتبة بل زماناً، من الواضحات الأولية كما لا يخفى، فالتأخر في مقام العلية لا يوجب التأخر في مقام التسمية، فان أحد المقامين أجنبي عن المقام الآخر بالكلية.)ولا إشكال أيضاً في أنّ كل ما لم يؤخذ في المأمور به جزءاً أو شرطاً فهو خارج عن المسمّى وإن كان له دخل في الصحّة، وذلك كقصد القربة، وع--دم كون العبادة مزاحمة بواجب آخر الموجب لسقوط أمرها، وعدم كونها منهياً عنها.وهذا لا لأجل ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره من استحالة أخذ جميع ذلك في المسمّى، لما ذكره في وجهها وحاصله : أنّ الصحّة من جهة عدم المزاحم وعدم النهي ومن جهة قصد القربة في مرتبة متأخرة عن المسمّى وفرع تحققه، لينهى عنه أو يوجد له مزاحم أو يقصد به التقرّب، وعليه فكيف يعقل اعتبارها في المسمّى وأخذها فيه، فيكون من قبيل أخذ ما هو متأخر رتبة في)


1) مطارح الأنظار : 17.

المتقدم كذلك، وهو غير معقول (1.)فانّه يرد عليه : أنّ وضع لفظ بازاء شيئين طولتين رتبة بل زماناً بمكان من الامكان وليس فيه أيّ محذور أبداً، ومقامنا من هذا القبيل، إذ مجرد كون قصد القربة وعدم المزاحم وعدم النهي في طول الأجزاء المأمور بها وشرائطها لا يوجب استحالة أخذها في مسمّى لفظ الصلاة مثلاً، ولا يوجب تقدّم الشيء على نفسه، وغير ذلك من المحاذير.ومن الغريب استدلاله (قدس سره على استحالة أخذ هذه الأمور في المسمّى بكونها متفرعة على تحقق المسمّى في مرتبة سابقة عليها حتّى يوجد له مزاحم، أو ينهى عنه، أو يقصد به القربة، وذلك لأن قضية التفرع مبتنية على أن يكون المسمّى متحققاً بدون هذه الأمور ولم يكن لها دخل في تحققه، وأمّا إذا فرض أنها أيضاً مأخوذة فيه كالأجزاء والشرائط، فلا تحقق له قبل هذه الأمور حتّى يوجد له مزاحم أو غيره، وعليه فلو فرض مزاحم للمأمور به، أو فرض النهي عنه، أو أنه لم يقصد القربة به، لم يتحقق المسمّى، ضرورة انتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه.)نعم غاية ما يلزم على هذا هو كون المسمّى غير ما تعلق به الأمر، وهذا ليس بمحذور امتناع عقلي، بل لأنّ دخل هذه الأمور في المسمّى واضح البطلان، ومن ثمّ لم يحتمل أحد دخل هذه الأمور في المسمّى حتّى على القول بأنّ الألفاظ موضوعة للصحيحة.فالمتحصل ممّا ذكرناه : هو أنّ الأجزاء وشرائط المأمور به جميعاً داخلتان في محل النزاع من دون شبهة وإشكال، كما أنّه لا إشكال في خروج هذه الأمور


1) أجود التقريرات 1: 51.

عن محل النزاع.#### لزوم تصوير الجامع على القولينالجهة الرابعة : أنه لا بدّ على كلا القولين من تصوير جامع وحداني يشترك فيه جميع الأفراد.أما بناءً على أن يكون الموضوع له لأسماء العبادات والمعاملات عاماً كوضعها كما هو الصحيح، فالأمر واضح، فان لفظ الصلاة ونحوه من أسماء الأجناس، وقد تقدّم أنّ الموضوع له فيها عام غاية الأمر أنّ ذلك الجامع على أحد القولين حصة خاصة، وعلى القول الآخر طبيعة مطلقة، وهذا لا يوجب التفاوت في المقام.وأمّا بناءً على أن يكون الموضوع له فيها خاصاً فالأمر أيضاً كذلك، ضرورة أن تصوّر جميع الأفراد تفصيلاً غير معقول لعدم تناهيها، فلابد حينئذ من تصوّرها بجامع يكون ذلك الجامع معرفاً لها إجمالاً وبوجه، حتّى يمكن وضع اللفظ بازائها.فبالنتيجة أنّ تصوّر الجامع على كلا القولين لابد منه، سواء قلنا بأنّ الموضوع له عام أو خاص. وأمّا الاشتراك اللفظي أو كون الألفاظ حقيقة في بعض الأصناف ومجازاً في الباقي فهو مقطوع البطلان، كما يظهر ذلك من إطلاق لفظ الصلاة مثلاً على أصنافها على نسق واحد من دون لحاظ عناية في شيء منها.وبعد ذلك نقول : الكلام يقع في مقامين :المقام الأوّل: في العبادات.المقام الثاني : في المعاملات.

أما الكلام في المقام الأوّل :### المقام الأوّل : في العبادات#### نقد كلام المحقق النائيني في المقامفيقع في تصوير الجامع بين أفراد العبادات، وقد عرفت أنّ تصويره بينها لا بدّ منه، سواء قلنا بكونها موضوعة للصحيحة أم للأعم.ولكن شيخنا الأستاذ (قدس سره قد خالف في المقام، وذهب إلى أنّ-ه لاضرورة تدعو إلى تصوير جامع وحداني يشترك فيه جميع الأفراد، وأفاد في وجه ذلك أنه يمكن الالتزام بأنّ الموضوع له في مثل لفظ الصلاة مثلاً أوّلاً هو المرتبة العليا الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط، فانّ للصلاة باعتبار م-رات-به-ا عرضاً عريضاً، ولها مرتبة عليا وهي صلاة المختار، ولها مرتبة دنيا وهي صلاة الغرقى، وبين الحدّين متوسطات، فلفظة الصلاة ابتداءً موضوعة للمرتبة العليا على كلا القولين واستعمالها في غيرها من المراتب النازلة من باب الادعاء والتنزيل، أو من باب الاشتراك في الأثر.)فالصحيحي يدعي أنّ استعمال لفظ الصلاة في بقية المراتب الصحيحة إما من باب الادعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة فيما يصح فيه التنزيل، أو من باب الاشتراك في الأثر واكتفاء الشارع به في مقام الامتثال كما في صلاة الغرقى، فانّه لا يمكن فيها الالتزام بالتنزيل المزبور.والأعمي يدعي أنّ استعمالها في بقية مراتبها الأعم من الصحيحة والفاسدة من باب العناية والتنزيل، أو من باب الاشتراك في الأثر، فكل واحد من الأمرين موجب لجواز الاستعمال حتّى في فاسد صلاة الغرقى من باب تنزيله منزلة الواجد منها، المنزل منزلة التام الأجزاء والشرائط من جهة الاشتراك في الأثر.

نعم، استثنی (قدس سره من ذلك القصر والاتمام فقال إنهما في عرض واحد، فلابد من تصوير جامع بينهما، ثمّ رتب على ذلك بطلان ثمرة النزاع بين قول الأعمي وقول الصحيحي، وهي جواز التمسك بالإطلاق على الأعمي، وعدم جوازه على الصحيحي، فأنه بناء على كون الصلاة مثلاً موضوعة لخصوص المرتبة العليا لم يجز التمسك بالاطلاق ولو فرض وجود مطلق في العبادات، لعدم العلم بالتنزيل والمسامحة في مقام الاستعمال، ومعه يصبح اللفظ مجملاً لا محالة. ثمّ قال : إنّ الحال في سائر المركبات الاختراعية أيضاً كذلك، يعني أن اللفظ فيها موضوع ابتداءً للمرتبة العليا، واستعماله في بقية مراتبها من باب الادعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد أو من جهة الاشتراك في الأثر (1).)ونتيجة ما أفاده (قدس سره ترجع إلى أمور:)الأوّل : أنّ الموضوع له هو المرتبة العليا على كلا القولين، غاية الأم--ر الصحيحي يدعي صحّة الاستعمال في خصوص المراتب الصحيحة بين بقية المراتب، والأعمي يدعي صحته على الاطلاق.الثاني : أنه لا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها من المركبات الاختراعية.الثالث : أنّ الصحيحي والأعمي محتاج كل منهما إلى تصوير جامع بين صلاتي القصر والإتمام ليكون اللفظ موضوعاً بازاء ذلك الجامع.الرابع : بطلان ثمرة النزاع بين القولين.أمّا الأوّل: فيردّه أنّ إطلاق ألفاظ العبادات على جميع مراتبها الدانية والعالية بعرضهما العريض على نسق واحد من دون لحاظ عناية في شيء منها، مثلاً إطلاق لفظ الصلاة على المرتبة العليا وهي صلاة المختار الواجدة لجميع الأجزاء


1) أجود التقريرات 1: 52 وما بعدها.

والشرائط، وعلى بقية المراتب كصلاة المضطر،ونحوه، على نسق واحد بلا لحاظ عناية تنزيلها منزلة الواجد، أو اشتراكها مع المرتبة العليا في الأثر، فلو كانت لفظة الصلاة موضوعة لخصوص المرتبة العليا لكان استعمالها في غيرها من المراتب النازلة كصلاة بدون قيام أو إلى غير القبلة مثلاً محتاجاً إلى لحاظ التنزيل، أو الاشتراك في الأثر، مع أنّ الأمر ليس كذلك، ضرورة أنّ المتشرعة يطلقون لفظ الصلاة على كل مرتبة من مراتبها، غافلين عن لحاظ التنزيل، أو اشتراك هذه المرتبة مع المرتبة العليا في الأثر، ولا يرون التفاوت في مرحلة الاستعمال والإطلاق بينها وبين بقية المراتب أصلاً، فهذا يكشف كشفاً قطعياً عن أنّ الموضوع له هو الجهة الجامعة بين جميع المراتب، لا خصوص المرتبة العليا، من دون فرق في ذلك بين العبادات وغيرها من المركبات فما أفاده (قدس سره كما لا يتم في العبادات كذلك لا يتم في سائر المركبات.)وأما الثاني : فمع الاغماض عما أجبنا به عن الأمر الأوّل، يرد عليه : أنه فرق بين المركبات الشرعية وغيرها، وهو أنّ للمراتب العليا من المركبات غير الشرعية حدوداً خاصة وأجزاء معيّنة التي لا يطرأ عليها الاختلاف بالزيادة والنقيصة، وتنعدم بفقدان واحد منها، كما إذا فرض أنها ذات أجزاء ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة أو أقل أو أزيد على اختلافها باختلاف المركبات، فحينئذ يمكن دعوى أنّ اللفظ موضوع لخصوص المراتب العليا منها، وإطلاقه على بقية المراتب من باب الادعاء والتنزيل، أو من جهة الاشتراك في الأثر.وهذا بخلاف العبادات، فانّ المراتب العليا منها ليست لها أجزاء خاصة بحيث لا تختلف زيادة ونقيصة، فانّها بأنفسها مختلفة ومتشتتة من ناحية الكمية أو الكيفية مثلاً المرتبة العليا من صلاة الصبح غير المرتبة العليا من صلاة الظهرين، وكلتاهما غير المرتبة العليا من صلاة المغرب، وكل ذلك غير المرتبة

العليا من صلاة العشاء بحسب الكمية أو الكيفية، وهي بأجمعها غير المرتبة العليا من صلاة الآيات وصلاة العيدين وغيرهما.وعلى الجملة: فلاشبهة في أنّ للصلاة عرضاً عريضاً باعتبار أصنافها العديدة، ولكل واحد من أصنافها أيضاً عرض عريض باعتبار مراتبها الطولية، ومن المعلوم أنّ المرتبة العليا من كل صنف من أصنافها مباينة للمرتبة العلي-ا م-ن صنف آخر، وهكذا.فالنتيجة : أنّ المراتب العالية أيضاً متعددة فلابد من تصوير جامع بينها، ليكون اللفظ موضوعاً بازاء ذلك الجامع للقطع بانتفاء الاشتراك اللفظي.فقد ظهر أنّ الالتزام بالوضع لخصوص المرتبة العليا لا يغني عن تصوير الجامع، فهو ممّا لا بدّ منه سواء قلنا بأنّ الموضوع له المرتبة العليا، أم قلنا بأنه الجهة الجامعة بين جميع المراتب.ومن هنا يظهر الجواب عن الأمر الثالث أيضاً، وهو أن الحاجة إلى تصوير الجامع لا تختص بالقصر والإتمام بل لابد من تصويره بين جميع المراتب العالية، وقد عرفت أنها كثيرة ولا تنحصر بالقصر والاتمام.وأمّا الأمر الرابع : فقد تبين من ضوء بياننا المتقدم أن ثمرة النزاع بين الأعمى والصحيحي تظهر على هذا أيضاً، والوجه في ذلك : هو أنّ الأعمي لا محالة يدعي وضع اللفظ للجامع بين جميع المراتب العليا صحيحة كانت أو فاسدة، والصحيحي يدعي وضعه الخصوص الصحيحة منها، فعلى ذلك إذا فرض وجود مطلق في البين وشكّ في اعتبار شيء ما جزءاً أو شرطاً في المأمور طاً في المأمور به، فبناءً على الصحيحي لا يجوز التمسك باطلاقه، لأنّ الشك في اعتباره مساوق للشك في صدق المسمّى، ومعه لا يمكن التمسك بالإطلاق، وبناءً على الأعمي لا مانع، لأنّ صدق المسمّى محرز بالوجدان والشك إنما هو في اعتبار أم--ر زائ--د

فيدفع بالإطلاق.نعم، لا يمكن التمسك بالإطلاق بالإضافة إلى بقية المراتب، لعدم إحراز الإطلاق من جهة عدم العلم بالتنزيل والادعاء، كما ذكره (قدس سره فلا يمكن التمسك باطلاق ما دلّ على وجوب الصلاة لاثبات وجوبها على المضطر أو نحوه، وذلك من جهة عدم إحراز التنزيل والإدعاء بعد فرض أنّ الموضوع له لا يعم المشكوك فيه، لأنّه خصوص المرتبة العليا.)وقد أصبحت النتيجة بوضوح أنّ تصوير الجامع على كلا القولين قد أصبح ضرورياً، وعليه فإن أمكن تصويره في مقام الثبوت على كلا القولين فللنزاع في مقام الاثبات مجال، وإن لم يمكن تصويره إلا على أحد القولين دون الآخر فلا مناص من الالتزام بذلك القول. فعلى ذلك يقع الكلام في مقامين :الأوّل: في تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة فقط.الثاني : في تصويره بين الأعم من الصحيحة والفاسدة.#### تصوير الجامع على الصحيح و کلام صاحب الكفاية في المقامأمّا الكلام في المقام الأوّل : فقد ذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره(1)إلى أنّ وجود الجامع بين الأفراد الصحيحة ممّا لا بد منه، وقد استدل على ذلك بقاعدة فلسفية وهي : أن الواحد لا يصدر إلا من الواحد، إذ لا بد من السنخية بين العلة ومعلولها، والواحد بما هو واحد لا يعقل مسانخته للكثير بما هو كثير، إذن لا بد من الالتزام بأنّ العلة هو الجامع بين الكثير وهو أمر واحد، ثمّ طبّق)


1) كفاية الأصول : 24.

(قدس سره هذه القاعدة على المقام بتقريب أنّ الأفراد الصحيحة من الصلاة مثلاً تشترك جميعها في أثر وحداني وهو النهي عن الفحشاء والمنكر بمقتضى قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (1)كما هي تشترك في أنّها عماد الدين ومعراج المؤمن، كما في عدّة من الروايات، ولا يعقل أن يكون المؤثر في ذلك الأثر الوحداني جميع الأفراد الصحيحة على كثرتها، لما عرفت من أنّ الواحد لا يسان الكثير، فلا محالة يستكشف كشفاً قطعياً عن وج-ود ج-امع وحداني بين تلك الأفراد الصحيحة يكون هو المؤثر في ذلك الأثر الوحداني، ومن هنا قال (قدس سره) إنّ تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة بمكان من الامكان بل هو ضروري، دون الأعم لعدم تحقق صغرى هذه القاعدة على قول الأعمي وبدونها لا طريق لنا إلى كشف الجامع من ناحية أخرى.)ولكن لا يخفى ما فيما أفاده (قدس سره بل لم يكن يترقب صدوره منه، وذلك من وجوه.)الأوّل : أنّ هذه القاعدة وإن كانت تامة فى العلل الطبيعية لا محالة، دون الفواعل الارادية، ولكن ذلك فيما إذا كان المعلول واحداً بوحدة شخصية، وأمّا إذا كان واحداً بوحدة نوعية فلا تجري فيه هذه القاعدة، وقد مرّ الكلام في ذلك في البحث عن حاجة العلوم إلى وجود الموضوع فليراجع (2. وحيث إنّ وحدة الأثر في المقام وحدة نوعية لا شخصية، فانّ النهي عن الفحشاء كلّي له أفراد وحصص بعدد أفراد الصلاة وحصصها في الخارج، فلا شيء هناك يكشف عن وجود جامع بين أفرادها، مثلاً صلاة الصبح يترتب عليها نهي عن)


1) العنكبوت 29: 45.

2) ص 16.

منكر، وصلاة المغرب يترتب عليها نهي آخر، وهكذا، فلا كاشف عن جهة جامعة بين الأفراد والحصص بقانون أنّ الأمور المتباينة لا تؤثر أثراً واحداً.الثاني : لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا تمامية القاعدة حتّى في الواحد النوعي، فانّها لا تتم في المقام، لأنها لو تمت فيما إذا كانت الوحدة وحدة ذاتية مقولية فلا تتم فيما إذا كانت الوحدة وحدة بالعنوان دون الحقيقة والذات، ولما كانت وحدة النهي عن الفحشاء وحدة عنوانية لا وحدة مقولية، ضرورة أنّ النهي عن الفحشاء عنوان ينتزع عن ترك الأعمال القبيحة بالذات، أو من جهة النهي الشرعى، فكل واحد من هذه الأعمال حصّة من الفحشاء والمنكر، ويعبّر عن النهي عنه بالنهي عن الفحشاء ولا مانع من أن ينتزع الواحد بالعنوان عن الحقائق المختلفة، والأمور المتباينة خارجاً.وعليه فلا كاشف عن جهة جامعة ذاتية مقولية، وغاية ما هناك وجود جامع عنواني بين الأفراد الصحيحة كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، مع الاختلاف في الحقيقة والذات ومن الضروري عدم وضع لفظ الصلاة لنفس العنوان.الثالث : أنا نعلم بالضرورة أنّ الأثر في المقام غير مترتب على الجامع بين الأفراد، وإنّما هو مترتب على أفراد الصلاة بخصوصياتها من الأجزاء والشرائط المعتبرة فيها، فان ترتب النهي عن الفحشاء والمنكر على الصلاة ليس كترتب الإحراق على النار، أو كترتب سائر الآثار الخارجية على أسبابها، فانّ الأثر في جميع هذه الموارد مترتب على الجامع من دون دخل لأية خصوصية من الخصوصيات الفردية.وهذا بخلاف المقام، فانّ النهي عن الفحشاء والمنكر ممّا يترتب على أفراد الصلاة وحصصها بخصوصياتها الخاصّة المعتبرة فى صحتها خارجاً، ولا ريب

في أن صحّة صلاة الصبح منوطة بخصوصية وقوع التسليمة في الركعة الثانية، وصحة صلاة المغرب منوطة بخصوصية وقوع التسليمة في الركعة الثالثة، وعدم وقوعها في الركعة الثانية، وصحة صلاة الظهرين أو صلاة العشاء متوقفة على خصوصية وقوع التسليمة في الركعة الرابعة، ومشروطة بعدم وقوعها في الركعة الثالثة، وهكذا بقية الخصوصيات، فالمؤثر في جهة النهي عن الفحشاء حقيقة تلك الخصوصيات، ومع هذا كيف يمكن القول بأن المؤثر فيه الجامع بين الأفراد، فانّ الالتزام بذلك إنما هو فيما إذا لم يكن دخل للخصوصيات في ترتب الأثر، وهذا لا يعقل في المقام، إذ كيف يمكن وجود جامع بين المشروط بشيء والمشروط بعدمه.فتلخّص : أنّ الجامع الذاتي المقولي ولو سلمنا إمكان تعقله بين الأفرادالصحيحة، لم يكن لنا طريق إليه في مقام الاثبات.الرابع : أنّ هذا الجامع الذي فرضه (قدس سره لا يخلو من أن يكون مركباً أو يكون بسيطاً، ولا ثالث لهما.)والأوّل : لا يعقل، لأنّ الصحّة والفساد كما عرفت مفهومان إضافيان، ومن المعلوم أن كل مركب فرض جامعاً فذلك المركب يتداخل فيه الصحّة والفساد، سواء كان المركب من المراتب العالية كصلاة المختار أو من المراتب الدانية، أو من المراتب الوسطى، فعلى جميع التقادير كان ذلك المركب صحيحاً بالقياس إلى شخص أو زمان أو حالة وفاسداً بالقياس إلى غير ذلك، مثلاً الصلاة قصراً صحيحة من المسافر وفاسدة من غيره، والصلاة قاعداً صحيحة للعاجز عن القيام، وفاسدة للقادر عليه، والصلاة مع الطهارة المائية صحيحة من واجد الطهارة الترابية بعكس ذلك، وهكذا، وعليه الماء وفاسدة من فاقده، ومع فكيف يعقل أن يكون المركب بما هو جامعاً.

وعلى الجملة : قد ذكرنا سابقاً أنّ للصلاة مراتب عريضة، ومن المعلوم أنّ تلك المراتب بأجمعها متداخلة صحّة وفساداً، فما من مرتبة من مراتب الصحيحة إلّا وهي فاسدة من فاسدة من طائفة، حتّى المرتبة العليا فانّها فاسدة ممن لم يكلف بها فلا يعقل أن يؤخذ منها جامع تركيبي.فقد أصبحت النتيجة أنّ استحالة تصوير الجامع التركيبي بين الأفراد الصحيحة أمر بديهي.والثاني : وهو فرض الجامع بسيطاً أيضاً غير معقول، والوجه في ذلك هو أنّ الجامع المقولي الذاتي لا يعقل أن ينطبق على مركب من حقيقتين متباينتين بالذات والهوية، بداهة استحالة تحقق جامع ماهوي بين الحقيقتين المتباينتين ذاتاً، وإلا فلا تكونان متباينتين، بل كانتا مشتركتين في حقيقة واحدة، وهذا خلف، ومقامنا من هذا القبيل بعينه، لأن الصلاة مركبة وجداناً من مقولات متباينة بحد ذاتها، كمقولة الوضع والكيف ونحوهما.وقد برهن في محلّه أنّ المقولات متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها فلا اشتراك لها حقيقة واحدة، ومن هنا كانت المقولات أجناساً عالية، فلو كانت مندرجة تحت مقولة واحدة لم تكن أجناساً عالية، ومع ذلك كيف يعقل جامع مقولي بين الأفراد الصحيحة، بل لا يعقل فرض جامع لمرتبة واحدة منها فضلاً عن جميع مراتبها المختلفة، والمركب بما هو مركب لا يعقل أن يكون مقولة على حدة، ضرورة اعتبار الوحدة الحقيقية في المقولة وإلا لم تنحصر المقولات، بل لا يعقل تركب حقيقي بين أفراد مقولة واحدة فضلاً عن مقولات متعددة.وقد تحصل من ذلك : أنه لا يعقل تصور الجامع الحقيقي البسيط لمرتبة واحدة من الصلاة فضلاً عن جميع مراتبها، كما كان الأمر كذلك في الجامع التركيبي.الخامس : قد ذكرنا سابقاً أنّ الصحّة في المقام بمعنى تمامية الشيء في نفسه،

أعني بها تماميته من حيث الأجزاء والشرائط، وقد تقدّم (1أن الصحّة من جهة قصد القربة، أو من جهة عدم النهي أو المزاحم خارجة عن محل النزاع وغير داخلة فى المسمّى، فانّه في مرتبة سابقة قد يوجد له مزاحم وقد يقصد ب-ه التقرب وقد ينهى عنه، ولكن مع ذلك لهذه الأمور دخل في الصحّة وفي فعلية الأثر، فلو كان للصلاة مثلاً مزاحم،واجب، أو أنها نهي عنها، أو لم يقصد بها التقرّب، لم يترتب عليها الأثر، وعليه فما يترتب عليه الأثر بالفعل لم يوضع له اللفظ يقيناً، وما وضع له اللفظ ليس إلّا ما يكون مقتضياً وقابلاً لترتب الأثر عليه، وهذا كما يمكن صدقه على الأفراد الصحيحة يمكن صدقه على الأفراد الفاسدة، لأنها أيضاً قد تقع صحيحة بالإضافة إلى شخص أو زمان أو حالة لا محالة.)وعلى الجملة : أنّ ما يترتب عليه الأثر بالفعل لم يوضع له اللفظ قطعاً، وما يترتب عليه الأثر بالاقتضاء جامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة جميعاً.وقد تحصّل من ذلك : أن ترتب النهي عن الفحشاء والمنكر على الصلوات الصحيحة بالفعل لا يفي باثبات القول بوضع الألفاظ للجامع بين الأفراد الصحيحة بخصوصها، فانّه سواء قلنا بذلك القول أم لم نقل، فترتبه متوقف على اعتبار شيء زائد على المسمّى لا محالة.السادس : أنّ الجامع لا بد من أن يكون أمراً عرفياً، وما ذكره من الجامع على تقدير تسليم وجوده والاغماض عن جميع ما ذكرناه، لا يكون معنى عرفياً حتّى يكون مسمّى بلفظ الصلاة ومورداً للخطاب، ضرورة أنّ اللفظ لا يوضع لمعنى خارج عن المتفاهم العرفي، ولا يكون مثله متعلقاً للخطاب الشرعي،


1) في ص 156.

فان الخطابات الشرعية كلّها منزلة على طبق المفاهيم العرفية، فلو فرض معنى يكون خارجاً عن الفهم العرفي لم يقع مورداً للخطاب الشرعي أو العرفي، ولا يوضع اللفظ بازائه، وحيث إنّ الجامع في المقام ليس أمراً عرفياً فلا يكون مسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، ضرورة أنّ محل كلامنا ليس في تصوير جامع كيف ما كان، بل في تصوير جامع عرفي يقع تحت الخطاب، لا في جامع عقلي بسيط يكون خارجاً عن متفاهم العرف.وبتعبير آخر: أنّ المصلحة الداعية إلى وضع الألفاظ إنّما هي الدلالة على قصد المتكلم تفهيم معنى ما، فتلك المصلحة إنما دعت إلى وضعها للمعاني التي يفهمها أهل العرف والمحاورة، وأمّا ما كان خارجاً عن دائرة فهمهم فلا مصلحة تدعو إلى وضع اللفظ بازائه، بل كان الوضع بازائه لغواً محضاً لا يصدر من الواضع الحكيم.ولما لم يكن الجامع الذي فرضه بين الأفراد الصحيحة جامعاً عرفياً، فانّ كثيراً من الناس لا يعلم بتأثير الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر فضلاً عن العلم بكشفه عن جامع ذاتي مقولي، لم يكن ذلك الجامع موضوعاً له لمثل كلمة الصلاة ونحوها، بل المتفاهم منها عرفاً في مثل قولنا : فلان صلّى أو يصلّي أو نحو ذلك، غير ذلك الجامع.فالنتيجة من جميع ما ذكرناه: أنّ تصوير جامع ذاتي مقولي بين الأفراد الصحيحة غير معقول.وأما تصوير جامع عنواني بينها فهو وإن كان ممكناً، كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر أو نحوه، إلّا أنّ لفظ الصلاة لم يوضع بازاء هذا العنوان يقيناً، ضرورة أنّ لفظ الصلاة لو كان موضوعاً لذلك العنوان لكان مرادفاً لكلمة الناهي عن الفحشاء والمنكر، ولازم ذلك أن يكون حمل ذلك العنوان على الصلاة

من الحمل الأوّلي الذاتي لا الشائع الصناعي وهو باطل قطعاً.لا يقال : إنّ لزوم الترادف يبتنى على أن يكون لفظ الصلاة موضوعاً لنفس العنوان المذكور، وأمّا إذا فرضنا أنّه موضوع لواقع ذلك العنوان ومعنونه فلا يلزم ذلك.فانّه يقال : إن أريد بالمعنون ما يكون جامعاً بين الأفراد الخارجية، ليكون صدقه عليها صدق الطبيعة على أفرادها، فقد عرفت أنه لا دليل عليه، ب-ل البرهان قائم على خلافه. وإن أريد بالمعنون نفس الأفراد الخارجية ليكون الوضع من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاص، فهو باطل جزماً، وذلك لأن إطلاق كلمة الصلاة على جميع أقسامها بشتى أنواعها وأشكالها على نسق واحد، وليس استعمالها في نوع أو صنف أو فرد مغايراً لاستعمالها في نوع أو صنف أو فرد آخر.ومن هنا يكون حمل كلمة الصلاة بما لها من المعنى المرتكز في أذهان المتشرعة على جميع أقسامها وأفرادها من قبيل حمل الكلي على أفراده، والطبيعي على مصاديقه، فوحدة النسق في إطلاق الكلمة، وكون الحمل شائعاً صناعياً، یکشفان كشفاً قطعياً عن أنّ المعنى الموضوع له عام لا خاص.وعلى الجملة : أن القول بكون الموضوع له خاصاً يشترك مع القول بالاشتراك اللفظي في البطلان، بل لا فرق بحسب النتيجة، حيث إنّ الموضوع له متعدد على كلا القولين، وإنّما الفرق بينهما في وحدة الوضع وتعدده.فقد أصبحت النتيجة من جميع ما ذكرناه : أنّ تصوير جامع ذاتي مقولي على القول بالصحيح غير معقول، وتصوير جامع عنواني وإن كان شيئاً معقولاً إلا أنّ اللفظ لم يوضع بازائه ولا بازاء معنونه كما عرفت، هذا.

#### كلام المحقق العراقيوفي تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره بيان آخر لتصوير الجامع ب-ي-ن الأفراد الصحيحة، وملخصه : هو أنّ الجامع لا ينحصر بالجامع المقولي ولا بالجامع العنواني، بل هنا جامع ثالث وهو المرتبة الخاصّة من الوجود الساري، فانّ الصلاة مثلاً مركبة من مقولات متباينات، وتلك المقولات وإن لم تندرج تحت جامع مقولي حقيقي، إلا أنها مندرجة تحت مرتبة خاصة من الوجود الساري إليها، وتلك المرتبة الخاصّة البسيطة وجود سار إلى جملة وجود سار إلى جملة من المقولات، ومحدود من ناحية القلّة بالأركان على سعتها، وأما من ناحية الزيادة فهو لا بشرط، وهذه جهة جامعة بين جميع الأفراد الصحيحة، فالصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصّة منالوجود، وعلى هذا كانت الصلاة أمراً بسيطاً خاصاً يصدق على القليل والكثير والقوي والضعيف، وهكذا (1).)ويردّه أوّلاً : أنّه لا ريب في أنّ لكل مقولة من المقولات وجود في نفسه في عالم العين، فكما أنه لا يعقل أن يكون بين مقولتين أو ما زاد جامع مقولي واحد، بأن تندرجا تحت ذلك الجامع، فكذلك لا يعقل أن يكون له-ا وج--ود واحد في الخارج، ضرورة استحالة اتحاد مقولة مع مقولة أخرى في الوجود.وعلى الجملة : فكل مركب اعتباري عبارة عن نفس الأجزاء بالأسر، فالوحدة بين أجزائه وحدة اعتبارية، ومن الضروري أنه ليس لمجموع تلك الأجزاء المتباينة بالذات والحقيقة حصة خاصة من الوجود حقيقة سارية إليها، فالصلاة مثلاً مركبة من مقولات متباينة كمقولة الوضع والكيف ونحوهما، وليست تلك المقولات مشتركة في مرتبة خاصة بسيطة من الوجود لتكون وجوداً للجميع.


1) نهاية الأفكار 1: 82.

وعلى ذلك فانه (قدس سره إن أراد به اشتراك تلك المقولات في مفهوم الوجود فهو لا يختص بها، بل يعم جميع الأشياء، وإن أراد به اشتراكها في حقيقة الوجود فالأمر أيضاً كذلك، وإن أراد أنّ لتلك المقولات وحدها مرتبة خاصة من الوجود، ففيه : أنه غير معقول كما عرفت، وقد برهن في محلّه أنّ الاتحاد الحقيق في الوجود بين أمرين أو أمور متحصلة مستحيل، ولو اعتبر الوحدة بينهما أو بينها ألف مرة، وكيف ما كان، فلا نعقل لذلك معنی متحصلاً أصلاً.)وثانياً : أنه لو سلّم ذلك فانّ الصلاة ليست عبارة عن تلك المرتبة الخاصّة الوجودية، ضرورة أنّ المتفاهم منها عند المتشرعة ليس هذه، ب-ل نفس المقولات والأجزاء والشرائط، وهذا واضح.وثالثاً : أنا قد ذكرنا سابقاً أنّ الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية، بل وضعت للماهيات القابلة لأن تحضر في الأذهان، وعليه فلا يعقل أن يوضع لفظ الصلاة لتلك المرتبة الخاصّة من الوجود، فانّها غير قابلة لأن تحضر في الذهن.#### كلام المحقق الاصفهانيولشيخنا المحقق (قدس سره بيان ثالث في تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة، وإليك نصّه :)والتحقيق أنّ سنخ المعاني والماهيات، وسنخ الوجود العيني الذي حيثية ذاته حيثية طرد العدم، في مسألة السعة والإطلاق متعاكسان، ف-ان س-عة سنخ الماهيات من جهة الضعف والابهام وسعة سنخ الوجود الحقيقي من فرط الفعلية، فلذا كلّما كان الضعف والإبهام في المعنى أكثر كان الإطلاق والشمول أوفر، وكلّما كان الوجود أشد وأقوى كان الإطلاق والسعة أعظم وأتم.فان كانت الماهية من الماهيات الحقيقية كان ضعفها وإبهامها بلحاظ الطوارئ

وعوارض ذاتها مع حفظ نفسها، كالانسان مثلاً فأنّه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل المقومين لحقيقته، وإنما الإبهام فيه من حيث الشكل، وشدّة القوى وضعفها وعوارض النفس والبدن، حتّى عوارضها اللازمة لها ماهية ووجوداً.وإن كانت الماهية من الأمور المؤتلفة من عدّة أمور بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمها مع تفرقها وشتاتها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرفية بعض العناوين غير المنفكة عنها، فكما أن الخمر مثلاً مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما، ومن حيث اللون والطعم والريح، ومن حيث مرتبة الإسكار، ولذا لا يمكن وصفه إلا لمائع خاص، بمعرفية المسكرية من دون لحاظ الخصوصية تفصيلاً، بحيث إذا أراد المتصور تصوّره لم يوجد في ذهنه إلّا مصداق مائع مبهم من جميع الجهات إلا حيثية المائعية بمعرفية المسكرية، كذلك لفظ الصلاة مع هذا الاختلاف الشديد بين مراتبها كمّاً وكيفاً، لا بد من أن يوضع لسنخ عمل معرفه النهي عن الفحشاء، أو غيره من المعرّفات، بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ الصلاة إلا إلى سنخ عمل خاص مبهم، إلا من حيث كونه مطلوباً في الأوقات الخاصّة، ولا دخل لما ذكرناه بالنكرة، فأنّه لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية، كما أخذت فيها.وبالجملة : الإبهام غير الترديد، وهذا الذي تصورناه فيما وضع له الصلاة بتمام مراتبها من دون الالتزام بجامع ذاتي،مقولي، وجامع عنواني، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي ممّا لا مناص عنه بعد القطع بحصول الوضع ولو تعيناً.ثمّ قال (قدس سره بقوله : وقد التزم بنظيره بعض أكابر فن المعقول في تصحيح التشكيك في الماهية، جواباً عن تصور شمول طبيعة واحدة لتمام مراتب الزائدة والمتوسطة والناقصة، حيث قال : نعم الجميع مشترك في سنخ واحد)

مبهم غاية الإبهام بالقياس إلى تمام نفس الحقيقة، ونقصها وراء الإبهام الناشئ فيه عن اختلاف في الأفراد بحسب هوياتها انتهى. مع أن ما ذكرناه أولى به ممّا ذكره في الحقائق المتأصلة، والماهيات الواقعية، كما لا يخفى.ثم قال (قدس سره وأمّا على ما تصوّرنا الجامع، فالصحيحي والأعمي في إمكان تصوير الجامع على حد سواء، فانّ المعرّف إن كان فعلية النهي عن الفحشاء فهي كاشفة عن الجامع بين الافراد الصحيحة، وإن كان اقتضاء النهي عن الفحشاء فهو كاشف فهو كاشف عن الجامع بين الأعم (1)هذا.)يتلخص نتيجة ما أفاده (قدس سره في ضمن أمور:)الأوّل : أنّ الماهية والوجود متعاكسان من جهة السعة والإطلاق، فالوجود كلما كان أشد وأقوى كان الإطلاق والشمول فيه أوفر، والماهية كلّما كان الضعف والإبهام فيها أكثر كان الإطلاق والشمول فيها أعظم وأوفر.الثاني : أنّ الجامع بين الماهيات الاعتبارية كالصلاة ونحوها سنخ أمر مبهم في غاية الإبهام، فانه جامع لجميع شتاتها ومتفرقاتها، وصادق على القليل والكثير والزائد والناقص، مثلاً الجامع بين أفراد الصلاة سنخ عمل مبهم م--ن جميع الجهات، إلّا من حيث النهي عن الفحشاء والمنكر، أو من حيث فريضة الوقت.الثالث: أن الماهيات الاعتبارية نظير الماهيات المتأصلة التشكيكية من جهة إبهامها ذاتاً، بل إنّ ثبوت الابهام في الاعتباريات أولى من ث-ب-وته في المتاصلات.الرابع : أن القول بالصحيح والأعم في تصوير الجامع المزبور على حد سواء.


1) نهاية الدراية 1 : 101 - 103، 113.

أمّا الأمر الأوّل : فهو وإن كان متيناً إلّا أنّه خارج عن محل كلامنا في المقام.وأمّا الأمر الثاني : فيردّه أنّ الماهيات الاعتبارية لا تكون مبهمة أصلاً، ضرورة أنّ للصلاة مثلاً حقيقة متعيّنة من قبل مخترعها، وهي أجزاؤها الرئيسية التي هي عبارة عن مقولة الكيف والوضع ونحوهما، ومن المعلوم أنه ليس فيها أي إبهام وغموض، كيف فانّ الابهام لا يعقل أن يدخل في تجوهر ذات الشيء، فالشيء بتجوهر ذاته متعيّن ومتحصل لا محالة، وإنما يتصور الابهام بلحاظ الطوارئ وعوارضه الخارجية كما صرّح هو (قدس سره بذلك في الماهيات المتأصلة.)فحقيقة الصلاة حقيقة متعيّنة بتجوهر ذاتها، وإنما الابهام فيها بلحاظ الطوارئ وعوارضها الخارجية، وعليه فالعمل المبهم إلا من حيث النهي عن الفحشاء،أو فريضة الوقت، لا يعقل أن يكون جامعاً ذاتياً، ومنطبقاً على جميع مراتبها المختلفة زيادة ونقيصة انطباق الكلّي على أفراده، ومتحداً معها اتحاد الطبيعي مع مصاديقه ضرورة، إذ قد عرفت أنّ الصلاة مركبة من عدّة مقولات متباينة فلا تندرج تحت جامع ذاتي، فلا محالة يكون ما فرض جامعاً عنواناً عرضياً لها ومنتزعاً عنها، إذ لا ثالث بين الذاتي والعرضي، ومن الواضح جداً أن لفظ الصلاة لم يوضع بازاء هذا العنوان، وإلا لترادف اللفظان وهو باطل يقيناً، ومن هنا يظهر بطلان قياس المقام بمثل كلمة الخمر ونحوها ممّا هو موضوع للعنوان العرضي، دون الذاتي.على أن الكلام في هذه المسألة كما مرّ (1إنما هو في تعيين مسمّى لفظ الصلاة الذي هو متعلق للأمر الشرعي، لا في تعيين المسمّى كيف ما كان، ومن الظاهر)


1) في ص 168.

أن الجامع المزبور لا يكون متعلق الأمر، بل المتعلق له هو نفس الأجزاء المتقيدة بقيود خاصة، فانّها هي التي واجدة للملاك الداعي إلى الأمر بها، كما لا يخفى.ومن هنا كان المتبادر عرفاً من لفظ الصلاة هذه الأجزاء المتقيدة بتلك الشرائط لا ذلك الجامع. ومن الغريب أنه (قدس سره قال: إنّ العرف لا ينتقلون من سماع لفظ الصلاة إلا إلى سنخ عمل مبهم إلا من حيث كونه مطلوباً في الأوقات المخصوصة، كيف فان العرف لا يفهم من إطلاق لفظ الصلاة إلا كمّية خاصة من الأجزاء والشرائط التي تعلق الأمر بها وجوباً أو ندباً، وفي الأوقات الخاصّة، أو في غيرها، ومن هنا كان إطلاق لفظ الصلاة على صلاة العيدين وصلاة الآيات إطلاقاً حقيقياً من دون إعمال عناية أو رعاية علاقة.)وبما ذكرناه يظهر حال ما أفاده (قدس سره في الأمر الثالث فلا حاجة إلى الإعادة.)وأمّا الرابع : فيرد عليه ما تقدم من أنّ النهي عن الفحشاء إنما يترتب فعلاً على ما يتصف بالصحة بالفعل، وهو غير المسمّى قطعاً، فلا يمكن أن يكون ذلك جامعاً بين الأفراد الصحيحة.وقد تلخص من جميع ما ذكرناه : أنّ الجامع بين الأفراد الصحيحة إما أنه غير معقول، أو هو معقول ولكن اللفظ لم يوضع بازائه.#### تبصرة: في كيفية تأثير الصلاة في الانتهاء عن الفحساءإذا لم يعقل جامع بين الأفراد الصحيحة فما هو المؤثر في النهي عن الفحشاء والمنكر ؟والجواب عنه : هو أن حديث كيفية تأثير الصلاة في الانتهاء عن الفحشاء

والمنكر يمكن أن يكون بأحد وجهين :الأوّل : أن الصلاة باعتبار أجزائها المختلفة كمّاً وكيفاً، مشتملة على أرقى معاني العبودية والرقية، ولأجل ذلك تصرف النفس عن جملة من المنكرات وتؤثر في استعدادها للانتهاء عنها من جهة مضادة كل جزء من أجزائها لمنكر خاص، فانّ المصلي الملتفت إلى وجود مبدأ ومعاد إذا قرأ قوله تعالى (الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمينَ التفت إلى أنّ هذه العوالم خالقاً هو ربّهم، وهو رحمن ورحيم، وإذا قرأ قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) التفت إلى أن اللّه يسأل عما ارتكبه من القبائح ويجازي عليه في ذلك اليوم، وإذا قرأ قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) التفت إلى أنّ العبادة والاستعانة منحصرتان به تعالى وتقدس، ولا يصلح غيره للعبادة والاستعانة.)وإذا قرأ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمُغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ التفت إلى أنّ طائفة قد خالفوا اللّه وعصوه عناداً، ولأجله وقع عليهم غضبه تعالى وسخطه، أو أنهم خالفوه بغير عناد فصاروا من الضالين. وهناك طائفة أخرى قد أطاعو اللّه ورسوله فوقعوا في مورد نعمائه تعالى ورضاه، ففاتحة الكتاب بمجموع آياتها تكون عبرة وعظة للمصلين الملتفتين إلى معاني هذه الآيات، ثمّ إذا وصل المصلي إلى حد الركوع والسجود فركع ثمّ سجد، التفت إلى عظمة مقام ربّه الجليل وأنّ العبد لا بد أن يكون في غاية تذلل وخضوع وخشوع إلى مقامه الأقدس، فانّها حقيقة العبودية وأرقى معناها ومن هنا كانت عباديتهما ذاتية.

ومن هنا كان في الركوع والسجود مشقة على العرب في صدر الاسلام، فالتمسوا النبي (صلى اللّه عليه وآله) أن يرفع عنهم هذا التكليف ويأمرهم بم--ا شاء، وذلك لتضادهما الكبر،والنخوة، وبما أنّ الصلاة تتكرر في كل يوم وليلة

عدة مرات، فالالتفات إلى معانيها في كل وقت أتي بها لا محالة تؤثر في النفس وتصرفها عن الفحشاء والمنكر.

الثاني : أنّ الصلاة باعتبار أنها مشروطة بعدة شرائط فهي لا محالة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فانّ الالتزام باباحة المكان واللباس وبالطهارة من الحدث والخبث مثلاً، يصرف المكلف عن كثير من المحرمات الإلهية.

وقد نقل عن بعض السلاطين أنّه كان يمتنع عن شرب الخمر لأجل الصلاة، وكيف ما كان فالصلاة باعتبار هاتين الجهتين ناهية عن عدّة من المنكرات لا محالة.

فتلخّص: أنّ تأثير الصلاة في النهي عن الفحشاء باعتبار هاتين الجهتين واضح هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

تصوير الجامع على الأعم

إشارة:

وأمّا الكلام في المقام الثاني : فيقع في تصوير الجامع على القول بالأع---م، وقد ذكر فيه عدّة وجوه:

1 - تصوير المحقق القمي للجامع

الأوّل : ما عن المحقق القمي (قدس سره) من أنّ ألفاظ العبادات موضوعة بازاء خصوص الأركان، وأما بقية الأجزاء والشرائط فهي دخيلة في المأمور به دون المسمّى، فلفظ الصلاة مثلاً موضوع لذات التكبيرة والركوع والسجود والطهارة من الحدث، فانّها أركان الصلاة وأصولها الرئيسية، وأما البقية فجميعاً معتبرة في مطلوبيتها شرعاً، لا في تسميتها عرفاً (1)فيرجع حاصل ما أفاده (قدس سره) إلى أمرين :


1) قوانين الأصول : 43.

الأوّل : أنّ البقية بأجمعها خارجة عن المسمّى ودخيلة في المأمور به.

الثاني : أن الأركان هو الموضوع له.

وقد أورد شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)على كل واحد من الأمرين إيراداً.

أمّا الأوّل : فقد أورد عليه بأنّه إن أراد بعدم دخول بقية الأجزاء والشرائط في المسمى، عدم دخولها فيه دائماً، فيردّه أنه ينافي الوضع للأعم، فان لازمه عدم صدق لفظ الصلاة على الفرد الصحيح إلا بنحو من العناية والمجاز، ومن باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل وإن أراد به دخولها ف-ي-ه ع-ن-د وجودها، وخروجها عنه عند عدمها فهو غير معقول، ضرورة أن دخول شيء واحد في ماهية عند وجوده، وخروجه عنها عند عدمه أمر مستحيل، لاستحالة كون شيء جزءاً لماهية مرّة، وخارجاً عنها مرّة أخرى، فان ك--ل ماهية متقوّمة بجنس وفصل أو ما يشبهها، فلا يعقل أن يكون شيء واح---د مقوّماً لماهية عند وجوده، ولا يكون كذلك عند عدمه. فإذن لا يعقل أن تكون البقية داخلة في المسمّى عند تحققها وخارجة عنه عند عدمها، فأمرها لا محالة يدور بين الخروج مطلقاً أو الدخول كذلك، وكلا الأمرين ينافي الوضع للأعم. أمّا الأوّل فلما عرفت، وأمّا الثاني فلأنه يناسب الوضع للصحيح لا للأعم كما لا يخفى.

ثم أورد (قدس سره) على نفسه بأنّ الالتزام بالتشكيك في الوجود، وفي بعض الماهيات كالسواد والبياض ونحوهما يلزمه الالتزام بدخول شيء في الوجود أو الماهية عند وجوده، وبعدم دخوله فيه عند عدمه، فانّ المعنى الواحد على القول بالتشكيك يصدق على الواجد والفاقد والناقص والتام، فالوجود يصدق على وجود الواجب ووجود الممكن على عرضه العريض، وكذا السواد يصدق


1) أجود التقريرات 1: 61 وما بعدها.

على الضعيف والشديد، فليكن الصلاة أيضاً صادقة على التام والناقص والواجد والفاقد على نحو التشكيك.

وأجاب عنه بأنّ التشكيك في حقيقة الوجود لاندرك حقيقته، بل هو أمر فوق إدراك البشر ولا يعلم إلا بالكشف والمجاهدة كما صرح به أهله، وأمّ-ا التشكيك في الماهيات فهو وإن كان أمراً معقولاً إلّا أنّه لا يجري في كل ماهية، بل يختص بالماهيات البسيطة التي يكون ما به الاشتراك فيها عين مابه الامتياز كالسواد والبياض ونحوهما، وأما الماهيات التي تكون مركبة من جنس وفصل ومادة وصورة كالانسان ونحوه، فلا يعقل فيها التشكيك، وعليه فلا يعقل التشكيك في حقيقة الصلاة لأنها على الفرض مركبة من أركان ومقولات عديدة، فلا يعقل أن تكون بقية الأجزاء والشرائط داخلة فيها مرّة وخارجة عنها مرّة أخرى، لتصدق الصلاة على الزائد والناقص.

وأما الثاني : فأورد عليه بأنّ الأركان أيضاً تختلف باختلاف الأشخاص من القادر والعاجز والغريق ونحو ذلك، فلابد حينئذ من تصوير جامع بين مراتب الأركان فيعود الاشكال، وبيان ذلك : هو أنّ الشارع جعل الركوع والسجود بعرضها العريض ركناً فهما يختلفان باختلاف الحالات من الاختيار والاضطرار، وأدنى مراتبهما الاشارة والإيماء، فحينئذ لا بدّ من تصوير جامع بين تلك المراتب ليوضع اللفظ بازاء ذلك الجامع، فإذن يعود الإشكال.

ومن جميع ما ذكرناه يستبين أنّ ما ذكره (قدس سره) لا يرجع عند التأمل إلى معنى محصل، هذا.

وأورد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)على هذا الوجه من تصوير الجامع إيراداً ثالثاً، وملخصه : هو أنا نقطع بأنّ لفظ الصلاة لم يوضع بازاء


1) كفاية الأصول : 25.

الأركان الخاصّة، ضرورة أنه يصدق على الفرد الفاقد لبعض الأركان إذا كان ذلك الفرد واجداً للبقية من الأجزاء والشرائط، ولا يصدق على الفرد الواجد لجميع الأركان إذا كان ذلك الفرد فاقداً لتمام البقية، فلا يصح إذن دعوى وضعها الخصوص الأركان، فانّه لا يدور صدق الصلاة مدارها وجوداً وعدماً، كما لا يخفى.

والصحيح هو ما أفاده المحقق القمي (قدس سره) ولا يرد عليه شيء من هذه الايرادات.

أمّا الايراد الأوّل : فلأنّ فيه خلطاً بين المركبات الحقيقية والمركبات الاعتبارية، فانّ المركبات الحقيقية التي تتركب من جنس وفصل ومادة وصورة، ولكل واحد من الجزأين جهة افتقار بالاضافة إلى الآخر، لا يعقل فيها تبديل الأجزاء بغيرها، ولا الاختلاف فيها كمّاً وكيفاً، فإذا كان شيء واحد جنساً أو فصلاً لماهية، فلا يعقل أن يكون جنساً أو فصلاً لها مرّة، ولا يكون كذلك مرّة أخرى، ضرورة أنّ بانتفائه تنعدم تلك الماهية لا محالة، مثلاً الحيوان جنس للانسان فلا يعقل أن يكون جنساً له في حال أو زمان، ولا يكون جنساً له في حال أو زمان آخر وهكذا، فما ذكره (قدس سره) تام في المركبات الحقيقية ولا مناص عنه، وأما المركبات الاعتبارية التي تتركب من أمرين مختلفين أو أزيد وليس بين الجزأين جهة اتحاد حقيقة، ولا افتقار ولا ارتباط، بل إنّ كل واحد منهما موجود مستقل على حياله، ومباين للآخر في التحصل والفعلية، والوحدة العارضة عليها اعتبارية، لاستحالة التركب الحقيقي بين أمرين أو أم--ور متحصلة بالفعل، فلا يتم فيها ما أفاده (قدس سره) ولا مانع من كون شيء واحد داخلاً فيها عند وجوده، وخارجاً عنها عند عدمه.

وقد مثلنا لذلك في الدورة السابقة بلفظ الدار فانّه موضوع لمعنى مركب وهو

ما اشتمل على حيطان وساحة وغرفة وهي أجزاؤها الرئيسية، ومقومة لصدق عنوانها، فحينئذ إن كان لها سرداب أو بئر أو حوض أو نحو ذلك فهو من أجزائها وداخلة في مسمّى لفظها، وإلّا فلا.

وعلى الجملة : فقد لاحظ الواضع في مقام تسمية لفظ الدار معنى مركباً من أجزاء معينة خاصة، وهي الحيطان والساحة والغرفة، فهي أركانها، ولم يلحظ فيها مواداً معينة وشكلاً خاصاً من الأشكال الهندسية، وأما بالاضافة إلى الزائد عنها فهي مأخوذة لا بشرط، بمعنى أن الزائد على تقدير وجوده داخل في المسمى، وعلى تقدير عدمه خارج عنه، فالموضوع له معنى وسيع يصدق على القليل والكثير والزائد والناقص على نسق واحد.

ومن هذا القبيل لفظ القباء والعباء بالاضافة إلى البطانة ونحوها، فانها عند وجودها داخلة فى المسمى، وعند عدمها خارجة عنه وغير ضائر بصدقه.

ومن هذا القبيل أيضاً الكلمة والكلام فانّ الكلمة موضوعة للمركب من حرفين فصاعداً، فان زيد عليهما حرف أو أزيد فهو داخل في معناها، وإلا فلا، والكلام موضوع للمركب من كلمتين فما زاد فيصدق على المركب منهما ومن الزائد على نحو واحد، وهكذا.

وبتعبير آخر : أنّ المركبات الاعتبارية على نحوين:

أحدهما ما لوحظ فيه كثرة معيّنة من جانب القلّة والكثرة، وله حد خاص من الطرفين، كالأعداد فانّ الخمسة مثلاً مركبة من أعداد معينة بحيث لو زاد عليها واحد أو نقص بطل الصدق لا محالة.

وثانيهما : ما لوحظ فيه أجزاء معيّنة من جانب القلّة فقط، وله حد خاص هذا الطرف، وأما من جانب الكثرة ودخول الزائد فقد أخذ لا بشرط، وذلك

مثل الكلمة والكلام والدار وأمثال ذلك، فانّ فيها ما أخذ مقوّماً للمركب، وما أخذ المركب بالاضافة إليه لا بشرط، ومن الظاهر أنّ اعتبار اللا بشرطية في المعنى كما يمكن أن يكون باعتبار الصدق الخارجي كذلك يمكن أن يكون باعتبار دخول الزائد في المركب، كما أنّه لا مانع من أن يكون المقوم للمركب الاعتباري أحد أمور على سبيل البدل، وقد مثلنا لذلك فى الدورة السالفة بلفظ الحلوى، فانّه موضوع للمركب المطبوخ من شكر وغيره، سواء كان ذلك الغير دقيق أرز أو حنطة أو نحو ذلك.

ولما كانت الصلاة من المركبات الاعتبارية، فانّك عرفت أنها مركبة من مقولات متعددة، كمقولة الوضع ومقولة الكيف ونحوها، وقد برهن في محلّه أنّ المقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات فلا تندرج تحت مقولة واحدة، لاستحالة تحقق الاتحاد الحقيقي بين مقولتين، بل لا يمكن بين أفراد مقولة واحدة، فما ظنك بالمقولات، فلا مانع من الالتزام بكونها موضوعة للأركان فصاعداً.

والوجه في ذلك : هو أن معنى كل مركب اعتباري لابد أن يعرف من قبل مخترعه، سواء كان ذلك المخترع هو الشارع المقدس أم غيره، وعليه فقد استفدنا من النصوص الكثيرة (1)أنّ حقيقة الصلاة التي يدور صدق عنوان الصلاة مدارها وجوداً وعدماً، عبارة عن التكبيرة والركوع والسجود والطهارة من الحدث على ما سنتكلم فيها عن قريب إن شاء اللّه تعالى، وأما بقية الأجزاء والشرائط فهي عند وجودها داخلة في المسمّى، وعند عدمها خارجة ع-نه وغير مضرة بصدقه، وهذا معنى كون الأركان مأخوذة لا بشرط بالقياس إلى دخول الزائد، وقد عرفت أنه لا مانع من الالتزام بذلك في الماهيات الاعتبارية وكم له من نظير.


1) الآتية في ص 186.

وإن شئت فقل: إنّ المركبات الاعتبارية أمرها سعة وضيقاً بيد معتبرها، فقد يعتبر التركيب بين أمرين أو أمور بشرط لا كما في الأعداد، وقد يعتبر التركيب بين أمرين أو أزيد لا بشرط بالإضافة إلى دخول الزائد، كما هو الحال في كثير من تلك المركبات فالصلاة من هذا القبيل، فانها موضوعة للأركان فصاعداً.

وممّا يدل على ذلك : هو أنّ إطلاقها على جميع مراتبها المختلفة كمّاً وكيفاً على نسق واحد، بلا لحاظ عناية في شيء منها، فلو كانت الصلاة موضوعة للأركان بشرط لا فلم يصح إطلاقها على الواجد لتمام الأجزاء والشرائط بلا عناية، مع أنا نرى وجداناً عدم الفرق بين إطلاقها على الواجد وإطلاقها على الفاقد أصلاً.

وقد تلخص من ذلك : أنّ دخول شيء واحد في ماهية مركبة مرّة، وخروجه عنها مرّة أخرى، إنّما يكون مستحيلاً في الماهيات الحقيقية، دون المركبات

الاعتبارية.

وعلى ضوء ذلك قد ظهر الجواب عن الإيراد الثاني أيضاً : فانّ لفظ الصلاة موضوع لمعنى وسیع جامع لجميع مراتب الأركان على اختلافها كمّاً وكيفاً، وله عرض عريض، فباعتباره يصدق على الناقص والتام والقليل والكثير على نحو واحد كصدق كلمة الدار على جميع أفرادها المختلفة زيادة ونقيصه كمّاً وكيفاً. إذن لا نحتاج إلى تصوير جامع بين الأركان ليعود الإشكال.

وبتعبير واضح : أنّ الأركان وإن كانت تختلف باختلاف حالات المكلفين كما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) إلّا أنّه لا يضر بما ذكرناه من أنّ لفظ الصلاة موضوع بازاء الأركان بعرضها العريض، ولا يوجب علينا تصوير جامع بين مراتبها المتفاوتة فأنّه موضوع لها كذلك على سبيل البدل، وقد عرفت أنه لا

مانع من أن يكون مقوّم المركب الاعتباري أحد الأمور على سبيل البدل.

ومن ذلك يتبين : أنّ ما ذكرناه غير مبني على جواز التشكيك في الماهية أو في الوجود، فانه سواء قلنا به في الماهية أو الوجود أم لم نقل فما ذكرناه أمر على طبق المرتكزات العرفية في أكثر المركبات الاعتبارية.

وأما ما أفاده (قدس سره) من أن إدراك التشكيك في الوجود أمر فوق إدراك البشر فلا يعلم إلا بالكشف والمجاهدة، ففساده غني عن البيان، كما لا يخفى على أهله.

وبما ذكرناه يظهر فساد الإيراد الثالث أيضاً، وذلك لأنّ الأركان قد يصدق عليها الصلاة الصحيحة فكيف يمنع عن صدق الصلاة عليها حتّى على الأعم، فلو كبّر المصلي ونسي جميع الأجزاء والشرائط غير الأركان والوقت والقبلة حتّى فرغ منها يحكم بصحة صلاته بلا إشكال، ولم يستشكل في ذلك أحد من الفقهاء.

ومن هنا يظهر بطلان ما أفيد ثانياً من أنّ لفظ الصلاة يصدق على الفاقد لبعض الأركان فيما إذا كان واجداً لسائر الأجزاء والشرائط، ووجه الظهور : هو ما عرفت من أنّ الروايات الكثيرة قد دلّت على أن حقيقة الصلاة التي تتقوّم بها هي التكبيرة والركوع والسجود والطهارة من الحدث، والمراد منها أعم من المائية والترابية، كما أنّ المراد من الركوع والسجود أعم ممّا هو وظيفة المختار أو المضطر كما عرفت.

فقد أصبحت النتيجة أنّه لا مانع من الالتزام بأنّ الموضوع له هو خصوص الأركان ولا يرد عليه شيء ممّا تقدّم.

تذييل: في أركان الصلاة

قد نطقت روايات الباب والنصوص الكثيرة على أن الأركان أربعة، وهي: التكبيرة والركوع والسجود والطهارة.

أمّا الأولى : فقد دلّت نصوص عديدة (1)

ومنها : صحيحة زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح ؟ قال : يعيد» الوسائل 6: 12 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 1.

ومنها : موثقة عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رج--ل أقام الصلاة فنسي أن يكبر حتّى افتتح الصلاة، قال: يعيد الصلاة» الوسائل 6: 13/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 3.

ومنها : صحيحة علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة حتّى يركع، قال: يعيد الصلاة» الوسائل 6: 13/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 5.

على أنّ التكبيرة ابتداء الصلاة وبها افتتاحها. ومعنى هذا هو أن الصلاة لا تتحقق بدون ذلك، فالمصلي لو دخل في القراءة من دون أن يكبّر، لا يصدق أنه دخل فيها، ومن هنا يظهر أن عدم ذكر التكبيرة في حديث لا تعاد إنّما هو من جهة أنّ الدخول في الصلاة لا يصدق بدونها حتّى يصدق على الاتيان بها الإعادة، فانّها عرفاً وجود ثانٍ للشيء بعد وجوده أولاً.

أو فقل : إنّ المستفاد من هذه الروايات هو أنّ الصلاة عمل خاص لا يمكن


1) منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزي والثلاث أفضل، والسبع أفضل كلّه» الوسائل 6: 10/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 1 ح 4.

الدخول فيه بدون الافتتاح بالتكبيرة، ولذا ورد في بعض الروايات «لا صلاة بغير افتتاح»(1)وعليه فلو دخل المصلي بدونها نسياناً أو جهلاً فلايكون مشمولاً للحديث.

وأما الركوع والسجود والطهور: فقد دلّت صحيحة الحلبي أو حسنته - بابن هاشم - على أن الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث منها الطهور، وثلث منها الركوع، وثلث منها السجود، الحديث (2)فقد حصرت الصحيحة الصلاة بهذه الثلاثة، ولكن لابد من رفع اليد عنها من هذه الجهة بما دلّ من الروايات على أنّ التكبيرة أيضاً ركن ومقوّم لها كما عرفت.

بقي هنا شيء: وهو أنّ التسليمة هل هي ركن للصلاة أيضاً أم لا؟ وجهان بل قولان، فذهب بعضهم (3)إلى أنها أيضاً ركن واستدل على ذلك بعدة من الروايات(4)

[الوسائل :6 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 2].

ومنها : موثقة أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف قال : فليخرج فليغسل أنفه ثم ليرجع فليتم صلاته فانّ آخر الصلاة التسليم الوسائل 6: 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 4 ].

الدالة على أنّ اختتام الصلاة بالتسليم، فهي دالة على أن الصلاة

1) الوسائل 6 14/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 7.

2) رواها في الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1 عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود».

3) الناصريات : 209.

4) منها مضمرة علي بن أسباط عنهم (عليهم السلام) في حديث طويل إلى أن قال: : «يسمي عند الطعام ويفشي السلام ويصلي والناس نيام، وله كل يوم خمس صلوات متواليات ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبيرة ويختم بالتسليم»

لا تتحقق بدون التسليم.

وذهب جماعة منهم السيّد (قدس سره) في العروة إلى أنها ليست بركن (1)وهذا هو الأقوى، ودليلنا على ذلك هو أنها لم تذكر في حديث لا تعاد، فلو ترك المصلي التسليمة في الصلاة نسياناً لم تجب عليه الإعادة في الوقت، فضلاً عن القضاء في خارجه. وكيف كان فان قلنا بعدم كون التسليمة من الأركان كانت التسليمة أيضاً خارجة عن المسمى.

فالنتيجة من جميع ما ذكرناه لحد الآن أمور :

الأوّل : أنّ لفظ الصلاة موضوع للأركان فصاعداً، وهذا على طبق الارتكاز العرفي كما هو الحال في كثير من المركبات الاعتبارية.

الثاني : أنّ اللفظ موضوع للأركان بمراتبها على سبيل البدل لا للجامع بينها، فانّ الجامع غير معقول كما عرفت ولا لمرتبة خاصة منها، وذلك من جهة أنّ إطلاق اللفظ على جميع مراتبها على نسق واحد هذا وقد تقدّم أنّه لا بأس بكون المقوّم للمركب الاعتباري أحد أمور على نحو البدل.

الثالث : أنّ الأركان على ما نطقت به روایات الباب عبارة عن التكبيرة والركوع والسجود والطهارة - والمراد الأعم من المائية والترابية - كما أن المراد من الركوع والسجود أعم ممّا هو وظيفة المختار أو المضطر، ولكن مع هذا كله يعتبر في صدق الصلاة الموالاة بل الترتيب أيضاً، وأما الزائد عليها فعند الوجود داخل فيها وإلا فلا.


1) العروة الوثقى 514:1.

الرابع : أنّ دخول شيء واحد في مركب مرّة، وخروجه عنه مرة أخرى ممّا لا بأس به في المركبات الاعتبارية، بل هو على طبق الفهم العرفي كما لا يخفى.

2 - تصوير المشهور للجامع

الوجه الثاني من وجوه تصوير الجامع : ما قيل من أن لفظ الصلاة موضوع بإزاء معظم الأجزاء، ويدور صدقه مداره وجوداً وعدماً، وقد نسب شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدس سره) هذا الوجه إلى المشهور، وكيف ما كان، فقد أورد عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) بوجهين :

الأوّل : ما أورده (قدس سره) ثانياً على الوجه الأوّل من أنّ لازم ذلك هو أن يكون استعمال لفظ الصلاة فيها هو المأمور به بأجزائه وشرائطه مجازاً، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل لا من باب إطلاق الكلي على فرده والطبيعي على مصداقه، وهذا ممّا لا يلتزم به القائل بالأعم.

الثاني : أنه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى، فكان شيء واحد داخلاً فيه تارة، وخارجاً عنه أخرى، بل مردداً بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء، وهو كما ترى سيّما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات (2).

توضيحه : هو أنه لا ريب في اختلاف الصلاة باختلاف حالات المكلفين من السفر والحضر والاختيار والاضطرار ونحو ذلك، كما أنه لاريب في اختلافها في نفسها باختلاف أصنافها من حيث الكم والكيف، وعليه فمعظم الأجزاء يختلف من هاتين الناحيتين، فيلزم دخول شيء واحد فيه مرّة وخروجه عنه مرّة أخرى، بل عند اجتماع تمام الأجزاء لا تعين لما هو الداخل عما ليس ه-و


1) مطارح الأنظار : 8.

2) كفاية الأصول : 25 - 26.

بداخل، فانّ نسبة كل جزء إلى المركب على حد سواء، بل لا واقع له حينئذ، إذ جعل عدّة خاصة من معظم الأجزاء دون غيرها ترجيح بلا مرجح،، فيكون المركب حينئذ من قبيل الفرد المردد الذي لا واقع له.

ولكن بما حققناه (1)في الوجه الأوّل من أنّ المسمّى قد اعتبر لا بشرط بالإضافة إلى الزائد، قد تبين الجواب عن الإيراد الأوّل، فانّ معظم الأجزاء الذي أخذ مقوّماً للمركب مأخوذ لا بشرط بالقياس إلى بقية الأجزاء، فهي داخلة في المسمّى عند وجودها وخارجة عنه عند عدمها.

وبهذا يظهر الجواب عن الإيراد الثاني أيضاً، فانّ عند اجتماع تمام الأجزاء كان المسمّى هو تمام الأجزاء، لا خصوص بعضها ليقال إنه أمر مردد بين هذا وذاك.

وإن شئت فقل : إنّ اللفظ لم يوضع بازاء مفهوم معظم الأجزاء وإلا لترادف اللفظان وهو باطل قطعاً، بل هو موضوع بازاء واقع ذلك المفهوم ومعنونه، وهو يختلف باختلاف المركب نفسه، مثلاً معظم أجزاء صلاة الصبح بحسب الكم غير معظم أجزاء صلاة العشاء، فلو كان المعظم لصلاة الصبح أربعة أجزاء مثلاً، فلا محالة كان المعظم لصلاة المغرب ستة أجزاء وهكذا، وعلى هذا فاللفظ موضوع بازاء المعظم على سبيل وضعه للأركان، بمعنى أنّ المقوم للمركب أحد أمور على نحو البدل، فقد يكون المقوّم أربعة أجزاء، وقد يكون ثلاثة أجزاء، وقد يكون خمسة أجزاء وهكذا، وقد تقدّم أنّه لا مانع من الالتزام بذلك في المركبات الاعتبارية، وكم له من نظير فيها، بل هو على وفق الارتكاز كما عرفت.

وأمّا الزائد على المعظم فعند وجوده يدخل في المسمى وعند عدمه يخرج عنه،


1) في ص 182.

فالموضوع له حينئذ هو مفهوم وسيع جامع الجميع شتاته ومتفرقاته، لا خصوص المعظم بشرط،لا، ولا مرتبة خاصة منه، ومن هنا يصدق على القليل والكثير والزائد والناقص على نسق واحد. نظير لفظ الكلمة، فانّه موضوع في لغة العرب لما تركب من حرفين فصاعداً، فالحرفان مقوّمان لصدق عنوان الكلمة في لغة العرب وأمّا الزائد عليهما من حرف أو حرفين أو أزيد، فعند وجوده داخل في المسمى، وعند عدمه خارج عنه.

ومن جميع ما ذكرناه يستبين : أنه لا بأس بهذا الوجه أيضاً مع الإغماض عن الوجه الأوّل، بأن يكون اللفظ موضوعاً للمعظم لا بشرط، هذا مع اعتبار

الموالاة والترتيب أيضاً في المسمّى، إذ بدونهما لا يصدق على المعظم عنوان الصلاة.

3 - تصویر آخر للجامع

الوجه الثالث : ما قيل من أنّ لفظ الصلاة موضوع للمعنى الذي يدور مداره التسمية عرفاً.

وفيه : أنّ هذا الوجه بظاهره لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لأن الصدق العرفي تابع لوجود المسمّى في الواقع ومقام الثبوت، فلا يعقل أن يكون وجود المسمّى في الواقع ونفس الأمر تابعاً للصدق العرفي.

ولكن قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ مرجع هذا الوجه إلى الوجه الثاني، فانّ المراد أنّ الكاشف عن وجود المسمّى ليس إلا الفهم العرفي، فانّه طريق وحيد في مقام الإثبات إلى سعة المعنى أو ضيقه في مقام الثبوت، وحيث إنّ لفظ الصلاة يصدق عند العرف على معظم أجزائها ولا يصدق على غير المعظم، يكشف عن أنه موضوع بازاء المعظم على الكيفية التي تقدّمت، مثلاً لفظ الماء في لغة العرب موضوع لمعنى في الواقع، ولكنّ الكاشف في مقام الاثبات عن مقدار سعته أو ضيقه لا يكون إلّا الصدق العرفي، فلو رأينا إطلاق العرف لفظ الماء على ماء الكبريت، نستكشف عن أنّه موضوع لمعنى وسيع في الواقع.

وعلى الجملة : فالمتبع في إثبات سعة المعنى أو ضيقه إنما هو فهم الع--رف، والصدق عندهم دليل على سعة المعنى بالقياس إلى ذلك المورد، كما أنّ ع-دم الصدق دليل على عدم السعة.

تتلخص نتيجة جميع ما ذكرناه لحد الآن في خطوط :

الخط الأوّل : فساد توهم الاشتراك في وضع ألفاظ العبادات كما سبق.

الخط الثاني : فساد توهم كون الوضع فيها عاماً والموضوع له خاصاً.

الخط الثالث : عدم إمكان تصوير جامع ذاتي مقولي على القول بالصحيح.

الخط الرابع : إمكان تصوير جامع عنواني على هذا القول، إلّا أنّه ليس بموضوع له كما عرفت.

الخط الخامس : جواز تصوير جامع ذاتي بين الأعم من الصحيحة والفاسدة.

فالنتيجة على ضوء هذه الخطوط الخمسة قد اصبحت أن ألفاظ العبادات كالصلاة ونحوها، موضوعة للجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة، لا لخصوص الجامع بين الأفراد الصحيحة.

ومن هنا لا مجال للنزاع في مقام الإثبات عن أنّ الألفاظ موضوعة للصحيح أو للأعم، فانّ النزاع في هذا المقام متفرع على إمكان تصوير الجامع على كلا القولين معاً، فإذا لم يمكن تصويره إلا على أحدهما فلا مجال له أصلاً. إذن لا بدّ من الالتزام بالقول بالأعم ولا مناص عنه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ المرتكز في أذهان المتشرعة هو أن إطلاق لفظ الصلاة على جميع أفرادها الصحيحة والفاسدة على نسق واحد من دون لحاظ عناية في شيء منها، ضرورة أنهم يستعملون هذا اللفظ في الجميع غافلين عن قرينة المجاز والعناية في موارد إطلاقه على الفرد الفاسد، فلو كان اللفظ موضوعاً

لحاظ

لخصوص الصحيح فلا محالة كان إطلاقه على الفاسد محتاجاً إلى لحاظ عناية وقرينة، مع أنّ الأمر على خلاف ذلك، وأنّ الاستعمال في الجميع على نسق واحد، فلا فرق بين قولنا : فلان صلّى صلاة صحيحة، أو تلك الصلاة صحيحة، وبين قولنا : فلان صلّى صلاة فاسدة، أو هذه الصلاة فاسدة وهكذا، وحيث إنّ استعمالات المتشرعة تابعة للاستعمالات الشرعية، فتكشف تلك عن عموم المعنى الموضوع له عند الشارع المقدس أيضاً.

ثمرة المسألة

ذكروا لها ثمرات :

الأولى : ما اشتهر فيما بينهم من أنّ الأعمي يتمسك بالبراءة في موارد الشك في الأجزاء والشرائط، والصحيحي يتمسك بقاعدة الاشتغال والاحتياط في تلك الموارد.

ولكن التحقيق أنّ الأمر ليس كذلك، ولا فرق في التمسك بالبراءة أو الاشتغال بين القولين أصلاً.

والوجه في ذلك : هو أنا إذا قلنا بالوضع للأعم فالتمسك بالبراءة مبتن على القول بانحلال العلم الإجمالي في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، فانّه إن قلنا بالانحلال وأنّ العلم الاجمالي ينحل إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عن وجوب الأكثر والتقييد الزائد، فانّ مسألتنا هذه من إحدى صغريات كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وذلك لأنّ تعلق التكليف في المقام بالطبيعي الجامع بين المطلق والمقيد معلوم لنا تفصيلاً - وهو الماهية المهملة العارية عن جميع الخصوصيات - وإنما شكنا هو في تعلقه به على

نحو الإطلاق بمعنى عدم تقييده بشيء لا جزءاً ولا شرطاً، أو على نحو التقييد به بأحد النحوين المزبورين، فحينئذ إن قلنا بانحلال العلم الإجمالي في تلك المسألة والرجوع إلى البراءة عن التكليف الزائد عن المقدار المعلوم كما هو كذلك، فنقول هنا أيضاً بالانحلال والرجوع إلى البراءة عن التقييد الزائد. وأما لو قلنا بعدم انحلال العلم الإجمالي في تلك المسألة فلابد من الاحتياط والرجوع إلى قاعدة الاشتغال، وعلى ذلك فلا ملازمة بين قول الأعمي والرجوع إلى البراءة.

وأما على الصحيحي : فإن قلنا بأنّ متعلق التكليف عنوان بسيط، وخارج عن الأجزاء والشرائط، وإنما هي سبب لوجوده، فلا محالة يكون الشك في جزئية شيء أو شرطيته شكاً في المحصل، فلابد من القول بالاشتغال، إلّا أنّ هذا مجرد فرض غير واقع في الخارج، بل إنّه خلاف مفروض البحث، إذ المفروض أنّ متعلق التكليف هو الجامع بين الأفراد الصحيحة، ونسبته إلى الأجزاء والشرائط نسبة الطبيعي إلى أفراده أو نسبة العنوان إلى معنونه، وعلى كلا التقديرين فلا يكون المأمور به مغايراً في الوجود مع الأجزاء والشرائط ومسبباً عنها.

وعلى الجملة : أنّ كلا من السبب والمسبب موجود في الخارج بوج--ود مستقل على حياله واستقلاله، كالقتل المسبب عن مقدمات خارجية، أو الطهارة الخبثية المسببة عن الغسل بل الحدثية المسببة عن الوضوء والغسل والتيمم على قول، فإذا كان المأمور به أمراً بسيطاً مسبباً عن شيء آخر، ومترتباً عليه وجوداً، فلا محالة يرجع الشك في جزئيه شيء أو شرطيته بالإضافة إلى سببه إلى الشك في المحصل، ولا إشكال في الرجوع معه إلى قاعدة الاشتغال في مورده.

ولكن المقام لا يكون من ذلك الباب، فانّ الجامع الذي فرض وجوده بين الأفراد الصحيحة لا يخلو أمره من أن يكون من الماهيات المتأصلة المركبة، أو

البسيطة، أو من الماهيات الاعتبارية والعناوين الانتزاعية، وعلى كل تقدير لا بد من أن يكون منطبقاً على الأجزاء والشرائط الخارجية انطباق الكلي على أفراده، ومعه لا يرجع الشك إلى الشك في المحصل ليكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال.

أمّا على الأوّل : فلأنّ المفروض أنّ الجامع هو عين الأجزاء والشرائط، فالأجزاء مع شرائطها بأنفسها متعلقة للأمر، ووحدتها ليست وحدة حقيقية، بل وحدة اعتبارية، بداهة أنّه لا تحصل من ضم ماهية الركوع إلى ماهية السجود ماهية ثالثة غير ماهيتهما، وعليه فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عند الشك في اعتبار شيء زائد على المقدار المعلوم، بناءً على صحّة الانحلال في مسألة دوران الواجب بين الأقل والأكثر الارتباطيين، لأنّ تعلق التكليف حينئذ بالمقدار المتيقن من الأجزاء وقيودها معلوم، والشك في غيره شك في التكليف، فالمرجع فيه البراءة، وبناءً على عدم الانحلال في تلك المسألة فالمرجع فيه قاعدة الاشتغال.

وأما على الثاني : فكذلك، لأنّ الطبيعي عين أفراده خارجاً ومتحد معها عيناً، فالأمر المتعلق به متعلق بالأجزاء مع شرائطها، سواء قلنا بأن متعلق الأوامر الطبائع أم قلنا بأنه الأفراد، أما على الثاني واضح. وأما على الأوّل، فلاتحاد الطبيعي معها، غاية الأمر أنّ الخصوصيات الفردية غير دخيلة في ذلك، فعلى كلا القولين يرجع الشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً إلى الشك في إطلاق المأمور به وتقييده، لا إلى أمر خارج عن دائرة المأمور به، فبناءً على الانحلال في تلك المسألة كان المرجع فيه البراءة عن التقييد المشكوك فيه.

وأمّا على الثالث : فالأمر أيضاً كذلك، لأنّ الأمر الانتزاعي لا وجود له خارجاً ليتعلق به الأمر، وإنما الموجود حقيقة هو منشأ انتزاعه، فالأمر في الحقيقة متعلق بمنشأ الانتزاع، وهو في المقام نفس الأجزاء والشرائط، وأخذ

ذلك الأمر الانتزاعي في لسان الدليل متعلقاً للأمر إنما هو لأجل الاشارة إلى ما هو متعلق الحكم في القضيّة.

فالنتيجة : أنّ الشك في اعتبار جزء أو قيد على جميع التقادير يرجع إلى الشك في تقييد نفس المأمور به بقيد زائد على المقدار المتيقن، فبناءً على ما هو الصحيح من انحلال العلم الاجمالي عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر نرجع هنا إلى البراءة.

وبتعبير آخر : أنا قد بينا في مبحث النهي عن العبادات وأشرنا فيما تقدّم (1)أيضاً أنّ الصحّة الفعلية التي هي منتزعة عن انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً لا يعقل أخذها في متعلق الأمر لتأخرها عنه، فالمتعلق على كلا القولين نفس الأجزاء مع قيودها الخاصّة، غاية الأمر أنه على القول بالوضع للصحيح كان المسمّى تمام الأجزاء مع القيود، وعلى القول بالوضع للأعم كان هو الأعم، وعلى هذا كان الشك في اعتبار أمر زائد على المقدار الذي نعلم بتعلق الأمر به من الأجزاء والشرائط مورداً للبراءة، بلا فرق في ذلك ب-ي-ن الق--ول بالصحيح والقول بالأعم.

فتلخّص : أنّ أخذ الصحّة بمعنى التمامية في المسمّى لا يمنع عن جريان البراءة على القول بالانحلال كما هو القوي.

فقد أصبحت النتيجة من جميع ما ذكرناه: أنّ القول بوضع الألفاظ للأعم لا يلزمه جريان البراءة دائماً، كما أنّ القول بوضعها للصحيح لا يلزمه الالتزام بالاشتغال كذلك، بل هما في ذلك سواء، فان جريان البراءة وعدمه مبنيان على الانحلال وعدمه في تلك المسألة، لا على الوضع للصحيح أو الأعم.


1) في ص 155.

وعلى ضوء هذا يستبين فساد ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أنه على الصحيحي لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، كما أنه على الأعمي لا مناص من الرجوع إلى البراءة، بتقريب أن تصوير الجامع ع-ل-ى الصحيحي لا يمكن إلا بتقييد المسمّى بعنوان بسيط خاص، إما من ناحية علل الأحكام أو من ناحية معلولاتها، وأنّ هذا العنوان خارج عن المأتي به ومأخوذ في المأمور به، وعليه فالشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً لا محالة يوجب الشك في حصول العنوان المزبور، فيرجع الشك حينئذ إلى الشك في المحصل، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال دون البراءة.

والوجه في فساده : هو ما سبق من أنّ الجامع على القول بالصحيح على كل تقدير لابد من أن ينطبق على الأجزاء والشرائط انطباق الكلي على فرده، وعليه كان الشك في اعتبار جزء أو قيد في المأمور به من دوران المأمور به نفسه بين الأقل والأكثر، فعلى القول بالانحلال كان المرجع فيه البراءة عن وجوب الأكثر، فنتيجة ذلك هي أنّ المأمور به بتمام أجزائه وشرائطه هو الأقل دون الأكثر، وقد عرفت أنّ القول بالاشتغال مبني على أن يكون المأمور به عنواناً بسيطاً مسبباً عن الأجزاء والشرائط الخارجيتين ومتحصلاً منهما، وهو خلاف المفروض.

وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّه على الصحيحي لابد من تقييد المسمّى بعنوان بسيط، إما من ناحية العلل أو من ناحية المعلولات، فيرده : أنه خلط بين الصحّة الفعلية التي تنتزع عن انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، والصحة بمعنى التمامية، فالحاجة إلى التقييد إنما تكون فيما إذا كان النزاع بين الصحيحي والأعمي في أخذ الصحّة الفعلية في المسمّى وعدم أخذها أخذها فيه، فانّه


1) أجود التقريرات 1 : 66.

على الصحيحي لابد من تقييده بعنوان خاص كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، أو نحوه ممّا هو مؤثر في حصول الغرض. ولكن قد تقدّم أنّه لا يعقل أخذها في المأمور به فضلاً عن أخذها في المسمّى، فلا تكون الصحّة بهذا المعنى مورداً للنزاع، فانّ النزاع كما عرفت مراراً إنّما هو في الصحّة بمعنى التمامية، ومن المعلوم أنها ليست شيئاً آخر وراء نفس الأجزاء والشرائط بالأسر، ولا هي موضوع للآثار، ولا مؤثرة في حصول الغرض، وعليه فلا حاجة إلى تقييد المسمّى بعنوان بسيط خارج عنهما.

ومن هنا يظهر أنّ هذه المسألة ليست من المسائل الأصولية، والوجه في ذلك هو ما حققناه في أوّل الكتاب (1)في مقام الفرق بين المسائل الأصولية ومسائل بقية العلوم، من أنّ كل مسألة أصولية ترتكز على ركيزتين أساسيتين :

الركيزة الأولى: أن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي الإلهي، وبهذه الركيزة امتازت المسائل الأصولية عن القواعد الفقهية بأجمعها على بيان تقدّم.

الركيزة الثانية : أن يكون وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها، أي بلا ضم كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها، وبهذه الركيزة امتازت عن مسائل سائر العلوم الدخيلة في الاستنباط من النحو والصرف والرجال والمنطق واللغة ونحو ذلك، فان مسائل هذه العلوم وإن كانت دخيلة في الاستنباط، إلا أنها ليست بحيث لو انضم إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية.

وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر أنّ هذه المسألة ليست من المسائل الأصولية، بل هي من المسائل اللغوية، فلا تقع في طريق الاستنباط بلا ضم كبرى أصولية


1) في ص 4.

إليها، وهي كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين.

ويترتب على ذلك : أنّ هذه الثمرة ليست ثمرة لهذه المسألة، بل هي ثمرة لمسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وهي من مبادئ تلك المسألة، فالبحث عنها محقق لموضوع البحث عن تلك المسألة، وكذا الثمرة الآتية، فانّها ثمرة لمسألة المطلق والمقيد دون هذه المسألة.

نعم، هي محققة لموضوع التمسك بالاطلاق، فالبحث عن جواز التمسك بالإطلاق وعدم جوازه وإن كان بحثاً عن مسألة أصولية، إلّا أنّ البحث عن ثبوت الاطلاق وعدمه بحث عن المبادئ.

الثمرة الثانية : ما ذكره جماعة منهم المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من أنه يجوز التمسك بالإطلاق أو العموم على القول بالأعم عند الشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً، ولا يجوز التمسك به على القول بالصحيح، بل لا بد فيه من الرجوع إلى الأصول العملية، بيان ذلك: أن التمسك بالإطلاق يتوقف على إثبات مقدمات :

الأولى: أن يكون الحكم في القضيّة وارداً على المقسم بين قسمين أو أقسام، بأن يكون له قابلية الانطباق على نوعين أو أنواع.

الثانية : أن يحرز كون المتكلم في مقام البيان ولو بأصل عقلائي، ولم يكن في مقام الإهمال أو الإجمال.

الثالثة : أن يحرز أنه لم ينصب قرينة على التعيين.

فإذا تمت هذه المقدّمات استكشف بها الإطلاق في مقام الثبوت، وأنّ مراده الاستعمالي مطابق لمراده الجدي وليس لأيّة خصوصية مدخلية فيه، فإذا شكّ


1) كفاية الأصول : 28.

في دخل خصوصية من الخصوصيات فيه يدفع ذلك بالإطلاق في مقام الاثبات، وحيث إنّ هذه المقدمات تامة على القول بالوضع للأعم، فانّ الحكم حينئذ قد تعلق بالطبيعي الجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة، فإذا أحرز أنّ المتكلم في مقام البيان، ولم ينصب قرينة على التقييد، فلا مانع من التمسك بالاطلاق لدفع ما شكّ في اعتباره جزءاً أو قيداً، لأنّه شكّ في اعتبار أمر زائد ع-ل-ى ص-دق اللفظ، وفي مثله لا مانع عن التمسك بالإطلاق لاثبات عدم اعتباره.

وعلى الجملة : فعلى القول بالأعم إذا تمت المقدمتان الأخيرتان يجوز التمسك بالإطلاق لدفع كل ما احتمل دخله في المأمور به جزءاً أو شرطاً، لتمامية المقدمة الأولى على الفرض وعليه فما ثبت اعتباره شرعاً بأحد النحوين المزبورين فهو، والزائد عليه حيث إنّه مشكوك فيه ولم يعلم اعتباره فالمرجع فيه الإطلاق، وبه يثبت عدم اعتباره.

وهذا بخلاف القول بالوضع للصحيح، فانّ المقدمة الأولى على هذا القول مفقودة، إذ الحكم حينئذ لم يرد إلا على الواجد لتمام الأجزاء والشرائط، فلو شكّ في جزئية شيء أو شرطيته، فلا محالة يرجع الشك إلى الشك في صدق اللفظ على الفاقد للمشكوك فيه، لاحتمال دخله في المسمّى، ومعه لا يمكن التمسك بالإطلاق.

فقد تحصل من ذلك : جواز التمسك بالإطلاق على القول بالأعم في موارد الشك في الأجزاء والشرائط، وعدم جوازه على القول بالصحيح.

نعم، على القول بالأعم لو شكّ في كون شيء ركناً للصلاة أم لم يكن، فلا يجوز التمسك بالاطلاق، لأن الشك فيه يرجع حينئذ إلى الشك في صدق اللفظ، ومعه لا يمكن التمسك بالإطلاق كما مر بيانه.

وقد يورد على هذه الثمرة بوجوه :

الأوّل : أنّه لا فرق بين القولين في جواز التمسك بالإطلاق وعدم جوازه، والوجه في ذلك : هو أن مناط الجواز كون المتكلم في مقام البيان، وأنّه لم ينصب قرينة على التقييد، وعليه فكما أنّ الأعمي يتمسك بالاطلاق فيما إذا احتمل دخل شيء في المأمور به زائداً على القدر المتيقن، فكذلك الصحيحي يتمسك به إذا شكّ في اعتبار أمر زائد على المقدار المعلوم. ومن هنا يتمسك الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) باطلاق صحيحة حماد (1)التي وردت في مقام بيان الأجزاء والشرائط، وبيّن الإمام (عليه السلام) فيها جميع أجزاء الصلاة م-ن التكبيرة والقراءة والركوع والسجود ونحوها وحيث لم يبين فيها الاستعاذة مثلاً، فيتمسك باطلاقها على عدم وجوبها، فلا فرق في ذلك بين القول بالوضع للصحيح والقول بالوضع للأعم.

فتلخّص: أنّ العبرة بكون المتكلم في مقام البيان وعدم إتيانه بقرينة في كلامه، لا بكون الوضع للأعم أو الصحيح كما لا يخفى.

والجواب عنه : قد ظهر ممّا تقدّم وملخّصه : أنّ التمسك بالاطلاق موقوف على إحراز المقدمات الثلاث أوّلها : إحراز تعلق الحكم بالجامع بحسب المراد الاستعمالي وقابلية انقسامه إلى قسمين أو أقسام. فهذه المقدمة لابد من إحرازها وإلا فلا يعقل الإطلاق في مقام الثبوت كي يستكشف ذلك بالاطلاق في مقام الإثبات، وحيث إنّه على القول بالصحيح قد تعلق الحكم بحصة خاصة، وهي خصوص الحصة الصحيحة، فالمقدمة الأولى مفقودة، فالإطلاق اللفظي على القول بالصحيح غير معقول.

وأمّا ما استشهد على ذلك بتمسك الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) ب-اط-لاق صحيحة حماد المتقدمة فهو خلط بين الإطلاق الحالي والإطلاق اللفظي، فان


1) الوسائل 5: 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

إطلاق الصحيحة إطلاق مقامي، وهو أجنبي عن الإطلاق اللفظي المتقوم باحراز صدق المفهوم على المورد المشكوك فيه، والذي لا يمكن التمسك به على الصحيحي هو الإطلاق اللفظي، وأما الإطلاق المقامي فالتمسك به مشترك فيه بين القول بالصحيح والقول بالأعم، والسر في ذلك : أنّ المعتبر في الاطلاق اللفظي أن يرد الحكم في القضيّة على الطبيعي الجامع القابل للانطباق على حصص عديدة، ولا أقل من حصتين.

وبعد ذلك تصل النوبة إلى إحراز بقية المقدمات من كون المتكلم في مقام البيان، وعدم إتيانه بالقرينة على إرادة الخلاف، ولأجل ذلك لا يسع القائل بوضع الألفاظ للصحيح أن يتمسك بالإطلاق، وذلك للشك في صدق المفهوم على الفاقد لما يحتمل دخله في المسمى. وأما الإطلاق الأحوالي فلا يعتبر فيه ذلك، بل المعتبر فيه سكوت المتكلم عن البيان حينما يورد الحكم على نفس الأجزاء والشرائط أو الأفراد، مثلاً إذا كان المولى في مقام بيان ما يحتاجه اليوم من اللحم والخبز والأرز واللبن وغيرها من اللوازم، فأمر عبده بشرائها ولم يذكر الدهن مثلاً، فما أنّه كان في مقام البيان ولم يذكر ذلك فيستكشف م-نه عدم إرادته له وإلا لبينه.

ومن هنا لانحتاج في هذا النحو من الإطلاق إلى وجود لفظ مطلق في القضية، بل هو مناقض له كما عرفت آنفاً، والإطلاق في الصحيحة من هذا القبيل، فانّه (سلام اللّه عليه) كان في مقام بيان الأجزاء والشرائط، فكلّ مالم يبينه يستكشف عدم دخله في المأمور به.

فالنتيجة : أنّ أحد الإطلاقين أجنبي عن الإطلاق الآخر رأساً، وجواز التمسك بأحدهما لا يستلزم جواز التمسك بالآخر، كما أنه لا فرق في جواز التمسك بالاطلاق الأحوالي بين القول بالوضع للصحيح، والقول بالوضع للأعم. وأمّا

الإطلاق اللفظي فلا يجوز التمسك به على القول بالصحيح دون الأعم. فما أورده القائل من الإشكال لا يرجع إلى معنى محصل.

الثاني : أنّ الأعمي كالصحيحي في عدم إمكان التمسك بالإطلاق عند الشك في اعتبار جزء أو قيد وذلك لأن أدلة العبادات جميعاً من الكتاب والسنّة مجملة ولم يرد شيء منها في مقام البيان فإذا كان المتكلم فيها في مقام الإهمال أو الإجمال، فلا يجوز التمسك باطلاقها غاية الأمر أن عدم جواز التمسك على هذا القول من جهة واحدة وهي عدم ورود مطلقات العبادات في مقام البيان بل إنها جميعاً في مقام التشريع والجعل بلا نظر لها إلى خصوصيتها من الكمية والكيفية. وعلى القول بالصحيح من ناحيتين وهما عدم ورود المطلقات في مقام البيان وعدم تعلق الحكم بالجامع والمقسم فالنتيجة عدم صحّة التمسك بالإطلاق على كلا القولين. والجواب عنه : مضافاً إلى أنه رجم بالغيب، أنّ الأمر ليس كما ذكره القائل، فانّ من الآيات الكريمة ما ورد في الكتاب وهو في مقام البيان، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ (1)فالمفهوم من كلمة الصيام عرفاً كف النفس عن الأكل والشرب، وهو معناه اللغوي، فالصيام بهذا المعنى كان ثابتاً في سائر الشرائع والأديان بقرينة قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (2)حيث لم يعتبر فيه سوى الكف عن الأكل والشرب عند تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.)نعم، إنّ ذلك يختلف كيفيةً باختلاف الشرائع، ولكن كل ذلك الاختلاف يرجع


1) البقرة 2 : 183.

2) البقرة 2 : 187.

إلى الخارج عن ماهية الصيام، بل قد يعتبر فيه كما في شرع الاسلام الكف عن عدّة أمور أخر أيضاً كالجماع والارتماس في الماء والكذب على اللّه تعالى وعلى رسوله (صلّى اللّه عليه وآله وعلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وإن لم يكن الكف عنها معتبراً في بقية الشرائع والأديان وعلى ذلك فلو شككنا في اعتبار شيء في هذه الماهية قيداً، وعدم اعتباره كذلك، فلا مانع من أن نرجع إلى إطلاق قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) وبه يثبت عدم اعتباره، فحال الآية المباركة حال قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (1)و (تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) (2)وما شاكلهما، فكما أنّه لا مانع من التمسك باطلاقهما في باب المعاملات عند الشك في اعتبار شيء فيها، فكذلك لا مانع من التمسك باطلاق هذه الآية المباركة في باب الصوم عند الشك في دخل شيء في صحته شرعاً.)هذا مضافاً إلى ما في السنّة من الروايات المطلقة الواردة في مقام البيان منها قوله (عليه السلام في التشهد «يتشهد» (3)فان مقتضى إطلاقه عدم اعتبار أمر زائد على نفس الشهادتين، فلو شكّ في اعتبار التوالي بينهما فيدفع بالإطلاق، وكذا غيره من نصوص الباب فلاحظ.)هذا كله على تقدير تسليم أن يكون الضابط في كون المسألة أصولية ترتب ثمرة فعلية عليها، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ الضابط للمسألة الأصولية إمكان وقوعها في طريق الاستنباط لا فعليته.وملخص ما ذكرناه في الجواب عن هذا الإيراد أمران :الأوّل: أنّ المطلق الوارد في مقام البيان من الكتاب والسنّة موجود، وليس


1) البقرة 2: 275.

2) النساء 4: 29.

3) الوسائل 6: 404 / أبواب التشهد ب 8 ح 1.

الأمر كما ذكره القائل.الثاني: لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ المتكلم لم يكن في مقام البيان في شيء من مطلقات العبادات، إلّا أنّ إمكان ترتب هذه الثمرة يكفينا لكون المسألة أصولية، لما عرفت من أنّ الميزان فيها إمكان وقوعها في طريق استنباط حكم فرعي كلّي لا فعلية ذلك كما تقدّم.نعم، الذي يرد هنا ما ذكرناه سابقاً من أنّ هذه الثمرة ليست ثمرة لهذه المسألة ولا تترتب عليها بلا واسطة، بل هي من ثمرات كبرى مسألة المطلق والمقيد، وهي من صغريات تلك الكبرى ومن مبادئها، من جهة أن البحث فيها في الحقيقة عن ثبوت الإطلاق وعدم ثبوته والبحث عن جواز التمسك به وعدم جوازه بحث عن المسألة الأصولية، دونه.الثالث : أن الإطلاق والتقييد في العبادات إنما يلاحظ بالإضافة إلى المأمور به ومتعلق الأمر، لا بالقياس إلى المسمّى بما هو ضرورة أنّ الإطلاق أو التقييد في كلام الشارع أو غيره إنما يكون بالقياس إلى مراده، وأنّه مطلق أو مقيد، لا إلى ما هو أجنبي عنه، وعلى ذلك فلا فرق بين القولين، فكما أن الصحيحي لا يمكنه التمسك بالإطلاق، فكذلك الأعمي.أما الصحيحي: فلما عرفت من عدم إحرازه الصدق على الفاقد لما شكّ في اعتباره جزءاً أو شرطاً لاحتمال دخله في المسمّى.وأمّا الأعمي : فلأجل أنه يعلم بثبوت تقييد المسمّى بالصحة، وأنها مأخوذة في المأمور به ومتعلق الأمر، فانّ المأمور به حصة خاصة من المسمّى وهي الحصة الصحيحة، ضرورة أنّ الشارع لا يأمر بالحصة الفاسدة، ولا بما ه-و الجامع بينها وبين الصحيحة، وعلى ذلك فلا يمكن التمسك بالإطلاق عند الشك في جزئيه شيء أو شرطيته للشك حينئذ في صدق المأمور به على الف-اق-د للشيء المشكوك فيه.

وعلى الجملة : فلا فرق بين أن تكون الصحّة مأخوذة في المسمّى، وأن تكون مأخوذة في المأمور به فعلى كلا التقديرين لا يمكن التمسك بالاطلاق، غ--اية الأمر أنّ الشك في الصدق على الصحيحي من جهة أخذ الصحّة في المسمّى، وعلى الأعمي من جهة العلم بتقييد المأمور به بالصحة لا محالة.فالنتيجة : هي عدم جواز الأخذ بالإطلاق على كلا القولين. إذن لا ثمرة في البين.والجواب عنه : يظهر ممّا بيناه سابقاً، فانّ الصحّة الفعلية التي هي منتزعة عن انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً في موارد الامتثال والإجزاء، غير مأخوذة في المأمور به قطعاً، بل لا يعقل ذلك كما سبق، وإنما النزاع في أخذ الصحّة بمعنى التمامية أعني به تمامية الشيء من حيث الأجزاء والقيود في المسمّى، فالقائل بالصحيح يدعي وضع لفظ الصلاة مثلاً للصلاة التامة من حيث الأجزاء والشرائط، والقائل بالأعم يدعي وضع اللفظ للأعم، وعلى ذلك فلو شككنا في اعتبار شيء جزءاً أو قيداً في المأمور به كالسورة مثلاً، فعلى القول بالوضع للصحيح كان صدق اللفظ بما له من المعنى على الفاقد لها غير معلوم، لاحتمال دخلها فيه، وإمكان أن يكون المجموع هو المسمّى بلفظ الصلاة ومعه لا يمكن التمسك بالإطلاق.وعلى القول بالوضع للأعم، كان صدق اللفظ على الفاقد معلوماً، وإنما الشك في اعتبار أمر زائد عليه، وفي مثله لا مانع من التمسك بالاطلاق لنفي اعتبار الشيء المشكوك فيه، وبه نثبت أنّ المأمور به هو طبيعي الصلاة الجامع ب-ي-ن الفاقدة والواجدة للسورة، ومن انطباق ذلك الطبيعي على المأتي به بلا سورة ننتزع الصحّة، فالصحة بمعنى التمامية تثبت بنفس التمسك بالإطلاق بضميمة ما علم من الأجزاء والشرائط تفصيلاً، والصحة المنتزعة غير مأخوذة في المأمور به

فضلاً عن المسمى.وعلى الجملة : فالمأمور به على كلا القولين وإن كان هو الصلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، إلا أن الاختلاف بينهما في نقطة أخرى، وهي أنّ صدق اللفظ على الفاقد لما يشك في اعتباره معلوم على قول الأعمي، وإنما الشك في اعتبار أمر زائد عليه. وأما على الصحيحي فالصدق غير معلوم. وعلى أساس تلك النقطة يجوز التمسك بالاطلاق على القول بالأعم دون القول بالصحيح.فقد أصبحت النتيجة أنّ هذه الشبهة مبتنية على أخذ الصحّة الفعلية في المأمور به، ولكن قد تقدّم فساده.ومن هنا قال شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)إنّ هذه الشبهة ليست بذات أهمية كما اهتم بها شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) وأطال الكلام فيها واعتنى بالجواب عنها فوق ما تستحق، والصحيح ما أفاده (قدس سره).)وربّما قيل : بأنّ ثمرة النزاع تظهر في النذر، وذلك كما لو نذر أن يعطي ديناراً للمصلي ركعتين، فبناءً على القول بالأعم يجزي الاعطاء للمصلي ركعتين ولو كانت صلاته فاسدة، وعلى القول بالصحيح لا يجزي ذلك، بل يجب عليه الاعطاء للمصلي صلاة صحيحة، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك.لا يخفى أنّ أمثال هذه الثمرة غير قابلة للذكر والعنوان في المباحث الأصولية، لأنها ليست ثمرة للمسألة الأصولية، فانّ ثمرتها استنباط الحكم الكلي الفرعي، وأما تطبيقه على موارده ومصاديقه فليس ثمرة للبحث الأصولي، بل لا تصلح هذه الثمرة ثمرة لأيّة مسألة علمية ولو كانت المسألة من المبادئ.


1) أجود التقريرات 1: 70.

هذا مضافاً إلى أنّ وجوب الوفاء بالنذر تابع لقصد الناذر في الكيفية والكمية، وأجنبي عن الوضع للصحيح أو الأعم، فلو قصد الناذر من كلمة المصلي من أتى بالصلاة الصحيحة لم تبرأ ذمته بالاعطاء لمن يصلي فاسدة ولو قلنا بوضع الألفاظ للأعم، ولو قصد منها الآتي بالصلاة ولو كانت فاسدة برأت ذمته بذلك وإن قلنا بوضع الألفاظ للصحيح.على أنّ الصحّة المتنازع دخلها في المسمّى غير الصحّة المعتبرة في مرحلة الامتثال، فيمكن أن يكون المأتي به صحيحاً من جهة وجدانه تمام الأجزاء والشرائط، وفاسداً من الجهات الأخر، وعليه تحصل براءة الذمة بالاعطاء لمن يصلي فاسدة أيضاً.ثمّ إنّا قد ذكرنا في الدورة السابقة ثمرة لهذه المسألة غير ما ذكره القوم، وهي أن الحكم الوارد على عنوان الصلاة ومفهومها يختلف باختلاف القولين، مثلاً قد ورد النهي عن صلاة الرجل وبحذائه امرأة تصلي، فعلى القول بالصحيح لو علمنا بفساد صلاة المرأة لا تكون صلاة الرجل منهياً عنها لعدم صدق الصلاة على ما أتت المرأة به، فلا يصدق حينئذ أنّه صلّى وبحذائه امرأة تصلي، وأمّا على القول بالأعم كانت منهياً عنها، هذا.ولكن قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ هذه الثمرة أيضاً ليست بثمرة لبحث أصولي، بل لا تترتب على النزاع بين القولين، فانّك عرفت أنّ القول بالصحيح لا يلازم الصحّة في مقام الامتثال، فانّ الصحّة هناك غير الصحّة المأخوذة في المسمّى على هذا القول، كما مرّ.فقد استبان من مجموع ما ذكرناه تحت عنوان الثمرة لحد الآن أمور: الأوّل : أنّ البحث عن هذه المسألة ليس بحثاً أصولياً، بل بحث عن المبادئ،

وذكرها في هذا العلم لأجل أنّ لها فائدة جلية، ومناسبة شديدة مع بعض المسائل الأصولية.الثاني : أنّ ما ذكروه من الثمرات لها وعمدتها الثمرة الأولى والثانية ليس بثمرة للبحث عن هذه المسألة كما عرفت.الثالث: أن جواز الرجوع إلى البراءة أو عدم جوازه، غير مبني على القول بالوضع للصحيح أو الأعم، بل مبني على انحلال العلم الإجمالي وعدمه في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين.الرابع : أنّ القول بالوضع للأعم يحقق موضوع جواز التمسك بالاطلاق أو العموم، كما أنّ القول بالوضع للصحيح يحقق موضوع عدم جوازه. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.### المقام الثاني في المعاملات#### إشارة:ويقع البحث عنه في مقامين :الأوّل : فيا ذهب إليه المشهور من جواز التمسك باطلاقات المعاملات من العقود والايقاعات على كلا القولين، ولا يختص الجواز باختيار الوضع للأعم، ومن هنا تنتفي الثمرة المتقدمة في العبادات هنا.الثاني : فيما ذكره جماعة منهم المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)من أنّ النزاع في المعاملات إنما يجري فيها إذا كانت الألفاظ أسامي للأسباب دون المسببات، فانّ المسببات أمور بسيطة غير قابلة لأن تتصف بالصحة والفساد،)


1) كفاية الأصول : 32

بل هي تتصف بالوجود عند وجود أسبابها، وبالعدم عند عدمها.ولتحقيق الكلام في المقامين نقول :#### التمسك باطلاق المعاملات على القولينأما المقام الأوّل : فالأمر كما ذهب إليه المشهور من جواز التمسك بالاطلاقات حتّى على القول بالصحيح، والوجه في ذلك هو أن المعاملات أمور عرفية عقلائية وليست من الماهيات المخترعة عند الشارع المقدس، وإنما هي ماهيات قد اخترعها العقلاء قبل هذه الشريعة لتمشية نظام الحياة، ثمّ لما جاء نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله لم يخالفهم في هذه الطريقة المستقرّة عندهم، ولم يجعل (صلّى اللّه عليه وآله) طرقاً خاصة لا بدّ للناس أن يمشي على طبق تلك الطرق، بل ولم يتصرف فيها تصرفاً أساسياً، بل أمضاها على ما كانت عندهم، وتكلم بلسانهم، فهو (صلّى اللّه عليه وآله) كأحدهم من هذه الجهة.)نعم، قد تصرّف (صلّى اللّه عليه وآله فيها في بعض الموارد، فنهى عن بعض المعاملات كالمعاملة الربوية وما شاكلها، وزاد في بعضها قيداً أو جزءاً لم يكن معتبراً عند العقلاء، كاعتبار البلوغ في المتعاقدين، واعتبار الصيغة في بعض الموارد.)وعلى ذلك الأصل نحمل ما ورد في الشرع من الآيات والروايات كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالعُقُودِ (1)، (وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (2)، (تِجَارةً عَن تَرَاضٍ) (3)، وكقوله (صلى اللّه عليه وآله) : «النكاح سنتي» (4)، «والصلح جائز» (5)ونحو ذلك، على المفاهيم التي قد استقرّت عندهم، وجرى ديدنهم عليها، فانّه (صلى اللّه عليه و آله))


1) المائدة 5: 1.

2) البقرة 2: 275.

3) النساء 4: 29.

4) المستدرك 14: 153/ أبواب مقدمات النكاح ب 1 ح 18.

5) الوسائل 18: 443 / أبواب الصلح ب 3 ح 1.

لم يتصرّف فيها لا لفظاً ولا معنى، وتكلّم بما تكلّموا به من الألفاظ واللغات. إذن تكون تلك الأدلة مسوقة لامضاء المعاملات العرفية العقلائية، وحيث إنّ المعاملات عندهم قسمان: فعلي وقولي إلّا في بعض الموارد، فتلك الأدلة تدل على إمضاء كلا القسمين إلا في بعض الموارد الخاصّة التي اعتبر الشارع فيها اللفظ، أو اللفظ الخاص كما في الطلاق والنكاح وما يشبهها، وعليه فان دلّ دليل من قبل الشارع على اعتبار شيء جزءاً أو قيداً فنأخذ به، وإن شككنا فيه فنتمسك باطلاقات تلك الأدلة، ونثبت بها عدم اعتباره.ومن هنا يظهر فساد ما ربّما يورد على الشهيد (قدس سره (1)حيث قال : إنّ الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود حقيقة في الصحيح، ومجاز في الفاسد، إلّا الحج لوجوب المضي فيه مع أنه (قدس سره) كغيره يتمسك باطلاقات المعاملات، والحال أنّ الصحيحي لا يمكنه التمسك بها لإجمال الخطاب. ووجه الفساد هو ما عرفت من أنّه لا مانع من التمسك باطلاقات المعاملات على القول بالصحيح، كما عرفت.)وعلى الجملة : فالمعاملات المأخوذة في موضوع أدلة الامضاء كالبيع ونحوه، معاملات عرفية عقلائية ولم يتصرف الشارع فيها أي تصرف لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، بل أمضاها بما لها من المفاهيم التي قد استقر عليها الفهم العرفي، وتكلّم بالألفاظ التي كانت متداولة بينهم في محاوراته-م ق-بل الشريعة الاسلامية، فحينئذ إن شكٍّ فى اعتبار أمر زائد على ما يفهمه العرف والعقلاء فنتمسك باطلاق الأدلة وننفي بذلك اعتباره، كما أنه لم يكن معتبراً عند العرف، إذ لو كان معتبراً للزم على الشارع المقدس بيانه، وحيث إنّ-ه (صلّى اللّه عليه وآله كان في مقام البيان ولم يبيّن، فعلم عدم اعتباره.)


1) القواعد والفوائد 1: 158.

ومن هنا تفترق المعاملات عن العبادات، فانّ العبادات حيث إنها ماهيات مخترعة عند الشارع بجميع أجزائها وشرائطها، فلو كانت موضوعة للصحيحة لم يمكننا التمسك باطلاقاتها عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته لاحتمال دخله في المسمّى كما سبق. وهذا بخلاف المعاملات فانها ماهيات مخترعة عند العرف فلو شككنا في اعتبار شيء فيها شرعاً، فيكون الشك في أمر زائد على ما كان معتبراً عندهم وفي مثله لا مانع من التمسك بالإطلاق ولو على القول بكونها موضوعة للصحيحة.نعم، لو شككنا في اعتبار شيء فيها عرفاً كاعتبار المالية مثلاً أو نحوها، فلا يمكننا التمسك بالإطلاق، لعدم إحراز صدق البيع على فاقد المالية أو نحوها، هذا بناءً على القول بالصحيح. وأما بناءً على الأعم فلا مانع من التمسك بالإطلاق حتّى إذا كان الشك في اعتبار شيء فيها عرفاً، إلا فيما إذا كان الشك في دخله في المسمى.وصفوة القول : أنّ حال المعاملات عند العرف حال العبادات عند الشارع المقدس، فكما أنّ ثمرة جواز الأخذ بالإطلاق وعدم جوازه تظهر بين القولين في العبادات، فكذلك تظهر بينهما في المعاملات، وإنما تنتفي الثمرة بين القولين فيها - أي المعاملات - لو شككنا في اعتبار جزء أو قيد فيها شرعاً لا عرفاً، فانّه يجوز حينئذ التمسك بالاطلاق مطلقاً حتّى على القول بالوضع للصحيح، كما مرّ.#### التفصيل بين وضع أسامي المعاملات للأسباب وبين وضعها للمسبباتوربّما يورد : بأن حديث التمسك بالاطلاق في المعاملات إنما يتم فيما لو كانت المعاملات أسامى للأسباب دون المسببات، فانّه حينئذ مجال للتمسك باطلاق قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ (1)و (تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) (2)ونحوهما، لاثبات)


1) البقرة 2: 275.

2) النساء 4: 29.

إمضاء كل سبب عرفي إلا ما نهى عنه الشارع، وأما لو كانت المعاملات أسامي للمسببات فالامضاء الشرعي المتوجه إليها لا يدل على إمضاء أسبابها، لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب وهو المبادلة في البيع وما شاكلها، وإمضاء السبب وهو المعاطاة أو الصيغة الفارسية مثلاً، ومن الواضح أنّ أدلة الامضاء جميعاً من الآيات والروايات متجهة إلى إمضاء المسببات، ولا تنظر إلى إمضاء الأسباب أصلاً، ضرورة أنّ الحلية في قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ ث-ابت-ة لنفس المبادلة والملكية في مقابل تحريمها ولا معنى لحلية نفس الصيغة أو حرمتها، ووجوب الوفاء في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ) (1)ثابت للملكية والمبادلة، فانّ الوفاء على ما ذكرناه بمعنى الانهاء والاتمام، ومن المعلوم أنه لا يتعلق بنفس العقد فانه آني الحصول فلا بقاء له، بل لابد وأن يتعلق بما له قابلية البقاء والدوام، وهو ليس في المقام إلا نفس المسبب، والنكاح في قوله (صلّى اللّه عليه وآله): «النكاح سنتي» (2)نفس علاقة الزواج بين المرء والمرأة، لا نفس الصيغة، وكذا الصلح في قوله (صلّى اللّه عليه وآله): «الصلح جائز» (3)ونح--و ذلك، وعليه فلو شككنا في حصول مسبب من سبب خاص كالمعاطاة مثلاً، فمقتضى الأصل عدم حصوله والاقتصار على الأخذ بالقدر المتيقن، إلا فيما إذا كان له سبب،واحد فان إمضاء مسببه يستلزم إمضاءه لا محالة، وإلا لكان إمضاؤه بدونه لغواً محضاً، وكذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقن، فان نسبة المسبب حينئذ إلى الجميع على حد سواء، فلا يمكن الحكم بامضاء بعض دون بعض، وفي غير هاتين الصورتين لابد من الاقتصار على القدر المتيقن، وفي)


1) المائدة 5: 1.

2) المستدرك 14: 153/ أبواب مقدمات النكاح ب 1 ح 18.

3) الوسائل 18: 443 / أبواب الصلح ب 3 ح 1.

الزائد عليه نرجع إلى أصالة العدم.#### جواب المحقق النائيني عن ذلكوقد أجاب عنه شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)بأنّ نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست نسبة الأسباب إلى مسبباتها، ليكونا موجودين خارجيين يترتب أحدهما على الآخر ترتباً قهرياً، ويكون تعلق الارادة بالمسبب بتبع تعلقها بالسبب من جهة أنّ اختيارية المسبب باختيارية السبب، كما هو الحال في جميع الأفعال التوليدية، بل نسبتها إليها نسبة الآلة إلى ذيها، والارادة تكون متعلقة بنفس المعاملة ابتداءً، كما هو الحال فى سائر الانشاءات، فان قولنا: بعت أو صلّ ليس بنفسه موجداً للملكية أو الطلب في الخارج، نظير الالقاء الموجد للاحراق، بل الموجد في الواقع هو الارادة المتعلقة بايجاده انشاء.)فتحصل : أنه إذا لم تكن الصيغ من قبيل الأسباب، والمعاملات من قبيل المسببات، فلم يكن هناك موجودان خارجيان مترتبان كي لا يكون إمضاء أحدهما إمضاءً للآخر، بل الموجود واحد غاية ما في الباب أنّه باختلاف الآلة ينقسم إلى أقسام عديدة، فالبيع المنشأ بالمعاطاة قسم، وبغيرها قسم آخر، وباللفظ العربي قسم، وبغير العربي قسم آخر وهكذا، فإذا كان دليل إمضاء البيع مثلاً في مقام البيان ولم يقيّده بنوع دون نوع، فيستكشف منه عمومه لجميع الأقسام والأنواع، كما في بقية المطلقات حرفاً بحرف، هذا ما أجاب به (قدس سره عن الاشكال.)ولكن لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره وذلك لعدم الفرق في محل الكلام بين أن يعبّر عن صيغ العقود بالأسباب أو يعبّر عنها بالآلات، فان أدلة الامضاء إذا لم تكن ناظرة إلى إمضاء تلك الصيغ فلا يفرق بين كونها أسباباً)


1) أجود التقريرات 1: 73.

أو آلة، ولا أثر للاختلاف في مجرد التعبير.ومن الغريب أنه (قدس سره قد استدلّ على شمول أدلة الامضاء لصيغ العقود بأنّ الآلة وذا الآلة ليسا كالسبب والمسبب يمتاز أحدهما من الآخر في الوجود، بل هما موجودان بوجود،واحد فامضاء ذي الآلة يلازم إمضاء الآلة لا محالة وجه الغرابة : أنّه لا ريب في تعدد وجود الصيغ ووجود ما يعبّر عنه بالمسببات في باب المعاملات، فانّ المسببات هي الأمور الاعتبارية النفسانية التي لا وجود لها إلا في عالم الاعتبار، والأسباب عبارة عن الأفعال والألفاظ، وهما من الموجودات الحقيقية الخارجية، سواء عبّر عنها بالأسباب أو بالآلات، فكما أنّ إمضاء المسبب لا يلازم إمضاء السبب فكذلك إمضاء ذي الآلة لا يلازم إمضاء الآلة لعدم تفاوت بينهما إلا في التعبير.)وعليه فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن على كل تقدير، فلو شكّ في حصول مسبب كالملكية، أو نحوها من سبب خاص كالمعاطاة مثلاً أو بغير العربي أو نحو ذلك، فمقتضى الأصل عدم حصوله إلّا إذا كان له سبب واحد، فان إمضاء المسبب حينئذ يلازم إمضاء سببه لا محالة، وإلا لكان إمضاؤه لغواً.والصحيح في الجواب عنه : هو أنا لو سلّمنا أن نسبة صيغ العقود إلى المعاملات نسبة الأسباب إلى مسبباتها، أو نسبة الآلة إلى ذيها، وأغمضنا النظر عما سلكناه في باب المعاملات من أنّها أسام للمركب من المبرز والمبرز خارجاً، فلا سبب ولا مسبب ولا آلة ولا ذا آلة كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، فمع ذلك لا يتم الاشكال المزبور، فانّه إنما يتم فيما إذا كان هناك مسبب واحد وله أسباب عديدة، فحينئذ يقال إنّ إمضاءه لا يلازم إمضاءها جميعاً، فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن لو كان، وفي الزائد نرجع إلى أصالة عدم حصوله.نعم، لو فرضنا أنّه لم يكن بينها قدر متيقن بل كانت نسبة الجميع إليه على

حد سواء، أمكننا أن نقول بأنّ إمضاء المسبب إمضاء لجميع أسبابه، فانّ الحكم بامضاء بعض دون بعض ترجيح من دون مرجح، والحكم بعدم الإمضاء رأساً مع إمضاء المسبب على الفرض غير معقول، ولكنّه فرض نادر جداً، بل لم يتحقق في الخارج، وأمّا إذا كانت المسببات كالأسباب متعددة كما هو كذلك فلا يتم الإشكال بيان ذلك :أن المراد بالمسبب إما أن يكون هو الاعتبار النفساني كما هو مسلكنا، أو يكون هو الوجود الانشائي المتحصل من الصيغة أو غيرها كما هو مسلكهم في باب الانشاء، حيث إنّهم فسّروا الانشاء بايجاد المعنى باللفظ، ومن هنا قالوا إنّ صيغ العقود أسباب للمعاملات من جهة أنّها لا توجد إلا بها، فالبيع لا يوجد إلا بعد قوله : بعت، وكذا غيره، أو أنّ المراد بالمسبب هو الإمضاء العقلائي فانّه مسبب وفعل البائع مثلاً سبب، فإذا صدر من البائع بيع يترتب عليه إمضاء العقلاء ترتب المسبب على السبب.وأما الإمضاء الشرعي فلا يعقل أن يكون مسبباً، بداهة أنّ المسبب هو ما يتعلق به الإمضاء من قبل الشارع المقدس فلا يعقل أن يكون هو نفسه، وإلّا لزم تعلق الإمضاء بنفسه في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ (1)و(أَوْفُوا بالعُقُودِ) (2)وقوله (صلّى اللّه عليه وآله): «النكاح سنتي» (3)ونحو ذلك، فانّ المعنى حينئذ هو أنّ اللّه أحلّ البيع الذي أحلّه، وأوجب الوفاء بالعقد الذي أوجب الوفاء به، وأن النبي (صلى اللّه عليه وآله) سنّ النكاح الذي سنه...وهكذا. وإن كان ربّما يظهر من كلام المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في مبحث)


1) البقرة 2 275.

2) المائدة 5: 1.

3) المستدرك 14 : 153 / أبواب مقدمات النكاح ب 1 ح 18.

النهي عن المعاملات حيث قال - بعد ما حكى عن أبي حنيفة والشيباني دلالة النهي - على الصحّة - : والتحقيق أنّه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبيب، لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر ولا يكاد يقدر عليهما إلا فيما إذا كانت المعاملة مؤثرة صحيحة (1.)وكيف كان فاحتمال أن يكون المسبب هو الإمضاء الشرعي فاسد قطعاً. وعلى جميع التقادير المذكورة لا يتم إشكال عدم التلازم بين إمضاء المسبب وإمضاء سببه.أما بناءً على أن يكون المسبب عبارة عن الاعتبار القائم بالنفس فلا محالة يتعدد المسبب بتعدد مبرزه خارجاً، مثلاً لو اعتبر زيد ملكية داره لشخص فأبرزها باللغة العربية، واعتبر ملكية بستانه لآخر فأبرزها باللغة الفارسية، واعتبر ملكية فرسه لثالث فأبرزها بالمعاطاة، واعتبر م-لك-ية كتابه لراب-ع فأبرزها بالكتابة أو الاشارة، فهنا اعتبارات متعددة خارجاً، وكل واحد منها يباين الآخر لا محالة، وإن كان الجميع صادراً من شخص واحد فضلاً عما إذا صدر عن أشخاص متعددة، كما إذا باع زيد فرسه بالصيغة العربية، وباع عمرو داره بالصيغة الفارسية، وباع ثالث كتابه بالمعاطاة...وهكذا، حيث لا شبهة في أن الاعتبار القائم بزيد المبرز في الخارج بالصيغة العربية يباين كلاً من الآخرين، وكذا كل واحد منها بالاضافة إلى الآخرين.وعلى ذلك فإذا فرضنا أنّ الشارع أمضى الاعتبار المبرز في الخارج باللغة الفارسية أو بالمعاطاة، فلا محالة أمضى المعاطاة أو الصيغة الفارسية التي يعبّر عنها بالسبب، وإلا لكان إمضاؤه بدون إمضائها لغواً محضاً، بداهة أنه لا معنى لأن يمضي الشارع الملكية المبرزة بالمعاطاة ولا يمضي نفس المعاطاة، ويمضي


1) كفاية الأصول: 189.

الملكية المظهرة بالعقد الفارسي ولا يمضي نفس هذا العقد...وهكذا، فان معنى عدم إمضاء الشارع هذا السبب عدم حصول الملكية به خارجاً، وهذا مناقض لحصولها به وإمضاء الشارع إياها.وأما بناءً على أن يكون المسبب عبارة عن الوجود الإنشائي الحاصل بالتلفظ بصيغ العقود كصيغة بعت ونحوها فهو أوضح من الأوّل، بداهة أنه متی ما حصل التلفظ بصيغة بعت أو نحوها يتحقق المسبب خارجاً، فلو قال زيد مثلاً: بعت داري، ثمّ قال : بعت بستاني، ثمّ قال : بعت فرسي...وهكذا، يتحقق بكل واحد من هذه الصيغ والأسباب وجود إنشائي الذي يعبّر عنه بالمسبب على مسلك القوم، فكما أنّ لكل صيغة وجوداً، فكذلك لكل منشأ وجوداً إنشائياً بوجود سببه، فلا يعقل انفكاك المنشأ عن الإنشاء والسبب، ولا سيما فيما إذا كانت الأسباب مختلفة الحقائق كالعربية والعجمية وغيرهما.وعلى الجملة : فالتلفظ بالصيغة يوجب تحصل وجود إنشائي للبيع على مسلكهم فلا يتصور انفكاكه عنه. وعليه فامضاء الوجود الإنشائي والتنزيلي إمضاء لسببه، فلا يعقل تعلّق الامضاء بأحدهما دون الآخر كما تقدّم.وأما لو كان المراد من المسبب إمضاء العقلاء فالأمر فيه أوضح من الأولين، ضرورة أنّ العقلاء يمضون كل بيع صادر من البائع إذا كان واجداً للشرائط، بأن يكون صادراً من أهله ووقع في محلّه، مثلاً لبيع زيد كتابه إمضاء عقلائي، ولبيع زيد داره إمضاء عقلائي آخر ولبيع زيد فرسه إمضاء عقلائي ثالث...وهكذا، وليس إمضاؤهم متعلقاً بطبيعي البيع، فانّه لا أثر له، والآثار إنما تترتب على آحاد البيع الصادرة عن آحاد الناس، ومن الواضح أن العقلاء إنما يمضون تلك الآحاد المترتبة عليها الآثار، وليس إمضاء أحدها عين إمضاء الآخر، بل لكل واحد منها إمضاء على حياله واستقلاله، كما هو مقتضى كون البيع سبباً لامضاء عقلائي. وكيف كان، فلا ريب في أنّ لكل بيع من البيوع الموجودة في

الخارج إمضاء عقلائياً يباين إمضاء عقلائياً آخر...وهكذا، سواء كانت البيوع صادرة من شخص واحد، أو من أشخاص متعددة.وعليه فإذا كان لدليل الإمضاء إطلاق قد دلّ باطلاقه على نفوذ كل إمضاء عقلائي، فلا محالة دلّ بالالتزام على إمضاء كل سبب يتسبب إليه، وإلا فلا يعقل إمضاؤه بدون امضائه، فانه.، فانّه نقض للغرض كما لا يخفى.فالنتيجة من جميع ذلك : أنّ الإيراد المزبور إنما يتم فيما لو كان هناك مسبب واحد وله أسباب عديدة، ولكن قد عرفت أنه لا أصل له على جميع المسالك في تفسير المسبب، ولا يعقل أن يكون المسبب واحد أسباب متعددة على الجميع بل لكل سبب مسبب، فامضاؤه بعينه إمضاء لسببه.هذا كلّه بناءً على مسلك القوم في باب المعاملات.التحقيق : أن كون صيغ العقود أسباباً أو آلة كل ذلك لا يرجع إلى معنى صحيح، وذلك لما حققناه سابقاً من أنّ ما هو المشهور من أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ فاسد، فانّهم إن أرادوا به الإيجاد التكويني الخارجي فهو غ-ير معقول، بداهة أنّ اللفظ لا يكون واقعاً في سلسلة علل وجوده وأسبابه. وإن أرادوا به الإيجاد الاعتباري، فيرده : أنه يوجد بنفس اعتبار المعتبر، سواء كان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن فاللفظ لا يكون سبباً لايجاده ولا آلة له، فلا يكون محتاجاً إليه أصلاً، كيف فانّ الأمر الاعتباري لا واقع له ما عدا اعتبار المعتبر في أفق النفس، وأما الخارج عنه من اللفظ والكتابة والإشارة والفعل،فأجنبي عنه بالكلية.نعم، إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج يحتاج إلى مبرز، وذلك المبرز قد يكون لفظاً كما هو الغالب، وقد يكون اشارة، وقد يكون كتابة، وقد يكون فعلاً.

ومن هنا ذكرنا في بحث المعاملات (1أنها أسام للمركب من الأمر الاعتباري النفساني وإبرازه باللفظ أو نحوه في الخارج، فانّ الآثار المترقبة منها لا تترتب إلا على المركب من الأمرين، فالبيع والإيجار والصلح والنكاح وما شاكلها لا يصدق على مجرد الاعتبار النفساني بدون إبرازه في الخارج بمبرز ما، فلو اعتبر أحد ملكية داره لزيد مثلاً، أو ملكية فرسه لعمرو بدون أن يبرزها في الخارج باللفظ أو ما شاكله، فلا أنه يصدق باع داره من زيد أو فرسه م--ن عمرو، كما أنه لا يصدق هذه العناوين على مجرد إطلاق اللفظ أو نحوه من دون اعتبار نفساني كما لو كان في مقام تعداد صيغ العقود أو الإيقاعات، أو كان التكلم بها بداع آخر غير إبراز ما في أفق النفس من الأمر الاعتباري، فلو قال أحد بعت أو زوجت أو نحو ذلك من دون اعتبار نفساني، فلا يصدق عليه عنوان البيع أو عنوان التزويج والنكاح...وهكذا.)وعلى ضوء ما ذكرناه يتضح أنه لا سبب ولا مسبب في باب المعاملات، ولا آلة ولا ذا آلة، ليشكل أنّ إمضاء أحدهما لا يلازم إمضاء الآخر، بل المعاملات بعناوينها الخاصّة من البيع والهبة وما شاكلها أسام للمركب م-ن الأمرين، فلا يصدق على كل واحد منهما بالخصوص كما عرفت، والمفروض أنها بهذه العناوين مأخوذة في أدلة الامضاء كقوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ (2)وقوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «النكاح سنتي» (3)و «الصلح جائز» (4)إلى غير ذلك، فالأدلة ناظرة إلى إمضائها بتلك العناوين، وعليه فمتى صدق هذه العناوين)


1) مصباح الفقاهة 1: 30، وفي المجلد 2: 52.

2) البقرة 2: 275.

3) المستدرك 14: 153/ أبواب مقدمات النكاح ب 1 ح 18.

4) الوسائل 18: 443 / أبواب الصلح ب 3 ح 1.

عرفاً وشكّ في اعتبار أمر زائد عليه شرعاً جزءاً أو شرطاً فلا مانع من التمسك باطلاقها، وبه يثبت عدم اعتباره. كما أنه يتضح ممّا ذكرناه أنّ ما يسمى بالمسبب عبارة عن الأمر الاعتباري النفساني القائم بالمعتبر بالمباشرة من دون احتياج إلى سبب ولا آلة.ومن مجموع ما ذكرناه يستبين أنه لا فرق في جواز التمسك باطلاق أدلة الإمضاء بين أن تكون المعاملات أسامي للأعم أو للصحيحة : أما على الأوّل فواضح. وأما على الثاني، فلأنّ الصحّة عند العقلاء أعم منها عند الشارع، إذ رب معاملة تكون مورداً لامضاء العقلاء ولا تكون مورداً لامضاء الشارع، فإذا شك في ذلك يتمسك بالإطلاق. وأما الصحّة الشرعية فلا يعقل أخذها في المسمّى، وفي موضوع أدلة الإمضاء ليكون معنى قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ أنّ اللّه أحلّ وأمضى البيع الذي أحلّه وأمضاه. نعم، يمكن أن تكون الصحّة عند العقلاء مأخوذة في الموضوع له، ليكون البيع مثلاً إسماً للاعتبار المبرز في الخارج الممضى عند العقلاء، لا للأعم منه وممّا لا يكون ممضى عندهم فان الاعتبار إذا كان واجداً للشرائط كما إذا كان صادراً من العاقل مثلاً فيقع مورداً لا مضائهم، وإذا كان فاقداً لها كما إذا كان صادراً عن الصبي غير المميز أو المجنون أو الفضولي أو ما شاكل ذلك، فلا يقع مورداً لامضائهم. وعليه فلو شككنا في اعتبار أمر زائد على ما أمضاه العقلاء كاعتبار اللفظ مثلاً، أو العربية أو نحو ذلك، فلا مانع من التمسك بالإطلاق لاثبات عدم اعتباره، لأنّ الشك حينئذ في اعتبار أمر زائد على صدق اللفظ.)ومن هنا تفترق المعاملات عن العبادات، فانّ العبادات بما أنها ماهيات مخترعة من قِبَل الشارع المقدّس فلو كانت موضوعة للصحيحة فلا يمكننا التمسك باطلاق أدلتها، لأنّ الشك في اعتبار شيء فيها جزءاً أو شرطاً يرجع

إلى الشك في صدق اللفظ على الفاقد للشيء المشكوك فيه، لاحتمال مدخليته في المسمى. وهذا بخلاف المعاملات، فانّها حيث كانت ماهيات مخترعة من قبل العقلاء لتنظيم الحياة المادية للبشر، فلو كانت أسامي للصحيحة لم يكن مانع من التمسك بالإطلاق، فانّ الصحيح عند العقلاء أعم مورداً من الصحيح عند الشارع.وقد تحصل من ذلك : أن نقطة الميز بين البابين التي توجب جواز التمسك بالإطلاق في باب المعاملات ولو كانت موضوعة للصحيحة، وعدم جوازه في باب العبادات لو كانت كذلك، هي أنّ الصحّة التي هي محل البحث في المعاملات الصحّة عند العقلاء، وقد عرفت أنها أعم عند الشارع، والصحة التي هي محل البحث في العبادات الصحّة عند الشارع، فهذه هي النقطة الرئيسية للفرق بين البابين.نعم، تظهر الثمرة بين القولين في المعاملات أيضاً فيا إذا شك في اعتبار أمر عرفي فيها عند العقلاء جزءاً أو شرطاً، كما إذا شك في اعتبار المالية في البيع كما هو مقتضى ظاهر تعريف المصباح (1، أو في اعتبار شيء آخر عندهم، فعلى القول بكونها أسامي للصحيحة لا يجوز التمسك بالإطلاق، لاحتمال دخل المالية في صدق البيع، فلو باع الخنفساء أو مثقالاً من التراب أو نحو ذلك ممّا لا مالية له عند العقلاء فنشك في صدق البيع على ذلك، ومعه لا يمكننا التمسك بالإطلاق. وعلى القول بالأعم لا مانع من التمسك بالإطلاق في هذه الموارد أيضاً.)وأمّا الكلام في المقام الثاني : فيتضح الحال فيه ممّا حققناه في المقام الأوّل وملخصه : هو أنا لا نعقل للمسبب في باب المعاملات معنی ما عدا الاعتبار النفساني القائم بالمعتبر بالمباشرة، ومن الظاهر أنّ المسبب بهذا المعنى يتصف


1) المصباح المنير : 69.

بالصحة والفساد، فان الاعتبار إذا كان من أهله وهو البالغ العاقل فيتصف بالصحة حتّى عند العقلاء، وإذا كان من غير أهله وهو المجنون أو الصبي غير المميز فيتصف بالفساد كذلك. نعم، لو كان صادراً من الصبي المميز فيتصف بالصحة عند العقلاء وبالفساد عند الشارع.وعلى الجملة : فكما أنّ الصيغة تتصف بالصحة والفساد، فيقال الصيغة العربية صحيحة، وغير العربية فاسدة، أو الصادرة عن البالغ العاقل صحيحة، ومن غيره فاسدة، فكذلك الاعتبار فيقال إنّ الاعتبار الصادر من العاقل صحيح، ومن غيره فاسد، وعليه فلا أصل لما ذكروه من أن المعاملات لو كانت أسامي للمسببات لم تتصف بالصحة والفساد، بل تتصف بالوجود والعدم، فان هذا إنما يتم لو كان المسبب عبارة عن الإمضاء الشرعي، فأنه غير قابل لأن يتصف بالصحة والفساد، بل هو إما موجود أو معدوم، وكذا لو كان عبارة عن إمضاء العقلاء، فانّه لا يقبل الاتصاف بهما، فاما أن يكون موجوداً أو معدوماً، إلّا أنّ المسبب هنا ليس هو الإمضاء الشرعى أو العقلائي، ضرورة أنّ المعاملات من العقود والايقاعات أسام للأفعال الصادرة عن آحاد الناس، فالبيع مثلاً اسم للفعل الصادر عن البائع، والهبة اسم للفعل الصادر عن الواهب...وهكذا. ومن الواضح أنها أجنبية عن مرحلة الإمضاء رأساً. نعم إنها قد تقع مورد مورداً للامضاء إذا كانت واجدة للشرائط من حيث الاعتبار أو مبرزه، وقد لا تقع مورداً له إذا كانت فاقدة لها كذلك.فقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنه لا مانع من جريان النزاع في المسبب بهذا المعنى من هذه الجهة. نعم، هو خارج عن محل النزاع من جهة أخرى، وهي أن عنوان البيع وما شاكله لا يصدق عليه عرفاً بدون إبرازه في الخارج ولو على القول بالأعم، فلا محالة يكون البيع أو نحوه موضوعاً للمؤلف من الاعتبار وإبرازه

إمّا مطلقاً أو فيما أمضاه العقلاء.وملخص ما ذكرناه في باب المعاملات لحد الآن أمور :الأوّل: أنّ المعاملات أمور عرفية عقلائية، وليست من المخترعات الشرعية.الثاني : جواز التمسك بالإطلاق في باب المعاملات مطلقاً ولو كانت أسامي للصحيحة.الثالث : أنّ الصحّة المأخوذة في مسمّى المعاملات على القول بالصحيح هي الصحّة عند العقلاء، لا عند الشارع كما عرفت.الرابع : أنّ المسببات في باب المعاملات عبارة عن الاعتبار القائم بالنفس بالمباشرة لا بالتسبيب والآلة، وقد عرفت أنه لا معنی للسبيبة والمسببية فيهاأصلاً.الخامس : أن المعاملات بعناوينها الخاصّة أسام للمؤلف من الاعتبار وإبرازه خارجاً فلا يصدق على كل واحد منهما بالخصوص. هذا تمام الكلام في مسألة الصحيح والأعم.#### تذييل : دخول أجزاء الواجب وشرائطه في محل النزاعإن كل واجب مركب كالصلاة ونحوها إذا لوحظ بالقياس إلى عدّة أمور فلا يخلو الحال إما أن يكون الواجب أجنبياً عنها بالكلية فلا يكون لها دخل فيه، ولا في الفرد المقترن به لا بنحو الجزئية ولا بنحو الشرطية، وهذه الأمور على قسمين :أحدهما : ما كان راجحاً في نفسه كالأدعية الواردة في أيام وليالي شهر رمضان، فانّها وإن كانت مقترنه مع الواجب كالصوم أو نحوه، وذات رجحان

في نفسها، إلا أنها أجنبية عنه وغير موجبة لمزية فيه.الثاني : مالم يكن له رجحان في نفسه أيضاً، كنزول المطر مثلاً مقارناً للصلاة أو نحوها.أو لا يكون كذلك، بل لها دخل في الواجب بنحو من أنحاء الدخل، وهذا على أقسام :القسم الأوّل : ما هو خارج عن طبيعي الواجب فلا يكون جزأه ولا قيده، ولكنّه من خصوصيات الفرد ويوجب مزية فيه، وذلك كعنوان الجماعة والمسجد والقنوت ونحو ذلك، فانّ طبيعي الواجب باقٍ على ما هو عليه من المصلحة، فلا تزيد ولا تنقص باختلاف تلك الخصوصيات، غاية الأمر تطبيقه على الفرد الواجد لها أولى من تطبيقه على الفرد الفاقد ومن هنا ورد أن الصلاة فريضة والجماعة مستحبة، هذا لا بمعنى أن الجماعة ليست من أفراد الواجب، بل بمعنى أنّ الصلاة جماعة حيث كانت واجدة لهذه الخصوصيات فتطبيق الصلاة عليها مستحب.القسم الثاني: ما يكون له دخل في الواجب بنحو الشرطية، والضابط في الشرط هو أن يكون تقيد الواجب به داخلاً في حقيقته والقيد خارجاً عنها. ومن هنا يظهر أنّ التقيد لابد أن يكون اختيارياً للمكلف، سواء كان القيد أيضاً اختيارياً كالطهارة وما شاكلها أم لم يكن كالقبلة ونحوها.القسم الثالث : ما يكون له دخل في الواجب بنحو الجزئية، والضابط في الجزء أن يكون الشيء بنفسه متعلقاً للأمر ومقوّماً لحقيقة الواجب.وبعد ذلك نقول : لا إشكال في دخول الأجزاء في محل البحث، كما أنه لا إشكال في خروج ما عدا الأجزاء والشرائط عنه، وأما الشرائط نفسها فربّما

قيل بخروجها عن حريم النزاع، ولكن قد تقدّم فساده (1. والصحيح هو أنها داخلة فيه أيضاً. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالصحيح والأعم.)### مبحث الاشتراك#### الكلام في إمكان الاشتراكالكلام فيه يقع من جهتين :الأولى : في إمكان الاشتراك أو وجوبه أو امتناعه.الثانية : في منشأ الاشتراك هل هو الوضع تعيينياً أو تعيناً أو شيء آخر ؟ أمّا الكلام في الجهة الأولى : فذهب قوم إلى أنّ الاشتراك في اللغة واجب، بتقريب أنّ الألفاظ والتراكيب المؤلّفة منها متناهية، والمعاني الموجودة في الواقع ونفس الأمر غير متناهية، فالحاجة إلى تفهيم المعاني جميعاً تستدعي لزوم الاشتراك لئلا يبقى معنى بلا لفظ دال عليه.وقد أورد عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (2)بوجوه:)الأوّل : أنّ وضع الألفاظ بازاء المعاني غير المتناهية غير معقول، لأن-ه يستلزم أوضاعاً غير متناهية، وصدورها من واضع متناه محال.الثاني : أنا لو سلمنا إمكان ذلك كما إذا كان الواضع هو اللّه (تبارك وتعالى إلا أنه من الواضح أنّ الوضع مقدّمة للاستعمال ولابراز الحاجة والأغراض، وهو من البشر لا منه (تعالى وتقدس)، إذن وضع الألفاظ بازاء المعاني غير المتناهية يصبح لغواً محضاً، لأنه زائد على مقدار الحاجة إلى الاستعمالات المتناهية. وعلى الجملة : فالواضع وإن فرض أنّ اللّه تعالى وهو قادر على أوضاع غير)


1) في ص 156.

2) كفاية الأصول : 35.

متناهية، إلّا أنّ المستعمل هو البشر فالاستعمال منه لا محالة يقع متناهياً، فالوضع زائداً على المقدار المتناهي غير محتاج إليه.الثالث : أن المعاني الجزئية وإن لم تتناه، إلّا أنّ المعاني الكلية متناهية كالألفاظ، فلا مانع من وضع اللفظ بازاء معنى كلّي يستعمل في أفراده ومصاديقه حسبما يتعلق الحاجة بها، ومن الواضح أنّ الأمر كذلك في جميع أسماء الأجناس من الحيوانات وغيرها، فيضع الواضع لفظاً خاصاً لواحد منها ثمّ يطلقه على كل واحد من أفراده من دون أن تكون للأفراد أسام خاصة، مثلاً لفظ الهرة موضوع لطبيعي ذلك الحيوان الخاص ثمّ نستعمله في كل فرد من أفرادها من دون أن تكون لأفرادها أسماء خاصة، وكذا لفظ الأسد ونحوه. نعم، المتمايز أفراده بحسب الاسم من بين الحيوانات الانسان دون غيره.فالنتيجة : أنّ المعاني الكلية متناهية فلا مانع من وضع اللفظ بازائها.الرابع : : أن المحذور المزبور إنّما يلزم لو كان اللفظ موضوعاً بازاء جميع المعاني، ويكون استعماله في الجميع على نحو الحقيقة، وأمّا إذا كان موضوعاً بازاء بعض منها ويكون استعماله في الباقي مجازاً، فلا يلزم المحذور، فان باب المجاز واسع، فلا مانع من أن يكون لمعنى واحد حقيقي معانٍ متعددة مجازية.فمن جميع ما تقدّم يستبين أن الاشتراك ليس بواجب.ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره من امتناع الاشتراك بوضع اللفظ للمعاني غير المتناهية متين جداً، لاستلزامه أوضاعاً لا تتناهى. وكذا ما أفاده (قدس سره) ثانياً من أنه لو أمكن الوضع إلى غير متناه فلا يقع في الخارج إلا بمقدار متناه، فانّ الوضع إنما يكون بمقدار الحاجة إلى الاستعمال وهو متناه لا محالة، فالزائد عليه لغو فلا يصدر من الواضع الحكيم.)نعم، إن ما سلّمه (قدس سره من تناهي الألفاظ فهو غير صحيح، وذلك)

لأنه يمكن لنا تصوير هيئات وتراكيب متعددة من الألفاظ باعتبار كونها مؤتلفة من الحروف الهجائية بعضها من بعض إلى عدد غير متناه، فاللفظ الواحد يختلف باختلاف حركاته، فلو ضم أوّله أو فتح أو كسر فهو في كل حال لفظ مغاير للفظ في حالة أخرى، وكذا لو فتح آخره أو ضم أو كسر، وإذا أضيف إليه في جميع هذه الأحوال حرف من الحروف الهجائية صار لفظاً ومركباً ثانياً غير الأوّل وهكذا. فتصبح الألفاظ بهذه النسبة غير متناهية، مثلاً لفظ بر إذا ضمّ أوّله أو فتح أو كسر فهو لفظ غير الأوّل، ولو أضيف إليه الاختلاف بالتقديم أو التأخير أو حرف من الحروف صار لفظاً آخر وهكذا.وإن شئت فقل : إن مواد الألفاظ وإن كانت مضبوطة ومحدودة من الواحد إلى الثمانية والعشرين حرفاً، إلّا أنّ الألفاظ المؤتلفة منها والهيئات الحاصلة من ضم بعضها إلى بعضها الآخر تبلغ إلى غير النهاية، فان اختلاف الألفاظ وتعددها بالهيئات والتقديم والتأخير والزيادة والنقصان والحركات والسكنات يوجب تعددها واختلافها إلى مقدار غير متناه. وهذا نظير الأعداد، فان موادها وإن كانت آحاداً معينة من الواحد إلى العشرة، إلّا أنّ تركبها منها يوجب تعددها إلى عدد غير متناه، مع أنه لم يزد على كل مرتبة من مراتبها إلا عدد واحد، وتفاوت كل مرتبة من مرتبة أخرى بذلك الواحد، فإذا أضيف إليها ذلك صارت مرتبة أخرى، وهكذا تذهب المراتب إلى غير النهاية.فالنتيجة : أنّ الألفاظ غير متناهية كالمعاني والأعداد.وأما ما أفاده (قدس سره ثالثاً من أن جزئيات المعاني وإن كانت غير متناهية، إلّا أنّ كلياتها التي تنطبق عليها متناهية، ففيه: أنه (قدس سره) إن أراد بكليات المعاني المفاهيم العامّة كمفهوم الشيء والممكن والأمر، فما أفاده (قدس سره) وإن كان صحيحاً، فانّها منحصرة ومتناهية، إلّا أنّ جميع الألفاظ لم توضع بازائها يقيناً على نحو الوضع العام والموضوع له الخاص أو الوضع)

العام والموضوع له العام ضرورة أنّه لا يمكن تفهيم جميع المعاني والأغراض التي تتعلّق الحاجة بابرازها بواسطة الألفاظ الموضوعة بازائها لو لم تكن لأنفسها أسامٍ خاصة يقع التفهيم والتفهم بها في مقام الحاجة، بل إنّ ذلك مستحيل عادة كما لا يخفى.وإن أراد بها (قدس سره المراتب النازلة منها كالانسان والحيوان والشجر والحجر وما شاكل ذلك، فيردّه أنها غير متناهية باعتبار أجزائها من الجنس والفصل وعوارضها من اللازمة والمفارقة المتصورة لها، وهكذا تذهب إلى غير النهاية، بل يكفي لعدم تناهي هذه المعاني نفس مراتب الأعداد، فانك عرفت أنّ مراتبها تبلغ إلى حد لا نهاية له، وكل مرتبة منها معنى كلّي لها أفراد وحصص في الخارج والواقع، مثلاً العشرة مرتبة منها، والحادي عشر مرتبة أخرى، والثاني عشر مرتبة ثالثة،وهكذا ولكل واحدة منها في الخارج أفراد تنطبق عليها انطباق الطبيعي على أفراده، والكلي على مصاديقه.)فما أفاده (قدس سره من أنّ المعاني الكلية متناهية غير صحيح. على أنّ التفهيم بها في جميع الموارد لا يخلو عن إشكال كما لا يخفى.)وكيف كان، فقد ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ الاشتراك ليس بواجب، ولو سلّمنا إمكان وضع الألفاظ للمعاني غير المتناهية، لعدم تناهي الألفاظ أيضاً.وقد قيل باستحالة الاشتراك في اللغات لمنافاته المصلحة الباعثة للواضع إلى الوضع وهي التفهيم والتفهم في مقام الحاجة، حيث إنّ إبراز المقاصد لا يمكن في جميع الموارد إلا باللفظ، وأمّا غيره كالاشارة أو نحوها فهو لا يفي بذلك في المحسوسات فضلاً عن المعقولات، وعليه فصار الوضع ضرورياً لضرورة الحاجة إلى التفهيم والتفهم، فالاشتراك بما أنّه يخل بذلك الغرض ويوجب الاجمال في المراد من اللفظ، فهو محال صدوره من الواضع الحكيم، لكونه لغواً محضاً.

وأجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)بوجهين :)الأوّل : أن إمكان التفهيم والتفهم من اللفظ المشترك بواسطة القرائن الواضحة الدالة على المقصود من الواضحات، فانّ اللفظ قد يدل على المقصود بنفسه وقد يدل عليه بواسطة القرائن، فاللفظ المشترك وإن لم يدل عليه بنفسه ولكنّه يدل عليه بواسطة ضم قرينة إليه، فلا يكون مخلاً بغرض الوضع.نعم، لو كان الاشتراك علة تامة للاخلال والاجمال بحيث لا يمكن الافادة والاستفادة معه مطلقاً لتمّ ما أفاده القائل إلّا أنّ الأمر ليس كذلك.الثاني: أنا نمنع كون الاشتراك يوجب الاخلال بغرض الوضع، فانّ الغرض كما يتعلق بالتفهيم والتفهم، كذلك قد يتعلق بالاهمال والاجمال فيلتجئ الواضع إلى الاشتراك لتحصيل هذا الغرض.التحقيق : أنّ ما أفاده (قدس سره من إمكان الاشتراك وأنه لا يمتنع ولا يجب وإن كان صحيحاً، إلا أنه إنما يتم على مسلك القوم في تفسير الوضع، فانّه على مسلك أنّ من يرى حقيقة الوضع عبارة عن 1 - اعتبار الواضع وجعله الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له. 2 - أو جعله وجود اللفظ وجوداً للمعنى تنزيلاً. 3 - أو جعله اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار، فلا مانع من الاشتراك وتعدد الجعل، إذ الاعتبار خفيف المؤونة ولا محذور في تعدده في اللفظ الواحد أصلاً.)وأمّا على ما نراه من أنّ حقيقة الوضع التعهد والالتزام النفساني فلا يمكن الاشتراك بالمعنى المشهور، وهو تعدد الوضع على نحو الاستقلال في اللفظ الواحد، والوجه في ذلك : هو أن معنى التعهد كما عرفت عبارة عن تعهد الواضع في نفسه


1) كفاية الأصول : 35.

بأنه متى ما تكلم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلا تفهيم معنى خاص، وم--ن المعلوم أنه لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنه متى ما تكلم بذلك اللفظ الخ-اص لا يقصد إلّا تفهيم معنى آخر يباين الأوّل، ضرورة أن معنى ذلك ليس إلا النقض لما تعهده أوّلاً.أو فقل : إنّ الوضع على ما ذكرناه عبارة عن ذلك التعهد المجرد عن الإتيان بأية قرينة، وعليه فلا يمكن للواضع أن يجمع بين تعهدين كذلك أو أزيد في لفظ واحد، فانّ الثاني مناقض للأوّل، ولا يجتمع معه إلّا أن يرفع يده عن الأوّل، ويلتزم ثانياً بأنه متى ما تكلم بذلك اللفظ الخاص يقصد م-ن-ه ت-فهيم أحد المعنيين الخاصين، فالذي يمكن من الاشتراك هو هذا المعنى، أعني به رفع اليد عن الالتزام الأوّل، والالتزام من جديد بأنه متى ما تكلم بذلك اللفظ فهو يريد منه تفهيم أحد المعنيين على نحو الوضع العام والموضوع له الخاص.نعم، في مقام الاستعمال لابد من نصب قرينة على إرادة تفهيم أحدهما بالخصوص، فانّ اللفظ غير دال إلا على إرادة أحدهما لا بعينه، فهذا المعنى نتيجة كالاشتراك اللفظي من ناحية تعدد الموضوع له، وكون استعمال اللفظ في كل واحد من المعنيين، أو المعاني استعمالاً حقيقياً ومحتاجاً إلى نصب قرينة معيّنة. نعم، الفرق بينهما من ناحية الوضع فقط، فانّه متعدد في الاشتراك بالمعنى المشهور والمتنازع فيه، وواحد في الاشتراك على مسلكنا.فالنتيجة : أنّ الاشتراك بالمعنى المعروف على مسلكنا غير معقول، وعلى مسلك القوم لا بأس به. نعم يمكن على مسلكنا ما تكون نتيجته نتيجة الاشتراك وهو الوضع العام والموضوع له الخاص ولا مانع منه، فانّ الوضع فيه واحد، ومحذور الامتناع إنما جاء في تعدد الوضع.ثمّ لو قلنا بامكان الاشتراك فلا مانع من وقوعه في كلمات الفصحاء والبلغاء

و من استعمال اللفظ المشترك عند أهل المحاورة.وقد يتوهم عدم إمكان استعماله في القرآن الحكيم، وذلك لأنّ اللّه تعالى إمّا أن يعتمد يعتمد في بيان المراد منه على القرائن الدالة على ذلك فيلزم التطويل بلاطائل، وإما أن لا يعتمد على شيء في ذلك فيلزم الإهمال والإجمال، وكلاهما غ-ي-ر لائق بكلامه تعالى. ولكنّه فاسد.أمّا الأوّل : فلمنع لزوم التطويل بلا طائل إذا كان الاتكال على الق--رائ--ن الحالية، فانّ القرائن لا تنحصر بالمقالية ومنع كونه بلا طائل إذا كان الاتيان بها لغرض آخر زائداً على بيان المراد.وأما الثاني : فلمنع كون الاجمال غير لائق بكلامه تعالى، فانّ الغرض قد يتعلّق بالاجمال والاهمال، كما أخبر هو (تعالى وتقدّس بوقوعه في كلامه بقوله عزّ من قائل (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتُ) (1)فالمتشابه هو المجمل وقد وقع في القرآن العزيز في غير مورد، ولا مانع منه أصلاً إذا تعلق الغرض به ودعت الحاجة إلى الاتيان بذلك.)#### منشأ الاشتراكوأمّا الكلام في الجهة الثانية : فالمشهور بينهم أنّ منشأ الاشتراك الوضع تعييناً كان أو تعيناً. ولكن نقل شيخنا الأستاذ (قدس سره(2)عن بعض مؤرخي متأخري المتأخرين أنّ المنشأ لحصول الاشتراك في اللغات خلط اللغات بعضها ببعض، فانّ العرب مثلاً كانوا على طوائف : فطائفة منهم قد وضعت لفظاً خاصاً لمعنى مخصوص، وطائفة ثانية قد وضعته لمعنى آخر، وطائفة ثالثة قد وضعته لمعنى ثالث وهكذا، ولما جمعت اللغات من جميع هذه الطوائف وجعلت لغة واحدة حدث الاشتراك وكذلك الحال في الترادف، فانّه قد)


1) آل عمران 3: 7.

2) أجود التقريرات 1 : 76.

حصل من جمع اللغات وإلا فالمعنى كان يعبّر عنه في كل لغة بلفظ واحد. وعلى الجملة : فالمنشأ لوجود الاشتراك وتحققه فى اللغة العربية وغيرها هو جمع اللغات وخلط بعضها ببعض، وإلّا فلا اشتراك في البين أصالة وبالذات.وفيه : أنّ ما ذكره هذا القائل وإن كان ممكناً في نفسه، إلا أن الجزم ب-ه مشکل جداً، ولا سيّما بنحو الموجبة الكلية، لعدم الشاهد عليه من الخارج، حيث إنه ممّا لم ينقل في كتب التأريخ ولا غيره ومجرد نقل مؤرخ حسب اجتهاده لا يكون دليلاً عليه بعد عدم نقل غيره إيّاه، بل ربما يبعد ذلك وقوع الاشتراك في الأعلام الشخصية، فان شخصاً واحداً كالأب مثلاً يضع لفظاً واحداً لأولاده المتعددين لمناسبة ما، كما نجد ذلك في أولاد الحسين (عليه السلام فانّه (عليه السلام) قد وضع لفظ علي لثلاثة من أولاده، فيكون كل واحد منهم مسمّى بذلك اللفظ على نحو الاشتراك فيه والتمييز بينهم في مقام التفهيم كان بالأكبر والأوسط والأصغر.)وكيف كان، فلا يهمنا تحقيق ذلك وإطالة الكلام فيه بعد أن كان الاشتراك ممكناً في نفسه بل واقعاً كما في أعلام الأشخاص بل في أعلام الأجناس.ونتيجة البحث عن الاشتراك أمور:الأوّل : أنّ الاشتراك على مسلك القوم في الوضع ممكن، وعلى مسلكنا فيه غير ممكن إلا على الوجه الذي قدمناه.الثاني : أنّ استعمال اللفظ المشترك في القرآن جائز فضلاً عن غيره.الثالث : أنّ منشأ الاشتراك أحد أمرين : إما الوضع، أو الجمع بين اللغات على سبيل منع الخلو.

### استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد#### إشارة:يقع الكلام فيه من جهتين :الأولى : في إمكان استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد.الثانية : على تقدير إمكانه وجوازه فهل هذا الاستعمال على خلاف الظهور العرفي أم لا ؟أمّا الكلام في الجهة الأولى : فقد اشتهر بين المتأخرين عدم إمك--ان ه-ذا الاستعمال وأنه مستحيل عقلاً، وقبل بيان ذلك وتحقيقه ليعلم أنّ محل النزاع هو فيما إذا استعمل لفظ واحد في معنيين مستقلين بحيث يكون الإطلاق الواحد في حكم الإطلاقين، والاستعمال الواحد في حكم الاستعمالين، ويكون كل واحد من المعنيين مراداً على حياله واستقلاله، ومن هنا يظهر أن استعمال اللفظ الواحد في مجموع المعنيين بما هو كذلك خارج عن محل البحث، لأنه في حكم الاستعمال الواحد في المعنى الواحد، بل هو هو بعينه، وإن كان مجازاً فانّ اللفظ لم يوضع بازائه، كما أن استعماله في أحدهما لا بعينه خارج عن محل النزاع، فمحل النزاع فيها إذا كان كل واحد من المعنيين مراداً من اللفظ على سبيل الاستقلال والانفراد كما عرفت.#### ما ذكره النائيني في وجه الاستحالةوبعد ذلك نقول : قد استدلّ شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)على استحالة استعمال اللفظ فى أكثر من معنى واحد بما ملخصه : أن حقيقة الاستعمال ليست)


1) أجود التقريرات 1: 76.

إلّا عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ وإلقائه إلى المخاطب خارجاً، ومن هنا لا يرى المخاطب إلا المعنى، فانّه الملحوظ أوّلاً وبالذات، واللفظ ملحوظ بتبعه وفان فيه، وعليه فلازم استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال تعلق اللحاظ الاستقلالي بكل واحد منهما في آن واحد كما لو لم يستعمل اللفظ إلا فيه، ومن الواضح أنّ النفس لا تستطيع على أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد، ولاريب في أنّ الاستعمال في أكثر من معنى واحد يستلزم ذلك، والمستلزم للمحال محال لا محالة.ويرده : أنّ الأمر ليس كما ذكره (قدس سره وذلك لأن النفس بما أنها جوهر بسيط ولها صفحة واسعة تقتدر على أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في صفحتها في آن واحد، ويدلنا على ذلك أمور:)الأوّل : أنّ حمل شيء على شيء والحكم بثبوته له كقولنا: زيد قائم مثلاً، يستدعي لحاظ كل من الموضوع والمحمول والنسبة في آن واحد وهو أن الحكم، وإلا لكان الحكم من النفس ممتنعاً، ضرورة أنّ مع الغفلة لا يمكن الحكم بثبوت شيء لشيء. إذن لا مانع من الجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد، فانّ الحمل والحكم دائماً يستلزمان ذلك، كيف فانّ المتكلم حين الحكم لا يخلو إمّا أن يكون غافلاً، وإمّا أن يكون ملتفتاً إلى كل واحد من الموضوع والمحمول والنسبة، ولا ثالث، وحيث إنّ الأوّل غير معقول فتعيّن الثاني. وهذا معنى استلزام الحمل والحكم الجمع بين اللحاظين الاستقلاليين.الثاني : قد يصدر من شخص واحد فعلان أو أزيد في آن واحد، وذلك بأن يكون أحدهما بآلة والآخر بآلة أخرى مثلاً الانسان يشتغل لسانه بالكلام ويحرّك يده في آن واحد، ومن البيّن أنّ كلاً منهما فعل اختياري مسبوق بالإرادة واللحاظ، وعليه فالإتيان بفعلين في آن واحد لا محالة يستلزم لحاظ كل واحد

منهما بلحاظ استقلالي في آن كذلك.الثالث : أنا إذا راجعنا إلى أنفسنا وجدناها أنها تقتدر على تصور أم-ور متضادة أو متماثلة بتصورات مستقلة فى آن واحد، وهذا غير قابل للانكار.فقد أصبحت النتيجة من ذلك أنّ اجتماع اللحاظين المستقلين مع تعدد المعنى أمر واضح لا شبهة فيه.#### ما ذكره صاحب الكفاية في وجه الاستحالةوقد استدل المحقق صاحب الكفاية (قدس سره على امتناع ذلك بوجه آخر وإليك نص بيانه إنّ حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى، بل جعله وجهاً وعنواناً له، بل بوجه نفسه كأنه الملقي، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلا لمعنى واحد، ضرورة أنّ لحاظه هكذا في إرادة معنى ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال. وبالجملة لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد لحاظه وجهاً لمعنيين وفانياً في الاثنين، إلّا أن يكون اللاحظ أحول العينين. فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقاً، مفرداً كان أو غيره في أكثر من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز، انتهى(1).)ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره إنما يتم على ما هو المشهور بين المتأخرين من أنّ حقيقة الاستعمال ليست مجرد جعل اللفظ علامة لارادة تفهيم المعنى، بل إيجاد للمعنى باللفظ وجعل اللفظ فانياً في المعنى ووجهاً وعنواناً له. وعلى ذلك)


1) كفاية الأصول : 36.

فلا يمكن استعمال اللفظ فى المعنيين على نحو الاستقلال، لأن لازمه فناء اللفظ في كل واحد منهما في آن واحد وهو محال، كيف فان إفناءه في أحدهما وجعله وجهاً وعنواناً له يستحيل أن يجتمع مع إفنائه في الآخر وجعله وجهاً وعنواناً له، فاللفظ الواحد لا يعقل أن يكون وجوداً لمعنيين مستقلين في زمن واحد. وهذا مبتن على أن يكون حقيقة الوضع عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى. ولكن قد سبق بطلانه مفصلاً (1.)وأمّا بناءً على مسلكنا من أنّ حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام النفساني فلا مانع من ذلك، لأنّ الاستعمال ليس إلا فعلية ذلك التعهد وجعل اللفظ علامة لابراز ما قصده المتكلم تفهيمه، ولا مانع حينئذ من جعله علامة لارادة المعنيين المستقلين، فاللفظ على هذا المسلك لا يكون إلا علامة لابراز ما في أفق النفس، وهو - أي ما في الأفق - قد يكون معنى واحداً فاللفظ علامة لابرازه، وقد يكون مجموع المعنيين، وقد يكون أحدهما لا بعينه، وقد يكون كلّاً م--ن المعنيين مستقلاً، ولا مانع من جعل اللفظ علامة على الجميع، فكما أنه يجوز أن يجعل علامة لارادة المجموع أو أحدهما، فكذلك يجوز أن يجعل علامة لارادة تفهيم كل واحد منها على نحو الاستقلال والعموم الاستغراقي، إذ ليس شأن اللفظ على هذا إلّا علامة في مقام الإثبات ولا محذور في جعل شيء واحد علامة لارادة تفهيم معنيين أو أزيد.ومن هنا قد قلنا سابقاً إنه لا مانع من أن يراد بلفظ واح-د ت-فهيم معناه وتفهيم أنه عارف باللغة التي يتكلم بها.فقد تحصل : أنّ الوضع على هذا المسلك لا يقتضي إلّا التكلم بلفظ خاص


1) في ص 44.

عند قصد المتكلم تفهيم معنى مخصوص في أفق النفس، وجعله علامة لابرازه خارجاً، وأمّا الفناء والوجه والعنوان كل ذلك لا يكون.#### ما هو الظاهر من اللفظ على فرض جواز الاستعمالومن هنا يظهر أنّ تفسير الوضع باعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أو بجعل اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار أيضاً، لا يستدعي فناء اللفظ في مقام الاستعمال.نعم، تفسيره بجعل اللفظ وجوداً للمعنى تنزيلاً يقتضي ذلك، ولك-ن ق-د عرفت فساده.وأما الأصل المشهور بينهم : وهو أنّ النظر إلى اللفظ آلي في مقام الاستعمال، وإلى المعنى استقلالي، فقد سبق أنه لا أصل له. فالمتحصل من المجموع أنّه لا مانع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.وأمّا الكلام في الجهة الثانية : فيقع البحث عن موافقة هذا الاستعمال للظهور العرفي،وعدمها، فلو وجدنا لفظاً مشتركاً خالياً عن القرينة التي تدل على إرادة تفهيم بعض معانيه، فهل نحمله على إرادة جميع المعاني أو على إرادة البعض أو يحتاج إرادة كل واحدة منهما إلى نصب قرينة تدل على ذلك ؟لا ريب في أنّ إرادة الجميع خلاف الظهور العرفي فلا يحمل اللفظ عليها إلا مع نصب قرينة تدل على ذلك، هذا على مسلكنا في باب الوضع واضح، فانّ الاشتراك لا يعقل إلا برفع اليد عن التعهد الأوّل والالتزام بتعهد آخر وهو قصد تفهيم أحد المعنيين أو المعاني، فيكون المعنى الموضوع له للفظ أحد المعنيين أو المعاني لا الجميع، وعليه فاستعماله في الجميع استعمال في غير الموضوع له وعلى خلاف التعهد والالتزام، بل ولو قلنا بامكان الاشتراك على هذا المسلك فأيضاً الاستعمال المزبور خلاف الظهور فلا يصار إليه بلا دليل، فانّ المتفاهم العرفي من اللفظ عند إطلاقه إرادة معنى واحد، فارادة المعنيين أو المعاني منه

على خلافه، ولا فرق في ذلك بين مسلك التعهد،وغيره، فان هذا الاستعمال مخالف للظهور على جميع المسالك، سواء قلنا بأنّ الاستعمال في أكثر من معنى واحد استعمال حقيقي أو أنه مجازي.ولعل هذا هو مراد المحقق القمي (قدس سره من اعتبار حال الوحدة في المعنى الموضوع له (1)، يعني أنّ المتفاهم عرفاً من اللفظ عند الإطلاق إرادة معنى واحد لا أزيد، وليس مراده من ذلك أخذ حال الوحدة في الموضوع له، ضرورة أن فساده من الواضحات الأولية.)وعلى ذلك فان استعمل اللفظ في معنيين أو أزيد ولم يؤت معه بقرينة تدل على إرادة جميع المعاني، أو خصوص معنى فاللفظ يصبح مجملاً ولا يدل على شيء. إذن فالمرجع هو الأصول العملية على اختلافها باختلاف الموارد، هذا فيما إذا دار الأمر بين إرادة معنى واحد وإرادة الأكثر منه.وأمّا إذا علم إرادة الأكثر ودار الأمر بين إرادة مجموع المعنيين على نحو العموم المجموعي، أو إرادة كل واحد منهما على سبيل العموم الاستغراقي، ولم تكن قرينة على تعيين أحد الأمرين، فقد قيل بلزوم حمل اللفظ على الثاني تقديماً للحقيقة على المجاز، ولكنّه لا يتم، فانّه لا وجه له حتّى على القول بأنّ الاستعمال في أكثر من معنى واحد على سبيل الاستغراق استعمال حقيقي، لم-ا عرفت من أنّ الاستعمال في أكثر من معنى واحد على خلاف الظهور العرفي وإن كان الاستعمال استعمالاً حقيقياً، وأصالة الحقيقة هنا غير جارية كما لا يخفى.وتظهر الثمرة بين الأمرين فيما لو كان لشخص عبدان كل منهما مسمّى باسم واحد (الغانم،مثلاً، فباعهما المالك فقال للمشتري بعتك غانماً بدرهمين، ووقع)


1) قوانين الأصول 1: 63.

النزاع بين البائع والمشتري في استعمال هذا اللفظ وأنه هل استعمل فيها على سبيل المجموع ليكون ثمن العبدين در همين، أو على سبيل الاستغراق ليكون ثمن كل منهما در همين والمجموع أربعة دراهم، ففي مثل ذلك نرجع إلى أصالة عدم اشتغال ذمة المشتري للبائع بأزيد من درهمين.فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى واح---د جائز ولا مانع منه أصلاً. نعم، هو مخالف للظهور العرفي فلا يمكن حمل اللفظ عليه بلا نصب قرينة ترشد إليه.ثمّ إنّه لا فرق في ذلك بين التثنية والجمع وبين المفرد، كما أنه لا فرق بين أن يكون المعنيان حقيقيين أو مجازيين أو أحدهما حقيقياً والآخر مجازياً، فانّ الملاك في الجميع واحد جوازاً ومنعاً.وما قيل في بيان استحالة إرادة المعنى المجازي والمعنى الحقيقي معاً، من أنّ إرادة المعنى المجازي تحتاج إلى القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي وهي مانعة عن إرادته ولا تجتمع معها، يندفع بأنّ هذا إنما هو فيما إذا أراد المتكلم خصوص المعنى المجازي، وأما إذا أراد المعنى المجازي والحقيقي معاً على نح--و المجموع أو الجميع، فيحتاج ذلك إلى القرينة الصارفة عن إرادة خصوص المعنى الحقيقي، لا عن إرادته مع المعنى المجازي إذا كانت هناك قرينة تدل على ذلك.#### تفصیل صاحب المعالم في المقاموكيف كان، فقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا وجه لما ذكره صاحب المعالم (قدس سره (1)من التفصيل بين التثنية والجمع وبين المفرد، حيث جوّز إرادة الأكثر من معنى واحد في التثنية والجمع دون المفرد، بل اختار (قدس سره) أنّ الاستعمال حقيقي في التثنية والجمع واستدل على ذلك بأنّ التثنية في قوة تكرار)


1) معالم الدين : 39 - 40.

المفرد مرتين، والجمع في قوّة تكراره مرّات فقولنا : رأيت عينين في قوّة قولنا : رأيت عيناً وعيناً، وكما يجوز أن يراد من العين الأوّل معنى ومن الثاني معنى آخر على نحو الحقيقة، كذلك يجوز أن يراد المعنيان من التثنية.وممّا يؤكد ذلك : صحّة التثنية في الأعلام الشخصية كقولك : زيدان، فانّ المراد منه فردان متغايران لا محالة.وما ذكره من أنّ الاستعمال حقيقي في التثنية والجمع لا يمكن المساعدة عليه أصلاً، والوجه في ذلك هو أنّ للتثنية والجمع وضعين: أحدهما للمادة. والآخر للهيئة وهي الألف والنون أو الواو والنون.أما المادة، فهي موضوعة للطبيعة المهملة العارية عن جميع الخصوصيات حتّى الخصوصية اللا بشرطية.وأما الهيئة، فهي موضوعة للدلالة على إرادة المتعدد من مدخولها، فحينئذ إن أريد من المدخول ككلمة العين مثلاً في قولك : رأيت عينين، معنيان كالجارية والباكية، أو الذهب والفضة، بناءً على ما حققناه من جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فالهيئة الطارئة عليها تدل على إرادة المتعدد منهما، ويكون المراد من قولنا عينان حينئذ فردان من الجارية وفردان من الباكية، أو فردان من الذهب وفردان من الفضّة، فالتثنية تدل على أربعة أفراد.وهذا وإن كان صحيحاً على ما ذكرناه، إلا أنه أجنبي عن استعمال التثنية في أكثر من المعنى الواحد، فانّه من استعمال المفرد في ذلك، المفرد في ذلك، والتثنية مستعملة في معناه الموضوع له وهو الدلالة على إرادة المتعدد من مدخولها. وهذا بعينه نظير ما إذا ثني ما يكون متعدداً من نفسه كالعشرة مثلاً أو الطائفة أو الجماعة أو القوم إلى غير ذلك، كقولنا : رأيت طائفتين، فكما أنه لم يذهب إلى وهم أحد أنّ التثنية في أمثال هذه الموارد مستعملة في أكثر من معنى واحد، فكذلك في

المقام فلا فرق في ذلك بين المقامين أصلاً، غاية الأمر أن المفرد هنا استعمل في المتعدد بالعناية دون هناك.وكيف كان، فهذه الصورة غير مرادة لصاحب المعالم (قدس سره يقيناً، لأنّ التثنية فيها لم تستعمل في أكثر من معنى واحد فلا معنى حينئذ لكونها حقيقة.)وإن أريد من كلمة العين معنى واحد كالذهب مثلاً لتدل الهيئة على إرادة أكثر من طبيعة واحدة، ففيه : أنّه غير معقول وذلك لما عرفت من أن للتثنية وضعين :أحدهما : للهيئة وهي تدل على إرادة المتعدد من المدخول.والثاني : للمادة وهي تدل على الطبيعة المهملة. إذن إن أريد بالمادة طبيعة واحدة كالذهب،مثلاً، فالهيئة تدل على إرادة المتعدد منه ويكون المراد من العينين فردين من الذهب، وحيث إنّ المفروض في المقام إرادة طبيعة واحدة من المدخول فالتثنية تفيد تكرارها بارادة فردين منها، ومع هذا كيف تدل على تعدد المدخول من حيث الطبيعة، وليس هنا شيء آخر يكون دالاً على إرادة طبيعة أخرى كالفضّة مثلاً.نعم، يمكن أن يؤوّل العين بالمسمّى ويراد من تثنيتها الفردان منه كالذهب والفضّة أو نحوهما، كما هو الحال في تثنية الأعلام الشخصية، إلا أنه أيضاً ليس من استعمال التثنية في أكثر من المعنى الواحد كما لا يخفى. مع أنّ هذا التأويل مجاز بلا كلام ولا شبهة.وقد تحصّل من ذلك : أنّ تفصيل صاحب المعالم (قدس سره باطل م--ن أصله. فالصحيح هو ما ذكرناه من أنّه يجوز الاستعمال في أكثر من معنى واحد، بلا فرق في ذلك بين التثنية والجمع وبين المفرد. نعم، هو خلاف الظهور العرفي.)

ثمّ إنّ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره بعد ما منع عن جواز الاستعمال في المعنيين قال : وهم ودفع: لعلّك تتوهم أنّ الأخبار الدالة على أن للقرآن بطوناً سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فضلاً عن جوازه. ولكنّك غفلت عن أنّه لا دلالة لها أصلاً على أنّ إرادتها كانت من باب إرادة المعنى من اللفظ، فلعلها كانت بارادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها. أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها، انتهى (1).)#### الروايات الدالة على أنّ للقرآن بطوناًويردّه : أنه لو كان المراد من البطون ما ذكره (قدس سره أوّلاً لم يكن ذلك موجباً لعظمة القرآن على غيره ولفضيلته على سائر المحاورات، لامكان أن يراد المعاني بأنفسها حال التكلم بالألفاظ في غير المحاورات القرآنية، بل يمكن إرادتها كذلك حال التكلم بالألفاظ المهملة فضلاً عن الألفاظ الموضوعة، فمن هذه الجهة لا فرق بين الكتاب وغيره، بل لا فرق بين اللفظ المهمل والموضوع، فالكل سواء ولا فضل لأحدهما على الآخر على أن لازم ذلك أن لا تكون البطون بطوناً للقرآن ومعاني له بل كانت شيئاً أجنبياً عنه، غاية الأمر أنها أريدت حال التكلم بألفاظه، وكلا الأمرين مخالف لصريح الروايات المشتملة على البطون، فهي كما نطقت باثبات الفضيلة والعظمة للقرآن على غ-ي-ره م-ن جهة اشتماله على ذلك، كذلك نطقت باضافة تلك البطون إليه وأنها معان للقرآن لا أنها شيء أجنبي عنه.)منها: «ما في القرآن آية إلا ولها ظاهر، ظهر وبطن...إلخ (2.)


1) كفاية الأصول : 38.

2) البحار 92: 47/94.

ومنها: «وإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانّه شافع مشفّع - إلى أن قال - وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، وله تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه» (1وما شاكلها من الروايات الكثيرة.)وأما ما ذكره (قدس سره ثانياً من أنّ المراد من البطون لوازم معناه وملزوماته - من دون أن يستعمل اللفظ فيها - التي لن تصل إلى إدراكها أفهامنا القاصرة إلّا بعناية من أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) الذين هم أهل القرآن، فهو الصحيح، وتدلّنا على ذلك روايات كثيرة تبلغ حد التواتر إجمالاً بلا ريب :)منها : «إنّ القرآن حي لم يمت وأنه يجري كما يجري الليل والنهار وكما يجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا» (2.)ومنها: «إنّ القرآن حي لا يموت والآية حيّة لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين» (3.)ومنها: «لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض ولكل قوم آية يتلونها، هم منها من خير أو شرّ» (4.)


1) الوسائل 6: 171/ أبواب قراءة القرآن ب 3 ح 3 وفيه «نجوم» بدل «تخوم»، تفسیر البرهان 1: 14

2) البحار :403:35 – 404.

3) البحار :403:35 – 404.

4) البحار 92: 115 / 4، تفسير العياشي 1: 10.

ومن هنا قد ورد في عدّة من الروايات أنّ الآية من القرآن إذا فسّرت في شيء فلا تنحصر الآية به، وهو كلام متصل ينصرف على وجوه(1، وأن القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه (2). وهذا معنى أن للقرآن بطوناً لن تصل إليها أفهامنا القاصرة إلا بتوجيه من أهل البيت (عليهم السلام) كما وجهنا إليها في بعض الموارد، وقد دلّت على ذلك المعنى روايات كثيرة واردة من طرق العامّة والخاصّة. ومن أراد الاطلاع على مجموع هذه الروايات في جميع هذه الأبواب فليطلبها من مصادرها.)وفي بعض الروايات إشارة إلى صغرى هذه الكبرى وهو ما ورد : إن القرآن ظاهره قصة وباطنه عظة (3، فانّه في الظاهر بين قصص السابقين وقضاياهم كقصة بني إسرائيل وما شاكلها، ولكنّها في الباطن عظة للناس وعبر ودروس لهم، فانّ التأمل في القضايا الصادرة عن الأمم السابقة دروس وعبر لنا. وينبهنا على أنّ السير على منهاجه ينجينا عن الضلال، وأنّ الكفر بنعم اللّه تعالى يوجب السخط على الكافرين والعاصين.)وعلى الجملة : أنّ قصص الكتاب في الظاهر وإن كانت حكايات وقصصاً إلا أنها في الباطن دروس وعبر للناس.فقد أصبحت نتيجة هذا البحث لحد الآن أموراً :الأوّل : أنّ استعمال اللفظ فى أكثر من معنى واحد جائز على مسلك من يرى حقيقة الوضع التعهد والالتزام، نعم هو خلاف الظهور عرفاً.


1) البحار 92: 94 / 45، 48، تفسير البرهان 1: 45 – 46.

2) مجمع البيان 1: 13.

3) لم نعثر عليه.

الثاني : أنّ المراد من بطون القرآن لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ وملزوماته وملازماته، من دون استعمال اللفظ فيها على ما نطقت به الروايات من طرق الخاصّة والعامّة.الثالث: أنّ هذه البواطن التي تضمنها القرآن لا يعرفها إلا من خوطب ب-ه وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام.)ومن هنا قد وقفنا على بعضها في بعض الموارد بواسطة الآثار المنقولة منهم (علیهم السلام.)## مبحث المشتق### إشارة:#### تحرير محل النزاعلا ريب في صحّة إطلاق المشتق على المتلبس بالمبدأ فعلاً، وعلى المنقضي عنه المبدأ، وعلى من لم يتلبس به بعد، ولكنّه سيتلبس به في ولكنّه سيتلبس به في المستقبل، ولا إشكال أيضاً في أنّ إطلاق المشتق على المتلبس بالمبدأ فعلاً إطلاق حقيقي، كما أنّه لا إشكال في أنّ إطلاقه على من يتلبس بالمبدأ في المستقبل إطلاق مجازي، وإنما الكلام والإشكال في إطلاق المشتق على من انقضى وانصرم عنه المبدأ هل هو مجاز أو حقيقة ؟ وقبل تحقيق الحال في المقام ينبغي التنبيه على أمور:الأوّل : أنّ اللفظ الموضوع لمعنى على قسمين:أحدهما : ما يسمى بالمشتق وهو ما كان لكل واحدة من مادته وهيئتهوضع خاص مستقل.والثاني: ما يسمى بالجامد وهو ما كان للمجموع من مادته وهيئته وضع واحد لا وضعان.أمّا المشتق فهو على قسمين:

أحدهما : ما يكون موضوعاً لمعنى يجري على الذات المتصفة بالمبدأ بنحو من أنحاء الاتصاف ويصدق عليها خارجاً كاسم الفاعل والمفعول والزم--ان والمكان وما شاكل ذلك.وثانيهما: ما يكون موضوعاً لمعنى لا يجري على الذات ولا يصدق عليها خارجاً، وذلك كالأفعال جميعاً والمصادر المزيدة، بل المصادر المجردة، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ المصادر المجردة أيضاً مشتقات.وأما الجامد فهو أيضاً على قسمين :أحدهما : ما يكون موضوعاً لمعنى منتزع عن مقام الذات كالانسان والحيوان والشجر والتراب ونحو ذلك.وثانيهما: ما يكون موضوعاً لمعنى منتزع عن أمر خارج عن مقام الذات وذلك كعنوان الزوج والرق والحر وما شابه ذلك، فهذه أربعة أقسام، ومح--ل النزاع في هذه المسألة لا يختص بالمشتقات المصطلحة فقط كما ربّما يوهم عنوان النزاع فيها، بل يعم القسم الثاني من الجوامد أيضاً، كما أنه لا يعم جميع المشتقات بل يختص بخصوص القسم الأوّل منها.فالنتيجة : أنّ محل البحث هنا في القسم الأوّل من المشتق والقسم الثاني من الجامد، والقسمان الآخران خارجان عنه.ومن هنا يظهر أن النسبة بين المشتق في حريم البحث وكل من المشتق المصطلح والجامد عموم من وجه، فانّ الأفعال والمصادر المزيدة والمجردة جميعاً من المشتقات المصطلحة ومع ذلك هي خارجة عن محل النزاع، والعناوين الانتزاعية كعنوان الزوج والحر والرق وما شاكل ذلك من الجوامد، ومع ذلكهي داخلة في محل البحث، فالنزاع يجري في كل عنوان جارٍ على الذات باعتبار

تلبسها بالمبدأ بنحو من أنحائه، سواء أكان ذلك المبدأ من إحدى المقولات التسع الواقعية كالكم والكيف والأين وأشباه ذلك، أم كان من توابعها كالشدة والضعف والسرعة والبطء، أم كان من الاعتبارات كالملكية والزوجية والحرية وما شابهها، أم كان من الانتزاعيات كالفوقية والتحتية والسابقية والمسبوقية والامكان والوجوب والامتناع وما شاكلها.وقد تحصل من ذلك : أنّ دخول شيء في محل النزاع هنا يبتني على ركنين:الركن الأوّل : أن يكون الشيء جارياً على الذات المتلبسة بالمبدأ ومتحداً معها خارجاً بنحو من الاتحاد، وبذلك الركن خرجت المصادر المزيدة، لأنّها لا تجري على الذات المتصفة بها، فانّها مغايرة معها خارجاً وعيناً فلا يقال: زيد إكرام إذا كان زيد متصفاً بهذا المبدأ، بل يقال: زيد كريم. وكذا المصادر المجردة لا يشملها النزاع لعدم صحّة حملها على الذات، فلا يقال: زيد علم إلا مبالغة، وإن قلنا بأنّها من جملة المشتقات كما هو الصحيح. وهكذا الأفعال بجميع أنواعها لا يجري فيها النزاع، لعدم جريانها على الذوات وإن كانت من المشتقات.فتحصّل : أنّ المصادر المزيدة والمجردة والأفعال بأجمعها خارجة عن محل النزاع لكونها فاقدة لهذا الركن.الركن الثاني: أن تكون الذات باقية بعد انقضاء المبدأ، بأن تكون له-ا حالتان حالة تلبسها بالمبدأ وحالة انقضاء المبدأ عنها، وبذلك الركن خرج القسم الأوّل من الجوامد كالانسان والحيوان والشجر وما يضاهيها من العناوين الذاتية، والوجه فيه : أنّ المبادئ فى أمثال ذلك مقوّمة لنفس الحقيقة والذات، وبانتفائها تنتفي الذات فلا تكون الذات باقية بعد انقضاء المبدأ.وبتعبير آخر : أنّ شيئية الشيء بصورته لا بمادته، فإذا فرضنا تبدل الانسان

بالتراب أو الكلب بالملح فما هو ملاك الإنسانية أو الكلبية - وه-و ال-ص-ورة النوعية - قد انعدم وزال ووجدت حقيقة أخرى وصورة نوعية ثانية وهي: صورة النوعية الترابية أو الملحية، ومن الواضح أن الانسان أو الكلب لا يصدق على التراب أو الملح بوجه من الوجوه، لأنّ الذات غير باقية وتنعدم بانعدام الصورة النوعية - وهي صورة الانسانية أو الكلبية - ومع عدم بقاء الذات لا يشملها النزاع، ولا معنى لأن يقال إنّ الإطلاق عليها حقيقة أو مجاز. وأما المادة المشتركة بين الجميع المعبّر عنها بالهيولى وإن كانت باقية، إلا أنها قوّة صرفة لافاضة الصور عليها، وليست ملاكاً لشيء من هذه العناوين، ولا تتصف بالانسانية أو الكلبية أو نحوها بحال من الأحوال.وأما القسم الثاني من الجوامد، وهو ما كان منتزعاً عن أمر خارج ع-ن مقام الذات، فهو داخل في محل النزاع كعنوان الزوج والرق والحر وما شاكل ذلك، لأنّ الذات فيه باقية بعد انقضاء المبدأ عنها، وحينئذ يشمله النزاع في أنّ الإطلاق عليها حال الانقضاء حقيقة أو مجاز.و ممّا يشهد لما ذكرناه من عموم النزاع لهذا القسم من الجامد أيضاً : ما ذكره فخر المحققين والشهيد الثاني (قدس سرهما في الإيضاح (1)والمسالك (2)من ابتناء الحرمة في المرضعة الثانية على النزاع في مسألة المشتق، في من كانت له زوجتان كبيرتان وزوجة صغيرة وقد أرضعت الكبيرتان الصغيرة فتحرم عليه المرضعة الأولى لصدق أم الزوجة عليها، والصغيرة لصدق بنت الزوجة عليها، وإنما الكلام والإشكال في المرضعة الثانية، فقد ابتني الحرمة في هذه المسألة على النزاع في مسألة المشتق، فبناءً على أنّه موضوع للأعم يصدق عليه عنوان اُمّ)


1) إيضاح الفوائد 3: 52.

2) المسالك 7: 268.

الزوجة، باعتبار أنّ المرتضعة كانت زوجة فتحرم، وبناءً على أنّ-ه م-وضوع لخصوص المتلبس فعلاً لا يصدق عليها هذا العنوان بالفعل فلا تحرم (1.)-------------------------------------------------------------------(1 لمناسبة في المقام لا بأس بالتعرض لما استفدته من تحقيقات سيدنا الأستاذ (دام ظله العالي) في بحث الرضاع حول هذه المسألة.)#### فرعان في مسألة الرضاعالفرع الأوّل : من كانت له زوجتان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة مع فرض دخوله بها، يقع الكلام في بطلان نكاحهما معاً وحرمتهما عليه مؤبداً. المعروف بين الفقهاء بل لم نر من صرّح بالخلاف في المسألة هو بطلان نكاحهما معاً وصيرورتها محرّمة عليه مؤبداً. أما الكبيرة : فلأجل أنها صارت بارضاعها الصغيرة أم زوجة له وهي محرمة في الكتاب والسنّة. وأما الصغيرة : فلأجل أنها صارت بارتضاعها من الكبيرة بنتاً له لو كان اللبن لبناً له، وربيبته لو كان اللبن من فحل آخر، وكلا العنوانين قد ثبتت حرمتهما في الكتاب والسنّة، فانّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.وتحقيق الكلام : أنّ الصغيرة تحرم عليه بلا إشكال، فانّ اللبن إذا كان منه فهي تكون بنتاً له، وإذا كان من غيره فهي بنت الزوجة المدخول بها، وقد دلّت عدّة من الروايات المعتبرة على حرمة بنت الزوجة ولو كانت من الزوجة المنفصلة عنه بطلاق أو نحوه (1.


1) منها : صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أحدهما عليها السلام) عن رجل كانت له جارية فاعتقت فزوجت فولدت أيصلح لمولاها الأوّل أن يتزوج ابنتها ؟ قال (عليه السلام) : لا، هي حرام وهي ابنته والحرة والمملوكة في هذا سواء».)ومنها : صحيحة [ابن] أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام عنالرجل يتزوج المرأة متعة أيحل له أن يتزوج ابنتها ؟ قال (عليه السلام): لا».)ومنها : موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه «أنّ علياً (عليه السلام قال: إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأم...» الحديث [الوسائل 20: 457/ أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 18 ح 2، 1، 4].)فالصحيحة الأولى صريحة في حكم المقام - وهو حرمة بنت الزوجة التي ولدت متأخرة عن زمان الزوجية - بل موردها خصوص ذلك. وأما الصحيحة الثانية والموثقة فهما تدلان على حكم المقام بالاطلاق.

-------------------------------------------------------------------وأمّا الكبيرة فقد استدل على حرمتها بوجوه :الأوّل : صدق عنوان أم الزوجة عليها وهي محرمة في الشريعة المقدسة بالكتاب والسنّة. وفيه : أن صدق هذا العنوان عليها مبتن على كون المشتق موضوعاً للأعم، وأمّا بناءً على كونه موضوعاً لخصوص المتلبس بالفعل كما هو الصحيح واختاره جماعة من الخاصّة والعامّة فلا يصدق عليها العنوان المزبور، وذلك لأن زوجية الصغيرة قد انقضت وزالت بتحقق الرضاع المحرّم فزمان تحقق الرضاع هو زمان ارتفاع الزوجية عنها، وذلك الزمان بعينه هو زمان تحقق عنوان الأمومة للكبيرة، ومن الواضح أنّ في هذا الزمان لا يصدق على الصغيرة حقيقة عنوان الزوجية ليصدق على الكبيرة عنوان أم الزوجة.أو فقل: إنّ في زمان كانت الصغيرة زوجة له لم تكن الكبيرة أماً لها، وفي زمان صارت الكبيرة أُمّاً لها ارتفعت الزوجية عنها وانقضت، فصدق عنوان الأمية للكبيرة

-------------------------------------------------------------------والزوجية للصغيرة في زمان واحد غير معقول. وعليه كان إطلاق عنوان الزوجة عليها في زمان تحقق الأمومة إطلاقاً على المنقضي عنه المبدأ، فيكون داخلاً في محل الكلام.الثاني : أن المشتق ولو سلمنا أنه مجاز في المنقضي عنه المبدأ، إلّا أنّ الموضوع للحرمة في الآية المباركة ليس من المشتقات ضرورة أنها ثابتة لعنوان أمهات نسائكم، وهذا العنوان صادق في محل الكلام، فانّ الاضافة يكفي فيها أدنى الملابسة، وحيث كان المفروض أنّ الصغيرة قد تلبّست بالزوجة فيصدق على الكبيرة أنها من أمهات النساء فتحرم.والجواب عنه : أنّ المشتق إذا سلّم أنّه مجاز في المنقضي، فالاضافة أيضاً بما أنّها ظاهرة في التلبّس الفعلي كان حكمها حكم المشتق، فالحكم بالحرمة يبتني على كون المشتق موضوعاً للأعم، وعليه فعنوان أمهات نسائكم في الآية الشريفة ظاهر في الفعلية وحمله على الأعم أو على خصوص المنقضي عنه المبدأ خلاف الظاهر، ف-لا يمكن المصير إليه إلا بقرينة، وحيث لم تقم قرينة لا من الداخل ولا من الخارج على أنّ المراد منه في الآية المعنى الأعم، لا يمكننا أن نرفع اليد عن ظهوره.الثالث : أنا لو سلمنا أنّ المشتق حقيقة في المتلبس فعلاً، إلا أنّ المراد منه في الآية الكريمة هو الأعم، وذلك بقرينة ذكر أمهات النساء في سياق قوله تعالى: ﴿ورَبائِبُكُم اللاتي في حُجورِكُم (1)إذ لا إشكال في أنّه لا يعتبر في حرمة الربيبة أن تكون من الزوجة الفعلية المدخول بها، بل يكفي في حرمتها أن تكون من الزوجة المدخول بها ولو بعد زوال زوجيتها، وبوحدة السياق نستكشف أنّه لا يعتبر في حرمة أمهات)


1) النساء 4: 23.

-------------------------------------------------------------------النساء أيضاً أن تكون البنت زوجة فعلاً، وعلى ذلك فتندرج المرضعة في المقام تحت عنوان أمهات نسائكم فتحرم.وغير خفي أنّ حرمة الربيبة مطلقاً ولو لم تكن الأم زوجة مدخولاً بها حال أمومتها، قد ثبتت بقرينة خارجية لا من ناحية ظهور الآية المباركة، فلو كنا نحن وهذه الآية ولم يكن دليل من الخارج لكنّا نقول بعدم الحرمة في الصورة المذكورة. إذن لا مجال لتوهم وحدة السياق أصلاً، فانّ المجال لهذا التوهم لو كان فانّما يكون فيما إذا كانت الآية في نفسها ظاهرة في المعنى المزبور مع أنّ للمناقشة على هذا أيضاً مجالاً واسعاً كما لا يخفى.الرابع : أنّ زمان زوجية الصغيرة وزمان انقضائها وإن كانا في الواقع زمانين، إلّا أنهما كذلك بالنظر الدقي الفلسفي، وأمّا بالنظر المسامحي العرفي فيرى الزمانان زماناً واحداً، فان زوجية الصغيرة وانقضاءها عنها وأمية الكبيرة جميعاً متحدات في الزمان وإن كانت مترتبات في الرتبة، فأوّل زمن الأمية متصل بآخر زمن الزوجية، وهذا المقدار كافٍ في صدق عنوان أم الزوجة والاندراج تحت الآية المباركة.ويردّه : أنّ الأنظار العرفية إنما تتبع في تعيين مفاهيم الألفاظ سعة وضيقاً لا في تطبيقاتها على مصاديقها، فانّ المتبع في ذلك هو النظر الدقي ولا عبرة بالمسامحات العرفية، والخصم بعد ما سلّم أنّ المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً دون الأعم، لم يبق له مجال لدعوى صدق الآية وانطباقها على المقام إلا بنظر مسامحي عرفي الذي لا اعتداد به مطلقاً.الخامس : أنّ زوجية الصغيرة وإن كانت زائلة في زمان أمية الكبيرة، إلّا أنّ زوالها في مرتبة متأخرة عن تحقق الأمية، ففي مرتبة الأمية لم تكن الزوجية زائلة، وهذا المقدار كافٍ في صدق عنوان أُمّ الزوجة على الكبيرة فتحرم عليه، بيان ذلك :

-------------------------------------------------------------------أنه لا ريب في أنّ العلة تتقدّم على المعلول رتبة وتتحد معه زماناً، وهكذا الحكم والموضوع، فانّ نسبة الحكم إلى الموضوع نسبة المعلول إلى العلة، فيتقدّم الموضوع على الحكم رتبةً وإن كان يتحد معه زماناً، وحيث إن ارتفاع الزوجية عن الصغيرة معلول لتحقق عنوان البنوّة لها، كان متأخراً عنه رتبة وإن كان متحداً معه زماناً، قضاءً لحق العلية والمعلولية. وعليه فلا محالة أنّها تكون زوجة في رتبة البنتية، وإلّا لزم ارتفاع النقيضين عن تلك الرتبة. وبما أنّ عنوان أمومة الكبيرة قد تحقق في رتبة تحقق عنوان بنوّة الصغيرة وملازم له، فانّها متضائفان والمتضائفان متكائفان في القوة والفعل، فلا محالة تكون أُمّاً للزوجة الصغيرة التي هي في رتبة بنوتها، لا في رتبة انتفاء الزوجية عنها المتأخرة رتبة عن عنوان البنوّة، إذن يصدق عليها أنها أم زوجة في رتبة البنوة، وهذا المقدار كافٍ في الاندراج تحت الآية المباركة وشمول أدلة التحريم.لا يخفى أنّ ذلك مخدوش من وجهين :الأوّل : أنا قد ذكرنا غير مرّة أنّ الأحكام الشرعية مترتبة على الموجودات الزمانية ولا أثر للرتبة فيها أصلاً، فانّ الأدلة المتكفلة ببيان الأحكام الشرعية من العمومات أو غيرها كلّها ناظرة إلى إثبات تلك الأحكام للموجودات الزمانية، وتتقدر تلك الأحكام بالزمان لا بالرتبة. وعلى ذلك فلا أثر لكون أمية الكبيرة في رتبة بنوّة الصغيرة التي كانت الزوجية متحققة في تلك الرتبة، ولا يوجب ذلك أن تشملها عمومات التحريم من الآية،ونحوها لما عرفت من أنها غير ناظرة إلى إثبات الأحكام للرتبة.نعم، لو كانت أمومة الكبيرة مقارنة مع زوجية الصغيرة زماناً لشملتها العمومات لا محالة، ولكن قد عرفت أنها متأخرة عنها،زماناً، ومعه لا أثر لكون الأمومة في رتبة سابقة على ارتفاع الزوجية أصلاً.

-------------------------------------------------------------------الثاني : أنّ تقدّم شيء على شيء رتبة يحتاج إلى ملاك يوجب ذلك ولا يكون ذلك أمراً جزافياً، فالعلّة تتقدّم على المعلول قضاءً لحق العلية، والشرط يتقدّم على المشروط قضاءً لحق الشرطية، والموضوع يتقدّم على الحكم قضاءً لحق الموضوعية وهكذا، ولذا لا وجه لتقدّم العلة على عدم المعلول، والشرط على عدم المشروط وهكذا، فانه بلا ملاك يقتضي ذلك. إذن لا وجه لتقدّم أمومة الكبيرة على انتفاء الزوجية عن الصغيرة لعدم مقتض لذلك، وتقدّم عنوان بنوتها على ارتفاع زوجيتها إنما هو بملاك العلية وذلك الملاك منتف هنا.وعليه فلو سلّمنا ثبوت الحكم للرتبة فأيضاً لا يصدق عليها عنوان أُمّ الزوجة، لأنّ الأمية لا تقدم لها على ارتفاع زوجية الصغيرة رتبة وإنما المتقدم عليها عنوان البنتية.فالنتيجة من ذلك أمران :الأوّل : أنه لا أثر للتقدم والتأخر والتقارن الرتبي في الأحكام الشرعية أصلاً.الثاني : أنه على فرض تسليم أنّ لها أثراً فيها أيضاً لا يجدي في المقام كما عرفت.السادس : برواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام قال: «قيل له إنّ رجلاً تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثمّ أرضعتها امرأة له أخرى، فقال ابن شبرمة : حرمت عليه الجارية وامرأتاه فقال أبو جعفر (عليه السلام): أخطأ ابن شبرمة تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً، فأما الأخيرة فلم تحرم عليه كأنها أرضعت ابنته» (1).)


1) الوسائل 20: 402 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب 14 ح 1.

-------------------------------------------------------------------فدلّت الرواية على حرمة المرضعة الأولى وإن كانت موردها في م-ن كانت له زوجتان كبيرتان فأرضعتا زوجته الصغيرة، إلا أنها تدل على حكم المقام أيضاً كما لا يخفى.وقد ناقش فيها في المسالك بما إليك نصّه : ولكنّها ضعيفة السند في طريقها صالح ابن أبي حماد وهو ضعيف، ومع ذلك فهي مرسلة، لأنّ المراد بأبي جعفر (عليه السلام حيث يطلق الباقر (عليه السلام) وقرينته قول ابن شبرمة في مقابله، لأنه كان في زمنه، وابن مهزيار لم يدرك الباقر (عليه السلام) ولو أريد من أبي جعفر، الثاني وهو الجواد (علیه السلام) بقرينة أنه أدركه وأخذ عنه، فليس فيه أنه سمع منه ذلك، بل قال: قيل له، وجاز أن يكون سمع ذلك. بواسطة، فالارسال متحقق على التقديرين، مع أنّ هذا الثاني بعيد، لأنّ إطلاق أبي جعفر لا يحمل على الجواد (عليه السلام)، (انتهى) (1).)يتلخص ما في المسالك في أمور ثلاثة :الأوّل : أنّ الرواية ضعيفة السند بصالح بن أبي حماد، ودعوى انجبارها بعمل المشهور مدفوعة بعدم إحراز استنادهم إليها في مقام الافتاء، بل عدم الاستناد إليها معلوم، لأنهم أفتوا بحرمة كلتا المرضعتين لا خصوص الأولى فقط، والرواية دلّت على حرمة الأولى دون الثانية بل صرّحت فيها بعدم حرمتها.الثاني : أنها مرسلة من جهة أنّ الظاهر من إطلاق أبي جعفر (عليه السلام الإمام الباقر (عليه السلام) دون الإمام الجواد (عليه السلام) وممّا يدل على ذلك : قول ابن شبرمة في مقابله، فانّه كان في عصر الباقر (عليه السلام) ومن الواضح أنّ ابن مهزيار لم يدرك الإمام الباقر (عليه السلام لأنّ ابن مهزيار يدور بين كونه من أصحاب)


1) المسالك 7: 269.

-------------------------------------------------------------------الرضا (عليه السلام كما قال بعض وكونه من أصحاب الجواد (عليه السلام) كما قال بعض آخر، وكونه من أصحاب العسكري (عليه السلام) كما قال ثالث، فعلى ك--ل تقدير لا يمكن أن يروي ابن مهزیار عن الباقر (عليه السلام) بلا واسطة، إذن الواسطة التي يروي عنها ابن مهزيار قد سقطت عن سند الرواية يقيناً، وحيث إنّ ح--ال الواسطة مجهولة لنا فتصبح الرواية مرسلة.)الثالث : أنا لو سلّمنا أنّ المراد من أبي جعفر (عليه السلام الإمام الجواد، إلّا أنّه ليس في الرواية شيء يدل على أنّ ابن مهزيار سمع منه ذلك بلا واسطة، ذلك بواسطة، إذ من الجائز أن يكون سمع وذلك بقرينة قوله : قال قيل له.)أقول : أما ما ذكره (قدس سره أوّلاً من أنّ الرواية ضعيفة سنداً بصالح بن أبي حماد، فالأمر كذلك، إذ لم يثبت توثيقه ولا حسنه، وإن عده بعض من الحسان.)وأما ما ذكره ثانياً من أنّ أبي جعفر (عليه السلام حيث أطلق فالظاهر م-ن-ه الإمام الباقر (عليه السلام) فالأمر أيضاً كذلك، فانّ أبا جعفر (عليه السلام) إذا أطلق فالمراد منه الإمام الباقر (عليه السلام) وإذا قيّد بالثاني فالمراد منه الجواد (عليه السلام) فالتمييز بينهما في رواياتنا بذلك. هذا الظهور في نفسه لا بأس به، إلا أنه يمكن أن يعارض ذلك الظهور بظهور الرواية في أنّ علي بن مهزیار رواها عن الإمام (عليه السلام بلا واسطة، وهذا قرينة على أنّ المراد من أبي جعفر (عليه السلام) الإمام الجواد دون الإمام الباقر (عليه السلام) حيث إنّه أدرك زمانه ورواه عنه بلا واسطة في غير مورد.)وأما ما ذكره ثالثاً من أنّه على تقدير تسليم أن يكون المراد من أبي جعفر (عليه السلام الإمام الجواد كانت الرواية مرسلة، فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن مجرد)

-------------------------------------------------------------------عدم ذكر السائل لا يكون قرينة على الارسال، بل لعل عدم ذكره لعدم دخله في المقصود كما هو ظاهر.نعم، الموجود في نسخة الكافي والتهذيب (1علي بن مهزیار رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) وهي ظاهرة في إرسال الرواية وإلا لم تكن حاجة لذكر كلمة رواه كما لم تذكر في سائر الروايات المسندة.)وعلى كل حال فالمتحصل من المجموع أنّ الرواية ساقطة عن الاعتبار فلا يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستنباط.فقد أصبحت النتيجة ممّا ذكرناه لحد الآن : أنّ شيئاً من هذه الوجوه الستة لا يدل على حرمة المرضعة.وممّا يؤكد ما ذكرناه : عدّة من الروايات التي تعرّضت لحكم الصغيرة وحكمت بحرمتها بلا تعرّض لها لحكم الكبيرة نفياً أو إثباتاً.منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام «في رجل تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته وأم ولده قال (علیه السلام) : تحرم عليه» (2).)ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام قال: «لو أنّ رجلاً تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح» (3)، والظاهر منها فساد نكاح الصغيرة دون الكبيرة، فانّها مسكوت عنها في الصحيحة من هذه الجهة.)ثمّ إنّ هذه الرواية نقلت بثلاث طرق : أحدها طريق الشيخ إلي علي بن فضال


1) الكافي 5 : 446 / 13 التهذيب 7: 293 / 1232.

2) الكافي 5 : 446 / 13 التهذيب 7: 293 / 1232.

3) الوسائل 20 / 399 أبواب ما يحرم بالرضاع ب 10 ح 2، 1.

-------------------------------------------------------------------وهو ضعيف، والطريقان الآخران أحدهما صحيح والآخر حسن بابن هاشم.وقد تحصل : أنه مضافاً إلى أنّ عدم حرمة الكبيرة على طبق القاعدة من جهة عدم صدق عنوان أم الزوجة عليها، يؤكده الصحيحتان المتقدّمتان ونحوهما من جهة سكوت الإمام (عليه السلام فيها عن حكم الكبيرة.)هذا كله فيا إذا كانت الكبيرة مدخولاً بها. وأما إذا لم تكن كذلك وأرضعت الصغيرة فهل يفسد نكاحهما معاً أم لا ؟ المعروف والمشهور هو الأول، مستدلاً على ذلك بأن فساد نكاح إحداهما دون الأخرى ترجيح من غير مرجح.وفيه : أنه بناءً على ما هو المشهور بينهم في المسألة الأولى من الحكم بحرمة المرضعة من جهة صدق عنوان أمّ الزوجة وأمّ النساء عليها، فالقول بحرمة المرضعة هنا وفساد نكاحها متعيّن بعين الملاك المزبور فيها. وأما الصغيرة فهي لا تحرم ب-لا إشكال، لفرض عدم الدخول بالكبيرة، وأما بطلان نكاحها فلا وجه له لعدم صدق بنت الزوجة عليها، بناءً على ما هو الصحيح من ظهور المشتق في فعلية التلبّس ومن هنا يظهر فساد ما ذكروه من أنّه لا ترجيح لبطلان نكاح إحداهما دون الأخرى، إذ عرفت أن الترجيح موجود.الفرع الثاني : في من كانت له زوجتان كبيرتان فأرضعتا زوجته الصغيرة مع فرض دخوله بإحداهما. المعروف والمشهور بل ادّعي عدم الخلاف والإشكال في المسألة حرمة المرضعة الأولى بعين الملاك في الفرع الأول، وإنما الإشكال والخلاف هنا في حرمة المرضعة الثانية.ولكن ممّا ذكرناه في الفرع الأوّل يستبين حال هذا الفرع، فان حرمة المرضعة الأولى هنا مبتنية على تمامية أحد الوجوه الستة المذكورة، وعمدتها الوجوه الثلاثة

#### كون النزاع في المشتق في وضع الهيئةثمّ إنّ النزاع في هذه المسألة في وضع الهيئة وفي سعة المفهوم الاشتقاقي وضيقه، من دون اختصاص لها بمادة دون مادّة، فلا ينظر إلى أنّ المادة ذاتية أو عرضيّة وبزوالها تنتفي الذات أو لا تنتفي، فانّ كل ذلك لا دخل له في محلّ النزاع.نعم، المادة إذا كانت ذاتيّة لا يعقل فيها بقاء الذات مع زوال التلبّس. لكن الهيئة غير مختصة بها، بل تعم ما يعقل فيه بقاء الذات مع زوال التلبّس، مثلاً المادة في الناطق ذاتيّة ولكن الهيئة لا يختص وضعها بها، بل يعم غيرها كالقائم ونحوه، وهكذا المادّة في الحيوان فانّها ذاتيّة ولا يعقل بقاء الذات بدونها، إلّا أنّ الهئية غير مختصة بها بل تعم غيرها أيضاً كالعطشان ونحوه، وهكذا.وعلى الجملة : فالنزاع هنا يختص بوضع الهيئة فقط، وأنها موضوعة لمعنى وسيع أو لمعنى ضيق، ولا ينظر إلى المادّة والمبدأ أصلاً، فلا فرق بين أن يكون المبدأ ذاتيّاً أو عرضيّاً، فانّ ذاتيّة المبدأ لا تضرّ بوضع الهيئة للأعم إلا إذا كان وضع الهيئة مختصاً بذلك المبدأ كما في العناوين الذاتية، حيث إنّ الوضع فيها شخصي فلا يجري النزاع فيها.فالنتيجة : أنّ الخارج عن البحث العناوين الذاتية من الجوامد والأفعال والمصادر من المشتقات.-------------------------------------------------------------------الأخيرة، وقد عرفت عدم تمامية شيء منها. وحرمة الثانية مبتنية على تمامية أحد الوجوه الثلاثة الأولى لعدم جريان الثلاثة الأخيرة عليها كما لا يخفى.فالنتيجة أنّ مقتضى القاعدة والروايات المتقدمة عدم حرمة المرضعة الأولى فضلاً عن الثانية.نعم، لا إشكال في حرمة الصغيرة لأنها بنت لزوجة قد دخل بها.

#### كلام المحقق النائيني في خروج بعض العناوين عن محل النزاعولشيخنا الأستاذ (قدس سره (1)في المقام :كلام: وهو أنّ ما يكون المبدأ فيه منتزعاً عن مقام الذات ولا يحاذيه شيء في الخارج وكان من الخارج المحمول كالعلة والمعلول والممكن وما يقابلانه من الواجب والممتنع خارج عن محل البحث، بتقريب أنّ في أمثال هذه العناوين لا يعقل بقاء الذات وزوال التلبّس فتكون كالعناوين الذاتية، فإنّ الامكان مثلاً منتزع عن مقام ذات الممكن وهو الانسان، لا عن أمر خارج عن مقام ذاته وإلا فلازمه أن يكون الممكن في مرتبة ذاته خالياً عن الإمكان ولا يكون متصفاً به، وحينئذ لزم انقلاب الممكن إلى الواجب أو الممتنع، لاستحالة خلوّ شيء عن أحد المواد الثلاثة.)أو فقل : إنّ المواد الثلاثة أعني بها الوجوب والإمكان والامتناع، وإن كانت خارجة عن ذات الشيء وذاتياته، لأنّها نسبة إلى وجود الشيء الخارج عن مقام ذاته، إلّا أنّها منتزعة عن ذلك المقام، فلا تعقل أن تخلو م-اه-ية م-ن الماهيات عن إحدى هذه المواد الثلاث في حال من الأحوال، وهكذا العلية والمعلولية، فانهما وإن كانتا خارجتين عن مقام ذات العلة وذات المعلول، إلا أنهما منتزعتان عن نفس ذاتهما لا عن خارج مقام الذات، فلا يعقل زوال المادة مع بقاء الذات وإلا للزم اتصاف ذات العلة وذات المعلول بغيرهما، وهو كما ترى.ولكن بالتأمل فيما ذكرناه يظهر الجواب عنه، وذلك لأن البحث في المشتق كما أشرنا إليه آنفاً إنّما هو في وضع الهيئة فقط بلا اختصاص له-ا بمادة دون مادة، لما تقدّم سابقاً من أنّ وضع الهيئات نوعي لا شخصي، مثلاً هيئة (فاعل وضعت لمعنى، وهيئة (مفعول) وضعت لمعنى، وزنة (مفعل) وهي: اسم فاعل من باب الإفعال وضعت لمعنى،وهكذا، ومن الواضح أنّ عدم جريان النزاع في بعض أفراد الهيئة من جهة عدم إمكان بقاء الذات فيها مع زوال المبدأ لا يوجب)


1) أجود التقريرات 1 : 78.

عدم جريانه في كلّي الهيئة التي تعم ما يعقل فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ، ولا يكون البحث حينئذ من سعة مفهوم هذه الهيئة وضيقه لغواً بعد ما كانت الذات باقية حال الانقضاء في جملة من المواد، وما نحن فيه من هذا القبيل، فانّ النزاع في وضع هيئة (مفعل وهيئة (فاعل) وهيئة (مفعول) ولا ريب أن هذه الهيئات لا تختص بالمواد التي لا يعقل فيها بقاء الذات مع زوالها كالممكن والواجب والممتنع والعلة والمعلول وما شاكل ذلك لئلا يجري النزاع فيها، ب-ل ت-ع-م ما يمكن فيه بقاء الذات مع زوال التلبّس وانقضاء المبدأ عنها كالمقيم والمنعم والقائم والضارب والمملوك والمقدور وأشباه ذلك، ومن المعلوم أنّ عدم جريان النزاع في بعض الأفراد والمصاديق لا يوجب لغوية النزاع عن الكلي بعد ما كانت الذات في أكثر مصاديقه قابلة للبقاء مع زوال المادة.)نعم، لو كانت الهيئة في مثل لفظ الممكن وما يقابلانه موضوعة بوضع على حدة، لكان لما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره مجال واسع، وكان البحث عن سعة مفهومهما وضيقه حينئذ لغواً محضاً، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ الهيئة فيها موضوعة في ضمن وضع لفظ جامع بينها وبين غيرها بوضع نوعي وهو هيئة مفعل مثلاً.)فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره فيه خلط بين جريان النزاع في الهيئات الخاصّة والهيئات العامّة التى لا يختص وضعها بمادة.)ومن جميع ما ذكرناه يستبين أن الخارج عن البحث أمران:أحدهما : العناوين الذاتية.وثانيهما: الأفعال والمصادر.#### الاشكال في دخول اسم الزمان في محل النزاعثمّ إنّه قد يشكل في دخول هيئة اسم الزمان في محل النزاع باعتبار أنها فاقدة للركن الثاني الذي قد مرّ اعتباره في دخول شيء في محل البحث وه-و

بقاء الذات مع انقضاء المبدأ عنها، لأنّ الذات فيه وهي الزمان من الأمور المتقضية والمتصرمة في الوجود آناً فاناً، فلا يعقل بقاؤها فيه مع زوال المبدأ عنها ليكون داخلاً في موضع النزاع، وأمّا إطلاق اسم الزمان في بعض الموارد کاطلاق مقتل الحسين (عليه السلام على اليوم العاشر من المحرّم في كل عام، فهو من باب التجوز والعناية بلا إشكال.وقد أجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره وإليك نصه: ويمكن حل الإشكال بأنّ انحصار مفهوم عام بفرد كما في المقام لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بازاء الفرد دون العام، وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم الع-ام م-ع انحصاره ف-ي-ه ت-بارك وتعالى (1).)وتوضيحه : أنّ انحصار مفهوم كلّي في فردين: أحدهما ممكن والآخر ممتنع لا يوجب عدم إمكان وضع اللفظ للكلي ليضطر إلى وضعه للفرد الممكن، فانّه يمكن ملاحظة المعنى الجامع بين الفردين ووضع اللفظ له، وما نحن فيه من هذا القبيل، فان انحصار مفهوم اسم الزمان في فرد لا يوجب وضعه له، بل يمكن ملاحظة المفهوم العام ووضع اللفظ بازائه، غاية الأمر انحصاره في الخارج في فرد واحد وهو الزمان المتلبس بالمبدأ بالفعل، وامتناع تحقق فرده الآخر وهو الزمان المنقضي عنه المبدأ، ولا مانع من وضع لفظ للجامع بين الفرد الممكن والمستحيل أصلاً، وكم له من نظير.ومن هناوقع النزاع في وضع لفظ الجلالة «الله» وأنه اسم للجامع أو علم لذاته المقدّسة، فلو لم يمكن الوضع للكلي بين الممكن والممتنع، لم يصح النزاع


1) كفاية الأصول : 40.

فيه، بل كان المتعيّن أنه علم لا اسم جنس إذ لو كان من قبيل الثاني لكان الوضع لا محالة للمعنى الجامع، مع أنّ بقية أفراده غير ذاته المقدسة ممتنعة، بل قال (قدس سره إنّ ذلك واقع في كلمة الواجب، فانّها موضوعة للمعنى الجامع مع استحالة سائر أفراده غير ذاته تعالى.)ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره من أنّه لا مانع من وضع لفظ للمعنى الجامع بين الفرد الممكن والممتنع،صحيح، بل إنّه لا مانع من وضع لفظ لخصوص الفرد الممتنع، كوضع لفظ بسيط للحصة المستحيلة من الدور أو التسلسل أو لمفهوم اجتماع النقيضين، فضلاً عن الوضع للجامع بين ما يمكن وما يستحيل، كما هو الحال في لفظ الدور والتسلسل والاجتماع وما شاكل ذلك، فان الجميع وضع للمفهوم العام مع امتناع بعض أفراده في الخارج كاجتماع النقيضين والضدين، وتوقف العلّة على المعلول المتوقف على علّته فانه دور مستحيل، والتسلسل فيما لا يتناهى، وكثير من أفرادها ممكنة في الخارج كدور الشيء حول نفسه والتسلسل فيما يتناهى وغيرهما.)وعلى الجملة : فلاشبهة في إمكان هذا الوضع على جميع المسالك في تفسيره وهذا واضح، ولكن وقوع مثل هذا الوضع متوقف على تعلّق الحاجة بتفهيم الجامع المزبور، وذلك لأنّ الغرض من الوضع التفهيم والتفهم في المعاني التي تتعلّق الحاجة بابرازها كما في الأمثلة المذكورة، فانّ الحاجة كثيراً ما تتعلق باستعمال تلك الألفاظ في الجامع، بل تطلق كثيراً ويراد منها خصوص الف--رد المستحيل والحصة الممتنعة. وأما إذا لم تتعلق الحاجة بذلك كان الوضع له لغواً، فلا يصدر عن الواضع الحكيم، ولما لم تكن حاجة متعلقة باستعمال اسم الزمان في الجامع بين الزمان المنقضي عنه المبدأ والزمان المتلبس به فعلاً، كان الوضع له لغواً، إذن يخرج عن مورد النزاع.

ومن هنا يظهر فساد قياس المقام باسم الجلالة الذي وقع الخلاف في أنّ-ه علم لذاته المقدّسة أو اسم جنس، وذلك لأنّ الحاجة تتعلق باستعمال لفظ الجلالة في الجامع في مسألة البحث عن التوحيد وغيره. وهذا بخلاف اسم الزمان، فانّ الحاجة لا تتعلق باستعمال اللفظ في الجامع بين المنقضي والمتلبس، إذن كان وضع اللفظ بازائه لغواً.وأمّا تمثيله لما وضع للجامع مع استحالة بعض أفراده بلفظ الواجب فهو غريب، وذلك لأنّ الواجب بمعنى الثابت، وهو مفهوم جامع بين الواجب تعالى وغيره، فانّه يصدق على كل موجود فان كل موجود واجب لا محالة. نعم إنه تعالى واجب لذاته وغيره واجب بارادته، والواجب لذاته وإن كان منحصراً باللّه تعالى إلّا أنّ هذه الجملة لم توضع بوضع واحد ليكون من الوضع للعام مع انحصار فرده في واحد.وعلى الجملة : فلفظ الواجب مرادف لكلمة الثابت، فهو يصدق على الأمور التكوينية والتشريعية، وبزيادة كلمة الوجود إليه يعم جميع الموجودات من الواجب لذاته وبغيره، وبزيادة كلمة لذاته ينحصر باللّه سبحانه فلا يشمل غيره، إلّا أنّ ذلك أجنبي عن وضع لفظ بازاء جامع ينحصر بفرد، فانّ الانحصار فيه من ضم مفهوم إلى مفاهيم أخر ومن باب تعدد المدلول بتعدد الدال.والتحقيق في المقام : أنّ أسماء الأزمنة لم توضع بوضع على حدة في قبال أسماء الأمكنة، بل الهيئة المشتركة بينهما وهي هيئة «مفعل» وضعت بوضع واحد لمعنى واحد كلّي، وهو ظرف وقوع الفعل في الخارج، أعم من أن يكون زماناً أو مكاناً، وقد سبق أنّ النزاع إنما هو في وضع الهيئة بلا نظر إلى مادة دون مادة، فإذا لم يعقل بقاء الذات في مادة مع زوالها لم يوجه ذلك عدمجريان النزاع في الهيئة نفسها التي هي مشتركة بين ما يعقل فيه بقاء الذات مع

انقضاء المبدأ عنها وما لا يعقل فيه ذلك، وحيث إنّ الهيئة في محل البحث وضعت لوعاء المبدأ الجامع بين الزمان والمكان كان النزاع في وضعها لخصوص المتلبس أو الأعم نزاعاً معقولاً، غاية الأمر أنّ الذات إذا كانت زماناً لم يعقل بقاؤها مع زوال التلبّس عن المبدأ، وإذا كانت مكاناً يعقل فيه ذلك، وقد عرفت أنه لا مانع من وضع اللفظ للجامع بين الفرد الممكن والممتنع إذا تعلقت الحاجة بتفهيمه.نعم، لو كانت هيئة اسم الزمان موضوعة بوضع على حدة لخصوص الزمان الذي وقع فيه الفعل، لم يكن مناص من الالتزام إلا بخروج اسم الزمان ع---ن النزاع.الأمر الثاني : قد سبق أنّ المصادر المزيد فيها، بل المصادر المجردة والأفعال جميعاً، خارجة عن محل النزاع، لأنها غير جارية على الذوات.#### خروج المصادر والأفعال عن محل النزاعأما المصادر، فلأنها وضعت للدلالة على المبادئ التي تغاير الذوات خارجاً فلا تقبل الحمل عليها.#### دلالة الفعل على الزمانوأما الأفعال، فلأنها وضعت للدلالة على نسبة المادة إلى الذات على أنحائها المختلفة باختلاف الأفعال، فالفعل الماضي يدل على تحقق نسبة المبدأ إلى الذات، والفعل المضارع يدل على ترقب وقوع تلك النسبة، وفعل الأمر يدل على طلب تلك النسبة، ومن المعلوم أنّ معانيها هذه تأبى عن الحمل على الذوات.ثمّ إنّ المشهور بين النحويين دلالة الأفعال على الزمان وقالوا : إنّ الفعل الماضي يدل على تحقق المبدأ في الزمن السابق على التكلم، والمضارع يدل على تحققه في الزمن المستقبل أو الحال وصيغة الأمر تدل على الطلب في الزمان الحال، ومن هنا قد زادوا في حدّ الفعل الاقتران بأحد الأزمنة الثلاثة، دون الاسم والحرف.

ولكن الصحيح عدم دلالته على الزمان، والوجه في ذلك : هو أن كون الزمان جزءاً لمدلول الأفعال باطل يقيناً، لأنها لا تدل عليه لا مادة ولا هيئة، أمّا بحسب المادة فظاهر، لأنها لا تدل إلا على نفس الطبيعة المهملة غير مأخوذة فيها أية خصوصية فضلاً عن الزمان، وأما بحسب الهيئة، فقد تقدّم أنّ مفادها نسبة المادة إلى الذات على نحو من أنحاء النسبة، فالزمان أجنبي عن مفاد الفعل مادة وهيئة.والحاصل : أن احتمال كون الزمان جزءاً لمدلول الفعل فاسد في نفسه، والقائلون بدلالته على الزمان لم يريدوا ذلك يقيناً.وأمّا احتمال كون الزمان قيداً لمداليل الأفعال بأن يكون معنى الفعل مقيداً به على نحو يكون القيد خارجاً عنه والتقيد به داخلاً، فهو وإن كان أمراً ممكناً في نفسه، إلا أنه غير واقع، وذلك لأنّ دلالة الأفعال عليه لا بد أن تستند إلى أحد أمرين : إما إلى وضع المادة أو إلى وضع الهيئة، ومن الواضح أنّ المادة وضعت للدلالة على نفس طبيعي الحدث اللّا بشرط، والهيئة وضعت للدلالة على تلبس الذات به بنحو من أنحائه كما عرفت وشيء منهما لا يدل عليه.و ممّا يدلّنا على ذلك : ما نرى من صحّة إسناد الأفعال إلى نفس الزمان وإلى ما فوقه من المجردات الخالية عن الزمان والخارجة عن دائرته من دون لحاظ عناية في البين، فلا فرق بين قولنا (علم اللّه و (علم زيد) و (أراد اللّه) و (أراد زيد) و (مضى (الزمان) و (مضى الأمر الفلاني) فالفعل في جميع هذه الأمثلة استعمل في معنى واحد وعلى نسق،فارد، فلو كان الزمان مأخوذاً فيه قيداً لم يصح إسناده إلى نفس الزمان بلا لحاظ تجريد، فانّ الزمان لا يقع في الزمان وإلّا لدار أو تسلسل، وكذا لم يصح إسناده إلى ما فوق الزمان من المجردات، إذ أفعالها لا تقع في الزمان لأنها غير محدودة بحد، وما كان في الزمان محدود بحد)

لا محالة. وبهذا يستكشف كشفاً قطعياً عن أنّ الزمان غير مأخوذ في الفعل لا جزءاً ولا قيداً.نعم، الفعل المسند إلى الزماني وإن كان يدل على وقوع الحدث في أح--د الأزمنة الثلاثة، إلّا أنّه ليس من جهة الوضع، بل من جهة أنّ الأمر الزماني لا بد وأن يقع في أحد الأزمنة.فتحصل : أنّ الأفعال لا تدل على الزمان وأنّ استعمالها في جميع الموارد على نحو الحقيقة، ولا فرق بين استعمالها في الزمان وما فوقه واستعمالها في الزماني، فالإسناد في الجميع اسناد حقيق.ولكن مع هذا كلّه يمتاز الفعل الماضي عن المضارع بخصوصية ثابتة في كل واحد منهما، ولأجل تلك الخصوصية لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر ويكون الاستعمال غلطاً واضحاً.وتفصيل ذلك : أنّ الخصوصية في الفعل الماضي هي أنه وضع للدلالة على قصد المتكلم الحكاية عن تحقق المادة مقيداً بكونه قبل زمان التكلم، وهذه الدلالة موجودة في جميع موارد استعمالاته، سواء أكان الإسناد إلى نفس الزمن وما فوقه أم إلى الزماني، فقولنا : مضى الزمان، يدل على قصد المتكلم الحكاية عن تحقق الزمن قبل زمن التكلم، وإن كان الزمان لا يقع في ضمن الزمان، وكذا قولنا: علم اللّه وأراد اللّه وما شاكل ذلك، يدل على أنّ المتكلم قاصد للإخبار عن تحقق المادة وتلبس الذات بها قبل زمن التكلم، وإن كان صدور الفعل ممّا هو فوق الزمان لا يقع في زمان، وكذلك إذا أسند الفعل إلى الزماني كقولنا : قام زيد وضرب عمرو، فانّه يدل على قصد المتكلم الإخبار عن تحقق المبدأ وتلبّس الذات به قبل حال التكلم فهذه الخصوصية موجودة في الفعل الماضي في جميع موارد استعمالاته من دون دلالة له على وقوع المبدأ في الزمان الماضي.

نعم، بين الإسناد إلى الزماني والإسناد إلى غيره فرق من ناحية أخرى، وهي أن الاسناد إلى الزماني يدل بالالتزام على وقوع الحدث في الزمان الماضي. فهذه الدلالة وإن كانت موجودة إلا أنها غير مستندة إلى أخذ الزمان في الموضوع له، بل من جهة أنّ صدور الفعل من الزماني قبل حال التكلم يستلزم وقوعه في الزمان الماضي لا محالة.وأما الخصوصية في الفعل المضارع، فهي أنه وضع للدلالة على قصد المتكلم الحكاية عن تحقق المادة في زمن التكلم أو ما بعده، ولا يدل على وقوعها في الحال أو الاستقبال، كيف فانّ دلالته على ذلك في جميع موارد إسناده على حد سواء، فلا فرق بين إسناده إلى الزمن وما فوقه، كقولنا (يمضي الزمان و(يريد اللّه) و (يعلم اللّه) وبين إسناده إلى الزماني، غاية الأمر إذا أسند إلى الزماني يدل على وقوع المبدأ في الزمن الحال أو الاستقبال بالالتزام، من جهة أنّ الفاعل الزماني يقع فعله في الزمن لا محالة، وإلا فالمضارع بوضعه لا يدل إلّا على تحقق المبدأ حال تحقق التكلم أو ما بعده من دون أن يدل على وقوعه في الزمان.)وقد تحصل من ذلك أمران:الأوّل : أنّ الأفعال جميعاً لا تدل على الزمان لا بنحو الجزئية ولا بنحو القيدية، لا بالدلالة المطابقية ولا بالدلالة الالتزامية. نعم، إنّها تدل عليه بالدلالة الالتزامية إذا كان الفاعل أمراً،زمانياً، وهذه الدلالة غير مستندة إلى الوضع، بل هي مستندة إلى خصوصية الاسناد إلى الزماني، ولذا هذه الدلالة موجودة في الجمل الإسمية أيضاً إذا كان المسند إليه فيها زمانياً، فإذا قيل : زيد قائم، فهو يدل على قصد المتكلم الحكاية عن تحقق المبدأ وتلبس الذات به في الخارج بالمطابقة، وعلى وقوعه في أحد الأزمنة الثلاثة بالالتزام.الثاني : أن كلاً من الفعل الماضي والمضارع يدل على خصوصية بها يمتاز

أحدهما عن الآخر، وتلك الخصوصية مأخوذة في المعنى على نحو الت-ق-ييد، فيكون معنى الفعل الماضي تحقق المادة مقيداً بكونه قبل زم---ن التلفظ بنحو دخول التقيد وخروج القيد، ومعنى المضارع تحقق المادة مقيداً بكونه في زمن التكلم أو فيما بعده. هذا كلّه فيا إذا كان الفعل مطلقاً فيدل على تحقق المادة ونسبتها إلى الذات قبل زمن التكلم أو مقارناً معه أو متأخراً عنه. ولكن قد يقيد بالسبق واللحوق أو التقارن بالاضافة إلى شيء آخر غير التكلم، إذن لا يكون الماضي ماضياً حقيقة والمستقبل مستقبلاً كذلك، وإنما يكون ماضياً أو مستقبلاً بالاضافة إلى شيء آخر، كما في قولنا : جاءني زيد قبل سنة وه-و يضرب غلامه، فاللحوق أو التقارن إنما يلاحظ في هذا المثال بالقياس إلى شيء آخر وهو المجيء لا زمن التلفظ، و [ قولنا : ] يجيء زيد في شهر كذا وقد ضرب عمراً قبله بأيام، فالسبق هنا إنما يلاحظ بالإضافة إلى شيء آخر وهو مجيء زيد، لا زمن التكلم.وعلى الجملة : لا ريب في صحّة استعمال الماضي والمضارع في هذه الموارد في اللغة العربية وغيرها.فقد ظهر: أنّ الملاك في صحّة استعمال الماضي جامع السبق، سواء كان بالإضافة إلى زمن التكلم أم كان بالإضافة إلى شيء آخر، وإن كان الظاهر عند الإطلاق خصوص الأوّل، والملاك في صحّة استعمال المضارع جامع التقارن أو اللحوق، وإن كان الظاهر عند الاطلاق خصوص التقارن أو اللحوق بالإضافة إلى زمن التكلم.#### أقسام مواد المشتقات ومبادئهاالأمر الثالث : أنّ مواد المشتقات ومبادءها تنقسم إلى أقسام:منها : ما يكون من قبيل الأفعال الخارجية كالقيام والقعود والركوع والسجود والتكلم والمشي وما شاكل ذلك، ويكون الانقضاء فيها برفع اليد عن تلك

الأفعال ولو آناً ما.ومنها ما يكون من قبيل الملكة والقوة والاستعداد كما في المجتهد والمهندس والمفتاح والمكنسة وما شاكل ذلك، والانقضاء فيها لا يكون إلا بزوال القوة والملكة والاستعداد، فما دامت قوّة الاستنباط موجودة في المجتهد أو استعداد الفتح موجوداً في المفتاح مثلاً فالتلبّس فعلي وغير زائل. نعم، إذا زالت الملكة عن شخص مثلاً كان صدق عنوان المجتهد عليه حقيقة داخلاً في محل الكلام.ومنها: ما يكون من قبيل الحرفة والصنعة كما في الخياط والبناء والبزاز والحداد والنساج والتمار ونحو ذلك، ويكون التلبّس بها بأخذ تلك المبادئ حرفة أو صنعة له، فالبنّاء مثلاً هو من اتخذ البناء حرفة له، والانقضاء في مثل ذلك إنّما يكون بترك هذه الحرفة، فما دام لم يتركها ولم يعرض عنها فالتلبّس فعلي وإن لم يشتغل بالبناء فعلاً، ففعلية التلبّس بتلك المبادئ ت-دور م-دار اتخاذها شغلاً وكسباً، وانتسابها إلى الذات، سواء كان ذلك الانتساب انتساباً حقيقياً كما في الخياط والنساج وما شاكلها، أم كان انتساباً تبعياً كما في المقال والبزّاز والتامر واللابن والحداد وأمثالها لأنّ موادها ومبادءها من أسماء الأعيان، ومن المعلوم أنها غير قابلة للانتساب إلى الذات حقيقة، فلا محالة يكون انتسابها إليها بتبع اتخاذ الفعل المتعلق بها حرفة وشغلاً، فمن اتخذ بيع التمر شغلاً له صار التمر مربوطاً به تبعاً، ومن اتخذ بيع اللبن شغلاً صار اللبن مربوطاً به وهكذاثم إن كون التلبّس بالمادة على نحو القوّة والاستعداد، قد يكون من جهة أنّ المادة موضوعة لذلك كما في الاجتهاد ونحوه، وقد يكون من جهة استفادة ذلك من الهيئة كما في المكنس والمفتاح، فانّ المادة فيهما وهي الفتح والكنس ظاهرة في الفعلية لا في القابلية والاستعداد، ولكن الهيئة فيها موضوعة لافادة تلبس

الذات بها شأناً واستعداداً، فالمفتاح والمكنس موضوعان لما من شأنه الفتح والكنس لا للمتلبس بالفتح أو الكنس فعلاً.ومن هنا يصدق لفظ المفتاح حقيقة على كل ما فيه قابلية للفتح ولو لم يقع الفتح به خارجاً، فما دامت القابلية موجودة فالتلبّس فعلي، ويكون الانقضاء فيها بزوال القابلية عنه ولو بانكسار بعض أسنانه، فبناءً على القول بك-ون المشتق موضوعاً للمعنى الجامع بين الذات المنقضية عنه المبدأ والمتلبسة ب-ه فعلاً، يصدق عليه أنه مفتاح على نحو الحقيقة. وعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبس به فعلاً لا يصدق عليه إلا مجازاً.وممّا ذكرناه يستبين أنّ اختلاف المواد في المشتقات لا دخل له في محل البحث أصلاً، فانّ النزاع إنما هو في وضع الهيئات للمشتقات، وأنها موضوعة للمعنى الجامع أو للحصة الخاصّة منه، بلا نظر إلى وضع موادها، وأنها ظاهرة في الفعلية أو في القابلية والملكة أو الحرفة والصنعة، ففي جميع ذلك يجري النزاع، غاية الأمر أنّ الانقضاء في كل مورد بحسبه. ومن هنا كان اختلاف المواد من هذه الناحية موجباً لاختلاف زمن التلبّس طولاً وقصراً كما عرفت.#### دخول اسم الآلة واسم المفعول في محل النزاعوبذلك يظهر فساد ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)من خروج أسماء الآلة وأسماء المفعولين عن محل النزاع تبعاً لصاحب الفصول (قدس سره)(2)بتقريب أنّ الهيئة فى أسماء الآلة كما عرفت قد وضعت للدلالة على القابلية والاستعداد، وهذا الصدق حقيقي وإن لم يتلبس الذات بالمبدأ فعلاً. وأما أسماء المفعولين، فلأنّ الهيئة فيها وضعت لأن تدل على وقوع المبدأ على الذات، وهذا المعنى ممّا لا يعقل فيه الانقضاء، لأنّ ما وقع على الذات كيف يعقل انقضاؤه)


1) أجود التقريرات 1: 123 - 124.

2) الفصول: 60.

عنها، ضرورة أنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه، والمفروض أنّ الضرب ق--د وقع عليها، فدائماً يصدق أنها ممن وقع عليه الضرب، إذن لا يفرق في صدق المشتق بين حال التلبّس والانقضاء، ففي كلا الحالين على نسق واحد بلا عناية في البين، بل لا يتصور فيه الانقضاء كما مرّ. وجه الظهور : أن الهيئة في الآلة إذا دلّت على قابلية الذات للاتصاف بالمادة شأناً، فما دامت القابلية موجودة كان التلبّس فعلياً وإن لم تخرج المادة عن القابلية إلى الفعلية أصلاً، فالمفتاح يصدق على ما من شأنه الفتح وإن لم يتلبس به أبداً، وعليه فانقضاء التلبّس إنّما يكون بسقوطها عن القابلية، كما لو انكسر بعض أسنانه مثلاً، ومعه كان الصدق على نحو الحقيقة بناءً على الأعم، وعلى نحو المجاز بناءً على الوضع لخصوص المتلبس.فما أفاده (قدس سره مبتن على الخلط بين شأنية الاتصاف بالمبدأ وفعليته به، وتخيّل أنّ المعتبر في التلبّس إنّما هو التلبّس بالفعل بالمبدأ.)وأمّا أسماء المفعولين، فلأن ما ذكره (قدس سره في وجه خروجها عن محل النزاع عجيب، والوجه في ذلك : هو أنه لو تم ما ذكره لجرى ذلك في أسماء الفاعلين أيضاً، فانّ الهيئة فيها موضوعة لأن تدل على صدور الفعل عن الفاعل، ومن المعلوم أنه لا يتصور انقضاء الصدور عمّن صدر عنه الفعل خارجاً، لأنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه، والمبدأ الواحد كالضرب مثلاً لا يتفاوت حاله بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول، غاية الأمر أنّ قيامه بأحدهما قيام صدوري وبالآخر قيام وقوعي.)وحل ذلك : أنّ أسماء المفعولين كأسماء الفاعلين وضعت للمفاهيم الكلية، لما تقدّم منّا من أنّ الألفاظ وضعت بازاء المعاني التي هي قابلة للانطباق على ما في الخارج تارة، وعلى ما في الذهن أخرى، لا بازاء الموجودات الخارجية،

لأنها غير قابلة لأن تحضر في الأذهان، ومن هنا قد يكون للموضوع له مطابق في الخارج وقد لا يكون له مطابق فيه، فالمضروب مثلاً قد يكون موجوداً وقد يكون معدوماً، وهكذا الحال في سائر الألفاظ، فالنزاع هنا في أنّ اسم الفاعل أو اسم المفعول موضوع لمعنى لا ينطبق إلا على خصوص المتلبس أو للأعم منه ومن المنقضي.وعلى الجملة: لا نجد فرقاً بين اسم الفاعل والمفعول، فكما أنّ النزاع يجري في هيئة اسم الفاعل وأنها وضعت لمفهوم كان مطابقه في الخارج فرداً واحداً وهو خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً، أو فردين أحدهما المتلبس والآخر المنقضي، فكذلك يجري في هيئة اسم المفعول وأنها وضعت لمعنى كان مطابقه في الخارج فرداً واحداً أو فردين، مثلاً لو فرض أنّ زيداً كان عالماً بقيام عمرو ثمّ زال عنه العلم به، فكما أنّ النزاع جارٍ في صحّة إطلاق العالم على زيد وعدم صحّة إطلاقه إلّا مجازاً، فكذلك النزاع جارٍ في صحّة إطلاق المعلوم على قيام عمرو وعدم صحّة إطلاقه عليه إلا على نحو المجاز، ضرورة أنه لا فرق بين الهيئتين هنا أصلاً، فانّ المبدأ في كلتيهما واحد، والمفروض أن ذلك المبدأ قد زال، وبزواله كان إطلاق العالم على زيد وإطلاق المعلوم على قيام عمرو من الإطلاق على المنقضي عنه المبدأ لا محالة.#### المراد بالحال المأخوذ في عنوان البحثالأمر الرابع : أنّ المراد من (الحال المأخوذ في عنوان المسألة ليس زم--ن النطق يقيناً، ضرورة عدم دلالة الأوصاف المشتقة عليه، ولا على غيره م-ن الماضي أو المستقبل، لا بنحو الجزئية ولا بنحو القيدية، القيدية، فحالها من هذه الجهة كحال أسماء الأجناس، فكما أنها لا تدل على زمان خاص، فكذلك تلك. ومن هنا لا تجوز في قولنا : زيد كان قائماً بالأمس أو زيد سيكون ضارباً ونحو ذلك، كما أنه لا تجوز في قولنا : زيد كان انساناً أو سيكون تراباً إلى غير ذلك،)

فلو كان زمن النطق داخلاً في مفهومها لزم التجوّز في هذه الأمثلة لا محالة، وكذا لا دلالة فيها على أحد الأزمنة الثلاثة أيضاً، وذلك لأنّ تلك الأوصاف كما تستند إلى الزمانيات، كذلك تستند إلى نفس الزمان وإلى ما فوقه من المجردات، مع أنه لا يعقل أن يكون للزمان زمان، وكذا للمجردات، والاسناد في الجميع على نسق واحد، ولو كان خصوص زمان أو أحد الأزمنة داخلاً في مفهومها لكان إسنادها إلى نفس الزمان وما فوقه محتاجاً إلى لحاظ عناية وتجريد.نعم، إذا أسندت إلى الزمانيات تدل على أن تلبس الذات بالمبدأ واقع في أحد الأزمنة، وهذا لا من جهة أنّ الزمان مأخوذ في مفهومها جزءاً أو قيداً، بل من جهة أنّ قيام الفعل بالفاعل الزماني لا يكون إلا في الزمان، فوقوعه في أحد الأزمنة ممّا لا بد منه.ومن هنا يظهر أن المراد من الحال ليس زمن النطق والتكلم ولا أحد الأزمنة الثلاثة، بل المراد منه فعلية تلبس الذات بالمبدأ، إذن مرجع النزاع إلى سعة المفاهيم الاشتقاقية وضيقها، بمعنى أنّ المشتقات هل هي موضوعة للمفاهيم التي مطابقها في الخارج خصوص الذات حال تلبسها بالمبدأ، أو الأعم من ذلك ومن حال الانقضاء، فبناءً على القول بالأعم كانت مفاهيمها قابلة للانطباق خارجاً على فردين هما المتلبس فعلاً و المنقضي عنه المبدأ. وعلى القول بالأخص كانت مفاهيمها غير قابلة للانطباق إلا على فرد واحد، وهو خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً.وأما ما يقال من أنّ الظاهر من إطلاق المشتقات وحملها على شيء هو فعلية تلبس الذات بالمبدأ حين النطق والتكلم، فانّ الظاهر من قولنا : زيد قائم كونه كذلك بالفعل وفي زمان النطق، فلا معنى للنزاع في كون المشتق موضوعاً

للأعم أو للأخص بعد التسالم على أنّ المرجع في تعيين م-دال-ي--ل الألفاظ ومفاهيمها هو فهم العرف، والمفروض أنّ المتفاهم عندهم من الإطلاق والحمل هو خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً حين التكلم فهو وإن كان صحيحاً بالاضافة إلى الاستظهار من الاطلاق، إلّا أنّه لا يستلزم بطلان النزاع في المقام، فانّ الظهور من جهة الإطلاق يختص بموارد الحمل وما بحكمه، ولا يعم جميع الموارد، كما إذا قيل : لا تكرم الفاسق أو لاتهن العالم ونحو ذلك، فيقع البحث في أنّ موضوع الحكم هو خصوص المتلبس بالمبدأ أو للأعم منه ومن المنقضي.فتحصل ممّا ذكرناه : أنّ المراد بالحال هو فعلية التلبّس بالمبدأ لا حال النطق ولذا صح إطلاق المشتق بلحاظ حال التلبّس وإن لم يكن ذلك زمان النطق.#### الأصل العملي في المسألةالأمر الخامس : ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)أنه لا أصل في المقام ليعوّل عليه عند الشك في تعيين الموضوع له وأنه المعنى الوسيع أو المعنى الضيق، بعد عدم تمامية الأدلة على تعيين الوضع لأحدهما، بتقريب أنّ أصالة عدم ملاحظة الواضع الخصوصية في الموضوع له عند وضعه، معارضة بأصالة عدم ملاحظته العموم والإطلاق فيه، لأنّ المفاهيم في حد مفهوميتها متباينات، فإذا دار الأمر بين الوضع لمفهوم عام أو لمفهوم خاص، فكما يحتمل لحاظ الأوّل عند الوضع، فكذلك يحتمل لحاظ الثاني، وحيث إن كل واحد من اللحاظين حادث مسبوق بالعدم، فجريان الأصل في أحدهما معارض بجريانه في الآخر.. هذا مضافاً إلى عدم جريانه في نفسه، لأنّ أصالة ع-دم لحاظ الخصوصية لا تثبت الوضع للأعم إلا على القول باعتبار الأصل المثبت، وكذا العكس.)وعليه فتنتهي النوبة إلى الأصول الحكمية.


1) كفاية الأصول : 45.

وذكر في الكفاية (1أنّ هذه الأصول تختلف باختلاف الموارد، فالموارد التي يشك فيها في حدوث الحكم بعد زوال العنوان الذي أخذ في الموضوع يرجع فيها إلى أصالة البراءة، كما إذا فرضنا أنّ زيداً كان عالماً ثمّ زال عنه العلم، وبعد ذلك ورد في الدليل : أكرم كل عالم، فشككنا في وجوب إكرام زيد لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم. وأما الموارد التي يشك فيها في بقاء الحكم بعد حدوثه وثبوته، فالمرجع فيها هو الاستصحاب، وذلك كما لو كان زيد عالماً وأمر المولى بوجوب إكرام كل عالم ثمّ بعد ذلك زال عنه العلم وأصبح جاهلاً، فلا محالة نشك في بقاء الحكم لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم، إذن نستصحب بقاءه.)لا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره أوّلاً من أنه لا أصل هنا ليعوّل عليه عند الشك في الوضع للمفهوم الوسيع أو الضيق فهو صحيح، لما عرفت.)وأما ما أفاده (قدس سره ثانياً من أنّه لا مانع من الرجوع إلى الأصل الحكمي في المقام وهو أصالة البراءة في موارد الشك في الحدوث، والاستصحاب في موارد الشك في البقاء، فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنه لا فرق بين موارد الشك في الحدوث وموارد الشك في البقاء، ففي كلا الموردين كان المرجع هو أصالة البراءة دون الاستصحاب.)أمّا في موارد الشك في حدوث التكليف فالأمر واضح.وأمّا في موارد الشك في البقاء فبناءً على ما سلكناه في باب الاستصحاب (2من عدم جريانه في الشبهات الحكمية خلافاً للمشهور فالأمر أيضاً واضح،)


1) كفاية الأصول : 45.

2) مصباح الأصول 3: 42.

فانّ الاستصحاب فيها دائماً معارض باستصحاب عدم سعة المجعول، وبالتعارض يتساقط الاستصحابان لا محالة.وأما على المسلك المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فالاستصحاب لا يجري في المقام أيضاً، وذلك لاختصاص جريانه بما إذا كان المفهوم فيه متعيناً ومعلوماً من حيث السعة والضيق، وكان الشك متمحضاً في سعة الحكم المجعول وضيقه كما لو شككنا في بقاء حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، فالمرجع فيه هو استصحاب بقاء الحرمة إلى أن تغتسل، أو لو شككنا في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره، أو في بقاء نجاسة الماء المتمم كراً بناءً على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، فالمرجع في جميع ذلك هو استصحاب بقاء الحكم، وبه يثبت سعته.وأما فيما لا يتعين مفهوم اللفظ ومعناه وهو المعبّر عنه بالشبهة المفهومية، فلا يجري الاستصحاب فيه، لا حكماً ولا موضوعاً.أمّا الأوّل : فلما ذكرناه في بحث الإستصحاب (1من اعتبار وحدة القضية المتيقنة مع المشكوك فيها موضوعاً ومحمولاً في جريان الاستصحاب، ضرورة أنّه لا يصدق نقض اليقين بالشك اختلاف القضيتين موضوعاً أو محمولا،)مع وحيث إن في موارد الشبهات المفهومية لم يحرز الاتحاد بين القضيتين لا يمكن التمسك بالاستصحاب الحكمي، فإذا شكّ في بقاء وجوب صلاة العصر أو الصوم بعد استتار القرص وقبل ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس من جهة الشك في مفهوم المغرب وأنّ المراد به هو الاستتار أو ذهاب الحمرة، فعلى الأوّل كان الموضوع وهو جزء النهار منتفياً، وعلى الثاني كان باقياً، وبما أنا لم نحرز


1) مصباح الأصول 3: 271.

بقاء الموضوع فلم نحرز الاتحاد بين القضيتين، وبدونه لا يمكن جريان الاستصحاب.وأمّا الثاني : وهو استصحاب بقاء الموضوع فلعدم الشك في انقلاب حادث زماني ليحكم ببقاء المتيقن، إذ مع قطع النظر عن وضع اللفظ وتردد مفهومه بين السعة والضيق ليس لنا شك في أمر خارجي، فان استتار القرص ع-ن الأفق حسّي معلوم لنا بالعيان، وذهاب الحمرة غير متحقق كذلك، فماذا يكون هو المستصحب.وبعبارة واضحة : أنّ المعتبر في الاستصحاب أمران : اليقين السابق والشك اللاحق مع اتحاد المتعلق فيهما، وهذا غير متحقق في الشبهات المفهومية، فان كلاً من الاستتار وعدم ذهاب الحمرة متيقن فلا شك، وإنما الشك، وإنما الشك في بقاء الحكم، وفي وضع اللفظ لمعنى وسيع أو ضيّق، وقد عرفت أن الاستصحاب بالنسبة إلى الحكم غير جارٍ، لعدم إحراز بقاء الموضوع، وأما بالاضافة إلى وضع اللفظ فقد تقدّم أنّه لا أصل يكون مرجعاً في تعيين السعة أو الضيق. وما نحن فيه من هذا القبيل بعينه، فانّ الشبهة فيه مفهومية، والموضوع له مردد بين خصوص المتلبس أو الأعم منه ومن المنقضي، فالاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز اتحاد القضيّة المتيقنة مع المشكوكة، وقد مرّ أنّ الاتحاد ممّا لا بد منه في جريان الاستصحاب مثلاً العالم بما له من المعنى موضوع للحكم، وحيث إنّه مردد بين أمرين : المتلبس بالمبدأ والأعم، فالتمسك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشك في بقاء موضوعه، وكذلك لا يجري الاستصحاب بالنسبة إلى الموضوع، لعدم الشك في شيء خارجاً مع قطع النظر عن وضع المشتق وتردد مفهومه بين الأعم والأخص، وقد عرفت أنّ المعتبر في جريان الاستصحاب أمران : اليقين السابق والشك اللاحق مع وحدة متعلقهما في الخارج، والشك في مقامنا غير موجود فانّ تلبس زيد مثلاً بالمبدأ سابقاً وانقضاء المبدأ

عنه فعلاً كلاهما متيقن فلا شك في شيء، وإنما الشك في وضع المشتق وبقاء الحكم، أما بالنسبة إلى وضع المشتق فقد عرفت أنه لا أصل يرجع إليه في تعيين مفهوم اللفظ ووضعه سعة أو ضيقاً.وتوهم جريان الأصل في بقاء الموضوع بوصف موضوعيته فانّه مشكوك فيه، مدفوع بأنّه عبارة أخرى عن جريان الأصل في بقاء الحكم، وقد عرفت عدم جريانه فيه.فالنتيجة : أنّ الاستصحاب في الشبهات المفهومية ساقط ولو قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فيما إذا كان الشك في سعة المجعول وضيقه.وقد أشار شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره في آخر بحث الاستصحاب(1)في مسألة اشتراط بقاء الموضوع فيه إلى هذا المعنى، وهو عدم جريان الاستصحاب في موارد الشبهات المفهومية.)فقد أصبحت النتيجة : أنّ المرجع في كلا الموردين هو أصل البراءة.فما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره من الفرق بين الموردين، وأنّ المرجع في المورد الثاني هو الاستصحاب دون البراءة غير صحيح.)#### نتائج الأبحاث إلى هنانستنتج ممّا ذكرناه حول المشتق لحد الآن عدّة أمور :الأوّل : أن محل البحث لا يعم جميع المشتقات بل يخص بعضها ويعم بعض أصناف الجوامد، وهو ما كان مفهومه منتزعاً عن أمر خارج عن مقام ذاته.الثاني : أنّ ملاك دخول شيء في محل البحث أن يكون واجداً لركيزتين :1 - أن يكون قابلاً للحمل على الذات ولا يأبى عنه.


1) فرائد الأصول 2: 691.

2 - أن تبقى الذات بعد انقضاء المبدأ عنها، فإذا اجتمعت هاتان الركيزتان في شيء دخل في محل البحث وإلا فلا.الثالث : أن محل النزاع هنا يتمحض في وضع هيئات المشتقات وسعة معانيها وضيقها، بلا نظر إلى موادها أصلاً، واختلافها لا يوجب الاختلاف في محل البحث كما تقدّم.الرابع : أنّ الأفعال جميعاً لاتدل على الزمان حسب وضعها. نعم، إذا أسندت إلى الزماني دلّت على وقوع الحدث في زمن ما، إلّا أنّ هذه الدلالة خارجة عن مداليلها، ومستندة إلى خصوصية أخرى كما سبق.الخامس : أنّ نقاط الميز بين الأفعال بعد خروج الزمان عن مداليلها هي : أنّ الفعل الماضي يدل على تحقق الحدث قبل زمن التكلم، والمضارع يدل على تحقق الحدث في زمن التكلم أو ما بعده، والأمر يدل على الطلب حال التلفظ فهذه النقاط هي النقاط الرئيسية للفرق بينها، وهي توجب تعنون كل واحد منها بعنوان خاص واسم مخصوص، وتمنع عن صحّة استعمال أحدها في موضع الآخر، وموجودة في جميع موارد استعمالاتها كما مرّ بيانه.السادس : أنّ المراد من الحال المأخوذ فى عنوان المسألة هو فعلية تلبس الذات بالمبدأ، لا زمان النطق، كما سبق من أنّ الزمان مطلقاً - سواء كان زمان النطق أم غيره - لم يؤخذ في مفاهيم المشتقات.السابع : أنه لا أصل موضوعي يرجع إليه عند الشك في وضع المشتق للأعم أو الأخص.الثامن : أنّ الأصل الحكمي في المقام هو البراءة مطلقاً ولو كان للحكم حالة سابقة. هذا تمام الكلام في المقدّمات.

### الأقوال في المسألة#### ابتناء النزاع على البساطة والتركبقال المحقق صاحب الكفاية (قدس سره إنّ الأقوال في المسألة وإن كثرت، إلا أنها حدثت بين المتأخرين بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين، لأجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مبادئه في المعنى، أو بتفاوت ما يعتريه من الأحوال، وقد مرت الإشارة إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده (1).)أقول : الصحيح كما أفاده (قدس سره وذلك لما عرفت من أن مركز البحث والنزاع هنا في وضع هيئة المشتق وفي سعة معناه وضيقه واختلافه من كل من الناحيتين المزبورتين أجنبي عن المركز بالكلية.)ولشيخنا الأستاذ (قدس سره (2)في المقام كلام وحاصله : هو أن النزاع في وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً أو للأعم منه مبتن على البساطة والتركب في المفاهيم الاشتقاقية، فعلى القول بالتركب حيث إنّه قد أخذ في مفهوم المشتق انتساب المبدأ إلى الذات، ويكفي في صدق الانتساب التلبّس في الجملة، فلا محالة يكون المشتق موضوعاً للأعم، وعلى القول بالبساطة فمفهوم المشتق ليس إلا نفس المبدأ المأخوذ لا بشرط فهو ملازم لصدق نفس المبدأ، ومع انتفائه ينتفي العنوان الاشتقاقي لا محالة، ويكون حاله حينئذ حال الجوامد في أنّ المدار في صدق العنوان فعلية المبدأ، وإن كان بينها فرق من جهة أخرى، وهي أنّ شيئية الشيء حيث إنّها بصورته لا بمادته، فالمادة لا تتصف بالعنوان أصلاً، ولذا لا يصح استعمالها في المنقضي عنه وما لم يتلبس به بعد ولو مجازاً.)


1) كفاية الأصول : 45.

2) أجود التقريرات 1: 110 وما بعدها.

وهذا بخلاف المشتقات، فانّ المتصف بالعناوين الاشتقاقية هي الذوات وهي باقية بعد الانقضاء وزوال التلبّس فيصح الاستعمال مجازاً، وحيث إنّ المختار عندنا القول ببساطة المفاهيم الاشتقاقية، فيتعين أنّ الحق هو وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً، هذا.ثم عدل (قدس سره عن هذه الملازمة، أي استلزام القول بالتركب الوضع للأعم، واستلزام القول بالبساطة الوضع للأخص وقال: الحق هو وضع المشتق لخصوص المتلبس مطلقاً سواء قلنا بالبساطة أم بالتركب، وأفاد في وجه ذلك ما ملخصه :)أما على البساطة، فلأنّ الركن الوطيد على هذا القول هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ على نحو لا بشرط، ومعه لا يأبى عن الحمل على الذات ولا يكون مبايناً لها في الوجود الخارجي، فالصدق حينئذ متقوم بالمبدأ وجوداً وعدماً، فإذا انعدم فلا محالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلّا بالعناية، بل قال: إن العناوين الاشتقاقية من هذه الجهة أسوأ حالاً من العناوين الذاتية، فانّ العناوين الذاتية وإن كانت فعليتها بفعلية صورها والمادة غير متصفة بالعنوان أصلاً، إلا أنها موجودة قبل الاتصاف وبعده وحينه، ومن هنا يكون الاستعمال فيها قبل الاتصاف وبعد انقضائه غلطاً، لأنّ العلائق المذكورة في محلّها من الأوّل أو المشارفة أو علاقة ما كان كلّها مختصة بباب المشتقات. وهذا بخلاف العناوين الاشتقاقية، فانّها عين مبادئها وهي بسيطة سواء كانت المبادئ من إحدى المقولات أم كانت من غيرها وغير مركبة من صورة ومادة، فإذا انعدمت المبادئ تنعدم العناوين بالكلية، ولا يبقى منها شي أبداً.وتوهم : أنه لابد على هذا أن لا يصح استعمال العنوان الاشتقاقي في المنقضي عنه وما لم يتلبس بعد ولو مجازاً بطريق أولى، لأنّه أسوأ حالاً من العنوان

الذاتي، والمفروض كما عرفت عدم جواز استعماله فيهما مطلقاً، مدفوع بأنه وإن كان أسوأ حالاً منه إلّا أنّ المتصف بالعناوين الاشتقاقية حين الاتصاف هي الذوات، وحيث إنها موجودة قبل الاتصاف وبعده، فيصح الاستعمال بعلاقة الأوّل أو المشارفة أو علاقة ما كان فبقاء الموصوف فيها هو المصحح لجواز الاستعمال وإن لم يؤخذ في المعنى.وهذا بخلاف العناوين الذاتية، فانّها كما عرفت عناوين لنفس الصور دون المادة، فالمادة لا تتصف بها في حال من الأحوال، مثلاً إنسانية الانسان بصورتها النوعية والمادة المشتركة لا تتصف بالانسانية أبداً، ولا يصدق عليها عنوانها، وتلك المادة وإن كانت موجودة قبل الاتصاف وبعده وحينه، إلّا أنها لا تتصف بالانسانية في حال، ولذا لا يصح الاستعمال في المنقضي وما لم يتلبس بعد حتّى مجازاً، لعدم تحقق شيء من العلائق المزبورة.فقد أصبحت النتيجة أنّ البراهين القائمة على البساطة تدل بالملازمة على وضع المشتق لخصوص المتلبس فعلاً، دون الأعم.وأمّا على التركب، فلأنّ الذات المأخوذة في المفاهيم الاشتقاقية لا تكون مطلق الذات، بل خصوص ذات متلبسة بالمبدأ ومتصفة بصفة ما على أنحائها المختلفة من الجواهر والأعراض وغيرهما، ومن الواضح أنه لا جامع بين الذات الواجدة لصفة ما والذات الفاقدة لها، فانّ مفهوم المشتق على القول بالتركب مركب من الذات والمبدأ وليس مركباً من المبدأ والنسبة الناقصة، ليكون المفهوم مركباً من مفهوم اسمي وحرفي، وإلا لم يصح حمله على الذات أبداً، ولم يصح استعماله إلا في ضمن تركيب كلامي، مع أنّ الأمر ليس كذلك، لصحة الحمل على الذات، وصحة الاستعمال منفرداً، بل هو كما عرفت مركب م-ن الذات والمبدأ، غاية الأمر أنّ المفهوم على هذا متضمن لمعنى حرفي كأسماء الاشارة

والضمائر ونحوهما، ومن هنا قلنا إنّه بناءً على التركب فالذات هي الركن الوطيد، ولكنها لم تؤخذ مطلقة، بل المأخوذ هو حصة خاصة منها وهي الذات المتلبسة بالمبدأ والمتلونة بهذا اللون فعلاً، ولا يكون جامع بينها وبين الذات المنقضية عنها المبدأ، ليصدق عليها صدق الطبيعي على أفراده والكلي على مصاديقه.أو فقل : إنّ وضع المشتق للأعم يتوقف على تصوير جامع بين المنقضي والمتلبس في الواقع ومقام الثبوت، ولما لم يعقل وجود جامع بينهما ثبوتاً، فلا مجال لدعوى كون المشتق موضوعاً للأعم إثباتاً.نعم، لو كان الزمان مأخوذاً في مدلول المشتق بأن يقال إنه وضع للدلالة على المتلبس في زمن ما وهو صادق على المتلبس في الحال وفي الماضي وجامع بينهما، لأمكن أن يدعى بأنّه موضوع للجامع بين الفردين. ولكن قد تقدّم أنّ الزمان خارج عن مفهومه وغير مأخوذ فيه لا جزءاً ولا قيداً ولا خاصاً ولا عاماً، بل لو قلنا بأخذ النسبة الناقصة في مداليلها فهي لم توضع إلا للمتلبس، وذلك لأن النسبة الناقصة هنا حالها حال سائر النسب التقييدية والاضافات، وهي لا تصدق إلّا في موارد التلبّس الفعلي، ومن الظاهر أنه لا جامع بين النسبة في حال التلبّس والنسبة في حال الانقضاء ليكون المشتق موضوعاً بازاء ذلك الجامع.تلخّص على ضوء ما بيّناه : أنّ المشتق وضع للمتلبس بالمبدأ فعلاً على كلا القولين، ولا مجال حينئذ للنزاع في مقام الإثبات أبداً، فانّه متفرع على إمكان تصوير الجامع في مقام الثبوت، وقد عرفت عدم إمكانه.وغير خفي أنّه يمكن تصوير الجامع على القول بالتركب بأحد الوجهين:الأوّل : أن يقال إنّ الجامع بين المتلبس والمنقضي اتصاف الذات بالمبدأ في الجملة في مقابل الذات التي لم تتصف به بعد، فانّ الذات في الخارج على قسمين :

قسم منها لم يتلبس بالمبدأ بعد وهو خارج عن المقسم.وقسم منها متصف به، ولكنّه اعم من أن يكون الاتصاف باقياً حين الجري والنسبة أم لم يكن باقياً، وهو جامع بين المتلبس والمنقضي، وصادق عليها صدق الطبيعي على أفراده، فالموضوع له على القول بالأعم هو صرف وجود الاتصاف العاري عن أيّة خصوصية، كما هو شأن الجامع والمقسم في كل مورد، وهو كما ينطبق على الفرد المتلبس حقيقة، كذلك ينطبق على الفرد المنقضي، فان هذا المعنى موجود في كلا الفردين.أو فقل : إنّ الجامع بينهما خروج المبدأ من العدم إلى الوجود، فانّ المبدأ كما خرج من العدم إلى الوجود في موارد التلبّس كذلك خرج في موارد الانقضاء، فصرف وجود المبدأ للذات من دون اعتبار امتداده وبقائه جامع بين الفردين، وخصوصية البقاء والانقضاء من خصوصيات الأفراد، وهما خارج-ت-ان ع-ن المعنى الموضوع له.الثاني : أنا لو سلمنا أنّ الجامع الحقيقي بين الفردين غير ممكن، إلا أنه يمكننا تصویر جامع انتزاعي بينهما وهو عنوان أحدهما، نظير ما ذكرناه في بحث الصحيح والأعم من تصوير الجامع الانتزاعي بين الأركان. ولا ملزم هنا لأن يكون الجامع ذاتياً، لعدم مقتض له، إذ في مقام الوضع يكفي الجامع الانتزاعي، لأنّ الحاجة التي دعت إلى تصوير جامع هنا هي الوضع بازائه، وهو لا يستدعي أزيد من : من تصوير معنى ما، سواء كان المعنى من الماهيات الحقيقية أم من الماهيات الاعتبارية، أم من العناوين الانتزاعية. إذن للواضع في المقام أن يتصور المتلبس بالمبدأ فعلاً ويتصور المنقضي عنه المبدأ، ثمّ يتعهد على نفسه بأنه متى ما قصد أحدهما يجعل مبرزه هيئة ما من الهيئات الاشتقاقية على سبيل الوضع تفهیم العام والموضوع له العام أو الخاص.

فالنتيجة : أنّ تصوير الجامع على القول بالأعم بأحد هذين الوجهين بمكان من الامكان.وعلى هذا الضوء يظهر أنّ للنزاع في مقام الاثبات مجالاً واسعاً.وأما ما أفاده (قدس سره من أنّه على البساطة لا يتصور الجامع بين المتلبس والمنقضي والواجد والفاقد، فالأمر كما أفاده لو كان مفهوم المشتق بعينه هو مفهوم المبدأ، وكان الفرق بينهما بالاعتبار واللحاظ - أي اعتباره لا بشرط وبشرط لا - إذ حينئذ كان الركن الوطيد هو المبدأ، فإذا زال زال العنوان الاشتقاقي لا محالة، إلّا أنّ هذا القول باطل، فان مفهوم المشتق كما سيأتي بيانه ليس بسيطاً، وعلى تقدير أنه كان بسيطاً فلا يكون عين مفهوم المبدأ، بل هو مباين له هذا تمام الكلام في مقام الثبوت. وأما الكلام في مقام الاثبات،)#### أدلة وضع المشتق لخصوص المتلبسفلا ينبغي الشك في أن المشتق وضع للمتلبس بالمبدأ فعلاً، ويدل على ذلك أمور :الأوّل : أنّ المتبادر من المشتقات والمرتكز منها عند أذهان العرف والعقلاء خصوص المتلبس لا الأعم، وهذا المعنى وجداني لكل أهل لغة بالقياس إلى لغته، فهم يفهمون من المشتقات عند إطلاقاتها واستعمالاتها المتلبس بالمبدأ فعلاً، ولا تصدق عندهم إلا مع فعلية التلبّس والاتصاف، وصدقها على المنقضي المبدأ وإن أمكن، إلّا أنّه خلاف المتفاهم عرفاً، فلا يصار إليه بلا قرينة. وهذا التبادر والارتكاز غير مختص بلغة دون أخرى، لما ذكرناه غير مرّة أنّ الهيئات في جميع اللغات وضعت لمعنى واحد على اختلافها باختلاف اللغات، مثلاً هيئة ضارب في لغة العرب وضعت لعين المعنى الذي وضعت هيئة (زننده في لغة الفرس له.وهكذا. ومن هنا يفهم من تبادر عنده من كلمة (زننده) خصوص المتلبس أنّ كلمة ضارب أيضاً كذلك.)

نعم، تختلف المواد باختلاف اللغات، فيختص التبادر فيها بأهل كل لغة، فلا يتبادر من لفظ العجمي للعربي شيء وبالعكس، نظراً إلى اختصاص الوضع بأهله، وهذا هو السر في رجوع أهل كل لغة في فهم معنى لغة أخرى إلى أهلها و تبادره عنده، فالعجمي يرجع في فهم اللغة العربية إلى العرب، وهكذا بالعكس، وهذا بخلاف الهيئات، فانّها على اختلاف اللغات مشتركة في معنى واحد، فالهيئات الاشتقاقية بشتى أنواعها وأشكالها وضعت لمعنى واحد وهو خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً.ثم إنّ هذا التبادر لا يختص بالجمل التامة، ليقال إنّ منشأه ظهور الحمل في التلبّس الفعلي، بل إنّ حال هيئة المشتق حال هيئة المركبات التقييدية كالاضافة والتوصيف، فكما أنّ المتبادر عند أهل العرف من تلك المركبات فعلية النسبة والقيد، ولا تصدق خارجاً إلا مع فعلية الاتصاف، فكذلك المتبادر عندهم من المشتقات ذلك. فهذا التبادر يكشف كشفاً قطعياً عن الوضع لخصوص المتلبس، لأنه غير مستند إلى القرينة على الفرض، ولا إلى كثرة الاستعمال، ضرورة أنّ العرف حسب ارتكازهم يفهمون من المشتقات المتلبس من دون ملاحظة الكثرة وحصول الأنس منها، فالنتيجة : دعوى أنّ هذا التبادر مستند إلى كثرة الاستعمال دون الوضع دعوى جزافية.الثاني : صحّة سلب المشتق عمّن انقضى عنه المبدأ، فيقال زيد ليس بعالم بل هو جاهل، وهي أمارة أنّ المشتق مجاز فيه وإلا لم يصح السلب عنه.وقد يورد عليه : أنّ المراد من صحّة السلب إن كان صحّة السلب مطلقاً فغير صحيح، ضرورة صحّة حمل المشتق على المنقضي عنه المبدأ بمعناه الجامع. وإن كان مقيداً فغير مفيد، لأنّ علامة المجاز صحّة سلب المطلق دون المقيد.ولا يخفى أنّ هذا صحيح فيما إذا تردد المفهوم العرفي للفظ بين السعة والضيق

ولم يعلم أنه موضوع للمعنى الموسّع أو المضيق كلفظ العمى مثلاً لو تردد مفهومه عرفاً ودار بين أن يكون مطلق عدم الابصار ولو من جهة أنه لا عين له كبعض أقسام الحيوانات، وبين خصوص عدم الابصار مع وجود عين له ومع شأنية الابصار، ولم يثبت أنّه موضوع للثاني لم يمكن إثبات أنه وضع للمعنى الثاني بصحة السلب.وذلك لأنّه إن أريد بصحة السلب صحّة سلب العمى عما لا عين له بالمعنى المطلق فهو غير صحيح، بداهة صحّة حمله عليه بهذا المعنى. وإن أريد بها صحّة سلبه عنه بالمعنى الثاني - عدم الابصار مع شأنيته - فهو وإن كان صحيحاً إلا أنّه لا يثبت أنّ العمى لم يوضع للأعم، لأن سلب الأخص لا يلازم سلب الأعم، وقد ثبت في المنطق أن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم، فسلب الأوّل حيث إنّه أعم لا يستلزم سلب الثاني. إلّا أنّ ذلك لا يتم في محل كلامنا، وذلك لما تقدّم من أنّ المتبادر عرفاً من المشتق خصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً، وهو آية الحقيقة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: إذا صح سلب المشتق بما له من المفهوم العرفي عن المنقضي عنه المبدأ، فهو كاشف عن عدم وضعه للجامع، وإلا لم يصح سلبه عن مصداقه وفرده في حين من الأحيان، فإذا صح سلب المشتق بمفهومه العرفي عمّن انقضى عنه المبدأ، ثبت أنه موضوع للمتلبس.نعم، مع قطع النظر عن التبادر لا يمكن إثبات أن المشتق موضوع للمتلبس بصحة سلبه عن المنقضي كما عرفت.الثالث : لاريب في تضاد مبادئ المشتقات عرفاً بما لها من المعاني الثابتة في الأذهان المرتكزة في النفوس كالقيام والقعود والحركة والسكون، والسواد والبياض والعلم والجهل وما شاكلها ضرورة أن اثنين منها لا يجتمعان في الصدق في آن واحد، وعليه فطبعاً تكون العناوين الاشتقاقية المنتزعة ع--ن

اتصاف الذات بها متضادة، ومن هنا يرى العرف التضاد بين عنوان العالم والجاهل والأسود والأبيض، والمتحرك والساكن...وهكذا، وهو بنفسه يدل على أنّ المشتق موضوع للمتلبس دون الأعم وإلا لم يكن بينها مضادة عرفاً بما لها من المعاني، بل كان مخالفة، وأمكن صدق عنوانين منها معاً على الذات في زمن واحد فيما إذا كان التلبّس بأحدهما فعلياً وبالأخير منقضياً، فيجتمعان في الصدق في آن واحد، فلا مضادة.وبتعبير آخر : أنّ المشتق لو كان موضوعاً للأعم لم يلزم اجتماع الضدين عند صدق عنوانين على الذات حقيقة، بل يصح أن يقال عرفاً : هذا أسود وأبيض، أو عالم وجاهل في آن واحد مع أنّ الأمر ليس كذلك، ضرورة أن هذا من اجتماع الضدين حقيقة، كما أن قولنا : هذا سواد وبياض، أو علم وجهل، كذلك.نعم، لو كان الصدق مختلفاً في الزمان، بأن كان صدق أحدهما في زمان وضدّه الآخر في زمان آخر أو لم يكن الإطلاق في كلا الحملين حقيقياً، بل كان في أحدهما بالحقيقة، وفي الآخر بالعناية فلا تضاد، إذ المعتبر في تحقق التضاد أو التناقض في أي مورد كان وحدة الزمان مع اعتبار بقية الوحدات ومع الاختلاف فيه أو في غيره من الوحدات أو لم يكن الإطلاق في كليهما على نحو الحقيقة، ينتفي التضاد.فالنتيجة : أنّ ارتكاز التضاد بين العناوين بما لها من المعاني قرينة عرفية على الوضع للمتلبس.ثمّ إنّ هذا الذي ذكرناه من الأدلة على الوضع الخصوص المتلبس لا يختص بهيئة دون أخرى، وبلغة دون ثانية، بل يجري في الجميع، ولا أثر لاختلاف المبادئ في ذلك، كما أنه لا أثر لاختلاف الطوارئ والحالات، وهذا واضح.وعليه فما ذكره القوم من التفصيلات باعتبار اختلاف الطوارئ والحالات

تارة، وباعتبار اختلاف المبادئ تارة أخرى، لا يرجع إلى معنى محصل.فقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لا مناص من الالتزام بوضع المشتق لخصوص المتلبس.وممّا يؤيد ما ذكرناه من الإختصاص : أنّ الفقهاء (رضوان اللّه عليهم لم يلتزموا بترتيب الآثار في موارد الانقضاء، ومن هنا لم يحكموا بوجوب الانفاق على الزوجة بعد انقضاء الزوجية عنها بطلاق أو نحوه، وكذا بجواز النظر إليها.)#### أدلّة القول بالأعموقد استدل على القول بالأعم بأنّ استعمال المشتق في موارد الانقضاء أكثر من استعماله في موارد التلبّس فيقال : هذا قاتل زيد وذاك مضروب عمرو...وهكذا. فلو كان المشتق موضوعاً للمتلبس لزمه أن تكون هذه الاستعمالات وما شاكلها استعمالات مجازية، وهذه بعيدة في نفسها. مع أنها تنافي حكمة الوضع التي دعت إلى وضع الألفاظ لغرض التفهيم، فانّ الاستعمال في موارد الانقضاء إذا كان أكثر، فالحاجة تدعو إلى الوضع بازاء الجامع دون خصوص المتلبس.ويردّه أوّلاً : أنّ ذلك مجرد استبعاد، ولا مانع من أن يكون استعمال اللفظ في المعنى المجازي أكثر من استعماله في المعنى الحقيقي مع القرينة، ولا محذور في ذلك أبداً، كيف فان باب المجاز أوسع وأبلغ من الاستعمال في المعنى الحقيقي، و من هنا تستعمل التشبيه والكناية والاستعارة والمبالغة التي هي من أقسام المجاز في كلمات الفصحاء والبلغاء أكثر من استعمالها في كلمات غيرهم، والسر في كثرة الاستعمال في المعاني المجازية أنّ استعمال اللفظ في المعنى المناسب للمعنى الموضوع له حيث إنه يجوز بأدنى مناسبة فلا محالة يتكثر بتكثر المناسبات على

حسب اختلاف الموارد ومقتضياتها، ومن ثمّ لا يكون لذلك ضابط كلّي، فقد يكون الاستعمال في المعنى المجازي أكثر من الاستعمال في المعنى الحقيقي، وقد يكون بالعكس، وقد يكون لمعنى واحد حقيقي معان متعددة مجازية، بل ربّما تزداد المعاني المجازية بمرور الزمن.وثانياً : أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء وإن كان كثيراً ولا شبهة فيه، إلّا أنّه لم يعلم أنّ هذه الاستعمالات بلحاظ حال الانقضاء، بل الظاهر أنها كانت بلحاظ حال التلبّس ولا إشكال في أنّ هذه الاستعمالات على هذا حقيقة، فانها استعمالات في المتلبس واقعاً، فاطلاق (ضارب عمرو على زيد باعتبار زمان تلبسه به لا باعتبار اتصافه به فعلاً...وهكذا. إذن فلا صغرى للكبرى المذكورة، وهي أنّ كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي لا تلائم حكمة الوضع، فانّه لا مجاز على هذا ليكون الاستعمال فيه أكثر.)والنتيجة : أنّ الاستعمالات التي جاءت في كلمات الفصحاء في موارد الانقضاء ليس شيء منها بلحاظ حال الانقضاء، بل إنّ جميعها بلحاظ حال التلبّس فتكون حقيقة لا مجازاً.ثم إن استعمال المشتق في المنقضي بلحاظ حال الانقضاء وإن كان محتملاً في القضايا الخارجية في الجملة، إلّا أنّه في القضايا الحقيقية غير محتمل، فانّ الاستعمال فيها دائماً في المتلبس دون المنقضي، بل لا يعقل فيها حال الانقضاء، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَةٍ (1)وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) (2)فانّ المقصود منهما أن)


1) النور 24: 2.

2) المائدة 5: 38.

كل شخص فرض متلبساً بالزنا أو السرقة فهو محكوم عليه بجلده أو بقطع يده، فالمشتق في كلتا الآيتين استعمل في المتلبس، وهو تمام الموضوع للحكم المذكور فيها، وقد ذكرناه غير مرّة أنّ الموضوع في القضايا الحقيقية لابد من أخذه مفروض الوجود في الخارج، ومن هنا ترجع كل قضية حقيقية إلى قضيّة شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له، فالموضوع في الآيتين كل إنسان فرض متلبساً بالزنا أو السرقة في الخارج، فعنوان الزاني أو السارق مستعمل في من تلبس بالمبدأ، غاية ما في الباب أنّ زمان القطع والجلد متأخر في الخارج عن زمن التلبّس بأحد المبدأين المزبورين، فانها يتوقفان على ثبوت التلبّس بأحدهما عند الحاكم بأحد الطرق المعتبرة كالبينة أو نحوها.فقد تحصّل : أنّ الاستعمال في المنقضي في القضايا الحقيقية غير معقول، بل يكون الاستعمال دائماً في المتلبس.وعلى هذا الضوء يظهر فساد ما ذكره بعضهم من أن المشتق في الآيتين وما شاكلهما استعمل في من انقضى عنه المبدأ، وفي ذلك دلالة على أنّ المشتق وضع للأعم، كما أنه يظهر بذلك أنّه لا وجه لما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره (1)في مقام الجواب عن هذا الاستدلال من أنّ الاستعمال فيها بلحاظ حال التلبّس دون الانقضاء، وذلك لما عرفت من أنّ حالة الانقضاء في أمثال المقام لا تتصوّر، ليكون الاستعمال بلحاظ حال التبس دونها، وهذا نظير قولك : الجنب أو الحائض يجب عليهما الغسل فانّ المراد بالجنب أو الحائض هو كل إنسان فرض متلبساً بالجنابة أو الحيض خارجاً فهو محكوم عليه بالغسل، فعنوان الجنب أو الحائض قد استعمل في من تلبس بالمبدأ ولا يتصور فيه الانقضاء، غاية الأمر أن الامتثال يقع متأخراً عن زمان الوجوب كما كان هو الحال في)


1) كفاية الأصول : 50.

الآيتين.فالنتيجة قد أصبحت أنّه لا وجه للاستدلال على الوضع للأعم بالآيتين المزبورتين.#### الاستدلال بقوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين)وقد استدلّ ثانياً على القول بالأعم بما استدلّ الإمام (عليه السلام بقوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (1)على عدم لياقة من عبد الأصنام للخلافة ولو بعد دخوله في الإسلام (2)، وتقريب الإستدلال به أن المشتق لو كان موضوعاً لخصوص المتلبس لم يتم استدلال الإمام (عليه السلام) بالآية المباركة على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الإلهية، لأنّهم في زمن دع-واه-م لمنصب الخلافة كانوا متشرفين بقبول،الاسلام وغير متلبسين بالظلم وعبادة الوثن ظاهراً، وإنّما كان تلبسهم به قبل التشرف بالاسلام وفي زمن الجاهلية، فالاستدلال بالآية لا يتم إلا على القول بالوضع للأعم، ليصدق عليهم عنوان الظالم فعلاً فيندرجوا تحت الآية.)ولا يخفى أنّ النزاع كما عرفت لا يتأتى في الآية المباركة، فانها من القضايا الحقيقية التي أخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، فانّ فعلية الحكم فيها تابعة لفعلية موضوعه، ولا يعقل تخلف الحكم عنه، فانّه كتخلف المعلول عن علته التامة.نعم، يجري النزاع في القضايا الخارجية التي يكون الموضوع فيها أمراً موجوداً خارجياً، فانه يمكن أن يؤخذ الحكم فيها باعتبار خصوص المتلبس، أو الأعم


1) البقرة 2: 124.

2) البرهان في تفسير القرآن 1: 321.

منه ومن المنقضي عنه المبدأ، فالترديد في استعمال المشتق في المتلبس أو الأعم إنما يتأتى في القضايا الخارجية دون القضايا الحقيقية، مثلاً ع-ن-وان العالم في قولنا : يجب إكرام العالم يستعمل في من تلبس بالمبدأ أبداً، سواء تحقق التلبّس في الخارج أم لم يتحقق، فأنّه قد فرض فيه وجود شخص متلبس بالعلم وحكم بوجوب إكرامه ولا نعقل الانقضاء فيه ليتنازع في عموم الوضع له.وعلى هذا الضوء يظهر أنّ استدلال الإمام (عليه السلام بالآية المباركة على عدم لياقة عبدة الأوثان للخلافة غير مبتن على كون المشتق موضوعاً للأعم، ليصدق على من انقضى عنه المبدأ حقيقة، بل هو مبتن على نزاع آخر أجنبي عن نزاع المشتق، وهو أنّ العناوين التي تؤخذ في موضوعات الأحكام ومتعلقاتها في القضايا الحقيقية هل تدور الأحكام مدارها حدوثاً وبقاءً، أم تدور مدار حدوثها فقط ؟)والصحيح أن الأحكام المترتبة على تلك العناوين تختلف حسب اختلاف الموارد ومقتضياتها، ففي غالب الموارد تدور مدارها حدوثاً وبقاء، وهذا هو المتفاهم منها عرفاً، فإذا ورد النهي عن الصلاة خلف الفاسق، يفهم منه عرفاً أن عدم جواز الاقتداء به يدور مدار فسقه حدوثاً وبقاء، فلو انتفى عنه الفسق فلا محالة ينتفي الحكم المترتب عليه أيضاً.وفي بعض الموارد لا يدور بقاء الحكم مدار بقاء عنوان موضوعه، بل يبقى بعد زوال العنوان أيضاً، فالعنوان وإن كان دخيلاً في حدوث الحكم إلا أنه لا دخل له في بقائه - ويعبّر عنه بأن حدوثه علّة محدثة ومبقية - وهذا كما في آيتي الزنا والسرقة، فان وجوب القطع والجلدة يحدثان عند حدوث التلبّس بهذين المبدأين، ولكنها لا يدوران مدار بقاء العنوان أصلاً، ولا دخل لهذا بوضع المشتق للأعم أو للأخص.

وبتعبير واضح : أنّ العناوين التي تؤخذ في القضايا على أنحاء ثلاثة :الأوّل : أن تلاحظ معرّفة إلى الأفراد ومشيرة إليها من دون كونها دخيلة في الحكم أصلاً، وهذا يتفق في القضايا الخارجية، فانّ العناوين التي تؤخذ فيها قد تلاحظ معرفة إلى الأفراد فیقال صلّ خلف ابن زید، فعنوان ابن زيد قد أخذ معرّفاً إلى ما هو الموضوع في الواقع بلا دخل له في الحكم.الثاني : تلاحظ دخيلة في الحكم، بمعنى أن الحكم يدور مدارها حدوثاً وبقاء، وهذا هو الظاهر عرفاً من العناوين المأخوذة في القضايا الحقيقية، فقوله عزّ من قائل (فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (1)ظاهر في أنّ وجوب السؤال يدور مدار صدق هذا العنوان وجوداً وعدماً.)الثالث : تلاحظ دخيلة في الحكم حدوثاً لا بقاء، بمعنى أن بقاء الحكم لا يدور مدار بقاء العنوان، فيكون حدوث العنوان علّة محدثة ومبقية معاً، فعناوين القضايا الحقيقية لا تخلو عن القسمين الأخيرين وإن كان القسم الأوّل منها هو الغالب والكثير فيها، ومن ثمّ لم نجد لحد الآن مورداً يكون العنوان في القضيّة الحقيقية لوحظ معرّفاً إلى ما هو الموضوع في الواقع بلا دخل له فيالحكم. وعلى ضوء معرفة هذا يقع الكلام في أنّ عنوان الظالم المأخوذ في موضوع الآية المباركة هل لوحظ دخيلاً في الحكم على النحو الأوّل أو على النحو الثاني؟ فالاستدلال بالآية الكريمة على عدم لياقة عبدة الأصنام للخلافة إلى الأب--د مبتن على أن يكون دخله على النحو الثاني دون الأول.


1) الأنبياء 21: 7.

ولا يخفى أن الارتكاز الناشئ من مناسبة الحكم والموضوع يستدعي أنّ التلبّس بهذا العنوان آناً ما كافٍ لعدم نيل العهد والخلافة أبداً.والوجه فيه : أنّ جبّلة الناس على أنّ المتقمص لمنصب الخلافة والإمامة التي هي أعظم منصب إلهي بعد الرسالة، لا بد أن يكون مثالاً سامياً للمجتمع في سيرته وأخلاقه، ومعرّاً عن أيّة منقصة خَلقية وخُلقية، وقدوة للناس وقائداً مثالياً لهم، فلو أنّ أحداً اعتاد شرب الخمر والزنا أو اللواط في زمان ثمّ ترك وتاب، وبعد ذلك ادّعى منصب الخلافة من اللّه تعالى لم تقبل دعواه، لأجل أن الناس لا يرونه قابلاً لأن يتصدى هذا المنصب الإلهي، بل يعتقدون أنّ اللّه تعالى لا يجعله خليفة لهم، فانّ الخليفة هو ممثل من قبله تعالى، والممثل م-ن قبله لا بد أن يكون مثالاً روحياً للبشر، ومربياً لهم في سيرته وداعياً إلى اللّه تعالى بأخلاقه وأعماله، ليكون أثره أثراً طيباً وسامياً في النفوس. وهذا كنبينا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وأوصيائه الأطيبين (عليهم السلام) وليس معنى هذا اعتبار العصمة قبل الخلافة ليقال إنّها لا تعتبر،قبلها، بل من جهة أنّ الخلافة لعلو شأنها وجلالة قدرها ومكانتها لابد أن يكون المتصدي لها مثالاً أعلى للمجتمع الإنساني في علوّ الشأن وجلالة القدر والمكانة، فمن عبد الوثن في زمن معتد به كيف يكون أهلاً لذلك، وكيف يجعله اللّه تعالى ممثلاً وهادياً للأمة، والحال أنّه كغيره من أفراد الأمّة، ولا امتياز له عن البقية في شيء. وهذا ممّا تستدعيه مناسبة الحكم والموضوع.)ويؤكده أمران آخران أيضاً :الأوّل: نفس إطلاق الحكم في الآية المباركة، فانّ الإتيان بصيغة المضارع وهي كلمة (لَا يَنَالُ بلا تقييدها بوقت خاص، يدل على عدم اختصاص الحكم بزمن دون،زمن وأنّه ثابت أبداً لمن تلبس بالظلم ولو آناً ما.)

الثاني: قد ورد في عدّة من الروايات (1النهي عن الصلاة خلف المحدود والمجذوم والأبرص وولد الزنا والأعرابي، فتدل على أنّ المتلبس بأحد هذه العناوين لا يليق أن يتصدى هذا المنصب الكبير، لعدم المناسبة بينهما. وبالأولوية القطعية تدل على أن المتلبس بالظلم وعبادة الوثن أولى بعدم اللياقة للجلوس على كرسي الخلافة، لعلو المنصب وعظم المعصية، بل إنّ المحدود بالحد الشرعي في زمان ما لا يليق للمنصب المزبور إلى الأبد وإن تاب بعد ذلك وصار من الأتقياء الخيار.)#### ثمرة النزاع في المشتقفقد أصبحت نتيجة ما ذكرناه حول الآية المباركة : أن الاستدلال بها على عدم لياقة عبدة الأوثان للخلافة أبداً لا يبتني على النزاع في وضع المشتق للأعم أو للمتلبس بالمبدأ.بل ومن مطاوي ما ذكرناه يستبين أنه لا تترتب ثمرة على النزاع في وضع المشتق أصلاً، بيان ذلك: أنّ الظاهر من العناوين الاشتقاقية المأخوذة في موضوعات الأحكام أو متعلقاتها بنحو القضايا الحقيقية، هو أن فعلية الأحكام تدور مدار فعليتها حدوثاً،وبقاءً، وبزوالها تزول لا محالة. وإن قلنا بأنّ المشتق موضوع للأعم، فمن هذه الجهة لا فرق بينها وبين العناوين الذاتية.نعم، قد ثبت في بعض الموارد بمناسبة داخلية أو خارجية أن حدوث العنوان


1) منها حسنة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين» [الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6].)ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام «أنّه قال: خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة : الأبرص والمجذوم وولد الزنا والأعرابي حتّى يهاجر، والمحدود» [الوسائل : 324 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3]، وما شاكلها من الروايات.

علة محدثة ومبقية معاً كما تقدّم.وكيف ما كان، فلا أثر للقول بأنّ المشتق وضع للأعم أو للأخص، إذ على كلا التقديرين كانت الأحكام في فعليتها تابعة لفعلية العناوين المأخوذة في موضوعاتها، وبانقضائها وزوال التلبّس عنها تنقضي بتاتاً.ومن هنا لم يلتزم الفقهاء بترتب أحكام الحائض والنفساء والمستحاضة والزوجة وما شاكلها بعد انقضاء المبدأ عنها، حتّى على القول بكون المشتق موضوعاً للأعم، بل لم يحتمل ابتناء هذه المسائل وما شابهها على النزاع في مسألة المشتق، فتصبح المسألة بلا ثمرة مهمّة.وما نسبه شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)إلى الفخر الرازي غير صحيح، من أنه اعترف بدلالة الآية الشريفة على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الإلهية أبداً، لأنهم كانوا عابدين للوثن في زمان معتد به، وفي ذلك الزمان شملهم قوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فدلّت على عدم اللياقة إلى الأبد (2).


1) أجود التقريرات 1: 121.

2) وإليك نص كلامه :)المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمرمن ثلاثة أوجه :الأوّل : أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، فقد كانا حال كفرهما ظالمين، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات، ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة.الثاني : أن مَن كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا منالظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما، وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته، ولما لم يكونا معصومين بالاتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة.الثالث : قالوا كانا،مشركين وكل مشرك ظالم، والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى (إنّ الشّرك لظلم عظيم وأمّا أنّ الظالم لا يناله عهد الإمامة فبهذه الآية.)لا يقال : إنهما كانا ظالمين حال كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم.لأنا نقول : الظالم من وجد منه الظلم، وقولنا وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال، بدليل أنّ هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين، وما كان مشتركاً بين القسمين لا يلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين، فلا يلزم من نفي كونه ظالماً في الحال نفى كونه ظالماً.والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية : أنّ النائم يسمى مؤمناً، والإيمان هو التصديق، والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدلّ على أنه يسمى مؤمناً لأنّالإيمان كان حاصلاً قبل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل.وأجاب عنه بقوله : كل ما ذكرتموه معارض بما أنه لو حلف لا يسلّم على كافر فسلّم على إنسان مؤمن في الحال إلّا أنّه كان كافراً قبل بسنين متطاولة، فانّه لا يحنث، فدلّ على ما قلناه ولأنّ التائب عن الكفر لا يسمّى كافراً، والتائب عن المعصية لا يسمّى عاصياً، انتهى كلامه، تفسير الرازي 4: 45 - 46.وغير خفي: أنّ ما ذكره من الجواب عن دلالة الآية أجنبي عنها بالكلية، بل هما في طرفي النقيض، وذلك لأنّ دلالة الآية المباركة على الحكم المذكور مبنية على وج--وه ثلاثة :الأوّل: مناسبة الحكم والموضوع، فانها تقتضي بقاء الحكم أبداً.الثاني : الاتيان بصيغة المضارع وهي كلمة «لا ينال» وعدم توقيتها بوقت خاص،فهي على هذا تدل على بقاء الحكم واستمرارها حتّى بعد زوال التلبّس.الثالث : ما ورد من نظائره في الشريعة المقدسة، فأنّه يدل على أن بقاء هذا الحكم في الآية المباركة وعدم زواله بزوال المبدأ أولى. ومن الواضح أن شيئاً م-ن ه-ذه الوجوه الثلاثة لا تجري فيما ذكره من الجواب، بل المتفاهم العرفي كما عرفت من الأمثلة التي ذكرها هو أن الحكم يدور مدار العنوان حدوثاً وبقاء على عكس المتفاهم من الآية الكريمة.على أنّ النذر تابع لقصد الناذر في الكيفية والكمية، وأجنبي عن دلالة اللفظ وظهوره في شيء.

ونستنتج ممّا ذكرناه حول القولين في وضع المشتق عدّة أمور :الأوّل : أن الوضع للمتلبس أو الأعم غير مبتن على القول بالبساطة والتركيب في المفاهيم الاشتقاقية.الثاني : أنّ تصوير الجامع على كلا القولين : البساطة والتركيب ممكن بأحد الوجهين المتقدمين.الثالث: أنّ المشتق موضوع للمتلبس دون الأعم، وذلك بوجوه :1 - التبادر. 2 - صحّة السلب بالتقريب المتقدم. 3 - ارتكاز التضاد بين المشتقين المتضادين في المبدأ.الرابع : أنّ قوله عزّ من قائل: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ دلّ على عدم لياقة عبدة الأوثان للخلافة الإلهية أبداً.)

### بساطة المشتق وتركبه#### معنى البساطة والتركبالخامس : أنّه لا ثمرة تترتب على النزاع في وضع المشتق.هل المشتق بسيط أم مركب ؟إن المفاهيم الاشتقاقية هل هي بسيطة أو أنها مركبة ؟ قولان في المسألة : المشهور بين المتأخرين هو بساطتها، منهم السيد الشريف (1والمحقق الدواني(2)(قدس سره) وخالف فيه جماعة منهم صاحب شرح المطالع (3)فذهب إلى التركيب، حيث قال في مقام تعريف الفكر بأنّه ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمر مجهول.)وأورد عليه : بأنّه يصح تعريف الشيء بالخاصّة وبالفصل وحده، ولا يجب أن يكون التعريف دوماً بالحد أو بالرسم التام، بل كما يمكن أن يكون به يمكن أن يكون بالحد أو الرسم الناقص، فيقال : الإنسان ضاحك أو ناطق، وعليه فلايكون تعريف الفكر بهذا تعريفاً جامعاً لخروج تعريف الشيء بالحد أو الرسم الناقص عنه، لعدم ترتيب أمور معلومة فيه، بل التعريف حينئذ بأمر واحد.وأجاب عنه : بأنّ الخاصّة أو الفصل وإن كانت في بداية الأمر وبالنظر السطحي أمراً واحداً إلا أنها في الواقع وبالنظر الدقي تنحل إلى أمرين: ذاتٍ ومبدأ، فالناطق ينحل إلى ذاتٍ ونطق، وكذا الضاحك، فلا يكون هنا ترتيب أمرٍ واحد، بل ترتيب أمور معلومة عند النفس لتحصيل شيء مجهول.وأشكل عليه المحقق الشريف في الهامش: بأنه لا يمكن أخذ الشيء في مفهوم المشتق، وذلك لأنّ المأخوذ فيه إن كان مفهوم الشيء فيلزم دخول العرض العام في الفصل وهو محال، وإن كان مصداقه فيلزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى


1) شرح المطالع : 11.

2) شرح المطالع : 11.

3) شرح المطالع : 11.

الضرورية، مثلاً جملة الانسان ضاحك قضيّة ممكنة، فإذا انحلت إلى قولنا : الإنسان انسان له الضحك، صارت قضيّة ضرورية، لأنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري وهو خلف.ومن مجموع ذلك يستبين أن مركز النزاع هو البساطة والتركيب بحسب التحليل والواقع لا بحسب الإدراك والتصور، وذلك لأن البساطة الإدراكية تجتمع مع تركب المفهوم حقيقةً، ضرورة أنّ المتفاهم في مرحلة التصور من كل لفظ مفرد عند الاطلاق معنى بسيط، سواء أكان في الواقع أيضاً بسيطاً، أم كان مركباً، وهذا بلا فرق بين المشتقات وغيرها من الألفاظ. إذن لا معنى لأن يجعل مركز البحث البساطة والتركيب بحسب التصور والادراك، ومن هنا سلّم شارح المطالع البساطة اللحاظية، إلا أنه قال: بحسب التحليل ينحل إلى شيئين : ذاتٍ متصفة بالمبدأ.و ممّا يؤكد ذلك : تصدّي المحقق الشريف لاقامة البرهان على البساطة : بأنّ الالتزام بالتركيب يستلزم أحد المحذورين المتقدمين، وظاهر أنّ إثبات البساطة اللحاظية لا يحتاج إلى مؤونة استدلال واقامة برهان فان المرجع الوحيد لاثباتها فهم أهل العرف أو اللغة، ولا إشكال في أنهم يفهمون من المشتق معنى واحداً كما يفهمون من غيره من الألفاظ المفردة ذلك.ومن الغريب ما صدر عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره حيث قال ما لفظه هذا ارشاد، لا يخفى أن معنى البساطة - بحسب المفهوم - وحدته إدراكاً وتصوراً بحيث لا يتصور عند تصوره إلا شيء واحد لا شيئان، وإن انحل بتعمل من العقل إلى شيئين، كانحلال مفهوم الحجر والشجر إلى شيء له الحجرية أو الشجرية مع وضوح بساطة مفهومهما. وبالجملة لا ينثلم بالانحلال إلى الاثنينية بالتعمل العقلي وحدة المعنى وبساطة المفهوم كما لا يخفى، وإلى ذلك يرجع)

الاجمال والتفصيل الفارقان بين المحدود والحد، مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتاً، فالعقل بالتعمل يحلّل النوع ويفصله إلى جنس وفصل بعد ما كان أمراً واحداً إدراكاً، وشيئاً فارداً تصوراً، فالتحليل يوجب فتق ما هو عليه من الجمع والرتق (1.)وجه الغرابة : هو ما عرفت من أنّ ما يصلح لأن يكون مورد البحث والنزاع هو البساطة والتركيب بحسب التحليل العقلي، لا بحسب الإدراك والتصور، ضرورة أن البساطة اللحاظية لا تصلح لأن تكون محوراً للبحث ومركزاً لتصادم الأدلة والبراهين العقلية، بل لا تقع تحت أي بحث علمي كما لا يخفى. وقد أشرنا آنفاً أنّ المرجع في إثباتها فهم العرف لأنّ واقعها انطباع صورة علمية واحدة في مرآة الذهن، سواء أكانت قابلة للانحلال في الواقع - كمفهوم الإنسان ونحوه - أم لم تكن. فمناط البساطة اللحاظية وحدة المفهوم إدراكاً، بل وحدة المفهوم في مرحلة التصور في كل مفهوم ومدلول للفظ واحد ممّا لم يقع لأحد فيه شك وريب.وقد تحصّل من ذلك : أنّ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره بالنتيجة من القائلين بالتركيب لا البساطة.)وكيف كان، فالمشهور بين الفلاسفة والمتأخرين من الأصوليين منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره (2)بساطة المفاهيم الاشتقاقية، وقد أصروا على أنه لا فرق بينها وبين المبادئ حقيقةً وذاتاً، وإنما الفرق بينهما بالاعتبار ولحاظ الشيء مرّةً لا بشرط، وبشرط لا مرّة أخرى، خلافاً لجماعة منهم شيخنا المحقق)


1) كفاية الأصول : 54 - 55.

2) أجود التقريرات 1: 97.

(قدس سره (1)وصاحب شرح المطالع (2)فذهبوا إلى التركيب.)#### الاستدلال على التركبويجب علينا أوّلاً تحقيق الأمر في أنّ المفاهيم الاشتقاقية بسيطة أو مركبة ؟ ثمّ على تقدير التركيب فهل هي مركبة من مفهوم الشيء والمبدأ أو من واقعه ؟فنقول : الصحيح هو أنها مركبة لا بسيطة، وتركبها إنما هو لأخذ مفهوم الشيء فيها، فلنا دعويان:الأولى : أن مفاهيم المشتقات مركبة وغير بسيطة.الثانية : أنّها مركبة من مفهوم الشيء، لا من مصداقه.وأمّا دعوى أنها مركبة من المبدأ ومصداق الشيء والذات فهي باطلة جزماً، وذلك لاستلزامها أن يكون المشتق من متكثر المعنى، فان الذوات متباينة بالضرورة، فإذا قلنا : زيد،قائم والجدار،قائم والصلاة قائمة فالذات المأخوذة في كل واحدة من هذه الجمل مباينة للذات المأخوذة في غيرها، فإذا كان المأخوذ في مفهوم المشتق هو واقع الذات لتكثر مفهوم القائم لا محالة، فلا مناص من أن يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، وهذا مخالف للفهم العرفي يقيناً، وقد قدمنا سابقاً (3أن المشتقات كالجوامد وضعت لمعنى عام، فيكون الموضوع له فيها كالوضع عاماً، فلا تكون من متكثر المعنى، كما أنّ الجوامد لم تكن معانيها متكثرة.)وعليه فالأمر دائر بين بساطة المفاهيم الاشتقاقية، وأخذ مفهوم الشيء


1) نهاية الدراية 1: 216 وما بعدها.

2) شرح المطالع : 11.

3) في ص 263 ولاحظ ص 91 أيضاً.

فيها، والصحيح هو الثاني. وقبل التكلم في ذلك ينبغي لنا بيان ما هو المراد من الذات المأخوذة في المشتقات؟فنقول : المراد منها ذات مبهمة في غاية الإبهام، ومعراة عن كل خصوصية من الخصوصيات ما عدا قيام المبدأ بها فهي لمكان إبهامها واندماجها قابلة للحمل على الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد، بل هي مبهمة من جهة أنها عين المبدأ أو غيره، ومن هنا يصدق المشتق على الجوهر والعرض والأمر الاعتباري والانتزاعي،والزمان وما فوقه من الواجب تعالى وغيره على وتيرة واحدة، من دون لحاظ عناية في شيء منها، فهي كالموصولات في جهة الابهام فكما أنها مبهمة من جميع الجهات إلّا من ناحية صلتها، ولذا سميت بالمبهمات، فكذلك هذه.ومن هنا يصح التعبير عنها ب- «ما» و «من» الموصولتين، أو بكلمة «الذي» على اختلاف الموضوعات، باعتبار كونها من ذوي العقول أو من غيرها، فإذا قيل «العالم» فلا يراد منه إلّا من ثبت له صفة العلم، وإذا قيل «الماشي» فلا يراد منه إلّا من له صفة المشي، أو ما له صفة المشي وهكذا...إذا عرفت هذا فأقول : يدل على تركب المعنى الاشتقاقي بالمعنى الذي أوضحناه: الوجدان والبرهان.أمّا الوجدان : فلأجل أنّ المتبادر عرفاً من المشتق عند إطلاقه هو الذات المتلبسة بالمبدأ على نحو الابهام والاندماج، مثلاً عند إطلاق لفظ «ضارب» تمثّل في النفس ذات مبهمة متلبسة بالضرب وهكذا...وهذا المعنى وجداني لا ريب فيه.وأمّا البرهان : فلما سنذكره من أنّه لا يمكن تصحيح حمل المشتق على الذات إلا بأخذ مفهوم الشيء فيه، لأنّ المبدأ مغاير معها ذاتاً وعيناً، ولا يمكن تصحيح

حمله عليها بوجه لمكان المغايرة بينهما حقيقةً وخارجاً. ومجرّد اعتباره لا بشرط لا يوجب اتحاده معها، ولا يقلبه عما هو عليه من المغايرة والمباينة، لأنّ المغايرة لم تكن اعتبارية لتنتفي باعتبار آخر على ما سيأتي بيانه تفصيلاً.#### ما استدل به على البساطةومع هذا، قد استدل القائلون بالبساطة بوجوه:الأوّل : ما عن المحقق الشريف (1من أنّ الذات لو كانت مأخوذةً في المشتقات فلا يخلو الحال إمّا أن يكون الملحوظ حال الوضع مفهوم الذات أو مصداقها.)فان كان الأوّل، لزم دخول العرض العام في الفصل كالناطق مثلاً وهو محال، لأنّ الشيء عرض عام فيستحيل أن يكون مقوّماً للجوهر النوعي، لأن مقوّمه ذاتي له، والعرض العام خارج عنه.وإن كان الثاني لزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضرورية، فانّ جملة: الإنسان ضاحك، قضيّة ممكنة، إذ الضحك بما له من المعنى ممكن الثبوت للانسان فلو كان الانسان الذي هو مصداق الشيء مأخوذاً فيه، لكان صدقه على الانسان ضرورياً لا محالة، لأنه من ثبوت الشيء لنفسه.وأجاب عنه صاحب الكفاية (قدس سره (2)وجماعة من الفلاسفة المتأخرين منهم السبزواري في حاشيته على منظومته (3): أنّ الناطق فصل مشهوري، وليس بفصل حقيقي ليكون مقوّماً للجوهر النوعي، وذلك لتعذر معرفة حقائق الأشياء وفصولها الحقيقية، وعدم إمكان وصول أحد إليها ما عدا الباري (عزّ وجلّ) ومن هنا وضعوا مكانه ما هو لازمه وخاصته ليشيروا به إليه،)فالناطق ليس بفصل حقيقي للانسان، بل هو فصل مشهوري وضع مكانه.


1) هامش شرح المطالع : 11.

2) كفاية الأصول : 52.

3) شرح المنظومة (المنطق): 35.

والوجه فيه : هو أنّ النطق المأخوذ في مفهوم الناطق إن أريد ب-ه النطق الظاهري الذي هو خاصة من خواص الانسان فهو كيف مسموع، فلا يعقل أن يكون مقوماً للجوهر النوعي. وإن أريد به الإدراك الباطني - أعني إدراك الكليات - فهو كيف نفساني وعرض من أعراض الانسان أيضاً، فكيف يكون مقوّماً له، فانّ العرض إنما يعرض الشيء بعد تقومه بذاته وذاتياته، وتحصله بفصله.وممّا يدل على هذا : أنهم جعلوا الناهق فصلاً للحمار، والصاهل فصلاً للفرس، وكلاهما كيف مسموع، فلا يعقل أن يقوم الجوهر النوعي به. ومن هنا ربّم-ا يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد فيقولون: الحيوان حساس متحرك،بالارادة، فانّ الحساس والمتحرك بالارادة خاصتان للحيوان، وليستا بفصلين له، ضرورة أنّ الشيء الواحد لا يعقل أن يتقوم بفصلين، فانّ كل فصل مقوّم للنوع وذاتي له، فلا يعقل اجتماعهما في شيء واحد.وعليه فلا يلزم من أخذ الشيء في المشتق دخول العرض العام في الفصل، بل يلزم منه دخوله في الخاصّة، ولا محذور فيه، إذ قد يتقيد العرض العام بقيد فيكون خاصة.فما أفاده السيد الشريف من استلزام أخذ مفهوم الشيء في المفهوم الاشتقاقي دخول العرض في الفصل غير تام بوجه هذا.وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره بأنّ الناطق بمعنى التكلم أو إدراك الكليات وإن كان من لوازم الانسان وعوارضه، إلا أنه بمعنى صاحب النفس الناطقة فصل حقيقي، فيلزم من أخذ مفهوم الشيء في مفهوم المشتق دخول العرض العام في الفصل (1).)


1) أجود التقريرات 1: 102.

وغير خفي أنّ هذا من غرائب ما صدر منه، فان صاحب النفس الناطقة هو الانسان وهو نوع لا فصل. إذن لا مناص من الالتزام بكون الناطق فصلاً مشهورياً وضع مكان الفصل الحقيقي لتعذر معرفته غالباً بل دائماً.وأغرب منه ما أفاده (قدس سره من أنّ الشيء ليس من العرض العام في شيء، بل هو جنس الأجناس وجهة مشتركة بين الجميع (1).)وذكر في وجه هذا أنّ العرض العام ما كان خاصةً للجنس القريب أو البعيد كالماشي والتحيز، والشيئية تعرض لكل ماهية من الماهيات وتنطبق عليها، فهي جهة مشتركة بين جميعها، وليس وراءها أمر آخر يكون ذلك الأمر هو الجهة المشتركة وجنس الأجناس لتكون الشيئية عارضة عليه وخاصة له، كما هو شأن العرض العام. وعلى هذا فاللازم من أخذ مفهوم الشيء في المشتق دخول الجنس في الفصل لا دخول العرض العام فيه.بل قال (قدس سره ولم يظهر لنا بعد وجه تعبير المحقق الشريف عنه بالعرض العام وإن ارتضاه كل من تأخر عنه، ومن البيّن كما يستحيل دخول العرض العام في الفصل كذلك يستحيل دخول الجنس فيه، لأن لكل واحد من الجنس والفصل ماهية تباين ماهية الآخر ذاتاً وحدّاً، فلا يكون أحدهما ذاتياً للآخر، فالحيوان ليس ذاتياً للناطق،وبالعكس، بل هو لازم أعم بالاضافة إليه وذاك لازم أخص، وعليه فيلزم من دخول الجنس في الفصل انقلاب الفصل إلى النوع وهو محال.)فقد أصبحت النتيجة : أنّ خروج مفهوم الشيء عن مفهوم المشتق أمر ضروري، سواء أقلنا بأنّ الشيء عرض عام أو جنس، وسواء أكان الناطق


1) أجود التقريرات 1: 102.

فصلاً حقيقياً أم مشهورياً، فانّ دخول الجنس في اللازم كدخوله في الفصل الحقيقي محال. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره.)ولكنّه غريب، فانّ الشيء لا يعقل أن يكون جنساً عالياً للأشياء جميعاً من الواجب والممكن والممتنع، فأنّه وإن كان صادقاً على الجميع حتّى على الممتنعات فيقال : اجتماع النقيضين شيء مستحيل، وشريك الباري (عزّ وجلّ شيء ممتنع وهكذا...إلّا أنّ صدقه ليس صدقاً ذاتياً ليقال إنّه جنس عال له، ب-داه-ة استحالة الجامع الماهوي بين المقولات المتأصلة والماهيات المنتزعة والأمور الاعتبارية، بل لا يعقل الجامع الماهوي بين المقولات المتأصلة بأنفسها. مع أنه كيف يعقل أن يكون الشيء جامعاً ماهوياً بين ذاته تعالى وبين غيره.)وعلى الجملة : أنّ صدق مفهوم الشيء على الواجب والممتنع والممكن على نسق واحد، فلا فرق بين أن يقال : اللّه شيء، وبين أن يقال: زيد شيء، وشريك الباري شيء، وحيث إنّه لا يعقل أن يكون صدقه على الجميع ذاتياً فلا محالة يكون عرضياً.فما أفاده (قدس سره من أنّ الشيء جنس لما تحته من الأجناس العالية، لا نعقل له معنى محصلاً، لأنه إن أراد بالجنس معناه المصطلح عليه، فهو غير معقول، وإن أراد به معنى آخر فلا نعقله، ضرورة أنّ الشيء إمّا جنس أو عرض عام فلا ثالث.)ودعوى أنه جنس لما تحته من المقولات الواقعية التي هي أجناس عاليات دون غيرها مدفوعة.أوّلاً: بأن صدق الشيء بما له المفهوم على الجميع على حد سواء، وليس صدقه على المقولات ذاتياً، وعلى غيرها عرضياً.وثانياً : أنّ الشيء لا يمكن أن يكون جنساً للمقولات الحقيقية، لاستحالة

جامع حقيقي بينها، بل قد برهن في محلّه أنّ الجامع الحقيقي لا يعقل بين المقولات التسع العرضية فضلاً عن الجامع بين جميع المقولات.فتحصّل : أنّ مفهوم الشيء يستحيل أن يكون جنساً تندرج تحته الأجناس العالية.فالتحقيق : أن مفهوم الشيء مفهوم عام مبهم معرى عن كل خصوصية من الخصوصيات، كمفهوم الأمر والذات، ويصدق على الأشياء جميعاً صدقاً عرضياً، فيكون من العرض العام لا من العرض المقابل للجوهر، فانّه لا يصدق على وجود الواجب تعالى ولا على غيره من الاعتبارات والانتزاعات ونحوهما. ومن الواضح أنّ الشيء بما له من المفهوم يصدق على الجميع على نسق واحد.ثمّ إنّ مرادنا من العارض هنا ما هو خارج عن ذات الشيء ومحمول عليه، فهذا هو الضابط للعرض العام والخاص، والعموم والخصوص يختلفان بالاضافة، فالماشي عرض عام باعتبار وإضافة وخاص باعتبار آخر وإضافة أخرى وهكذا...وعلى ضوء هذا الضابط يظهر بطلان ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره من الضابط للعرض العام، وهو ما كان خاصةً للجنس القريب أو البعيد كالماشي والتحيز مثلاً (1)وذلك لعدم الشاهد والبرهان عليه، بل الشاهد والبرهان على خلافه كما مرّ، ولذا ذكروا أنّ الوجود من عوارض الماهية، بمعنى أنه خارج عن حيطة ذاتها ومحمول عليها، فما ذكره السيد الشريف وغيره من أنّ الشيء عرض عام هو الصحيح.)وأما ما ذكره (قدس سره من أنّه على تقدير أخذ مصداق الشيء في المشتق)


1) أجود التقريرات 1: 102.

لزم انقلاب مادة الامكان إلى الضرورة، فيردّه:أولاً : أن المأخوذ ليس واقع الشيء ومصداقه، بل مفهومه كما عرفت.وثانياً: على تقدير تسليم أنّ المأخوذ مصداقه، إلّا أنّه لا يوجب الانقلاب كما توهمه، لما سيجيء بيانه تفصيلاً إن شاء اللّه تعالى، بل عدم أخذه من جهة محذور آخر قد تقدّم بيانه (1.)الثاني : ما ذكره صاحب الفصول (قدس سره من أنه لو أخذ مفهوم الشيء في المشتقات يلزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضرورية، فان قولنا: الانسان ضاحك أو كاتب، من القضايا الممكنة، نظراً إلى أنّ كلاً من ثبوت الضحك أو الكتابة وعدمه ممكن للانسان، فلو كان معنى الكاتب أو الضاحك شيء له الكتابة أو الضحك فالقضيّة ضرورية، باعتبار أنّ صدق الشيء بما هو على جميع الأشياء ضروري، فلو كان الشيء مأخوذاً في المشتق لزم الانقلاب (2).)والجواب عنه ما ذكره صاحب الكفاية (3وشيخنا الأستاذ (4)(قدس سرهما) و توضيحه :)أنّ الشيء تارةً يلاحظ مطلقاً ولا بشرط، وأخرى يلاحظ مقيداً بقيد، وذلك القيد إما أن يكون مبايناً للانسان أو مساوياً له أو عاماً أو خاصاً.فان لوحظ على النحو الأوّل، فثبوته وإن كان للانسان وغيره ضرورياً إلا أنّه خارج عن الفرض.


1) في ص 305.

2) الفصول الغروية : 61.

3) كفاية الأصول : 52.

4) أجود التقريرات 1: 105 وما بعدها.

وإن لوحظ على النحو الثاني، فان كان القيد الملحوظ فيه أمراً مبايناً للانسان امتنع ثبوته له، كما إذا لوحظ الشيء مقيداً بالطيران إلى السماء مثلاً أو ما شابه ذلك، فانّه بهذا القيد يستحيل صدقه عليه فالامتناع حينئذ ضروري.وإن كان القيد أمراً مساوياً له، فهو إما أن يكون ممكن الثبوت له أو ثبوته ضروري. فعلى الأوّل القضيّة ممكنة كقولنا : الانسان ضاحك أو متعجب أو كاتب، وعلى الثاني ضرورية كقولنا : الانسان متكلم أو ناطق.وإن كان عاماً فثبوته له دائماً ضروري كقولنا : الانسان حيوان أو ماش أو جوهر وما شاكله.وإن كان خاصاً فثبوت الانسان له ضروري على عكس المقام، كقولنا : زید انسان، العربي انسان العجمي انسان وهكذا...وهذا - أي ثبوت الانسان للأخص منه - إنّما يكون ضرورياً إذا لوحظ الانسان لا بشرط، وأما إذا لوحظ بشرط شيء من العلم أو الكتابة أو ما شاكل ذلك فلا يكون ثبوته لزي--د أو نحوه ضرورياً، بل هو ممكن وإن كان ثبوته لمن هو متصف بهذا الشيء فعلاً ضرورياً، والسر في جميع هذا، هو أنّ المحمول ليس ذات المقيد بما هي، ب-ل المقيد بما هو مقيد على نحو خروج القيد ودخول التقيد.وعلى هذا الضوء يتبين: أنّ ثبوت مفهوم الشيء بما هو ومطلقاً لما صدق عليه وإن كان ضرورياً، إلّا أنّه لا يستلزم أن يكون ثبوته مقيداً ب-قي-د م--ا وبشرط شيء أيضاً كذلك، لما عرفت من اختلاف القيود وجوباً وإمكاناً وامتناعاً.فما أفاده المحقق صاحب الفصول (قدس سره من لزوم الانقلاب في صورة أخذ مفهوم الشيء في المشتق غير صحيح، بل إنّه حسب التحليل لا يرجع إلى معنى معقول أصلاً.)

ومن مجموع ما ذكرناه يستبين : أنّه لا وجه لدعوى الانقلاب، حتّى لو كان المأخوذ فيه مصداق الشيء وواقعه، وذلك لأنّ قضيّة الانسان كاتب مثلاً، وإن انحلت على هذا إلى قضيّة الانسان إنسان له الكتابة، إلّا أنّ المحمول فيها ليس هو الانسان وحده ليكون ثبوته للانسان من قبيل ثبوت الشيء لنفسه الذي هو ضروري، بل المحمول هو الانسان المقيد بالكتابة، ومن المعلوم أن ثبوته بهذا الوصف لا يكون ضرورياً.ودعوى انحلال القضيّة على هذا إلى قضيّتين : إحداهما ضرورية، والأخرى ممكنة، مدفوعة بأنا لا نسلّم الانحلال، وذلك لأنّه إن أريد بالانحلال انحلال عقد الوضع إلى قضيّة فعلية أو ممكنة على النزاع بين الشيخ الرئيس والفارابي(1فهو جارٍ في جميع القضايا فلا يختص ببعض دون بعض، وإن أريد به الانحلال الحقيقي بأن يدعى أن قضيّة الإنسان كاتب مثلاً تنحل حقيقة إلى قضيتين مزبورتين، ففيه أنا لا نعقل له معنى محصّلاً.)نعم، المحمول منحل إلى أمرين، وهذا ليس من انحلال القضيّة إلى قضيّتين في شيء، إلا أن يقال إنّ مرادهم من انحلال القضيّة ذلك، فلو كان كذلك فلا بأس بهذا الانحلال، ولا محذور فيه، وإنّما المحذور هو انقلاب مادة الإمكان إلى الضرورة، وقد عرفت أنّ تركب المشتق لا يستلزمه.فتلخص : أنّه لا محذور في أخذ مصداق الشيء في المشتق إلا ما ذكرناه. وكيف كان، فالأمر ظاهر فلا وجه لإطالة الكلام في ذلك كما عن شيخنا المحقق (قدس سره (2)وغيره.)


1) شرح المطالع : 128.

2) نهاية الدراية 1: 216 وما بعدها.

الثالث : ما أشار إليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره من أنّ أخذ مفهوم الشيء في المفاهيم الاشتقاقية يستلزم تكرّر الموضوع في قضيّة زيد قائم الإنسان كاتب وما شاكلها، والتكرر خلاف الوجدان والمتفاهم عرفاً من المشتقات عند استعمالاتها في الكلام (1).)ولا يخفى أنه قد سبق (2أنّ المأخوذ فيها شيء مبهم معرى عن كل خصوصية سبق(2) من الخصوصيات ما عدا قيام المبدأ به، ولا تعيّن له إلا بالانطباق على ذوات معيّنة في الخارج، كزيد وعمرو ونحوهما. وعليه فلا يلزم التكرار في مثل قولنا : زيد قائم والانسان كاتب ونحوهما بداهة أنّه لا فرق بين جملة : الإنسان كاتب، وجملة: الانسان شيء له الكتابة، فكما لا تكرار في الجملة الثانية فكذلك في الأولى على التركيب، فانّ التكرار إعادة عين ما ذكر أوّلاً مرة ثانية، وهو منتف هنا.)نعم، إنما يلزم ذلك لو كان المأخوذ في المشتقات مصداق الشيء وواقعه، ولكنّك عرفت أنه غير مأخوذ فيه، فالمأخوذ هو مفهوم الشيء على نحو الابهام والاندماج، وعليه فلا تكرار.الرابع: ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره (3)من أنا لو سلمنا إمكان أخذ الشيء في المبدأ الاشتقاقي إلّا أنّه لم يقع في الخارج، وذلك لأنّ الواضع في مقام وضع لفظ لمعنى لا بد له من ملاحظة فائدة مترتبة عليه، وإلا كان الوضع لغواً فلا يصدر من الواضع الحكيم، والفائدة المترقبة من أخذ مفهوم الذات في المشتق هي توهم عدم صحّة حمله على الذات بدونه، ولكن الأمر ليس كذلك،)


1) كفاية الأصول : 54.

2) في ص 306.

3) أجود التقريرات 1: 99.

فانّ الملاك المصحح للحمل هو اعتبار المبدأ في المشتق لا بشرط على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى. فإذن يصبح أخذ مفهوم الشيء والذات فيه لغواً محضاً. ولا يخفى أنّ أخذ الذات في المشتق ممّا لا بد منه، لاحتياج حمل العرض على موضوعه إلى ذلك، لما سنذكره (1إن شاء اللّه تعالى من أن وجود العرض في الخارج مباين لوجود الجوهر فيه، وإن كان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، إلا أنهما لا يكونان متحدين خارجاً ليصح حمل أحدهما على الآخر، وملاك صحّة الحمل كما ذكرناه غير مرّة الاتحاد في الوجود، وهو منتف بين العرض وموضوعه، ومجرد اعتبار العرض لا بشرط لا يوجب اتحاده معه، فانّه لا ينقلب الشيء عمّا هو عليه من المغايرة والمباينة، فانّ المغايرة ليست بالاعتبار لينتفي باعتبار آخر غيره، ومن الظاهر أنّ وجود العرض غير وجود الجوهر في نفسه، ولا يتحد معه باعتبار لا بشرط.)الخامس : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره (2)أيضاً : وهو أنه يلزم من أخذ الذات فى المشتق أخذ النسبة فيه أيضاً، إذ المفروض أن المبدأ مأخوذ فيه، فيلزم حينئذ اشتمال الكلام الواحد على نسبتين في عرض واحد، إحداهما في تمام القضية والأخرى في المحمول فقط، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به أصلاً. على أنّ لازم ذلك أن تكون المشتقات مبنية لاشتمالها على المعنى الحرفي وهو النسبة.)ولا يخفى ما فيه، أما ما ذكره (قدس سره أوّلاً من لزوم اشتمال الكلام الواحد على نسبتين في عرض واحد، فيرده: أنّ ذلك لو صح فانما يلزم فيما لو كان المأخوذ فيه ذات خاصة، مع أنّه لا يلزم على هذا أيضاً، لأنّ النسبة في طرف المحمول لم تلحظ بنفسها وباستقلالها لتكون نسبة تامة خبرية في عرض)


1) في ص 319.

2) أجود التقريرات 1: 100.

النسبة في تمام القضيّة، بل هي نسبة تقييدية مغفول عنها في الكلام، وإنما تصير تامة خبرية في صورة الانحلال وهي خلاف الفرض، ولا مانع من اشتمال الكلام الواحد على نسبة تقييدية ونسبة تامة خبرية، فلو كان هذا محذوراً لم يختص ذلك بالمشتقات بل يعم كثيراً من القضايا والجملات كما لا يخفى.هذا كله على تقدير أن يكون المأخوذ في مفهوم المشتق مصداق الشيء، ولكن عرفت أنّ الأمر ليس كذلك، بل المأخوذ فيه هو ذات مبهمة معراة عن كل خصوصية من الخصوصيات ما عدا قيام المبدأ بها، وعليه فلا موضوع لما أفاده (قدس سره.)وأما ما ذكره (قدس سره ثانياً فهو غريب، وذلك لأن مجرد المشابهة للحروف لا يوجب البناء، وإنما الموجب له هو مشابهة خاصة، وهي فيما إذا شابه الاسم من الحروف حسب وضعه كأسماء الإشارة والضمائر والموصولات، فانها حسب وضعها بما لها من المادة والهيئة تشبه الحروف. وأما ما كان من الأسماء مشتملاً على النسبة بهيئته فقط دون مادته كالمشتقات، فهو ليس كذلك وأن هذه المشابهة لا توجب البناء.)أو فقل : إنّ مادة المشتقات وضعت لمعنى حدثي مستقل بوضع على حدة، فهي لا تشابه الحروف أصلاً، وأمّا هيئاتها باعتبار اشتمالها على النسب وإن كان تشابه الحروف إلّا أنها لا توجب البناء.ومن جميع ما ذكرناه يستبين أنّ شيئاً من هذه الوجوه لا يتم، فيتعين حينئذ القول بالتركيب، بل أصبح هذا ضرورياً.ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)ذكر أنّ وجود العرض في حد نفسه)


1) أجود التقريرات 1: 108.

عين وجوده لموضوعه، بمعنى أنّ العرض غير موجود بوجودين: وجودين: أحدهما لنفسه. والآخر لموضوعه، بل وجوده النفسي عين وجوده الرابطي، فوجوده في الخارج هو الرابط بين موضوعاته.وعليه فحيث إنّ للعرض حيثيتين واقعيتين : إحداهما وجوده في نفسه. والأخرى وجوده الموضوعه، فقد يلاحظ بما أنه شيء من الأشياء، وأنّ له وجوداً بحياله واستقلاله في مقابل وجود الجوهر كذلك، فهو بهذا الاعتبار عرض مباين لموضوعه وغير محمول عليه. وقد يلاحظ على واقعه بلا مؤونة أخرى، وأنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، فهو بهذا الاعتبار عرضي ومشتق، وقابل للحمل على موضوعه ومتحد معه حيث إنه من شؤونه وأطواره فان شأن الشيء لا يباينه.ويردّه أوّلاً : أنّ هذا الفرق ليس فارقاً بين المشتق ومبدئه، بل هو فارق بين المصدر واسم المصدر، وذلك لأنّ العرض كالعلم مثلاً كما عرفت أنه متحيث بحيثيتين واقعيتين : حيثية وجوده في حد نفسه، وحيثية وجوده لغيره، فيمكن أن يلاحظ مرّةً بإحداهما وهي أنه شيء من الأشياء، وأنّ له وجوداً في نفسه في مقابل وجود الجوهر، وبهذا الاعتبار يعبّر عنه باسم المصدر.ويمكن أن يلاحظ مرّةً ثانيةً بالحيثية الأخرى، وهي أنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، وأنّه من أطواره،وعوارضه، وبهذا الاعتبار يعبّر عنه بالمصدر، إذ قد اعتبر فيه نسبته إلى فاعل ما دون اسم المصدر.وإن شئت قلت : إنّ اسم المصدر وضع للدلالة على الوجود المحمولي في قبال العدم كذلك، والمصدر وضع للدلالة على الوجود النعتي في قبال العدم النعتي، هذا بحسب المعنى.وأما بحسب الصيغة ففي اللغة العربية قلّما يحصل التغاير بين الصيغتين، بل

الغالب أن يعبّر عنها بصيغة واحدة كالضرب مثلاً، فانه يراد به تارةً المعنى المصدري وأخرى ذات الحدث، فهما مشتركان في صيغة واحدة. وأما في اللغة الفارسية ففي الغالب أنّ لكل واحد منهما صيغة مخصوصة فيقال: كُتك وزدن، گردش و گردیدن آزمایش و آزمودن، إلى غير ذلك.ومن ذلك يتبيّن أنّ المصدر أو اسم المصدر لا يصلح أن يكون مبدأ للمشتقات، لاشتمال كل واحد منهما على خصوصية زائدة، والمبدأ الساري فيها لفظاً ومعنىً لا بد أن يكون معراً عن كل خصوصية من الخصوصيات حتّى لحاظه بأحد النحوين المذكورين، مثلاً المبدأ فى كلمة «ضرب» هو عبارة عن الضاد والراء والباء وهو مبدأ لجميع المشتقات منها المصدر واسم المصدر.أو فقل : إنّ المبدأ كالهيولى الأولى، فكما أنها عارية عن كل خصوصية من الخصوصيات وإلا فلا تقبل أية صورة ترد عليها، ولا تكون مادة لجميع الأشياء فكذلك المبدأ، وهذا بخلاف المصدر أو اسم المصدر، فانّ كل واحد منها مشتمل على خصوصية زائدة على نفس الحدث المشترك بينهما.فالنتيجة : أن الفرق المذكور ليس فارقاً بين المبادئ والمشتقات، بل ه-و فارق بين المصدر واسم المصدر.وثانياً : لاريب في أن وجود العرض يباين وجود الجوهر خارجاً، وإن كان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، إلّا أنّه ليس بمعنى أنّ وجوده وجود موضوعه، بل هو غيره حقيقة وواقعاً، وليست هذه المغايرة والمباينة بالاعتبار لينتفي باعتبار آخر.وعليه فكيف يقال : العرض إن لوحظ لا بشرط وعلى ما هو في الواقع وأنّ وجوده في نفسه عين وجوده الموضوعه وأنّه طور من أطواره وشأن من شؤونه ومرتبة من وجوده فهو متحد معه، وإن لوحظ بشرط لا وعلى حياله واستقلاله

وأنه شيء من الأشياء فهو مغاير له، فان كل ذلك لا يصحح اتحاده مع موضوعه وجوداً وحقيقة، ضرورة أنّ مجرد اعتباره لا بشرط وكونه من أطوار وجود موضوعه وشؤونه لا يوجب انقلاب الشيء عما هو عليه من المغايرة والمباينة إلى الاتحاد بينهما وجوداً.وقد ذكرنا سابقاً في بحث صحّة السلب أنّ حمل شيء على شيء يتوقف على المغايرة من جهةٍ والاتحاد من جهة أخرى، بأن يكونا موجودين بوجود واحد ينسب ذلك الوجود الواحد إلى كل واحد منهما بالذات أو بالعرض أو إلى أحدهما بالذات وإلى الآخر بالعرض وما بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات. ومن الواضح أنّ العرض كما يباين الجوهر مفهوماً، كذلك يباينه وجوداً، ومجرد اعتباره لا بشرط بالاضافة إلى موضوعه لا يوجب اتحاده معه حقيقةً وخارجاً، وهذا واضح لا ريب فيه.وثالثاً: لو تم هذا فانّما يتم في المشتقات التي تكون مبادؤها من المقولات التسع العرضية التي يكون وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها. ولكن قد سبق أنّ النزاع لا يختص بها، بل يعم المشتقات التي تكون مبادؤها من الأمور الاعتبارية كالملكية والزوجية وما شاكلها، أو من الأمور الانتزاعية كالإمكان والوجوب والامتناع، أو من الأمور العدمية.ومن الظاهر أنّ اعتبار اللا بشرط في هذه المشتقات لا يجدي في شيء، بداهة أن العدم ليس من عوارض ذات المعدوم، وكيف يعقل اتحاده معها إذا لوحظ لا بشرط، فانّه لا وجود له ليقال إنّ وجوده طور من أطوار وجود موضوعه، والامتناع ليس من عوارض ذات الممتنع، فانّه لا وجود له خارجاً ليقال إنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه والوجوب ليس عرضاً مقولياً لذات الواجب تعالى. والإمكان ليس من عوارض ذات الممكن كالإنسان مثلاً، وكذا

الملكية ليست من عوارض ذات المالك أو المملوك بمعنى العرض المقولي، ولا وجود لها خارجاً ليقال إنّه ملحوظ لا بشرط، وأن وجودها في نفسه عين وجودها لمعروضها.تلخص : أنا لو سلّمنا اتحاد العرض مع موضوعه خارجاً، فلا نسلّم الاتحاد في هذه الموارد والتفكيك في وضع المشتقات بين هذه الموارد وتلك الموارد التي يكون المبدأ فيها من الأعراض، بأن نلتزم بوضعها في تلك الموارد لمعانٍ بسيطة متحدة مع موضوعاتها، وفي هذه الموارد لمعان مركبة - أمر لا يمكن ضرورة أن وضع المشتقات بشتى أنواعها وأشكالها على نسق واحد، فالمعنى إذا كان بسيطاً أو مركباً كان كذلك في جميع الموارد.ورابعاً : لو أغمضنا عن جميع ذلك وقلنا إن كل وصف متحد مع موصوفه، سواء أكان من المقولات أم كان من الاعتبارات أو الانتزاعات، إلّا أنا لا نسلّم ذلك في المشتقات التي لا يكون المبدأ فيها وصفاً للذات كأسماء الأزمنة والأمكنة وأسماء الآلة، فان اتحاد المبدأ فيها مع الذات غير معقول، ضرورة أن الفتح لا يعقل أن يتحد مع الحديد والقتل مع الزمان أو المكان الذي وقع فيه ذلك المبدأ وهكذا...وعلى الجملة : أنا لو سلّمنا اتحاد الوصف مع موصوفه في الوعاء المناسب له من الذهن أو الخارج باعتبار أنّ وصف الشيء طور من أطواره وشأن من شؤونه، وشؤون الشيء لا تباينه، فلا نسلّم اتحاد الوصف مع زمانه ومكانه وآلته وغير ذلك من الملابسات، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ المبدأ إذا أخذ لا بشرط يتحد مع زمانه أو مكانه أو آلته، فانّ وجود العرض إنما يكون وجوداً لموضوعه لا لزمانه ومكانه وآلته، إذن لا مناص للقائل ببساطة مفهوم المشتق أن يلتزم بالتركيب في هذه الموارد ولازم ذلك هو التفكيك في وضع المشتقات

حسب مواردها، وهو باطل جزماً، فانّ وضعها على نسق واحد، ولم ينسب القول بالتفصيل إلى أحد.ومن ذلك كله نستنتج أمرين :الأوّل : بطلان ما استدلّوا على البساطة من الوجوه كما تقدّم.الثاني : عدم إمكان تصحيح الحمل على البساطة بوجه، وهذا بنفسه دليل قطعي على بطلان هذا القول، وضرورة الالتزام بالقول بالتركيب كما هو واضح.#### الاستدلال على التركب بوجهين آخرينومضافاً إلى هذا يدل على التركيب وجهان آخران:الأوّل : أنه هو المطابق للوجدان وما هو المتفاهم من المشتق عرفاً، مثلاً المتمثل من كلمة «قائم» في الذهن ليس إلا ذات تلبست بالقيام، دون المبدأ وحده، وهذا لعله من الواضحات الأولية عند العرف.الثاني : أنا لو سلّمنا أنه يمكن تصحيح الحمل في حمل المشتق على الذات باعتبار اللا بشرط، إلّا أنّه لا يمكن ذلك فى حمل المشتق على مشتق آخر كقولنا : الكاتب متحرك الأصابع، أو كل متعجب ضاحك، فانّ المشتق لو كان عين المبدأ فما هو الموضوع وما هو المحمول في أمثال هذه القضايا ؟ولا يمكن أن يقال: إنّ الموضوع هو نفس الكتابة التي هي معنى المشتق على الفرض، أو نفس التعجب، والمحمول هو نفس تحرك الأصابع أو نفس الضحك، لأنهما متباينان ذاتاً ووجوداً، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر، لمكان اعتبار الاتحاد من جهةٍ في صحّة الحمل كما عرفت، وبدونه فلا حمل.وكذا لا يمكن أن يقال: إنّ الكتابة أو التعجب مع النسبة موضوع، ونفس تحرك الأصابع أو الضحك محمول بعين الملاك المزبور، وهو المباينة بينهما وجوداً وذاتاً. على أنّ النسبة أيضاً خارجة عن مفهوم المشتق على القول بالبساطة.

إذن لا مناص لنا من الالتزام بأخذ الذات في المشتق، ليصح الحمل في هذه الموارد، وهذا بنفسه برهان على التركيب.فالنتيجة من مجموع ما ذكرناه لحد الآن أنّ أخذ مفهوم الذات في المشتق يمكن الوصول إليه من طرق أربعة :1 - بطلان القول بالبساطة.2 - مطابقته للوجدان.3 - عدم إمكان تصحيح حمله على الذات بدون الأخذ.4 - عدم صحّة حمل وصف عنواني على وصف عنواني آخر بغيره.#### كلام المحقق الاصفهاني في المقامثم إن لشيخنا المحقق (قدس سره في المقام كلاماً وحاصله : هو أنه أنه بعد ما اعترف بمغايرة المشتق ومبدئه وأن مفهوم المشتق قد أخذ فيه ما به يصح حمله على الذات، ذكر أنّ المأخوذ فيه هو الأمر المبهم من جميع الجهات لمجرد تقوّم العنوان وليس من مفهوم الذات، ولا من المفاهيم الخاصّة المندرجة تحتها في شيء، بل هو مبهم من جهة انطباقه على المبدأ نفسه كما في قولنا : الوج--ود موجود أو البياض أبيض، ومن جهة عدم انطباقه عليه كما في قولنا : زيد قائم (1).)وأنت خبير بأنّ الأمر المبهم القابل للانطباق على الواجب والممكن والممتنع لا محالة يكون عنواناً عاماً يدخل تحته جميع ذلك، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنا لا نجد في المفاهيم أوسع من مفهوم الشيء والذات. إذن لا محالة يكون المأخوذ في مفهوم المشتق هو مفهوم الذات والشيء وهو المراد من الأمر المبهم، ضرورة أنا لا نعقل له معنى ما عدا هذا المفهوم.


1) نهاية الدراية 1: 220.

وإن شئت فقل : إنّ مفهوم الشيء والذات مبهم من جميع الجهات والخصوصيات، ومنطبق على الواجب والممتنع والممكن بجواهره وأعراضه وانتزاعاته واعتباراته.فما أفاده (قدس سره من أنّ المأخوذ في مفهوم المشتق ليس من مفهوم الذات ولا مصداقه في شيء غريب، والإنصاف أنّ كلماته في المقام لا تخلو عن تشویش و اضطراب كما لا يخفى.)#### الفرق بين المشتق ومبدئهالمشهور بين الفلاسفة هو أنّ الفرق بين المبدأ والمشتق إنّما هو باعتبار اللا بشرط وبشرط اللا. وقع الكلام في المراد من هاتين الكلمتين : لا بشرط وبشرط لا.وقد فسّر صاحب الفصول (قدس سره مرادهم منها بما يراد من الكلمتين في بحث المطلق والمقيد وملخصه :)هو لو أنّ الماهية مرةً تلاحظ لا بشرط بالإضافة إلى العوارض والطوارئ الخارجية. وأخرى بشرط شيء. وثالثةً بشرط لا. فعلى الأوّل تسمى الماهية مطلقةً ولا بشرط. وعلى الثاني تسمى بشرط شيء. وعلى الثالث بشرط لا. وعلى هذا فلو ورد لفظ في كلام الشارع ولم يكن مقيداً بشيء من الخصوصيات المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة وشككنا في الإطلاق ثبوتاً فنتمسك باطلاقه في مقام الإثبات لاثبات الاطلاق في مقام الثبوت بقانون التبعية إذا تمّت مقدمات الحكمة.مثلاً لو شككنا في اعتبار شيء في البيع كالعربية أو اللفظ، أو نحو ذلك،

لأمكن لنا التمسك باطلاق قوله تعالى (أَحَلَّ اللّه البَيْعَ لاثبات عدم اعتباره فيه. وأما إذا كان مقيداً بشيء من الخصوصيات المتقدمة فنستكشف منه التقييد ثبوتاً بعين الملاك المزبور.)ثم أورد عليهم بأنّ هذا الفرق غير صحيح، وذلك لأن صحّة الحمل وعدم صحته لا تختلف من حيث اعتبار شيء لا بشرط أو بشرط لا، لأنّ العلم والحركة والضرب وما شاكلها ممّا يمتنع حملها على الذوات وإن اعتبر لا بشرط ألف مرّة، فان ماهية الحركة أو العلم بنفسها غير قابلة للحمل على الشيء، فلا يقال : زيد،علم، أو حركة، ومجرد اعتبارها لا بشرط بالإضافة إلى الطوارئ والعوارض الخارجية لا يوجب انقلابها عما كانت عليه، فاعتبار اللا بشرط وبشرط اللا من هذه الناحية على حد سواء، فالمطلق والمقيد من هذه الجهة سواء، وكلاهما آبيان عن الحمل، فما ذكروه من الفرق بين المشتق والمبدأ لا يرجع إلى معنى صحيح (1.)ولا يخفى أنّ ما ذكره ليس مراداً للفلاسفة من الكلمتين : اللّا بشرط وبشرط اللا يقيناً كما سيتضح ذلك. وعليه فما أورده (قدس سره عليهم في غير محله.)وقال المحقق صاحب الكفاية (قدس سره في مقام الفرق بينه-ا م-ا ه-ذا لفظه : الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبس بالمبدأ ولا يعصى عن الجري عليه، لما هما عليه من نحو من الاتحاد، بخلاف المبدأ فانّه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره لا هو هو، وملاك الحمل والجري إنّما هو نحو من الاتحاد والهوهوية، وإلى هذا)


1) الفصول الغروية : 62.

المعنى يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما (1.)أقول : ظاهر عبارته (قدس سره أنّ الفرق بينها ذاتي، بمعنى أن مفهوم المشتق سنخ مفهوم يكون في حد ذاته لا بشرط فلا يأبى عن الحمل. ومفهوم المبدأ سنخ مفهوم يكون في حد ذاته بشرط لا فيأبي عن الحمل، لا أن هنا مفهوماً واحداً يلحظ تارةً لا بشرط، وأخرى بشرط لا، ليكون الفرق بينهما بالاعتبار واللحاظ.)ويرد عليه : أنّ هذا لا يختص بالمشتق ومبدئه، بل هو فارق بين كل مفهوم آب عن الحمل وما لم يأب عن ذلك، بل إنّ هذا من الواضحات الأولية، ضرورة أن كل شيء إذا كان بمفهومه أبياً عن الحمل فهو لا محالة كان بشرط لا. وكل شيء إذا لم يكن بمفهومه آبياً عنه فهو لا محالة كان لا بشرط، ومن الواضح أنّ الفلاسفة لم يريدوا بهاتين الكلمتين هذا المعنى الواضح الظاهر، فانّه غير قابل للبحث، ولا أن يناسبهم التصدي لبيانه كما لا يخفى.فالصحيح أن يقال : إنّ مرادهم كما هو صريح كلماتهم هو أنّ ماهية العرض والعرضى - المبدأ والمشتق - واحدة بالذات والحقيقة، والفرق بينهما بالاعتبار واللحاظ، من جهة أنّ لماهية العرض في عالم العين حيثيتين واقعيتين : إحداهما حيثية وجوده في نفسه. وأخرى حيثية وجوده الموضوعه.فهي تارةً تلاحظ من الحيثية الأولى وبما هي موجودة في حيالها واستقلالها وأنها شيء من الأشياء في قبال وجودات موضوعاتها، فهي بهذا اللحاظ والاعتبار عرض ومبدأ بشرط،لا، وغير محمول على موضوعه لمباينته معه، وملاك الحمل الاتحاد في الوجود.


1) كفاية الأصول : 55.

وتارةً أخرى تلاحظ بما هي في الواقع ونفس الأمر، وأنّ وجودها في نفسه عين وجودها لموضوعها، وأنّ وجودها ظهور الشيء وطور من أطواره ومرتبة من وجوده وظهور الشيء لا يباينه فهي بهذا الاعتبار عرضي ومشتق لا بشرط فيصح حملها عليه.وبعين هذا البيان قد جروا في مقام الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة، حيث قالوا : إنّ التركيب بين المادة والصورة تركيب اتحادي لا انضمامي وهما موجودان في الخارج بوجود واحد حقيقةً، وهو وجود النوع كالانسان ونحوه، فانّ المركبات الحقيقية لابد لها من جهة وحدة حقيقية، وإلا لكان التركيب انضمامياً. ومن الظاهر أنّ الوحدة الحقيقية لا تحصل إلا إذا كان أحد الجزأين قوّةً صرفةً والآخر فعلية محضة، فانّ الاتحاد الحقيقي بين ج-زأي--ن فعليين، أو جزأين كلاهما بالقوّة غير معقول، لإباء كل فعلية عن فعلية أخرى، وكذا كل قوّة عن قوة أخرى، ولذلك صح حمل الجنس على الفصل وبالعكس، وحمل كل منهما على النوع وكذا العكس، فلو كان التركيب انضمامياً لم يصح الحمل أبداً، لمكان المغايرة والمباينة.وعلى هذا الضوء فالتحليل بين أجزاء المركبات الحقيقية لا محالة تحليل عقلي، بمعنى أنّ العقل يحلّل تلك الجهة الواحدة إلى ما به الاشتراك وهو الجنس وما به الامتياز وهو الفصل، فالجهة المميّزة لتلك الحقيقة الواحدة عن بقية الحقائق هى الفصل، وإلا فالجنس هو الجهة الجامعة والمشتركة بينها وبين سائر الأنواع والحقائق ويعبّر عن جهة الاشتراك بالجنس مرّةً وبالمادة أخرى، كما أنّه يعبّر عن جهة الامتياز بالفصل تارة وبالصورة تارة أخرى، وليس ذلك إلا من جهة أن اللحاظ مختلف.فقد تلاحظ جهة الاشتراك بما لها من المرتبة الخاصّة والدرجة المخصوصة

من الوجود الساري، وهي كونها قوةً صرفة ومادّةً محضة.وقد تلاحظ جهة الامتياز بما لها من الحد الخاص الوجودي وه-و ك-ونه فعلية وصورة، ومن الظاهر تباين الدرجتين والمرتبتين بما هما درجتان ومرتبتان، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى، ولا حمل كلتيهما على النوع، ضرورة أنّ المادة بما هي مادة وقوّة محضة كما أنها ليست بانسان كذلك ليست بناطق، كما أنّ الصورة بما هي صورة وفعلية كذلك، فكل جزء بحدّه الخاص يباين الجزء الآخر كذلك حقيقة وواقعاً، كما أنه يباين المركب منهما، وملاك صحّة الحمل الاتحاد، والمباينة تمنع عنه، وهذا مرادهم من لحاظها بشرط لا.وقد تلاحظ كل واحدة من جهتي الاشتراك والامتياز بما لها من الاتحاد الوجودي في الواقع، نظراً إلى شمول الوجود الواحد لهما وهو الساري من الصورة وما به الفعلية إلى المادة وما به القوّة، ومتحدتان في الخارج بوحدة حقيقية، لأنّ التركيب بينهما اتحادي لا انضمامي كما مرّ. وبهذا اللحاظ صح الحمل، كما أنّه بهذا الاعتبار يعبّر عن جهة الاشتراك بالجنس وعن جهة الامتياز بالفصل، وهذا مرادهم من لحاظهما لا بشرط.فتبين معنى اتحاد الجنس والمادة والفصل والصورة بالذات والحقيقة، واختلافهما بالاعتبار واللحاظ، كما أنه تبين ذلك من معنی اتحاد جهتي الاشتراك والامتياز وجوداً وعيناً، وأنهما حيثيتان واقعيتان اختلفتا مفهوماً ولحاظاً واتحدتا عيناً وخارجاً.وعلى هذا الضوء يتضح لك الفرق بين الجنس والفصل والعرض وموضوعه، فانّ التركيب بين الأولين حقيقي، ولها جهة واحدة بالذات والحقيقة كما عرفت، والتركيب بين الأخيرين اعتباري والمغايرة حقيقية، وذلك لاستحالة التركيب الحقيقي بين العرض والجوهر من جهة فعلية كل واحد منهما خارجاً، وهي تمنع

عن حصول الاتحاد بينهما واقعاً.وعلى نهج هذه النقطة الرئيسية للفرق بين العرض وموضوعه والجنس والفصل قد ظهر أمران :الأوّل : أن ما ذكره الفلاسفة من أن جهتي الاشتراك والامتياز إن لوحظتا لا بشرط صح الحمل، وإن لوحظتا بشرط لا لم يصح فهو صحيح.أمّا بالنسبة إلى النقطة الأولى من كلامهم، فلمكان ملاك الحمل وهو الاتحاد والهوهوية.وأما بالنسبة إلى النقطة الثانية منه، فلمكان المغايرة بين المادة بدرجتها الخاصّة والصورة كذلك، فانّ الدرجتين بما هما درجتان متباينتان حقيقة، فلا ملاك للحمل وإن كانتا مشتركتين في وجود واحد، والوجود الواحد شامل لهما معاً، فهاتان الحيثيتان - حيثية اتحاد المادة مع الصورة وحيثية مغايرتها معها -حيثيتان واقعيتان لهما مطابق في الخارج، وليستا بمجرّد اعتبار لا بشرط وبشرط لا، ليقال كما أن اعتبار لا بشرط لا يجدي مع المغايرة ولا ينقلب الشيء به عمّا كان عليه كما تقدّم، كذلك اعتبار بشرط لا لا يجدي مع الاتحاد حقيقة، ولا يوجب انقلاب الشيء عمّا كان عليه، لأنّ الاتحاد ليس بالاعتبار لينتفي باعتبار طارئ آخر، بل المراد هنا هو أنّ اعتبار لا بشرط اعتبار موافق لحيثية لها مطابق في الواقع، واعتبار بشرط لا اعتبار موافق لحيثية أخرى لها مطابق فيه أيضاً، لا أنّ الواقع ينقلب عما هو عليه بالاعتبار.الثاني : أنّ لهم دعويين :الأولى: أن مفهوم المشتق بسيط ذاتاً وحقيقةً، ولا فرق بينه وبين مفهوم المبدأ بالذات، وإنّما الفرق بينهما بالاعتبار واللحاظ.

الثانية : أنّ اعتبار لا بشرط يصحح الحمل، فالمبدأ إذا لوحظ لا بشرط فهو مشتق وعرضي ويصح حمله على موضوعه، وإن اعتبر بشرط لا فهو عرض فلا يصح، كما هو الحال في الجنس والفصل والمادة والصورة.ولا يخفى ما في كلتا الدعويين :أما الدعوى الأولى : فلما ذكرناه سابقاً من أنّ مفهوم المشتق مركب من ذات لها المبدأ، وقد أثبتناه بالوجدان،والبرهان وناقشنا في جميع ما يستدل على البساطة واحداً بعد واحد على ما تقدّم (1.)ثم لو فرضنا أنّ مفهوم المشتق بسيط فلا مناص من الالتزام بكونه غير مفهوم المبدأ ومبايناً له ذاتاً، وذلك لما عرفت من استحالة حمل مفهوم المبدأ على الذات في حال من الحالات، وضرورة صحّة حمل المشتق بما له من المفهوم عليها في كل حال، ونتيجة ذلك أن مفهوم المشتق على تقدير تسليم أن يكون بسيطاً فلا محالة يكون مبايناً لمفهوم المبدأ بالذات.وأما الدعوى الثانية : فيردّها الوجوه المتقدمة (2جميعاً، وإليك ملخصها :)1 - أنّ هذا الفرق ليس فارقاً بين المشتق ومبدئه، بل هو بين المصدر واسمه.2 - أن وجود العرض مباين لوجود الجوهر ذاتاً فلا يمكن الاتحاد بينهما باعتبار اللّا بشرط.3 - أنّ هذا لو تمّ فانّما يتم فيما إذا كان المبدأ من الأعراض المقولية دون غيرها.


1) في ص 305 وما بعدها.

2) في ص 318 وما بعدها.

4 - أنا لو سلمنا أنه تم حتّى فيا إذا كان المبدأ أمراً اعتبارياً أو انتزاعياً، إلا أنه لا يتم في مثل اسم الآلة والزمان والمكان وما شاكل ذلك.#### النسبة بين المبدأ والذاتالمبدأ قد يكون مغايراً للذات كما في قولنا : زيد ضارب مثلاً، وأخرى يكون عين الذات كما في الصفات العليا له تعالى فيقال: اللّه قادر وعالم.لا إشكال في صحّة إطلاق المشتق وجريه على الذات على الأوّل، وإنما الكلام في الثاني وأنّه يصح إطلاقه على الذات أم لا ؟ فيقع الإشكال فيه من جهتين :الأولى: اعتبار التغاير بين المبدأ والذات، ولا يتم هذا في صفاته تعالى الجارية عليه، لأنّ المبدأ فيها متحد مع الذات بل هو عينها خارجاً، ومن هنا التزم صاحب الفصول (قدس سره (1)بالنقل في صفاته تعالى ع-ن معانيها اللغوية.)الثانية : اعتبار تلبس الذات بالمبدأ وقيامه بها بنحو من أنحاء القيام، وهذا بنفسه يقتضي التعدد والاثنينية، ولا اثنينية بين صفاته تعالى وذاته، بل فرض العينية بينهما يستلزم قيام الشيء بنفسه، وهو محال.لا يخفى أنّ هذه الجهة في الحقيقة متفرعة على الجهة الأولى، وهي اعتبار المغايرة بين المبدأ والذات، فانّه بعد الفراغ عن اعتبارها يقع الكلام في الجهة الثانية، وأنّ ما كان المبدأ فيه متحداً مع الذات بل عينها خارجاً كيف يعقل


1) الفصول الغروية : 62.

قيامه بالذات وتلبس الذات،به لأنّه من قيام الشيء بنفسه وهو محال. إذن لا يعقل التلبّس والقيام في صفاته تعالى.وقبل أن نصل إلى البحث عن هاتين الجهتين نقدم مقدمةً : وهي أن الصفات الجارية عليه تعالى على قسمين :أحدهما : صفاته الذاتية، وهي التي يكون المبدأ فيها عين الذات كالعالم والقادر والحي والسميع والبصير، وقد ذكرنا في بحث التفسير أن مرج-ع الأخيرين إلى العلم، وأنها علم خاص وهو العلم بالمسموعات والمبصرات(1.)وثانيهما : صفاته الفعلية، وهي التي يكون المبدأ فيها مغايراً للذات كالخالق والرازق والمتكلم والمريد والرحيم والكريم وما شاكل ذلك، فانّ المبدأ فيها وهو الخلق أو الرزق أو نحوه مغاير لذاته تعالى.ومن هنا يظهر ما في كلام صاحب الكفاية (قدس سره من (2)الخلط بين صفات الذات وصفات الفعل، حيث عدّ (قدس سره) الرحيم من صفات الذات مع أنه من صفات الفعل.)وكيف كان إذا اتضح لك هذا فنقول : إنّ صاحب الفصول (قدس سره قد التزم في الصفات العليا والأسماء الحسنى الجارية عليه تعالى بالنقل والتجوّز.)1 - من جهة عدم المغايرة بين مبادئها والذات.2 - من جهة عدم قيامها بذاته المقدّسة وتلبّسها بها لمكان العينية (3.)


1) [لم نعثر عليه في كتاب البيان في تفسير القرآن ].

2) كفاية الأصول : 56.

3) الفصول الغروية : 62.

وقد أجاب عن المحذور الأوّل صاحب الكفاية (1وشيخنا الأستاذ (2)(قدس سرهما) بأنّ المبدأ في الصفات العليا له تعالى وإن كان عين ذاته المقدسة، إلّا أنّ الاتحاد والعينية في الخارج لا في المفهوم واللحاظ، فانّ مفهوم المبدأ كالعلم أو القدرة مغاير لمفهوم ذاته تعالى، وتكفي المغايرة المفهومية في صحّة الحمل والجري ولا يلزم معها حمل الشيء على نفسه.)وعلى هذا الضوء أوردا على الفصول (قدس سره بأنه لا وجه للالتزام بالنقل والتجوّز في الصفات الذاتية له تعالى، فانّ مبادءها كما عرفت مغايرة للذات مفهوماً.)وأورد شيخنا الأستاذ (قدس سره ثانياً بعين ما أورد في الكفاية على الجهة الثانية، وهو أنّ الالتزام بالنقل والتجوّز يستلزم تعطيل العقول عن فهم الأوراد والأذكار بالكلية، ويكون التكلم بها مجرد لقلقة اللسان.)وأورد في الكفاية على الجهة الثانية وهي أنّ اعتبار التلبّس والقيام يقتضي الاثنينية، بأنه لا مانع من تلبس ذاته تعالى بمبادئ صفاته العليا، فانّ التلبّس على أنحاء متعددة: تارةً يكون التلبّس والقيام بنحو الصدور. وأُخرى بنحو الوقوع. وثالثةً بنحو الحلول. ورابعةً بنحو الانتزاع كما في الاعتبارات والاضافات. وخامسةً بنحو الاتحاد والعينية كما في قيام صفاته العليا بذاته المقدّسة، فانّ مبادءها عين ذاته الأقدس، وهذا أرقى وأعلى مراتب القيام والتلبّس وإن كان خارجاً عن الفهم العرفي (3.)


1) كفاية الأصول : 56.

2) أجود التقريرات 1: 125.

3) كفاية الأصول : 57.

وقد ذكرنا غير مرّة أنّ نظر العرف لا يكون متبعاً إلا في موارد تعيين مفاهيم الألفاظ سعةً وضيقاً، والمتبع في تطبيقات المفاهيم على مواردها النظر العقلي، فإذا كان هذا تلبساً وقياماً بنظر العقل، بل كان من أتم مراتبه، لم يضر ع-دم إدراك أهل العرف ذلك.وعليه فلا وجه لما التزم به في الفصول من النقل في الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليه من المعنى، كيف فانّ هذه الصفات لو كانت بغير معانيها جارية عليه تعالى، فلابد أن تكون صرف لقلقة اللسان وألفاظاً بلا معانٍ، فانّ غير هذه المفاهيم العامّة غير معلوم لنا إلا ما يقابل هذه المعاني العامّة ويضادها، وإرادته منها غير ممكنة.والتحقيق في المقام يقتضي التكلم في جهات ثلاث :الأولى : في اعتبار المغايرة بين المبدأ والذات في المشتقات حقيقةً وذاتاً، أو تكفي المغايرة اعتباراً أيضاً ؟الثانية : في صحّة قيام المبدأ بالذات فيما إذا كانا متحدين كانا متحدين خارجاً.الثالثة : أنه على تقدير الالتزام بالنقل في صفاته العليا هل يلزم أحد المحذورين المتقدمين أم لا؟أمّا الكلام في الجهة الأولى : فقد تقدّم أنّه يعتبر في صحّة حمل شيء على شيء التغاير بينهما من ناحية والاتحاد من ناحية أخرى، وأما بين الذات والمبدأ فلا دليل على اعتبار المغايرة حتّى مفهوماً فضلاً عن كونها حقيقةً، بل قد يكون مفهوم المبدأ بعينه هو مفهوم الذات وبالعكس، كما في قضية الوجود فهو موجود والضوء مضيء وهكذا...فالمبدأ في الموجود هو الوجود وفي المضيء هو الضوء، فلا تغاير بين المبدأ والذات حتّى مفهوماً.

وعلى الجملة : فالمبدأ قد يكون عين الذات خارجاً وإدراكاً، بل إطلاق العنوان الاشتقاقي عليها حينئذ أولى من إطلاقه على غيرها، وإن كان خارجاً عن الفهم العرفي، مثلاً إطلاق الموجود على الوجود أولى من إطلاقه على غيره، لأنّه موج- موجود بالذات وغيره موجود بالعرض.وعلى هذا الضوء لا مانع من إطلاق صفاته العليا عليه تعالى حقيقةً وإن كانت مبادؤها عين ذاته الأقدس.وأما الكلام في الجهة الثانية : فالمراد بالتلبّس والقيام ليس قيام العرض بمعروضه وتلبسه به وإلا لاختصّ البحث عن ذلك بالمشتقات التي تكون مبادؤها من المقولات التسع، ولا يشمل ما كان المبدأ فيه من الاعتبارات أو الانتزاعات كما لا يخفى، مع أن البحث عنه عام.بل المراد منه واجدية الذات للمبدأ في قبال فقدانها له، وهي تختلف باختلاف الموارد.فتارةً يكون الشيء واجداً لما هو مغاير له وجوداً ومفهوماً كما هو الحال في غالب المشتقات.وأخرى يكون واجداً لما هو متحد معه خارجاً وعينه مصداقاً، وإن كان يغايره مفهوماً، كواجدية ذاته تعالى لصفاته الذاتية.وثالثةً يكون واجداً لما يتحد معه مفهوماً ومصداقاً مفهوماً ومصداقاً وهو واجدية الشيء لنفسه، وهذا نحو من الواجدية، بل هى أتم وأشد من واجدية الشيء لغيره، فالوجود أولى بأن يصدق عليه الموجود من غيره، لأنّ وجدان الشيء لنفسه ضروري.فتلخّص : أنّ المراد من التلبّس الواجدية، وهي كما تصدق على واج---دية

الشيء لغيره، كذلك تصدق على واجدية الشيء لنفسه، ومن هذا القبيل واجدية اللّه تعالى لصفاته الكمالية، وإن كانت الواجدية بهذا المعنى خارجة عن الفهم العرفي إلا أنه لا يضر بعد الصدق بنظر العقل.وعلى هذا فلا أصل لاشكال استحالة تلبس الشيء بنفسه.وأمّا الكلام في الجهة الثالثة : وهي استلزام النقل تعطيل العقول عن فهم الأوراد والأذكار، فالظاهر أنّه لا يتم في محل الكلام وإن تم في مقام إثبات أنّ مفهوم الوجود واحد ومشترك معنوي بين الواجب والممكن كما ذكره السبزواري في شرح منظومته (1وغيره.)أمّا أنّه لا يتم في المقام، فلأنّ المغايرة بين المبدأ والذات حسب المتفاهم العرفي واللغوي من المشتقات الدائرة في الألسن أمر واضح لا ريب فيه، وقد مرّ أنّ الاتحاد والعينية بينهما خارج عن الصدق العرفي، فلا يصح حينئذ إطلاق المشتق عليه تعالى بهذا المعنى المتعارف.وإن شئت فقل : إنّ المبدأ فيه عين ذاته المقدّسة فلا تغاير بينهما أصلاً، فلا محالة يكون إطلاقه عليه بمعنى آخر مجازاً، وهو ما يكون المبدأ فيه عين الذات، فلايراد من كلمتي العالم والقادر [في ] قولنا يا عالم و يا قادر مثلاً معناهما المتعارف، بل يراد بهما من يكون علمه وقدرته عين،ذاته، وإليه أشار بعض الروايات (2إنّ اللّه تعالى علم كلّه وقدرة كلّه وحياة كلّه، ولعل هذا هو مراد الفصول من النقل والتجوّز. وعليه فلا يلزم من عدم إرادة المعنى المتعارف من صفاته العليا لقلقة اللسان وتعطيل العقول.)


1) شرح المنظومة (الحكمة): 17.

2) بحار الأنوار 4 : 84 ح 17، 18 (نقل بالمضمون).

وأمّا أنّه يتم في مفهوم الوجود فلأجل أنّ إطلاق الموجود عليه تعالى إمّا أن يكون بمعناه المتعارف وهو الشيء الثابت، ويعبّر عنه في لغة الفرس «هستي» وإما أن يكون بما يقابله وهو المعدوم. وإمّا أن لا يراد منه شيء أو [ يراد ] معنى لا نفهمه، فعلى الثاني يلزم تعطيل العالم عن الصانع. وعلى الثالث يلزم تعطيل العقول وأن يكون التلفظ به مجرد لقلقة اللسان وألفاظاً بلا معنى، وكلا الأمرين غير ممكن، فيتعين الأول.#### ما هو المتنازع فيه في المشتقإنّ كلامنا في مسألة المشتق، والغرض من البحث عنها إنما هو معرفة مفهومه ومعناه سعةً وضيقاً، كما هو الحال في سائر المباحث اللفظية، بمعنى أنه موضوع لمفهوم وسيع منطبق على المتلبس والمنقضي معاً، أو لمفهوم ضيق لا ينطبق إلا على المتلبس فقط.وأمّا تطبيق هذا المفهوم على موارده وإسناده إليها هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز، فهو خارج عن محل الكلام، فانّ الإسناد إن كان إلى ما هو له فهو حقيقة، وإن كان إلى غير ما هو له فهو مجاز ولا يلزم مجاز في الكلمة في موارد الادعاء والإسناد المجازي، فانّ الكلمة فيها استعملت في معناها الحقيقي، والتصرف إنما هو في الاسناد والتطبيق.مثلاً لو قال : زيد أسد، فلفظ الأسد استعمل في معناه الموضوع له وهو الحيوان المفترس، فيكون حقيقة، ولكن في تطبيقه على زيد لوحظ نحو م-ن التوسعة والعناية، فيكون التطبيق مجازاً.وأوضح من ذلك : موارد الخطأ، فإذا قيل : هذا زيد ثمّ بان أنه عمرو، فلفظ زيد ليس بمجاز، لأنّه استعمل فيما وضع له، والخطأ إنما هو في التطبيق، وهو

لا يضر باستعماله فيه. أو قيل : هذا أسد ثمّ بان أنه حيوان آخر. أو إذا رأى أحد شبحاً من بعيد، وتخيل أنّه إنسان فقال : هذا انسان ثمّ ظهر أنه ليس بانسان وهكذا.فاللفظ في أمثال هذه الموارد استعمل في معناه الموضوع له، والتوسع إنما هو في التطبيق والإسناد إمّا ادعاء وتنزيلاً، أو خطأ وجهلاً. وكذا المشتقات فان كلمة الجاري في مثل قولنا النهر جارٍ، أو الميزاب جارٍ، قد استعملت في معناها الموضوع له وهو المتلبس بالجريان، والمجاز إنما هو في إسناد الجري إلى النهر أو الميزاب، لا في الكلمة، وهذا من دون فرق بين أن يكون مفهوم المشتق مركباً أو بسيطاً، كما هو واضح.ومن هنا يظهر ما في كلام الفصول (1من أنّه يعتبر في صدق المشتق واستعماله فيما وضع له حقيقةً أن يكون الاسناد والتطبيق أيضاً حقيقياً، فاستعمال المشتق في مثل قولنا : الميزاب جار، ليس استعمالاً في معناه الحقيقي، فانّ التلبّس والاسناد فيه ليس بحقيقي، وذلك لأنّ ما ذكره (قدس سره) مبني على الخلط بين المجاز في الكلمة، والمجاز في الاسناد بتخيل أنّ الثاني يستلزم الأوّل، مع أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ كلمتى سائل وجار في مثل قولنا : الميزاب جار، أو النهر سائل، استعملتا في معناهما الموضوع له وهو المتلبس بالمبدأ فعلاً، غاية الأمر تطبيق هذا المعنى على النهر أو الميزاب إنّما هو بنحو من التوسعة والعناية، وهذا معنى مجاز فى الاسناد دون الكلمة. فما أفاده (قدس سره) من اعتبار الاسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة في غير محلّه.)#### نتائج الأبحاث السابقةيتلخص البحث حول الموضوعات المتقدمة في عدّة أمور :


1) الفصول الغروية : 62.

الأوّل : أنّ محل البحث في مفاهيم المشتقات هو بساطتها وتركيبها بحسب الواقع والتحليل العقلي، لا بحسب الإدراك واللحاظ كما يظهر من الكفاية على ما مرّ.الثاني : أنّ الذات المأخوذة فيها مبهمة من جميع الجهات والخصوصيات ما عدا قيام المبدأ بها، ولذا تصدق على الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد.الثالث : أنّ جميع الوجوه التي أقاموها على بطلان القول بالتركيب باطلة فلا يمكن الاعتماد على شيء منها.الرابع : أنّ القول بوضع المشتق للمعنى المركب من مفهوم الذات والمبدأ دون البسيط هو الصحيح، لدلالة الوجدان والبرهان عليه كما سبق.الخامس : أنّ ما ذكره الفلاسفة وغيرهم من أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو لحاظ الأوّل لا بشرط و لحاظ الثاني بشرط لا غير صحيح، لوجوه قد تقدمت. نعم، ما ذكروه من الفرق بين المادة والجنس والصورة والفصل - وهو اعتبار أحدهما لا بشرط والآخر بشرط لا - صحيح.السادس : أنّه لا دليل على اعتبار التغاير بين المبدأ والذات مفهوماً، فضلاً عن اعتبار التغاير خارجاً وحقيقةً كما في الوجود والموجود والبياض والأبيض وهكذا...نعم، المتبادر من المشتقات الدائرة في الالسنّة هو تغاير المبدأ والذات مفهوماً وخارجاً، ولذا قلنا إن إطلاق المشتق عليه تعالى ليس على نحو الإطلاق المتعارف بل هو على نحو آخر وهو كون المبدأ عين الذات، وإن كان هذا المعنى خارجاً عن الفهم العرفي.السابع : أن المراد من التلبّس والقيام واجدية الذات للمبدأ، لا قيام العرض بموضوعه كما عرفت.

الثامن: لا يعتبر في استعمال المشتق فيما وضع له حقيقةً أن يكون الإسناد والتلبّس أيضاً حقيقياً كما عن الفصول.وإلى هنا قد تم الجزء الأوّل (1من كتابنا (محاضرات في أصول الفقه) وسيتلوه الجزء الثاني إن شاء اللّه تعالى، وبعونه وتوفيقه.)الحمد للّه أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.


1) [حسب التجزئة السابقة ].

## بحث الأوامر### إشارة:الكلام فيها يقع في مقامين :الأول: في مادة الأمر (أم ر.)الثاني : في هيئة (افعل وما شاكلها من الهيئات كهيئة فعل الماضي والمضارع، ونحوهما.)### المقام الأوّل: مادة الأمر#### معنى مادة الأمرأمّا الأوّل : فالكلام فيه من جهات:الأولى : ذكر جماعة أنّ مادة الأمر موضوعة لعدة معان: الطلب، الشيء، الحادثة، الشأن، الغرض، الفعل، وغير ذلك، وقد أنهاها بعضهم إلى خمسة عشر معنى.واختار صاحب الفصول (قدس سره أنها موضوعة لمعنيين من هذه المعاني، أي الطلب والشأن (1).)وذكر صاحب الكفاية (قدس سره أنّ عدّ بعض هذه المعاني من معاني الأمر من اشتباه المصداق بالمفهوم، فانّ الأمر لم يستعمل في نفس هذه المعاني، وإنما استعمل في معناه، ولكنه قد يكون مصداقاً لها. ثمّ قال: ولا يبعد دعوى كونه حقيقةً في الطلب في الجملة والشيء (2).)


1) الفصول الغروية : 62.

2) كفاية الأصول : 61.

وذهب شيخنا الأستاذ (قدس سره (1)إلى أن لفظ الأمر موضوع لمعنى واحد، وهو الواقعة التي لها أهمية في الجملة وجميع ما ذكر من المعاني يرجع إلى هذا المعنى الواحد حتّى الطلب المنشأ بإحدى الصيغ الموضوعة له، وهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة، وقد ينطبق على الشأن، وقد ينطبق على الغرض،)وهكذا. نعم، لا بد أن يكون المستعمل فيه من قبيل الأفعال والصفات، فلا يطلق على الجوامد. بل يمكن أن يقال : إنّ الأمر بمعنى الطلب أيضاً من مصاديق هذا المعنى الواحد، فانّه أيضاً من الأمور التي لها أهمية، فلا يكون للفظ الأمر إلا معنى واحد يندرج الكل فيه، وتصوّر الجامع القريب بين الجميع وإن كان صعباً إلّا أنا نرى وجداناً أنّ استعمال الأمر في جميع الموارد بمعنى واحد، وعليه فالقول بالاشتراك اللفظي بعيد.وما أفاده (قدس سره يحتوي على نقطتين :)الأولى: أن لفظ الأمر موضوع لمعنى واحد يندرج فيه جميع المعاني المزبورة حتى الطلب المنشأ بالصيغة.الثانية : أنّ الأهمية في الجملة مأخوذة في معناه.ولنأخذ بالنقد على كلتا النقطتين :أمّا الأولى : فلأنّ الجامع الذاتي بين الطلب وغيره من المعاني المذكورة غير معقول، والسبب في ذلك : أن معنى الطلب معنىً حدثي قابل للتصريف والاشتقاق، دون غيره من المعاني فانها من الجوامد وهي غير قابلة لذلك، ومن الواضح أنّ الجامع الذاتي بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد غير متصور.وبكلمة أخرى : أن الجامع بينهما لا يخلو من أن يكون معنى حدثياً أو جامداً،


1) أجود التقريرات 1: 133.

ولا ثالث لهما، وعلى كلا التقديرين لا يكون الجامع المزبور جامعاً ذاتياً، إذ على الأوّل لا ينطبق على الجوامد وعلى الثاني لا ينطبق على المعنى الحدثي، وهذا معنى عدم تصوّر جامع ذاتي بينهما.و ممّا يشهد على ذلك : اختلافهما - أي الأمر بمعنى الطلب والأمر بمعنى غيره - في الجمع، فانّ الأوّل يجمع على أوامر، والثاني على أمور، وهذا شاهد صدق على اختلافهما في المعنى، ولهذا لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر، فلا يقال: بقي أوامر، أو ينبغي التنبيه على أوامر، وهكذا...فالنتيجة بطلان هذه النقطة.وأمّا الثانية : فلأنّه لا دليل على أخذ الأهمية في معنى الأمر بحيث يكون استعماله فيما لا أهمية له مجازاً، وذلك لوضوح أن استعماله فيه كاستعماله فيما له أهمية في الجملة من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.وإن شئت قلت : إنّ الأهمية لو كانت مأخوذةً في معناه لكانت متبادرة منه عرفاً عند إطلاقه وعدم نصب قرينة على الخلاف، مع أنها غير متبادرة منه كذلك، ومن هنا صح توصيفه بما لا أهمية له، وبطبيعة الحال أنها لو كانت داخلة في معناه لكان هذا تناقضاً ظاهراً.فالنتيجة : أنّ نظريّة المحقق النائيني (قدس سره في موضوع بحثنا نظريّة خاطئة ولا واقع موضوعي لها.)ويمكن أن نقول : إنّ مادة الأمر موضوعة لغةً لمعنيين على سبيل الاشتراك اللفظي.أحدهما: الطلب في إطار خاص، وهو الطلب المتعلق بفعل الغير، لا الطلب المطلق الجامع بين ما يتعلق بفعل غيره وما يتعلق بفعل نفسه، كطالب العلم،

وطالب الضالة، وطالب الحق، وما شاكل ذلك، والسبب فيه : أن مادة الأمر - بما لها من معنى - لا تصدق على الحصة الثانية وهي المتعلقة بفعل نفس الانسان، وهذا قرينة قاطعة على أنّها لم توضع للجامع بينهما. ومن هنا يظهر أنّ النسبة بين الأمر والطلب عموم مطلق.وثانيهما: الشيء الخاص، وهو الذي يتقوّم بالشخص من الفعل أو الصفة أو نحوهما في مقابل الجواهر وبعض أقسام الأعراض، وهي بهذا المعنى ق-د تنطبق على الحادثة، وقد تنطبق على الشأن، وقد تنطبق على الغرض وهكذا.الدليل على ما ذكرناه أمران :أحدهما : أن لفظ الأمر بمعناه الأوّل قابل للتصريف والاشتقاق، فتشتق منه الهيئات والأوزان المختلفة كهيئة الماضي، والمضارع، والفاعل، والمفعول، وما شاكلها، وهذا بخلاف الأمر بمعناه الثاني حيث إنّه جامد فلا يكون قابلاً لذلك.وثانيهما: أن الأمر بمعناه الأوّل يجمع على أوامر، وبمعناه الثاني يجمع على أمور، ومن الطبيعي أنّ اختلافهما في ذلك شاهد صدق على اختلافهما في المعنى.وعلى ضوء هذا قد اتضح فساد كلا القولين السابقين : الاشتراك اللفظي، الاشتراك المعنوي.أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ جميع المعاني المشار إليها آنفاً ليست من معاني الأمر على سبيل الاشتراك اللفظي، كيف فان استعماله فيها غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، فضلاً عن كونه موضوعاً،بازائها، ومن هنا لا يكون المتبادر منه عند الاطلاق وعدم نصب قرينة على إرادة الخلاف إلا أحد المعنيين السابقين لا غير.وأما الثاني، فلعدم تصور جامع ماهوي بينها ليكون موضوعاً له.

فالنتيجة : أنه موضوع بازاء المعنيين الماضيين على نحو الاشتراك اللفظي : الحصة الخاصّة من الطلب الحصة الخاصّة من مفهوم الشيء، وهي ما يتقوم بالشخص في قبال الجواهر وبعض أقسام الأعراض، ولأجل ذلك لا يصح أن يقال : رأيت أمراً عجيباً إذا رأى فرساً عجيباً، أو إنساناً كذلك، ولكن يصح أن يقال: رأيت شيئاً عجيباً إذا رأى فرساً أو إنساناً كذلك. والسبب في هذا ظاهر، وهو أنّ الشيء بمفهومه العام ينطبق على الأفعال والأعيان والصفات بشتى ألوانها وأشكالها، ولذلك قالوا إنه عرض عام لجميع الأشياء.وعلى أثر هذا البيان يظهر نقد ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره من أنّ الأمر وضع لمعنىً جامع وحداني على نحو الاشتراك المعنوي، وهو الجامع بين ما يصح أن يتعلق الطلب به تكويناً وما يتعلق الطلب به تشريعاً، م-ع ع-دم ملاحظة شيء من الخصوصيتين في المعنى الموضوع له، والأصل فيه أن يجمع على أوامر (1).)وجه الظهور : ما عرفت من أنّه لا جامع ذاتي بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد ليكون الأمر موضوعاً،بازائه، وأما الجامع الانتزاعي فهو وإن كان أمراً ممكناً وقابلاً للتصوير، إلّا أنّه لم يوضع بازائه يقيناً. على أنه خلاف مفروض کلامه (قدس سره.)وأما الوضع العام والموضوع له الخاص، يردّه - مضافاً إلى ذلك - ما حققناه في مبحث الصحيح والأعم (2من أنّ نتيجة الوضع العام والموضوع له الخاص كنتيجة الاشتراك اللفظي فلاحظ، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنّ اختلاف لفظ الأمر في الجمع قرينة قطعية على اختلافه في المعنى، ضرورة أنّ)


1) نهاية الدراية 1: 249 – 252.

2) في ص 170.

معناه لو كان واحداً لن يعقل اختلافه في الجمع، هذا على ما بيناه في الدورات السابقة.ولكن الصحيح في المقام أن يقال: إنّ مادة الأمر لم توضع للدلالة على حصة خاصة من الطلب، وهي الحصة المتعلقة بفعل الغير، بل وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، والسبب في ذلك: ما حققناه في بحث الانشاء (1من أنّه عبارة عن اعتبار الأمر النفساني وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله، هذا من ناحية.)ومن ناحية أخرى : ما ذكرناه في بحث الوضع من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني.فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي وضع مادة الأمر أو ما شاكلها بطبيعة الحال لما ذكرناه أي للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني، لا للطلب والتصدّي، ولا للبعث والتحريك. نعم إنها كصيغتها مصداق للطلب والتصدّي، والبعث والتحريك، لا أنها معناها.وبكلمة أخرى : أننا إذا حلّلنا الأمر المتعلق بشيء تحليلاً موضوعياً فلا نعقل فيه سوى شيئين :أحدهما : اعتبار المولى ذلك الشيء في ذمّة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة داعية إلى ذلك.وثانيهما : إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كمادة الأمر أو نحوها، فالمادة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني، لا للطلب ولا للبعث والتحريك.


1) في ص 97.

نعم، قد عرفت أنّ المادة أو ما شاكلها مصداق للطلب والبعث، ونحو تصدٍ إلى الفعل، فانّ الطلب والبعث قد يكونان،خارجيين، وقد يكونان اعتباريين، فمادة الأمر أو ما شابهها مصداق للطلب والبعث الاعتباري لا الخارجي، لوضوح أنها تصدٍ في اعتبار المولى إلى إيجاد المادة في الخارج وبعث نحوه، لا تكويناً وخارجاً، كما هو ظاهر.ونتيجة ما ذكرناه أمران:الأوّل : أنّ مادة الأمر أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، وهو اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف، ولا تدل على أمر آخر ما عدا ذلك.الثاني : أنها مصداق للطلب والبعث لا أنها معناها.إلى هنا قد تبيّن أنّ القول بالاشتراك اللفظي بين جميع المعاني المتقدمة باطل لا واقع موضوعي له، وكذلك القول بالاشتراك المعنوي، فالصحيح هو القول بالاشتراك اللفظي بين المعنيين المتقدمين.ثم لا يخفى أنه لا ثمرة عملية لذلك البحث أصلاً، والسبب فيه : أنّ الثمرة هنا ترتكز على ما إذا لم يكن المراد الاستعمالي من الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة معلوماً، وحيث إنّ المراد الاستعمالي منها معلوم، فإذن لا أثر له.#### المعنى الاصطلاحي للأمر الأمرحكى المحقق صاحب الكفاية (1(قدس سره) أن الأمر قد نقل عن معناهالأصلي إلى القول المخصوص، وهو هيئة (افعل).)


1) كفاية الأصول : 62.

ويرد عليه : أنه إن كان هذا مجرد اصطلاح، فلا مشاحة فيه، وإلا فلا وجه له أصلاً، وذلك لأنّ الظاهر أنّ الاشتقاق منه بحسب معناه الاصطلاحي، وعليه فلو كان معناه الاصطلاحي القول المخصوص لم يمكن الاشتقاق منه لأنه جامد، ومن الطبيعي أنّ مبدأ المشتقات لابد أن يكون معنى حدثياً قابلاً للتصريف والتغيير، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : أن يكون المبدأ خالياً عن جميع الخصوصيات، ليقبل كل خصوصية ترد عليه.ومن ثمة قلنا في بحث المشتق (1إنّ المصدر لا يصلح أن يكون مبدأ له، لعدم توفر الشرط الأساسي للمبدأ فيه، وهو خلوّه عن جميع الأشكال والصور المعنوية واللفظية، حتّى يقبل أية صورة ترد عليه، نظير الهيولى في الأجسام، حيث إنّها فاقدة لكل صورة افترضت ولذا تقبل كل صورة ترد عليها بشتى أنواعها وأشكالها وبطبيعة الحال أنها لو لم تكن فاقدةً لها فلا تقبل ص-ورة أخرى، لوضوح إباء كل صورة عن صورة أخرى، وكل فعلية عن فعلية ثانية.)فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنّ القول المخصوص أن القول المخصوص لا يصلح أن يكون مبدأ للمشتقات، وأن يجعله شقة شقة، لاستحالة تصريفه وورود هيئة أخرى عليه، فيكون نظير الجملة والمفرد والكلمة والكلام وما شاكل ذلك ممّا هو اسم لنفس اللفظ، فانّها غير قابلة لأن تشتق منها المشتقات، لعدم توفر الركيزتين الأساسيتين للمبدأ فيها : المعنى الحدثي، الخلو من الخصوصيات.نعم، التلفظ بالقول المخصوص قابل لأن تشتق منه المشتقات وترد عليه الهيئات والصور، وذلك لأنّ التلفظ إن لوحظ بنفسه مع عدم ملاحظة شيء


1) في ص 319.

معه من الخصوصيات الخارجة عن حدود ذاته، فهو مبدأ. وإن لوحظ قائماً بغيره فحسب فهو مصدر. وإن لوحظ زائداً على هذا وذاك وجوده وتحققه في الخارج قبل زمان التكلم فهو ماض، وفي زمانه وما بعده فمضارع، وهكذا. ولكن من المعلوم أنّه لا صلة لذلك بما ذكرناه أصلاً.ولكن لشيخنا المحقق (قدس سره في هذا الموضوع كلام، وهو أنّ الأم--ر بهذا المعنى أيضاً قابل للاشتقاق والتصريف، وقد أفاد في وجه ذلك م-ا إليك نصه :)وإن كان وجه الاشكال ما هو المعروف من عدم كونه معنى حدثياً، ففيه : أنّ لفظ «اضرب» صنف من أصناف طبيعة الكيف المسموع، وهو من الأعراض القائمة بالمتلفظ به.فقد يلاحظ نفسه من دون لحاظ قيامه وصدوره عن الغير، فهو المبدأ الحقيقي الساري في جميع مراتب الاشتقاق.وقد يلاحظ قيامه فقط، فهو المعنى المصدري المشتمل على نسبة ناقصة.وقد يلاحظ قيامه وصدوره في الزمان الماضي فهو المعنى الماضوي.وقد يلاحظ صدوره في الحال أو الاستقبال، فهو المعنى المضارعي وهكذا، فليس هيئة (اضرب كالأعيان الخارجية والأمور غير القائمة بشيء حتّى لا يمكن لحاظ قيامه فقط، أو في أحد الأزمنة. وعليه فالأمر موضوع لنفس الصيغة الدالة على الطلب مثلاً أو للصيغة القائمة بالشخص، و «أَمَرَ» موضوع للصيغة الملحوظة من حيث الصدور في المضي و«يأمر» موضوع للصيغة الملحوظة من حيث الصدور في الحال أو الاستقبال (1).)


1) نهاية الدراية 1: 254.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره وحاصله : أنّ ما ذكره في إطاره وإن كان في غاية الصحّة والمتانة، إلّا أنّه لا صلة له بما ذكرناه، والسبب في ذلك : أن لكل لفظ حيثيتين موضوعيتين:)الأولى : حيثية صدوره من اللافظ خارجاً وقيامه به کصدور غي-ره م--ن الأفعال كذلك.الثانية : حيثية تحققه ووجوده في الخارج.فاللفظ من الحيثية الأولى وإن كان قابلاً للتصريف والاشتقاق، إلا أن لفظ الأمر لم يوضع بازاء القول المخصوص من هذه الحيثية، وإلا لم يكن مجال لتوهم عدم إمكان الاشتقاق والصرف منه، بل هو موضوع بازائه من الحيثية الثانية، ومن الطبيعي أنه بهذه الحيثية غير قابل لذلك كما عرفت. فما أفاده (قدس سره مبني على الخلط بين هاتين الحيثيتين.)#### اعتبار العلو في معنىالجهة الثانية : هل أنّ العلوّ معتبر في معنى الأمر أم لا ؟الظاهر اعتباره، إذ لا يصدق الأمر عرفاً على الطلب الصادر من غير العالي، وإن كان بنحو الاستعلاء وإظهار العلوّ.وعلى الجملة: فصدوره من العالي منشأ لانتزاع عنوان الأمر والبعث والتحريك والتكليف وما شاكل ذلك، دون صدوره عن غيره، بل ربّما يوجب توبيخه باستعماله الأمر.ويدلّنا على ذلك : مضافاً إلى مطابقة هذا للوجدان، صحّة سلب الأمر عن الطلب الصادر من غير العالي، بل يستحق التوبيخ عليه بقوله : أتأمر الأمير مثلاً، ومن المعلوم أنّ التوبيخ لا يكون على أمره بعد استعلائه، وإنما يكون على استعلائه واستعماله الأمر.

#### منشأ تبادر الوجوب من لفظ الأمرالجهة الثالثة : لا إشكال في تبادر الوجوب عرفاً من لفظ الأم-ر ع-ند الاطلاق، وإنما الاشكال والكلام في منشأ هذا التبادر، هل هو وضعه للدلالة عليه، أو الاطلاق ومقدمات الحكمة، أو حكم العقل به ؟ وجوه بل أقوال.المعروف والمشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً هو القول الأول. واختار جماعة القول الثاني، ولكن الصحيح هو الثالث، فلنا دعويان: الأولى : بطلانالقول الأوّل والثاني.الثانية : صحّة القول الثالث.أما الدعوى الأولى : فلأنها تبتني على ركيزتين:إحداهما: ما حققناه في بحث الوضع من أنّه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني.وثانيتهما : ما حققناه في بحث الانشاء من أنّه عبارة عن اعتبار الأمر النفساني، وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله.وعلى ضوء هاتين الركيزتين يظهر أن مادة الأمر وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، فلا تدل على الوجوب لا وضعاً ولا إطلاقاً. أما الأوّل فظاهر. وأما الثاني فلأنه يرتكز على كونها موضوعةً للجامع بين الوجوب والندب، ليكون إطلاقها معيّناً للوجوب دون الندب، باعتبار أنّ بيان الندب يحتاج إلى مؤونة زائدة والاطلاق غير واف به. ولكن قد عرفت أنها كما لم توضع الخصوص الوجوب أو الندب، كذلك لم توضع للجامع بينها، بل وضعت لما ذكرناه.هذا مضافاً إلى عدم الفرق بين الوجوب والندب من هذه الناحية. وإذن فلا يكون الاطلاق معيّناً للأوّل دون الثاني فحاله حال الوجوب من هذه الناحية

من دون فرق بينهما أصلاً.وأما الدعوى الثانية : فلأن العقل يدرك - بمقتضى قضية العبودية والرقية - لزوم الخروج عن عهدة ما أمر به المولى، ما لم ينصب قرينة على الترخيص في تركه، فلو أمر بشيء ولم ينصب قرينةً على جواز تركه فهو يحك-م ب-وجوب إتيانه في الخارج، قضاء لحق العبودية وأداءً لوظيفة المولوية، وتحصيلاً للأمن من العقوبة، ولا نعني بالوجوب إلا إدراك العقل لابدية الخروج عن عهدته فيما إذا لم يحرز من الداخل أو من الخارج ما يدل على جواز تركه.### الطلب والارادة#### إشارة:الجهة الرابعة: في الطلب والارادة قد سبق منّا في الجهة الثالثة : أنّ الأمر موضوع للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، فلا يدل على شيء ما عداه، هذا من ناحية.#### کلام صاحب الكفاية في المقامومن ناحية أخرى تعرّض المحقق صاحب الكفاية (قدس سره في المقام للبحث عن جهة أخرى، وهي أن الطلب هل يتحد مع الارادة أو لا؟ فيه وجوه وأقوال. قد اختار (قدس سره) القول بالاتحاد، وإليك نص مقولته :)فاعلم أنّ الحق كما عليه أهله وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للاشاعرة، هو اتحاد الطلب والارادة، بمعنى أن لفظيهما موضوعان بازاء مفهوم واحد، وما بازاء أحدهما في الخارج يكون بازاء الآخر، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الارادة الانشائية.. وبالجملة هما متحدان مفهوماً وانشاء وخارجاً، لا أن الطلب الانشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متحد مع الارادة الحقيقية التي ينصرف إليها إطلاقها أيضاً، ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ففي مراجعة الوجدان عند طلب شيء والأمر به حقيقةً كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان،

فانّ الانسان لا يجد غير الارادة القائمة بالنفس صفةً أخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدّمة تحققها عند خطور الشيء والميل وهيجان الرغبة إليه، والتصديق لفائدته، وهو الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها.وبالجملة لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والارادة هناك صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب، فلا محيص إلّا عن اتحاد الارادة والطلب، وأن يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك، مسمى بالطلب والارادة، كما يعبّر به تارةً، وبها أخرى كما لا يخف (1.)ما أفاده (قدس سره يحتوي على عدّة نقاط :)1 - اتحاد الارادة الحقيقية مع الطلب الحقيقي.2 - اتحاد الارادة الانشائية مع الطلب الانشائي.3 - مغايرة الطلب الانشائي للطلب الحقيقي، والارادة الانشائية للارادة الحقيقية، ولم يبرهن (قدس سره على هذه النقاط، بل أحالها إلى الوجدان.)ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط :أمّا الأولى : فهي خاطئة جداً، والسبب في ذلك: أنّ الارادة بواقعها الموضوعي من الصفات النفسانية ومن مقولة الكيف القائم بالأنفس. وأما الطلب فقد سبق أنّه من الأفعال الاختيارية الصادرة عن الانسان بالارادة والاختيار، حيث إنّه عبارة عن التصدي نحو تحصيل شيء في الخارج، ومن هنا لا يقال طالب الضالة، أو طالب العلم إلا لمن تصدّى خارجاً لتحصيلها، وأما من اشتاق


1) كفاية الأصول : 65.

إليهما فحسب وأراد فلا يصدق عليه ذلك، ولذا لا يقال طالب المال أو طالب الدُّنيا لمن اشتاق وأرادهما في أفق النفس، ما لم يظهر في الخارج بقول أو فعل.وبكلمة أخرى : أن الطلب عنوان للفعل سواء أكان الفعل نفسانياً أم خارجياً، فلا يصدق على مجرد الشوق والارادة النفسانية، ويظهر ذلك بوضوح من مثل قولنا : طلبت زيداً فما وجدته أو طلبت من فلان كتاباً - مثلاً - فلم يعطني وهكذا، ضرورة أنّ الطلب في أمثال ذلك عنوان للفعل الخارجي، وليس إخباراً عن الارادة والشوق النفساني فحسب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلب متعلقاً بفعل نفس الانسان وعنواناً له كطالب الضالة وطالب العلم وما شاكلها و أن يكون متعلقاً بفعل غيره. وعلى كلا التقديرين فلا يصدق على مجرد الارادة.وقد تحصّل من ذلك : أنّ الطلب مباين للارادة مفهوماً ومصداقاً، فما أفاده (قدس سره من أنّ الوجدان يشهد باتحادهما خطاً جداً.)وأمّا النقطة الثانية : فقد ظهر نقدها ممّا أوردناه على النقطة الأولى، وذلك لما عرفت من أنّ الطلب عنوان للفعل الخارجي أو الذهني، وليس منشأ بمادة الأمر، أو بصيغتها، أو ما شاكلها. فإذن لا موضوع لما أفاده (قدس سره من أن الطلب الانشائي عين الارادة الانشائية.)ومن هنا يظهر حال النقطة الثالثة : فانّها إنما تتم إذا كانت متوفرة لأمرين :الأوّل : القول بأنّ الطلب منشأ بالصيغة أو نحوها.الثاني : القول بالارادة الانشائية في مقابل الارادة الحقيقية، ولكن كلا القولين خاطئ جداً.وأما النقطة الرابعة : فالأمر وإن كان كما أفاده (قدس سره، إلّا أنّ عدم تحقق الطلب حقيقةً ليس بملاك عدم تحقق الارادة كذلك في أمثال الموارد، بل)

بملاك ما عرفت من أنّ الطلب عنوان المبرز الارادة ومظهرها من قول أو فعل، وحيث لا إرادة ها هنا فلا مظهر لها حتّى يتصف بعنوان الطلب.وعلى ضوء هذا البيان يظهر فساد ما قيل من أنّ الطلب والارادة متباينان مفهوماً ومتحدان مصداقاً وخارجاً (1ووجه الظهور ما عرفت م-ن ت-باينها مفهوماً ومصداقاً، فلا يمكن صدقهما في الخارج على شيء واحد كما مرّ بشكل واضح.)ثم لا يخفى أنّ غرض صاحب الكفاية (قدس سره من هذه المحاولة نفي الكلام النفسي الذي يقول به الأشاعرة، بتخيل أنّ القول بتغاير الطلب والارادة يستلزم القول بثبوت صفة أخرى غير الصفات المعروفة المشهورة، وبطبيعة الحال أنّ مردّ ذلك هو التصديق بما يقوله الأشاعرة من الكلام النفسي.)ولكن قد عرفت أنّ هذه المحاولة غير ناجحة هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنا سنذكر بعد قليل أنّ نفي الكلام النفسي لا يرتكز على القول باتحاد الطلب والارادة، حيث إنا نقول بتغايرهما، فمع ذلك نبرهن بصورة قاطعة بطلان محاولة الأشاعرة لاثبات أن كلامه تعالى نفسي لا لفظي.بحث ونقد حول عدّة نقاطالأولى : نظريّة الأشاعرة: الكلام النفسي، ونقدها.الثانية : نظرية الفلاسفة : إرادته تعالى من الصفات الذاتية، ونقدها.الثالثة : نظريّة الأشاعرة: مسألة الجبر، ونقدها.


1) درر الفوائد 1: 41.

الرابعة : نظرية المعتزلة : مسألة التفويض، ونقدها.الخامسة : نظرية الإمامية : مسألة الأمر بين الأمرين.السادسة : نظرية العلماء: مسألة العقاب.#### 1 - نظرية الأشاعرة : الكلام النفسينظرية الأشاعرة الكلام النفسي، ونقدهاذهب الأشاعرة إلى أنّ كلامه تعالى من الصفات الذاتية العليا، وهو قائم بذاته الواجبة قديم كبقية صفاته العليا من العلم والقدرة والحياة، وليس من صفاته الفعلية كالخلق والرزق والرحمة وما شاكلها ولأجل ذلك قد اضطروا إلى الالتزام بأنّ كلامه تعالى نفسي ما وراء الكلام اللفظي، وهو قديم قائم بذاته تعالى، فانّ الكلام اللفظي حادث فلا يعقل قدمه، وقد صرّحوا به في ضمن محاولتهم واستدلالهم على الكلام النفسي، وإليكم نص مقولتهم :وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقول به ونسمّيه كلاماً لفظياً، ونعترف بحدوثه، وعدم قيامه بذاته تعالى، ولكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس، الذي يعبّر عنه بالألفاظ، ونقول هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى، ونزعم أنه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي، بل نقول ليس ينحصر الدلالة عليه في الألفاظ، إذ قد يدل عليه بالاشارة والكتابة، كما يدل عليه بالعبارة، والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغيّر العبارات، ولا يختلف

باختلاف الدلالات، وغير المتغير - أي ما ليس متغيراً وهو المعنى النفسي - مغاير للمتغير الذي هو العبارات ونزعم أنّه - أي المعنى النفسي الذي ه-و الخبر - غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه أو يشك فيه، وأنّ المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الارادة، لأنه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا، فانّ مقصوده مجرد الاختبار، دون الاتيان بالمأمور به، وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه، فانّه قد يأمره وهو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه.واعترض عليه : بأنّ الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر لا حقيقته، إذ لا طلب فيهما أصلاً، كما لا إرادة قطعاً، فإذن هو - أي المعنى النفسي الذي يعبّر عنه بصيغة الخبر والأمر - صفة ثالثة مغايرة للعلم والارادة قائمة بالنفس، ثمّ نزعم أنه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى(1.)من الغريب جداً ما نسب إلى الحنابلة في شرح المواقف وهذا نصه: قال الحنابلة : كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى، وأنه قديم، وقد بالغوا فيه حتّى قال بعض جهلاً : الجلد والغلاف قديمان فضلاً عن المصحف (2.)يتضمن هذا النص عدّة خطوط :1 - إنّ اللّه تعالى سنخين من الكلام النفسي واللفظي. والأوّل من صفاته تعالى، وهو قديم قائم بذاته الواجبة دون الثاني.2 - إنّ الكلام النفسي عبارة عن المعنى القائم بالنفس، ويبرزه في الخارج بالألفاظ والعبارات بشتى ألوانها وأشكالها، ولا يختلف ذلك المعنى باختلافها،


1) شرح المواقف : 93.

2) شرح المواقف : 92.

كما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.3 - إنهم عبّروا عن ذلك المعنى تارةً بالطلب، وأخرى بالأمر، وثالثة بالخبر، ورابعة بصيغة الخبر.4 - إنّ هذا المعنى غير العلم، إذ قد يخبر الانسان عما لا يعلمه، أو يعلم خلافه، وغير الارادة إذ قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده فانّ مقصوده الامتحان والاختبار، دون الاتيان بالمأمور به في الخارج.ولنأخذ بالنقد على هذه الخطوط جميعاً.أمّا الأوّل : فسنبينه بشكل واضح في وقت قريب إن شاء اللّه تعالى : أنّ كلامه منحصر بالكلام اللفظي، وأنّ القرآن المنزل على النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله هو كلامه تعالى، بتمام سوره و آياته وكلماته، لا أنه حاك عن كلامه، لوضوح أنّ ما يحكي القرآن عنه ليس من سنخ الكلام، كما سيأتي بيانه، هذا من ناحية.)ومن ناحية أخرى أنّ السبب الذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسي هو تخيل أنّ التكلم من صفاته الذاتية، ولكن هذا الخيال خاطئ جداً، وذلك لما سيجيء إن شاء اللّه تعالى بصورة واضحة أن التكلم ليس من الصفات الذاتية، بل هو من الصفات الفعلية.وأمّا الثاني : فيتوقف نقده على تحقيق حال الجمل الخبرية والإنشائية.أما الأولى : فقد حققنا في بحث الإنشاء والإخبار (1أنّ الجمل الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية والاخبار عن الثبوت أو النفي في الواقع، هذا بناءً على نظريتنا. وأما بناءً على نظرية المشهور، فلأنها موضوعة)


1) في ص 94.

للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه. ومن الطبيعي أن مدلولها على ضوء كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام ليقال إنه كلام نفسي، ضرورة أنّ الكلام النفسي عند القائلين به وإن كان موجوداً نفسانياً، إلّا أنّ كل موجود نفساني ليس بكلام نفسي، بل لا بد أن يكون سنخ وجوده سنخ وجود الكلام، لفرض أنّهليس من سنخ وجود الصفات المعروفة الموجودة في النفس. ومن المعلوم أن قصد الحكاية على رأينا وثبوت النسبة على رأي المشهور ليس من ذلك.وبكلمة واضحة : إذا حلّلنا الجمل الخبرية تحليلاً موضوعياً، وفحصنا مداليلها في إطاراتها فلانجد الخاصّة، فلا نجد فيها سوى عدّة أمور الأوّل تصوّر معاني مفرداتها بموادها وهيئاتها. الثاني : تصوّر معاني هيئاتها التركيبية. الثالث : تصوّر مفردات الجملة. الرابع: تصوّر هيئاتها. الخامس : تصوّر مجموع الجملة. السادس: تصوّر معنى الجملة. السابع : التصديق بمطابقتها للواقع أو بعدم مطابقتها له. الثامن : إرادة إيجادها في الخارج. التاسع : الشك في ذلك.وبعد ذلك نقول : إنّ شيئاً من هذه الأمور ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به.أمّا الأوّل: فواضح، إذ الكلام النفسي عند القائلين به ليس من سنخ المعنى أولاً على ما سيأتي بيانه. وليس من سنخ المعنى المفرد ثانياً.وأما الثاني : فلأنّ الكلام النفسي - كما ذكروه - صفة قائمة بالنفس كسائر الصفات النفسانية، ومن الطبيعي أنّ المعنى ليس كذلك، فانّه مع قطع النظر عن وجوده وتحققه في الذهن ليس قائماً بها، ومع لحاظ وجوده وتحققه فيه وإن كان قائماً بها، إلّا أنّه بهذا اللحاظ علم، وليس بكلام نفسي على الفرض.وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال جميع الأمور الباقية، فانّ الثالث والرابع

والخامس والسادس والتاسع من مقولة العلم التصوري، والسابع من مقولة العلم التصديقي، والثامن من مقولة الارادة.فالنتيجة : أنّ الكلام النفسي بهذا الاطار الخاص عند القائلين به غير متصوّر في موارد الجمل الخبرية، وحينئذٍ فلا يخرج عن مجرد افتراض ولقلقة اللسان، بلا واقع موضوعي له.وأمّا الجمل الانشائية : فقد سبق الكلام فيها بشكل مفصل، وقلنا هناك إنّ نظريتنا فيها تختلف عن نظريّة المشهور، حيث إنّ المشهور قد فسّروا الانشاء بايجاد المعنى باللفظ.ولكن قد حققنا هناك (1أنا لا نعقل لذلك معنىً صحيحاً معقولاً، والسبب في ذلك : هو أنهم لو أرادوا بالايجاد الايجاد التكويني، كايجاد الجوهر والعرض، فبطلانه من البديهيات التي لا تقبل الشك ضرورة أنّ الموجودات الخارجية بشتى أشكالها وأنواعها - ليست ممّا توجد بالألفاظ، كيف والألفاظ ليست واقعةً في سلسلة عللها وأسبابها كي توجد بها.)وإن أرادوا به الايجاد الاعتباري كايجاد الوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية وغير ذلك، فيرده : أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني، من دون حاجة إلى اللفظ والتكلم به، ضرورة أنّ اللفظ في الجملة الانشائية لا يكون علة لايجاد الأمر الاعتباري، ولا واقعاً في سلسلة علته، لوضوح أنه يتحقق بنفس اعتبار المعتبر في أفق النفس، سواء أكان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن.ودعوى: أن مرادهم بذلك الايجاد التنزيلى، ببيان أن وجود اللفظ في الخارج وجود للمعنى فيه تنزيلاً، ومن هنا يسري إليه قبح المعنى وحسنه،


1) في ص 97.

وعلى هذا صح أن يفسّروا الانشاء بايجاد المعنى خاطئة جداً، وذلك لأنّ تمامية هذه الدعوى ترتكز على نظرية من يرى كون الوضع عبارة عن الهوهوية، وجعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، ولكن قد ذكرنا في محلّه (1أن هذه النظرية باطلة، وقلنا هناك إنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، وعليه فلا اتحاد بينهما لا حقيقةً وواقعاً، ولا عنايةً ومجازاً ليكون وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً له.)وأمّا مسألة سراية القبح والحسن فهي لا ترتكز على النظرية المزبورة، بل هي من ناحية كون اللفظ كاشفاً عنه ودالاً عليه، ومن الطبيعي أنّه يكفي لذلك وجود العلاقة الكاشفية بينهما، ولا فرق في وجود هذه العلاقة بين نظرية دون أخرى في مسألة الوضع.وبعد ذلك نقول : إنّ مدلول الجمل الإنشائية على كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به.أما على نظرية المشهور فواضح لما عرفت من أنّ الكلام النفسي عندهم عبارة عن صفة قائمة بالنفس في مقابل سائر الصفات النفسانية، وقديم كغيرها من الصفات الأزلية، وبطبيعة الحال أنّ إيجاد المعنى باللفظ فاقد لهاتين الركيزتين معاً، أما الركيزة الأولى فلأنه ليس من الأمور النفسانية ليكون قائماً بها. وأمّا الثانية فلفرض أنّه حادث بحدوث اللفظ، وليس بقديم.وأمّا على نظريتنا فأيضاً الأمر كذلك، فان إبراز الأمر الاعتباري ليس من الأمور النفسانية أيضاً.فالنتيجة لحد الآن، أنّه لا يعقل في موارد الجمل الخبرية والانشائية م-ا


1) في ص 43، 48.

يصلح أن يكون من سنخ الكلام النفسي ومن هنا قلنا إنه لا يخرج عن مجرد وهم وخيال، فلا واقع موضوعي له.ثم انه قد يتوهم أن صورة الكلام اللفظي المتمثلة في أفق النفس هي کلام نفسي، ولكن هذا التوهم خاطئ، لسببين :الأوّل : أنّ هذه الصورة وإن كانت موجودةً في أفق النفس ومتمثلة فيه، إلّا أنها ليست بكلام نفسي ضرورة أنّ الكلام النفسي عند القائلين ب-ه م-دلول للكلام اللفظي، والمفروض أنّ تلك الصورة بهذا الاطار الخاص ليست كذلك، لما عرفت من أن مدلول الكلام سواء أكان إخبارياً أم إنشائياً أجنبي عنها. أضف إلى ذلك : ما ذكرناه في محلّه (1من أنّ الموجود بما هو موجود لا يعقل أن يكون مدلولاً للفظ، من دون فرق في ذلك بين الموجود الخارجي والذهني. فإذن لا يمكن أن تكون تلك الصورة مدلولاً له لتكون كلاماً نفسياً على أنّها لا تختص بخصوص الكلام الصادر عن المتكلم بالاختيار، بل تعم جميع الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها وأشكالها، حيث إن صورة كل فعل اختياري متمثلة في أفق النفس قبل وجوده الخارجي.)الثاني : أنّ هذه الصورة نوع من العلم والتصور وهو التصور الساذج، وقد تقدّم ان الكلام النفسي عندهم صفة أخرى في مقابل صفة العلم والارادة ونحوهما.وقد تخيّل بعضهم أنّ الكلام النفسي عبارة عن الطلب المدلول عليه بصيغة الأمر. ولكن هذا الخيال فاسد جداً، والسبب في ذلك ما حققناه سابقاً من أنّ الطلب وإن كان غير الارادة مفهوماً ومصداقاً، إلا أنه ليس بكلام نفسي،


1) في ص 56.

عرفت من أنه عبارة عن التصدي نحو المقصود خارجاً، وهو من الأفعال الخارجية وليس من المفاهيم اللفظية في شيء حتّى يدعي أنه كلام نفسي، ومن هنا قلنا إنّ الصيغة مصداق للطلب، لا أنها وضعت بازائه.فالنتيجة على ضوء هذا البيان أمران: الأوّل فساد توهم كون الطلب منشأ بالصيغة أو ما شاكلها. الثاني : أنّ الأشاعرة قد أخطأوا هنا في نقطة وأصابوا في نقطة أخرى. أمّا النقطة الخاطئة فهي أنهم جعلوا الطلب من الصفات النفسانية، وقد عرفت خطأ ذلك. وأما النقطة الثانية فهي أنهم جعلوا الطلب مغايراً للارادة ذاتاً وعيناً وقد سبق صحّة ذلك.وأما الثالث : فنفس اختلاف كلماتهم في تفسيره يعني مرة بالطلب، وأخرى بالخبر، وثالثة بالأمر، ورابعة بصيغة الأمر شاهد صدق على أنهم أيضاً لم يتصوّروا له معنى محصلاً، إلا أن يقال إنّ ذلك منهم مجرد اختلاف في التعبير واللفظ والمقصود،واحد، ولكن ننقل الكلام إلى ذلك المقصود الواحد وقد عرفت أنه لا واقع موضوعي له أصلاً، ولا يخرج عن حد الفرض والخيال.وأما الرابع : فقد ظهر جوابه ممّا ذكرناه (1بصورة مفصلة من أنه ليس في الجمل الخبرية والانشائية شيء يصلح أن يكون كلاماً نفسياً.)#### الاستدلال على الكلام النفسي بوجوه أخروقد استدلّ على الكلام النفسي بعدة وجوه أخر :الأوّل : أنّ اللّه تعالى قد وصف نفسه بالتكلّم في الكتاب الكريم بقوله (وَكَلَّمَ اللّه مُوسَى تَكْلِيماً (2)ومن المعلوم أنّ التكلم صفة له كالعلم والقدرة والحياة وما شاكلها، هذا من ناحية.)


1) في ص 361.

2) النساء 4: 164.

ومن ناحية أخرى : أنّ صفاته تعالى قديمة قائمة بذاته، ولا يمكن أن تكون حادثة، لاستحالة قيام الحادث بذاته تعالى كقيام الحال بالمحل، والصفة بالموصوف. نعم، يجوز قيام الحادث بها كقيام الفعل بالفاعل.ومن ناحية ثالثة : أنّ الكلام اللفظي حيث إنّه مؤلف من حروف وأجزاء متدرجة متصرمة في الوجود لا يعقل أن يكون قديماً، وعليه فلا يمكن أن يكون المراد من الكلام في الآية الكريمة الكلام اللفظي، ضرورة استحالة كون ذاته المقدسة محلاً للحادث.ومن ناحية رابعة : أنّ الكلام النفسي حيث إنّه ليس من مقولة الألفاظ فلا يلزم من قيامه بذاته تعالى قيام الحادث بالقديم.فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي أنّ كلامه تعالى نفسي لا لفظي.ولنأخذ بالنقد على هذا الدليل : إنّ صفاته تعالى على نوعين:الأوّل : الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والحياة وما يؤول إليها، فان هذه الصفات عين ذاته تعالى في الخارج، فلا اثنينية فيه ولا مغايرة، وأنّ قيامها بها قيام عيني، وهو من أعلى مراتب القيام وأظهر مصاديقه، لا قيام صفة بموصوفها، أو قيام الحال بمحله. ومن هنا ورد في الروايات «إنّ اللّه تعالى وجود كله، وعلم كلّه، وقدرة كلّه، وحياة كلّه» (1وإلى هذا المعنى يرجع قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة «كمال الإخلاص به نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف» (2))الثاني : الصفات الفعلية كالخلق والرزق والرحمة وما شاكلها، فانّ هذه


1) بحار الأنوار 4: 84 ح 16، 17، 19 (مع اختلاف).

2) نهج البلاغة : الخطبة الأولى (مع اختلاف).

الصفات ليست عين ذاته تعالى، حيث إنّ قيامها بها ليس قياماً عينياً كالصفات الذاتية، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : أنّ قيام هذه الصفات بذاته تعالى ليس من قيام الحال بمحله، والوجه في ذلك : أنّ هذه الصفات لا تخلو من أن تكون حادثة، أو تكون قديمة، ولا ثالث لهما، فعلى الأوّل لزم قيام الحادث بذاته تعالى وهو مستحيل، وعلى الثاني لزم تعدد القدماء وقد برهن في محلّه استحالة ذلك.فالنتيجة على ضوئها أمران :الأوّل : أنّ مبادئ هذه الصفات أفعاله تعالى الاختيارية.الثاني: أنها تمتاز عن الصفات الذاتية في نقطة واحدة، وهي نقطة واحدة، وهي أنّ الصفات الذاتية عين ذاته تعالى، فيستحيل اتصاف ذاته بعدمها بأن لا يكون ذاته في مرتبة ذاته عالماً ولا قادراً ولا حيّاً، وهذا بخلاف تلك الصفات، حيث إنه-ا أفعاله تعالى الاختيارية فتنفك عن ذاته وتتصف ذاته بعدمها، يعني يصح أن يقال : إنّه تعالى لم يكن خالقاً للأرض مثلاً ثمّ خلقها، ولم يكن رازقاً لزيد مثلاً ثمّ رزقه، وهكذا، ومن ثمة تدخل عليها أدوات الشرط وما شاكلها، ولم تدخل على الصفات العليا الذاتية.وإن شئتم قلتم : إنّ القدرة تتعلق بالصفات الفعلية وجوداً وعدماً، فانّ له تعالى أن يخلق شيئاً، وله أن لا يخلق، وله أن يرزق، وله أن لا يرزق، وهكذا، ولم تتعلق بالصفات الذاتية أبداً.وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر أنّ التكلم من الصفات الفعلية دون الصفات الذاتية، وذلك لوجود ملاك الصفات الفعلية فيه، حيث يصح أن يقال: إنّ-ه تعالى كلّم موسى (عليه السلام ولم يكلّم غيره، أو كلّم في الوقت الفلاني، ولم)

يكلّم في وقت آخر، وهكذا. ولا ح أن يقال: إنّه تعالى ليس عالماً بالشيء الفلاني، أو في الوقت الفلاني، فما ذكره الأشاعرة من أنّ التكلم صفة له تعالى، وكل صفة له قديم، نشأ من الخلط بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية.الثاني : أنّ كل كلام صادر من المتكلم بارادته واختياره مسبوق بتصوره في أفق النفس على الشكل الصادر منه، ولا سيّما إذا كان للمتكلم عناية خاصة به،كما إذا كان في مقام إلقاء خطابة أو شعر أو نحو ذلك، وهذا المرتب الموجود في أفق النفس هو الكلام النفسي، وقد دلّ عليه الكلام اللفظي، وإلى ذلك أشار قول الشاعر :إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما ***جعل اللسان على الفؤاد دليلاويردّه أوّلاً: أنّ هذه الدلالة ليست دلالة لفظية، وإنما هي دلالة عقلية كدلالة وجود المعلول على وجود علّته، ومن هنا لا تختص بخصوص الألفاظ، بل تعم كافة الأفعال الاختيارية.وبكلمة أخرى بعد ما ذكرنا في بحث الحروف (1أنّ الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية، ولا للموجودات الذهنية، فلا يعقل أن تكون تلك الصورة معنى لها، لتكون دلالتها عليها دلالة وضعية، بل هي من ناحية أن صدور الألفاظ عن لافظها حيث كان بالاختيار والارادة، فبطبيعة الحال تدل على تصوّرها في أفق النفس دلالة المعلول على علّته، بقانون أن كل فعل صادر عن الانسان بالاختيار لابد أن يكون مسبوقاً بالتصور والالتفات، وإلا فلا يكون اختيارياً، وعلى هذا فكل فعل اختياري ينقسم إلى نوعين: الأوّل الفعل النفسي. الثاني : الفعل الخارجي. فلا يختص ذلك بالكلام فحسب، ولا أظن أنّ)


1) في ص 56.

الأشاعرة يلتزمون بذلك.وثانياً : أن تلك الصورة نوع من العلم، وقد عرفت أن الأشاعرة قد اعترفت بأنّ الكلام النفسي صفة أخرى في مقابل صفة العلم (1.)الثالث : لا ريب في أنّ اللّه تعالى متكلم، وقد دلّت على ذلك عدّة من الآيات، ولازم ذلك قيام المبدأ على ذاته قياماً وصفياً، لا قيام الفعل بالفاعل، وإلا لم يصح إطلاق المتكلم عليه، ومن هنا لا يصح إطلاق النائم والقائم والمتحرك والساكن والذائق وما شاكل ذلك عليه تعالى مع أن مبادئ هذه الأوصاف قائمة بذاته قيام الفعل بالفاعل.وإن شئت قلت : إنّ هذه الهيئات وما شاكلها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل، وإنما تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الصفة بالموصوف، هذا من جهة.ومن جهة أخرى أنّ الذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسي هو تصحيح متكلميته تعالى في مقابل بقية صفاته، فانّ الكلام اللفظي حيث إنّه حادث لا يعقل قيامه بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف، لاستحالة كون ذاته تعالى محلاً للحوادث.فالنتيجة على ضوئها : هي أنّ كلامه تعالى نفسي لا لفظي.ولنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل نقضاً وحلاً.أمّا الأوّل : فلا ريب في أنّ اللّه تعالى متكلم بكلام لفظي، وقد دلّت على ذلك عدّة من الآيات والروايات منها : قوله تعالى: ﴿إِنَمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن


1) مرّ في ص 358.

يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (1)فانّ قوله (كُن فَيَكُونُ) كلامه تعالى، ومن هنا لا نظن أنّ الأشاعرة ينكرون ذلك، بل قد تقدّم (2)أنهم معترفون به. وعليه فما هو المبرّر لهم في إطلاق المتكلم بالكلام اللفظي عليه تعالى هو المبرّر لنا. وأما الثاني : فلأنّ المتكلم ليس مشتقاً اصطلاحياً، لفرض عدم المبدأ له، بل هو نظير هيئة اللابن والتامر والمتقمص والمتنعل والبقال وما شاكل ذلك، فانّ المبدأ فيها من أسماء الأعيان والذوات وهو اللبن والتمر والقميص والنعل والبقل، ولكن باعتبار اتخاذ الشخص هذه الأمور حرفةً وشغلاً ولازماً له صارت مربوطة به، ولأجل هذا الارتباط صح إطلاق هذه الهيئات عليه.

نعم، إنها مشتقات جعلية باعتبار جعلية مبادئها ومصادرها، والسبب في ذلك : أنّ الكلم ليس مصدراً للمتكلم، لفرض أنّ معناه الجرح لا الكلام، و «كلّم» ليس فعلاً ثلاثياً مجرداً له ليزاد عليه حرف فيصبح مزيداً فيه. وعليه فبطبيعة الحال يكون التكلم مصدراً جعلياً، والكلام اسم مصدر كذلك، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ المبدأ الجعلي للمتكلم في هذا الحال لا يخلو من أحد أمرين: إمّا التكلم أو الكلام، ولا ثالث لهما.

أما على الأوّل : فلا يرد عليه النقض بعدم صدق النائم والقائم والمتحرك وما شابه ذلك عليه تعالى، مع أنه موجد لمبادئها، وذلك لأنّ التكلم من قبيل الأفعال دون الأوصاف، والمبادئ في الهيئات المذكورة من قبيل الأوصاف دون الأفعال، ولأجل الاختلاف في هذه النقطة تمتاز هيئة المتكلم عن هذه الهيئات،


1) يس 36: 82.

2) في ص 357.

حيث إنها لا تصدق إلا على من تقوم به مبادؤها قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل، ومن ثمة لا تصدق عليه تعالى، وهذا بخلاف هيئة المتكلم، فانّها تصدق على من يقوم به التكلم قيام الفعل بالفاعل، ولا يعتبر في صدقها الاتصاف والحلول، ولذلك صح إطلاقها عليه تعالى من دون محذور.

وأما على الثاني : فالأمر أيضاً كذلك، والوجه فيه: أنّ الكلام عبارة عن الكيف المسموع الحاصل من تموّج الهواء واصطكاكه، ومن الطبيعي أن المتكيف بالكلام والمتصف به إنما هو الهواء دون غيره، فلا يعقل قيامه بغيره قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل، ولا فرق في ذلك بين ذاته تعالى وغيره.

ونتيجة ذلك : أن إطلاق المتكلم عليه تعالى كاطلاقه على غيره باعتبار إيجاده الكلام، بل الأمر كذلك في بعض المشتقات المصطلحة أيضاً، كالقابض والباسط وما شاكلها، فانّ صدقه عليه تعالى بملاك أنّه موجد للقبض والبسط ونحوهما، لا بملاك قيامها به قيام وصف أو حلول. وأمّا عدم صحّة إطلاق النائم والقائم والساكن وما شاكل ذلك عليه تعالى مع أنّه موجد لمبادئها، فيمكن تبريره بأحد وجهين:

الأوّل : أنّ ذلك ليس أمراً قياسياً، بحيث إذا صح الاطلاق بهذا الاعتبار في مورد صح إطلاقه في غيره من الموارد أيضاً بذلك الاعتبار، وليس لذلك ضابط كلّي، بل هو تابع للاستعمال والاطلاق، وهو يختلف باختلاف الموارد، فيصح في بعض الموارد دون بعض كما عرفت.

ودعوى أن هيئة الفاعل موضوعة لافادة قيام المبدأ بالذات قيام حلول خاطئة جداً، وذلك لما ذكرناه في بحث المشتق (1)من أن الهيئة موضوعة


1) في ص 335.

للدلالة على قيام المبدأ بالذات بنحو من أنحاء القيام، وأما خصوصية كون القيام بنحو الحلول أو الايجاد أو الوقوع أو غير ذلك، فهي خارجة عن مفاد الهيئة.

وقد تحصّل من ذلك : أنه ليس لما ذكرناه ضابط كلّي، بل يختلف باختلاف الموارد، ومن هنا لا يصح إطلاق المشتق في بعض الموارد على من يقوم به المبدأ قيام حلول كاطلاق المتكلم على الهواء فانّه لا يصح، وكذا إطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب، وهكذا. مع انّ قيام المبدأ فيها قيام الحال بالمحل.

الثاني : يمكن أن يكون منشأ ذلك اختلاف نوعي الفعل، أعني المتعدي واللازم.

بيان ذلك : أن الفعل إذا كان متعدياً كفى في اتصاف فاعله به قيامه به قيام صدور وإيجاد، وأما الزائد على هذا فغير معتبر فيه، وذلك كالقابض والباسط والخالق والرازق والمتكلم والضارب وما شاكلها. وأما إذا كان لازماً فلا يكفي في اتصافه به صدوره منه، بل لا بد في ذلك من قيام المبدأ ب-ه ق-ي-ام الص-فة

لابد بالموصوف، والحال بالمحل، وذلك كالعالم والنائم والقائم وما شاكله.

وعلى ضوء هذا الضابط يظهر وجه عدم صحّة إطلاق النائم والقائم عليه تعالى، كما يظهر وجه صحّة إطلاق العالم والخالق والقابض والباسط والمتكلم وما شابه ذلك عليه (سبحانه وتعالى)، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : يظهر وجه عدم صحّة إطلاق المتكلم على الهواء، وإطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب،وهكذا.

الرابع : أنّ الكلام كما يصح إطلاقه على الكلام اللفظي الموجود في الخارج، كذلك يصح إطلاقه على الكلام النفسي الموجود في الذهن، من دون لحاظ عناية في البين، ومن هنا يصح أن يقول القائل: إنّ في نفسي كلاماً لا أريد أن أبديه.

ويشهد على ذلك : قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (1)وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّه) (2)ونحوهما ممّا يدلّنا على ذلك، وهذا الموجود المرتب في النفس هو الكلام النفسي، ويدل عليه الكلام اللفظي.)وجوابه يظهر ممّا ذكرناه آنفاً : من أنّ هذا الموجود المرتب في النفس ليس من سنخ الكلام ليكون كلاماً نفسياً عند القائلين به، بل هو صورة للك--لام اللفظي، ومن هنا قلنا إنّ ذلك لا يختص بالكلام، بل يعم كافة أنواع الأفعال الاختيارية.وبكلمة واضحة : إن أرادوا به أن يكون لكل فعل فردان: فرد خارجي، وفرد ذهني ومنه الكلام، فهو غير معقول، وذلك لأنّ قيام الأشياء بالنفس - قياماً علمياً - إنما هو بصورها لا بواقعها الموضوعي، وإلا لتداخلت المقولات بعضها في بعض، وهو مستحيل. نعم، الكيفيات النفسانية كالعلم والارادة ونحوهما قائمة بها بأنفسها وبواقعها الموضوعي، وإلا لذهبت إلى ما لا نهاية له. وعليه فلا يكون ما هو الموجود في النفس كلاماً حقيقةً، بل هو صورة ووجود علمي له.وإن أرادوا به صورة الكلام اللفظي فقد عرفت أنها من مقولة العلم، وليست بكلام نفسي في شيء، على أنك عرفت أنّ الكلام النفسي عندهم مدلول للكلام اللفظي وتلك الصورة ليست مدلولة له، كما تقدّم (3.)


1) الملك 67: 13.

2) البقرة 2: 284.

3) في ص 359.

ومن هنا يظهر أنّ إطلاق الكلام على هذا المرتب الموجود في النفس مجاز، إمّا بعلاقة الأول، أو بعلاقة المشابهة في الصورة.وأما الآيتان الكريمتان فلا تدلان بوجه على أنّ هذا الموجود في النفس كلام نفسي.أما الآية الأولى فيحتمل أن يكون المراد فيها من القول السر هو القول الموجود في النفس، فالآية تكون عندئذٍ في مقام بيان أن اللّه تعالى عالم به سواء أظهروه في الخارج أم لم يظهروه، وإطلاق القول عليه يكون بالعناية. ويحتمل أن يكون المراد منه القول السرّي، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة. فإذن الآية أجنبية عن الدلالة على الكلام النفسي بالكلية.وأما الآية الثانية : فيحتمل أن يكون المراد ممّا في الأنفس صورة الكلام، ويحتمل أن يكون المراد منه نيّة السوء، وهذا الاحتمال هو الظاهر منها، وكيف كان فلا صلة للآية بالكلام النفسي أصلاً.نتائج البحث لحد الآن عدّة نقاط :الأولى: أنّ ما ذكر من المعاني المتعددة لمادة الأمر لا واقع موضوعي له، وقد عرفت أنها موضوعة لمعنيين : إبراز الأمر الاعتبار النفساني في الخارج وحصّة خاصة من الشيء، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره من أن الأهمية في الجملة مأخوذة في معنى الأمر لا أصل له، ومن هنا قلنا بصحة توصيف الأمر بما لا أهمية له بدون عناية، كما أنّه لا أصل لجعل معناه واحداً، لم-ا ذكرناه من أنّ اختلافه في الجمع شاهد على تعدد معناه.)ومن ناحية ثالثة : أنّ ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره من أنّه موضوع)

للمعنى الجامع بينهما خاطئ جداً، لما سبق من أنّ الجامع الذاتي بينه-ا غ--ير معقول.الثانية : لا ثمرة للبحث عن أنّ معنى الأمر واحد أو متعدد.الثالثة : لا يمكن أن يكون القول المخصوص - هيئة افعل - معنى الأمر، لعدم إمكان الاشتقاق منه باعتبار هذا المعنى، وما ذكره شيخنا المحقق (قدس سره في تصحيح ذلك قد عرفت فساده.)الرابعة : أنّ العلوّ معتبر في معنى الأمر، ولا يكفي الاستعلاء.الخامسة : أنّ الوجوب ليس مفاد الأمر لا وضعاً ولا إطلاقاً، بل هو بحكم العقل، فينتزعه عند عدم نصب قرينة على الترخيص.السادسة : أنّ الطلب مغاير للارادة مفهوماً وواقعاً، حيث إن الطلب فعل اختياري للانسان والارادة من الصفات النفسانية الخارجة عن الاختيار، ومن ثمة ذكرنا أنه لا وجه لما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره من اتحاده مع الارادة مفهوماً وخارجاً.)السابعة : أنّه لا واقع موضوعي للكلام النفسي أصلاً، ولا يخرج عن مجرد الفرض والخيال.الثامنة : أنّ ما ذكره الأشاعرة من الأدلة لاثبات الكلام النفسي قد عرفت فسادها جميعاً.

#### 2 - نظرية الفلاسفة : إرادة اللّه ذاتيةنظرية الفلاسفة إرادته تعالى ذاتية، ونقدهاالمعروف والمشهور بين الفلاسفة قديماً وحديثاً هو أن إرادته تعالى م-ن الصفات العليا الذاتية كصفة العلم والقدرة،والحياة ومال إلى ذلك جماعة من الأصوليين منهم المحقق صاحب الكفاية وشيخنا المحقق (قدس سرهما.)قال في الكفاية (1: إنّ إرادته التكوينية هو العلم بالنظام الكامل التام.)ولكن أورد عليه شيخنا المحقق (2(قدس سره) بأنّ هذا التفسير غير صحيح وقد أفاد في وجه ذلك بما إليك نصه :)لا ريب في أنّ مفاهيم صفاته تعالى الذاتية متخالفة، لا متوافقة مترادفة، وإن كان مطابقها في الخارج واحداً بالذات من جميع الجهات، مثلاً مفهوم العلم غير مفهوم الذات ومفهوم بقية الصفات، وإن كان مطابق الجميع ذاته بذاته لا شيء آخر منضماً إلى ذاته، فانّه تعالى صرف الوجود، وصرف القدرة، وصرف العلم، وصرف الحياة، وصرف الارادة، ولذا قالوا وجود كلّه، وقدرة كلّه وعلم كلّه، وإرادة كلّه، مع أن مفهوم الارادة مغاير لمفهوم العلم ومفهوم الذات وسائر الصفات، وليس مفهوم الارادة العلم بالنظام الأصلح الكامل التام كما فسرها بذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره ضرورة أنّ رجوع صفة)


1) كفاية الأصول : 67.

2) نهاية الدراية 1 : 278 مع اختلاف في الألفاظ).

ذاتية إلى ذاته تعالى وتقدس وإلى صفة أخرى كذلك إنما هو في المصداق، لا في المفهوم، لما عرفت من أنّ مفهوم كل واحد منها غير مفهوم الآخر، ومن هنا قال الأكابر من الفلاسفة : إن مفهوم الارادة هو الابتهاج والرضا أو ما يقاربهما معنى، لا العلم بالصلاح والنظام، ويعبّر عنه بالشوق الأكيد فينا، والسرّ في التعبير عن الارادة فينا بالشوق المؤكد، وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى، هو أنا لمكان إمكاننا ناقصون في الفاعلية وفاعليتنا لكل شيء بالقوة، فلذا نحتاج في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى مقدّمات زائدة على ذواتنا من تصور الفعل، والتصديق بفائدته والشوق الأكيد، فيكون الجميع محرّكاً للقوة الفاعلة المحركة للعضلات وهذا بخلاف الواجب تعالى فانّه لتقدسه عن شوائب الامكان وجهات القوّة،والنقصان فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وحيث إنه صرف الوجود وصرف الخير مبتهج بذاته أتم الابتهاج، وذاته مرضي لذاته أتم الرضا، وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي - وهو الارادة الذاتية - ابتهاج في مرحلة الفعل، فان من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبة الفعلية هي الارادة في مرحلة الفعل، وهي التي وردت الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام بحدوثها.)يحتوي ما أفاده (قدس سره على عدّة نقاط :)الأولى: أنّ مفهوم الارادة غير مفهوم العلم، فانّ مفهوم الارادة الابتهاج والرضا، ومفهوم العلم الانكشاف، فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر، وإن كان مطابقها واحداً، وهو ذاته تعالى.الثانية : أنّ إرادته تعالى من الصفات الذاتية العليا كالعلم والقدرة وم-ا شاكلهما، وليست من الصفات الفعلية.الثالثة : أنّ الارادة فينا عبارة عن الشوق الأكيد المحرّك للقوة العاملة المحرّكة للعضلات نحو المراد، وتحققها ووجودها في النفس يتوقف على مقدمات

كالتصور والتصديق بالفائدة ونحوهما، ومن الواضح أن الارادة بهذا المعنى لا تتصور في حقه سبحانه وتعالى، فانّ فاعليته تامة، لا نقصان فيها أبداً، وأنه فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، ولا تتوقف فاعليته على أية مقدّمة خارجة عن ذاته تعالى.الرابعة : أنّ الابتهاج في مرحلة الفعل هو الارادة الفعلية المنبعث ع-ن الابتهاج الذاتي الذي هو الارادة الذاتية، والروايات الدالة على حدوث الارادة إنما يراد بها الارادة الفعلية التي هي من آثار إرادته الذاتية.ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط :أمّا النقطة الأولى : فهي تامة من ناحية، وهي أن مفهوم الارادة غير مفهوم العلم،، وخاطئة من ناحية أخرى، وهي أنّ مفهوم الارادة الابتهاج والرضا.أما تماميتها من الناحية الأولى، فلما ذكرناه في بحث المشتق (1من أن مفاهيم الصفات العليا الذاتية مختلفة ومتباينة، فانّ مفهوم العلم غير مفهوم القدرة وهكذا، ولا فرق في ذلك بين الواجب والممكن. نعم، يفترق الواجب عن الممكن في نقطة أخرى، وهي أنّ مطابق هذه الصفات في الواجب واحد عيناً وذاتاً وجهةً، وفي الممكن متعدد كذلك.)وأمّا عدم تماميتها من الناحية الثانية، فلأنّ من الواضح أن مفهوم الارادة ليس هو الابتهاج والرضا، لا لغةً ولا عرفاً، وإنما ذلك اصطلاح خاص من الفلاسفة، حيث إنهم فسّروا الارادة الأزلية بهذا التفسير. ولعل السبب فيه التزامهم بعدة عوامل تالية :الأوّل : أنّ إرادته تعالى عين ذاته خارجاً وعيناً.


1) في ص 333.

الثاني : أنها ليست بمعنى الشوق الأكيد المحرك للعضلات، كما عرفت.الثالث : أنّها مغايرة للعلم والقدرة والحياة، وما شاكلها من الصفات العليا بحسب المفهوم.الرابع : أنه لم يوجد معنى مناسب للارادة غير المعنى المذكور، وبطبيعة الحال أنّ النتيجة على ضوء هذه العوامل هي ما عرفت.ولكن هذا التفسير خاطئ جداً، وذلك لأنّ الارادة لا تخلو من أن تكون بمعنى إعمال القدرة أو بمعنى الشوق الأكيد ولا ثالث لهما، وحيث إنّ الارادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته تعالى تتعين الارادة بالمعنى الأوّل له سبحانه وهو المشيئة وإعمال القدرة.وأضف إلى ذلك : أنّ الرضا من الصفات الفعلية كسخطه تعالى، وليس من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ونحوهما، وذلك لصحة سلبه عن ذاته تعالى، فلو كان الصفات العليا لم يصح السلب أبداً.من على أنا لو فرضنا أنّ الرضا من الصفات الذاتية فما هو الدليل على أنّ إرادته أيضاً كذلك، بعد ما عرفت من أنّ صفة الارادة غير صفة الرضا، وكيف كان فما أفاده (قدس سره لا يمكن المساعدة عليه بوجه.)وأما النقطة الثانية : - إرادته تعالى صفة ذاتية له - فهي خاطئة ج-داً، والسبب في ذلك أولاً : ما تقدّم من أنّ الارادة بمعنى الشوق المؤكد لا تعقل في ذاته تعالى، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : قد سبق أن تفسير الارادة بصفة الرضا والابتهاج تفسير خاطئ لا واقع له. ومن ناحية ثالثة: ناحية ثالثة : أنا لا نتصور لارادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة.وثانياً : قد دلّت الروايات الكثيرة على أنّ إرادته تعالى فعله، كما نص ب-ه

قوله سبحانه: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (1)وليس في شيء م--ن هذه الروايات إيماء فضلاً عن الدلالة على أنّ له تعالى إرادة ذاتية أيضاً، بل فيها ما يدل على نفي كون إرادته سبحانه ذاتية، كصحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال «قلت: لم يزل اللّه مريداً ؟ قال : إنّ المريد لا يكون إلا لمراد معه لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد» (2)ورواية الجعفري قال «قال الرضا (عليه السلام): المشيئة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد» (3)فهاتان الروايتان تنصان على نفى الارادة الذاتية عنه سبحانه.)ثم إن سلطنته تعالى حيث كانت تامة من كافة الجهات والنواحي ولا يتصور النقص فيها أبداً، فبطبيعة الحال يتحقق الفعل في الخارج ويوجد بصرف إعمالها من دون توقفه على أية مقدّمة أخرى خارجة عن ذاته تعالى كما هو مقتضى قوله سبحانه: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ.)وقد عبّر عن هذا المعنى في الروايات تارة بالمشيئة، وتارة أخرى بالاحداث والفعل.أمّا الأوّل: كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام قال: «المشيئة محدثة» (4). وصحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «خلق اللّه المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة» (5)ومن الطبيعي أنّ)


1) يس 36 :82.

2) أصول الكافي 1: 109 ح 1.

3) بحار الأنوار 4: 145 ح 18.

4) أصول الكافي 1: 110 ح 7.

5) بحار الأنوار 4: 145 ح 20.

المراد بالمشيئة هو إعمال القدرة،والسلطنة، حيث إنّها مخلوقة بنفسها، لا بإعمال قدرة أخرى، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية له.وأمّا الثاني : كما في صحيحة صفوان بن يحيى قال (عليه السلام: «الارادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من اللّه تعالى، فارادته إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق فارادة اللّه الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همة ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنه لا كيف له» (1)فهذه الصحيحة تنص على أنّ إرادته تعالى هي أمره التكويني.)وأما النقطة الثالثة : فهي تامة لوضوح أنّ إرادتنا هي الشوق المؤكد الداعي إلى إعمال القدرة والسلطنة نحو إيجاد المراد، وسنبين إن شاء اللّه تعالى أن ملاك كون الأفعال في إطار الاختيار هو صدورها بإعمال القدرة والمشيئة لا كونها مسبوقةً بالارادة، بداهة أنّ الارادة بكافة مقدّماتها غير اختيارية فلا يعقل أن تكون ملاكاً لاختياريتها. على أنا نرى وجداناً وبشكل قاطع أن الارادة ليست علّة تامّة للأفعال، وسيأتي توضيح هذه النقاط بصورة مفصلة إن شاء اللّه تعالى.وأمّا النقطة الرابعة : فيرد عليها أنّ الروايات قد دلّت على أن إرادته تعالى ليست كعلمه وقدرته ونحوهما من الصفات الذاتية العليا، بل هي فعله وإعمال قدرته كما عرفت. وإن شئتم قلتم : لو كانت للّه تعالى إرادتان: ذاتية وفعلية، لأشارت الروايات بذلك لا محالة، مع أنها تشير إلى خلاف ذلك.ثمّ إنّ قوله (عليه السلام في الصحيحة المتقدمة (2)«إنّ المريد لا يكون إلا)


1) أصول الكافي 1: 109 ح 3.

2) في الصفحة السابقة.

لمراد معه» إشارة إلى أنّ الارادة الإلهية لو كانت ذاتية لزم قدم العالم، وه-و باطل.ويؤيد هذا : رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام «فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد» (1)فانّه صريح في أنّ إرادته ليست عين ذاته كالعلم والقدرة والحياة.)لحدّ الآن قد ظهر أمران :الأوّل : أنّه لا مقتضي لما التزم به الفلاسفة وجماعة من الأصوليين منهم صاحب الكفاية وشيخنا المحقق (قدس سرهما من كون إرادته تعالى صفة ذاتية له، بل قد تقدّم عدم تعقل معنى محصل لذلك.)الثاني : أنّ محاولتهم لحمل الروايات الواردة في هذا الموضوع على إرادت-ه الفعلية دون الذاتية خاطئة ولا واقع موضوعي لها، فانّها في مقام بيان انحصار إرادته تعالى بها.ولشيخنا المحقق الاصفهاني (قدس سره في المقام كلام (2)وحاصله : أنّ مشيئته تعالى على قسمين :)مشيئة ذاتية، وهي عين ذاته المقدّسة، كبقية صفاته الذاتية، فهو تعالى صرف المشيئة، وصرف القدرة، وصرف،العلم وصرف الوجود، وهكذا، فالمشيئة الواجبة عين الواجب تعالى.ومشيئة فعلية، وهي عين الوجود الاطلاقي المنبسط على الماهيات، والمراد من المشيئة الواردة في الروايات من أنّه تعالى خلق الأشياء بالمشيئة، والمشيئة


1) بحار الأنوار 4: 145 ح 18.

2) نهاية الدراية 1 : 287 في الهامش.

حول إرادة اللّه تعالىبنفسها، هو المشيئة الفعلية التي هي عين الوجود المنبسط، والوجود الاطلاقي، والمراد من الأشياء هو الموجودات المحدودة الخاصّة، فموجودية هذه الأشياء بالوجود المنبسط، وموجودية الوجود المنبسط بنفسها، لا بوجود آخر، وهذا معنى قوله (عليه السلام «خلق اللّه الأشياء بالمشيئة» أي بالوجود المنبسط الذي هو فعله الاطلاقي، وخلق المشيئة بنفسها، ضرورة أنه ليس للوجود المنبسط ما به الوجود.)ولا يخفى أنّه (قدس سره قد تبع في ذلك نظرية الفلاسفة القائلة بتوحيد الفعل، وبطبيعة الحال أنّ هذه النظرية ترتكز على ضوء علية ذاته الأزلية للأشياء، وعلى هذا الضوء فلا محالة يكون الصادر الأوّل منه تعالى واحداً ذاتاً ووجوداً، لاقتضاء قانون السنخية والتناسب بين العلة والمعلول ذلك. وهذا الصادر الواحد هو الوجود الاطلاقي المعبّر عنه بالوجود المنبسط تارةً وبالمشيئة الفعلية تارة أخرى، وهو الموجود بنفسه لا بوجود آخر، يعني أنه لا واسطة بينه وبين وجوده الأزلي، فهو معلوله الأوّل، والأشياء معلوله بواسطته، وهذا المعنى هو مدلول صحيحة عمر بن أذينة المتقدمة (1).)ولنأخذ بالنقد عليه من وجهين :الأوّل : أنّ القول بالوجود المنبسط في إطاره الفلسفي يرتكز على نقطة واحدة، وهي أنّ نسبة الأشياء بشتى أنواعها وأشكالها إلى ذاته تعالى نسبة المعلول إلى العلّة التامة، ويترتب على هذا :أمران الأوّل التجانس والتساخ بين ذاته تعالى وبين معلوله. الثاني: التعاصر بينهما، وعليه حيث إنّه لا تجانس بين موجودات عالم المادة بكافة أنواعها وبين ذاته تعالى، فلابد من الالتزام بالنظام الجملي السلسلي، وهو عبارة عن ترتب مسببات على أسباب متسلسلة، فالأسباب


1) في ص 378.

والمسببات جميعاً منتهيتان في نظامها الخاص وإطارهما المعيّن بحسب الطولية والعرضية معاً إلى مبدأ واحد وهو الحق سبحانه، وهو مبدأ الكل، فالكل ينال منه، وهو مسبّب الأسباب على الاطلاق. ونتيجة هذا أنّ الصادر الأوّل من اللّه تعالى لا بد أن يكون مسانخاً لذاته ومعاصراً معها، وإلا استحال صدوره منه. ومن الطبيعي أنّ ذلك لا يكون إلا الوجود المنبسط في إطاره الخاص.وغير خفي أنّه لا شبهة في بطلان النقطة المذكورة وأنه لا واقع موضوعي لها أصلاً، والسبب في ذلك واضح، وهو أنّ سلطنته تعالى وإن كانت تامة من كافة الجهات ولا يتصور النقص فيها أبداً، إلّا أنّ مردّ هذا ليس إلى وجوب صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه، كوجوب صدور المعلول عن العلة التامة، بل مردّه إلى أنّ الأشياء بكافة أشكالها وأنواعها تحت قدرته وسلطنته التامة، وأنه تعالى متى شاء إيجاد شيء أوجده بلاتوقف على أية مقدمة خارجة ذاته وإعمال قدرته حتّى يحتاج في إيجاده إلى تهيئة تلك المقدمة، وهذا معنى السلطنة المطلقة التي لا يشذ شيء عن إطارها.ومن البديهي أنّ وجوب وجوده تعالى، ووجوب قدرته، وأنه تعالى وجود كله، ووجوب كله، وقدرة كلّه لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج، وذلك لأن الضرورة ترتكز على أن يكون إسناد الفعل إليه تعالى كاسناد المعلول إلى العلة التامة، لا إسناد الفعل إلى الفاعل المختار، فلنا دعويان:الأولى: أنّ إسناد الفعل إليه ليس كاسناد المعلول إلى العلة التامة.الثانية : أنّ إسناده إليه كاسناد الفعل إلى الفاعل المختار.أما الدعوى الأولى : فهي خاطئة عقلاً ونقلاً.أمّا الأوّل : فلأن القول بذلك يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة والسلطنة عنه تعالى، فانّ مردّ هذا القول إلى أنّ الوجودات بكافة مراتبها الطولية والعرضية

موجودة في وجوده تعالى بنحو أعلى وأتم وتتولد منه على سلسلتها الطولية تولد المعلول عن علته التامة، فانّ المعلول من مراتب وجود العلة النازلة، وليس شيئاً أجنبياً عنه. مثلاً الحرارة من مراتب وجود النار وتتولد منها، وليست أجنبية عنها، وهكذا.وعلى هذا الضوء فمعنى علية ذاته تعالى للأشياء ضرورة تولدها منها وتعاصرها معها كضرورة تولد الحرارة من النار وتعاصرها معها، ويستحيل انفكاكها عنها غاية الأمر أنّ النار علّة طبيعية غير شاعرة، ومن الواضح أنّ الشعور والالتفات لا يوجبان تفاوتاً في واقع العلية وحقيقتها الموضوعية، فإذا كانت الأشياء متولدةً من وجوده تعالى بنحو الحتم والوجوب، وتكون من مراتب وجوده تعالى النازلة بحيث يمتنع انفكاكها عنه، فإذن ما هو معنى قدرته تعالى وسلطنته التامة. على أنّ لازم هذا القول انتفاء وجوده تعالى بانتفا شيء من هذه الأشياء في سلسلته الطولية، لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علّته.وأما الثاني : فقد تقدّم (1ما يدل من الكتاب والسنّة على أنّ صدور الفعل منه تعالى بارادته ومشيئته.)ومن هنا يظهر أنّ ما ذكر من الضابط للفعل الاختياري، وهو أن يكونصدوره من الفاعل عن علم وشعور، وحيث إنّه تعالى عالم بالنظام الأصلح فالصادر منه فعل اختياري، لا يرجع إلى معنىً محصل، بداهة أنّ علم العلة بالمعلول وشعورها به لا يوجب تفاوتاً في واقع العلية وتأثيرها، فانّ العلة سواء أكانت شاعرة أم كانت غير شاعرة فتأثيرها في معلولها بنحو الحتم والوجوب، ومجرد الشعور والعلم بذلك لا يوجب التغيير في تأثيرها والأمر بيدها، وإلا لزم الخلف.


1) في ص 378.

فما قيل : من أنّ الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار هو أن الأوّل غير شاعر وملتفت إلى فعله دون الثاني، فلأجل ذلك قالوا إن ما صدر من الأوّل غير اختياري وما صدر من الثاني اختياري لا واقع موضوعي له أصلاً، لما عرفت من أنّ مجرد العلم والالتفات لا يوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض أن نسبة الفعل إلى كليهما على حد نسبة المعلول إلى العلة التامة.وأمّا الدعوى الثانية : فقد ظهر وجهها ممّا عرفت من أنّ إسناد الفعل إليه تعالى إسناد إلى الفاعل المختار، وقد تقدّم أنّ صدوره باعمال القدرة والسلطنة، وبطبيعة الحال أنّ سلطنة الفاعل مهما تمت وكملت زاد استقلاله واستغناؤه عن الغير، وحيث إنّ سلطنة الباري (عزّ وجلّ تامة من كافة الجهات والحيثيات ولا يتصور فيها النقص أبداً، فهو سلطان مطلق، وفاعل ما يشاء، وهذا بخلاف سلطنة العبد، حيث إنها ناقصة بالذات فيستمدها في كل آن من الغير، فهو من هذه الناحية مضطر فلا اختيار ولا سلطنة له وإن كان له اختيار وسلطنة من ناحية أخرى، وهي ناحية إعمال قدرته وسلطنته، وأما سلطنته تعالى فهي تامة وبالذات من كلتا الناحيتين.)لحدّ الآن قد تبيّن : أنّ القول بالوجود المنبسط باطاره الفلسفي الخاص وبواقعه الموضوعي يستلزم الجبر في فعله تعالى ونفي القدرة والسلطنة عنه، أعاذنا اللّه من ذلك.الوجه الثاني : أنّ ما أفاده (قدس سره من المعنى للحديث المذكور خلاف الظاهر جداً، فانّ الظاهر منه بقرينة تعلّق الخلق بكل من المشيئة والأشياء تعدد المخلوق، غاية الأمر أنّ أحدهما مخلوق له تعالى بنفسه وهو المشيئة، والآخر مخلوق له بواسطتها.)وإن شئت قلت : إن تعدد الخلق بطبيعة الحال يستلزم تعدد المخلوق،

والمفروض أنه لا تعدد على المعنى الذي ذكره (قدس سره تبعاً لبعض الفلاسفة، فانّ المخلوق على ضوء هذا المعنى هو الوجود المنبسط فحسب دون غيره من الأشياء، لأنّ موجوديتها بنفس الوجود المنبسط لا بايجاد آخر. مع أنّ ظاهر الرواية بقرينة تعدد الخلق أنّ موجوديتها بايجاد آخر.)وقد تحصّل من ذلك : أنّ ما أفاده (قدس سره لا يمكن الالتزم به ثبوتاً ولا إثباتاً.)#### 3 - نظرية الأشاعرة: مسألة الجبر##### استدلال الأشاعرة على الجبراستدلوا على الجبر بوجوه:الأوّل: ما إليكم نصه : لو كان العبد موجداً لأفعاله بالاختيار والاستقلال لوجب أن يعلم تفاصيلها، واللازم باطل. أما الشرطية - أي الملازمة - فلأنّ الأزيد والأنقص ممّا أتى به ممكن، إذ كل فعل من أفعاله يمكن وقوعه منه على وجوه متفاوتة بالزيادة والنقصان فوقوع ذلك المعيّن منه دونهما لأجل القصد إليه بخصوصه، والاختيار المتعلق به وحده مشروط بالعلم به كما تشهد به البداهة، فتفاصيل الأفعال الصادرة عنه باختياره لا بد أن تكون مقصودة معلومة، وأمّا بطلان اللازم فلأنّ النائم وكذا الساهي قد يفعل باختياره كانقلابه من جنب إلى جنب آخر، ولا يشعر بكمية ذلك الفعل وكيفيته (1.)


1) شرح المواقف 8: 148.

والجواب عنه: أنّ دخل العلم والالتفات في صدور الفعل عن الفاعل بالاختيار أمر لا يعتريه شك ولم يختلف فيه اثنان وبدون ذلك لا يكون اختيارياً، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : أنّ العلم المعتبر في ذلك إنما هو العلم بعنوان الفعل والالتفات إليه حين صدوره بأن يعلم الانسان أنّ ما يصدر منه في الخارج ينطبق عليه عنوان شرب الماء مثلاً أو الصلاة أو الص--وم أو الح--ج أو قراءة القرآن أو السفر إلى بلد أو التكلم أو ما شابه ذلك، ومن الواضح أنّه لا يعتبر في صدور هذه الأفعال بالاختيار أزيد من ذلك، فإذا علم الانسان بالصلاة بما لها من الأجزاء والشرائط وأتى بها كذلك، فقد صدرت منه بالاختيار وإن كان لا يعلم حقيقة أجزائها ودخولها تحت أية مقولة من المقولات.فالنتيجة : أنّ ملاك صدور الفعل بالاختيار هو سبقه بالالتفات والتصور على نحو الاجمال في مقابل صدوره غفلةً وسهواً.وبعد ذلك نقول : إن أراد الأشعري من العلم بتفاصيل الأفعال العلم بكنهها وحقيقتها الموضوعية فيرده :أولاً : أنّ ذلك لا يتيسر لغير علّام الغيوب، فان حقائق الأشياء بكافة أنواعها وأشكالها مستورة عنّا، ولا طريق لنا إليها، لأن أفكارنا لا تملك قوّة إدراكها والوصول إلى واقعها ومغزاها.وثانياً : أنّ هذا العلم لا يكون ملاكاً لاتصاف الفعل بالاختيار كما عرفت. وإن أراد منه العلم بما يوجب تمييز الأفعال بعضها عن بعضها الآخر، كأن يعلم بأنّ ما يفعله خارجاً ويأتي به شرب ماء مثلاً لاشرب خل وهكذا، وإن لم يعلم كنهه وحقيقته فهو صحيح كما مرّ، إلّا أنّ اللازم على هذا ليس بباطل،

لفرض أنّ كل فاعل مختار يعلم أفعاله في إطار عناوينها الخاصّة.وإن أراد منه العلم بحدها التام المشهوري أو برسمها التام أو الناقص فيرد عليه :أوّلاً : أنّ ذلك العلم لا يتيسر لأغلب الناس، بداهة أن العامي لا يعرف جنس الأشياء ولا فصلها ولا خواصها حتّى يعرف حدّها التام أو الناقص أو رسمها التام أو الناقص.وثانياً : قد سبق أنّ هذا العلم لا يكون مناطاً لصدور الفعل بالاختيار.ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره لبيان بطلان اللازم من أنّ النائم وكذا الساهي قد يفعله باختياره غريب جداً، بداهة أنّ ما يصدر منها من الحركة كالتقلب من جنب إلى جنب آخر أو نحو ذلك غير اختياري، ولذا لا يستحقان عليه المدح والذم والعقاب والثواب. وقد تقدّم أنّ الالتفات إلى الفعل على نحو الاجمال ركيزة أساسية لاختياريته، وبدونه لا يعقل صدوره بالاختيار.الثاني : ما إليك نصه: إنّ العبد لو كان م-وج-داً لفعله بقدرته واختياره استقلالاً فلابد أن يتمكن من فعله وتركه، وإلا لم يكن قادراً عليه مستقلاً فيه وأن يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجح، إذ لو لم يتوقف عليه ك-ان صدور الفعل عنه مع جواز طرفيه وتساويها اتفاقياً لا اختيارياً، ويلزم أيضاً أن لا يحتاج وقوع أحد الجائزين إلى سبب، فينسدّ باب إثبات الصانع، وذلك المرجّح لا يكون من العبد باختياره، وإلا لزم التسلسل، لأنا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجّح عنه ويكون الفعل عنده أي عند ذلك المرجح - واجباً، أي واجب الصدور عنه بحيث يمتنع تخلفه عنه، وإلا لم يكن الموجود - أي ذلك المرجح المفروض - تمام المرجح، لأنّه إذا لم يجب منه الفعل حينئذ جاز أن

يوجد معه الفعل تارةً ويعدم أخرى، مع وجود ذلك المرجح فيها، فتخصيص أحد الوقتين بوجوده يحتاج إلى مرجح لما عرفت، فلا يكون ما فرضناه مرجحاً تاماً، هذا خلف، وإذا كان الفعل مع المرجح الذي ليس منه واجب الصدور عنه فيكون ذلك الفعل اضطرارياً لازماً لا اختيارياً بطريق الاستقلال كما زعموه (1.)يتضمن هذا النص عدّة نقاط :الأولى: أنّ العبد لو كان مستقلاً في فعله ومختاراً فلازمه أن يكون متمكناً من تركه وفعله.الثانية : أنّ ترجيح وجود الفعل على عدمه في الخارج يتوقف على وجود مرجح، إذ لو وجد بدونه لكان اتفاقياً لا اختيارياً.الثالثة : أنّ وقوع أحد الجائزين - الوجود والعدم - في الخارج لو كان ممكناً من دون وجود مرجّح وسبب لا نسدّ باب إثبات الصانع ولأمكن وجود العالم بلا سبب وعلّة.الرابعة : أن المرجح لا يمكن أن يكون تحت اختيار العبد، وإلا لزم التسلسل.الخامسة : أنّ وجود الفعل واجب عند تحقق المرجح.ولنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط :أمّا النقطة الأولى : فالصحيح على ما سيأتي بيانه بشكل واضح أن يقال: إن ملاك صدور الفعل عن الانسان بالاختيار هو أن يكون باعمال القدرة والسلطنة ويعبّر عن هذا المعنى بقوله : له أن يفعل وله أن لا يفعل، ولا ينافي ذلك ما سنحققه إن شاء اللّه تعالى في المبحث الآتي وه-و بحث الأم-ر ب-ين


1) شرح المواقف 8: 149.

الأمرين (1أنّ العبد لا يستقل في فعله تمام الاستقلال، حيث إنّ كافة مبادئ الأفعال كالحياة والقدرة والعلم والاختيار مفاضة من اللّه تعالى آناً فاناً وخارجة عن اختياره، بحيث لو انقطعت الافاضة آناً ما لانتفت تلك المبادئ بأسرها.)وعلى هذا الضوء فان أريد من استقلال العبد استقلاله من كافة النواحي فهو باطل، لا ما هو لازمه فانّه صحيح على تقدير ثبوته. وإن أري--د م-نه استقلاله في فرض تحقق تلك المبادئ وإفاضتها فهو صحيح، وكذا لازمه. وعلى كلا التقديرين فالتالي صادق.وأما النقطة الثانية : فهي خاطئة جداً، وذلك لأنها ترتكز على ركيزة لا واقع لها، وهي استحالة ترجيح وجود الفعل على عدمه بدون وجود مرجّح، والسبب في ذلك : أنّ المحال إنما هو وجود الفعل في الخارج بلا سبب وفاعل، وأما صدور الفعل الاختياري عن الفاعل من دون وج-ود م-رجّح له ليس بمحال، لما عرفت من أنّ وجوده خارجاً يدور مدار اختياره وإعمال قدرته من دون توقفه على شيء آخر كوجود المرجّح أو نحوه. نعم، بدونه يكون لغ--واً وعبثاً.وقد تحصّل من ذلك : أنّه لا دخل لوجود المرجح في إمكان الفعل أصلاً، ولا صلة لأحدهما بالآخر. على أنّ وجود المرجّح لاختيار طبيعي الفعل كافٍ وإن كانت أفراده متساوية من دون أن يكون لبعضها مرجّح بالاضافة إلى بعضها الآخر، ولا يلزم وجوده في كل فعل شخصي اختاره المكلف.ودعوى أن الاختيار هو المرجّح في فرض التساوي ساقطة بأنّ الاختيار لا يمكن أن يكون مرجحاً، لوضوح أنّ المرجح ما يدعو الانسان إلى اختيار


1) في ص 436، 440.

أحد فردين متساويين أو أفراد متساوية، فلا يعقل أن يكون هو المرجح، على أنه لو كان مرجّحاً لم يبق موضوع لما ذكر من أن ترجيح وجود الفعل على عدمه يتوقف على وجود مرجح لفرض أنّه موجود وهو الاختيار.ومن هنا يظهر بطلان ما ذكر من أنّ الفعل الصادر من دون وجود مرجح اتفاقي لا اختياري.وأمّا النقطة الثالثة : فقد ظهر فسادها ممّا أشرنا إليه في النقطة الثانية، من أن المحال إنّما هو وجود الفعل بلا سبب وفاعل، لا وجوده بدون وجود مرجح. وقد وقع الخلط في كلامه بين هذين الأمرين، وذلك لأنّ ما يوجب سدّ باب إثبات الصانع إنما هو وجود الممكن بدونه، حيث قد برهن في موطنه استحالة ترجح الممكن ووجوده من دون سبب وفاعل، لأنّ حاجة الممكن إليه داخلة في كمون ذاته وواقع مغزاه لفرض أنّه عين الفقر والحاجة لا ذات له الفقر والحاجة، فلا يمكن تحققه ووجوده بدونه.وأمّا وجوده بدون وجود مرجح كما هو محل الكلام فلا محذور فيه أصلاً.وأما النقطة الرابعة : فقد عرفت أنّ الفعل الاختياري لا يتوقف على وجود مرجّح له. وعلى تقدير توقفه عليه وافتراضه فلا يلزم أن يكون اختيارياً دائماً، لوضوح أنّ المرجح قد يكون اختيارياً، وقد لا يكون اختيارياً. وعلى تقدير أن يكون اختيارياً فلا يلزم التسلسل، وذلك لأنّ الفعل في وجوده يحتاج إلى وجود مرجّح، وأما المرجّح فلا يحتاج في وجوده إلى مرجّح آخر، بل هو ذاتي له، فلا يحتاج إلى سبب كما هو ظاهر.وأما النقطة الخامسة : فيظهر خطؤها ممّا ذكرناه من أنه لا دخل للمرجّح في صدور الفعل بالاختيار، فيمكن صدوره عن اختيار مع عدم وجود المرجّح

له أصلاً. كما أنّه يظهر بذلك أنّ وجوده لا يوجب وجوب صدور الفعل وضرورة وجوده في الخارج، وذلك لأنّ الفعل الاختياري ما يصدر بالاختيار وإعمال القدرة، سواء أكان هناك مرجّح أم لم يكن بداهة أنّ المرجّح مهما كان نوعه لا يوجب خروج الفعل عن الاختيار، ولو كان ذلك المرجّح هو الارادة، لما سنشير إليه (1إن شاء اللّه تعالى من أنّ الارادة مهما بلغت ذروتها من القوّة والشدّة لا توجب سلب الاختيار عن الانسان.)الثالث : ما إليكم لفظه : إنّ فعل العبد ممكن في نفسه، وكل ممكن مقدور اللّه تعالى لما مرّ من شمول قدرته للممكنات بأسرها، وقد مرّ مخالفة الناس من المعتزلة والفرق الخارجة عن الاسلام في أنّ كل ممكن مقدور اللّه تعالى ع-ل-ى تفاصيل مذاهبهم وإبطالها في بحث قادرية اللّه تعالى، ولا شيء ممّا هو مقدور اللّه بواقع بقدرة العبد لامتناع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد (2.)والجواب عنه : أما ما ذكره من الصغرى والكبرى - يعني أنّ فعل العبد ممكن، وكل ممكن مقدور اللّه تعالى - وإن كان صحيحاً، ضرورة أن الممكنات بشتى أنواعها وأشكالها مقدورة له تعالى فلا يمكن خروج شيء منها عن تحت قدرته وسلطنته، إلّا أنّ ما فرعه على ذلك من أنه لا شيء ممّا هو مقدور للّه بواقع تحت قدرة العبد لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد، خاطئ جداً، والسبب في ذلك ما سيأتي بيانه (3بشكل واضح من أن أفعال العباد رغم كونها مقدورةً اللّه تعالى من ناحية أنّ مبادءها بيده سبحانه مقدورة للعباد أيضاً وواقعة تحت اختيارهم وسلطانهم، فلا منافاة بين الأمرين أصلاً.)


1) في ص 397.

2) شرح المواقف 8: 148 المرصد السادس.

3) في ص 417.

وبكلمة أخرى : أنّ كل مقدور ليس واجب الوجود في الخارج لتقع المنافاة بينهما، بداهة أنّه لا مانع من كون فعل واحد مقدوراً لشخصين لعدم الملازمة بين كون شيء مقدوراً لأحد وبين صدوره منه في الخارج، فالصدور يحتاج إلى أمر زائد عليه وهو إعمال القدرة والمشيئة.ومن ضوء هذا البيان يظهر وقوع الخلط في هذا الدليل بين كون أفعال العباد مقدورة اللّه تعالى وبين وقوعها خارجاً باعمال قدرته.وعليه فما ذكره من الكبرى وهي استحالة اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد خاطئ جداً. نعم، لو أراد من القدرة المؤثرة إعمالها خارجاً فالكبرى المزبورة وإن كانت تامة إلا أنها فاسدة من ناحية أخرى، وهي أنّ أفعال العباد لا تقع تحت مشيئة اللّه وإعمال قدرته على ما سنذكره(1إن شاء اللّه تعالى، وإنّما تقع مبادؤها تحت مشيئته وإعمال قدرته لا نفسها، فإذن لا يلزم اجتماع قدرتين مؤثرتين على شيء واحد.)لحد الآن قد تبيّن بطلان هذه الوجوه وعدم إمكان القول بشيء منها.##### كلام أبي الحسن الأشعري ونقدهثمّ إن من الغريب ما نسب في شرح المواقف إلى أبي الحسن الأشعري وإليك نصه : إن أفعال العباد واقعة بقدرة اللّه تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرةً واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لها، فيكون فعل العبد مخلوقاً للّه إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري (2.)


1) في ص 416.

2) شرح المواقف 8: 145.

ووجه الغرابة أمّا أوّلاً فلا دليل على ثبوت هذه العادة اللّه تعالى.وأما ثانياً : فقد قام البرهان القطعي على عدم واقع موضوعي لها أصلاً، توضیح ذلك : أن الكلام من هذه الناحية تارةً يقع في المعاليل الطبيعية المترتبة على عللها، وأخرى في الأفعال الاختيارية.أما الأولى : فلأنها تخضع لقوانين طبيعية ون-ظ-م خ--اصة التي أودعيها اللّه تعالى في كمون ذاتها وطبائعها ضمن إطار معيّن وهي مبدأ السنخية والتناسب، والسر في ذلك أنّ العلل تملك معاليلها في واقع ذواتها وكمون طبائعها بنحو الأتم والأكمل، وليست المعاليل موجودات أخر في قبال وجوداتها، بل هي تتولد منها ومن مراتب وجودها النازلة، وعليه فبطبيعة الحال تتناسب معها. مثلاً معنى كون الحرارة معلولةً للنار هو أنّ النار تملك الحرارة في صميم ذاتها وتتولد منها وتكون من مراتب وجودها، وهذا هو التفسير الصحيح لاعتبار السنخية والتناسب بينهما.فالنتيجة : أنّ الكائنات الطبيعية بعللها ومعاليلها جميعاً خاضعة لقانون التناسب والتسانخ، ولا تتخلف عن السير على طبقه أبداً، وعلى ضوء هذا فلا يمكن القول بأن ترتب المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة اللّه تعالى بذلك من دون علاقة ارتباط ومناسبة بينهما، رغم أنّ العادة لا تحصل إلا بالتكرار، وعليه فما هو المبرّر لصدور أوّل معلول عن علته مع عدم ثبوت العادة هناك، وما هو الموجب لتأثيرها فيه ووجوده عقيب وجودها. ومن الطبيعي أنّه ليس ذلك إلا من ناحية ارتباطه معها ذاتاً ووجوداً، فإذا كان المعلول الأوّل خاضعاً لقانون العلية، فكذلك المعلول الثاني وهكذا بداهة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبداً.وكيف يمكن أن يقال : إنّ وجود الحرارة مثلاً عقيب وج-ود النار في أوّل

سلسلتها الطولية مستند إلى مبدأ السنخية والمناسبة وخاضع له، وأما بعده فهو من جهة جريان عادة اللّه تعالى بذلك، لا من جهة خضوعه لذلك المبدأ. فالنتيجة أنّ مردّ هذه المقالة إلى إنكار واقع مبدأ العلية وهو لا يمكن.#### نظرية الجبر في إطارها الفلسفيوأمّا الثانية : وهي الأفعال الاختيارية، فقد تقدّم أنها تصدر بالاختيار وإعمال القدرة، فمتى شاء الفاعل إيجادها أوجدها في الخارج، وليس الفاعل بمنزلة الآلة كما سيأتي بيانه (1بصورة بصورة مفصلة.)على أنّه كيف يمكن أن تثبت العادة في أوّل فعل صادر عن العبد، فإذن ما هو المؤثر في وجوده، فلا مناص من أن يقول إنّ المؤثر فيه هو إعمال القدرة والسلطنة، ومن الطبيعي أنّه لا فرق بينه وبين غيره من هذه الناحية.فالنتيجة : أنّ ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، هذا تمام الكلام في هذه الوجوه ونقدها.بقي هنا عدّة وجوه أخر قد استدل بها على نظرية الأشعري أيضاً :الأوّل : المعروف والمشهور بين الفلاسفة قديماً وحديثاً أن الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها مسبوقة بالارادة، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى: أنها إذا بلغت حدّها التام تكون علّةً تامّةً لها.وتبعهم في ذلك جماعة من الأصوليين منهم المحقق صاحب الكفاية (2وشيخنا المحقق (3)(قدس سرهما). فالنتيجة على ضوء ذلك هي وجوب صدور الفعل)


1) في ص 397، 403.

2) كفاية الأصول : 67.

3) نهاية الدراية 1: 285.

عند تحقق الارادة واستحالة تخلفه عنها، بداشة استحالة تخلف المعلول عن العلة التامة.وإلى هذا أشار شيخنا المحقق (قدس سره بقوله: الارادة ما لم تبلغ ح---داً يستحيل تخلف المراد عنها لا يمكن وجود الفعل لأن معناه صدور المعلول بلا علة تامة، وإذا بلغت ذلك الحد امتنع تخلّفه عنها، وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة (1).)وقال صدر المتألهين : إنّ إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لم تكن صالحة لرجحان أحد ذينك الطرفين على الآخر، وأما إذا صارت حد الوجوب لزم منه وقوع الفعل (2. ومراده من التساوي بعض مراتب الارادة كما صرّح بصحة إطلاق الارادة عليه، كما أن مراده م--ن صيرورتها حدّ الوجوب بلوغها إلى حدّها التام، قإذا بلغت ذلك الحد تحقق المراد في الخارج، وقد صرّح بذلك في غير واحد من الموارد.)وكيف كان، فتتفق كلمات الفلاسفة على ذلك رغم أن الوجدان لا يقبله، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى : أنّ الارادة بكافة مبادئها من التصور والتصديق بالفائدة والميل وما شاكلها غير اختيارية وتحصل في أفق النفس قهراً من دون أن تنقاد لها. نعم، قد يمكن للانسان أن يُحدث الارادة والشوق في نفسه إلى إيجاد شيء بالتأمل فيا يترتب عليه من الفوائد والمصالح، ولكن ننقل الكلام إلى ذلك الشوق المحرك للتأمل فيه، ومن الطبيعي أنّ حصوله للنفس ينتهي بالآخرة إلى ما هو


1) نهاية الدراية 1: 285.

2) الأسفار 6: 317.

خارج عن اختيارها، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية له.وعلى ضوء ذلك أنّ الارادة لا بد أن تنتهي إما إلى ذات المريد الذي ه-و بذاته وذاتياته وصفاته وأفعاله منتهِ إلى الذات الواجبة، وإما إلى الارادة الأزلية.وقد صرّح بذلك المحقق الاصفهاني (قدس سره بقوله : إن كان المراد من انتهاء الفعل إلى إرادة الباري تعالى بملاحظة انتهاء إرادة العبد إلى إرادته تعالى، لفرض إمكانها المقتضي للانتهاء إلى الواجب، فهذا غير ضائر بالفاعلية التي هي شأن الممكنات، فانّ العبد بذاته وبصفاته وأفعاله لا وجود له إلّا بافاضة الوجود من الباري تعالى ويستحيل أن يكون الممكن مفيضاً للوجود (1).)فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّه لا مناص من الالتزام بالجبر وعدم السلطنة والاختيار للانسان على الأفعال الصادرة منه في الخارج.ولنأخذ بنقد هذه النظريّة على ضوء درس نقطتين:الأولى : أنّ الارادة لا تعقل أن تكون علة تامة للفعل.الثانية : أنّ الأفعال الاختيارية بكافة أنواعها مسبوقة باعمال القدرة والسلطنة. أمّا النقطة الأولى : فلاريب في أنّ كل أحد إذا راجع وجدانه وفطرته في صميم ذاته حتّى الأشعري يدرك الفرق بين حركة يد المرتعش وحركة يد غيره، وبين حركة النبض وحركة الأصابع، وبين حركة الدم في العروق وحركة اليد يمنة ويسرة وهكذا، ومن الطبيعي أنّه لا يتمكن أحد ولن يتمكن من إنكار ذلك الفرق بين هذه الحركات، كيف حيث إنّ إنكاره بمثابة إنكار البديهي كالواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء وما شاكلها، ولو كانت الارادة علّةً تامّةً وكانت حركة العضلات معلولةً لها، كان حالها عند وجودها ح--ال


1) نهاية الدراية 1: 289 في الهامش.

حركة يد المرتعش وحركة الدم في العروق ونحوهما، مع أنّ ذلك - مضافاً إلى أنه خلاف الوجدان والضمير - خاطئ جداً ولا واقع له أبداً.والسبب في ذلك : أنّ الارادة مهما بلغت ذروتها لا يترتب عليها الفعل كترتب المعلول على علّته التامة، بل الفعل على الرغم من وجودها وتحققها كذلك يكون تحت اختيار النفس وسلطانها، فلها أن تفعل ولها أن لا تفعل.وإن شئت قلت : إنّه لا شبهة في سلطنة النفس على مملكة الب-دن وق--واه الباطنة والظاهرة، وتلك القوى بكافة أنواعها تحت تصرفها واختيارها. وعليه فبطبيعة الحال تنقاد حركة العضلات لها وهي مؤثرة فيها تمام التأثير من غير مزاحم لها في ذلك، ولو كانت الارادة علّةً تامّةً لحركة العضلات ومؤثرةً فيها تمام التأثير لم تكن للنفس تلك السلطنة ولكانت عاجزةً عن التأثير فيها مع فرض وجودها، وهو خاطئ وجداناً وبرهاناً.أمّا الأوّل : فلما عرفت من أنّ الارادة - مهما بلغت من القوة والشدّة - لا تترتب عليها حركة العضلات كترتب المعلول على العلة التامة، ليكون الانسان مقهوراً في حركاته وأفعاله.وأمّا الثاني : فلأنّ الصفات التي توجد في أفق النفس غير منحصرة بصفة الارادة، بل لها صفات أخرى كصفة الخوف ونحوها، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى: أنّ صفة الخوف إذا حصلت في النفس تترتب عليها آثار قهراً وبغير اختيار وانقياد للنفس كارتعاش البدن واصفرار الوجه ونحوهما، ومن المعلوم أنّ تلك الأفعال خارجة عن الاختيار، حيث كان ترتبها عليها كترتب المعلول على العلّة التامة، فلو كانت الارادة أيضاً علّةً تامّةً لوجود الأفعال فإذن ما هو نقطة الفرق بين الأفعال المترتبة على صفة الارادة والأفعال المترتبة على صفة الخوف، إذ على ضوء هذه النظرية فهما في إطار واحد ف--لا

فرق بينهما إلا بالتسمية فحسب من دون واقع موضوعي لها أصلاً.مع أنّ الفرق بين الطائفتين من الأفعال من الواضحات الأولية، ومن هنا يحكم العقلاء باتصاف الطائفة الأولى بالحسن والقبح العقليين واستحقاق فاعلها المدح والذم، دون الطائفة الثانية، ومن الطبيعي أن هذا الفرق يرتكز على نقطة موضوعية، وهي اختيارية الطائفة الأولى دون الطائفة الثانية، لا على مجرد تسمية الأولى بالأفعال الاختيارية والثانية بالأفعال الاضطرارية، مع عدم واقع موضوعي لها. ومن ذلك يظهر أنّ الارادة تستحيل أن تكون علّةً تامةً للفعل.ولتوضيح ذلك نأخذ مثالين، الأوّل : أننا إذا افترضنا شخصاً تردد ب-ي-ن طريقين: أحدهما مأمون من كل خطر على النفس والمال والعرض، وفيه جميع متطلباته الحيوية وما تشتهيه نفسه. والآخر غير مأمون من الخطر، وفيه ما ينا في طبعه ولا يلائم إحدى قواه، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال تحدث في نفسه إرادة واشتياق إلى اختيار الطريق الأوّل واتخاذه مسلكاً له دون الطريق الثاني، ولكن مع ذلك نرى بالوجدان أنّ اختياره هذا ليس قهراً عليه، بل حسب اختياره وإعمال قدرته، حيث إنّ له والحال هذه أن يختار الطريق الثاني.الثاني : إذا فرضنا أن شخصاً سقط من شاهق ودار أمره بين أن يقع على ولده الأكبر المؤدّي إلى هلاكه، وبين أن يقع على ولده الأصغر، ولا يتمكن من التحفظ على نفس كليهما معاً، فعندئذ بطبيعة الحال يختار سقوطه على ابنه الأصغر مثلاً من جهة شدّة علاقته بابنه الأكبر حيث أنه بلغ حد الرشد والكمال من جهة وارتضى سلوكه من جهة أخرى، ومن البديهي أن اختياره السقوط على الأوّل ليس من جهة شوقه إلى هلاكه وموته وإرادته له، بل هو يكره ذلك كراهة شديدة ومع ذلك يصدر منه هذا الفعل بالاختيار واعمال القدرة ولو

كانت الارادة علّة تامة للفعل لكان صدوره منه محالاً لعدم وجود علته وهي الارادة، ومن المعلوم استحالة تحقق المعلول بدون علته.فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه أمران :الأوّل : أنّ الارادة في أية مرتبة افترضت بحيث لا يتصور فوقها مرتبة أُخرى لا تكون علّة تامة للفعل ولا توجب خروجه عن تحت سلطان الانسان واختياره.الثاني : على فرض تسليم أنّ الارادة علةً تامة للفعل إلا أنّ من الواضح جداً أن العلة غير منحصرة بها، بل له علة أخرى أيضاً وهي إعمال القدرة والسلطنة للنفس، ضرورة أنها لو كانت منحصرة بها لكان وجوده محالاً عند عدمها، وقد عرفت أن الأمر ليس كذلك.ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره الفلاسفة (1وجماعة من الأصوليين منهم شيخنا المحقق (قدس سره) (2)من امتناع وجود الفعل عند عدم وجود الارادة خاطئ جداً.)ولعل السبب المبرّر لالتزامهم بذلك - أي بكون الارادة علة تامّةً للفعل مع مخالفته للوجدان الصريح ومكابرته للعقل السليم، واستلزامه التوالي الباطلة : منها كون بعث الرسل وإنزال الكتب لغواً - هو التزامهم بصورة موضوعية بقاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، حيث إنهم قد عمّموا هذه القاعدة في كافة الممكنات بشتى أنواعها وأشكالها، ولم يفرّقوا بين الأفعال الارادية والمعاليل الطبيعية من هذه الناحية، وقالوا سرّ عموم هذه القاعدة حاجة الممكن وفقره الذاتي إلى العلة. ومن الطبيعي أنّه لا فرق في ذلك بين ممكن وممكن آخر، هذا


1) لاحظ الأسفار 6: 351.

2) نهاية الدراية 1: 285.

من ناحية.ومن ناحية أخرى حيث إنهم لم يجدوا في الصفات النفسانية صفة تصلح لأن تكون علّةً للفعل غير الارادة، فلذلك التزموا بترتب الفعل عليها ترتب المعلول على العلة التامة.فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هى أنّ كل ممكن ما لم يجب وجوده من قبل وجود علته يستحيل تحققه ووجوده في الخارج، ومن هنا يقولون : إنّ كل ممكن محفوف بوجوبين : وجوب سابق وهو الوجوب في مرتبة وجود علّته - ووجوب لاحق - وهو الوجوب بشرط وجوده خارجاً.ولنبحث هنا عن أمرين :الأوّل: عن الفرق الأساسي بين المعاليل الطبيعية والأفعال الاختيارية.الثاني : عدم جريان القاعدة المذكورة في الأفعال الاختيارية.أمّا الأمر الأوّل: فقد سبق بشكل إجمالي (1أنّ الأفعال الإرادية تمتاز عن المعاليل الطبيعية بنقطة واحدة، وهي أنّها تحتاج في وجودها إلى فاعل، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (2)فأثبت (عزّ من قائل) بذلك احتياج الفعل إلى فاعل وخالق وبدونه محال، والفاعل لهذه الأفعال هو نفس الانسان، فانّها تصدر منها بالاختيار وإعمال القدرة والسلطنة، وليس في إطارها حتم ووجوب، فلها أن تشاء وتعمل، ولها أنّ لا تشاء ولا تعمل، فهذه المشيئة والسلطنة لا تتوقف على شيء آخر كالارادة ونحوها، بل هي كامنة في صميم ذات النفس حيث إنّ اللّه تعالى خلق النفس


1) في ص 393 – 394.

2) الطور 52: 35.

كذلك. وهذا بخلاف المعاليل الطبيعية، فانّها تحتاج في وجودها إلى علل طبيعية تعاصرها وتؤثر فيها على ضوء مبدأ السنخية في إطار الحتم والوجوب، ولا يعقل فيها الاختيار.

وإن شئت فقل : إنّ الفعل الاختياري حيث كان يخضع لاختيار الانسان ومشيئته فلا يعقل وجود نظام له كامن في صميم ذاته، ليكون سيره ووجوده تحت إطار هذا النظام الخاص من دون تخلفه عنه، والوجه في هذا واضح، وهو أنّ مشيئة الانسان تختلف باختلاف أفراده كما تختلف باختلاف حالاته النفسية ودواعيه الداخلية والخارجية فلهذا السبب جعل لها نظم وقوانين خاصة، ليكون سيرها الوجودي تحت إطار هذه النظم.

وهذا بخلاف سلسلة المعاليل الطبيعية، فانّها تخضع في سيرها الوجودي نظاماً خاصاً وإطاراً معيناً الذي أودعه اللّه تعالى في كمون ذاتها، ويستحيل أن تتخلّف عنه، ولذا لا يعقل جعل نظام لها من الخارج، لعدم خضوعها له واستحالة تخلّفها عن نظمه الطبيعية، وهذا برهان قطعى على أنّ السلسلة الأولى سلسلة اختيارية، فأمرها وجوداً وعدماً بيد فاعلها، دون السلسلة الثانية فانها مقهورة ومجبورة في سيرها على طبق نظمها الطبيعية الموضوعة في صميم ذاتها وكمون واقعها.

لحد الآن قد تبيّن افتراق السلسلة الأولى عن السلسلة الثانية بنقطة موضوعية، فلو كانت السلسلة الأولى كالسلسلة الثانية مقهورة ومجبورة في سيرها الوجودي لم يمكن الفرق بينهما.

وأما الأمر الثاني : فالقاعدة المذكورة وإن كانت تامةً في الجملة، إلا أنه لا صلة لها بالأفعال الاختيارية، والسبب في ذلك : أنّ هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب والسنخية التي هي النقطة الأساسية لمبدأ العلية، فان وجود المعلول - كما تقدّم - مرتبة نازلة من وجود العلة، وليس شيئاً أجنبياً

وعلى هذا فبطبيعة الحال أنّ وجود المعلول قد أصبح ضرورياً في مرتبة وجود العلّة لفرض أنّه متولد منها ومستخرج من صميم ذاتها وواقع مغزاها، وهذا معنى احتفاف وجوده بضرورة سابقة. ومن الطبيعي أنه لا يمكن تفسير الضرورة فى القاعدة المذكورة على ضوء مبدأ العلّية إلا في المعاليل الطبيعية، ولا يمكن تفسيرها في الأفعال الاختيارية أصلاً، وذلك لأن الأفعال الاختيارية - سواء أكانت معلولةً للارادة أم كانت معلولة لإعمال القدرة والسلطنة - لا يستند صدورها إلى مبدأ السنخية، بداهة أنّها لا تتولد من كمون ذات علّتها وفاعلها، ولا تخرج من واقع وجوده وصميم ذاته لتكون من شؤونه ومراتبه، بل هى مباينة له ذاتاً ووجوداً. وعلى هذا فلا يمكن التفسير الصحيح لاحتفافها بالضرورة السابقة، فانّ معنى هذا كما عرفت وجود المعلول في مرتبة وجود علته، وهذا لا يعقل إلا في المعاليل الطبيعية.

ومن هنا يظهر أنّنا لو قلنا بأنّ الارادة علّة تامة لها فمع ذلك لا صلة له-ا بالقاعدة المزبورة، لوضوح أنه لا معنى لوجوب وجودها في مرتبة وج-ود الارادة ثمّ خروجها من تلك المرتبة إلى مرتبتها الخاصّة.

وعلى الجملة : فإذا كانت العلّة مباينةً للمعلول وجوداً ولم تكن بينهما علاقة السنخية فبطبيعة الحال لا يتصور هنا وجوب وجود المعلول من قبل وجود علته، فإذن ليس هنا إلا وجوده بعد وجودها من دون ضرورة سابقة، ومردّ هذا بالتحليل العلمي إلى عدم قابلية الارادة للعلية. وقد تحصل من ذلك : أن الفعل في وجوده يحتاج إلى فاعل ما ويصدر منه باختياره وإعمال قدرته، ولا تأثير للارادة فيه بنحو العلة التامة، نعم قد يكون لها تأثير فيه بنحو الاقتضاء.

فالنتيجة : أنّه لا مجال للقاعدة المتقدمة في إطار سلسلة الأفعال الاختيارية فتختص بسلسلة المعاليل الطبيعية.

وأما النقطة الثانية : وهي أنّ الفعل الاختياري ما أوجده الانسان باختياره وإعمال قدرته، فقد تبيّن وجهها على ضوء ما حققناه في النقطة الأولى، من أنّ الارادة مهما بلغت ذروتها من القوّة لن تكون علّة تامة للفعل، وعليه فبطبيعة الحال يستند وجود الفعل في الخارج إلى أمر آخر، وهذا الأمر هو إعمال القدرة والسلطنة المعبّر عنهما بالاختيار، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ اللّه (عزّ وجلّ) قد خلق النفس للانسان واجدةً لهذه السلطنة والقدرة وهي ذاتية لها وثابتة في صميم ذاتها، ولأجل هذه السلطنة تخضع العضلات لها وتنقاد في حركاتها، فلا تحتاج النفس في إعمالها لتلك السلطنة والقدرة إلى إعمال سلطنة وقدرة أخرى.

ومن هنا يظهر فساد ما قيل من أنّ الاختيار ممكن، والمفروض أن كل ممكن يفتقر إلى علّة، فإذن ما هو علّة الاختيار، ووجه الظهور ما عرفت من أنّ الفعل الاختياري يحتاج إلى فاعل وخالق لا إلى علّة، والفاعل لهذه الصفة - أي صفة الاختيار - هو النفس، غاية الأمر أنها تصدر منها بنفسها - أي بلا توسط مقدّمة أخرى - وسائر الأفعال تصدر منها بواسطتها.

وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أمران :

الأوّل : أن الفعل الاختياري إنّما يصدر عن الفاعل باعمال قدرته لا بالارادة، نعم الارادة قد تكون مرجحةً لاختياره.

الثاني : أنّ اختيار النفس للفعل وإن كان يفتقر غالباً إلى وجود مرجح، إلّا أنه ليس من ناحية استحالة صدوره منها،بدونه بل من ناحية خروجه عن اللغوية.

ولشيخنا المحقق (قدس سره) في هذا الموضوع كلام، حيث إنّه (قدس سره)

بعد ما أصر على أنّ الارادة علّة تامّة للفعل أورد على ما ذكرناه - من أنّ الفعل الاختياري ما أوجده الفاعل بالاختيار وإعمال القدرة وليس معلولاً للارادة - بعدة وجوه، وقبل بيان هذه الوجوه تعرّض (قدس سره) لكلامٍ لا بأس بالاشارة إليه ونقده، وإليكم نصه :

إن الالتزام بالفعل النفساني المسمّى بالاختيار إما لأجل تحقيق استناد حركة العضلات إلى النفس حتّى تكون النفس فاعلاً ومؤثراً في العضلات، بخلاف ما إذا استندت حركة العضلات إلى صفة النفس وهي الارادة، فانّ المؤثر فيها هي تلك الصفة لا النفس وإما لأجل أنّ الارادة حيث إنها صفة قهرية منتهية إلى الارادة الأزلية، توجب كون الفعل المترتب عليها قهرياً غير اختياري، فلابد من فرض فعل نفساني هو عين الاختيار، لئلا يلزم كون الفعل بواسطة تلك الصفة القهرية قهرياً.

فان كان الأوّل، ففيه : أنّ العلة الفاعلية لحركة العضلات هي النفس بواسطة اتحادها مع القوى، والعلم والقدرة والارادة مصححات لفاعلية النفس، وبها تكون النفس فاعلاً بالفعل والفعل مستند إلى النفس، وهي العلة الفاعلية دون شرائط الفاعلية كما في غير المقام، فانّ المقتضى يستند إلى المقتضي دون الشرائط، وإن كان له ترتب على المقتضي وشرائطه، فمن هذه الحيثية لا حاجة إلى فعل نفساني يكون محققاً للاستناد.

وإن كان الثاني، ففيه : أنّ هذا الأمر المسمى بالاختيار، إن كان عين تأثير النفس في حركة العضلات وفاعليتها،لها، فلا محالة لا مطابق له في النفس، ليكون أمراً ما وراء الارادة، إذ ما له مطابق بالذات ذات العلة والمعلول، وذات الفاعل والمفعول، وحيثية العلّية والتأثير والفاعلية انتزاعية، ولا يعقل أن يكون

لها مطابق (1)، إذ لو كان لها مطابق في الخارج لاحتاج ذلك المطابق إلى فاعل، والمفروض أن لحيثية فاعلية هذا الفاعل أيضاً مطابقاً فيه، وهكذا إلى ما لا نهاية له، ولأجل ذلك لا يعقل أن يكون لهذه الأمور الانتزاعية مطابق بالذات، بل هي منتزعة عن مقام الذات، فلا واقع موضوعي لها أصلاً.

وإن كان أمراً قائماً بالنفس، فنقول : إنّ قيامه بها قيام الكيف بالمتكيف، فحاله حال الارادة من حيث كونه صفةً نفسانيةً داخلة في مقولة الكيف النفساني، فكل ما هو محذور ترتب حركة العضلات على صفة الارادة وارد على ترتب الحركات على الصفة المسماة بالاختيار، فانها أيضاً صفة تحصل في النفس بمبادئها قهراً، فالفعل المترتب عليها كذلك (2).

وغير خفي أنه لا وجه التشقيقه (قدس سره) الاختيار بالشقوق المذكورة ضرورة أن المراد منه معلوم، وهو كونه فعل النفس ويصدر منها بالذات - أي بلا واسطة مقدّمة أخرى - كما عرفت. وبقية الأفعال تصدر منها بواسطته، وهو فعل قلبي لا خارجي. ومن هنا يظهر أنه ليس من مقولة الكيف، ولا هو عبارة عن فاعلية النفس، وعليه فبطبيعة الحال يكون قيامه بها قيام الفعل بالفاعل، لا الكيف بالمتكيف، ولا الحال بالمحل، ولا الصفة بالموصوف.

ولكنه (قدس سره) أورد على ذلك - أي على كون قيامه بها قيام الفعل بالفاعل - بعدة وجوه :

الأوّل : ما إليك لفظه : إنّ النفس بما هي مع قطع النظر عن قواها الباطنة


1) [ ليس في المصدر الذي بأيدينا من قوله : إذ لو كان - إلى قوله - فلا واقع موضوعي لها أصلاً].

2) نهاية الدراية 1 : 285 في الهامش.

والظاهرة لا فعل لها، وفاعلية النفس لموجودات عالم النفس التي مرت سابقاً هو إيجادها النوري العقلاني في مرتبة القوّة العاقلة، أو الوجود الفرضي في مرتبة الواهمة، أو الوجود الخيالي في مرتبة المتخيلة. كما أن استناد الإبصار والاستماع إليها أيضاً بلحاظ أنّ هذه القوى الظاهرة من درجات تنزل النفس إليها. ومن الواضح أنّ الايجاد النوري المناسب لإحدى القوى المذكورة أجنبي عن الاختيار الذي جعل أمراً آخر ممّا لا بدّ منه في كل فعل اختياري، بداهة أنّ النفس بعد حصول الشوق الأكيد ليس لها إلا هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلاتية (1).

نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدّة نقاط :

الأولى : أن النفس تتحد مع كافة قواها الباطنة والظاهرة، ولذا قد اشتهر في الالسنّة أنّ النفس في وحدتها كل القوى، وعليه فبطبيعة الحال أنّ الأفعال التي تصدر من هذه القوى تصدر حقيقة منها لفرض أنها من شؤونها ومن مراتب وجودها ومنقادة لها تمام الانقياد فلا يصدر منها فعل إلا بأمرها.

الثانية : أنّه لا فعل للنفس بالمباشرة، وإنّما الفعل يصدر منها بواسطة هذه القوى، ومن المعلوم أنّ شيئاً من الأفعال الصادرة منها ليس بصفة الاختيار.

الثالثة : أنّ النفس في وحدتها لا تؤثر في شيء من الأفعال الخارجية، وإنّما تؤثر فيها بعد حصول الارادة والشوق الأكيد، حيث يحصل لها بعده هيجان بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلاتية، فتكون الارادة الجزء الأخير من العلة التامة.

ولنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط :


1) نهاية الدراية 1 : 286 في الهامش.

أما النقطة الأولى : فالأمر فيها كما ذكره (قدس سره) لأنّ هذه القوى كلّها جنود للنفس وتعمل بقيادتها، فالأفعال الصادرة منها في الحقيقة تصدر ع-ن النفس، وهذا واضح فلا حاجة إلى مزيد بيان. وأما النقطة الثانية : فيرد عليها أوّلاً : أنّ الأمر ليس كما ذكره (قدس سره) إذ لا ريب في أنّ للنفس أفعالاً تصدر منها باختيارها وسلطنتها مباشرة، أي من دون توسيط إحدى قواها الباطنة والظاهرة.

منها: البناء القلبي، فانّ لها أن تبني على شيء، وأن لا تبني عليه، وليس البناء فعلاً يصدر من إحدى قوّة من قواها كما هو ظاهر.

ومنها : قصد الاقامة عشرة أيام، فانّ لها أن تقصد الاقامة في موضع عشرة أيام، ولها أن لا تقصد، فهو تحت يدها وسلطنتها مع قطع النظر عن وجود كافّة قواها.

ومنها: عقد القلب، وقد دلّ عليه قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ (1)فأثبت سبحانه أنّ عقد القلب على شيء غير اليقين به، فانّ الكفّار كانوا متيقنين بالرسالة والنبوّة بمقتضى الآية الكريمة ولم يكونوا عاقدين بها. وكيف كان، فلا شبهة في أنّ للنفس أفعالاً في أفقها تصدر منها باختيارها وإعمال سلطنتها، كالبناء والالتزام والقصد وعقد القلب وما شاكل ذلك.

وثانياً : على فرض تسليم عدم صدور الفعل من النفس من دون توسط إحدى قواها الباطنة والظاهرة إلّا أنّك عرفت أنّ الأفعال التي تصدر من قواها في الحقيقة تصدر منها وهي الفاعل لها حقيقةً وواقعاً.

والسبب في ذلك : أنّ هذه القوى بأجمعها تصحح فاعلية النفس بالفعل، فانّ


1) النمل 27: 14.

فاعليتها كذلك تتوقف على توفر شروط، منها : وجود إحدى قواها، حيث إنّ فاعليتها في مرتبة القوّة العاقلة إدراك الأمور المعقولة بواسطتها، وفي مرتبة القوة الواهمة الفرض والتقدير، وفي مرتبة القوّة المتخيلة الخيال، وفي مرتبة القوّة الباصرة الإبصار، وفي مرتبة القوّة السامعة الاستماع، وفي مرتبة القوة العضلاتية التحريك نحو إيجاد فعل في الخارج.

وإن شئت قلت : إنّ النفس متى شاءت أن تدرك الحقائق الكلية أدركت بالقوة العاقلة، ومتى شاءت أن تفرض الأشياء وتقدرها قدرت بالقوة الواهمة، ومتى شاءت أن تفعل شيئاً فعلت بالقوة العضلاتية، وهكذا.

وعلى هذا، فبطبيعة الحال أنّ هذه الأفعال التي تصدر منها بواسطة تلك القوى جميعاً مسبوقة بإعمال قدرتها واختيارها ولا فرق من هذه الناحية بين الأفعال الخارجية التي تصدر منها بالقوة العضلاتية، وبين الأفعال الداخلية التي تصدر منها بإحدى تلك القوى.

فما أفاده (قدس سره) من أن أفعال تلك القوى أجنبية عن الاختيار، مبني على جعل الاختيار في عرض تلك الأفعال، ولذلك قال : ما هو فاعله والمؤثر فيه. ولكن قد عرفت بشكل واضح أنّ الاختيار في طولها وفاعله هو النفس.

فالنتيجة : أن الاختيار يمتاز عن هذه الأفعال في نقطتين : الأولى: أن الاختيار يصدر من النفس بالذات لا بواسطة اختيار آخر وإلا لذهب إلى ما لا نهاية له، وتلك الأفعال تصدر منها بواسطته لا بالذات. الثانية : أن الاختيار لم يصدر منها بواسطة شيء من قواها، دون تلك الأفعال حيث إنها تصدر منها بواسطة هذه القوى.

وأمّا النقطة الثالثة : فقد ظهر خطؤها ممّا قدمناه آنفاً (1)من أنّ الارادة


1) في ص 402.

ليست علّةً تامّةً للفعل، ولا جزءاً أخيراً لها، فلاحظ ولا نعيد.

الثاني : ما إليك لفظه : إنّ هذا الفعل النفساني المسمى بالاختيار إذا حصل في النفس، فان ترتبت عليه حركة العضلات بحيث لا تنفك الحركة عنه، كان حال الحركة وهذا الفعل النفساني حال الفعل وصفة الارادة، فما المانع عن كون الصفة علّةً تامّةً للفعل دون الفعل النفساني، وكونه وجوباً بالاختيار مثل كونه وجوباً بالارادة (1).

وغير خفي أنّ ما ذكره (قدس سره) من الغرائب، والسبب في ذلك : أنّ الفعل وإن كان مترتباً على الاختيار وإعمال القدرة في الخارج، إلّا أنّ هذا الترتب بالاختيار، ومن المعلوم أنّ وجوب وجود الفعل الناشئ من الاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكده.

وبكلمة أخرى : أن النفس باختيارها وإعمال قدرتها أوجدت الفعل في الخارج، فيكون وجوب وجوده بنفس الاختيار وإعمال القدرة، ومردّه إلى الوجوب بشرط المحمول - أي بشرط الوجود - ومن الطبيعي أن مثل هذا الوجوب لا ينافي الاختيار، حيث إنّ وجوبه معلول له فكيف يعقل أن يكون منافياً له، فيكون المقام نظير المسبب المترتب على السبب الاختياري، وهذا بخلاف وجوب وجود الفعل من ناحية وجود الارادة، فأنه ينافي كونه اختيارياً، وذلك لأنّ الارادة كما عرفت بكافة مبادئها غير اختيارية، فإذا فرضنا أن الفعل معلول لها ومترتب عليها كترتب المعلول على العلّة التامة، فكيف يعقل كونه اختيارياً، نظير ترتب المسبب على السبب الخارج عن الاختيار. وعلى ضوء هذا البيان يمتاز وجوب الفعل المترتب على صفة الاختيار عن وجوب الفعل المترتب على صفة الارادة.


1) نهاية الدراية 1 : 286.

الثالث : ما إليك نص قوله : إنّ الاختيار الذي هو فعل نفساني، إن كان لا ينفك عن الصفات الموجودة في النفس من العلم والقدرة والإرادة، فيكون فعلاً قهرياً لكون مبادئه قهرية لا اختيارية. وإن كان ينفك عنها وأن تلك الصفات مرجحات، فهي بضميمة النفس الموجودة في جميع الأحوال علّة ناقصة ولا يوجد المعلول إلا بعلته التامة.

وتوهم الفرق بين الفعل الاختياري وغيره من حيث كفاية وجود المرجّح في الأوّل دون الثاني من الغرائب، فأنّه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة إلى العلة، ولا فرق بين معلول ومعلول في الحاجة إلى العلة التامة، فانّ الامكان مساوق للافتقار إلى العلة، وإذا وجد ما يكفي في وجود المعلول به كان علةً تامةً له، وإذا لم يكن كافياً في وجوده فوجود المعلول به خلف، فتدبره ف--انه حقیق (1).

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره) مبني على عموم قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد للأفعال الاختيارية أيضاً، وأنّه لا فرق بينها وبين المعاليل الطبيعية من هذه الناحية. ولكن قد تقدّم (2)بشكل واضح عدم عمومية القاعدة المذكورة واختصاصها على ضوء مبدأ السنخية والتناسب بسلسلة المعاليل الطبيعية، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: قد سبق (3)أن الارادة وكذا غيرها من الصفات النفسانية لا تصلح أن تكون علّةً تامّةً لوجود الفعل في الخارج.

ومن ناحية ثالثة : أنّ الصفات الموجودة في النفس كالعلم والقدرة والارادة


1) نهاية الدراية 1 : 286 في الهامش.

2) في ص 401.

3) في ص 402.

وما شاكلها ليست من مبادئ وجوده وتحققه في النفس كي يوجد فيها قهراً عند وجود هذه الصفات، بل هو مباين لها، كيف حيث إنّه فعل النفس وتحت سلطانها، وهذا بخلاف تلك الصفات فانّها أمور خارجة عن إطار اختيار النفس وسلطانها.

وعلى ضوء هذه النواحي يظهر أنّ ما أفاده (قدس سره) من أن الاختيار على تقدير انفکاکه عن النفس يلزم كون النفس مع هذه الصفات علّةً ناقصةً لا تامة، مع أنّ المعلول لا يوجد إلا بوجود علّته التامة، خاطئ جداً، والسبب في ذلك :

أولاً: ما تقدّم من أنّ الاختيار ذاتي للنفس فلا يعقل انفكاكه عنها، وليس حاله من هذه الناحية حال سائر الأفعال الاختيارية.

وثانياً : ما عرفت بشكل واضح من أنّ الفعل لا يفتقر في وجوده إلى وجود علة تامة له، بل هو يحتاج إلى وجود فاعل والمفروض أن النفس فاعل له. فإذن لا معنى لما أفاده (قدس سره) من أنّ الفعل ممكن وكل ممكن يحتاج إلى علة تامة.

وإن أصررت على ذلك وأبيت إلا أن يكون للشيء علة تامة، ويستحيل وجوده بدونها فنقول : إنّ العلة التامة للفعل إنما هي إعمال القدرة والسلطنة بتحريك القوة العضلاتية نحوه، ومن الطبيعي أنّ الفعل يتحقق بها ويجب وجوده، ولكن بما أنّ وجوب وجوده مستند إلى الاختيار ومعلول له فلا ينافي الاختيار.

فالنتيجة : هى أنّ الممكن وإن كان بكافة أنواعه وأشكاله يفتقر من صميم ذاته إلى علّة تامّة له، إلّا أنّ العلة التامة في الأفعال الاختيارية حيث إنّها الاختيار وإعمال القدرة، فبطبيعة الحال تكون ضرورتها من الضرورة بشرط الاختيار، ومن الواضح أنّ مثل هذه الضرورة يؤكد الاختيار.

الرابع : إليكم لفظه : إنّ الفعل المسمى بالاختيار إن كان ملاكاً لاختيارية الأفعال، وأنّ ترتب الفعل على صفة الارادة مانع عن استناد الفعل إلى الفاعل، لكان الأمر في الواجب تعالى كذلك، فانّ الملاك عدم صدورها عن اختياره، لا انتهاء الصفة إلى غيره مع أنّ هذا الفعل المسمّى بالاختيار يستحيل أن يكون عين ذات الواجب، فانّ الفعل يستحيل أن يكون عين فاعله، فلا محالة يكون قائماً بذاته قيام الفعل بالفاعل صدوراً، فان كان قديماً بقدمه، كان حال هذا القائل حال الأشعري القائل بالصفات القديمة القائمة بذاته الزائدة عليها، وإن كان حادثاً كان محلّه الواجب فكان الواجب محلاً للحوادث، فيكون حاله حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات، ويستحيل حدوثه وعدم قيامه بمحل، فان سنخ الاختيار ليس كسنخ الأفعال الصادرة عن اختيار من الجواهر والأعراض حتّى يكون موجوداً قائماً بنفسه أو قائماً بموجود آخر، بل الاختيار يقوم بالمختار لا بالفعل الاختياري في ظرف وجوده وهو واضح (1).

يحتوى ما أفاده (قدس سره) على عدّة نقاط :

الأولى : أنّه لا فرق بين فاعليته سبحانه وتعالى وفاعلية غيره من ناحية صدور الفعل بالارادة والاختيار، نعم فرق بينهما من ناحية أخرى وهو أنّ فاعليته تعالى تامة وبالذات من كافة الجهات، كالعلم والقدرة والحياة والارادة وما شاكلها، دون فاعلية غيره فانّها ناقصة وبحاجة إلى الغير في تمام هذه الجهات، بل هي عين الفقر والحاجة فلابد من إفاضتها آناً فاناً من قبل اللّه تعالى.

الثانية : أنه لو كان ملاك الفعل الاختياري صدوره عن الفاعل باعمال القدرة والاختيار، لكان الأمر في الباري (عزّ وجلّ أيضاً كذلك، وعندئذ نسأل عن


1) نهاية الدراية 1 : 287 في الهامش.

هذا الاختيار هل هو عين ذاته أو غيره، وعلى الثاني فهل هو قديم أو حادث، والكل خاطئ. أمّا الأوّل، فلاستحالة كون الفعل عين فاعله ومتحداً معه خارجاً وعيناً. وأما الثاني، فيلزم تعدد القدماء وهو باطل. وأما الثالث، فيلزم ك--ون الباري تعالى محلاً للحوادث وهو محال.

الثالثة : أنّ سنخ الاختيار ليس كسنخ بقية الأفعال الخارجية، فانّها لا تخلو من أن تكون من مقولة الجوهر أو من مقولة العرض، ومن الواضح أنّ الاختيار ليس بموجود في الخارج حتّى يكون في عرض هذه الأفعال وداخلاً في إحدى المقولتين، بل هو في طولها وموطنه فيه تعالى ذاته وفي غيره نفسه، فالجامع هو أن الاختيار قائم بذات المختار لا بالفعل الاختياري، ولا بموجود آخر ولا بنفسه. وعلى هذا فتأتي الشقوق المشار إليها في النقطة الثانية، وقد عرفت استحالة جميعها.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّ الاختيار أمر غير معقول.

هذا، ولنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط :

أمّا النقطة الأولى : فهي وإن كانت تامة من ناحية عدم الفرق بين ذات-ه تعالى وبين غيره في ملاك الفعل الاختياري، إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ ملاكه هو صدوره عن الفاعل بالارادة والعلم خاطئ جداً، وذلك لأنّ نسبة الارادة إلى الفعل لو كانت كنسبة العلّة التامة إلى المعلول استحال كونه اختيارياً، حيث إن وجوب وجوده بالارادة منافٍ للاختيار، ولا فرق في ذلك بين الباري (عزّ وجلّ) وغيره، ومن هنا صحت نسبة الجبر إلى الفلاسفة في أفعال الباري تعالى أيضاً، بيان ذلك :

هو أن مناط اختيارية الفعل كونه مسبوقاً بالارادة والالتفات في أفق النفس، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : الارادة علّة تامة للفعل على ضوء

مبدأ افتقار كل ممكن إلى علّة تامة واستحالة وجوده بدونها، ولا فرق في ذلك بين إرادته تعالى وإرادة غيره. نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى، وهي أنّ إرادته سبحانه عين ذاته، ومن هنا تكون العلة في الحقيقة هي ذاته، وحيث إنّها واجبة من جميع الجهات وكافة الحيثيات فبطبيعة الحال يجب صدور الفعل منه على ضوء مبدأ أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.

ومن ناحية ثالثة : أنهم قد التزموا بتوحيد أفعاله تعالى على ضوء مبدأ أنّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد واستحالة صدور الكثير منه.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي ضرورة صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه، وهذا معنى الجبر وواقعه الموضوعي في أفعاله سبحانه.

وإن شئت قلت : إنّ الارادة الأزليّة لو كانت علّة تامة لأفعاله تعالى لخرجت تلك الأفعال عن إطار قدرته سبحانه وسلطنته بداهة أن القدرة لا تتعلق بالواجب وجوده أو المستحيل وجوده والمفروض أن تلك الأفعال واجبة وجودها من جهة وجوب وجود علتها، حيث إنّ علّتها - وهي الارادة الأزلية على نظريتهم - واجبة الوجود وعين ذاته سبحانه، وتامة من كافة الحيثيات والنواحي ولا يتصور فيها النقص أبداً، فإذا كانت العلة كذلك فبطبيعة الحال يحكم على هذه الأفعال الحتم والوجوب، ولا يعقل فيها الاختيار، ومن الواضح أنّ مردّ هذا إلى إنكار قدرة اللّه تعالى وسلطنته.

ومن هنا قلنا إنّ أفعاله تعالى تصدر منه بالاختيار وإعمال القدرة، وذكرنا أن إرادته تعالى ليست ذاتية بل هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة، كما أنّا ذكرنا أن معنى تمامية سلطنته تعالى من جميع الجهات وعدم تصور النقص فيها ليس وجوب صدور الفعل منه بل معناها عدم افتقار ذاته سبحانه إلى غيره، وأنّه سلطان بالذات دون غيره فانّه فقير بالذات والفقر كامن في صميم ذاته.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ الضابط لكون الفعل في إطار الاختيار ه-و صدوره عن الفاعل بالمشيئة وإعمال القدرة لا بالارادة والشوق المؤكد.

وأما النقطة الثانية : فقد تبيّن من ضمن البحوث السابقة بصورة موسعة أنّ صدور الفعل من الباري (عزّ وجلّ) إنما هو باعمال قدرته وسلطنته، لا بغيرها. وما ذكره (قدس سره) من الايراد عليه فغريب جداً، بل لا نترقب صدوره منه (قدس سره)، والوجه في ذلك : هو أنّ قيام الاختيار بالنفس قيام الفعل بالفاعل، لا قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل، وذلك لوضوح أنه لا فرق بينه وبين غيره من الأفعال الاختيارية، وكما أنّ قيامها بذاته سبحانه قيام صدور وإيجاد، فكذلك قيامه بها.

وعلى هذا فلا موضوع لما ذكره (قدس سره) من الشقوق والاحتمالات، فانّها جميعاً تقوم على أساس كون قيامه بها قيام الصفة بالموصوف أو الحال بالمحل، فما ذكره (قدس سره) من أنّ الاختيار قائم بذات المختار لا بالفعل الاختياري وإن كان صحيحاً إلّا أنّ مدلوله ليس كونه قائماً بها قيام الصفة بالموصوف.

فالنتيجة : أنّ الاختيار يشترك مع بقية الأفعال الاختيارية في نقطة، ويمتاز عنها في نقطة أخرى.

أمّا نقطة الاشتراك : فهى أنّ قيام كليهما بالفاعل قيام صدور وإيجاد، لا قيام صفة أو حال.

وأما نقطة الامتياز : فهي أنّ الاختيار صادر عن ذات المختار بنفسه وبلا اختيار آخر، وأما بقية الأفعال فهي صادرة عنها بالاختيار لا بنفسها.

وأمّا النقطة الثالثة : فهي خاطئة جداً، والسبب في ذلك: أنّ الأفعال الصادرة

عن الفاعل بالاختيار وإعمال القدرة لا تنحصر بالجواهر والأعراض، فانّ الأمور الاعتبارية فعل صادر عن المعتبر بالاختيار،، ومع ذلك ليست بموجودة في الخارج فضلاً عن كونها قائمة بنفسها أو بموجود آخر. وعلى هذا فلا ملازمة بين عدم قيام فعل بنفسه ولا بموجود آخر وبين قيامه بذات الفاعل قيام الصفة بالموصوف أو الحال بالمحل، لما عرفت من أنّ الأمور الاعتبارية فعل للمعتبر على رغم أنّ قيامها به قيام صدور وإيجاد لا قيام صفة أو حال، فليكن الاختيار من هذا القبيل، حيث إنّه فعل اختياري على الرغم من عدم قيامه بنفسه ولا بموجود،آخر، بل يقوم بذات المختار قيام صدور وإيجاد.

فالنتيجة لحد الآن : هي أنّ ما ذكره (قدس سره) من الوجوه غير تام.

الوجه الثاني : أنّ أفعال العباد لا تخلو من أن تكون متعلقةً لارادة اللّه سبحانه وتعالى ومشيئته أو لا تكون متعلقة لها ولا ثالث لهما، فعلى الأوّل لا بدّ من وقوعها في الخارج، لاستحالة تخلف إرادته سبحانه عن مراده، وعلى الثاني يستحيل وقوعها، فانّ وقوع الممكن في الخارج بدون إرادته تعالى محال حيث لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه، ونتيجة ذلك أنّ العبد مقهور في إرادته ولا اختيار له أصلاً.

والجواب عن ذلك : أنّ أفعال العباد لا تقع تحت إرادته (سبحانه وتعالى) ومشيئته، والوجه فيه : ما تقدّم بشكل مفصل (1)من أن إرادته تعالى ليست من الصفات العليا الذاتية، بل هى من الصفات الفعلية التي هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة، وعليه فبطبيعة الحال لا يمكن تعلّق إرادته تعالى بها لسببين : الأوّل : أنّ الأفعال القبيحة كالظلم والكفر وما شاكلها التي قد تصدر من


1) في ص 377.

العباد لا يمكن صدورها منه تعالى باعمال قدرته وإرادته، كيف حيث إنّ صدورها العباد فما ظنك بالحكيم تعالى.

لا ينبغي من الثاني : أنّ الارادة بمعنى إعمال القدرة والسلطنة يستحيل أن تتعلق بفعل الغير، بداهة أنها لا تعقل إلا في الأفعال التي تصدر من الفاعل بالمباشرة، وحيث إنّ أفعال العباد تصدر منهم كذلك، فلا يعقل كونها متعلقةً لارادته تعالى وإعمال قدرته.

نعم، تكون مبادئ هذه الأفعال كالحياة والعلم والقدرة وما شاكلها تحت إرادته سبحانه ومشيئته. نعم، لو شاء (سبحانه وتعالى) عدم صدور بعض الأفعال من العبيد فيبدي المانع عنه أو يرفع المقتضي له، ولكن هذا غير تعلق مشيئته بأفعالهم مباشرة ومن دون واسطة.

الوجه الثالث : أنّ اللّه تعالى عالم بأفعال العباد بكافة خصوصياتها من كمها وكيفها ومتاها وأينها ووضعها ونحو ذلك، ومن الطبيعي أنه لابد من وقوعها منهم كذلك في الخارج، وإلا لكان علمه تعالى جهلاً تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. وعليه فلا بد من الالتزام بوقوعها خارجاً على وفق إطار علمه سبحانه، ولا يمكن تخلفه عنه، عنه، فلو كانوا مختارين في أفعالهم فلا محالة وقع التخلف في غیر مورد وهو محال.

وقد صرّح بذلك صدر المتألهين بقوله : وممّا يدل على ما ذكرناه من أن--ه ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل، حيث إنّ اللّه تعالى إذا علم أنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً، وذلك محال، والمؤدي إلى المحال محال، فعدم وقوع ذلك الفعل محال، فوقوعه،واجب لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين (1).


1) الأسفار 6: 318.

والجواب عنه : أنّ علمه (سبحانه وتعالى) بوقوع تلك الأفعال منهم خارجاً في زمان خاص ومكان معيّن لا يكون منشأ لاضطرارهم إلى إيقاعها في الخارج في هذا الزمان وذاك المكان، والسبب في ذلك : هو أن علمه تعالى ق-د ت-علق بوقوعها كذلك منهم بالاختيار وإعمال القدرة، ومن الطبيعي أنّ هذا العلم لا يستلزم وقوعها بغير اختيار، وإلّا لزم التخلف والانقلاب. والسر فيه أنّ حقيقة العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه لدى العالم من دون أن يوجب التغيير فيه أصلاً، ونظير ذلك ما إذا علم الانسان بأنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني من جهة إخبار المعصوم (عليه السلام) أو نحوه، فكما أنّ-ه لا يوجب اضطراره إلى إيجاده في ذلك الوقت، فكذلك علمه سبحانه.

وبكلمة أخرى : أنّ الاضطرار الناشئ من قبل العلم الأزلي يمكن تفسيره بأحد تفسيرين:

الأوّل : : تفسيره على ضوء مبدأ العلية بدعوى أن العلم الأزلي علة تامة للأشياء، منها أفعال العباد.

الثاني : تفسيره على ضوء مبدأ الانقلاب، أي انقلاب علمه تعالى جهلاً من دون وجود علاقة العلية والمناسبة بينهما.

ولكن كلا التفسيرين خاطئ جداً.

أما الأوّل : فلا يعقل كون العلم من حيث هو علّة تامة لوجود معلومه، بداهة أنّ واقع العلم وحقيقته هو انكشاف الأشياء على ما هي عليه لدى العالم، ومن الطبيعي أنّ الانكشاف لا يعقل أن يكون مؤثراً في المنكشف على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة، ضرورة انتفاء هذا المبدأ بينهما. وأضف إلى ذلك : أن العلم الأزلي لو كان علّةً تامّةً لأفعال العباد فبطبيعة الحال ترتبط تلك الأفعال به ذاتاً وتعاصره زماناً، وهذا غير معقول.

وأمّا الثاني : فلفرض أنّ العلم لا يقتضي ضرورة وجود الفعل في الخارج، حيث إنه لا علاقة بينهما ما عدا كونه كاشفاً عنه، ومن الطبيعي أن وقوع المنكشف في الخارج ليس تابعاً للكاشف بل هو تابع لوجود سببه وعلّته، سواء أكان هناك انكشاف أم لم يكن، وعليه فلا موجب لضرورة وقوع الفعل إلّا دع دعوى الانقلاب، ولكن قد عرفت خطأها وعدم واقع موضوعي لها.

ونزيد على هذا: أنّ علمه سبحانه بوقوع أفعال العباد لو كان موجباً لاضطرارهم إليها وخروجها عن اختيارهم، لكان علمه سبحانه بأفعاله أيضاً موجباً لذلك. فالنتيجة : أنّ هذا التوهم خاطئ جداً.

الوجه الرابع : ما عن الفلاسفة (1)من أنّ الذات الأزلية علة تامة للأشياء، وتصدر منها على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة، حيث إن الحقيقة الإلهية بوحدتها وأحديّتها جامعة لجميع حقائق تلك الأشياء وطبقاتها الطولية والعرضية، ومنها أفعال العباد فانها داخلة في تلك السلسلة التي لا تملك الاختيار ولا الحرية.

والجواب عنه أنّ هذه النظرية خاطئة من وجوه

الأوّل : ما تقدّم (2)بشكل موسّع من أنّ هذه النظرية تستلزم نفي القدرة والسلطنة عن الذات الأزلية، أعاذنا اللّه من ذلك.

الثاني : أنّه لا يمكن تفسير اختلاف الكائنات بشتى أنواعها وأشكالها ذاتاً وسنخاً على ضوء هذه النظرية، وذلك لأنّ العلّة التامة إذا كانت واحدة ذاتاً ووجوداً وفاردة سنخاً، فلا يعقل أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها، ضرورة


1) الأسفار 6: 110 - 116.

2) في ص 382.

استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة والأفعال المتباينة من علة واحدة بسيطة، فانّ للعلّة الواحدة أفعالاً ونواميس معيّنة لا تختلف ولا تتخلف عن إطارها المعين، كيف حيث إنّ في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية والمناسبة بين العلة والمعلول، ومن الطبيعي أنّ القضاء على هذا المبدأ يستلزم انهيار جميع العلوم والأسس القائمة على ضوئه، فلا يمكن عندئذ تفسير أية ظاهرة كونية ووضع قانون عام لها.

ودعوى الفرق بين الذات الأزلية والعلّة الطبيعية هو أن الذات الأزلية وإن كانت علّةً تامّةً للأشياء، إلا أنها عالمة بها، دون العلة الطبيعية فانها فاقدة للشعور والعلم، وإن كانت صحيحةً إلّا أنّ علم العلّة بالمعلول إن كان مانعاً عن تأثيرها فيه على شكل الحتم والوجوب بقانون التناسب فهذا خلف، حيث إنّ في ذلك القضاء الحاسم على علية الذات الأزلية وأن تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلّة التامة في معلولها، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله.

وإن لم يكن مانعاً عنه كما هو الصحيح، حيث إنّ العلم لا يؤثر في واقع العلية وإطار تأثيرها - كما درسنا ذلك سابقاً (1)- فلا فرق بينهما عندئذ أصلاً، فإذن ما هو منشأ هذه الاختلافات والتناقضات بين الأشياء، وما هو المبرر لها ؟ وبطبيعة الحال لا يمكن تفسيرها تفسيراً يطابق الواقع الموضوعي إلا على ضوء ما درسناه سابقاً (2)بشكل موسّع من أنّ صدور الأشياء من اللّه سبحانه بمشيئته وإعمال سلطنته وقدرته، وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية وزاوية المعاليل الطبيعية، وعلى أساس هذا الفرق تحل المشكلة.


1) في ص 418.

2) في ص 382 - 384.

الثالث: أنّه لا يمكن على ضوء هذه النظرية إثبات علةٍ أولى للعالم التي لم تنبثق عن علة سابقة، والسبب في ذلك : أنّ سلسلة المعاليل والحلقات المتصاعدة التي ينبثق بعضها من بعض لا تخلو من أن تتصاعد تصاعداً لا نهائياً، أو تكون لها نهاية ولا ثالث لهما.

فعلى الأوّل هو التسلسل الباطل، ضرورة أنّ هذه الحلقات جميعاً معلولات وارتباطات فتحتاج في وجودها إلى علّة أزلية واجبة الوجود كي تنبثق منها، وإلا استحال تحققها.

وعلى الثاني لزم وجود المعلول بلا علّة، وذلك لأنّ للسلسلة إذا كانت نهاية فبطبيعة الحال تكون مسبوقة بالعدم، ومن الطبيعي أن ما يكون مسبوقاً ب-ه ممكن فلا يصلح أن يكون علة للعالم ومبدأ له، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنه لا علة له. فالنتيجة على ضوئها هي وجود الممكن بلا علّة وسبب وسبب وهو محال، كيف حيث إنّ في ذلك القضاء المبرم على مبدأ العلية. فإذن على القائلين بهذه النظرية أن يلتزموا بأحد أمرين : إما بالقضاء على مبدأ العلّية أو بالتسلسل وكلاهما محال.

الرابع : أنّ لازم هذه النظرية انتفاء العلة بانتفاء شيء من تلك السلسلة، بيان ذلك : : أنّ هذه السلسلة والحلقات حيث إنها جميعاً معاليل لعلّة واح---دة ونواميس خاصة لها ترتبط بها ارتباطاً ذاتياً وتنبثق من صميم ذاتها ووجودها، فيستحيل أن تتخلف عنها كما يستحيل أن تختلف. وعلى هذا الضوء إذا انتفى شيء من تلك السلسلة فبطبيعة الحال يكشف عن انتفاء العلّة، ضرورة استحالة انتفاء المعلول مع بقاء علّته وتخلفه عنها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّه لا شبهة في انتفاء الأعراض في هذا الكون، ومن الطبيعي أنّ انتفاءها من ناحية انتفاء علّتها وإلا فلا يعقل انتفاؤها، فالتحليل

العلمي في ذلك أدّى في نهاية المطاف إلى انتفاء علّة العلل. وعلى هذا الأساس فلا يمكن تفسير انتفاء بعض الأشياء في هذا الكون تفسيراً يلائم مع هذه النظرية.

فالنتيجة في نهاية الشوط هي أنّ تلك النظرية خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي بطلان نظرية الجبر مطلقاً يعني في إطارها الأشعري والفلسفي - وأنها نظرية لا تطابق الواقع الموضوعي.

ولا الوجدان ولا البرهان المنطقي.

4 - نظرية المعتزلة : التفويض

ذهب المعتزلة إلى أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) قد فوّض العباد في أفعالهم وحركاتهم إلى سلطنتهم المطلقة على نحو الأصالة والاستقلال، بلا دخل لارادة وسلطنة أخرى فيها، وهم يفعلون ما يشاؤون ويعملون ما يريدون، من دون حاجة إلى الاستعانة بقدرة أخرى وسلطنة ثانية، وبهذه النقطة تمتاز عن نظرية الأمر بين الأمرين، فانّ العبد على ضوء تلك النظرية وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويعمل ما يريد، إلّا أنّه في عين ذلك بحاجة إلى استعانة الغير فلا يكون مستقلاً فيه(1).

وغير خفي أنّ المفوّضة وإن احتفظت بعدالة اللّه تعالى، إلا أنهم وقعوا في محذور لا يقل عن المحذور الواقع فيه الأشاعرة وهو الاسراف في نفي السلطنة المطلقة عن الباري (عزّ وجلّ) وإثبات الشريك له في أمر الخلق والايجاد.


1) شرح المواقف 8: 146.

ومن هنا وردت روايات كثيرة تبلغ حد التواتر في ذم هذه الطائفة، وقد ورد فيها أنهم مجوس هذه الأمة (1)حيث إنّ المجوس يقولون بوجود إلهين: أحدهما خالق الخير. وثانيهما خالق الشر، ويسمون الأوّل يزدان، والثاني أهريمن، وهذه الطائفة تقول بوجود آلهة متعددة بعدد أفراد البشر، حيث إنّ هذا المذهب يقوم على أساس أنّ كلاً منهم خالق وموجد بصورة مستقلة بلا حاجة منه إلى الاستعانة بغيره غاية الأمر أنّ اللّه تعالى خالق للأشياء الكونية كالانسان ونحوه، والانسان خالق لأفعاله الخارجية من دون افتقاره في ذلك إلى خالقه.

وقد استدلّ على هذه النظرية : بأنّ سرّ حاجة الممكنات وفقرها إلى العلة هو حدوثها، وبعده فلا تحتاج إليها أصلاً، لاستغناء البقاء عن الحاجة إلى المؤثر. وعليه فالانسان بعد خلقه وإيجاده لا يحتاج في بقائه إلى إفاضة الوجود من خالقه. فإذن بطبيعة الحال يستند صدور الأفعال إليه استناداً تاماً لا إلى العلة المحدثة، ومن الواضح أنّ مردّ هذا إلى نفي السلطنة عن اللّه (عزّ وجلّ) على عبيده نفياً تاماً.

والجواب عن ذلك : يظهر على ضوء درس هذه النقطة - استغناء البقاء عن المؤثر - ونقدها : مرّةً في الأفعال الاختيارية، وأخرى في الموجودات التكوينية.

أمّا في الأفعال الاختيارية، فهي واضحة البطلان، والسبب في ذلك: ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ كل فعل اختياري مسبوق باعمال القدرة والاختيار، وهو فعل اختياري للنفس، وليس من مقولة الصفات، وواسطة بين الارادة والأفعال الخارجية، فالفعل في كل آن يحتاج إليه ولا يعقل بقاؤه بعد انعدامه وانتفائه، فهو تابع لاعمال قدرة الفاعل حدوثاً وبقاء، فان أعمل قدرته ف-يه تحقق في الخارج، وإن لم يعملها فيه استحال تحققه، فعلى الأوّل إن استمر في


1) بحار الأنوار 5: 9.

إعمال القدرة فيه استمرّ وجوده وإلا استحال استمراره.

وعلى الجملة : فلا فرق بين حدوث الفعل الاختياري وبقائه في الحاجة إلى السبب والعلة - وهو إعمال القدرة والسلطنة - فان سرّ الحاجة وهو إمكانه الوجودي وفقره الذاتي كامن في صميم ذاته وواقع وجوده، من دون فرق بين حدوثه وبقائه.

مع أنّ البقاء هو الحدوث، غاية الأمر أنه حدوث ثانٍ ووجود آخر في قبال الوجود الأوّل، والحدوث هو الوجود الأوّل غير مسبوق بمثله، وعليه فبطبيعة الحال إذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار فهو كما يحتاج إلى إعمال القدرة فيه والاختيار، كذلك يحتاج إليه في الآن الثاني والثالث وهكذا، فلا يمكن أن نتصور استغناءه في بقائه عن الفاعل بالاختيار.

وبكلمة أخرى : أنّ كل فعل اختياري ينحل إلى أفعال متعددة بتعدد الآنات والأزمان، فيكون في كل آن فعل صادر بالاختيار وإعمال القدرة، فلو انتفى الاختيار في زمان يستحيل بقاء الفعل فيه. ومن هنا لا فرق بين الدفع والرفع عقلاً إلا بالاعتبار، وهو أنّ الدفع مانع عن الوجود الأوّل، والرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة دفع.

فالنتيجة : أن احتياج الأفعال الاختيارية في كل آن إلى الارادة والاختيار من الواضحات الأولية، فلا يحتاج إلى زيادة مؤونة بيان وإقامة برهان.

وأمّا في الموجودات التكوينية، فالأمر أيضاً كذلك، إذ لا شبهة في حاجة الأشياء إلى علل وأسباب فيستحيل أن توجد بدونها، وسر حاجة تلك الأشياء بصورة عامة إلى العلّة وخضوعها لها بصورة موضوعية، هو أنّ الحاجة كامنة في ذوات تلك الأشياء، لا في أمر خارج عن إطار ذواتها، فان كل ممكن في ذاته مفتقر إلى الغير ومتعلق به، سواء أكان موجوداً في الخارج أم لم يكن،

ضرورة أنّ فقرها كامن في نفس وجوده، ومن الطبيعي أن الأمر إذا كان كذلك فلا فرق بين الحدوث والبقاء في الحاجة إلى العلة، فان سرّ الحاجة - وهو الامكان - لا ينفك عنه، كيف فان ذاته عين الفقر والامكان لا أنه ذات لها الفقر.

وعلى ضوء هذا الأساس، فكما أنّ الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة إلى وجود سبب وعلّة، فكذلك في بقائها فلا يمكن أن نتصوّر وجوداً متحرراً عن تلك الحاجة، إذ النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء إلى مبدأ العلية والايجاد ليست هي حدوثها، لاستلزام هذه النظرية تحديد حاجة الممكن إلى العلة من ناحيتين : المبدأ والمنتهى.

أمّا من الناحية الأولى : فلأنها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث وهي الأشياء الحادثة بعد العدم، وأمّا إذا فرض أنّ للممكن وجوداً مستمراً بصورة أزلية لا توجد فيه حاجة إلى المبدأ، وهذا لا يطابق مع الواقع الموضوعي للممكن حيث يستحيل وجوده من دون علة علة وسبب، وإلّا لا نقلب الممكن واجباً، وهذا خلف.

وأما من الناحية الثانية : فلأنّ الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر، ومن الطبيعي أنّها نظريّة خاطئة لا تطابق الواقع الموضوعي، كيف فانّ حاجة الأشياء إلى ذلك المبدأ كامنة في صميم ذاتها وحقيقة وجودها كما عرفت.

فالنتيجة : أنّ هذه النظرية بما أنّها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ وتوجب تحديده في نطاق خاص وإطار مخصوص، فلا يمكن الالتزام بها.

فالصحيح إذن هو نظريّة ثانية، وهي أنّ منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ وخضوعها له خضوعاً ذاتياً هو إمكانها الوجودي وفقرها الذاتي. وعلى هذا الأساس فلا فرق بين الحدوث والبقاء أصلاً.

ونتيجة ذلك : أنّ المعلول يرتبط بالعلّة ارتباطاً ذاتياً وواقعياً، ويستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، فلا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، كما لا يمكن أن تبقى العلّة والمعلول غير باق، وقد عبّر عن ذلك بالتعاصر بين العلة والمعلول زماناً.

وقد يناقش في ذلك الارتباط : بأنه مخالف لظواهر الموجودات التكوينية من الطبيعية والصناعية، حيث إنها باقية بعد انتفاء علّتها، وهذا يكشف عن عدم صحّة قانون التعاصر والارتباط، وأنّه لا مانع من بقاء المعلول واستمرار وجوده بعد انتفاء علته، وذلك كالعمارات التي بناها البناؤون وآلاف من العمال، فانّها تبقى سنين متمادية بعد انتهاء عملية العمارة والبناء، وكالطرق والجسور ووسائل النقل المادية بشتى أنواعها والمكائن والمصانع وما شاكلها ممّا شاده المهندسون وذوو الخبرة والفن في شتى ميادينها، فانّها بعد انتهاء عمليتها تبقى إلى سنين متطاولة وأمد بعيد من دون علّة وسبب مباشر لها، وكالجبال والأحجار والأشجار وغيرها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض، فانّها باقية من دون حاجة في بقائها إلى علّة مباشرة لها.

فالنتيجة : أنّ ظواهر تلك الأمثلة تعارض قانون التعاصر والارتباط، حيث إنّها بظاهرها تكشف عن أنّ المعلول لا يحتاج في بقائه واستمرار وجوده إلى علّة، بل هو باقٍ مع انتفاء علّته.

ولنأخذ بالنقد على تلك المناقشة، وحاصله : هو أنها قد نشأت عن عدم فهم معنى مبدأ العلية فهماً موضوعياً، وقد تقدّم بيان ذلك وقلنا هناك إنّ حاجة الأشياء إلى مبدأ وسبب كامنة في واقع ذاتها وصميم وجودها، ولا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها، والوجه في ذلك هو أنّ علّة تلك الأشياء والظواهر حدوثاً غير علّتها بقاءً، وبما أنّ الرجل المناقش لم ينظر إلى علّة تلك الظواهر

لا حدوثاً ولا بقاءً نظرة صحيحة موضوعية وقع في هذا الاشتباه والخطأ، بيان ذلك :

أن ما هو معلول للمهندسين والبنائين وآلاف من العمال في بناء العمارات والدور بشتى ألوانها، وصنع الطرق والجسور والوسائل المادية الأخرى بمختلف أشكالها، من السيارات والطيّارات والصواريخ والمكائن وما شاكلها، إنما نفس عملية بنائها وصنعها وتركيبها وتصميمها في إطار مخصوص، ومن الطبيعي أنّ تلك العملية نتيجة عدّة من حركات أيدي الفنانين والعمال والجهود التي يقومون بها، ونتيجة تجميع المواد الخام الأوّلية من الحديد والخشب والآجر وغيرها لتصنيع هذه الصناعات وتعمير تلك العمارات، ومن المعلوم أنّ ما هو معلول للعمال والصادر منهم بالارادة والاختيار إنما هو هذه الحركات لا غيرها، ولذا تنقطع تلك الحركات بصرف إضراب العمال عن العمل وكف أيديهم عنها.

وأمّا بقاء تلك الأشياء والظواهر على وضعها الخاص وإطارها المعين، فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية، وقوّة حيويتها، وأثر الجاذبية العامّة التي تفرض على تلك الجاذبية المحافظة على وضع الأشياء بنظامها الخاص، ونسبة الجاذبية إلى هذه الأشياء كنسبة الطاقة الكهربائية إلى الحديد عند اتصاله بها بقوة جاذبية طبيعية تجرّه إليها آناً فاناً بحيث لو انقطعت منه تلك القوة لانقطع منه الجذب لا محالة.

ومن ذلك يظهر سرّ بقاء الكرة الأرضية وغيرها بما فيها من الجبال والأحجار والأشجار والمياه وما شاكلها من الأشياء الطبيعية على وضعها الخاص ومواضعها المخصوصة، وذلك نتيجة خصائص طبيعية موجودة في صميم موادها، والقوة الجاذبية التي تفرض على جميع الأشياء الكونية والمواد الطبيعية. وقد أصبحت عمومية هذه القوّة في يومنا هذا من الواضحات وقد أودعها اللّه (سبحانه وتعالى)

في صميم هذه الكرة الأرضية وغيرها للتحفظ على الكرة وما عليها على وضعها المعين ونظامها الخاص، في حين أنها تتحرك في هذا الفضاء الكوني بسرعة هائلة وفي مدار خاص حول الشمس.

وإن شئت فقل : إنّ بقاء تلك الظواهر والموجودات الممكنة معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية من ناحية، والقوة الجاذبية المحافظة عليها من ناحية أخرى، فلا تملك حرّيتها بقاءً، كما لا تملك حدوثاً.

ونتيجة ذلك نقطتان متقابلتان :

الأولى : بطلان نظريّة أنّ سرّ حاجة الأشياء إلى العلة هو الحدوث، لأنّ تلك النظرية ترتكز على أساس تحديد حاجة الأشياء إلى العلة في إطار خاص ونطاق مخصوص لا يطابق الواقع الموضوعي، وعدم فهم معنى العلية فهماً صحيحاً يطابق الواقع.

الثانية : صحّة نظريّة أنّ سرّ الحاجة إلى العلّة هو إمكان الوجود، فان تلك النظرية قد ارتكزت على أساس فهم معنى العلية فهماً صحيحاً مطابقاً للواقع، وأن حاجة الأشياء إلى المبدأ كامنة في صميم وجوداتها فلا يعقل وجود متحرر عن المبدأ.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ الأشياء بشتى أنواعها وأشكالها خاضعة للمبدأ الأوّل خضوعاً ذاتياً، وهذا لا ينافي أن يكون تكوينها وإيجادها بمشيئة اللّه تعالى وإعمال قدرته من دون أن يحكم عليه قانون التناسب والسنخية، كما فصلنا الحديث من هذه الناحية أو فقل : إنّ الأفعال الاختيارية تشترك مع المعاليلالطبيعية في نقطة واحدة، وهي الخضوع للمبدأ والسبب خضوعاً ذاتياً الكامن في صميم ذاتها ووجودها. ولكنّها تفترق عنها في نقطة أخرى، وهي أنّ المعاليل تصدر عن عللها على ضوء قانون التناسب، دون الأفعال فانها تصدر

عن مبدئها على ضوء الاختيار وإعمال القدرة.

5 - نظرية الإمامية : الأمر بين الأمرين

إنّ طائفة الإمامية بعد رفض نظرية الأشاعرة في أفعال العباد ونقدها صريحاً، ورفض نظرية المعتزلة فيها ونقدها كذلك، اختارت نظرية ثالثة فيها وهي: الأمر بين الأمرين، وهي نظريّة وسطى لا إفراط فيها ولا تفريط، وقد أرشدت الطائفة إلى هذه النظرية الروايات الواردة في هذا الموضوع من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) (1)

منها : صحيحة يونس بن عبدالرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليه السلام) «قالا : إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون، قال : فسئلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم، أوسع ممّا بين السماء والأرض» [أصول الكافي 1: 159 ح 9].

ومنها : صحيحته الأخرى عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال له رجل: جعلت فداك أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ قال : اللّه أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذبهم عليها، فقال له : جعلت فداك ففوّض اللّه إلى العباد ؟ قال فقال : لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له : جعلت فداك فبينها منزلة ؟ قال فقال : نعم، أوسع ممّا بين السماء والأرض» [المصدر السابق ح 11].

ومنها : صحيحة هشام وغيره قالوا: «قال أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً» [بحار الأنوار 5: 4 ح 1].

ومنها : رواية حريز عن الصادق (عليه السلام) «قال : الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل زعم أنّ اللّه (عزّ وجلّ) أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اللّه (عزّ وجلّ) في حكمه وهو كافر. ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا وهن اللّه في سلطانه فهو كافر. ورجل يقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد اللّه وإذا أساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ» [المصدر السابق ص 9 ح 14].

ومنها: رواية صالح عن بعض أصحابه عن الصادق (علیه السلام) قال: «سئل عن الجبر والقدر فقال : لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما، لا يعلمها إلا العالم أو من علّمها إيّاه العالم» [الكافي 1: 159 ح 10].

ومنها : مرسلة محمّد بن يحيى عن الصادق (علیه السلام) «قال: لاجبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين» [المصدر السابق ح 13].

ومنها: رواية حفص بن قرط عن الصادق (عليه السلام) «قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) : من زعم أنّ اللّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوة اللّه فقد كذب على اللّه، ومن كذب على اللّه أدخله النار» [المصدر السابق ح6].

ومنها : رواية مهزم قال: «قال أبو عبداللّه (عليه السلام) أخبرني عما اختلف فيه من خلّفت من موالينا، قال فقلت : في الجبر أو التفويض ؟ قال : فاسألني، قلت : أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ قال : اللّه أقهر لهم من ذلك، قال قلت : ففوّض إليهم ؟ قال : الله أقدر عليهم من ذلك، قال قلت : فأي شيء هذا أصلحك اللّه ؟ قال : فقلب يده مرتين أو ثلاثاً ثمّ قال : لو أجبتك فيه لكفرت» [بحار الأنوار 5: 53 ح 89].

ومنها : مرسلة أبي طالب القمي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال قلت : «أجبر لله العباد على المعاصي ؟ قال : لا، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال قال : لا، قال قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك» [أصول الكافي 1: 159 ح 8].

ومنها : رواية الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته فقلت : اللّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : اللّه أعزّ من ذلك، قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : اللّه أعدل وأحكم من ذلك، قال : ثمّ قال : قال اللّه يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك» [المصدر السابق ح 3].

ومنها : رواية هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) «قال: اللّه أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد» [المصدر السابق ح 14 ].

ومنها : ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه «قال : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين» إلخ [بحار الأنوار 5: 17 ح 28 ح 28 نقلاً عن الاعتقادات للشيخ الصدوق (ضمن مصنفات الشيخ المفيد): 29].

ومنها: رواية عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال قال أبو جعفر (عليه السلام) للحسن البصري: إياك أن تقول بالتفويض، فانّ اللّه (عزّ وجلّ) لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً» [المصدر السابق ح 26].

ومنها : رواية المفضل عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين» إلخ [المصدر السابق ح 27] وغيرها من الروايات الواردة في هذا الموضوع، وقد بلغت تلك الروايات من الكثرة بحد التواتر.

فهذه الروايات المتواترة معنى وإجمالاً الواضحة الدلالة على بطلان نظريتي الجبر والتفويض من ناحية وعلى إثبات نظريّة الأمر بين الأمرين من ناحية أخرى، بوحدتها كافية لاثبات المطلوب فضلاً عما سلف من إقامة البرهان العقلي على بطلان كلتا النظريتين. وعلى هذا الأساس فكلّ ما يكون بظاهره مخالفاً لتلك الروايات فلابد من طرحه بملاك أنّه مخالف للسنة القطعية وللدليل العلمي العقلي.

نعم، قد فسّر الأمر بين الأمرين بتفسيرات أخر وقد تعرّضنا لتلك التفسيرات في ضمن رسالة مستقلة، وناقشناها بصورة موسعة. كما تعرّضنا لنظرية الفلاسفة فيها بكافة أسسها التي تقوم نظريتهم على تلك الأسس ونقدها بشكل موسع.

الدالّة على بطلان الجبر والتفويض من ناحية، وعلى إثبات

1) وإليكم نص الروايات :

الأمر بين الأمرين من ناحية أخرى. ولولا تلك الروايات لوقعوا بطبيعة الحال في جانبي الافراط أو التفريط، كما وقع أصحاب النظريتين الأوليين.

وعلى ضوء هذه الروايات كان علينا أن نتخذ تلك النظرية لكي نثبت بها العدالة والسلطنة اللّه (سبحانه وتعالى) معاً، بيان ذلك : أن نظرية الأشاعرة وإن تضمنت إثبات السلطنة المطلقة للباري (عزّ وجلّ) إلّا أنّ فيها القضاء الحاسم على عدالته (سبحانه وتعالى)، وسنتكلم فيها من هذه الناحية في البحث الآتي إن شاء اللّه تعالى. ونظريّة المعتزلة على عكسها يعنى أنها وإن تضمنت إثبات العدالة للباري تعالى إلا أنها تنفي بشكل قاطع سلطنته المطلقة وأسرفت في تحديدها.

وعلى هذا، فبطبيعة الحال يتعيّن الأخذ بمدلول الروايات لا من ناحية التعبّد بها حيث إنّ المسألة ليست من المسائل التعبدية، بل من ناحية أنّ الطريق الوسط الذي يمكن به حل مشكلة الجبر والتفويض منحصر فيه.

تفصيل ذلك : أنّ أفعال العباد تتوقف على مقدمتين :

الأولى حياتهم وقدرتهم وعلمهم وما شاكل ذلك.

الثانية : مشيئتهم وإعمالهم القدرة نحو إيجادها في الخارج.

والمقدمة الأولى تفيض من اللّه تعالى وترتبط بذاته الأزلية ارتباطاً ذاتياً وخاضعة له، يعنى أنها عين الربط والخضوع، لا أنه شيء له الربط والخضوع. وعلى هذا الضوء لو انقطعت الافاضة من اللّه سبحانه وتعالى) في آن، انقطعت الحياة فيه حتماً. وقد أقمت البرهان على ذلك بصورة مفصلة عند نقد نظرية المعتزلة (1)وبينا هناك أنّ سرّ حاجة الممكن إلى المبدأ كامن في صميم ذاته ووجوده، فلا فرق بين حدوثه وبقائه من هذه الناحية، أصلاً.

والمقدمة الثانية : تفيض من العباد عند فرض وجود المقدمة الأولى، فهي مرتبطة بها في واقع مغزاها ومتفرعة عليها ذاتاً، وعليه فلا يصدر فعل م-ن العبد إلّا عند إفاضة كلتا المقدمتين وأمّا إذا انتفت إحداهما فلا يعقل تحققه. وعلى أساس ذلك صح إسناد الفعل إلى اللّه تعالى، كما صح إسناده إلى العبد.

ولتوضيح ذلك نضرب مثالاً عرفياً لتمييز كل من نظريتي الجبر والتفويض عن نظرية الإمامية، بيانه: أن الفعل الصادر من العبد خارجاً على ثلاثة أصناف:

الأوّل: ما يصدر منه بغير اختياره وإرادته، وذلك كما لو افترضنا شخصاً مرتعش اليد وقد فقدت قدرته واختياره في تحريك يده، ففي مثله إذا ربط المولى بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً، وفرضنا أنّ في جنبه شخصاً راقداً وهو يعلم أنّ السيف المشدود في يده سيقع عليه فيهلكه حتماً. ومن الطبيعي أن مثل هذا الفعل خارج عن اختياره ولا يستند إليه، ولا يراه العقلاء مسؤولاً عن هذا


1) في ص 424.

الحادث ولا يتوجه إليه الذم واللوم أصلاً، بل المسؤول عنه إنما هو من ربط يده بالسيف ويتوجه إليه اللوم،والذم وهذا واقع نظرية الجبر وحقيقتها.

الثاني : ما يصدر منه باختياره واستقلاله من دون حاجة إلى غيره أصلاً، وذلك كما إذا افترضنا أنّ المولى أعطى سيفاً قاطعاً بيد شخص حر وقد ملك تنفيذ إرادته وتحريك يده، ففي مثل ذلك إذا صدر منه قتل في الخارج يستند إليه دون المعطي، وإن كان المعطي يعلم أنّ إعطاءه السيف ينتهي به إلى القتل، كما أنه يستطيع أن يأخذ السيف منه متى شاء، ولكن كل ذلك لا يصحح استناد الفعل إليه، فانّ الاستناد يدور مدار دخل شخص في وجوده خارجاً، والمفروض أنه لا مؤثر في وجوده ما عدا تحريك يده الذي كان مستقلاً فيه. وهذا واقع نظرية التفويض وحقيقتها.

الثالث : ما يصدر منه باختياره وإعمال قدرته على رغم أنه فقير بذاته، وبحاجة في كل آن إلى غيره بحيث لو انقطع منه مدد الغير في آنٍ انقطع الفعل فيه حتماً، وذلك كما إذا افترضنا أن للمولى عبداً مشلولاً غير قادر على الحركة، فربط المولى بجسمه تياراً كهربائياً ليبعث في عضلاته قوّةً ونشاطاً نحو العمل، وليصبح بذلك قادراً على تحريكها وأخذ المولى رأس التيار الكهربائي بيده، وهو الساعي لايصال القوّة في كل آن إلى جسم عبده بحيث لو رفع اليد في آنٍ عن السلك الكهربائي انقطعت القوة عن جسمه وأصبح عاجزاً.

وعلى هذا فلو أوصل المولى تلك القوّة إلى جسمه وذهب باختياره وقتل شخصاً والمولى يعلم بما فعله ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كل منها، أما إلى العبد فحيث إنّه صار متمكناً من إيجاد الفعل وعدمه بعد أن أوصل المولى القوّة إليه وأوجد القدرة في عضلاته وهو قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأما إلى المولى فحيث إنّه كان معطي القوّة والقدرة له حتّى حال الفعل والاشتغال بالقتل،

مع أنه متمكن من قطع القوّة عنه في كل آن شاء وأراد، وهذا هو واقع نظرية أمر بين الأمرين وحقيقتها.

وبعد ذلك نقول : إنّ الأشاعرة تدّعي أن أفعال العباد من قبيل الأول، حيث إنها لم تصدر عنهم باختيارهم وإرادتهم بل هي جميعاً بارادة اللّه تعالى التي لا تتخلف عنها، وهم قد أصبحوا مضطرين إليها ومجبورين في حركاتهم وسكناتهم كالميت في يد الغسال، ومن هنا قلنا إنّ في ذلك القضاء الحاسم على عدالته سبحانه وتعالى، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى قد تقدّم (1)نقد هذه النظرية بشكل موسع وجداناً وبرهاناً. وقد أثبتنا أنّ تلك النظرية لا تتعدى عن مجرد الافتراض بدون أن يكون لها واقع موضوعي.

والمعتزلة تدّعي أن أفعال العباد من قبيل الثاني، وأنهم مستقلون في حركاتهم وسكناتهم، وإنما يفتقرون إلى إفاضة الحياة والقدرة من اللّه تعالى حدوثاً فحسب، ولا يفتقرون إلى علّة جديدة بقاء، بل العلة الأولى كافية في بقاء القدرة والاختيار إلى نهاية المطاف. ومن هنا قلنا إنّ هذه النظرية قد أسرفت في تحديد سلطنة الباري (سبحانه وتعالى)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى : قد سبق أن تلك النظرية تقوم على أساس نظرية الحدوث وهي النظرية القائلة بأنّ سرّ حاجة الأشياء إلى أسبابها هو حدوثها، ولكن قد أثبتنا آنفاً خطأ تلك النظرية بشكل واضح، وأنّ سرّ حاجة الأشياء إلى أسبابها هو إمكانها الوجودي لا حدوثها، ولا فرق فيه بين الحدوث والبقاء.

والإمامية تدّعي أن أفعال العباد من قبيل الثالث، وقد عرفت أن النظرية


1) في ص 386 وما بعدها.

الوسطى هي تلك النظرية - الأمر بين الأمرين - ونريد الآن درس هذه النظرية بصورة أعمق منطقياً وموضوعياً. قد تقدّم أنّ سر حاجة الأشياء إلى العلة بصورة عامة -- الكامن في جوهر ذاتها وصميم وجودها - هو إمكانها الوجودي وفقرها الذاتي في قبال واجب الوجود والغني بالذات، ومعنى إمكانها الوجودي بالتحليل العلمي أنها عين الربط والتعلق، لا ذات له-ا الربط والتعلق، وإلّا لكانت في ذاتها غنية وغير مفتقرة إلى المبدأ، وفي ذلك انقلاب الممكن إلى الواجب وهو مستحيل، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّه لا فرق في ذلك بين وجودها في أوّل سلسلتها وحلقاتها التصاعدية، وبين وجودها في نهاية تلك السلسلة، لاشتراكهما في هذه النقطة وهي الامكان والفقر الذاتي، وإلا لزم كون الممكن واجباً في نهاية المطاف.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّ الأشياء الخارجية بكافة أشكالها أشياء تعلّقية وارتباطية، وأنها عين التعلق والارتباط، وه-و مقوّم لكيانها ووجودها، فلا يعقل استغناؤها عن المبدأ، ضرورة استحالة استغنائها عن شيء ترتبط به وتتعلق.

ومن نفس هذا البيان يظهر لنا أنّ الموجود الخارجي إذا لم يكن في ذات-ه تعلقياً وارتباطياً لا يشمله مبدأ العلية بداهة أنّه لا واقع للمعلول وراء ارتباطه بالعلة ذاتاً، فما لم يكن مرتبطاً بشيء كذلك لا يعقل أن يكون ذلك الشيء مبدأ له وعلّةً، ومن هنا لا يكون كل مرتبط بشيء معلولاً له.

فبالنتيجة : أنّ الموجود الخارجي لا يخلو إمّا أن يكون ممكن الوجود وهو عين التعلق والارتباط، أو يكون واجب الوجود وهو الغني بالذات، ولا ثالث لهما. وعلى أساس ذلك أنّ تلك الأشياء كما تفتقر في حدوثها إلى إفاضة المبدأ،

كذلك تفتقر في بقائها الذي هو الحدوث في الشوط الثاني، ولابد في بقائها واستمرارها من استمرار إفاضة الوجود من المبدأ عليها، فلو انقطعت الافاضة عليها في آن، ماتت تلك الأشياء فيه حتماً وانعدمت، بداهة استحالة بقاء ما هو عين التعلق والارتباط بدون ما يتعلق به ويرتبط.

ونظيرها وجود النور داخل الزجاج بواسطة القوة والطاقة الكهربائية التي تصل إليه بالأسلاك والتيارات من مركز توليدها، ولا يمكن استغناء وج-ود النور بقاءً عن وجود هذه الطاقة، فاستمرار وجوده فيه باستمرار وصول تلك الطاقة إليه آناً بعد آن، ولو انعدمت تلك الطاقة عنه في آنٍ انعدم النور فيه فوراً.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة الدقيقة : وهي أنّ الوجود الممكن بشتى ألوانه وأشكاله وجود تعلق وارتباطي، فالتعلق والارتباط مقوم لوجوده وكيانه، وعلى أساس تلك النتيجة فالانسان يفتقر كل آن في حفظ كيانه ووجوده وقدرته إلى الافاضة من المبدأ عليه، ولو انقطعت إفاضة الوجود منه مات كما لو انقطعت إفاضة القدرة عنه عجز.

وقد يناقش في هذه النتيجة : بأنّها مخالفة لظواهر الأشياء الكونية، فانّها باقية بعد انتفاء علّتها، ولو كان وجود المعلول وجوداً تعلّقياً ارتباطياً لم يعقل بقاؤه بعد انتفاء علّته.

والجواب عن هذه المناقشة : قد تقدّم بصورة مفصلة (1)عند نقد نظرية المعتزلة، وأثبتنا هناك أنّ المناقش بما أنّه لم يصل إلى تحليل مبدأ العلية لتلك الظواهر حدوثاً وبقاءً وقع في هذا الخطأ والاشتباه فلاحظ.

لا بأس أن نشير في ختام هذا الشوط إلى نقطتين :


1) في ص 426.

الأولى : أن مردّ حديثنا عن أنّ الأشياء الخارجية بكافة أنواعها أشياء تعلّقية وارتباطية تتعلق بالمبدأ الأعلى وترتبط به، ليس إلى نفي العلية بين تلك الأشياء، بل مردّه إلى أنّ تلك الأشياء بعللها ومعاليلها تتصاعد إلى سبب أعمق وتنتهي إلى مبدأ أعلى ما وراء حدودها، والسبب في ذلك: أنّ تلك الأشياء بكافة سلسلتها التصاعدية وحلقاتها الطولية والعرضية خاضعة لمبدأ العلية ولا يمكن افتراض شيء بينها متحرر عن هذا المبدأ، ليكون هو السبب الأوّل لها، فإذن لا بد من انتهاء السلسلة جميعاً في نهاية المطاف إلى علّة غنية بذاتها، لتقطع السلسلة بها وتضع لها بداية أزلية.

مثلاً بقاء ظواهر الأشياء استند إلى بقاء عللها، وهي الخاصية الموجودة في موادها من ناحية، والقوة الجاذبية التي تفرض المحافظة عليها من ناحية أخرى، وترتبط تلك الظواهر بهما ارتباطاً ذاتياً، فلا يعقل بقاؤها على وضعها بدونهما، ثمّ ننقل الكلام إلى عللها وهي تواجه نفس مسألة الافتقار إلى مبدأ العلية وهكذا إلى أن تصل الحلقات إلى السبب الأعلى الغني بالذات المتحرر من مبدأ العلية.

الثانية : أنّ ارتباط المعلول بالعلّة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلّة الفاعلية في نقطةٍ، ويشترك معه في نقطة أخرى.

أمّا نقطة الافتراق : فهي أنّ المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة وينبثق من صميم كيانها ووجودها، ومن هنا قلنا إن تأثير العلة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب. وأمّا المعلول في الفواعل الارادية فلا يرتبط بذات الفاعل والعلة ولا ينبثق من صميم وجودها، ومن هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسألة التناسب. نعم، يرتبط المعلول فيها بمشيئة الفاعل وإعمال قدرته ارتباطاً ذاتياً، يعنى يستحيل انفكاكه عنها حدوثاً وبقاء، ومتى تحققت

المشيئة تحقق الفعل ومتى انعدمت انعدم وعلى ذلك فمرد ارتباط الأشياء الكونية بالمبدأ الأزلي وتعلقها به ذاتاً إلى ارتباط تلك الأشياء بمشيئته وإعمال قدرته، وأنها خاضعة لها خضوعاً ذاتياً وتتعلق بها حدوثاً وبقاء، فمتى تحققت المشيئة الإلهية بايجاد شيء وجد، ومتى انعدمت انعدم، فلا يعقل بقاؤه م-ع انعدامها، ولا تتعلق بالذات الأزلية، ولا تنبثق من صميم كيانها ووجودها، كما عليه الفلاسفة.

ومن هنا قد استطعنا أن نضع الحجر الأساسي للفرق بين نظريتنا ونظرية الفلاسفة، فبناءً على نظريتنا ارتباط تلك الأشياء بكافة حلقاتها بمشيئته تعالى وإعمال سلطنته وقدرته، وبناءً على نظرية الفلاسفة ارتباطها في واقع كيانها بذاته الأزلية وتنبثق من صميم وجودها، وقد تقدّم عرض هذه الناحية ونقدها في ضمن البحوث السابقة بشكل موسع.

وأما نقطة الاشتراك : فهي أنّ المعلول كما لا واقع له ما وراء ارتباطه بالعلّة وتعلقه بها تعلّقاً في جوهر ذاته وكيان وجوده، لما مضى من أنّ مطلق الارتباط القائم بين شيئين لا يشكل علاقة العلية بينهما، فكذلك الفعل لا واقع موضوعي له ما وراء ارتباطه بمشيئة الفاعل وإعمال قدرته وتعلقه بها تعلقاً في واقع ذاته وكيانه، ويدور وجوده مدارها حدوثاً وبقاء، فمتى شاء إيجاده وجد، ومتى لم

يشأ لم يوجد. فالنتيجة : أن المعلول الطبيعي والفعل الاختياري يشتركان في أنّ وجودهما عين الارتباط والتعلق، لكن الأوّل تعلق بذات العلة، والثاني بمشيئة الفاعل لا بذاته، رغم أنّ صدور الأوّل يقوم على أساس قانون التناس-ب ومبدأ الح--تم والوجوب، وصدور الثاني يقوم على أساس الاختيار، وقد تقدّم (1)درس هذه


1) في ص 400.

النواحي بصورة موسعة في ضمن البحوث السالفة.

قد انتهينا في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة : وهي أن للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين :

إحداهما : نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته.

وثانيتهما : نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة له في كل آن وبصورة مستمرة حتّى في آن اشتغاله بالعمل، وتلك النتيجة هي المطابقة للواقع الموضوعي والمنطق العقلي ولا مناص عنها، ومردّها إلى أن مشيئة العبد تتفرع على مشيئة اللّه سبحانه وتعالى وإعمال سلطنته، وقد أشار إلى هذه الناحية في عدّة من الآيات الكريمة.

منها قوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللّه (1)حيث قد أثبت (عزّ وجلّ) أنّه لا مشيئة للعباد إلا بمشيئة اللّه تعالى، ومدلول ذلك كما مضى في ضمن البحوث السابقة (2)أنّ مشيئة اللّه تعالى لم تتعلق بأفعال العباد وإنما تتعلق بمبادئها كالحياة والقدرة وما شاكلها، وبطبيعة الحال أن المشيئة للعبد إنّما في فرض وجود تلك المبادئ بمشيئة اللّه سبحانه، وأما في فرض عدمها بعدم مشيئة الباري (عزّ وجلّ) فلا تتصور لأنّها لا يمكن أن توجد بدون وجود ما تتفرّع عليه، فالآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى.)ومنها قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَن يَشَاءَ


1) الانسان 76: 30.

2) في ص 417.

اللّه (1)حيث قد عرفت أنّ العبد لا يكون فاعلاً لفعل إلا أن يشاء اللّه تعالى حياته وقدرته ونحوهما ممّا يتوقف عليه فعله خارجاً، وبدون ذلك لا يعقل كونه فاعلاً له، وعليه فمن الطبيعي أن فعله في الغد يتوقف على تعلّق مشيئة اللّه تعالى بحياته وقدرته فيه، وإلّا استحال صدوره منه، فالآية تشير إلى هذا المعنى.)ويحتمل أن يكون المراد من الآية معنى آخر، وهو أنكم لا تقولون لشيء سنفعل كذا وكذا غداً إلا أن يشأ اللّه خلافه، فتكون جملة (إلّا أن يشاء اللّه مقولة القول، ويعبّر عن هذا المعنى في لغة الفرس «اگر خدا بگذارد» ومرجع هذا المعنى إلى استقلال العبد وتفويضه في فعله إذا لم يشأ اللّه خلافه، ولذا منعت الآية المباركة عن ذلك بقوله (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيء) إلخ، ولعل هذا المعنى أظهر من المعنى الأوّل كما لا يخفى.)ومنها قوله تعالى: ﴿قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللّه (2)حيث قد ظهر ممّا تقدّم أنّ الآية الكريمة لا تدل على الجبر، بل تدل على واقع الأمر بين الأمرين، بتقريب أنّ المشيئة الإلهية لو لم تتعلق بافاضة الحياة للانسان والقدرة له فلا يملك الانسان لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يقدر على شيء، بداهة أنه لا حياة له عندئذ ولا قدرة كي يكون مالكاً وقادراً، فملكه النفع أو الضر لنفسه يتوقف على تعلّق مشيئته تعالى بحياته وقدرته آناً فاناً، ويدور مداره حدوثاً وبقاء، وبدونه فلا ملك له أصلاً ولا سلطان. ومنها قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) (3)حيث قد أسندت


1) الكهف 18: 23 - 24.

2) یونس 10: 49.

3) النحل 16: 93.

الآية الكريمة الضلالة والهداية إلى اللّه (سبحانه وتعالى) مع أنها من أفعال العباد، وسره ما ذكرناه من أن أفعال العباد وإن لم تقع تحت مشيئة الباري (عزّ وجلّ) مباشرةً، إلّا أنّ مبادئ تلك الأفعال بيد مشيئته تعالى وتحت إرادته، وقد تقدّم (1)أنّ هذه الجهة كافية لصحة إسناد هذه الأفعال إليه تعالى حقيقةً من دون عناية ومجاز.

فالنتيجة : أنّ هذه الآيات وأمثالها تطابق نظريّة الأمر بين الأمرين ولا تخالفها. وتوهم أن أمثال تلك الآيات تدل على نظرية الجبر خاطئ جداً، فان هذا التوهم قد نشأ من عدم فهم معنى نظرية الأمر بين الأمرين فهماً صحيحاً كاملاً ومطابقاً للواقع الموضوعي، وأمّا بناءً على ما فسرنا به هذه النظرية فلا يبقى مجال لمثل هذا التخيل والتوهم أبداً.

ثم إنه لا بأس بالاشارة في نهاية المطاف إلى نقطتين :

الأولى : أنّ الفخر الرازي قد أورد شبهةً على ضوء الهيئة القديمة وحاصلها: هو أنّ اللّه تعالى خلق الكائنات على ترتيب خاص وحلقات تصاعدية مخصوصة، وهي أنّه تعالى خلق الكرة الأرضية وجعلها نقطة الدائرة ومركزاً لها، ثمّ كرة الماء، ثمّ كرة الهواء، ثمّ كرة النار، ثمّ الفلك الأوّل، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الفلك التاسع وهو فلك الأفلاك المسمّى بالفلك الأطلس، وأما ما وراءه فلا خلاً ولا ملأ ولا يعلمه إلا اللّه (سبحانه وتعالى) ثمّ إنّه تعالى جعل لكل من تلك الكرات والأفلاك حركة خاصة من القسرية والطبيعية، فجعل حركة الشمس مثلاً من المشرق إلى المغرب، ولم يجعلها من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق، وهكذا.


1) في ص 433.

وبعد ذلك قال : إنّ للسائل أن يسأل عن أنّ اللّه تعالى لم لم يجعل العالم على شكل آخر وترتيب ثانٍ بأن يجعل حركة الشمس مثلاً من المغرب إلى المشرق، وهكذا، وبأي مرجح جعل العالم على الشكل الحالي دون غيره، فيلزم الترجيح من دون المرجح وهو محال.

وحكى صدر المتألهين هذه الشبهة عنه في مشاعره (1)وأجاب عنها بعدة وجوه.

ونقل شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)أن صدر المتألهين قد تعرّض لهذه الشبهة في شرح أصول الكافي، ولكن لم يأت بالجواب عنها إلا باللعن والشتم واعترف بأنه أتى بشبهة لا جواب لها.

وغير خفي أنّ إيراد الفخر هذه الشبهة على ضوء الهيئة القديمة لا من جهة ابتناء الشبهة عليها، بل من ناحية أنّ أفكارهم ع--ن الع-الم في ذلك العصر وتصوّرهم عنه كانت قائمة على أساس تلك الهيئة، وإلا فالشبهة غير مختصة بها، بل تجيء على ضوء الأفكار الجديدة عن العالم في العصر الحاضر أيضاً، حيث إنّ للسائل أن يسأل عن أنّ اللّه تعالى لماذا جعل حركة الأرض حول الشمس دون العكس، وهكذا.

ولنأخذ بالنقد في هذه الشبهة على ضوء كلتا النظريتين، يعني : نظريتنا ونظرية الفلاسفة.

أما على نظريّتنا، فلأنها ساقطة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً، والسبب في ذلك : هو أن الفعل الاختياري إنما يفتقر في وجوده إلى إعمال قدرة الفاعل


1) لاحظ شرح المشاعر : 289.

2) أجود التقريرات 1: 140.

واختياره، فمتى أعمل قدرته نحو إيجاده وجد وإلا فلا، سواء أكان هناك مرجّح خارجي يقتضي وجوده أم لم يكن، وهذا بخلاف المعلول فان صدوره عن العلة إنما هو في إطار قانون التناسب، ويستحيل صدوره في خارج هذا الإطار، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : قد ذكرنا في بحث الوضع (1)أن الترجيح بلا مرجّح لم يكن قبيحاً فضلاً عن كونه مستحيلاً، وذلك كما إذا تعلّق الغرض بصرف وجود الطبيعي في الخارج وافترضنا أنّ أفراده كانت متساوية الأقدام بالاضافة إليه، فعندئذ اختيار أي فرد منها دون آخر لم يكن قبيحاً فضلاً عن كونه محالاً. نعم، اختيار فعل من دون تعلّق غرض به لا بشخصه ولا بنوعه لغو وقبيح، لا أنه محال.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أن المشيئة الإلهية حيث تعلقت بخلق العالم وإيجاده، فاختياره تعالى هذا الشكل الخاص له والترتيب المخصوص المشتمل على الأنظمة الخاصّة المعيّنة من بين الأشكال المتعددة المفترض تساويها لا يكون قبيحاً فضلاً عن كونه محالاً.

على أن الترجيح بلا مرجّح لو كان قبيحاً لقلنا بطبيعة الحال بوجود المرجّح في اختياره، وإلّا استحال صدوره من الحكيم تعالى، بداهة أنه ليس بامكاننا نفي وجود المرجّح فيه ودعوى تساويه مع بقية الأفراد والأشكال، وكيف كان فالشبهة واهية جداً.

وأمّا على نظرية الفلاسفة، فالأمر أيضاً كذلك، والوجه فيه : أن صدور


1) في ص 34.

المعلول عن العلة وإن كان يحتاج إلى وجود مرجّح، إلّا أنّ المرجّح عبارة عن وجود التناسب بينهما، وبدونه يستحيل صدوره منها. وعلى هذا الأساس لا محالة يكون وجود العالم بهذا الشكل والترتيب الخاص معلولاً لعلة مناسبة له وإلا استحال وجوده كذلك.

وبكلمة أخرى قد تقدّم (1)أنّ تأثير العلّة في المعلول على ضوء قانون التناسب بينهما، وعليه فالتناسب الموجود بين العالم وعلّته لا يخلو من أن يكون موجوداً بين وجوده بهذا الشكل ووجود علّته أو يكون موجوداً بين وجوده بشكل آخر ووجود علّته، ولا ثالث لهما، فعلى الأوّل يجب وجوده بالشكل الحالي ويستحيل وجوده بشكل آخر وعلى الثاني عكس ذلك، وحيث إنّ العالم قد وجد بهذا الشكل فنستكشف عن وجود المرجّح فيه لا في غيره.

الثانية : قد عرفت أنّ للفعل الصادر من العبد إسنادين حقيقيين :

أحدهما : إلى فاعله مباشرة.

وثانيهما : إلى معطي مقدّماته ومبادئه التي يتوقف الفعل عليها، وهو اللّه (سبحانه وتعالى).

ولكن قد يكون إسناده إلى اللّه تعالى أولى في نظر العرف من إسناده إلى العبد، وقد يكون بالعكس، ولتوضيح ذلك نأخذ بمثال : وهو أنّ من هيأ جميع مقدمات سفر شخص إلى زيارة بيت اللّه الحرام مثلاً من الزاد والراحلة ونحوهما وسعى له في إنجاز تمام مهماته وقد أنجزها حتّى أحضر له سيّارةً خاصة أو طائرة فلم يبق إلّا أن يركب فيها ويذهب بها إلى الحج، فعندئذ إذا ركب فيها


1) في ص 401.

وذهب وأدى تمام المناسك، فالعرف يرى أولوية إسناد هذا العمل إلى من هيّاً له المقدمات دون فاعله وأمّا لو استغلّ هذا الشخص الطائرة وذهب بها إلى مكان لا يرضى اللّه ورسوله به وعمل ما عمل هناك، فالفعل في نظر الع--رف مستند إلى فاعله مباشرةً دون من هيّأ المقدمات له.

وكذلك الحال في أفعال العباد، فان كافّة مبادئها من الحياة والقدرة ونحوهما تحت مشيئته تعالى وإرادته كما عرفت سابقاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنّ اللّه تعالى قد بيّن طريق الحق والباطل، والهداية والضلال، والسعادة والشقاوة، وما يترتب عليهما من دخول الجنّة والنار بارسال الرسل وإنزال الكتب.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّ اللّه تعالى يعطي تلك المبادئ والمقدّمات لهم ليصرفوها في سبل الخير وطرق الهداية والسعادة ويرتكبوا بها الأفعال الحسنة، لا في سبل الشر وطرق الضلالة والشقاوة، وعندئذ بطبيعة الحال الأفعال الصادرة منهم إن كانت حسنة ومصداقاً لسبل الخير وطرق الهداية لكان استنادها في نظر العرف إلى اللّه تعالى أولى من استنادها إليهم، وإن كانت قبيحةً ومصداقاً لسبل الشر وطرق الضلالة، لكان استنادها إليهم أولى من استنادها إليه سبحانه وتعالى وإن كان لا فرق بينهما في نظر العقل.

وعلى هذا نحمل ما ورد في بعض الروايات بهذا المضمون «إنِّي أولى بحسناتك من نفسك وأنت أولى بسيّئاتك مني» (1)فانّ النظر فيه إلى ما ذكرناه من التفاوت في نظر العرف دون النظر الدقي العقلي. وهذا لا ينافي ما حققناه من صحّة استناد العمل إلى اللّه تعالى وإلى فاعله المباشر حقيقةً.


1) أصول الكافي 1: 160 ح 12.

6 - نظرية العلماء: العقاب

لا إشكال في صحّة عقاب العبد وحسنه على مخالفة المولى على ضوء نظريتي الإمامية والمعتزلة، حيث إنّ العقاب على ضوئها عقاب على أمر اختياري، ولا يكون عقاباً على أمر خارج عن الاختيار ليكون قبيحاً، ومن الطبيعي أنّ العقل يستقل بحسن العقاب على أمر اختياري. وقد تقدّم أنّ العبد مختار في فعله في ضمن البحوث السالفة بشكل موسع.

وأما على نظرية الأشاعرة فيشكل عقاب العبيد على أفعالهم وكذلك على نظرية الفلاسفة، ضرورة أنّ العقاب على ضوء كلتا النظريتين عقاب على الأمر الخارج عن الاختيار، ومن الطبيعي أنّ العقل قد استقلّ بقبح العقاب على ما هو الخارج عن الاختيار، بل عندئذ لا فائدة لبعث الرسل وإنزال الكتب أصلاً، حيث إنّ الكل بقضاء اللّه وقدره، فما تعلّق قضاء اللّه بوجوده وجب وما تعلّق قضاء اللّه بعدمه امتنع، فإذن ما فائدة الأمر والنهي. ومن هنا قد تصدوا للجواب عن ذلك بوجوه.

الأوّل: ما عن صدر المتألهين وإليك نصه : أما الأمر والنهي فوقوعها أيضاً من القضاء والقدر، وأمّا الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء، فانّ الأغذية الرديئة كما أنها أسباب للأمراض الجسمانية، كذلك العقائد الفاسدة والأعمال الباطلة أسباب للأمراض النفسانية، وكذلك في جانب الثواب (1).


1) الأسفار 6: 386.

وهذا الجواب غير مفيد، والسبب في ذلك :

أولاً : أن الثواب والعقاب ليسا من لوازم أفعال العباد التي لا تنفك عنها، بل هما فعلان اختياريان للمولى، وإلا فلا معنى للشفاعة والغفران اللذين قد ثبتا بنص من الكتاب والسنّة.

وثانياً : أن أفعال العباد إذا كانت واقعة بقضاء اللّه تعالى فبطبيعة الحال هي خارجة عن اختيارهم، ومن هنا قد صرّح بأنّ ما تعلّق به قضاء اللّه وجب ولا يعقل تخلّفه عنه. وعلى هذا فما فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهي.

وبكلمة أخرى بهذا الجواب وإن كان تدفع مسألة قبح العقاب على أمر خارج عن الاختيار، حيث إنّ تلك المسألة تقوم على أساس أن العقاب فعل اختياري للمولى، فعندئذ لا محالة يكون قبيحاً. وأما لو كان من لوازم الأفعال القبيحة والعقائد الفاسدة فلا يعقل،قبحه، إلّا أنّه لا يعالج مشكلة لزوم لغوية بعث الرسل وإنزال الكتب.

الثاني : ما عن أبي الحسن البصري (1)رئيس الأشاعرة والمجبرة من أنّ الثواب والعقاب ليسا على فعل العبد الصادر منه في الخارج، ليقال إنه خارج عن اختياره ولا يستحق العقاب عليه، بل إنّما هما على اكتساب العبد وكسبه بمقتضى الآية الكريمة( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّه سَرِيعُ الْحِسَابِ) (2).

وهذا الجواب لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، وذلك لأنه إن أراد بالكسب والاكتساب كون العبد محلاً للفعل كالجسم الذي يكون محلاً للسواد مثلاً تارةً


1) كشف الفوائد (مجموعة الرسائل للحلي 1): 61.

2) غافر 17:40.

وللبياض أخرى فيرده : أنه لا يعالج مشكلة العقاب على أمر غير اختياري، ضرورة أن كونه محلاً له ككون الجسم محلاً للسواد أو البياض أمر خارج عن اختیاره فلا يعقل عقابه عليه.

هذا، مضافاً إلى اختلاف الفعل في الخارج فلا يكون على نسبة واحدة، حيث قد يكون قيامه بالفاعل قيام صدور وإيجاد، وقد يكون قيامه به قيام الحال بالمحل، وهذا الجواب لو تم فانّما يتم في خصوص ما كان قيام الفعل به قيام الحال بالمحل لا مطلقاً.

وإن أراد بهما الفعل الصادر من العبد باختياره وإعمال قدرته، فهو يناقض التزامه بالجبر وأن العبد لا اختيار له.

وإن أراد بهما شيئاً آخر يغاير الفعل الخارجي، فهو مضافاً إلى أنه خلاف الوجدان، ضرورة أنه ليس هنا شيء آخر يصدر من العبد خارجاً ما ع--دا فعله، ننقل الكلام فيه ونقول : إنّه لا يخلو من أن يكون صدوره منه باختياره أو لا يكون باختياره.

وعلى الأوّل فلا موجب للتفرقة بينه وبين الفعل والالتزام بأنه اختياري دونه، وذلك لأنّ مقتضى الأدلة المتقدمة أنّه لا اختيار للعبد وهو بمنزلة الآلة فكل ما يصدر منه في الخارج يصدر في الحقيقة بارادة اللّه تعالى ومشيئته، سواء أسمي فعلاً أم كسباً، وعليه فكما أنّ الالتزام بكون الفعل اختيارياً يناقض مذهبه، فكذلك الحال في الكسب فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

وعلى الثاني فما هو المصحح للعقاب إذا كان الكسب كالفعل ي-ص-در ب-غ-ير اختيار للعبد.

ومن ضوء هذا البيان يظهر أنّه لا وجه للاستشهاد على ذلك بالآية الكريمة،

لوضوح أنّ المراد من الكسب فيها هو العمل الخارجي لا شيء آخر في مقابله. ومن هنا قد رتب سبحانه وتعالى في كثير من الآيات الجزاء والعقاب على العمل. الثالث : ما عن الباقلاني (1)من أنّ الثواب والعقاب إنما هما على عنوان الاطاعة والمعصية، بدعوى أنّ الفعل الخارجي وإن كان يصدر من العبد بغير اختياره، إلّا أنّ جعله معنوناً بعنوان الاطاعة والمعصية بيده واختياره، فإذن العقاب عليها ليس عقاباً على أمر غير اختياري.

وغير خفّ أنّ الاطاعة والمعصية لا تخلوان من أن تكونا عنوانين انتزاعيين من مطابقة الفعل المأتي به في الخارج للمأمور به ومخالفته له، أو تكونا أمرين متأصلين في الخارج.

وعلى الأوّل فلا مناص من الالتزام بعدم كونهما اختياريين، بداهة أنهما تابعان لمنشأ انتزاعهما، وحيث فرض عدم اختياريته فبطبيعة الحال يكونان خارجين عن الاختيار، فإذن عاد المحذور.

وعلى الثاني فيرد عليه أوّلاً : أنه خلاف الوجدان والضرورة، بداه-ة أن-ا لانعقل شيئاً آخر في الخارج في مقابل الفعل الصادر من العبد المنتزع منه تارةً عنوان الاطاعة وأخرى عنوان المعصية. وثانياً : أنا ننقل الكلام إليهما ونقول أنهما لا يخلوان من أن يصدرا عن العبد بالاختيار أو يصدرا قهراً وبغير اختيار، فعلى الأوّل يلزمهم أن يعترفوا بعدم الجبر واختيارية الأفعال، ضرورة عدم الفرق بين فعل وآخر في ذلك، فلو أمكن صدور فعل عنه بالاختيار لأمكن صدور غيره أيضاً كذلك، فانّ الملاك فيه واحد. وعلى الثاني يعود المحذور.


1) كشف الفوائد (مجموعة الرسائل للحلي 1): 61.

الرابع : أنّ الأشاعرة (1)قد أنكرت التحسين والتقبيح العقليين وقالوا: إنّ القبيح ما قبّحه الشارع والحسن ما حسّنه الشارع، ومع قطع النظر عن حكمه بذلك لا يدرك العقل حسن الأشياء ولا قبحها في نفسه، وقد أقاموا على هذا الأساس دعويين :

الأولى : لا يتصور صدور الظلم من اللّه (سبحانه وتعالى) والسبب في ذلك: أن الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير بدون إذنه، والمفروض أن العالم بعرضه العريض من العلوي والسفلي والدنيوي والأخروي ملك اللّه سبحانه وتحت سلطانه وتصرفه، ولا سلطان لغيره فيه ولا شريك له في ملکه، ومن الطبيعي أن أي تصرّف صدر منه تعالى كان في ملكه فلا يكون مصداقاً للظلم، وعلى هذا فلا محذور لعقابه تعالى العبيد على أفعاله غير الاختيارية، بل ولا ظلم لو عاقب اللّه سبحانه وتعالى نبياً من أنبيائه وأدخله النار وأثاب شقياً من الأشقياء وأدخله الجنّة، حيث إنّ له أن يتصرف في ملكه ما شاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون عما يفعلون.

فالنتيجة : أنّ انتفاء الظلم في أفعاله تعالى بانتفاء موضوعه، وعلى هذا المعنى نحمل الآيات النافية للظلم عن ساحته (تعالى وتقدس) كقوله (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (2)ونحوه، يعني أنّ سلب الظلم عنه لأجل عدم موضوعه واستحالةً تحققه، لا لأجل قبحه.

ومن ضوء هذا البيان يظهر وجه عدم اتصاف أفعال العباد بالظلم، حيث إنّها أفعال اللّه تعالى حقيقة وتصدر منه واقعاً، ولا شأن للعباد بالاضافة إليها في


1) كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل للحلي 1): 65.

2) فصلت 46:41.

مقابل شأنه تعالى، ولا إرادة لهم في مقابل إرادته.

الثانية : أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) هو الحاكم على الاطلاق، فلا يتصور حاكم فوقه، وعليه فلا يعقل أن يكون محكوماً بحكم عبيده، ولا معنى لعدم تجويز الظلم عليه بحكم العقل، فانّ مردّه إلى تعيين الوظيفة له تعالى وهو غير معقول.

ولنأخذ بالنقد على كلتا الدعويين :

أما الدعوى الأولى : فهي ساقطة جداً، والسبب في ذلك : أن قضيّتي قبح الظلم وحسن العدل من القضايا الأوّلية التي يدركها العقل البشري في ذاته، ولا يتوقف إدراكه لهما على وجود شرع،وشريعة، وتكونان من القضايا التي هي قياساتها معها، ولن يتمكن أحد ولا يتمكن من إنكارهما، لا في أفعال الباري (عزّ وجلّ) ولا في أفعال عباده.

وأما ما ذكره الأشاعرة في وجه عدم اتصاف أفعاله تعالى بالظلم فهو خاطئ، وذلك لأنّ حقيقة الظلم هي الاعوجاج في الطريق والخروج منه يمنةً ويسرةً، وعدم الاستقامة في العمل، وهو المعبّر عنه بجعل الشيء في غير موضعه، كما أنّ حقيقة العدل عبارة عن الاستواء والاستقامة في جادة الشرع وعدم الخروج منها يمنةً تارةً ويسرةً أخرى، وهو المعبّر عنه بوضع كل شيء في موضعه، وبطبيعة الحال أنّ صدق الظلم بهذا التفسير لا يتوقف على كون التصرف تصرفاً في ملك الغير وسلطانه. ومن هنا لو قصر أحد في حفظ نفسه يقال إنّه ظلم نفسه، مع أن نفسه غير مملوكة لغيره، كما أنه لو وضع ماله في غير موضعه عدّ ذلك ظلماً منه. وعلى ضوء هذا التفسير لو أثاب المولى عبده العاصي وعاقب عبده المطيع عد ذلك منه ظلماً ووضعاً لهما في غير محلها، وإن كان التصرف تصرفاً في ملكه وسلطانه. وعلى الجملة : كما أنّ العقل يدرك أنّ مؤاخذة المولى عبده على العمل

الصادر منه قهراً وبغير اختيار ظلم منه ووضع في غير موضعه، وإن كان الملك ملك نفسه والتصرف تصرفاً في سلطانه، كذلك يدرك أن مؤاخذة المطيع وإثابة العاصي ظلم.

فالنتيجة : أنّ الظلم لا ينحصر بالتصرف في ملك غيره. نعم، عنوان الغصب لا يتحقق في فعله تعالى، حيث إنّه عبارة عن التصرف في ملك الغير من دون إذنه ورضاه، وقد عرفت أنّ العالم وما فيه ملك له تعالى.

ونزيد على هذا : أنّ إنكار التحسين والتقبيح العقليين يستلزم س--د ب-اب إثبات النبوة وهدم أساس الشرائع والأديان والوجه في ذلك: هو أن إثبات النبوّة يرتكز على إدراك العقل قبح إعطاء المعجزة بيد الكاذب في دعوى النبوة، وإذا افترضنا أنّ العقل لا يدرك قبح ذلك وأنّه لا مانع في ن-ظ-ره م-ن أنّ اللّه (سبحانه وتعالى) يعطي المعجزة بيد الكاذب، فإذن ما هو الدليل القاطع على كونه نبياً وما هو الدافع لاحتمال كونه كاذباً في دعوته. ومن الطبيعي أنه لا دافع له ولا مبرر إلا إدراك العقل قبح ذلك.

ومن ذلك يظهر أنّ الأشاعرة لا يتمكنون ولن يتمكنوا من إثبات مسألة النبوة على ضوء مذهبهم.

هذا، مضافاً إلى أنّ عقاب المطيع لو كان جائزاً ولم يكن قبيحاً من اللّه سبحانه لزم كون إرسال الرسل وإنزال الكتب لغواً، فانها لدعوة الناس إلى الاطاعة والثواب وتبعيدهم عن المعصية والعقاب، وإذا افترضنا أن كلاً من المطيع والعاصي يحتمل العقاب على فعله كما يحتمل الثواب عليه، فلا داعي له إلى الاطاعة لجواز أن يثيب (سبحانه وتعالى) العاصي ويعاقب المطيع.

ودعوى أنّ عادة اللّه تعالى قد جرت على إظهار المعجزة بيد الصادق دون الكاذب، خاطئة جداً.

أمّا أوّلاً فلأنّه لا طريق لنا إلى إثبات هذه الدعوى إلا من طريق إدراك العقل، وذلك لأنها ليست من الأمور المحسوسة القابلة للادراك بإحدى القوى الظاهرة، ولكن إذا عزلنا العقل عن حكمه وأنّه لا يدرك الحسن والقبح فما هو المبرّر لها والحاكم بها وكيف يمكن تصديقها والعلم بثبوتها له تعالى. وأما ثانياً : فلأن إثبات هذه العادة له تعالى تتوقف على تصديق نبوّة الأنبياء السابقين الذين أظهروا المعجزة وجاؤوا بها، وأما من أنكر نبوّتهم أو أظهر الشك فيها فكيف يمكن حصول العلم له بثبوت هذه العادة.

وبكلمة أخرى : العادة إنما تحصل بالتكرار وتعاقب الوجود، وعليه فننقل الكلام إلى أوّل نبي يدعي النبوّة ويظهر المعجزة، فكيف يمكن تصديقه في دعواها، وما هو الطريق لذلك والدافع لاحتمال كونه كاذباً في دعوته بعد عدم إدراك العقل قبح إظهار المعجزة بيد الكاذب من ناحية، وعدم ثبوت العادة المفروضة من ناحية أخرى.

وقد تحصّل من ذلك : أنه لا طريق إلى إثبات نبوّة مَن يدعيها إلا إدراك العقل قبح إظهاره تعالى المعجزة بيد الكاذب، ولولاه لانسدّ باب إثبات النبوة.

وأما ثالثاً : فلانا لو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ عادة اللّه تعالى قد جرت على ذلك، ولكن ما هو المانع من تغيير هذه العادة وما هو الدافع لهذا الاحتمال، ومن الطبيعي أنه لا دافع له إلا إدراك العقل قبح ذلك، وإذا افترضنا أن العقل لا يدرك قبحه ولا مانع عنده من هذا التغيير، فإذن ما هو الدافع له ؟

ومن ضوء هذا البيان يظهر بطلان دعوی جریان عادته تعالى على مؤاخذة العاصي وإثابة المطيع أيضاً، بعين ما قدمناه فلا نعيد.

وتوهم أنّ إثابة المطيع ومؤاخذة العاصي مستندة إلى وعده تعالى ووعيده

في كتابه الكريم من الحسنات والسيّئات والدخول في الجنة والنار، والحور والقصور، والويل والعذاب وما شاكل ذلك من ألوان الثواب والعقاب خاطئ جداً والسبب في ذلك : أنّه لا يمكن الوثوق بوعده تعالى ووعيده بعد الالتزام بعدم إدراك العقل قبح الكذب وخلف الوعد عليه سبحانه.

فالنتيجة : أنّ في عزل العقل عن إدراك الحسن و القبح وتجويز ارتكاب الظلم على اللّه تعالى القضاء الحاسم على أساس كافة الشرائع والأديان.

وأمّا الدعوى الثانية : فلأنها نشأت الخلط من بين حكم العقل العملى وحكم العقل النظري، وذلك لأنّ اللّه تعالى لا يعقل أن يكون محكوماً بحكم العقل العملي، وهو حكم العقلاء باستحقاقه تعالى المدح تارةً والذم أخرى على الفعل الصادر منه في الخارج، بداهة أنّه لا يتصور أن يحكم عليه سبحانه عبيده.

وأما العقل النظري، فهو كما يدرك وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته التي هي من لوازم علمه وقدرته، كذلك يدرك قبح ارتكابه سبحانه الظلم واستحالة صدوره منه، كيف حيث إنّه منافٍ لحكمته، ومن الطبيعي أنّ ما ينافي لها يستحيل صدوره من الحكيم تعالى، والسبب في ذلك : أن صدور الظلم من شخص معلول لأحد أمور : الجهل، التشفي، العجز، الخوف، وجميع ذلك مستحيل في حقه تعالى.

وكيف كان فادراك العقل استحالة صدور الظلم منه سبحانه وقبحه من القضايا الأوّلية التي هي قياساتها معها. ومن هنا لولا إدراك العقل قبح الظلم لاختلت كافّة الأنظمة البشرية المادية والمعنوية.

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أن أفعال اللّه تعالى لا تتصف بالقبح، وأن كل ما يصدر منه سبحانه،حسن إلّا أنّه لا ينبغي الشك في أنّ العقلاء يعاقبون عبيدهم على مخالفتهم ويثيبون على إطاعتهم، كما أنهم يمدحون الفاعل ع-ل-ى ف-عل

ويذمونه على فعل آخر، وهكذا، ولو كانت الأفعال الصادرة منهم غير اختيارية كما هو مختار الأشاعرة ومذهب الفلاسفة، فلا معنى لاستحقاقهم المدح والثواب عليها تارةً، والذم والعقاب أخرى. ومن هنا لا يستحقون ذلك على الفعل الصادر منهم بغير اختيار، وأنهم يفرّقون بين الأفعال الاختيارية وغيرها، فلو كانت الأفعال بشتى أنواعها وأشكالها غير اختيارية، فما هو سبب هذه التفرقة وحكمهم باستحقاق المدح أو الذم في بعضها دون بعضها الآخر. ومن الطبيعي أن كل ذلك يكشف بصورة قاطعة عن بطلان نظريّة الجبر وصحة نظرية الاختيار.

الخامس : ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نصه : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتها الذاتية اللازمة لخصوص ذاتها، فانّ السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه، والناس معادن كمعان الذهب والفضة كما في الخبر، والذاتي لا يعلل، فانقطع السؤال أنه لم جعل السعيد سعيداً والشقي شقياً، فانّ السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك، وإنما أوجدهما اللّه تعالى، قلم إينجا رسيد سر بشکست (1).

و ملخص كلامه (قدس سره) هو أنّ العقاب ليس من معاقب خارجي حتّى يلزم المحذور المتقدم، بل هو من لوازم الأعمال السيئة التي لا تنفك عنها، فان نسبة العقاب إلى العمل كنسبة الثمر إلى البذر، ومن الطبيعي أنّ البذر إذا كان صحيحاً كان نتاجه صحيحاً، وإذا كان فاسداً كان نتاجه فاسداً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ تلك الأعمال تنتهي بالأخرة إلى الشقاوة التي. هي


1) كفاية الأصول : 68.

ذاتية للانسان والذاتي لا يعلل.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّه لا إشكال لا من جانب العقاب حيث إنّه من لوازم الأعمال وآثارها ولا من جانب تلك الأعمال حيث إنها تنتهي في نهاية المطاف إلى الذات. ولنأخذ بالمناقشة على هذه النظرية :

أوّلاً: أنّها مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنّة، حيث إنّ لازمها عدم إمكان العفو بالشفاعة ونحوها، مع أنها قد نصتا على ذلك وأنّ العقاب ب-ي-ده تعالى وله أن يعاقب وله أن يعفو، فهو فعل اختياري له سبحانه. وعلى الجملة : فلا ينبغي الشك في بطلان هذه النظريّة على ضوء الكتاب والسنّة.

وثانياً : أنها لا تحل مشكلة العقاب على أمر غير اختياري فتبقى تلك المشكلة على حالها، بل هي تؤكدها كما هو واضح. نعم، لو كان مراده (قدس سره) من تبعية العقاب للكفر والعصيان التبعية على نحو الاقتضاء، فلا إشكال فيها من الناحية الأولى ولا تكون مخالفة للكتاب والسنّة، فيبق الاشكال فيها من الناحية الثانية وهي أنّ الأعمال إذا كانت غير اختيارية فكيف يعقل العقاب عليها (1)

وأمّا الدفع : فهو أنّ استحالة التخلف إنما تكون في الارادة التكوينية وهو الع--لم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الارادة التشريعة وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلف، وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الارادة التشريعية لا التكوينية، فإذا توافقتا فلابد من الاطاعة والايمان، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.

.

1) لا بأس بالتعرّض لما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام ونقده بشكل موسع، وإليك نص قوله :

----------------------------------------------------------------

إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان بارادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد فلا يصح يصح أن يتعلق بها التكليف، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلاً.

قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الارادة بها مسبوقةً بمقدماتها الاختيارية وإلا فلابد من صدورها بالاختيار، وإلا لزم تخلّف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بارادتها إلّا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف وقد سبقهما الارادة الأزلية والمشيئة الإلهية، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار.

قلت : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتها الذاتية اللازمة لخصوص ذاتها، فانّ السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة كما في الخبر، والذاتي لا يعلل، فانقطع سؤال إنّه لم جعل السعيد سعيداً، والشقي شقياً، فانّ السعيد سعيد بنفسه، والشقي شقي كذلك، وإنما أوجدهما اللّه تعالى(1).

نلخص كلامه (قدس سره) في عدّة نقاط :

الأولى : أن الارادة التكوينية علّة تامة للفعل ويستحيل تخلفها عنه. الثانية : أنّ إرادة العبد تنتهي إلى الارادة الأزلية بقانون أن كل ما بالغير ينتهي بالأخرة إلى ما بالذات.

الثالثة : أنّ إرادته تعالى من الصفات العليا الذاتية كالعلم والقدرة وما شاكلها.


1) كفاية الأصول : 67.

----------------------------------------------------------------

الرابعة : أنّ الشقاوة والسعادة صفتان ذاتيتان للانسان.

الخامسة : أنّ منشأ العقاب والثواب إنما هو الشقاوة والسعادة الذاتيتان اللازمتان للذات.

أما النقطة الأولى والثانية والثالثة : فقد تقدّم الكلام فيها في ضمن البحوث السالفة بشكل موسع من دون حاجة إلى الاعادة.

وأما النقطة الرابعة : فان أراد بالذاتي الذاتي في باب الكليات أعني الجنس والفصل فهو واضح الفساد، بداهة أن السعادة والشقاوة ليستا جنسين للانسان ولا فصلين له، وإلا لكانت حقيقة الانسان السعيد مباينة لحقيقة الانسان الشقي وهو كما ترى، فعندئذ لا محالة يكون مراده منه الذاتي في باب البرهان، وعليه فنقول :

إن أراد به الذاتي بمعنى العلة التامة، يعني أنّ شقاوة الشقي علة تامة لاختياره الكفر والعصيان وسعادة السعيد علة تامة لاختياره الايمان والاطاعة، فيرده البرهان والوجدان من ناحية، والكتاب والسنّة من ناحية أخرى.

أمّا الأوّل : فمضافاً إلى ما تقدّم في ضمن البحوث السالفة بصورة مفصلة من نقد

نظرية الجبر وإثبات الاختيار أنّ الشقاوة والسعادة لو كانتا كذلك لزم هدم أساس كافة الشرائع والأديان وأصبح كون بعث الرسل وإنزال الكتب لغواً محضاً، فلا تترتب عليه أيّة فائدة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: لزم من ذلك ه-دم أس-اس التحسين والتقبيح العقليين اللذين قد التزم بهما العقلاء لحفظ نظم حياتهم المادية والمعنوية وإبقاء نوعهم. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنه لا يمكن الالتزام بذلك.

وأمّا الثاني : فلأنّ الوجدان حاكم بالاختيار، وأنه ليس في كمون ذات الانسان ما

----------------------------------------------------------------

يجبره على اختيار الكفر والعصيان مرّةً، واختيار الايمان والاطاعة مرةً أخرى. وأضف إلى ذلك : أنّ في المشاهد والمحسوس الخارجي القضاء الحاسم على تلك الدعوى، حيث إننا نرى شخصاً واحداً كان شقياً في أوّل عمره وصار سعيداً في آخره أو بالعكس، فلو كانت الشقاوة والسعادة ذاتيتين فكيف يعقل تغييرهما، لاستحالة تغيير الذاتي وانقلابه.

وأمّا الكتاب : فمضافاً إلى أنّه بنفسه شاهد صدق على بطلان هذه الفرضية، فقد دلت عدّة من الآيات الكريمة على نظرية الاختيار والأمر بين الأمرين، وبطلان نظرية الجبر، وأنّ الأعمال الصادرة عن الانسان تصدر بالاختيار، لا بالقهر والجبر، كما تقدّم التكلم في جملة منها في ضمن البحوث السابقة، ولو كانت الشقاوة والسعادة ذاتيتين له بالمعنى المتقدم لكان مقهوراً في أعماله ومجبوراً فيها.

وأما السنّة : فقد نصت الروايات المتواترة على خطأ نظريتي الجبر والتفويض، وإثبات نظرية الاختيار والأمر بين الأمرين، ومن الطبيعي أن فيها القضاء المبرم على هذه الفرضية. وأضف إلى ذلك : أنّ هاتين الصفتين لو كانتا ذاتيتين بالمعنى المزبور لكان الأمر بالدعاء وطلب التوفيق من اللّه تعالى، وحسن العاقبة، وأن يجعل تعالى الشقي سعيداً، لغواً محضاً وكان مجرد لقلقة اللسان، بداهة استحالة انقلاب الذاتي وتغييره عما يقتضيه. إذن في نفس هذه الأدعية شاهد صدق على بطلانها.

فالنتيجة : أنّ الذاتي بهذا المعنى غير معقول.

وإن أراد بالذاتي الذاتي بمعنى الاقتضاء، فهو وإن كان أمراً ممكناً في نفسه، وليس فيه القضاء الحاسم على أساس كافّة النظم الانسانية : المادية والمعنوية، السماوية وغيرها، وكما ليس على خلافه حكم العقل والوجدان، إلّا أنّ المستفاد من بعض الأدعية أنهما ليستا بذاتيتين بهذا المعنى أيضاً، وذلك لما ورد فيها من أنّ الشقي يطلب

----------------------------------------------------------------

من اللّه تعالى أن يجعله سعيداً، فلو كانت الشقاوة صفة ذاتية له ولازمة لذاته فكيف يعقل تغييرها وانقلابها إلى صفة أخرى وهي السعادة. ودعوى أن قوله (صلّى اللّه عليه وآله) في صحيحة الكناني: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه» (1)وقوله : «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» (2)يدلان على أن السعادة والشقاوة صفتان ذاتيتان للانسان، خاطئة جداً.

وذلك أما صحيحة الكناني فلو كنا نحن وهذه الصحيحة ولم تكن قرينة خارجية على الخلاف لأمكن أن يقال بدلالتها على أنها صفتان ذاتيتان له، ولكن حيث لا يمكن كونهما ذاتيتين على نحو العلّة التامة فبطبيعة الحال تكونان على نحو الاقتضاء، ولكن القرينة الخارجية قد منعتنا عن الأخذ بظاهرها، وهي صحيحة ابن أبي عمير الواردة في بيان المراد منها قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن معنى قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) : الشقي من شقي في بطن أمه السعيد من سعد في بطن أمه، فقال : الشقي من علم اللّه (علمه اللّه) وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم اللّه (علمه اللّه) وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء» (3)فانّها واضحة الدلالة على بيان المراد من تلك الصحيحة وإطار مدلولها وقد تقدّم في ضمن البحوث السابقة بشكل موسّع أنّ العلم الأزلي لا يكون سبباً للجبر ومنشأ له، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أن نفس هذه الصحيحة تدل على أنّ الشقاوة والسعادة صفتان


1) الكافي 8: 177 ح 197.

2) أمالي الصدوق : 395 المجلس 74 (مع اختلاف).

3) البحار 5: 157 ح 10.

----------------------------------------------------------------

عارضتان على الانسان بمزاولة الأعمال الخارجية كسائر الملكات النفسانية الطيبة والخبيثة التي تحصل لنفس الانسان من مزاولة الأعمال الحسنة والسيئة، وليستا من الصفات الذاتية اللازمة لذاته منذ وجوده في هذا الكون أو انعقاده في الرحم.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هى أنهما صفتان عارضتان، المنتزعتان من الأعمال الخارجية.

وأضف إلى ذلك : أننا إذا حللنا الانسان تحليلاً موضوعياً فلا نجد فيه غير الصفات المعروفة والملكات النفسانية، والقوى الشهوانية، والقوى العقلية صفةً أخرى ذاتية له تسمى بصفة الشقاوة أو السعادة.

وبكلمة أخرى أنّ الانسان لحظة تكوّنه في بطن أمه أو لحظة وجوده على وجه الأرض لا توجد لديه أية صفة من الصفات والملكات النفسانية، والقوى العقلية والشهوانية، ما عدا حياته الحيوانية، وتحصل هذه الصفات والملكات والقوى له بمرور الأيام وطول الزمن، وبطبيعة الحال أنّ صفتي الشقاوة والسعادة لو كانتا ذاتيتين له لكان الانسان واجداً لهما من تلك اللحظة وهو كما ترى.

ومن هنا لا لا يصح إطلاق الشقي عليه منذ تلك اللحظة وكذلك السعيد.

وعلى هذا الضوء فلا مناص من الالتزام بأنهما كسائر الملكات النفسانية تحصل لنفس الانسان من مزاولة الأعمال الخارجية، مثلاً تحصل صفة الشقاوة لها من مزاولة الأعمال السيئة، وصفة السعادة من مزاولة الأعمال الحسنة، وليس لهما واقع موضوعي غير هذا.

وقد تحصل من ذلك : أنّ هذا البيان التحليلي قرينة على حمل الصحيحة على ما ذكر آنفاً مع قطع النظر عما ورد في تفسيرها وبيان المراد منها.

السادس : أن شيخنا المحقق (قدس سره) قد أجاب عن هذه المسألة بجوابين :

الأوّل : أنّ العقوبة والمثوبة ليستا من معاقب ومثيب خارجي، بل هما من تبعات الأفعال ولوازم الأعمال، ونتائج الملكات الرذيلة، وآثار الملكات الفاضلة، ومثل تلك العقوبة على النفس الخطيئتها كالمرض العارض على البدن لنهمه، والمرض الروحاني كالمرض الجسماني، والأدوية العقلائية كالأدوية الجسمانية، ولا استحالة في استلزام الملكات النفسانية الرذيلة للآلام الجسمانية والروحانية في تلك النشأة - أي النشأة الأخروية - كما أنها تستلزم في هذه النشأة الدنيوية، ضرورة أن تصور المنافرات كما يوجب الآلام النفسانية كذلك يوجب الآلام الجسمانية.

فإذن لا مانع من حدوث منافرات روحانية وجسمانية بواسطة الملكات الخبيثة النفسانية، فالنتيجة أنّ العقاب ليس من معاقب خارجي حتّى يقال:


وأما الرواية الثانية : فهى لا تدل بوجه على أنهما صفتان ذاتيتان للانسان، بداهة أنها لا تتعرّض لهما لا تصريحاً ولا تلويحاً، فكيف تكون ناظرةً إليهما ودالة على كونها ذاتيتين، بل هي ناظرة إلى اختلاف أفراد الانسان بحسب الملكات والكمالات النفسانية، ومراتبها الدانية والعالية، كاختلاف الذهب والفضة.

فالنتيجة من مجموع ما ذكرناه : قد تبين أن القول بكون صفتي السعادة والشقاوة ذاتيتين للانسان لا يخرج عن مجرد الفرض والخيال.

وأما النقطة الخامسة : فقد ظهر خطؤها من ناحيتين : الأولى : أن الشقاوة ليست صفةً ذاتيةً للانسان ليكون في انتهاء العقاب إليها القضاء الحاسم على قاعدة قبح العقاب على أمر خارج عن الاختيار الثانية : أنّ العقاب لا يعقل أن يكون من لوازم تلك الصفة على نحو العلّة التامة، بل هو من معاقب خارجي كما تقدم بشكل مفصل.

كيف يمكن صدور العقاب من الحكيم المختار على ما لا يكون بالأخرة بالاختيار. وفي الآيات والروايات تصريحات وتلويحات إلى ذلك، فقد تكرر في القرآن الكريم (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال (عليه السلام): «إنما هي أعمالكم ترد إليكم».

الثاني: أنّ المثوبة والعقوبة من مثيب ومعاقب خارجي كما دلّ على ذلك ظاهر الكتاب والسنّة، وتصحيحهما بعد صحّة التكليف بذلك المقدار من الاختيار في غاية السهولة، إذ كما أنّ المولى العرفي يؤاخذ عبده على مخالفة أمره، كذلك المولى الحقيقي، لوضوح أنّ الفعل لو كان بمجرد استناده إلى الواجب تعالى غير اختياري وغير مصحح للمؤاخذة، لم تصح مؤاخذة المولى العرفي أيضاً، وإذا كان في حد ذاته قابلاً للمؤاخذة عليه، فكون المؤاخذة ممن انتهت إليه سلسلة الارادة والاختيار لا يوجب انقلاب الفعل عمّا هو عليه من القابلية للمؤاخذة ممن خولف أمره ونهيه.

وقد أجاب عن ذلك بجواب :آخر وهو أنّ الحكم باستحقاق العقاب ليس من أجل حكم العقلاء به حتّى يرد علينا إشكال إنتهاء الفعل إلى ما لا بالاختيار، بل نقول بأن الفعل الناشئ عن هذا المقدار من الاختيار مادة لصورة أخروية، والتعبير بالاستحقاق بملاحظة أنّ المادة حيث كانت مستعدة فهي مستحقة لافاضة الصورة من واهب الصور

ومنه تعرف أنّ نسبة التعذيب والادخال في النار إليه تعالى بملاحظة أنّ إفاضة تلك الصورة المؤلمة المحرقة التي تطّلع على الأفئدة منه تعالى بتوسط ملائكة العذاب، فلاينا في القول باللزوم، مع ظهور الآيات والروايات في العقوبة من معاقب خارجي (1).


1) نهاية الدراية 1: 297.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) من الأجوبة.

أما الأوّل : فيرد عليه ما أوردناه على الجواب الأوّل حرفاً بحرف فلا نعيد. وأما الاستشهاد على ذلك بالآيات والروايات فغريب جداً، لما سبق من أنّ الآيات والروايات قد نصتا على خلاف ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (1)فلا يكون مشعراً بذلك فضلاً عن الدلالة، ضرورة أن مدلوله جزاء الناس بسبب الأعمال الصادرة منهم في الخارج، وأما كونه من آثارها ولوازمها التي لا تتخلف عنها فلا يدل عليه بوجه أصلاً.

وأما قوله (عليه السلام): «إنّما هي أعمالكم ترد إليكم»(2)فظاهر في تجسم الأعمال، ولا يدل على أن العقاب ليس من معاقب خارجي، بداهة أنه لا تنافي بين الالتزام بتجسم الأعمال في الآخرة وكونه بيد اللّه تعالى وتحت اختياره.

وأمّا الثاني، فيرد عليه ما تقدّم في ضمن البحوث السابقة (3)من أن مجرد كون الفعل مسبوقاً بالارادة لا يصحح مناط اختياريته رغم أنّ الارادة بكافة مبادئها غير اختيارية من ناحية، وكونها علّة تامّةً من ناحية أخرى ومنتهية [إلى ] الارادة الأزلية من ناحية ثالثة، بداهة أنّ الفعل والحال هذه كيف يعقل كونه اختيارياً. وعلى هذا الضوء فلا يمكن القول باستحقاق العقاب عليه، لاستقلال العقل بقبح العقاب على الفعل الخارج عن عن الاختيار. فإذن هذا الجواب لا يجدي في دفع المحذور المزبور.

وأما الثالث، فهو مبتن على تجسم الأعمال، وهو وإن كان غير بعيد نظراً إلى


1) الطور 16:52.

2) بحار الأنوار 3: 90.

3) في ص 395 وما بعدها.

ما يظهر من بعض الآيات (1)والروايات (2)إلّا أنّ مردّه ليس إلى أنّ تلك الأعمال مادّة لصورة أخروية المفاضة من واهب الصور على شكل اللزوم بحيث يستحيل تخلّفها عنها، بداهة أنّ التجسم بهذا المعنى مخالف صريح للكتاب والسنّة، حيث إنها قد نصا على أنّ العقاب بيده تعالى وله أن يعاقب وله أن يعفو.

وعلى الجملة : فالمجيب بهذا الجواب وإن كان يدفع مسألة قبح العقاب على الأمر الخارج عن الاختيار، حيث إنّ العقاب على أساس ذلك صورة أخروية للأعمال الخارجية اللازمة لها الخارجة عن اختيار المعاقب الخارجي فلا يتصف بالقبح، إلّا أنّه لا يعالج مشكلة لزوم لغوية بعث الرسل وإنزال الكتب.

وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه في نهاية المطاف: أن الالتزام باستحقاق العقاب من معاقب خارجي وحسنه لا يمكن إلا على ضوء نظريتي الإمامية والمعتزلة. وأما على ضوء نظريتي الأشاعرة والفلاسفة فلا يمكن حلّ هذه المشكلة إلا بوجه غير ملائم لأساس الأديان والشرائع.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بعدة نتائج :

الأولى : أنّ إرادته تعالى عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة والسلطنة وهي فعله سبحانه وتعالى، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ الشوق المؤكد لا يعقل أن يكون إرادة له تعالى. ومن ناحية ثالثة : أن إرادته سبحانه ليست من الصفات العليا الذاتية. ومن ناحية رابعة : أنّ الكتاب والسنّة تنصان على أن إرادته تعالى فعله.


1) منها : آل عمران 3: 30، الزلزلة 99: 6، 7، 8.

2) الكافي 2 : 190 / 8، 191 / 10 و 12.

ومن ناحية خامسة : أنّه لا وجه لحمل الكتاب والسنّة على بيان الارادة الفعلية دون الذاتية كما عن الفلاسفة وجماعة من الأصوليين، وذلك أولاً : لعدم الدليل على كون إرادته تعالى ذاتية، بل قد تقدّم عدم تعقل معنى صحيح لذلك. وثانياً : أن في نفس الروايات ما يدل على نفي الارادة الذاتية.

الثانية : أن تفسير الارادة بالعلم بالنظام الكامل التام من ناحية كما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)، وبالرضا والابتهاج من ناحية أخرى كما عن شيخنا المحقق (قدس سره) تفسير خاطئ لا واقع موضوعي له.

الثالثة : أنّ تقسيم المشيئة إلى مشيئة ذاتية وهي عين ذاته تعالى، وإلى مشيئة فعلية وهي الوجود الاطلاقي المنبسط كما عن الفلاسفة وشيخنا المحقق (قدس سره) قد تقدّم نقده بشكل موسّع، وقلنا هناك إنّ هذا التقسيم يقوم على أساس أن تكون نسبة الأشياء إلى ذاته الأزلية نسبة المعلول إلى العلّة التامة من كافّة الجهات والنواحي، لا نسبة الفعل إلى الفاعل المختار. وقد سبق نقد هذا الأساس بصورة موضوعية، وأقمنا البرهان على أنه لا واقع له في أفعاله تعالى.

الرابعة : أن الأشاعرة قد استدلوا على الجبر بعدة وجوه، وقد تقدّمت المناقشة في تمام تلك الوجوه وبينا عدم دلالة شيء منها على ذلك.

الخامسة : أنّ ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري - من أنّ عادة اللّه تعالى قد جرت على أن يوجد في العبد فعله مقارناً لايجاد القدرة والاختيار فيه، فيكون فعل العبد مخلوقاً له تعالى إبداعاً وإحداثاً - قد تقدّم نقده بشكل موسع، وقلنا هناك إنه لا يرجع إلى معنى صحيح، لا في المعاليل الطبيعية، ولا في الأفعال الاختيارية.

السادسة : المعروف بين الفلاسفة قديماً وحديثاً أنّ الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها مسبوقة بالارادة، هذا.. ومن ناحية أخرى: أنها إذا بلغت من ناحية. ومن

حدّها التام تكون علّةً تامّةً لها، وتبعهم على ذلك جماعة من الأصوليين. وقد تقدّمت المناقشة في ذلك بصورة مفصلة، وأقمنا البرهان مضافاً إلى الوجدان على أنّ الارادة لا تعقل أن تكون علّةً تامّةً للفعل هذا من جانب. ومن جانب آخر: قد أثبتنا أنّ الأفعال الاختيارية بكافّة أنواعها مسبوقة باعمال القدرة والسلطنة.

السابعة : أن قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد تختص بالمعاليل الطبيعية فلا تعم الأفعال الاختيارية، وذلك لما بيناه هناك من أن تلك القاعدة تقوم على أساس مسألة التناسب التي هي الحجر الأساسي لمبدأ تأثير العلة الطبيعية في معلولها، ولا مجال لها في إطار سلسلة الأفعال الاختيارية، وقد ذكرنا الفرق الأساسي بين زاوية الأفعال الاختيارية وزاوية المعاليل الطبيعية في ضمن البحوث السالفة.

الثامنة : أنّ الأفعال الاختيارية تصدر عن الانسان بالاختيار وإعمال القدرة، وأمّا الاختيار فهو غير مسبوق باختيار آخر بل يصدر عن النفس بالذات، أي بلا واسطة.

التاسعة : أنّ شيخنا المحقق (قدس سره) قد ناقش في الاختيار بعدة مناقشات، وقد تعرّضنا لتلك المناقشات واحدةً بعد أخرى، مع نقدها بصورة موسعة.

العاشرة : أنّ أفعال العباد لا يمكن أن تقع تحت إرادة اللّه تعالى ومشيئته مباشرةً لوجهين قد تقدما منّا، وإنما الواقع تحت إرادته سبحانه مبادئ ت--لك الأفعال.

الحادية عشرة : أنّ علمه تعالى بوقوع أفعال العباد في الخارج لا يوجب الجبر والاضطرار، بداهة أنّ حقيقة العلم انكشاف الأشياء على ما هي عليه ولا يكون من مبادئ وقوعها. ومن هنا ذكرنا أنّ ما أفاده صدر المتألهين من أنّ علمه سبحانه سبب لوجوب وقوعها في الخارج وإلا لكان علمه جهلاً وهو

محال، خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أصلاً.

الثانية عشرة : أنّ ما ذهب إليه الفلاسفة من أنّ الذات الأزلية علّة تامة للأشياء وأنّها بكافة أنواعها تصدر منها على ضوء مبدأ التناسب خاطئ جداً ولا واقع له، ومن هنا قد ناقشنا فيه بعدة مناقشات.

الثالثة عشرة : أنّ المعتزلة قد استدلوا على إثبات نظريتهم - التفويض - باستغناء البقاء - أي بقاء الممكن عن الحاجة - إلى المؤثر بدعوى أنّ سرّ حاجة الممكن وفقره إلى العلة إنما هو حدوثه، وبعده فلا يحتاج إليها، وقد تقدّم نقد هذه النقطة بشكل موسّع في الأفعال الاختيارية، والمعاليل الطبيعية معاً،، وقد أثبتنا أنّ سرّ حاجة الممكن وفقره الذاتي إلى العلة إنما هو إمكانه لا حدوثه.

الرابعة عشرة : أنّ الصحيح المطابق للوجدان والواقع الموضوعي هو نظرية الأمر بين الأمرين في أفعال العباد التي قد اختارت الطائفة الإمامية تلك النظرية بعد رفضها نظريّتي الأشاعرة والمعتزلة فيها. وقد دلّت على صحّة تلك النظرية الروايات الكثيرة التي تبلغ حد التواتر من ناحية، وعلى بطلان نظريتي الأشاعرة والمعتزلة من ناحية أخرى. هذا مضافاً إلى البراهين العقلية التي تقدّمت.

الخامسة عشرة : أنّ لأفعال العباد نسبتين حقيقيتين : إحداهما إلى فاعلها بالمباشرة. وثانيتهما إلى اللّه تعالى باعتبار أنه سبحانه معطي مقدماتها ومبادئها آناً بعد أن بحيث لو انقطع الاعطاء في آن انتفت المقدّمات.

السادسة عشرة : يمتاز ارتباط المعلول بالعلّة الطبيعية عن ارتباط الفعل بالفاعل المختار في نقطة، ويشترك معه في نقطة أخرى. أما نقطة الامتياز فهي أن المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلّة، والمعلول في الفواعل الارادية يرتبط بمشيئة الفاعل وإعمال قدرته وأمّا نقطة الاشتراك فهي أنّ المعلول كما لا واقع موضوعي له ما وراء ارتباطه بذات العلة ويستحيل تخلفه عنها، كذلك

الفعل لا واقع له ما وراء ارتباطه بمشيئة الفاعل واختياره ويستحيل تخلفه عنها.

السابعة عشرة : أنّ الآيات الكريمة كقوله تعالى ﴿وَمَا تَشاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه) وما شاكله تدلّنا على نظريّة الأمر بين الأمرين وتصدّق تلك النظرية، ولا تدل على نظرية الجبر، ولا على التفويض.

الثامنة عشرة : أنّ ما أورده الفخر الرازي من الشبهة على خلقه تعالى العالم بالترتيب الموجود والشكل الحالي وعدم خلقه بترتيب آخر وشكل ثانٍ ق-د تقدّم نقده بشكل موسّع على ضوء كلتا النظريتين، يعني نظرية الفلاسفة ونظرية الاختيار.

التاسعة عشرة : لا إشكال في صحّة استحقاق العبيد للعقاب على مخالفة المولى واستقلال العقل بذلك على ضوء كل من نظريتي : الإمامية والمعتزلة، وإنما الاشكال في صحّة استحقاقهم له على ضوء نظرية الأشاعرة [والفلاسفة ] وقد تقدّم الاشكال في ذلك على ضوء استقلال العقل بقبح العقاب على الأمر الخارج عن الاختيار.

العشرون : قد أجيب عن ذلك الاشكال بعدّة أجوبة. وقد ناقشنا في جميع تلك الأجوبة، وقلنا إنّ شيئاً منها لا يعالج المشكلة، فلا يمكن حلّ هذه المشكلة بصورة صحيحة وبشكل واقعي موضوعي إلا على ضوء نظرية الإمامية.

المقام الثاني : صيغة الأمر

معنى صيغة الأمر

وأمّا المقام الثاني : هيئة افعل وما شاكلها من الهيئات فالكلام فيه يقع من جهات :

الأولى : قد ذكر لصيغة الأمر عدّة معان : الطلب، التهديد، الانذار، الاحتقار، الاهانة، الترجي، وغير ذلك.

ولكن ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) أنّ هذه المعاني ليست من معاني الصيغة، وأنها لم تستعمل فيها وإنّما استعملت في إنشاء الطلب فحسب. وق--د أفاد في وجه ذلك ما إليك نصه :

ضرورة أنّ الصيغة ما استعملت في واحد منها، بل لم تستعمل إلا في إنشاء الطلب، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك كما يكون تارةً هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي يكون أخرى أحد هذه الأمور، وقصارى ما يمكن أن يدعى أن تكون الصيغة موضوعة لانشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداعي آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقةً وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره.

ثم ذكر بقوله : ولا يخفى أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جارٍ في سائر الصيغ الانشائية، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمني والترجي والاستفهام بصيغها تارةً هو ثبوت هذه الصفات حقيقة، يكون الداعي غيرها أخرى، فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى، لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه (تبارك وتعالى) ممّا لازمه العجز أو الجهل وأنه لا وجه له، فانّ المستحيل إنما هو الحقيقي منها لا الانشائي الايقاعي الذي يكون بمجرّد

قصد حصوله بالصيغة، كما عرفت ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الايقاعية الانشائية،أيضاً، لا لاظهار ثبوتها حقيقةً، بل لأمر آخر حسب ما يقتضيه الحال من إظهار المحبّة أو الانكار أو التقرير إلى غير ذلك. ومنه ظهر أنّ ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضاً (1).

ملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ صيغة الأمر موضوعة لمعنى واحد وهو الطلب الانشائي وتستعمل فيه دائماً، نعم يختلف الداعي إلى إنشائه، فقد يكون هو الطلب الحقيقي، وقد يكون التهديد وقد يكون الاحتقار، وقد يكون أمراً آخر، فبالأخرة يكون المورد من اشتباه الداعي بالمعنى ثمّ قال : إنّ الأمر في سائر الصيغ الانشائية أيضاً كذلك.

ولنأخذ بالمناقشة عليه : وهي أنّ ما أفاده (قدس سره) يرتكز على نظرية المشهور في مسألة الانشاء مسألة الانشاء وهي إيجاد المعنى باللفظ في مقابل الاخبار، إذ على ضوء هذه النظرية يمكن دعوى أنّ صيغة الأمر موضوعة للدلالة على إيجاد الطلب وتستعمل فيه دائماً، ولكن الداعي إلى إيجاده يختلف باختلاف الموارد وخصوصيات المقامات. ولكن قد ذكرنا في مبحث الانشاء (2)أنّ هذه النظرية ساقطة فلا واقع موضوعي لها، وقلنا إنّ اللفظ لا يعقل أن يكون موجداً للمعنى لا حقيقةً ولا اعتباراً. ومن ذلك فسّرنا حقيقة الانشاء هناك بتفسير آخر وحاصله : هو أنّ الانشاء عبارة عن اعتبار الأمر النفساني وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكل ذلك.

وعلى ضوء هذا التفسير لا مانع من الالتزام بتعدّد المعنى لصيغة الأمر، بيان


1) كفاية الأصول : 69.

2) في ص 98.

ذلك : أنّ الصيغة على هذا موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، ومن الطبيعي أنّ ذلك يختلف باختلاف الموارد ويتعدّد بتعدد المعاني، ففي كل مورد تستعمل الصيغة في معنى يختلف عن استعمالها في معنى آخر في المورد الثاني ويغايره،وهكذا، فانّ المتكلم تارةً يقصد بها إبراز ما في نفسه من اعتبار المادة على ذمّة المخاطب وأخرى إبراز ما في نفسه من التهديد. وثالثة إبراز ما في نفسه من السخرية أو التعجيز أو ما شاكل ذلك، فالصيغة على الأوّل مصداق للطلب والبعث الاعتباريين وعلى الثاني مصداق للتهديد كذلك، وعلى الثالث مصداق للسخرية، وهكذا، ومن الواضح أنها في كل مورد من تلك الموارد تبرز معنى يباين لما تبرز في المورد الثاني ويغايره.

ثمّ بعد أن كانت الصيغة تستعمل في معانٍ متعددة كما عرفت، فهل هي موضوعة بازائها على نحو الاشتراك اللفظي، أو موضوعة لواحد منها ويكون استعمالها في غيره مجازاً ؟ وجهان الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ المتبادر من الصيغة عند إطلاقها هو إبراز اعتبار الفعل على ذمّة المكلف في الخارج، وأمّا إرادة إبراز التهديد منها أو السخرية أو الاستهزاء أو نحو ذلك فتحتاج إلى نصب قرينة وبدونها لا دلالة لها على ذلك، ومن الطبيعي أن ذلك علامة كونها موضوعةً بازاء المعنى الأوّل، دون غيره من المعاني.

ظهور الصيغة في الوجوب

الجهة الثانية : لا ينبغي الشك في أنّ الأوامر الصادرة من الموالي ومنها أوامر الكتاب والسنّة على نحوين: أحدهما ما يراد منها اللزوم والحتم على نحو يمنع العبد عن مخالفتها. وثانيهما ما يراد منها البعث المقرون بالترخيص على نحو يجوز مخالفتها وعدم مانع عنها، ويسمى الأوّل بالوجوب، والثاني بالندب. وعلى هذا فان قامت قرينة حالية أو كلامية على تعيين أحدهما لزم اتباعها، وإن لم تقم قرينة على ذلك فهل الصيغة بنفسها ظاهرة في المعنى الأوّل بحيث تحتاج

إرادة المعنى الثاني منها إلى قرينة تدل عليها، أو ظاهرة في المعنى الثاني وتحتاج إرادة المعنى الأوّل إلى قرينة، أو في الجامع بينهما وتحتاج إرادة كل منهما إلى قرينة، أو فيهما على نحو الاشتراك اللفظي ؟ وجوه وأقوال:

قد اختار المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)القول الأوّل بدعوى أن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب ومجاز في غيره، واستدل على ذلك بأنّ المتبادر منها عرفاً عند إطلاقها وتجردها عن القرينة المقالية والحالية هي الوجوب، ومن الطبيعي أنّ التبادر المستند إلى نفس اللفظ علامة الحقيقة، فلو كانت حقيقة في الندب أو مشتركة لفظية أو معنوية لم يتبادر الوجوب منها.

ثمّ أيّد ذلك بقيام السيرة العقلائية على ذم الموالي عبيدهم عند مخالفتهم لامتثال أوامرهم، وعدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، مع الاعتراف بعدم دلالتها عليه بحال أو مقال.

ثم أورد على نفسه بكثرة استعمال الصيغة في الندب، وهي مانعة عن ظهورها في الوجوب وتبادره منها، لوضوح أنها لو لم تكن موجبةً لظهورها فيه فلا شبهة في أنها مانعة عن انفهام الوجوب منها، فإذن لا يمكن حملها عليه عند إطلاقها مجرّدةً عن القرينة.

وأجاب عن ذلك أوّلاً : بأنّ استعمالها فى الندب لا يزيد على استعمالها في الوجوب، لتكون كثرة الاستعمال فيه مانعة عن ظهورها في الوجوب.

وثانياً : أن كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي مع القرينة لا تمنع عن حمله على المعنى الحقيقي عند إطلاقه مجرّداً عنها، وما نحن فيه كذلك، فانّ كثرة استعمال الصيغة في الندب مع القرينة لا تمنع عن حملها على الوجوب إذا كانت


1) كفاية الأصول : 70.

خاليةً عنها.

ثم استشهد على ذلك بكثرة استعمال العام في الخاص حتّى قيل ما من عام إلا وقد خص، ومع هذه الكثرة لا ينثلم ظهور العام في العموم إذا ورد في الكتاب والسنّة ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخاص.

ولنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قدس سره).

أما ما ذكره من أنّ المتبادر من الصيغة عرفاً الوجوب، فيمكن نقده بأنه إنما يكون علامةً للحقيقة إذا كان مستنداً إلى حاق اللفظ ونفسه، ضرورة أن مجرد انفهام المعنى من اللفظ لا يكون علامةً لكونه حقيقة فيه، وفيما نحن فيه المتبادر لدى العرف من الصيغة وإن كان هو الوجوب إلّا أنا لا نعلم استناده إلى حاق اللفظ، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة الاطلاق ومقدّمات الحكمة كما اختاره بعض الأعاظم (1)، ويحتمل أن يكون ذلك من جهة حكم العقل كما اخترناه، ومن الطبيعي أنّ التبادر مع هذا الاحتمال لا يكون دليلاً على الحقيقة.

ومن هنا يظهر الكلام فيما ذكره من التأييد بقيام السيرة العقلائية على الذم عند المخالفة، فانّه وإن كان مسلّماً إلّا أنّه لا يدل على كون الوجوب مدلولاً وضعياً للصيغة ومتبادراً منها عرفاً، بل لعله الحكم العقل بذلك، أو للاطلاق ومقدمات الحكمة.

وعلى الجملة : فقيام السيرة إنّما يدل على كون الوجوب مستفاداً منها، وأما كون ذلك بالوضع أو بالاطلاق، أو من ناحية حكم العقل فلا يدل على شيء منها.

وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ استعمال الصيغة في الندب أكثر من


1) نهاية الأفكار 1: 162.

استعمالها في الوجوب فهو غير بعيد.

وأما ما أفاده (قدس سره) من أنّ كثرة الاستعمال في المعنى المجازي إذا كانت مع القرينة لا تمنع عن الحمل على الحقيقة إذا تجرد الكلام عنها، وإن كان متيناً جداً بحسب الكبرى، إلّا أنّ استشهاده (قدس سره) على تلك الكبرى بالعام والخاص في غير محله، وذلك لأنّ كثرة الاستعمال في المقام إذا افترضنا أنّها مانعة عن الحمل على الحقيقة إلّا أنّها لا تمنع في العام والخاص، وذلك لأنّ لصيغ العموم أوضاعاً متعددة حسب تعدد تلك الصيغ، وعليه فلابد م--ن ملاحظة كثرة الاستعمال في كل صيغة على حدة وبنفسها. ومن الطبيعي أنّ كثرة الاستعمال في الخاص في إحدى هذه الصيغ لا تمنع عن حمل الصيغة الأخرى على العموم. مثلاً كثرة استعمال لفظة الكل في الخاص لا تمنع عن ظهور الجمع المحلى باللام في العموم، وهكذا.

وبكلمة أخرى : أنّ كثرة استعمال العام في الخاص تمتاز عن كثرة استعمال صيغة الأمر في الندب بنقطة : وهي أنّ القضيّة الأولى تنحل بانحلال صيغ العموم وأدواته، فيكون لكل صيغة منها وضع مستقل غير مربوط بوضع صيغة أخرى منها. ولذلك لا بد من ملاحظة الكثرة في كل واحدة منها بنفسها مع قطع النظر عن الأخرى، وهي تمنع عن الحمل على الحقيقة فيها دون غيرها. وهذا بخلاف صيغة الأمر حيث إنّ لها وضعاً واحداً فبطبيعة الحال كثرة استعمالها في الندب تمنع عن حملها على الوجوب بناءً على الفرضية المتقدمة.

هذا، مضافاً إلى أنّ ذلك ينا في ما التزمه (قدس سره) في مبحث العم--وم والخصوص من أنّ التخصيص لا يوجب التجوّز في العام واستعماله في الخاص، بل هو دائماً استعمل في معناه العام سواء أورد عليه التخصيص أم لا، على

تفصيل يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1).

وذهب إلى القول الثاني بعض الأعاظم (قدس سره) (2)وأفاد: أن الصيغة وإن لم تدل على الوجوب بالوضع، ولكنّها تدل عليه بالاطلاق ومقدمات الحكمة، بيان ذلك : أنّ الارادة المتعلقة بفعل الغير تختلف شدّةً وضعفاً حسب اختلاف المصالح والأغراض الداعية إلى ذلك، فمرّةً تكون الارادة شديدةً وأكيدةً بحيث لا يريد المولى تخلّف إرادته عن المراد، ولا يريد تخلّف العبد عن الاطاعة والامتثال.

وأخرى تكون ضعيفةً على نحو لا يمنع المولى العبد من التخلّف، ولا يكون العبد ملزماً بالفعل، بل له أن يشاء الفعل، وله أن يشاء الترك.

فعلى الأوّل يطلب المولى الفعل على سبيل الحتم والالزام، ويعبّر عنه بالوجوب، فيكون الوجوب في واقعه الموضوعي طابعاً مثالياً للارادة الشديدة الأكيدة ومرآةً لها، فهي روح الوجوب وواقعه الموضوعي.

وعلى الثاني يطلب ذلك طلباً ضعيفاً على سبيل الندب وعدم الحتم، ويعبّر عنه بالاستحباب، فيكون الاستحباب مثالاً موضوعياً لتلك المرتبة من الارادة، وهي روحه وواقعه الموضوعي.

وهذا الاختلاف في الارادة أمر وجداني، حيث إننا نرى بالوجدان أن إرادة العطشان مثلاً بعد باتيان الماء البارد أشد وآكد من إرادته باتيان الفاكهة مثلاً الغذاء، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ شدّة الارادة ليست بأمر زائد على الارادة، بل هي


1) في المجلد الرابع من هذا الكتاب ص 317.

2) نهاية الأفكار 1 162.

عين تلك المرتبة في الخارج ونفسها، فما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز، نظير السواد والبياض الشديدين حيث إنّ ما به الاشتراك فيهما عين ما به الامتياز.

ومن ناحية ثالثة : أنّ صفة الضعف في الارادة حدّ عدمي، وعليه فبطبيعة الحال تكون تلك الصفة أمراً زائداً عليها، وتحتاج في بيانها إلى مؤونة زائدة في مقام الاثبات.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي: هي أنّ المولى إذا أمر بشيء وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على إرادة الجامع بين الارادة الشديدة والضعيفة، فقضيّة الاطلاق وعدم نصب قرينة على إرادة المرتبة الضيعفة هي حمل الأمر على بيان المرتبة الشديدة، حيث قد عرفت أنّ بيانها لا يحتاج إلى مؤونة زائدة دون بيان المرتبة الضعيفة، وبذلك نثبت إرادة الوجوب الذي هو طابع مثالي لتلك المرتبة من الارادة.

وقد تحصل من ذلك أمران :

الأوّل: أنّ الوجوب ليس بمدلول وضعي للصيغة، وإنما هو مستفاد منالاطلاق ومقدّمات الحكمة.

الثاني : أنّ مدلولها الوضعي إنّما هو الطلب الجامع فلا تدل بالدلالة الوضعية إلّا عليه.

ولنأخذ بالمناقشة عليه من وجوه:

الأوّل : أنّ ما أفاده (قدس سره) من اختلاف الارادة باختلاف الأوامر وجوباً وندباً لايتم في الأوامر الشرعية، وإنما يتم في الأوامر العرفية.

فلنا دعويان: الأولى: عدم تمامية ما أفاده (قدس سره) في الأوامر الشرعية.

الثانية : تماميته في الأوامر العرفية.

أمّا الدعوى الأولى : فلأنّ الارادة التكوينية التي هي عبارة عن الشوق النفساني المحرّك للانسان نحو المراد إنّما يعقل تعلّقها بفعل الغير إذا كانت فيه مصلحة عائدة إلى ذات المريد أو إلى إحدى قواه، ولا يعقل تعلّقها بما لا تعود مصلحته إليه، بداهة أنّ الشوق النفساني إلى شيء بنفسه لا يعقل إلا عن فائدة عائدة إلى الفاعل، وذلك غير متحقق في الأحكام الشرعية، فانّ مصالح متعلقاتها تعود إلى المكلفين دون الشارع نظير أوامر الطبيب حيث إنّ مصالح متعلقاتها تعود إلى المرضى دونه.

ومن الطبيعي أنّ اختلاف أوامره إلزاماً وندباً لا ينشأ عن اختلاف إرادت-ه شدّةً وضعفاً، لما عرفت من عدم تعلّقها بما يعود نفعه إلى غيره دونه، إلا أن يكون ملائماً لإحدى قواه، فعندئذ يكون منشأ لحدوث الشوق في نفسه، ولكنّه خلاف الفرض.

وأضف إلى ذلك : أنّ الارادة بمعنى الشوق النفساني لا تعقل في ذاته (سبحانه وتعالى) والارادة بمعنى المشيئة لا تعقل أن تتعلق بفعل الغير وإن افترض أنّ نفعه يعود إليه.

وبكلمة أخرى : أنّ ملاك شدّة الارادة وضعفها تزايد المصلحة في الفعل وعدم تزايدها، وحيث إنّ تلك المصلحة بشتى مراتبها من القويّة والضعيفة تعود إلى العباد دون المولى لاستغنائه عنها تمام الاستغناء، فلا يعقل أن تكون منشأ لحدوث الارادة في نفس المولى فضلاً عن أن يكون اختلافها منشأ لاختلافها شدّةً وضعفاً.

على أن اختلاف تلك المصلحة العائدة إلى العباد لا يعقل أن يكون سبباً لاختلاف إرادة المولى كذلك نظير إرادة الطبيب حيث إنها لا تعقل أن تختلف

شدّةً وضعفاً باختلاف المصلحة التي تعود إلى المريض فتأمل. وعلى هذا الضوء فلا يكون إطلاق الصيغة بمعونة مقدّمات الحكمة قرينة على إرادة الوجوب.

وأمّا الدعوى الثانية : فحيث إنّ مصالح متعلقات الأوامر العرفية تعود إلى المولى دون العبيد، فبطبيعة الحال تكون سبباً لحدوث الارادة في نفسه، وبما أنّ تلك المصالح تختلف شدّةً وضعفاً، فلا محالة تكون منشأ لاختلاف إرادته كذلك.

فالنتيجة : أنّ ما أفاده هذا القائل لو تم فانّما يتم في الأوامر العرفية دون الأوامر الشرعية.

الثاني : لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ مردّ اختلاف الوجوب والندب إلى اختلاف الارادة شدّة وضعفاً، إلّا أنّ دعوى كون الارادة الشديدة لا تزيد على الارادة بشيء، فهي إرادة صرفة، دون الارادة الضعيفة فانها لمكان ضعفها زائدة على الارادة وهي صفة ضعفها، فانّها حدّ عدمي، خاطئة جداً، وذلك لأن الارادة بشتى ألوانها وأشكالها محدودة بحد، من دون فرق في ذلك بين الارادة الشديدة والضعيفة، كيف فانّهما مرتبتان متضادتان من الارادة وعليه فبطبيعة الحال يكون لكل منهما حد خاص.

وإن شئت فقل : إنّ الارادة التي هي واقع الوجوب، روحه من الأمور الممكنة، ومن البديهي أنّ كل ممكن محدود بجد خاص، غاية الأمر يزيد الوجوب على الندب بشدّة الارادة.

وعلى هذا الضوء فكما لا يمكن التمسك باطلاق الصيغة لاثبات الندب، فكذلك لا يمكن التمسك باطلاقها لاثبات الوجوب، بل لابد من التوقف، لفرض احتياج كل منهما إلى بيان زائد.

الثالث : لو تنزّلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا أنّ الارادة الشديدة غير محدودة بحد بخلاف الارادة الضعيفة، إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن التمسك باطلاق الصيغة

والحمل على الوجوب، والسبب في ذلك : أنّ بساطة الارادة الشديدة وتركب الارادة الضعيفة إنما هما بالنظر الدقي العقلي، وليستا من المتفاهم العرفي، ومن الطبيعي أنّ الاطلاق إنما يعيّن ما هو المتفاهم عرفاً دون غيره، وحيث إنّ بساطة تلك المرتبة وعدم وجود حد لها، وتركب هذه المرتبة ووجود حد لها، أمران خارجان عن الفهم العرفي، فلا يمكن حمل الاطلاق على بيان المرتبة الأولى دون الثانية. ونظير ذلك ما إذا أطلق المتكلم كلمة الوجود ولم يبين ما يدل على إرادة سائر الموجودات، فهل يمكن حمل إطلاق كلامه على إرادة واجب الوجود، نظراً إلى عدم تحديده بجد، وتحديد غيره من الموجودات به ؟ كلا، والسر فيه ما عرفت من أنّ المعنى المذكور خارج عن المتفاهم العرفي.

والتحقيق في المقام أن يقال : إنّ تفسير صيغة الأمر مرّةً بالطلب ومرّةً أخرى بالبعث والتحريك ومرّةً ثالثةً بالارادة، لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى محصل، ضرورة أنّ هذه مجرد ألفاظ لا تتعدى عن مرحلة التعبير واللفظ، وليس له-ا واقع موضوعي أصلاً، والسبب في ذلك : ما حققناه في بحث الانشاء من أنه عبارة عن اعتبار الأمر النفساني وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنا قد ذكرنا في بحث الوضع (1)أنّ حقيقته عبارة عن تعهد الواضع والتزامه النفساني بأنّه متى ما أراد معنى خاصاً يبرزه بلفظ مخصوص.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي ضرورة وضع صيغة الأمر أو ما شاكلها للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، لا للطلب


1) في ص 48.

والتصدي، ولا للبعث والتحريك، ولا للارادة.

نعم، إنّ صيغة الأمر مصداق للبعث والتحريك، لا أنهما معناها، كما أنها مصداق للطلب والتصدي، وأمّا الارادة فلا يعقل أن تكون معناها، وذلك لاستحالة تعلّق الارادة بمعنى الاختيار وإعمال القدرة بفعل الغير، وكذا الارادة بمعنى الشوق النفساني المحرّك للانسان نحو المراد فيما لا تعود مصلحته إليه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنا قد ذكرنا في محلّه (1)أنه لا معنی للارادة التشريعية في مقابل الارادة التكوينية، ولا نعقل لها معنى محصّلاً ما عدا الأمر الصادر من المولى.

فالنتيجة على ضوئها : هي أنه لا معنى لتفسير الأمر بالارادة، ومن جميع ذلك يظهر أن تفسير النهي بالكراهة أيضاً خاطئ.

وبكلمة أخرى: أننا إذا حلّلنا الأمر المتعلق بشيء تحليلاً موضوعياً، ف--لا نعقل فيه ما عدا شيئين :

الأوّل: اعتبار الشارع ذلك الشيء في ذمّة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة أو غيرها.

الثاني : إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو ما شاكلها، فالصيغة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني لا للبعث والتحريك، ولا للطلب.

نعم، قد عرفت أنّ الصيغة مصداق للبعث والطلب ونحو تصد إلى الفعل، حيث إن البعث والطلب قد يكونان،خارجيين، وقد يكونان اعتباريين، فصيغة


1) سيأتي في ص 541.

الأمر أو ما شابهها مصداق للبعث والطلب الاعتباري لا الخارجي، ضرورة أنها تصدّ في اعتبار الشارع إلى إيجاد المادة في الخارج وبعث نحوه، لا تكويناً وخارجاً، كما هو ظاهر.

ونتيجة ما ذكرناه : أمران الأوّل أنّ صيغة الأمر أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني، وهو اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف، ولا تدل على أمر آخر ما عدا ذلك. الثاني أنها مصداق للطلب والبعث لا أنهما معناها.

ومن ذلك يظهر : أنّ الصيغة كما لا تدل على الطلب والبعث، كذلك لا تدل على الحتم والوجوب. نعم يحكم العقل بالوجوب بمقتضى قانون العبودية والمولوية فيما إذا لم ينصب قرينةً على الترخيص. أو فقل : إن الصيغة كما عرفت موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري في الخارج، ولا تدل على ما عدا ذلك، إلّا أنّ العقل يحكم بأنّ وظيفة العبودية والمولوية تقتضي لزوم المبادرة والقيام على العبد نحو امتثال ما أمره به المولى واعتبره على ذمته، وعدم الأمن من العقوبة لدى المخالفة إلا إذا أقام المولى قرينةً على الترخيص وجواز الترك، وعندئذ لا مانع من تركه، حيث إنّه مع وجود هذه القرينة مأمون من العقاب، وينتزع العقل من ذلك الندب كما ينتزع في الصورة الأولى الوجوب.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة : وهي أنّ الحاكم بالوجوب إنما هو العقل دون الصيغة، لا وضعاً ولا اطلاقاً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّه لا فرق بينه وبين الندب في مقام الاثبات إلا في الترخيص في الترك وعدمه. نعم، فرق بينهما في مقام الثبوت والواقع على أساس نظريّة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها.

ومن ناحية ثالثة : أنّه لا بأس بتفسير الأمر بالوجوب بمعنى الثبوت باعتبار

دلالته على ثبوت الفعل على ذمّة المكلف، بل هو معناه لغةً وعرفاً، غاية الأمر الثبوت مرّةً تكويني خارجي، ومرّةً أخرى ثبوت تشريعي، فصيغة الأمر أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على الثبوت التشريعي وإبرازه.

الجمل الفعلية التي تستعمل في مقام الانشاء

الجهة الثالثة: وهي الجمل الفعلية التي استعملت في مقام الانشاء دون الاخبار ككلمة «أعاد» و «يعيد» أو ما شاكلها، فهل لها دلالة على الوجوب أم لا؟

وليعلم أن استعمال الجمل المضارعية في مقام الانشاء كثير في الروايات، وأمّا استعمال الجمل الماضوية في مقام الانشاء فلم نجد إلا فيما إذا وقعت جزاءً لشرط كقوله (عليه السلام) من تكلم في صلاته أعاد (1)، ونحوه.

وكيف كان، فإذا استعملت الجمل الفعلية في مقام الانشاء فهل تدل على الوجوب أم لا؟ وجهان:

ذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) إلى الأوّل، وقد أفاد في وج-ه ذلك ما إليك لفظه : الظاهر الأوّل - الوجوب - بل تكون أظهر من الصيغة. ولكنّه لا يخفى أنّه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام - أي الطلب - مستعملة في غير معناها، بل تكون مستعملة فيه، إلا أنه ليس بداعي الاعلام بل بداعي البعث بنحو آكد، حيث إنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه إظهاراً بأنه لا يرضى إلا بوقوعه، فيكون أكد في البعث من الصيغة كما هو الحال في الصيغ الانشائية على ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل في معانيها الايقاعية، لكن بداوع آخر، كما مر.

لا يقال : كيف ويلزم الكذب كثيراً، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في


1) الوسائل 7: 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 (نقل بالمضمون).

الخارج، تعالى اللّه وأولياؤه عن ذلك علواً كبيراً.

فانّه يقال : إنما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الاخبار والاعلام لا لداعي البعث، كيف وإلّا يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل زيد كثير الرماد أو مهزول الفصيل لا يكون كذباً إذا قيل كنايةً عن جوده ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً، وإنّما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ، فانّه مقال بمقتضى الحال.

هذا، مع أنه إذا أتى بها في مقام البيان فمقدّمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب، فان تلك النكتة إن لم تكن موجبةً لظهورها فيه فلا أقل من كونها موجبةً لتعيّنه من بين محتملات ما هو بصدده، فانّ شدّة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لتعين إرادته إذا كان بصدد البيان مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره فافهم (1).

نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدّة نقاط :

الأولى : أنّ دلالة الجمل الفعلية التي تستعمل في مقام الانشاء على الوجوب أقوى وأكد من دلالة الصيغة عليه، نظراً إلى أنها تدل على وقوع المطلوب في الخارج في مقام الطلب، ومن الطبيعي أنّ مردّ ذلك إلى اظهار الأمر بأنّ-ه لا يرضى بتركه وعدم وقوعه أبداً، وبطبيعة الحال أنّ هذه النكتة تناسب مع إطار الوجوب والحتم وهي تؤكّده وحيث إنّ تلك النكتة منتفية في الصيغة فلأجل ذلك تكون دلالتها على الوجوب أقوى من دلالتها عليه.

وإن شئت قلت: إنّ الجمل الفعلية في هذا المقام قد استعملت في معناها، لا أنها لم تستعمل فيه، ولكن الداعي على هذا الاستعمال لم يكن هو الاخبار


1) كفاية الأصول: 71.

والاعلام، بل هو البعث والطلب. نظير سائر الصيغ الانشائية حيث قد يكون الداعي على استعمالها في معانيها الايقاعية أمراً آخر.

الثانية : أنها لا تتصف بالكذب عند عدم وقوع المطلوب في الخارج، وذلك لأنّ اتصافها به إنّما يلزم فيا إذا كان استعمالها في معناها بداعي الاخبار والحكاية، وأما إذا كان بداعي الانشاء والطلب فلا يعقل اتصافها به، ضرورة أنه لا واقع للانشاء كي يعقل اتصافها به.

الثالثة : أنّ الجملة الفعلية لو لم تكن ظاهرةً في الوجوب فلا إشكال في تعينه من بين سائر المحتملات بواسطة مقدّمات الحكمة، والسبب في ذلك : هو أنَّ النكتة المتقدمة حيث كانت شديدة المناسبة مع الوجوب فهي قرينة على إرادته وتعيينه عند عدم قيام البيان على خلافه، وهذا بخلاف غير الوجوب، فانّ إرادته من الاطلاق تحتاج إلى مؤونة زائدة.

ولنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط :

أمّا النقطة الأولى : فهي خاطئة على ضوء كلتا النظريتين في باب الانشاء يعني نظريتنا ونظرية المشهور.

أما على ضوء نظريتنا فواضح، والسبب في ذلك ما حققناه في بابه (1)من أنّ حقيقة الانشاء وواقعه الموضوعي بحسب التحليل العلمي عبارة عن اعتبار الشارع الفعل على ذمّة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكل ذلك، فالجملة الانشائية موضوعة للدلالة على ذلك فحسب، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنا قد حققنا هناك أنّ الجملة الخبرية موضوعة للدلالة


1) في ص 98.

على قصد الحكاية والاخبار عن الواقع نفياً أو إثباتاً.

ومن ناحية ثالثة : أنّ المستعمل فيه والموضوع له في الجمل المزبورة إذا استعملت في مقام الانشاء يباين المستعمل فيه والموضوع له في تلك الجمل إذا استعملت في مقام الاخبار، فانّ المستعمل فيه على الأوّل هو إبراز الأم-ر الاعتباري النفساني في الخارج، وعلى الثاني قصد الحكاية والاخبار عن الواقع.

فالنتيجة على ضوئها هي عدم الفرق في الدلالة على الوجوب بين تلك الجمل وبين صيغة الأمر، لفرض أنّ كلتيهما قد استعملتا في معنى واحد وهو إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، هذا من جانب.

ومن جانب آخر : انتفاء النكتة المتقدمة، فانّها تقوم على أساس استعمال الجمل الفعلية في معناها الخبري ولكن بداعي الطلب والبعث.

وقد تحصل من ذلك : أنّه لا فرق بين الجمل الفعلية التي تستعمل في مقام الانشاء وبين صيغة الأمر أصلاً، فكما أنّ الصيغة لا تدل على الوجوب ولا على الطلب ولا على البعث والتحريك ولا على الارادة، وإنما هي تدل على إبراز اعتبار شيء على ذمّة المكلّف، فكذلك الجمل الفعلية، وكما أنّ الوجوب مستفاد من الصيغة بحكم العقل بمقتضى قانون العبودية والرقية، كذلك الحال في الجمل الفعلية حرفاً بحرف.

فما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّ دلالتها على الوجوب أكد من دلالة الصيغة عليه لا واقع موضوعي له.

وأمّا على نظرية المشهور، فالأمر أيضاً كذلك، والوجه فيه واضح، وهو أنّ ما تستعمل فيه تلك الجمل في مقام الانشاء غير ما تستعمل فيه في مقام الاخبار، فلا يكون المستعمل فيه في كلا الموردين واحداً ضرورة أنها على الأوّل قد استعملت في الطلب وتدل عليه وعلى الثاني في ثبوت النسبة في الواقع أو

نفيها، ومن الطبيعي أننا لا نعني بالمستعمل فيه والمدلول إلا ما يفهم من اللفظ عرفاً ويدل عليه في مقام الاثبات.

وعلى الجملة : فلا ينبغي الشك في أنّ المتفاهم العرفي من الجملة الفعلية التي تستعمل في مقام الانشاء غير ما هو المتفاهم العرفي منها إذا استعملت في مقام الاخبار، مثلاً المستفاد عرفاً من مثل قوله (عليه السلام) يعيد الصلاة، أو يتوضأ، أو يغتسل للجمعة والجنابة أو ما شاكل ذلك، على الأوّل ليس إلا الطلب والوجوب، كما أنّ المستفاد منها على الثاني ليس إلا ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها. فإذن كيف يمكن القول بأنها تستعمل في كلا المقامين في معنى واحد، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ هذه الجمل على ضوء هذه النظرية لا تدل على الوجوب أصلاً فضلاً عن كون دلالتها عليه أكد من دلالة الصيغة.

والسبب في ذلك : هو أنها حيث لم تستعمل في معناها الحقيقي بداعي الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها، فقد أصبحت جميع الدواعي محتملة في نفسها، فكما يحتمل استعمالها في الوجوب والحتم والطلب والبعث، فكذلك يحتمل استعمالها في التهديد أو السخرية أو ما شاكل ذلك. ومن الطبيعي أنّ إرادة كل ذلك تفتقر إلى قرينة معيّنة، ومع انتفائها يتعيّن التوقف والحكم باجمالها. ومن هنا أنكر جماعة منهم صاحب المستند (قدس سره) (1)في عدّة مواضع من کلامه دلالة الجملة الخبرية على الوجوب.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ نظريّة المشهور تشترك مع نظريّتنا في نقطة و تفترق في نقطة واحدة.


1) مستند الشيعة 1: 74.

أمّا نقطة الاشتراك، وهي أنّ هذه الجمل على أساس كلتا النظريتين تستعمل في مقام الانشاء في معنى هو غير المعنى الذي تستعمل فيه في مقام الاخبار، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

وأمّا نقطة الافتراق، وهي أنّ تلك الجمل تدل على الوجوب بحكم العقل على أساس نظريتنا ولا تدل عليه على أساس نظرية المشهور.

وأما ما أفاده (قدس سره) من النكتة فهو إنّما يتم على أساس أن تكون الجملة مستعملة في معناها لكن بداعي الطلب والبعث، لا بداعي الاخبار والحكاية، وحيث قد عرفت أنها لم تستعمل فيه بل استعملت في معنى آخر وهو الوجوب أو البعث والطلب، فلا موضوع لها عندئذ أصلاً.

هذا، مضافاً إلى أنّه لا يتم على ضوء الأساس المذكور أيضاً، وذلك لأنّ النكتة المذكورة لو كانت مقتضية لحمل الجمل الخبرية على إرادة الوجوب وتعيينه، لكانت مقتضية لحمل الجمل الخبرية الاسمية كزيد قائم، والجمل الماضوية في غير الجملة الشرطية على الوجوب أيضاً إذا كانتا مستعملتين في مقام الانشاء، مع أنّ استعمالهما في ذلك المقام لعله من الأغلاط الفاحشة، ولذا لم نجد أحداً ادّعى ذلك لا في اللغة العربية، ولا في غيرها.

وبكلمة أخرى: أنّ المصحح لاستعمال الجمل الخبرية الفعلية في معناها بداعي الطلب والبعث إن كان تلك النكتة، فالمفروض أنها مشتركة بين كافة الجمل الخبرية من الاسمية والفعلية، فلا خصوصية من هذه الناحية للجمل الفعلية، فإذن ما هو النكتة لعدم جواز استعمالها في مقام الانشاء دونها.

وإن كان من جهة أنّ هذا الاستعمال استعمال في معناها الموضوع له والمستعمل فيه، غاية الأمر الداعي له قد يكون الاعلام والاخبار، وقد يكون الطلب

والبعث فلا تحتاج صحّة مثل هذا الاستعمال إلى مصحح خارجي، فإن كانت النكتة هذا لجرى ذلك في بقية الجملات الخبرية أيضاً حرفاً بحرف مع أنك قد عرفت عدم صحّة استعمالها في مقام الطلب والانشاء

ومن ذلك يعلم أنّ المصحح للاستعمال المزبور خصوصية أخرى غير تلك النكتة، وهي موجودة في خصوص الجمل الفعلية من المضارع والماضي إذا وقع جزاء في الجملة الشرطية، ولم تكن موجودة في غيرها، ولذا صح استعمالها في مقام الطلب دون غيرها حتّى مجازاً فضلاً عن أن يكون الاستعمال حقيقياً.

فالنتيجة عدّة أمور :

الأوّل : أنّ النكتة المذكورة لم تكن مصححة لاستعمال الجمل الفعلية في مقام الانشاء والطلب.

الثاني: أنها في مقام الطلب والبعث لم تستعمل في معناها الموضوع له على رغم اختلاف الداعي كما عرفت.

الثالث: أنّ المصحح له خصوصية أخرى ونكتة ثانية، دون ما ذكره م--ن النكتة.

وأما النقطة الثانية : فهي في غاية الصحّة والمتانة، ضرورة أن الجملة الفعلية إذا استعملت في مقام الانشاء لم يعقل اتصافها بالكذب من دون فرق في ذلك بين نظريتنا ونظريته (قدس سره).

وأمّا النقطة الثالثة : فقد تبيّن خطؤها في ضمن البحوث السالفة بوضوح فلا حاجة إلى الاعادة.

ثمّ إنّ الثمرة تظهر بين النظريتين في مثل قوله (عليه السلام): اغتسل للجمعة والجنابة، مع العلم بعدم وجوب غسل الجمعة، وذلك أما بناءً على نظريتنا من

أن الدال على الوجوب العقل دون الصيغة فالأمر ظاهر، فانّ الصيغة إنما تدل على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، ولا تدل على ما عدا ذلك، وهو معنى حقيقي لها، غاية الأمر حيث قام دليل من الخارج على جواز ترك غسل الجمعة والترخيص فيه، فالعقل لا يلزم العبد باتيانه وامتثاله خاصة، ولكنّه يلزمه بالاضافة إلى امتثال غسل الجنابة بمقتضى قانون العبودية والمولوية حيث لم تقم قرينة على جواز تركه، ومن الطبيعي أنّ كلّ ما لم تقم قرينة على جواز تركه فالعقل يستقل بلزوم إتيانه قضاءً لرسم العبودية، وأداءً لح--ق المولوية.

وأما بناءً على نظرية المشهور فالصيغة في أمثال المقام لم تستعمل في معناها الحقيقي وهو الوجوب يقيناً، لفرض أنّ غسل الجمعة غير واجب، وعليه فلا مناص من الالتزام بأن يكون المستعمل فيه مطلق الطلب الجامع بين الوجوب والندب، فتحتاج إرادة كل منهما إلى قرينة معيّنة، ومع عدمها لابد من التوقف.

وعلى الجملة : فالصيغة أو ما شاكلها في أمثال المقام استعملت في معناها الحقيقي على ضوء نظريتنا من دون حاجة إلى عناية زائدة، ولم تستعمل ف-يه على ضوء نظرية المشهور.

الواجب التعبدي والتوصلي

إطلاق الواجب التوصلي على معنيين

الجهة الرابعة : يقع الكلام في الواجب التوصلي والتعبدي، وقبل بيانهما نقدّم مقدمةً، وهي أن الواجب التوصلي يطلق على معنيين :

الأوّل : ما لا يعتبر فيه قصد القربة، وذلك كغسل الميت وكفنه ودفنه وما شاكل ذلك، حيث إنّها واجبات في الشريعة الاسلامية ولا يعتبر في صحتها قصد القربة والاتيان بها مضافاً إلى اللّه (سبحانه وتعالى) فلو أتى بها بدون ذلك

سقطت عن ذمته.

نعم، استحقاق الثواب عليها يرتكز على الاتيان بها بقصد القربة وبدونه لا يستحق وإن حصل الإجزاء. ولا ينافي ذلك اعتبار أمور أخر في صحتها، مثلاً يعتبر في صحّة غسله أن يكون الغاسل بالغاً، وأن يكون مماثلاً ولو كان غيره بطل إلا في موارد خاصة، وأن يكون الماء،مباحاً، وأن تكون الأغسال الثلاثة مترتبة وغير ذلك.

وفي مقابله ما يعتبر فيه قصد القربة وهو المعبّر عنه بالواجب التعبدي، فلو أتى به بدون ذلك لم يسقط عنه وكان كمن لم يأت به أصلاً.

الثاني : : ما لا تعتبر فيه المباشرة من المكلف بل يسقط عن ذمته بفعل الغير سواء أكان بالتبرع أم بالاستنابة، بل ربّما لا يعتبر في سقوطه الالتفات والاختيار، بل ولا إتيانه في ضمن فرد سائغ، فلو تحقق من دون التفات وبغير اختيار، أو في ضمن فرد محرّم كفى.

وإن شئت قلت: إنّ الواجب التوصلي مرّةً يطلق ويراد به ما لا تعتبر فيه المباشرة من المكلف. ومرّةً أخرى يطلق ويراد به ما لا يعتبر فيه الالتفات والاختيار. ومرّةً ثالثة يطلق ويراد به ما لا يعتبر فيه أن يكون في ضمن فرد سائغ.

ويقابل القسم الأوّل ما تعتبر فيه المباشرة. والقسم الثاني ما يعتبر فيه الالتفات والاختيار. والقسم الثالث ما يعتبر فيه أن يكون في ضمن فرد سائغ فلو أتى به في ضمن فرد محرّم لم يسقط.

ثمّ إنّ القسم الأوّل من الواجب التوصلي بالمعنى الثاني قد يجتمع مع الواجب التعبدي بالمعنى الأوّل - وهو ما يعتبر فيه قصد القربة - في عدّة موارد:

منها : الزكاة فانها رغم كونها واجبةً تعبّديةً يعتبر فيها قصد القربة والامتثال،

تسقط عن ذمة المكلف بفعل الغير سواء أكان بالاستنابة أم كان بالتبرع إذا كان مع الاذن، وأما لو كان بدونه فالسقوط لا يخلو عن إشكال، وإن نسب إلى جماعة.

ومنها : الصلوات الواجبة على ولي الميت، فانّها تسقط عن ذمته باتیان غيره، كان بالاستنابة أم كان بالتبرع رغم كونها واجبات تعبدية.

ومنها : صلاة الميت فانّها تسقط عن ذمّة المكلف بفعل الصبي المميز نائباً كان أم متبرعاً، كما ذهب إليه جماعة منهم السيّد (قدس سره) في العروة(1)وقرّره على ذلك أصحاب الحواشي. ومنها : الحج فانّه واجب على المستطيع ولم يسقط بعجزه عن القيام بأعماله إما من ناحية ابتلائه بمرض لا يُرجى زواله، وإما من ناحية كهولته وشيخوخته، ولكن مع ذلك يسقط عنه بقيام غيره به رغم كونه واجباً تعبدياً. ومنها غير ذلك.

فالنتيجة : هي أنه لا ملازمة بين كون الواجب تعبدياً وعدم سقوطه بفعل الغير، فان هذه الواجبات بأجمعها واجبات تعبدية فمع ذلك تسقط بفعل الغير.

ومن هنا يظهر أن النسبة بين هذا القسم من الواجب التوصلي وبين الواجب التعبدي بالمعنى الأوّل عموم وخصوص من وجه، حيث ينفرد الأوّل عن الثاني بمثل تطهير الثياب من الخبث وما شاكله، فانّه يسقط عن المكلف بقيام غيره به، ولا يعتبر فيه قصد القربة. وينفرد الثاني عن الأوّل بمثل الصلوات اليومية وصيام شهر رمضان وما شاكلها، فانّها واجبات تعبدية لا تسقط عن المكلف بقيام غيره بها. ويلتقيان في الموارد المتقدمة.

كما أن النسبة بينه وبين الواجب التوصلي بالمعنى الأوّل عموم وخصوص


1) العروة الوثقى 1: 255 المسألة 5 [849] ولاحظ أيضاً ص 288 المسألة 2 [943].

من وجه، حيث يمتاز الأوّل عن الثاني بمثل وجوب ردّ السلام، فأنه واجب توصلي لا يعتبر فيه قصد القربة، ولكن يعتبر فيه قيد المباشرة من نفس المسلّم عليه، ولا يسقط بقيام غيره به.

ومن هذا القبيل وجوب تحنيط الميت، حيث قد ذكرنا في بحث الفقه (1)أنه لا يسقط عن البالغ بقيام الصبي المميز به.

ويمتاز الثاني عن الأوّل بالموارد المتقدمة، حيث إنها واجبات تعبدية يعتبر فيها قصد القربة، ومع ذلك تسقط بفعل الغير، ويلتقيان في موارد كثيرة كوجوب إزالة النجاسة وما شاكلها، فانّها واجبة توصلية بالمعنى الأوّل والثاني فلا يعتبر فيها قصد القربة، وتسقط بقيام الغير بها كالصبي ونحوه، كما تسقط فيما إذا تحققت بغير التفات واختيار بل ولو في ضمن فرد محرّم.

وأما النسبة بين الواجب التعبدي بالمعنى الأوّل والواجب التعبدي بالمعنى الثاني أيضاً عموم من وجه، حيث يفترق الأوّل عن الثاني بالواجبات التعبدية التي لا يعتبر فيها قيد المباشرة من نفس المكلف كالأمثلة التي تقدمت، فانّها واجبات تعبدية بالمعنى الأوّل دون المعنى الثاني. ويفترق الثاني عن الأوّل بمثل وجوب ردّ السلام،ونحوه، فانّه واجب تعبدي بالمعنى الثاني حيث يعتبر فيه قيد المباشرة دون المعنى الأوّل حيث لا يعتبر فيه قصد القربة، ويلتقيان في كثير من الموارد كالصلوات اليومية ونحوها.

الشك في كون الواجب تعبدياً أو توصلياً بالمعنى الثاني

وبعد ذلك نقول : لا كلام ولا إشكال فيما إذا علم كون الواجب توصلياً أو تعبدياً بالمعنى الأوّل أو الثاني، وإنّما الكلام والاشكال فيا إذا شك في كون الواجب توصلياً أو تعبدياً. والكلام فيه تارة يقع في الشك في التوصلي والتعبدي بالمعنى


1) شرح العروة الوثق 9: 165 المسألة [924].

الثاني. وتارةً أخرى يقع في الشك فيه بالمعنى الأول. فهنا مقامان:

أمّا الكلام في المقام الأوّل فيقع في مسائل ثلاث:

إذا شك في سقوط الواجب بفعل الغير

الأولى : ما إذا ورد خطاب من المولى متوجهاً إلى شخص أو جماعة وشككنا في سقوطه بفعل الغير، فقد نسب إلى المشهور أنّ مقتضى الاطلاق سقوطه وكونه واجباً توصلياً، من دون فرق في ذلك بين كون فعل الغير بالتسبيب أو بالتبرع، أو بغير ذلك. وقد أطال شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)الكلام في بيانهما، ولكنا لا نحتاج إلى نقله، بل هو لا يخلو عن تطويل زائد وبلا أثر حيث نبيّن الآن إن شاء اللّه تعالى أن مقتضى الاطلاق - لو كان - هو عكس ما نسب إلى المشهور، وأنه لا يسقط بفعل غيره، بلا فرق بين كونه بالتسبيب أو بالتبرع، والسبب في ذلك : أنّ التكليف هنا بحسب مقام الثبوت يتصوّر على أحد أشكال:

الأوّل : أن يكون متعلقه الجامع بين فعل المكلف نفسه وفعل غيره، فيكون مردّه إلى كون الواجب أحد فعلين على سبيل التخيير.

وفيه : أنّ هذا الوجه غير معقول، وذلك لأنّ فعل الغير خارج عن اختيار المكلف وإرادته، فلا يعقل تعلّق التكليف بالجامع بينه وبين فعل نفسه.

وبكلمة أخرى أنّ الاطلاق بهذا الشكل في مقام الثبوت والواق-ع غ-ير معقول، لفرض أنّه يبتني على أساس إمكان تعلّق التكليف بفعل الغير وه-و مستحيل، فإذن بطبيعة الحال يختص التكليف بفعل المكلف نفسه فلا يعقل إطلاقه.

أو فقل : إنّ الاهمال في الواقع غير معقول فيدور الأمر بين الاطلاق وهو تعلّق التكليف بالجامع، والتقييد وهو تعلّق التكليف بحصة خاصة، وحيث إنّ


1) أجود التقريرات 1: 147 وما بعدها، فوائد الأصول 1: 139 - 143.

الأوّل لا يعقل تعين الثاني.

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا إمكانه بحسب مقام الثبوت، إلا أنّ الاطلاق في مقام الاثبات لا يعينه، وذلك لأنّ أمر التكليف عندئذ يدور بين التعيين والتخيير، ومن الواضح أنّ مقتضى الاطلاق هو التعيين، لأنّ التخيير في المقام الراجع إلى جعل فعل الغير عدلاً لفعل المكلف نفسه يحتاج إلى عناية زائدة وقرينة خارجة فلا يمكن إرادته من الاطلاق.

الثاني : أن يكون متعلقه الجامع بين فعل المكلف نفسه وبين استنابته لغيره، ونتيجة ذلك هي التخيير بين قيام نفس المكلف به وبين الاستنابة لآخر.. وهو في نفسه وإن كان أمراً معقولاً ولا بأس بالاطلاق من هذه الناحية وشموله لصورة الاستنابة، إلّا أنّه خاطئ من جهتين أخريين :

الأولى : أنّ لازم ذلك الاطلاق كون الاستنابة في نفسها مسقطة للتكليف، وهو خلاف المفروض، بداهة أنّ المسقط له إنّما هو الاتيان الخارجي فلا يعقل أن تكون الاستنابة مسقطةً وإلّا لكفى مجرد إجازة الغير في ذلك وهو كما ترى، وعليه فلا يمكن كونها عدلاً وطرفاً للتكليف حتّى يعقل تعلقه بالجامع بينها وبين غيرها.

الثانية : لو تنزلنا عن ذلك وأغمضنا النظر عن هذا، إلا أنّ الأمر هنا يدور بين التعيين والتخيير، وقد عرفت أنّ قضيّة الاطلاق في مقام الاثبات إذا كان المتكلم في مقام البيان ولم ينصب قرينةً. هي التعيين دون التخيير، حيث إنّ بيانه يحتاج إلى مؤونة زائدة كالعطف بكلمة (أو) والاطلاق غير وافٍ له، ونتيجة ذلك عدم سقوطه عن ذمّة المكلف بقيام غيره به.

الثالث : أن يقال إنّ أمر التكليف في المقام يدور بين كونه مشروطاً بعدم قيام غير المكلف به وبين كونه مطلقاً، أي سواء قام غيره به أم لم يقم فهو

لا يسقط عنه.

ويمتاز هذا الوجه عن الوجهين الأولين بنقطة واحدة، وهي أنّ في الوجهين الأوّلين يدور أمر الواجب بين كونه تعيينياً أو تخييرياً، ولا صلة لهما بالوجوب. وفي هذا الوجه يدور أمر الوجوب بين كونه مطلقاً أو مشروطاً ولا صلة له بالواجب.

ثمّ إنّ هذا الوجه وإن كان بحسب الواقع أمراً معقولاً ومحتملاً ولا محذور فيه أصلاً، إلا أنّ الاطلاق في مقام الاثبات يقتضي عدم الاشتراط وأنه لا يسقط عن ذمة المكلف بقيام غيره به، ومن الطبيعي أنّ الاطلاق في هذا المقام يكشف عن الاطلاق في ذاك المقام بقانون التبعية. ومن هنا ذكرنا في بحث الفقه في مسألة تحنيط الميت (1)أن مقتضى إطلاق خطابه المتوجه إلى البالغين هو عدم سقوطه بفعل غيرهم وإن كانوا مميزين. وقد تحصل من ذلك : أن مقتضى إطلاق كل خطاب متوجه إلى شخص خاص أو صنف هو عدم سقوطه عنه بقيام غیره به، فالسقوط يحتاج إلى دليل.

فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه تظهر أنّ ما هو المعقول والمحتمل بحسب الواقع من الوجوه المذكورة هو الوجه الأخير أعني الشك في الاطلاق والاشتراط، دون الوجه الأوّل والثاني كما عرفت. وعندئذ فلا مناص من إرجاع الشك في أمثال المسألة إلى ذلك بعد افتراض عدم معقولية الوجه الأوّل والثاني.

وعلى هذا فلو شككنا في سقوط الواجب عن ولي الميت مثلاً بفعل غيره تبرعاً أو استنابةً، فبطبيعة الحال يرجع الشك في هذا إلى الشك في الاطلاق والاشتراط، وسيأتي في ضمن البحوث الآتية بشكل موسع أن مقتضى إطلاق


1) شرح العروة 9: 165 المسألة [924].

الخطاب عدم الاشتراط كما أشرنا إليه آنفاً أيضاً.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة : وهي أنّ مقتضى الأصل اللفظي في المسألة عدم التوصلية، هذا إذا كان في البين إطلاق.

وأما إذا لم يكن فالأصل العملي يقتضي الاشتغال، وذلك لأنّ المقام على ما عرفت داخل في كبرى مسألة دوران الأمر بين الاطلاق والاشتراط، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى قد ذكرنا فى محلّه (1)أن فعلية التكليف إنما هي بفعلية شرائطه، فما لم يحرز المكلف فعلية تلك الشرائط لم يحرز كون التكليف فعلياً عليه.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّ الشك في إطلاق التكليف واشتراطه قد يكون مع عدم إحراز فعلية التكليف، وذلك كما إذا لم يكن ما يحتمل شرطيته متحققاً من الأوّل، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال يرجع الشك فيه إلى الشك في أصل توجه التكليف، كما إذا احتمل اختصاص وجوب إزالة النجاسة عن المسجد مثلاً بالرجل دون المرأة أو بالحرّ دون العبد، فلا محالة يتردد العبد ويشك في أصل توجه التكليف إليه، وكذلك المرأة وهو مورد لأصالة البراءة.

وقد يكون مع إحراز فعلية التكليف، وذلك كما إذا كان ما يحتمل شرطيته متحققاً من الابتداء ثمّ ارتفع وزال، ولأجله شكّ المكلف في بقاء التكليف الفعلي وارتفاعه، ومن الواضح أنّه مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة، ولا يختص هذا بمورد دون مورد آخر، بل يعمّ كافّة الموارد التي شكّ فيها ببقاء التكليف بعد اليقين بثبوته واشتغال ذمة المكلف به.

ومقامنا من هذا القبيل، فانّ الولي مثلاً يعلم باشتغال ذمته بتكليف الميت


1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 134.

ابتداءً، ولكنّه شاك في سقوطه عن ذمته بفعل غيره، وقد عرفت أنّ المرجع في ذلك هو الاشتغال وعدم السقوط.

وبكلمة أخرى : أنّ التكليف إذا توجّه إلى شخص وصار فعلياً في حقه، فسقوطه عنه يحتاج إلى العلم بما يكون مسقطاً له، فكلّما شكّ في كون شيء مسقطاً له، سواء أكان ذلك فعل الغير أو شيئاً آخر، فمقتضى القاعدة ع-دم السقوط وبقاؤه في ذمته.

ومن هذا القبيل ما إذا سلّم شخص على أحد فردّ السلام شخص ثالث، فبطبيعة الحال يشكّ المسلّم عليه في بقاء التكليف عليه وهو وجوب ردّ السلام بعد أن علم باشتغال ذمته به، ومنشأ هذا الشك هو الشك في اشتراط هذا التكليف بعدم قيام الغير به وعدم اشتراطه فعلى الأوّل يسقط بفعله دون الثاني، ومن الطبيعي أنّ مردّ هذا الشك إلى الشك في السقوط وهو مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة والسرّ في ذلك : ما ذكرناه في مبحث البراءة والاشتغال من أنّ أدلّة البراءة لا تشمل أمثال المقام فتختص بما إذا كان الشك في أصل ثبوت التكليف. وأما إذا كان أصل ثبوته معلوماً والشك إنما كان في سقوطه كما فيما نحن فيه فهو خارج عن موردها.

ومن هنا ذكرنا (1)أن المكلف لو شكّ في سقوط التكليف عن ذمته من جهة الشك فى القدرة واحتمال العجز عن القيام به بعد فرض وصوله إليه وتنجزه، كما إذا شكّ في وجوب أداء الدين عليه بعد اشتغال ذمته به من جهة عدم إحراز تمكنه مع فرض مطالبة الدائن، فالمرجع في مثل ذلك بطبيعة الحال هو أصالة الاشتغال ووجوب الفحص عليه عن قدرته وتمكنه، ولا يمكنه التمسك بأصالة


1) في مصباح الأصول 2: 465.

البراءة، هذا بناءً على نظريتنا من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

وأمّا بناءً على جريانه فيها فلا تصل النوبة إلى أصالة الاشتغال، بل المرجع هو استصحاب بقاء التكليف وعدم سقوطه في أمثال المقام، وإن كانت النتيجة تلك النتيجة فلا فرق بينهما بحسبها. نعم، بناءً على جريان الاستصحاب فعدم جريان البراءة في المقام أوضح كما لا يخفى.

إذا شك في سقوط الواجب بفعل المكلف بلا اختيار

الثانية : ما إذا شكّ في سقوط واجب عن ذمّة المكلف فيما لو صدر منه بغير اختيار وإرادة، فهل مقتضى الاطلاق عدم السقوط إذا كان أو لا ؟ وجهان : ربّما قيل بالوجه الأوّل بدعوى أنّ الفعل عند الاطلاق ينصرف إلى حصة خاصة وهي الحصة المقدورة، فالسقوط بغيرها يحتاج إلى دليل، وإلا فالاطلاق يقتضي عدمه. ولكن هذه الدعوى خاطئة ولا واقع موضوعي لها، والسبب في ذلك : أنّ منشأ هذا الانصراف لا يخلو من أن يكون مواد الأفعال أو هيئاتها.

أما المواد فقد ذكرنا في بحث المشتق بشكل موسع (1)أنها موضوعة للطبيعة المهملة العارية عن كافة الخصوصيات، وهي مشتركة بين الحصص الاختيارية وغيرها، مثلاً مادّة ضرب وهي (ض ر ب) موضوعة لطبيعي الحدث الصادق على ما يصدر بالاختيار وبغيره من دون عناية، وهكذا. نعم، وضع بعض المواد الخصوص الحصة الاختيارية، وذلك كالتعظيم والتجليل والسخرية والهتك وما شاكل ذلك.

وأمّا الهيئات فأيضاً كذلك، يعنى أنها موضوعة لمعنى جامع بين المواد بشتى أشكالها وأنواعها، أي سواء أكانت تلك المواد من قبيل الصفات كمادة علم وكرم وابيض واسود واحمر، وما شاكل ذلك، أو من قبيل الأفعال، وهي قد


1) في ص 267.

تكون اختيارية كما في مثل قولنا : ضرب زيد، وقام عمرو وما شاكلها. وقد تكون غير اختيارية كما في مثل قولنا : تحقق موت زيد، وأسرع النبض، وجرى الدم في العروق، ونحو ذلك. فالنتيجة : أنّه لا أساس لأخذ الاختيار في الأفعال لا مادةً ولا هيئةً.

ولكن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)قد ادّعى في المقام أنّ صيغة الأمر أو ما شاكلها ظاهرة في الاختيار، لا من ناحية دعوى الانصراف، فانّها ممنوعة، بل لخصوصية فيها، واستدل على ذلك بوجهين :

الأوّل : أن الغرض من الأمر الصادر من المولى إلى العبد هو بعثه وإيجاد الداعي له لتحريك عضلاته نحو إيجاد المأمور به، ومن الطبيعي أنّ هذا يستلزم كون المتعلق مقدوراً له وإلا لكان طلبه لغواً محضاً، لعدم ترتب الغرض المذكور عليه، وصدور اللغو من المولى الحكيم مستحيل.

وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون المطلوب في باب الأوامر حصة خاصة من الفعل وهي الحصّة المقدورة، وتلك الحصّة هي الواجبة على المكلف دون غيرها، ولا يسقط الواجب عنه إلّا باتيان تلك الحصة. وعليه فإذا شككنا في سقوط واجب بمجرد تحققه في الخارج ولو بلا اختيار ولا إرادة، فمقتضى إطلاق الأمر عدم سقوطه، لأنّ إجزاء غير الواجب عن الواجب يحتاج إلى دليل. فالنتيجة : أنا لا نقول بأنّ الاختيار جزء مدلول المادة أو الهيئة، أو أنها عند الاطلاق منصرفة إلى هذا، وذلك لأنّ هذه الدعوى ساقطة لا واقع لها أصلاً، بل نقول: إنّه كان من خصوصيات الطلب والبعث المستفاد من الصيغة أو ما شاكلها ومن شؤونه، فإذن تمتاز صيغة الأمر أو ما شابهها عن بقية الأفعال في هذه النقطة


1) أجود التقريرات 1: 153.

والخصوصية.

الثاني: أنه لا يكفي في صحّة الواجب حسنه الفعلي واشتماله على مصلحة ملزمة، بل يعتبر فيها زائداً على ذلك الحسن الفاعلي، بمعنى أن يكون صدور الفعل على وجه حسن ومن هنا التزم (قدس سره) ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة حتّى على القول بالجواز، نظراً إلى أنّ صدور الصلاة في تلك الدار ليس بوجه حسن يستحق أن يمدح عليه، وإن كانت الصلاة في نفسها حسنة. وحيث إنّ الفعل الصادر من المكلف بلا اختيار وإرادة لا يتصف بالحسن الفاعلي، فلا يعقل أن يكون من أفراد الواجب، وعليه فسقوط الواجب به يحتاج إلى دليل، وإلا فمقتضى الأصل عدم سقوطه.

فالنتيجة على ضوء هذين الوجهين هي أنّ مقتضى إطلاق الأم-ر ع-دم سقوط الواجب بما إذا صدر بغير إرادة واختيار، فالسقوط يحتاج إلى دليل. هذا إذا كان هنا إطلاق، وإلا فالأصل العملي أيضاً يقتضي ذلك.

ولنأخذ بالمناقشة في هذين الوجهين :

أمّا الوجه الأوّل : فهو مورد للمؤاخذة من جهتين : الأولى : أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هو بحكم العقل لا بمقتضى الخطاب كما فصلنا الحديث هذه الناحية في بحث الضدّ (1)فلا نعيد الثانية : أنّ اعتبار القدرة فيه سواء من أكان بحكم العقل أو بمقتضى الخطاب ليس إلّا من ناحية أنّ التكليف بغير المقدور لغو، ومن الطبيعي أنّ ذلك لا يقتضي إلّا استحالة تعلّق التكليف بغير المقدور خاصة، وأمّا تعلّقه بخصوص الحصّة المقدورة فحسب فلا، ضرورة أنّ غاية ما يقتضي ذلك كون متعلقه مقدوراً، ومن المعلوم أنّ الجامع بين المقدور


1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 356.

وغيره مقدور فلا مانع من تعلقه به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون اعتبار القدرة بحكم العقل أو بمقتضى الخطاب، أمّا على الأوّل فواضح. وأمّ-ا ع-ل-ى الثاني فأيضاً كذلك، ضرورة أنّ الطلب المتعلق بشيء لا يقتضي أزيد من كون ذلك الشيء مقدوراً.

وبكلمة أخرى أنّ المصلحة في الواقع لا تخلو من أن تقوم بخصوص الحصّة المقدورة، أو تقوم بالجامع بينها وبين غير المقدورة. فعلى الأوّل لا معنی لاعتبار الجامع. وعلى الثاني لا مناص من اعتباره ولا يكون لغواً بعد إمكان تحقق تلك الحصة في الخارج. فالنتيجة أنّ استحالة تعلّق الطلب بالجامع واعتباره إنما تقوم على أساس أحد أمرين: الأوّل: أن لا يكون للجامع ملاك يدعو المولى إلى اعتباره الثاني: أن تكون الحصة غير المقدورة مستحيلة الوقوع في الخارج. وأما في غير هذين الموردين فلا مانع من اعتباره على ذمة المكلف أصلاً.

ولا يقاس هذه المسألة بالمسألة الأولى، حيث قلنا في تلك المسألة بعدم إمكان تعلّق التكيف بالجامع بين فعل المكلف نفسه وبين فعل غيره، والوجه في ذلك : هو أن اعتبار ذلك الجامع في ذمّة المكلف لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى محصل، بداهة أنه لا معنى لاعتبار فعل غير المكلف في ذمته، وه-ذا بخلاف مسألتنا هذه فان اعتبار فعل المكلف على ذمته الجامع بين المقدورة وغيرها بمكان من الامكان بلا لزوم أيّ محذور كما عرفت، هذا بحسب مقام الثبوت.

وأما بحسب مقام الاثبات، فان كان هناك إطلاق كشف ذلك عن الاطلاق في مقام الثبوت، يعني أنّ الواجب هو الجامع دون خصوص حصة خاصة، فعندئذ إن كان المولى في مقام البيان ولم يقم قرينة على التقييد، تعيّن التمسك بالاطلاق لاثبات صحّة الفعل لو جيء به في ضمن حصة غير مقدورة.

فالنتيجة : أنّه لا مانع من التمسك بالاطلاق في هذه المسألة إن كان، ومقتضاه سقوط الواجب عن المكلف إذا تحقق في الخارج ولو بلا إرادة واختيار. وهذا بخلاف المسألة الأولى، حيث إنّ الاطلاق فيها غير ممكن في مقام الثبوت فلا إطلاق في مقام الاثبات ليتمسك به، ومن ثمة قلنا بالاشتغال هناك وع-دم السقوط، هذا بناءً على نظريتنا من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد، فاستحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق لا استحالته، كما سيأتي بیانه في ضمن البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى (1).

وأمّا بناءً على نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فإذا أمكن أحدهما أمكن الآخر، وإذا استحال استحال، فلا يعقل الاطلاق في المقام حتّى يمكن التمسك به، وذلك لاستحالة التقييد هنا، أي تن تقييد الواجب في الواقع بخصوص الحصّة غير المقدورة، فإذا استحال استحال الاطلاق.

وقد تحصل من ذلك نقطة الامتياز بين نظريتنا ونظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) في المسألة، وهي إمكان التمسك بالاطلاق على الأوّل وعدم إمكانه على الثاني، هذا إذا كان إطلاق.

وأما إذا لم يكن، فالأصل العملي يقتضي البراءة، وذلك لأنّ تعلق الوجوب بالجامع معلوم وإنما الشك في تعلّقه بخصوص الحصة المقدورة، ومن الطبيعي أنّ المرجع في ذلك هو أصالة البراءة عن وجوب خصوص تلك الحصة، وعليه فلو تحقق الواجب في ضمن فرد غير مقدور سقط.

وأما الوجه الثاني : فترد عليه المناقشة من جهتين:


1) في ص 528.

الأولى : أنّ اعتبار الحسن الفاعلي في الواجب زائداً على الحسن الفعلي والملاك القائم فيه لا دليل عليه أصلاً، والدليل إنما قام على اعتبار الحسن الفعلي وهو المصلحة القائمة في الفعل التي تدعو المولى إلى إيجابه.

الثانية : أننا لو اعتبرنا الحسن الفاعلي في الواجب إضافةً إلى الحسن الفعلي لزم من ذلك محذور آخر، لا إثبات ما هو المقصود هنا، وذلك المحذور هو عدم كفاية الاتيان بالواجب عندئذ عن إرادة واختيار أيضاً في سقوطه، بل لا بد من الاتيان به بقصد القربة، بداهة أنّ الحسن الفاعلي لا يتحقق بدونه، ومن الطبيعي أن الالتزام بهذا المعنى يستلزم إنكار الواجبات التوصلية، وانحصارها بالواجبات التعبدية، وذلك لأنّ كل واجب عندئذ يفتقر إلى الحسن الفاعلي ولا يصح بدونه، والمفروض أنّه يحتاج إلى قصد القربة، وهذا لا يتمشى مع تقسیمه (قدس سره) في بداية البحث الواجب إلى تعبدي وتوصلي.

فالنتيجة : أنّ اعتبار الحسن الفاعلي في الواجب رغم أنه لا دليل عليه، يستلزم محذوراً لا يمكن أن يلتزم به أحد حتّى هو (قدس سره) فإذن لا مناص من الالتزام بعدم اعتباره وكفاية الحسن الفعلي. نعم، هنا شيء آخر وهو أن لا يكون مصداق الواجب قبيحاً كما إذا أتى به في ضمن فرد محرّم، وذلك لأنّ الحرام لا يعقل أن يقع مصداقاً للواجب.

وقد تحصّل من ذلك عدّة أمور :

الأوّل: خطأ الوجوه المتقدمة التي أقيمت لاثبات كون الواجب هو خصوص الحصّة الاختيارية.

الثاني : إمكان كون الواجب في الواقع هو الجامع بين الحصة المقدورة وغيرها. الثالث : أن المولى إذا كان في مقام البيان فلا مانع من التمسك بالاطلاق، وإن

لم يكن فالمرجع هو أصالة البراءة. وبهذين الوجهين يعني الوجه الثاني والثالث تمتاز هذه المسألة عن المسألة الأولى.

إذا شك في سقوط الواجب بفعله في ضمن فرد محرّم

الثالثة : ما إذا شكّ في سقوط واجب في ضمن فرد محرّم، وهذا يتصور على نحوين:

الأوّل : أن يكون المأتي به في الخارج مصداقاً للحرام حقيقةً، كغسل الثوب المتنجس بالماء المغصوب أو نحوه.

الثاني : أن لا يكون المأتي به مصداقاً له كذلك، بل يكون ملازماً له وجوداً، وذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة أو نحوها بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدم اتحاد المأمور به مع المنهي عنه في مورد الاجتماع والتصادق.

أمّا الكلام في القسم الأوّل: فتارةً نعلم بأنّ الاتيان بالواجب في ضمن فرد محرم مسقط له، وسقوطه من ناحية سقوط موضوعه وعدم تعقل بقائه حتّى يؤتى به ثانياً في ضمن فرد غير محرّم، وذلك كازالة النجاسة عن المسجد مثلاً، فانها تسقط عن المكلف ولو كانت بالماء المغصوب فلا يبقى موضوع لها، وكغسل الثوب المتنجس بالماء المغصوب حيث يسقط عن ذمته بانتفاء موضوعه وحصول غرضه وما شاكل ذلك، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ مردّ سقوط الواجب في ضمن الفرد المحرّم ليس إلى أن الواجب هو الجامع بينهما، بل مردّه إلى حصول الغرض به الداعي إلى إيجابه، حيث إنّه مترتب على مطلق وجوده ولو كان في ضمن فرد محرّم، وعدم موضوع لاتيانه ثانياً في ضمن فرد آخر، لا أن الواجب هو الجامع.

وتارةً أخرى نشك في أنه يسقط لو جيء به في ضمن فرد محرّم أو لا، وذلك كغسل الميت وتحنيطه وتكفينه ودفنه وما شاكل ذلك، فلو غسل الميت

بالماء المغصوب، أو دفن فى أرض مغصوبة أو حنّط بالحنوط المغصوب، أو غير ذلك، وشككنا في سقوط التكليف بذلك وعدم سقوطه فنقول :

لا إشكال ولا شبهة في أنّ مقتضى إطلاق الواجب عدم السقوط، بداهة أنّ الفرد المحرّم لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب، لاستحالة انطباق م-ا ه-و محبوب للمولى على ما هو مبغوض له. فعدم السقوط من هذه الناحية لا من ناحية استحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، وذلك لأنّ هذه الناحية تقوم على أساس أنّ الأمر يسري من الجامع إلى أفراده، ولكنّه خاطئ لا واقع موضوعي له، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ متعلق الأمر هو الطبيعي الجامع، ولا يسري الأمر منه إلى شيء من أفراده العرضية والطولية، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى بعد ما عرفت استحالة انطباق الواجب على الفرد المحرّم فبطبيعة الحال يتقيد الواجب بغيره.

وعلى ضوء هذا البيان فإذا شككنا في سقوط الواجب في ضمن فرد محرّم فلا محالة يرجع إلى الشك في الاطلاق والاشتراط، بمعنى أن وجوبه مطلق فلا يسقط عن ذمته باتيانه في ضمن فرد محرّم أو مشروط بعدم إتيانه في ضمنه،

وقد تقدّم أن مقتضى الاطلاق عدم الاشتراط إن كان، وإلا فالمرجع هو الأصل العملي وهو في المقام أصالة البراءة، وذلك لأنّ المسألة على هذا الضوء تكون من صغريات كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وقد اخترنا في تلك المسألة القول بجريان البراءة فيها عقلاً وشرعاً. هذا بناءً على نظريتنا من عدم جریان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وإلا فلا مانع من الرجوع إليه ويأتي بيانه في مورده إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الكلام في القسم الثاني: فلا ينبغي الشك في سقوط الواجب ب-ه إذا كان توصلياً، لأنّ المفروض أنّه فرد حقيقي للواجب غاية الأمر أنّ وجوده في

الخارج ملازم لوجود الحرام، ومن الطبيعي أنّ هذا لا يمنع من انطباق الواجب عليه.

وأمّا إذا كان تعبدياً فالظاهر أنّ الأمر أيضاً كذلك، والسبب في هذا : هو أنّ المعتبر في صحّة العبادة الاتيان بها بكافة أجزائها وشرائطها مع قصد القربة، ولا دليل على اعتبار شيء زائد على ذلك، ومن المعلوم أن مجرد مقارنتها خارجاً وملازمتها كذلك لوجود الحرام لا يمنع عن صحتها وقصد القربة بها، فانّ المانع منه ما إذا كانت العبادة محرّمة، لا في مثل المقام.

ومن هنا قلنا بصحة العبادة في مورد الاجتماع بناءً على القول بالجواز، حيث إنّ ما ينطبق عليه الواجب غير ما هو الحرام فلا يتحدان خارجاً كي يك--ون مانعاً عن الانطباق وقصد التقرب، بل يمكن الحكم بالصحة فيه حتّى على القول باعتبار الحسن الفاعلي، وذلك لأنّ صدور العبادة بما هي عبادة حسن منه، وإنما القبيح صدور الحرام، ومن الواضح أنّ قبح هذا لا يرتبط بحسن ذاك، فهما فعلان صادران من الفاعل، غاية الأمر كان صدور أحدهما منه حسناً وصدور الآخر قبيحاً.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة : وهي أن الواجب التوصلي على أنواع، منها : ما يسقط عن ذمة المكلف بصرف وجوده في الخارج، سواء أكان بفعل نفسه أم كان بفعل غيره، وسواء أكان في ضمن فرد مباح أم كان في ضمن فرد محرّم. ومنها : ما لا يسقط إلا بفعل المكلف نفسه. ومنها : ما لا يسقط إلا في ضمن فرد مباح فلا يسقط في ضمن فرد حرام. نعم، يشترك الجميع في نقطة واحدة وهي عدم اعتبار قصد القربة في صحتها، ومن هنا يظهر أنّه لا أصل لما اشتهر في الالسنّة من أنّ الواجب التوصلي ما يسقط عن المكلف ويحصل الغرض منه بمجرد وجوده وتحققه في الخارج. هذا آخر ما أوردناه في المقام الأوّل.

الشك في التعبدية والتوصلية

وأمّا الكلام في المقام الثاني : فلا شبهة في أنّ الواجب في الشريعة المقدّسة بل في كافة الشرائع على نوعين : تعبدي وتوصلي. والأوّل ما يتوقف حصول الغرض منه على قصد التقرب، وذلك كالصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس وما شاكل ذلك. والثاني ما لا يتوقف حصوله على ذلك كما عرفت، ومنه وجوب الوفاء بالدين، وردّ السلام ونفقة الزوجة، وهذا القسم هو الكثير في الشريعة المقدّسة، وجعله من الشارع رغم أنّه لا يعتبر فيه قصد التقرب إنّما هو لأجل حفظ النظام وإبقاء النوع، ولولاه لاختلت نظم الحياة المادية والمعنوية، وبعد ذلك نقول : مرّةً يعلم المكلف بأنّ هذا الواجب توصلي وذاك تعبدي، ولا كلام فيه. ومرّةً أخرى لا يعلم به ويشك الكلام في المقام إنما هو في ذلك، وهو يقع في مقامين :

الأوّل : في مقتضى الأصل اللفظي من عموم أو إطلاق.

الثاني: في مقتضى الأصل العملي.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

أمّا الكلام في المقام الأوّل : فالمشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً هو أنه لا إطلاق في المقام حتّى يمكن التمسك به لاثبات كون الواجب توصلياً، ولكن هذه الدعوى منهم ترتكز على أمرين :

وجوه استحالة تقييد الواجب بقصد الأمر

الأوّل: دعوى استحالة تقييد الواجب بقصد القربة وعدم إمكانه.

الثاني : دعوى أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، فينبغي لنا التكلّم عندئذ في هاتين الدعويين:

أما الدعوى الأولى : فقد ذكروا في وجه استحالة التقييد وجوهاً:

أحسنها : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أن كل قيد في القضايا الحقيقية إذا أخذ مفروض الوجود في الخارج - سواء أكان اختيارياً أم كان غير اختياري - يستحيل تعلّق التكليف به، والسبب في ذلك : أنّ القضايا الحقيقية ترجع إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له.

مثلاً قولنا: المستطيع يجب عليه الحج، قضيّة حقيقية ترجع إلى قضية شرطية، وهي قولنا : إذا وجد في الخارج شخص وصدق عليه أنه مستطيع وجب عليه الحج، فيكون وجوب الحج مشروطاً بوجود الاستطاعة في الخارج، فتدور فعليته مدار فعليتها، لاستحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه.

وعليه فلا يمكن أن يقع مثل هذا القيد مورداً للتكليف، بداهة أنّ المشروط لا يقتضي وجود شرطه. ولا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك القيد اختيارياً أو غير اختياري. والأوّل : كالعقد والعهد والنذر والاستطاعة، وما شاكل ذلك. فانّ مثل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)أو نحوه، يرجع إلى أنه إذا فرض وجود عقد في الخارج يجب الوفاء به، لا أنه يجب على المكلف إيجاد عقد في الخارج والوفاء به والثاني : كالوقت والبلوغ والعقل، حيث إنها خارجة عن اختيار المكلف فلا تكون مقدورةً له ومن الطبيعي أن مثل هذه القيود إذا أخذت في مقام الجعل فلا محالة أخذت مفروضة الوجود في الخارج، يعني أنّ المولى فرض وجودها أوّلاً ثمّ جعل الحكم عليها، ومردّ ذلك إلى أنه متى تحقق وقت الزوال مثلاً فالصلاة واجبة، ومتى تحقق البلوغ في مادة المكلف فالتكليف فعلي في حقه، وهكذا. وليس معنى إذا زالت الشمس فصل وجوب الصلاة ووجوب تحصيل الوقت، حيث إنّه تكليف بغير مقدور، بل معناه ما ذكرناه،


1) أجود التقريرات 1: 160 وما بعدها.

2) المائدة 5: 1.

فان ما هو مقدور للمكلف هو ذات الصلاة، وإيقاعها فى الوقت عند تحققه، وأمّا تحصيل نفس الوقت فهو غير مقدور له فلا يعقل تعلّق التكليف به.

وقد تحصل من ذلك : أنّ كل قيد إذا أخذ في مقام الجعل مفروض الوجود فلا يعقل تعلّق التكليف به سواء أكان اختيارياً أم لم يكن، غاية الأمر أنّ القيد إذا كان غير اختياري فلابد من أخذه مفروض الوجود، ولا يعقل أخذه في متعلق التكليف بغير ذلك.

ومقامنا من هذا القبيل، فان قصد الأمر إذا أخذ في متعلقه فلا محالة يكون الأمر موضوعاً للتكليف ومفروض الوجود في مقام الانشاء، لما عرفت من أنّ كل قيد إذا أخذ متعلقاً لمتعلق التكليف فبطبيعة الحال كان وجود التكليف مشروطاً بفرض وجوده فرضاً مطابقاً للواقع الموضوعي، وحيث إنّ متعلق المتعلق فيما نحن فيه هو نفس الأمر، فيكون وجوده مشروطاً بفرض وج-ود نفسه فرضاً مطابقاً للخارج، فيلزم عندئذ كون الأمر مفروض الوجود قبل وجود نفسه وهذا خلف، ضرورة أن ما لا يوجد إلّا بنفس إنشائه كيف يعقل أخذه مفروض الوجود في موضوع نفسه، فانّ مرجعه إلى اتحاد الحكم والموضوع.

وإن شئت قلت: إنّ أخذ قصد الأمر في متعلقه يستلزم بطبيعة الحال أخذ الأمر مفروض الوجود، لكونه خارجاً عن الاختيار، وعليه فيلزم محذور الدور، وذلك لأنّ فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه، وحيث إنّ الموضوع على الفرض هو نفس الأمر وهو متعلق،لمتعلقه، فطبيعة الحال تتوقف فعليته على فعلية نفسه، وهو محال.

فالنتيجة : أنّ أخذ داعى الأمر في متعلقه كالصلاة مثلاً يستلزم اتحاد الحكم والموضوع في مقام الجعل، وتوقف الشيء على نفسه في مقام الفعلية، وكلاهما مستحيل.

وقد خفي على بعض الأساطين (1)حيث قد أورد على شيخنا الأستاذ (قدس سره) بما حاصله : هو أنّ ما يؤخذ مفروض الوجود في مقام الجعل إنما هو موضوعات التكاليف وقيودها، لا قيود الواجب، لوضوح أن قيود الواجب كالطهارة في الصلاة مثلاً واستقبال القبلة وما شاكلها، يجب تحصيلها على المكلف، وذلك لأنّ الأمر المتعلق بالصلاة قد تعلّق بها مقيدةً بهذه القيود، فكما يجب على المكلف تحصيل أجزائها يجب عليه تحصيل قيودها وشرائطها أيضاً.

وهذا بخلاف موضوعات التكاليف حيث إنها قد أخذت مفروضة الوجود في الخارج فلا يجب على المكلف تحصيلها ولو كانت اختيارية كالاستطاعة بالاضافة إلى وجوب الحج وما شاكلها.

وبعد ذلك قال : إن قصد الأمر ليس من قيود الموضوع حتّى يؤخذ مفروض الوجود خارجاً، بل هو قيد الواجب وكان المكلف قادراً عليه، فعندئذ حاله حال بقيّة قيود الواجب كالطهارة ونحوها فيجب تحصيله ولا معنى لأخذه مفروض الوجود.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) أما ما أفاده من حيث الكبرى من أن قيود الواجب يجب تحصيلها دون قيود الموضوع ففي غاية الصحّة والمتانة، إلا أن المناقشة في كلامه إنما هي في تطبيق تلك الكبرى على ما نحن فيه، وذلك لأن المحقق النائيني (قدس سره) لم يدع أنّ قصد الأمر من قيود الموضوع وأنه لابد من أخذه مفروض الوجود في مقام الجعل حتّى يرد عليه الاشكال المزبور، بل إنما يدعي ذلك بالاضافة إلى نفس الأمر المتعلق للقصد، والمفروض أنّ الأمر خارج عن اختيار المكلف حيث إنّه فعل اختياري للمولى، له أن يأمر


1) مقالات الأصول 1: 237.

بشيء، وله أن لا يأمر، وقد تقدّم أنّ ما هو خارج عن الاختيار لا يعقل أن يؤخذ قيداً للواجب، لاستلزامه التكليف بغير المقدور، فلو أخذ فلابد من أخذه مفروض الوجود، فإذن عاد المحذور المتقدم.

وقد تحصل ذلك : أنّ الاشكال يقوم على أساس أن يكون قصد الأمر من مأخوذاً مفروض الوجود، ولكن عرفت أنه لا واقع موضوعي له.

فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ لزوم أخذ القيد مفروض الوجود في القضيّة في مقام الانشاء إنّما يقوم على أساس أحد أمرين :

الأوّل : الظهور العرفي كما في قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)فانّ المستفاد منه عرفاً هو لزوم الوفاء بالعقد على تقدير تحققه ووجوده في الخارج رغم كون العقد مقدوراً للمكلف. ومن هذا القبيل وجوب الوفاء بالنذر والشرط والعهد واليمين، ووجوب الانفاق على الزوجة، وما شاكل ذلك، حيث إن القيود المأخوذة في موضوعات هذه الأحكام رغم كونها اختيارية أخذت مفروضة الوجود في مقام جعلها بمقتضى المتفاهم العرفي، فانّ العرف يفهم أنّ النذر الذي هو موضوع لوجوب الوفاء قد أخذ مفروض الوجود فلا يجب تحصيله، وهكذا الحال في غيره وهذا هو الغالب فى القضايا الحقيقية.

الثاني : الحكم العقلي، ومن الطبيعي أنّ العقل إنما يحكم فيما إذا كان الق--يد خارجاً عن الاختيار، حيث إنّ عدم أخذه مفروض الوجود يستلزم التكليف بالمحال كما في مثل قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (2)فان دخول الوقت حيث إنّه خارج عن قدرة المكلف واختياره، لا مناص من


1) المائدة 5: 1.

2) الإسراء 17 : 78.

أخذه مفروض الوجود في مقام الانشاء والخطاب، وإلا لزم التكليف بغير المقدور، وهو مستحيل.

فالنتيجة : أنّ أخذ القيد مفروض الوجود في مرحلة الجعل والانشاء إنما يقوم على أساس أحد هذين الأمرين فلا ثالث لهما، وأما في غير هذين الموردين فلا موجب لأخذه مفروض الوجود أصلاً، ولا دليل على أن التكليف لا يكون فعلياً إلا بعد فرض وجوده في الخارج. ومن هنا قد التزمنا بفعلية الخطابات التحريمية قبل وجودات موضوعاتها بتمام القيود والشرائط فيما إذا كان المكلف قادراً على إيجادها. مثلاً التحريم الوارد على شرب الخمر فعلي وإن لم يوجد الخمر في الخارج إذا كان المكلف قادراً على إيجاده بايجاد مقدماته، فلا تتوقف فعليته على وجود موضوعه.

والسر في ذلك : ما عرفت من أنّ الموجب لأخذ القيد مفروض الوجود إمّا الظهور العرفي، أو الحكم العقلي، وكلاهما منتف في أمثال المقام.

أمّا الأوّل، فلأنّ العرف لا يفهم من مثل «لا تشرب الخمر» أنّ الخمر أخذ مفروض الوجود في الخطاب بحيث تتوقف فعلية حرمة شربه على وجوده في الخارج فلا حرمة قبل وجوده، بل المتفاهم العرفي من أمثال هذه القضايا هو فعلية حرمة الشرب مطلقاً وإن لم يكن الخمر موجوداً إذا كان المكلف قادراً على إيجاده بما له من المقدّمات، وهذا بخلاف المتفاهم العرفي من مثل قوله تعالى

(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)كما عرفت.

وأما الثاني، فلأنّ المفروض تمكن المكلف من إيجاده، وفي مثله لا يحكم العقل بأخذه مفروض الوجود.


1) المائدة 5: 1.

فالنتيجة : أن المناط في فعلية الخطابات التحريمية إنما هو فعلية قدرة المكلف على متعلقاتها إيجاداً وتركاً ولو بالقدرة على موضوعاتها كذلك، فمن كان متمكناً من شرب الخمر ولو بايجاده، كانت حرمته فعلية في حقه، ومن كان متمكناً من تنجيس المسجد مثلاً ولو بايجاد النجاسة، كانت حرمته كذلك فلا تتوقف على وجود موضوعه في الخارج، ومن هنا لا ترجع تلك القضايا في أمثال هذه الموارد إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له، حيث إنّ ترتب الأحكام فيها على موضوعاتها ليس كترتب الجزاء على الشرط.

وعلى ذلك تترتب ثمرة مهمة في عدّة موارد وفروع وستأتي الاشارة إلى بعضها في ضمن البحوث الآتية (1).

وبعد ذلك نقول : إنّ القيد فيها نحن فيه - وهو نفس الأمر - وإن كان خارجاً عن الاختيار، إلّا أنّ مجرد ذلك لا يوجب أخذه مفروض الوجود، لما عرفت من الملاك الموجب لأخذ قيد كذلك إمّا الظهور العرفي أو الحكم العقلي، وعندئذ فهل نرى أنّ الملاك لأخذه كذلك موجود هنا أم لا؟

والتحقيق عدم وجوده، أما الظهور العرفي فواضح، حيث لا موضوع له فيما نحن فيه، فانّ الكلام هنا إنما هو في إمكان أخذ قصد الأمر في متعلقه ب-دون أخذه مفروض الوجود وعدم إمكانه، ومن الطبيعي أنه لا صلة للعرف بهذه الناحية.

وأما الحكم العقلي فأيضاً كذلك، فلأنّ ملاكه هو أن القيد لو لم يؤخذ مفروض الوجود في مقام الانشاء لزم التكليف بما لا يطاق، ومن المعلوم أنه لا يلزم من


1) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 185.

عدم أخذ الأمر مفروض الوجود ذلك، والسبب فيه : أنّ الأمر الذي هو متعلق للداعي والقصد يتحقق بمجرد جعله وإنشائه، ومن الطبيعي أنّ الأمر إذا تحقق ووجد أمكن للمكلف الاتيان بالمأمور به بقصد هذا الأمر وبداعيه، ولا حاجة بعد ذلك إلى أخذه مفروض الوجود في مقام الانشاء.

وبكلمة واضحة : أنّ الأمر وإن كان خارجاً عن قدرة المكلف واختياره، حيث إنّه فعل اختياري للمولى، كما أنّه لا يمكن للمكلف الاتيان بشيء بقصده بدون فرض تحققه ووجوده، إلّا أنّ كل ذلك لا يستدعي أخذه مفروض الوجود، والوجه في ذلك: هو أنّ المعتبر في صحّة التكاليف إنما هو قدرة المكلف على الاتيان بمتعلقاتها بكافة الأجزاء والشرائط في مرحلة الامتثال، وإن كان عاجزاً وغير قادر في مرحلة الجعل.

وعلى هذا الضوء فالمكلف وإن لم يكن قادراً على الاتيان بالصلاة مثلاً بداعي أمرها وبقصده قبل إنشائه وجعله، ولكنّه قادر على الاتيان بها كذلك بعد جعله وانشائه، وقد عرفت كفاية ذلك وعدم المقتضي لاعتبار القدرة من حين الجعل، وعليه فلا مانع من تعلّق التكليف بالصلاة مع قصد أمرها، لفرض تمكن المكلف من الاتيان بها كذلك في مقام الامتثال، فإذن لا ملزم لأخذه مفروض الوجود، فانّ الملزم لأخذه كذلك هو لزوم التكليف بالمحال وهو غير لازم في المقام.

ومن هنا يظهر أنّ الأمر يمتاز عن بقية القيود غير الاختيارية في نقطة، وهي أنه يوجد بنفس الانشاء والجعل دون غيره، ولأجله لا موجب لأخذه مفروض الوجود.

فالنتيجة : هي أنّه لا يلزم من أخذ قصد الأمر في متعلقه شيء من المحذورين السابقين، حيث إنّ كليهما يرتكز على نقطة واحدة وهي أخذ الأمر مفروض

الوجود في مقام الانشاء، وبانتفاء تلك النقطة انتفى المحذوران.

الوجه الثاني : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أيضاً من أنّ قصد الأمر والامتثال لو كان مأخوذاً في متعلق نفسه لزم تقدّم الشيء على نفسه، وهو مستحيل، وذلك لأنّ القصد المزبور متأخر رتبة عن إتيان تمام أجزاء المأمور به وقيوده، حيث إن قصد الأمر إنّما يكون بهما، وبما أننا فرضنا من جملة تلك الأجزاء والقيود نفس ذلك القصد الذي هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الأمر، فلابد وأن يكون المكلف في مقام امتثاله قاصداً للامتثال قبل قصد امتثاله، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه.

وإن شئت قلت : إن معنى قصد الامتثال هو الاتيان بالمأمور به بتمام أجزائه وشرائطه الذي تعلّق التكليف به كذلك بقصد امتثال أمره، فلو أخذ قصد الامتثال متعلقاً للتكليف لزم تقدّمه على نفسه، فانّه باعتبار أخذه في متعلق التكليف لا بد أن يكون في مرتبة سابقة وهي مرتبة الأجزاء، وباعتبار أنّ-ه لا بد من الاتيان بتمام الأجزاء والشرائط بقصد الامتثال لا بد أن يكون في مرتبة متأخرة عنها، وهذا معنى تقدّم الشيء على نفسه.

الوجه الثالث : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نصه: إنّ التقرب المعتبر في التعبدي إن كان بمعنى قصد الامتثال والاتيان بالواجب بداعي أمره كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلاً، لا ممّا أخذ في نفس العبادة شرعاً، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشيء في متعلق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها. وتوهم إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي


1) أجود التقريرات 1: 162.

الأمر وإمكان الاتيان بها بهذا الداعي ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدة والتمكن من إتيانها كذلك بعد تعلّق الأمر بها، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلاً في صحّة الأمر إنما هو في حال الامتثال لا حال الأمر، واضح الفساد، ضرورة أنه وإن كان تصورها كذلك بمكان من الامكان، إلا أنه لا يكاد يمكن الاتيان بها بداعي أمرها، لعدم الأمر بها، فانّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيدةً بداعي الأمر، ولا يكاد يدعو الأمر إلا إلى ما تعلّق به لا إلى غيره.

إن قلت: نعم، ولكن نفس الصلاة أيضاً صارت مأمورة بها بالأمر بها مقيدة.

قلت : كلا، لأنّ ذات المقيد لا تكون مأموراً بها، فان الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب أصلاً، فانّه ليس إلا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي كما ربّما يأتي في باب المقدمة.

إن قلت : نعم، لكنّه إذا أخذ قصد الامتثال شرطاً، وأمّا إذا أخذ شطراً فلا محالة نفس الفعل الذي تعلّق الوجوب به مع هذا القصد يكون متعلقاً للوجوب، إذ المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر ويكون تعلقه بكلّ بعين تعلّقه بالكل، ويصح أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب، ضرورة صحّة الاتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه.

قلت مع امتناع اعتباره كذلك، فانّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري، فانّ الفعل وإن كان بالارادة اختيارياً إلّا أنّ إرادته حيث لا تكون بارادة أخرى وإلا لتسلسلت ليست باختيارية كما لا يخفى، إنما يصح الاتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي، ولا يكاد يمكن الاتيان بالمركب من قصد الامتثال بداعي امتثال أمره (1).


1) كفاية الأصول : 72.

ملخص ما أفاده (قدس سره) : أنّ قصد الأمر حيث إنه يكون متفرعاً على الأمر ومتأخراً عنه رتبةً فلا يعقل أخذه في متعلّقه، لاستلزامه تقدّم الشيء على نفسه، وذلك لأن أخذه في متعلّقه مع فرض كونه ناشئاً عن حكمه معناه تقدّمه على نفسه وهو مستحيل. فإذن لا يمكن أخذه فيه شرعاً، بل لا بد أن يكون اعتباره في العبادات بحكم العقل.

الوجه الرابع : ما ذكره شيخنا المحقق (قدس سره) من أنّ لازم تقييد به بداعي الأمر هو محذور لزوم عدمه من وجوده، وذلك لأن أخذ

المأمور الاتيان بداعي الأمر في متعلّق الأمر يقتضي اختصاص ما عداه بالأمر، لم-ا سمعت من أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به، وهو مساوق لعدم أخذه فيه، إذ لا معنى لأخذه فيه إلا تعلّق الأمر بالمجموع من الصلاة والاتيان بداعي الأمر، فيلزم من أخذه فيه أخذه فيه عدم أخذه فيه، وما يلزم من وجوده عدمه محال (1).

الوجه الخامس : ما ذكره (قدس سره) أيضاً وإليك نصه : إنّ الأجزاء بالأسر ليس لها إلّا أمر واحد، ولا لأمر واحد إلا دعوة واحدة، فلا يكون الأمر داعياً إلى الجزء إلا بعين دعوته إلى الكل، وحيث إنّ جعل الأمر داعياً إلى الصلاة مأخوذ في متعلق الأمر في عرض الصلاة، فجعل الأمر المتعلق بالمجموع داعياً إلى الصلاة بجعل الأمر بالمجموع داعياً إلى المجموع، ليتحقق الدعوة إلى الصلاة في ضمن الدعوة إلى المجموع، مع أنّ من المجموع الدعوة إلى الصلاة في ضمن الدعوة إلى المجموع فيلزم دعوة الأمر إلى جعل نفسه داعياً ضمناً إلى الصلاة ومحركية الأمر لمحركية نفسه إلى الصلاة عين عليته لعلية نفسه، ولا فرق بين علية الشيء لنفسه وعليته لعليته (2).


1) نهاية الدراية 1 327.

2) نهاية الدراية 1: 331.

توضيحه : هو أن الأمر المتعلق بالمركب حيث إنه واحد فبطبيعة الحال كانت له دعوة واحدة، فليست دعوته إلى الاتيان بكل جزء إلا في ضمن دعوته إلى الكل لا على نحو الاستقلال، وعلى هذا فإذا افترضنا أن دعوة الأمر قد أخذت في متعلق نفسه، يعني أنّ المتعلق مركب من أمرين: الفعل الخارجي كالصلاة مثلاً، ودعوة أمرها فلا محالة الأمر المتعلق بالمجموع يدعو إلى ك--ل جزء في ضمن دعوته إلى المجموع، مثلاً دعوته إلى الصلاة في ضمن دعوته إلى المجموع وكذا دعوته إلى الجزء الآخر، وبما أنّ الجزء الأخر هو دعوة شخص ذلك الأمر فيلزم من ذلك دعوة الأمر إلى دعوة نفسه إلى الصلاة ضمناً، أي في ضمن الدعوة إلى المجموع، وهذا معنى داعوية الأمر لداعوية نفسه المساوقة لعلية الشيء لعلية نفسه.

ولكن تندفع تلك الوجوه بأجمعها ببيان نكتة واحدة، وتفصيل ذلك ق-د تقدّم في صدر المبحث (1)أنّ الواجب على قسمين: تعبّدي وهو ما يعتبر فيه قصد القربة فلا يصح بدونه. وتوصلي وهو ما لا يعتبر فيه قصد القربة فيصح بدونه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : يمكن تصوير الواجب التبعدي على أنحاء:

الأوّل : أن يكون تعبدياً بكافة أجزائه وشرائطه.

الثاني : أن يكون تعبدياً بأجزائه مع بعض شرائطه.

الثالث: أن يكون تعبدياً ببعض أجزائه دون بعضها الآخر.

أمّا النحو الأوّل، فالظاهر أنه لا مصداق له خارجاً ولا يتعدى عن مرحلة التصور إلى الواقع الموضوعي.


1) في ص 509.

وأما النحو الثاني فهو واقع كثيراً في الخارج، حيث إن أغلب العبادات الواقعة في الشريعة المقدّسة الاسلامية من هذا النحو، منها الصلاة مثلاً، فانّ أجزاءها بأجمعها أجزاء عبادية. وأمّا شرائطها فجملة كثيرة منها غير عبادية، وذلك كطهارة البدن والثياب واستقبال القبلة وما شاكل ذلك، فانّها رغم كونها شرائط للصلاة تكون توصلية وتسقط عن المكلف بدون قصد التقرب. نعم، الطهارات الثلاث خاصة تعبدية فلا تصح بدونه.

وأضف إلى ذلك : أنّ تقييد الصلاة بتلك القيود أيضاً لا يكون عبادياً، فلو صلّى المكلف غافلاً عن طهارة ثوبه أو بدنه ثمّ انكشف كونه طاهراً صحت صلاته مع أن المكلف غير قاصد للتقيد فضلاً عن قصد التقرب به، فلو كان أمراً عبادياً لوقع فاسداً، لانتفاء القربة به، بل الأمر في التقيد بالطهارات الثلاث أيضاً كذلك، ومن هنا لو صلّى غافلاً عن الطهارة الحدثية ثمّ بان أنه كان واجداً لها صحت صلاته، مع أنّه غير قاصد لتقيدها بها فضلاً عن إتيانه بقصد القربة، هذا ظاهر.

وأما النحو الثالث، وهو ما يكون بعض أجزائه تعبدياً وبعضها الآخر توصلياً، فهو أمر ممكن في نفسه ولا مانع منه، إلّا أنا لم نجد لذلك مصداقاً في الواجبات التعبدية الأولية كالصلاة والصوم وما شاكلها، حيث إنها واجبات تعبدية بكافة أجزائها.

ولكن يمكن فرض وجوده في الواجبات العرضية، وذلك كما إذا افترضنا أنّ واحداً مثلاً نذر بصيغة شرعية الصلاة مع إعطاء درهم لفقير على نحو العموم المجموعي بحيث يكون المجموع بما هو المجموع واجباً، وكان ك--ل م-نه-ا ج-زء الواجب، فعندئذ بطبيعة الحال يكون مثل هذا الواجب مركباً من جزأين : أحدهما تعبدي وهو الصلاة. وثانيهما توصلي وهو إعطاء الدرهم. وكذلك يمكن

وجوب مثل هذا المركب بعهد أو يمين أو شرط في ضمن عقد أو نحو ذلك.

فالنتيجة : أنّه لا مانع من الالتزام بهذا القسم من الواجب التعبدي إذا ساعدنا الدليل عليه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الأمر المتعلق بالمركب من عدّة أمور فبطبيعة الحال ينحل بحسب التحليل إلى الأمر بأجزائه وينبسط على المجموع، فيكون كل جزء منه متعلقاً لأمر ضمني ومأموراً به بذلك الأمر الضمني، مثلاً الأمر المتعلق بالصلاة ينحل بحسب الواقع إلى الأمر بكل جزء منها ويكون لكل منها حصة منه المعبّر عنها بالأمر الضمني، ومردّ ذلك إلى انحلال الأمر الاستقلالي إلى عدّة أوامر ضمنية حسب تعدد الأجزاء.

ولكن هذا الأمر الضمني الثابت للأجزاء لم يثبت لها على نحو الاطلاق، مثلاً الأمر الضمني المتعلق بالتكبيرة لم يتعلق بها على نحو الاطلاق، بل تعلّق بحصة خاصة منها وهي ما كانت ملحوقة بالقراءة، وكذا الأمر الضمني المتعلق بالقراءة فانّه إنما تعلّق بحصة خاصة منها وهي ما كانت ملحوقة بالركوع ومسبوق بالتكبيرة، وكذلك الحال في الركوع والسجود ونحوهما.

وعلى ضوء ذلك يترتب أنّ المكلف لا يتمكن من الاتيان بالتكبيرة مثلاً بقصد أمرها بدون قصد الاتيان بالأجزاء الباقية، كما لا يتمكن من الاتيان بركعة مثلاً بدون قصد الاتيان ببقية الركعات، وإن شئت قلت : إنّ الأمر الضمني المتعلق بالأجزاء يتشعب من الأمر بالكل، وليس أمراً مستقلاً في مقابله، ولذا لا يعقل بقاؤه مع انتفائه. ومن المعلوم أنّ الأمر المتعلق بالكل يدعو المكلف إلى الاتيان بجميع الأجزاء، لا إلى الاتيان بجزء منها مطلقاً ولو لم يأت بالأجزاء الباقية، هذا إذا كان الواجب مركباً من جزأين أو أزيد وكان كل جزء أجنبياً عن غيره وجوداً وفي عرض الآخر.

وأما إذا كان الواجب مركباً من الفعل الخارجي وقصد أمره الضمني، كالتكبيرة مثلاً إذا افترضنا أنّ الشارع أمر بها مع قصد أمرها الضمني، فلا إشكال في تحقق الواجب بكلا جزأيه وسقوط أمره إذا أتى المكلف به بقصد أمره كذلك، أما الفعل الخارجي،فواضح لفرض أنّ المكلف أتى ب-ه ب-ق-ص-د الامتثال، وأمّا قصد الأمر فأيضاً كذلك، لأنّ تحققه وسقوط أمره لا يحتاج إلى قصد امتثاله، لفرض أنه توصلي.

وبكلمة أخرى : أن الواجب في مثل الفرض مركب من جزء خارجي وجزء ذهني وهو قصد الأمر، وقد تقدّم أنّ الأمر المتعلق بالمركب ينحل إلى الأم--ر بكل جزء جزء منه، وعليه فكل من الجزء الخارجي والجزء الذهني متعلق للأمر الضمني، غايته أنّ الأمر الضمني المتعلق بالجزء الخارجي تعبدي فيحتاج سقوطه إلى قصد امتثاله، والأمر الضمني المتعلق بالجزء الذهني توصلي فلا يحتاج سقوطه إلى قصد امتثاله، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى قد سبق أنّه لا محذور في أن يكون الواجب مركباً من جزء تعبدي وجزء توصلي.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّه لا مانع من أن يكون مثل : الصلاة أو ما شاكلها مركباً من هذه الأجزاء الخارجية مع قصد أمرها الضمني، وعليه فبطبيعة الحال الأمر المتعلق بها ينحل إلى الأمر بتلك الأجزاء وبقصد أمرها كذلك، فيكون كل منها متعلقاً لأمر،ضمني، فعندئذ إذا أتى المكلف بها بقصد أمرها الضمني فقد تحقق الواجب وسقط. وقد عرفت أنّ الأمر الضمني المتعلق بقصد الأمر توصلي فلا يتوقف سقوطه على الاتيان به بقصد امتثال أمره.

ومن هنا يفترق هذا الجزء وهو قصد الأمر عن غيره من الأجزاء الخارجية،

فانّ قصد الأمر الضمني في المقام محقق لتمامية المركب فلا حالة منتظرة له بعد ذلك، وهذا بخلاف غيره من الأجزاء الخارجية فانّه لا يمكن الاتيان بجزء بقصد أمره إلا مع قصد الاتيان ببقية أجزاء المركب أيضاً بداعي امتثال أمره. مثلاً لا يمكن الاتيان بالتكبيرة بقصد أمرها إلا مع قصد الاتيان ببقية أجزاء الصلاة أيضاً بداعي امتثال أمرها، وإلا لكان الاتيان بها كذلك تشريعاً محرماً، لفرض عدم الأمر بها إلّا مرتبطة ببقية الأجزاء ثبوتاً وسقوطاً.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ توهم استحالة أخذ قصد الأمر في متعلقه يقوم على أساس أحد أمرين :

الأوّل : أخذ الأمر مفروض الوجود في مقام الجعل والانشاء، ولك-ن ق-د تقدّم نقده بشكل موسّع.

الثاني : أن يكون المأخوذ في متعلقه قصد الأمر الاستقلالي، بمعنى أن يكون الواجب مركباً من الفعل الخارجي وقصد الأمر كذلك، وهذا غير معقول، وذلك لأنّ الفعل الخارجي مع فرض كونه جزء الواجب لا يعقل له الأمر الاستقلالي، ليكون الأمر متعلقاً به مع قصد ذاك الأمر له، ضرورة أنّ الأمر المتعلق به في هذا الفرض لا يمكن إلا الأمر الضمني، ففرض الأمر الاستقلالي له خلف، يعني يلزم من فرض تركب الواجب عدمه. ولكن قد عرفت ممّا ذكرناه أنّه لا واقع موضوعي لهذا التوهم أصلاً، حيث إنّ المأخوذ في متعلقه على ما بيناه هو قصد الأمر الضمني المتعلق به، ولا مانع من أن يكون الواجب مركباً منها، غاية ما يمكن أن يقال إنّ لازم ذلك هو أن يكون أحد الأمرين الضمنيين متأخراً عن الآخر رتبة، فانّ الأمر الضمني المتعلق بالفعل المزبور مقدّم رتب--ةً عن الأمر الضمني المتعلق بقصده، وهذا لا محذور فيه أصلاً ب-ع-د الق-ول بالانحلال.

وعلى ضوء هذا الأساس يظهر اندفاع جميع الوجوه المتقدمة :

أما الوجه الأوّل: فهو يبتني على أن يكون المأخوذ في متعلق الأمر ه-و قصد الأمر الاستقلالي، وأما إذا كان المأخوذ فيه هو قصد الأمر الضمني كما هو الصحيح فلا يلزم المحذور المزبور، وذلك لأنّ قصد الأمر الضمني في كل جزء إنّما هو متأخر عن هذا الجزء لا عن جميع الأجزاء والشرائط، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى قد تقدّم في مبحث الصحيح والأعم (1)أنّه لا مانع من أن يكون الواجب مركباً من جزأين طوليين، ومن لحاظها شيئاً واحداً وجعلهما متعلقاً لأمر واحد، وما نحن فيه من هذا القبيل. فالنتيجة أن هذا الوجه ساقط على ضوء ما قدمناه.

وأما الوجه الثاني : فهو أيضاً يقوم على أساس أن يكون المأخوذ في متعلق الأمر كالصلاة مثلاً هو قصد الأمر النفسي الاستقلالي، فعندئذ لا يتمكن المكلف من الاتيان بها واجدة لتمام الأجزاء والشرائط منها قصد الأمر الاستقلالي إلا تشريعاً حيث لا أمر بها كذلك لفرض أنها جزء الواجب والأمر المتعلق بالجزء لا يعقل أن يكون أمراً استقلالياً وإلّا لزم الخلف، بل لابد أن يكون أمراً ضمنياً. وأما إذا افترضنا أنّ المأخوذ فيه هو قصد الأمر الضمني فلا يلزم ذلك المحذور، لتمكن المكلف وقتئذ من الاتيان بالصلاة مع قصد أمرها الضمني، وبذلك يتحقق المركب بكلا جزأيه.

وبكلمة أخرى : أنّ المكلف وإن لم يتمكن من الاتيان بها بداعي أمرها قبل إنشائه وفي،ظرفه، إلّا أنّه متمكن منه كذلك في ظرف الامتثال، وقد أشرنا أنّ المعتبر في باب التكاليف إنما هو القدرة على امتثالها في هذا الظرف دون ظرف


1) في ص 157.

الانشاء، فلو افترضنا أنّ المكلف غير متمكن في ظرف الانشاء، ولكنّه متمكن في ظرف الامتثال صح تكليفه.

فالنتيجة : أنّ التشريع يقوم على أساس أن يكون المأخوذ في المتعلق ه-و داعوية الأمر النفسي الاستقلالي. وعدم القدرة يقوم على أساس أن يكون المعتبر هو القدرة على متعلقات الأحكام من حين الأمر، وقد عرفت أنه لا واقع موضوعي لكلا الأمرين فإذن لا يلزم من أخذه في المتعلق [شيء ] من المحذورين المزبورين كما هو واضح.

وأما الوجه الثالث : فلأنه أيضاً مبتن على أن يكون المأخوذ في المتعلق هو قصد الأمر النفسي الاستقلالي، فعندئذ بطبيعة الحال يلزم من فرض وجوده عدمه، وذلك لأن معنى أخذ داعوية الأمر بالصلاة في متعلقه أن الصلاة

هو جزء الواجب، فإذا كانت جزء الواجب فلا محالة الأمر المتعلق بها ضمني لا استقلالي، فإذن يلزم من وجوده عدمه وهو محال، ولكن قد عرفت أن المأخوذ فيه إنما هو قصد الأمر الضمني، وعليه فلا موضوع لهذا الوجه كما هو واضح.

وأما الوجه الرابع : فلأنّه يقوم على أساس أن يكون ما أخذ داعويته في متعلق الأمر كالصلاة مثلاً عين ما يدعو إليه، فعندئذ بطبيعة الحال يلزم داعوية الأمر لداعوية نفسه.

ولكن قد ظهر من ضوء ما حققناه أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ المأخوذ المتعلق إنما هو داعوية الأمر الضمني، وما يدعو إلى داعويته إنما هو أمر ضمني آخر، ومن الطبيعي أنّه لا مانع من أن يكون أحد أمرين متعلقاً لأمر آخر ويدعو إلى داعويته، بداهة أنّه لا يلزم من ذلك داعوية الأمر لداعوية نفسه، بيان ذلك: أنّ الأمر المتعلق بالصلاة مثلاً مع داعوية أمرها الضمني بطبيعة الحال ينحل ذلك الأمر إلى أمرين ضمنيين: أحدهما متعلق بذات الصلاة. والآخر متعلق

بداعوية هذا الأمر، يعني الأمر المتعلق بذات الصلاة، ولا محذور في أن يكون الأمر الضمني يدعو إلى داعوية الأمر الضمني الآخر، كما أنه لا مانع من أن يكون الأمر النفسي الاستقلالي يدعو إلى داعوية الأمر النفسي الآخر كذلك. نعم، لو كان المأخوذ فيه الأمر النفسي الاستقلالي لزم داعوية الأمر لداعوية نفسه.

قد انتهينا في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة : وهي أنه لا محذور في أخذ داعوية الأمر الضمني في متعلق الأمر النفسي الاستقلالي.

لا من ناحية التشريع لابتنائه على عدم الأمر بذات الفعل الخارجي كالصلاة مثلاً، ولكن قد عرفت خلافه وأنّ الأمر الاستقلالي بها وإن كان منتفياً إلّا أنّ الأمر الضمني موجود.

ولا من ناحية عدم القدرة لابتنائه على اعتبار القدرة على متعلقات التكاليف من حين الأمر وقد عرفت نقده. ولا من ناحية الخلف، لابتنائه على أن يكون المأخوذ فيه داعوية الأمر الاستقلالي ولكن قد سبق خلافه. ولا من ناحية داعوية الأمر لداعوية نفسه، لابتنائه على أن يكون الأمر المتعلق بالصلاة مع داعوية أمرها عين ذلك الأمر، ولكن قد مر خلافه وأنّ الأمر المتعلق بالمجموع حيث إنّه ينحل إلى أمرين ضمنيين فلا مانع من أن يكون أحد الأمرين متعلقاً للآخر، ولا يلزم من ذلك المحذور المذكور.

وإن شئت قلت : إنّ هذا المركب يمتاز عن بقية المركبات في نقطتين :

الأولى : أنّ الاتيان بجزء في بقية المركبات لا يمكن بداعي أمره الضمني إلا في ضمن الاتيان بالمجموع وإلا لكان تشريعاً محرماً. وأما الاتيان به في هذا المركب بقصد أمره الضمني فلا مانع منه، بل هو موجب لسقوط الأمر عنه، لفرض أنّ المركب تحقق به بكلا جزأيه، ولا يتوقف تحقق جزئه الآخر - وهو قصد الأمر - على قصد امتثال أمره، لما عرفت من أنّ الأمر المتعلق به توصلي

ولا معنى لكونه تعبدياً.

الثانية : أنّ الأوامر الضمنية في بقية المركبات أوامر عرضية فلا يكون شيء منها في طول الآخر، وأما في هذا المركب فهي أوامر طولية، فانّ الأمر الضمني المتعلق بذات الصلاة مثلاً في مرتبة متقدمة بالاضافة إلى الأمر الضمني المتعلق به، وهو في طوله وفي مرتبة متأخرة عنه، ولذا جعله داعياً إلى الصلاة.

وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أنّه لا مانع من أخذ قصد الأمر في متعلقه في مقام الثبوت. وأمّا في مقام الاثبات فان كان هنا دليل يدلّنا على أخذه فيه فهو وإلا فمقتضى الاطلاق عدم أخذه وكون الواجب توصلياً.

فالنتيجة في نهاية الشوط : عدم تمامية الدعوى الأولى وهي استحالة تقييد الواجب بقصد أمره.

وأما الدعوى الثانية : وهي أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، فالكلام فيها يقع في موردين :

الأوّل : أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد هل هو من تقابل العدم والملكة أو من تقابل التضاد ؟

الكلام في التقابل بين الاطلاق والتقييد

الثاني : على فرض أنّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فهل استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق أم لا ؟

أمّا المورد الأوّل: فقد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أن التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، وفرّع على ذلك أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق وبالعكس. ومن هنا فرّق (قدس سره) بين الحالات والانقسامات


1) أجود التقريرات 1: 156.

الأولية التي تعرض على الموضوع أو المتعلق، وبين الحالات والانقسامات الثانوية التي تعرض عليه بملاحظة تعلّق الحكم به وقال : إنّ الاطلاق والتقييد إنما يتصوران بالاضافة إلى الانقسامات والقيود الأولية، ولا يتصوران بالاضافة إلى الانقسامات والقيود الثانوية، حيث إنّ التقييد بها مستحيل، فإذا استحال التقييد استحال الاطلاق أيضاً. ومن تلك القيود الثانوية قصد الأمر، وحيث إنّ تقييد الواجب به مستحيل فاطلاقه كذلك.

ولكن الصحيح هو التفصيل بين مقامي الاثبات والثبوت.

أما في مقام الاثبات، فلا ينبغي الشك فى أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، وذلك لأنّ الاطلاق في هذا المقام عبارة عن عدم التقييد بالاضافة إلى ما هو قابل له، كما إذا فرض أنّ المتكلم في مقام البيان وهو متمكن من الاتيان بالقيد ومع ذلك لم يأت به فعندئذ تحقق إطلاق لكلامه، ومن الطبيعي أنّ مردّ هذا الاطلاق ليس إلا إلى عدم بيان المتكلم القيد فالاطلاق في هذا المقام ليس أمراً وجودياً، بل هو أمر عدمي.

وهذا بخلاف التقييد، فانّه أمر وجودي وعبارة عن خصوصية زائدة في الموضوع أو المتعلق. وعلى الجملة : فالمتكلم إذا كان في مقام البيان فان نصب قرينةً على اعتبار خصوصية زائدة فيه فلا إطلاق لكلامه من هذه الناحية، وإن لم ينصب قرينةً على اعتبارها فله إطلاق ولا مانع من التمسك به ومنه يستكشف الاطلاق في مقام الثبوت، ومن الواضح أنّ الاطلاق بهذا المعنى أمر عدمي، كما أنّ التقييد المقابل له أمر وجودي.

فالنتيجة : أنّ استحالة التقييد في هذا المقام تستلزم استحالة الاطلاق وبالعكس.

وأما في مقام الثبوت، فالصحيح أنّ المقابلة بينهما مقابلة الضدين لا العدم والملكة، وذلك لأنّ الاطلاق في هذا المقام عبارة عن رفض القيود والخصوصيات ولحاظ عدم دخل شيء منها في الموضوع أو المتعلق، والتقييد عبارة عن لحاظ دخل خصوصية من الخصوصيات في الموضوع أو المتعلق، ومن الطبيعي أنّ كلاً من الاطلاق والتقييد بهذا المعنى أمر وجودي.

بيان ذلك : أن الخصوصيات والانقسامات الطارئة على الموضوع أو المتعلق سواء أكانت تلك الخصوصيات من الخصوصيات النوعية أو الصنفية أو الشخصية - فلا تخلو من أن يكون لها دخل في الحكم والغرض أو لا يكون لها دخل فيه أصلاً ولا ثالث لهما، فعلى الأوّل بطبيعة الحال يتصور المولى الموضوع مع تلك الخصوصية التي لها دخل فيه، وهذا هو معنى التقييد. وعلى أو المتعلق مع الثاني فلا محالة يتصور الموضوع أو المتعلق لحاظ عدم خصوصية من هذه الخصوصيات ورفضها تماماً، وهذا هو معنى الاطلاق، ومن الطبيعي أن النسبة بين اللحاظ الأوّل واللحاظ الثاني نسبة التضاد، فلا يمكن اجتماعهما في شيء واحد من جهة واحدة.

وإن شئت فقل : إنّ الغرض لا يخلو من أن يقوم بالطبيعي الجامع بين كافّة خصوصياته، أو يقوم بحصة خاصة منه ولا ثالث بينهما، فعلى الأوّل لا بد من لحاظه على نحو الاطلاق والسريان رافضاً عنه جميع القيود والخصوصيات الطارئة عليه أثناء وجوده وتخصصه. وعلى الثاني لا بدّ من لحاظ تلك الحصة الخاصّة ولا يعقل لهما ثالث، فانّ مردّ الثالث - وهو لحاظه بلا رفض الخصوصيات وبلا لحاظ خصوصية خاصة - إلى الاهمال في الواقعيات، ومن الطبيعي أنّ الاهمال فيها من المولى الملتفت مستحيل، وعليه فالموضوع أو المتعلق في الواقع إما مطلق أو مقيّد، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنّ الاطلاق والتقييد على ضوء هذا البيان أمران وجوديان، فإذن بطبيعة الحال كانت العلاقة بينهما علاقة الضدين.

وأما المورد الثاني : وهو ما إذا سلّمنا أنّ المقابلة بين الاطلاق والتقييد مقابلة العدم والملكة لا الضدّين، وافترضنا أنّ التقييد في محل الكلام مستحيل لتمامية الوجوه المتقدمة أو بعضها، فهل تستلزم استحالة التقييد استحالة الاطلاق أم لا؟ قولان

قد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)القول الأوّل بدعوى أن لازم كون التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، اعتبار كون المورد قابلاً للتقييد، فما لم يكن قابلاً له لم يكن قابلاً للاطلاق أيضاً.

ولكن الصحيح هو أنّ استحالة التقييد بشيء في مرحلة الثبوت تستلزم ضرورة الاطلاق فيها أو ضرورة التقييد بخلافه. فلنا دعويان:

الأولى : بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره).

الثانية : صحّة ما قلناه.

أمّا الدعوى الأولى : فهي خاطئة نقضاً وحلاً.

أمّا نقضاً فبعدة موارد :

منها : أن الانسان جاهل بحقيقة ذات الواجب تعالى ولا يتمكن من الاحاطة بكنه ذاته سبحانه حتّى نبينا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وذلك لاستحالة إحاطة الممكن بالواجب، فإذا كان علم الانسان بذاته تعالى مستحيلاً لكان جهله بها ضرورياً مع أنّ التقابل بين الجهل والعلم من تقابل العدم والملكة، فلو كانت


1) أجود التقريرات 1: 156.

استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر لزم استحالة الجهل في مفروض المقام، مع أنه ضروري وجداناً.

ومنها : أنّ الانسان يستحيل أن يكون قادراً على الطيران في السماء مع أنّ عجزه عنه ضروري وليس بمستحيل، فلو كانت استحالة أحد المتقابلين بتقابل العدم والملكة تستلزم استحالة الآخر لكانت استحالة القدرة في مفروض المثال تستلزم استحالة العجز، مع أنّ الأمر ليس كذلك.

ومنها: أن كل أحد يستطيع مثلاً حفظ صفحة أو أكثر من أي كتاب شاء وأراد، ولكنّه لا يستطيع حفظ جميع الكتب بشتى أنواعها وفنونها، بل لا يستطيع حفظ مجلدات البحار مثلاً،أجمع وهذا لا يستلزم خروجه عن القابلية بتاتاً، وأنه لا يستطيع حفظ صفحة واحدة أيضاً ببيان أنّ استحالة أحد المتقابلين بتقابل العدم والملكة تستلزم استحالة الآخر، بداهة أن استطاعته لحفظ صفحة واحدة ضرورية.

وأمّا حلاً: فلأنّ قابلية المحل المعتبرة في التقابل المذكور لا يلزم أن تكون شخصية في جزئيات مواردها، بل يجوز أن تكون صنفية أو نوعية أو جنسية، ومن هنا ذكر الفلاسفة (1)أنّ القابلية المعتبرة بين الأعدام والملكات ليست القابلية الشخصية بخصوصها في كل مورد، بل الأعم منها ومن القابلية الصنفية والنوعية والجنسية حسب اختلاف الموارد والمقامات، فلا يعتبر في صدق العدم المقابل للملكة على موردٍ أن يكون ذلك المورد بخصوصه قابلاً للاتصاف بالوجود أي الملكة، بل كما يكفي ذلك يكفي في صدقه عليه أن يكون صنف هذا الفرد أو نوعه أو جنسه قابلاً للاتصاف بالوجود وإن لم يكن شخص هذا الفرد


1) الأسفار 2: 116.

قابلاً للاتصاف به.

ويتضح ذلك ببيان الأمثلة المتقدمة، فانّ الانسان قابل للاتصاف بالعلم والمعرفة، ولكن قد يستحيل اتصافه به في خصوص مورد لأجل خصوصية فيه، وذلك كالعلم بذات الواجب تعالى حيث يستحيل اتصاف الانسان به مع أنّ صدق العدم - وهو الجهل - عليه ضروري، ومن الطبيعي أنّ هذا ليس إلا من ناحية أنّ القابلية المعتبرة في الأعدام والملكات ليست خصوص القابلية الشخصية.

وكذلك الحال في المثال الثاني، فانّ اتصاف الانسان بالعجز عن الطيران إلى السماء بلحاظ قابليته في نفسه للاتصاف بالقدرة، لا بلحاظ إمكان اتصافه بها في خصوص هذا المورد، وقد عرفت أنه يكفي في صدق العدم القابلية النوعية، وهي موجودة في مفروض المثال.

وهكذا الحال في المثال الثالث، فانّ استطاعة كل أحد لحفظ صفحة أو أكثر وعدم استطاعته لحفظ جميع مجلدات البحار مثلاً لا يوجب خروجه عن القابلية النوعية أو الجنسية.

وقد تحصل من ذلك بوضوح : أنّه لا يعتبر في صدق العدم المقابل للملكة على مورد قابلية ذلك المورد بشخصه للاتصاف بتلك الملكة، بل يكفي في ذلك قابلية صنفه أو نوعه أو جنسه للاتصاف بها.

فالنتيجة : أنه لا ملازمة بين الأعدام والملكات في الامكان والاستحالة.

ولعل ما أوقع شيخنا الأستاذ (قدس سره) في هذا الوهم ما هو المشهور في الالسنّة من اعتبار قابلية المحل للوجود في التقابل المزبور، ومن هنا لا يصح إطلاق العمى على الجدار مثلاً لعدم كونه قابلاً للاتصاف بالبصر، وكذا لا يصح إطلاق الجاهل أو العاجز عليه لعدم القابلية الشخصية في تمام جزئيات

مواردها.

ولكن قد عرفت خلافه. وأمّا عدم صحّة الاطلاق في هذه الأمثلة من ناحية فقدان القابلية بتمام أشكالها.

وأمّا الدعوى الثانية : وهى أنّ استحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق أو ضرورة التقييد بخلافه، فلأنّ الاهمال في الواقعيات مستحيل، وذلك لأنّ الغرض الداعي إلى جعل الحكم واعتباره لا يخلو من أن يقوم بالطبيعي الجامع بين خصوصياته من دون مدخلية شيء منها فيه، أو يقوم بحصة خاصة منه ولا ثالث لهما، فعلى الأوّل لا محالة يلاحظه المولى في مقام جعل الحكم واعتباره على نحو الاطلاق. وعلى الثاني لا محالة يلاحظ تلك الحصة الخاصّة منه فحسب، وعلى كلا التقديرين فالاهمال في الواقع غير معقول فالحكم على الأوّل مطلق، وعلى الثاني مقيّد.

ولا فرق في ذلك بين الانقسامات الأولية والثانوية، بداهة أنّ المولى الملتفت إلى انقسام الصلاة مع قصد الأمر وبدونه خارجاً وفي الواقع، بطبيعة الحال إمّا أن يعتبرها في ذمّة المكلف على نحو الاطلاق، أو يعتبرها مقيدةً بقصد الأمر أو مقيّدةً بعدم قصده، ولا يتصور،رابع، لأنّ مردّ الرابع إلى الاهمال بالاضافة إلى هذه الخصوصيات وهو غير معقول، كيف حيث إنّ مرجعه إلى عدم علم المولى بمتعلق حكمه أو موضوعه من حيث السعة والضيق وتردّده في ذلك، ومن الطبيعي أنّ تردّده فيه يستلزم تردّده في نفس حكمه وهو من الحاكم غير معقول، وعندئذ إذا افترضنا استحالة تقييدها بقصد الأمر فبطبيعة الحال تعيّن أحد الأمرين الآخرين هما : الاطلاق أو التقييد بخلافه، وإذا فرضنا أن التقييد بخلافه أيضاً مستحيل كما هو كذلك، حيث إنّ الغرض من الأمر هو كونه داعياً فلا معنی لتقييد المأمور به بعدم كونه داعياً، فلا محالة يتعيّن الاطلاق.

وعلى الجملة : فلازم ما أفاده (قدس سره) - من أن استحالة التقييد في مورد تستلزم استحالة الاطلاق فيه - إهمال الواقع وأنه لا يكون مقيداً به ولا يكون مطلقاً، وقد عرفت أن مرجع هذا إلى عدم علم الحاكم بحدود موضوع حكمه أو متعلقه من حيث السعة والضيق وهو غير معقول، وعليه حيث استحال تقييد المأمور به كالصلاة مثلاً بقصد الأمر على مختاره (قدس سره) للوجوه المتقدمة من ناحية، واستحال تقييده بعدم قصده من ناحية أخرى حيث إنه على خلاف الغرض من الأمر، فالاطلاق ضروري يعني أنّ المأمور به هو الطبيعي الجامع بلا دخل لقصد الأمر فيه وجوداً وعدماً.

ولا فرق في ذلك بين قيود الموضوع وقيود المتعلق، وكذا لا فرق بين القيودات الأوّلية والقيودات الثانوية، ضرورة أنّ الاهمال كما لا يعقل بالاضافة إلى القيودات الأولية كذلك لا يعقل بالاضافة إلى القيودات الثانوية، فانّ الحكم المجعول من قبل المولى الملتفت إلى تلك القيودات لا يخلو من أن يكون مطلقاً باطلاق موضوعه أو متعلقه بالاضافة إليها يعني لا دخل لشيء منها فيه، أو يكون مقيداً بها ولا ثالث في البين، وعليه فإذا افترضنا استحالة التقييد بقيدٍ فلا محالة أحد الأمرين ضروري : إما الاطلاق أو التقييد ب-غ-يره، لاستحالة الاهمال في الواقع.

وإلى ذلك أشار شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) بقوله: من أنه إذا استحال التقييد وجب الاطلاق (1).

نعم، الاهمال في مقام الاثبات والدلالة أمر معقول، وذلك لأن المولى إذا كان في مقام البيان فان نصب قرينةً على التقييد دلّ كلامه على ذلك، وإن لم


1) مطارح الأنظار : 60.

ينصب قرينةً على ذلك دلّ على الاطلاق. وأما إذا لم يكن في مقام البيان وكان في مقام الاهمال والاجمال، إما لأجل مصلحة فيه أو لوجود مانع، لم يدل كلامه لا على الاطلاق ولا على التقييد وأصبح مهملاً، فلا يمكن التمسك به.

ولعل من هذا القبيل قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) (1)فانّ الآية الكريمة تشير إلى وجوب القصر عند تحقق الضرب في الأرض، ولكنّها أهملت التعرض لمقدار الضرب وتحديده بحدوده الخاصّة، فتكون مهملةً من هذه الناحية فلا يمكن التمسك باطلاقها. وأمثلة ذلك كثيرة في الآيات والروايات إلّا أنّ الاطلاق والتقييد في مقام الاثبات خارج عن محل البحث هنا، حيث إنّه في الاطلاق والتقييد في مرحلة الثبوت والواقع كما عرفت.

وقد تحصل من ذلك عدّة نقاط :

الأولى : أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل الضدين لا العدم والملكة كما اختاره شيخنا الأستاذ (قدس سره).

الثانية : أننا لو افترضنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة لا التضاد، إلا أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق خاطئ، وذلك لأنها تقوم على أساس اعتبار القابلية الشخصية في العدم والملكة، ولكن قد عرفت أنّ القابلية المعتبرة أعم من أن تكون شخصية أو صنفية أو نوعية أو جنسية.

الثالثة : أنّ استحالة التقييد بشيء تستلزم ضرورة الاطلاق أو التقييد بغيره، لاستحالة الاهمال في الواقع. هذا تمام الكلام في إمكان أخذ قصد الأمر


1) النساء 4: 101.

في متعلقه وعدم امکانه.

الكلام في أخذ بقية الدواعي في الواجب

يبق الكلام في بقية الدواعي القربية كقصد المحبوبية أو قصد المصلحة أو الاتيان بالعبادة بداعى أنّ اللّه سبحانه وتعالى أهلاً لها، أو غير ذلك، فهل يمكن اعتبار تلك الدواعي في متعلق الأمر أم لا؟ وعلى تقدير الامكان فهل يجوز التمسك بالاطلاق لاثبات عدم اعتبارها أو لا يجوز؟

فالبحث هنا يقع في مقامين :

الأوّل: في إمكان أخذها في متعلق الأمر وعدم إمكانه.

الثاني : في جواز التمسك بالاطلاق وعدم جوازه.

أما المقام الأوّل: فذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)إلى أنّ أخذ تلك الدواعي في متعلق الأمر وإن كان بمكان من الامكان، إلّا أنا نعلم قطعاً بعدم أخذها في العبادات، وذلك لأنّ تلك الدواعي لو كانت مأخوذة في متعلق الأمر لم تصح العبادة بدون قصدها وإن كان قاصداً لامتثال الأمر، مع أنه لا شبهة في صحتها إذا أتي بها بداعي أمرها من دون الالتفات إلى أح---د هذه الدواعي فضلاً عن قصدها، وهذا كاشف قطعي عن عدم اعتبارها. فالنتيجة أنّ الدواعي القربية بكافة أصنافها لم تؤخذ في متعلق الأمر، غاية الأمر عدم أخذ بعضها من ناحية الاستحالة، وبعضها الآخر من ناحية وجود القطع الخارجي.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) وذلك لأنّ ما ذكره من صحّة العبادة مع قصد أمرها وبدون قصد تلك الدواعي لا يكشف إلا ع-ن ع-دم اعتبارها بالخصوص. وأمّا اعتبار الجامع بين الجميع وهو إضافة العمل إلي-ه


1) كفاية الأصول : 74.

تعالى فهو بمكان من الامكان. ولا دليل فيما ذكره (قدس سره) على عدم اعتباره فلعل صحّة العبادة المأتي بها بداعي أمرها إنّماهي من ناحية تحقق الجامع القربي به.

بكلمة واضحة : أننا لو افترضنا أنّ تقييد العبادة بقصد الأمر مستحيل، وافترضنا أيضاً اليقين الخارجي بعدم تقييدها ببقية الدواعي القربية أيضاً، ولكنه لا مانع من تقييدها بالجامع لا من الناحية الأولى لما عرفت من أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، ولا مانع من تعلّق التكليف به، وعليه فعدم إمكان تقييد العبادة بخصوص قصد الأمر لا يستلزم عدم إمكان تقييدها بالجامع بينه وبين غيره من الدواعي، لعدم الملازمة بينهما أصلاً، ولا من الناحية الثانية، لعدم القطع الخارجي بعدم اعتباره أيضاً. فإذن لا مانع من أخذ الجامع القربي بين هذه الدواعي في العبادة.

وتوهم أن لازم ذلك هو أن يكون الاتيان بذات الصلاة مثلاً بداعي أمرها تشريعاً ومحرّماً، لفرض أنّ الأمر قد تعلّق بها مع قصد ذلك الجامع ولا يتعلّق بذات الصلاة وحدها، مع أنه لا شبهة في صحّة الاتيان بها بداعي أمرها، ومن الطبيعي أنّ ذلك يكشف عن تعلّق الأمر بذاتها لا بها مع قصد التقرب، وعليه فكيف يحتمل أخذ الجامع القربي فيها خاطئ جداً لما تقدم بشكل موسّع في ضمن البحوث السابقة (1)من أنّ الاتيان بالعبادة بداعي أمرها لا يستدعي تعلّق الأمر النفسي الاستقلالي بذاتها، بل يمكن الاتيان بها بداعي أمرها الضمني، والمفروض أنّ الأمر الضمني موجود.

فإذن لا تشريع في البين أصلاً. ولشيخنا الأستاذ (قدس سره) في المقام كلام : وهو أن الدواعي القربية حيث


1) في ص 523.

كانت بأجمعها في عرض واحد، وأنّ الجامع بين الجميع هو كون العمل اللّه تعالى كما يستفاد من قوله (عليه السلام) : «وكان عمله بنيّة صالحة يقصد بها ربّه»(1)فلا يمكن أخذها في المأمور به، وذلك لأنّ الداعي أيّاً منها فرض فهو في مرتبة سابقة على الارادة المحرّكة للعمل، فإذا كان كذلك استحال كونه في عرض العمل الصادر عن الارادة التكوينية، فانّ المفروض سبقه على الارادة حيث إنّ الارادة تنبعث منه، والعمل متأخر عن الارادة على الفرض، فإذا لم يمكن وقوع الداعي في حيّز الارادة التكوينية فلا يمكن وقوعه في حيّز الارادة التشريعية أيضاً، بداهة أنّ متعلق الارادة التشريعية هو بعينه ما يوجده العبد في الخارج وتتعلق به إرادته التكوينية، فلو لم يمكن تعلّق الارادة التكوينية بشيء لم يمكن تعلّق الارادة التشريعية به أيضاً.

أو فقل : إن الداعي حيث كان علّةً لحدوث الارادة التكوينية في نفس المكلف كان مقدّماً عليها رتبةً وهي متأخرة عنه كذلك، فلو افترضنا أنّ الارادة تتعلق به لزم كونها مقدمةً عليه،رتبة، ومردّ هذا إلى تقدّم الشيء على نفس-ه وه-و محال، فإذا لم يمكن أخذ كل واحد من تلك الدواعي في المأمور به لم يمكن أخذ الجامع بينها فيه بعين البيان المذكور (2).

ولنأخذ بالمناقشة عليه أوّلاً بالنقض. وثانياً بالحل.

أمّا الأوّل : فلو تم ما أفاده (قدس سره) من عدم إمكان تعلّق الارادة التشريعية والتكوينية بداع من الدواعي القربية، لكان ذلك موجباً لعدم إمكان تعلقهما به بمتمم الجعل وبالأمر الثاني أيضاً، مع أنه (قدس سره) قد التزم بامكان أخذه بالأمر الثاني، والسبب في ذلك : هو ما عرفت من أن الداعي


1) الكافي 3 : 3/268 (بتفاوت).

2) أجود التقريرات 1: 163.

عبارة عما تنبعث الارادة منه في نفس المكلف للقيام بالعمل، وعليه فبطبيعة الحال تكون الارادة متأخرةً عنه. فإذن كيف يعقل أن تتعلق الارادة ب-ه ك-ما تتعلق بالفعل الخارجي، ومن الواضح أنّه لا فرق في استحالة أخذه في متعلق الارادة بين أن يكون بالأمر الأوّل أو بالأمر الثاني.

وأما الثاني : فلأنّ ما أفاده (قدس سره) إنما يتم في الارادة الشخصية، حيث إنها لا يعقل أن تتعلق بما تنبعث منه بداهة استحالة تعلّق الارادة الناشئة عن داع بذلك الداعي، لتأخرها عنه رتبةً فكيف تتقدم عليه كذلك.

أو فقل : إنّ هذه الارادة معلولة لذلك الداعي فكيف يعقل أن تتقدم عليه وتتعلّق به. وأمّا تعلّق فرد آخر من الارادة به غير الفرد الناشئ منه فلا استحالة فيه أصلاً. وما نحن فيه من هذا القبيل، وذلك لأنّ الواجب فيه مركب على الفرض من فعل خارجي كالصلاة مثلاً وفعل نفساني كأحد الدواعي القربية، حيث إنّه فعل اختياري للنفس يصدر منها باختيارها وإرادتها وبلا واسطة إحدى قواها كقصد الاقامة وما شاكله، وقد تقدّم تفصيل ذلك بصورة موسّعة في ضمن البحوث السابقة (1)هذا من ناحية.

ناحية أخرى : قد ذكرنا سابقاً بشكل مفصل (2)أنّ الملاك في كون ومن الفعل اختيارياً، ما كان مسبوقاً باعمال القدرة والاختيار، سواء أكان من الأفعال الخارجية أم كان من الأفعال النفسانية.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّ الاختيار المتعلق بالفعل الخارجي كالصلاة مثلاً غير الاختيار المتعلق بالفعل النفساني، فانّ تعدد الفعل بطبيعة الحال يستلزم تعدّد الاختيار وإعمال القدرة فلا يعقل تعلّق اختيار واحد


1) في ص 523.

2) في ص 403.

بهما معاً. فإذن لا يلزم المحذور المتقدم حيث إنّ الاختيار المتعلق بالفعل الخارجي هو الناشئ عن الفعل النفساني يعني أحد الدواعي القربية، والاختيار المتعلق به غير ذلك الاختيار ولم ينشأ منه.

وأما ما أفاده (قدس سره) من أنّ الارادة التشريعية تتعلّق بما يوجده العبد وتتعلّق به إرادته التكوينية فيرد عليه ما ذكرناه سابقاً (1): من أنه لا معنى للارادة التشريعية في مقابل الارادة التكوينية إلا أن يكون المراد من الارادة التشريعية الأمر الصادر من المولى المتعلق بفعل المكلف، ولكن على هذا الفرض فالارادة التشريعية في المقام واحدة دون الارادة التكوينية، وذلك لأن وحدة الارادة التشريعية وتعددها تتبع وحدة الغرض وتعدده، وحيث إنّ الغرض في المقام واحد قائم بالمجموع المركب منهما، لفرض كون الواجب ارتباطياً، فبطبيعة الحال الارادة التشريعية المتعلقة به أيضاً واحدة.

وقد تحصل من ذلك : أنّه لا مانع من أخذ الجامع بين جميع الدواعي القربية في متعلق الأمر وإن قلنا باستحالة أخذ خصوص قصد الأمر فيه، كما أنه لا مانع من أخذ بقية الدواعي القربية فيه.

قد يقال كما قيل (2): إذا افترض استحالة أخذ قصد الأمر في متعلقه من ناحية، واليقين بعدم أخذ غيره من الدواعي القربية فيه من ناحية أخرى، فبطبيعة الحال كان عدم أخذ الجامع بين جميع هذه الدواعي أيضاً متيقناً، لفرض أنّه لا يعمّ غيرها.

وإن شئت فقل : إن أخذ خصوص قصد الأمر فى متعلقه حيث إنّه مستحيل فلا معنی لأخذ الجامع بينه وبين غيره من الدواعي القربية فيه، وعندئذ فلو


1) في ص 482.

2) نهاية الأفكار :1 : 188 (مع اختلاف يسير).

كان الجامع مأخوذاً فلابد أن يكون الجامع بين بقية الدواعي، وه-و غ-ير مأخوذ قطعاً وإلا لم تكن العبادة صحيحةً بدون أحد تلك الدواعي وإن كانت مع قصد الأمر.

والجواب عنه يظهر ممّا حققناه سابقاً (1)وحاصله : هو أن الاطلاق عبارة عن رفض القيود وملاحظة عدم دخل شيء من الخصوصيات ف-ي-ه م-ن الخصوصيات النوعية أو الصنفية أو الشخصية، وليس عبارة عن الجمع بين القيود والخصوصيات. وعلى هذا فلا مانع من أخذ الجامع بين جميع الدواعي هذه القربية في العبادات، ولا يستلزم عدم اعتبار كل واحد من تلك الدواعي فيها عدم أخذ الجامع، وذلك لأن معنى أخذ الجامع ليس أخذ خصوص قصد الأمر وقصد المحبوبية وقصد الملاك ونحو ذلك من الدواعي في المتعلق ليلزم المحذور السابق، لما عرفت من يقوم على أساس أن يكون معنى الاطلاق هو الجمع بين القيود ولحاظ دخل الجميع فيه، ولكن قد عرفت خطأ هذا التفسير، بل معناه لحاظ عدم دخل شيء منها فيه، ومن الطبيعي أنه لا محذور في ذلك، فانّ المحذور إنما هو في أخذ خصوص قصد الأمر لا في عدم أخذه،وهكذا.

ومن هنا قلنا إنه لو أمكن للمكلف إيجاد المطلق المعرى عنه جميع الخصوصيات فقد حصل الغرض وامتثل الأمر. مثلاً ففي مثل قولنا : اعتق رقبةً، الذي لاحظ المولى طبيعي الرقبة من دون ملاحظة خصوصية من الخصوصيات فيها، لو تمكن المكلف من إيجاد عتق الرقبة خالياً عن تمام الخصوصيات لامتثل الأمر.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّه لا مانع من أخذ خصوص قصد الأمر


1) في ص 530.

في المتعلق. وعلى تقدير تسليم المانع منه فلا مانع من أخذ الجامع القربي فيه، بداهة أنّ ما ذكر من المحاذير لا يلزم شيء منها على تقدير أخذه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الدواعي القربية بكافة أصنافها في عرض واح---د فليس واحد منها في طول الآخر، فانّ المعتبر في العبادة هو الاتيان بها بقصد التقرب إلى المولى، وهو يتحقق باضافة الفعل إليه حيث لا واقع له م-ا ع-دا ذلك، ومن المعلوم أنّ الاضافة جامعة بين جميع أنحاء قصد القربة، ومن ذلك يظهر أنّ كل واحد من الدواعي القربية غير مأخوذ في متعلق الأمر، والمأخوذ إنما هو الجامع بين الجميع، ومن ثمة لو أتى المكلف بالعبادة بأي داع من تلك الدواعي لكانت صحيحة، ولا خصوصية لواحد منها بالاضافة إلى الآخر أصلاً.

ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ أخذ الجامع القربي في متعلق الأمر أيضاً مستحيل، ولكن للمولى التوصل إلى غرضه في الواجبات العبادية بأخذ ما يلازم قصد الأمر فيها، بيان ذلك : أنّ كل عمل صادر عن الفاعل المختار لا بدّ أن يكون صدوره عن داع من الدواعي التي تدعو المكلف نحو العمل وتبعث نحوه، ومن الواضح أنّ الداعي لا يخلو من أن يكون داعياً نفسانياً أو يكون داعياً إلهياً فلا ثالث لهما. وعليه فلو أخذ المولى في متعلق أمره عدم إتيانه بداعٍ نفساني فقد وصل به إلى غرضه، حيث إنّ هذا العنوان العدمي ملازم لاتيان الفعل المأمور به مضافاً به إلى المولى مثلاً لو أمر بالصلاة مقيدةً بعدم إتيانها بداع من الدواعي النفسانية، فقد أخذ في متعلق أمره عنواناً عدمياً ملازماً لاتيان الصلاة بداع إلهي، وبهذه الطريقة يتمكن المولى أن يتوصل إلى غرضه.

ولكن قد أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بأنه لو فرض محالاً انفكاك العمل العبادي المعنون بالعنوان المذكور عن الدواعي الإلهية وبالعكس،


1) أجود التقريرات 1: 166.

لزم كون العبادة صحيحةً على الأوّل وباطلةً على الثاني، وهذا ممّا لا يعقل أن يلتزم به فقیه قطعاً، بداهة صحّة العبادة مع قصد القربة وإن لم يتحقق العنوان المزبور، وعدم تعقل صحتها بدونه وإن تحقق ذلك العنوان.

وغير خفي أنّ غرض المولى من أخذ ذلك العنوان الملازم في العبادات إنما هو التوصل به إلى غرضه خارجاً، وحيث إنّ عدم الاتيان بالعبادة بداع نفساني في الخارج ملازم للاتيان بها بداع إلهي ولا ينفك أحدهما عن الآخر خارجاً، فلا مانع من اعتباره فيها توصلاً إلى مقصوده، وأمّا فرض الانفكاك محالاً فلا أثر له أصلاً حيث إنّه لا يخرج عن مجرد الفرض من دون واقع موضوعي له، والأثر إنما هو للانفكاك خارجاً وهو غير متحقق.

ولو تنزلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا بأن التقييد كما لا يمكن بداعي الأمر، ولا بالجامع بينه وبين غيره، كذلك لا يمكن بما يكون ملازماً له، ولكن مع ذلك يمكن للمولى التوصل إلى مقصوده إذا تعلّق بالعمل مع قصد القربة بالإخبار عن ذلك بجملة خبرية بعد الأمر به أوّلاً كقوله : تجب الصلاة مع قصد القربة، وأنّ غرضي لا يحصل من الأمر المتعلق بها إلا باتيانها بداعي الأمر أو نح--و ذلك. إلى هنا قد عرفت حال المانع عن أخذه في متعلقه بالأمر الأوّل.

ولكن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)قد اختار طريقاً آخر لتوصل المولى إلى غرضه في العبادات - بعد اعترافه بعدم إمكان أخذه فيها بالأمر الأوّل - وهو الأمر بها ثانياً بداعي أمرها الأول، ويسمى الأمر الثاني بمتمم الجعل بيان ذلك : أننا إذا افترضنا أنّ غرض المولى مترتب على الصلاة بداعي القربة، فإذا أراد المولى استيفاء غرضه وحيث لا يمكن له ذلك إلا بأمرين: أمر متعلق بذات الصلاة وأمر آخر متعلق باتيانها بقصد القربة، فلابد له من ذلك، ولا


1) أجود التقريرات 1: 173.

يمكن الاكتفاء بأمر واحد وإيكال الجزء الآخر - وهو قصد القربة - إلى حكم العقل، ضرورة أنّ شأن العقل إدراك الواقع على ما هو عليه وأنّ هذا الشيء ممّا جعله الشارع جزءاً أو شرطاً أم لم يجعله، وليس له الجعل والتشريع في قبال الشارع، وعليه فكلّ ما تعلّق به غرض المولى فلابد أن يكون اعتباره من قبله، فإذا لم يمكن ذلك بالأمر الأوّل فبالأمر الثاني، وقصد القربة من هذا القبيل فلا فرق بينه وبين غيره من الأجزاء والشرائط إلا في هذه النقطة وهى عدم إمكان اعتباره إلا بالأمر الثاني المتمم للجعل الأوّل، فلذا يكون الأمران بحكم أمر واحد.

فالنتيجة : أنّ متعلق الأمر الأوّل مهمل فلا إطلاق له ولا تقييد، فعندئذ إن دل دليل من الخارج على اعتبار قصد القربة فيه كالأمر الثاني أفاد نتيجة التقييد، وإن دلّ دليل على أنّ الجعل لا يحتاج إلى متمم أفاد نتيجة الاطلاق، ولا فرق في ذلك بين متعلق الحكم وموضوعه.

وقد أورد عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)بأن أخذ قصد القربة في متعلق الأمر كما لا يمكن بالأمر الأوّل كذلك لا يمكن بالأمر الثاني أيضاً، وذلك مضافاً إلى القطع بأنه ليس في العبادات إلّا أمر واحد، أنّ التكليف إن سقط باتيان المأمور به بالأمر الأوّل فلا يبقى مجال للأمر الثاني، لانتفائه بانتفاء موضوعه فلا يتمكن المولى أن يتوصل إلى غرضه بهذه الطريقة، وإن لم يسقط عندئذ فبطبيعة الحال ليس الوجه لعدم سقوطه إلا عدم حصول غرضه بذلك من أمره، وبدونه لا يعقل سقوطه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى تعدد الأمر، لاستقلال العقل بلزوم تحصيل غرضه وهو لا يمكن إلا باتيان العمل مع قصد القربة.


1) كفاية الأصول : 74.

والجواب عنه : أنّنا نلتزم بعدم سقوط الأمر الأوّل إذا أتى المكلف به من دون قصد القربة مع وجود الأمر الثاني من المولى باتيانه بداعي الأمر الأوّل، وبسقوطه باتيانه كذلك مع فرض عدم وجود الأمر الثاني به، فإذن لا يكون الأمر الثاني لغواً، وذلك لأن المولى إذا أمر ثانياً باتيان شيء بداعي أمره الأوّل، كشف ذلك عن أن الغرض منه خاص وهو لا يحصل إلا باتيانه بداعي القربة ويعبّر عن ذلك بنتيجة التقييد، وإذا لم يأمر ثانياً باتيانه كذلك كشف ذلك عن أنّ المأمور به بالأمر الأوّل وافٍ بالغرض وأنّه يحصل بتحققه في الخارج ولو كان غير مقرون بقصد القربة.

الذي يرد على ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) ما تقدّم منا في ضمن البحوث السالفة (1)من أنّ الاهمال في الواقعيات غير معقول، فالحكم المجعول من المولى لا يخلو من أن يكون مطلقاً في الواقع أو مقيداً ولا يعقل لهما ثالث، ولكن لو تنزلنا عن جميع ما ذكرناه سابقاً وسلّمنا أن استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، فلا مناص من الالتزام بمقالته (قدس سره) وأنّ الحكم بالجعل الأوّل مهمل فلابد من نتيجة التقييد أو نتيجة الاطلاق.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنه لا مانع من أخذ قصد الأمر في متعلقه، وعلى تقدير تسليم استحالته فلا مانع من أخذ الجامع ب-ي-ن-ه وبين بقية الدواعي فيه، كما أنّه لا مانع من أخذ بقية الدواعي. وعلى تقدير تسليم استحالته أيضاً فلا مانع من أخذ العنوان الملازم لعنوان قصد الأمر في متعلقه، وعلى تقدير تسليم استحالته أيضاً فلا مانع من بيان ذلك بجملة خبرية، أو بالأمر الثاني.


1) في ص 534.

وعلى ضوء هذا الأساس لو شككنا في اعتبار قصد القربة في عمل فلا مانع من التمسك بالاطلاق لنفي اعتباره، وذلك لأنه لو كان معتبراً ودخيلاً في الغرض لكان على المولى البيان ولو بجملة خبرية أو بالأمر الثاني فإذا لم يبيّن علم بعدم اعتباره. فالنتيجة : أنّ مقتضى الاطلاق وكون المولى في مقام البيان هو أن الواجب توصلي، فالتعبدية تحتاج إلى دليل وبيان.

القول بأن مقتضى الأصل اللفظي هو التعبدية

ولكن ذهب جماعة إلى أن مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في تعبّدية واجب وتوصليته هو كونه تعبدياً، فالتوصلية تحتاج إلى دليل وبيان زائ--د واستدلوا على ذلك بعدة وجوه:

الأوّل : لا شبهة في أنّ الغرض من الأمر هو إيجاد الداعي للمكلف نحو الفعل أو الترك، حيث إنّه فعل اختياري للمولى، ومن الطبيعي أنّ الفعل الاختياري لا يصدر من الفاعل المختار إلا بداع من الدواعي، والداعي من الأمر إنما ه-و تحريك المكلف نحو الفعل المأمور به وبعثه إليه بايجاد الداعي في نفسه ليصدر الفعل منه خارجاً.

أو فقل: إنّ المكلف قبل ورود الأمر من المولى بشيء كان مخيّراً بين فعله وتركه فلا داعي له لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وإذا ورد الأمر من المولى به متوجهاً إليه صار داعياً له إلى فعله، حيث إنّ الغرض منه ذلك أي كونه داعياً، وعليه فإن أتى المكلف به بداعي أمره فقد حصل الغرض منه وسقط الأمر، وإلا فلا. فإذا كان الأمر كذلك فبطبيعة الحال يستقل العقل بلزوم الاتيان بالمأمور به بداعي الأمر تحصيلاً للغرض، وهذا معنى أنّ الأصل في كل واجب ثبت في الشريعة المقدّسة هو كونه تعبدياً إلّا أن يقوم دليل من الخارج على توصليته.

ولنأخذ بالنقد عليه :

أمّا أوّلاً: فلأن الغرض من الأمر يستحيل أن يكون داعويته إلى إيجاد المأمور به في الخارج ومحركيته نحوه ضرورة أنّ ما هو غرض منه لابد أن يكون مترتباً عليه دائماً في الخارج ولا يتخلف عنه، ومن الطبيعي أن وجود المأمور به في الخارج فضلاً عن كون الأمر داعياً إليه ربّما يكون وربّما لا يكون، وعليه فكيف يمكن أن يقال : إنّ الغرض من الأمر إنما هو جعل الداعي إلى المأمور به، فإذن لا مناص من القول بكون الغرض من الأمر هو إمكان داعويته نحو الفعل المأمور به على تقدير وصوله إلى المكلف وعلمه به، وهذا لا يتخلف عن طبيعي الأمر فلا معنى عندئذ لوجوب تحصيله على المكلف، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ هذا الغرض مشترك فيه بين الواجبات التعبدية والتوصلية فلا فرق بينهما من هذه الناحية وأجنبي عن التعبدية بالمعنى المبحوث عنه في المقام.

وأما ثانياً : فلو سلّمنا أنّ غرض المولى من أمره ذلك، إلا أنه لا يجب على العبد،تحصيله، ضرورة أنّ الواجب عليه بحكم العقل إنما هو تحصيل غرضه المترتب على وجود المأمور به في الخارج دون غرضه المترتب على أمره على أنه طريق محض إلى ما هو الغرض من المأمور به فلا موضوعية له في مقابله أصلاً كي يجب تحصيله. وقد عرفت أنّ العقل إنما يحكم بوجوب الات-ي-ان بالمأمور به خارجاً وإطاعة ما تعلّق به الأمر وتحصيل غرضه دون غيره. وعلى هذا حيث إنّ المأمور به مطلق وغير مقيد بداعي القربة فلا يحكم العقل إلا بوجوب إتيانه كذلك.

وأضف إليه : أنّ هذا الغرض لا يكون نقطة امتياز بين التعبديات والتوصليات، لاشتراكهما فيه وعدم الفرق بينهما في ذلك أصلاً.

فالنتيجة : أنّ هذا الغرض أجنبي عن اعتبار قصد القربة في متعلق الأمر، فإذن لا يبقى مجال للاستدلال بهذا الوجه على أصالة التعبدية.

والحاصل أنّ هذا الوجه خاطئ بحسب الصغرى والكبرى فلاواقع موضوعي له.

الثاني : بعدّة من الروايات منها قوله (عليه السلام): «إنما الأعمال بالنيات»(1)وقوله (عليه السلام): «لكل امرئ ما نوى» (2)ببيان أن كل عمل إذا خلا عن نية التقرب فلا عمل ولا أثر له إلّا أن يقوم دليل من الخارج على وجود أثر له، وعليه فمقتضى هذه الرواية هو أنّ كل عمل ورد الأمر به في الشريعة المقدّسة لزم الاتيان به بنية التقرب إلّا ما قام الدليل على عدم اعتباره، وهذا معنى أصالة التعبدية في الواجبات.

ولنأخذ بالمناقشة عليه : وهي أنّ هذه الروايات لا تدل بوجه على اعتبار نية القربة في كل فعل من الأفعال الواجبة في الشريعة المقدّسة إلّا ما قام الدليل على عدم اعتباره، وذلك لأنّ مفادها هو أنّ الغاية القصوى من الأعمال الواجبة لا تترتب عليها إلا مع النيات الحسنة لا بدونها، فإذا أتى المكلف بعمل ف-ان قصد به وجه اللّه تعالى تترتب عليه المثوبة، وإن لم يقصد به وجه اللّه سبحانه بل قصد به أمراً دنيوياً ترتب عليه ذلك الأمر الدنيوي دون الثواب.

ولا يكون مفادها فساد العمل وعدم سقوط الأمر، فلو جاء المكلف بدفن الميت مثلاً، فان أراد به وجه اللّه تعالى أثيب عليه، وإلا فلا وإن سقط الأمر عنه بذلك وفرغت ذمته.


1) الوسائل 1: 48 / أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 10.

2) الوسائل 1: 48 / أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 10.

وقد صرّح بذلك في بعض هذه الروايات كقوله (عليه السلام): «إنّ المجاهد إن جاهد اللّه تعالى فالعمل له تعالى، وإن جاهد لطلب المال والدنيا فله ما نوى» (1). وإليه أشار أيضاً قوله تعالى (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) (2).

والحاصل : أنّ الروايات ناظرة إلى أنّه يصل لكل عامل من الأجر حسب ما نواه من الدنيوي أو الأخروي.

وبكلمة أخرى : الكلام تارةً يقع في ترتب الثواب على الواجب وعدم ترتبه عليه. وأخرى يقع في صحته وفساده. وهذه الروايات ناظرة إلى المورد الأوّل، وأن ترتب الثواب على الأعمال الواجبة منوط باتيانها لوجه اللّه تعالى، بداهة أنه لو لم يأت بها بهذا الوجه فلا معنى لاستحقاقه الثواب. وليس لها نظر إلى المورد الثاني أصلاً، وكلامنا في المقام إنما هو في هذا المورد وأنّ قصد القربة هل هو معتبر في صحّة كل واجب إلّا ما خرج بالدليل أم لا، وتلك الروايات لا تدل على ذلك.

هذا، مضافاً إلى أنّها لو كانت ظاهرة فى ذلك فلا بد من رفع الي--د ع-ن ظهورها وحملها على ما ذكرناه، وذلك للزوم تخصيص الأكثر وهو مستهجن، حيث إنّ أكثر الواجبات في الشريعة الاسلامية واجبات توصلية لا يعتبر فيها قصد القربة، فالواجبات التعبدية قليلة جداً بالاضافة إليها، ومن الواضح أنّ تخصيص الأكثر مستهجن فلا يمكن ارتكابه.


1) الوسائل 1 : 48 / أبواب مقدّمة العبادات ب 5 ح 10 (نقل بالمضمون).

2) آل عمران 3: 145.

فالنتيجة : أنّ هذه الروايات ولو بضمائم خارجية ناظرة إلى أنّ الغاية القصوى من الواجبات الإلهية - وهو وصول الانسان إلى درجة راقية من الكمالات واستحقاقه لدخول الجنّة وحور العين وما شاكل ذلك - لا تترتب إلّا باتيانها خالصةً لوجه اللّه تعالى، وليست ناظرةً إلى اعتبارها في الصحّة وعدم استحقاق العقاب.

الثالث : بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)ببيان أن الآية الكريمة واضحة الدلالة على حصر الأوامر الصادرة منه (سبحانه وتعالى) بالأوامر العبادية، وتدل على لزوم الاتيان بمتعلقاتها عبادةً وخالصةً وهي نيّة القربة. أو فقل: إنّ الآية تدل على حصر الواجبات الإلهية بالعبادات، وعليه فان قام دليل خاص على كون الواجب توصلياً فهو، وإلّا فالمتبع هو عموم الآية، وهذا معنى كون الأصل في الواجبات التعبدية، فالتوصلية تحتاج إلى دليل.

وفيه : أنّ الاستدلال بظاهر هذه الآية الكريمة وإن كان أولى من الاستدلال بالروايات المتقدمة، إلا أنه لا يمكن الالتزام بهذا الظاهر، وذلك من ناحية وجود قرينة داخلية وخارجية.

أما القرينة الداخلية : فهي ورودها في سياق قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (2)حيث يستفاد من هذا أنّ اللّه (عزّ وجلّ) في مقام حصر العبادة بعبادة اللّه تعالى، وليس في


1) البينة 98: 5.

2) البينة 198.

مقام حصر أنّ كل أمر ورد في الشريعة المقدّسة عبادي إلا فيما قام الدليل على الخلاف، فالآية في مقام تعيين المعبود وقصر العبادة عليه ردّاً على الكفار والمشركين الذين عبدوا الأصنام والأوثان وغير ذلك حيث لا سلطان ولا بينة لهم على ذلك، فلو طلب منهم البينة فقالوا : إنّا وجدنا آباءنا على ذلك، لا في مقام بيان حال الأوامر وأنها عبادية. فالنتيجة أنّ الآية المباركة بقرينة صدرها في مقام حصر العبادة بعبادته تعالى لا بصدد حصر الواجبات بالواجبات العبادية. فحاصل معنى الآية هو أنّ اللّه تعالى إذا أمر بعبادة أمر بعبادة له لا لغيره، وهذا المعنى أجنبي عن المدعى.

وأما القرينة الخارجية : فهي لزوم تخصيص الأكثر، حيث إن أغلب الواجبات في الشريعة المقدسة توصلية، والواجبات التعبدية قليلة جداً بالنسبة إليها، وحيث إنّ تخصيص الأكثر مستهجن فهو قرينة على عدم إرادة ما هو ظاهرها.

وقد تحصل من جميع ما ذكرناه : أن مقتضى الأصل اللفظي في موارد الشك في التعبدية والتوصلية هو التوصلية، فالتعبدية تحتاج إلى دليل خاص.

مقتضى الأصل العملي في المقام

أما المقام الثاني : فالكلام فيه يقع في مقتضى الأصل العملي عند الشك في التعبدية والتوصلية إذا لم يكن أصل لفظي، وهو يختلف باختلاف الآراء والنظريات في المسألة.

أما على نظريتنا من إمكان أخذ قصد الأمر في متعلقه، فحال هذا القيد حال سائر الأجزاء والشرائط، وقد ذكرنا في مسألة دوران الأمر بين الأقل

والأكثر الارتباطيين (1)أنّ المرجع عند الشك في اعتبار شيء في المأمور به جزءاً أو شرطاً هو أصالة البراءة، وما نحن فيه كذلك حيث إنّه من صغريات تلك الكبرى، وعليه فإذا شكّ في تقييد واجب بقصد القربة لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه، فالأصل العملي على ضوء نظريتنا كالأصل اللفظي عند الشك فى التعبدية والتوصلية فلا فرق بينهما من هذه الناحية.

وكذلك الحال على نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) لوضوح أنه لا فرق في جريان البراءة بين أن يكون مأخوذاً في العبادات بالأمر الأوّل أو بالأمر الثاني، إذ على كلا التقديرين فالشك في اعتباره يرجع إلى الشك في تقييد زائد، وبذلك يدخل في كبرى تلك المسألة، ومختاره (قدس سره) فيها ه-و أصالة البراءة.

وأما على ضوء نظرية المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(2)فالمرجع هو قاعدة الاشتغال دون البراءة، والسبب في ذلك : هو أن أخذ قصد القربة في متعلق الأمر شرعاً حيث إنّه لا يمكن لا بالأمر الأوّل ولا بالأمر الثاني، فبطبيعة الحال يكون اعتباره بحكم العقل من جهة دخله في غرض المولى، وعليه فمتى شكّ في تحققه فالمرجع هو الاشتغال دون البراءة النقلية والعقلية.

ولا يخفى أنّ ما ذكره (قدس سره) هنا يشترك مع ما ذكره (قدس سره) في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين (3)في نقطة ويفترق عنه في نقطة أخرى.


1) مصباح الأصول 2: 494 وما بعدها.

2) كفاية الأصول : 75.

3) كفاية الأصول : 363.

أمّا نقطة الاشتراك، وهي أنّ العقل كما يستقل بوجوب تحصيل الغرض هناك عند الشك فى حصوله كذلك يستقل بوجوب تحصيله هنا ومن ثمة قد التزم (قدس سره) هناك بعدم جريان البراءة العقلية كما في المقام. فالنتيجة : أنّ حكمه (قدس سره) بلزوم تحصيل الغرض هنا يقوم على أساس ما بنى عليه في تلك المسألة من استقلال العقل بذلك عند الشك في حصوله.

وأمّا نقطة الافتراق، وهي أنه (قدس سره) قد التزم بجريان البراءة الشرعية هناك ولم يلتزم بجريانها في المقام، والوجه في ذلك : هو أن المكلف عند الشك في اعتبار شيء في العبادة كالصلاة مثلاً كما يعلم إجمالاً بوجود تکلیف مردد بين تعلّقه تعلقه بالأقل أو بالأكثر، كذلك يعلم إجمالاً بوجود غرض مردد بين بهذا أو ذاك، وحيث إنّ هذا العلم الاجمالي لا ينحل إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فبطبيعة الحال مقتضاه وجوب الاحتياط - وهو الاتيان بالأكثر - ومعه لا تجري أصالة البراءة العقلية.

وأمّا البراءة الشرعية فلا مانع من جريانها، وذلك لأن مقتضى أدلة البراءة الشرعية هو رفع الشك عن التقييد الزائد المشكوك فيه، فلو شككنا في جزئية السورة مثلاً للصلاة فلا مانع من الرجوع إليها لرفع جزئيتها، وإذا ضممنا ذلك إلى ما علمناه إجمالاً من الأجزاء والشرائط ثبت الاطلاق ظاهراً - وهو وجوب الأقل - والسر في جريان البراءة الشرعية هناك وعدم جريانها هنا واضح، وهو أنّ البراءة الشرعية إنما تجري فيما يكون قابلاً للوضع والرفع شرعاً..وأمّا ما لا يكون كذلك فلا تجري فيه، وحيث إنّ الأجزاء والشرائط قابلتان للجعل فلا مانع من جريان البراءة الشرعية فيهما عند الشك في اعتبارهما، وهذا بخلاف قصد القربة حيث إن جعله شرعاً غير ممكن لا جزءاً ولا شرطاً، لا بالأمر الأوّل ولا بالأمر الثاني، فبطبيعة الحال لا تجري البراءة فيه عند الشك في اعتباره ودخله

في الغرض.

فما ذكره (قدس سره) من التفرقة بين مسألتنا هذه ومسألة الأقل والأكثر الارتباطيين متين على ضوء نظريته (قدس سره) فيهما، وأما إذا منعنا عنها في كلتا المسألتين أو في إحداهما لم يتم ما أفاده (قدس سره) وحيث إنها ممنوعة وخاطئة في كلتا المسألتين فلا مناص من الالتزام بعدم التفرقة بينهما.

أما في هذه المسألة فلما عرفت من أنّه لا مانع من أخذ قصد القربة في متعلق الأمر، فحاله حال بقية الأجزاء والشرائط من هذه الناحية.

وأمّا في تلك المسألة فلما حققناه هناك (1)من أنه على فرض تسليم حكم العقل بالاشتغال فيها والاتيان بالأكثر فلا مجال لجريان البراءة الشرعية أيضاً، والسبب في ذلك هو أنها لا تثبت ترتب الغرض على الأقل إلا على الق--ول بالأصل المثبت، حيث إنّ لازم نفي الوجوب عن الأكثر هو وجوب الأق-ل ووفاؤه بالغرض، ومن المعلوم أن أصالة البراءة لا تثبت هذا اللازم.

نعم، لو كان الدليل على نفي وجوب الأكثر هو الأمارة ثبت وجوب الأقل ووفاؤه بالغرض باعتبار أن لوازمها حجة.

وإن شئت فقل : إنّ هناك علمين إجماليين : أحدهما متعلق بالتكليف، والآخر متعلق بالغرض، وجريان البراءة عن التكليف الزائد المشكوك لا يثبت ترتب الغرض على الأقل بناءً على ما هو الصحيح من عدم حجية الأصل المثبت، وبدونه لا أثر لها. ومن هنا قلنا في تلك المسألة بالملازمة بين البراءة الشرعية والعقلية في الجريان وعدمه فلا وجه للتفكيك بينهما أصلاً.


1) مصباح الأصول 2: 509.

وحيث قد اخترنا هناك جريان البراءة شرعاً وعقلاً فلا مانع من الالتزام بجريان البراءة العقلية هنا دون الشرعية بناءً على ضوء نظريته (قدس سره) من استحالة أخذ قصد الأمر في متعلقه، وذلك لأنّ الواجب بحكم العقل إنما هو تحصيل الغرض الواصل إلى المكلف لا مطلقاً، ومن الطبيعي أنّ المقدار الواصل منه هو ترتبه على الأقل دون الزائد على هذا المقدار، فاذن بطبيعة الحال كان العقاب على تركه عقاباً بلا بيان وهو قبيح بحكم العقل. فالنتيجة أنه لا وجه للتفرقة بين المسألتين في البراءة والاحتياط أصلاً.

والتحقيق في المقام أن يقال : إنّه لا مانع من جريان أصالة البراءة العقلية والشرعية في كلتا المسألتين، وذلك لما فصلناه هناك(1)بشكل موسع وملخصه : هو أنّ الغرض لا يزيد على أصل التكليف، فكما أن التكليف ما لم يصل إلى المكلف لا يحكم العقل بتنجزه ووجوب موافقته وقبح مخالفته وغير ذلك، فكذلك الغرض فانّه ما لم يصل إليه لا يحكم العقل بوجوب تحصيله واستحقاق العقاب على مخالفته، بداهة أنّ العقل إنما يستقل بلزوم تحصيله بالمقدار الواصل إلى المكلف الثابت بالدليل. وأما الزائد عليه فلا يحكم بوجوب تحصيله، لأنّ تركه غير مستند إلى العبد ليصح عقابه عليه، بل هو مستند إلى المولى، فإذن العقاب على تركه عقاب من دون بيان وهو قبيح عقلاً.

وإن شئت قلت: إنّ منشأ حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض إنم-ا ه-و إدراكه استحقاق العقاب على ترك تحصيله، ومن الطبيعي أن إدراكه هذا إنما هو في مورد قيام البيان عليه. وأما فيما لم يقم لم يدركه، بل يدرك قبحه، لأنه من العقاب بلا بيان وعليه فلا مانع من جريان البراءة العقلية في موارد الشك في


1) مصباح الأصول 2: 507.

الغرض وعدم وصوله إلى المكلف، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى قد ذكرنا هناك أنّ التفكيك بين أجزاء مركب واح---د كالصلاة مثلاً بحسب الحكم لا يمكن لا في مرحلة الثبوت ولا في مرحلة السقوط، بداهة أنه لا معنی لأن يكون بعض أجزائه واجباً دون الباقي، كما أنه لا معنى لسقوط التكليف عن بعضها دون بعضها الآخر، والسر في ذلك : هو أن التكليف المتعلق بالمجموع المركب حيث إنّه تكليف واحد فلا يعقل التفكيك فيه بحسب أجزائه، وهذا معنى ارتباطية أجزاء الواجب الواحد.

ولكن مع ذلك قد ذكرنا في محلّه (1)أنه لا مانع من التفكيك بينها في مرحلة التنجيز، والوجه فيه هو أنّ التنجيز متفرع على وصول التكليف، وعليه فبطبيعة الحال فقد تنجز التكليف بالمقدار الواصل إلى المكلف دون الزائد عليه، وبما أنّ فيما نحن فيه التكليف المتعلق بالمركب كالصلاة مثلاً قد وصل بالاضافة إلى عدّة من أجزائه كالتكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليمة، فلا محالة تنجز بالاضافة إليها فلا يجوز له تركها. وأما بالاضافة إلى جزئية السورة مثلاً حيث إنه لم يصل فلا يكون منجزاً ولو كانت جزئيتها ثابتةً في الواقع، فإذن لا عقاب على تركها، لأنّه من العقاب بلا،بيان وهذا هو معنى التفكيك بينها بحسب مرتبة التنجز.

وعلى الجملة : فلا واقع لتنجز التكليف ما عدا إدراك العقل استحقاق العقوبة على مخالفته واستحقاق المثوبة على موافقته وحيث إنه فرع وصوله إلى المكلف فلا مانع من التفكيك فيه بحسبه وإن لم يمكن بحسب الواقع. مثلاً التكليف المتعلق بالصلاة المشتملة على الأجزاء المزبورة قد وصل إلى المكلف وعلم به


1) مصباح الأصول 2: 501.

فلا يجوز له بحكم العقل مخالفته. وأما التكليف المتعلق بها المشتملة على السورة زائداً عليها حيث إنّه لم يصل فلا يحكم العقل بعدم جواز مخالفته.

فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه هي أنّه لا مانع من جريان البراءة العقلية والشرعية في كلتا المسألتين على أساس نظريتنا في هذه المسألة وهي إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر وأنّ حاله من هذه الناحية حال بقية الأجزاء والشرائط فلا تفرقة بينهما أصلاً، بل على هذا تكون مسألتنا هذه من صغريات تلك المسألة.

ومن ذلك يظهر أنه لا مانع من جريان البراءة العقلية هنا على مسلكه (قدس سره) أيضاً، وذلك للملازمة بين وصول التكليف ووصول الغرض وبالعكس، وحيث إنّ التكليف لم يصل إلّا بالمقدار المتعلق بالأقل دون الزائد عليه فكذلك الغرض فإذن لا مانع من الرجوع إلى حكم العقل بقبح العقاب على تركه، أي ترك قصد القربة.

ودعوى أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجري في المقام لعدم إمكان البيان من قبل الشارع خاطئة جداً، وذلك لأنّ البيان بمعنى أخذ قصد القربة في متعلق الأمر وإن كان لا يمكن على مذهبه وأمّا البيان بمعنى أنه دخيل في غرضه ولو بجملة خبرية من دون أخذه في متعلق أمره فهو بمكان من الامكان، وعليه فنقول : لو كان قصد القربة دخيلاً في غرض المولى فعليه بيانه، وحيث إنه لم يبين مع أنه كان في مقام بيان تمام ما له دخل في غرضه، علم من ذلك عدم دخله فيه، فإذن بطبيعة الحال كان العقاب على تركه من العقاب بلا بيان

نعم، تفترق هذه المسألة عن تلك المسألة على مسلكه (قدس سره) في نقطة واحدة، وهي جريان البراءة الشرعية هناك وعدم جريانها هنا باعتبار أنّ قصد القربة غير مجعول شرعاً فليس حاله من هذه الناحية حال بقية الأجزاء

والشرائط، ومن المعلوم أنّ البراءة الشرعية لا تجري إلا فيما هو مجعول من قبل الشارع.

وقد استطعنا أن نخرج في نهاية المطاف بهذه النتيجة : وهي أن مقتضى الأصل اللفظي والعملي في المسألة هو التوصلية، فالتعبدية تحتاج إلى دليل.

هذا آخر ما أردنا بيانه في التعبدي والتوصلي.

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

تمهید...

أقسام القواعد الأصولية...1

تعريف علم الأصول...4

موضوع العلم وعوارضه الذاتية وتمايز العلوم...13

الاشارة إلى قاعدة الواحد لا يصدر إلا من واحد...14

موضوع علم الأصول...27

الوضع

منشأ الوضع...33

تعيين الواضع...35

حقيقة الوضع...40

مسلك التعهد...48

أقسام الوضع...53

المعنى الحرفي...58

القول باتحاد المعنى الاسمى والحرفي...59

القول بعلامية الحروف...64

القول بمباينة المعنى الاسمي للحرفي...65

مسلك إخطارية المعنى الاسمي وإيجادية المعنى الحرفي...65

القول بأنّ المعاني الحرفية نسب وروابط...74

القول بوضع الحروف والأدوات للأعراض النسبية...80

المختار في المعنى الحرفي...83

كون الوضع في الحروف عاماً والموضوع له خاصاً...91

الانشاء والاخبار...92

أسماء الاشارة والضمائر...100

استعمال اللفظ في المعنى المجازي...102

إطلاق اللفظ على اللفظ...105

أقسام الدلالة...115

وضع المركبات...123

الوضع الشخصي والنوعي...125

علامات الحقيقة والمجاز...128

1 - التبادر...128

2 - عدم صحّة السلب...130

الاطراد...137

تعارض الأحوال...141

الحقيقة الشرعية...141

ثمرة البحث...141

إمكان الوضع التعييني بالاستعمال...143

ثبوت الحقيقة الشرعية...145

الصحيح والأعم...152

جريان النزاع على القول بعدم الحقيقة الشرعية...152

معنى «الصحيح» في محل النزاع...153

دخول الأجزاء والشرائط في محل النزاع...156

لزوم تصوير الجامع على القولين...158

المقام الأوّل : في العبادات...159

نقد كلام المحقق النائيني في المقام...159

تصوير الجامع على الصحيح...163

کلام صاحب الكفاية في المقام...163

كلام المحقق العراقي...171

كلام المحقق الاصفهاني...172

تبصرة: في كيفية تأثير الصلاة في الانتهاء عن الفحساء...176

تصوير الجامع على الأعم...178

1 - تصوير المحقق القمي للجامع...178

تذييل: في أركان الصلاة...186

2 - تصوير المشهور للجامع...189

3 - تصویر آخر للجامع...191

ثمرة البحث...193

المقام الثاني : في المعاملات...209

التمسك باطلاق المعاملات على القولين...210

التفصيل بين وضع أسامي المعاملات للأسباب وبين وضعها للمسببات...212

جواب المحقق النائيني عن ذلك..214

تذييل : دخول أجزاء الواجب وشرائطه في محل النزاع...224

مبحث الاشتراك...226

الكلام في إمكان الاشتراك...226

منشأ الاشتراك...232

استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد...234

ما ذكره النائيني في وجه الاستحالة...234

ما ذكره صاحب الكفاية في وجه الاستحالة...236

ما هو الظاهر من اللفظ على فرض جواز الاستعمال...238

تفصیل صاحب المعالم في المقام...240

الروايات الدالة على أنّ للقرآن بطوناً...243

مبحث المشتق

تحرير محل النزاع...246

فرعان في مسألة الرضاع...250

كون النزاع في المشتق في وضع الهيئة...260

كلام المحقق النائيني في خروج بعض العناوين عن محل النزاع...261

الاشكال في دخول اسم الزمان في محل النزاع...262

خروج المصادر والأفعال عن محل النزاع...266

دلالة الفعل على الزمان...266

أقسام مواد المشتقات ومبادئها...270

دخول اسم الآلة واسم المفعول في محل النزاع...272

المراد بالحال المأخوذ في عنوان البحث...274

الأصل العملي في المسألة...276

نتائج الأبحاث إلى هنا...280

الأقوال في المسألة...282

ابتناء النزاع على البساطة والتركب...282

أدلة وضع المشتق لخصوص المتلبس...287

أدلة القول بالأعم...291

الاستدلال بقوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين)...294

ثمرة النزاع في المشتق...298

بساطة المشتق وتركبه...302

معنى البساطة والتركب...302

الاستدلال على التركب...305

ما استدل به على البساطة...307

الاستدلال على التركب بوجهين آخرين...322

كلام المحقق الاصفهاني في المقام...323

الفرق بين المشتق ومبدئه...324

النسبة بين المبدأ والذات...331

ما هو المتنازع فيه في المشتق...337

نتائج الأبحاث السابقة...338

الأوامر

المقام الأوّل: مادة الأمر...341

معنى مادة الأمر...341

المعنى الاصطلاحي للأمر الأمر...347

اعتبار العلو في معنى...350

منشأ تبادر الوجوب من لفظ الأمر...351

الطلب والارادة...352

کلام صاحب الكفاية في المقام...352

1 - نظرية الأشاعرة : الكلام النفسي...356

الاستدلال على الكلام النفسي بوجوه أخر...363

2 - نظرية الفلاسفة : إرادة اللّه ذاتية...374

3 - نظرية الأشاعرة: مسألة الجبر...385

استدلال الأشاعرة على الجبر...385

كلام أبي الحسن الأشعري ونقده...392

نظرية الجبر في إطارها الفلسفي...394

4 - نظرية المعتزلة : التفويض...422

5 - نظرية الإمامية : الأمر بين الأمرين...429

6 - نظرية العلماء: العقاب...447

المقام الثاني : صيغة الأمر...471

معنى صيغة الأمر...471

ظهور الصيغة في الوجوب...473

الجمل الفعلية التي تستعمل في مقام الانشاء...484

الواجب التعبدي والتوصلي...491

إطلاق الواجب التوصلي على معنيين...491

الشك في كون الواجب تعبدياً أو توصلياً بالمعنى الثاني...494

إذا شك في سقوط الواجب بفعل الغير...495

إذا شك في سقوط الواجب بفعل المكلف بلا اختيار...500

إذا شك في سقوط الواجب بفعله في ضمن فرد محرّم...506

الشك في التعبدية والتوصلية...509

مقتضى الأصل اللفظي في المقام...509

وجوه استحالة تقييد الواجب بقصد الأمر...509

الكلام في التقابل بين الاطلاق والتقييد...528

الكلام في أخذ بقية الدواعي في الواجب...537

القول بأن مقتضى الأصل اللفظي هو التعبدية...547

مقتضى الأصل العملي في المقام...552

فهرس الموضوعات...561 - 569

جدول الخطأ والصواب، ج 43

الصفحة / السطر / الخطأ / الصواب

80 / 3 / كشفا يقينا / كشفا يقينيا

101 / 3 / فكملة / فكلمة

124 / 8 / عمر / عمرو

26 / 11 / موجودة / موجود

171 / 11 / وجود / وجودا

293 / 3 / ذكرناه / ذكرنا

293 / 9 / التبس / التلبّس

372 / 15 / الاعتبار / الاعتباري

478 / 20 / الضيعفة / الضعيفة

488 / 20 / واحدة / أخرى

503 / 13 / التكيف / التكليف

520 / 15 / التبعدى / التعبدي