موسوعة الإمام الخوئی جلد 42

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : مباني تکمله المنهاج/ تالیف ابوالقاسم الموسوی الخوئی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (قدس سره)، 14ق.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج. 41 964-7336-17-9 : ؛ ج.42‌964-7336-18-7 :

يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد چهل و یکم، 1428ق. = 2007م.= 1386.

يادداشت : چاپ سوم.

يادداشت : ج.42 (چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1376).

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج. 41. القضاء و الحدود.- ج.42. القصاص و الدیات

موضوع : فتوا‌های شیعه -- قرن 14

فقه جعفری -- رساله عملیه

رده بندی کنگره : BP183/9/خ‌9م‌80953 1300ی الف

رده بندی دیویی : 297/3422

شماره کتابشناسی ملی : 1196161

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

تألیف

الاستاذ الأعظم سماحة آیة الله العظمی

السید أبوالقاسم الموسوي الخوئي (قدس سره)

«1317 – 1413 م»

كتاب القصاص و الدیات

المحرر رقمي : هادی میرزائی برکچای

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین

والصلاة والسلام علی سیدنا محمد وآله الطاهرین

ولعنة الله علی اعدائهم أجمعین

من الآن إلی قیام یوم الدین

مباني

تكملة المنهاج

مباني تكملة المنهاج

تألیف

الاستاذ الأعظم سماحة آیة الله العظمی

السید أبوالقاسم الموسوي الخ(قدس سره)

«1317 – 1413 م»

كتاب القصاص و الدیات

طبعي منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامیة

AL-KHOEI ISLAMIC FOUNDATION

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة

لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثاني والأربعون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره)

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98 + - 989121530367+

تاريخ الطبع: 1430 ه-، 2009 م

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

7 – 18 – 7336 – 964ISBN:

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com

www. alkhoei.net

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

أما بعد، فهذا هو الجزء الثاني من مباني تكملة المنهاج المشتمل على كتابي القصاص والديات، وقد منّ الله سبحانه وتعالى علي بالتوفيق لإنجازه وإتمامه، إنّه ولي التوفيق وله الحمد أوّلاً وآخراً.

كتاب القصاص

كتاب القصاص

كتاب القصاص

إشارة

وفيه فصول

الفصل الأول في قصاص النفس

ما یثبت به القصاص

(مسألة 1) : يثبت القصاص بقتل النفس المحترمة المكافئة عمداً وعدواناً (1)ويتحقق العمد بقصد البالغ العاقل القتل ولو بما لا يكون قاتلاً غالباً فيما إذا ترتب القتل عليه (2)، بل الأظهر تحقق العمد بقصد ما يكون قاتلاً عادةً وإن


(1) يأتي وجه جميع ذلك في شرائط القصاص إن شاء الله تعالى

(2) لتحقق قصد القتل حقيقةً، فيتحقق القتل العمدي الذي هو الموضوع للقصاص.

وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة الحلبي، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام): «العمد : كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بجديدة أو بحجر أو بعصاً أو بوكزة، فهذا كله عمد، والخطأ:

لم يكن قاصداً القتل ابتداءً (1)، وأما إذا لم يكن قاصداً القتل ولم يكن الفعل قاتلاً عادةً، كما إذا ضربه بعود خفيف أو رماه بحصاة فاتفق موته، لم يتحقق


من اعتمد شيئاً فأصاب غيره» (1).

(1) لأنّ قصد الفعل مع الالتفات إلى ترتب القتل عليه عادةً لا ينفك عن قصد القتل تبعاً.

وتدلّ عليه - مضافاً إلى ذلك - عدّة روايات :

منها : صحيحة الفضل بن عبدالملك - على رواية الصدوق - عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله ؟ «فقال : نعم» قلت : رمى شاة فأصاب إنساناً ؟ قال : ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه، عليه الدية والكفّارة » (2).

فإنها تدلّ على أن الضرب بالحديدة - الذي يترتب عليه القتل عادةً - من القتل العمدي وإن لم يقصد الضارب القتل ابتداءً، وأمّا مع قصد القتل فلا خصوصيّة للحديدة.

ومنها : صحيحة أبي العباس وزرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ العمد : أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، والخطأ، أن يتعمده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله، والخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه» (3). فإنّ التقييد بقوله (عليه السلام): «بما لا يقتله» يدلّ على أنّ الآلة إذا كانت


1) الوسائل 29: 36/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3.

2) الوسائل 29: 38/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9، الفقيه 4: 77/ 239.

3) الوسائل :40:29/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 13.

به موجب القصاص (1)

ما يتحقق به القتل العمدي

(مسألة 2) : كما يتحقق القتل العمدي فيما إذا كان فعل المكلّف علة تامة للقتل أو جزءاً أخيراً للعلّة بحيث لا ينفكّ الموت عن فعل الفاعل زماناً، كذلك يتحقق فيما إذا ترتب القتل عليه من دون أن يتوسطه فعل اختياري من شخص آخر، كما إذا رمى سهماً نحو من أراد قتله فأصابه فمات بذلك بعد مدة من الزمن، ومن هذا القبيل ما إذا خنقه بحبل ولم يرخه عنه حتى مات، أو حبسه في مكان ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات، أو نحو ذلك، فهذه الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي (1).


قتالة فليس هو من الخطأ وإن لم يقصد القتل ابتداءً.

(1) وذلك لعدم تحقق العمد في القتل ولصحيحة الفضل بن عبدالملك وصحيحة أبي العباس وزرارة المتقدّمتين، وصحيحة أُخرى لأبي العبّاس عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله «قال : هذا خطأ» ثم أخذ حصاة صغيرة فرمي بها، قلت: أرمي الشاة فأصيب رجلاً «قال : هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله» (1).

(2) لأنّ العبرة في القصاص إنما هو بتحقق القتل العمدي، وملاك العمد في القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل أو يترتب عليه الموت غالباً، وهو متحقق في جميع هذه الموارد.


1) الوسائل 29: 37 / أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 7.

لو ألقى شخصاً في النار أو البحر متعمداً فمات

(مسألة 3) : لو ألقى شخصاً في النار أو البحر متعمداً فمات، فإن كان متمكناً من الخروج ولم يخرج باختياره فلا قود ولا دية (1)، وإن لم يكن متمكناً من الخروج وإنجاء نفسه من الهلاك فعلى الملقي القصاص (2).

لو أحرق شخصاً بالنار قاصداً به قتله أو جرحه فمات

(مسألة 4) : لو أحرقه بالنار قاصداً به قتله أو جرحه كذلك فمات فعليه القصاص وإن كان متمكناً من إنجاء نفسه بالمداواة وتركها باختياره (3).

هل يثبت القصاص لو سرت الجناية العمدية وترتب عليها الموت ؟

(مسألة 5) : إذا جنى عمداً ولم تكن الجناية مما تقتل غالباً ولم يكن الجاني قد قصد بها القتل ولكن اتفق موت المجني عليه بالسراية، فالمشهور بين الأصحاب ثبوت القود، ولكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه،


(1) فإنّ الموت حينئذٍ مستند إلى نفسه لا إلى فعل الملقي، فلا يتحقق موجب القصاص ولا موجب الدية.

(2) لتحقق موضوعه وهو القتل العمدي.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، وذلك لأنّ القتل مستند إلى فعله وهو الجرح والإحراق وترك المداواة وإن كان دخيلاً في تحقق الموت إلا أن الموت لم يستند إليه، فإنّه إنما هو من آثار المقتضي والمداواة من قبيل المانع، فإذا لم يوجد - ولو اختياراً - استند الأثر إلى المقتضي، فإنّ الموجود إنما ينشأ من الموجود ويترتب عليه ولا يستند إلى أمر عدمي،، فالقتل عند عدم المداواة - يستند إلى المحرق أو الجارح دون المقتول، وذلك نظير من قتل شخصاً وكان المقتول متمكناً من الدفاع عن نفسه ولم يدفع حتى قتل، فإنّه لا يشكّ في استناد القتل إلى القاتل دون المقتول. نعم، لا شكّ في أنّ المقتول في كلتا الصورتين قد ارتكب محرّماً، لأنه لم يحفظ نفسه مع تمكنه، وهذا لا ينافي استناد القتل إلى غيره.

فيجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد (1).

حكم ما لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان فقتله

(مسألة 6): لو ألقی نفسه من شاهق على إنسان عمداً قاصداً به قتله أو كان مما يترتب عليه القتل عادةً فقتله، فعليه القود. وأما إذا لم يقصد به القتل ولم يكن مما يقتل عادةً فلا قود عليه (2). وأما إذا مات الملقي فدمه هدر على كلا التقديرين (3).


(1) وجه المشهور هو أنّهم ذهبوا إلى أنّ السراية في الجناية العمدية مضمونة وإن لم تكن مقصودة، فيثبت القصاص إذا سرت الجناية وترتب عليها الموت.

ولكنّه يندفع بأنّ ضمان الجناية إنما هو بمقدارها المقصود، وأما الزائد المترتب عليها اتفاقاً فهو إذا لم يكن مقصوداً ولا مما يترتب عليها غالباً لا يكون عمديّاً، بل هو شبيه بالعمد على ما يأتي من أنّه متقوّم بقصد الفعل المترتب عليه القتل اتفاقاً من دون قصده.

وتؤكد ما ذكرناه رواية ذريح، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل شجّ رجلاً موضحة وشجّه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل «قال: عليهما الدية في أموالهما نصفين» (1).

والرواية معتبرة على الأظهر، فإنّها تدلّ على أنّ الموت إذا ترتب على الجناية اتفاقاً فالواجب فيه الدية دون القصاص.

(2) ظهر وجه جميع ذلك مما تقدّم.

(3) لأن قتله مستند إلى نفسه.


1) الوسائل 29: 280 / أبواب موجبات الضمان ب 42 ح 1.

لو سحر شخصاً بما يترتب عليه الموت

(مسألة 7) : ليس للسحر حقيقة موضوعية، بل هو إراءة غير الواقع بصورة الواقع، ولكنّه مع ذلك لو سحر شخصاً بما يترتب عليه الموت غالباً أو كان بقصد القتل، كما لو سحره فتراءى له أنّ الأسد يحمل عليه فمات خوفاً، كان على الساحر القصاص (1).

حكم ما لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً

(مسألة 8) لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادةً، فإن علم الآكل بالحال وكان مميزاً، ومع ذلك أقدم على أكله فمات، فهو المعين على نفسه. فلا قود ولا دية على المطعم، وإن لم يعلم الأكل به أو كان غير مميّز فأكل فمات فعلى المطعم القصاص بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه (2)، بل الأظهر أنّ الأمر كذلك فيما لو جعل السم في طعام صاحب المنزل وكان السم مما يقتل عادةً فأكل صاحب المنزل جاهلاً بالحال فمات (3).


(1) فإنّ العبرة في القصاص إنّما هي باستناد القتل العمدي إليه بأحد الوجهين المتقدمين، وذلك متحقق في المقام وإن لم يكن للسحر واقع في نفس الأمر.

(2) لصدق القتل العمدي على ما عرفت وإن لم يكن القتل مقصوداً له ابتداءً.

(3) وذلك لأنه وإن لم يلجئه إلى الأكل من الطعام المسموم ولا قدمه له إلا أنّ القتل عرفاً مستند إلى فعله حقيقةً، وهذا المقدار كافٍ لتحقق موجب القصاص.

لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمداً

(مسألة 9) : لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمّداً، وكان الموت يترتب على السقوط فيها غالباً، فسقط فيها المارّ ومات، فعلى الحافر القود، بلا فرق بين قصده القتل وعدمه. نعم، لو لم يترتب الموت على السقوط فيها عادةً وسقط فيها أحد المارّة فمات اتفاقاً فعندئذ إن كان الحافر قاصداً القتل فعليه القود وإلّا فلا، وكذلك يثبت القصاص لو حفرها في طريق ليس في معرض المرور، ولكنّه دعا غيره الجاهل بالحال لسلوكه قاصداً به القتل أو كان السقوط فيها مما يقتل عادةً، فسلكه المدعو وسقط فيها فمات (1).

لو جرح شخصاً قاصداً به قتله، فداوي المجروح نفسه بدواء مسموم فمات

(مسألة 10) : إذا جرح شخصاً قاصداً به قتله، فداوی المجروح نفسه بدواء مسموم أو أقدم على عمليّة ولم تنجح فمات، فإن كان الموت مستنداً إلى فعل نفسه فلا قود ولا دية على الجارح. نعم، لولي الميت القصاص من الجاني بنسبة الجرح أو أخذ الدية منه كذلك. وإن كان مستنداً إلى الجرح فعليه القود (2).وإن كان مستنداً إليهما معاً كان لولي المقتول القود بعد ردّ نصف الدية إليه وله العفو وأخذ نصف الدية منه (3).


(1) يظهر الحال في جميع ذلك مما تقدم. (1)

(2) لما عرفت من أنّ العبرة في القصاص وعدمه إنما هي باستناد القتل العمدي إلى الجاني وعدمه.

.

(3) الوجه في ذلك : أنّ مقتضى الآية المباركة والروايات أنّ لولي المقتول ظلماً الاقتصاص، ولكن في كلّ مورد كان القصاص فيه مستلزماً لإعطاء وليّ المقتول شيئاً من الدية كان لولي المقتول المطالبة بالدية، كما إذا قتل رجل امرأة


1) .

لو ألقاه من شاهق قاصداً قتله فمات الملقی في الطريق قبل سقوطه إلى الأرض

(مسألة 11) : لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل أو كان مما يترتب عليه القتل عادةً، فمات الملقی في الطريق خوفاً قبل سقوطه إلى الأرض كان عليه القود، ومثله ما لو ألقاه في بحر قاصداً به قتله أو كان مما يترتب عليه الموت غالباً فالتقمه الحوت قبل وصوله إلى البحر (1).

لو أغرى به كلباً عقوراً أو ألقاه إلى أسد أو نحوه فمات

(مسألة 12) : لو أغرى به كلباً عقوراً قاصداً به قتله أو كان مما يترتب عليه القتل غالباً فقتله فعليه القود، وكذا الحال لو ألقاه إلى أسد كذلك وكان ممن لا يمكنه الاعتصام منه بفرار أو نحوه، وإلّا فهو المعين على نفسه فلا قود عليه ولا دية، ومثله ما لو أنهش حيّة قاتلة أو ألقاها عليه فنهشته فعليه القود، بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه (2).


فأراد وليها الاقتصاص من الرجل القاتل، أو قتل شخصان واحداً فأراد ولي المقتول الاقتصاص منهما، أو كان الأب شريكاً مع غيره في قتل ولده، أو كان القاتلان مختلفين فكان قتل أحدهما عمديّاً والآخر خطأ فأراد ولي المقتول القصاص من العامد، أو كان القاتل حيواناً وإنساناً، ونحو ذلك. ففي جميع هذه الموارد كان وليّ المقتول مخيّراً بين الاقتصاص ومطالبة الدية، ويأتي تفصيل ذلك في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.

(1) لاستناد القتل العمدي إلى فعله، ومعه لا أثر لتخلّف القصد من ناحية اختلاف الخصوصيات.

(2) ظهر وجه جميع ذلك مما تقدم.

جواز القصاص من القاتل عمداً وإن لم يكن مستقلاً في القتل

(مسألة 13) : لو جرحه بقصد القتل ثمّ عضه الأسد - مثلاً - وسرتا فمات بالسراية كان لولي المقتول قتل الجارح بعد ردّ نصف الدية إليه، كما أنّ له العفو عن القصاص ومطالبته بنصف الدية (1).

لو كتفه ثم ألقاه في أرض مسبعة فافترسته السباع

(مسألة 14) : لو كتفه ثم ألقاه في أرض مسبعة مظنة للافتراس عادةً، أو كان قاصداً به قتله فافترسه السباع، فعليه القود (2). نعم، لو ألقاه في أرض لم تكن مظنة للافتراس عادةً ولم يقصد به قتله، فافترسه السباع اتفاقاً، فالظاهر أنّه لا قود، وعليه الدية فقط (3).


(1) أما جواز القصاص فلأنّه القاتل عمداً وإن لم يكن مستقلاً في القتل، غاية الأمر أنّه إذا اقتص منه لا بدّ من ردّ نصف الدية إلى وليه قبل الاقتصاص، كما إذا قتل رجلان رجلاً واحداً فإنّ لولي المقتول أن يتقص منهما جميعاً بعد أن يردّ إلى ولي كلّ منهما نصف الدية.

وأما جواز مطالبته بالدية فلما تقدّم من أنّ كلّ مورد كان الاقتصاص موجباً للردّ جاز لولي المقتول إلزام القاتل بالدية، وبما أنّ القتل مستند - في مفروض الكلام - إلى أمرين، أحدهما فعل الجارح، والآخر : عض الأسد، فإذا أراد ولي الدم الاقتصاص من الجارح فلابد له من ردّ نصف الدية إليه، وله أن لا يقتص منه ويطالبه بنصف الدية.

(2) لصحة الاستناد القتل العمدي إليه، وهو يوجب القود.

3 أما عدم القود فلأنه ليس قاتلاً له عمداً، وأما وجوب الدية فلأن القتل مستند إلى فعله، فيدخل في القتل الشبيه بالعمد.

لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث

(مسألة 15) لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث فالقاتل هو الدافع دون الحافر (1).

حكم ما لو أمسك شخصاً وقتله آخر ونظر إليه ثالث

(مسألة 16) : لو أمسكه وقتله آخر، قتل القاتل، وحبس الممسك مؤبّداً حتى يموت بعد ضرب جنبيه ويجلد كلّ سنة خمسين جلدة (2). ولو اجتمعت


(1) لاستناد القتل عرفاً إليه دون الحافر.

(2) تدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : معتبرة عمرو بن أبي المقدام : أنّ رجلاً قال لأبي جعفر المنصور - وهو يطوف - : يا أمير المؤمنين، إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلاً، فأخرجاه من منزله فلم يرجع إليّ، ووالله ما أدري ما صنعا به، فقال لها : ما صنعتها به ؟ فقالا : يا أمير المؤمنين، كلّمناه ثم رجع إلى منزله - إلى أن قال : - فقال لأبي عبدالله جعفر بن محمد (عليه السلام) : اقض بينهم - إلى أن قال : - «فقال : يا غلام، اكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : كلّ من طرق رجلاً بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن إلّا أن يقيم عليه البينة أنه قد ردّه إلى منزله يا غلام نح هذا فاضرب عنقه للآخر» فقال: يابن رسول الله والله ما أنا قتلته ولكنى أمسكته، ثم جاء هذا فوجأه فقتله «فقال: أنا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يا غلام، نح هذا فاضرب عنقه للآخر» فقال : يابن رسول الله ما عذبته ولكني قتلته بضربة واحدة. فأمر أخاه فضرب عنقه،، ثم أمر بالآخر فضرب جنبيه وحبسه في السجن ووقع على رأسه يحبس عمره ويضرب في كلّ سنة خمسين جلدة (1).


1) الوسائل 29 : 51/ أبواب القصاص في النفس ب 18 ح 1.

جماعة على قتل شخص فأمسكه أحدهم وقتله آخر ونظر إليه ثالث، فعلى القاتل القود، وعلى الممسك الحبس مؤبّداً حتى الموت، وعلى الناظر أن تقفاً عيناه (1).

حكم ما لو أمر غيره بقتل أحد أو أكرهه على القتل فقتله

(مسألة 17) لو أمر غيره بقتل أحد، فقتله، فعلى القاتل القود، وعلى الآمر الحبس مؤبّداً إلى أن يموت (2) ولو أكرهه على القتل، فإن كان ما توعد به دون القتل فلا ريب في عدم جواز القتل، ولو قتله - والحال هذه -


ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى علي (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر، قال : يقتل القاتل ويحبس الآخر حتى يموت غمّاً» (1)، وقريب منها معتبرة سماعة (2).

ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) واحد منهم أمسك رجلاً، وأقبل الآخر فقتله، والآخر يراهم، فقضى في صاحب الرؤية أن تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل» (3).

(1) تدلّ عليه معتبرة السكوني المتقدّمة.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل أمر رجلاً بقتل رجل فقتله «فقال : يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت» (4)


1) الوسائل 29: 49 / أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 1

2) الوسائل 29: 50/ أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 2.

3) الوسائل 29: 50/ أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 3.

4) الوسائل 29: 45/ أبواب القصاص في النفس ب 13 ح 1.

كان عليه القود (1)، وعلى المكره الحبس المؤبد (2)، وإن كان ما توعد به هو القتل فالمشهور أنّ حكمه حكم الصورة الأولى، ولكنه مشكل، ولا يبعد جواز القتل عندئذٍ، وعلى ذلك فلا قود ولكن عليه الدية (3)، وحكم المكرِه - بالكسر - في هذه الصورة حكمه في الصورة الأولى. هذا إذا كان المكرَه - بالفتح - بالغاً عاقلاً. وأما إذا كان مجنوناً أو صبيّاً غير مميز فالقود على المكره - بالكسر - (4)، وأما إذا كان صبياً مميزاً فلا قود لا على المكره ولا على


(1) وذلك لما علم من ضرورة الشرع المقدّس أهمية النفس المحترمة، فلا ترتفع حرمة قتلها بالإكراه على ما دون القتل فلو أقدم على قتلها - والحال هذه - فقد قتلها ظلماً وعدواناً، وحكمه القصاص والقود.

(2) لصحيحة زرارة المتقدّمة.

(3) أما وجه المشهور : فلأنهم استدلوا على أنّ الإكراه لا يتحقق في القتل.

وفيه : أنّ ما ذكروه وإن كان صحيحاً، حيث إنّ حديث الإكراه الوارد مورد الامتنان لا يشمل المقام وأمثاله، إلّا أنّه مع ذلك لا يكون القتل محرّماً، فإنّ ذلك داخل في باب التزاحم، إذ الأمر يدور بين ارتكاب محرم - وهو قتل النفس المحترمة - وبين ترك واجب - وهو حفظ نفسه وعدم تعريضه للهلاك - وحيث لا ترجيح في البين فلا مناص من الالتزام بالتخيير، وعليه فالقتل يكون سائغاً وغير صادر عن ظلم وعدوان، فلا يترتب عليه القصاص، ولكن تثبت الدية، لأنّ دم امرئ مسلم لا يذهب هدراً.

(4) وذلك لأنّه القاتل في الفرض، حيث إنها كالآلة بالنسبة إليه.

الصبي (1). نعم، على عاقلة الصبي الدية (2) وعلى المكره الحبس مؤبّداً (3).

عدم الفرق في الحكم بين ما إذا كان المأمور عبداً للآمر وعدمه

(مسألة 18) المشهور جريان الحكم المذكور فيما لو أمر السيد عبده بقتل شخص فقتله، ولكنّه مشكل، بل لا يبعد أن يقتل السيد الأمر ويحبس العبد (4).


(1) أما على المكره - بالكسر - فلأنه في الفرض لم يكن قاتلاً، فإنّ القاتل إنما هو الصبي المميّز. وأمّا على الصبي فلأنّه لا قود عليه، وإنما هو على القاتل البالغ متعمّداً.

(2) لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى (1)

(3) لأنّ صحيحة زرارة المتقدّمة وإن كان موردها كون المأمور رجلاً إلّا أنّ من المعلوم أنه لا خصوصيّة لذلك أصلاً، بل الحكم يجري في كلّ مورد يكون المتصدّي للقتل فاعلاً مختاراً، سواء أكان رجلاً أم امرأةً أم صبياً مميزاً.

(4) بيان ذلك : أنّ المشهور بين الفقهاء عدم الفرق بين ما إذا كان المأمور عبداً للآمر وما إذا لم يكن، ويظهر من تعبير المحقق (قدس سره) في النافع بقوله: ولو كان المأمور عبده قولان أشبهها أنّه كغيره (2)، وجود القائل بالفرق عندنا، بل يظهر من قول السيّد في شرحه أنّ القائل به كثير، حيث إنه عطف على كلمة «أشبهها»، قوله : «وأشهرهما» (3)، فيعلم أن القائل به كثير، إلّا أنا لم نجد قائلاً بذلك غير ما نُسِبَ إلى الإسكافي (4)ومال إليه صاحب الوافي()


1) في ص 79.

2) المختصر النافع : 293.

3) رياض المسائل 2 : 501 (حجري).

4) حكاه فى رياض المسائل 502:2 (حجري).

) الوافي 16: 628 / 15838.

. وكيف كان، فالأظهر أنه يقتل السيّد ويحبس العبد.

وتدلّ على ذلك معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل أمر عبده أن يقتل رجلاً فقتله، قال: «فقال : يقتل السيد به» (1).

ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل أمر عبده أن يقتل رجلاً فقتله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وهل عبد الرجل إلا كسوطه أو كسيفه ؟ يقتل السيد ويستودع العبد السجن» (2)، ورواها الشيخ الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا علي (عليه السلام) إلّا أنّه قال : «ويستودع العبد في السجن حتى يموت» (3).

وقد نوقش في الاستدلال بهاتين الروايتين بوجهين :

الأول : ما في الرياض من أنّ ما دلّ على قتل السيد قاصر سنداً (4).

والجواب عن ذلك: أنّ الروايتين موثقتان، على أنّ الثانية على طريق الصدوق صحيحة فكيف يصح دعوى القصور في السند ؟!

وأمّا دعوى قصورهما عن مكافأة ما دلّ على أنّ القود على العبد، فيدفعها : أنّه ليس هناك أي دليل على أنّ القود على العبد نفسه غير الإطلاقات الكتابية وغيرها، ومن الظاهر أنّ المطلقات غير قابلة لمعارضة المقيد.

ومن الغريب أنّ الشيخ في التهذيب جعل الروايتين مخالفتين للكتاب والسنة،


1) الوسائل 29: 47 / أبواب القصاص في النفس ب 14 ح 1.

2) الوسائل 29: 47 / أبواب القصاص في النفس ب 14 ح 2.

3) الفقيه 4: 282/88.

4) رياض المسائل 502:2 (حجري).

وقال: فينبغي أن يلغي أمرهما، ويكون العمل بما سواهما (1).

وليت شعري كيف تكون الروايتان مخالفتين للكتاب مع أنّ تقييد إطلاقات الكتاب والسنّة بالروايات المعتبرة غير عزيز ؟!

أضف إلى ذلك أنّ معتبرة السكوني تدلّ على أنّ القاتل - في مفروض الكلام - هو السيّد، فإنّ العبد بمنزلة سوطه وسيفه وعليه فلا تقييد لإطلاقات الكتاب، حيث إنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أنّ القاتل هو السيّد فالقود عليه، وحينئذٍ كيف يمكن أن يقال : إنّ الروايتين مخالفتان للقرآن والأخبار ؟!

وأما ما ذكره الشيخ في الخلاف من معارضة هاتين الروايتين لما دلّ من الأخبار على أن القود على العبد نفسه (2).

فلم يتحصل له معنى، إذ لم يذكر الشيخ ولا غيره رواية تدلّ على أن القود على العبد نفسه، وإنما الدال على ذلك هو المطلقات وقد عرفت حالها.

الوجه الثاني : أن الروايات الدالة على قتل السيد غير واجدة لشرائط الحجية، فإنّ إعراض المشهور عنها أوجب سقوطها عن الحجيّة.

والجواب عن ذلك أولاً : أنّه لم يثبت إعراض المشهور عنها، ولذلك قد حمل الشيخ ما رواه من الروايتين على محامل أخرى. على أن المستفاد من كلام السيد صاحب الرياض (قدس سره) عدم ثبوت الشهرة في المقام، غاية الأمر أنّ القول بأنّ القود على العبد نفسه هو الأشهر.

وثانياً : أنا قد ذكرنا فى محلّه أنّ الإعراض وعدم عمل المشهور برواية


1) التهذيب 10 : 220.

2) انظر الخلاف 5: 168 - 169.

لو قال شخص لآخر : اقتلني، فقتله

(مسألة 19) لو قال : اقتلنى فقتله، فلا ريب في أنّه قد ارتكب محرّماً (1)، وهل يثبت القصاص عندئذٍ أم لا ؟ وجهان، الأظهر : ثبوته (2). هذا إذا كان القاتل مختاراً أو متوعداً بما دون القتل. وأما إذا كان متوعداً بالقتل فالحكم فيه كما تقدّم.

حكم ما لو أمر شخص غيره بقتل نفسه، فقتل نفسه

(مسألة 20) : لو أمر شخص غيره بأن يقتل نفسه، فقتل نفسه، فإن كان المأمور صبيّاً غير مميّز فعلى الآمر القود (3)، وإن كان مميزاً أو كبيراً بالغاً فقد


لا يوجب سقوطها عن الاعتبار إذا كانت واجدة لشرائطه.

(1) فإنّ حرمة القتل لا ترتفع بإذن المقتول.

(2) خلافاً للشيخ في محكيّ المبسوط والفاضل في التلخيص والإرشاد واختاره المحقق في الشرائع وفي المسالك أنّه الأشهر (1)، واستدل على ذلك بأنّ الآمر قد أسقط حقه بالإذن فلا يتسلّط عليه الوارث.

ومورد كلام المحقق وإن كان هو الإكراه إلّا أنّ تعليله يعمّ صورة الاختيار أيضاً.

وكيف كان، فلا يمكن المساعدة على ما ذكروه، فإنّ الإنسان غير مسلّط على إتلاف نفسه ليكون إذنه بالإتلاف مسقطاً للضمان كما هو الحال في الأموال، فعمومات أدلّة القصاص محكمة.

(3) لأنه القاتل عمداً حقيقةً، والصبي المباشر بمنزلة الآلة له عرفاً، فيثبت عليه القود.


1) حكاه في الجواهر 42: 53، الشرائع 4: 204، المسالك 2: 363 (حجري).

أثم فلا قود على الآمر (2).هذا إذا كان القاتل مختاراً أو مكرهاً متوعداً بما دون القتل أو بالقتل (3). وأمّا إذا كان متوعداً بما يزيد على القتل من خصوصياته، كما إذا قال : اقتل نفسك وإلّا لقطعتك إربا إربا، فالظاهر جواز قتل نفسه عندئذٍ (4)، وهل يثبت القود على المكره ؟ وجهان، الأقرب : عدمه (5).


(1) لأنّ القتل في مفروض الكلام غير مستند إلى الأمر ليكون عليه القود، بل هو مستند إلى نفسه.

(2) فإنّ في جميع ذلك لا يسوغ له قتل نفسه، فإذا قتل نفسه فقد ارتكب محرّماً وهدر دمه، ولا يكون غيره مسؤولاً عنه.

(3) وذلك لعدم قصور شمول دليل الإكراه لذلك، فترتفع به حرمة قتل النفس المحترمة.

(4) الوجه في ذلك هو أنّ إكراه شخص على قتله وتوعيده بنوع من القتل أصعب من النوع الذي يقتل به نفسه لا يوجب خروج المكره - بالفتح - عن الاختيار، فإنّه باختيار قتل نفسه دفعاً للفرد الأشدّ والأصعب. وعليه، فبطبيعة الحال يستند القتل إليه حقيقةً دون المكره - بالكسر - فلا موجب عندئذ للقود، نظير ذلك : من اضطر إلى قتل نفسه دفعاً للفرد الأشدّ، كما إذا علم بأنه لو لم يقتل نفسه لقتله آخر بأشدّ مما قتل به نفسه، فلا شبهة في عدم صحة استناده إلى الآخر، بل هو مستند إليه.

ودعوى أن السبب - في مفروض الكلام - أقوى من المباشر

لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث وهدده بالقتل إن لم يفعل، فهل يثبت القصاص على المكره ؟

(مسألة 21) لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث معيناً كان أو غير معين وهدّده بالقتل إن لم يفعل جاز له قطع يده (1). وهل يثبت القصاص على المكرِه، أو أنّ القصاص يسقط وتثبت الدية على المباشر ؟ وجهان، الظاهر هو الثاني (2).


مدفوعة بأنه لا دليل على ذلك، فإنّ العبرة في القصاص إنما هي باستناد القتل عرفاً، وقد عرفت أنّه غير مستند إلى المكره - بالكسر - ومن هنا لم يلتزم الأصحاب بذلك فيما لو أكره على قتل غيره، حيث إنّ هناك التزموا بأنّ القاتل هو المكره - بالفتح - دون المكره - بالكسر - مع أنّه لا فرق من هذه الناحية بين الإكراه على قتل غيره والإكراه على قتل نفسه ولو قلنا بالفرق بينهما من ناحية الحرمة وعدمها في الصورتين، إذ لا دخل للحكم الشرعي من جهة الجواز وعدمه باستناد القتل إلى المكره وعدمه.

(1) لأنّ قطع يد الشخص وإن كان محرّماً إلا أنه في فرض مزاحمته بما هو أهم منه - وهو حفظ النفس المحترمة في مفروض الكلام - يجوز ذلك جزماً.

(2) أما عدم ثبوت القصاص على المكره - بالكسر - فلعدم كونه قاطعاً لليد حتى يثبت عليه القود، وإنما القاطع هو المكرَه - بالفتح - باختياره ولو من جهة دفع الضرر الأهم.

وأما عدم ثبوته على المكره - بالفتح - فلأنّ صدور القطع منه ليس عدواناً وظلماً الذي هو الموضوع للقصاص.

وأما ثبوت الدية عليه فلأن قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.

لو أكرهه على صعود جبل أو نزول بئر فزلت قدمه وسقط فمات

(مسألة 22): لو أكرهه على صعود جبل أو شجرة أو نزول بئر فزلّت قدمه وسقط فمات، فإن لم يكن الغالب في ذلك السقوط المهلك ولا هو قصد به القتل فلا قود عليه ولا دية وإلّا ففيه الوجهان، والأقرب أنّه لا شيء عليه (1). وكذلك الحال فيها إذا أكره على شرب سم فشرب فمات.

(مسألة 23) : إذا شهدت بيّنة بما يوجب القتل، كما إذا شهدت بارتداد شخص أو بأنّه قاتل لنفس محترمة، أو نحو ذلك، أو شهد أربعة بما يوجب الرجم كالزنا، ثم بعد إجراء الحدّ ثبت أنهم شهدوا زوراً، كان القود على الشهود (2)، ولا ضمان على الحاكم الآمر ولا حدّ على المباشر للقتل أو الرجم (3).نعم، لو علم مباشر القتل بأنّ الشهادة شهادة زور كان عليه القود دون الشهود (4).

لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح، ثم ذبحه آخر

(مسألة 24) : لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح ولم تبق له حياة مستقرة، بمعنى : أنّه لم يبق له إدراك ولا شعور ولا نطق ولا حركة اختيارية، ثم ذبحه آخر، كان القود على


(1) يظهر الحال فيه وفيما بعده مما تقدّم.

(2) تقدّم الكلام في ذلك مفصلاً في باب الشهادات (1).

(3) مرّ البحث عنه في باب الشهادات مفصلاً (2).

(4) لأنّ المباشر للقتل - والحال هذه - كان قاصداً القتل عدواناً وظلماً


1) مباني تكملة المنهاج 1: 189.

2) مباني تكملة المنهاج 1: 197.

الأول (1) وعليه دية ذبح الميت (2)، وأما لو كانت حياته مستقرة كان القاتل هو الثاني وعليه القود والأوّل جارح، سواء أكانت جنايته مما يفضي إلى الموت كشق البطن أو نحوه، أم لا كقطع أنملة أو ما شاكلها (3).

لو قطع يد شخص وقطع آخر رجله قاصداً كل منهما قتله فاندملت إحداهما فمات بالسراية

(مسألة 25) : إذا قطع يد شخص وقطع آخر رجله قاصداً كلّ منهما قتله فاندملت إحداهما دون الأخرى ثم مات بالسراية، فمن لم يندمل جرحه هو القاتل وعليه القود (4)، ومن اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، وقيل : يرد الدية المأخوذة إلى أولياء القاتل، ولكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه (5).


فيثبت عليه القود.

(1) وذلك لأنه هو القاتل حقيقةً دون الذابح.

(2) لما سيأتي من أنّ من قطع رأس الميت فعليه الدية(1)، والمفروض أنه بمنزلة الميت، فلا يجري عليه حكم الحيّ.

(3) الوجه في ذلك ظاهر، فإنّ الذابح بذبحه منع عن سراية الجناية الأولى واستناد الموت إليها، فهو القاتل حقيقةً.

(4) لاستناد القتل إليه، فيثبت القود عليه.

(5) وذلك لعدم الدليل إلا رواية سورة بن كليب عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سئل عن رجل قتل رجلاً عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى فقال : إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ


1) في ص 517.

لو جرح إثنان شخصاً جرحين بقصد القتل فمات بالسراية

(مسألة 26) : لو جرح اثنان شخصاً جرحين بقصد القتل فمات المجروح بالسراية، فادّعى أحدهما اندمال جرحه وصدقه الولي، نفذ إقراره على نفسه ولم ينفذ على الآخر. وعليه، فيكون الولي مدعياً استناد القتل إلى جرحه وهو منكر له، فعلى الولي الإثبات (1).

(مسألة 27) : إذا قطع اثنان يد شخص، ولكن أحدهما قطع من الكوع والآخر من الذراع فمات بالسراية، فإن استند الموت إلى كلتا الجنايتين معاً كان كلاهما قاتلاً، وإن استند إلى قاطع الذراع فالقاتل هو الثاني، والأوّل جارح، نظير ما إذا قطع أحد يد شخص وقتله آخر، فالأوّل جارح والثاني قاتل (2).

ولكنّها ضعيفة بسورة بن كليب فإنّه لم يثبت توثيقه ولا مدحه، فلا يمكن الاعتماد عليها.


دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدوا إلى أولياء قاتله دية يده التي قيد منها إن كان أخذ دية يده ويقتلوه، وإن شاءوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي. قال : وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءوا أخذوا دية كاملة»(1).

(1) فإن تمكّن الولي من إثبات أنّ تمام القتل مستند إلى جرحه فله الاقتصاص منه بدون ردّ نصف الدية إليه، وإلّا فعلى المنكر الحلف، وإن ادعى عدم العلم بذلك، فإن ادّعى الولي علمه بالاندمال فعليه اليمين على عدم العلم.

(2) تقدّم حكم الموت بالسراية في أوّل قصاص النفس(2).


1) الوسائل 29 : 111 / أبواب القصاص في النفس ب 50 ح 1.

2) في ص 6- 7.

هل تدخل دية الطرف في دية النفس أم لا ؟

(مسألة 28) : لو كان الجارح والقاتل واحداً فهل تدخل دية الطرف في دية النفس أم لا ؟ وجهان، والصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان القتل والجرح بضربة واحدة، وما إذا كان بضربتين، فعلى الأول : تدخل دية الطرف في دية النفس فيما تثبت فيه الدية أصالة (1). وعلى الثاني : فالمشهور


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله «قال : إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين السنة أقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً ؟ قال : لا، لأنّه إنما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين، وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان إلّا أن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأخرى فيقاد به ضاربه، فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال : فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات»(1).

فمورد الصحيحة وإن كان دخول دية الطرف في دية العقل إلّا أنّ مقتضى عموم التعليل هو دخول دية الطرف في دية النفس أيضاً في مفروض الكلام.


1) الوسائل 29 : 366 / أبواب ديات المنافع ب 7 ح 1.

المدعى عليه الإجماع هو التداخل أيضاً والاكتفاء بدية واحدة وهي دية النفس. ولكنّه لا يخلو من إشكال، والأقرب عدم التداخل (1).

وأمّا القصاص فإن كان الجرح والقتل بجناية واحدة، كما إذا ضربه ضربة واحدة فقطعت يده فمات، فلا ريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، ولا يقتص منه بغير القتل (2)، كما أنّه لا ريب في عدم التداخل إذا


(1) فإنّ التداخل خلاف الأصل فيحتاج إلى دليل، فإن تم إجماع عليه - كما ادعاه المحقق وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) (1)- فهو، ولكنّه لم يتحقق، ولا اعتماد بنقله، فإنّ المسألة غير محرّرة في كلام غير واحد، وقد استشكل الأردبيلي في التداخل فيما إذا كان الفصل بين الضربتين كثيراً (2)، فإذن الأقرب هو التعدّد.

هذا، مضافاً إلى أن صحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدمة تدلّ على عدم التداخل، فإنّها تدلّ على أنّ كلّ جناية يلزم بها الجاني مالم ينته إلى الاقتصاص، ومعه يثبت القود ويطرح الباقي.

هذا فيما إذا كان الموت مستنداً إلى إحدى الضربتين.

وأمّا إذا كان مستنداً إلى كليهما فلا ينبغي الشكّ في التداخل، والوجه فيه ظاهر

(2) بلا خلاف ولا إشكال، وتدلّ على ذلك صحيحة محمد بن قيس عن أحدهما (عليهما السلام): في رجل فقأ عيني رجل وقطع أذنيه ثم قتله «فقال: إن كان فرق ذلك اقتص منه ثم يقتل، وإن كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه


1) الشرائع 4: 206، الجواهر 42: 62.

2) مجمع الفائدة والبرهان 13: 446.

كان الجرح والقتل بضربتين متفرّقتين زماناً، كما لو قطع يده ولم يمت به ثم قتله (1)، وأمّا إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً، كما إذا ضربه ضربة فقطعت يده - مثلاً - وضربه ضربة ثانية فقتلته، فهل يحكم بالتداخل ؟ فيه


ولم يقتص منه»(1).

وصحيحة حفص بن البختري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثم مات «فقال : إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتص منه ثم قتل، وإن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتص منه»(2).

هذا، مضافاً إلى أنّ القتل عادةً لا ينفك عن الجرح.

(1) كما تقتضي ذلك إطلاقات الأدلة.

وأما صحيحة أبي عبيدة المتقدمة فلا تقيّد هذه الإطلاقات، لأنّ مورد الصحيحة وقوع ضربة بعد ضربة فلا تشمل صورة التفرّق بينهما زماناً، فهى على تقدير العمل بها والإغماض عن معارضتها بصحيحتي محمد بن قيس وابن البختري - على ما سيجيء - قاصرة عن الشمول لصورة تفرّق الضربتين زماناً، فلا مانع من التمسك بالإطلاقات فيها.


1) الوسائل 29: 112 / أبواب القصاص في النفس ب 51 ح 1.

2) الوسائل 29: 112 / أبواب القصاص في النفس ب 51 ح 2.

إشكال وخلاف، والأقرب عدم التداخل (1).

حكم ما لو قتل رجلان أو ثلاثة رجلاً

(مسألة 29) : إذا قتل رجلان رجلاً - مثلاً - جاز لأولياء المقتول قتلهما بعد أن يردّوا إلى أولياء كلّ منهما نصف الدية، كما أنّ لهم أن يقتلوا أحدهما، ولكن على الآخر أن يؤدّي نصف الدية إلى أهل المقتص منه. وإن قتل ثلاثة واحداً كان كلّ واحد منهم شريكاً في قتله بمقدار الثلث. وعليه، فإن قتل ولي المقتول واحداً من هؤلاء الثلاثة وجب على كل واحد من الآخرين أن يردّ ثلث الدية إلى أولياء المقتص منه. وإن قتل اثنين منهم وجب على الثالث أن يردّ ثلث الدية إلى أولياء المقتص منهما، ويجب على ولي المقتول


(1) منشأ الخلاف والإشكال هو الاختلاف بين صحيحتي محمد بن قيس وحفص بن البختري المتقدّمتين وبين صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، فإنّ مقتضى الاُولتين عدم التداخل، ومقتضى الثالثة هو التداخل، والأظهر عدم التداخل، لأن الصحيحتين الاُولتين موافقتان لإطلاق الكتاب دون الصحيحة الثالثة فتتقدمان عليها.

ثمّ إنّه قد يتوهّم أنّ مورد صحيحة محمّد بن قيس هو تفرق الضربتين زماناً، فلا تكون معارضة لصحيحة أبي عبيدة.

ولكنّه يندفع بأنّ المراد بالتفرّق فيها هو التعدّد، بقرينة قوله (عليه السلام): وإن كان ضربه ضربة واحدة فإنّه تصريح بمفهوم الجملة الأولى، فإذن تكون معارضة لها. ومع الإغماض عن ذلك فصحيحة ابن البختري كافية في المعارضة.

المقتص أن يردّ إليهم تمام الدية ليصل إلى أولياء كل واحد من المقتولين ثلثا الدية قبل الاقتصاص، وإن أراد قتل جميعهم فله ذلك بعد أن يردّ إلى أولياء كل واحد منهم ثلثي الدية (1).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدل على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلاً «قال : إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً قتلوهما» (1).

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في عشرة اشتركوا في قتل رجل «قال : يخيّر أهل المقتول فأيهم شاءُوا قتلوا، ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية (2).

ومنها : صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلاً «قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه، وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول، وإن لم يؤدّ دية أحدهما ولم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما وإن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما» (3).

ومنها : معتبرة الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) عشرة قتلوا رجلاً «قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، وإن شاءُوا


1) الوسائل 29 : 41/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29: 42 / أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 3.

3) الوسائل 29: 42 / أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 4.

---------------------------------------------------------------------------------

تخيّروا رجلاً فقتلوه، وأدّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كل رجل منهم، قال : ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحبسهم»(1).

ولا يعارضها ما رواه القاسم بن عروة عن أبي العباس وغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيهم شاءُوا، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» (2)وإذا قتل ثلاثة واحداً خير الوالي أيّ الثلاثة شاء أن يقتل ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول» (3).

لأنها قاصرة سنداً، فإنّ القاسم بن عروة لم تثبت وثاقته، ولم يذكر بمدح.

وقد حملها الشيخ تارةً على التقيّة، وأخرى على أن المراد أنه ليس للولي أن يقتل أكثر من واحد من غير أن يؤدّي ما عليه من الدية (4).

وقد ذكر في الاستبصار : أنّ قوماً من العامة ذهبوا إلى جواز قتل الاثنين وما زاد عليهما بواحد من دون ردّ فضل ذلك، وقال : وهو مذهب بعض من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) (5).

ولا بأس بما ذكره (قدس سره) لو صحت الرواية، لأنها مطلقة وقابلة للتقييد بصريح الروايات المتقدّمة.


1) الوسائل 29: 43 / أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 6.

2) الاسراء 17: 33.

3) الوسائل 29: 43/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 7 - 8.

4) الاستبصار 4: 282 / 1068.

5) الاستبصار 4: 282 / 1068.

كيفية تحقق الشركة في القتل

(مسألة 30) : تتحقق الشركة في القتل بفعل شخصين معاً وإن كانت جناية أحدهما أكثر من جناية الآخر، فلو ضرب أحدهما ضربة والآخر ضربتين أو أكثر فمات المضروب واستند موته إلى فعل كليهما كانا متساويين في القتل. وعليه، فلولي المقتول أن يقتل أحدهما قصاصاً، كما أن له أن يقتل كليهما معاً على التفصيل المتقدّم (1).

لو اشترك إنسان مع حيوان في قتل مسلم

(مسألة 31): لو اشترك إنسان مع حيوان - بلا إغراء - في قتل مسلم، فلوليّ المقتول أن يقتل القاتل (2).


(1) لإطلاق الروايات المتقدّمة، على أنّ فرض التساوي بين الجنايتين أو أزيد لعله فرض نادر في الخارج، ولا يمكن حمل الروايات على ذلك.

(2) بلا خلاف بيننا، وتدلّ على ذلك الآية الكريمة : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1): بعد فرض صدق القاتل عليه عرفاً.

ويستفاد من الروايات الدالة على أنّ لولي المقتول أن يقتل رجلين أو أكثر إذا اشتركا في قتله : أنّه يكفي في قتل رجل قصاصاً اشتراكه في القتل.

ومن الظاهر عدم الفرق فيذلك بين أن يكون كلا الجرحين مضموناً أو يكون أحدهما مضموناً دون الآخر.

وتؤكد ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن


1) المائدة 5: 45.

بعد أن يردّ إلى وليه نصف الدية (1)، وله أن يطالبه بنصف الدية (2).


يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية»(1).

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز الاقتصاص من الرجل مفروغ عنه، وأما الصبي فإن كان بالغاً اقتص منه، وإلّا فلا.

فما عن بعض العامة من أنّه لا قصاص في مفروض المسألة، لأنّ القتل مستند إلى سببين أحدهما غير مضمون.

واضح الفساد، فإنّ عدم الضمان بالإضافة إلى الحيوان لا يلازم عدم الضمان بالإضافة إلى الإنسان.

(1) الوجه فيه ظاهر، وذلك لعدم استقلاله فى القتل، وإنما كان شريكاً فيه، فلابد - عند قتله قصاصاً - من تدارك الزيادة، كما هو من تدارك الزيادة، كما هو كذلك فيما إذا قتل رجلان رجلاً واحداً على ما عرفت.

(2) والوجه في ذلك : أنّ وليّ المقتول إذا لم يتمكن من الاقتصاص إلا بدفع نصف الدية لا يتعيّن فيه القصاص حتى يلزم بدفع نصف الدية، كما إذا قتل رجل امرأة، فإنّ ولي المرأة إذا أراد الاقتصاص لزمه دفع نصف الدية إلى أولياء المقتص منه، ولكنّه لا يلزم بذلك، بل له مطالبة الدية من القاتل، وقد دلّت على ذلك عدة روايات قد تقدّمت، مضافاً إلى أنه لو لم يكن لولي المقتول - في أمثال المقام - مطالبة الدية لزم في بعض الموارد هدر دم المسلم، وذلك كما إذا فرض


1) الوسائل 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 1.

حكم اشتراك الأب مع أجنبي في قتل ابنه

(مسألة 32) : إذا اشترك الأب مع أجنبي في قتل ابنه جاز لولي المقتول أن يقتل الأجنبي (1)، وأمّا الأب فلا يقتل (2)، بل عليه نصف الدية يعطيه لولي المقتص منه في فرض القصاص ولولي المقتول مع عدم الاقتصاص (3). وكذلك


عدم تمكن الولي من ردّ نصف الدية إذا اقتص من القاتل ولم يرض القاتل بدفع الدية، ففي مثل ذلك يلزم المحذور المتقدّم.

هذا، ويمكن الاستدلال على ذلك بإطلاق ما دلّ على ثبوت الدية في القتل العمدي، وأمّا ما دلّ على أنّ الثابت أوّلاً في القتل العمدي هو القصاص والدية إنما تثبت بالتراضي على ما سيجيء فهو منصرف عن المقام وخاص بما إذا لم يستلزم الاقتصاص ردّ شيء إلى ولي المقتص منه.

(1) لما تقدّم من أنّ القاتل متعمداً يجوز قتله وإن لم يكن مستقلاً في القتل، بل كان شريكاً مع الغير.

(2) لما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من أن الوالد لا يقاد بولده (1).

(3) أما أصل ثبوت الدية على الوالد فلأن دم المسلم لا يذهب هدراً، فإذا لم يجز القصاص وجبت الدية، كما في قتل الحرّ غير الحرّ، وفيه إذا كان القتل خطأ، وفيما إذا فرّ القاتل عمداً، فإنّه تؤخذ الدية من ماله إن كان له مال، وإلا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم تكن له قرابة أدّاه الإمام (عليه السلام)، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم على ما في معتبرة أبي بصير(2).

ويؤكد ذلك ما ورد في كتاب ظريف الثابت بطريق معتبر عن أمير المؤمنين


1) في ص 86.

2) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

إذا اشترك مسلم وذمّي في قتل ذمّي (1).

كيفية تحقق الشركة في الجناية على الأطراف

(مسألة 33) : يقتص من الجماعة المشتركين في جناية الأطراف حسب ما عرفت في قصاص النفس (2)، وتتحقق الشركة في الجناية على الأطراف بفعل شخصين أو أشخاص معاً على نحو تستند الجناية إلى فعل الجميع، كما لو وضع جماعة سكيناً على يد شخص وضغطوا عليها حتى قطعت يده. وأمّا إذا وضع أحد سكيناً فوق يده وآخر تحتها وضغط كل واحد منهما على سكينه حتى التقيا، فذهب جماعة إلى أنّه ليس من الاشتراك في الجناية، بل عل كلّ منهما القصاص فى جنايته، ولكنّه مشكل جداً. ولا يبعد تحقق الاشتراك بذلك، للصدق العرفي.


(علیه السلام) قال : وقضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في امر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره، ويكون له الدية ولا يقاد»(1).

فإنّه إذا ثبتت الدية فيما دون النفس ثبتت في النفس بطريق أولى.

وأمّا اعطاؤها لولي المقتص منه فلما تقدّم. وأما إعطاؤها لولي المقتول في فرض عدم القصاص فلما عرفت من أنّ في كلّ مورد امتنع الاقتصاص لزمت الدية.

(1) فإنّ المسلم لا يُقتل بالذمي فعليه نصف الدية يعطيه لأولياء المقتص منه أو لأولياء المقتول في فرض عدم الاقتصاص.

(2) وذلك للأولوية القطعيّة، حيث إنّ القصاص من الجماعة المشتركين في


1) الوسائل 29: 79/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 10.

لو اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجل

(مسألة 34) : لو اشتركت امرأتان في قتل رجل كان لولي المقتول قتلهما معاً بلا ردّ (1)، ولو كن أكثر كان له قتل جميعهنّ، فإن شاء قتلهنّ أدّى


جناية النفس ثابت بالنصوص المتقدّمة، فإذا ثبت ذلك في النفس ثبت في الأطراف بطريق أولى.

ولصحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل «قال : إن أحبّ أن يقطعهما أدى إليها دية يد أحد فاقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد ] قال: وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية» (1).

ثمّ إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «وإن أحبّ أخذ منهما دية يد» وجعله عدلاً لقوله (عليه السلام): «إن أحبّ أن يقطعهما» هو أن المجني عليه مخيّر بين الاقتصاص منهما أو من أحدهما ومطالبة الدية منهما، والالتزام بذلك هنا غير بعيد، وإن كنا لا نلتزم به في قصاص النفس، لعدم الدليل.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، حيث لا فاضل لهما عن دية المقتول.

وتدلّ على ذلك رواية محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلاً عمداً «قال: تقتلان به، ما يختلف في هذا أحد»(2).

وهي صحيحة على الأظهر، فإنّ محمّد بن عبدالله الواقع في سندها هو محمد ابن عبدالله بن هلال بقرينة روايته عن العلاء، ورواية محمّد بن الحسين عنه، وهو ثقة على الأظهر، لوروده في أسناد كامل الزيارات.


1) الوسائل 29: 186 / أبواب قصاص الطرف ب 25 ح 1.

2) الوسائل 29: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 15.

فاضل ديتهن إليهنّ ثمّ قتلهنّ جميعاً (1). وأمّا إذا قتل بعضهن، كما إذا قتل اثنتين منهنّ - مثلاً - وجب على الثالثة ردّ ثلث دية الرجل إلى أولياء المقتص منهما (2).

لو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل

(مسألة 35) : إذا اشترك رجل وامرأة في قتل رجل، جاز لولي المقتول قتلهما معاً، بعد أن يردّ نصف الدية إلى أولياء الرجل دون أولياء المرأة، كما أنّ له قتل المرأة ومطالبة الرجل بنصف الدية، وأمّا إذا قتل الرجل وجب على المرأة ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتص منه (3).

لزوم تقديم الردّ على استيفاء الحق في كل موضع وجب فيه الردّ على الولي عند القصاص

(مسألة 36) : كلّ موضع وجب فيه الردّ على الولي عند إرادته القصاص على اختلاف موارده - لزم فيه تقديم الردّ على استيفاء الحق كالقتل ونحوه، فإذا كان القاتل اثنين وأراد ولي المقتول قتلهما معاً وجب عليه أوّلاً ردّ نصف الدية إلى كلّ منهما، ثم استيفاء الحق منهما (4).


(1) لما سيأتي من أنّه لا حق لولي المقتول في أمثال المسألة قتل الجميع إلا بعد ردّ فاضل الدية.

(2) والوجه في ذلك : هو أنّ الروايات المتقدّمة الدالة على وجوب الدية على غير المقتص منه وإن كانت خاصة بالرجل إلّا أنّ المتفاهم العرفي منها عدم اختصاص الحكم بالرجل، ومن ثم يتعدّى منها إلى صورة الاشتراك في قتل المرأة.

(3) ظهر وجه جميع ذلك مما تقدّم.

(4) تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه «قال : ذاك لهم إذا أدّوا إلى

لو كان القاتل رجلين أحدهما خاطئ والآخر عامد

)مسألة 37) : لو قتل رجلان رجلاً وكان القتل من أحدهما خطأ ومن الآخر عمداً، جاز لأولياء المقتول قتل القاتل عمداً بعد ردّهم نصف ديته إلى وليه (1) ومطالبة عاقلة القاتل خطأ نصف الدية (2)، كما لهم العفو عن قصاص القاتل وأخذ الدية منه بقدر نصيبه (3)، وكذلك الحال فيما إذا اشترك صبي مع


أهله نصف الدية» الحديث (1).

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز القتل معلّق على أداء نصف الدية خارجاً، فما لم يؤدّوه ليس لهم قتله.

ومنها : صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلاً «قال : إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدوا دية كاملة وقتلوهما» الحديث (2)

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز القتل معلّق على أداء الدية خارجاً، فما لم يؤدّوها ليس لهم قتله.

(1) تقدم وجهه (3)

(2) سيأتى وجهه في محله (4)

(3) سبق وجهه (5)


1) الوسائل 29 :81 /أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3.

2) الوسائل 29: 42 / أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 4.

3) في ص 27 - 28.

4) في ص 242.

5) في ص 28.

رجل في قتل رجل عمداً (1).

حكم اشتراك الحر والعبد في قتل حرّ عمداً

(مسألة 38) : لو اشترك حرّ وعبد في قتل حرّ عمداً، كان لولي المقتول قتلهما معاً بعد ردّ نصف الدية إلى أولياء الحرّ (2)، وأما العبد فيقوم، فإن كانت قيمته تساوي نصف دية الحرّ أو كانت أقل منه فلا شيء على الولي، وإن كانت أكثر منه فعليه أن يرد الزائد إلى مولاه (3)، ولا فرق في ذلك بين كون الزائد بمقدار نصف دية الحرّ أو أقل. نعم، إذا كان أكثر منه - كما لو كانت قيمة العبد أكثر من تمام الدية - لم يجب عليه ردّ الزائد على النصف، بل يقتصر على ردّ النصف (4).


(1) فإن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.

(2) لما تقدّم من أنّ جواز القتل في أمثال هذه الموارد مشروط بأداء فاضل الدية (1).

(3) فإنّه ليس على رقبة العبد إلّا نصف الدية، فلابد من ردّ الزائد إلى مولاه.

(4) وذلك لعدّة روايات دالّة على أنّ دية العبد لا تزيد على دية الحرّ.

منها : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية العبد قيمته، فإن كان نفيساً فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يجاوز به دية الحر» (2).


1) في ص 11 و 31.

2) الوسائل 29: 207 / أبواب ديات النفس ب 6 ح 2.

لو اشترك عبد وامرأة في قتل حرّ

(مسألة 39) : إذا اشترك عبد وامرأة في قتل حرّ، كان لولي المقتول قتلها معاً بدون أن يجب عليه ردّ شيء بالنسبة إلى المرأة (1)، وأما بالنسبة إلى العبد فقد مرّ التفصيل فيه. وإذا لم يقتل العبد كان له استرقاقه، فعندئذ إن كانت قيمته أكثر من نصف دية المقتول ردّ الزائد على مولاه وإلّا فلا (2).


(1) وذلك لأنّ دية المرأة نصف دية الرجل فلا فاضل حتى يجب عليه ردّه.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة ضريس الكناسي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن امرأة وعبد قتلا رجلاً خطأ «فقال : إن خطأ المرأة والعبد مثل العمد، فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما، فإن كانت قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم فليردّوا على سيّد العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم، وإن أحبّوا أن يقتلوا المرأة ويأخذوا العبد أخذوا، إلا أن تكون قيمته أكثر من خمسة آلاف درهم، فليردوا على مولى العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم، ويأخذوا العبد أو يفتديه سيده، وإن كانت قيمة العبد أقلّ من خمسة آلاف درهم فليس لهم إلا العبد» (1)

وهذه الصحيحة تتضمن أمرين :

الأوّل : أنّ خطأ المرأة والعبد مثل العمد.

الثاني: أنّ لوليّ المقتول استرقاق العبد عند عدم اختيار قتله على التفصيل المذكور فيها.

أمّا الأمر الأوّل : فلا يمكن الأخذ به، ولا بد من ردّ علمه إلى أهله.

وأما الأمر الثاني : فلا مانع من الأخذ به.


1) الوسائل 29: 88/ أبواب القصاص في النفس ب 34 ح 2.

شروط القصاص

إشارة

وهي خمسة :

الأوّل : التساوي في الحرية والعبودية.
لو قتل الحر الحرّ أو الحرّة عمداً

(مسألة 40) : إذا قتل الحرّ الحرّ عمداً قُتِل به (1)، وكذا إذا قتل الحرّة، ولكن بعد ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتص منه (2).


(1) بلا خلاف ولا إشكال كتاباً وسنّةً.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب. وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً، فأراد أهل المرأة أن يقتلوه «قال : ذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به، ليس لهم إلا نفسها» الحديث (1).

ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمّداً «قال: إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءُوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم» وقال في


1) الوسائل 28 : 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3.

لو قتلت الحرّة الحرّة أو الحر

(مسألة 41) : إذا قتلت الحرّة الحرّة قُتِلت بها (1)، وإذا قتلت الحر فكذلك،


امرأة قتلت زوجها متعمدة «قال: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه» (1).

ومنها : صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا قتلت المرأة رجلاً قُتِلت به، وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وإن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة، ودية المرأة نصف دية الرجل» (2).

ولا تعارضها رواية السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل رجلاً بامرأة قتلها عمداً، وقتل امرأة قتلت رجلاً عمداً»(3).

فإنها مضافاً إلى ضعف سندها لا تنافي لزوم الدية في قتل الرجل بالمرأة، فيقيّد إطلاقها بذلك بمقتضى الصحاح المتقدّمة.

وأما ما في معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام): «أنّ رجلاً قتل امرأة فلم يجعل علي (عليه السلام) بينهما قصاصاً وألزمه الدية»(4).

فيحمل على عدم جعل القصاص مجرّداً من ردّ نصف الدية بقرينة الروايات المتقدّمة إن أمكن ذلك، وإلّا ردّ علمها إلى أهله.

(1) إتفاقاً كتاباً وسنّةً.


1) الوسائل 28 : 80/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 1.

2) الوسائل 28: 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 2.

3) الوسائل 28: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 14.

4) الوسائل 28: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 16.

وليس لولي المقتول مطالبة وليّها بنصف الدية (1).

حكم قتل الحر الحرّ أو الحرّة خطأ أو شبه عمد

(مسألة 42) : إذا قتل الحرّ الحرّ أو الحرّة خطأ محضاً أو شبيه عمد فلا قصاص (2). نعم، تثبت الدية، وهي على الأوّل على عاقلة القاتل، وعلى الثاني في ماله على تفصيل يأتي في باب الديات إن شاء الله تعالى.

عدم القصاص في قتل الحرّ أو الحرّة العبد عمداً

(مسألة 43) : إذا قتل الحرُّ أو الحرّة العبد عمداً فلا قصاص (3)،


(1) بلا خلاف ظاهر. وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحتا الحلبي وعبدالله بن سنان المتقدّمتان.

ولا تعارضها صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال : في امرأة قتلت رجلاً «قال : تُقتَل ويؤدّي وليها بقيّة المال»(1).

فإنّها رواية شاذة، وتلك روايات مشهورة بين الأصحاب، ولا سيّما أنّها مخالفة للكتاب المجيد : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (2)، فتطرح لا محالة، على أنها قاصرة دلالة، فإنّ المذكور فيها أنّ الوليّ يؤدّي بقيّة المال، وليست ظاهرة في تأدية نصف الدية، فلا مناص عندئذٍ من ردّ علمها إلى أهله.

(2) فإنّ القصاص إنما يثبت في القتل العمدي دون مطلق القتل، وبما أنّ القتل في مفروض المسألة ليس بعمدي فلا موضوع للقصاص.

(3) من دون خلاف وإشكال وتدلّ على ذلك عدّة روايات :

منها: صحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قلت له


1) الوسائل 29: 85/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 17.

2) المائدة 5: 45.

---------------------------------------------------------------------------------

قول الله عزّ وجلّ: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى» (1)قال: «فقال: لا يقتل حرّ بعبد، ولكن يضرب ضرباً شديداً ويغرم ثمنه دية العبد»(2).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال: لا يقتل الحرّ بالعبد، وإذا قتل الحرّ العبد غرم ثمنه وضرب ضرباً شديداً (3).

ومنها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال: يقتل العبد بالحرّ، ولا يقتل الحرّ بالعبد، ولكن يغرم ثمنه، ويضرب ضرباً شديداً حتى لا يعود»(4).

ولا تعارضها معتبرة إسماعيل ابن أبي زياد عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): «أنّه قتل حرّاً بعبد قتله عمداً (5).

فإنّها قضيّة في واقعة ومن المحتمل أنّ الحرّ كان معتاداً على قتل العبيد وسيأتي - إن شاء الله تعالى - أنّ الحكم في مثله القتل (6).

وأما ما في معتبرة زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) «قال: ليس بين الرجال والنساء قصاص إلا في النفس، وليس بين الأحرار والمماليك قصاص إلّا في النفس، وليس بين الصبيان قصاص في شيء إلّا في النفس» (7).


1) البقرة 2 : 178.

2) الوسائل 29: 96 / أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 1.

3) الوسائل 29 :96 / أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 2.

4) الوسائل 29: 96 / أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 3.

5) الوسائل 29 : 98/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 9.

6) في ص 48.

7) الوسائل 29: 184/ أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 2.

وعلى القاتل قيمة المقتول يوم قتله (1) لمولاه إذا لم تتجاوز دية الحرّ (2)، وإلّا


فلابد من ردّ علمها إلى أهله فإنّ الجملة الأخيرة فيها مقطوعة البطلان، لأنّ الصبي ليس عليه قصاص حتى في النفس، وإنما اللازم في قتله الدية، وهي على عاقلته.

وكذلك الجملة الأولى، فإنّ القصاص ثابت بين الرجال والنساء في غير النفس أيضاً، غاية الأمر أنّه لا بد من ردّ فاضل الدية فيما إذا جاوز الثلث إذا كان المقتص هي المرأة، كما هو الحال في النفس.

وأمّا الجملة الثانية فهي أيضاً كذلك، حيث إنّه لا يقتل الحرّ بالعبد بنص الآية الكريمة والروايات المتظافرة التي تقدّم بعضها فلا مناص عندئذٍ من طرح الرواية.

ومن ذلك يظهر الحال في معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي (علیهم السلام) قال : ليس بين العبيد والأحرار قصاص فيما دون النفس، وليس بين اليهودي والنصراني والمجوسي قصاص فيما دون النفس» (1).

على أنه لا دلالة فيها على ثبوت القصاص في النفس إلا بمفهوم القيد، وهو لا يثبت إلّا القصاص في الجملة، حيث لا إطلاق له، فإذن المتيقن هو حمله على صورة الاعتياد.

(1) فإنّه يوم اشتغال الذمة بالقيمة.

(2) بلا خلاف وتدلّ عليه عدة نصوص:

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا قتل الحر


1) الوسائل 29: 184 / أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 3.

فلا يغرم الزائد، وإذا قتل الأمة فكذلك (1)، وعلى القاتل قيمتها إذا لم تتجاوز دية الحرّة (2)، ولو كان العبد أو الأمة ذمّيّاً غرم قيمة المقتول إذا لم تتجاوز دية الذمّي أو الذمّيّة. ولا فرق فيما ذكرناه بين كون العبد أو الأمة قناً أو


العبد غرم قيمته وأدب» قيل : فإن كانت قيمته عشرين ألف درهم؟ «قال: لا يجوز بقيمة عبد دية الحر» (1).

ومنها : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية العبد قيمته، فإن كان نفيساً فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يجاوز به دية الحر» (2).

(1) والسبب فيه : أنّ مورد الروايات المتقدّمة وإن كان هو قتل الحرّ العبد إلّا أنّ الظاهر منها هو أنها في مقام بيان حكم المملوك من حيث كونه مملوكاً، بلا فرق بين كونه ذكراً أو أنثى.

(2) نظراً إلى انّ دية المرأة نصف دية الرجل، فإذا لم تتجاوز قيمة العبد العشرة آلاف درهم لم تتجاوز قيمة الأمة الخمسة آلاف درهم.

و تدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن مسكان المتقدّمة، وصحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : «دية المرأة نصف دية الرجل»(3).

وبما ذكرنا يظهر حال العبد والأمة الذمّيّين، فإنّ ديتهما لا تزيد على دية الحرّ منهما.


1) الوسائل 29: 97/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 4.

2) الوسائل 29: 207 / أبواب ديات النفس ب 6 ح 2.

3) الوسائل 29: 205/ أبواب ديات النفس ب 5 ح 1.

مدبّراً (1)، وكذلك إذا قتل الحرّ أو الحرّة مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً ولم يؤدّ من مال الكتابة شيئاً (2). ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى (3). ومثل ذلك القتل الخطائي (4)، غاية الأمر أنّ الدية تحمل على عاقلة القاتل الحرّ إذا كان خطأ محضاً، وإلّا ففي مال القاتل نفسه على تفصيل يأتي.


بقي هنا شيء، وهو أنّ المستفاد من الروايات المتقدمة : أن عدم تغريم قاتل العبد بأكثر من عشرة آلاف درهم إذا كانت قيمته أكثر منها إنما هو من جهة القتل فقط، بمعنى : أنّ قاتل العبد عمداً يسقط عنه القصاص، وينتقل الأمر إلى الدية، وهي لا تزيد على دية الحرّ.

وأما إذا كان هناك سبب آخر للضمان غير القتل، كما إذا غصب الحرّ عبداً ثم قتله، ففي مثل ذلك لا يبعد الالتزام بضمان تمام قيمته مهما بلغت، فإنّ الغصب أوجب ذلك.

ولا موجب لسقوط الضمان، فإنّ القتل العمدي إن لم يوجب الزيادة لم يوجب النقص، فلو فرضنا أنّ العبد المذكور قد مات بنفسه كان الغاصب ضامناً لقيمته مهما بلغت، فكيف به إذا قتله عمداً بعد غصبه ؟! وقد نسب الشهيد الثاني ذلك إلى بعض الأصحاب وقواه (1).

(1) لإطلاق الأدلة وعدم خصوصيّة في البين.

(2) فإنّه قنٌّ تترتب عليه أحكامه المتقدّمة.

(3) ظهر وجهه مما تقدم.

(4) وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في قتل الحرّ العبد عمداً هو الدية - أي


1) المسالك 2 : 366 (حجري).

اختلاف الجاني ومولى العبد في قيمته يوم القتل

(مسألة 44) : إذا اختلف الجاني ومولى العبد في قيمته يوم القتل، فالقول : قول الجاني مع يمينه إذا لم تكن للمولى بيّنة (1).

لو قتل المولى عبده متعمداً

(مسألة 45) : لو قتل المولى عبده متعمّداً، فإن كان غير معروف بالقتل ضرب مائة ضربة شديدة، وحُبس وأخذت منه قيمته يتصدق بها، أو تدفع إلى بيت مال المسلمين (2)،


قيمة العبد المقتول - فلا قود ولا قصاص. والمفروض أنّ الأمر كذلك في قتله العبد خطأ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

نعم، يفترق القتل الخطائي عن العمدي في نقطة أخرى، وهي أنّ القتل إذا كان خطأ فالدية على عاقلة القاتل لا في مال نفسه.

(1) لأنّ الجاني يدعي الأقل فيكون قوله مطابقاً للأصل، فعلى مدعي الزائد الإثبات.

وتؤيد ذلك رواية أبي الورد قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل عبداً خطاً ؟ قال : عليه قيمته - إلى أن قال : - إن كان لمولاه شهود أنّ قيمته كانت يوم قتل كذا وكذا أخذ بها قاتله، وإن لم يكن له شهود على ذلك كانت القيمة على من قتله مع يمينه» الحديث (1).

(2) هذا مقتضى الجمع بين صحيحة يونس ومعتبرة السكوني.

ففي الأولى : عنهم (عليهم السلام)، قال : سُئِل عن رجل قتل مملوكه «قال: إن كان غير معروف بالقتل ضُرب ضرباً شديداً وأخذ منه قيمة العبد، ويدفع


1) الوسائل 29 :208 / أبواب ديات النفس ب 7 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

إلى بيت مال المسلمين وإن كان متعوّداً للقتل قتل به» (1).

ثم إنه قد يناقش في الرواية بوقوع إسماعيل بن مرار في سندها وهو لم يوثق، ولكنّه مندفع بما ذكرناه في معجم رجال الحديث من أنّه ثقة على الأظهر (2)، فإذن الرواية صحيحة.

وأما ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) من أنها مرسلة مقطوعة(3)، فلم يظهر لنا وجهه، فإنّ يونس وإن لم يرو عن غير الكاظم (عليه السلام) والرضا (عليه السلام) بلا واسطة إلّا أنّه يصح له أن ينسب ما سمعه منها أو من أحدهما إلى الأئمة (عليهم السلام).

وفي الثانية : عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع إليه رجل عذب عبده حتى مات، فضربه مائة نكالاً، وحبسه وأغرمه قيمة العبد، فتصدق بها عنه» (4).

ثمّ إنّ محمّد بن يعقوب والشيخ رويا هذه الرواية بإسنادهما عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حبسه سنة» (5).

ولكنّ الرواية ضعيفة بسهل بن زياد ومحمّد بن الحسن بن شمون وعبدالله بن عبدالرحمن الأصم، فلا يمكن الاعتماد عليها.


1) الوسائل 29: 95/ أبواب القصاص في النفس ب 38 ح 2.

2) معجم رجال الحديث 4: 96/ 1439.

3) المسالك 2 : 366 (حجري).

4) انظر الوسائل 29: 92 / أبواب القصاص في النفس ب 37 ح 5.

5) الكافي 7: 303/ 6 التهذيب 10: 235 / 933.

وإن كان متعوّداً على القتل قُتِل به (1). ولا فرق في ذلك بين العبد والأمة (2)، كما أنه لا فرق بين القنّ والمدبّر والمكاتب، سواء أكان مشروطاً أم مطلقاً لم يؤدّ من مال كتابته شيئاً (3).

حكم قتل الحرّ أو الحرّة مكاتباً أدّى من مال مكاتبته شيئاً

(المسألة 46) : إذا قتل الحرّ أو الحرّة متعمّداً مكاتباً أدّى من مال مكاتبته شيئاً لم يقتل به (4) ولكن عليه دية الحرّ بمقدار ما تحرّر منه ودية


(1) تدلّ على ذلك ذيل صحيحة يونس المتقدّمة.

وتؤيدها رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام): في رجل قتل مملوكه أو مملوكته «قال : إن كان المملوك له أدب وحبس، إلا أن يكون معروفاً بقتل المماليك فيقتل به»(1).

ثمّ إنّ الظاهر أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) سها قلمه الشريف حيث نسب الرواية إلى أبي الفتح الجرجاني.

(2) فإنّ مورد الروايتين وإن كان هو العبد إلّا أنّ المقطوع به أنه لا خصوصيّة له وأنّ هذه الأحكام أحكام المماليك بلا فرق بين الذكر والأنثى.

(3) لإطلاق النصوص المتقدّمة.

(4) لأنّ الحرّ لا يُقتل إلّا بالحرّ والمكاتب ليس بحرّ.

وأما الآية الكريمة « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (2)فهي مقيدة بقوله تعالى: « الْحُرُّ بِالْحُرِّ» (3)، فإنّه يدل على أنّ الحرّ لا يُقتل إلا بالحرّ.


1) الوسائل 29: 94/ أبواب القصاص في النفس ب 38 ح 1.

2) المائدة 5: 45.

3) البقرة 2 : 178.

العبد بمقدار ما بقي (1)


والوجه في ذلك : أنه بعد ما عرفت من أنّ أدلة القصاص لا تشمل المقام فبطبيعة الحال ينتهي الأمر إلى الدية، وحيث إنّه لا يمكن أن تكون الدية هنا قيمته لفرض أنّ مقداراً منه حرّ فلا يكون مشمولاً للروايات الدالة على أنّ دية العبد قيمته. فإذن لا محالة تتقسّط الدية، وبالإضافة إلى مقدار ما تحرّر منه تكون الدية دية حرّ، وبالإضافة إلى مقدار ما بقى من الرق تكون الدية قيمته.

ويمكن استفادة ذلك من صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال في مكاتب قتل رجلاً خطأ «قال : عليه ديته بقدر ما أعتق، وعلى مولاه ما بقي من قيمة المملوك» الحديث (1).

ولا يضر في صحتها أن يكون في سندها إسماعيل بن مرار، فإنّه ثقة على الأظهر.

وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قتل، قال : يحسب ما أعتق منه فيؤدّي دية الحرّ وما رق منه فدية العبد» (2).

بتقريب : أنّ موردهما وإن كان فرض المكاتب قاتلاً ولكن في تقسيط دية المقتول عليه فيؤدّي دية الحرّ بمقدار ما تحرّر ودية العبد بمقدار ما رقّ دلالة على أنّ ديته إذا كان مقتولاً أيضاً كذلك نظراً إلى أن ذلك من خصوصية الحرّ والمملوك، فلا أثر لكونه قاتلاً أو مقتولاً من هذه الناحية.


1) الوسائل 29: 213 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 1.

2) الوسائل 29: 213 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 2.

كما هو الحال في القتل الخطائي (1)، ولا فرق في ذلك بين كون المكاتب عبداً أو أمة (2)، كما لا فرق بين كونه قد أدّى نصف مال كتابته أو أقل من ذلك (3). وكذا الحال فيما لو قتل المولى مكاتبه عمداً (4).


(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) لما عرفت من أنّ هذه الأحكام أحكام المماليك من دون خصوصية لكون المملوك ذكراً أو أنثى.

(3) خلافاً للشيخ (قدس سره) في الاستبصار، حيث إنه بعد ما روى رواية

على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن مكاتب فقأ عين مكاتب أو كسر سنّه، ما عليه ؟ «قال : إن كان أدّى نصف مكاتبته فديته دية حرّ، وإن كان دون النصف فبقدر ما أعتق، وكذا إذا فقأ عين حر» وسألته عن حرّ فقأعين مكاتب أو كسر سنّه «قال : إذا ادّى نصف مكاتبته تفقأ عين الحرّ أو ديته إن كان خطأ هو بمنزلة الحرّ، وإن لم يكن أدّى النصف قوّم فأدّى بقدر ما أعتق منه» الحديث (1).

جعلها مقيّدة لإطلاق صحيحة محمّد بن قيس، فحملها على صورة ما أعتق منه ما دون النصف، وأما إذا كان المعتق بقدر النصف فديته دية الحرّ.

وما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، لضعف رواية علي بن جعفر سنداً، فإنّ في سندها محمّد بن أحمد العلوي، ولم يرد فيه توثيق ولا مدح.

(4) يظهر الحال فيه مما تقدّم.


1) الوسائل 29 : 213 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 3، الاستبصار 4: 277/ 1049.

لو قتل العبد حراً عمداً

(المسألة 47) : لو قتل العبد حرّاً عمداً قُتِل به (1)، ولا يضمن مولاه جنايته (2). نعم، لوليّ المقتول الخيار بين قتل العبد واسترقاقه (3).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب. وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «قال: يقتل العبد بالحرّ ولا يقتل الحرّ بالعبد» الحديث (1).

ومنها : صحيحة زرارة الآتية.

وتؤيد ذلك رواية السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): في عبد قتل مولاه متعمّداً «قال : يقتل به» ثمّ قال: «وقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بذلك» (2).

(2) تدلّ على ذلك صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قتل - إلى أن قال : - العبد لا يغرم أهله وراء نفسه شيئاً»(3).

وتؤيدها رواية ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا قتل العبد الحرّ فدفع إلى أولياء الحرّ فلا شيء على مواليه»(4).

على أنّه لا مقتضى لضمان المولى جناية عبده.

(3) من دون خلاف بين العلماء، بل ادّعي عليه الإجماع. وتدلّ على ذلك


1) الوسائل 29 :96/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 3.

2) الوسائل 29 :98 / أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 10.

3) الوسائل 29: 213 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 2.

4) الوسائل 29 : 100 / أبواب القصاص في النفس ب 41 ح 6.

وليس لمولاه فكه إلّا إذا رضي الولي به (1). ولا فرق فيما ذكرناه بين كون القاتل أو المقتول ذكراً أو أنثى (2)، كما أنّه لا فرق بين كون القاتل قناً أو مدبراً وكذلك أم الولد (3).

لو قتل المملوك أو المملوكة مولاه عمداً

(مسألة 48) : إذا قتل المملوك أو المملوكة مولاه عمداً، جاز لولي المولى قتله، كما يجوز له العفو عنه. ولا فرق في ذلك بين القن والمدبّر والمكاتب بأقسامه.


عدة روايات :

منها : صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «في العبد إذا قتل الحرّ دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءُوا قتلوه، وإن شاءوا استرقوه»(1).

(1) وذلك لأنّ مقتضى صحيحة زرارة المتقدّمة هو أن الاختيار بيد ولي المقتول، وأنّه مخيّر بين قتل العبد القاتل واسترقاقه، فليس للمولى معارضة الولي في ذلك.

نعم، إذا رضي الولي بدفع المولى الدية فلا بأس.

(2) بلا خلاف، لإطلاق النصّ، فإنّ المراد من العبد والحرّ - في الصحيحة ولو بمناسبة الحكم والموضوع - إنما هو المملوك وغير المملوك من دون خصوصيّة للذكورة والأنوثة، حيث إنّ هذه الأحكام أحكام المماليك في مقابل الأحرار كما عرفت.

(3) لإطلاق الدليل.

(4) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.


1) الوسائل 29: 99/ أبواب القصاص في النفس ب 41 ح 1.

لو قتل المكاتب حرّاً متعمداً

(مسألة 49) : لو قتل المكاتب حرّاً متعمّداً قُتِل به مطلقاً (1)، سواء أكان مشروطاً أم مطلقاً، أدّى من مال الكتابة شيئاً أم لم يؤد. نعم، لو أدّى المطلق منه شيئاً لم يكن لولي المقتول استرقاقه تماماً (2)، وله استرقاقه بمقدار ما بقي من عبوديته (3)، وليس له مطالبته بالدية بمقدار ما تحرّر منه إلا مع التراضي (4).


(1) بلا خلاف كتاباً وسنّةً.

(2) وذلك لأنّ مقداراً منه قد أصبح حرّاً، ومن المعلوم أنّه لا يمكن استرقاقه.

(3) لأنّ جناية العبد في رقبته ولا يغرم أهله وراء نفسه شيئاً.

هذا، ويمكن استفادة ذلك من صحيحة أبي ولاد الآتية، فإنها تدل على أنه يدفع المكاتب القاتل للعبد أو الحرّ إلى مولى المقتول أو وليه.

(4) وذلك لأن الثابت في القتل العمدي هو القصاص، والدية لا تثبت إلا مع التراضي.

وأما صحيحة أبي ولاد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مكاتب جنى على رجل حرّ جناية «فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ، وإن عجز عن حق الجناية أخذ ذلك من المولى الذي كاتبه» قلت: فإنّ الجناية لعبد «قال : على مثل ذلك يدفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب الحديث (1).

فهي وإن كانت ظاهرة في العمد من جهة أنّ الجناية بمعنى ارتكاب الذنب،


1) الوسائل 29: 214/ أبواب ديات النفس ب 10 ح 5.

حكم قتل العبد أو الأمة الحرّ خطأ

(مسألة 50) : لو قتل العبد أو الأمة الحرّ خطأً، تخيّر المولى بين فك رقبته بإعطاء دية المقتول أو بالصلح عليها، وبين دفع القاتل إلى ولي المقتول ليسترقه، وليس له إلزام المولى بشيء من الأمرين (1).


ومن جهة أنّ الدية في فرض الخطأ على الإمام لا على الخاطئ نفسه، إلّا أنّه لا بد من حملها على غير موارد القصاص، أو على صورة التراضي على الدية، فإنّه لا تصل النوبة إلى الدية في موارد القصاص إلا مع التراضي.

ثم إن محمد بن يعقوب (قدس سره) رواها بسنده الصحيح عن أبي ولاد الحنّاط، إلّا أنّه رواها هكذا قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية، الحديث (1).

والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) لا يصح، لأنّ المكاتب المشروط قنّ ولا يجري عليه الحكم المذكور في الصحيحة.

(1) وذلك لأن الثابت في القتل الخطائي هو الدية، وبما أنّ دية جناية العبد أو الأمة في رقبته ولا عاقلة له فلا يلزم المولى بدفعها، لفرض عدم شيء عليه.

نعم، له ذلك إذا أراد فكّ رقبته، كما تدلّ عليه صحيحتا محمّد بن حمران وجميل الآتيتان. وعلى هذا فإن لم يدفع مولى القاتل الدية فلولي المقتول أن يسترقه، فعندئذٍ إن ساوت قيمة العبد الدية أو نقصت فلا شيء على الولي، وإن زادت قيمته عنها فعليه ردّ الزائد إلى مولاه.

وتدلّ على أنّ لولي المقتول الاسترقاق صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مدبّر قتل رجلاً عمداً «فقال : يُقتل به» قال : قلت :


1) الوسائل 29 :105/ أبواب القصاص في النفس ب 46 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

فإن قتله خطأ ؟ قال : «فقال : يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقاً، فإن شاءُوا باعوا، وإن شاءُوا استرقوا وليس لهم أن يقتلوه» قال : ثمّ قال: «يا أبا محمد، إنّ المدبّر مملوك » (1).

وتدلّ على ذلك أيضاً صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مكاتب قتل رجلاً خطاً، قال: «فقال: إن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو ردّ في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاءُوا إسترقوا وإن شاءوا باعوا الحديث (2).

فهذه الصحيحة أيضاً واضحة الدلالة على أنّ لولي المقتول استرقاق المملوك مطلقاً وإن كان مكاتباً، كما أنّ له بيعه وأخذ ثمنه بعنوان الدية.

وما ذكرناه مطابق لما في الفقيه، ولكن محمّد بن يعقوب والشيخ روياها :هكذا: «فإن شاءُوا قتلوا وإن شاءوا باعوا»، وهي مقطوعة البطلان، لمخالفتها للكتاب والسنّة، حيث إنّه لا قتل في القتل الخطائي.

ومن الغريب أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) لم يشر إلى ما رواه الصدوق في الفقيه، واقتصر على رواية محمد بن يعقوب والشيخ.

وكيف كان، فلا مانع من الأخذ برواية الصدوق (قدس سره)، كما لا بد من تقييد إطلاقها وإطلاق صحيحة أبي بصير بما إذا لم يدفع مولى القاتل الدية، وإلّا فليس لأولياء المقتول الاسترقاق بمقتضى الصحيحتين الآتيتين.


1) الوسائل 29: 102 / أبواب القصاص في النفس ب 42 ح 1.

2) الوسائل 29: 105 / أبواب القصاص في النفس ب 46 ح 2، التهذيب 10: 198/ 84، الفقيه 4: 95 / 25، الكافي 7 3/308.

ولا فرق في ذلك بين القنّ والمدبّر (1) والمكاتب المشروط والمطلق الذي لم يؤدّ من مال الكتابة شيئاً (2). وأم الولد (3).


(1) بيان ذلك : أنه روى محمّد بن حمران في الصحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام) في مدبّر قتل رجلاً خطأ «قال: إن شاء مولاه أن يؤدّي إليهم الدية، وإلا دفعه إليهم يخدمهم، فإذا مات مولاه - يعني : الذي أعتقه - رجع حرّاً (1).

وروى جميل في الصحيح أيضاً : قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): مدبّر قتل رجلاً خطأ،، من يضمن عنه ؟ «قال : يصالح عنه مولاه، فإن أبى دفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبّره ثم يرجع حرّاً لا سبيل عليه»(2).

ولكن صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) المتقدمة بعد تقييدها بما إذا لم يدفع ولي القاتل الدية ولم يصالح عنه تعارض هاتين الصحيحتين وبعد التساقط يكون المرجع صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة وعموم ما دلّ على أنّ جناية العبد في رقبته.

(2) لإطلاقات الأدلّة.

(3) خلافاً للشيخ (قدس سره)، حيث ذهب إلى أن جناية أم الولد خطأ على سيّدها (3).

وأستند في ذلك إلى رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : أمّ الولد جنايتها في حقوق الناس على سيّدها، وما كان من حقوق الله


1) الوسائل 29: 211/ أبواب ديات النفس ب 9 ح 3، 1.

2) الوسائل 29: 211/ أبواب ديات النفس ب 9 ح 3، 1.

3) المبسوط 7: 160، الخلاف 5: 271 - 272.

لو قتل المكاتب الحرّ أو العبد خطأ

(مسألة 51): لو قتل المكاتب الذي تحرّر مقدار منه الحرّ أو العبد خطأ، فعليه الدية بمقدار ما تحرّر، والباقي على مولاه فهو بالخيار بين ردّ الباقي إلى أولياء المقتول وبين دفع المكاتب إليهم، وإذا عجز المكاتب عن أداء ما عليه كان ذلك على إمام المسلمين (1).


عزّ وجلّ في الحدود فإنّ ذلك في بدنها» الحديث (1).

ولكن في سندها نعيم بن إبراهيم ولم يرد فيه توثيق ولا مدح، فهي ضعيفة، فلا يمكن الاعتماد عليها.

فالنتيجة : عدم الفرق بين أمّ الولد وغيرها فيما ذكرناه لعدم خصوصيّة لها.

(1) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في مكاتب قتل رجلاً خطأ «قال : عليه ديته بقدر ما أعتق، وعلى مولاه ما بقي من قيمة المملوك، فإن عجز المكاتب فلا عاقلة له، إنما ذلك على إمام المسلمين»(2).

وصحيحة محمد بن مسلم، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مكاتب قتل رجلاً خطأ، قال : «فقال : إن كان مولاه حين كاتبه إشترط عليه - إلى أن قال : - وإن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه وكان قد أدى من مكاتبته شيئاً فإنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : يعتق من المكاتب بقدر ما أدّى من مكاتبته، فإنّ على الإمام أن يؤدّي إلى أولياء المقتول من الدية بقدر ما أعتق من المكاتب، ولا يبطل دم امرئ مسلم» الحديث (3)


1) الوسائل 19: 103 / أبواب القصاص في النفس ب 43 ح 1.

2) الوسائل 19: 13 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 1.

3) الوسائل 29: 105 / أبواب القصاص في النفس ب 46 ح 2.

لو قتل العبد عبداً متعمداً

(مسألة 52) : لو قتل العبد عبداً متعمّداً قُتِل به (1)،


ولكنّه لا بد من تقييد إطلاقها بما إذا لم يكن للمكاتب مال بصحيحة عبدالله ابن سنان.

(1) بلا خلاف ولا إشكال كتاباً وسنّةً، وإنما الاشكال في موضعين :

أحدهما : فيما إذا كانت قيمة العبد القاتل أكثر من قيمة العبد المقتول، فإذا اقتص مولى المقتول من القاتل فهل يجب عليه ردّ الزائد من قيمته إلى مولى المقتص منه ؟

فيه قولان، نُسب إلى العلّامة في القواعد وجوب الردّ(1)، وقواه في المسالك صريحاً (2).

ولكن الصحيح عدم وجوب الردّ، فإنّ العبد وإن كان من الأموال، إلّا أنّ تشريع القصاص مبني على حفظ النفوس، فجعل النفس بالنفس في الحر وغيره، ومقتضى ذلك عدم العبرة بتفاوت القيمة، ويؤكد ذلك عدم الإشارة في شيء من الروايات إلى لزوم دفع الزائد إلى مولى المقتص منه، مع أنّ العبيد يختلفون بحسب القيمة غالباً.

ثانيهما : أن مولى المقتول هل له استرقاق العبد بعد الفراغ من عدم جواز مطالبته الدية من مولى القاتل، فإنّ المولى لا يلزم بشيء من فعل العبد، وإنما جنايته في رقبته، أو ليس له ذلك ؟

فيه قولان، المشهور بين الأصحاب جواز ذلك، ولكن إذا كانت قيمة العبد


1) القواعد 3: 596.

2) المسالك 2: 366 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

القاتل أكثر من قيمة العبد المقتول لزم أن يردّ مولى المقتول الزائد إلى مولى القاتل.

إلا أن ظاهر عبارة المحقق في النافع وكذلك عبارة الشارح (قدس سره) أنّ لمولى المقتول القصاص إلا مع التراضي مع مولى القاتل في الدية(1).

وظاهر هذا الكلام أنّه ليس لمولى المقتول استرقاق العبد القاتل من دون رضا مولاه. والظاهر أنّ هذا هو الصحيح، فإنّ جناية العبد وإن كانت على نفسه إلّا أنّه لا يستلزم ذلك جواز استرقاقه بدون إذن مولاه. وثبوت ذلك فيما إذا قتل الحر لا يلازم ثبوته فيما إذا قتل العبد.

ودعوى ثبوته بالفحوى كما في الجواهر (2)، لم نتحصلها.

هذا، ويمكن الاستدلال على عدم جواز الاسترقاق بصحيحة أبي ولاد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مكاتب جنى على رجل حرّ جناية «فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً - إلى أن قال : - فإن لم يكن أدّى من مكاتبته شيئاً فإنّه يقاص للعبد منه أو يغرم المولى كلّما جنى المكاتب، لأنه عبده، ما لم يؤدّ من مكاتبته شيئاً» الحديث (3).

بتقريب : أنها تدلّ على عدم إلزام المولى بإعطاء العبد لمولى المقتول، وأنّ الأمر يدور بين الاقتصاص منه ودفع مولاه غرامته، ولو كان ذلك بدفع نفسه، فلو كان لمولى المقتول حق استرقاقه لم تصل النوبة إلى اختيار مولاه دفع الغرامة إلا برضا مولى المقتول.


1) المختصر النافع : 295.

2) الجواهر 42: 100.

3) الوسائل 29: 214 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 5.

بلا فرق بين كون القاتل والمقتول قنّين أو مدبّرين أو كون أحدهما قناً والآخر مدبّراً (1)، وكذلك الحكم لو قتل العبد أمة (2) ولا ردّ لفاضل ديته إلى مولاه (3).

حكم قتل العبد مكاتباً عمداً

(مسألة 53) : لو قتل العبد مكاتباً عمداً، فإن كان مشروطاً أو مطلقاً لم يؤدّ من مال الكتابة شيئاً فحكمه حكم قتل القنّ (4)، وإن كان مطلقاً تحرّر بعضه، فلكل من مولى المقتول وورثته حق القتل (5)، فإن قتلاه معاً فهو، وإن قتله أحدهما دون الآخر سقط حقه بسقوط موضوعه. وهل لولي


(1) لإطلاق الأدلة كتاباً وسنّةً.

(2) لإطلاق الآية الكريمة : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1).

(3) هر وجه ذلك مما تقدّم من أنّ ردّ الزائد يحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا.

نعم، ثبت ذلك في قتل الرجل الحرّ المرأة الحرّة، فإنّ أولياء المرأة إذا أرادوا أن يقتلوه فعليهم ردّ نصف ديته إلى أوليائه.

(4) تقدّم حكم ذلك.

(5) لأنّ المقتول بما أنّه مشترك بين الحر والعبد فالقاتل له قاتل للحر والعبد معاً، فباعتبار أنّه قاتل للحرّ فلوليه قتله، وباعتبار أنه قاتل للعبد فلمولاه قتله. وقد تقدّم أنه لا فرق في ثبوت القصاص بين كون القاتل قاتلاً للبعض أو للكلّ (2).


1) المائدة 5: 45.

2) في ص 48 – 50.

المقتول استرقاق القاتل بمقدار حرّيّة المقتول ؟ نعم، له ذلك (1).

لو قتلت الأمة أمة أو عبداً

(مسألة 54) : لو قتلت الأمة أمة قُتِلت بها (2)، بلا فرق بين أقسامها (3)، وكذا لو قتلت عبداً (4).

لو قتل المكاتب عبداً عمداً

(مسألة 55) : لو قتل المكاتب عبداً عمداً، فإن كان مشروطاً أو مطلقاً لم يؤدّ من مال الكتابة شيئاً فحكمه حكم القنّ (5) في ص 53 - 54. (1)، وإن أدى منه شيئاً لم يُقتل به (6) ولكن تتعلّق الجناية برقبته


(1) تقدم وجه ذلك في تعليقة المسألة (49).

(2) بلا خلاف ولا إشكال كتاباً وسنّةً.

(3) لإطلاق الأدلة وعدم وجود دليل مقيد في البين.

(4) من دون خلاف بين الأصحاب، لإطلاق الكتاب والسنّة.

(5) من دون خلاف بين الأصحاب، لإطلاق الكتاب والسنّة.

(6) تدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مكاتب جنى على رجل حرّ جناية «فقال : إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ، وإن عجز عن حق الجناية أخذ ذلك من المولى الذي كاتبه» قلت: فإنّ الجناية لعبد «قال: على مثل ذلك يدفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب، ولا تقاص بين المكاتب وبين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئاً» الحديث (2).


1)

2) الوسائل 29: 214/ أبواب ديات النفس ب 10 ح 5.

بقدر ما بقي من الرقيّة (1) ويسعى في نصيب حرّيّته إذا لم يكن عنده مال وإلّا فيؤدّي من ماله (2)، فإن عجز كانت الدية على المولى المكاتب (3)، وأمّا ما تعلّق برقبته فلمولى المقتول استرقاقه بمقدار رقيته ليستوفي حقه، ولا يكون مولى القاتل ملزماً بدفعه الدية إلى مولى المقتول (4). ولا فرق ذلك بين كون


(1) لما عرفت من أن جناية العبد على رقبته.

(2) لما تقدّم من أنّ قاتل العبد إذا كان حرّاً فعليه أن يدفع قيمته إلى مولاه (1)، فإذا فرضنا أنّ القاتل بعضه حرّ لزمه دفع قيمته إلى مولاه بقدر نصيب حريته.

(3) تدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد المتقدّمة، ولم أر من تعرّض لحكم عجز المكاتب عن دفع الدية في القتل العمدي.

(4) فإنّ ذلك مقتضى القاعدة بعد عدم ثبوت القصاص، نظراً إلى أن جنايته بمقدار رقيّته بما أنها كانت متعلّقة برقبته ولا يلزم المولى بشيء من جناية عبده، فبطبيعة الحال كان لمولى المقتول أن يستوفي حقه منها باسترقاقه بقدر رقيّته، ولكن بشرط أن لا تكون قيمة هذا المقدار من رقيته أكثر من ذلك المقدار من رقيّة المقتول، وإلا لزم ردّ الزائد.

هذا، مضافاً إلى أن قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي ولاد المتقدّمة «يدفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب...» يدلّ على ذلك، فإن معناه : أنّ جنايته في رقبته، فلذا يدفع إلى مولى المقتول ليستوفي حقه منه.

ومن ذلك يظهر وجه عدم إلزام المولى بدفع الدية إلى مولى المقتول.


1) في ص 41 - 44.

القاتل أو المقتول ذكراً أو أنثى، كما أنّه لا فرق بين كون المقتول قناً أو مدبّراً (1).

لو قتل المكاتب مكاتباً مثله عمداً

(مسألة 56) : لو قتل المكاتب الذي تحرّر مقدار منه مكاتباً مثله عمداً، فإن تحرّر من المقتول بقدر ما تحرّر من القاتل أو أكثر قُتِل به (2)، وإلّا فالمشهور أنّه لا يقتل، ولكنّه لا يخلو من إشكال، والأقرب أنّه يقتل (3).


(1) تقدم وجه ذلك وأنه لا فرق في هذه الأحكام بين أصناف المماليك ولا بين الذكر والأنثى منهم(1)..

(2) بلا خلاف ولا إشكال، وذلك لإطلاق قوله تعالى: فِيهَا «أَنَّ النَّفْسَ (2)بِالنَّفْسِ» (3).

(3) وجه المشهور : هو اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والرقية، وحيث لا تساوي في المقام بينهما فلا قصاص.

وقد يستدلّ على ذلك - كما في الجواهر (4)- بمفهوم قوله تعالى: « وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ» (5).

و في كلا الدليلين ما لا يخفى:


1) في ص 52.

2) المائدة 5: 45.

3) المائدة 5: 45.

4) الجواهر 42: 111.

5) البقرة 2: 178.

لو قتل العبد عبداً خطأ

(مسألة 57) : إذا قتل عبد عبداً خطأ، كان مولى القاتل بالخيار بين فكه بأداء دية المقتول وبين دفعه إلى مولى المقتول ليسترقه ويستوفي حقه من قیمته (1)، فإن تساوت القيمتان فهو، وإن زادت قيمة القاتل على قيمة المقتول ردّ الزائد إلى مولى القاتل (2)، وإن نقصت عنها فليس له أن يرجع


أمّا الأوّل : فلأنّه لم يدلّ دليل على اعتبار التساوي حتى في هذا المقدار، فإنّ الثابت بالدليل هو أنّ الحرّ والمكاتب الذي تحرّر منه شيء لا يقتلان بالعبد. وعليه، فلا مقيد لإطلاق الآية الكريمة : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».

المستفاد

وأما الثاني : فلأنّه لا ينفي القتل في المقام ليكون مقيداً لإطلاق الآية، فإنّ من قوله تعالى: « وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ»: أنّ غير العبد لا يقتل بالعبد، ولا دلالة فيه بوجه على أنّ من تحرّر بعضه لا يقتل بمن تحرّر بعضه أيضاً إذا كان تحرّر القاتل أكثر.

فالنتيجة : أنّه لا دليل على ما هو المشهور، وعليه فالأقرب أنّه يُقتل بمقتضى إطلاق الآية الكريمة.

(1) والوجه في ذلك ظاهر، فإنّ جناية العبد في رقبته ولا يغرم مولاه غير نفس العبد، وتقدّم أنّ المولى لا يلزم بدفع العبد نفسه وأنّ له دفع الدية(1).

(2) تقدم وجه ذلك (2)


1) في ص 54 – 55.

2) في ص 54.

إلى مولى القاتل ويطالبه بالنقص (1). ولا فرق في ذلك بين كون القاتل ذكراً أو أنثى، كما أنّه لا فرق بين كونه قنّاً أو مدبّراً أو مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً لم يؤد من مال الكتابة شيئاً (2). وأما لو قتل مكاتباً تحرّر مقدار منه فقد ظهر حكمه مما تقدّم (3).

لو كان للحرّ عبدان قتل أحدهما الآخر

(مسألة 58) : لو كان للحرّ عبدان قتل أحدهما الآخر، خيّر المولى بين قتل القاتل والعفو عنه (4).


(1) لأنّ جناية العبد في رقبته ولا يلزم المولى بشيء ولو كانت قيمته أقلّ من قيمة المقتول، وتدلّ عليه عدّة من الروايات المتقدّمة.

(2) لما تقدّم من أنّ هذه الأحكام أحكام المماليك بما هم مماليك من دون خصوصيّة لصنف منهم بالإضافة إلى صنف آخر (1).

(3) وهو أنّ مولى القاتل مخيّر بين فكّ رقبته بدفع قيمته بأن يدفع نصيب حرّيته إلى ورثته ونصيب رقيّته إلى مولاه، وبين أن يدفع القاتل إلى مولى المقتول وورثته.

(4) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - معتبرة إسحاق بن عمار، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه، أله أن يقيده به دون السلطان إن أحبّ ذلك؟ «قال: هو ماله يفعل به ما شاء، إن شاء قتل وإن شاء عفا» (2).


1) في ص 48.

2) الوسائل 29: 103 / أبواب القصاص في النفس ب 44 ح 1.

لو قتل الحرّ حرّين فصاعداً

(مسألة 59) لو قتل حرّ حرّين فصاعداً فليس لأوليائهما إلا قتله، وليس لهم مطالبته بالدية إلّا إذا رضي القاتل بذلك (1). نعم، لو قتله وليّ أحد المقتولين فالظاهر جواز أخذ الآخر الدية من ماله (2).


(1) وذلك لأن الثابت في القتل العمدي هو القصاص، وليس لأولياء المقتول مطالبة الدية من القاتل إلا مع التراضي.

(2) وفاقاً لجماعة، منهم ابنا جنيد وزهرة وصاحب المسالك (1). وخلافاً للمشهور بين الأصحاب، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه، والدية لا تثبت إلا صلحاً ومع التراضي. وعلى هذا، فلو قتل ولي أحدهما القاتل فليس لولي الآخر مطالبة الدية من ماله.

ولكنّ الظاهر هو الأوّل، وذلك للتعليل الوارد في معتبرة أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمداً ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أداه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم»(2).

فإنّ مورد هذه الرواية وإن كان هو هرب القاتل وعدم التمكن منه إلا أنّ العبرة إنما هي بعموم التعليل، فإنّ مقتضاه أنّ دم المسلم لا يذهب هدراً، فإذا يمكن القصاص انتقل الأمر إلى الدية في ماله.

ولا فرق بين كون عدم القدرة من جهة الهرب أو من جهة أخرى.


1) لاحظ المحكي عن ابن الجنيد في المختلف 9: 443، ابن زهرة في الغنية 2: 405، المسالك 2 : 367 (حجري).

2) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

حكم قتل العبد حرّين معاً

(مسألة 60): لو قتل عبد حرّين معاً ثبت لأولياء كل منها حق الاقتصاص مستقلّلاً، فلا يتوقف على إذن الآخر (1). نعم، لو بادر أحدهما واسترقه جاز للآخر أيضاً ذلك، ولكنّهما يصبحان شريكين فيه (2)، وإذا قتل أحدهما واسترقه أولياؤه ثمّ قتل الثاني اختص العبد بأولياء الثاني،


وعلى ذلك يترتب أنّه لو قتل القاتل نفسه أو مرض ومات قبل الاقتصاص أو نحو ذلك لم تسقط الدية، بل لابد من أخذها من ماله بمقتضى عموم هذا التعليل.

(1) وذلك لما دلّ من الكتاب والسنّة على أنّ لأولياء المقتول ظلماً حق الاقتصاص من القاتل، ومن المعلوم أنّ هذا الحق ثابت لكل منهما على نحو الاستقلال، فلا يتوقف إعماله من أحدهما على إذن الآخر.

نعم، إذا استوفى أحدهما حقه سقط حق الآخر بسقوط موضوعه.

(2) وذلك لأنّ حقّ كلّ منهما تعلّق برقبته فيجوز لكلّ منهما استرقاقه، فإذا استرقه أحدهما جاز للآخر أيضاً استرقاقه، لبقاء الموضوع، فيكون شريكاً له.

وبذلك يفترق الاسترقاق عن القصاص، فإنّه لو اقتص أحدهما انتفى موضوع حق الآخر.

وهذا بخلاف الاسترقاق، فإنّ موضوع استرقاق الآخر باقٍ مع استرقاق الأول.

ومن هنا يظهر أنّه كما يجوز للآخر الاسترقاق بعد استرقاق الأوّل يجوز له الاقتصاص أيضاً.

بمعنى : أنّ لهم استرقاقه وأخذه من أولياء الأوّل أو قتله (1).


(1) لأنه باسترقاق أولياء الأوّل يصير عبداً لهم، فإذا جنى بعد ذلك وقتل آخر فبطبيعة الحال جاز لأولياء الثاني استرقاقه، كما جاز لهم قتله، ولا يحتاج هذا إلى دليل خاص.

ومع ذلك تدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في عبد جرح رجلين «قال: هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته» قيل له: فإن جرح رجلاً في أوّل النهار وجرح آخر في آخر النهار ؟ «قال : هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل. قال : فإن جنى بعد ذلك جناية فإنّ جنايته على الأخير» (1).

فإنّ مورد الصحيحة وإن كان هو الجرح إلّا أنّه من الواضح أنّه لا خصوصية له، فإنّ العبرة إنما هي بما إذا كانت الجناية الثانية بعد استيفاء وليّ المجنى عليه أوّلاً حقه، فإنّه حينئذٍ يكون هو المالك فتكون الجناية عليه.

بقي هنا شيء: وهو أن علي بن عقبة روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحداً بعد واحد، قال: «فقال : هو لأهل الأخير من القتلى إن شاءُوا قتلوه وإن شاءُوا استرقوه، لأنه إذا قتل الأوّل استحق أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحق من أولياء الأوّل فصار لأولياء الثاني، فإذا قتل الثالث استحق من أولياء الثاني فصار لأولياء الثالث، فإذا قتل الرابع استحق من أولياء الثالث فصار لأولياء الرابع إن شاءوا قتلوه وإن شاءوا استرقوه»(2).


1) الوسائل 29: 10/ أبواب القصاص في النفس ب 45 ح 1.

2) الوسائل 29: 104 / أبواب القصاص في النفس ب 45 ح 3.

لو قتل عبد عبدين عمداً

(مسألة 61): لو قتل عبد عبدين عمداً جاز لمولى كلّ منهما اقتصاصه (1)، وأمّا استرقاقه فيتوقف على رضا مولى القاتل (2)، فلو سبق أحدهما بالاقتصاص سقط حق الآخر بسقوط موضوعه، ولو رضى المولى باسترقاقه فعندئذ إن اختار أحدهما استرقاقه واقتص الآخر سقط حق الأول، وإن اختار الآخر الاسترقاق أيضاً اشترك معه. ولا فرق في ذلك بين كون استرقاقه في زمان استرقاق الأوّل أو بعده، كما لا فرق في ذلك بين قتله العبدين دفعة واحدة أو على نحو التعاقب (3). نعم، إذا استرقه مولى


وظاهر هذه الرواية هو أنّ العبد القاتل ينتقل من ولي المقتول الأوّل إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث، وهكذا، ولو قبل استيفاء السابق حقه منه واسترقاقه، ولكن يقيّد إطلاقها بصحيحة زرارة المتقدّمة بما إذا استوفى السابق حقه منه، على أنها ضعيفة بالحسن بن أحمد بن سلمة الكوفي الواقع في سنده.

(1) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(2) سبق وجهه في قتل عبد عبداً متعمداً (1).

(3) تقدّم وجه كلّ ذلك (2).

نعم، عن الشيخ (قدس سره) في محكيّ المبسوط تقديم حق الأوّل، لأنه أسبق (3).

وفيه: أنه لا دليل على ذلك بعد فرض تعلّق حق الثاني أيضاً برقبته،


1) في ص 58.

2) في ص 67.

3) المبسوط 7: 8.

الأول وبعد ذلك قتل الثاني كان مولى الثاني بالخيار بين قتله واسترقاقه مع رضا مولاه (1).

لو قتل عبد عبداً لشخصين عمداً

(مسألة 62) : لو قتل عبد عبداً لشخصين عمداً اشتركا في القود والاسترقاق، فكما أنّ لهما قتله فكذلك لهما استرقاقه بالتراضي مع مولى القاتل (2)، ولو طلب أحدهما من المولى ما يستحقه من القيمة فدفعه إليه سقط حقه عن رقبته ولم يسقط حق الآخر (3) فله قتله بعد ردّ نصف قيمته إلى مولاه (4).

لو قتل عبدان أو أكثر عبداً عمداً

(مسألة 63) : لو قتل عبدان أو أكثر عبداً عمداً فلمولى المقتول قتل الجميع، كما أنّ له قتل البعض (5)، ولكن إذا قتل الجميع فعليه أن يردّ


ومقتضى ذلك جواز استيفاء الحق لكلّ منهما، ولا دليل على أن استيفاء الثاني حقه منوط بعدم استيفاء الأول.

(1) ظهر وجهه مما تقدّم.

(2) تقدّم وجه ذلك (1).

(3) لأنّ سقوطه يحتاج إلى مسقط، ولا مسقط على الفرض.

(4) سبق وجه ذلك.

(5) لأنّ كلّاً منهم قاتل عمداً، فحكمه القصاص.


1) في ص 58.

ما فضل عن جناية كلّ واحد منهم إلى مولاه (1)، وله ترك قتلهم ومطالبة الدية من مواليهم وهم مخيّرون بين فكّ رقاب عبيدهم بدفع قيمة العبد المقتول وبين تسليم القتلة إلى مولى المقتول ليستوفي حقه منهم ولو كان باسترقاقهم، لكن يجب عليه ردّ الزائد على مقدار جنايتهم على مواليهم (2).

هل يصح عتق العبد بعد قتله الحرّ عمداً، وكذا بيعه أو هبته ؟

(مسألة 64) : لو قتل العبد حرّاً عمداً ثم اعتقه مولاه فهل يصح العتق ؟ فيه قولان، الأظهر : الصحة (3).


(1) فإنه يستفاد من الروايات: أنّ أهل المقتول إذا قتلوا أكثر من واحد فعليهم أن يردّوا الدية إلى أهلهم. ومن المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين الحر والعبد.

(2) قد تقدم وجه ذلك مفصلاً (1).

(3) والوجه فى ذلك : هو أنّه لا مانع من شمول إطلاقات أدلّة العتق للمقام.

ودعوى أنّ العبد في مفروض المسألة بما أنّه متعلّق لحق الغير - وهو الاسترقاق - فإنّه مانع عن نفوذه.

مدفوعة بأنه ليس من الحق المانع عن ذلك كحق الرهانة أو نحوه، بل هو حكم شرعي فحسب، وهو لا يقتضي بقاء موضوعه وهو العبد، فما دام موضوعه محققاً فهو باق، وإلّا فلا. وعليه، فلا مانع من نفوذ العتق وصحته، وهو رافع لموضوعه، فيرتفع بارتفاعه.

ونظير ذلك عدة موارد :


1) في ص 35.

وأما بيعه أو هبته فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في صحته وإن قيل بالبطلان فيه أيضاً (1).

لو قتل العبد حرّاً خطأ ثم أعتقه مولاه

(مسألة 65): لو قتل العبد حرّاً خطأ ثم اعتقه مولاه صح والزم مولاه بالدية (2).

الشرط الثاني: التساوي في الدين
إشارة

الشرط الثاني : التساوي في الدين، فلا يقتل المسلم


منها : ما إذا كان القاتل أم ولد وأصبحت حرّة قبل استرقاقها.

ومنها موارد تنكيل المولى.

ومنها : ما إذا كان القاتل عبداً مدبّراً وأصبح حراً بموت مولاه.

فإنّ في جميع هذه الموارد ينتفي الاسترقاق بانتفاء موضوعه.

(1) وذلك لشمول إطلاقات أدلّة نفوذهما لمثل المقام قطعاً، ولا تنافي بين صحة البيع ونحوه والاسترقاق، لفرض إمكانه بعد البيع والهبة أيضاً، نظراً إلى أنّ الموضوع باق، ومعه لا مانع من صحتهما.

نعم، إذا كان المشتري جاهلاً بالحال ثبت له الخيار.

(2) وذلك لما تقدّم من أنّ مولى القاتل مخيّر بين دفع قيمة العبد إلى ولي المقتول، وبين دفع العبد نفسه إليه، وليس لولي المقتول معارضته في ذلك (1).

وعلى ذلك، فالعبد في مفروض المسألة ليس متعلّقاً لحق الغير، ولو قلنا به في القتل العمدي لم نقل به في المقام لعدم الدليل، فإذن لا مانع من العتق في المقام أصلاً.


1) في ص 54.

بقتله كافراً، ذمّيّاً كان أو مستأمناً أو حربيّاً، كان قتله سائغاً أم لم يكن (1).


وتؤيد ذلك رواية الميثمي عن بعض أصحابه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد قتل حرّاً خطأ، فلما قتله أعتقه مولاه، قال : فأجاز عتقه وضمنه الدية»(1).

هذا فيما إذا كان المولى موسراً.

وأما إذا كان معسراً، فقد قيل: إنه لا يجوز عتقه.

ولكن الصحيح : أنّه لا مانع منه، وذلك لما عرفت من أنّه ليس في المقام إلا حكم تكليف محض، وليست رقبة العبد متعلّقة لحق الغير نظير من كان مديناً بدين واجب الأداء، وباع ماله أو وهبه لشخص، فإنّه لا إشكال في صحة ذلك.

(1) تدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : معتبرة إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة ؟ قال : لا، إلا أن يكون معوّداً لقتلهم فيُقتل وهو صاغر»(2).

ومنها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم (3).


1) الوسائل 29: 216 / أبواب ديات النفس ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29 :109 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 6.

3) الوسائل 29: 108 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 5.

نعم، إذا لم يكن القتل سائغاً عزّره الحاكم حسبما يراه من المصلحة (1)، وفي قتل الذمي من النصارى واليهود والمجوس يغرم الدية كما سيأتي. هذا مع عدم الاعتياد. وأما لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمة جاز لولي الذمّي المقتول قتله (2).


ومنها : صحيحة إسماعيل بن الفضل الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : قلت له رجل قتل رجلاً من أهل الذمة «قال : لا يُقتل به إلّا أن يكون متعوّداً للقتل»(1).

وهذه الروايات وإن وردت في الذمّي إلا أنه لا إشكال في ثبوت هذا الحكم لغيره أيضاً من المستأمن والحربي، أما الثاني : فواضح، وأما الأول : فلأنه دون الذمّي، نظراً إلى أنّ الذمّي مستأمن وزيادة، فإذا ثبت هذا الحكم له ثبت لمن دونه بالأولويّة القطعيّة.

(1) لما تقدّم من ثبوت التعزير في ارتكاب معصية الله تعالى حسب رأي الحاكم (2).

(2) لما تقدّم في الروايات من أنّ المسلم يقتل بالذمي إذا كان متعوّداً لقتله، وما دلّ من الروايات الآتية الدالة على أنّ المسلم يُقتل بقتل الكافر، حيث إنّه مطلق يحمل على صورة كون المسلم معتاداً في قتله، كما دلّت عليه عدة من الروايات المتقدّمة. فإذن لا تنافي بين الطائفتين من هذه الروايات.

فالنتيجة : أنّ المسلم المعتاد على قتل الذمّي يُقتل قصاصاً.


1) الوسائل 29: 109/ أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 7.

2) مباني تكملة المنهاج 407:1.

بعد ردّ فاضل ديته (1).


ومن هنا يظهر أنّه لا وجه لما عن ابن إدريس (قدس سره) من أنّه لا يُقتل(1).

ولا لما عن العلّامة (قدس سره) وغيره من أنّه يُقتل حدّاً (2).

ولا لما احتمله الشهيد (قدس سره) في الروضة من أنه يُقتل حداً مع ردّ فاضل الدية (3).

فإنّ جميع ذلك مخالف لصريح الروايات المتقدّمة الدالة على أنه يُقتل قصاصاً. على أنّ الأخير مخالف للإجماع، ولم يذهب إليه أحد ما عدا الكركي في حاشية الكتاب على ما قيل (4).

(1) تدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا قتل المسلم يهوديّاً أو نصرانياً أو مجوسيّاً فأرادوا أن يقيدوا ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه» (5).

ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه قتلوه وأدوا فضل ما بين الديتين» (6).


1) السرائر 3: 352.

2) انظر المختلف 9: 323 - 324، تحرير الأحكام 2: 247.

3) الروضة البهية 10 : 54 - 55.

4) حكاه في الجواهر 42: 155.

5) الوسائل 29 :107 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 2.

6) الوسائل 29: 108 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 4.

هل يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض ؟

(مسألة 66) : يُقتل الذمّي بالذمّي (1) وبالذمية بعد ردّ فاضل ديته إلى أوليائه (2)، وتُقتَل الذمّيّة بالذمّيّة وبالذمّي (3).


ومنها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل قتل رجلاً من أهل الذمة «فقال : هذا حديث شديد لا يحتمله الناس، ولكن يعطي الذمي دية المسلم ثم يُقتل به المسلم» (1).

ومنها : صحيحة أبي بصير، قال : سألته عن ذمّي قطع يد مسلم قال: تُقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد، فإن شاءُوا أخذوا دية يده، وإن شاءُوا قطعوا يد المسلم، وأدوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك»(2).

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، ويدلّ على ذلك عموم الكتاب والسنة، وخصوص معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول : يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً (3).

(2) من دون خلاف في البين لإطلاق النصوص الدالة على أنّ أولياء المرأة المقتولة إذا قتلوا الرجل القاتل أدوا نصف ديته إلى أوليائه.

(3) للإطلاقات والعمومات.


1) الوسائل 29 : 108 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 3.

2) الوسائل 29: 183 / أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 1.

3) الوسائل 29: 110 / أبواب القصاص في النفس ب 48 ح 1.

ولو قتل الذمّي غيره من الكفّار المحقوني الدم قُتِل به (1).

لو قتل الذمّي مسلماً عمداً

(مسألة 67) : لو قتل الذمّي مسلماً عمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءُوا قتلوه، وإن شاءُوا عفوا عنه، وإن شاءُوا استرقوه. وإن كان معه مال دفع إلى أوليائه هو وماله (2). ولو أسلم الذمّي قبل الاسترقاق كانوا بالخيار بين قتله والعفو عنه وقبول الدية إذا رضي بها (3)

لو قتل الكافر كافراً عمداً ثم أسلم

(مسألة 68) : لو قتل الكافر كافراً ثمّ أسلم لم يقتل به (4). نعم، تجب


(1) لإطلاقات الآية الكريمة: « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ» (1).

(2) بلا خلاف ولا إشكال، وتدلّ على ذلك صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) في نصراني قتل مسلماً، فلما أخذ أسلم «قال: اقتله به قيل: وإن لم يسلم ؟ قال : يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا استرقوا» قيل : وإن كان معه عين (مال)؟ «قال: دفع إلى أولياء المقتول هو وماله»(2).

(3) وذلك لأنّ موضوع الاسترقاق هو الكافر الذمّي، فإذا أسلم انتفى موضوعه. وعلى ذلك، فبطبيعة الحال يكون وليّ المقتول مخيّراً بين القتل والعفو وقبول الدية مع التراضي.

(4) لما تقدّم من الروايات الدالة على أنّه لا يقتل المسلم بالذمّي، ومن الواضح أنها ظاهرة في أنّ العبرة في الإسلام إنما هي بحال الاقتصاص لا بحال


1) الاسراء 17: 33.

2) الوسائل 29: 110 / أبواب القصاص في النفس ب 49 ح 1.

عليه الدية إن كان المقتول ذا دية (1).

حكم قتل ولد الحلال ولد الزنا

(مسألة 69) : لو قتل ولد الحلال ولد الزنا، قُتِل به (2).

الضابط في ثبوت القصاص وعدمه

(مسألة 70) : الضابط في ثبوت القصاص وعدمه إنما هو حال المجني عليه حال الجناية، إلا ما ثبت خلافه، فلو جنى مسلم على ذمّي قاصداً قتله، أو كانت الجناية قاتلة عادةً، ثمّ أسلم فمات فلا قصاص (3). وكذلك الحال فيما لو جنى على عبد كذلك ثم اعتق فمات (4). نعم، تثبت عليه في الصورتين دية النفس كاملة (5).


القتل، وحيث إنّ القاتل مسلم في حال الاقتصاص وإن كان كافراً حال القتل فلا يقتل به.

(1) لما سيأتي من ثبوت الدية في قتل المسلم الذمي.

(2) لإطلاق الكتاب والسنّة، وعدم وجود دليل مقيّد. وكون دية ولد الزنا كدية الذمّي لا يلازم عدم ثبوت القصاص بقتله.

نعم، لو حكم بكفره - كما نُسب ذلك إلى السيّد المرتضى (قدس سره) (1)- لم يُقتل المسلم به. لكن المبنى غير صحيح.

(3) وذلك لأنه لم يكن قاصداً قتل المسلم، وقد تقدّم أنّ القصاص لم يثبت إلا فيما إذا كان قاصداً قتل مسلم.

(4) لأنه لم يقصد قتل الحرّ، وبدونه لا قصاص.

(5) لما سيأتي بيانه في مبحث الديات إن شاء الله تعالى.


1) الانتصار: 544 / 305.

لو جنى الصبي بقتل أو بغيره ثم بلغ

(مسألة 71) : لو جنى الصبي بقتل أو بغيره، ثم بلغ، لم يقتص منه، وإنما تثبت الدية على عاقلته (1).

لو رمى سهماً وقصد به غير مسلم فأصابه بعد ما أسلم

(مسألة 72) لو رمى سهماً وقصد به ذمّيّاً أو كافراً حربياً أو مرتداً، فأصابه بعدما أسلم، فلا قود (2)، نعم، عليه الدية (3). وأما لو جرح حربيّاً أو مرتدّاً فأسلم المجني عليه، وسرت الجناية فمات، فهل عليه الدية أم لا؟ وجهان، الظاهر هو الأول (4).


(1) وذلك لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.

ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: عمد الصبي وخطؤه واحد (1).

وفي معتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة (2).

(2) وذلك لأنه لم يكن قاصداً قتل المسلم، وقد تقدم اعتبار في ثبوت القصاص.

(3) لأنّ قتل المسلم مستند إليه، ولا يذهب دم امرئ مسلم هدراً.

(4) وذلك لأن الجناية في حينها وإن كانت غير مضمونة - نظراً إلى أنها جناية على كافر حربي أو مرتد - إلّا أنّ القتل مستند إليه عرفاً، باعتبار سراية الجناية المزبورة، والمفروض أنه حين الموت والقتل مسلم، فلا يذهب دمه هدراً.


1) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

2) الوسائل 29: 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

لو رمى عبداً بسهم فأصابه بعد ما أعتق فمات

(مسألة 73): لو رمى عبداً بسهم، فأعتق، ثم أصابه السهم فمات، فلا قود (1) ولكن عليه الدية (2).

لو قطع يد مسلم قاصداً به قتله ثم ارتد المجني عليه فمات

(مسألة 74) : إذا قطع يد مسلم قاصداً به قتله ثم ارتد المجني عليه فمات، فلا قود في النفس ولا دية (3)، وهل لولي المقتول الاقتصاص من الجاني بقطع يده أم لا؟ وجهان، ولا يبعد عدم القصاص (4)، ولو ارتد ثم تاب ثم مات فالظاهر ثبوت القصاص (5).


(1) لأنه غير قاصد قتل الحرّ، ولا قصاص بدونه.

(2) ظهر وجهه مما تقدّم.

(3) لما تقدّم من أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر، وأنه لا دية للمرتدّ (1).

(4) وذلك لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم» (2).

وجه الاستدلال : أنّ حق الاقتصاص في الأطراف لا يثبت للولي ابتداءً، وإنما يثبت له بالإرث، وحيث إنّ المجني عليه في المقام لم يكن له حق الاقتصاص لعدم إسلامه - فليس لوليه بعد موته حق الاقتصاص أيضاً.

(5) والوجه فيه : أنّه مسلم حال الموت وإن كان ارتداده عن فطرة فضلاً عن غيره، لما ذكرناه من أنّ عدم قبول توبته إنما هو بالنسبة إلى الأحكام الخاصة


1) في ص 73.

2) الوسائل 29 : 108 / أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 5.

هل يُقتل المرتد بقتله ذميّاً أم لا ؟

(مسألة 75) : لو قتل المرتد ذمّيّاً، فهل يقتل المرتد أم لا؟ وجهان، الأظهر أنّه يقتل به (1)، ولو عاد إلى الإسلام لم يقتل حتى وإن كان فطرياً (2).


الثابتة له، لا بالنسبة إلى إسلامه واقعاً، فهو مسلم حقيقةً وتترتب عليه أحكام الإسلام، وعلى ذلك فشرط القصاص - وهو التساوي في الدين - موجود.

ومال إلى هذا القول المحقق في الشرائع والفاضل والشيخ في محكيّ الخلاف(1)وغيرهم.

نعم، اختار الشيخ (قدس سره) في محكيّ المبسوط عدم القصاص (2). ولكنّه ضعيف، وليس له وجه معتد به.

(1) وذلك لأن إطلاق أدلّة القصاص - كقوله تعالى: « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » (3)وقوله تعالى : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ» (4)- غير قاصر عن شمول مثل المقام، لأنّ الخارج عنها هو عنوان المسلم وأنّه لا يقتل بالكافر ذمّيّاً كان أو غيره. وأما إذا لم يكن القاتل مسلماً - كما هو المفروض - فإنّ المرتد ليس بمسلم فلا تترتب عليه أحكام الإسلام، فهو داخل تحت الإطلاق، ومقتضاه: أنه يقتل به. ولا فرق في ذلك بين ارتداده عن ملة أو فطرة.

(2) لما تقدّم من أنّ المرتد الفطري بعد التوبة مسلم حقيقةً، وتترتب عليه أحكام الإسلام وإن لم ترتفع عنه الأحكام الخاصة التي تثبت عليه بارتداده ومنها القتل.


1) الشرائع 4 : 218 - 219، الخلاف 5 : 164 - 165، القواعد 3: 607.

2) المبسوط 7: 26.

3) المائدة 45:5.

4) البقرة 2 : 178.

لو جنى مسلم على ذمّي ثم ارتدّ الجاني وسرت الجناية فمات الذمّي

(مسألة 76) : لو جنى مسلم على ذمّي قاصداً قتله، أو كانت الجناية قاتلة عادةً، ثم ارتد الجاني وسرت الجناية فمات المجني عليه، قيل : إنّه لا قود عليه، لعدم التساوي حال الجناية. والأظهر ثبوت القود (1).

لو قتل ذمّي مرتداً

(مسألة 77) : لو قتل ذمّي مرتداً قُتِل به (2)، وأما لو قتله مسلم فلا قود عليه، لعدم الكفاءة في الدين (3). وأمّا الدية ففي ثبوتها قولان، الأظهر عدم ثبوتها في قتل المسلم غير الذمّي من أقسام الكفّار (4).

لو كان على مسلم قصاص فقتله غير الولي بدون إذنه

(مسألة 78) إذا كان على مسلم قصاص فقتله غير الولي بدون إذنه، ثبت عليه القود (5).

لو وجب قتل شخص بزناً أو لواط أو غيره دون سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقتله غير الإمام

(مسألة 79) لو وجب قتل شخص بزناً أو لواط أو نحو ذلك، غير سبّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقتله غير الإمام (عليه السلام)، قيل:


(1) لأنّ الخارج عن إطلاق أدلّة القصاص هو قتل المسلم بالكافر، وهو غير متحقق في المقام، وعليه فيثبت القصاص.

(2) لإطلاق أدلّة القصاص، كقوله تعالى : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ »، ولا دليل على تقييده بغير المفروض في الكلام. ولا فرق في ذلك بين كون ارتداده عن فطرة أو عن ملة.

(3) لما عرفت من عدم قتل المسلم بالكافر.

(4) لعدم الدليل على ثبوت الدية في قتل المسلم الكافر غير الذمّى.

(5) بلا خلاف ولا إشكال، لأنّه محقون الدم بالاضافة إليه. وعليه، فبطبيعة الحال يكون قتله هذا ظلماً وعدواناً، حيث إنّه بدون استحقاق، فتشمله الآية الكريمة الدالّة على أنّ لولى المقتول الاقتصاص من القاتل.

إنّه لا قود ولادية عليه، ولكنّ الأظهر ثبوت القود أو الدية مع التراضي (1).


(1) استدل للقول بعدم ثبوت القود والدية برواية سعيد بن المسيب: أن معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري : أنّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله، فاسأل لي علياً (عليه السلام) عن هذا، قال أبو موسى فلقيت علياً (عليه السلام) فسألته - إلى أن قال : - «فقال: أنا أبو الحسن، إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلّا دفع برمته» (1).

فإنّها تدلّ على أنّ الزوج إن أتى بأربعة شهود يدرأ عنه القود.

وهذه الرواية رواها الشيخ بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن أحمد بن نضر، عن الحصين بن عمرو، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب.

ورواها الصدوق (قدس سره) باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن أحمد بن نضر، عن الحصين بن عمرو، عن يحيى بن سعيد بن المسيب : أن معاوية كتب.

وعلى كل تقدير فالرواية ضعيفة، فلا يعتمد عليها.

وقد نقل صاحب الجواهر (قدس سره) هذه الرواية عن داود بن فرقد أيضاً، وعبّر عنها بالصحيحة (2).

ولا يبعد أنه سهو من قلمه الشريف.


1) الوسائل 29: 135 / أبواب القصاص في النفس ب 69 ح 2، التهذيب 10: 314/ 1168، الفقيه 4: 127 / 447.

2) الجواهر 41: 369 - 370.

عدم الفرق في المجني عليه المسلم بين الأقارب والأجانب، والوضيع والشريف. وهل يُقتل البالغ بقتل الصبي ؟

(مسألة 80) : لا فرق في المجني عليه المسلم بين الأقارب والأجانب، ولا بين الوضيع والشريف (1)، وهل يُقتل البالغ بقتل الصبي ؟ قيل : نعم، وهو المشهور (2)،


وكيف كان، فإن قلنا بالجواز وسقوط القصاص والدية فإنما يختص ذلك بالزوج، ولا يمكن التعدّي من مورد الرواية إلى غيره، فالمرجع في غيره الإطلاقات والعمومات. وسيأتي التعرّض لحكم قتل الزوج الزاني بزوجته(1).

(1) وذلك للإطلاقات، وخصوص صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس في مسجد الخيف، فقال : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها - إلى أن قال : - المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» (2).

(2) نقلاً وتحصيلاً، بل عن الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك : هو المذهب (3)، وفي محكيّ السرائر : هو الأظهر بين أصحابنا المعمول عليه عند المحصلين منهم(4)، وفي الجواهر : بل لم أجد فيه خلافاً بين المتأخرين منهم ولا بين القدماء عدا ما يحكى عن الحلبي(5).

واستدلّ عليه بعموم أدلّة القصاص، وخصوص مرسلة ابن فضال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كلّ من قتل شيئاً صغيراً


1) في ص 102.

2) الوسائل 29: 75/ أبواب القصاص في النفس ب 31 ح 2.

3) المسالك 2: 370 (حجري).

4) السرائر 3: 324.

5) الجواهر 42: 184.

وفيه إشكال، بل منع (1).


أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود» (1).

(1) وجهه : هو أنّ العمومات قابلة للتخصيص بصحيحة أبي بصير الآتية.

وأما المرسل فهو وإن كان لا بأس بدلالته إلا أنه ضعيف سنداً من جهة الإرسال.

نعم، رواه الصدوق بسنده الصحيح عن ابن بكير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، إلّا أنّه قال: «كلّ من قتل بشيء صغر أو كبر» (2).

ولكنّه ضعيف دلالة، نظراً إلى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «صغر أو كبر» هو أن الصغر والكبر صفة للشيء الذي يقع به القتل. وعليه، فالرواية أجنبيّة عن كون المقتول صغيراً أو كبيراً.

فإذن إن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام، كما يظهر من عبارة الشرائع، حيث عبّر بقوله : على الأصح (3). ونُسِب الخلاف إلى الحلبي كما عرفت.

وتدلّ على عدم القود صحيحة أبي بصير - يعني : المرادي - قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً «فقال : إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه (فقتله) فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين. قال : وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه» الحديث (4).


1) الوسائل 29 : 76/ أبواب القصاص في النفس ب 31 ح 4.

2) الفقيه 4: 265/83.

3) الشرائع 4: 221.

4) الوسائل 29: 71/ أبواب القصاص في النفس ب 28 ح 1.

الشرط الثالث: أن لا يكون القاتل أباً للمقتول
إشارة

الشرط الثالث : أن لا يكون القاتل أباً للمقتول، فإنّه لا يُقتل بقتل ابنه (1).


فهذه الصحيحة وإن كان موردها المجنون إلا أن قوله (عليه السلام) «فلا قود لمن لا يقاد منه» تطبيق للكبرى على الصغرى، فتدل على عدم القود في الصغير أيضاً.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ عليه عدة نصوص:

منها : صحيحة حمران عن أحدهما (عليهما السلام) «قال: لا يقاد والد بولده» الحديث (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه، أيُقتل به ؟ «قال : لا» (2).

ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا يُقتل والد بولده إذا قتله» الحديث (3).

ومنها : صحيحة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وقضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره ويكون له الدية، ولا يقاد (4).


1) الوسائل 29: 77/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 1.

2) الوسائل 29: 77/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 2.

3) الوسائل 29: 79/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 8.

4) الوسائل 29 : 79/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 10.

وعليه الدية (1) ويعزّر (2)، وهل يشمل الحكم أب الأب أم لا ؟ وجهان، لا يبعد الشمول (3).

لو قتل شخصاً وادعى أنه ابنه

(مسألة 81): لو قتل شخصاً، وادّعى أنّه ابنه، لم تسمع دعواه ما لم تثبت ببينة أو نحوها، فيجوز لولي المقتول الاقتصاص (4)، وكذلك لو ادعاه


(1) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّ دم المسلم لا يذهب هدراً - صحيحة ظريف المتقدمة.

(2) لما تقدّم من ثبوت التعزير لكلّ معصية كبيرة حسبما يراه الحاكم الشرعي.

وتؤيد ذلك رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يقتل ابنه أو عبده «قال: لا يقتل به، ولكن يضرب ضرباً شديداً وينفى عن مسقط رأسه» (1).

(3) على المشهور شهرة عظيمة، ويدلّ على ذلك إطلاق صحيحة حمران ومعتبرة إسحاق بن عمار وصحيحة ظريف المتقدّمات، فإنّ الظاهر شمول كلمة الوالد لأب الأب أيضاً، كما أنّ لفظ الابن يشمل ابن الابن.

(4) وذلك لإحراز موضوع جواز الاقتصاص بالأصل في المقام، فإنّ الخارج عن القصاص في القتل العمدي هو كون القاتل والداً للمقتول، وبما أننا نشك في ذلك فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدم كون القاتل والداً للمقتول، وبه يحرز الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل.


1) الوسائل 29: 79/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 9.

اثنان، وقتله أحدهما أو كلاهما مع عدم العلم بصدق أحدهما (1)، وأما إذا علم بصدق أحدهما، أو ثبت ذلك بدليل تعبدي، ولم يمكن تعيينه، فلا يبعد الرجوع إلى القرعة (2).


(1) يظهر الحال في ذلك ممّا مرّ، حيث إنّه لا مانع من إحراز موضوع جواز القتل بالأصل، بناءً على ما حققناه في محلّه من جواز التمسك به لإثبات كون الفرد المشكوك فيه من الأفراد الباقية تحت العام فيتمسك به.

(2) وذلك لأن المستفاد من أدلّة القضاء هو أنّ كلّ دعوى بين متخاصمين لا بد من حلّها بإحدى الطرق الشرعيّة المقرّرة لذلك، ومنها : الدعوى بينهما في بنوّة شخص، فإنه إذا لم يمكن حلها بإحدى الطرق فالمرجع هو القرعة.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى إطلاقات أدلّة القرعة - عدّة روايات :

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا وقع الحر والعبد والمشرك على امرأة في طهر واحد، وادّعوا الولد أقرع بينهم، وكان الولد للذي يقرع»(1).

وصحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) علياً (عليه السلام) إلى اليمن، فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك، فقال : يا رسول الله، أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطئها جميعهم في طهر واحد فولدت غلاماً، فاحتجوا فيه كلهم يدعيه، فأسهمت بينهم، فجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله إلا


1) الوسائل 27: 257 / أبواب كيفية الحكم ب 13 ح 1.

لو قتل الرجل زوجته وكان له ولد منها، فهل يثبت حق القصاص لولدها ؟

(مسألة 82) : لو قتل الرجل زوجته وكان له ولد منها، فهل يثبت حق القصاص لولدها ؟ المشهور عدم الثبوت، وهو الصحيح (1)، كما لو قذف الزوج زوجته الميتة ولا وارث لها إلّا ولدها منه (2).

لو قتل أحد الأخوين أباهما والآخر أمها

(مسألة 83) : لو قتل أحد الأخوين أباهما، والآخر أمهما، فلكل واحد منهما على الآخر القود (3)، فإن بدر أحدهما فاقتص كان لوارث الآخر


خرج سهم المحق» (1).

(1) والوجه في ذلك : هو أنّ ما دلّ من النصوص على أن الوالد لا يقتل بولده وإن لم يشمل المقام، إلّا أنّ مقتضى عموم التعليل في ذيل صحيحة محمّد ابن مسلم المتقدّمة في مسألة قذف الوالد ولده (2)شمول الحكم للمقام أيضاً.

ومن الغريب أنّ المحقق (قدس سره) مال هنا إلى ثبوت الاقتصاص وثبوت حق القذف، اقتصاراً بالمنع على مورد النص (3)، مع أنه جزم بعدم ثبوت حق القذف له في باب القذف (4).

(2) تقدّم الكلام في ذلك في مبحث القذف (5).

(3) لأنّ كلّاً منهما قد ارتكب القتل العمدي الذي هو الموضوع لجواز القصاص، فيثبت لكلّ من الوليين حق الاقتصاص من الآخر.


1) الوسائل 27: 258 / أبواب كيفية الحكم ب 13 ح 6.

2) مباني تكملة المنهاج 1 : 312.

3) الشرائع 4: 220.

4) الشرائع 4: 220 - 221.

5) مباني تكملة المنهاج 1: 312.

الاقتصاص منه (1).

الشرط الرابع : أن يكون القاتل عاقلاً بالغاً
إشارة

الشرط الرابع : أن يكون القاتل عاقلاً بالغاً، فلو كان مجنوناً لم يقتل، من دون فرق في ذلك بين كون المقتول عاقلاً أو مجنوناً. نعم، تحمل على عاقلته الدية.

وكذلك الصبي لا يُقتل بقتل غيره، صبيّاً كان أو بالغاً، وعلى عاقلته الدية (2).


وقيل : عند التشاح بينهما يرجع إلى القرعة.

ولكن لا وجه له بعد فرض ثبوت حق الاستيفاء لكلّ منهما على الإطلاق بمقتضى الأدلة.

نعم، لو قلنا بتوقف جواز الاقتصاص على حكم الحاكم كان للرجوع إلى القرعة عند التشاح وجه.

(2) لأن حق الاقتصاص من الحقوق القابلة للانتقال، كسائر الحقوق الشرعيّة القابلة لذلك، فإذن يقوم الوارث مقام مورّثه في استيفاء الحق من القاتل.

(3) من دون خلاف بين الأصحاب في شيء منها، بل ادعي عليه الاجماع. وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جناية المعتوه على عاقلته، خطأ كان أو عمدا»ً (1).


1) الوسائل 29: 400/ أبواب العاقلة ب 11 ح 1.

والعبرة في عدم ثبوت القود بالجنون حال القتل، فلو قتل وهو عاقل ثمّ جنّ لم يسقط عنه القود (1)

(1) بلا خلاف عندنا.

نعم، نُسِب الخلاف إلى بعض العامة.

والوجه في ذلك : هو أنّ النصوص الخاصة - وهي النصوص المتقدمة - لا تشمل هذه الصورة لأنّ ظاهرها هو صدور الفعل من المجنون حال جنونه، فلو جنّ بعده لم يكن مشمولاً لها، وكذا لا يشمله ما دلّ على رفع القلم عن المجنون.


ومنها : صحيحته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: عمد الصبي وخطؤه واحد» (1).

ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «أن علياً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (2).

ومنها : معتبرة إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ محمّد ابن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً، فجعل الدية على قومه، وجعل خطأه وعمده سواء»(3).

ومقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين كون المقتول بالغاً أو صبيّاً، عاقلاً أو مجنوناً.

(1) بلا خلاف عندنا.

نعم، نُسِب الخلاف إلى بعض العامة.

والوجه في ذلك : هو أنّ النصوص الخاصة - وهي النصوص المتقدمة - لا تشمل هذه الصورة لأنّ ظاهرها هو صدور الفعل من المجنون حال جنونه، فلو جنّ بعده لم يكن مشمولاً لها، وكذا لا يشمله ما دلّ على رفع القلم عن المجنون.


1) الوسائل 29: 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

2) الوسائل 29: 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

3) الوسائل 29: 401 / أبواب العاقلة ب 11 ح 5.

---------------------------------------------------------------------------------

وعليه، فمقتضى إطلاقات أدلّة القصاص جواز قتله.

وتؤيد ذلك رواية بريد بن معاوية العجلي، قال: سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً، فلم يقم عليه الحدّ، ولم تصح الشهادة عليه حتى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنه قتله «فقال : إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قُتِل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يعرف دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم يكن له مال أعطى الدية من بيت المال، ولا يبطل دم امرئ مسلم» (1).

بقي هنا أمور:

الأوّل : أنّه قال الشيخ (قدس سره) في الاستبصار وحكي عنه ذلك في المبسوط والنهاية : إذا بلغ الصبي عشر سنين اقتص منه (2).

ولكن ذكر غير واحد كالشهيد الثاني في المسالك وصاحب الجواهر (قدس سرهما) (3)- أننا لم نظفر إلّا برواية مقطوعة ومرسلة في الكتب: «يقتص من الصبي إذا بلغ عشراً».

أقول : يمكن أن يكون الشيخ (قدس سره) قد استند في ذلك إلى صحيحة أبي أيوب الخزاز، قال : سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال : إذا بلغ عشر سنين قلت ويجوز أمره؟ قال: فقال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية


1) الوسائل 29: 72/ أبواب القصاص في النفس ب 29 ح 1.

2) الاستبصار 4 : 286 / 2، حكاه في الجواهر 42: 180.

3) المسالك 2: 370 (حجري)، الجواهر 42: 180.

---------------------------------------------------------------------------------

حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته (1).

ولكنّ الرواية لا يمكن الاستدلال بها، فإنّها ليست رواية عن معصوم، وقول إسماعيل ليس بحجة على أنه مبني على استدلال فاسد وعلى قياس واضح البطلان.

الثاني : أنه ورد في صحيحة سليمان بن حفص المروزي عن الرجل (عليه السلام) «قال : إذا تمّ للغلام ثمان سنين فجائز أمره، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك» (2).

وروى الحسن بن راشد في الصحيح عن العسكري (عليه السلام) هذه الرواية بعينها، إلا أنه قال في آخرها : «وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك» (3).

وكيف كان، فهذه الرواية معارضة للروايات المستفيضة المعتبرة الدالة على اعتبار البلوغ والإدراك في وجوب الفرائض وإقامة الحدود، وأنّ البلوغ في الغلام إنما يكون بإكمال خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك ولم ينبت شعر عانته، فلابد من طرحها وردّ علمها إلى أهله.

الثالث : أنّ الشيخ (قدس سره) قال في الاستبصار : إنّ الصبي إذا بلغ خمسة أشبار اقتص منه. واستدلّ على ذلك بمعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية»(4).


1) الوسائل 27: 344/ كتاب الشهادات ب 22 ح 3.

2) الوسائل 28 : 297 / أبواب حد السرقة ب 28 ح 13.

3) الوسائل 19: 212/ کتاب الوقوب والصدقات ب 15 ح 4.

4) الوسائل 29 : 90 / أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 1، الاستبصار 4: 3/287.

اختلاف الولي والجاني في البلوغ وعدمه حال الجناية

(مسألة 84) : لو اختلف الولي والجاني في البلوغ وعدمه حال الجناية، فادعى الولي أنّ الجناية كانت حال البلوغ، وأنكره الجاني، كان القول قول الجاني مع يمينه، وعلى الولي الإثبات (1)، وكذلك الحال فيما إذا كان مجنوناً ثمّ أفاق، فادعى الولي أنّ الجناية كانت حال الإفاقة،


أقول : لابد من حمل الرواية على معرفيّة وصوله سن البلوغ وهو خمس عشرة سنة، ولا يبعد أن يكون هذا هو الغالب، وإلا فلابد من طرحها، ضرورة أنه إذا افترضنا صبيّين متساويين في السنّ، ولكن بلغ أحدهما خمسة أشبار دون الآخر، فلازم ذلك هو أنّ من بلغ منهما خمسة أشبار إذا قتل نفساً متعمداً اقتص منه دون الآخر. وهذا مقطوع البطلان، فإذن لابد من طرحها وردّ علمها إلى أهله.

(1) وذلك لاستصحاب صغره وعدم بلوغه حال الجناية.

ثم إن اليمين إنما تتوجه إليه فيما إذا كان حال الدعوى بالغاً، وإلا فلا موجب للحلف أيضاً، لعدم الأثر لحلفه. فما عن الشهيد الأوّل (قدس سره) من احتمال تحليفه (1)، ضعيف جداً.

ثمّ إنّ الجناية إذا ثبتت بييّنة أو نحوها فاليمين إنّما يترتب عليها نفي القصاص، وتثبت الدية على العاقلة، لتحقق موضوعها بضم الوجدان إلى الأصل. وأما إذا ثبتت الجناية بالإقرار، وادّعى الجاني أنها كانت حال صغره، وحلف على ذلك، فالقصاص وإن كان يسقط عنه إلّا أنّ الدية تثبت على نفسه دون عاقلته، لأنّ إقراره لا ينفذ في حقهم على ما سيأتي في محلّه (2).


1) حكاه في الجواهر 42: 184.

2) في ص 553.

وادعى الجاني أنها كانت حال الجنون، فالقول قول الجاني مع يمينه (1)، نعم، لو لم يكن الجاني مسبوقاً بالجنون، فادّعى أنّه كان مجنوناً حال الجناية، فعليه الإثبات، وإلّا فالقول قول الولي مع يمينه (2).

لو قتل العاقل مجنوناً

(مسألة 85) : لو قتل العاقل مجنوناً، لم يُقتل به. نعم، عليه الدية إن كان القتل عمديّاً أو شبيه عمد (3).


(1) الوجه في ذلك ما تقدّم، ويجري فيه ما ذكرناه هناك.

(2) وذلك لاستصحاب عدم تحقق الجنون في زمان تحقق الجناية.

فما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك من احتمال تقديم قول الجاني أيضاً، لقيام الاحتمال المانع من التهجم على الدماء (1)

ضعيف جداً، وذلك لأنّه لا أثر لهذا الاحتمال بعد ثبوت موضوع القصاص وهو القتل العمدي من العاقل بضم الوجدان إلى الأصل، على أنك قد عرفت غير مرّة أنّه لا أصل لدرء الحدود بالشبهة.

(3) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير - يعني : المرادي - قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً «فقال : إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فقتله فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطي ورثته ديته من بيت مال المسلمين. قال : وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون ويستغفر


1) المسالك 2: 370 (حجري).

لو أراد المجنون عاقلاً فقتله العاقل دفاعاً عن نفسه أو ما يتعلّق به

(مسألة 86) : لو أراد المجنون عاقلاً فقتله العاقل دفاعاً عن نفسه أو عمّا يتعلّق به فالمشهور أنّ دمه هدر، فلا قود ولا دية عليه، وقيل : إن ديته من بيت مال المسلمين. وهو الصحيح (1)


الله ويتوب إليه»

الوسائل 29: 71/ أبواب القصاص في النفس ب 28 ح 1. (2)

(1) حكي عن المفيد في رياض المسائل 2: 513 (حجري)، الجامع للشرائع: 575، الصيمري في غاية المرام 4: 387.

.

وتدلّ عليه صحيحة أبي بصير المتقدمة.

وتؤيد ذلك رواية أبي الورد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) أو لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك الله، رجل حمل عليه رجل مجنون، فضربه المجنون ضربة، فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله «فقال: أرى أن لا يقتل به، ولا يغرم ديته، وتكون ديته على الإمام، ولا يبطل دمه» (3).

ونسب في الوسائل الرواية إلى الصدوق (قدس سره) باسناده إلى إسماعيل ابن أبي زياد.

والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف، حيث إنّ الرواية لم توجد في الفقيه (4).

وما قيل من أنّ الدفاع إمّا واجب أو مباح، فلا يتعقبه الضمان من قود ولا دية.


1) كما عن المفيد والجامع والصيمري (1).

2) .

3) الوسائل 29: 71/ أبواب القصاص في النفس ب 28 ح 2.

4) في الوسائل المحقق حديثاً لم تنسب هذه الرواية لإسماعيل بن أبي زياد، نعم نسب الحديث رقم 2 ب 29 من/ أبواب القصاص في النفس إلى الراوي المذكور.

هل على القاتل السكران قود أم لا ؟

(مسألة 87): لو كان القاتل سكراناً، فهل عليه القود أم لا ؟ قولان نسب إلى المشهور الأوّل، وذهب جماعة إلى الثاني، ولكن لا يبعد أن يقال : إنّ من شرب المسكر إن كان يعلم أنّ ذلك مما يؤدي إلى القتل نوعاً، وكان شربه في معرض ذلك، فعليه القود (1)، وإن لم يكن كذلك،


مندفع بأنه لو تم فإنما يقتضي نفي الدية عن القاتل لا عن بيت المال، كما هو مقتضى الصحيحة.

(1) هذا الحكم مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة فإنّ السكران إذا علم قبل سكره أنّ شربه المسكر يكون في معرض القتل، وأنه يؤدّي إليه نوعاً، فهو بشربه قاصد للقتل، فيكون القتل المترتب على السكر قتلاً عمديّاً. وأما إذا لم يكن كذلك، وكان القتل اتفاقياً، لم تجر عليه أحكام القتل العمدي، وإنما تترتب عليه الدية.

تدلّ عليه معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان قوم يشربون فيسكرون فتباعجوا بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) فسجنهم، فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين، أقدهما بصاحبينا، فقال للقوم ما ترون ؟ فقالوا: نرى أن تقيّدهما، فقال علي (عليه السلام) للقوم : فلعلّ ذينك اللذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه، قالوا: لاندري، فقال علي (عليه السلام): بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين»(1).

بتقريب : أنه لابد من حملها على أنّ شربهم المسكر كان في معرض التباعج


1) الوسائل 29: 233 / أبواب موجبات الضمان ب 1 ح 2، التهذيب 10: 240/ 955.

بل كان القتل اتفاقياً، فلا قود، بل عليه الدية (1).


بالسكاكين المؤدّي إلى القتل عادةً، بقرينة أنّه فرع فيها ثبوت القود على فرض العلم بأنّ الباقيين قتلاهما، وعدم ثبوته على فرض عدم العلم بذلك، واحتمال أنّ كلّاً منهما قتل صاحبه.

ويؤيد ذلك أنّ الشيخ روى هذه الرواية والمذكور فيها: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين» الحديث، فإنّ الظاهر من هذه الجملة أنّ التباعج الذي هو معرض للقتل في نفسه كان عادةً لهم.

وعليه، فلا تعارضها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أربعة شربوا مسكراً، فأخذ بعضهم على بعض السلاح، فاقتتلوا، فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء»(1).

وذلك لأنها قضية في واقعة ولابد من حملها على صورة وقوع القتل والقتال بينهم اتفاقاً، من دون علم لهم بأنّ شرب المسكر يؤدّي إلى ذلك عادةً.

وعلى تقدير تسليم التعارض فالمرجع هو ما تقتضيه القاعدة.

(1) لصحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة، على أن الحكم على طبق القاعدة.


1) الوسائل 29: 233 / أبواب موجبات الضمان ب 1 ح 1.

لو كان القاتل أعمى فهل عليه القود أم لا ؟

(مسألة 88) : إذا كان القاتل أعمى، فهل عليه القود أم لا ؟ قولان، نسب إلى أكثر المتأخّرين الأوّل، ولكنّ الأظهر عدمه. نعم، تثبت الدية على عاقلته، وإن لم تكن له عاقلة فالدية في ماله وإلّا فعلى الإمام (عليه السلام) (1).


(1) وفاقاً لجماعة من القدماء، منهم: الشيخ وأبو علي والصهرشتي والطبرسي وابنا البراج وحمزة وظاهر الصدوق (قدس الله أسرارهم)(1)، بل في غاية المرام: أنّ هذا هو المشهور بين الأصحاب (2). ووافقه في ذلك الشهيد الثاني (قدس سره) في روض الجنان(3).

وتدلّ على ذلك صحيحة محمد الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه، فوثب المضروب على ضاربه فقتله، قال: «فقال أبو عبدالله (علیه السلام): هذان متعديان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعسى جنايته خطأ يلزم عاقلته، يؤخذون بها في ثلاث سنين، في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله، يؤخذ بها في ثلاث سنين، ويرجع الأعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه» (4).

ومعتبرة أبي عبيدة، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ


1) الشيخ في النهاية : 760، وحكاه عن أبي علي والصهرشتي والطبرسي في الجواهر 42: 189، وابن البراج في المهذب :2،95، وابن حمزة في الوسيلة : 455، والصدوق في الفقيه 4: 361/107.

2) لاحظ غاية المرام 4: 389.

3) هذا البحث غير موجود في القسم المطبوع من روض الجنان.

4) الوسائل 29: 399/ أبواب العاقلة ب 10 ح 1، التهذيب 10: 232/ 918، الفقيه 4 :107 / 361.

الشرط الخامس : أن يكون المقتول محقون الدم
إشارة

الشرط الخامس : أن يكون المقتول محقون الدم، فلا قود في القتل السائغ شرعاً، كقتل سابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وقتل المرتد الفطري ولو بعد توبته والمحارب والمهاجم القاصد للنفس أو العرض أو المال، وكذا من يقتل بقصاص أو حد وغير ذلك. والضابط في جميع ذلك هو كون القتل سائغاً للقاتل (1).


عين صحيح «فقال : إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام، ولا يبطل حق امرئ مسلم»(1).

ثمّ إنّه لا بد من حمل المعتبرة على ما إذا لم تكن له عاقلة، بقرينة صحيحة الحلبي المتقدمة الدالة على أنه إذا لم تكن له عاقلة فالدية في ماله. كما أنه لا بدّ من تقييد إطلاق ذيل الصحيحة بما إذا كان له مال، وإلا فالدية على الإمام بمقتضى ذيل المعتبرة الدالّ على ذلك.

بقي هنا شيء: وهو أنّ الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك قد رمى الروايتين بضعف السند (2)، والظاهر أنّه نظر في رواية الحلبي إلى رواية الشيخ (رحمة الله عليه)، فإنّ في سندها محمّد بن عبدالله، وهو محمد بن عبدالله بن هلال، الذي لم يرد فيه توثيق ولا مدح في كتب الرجال. وغفل عن أنّ الصدوق (قدس سره) رواها في الفقيه بسند صحيح.

وأما رواية أبي عبيدة فلا موجب لتضعيفها، غير أن في سندها عمار الساباطي، وهو من أجل الثقات.

(1) وذلك لأنّ دم المقتول يكون عندئذٍ هدراً، ومعه لا موجب للقصاص


1) الوسائل 29: 89/ أبواب القصاص في النفس ب 35 ح 1.

2) المسالك 2 : 371 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

ولا للدية، غاية الأمر أنه قد يكون دمه هدراً بالإضافة إلى كلّ شخص، كساب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (سلام الله عليهم)، وقد يكون هدراً بالإضافة إلى شخص دون آخر كما في موارد قتل المرتد الفطري، وموارد القصاص ونحوهما والمحارب والمهاجم.

هذا، مضافاً إلى ورود النصوص الخاصة بذلك :

منها : ما ورد في سابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) الدالة على جواز قتله لكلّ أحد، ومعنى ذلك : أن دمه هدر، وقد تقدمت تلك الروايات في محلّها (1).

ومنها : ما ورد في من قتله الحد أو القصاص، وهو عدة نصوص:

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: أيما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له»(2).

ومنها صحيحة أبي العبّاس عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عمّن أقيم عليه الحدّ، أيقاد منه، أو تؤدّى ديته ؟ «قال: لا، إلا أن يزاد على القود»(3).

فإنّها تدلّ على أنه لا قود ولا دية في ذلك مطلقاً، أي سواء أكان قتله من جهة الارتداد أو الزنا أو اللواط أو قتل النفس المحترمة.

ومنها ما ورد في المحارب والمهاجم الدالّ على أن دمه هدر، وقد تقدمت تلك الروايات أيضاً في محلها (4).


1) مباني تكملة المنهاج 1: 320.

2) الوسائل 29: 65/ أبواب القصاص في النفس ب 24 ح 9.

3) الوسائل 29: 65/ أبواب القصاص في النفس ب 24 ح 7.

4) مباني تكملة المنهاج 1: 385.

لو رأى زوجته يزني بها رجل وهي مطاوعة

(مسألة 89) المشهور على أنّ من رأى زوجته يزني بها رجل وهي مطاوعة، جاز له قتلهما، وهو لا يخلو عن إشكال، بل منع (1).


(1) يقع الكلام في صورتين :

الأولى : أنه إذا ادعى الزوج أنه رأى زوجته تزني فقتلها لذلك من دون أن تكون له بينة على ذاك، ففي هذه الصورة لا إشكال ولا خلاف في ثبوت القود عليه، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه على طبق القواعد - الروايات الآتية.

الثانية : أن تكون له بينة على ذلك، ففي هذه الصورة: المعروف والمشهور بين الأصحاب - بل لم يظهر الخلاف في البين - أنّه لا قود عليه، واستدلّ على جواز قتله وأنه لا قود عليه بعدة روايات:

منها : رواية سعيد بن المسيب على رواية الشيخ (قدس سره) ورواية يحيى ابن سعيد بن المسيب على رواية الصدوق (قدس سره): أن معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري : أنّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله، فاسأل لي علياً (عليه السلام) عن هذا، قال أبو موسى فلقيت علياً (عليه السلام) فسألته - إلى أن قال : - «فقال : أنا أبو الحسن، إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلا دفع برمته»(1).

ومنها : رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل دخل دار آخر للتلصص أو الفجور، فقتله صاحب الدار، أيقتل به أم لا؟ «فقال : اعلم أنّ من دخل دار غيره فقد أهدر دمه ولا يجب عليه شيء»(2)


1) الوسائل 29: 135/ أبواب القصاص في النفس ب 69 ح 2، التهذيب 10: 314/ 1168، الفقيه 4: 127 / 447.

2) الوسائل 29: 70/ أبواب القصاص في النفس ب 27 ح 2.

---------------------------------------------------------------------------------

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال: أيما رجل اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم ففقؤوا عينه أو جرحوه فلا دية عليهم. وقال : من اعتدى فاعتدي عليه فلا قود له» (1).

وفيه : أنّ الرواية الأولى وإن كانت تامة دلالة إلا أنها ضعيفة سنداً من عدة جهات، فإنّ في سندها الحصين بن عمرو، وهو مجهول، وكذا يحيى بن سعيد، على أنّ طبقة أحمد بن النضر متأخّرة عن الحصين بن عمرو فلا يمكن روايته عنه،، فالرواية مرسلة من هذه الجهة، فلا يمكن الاعتماد عليها.

وأما الرواية الثانية فلأنها ضعيفة سنداً ودلالةً، أما سنداً : فلأن في سندها عدة مجاهيل، وأمّا دلالةً: فلأنّ موردها دخول دار أحد للفجور أو التلصص، فيجوز قتله للدفاع.

ومن هنا قلنا: إنّه لا يختص بالزنا، فلو دخل دار غيره لتقبيل زوجته - مثلاً - جاز قتله أيضاً، كما أنّه لا يختص بالزوج، فلو دخل دار غيره للفجور بابنته أو أخته، أو لتقبيلها، جاز له قتله، كما تقدّم ذلك مفصلاً (2).

وهذا بخلاف مورد كلامنا فإنّه فيها إذا لم ينطبق عليه عنوان الدفاع، فإذن لا يقاس ما نحن فيه بالموارد المتقدّمة، فالرواية أجنبية عن محلّ الكلام.

وبذلك يظهر الجواب عن الرواية الثالثة فإنّها وإن كانت تامة سنداً، إلا أنها أجنبيّة عمّا نحن فيه، فإنّها واردة في مقام الدفاع عن العرض، وقد تقدّم أنه لا شبهة في جواز القتل لأجله (3).


1) الوسائل 29 : 68/ أبواب القصاص في النفس ب 25 ح 7.

2) تكملة مباني المنهاج 1: 421 - 423.

3) تكملة مباني المنهاج 1: 423.

---------------------------------------------------------------------------------

فالنتيجة : أنّ شيئاً من هذه الروايات لا يدلّ على مذهب المشهور.

على أن صحيحة داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : «إنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قالوا لسعد بن عبادة : أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به ؟ قال : كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال : ماذا يا سعد ؟ فقال سعد: قالوا : لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به ؟ فقلت : أضربه بالسيف، فقال يا سعد، فكيف بالأربعة الشهود؟ فقال: یا رسول الله، بعد رأي عيني وعلم الله أن قد فعل؟ قال : أي والله، بعد رأي عينك وعلم الله قد فعل، إنّ الله قد جعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حداً» (1).

ظاهرة في عدم جواز قتله وأنّ الله تعالى جعل للزنا حداً، وأنّه لا يجوز قتل الزاني قبل شهادة الأربعة، فلا يجوز التعدّي عنه، ومن تعدّى فعليه حدّ.

فما في الجواهر من أنّه يمكن أن تكون الصحيحة بياناً للحكم في الظاهر، وأنه لا مانع من قتله في الواقع ولا إثم عليه(2).

لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه خلاف ظاهر الصحيحة، فلا يمكن الالتزام به بلا دليل ولا قرينة.

وأما ما في الجواهر أيضاً من نسبة صحيح آخر إلى داود بن فرقد، وهو ما كتبه معاوية إلى أبي موسى (3).


1) الوسائل 28: 14/ أبواب مقدمات الحدود ب 2 ح 1.

2) الجواهر 369:41.

3) الجواهر 41: 369 - 370.

---------------------------------------------------------------------------------

فالظاهر أنه سهو من قلمه الشريف، حيث إنّ تلك الرواية لم يروها داود ابن فرقد.

أضف إلى ما ذكرناه أنه لو تمت دلالة تلك الروايات على جواز القتل فإنما تتم في خصوص قتل الرجل الزاني، ولا تدلّ على جواز قتل الزوجة المزني بها.

نعم، أرسل الشهيد (قدس سره) في الدروس: «أنّ من رأى زوجته تزني فله قتلهما» (1).

وبما أنّ هذه المرسلة لا توجد في كلام من تقدّم على الشهيد فلا يحتمل استناد المشهور إليها ليقال : إنّها منجبرة بعمل المشهور على أنّ الكبرى ممنوعة. ثمّ إنّ الحكم على تقدير ثبوته يختص بحال الزنا، فلو علم الزوج أن رجلاً زنى بزوجته سابقاً لم يجز له قتله، وذلك لأنّ عمدة الدليل عليه هي رواية ابن أبي الجسرين المتقدّمة، وهي لا تدلّ على أزيد من ذلك.


1) الوسائل 28: 149/ أبواب حد الزنا ب 45 ح 2، الدروس 2: 48.

الفصل الثاني في دعوى القتل وما يثبت به

اشتراط العقل والبلوغ في المدّعي

لو ادعى على شخص أنه قتل أباه مع جماعة لا يعرفهم

(مسألة 90): يشترط في المدّعي العقل والبلوغ (1). وقيل : يعتبر فيه الرشد أيضاً. والأظهر عدم اعتباره. ويشترط في المدعى عليه : إمكان صدور القتل منه، فلو ادّعاه على غائب لا يمكن صدور القتل منه عادةً لم تقبل، وكذا لو ادعاه على جماعة يتعذر اجتماعهم على قتل واحد عادةً، كأهل البلد مثلاً (3).

(مسألة 91) : لو ادعى على شخص أنه قتل أباه - مثلاً - مع جماعة لا يعرفهم، سمعت دعواه، فإذا ثبت شرعاً كان لولي المقتول قتل المدعى عليه، ولأولياء الجاني بعد القود الرجوع إلى الباقين بما يخصهم من الدية، فإن لم يعلموا عددهم رجعوا إلى المعلومين منهم، وعليهم أن يؤدوا ما يخصهم من الدية (2).


(1 -(2) تقدّم الكلام في ذلك في كتاب القضاء (1)- أحكام الدعاوى - فلا حاجة إلى الإعادة.

(3) فإنّه يعتبر في سماع دعوى المدعي احتمال الصدق، فلا أثر لها مع عدمه.

(4) وذلك لما تقدّم من أنّ جماعة إذا كانوا مشتركين في القتل فلولي المقتول


1) مباني تكملة المنهاج 1: 51.

لو ادعى القتل ولم يبيّن أنه كان عمداً أو خطأ

(مسألة 92): لو ادّعى القتل ولم يبيّن أنّه كان عمداً أو خطأ، فهذا يتصوّر على وجهين :

الأوّل : أن يكون عدم بيانه لمانع خارجي، لا لجهله بخصوصيّاته، فحينئذ يستفصل القاضي منه (1).

الثاني : أن يكون عدم بيانه لجهله بالحال، وأنّه لا يدري أنّ القتل الواقع كان عمداً أو خطاً. وهذا أيضاً يتصوّر على وجهين :


قتل الجميع بعد ردّ مقدار الدية إلى أولياء كلّ واحد منهم، وله قتل واحد منهم، ومعه فلأولياء الجاني المقتول الرجوع إلى أولياء الباقي ومطالبتهم بما يخصهم من الدية.

وقد يقال - كما قيل -: إنّه ليس لولي المقتول حق القود، وذلك لتوقفه على إمكان ردّ ما فضل من ديته من جنايته، وهو موقوف على معرفة عدد الشركاء، وهي منتفية هنا.

ولكنّه مندفع بأنّ مقتضى الروايات الواردة في موضوع الاشتراك في القتل: أنّ لولي المقتول اختيار ذلك، وأنه غير مقيد بإمكان ردّ أولياء الباقي ما يخصهم من الدية إلى أولياء الجاني المقتول، فإنّه وظيفتهم، ولا صلة لهذا الحكم بولي المقتول. وعلى ذلك ففي فرض عدم معرفتهم بعدد الشركاء يرجع إلى الصلح، أو يقتصر في أخذ الدية على المقدار المتيقن.

(1) وذلك لأنّ حكم القتل العمدي يختلف عن حكم القتل الخطائي، ولأجل ذلك يستفصل الحاكم منه، ليتضح له أنّه من أي القسمين، وأنّ المدعي يدعي أيهما، حيث إنّ الدعوى الإجمالية غير مسموعة.

فإنّه تارةً: يدّعي أنّ القاتل كان قاصداً لذات الفعل الذي لا يترتب عليه القتل عادةً، ولكنّه لا يدري أنّه كان قاصداً للقتل أيضاً أم لا ؟ فهذا يدخل تحت دعوى القتل الشبيه بالعمد (1).

وأخرى : لا يدعي أنه كان قاصداً لذات الفعل أيضاً، لاحتمال أنه كان قاصداً أمراً آخر، ولكنّه أصاب المقتول اتفاقاً، فعندئذٍ يدخل في دعوى القتل الخطائي المحض (2).

وعلى كلا الفرضين تثبت الدية إن ثبت ما يدعيه، ولكنّها في الفرض الأول على القاتل نفسه، وفي الفرض الثاني تحمل على عاقلته.

لو ادعى على شخص أنه القاتل منفرداً ثم ادعى على آخر كذلك أو شريكاً

(مسألة 93) : لو ادّعى على شخص أنّه القاتل منفرداً، ثمّ ادّعى على آخر أنّه القاتل كذلك، أو أنّه كان شريكاً مع غيره فيه، لم تسمع الدعوى الثانية (3)، بل لا يبعد سقوط الدعوى الأولى أيضاً (4).

لو ادعى القتل العمدي على أحد وفسّره بالخطأ

(مسألة 94): لو ادّعى القتل العمدي على أحد وفسّره بالخطأ، فإن احتمل في حقه عدم معرفته بمفهوم العمد والخطأ سمعت دعواه (5)، وإلّا


(1) وذلك لأنه بضم الوجدان إلى الأصل يثبت موضوع القتل الشبيه بالعمد.

(2) لعين البيان المتقدم.

(3) وذلك لاعترافه أوّلاً بعدم كون الثاني قاتلاً، لا منفرداً ولا مشتركاً، ومن المعلوم أنّ اعترافه هذا مسموع في حقه.

(4) لأنّه بالدعوى الثانية كذَّب نفسه بالنسبة إلى الدعوى الأولى، فالنتيجة سقوط كلتا الدعويين.

(5) لأنّ الدعوى الأولى لا تكذب الدعوى الثانية، فتكون مسموعة.

سقطت الدعوى من أصلها (1)، وكذلك الحال فيما لو ادعى القتل الخطائي وفسّره بالعمد (2).

ثبوت القتل بأمور
إشارة

(مسألة 95): يثبت القتل بأمور:

الأول : الإقرار وما يعتبر في المقرّ

الأوّل : الإقرار، وتكفي فيه مرّة واحدة (3).


(1) وذلك لأنّ الدعوى الثانية مكذّبة للدعوى الأولى وبالعكس، فتسقطان معاً، فلا يثبت القصاص ولا الدية.

(2) يظهر الحال فيه مما عرفت.

(3) على المشهور شهرة عظيمة، خلافاً لجماعة، منهم: الشيخ وابنا إدريس والبراج والطبرسي (1).

ويدلّ على المشهور - مضافاً إلى إطلاق أدلّة الإقرار - خصوص صحيحة الفضيل، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحق من حدود الله مرّة واحدة حرّاً كان أو عبداً، أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه» - إلى أن قال : - فقال له بعض أصحابنا : يا أبا عبدالله، فما هذه الحدود التي إذا أقرّ بها عند الإمام مرّة واحدة على نفسه أقيم عليه الحد فيها ؟ - إلى أن قال : - «وإذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم» (2).

وصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل


1) الشيخ في النهاية : 742، ابن إدريس في السرائر 3: 341، وحكاه عن الطبرسي وابن البراج في الجواهر 204:42.

2) الوسائل 28: 56 / أبواب مقدمات الحدود ب 32 ح 1.

ويعتبر في المقرّ البلوغ، وكمال العقل، والاختيار (1)، والحرّيّة على تفصيل2، فإذا أقرّ بالقتل العمدي ثبت القود،


فحمل إلى الوالي - إلى أن قال : - حتى أتاهم رجل، فأقرّ عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه، فلا تقتلوه به، وخذوني بدمه، قال: «فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه» الحديث(1).

ويؤيد ذلك بمرفوعة علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال : أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): ما تقول؟ قال: أنا قتلته قال اذهبوا به فأقيدوه به» الحدیث (2).

ورواها الصدوق (قدس سره) باختلاف يسير مرسلةً عن أبي جعفر (عليه السلام)، ولكن صاحب الوسائل (قدس سره) نسبها إلى رواية الصدوق (قدس سره) باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعله من سهو القلم.

وأما ما ذهب إليه الشيخ وهؤلاء الجماعة من اعتبار الإقرار مرّتين، فليس له وجه ظاهر. وما استدلّ عليه - من أنّ فيه احتياطاً للدماء، وليس القتل بأدون من السرقة - واضح الضعف، كيف؟! ولو تم ذلك فلابد من اعتبار الإقرار أربع مرات، لأنّ القتل ليس بأدون من الزنا.

(1) لأنّ القلم مرفوع عن الصبي والمجنون والمكرَه.

(2) بيان ذلك : هو أنّ المولى لا يخلو من أن يصدق عبده في إقراره مالاً كان


1) الوسائل 29: 144/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 5 ح 1.

2) الوسائل 29: 142/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 4 ح 1، الفقيه 3: 14/ 37.

---------------------------------------------------------------------------------

أو حداً أو جنايةً، أو لا يصدقه في ذلك.

فعلى الأوّل : يقبل إقراره من دون خلاف بين الأصحاب، لأن الحق لا يعدوهما، والمنع إنما كان لحق السيد، وقد انتفى على الفرض.

وعلى الثاني : لا يقبل إقراره في حق السيّد بلا خلاف، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب، بلا فرق بين المال والجناية.

وأما بالنسبة إلى العبد نفسه فلا مانع من شمول أدلّة نفوذ الإقرار له. وعليه، فإن كان إقراره بمال فعليه أداؤه بعد العتق وإن كان بجناية : فإن كان أثرها القصاص - كما إذا كانت عمدية - اقتص منه، وإلّا أخذت، وإلّا أخذت منه الدية.

وتؤيد عدم نفوذ إقراره في حق السيّد بدون إذنه وتصديقه : صحيحة الفضيل ابن يسار، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إذا أقرّ المملوك على نفسه بالسرقة لم يقطع، وإن شهد علیه شاهدان قطع»(1).

ورواية أبي محمد الوابشي قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قوم ادعوا على عبد جناية تحيط برقبته، فأقرّ العبد بها «قال: لا يجوز إقرار العبد على سيّده، فإن أقاموا البينة على ما ادعوا على العبد أخذ بها العبد، أو يفتديه مولاه» (2).

لكنّها ضعيفة سنداً بأبي محمد الوابشي.

بقي هنا شيء : وهو أنه قد ورد في صحيحة الفضيل المتقدمة في صدر المسألة نفوذ إقرار العبد على نفسه، وأنّه يؤخذ به كالحرّ، وأنّ الزاني المحصن لا يرجم بإقراره مالم يشهد أربعة شهود وكلا الحكمين مخالف للإجماع القطعي والروايات المعتبرة، فلابد من طرحها وردّ علمها إلى أهله.


1) الوسائل 28: 305 / أبواب حد السرقة ب 35 ح 1.

2) الوسائل 29 : 161/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 13 ح 1.

وإذا أقرّ بالقتل الخطائي ثبتت الدية في ماله لا على العاقلة (1)، وأما المحجور عليه لفلس أو سفه فيقبل إقراره بالقتل عمداً فيثبت عليه القود. وإذا أقرّ المفلس بالقتل الخطائي ثبتت الدية في ذمّته (2) ولكن ولي المقتول لا يشارك الغرماء إذا لم يصدقوه (3).

لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر بقتله خطأ

(مسألة 96): لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر بقتله خطاً، تخيّر وليّ المقتول في تصديق أيهما شاء، فإذا صدق واحداً منهما فليس له على الآخر سبيل (4).


(1) تدلّ على ذلك صحيحة زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) «قال: لا تعقل العاقلة إلا ما قامت عليه البينة. قال : وأتاه رجل فاعترف عنده، فجعله في ماله خاصة، ولم يجعل على العاقلة شيئاً» (1).

(2) وذلك لأنّ حجره إنما هو في التصرّف في أمواله، ولا يكون محجوراً في إقراره، فيشمله إطلاق أدلّة نفوذه.

(3) والوجه في ذلك : هو أنه إقرار في حق الغير، ولا دليل على اعتباره.

(4) واستدل على ذلك بالإجماع، كما عن الانتصار (2).

وبرواية الحسن بن صالح، كما في الكافي والتهذيب، ورواية الحسن بن حيّ كما في الفقيه، وهما واحد، وهو الحسن بن صالح بن حيّ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وجد مقتولاً، فجاء رجلان إلى وليه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر : أنا قتلته خطأ «فقال : إن هو أخذ صاحب العمد


1) الوسائل 29: 398/ أبواب العاقلة ب 9 ح 1.

2) الانتصار : 543.

لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر أنه هو الذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره

(مسألة 97) : لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر أنّه هو الذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره، فالمشهور أنّه يدرأ عنهما القصاص والدية، وتؤخذ الدية من بيت مال المسلمين.


فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل شيء»(1).

وفيه : أنّ الاجماع منقول، وهو ليس بحجة كما حققناه في الأصول(2)، ولا سيما من مثل السيّد المرتضى (قدس سره) الذي يدّعي الإجماع على أساس أنّ ما يدعيه مقتضى أصل أو أمارة.

وأما الرواية : فضعيفة سنداً، فإنّ الحسن بن صالح زيدي بتري متروك العمل بما يختص بروايته على ما ذكره الشيخ (قدس سره)(3).

ودعوى أن الراوي عنه هو الحسن بن محبوب، وهو من أصحاب الإجماع، وهو لا يروي إلّا عن ثقة.

مدفوعة بعدم ثبوت ذلك على ما فصلناه في معجم رجال الحديث (4).

كما أنّ ما ذكره الوحيد من أنّ ابن الوليد لم يستثن من روايات محمد بن أحمد بن يحيى في نوادر الحكمة الحسن بن صالح، وهذا دليل على أن ابن الوليد


1) الوسائل 29: 141/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 3 ح 1، الكافي 7: 289 / 1، التهذيب 10 : 172 / 677، الفقيه 4 : 78 / 244.

2) مصباح الأصول 2: 134 - 138.

3) التهذيب 1: 408 / 1282.

4) لاحظ معجم رجال الحديث 6: 96 - 114 / 3079.

وفيه إشكال، بل منع، فالظاهر أنّ حكمهما حكم المسألة السابقة (1). وأما إذا لم يرجع الأوّل عن إقراره


قد اعتمد عليه(1).

مندفع أوّلاً: بعدم ثبوت هذه الكبرى.

وثانياً : بأنّ محمّد بن أحمد بن يحيى لم يرو عنه في كتاب النوادر، وإنما روى عن الحسن بن صالح بن محمد الهمداني، وهو رجل آخر، وكيف يمكن أن يروي محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن صالح بن حيّ الذي هو من أصحاب الباقر (عليه السلام) وأدرك الصادق (عليه السلام)؟!

والصحيح في وجه التخيير أن يقال: إنّ كلّاً من الإقرارين وإن كان حجّة على المقر نفسه إلّا أنّه ليس لولي المقتول الأخذ بكليهما معاً، للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع.

نعم، له الأخذ بإقرار أحدهما بمقتضى بناء العقلاء على جواز أخذ المقرّ بإقراره حتى في أمثال المقام، فإذا رجع إلى المقرّ بالقتل خطأ وأخذ منه الدية فليس له الرجوع إلى المقرّ بالقتل عمداً والاقتصاص منه. وإذا رجع إلى المقرّ بالقتل عمداً واقتص منه فليس لورثته مطالبة الآخر بنصف الدية، لأنه بمقتضى إقراره قد اعترف ببراءة الآخر من القتل. وتدلّ على ذلك صحيحة زرارة الآتية في المسألة (108).

(1) استدلّ للمشهور برواية علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل


1) منتهى المقال 2: 398/ 740، معجم رجال الحديث 5 : 351/ 2880.

---------------------------------------------------------------------------------

وجد في خربة، وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحط في دمه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ما تقول ؟ قال : أنا قتلته، قال : اذهبوا به فأقيدوه به، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرع - إلى أن قال : - فقال : أنا قتلته فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد علي أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني، وبيدي سكين ملطخ بالدم - إلى أن قال : - فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن - إلى أن قال: - فقال الحسن (عليه السلام): قولوا لأمير المؤمنين (عليه السلام): إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيى هذا - إلى أن قال : - يخلّى عنهما، وتخرج دية المذبوح من بيت المال» (1).

ورواها الصدوق (قدس سره) مرسلة عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقد نسبها صاحب الوسائل إلى رواية الصدوق (قدس سره) باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).

والأمر ليس كذلك. وعليه، فالرواية ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

ودعوى الانجبار بعمل المشهور لا أصل لها كما حققناه في محلّه.

والصحيح أن حكم هذه المسألة حكم سابقتها، نظراً إلى أنّه لا أثر لرجوع المقرّ عن إقراره، فإذن النتيجة هي التخيير، كما قوّاه الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك (2)، ونسبه في الجواهر إلى أبي العباس(3).


1) الوسائل 29: 142/ أبواب دعوى القتل ب 4 ح 1، الفقيه 3: 14/ 37.

2) المسالك 2: 372 (حجري).

3) الجواهر 207:42.

تخيّر الولي في تصديق أيهما شاء، بلا خلاف ظاهر (1).

الثاني : البينة
إشارة

الثاني : البينة، وهي أن يشهد رجلان بالغان عاقلان عدلان بالقتل (2).

عدم ثبوت القتل بشاهد وامرأتين، ولا بشهادة النساء منفردات، ولا بشاهد ويمين

(مسألة 98) : لا يثبت القتل بشاهد وامرأتين، ولا بشهادة النساء منفردات ولا بشاهد ويمين. نعم يثبت ربع الدية بشهادة امرأة واحدة، ونصفها بشهادة امرأتين، وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث نسوة، وتمامها بشهادة أربع نسوة (3).

اعتبار الحسّ أو ما يقرب منه في الشهادة على القتل

(مسألة 99) : يعتبر في الشهادة على القتل أن تكون عن حسّ أو ما يقرب منه، وإلا فلا تقبل (4).

لو شهد شاهدان بما يكون سبباً للموت وادعى الجاني عدم استناده إلى جنايته

(مسألة 100) : لو شهد شاهدان بما يكون سبباً للموت عادةً، وادّعى الجاني أن موته لم يكن مستنداً إلى جنايته، قبل قوله مع يمينه (5).


(1) ظهر وجهه مما تقدّم.

(2) بلا خلاف ولا إشكال لعمومات أدلّة حجّيّة البينة، مضافاً إلى ما يستفاد من روايات خاصة.

(3) تقدّم تفصيل ذلك في كتاب الشهادات(1).

(4) تقدّم تفصيل ذلك في كتاب الشهادات(2).

(5) لأنّ قوله مطابق للأصل، فعلى من يدعي أن موته مستند إلى الجناية الإثبات شرعاً والمفروض أن البينة إنّما قامت على الجناية نفسها لا على استناد موته إليها، وحيث إنّه لم يثبت يقبل قول الجاني مع يمينه. وعليه، فإن كانت الجناية مما له مقدّر شرعاً فهو، وإلا فالمرجع هو الحكومة.


1) مباني تكملة المنهاج 1: 149 و 155 و 136.

2) مباني تكملة المنهاج 1: 149 و 155 و 136.

اعتبار توارد شهادة الشاهدين على أمر واحد في قبول الشهادة

(مسألة 101) : يعتبر في قبول شهادة الشاهدين توارد شهادتهما على أمر واحد، فلو اختلفا في ذلك لم تقبل، كما إذا شهد أحدهما أنه قتل في الليل، وشهد الآخر أنّه قتل في النهار أو شهد أحدهما أنه قتله في مكان، والآخر شهد بأنّه قتله في مكان آخر، وهكذا (1).

لو شهد أحدهما بالقتل، وشهد الآخر بإقراره به

(مسألة 102) : لو شهد أحدهما بالقتل، وشهد الآخر بإقراره به، لم يثبت القتل (2).

لو شهد أحدهما بالإقرار بالقتل من دون تعيين العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار به عمداً

(مسألة 103) : لو شهد أحدهما بالإقرار بالقتل من دون تعيين العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار به عمداً، ثبت إقراره وكلف بالبيان (3)، فإن أنكر العمد في القتل فالقول قوله وتثبت الدية في ماله (4)، فإن ادّعى الوليّ أنّ القتل كان عن عمد فعليه الإثبات (5). ومثل ذلك ما لو شهد أحدهما بالقتل متعمّداً، وشهد الآخر بمطلق القتل، وأنكر القاتل العمد، فإنّه لا يثبت القتل العمدي، وعلى الولي إثباته بالقسامة على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.


(1) الوجه فيه ظاهر، كما تقدّم في كتاب الشهادات (1).

(2) لعدم قيام البيّنة على القتل ولا على الإقرار به.

(3) لثبوت القتل إجمالاً بالإقرار الثابت بالبينة.

(4) أمّا أنّ القول قوله فلأصالة عدم العمد والمفروض أن البينة لم تقم عليه. وأمّا أنّ الدية في ماله فلما مرّ من أنّ العاقلة لا تحمل إلا القتل الثابت بالبينة (2).

(5) لمخالفة قوله للأصل، فعليه الإثبات شرعاً.


1) مباني تكملة المنهاج 1: 179.

2) في ص 94 وانظر ص 553.

لو ادعى القتل على شخصين وأقام البينة ثم شهد المشهود عليهما بأن الشاهدين هما القاتلان

(مسألة 104) : لو ادّعى شخص القتل على شخصين وأقام على ذلك بينة، ثم شهد المشهود عليها بأنّ الشاهدين هما القاتلان له، فإن لم يصدقهما الولي فلا أثر لشهادتهما (1) وللولي الاقتصاص منهما أو من أحدهما على تفصيل قد تقدّم، وإن صدقهما سقطت الدعوى رأساً (2).

لو شهد شخصان لمن يرثانه بأنّ زيداً جرحه

(مسألة 105) لو شهد شخصان لمن يرثانه بأنّ زيداً جرحه وكانت الشهادة بعد الاندمال قبلت (3)، وأمّا إذا كانت قبله فقيل : لا تقبل، ولكنّ الأظهر القبول (4).

لو شهد شاهدان من العاقلة بفسق شاهدي القتل

(مسألة 106) : لو شهد شاهدان من العاقلة بفسق شاهدي القتل، فإن كان المشهود به القتل عمداً أو شبه عمد قبلت وطرحت شهادة الشاهدين (5)، وإن كان المشهود به القتل


(1) لأنهما متهمان بدفع الضرر عن أنفسهما، فلا تقبل شهادتهما.

(2) وذلك لأنّ تصديق الولي شهادة المشهود عليهما على الشاهدين بطبيعة الحال يستلزم تكذيب شهادتهما، ودعواه القتل على المشهود عليها أولاً تستلزم نفى القتل عن الشاهدين فالنتيجة : سقوط الدعوى بالكلية.

(3) بلا خلاف ولا إشكال، لعموم أدلّة حجية الشهادة.

(4) والوجه في ذلك : ما تقدّم (1)من أنّ مطلق التهمة لا يكون مانعاً عن قبول الشهادة، وإنما المانع عن قبولها التهمة في موارد خاصة. وعلى ذلك، فمجرد احتمال أن شهادتهما كانت لأجل السراية وأخذ الدية لا يكون مانعاً عنه.

(5) وذلك لثبوت الجرح فيهما، فلا اعتبار بشهادتها.


1) مباني تكملة المنهاج 1: 113.

خطأ لم تقبل شهادتهما (1).

لو قامت بيّنة على أنّ زيداً قتل شخصاً منفرداً وقامت أخرى على أن القاتل غيره

(مسألة 107) لو قامت بيّنة على أنّ زيداً قتل شخصاً منفرداً، وقامت بينة أخرى على أنّ القاتل غيره، سقط القصاص عنهما جزماً، وكذا الدية، وقيل : وجبت الدية عليهما نصفين. وفيه إشكال بل منع (2).

لو قامت بينة على أن شخصاً قتل زيداً عمداً، وأقرّ آخر بأنه القاتل دون المشهود عليه

(مسألة 108) لو قامت بيّنة على أنّ شخصاً قتل زيداً عمداً، وأقرّ آخر أنّه هو الذي قتله دون المشهود عليه وأنه بريء، واحتمل اشتراكهما في القتل، كان للولي قتل المشهود عليه وعلى المقرّ ردّ نصف الدية إلى ولي المشهود عليه، وله قتل المقرّ، ولكن عندئذ لا يردّ المشهود عليه إلى ورثة المقر شيئاً، وله قتلهما بعد أن يردّ إلى وليّ المشهود عليه نصف ديته،


(1) وذلك لأنهما يدفعان الغرم عن أنفسهما، وقد تقدم عدم قبول شهادة دافع الغرم عن نفسه (1). وهذا بطبيعة الحال يختص بمن عليه الدية من العاقلة. وأمّا من لا دية عليه كغير المتمكّن منهم، أو من لا يصل إليه العقل أو نحو ذلك، فتقبل شهادته إذا كانت واجدة للشرائط من ناحية أخرى.

(2) وذلك لتعارض الدلالة الالتزامية لكلّ منهما بالدلالة المطابقية للأخرى، فتسقطان معاً، فكأنّه لا بيّنة في المقام أصلاً. وعليه، فلا يثبت كون هذا قاتلاً ولا ذاك، فإذن لا مقتضي للقصاص منها ولا من أحدهما ولا لأخذ الدية كذلك.

ومن ذلك يظهر أن ما عن الشيخين والقاضي والصهرشتي وأبي منصور الطبري


1) مباني تكملة المنهاج 1: 112.

ولو عفا عنهما ورضي بالدية كانت عليهما نصفين (1). وأما إذا علم أنّ القاتل واحد فالظاهر جواز قتل المقرّ أو أخذ


والفاضل في بعض كتبه وولده وأبي العباس من وجوب الدية عليها نصفين(1)، في غير محله.

(1) بيان ذلك : أنّ في المسألة صوراً :

الأولى: ما إذا علم أولياء المقتول بكذب المقرّ بخصوصه أو بكذب البينة كذلك.

الثانية : ما إذا احتمل الاشتراك في القتل بينهما.

الثالثة : ما إذا علم إجمالاً عدم الاشتراك وأن القاتل واحد.

أمّا الصورة الأولى : فهي خارجة عن منصرف الصحيحة الآتية جزماً، حيث إنه لا يجوز قتل من علم ببراءته بمجرّد إقراره أو قيام البينة عليه.

وأمّا الصورة الثانية : فمقتضى القاعدة فيها جواز قتلهما معاً، وذلك لأنّ البينة التي قامت على أن زيداً قاتل لا تخلو من أن تكون لها دلالة التزامية على اشتراك غيره في القتل، أو لا تكون لها هذه الدلالة، وعلى كلا التقديرين فهي لا تنفي اشتراك غيره فيه، أما على الثان﮵: فواضح، وأما على الأوّل : فلأنّ الدلالة الالتزامية المذكورة تسقط من جهة إقرار غيره بالقتل، وأما إقرار المقرّ


1) الشيخ المفيد في المقنعة : 736، الشيخ الطوسي في النهاية : 742، القاضي في المهذب 2 : 502، الفاضل في قواعد الأحكام 3: 615، ابن الفاضل في إيضاح الفوائد 4: 608، أبو العباس في المهذب البارع 5 : 202 - 204، وحكاه عن الصهرشتي وأبي من صور الطبري في الجواهر 42: 219.

---------------------------------------------------------------------------------

فهو حجّة بالإضافة إلى ما عليه من الآثار، وأما بالإضافة إلى نفي القتل من غيره فلا يكون حجّة.

فالنتيجة من ضم البينة إلى الإقرار هي أنهما معاً قاتلان على نحو الاشتراك، فيجري عليهما حكم الاشتراك في القتل، غير أنّ ولي المقتول إذا اقتص من المقرّ فقط فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه، وذلك لأجل أخذ المقرّ بإقراره.

وتدلّ على ذلك أيضاً صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي، وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنه قتل عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا حتى أتاهم رجل، فأقرّ عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شہد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه فلا تقتلوه به وخذوني بدمه، قال: «فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الآخر، ثم لا سبيل لورثة الذي أقر على نفسه على ورثة الذي شهد عليه، وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوا ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثمّ ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية» قلت : أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ؟ «قال : ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصاً دون صاحبه ثم يقتلونهما» قلت : إن أرادوا أن يأخذوا الدية ؟ قال: «فقال : الدية بينهما نصفان لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شهد عليه» قلت : كيف جعلت لأولياء الذي شهد عليه على الذي أقرّ نصف الدية حيث قتل، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ على أولياء الذي شهد عليه ولم يقرّ ؟ «فقال : لأنّ الذي شهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شهد عليه لم يقرّ ولم يبرئ صاحبه والآخر أقر وبرأ

الدية منه بالتراضي.


صاحبه، فلزم الذي أقرّ وبرّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شهد عليه ولم يقرّ ولم يبرئ صاحبه»(1).

وهذه الصحيحة واضحة الدلالة على حكم هذه الصورة بشقوقها.

وأمّا الصورة الثالثة : فالمشهور أنّ الحكم فيها كما في الصورة الثانية، ولكنّ المحقق في الشرائع لم يجزم بذلك حيث قال : وفي قتلهما إشكال، لانتفاء الشركة، وكذا في إلزامهما بالدية نصفين، والقول بتخيير الولي في أحدهما وجه قوي، غير أنّ الرواية من المشاهير (2).

وذهب إلى التخيير جماعة، منهم : ابن إدريس في السرائر والفاضل في التحرير وولده في الإيضاح وأبو العباس في المهذب والمقتصر (3).

وقال في الجواهر بعد ما اختار مذهب المشهور : بل لعلّ طرحها - الصحيحة - والعمل بما تقتضيه القواعد اجتهاد في مقابلة النص (4).

أقول : الصحيح أنه لا مجال لما ذهب إليه المشهور ولا للقول بالتخيير.

أمّا الأوّل : فلأنّ الصحيحة إن دلّت على ذلك فإنّما تكون دلالته بالإطلاق، وكيف يمكن الأخذ به ورفع اليد عمّا دلّ على عدم جواز قتل المؤمن بغير حق


1) الوسائل 29: 144/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 5 ح 1.

2) الشرائع 4: 228.

3) السرائر 3: 341، التحرير 2: 251، إيضاح الفوائد 4: 609، المهذب البارع 5: 205 - 207، المقتصر : 432.

4) الجواهر 42: 225.

لو ادّعى الولي أنّ القتل الواقع عمدي، وأقام على ذلك شاهداً وامرأتين ثم عفا عن حق الاقتصاص

(مسألة 109) : لو ادعى الولي أنّ القتل الواقع في الخارج عمدي، وأقام على ذلك شاهداً وامرأتين، ثمّ عفا عن حق الاقتصاص، قيل بعدم صحة العفو، حيث إنّ حقه لم يثبت، فيكون العفو عفواً عما لم يثبت. ولكن الظاهر هو الصحة (1).


من الآيات والروايات ؟! فالمتعيّن هو رفع اليد عن إطلاق الصحيحة وحملها على صورة احتمال الاشتراك.

وأما الثاني : فلأنّ القول بالتخيير يحتاج إلى دليل، والأصل عند تعارض الحجتين وعدم إمكان العمل بهما هو التساقط دون التخيير على ما حققناه في محله (1). على أنّ المقام ليس من موارد التعارض، فإنّ الظاهر من بناء العقلاء في أمثال المقام هو الأخذ بالإقرار وعدم ترتيب الأثر على البينة. وعليه، فالمتعيّن هو الأخذ بالإقرار والاقتصاص من المقرّ أو أخذ الدية منه بالتراضي.

وأما ما تقدّم من مرفوعة إبراهيم بن هاشم (2)فهى وإن دلت بمقتضى التعليل على سقوط القصاص والدية عن المقر إلّا أنها لضعفها سنداً غير قابلة للاستدلال بها.

(1) إذ لو كان له حق في الواقع لسقط بعفوه وإن لم يثبت عند الحاكم، فلو ثبت عنده بعد العفو لم يترتب أثر عليه، لفرض سقوطه بإسقاط ذي الحق.


1) مصباح الأصول 3: 265 - 267.

2) الوسائل 29: 142/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 4 ح 1.

الفصل الثالث في القسامة

حكم ما لو ادّعى الولي القتل على واحد أو جماعة

(مسألة 110) : لو ادّعى الولي القتل على واحد أو جماعة، فإن أقام البينة على مدّعاه فهو (1)، وإلّا فإن لم يكن هنا لوث طولب المدعى عليه بالحلف.


(1)الوسائل 29: 153/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 4. (2)

فهي لا تدلّ على عدم حجّيّة بيّنة المدّعي، وإنما تدلّ على أنّ المطالب بها هو المنكر دون المدعي على أنها خاصة بموارد اللوث دون غيرها على ما سيأتي.

وأمّا في غيرها فيكون المطالب بالبينة هو المدعي، بمقتضى ما ورد من أنّ البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه.

هذا، وقد صرّح في صحيحة بريد بن معاوية ومسعدة بن زياد الآتيتين بحجيّة بيّنة المدّعي، مع أنها وردتا في مورد اللوث.


1) بلا خلاف ولا إشكال، لإطلاق أدلّة حجّيّة البيّنة. وأما صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم : أنّ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم : أن البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى، لئلا يبطل دم امرئ مسلم»

2) .

فإن حلف سقطت الدعوى (1)، وإن لم يحلف كان له ردّ الحلف إلى المدعي، وإن كان لوث طولب المدعى عليه بالبينة (2)، فإن أقامها على عدم القتل فهو، وإلا فعلى المدعي الإتيان بقسامة خمسين رجلاً لإثبات مدّعاه،


(1) من دون خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، كما في سائر الدعاوى. وكذلك الحال في جواز ردّ الحلف على المدعي.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، وتدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدمة وصحيحة بريد بن معاوية الآتية.

(3) من دون خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل»(1).

ومنها : صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن القسامة «فقال : الحقوق كلّها : البينة على المدّعي واليمين على المدعى عليه، إلّا في الدم خاصة، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بينما هو بخيبر إذا فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار : إنّ فلان اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) للطالبين : أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده (أقده) برمته، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمته، فقالوا يا رسول الله، ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فوداه رسول الله (صلى الله عليه وآله)


1) الوسائل 29: 151 / أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

وقال : إنما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة (من عدوّه) حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلا أغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون» (1).

ومنها: صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر (عليه السلام) «قال: كان أبي (رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم، ولم يقسموا بأنّ المتهمين قتلوه، حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثمّ يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأما إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال»(2).

بقي هنا شيء: وهو أنّ المتسالم عليه بين فقهائنا - بل بين فقهاء المسلمين كافّة إلا الكوفي من العامة (3)- اعتبار اللوث في القسامة، ومع ذلك قد ناقش فيه المحقق الأردبيلي، نظراً إلى إطلاق الروايات وخلوّها عن التقييد المذكور (4)، ولكن الصحيح هو اعتبار اللوث، فإنّه - مضافاً إلى كونه أمراً متسالماً عليه - يمكن استفادته من عدة روايات في الباب :

منها : معتبرة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إنما جعلت القسامة ليغلّظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم، فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم» (5).


1) الوسائل 29: 152 / أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 3.

2) الوسائل 29: 153/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 6.

3) حكاه في الجواهر 42: 227.

4) مجمع الفائدة والبرهان 14: 182 - 184.

5) الوسائل 29: 154/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 7.

وإلّا فعلى المدعى عليه القسامة كذلك (1)، فإن أتى بها سقطت الدعوى،


ومنها : صحيحة زرارة وبريد المتقدّمتان.

ومنها: صحيحة ابن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط، يحتاط على الناس، لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص»(1).

فإنّ التعليل المذكور فيها يدلّنا على أن جعل القسامة لا يعمّ كلّ مورد، بل لا بد أن يكون المدعى عليه رجلاً فاسقاً ومتهماً بالشر، كما صرح به في رواية زرارة. وهذا هو معنى اللوث.

أضف إلى ذلك : أن قوله (عليه السلام) في روايات الباب: «إنما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس» يدلّ على اعتبار اللوث فيها، وإلا لم يكن احتياطاً للدماء، بل يوجب هدرها، حيث إنّ للفاسق والفاجر أن يدعي القتل على أحد ويأتي بالقسامة فيتقص منه، فيذهب دم المسلم هدراً.

ويؤيد ذلك ما في حديث عن الصادق (عليه السلام): «كانت العداوة بين الأنصار وبينهم - اليهود - ظاهرة، فإذا كانت هذه الأسباب أو ما أشبهها فهي لطخ تجب معه القسامة» (2).

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدل على ذلك عدة روايات :

منها : ما تقدّم من صحيحة بريد بن معاوية وصحيحة مسعدة بن زياد.

ومنها : صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القسامة


1) الوسائل 29: 154/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 9.

2) دعائم الاسلام 2: 429.

وإلا ألزم الدعوى (1).


«فقال : هي حق، إنّ رجلاً من الأنصار وجد قتيلاً في قليب من قلب اليهود إلى أن قال: فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم قالوا : يا رسول الله، كيف نقسم على ما لم نر ؟ قال : فيقسم اليهود» الحديث (1).

(1) على ما يظهر من كلمات غير واحد منهم، فإنهم ذكروا أنه إذا نكل وامتنع عن الحلف ألزم الدعوى، بل صرّح بعضهم - كصاحب الرياض (قدس سره) (2)- بأنه يُلزم بالدعوى، سواء أكانت الدعوى دعوى القتل عمداً أم كانت دعوى القتل خطأ.

والوجه في ذلك : هو أن مقتضى ما دلّ على جعل القسامة وأنه إذا لم يقسم المدعي كانت القسامة على المدعى عليه : أنّه إذا امتنع عن الحلف الزم بالدعوى، وإلّا كان إلزامه بالحلف لغواً. وهذا ظاهر.

ثم إنه هل للمدعى عليه عندئذٍ ردّ الحلف على المدعي، كما كان ذلك في غير دعوى القتل، أم يحكم على المدعى عليه بمجرد نكوله ؟

قولان، المشهور هو الثاني.

وعن الشيخ (قدس سره) في المبسوط هو الأول (3).


1) الوسائل 29: 155/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 10 ح 3.

2) رياض المسائل 2 : 519 (حجري).

3) المبسوط 7: 210.

هل تثبت القسامة لو كان المدعي أو المدعى عليه امرأة ؟

(مسألة 111) : إذا كان المدّعي أو المدعى عليه امرأة، فهل تثبت القسامة ؟ فيه وجهان، الأظهر هو الثبوت (1).


ولا نعرف له وجهاً، فإنّ الردّ إنّما ثبت فيما إذا كان الحلف وظيفة المدعى عليه، وأما فيما إذا كان الحلف وظيفة المدعي ولم يقسم فانتقل الحلف إلى المدعى عليه - كما في المقام - فلا موجب للردّ أصلاً.

بقي هنا شيء : وهو أنّ المدعى عليه إذا لم يكن شخصاً معيناً، وقد وجد القتيل عند طائفة أو قبيلة أو قرية وامتنعوا عن الحلف، الزموا بالدية، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى عدم جواز الاقتصاص ممن لم يثبت أنه قاتل - صحيحة برید بن معاوية المتقدّمة.

وأما ما في صحيحة مسعدة بن زياد من لزوم أداء الدية إلى أولياء القتيل بعد حلف المتهمين فلا دلالة فيه على أخذ الدية منهم، بل تؤدى الدية من بيت المال، فإنّ دم المسلم لا يذهب هدراً.

(1) بلا خلاف ظاهر، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنما جعلت القسامة احتياطاً للناس الحديث» (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن القسامة كيف كانت ؟ «فقال : هي حق - إلى أن قال : - وإنّما القسامة نجاة للناس» (2).


1) الوسائل 29: 151/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 1.

2) الوسائل 29: 151/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 2.

كمية القسامة

القسامة في القتل العمدي وغيره

(مسألة 112) : في القتل العمدي خمسون يميناً (1)،


فإنّ مقتضى هذا التعليل عدم اختصاص الحكم بالرجال وإن كان مورد جملة منها الرجل.

ومنها : صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال: سألته عن القسامة «فقال : الحقوق كلّها: البينة على المدّعي واليمين على المدعى عليه، إلّا في الدم خاصة» الحديث (1).

ومنها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم حكم في أموالكم أنّ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم: أن البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى، لئلا يبطل دم امرئ مسلم»(2).

(1) على المشهور شهرة عظيمة، بل ادعي عليه الإجماع.

وتدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن سنان، قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام) في القسامة خمسون رجلاً في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً، وعليهم أن يحلفوا بالله»(3).

وصحيحة يونس وابن فضال جميعاً عن الرضا (عليه السلام) في حديث:


1) الوسائل 29: 152/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 3.

2) الوسائل 29: 153/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 4.

3) الوسائل 29: 158/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 11 ح 1.

وفي الخطأ المحض والشبيه بالعمد خمس وعشرون يميناً (1). وعليه، فإن أقام المدعي خمسين رجلاً يقسمون فهو، وإلا فالمشهور تكرير الأيمان عليهم حتى يتم عدد القسامة،، وهو غير بعيد (2).


«والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً» الحديث (1).

وخالف في ذلك ابن حمزة حيث قال : إنّها خمسة وعشرون في العمد إذا كان هناك شاهد واحد (2).

وفيه : أنّه مبني على أنّ الخمسين بمنزلة شاهدين عدلين، وهو اعتبار ضعيف جداً، فلا يمكن جعله مدركاً لحكم شرعي على أنه مخالف لإطلاق هاتين الصحيحتين.

(1) على الأشهر بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك الصحيحتان المتقدّمتان.

وخالف في ذلك جماعة، منهم : المفيد والديلمي وابن إدريس والفاضل وولده والشهيدان، وذهبوا إلى أنه لا فرق في ذلك بين العمد والخطأ.(3).

وفيه : أنه مخالف لصريح الصحيحتين المتقدّمتين، فلا يمكن القول به.

(2) بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب، ولم ينقل


1) الوسائل 29: 159/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 11 ح 2.

2) الوسيلة : 460.

3) الشيخ المفيد في المقنعة : 736، الديلمي في المراسم : 232، ابن إدريس في السرائر 3: 338، العلّامة في القواعد 3: 618، ابن العلّامة في إيضاح الفوائد 4: 615، الشهيد الأوّل في اللمعة 10 : 73، الشهيد الثاني في الروضة البهية 10: 74.

---------------------------------------------------------------------------------

الخلاف في المسألة عن أحد، إلا أنه لم يرد فيها نصّ، بل مقتضى صحيحتي بريد بن معاوية وزرارة وغيرهما : أنّ القود يتوقف على حلف خمسين رجلاً، فلا يثبت القود عند عدم تحقق الحلف من خمسين رجلاً.

وأما ما في صحيحة يونس عن الرضا (عليه السلام) فيما أفتى به أمير المؤمنين (عليه السلام) في الديات: «فمما أفتى به في الجسد وجعله ست فرائض: النفس والبصر والسمع والكلام ونقص الصوت من الغنن والبحح والشلل في اليدين والرجلين، ثم جعل مع كلّ شيء من هذه قسامة على نحو ما بلغت الدية - إلى أن قال: - والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستة أجزاء الرجل. تفسير ذلك : إذا أصيب الرجل من هذه الأجزاء الستّة وقيس ذلك، فإن كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد، وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان، وإن كان ثلثي بصره حلف هو، وحلف معه ثلاثة نفر، وإن كان خمسة أسداس بصره حلف هو وحلف معه أربعة، وإن كان بصره كلّه حلف هو وحلف معه خمسة نفر، وكذلك القسامة في الجروح كلّها، فإن لم يكن للمصاب من يحلف معه ضوعفت

عليه الأيمان - إلى أن قال - وإن كان كلّه حلف ست مرات، ثم يعطى» (1).

فموردها القسامة في الأجزاء، والتعدي عنه إلى القسامة في النفس يحتاج إلى دليل على أن الثابت بالقسامة في موردها هو الدية، فإثبات القود بتكرّر الأيمان يحتاج إلى دليل غير ذلك.

وعلى الجملة: فإن تم إجماع في المقام - كما أنه ليس ببعيد - فهو، وإلّا فثبوت القود بتكرّر الأيمان مشكل جدّاً.


1) الوسائل 29: 159/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 11 ح 2.

لو كان المدعون جماعة أقل من عدد القسامة

(مسألة 113) : إذا كان المدّعون جماعة أقل من عدد القسامة، قسمت عليهم الأيمان بالسويّة على الأظهر (1).


نعم، يؤكد ذلك ما ورد في غير واحد من الروايات من أن القسامة إنما جعلت احتياطاً للناس لئلا يغتال الفاسق رجلاً فيقتله حيث لا يراه أحد، فإذا كانت علة جعل القسامة ذلك فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلاً ؟! فإنّه أمر لا يتحقق إلا نادراً، فكيف يمكن أن يكون ذلك موجباً لخوف الفاسق من الاغتيال ؟!.

(1) وفاقاً للمحقق (قدس سره) في الشرائع والفاضل في القواعد والإرشاد والأردبيلي (قدس سره) في شرحه (1)، وحكي ذلك عن الروض والتحرير ومجمع البرهان (2).

خلافاً لما في الجواهر، حيث إنّه اختار عدم لزوم التساوي(3).

والوجه في ذلك : هو ما تقدّم من أنّه لا دليل على تكرير الأيمان أصلاً، ونصوص الباب جميعاً خالية عن ذلك، وإنما قلنا به لأمرين، أحدهما: الإجماع والتسالم عليه بين الأصحاب. ثانيهما: ما عرفت من أنه لو لم نقل بالتكرير لزم هدر دم المسلم في غالب الموارد، نظراً إلى أنّ المدعي غالباً لا يتمكن من أن


1) الشرائع 4 : 231، القواعد 3 : 618، إرشاد الأذهان 2 : 219، مجمع الفائدة والبرهان 14: 196.

2) حكاه في مفتاح الكرامة :10: 70 (حجري) وراجع ذلك في التحرير 2: 253 (حجري)، مجمع الفائدة والبرهان 14: 196.

3) الجواهر 42: 248 - 249.

لو كان المدعى عليه واحداً أو أكثر

(مسألة 114) : المشهور أنّ المدعى عليه إذا كان واحداً حلف هو وأحضر من قومه ما يكمل عدد القسامة، فإن لم يكمل كرّرت عليهم الأيمان حتى يكمل عددها. وفيه إشكال (1). وأمّا إذا كان أكثر من واحد،


يأتي بخمسين رجلاً من قومه يقسمون على أنّ فلاناً قاتل، وهو منافٍ لجعل القسامة احتياطاً لدماء الناس. وعلى ذلك، فلابد من الأخذ بالمقدار المتيقن، وهو التساوي في القسمة بينهم وأمّا ثبوت الدعوى بها مع عدم التساوي فيحتاج إلى دليل، ولا دليل.

هذا إذا لم يكن المدّعون مختلفين بحسب حصص الإرث.

وأمّا إذا كانوا مختلفين في ذلك فعن الشيخ في المبسوط : أنّ التقسيم بحسب الحصص (1)، فلو فرض أنّ الولى ابن وبنت حلف الابن أربعاً وثلاثين والبنت سبع عشرة. وفي القواعد احتماله(2).

أقول : إن تم إجماع على خلاف ذلك فهو، وإلا فالأحوط رعاية كلا الأمرين بأن تحلف البنت خمساً وعشرين يميناً ويحلف الابن أربعاً وثلاثين، وذلك لعدم الدليل على ثبوت الدعوى بغير ذلك.

(1) وجه الإشكال : أنّ الحكم المزبور وإن كان مشهوراً شهرة عظيمة، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الفقهاء، إلّا أنّ ذلك لم يرد في شيء من الروايات.

وأما رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القسامة


1) المبسوط 7: 233.

2) القواعد 3: 621.

---------------------------------------------------------------------------------

أين كان بدوها ؟ «فقال : كان من قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - إلى أن قال : - فعلى المدعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاءُوا عفوا وإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا قبلوا الدية، وإن لم يقسموا فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» الحديث (1).

فهي - مضافاً إلى أنها ضعيفة سنداً بعلي بن حمزة - لا تدل على أن المدعى عليه يحضر من قومه من يحلف معه لا كمال العدد الذي هو محل الكلام، بل المفروض فيها طلب الحلف من المدعى عليهم.

بل مقتضى صحيحة مسعدة بن زياد المتقدّمة (2): أن الباقر (عليه السلام) كان يحلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً، فالحالف هو المتهم نفسه دون غيره.

وأما ما في صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة(3)من قوله (عليه السلام): «وإلّا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً» فلا دلالة فيه على لزوم حلف غير المدعى عليه، بل تدلّ على أن المدعى عليه لابد وأن يكون هو الحالف ولكن لا يكتفي بحلفه مرّة واحدة، بل لابد وأن يكون حلفه قسامة خمسين رجلاً، بمعنى : أنّه يلزم عليه الحلف خمسين مرّة.

وعلى الجملة : فإن تم إجماع على اعتبار حلف خمسين رجلاً بالإضافة إلى المدعى عليه فهو، وإلا فالظاهر كفاية خمسين يميناً من المدعى عليه بلا حاجة إلى ضم حلف شخص آخر إليه.


1) الوسائل 29: 156/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 10 ح 5.

2) في ص 126.

3) في ص 125.

بمعنى : انّ الدعوى كانت متوجهة إلى كلّ واحد منهم، فعلى كل واحد منهم قسامة خمسين رجلاً (1).

لو لم تكن بيّنة للمدعي ولا للمدعى عليه ولم يحلف المدعي، وحلف المدعى عليه

(مسألة 115) : إذا لم تكن بيّنة للمدعي ولا للمدعى عليه ولم يحلف المدعي، وحلف المدعى عليه، سقطت الدعوى، ولا شيء على المدعى عليه، و تعطى الدية لورثة المقتول من بيت المال (2).


(1) على المشهور بين الأصحاب.

ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة بريد بن معاوية: «حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلاً، فإنّ مقتضاه أنّ كلّ من انطبق عليه عنوان المدعى عليه كانت وظيفته الإتيان بقسامة خمسين رجلاً على التفصيل الآنف الذكر.

وخالف في ذلك الشيخ في محكيّ الخلاف، فاكتفى بالخمسين منهم أجمع (1).

ووجهه غير ظاهر، فالصحيح ما ذكرناه.

(2) على المشهور شهرة عظيمة.

وتدلّ على ذلك صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة، بتقريب: أن غرامة المدعى عليه الدية في تلك الصحيحة علّقت على عدم الحلف، فلا تثبت الغرامة مع الحلف، وبضميمة ما في غير واحد من الروايات من أن دم المسلم لا يذهب هدراً تثبت الدية في بيت مال المسلمين.

وتؤيد ذلك رواية علي بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا


1) الخلاف 5: 314، وحكاه عنه في الجواهر 2 : 250.

---------------------------------------------------------------------------------

وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا ان يحلفوا أغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين» (1).

وعلى ذلك تحمل صحيحة محمّد بن مسلم وعبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : أنّه قال في رجل كان جالساً مع قوم فمات وهو معهم، أو رجل وجد في قبيلة وعلى باب دار قوم، فادّعي عليهم «قال : ليس عليهم شيء، ولا يبطل دمه»(2)

أو أنها تحمل على فرض عدم اللوث، فإنّه لا قسامة حينئذٍ.

ولكن بعض الروايات تدلّ على أنّ الدية بعد الحلف على المدعى عليه، كرواية أبي بصير المتقدّمة (3)، فإنّها دلّت على أنّ المدعى عليهم إذا حلفوا أدى أهل القرية الذين وجد فيهم الدية، إلّا أنّها ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

ومثلها رواية أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّه أتي علي (عليه السلام) بقتيل وجد بالكوفة مقطعاً، فقال: صلّوا عليه ما قدرتم عليه منه، ثم استحلفهم قسامة بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، وضمنهم الدية» (4).

وهذه الرواية أيضاً ضعيفة سنداً، فإنّ أبا البختري هو وهب بن وهب المعروف بالكذب، على أنه لا دلالة فيها على أنهم حلفوا.


1) الوسائل 29: 153/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 5.

2) الوسائل 29: 148/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ح 1.

3) في ص 134.

4) الوسائل 29: 150/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ح 8.

هل تثبت القسامة في الجروح بالإضافة إلى الدية ؟

(مسألة 116) : القسامة كما تثبت بها الدعوى في قتل النفس كذلك تثبت بها في الجروح بالإضافة إلى الدية (1).


وأما صحيحة مسعدة بن زياد المتقدمة فلا دلالة فيها، فإن قوله (عليه السلام) : «حلف المتهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل» لا يدلّ على أنّ الدية على المدعى عليهم بعد حلفهم، فإنّ الظاهر أن كلمة «يؤدّى» مبنيّة للمجهول. والمراد: أنه لابد من دفع الدية إلى أولياء القتيل، لئلا يبطل دم امرئ مسلم والدية حينئذ على بيت المال، كما يستفاد من تودية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولو كانت الكلمة مبنيّة للمعلوم لكان المناسب أن يؤتى بها بصيغة الجمع كما هو ظاهر.

فالنتيجة : أنّ المتهمين لا شيء عليهم من القود أو الدية إذا حلفوا القسامة.

(1) علی المشہور شهرة عظيمة، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات الأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحة يونس المتقدّمة(1).

وخالف في ذلك الشيخ في المحكي عن المبسوط، فلم يعتبر القسامة في الأعضاء (2)وفاقاً لأكثر العامة.

ولعلّ وجه ذلك : الاقتصار في تقييد النصوص الدالة على أن اليمين على المدعى عليه والبيّنة على المدّعي باللوث في النفس دون الأعضاء.

وفيه : أن صحيحة يونس مقيّدة لإطلاق تلك النصوص، فلا إشكال عندئذٍ فيما ذهب إليه المشهور.


1) في ص 132.

2) حكاه في الجواهر 42: 253.

وفي عددها في الجروح خلاف، قيل : خمسون يميناً إن بلغت الجناية فيها الدية كاملة، وإلّا فبحسابها (1). وقيل : ستة أيمان فيما بلغت ديته دية النفس، وما كان دون ذلك فبحسابه. وهذا هو القول الصحيح.

هل تثبت القسامة على المسلم لو كان القتيل كافراً ولم تكن لوليه بينة ؟

(مسألة 117): إذا كان القتيل كافراً فادّعى وليه القتل على المسلم ولم تكن له بينة، فهل تثبت القسامة حينئذ ؟ وجهان، قيل : تقبل، وهو لا يخلو من إشكال، بل منع (2).


بقي هنا شيء : وهو أنّ القسامة في الأعضاء تفترق عن القسامة في النفس، حيث يثبت بها القصاص في النفس كما عرفت، ولا يثبت بها القصاص في الأعضاء، وذلك لعدم الدليل، فإنّ صحيحة يونس خاصة في الدية، فلا موجب للخروج عما دلّ على أنّ في الحقوق كلّها : البينة على المدّعي واليمين على المدعى عليه، في غير الدم.

(1) كما عن المفيد وسلار، بل في المسالك : أنّه مذهب الأكثر، وعن السرائر: دعوى الإجماع عليه(1).

وهذا القول لا دليل عليه أصلاً، فالصحيح هو القول الآخر كما عن الشيخ(2)وأتباعه، وتدلّ على ذلك صريحة صحيحة يونس المتقدّمة.

(2) ذهب جماعة من الأصحاب - منهم : الشيخ في المبسوط والعلّامة في المختلف ترجيحاً (3)- إلى أنّ قسامة الكافر تقبل على المسلم، ولكن لا يثبت بها


1) المقنعة : 728، المراسم : 232، المسالك :2: 375 (حجري)، السرائر 3: 340 - 341.

2) النهاية : 741 - 742.

3) المبسوط 7: 216 - 218، المختلف 9: 467 - 468.

---------------------------------------------------------------------------------

القود، وإنما تثبت بها الدية.

واختار جماعة أخرى - منهم : الشيخ في الخلاف والمحقق في الشرائع والعلّامة في التحرير والإرشاد والقواعد (1)- عدم قبولها على المسلم.

احتج الأوّلون بإطلاق الروايات كصحيحة زرارة المتقدمة(2)، وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن القسامة كيف كانت ؟ «فقال : هي حق وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، وإنما القسامة نجاة للناس» (3)، وقريب منها صحيحة عبدالله بن سنان (4).

ولكن الظاهر هو القول الثاني، وذلك لاختصاص جعل القسامة بما إذا كان القتيل مسلماً، كمعتبرة أبي بصير المتقدمة (5)، فإنها تدل بوضوح على أن جعل اليمين على المدعي إنما هو لعدم بطلان دم امرئ مسلم.

كما أن المستفاد من صحيحة ابن سنان أن جعل القسامة إنما هو ليمتنع الفاسق عن القتل مخافة القصاص، قال ابن سنان: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس، لكي إذا رأى الفاجر عدوه فرّ منه مخافة القصاص » (6).


1) الخلاف 5: 311 – 312/ 10 الشرائع 4 : 223، التحرير 2: 254، الإرشاد 2: 219، القواعد 3: 620.

2) في ص 129.

3) الوسائل 29: 151/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 2.

4) الوسائل 29: 154/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 8.

5) في ص 130.

6) الوسائل 29: 154/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 9.

لو قُتِل رجلٌ في قرية أو قريب منها أو بين قريتين

(مسألة 118): إذا قتل رجل في قرية أو في قريب منها أغرم أهل تلك القرية الدية إذا لم توجد بيّنة على أهل تلك القرينة أنهم ما قتلوه، وإذا وجد بين قريتين ضمنت الأقرب منهما (1).


وفي صحيح بريد بن معاوية عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: سألته عن القسامة «فقال : الحقوق كلّها - إلى أن قال : - إنما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكف عنقتله» الحديث (1).

و بهذه الروايات يقيّد إطلاق الروايات المتقدّمة.

نعم، نلتزم بالقسامة في كلّ مورد دلّ الدليل بالخصوص على ثبوتها فيه وإن لم يكن فيه قصاص، كموارد دعوى القتل الخطائي على المسلم، ولا يمكن التعدي من ذلك إلى غيره.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلاً في القرية أو بين قريتين؟ قال : يقاس ما بينهما، فأتهما كانت أقرب ضمنت» (2)، ومثلها معتبرة سماعة بن مهران(3).

وصحيحة محمد بن قيس، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنهم ما قتلوه» (4).


1) الوسائل 29: 152/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 9 ح 3.

2) الوسائل 29: 149/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ح 4.

3) الوسائل 29: 149/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ذيل ح 4.

4) الوسائل 29: 149/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ح 5.

لو وجد قتيل في مكان لا يستند القتل فيه إلى شخص أو جماعة معينة

(مسألة 119) : إذا وجد قتيل في زحام الناس أو على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع أو في شارع عام أو جامع أو فلاة أو ما شاكل ذلك، والضابط: أن لا يكون مما يستند القتل فيه إلى شخص خاص أو جماعة معينة أو قرية معلومة، فديته من بيت مال المسلمين (1).


ولا تعارضها رواية محمّد بن قيس الثانية، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لو أنّ رجلاً قتل فى قرية، أو قريباً من قرية، ولم توجد بينة على أهل تلك القرية أنه قتل عندهم فليس عليهم شيء»(1).

فإنّها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.

(1) تدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة مسعدة بن زياد المتقدّمة (2).

ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان وعبدالله بن بكير جميعاً عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وجد مقتولاً لا يدري من قتله، قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين، ولا يبطل دم امرئ مسلم، لأنّ ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام، ويصلّون عليه ويدفنونه. قال : وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات أنّ ديته من بيت مال المسلمين»(3).


1) الوسائل 29 : 148/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 8 ح 2.

2) في ص 126.

3) الوسائل 29: 145/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 6 ح 1.

اعتبار مطابقة اليمين للدعوى

(مسألة 120) : يعتبر في اليمين أن تكون مطابقة للدعوى، فلو ادّعى القتل العمدي وحلف على القتل الخطائي فلا أثر له (1).


ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) «قال: ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة علي (عليه السلام) بالكوفة فقتلوا رجلاً، فودي ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين» (1).

ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس في الهايشات عقل ولا قصاص، والهايشات الفزعة تقع بالليل والنهار فيشجّ الرجل فيها أو يقع قتيل لا يدري من قتله وشجّه» (2)

ومنها : معتبرته الثانية عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته من بيت المال» (3).

ورواه الصدوق نحوه إلّا أنّه قال: «من مات في زحام جمعة أو عيد أو عرفة أو على بئر أو جسر لا يعلمون من قتله فديته من بيت المال»(4).

(1) الوجه في ذلك ظاهر.


1) الوسائل 29: 146/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 6 ح 2.

2) الوسائل 29 : 146/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 6 ح 3.

3) الوسائل 29: 146/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 6 ح 5.

4) الفقيه 4: 427/122.

لو ادعى أن أحد هذين الشخصين قاتل ولكنه لا يعلم به تفصيلاً

(مسألة 121): لو ادّعى أنّ أحد هذين الشخصين قاتل ولكنّه لا يعلم به تفصيلاً، فله أن يطالب كلّاً منهما بالبيّنة على عدم كونه قاتلاً (1)، فإن أقام كلّ منهما البيّنة على ذلك فهو، وإن لم تكن لهما بيّنة فعلى المدعي القسامة (2)، وإن لم يأت بها فعليهما القسامة، وإن نكلا ثبتت الدية دون القود (3).

لو ادّعى القتل على اثنين بنحو الاشتراك ولم تكن له بينة

(مسألة 122): لو ادّعى القتل على اثنين بنحو الاشتراك ولم تكن له بيّنة، فله أن يطالبهما بالبيّنة، فإن أقاما البيّنة على عدم صدور القتل منهما فهو، وإلا فعلى المدعي الإتيان بالقسامة فإن أتى بها على أحدهما دون الآخر فله قتله (4).


(1) الوجه في ذلك : هو أنّ الدعوى وإن كانت متوجهة إلى الجامع، إلا أنها حيث لا ترتفع عن الجامع إلا بإقامة كلّ منهما البيّنة فعليهما ذلك، فإن أقاما البينة سقطت الدعوى.

(2) لأن ذلك وظيفة المدعي عند عدم إتيان المدعى عليه بالبينة، فإذا أتى المدعي بها ثبتت الدعوى، ولكن لا يقاد من طرفي الدعوى، لعدم تعيّن القاتل، فلا بد من الدية على ما يستفاد من عدة روايات من لزوم الدية على المتهمين بالقتل.

(3) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(4) وذلك لثبوت القتل بالقسامة على ما يقتضيه غير واحد من الروايات،

منها: صحيحة أبي بصير المتقدّمة (1)، حيث ورد فيها: «البيّنة على المدعى


1) في ص 130.

بعد ردّ نصف الدية إلى أوليائه (1) كما أنّ له العفو وأخذ نصف الدية منه، وإن أتى بها على كليهما فله قتلهما بعد أن يردّ إلى أولياء كلّ منهما نصف الدية كما أنّ له مطالبة الدية منهما (2)، وإن نكل فالقسامة عليهما، فإن أتيا بها سقط عنهما القصاص والدية، وإن أتى بها أحدهما سقط عنه ذلك، وللولي أن يقتل الآخر بعد ردّ نصف ديته إلى أوليائه، وله أن يعفو عنه ويأخذ نصف الدية، وإن نكلا معاً كان للولي قتلهما معاً بعد ردّ نصف دية كلّ منهما إلى أوليائه، أو مطالبة الدية منهما (3).

لو ادعى القتل على اثنين وكان في أحدهما لوث

(مسألة 123): لو ادّعى القتل على اثنين وكان في أحدهما لوث، فعلى المدعي إقامة البينة بالإضافة إلى من ليس فيه لوث، وإن لم يقم فعلى المنكر اليمين (4)، وأما بالإضافة إلى من فيه لوث فالحكم فيه كما سبق.


عليه واليمين على المدّعي»، وتقدّم في صحيحة ابن سنان ثبوت القصاص بالقسامة(1).

(1) وذلك لأن الثابت بالقسامة كون المدعى عليه شريكاً في القتل، فيثبت به القصاص، لكن بعد ردّ نصف الدية إلى أوليائه، كما أنّ له العفو وأخذ نصف الدية منه، وذلك لما تقدّم من أنّ في كلّ مورد كان القصاص مستلزماً لإعطاء المقتص شيئاً إلى أولياء المقتص منه جاز له مطالبة الدية من القاتل.

(2) يظهر الوجه فيه مما تقدّم.

(3) ظهر وجهه مما سبق.

(4) كما هو الحال في سائر الدعاوي من أنّ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وقد خرجنا عن ذلك في دعوى القتل في موارد اللوث.


1) راجع ص 140.

حكم ما لو كان للمقتول وليّان أحدهما غائب

(مسألة 124) : لو كان للمقتول وليّان وكان أحدهما غائباً فادعى الحاضر على شخص أنّه القاتل ولم تكن له بيّنة، فإن حلف خمسين يميناً في دعوى العمد وخمساً وعشرين في دعوى الخطأ ثبت حقه (1)، ولو حضر الغائب، فإن لم يدع شيئاً انحصر الحق بالحاضر، وإن ادعى كان عليه الحلف بمقدار حصته فيما كانت الدعوى القتل عمداً أو خطأ (2).


(1) لما تقدّم من ثبوت الحق بالقسامة(1).

(2) بيان ذلك :

أنّه تارةً : يفرض الكلام في القتل العمدي.

وأخرى : في القتل الخطائي.

أما الأول :

فتارةً: يكون حضور الغائب بعد اقتصاص الحاضر.

وأخرى : قبله.

أمّا فى الأوّل : فلا يخلو الحال من مطالبة الغائب بعد قدومه بالدية ومن رضاه بالقصاص وعدم المطالبة بشيء.

فعلى الأوّل: يجب على الحاضر أن يدفع له ما يستحقه من الدية بمقتضى اعتراف بأن له حقاً.

وعلى الثاني : فلا يجب عليه شيء، لأنه إنما يجب عليه ذلك إذا لم يرض بالقصاص لا مطلقاً على ما سيجيء (2).


1) في ص 140.

2) في ص 161.

وكذلك الحال إذا كان أحد الوليين صغيراً وادّعى الكبير على شخص أنّه القاتل (1).


وأمّا في الثاني : فإن أراد الغائب الاقتصاص من القاتل فهل له الاكتفاء بقسامة المدعي الحاضر من دون حاجة إليها ثانياً أصلاً أم لا ؟ فيه تفصيل:

وهو أنه إن كان الحاضر قد جاء بخمسين رجلاً أقسموا بالله أنّه قاتل جاز للغائب الاقتصاص بلا حاجة إلى قسامة، لأنّ قسامة خمسين رجلاً بمنزلة البينة، فيثبت بها القتل مطلقاً، ولا يلزم على كلّ واحد من المدعين الإتيان بالقسامة.

وإن كان الحاضر قد جاء بقسامة خمسين رجلاً بالتكرار في الكل أو البعض، لم يكتف الغائب بها بعد قدومه، وذلك لما عرفت من أنّه لا دليل على كفاية التكرار إلا الإجماع، وعدم هدر دم المسلم، وبما أنّه لا إطلاق لهما فالمتيقن هو حجّيّة تلك القسامة على من جاء بها فحسب.

فإذن لا بدّ للغائب من الإتيان بالقسامة.

وإنما الكلام في أنّه هل يجب عليه الإتيان بخمسين قسامة، أو الواجب عليه خمس وعشرون يميناً ؟

الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّه عند كون المدعي اثنين يقسم الحلف عليهما، فيكون لكل واحد منهما خمس وعشرون يميناً.

وأما الثاني : - وهو فرض القتل خطأ - فإن جاء الحاضر بخمسة وعشرين رجلاً أقسموا بالله أنّه قاتل، جاز للغائب بعد قدومه مطالبة الدية، وإلا فعليه الإتيان بما يخصه من الأيمان على ما مرّ في العمد.

(1) يظهر الحال في ذلك مما تقدّم.

لو كان للقتيل وليان، وادّعى أحدهما القتل على شخص وكذبه الآخر

(مسألة 125) : إذا كان للقتيل وليّان، وادّعى أحدهما القتل على شخص، وكذبه الآخر بأن ادّعى أنّ القاتل غيره، أو أنّه اقتصر على نفي القتل عنه، لم يقدح هذا في دعوى الأوّل، ويمكنه إثبات حقه بالقسامة (1) إذا لم تكن للمدعى عليه بيّنة على عدم كونه قاتلاً (2).

لو مات الولي هل يقوم الوارث مقامه ؟

(مسألة 126) : إذا مات الولي قام وارثه مقامه (3) ولو مات أثناء الأيمان، كان على الوارث خمسون يميناً مستأنفة، فلا اعتداد بالأيمان الماضية (4).


(1) وذلك لإطلاق أدلة ثبوت الحق بالقسامة.

هذا إذا لم يكن التكذيب موجباً لإزالة اللوث، كما ربّما يتفق ذلك في بعض الموارد. وعليه، فلا قسامة، لما عرفت من أنّها في مورد اللوث.

(2) فإنّ إثبات القتل بالقسامة إنّما يكون فيما إذا لم تكن للمدعى عليه بينة، وإلا فلا تصل النوبة إلى القسامة على ما تقدّم.

(3) لانتقال حق الدعوى إلى الوارث، كسائر الحقوق المنتقلة من المورّث إلى وارثه.

(4) لما تقدّم من أن المستفاد من الأدلّة لزوم الإتيان بالقسامة على من كان له حق الدعوى (1). والمفروض في المقام أنّ الوارث في حياة مورّثه لم يكن له هذا الحق وكان أجنبيّاً، وبعد موته وإن صار إليه هذا الحق إلّا أنّه لا بد له من الإتيان بالقسامة، ولا أثر للأيمان المتقدمة بالإضافة إليه.


1) في ص 124 - 128.

لو حلف المدعي على أن القاتل زيد، ثم اعترف آخر بأنه القاتل منفرداً

(مسألة 127): لو حلف المدّعي على أنّ القاتل زيد، ثم اعترف آخر بأنّه القاتل منفرداً، قال الشيخ في الخلاف : إنّه مخيّر بين البقاء على مقتضى القسامة وبين العمل على مقتضى الإقرار ولو كان الإقرار بعد استيفاء الحق من المدعى عليه (1). ولكنّه لا وجه له (1). وإذا صدق المدعي المقرّ سقطت دعواه الأولى أيضاً (2).

لو حلف المدّعي واستوفى حقه من الدّية ثم قامت البينة على غياب المدعى عليه أو مرضه

(مسألة 128) : إذا حلف المدّعي واستوفى حقه من الدية ثم قامت البينة على أنّ المدعى عليه كان غائباً حين القتل، أو كان مريضاً، أو نحو ذلك مما لا يتمكّن معه من القتل، بطلت القسامة وردّت الدية. وكذلك الحال فيما إذا اقتص منه (3).


(1) وذلك لأنّ المدّعي - بحلفه على أنّ القاتل زيد - قد اعترف بأن المقرّ ليس بقاتل، وأنه بريء. وعليه، فلا أثر لإقراره.

(2) لأنّ تصديقه المقرّ يستلزم تكذيب القسامة. وعليه، فلو كان قد أخذ من المدعى عليه الدية وجب عليه ردّها إليه، ولو كان قد قتله فعليه ديته.

(3) وذلك لأنّ البينة تكشف عن كذب القسامة ومخالفتها للواقع، وهي تتقدم على القسامة لكونها أقوى، فلا أثر لها معها. وعلى تقدير التعارض فالأمر أيضاً كذلك، لبطلان القسامة عندئذٍ، فلا يثبت أنه قاتل. فإذن وجب على المدعي ردّ ما أخذه من الدية إليه، لأنه لم يستحقه. ومنه يظهر الحال فيما لو اقتص منه، فإنّه تؤخذ منه الدية.


1) الخلاف 5: 315 - 16/316.

لو اتهم رجل بالقتل

(مسألة 129) لو اتهم رجل بالقتل حبس ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول بما يثبت به القتل فهو، وإلا خلي سبيله (1).


(1) تدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول يثبت، وإلا خلى سبيله» (1).


1) الوسائل 29: 160/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 12 ح 1.

الفصل الرابع في أحكام القصاص

ثبوت القود دون الدية في القتل العمدي

(مسألة 130): الثابت في القتل العمدي القود دون الدية، فليس لولي المقتول مطالبة القاتل بها إلّا إذا رضي بذلك، وعندئذ يسقط عنه القود وتثبت الدية (1) ويجوز لهما التراضي


(1) على المشهور شهرة عظيمة بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع.

خلافاً للعماني والإسكافي(1)، حيث حكي عنهما - في المسألة - التخيير بين الاقتصاص والدية.

وتدلّ على هذا القول صحيحة عبدالله بن سنان وابن بكير، جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً - إلى أن قال : - «فقال : إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكيناً توبةً إلى الله عزّ وجلّ» (2).

وصحيحة ابن سنان الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنه سئل عن


1) حكاه في المختلف 9: 274.

2) الوسائل 22: 398 / أبواب الكفارات ب 28 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

رجل قتل مؤمناً، وهو يعلم أنه مؤمن، غير أنه حمله الغضب على أنه قتله، هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له ؟ «قال : توبته إن لم يعلم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنه قتله، فإن عفي عنه أعطاهم الدية واعتق رقبة وصام شهرين متتابعين وتصدّق على ستين مسكينا »(1).

وتؤيد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل قتل رجلاً متعمّداً «قال: جزاؤه جهنم» قال: قلت له : هل له توبة ؟ «قال: نعم، يصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً ويعتق رقبة، ويؤدّي ديته» قال : قلت : لا يقبلون منه الدية ؟ «قال : يتزوج إليهم، ثم يجعلها صلة يصلهم بها» قال : قلت : لا يقبلون منه ولا يزوّجونه؟ «قال: يصره صرراً يرمي بها في دارهم»(2).

والنبويتان :

ففي إحداهما : «من قتل له قتيلاً فهو يخيّر بين النظرين : إما يفدي، وإما أن يقتل» (3).

وفي الثانية: «من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو» (4).

والصحيح هو قول المشهور، والوجه في ذلك هو أن رواية أبي بكر الحضرمي والنبويتين ضعاف سنداً، فلا يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم شرعي أصلاً.


1) الوسائل 22: 399 / أبواب الكفارات ب 28 ح 3.

2) الوسائل 22: 399/ أبواب الكفارات ب 28 ح 4.

3) ورد بتفاوت يسير بالألفاظ كما في مسند أحمد 2: 238، سنن البيهقي 8: 53 حيث ورد بلفظ (فهو بخير النظرين...).

4) مسند أحمد 4 : 31، سنن الدارمي 2: 188.

على أقل من الدية أو على أكثر منها (1). نعم، إذا كان الاقتصاص يستدعي


وأما الصحيحتان الأولتان : فهما وإن دلّتا بظاهرهما على القول بالتخيير لأنه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند عفو الولي عن الاقتصاص، جاز للولي ترك القصاص ومطالبته بالدية لا محالة، وهذا هو معنى التخيير - إلا أنهما معارضتان بصحيحة عبدالله بن سنان قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه، إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية» الحديث (1).

ولكن لابد من تقديم هذه الصحيحة على تلك الصحيحتين، لموافقتها لإطلاق الكتاب المجيد من ناحية فإنّه ظاهر في ثبوت الولاية على القصاص فقط بالإضافة إلى الولي، دون أن يكون له المطالبة بالدية، ولمخالفتها للعامة من ناحية أخرى دونهما.

فالنتيجة : هي أنّ الدية لا تثبت إلا برضا الجاني، فلا يكون ولي المجني عليه بالخيار بين الاقتصاص منه ومطالبته الدية.

هذا كله فيما إذا تمكن من الاقتصاص.

وأما إذا لم يتمكن منه لمانع لزمت الجاني الدية، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى (2).

(1) بلا خلاف ولا إشكال والوجه في ذلك : هو أن الدية لم تثبت ابتداءً، وإنّما كان ثبوتها منوطاً برضا الطرفين: الجاني، وولي المجنى عليه، فالعبرة إذن إنما هي برضاهما، فعلى أي مقدار تراضيا ثبت، سواء أكان ذلك المقدار أقل من الدية أم أكثر.


1) الوسائل 29: 53 / أبواب القصاص في النفس ب 19 ح 3.

2) في ص 241.

الردّ من الولي، كما إذا قتل رجل امرأة، كان ولي المقتول مخيّراً بين القتل ومطالبة الدية (1).

حكم ما لو تعذر القصاص من القاتل

(مسألة 131): لو تعذّر القصاص لهرب القاتل أو موته أو كان ممن لا يمكن الاقتصاص منه لمانع خارجي، انتقل الأمر إلى الدية، فإن كان للقاتل مال فالدية في ماله وإلّا أخذت من الأقرب فالأقرب إليه، وإن لم يكن أدى الإمام (عليه السلام) الدية من بيت المال (2).


(1) تقدّم وجه ذلك مفصلاً (1).

(2) على المشهور في الهارب والميت.

وتدلّ على ذلك معتبرة أبي بصير، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً، ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أداه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (2).

وصحيحة ابن أبي نصر عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتى مات «قال : إن كان له مال أخذ منه، وإلّا أخذ من الأقرب فالأقرب» (3).


1) فى ص 39.

2) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

3) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 3.

لو أراد أولياء المقتول القصاص من القاتل فخلّصه قوم من أيديهم

(مسألة 132) لو أراد أولياء المقتول القصاص من القاتل فخلّصه قوم من أيديهم، حبس المخلّص حتى يتمكن من القاتل، فإن مات القاتل أو لم يقدر عليه فالدية على المخلّص (1).

تولي القصاص من يرث المال من الرجال دون الزوج ومن يتقرب بالأم

(مسألة 133) : يتولّى القصاص من يرث المال من الرجال دون الزوج (2).


ثم إن مقتضى التعليل في معتبرة أبي بصير ثبوت الحكم في كلّ مورد يتعذر فيه القصاص، وعدم اختصاصه بمورد الفرار، بل لا يبعد استفادة عموم الحكم من الروايتين، مع قطع النظر عن التعليل في الرواية الأولى، فإنّه يظهر من التفريع فيهما أنّ موضوع الحكم هو عدم القدرة على الاقتصاص من دون خصوصية للمورد.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل رجلاً عمداً، فرفع إلى الوالي، فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليه قوم فخلّصوا القاتل من أيدي الأولياء، «قال: أرى أن يحبس الذين خلصوا القاتل من أيدي الأولياء (أبداً) حتى يأتوا بالقاتل» قيل : فإن مات القاتل وهم في السجن ؟ قال : إن مات فعليهم الدية يؤدّونها جميعاً إلى أولياء المقتول»(1).

(2) بلا خلاف ولا إشكال، بل ادعي عليه الإجماع نقلاً وتحصيلاً، وفي الجواهر : بل لم أجد فيه مخالفاً من العامة (2). وتدلّ عليه معتبرة أبي العباس فضل البقباق الآتية.


1) الوسائل 29: 49/ أبواب القصاص في النفس ب 16 ح 1.

2) الجواهر 42: 283.

ومن يتقرب بالأم (1)، وأما النساء فليس لهنّ عفو ولا قود.


(1) اختاره جماعة، منهم المحقق في الشرائع (1)، وادعى الحلي في السرائر عدم الخلاف(2).

وتدلّ على ذلك معتبرة أبي العباس فضل البقباق عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت: هل للنساء قود او عفو ؟ «قال : لا، وذلك للعصبة» (3).

ويؤكد ذلك ما دلّ من الروايات على أنّ المتقرب بالأم لا يرث من الدية، فإنها تدل بالأولوية على عدم استحقاقه القصاص.

(2) خلافاً للمشهور، ووفاقاً للشيخ في المبسوط على ما في المسالك (4). وتدلّ على ذلك معتبرة أبي العباس المتقدمة.

ولكن الشهيد (قدس سره) رماها في المسالك بالضعف سنداً (5).

ولا نعرف له وجهاً إلّا من ناحية أنّ الشيخ (رحمه الله) رواها بطريقه إلى علي بن الحسن بن فضال، وفي الطريق عليّ بن محمّد بن الزبير، وهو لم يذكر بمدح ولا توثيق.

ولكنّه يندفع بأنّ المخبر بكتب عليّ بن الحسن بن فضال بالنسبة إلى الشيخ والنجاشي واحد، وهو أحمد بن عبدون، فالكتب التي كانت عند الشيخ هي


1) الشرائع 4 : 235.

2) السرائر 3: 328.

3) الوسائل 26: 87/ أبواب موجبات الارث ب 8 ح 6، التهذيب 9: 397/ 1418.

4) المسالك 2: 377 (حجري).

5) المسالك 2: 377 (حجري).

هل يجوز لولي المقتول المبادرة إلى القصاص لو انفرد ؟

(مسألة 134) : إذا كان وليّ المقتول واحداً جازت له المبادرة إلى القصاص (1) والأولى الاستئذان من الإمام (عليه السلام) ولا سيما في قصاص الأطراف (2)


بعينها الكتب التي كانت عند النجاشي، وبما أنّ للنجاشي إلى تلك الكتب طريقاً آخر معتبراً فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضاً معتبرة.

بقي هنا شيء : وهو أنّ الشيخ بعد ما روى هذه الرواية قال: قال علي بن الحسن بن فضال : هذا خلاف ما عليه أصحابنا.

ولعلّه لأجل ذلك حملها صاحب الوسائل (قدس سره) على التقيّة.

أقول : لم نعرف وجهاً للحمل على التقية بعد ما لم تكن الرواية معارضة أو مخالفة للإجماع القطعي، غاية الأمر أنها مخالفة للمشهور، وهي لا تستلزم طرحها وحملها على التقية، ولا سيما إذا كان مثل الشيخ عاملاً بها، بل يظهر ذلك من كلّ من منع النساء عن إرث الدية، فإنّها إذا كانت لا ترث من الدية لم تستحق القصاص بطريق أولى.

ثمّ إنّ ما ذكرناه لا ينافي صحيحة أبي ولاد الآتية الدالة على لزوم إعطاء سدس الدية للأم فيما إذا أرادت الدية، لو أراد ابن المقتول القصاص، وذلك لأنه لا تنافي بين استحقاق الدية وعدم ثبوت حق القصاص والعفو لها.

(1) لإطلاقات أدلّة الاقتصاص وعدم تقييدها بالاستجازة من الإمام، خلافاً للمشهور، حيث ذهبوا إلى تقييد تلك الإطلاقات بما بعد الإذن.

(2) لدعوى عدم الخلاف في كلمات بعضهم على ذلك، وهي وإن لم تكن حجة إلا أنها تصير منشأ للاحتياط الاستحبابي والأولوية، ويتأكد ذلك في قصاص الأطراف من جهة دعوى الإجماع فيها.

هل يجوز لكلّ واحد من أولياء المقتول لو تعدّدوا الاقتصاص من القاتل مستقلاً دون إذن الباقين أو لا ؟

(مسألة 135): إذا كان للمقتول أولياء متعدّدون فهل يجوز لكلّ واحد منهم الاقتصاص من القاتل مستقلاً وبدون إذن الباقين أو لا ؟ فيه وجهان، الأظهر هو الأول (1).


(1) وفاقاً لجماعة - منهم الشيخ في المبسوط والخلاف (1)- وهو المحكي عن أبي علي وعلم الهدی والقاضي والكيدري وابني حمزة وزهرة(2)، بل في مجمع البرهان نسبته إلى الأكثر (3)، بل عن المرتضى والخلاف والغنية وظاهر المبسوط الإجماع عليه، بل عن الشيخ في الخلاف نسبته إلى أخبار الفرقة.

وخلافاً لجماعة، منهم : الفاضل والشهيدان والفاضل المقداد والأردبيلي والكاشاني(4)، بل في غاية المرام : أنّه المشهور (5).

والوجه في ما ذكرناه : هو أنّ حق الاقتصاص لا يخلو من أن يكون قائماً بالمجموع كحق الخيار، أو بالجامع على نحو صرف الوجود، أو بالجامع على نحو الانحلال.

أمّا الأوّل : فهو - مضافاً إلى أنّه لا دليل عليه، بل هو خلاف ظاهر الآية الكريمة كما سنشير إليه - ينافي حكمة وضع القصاص، حيث إنّه يمكن للقاتل أن


1) المبسوط 7: 54، الخلاف 5: 179 الجنايات / 43.

2) حكاه في الجواهر 42: 289.

3) مجمع الفائدة والبرهان 13: 430.

4) القواعد 3: 622، الشهيدان في اللمعة الدمشقية وشرحها الروضة البهية 10: 95، التنقيح الرائع 4 : 445، مجمع الفائدة والبرهان 13 : 430 - 431، وحكاه في الجواهر عن الكاشاني 42: 289.

5) غاية المرام 402:4.

---------------------------------------------------------------------------------

يتوسل إلى عفو أحد الأولياء مجاناً، أو مع أخذ الدية، ومعه يسقط حق الاقتصاص من الآخرين، فلو قتل واحد منهم الجاني - والحال هذه - كان قتله ظلماً فعليه القصاص، وهو مما لا يمكن الالتزام به.

وأما الثاني : فهو أيضاً كذلك، حيث إنّ لازمه هو سقوط القصاص بإسقاط واحد منهم.

وأمّا الثالث : فهو الأظهر، فإنّه الظاهر من الآية الكريمة: « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً» (1).

بتقريب : أنّ الحكم المجعول لطبيعي الولي ينحل بانحلاله، فيثبت لكلّ فرد من أفراده حق مستقل كما هو الحال في سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه، ولا يقاس ذلك بحق الخيار فإنّه حق واحد ثابت للمورث - على الفرض - والوارث يتلقّى منه هذا الحق الواحد، فلا محالة يكون ذلك لمجموع الورثة بما هو مجموع، وهذا بخلاف حق الاقتصاص فإنّه مجعول للولي ابتداءً، وكونه حقاً واحداً أو متعدّداً بتعدّد موضوعه تابع لدلالة دليله.

وتدل عليه أيضاً صحيحة أبي ولاد الحناط، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قُتِل وله أم وأب وابن، فقال الابن: أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا أريد أن أعفو، وقالت الأم : أنا أريد أن آخذ الدية، «قال: فقال : فليعط الابن أمّ المقتول السدس من الدية ويعطى ورثة القاتل السدس من الدية حق الأب الذي عفا وليقتله» (2).

ولا تعارضها صحيحة عبدالرحمن - في حديث - قال : قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) رجلان قتلا رجلا عمداً وله وليّان، فعفا أحد الوليين، قال:


1) الإسراء 17 : 33.

2) الوسائل 29 : 113 / أبواب القصاص في النفس ب 52 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

«فقال : إذا عفا بعض الأولياء درئ عنهما القتل، وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا، وأدّى الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفو»(1).

ومعتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز، وقضى في أربعة إخوة عفا أحدهم قال : يعطى بقيتهم الدية ويرفع عنهم بحصة الذي عفا»(2).

ومعتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه: «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية ويرفع عنه حصة الذي عفا» (3).

لأنّ هذه الروايات موافقة للمشهور بين العامة - منهم : أبو حنيفة وأبو ثور وظاهر مذهب الشافعي (4)- فتحمل على التقية.

فالنتيجة : هي ثبوت حق الاقتصاص لكلّ واحد من الأولياء على نحو الاستقلال، ويترتب على ذلك جواز مبادرة كلّ منهم إلى الاقتصاص، فلا يتوقف على إذن الآخرين.

بقي هنا شيء : وهو أنّ ما ذكرناه من الانحلال إنما هو فيما إذا كان حق الاقتصاص مجعولاً ابتداءً للأولياء، وأمّا إذا كان مجعولاً لهم من جهة الإرث والانتقال من الميت، كما إذا قطع الجاني يد أحدٍ متعمّداً فمات المجني عليه قبل الاقتصاص اتفاقاً، فإنّ حق القصاص ينتقل إلى ورثته لا محالة، وبما أنه حق


1) الوسائل 29: 115 / أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 1.

2) الوسائل 29: 115 / أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 2.

3) الوسائل 29: 116 / أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 4.

4) بدائع الصنائع 7: 242 - 243، الأم 6: 12 - 13، الحاوي الكبير 12: 102، المجموع 18: 443، الوجيز 2: 134 - 135.

حكم ما لو اقتص بعض الأولياء من الجاني

(مسألة 136) : إذا اقتص بعض الأولياء فإن رضي الباقون بالقصاص فهو، وإلّا ضمن المقتص حصتهم، فإن طالبوه بها فعليه دفعها إليهم، وإن عفوا فعليه دفعها إلى ورثة الجانى (1).


واحد فيثبت المجموع الورثة كحق الخيار، ويترتب على ذلك سقوط حق الاقتصاص بإسقاط واحد منهم، كما أنه يترتب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون إذن الآخرين، ثمّ إنّه إذا سقط حق الاقتصاص بإسقاط البعض فللباقين مطالبة الدية من الجاني، فإنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(1) على المشهور شهرة عظيمة، وتدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد المتقدمة، و تقريب دلالتها على ضمان المقتص في صورة مطالبة الباقين بالدية من وجهين :

الأوّل : أنّه قد صرّح فيها بإعطاء حق من عفا لورثة الجاني، فإنّه يدلّ على أنّ الحق حقه، غاية الأمر أنّه يعطي في فرض العفو إلى ورثة الجاني، ففي صورة المطالبة لا بد من إعطائه له.

الثاني : أنّ ضمان حصة الأمّ - مع أنّ حق الاقتصاص غير ثابت لها - يدلّ بالأولوية القطعية على ضمان حصة من له حق الاقتصاص، فلابد من إعطائه له إذا طالب به.

بقي هنا شيء : وهو أنه لا يمكن التعدّي عن مورد الصحيحة - وهو الأم - إلى غيرها من النساء من الموارد، بل لا بد من الاقتصار على موردها، فلو كان للمقتول أخ وأخت فليس للأخت مطالبة الدية إذا اقتص الأخ من القاتل، لما ثبت من أنه ليس للنساء حق الاقتصاص ولا العفو، ولهم الحق من الدية في فرض عدم الاقتصاص والتراضي بها.

لو كان المقتول مسلماً ولم يكن له أولياء من المسلمين

(مسألة 137) إذا كان المقتول مسلماً ولم يكن له أولياء من المسلمين وكان له أولياء من الذمّيّين، عرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم فهو وليه ويدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا، وإن لم يسلم منهم أحد فأمره إلى الإمام (عليه السلام) فإن شاء قتله وإن شاء أخذ الدية منه (1).

تحريم المثلة بالقاتل عند الاقتصاص

(مسألة 138) : لا تجوز مثلة القاتل عند الاقتصاص. والمشهور بين الأصحاب أنّه لا يقتص إلّا بالسيف، وهو الصحيح (2).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد الحناط، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً (عمداً) فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمة من قرابته «فقال: على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته (دينه) الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليه يدفع القاتل إليه فإن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام ولي أمره فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين» قلت : فإن عفا عنه الإمام ؟ قال : «فقال : إنّما هو حق جميع المسلمين، وإنما على الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية، وليس له أن يعفو» (1).

(2) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى إطلاقات أدلّة تحريم المثلة - صحيحة الحلبي ورواية أبي الصباح الكناني، جميعاً عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قالا: سألناه


1) الوسائل 29: 124 / أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1.

للولي حق الاقتصاص مباشرةً أو بتسبيب غيره

(مسألة 139): الاقتصاص حق ثابت للولي، وله أن يتولاه مباشرةً أو بتسبيب غيره مجاناً أو بأجرة (1).

لو كان بعض أولياء المقتول حاضراً دون بعض

(مسألة 140): لو كان بعض أولياء المقتول حاضراً دون بعض جاز الاقتصاص مع ضمان حصة الباقي من الدية، وكذلك الحال إذا كان بعضهم صغيراً (2).

لو كان ولي المقتول صغيراً أو مجنوناً

(مسألة 141) : إذا كان وليّ الميّت صغيراً أو مجنوناً، وكان للولي ولي كالأب أو الجد أو الحاكم الشرعي، فهل لوليه الاقتصاص من القاتل أم لا ؟ قولان، لا يبعد العدم (3). نعم، إذا اقتضت المصلحة أخذ الدية من القاتل أو المصالحة معه في في أخذ شيء جاز لوليه ذلك (4).


عن رجل ضرب رجلاً بعصا، فلم يقلع عنه الضرب حتى مات، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله ؟ «قال: نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف»(1).

(1) وذلك لإطلاق أدلّة سلطنته.

(2) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(3) وذلك لعدم ثبوت إطلاق أو عموم يدلّ على ثبوت الولاية له عليه في كلّ. مورد حتى في مثل القصاص.

(4) لثبوت ولايته عليه في مثل هذه الموارد.


1) الوسائل 29: 126/ أبواب القصاص في النفس ب 62 ح 1.

لو كان للميّت وليّان فادّعى أحدهما أن شريكه عفا عن القصاص

(مسألة 142) : إذا كان للميّت وليّان، فادّعى أحدهما أن شريكه عفا عن القصاص على مال أو مجاناً، لم تقبل دعواه على الشريك (1)، وإذا اقتص المدعي وجب عليه ردّ نصيب شريكه، فإن صدقه الشريك بالعفو مجاناً أو بعوض وجب عليه ردّه إلى ورثة المقتول قصاصاً (2).

هل يجوز لولي المقتول المحجور عليه لفلس أو سفه الاقتصاص من القاتل أو العفو عنه ؟

(مسألة 143) : إذا كان وليّ المقتول محجوراً عليه لفلس أو سفه جاز له الاقتصاص من القاتل، كما جاز له العفو عنه، ويجوز له أخذ الدية بالتراضي (3).

لو قُتِلَ شخص وعليه دين وليس له مال

(مسألة 144): لو قتل شخص وعليه دين وليس له مال، فإن أخذ أولياؤه الدية من القاتل وجب صرفها في ديون المقتول وإخراج وصاياه منها (4)، وهل لهم الاقتصاص من دون ضمان ما عليه من الديون ؟


(1) وذلك لأنه إقرار في حق الغير فلا يكون نافذاً. وعليه، فيبقى الشريك على شركته، وله الاقتصاص من القاتل.

(2) إذ بعد عدم الأثر لإقراره وكونه بحكم العدم، فبطبيعة الحال يكون ضامناً لحصة الشريك عند مطالبته، كما أنّه ضامن لورثة المقتص منه عند عفوه على ما تقدّم.

(3) لأنه ممنوع عن التصرّف في الأموال الموجودة عنده، لا عن كلّ شيء، فحاله بالإضافة إلى الاقتصاص من القاتل كحال غيره بلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً. وعليه، فيجوز له العفو عن القصاص كغيره مجاناً أو مع مطالبة الدية، كما يجوز له أخذ الدية من القاتل بالتراضي.

(4) بلا خلاف ولا إشكال، وذلك لأن الدية بحكم أموال الميت،

فيه قولان، الأظهر هو الأول (1).


فتصرف في ديونه ووصاياه كغيرها من أمواله.

وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام): «أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال» (1).

(1) وذلك لإطلاق الكتاب والسنّة ومقتضاه ثبوت حق الاقتصاص لولي المقتول من دون ضمان، وليس هنا ما يدلّ على الضمان إلا ما رواه الشيخ بإسناده عن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن أسلم الجبلي، عن يونس بن عبدالرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يقتل وعليه دين وليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين ؟ «فقال : إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياؤه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتى يضمنوا الدين للغرماء، وإلا فلا (2).

ولكنّها مضطربة المتن. ومن المطمأن به وقوع الغلط في النسخة، أو الاشتباه في النقل، فإنّ هذه الرواية رواها الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، محمد بن الحسين، عن محمد بن أسلم الجبلي، عن يونس بن عبدالرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير.


1) الوسائل 26: 41 / أبواب موانع الإرث ب 14 ح 1.

2) الوسائل 18: 365/ أبواب الدين والقرض ب 24 ح 2، التهذيب 6: 312/ 861، و 314:10/ 1170.

(مسألة 145) : إذا قتل شخص وعليه دين وليس له مال، فإن كان قتله خطأ أو شبه عمد فليس لأولياء المقتول عفو القاتل أو عاقلته عن الدية إلّا مع أداء الدين أو ضمانه (1)، وإن كان القتل عمداً فلأوليائه العفو عن القصاص والرضا بالدية (2) وليس لهم العفو عن القصاص بلادية، فإن فعلوا ذلك


ورواها أيضاً باسناده عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يقتل وعليه دين وليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ قال: «فقال : إن أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه لقاتله ضمنوا الدين للغرماء، وإلا فلا»(1)، ورواها الصدوق في الفقيه بإسناده عن محمد بن أسلم الجبلي مثله.

وعلى ذلك فلم تثبت الرواية الأولى، ولو صحت كانت معارضة بما رواه الشيخ والصدوق (قدس سرهما)، فإنّها تدلّ على عدم الضمان مع الاقتصاص، وانحصار الضمان بفرض هبة الدم للقاتل بمقتضى قوله في آخرها: «وإلا فلا»، فإنّه يدلّ على عدم الضمان في فرض الاقتصاص.

(1) لأنّ الدية ملك الميت، ولابد من أداء دينه منها، والإرث إنما هو بعد الدين، فما لم تفرغ ذمّة الميت من الدين بالأداء أو الضمان لم يكن للوارث العفو عن الدية.

(2) ولا بد عندئذٍ من أداء الدين، فإنّ الدية مال الميت، كما دلّت عليه معتبرة إسحاق بن عمار المتقدمة.


1) الوسائل 29: 122 / أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 1، التهذيب 10: 180 / 703، الفقيه 4: 411/119.

ضمنوا الدية للغرماء (1).

لو قَتَل واحد اثنين على التعاقب أو دفعه واحدة

(مسألة 146) : إذا قتل واحد اثنين على التعاقب أو دفعة واحدة ثبت لأولياء كلّ منهما القود، فإن استوفى الجميع مباشرةً أو تسبيباً فهو، وإن رضي أولياء أحد المقتولين بالدية وقبل القاتل أو عفوا عن القصاص مجاناً لم يسقط حق أولياء الآخر (2).

لو وكل ولي المقتول من يستوفي القصاص ثم عزله قبل الاستيفاء

(مسألة 147): لو وكل وليّ المقتول من يستوفي القصاص ثم عزله قبل الاستيفاء، فإن كان الوكيل قد علم بانعزاله ومع ذلك أقدم على قتله فعليه القود (3)، وإن لم يكن يعلم به فلا قصاص ولا دية (4)، وأما لو عفا الموكل


(1) تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدّمة، وتؤيدها رواية علي ابن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى، قال: قلت له: جعلت فداك، رجل قتل رجلاً متعمداً أو خطأ وعليه دين، وليس له مال وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل «قال: إن وهبوا دمه ضمنوا ديته» الحديث (1).

(2) وذلك لإطلاق الكتاب والسنّة المقتضي لثبوت السلطنة لكلّ من أولياء المقتولين على القاتل على نحو الاستقلال، وعدم الموجب لسقوطها عنه بعفو البعض عن القصاص.

(3) بلا خلاف ولا إشكال، لأنّه قتل ظلماً وعدواناً، وهو الموضوع للاقتصاص.

(4) وذلك لأنّ الوكيل لا ينعزل إلّا بعلمه بالعزل، فما لم يعلم تكون وكالته باقية وتصرفاته نافذة.


1) الوسائل 29: 123 / أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 2.

القاتل ولم يعلم به الوكيل حتى استوفى فعليه الدية (1) ولكن يرجع بها إلى الموكل (1)، وكذلك الحال فيما إذا مات الموكل بعد التوكيل وقبل الاستيفاء (3).

عدم الاقتصاص من المرأة الحامل حتى تضع

(مسألة 148) : لا يقتص من المرأة الحامل حتى تضع (4) ولو كان حملها حادثاً بعد الجناية أو كان الحمل عن زناً (5)، ولو توقفت حياة الطفل على إرضاعها إيّاه مدّة لزم تأخير القصاص إلى تلك المدّة (6)، ولو ادعت الحمل قبل قولها على المشهور، إلّا إذا كانت أمارة على كذبها، وفيه إشكال، بل منع (7).


(1) وذلك لأنّ الوكالة قد بطلت بارتفاع موضوعها وهو حق الاقتصاص، فيدخل قتله هذا فى شبيه العمد، فتثبت الدية.

(2) لأنّه قد استوفى بأمره الموجب للضمان.

(3) يظهر الحال فيه مما عرفت.

(4) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي الاتفاق عليه، وذلك تحفّظاً على الحمل، فإنّه محترم، فلا يجوز إتلافه.

(5) لأن الحمل محترم في جميع هذه التقادير.

(6) وذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة.

(7) نسب المحقق (قدس سره) في الشرائع الخلاف إلى بعض (2).

وكيف كان، فإن كان في المسألة إجماع فهو، وبما أنّه لا إجماع فيها كما عرفت فلا دليل على قبول قولها.

وأما الآية المباركة : « وَلَا يَحِلُّ هُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ...» (3).


1) لأنّه قد استوفى بأمره الموجب للضمان.

2) الشرائع 4: 238.

3) البقرة 2: 228.

لو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً

(مسألبة 149) : لو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً فلا شيء على المقتص (1). نعم، إن أوجب ذلك تلف الحمل ففيه الدية، وهي تحمل على العاقلة وإن لم تلجه الروح على المشهور، لكنّ الأظهر أن الدية على المتلف نفسه قبل ولوج الروح في الحمل (2).


فهي واردة في خصوص المطلقة، فلا إطلاق لها.

وأما رواية الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: « وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ» «قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء : الحيض والطهر والحمل»(1).

فهي ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(1) وذلك لأنّ حق القصاص ثابت للولي مطلقاً، غاية الأمر أنه يجب عليه تأخيره فيما إذا كانت المرأة حاملاً، وحيث إنّه حكم تكليفي لا وضعي فلو أقدم على الاقتصاص قبل الوضع كان في محلّه، وبما أنّه كان جاهلاً بالحال فهو معذور من حيث الحكم التكليفي.

(2) فإنّ كون الدية على العاقلة وإن كان مشهوراً - بل ادعي عليه الإجماع، لأنّ تلف الحمل مستند إلى الخطأ، وليس بعمد ولا شبيه عمد إلا أنه إنما يتمّ فيما إذا ولجته الروح وصدق عليه القتل وأمّا فيما قبله فلا دليل على أن الدية على العاقلة، بل مقتضى إطلاق الروايات الآتية الواردة في دية الجنين أن الدية


1) الوسائل 22: 222 / أبواب العدو ب 24 ح 2، مجمع البيان 1: 326، وفيه «قد فرض» بدل «قد فوض».

حكم ما لو قطع يد شخص، ثم قتل شخصاً آخر

(مسألة 150) : لو قطع يد شخص، ثم قتل شخصاً آخر، فالمشهور بين الأصحاب أنّه تقطع يده أوّلاً، ثم يقتل، وفيه إشكال، بل منع (1). وإذا قتله أولياء المقتول قبل قطع يده فهل تثبت الدية في ماله أم لا؟ وجهان، ولا يبعد ثبوتها، كما مرّ في قتل شخص اثنين (2).

لو قطع يد رجل ثمّ قتل شخصاً آخر فاقتص منه بقطع يده وبقتله ثم سرت الجناية في المجني عليه فمات

(مسألة 151) : إذا قطع يد رجل ثمّ قتل شخصاً آخر فاقتص منه بقطع يده وبقتله، ثم سرت الجناية في المجني عليه فمات، وجبت الدية في مال الجاني (3).


على نفس المقتص، فإن تم إجماع فهو، وإلا فالأظهر أن الدية على المقتص نفسه.

(1) والوجه فى ذلك : هو أنّه لا دليل على تقييد سلطنة أولياء المقتول بما بعد قطع يده. والجمع بين الحقين لا يقتضي وجوب التحفظ على حق من قطعت يده، غاية الأمر أنّه لا يجوز منعه عند إرادة استيفاء حقه منه، وهو حكم تكليفي محض ثابت له، فلا يكون مانعاً عن اقتصاص الولي. وعليه، فلا مانع له من قتله قبل قطع يده ويؤيد ما ذكرناه أنه لو كان من قطعت يده غائباً لم يجب على ولي المقتول تأخير القصاص إلى أن يحضر.

(2) لأنّه إذا لم يمكن الاقتصاص منه بانتفاء موضوعه فبطبيعة الحال تنتقل الدية إلى تركته، لأنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(3) بيان ذلك : أنّ في المسألة أقوالاً :

الأول : : عدم وجوب شيء في مال الجاني.

الثاني : وجوب نصف الدية فيه.

حكم ما لو قطع يد شخص ثم اقتص المجني عليه من الجاني فسرت الجنايتان

(مسألة 152) : إذا قطع يد شخص ثمّ اقتص المجني عليه من الجاني فسرت الجنايتان، فقد تكون السراية في طرف المجني عليه أولاً ثم في الجاني، وأخرى تكون بالعكس.


الثالث : وجوب تمام الدية.

أمّا القول الأوّل : فقد اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) بتقريب: أنّ الدية لا تثبت في القتل العمدي إلا بالتراضي والتصالح، والمفروض عدمه في المقام، والقصاص قد فات محله (1).

ويرد عليه : أنّ هذا القول مبني على ما هو المشهور والمعروف من أن السراية إلى النفس في الجناية العمديّة في حكم القتل العمدي، والثابت فيه هو القصاص دون الدية، ولكن قد تقدّم (2)أنّ هذا المبنى غير صحيح وأن السراية في الجناية العمدية ليست في حكم العمد، بل هي في حكم القتل الشبيه بالعمد، والثابت فيه الدية في مال الجاني.

هذا، مضافاً إلى ما تقدّم (3)من أنّ كلّ مورد لا يمكن فيه الاقتصاص ولو بفوت محله تجب فيه الدية في مال الجاني، لأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً.

وأما القول الثاني : فقد حكي عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط واختاره المحقق (قدس سره) في الشرائع (4)، ببيان : أنّ قطع يد الجاني يقع بدلاً عن نصف الدية، فليس للولي إلّا أخذ النصف.


1) الجواهر 42: 336.

2) في ص 6.

3) في ص 66 - 67.

4) المبسوط 7: 62، الشرائع 4 : 238 - 239.

أمّا على الأوّل فالمشهور أنّ موت الجاني يقع قصاصاً، وعلى الثاني يكون هدراً. وفيه إشكال، والأظهر التفصيل بين ما إذا كان كلّ من الجاني والمجني عليه قاصداً للقتل أو كان الجرح مما يقتل عادةً، وبين ما إذا لم يكن كذلك، فعلى الثاني تثبت الدية في مال الجاني (1).


وفيه : أنّه لا دليل على وقوع القصاص بدلاً عن نصف الدية، ومقتضى إطلاقات الأدلّة هو تمام الدية بلا فرق بين وقوع القصاص وعدمه.

وأمّا القول الثالث : فقد اختاره العلّامة (قدس سره) في القواعد (1)وقال الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك : أنه متجه(2). بل في كشف اللثام: أنه المشهور (3). وهو الصحيح، وذلك لإطلاق الأدلة وعدم دليل على التقييد.

(1) بيان ذلك : أنّ في المسألة احتمالات:

الأول : ما هو المشهور - بل ادعي عدم الخلاف فيه - من أنّ الجناية إن سرت في المجني عليه أوّلاً فقد وقع القصاص في محله، وإن كان الأمر بالعكس كانت سراية الجاني هدراً، لأنها غير مضمونة.

ويرده : ما تقدم من أنّ السراية في الجناية العمدية في مفروض الكلام ليست في حكم العمد، بل هي في حكم القتل الشبيه بالعمد، والثابت فيه الدية في مال الجاني، ولا أثر لموت الجاني بالسراية أيضاً، فإنّ الجناية في طرفه لا تقع مضمونة. ولا فرق في ذلك بين موت الجاني بعد المجني عليه أو قبله، فإنّه على


1) انظر القواعد 3: 626.

2) المسالك 2: 380 (حجري).

3) كشف اللثام 2: 468 (حجري).

دون الأوّل (1).


كلا التقديرين ليست السراية في طرفه مضمونة، وأنها مضمونة في طرف المجني عليه.

الثاني : أنّ لولي المجني عليه أخذ نصف الدية من مال الجاني، لأنّ قطع يده قصاصاً بدل عن النصف.

ويرده: ما تقدّم في المسألة السابقة.

الثالث : أنه ليس لولي المجني عليه شيء، لا لأجل وقوع القصاص في محلّه، بل لأجل أنه فات محلّه، والدية إنما تثبت في القتل العمدي بالتراضي والتصالح، والمفروض عدمه.

وفيه : ما عرفت في المسألة المتقدّمة.

فالنتيجة : أنّ الصحيح هو لزوم تمام الدية في مال الجاني، وذلك لإطلاق الأدلة، من دون فرق في ذلك بين أن يكون موت الجاني بالسراية قبل موت المجني عليه أو بعده.

(1) الكلام فيه يفرض:

تارةً : فيما إذا كان موت الجاني بالسراية بعد موت المجني عليه.

وأخرى : فيما إذا كان موته بها قبل موته.

أما على الأول : فالمشهور بين الأصحاب أنّ سراية الجاني تقع قصاصاً في محله، فلا يستحق وليّ المجني عليه في مال الجاني شيئاً.

وفيه : أن المدعى - وهو عدم استحقاق الولي حينئذ شيئاً - وإن كان صحيحاً إلّا أنّ تعليله - وهو وقوع موت الجاني قصاصاً - غير صحيح، وذلك

ثبوت حق القصاص للولي بعد موت المجني عليه

(مسألة 153) : حق القصاص من الجاني إنما يثبت للولي بعد موت المجني عليه (1)، فلو قتله قبل موته كان قتله ظلماً وعدواناً، فيجوز لولي الجاني


لأنّ القصاص بمقتضى الآية الكريمة حق للولي دون المجني عليه، فلا تقع قصاصاً، ولكن بما أنّ موت الجاني مستند إلى المجني عليه في مفروض المسألة وقد دلّ الدليل على أنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه فبطبيعة الحال لا يستحق وليّ المجني عليه شيئاً في ماله، وقد جرت على ذلك السيرة القطعية العقلائية أيضاً.

وأما على الثاني : فالمشهور أنّها تقع هدراً، وعلى ذلك يجري فيه جميع الوجوه المتقدمة.

ولكن الأظهر هو أنها لا تقع هدراً، وذلك لأنّ موته حيث إنّه كان مستنداً إلى المجني عليه فهو وإن لم يكن قصاصاً كما عرفت إلّا أنه وقع في محلّه، لأنه اعتداء بالمثل، وقد عرفت أنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه. ولا فرق في ذلك بين أن يكون موته بعد موت المجنى عليه أو قبله، وقد جرت على ذلك السيرة العقلائية أيضاً.

هذا، ويمكن استفادة ما ذكرناه من معتبرة السكوني المتقدمة في المسألة (87).

(1) لقوله سبحانه وتعالى: « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا...» (1)،وللروايات الدالّة على ذلك.


1) الإسراء 17: 33.

المقتول الاقتصاص منه، كما أنّ له العفو والرضا بالدية (1). وأما دية المجني عليه بعد موته فهي من مال الجاني (2).

لو قتل شخصاً مقطوع اليد

(مسألة 154) : لو قتل شخصاً مقطوع اليد، قيل : إن كانت يده قطعت في جناية جناها، أو أنّه أخذ ديتها من قاطعها، فعلى المقتول إن أراد الاقتصاص أن يردّ دية يده إليه، وإلّا فله قتله من غير ردّ. ولكن الأظهر عدم الرد مطلقاً (3).

لو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً فظنّ موته فتركه و به رمق، ثم برئ

(مسألة 155) : لو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً، وظنّ أنّه قتله فتركه و به رمق، ثم برئ، قيل : ليس للولي قتله حتى يقتص هو من الولي بمثل ما فعله، ولكنّ الأظهر أنّ ما فعله الولي إن كان سائغاً - كما إذا ضربه بالسيف عنقه فظنّ أنّه قتله فتركه، ولكنّه لم يتحقق به القصاص - جاز له ضربه ثانياً قصاصاً، وإن كان ما فعله غير سائغ جاز للمضروب الاقتصاص في منه بمثل ما فعله (4).


(1) لإطلاق الأدلة الدالة على جواز اقتصاص ولي المقتول ظلماً من القاتل وعفوه عنه وأخذ الدية منه بالتراضي.

(2) لأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً.

(3) وذلك لأنّ مقتضى إطلاق الآية الكريمة والروايات جواز قتله من دون لزوم ردّ شيء عليه أصلاً، وما دلّ على التفصيل هو رواية سورة بن كليب المتقدمة في المسألة 25، وهي ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(4) الوجه في ذلك : أنّ فعل الولي إن لم يكن سائغاً فهو ظالم في فعله،

---------------------------------------------------------------------------------

وللجاني الاقتصاص منه. وأما إذا كان سائغاً فقد وقع في محلّه، ولكن حيث لم يترتب عليه الموت جاز له الضرب ثانياً.

نعم، بما أنّ الضرب الأوّل لم ينطبق عليه عنوان القصاص ووقع أجنبياً عنه خارجاً فلا يذهب هدراً ويثبت على الولى الدية له بذلك.

وأمّا مستند القول المزبور فهو رواية أبان عمّن أخبره، عن أحدهما (عليهما السلام) «قال: أتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل، فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله، فوجدوا به رمقاً، فعالجوه فبرئ، فلما خرج أخذه أخو المقتول الأول فقال: أنت قاتل أخي، ولي أن أقتلك، فقال : قد قتلتني مرّة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: والله قتلتني مرّة، فمرّوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره خبره، فقال : لا تعجل حتى أخرج إليك، فدخل على عمر، فقال : ليس الحكم فيه هكذا، فقال : ما هو يا أبا الحسن ؟ فقال : يقتص هذا من أخ المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنّه إن اقتص منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا» (1).

ولكن الرواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها والاستدلال بها على حكم شرعي أصلاً.


1) الوسائل 29: 125 / أبواب القصاص في النفس ب 61 ح 1.

الفصل الخامس في قصاص الأطراف

ثبوت القصاص في الأطراف بالجناية عليها عمداً

(مسألة 156) : يثبت القصاص في الأطراف بالجناية عليها عمداً (1)، وهي تتحقق بالعمد إلى فعل ما يتلف به العضو عادةً، أو بما يقصد به الإتلاف وإن لم يكن مما يتحقق به الإتلاف عادةً.


(1) لقوله تعالى: « وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ...» (1).

وللروايات المستفيضة التي تأتي في ضمن المسائل الآتية :

منها : معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد أنّ فيها القصاص، أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» (2)، ومثلها معتبرته الثانية (3).

وقد تقدّم أنّ حق القصاص إنما يثبت في القتل العمدي دون الخطائي الشبيه بالعمد أو الخطأ المحض، حيث لا يثبت فيه إلّا الدية، وقد عرفت الفرق بين


1) المائدة 5: 45.

2) الوسائل 29: 176/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 3.

3) الوسائل 29: 177/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 5.

شروط جواز القصاص في الأطراف وما يعتبر فيه

(مسألة 157): يشترط في جواز القصاص فيها البلوغ، والعقل، وأن لا يكون الجاني والد المجني عليه (1). ويعتبر فيه أيضاً أمران : الأول : التساوي في الحرّيّة والرقيّة، فلا يقتص من الحرّ بالعبد (2).


هذه الأقسام، ومن المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين قصاص النفس وقصاص الطرف، فلا يثبت حق القصاص فيه إلا في الجرح العمدي دون الخطائي، فالثابت فيه إنما هو الدية على تفصيل تقدّم(1).

(1) يظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب قديماً وحديثاً.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد الحنّاط، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية «فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ -إلى أن قال : - ولا تقاص بين المكاتب وبين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئاً» الحديث (2).

فهي تدلّ على أنّ المكاتب الذي تحرّر مقدار منه لا يقتص بالعبد فضلاً عن الحر.

ومعتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال : ليس بين العبيد والأحرار قصاص فيما دون النفس» الحديث (3).


1) في ص 54 - 56.

2) الوسائل 29: 105/ أبواب القصاص في النفس ب 46 ح 1.

3) الوسائل 29: 184/ أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 3.

حكم ما لو جرح العبد حرّاً

(مسألة 158) : لو جرح العبد حرّاً كان للمجروح الاقتصاص منه، كما أنّ له استرقاقه إن كانت الجراحة تحيط برقبته، وإلا فليس له استرقاقه إذا لم يرض مولاه، ولكن عندئذ إن افتداه مولاه وأدّى دية الجرح فهو، وإلا كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جرحه والباقي لمولاه، فيباع العبد ويأخذ المجروح حقه، ويردّ الباقي على المولى (1).


وتؤيد ذلك رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث أُمّ الولد «قال : ويقاص منها للمماليك، ولا قصاص بين الحر والعبد»(1).

(1) بلا خلاف في ذلك بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في عبد جرح حراً «فقال: إن شاء الحرّ اقتص منه، وإن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته، وإن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح (حقه) من العبد بقدر دية جراحه، والباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه، ويردّ الباقي على المولى»(2).

ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في عبد جرح رجلين «قال : هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته» الحديث (3).


1) الوسائل 29 : 103 / أبواب القصاص في النفس ب 43 ح 1.

2) الوسائل 29: 166/ أبواب قصاص الطرف ب 3 ح 1.

3) الوسائل 29: 104 / أبواب القصاص في النفس ب 45 ح 1.

حكم ما لو جنى حرّ على مملوك

(مسألة 159) : إذا جنى حرّ على مملوك فلا قصاص (1) وعليه قيمة الجناية (2)، فإن كانت الجناية قطع يده - مثلاً - وجب عليه نصف قيمته، وإن سرت فمات المملوك فعليه تمام القيمة (3)، ولو تحرّر فسرت الجناية إلى نفسه فمات بعد تحرّره فعلى


(1) لما تقدّم من اعتبار التساوي في الحرية والرقية.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، بل هو أمر مقطوع به بينهم.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أن حق المسلم لا يذهب هدراً - معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن» (1).

على أنّ ذلك مما تقتضيه القاعدة، حيث إنّه إتلافٌ لمال غيره، فبطبيعة الحال يكون مضموناً، غاية الأمر أنّه قد ثبت بالأدلّة الخاصة أن ضمانه مقيد بما إذا لم تزد القيمة في العبد عن دية الحرّ، وإلا فالزائد غير مضمون.

(3) لأنّ الموت مستند إلى جنايته، والسراية مضمونة. وأما دية الطرف فتدخل في دية النفس على ما مر (2)، فلا تثبت على الجاني إلا قيمة العبد وحدها. والمراد بالقيمة : قيمته سليماً عن الجناية، فلو انتقل العبد إلى شخص آخر بعد الجناية فسرت فمات كان للمولى الأوّل قيمة الجناية والباقي من قيمة العبد للمولى الثاني، ولا تجب على الجاني دية الجناية زائدة على دية النفس.


1) الوسائل 29 : 168/ أبواب قصاص الطرف ب 5 ح 1.

2) في ص 24.

الجاني دية الحرّ (1) ولمولاه قيمة الجناية من الدية والباقي لورثته (2)، وإن كانت القيمة أكثر من دية ذلك العضو فليس للمولى إلّا مقدار الدية دون قيمة الجناية (3)، وإن كانت أقل فللمولى قيمة الجناية (4). هذا إذا لم تنقص قيمة الجناية بالسراية. وأمّا إذا نقصت بها، كما لو قطع يد مملوك، وقطع آخر يده الأخرى، وقطع ثالث رجله، ثم سرى الجميع فمات، سقطت دية الأطراف ودخلت في دية النفس (5)، ففي هذه الصورة تنقص قيمة الجناية بالسراية من النصف إلى الثلث، فليس للمولى إلّا ذلك الناقص، وهو ثلث الدية، ولا يلزم الجاني بتلك النقيصة (6).


(1) لأن قتله - حال كونه حرّاً - مستند إليه، فتجب عليه دية الحرّ.

(2) لأنّ المولى لا يستحق أزيد من قيمة الجناية من الدية، والباقي منها ينتقل إلى ورثة المقتول كسائر أمواله، لأن حكم الدية حكمها.

(3) لما عرفت من أنّ القيمة في العبد إذا زادت عن دية الحر لم يستحق المولى إلا القيمة دون الزائد.

(4) لأن الزيادة إنّما نشأت من ناحية الحريّة، فلا يستحقها المولى.

(5) تقدم وجه ذلك مفصلاً.

(6) وذلك لأنّ المولى عندئذٍ يستحق تمام قيمة العبد، وبما أنّها توزّع على أشخاص ثلاثة - نظراً إلى أن موته مستند إلى جناياتهم - فبطبيعة الحال تنقص قيمة جناية كلّ واحد منهم من ناحية السراية، إذ على فرض عدم السراية كان الواجب على كلّ منهم قيمة ذلك العضو، وهي نصف قيمة العبد على الفرض.

لو قطع حرّ يدَ عبدٍ قاصداً قتله فأعتق، ثم جنى عليه آخر فسرت الجنايتان فمات

(مسألة 160) : لو قطع حرّ يد عبد قاصداً قتله فأعتق، ثم جنى آخر عليه كذلك فسرت الجنايتان فمات، فللمولى على الجاني الأوّل نصف قيمة العبد على أن لا تجاوز نصف دية الحرّ، وعلى الجاني الثاني القود، فإن اقتص منه فعلى المقتص أن يردّ إلى وليّ المقتص منه نصف دية الحرّ (1).

لو قطع حرّ يد عبد، ثم قطع رجله بعد عتقه

(مسألة 161) : لو قطع حرّ يد عبد ثمّ قطع رجله بعد عتقه، كان عليه أن يردّ قيمة الجناية الأولى إلى مولاه (2)، وأما بالإضافة إلى الجناية الثانية فكان للعبد المعتق الاقتصاص من الجاني بقطع رجله، وإن عفا ورضي بالدية كانت له ولا صلة للمولى بها أصلاً (3).

الثاني : التساوي في الدين فلا يقتص من مسلم بكافر (4)، فلو قطع المسلم يد ذمّي - مثلاً - لم تقطع يده ولكن عليه دية اليد (5).


(1) تقدّم وجه كلّ ذلك مفصلاً (1).

(2) لما تقدّم من أنّ المولى يستحق قيمة الجناية على الجاني إذا لم تزد على دية ذلك العضو من الحرّ (2).

(3) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(4) لما عرفت من اعتبار التساوي في الدين في القصاص.

(5) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب.


1) فى ص 37.

2) في ص 180.

حكم ما لو جنت المرأة على الرجل، وبالعكس

(مسألة 162) : إذا جنت المرأة على الرجل اقتص الرجل من المرأة من دون أخذ شيء منها، وإن جنى الرجل على المرأة اقتصت المرأة منه بعد ردّ التفاوت إليه إذا بلغت دية الجناية الثلث (1) وإلا فلا، فلو قطع الرجل اصبع امرأة


وتدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم» (1).

وأما ما في صحيحة أبي بصير، قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم «قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه، ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد، فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك» (2).

فهي رواية شاذة لا عامل بها من الأصحاب، مع اشتمالها على اقتصاص المسلم من الذمّي وأخذ فضل الدية منه، وهو خلاف ما تسالم عليه الأصحاب، ولم يقل به أحد. وعليه، فلابد من ردّ علمها إلى أهله، أو حملها على من كان معتاداً على قتل الذمّي.

فالنتيجة : هي اعتبار التساوي في الدين في قصاص النفس والأطراف. ولا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

(1) تدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال :


1) الوسائل 29: 170/ أبواب قصاص الطرف ب 8 ح 1.

2) الوسائل 29: 183/ أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

جراحات الرجال والنساء سواء، سنّ المرأة بسنّ الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل، واصبع المرأة باصبع الرجل، حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل على دية المرأة» (1).

ومنها: معتبرة ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع اصبع امرأة «قال : تقطع اصبعه حتى تنتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثالث أضعف الرجل » (2)، وذيل الحديث في الكافي هكذا: «فإذا جاز الثلث كان الرجل الضعف».

ومنها : صحيحة الحلبي الثانية، قال : سُئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص [سواء؟ «فقال: الرجال والنساء في القصاص ] السن بالسن والشجّة بالشجّة والاصبع بالاصبع سواء، حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية» (3).

بقي هنا شيء : وهو أنّ ظاهر بعض الروايات هو تساوي المرأة والرجل في الدية فيما إذا بلغت الجناية الثلث أيضاً، ويختصّ تضعيف دية الرجل على دية المرأة بما إذا جازت الدية الثلث، ولكنّك ستعرف أنها لا بد من رفع اليد عنها بمعارضتها لما دلّ على التضعيف فيما بلغ الثلث، فيرجع إلى عموم ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل.


1) الوسائل 29: 163/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 1.

2) الوسائل 29: 164/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 4، الكافي 7: 301 / 14.

3) الوسائل 29: 165/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 6، ما بين المعقوفين من المصدر.

جاز لها قطع اصبعه بدون ردّ شيء إليه، ولو قطع يدها جاز لها قطع يده بعد رد نصف دية يده إليه (1).


(1) تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل فقأ عين امرأة «فقال : إن شاءُوا أن يفقؤوا عينه ويؤدّوا إليه ربع الدية، وإن شاءت أن تأخذ ربع الدية» وقال في امرأة فقأت عين رجل: «إنّه إن شاء فقأ عينها، وإلّا أخذ دية عينه»(1).

ولا تعارضها موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «قال: ليس بين الرجال والنساء قصاص إلّا في النفس» (2).

فإنّها رواية شاذة لا عامل بها ومعارضة بالروايات المتقدمة، ولظاهر الكتاب « وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» (3)، فتطرح لا محالة.

ومن الغريب أنّ الشيخ حملها في الاستبصار على نفي التساوي في القصاص بين الرجل والمرأة، وذلك لأنه - على ما ذكره (قدس سره) - لا يصح الاستثناء كما هو ظاهر (4).


1) الوسائل 29: 166/ أبواب قصاص الطرف ب 2 ح 1.

2) الوسائل 29: 165/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 7.

3) المائدة 5: 45.

4) الاستبصار 4: 266 / 1003.

هل يعتبر التساوي في السلامة من الشلل في الاقتصاص ؟

(مسألة 163): المشهور اعتبار التساوي في السلامة من الشلل في الاقتصاص، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء وإن بذل الجاني يده للقصاص، وهو لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه (1)


(1) وجه الإشكال : هو أنّه قد ادّعي الإجماع في المسألة، وقال في الجواهر : إنّ الحكم مفروغ عنه(1).

واستدل على ذلك بإطلاق رواية سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل قطع يد رجل شلّاء «قال : عليه ثلث الدية» (2).

ولكنّها ضعيفة سنداً ودلالةً :

أمّا سنداً : فلأن في سندها حماد بن زياد، وهو مجهول، ورواية الحسن بن محبوب عنه لا تدلّ على توثيقه على ما فصلناه في محلّه (3).

وأما دلالةً : فلأنها في مقام بيان مقدار الدية، ولم تتعرّض للقصاص لا نفياً ولا إثباتاً.

وتؤيد ذلك رواية محمّد بن عبدالرحمن العرزمي، عن أبيه عبدالرحمن، عن جعفر، عن، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّه جعل في السنّ السوداء ثلث ديتها، وفي اليد الشلّاء ثلث ديتها، وفي العين القائمة إذا طمست ثلث ديتها، وفي شحمة الأذن ثلث ديتها، وفي الرجل العرجاء ثلث ديتها، وفي خشاش الأنف في كلّ واحد ثلث الدية» (4)


1) الجواهر 42: 348.

2) الوسائل 29: 332/ أبواب ديات الأعضاء ب 28 ح 1.

3) معجم رجال الحدیث 7: 199/ 3912 و 217 / 3941.

4) الوسائل 29 : 287 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 13.

---------------------------------------------------------------------------------

لكنّها ضعيفة سنداً بيوسف بن الحارث، إذ لم يذكر بمدح ولا توثيق.

وتقريب التأييد بها : هو اشتمالها على ما فيه قصاص يقيناً، وليس هذا إلا من ناحية أنّ الرواية في مقام بيان مقدار الدية، وليس لها نظر إلى القصاص، فهي من هذه الناحية تؤيد ما ذكرناه في الرواية الأولى.

وعلى تقدير تسليم الإطلاق فيهما فلابد من تقييدهما بإطلاق قوله تعالى : « وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» (1)، فإنّ النسبة بينهما وإن كانت عموماً من وجه إلّا أنّ الآية تتقدم عليهما لا محالة.

وأما رواية الحسن بن صالح، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل «فقال: وما قيمة العبد؟» قلت : اجعلها ما شئت «قال: إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الاصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد، وإن شاء أخذ قيمة الاصبعين الصحيحتين والثلاث أصابع الشلل» قلت : وكم قيمة الاصبعين الصحيحتين مع الكفّ والثلاث أصابع الشلل ؟ «قال : قيمة الاصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم، وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكفّ ألف درهم لأنها على الثلث من دية الصحاح. قال: وإن كانت قيمة العبد أقل من دية الاصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل دفع العبد إلى الذي قطعت يده، أو يفتديه مولاه ويأخذ العبد»(2).

فهي ضعيفة سنداً، فإنّ الحسن بن صالح لم يذكر بتوثيق ولا مدح، على أنه لا إطلاق لها من هذه الناحية، فإنّ الظاهر أنها في مقام بيان مقدار الدية فحسب.


1) المائدة 5: 45.

2) الوسائل 29: 332/ أبواب ديات الأعضاء ب 28 ح 2.

وأما اليد الشلّاء فتقطع باليد الصحيحة بلا إشكال (1)، إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنها لا تنحسم، فعندئذٍ لا يجوز قطعها وتؤخذ الدية (2).


ونظير ذلك عدة روايات واردة في بيان دية الأطراف فحسب، مع ثبوت القصاص في مواردها جزماً، وليس ذلك إلا من ناحية أنها في مقام البيان من هذه الجهة دون القصاص.

ومن جملة تلك الروايات صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال : فيه الدية كاملة، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الاُذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية، وفي الأنف إذا قطع المارن الدية، وفي الشفتين الدية»(1).

فالنتيجة : أنّه لا دليل على اعتبار التساوي في السلامة ما عدا دعوى الإجماع، فإن تم فهو، وإلا فلا يبعد عدم اعتباره، لإطلاق الآية الكريمة «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ».

ودعوى انصرافه عن مثل المقام لا أساس لها أصلاً، وسيأتي أنّ العضو الصحيح يقطع بالمجذوم(2).

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، لإطلاق الكتاب والسنة، وعدم الدليل على التقييد.

وذلك تحفّظاً على النفس لفرض أن قطع يده - والحال هذه - يوجب إتلاف نفسه، فلا يجوز ذلك قصاصاً. وأما أخذ الدية فلأنه في كلّ مورد لا يمكن الاقتصاص من الجاني لزمته الدية، لأنّ حق امرئ مسلم لا يذهب هدراً.


1) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

2) في ص 207.

لو قطع يمين رجل

(مسألة 164) : لو قطع يمين رجل قطعت يمينه إن كانت له يمين (1)، وإلّا قطعت يساره، على إشكال، وإن كان لا يبعد جوازه (2). وإن لم تكن له يسار فالمشهور أنه تقطع رجله إن كانت (3)، وفيه إشكال، والأقرب الرجوع فيه إلى الدية.


(1) لأن المجني عليه يستحق على الجاني مثل ما جنى عليه، وبما أن المقطوع هو اليد اليمنى فله أن يقطع يمناه.

(2) وذلك لأنه - مضافاً إلى أنّ الحكم متسالم عليه عند الأصحاب، وتؤيده رواية حبيب السجستاني الآتية - لا يبعد صدق المماثلة عليها عند فقد اليمنى، فإنه متى كانت اليمنى موجودة فهي المماثل، وعند فقدها لا يبعد كون المماثل هو اليد اليسرى.

وتؤكد ذلك صحيحة محمّد بن قيس، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعور فقأ عين صحيح «فقال : تفقأ عينه» قال : قلت : يبقى أعمى؟ «قال : الحق أعماه» (1).

فإنّ إطلاقها يعمّ ما إذا كانت عين الأعور الصحيحة غير مماثلة للعين المفقوءة من جهة الطرف.

(1) استدلّ على ذلك برواية حبيب السجستاني، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، قال: «فقال : يا حبيب، تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلاً، وتقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل» قال: فقلت : إنّ


1) الوسائل 29: 178/ أبواب قصاص الطرف ب 15 ح 1.

لو قطع أيدي جماعة على التعاقب

(مسألة 165) : لو قطع أيدي جماعة على التعاقب كان حكمه في الاقتصاص وأخذ الدية حكم من قتل جماعة على التعاقب على تفصيل تقدّم في قصاص النفس (1).


علياً (عليه السلام) إنما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى «فقال: إنما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق الله، فأما يا حبيب حقوق المسلمين، فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد (يدان) والرجل باليد إذا لم تكن للقاطع يد» فقلت له : أو ما تجب عليه الدية وتترك له رجله؟ «فقال: إنما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل، وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثم تجب عليه الدية، لأنّه ليس له جارحة يقاص منها » (1).

وبما أنها ضعيفة سنداً، فإنّ حبيباً السجستاني لم يذكر بتوثيق ولا مدح، فلا يمكن الاستدلال بها على حكم شرعي اصلاً. ومن هنا خالف في ذلك صريحاً الحلّي والشهيد الثاني وفخر المحققين(2).

فالنتيجة : أنّه لا دليل على ما هو المشهور، فالأظهر عدم جواز القطع ولزوم الرجوع إلى الدية، كما إذا لم تكن له رجل.

(1) فإنّ الملاك في كلتا المسألتين واحد.


1) الوسائل 29: 174/ أبواب قصاص الطرف ب 12 ح 2.

2) السرائر 3: 415، المسالك 2 : 381 - 382 (حجري)، حكاه في الجواهر عن فخر المحققين 42: 352.

لو قطع اثنان يد واحد

(مسألة 166) : لو قطع اثنان يد واحد جاز له الاقتصاص منهما بعد ردّ دية يد واحدة إليهما، وإذا اقتص من أحدهما ردّ الآخر نصف دية اليد إلى المقتص منه، كما أنّ له مطالبة الدية منهما من الأول (1).

ثبوت القصاص في الشجاج واعتبار المماثلة فيه

(مسألة 167) : يثبت القصاص في الشجاج، الشجّة بالشجة (2)، ويعتبر فيه التساوي طولاً وعرضاً (3).


(1) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى ما ذكرناه في اشتراك اثنين في قتل واحد - صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل «قال : إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد أحد واقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد. قال : وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية» (1).

(2) يدلّ على ذلك قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ » (2)، وعدة من الروايات:

منها : معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد : أنّ فيها القصاص، أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» (3)، ونحوها معتبرته الثانية(4).

(3) بلا خلاف ولا إشكال، ويدلّ عليه ما دلّ على اعتبار المماثلة في القصاص.


1) الوسائل 29 : 186 / أبواب قصاص الطرف ب 25 ح 1.

2) المائدة 5: 45.

3) الوسائل 29: 176/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 3.

4) الوسائل 29: 177/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 5.

وأمّا العمق فالعبرة فيه بحصول الاسم (1).

ثبوت القصاص في الجروح المضبوطة وفي غيرها عدمه

(مسألة 168) : يثبت القصاص في الجروح فيما إذا كان مضبوطاً بأن كان القصاص بمقدار الجرح، وأما إذا كان غير مضبوط وموجباً لتعريض النفس على الهلاك أو زيادة في الجرح أو تلف العضو - كالجائفة والمأمومة والهاشمة والمنقلة ونحو ذلك - لم يجز (2)، وينتقل الأمر فيها إلى الدية الثابتة بأصل


(1) الوجه في ذلك : هو أنّ الرؤوس تتفاوت بتفاوت الأشخاص في السمن والهزال، فالعبرة إنما هي بصدق عنوان الشجّة حتى تتحقق المماثلة وإن كانت في أحد الشخصين تستلزم عمقاً أكثر بالإضافة إلى الآخر.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، بل ادّعي عليه الإجماع بقسميه، وذلك لأنه يعتبر في القصاص في الجروح أن لا يوجب تعريض النفس للهلاك، ولا إتلاف العضو الآخر بالسراية، بل يعتبر فيه أن لا يكون أكثر من جرح الجاني وإن لم يكن فيه تغرير أو إتلاف عضو، فلا يجوز للمجني عليه أن يقتص من الجاني أزيد من الجناية الواقعة عليه من قبله. وتدلّ على ذلك الآية الكريمة : «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ» (1)، بل يمكن استفادة ذلك من نفس مفهوم القصاص الوارد في الكتاب والسنة.

وتؤيد ذلك مقطوعة أبان: «الجائفة : ما وقعت في الجوف، ليس لصاحبها قصاص إلّا الحكومة، والمنقلة تنقل منها العظام، وليس فيها قصاص إلا الحكومة، وفي المأمومة ثلث الدية ليس فيها قصاص إلّا الحكومة»(2)، ونحوها


1) البقرة 2 : 194.

2) الوسائل 29: 179/ أبواب قصاص الطرف ب 16 ح 1.

الشرع أو بالحكومة (1).


مقطوعة أبي حمزة(1).

ومعتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام): «أن علياً (عليه السلام) كان يقول : ليس في عظم قصاص» الحديث (2).

وأما ما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن السن والذراع يكسران عمداً، لهما أرش أو قود؟ «فقال: قود» الحدیث (3).

فلابد من حملها على ما لا يرجى صلاحه، وإلا فيردّ علمها إلى أهله.

(1) لأنّ حق امرئ مسلم لا يذهب هدراً، فإذا لم يمكن الاقتصاص من الجاني من ناحية عدم الانضباط لزمته الدية غاية الأمر أنّ الجناية إذا كانت مما فيه الدية في أصل الشرع فهي ثابتة عليه، وإلا ثبتت بالحكومة.

بقي هنا شيء : وهو أنّه في الموارد التي لا ينضبط الجرح هل للمجني عليه الاقتصار في الاقتصاص من الجاني على الأقل ومطالبته بالأرش للزائد ؟

فيه قولان، فقد اختار المحقق في الشرائع صريحاً في الديات القول الأول(4).

وعن الشيخ في المبسوط والفاضل في القواعد والتحرير مثل ذلك (5).

ولا يبعد هذا القول، وذلك لأنّ العمومات قد دلّت على القصاص في الجروح،


1) الوسائل 29: 180/ أبواب قصاص الطرف ب 16 ح 2.

2) الوسائل 29: 185/ أبواب قصاص الطرف ب 24 ح 1.

3) الوسائل 29: 176 / أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 4.

4) الشرائع 4: 268.

5) المبسوط 7: 74 - 75، القواعد 3: 642، التحرير 2: 258 (حجري).

جواز الاقتصاص قبل الاندمال وإن احتمل عدمه

(مسألة 169): يجوز الاقتصاص قبل الاندمال وإن احتمل عدمه (1)، وعلى هذا فلو اقتص من الجاني ثم سرت الجناية فمات المجني عليه كان لوليه أخذ الدية من الجاني فيما إذا لم يكن القتل مقصوداً ولم تكن الجناية مما يقتل


وإنّما منعنا عن ذلك عدم إمكان القصاص فيما لا يكون مضبوطاً، وهذا لا يقتضي عدم جواز القصاص بأقل من الجناية، وبما أنّ الجناية لا تذهب هدراً فللمجني عليه بعد الاقتصاص مطالبة الأرش بالإضافة إلى الزيادة. إذن فالمجني عليه يكون مخيراً بين ترك القصاص والمطالبة بالدية، وبين الاقتصاص بالأقل ومطالبة الدية بالإضافة إلى الزائد.

(1) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينقل الخلاف إلا عن الشيخ في المبسوط (1)، وقيل : إنّ كلامه غير ظاهر في ذلك، حيث قال : والتأخير فيه أحوط. وكيف كان، فالظاهر ما هو المشهور.

والوجه في ذلك : هو أن أدلّة القصاص غير قاصرة الشمول لمثل المقام، وهو الاقتصاص قبل الاندمال، وعدم الدليل على التقييد بما بعده. وأما احتمال السراية الموجبة لدخول قصاص الطرف في النفس فهو مندفع بالأصل. فإذن لا موجب للتأخير.

وقد يستدلّ على عدم الجواز قبل الاندمال بمعتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) : «أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : لا يقضى في شيء من الجراحات حتى تبرأ» (2).


1) المبسوط 7: 75.

2) الوسائل 29: 280 / أبواب موجبات الضمان ب 42 ح 2.

غالباً، وإلا كان له قتل الجاني أو أخذ الدية منه، فإن قتله كان عليه دية جرحه (1).

كيفية القصاص في الجروح

(مسألة 170) : كيفيّة القصاص في الجروح هي أن يحفظ الجاني من الاضطراب حال الاستيفاء، ثمّ يقاس محلّ الشجّة بمقياس ويعلم طرفاه في موضع الاقتصاص من الجاني، ثم يشرع في الاقتصاص من إحدى العلامتين إلى العلامة الأخرى (2).


ولكنّها قاصرة الدلالة، فإنّها تختص بما إذا كان للبرء أثر في القضاء، فلا تشمل موارد السراية إذا لم يكن القتل مقصوداً ولم يكن الجرح مما يكون قاتلاً عادةً، فإنّ القصاص في هذه الموارد ثابت، سواء أبرئ الجرح أم لم يبرأ.

وأما إذا كان القتل مقصوداً أو كان الجرح مما يقتل عادةً، ففي مثل ذلك يختلف الحكم بالبرء وعدمه، فإنّه إذا حصل البرء ثبت القصاص في الطرف، وإذا لم يحصل البرء وأدّى إلى قتل النفس ثبت القصاص في النفس.

فالنتيجة : أنّ الحكم في الواقع مردّد بين قصاص الطرف وقصاص النفس، فلا يمكن القضاء الجزمي حينئذٍ. وعلى ذلك تحمل المعتبرة، ولكنها لا تنافي ثبوت القصاص للمجني عليه بمقتضى الأصل بأن يقتص من الجاني، فإن برئ جرح المجني عليه فهو، وإلا كان للولي قتل الجاني قصاصاً، أو مطالبته بالدية. نعم، إذا اختار قتله فعليه أن يؤدّي دية جرحه.

(1) يظهر وجه جميع ذلك مما تقدم.

(2) الوجه في ذلك : هو ما عرفت من اعتبار التساوي والمماثلة بين الجرحين، فلا يجوز الاقتصاص بالأزيد.

هل يجب تأخير القصاص في الأطراف عن شدة البرد أو الحرّ لو كان في معرض السراية ؟

(مسألة 171): يجب تأخير القصاص في الأطراف عن شدة البرد أو الحرّ إذا كان في معرض السراية، وإلّا جاز (1).

عدم اعتبار كون آلة القصاص من الحديد

(مسألة 172) : المشهور اعتبار كون آلة القصاص من الحديد (2)، ودليله غير ظاهر، فالظاهر عدم الاعتبار.

لو كانت مساحة الجراحة في عضو المجني عليه تستوعب عضو الجاني وتزيد عليه لصغره

(مسألة 173) : إذا كانت مساحة الجراحة في عضو المجني عليه تستوعب عضو الجاني وتزيد عليه لصغره، لم يجز له أن يقتص من عضوه الآخر عوضاً عن الزائد، بل يجب عليه الاقتصاص على ما يتحمّل ذلك العضو، ويرجع في الزائد إلى الدية بالنسبة (3).


(1) وذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة، وعدم جواز ارتكاب ما يوجب تعريضها للهلاك.

(2) قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) - عند شرحه عبارة العلّامة : ولا قصاص بغير الحديد - : لعلّ وجهه الإجماع والخبر (1)، انتهى.

أقول : الظاهر عدم الاعتبار، وذلك لأنّه لا دليل على تقييد إطلاقات أدلّة القصاص بأن يكون بآلة من حديد بعد شمولها للاقتصاص بغيرها أيضاً، فإنّ الإجماع لم يثبت، وأما الخبر فهو النبوي الذي ذكره الشهيد الثاني في الروضة من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «لا قصاص بغير حديد»(2)، وهو أيضاً لم يثبت، ولم أرَ التعرّض له في كلام غيره.

(3) تقدم اعتبار التساوي في المساحة في قصاص الجروح وأنّه لا يقاس


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 131.

2) الروضة 10 : 81.

وكذا الحال إذا كان عضو المجني عليه صغيراً واستوعبته الجناية ولم تستوعب عضو الجاني، فيقتصر في الاقتصاص على مقدار مساحة الجناية (1).

لو قطع عضو من شخص فاقتص منه، ثم أعاد المجني عليه ذلك العضو فالتحم

(مسألة 174) : لو قطع عضواً من شخص كالأذن، فاقتص المجني عليه من الجاني، ثم ألصق المجني عليه عضوه المقطوع بمحله، فالتحم وبرئ، جاز للجاني إزالته (2)،


ذلك بقصاص الأطراف، فإنّ المقابلة في تلك الموارد إنما هي بين طبيعي العين والعين، والأنف والأنف، وغيرهما، ولا نظر فيها للصغر والكبر أصلاً. وهذا بخلاف الجروح، فإنّ المقابلة فيها بين الجرح ومماثله، فلا محالة تعتبر فيه المساحة، ولكن ذلك لا يقتضي التعدّي من عضو إلى آخر، ففي مفروض المسألة تتعيّن الدية بالإضافة إلى الزائد.

(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) تدلّ على ذلك معتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ رجلاً قطع من بعض أذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى علي (عليه السلام) فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أذنه فردّه على أذنه بدمه، فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى علي (عليه السلام) فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانيةً، وأمر بها فدفنت، وقال (عليه السلام): إنّما يكون القصاص من أجل الشين»(1).

فهذه المعتبرة واضحة الدلالة على أنّ للجاني حق إزالة أذن المجني عليه بعد إلصاقها، معلّلاً بأن القصاص لأجل الشين، فإذا زال الشين بإلصاقها كان للجاني إعادته.


1) الوسائل 29: 185 / أبواب قصاص الطرف ب 23 ح 1.

وكذلك الحال في العكس (1).

لو قطعت اذن شخص ثمّ ألصقها المجني عليه قبل الاقتصاص من الجاني والتحمت، فهل يسقط به حق الاقتصاص ؟

(مسألة 175) : لو قطعت اذن شخص - مثلاً - ثم ألصقها المجني عليه قبل الاقتصاص من الجاني والتحمت، فهل يسقط به حق الاقتصاص ؟ المشهور عدم السقوط، ولكن الأظهر هو السقوط (2) وانتقال الأمر إلى الدية (3).

لو قلع رجل أعور عين رجل صحيح

(مسألة 176) : لو قلع رجل أعور عين رجل صحيح، قلعت عينه (4).


بقي هنا شيء وهو أنه قيل : إنّ الإزالة إنما هي من ناحية كونها ميتة من باب النهي عن المنكر. وهو واضح الفساد، إذ هو - مضافاً إلى أنها بعد الالتحام ليست بميتة - خلاف صريح المعتبرة وتعليلها، فلا يمكن الالتزام به أصلاً.

(1) يدلّ على ذلك التعليل في ذيل المعتبرة المتقدمة، حيث إنّ القصاص لأجل الشين، فإذا زال عن الجاني بإلصاقه والتحامه كان للمجني عليه إعادته.

(2) استدلّ المشهور بوجود المقتضي للقصاص، وهو إطلاقات أدلته، وعدم ما يدلّ على منع الإلصاق عنه.

وفيه : أن الإطلاق وإن كان موجوداً إلا أنّ التعليل في ذيل المعتبرة المتقدّمة يقيده في مفروض المسألة بموارد تحقق الشين، فإذا ارتفع الشين فلا مقتضي له.

فالنتيجة : هى أنّ الأظهر سقوط القصاص في المقام.

(3) وذلك لإطلاقات أدلّة الدية، مضافاً إلى أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(4) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب.

ويدلّ على ذلك - مضافاً إلى إطلاقات الكتاب والسنة خصوص صحيحة محمد بن قيس، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعور فقأ عين صحيح

لو قلع صحيح العينين العين الصحيحة من رجل أعور خلقةً أو بآفة

(مسألة 177) : لو قلع صحيح العينين العين الصحيحة من رجل أعور خلقة أو بآفة، كان المجني عليه بالخيار بين قلع إحدى عيني الصحيح وأخذ نصف الدية منه، وبين العفو وأخذ تمام الدية (1)، وأما لو كان أعور بجناية


«فقال: تفقأ عينه» قال : قلت : يبق أعمى ؟ «قال : الحق أعماه»(1).

وأما ما عن الشهيد الثاني في المسالك من أنّ سند الرواية غير نقي(2)، وتبعه على ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) ولكنّه قال : إنّ ضعفها منجبر بعمل المشهور (3)، فهو غريب، حيث إنّه ليس في سندها ما يوجب التوقف فيها إلا تخيّل أنّ محمّد بن قيس مشترك بين الثقة وغير الثقة. ولكن من الواضح أنّ المراد منه في سند هذه الرواية هو الثقة، وذلك - مضافاً إلى أنه المعروف والمشهور - لأجل أنّ رواية عاصم بن حميد عنه قرينة على أنّ المراد هو الثقة المعروف الذي روى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).

(1) وفاقاً للأكثر، وخلافاً لجماعة، منهم : المفيد والحلّي(4).

واستندوا في ذلك إلى الأصل، وإلى إطلاق قوله تعالى: «الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» (5).

وكلاهما مدفوع بصحيحة محمّد بن قيس، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعور أصيبت عينه الصحيحة ففقئت : أن تفقأ إحدى عيني صاحبه، ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية


1) الوسائل 29: 178/ أبواب قصاص الطرف ب 15 ح 1.

2) المسالك 2: 382 (حجري).

3) الجواهر 42: 367.

4) المقنعة 759، السرائر 3: 381.

5) المائدة 5: 45.

جان لم يكن للمجني عليه إلا قلع إحدى عيني الصحيح (1)..

لو أذهب ضوء عين آخر دون الحدقة

(مسألة 178) : لو أذهب ضوء عين آخر دون الحدقة، كان للمجني عليه الاقتصاص بمثل ذلك (2).


كاملة ويعفا عن عين صاحبه»(1).

وتؤيد ذلك رواية عبدالله بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته فقاً عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور «فقال : عليه الدية كاملة، فإن شاء الذي فُقِئت عينه أن يقتص من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم فعل، لأنّ له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص»(2).

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات بعض، وذلك لأن صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة لا إطلاق فيها، وإنما المحكيّ فيها قضاء علي (علیه السلام) في قضيّة شخصيّة.

ونتيجة ذلك : الاقتصار على القدر المتيقن والرجوع في غيره إلى إطلاق الآية المباركة : « وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ». وأما رواية عبدالله بن الحكم فهي ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها.

(2) من دون خلاف بين الفقهاء، وتدلّ عليه الآية الكريمة : « عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ» (3).


1) الوسائل 29: 180 / أبواب قصاص الطرف ب 17 ح 1، و 331/ أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح 2.

2) الوسائل 29: 331/ أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح 4.

3) البقرة 2: 194.

إن أمكن، وإلّا انتقل الأمر إلى الدية (1).

ثبوت القصاص في الحاجبين واللحية وشعر الرأس وما شاكل ذلك

(مسألة 179) يثبت القصاص فى الحاجبين واللحية وشعر الرأس وما شاكل ذلك (2).


ولكن لابد من كون القصاص بالمثل، فلو استلزم القصاص هنا تغريراً في عضو آخر أو في النفس أو بزيادة لم يجز.

وتؤيد ذلك رواية رفاعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إن عثمان (عمر) أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه، فأنزل الماء فيها، وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً، فقال له : أعطيك الدية، فأبى، قال: فأرسل بهما إلى عليّ (عليه السلام) وقال : احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتى أعطوه ديتين، قال : فقال : ليس أريد إلا القصاص، قال: فدعا علي (عليه السلام) بمرآة فحماها، ثم دعا بكرسف فبله ثم جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها، ثم استقبل بعينه عين الشمس، قال : وجاء بالمرآة فقال : أنظر، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر»(1).

نعم ما تضمنته الرواية من بيان الطريق للقصاص غير ثابت، لضعف الرواية سنداً أوّلاً، فإنّ فيه سليمان الدهان، وهو لم يثبت توثيقه ولا مدحه. ولأنها لا تدلّ على تعيّن هذا الطريق ثانياً، نظراً إلى أنها قضية في واقعة.

(1) لما تقدّم من أنّ في كلّ مورد لا يمكن الاقتصاص ينتقل الأمر إلى الدية، لأنّ حق امرئ مسلم لا يذهب هدراً.

(2) بیان ذلك : أن إزالة الشعر :


1) الوسائل 29: 173 / أبواب قصاص الطرف ب 11 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

تارةً تكون بزواله مجرّداً بلا إفساد للمحل.

وأخرى تكون مع إفساد المنبت.

فعلى الأوّل : يثبت القصاص بمقتضى إطلاق قوله تعالى: « عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ».

وأما رواية سلمة بن تمام قال: أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره، فاختصموا في ذلك إلى علي (عليه السلام) فأجله سنة، فجاء فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية (1).

فهي وإن دلّت على أن ذهاب الشعر بمجرّده لا يترتب عليه اثر، ولذلك أجل الإمام (عليه السلام) القضاء إلى سنة، إلا أنها نقلت بطريقين: أحدهما بطريق الشيخ، وفيه عدة مجاهيل. والآخر بطريق الصدوق وهي مرسلة، فإنّه رواها عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن سلمة بن تمام، ولا يمكن رواية محمد ابن الحسين عن سلمة بلا واسطة، فإنّ محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب من أصحاب الجواد (عليه السلام) وسلمة بن تمام من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، على أنه لا توثيق لسلمة بن تمام فالنتيجة : أنّ الرواية ضعيفة جداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

وعلى الثاني : - وهو ما إذا كانت الإزالة بإفساد المنبت : فإن أمكن فيه الاقتصاص بالمثل فللمجنى عليه ذلك بمقتضى إطلاق الآية الكريمة المتقدّمة. وأما إذا لم يمكن الاقتصاص بالمثل انتقل الأمر إلى الدية، لما تقدّم من أنّ في كلّ مورد لا يمكن فيه القصاص ينتقل الأمر فيه إلى الدية بمقتضى أنّ حق المسلم


1) الوسائل 29: 342/ أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح 3، التهذيب 262:10/ 1035، الفقيه 4: 380/112.

مع ثبوت القصاص في قطع الذكر، فهل هناك فرق بين الشاب والشيخ والأغلف والمختون ؟

(مسألة 180): يثبت القصاص في قطع الذكر، ولا فرق فيه بين ذكر الشاب والشيخ والأغلف والمختون وغير ذلك (1)، والمشهور أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ولكنّه لا يخلو عن إشكال، بل منع (2).


لا يذهب هدراً.

وعلى ذلك تحمل صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : قلت : الرجل يدخل الحمام فيصب عليه صاحب الحمام ماء حاراً فيمتعط شعر رأسه فلا ينبت «فقال : عليه الدية كاملة»(1).

حيث إنّه لا يمكن القصاص بالمثل عادةً في موردها. ويمكن حملها بمناسبة المورد على صورة الشبيه بالعمد التي فيها الدية ابتداءً.

(1) بلاخلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل في الجواهر نسب عدم الخلاف إلى غيرنا أيضاً إلّا من مالك(2).

ويدلّ عليه إطلاق قوله تعالى: « عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»، وقوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ».

وإطلاق معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللطمة - إلى أن قال : - وأما ما كان من جراحات في الجسد فإنّ فيها القصاص» الحديث (3).

(2) وجه الإشكال : ما تقدّم (4)في قصاص النفس فيما إذا قتل الكبير صغيراً


1) الوسائل 29: 341/ أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح 2.

2) الجواهر 42: 375.

3) الوسائل 29: 177/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 5.

4) في ص 84.

(مسألة 181) ذهب جماعة إلى أنّه لا يقاد الصحيح بذكر العنّين، وهو لا يخلو من إشكال، بل الظاهر ثبوت القصاص، وعدم الفرق بين الصحيح والمعيب (1).

ثبوت القصاص في الخصيتين وكذا في إحداهما

(مسألة 182) : يثبت القصاص في الخصيتين (2) وكذا في إحداهما، فإن قطعت اليمنى اقتص من اليمنى، وإن قطعت اليسرى فمن اليسرى (3).


من أنّ المشهور ثبوت القصاص.

ولكن قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير: «لا قود لمن لا يقاد منه»(1)يدلّ على عدم ثبوت القصاص فيما إذا كان المجني عليه صغيراً من دون فرق بين القتل وغيره من الجنايات، فإن تم إجماع، وإلا فالظاهر عدم ثبوت القصاص.

وبذلك يظهر الحال في قطع غير الذكر من الجنايات على الصغير.

(1) وذلك لإطلاق الأدلّة المتقدّمة، ولا موجب لتقييدها إلا قياس المقام باليد الشلاء.

وفيه - مضافاً إلى أنّه قياس لا نقول به - : أنك قد عرفت ثبوت القصاص في اليد الشلّاء أيضاً.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، وذلك للإطلاق وعدم وجود مقيّد في البين.

(3) وذلك لأجل تحقق المماثلة التي تقدّم اعتبارها (2).


1) الوسائل 29: 71/ أبواب القصاص في النفس ب 28 ح 1.

2) في ص 189.

ثبوت القصاص لو قطعت امرأة شفري الأخرى ووجوب الدية على الرجل لو قطعهما

(مسألة 183) : يثبت القصاص في قطع الشفرين (1)، فإن قطعت امرأة الشفرين من امرأة أخرى فلها الاقتصاص منها بالمثل (2)، وكذلك الحال إذا قطعت إحداهما (3)، وأما إذا قطعهما الرجل فلا قصاص وتجب عليه ديتهما (4)، كما أنها لو قطعت ذكر الرجل فلا قصاص وعليها الدية (5). نعم، لو قطع الرجل فرج امرأته وامتنع عن الدية وطالبت المرأة قطع ذكره قطع (6).


(1) بلا خلاف بيننا، لإطلاق الأدلة.

(2) لما عرفت من اعتبار المماثلة في الاقتصاص.

(3) وجهه ظاهر.

(4) أما عدم وجوب القصاص : فلعدم إمكانه، لفقد المماثلة.

وأما ثبوت الدية : فلما سبق من ثبوتها في كلّ مورد لا يمكن القصاص فيه، لأن حق المسلم لا يذهب هدراً.

(5) يظهر وجهه مما ذكرناه.

(6) تدلّ على ذلك معتبرة عبدالرحمن بن سيّابة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ في كتاب علي (عليه السلام): لو أنّ رجلاً قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها، وإن لم يؤد إليها الدية قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك» (1).

ولكن لا بدّ من الاقتصار على موردها الخاص، ولا يمكن التعدّي عنه إلى غيره.


1) الوسائل 29: 171/ أبواب قصاص الطرف ب 9 ح 2.

---------------------------------------------------------------------------------

ولا تعارضها صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قطع فرج امرأته، قال: أغرمه لها نصف الدية»(1).

فإن المراد بالدية في هذه الرواية دية الرجل، فإذن يكون نصفها تمام دية المرأة.

هذا، مضافاً إلى أنّ الرواية لم تثبت على النحو المذكور، وهي أجنبية عن محل الكلام بالكلّيّة، فإنّ الموجود فيها - على ما في الكافي والتهذيب والوافي -: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قطع ثدي امرأته»(2)، فما في الوسائل إمّا من غلط النسخة أو من سهو القلم، والله العالم.

وقال في الجواهر في بحث دية الشفرين : قال الصادق في خبر عبدالرحمان ابن سيابة :... وفي آخر رجل قطع فرج امرأته «قال: أغرمه نصف ديتها»، وهو محمول على قطع أحدهما كما أنّ الأوّل محمول على قطعهما معاً (3)، انتهى.

أقول : ما ذكره من الرواية لا وجود له، وإنما الموجود ما ذكرناه، وفيه نصف الدية لا نصف ديتها.


1) الوسائل 29: 171 / أبواب قصاص الطرف ب 9 ح 1.

2) الكافي 7: 314/ 17، التهذيب 10 : 252 / 998، الوافي 704:16.

3) الجواهر 43: 274.

عدم اعتبار التساوي بين العضو المقطوع وعضو الجاني

(مسألة 184) : لا يعتبر التساوي بين العضو المقطوع وعضو الجاني، فيقطع العضو الصحيح بالمجذوم وإن سقط منه شيء وتناثر لحمه، والأنف الشام بالعادم، والأذن الصحيحة بالصماء، والكبيرة بالصغيرة، والصحيحة بالمثقوبة أو المخرومة وما شاكل ذلك (1).

لو قطع بعض الأنف

(مسألة 185) : لو قطع بعض الأنف نسب المقطوع إلى أصله، ويؤخذ من الجاني بحسابه، فإن كان المقطوع نصف الأنف قطع من الجاني نصف أنفه، وإن كان أقلّ أو أكثر فكذلك بالنسبة (2).


(1) كلّ ذلك لإطلاق الدليل وعدم وجود مقيّد في البين، بل قلنا بذلك في اليد الشلّاء فضلاً عن المقام، مع أنّه لو لم نقل فيها لم نتعدّ منها إلى غيرها.

وبذلك يظهر أنه لا وجه لما عن القواعد وشرحها للاصبهاني من أنه لا يقطع العضو الصحيح بالمجذوم وإن لم يسقط منه شيء (1).

وجه الظهور : هو أنّه لا دليل على ماذكره بعد شمول الإطلاق للمقام.

(2) من النصف أو الثلث أو الربع أو أكثر أو أقلّ، وذلك لأنّ العبرة في أمثال الموارد إنما هي بالمماثلة بين العضوين - أي عضوي الجاني والمجني عليه - فإن قطع الجاني نصف عضو المجني عليه كنصف أنفه فله قطع نصف أنفه بالنسبة، ولا أثر للصغر والكبر في ذلك أصلاً، ونظير ذلك ما إذا قطع شخص اصبع آخر، قطعت اصبعه، بلا نظر إلى الصغر والكبر.

ولا وجه لما في الجواهر من التأمل في ذلك والمناقشة في صدق الاسم(2).


1) القواعد 3: 632، كشف اللثام 2: 471 (حجري).

2) الجواهر 42: 384.

ثبوت القصاص في السن

(مسألة 186) : يثبت القصاص في السنّ، فلو قلع سنّ شخص فله قلع سنه (1)، ولو عادت اتفاقاً كما كانت فهل يكون له القصاص، أو الدية ؟ فيه وجهان، الأقرب فيه القصاص (2).

حکم سنّ الصبي الذي لم يثغر

(مسألة 187) : لا قصاص في سنّ الصبي الذي لم يثغر إذا عادت وفيها الدية (3)،


(1) لإطلاق الآية الكريمة: «السِّنَّ بِالسِّنِّ».

(2) خلافاً للمشهور، بل في الجواهر : بلا خلاف محقق أجده فيه (1).

وعلى ذلك فإن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنه غير تام. فإذن المرجع هو إطلاق الآية الكريمة : «السِّنَّ بِالسِّنِّ».

وأما العود فلا يوجب سقوط القصاص، لأنه هبة جديدة من الله تعالى.

(3) أمّا عدم القصاص : فهو المعروف المشهور بين الأصحاب. وفي الجواهر : بلا خلاف أجده فيه (2)، بل في كلمات بعضهم دعوى الإجماع عليه، وذلك لانصراف إطلاق الآية الكريمة عن مثل ذلك نظراً إلى أن عودها يكشف عن أنّها ليست سنّاً أصليّة، بل هي فضلة، فلا تكون مشمولة له.

ويؤيد ذلك ما ورد من أنّ القصاص لأجل الشين، ولا شين في المقام.

ومرسلة جميل، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام): أنّه قال في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت «قال: ليس عليه قصاص،


1) الجواهر 42: 387.

2) الجواهر 42: 389.

وإن لم تعدّ أصلاً ففيها القصاص على المشهور (1)، وفيه إشكال، بل منع.


وعليه الأرش» (1).

وأما ثبوت الدية فلاطلاق الأدلة.

وأما ما هو المشهور بين الأصحاب - بل ادّعي عليه الإجماع - من أنّ الأمر في هذه الصورة الحكومة دون الدية، أي كما أنّه لا قصاص هنا لا دية أيضاً، مستدلاً على ذلك بمرسلة جميل.

ففيه : أنه إن تم الإجماع على ذلك فهو، ولكنّه غير تام، فإذن لا يمكن رفع اليد عن إطلاقات الأدلة. وأما مرسلة جميل فهي - مضافاً إلى ضعفها سنداً - لا تدلّ على الحكومة، وإنّما تدلّ على ثبوت الأرش الصادق على الدية أيضاً.

(1) بل في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً محققاً (2).

واستدل على ذلك بإطلاق الآية الكريمة : «السِّنَّ بِالسِّنِّ»، نظراً إلى أنّ عدم عودها يكشف عن أنّها كانت سنّاً أصلية، فتكون مشمولة له.

وأما ما ذهب إليه جماعة من أنّ في قلع سنّ الصبي الذي لم يثغر بعير مطلقاً، مستدلّين على ذلك بما رواه الشيخ بإسناده عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير» (3)، ومثلها رواية مسمع (4).


1) الوسائل 29: 337 / أبوات ديات الأعضاء ب 33 ح 1.

2) الجواهر 42: 390.

3) الوسائل 29: 338 / أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 3، التهذيب 10: 1033/261.

4) الوسائل 29: 338/ أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 2.

لو اقتص المجني عليه من الجاني وقلع سنّه ثم عادت

(مسألة 188): لو اقتص المجني عليه من الجاني وقلع سنه ثم عادت فليس له قلعها (1).


فلا يمكن المساعدة عليه :

أولاً : لضعفهما سنداً، فإنّ طريق الشيخ إلى النوفلي ضعيف بأبي المفضّل وابن بطة، ورواية مسمع بسهل بن زياد وابن شمون والأصم.

وثانياً : أنها لا تدلان على نفي القصاص في صورة عدم العود أصلاً، لأنهما ناظرتان إلى بيان الدية، ولا نظر لهما إلى القصاص لا نفياً ولا إثباتاً.

فإذن لا مناص من الالتزام بالتفصيل المذكور من ناحية، والتزام كون الدية في صورة العود أيضاً دية السنّ من ناحية أخرى.

هذا، ولكن قد تقدّم قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير «لا قود لمن لا يقاد منه»(1)، ومقتضاه عدم القصاص في الجناية على الصغير مطلقاً كما تقدّم في قطع ذكر الصغير (2)، فإن تم اجماع، ولكنه لا يتم، فالظاهر ثبوت الدية مطلقاً.

(1) وفاقاً لجماعة من الأعلام، منهم المحقق الأردبيلي (قدس سره)(3)، وذلك لأنه هبة جديدة من الله تعالى فلا صلة لها بالسنّ المقلوعة.

وما ورد من التعليل بأنّ القصاص لأجل الشين لا يشمل المقام، لأنه يختص


1) في ص 204.

2) في ص 204.

3) مجمع الفائدة والبرهان 14: 99.

هل يشترط التساوي في المحلّ والموضع في قصاص الأسنان؟

(مسألة 189) : المشهور اشتراط التساوي في المحل والموضع في قصاص الأسنان، ولكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه (1).


بما إذا أرجع العضو المقطوع إلى أصله والتحم، لا مثل المقام، لأنها مخلوق آخر قد وهبها الله تعالى له.

(1) وذلك لأنه إن تم إجماع على اعتبار التساوي في المحل والموضع فهو، ولكنّه غير تام، فإذن لا مانع من الرجوع إلى إطلاق قوله تعالى: «السِّنَّ بِالسِّنِّ»، غاية الأمر أنه نرفع اليد عن إطلاقه بالمقدار الذي يقتضيه مفهوم القصاص والاعتداء بالمثل، ومن المعلوم أنه لا يقتضي أزيد من التماثل بين السنين، وإن تغاير موضعهما ومحلّها، كما إذا كان التغاير بالعليا والسفلى، واليمنى واليسرى، فيجوز قلع الضرس بالضرس والناب بالناب وإن كان موضع إحداهما غير موضع الأخرى.

نعم، لا يجوز قلع الناب بالضرس وبالعكس، ولا قلع الناب بالثنية ونحو ذلك، لفقد المماثلة التي يقتضيها مفهوم القصاص.

فالنتيجة : أنه لا دليل على اعتبار التساوي في المحل والموضع، وإنما العبرة بما ذكرناه.

ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) من تقييد جواز القصاص بالسن مطلقاً بعدم المثل (1)لا وجه له، وذلك لأنا إن أخذنا بإطلاق الآية الكريمة فلا موجب للتقييد، وإن لم نأخذ به - كما هو الصحيح - لم يجز القصاص مع عدم المثل أيضاً.


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 118.

عدم قلع السن الأصلية بالزائدة

(مسألة 190) : لا تقلع السنّ الأصليّة بالزائدة (1). نعم، لا يبعد جواز قلع الزائدة بالزائدة حتى مع تغاير المحلّين (2)، وكذلك الحال في الأصابع الأصلية والزائدة (3).

اقتصاص كلّ عضو منه مع وجوده وأخذ الدية بدله مع فقده

(مسألة 191): كلّ عضو يقتص منه مع وجوده تؤخذ الدية بدله مع فقده، فإذا قطع من له اصبع واحدة اصبعين من شخص قطعت الاصبع الواحدة قصاصاً عن إحداهما وأخذت دية الأخرى، وكذلك الحال فيما إذا قلع عين شخص من لا عين له (4).


(1) وذلك لاعتبار المماثلة في القصاص كما عرفت والمفروض عدم المماثلة بين السنّ الأصليّة والزائدة، فلا يجوز قلعها بها، بل فيها الدية أو الأرش على ما سيأتى فى محلّه(1).

(2) وذلك لصدق المماثلة بينهما، ومن الواضح أن مفهوم القصاص لا يقتضي الاتحاد بينهما في المحلّ، وإنما يقتضي كونهما متماثلتين، وهو موجود. وعليه، فإن تم إجماع على اعتبار الاتحاد في المحل والموضع فهو، ولكنّه غير تام، فالأظهر ما ذكرناه.

(3) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(4) وذلك لأنّه - مضافاً إلى أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً - لا قصور في إطلاقات أدلّة الدية عن شمول مثل المقام الذي لا يمكن فيه الاقتصاص.


1) في ص 366.

لو قطع كفّاً تامة من ليس له أصابع أصلاً، أو ليس له بعضها

(مسألة 192) : ذهب جماعة إلى أنّه لو قطع كفاً تامة من ليس له أصابع أصلاً، أو ليس له بعضها قطعت كفّه وأخذت منه دية الناقص، وفيه إشكال، والأقرب عدم جواز أخذ الدية (1)، وأما إذا كان الناقص عضو المجني عليه،


(1) الحكم المذكور وإن ادّعى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه معللاً بأنه أقرب إلى المثل بعد تعذر الصورة (1)، إلّا أنّه لا دليل عليه، فإنّ الإجماع لم يتم، ولا يوجد دليل آخر.

هذا، وعن الشيخ في المبسوط التفصيل بين ما إذا أخذ القاطع دية أصابعه أو استحقها، وما إذا كانت أصابعه مفقودة خلقةً أو بآفة، فعلى الأوّل كان للمجني عليه أخذ دية الأصابع منه، وعلى الثاني لم يستحق شيئاً (2).

واختار هذا التفصيل ابن فهد في المهذب البارع والقاضي في الجواهر (3).

ومن الغريب أنهم استندوا في ذلك إلى رواية سورة بن كليب عن أبي عبدالله (علیه السلام)، قال : سُئِل عن رجل قتل رجلاً عمداً، وكان المقتول أقطع اليد اليمنى «فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه، أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدوا إلى أولياء قاتله دية يده التي قيد منها إن كان أخذ دية يده ويقتلوه، وإن شاءُوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي. قال : وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية


1) الخلاف 5: 193 - 194.

2) المبسوط 7: 79 - 80.

3) المهذب البارع 5: 228 - 229، جواهر الفقه : 215 - 216.

كما إذا قطعت يده الناقصة اصبعاً واحدة أو أكثر، فهل له قطع يد الجاني الكاملة أم لا ؟ فيه أقوال الظاهر أنّ له القطع من دون وجوب ردّ شيء علیه


كاملة. قال : وهكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام)» (1).

وجه الغرابة - مضافاً إلى ضعف الرواية سنداً، فإنّ سورة بن كليب الواقع في سند الرواية مردّد بين الأسدي الواقع في أسناد تفسير علي بن إبراهيم، الذي روى عن أبي جعفر (عليه السلام)، وبين النهدي الذي لم يثبت توثيقه ولا مدحه، ومضافاً إلى أنّ موردها جناية النفس دون الطرف، ولا نقول بالقياس - : أنّ الرواية أجنبية عن المسألة، فإنّ موردها نقصان يد المقتول دون القاتل، ومورد مسألتنا هذه نقصان يد الجاني باصبع أو أصابع.

فالنتيجة : أنّه لا دليل على هذا التفصيل، ولا نص في المسألة، فمقتضى أدلّة القصاص هو الاقتصار على قطع اليد.

(1) بيان ذلك : أن في المسألة أقوالاً :

منها : ما عن الفاضل في القواعد والشهيد الثاني في المسالك ومحكي التحرير من أنه لا تقطع يد الجاني، بل تقطع الأصابع منها بمقدار أصابع المجني عليه فحسب، وتؤخذ منه دية الكف حكومة (2).

ومنها ما عن ابن إدريس من عدم جواز القصاص لفقد المماثلة (3).


1) الوسائل 29: 111 / أبواب القصاص في النفس ب 50 ح 1.

2) القواعد 3: 633، المسالك 2: 384 (حجري)، التحرير 2: 258 (حجري).

3) السرائر 3: 416.

---------------------------------------------------------------------------------

ومنها : جواز القصاص بقطع اليد بعد ردّ دية الفاضل من الجاني.

وهذا القول هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه(1).

واستدلّ على هذا القول برواية الحسين بن العباس بن الجريش عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): «قال : قال أبو جعفر الأوّل (عليه السلام) لعبد الله بن عبّاس : يابن عبّاس، أنشدك الله، هل في حكم الله اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال : فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتى سقطت، فذهب وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده، فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع ؟ قال : أقول لهذا القاطع : أعطه دية كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وأبعث إليهما ذوى عدل، فقال له : قد جاء الاختلاف في حكم الله، ونقضت القول الأوّل، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض، اقطع يد قاطع الكف أصلاً، ثم أعطه دية الأصابع، هذا حكم الله» (2).

ويمكن الاستدلال على هذا القول أيضاً برواية سورة بن كليب المتقدمة.

والصحيح في المقام أن يقال:

أمّا القول الأول : فهو باطل جزماً، ضرورة أنّ الأمر في المقام يدور بين أمرين لا ثالث لهما : إمّا أن نقول بقطع يد الجاني، نظراً إلى إطلاقات أدلّة القصاص كتاباً وسنّةً، التي تدلّ على ذلك، من دون فرق بين اليد الكاملة والناقصة. وإمّا أن لا نقول بقطع يده، نظراً إلى أنّ اليد الكاملة لا تقطع بالناقصة. وأما قطع أصابعه فحسب وأخذ دية الكف بالحكومة فلا وجه له أصلاً.


1) الغنية 2 : 410.

2) الوسائل 29: 172/ أبواب قصاص الطرف ب 10 ح 1.

حكم ما لو قطع اصبع شخص وسرت الجناية إلى كفه اتفاقاً

(مسألة 193): المشهور أنّه لو قطع اصبع شخص، وسرت الجناية إلى كفّه اتفاقاً، ثبت القصاص فى الكفّ، وفيه إشكال، والأظهر عدم ثبوته (1)،


وأما القول الثاني: فأيضاً لا وجه له، فإنّ المماثلة إنما هي بين اليدين، والمفروض أنها موجودة، ولا دليل على اعتبار أزيد من صدق اليد. وعليه، فالإطلاقات محكمة، ولا أثر لوجود النقص في إحداهما باصبع أو أكثر دون الأخرى.

وأمّا القول الثالث : فهو وإن تم بالإضافة إلى القصاص، لما عرفت من أنّه مقتضى الإطلاقات، ولا دليل على التقييد، إلّا أنّه غير تام بالإضافة إلى وجوب رد دية الاصبع الفاضلة في الجاني، وذلك لأنّ الإجماع في المسألة غير متحقق.

وأما رواية الحسين بن العباس بن الجريش فهي ضعيفة سنداً، فإنّ في سندها سهل بن زياد، وهو لم يثبت توثيقه والحسين بن الجريش ضعيف جداً، على أنّ الرواية مقطوعة البطلان جزماً، فإن ابن العبّاس لم يدرك زمان أبي جعفر الأوّل (عليه السلام).

وأما رواية سورة بن كليب فقد عرفت أنها - مضافاً إلى ضعف سندها - واردة في جناية النفس دون جناية الطرف فلا يمكن قياس المقام بموردها.

فالنتيجة : هي ثبوت القصاص بمقتضى الإطلاقات وعدم وجوب ردّ شيء عليه.

(1) وذلك لما تقدّم من أنّ موضوع القصاص هو الجناية العمدية(1). والمفروض أنّ السراية لم تكن مقصودة وأنّ الجناية على الاصبع لم تكن مما يوجب السراية


1) في ص 3 و ص 151.

وإنما له قطع اصبع الجاني وأخذ دية الكفّ منه (1)، وأما إذا تعمّد السراية، أو كانت الجناية مما تسري عادةً، فليس له القصاص في الاصبع وأخذ دية الكفّ، بل هو بالخيار بين القصاص في تمام الكف وبين العفو وأخذ الدية مع التراضي (2).

وجوه في قطع اليد ومعها بعض الذراع

(مسألة 194) : لو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص، ولو قطع معها بعض الذراع فالمشهور أنّه يقتص من الكوع ويأخذ الدية من الزائد حكومة، ولكن لا وجه له بل الظاهر هو القصاص من بعض الذراع إن أمكن، وإلا فالمرجع هو الدية (3). كما أنّه لو قطع يده من المرفق اقتص


عادةً، فلم يثبت موضوع القصاص بالإضافة إلى الكفّ. فإذن لا وجه لما عن المشهور من أنّ السراية توجب القصاص مطلقاً وإن كانت اتفاقية.

(1) وفاقاً لما عن الشيخ في موضع من المبسوط(1)، فإنه إذا لم يثبت القصاص ثبتت الدية لا محالة، لأنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(2) لتحقق موضوع القصاص حينئذ. وعليه، فبطبيعة الحال يثبت حق القصاص للمجني عليه. وبما أنّ الجناية واحدة فهو مخيّر بين الاقتصاص والدية مع التراضي، وليس له التبعيض بالاقتصاص من الأصابع ومطالبة الدية بالإضافة إلى الكف.

(3) بيان ذلك: أنّ في المسألة وجوهاً :

الأوّل : أنه يقتص من الكوع، ويؤخذ من الزائد الدية حكومةً، وهذا هو


1) المبسوط 7: 80 - 81.

منها، وليس له الاقتصاص من الكوع، وأخذ الأرش في الزائد، وكذا الحال إذا قطعت من فوق المرفق (1).

لو كانت للقاطع اصبع زائدة، وللمقطوع كذلك

(مسألة 195): لو كانت للقاطع اصبع زائدة، وللمقطوع كذلك، ثبت القصاص (3)،


المشهور والمعروف بين الأصحاب، بل ادّعي عدم الخلاف فيه.

الثاني : ما عن أبي علي من أنّ للمجني عليه - والحال هذه - القصاص من المرفق بعد ردّ فاضل الدية (1).

الثالث : ثبوت الدية عند تعذر القصاص من الذراع، وهذا الوجه هو الصحيح. وذلك لأنّ الجناية في المقام واحدة فالثابت فيها هو القصاص عند التمكّن منه، وأمّا عند التعذّر فلا دليل على الاقتصاص من الكوع المغاير للجناية وأخذ الدية على الزائدة حكومةً، فإن تم إجماع على ذلك فهو، ولكنّه غير تام، فإذن لا يمكن الالتزام به وعليه، فبطبيعة الحال ينتقل الأمر إلى الدية، لأن حق المسلم لا يذهب هدراً.

وأما ما عن أبي علي فلا وجه له أصلاً، لما عرفت من أنه لا يجوز الاقتصاص بالزائد على مقدار الجناية.

فالنتيجة : ثبوت القصاص إن أمكن، وإلا فالدية.

(2) ظهر الحال في كل ذلك مما تقدّم.

(3) بلا خلاف ولا إشكال، للتساوي وعموم أدلّة القصاص.


1) حكاه في الجواهر 401:42.

بل لا يبعد ذلك فيما إذا كانت الزائدة في الجاني فقط (1)، وأما إذا كانت في المجني عليه فقط فالمشهور أنّ له الاقتصاص وأخذ دية الزائد وهي ثلث دية الأصلية. وفيه إشكال، والأقرب عدمه.


(1) خلافاً للمشهور، حيث ذهبوا إلى أنّ القصاص - والحال هذه - إنما يثبت في الأصابع الأصلية دون الزائدة، لأنها أزيد من الحق، فلا حق للمجني عليه فيها، ودون الكفّ أيضاً، لاستلزام القصاص فيها التغرير بها وهو غير جائز، ولكن الظاهر هو ثبوت القصاص من الكفّ، لإطلاق أدلّة القصاص.

وما ذكر من التعليل لا يصلح أن يكون مقيداً لها، فإنه وإن لم يتعلّق للمجني عليه حق بالزائدة إلّا أنّ حقه تعلّق بالكفّ، وله قطعها، ومعه لا حكم للزائدة.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو لم يجز الاقتصاص من الكفّ انتقل الأمر إلى الدية دون قطع الأصابع وأخذ الدية من الكفّ حكومةً، فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، فإنّ الجناية واحدة وحكمها القصاص في صورة الإمكان، وإلا فالدية. والانتقال إلى موضع آخر لا وجه له أصلاً، والاجماع غير موجود في المقام.

(2) وجه الاشكال هو : أنّ هذا الحكم وإن كان مشهوراً ومعروفاً بين الأصحاب، بل ادّعي عدم الخلاف فيه، إلّا أنّه لا دليل عليه، فإن تم إجماع عليه فهو، ولكنّه غير تام، فإذن مقتضى الإطلاقات أن اليد تقطع باليد ومعه لا حكم للزائدة. ومن هنا قال الأردبيلي (قدس سره): ويحتمل إسقاطها، لأنها لحمة زائدة لا عوض لها كالسمن في يد المجني عليه دون الجاني أو بالعكس(1).


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 120.

حكم ما لو قطع يمين شخص، فبذل الجاني شماله فقطعت

(مسألة 196): لو قطع يمين شخص، فبذل الجاني شماله فقطعها المجني عليه جاهلاً بالحال، فالظاهر عدم سقوط القصاص عنه فللمجني عليه أن يقطع يده اليمنى (1). نعم، إذا كان القطع معرضاً للسراية مع وجود الجرح في اليسرى لم يجز حتى يندمل الجرح فيها (2)، ثمّ إنّ الجاني إذا كان قد تعمد ذلك، وكان يعلم أن قطع اليسرى لا يجزئ عن قطع اليمني، فلا دية له (3)، وإلّا فله الدية (4)،


(1) خلافاً للشيخ في المبسوط، حيث قال : إنّ مقتضى مذهبنا سقوط القود والقصاص، لإطلاق صدق اليد باليد (1).

وفيه : أنه قد تقدّم اعتبار المماثلة في مفهوم القصاص (2)، وأنّ اليد اليسرى لا تكفي عن اليد اليمنى مع وجودها. والإطلاق قد قيّد بذلك، أي بما يقتضيه مفهوم القصاص.

فالنتيجة : أنّ للمجنى عليه أن يقطع يده اليمنى.

(2) وذلك لأن القطع إذا كان موجباً لتعريض النفس للهلاك لم يجز كما تقدّم (3).

(3) وذلك لأنه أقدم على ذلك عالماً عامداً مع جهل المجني عليه بالحال، فلا محالة يكون المجني عليه مغروراً، فلا ضمان عليه.

(4) وذلك لأن المجني عليه في هذا الفرض وإن كان جاهلاً إلا أنه لا يكون مغروراً، لفرض أنّ الجاني أيضاً جاهل، فإذا لم يكن مغروراً من قبله لزمته


1) الوسائل 29: 174/ أبواب قصاص الطرف ب 12 ح 2.

2) في ص 189.

3) في ص 192.

وإذا كان المجني عليه عالماً بالحال ومع ذلك قطعها فالظاهر أنّ عليه القود مطلقاً (1).

لو قطع يد رجل فمات، وادّعى الولي الموت بالسراية، وأنكره الجاني

(مسألة 197) لو قطع يد رجل فمات، وادّعى الولي الموت بالسراية، وانكره الجاني، فالقول قول الجاني (2)، ومثله ما إذا قدّ الملفوف في الكساء نصفين فادعى الوليّ أنّه كان حيّاً وادّعى الجاني أنه كان ميتاً مع احتمال صدقه عادةً (3).


الدية، لأنه يدخل في الجناية الشبيهة بالعمد.

(1) أما في صورة جهل الجاني بالحال: فالأمر واضح، لأنه يدخل في الجناية عمداً وعدواناً، التي هي موضوع القصاص.

وأمّا في صورة علمه بالحال: فالأمر أيضاً كذلك، وذلك لأن المجني عليه - مع فرض علمه بأنّ هذه يساره ولا يجوز له قطعها - إذا أقدم عليه وقطعها دخل ذلك في القطع عمداً وعدواناً، الذي هو الموضوع للقصاص كما عرفت.

(2) وذلك لأن استناد الموت إلى السراية أمر حادث، فعلى من يدعي ذلك الإثبات، فإن أثبته شرعاً فهو، وإلا فالقول قول من ينكر ذلك مع الحلف.

(3) فإنّ على الولي إثبات أنه كان حيّاً إلى زمان قده نصفين شرعاً، واستصحاب حياته إلى هذا الزمان لا يجدي، لأنه لا يثبت استناد موته إلى قده نصفين إلا على القول بالأصل المثبت، ولا نقول به. فإذن القول قوله الجاني مع يمينه.

لو قطع اصبع رجل عمداً فعفا المجنى عليه

(مسألة 198): لو قطع اصبع شخص من يده اليمنى - مثلاً - ثم قطع تمام اليد اليمنى من شخص آخر، ثبت القصاص عليه لكل منهما (1)، فإن اقتص الثاني ألزم الأوّل بدية الاصبع (2)، وإن اقتص الأوّل منه بقطع اصبعه قطع الثاني يده، وليس له أن يرجع إليه بدية الاصبع كما تقدّم.

(مسألة 199) : إذا قطع اصبع رجل عمداً فعفا المجني عليه قبل الاندمال أو بعده سقط القصاص ولا دية أيضاً (3)، ولو قطع اصبعه خطأ أو شبيهاً بالعمد فعفا المجني عليه عن الدية سقطت (4)، ولو عفا عن الجناية ثم سرت إلى الكفّ سقط القصاص في الاصبع (5)، وأما في الكف فإن كانت السراية مقصودة للجاني، أو كانت تلك الجناية مما تؤدي إلى السراية غالباً وإن لم


(1) وذلك لتحقق موضوع القصاص بالإضافة إلى كلتا الجنايتين، فلكل من المجني عليهما حق الاقتصاص من الجاني.

(2) وذلك لعدم إمكان القصاص بانتفاء موضوعه، فبطبيعة الحال ينتقل الأمر إلى الدية، لما دلّ على ثبوت الدية في قطع الاصبع، وما دلّ على أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(3) بلا خلاف ولا إشكال، وذلك لأنّ القصاص - على الفرض - حق ثابت له، فعفوه يكون من أهله وفي محلّه فلا محالة يوجب سقوطه، وأما الدية فلأنها لا تثبت في الجناية العمدية إلا مع التراضي والمصالحة، والمفروض عدمه، فإذن لا مقتضى لثبوتها.

(4) لأنه إسقاط حق ثابت عند الإبراء، فلا محالة يسقط.

(5) لما عرفت من أنّ العفو عن القصاص يوجب سقوطه.

تكن مقصودة، ثبت القصاص في اليد (1)، وأما إذا كانت غير مقصودة وكانت السراية اتفاقية ثبتت الدية دون القصاص، وكذلك الحال إذا سرت إلى النفس (2).

لو عفا المجني عليه عن قصاص النفس

(مسألة 200) : لو عفا المجني عليه عن قصاص النفس لم يسقط (3)، وكذا لو أسقط دية النفس لم تسقط (4).

لو اقتص من الجاني فسرت الجناية اتفاقاً وبغير قصد إلى عضو آخر

(مسألة 201) : إذا اقتص من الجاني فسرت الجناية اتفاقاً وبغير قصد إلى عضو آخر منه أو إلى نفسه، فلا ضمان ولا دية (5).


(1) وذلك لأنّه يدخل في الجناية على اليد عمداً وعدواناً، فبطبيعة الحال توجب القصاص، والمفروض أنّ المجني عليه لم يسقط حقه بعد ثبوته.

(2) لأنّ ذلك داخل في الجناية الشبيهة بالعمد.

(3) لأنّ القصاص حق للولي دون المجني عليه، فلا أثر لإسقاطه.

(4) لأنّ الدية إنما تثبت بعد الموت لا قبله، فإذن إسقاطها قبله إسقاط لما لم يجب، ولا أثر له.

(5) وذلك لعدة روايات :

منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة» (1).


1) الوسائل 29: 65/ أبواب القصاص في النفس ب 24 ح 8.

هل يلحق حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومشاهد الأئمة (عليهم السلام) بحرم الله تعالى في عدم الاقتصاص من الجاني عمداً إذا التجأ إليه ؟

(مسألة 202) : لا يقتص من الجاني عمداً إذا التجأ إلى حرم الله تعالى، ولكن يضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيقتص منه (1)، ولو جنى في الحرم جناية اقتص منه


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد.

وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً في الحلّ ثم دخل الحرم «فقال : لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولايؤوى حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحدّ» قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال : يقام عليه الحدّ في الحرم صاغراً، لأنه لم يَرَ للحرم حرمة، وقد قال الله عزّ وجلّ: « فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ» (1)فقال : هذا هو في الحرم، وقال : لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» (2).

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: « وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا» (3)«قال : إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فرّ إلى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلّم، فإنّه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ. وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحدّ في الحرم، لأنّه لم يَرَع للحرم حرمة» (4).


1) البقرة 2: 194.

2) الوسائل 13: 225 / أبواب مقدّمات الطواف ب 14 ح 1.

3) البقرة 2: 193.

4) الوسائل 13: 226 / أبواب مقدمات الطواف ب 14 ح 2.

فيه (1)، ولا يلحق به حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومشاهد الأئمة (عليهم السلام) (2).


ومنها : صحيحة حفص بن البختري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل الذي يجني الجناية في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم، أيقام عليه الحد؟ «قال : لا، ولا يطعم ولا يسقی ولا يكلّم ولا يبايع، فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد. وإذا جنى في الحرم جنايةً أقيم عليه الحدّ في الحرم، لأنه لم ير للحرم حرمة» (1).

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحة معاوية ابن عمار المتقدّمة وغيرها.

(2) خلافاً لجماعة، منهم: الشيخان والمهذب وابن إدريس في السرائر والعلّامة في التحرير (2).

واستحسن المحقق في النكت الإلحاق، وعلّل ذلك بزيادة شرفها على الحرم (3).

بل ظاهر التحرير أنّ المشهد هو البلد (4)، فضلاً عن الصحن الشريف والروضة المنوّرة.

وفيه: أنّ الأمر وإن كان كذلك إلّا أنّ ذلك لا يوجب ثبوت أحكام الحرم


1) الوسائل 13 : 227 / أبواب مقدمات الطواف ب 14 ح 5.

2) المقنعة : 744، النهاية : 756، المهذب : 516، السرائر 3: 363 - 364، التحرير 2 : 268 (حجري).

3) النهاية ونكتها 3: 405.

4) التحرير 2: 268 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

للمشاهد المشرّفة، لوضوح أنّ ثبوت الحكم تابع للدليل، وبما أنّ الدليل خاص بالحرم فلا يمكن إثباته للمشاهد المشرّفة، فإنّه بلا دليل، والمفروض أنا لا نعلم أنّ ملاك ثبوت حرمة الحرم فحسب.

هذا تمام كتاب القصاص، ويتلوه كتاب الديات إن شاء الله تعالى.

والحمد لله أوّلاً وآخراً.

كتاب الديات

كتاب الديات

معنى الدية

الدية : هي المال المفروض في الجناية على النفس أو الطرف أو الجرح أو نحو ذلك.

موارد ثبوت الدية

(مسألة 203) : تثبت الدية في موارد الخطأ المحض أو الشبيه بالعمد أو فيما لا يكون القصاص فيه أو لا يمكن، وأما ما ثبت فيه القصاص بلا ردّ شيء فلا تثبت فيه الدية إلّا بالتراضي والتصالح، سواء أكان في النفس أم كان في غيرها (1)، وقد تقدّم حكم ما يستلزم القصاص فيه الرد.


(1) أما في النفس فلما تقدّم في كتاب القصاص بشكل موسع.

وأمّا في غير النفس فتدلّ عليه - مضافاً إلى أن الحكم فيه متسالم عليه بين الأصحاب وأنه لا فرق في ذلك بين النفس وغيرها - صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن السن والذراع يكسران عمداً لهما أرش أو قود ؟ «فقال : قود» قال : قلت : فإن أضعفوا الدية ؟ «قال: إن أرضوه بما شاء فهو له» (1).


1) الوسائل 29: 176/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 4.

دية قتل المسلم متعمّداً وأصنافها

(مسألة 204) : دية قتل المسلم متعمداً مائة بعير فحل من مسان الإبل، أو مائتا بقرة أو ألف دينار - وكل دينار يساوي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي من الذهب المسكوك - أو ألف شاة أو عشرة آلاف درهم (1) - وكلّ درهم يساوي 6/ 12 حمصة من الفضة المسكوكة


ومعتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد أنّ فيها القصاص، أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» (1).

وتؤيد ذلك رواية الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت: ما تقول في العمد والخطأ في القتل والجراحات؟ قال: «فقال : ليس الخطأ مثل العمد، العمد فيه القتل والجراحات فيها القصاص، والخطأ في القتل والجراحات فيها الديات الحديث (2).

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه.

وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنية، وعلى أهذ الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل اليمن الحلل مائتي حلّة. قال عبد الرحمن بن الحجاج فسألت أبا عبدالله


1) الوسائل 29: 176/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 3.

2) الوسائل 29: 175/ أبواب قصاص الطرف ب 13 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

(عليه السلام) عما روى ابن أبي ليلى «فقال : كان علي (عليه السلام) يقول: الدية ألف دينار، وقيمة الدينار عشرة دراهم وعشرة آلاف لأهل الأمصار، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل ولأهل السواد مائة بقرة أو ألف شاة» (1).

وروى ابن أبي عمير في الصحيح عن جميل بن درّاج، في الدية، قال: ألف دينار أو عشرة آلاف درهم، ويؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، ومن أصحاب الإبل الإبل، ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر » (2).

ثم إنّ هاتين الروايتين ظاهرتان في التخيير بين هذه الأمور، ولا تدلان على تعيّن كلّ واحد منها على أهله، وذلك لأنّ الظاهر هو أنهما في مقام بيان الإرفاق والتسهيل لهم، لا في مقام تعيين ذلك.

ثم إن في صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما (عليهما السلام) في الدية «قال: هي مائة من الإبل وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك» (3).

لكن هذه الرواية بظاهرها مخالفة للروايات المستفيضة المشهورة ولم يوجد بها عامل، فلابد من طرحها أو تأويلها.

بقي هنا أمور:

الأول : أنّه قد ورد في روايات ثلاث: أن قيمة كل بعير عشرون غنماً :

منها : صحيحة ابن سنان قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في حديث: «إنّ الدية مائة من الإبل، وقيمة كلّ بعير من الورق مائة وعشرون


1) الوسائل 29: 193/ أبواب ديات النفس ب 1 ح 1. وفي الكافي 7: 1/280 والتهذيب 10 : 160 / 640 والاستبصار 4 : 975/259 «ولأهل السواد مائتا بقرة».

2) الوسائل 29: 195 / أبواب ديات النفس ب 1 ح 4.

3) الوسائل 29 : 201 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 7.

---------------------------------------------------------------------------------

درهماً، أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كلّ ناب من الإبل عشرون شاة»(1).

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن دية العمد «فقال: مائة من فحولة الإبل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم» (2).

ومنها : معتبرة أبي بصير، قال: سألته عن دية العمد الذي يقتل الرجل عمداً، قال: «فقال: مائة من فحولة الإبل المسان فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم»(3).

أقول : هذه الروايات - مضافاً إلى أنها لا عامل بها، وأنّ مضمونها مقطوع البطلان، حيث إنّه ليس قيمة كلّ بعير عشرون شاةً - معارضة بما دلّ على أنّ الدية ألف شاة، فتحمل على التقيّة، لموافقتها للعامة على ما في المغني (4).

الثاني : أنّ الظاهر من الروايتين الأخيرتين المتقدمتين وإن كان هو الترتيب بين الإبل والشاة إلّا أنّه لا قائل به من الأصحاب، بل المتسالم عليه بينهم عدم اعتباره، ولأجل ذلك لا بد من طرحها، لأنها روايتان شادتان.

الثالث : أنّه قد ورد في صحيحة عبدالله بن سنان: أنّ الدية إذا كانت من الدراهم كانت اثني عشر ألف درهم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه، إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً» الحديث (5).


1) الوسائل 29: 194/ أبواب ديات النفس ب 1 ح 3.

2) الوسائل 29: 200 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 2.

3) الوسائل 29 : 200 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 3.

4) انظر المغني 9: 403 و 508.

5) الوسائل 29: 196 / أبواب ديات النفس ب 1 ح 9.

فعشرة دراهم تساوي خمسة مثاقيل صيرفية وربع المثقال - أو مائتا حلّة (1) وكلّ حلّة ثوبان (2).


وفي صحيحة عبيد الله بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: الدية ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم» الحديث (1).

أقول : أنه لا بد من رفع اليد عنهما، فإنهما - مضافاً إلى عدم عامل بهما منا - محمولتان على التقية، لمعارضتهما بما دلّ على أنها إن كانت من الدراهم كانت عشرة آلاف درهم وموافقتهما للعامة.

(1) العمدة في كون مائتي حلّة من أفراد الدية هو الإجماع والتسالم المقطوع به بين الأصحاب، وإلا فهو لم يرد إلا في صحيحة ابن أبي عمير عن جميل وصحيحة ابن الحجاج المتقدّمتين، ولا يمكن إثبات ذلك بهما، فإنّ الأولى منهما موقوفة ولم يرو جميل ذلك عن الإمام (عليه السلام)، وأما الثانية فإن ابن الحجاج لم يرو ذلك عن الإمام، وإنما رواه عن ابن أبي ليلى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مرسلاً، ولا عبرة بمسانيد ابن أبي ليلى فضلاً عن مراسیله.

نعم، لا بأس بكون الصحيحتين مؤيّدتين للحكم.

(2) على ما نص عليه أكثر الأصحاب وأهل اللغة، بل صرّح في الجواهر بأنّ الحكم مفروغ عنه (2). وكيف كان، فالأمر كذلك، فإنّ تفسير معظم أهل اللغة إيّاها بالثوبين يوجب الاطمئنان بذلك.


1) الوسائل 29 : 197 / أبواب ديات النفس ب 1 ح 10.

2) جواهر الكلام 43: 9.

وقيل : لا بد أن يكون من أبراد اليمن، وهو غير ثابت (1).

مدة استيفاء دية العمد واختيار الجاني بين الأصناف المذكورة

(مسألة 205): تستوفى دية العمد في سنة واحدة (2) من مال الجاني، ويتخيّر الجاني بين الأصناف المذكورة، فله اختيار أي صنف شاء وإن كان أقلّها قيمةً، وهو عشرة آلاف درهم أو مأتا حلّة في زماننا هذا، وليس لوليّ المقتول إجباره على صنف خاص من الأصناف المذكورة (3).

دية شبه العمد

(مسألة 206): دية شبه العمد أيضاً أحد الأمور الستة (4)


(1) قد صرّح الشهيد الأوّل والمحقق والعلّامة (قدس أسرارهم) بتقييد الحلة ببرود اليمن (1). ولكنّه غير ثابت لعدم الدليل على ذلك بعد صدقها على غيرها أيضاً.

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان علي (عليه السلام) يقول : تُستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتُستأدى دية العمد في سنة»(2).

(3) من دون خلاف بين الفقهاء، وتدلّ على ذلك عدة روايات تقدّم بعضها، وما دلّ على الترتيب قد عرفت حاله.

فالنتيجة : هي تخيّر الجاني بين الأصناف المذكورة، وليس لولي المقتول إلزامه بصنف خاص منها.

(4) فإنّ الدية أحد هذه الأمور في القتل مطلقاً، بلا فرق بين كونه عمداً أو خطأ.


1) اللمعة 10: 176، الشرائع 4 : 251، القواعد 3: 666.

2) الوسائل 29: 205/ أبواب ديات النفس ب 4 ح 1.

وهي على الجاني نفسه (1). إلّا أنّه إذا اختار تأديتها من الإبل اعتبر أن تكون


(1) بلا خلاف بين الفقهاء، بل ادعي في كلمات غير واحد الإجماع على ذلك.

نعم، عن الحلبي : أنها على العاقلة (1).

والصحيح هو القول الأول.

والوجه في ذلك : هو أن مقتضى إطلاق الآية الكريمة : « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ...» (2).

وإطلاق صحيحة زرارة، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأ في أشهر الحرم «فقال : عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرام» الحديث (3).

هو أن الدية في القتل الخطائي أيضاً على القاتل وإن كان خطأ محضاً، غاية الأمر أنها تحمل على العاقلة فى الخطأ المحض على ما دلّت عليه عدة روايات، مثل قوله (عليه السلام) «عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (4)، وقوله (عليه السلام): «والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته»(5)، ونحو ذلك من الروايات، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّه قد ورد في عدة روايات في أبواب متفرقة : أنّ الدية في القتل أو الجناية الشبيهة بالعدم على الجاني نفسه :


1) حكاه في الجواهر 20:43.

2) النساء 4: 92.

3) الوسائل 29: 204 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 4.

4) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

5) الوسائل 29: 399/ أبواب العاقلة ب 10 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

منها : صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله «قال : الدية على الذي دفع - إلى أن قال : - وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً»(1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره و تعقر دابته رجلاً آخر «قال: هو ضامن لما كان من شيء»(2).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها «قال : عليه الإجراء عليها ما دامت حية»(3).

ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام): «أن علياً (عليه السلام) كان يقول: من وطئ امرأة من قبل أن يتم لها تسع سنين فأعنف ضمن» (4).

ومنها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنّه سُئِل عن رجل أعنف على امرأته، فزعم أنها ماتت من عنفه «قال : الدية كاملة ولا يقتل الرجل» (5).

ومنها : معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنّه قال: «لا قود لامرأة أصابها زوجها فعيبت، وغرم العيب على زوجها، ولا قصاص عليه» وقضى في امرأة ركبها زوجها فأعفلها : «أنّ لها نصف ديتها: مائتان وخمسون ديناراً» (6).


1) الوسائل 29: 57 / أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 1.

2) الوسائل 29: 58/ أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 2.

3) الوسائل 29: 282 / أبواب موجبات الضمان ب 44 ح 2.

4) الوسائل 29: 282 / أبواب موجبات الضمان ب 44 ح 4.

5) الوسائل 29: 269/ أبواب موجبات الضمان ب 31 ح 1.

6) الوسائل 29: 269 / أبواب موجبات الضمان ب 31 ح 3.

تكون على الأوصاف التالية : أربعون منها خلفة من بين ثنية إلى بازل عامها، وثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون (1).


ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو له ضامن»(1).

ومنها معتبرته الثانية عن جعفر عن أبيه: «أن علياً (عليه السلام) ضمن ختاناً قطع حشفة غلام»(2).

وتؤيد ذلك مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إن ضرب رجل رجلاً بعصاً أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل» الحديث (3).

(1) خلافاً لجماعة، منهم : المحقق في الشرائع (4)، فإنهم ذهبوا إلى أن ديّة شبيه العمد إذا اختار الجاني الإبل ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية، كلها طروقة الفحل.

واستدل على ذلك برواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية الخطأ إذا لم يرد الرجل القتل - إلى أن قال : - وقال : دية المغلّظة التي تشبه العمد وليست بعمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الإبل ثلاثة وثلاثون حقة،


1) الوسائل 29: 260 / أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 1.

2) الوسائل 29 : 260 / أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 2.

3) الوسائل 29: 37/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 5.

4) انظر الشرائع 4: 251.

---------------------------------------------------------------------------------

وثلاثة وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية، كلّها طروقة الفحل» الحديث (1).

وبرواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال : والخطأ مائة من الإبل أو ألف من الغنم - إلى أن قال : - والدية المغلّظة في الخطأ الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر والعصا الضربة والاثنتين فلا يريد قتله فهي أثلاث : ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية، كلّها خلفة من طروقة الفحل» الحديث (2).

أقول : الروايتان بما أنهما ضعيفتان سنداً - حيث إنّ في سند الأولى علي بن أبي حمزة وهو البطائني الضعيف، وفي سند الثانية محمد بن سنان، وهو لم يثبت توثيقه ولا مدحه - لا يمكن الاستدلال بهما على حكم شرعي أصلاً.

هذا، وقد يتوهم جواز الاستدلال على هذا القول بما في صحيحة محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما (عليهما السلام)، في الدية «قال: هي مائة من الإبل» - إلى أن قال : قال ابن أبي عمير : فقلت لجميل: هل للإبل أسنان معروفة ؟ فقال: نعم ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلّها خلفة إلى بازل عامها، الحديث (3).

ولكنّه يندفع مضافاً إلى أنّ ذلك لم يرد في دية الشبيه بالعمد، وإنّما ورد في الدية مطلقاً، وخصها على بن حديد بدية الخطأ على ما يأتي(4)- بأنّ هذا التحديد من جميل ولم ينسبه إلى معصوم، فلا حجّية فيه.

وعن النهاية والقواعد واللمعة والنافع والروضة وغيرها: أن الدية ثلاث


1) الوسائل 29: 200 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 4.

2) الوسائل 29: 198 / أبواب ديات النفس ب 1 ح 13.

3) الوسائل 29: 201 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 7.

4) في ص 245.

---------------------------------------------------------------------------------

وثلاثون بنت لبون، وثلاث وثلاثون حقة، وأربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل(1). بل عن الخلاف : دعوى إجماع الفرقة وأخبارها عليه (2). وفي النافع: أنّه أشهر الروايتين، وفي المفاتيح. أنه المشهور وبه روايتان(3).

أقول : الظاهر أنّه لم يرد ذلك في شيء من الروايات، فإنّ الوارد في روايتي أبي بصير والعلاء بن الفضيل المتقدّمتين : ثلاث وثلاثون جذعة، وليس في المقام إلا هاتان الروايتان، كما اعترف بذلك جماعة، منهم : أبو العباس والاصبهاني والمقدّس الأردبيلي وصاحب الجواهر (قدس الله أسرارهم)(4).

فالنتيجة : أنه لم يثبت شيء من هذين القولين، والصحيح هو ما اخترناه، وفاقاً للمحكي عن أبي علي والمقنع والجامع والمقتصر والغنية والتحرير(5).

وتدلّ على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطأ شبه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر، أنّ دية ذلك تغلّظ، وهي مائة من الإبل : منها أربعون خلفة من بين ثنيّة إلى بازل عامها، وثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون» الحديث (6).

بقي هنا روايتان:


1) النهاية : 738، القواعد 3: 667، اللمعة 10: 177، المختصر النافع: 302، الروضة 10: 177 – 179.

2) الخلاف 5: 5/221.

3) المختصر النافع : 302.

4) المهذب البارع 5: 242، كشف اللثام 2: 495، (حجري)، مجمع الفائدة والبرهان 14: 314، الجواهر 43: 17 - 20.

5) حكاه في مفتاح الكرامة 359:10 (حجري)، وراجع المقنع : 514، الجامع للشرائع : 573، المقتصر : 438 الغنية 2 : 412، التحرير 2: 268.

6) الوسائل 29: 199/ أبواب ديات النفس ب 2 ح 1.

مدة استيفاء دية شبه العمد

(مسألة 207) : المشهور بين الأصحاب أنّ دية شبه العمد تستوفى في سنتين، ولكن لا دليل عليه، بل الظاهر أنها تستوفى في ثلاث سنوات (1).


الأولى: صحيحة المعلّى أبي عثمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال: وفي شبيه العمد المغلظة ثلاث وثلاثون حقة، وأربع وثلاثون جذعة، وثلاث وثلاثون ثنيّة خلفة طروقة الفحل» الحديث (1).

والثانية : رواية عبدالرحمن عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان علي (عليه السلام) يقول - إلى أن قال : - وقال في شبه العمد ثلاث وثلاثون جذعة وثلاث وثلاثون ثنيّة إلى بازل عامها كلّها خلفة، وأربع وثلاثون ثنية»(2).

وهاتان الروايتان لم نجد عاملاً بهما من الأصحاب، على أنّ الثانية مرسلة.

(1) بيان ذلك : أنّ في المسألة أقوالاً :

الأول : ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من أنها تستوفى في سنتين (3).

الثاني: ما عن ابن حمزة من أنّها تؤدّى في سنة إن كان موسراً، وإلا في سنتين (4).

الثالث : أنّها تؤدّى إلى ثلاث سنين (5).


1) الوسائل 29: 202/ أبواب ديات النفس ب 2 ح 9.

2) الوسائل 29 : 202 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 10.

3) المقنعة : 736، المبسوط 7: 115، الغنية 2 : 413، القواعد 3: 667، الجواهر 22:43.

4) الوسيلة : 441.

5) ابن قدامة في المغني 9: 492 / 6781، القفال في حلية العلماء 7: 538.

لو هرب القاتل فيما يشبه العمد فلم يقدر عليه أو مات

(مسألة 208): إذا هرب القاتل فيما يشبه العمد فلم يقدر عليه أو مات، أخذت الدية من ماله فإن لم يكن له مال فالدية على الأقرب فالأقرب إليه (1).


أقول : أمّا القول الأوّل: فهو وإن كان مشهوراً بينهم إلّا أنّه لا دليل عليه أصلاً، والإجماع المدعى من الشيخ في المبسوط غير تام (1).

وما قيل في وجه ذلك منأنّ فيه تخفيفاً بالإضافة إلى العمد وتغليظاً بالإضافة إلى الخطأ المحض، حيث إنّ الدية في الأوّل تؤدى في سنة، وفي الثاني تؤدى إلى ثلاث سنين، فالنتيجة بطبيعة الحال هي أن تؤدى دية شبيه العمد في سنتين.

استحسان محض ولا نقول به.

وأما القول الثاني : فهو ساقط ولا قائل به إلا ابن حمزة، ولا دليل عليه.

وأما القول الثالث : فهو الصحيح، وذلك لإطلاق صحيحة أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان علي (عليه السلام) يقول : تُستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين» (2). ومع الغضّ عن الإطلاق فأصالة البراءة عن وجوب الأداء في أقل من ثلاث سنين محكمة.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمداً، ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أداه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (3).


1) المبسوط 7: 115.

2) الوسائل 29: 205/ أبواب ديات النفس ب 4 ح 1.

3) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

دية الخطأ المحض، وهي تحمل على العاقلة

(مسألة 209): دية الخطأ المحض أيضاً أحد الأمور الستة المذكورة، وهي تحمل على العاقلة (2).


فإنّها وإن وردت في القتل العمدي إلّا أنّ مقتضى عموم التعليل فيها ثبوت الحكم في المقام أيضاً.

(1) لما تقدّم من أنّ هذه الأمور دية للقتل مطلقاً (1).

(2) بلا خلاف بين العامة (2)والخاصة (3)إلا من الأصم.

وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة محمد الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه فوثب المضروب على ضارب فقتله قال: «فقال أبو عبدالله (عليه السلام) هذان متعدّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يُؤخذون بها في ثلاث سنين» الحديث (4).

ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (5).


1) في ص 230 - 232.

2) المغني لابن قدامة 9: 497 - 498، المحلى 10 : 401 / 2024، المجموع 19: 141، الوجيز 2: 153.

3) الخلاف 5: 269 / 84، المهذب 2: 457، القواعد 3: 667، الجواهر 43: 25.

4) الوسائل 29: 399/ أبواب العاقلة ب 10 ح 1.

5) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

ما يعتبر في الدية لو أرادت العاقلة أداءها

(مسألة 210) : إذا أرادت العاقلة أداء الدية من الإبل اعتبر أن يكون ثلاثون منها حقة، وثلاثون منها بنت لبون، وعشرون منها بنت مخاض، وعشرون منها ابن لبون (1).


بقي هنا أمور :

الأوّل: أنّ المحكي عن المفيد وسلّار أنّ العاقلة يرجعون إلى الجاني بعد تأدية الدية ويأخذونها منه (1). ولكنّه لا دليل عليه أصلاً، ولذا لم يقل به أحد غيرهما.

الثاني : أنّ أبا حنيفة ذهب إلى أنّ الجاني أيضاً يدخل في العاقلة(2). وهوظاهر البطلان.

الثالث: أنه يأتي (3)في بحث العاقلة أن تحمّل العاقلة الدية تكليف محض، والدية إنما هي في ذمّة القاتل خطاً، ويترتب على ذلك أنه إذا لم تكن عاقلة أو أنها لم تتمكن من الأداء أو امتنعت ولم يمكن الأخذ منها وجب الأداء على القاتل نفسه.

(1) على المشهور بين الأصحاب، بل في الجواهر أنّ عليه عامة المتأخرين (4).

وتدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن سنان قال : سمعت أبا عبدالله (عليه ال


1) حكاه في الجواهر 43: 25، راجع المقنعة : 737، والمراسم : 239.

2) بدائع الصنائع 7: 255، المبسوط للسرخسي 27: 126.

3) في ص 554 - 557.

4) الجواهر 43: 23.

---------------------------------------------------------------------------------

سلام) يقول: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في الخطأ شبه العمد أن يقتل بالسوط - إلى أن قال : - والخطأ يكون فيه ثلاثون حقة، وثلاثون ابنة لبون، وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون ذكر» الحديث (1).

وهنا قولان آخران:

أحدهما: ما حكي عن ابن حمزة من أنّ دية الخطأ المحض من الإبل خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة (2).

واستند في ذلك إلى رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال : والخطأ مائة من الإبل، أو ألف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، وإن كانت الإبل فخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة » الحديث (3).

ونحوها مرسلة العياشي عن عبد الرحمن عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان علي (عليه السلام) يقول : في الخطأ خمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة » الحديث (4).

أقول : إنّ الروايتين بما أنهما ضعيفتان سنداً - فإنّ في سند الأولى : محمد بن


1) الوسائل 29: 199/ أبواب ديات النفس ب 2 ح 1.

2) حكاه في الجواهر 43: 23، وراجع الوسيلة : 441.

3) الوسائل 29: 198/ أبواب ديات النفس ب 1 ح 13.

4) الوسائل 29: 202/ أبواب ديات النفس ب 2 ح 10.

---------------------------------------------------------------------------------

سنان، وهو لم يثبت توثيقه ولا مدحه والثانية من جهة الإرسال - لا يمكن الاعتماد عليهما فى استنباط حكم شرعي أصلاً.

وثانيهما: ما عن الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر من أنّ دية الخطأ من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون وعشرون حقّه وعشرون جذعة (1).

وفيه : أنّه لا دليل عليه أصلاً، ولم نجد له شاهداً فيما وصل إلينا من نصوص الباب.

ثمّ إنّ محمّد بن يعقوب روى بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما (عليهما السلام)، في الدية «قال: مائة هي من الإبل، وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك» قال ابن أبي عمير : فقلت لجميل: هل للإبل أسنان معروفة ؟ فقال : نعم، ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلّها خلفة إلى بازل عامها. قال: وروى ذلك بعض أصحابنا عنهما. وزاد علي بن حديد في حديثه : إنّ ذلك في الخطأ. الحديث (2).

وهذه الرواية وإن كانت صحيحة، إلّا أنّ هذه الجملة التي زادها علي بن حديد غير ثابتة، فإنّ علي بن حديد ضعيف جداً. فإذن لا يمكن الاعتماد عليها، ومن هنا لا عامل بها ظاهراً من الأصحاب. على أنّ التحديد المذكور فيها من جميل نفسه وليس منسوباً إلى الإمام (عليه السلام) على ما عرفت.


1) المبسوط 7: 115، السرائر 3: 322.

2) الوسائل 29: 201 / أبواب ديات النفس ب 2 ح 7.

ما يستثنى من ثبوت الدية في القتل الخطائي

(مسألة 211): يستثنى من ثبوت الدية في القتل الخطائي ما إذا قتل مؤمناً في دار الحرب معتقداً جواز قتله وأنّه ليس بمؤمن فبان أنّه مؤمن، فإنّه لا تجب الدية عندئذٍ وتجب فيه الكفّارة فقط (1).


(1) وفاقاً للأكثر، وخالف في المسألة صريحاً ابن إدريس في السرائر، حيث قال بوجوب الدية (1). واستشكل فيها صاحب الجواهر (قدس سره)(2).

ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه الأكثر.

و تدل على ذلك الآية الكريمة: « فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (3)، بقرينة الجملة المتقدّمة وهي قوله تعالى: « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ» (4)، والجملة اللاحقة وهي قوله تعالى: « وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (5)، حيث إنهما قرينتان على أنها في مقام بيان عدم ثبوت الدية في هذه الصورة، وأن الثابت فيها خصوص الكفّارة، فإنّ التفصيل بين الصورتين من هذه الناحية قاطع للشركة، وبها يقيّد إطلاق ما دلّ على وجوب الدية في قتل المؤمن خطاً.

وبعد ذلك نقول : أنّ كلمة : «مِنْ» في قوله تعالى: « مِنْ قَوْمٍ» ليست بمعنى: النشوء، فإنّ لازمه هو أنه لو قتل مؤمناً خطأ في دار الإسلام أيضاً لم تجب الدية له. وهذا باطل جزماً، فإنّ المسلمين في زمان نزول الآية كان فيهم


1) السرائر 3: 320.

2) الجواهر 410:43.

3) سورة النساء 4: 92.

4) سورة النساء 4: 92.

5) سورة النساء 4: 92.

دية القتل في الأشهر الحرم عمداً أو خطأ

(مسألة 212): دية القتل في الأشهر الحرم عمداً أو خطأ دية كاملة وثلثها (1)، وعلى القاتل متعمّداً مطلقاً كفّارة الجمع وهي عتق رقبة وصوم


كثير ممن كان قومه باقين على الكفر والعداوة إلا نادراً، فالصحيح هو أن كلمة «مِنْ» هنا بمعنى في، يعني : أنّ المقتول المؤمن خطأ كان بين قومه الكفار فتوهم أنه كافر مهدور الدم، وكان هذا هو السبب في قتله، وإلا لم يكن فرق بينه وبين غيره من المسلمين في ثبوت الدية بقتله. فالمراد من الخطأ في الآية المباركة : هو ما إذا اعتقد القاتل أنّه كافر وعدوّ له فقتله ثمّ بان أنه كان مؤمناً، ففي مثله لا دية بمقتضى الآية، والواجب إنما هو الكفّارة فحسب، وأمّا الخطأ بمعناه المتعارف - وهو ما إذا رمى شيئاً مثلاً فأصاب إنساناً - فالظاهر انصراف الآية الكريمة عن مثله، ولذلك تثبت فيه الدية ولو كان القتل في دار الحرب. والظاهر أنّ المسألة لا خلاف فيها.

فالنتيجة : أنّ المتيقن من الآية هو ما ذكرناه، وأما تعبير الفقهاء باستناد القتل إلى الظنّ بأنّه كافر فلا نعرف له وجهاً، فإنّ الظنّ الذي ليس بحجة ليس مجوّزاً للقتل، ولا يوجب خروج القتل عن كونه ظلماً، فلا موجب لسقوط الدية.

(1) من دون خلاف بين الفقهاء، بل ادّعي في كلمات غير واحد الإجماع على ذلك.

وتدلّ عليه عدة روايات :

منها : صحيحة كليب الأسدي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يقتل في الشهر الحرام، ما ديته ؟ «قال : دية وثلث»(1).


1) الوسائل 29: 203 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 1.

شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً (1)، وإذا كان القتل في الأشهر الحرم فلا بد وأن يكون الصوم فيها


ومنها : صحيحة زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأ في أشهر الحرم «فقال : عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قلت: إنّ هذا يدخل فيه العيد وأيام التشريق «قال: يصومه، فإنّه حقٌّ لزمه»(1).

ورواها الشيخ الصدوق (قدس سره) بإسناده الصحيح عن أبان، عن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: عليه دية وثلث»(2).

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة عبدالله بن سنان وابن بكير، جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سُئِل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً - إلى أن قال: - «فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية واعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكيناً توبةً إلى الله عزّ وجلّ» (3).

ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كفّارة الدم إذا قتل الرجل المؤمن متعمّداً فعليه أن يمكّن نفسه - إلى أن قال : - وإن عفا عنه فعليه أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً، وأن يندم على ما كان منه، ويعزم على ترك العود، ويستغفر الله عزّ وجلّ أبداً ما بقي» (4).


1) الوسائل 29: 204 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 4.

2) الوسائل 29: 204/ أبواب ديات النفس ب 3 ح 5، الفقيه 4 : 257/81.

3) الوسائل 22: 398 / أبواب الكفارات ب 28 ح 1.

4) الوسائل 22 : 398 / أبواب الكفارات ب 28 ح 2.

فيصوم يوم العيد أيضاً إذا صادفه (1)، والكفّارة مرتبة إذا كان القتل خطأ حتى إذا كان في الأشهر الحرم على المشهور، وفيه إشكال، والأقرب أنّ الكفّارة


ومنها : صحيحة ابن سنان - يعني : عبدالله - عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنّه سُئِل عن رجل قتل مؤمناً - إلى أن قال - هل له من توبة إن أراد ذلك، أو لا توبة له ؟ «قال : توبته إن لم يعلم - إلى أن قال : - فإن عفي عنه أعطاهم الدية واعتق رقبة وصام شهرين متتابعين وتصدّق على ستين مسكيناً»(1).

وتؤيد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل قتل رجلاً متعمداً «قال: جزاؤه جهنّم» قال: قلت له: هل له توبة ؟ «قال: نعم، يصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً ويعتق رقبة ويؤدّي ديته» الحديث (2).

(1) تدلّ على ذلك صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إذا قتل الرجل في شهر حرام صام شهرين متتابعين من أشهر الحرم»(3).

ثمّ إنّه لا بد من تقييد إطلاق هذه الصحيحة بالروايات المتقدّمة.

فالنتيجة : هي ما ذكرناه من كفّارة الجمع ولزوم كون الصوم في الأشهر الحرم.

بقي هنا شيء : وهو أنّ دخول يوم العيد إنما هو فيما إذا صادف ذلك، كما إذا افترضنا أنّ القتل وقع أثناء شهر ذي القعدة، فعندئذٍ بطبيعة الحال يدخل العيد،


1) الوسائل 22: 399 / أبواب الكفارات ب 28 ح 3.

2) الوسائل 22: 399/ أبواب الكفارات ب 28 ح 4.

3) الوسائل 29: 203 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 2.

معينة فيما إذا وقع القتل في الأشهر الحرم وهي صوم شهرين متتابعين فيها (1).


وأمّا إذا افترضنا أنّ القتل وقع في شهر رجب أو في الليلة الأولى من شهر ذي القعدة، فعندئذٍ لا يصادف العيد، فإنّ القاتل يصوم شهر ذي القعدة تماماً ويوماً من شهر ذي الحجة، فيحصل التتابع بمقتضى صحيحة الحلبي(1)الدالة على حصول التتابع بذلك، كما فصلنا الكلام في ذلك في مبحث الصوم (2).

(1) بيان ذلك : أنّ المشهور لم يفرّقوا في كفّارة القتل الخطائي بين أن يكون في الأشهر الحرم وأن يكون في غيرها، فقالوا بأنها مرتبة.

واستدلوا على ذلك بإطلاق الآية الكريمة « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ...» الآية (3).

وصحيحة عبدالله بن سنان قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كفّارة الدم إذا قتل الرجل مؤمناً متعمداً - إلى أن قال : - وإذا قتل خطأ أدى ديته إلى أوليائه ثم أعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً مدّاً مدّاً» الحديث (4).

ولكنّه لا يخلو من إشكال، وذلك لأنّ مقتضى صحيحة زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأ في أشهر الحرم «فقال: عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قلت: إنّ هذا يدخل فيه


1) الوسائل 10: 373/ أبواب بقية الصوم الواجب ب 3 ح 9.

2) شرح العروة 22 : 278 - 281.

3) سورة النساء 4: 92.

4) الوسائل 22: 374/ أبواب الكفارات ب 10 ح 1.

وهل يلحق بالقتل في الأشهر الحرم في تغليظ الدية القتل في الحرم ؟ فيه قولان، الأقرب عدم الإلحاق (1).


العيد وأيّام التشريق «قال : يصومه، فإنّه حق لزمه»(1)هو أن كفارة القتل الخطائي في خصوص الأشهر الحرم هو صوم شهرين متتابعين في تلك الأشهر معيّناً، وبما أنّ هذه الصحيحة وردت في مورد خاص فبطبيعة الحال تقيّد إطلاق الآية والرواية المتقدّمتين بغير هذا المورد فعندئذٍ إن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام.

فالنتيجة هي التفصيل بين القتل الخطائي في غير الأشهر الحرم فكفارته مرتبة، وبين القتل فيها فكفّارته معيّنة.

ولا تعارضها رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل رجلاً خطأ في الشهر الحرام «قال : تغلّظ عليه الدية، وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم» الحديث (2).

فإنّها وإن دلّت على التخيير بين العتق والصيام إلا أنها ضعيفة سنداً، فإنّ في سندها سهل بن زياد، وهو لم يثبت توثيقه ولا مدحه، فإذن لا يمكن الاعتماد عليها أصلاً، على أنّه لا عامل بها.

(1) خلافاً للأكثر كما عن كشف اللثام (3)، بل المشهور كما في مجمع البرهان(4)، بل في ظاهر المحكي عن الشيخ في موضعين من المبسوط وعن ابن إدريس في


1) الوسائل 29: 204/ أبواب ديات النفس ب 3 ح 4.

2) الوسائل 10 : 380/ أبواب بقية الصوم الواجب ب 8 ح 1.

3) كشف اللثام 2: 495 (حجري).

4) مجمع الفائدة والبرهان 14 : 318.

---------------------------------------------------------------------------------

السرائر وعن غاية المرام وعن الغنية : الإجماع عليه (1)، بل في محكي الخلاف عن الشيخ إجماع الفرقة وأخبارها (2). ومن هنا أخذ الشيخ في التهذيب في عنوان الباب القتل في الحرم مقابل القتل في الأشهر الحرم(3).

وكيف كان، فاستند في ذلك إلى صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) رجل قتل في الحرم «قال : عليه دية وثلث» الحديث (4).

وروايته الثانية، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل قتل رجلاً في الحرم «قال : عليه دية وثلث» الحديث (5).

أقول : إن تم إجماع في المسألة على أنّ حكم القتل في الحرم حكم القتل في الأشهر الحرم فهو، ولكنه غير تام، لتوقف المحقق والفاضل وأبي العباس والمقداد (6)وغيرهم في ذلك.

وأما الروايتان فلا يمكن الاستدلال بهما، فإنّ الرواية الأخيرة مرسلة، فإنّ في سندها ابن أبي عمير، وهو لا يمكن أن يروي عن أبان بن تغلب بلا واسطة، فإنّ أبان قد مات في زمان الصادق (عليه السلام) وابن أبي عمير لم يدرك الصادق (عليه السلام)، فإذن الرواية ساقطة من جهة الإرسال، فلا يمكن


1) حكاه في الجواهر 43: 26 - 27 وانظر المبسوط 7: 116 - 117، السرائر 3: 363، غاية المرام 4: 421، الغنية 2: 414.

2) حكاه في الجواهر 43: 26، وراجع الخلاف 5: 6/222.

3) التهذيب 10: 215.

4) الوسائل 29: 204/ أبواب ديات النفس ب 3 ح 3.

5) الوسائل 10: 380/ أبواب بقية الصوم الواجب ب 8 ح 2.

6) الشرائع 4: 252، انظر التحرير 2: 268،المهذب البارع 5: 246، التنقيح الرائع 4: 465.

ولا تغليظ في الجنايات على الأطراف إذا كانت في الأشهر الحرم (1)


الاعتماد عليها. على أنّ فيها إشكالاً آخر، وهو اشتمالها على العيدين، مع أنه ليس في الأشهر الحرم إلا عيد واحد.

وأما الرواية الأولى فهى وإن كانت تامة سنداً إلّا أنّه يمكن المناقشة في دلالتها، إذ من المحتمل قويّاً أن يكون "الحرم " بضم الحاء والراء، فيكون المراد منه الأشهر الحرم، ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام): «ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قال : قلت : هذا يدخل فيه العيد وأيام التشريق «فقال: يصومه، فإنّه حقٌّ لزمه»، وهذا كفّارة القاتل في الشهر الحرام عند الأصحاب لا كفّارة القتل في الحرم، ومن هنا ذكر جماعة عدم النص على ذلك.

ويؤيده ما قاله صاحب الجواهر : وقد حضرني نسخة من الكافي معتبرة جداً، وقد أعرب فيها الحرم بضمتين (1).

فالنتيجة : أنّ الرواية لو لم تكن ظاهرة في أنّ المراد منها الأشهر الحرم دون الحرم فلا أقلّ أنها مجملة فلا تكون حجة.

ومن ذلك يظهر أنّ ما ذكره السيّد في الرياض من قوله: وكأنهم - أي القائلون بعدم تغليظ الدية في القتل في الحرم - لم يقفوا على هذه الرواية - صحيحة زرارة - وإلا فهي مع اعتبار سندها في المطلوب صريحة... (2)في غير محله.

(1) وذلك لعدم الدليل عليه واختصاصه بقتل النفس، ومن هنا لا قائل بذلك من الأصحاب.


1) الجواهر 43: 27.

2) رياض المسائل 2 : 530 (حجري).

دية المرأة الحرة المسلمة

(مسألة 213) دية المرأة الحرّة المسلمة نصف دية الرجل الحرّ المسلم (1) من جميع الأجناس المتقدّمة (1).


(1) من دون خلاف بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع بقسميه مستفيضاً، بل هو كذلك بين كافة المسلمين إلّا ابن علية والأصم (1).

وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة عبدالله بن سنان، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمّداً «قال: إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه، ويؤدوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءُوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم» الحديث (2).

ومنها : صحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا قتلت المرأة رجلاً قتلت به، وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وإن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة ودية المرأة نصف دية الرجل» (3).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً، فأراد أهل المرأة أن يقتلوه «قال : ذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل» الحديث (4).

(1) فإنّ جملة من الروايات - منها صحيحة عبدالله بن سنان الآنفة الذكر - وإن عيّنت نصف الدية في خمسة آلاف درهم إلّا أنّ الظاهر هو أنّه من باب


1) البحر الزخار 6: 275، المغني 9: 532 - 533.

2) الوسائل 29: 80/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 1.

3) الوسائل 29: 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 2.

4) الوسائل 29 : 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3.

دية ولد الزنا

(مسألة 214) : المشهور بين الأصحاب أنّ دية ولد الزنا إذا كان محكوماً بالإسلام دية المسلم، وقيل : إنّ ديته ثمانمائة درهم، وهو الأقرب (1).


المثال ولا خصوصية له، وذلك بقرينة صحيحة أبان بن تغلب، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة كم فيها ؟ «قال : عشرة من الإبل» قلت : قطع اثنتين ؟ «قال : عشرون» قلت: قطع ثلاثاً؟ «قال: ثلاثون» قلت: قطع أربعاً ؟ «قال : عشرون» قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله، ونقول الذي جاء به شیطان «فقال: مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان، إنك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست مُحِقَ الدين» (1).

فإنّ هذه الصحيحة تدلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل من الإبل.

فالنتيجة: من ضم هذه الصحيحة إلى تلك الرواية هي أنّ دية المرأة لا تختص بجنس دون آخر. على أنّ المسألة متسالم عليها بين الأصحاب.

(1) بيان ذلك : أنّ المعروف والمشهور - بل في الجواهر : عدم وجدان الخلاف بين من تأخر عن المصنّف (2)- أنّ دية ولد الزنا دية المسلم إذا أظهر الإسلام، لإطلاقات الأدلة.

وخالف في ذلك صريحاً الصدوق والسيّد المرتضى (قدس سرهما) من


1) الوسائل 29: 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 1.

2) جواهر الكلام 43: 33.

---------------------------------------------------------------------------------

المتقدّمين، فأختارا أنّ ديته ثمانمائة درهم (1)، وقواه في مفتاح الكرامة (2).

وتوقف في المسألة المحقق الأردبيلي (قدس سره) والشهيد في غاية المراد(3).

وما اختاره الصدوق والمرتضى (رحمهما الله) ومن تبعهما هو الأظهر.

وتدلّ عليه معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد عن جعفر (عليه السلام)، قال: «قال: دية ولد الزنا دية الذمي ثمانمائة درهم»(4).

ولا يضر كون عبدالرحمن بن حماد في سندها، لأنه وإن لم يوثق في كتب الرجال إلّا أنّه وارد في أسناد كامل الزيارات، فهو ثقة، وله كتاب روى عنه جماعة، منهم : ابن أبي عمير وإبراهيم بن هاشم والبرقي وأحمد بن محمد بن عيسى.

وقال في مفتاح الكرامة : الحديث إمّا حسن أو موثق أو قوي.

وتؤيد ذلك رواية عبدالرحمن بن عبدالحميد عن بعض مواليه، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «دية ولد الزنا دية اليهودي ثمانمائة درهم» (5).

ورواية جعفر بن بشير عن بعض رجاله، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن دية ولد الزنا «قال: ثمانمائة درهم مثل دية اليهودي والنصراني والمجوسي» (6).

وأما ما قيل من أنّ رواية جعفر بن بشير معتبرة، نظراً إلى ما قاله النجاشي


1) المقنع : 530، الانتصار : 544.

2) مفتاح الكرامة 10: 366.

3) مجمع الفائدة والبرهان 14: 322 - 324.

4) الوسائل 29: 223 / أبواب ديات النفس ب 15 ح 3.

5) الوسائل 29: 222 / أبواب ديات النفس ب 15 ح 1.

6) الوسائل 29: 222/ أبواب ديات النفس ب 15 ح 2.

دية الذمّي

(مسألة 215) : دية الذمّي من اليهود والنصارى والمجوس ثمانمائة درهم1،


من أنه يروي عن الثقات وهم رووا عنه (1).

فقد ذكرنا ما فيه في مدخل كتابنا : معجم رجال الحديث، الصفحة (68).

بقي هنا شيء: وهو أنّ عبدالله بن سنان روى في الصحيح عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته فقلت له : جعلت فداك، كم دية ولد الزنا؟ «قال: يعطى الذي أنفق عليه ما أنفق» الحديث (2).

وهذه الصحيحة تدلّ على أنه كان المرتكز في ذهن عبدالله بن سنان أنّ دية ولد الزنا مغايرة لدية الحرّ المسلم، ولذا سأل عن مقدارها، ويظهر من الجواب وعدم بيان أنّ ديته دية المسلم الحرّ : ثبوت المغايرة. وأما ما فيها من لزوم الاعتبار بالمقدار الذي أنفقه المنفق عليه فلابد من ردّ علمه إلى أهله، لمخالفته للإجماع القطعي، ولعلّ إجمال الجواب كان لمصلحة هناك.

(1) بلا خلاف بيننا، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم»(3).

ومنها : صحيحة ليث المرادي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن دية النصراني واليهودي والمجوسي «فقال : ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم ثمانمائة درهم» (4).


1) رجال النجاشي: 119 / 304.

2) الوسائل 26 : 275/ أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 3.

3) الوسائل 29 : 217 / أبواب ديات النفس ب 13 ح 2.

4) الوسائل 29: 218 / أبواب ديات النفس ب 13 ح 5.

---------------------------------------------------------------------------------

بقي هنا طائفتان من الروايات:

الأولى : ما دلّت على أنّ ديتهم أربعة آلاف درهم، وهي روايتان:

إحداهما : ما رواه الصدوق مرسلاً : «أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي أربعة آلاف درهم أربعة آلاف درهم، لأنهم أهل الكتاب» (1).

ثانيتهما : رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم» الحديث (2).

أقول : إن كلتا الروايتين ضعيفة سنداً، أمّا الأولى : فمن جهة الإرسال، وأمّا الثانية : فلوجود علي في سندها وهو البطائني الضعيف على أنه يمكن حملهما على التقيّة، لموافقتهما للمرويّ عن عمر وعثمان وسعيد بن المسيب وعطا والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار والشافعي وإسحاق وأبي ثور، على ما ذكره ابن قدامة في المغني(3).

الطائفة الثانية : ما دلّت على أنّ ديتهم دية المسلم، وهي أيضاً روايتان:

إحداهما : صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم» (4).

وثانيتهما : صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: من أعطاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذمّة فديته كاملة» قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبدالله (عليه السلام): «وهؤلاء من أعطاهم ذمة» (5).


1) الوسائل 29: 220 / أبواب ديات النفس ب 13 ح 12، الفقيه 4: 91/ 297.

2) الوسائل 29: 222 / أبواب ديات النفس ب 14 ح 4.

3) المغنى 9: 528.

4) الوسائل 29: 221/ أبواب ديات النفس ب 14 ح 2.

5) الوسائل 29: 221 / أبواب ديات النفس ب 14 ح 3.

ودية نسائهم نصف ديتهم (1)، وأما سائر الكفّار فلا دية في قتلهم، كما لا قصاص فيه (2).


أقول : هاتان الروايتان وإن كانتا تامّتين سنداً إلّا أنّه لا بد من حملها على التقيّة للمعارضة، نظراً إلى موافقتهما لفتاوى جماعة من العامة كعلقمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وأبي حنيفة (1).

وأما حملهما على المعتاد - كما عن الشيخ (2)- فلا شاهد له أصلاً، كما لا مجال لحملهما على قتل خصوص من قام بشرائط الذمة، فإنّه بلا موجب.

وأمّا معتبرة سماعة، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مسلم قتل ذمياً - إلى أن قال : - «ومن قتل ذمّياً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذمياً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها»(3).

فلا دلالة فيها على التقييد، فإنّ الإيمان بالجزية وأدائها شرط في تحقق الذمية، وبدونهما لا يكون الكافر ذمّياً، ولا يكون في قتله دية أصلاً.

(1) بلا خلاف ظاهر، وتدلّ على ذلك إطلاقات ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، وعدم دليل مقيّد في البين.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، وذلك لأنّه لا احترام لهم، وأن دمهم هدر، فكما لا يثبت على قاتلهم القصاص كذلك لا تثبت الدية.


1) المغني 9: 528.

2) التهذيب 10: 187/ 737.

3) الوسائل 29: 221/ أبواب ديات النفس ب 14 ح 1.

دية العبد

(مسألة 216): دية العبد قيمته ما لم تتجاوز دية الحرّ، فإن تجاوزت لم يجب الزائد، وكذلك الحال في الأعضاء والجراحات، فما كانت ديته كاملة كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين ونحو ذلك فهو في العبد قيمته، وما كانت ديته نصف الدية - كإحدى اليدين أو الرجلين - فهو في العبد نصف قيمته، وهكذا (1).

لو جنى على عبد بما فيه قيمته

(مسألة 217): لو جنى على عبد بما فيه قيمته، كأن قطع لسانه أو أنفه أو يديه، لم يكن لمولاه المطالبة بها إلا مع دفع العبد إلى الجاني (2). كما أنه ليس له المطالبة ببعض القيمة مع العفو عن بعضها الآخر ما لم يدفع العبد إليه (3)،


(1) تقدّم وجه جميع ذلك في قصاص النفس وقصاص الأطراف(1).

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الاجماع بقسميه.

وتدلّ على ذلك معتبرة غياث عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «قال: قال علي (عليه السلام) : إذا قطع أنف العبد أو ذكره أو شيء يحيط بقيمته، أدّى إلى مولاه قيمة العبد وأخذ العبد» (2)، ونحوها معتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3).

ويؤيد ذلك الارتكاز العقلائي، وهو عدم جواز الجمع بين العوض والمعوض.

(3) لأنّ العفو بمنزلة القبض، وقد عرفت أنه لا يجوز له أخذ قيمة العبد من دون أن يؤدى العبد إلى الجاني. وإن شئت قلت: إنّ المستفاد من المعتبرتين


1) في ص 41 - 44، وفي ص 180.

2) الوسائل 29: 338 / أبواب ديات الأعضاء ب 34 ح 1.

3) الوسائل 29: 388/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 8 ح 3.

وأمّا لو جنى عليه بما لا يستوعب قيمته كان لمولاه المطالبة بدية الجناية مع إمساك العبد (1)، وليس له إلزام الجاني بتمام القيمة مع دفع العبد إليه (2).

ثبوت الأرش في كلّ جناية لا مقدر لها شرعاً

(مسألة 218) : كلّ جناية لا مقدّر فيها شرعاً ففيها الأرش، فيؤخذ من الجاني إن كانت الجناية عمدية أو شبه عمد3،


المتقدّمتين أنّ الجناية إذا كانت مستوعبة كان المالك مخيراً بين إمساك العبد ومطالبة القيمة مع دفعه إلى الجاني فليس له إمساك العبد ومطالبة الجاني ببعض القيمة إلا بالتراضي.

(1) بلا خلاف ولا إشكال عند الأصحاب، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّ وقوع الجناية على مال المولى يقتضي أن يكون للمولى حق مطالبة الجاني بقيمة تلك الجناية - عدة روايات :

منها : صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل شجّ عبداً موضحة «قال : عليه نصف عشر قیمته»(1).

ومنها: معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن» (2).

(2) فإنّ إلزامه بذلك يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام.

(3) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً، وإلى صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال : إنّ عندنا الجامعة» قلت : وما الجامعة ؟ «قال : صحيفة فيها


1) الوسائل 29: 388/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 8 ح 1.

2) الوسائل 29: 388/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 8 ح 2.

وإلا فمن عاقلته (1)، وتعيين الأرش بنظر الحاكم بعد رجوعه في ذلك إلى ذوي عدل من المؤمنين (2).

عدم الدية لمن قتله الحد أو التعزير

(مسألة 219) : لا دية لمن قتله الحد أو التعزير (3)، وقيل :


كل حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش» وضرب بيده إليَّ فقال: «أتأذن يا أبا محمّد ؟» قلت: جعلت فداك، إنما أنا لك فاصنع ما شئت، فغمزني بيده، وقال: «حتى أرش هذا » (1)- صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : دية اليد إذا قطعت خمسون من الإبل، وما كان جروحاً دون الاصطلام فيحكم به ذوا عدل منكم « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» (2).

(1) لأنّ الدية في القتل الخطائي على عاقلة القاتل، على ما سيأتي تفصيله في محله (3).

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن سنان المتقدّمة، ولاقتضاء المصلحة العامة ذلك.

(3) تدلّ على ذلك عدّة نصوص تقدّمت جملة منها، ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: أيما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له» الحديث (4).


1) الوسائل 29 : 356/ أبواب ديات الأعضاء ب 48 ح 1.

2) الوسائل 29: 389/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 9 ح 1، والآية في المائدة 5: 44.

3) في ص 550.

4) الوسائل 29: 65/ أبواب القصاص في النفس ب 24 ح 9.

إن ديته إذا كان الحدّ للناس من بيت مال المسلمين، ولكنّه ضعيف (1).

لو بان فسق الشاهدين أو الشهود بعد قتل المشهود عليه

(مسألة 220) : إذا بان فسق الشاهدين أو الشهود بعد قتل المشهود عليه فلا ضمان على الحاكم، بل كانت ديته في بيت مال المسلمين (2).

حكم من اقتض بكراً أجنبية

(مسألة 221): من اقتض بكراً أجنبيّة، فإن كانت حرّة


ثم إنّ مورد النصوص وإن كان هو خصوص الحدّ والقصاص إلا أنه لا شبهة في إلحاق التعزير بهما. ومن هنا لا خلاف فيه، فإنّ الملاك في ذلك هو كونه من شؤون حكومة الحاكم، والمفروض أنّ التعزير كالحدّ من شؤون حكومته.

(1) استدلّ على هذا القول برواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من ضربناه حدّاً من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدّاً من حدود الناس فمات فإنّ ديته علينا»(1).

وفيه : أنّ الرواية لضعف سندها بالحسن بن صالح الثوري لا يمكن الاستدلال بها والاعتماد عليها في استنباط حكم شرعي أصلاً.

فالنتيجة : أنه لا مناص من القول الأوّل، وأنّه لا دية له أصلاً.

(2) تدلّ عليه معتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنّ ما أخطأت به القضاة في دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين»(2).

وقد تقدّم تفصيل ذلك في آخر باب الشهادات(3).


1) الوسائل 29: 64/ أبواب القصاص في النفس ب 24 ح 3.

2) الوسائل 29: 147/ أبواب دعوى القتل وما يثبت به ب 7 ح 1.

3) مباني تكملة المنهاج 1: 197.

لزمه مهر نسائها. ولا فرق في ذلك بين كون الاقتضاض بالجماع أو بالاصبع أو بغير ذلك (1).


(1) بلا خلاف ظاهر، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: إذا اغتصب أمة فاقتضها فعليه عشر قيمتها، وإن كانت حرّة فعليه الصداق» (1).

ومنها : صحيحة ابن سنان - يعني : عبدالله - وغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام) في امرأة اقتضت جارية بيدها «قال : عليها المهر وتضرب الحدّ» (2).

ومنها : صحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام): في امرأة اقتضت جارية بيدها، قال : «قال : عليها مهرها وتجلد ثمانين» (3).

وعلى ذلك تحمل معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ علياً (عليه السلام) رُفِعَ إليه جاريتان دخلتا الحمام فاقتضت إحداهما الأخرى باصبعها، فقضى على التي فعلت عقلها» (4).

وأنّ المراد من العقل فيها هو الصداق المترتب على ذهاب العذرة بغير الجماع.

وتشهد على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم، قال : سمعت أبا جعفر وأبا عبدالله (عليه السلام) يقولان: «بينما الحسن بن علي في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام)


1) الوسائل :28 : 144 / أبواب حد الزنا ب 39 ح 5.

2) الوسائل 28: 144/ أبواب حد الزنا ب 39 ح 1.

3) الوسائل 28 : 144 / أبواب حد الزنا ب 39 ح 4.

4) الوسائل 29: 354/ أبواب ديات الأعضاء ب 45 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

إذ أقبل قوم فقالوا: يا أبا محمد، أردنا أمير المؤمنين، قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة، قال : وما هي تخبرونا بها؟ قالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فوقعت النطفة فيها فحملت فما تقول في هذا ؟ فقال الحسن (عليه السلام): معضلة وأبو الحسن لها، وأقول : فإن أصبت فمن الله ومن أمير المؤمنين (عليه السلام) وإن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا أخطئ إن شاء الله، يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أوّل وهلة، لأنّ الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها» الحديث (1).

وصحيحة عبدالله بن سنان، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك، ما على رجل وثب على امرأة - إلى أن قال: - قلت: فكيف صار مهر نسائها إن نبت شعرها ؟ «فقال : يابن سنان أن شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كملاً» (2).

وهذه الصحيحة ذكرها في الوسائل عن محمّد بن سليمان المنقري عن عبدالله ابن سنان وعليه فتصبح الرواية ضعيفة. لكنّه سهو من قلمه الشريف، فإنّ الشيخ رواها في التهذيب في موضعين والراوي عن عبدالله في أحدهما محمّد ابن سليمان. وفي الآخر سليمان المنقري، فالرواية صحيحة.

ولا تنافي ذلك صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث طويل - : «أنّ امرأة دعت نسوة فأمسكن صبيّة يتيمة بعد ما رمتها بالزنا وأخذت عذرتها باصبعها فقضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تضرب


1) الوسائل 28: 167/ أبواب حد السحق والقيادة ب 3 ح 1.

2) الوسائل 29: 334 / أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 1، التهذيب 10: 64/ 235 و 262 / 1036.

أما إذا كانت أمة لزمه عشر قيمتها (1).


المرأة حدّ القاذف وألزمهنّ جميعاً العقر وجعل عقرها أربعمائة درهم»(1).

لأنها قضية في واقعة، ولعلّ مهرها كان كذلك، فلا يمكن التعدّي عنها إلى غيرها من الموارد.

(1) بيان ذلك : أن في المسألة أقوالاً :

الأوّل : أنّ على المقتض عشر قيمتها، وهو المعروف والمشهور بين الأصحاب.

الثاني : أنّ عليه الأرش، اختاره الفاضل في المختلف تبعاً للحلّي(2).

الثالث : أنّه يلزمه أكثر الأمرين اختاره الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك (3).

أقول : أما القول الثالث : فلا دليل عليه يعتد به.

وأما القول الثاني : فهو وإن كان مقتضى القاعدة، لأنّ الأمة مملوكة للغير فالجناية عليها بما يوجب نقصان قيمتها مضمونة، إلا أن الصحيح هو القول الأوّل، وذلك لمعتبرة طلحة بن زيد المتقدّمة، نظراً إلى أن لزوم عشر الدية فيها رتب على الاقتضاض دون الجماع بقرينة التفريع، كما أن لزوم المهر في الحرّة مترتب على إزالة العذرة لا على الجماع.


1) الوسائل 20 : 317 / أبواب النكاح المحرم وما يناسبه ب 3 ح 2.

2) المختلف 9 388، الشرائع 4 : 279.

3) المسالك 2: 397 (حجري).

لو أكره امرأة أجنبية غير بكر فجامعها

(مسألة 222): من أكره امرأة أجنبيّة غير بكر فجامعها فعليه مهر المثل (1)، وأما إذا كانت مطاوعة فلا مهر لها،


فالنتيجة : أنّ اغتصاب الأمة في مفروض الرواية وإن كان كناية عن الجماع إلّا أنّه لا خصوصية له، وإنما الموضوع للحكم هو الاقتضاض وإزالة العذرة بأي سبب كان.

(1) على المشهورة شهرة عظيمة.

وذكر في المسالك تارةً : أنّه لم يذكر كثير منهم الخلاف في المسألة، وأخرى: أنّه لم يعدّ المسألة من مسائل الخلاف (1).

ولكن عن الشيخ في المبسوط : أنّه إذا استكره امرأة على الزنا فلا حدّ عليها، لأنها ليست بزانية، وعليه الحدّ، لأنّه زان، فأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم.

وقال آخرون : لا مهر لها، وهو مذهبنا (2)، لأن الأصل براءة الذمة. ويردّه ما عرفت من أن مذهب الأصحاب ثبوت المهر لا عدمه، مع أنه (قدس سره) قال في عدة مواضع آخر: أنّ لها المهر (3).

وكيف كان، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور، وتدلّ على ذلك عدة روایات:

منها : صحيحة عبيد الله بن علي الحلبي، قال : سُئل أبو عبدالله (عليه السلام)


1) المسالك 2: 337 (حجري).

2) المبسوط 7: 150.

3) المبسوط 7: 150.

سواء كانت بكراً أم لم تكن (1)


عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل، أعليه غسل ؟ «قال : كان علي (عليه السلام) يقول : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغُسل. قال : وكان علي (عليه السلام) يقول : كيف لا يوجب الغسل والحدّ يجب فيه ؟! وقال : يجب عليه المهر والغسل» (1).

والمستفاد من هذه الرواية وجوب المهر بالدخول كوجوب الغسل والحدّ به، خرج من ذلك الزانية، لأنّها لا مهر لها كما يأتي، والمكرهة ليست بزانية.

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فزفّتها إليه أختها وكانت أكبر منها، فأدخلت منزل زوجها ليلاً، فعمدت إلى ثياب امرأته فنزعتها منها ولبستها ثم قعدت في حجلة أختها ونحت امرأته وأطفأت المصباح، واستحيت الجارية أن تتكلّم، فدخل الزوج الحجلة فواقعها وهو يظنّ أنّها امرأته التي تزوّجها فلما أن أصبح الرجل قامت إليه امرأته فقالت: أنا امرأتك فلانة التي تزوّجت، وأنّ أُختي مكرت بي فأخذت ثيابي فلبستها وقعدت في الحجلة،ونحتني فنظر الرجل في ذلك فوجد كما ذكر «فقال: أرى أنّ لا مهر للتي دلّست نفسها، وأرى أن عليها الحدّ» الحديث (2).

ومنها : صحيحة علي بن أحمد بن أشيم، قال: كتب إليه الريان بن شبيب


1) الوسائل 2: 183 / أبواب الجنابة ب 6 ح 4.

2) الوسائل 21: 222 / أبواب العيوب والتدليس ب 9 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------
• يعني: أبا الحسن (عليه السلام) - : الرجل يتزوّج المرأة متعةً بمهر إلى أجل معلوم، وأعطاها بعض مهرها وأخرته بالباقي، ثم دخل بها وعلم بعد دخوله بها قبل أن يوفيها باقي مهرها أنها زوجته نفسها ولها زوج مقيم معها، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز ؟ فكتب : «لا يعطيها شيئاً، لأنها عصت الله عزّ وجل» (1).

ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : أيما امرأة حرّة زوّجت نفسها عبداً بغير إذن مواليه فقد أباحت فرجها ولا صداق لها» (2).

ومنها : معتبرته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن»(3).

ومنها : معتبرة سماعة، قال: «قال : السحت أنواع كثيرة، منها : كسب الحجام وأجر الزانية وثمن الخمر » (4).

ومنها : صحيحة عمار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول «فقال : كل شيء غل من الإمام - إلى أن قال : - والسحت أنواع كثيرة. منها : أجور الفواجر» الحديث (5).


1) الوسائل 21: 62 / أبواب المتعة ب 28 ح 2.

2) الوسائل 21: 115 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 24 ح 3.

3) الوسائل 17: 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 5.

4) الوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 6.

5) الوسائل 17: 92/ أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1.

لو أدب زوجته تأديباً مشروعاً فماتت

(مسألة 223) : لو أدب الزوج زوجته تأديباً مشروعاً فأدى إلى موتها اتفاقاً، قيل : إنّه لا دية عليه كما لا قود، ولكن الظاهر ثبوت الدية (1)، وكذلك الحال في الصبي إذا أدبه وليه تأديباً مشروعاً فأدى إلى هلاكه (2).

لو أمر شخصاً بقطع عقدة في رأسه، فقطعها فمات

(مسألة 224) : إذا أمر شخصاً بقطع عقدة في رأسه - مثلاً - ولم يكن القطع مما يؤدّي إلى الموت غالباً، فقطعها فمات، فلا قود (3). وكذلك لا دية على القاطع إذا كان قد أخذ البراءة من الآمر، وإلا فعليه الدية (4).


(1) الوجه في ذلك هو أنّ مشروعية التأديب لا توجب سقوط الدية، ولا تنافي بينهما أصلاً، لأنّ الجواز التكليفي لا ينافي الوضع.

نعم، أنه يوجب سقوط القود.

ومنه يظهر أنه لا وجه للتردّد كما فعله المحقق في الشرائع (1).

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) لأنّ القطع عندئذٍ سائغ، والقود يختص بموارد القتل عمداً ظلماً، والمفروض عدمه.

(4) تدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلّا فهو له ضامن» (2).

بتقريب : أن المراد من الولي من له الولاية، وهو يشمل نفس الأمر أيضاً،


1) الشرائع 4 : 197.

2) الوسائل 29: 260 / أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 1.

حكم ما لو قطع عدة أعضاء شخص خطأ

(مسألة 225) : لو قطع عدّة أعضاء شخص خطأ، فإن لم يسر القطع فعلى الجاني دية تمام تلك الأعضاء المقطوعة، وإن سرى فإن كان القطع متفرّقاً فعليه دية كلّ عضو إلّا الأخير زائدة على دية النفس (1)، وأمّا العضو الأخير المترتب على قطعه الموت فتتداخل ديته في دية النفس (2)، وإن كان قطعها بضربة واحدة دخلت دية الجميع في دية النفس، فعلى الجاني دية واحدة وهي دية النفس (3)، وإن شكّ في السراية فهل لولي المجني عليه مطالبة


وعلى ذلك فلا تثبت الدية عليه إذا أدّى القطع إلى الموت اتفاقاً، ومرجع عدم ثبوتها إلى أنّ أخذ البراءة منه يوجب سقوط الفعل عن اقتضاء الدية، وليس معناه إسقاط الدية ليقال : إنّه من إسقاط ما لم يجب.

فالنتيجة : عدم ثبوت الدية في صورة أخذ البراءة، وثبوتها في صورة عدم أخذها، لأنّ القتل مستند إليه، والإذن إنّما هو في الفعل لا في القتل، فإذن لا موجب لسقوط الضمان.

(1) لعدم الدليل على التداخل، ومقتضى الأصل عدمه كما تقدّم في مبحث القصاص (1).

(2) وذلك لأنّه الجزء الأخير للعلّة التامة، نظراً إلى أن قتله يتحقق به، ومن المعلوم أنه لا دية له مستقلاً، لأنّ القتل غالباً مسبوق بالجرح أو قطع عضو من الأعضاء.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب.


1) في ص 24 - 25.

الجاني بدية الأعضاء المقطوعة، أم ليس له إلّا دية النفس؟ قولان، الأظهر هو الأوّل (1).


و تدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله «قال : إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين السنة أقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت : فماترى عليه في الشجّة شيئاً؟ «قال: لا، لأنّه إنما ضرب ضربة واحدة، فجنت الضربة جنايتين، فألزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان إلا أن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأخرى فيقاد به ضاربه، فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاثة ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه. قال : فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات»(1).

فإنّ موردها وإن كان خصوص الجناية العمدية، كما أن الدية في موردها دية العقل دون دية النفس، إلّا أنّ مقتضى التعليل بقوله (عليه السلام) «لأنه إنما ضرب ضربة واحدة» إلخ، هو التعدّي عنه إلى غيره، وهو الجناية الخطائية.

(1) وذلك لأصالة عدم السراية، فإنها مسبوقة بالعدم، فتشمله إطلاقات أدلّة الدية، ومقتضاها لزوم دفع دية كلّ عضو مقطوع.


1) الوسائل 29 : 366 / أبواب ديات المنافع ب 7 ح 1.

موجبات الضمان

أمران : المباشرة، التسبيب

وهي أمران : (المباشرة، التسبيب).

(مسألة 226): مَن قتل نفساً من دون قصد إليه، ولا إلى فعل يترتب عليه القتل عادةً، كمَن رمى هدفاً فأصاب إنساناً أو ضرب صبياً تأديباً فمات اتفاقاً أو نحو ذلك، ففيه الدية دون القصاص (1).

(مسألة 227) : يضمن الطبيب ما يتلف بعلاجه مباشرةً إذا عالج المجنون أو الصبي بدون إذن وليه، أو عالج بالغاً عاقلاً بدون إذنه، وكذلك مع الإذن إذا قصر (2)، وأمّا إذا أذن له المريض في علاجه ولم يقصر، ولكنه آلَ إلى التلف اتفاقاً، فهل عليه ضمان أم لا ؟ قولان، الأقرب هو الأول (3)، وكذلك الحال إذا عالج حيواناً بإذن صاحبه وآل إلى التلف (4). هذا إذا لم يأخذ


(1) وذلك لأنّ موضوع القصاص هو القتل العمدي العدواني لا مطلق القتل. وأما ثبوت الدية فلما تقدّم من ثبوتها في القتل الخطائي (1)

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، لوجود المقتضي، وهو إطلاق دليل الضمان، وعدم المانع بين البين.

(3) لعين ما تقدّم، وذلك لأنّ الإذن إنما هو في العلاج فحسب لا في الإتلاف أيضاً.

(4) يظهر الحال فيه مما تقدّم.


1) في ص 186.

الطبيب البراءة من المريض أو وليه أو صاحب الدابة، وأمّا إذا أخذها فلا ضمان علیه (1).

حكم انقلاب النائم غير الظئر فأتلف نفساً أو طرفاً منها

(مسألة 228) : إذا انقلب النائم غير الظئر فأتلف نفساً أو طرفاً منها، قيل : إنّ الدية في ماله، وقيل : إنها على عاقلته وفي كلا القولين إشكال، والأقرب عدم ثبوت الدية (2).


(1) على المشهور كما في المسالك (1)، بل في الغنية دعوى الإجماع على ذلك (2)وكيف كان، فتدلّ عليه معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو له ضامن» (3).

فإنّ الظاهر من الولي الذي تؤخذ منه البراءة - كما مرّ - هو من يرجع إليه الأمر، فإن كانت المعالجة معالجة حيوان فوليه مالكه، وإن كانت معالجة إنسان وكان بالغاً عاقلاً فالولي هو نفسه، وإن كان صبياً أو مجنوناً فالولي وليه.

(2) بيان ذلك: أنّ في المسألة وجوهاً :

الأوّل: أنّ الدية في ماله، اختاره جماعة كما في المقنعة والنهاية والجامع والتحرير والإرشاد والتلخيص ومجمع البرهان وابن إدريس(4).


1) المسالك 2: 387 (حجري).

2) الغنية 2 : 410 - 411.

3) الوسائل 29: 260/ أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 1.

4) المقنعة : 747، النهاية : 758، الجامع للشرائع : 583، لاحظ التحرير 2: 262 (حجري)، لاحظ الإرشاد 223:2، انظر تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية 40) : 486، مجمع الفائدة والبرهان 14 : 231، السرائر 3: 365 - 366.

---------------------------------------------------------------------------------

الثاني : أنها على عاقلته كما في القواعد وكشف الرموز والإيضاح واللمعة والتنقيح والروضة والمسالك (1)، بل نسبه بعض إلى عامة المتأخرين، وقال المحقق في الشرائع : أنّه أشبه بأصول المذهب (2)، واختاره في الجواهر (3).

الثالث: أنه لا دية لا عليه ولا على عاقلته، وهذا هو الأقرب.

والوجه في ذلك : هو أنّه لا دليل على القولين الأولين أصلاً:

أمّا الأوّل : فلا وجه له عدا ما قيل من أن قتل النائم باعتبار ارتفاع الاختيار عنه من باب الأسباب التي ضمانها عليه دون العاقلة، ولذا ذكر الأصحاب ذلك في باب ضمان النفوس. ولكنه لا دليل عليه مطلقاً ما لم يستند القتل إليه بالاختيار لعمد أو شبه عمد أو خطأ محض، لوضوح أن مجرد كونه سبباً له لا يوجب الضمان بدون تحقق ذلك. وعليه، فلا يتم ذكر الأصحاب ذلك في باب ضمان النفوس.

وأمّا الوجه الثاني : فلما تقدّم من أنّه يعتبر في القتل الخطائي - على ما فسّر في الرواية - العمد في الفعل بأن يريد شيئاً ويصيب غيره، أو من اعتمد شيئاً وأصاب غيره (4)، والمفروض انتفاء القصد هنا. وعليه، فلا يكون المقام داخلاً في القتل الخطائي.


1) القواعد 3 651، كشف الرموز 2: 638، إيضاح الفوائد 4: 656، اللمعة 10: 113، التنقيح الرائع 4: 471، الروضة 10: 113، المسالك 2: 387 (حجري).

2) الشرائع 4: 255.

3) الجواهر 43: 51 - 52.

4) في ص 4.

لو أتلفت الظئر طفلاً وهي نائمة

(مسألة 229) : لو أتلفت الظئر طفلاً وهي نائمة بانقلابها عليه أو حركتها، فإن كانت إنّما ظايرت طلباً للعزّ والفخر فالدية في مالها، وإن كانت مظايرتها للفقر فالدية على عاقلتها (1).


فالنتيجة : أنه لا يمكن المساعدة على شيء من القولين المزبورين، فالأقرب ما ذكرناه، لأصالة البراءة عن الضمان. ويؤكد ذلك ما سيأتي في مسألة ما إذا سقط إنسان من شاهق على آخر بغير اختياره فقتله، من الروايات الدالة على عدم ثبوت الدية على الساقط (1).

وهنا وجه رابع : وهو أن تكون الدية على الإمام في بيت مال المسلمين، لأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً.

وفيه : أنّ هذا الوجه لا يتم أيضاً، وذلك لأنّ التعليل لا يعم ما إذا كان الموت بقضاء الله وقدره من دون أن يستند إلى اختيار شخص، كما إذا أطار الريح - مثلاً - رجلاً من على سطح فوقع على إنسان فقتله، فإنّه لا دية في ذلك لا على الواقع ولا على عاقلته ولا على بيت المال، وما نحن فيه من هذا القبيل.

(1) وفاقاً للصدوق والشيخ والفاضل في الإرشاد والشهيد في اللمعة (2).

وخالف في ذلك الفاضل في بعض كتبه وولده وثاني الشهيدين، وقالوا: إنّ الدية على العاقلة مطلقاً، بل نسبه في المسالك إلى أكثر المتأخرين معللاً بأنه خطأ محض (3).


1) في ص 289.

2) المقنع : 518، النهاية : 757 - 758، الإرشاد : 223، اللمعة 10: 130 - 131.

3) القواعد 3 : 651، إيضاح الفوائد 4 : 656 - 657، الروضة 10: 132.

---------------------------------------------------------------------------------

وعن المفيد وسلار وابني حمزة وإدريس : أنّ الدية على الظئر مطلقاً (1).

وتدلّ على ما ذكرناه صحيحة محمّد بن مسلم، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): أيما ظئر قومٍ قتلت صبيّاً لهم وهي نائمة فقتلته فإنّ عليها الدية من مالها خاصة إن كانت إنّما ظايرت طلب العزّ والفخر، وإن كانت إنما ظايرت من الفقر فإنّ الدية على عاقلتها»، ورواها عبدالرحمن بن سالم، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، ورواها الحسين بن خالد وغيره عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) مثله (2).

وذكر الشهيد الثاني (قدس سره): أنّ هذه الروايات في أسنادها ضعف وجهالة(3)، وذكر الأردبيلي مثله (4)، ووافقهما على ذلك صاحب الجواهر (رحمه الله) (5).

ولكنّ الصحيح أن رواية محمّد بن مسلم صحيحة، فإنها مروية بطريقين: أحدهما فيه محمّد بن أسلم، وثانيهما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه، عن هارون ابن الجهم، عن محمّد بن مسلم، وهذا الطريق صحيح، وكأنهم لم يلتفتوا إلى هذا الطريق، وإلا فلا أقل من أن يعتبروا هذه الرواية حسنة.

وكيف كان فلا مناص من الأخذ بالرواية، ولكنّه يقتصر على موردها، ولا يمكن التعدّي إلى غيره من الموارد، ولولاه لم نلتزم بثبوت الدية أصلاً كما


1) المقنعة : 747، المراسم : 241، لاحظ الوسيلة : 454، السرائر 3: 365.

2) الوسائل 29: 265/ أبواب موجبات الضمان ب 29 ح 1، التهذيب 10: 222/ 873 و 223 / 874، المحاسن 2 : 14 / ذیل حدیث 1085.

3) الروضة 10 : 131.

4) مجمع الفائدة والبرهان 14 : 232.

5) الجواهر 43: 85.

حكم موت أحد الزوجين بعنف الآخر له جماعاً أو ضمّاً

(مسألة 230) : إذا أعنف الرجل بزوجته جماعاً في قبل أو دبر، أو ضمها إليه بعنف، فماتت الزوجة، فلا قود، ولكن يضمن الدية في ماله (1)، وكذلك الحال في الزوجة إذا أعنفت بزوجها فمات (2).


تقدّم في غير الظئر (1).

(1) على المشهور بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّ ثبوت الدية على طبق القاعدة، نظراً إلى أنه داخل في القتل شبيه العمد - صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) : أنّه سُئِل عن رجل أعنف على امرأته فزعم أنها ماتت من عنفه «قال: الدية كاملة، ولا يقتل الرجل» (2).

تؤيد ذلك رواية زيد عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل نكح امرأة في دبرها فألح عليها حتى ماتت من ذلك «قال: عليه الدية»(3).

(2) وذلك لأنّ النص وإن كان موردها الزوج إلا أنك عرفت أن الحكم على طبق القاعدة، فلا يحتاج إلى نص خاص.

وأما مرسلة يونس عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أعنف على امرأته أو امرأة أعنفت على زوجها فقتل أحدهما الآخر «قال : لا شيء عليهما إذا كانا مأمونين، فإن اتهما الزما اليمين بالله أنهما لم يريدا القتل » (4).


1) في ص 274.

2) الوسائل 29: 269/ أبواب موجبات الضمان ب 31 ح 1.

3) الوسائل 29: 269 / أبواب موجبات الضمان ب 31 ح 2.

4) الوسائل 29: 270 / أبواب موجبات الضمان ب 31 ح 4.

لو حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً

(مسألة 231) : من حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً فعليه ديته في ماله، ويضمن المال إذا تلف منه شيء على المشهور (1).


فلا يمكن الاستدلال بها على شيء، لإرسالها، ولأن في سندها صالح بن سعيد، وهو مجهول، على أنها لو تم سندها كانت محمولة على نفي القصاص دون الدية.

(1) استدلّ على كلا الحكمين بصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل حمل متاعاً على رأسه، فأصاب إنساناً فمات أو انكسر منه «فقال : هو ضامن»(1).

وقد ناقش الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك في طريق الرواية بوجود سهل بن زياد فيه، وفي دلالتها بأنّ إطلاقها مخالف للقواعد، لأنه إنما يضمن المصدوم في ماله مع قصده إلى الفعل وخطئه في القصد، فلو لم يقصد الفعل كان خطأ محضاً (2). وتبعه على ذلك المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد (3).

أقول : أما ما ذكراه (قدس سرهما) من المناقشة في سندها فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الرواية قد رويت بعدة طرق : في بعضها سهل بن زياد على ما رواه الكليني والشيخ في موضع من التهذيب، ولكنه رواها في موضع آخر من التهذيب بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، ورواها الصدوق


1) الوسائل 29: 244/ أبواب موجبات الضمان ب 10 ح 1.

2) المسالك 2 : 387 (حجري).

3) مجمع الفائدة والبرهان 14 : 234.

وفيه إشكال، والأقرب أنّ الدية على العاقلة (1)،


بإسناده عن ابن أبي نصر مثله(1). والرواية بهذين الطريقين صحيحة، ولا وجه للمناقشة فى دلالتها بأنّها مخالفة للقواعد كما هو ظاهر.

هذا، ولكنّ الشيخ الصدوق روى هذه الرواية بسنده الصحيح إلى داود بن سرحان عن أبي عبدالله (علیه السلام): في رجل حمل على رأسه متاعاً فأصاب إنساناً فمات أو كسر منه شيئاً «قال : هو مأمون» (2)، والمتن موافق لما في الفقيه.

وهذه الرواية تنافي ما دلّ على ضمان الحمال، فلا يمكن الاعتماد عليه في رفع اليد عما تقتضيه القاعدة، وهو عدم الضمان فيما إذا كان مأموناً.

ومما يؤكد عدم الضمان صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام): في الرجل يستأجر الحمّال فيكسر الذي يحمل عليه أو يهريقه «قال: إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (3)، والرواية موافقة لما في الفقيه.

فالنتيجة : أنّه لا دليل على ضمانه في ماله.

(1) وذلك لأنّه داخل في القتل الخطائي المحض، والدية فيه على عاقلة القاتل دونه كما عرفت.


1) الوسائل 19: 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 11، الكافي 7: 350/ 5، التهذيب / 10: 230 / 909 و 7،222 /973، الفقيه 3: 13/163.

2) الوسائل 29: 244 / أبواب موجبات الضمان ب 10 ح 1، الفقيه 4: 263/82.

3) الوسائل 19: 145/ كتاب الإجارة ب 29 ح 11 بتفاوت يسير، الفقيه 3: 163/ 715.

ولا ضمان عليه في تلف المال إذا كان مأموناً غير مفرط (1).

لو صاح على أحد فمات

(مسألة 232) : من صاح على أحدٍ فمات، فإن كان قصد ذلك أو كانت الصيحة في محلّ يترتب عليها الموت عادةً وكان الصائح يعلم بذلك فعليه القود (2)، وإلا فعليه الدية (3). هذا فيما إذا علم استناد الموت إلى الصحية،


(1) تدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدّمة، مضافاً إلى أنه مما تقتضيه القاعدة، وما دلّ على الضمان معارض بمثله.

(2) وذلك لأنه داخل في القتل عمداً وعداوناً، الذي هو الموضوع للقصاص على ما عرفت.

(3) لأنه داخل في القتل الشبيه بالعمد. وقد تقدّم أنّ الدية فيه على القاتل نفسه (1).

هذا، مضافاً إلى خصوص صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: أيما رجل فزع رجلاً من الجدار أو نفّر به عن دابته فخر فمات فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه» (2).

وعن الشيخ : أنّ الدية على العاقلة (3).

ولكنّه لا وجه له أصلاً، فإنّ القتل المستند إلى الصيحة داخل في الشبيه بالعمد، ولا يكون من الخطأ المحض لتكون الدية على العاقلة.

نعم، لو كانت الصيحة لا لإخافة شخص واتفق موته بها كان القتل خطأ


1) في ص 234 - 235.

2) الوسائل 29: 252/ أبواب موجبات الضمان ب 15 ح 2.

3) المبسوط 7: 158 - 159.

وإلّا فلا شيء عليه (1). ومثل ذلك ما لو شهر سلاحه في وجه إنسان فمات (2).

لو صدم شخصاً عمداً غير قاصد لقتله فمات

(مسألة 233) : لو صدم شخصاً عمداً غير قاصد لقتله، ولم تكن الصدمة مما يترتب عليه الموت عادةً، فاتفق موته، فديته في مال الصادم (3)، وأمّا إذا مات الصادم فدمه هدر (4)، وكذلك إذا كان الصادم المقتول غير قاصد للصدم، وكان المصدوم واقفاً في ملكه أو نحوه مما لا يكون فيه تفريط من قبله، وأما إذا كان واقفاً في مكان لا يسوغ له الوقوف فيه، كما إذا وقف في طريق المسلمين وكان ضيّقاً فصدمه إنسان من غير قصد فمات، كان ضمانه على المصدوم (5).


محضاً والدية فيه على عاقلته ولا شكّ في أنّ صحيحة الحلبي منصرفة عن ذلك.

(1) لأنّ القتل في هذا الفرض لم يعلم استناده إلى صيحته ومعه لا موجب لا للقصاص ولا للدية.

(2) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(3) يظهر الحال فيه مما عرفت.

(4) وذلك لاستناد موته إلى فعل نفسه فلا يكون دمه مضموناً، وبذلك يظهر وجه ما بعده.

(5) وذلك لاستناد القتل حينئذ إلى المصدوم عرفاً، نظير من وضع الحجر في الطريق فعثر به إنسان فمات، كما سيأتي بيانه (1). ومن هنا يظهر أنه لو مات المصدوم في الفرض فدمه هدر، فلا يكون الصادم ضامناً له.


1) في ص 298 - 299.

حكم اصطدام حرّان بالغان عاقلان قاصدان ذلك فماتا اتفاقاً

(مسألة 234) : لو اصطدم حرّان بالغان عاقلان قاصدان ذلك فماتا اتفاقاً، ضمن كل واحد منهما نصف دية الآخر (1) ولا فرق في ذلك بين كونهما مقبلين أو مدبرين أو مختلفين (2).

لو تصادم فارسان فمات الفرسان أو تعيبا

(مسألة 235): لو تصادم فارسان فمات الفرسان أو تعيبا فعلى كل واحد منهما نصف قيمة فرس الآخر أو نصف الارش (3). هذا إذا كان الفارس مالكاً للفرس. وأمّا إذا كان غيره ضمن نصف قيمة كلّ من الفرسين لمالكيهما (4).


(1) وذلك لأنّ كلّ واحد تلف بفعل نفسه وفعل غيره، فبطبيعة الحال يهدر النصف مقابل فعله، وحينئذٍ إن كانا متساويين في الدية سقط ما في ذمّة كلّ منهما بما يقابله في ذمة الآخر. وإن كانا مختلفين، كما إذا كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة، أو كان أحدهما مسلماً وكان الآخر كافراً، رجع ورثة صاحب الفضل إلى تركة الآخر فيأخذون الفضل منها.

(2) وذلك لأنّ الضابط فيما ذكرناه هو أن يكون كلّ منهما قاصداً للصدم بالآخر دون القتل.

نعم، إذا كان أحدهما أو كلاهما أعمى فجنايته على عاقلته كما تقدّم(1).

(3) وذلك لأنّ التلف أو التعيب مستند إلى فعلهما معاً. وعليه، فبطبيعة الحال يضمن كلّ منهما نصف الآخر، وحينئذٍ فإن تساوت القيمتان فلا شيء عليها لأجل التهاتر، وإن زادت قيمة أحدهما عن قيمة الآخر رجع صاحب الزيادة إلى الآخر في الزائد.

(4) يظهر وجه ذلك مما تقدّم.


1) في ص 99.

هذا كله إذا كان التلف مستنداً إلى فعل الفارس. وأما إذا استند إلى أمر آخر كإطارة الريح ونحوها مما هو خارج عن اختيار الفارس لم يضمن شيئاً (1)، ومثله ما إذا كان الاصطدام من طرف واحد، أو كان التعدّي منه، فإنّه لا ضمان حينئذٍ على الطرف الآخر، بل الضمان على المصطدم أو المتعدّي (2)، ويجري ما ذكرناه من التفصيل في غير الفرس من المراكب، سواء أكان حيواناً أم سيّارة أم سفينة أم غيرها.

هل تضمن العاقلة إذا اصطدم صبيان راکبان فماتا ؟

(مسألة 236) : إذا اصطدم صبيّان راكبان بأنفسهما أو بإذن وليهما إذناً سائغاً فماتا فعلى عاقلة كلّ منهما نصف دية الآخر (3).

لو اصطدم عبدان بالغان عاقلان فماتا

(مسألة 237): لو اصطدم عبدان بالغان عاقلان سواء أكانا راكبين أم راجلين أم مختلفين فماتا فلا شيء على مولاهما (4).


(1) وذلك لأنّ التلف لم يستند إليه أصلاً فلا ضمان عليه.

(2) الوجه في ذلك كله ظاهر.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، لأنّ عمدهما خطأ تحمله العاقلة، ولكن بما أن موت كلّ منهما مستند إلى فعله وفعل الآخر فبطبيعة الحال تضمن العاقلة النصف، لأنّ النصف الآخر مستند إلى فعل نفسه.

(4) وذلك لأن نصف دية كلّ منهما يذهب هدراً، لاستناده إلى فعل نفسه، والنصف الآخر ينتفي بانتفاء محلّه، لأن جناية العبد في رقبته.

فالنتيجة: أنه لا شيء على مولاهما.

لو اصطدم عبد وحرّ فماتا اتفاقاً

(مسألة 238) : إذا اصطدم عبد وحرّ فماتا اتفاقاً فلا شيء على مولى العبد ولا له من دية العبد شيء (1).

(مسألة 239) : إذا اصطدم فارسان فمات أحدهما دون الآخر ضمن الآخر نصف دية المقتول، والنصف الآخر منها هدر (2).


(1) أمّا الأوّل : فلأنّ جناية العبد في رقبته، فلا ضمان على مولاه.

وأما الثاني : فلأن نصف قيمة العبد وإن كان على الحرّ المصطدم إلا أن نصف ديته على رقبة العبد المصطدم، فيستحق وليّ المجني عليه ذلك النصف، فبطبيعة الحال يسقطان بالتهاتر وإن كان نصف قيمة العبد أكثر من نصف دية الحرّ، لما تقدّم من أنّه لا عبرة بالزيادة عندنا ولا أثر لها (1).

(2) وذلك لأنّه مستند إلى فعل نفسه فلا يكون ضمانه على الآخر. وأما معتبرة صالح بن عقبة عن أبي الحسن موسیٰ (علیه السلام) «قال : قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) في فارسين اصطدما فمات أحدهما فضمن الباقي دية الميت» (2).

فلا يمكن الاعتماد عليها، لأنها رواية شاذة لا عامل بها.

على أنه يمكن المناقشة في دلالتها، فإنّ الضمان إنما هو بمعنى ثبوت الشيء في العهدة، ومن الطبيعي أنّه إنما يكون بمقدار ما يستند إلى الجاني، فإذا كان الموت مستنداً إلى فعل الميت وفعل الباقي كان الباقي شريكاً في القتل، فضمانه إنما يكون بمقدار ما يستند إليه. ومن هنا حمل صاحب الجواهر ضمان تمام الدية


1) في ص 43 - 44.

2) الوسائل 29: 261 / أبواب موجبات الضمان ب 25 ح 1.

حكم اصطدام امرأتان إحداهما حامل فماتنا

(مسألة 240) : إذا اصطدمت امرأتان إحداهما حامل والأخرى غير حامل فماتتا، سقطت ديتهما (1)، وإذا قتل الجنين فعلى كل واحدة منهما نصف ديته إن كان القتل شبيه عمد، كما إذا كانتا قاصدتين للاصطدام وعالمتين بالحمل، وإلا فالقتل خطأ محض، فالدية على عاقلتهما. ومن ذلك يظهر حال ما إذا كانت كلتاهما حاملاً (2).

لو رمى إلى طرف قد يمرّ فيه إنسان فأصاب عابراً اتفاقاً

(مسألة 241): لو رمى إلى طرف قد يمرّ فيه إنسان فأصاب عابراً اتفاقاً، فالدية على عاقلة الرامي (3)، وإن كان الرامي قد أخبر من يريد العبور بالحال وحذره فعبر والرامي جاهل بالحال فأصابه الرمي فقتله لم يكن عليه شيء (4).


على ما إذا كان الموت مستنداً إلى فعل الباقي فقط، ولم يكن لفعل الميت دخل فيه أصلاً (1). وهذا الحمل بعيد جداً، والأقرب ما ذكرناه.

(1) وذلك لأنّ قتل كلّ واحدة منهما مستند إلى فعل نفسها وفعل الأخرى. وعليه، فبطبيعة الحال تضمن كلّ منهما نصف دية الأخرى، فيسقطان بالتهاتر.

(2) الوجه في ذلك كله ظاهر.

(3) من دون خلاف بين الفقهاء وذلك لأن القتل خطأ محض.

(4) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب.

والوجه في ذلك : أنّ المقتول - والحال هذه - قد أقدم على قتل نفسه فدمه هدر، فلا شيء على الرامي. أما القصاص فظاهر، لأنه ليس داخلاً في القتل


1) الجواهر 43: 67.

ولو اصطحب العابر صبيّاً فأصابه الرمي فمات، فهل فيه دية على العابر أو الرامي أو على عاقلتهما؟ فيه خلاف، والأقرب هو التفصيل (1) : فمن كان منهما عالماً بالحال فعليه نصف الدية، ومن كان جاهلاً بها فعلى عاقلته كذلك.


العمدي العدواني. وأمّا الدية : فلما عرفت من أنّ العابر هو الذي أقدم على ذلك.

وتؤيد ذلك رواية أبي الصباح عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان صبيان في زمان علي (عليه السلام) يلعبون بأخطار لهم، فرمى أحدهم بخطره فدق رباعيّة صاحبه، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأقام الرامي البينة بأنّه قال: حذار، فدرأ عنه القصاص، ثم قال : قد أعذر من حذر» (1).

(1) بيان ذلك : أنّ كلّاً من المصطحب والرامي :

تارةً : يكون عالماً بأنّ العبور عن هذا المكان في معرض التلف.

وأخرى : يكون جاهلاً.

وثالثةً : يكون أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.

فعلى الفرض الأول والثاني : لا يبعد اشتراكهما في القتل، لاستناده - والحال هذه - إلى كليهما معاً عرفاً، غاية الأمر أنّ القتل على الأوّل يدخل في القتل الشبيه بالعمد، لانصراف أدلّة القتل الخطائي المحض عن ذلك، فتكون الدية عليهما، وعلى الفرض الثاني يدخل في الخطأ المحض فالدية فيه على عاقلتها.

ومن هنا يظهر حال الفرض الثالث، فإنّ القتل مستند إليهما معاً، غاية الأمر أنه بالإضافة إلى الجاهل خطأ محض وبالإضافة إلى العالم شبيه عمد.


1) الوسائل 29: 69/ أبواب القصاص في النفس ب 26 ح 1.

ضمان الختان لو أخطأ فقطع حشفة غلام

(مسألة 242) : إذا أخطأ الختان فقطع حشفة غلام ضمن (1).

حكم الساقط من شاهق على غيره اختياراً فقتله

(مسألة 243): من سقطمن شاهق على غيره اختياراً فقتله، فإن كان قاصداً قتله أو كان السقوط مما يقتل غالباً فعليه القود (2)، وإلا فعليه الدية (3)،


وكذلك الحال في غير الرمي من أسباب القتل.

ومن هنا يظهر أنّه لا وجه لإطلاق ما عن القاضي والتحرير من أنّ الضمان على السبب دون المباشر وهو الرامي (1)، كما أنه لا وجه لتردّد جماعة في ذلك، منهم: المحقق في الشرائع والعلّامة في القواعد والشيخ في محكي المبسوط (2).

فالنتيجة : هي أنّ ما ذكرناه من التفصيل هو القوي.

(1) لأنه - مضافاً إلى دخوله في الجرح الشبيه بالعمد - تدلّ عليه معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أن علياً (عليه السلام) ضمن ختاناً قطع حشفة غلام» (3).

(2) لما تقدّم من أنّه داخل في القتل العمدي العدواني الذي هو الموضوع للقود (4).

(3) لأنّه داخل في القتل الشبيه بالعمد والثابت فيه هو الدية على القاتل دون القصاص.


1) المهذب 2: 508، التحرير 2: 263.

2) الشرائع 4: 257، القواعد 3: 652، حكاه عن المبسوط في الجواهر 70:43 وراجع المبسوط 7: 189.

3) الوسائل 29: 260/ أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 2.

4) في ص 3.

وإن قصد السقوط على غيره ولكن سقط عليه خطأ فالدية على عاقلته (1).

لو سقط من شاهق على شخص بغیر اختیاره

(مسألة 244) : إذا سقط من شاهق على شخص بغير اختياره، كما لو ألقته الريح الشديدة أو زلّت قدمه فسقط فمات الشخص، فالظاهر أنّه لادية لا عليه ولا على عاقلته، كما لا قصاص عليه (2).


(1) فإنّه داخل في القتل الخطائي المحض، وقد عرفت أن الدية فيه على العاقلة.

(2) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أن الدية إنما تترتب على القتل المستند إلى الفعل الاختياري، غاية الأمر أنه إذا كان خطأ محضاً فالدية على عاقلته والمفروض في المقام عدم الاختيار - عدّة نصوص:

منها : صحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله «فقال : ليس عليه شيء»(1).

ومنها : صحيحته الثانية، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما «قال: ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء» (2).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله «فقال : لا شيء عليه» الحديث (3).


1) الوسائل 29: 56 / أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 1.

2) الوسائل 29: 57 / أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 3.

3) الوسائل 29: 56 / أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 2.

حكم ما لو دفع شخصاً على آخر

(مسألة 245) : لو دفع شخصاً على آخر، فإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع بلا إشكال (1)، وأما إذا مات المدفوع عليه فالدية على المدفوع، وهو يرجع إلى الدافع (2).

لو ركبت جارية على أخرى فنخستها ثالثة فقمصت المركوبة قهراً فصرعت الراكبة فماتت

(مسألة 246) : لو ركبت جارية جارية أخرى فنخستها جارية ثالثة فقمصت الجارية المركوبة قهراً وبلا اختيار فصرعت الراكبة فماتت، فالدية على الناخسة دون المنخوسة (3).


(1) تدلّ عليه - مضافاً إلى أنّه بفعله المقصود، فيكون داخلاً في الشبيه بالعمد - صحيحة عبد الله بن سنان الآتية.

(2) خلافاً للمشهور بين المتأخرين، فذهبوا إلى أنّ الدية على الدافع.

وهذا وإن كان موافقاً لما تقتضيه القاعدة، نظراً إلى أن القتل مستند إلى الدافع، إلا أن صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله «قال: الدية على الذي دفع على الرجل فقتله لأولياء المقتول. قال: ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه. قال : وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً» (1)تدلّ على أنّ الدية على المدفوع، وهو يرجع إلى الدافع، وقد عمل الشيخ (قدس سره) بها في كتبه(2)، وحكي العمل بها عن غيره أيضاً.

فالنتيجة : أنّه لا بأس بالعمل بها في خصوص موردها.

(3) وذلك لأنّ الموت مستند إلى فعلها المقصود فيدخل في القتل الشبيه


1) الوسائل 29: 57 / أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 1.

2) التهذيب 10: 211 / 836.

---------------------------------------------------------------------------------

بالعمد، وقد تقدّم أنّ الدية فيه على القاتل (1).

وأما رواية الأصبغ بن نباتة، قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في جارية ركبت جارية فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة (2).

فهي ضعيفة بأبي جميلة وأبي عبدالله الرازي الجاموراني، فلا يمكن الاعتماد عليها.

ودعوى انجبارها بالشهرة المحكيّة على لسان الفاضلين والشهيد في المسالك (3).

ممنوعة صغرى وكبرى، أما الصغرى: فلأنه لم يثبت عمل المشهور بها، ولذا لم ينقل العمل بها إلا عن الشيخ والقاضي (4). وأما كبرى : فلما بيناه في محله مفصلاً (5).

وهنا قول آخر : وهو أنّ على الناخسة والقامصة ثلثا الدية، ويسقط الثلث من جهة ركوب الواقصة عبثاً، واختار هذا القول جماعة، منهم: صاحب المقنعة والغنية وهو المحكي عن الإصباح والكافي (6).

واستندوا في ذلك إلى مرسلة المفيد في الإرشاد: أن علياً (عليه السلام) رفع إليه باليمن خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثاً ولعباً، فجاءت جارية


1) في ص 234 - 235.

2) الوسائل 29: 240 / أبواب موجبات الضمان ب 7 ح 1.

3) الشرائع 4 : 258، التحرير 2: 267 (حجري)، المسالك 2: 388 (حجري).

4) المقنعة : 763، المهذب 2: 499.

5) مصباح الأصول 2 : 201 - 202.

6) المقنعة : 750، الغنية 2 : 416، الإصباح : 502 - 503، الكافي: 394.

---------------------------------------------------------------------------------

أخرى فقرصت الحاملة، فقفزت لقرصها، فوقعت الراكبة فاندقت عنقها فهلكت، فقضى علي (عليه السلام) على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثاً القامصة، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأمضاه (1).

ولكنّها لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها أصلاً، فإذن الصحيح هو ما ذكرناه.


1) الوسائل 29: 240 / أبواب موجبات الضمان ب 7 ح 2.

فروع

الأول : من دعا غيره ليلاً فأخرجه من منزله فهو له ضامن حتى يرجع

(الأول) : من دعا غيره ليلاً فأخرجه من منزله فهو له ضامن حتى يرجع إلى منزله فإن فقد ولم يعرف حاله فعليه ديته (1)


(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، بل عن الغنية وغاية المرام الإجماع على ذلك (1).

وتدلّ على ذلك صحيحة عمرو بن أبي المقدام، قال : كنت شاهداً عند البيت الحرام ورجل ينادي بأبي جعفر الدوانيقي وهو يطوف ويقول : يا أمير المؤمنين، إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلاً فأخرجاه من منزله فلم يرجع إليَّ، ووالله ما أدري ما صنعا به، فقال لهما : ما صنعتها به ؟ - إلى أن قال : - فقال لأبي عبدالله (عليه السلام) وهو قابض على يده يا جعفر، اقض بينهم «فقال : اقض بينهم أنت» قال بحقي عليك إلا قضيت بينهم قال : فخرج جعفر (عليه السلام) فطرح له مصلى قصب - إلى أن قال : - فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «يا غلام، اكتب : بسم الله الرّحمن الرّحيم، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كلّ من طرق رجلاً بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن إلّا أن يقيم البينة أنه قد ردّه إلى منزله. يا غلام، نح هذا الواحد منهما واضرب عنقه» فقال : يابن رسول الله، والله ما أنا قتلته، ولكنّى أمسكته ثم جاء هذا فوجأه فقتله «فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يا غلام نح هذا فاضرب عنقه


1) الغنية 2: 414، لاحظ غاية المرام 4 : 427 - 429.

---------------------------------------------------------------------------------

للآخر» فقال : يابن رسول الله، والله ما عذبته ولكنّى قتلته بضربة واحدة، فأمر أخاه فضرب عنقه، ثم أمر بالآخر فضرب جنبيه وحبسه في السجن ووقع على رأسه يحبس عمره، يضرب كلّ سنة خمسين جلدة»(1)، والرواية مطابقة لما في الفقيه.

وتؤيدها رواية عبدالله بن ميمون عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا دعا الرجل أخاه بليل فهو له ضامن حتى يرجع إلى بيته» (2).

بقي هنا أمران :

الأوّل : أنّه لا إشكال ولا خلاف في ثبوت الدية فيما فقد الخارج ولم يعرف حاله، كما أنّه لا إشكال ولا خلاف في عدم ثبوت القود في فرض عدم وجدانه مقتولاً، فإنّ الضمان الثابت بمقتضى الرواية لا يدلّ على ثبوت القود، وأما أمر الإمام (عليه السلام) الغلام بضرب عنق أحد الرجلين فهو قضيّة في واقعة، ولا يبعد كون أمره هذا مقدّمةً لظهور الحال وانكشاف الواقع، وإلا فلا وجه لاختصاص ضرب العنق بأحدهما، كما لا وجه لتصدّيه (علیه السلام) للاقتصاص، فإنّ الاقتصاص حق للولي وهو أخ الميت في مفروض الكلام. وإنما الإشكال فيما إذا وجد الرجل قتيلاً، فالمشهور أنه لا قود حينئذٍ أيضاً ما لم يثبت ببينة أو إقرار أن القاتل هو المخرج.

ولكن ذهب العلّامة في الإرشاد إلى ثبوت القود عندئذٍ (3)، ونُسِب ذلك إلى المفيد (4).


1) الوسائل 29 : 51 / أبواب القصاص في النفس ب 18 ح 1، الفقيه 4: 86/ 279.

2) الوسائل 29: 52/ أبواب القصاص في النفس ب 18 ح 2.

3) الارشاد 2: 224.

4) المقنعة : 746.

نعم، إن ادّعى أهل الرجل القتل على الداعي المخرج فقد تقدّم حكمه في ضمن مسائل الدعاوي.

الثاني : إذا جاءت الظئر بالولد فأنكره أهله صُدّقت ما لم يثبت كذبها

(الثاني) : أنّ الظئر إذا جاءت بالولد فأنكره أهله صدقت ما لم يثبت كذبها (1)، فإن علم كذبها وجب عليها إحضار الولد، والمشهور أنّ عليها


ولا نعرف له وجهاً ظاهراً، فإنّ القود لا يثبت إلا مع ثبوت القتل من المخرج، والمفروض - في المقام - أنه لم يثبت.

الثاني : أنّ الخارج إذا وُجِد ميّتاً ولم يكن فيه أثر القتل، فهل يثبت الضمان على المخرج ؟ فيه خلاف أثبته المحقق في النافع (1)، ونفاه في الشرائع (2).

والصحيح في المقام هو التفصيل.

بيان ذلك : أنه إن احتمل استناد الموت إلى المخرج وإن كان لأمر غير ظاهر فالضمان عليه، لإطلاق الدليل، وأما إذا علم أنه مات حتف أنفه أو بسبب آخر لا يد للمخرج فيه فلا ضمان عليه، والرواية منصرفة عنه جزماً.

(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك صحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل استأجر ظئراً فدفع إليها ولده فغابت بالولد سنين ثم جاءت بالولد وزعمت أمه أنها لا تعرفه، وزعم أهلها أنهم لا يعرفونه «فقال: ليس لهم ذلك


1) المختصر النافع : 305.

2) الشرائع 4: 259.

الدية مع عدم إحضارها الولد، ووجهه غير ظاهر (1)، ولو ادّعت الظئر أن الولد قد مات صدقت (2).


فليقبلوه، إنما الظئر مأمونة»(1)، ونحوها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (علیه السلام) (2).

(1) وذلك لأنّه لا دليل في المسألة ما عدا دعوى الاتفاق وعدم الخلاف من الأصحاب، فعندئذٍ إن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنه غير تام، لعدم حصول القطع أو الاطمئنان منه بقول المعصوم (عليه السلام). فإذن الأقرب هنا عدم ثبوت الدية عليها.

وأما صحيحة سليمان بن خالد الآتية فلا تدلّ على الضمان فيما نحن فيه، لأنّ موردها خيانة الظئر، فلا يمكن التعدّي عنه إلى المقام، حيث لم تثبت خيانتها، و مجرّد كذبها لا يوجب خروجها عن عنوان الأمين، وعلى فرض خروجها عنه بالكذب لا يمكن الالتزام بالدية بتلك الصحيحة، وذلك لأنّ ثبوت الدية في مثل المقام بما أنّه على خلاف القاعدة فلابد من الاقتصار على موردها، والمفروض عدم وجود دليل آخر على الضمان، أما اليد فلا أثر لها في المقام، حيث إنّ الحرّ لا يضمن بإثبات اليد عليه، والدية مترتبة على القتل، وهو غير ثابت.

ومن هنا يظهر أنّ ما في الجواهر من الاستدلال بفحواها على ثبوت الدية في المقام (3)غريب جداً.

(2) لأنّها،أمينة كما تقدّم في صحيحتي الحلبي وسليمان بن خالد.


1) الوسائل 29: 266/ أبواب موجبات الضمان ب 29 ح 2.

2) الوسائل 21: 469 / أبواب أحكام الأولاد ب 80 ح 1.

3) الجواهر 84:43.

الثالث : لو استأجرت الظئر امرأةً أخرى ودفعت الولد إليها بغير إذن أهله

(الثالث) : لو استأجرت الظئر امرأة أخرى ودفعت الولد إليها بغير إذن أهله، فجهل خبره، ولم تأت بالولد، فعليها دية كاملة (1)


(1) تدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل استأجر ظئراً فدفع إليها ولده، فانطلقت الظئر فدفعت ولده إلى ظئر أخرى فغابت به حيناً، ثمّ إنّ الرجل طلب ولده من الظئر التي كان أعطاها ابنه فأقرّت أنها استأجرته وأقرّت بقبضها ولده، وأنها كانت دفعته إلى ظئر أخرى «فقال (عليه السلام) : عليها الدية أو تأتي به»(1).

وصحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل استأجر ظئراً فأعطاها ولده، وكان عندها، فانطلقت الظئر واستأجرت أخرى فغابت الظئر بالولد فلايدري ما صنعت به «قال (عليه السلام) الدية كاملة» (2)، ومثلها صحيحة ابن مسكان وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)(3).

ثم إنه لا إشكال في ثبوت الحكم فيما إذا لم يكن موت الولد وحياته معلوماً، لإطلاق الروايات، وأمّا إذا علم موته فالظاهر أيضاً ثبوت الحكم، لإطلاق الصحيحة، بل لا يبعد أن يكون ثبوت الدية في هذا الفرض أولى.


1) الوسائل 21: 469 / أبواب أحكام الأولاد ب 80 ح 2.

2) الوسائل 29: 267 / أبواب موجبات الضمان ب 29 ح 3.

3) الوسائل 29: 267 / أبواب موجبات الضمان ب 29 ح 3.

فروع التسبيب

لو أدخلت المرأة أجنبيّاً في بيت زوجها فجاء الزوج وقتل الرجل، فهل تضمن المرأة ديته ؟

(مسألة 247) : إذا أدخلت المرأة أجنبيّاً في بيت زوجها فجاء الزوج وقتل الرجل، فهل تضمن المرأة ديته ؟ فيه وجهان والأقرب عدم الضمان (1)

حكم ما لو وضع حجراً في ملكه أو في ملك غيره أو في طريق مسلوك

(مسألة 248) : لو وضع حجراً في ملكه لم يضمن دية العاثر به اتفاقاً، ولو وضعه في ملك غيره أو في طريق مسلوك وعثر به شخص فمات أو


(1) وفاقاً لجماعة، منهم : المحقق والحلّي والفخر والكركي(1)، ولعلّه المشهور. والوجه في ذلك : هو أنه لا دليل على ضمانها.

وأما ما رواه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن حفص، عن عبدالله بن طلحة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت له : رجل تزوج امرأة، فلما كان ليلة البناء عمدت المرأة إلى رجل صديق لها فأدخلته الحجلة، فلما دخل الرجل يباضع أهله ثار الصديق فاقتتلا في البيت، فقتل الزوج الصديق، وقامت المرأة فضربت الزوج ضربةً فقتلته بالصديق «فقال : تضمن دية الصديق وتقتل بالزوج» (2).

فلا يمكن الاعتماد عليه، لأنّ الرواية ضعيفة، فإنّ محمّد بن حفص الذي


1) المختصر النافع : 305، السرائر 3: 363، إيضاح الفوائد 4 : 661، حكاه عن الكركي في الجواهر 43: 89.

2) الوسائل 29: 62 / أبواب القصاص في النفس ب 23 ح 3.

جرح ضمن ديته، وكذلك لو نصب سكيناً أو حفر بئراً في ملك غيره أو في طريق المسلمين فوقع عليه أو فيها شخص فجرح أو مات ضمن ديته (1).


يروي عنه إبراهيم بن هاشم مجهول، وعبدالله بن طلحة لم يرد فيه توثيق ولا مدح.

فالأظهر أن دم الرجل هدر والقاتل لا شيء عليه، لأنه قتله دفاعاً.

(1) تدلّ على ذلك عدة نصوص:

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمرّ الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره «فقال : كلّ شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه»(1).

ومنها صحيحة أبي الصباح الكناني، قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام): من أضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن» (2).

ومنها : معتبرة سماعة، قال : سألته عن الرجل يحفر البئر في داره أو في أرضه «فقال: أما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، وأما ما حفر في الطريق أو في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيه» (3).

ومنها : صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له : رجل حفر بئراً في غير ملكه، فمرّ عليها رجل فوقع فيها «فقال : عليه الضمان، لأنّ كلّ من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان» (4).


1) الوسائل 29: 243 / أبواب موجبات الضمان ب 9 ح 1.

2) الوسائل 29 : 241 / أبواب موجبات الضمان ب 8 ح 2.

3) الوسائل 29: 241 / أبواب موجبات الضمان ب 8 ح 3.

4) الوسائل 29 : 241 / أبواب موجبات الضمان ب 8 ح 1.

هذا إذا كان العابر جاهلاً بالحال، وأما إذا كان عالماً بها فلا ضمان له (1).

لو حفر في طريق المسلمين ما فيه مصلحة العابرين فاتفق وقوع شخص فيه فمات

(مسألة 249) : لو حفر في طريق المسلمين ما فيه مصلحة العابرين فاتفق وقوع شخص فيه فمات، قيل : لا يضمن الحافر، وهو قريب (2).


وتشعر بذلك صحيحته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: لو أنّ رجلاً حفر بئراً في داره ثم دخل رجل (داخل) فوقع فيها لم يكن عليه شيء ولا ضمان، ولكن ليغطّها»(1).

(1) لأنّه - والحال هذه - قد أقدم على قتل نفسه باختياره، فبطبيعة الحال يكون دمه هدراً، فلا ضمان على أحد.

(2) وفاقاً لجماعة، منهم الشيخ في محكي المبسوط والنهاية والفاضل والشهيد الثاني والمحقق في الشرائع (2). وخلافاً لجماعة، منهم: فخر المحققين وصاحب الجواهر (قدس الله أسرارهم)(3).

والوجه فيما ذكرناه : أنّ الإمام (عليه السلام) قد جعل الموضوع للضمان في صحيحة الحلبي المتقدّمة هو الإضرار، مع أنّ السؤال فيها كان عن مطلق وضع شيء في الطريق ولو لمصلحة عامة، فهو يدلّ على أن مطلق وضع الشيء فيه ليس موضوعاً له. ومن المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين وضع شيء في الطريق أو حفر بئر فيه، فالمناط في الضمان هو الإضرار.


1) الوسائل 29: 242 / أبواب موجبات الضمان ب 8 ح 4.

2) المبسوط 7: 186، النهاية : 761، القواعد 3: 654، المسالك 2: 390 (حجري)، الشرائع 4: 261.

3) إيضاح الفوائد 4: 663، الجواهر 43: 102.

ضمان معلّم الصبي للسباحة لو غرق مستنداً إلى فعله

(مسألة 250) : لو كان يعلّم صبيّاً السباحة فغرق الصبي اتفاقاً، ضمن المعلّم إذا كان الغرق مستنداً إلى فعله (1)، وكذا الحال إذا كان بالغاً رشيداً (2)، وقد تقدّم حكم التبري عن الضمان.

حكم اشتراك جماعة في قتل واحد منهم خطأ

(مسألة 251) : إذا اشترك جماعة في قتل واحد منهم خطاً، كما إذا اشتركوا في هدم حائط - مثلاً - فوقع على أحدهم فمات، سقط من الدية بقدر حصة المقتول، والباقي منها على عاقلة الباقين، فإذا كان الاشتراك بين اثنين سقط نصف الدية لأنه نصيب المقتول، ونصفها الآخر على عاقلة الباقي، وإذا كان الاشتراك بين ثلاثة سقط ثلث الدية، وثلثان منها على عاقلة الشخصين الباقيين، وهكذا (3).


(1) لأنه داخل في القتل الشبيه بالعمد. وقد تقدم أن ديته على القاتل(1). نعم، إذا كان القتل مستنداً إلى تفريطه، وكان مما يوجب القتل عادةً، أو كان قاصداً له، ثبت القصاص على المشهور. ولا فرق في ذلك بين إذن الولي وعدمه. وقد تقدّم الكلام في حكم قتل الصبي مفصلاً (2).

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) بلا خلاف ظاهر، والوجه في ذلك واضح، وهو أن الدية في أمثال الموارد - أي موارد الاشتراك في القتل - تتقسّط على فعل كل واحد منهم. وعليه، فبطبيعة الحال يسقط منها بالمقدار المستند إلى فعل المقتول فيبقى الباقي على ذمّة الباقين.


1) في ص 234 - 236.

2) في ص 84 - 86.

لو أراد إصلاح سفينة حال سيرها فغرقت بفعله

(مسألة 252): لو أراد إصلاح سفينة حال سيرها فغرقت بفعله، كما لو أسمر مسماراً فقلع لوحة أو أراد ردم موضع فانهتك، ضمن ما يتلف فيها من مال لغيره أو نفس (1).

عدم ضمان مالك الجدار بوقوعه على إنسان أو حيوان فأتلفه

(مسألة 253) : لا يضمن مالك الجدار ما يتلف من إنسان أو حيوان بوقوع جداره عليه إذا كان قد بناه في ملكه أو في مكان مباح، وكذلك الحال لو وقع في طريق فمات شخص بغباره (2). نعم، لو بناه مائلاً إلى غير ملكه أو بناه في ملك غيره فوقع على إنسان أو حيوان اتفاقاً فمات ضمن (3)،


وأما رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في حائط اشترك في هدمه ثلاثة نفر فوقع على واحد منهم فمات، فضمن الباقين ديته، لأنّ كلّ واحد منهما ضامن لصاحبه»(1)

فهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، فلا يمكن الاعتماد عليها أصلاً.

(1) أمّا ضمان المال : فللإتلاف المستند إلى فعله، وأما ضمان النفس: فلأنه داخل في القتل الشبيه بالعمد.

(2) وذلك لعدم الدليل على الضمان بعد ما لم يكن القتل مستنداً إلى فعله، والأصل يقتضي عدمه، مضافاً إلى ما يستفاد من الروايات السابقة في حفر البئر ونحوه من أنّ الضمان يدور مدار الإضرار والتفريط فلا ضمان بدونه.

(3) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وذلك للإضرار والتفريط الذي هو الموضوع للضمان في الروايات المتقدّمة.


1) الوسائل 29: 236 / أبواب موجبات الضمان ب 3 ح 1.

ولو بناه في ملكه ثم مال إلى الطريق أو إلى غير ملكه فوقع على عابر فمات ضمن مع علمه بالحال وتمكنه من الإزالة أو الإصلاح قبل وقوعه (1)، ولو وقع مع جهله أو قبل تمكنه من الإزالة أو الإصلاح لم يضمن (2).

هل يجوز نصب الميازيب وتوجيهها نحو الطرق النافذة ؟

(مسألة 254): يجوز نصب الميازيب وتوجيهها نحو الطرق النافذة، فلو وقعت على إنسان أو حيوان فتلف لم يضمن (3).


(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) وذلك لعدم صدق التعدّي والتفريط في هذه الصورة، فلا ضمان بدونه.

(3) على المشهور بين الأصحاب، وذلك للسيرة الجارية بين المسلمين على ذلك، حيث إنّه بفعله هذا غير متعدٍّ على الفرض، وقد تقدّم أنّ الموضوع للضمان في الروايات السابقة هو التعدّي والتفريط بالإضرار (1).

وعلى هذا، فلا وجه لما عن الشيخ في المبسوط والخلاف من أنّه يضمن(2)، وذلك لعدم الدليل عليه بعد عدم شمول الروايات المتقدمة لمثل المقام.

وأما معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أخرج ميزاباً أو كنيفاً أو أوتد وتداً أو أوثق دابةً أو حفر شيئاً في طريق المسلمين فأصاب شيئاً فعطب فهو له ضامن»(3).

فالظاهر أنها أجنبية عن محلّ الكلام، فإنّه فيما إذا سقط الميزاب فأضر بإنسان أو حيوان، وأمّا مورد المعتبرة فبقرينة قوله : «فأصاب شيئاً» هو الإضرار به


1) في ص 300.

2) المبسوط 7: 188 - 189، الخلاف 5 : 290 - 291 / 118 و 119.

3) الوسائل 29: 245/ أبواب موجبات الضمان ب 11 ح 1.

نعم، إذا كانت في معرض الانهيار مع علم المالك بالحال وتمكنه من الإزالة أو الإصلاح ضمن (1)، وفي حكم ذلك إخراج الرواشن والأجنحة (2).

لو أجج ناراً في ملكه فسرت إلى ملك غيره اتفاقاً

(مسألة 255) : لو أجّج ناراً في ملكه فسرت إلى ملك غيره اتفاقاً، لم يضمن، إلا إذا كانت في معرض السراية، كما لو كانت كثيرة أو كانت الريح عاصفة، فإنّه يضمن (3)، ولو أجّجها في ملك غيره بدون إذنه ضمن ما يتلف بسببها من الأموال والأنفس (4)، ولو كان قاصداً إتلاف النفس أو كان التأجيج مما يترتب عليه ذلك عادةً وإن لم يكن المقصود إتلافها ولم يكن الشخص التالف متمكناً من الفرار والتخلّص ثبت عليه القود (5).


حال كونه مثبتاً في الحائط بأن كان منصوباً في مكان سافل، ومن المعلوم أنّه ليس له حق نصب مثل هذا الميزاب أو نحوه الذي يضر بالمارة، بل عليه أن ينصب على نحو لا يكون مضرّاً.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) فإنّ الضابط في ذلك هو أنّ كلّ ما كان إحداثه في الطريق جائزاً غير مضر لا يضمن المحدث ما يتلف بسببه اتفاقاً.

(3) يظهر الحال في كلّ ذلك مما عرفت.

(4) وذلك للتعدّي والتفريط بالإضرار بالغير، وقد تقدّم ثبوت الضمان فيه (1).

(5) لأنّه داخل في القتل العمدي العدواني الذي هو الموضوع للاقتصاص.


1) في ص 300.

لو ألقی قشر موز في الطريق أو أسال الماء فيه فزلق به انسان فتلف

(مسألة 256) : لو ألقى قشر بطيخ أو موز ونحوه في الطريق، أو أسال الماء فيه فزلق به إنسان فتلف أو كسرت رجله - مثلاً - ضمن (1).

حكم مالو وضع إناءً على حائط فسقط فتلف به إنسان أو حيوان

(مسألة 257): لو وضع إناء على حائط وكان في معرض السقوط فسقط فتلف به إنسان أو حيوان ضمن، وإن لم يكن كذلك وسقط اتفاقاً لعارض لم يضمن (2).

حكم جناية الدابة الصائلة المهملة

(مسألة 258): يجب على صاحب الدابة حفظ دابته الصائلة، كالبعير المغتلم والكلب العقور، فلو أهملهما وجنيا على شخص ضمن جنايتها (3).


وعلى ذلك تحمل معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام): «أنّه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم فاحترقت الدار واحترق أهلها واحترق متاعهم قال : يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل»(1).

(1) وذلك لأنه إضرار في طريق المسلمين، وقد تقدم أنه يوجب الضمان(2). نعم، لا ضمان فيما لا يعدّ إضراراً عرفاً وإن ترتب عليه الضرر اتفاقاً، كرش الطريق بالماء، ولا سيما إذا كان لمصلحة العابرين، فإنّه لا دليل على الضمان حينئذ، وقد جرت السيرة القطعية على جواز ذلك من دون نكير.

(2) قد تبيّن الحال في جميع ذلك مما سبق.

(3) من دون خلاف وإشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدّة نصوص:


1) الوسائل 29: 279 / أبواب موجبات الضمان ب 41 ح 1 والمتن موافق لما في الفقيه 4: 120 / 419.

2) في ص 299.

نعم، لو جهل المالك بالحال أو علم ولكنّه لم يفرّط فلا ضمان عليه (1).


منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سئل عن بختي (1)اغتلم(2)فخرج من الدار فقتل رجلاً فجاء أخو الرجل فضرب الفحل بالسيف «فقال: صاحب البختي ضامن للدية، ويقتص ثمن بختيّه» (3).

ومنها : صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (علیه السلام)، قال: سألته عن بختي مغتلم قتل رجلاً، فقام أخو المقتول فعقر البختي وقتله، ما حاله ؟ «قال : على صاحب البختي دية المقتول، ولصاحب البختي ثمنه على الذي عقر بختيه» (4).

ثم إن مورد النصوص وإن كان هو البختي إلّا أنّ من الظاهر أنّه لا خصوصيّة له من هذه الناحية، ومن هنا لم ينسب إلى أحد من الأصحاب تخصيص الحكم به.

(1) بلا خلاف ظاهر، لانصراف إطلاق الروايات المتقدمة عن الصورة التي لا تقصير للمالك فيها أصلاً.

وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): البئر جبار والعجماء جبار والمعدن


1) البختي : واحد البخت وهي الإبل الخراسانية، القاموس المحيط - بخت - 1: 143.

2) الاغتلام: هيجان البعير عند شدة الشهوة الجنسية، انظر القاموس المحيط - غلم - 4 :.157.

3) الوسائل 29: 250/ أبواب موجبات الضمان ب 14 ح 1.

4) الوسائل 29: 251/ أبواب موجبات الضمان ب 14 ح 4.

---------------------------------------------------------------------------------

جبار»(1)، ومثلها معتبرة زيد بن علي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2).

وتؤيد ذلك مرسلة يونس عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «بهيمة الأنعام لا يغرم أهلها شيئاً» (3).

ومن المعلوم أنّ العجماء إنما يكون جباراً في فرض عدم التسبيب والتفريط من قبل المالك كما في المقام، وإلا فلا شبهة في الضمان كما عرفت.

وتدلّ على ذلك أيضاً معتبرة زيد بن على، عن آبائه، عن علي (عليه السلام): «أنّه كان يضمن صاحب الكلب إذا عقر نهاراً، ولا يضمنه إذا عقر بالليل» الحديث (4).

ومعتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال : كان علي (عليه السلام) لا يضمن ما أفسدت البهائم نهاراً، ويقول : على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمن ما أفسدت البهائم ليلاً» (5).

ثمّ إنّ من الواضح أنّ التفصيل بين النهار والليل في الضمان وعدمه ليس إلا من ناحية أنّ التفريط من المالك في الغالب يكون في النهار دون الليل فالعبرة في الضمان وعدمه إنما هي بتفريط المالك وعدمه.

وتؤيد ذلك رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله : «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا صال الفحل أوّل مرّة لم يضمن صاحبه، فإذا ثنّى ضمن


1) الوسائل 29: 271/ أبواب موجبات الضمان ب 32 ح 2.

2) الوسائل 29: 272/ أبواب موجبات الضمان ب 32 ح 5.

3) الوسائل 29: 271 / أبواب موجبات الضمان ب 32 ح 3.

4) الوسائل 29: 255/ أبواب موجبات الضمان ب 17 ح 3.

5) الوسائل 29: 276/ أبواب موجبات الضمان ب 40 ح 1.

ولو جنى على صائلة، فإن كان دفاعاً عن نفسه أو ماله لم يضمن (1)، وإلّا ضمن وإن كانت جنايته انتقاماً من جنايتها على نفس محترمة أو غيرها (2).


صاحبه»(1).

ومرسلة الحلبي، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علياً (عليه السلام) إلى اليمن فأفلت فرس لرجل من أهل اليمن، ومرّ يعدو، فمرّ برجل فنفحه برجله فقتله، فجاء أولياء المقتول إلى الرجل فأخذوه فرفعوه إلى علي (عليه السلام) فأقام صاحب الفرس البينة عند علي (عليه السلام) أنّ فرسه أفلت من داره ونفح الرجل، فأبطل عليّ (علیه السلام) دم صاحبهم، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالوا : يا رسول الله، إنّ علياً (عليه السلام) ظلمنا وأبطل دم صاحبنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : إنّ علياً ليس بظلام ولم يخلق للظلم، إنّ الولاية لعلي من بعدي والحكم حكمه والقول قوله، لا يردّ حكمه وقوله وولايته إلا كافر» (2)، ورواها الصدوق مسنداً، لكن السند ضعيف.

(1) تقدّم الكلام في ذلك في باب الدفاع (3).

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحتا الحلبي وعلي بن جعفر المتقدّمتان.


1) الوسائل 29: 251/ أبواب موجبات الضمان ب 14 ح 2.

2) الوسائل 29 : 257 / أبواب موجبات الضمان ب 20 ح 1، الأمالي للصدوق : 428/ 566.

3) مباني تكملة المنهاج 1: 425.

عدم الضمان فما أفسدته البهائم نهاراً

(مسألة 259) : إذا كان حفظ الزرع على صاحبه في النهار - كما جرت العادة به - فلا ضمان فيما أفسدته البهائم. نعم، إذا أفسدته ليلاً فعلى صاحبها الضمان (1).

لو هجمت دابة على أخرى فجنت الداخلة

(مسألة 260) : لو هجمت دابّة على أخرى فجنت الداخلة، ضمن صاحبها جنايتها إذا فرّط في حفظها، وإلّا فلا ولو جنت بها المدخولة كانت هدراً (2).


(1) تدلّ على ذلك معتبرة السكوني المتقدّمة ومعتبرة هارون بن حمزة، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن البقر والغنم والإبل تكون في الرعي (المرعى) فتفسد شيئاً، هل عليها ضمان ؟ «فقال : إن أفسدت نهاراً فليس عليها ضمان من أجل أن أصحابه يحفظونه، وإن أفسدت ليلاً فإنّه عليها ضمان»(1).

وقد تقدّم أنّ العبرة في الضمان وعدمه إنما هو بالتفريط وعدمه(2)، فجعل الضمان في الليل دون النهار إنما هو باعتبار

التفريط في الأول دون الثاني، كما صرّح بذلك في هاتين المعتبرتين.

(2) يظهر الحال فيها مما تقدّم من أنّ الضمان وعدمه في أمثال الموارد يدوران مدار التفريط وعدمه.

وتؤيد ذلك رواية مصعب بن سلام التميمي، عن أبي عبدالله، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ ثوراً قتل حماراً على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فرفع ذلك إليه وهو في أناس من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر، فقال: يا أبا بكر، اقض بينهم، فقال : يا رسول الله، بهيمة قتلت بهيمة ما عليهما شيء، فقال:


1) الوسائل 29: 277 / أبواب موجبات الضمان ب 40 ح 3.

2) في ص 302.

لو دخل رجل دار قوم فعقره کلبهم

(مسألة 261) : إذا دخل دار قوم فعقره کلبهم ضمنوا جنايته إن كان الدخول بإذنهم، وإلا فلا ضمان عليهم (1).


يا عمر، اقض بينهم، فقال : مثل قول أبي بكر، فقال: يا علي، اقض بينهم، فقال : نعم يا رسول الله، إن كان الثور دخل على الحمار في مستراحه ضمن أصحاب الثور، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليهم، قال : فرفع رسول الله يده إلى السماء فقال : الحمد لله الذي جعل مني من يقضي بقضاء النبيين» (1)، وقريب منها رواية سعد بن طريف الإسكاف(2).

(1) من دون خلاف بين الفقهاء، وتدلّ على ذلك عدّة روايات :

منها : معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم فعقره كلبهم، قال: لا ضمان عليهم، وإن دخل بإذنهم ضمنوا» (3).

ومنها : معتبرة زيد بن علي، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام): «أنّه كان يضمّن صاحب الكلب إذا عقر نهاراً، ولا يضمّنه إذا عقر بالليل، وإذا دخلت دار قوم بإذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون، وإذا دخلت بغير إذن فلا ضمان عليهم»(4).


1) الوسائل 29: 256 / أبواب موجبات الضمان ب 19 ح 1، 2.

2) الوسائل 29: 256 / أبواب موجبات الضمان ب 19 ح 1، 2.

3) الوسائل 29: 254 / أبواب موجبات الضمان ب 17 ح 2.

4) الوسائل 29: 255/ أبواب موجبات الضمان ب 17 ح 3.

وإذا عقر الكلب إنساناً خارج الدار، فإن كان العقر في النهار ضمن صاحبه، وإن كان في الليل فلا ضمان (1).

هل يضمن مالك الهرة لو أتلفت مال أحد ؟

(مسألة 262) : إذا أتلفت الهرّة المملوكة مال أحد، فهل يضمن مالكها ؟ قال الشيخ : نعم، بالتفريط مع الضراوة والأظهر عدم الضمان مطلقاً (2).

هل يضمن راكب الدابة وقائدها ما تجنيه بيديها ورجليها ؟

(مسألة 263) : يضمن راكب الدابة وقائدها ما تجنيه بيديها (3) وكذلك ما تجنيه برجليها إن كانت الجناية مستندة إليهما،


(1) بلا خلاف ظاهر، وتدلّ عليه معتبرة زيد بن علي (عليه السلام) المتقدمة. ثم إن التفصيل بين الليل والنهار إنّما هو من ناحية صدق التفريط في حفظه إذا كان في النهار، وعدمه إذا كان في الليل. وعليه، فلا خصوصيّة للزمان، والضمان إنما يدور وجوداً وعدماً مدار التفريط وعدمه.

(2) الوجه في ذلك : هو أنّ الظاهر عدم تحقق التفريط بالإضافة إلى الهرة، حيث إنّ العادة قد جرت على التحفّظ عن الهرّة لا على حفظها عن التعدّي، فإنّها متعدّية في طبعها مملوكة كانت أم لم تكن، ولا ضمان في جناية العجماء، فإنّها جبار. وعليه، فلا موجب للضمان أصلاً.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنه سئل عن الرجل يمر على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته إنساناً برجلها «فقال : ليس عليه ما أصابت برجلها، ولكن عليه ما أصابت بيدها، لأنّ رجليها خلفه إن ركب، فإن كان قاد بها فإنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء»(1)، وقريب


1) الوسائل 29: 247 / أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 3.

بأن كانت بتفريط منهما، وإلا فلا ضمان (1)،


منها صحيحة سليمان بن خالد (1).

ومنها معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنه ضمن القائد والسائق والراكب، فقال : «ما اصاب الرجل فعلى السائق، وما أصاب اليد فعلى القائد والراكب»(2).

و مقتضى هذه الروايات هو ضمان القائد والراكب ما تجنيه دابته بيديها مطلقاً ولو كان بدون تفريط منهما.

بقي هنا شيء : وهو أنّ المحقق (قدس سره) ذكر في الشرائع أنه لو كان مع الراكب مالك الدابة فالضمان على المالك دون الراكب (3). وذهب إليه العلّامة في القواعد والشهيد في اللمعة (4).

ولكنّه لا وجه له أصلاً، إلّا إذا كان المالك قائداً لها، فعندئذٍ الضمان عليه بمقتضى التعليل في ذيل صحيحتي الحلبي وسليمان بن خالد، كما أنه لو كان الراكب هو المالك والقائد غيره فالضمان على القائد.

فالنتيجة : هي أنّه في صورة اجتماع القائد والراكب يكون الضمان على القائد، سواء أكان مالكاً أم كان غيره.

(1) أمّا الضمان مع التفريط : فلا إشكال فيه، وأمّا عدم الضمان بدونه : فلعدم


1) الوسائل 29: 249 / أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 9.

2) الوسائل 29: 248/ أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 5.

3) الشرائع 4: 264.

4) القواعد 3: 657، اللمعة 10: 162.

---------------------------------------------------------------------------------

الدليل عليه، وقد تقدّم أنّه لا ضمان في جناية العجماء، فإنها جبار، وأما ما دلّ على الضمان فهو عدّة روايات:

منها : معتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في صاحب الدابة أنّه يضمن ما وطئت بيدها ورجلها وما نفحت(1)برجلها فلا ضمان عليه، إلا أن يضربها إنسان»(2)، ولكنها لم تثبت، فإنّ الشيخ رواها بعينها خالية عن كلمة «ورجلها»، بل يظهر من الوافي أنّ هذه الكلمة لم تكن موجودة في الكافي أيضاً، فيظهر من ذلك أن نسخ الكافي كانت مختلفة.

ومنها : معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ علياً (علیه السلام) ضمن صاحب الدابة ما وطئت بيديها ورجليها، وما بعجت برجلها فلا ضمان عليه، إلا أن يضربها إنسان» الحديث (3)، كذا في التهذيب، لكن هذه الرواية أيضاً لم تثبت فإنّ الصدوق رواها في الفقيه خالية عن كلمة «ورجليها» وفيه جملة : «وما نفحت» بدل جملة «وما بعجت»، ويظهر من الوافي أيضاً أنّ هذه الكلمة لم تكن موجودة في التهذيب أيضاً، ومن ذلك يتبيّن أنّ نسخ التهذيب كانت مختلفة.

ومنها : معتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ علياً (عليه السلام) كان يضمن الراكب ما وطئت الدابة بيدها أو رجلها، إلا أن يعبث بها أحد فيكون الضمان على الذي عبث بها»(4).


1) نفحت: ضربت برجلها الصحاح - نفح - 1: 412.

2) الوسائل 29: 247 / أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 4، التهذيب 10: 227 / 894، الكافي 7: 353،11، الوافي 16: 842/ 16251.

3) الوسائل 29: 248/ أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 7، التهذيب، 10: 224 / 880، الفقيه 4: 402/116، الوافي 16: 16251/842.

4) الوسائل 29: 249/ أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 10.

كما أنهما لا يضمنان ما ضربته الدابة بحافرها إلّا إذا عبث بها أحد، فيضمن العابث جنايتها (1)، وأما السائق فيضمن ما تجنيه الدابة برجلها دون يدها (2)،


ولكنّها معارضة بالروايات المتقدّمة الدالة على عدم ضمان الراكب والقائد ما تجنيه الدابة برجلها، فتسقط بالمعارضة فالنتيجة ما ذكرناه.

(1) أمّا عدم ضمان ما تضربه الدابة بحافرها : فإنّه - مضافاً إلى أنه مقتضى القاعدة - تدلّ عليه معتبرتا أبي مريم وغياث بن إبراهيم المتقدمتان. وأما ضمان العابث : فلدلالة ذيل معتبرة إسحاق بن عمار المتقدمة عليه.

(2) تدلّ على ذلك معتبرة السكوني المتقدّمة (1).

وعلى ذلك تحمل معتبرته الثانية : أنّ علياً (عليه السلام) كان يضمن القائد والسائق والراكب(2).

ولا تعارضها رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام): أنّه سئل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته، فتصيب برجلها «قال : ليس عليه ما أصابت برجلها، وعليه ما أصابت بيدها، وإذا وقف فعليه ما أصابت بيدها ورجلها، وإن كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها أيضاً» (3).

وذلك لضعفها سنداً، فإنّ في سندها محمّد بن سنان، وهو لم يثبت توثيقه ولا مدحه.


1) في ص 312.

2) الوسائل 29: 249 / أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 11.

3) الوسائل 29: 247/ أبواب موجبات الضمان ب 13 ح 2.

إلا إذا كانت الجناية مستندة إليه بتفريطه فإنّه يضمن (1).

لو وقف بدابته فهل عليه ضمان ما تصيبه بيدها ورجلها ؟

(مسألة 264) : المشهور أنّ من وقف بدابته فعليه ضمان ما تصيبه بيدها ورجلها (2)، وفيه إشكال، والأقرب : عدم الضمان (3).


بقي هنا شيء: وهو أنّ المعروف والمشهور بين الأصحاب - بل ادعي عليه الإجماع - : أن السائق يضمن ما تجنيه دابته برجلها ويدها، ومستندهم في ذلك رواية العلاء بن الفضيل، ولكنّك عرفت ضعفها فلا يمكن الاعتماد عليها في استنباط حكم شرعي والإجماع الكاشف عن قول المعصوم (علیه السلام) غير ثابت، فالأظهر ما ذكرناه.

(1) وجهه ظاهر.

(2) بل في الجواهر بلا خلاف أجده فيه(1)، واستندوا في ذلك إلى رواية العلاء بن الفضيل المتقدّمة، وقال في الجواهر : بل الظاهر ضمان ما تجنيه مطلقاً ولو برأسها وغيره، وإن اقتصر المصنّف كالشيخ في محكي المبسوط على اليدين والرجلين اعتماداً على ما ذكره في الراكب، بل الظاهر أيضاً عدم الفرق في ذلك بين الطريق الضيق والواسع والمفرط وغيره والراكب والقائد والسائق، عملاً بإطلاق النص والفتوى (2).

(3) وجه الإشكال : ما عرفت من أنّ الرواية ساقطة بضعفها سنداً، ودعوى الانجبار بعمل الأصحاب مدفوعة بما ذكرناه من المناقشة فيها صغرى وكبرى، والإجماع التعبّدي الكاشف عن قول الإمام عليه السلام) غير ثابت. فإذن


1) جواهر الكلام 43: 138.

2) حكاه في الجواهر 43: 138.

لو ركب الدابة رديفان فوطئت شخصاً فمات أو جرح

(مسألة 265): لو ركب الدابة رديفان، فوطئت شخصاً فمات أو جرح، فالضمان عليهما بالسوية (1).


الأقرب ما ذكرناه من عدم ضمانه إلّا فيما إذا كانت الجناية مستندة إليه، بأن كانت بتفريط منه.

نعم، إذا أوقفها في طريق يضر بالعابرين فعندئذٍ يضمن، لما تقدم من أنّ من أضر بطريق المسلمين فهو له ضامن (1)، ومن ذلك يظهر أنه لو سلمنا صحة الرواية فلايمكن التعدّي من موردها إلى غيره. وعليه، فلا وجه لما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من ضمان ما تجنيه برأسها أو غيره، إلّا في فرض التفريط، فإنّه خارج عن محلّ الكلام.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب.

ويدلّ على ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام): في دابة عليها رديفان، فقتلت الدابة رجلاً أو جرحته، فقضى بالغرامة بين الرديفين بالسوية (2)، ورواه الشيخ بإسناده عن سلمة بن تمام عن علي (عليه السلام).

ولكن صاحب الجواهر (قدس سره) زعم انحصار الرواية بالثانية، فقال : إنّ ضعف الرواية منجبر بعمل المشهور (3)وغفل عن أنها مرويّة في الفقيه بطريقٍ صحيح.


1) في ص 299.

2) الوسائل 29: 281/ أبواب موجبات الضمان ب 43 ح 1، بتفاوت يسير، الفقيه 4: 116 / 401، التهذيب 10 : 234 / 926، وفيه أو جرحت فقضى الغرامة.

3) جواهر الكلام 43: 141.

هل يضمن مالك الدابة لو ألقت راكبها فمات أو جرح ؟

(مسألة 266) : إذا ألقت الدابّة راكبها فمات أو جرح فلا ضمان على مالكها (1). نعم، لو كان القاؤها له مستنداً إلى تنفيره ضمن (2).

لو حمل المولى عبده على دابته فوطئت رجلاً

(مسألة 267): لو حمل المولى عبده على دابته فوطئت رجلاً، ضمن المولى ديته. ولا فرق في ذلك بين أن يكون العبد بالغاً أو غير بالغ (3)،


(1) وذلك لعدم الموجب لضمان المالك هنا بعد عدم استناد الإلقاء إليه.

(2) لتفريطه الموجب لاستناد الإلقاء إليه. وعليه، فبطبيعة الحال يضمن.

فالنتيجة : أن الإلقاء إذا كان مستنداً إليه بأن يكون بتفريط منه ضمن، وإلا فلا.

(3) تدلّ على ذلك صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل حمل عبده على دابته فوطئت رجلاً «قال : الغرم على مولاه»(1).

ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون العبد بالغاً أو غير بالغ.

خلافاً لابن إدريس، حيث اشترط في ضمانه كون المملوك صغيراً حتى يكون تفريطاً منه بإركابه مع صغره، وأما إذا كان بالغاً فالضمان عليه لا على مولاه (2). واستحسنه المحقق في الشرائع (3).

وفيه : أنه لا وجه لهذا التفصيل مع إطلاق النصّ المذكور، فإن مقتضاه الضمان، سواء أكان بتفريط منه أم لم يكن.


1) الوسائل 29: 253 / أبواب موجبات الضمان ب 16 ح 1.

2) السرائر 3: 372.

3) الشرائع 4: 264 - 265.

ولو كانت جنايتها على مال لم يضمن (1).

لو شهر سلاحه في وجه إنسان ففرّ وألقى نفسه في بئر أو من شاهق اختياراً فمات

(مسألة 268) : لو شهر سلاحه في وجه إنسان، ففرّ وألقى نفسه في بئر أو من شاهق اختياراً فمات، فلا ضمان عليه (2)،


ودعوى : أنّ كلمة «الحمل» ظاهرة في عدم قابلية الراكب للركوب بنفسه، فيختص الحكم بما إذا كان العبد صغيراً، كما في الجواهر (1).

لا يمكن المساعدة عليها، على أنّ النسبة بين الصغر وعدم قابلية الركوب عموم من وجه.

(1) وذلك لعدم الدليل على ضمان المولى.

(2) وفاقاً لجماعة، منهم : الشيخ والشهيد والمحقق الأردبيلي وصاحب الجواهر (قدس الله أسرارهم) (2).

وخلافاً للعلّامة في التحرير، حيث رجّح القول بالضمان(3).

وفيه : أنّه لا وجه له بعد ما كان هو المباشر للموت باختياره، غاية الأمر أن يكون في حكم المكره، وقد مرّ أنّه لا شيء على المكره فيما إذا قتل المكرَه نفسه (4).


1) الجواهر 43: 143.

2) الشيخ في المبسوط 7: 159، حكاه عن الشهيد في الجواهر 43: 59، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 14 : 236 - 237، الجواهر 43 : 59.

3) التحرير 2: 262 (حجري).

4) في ص 19.

وأمّا إذا كان بغير اختيار، كما إذا كان أعمى أو بصيراً لا يعلم به، فقيل : إنّه يضمن، ولكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدم الضمان (1). وكذلك الحال إذا اضطره إلى مضيق فافترسه سبع اتفاقاً أو ما شاكل ذلك (2).

لو أركب صبيّاً بدون إذن الولي على دابة فسقط ومات

(مسألة 269) : لو أركب صبيّاً بدون إذن الولي على دابة وكان في معرض السقوط فوقع فمات ضمن ديته (3)،


(1) خلافاً لظاهر كلمات الأصحاب، حيث إنّهم أوجبوا الضمان على المخيف نظراً إلى أنّه السبب للموت وهو أقوى من المباشر.

هذا، ولكن الالتزام بذلك مشكل جدّاً، بل لا يبعد عدم الضمان، والوجه في ذلك : هو أن الضمان بالتسبيب - بما أنّه على خلاف القاعدة - يحتاج إلى دليل، بعد عدم صحة إسناد الفعل إلى السبب، وقد تقدّم الدليل على ذلك في موارد خاصة تقدّمت ضمن المسائل السابقة، ولا يمكن التعدّي عنها إلى غيرها. وعلى ذلك، ففي المقام - بما أنّ الفعل مستند إلى المباشر دون السبب، ولا دليل على ضمانه - لا يمكن الالتزام به.

نعم، لو تم إجماع على ذلك فهو، ولكنّه غير تام، نظراً إلى عدم كون هذه المسألة محرّرة في كلمات كثير منهم.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) لأنّ الصبي وإن كان ركوبه باختياره وإرادته، ولكن بما أنّ إرادته ملغاة ولا أثر لها فبطبيعة الحال يستند الموت إلى المركب عرفاً.

نعم، إذا لم يكن في معرض ذلك وكان اتفاقياً محضاً بحيث لا يصح إسناده إليه عرفاً فالظاهر عدم الضمان إلّا إذا تم إجماع على الضمان مطلقاً، ولكنّه غير تام، فإنه وإن نقل عدم الخلاف في المسألة إلّا أنّ مثله لا يكون كاشفاً عن قول

ولو أركب صبيّين كذلك فتصادما فتلفا ضمن ديتهما تماماً إن كان المركب واحداً، وإن كانا اثنين فعلى كلّ واحد منهما نصف دية كلّ منهما، وإن كانوا ثلاثة فعلى كلّ منهم ثلث دية كلّ منهما وهكذا، وكذلك الحال إذا أركبهما وليهما مع وجود المفسدة فيه (1).

فروع تزاحم الموجبات

لو كان أحد شخصين مباشراً للقتل والآخر سبباً

(مسألة 270) : إذا كان أحد شخصين مباشراً للقتل والآخر سبباً له ضمن المباشر، كما إذا حفر بئراً في غير ملكه ودفع الآخر ثالثاً إليها فسقط فيها فمات، فالضمان على الدافع إذا كان عالماً، وأمّا إذا كان جاهلاً فالمشهور أنّ الضمان على الحافر، وفيه إشكال، ولا يبعد كون الضمان على كليهما (2)،


المعصوم (عليه السلام).

فالنتيجة : أنه بعد فقدان النصّ على الضمان في المقام يدور الضمان وعدمه مدار إسناد الموت عرفاً إلى المركب وعدم إسناده إليه كذلك.

(1) يظهر الوجه في كلّ ذلك مما سبق.

(2) أما في صورة العلم فلا خلاف بين الأصحاب في ضمان الدافع، ويدل عليه أنّ القتل مستند إليه دون الحافر، وما دلّ على ضمانه لا يشمل هذه الصورة، وأمّا في صورة جهل الدافع بالحال فالمعروف والمشهور بين الأصحاب - بل يظهر من غير واحد منهم دعوى الإجماع عليه - أنّ الضمان على الحافر دون الدافع.

وإذا أمسك أحدهما شخصاً وذبحه الآخر فالقاتل هو الذابح كما تقدم، وإذا وضع حجراً - مثلاً - في كفّة المنجنيق وجذبه الآخر فأصاب شخصاً فمات أو - جرح فالضمان على الجاذب دون الواضع (1).

حكم ما لو حفر بئراً في ملكه وغطاها ودعا غيره فسقط فيها

(مسألة 271) : لو حفر بئراً في ملكه وغطّاها ودعا غيره فسقط فيها، فإن كانت البئر في معرض السقوط كما لو كانت في ممر الدار وكان قاصداً للقتل أو كان السقوط فيها مما يقتل غالباً ثبت القود، وإلا فعليه الدية (2)،


أقول : إن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنّه غير تام، حيث لا يحصل منه الاطمئنان بقول المعصوم (عليه السلام). وعليه، فلا يبعد أن يكون الضمان على كليهما معاً، أما الحافر : فلإطلاق ما دلّ على ضمانه، وأما الدافع : فلاستناد القتل إليه، فيكون داخلاً فى القتل الشبيه بالعمد والجهل بالحال لا يكون رافعاً، لصحة استناد القتل إليه، ومن هنا لو دفع شخصاً إلى حفيرة طبيعية لا يعلمها الدافع فسقط فيها فمات، أو دفعه إلى بئر في ملكه لا يعلمها، فلا شبهة في ضمان الدافع. ولا فرق بين ذلك وما نحن فيه.

(1) أمّا في صورة علم الجاذب بترتب الموت على فعله: فواضح، وأمّا في صورة جهله به : فلاستناد القتل إليه، فيدخل في القتل الشبيه بالعمد أو الخطأ المحض على اختلاف الموارد وأمّا السبب فلا ضمان عليه، لعدم استناد القتل إليه.

(2) أما ثبوت القود في الفرض الأول : فلأنه داخل في موضوع القصاص، وهو القتل العمدي العدواني، وأمّا ثبوت الدية في الفرض الثاني : فلأنه داخل في القتل الشبيه بالعمد وقد تقدّم أنّ الضمان فيه على القاتل (1).


1) في ص 234 - 235.

وإن لم تكن في معرض السقوط واتفق سقوطه فيها لم يضمن (1).

هل الضمان بالنسبة لو اجتمع سببان لموت شخص؟

(مسألة 272) : لو اجتمع سببان لموت شخص، كما إذا وضع أحدٌ حجراً - مثلاً - في غير ملكه وحفر الآخر بئراً فيه فعثر ثالث بالحجر وسقط في البئر فمات، فالأشهر أن الضمان على من سبقت جنايته، وفيه إشكال، فالأظهر أنّ الضمان على كليهما (2). نعم، إذا كان أحدهما متعدّياً، كما إذا حفر بئراً في غير ملكه والآخر لم يكن متعدّياً، كما إذا وضع حجراً في ملكه فمات العاثر بسقوطه في البئر، فالضمان على المتعدّي (3).


وتؤيد ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم فعقره كلبهم، قال : لاضمان عليهم، وإن دخل بإذنهم ضمنوا» (1).

(1) وذلك لعدم استناد القتل إليه حتى يضمن.

(2) الوجه في ذلك : هو أنّه لا دليل على ما هو الأشهر بين الأصحاب عدا ما قيل من أنّه يستصحب أثر السبب الأوّل وبه يرجح على السبب الثاني. وفيه : أنّه لا مجال للاستصحاب أصلاً، حيث إنّه لا أثر للسبب الأول قبل السبب الثاني، بل هو مستند إلى كليهما معاً.

فالنتيجة : أنّ نسبة الضمان بالإضافة إلى كلا السببين على حد سواء، فلا وجه لترجيح السابق جناية على اللاحق كذلك.

(3) وذلك لما تقدّم من أنّ الضمان في مثل ذلك على المتعدّي(2)، وهو الحافر


1) الوسائل 29: 254/ أبواب موجبات الضمان ب 17 ح 2.

2) في ص 299.

لو حفر بئراً في الطريق عدواناً فسقط شخصان فيها

(مسألة 273) : إذا حفر بئراً في الطريق عدواناً فسقط شخصان فيها فهلك كلّ واحد منهما بسقوط الآخر فيها فالضمان على الحافر (1).

لو قال لآخر ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة فألقی

(مسألة 274): لو قال لآخر : ألق متاعك فى البحر لتسلم السفينة من الغرق والخطر، وكانت هناك قرينة على المجانية وعدم ضمان الآمر، فألقاه المأمور، فلا ضمان على الآمر، ولو أمر به وقال : وعلي ضمانه، ضمن إذا كان الإلقاء لدفع الخوف ونحوه من الدواعي العقلائية (2)، وأما إذا لم يكن ذلك


في ملك الغير في المثال.

(1) لما تقدّم مما دلّ على ضمان الحافر (1). ولا فرق فيه بين أن يكون موت كليهما مستنداً إلى سقوطهما فى البئر معاً، أو مستنداً إلى سقوط كلّ واحد منهما فيها مستقلاً. ولا موجب لضمان كلّ منهما للآخر في الفرض الأوّل، فإنّ الموضوع للضمان القتل الاختياري ولو كان خطأ، والمفروض في المقام أنّ السقوط لم يكن باختيارهما.

(2) بلاخلاف بين الأصحاب، بل ادّعي عدم الخلاف فيه بين العامة والخاصة إلا من أبي ثور، بل عن الشيخ في محكيّ الخلاف دعوى إجماع الأمة على ذلك عداه (2).

والوجه في ذلك : هو أنّ السيرة العقلائية قد جرت على ضمان من أمر غيره بإتلاف ماله لا مجاناً فأتلفه وهي حجّة في المقام، ومع وجود هذه السيرة لا أثر للإجماع المذكور، لاحتمال أن يكون مدركه تلك السيرة.


1) في ص 299.

2) حكاه عن أبي ثور في الجواهر 43: 150، الخلاف 5: 275 / 95.

ومع هذا قال : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فالمشهور على أنّه لا ضمان عليه، بل ادعي الإجماع عليه، وفيه إشكال، والأقرب هو الضمان (1).

لو أمر شخصاً بإلقاء متاعه في البحر وقال: علي وعلى ركاب السفينة ضمانه

(مسألة 275( : لو أمر شخصاً بإلقاء متاعه في البحر وقال: عليّ وعلى ركاب السفينة ضمانه، فإن قال ذلك من قبلهم بتخيل أنهم راضون به ولكنّهم بعد ذلك أظهروا عدم الرضا به ضمن الآمر بقدر حصته دون تمام المال (2)، وكذلك الحال فيما إذا ادّعى الإذن من قبلهم ولكنّهم أنكروا ذلك (3)، وأما إذا


(1) وذلك لعدم اختصاص السيرة المتقدّمة بما إذا كان هناك غرض عقلائي في الإتلاف والإجماع المدّعى في المقام على عدم الضمان لم يثبت.

(2) وذلك لأنّ الظاهر من مثل هذا هو ضمان المجموع للمتاع على نحو الاشتراك، ومرجعه إلى ضمان كلّ منهم ما يخصه على حسب التقسيط. وعلى هذا، فلا موجب لضمان الآمر تمام المال.

والوجه فيه : هو أنّ إتلاف المالك ماله وإلقائه في البحر مستند إلى ضمان الآمر مع الركاب لا إلى ضمانه فحسب، فلا موجب لضمانه تمام المال التالف.

(3) خلافاً للمحقق في الشرائع والعلّامة في القواعد والتحرير، حيث قالا بضمان الآمر للجميع عند إنكار بقية الركاب (1).

ولكنه مما لا وجه له، فإنّ الضمان يحتاج إلى سبب من تفريط أو غرور من قبل الآمر ونحو ذلك، وشيء من ذلك لا يكون هنا إذا لم يثبت كذبه واحتمل اشتباهه فيه، بل التفريط حينئذ من المالك من جهة عدم استبانته الحال.


1) الشرائع 4: 266، القواعد 3: 664، التحرير 2: 263 (حجري).

قال ذلك مدعياً الإذن منهم أو بدونه ولكن مع ذلك قال : لو لم يعط هؤلاء فأنا ضامن، فإنّه يضمن التمام إذا لم يقبلوا (1).

لو وقع من شاهق أو في بئر فتعلّق بآخر، وإذا تعلّق الثاني بالثالث

(مسألة 276) : إذا وقع من شاهق أو في بئر أو ما شاكل ذلك فتعلّق بآخر ضمن ديته، وإذا تعلّق الثاني بالثالث ضمن كل من الأول والثاني نصف دية الثالث، وإذا تعلّق الثالث بالرابع ضمن كلّ من الثلاثة ثلث دية الرابع، وإذا تعلّق الرابع بالخامس ضمن كلّ من الأربعة ربع دية الخامس، وهكذا. هذا كله فيما إذا علم بتعلّق المجذوب بالآخر (2)، وإلا فالقتل بالإضافة


(1) والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ إتلاف المالك ماله مستند إلى ضمان الآمر تمام عوضه عند امتناع البقية عن الأداء.

(2) بيان ذلك : أنّ ضمان الأوّل تمام دية الثاني باعتبار أن موته مستند إلى فعله فحسب، وأمّا أنّ دية الثالث على الأوّل والثاني فباعتبار أن موته مستند إلى فعل كليهما معاً، فإنّ الأوّل لو رفع اليد عن الثاني لم يقع الثالث، وكذا لو رفع الثاني اليد عن الثالث. وعليه، فبطبيعة الحال كان وقوعه مستنداً إلى فعل كليهما. ومن هنا يظهر وجه أنّ دية الرابع على الأول والثاني والثالث معاً، وهكذا.

وأما ما احتمله العلّامة (قدس سره) في الإرشاد وغيره من أنّ الثاني كالأوّل ضامن لتمام دية الثالث والثالث ضامن لتمام دية الرابع (1).

ففيه : أنّه لا وجه له أصلاً، فإنّ مقتضى القاعدة ما ذكرناه.


1) الإرشاد 2 : 228.

إليه خطأ محضt والدية فيه على العاقلة. نعم، يستثنى من ذلك ما إذا وقع في زبية الأسد فتعلّق بالآخر وتعلّق الثاني بالثالث والثالث بالرابع، فقتلهم الأسد، ضمن أهل الأوّل ثلث دية الثاني والثاني ثلثي دية الثالث، والثالث تمام دية الرابع (1).


(1) وفاقاً للمشهور.

وتدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أربعة اطلعوا في زبية الأسد فخر أحدهم فاستمسك بالثاني، واستمسك الثاني بالثالث، واستمسك الثالث بالرابع، حتى أسقط بعضهم بعضاً على الأسد فقتلهم الأسد، فقضى بالأوّل فريسة الأسد، وغرّم أهله ثلث الدية لأهل الثاني وغرّم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية، وغرّم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة» (1).

أقول : الصحيحة بما أنّها مخالفة للقاعدة فلابد من الاقتصار على موردها، فلا يمكن التعدّي منه إلى غيره من الموارد وهي قضيّة في واقعة.

وقد ناقش الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك في سند هذه الرواية باشتراك محمّد بن قيس بين الثقة وغيره (2).

ولكن لا موضع للمناقشة، لأنّ محمّد بن قيس الواقع في سند هذه الرواية هو الذي يروي قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو البجلي الثقة بقرينة رواية عاصم عنه.


1) الوسائل 29: 237 / أبواب موجبات الضمان ب 4 ح 2.

2) المسالك 2: 393 (حجري).

لو جذب غيره إلى بئر فسقط المجذوب عليه فمات الجاذب

(مسألة 277) لو جذب غيره إلى بئر - مثلاً - فسقط المجذوب فمات الجاذب بسقوطه عليه فدمه هدر (1)، ولو مات المجذوب فقط ضمنه الجاذب (2)، فإن كان قاصداً لقتله أو كان عمله مما يؤدّي إلى القتل عادةً فعليه القود (3)، وإلا فعليه الدية (4)، وإذا مات كلاهما معاً فدم الجاذب هدر ودية المجذوب في مال الجاذب (5).


وأما رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ قوماً احتفروا زبية للأسد باليمن فوقع فيها الأسد فازدحم الناس عليها ينظرون إلى الأسد فوقع رجل فتعلّق بآخر فتعلّق الآخر بآخر والآخر بآخر فجرحهم الأسد، فمنهم من مات من جراحة الأسد، ومنهم من أخرج فمات، فتشاجروا في ذلك حتى أخذوا السيوف، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هلموا أقض بينكم، فقضى أن للأوّل ربع الدية، والثاني ثلث الدية، والثالث نصف الدية، والرابع الدية كاملة» الحديث (1).

فهي ضعيفة سنداً بسهل بن زياد ومحمد بن الحسن بن شمون وعبدالله بن عبدالرحمن الأصم، فلا يمكن الاعتماد عليها أصلاً.

(1) وذلك لأنه صار سبباً لموت نفسه، فلا موجب لضمان غيره له.

(2) لأنّ موت المجذوب مستند إلى فعله.

(3) لتحقق موضوع القصاص، وهو القتل العمدي العدواني.

(4) لأنّه داخل في القتل الشبيه بالعمد.

(5) يظهر وجه ذلك مما ذلك مما سبق.


1) الوسائل 29: 236 / أبواب موجبات الضمان ب 4 ح 1.

حكم سقوط شخص في بئر فجذب ثانياً، والثاني ثالثاً

(مسألة 278) : لو سقط في بئر - مثلاً - فجذب ثانياً، والثاني ثالثاً، فسقطوا فيها جميعاً فماتوا بسقوط كلّ منهم على الآخر، فعلى الأوّل ثلاثة أرباع دية الثاني (1)، وعلى الثاني ربع دية الأوّل (2)، وعلى كل واحد من الأول والثاني نصف دية الثالث (3)،


(1) بيان ذلك : أنّ الثاني بما أنّ موته مستند إلى جذب الأوّل إياه وإلى جذبه الثالث فيثبت نصف ديته على الأوّل من ناحية جذبه له، وحيث إنّ وقوع الثالث مستند إلى جذب كلّ من الأوّل والثاني دون الثاني وحده فيثبت على الأول ربعدية الثاني أيضاً، ويسقط ربع ديته من ناحية فعل نفسه وهو جذبه الثالث.

(2) وذلك لأن موت الأوّل بما أنّه مستند إلى سقوط الثاني والثالث عليه فبطبيعة الحال تسقط ثلاثة أرباع ديته، أما سقوط نصفها : فمن جهة استناده إلى جذبه وحده الثاني، وأما سقوط ربعها فمن جهة اشتراكه مع الثاني في جذب الثالث. وعليه، فيتقسّط النصف الباقي عليهما معاً، فلا محالة يبقى ربع ديته على الثاني. ثمّ إنّ الأوّل والثاني إذا كانا متساويين في الدية كالحرين - مثلاً - حصل التهاتر بينهما في الربع ونتيجته : هي أنّ على الأوّل نصف دية الثاني ولا شيء على الثاني، وأما إذا لم يكونا متساويين - كما إذا كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة - حصل التهاتر بينهما بحسب المقدار.

(3) وذلك لأنّ موته مستند إلى جذب كليهما، فلا محالة تتقسّط ديته عليهما.

ودعوى : أن موته مستند إلى جذب الثاني فقط، لأنه غير ملجأ إلى جذبه، فهو المباشر للجذب دون الأوّل.

ولا شيء على الثالث (1). ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا جذب الثالث رابعاً، وهكذا.


لا يمكن المساعدة عليها، لأن سقوط الثالث معلول لجذب الأوّل الثاني وجذبه الثالث معاً، وبانتفاء واحد منهما ينتفي السقوط، فالسقوط مستند إليهما لا محالة.

(1) لعدم استناد موت أحد إلى فعله، وإنما القتل مستند إلى جذب الأولين.

ديات الأعضاء

إشاة

وفيها فصول :

الفصل الأوّل في دية القطع

وجوب الدية في قطع كلّ عضو من أعضاء الإنسان أو ما بحكمه

إشارة

(مسألة 279) : في قطع كلّ عضو من أعضاء الإنسان أو ما بحكمه الدية، وهي على قسمين :

الأول : : ما ليس فيه مقدّر خاص في الشرع.

الثاني : ما فيه مقدّر كذلك.

أما الأول : فالمشهور أنّ فيه الأرش، ويسمّى بالحكومة، وهو أن يفرض الحرّ مملوكاً فيقوم صحيحاً مرّة وغير صحيح أخرى، ويؤخذ ما به التفاوت بينهما إذا كانت الجناية توجب التفاوت، وأمّا إذا لم توجبه فالأمر بيد الحاكم، فله أن يأخذ من الجاني ما يرى فيه مصلحة، وفيه إشكال، والأظهر أنّ له ذلك مطلقاً حتى فيما إذا كانت الجناية موجبة للتفاوت (1).


(1) وجه الإشكال : هو أنّ الإجماع المدعى في المسألة إنما هو الإجماع على الحكومة، وأمّا تفسيرها بما ذكر في المتن فلم يثبت بدليل ولا إجماع عليه.

وأمّا الثاني : فهو في ستة عشر موضعاً :


فإذن الصحيح ما ذكرناه، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية اليد إذا قطعت خمسون من الإبل، وما كان جروحاً دون الاصطلام فيحكم به ذوا عدل منكم « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»» (1).

فإنّ هذه الصحيحة تدلّ على أن تعيين الدية في الجروح دون الاصطلام إنما هو بحكم ذوي عدل من المسلمين، بمعنى: أنّ الحاكم يستعين في تعيين الدية في أمثال ذلك بشهادتهما.

ومنها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال: إنّ عندنا الجامعة قلت : وما الجامعة ؟ قال: صحيفة فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش» وضرب بيده إليَّ فقال: «أتأذن يا أبا محمّد» قلت : جعلت فداك، إنما أنا لك فاصنع ما شئت، فغمزني بيده وقال: «حتى أرش هذا» (2).

ومنها : صحيحة أبي عبيدة، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح «فقال : إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام، ولا يبطل حق امرئ مسلم»(3).


1) الوسائل 29: 389/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 9 ح 1، والآية في المائدة 5 : 44.

2) الوسائل 29: 356/ أبواب ديات الأعضاء ب 48 ح 1.

3) الوسائل 29: 89/ أبواب القصاص في النفس ب 35 ح 1.

الأوّل: الشعر

الأول : الشعر

ففي اللحية إذا حلقت فإن نبتت ففيه ثلث الدية (1)، وإن لم تنبت ففيه الدية


فإنّها وإن وردت في موردٍ له دية مقدّرة إلّا أنّها بمقتضى التعليل تدلّ على أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً حتى فيما لا يكون فيه مقدّر شرعاً، فلو لم يعيّن الحاكم غرامته بمقتضى شهادة ذوي عدل من المسلمين لذهب حق المسلم هدراً.

(1) وفاقاً لأبي علي والصدوق والشيخ(1).

وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال : قضی أمير المؤمنين (عليه السلام في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية» (2)، ومثلها رواية مسمع (3).

لكن خالف في ذلك جماعة منهم المحقق في الشرائع والفاضل والشهيدان، فاختاروا الأرش(4)، وذلك من جهة المناقشة في الرواية سنداً، فإنّ رواية مسمع واضحة الضعف، وفي سند رواية السكوني الحسين بن يزيد النوفلي، ولم يثبت توثيقه، ولا جابر لضعف الرواية.

وفيه : أنّ الحسين بن يزيد النوفلي ثقة على الأظهر، فالرواية إذن معتبرة، فيتعين العمل بها.


1) حكاه في الجواهر عن أبي علي 43: 171، المقنع : 526، النهاية : 768.

2) الفقيه 4: 381/112.

3) الوسائل 29 : 341 / أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح 1.

4) الشرائع 4: 269، القواعد 3 : 670، اللمعة 10: 199، الروضة البهية 10: 199.

الدية كاملة (1)، وفي شعر الرأس إذا ذهب فإن لم ينبت ففيه الدية كاملة (2)،


(1) على المشهور كما في المسالك (1)، بل عن ظاهر قصاص المبسوط وصريح قصاص الخلاف الإجماع على ذلك (2)، وحكي الإجماع عليه عن الغنية أيضاً (3)، وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني المتقدمة، وتؤيد ذلك رواية مسمع السابقة.

ولكن عن المفيد والصدوق في موضع من المقنع : أن ديتها إذا لم تنبت مائة دينار (4).

وفيه : أنه لا مستند له أبداً.

(2) على المشهور شهرة عظيمة، وفي الجواهر : لم أجد فيه خلافاً يعتد به(5)، بل عن ظاهر المبسوط دعوى الإجماع عليه (6).

وتدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل صبّ ماءً حارّاً على رأس رجل فامتعط شعره فلا ينبت أبداً «قال : عليه الدية » (7)، والرواية مطابقة لما في الفقيه، وقريب منها مرسلة عليّ ابن خالد (حدید) (8).


1) المسالك 2: 394 (حجري).

2) المبسوط 7: 153، الخلاف 5: 211 / 91.

3) الغنية 2 : 416.

4) حكاه في الجواهر 43 : 173، راجع المقنعة : 756 والمقنع : 530.

5) الجواهر 43: 169.

6) المبسوط 7: 153.

7) الفقيه 4.111/ 379.

8) الوسائل 29: 341/ أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح 2.

وإن نبت ففيه الحكومة (1)، وفي شعر المرأة إذا حلق فإن نبت ففيه مهر


وتؤيد ذلك رواية سلمة بن تمام قال : أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره فاختصموا في ذلك إلى علي (عليه السلام) فأجله سنة، فجاء فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية (1).

ولكن الشهيد (قدس سره) في المسالك استشكل في ذلك، نظراً إلى أنّ الصحيحة مرويّة في التهذيب :هكذا قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل دخل الحمام فصبّ عليه ماءً حارّاً فامتعط شعر رأسه ولحيته فلا ينبت أبداً «قال: عليه الدية»(2)، وهي لا تدلّ على ثبوت تمام الدية في شعر الرأس خاصة، وإنما تدلّ على ثبوته في شعر الرأس واللحية معاً (3).

وفيه : أن الظاهر منها - بقرينة ما تقدّم من ثبوت الدية كاملة في اللحية فحسب إذا لم تنبت - إرادة «أو» من «الواو»، وتؤكد ذلك رواية الصدوق المتقدمة، فإنّها خالية عن ذكر كلمة اللحية.

وأمّا ما عن المفيد والصدوق من أنّ الدية مائة دينار في مفروض المسألة، فلا نعلم له أيّ مستند.

(1) وفاقاً لجماعة كثيرة، منهم : الشيخ في النهاية وابن حمزة والفاضل والشهيدان (4).


1) الوسائل 29: 342 / أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح 3.

2) التهذيب 10: 250 / 992.

3) المسالك 2: 394 (حجري).

4) النهاية : 764، الوسيلة : 444، الارشاد 2: 236، الروضة البهية 10: 199.

نسائها، وإن لم ينبت ففيه الدية كاملة (1)،


والوجه في ذلك: هو ما تقدّم من أنّ كل مورد لا مقدّر فيه للدية شرعاً فالمرجع فيه هو الحكومة (1).

(1) على المشهور شهرة عظيمة، بل في الجواهر بلا خلاف أجده فيه إلا من الإسكافي(2).

واستدلّ على ذلك بما رواه الشيخ ومحمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن سليمان، عن عبدالله بن سنان، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أخبرني عن القوّاد ما حدّه؟ «قال: لا حدّ على القوّاد، أليس إنما يعطى الأجر على أن يقود ؟» قلت: جعلت فداك، إنما يجمع بين الذكر والأنثى حراماً «قال : ذاك المؤلّف بين الذكر والأنثى حراماً» فقلت: هو ذاك جعلت فداك - إلى أن قال: - فما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها ؟ «قال: يضرب ضرباً وجيعاً ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها، فإن نبت أخذ منه مهر نسائها، وإن لم ينبت أخذ منه الدية كاملة» الحديث (3).

وروى الصدوق بسنده عن إبراهيم بن هاشم عن صالح بن سندي، عن محمد بن سليمان المصري، عن عبدالله بن سنان صدر هذه الرواية إلى قوله : «بين الذكر والأنثى حراماً»(4).


1) في 260 و 328.

2) الجواهر 174:43.

3) الوسائل 28 : 171/ أبواب حد السحق والقيادة ب 5 ح 1، الوسائل 29: 334/ أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 1، التهذيب 10: 235/64، الكافي 7: 261 / 10.

4) الفقيه 4: 34/ 100.

---------------------------------------------------------------------------------

ثم إنّ الرواية ضعيفة بمحمّد بن سلمان، فإنّ الظاهر من محمّد بن سليمان - المطلق - الموجود في رواية الشيخ ومحمّد بن يعقوب هو محمد بن سليمان الموجود في رواية الصدوق، حيث إنّه الديلمي المعروف والمشهور وهو ضعيف، ولو فرض أنه غيره فهو مجهول.

هذا، وقد روى الشيخ في باب ديات الأعضاء والجوارح من التهذيب بسنده الصحيح عن محمّد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن سليمان المنقري، عن عبدالله بن سنان قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك، ما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها؟ «قال: يضرب ضرباً وجيعاً ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها، فإن نبت أخذ منه مهر نسائها، وإن لم ينبت أخذ منه الدية كاملة» الحديث (1).

وسليمان المنقري هو سليمان بن داود المنقري، وهو ثقة، فالرواية صحيحة ولا مانع من أن يكون الراوي عن عبدالله بن سنان اثنين.

فالنتيجة: أنّ ما هو المشهور بين الأصحاب هو الصحيح.

ثم إن صاحب الوسائل روى هذه الرواية عن محمّد بن سليمان المنقري، وهو اشتباه وسهو من قلمه الشريف، فإنّ محمّد بن سليمان المنقري لا وجود له في كتب الرجال، والرواية إنما هي من سليمان المنقري، كما أنه سها (قدس سره) في إسناد هذه الرواية إلى الصدوق أيضاً، فإنك قد عرفت أن الشيخ الصدوق روی صدر هذه الرواية فقط دون هذا الذيل.


1) الوسائل 29: 334 / أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 1، التهذيب 262:10/ 1036.

وفي شعر الحاجب إذا ذهب كله فديته نصف دية العين : مائتان وخمسون ديناراً، وإذا ذهب بعضه فعلى حساب ذلك (1).


(1) وفاقاً للأكثر، بل المشهور، بل عن ظاهر قصاص المبسوط وصريح السرائر الإجماع عليه (1).

وتدلّ على ذلك ما في معتبرة ظريف من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن أصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين : مائتا دينار وخمسون ديناراً، فما أصيب منه فعلى حساب ذلك» الحديث(2).

وناقش الشهيد الثاني في المسالك في مستند الحكم (3).

وفيه : أنّ المناقشة في غير محلها، فإنّ مستندها الرواية المعتبرة التي رواها محمد بن يعقوب والشيخ بسندهما الصحيح، فلا مجال للمناقشة في سندها أصلاً.

نعم، رويت هذه الرواية بعدة طرق عن أبي عبدالله (عليه السلام) كلّها ضعيفة. وهنا قول آخر - وهو ما اختاره صاحب الغنية والإصباح (4)- من أنّ في ذهاب شعر الحاجبين الدية كاملة، وفي كلّ واحد منهما نصف الدية. بل ادّعي في الغنية الإجماع عليه.


1) حكاه في الجواهر 43 : 175 ولاحظ المبسوط 7: 153 وراجع السرائر 3: 378.

2) الوسائل 29: 289 / أبواب ديات الأعضاء ب 2 ح 3.

3) المسالك 2: 394 (حجري).

4) الغنية 2: 417، الإصباح : 504.

الثاني : العينان
إشارة

الثاني : العينان

وفيهما الدية كاملة (1)،


ولعل مستند ذلك ما دلّ على أنّ فيما كان في الجسد اثنان ففيه الدية، وفي كلّ واحد نصفها.

وفيه أوّلاً : أنّه منصرف عن شمول مثل الحاجبين، فإن الظاهر منه هو الأعضاء الحقيقية.

وثانياً : أنّه على فرض شموله له يقيّد إطلاقه بغير ذلك من جهة المعتبرة المتقدمة.

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل عن الشيخ وابن زهرة: عدم الخلاف فيه بين غيرنا أيضاً (1)، وفي المسالك دعوى إجماع المسلمين عليه (2).

وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: ما كان فى الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية مثل اليدين والعينين» قال : قلت : رجل فُقِئت عينه ؟ «قال : نصف الدية» الحديث (3).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال: فيه الدية كاملة، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية» الحديث (4).


1) المبسوط 7: 127، الغنية 2: 416.

2) المسالك 2: 394 (حجري).

3) الوسائل 29: 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 1.

4) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

وفي كلّ منهما نصف الدية (1). ولا فرق في ذلك بين العين الصحيحة والعمشاء والحولاء والجاحظة (2). والمشهور أنّ في الأجفان الأربعة الدية الكاملة وفيه إشكال، والأقرب العدم (3)،


(1) من دون خلاف بين فقهائنا، بل بين غيرنا أيضاً كما عن الشيخ وابن زهرة (1)، بل عن الشهيد الثاني في المسالك أنّ عليه إجماع المسلمين(2).

وتدلّ على ذلك عدّة روايات منها : الصحيحتان المتقدّمتان.

ومنها : معتبرة سماعة، قال : سألته عن اليد «قال : نصف الدية - إلى أن قال : - والعين الواحدة نصف الدية» الحديث (3).

(2) وذلك لإطلاق الأدلة وعدم ما يصلح لتقييده.

خلافاً لما عن الوسيلة، فجعل دية العمشاء ثلث دية النفس (4).

ولكن لم نعرف له دليلاً صالحاً لتقييد إطلاق ما تقدّم من النصوص.

(3) وجه الإشكال : هو أنّ المشهور وإن ذهبوا إلى ذلك، بل ادّعي عليه الإجماع واستندوا في ذلك إلى صحيحة عبدالله بن سنان المتقدمة، وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية» الحديث (5).


1) المبسوط 7: 127، الغنية 2: 416.

2) المسالك 2: 394 (حجري).

3) الوسائل 29: 286 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 10.

4) الوسيلة : 446.

5) الوسائل 29: 287 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 12.

بل أنّ في الجفن الأعلى ثلث دية العين، وهو مائة وستة وستون ديناراً وثلثا دينار، وفي الجفن الأسفل نصف دية العين، وهو مائتان وخمسون ديناراً (1)،


إلّا أنّ شمولها لمثل الأجفان لا يخلو عن إشكال، بل الظاهر عدم الشمول وانصرافها عن ذلك، ولذا ناقش في دلالتها على ذلك الشهيد الثاني في المسالك (1)ونفاها كاشف اللثام صريحاً (2)، فإن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنّه غير تام، فالأقرب ما ذكرناه.

(1) هذا هو المعروف والمشهور بين الأصحاب.

وهنا قولان آخران :

أحدهما: أنّ في كلّ جفن ربع الدية، واختار هذا القول جماعة، منهم: الشيخ في المبسوط والفاضل في جملة من كتبه وولده والشهيدان وأبو العبّاس (3).

وثانيهما : أنّ في الجفن الأعلى ثلثي دية العين وفي الأسفل ثلثها، واختار هذا القول الشيخ (قدس سره) في الخلاف وحكي عن السرائر أيضاً (4).

والصحيح هو القول الأوّل، وتدلّ عليه معتبرة ظريف، قال: أفتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فكتب الناس فتياه وكتب به أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أمرائه ورؤوس أجناده، فمما كان فيه : «إن أصيب شفر العين الأعلى


1) المسالك 2: 394 (حجري).

2) كشف اللثام 2: 499 (حجري).

3) المبسوط 7: 130، القواعد 3: 671 والتبصرة : 211، إيضاح الفوائد 4: 688، الروضة البهية 10 : 202، لاحظ المهذب البارع 5 : 307 - 309.

4) الخلاف 5: 236 / 24، حكاه عن السرائر في الجواهر 43 : 182، وراجع السرائر 3: 378.

وأما الأهداب فلا تقدير فيها شرعاً، كما أنه ليس فيها شيء إذا انضمت مع الأجفان، وفيها الحكومة إذا انفردت (1).


فشتر فديته ثلث دية العين مائة دينار وستة وستون ديناراً وثلثا دينار، وإن أصيب شفر العين الأسفل فشتر فديته نصف دية العين مائتا دينار وخمسون ديناراً» الحديث (1).

فهذه المعتبرة وإن كان موردها شتر الجفن إلّا أنّه لا خصوصية له، بل الظاهر شمولها لصورة قطعه أيضاً، بل يمكن دلالتها عليه بالأولوية القطعية.

وأما القولان الآخران فلا دليل عليها أصلاً:

أمّا الأول : فإنّه وإن استند فيه إلى صحيحتي عبدالله بن سنان وهشام بن سالم المتقدمتين، بتقريب: أنّ كلّ جفنين بمنزلة عضو واحد فيكونان كالعين الواحدة، إلا أنك قد عرفت المناقشة في دلالتهما على مثل ذلك، وأن الظاهر عدم شمولهما له.

وأمّا الثاني: فلا دليل عليه أصلا ما عدا دعوى الشيخ إجماع الفرقة وأخبارهم.

وفيه : أنه لا إجماع في المسألة، لما عرفت من أن المشهور هو القول الأول، وقد اختار القول الثاني جماعة، ولم يرد ولا خبر واحد في المسألة فضلاً عن الأخبار كما اعترف بذلك غير واحد منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2).

(1) لما تقدّم من ثبوت الأرش في كلّ ما لا تقدير له شرعاً (3).


1) الوسائل 29: 289 / أبواب ديات الأعضاء ب 2 ح 3.

2) الجواهر 43: 182.

3) في ص 261 و 330.

لو قلعت الأجفان مع العينين فهل تتداخل ديتاهما ؟

(مسألة 280) : لو قلعت الأجفان مع العينين لم تتداخل ديتاهما (1).

هل في قلع العين الصحيحة من الأعور الدية كاملةً ؟

(مسألة 281) : إذا قلع العين الصحيحة من الأعور ففيه الدية كاملة (2)، والمشهور قيدوا ذلك بما إذا كان العور خلقة أو بآفة سماوية، وأما إذا كان بجناية فعليه نصف الدية، وفيه إشكال، والأقرب عدم الفرق (3)،


(1) لأن التداخل يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه في المقام، فمقتضى الأصل عدمه.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، بل في كلمات غير واحد دعوى الإجماع على ذلك.

وتدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس قال : قال أبو جعفر (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعور أصيبت عينه الصحيحة ففقئت أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويُعفا عن عين صاحبه» (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في عين الأعور الدية كاملة» (2).

(3) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل لهم ما عدا دعوى الإجماع في المسألة، فإن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام لعدم حصول الاطمئنان بقول المعصوم (عليه السلام). فإذن لا بدّ من الأخذ باطلاق الصحيحتين المتقدّمتين.


1) الوسائل 29: 331/ أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح 2.

2) الوسائل 29: 330/ أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح 1.

كما أنّه لا فرق فيما إذا كان العور بالجناية بين ما إذا أخذ الأعور ديتها من الجاني وما إذا لم يأخذها (1)، وفي خسف العين العوراء ثلث الدية (2)،


فالنتيجة : أن الأظهر ما ذكرناه.

(1) وذلك لإطلاق الأدلة وعدم ما يصلح أن يكون مقيداً له.

(2) وفاقاً للمشهور.

وتدلّ عليه صحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصي وأنثييه ثلث الدية»(1).

وهنا روايتان أخريان :

إحداهما : رواية عبدالله بن أبي جعفر عن أبي عبدالله (عليه السلام): في العين العوراء تكون قائمة فتخسف «فقال: قضى فيها علي بن أبي طالب (عليه السلام) نصف الدية في العين الصحيحة» (2).

وثانيتهما : رواية عبدالله بن سليمان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل فقأ عين رجل ذاهبة وهي قائمة «قال : عليه ربع دية العين»(3).

ولكنّ الروايتين - بما أنها ضعيفتان، حيث إنّ في سندهما أبا جميلة مفضّل ابن صالح وهو ضعيف، وعبد الله بن سلمان وهو مجهول - لا يمكن الاستدلال بهما على حكم شرعي أصلاً. فالصحيح ما ذكرناه.


1) الوسائل 29: 336/ أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 1.

2) الوسائل 29 : 333/ أبواب ديات الأعضاء ب 29 ح 1.

3) الوسائل 29: 334 / أبواب ديات الأعضاء ب 29 ح 2.

من دون فرق في ذلك بين كونه أصلياً أو عارضيّاً (1)،


وأما صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس «فقال : إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه ثلث الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعد ما كان يتكلّم فإنّ على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه. قال : وكذلك القضاء في العينين والجوارح. قال : وهكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام)» (1).

فلابد من حمل العينين فيها على الاستغراق بقرينة صحيحة بريد المتقدمة، ويؤكّد ذلك أنّ المراد من الجوارح هو الاستغراق.

فالنتيجة : أن الأظهر ما ذكرناه.

(1) وذلك لإطلاق صحيحة بريد المتقدّمة، وعدم الدليل على تقييده.

توضيح ذلك : أنّ محمّد بن يعقوب والشيخ رويا صحيحة أبي بصير كما ذكرناه، ومقتضاها : أنه لا فرق في دية قطع لسان الأخرس بين كون الخرس أصليّاً وكونه عارضيّاً، وقد صرّح بكلّ من الشقين لأجل التوضيح، وظاهر الوسائل أنّ الشيخ الصدوق أيضاً رواها كذلك، ولكنّ الموجود في الفقيه هكذا «فقال: إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه الدية» الحديث (2).

وعلى ذلك، فيختص الحكم - بكون الدية الثلث - بما إذا كان الخرس عرضيّاً. وعليه، يكون الحكم في العين أيضاً كذلك.


1) الوسائل 29: 336 / أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 2، الكافي 7: 7/318، التهذيب 10: 270/ 1063.

2) الفقيه 4: 111/ 376.

وكذلك الحال في قطع كل عضو مشلول، فإنّ الدية فيه ثلث دية الصحيح (1).

لو قلع عين شخص وادعى أنها كانت قائمة لا تبصر، وادّعى المجني عليه أنها صحيحة

(مسألة 282) : لو قلع عين شخص وادّعى أنها كانت قائمة لا تبصر، وادعى المجني عليه أنها كانت صحيحة، ففيه قولان، والأظهر أنّ القول قول المجني عليه مع يمينه (2)،


ولكن هذا مع بعده في نفسه - فإنّ الخرس العرضي إن لم تزد ديته على دية الخرس الأصلي فلا موجب لنقصانها عنها - لا يمكن القول به، استناداً إلى ما في الفقيه، فإنّه لو صح يعارضه ما رواه محمّد بن يعقوب والشيخ، فيبقی إطلاق صحيحة بريد بلا معارض.

(1) بلاخلاف ظاهر، وتدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدمة، بتقريب : أنّ قوله (عليه السلام) في الصحيحة : «وكذلك القضاء في العينين والجوارح» يدلّ على أنّ في قطع كلّ عضو مشلول - سواء كان عيناً أو يداً أو رجلاً أو غير ذلك - ثلث دية ذلك العضو.

وتؤيد ذلك رواية الحكم بن عتيبة، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أصابع اليدين وأصابع الرجلين أرأيت ما زاد فيهما على عشرة أصابع أو نقص من عشرة فيها دية ؟ قال : فقال لي: - إلى أن قال : - «وكلّما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح»(1).

(2) خلافاً لجماعة، بل لعله المشهور بين الأصحاب، منهم: المحقق في الشرائع (2)، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ القول قول الجاني، وذلك لأصالة البراءة.


1) الوسائل 29: 345/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 1.

2) الشرائع 4: 283.

وكذلك الحال فيما إذا كان الاختلاف بينهما في سائر الأعضاء من هذه الناحية (1).

الثالث: الأنف
إشارة

الثالث : الأنف

إذا استؤصل الأنف أو قطع مارنه ففيه الدية كاملة (2)،


ولكنّ الصحيح ما ذكرناه والوجه في ذلك هو أن أصل البراءة محكوم بأصالة الصحة الثابتة ببناء العقلاء، ومن هنا قالوا في باب الخيارات: إنّ المشتري لو ادعى العيب في المبيع فعليه الإثبات، فإن أثبت فهو، وإلا فالقول قول البائع.

هذا، ويمكن أن يقال بجريان أصالة عدم كونها عوراء، بناءً على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي كما هو الصحيح، ببيان: أن مقتضى الإطلاقات هو أنّ في قلع العين الدية والخارج عنها بدليل هو العين العوراء، فإذا شكّ في اتصاف العين بهذا الوصف استصحب عدمه، وبضمه إلى الوجدان يثبت الموضوع لتمام الدية وهو العين التي لم تكن عوراء. ولا يعارضه استصحاب عدم اتصافها بالإبصار، لأنه لا يثبت العمى وبدونه لا أثر له.

فالنتيجة : أنّه لا معارض لاستصحاب عدم العور وهو حاكم على أصالة البراءة.

هذا كلّه فيما إذا لم تكن للصحة حالة سابقة، وإلا فلا إشكال في استصحابها. وأما لزوم اليمين عليه : فلما دلّ من أنّ اليمين على من ادعي عليه.

(1) يظهر وجهه مما تقدّم.

(2) وفاقاً للمشهور بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

---------------------------------------------------------------------------------

منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الأنف إذا استؤصل جدعه الدية» الحديث (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال فيه الدية كاملة - إلى أن قال: - وفي الأنف إذا قطع المارن الدية» الحديث (2).

ومنها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل الواحدة نصف الدية - إلى أن قال : - وفي الأنف إذا قطع الدية كاملة» الحديث (3).

ومنها : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية، وما كان فيه واحد ففيه الدية» (4).

بقي هنا شيء : وهو أن جماعة من الأصحاب - منهم: صاحب الوسيلة والعلّامة في التحرير والشهيد في الروضة (5)- قالوا : إنه لو قطع المارن مع القصبة كان في المارن الدية وفي القصبة الحكومة. وقوّاه في الرياض (6).

وفيه : أنا لم نجد مستنداً لهم على ذلك عدا ما ذكره صاحب الرياض (قدس سره) من أنّ غاية أدلّة الدية إثباتها في قطع المارن، ولا تنفى الحكومة في قطع الزائد عليه. ولكنّه غير تام، وذلك لأنّ مقتضى نص صحيحة عبدالله بن سنان


1) الوسائل 29: 285 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 5.

2) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

3) الوسائل 29: 285 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 7.

4) الوسائل 29: 287/ أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 12.

5) الوسيلة : 447، التحرير 2: 269 (حجري)، الروضة البهية 207:10.

6) الرياض 544:2 (حجري).

وفي قطع روثته نصف دیته (1).


وإطلاق معتبرة سماعة وصحيحة هشام المتقدّمات هو نفي ذلك لا مجرد إثبات الدية فحسب.

نعم، إذا كان قطع القصبة بجناية أخرى كان فيه الحكومة زائدة على الدية قطع المارن، ولكنّه خارج عن مفروض الكلام.

(1) وفاقاً لجماعة كثيرة منهم الشيخان والديلمي وابنا حمزة وسعيد والفاضل والشهيد الثاني (1)، ونسبه في كشف اللثام إلى الأكثر (2)، وفي المسالك إلى المشهور (3).

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في الأنف «قال: فإن قطع روثة الأنف وهي طرفه فديته خمسمائة دينار» الحديث(4).

ثم إنّ المحقق (قدس سره) في الشرائع فسّر الروثة بالحاجز بين المنخرين(5).

وعن جماعة - منهم : ابن بابويه وصاحبا الكنز والإيضاح (6)- أنهما مجمع المارن.

وفسّرها أهل اللغة بطرف الأنف والظاهر أنّه هو الصحيح، وتدلّ عليه


1) المقنعة : 767، النهاية : 776، المراسم : 244، الوسيلة : 447، الجامع للشرائع : 593، الإرشاد 2: 237، الروضة البهية 10: 209.

2) كشف اللثام 2: 499 (حجري).

3) المسالك 2: 395 (حجري).

4) الوسائل 29 : 293 / أبواب ديات الأعضاء ب 4 ح 1.

5) الشرائع 4: 270.

6) الفقيه 4: 57، كنز الفوائد : 777، الإيضاح 4: 688.

خلاف في دية قطع أحد المنخرين

(مسألة 283) : في دية قطع إحدى المنخرين خلاف، قيل : إنها نصف الدية، وقيل: ربع الدية، والصحيح : أنها ثلث الدية (1).


نفس هذه الصحيحة، فقد فسّر الخيشوم فيها بالحاجز بين المنخرين، وجعل مقابلاً للروثة، حيث قال (عليه السلام) : «وإن كانت نافذة في إحدى المنخرين إلى الخيشوم وهو الحاجز بين المنخرين» الحديث، ويؤكد ذلك تفسير الروثة بطرف الأنف في هذه الصحيحة على رواية الكليني (1).

(1) ذهب إلى القول الأوّل الشيخ (قدس سره) في المبسوط، وعلّله بأنّ فيه إذهاب نصف الجمال والمنفعة، فبطبيعة الحال تكون ديته نصف دية الأنف (2). وحكي هذا القول عن ابن إدريس في السرائر، بل نسبه فيه إلى مذهبنا (3)مشعراً بالإجماع. وتبع الشيخ في ذلك المحقق في النافع والفاضل في بعض كتبه (4).

أقول : إنّ ما أفاده (قدس سره) من التعليل عليلٌ جداً ولا يمكن المساعدة عليه بوجه وذلك لأنه إن استند (قدس سره) في ذلك إلى ما دلّ على أنّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية وفي كلّ واحد منهما نصف الدية، فهو غير شامل للمقام، لأنّ مجموع الأنف شيء واحد، وإن استند إلى ما هو ظاهر تعليله فلا دليل عليه أصلاً، بل الدليل على خلافه، وهو معتبرة غياث الآتية.

واختار القول الثاني الكيدري والتقي وابن زهرة(5)، ويظهر من الأخير


1) الكافي 7: 2/330.

2) حكاه في الجواهر 43: 197 وراجع السرائر 3: 411.

3) المبسوط 7: 131.

4) المختصر النافع : 307، التحرير 2: 269 (حجري).

5) اصباح الشيعة : 504، الكافي في الفقه : 397، الغنية 2: 417.

---------------------------------------------------------------------------------

دعوى الإجماع عليه.

وفيه : أنّ الإجماع غير ثابت جزماً ولا دليل عليه أصلاً، والمعتبرة الآتية تدلّ على خلافه.

فالنتيجة : أنّ الصحيح هو القول الثالث، وهو المشهور بين الأصحاب، وتدلّ عليه معتبرة غياث عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «أنّه قضى في شحمة الأذن بثلث دية الأذن، وفي الاصبع الزائدة ثلث دية الاصبع، وفي كلّ جانب من الأنف ثلث دية الأنف » (1).

وتؤيد ذلك رواية عبدالرحمن، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّه جعل في السنّ السوداء ثلث ديتها - إلى أن قال : - وفي خشاش الأنف كلّ واحد ثلث الدية» (2).

ثمّ إنّ صاحب الوسائل روى رواية غياث هكذا: عن العبّاس بن معروف، عن الحسن بن محمد بن يحيى، عن غياث. والموجود في بعض نسخ التهذيب : عن الحسن بن محمد بن يحيى، وهو الصحيح. وذلك بقرينة أنّ الحسن بن محمد ابن يحيى غير موجود في هذه الطبقة حتى يروي العباس بن المعروف عنه ويروي هو عن غياث، وأنّ راوي كتاب غياث هو محمّد بن يحيى. فإذن لا محالة تكون نسخة الوسائل غلطاً. وعليه، فالحسن الذي يروي عن محمد ابن يحيى ويروي عنه العبّاس بن المعروف مردّد بين الحسن بن محبوب والحسن ابن علي بن الفضال والحسن بن محمد الحضرمي، وقد روى عنهم العبّاس بن معروف في عدة موارد وكلّهم ثقات.

ومما يؤيد ذلك : أنّ ما اشتملت عليه هذه الرواية من أنّ في الاصبع الزائدة


1) الوسائل 29: 351 / أبواب ديات الأعضاء ب 43 ح 1، التهذيب 10: 261/ 1034.

2) الوسائل 29 : 351/ أبواب ديات الأعضاء ب 43 ح 2.

الرابع: الأذنان

الرابع : الأذنان

وفيهما الدية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية (1)،


ثلث دية الاصبع قد رواه محمّد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ورواه المشايخ الثلاثة (1).

فإذن لا إشكال في سند هذه الرواية من هذه الناحية. وأما المناقشة فيه من ناحية غياث فلا وجه لها، فإنّه ثقة وإن كان بتريّاً.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: ما كان في الجسد منه اثنان ففه نصف الدية» الحديث (2).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال: فيه الدية كاملة - إلى أن قال - وفي الأذنين الدية وفي إحداهما نصف الدية، وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية، وفي الأنف إذا قطع المارن الدية، وفي الشفتين الدية» (3).

ومنها : معتبرة سماعة، قال: سألته عن اليد «قال: نصف الدية، وفي الأذن نصف الدية إذا قطعها من أصلها» الحديث (4).


1) الوسائل 29: 345/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 2، الكافي 7: 338/ 11، التهذيب 10: 256 / 1011، الفقيه 4: 103/ 349.

2) الوسائل 29 : 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 1.

3) الوسائل 29 : 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

4) الوسائل 29 : 286 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 9.

وفي بعضهما بحساب ذلك (1)، وفي شحمة الأذن ثلث ديتها (2).

الخامس : الشفتان

الخامس : الشفتان

وفيهما الدية كاملة (3)،


ومنها : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية» الحديث(1).

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق في ذلك بين الأذن الصحيحة والصماء، لإطلاق الدليل، ولأنّ الصمم ليس نقصاً في الأذن وإنما هو نقص في السماع.

(1) من دون خلاف ظاهر، وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «في الأذنين إذا قطعت إحداهما فديتها خمسمائة دينار وما قطع منها فبحساب ذلك» (2).

(2) تدلّ على ذلك معتبرة غياث المتقدّمة المؤيّدة بما تقدّم من رواية عبد الرحمن وبرواية مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ علياً (عليه السلام) قضى في شحمة الأذن ثلث دية الأذن» (3).

(3) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع بقسميه، بل نسب عدم الخلاف فيه إلى المسلمين كافّة، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة الحلبي، وصحيحة هشام وصحيحة عبد الله بن سنان المتقدّمتان.


1) الوسائل 29: 287 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 12.

2) الوسائل 29: 296 / أبواب ديات الأعضاء ب 7 ح 1.

3) الوسائل 29: 297 / أبواب ديات الأعضاء ب 7 ح 2.

و في كلّ منهما نصف الدية (1)،


ومنها : صحيحة يونس : أنّه عُرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه في ذهاب السمع كلّه ألف دينار - إلى أن قال : - «والشفتين إذا استؤصلا ألف دينار» الحديث (1).

(1) بيان ذلك : أنّ في المسألة أقوالاً أربعة :

الأوّل : أنّ في قطع العليا ثلث الدية وفي السفلى الثلثين.

الثاني : أنّ في العليا أربعمائة دينار وفي السفلى ستمائة دينار.

الثالث: أنّ في العليا نصف الدية وفي السفلى ثلثي الدية.

الرابع : أنهما سواء في الدية.

أمّا القول الأوّل: فقد اختاره جماعة منهم الشيخ في المبسوط والمفيد والديلمي وأبو الصلاح وابنا زهرة وإدريس وصاحب الجامع، بل عن ظاهر المبسوط والغنية دعوى الإجماع على ذلك (2).

واستدل المفيد (قدس سره) على هذا القول بأن السفلى تمسك الطعام والشراب وأنّ شينها أقبح من شين العليا، فبطبيعة الحال تكون ديتها أزيد من دية العليا.

أقول: أما الإجماع فلا واقع له أصلاً، لما عرفت من الخلاف في المسألة. وأما ما أفاده المفيد (قدس سره): فهو مجرد استحسان لا يصلح أن يكون دليلاً في المسألة.


1) الوسائل 29: 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 2.

2) المبسوط 7: 132، المقنعة : 755 المراسم : 244، الكافي: 298، الغنية 2: 417، السرائر 3: 382، الجامع للشرائع : 590.

وما قطع منهما فبحسابهما.


أقول : أما الإجماع فلا واقع له أصلاً لما عرفت من الخلاف في المسألة. وأما ما أفاده المفيد (قدس سره) : فهو مجرّد استحسان لا يصلح أن يكون دليلاً في المسألة.

وأما القول الثاني : فقد اختاره جماعة أخرى، منهم: الصدوق في المقنع والهداية والشيخ في النهاية والتهذيب والاستبصار وابن حمزة في الوسيلة وابن فهد في المهذب والعلّامة فى المختلف(1).

واستدلّ على هذا القول :

تارةً : بالإجماع، بتقريب : أنّ الإجماع منعقد بتفضيل السفلى على العليا، والاتفاق حاصل على أنّ دية السفلى ستمائة دينار والأصل براءة الذمة مما زاد على أربعمائة دينار فى العليا.

وأخرى برواية أبان بن تغلب عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في الشفة السفلى ستة آلاف درهم، وفي العليا أربعة آلاف، لأنّ السفلى تمسك الماء» (2).

وذكر المحقق في الشرائع أنّ هذا موجود في كتاب ظريف أيضاً (3).

أقول : أما ما ذكره المحقق فلم يثبت، فإنّ الموجود في كتاب ظريف إنما هو


1) المقنع: 511، الهداية : 299، النهاية : 766، التهذيب 10: 246 / 7 و 8، الإستبصار 4: 288 / 1086، الوسيلة : 443، لاحظ المهذب البارع 5: 318 - 321، المختلف 9: 369 - 370 :

2) الوسائل 29: 294 / أبواب ديات الأعضاء ب 5 ح 2.

3) الشرائع 4: 271.

---------------------------------------------------------------------------------

أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فضلها - أي السفلى - لأنها تمسك الماء والطعام مع الأسنان، وأما تعيين مقدار ما به التفاضل فهو غير ذلك على ما يأتي.

وأما الإجماع: فغير محقق جزماً كما عرفت.

وأما الرواية : فضعيفة سنداً بأبي جميلة، فلا يمكن الاعتماد عليها في استنباط الحكم الشرعي أصلاً.

وأما القول الثالث: فقد اختاره ابن بابويه وحكي عن أبي علي أيضاً (1). واستدلّ عليه بما في كتاب ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وإذا قطعت الشفة العليا واستؤصلت فديتها خمسمائة دينار فما قطع منها فبحساب ذلك، فإن انشقت حتى تبدو منها الأسنان ثم دوويت وبرئت والتأمت فديتها مائة دينار، فذلك خمس دية الشفة إذا قطعت واستؤصلت وما قطع منها فبحساب ذلك، وإن شترت فشينت شيناً قبيحاً فديتها مائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار ودية الشفة السفلى إذا استؤصلت ثلثا الدية ستمائة وستة وستون ديناراً وثلثا دينار فما قطع منها فبحساب ذلك، فإن انشقت حتى تبدو الأسنان منها ثم برئت والتأمت فديتها مائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وإن أصيبت فشينت شيئاً قبيحاً فديتها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار وذلك نصف (ثلث) ديتها» قال ظريف: فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذلك «فقال : بلغنا أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فضلها لأنه-ا تمسك الماء والطعام مع الأسنان، فلذلك فضّلها في حكومته» (2).


1) حكاه عنهما في الجواهر 43: 205.

2) الوسائل 29: 294 / أبواب ديات الأعضاء ب 5 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

أقول : هذه الرواية معارضة بمعتبرة سماعة الآتية، وبما أن المعتبرة موافقة للسنة - وهي الروايات الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي كلّ واحد منهما نصف الدية - دون تلك، فتتقدم عليها.

وأمّا القول الرابع : فقد اختاره جماعة كثيرة، منهم: ابن عقيل والفاضلان في النافع والشرائع والقواعد والتحرير والإرشاد والتبصرة والشهيد الأوّل في اللمعة والثاني في المسالك والأردبيلي في مجمع البرهان والكاشاني في المفاتيح (1).

وهو : الأظهر، وذلك لمعتبرة سماعة، قال : سألته عن اليد «قال: نصف الدية -إلى أن قال : - والشفتان العليا والسفلى سواء في الدية» (2).

وقد عرفت أنها من ناحية موافقتها للروايات المتقدمة تتقدم على معتبرة ظريف من ناحية مخالفتها لها، وبما أنّ الترجيح بموافقة الكتاب أو السنّة متقدّم على الترجيح بمخالفة العامة فلا أثر لموافقة معتبرة سماعة للعامة.

وقد حمل الشيخ معتبرة سماعة على التساوي من جهة ثبوت الدية لا في مقدارها (3).

وهذا منه غريب كما لا يخفى. ويؤيّد ذلك اتفاق النصوص - ومنها معتبرة


1) رسالتان مجموعتان (فتاوى ابن أبي عقيل): 171، المختصر النافع: 308، الشرائع 4: 271 – 272، القواعد 3: 673، التحرير 2: 272 (حجري)، الإرشاد 2: 237 التبصرة: 2111، اللمعة 10: 209، المسالك 2 : 395 (حجري)، مجمع الفائدة والبرهان 14: 369، مفاتيح الشرائع 2: 148.

2) الوسائل 29 : 286 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 10.

3) التهذيب 10 : 246 /975، الاستبصار 4: 288/ 1088.

السادس : اللسان
إشارة

السادس : اللسان

وفي استئصال اللسان الصحيح الدية كاملة (1)، وفي قطع لسان الأخرس ثلث الدية (2)، وفيما قطع من لسانه فبحسابه


ظريف - على أنّ في الشفتين الدية كاملة، فلو كانت دية السفلى ثلثي الدية لزم الزيادة على الدية، وهو بعيد.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ عليه عدة روایات:

منها : ما في كتاب ظريف: «واللسان إذا استؤصل ألف دينار» (1).

ومنها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل الواحدة نصف الدية - إلى أن قال : - وفي اللسان إذا قطع الدية كاملة» (2).

ومنها: صحيحة هشام بن سالم «قال: كلّ ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية - إلى أن قال : - وما كان فيه واحد ففيه الدية» (3).

(2) من دون خلاف وإشكال بين الأصحاب.

وتدلّ عليه صحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصي وأنثييه ثلث الدية»(4).


1) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 3.

2) الوسائل 29: 285/ أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 7.

3) الوسائل 29: 287 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 12.

4) الوسائل 29: 336/ أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 1.

مساحةً (1)، وأمّا في اللسان الصحيح فيحاسب بحروف المعجم، ويعطى الدية بحساب ما لا يفصح منها (2).


وأما صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس «فقال : إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه ثلث الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعد ما كان يتكلّم فإنّ على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه» الحديث (1).

فهي غير ثابتة على ما تقدّم قريباً في البحث عن خسف العين العوراء(2).

(1) بلا خلاف ظاهر ولما عرفته في نظائره من سائر أعضاء وجوارح الانسان ويدل عليه ما تقدّم من أنّ في كل مورد لا مقدر له شرعاً ففيه الحكومة و مقتضى الحكومة ذلك.

(2) بيان ذلك : أنّ في المسألة احتمالات وأقوالاً :

الأول : أن يكون المدار على خصوص ذهاب المنفعة، وهو المشهور.

الثاني: أن يكون المدار على المساحة فحسب، كما مال إليه المحقق الأردبيلي (قدس سره) (3).

الثالث : أن يكون اللازم أكثر الأمرين، كما قوّاه الشهيد الثاني (قدس سره) (4).

الرابع : أن يكون الواجب مجموع الأمرين، كما احتمله المحقق الأردبيلي


1) الوسائل 29: 336/ أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 2.

2) في ص 344.

3) مجمع الفائدة والبرهان 374:14.

4) المسالك 2: 395 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

(قدس سره) وقواه صاحب الرياض(1).

والظاهر من هذه الاحتمالات والأقوال هو الأول.

وتدلّ عليه معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له : رجل ضرب لغلام ضربة فقطع بعض لسانه فأفصح ببعض ولم يفصح ببعض «فقال : يقرأ المعجم، فما أفصح به طرح من الدية، وما لم يفصح به ألزم الدية» قال : قلت : كيف هو ؟ «قال : على حساب الجمل» الحديث (2).

وأما ما في ذيل المعتبرة من بيان حساب الجمل من أنّ «ألف» ديته واحد، و «ب» ديتها اثنان، وهكذا، فيحتمل أن يكون من كلام الراوي كما احتمله الشيخ (قدس سره) (3)، وإلا فهو مطروح فيرد علمه إلى أهله.

وتؤيد ذلك عدّة من الروايات الواردة في ذهاب المنفعة فحسب.

أما الاحتمال الثاني: فقد مال إليه المحقق الأردبيلي (قدس سره) مدعياً أنّ الروايات الدالة على التقسيم بحساب الحروف خالية عن ذكر قطع بعض اللسان وخاصة بما إذا ذهبت المنفعة فقط (4).

ويردّه : أنّ أكثر الروايات وإن كانت كما ذكره إلّا أنّ المعتبرة المتقدّمة مشتملة على ذلك، وهي تكفي دليلاً في المسألة.

ودعوى : أنّ المراد من قطع بعض اللسان هو قطعه بحسب النطق والكلام لا بحسب الجرم.


1) مجمع الفائدة والبرهان 14 : 377، رياض المسائل 2: 546 (حجري).

2) الوسائل 29: 360 / أبواب ديات المنافع ب 2 ح 7.

3) الاستبصار 4 : 292 - 294/ 1105، التهذيب 10: 263 / 1043.

4) مجمع الفائدة والبرهان 14: 377.

عدد حروف المعجم والخلاف فيها

(مسألة 284) : المشهور بين الأصحاب أنّ حروف المعجم ثمانية وعشرون حرفاً، وفيه إشكال والأظهر أنها تسعة وعشرون حرفاً (1).


مدفوعة بأنها خلاف الظاهر، فتحتاج إلى قرينة.

نعم، إذا فرضنا أنّ قطع الجرم لم يؤثر في الكلام وكان المقطوع بعض لسانه يتكلّم بتمام الحروف لم يبعد أن يكون المدار حينئذٍ على المساحة.

وأما الاحتمال الثالث : فقد قيل في وجهه : أنّ مقتضى الأصل هو الأخذ بكلا الدليلين، يعني : دليل دية ذهاب المنفعة، ودليل دية نقص بعض اللسان، خرج منها القدر المتداخل فيه بشبهة الإجماع والأولوية المستفادة من ثبوت التداخل باستئصال الجارحة اتفاقاً فتوىً وروايةً، ففي البعض أولى.

وفيه : ما سيأتي من أنه ليس هنا دليلان، بل دليل واحد لابد من الأخذ به.

وأما الاحتمال الرابع: فمستنده الجمع بين الدليلين، يعني: دليل دية ذهاب المنفعة، ودليل دية نقص بعض اللسان.

وفيه : أنه إن تمت رواية سماعة كما استظهرنا ذلك فلا يكون هنا دليلان، فإنّها تدلّ على أن قطع بعض اللسان ديته دية ذهاب المنفعة فقط.

نعم، لو قلنا بعدم تماميّتها لم يبعد الالتزام بتعدّد الدية : دية لذهاب المنفعة، ودية لقطع العضو.

(1) وجه الإشكال : هو أنّ المشهور وإن ذهبوا إلى ذلك، بل عن ظاهر المبسوط والخلاف والسرائر دعوى الإجماع عليه (1)، إلا أنه لا يتم، فإنّهم استندوا


1) المبسوط 7: 133، الخلاف 5 : 240 / 32، السرائر 3: 384.

---------------------------------------------------------------------------------

في ذلك إلى رواية السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: أتي أمير المؤمنين (علیه السلام) برجل ضرب فذهب بعض كلامه وبقي البعض فجعل ديته على حروف المعجم، ثمّ قال: تكلّم بالمعجم فما نقص من كلامه فبحساب ذلك، والمعجم ثمانية وعشرون حرفاً، فجعل ثمانية وعشرين جزءاً فما نقص من کلامه فبحساب ذلك» (1).

وهذه الرواية ضعيفة سنداً، حيث إنّ في سند الشيخ إلى النوفلي ضعفاً.

وأما الإجماع : فهو غير ثابت جزماً، ولا سيّما مع وجود المخالف في المسألة. فإذن الأظهر ما ذكرناه، وقد مال إليه المحقق الأردبيلي (قدس سره)(2)، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد (3).

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه مطابق للوجدان وأنه المعروف والمشهور بين أهل العربية - صحيحة عبدالله بن سنان - على رواية الكافي والشيخ - عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل ضرب رجلاً بعصاً على رأسه فثقل لسانه «فقال : يعرض عليه حروف المعجم، فما أفصح منها فلا شيء فيه، وما لم يفصح به كان عليه الدية وهي تسعة وعشرون حرفاً»(4).

نعم، روى الصدوق (قدس سره) هذه الرواية عن عبدالله بن سنان، إلّا أنّه


1) الوسائل 29: 360 / أبواب ديات المنافع ب 2 ح 6، التهذيب 10: 263 / 1042، الاستبصار 4: 293 / 1107.

2) مجمع الفائدة والبرهان 14 : 377.

3) الجامع للشرائع : 591.

4) الوسائل 29: 358/ أبواب ديات المنافع ب 2 ح 2، الكافي 7: 322 / 2، التهذيب 10: 263 / 1040، الفقيه 4: 266/83.

العبرة في المقدار المقطوع من اللسان الصحيح هي حروف المعجم

(مسألة 285): لا اعتبار بالمساحة في المقدار المقطوع من اللسان الصحيح فيما إذا أوجب ذهاب المنفعة، لما عرفت من أنّ العبرة فيه بحروف المعجم، فلو قطع ربع لسانه وذهب نصف كلامه ففيه نصف الدية، ولو قطع نصفه وذهب ربع كلامه ففيه ربع الدية (1).

لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه فأخذ الدية ثم عاد كلامه

(مسألة 286) : لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه بقطع بعض لسانه أو بغير ذلك فأخذ الدية ثم عاد كلامه، قيل : تستعاد الدية ولكن الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان العود كاشفاً عن أنّ ذهابه كان عارضياً ولم يذهب حقيقةً، وبين ما إذا ذهب واقعاً، فعلى الأول : تستعاد الدية (2)، وأما على الثاني : فلا تستعاد (3).


قال: «ثمانية وعشرون حرفاً». وعليه، فإذا بنينا على تقديم رواية الكافي على رواية الصدوق باعتبار أنّه أضبط منه ولا سيّما مع موافقته للشيخ فهو، وإلّا فالمرجع هو الأخذ بالقدر المتيقن، وهو تقسيم الدية على تسعة وعشرين حرفاً، والزائد يدفع بالأصل.

(1) الوجه في ذلك واضح، فإنّه بعد ما كانت العبرة بالحروف فلا أثر لملاحظة المساحة.

(2) لأنّه لم يذهب حقيقةً، فلا يكون مشمولاً للروايات الدالة على أنّ ذهابه يوجب الدية.

(3) وذلك لأنّ العود عليه نعمة جديدة وهبة من الله تعالى، نظير ما لو قطع لسانه ثم أنبته الله تعالى، فإنّ هذا هبة منه سبحانه، فلا توجب استعادة الدية.

(مسألة 287) : لو كان اللسان ذا طرفين كالمشقوق فقطع أحدهما دون الآخر كان الاعتبار بالحروف، فإن نطق بالجميع فلادية مقدرة وفيه الحكومة، وإن نطق ببعضها دون بعض أخذت الدية بنسبة ما ذهب منها (1).

دية قطع لسان الطفل

(مسألة 288) : في قطع لسان الطفل الدية كاملة (2)، وأما إذا بلغ حداً ينطق مثله وهو لم ينطق فإن علم أو اطمأنّ بأنّه أخرس ففيه ثلث الدية (3)، وإلا فالدية كاملة (4).

السابع : الأسنان
إشارة

السابع : الأسنان

وفيها دية كاملة

،


(1) الوجه في جميع ذلك ظاهر.

(2) لإطلاق الروايات المتقدّمة.

(3) لما عرفت من أنّ في قطع لسانه ثلث الدية.

(4) فإنّ الخارج عن الإطلاقات إنما هو لسان الأخرس، فإذا شك فيه فالمرجع هو الإطلاقات.

(5) بلا خلاف بين الأصحاب، بل عن ظاهر الشيخ في المبسوط وصريح العلّامة في التحرير دعوى الإجماع على ذلك.(1).

ويدلّ عليه ما رواه الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه قضى في الأسنان التي تقسم عليها الدية: أنها ثمانية وعشرون


1) المبسوط 7: 137، التحرير 2: 274 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

سنّاً : ستة عشر في مواخير الفم واثني عشر في مقاديمه، فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسر حتى يذهب خمسون ديناراً يكون ذلك ستمائة دينار، ودية كلّ سنّ من المواخير إذا كسر حتى يذهب على النصف من دية المقاديم خمسة وعشرون ديناراً فيكون ذلك أربعمائة دينار، فذلك ألف دينار، فما نقص فلا دية له، وما زاد فلا دية له (1).

وتؤيد ذلك رواية الحكم بن عتيبة، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام): بعض الناس في فيه اثنان وثلاثون سنّاً، وبعضهم له ثمانية وعشرون سناً، فعلى كم تقسم دية الأسنان؟ «فقال: الخلقة إنّما هي ثمانية وعشرون سناً : اثنتي عشرة في مقاديم الفم وست عشرة في مواخيره، فعلى هذا قسمة دية الأسنان، فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسرت حتى تذهب خمسمائة درهم فديتها كلّها ستة آلاف درهم، وفي كلّ سنّ من المواخير إذا كسرت حتى تذهب فإنّ ديتها مائتان وخمسون درهماً وهي ست عشرة سنّاً، فديتها كلّها أربعة آلاف درهم، فجميع دية المقاديم والمواخير من الأسنان عشرة آلاف درهم، وإنما وضعت الدية على هذا، فما زاد على ثمانية وعشرين سناً فلا دية له، وما نقص فلا دية له، هكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) (2).

وتؤيد ذلك أيضاً رواية العلاء بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا قطع الأنف من المارن ففيه الدية تامة، وفي أسنان الرجل الدية تامة» الحديث (3).


1) الوسائل 29: 342/ أبواب ديات الأعضاء ب 38 ح 1.

2) الوسائل 29 : 343 / أبواب ديات الأعضاء ب 38 ح 2.

3) الوسائل 29 : 286 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 8.

وتقسم الدية على ثماني وعشرين سناً : ست عشرة في مواخير الفم، واثنتي عشرة في مقاديمه. ودية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسرت حتى يذهب خمسون ديناراً فيكون المجموع ستمائة دينار، ودية كلّ سن من المواخير إذا كسرت حتى يذهب على النصف من دية المقاديم خمسة وعشرون ديناراً فيكون ذلك أربعمائة دينار والمجموع ألف دينار (1)،


(1) بلا خلاف ظاهر، بل ادّعي عليه إجماع الفرقة، ويدل عليه ما رواه الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم، المؤيد برواية الحكم بن عتيبة المتقدّمة.

وبإزاء هذه عدّة روايات تدلّ على أنّ الأسنان كلها سواء في الدية :

منها : ما في كتاب ظريف المعتبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الأسنان في كلّ سنّ خمسون ديناراً، والأسنان كلّها سواء» الحديث (1).

ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: الأسنان كلّها سواء في كلّ سنّ خمسمائة درهم» (2).

ومنها : معتبرة سماعة، قال: سألته عن الأسنان «فقال: هي سواء في الدية» (3).

ولكن بما أنّ هذه الروايات موافقة للعامة ولا خلاف بينهم في ذلك، وتلك مخالفة لهم، فتتقدّم تلك عليها في مقام المعارضة.

على أن مقتضى معتبرة ظريف وصحيحة عبدالله بن سنان أن تكون دية


1) الوسائل 29: 297 / أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 1.

2) الوسائل 29 : 298/ أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 2.

3) الوسائل 29: 298 / أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 5.

فما نقص فلا دية له، وكذلك ما زاد عليها، وفيه الحكومة إذا قلع منفرداً (1).


الأسنان كلّها زائدة على مقدار الدية التامة، إذ تكون دية المجموع حينئذٍ ألفاً وأربعمائة دينار، أو أربعة عشر ألف درهم، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. وأما ما في رواية السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأسنان (للإنسان) واحد وثلاثون ثغرة في كلّ ثغرة ثلاثة أبعرة وخمس بعير»(1).

فهو - مضافاً إلى ضعف سنده - مخالف للواقع والوجدان، فإنّه على تقدير أن يبلغ عدد الأسنان اثنتين وثلاثين سناً كما في رواية الحكم بن عتيبة المتقدّمة فلا تكون الثغرة بينها واحدةً وثلاثين، بل تكون ثلاثين فحسب. هذا على تقدير أن يكون المراد منها الفرجة بين الأسنان وأمّا إن كان المراد منهما نفس السنّ فلا يكون عددها فرداً.

فالرواية على كلا التقديرين مخالفة للواقع. على أن مجموع ذلك لا يبلغ بقدر الدية، بل يكون أقلّ منها بأربعة أخماس البعير.

وقد حمل الشيخ (قدس سره) هذه الرواية على التقية (2).

ولكن الظاهر أنّه لا وجه له، إذ لم نجد من العامة من يقول ذلك.

(1) بيان ذلك: أنّه لا إشكال ولا خلاف بين الأصحاب في أنّه إن قلعت الزائدة منضمّة إلى البواقي فلا دية لها، بلا فرق بين كونها مشخّصة بحسب المحلّ وكونها غير مشخّصة، كما إذا كان عدد أسنانه في مواخير الفم ثماني عشرة سنّاً أو كان في مقاديم الفم أربع عشرة سنّاً.


1) الوسائل 29: 344/ أبواب ديات الأعضاء ب 38 ح 5.

2) الاستبصار 4: 290 / 1094.

حكم ما لو ضربت السنّ

(مسألة 289) : إذا ضربت السنّ انتظر بها سنة واحدة، فإن وقعت غرم الضارب ديتها، وإن لم تقع واسودت غرم ثلثي ديتها (1)، وفي سقوطها بعد الاسوداد ثلث ديتها على المشهور،


ويدلّ على ذلك ما رواه الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (علیه السلام) المؤيّد برواية الحكم بن عتيبة المتقدّمتين.

وأما إذا قلعت الزائدة منفردة فالظاهر أنّ المرجع فيه الحكومة، لإطلاق ما دلّ على أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

ونسب إلى المشهور القول بأنّ في قلع الزائدة ثلث دية الأصلية، من دون فرق بين ما إذا كان للزائدة تعيّن واقعي وما لا يكون لها تعيّن كذلك.

ولكن مستند هذا القول غير ظاهر، فإنّ الروايات الواردة في أنّ في قطع الاصبع الزائدة ثلث دية الأصليّة لا يمكن التعدّي عن موردها إلى غيرها.

فالصحيح هو القول بأن المرجع هو الحكومة.

(1) بلا خلاف ظاهر.

وتدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: السنّ إذا ضربت انتظر بها سنة، فإن وقعت أغرم الضارب خمسمائة درهم، وإن لم تقع واسودت أغرم ثلثى الدية (1).

وهذه الصحيحة وإن كان موردها ما تكون الدية فيه خمسمائة درهم إلا أنه لا شكّ في عدم اختصاص الحكم بذلك، فيعمّ ما إذا كانت الدية فيه مائتين وخمسين درهماً.


1) الوسائل 29 : 298/ أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 4.

وفيه إشكال، والأظهر أنّ فيه ربع ديتها (1).


وفي مقابل هذه الصحيحة روايتان:

إحداهما : معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الأسنان في كلّ سنّ خمسون ديناراً - إلى أن قال : - فإذا اسودت السنّ إلى الحول ولم تسقط فديتها دية الساقطة خمسون ديناراً» الحديث (1).

وثانيتهما : مرسلة أبان عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : إذا اسودت الثنية جعل فيها الدية» (2).

أقول : أما الرواية الأخيرة فهي ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها، وأمّا الرواية الأولى فبما أنها معتبرة سنداً فتعارض هذه الصحيحة في ثلث الدية، فتسقطان معاً من جهة المعارضة، فالمرجع هو الأصل العملي، ومقتضاه البراءة عنه.

فالنتيجة : هي ما ذكرناه من ثبوت ثلثي الدية.

(1) الأقوال في المسألة ثلاثة :

الأول : أنّ فيه ثلث ديتها، وهذا هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، بل عن الخلاف وظاهر الغنية الإجماع عليه (3).

واستدل على ذلك بوجهين:


1) الوسائل 29 : 297 / أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 1.

2) الوسائل 29: 349/ أبواب ديات الأعضاء ب 40 ح 2.

3) الخلاف 5 : 246، الغنية 2: 418.

---------------------------------------------------------------------------------

أحدهما : أن ثلثي ديتها - أي دية السنّ - قد ذهبا باسودادها ولم يبق إلا ثلثها. وعليه، فبطبيعة الحال لا يكون في سقوطها إلا الثلث الباقي.

وفيه : أنّ هذا الوجه استحسان فلا أثر له في استنباط الحكم الشرعي أصلاً.

وثانيهما: رواية عبد الرحمن العرزمي عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): «أنه جعل في السنّ السوداء ثلث ديتها» الحديث (1).

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة بيوسف بن الحارث ومحمّد بن عبدالرحمن العرزمي، فلا يمكن الاعتماد عليها، فحينئذ إن تم إجماع في المسألة فهو، إلّا أنّه غير تام جزماً.

الثاني : أنّ فيه ربع الدية، كما عن النهاية والقاضي ويحيى بن سعيد(2)واستدل على ذلك برواية عجلان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في دية السن الأسود ربع دية السن» (3).

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة من عدة جهات:

إحداها: من جهة تردّد عجلان بين الثقة والضعيف.

وثانيتها : من جهة عليّ بن محمّد بن الحسين، فإنّه مجهول.

وثالثتها : من جهة محمّد بن يحيى الواقع في سند هذه الرواية - كما في التهذيب - فإنّه أيضاً مجهول.

هذا، ويمكن الاستدلال لهذا القول بقوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف:


1) الوسائل 29: 351/ أبواب ديات الأعضاء ب 43 ح 2.

2) النهاية : 767، حكاه عن القاضي بن فهد في المهذب البارع 5: 329، الجامع للشرائع : 592.

3) الوسائل 29: 349 / أبواب ديات الأعضاء ب 40 ح 3، التهذيب 10: 261/ 1031.

---------------------------------------------------------------------------------

«فإن سقطت بعد وهي سوداء فديتها اثنا عشر ديناراً ونصف دينار» الحديث (1).

بتقريب : أنّ المفروض في الرواية أنّ دية السنّ خمسون ديناراً، فيكون اثنا عشر ديناراً ونصف دينار ربع دية السنّ، ففيما كان دية السن خمسة وعشرين ديناراً كانت دية السوداء منه ستة دنانير وربع.

فإن قيل: إنّ ما ذكر من الرواية إنما هو موافق لما في الكافي والتهذيب، وأمّا الفقيه فالموجود فيه : أنّ ديته خمسة وعشرون ديناراً، وبما أنّ النقل عن كتاب ظریف معارض بمثله فلا يمكن الاستدلال بشيء منهما.

قلنا : نعم، إلّا أنّ التعارض إنما هو في المقدار الزائد على الربع، وأما مقدار الربع فهو المتفق عليه بين النقلين، ويثبت ذلك لا محالة، ويدفع الزائد بالبراءة.

وبعبارة أخرى : أنّ كتاب ظريف كان مشتملاً على تقدير دية السنّ السوداء ولكنها مردّدة بين الربع والنصف، فيؤخذ بالمتيقن ويرجع في المشكوك إلى أصالة البراءة.

ويؤيد ذلك - مضافاً إلى ما هو المشهور من أنّ الكليني أضبط نقلاً من الصدوق ولا سيما مع موافقة الشيخ له في النقل - أنّ ما في الفقيه لم يوجد له قائل منّا.

الثالث : أنّ المرجع في المقام هو الحكومة، وقد اختاره الشيخ في المبسوط(2)وتبعه بعض المتأخرين.

ولكن هذا القول إنما يتم إذا لم تثبت له دية مقدّرة، وقد عرفت ثبوتها وهو


1) الوسائل 29: 297 / أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 1، الكافي 7: 333 / ذيل ح 5، الفقيه 4: 194/58، التهذيب 10: 300/ 1148.

2) المبسوط 7: 139.

عدم الفرق في ثبوت الدية بين قلع السن من أصلها الثابت في اللثة وبين كسرها منها

(مسألة 290) : لا فرق في ثبوت الدية بين قلع السن من أصلها الثابت في اللثة (1) وبين كسرها منها (2)، وأمّا إذا كسرها أحد من اللثة وقلعها منها آخر فعلى الأوّل ديتها وعلى الثاني الحكومة (3).


الربع، فلا تصل النوبة إلى الحكومة، ولولا ذلك كان القول بالحكومة هو الصحيح.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع عليه بقسميه، وهذا هو القدر المتيقن من النصوص.

(2) وفاقاً لجماعة كثيرة، بل نسبه في مجمع البرهان إلى ظاهر الأكثر (1). ويدلّ عليه ما رواه الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه قضى في الأسنان التي تقسم عليها الدية - إلى أن قال : - فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسر حتى يذهب خمسون ديناراً... الحديث (2).

بتقريب : أن الكسر الموجب لذهاب السنّ هو الموضوع للدية المزبورة، فإنّها إذا ذهبت مع سنخها فهو قلع لا كسر، ومع تحقق القلع لا أثر للكسر، فالكسر إنما هو موضوع للدية فيما إذا لم يتحقق قلع، والمفروض أن السنّ تصدق على ما هو المشاهد منها عرفاً.

ويؤيد ذلك ما عن الشيخ في المبسوط من أنّ السنّ اسم لما شاهدته زائداً على اللثّة (3).

(3) أمّا ثبوت الدية على الأوّل: فلما عرفت، وأما الحكومة على الثاني:


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 394.

2) الوسائل 29: 342 / أبواب ديات الأعضاء ب 38 ح 1، الفقيه 4: 103/ 347.

3) المبسوط 7: 137.

حكم قلع سن الصغير أو كسرها تماماً

(مسألة 291) : المشهور بين الأصحاب أنّه لو قلع سنّ الصغير أو كسرت تماماً ينتظر بها سنة، فإن نبتت لزم الأرش (1)، وإلا ففيها الدية (2)، ولكن دليله غير ظاهر، فلا يبعد ثبوت الدية مطلقاً (3).


فلفرض أنه لا مقدّر له شرعاً، وأنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(1) استندوا في ذلك إلى رواية جميل، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام) : أنّه قال في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت «قال: ليس عليه قصاص وعليه الأرش» (1).

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة سنداً من ناحية الإرسال، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(2) لإطلاق النصوص، ومقتضاه عدم الفرق بين سنّ الصغير وغيره.

(3) لما عرفت من أنّ الدليل على التفصيل ولزوم الأرش في صورة الإنبات غير تام، فالمرجع هو إطلاق النصوص.

وأما ما ذهب إليه جماعة - منهم : الشيخ في المبسوط وابن فهد في المهذب وابن زهرة في الغنية وابن حمزة في الوسيلة (2)- من أن دية سنّ الصبي بعير مطلقاً، سواء أثبت أم لم ينبت.

فلا نعرف له وجهاً.

نعم، في رواية مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ علياً (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي قبل أن يثغر بعيراً في كلّ سنّ»(3).


1) الوسائل 29: 337/ أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 1.

2) المبسوط 7: 138 انظر المهذب البارع 5: 331 - 333، حكاه عن الغنية في الجواهر 43: 241، الوسيلة : 448.

3) الوسائل 29: 338/ أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 2.

لو زرع الإنسان في موضع السنّ المقلوعة عظماً فثبت فيه ثم قلعه قالع

(مسألة 292) : لو زرع الإنسان في موضع السنّ المقلوعة عظماً فثبت فيه ثم قلعه قالع فلا دية فيه، ولكن فيه الحكومة (1).

الثامن : اللحيان

الثامن : اللحيان

وهما العظمان اللذان يلتقيان في الذقن، ويتصل طرفاهما بالأذن من جانبي الوجه وعليهما نبات الأسنان، وفيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية (2). هذا فيما إذا قلعا منفردين عن الأسنان، ولو قلعا مع الأسنان


ورواية السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير» (1).

وفيه : أنّ الروايتين ضعيفتان سنداً، أما الأولى : فبسهل بن زياد وابن شمون والأصم. وأمّا الثانية : فمن جهة أنّ في طريق الشيخ إلى النوفلي ابن بطة وأبا المفضّل، وهما ضعيفتان فإذن لا يمكن الاستدلال بهما.

فالنتيجة : أن ما ذكرناه هو الصحيح.

(1) أمّا عدم الدية : فلأنّ ما دلّ على ثبوت الدية في قلع السن منصرف عن ذلك. وأما الحكومة: فلما عرفت من أنّ في كلّ مورد لا مقدّر فيه شرعاً فالمرجع فيه نظر الحاكم، حيث إنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية كاملة، وفي كلّ واحد منهما نصف الدية.


1) الوسائل 29 : 338/ أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 3.

ففي كل منهما ديته (1).

التاسع : اليدان
إشارة

التاسع : اليدان

وفيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية (2)، ولا حكم للأصابع مع قطع اليد (3).


(1) ظهر مما تقدم وجه ذلك.

(2) بلا خلاف بين الفقهاء، بل الإجماع بقسميه عليه، بل لا خلاف في ذلك بين المسلمين وتدلّ على ذلك نصوص متضافرة :

منها : النصوص السابقة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية كاملة وفي كلّ واحد منهما نصف الدية.

ومنها : معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّها دلّت في مواضع متعدّدة على أنّ دية اليد خمسمائة دينار، كقوله (عليه السلام): «ودية المنكب إذا کسر خمس دية اليد مائة دينار» الحديث (1).

وقوله (عليه السلام): «وفي العضد إذا انكسر فجبر على غير عثم ولاعیب فديتها خمس دية اليد مائة دينار» الحديث (2).

(3) من دون خلاف بين العلماء، بل ادّعي الإجماع عليه محصلاً ومنقولاً، ويكفي في ذلك - مضافاً إلى أنّ ما دلّ على أنّ في قطع الأصابع الدية لا يشمل المقام، فإنّه فيما إذا كان القطع وارداً على الأصابع لا على اليد كما في ما نحن فيه - إطلاق النصوص المتقدّمة.


1) الوسائل 29: 299 / أبواب ديات الأعضاء ب 9 ح 1.

2) الوسائل 29: 300 / أبواب ديات الأعضاء ب 10 ح 1.

خلاف في قطع اليد ومعها مقدار من الزند

(مسألة 293) : لاريب في ثبوت الدية بقطع اليد من الزند، وأما إذا قطع معها مقدار من الزند ففيه خلاف، والمشهور بين الأصحاب أنّ فيه دية قطع اليد والأرش لقطع الزائد، وفيه إشكال، بل لا يبعد الاقتصار فيه على الدية فقط (1).


(1) وجه الإشكال : هو أنّ اليد لو كانت اسماً للكفّ إلى الكوع - كما فسرها الشيخ في المبسوط (1)- لم يرد القطع على اليد، وإنما ورد على الذراع، واليد إنما ذهبت في ضمن قطعها ولا حكم لها حينئذ، وقد عرفت أنه لا حكم للأصابع مع قطع اليد. وعليه، فالمرجع هو الحكومة فحسب، لعدم مقدر لها شرعاً، وإنما التقدير لليد. وإن كانت اسماً للجامع وكانت الكفّ إلى الكوع أقصر أفراده - كما الظاهر - كان القطع من الذراع قطعاً لليد، فعندئذٍ لا وجه للحكومة.

فالنتيجة : أنّ ما ذهب إليه المشهور لا يمكن إتمامه بدليل، فالأظهر ما ذكرناه.

ومن ذلك يظهر أنه لو قطع اليد من المرفق فلا دية للذراع لا حكومةً ولا مقدراً، كما أنه لو قطع من المنكب فلا دية لها ولا للعضد كذلك.

وعلى هذا، فما عن ابن إدريس (2)- وقيل : إنّه ظاهر أبي علي والمفيد وسلار والحلبيين (3)- من أنّ لكلّ من الذراع والعضد أيضاً دية.

لا مقتضي له أصلاً، لما عرفت من أنّ القطع في جميع هذه الموارد قطع واحد


1) المبسوط 7: 143.

2) السرائر 3: 395.

3) حكاه عن أبي علي في مفتاح الكرامة 10: 423، المفيد في المقنعة : 755، سلّار في المراسم : 244، أبو صلاح في الكافي في الفقه : 398 ابن زهرة في غنية النزوع 2: 418.

حكم ما لو كان لشخص يدان على زند إحداهما أصلية والأخرى زائدة فقطعت إحداهما

(مسألة 294) : إذا كان لشخص يدان على زند إحداهما أصلية والأخرى زائدة، فإن قطعت اليد الأصليّة ففيها خمسمائة دينار (1)، وإن قطعت اليد الزائدة قيل : إنّ ديتها ثلث دية اليد، وهو لا يخلو عن إشكال، والأقرب أنّ المرجع فيه هو الحكومة (2).

(مسألة 295): لو اشتبهت اليد الأصلية بالزائدة ولم يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى لتساويهما في البطش والقوة وغيرهما من الجهات، فإن قطعتا معاً ففيه الدية كاملة والحكومة (3)، وإن قطعت إحداهما دون الأخرى ففيه الحكومة (4).


وهو قطع اليد، والدية ديتها فحسب.

(1) ظهر وجهه مما تقدّم.

(2) وجه الإشكال : أنّه لا دليل على أنّ في قطع اليد الزائدة ثلث دية اليد الأصلية وإن اختاره الشيخ (قدس سره) في المبسوط(1)، وقياس ذلك بالاصبع الزائدة باطل، فلا نقول به. فإذن بطبيعة الحال يكون المرجع فيه الحكومة، حيث لا مقدّر له شرعاً.

(3) فإنّ إحداهما زائدة قطعاً، وقد عرفت أنّ في قطع الزائدة الحكومة.

(4) وذلك لعدم إحراز أنها أصليّة، والدية إنما تترتب على قطع اليد الأصليّة، ومقتضى الأصل عدمها. وعليه، فلا محالة يكون المرجع فيه الحكومة، حيث لم يثبت تقدير فيه شرعاً.


1) المبسوط 7: 144 - 145.

ما لم تزد على دية اليد الكاملة (1).

لو قطع ذراع لا كف لها

(مسألة 296) : لو قطع ذراع لا كفّ لها ففيه نصف الدية، وكذا الحال في العضد (2).

العاشر : الأصابع
إشارة

العاشر : الأصابع

المشهور أنّ في قطع كلّ واحد من أصابع اليدين أو الرجلين عشر الدية، وعن جماعة : أنّ في قطع الإبهام ثلث دية اليد أو الرجل، وفي كلّ واحد من الأربعة البواقي سدس دية اليد أو الرجل، وهو الصحيح (3).


(1) وذلك لأنّه لا يمكن أن تكون دية الزائدة حكومةً أكثر من دية اليد الأصلية.

(2) لإطلاق ما دلّ على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي كلّ واحد منهما نصف الدية.

(3) بيان ذلك : أن المسألة ذات قولين:

الأول : ما هو المشهور والمعروف بين الأصحاب من أنّ في قطع كلّ واحدة من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية.

الثاني : ما عن جماعة - منهم : الشيخ في الخلاف وابن حمزة في الوسيلة(1)- من أنّ في قطع الإبهام ثلث دية اليد أو الرجل وفي البواقي سدس ديتها.

أمّا القول الأوّل: فقد استدل عليه بعدة روايات :


1) الخلاف 5 : 248 / 50، الوسيلة : 452.

---------------------------------------------------------------------------------

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الاصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شلّت» قال : وسألته عن الأصابع أهنّ سواء في الدية ؟ «قال : نعم» الحديث (1).

ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : : أصابع اليدين والرجلين سواء في الدية في كلّ اصبع عشر من الإبل» الحديث (2).

ومنها : معتبرة سماعة، قال: سألته عن الأصابع، هل لبعضها على بعض فضل في الدية ؟ «فقال : هنّ سواء في الدية» (3).

وأما القول الثاني : فتدلّ عليه معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في دية الأصابع والقصب التي في الكفّ «ففي الإبهام إذا قطع ثلث دية اليد : مائة دينار وستة وستون ديناراً وثلثا دينار - إلى أن قال : - وفي الأصابع في كلّ اصبع سدس دية اليد : ثلاثة وثمانون ديناراً وثلث دينار» الحديث (4).

وهذه المعتبرة تعارض الصحاح المتقدمة، فلابد من الرجوع إلى قواعد باب المعارضة. أمّا الطائفة الأولى : فهى موافقة للعامة، حيث إنّه لا خلاف بينهم على ما نص عليه صاحبا العدّة والمغني (5)، نعم في المغني نسب الخلاف إلى مجاهد فحسب، وهو اختار قولاً لا يوافق شيئاً من القولين المزبورين. والطائفة الثانية : مخالفة لهم فتتقدم عليها.

فالنتيجة ما ذكرناه.


1) الوسائل 29: 346/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 3.

2) الوسائل 29: 346/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 4.

3) الوسائل 29 : 347 / أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 6.

4) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

5) العدة شرح العمدة: 531، العمدة : 531، المغني 9: 632.

دية كل اصبع

(مسألة 297) : دية كلّ اصبع مقسومة على ثلاث أنامل، ما عدا الإبهام فإنّ ديتها مقسومة على أنملتين (1)، فإذا قطع المفصل الأوسط من الأصابع الأربع فديتها خمسة وخمسون ديناراً وثلث دينار، وإن قطع المفصل الأعلى


وهنا قولان آخران :

الأوّل: ما عن الحلبي من أنّ في كلّ اصبع عشر الدية إلا في الإبهام فإنّ ديتها ثلث دية اليد هذا في أصابع اليد وأمّا في أصابع الرجلين ففي الجميع العشر من دون فرق بين الإبهام وغيرها (1).

الثاني : ما اختاره ابن زهرة في الغنية والمحكي عن الإصباح من أنّ دية الإبهام ثلث دية اليد وفي البواقي العشر بلا فرق بين أصابع اليدين والرجلين(2).

أقول : أما القول الأوّل فلا مقتضي له أصلاً، على أن المراد من عشر الدية إن أريد عشر دية اليد الواحدة فهو يقتضي نقصاً في الدية، وإن أريد عشر دية الإنسان فهو يقتضي أن تزيد دية الأصابع على دية النفس، ولا يمكن الالتزام بشيء منهما. ومن هنا يظهر حال القول الثاني أيضاً.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقضي في كلّ مفصل من الاصبع بثلث عقل تلك الاصبع، إلّا الإبهام فإنّه كان يقضي في مفصلها بنصف عقل تلك الإبهام، لأن لها مفصلين» (3).


1) الكافي في الفقه : 398.

2) الغنية 2 : 418، الإصباح : 506.

3) الوسائل 29 : 350/ أبواب ديات الأعضاء ب 42 ح 1.

منها فديتها سبعة وعشرون ديناراً وثمانية أعشار دينار (1).

دية فصل الظفر من كل اصبع من أصباع اليد

(مسألة 298) : في فصل الظفر من كل اصبع من أصابع اليد خمسة دنانير (2)،


أقول : إنّ ظاهر المعتبرة كون القسمة متساوية، إلا أنها تقريبية بمقتضى معتبرة ظريف الآتية.

(1) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في دية الأصابع والقصب التي في الكف «فني الإبهام إذا قطع ثلث دية اليد: مائة دينار وستة وستون ديناراً وثلثا دينار - إلى أن قال - ودية المفصل الأوسط من الأصابع الأربع إذا قطع فديته خمسة وخمسون ديناراً وثلث دينار - إلى أن قال : - وفي المفصل الأعلى من الأصابع الأربع إذا قطع سبعة وعشرون ديناراً ونصف وربع ونصف عشر دينار» الحديث (1).

ثمّ إنّ المعتبرة قد ألغت من دية المفصل الوسط مقداراً وهو تسعان، فإنّ ديته بمقتضى معتبرة السكوني المتقدّمة خمسة وخمسون ديناراً وثلث دينار وتسعا دينار، وفي دية المفصل الأعلى قد زادت مقداراً وهو اثنان من تسعين جزء من دينار واحد، أي عشران من التسع، فإنّ ديته بمقتضى المعتبرة سبعة وعشرون ديناراً وسبعة أتساع دينار لا ثمانية أعشاره. وكيف ما كان، فلا بأس بذلك الإلغاء.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال : وفي الظفر خمسة دنانير» (2).


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29 : 350/ أبواب ديات الأعضاء ب 41 ح 2.

وقيل : إن لم ينبت الظفر أو نبت أسود ففيه عشرة دنانير، وهو ضعيف (1).

دية فصل ظفر الإبهام من القدم

(مسألة 299): في فصل ظفر الإبهام من القدم ثلاثون دينار (2)، وفي


وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي ظفر كلّ اصبع منها - الأصابع الأربع التي تلي الكف - خمسة دنانير » (1).

والمعتبرة وإن كانت لا تعمّ ظفر الإبهام ولكن في صحيحة عبدالله بن سنان كفاية.

(1) وإن كان المشهور ذهبوا إليه، إذ لا مستند له سوى ما رواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد عن محمّد بن الحسن بن شمون عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن مسمع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الظفر إذا قطع ولم ينبت أو خرج أسود فاسداً عشرة دنانير، فإن خرج أبيض فخمسة دنانير» (2).

وبما أنّ جميع رواتها - غير مسمع - ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها.

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي ظفره - الإبهام - ثلاثون ديناراً، وذلك لأنه ثلث دية الرجل» الحديث (3).

ثم إن المعتبرة قد استشكل فيها من وجهين :


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29: 349/ أبواب ديات الأعضاء ب 41 ح 1، التهذيب 10: 256/ 1012.

3) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

فصله من كلّ اصبع غير الإبهام عشرة دنانير (1).

دية الاصبع الزائدة في اليد أو الرجل

(مسألة 300) : في الاصبع الزائدة في اليد أو الرجل ثلث دية الاصبع الصحيحة (2)،


الأول : ما ذكره العلّامة المجلسي وصاحب الرياض (قدس سرهما) من أنّه لم يوجد عامل بها (1).

ولكن يرد على ما ذكراه أنّ مجرد ذلك لا يكفي في ردّ الرواية المعتبرة ما لم يكن إجماع على خلافها، ولا إجماع في المقام جزماً.

الثاني : أنّ التعليل المذكور فيها غير مطابق للواقع.

ويردّه: أنّ عدم إمكان الأخذ بالتعليل لا يوجب رفع اليد عن أصل الحكم، مع أنّ من المحتمل أنّ في العبارة سقطاً وأنّ الصحيح هكذا : لأنّ دية الإبهام ثلث دية الرجل.

وكيف كان، فلا بأس بالاستدلال بالمعتبرة، وبها يقيّد إطلاق صحيحة عبد الله بن سنان المتقدّمة الدالة على أنّ في كلّ ظفر خمسة دنانير.

(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية كل ظفر - من الأصابع الأربع من القدم - عشرة دنانير» الحديث (2).

وبذلك يقيّد أيضاً إطلاق صحيحة عبدالله بن سنان.

(2) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب.


1) ملاذ الأخيار 16 : 666، الرياض 2: 549 (حجري).

2) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

وفي قطع العضو المشلول ثلث ديته (1).


وتدلّ على ذلك معتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الاصبع الزائدة إذا قطعت ثلث دية الصحيحة»(1)، وقريب منها معتبرته الأخرى المتقدّمة في مسألة قطع إحدى المنخرين (2).

ولا تعارضها رواية الحكم بن عتيبة، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أصابع اليدين وأصابع الرجلين، أرأيت ما زاد فيهما على عشرة أصابع أو نقص من عشرة فيها دية ؟ قال : فقال لي «يا حكم، الخلقة التي قسمت عليها الدية عشرة أصابع في اليدين فما زاد أو نقص فلا دية له، وعشرة أصابع في الرجلين فما زاد أو نقص فلادية له، وفي كلّ اصبع من أصابع الرجلين ألف درهم وكلّما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح (3).

لأنها ضعيفة سنداً بالحكم بن عتيبة، فلا يمكن الاعتماد عليها.

وأما مناقشة المحقق الأردبيلي (قدس سره) في مستند المسألة ورمي الروايتين المزبورتين بالضعف سنداً (4)، فلا وجه لها، فإنهما معتبرتان من حيث السند على الأظهر.

(1) من دون خلاف بين الأصحاب، واستدلّ على ذلك برواية الحكم بن


1) الوسائل 29: 345/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 2.

2) في ص 283.

3) الوسائل 29: 345 / أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 1، الكافي 7: 2/330، التهذيب 10: 254 / 1004، وفيها «فما زاد أو نقص فلا دية له، وفي كل اصبع من أصابع اليدين ألف درهم، وفي كل اصبع من أصابع الرجلين ألف درهم...».

4) مجمع الفائدة والبرهان 403:14.

الحادي عشر : النخاع

الحادي عشر : النخاع

المشهور أنّ فى قطعه دية كاملة، وهو لا يخلو عن إشكال، بل لا يبعد فيه الحكومة (1).


عتيبة المتقدّمة، ولكن قد عرفت ضعفها سنداً.

والأولى أن يستدلّ على ذلك بصحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس «فقال: إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه ثلث الدية - إلى أن قال : - وكذلك القضاء في العينين والجوارح» الحديث (1).

بتقريب : أن مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام): «وكذلك القضاء في العينين والجوارح» هو أنّ كلّ جارحة مشلولة من الإنسان إذا قطعت فعلى القاطع ثلث ديتها.

(1) هذا إذا فرض بقاء الإنسان بعد قطع نخاعه. وعليه، فما هو المشهور من ثبوت الدية كاملة - بل ادّعي فيه عدم الخلاف - لا يخلو من إشكال، لأنّهم استندوا في ذلك إلى أنّ كلّ ما في الإنسان واحد ففيه الدية كاملة، ولكن شموله لمثل النخاع مشكل جدّاً، بل لا يبعد انصرافه عنه، فإنّ النخاع لا يعد من أعضاء الإنسان بنفسه وإنما هو تابع للفقرات على أنّ دليل ثبوت الدية في كلّ ما كان في الإنسان واحداً ظاهر في قطعه وفصله عن البدن، ولا يعمّ قطعه وهو في محله. وعلى ذلك، فإتمام ما ذهب إليه المشهور بالدليل لا يمكن، فإن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنّه غير تام والأظهر أنّ المرجع فيه الحكومة، فإنّه يدخل فيما لا مقدّر له شرعاً.


1) الوسائل 29: 336/ أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 2.

الثاني عشر : الثديان
إشارة

الثاني عشر : الثديان

وفي قطعهما الدية كاملة، وفي كل منهما نصف الدية (1)،

ولو قطعهما مع شيء من جلد الصدر ففي قطعهما الدية، وفي قطع الجلد الحكومة (2)، ولو أجاف الصدر مع ذلك ففيه زائداً على ذلك دية الجائفة (3).

دية كلّ واحد من الحلمتين من الرجل

(مسألة 301): في كلّ واحد من الحلمتين من الرجل ثمن الدية (4)،


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه.

وتدلّ عليه - مضافاً إلى ما تقدّم من الروايات الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية - صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قطع ثدي امرأته، قال : إذن أغرمه لها نصف الدية»(1)، وفي الوسائل نقل مكان: «ثدي امرأته» فرج امرأته، وهو سهو كما ذكرناه في قصاص الأطراف(2).

(2) أمّا الدية : فلما عرفت أمّا الحكومة فلما تقدم من أنّ كلّ ما لا تقدير له شرعاً ففيه الحكومة (3)

(3) الوجه في ذلك يظهر مما تقدّم.

(4) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: في الصدر إذا رض فثنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار - إلى أن قال: - وفي حلمة


1) الوسائل 29: 354/ أبواب ديات الأعضاء ب 46 ح 1.

2) في ص 206.

3) في ص 261 و 330.

وكذلك الحال في قطع حلمة المرأة (1).

الثالث عشر : الذكر
إشارة

الثالث عشر : الذكر

وفي قطع الحشفة وما زاد دية كاملة (2)، ولا فرق في ذلك بين الشاب


ثدي الرجل ثمن الدية : مائة وخمسة وعشرون ديناراً» الحديث (1).

وذهب الشيخ في المبسوط وابن إدريس والفاضل في جملة من كتبه إلى أنّ فيهما الدية كاملة، للضابط المتقدّم (2).

وفيه : أن الضابط المزبور منصرف عن مثل ذلك، وعلى تقدير عدم الانصراف والشمول للمقام فيردّه وجود نصّ خاص فيه وهو معتبرة ظريف.

بقي هنا شيء: وهو أنّ الشهيد الثاني اختار في المقام الحكومة، بدعوى أنّ رواية ظريف ضعيفة، والضابط المتقدّم لا يشمل المقام (3).

وفيه : ما عرفت من اعتبار رواية ظريف، فلا وجه للمناقشة فيها.

نعم، على تقدير ضعفها كان ما أفاده متيناً جداً.

(1) فإنّ النص وإن ورد في الرجل إلا أنّ المرأة تشترك معه في الدية إلى أن تبلغ الثلث كما سيأتي(4).

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك


1) الوسائل 29 : 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

2) المبسوط 7: 148، السرائر 3: 394، المختلف 9: 391، التحریر 2: 273 (حجري).

3) المسالك 2: 397 (حجري).

4) في ص 395.

والشيخ والصغير والكبير (1)،


عدة روايات :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال : فيه الدية كاملة - إلى أن قال : - وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية» الحديث (1).

ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الأنف إذا استؤصل جدعه الدية - إلى أن قال : - وفي الذكر إذا قطع من موضع الحشفة الدية» (2).

وبهما نرفع اليد عن مفهوم صحيحة يونس: أنه عرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه: «في ذهاب السمع كلّه ألف دينار - إلى أن قال : - «والذكر إذا استؤصل ألف دينار» الحديث (3)، أو يحمل الاستئصال فيها على القطع من الحشفة.

(1) لإطلاق النصوص المتقدّمة.

وخصوص صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: في ذكر الغلام الدية كاملة» (4).

ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين


1) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

2) الوسائل 29: 285/ أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 5.

3) الوسائل 29: 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 2.

4) الوسائل 29: 339/ أبواب ديات الأعضاء ب 35 ح 1.

وأما من سلت خصيتاه فإن لم يؤد ذلك إلى شلل ذكره ففي قطعه تمام الدية (1)، وإن أدّى إليه ففيه ثلث الدية (2)، وكذلك الحال في قطع ذكر الخصي (3).

دية قطع بعض الحشفة

(مسألة 302) : في قطع بعض الحشفة الدية بنسبة دية المقطوع من الكمرة (4).

لو قطع حشفة شخص، وقطع آخر ما بقي من ذكره

(مسألة 303) : إذا قطع حشفة شخص، وقطع آخر ما بقي من ذكره، فعلى الأوّل الدية كاملة، وعلى الثاني الحكومة (5).


(علیه السلام) في ذكر الصبي الدية وفي ذكر العنّين الدية» (1).

(1) للإطلاق وعدم ما يوجب تقييده.

(2) لما تقدّم من أنّ في قطع العضو المشلول ثلث الدية (2).

(3) تدلّ على ذلك صحيحة بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : في لسان الأخرس وعين الأعمى وذكر الخصي وأنثييه ثلث الدية»(3).

(4) من دون خلاف بين الأصحاب في المسألة، ويدل عليه - مضافاً إلى ما ورد في بعض الأعضاء والجوارح من أخذ الدية بنسبة المساحة - ما ذكرناه من الحكومة، فإنّها تقتضي تعيين الدية حسب شهادة ذوي عدل، وكذلك فيما له مقدر شرعاً إذا قطع بعضه.

(5) يظهر وجه ذلك مما تقدّم.


1) الوسائل 29: 339/ أبواب ديات الأعضاء ب 35 ح 2.

2) في ص 383.

3) الوسائل 29 : 336/ أبواب ديات الأعضاء ب 31 ح 1.

دية قطع ذكر العنين

(مسألة 304) : المشهور أنّ في قطع ذكر العنّين ثلث الدية، وهو لا يخلو عن إشكال، والأظهر أنّ فيه الدية كاملة (1).

دية قطع الخصيتين أو إحداهما

(مسألة 305) : في قطع الخصيتين الدية كاملة (2)، وقيل : في قطع اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث الدية، وفيه إشكال والأظهر ما هو المشهور من التساوي (3).


(1) وجه الإشكال : هو أنّ المشهور وإن ذهبوا إلى أن فيه ثلث الدية - بل ادعي الإجماع عليه - حيث إنّ دية العضو المشلول ثلث دية الصحيح، إلّا أنّ معتبرة السكوني المتقدّمة دلّت على ثبوت تمام الدية، ولا موجب لرفع اليد عنها.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك عموماً عدة نصوص، وهي الروايات المتقدّمة التي دلّت على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وخصوصاً صحيحة يونس: أنه عرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه : «والبيضتين ألف دينار» الحديث (1).

وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يكسر ظهره - إلى أن قال : - «وفي البيضتين الدية»(2).

(3) بيان ذلك : هو أنه روى عبدالله بن سنان في الصحيح عن أبي عبدالله


1) الوسائل 29 : 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 2.

2) الوسائل 29 : 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

---------------------------------------------------------------------------------

(عليه السلام) «قال: ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية» - إلى أن قال: - قلت: فرجل ذهبت إحدى بيضتيه «قال : إن كانت اليسار ففيها ثلثا الدية» قلت : ولم ؟ أليس قلت: «ما كان في الجسد من اثنان ففيه نصف الدية»؟! «فقال : لأنّ الولد من البيضة اليسرى» (1).

فإنّها بضميمة ما دلّ على أنّ دية الخصيتين معاً تمام الدية تدلّ على أنّ دية اليمنى ثلث الدية.

وتؤيدها رواية أبي يحيى الواسطي رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: الولد يكون من البيضة اليسرى، فإذا قطعت ففيها ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث الدية» (2).

ولكنّها ضعيفة من جهة رفعها، ومن جهة أنّ في سندها محمّد بن هارون، وهو ضعيف.

وأما الصحيحة فهي معارضة بمعتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)« قال : وفي خصية الرجل خمسمائة دينار» الحديث (3).

وبعد المعارضة وعدم الترجيح فالمرجع هو العمومات المتقدمة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية. على أنّ التعليل المذكور في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان - على ما نقل من الأطباء - غير مطابق للواقع.


1) الوسائل 29 : 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 1.

2) الوسائل 29: 311 / أبواب ديات الأعضاء ب 18 ح 2.

3) الوسائل 29: 311 / أبواب ديات الأعضاء ب 18 ح 1.

الرابع عشر : الشفران

الرابع عشر : الشفران

وهما اللحمان المحيطان بالفرج، وفي قطعهما دية كاملة، وفي قطع واحد منهما نصف الدية (1). ولا فرق في ذلك بين المرأة السليمة وغيرها كالرتقاء والقرناء والكبيرة الصغيرة والثيب والبكر (2)، وفي قطع الركب - وهو في المرأة كموضع العانة في الرجل - الحكومة (3).

الخامس عشر : الاليتان

الخامس عشر : الاليتان

و في قطعهما معاً الدية كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية (4).


(1) من دون خلاف بين فقهائنا.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى العمومات المتقدّمة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية - صحيحة عبدالرحمن ابن سيابة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إنّ في كتاب علي (عليه السلام): لو أنّ رجلاً قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها»(1).

(2) لإطلاق الأدلة وعدم وجود مقيد في البين.

(3) لما سبق من أنّ في كلّ مورد لا مقدر له شرعاً ففيه الحكومة.

(4) تدلّ على ذلك ما تقدّم من العمومات الدالة على أن كل ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي واحد منهما نصف الدية (2).


1) الوسائل 29: 340/ أبواب ديات الأعضاء ب 36 ح 1.

2) في ص 338.

السادس عشر : الرجلان
إشارة

السادس عشر : الرجلان

وفي قطع كلتيهما دية كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية (1). ولا فرق في ذلك بين قطعهما من المفصل أو من الساق أو من الركبة أو من الفخذ (2).

دية قطع أصابع الرجلين

(مسألة 306) : في قطع أصابع الرجلين دية كاملة (3).


نعم، إذا لم يقطع تمامها ففيه الحكومة على ما مرّ.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ عليه النصوص العامة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية، وعدّة نصوص خاصة :

منها : معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل الواحدة نصف الدية» الحديث (1).

ومنها : ما ورد في عدة موارد من معتبرة ظريف.

(2) لإطلاق الرجل على الجميع، والمفروض أن موضوع الدية هو قطع الرجل فلا يكون فيه إلا دية واحدة.

وأمّا الحكومة فيما إذا قطعت الرجل من الساق بالإضافة إلى المقدار الزائد عن المفصل: فقد تقدّم الكلام فيها في مسألة قطع اليدين وقلنا هناك : إنّه لا وجه للحكومة أصلاً بعد صدق قطع اليد أو قطع الرجل على المجموع وعدم صدق أنه قطع الرجل أو اليد مع الزيادة.

(3) تقدّم في أصابع اليدين وجه ذلك بشكل موسع، كما تقدّم كذلك حكم


1) الوسائل 29: 285 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 7.

دية قطع الساقين أو إحديهما

(مسألة 307) : في قطع الساقين الدية كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية (1)، وكذلك قطع الفخذين (2).

دية أعضاء المرأة والذمّى والعبد
إشارة

(مسألة 308): كلّ ما كان من أعضاء الرَّجُل فيه دية كاملة كالأنف واليدين والرجلين ونحو ذلك، كان فيه من المرأة ديتها، وكل ما كان فيه نصف الدية كإحدى اليدين ففي المرأة نصف ديتها (3)، وكذلك الحال بالنسبة إلى الذمّي.


قطع كل اصبع منها (1).

(1) هذا فيما إذا لم تكن له قدم وإلا فالدية دية الرجل كما عرفت، والدليل عليه ما عرفت من الضابط العام.

(2) يظهر الحال في ذلك مما عرفت.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة الدالة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية كاملة وكلّ ما كان فيه منه اثنان ففيهما الدية وفى أحدهما نصف الدية، بضميمة ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، فإنّ مقتضى إطلاق هذه الروايات هو أنّ في قطع أنف المرأة أو يديها أو رجليها وما شاكل ذلك تمام ديتها وهي نصف دية الرجل، وفي قطع إحدى يديها أو رجليها نصف ديتها، وتدلّ على ذلك أيضاً الروايات الآتية الدالّة على أنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف.


1) في ص 377.

فلو قطعت إحدى يدي الذمّي ففيه نصف ديته، وفي الذمّيّة نصف ديتها (1)، وكذا الحال في العبد، فلو قطع إحدى يدي العبد كان فيه نصف قيمته (2).


(1) من دون خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى الإطلاقات المتقدّمة، بضميمة ما دلّ على أنّ دية الذمّي ثمانمائة درهم في الذكور وأربعمائة في الأناث الذكور وأربعمائة في الأناث - صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي : ثمانمائة درهم»(1).

فإنّ مقتضى إطلاق تلك الروايات وصحيحة محمد بن قيس هو أنّ في قطع أنف الذمّي أو يديه أو ما شاكل ذلك تمام ديته وهو ثمانمائة درهم، وفي الذمّيّة تمام ديتها وهو أربعمائة درهم، وفي قطع إحدى يدي الذمّي أو رجليه نصف ديته وهو أربعمائة درهم، وفي الذمّيّة نصف ديتها وهو مائتا درهم.

(2) بلا خلاف بين الفقهاء.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى الإطلاقات السابقة - معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن» (2).

ومعتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أنف العبد أو ذكره أو شيء يحيط بقيمته أنه يؤدي إلى مولاه


1) الوسائل 29: 108/ أبواب القصاص في النفس ب 47 ح 5.

2) الوسائل 29: 168/ أبواب قصاص الطرف ب 5 ح 1.

معاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية

(مسألة 309) : كلّ جناية كانت فيها دية مقدّرة شرعاً سواء أكانت بقطع عضو أو كسره أو جرحه أو زوال منفعته، فإن كانت الدية أقل من ثلث دية الرجل فالمرأة تعاقله فيها (1)،


قيمة العبد ويأخذ العبد»(1).

فإنّ مقتضى إطلاق المعتبرة الأولى والثانية أنّ في قطع أنف العبد أو يديه تمام قيمته فإنها ديته، وفي قطع إحدى يديه أو رجليه نصف قيمته.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدّة نصوص:

منها : صحيحة أبان بن تغلب، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ «قال: عشرة من الإبل» قلت : قطع اثنين «قال: عشرون» قلت: قطع ثلاثاً «قال: ثلاثون» قلت: قطع أربعاً «قال: عشرون» قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون ! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان «فقال : مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : انّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست مُحق الدین»(2).

ومنها : معتبرة سماعة، قال: سألته عن جراحة النساء «فقال: الرجال والنساء في الدية سواء حتى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل» (3).


1) الوسائل 29: 388/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 8 ح 3.

2) الوسائل 29: 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 1.

3) الوسائل 29: 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 2.

وإن كان بقدر الثلث أو أزيد صارت دية المرأة نصف دية الرجل (1).


ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال : جراحات الرجال والنساء سواء سنّ المرأة بسنّ الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل، واصبع المرأة باصبع الرجل حتى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل على دية المرأة» (1).

(1) الكلام في ذلك يقع في مقامين :

الأوّل: فيما إذا كانت الدية المقدّرة أزيد من ثلث دية الرجل.

الثاني : فيما إذا كانت بمقداره.

أمّا المقام الأوّل: فالظاهر أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب وأنّ دية المرأة ترجع إلى النصف.

و تدلّ على ذلك جملة من الروايات وقد تقدّم بعضها.

ومنها : معتبرة ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع اصبع امرأة «قال : تقطع اصبعه حتى تنتهي إلى ثلث الدية، فإذا جاز الثلث كان في الرجل الضعف»(2)، والرواية مطابقة لما في الكافي.

ومنها : صحيحة الحلبي، قال: سُئل أبو عبدالله (علیه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص السن بالسن والشجة بالشجّة والاصبع بالاصبع سواء، حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية


1) الوسائل 29 : 163/ أبواب قصاص الطرف ب ا ح 1.

2) الوسائل 29: 164/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 4، الكافي 7: 301 / 14.

---------------------------------------------------------------------------------

الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية (1).

وأمّا المقام الثاني: فالمعروف والمشهور فيه بين الأصحاب : أنّ المرأة تعاقل الرجل إلى الثلث، فإذا بلغت الثلث رجعت دية المرأة إلى النصف من دية الرجل.

وخالف في ذلك جماعة - منهم : الشيخ (قدس سره) في النهاية وصاحب الرياض (2)- وقالوا : إنّ جراحات المرأة تساوي جراحات الرجل ما لم تتجاوز ثلث الدية، فإذا جازت رجعت دية المرأة إلى النصف.

أقول : الصحيح ما هو المشهور بين الأصحاب، وذلك لأن الروايات الواردة في المقام على طائفتين :

إحداهما : تدلّ على أنّ المرأة تساوي الرجل إلى الثلث، فإذا زادت عليه رجعت دية المرأة إلى النصف.

وثانيتهما : تدلّ على أنها تساوي الرجل فيما دون الثلث، فإذا بلغت الثلث رجعت دية المرأة إلى النصف.

فمورد المعارضة بين الطائفتين هو ما إذا بلغت الدية الثلث، فإنّ مقتضى الطائفة الأولى : عدم رجوع دية المرأة إلى النصف، ومقتضى الطائفة الثانية : رجوعها إلى النصف، وحيث لا مرجّح في البين لتقديم إحداهما على الأخرى


1) الوسائل 29 : 165/ أبواب قصاص الطرف ب 1 ح 6، وفي الكافي 7: 300/ 8، والتهذيب 10: 185/ 726، والوسائل المحقق جديداً «سُئِل أبو عبدالله (عليه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء ؟ فقال : الرجال والنساء في القصاص السن بالسن...».

2) النهاية : 773، الرياض 2 : 559 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

فتسقطان معاً.

فالمرجع هو إطلاق صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كلّ شيء» (1).

فإنّ مقتضاه اختصاص تساوي المرأة مع الرجل في مادون الثلث دون الزائد عليه.

بقي هنا شيء: وهو أنّ هذا الحكم هل يختص بما إذا كان الجاني على المرأة رجلاً أو يعم ما إذا كان امرأة ؟

فيه قولان، المعروف والمشهور بين الأصحاب هو القول الثاني.

ومال إلى القول الأوّل المحقق الأردبيلي (قدس سره) (2)، بتقريب: أن مورد روايات الباب هو ما إذا كان الجاني رجلاً، فالتعدّي عنه إلى غيره من الموارد يحتاج إلى دليل. وعليه، فإذا كان الجاني على المرأة امرأة فالدية من الأوّل على النصف من دية الرجل، فلو قطعت المرأة اصبع امرأة ففيه خمس من الإبل، وهكذا.

ومن هنا استشكل العلّامة (قدس سره) في القواعد في التعميم (3).

أقول : الصحيح ما هو المشهور والمعروف بينهم، وذلك لأنّ مورد أكثر الروايات وإن كان كذلك إلّا أنّ فيها ما يكون مطلقاً من هذه الناحية، كمعتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: جراحات المرأة والرجل سواء


1) الوسائل 29: 384/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 3 ح 2.

2) مجمع الفائدة والبرهان 14: 471 - 472.

3) القواعد 3: 691.

---------------------------------------------------------------------------------

إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا جاز ذلك تضاعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين»(1)، فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الجاني رجلاً أو امرأة.


1) الوسائل 29: 383/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 3 ح 1.

فصل في ديات الكسر والصدع والرض والنقل والنقب والفك والجرح في البدن غير الرأس

دية كسر العظم من كلّ عضو

(المسألة 310) : المشهور أنّ في كسر العظم من كلّ عضو كان له مقدّر في الشرع خمس دية ذلك العضو، فإن صلح على غير عيب ولا عثم فديته أربعة أخماس دية كسره، وفي موضحته ربع دية كسره، وفي رضه ثلث دية ذلك العضو، فإذا برئ على غير عيب ولا عثم فديته أربعة أخماس دية رضه، وفي فكه من العضو بحيث يصبح العضو عاطلاً ثلثا ديته، فإن صلح على غير عيب ولا عثم فأربعة أخماس دية فكه. ولكن مستند جميع ذلك على الإطلاق غير ظاهر، حيث إنّ دية هذه الأمور تختلف باختلاف الأعضاء والنسبة غير محفوظة في الجميع كما ستأتي في ضمن المسائل الآتية.

دية كسر الظهر

(مسألة 311) : فى كسر الظهر دية كاملة (1)،


(1) بلا خلاف بين الفقهاء.

وتدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في الرجل يكسر ظهره «قال : فيه الدية كاملة» الحديث (1).


1) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 4.

وكذلك إذا أصيب فأحدب (1) أو صار بحيث لا يستطيع الجلوس (2).


ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصلب إذا انكسر الدية» (1).

وأما ما في معتبرة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل الواحدة نصف الدية - إلى أن قال : - وفي الظهر إذا انكسر حتى لا ينزل صاحبه الماء الدية كاملة» الحديث (2)، من التقييد بعدم إنزال الماء فالظاهر أنه من جهة الملازمة الخارجية بين كسر الظهر وقطع إنزال الماء، لا من جهة خصوصية فيه ليوجب التقييد.

فالنتيجة : أنّ موضوع الحكم هو الكسر.

(1) من دون خلاف بين أصحابنا.

وتدلّ على ذلك صحيحة يونس : أنه عرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه «في ذهاب السمع كلّه ألف دينار إلى أن قال : - والظهر إذا أحدب ألف دينار» الحديث (3).

(2) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل كسر صلبه فلا يستطيع أن يجلس أنّ فيه الدية » (4).


1) الوسائل 29: 306/ أبواب ديات الأعضاء ب 14 ح 2.

2) الوسائل 29: 285 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 7.

3) الوسائل 29 : 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 2.

4) الوسائل 29: 305/ أبواب ديات الأعضاء ب 14 ح 1.

لو كسر الظهر فجبر على غير عثم ولا عيب

(مسألة 312) : إذا كسر الظهر فجبر على غير عثم ولا عيب، قيل : إنّ فيه ثلث الدية، وهو لا يخلو عن إشكال، والصحيح أن ديته مائة دينار (1)، وإن عثم ففيه ألف دينار (2).


وأما تضعيف المحقق الأردبيلي (قدس سره) هذه الرواية من جهة وجود أبي سليمان الحمار في السند (1)، فلا وجه له أصلاً، فإنّ أبا سليمان الحمار هو داود بن سليمان، وهو ثقة روى عنه ابن محبوب.

(1) وجه الإشكال : هو أن جماعة وإن ذهبوا إلى أن ديته ثلث الدية، بل نسبه غير واحد إلى الشهرة، إلّا أنّه لا مستند له أصلاً سوى قياس ذلك على اللحية إذا نبتت والساعد إذا صلح على غير عيب ولا عثم فإن فيهما ثلث الدية ولكن من الواضح أنّ التعدّي عن موردهما إلى غيره من الموارد يحتاج إلى دليل، والقياس لا نقول به.

فإذن الصحيح ما ذكرناه وتدلّ عليه معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: في الصدر إذا رض فتنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار - إلى أن قال : - وإن انكسر الصلب فجبر على غير عثم ولا عيب فديته مائة دينار، وإن عثم فديته ألف دينار» الحديث (2).

(2) وفاقاً لجماعة، بل عن الغنية الإجماع عليه(3)، وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف المتقدّمة والروايات السابقة.


1) مجمع الفائدة والبرهان 407:14.

2) الوسائل 29: 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

3) الغنية 2 : 418.

لو كسر الظهر فشلّت الرجلان

(مسألة 313) : إذا كسر الظهر فشلت الرجلان ففيه دية كاملة وثلثا الدية (1).

دية كسر الصلب فذهب جماعه

(مسألة 314) : إذا كسر الصلب فذهب به جماعه ففیه دیتان2.

دية موضحة الظهر ونقل عظامه وقرحته التي لا تبرأ

(مسألة 315) : في موضحة الظهر خمسة وعشرون ديناراً (3)، وفي نقل عظامه خمسون ديناراً، وفي قرحته التي لا تبرأ ثلث دية كسره، وكذلك الحال


(1) أمّا الدية كاملةً - فمضافاً إلى عدم الخلاف فيه بين الأصحاب - يدلّ عليه ما عرفت من أنّ في كسر الظهر دية كاملة، وأما ثلثا الدية فلما سيأتي من أنّ في شلل كلّ عضو ثلثي دية ذلك العضو (1).

(2) بلا خلاف ظاهر، إحداهما : لكسر الصلب، لما سبق من أنّ فيه الدية كاملة (2). وثانيتهما: لذهاب الجماع، ففي صحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست دیات» (3)، فإنّها تدلّ على أنّ في انقطاع الجماع وذهابه دية كاملة.

(3) يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية موضحة الكتفين والظهر خمسة وعشرون ديناراً» الحديث (4).


1) في ص 462.

2) في ص 400.

3) الوسائل 29: 365/ أبواب ديات المنافع ب 6 ح 1.

4) الوسائل 29: 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

في قرحة سائر الأعضاء (1).

دية كسر الترقوة وصدعها وموضحتها ونقل عظامها ونقبها

(مسألة 316) : في كسر الترقوة إذا جبرت على غير عثم ولا عيب أربعون ديناراً، وفي صدعها أربعة أخماس دية كسرها، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وفي نقل عظامها نصف دية كسرها، وفي نقبها ربع دية كسرها (2).


(1) تدلّ على ذلك صحيحة يونس ومعتبرة ابن فضال عن أبي الحسن (علیه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دية جراحة الأعضاء كلّها - إلى أن قال : - فما كان من عظم كسر فجبر على غير عثم ولا عيب لم ينقل منه عظام فإنّ ديته معلومة، فإن أوضح ولم ينقل عظامه فدية كسره ودية موضحته، فإنّ دية كلّ عظم كسر معلوم ديته، ونقل عظامه نصف دية كسره، ودية موضحته ربع دية كسره، فما وارت الثياب غير قصبتي الساعد والاصبع وفي قرحة لا تبرأ ثلث دية العظم الذي هو فيه» الحديث (1).

(2) على المشهور بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الترقوة إذا انكسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب أربعون ديناراً، فإن انصدعت فديتها أربعة أخماس كسرها اثنان وثلاثون ديناراً، فإن أوضحت فديتها خمسة وعشرون ديناراً وذلك خمسة أجزاء من ثمانية من ديتها إذا انكسرت، فإن نقل منها العظام فديتها نصف دية كسرها عشرون ديناراً، فإن نقبت فديتها ربع دية كسرها عشرة دنانير» الحديث (2).


1) الوسائل 29: 378/ أبواب الشجاج والجراح ب 2 ح 3.

2) الوسائل 29: 299/ أبواب ديات الأعضاء ب 9 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

بقي هنا أمران:

الأول : أن المحقق في الشرائع ذكر ما نصه : قال في المبسوط والخلاف: في الترقوتين الدية، وفي كلّ واحدة منهما مقدّر عند أصحابنا. ولعله إشارة إلى ما ذكره الجماعة عن ظريف، وهو في الترقوة إذا كسرت وجبرت على غير عيب أربعون ديناراً (1).

أقول : إنّ موضوع كلام الشيخ (2)وجماعة - كابن حمزة والصيمري وابن فهد (3)- هو قطع الترقوتين أو إحداهما، وما هو المذكور في معتبرة ظريف هو الكسر دون القطع، فمعتبرة ظريف أجنبية عما ذكره الشيخ وجماعة.

ثمّ إنّ ثبوت الدية كاملةً في قطع الترقوتين ونصفها في قطع إحداهما محلّ إشكال على ما ذكره جماعة - منهم : صاحب الجواهر (4)- فإنّ ما دلّ على أنّ كل ما كان في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية، منصرفُ عن مثل ذلك.

فالنتيجة : أنّ الأظهر عدم ثبوت الدية كاملةً فيهما ولا نصفها في إحداهما، بل المرجع فيه الحكومة.

الثاني : أنّ معتبرة ظريف إنما تعرّضت لحكم ما إذا جبرت الترقوة على غير عيب ولا عثم، وأما ما إذا لم تجبر أو جبرت مع عثم وعيب فهي لم تتعرّض لحكمهما، فالمرجع فيهما هو الحكومة.


1) الشرائع 4: 280.

2) الخلاف 5: 73/261.

3) لاحظ الوسيلة : 449، غاية المرام 4: 459، المهذب البارع 5: 352.

4) الجواهر 43: 287 - 288.

دية كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي خالط القلب وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه

(مسألة 317) : في كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي خالط القلب خمسة وعشرون ديناراً (1)، وفي صدعه اثنا عشر ديناراً ونصف دينار، وفي موضحته ربع دية كسره، وكذا في نقبه، وفي نقل عظامه سبعة دنانير ونصف دینار (2).

دية كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي تلي العضدين وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه

(مسألة 318) : في كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي تلي العضدين عشرة دنانير (3)، وفي صدعه سبعة دنانير، وفي


(1) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يوجد الخلاف فيه.

ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي الأضلاع فيما خالط القلب من الأضلاع إذا كسر منها ضلع فديته خمسة وعشرون ديناراً، وفي صدعه اثنا عشر ديناراً ونصف ودية نقل عظامها سبعة دنانير ونصف وضحته على ربع دية كسره، ونقبه مثل ذلك، وفي الأضلاع مما يلي العضدين دية كلّ ضلع عشرة دنانير إذا كسر، ودية صدعه سبعة دنانير، ودية نقل عظامه خمسة دنانير، وفي موضحة كلّ ضلع منها ربع دية كسره ديناران ونصف، فإن نقب ضلع منها فديتها ديناران ونصف» الحديث (1).

(2) تدلّ على ذلك كلّه معتبرة ظريف المتقدّمة، وبها يقيّد إطلاق صحيحة يونس المتقدمة في مسألة موضحة الظهر، الدالّة على أنّ في نقل العظم من كلّ عضو نصف دية كسره.

(3) على المشهور بين الأصحاب، بل في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً إلّا عن


1) الوسائل 29 : 304 / أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

موضحته دیناران و نصف دينار، وكذا في نقبه، وفي نقل عظامه خمسة دنانير (1).

دية رضّ الصدر والكتفين وموضحة كلّ منهما

(مسألة 319) : في رض الصدر إذا انثنى شقاه نصف الدية، وإذا انثنى أحد شقيه ربع الدية، وكذلك الحال في الكتفين (2)، وفي موضحة كلّ من الصدر والكتفين خمسة وعشرون ديناراً (3).


ابن إدريس في السرائر (1)، حيث إنّه لم يفرّق في دية الأضلاع أصلاً، فحكم بأنّ دية كلّ ضلع خمسة وعشرون ديناراً (2).

وفيه : أنه لا مستند لهذا الإطلاق، فإنّ الدليل في المقام منحصر بمعتبرة ظريف المتقدّمة، وهي صريحة في التفصيل بينها.

(1) تدلّ على ذلك المعتبرة المتقدّمة.

(2) يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «في الصدر إذا رض فثنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار، ودية أحد شقيه إذا انثنى مائتان وخمسون ديناراً، وإذا انثنى الصدر والكتفان فديته ألف دينار، وإذا انثنى أحد شقي الصدر وأحد الكتفين فديته خمسمائة دينار ودية موضحة الصدر خمسة وعشرون ديناراً ودية موضحة الكتفين والظهر خمسة وعشرون ديناراً» الحديث (3).

(3) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف المتقدمة.


1) الجواهر 43: 280.

2) السرائر 3: 411.

3) الوسائل 29 : 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

دية كسر المنكب وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه ورضه

(مسألة 320) : في كسر المنكب إذا جبر على غير عثم ولا عيب خمس دية اليد مائة دينار، وفي صدعه ثمانون ديناراً، وفي موضحته خمسة وعشرون ديناراً، وكذلك الحال في نقبه، وفي نقل عظامه خمسون ديناراً، وفي رضه إذا عثم ثلث دية النفس، وفي فكه ثلاثون ديناراً (1).

دية كسر العضد لو جبرت على غير عثم ولا عيب وموضحتها ونقبها ونقل عظامها

(مسألة 321): في كسر العضد إذا جبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية اليد، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وكذلك في نقبها، وفي نقل عظامها خمسون ديناراً (2).


(1) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الترقوة إذا انكسرت - إلى أن قال : - ودية المنكب إذا كسر خمس دية اليد مائة دينار، فإن كان في المنكب صدع فديته أربعة أخماس كسره ثمانون ديناراً، فإن أوضح فديته ربع دية كسره خمسة وعشرون ديناراً، فإن نقلت منه العظام فديته مائة دينار وخمسة وسبعون ديناراً منها مائة دينار دية كسره وخمسون ديناراً لنقل عظامه وخمسة وعشرون ديناراً لموضحته. فإن كانت ناقبة فديتها ربع دية كسره خمسة وعشرون ديناراً، فإن رض فعثم فديته ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، فإن فك فديته ثلاثون ديناراً»(1).

(2) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «في العضد إذا انكسر فجبر على غير عثم ولا عيب فديتها خمس دية اليد مائة دينار، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون ديناراً ودية نقل عظامها نصف دية كسرها خمسون ديناراً، ودية نقبها ربع دية كسرها خمسة وعشرون


1) الوسائل 29: 299 / أبواب ديات الأعضاء ب 9 ح 1.

دية كسر الساعد

(مسألة 322) : في كسر الساعد إذا جبرت على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس، وفي كسر إحدى قصبتي الساعد إذا جبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار، وفي صدعها ثمانون ديناراً، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وفي نقل عظامها مائة دينار، وفي نقبها اثنا عشر ديناراً ونصف دينار، وفي نافذتها خمسون ديناراً، وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار (1).


ديناراً» الحديث (1).

(1) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الساعد إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، فإن كسر إحدى القصبتين من الساعدين فديتها خمس دية اليد مائة دينار، وفي إحداهما أيضاً في الكسر لأحد الزندين خمسون ديناراً، وفي كليهما مائة دينار، فإن انصدع إحدى القصبتين ففيها أربعة أخماس دية إحدى قصبتى الساعد أربعون ديناراً، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون ديناراً، ودية نقل عظامها مائة دينار وذلك خمسة دية اليد، وإن كانت ناقبة فديتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون ديناراً، ودية نقبها نصف دية موضحتها اثنا عشر ديناراً ونصف، ودية نافذتها خمسون ديناراً، فإن صارت فيها قرحة لا تبرأ فديتها ثلث دية الساعد ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار وذلك ثلث دية التي هي فيه» الحديث (2)، كذا في التهذيب، وفي الفقيه


1) الوسائل 29: 300/ أبواب ديات الأعضاء ب 10 ح 1.

2) الوسائل 29 : 301 / أبواب ديات الأعضاء ب 11 ح 1، التهذيب 10: 301، الفقيه 4 : 60، الكافي 7: 10/335.

دية كسر المرفق

(مسألة 323) : في كسر المرفق إذا جبر على غير عثم ولا عيب مائة دينار (1)، وفي صدعه ثمانون ديناراً، وفي نقل عظامه خمسون ديناراً، وفي نقبه خمسة وعشرون ديناراً، وكذلك موضحته، وفي فكه ثلاثون ديناراً،


مثله باختلاف يسير. وأما الكافي فنسخه مختلفة، ففي بعضها: «أنّ دية كسر الساعد خمس دية اليد»، وفي ثانية : «أنّ ديته ثلث دية النفس»، كما أنّ في بعضها «أنّ دية كسر قصبتي الساعد خمس دية اليد مائة دينار»، وفي ثانية: «أنّ دية كسر إحدى قصبتي الساعد خمس دية اليد»، وبما أنّ النسخ مختلفة فلا اعتماد على شيء منها، والعبرة إنما هي بما رواه الشيخ والصدوق (قدس سرهما) في كلا الموردين.

بقي هنا شيء : وهو أنّ المذكور في الكافي والتهذيب : «أنّ دية انصداع إحدى قصبتي الساعد أربعون ديناراً» والظاهر أنه من غلط النسخة، فإنّ المذكور في التهذيب وفي نسخة من الكافي: «أنّ دية كسر إحدى قصبتي الساعد مائة دينار» فأربعة أخماسها التي هي دية انصداعها كما في المعتبرة : ثمانون ديناراً - كما هو في الفقيه - لا أربعون، ويؤيد ذلك: أنّ صاحب الوسائل رواها عن الكافي، والموجود فيه : ثمانون.

(1) على المشهور شهرة عظيمة.

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «في العضد إذا انكسر - إلى أن قال : - وفي المرفق إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب فديته مائة دينار وذلك خمس دية اليد، وإن انصدع فديته أربعة أخماس دية كسره ثمانون ديناراً، فإن نقل منه العظام فديته مائة وخمسة وسبعون ديناراً للكسر مائة دينار، ولنقل العظام خمسون ديناراً، وللموضحة خمسة وعشرون ديناراً، فإن كانت فيه ناقبة فديتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون ديناراً،

وفي رضه إذا عثم ثلث دية النفس (1).

دية كسر كلا الزندين

(مسألة 324) : فى كسر كلا الزندين إذا جبرا على غير عثم ولا عيب : مائة دينار، وفي كسر إحداهما خمسون ديناراً (2)، وفي نقل عظامها نصف دية كسرها (3).

دية رض أحد الزندين

(مسألة 325) : في رض أحد الزندين إذا جبر على غير عيب ولا عثم ثلث دية اليد (4).


فإن رض المرفق فعثم فديته ثلث دية النفس ثلاثمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، فإن كان فكّ فديته ثلاثون ديناراً»(1).

(1) تدلّ على جميع ذلك المعتبرة المتقدمة.

(2) تدلّ على ذلك المعتبرة المتقدّمة في مسألة كسر الساعد(2).

(3) تدلّ على ذلك صحيحة يونس المتقدّمة في مسألة موضحة الظهر (3)،الدالّة على أنّ دية نقل العظم نصف دية الكسر.

(4) يدلّ عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية (الرصغ) الرسغ إذا رض فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية اليد مائة دينار وستة وستون ديناراً وثلثا دينار» الحديث (4).


1) الوسائل 29 : 300/ أبواب ديات الأعضاء ب 10 ح 1.

2) في ص 409.

3) راجع ص 403.

4) الوسائل 29 : 301/ أبواب ديات الأعضاء ب 11 ح 1.

دية كسر الكفّ

(مسألة 326) : في كسر الكفّ إذا جبرت على غير عثم ولا عيب أربعون ديناراً، وفي صدعها اثنان وثلاثون ديناراً، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وفي نقل عظامها عشرون ديناراً ونصف دينار، وفي نقبها ربع دية کسرها، وفي قرحة لا تبرأ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار (1).


(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : في معتبرة ظريف: «وفي الكفّ إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب فديتها أربعون ديناراً، ودية صدعها أربعة أخماس دية كسرها اثنان وثلاثون ديناراً، ودية موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، ودية نقل عظامها عشرون ديناراً ونصف دينار، ودية نقبها ربع دية كسرها عشرة دنانير ودية قرحة لا تبرأ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دینار»(1)

هذا، ولكن في موضع آخر من المعتبرة ما يدلّ على أن دية كسر الكف خمس دية اليد مائة دينار، ودية نقل عظامها نصف دية كسرها خمسون ديناراً ودية ناقبتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون ديناراً (2).

أقول : هذا الاختلاف موجود في كلّ من الكافي والفقيه والتهذيب(3)، ومن الجائز أن يكون ذلك من غلط النسخ وأنّ الصحيح في الموضع الثاني كلمة : الكتف، بدل : كلمة : الكفّ. وعليه فدية الكتف تكون مثل دية المنكب، وإن لم يتم ذلك فالأمر دائر بين الأقل والأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر المشكوك ثبوته.


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29 : 301/ أبواب ديات الأعضاء ب 11 ح 1.

3) الكافي 7 : 335/ 10، الفقيه 4: 60، التهذيب 10: 301.

دية كسر قصبة إبهام الكفّ

(مسألة 327) : في كسر قصبة إبهام الكفّ إذا جبرت على غير عثم ولا عيب ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وفي صدعها ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار، وفي موضحتها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي نقل عظامها ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي نقبها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي فكها عشرة دنانير (1).


بقي هنا شيئان :

الأول : أنه ذكر في المعتبرة في الموضع الثاني : «فإن كان في الكف قرحة لا تبرأ فديتها ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وهو منافٍ لما تقدّم من أنّ دية القرحة في الكفّ التي لا تبرأ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، وما تقدّم هو الموافق لإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة يونس المتقدّمة (1): «وفي قرحة لا تبرأ ثلث دية العظم الذي هو فيه»، فإنّه بعد ما كانت دية الكسر أربعين ديناراً فتكون دية القرحة ثلث دية الكسر ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار. ولو تنزلنا عن ذلك فأصالة البراءة عن الزائد تقضي بعدم وجوبه.

الثاني : أنّ المذكور في صحيحة يونس وإن كان : أن مقدار دية نقل العظام في كل عظم نصف دية كسره، فتكون دية النقل في الكفّ عشرين فقط، إلّا أنّ المصرّح به في خصوص الكفّ في معتبرة ظريف: «عشرون ديناراً ونصف دینار»، فالزيادة هنا تكون تخصيصاً لما في صحيحة يونس لا محالة.

(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية قصبة الإبهام التي في الكفّ تجبر على غير عثم خمس دية الإبهام ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار إذا استوى جبرها وثبت، ودية صدعها ستة وعشرون


1) في ص 404.

دية كسر كلّ قصبة من قصب أصابع الكف دون الإبهام

(مسألة 328) : في كسر كلّ قصبة من قصب أصابع الكفّ دون الإبهام إذاجبرت على غير عثم ولا عيب عشرون ديناراً وثلثا دينار، وفي موضحة كل قصبة من تلك القصب الأربع أربعة دنانير وسدس دينار، وفي نقل كلّ قصبة منهنّ ثمانية دنانير وثلث دينار (1).

دية كسر المفصل الذي فيه الظفر من الإبهام في الكفّ

(مسألة 329) : في كسر المفصل الذي فيه الظفر من الإبهام في الكفّ إذا جبر على غير عيب ولا عثم ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي موضحتها أربعة دنانير وسدس دينار، وكذا في نقبها، وفي صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، وفي نقل عظامها خمسة دنانير (2).


ديناراً وثلثا دينار، ودية موضحتها ثمانية دنانير وثلث دينار، ودية نقل عظامها ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، ودية نقبها ثمانية دنانير وثلث دينار نصف دية نقل عظامها - إلى أن قال : - ودية فكّها عشرة دنانير - إلى أن قال : - ودية قصب أصابع الكفّ سوى الإبهام دية كلّ قصبة عشرون ديناراً وثلثا دينار، ودية كلّ موضحة في كلّ قصبة من القصب الأربع أصابع أربعة دنانير وسدس دينار، ودية نقل كلّ قصبة منهنّ ثمانية دنانير وثلث دينار» الحديث (1).

(1) تدلّ عليه معتبرة ظريف المتقدّمة بتقريب : أنّ المراد من دية كلّ قصبة دية كسرها إذا جبرت على غير عثم ولا عيب بقرينة صدرها الوارد في دية كسر قصبة الإبهام بعد جبرها بدون عثم ولا عيب.

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية المفصل الثاني من أعلى الإبهام إن كُسِر فجُبِر على غير عثم ولا عيب


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

دية كسر كلّ مفصل من الأصابع الأربع التي تلي الكفّ غير الإبهام

(مسألة 330) : في كسر كلّ مفصل من الأصابع الأربع التي تلي الكفّ غير الإبهام ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي صدع كل قصبة منهنّ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، وفي نقل عظامها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي موضحتها أربعة دنانير وسدس دينار، وكذلك في نقبها، وفي فكها خمسة دنانير (1).

دية كسر المفصل الأوسط من الأصابع الأربع

(مسألة 331) : في كسر المفصل الأوسط من الأصابع الأربع أحد عشر ديناراً وثلث دينار، وفي صدعه ثمانية دنانير ونصف دينار، وفي موضحته دیناران وثلث دينار، وكذا في نقبه، وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث دينار، وفي فكه ثلاثة دنانير وثلثا دينار (2).


ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، ودية الموضحة إن كانت فيها أربعة دنانير وسدس دينار، ودية نقبها أربعة دنانير وسدس دينار، ودية صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، ودية نقل عظامها خمس دنانير - إلى أن قال : - ودية كسر كلّ مفصل من الأصابع الأربع التي تلي الكفّ ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي صدع كلّ قصبة منهنّ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار - إلى أن قال : - وفي نقل عظامها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي موضحته أربعة دنانير وسدس دينار، وفي نقبه أربعة دنانير وسدس دينار، وفي فكه خمسة دنانير» الحديث (1).

(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في المعتبرة المتقدّمة.

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية المفصل الأوسط من الأصابع الأربع إذا قطع فديته خمسة وخمسون ديناراً وثلث


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

دية كسر المفصل الأعلى من الأصابع الأربع

(مسألة 332) : في كسر المفصل الأعلى من الأصابع الأربع خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار، وفي صدعه أربعة دنانير وخمس دينار، وفي موضحته ديناران وثلث دينار، وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث دينار، وفي نقبه ديناران وثلثا دينار، وفي فكّه ثلاثة دنانير وثلثا دينار (1).

دية كسر الورك

(مسألة 333) : في الورك إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل، وفي صدعه أربعة أخماس دية كسره، وفي موضحته ربع دية كسره، وفي نقل عظامه خمسون ديناراً، وفي رضه إذا عثم ثلث دية النفس (2)،


دينار، وفي كسره أحد عشر ديناراً وثلث دينار، وفي صدعه ثمانية دنانير ونصف دينار، وفي موضحته ديناران وثلثا دينار، وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث دينار، وفي نقبه ديناران وثلثا دينار، وفي فكّه ثلاثة دنانير وثلثا دينار» الحديث (1).

(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي كسره - المفصل الأعلى من الأصابع الأربع - خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار، وفي صدعه أربعة دنانير وخمس دينار، وفي موضحته ديناران وثلث دينار، وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث، وفي نقبه ديناران وثلثا دينار، وفي فكه ثلاثة دنانير وثلثا دينار» الحديث (2).

(2) يدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «في الورك إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجلين مائتا دينار، وإن صدع الورك فديته مائة وستون ديناراً أربعة أخماس دية كسره، فإن أوضحت فديته ربع دية كسره خمسون ديناراً، ودية نقل عظامه مائة


1) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

2) الوسائل 29: 302/ أبواب ديات الأعضاء ب 12 ح 1.

والأقرب أنّ دية فكه ثلاثون ديناراً (1).


وخمسة وسبعون ديناراً، لكسرها مائة دينار ولنقل عظامها خمسون ديناراً، ولموضحتها خمسة وعشرون ديناراً، ودية فكها ثلاثون ديناراً، فإن رضت فعثمت فديتها ثلاثمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وفي الفخذ إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجلين مائتا دينار، فإن عثمت فديتها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار وذلك ثلث دية النفس، ودية صدع الفخذ أربعة أخماس دية كسرها مائة دينار وستون ديناراً، فإن كانت قرحة لا تبرأ فديتها ثلث دية كسرها ستة وستون ديناراً وثلثا دينار، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، ودية نقل عظامها نصف دية كسرها مائة دينار، ودية نقبها ربع دية كسرها خمسون ديناراً»(1).

ثم إنّ المراد من الورك في صدر المعتبرة : هو كلا وركي الرجلين، فإنّه مضافاً إلى أنّ في نسبة ديته إلى دية الرجلين دون دية النفس شهادة على ذلك - قد صرّح في هذه المعتبرة بأنّ دية كسر أحد الوركين مائة دينار، وه-و قوله (عليه السلام): «لكسرها مائة دينار». وعلى ذلك، فالمراد من رضه مع العثم رض أحدهما بقرينة السياق، حيث إنّ العدول في التعبير عن دية كليهما إلى دية أحدهما دلالة على ذلك، ويؤيّده أنّ الرضَ في حكم الشلل وفيه ثلثا دية ذلك العضو، ويؤكّد ذلك ما تقدّم من أنّ دية رض المنكب والمرفق مع العثم ثلث دية النفس (2).

(1) وفاقاً للمشهور، والوجه في ذلك : أنّ الموجود في كتاب ظريف على


1) الوسائل 29: 306/ أبواب ديات الأعضاء ب 15 ح 1.

2) في ص 408 و 411.

دية كسر الفخذ

(مسألة 334) : في الفخذ إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل، فإن عثمت فديتها ثلث دية الرجل، وفي صدعها ثمانون ديناراً، وفي موضحتها ربع دية كسرها، وكذلك في نقبها، وفي نقل عظامها نصف دية كسرها، وإن كانت فيها قرحة لا تبرأ فديتها ثلث دية كسرها (1).

دية كسر الركبة

(مسألة 335) : في كسر الركبة إذا جبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار، وفي صدعها ثمانون ديناراً، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وكذلك في نقبها، وفي نقل عظامها خمسون ديناراً، ودية فكها ثلاثون ديناراً، وفي رضها إذا عثمت ثلث دية النفس (3)،


ما رواه الكليني والصدوق: «أنّ دية فكّ الورك ثلاثون ديناراً»(1)ولكن الموجود في التهذيب : «أنّ دية فكها ثلثا ديتها » (2). وعليه، فلم يعلم أنّ الموجود في كتاب ظريف كان أيّاً منهما، وبما أنه لا دليل على ثبوت الزائد على الثلاثين فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.

هذا، مضافاً إلى ما هو المشهور من ترجيح ما رواه الكليني عند المعارضة في النقل، لأنّه أضبط ولا سيّما مع موافقته لما رواه الصدوق.

(2) تدلّ على جميع ذلك المعتبرة المتقدّمة، وتقريب الاستدلال بها ما عرفت من أنّ المراد بالفخذ فيها : كلتا الفخذين.

(3) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الركبة إذا كسرت وجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجلين


1) الكافي 7 : 338 - 339، الفقيه 4: 63.

2) التهذيب 305:10.

وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلث دية كسرها (1).


مائتا دينار، فإن انصدعت فديتها أربعة أخماس دية كسرها مائة وستون ديناراً، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، ودية نقل عظامها مائة دينار وخمسة وسبعون ديناراً، منها دية كسرها مائة دينار، وفي نقل عظامها خمسون ديناراً، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، ودية نقبها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، فإن رضّت فعثمت ففيها ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. فإن فكّت فديتها ثلاثة أجزاء من دية الكسر ثلاثون ديناراً» الحديث (1).

ثم إنّ المراد من الركبة في صدر المعتبرة : كلتا الركبتين، فإنّه - مضافاً إلى أنّ في نسبة ديتها إلى دية الرجلين شهادة على ذلك - قد صرّح في نفس المعتبرة بذلك وهو قوله (عليه السلام): «منها دية كسرها مائة دينار». وعلى ذلك، فالمعتبرة قد تعرّضت لبيان مقدار دية كلتيهما معاً إلى قوله (عليه السلام): «ودية نقبها ربع دية كسرها خمسون ديناراً».

وأما قوله (عليه السلام): «فإن رضت فعثمت» فالظاهر أنه في مقام بيان دية الرضّ مع العثم في إحداهما، وذلك بقرينة قوله (عليه السلام) بعد هذه الجملة: «فإن فكت»، فإنّ المراد منه فكّ إحداهما جزماً، نظراً إلى أنّ دية كسرها مائة دينار، وبطبيعة الحال تكون ثلاثة أجزاء (أعشار) من المائة ثلاثين ديناراً. ويؤيّد ذلك ما تقدّم من أنّ الرضَ مع العثم في حكم الشلل وفيه ثلثا دية ذلك العضو.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة يونس المتقدّمة فى مسألة موضحة الظهر (2).


1) الوسائل 29: 307/ أبواب ديات الأعضاء ب 16 ح 1.

2) في ص 404.

دية كسر الساق

(مسألة 336) : في كسر الساق إذا جبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار، ومع العثم مائة وستون ديناراً وثلثا دينار، وفي صدعها ثمانون ديناراً، وفي موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وكذلك في نقل عظامها وفي نفوذها، ودية نقبها نصف دية موضحتها، وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار (1).


(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي الساق إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجلين مائتا دينار، ودية صدعها أربعة أخماس دية كسرها مائة وستون ديناراً، وفي موضحتها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، وفى نقبها نصف موضحتها خمسة وعشرون ديناراً، وفي نقل عظامها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، وفي نفوذها ربع دية كسرها خمسون، وفي قرحة لا تبرأ ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، فإن عثم الساق فديتها ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار» الحديث (1).

ثم الظاهر أنّ المراد من الساق في المعتبرة هو كلتا الساقين إلى قوله (عليه السلام) «وفي نفوذها ربع دية كسرها» إلخ، لعين ما تقدّم.

وأما قوله (عليه السلام): «وفي قرحة لا تبرأ» فالظاهر منه بيان القرحة في إحداهما، وذلك بقرينة أنّ دية قرحة كلّ عضو ثلث دية ذلك العضو على ما دلت عليه صحيحة يونس المتقدّمة.

وأما قوله (عليه السلام) بعد ذلك «فإن عثم الساق» إلخ، فالظاهر منه بيان


1) الوسائل 29 : 307/ أبواب ديات الأعضاء ب 16 ح 1.

دية رض الكعبين أو إحديهما

(مسألة 337) : في رض الكعبين إذا جبرتا على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس، وفي رضّ إحداهما إذا جبرت على غير عثم ولا عيب نصف ذلك (1).

دية كسر القدم

(مسألة 338) : في القدم إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار، وفي موضحتها ربع دية كسرها، وفي نقل عظامها نصف دية كسرها، وفي نافذتها التي لا تنسد مائة دينار وفي ناقبتها ربع دية كسرها (2).


دية الكسر مع العثم في كلا الساقين بقرينة أنّه (عليه السلام) في مقام بيان حكم موضوع واحد وهو كسر كلتا الساقين مرّة بدون عثم وأخرى مع العثم.

(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي الكعب إذا رض فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية الرجلين ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار» (1)، وتقريب دلالتها كما تقدّم.

(2) تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «في القدم إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل (الرجلين) مائتا دینار، ودية موضحتها ربع دية كسرها خمسون ديناراً، وفي نقل عظامها مائة دینار نصف دية كسرها، وفي نافذة فيها لا تنسدّ خمس دية الرجل مائتا دينار وفي ناقبة فيها ربع (دية) كسرها خمسون ديناراً (2).

ثمّ إنّ المراد من القدم في المعتبرة : هو كلتا القدمين، وذلك من جهة أنّ النسخة إذا كانت في الواقع الرجلان، ففي نسبة ديتها إليها شهادة على ذلك،


1) الوسائل 29: 307/ أبواب ديات الأعضاء ب 16 ح 1.

2) الوسائل 29 : 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

دية كسر قصبة الإبهام التي تلي القدم

(مسألة 339) : دية كسر قصبة الإبهام التي تلي القدم كدية قصبة الإبهام من اليد (1)، وفي نقل عظامها ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار (2)، وكذلك


وإذا كانت النسخة: الرجل، فمن جهة أنّه جعل ديتها مائتا دينار وهي خمس دية كلتا الرجلين لا الرجل الواحدة، وبذلك يظهر الحال في دية الموضحة وما بعدها.

(1) وهي خمس دية الإبهام ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، ويدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية كسر قصبة الإبهام التي تلي القدم خمس دية الإبهام ستة وستون ديناراً وثلثا دينار»(1).

وما في المعتبرة هو بيان دية كسر كلتا القصبتين، وذلك بقرينة أن الستة والستين ديناراً وثلثي دينار خمس دية كلتا الإبهامين لا الإبهام الواحدة كما هو الحال في إبهام اليد على ما تقدّم (2).

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في المعتبرة: «وفي نقل عظامها ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار» (3).

أقول : كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، ولكن في صحيحة يونس المتقدّمة (4): أنّ دية نقل كل عظم نصف دية كسره، وحينئذ تكون الدية في نقل عظام قصبة الإبهام ستة عشر ديناراً وثلثا دينار كما كان ذلك في نقل عظام قصبة إبهام اليد. وعليه، تكون المعتبرة مخصصة للكبرى المتقدّمة.


1) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

2) في ص 413 - 414.

3) الوسائل 29 : 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

4) في ص 404.

الحال في صدعها، ودية موضحتها ونقبها وفكها كديتها في اليد (1)، ودية كسر الأعلى من الإبهام - وهو الثاني الذي فيه الظفر - كدية كسر الأعلى من الإبهام في اليد، وكذلك الحال في موضحتها ونقبها وصدعها، وفي نقل عظامها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي فكها خمسة دنانير (2)، وفي كسر قصبة كلّ من الأصابع الأربعة سوى الإبهام ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، ودية صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، ودية موضحتها ونقبها ونقل عظامها كديتها في اليد وفي قرحة لا تبرأ في القدم ثلاثة وثلاثون ديناراً


(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وفي صدعها - قصبة الإبهام - ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار، وفي موضحتها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي نقبها ثمانية دنانير وثلث دينار، وفي فكها عشرة دنانير»(1).

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في المعتبرة: «ودية المفصل الأعلى من الإبهام (في القدم) وهو الثاني الذي فيه الظفر ستة عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي موضحته أربعة دنانير وسدس، وفي نقل عظامه ثمانية دنانير وثلث، وفي ناقبته أربعة دنانير وسدس، وفي صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث، وفي فكها خمسة دنانير» الحديث (2).

أقول : إنّ المراد بقوله (عليه السلام) : «ودية المفصل الأعلى»: هو دية كسره، بقرينة أنّ دية قطعه نصف دية قطع الإبهام كما تقدّم وقد صرّح بذلك في دية المفصل الأعلى من الإبهام في اليد.


1) الوسائل 29 : 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

2) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

وثلث دينار (1).

دية كسر المفصل الأخير من كلّ من الأصابع الأربع من القدم غير الإبهام

(مسألة 340) : في كسر المفصل الأخير من كلّ من الأصابع الأربع من القدم غير الإبهام ستة عشر ديناراً وثلث دينار، وفي صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، وفي كسر المفصل الأوسط من الأصابع الأربع أحد عشر ديناراً وثلثا دينار، وفي صدعها ثمانية دنانير وأربعة أخماس دينار، وفي موضحتها ديناران وفي نقل عظامها خمسة دنانير وثلثا دينار، ودية نقبها كديته في اليد، وفي فكها ثلاثة دنانير، ودية كسر المفصل الأعلى منها كديته في اليد، وكذلك في صدعها، وفي موضحتها دينار وثلث دينار وكذلك في نقبها، وفي نقل عظامها ديناران و خمس دينار، وفي فكها ديناران وأربعة أخماس دينار (2).


(1) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية قصبة الأربع سوى الإبهام دية كلّ قصبة منهنّ ستّة عشر ديناراً وثلثا دينار، ودية موضحة كلّ قصبة منهنّ أربعة دنانير وسدس دينار، ودية نقل عظم كلّ قصبة منهنّ ثمانية دنانير وثلث دينار ودية صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار، ودية نقب كلّ قصبة منهنّ أربعة دنانير وسدس دينار ودية قرحة لا تبرأ في القدم ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار» الحديث (1).

أقول : المراد من دية قصبة الإبهام في القدم: دية كسرها، بقرينة مقابلتها لدية كسر قصبة الإبهام في اليد.

(2) يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «ودية


1) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

كسر كل مفصل من الأصابع الأربع التي تلي القدم ستة عشر ديناراً وثلث دينار، ودية صدعها ثلاثة عشر ديناراً - إلى أن قال : - ودية كسره - المفصل الأوسط من الأصابع - أحد عشر ديناراً وثلثا دينار، ودية صدعه ثمانية دنانير وأربعة أخماس دينار، ودية موضحته ديناران ودية نقل عظامه خمسة دنانير وثلثا دينار، ودية نقبه ديناران وثلثا دينار ودية فكه ثلاثة دنانير، وفي المفصل الأعلى من الأصابع الأربع التي فيها الظفر إذا قطع فديته سبعة وعشرون ديناراً وأربعة أخماس دينار، ودية كسره خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار، ودية صدعه أربعة دنانير وخمس دينار، ودية موضحته دينار وثلث دينار. ودية نقل عظامه دیناران و خمس دینار ودية نقبه دينار وثلث دينار، ودية فكه ديناران وأربعة أخماس دينار» الحديث(1).

بقي هنا أمور :

الأوّل: أنّ الموجود في الكافي : أنّ دية فكّ المفصل الأوسط من الأصابع الأربع ثلاثة دنانير، كما ذكرنا، ولكنّ الموجود في التهذيب والفقيه : أنّ ديته ثلاثة دنانير وثلثا دينار. وعليه، فلم يثبت الزائد على ثلاثة دنانير، وأصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الزائد.

الثاني : أن صاحب الوسائل ذكر في معتبرة ظريف في آخر باب ديات القدم وأصابعه عن الكافي والفقيه والتهذيب هذه الجملة: «وفي موضحة الأصابع ثلث دية الأصابع»، وهذه الجملة تنافي ما ذكر في المعتبرة من مقدار دية موضحتها، حيث إنّ ثلث دية الأصابع أزيد بكثير منه، ولكن هذه الجملة - مضافاً إلى أنّ صحتها غير محتملة في نفسها، إذ لا يحتمل أن تكون دية الموضحة أزيد من دية


1) الوسائل 29: 308/ أبواب ديات الأعضاء ب 17 ح 1، الكافي 7: 11/340، التهذيب 10 : 295 / 1148، الفقيه 4: 54/ 194.

لو نفذت نافذة من رمح أو خنجر في شيء من أطراف البدن

(مسألة 341) : لو نفذت نافذة من رمح أو خنجر في شيء من أطراف البدن فديتها مائة دينار (1).


الكسر، ومضافاً إلى أنّه لا قائل بذلك من الأصحاب - غير ثابتة وأنها سهو من قلم صاحب الوسائل، أو أنها من غلط النسخة جزماً، نظراً إلى أنها غير موجودة في هذه الكتب التي نقلها (قدس سره) عنها.

الثالث : أنه ورد في معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجروح في الأصابع إذا أوضح العظم عشر دية الاصبع إذا لم يرد المجروح أن يقتص» (1)، كذا في الكافي والفقيه، ولكن رواها في التهذيب وفيه: «نصف عشر دية الاصبع».

وعلى كل حال، فهذه المعتبرة تنافي ما تقدّم من أنّ دية الموضحة في الأصابع أقلها دينار وثلث دينار وأكثرها أربعة دنانير وسدس دينار على حسب اختلاف مواردها، ولا يمكن حمل هذه المعتبرة على غير المفاصل، إذ لا يحتمل أن تكون الدية فيه أكثر من دية موضحة المفاصل. فإذن تقع المعارضة بينها وبين معتبرة ظريف، فيرجع إلى أصالة البراءة عن الزائد عمّا في معتبرة ظريف.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة يونس ومعتبرة ابن فضال، قال: عرضت الكتاب على أبي الحسن (عليه السلام) «فقال : هو صحيح، قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دية جراحة الأعضاء - إلى أن قال : - وأفتى في النافذة إذا نفذت من رمح أو خنجر في شيء من الرجل في أطرافه فديتها عشر دية الرجل مائة دينار»(2).


1) الوسائل 29: 386/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 6 ح 1، الكافي 7: 327/ 7، الفقيه 4 : 103/ 350، التهذيب 10: 290 / 1128.

2) الوسائل 378:29/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 3، الكافي 7: 327/ 5، الفقيه 4: 54/ 194، التهذيب 10: 292 / 1135.

دية قرحة كل عضو إذا لم تبرأ

(مسألة 342) : في قرحة كل عضو إذا لم تبرأ ثلث دية ذلك العضو (1).


ورواها في الوسائل هكذا: «في شيء من البدن في أطرافه» إلخ.

والظاهر أنه سهو، فإنّ الموجود في نسخة الكافي والفقيه والتهذيب ما عرفت.

ولا تعارضها رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) في النافذة تكون في العضو ثلث دية ذلك العضو» (1).

وذلك لضعفها سنداً بسهل بن زياد وشمون والأصم.

هذا، مضافاً إلى أنّ ذلك في نسخة الشيخ، والموجود في نسخة الكليني: «في الناقلة تكون في العضو ثلث دية ذلك العضو».

فالنتيجة : أنها غير ثابتة من جهة الاختلاف، فالصحيح ما ذكرناه.

نعم، لا بد من تخصيص ذلك بغير الموارد المنصوصة بالنصوص الخاصة، كما في نافذة الخدّ والأنف وما شاكل ذلك.

بقي هنا شيء : وهو أنّ المذكور في الصحيحة نفوذ شيء في أطراف الرجل، ولكنّ الحكم يعم المرأة أيضاً، لأنها تعاقل الرجل إلى ثلث الدية.

(2) تقدّم التصريح بذلك في دية عدّة من الأعضاء في معتبرة ظريف، وأما في غيرها من الأعضاء الباقية فتدلّ على ذلك صحيحة يونس المتقدّمة في مسألة موضحة الظهر.


1) الوسائل 29: 380/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 7، الكافي 7: 328 / 12، التهذيب 10: 293 / 1137.

لو اجتمع بعض ما فيه الدية المقدرة شرعاً مع بعضها الآخر

(مسألة 343) : إذا اجتمع بعض ما فيه الدية المقدرة شرعاً مع بعضها الآخر كذلك فلكل ديته (1). نعم، إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة وكانتا مترتبتين وكانت دية إحداهما أغلظ من الأخرى دخلت دية غير الأغلظ في الأغلظ (2).


(1) وذلك للإطلاق وعدم الموجب للتداخل.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذاء، ويأتي بيان ذلك في مسألة ما إذا أوجب قطع الأذنين ذهاب السمع (1).


1) في ص 437.

فصل في دية الجناية على منافع الأعضاء

إشارة

دية الجناية على منافع الأعضاء

وهي كما يلي :

الأول : العقل
إشارة

وفي ذهابه دية كاملة (1)،


(1) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله «قال : إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين السنة أقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً ؟ «قال: لا، لأنه إنما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان إلا أن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأخرى فيقاد به ضاربه، فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه. قال : فإن ضربه عشر ضربات فجنين

وفي ثبوت الدية فيما إذا رجع العقل أثناء السنة إشكال، بل لا يبعد عدم الثبوت (1).


جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات»(1).

وصحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصاً فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست ديات»(2).

(1) منشأ الإشكال : هو أن مقتضى صحيحة أبي عبيدة المتقدمة هو التفصيل بين رجوع العقل أثناء السنة وعدم رجوعه، فعلى الأوّل: لا دية فيه، وعلى الثاني : ففيه الدية. ولكن لم أجد من الأصحاب من يقول بهذا التفصيل إلا الأردبيلي في ظاهر كلامه (3)، بل مقتضى إطلاق كلماتهم ثبوت الدية مطلقاً وأنها لا تردّ فيها إذا رجع العقل أثناء السنة.

نعم، قد تعرّضوا للتفصيل المزبور بالإضافة إلى القود، وأما بالاضافة إلى الدية فلم يوجد مفصل عدا العلّامة (رحمه الله) في القواعد، فإنّه مال إلى تفصيل آخر، وهو ثبوت الدية فيما إذا حكم أهل الخبرة بعدم زوال العارض والمانع وعدم ثبوتها فيما إذا حكموا بزواله إلى مدّة، وأنه ينتظر ظهور حاله في هذه المدة، فإن استمرّ فالدية وإلّا فلا (4).

وعليه، فإن تم إجماع على خلاف الصحيحة فهو، ولكنّه غير تام. فإذن الأظهر


1) الوسائل 29: 366 / أبواب ديات المنافع ب 7 ح 1.

2) الوسائل 29: 365/ أبواب ديات المنافع ب 6 ح 1.

3) مجمع الفائدة والبرهان 14: 429.

4) القواعد 3 : 684.

وعليه، فالمرجع فيه الحكومة (1). وأما إذا تمت السنة ولم يرجع استحق الدية وإن رجع بعد ذلك (2).

لو جنى على شخص بما أوجب نقصان عقله

(مسألة 344) : إذا جنى على شخص بما أوجب نقصان عقله لم تثبت الدية فالمرجع فيه الحكومة (3)، وكذلك فيما أوجب جنوناً أدوارياً (4).


ما ذكرناه من التفصيل، ويؤيد ذلك : أنّ رجوعه أثناء السنة يكشف عن عدم ذهابه واقعاً وحقيقةً، وتؤيّده أيضاً صحيحة سليمان بن خالد الآتية في السمع.

وأما رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له : جعلت فداك ما تقول في رجل ضرب رأس رجل بعمود فسطاط فأمه حتى (يعني) ذهب عقله «قال عليه الدية» قلت: فإنّه عاش عشرة أيام أو أقلّ أو أكثر فرجع إليه عقله، أله أن يأخذ الدية ؟ «قال : لا، قد مضت الدية بما فيها» الحديث (1).

فهي ضعيفة سنداً لا يمكن الاعتماد عليها في استنباط حكم شرعي فقهي.

(1) لما تقدّم من أنّ كلّ ما لا تقدير فيه شرعاً فالمرجع فيه هو الحكومة.

(2) وفاقاً للأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة.

(3) لعدم الدليل على ثبوت الدية المقدّرة، وعليه فالمرجع هو الحكومة.

(4) لعين ما تقدّم. وصحيحة إبراهيم بن عمر منصرفة عن مثل ذلك.

وما ذكره جماعة - منهم : الشيخ في المبسوط وابن حمزة في الوسيلة والعلّامة في القواعد (2)- من أن الدية تقسّط بالزمان.


1) الوسائل 29: 367 / أبواب ديات المنافع ب 7 ح 2.

2) المبسوط 7: 126، الوسيلة : 443، القواعد 3: 684.

لو شجّ شخصاً شجة فذهب بها عقله

(مسألة 345) : لو شجّ شخصاً شجّة فذهب بها عقله، فإن كانت الشجّة وذهاب العقل بضربة واحدة تداخلت ديتاهما، وإن كانا بضربتين فجنى بكلّ ضربة جناية لم تتداخلا (1).

الثاني : السمع
إشارة

و في ذهابه كله دية كاملة (2)،


فلا دليل عليه أصلاً. فإذن الصحيح ما ذكرناه من أنّ المرجع فيه الحكومة.

(1) تقدّم الكلام في ذلك موسعاً في القصاص في المسألة الثامنة والعشرين.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ عليه عدة روايات :

منها : صحيحة يونس : أنه عرض على الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه : «في ذهاب السمع كلّه ألف دينار» الحديث (1).

ومنها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: في رجل ضرب رجلاً في أذنه بعظم فادّعى أنه لا يسمع «قال: يترصد ويستغفل وينتظر به سنة، فإن سمع أو شهد عليه رجلان أنّه يسمع، وإلا حلفه وأعطاه الدية، قيل : يا أمير المؤمنين، فإن عثر عليه بعد ذلك أنه يسمع ؟ قال : إن كان الله ردّ عليه سمعه لم أرَ عليه شيئاً » (2).

ومنها : صحيحة إبراهيم بن عمر المتقدمة.


1) الوسائل 29: 357 / أبواب ديات المنافع ب 1 ح 1.

2) الوسائل 29: 361/ أبواب ديات المنافع ب 3 ح 1.

وفي ذهاب سمع إحدى الأذنين كله نصف الدية (1)، وإذا جنى على رجل فادعى ذهاب سمعه كله قبل قوله إن صدقه الجانى (2)، وأما إذا أنكره أو قال : لا أعلم ذلك، أجل إلى سنة ويترصد واستغفل بسؤاله، فإن انكشف الخلاف وبان أنّه يسمع أو شهد شاهدان بذلك فليس له مطالبة الدية (3)،


(1) من دون خلاف بين الأصحاب، ويدلّ على ذلك أن مقتضى النصوص المتقدّمة أن يكون في ذهاب سمع إحداهما نصف الدية، فإنّ التقسيط على خلاف ذلك يحتاج إلى قرينة مفقودة في المقام، وهذا من دون فرق بين أن تكون الذاهبة أحد من الأخرى أم لا. بل ولا بين أن تكون له ما عداها أو لا، سواء كانت التالفة بآفة من الله تعالى أو بجناية جان، وذلك لأنّ الذاهبة حينئذ ليست كلّ السمع الذي هو الموضوع لتمام الدية.

فما عن ابن حمزة من وجوب الدية كاملةً إن كانت الأخرى ذاهبة بآفة من الله تعالى قياساً على العين الصحيحة من الأعور (1).

لا دليل عليه أصلاً، والقياس لا نقول به.

(2) لأنه إقرار على نفسه فيصدق.

(3) وذلك لصحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة، وقريب منها روايته الأخرى (2).

وأما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليها السلام)، قال: سألته عن رجل ضُرِب بعظم في أذنه فادّعى أنّه لا يسمع

«قال : إذا كان الرجل مسلماً صُدّق» (3).


1) الوسيلة : 445.

2) الوسائل 29 : 363/ أبواب ديات المنافع ب 3 ح 3، 4.

3) الوسائل 29 : 363/ أبواب ديات المنافع ب 3 ح 3، 4.

وإلّا فعليه أن يأتي بالقسامة بأن يحلف هو وخمسة أشخاص إن وجدوا وإلّا حلف هو ست مرّات، فعندئذ يستحق الدية (1).


فمضافاً إلى أنها بإطلاقها مقطوعة البطلان، معارضة بصحيحة سليمان بن خالد المتقدمة والترجيح لها، لموافقتها للسنّة، وهي الروايات الدالة على أنّ القضاء إنما هو بالبينات والأيمان.

بقي هنا أمران :

الأول : أن المشهور بين الأصحاب هو عدم تقييد الحكم في المسألة بالسنة، بل لم أجد من قيّده بها، وإنما أحالوا الأمر على أهل الخبرة، فإن شهدوا باليأس لزمت الدية، وإن شهدوا بالعود بعد مدة أو قالوا: إنه مرجو إلى مدة كذا، فلا دية قبل انقضائها.

وفيه : أنّه لا دليل على ذلك، فعندئذٍ إن تم إجماع في المسألة على خلاف الصحيحة فهو، ولكنّه غير تام جزماً. فإذن الصحيح ما ذكرناه.

الثاني : أنه إذا علم صدق المدعي وأنه ذهب سمعه ولكن احتمل عوده أثناء السنة فأيضاً يؤجّل سنة، للصحيحة المتقدّمة، فإن عاد في أثنائها فلا دية له، والمرجع فيه الحكومة وإن عاد بعدها لم يوجب سقوط الدية، إذ لعله هبة جديدة من الله سبحانه وتعالى.

(1) تدلّ على ذلك صحيحة يونس ومعتبرة ابن فضال عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أصيب الرجل في إحدى عينيه فإنّها تقاس ببيضة تربط على عينه المصابة إلى أن قال: - والقسامة مع ذلك من الستة الأجزاء على قدر ما أصيب من عينه، فإن كان سدس بصره حلف هو وحده وأعطي، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد،

لو ادعى المجني عليه النقص في سمع كلتا الأذنين

(مسألة 346) : لو ادّعى المجني عليه النقص في سمع كلتا الأذنين، فإن ثبت ذلك ببينة فيها، وإلا فعليه القسامة بالنسبة، بمعنى : أن المدعى إن كان ثلث سمعه حلف هو وحلف معه رجل واحد وإن كان نصف سمعه حلف هو وحلف معه رجلان، وهكذا (1)، ولو ادّعى النقص في إحداهما قيست إلى الصحيحة بأن تسدّ الناقصة سدّاً جيّداً وتطلق الصحيحة ويصاح به ويتباعد عنه حتى يقول : لا أسمع، فإن علم أو اطمئنّ بصدقه فهو، وإلا يعلم ذلك المكان ثم يعاد عليه من طرف آخر كذلك، فإن تساوت المسافتان صدق وإلّا فلا، ثم بعد ذلك تطلق الناقصة وتسدّ الصحيحة جيّداً ويختبر بالصيحة أو


وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان، وإن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر، وإن كان أربعة أخماس بصره حلف هو وحلف معه أربعة نفر، وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة نفر، وكذلك القسامة كلّها في الجروح، وإن لم يكن للمصاب بصره من يحلف معه ضوعفت عليه الأيمان - إلى أن قال : - وإنّما القسامة على مبلغ منتهى بصره، وإن كان السمع فعلى نحو من ذلك غير أنه يضرب له بشيء حتى يعلم منتهى سمعه ثم يقاس ذلك، والقسامة على نحو ما ينقص من سمعه، فإن كان سمعه كله فخيف منه فجور فإنه يترك حتى إذا استقلّ نوماً صيح به، فإن سمع قاس بينهم الحاكم برأيه» الحديث (1).

وبها نقيد إطلاق التحليف في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة.

(1) للمعتبرة المتقدّمة.


1) الوسائل 29: 374/ أبواب ديات المنافع ب 12 ح 1.

بغيرها حتى يقول: لا أسمع، فإن علم أو اطمئنّ بصدقه وإلّا يكرّر عليه الاختبار، فإن تساوت المقادير صدق ثم تمسح المسافتان الأولى والثانية، فتؤخذ الدية عندئذٍ من الجاني بنسبة التفاوت، وتعطى له بعد إتيانه بالقسامة على ما يدعي من النقص في سمع إحدى أذنيه (1).


(1) تدلّ على ذلك المعتبرة المزبورة، بتقريب : أنها في مقام بيان الاختبار عن التفاوت بين العين الصحيحة والمعيبة والأذن التامة والناقصة بالكيفية المذكورة فيها، فإن علم التفاوت بينهما من الاختبار بها مرّة واحدة فهو، وإلّا يكرّر مرة ثانية، كما صرّح به في صحيحة معاوية بن عمار الآتية في مسألة ما إذا ادّعى المجني عليه النقصان في إحدى عينيه (1).

وأما رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل وُجئ في أذنه فادعى أن إحدى أذنيه نقص من سمعها شيئاً «قال: تسدّ التي ضربت سدّاً شديداً ويفتح الصحيحة فيضرب له بالجرس ويقال له: اسمع، فإذا خفي عليه الصوت علّم مكانه، ثمّ يضرب به من خلفه ويقال له : اسمع، فإذا خفي عليه الصوت علّم مكانه، ثمّ يقاس ما بينهما، فإن كان سواء علم أنه قد صدق، ثمّ يؤخذ به عن يمينه فيضرب به حتى يخفى عليه الصوت ثم يعلم مكانه، ثم يؤخذ به عن يساره فيضرب به حتى يخفى عليه الصوت ثم يعلم مكانه، ثم يقاس فإن كان سواء علم أنّه قد صدق. قال : ثمّ تفتح أذنه المعتلة وتسدّ الأخرى سدّاً جيداً ثم يضرب بالجرس من قدامه ثم يعلّم حيث يخفى عليه الصوت يصنع به كما صنع أوّل مرّة بأذنه الصحيحة، ثمّ يقاس فضل ما بين الصحيحة والمعتلة (فيعطى الأرش) بحساب ذلك»(2).


1) انظر ص 441.

2) الوسائل 29: 362/ أبواب ديات المنافع ب 3 ح 2.

لو أوجب قطع الأذنين ذهاب السمع

(مسألة 347) : إذا أوجب قطع الأذنين ذهاب السمع ففيه ديتان : دية لقطعهما، ودية لذهاب السمع (1).


فبما أنها ضعيفة سنداً فلا يمكن الاستدلال بها على إثبات حكم شرعي.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وذلك لأنّه مقتضى إطلاق دليل دية كلّ منهما.

ودعوى أن مقتضى صحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدمة (1)هو الاجتزاء بدية واحدة، لما فيها من أنّ الجنايتين إذا كانتا بضربة واحدة ففيهما دية واحدة.

مدفوعة بأنها لا تشمل أمثال المقام، حيث إنّ الظاهر منها ما إذا كانت الجنايتان طوليّتين بأن تكون إحداهما مسبّبة عن الأخرى ومترتبة عليها وتكون إحداهما أغلظ وأشدّ من الأخرى، فإنّه تدخل غير الأغلظ في الأغلظ، وأمّا إذا لم تكن دية إحداهما أغلظ من الأخرى، أو كانتا عرضيتين سواء كانتا متساويتين أم كانتا متفاوتتين، فلكل منهما ديته، ويدلّ على ذلك إطلاق دليل دية كلّ منهما وأنّ التداخل يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المقام.

ويؤكد ذلك في الجملة صحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست دیات»(2).

وما رواه الصدوق بسنده الصحيح عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: ضرب رجل رجلاً في هامته على عهد


1) في ص 429.

2) الوسائل 29: 365/ أبواب ديات المنافع ب 6 ح 1.

الثالث : ضوء العينين
إشارة

وفي ذهابه منهما الدية كاملة (1)، وفي ذهابه من إحداهما نصف الدية (2)،


أمير المؤمنين (عليه السلام) فادّعى المضروب أنّه لا يبصر بعينه شيئاً وأنّه لا يشم رائحة وأنّه قد خرس فلا ينطق، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كان صادقاً فقد وجبت له ثلاث ديات النفس - إلى أن قال : - وأما ما ادعاه في خياشيمه وأنّه لا يشم رائحة فإنّه يستبرأ ذلك بحراق يدنى من أنفه فإن كان صحيحاً وصلت رائحة الحراق إلى دماغه ودمعت عيناه ونحى برأسه، وأما ما ادعاه في لسانه من الخرس وأنه لا ينطق فإنّه يستبرأ ذلك بإبرة تضرب على لسانه فإن كان ينطق خرج الدم أحمر، وإن كان لا ينطق خرج الدم أسود»(1)، والرواية مطابقة لما في الفقيه.

(1) من دون خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «والضوء كله من العينين ألف دينار»(2).

ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده الصحيح إلى عاصم بن حميد المتقدم.

ومنها : صحيحة إبراهيم بن عمر المتقدمة.

(2) لأنّه مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة، فإنّ التقسيط على خلاف ذلك يحتاج إلى دليل مفقود في المقام.


1) الوسائل 29: 363/ أبواب ديات المنافع ب 4 ح 1، الفقيه 3: 11/ 35.

2) الوسائل 29: 284 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 3.

وإن ادّعى المجني عليه ذهاب بصره كلّه فإن صدقه الجاني فعليه الدية (1)، وإن أنكره أو قال : لا أعلم، اختبر بجعل عينيه في قبال نور قوي كالشمس ونحوها، فإن لم يتمالك حتى غمّض عينيه فهو كاذب ولا دية له، وإن بقيتا مفتوحتين كان صادقا (2) واستحق الدية مع الاستظهار


(1) لأنه إقرار على نفسه فيصدّق.

(2) وفاقاً للشيخ وسلّار (1)، بل عن الشيخ دعوى الإجماع عليه.

واستدل على ذلك برواية الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): عن رجل ضرب رجلاً على هامته فادّعى المضروب أنه لا يبصر (بعينيه) - إلى أن قال : - (أمير المؤمنين (عليه السلام)) فأما ما ادعاه في عينيه فإنه يقابل بعينه الشمس فإن كان كاذباً لم يتمالك حتى يغمض عينيه، وإن كان صادقاً بقيتا مفتوحتين» الحديث (2).

ثم إن الشهيد الثاني (قدس سره) ناقش في الرواية وقال: إنّ في طريقها ضعفاً (3)ووافقه على ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (4).

أقول : إن رواية الأصبغ وإن كانت ضعيفة بمحمد بن فرات الواقع في سندها وعدم إمكان روايته عن الأصبغ بلا واسطة إلّا أنّ الصدوق (رحمه الله) روى نحوها بإسناده الصحيح إلى عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر


1) الخلاف 5: 235 / 21، المراسم : 245.

2) الوسائل 29 : 363 / أبواب ديات المنافع ب 4 ح 1.

3) الروضة البهية 10: 257.

4) الجواهر 303:43.

بالأيمان (1)، وإن عاد البصر بعد مدّة فإن كان كاشفاً عن عدم الذهاب من الأوّل فلادية وفيه الحكومة، وإن لم يكشف عن ذلك ففيه الدية (2).


(عليه السلام) (1). فإذن لا مناص من الأخذ بها.

(1) كما صرّح الشيخ به (2)والوجه في ذلك : أنّ الامتحان المذكور في صحيحة محمد بن قيس إنما يثبت به صدق المجني عليه في دعواه أنه لا يبصر، وأمّا دعواه في أنّه مستند إلى الجناية فهي لا تثبت بالامتحان المزبور كما هو ظاهر، فلابد في إثباتها مع الشكّ واحتمال أنّه كان فاقداً للبصر قبل الجناية أيضاً من الإتيان بالقسامة على ما نطقت به صحيحة يونس المتقدمة (3)في دعوى ذهاب السمع، وسيأتي نظير ذلك في دعوى ذهاب بعض البصر (4).

(2) بيان ذلك : أنّ موضوع الدية إنما هو ذهاب ضوء العين على ما نطقت به الروايات المتقدّمة. وعلى هذا، فإن كان عوده بعد مدة كاشفاً عن عدم ذهابه ولو من جهة شهادة أهل الخبرة بذلك وأنّه كان باقياً، غاية الأمر أنه قد حجب عنه حاجب بسبب الجناية الواردة عليها وهو يرتفع بمرور الزمان والأيام، فلم يتحقق موضوع الدية، ولكن بما أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً فالمرجع في مثل ذلك هو الحكومة، وإن لم يكن كاشفاً عن عدم ذهابه واحتمل أنه هبة جديدة من الله ففيه الدية، لتحقق موضوعها بحكم الحاكم.

وأما رواية سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سالته عن


1) الفقيه 3: 11 / 35.

2) الخلاف 5 : 235 / 21.

3) في ص 434.

4) في ص 442.

لو اختلف الجاني والمجني عليه في العود وعدمه

(مسألة 348) : إذا اختلف الجاني والمجني عليه في العود وعدمه، فإن أقام الجاني البينة على ما يدعيه فهو، وإلا فالقول قول المجني عليه مع الحلف (1).

لو ادعى المجني عليه النقصان في إحدى عينيه وأنكره الجاني

(مسألة 349) : لو ادّعى المجني عليه النقصان في إحدى عينيه وأنكره الجاني أو قال : لا أعلم، اختبر ذلك بقياسها بعينه الأخرى الصحيحة، ومع ذلك لا بد في إثبات ما يدعيه من القسامة (2)،


العين يدعي صاحبها أنّه لا يبصر شيئاً «قال: يؤجل سنة ثم يستحلف بعد السنة أنّه لا يبصر ثم يعطى الدية قال: قلت: فإن هو أبصر بعده؟ «قال: هو شيء أعطاه الله إياه» (1).

فهي من ناحية ضعفها سنداً بحماد بن زيد لا يمكن الاعتماد عليها.

وأما ما في الجواهر من التعبير عنها بالصحيحة (2)، فهو في غير محله. والظاهر - بل المقطوع به - عدم عمل الأصحاب بها، ومن هنا لم نجد في كلمات الأصحاب من حدّد لزوم الدية بالسنة فإذن لا عبرة بالسنة، وإنما العبرة بما ذكرناه.

(1) الوجه في ذلك واضح، عملاً بقاعدة المدعي والمنكر.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً.

وتدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصاب في عينه فيذهب بعض بصره، أيّ شيء يعطى؟ «قال: تربط إحداهما ثم توضع له بيضة ثمّ يقال له : انظر، فما دام يدعي أنه يبصر موضعها حتى إذا انتهى إلى موضع إن جازه قال : لا أبصر، قربها حتى يبصر،


1) الوسائل 29: 370 / أبواب ديات المنافع ب 8ح 5.

2) الجواهر 43: 302.

---------------------------------------------------------------------------------

ثم يعلم ذلك المكان ثم يقاس ذلك القياس من خلفه وعن يمينه وعن شماله، فإن جاء سواء وإلا قيل له : كذبت حتى يصدق» قلت : أليس يؤمن ؟ قال : لا، ولا كرامة، ويصنع بالعين الأخرى مثل ذلك ثمّ يقاس ذلك على دية العين»(1).

وصحيحة يونس ومعتبرة ابن فضال جميعاً عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال يونس عرضت عليه الكتاب «فقال: هو صحيح» وقال ابن فضال: «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أصيب الرجل في إحدى عينيه فإنّها تقاس ببيضة تربط على عينه المصابة وينظر ما منتهى عينه الصحيحة، ثم تغطّى عينه الصحيحة وينظر ما منتهى نظر عينه المصابة، فعيطي ديته من حساب ذلك، والقسامة مع ذلك من الستة الأجزاء على قدر ما أصيب من عينه، فإن كان سدس بصره حلف هو وحده وأعطي، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد، وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان وإن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر، وإن كان أربعة أخماس بصره حلف هو وحلف معه أربعة نفر، وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة نفر، وكذلك القسامة كلّها في الجروح، وإن لم يكن للمصاب بصره من يحلف معه ضوعفت عليه الأيمان : إن كان سدس بصره حلف مرة واحدة، وإن كان ثلث بصره حلف مرّتين، وإن كان أكثر على هذا الحساب، وإنّما القسامة على مبلغ منتهى بصره» الحديث (2).

بقي هنا شيء: وهو أنّ القسامة إنما هي في مورد احتمال كذب المدعي وأنّ النقص غير مستند إلى الجناية، وأما إذا علم صدقه بالامتحان المزبور فلا حاجة إليها.


1) الوسائل 29: 368/ أبواب ديات المنافع ب 8 ح 1.

2) الوسائل 29: 374 / أبواب ديات المنافع ب 12 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

وأما ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) من أن القسامة إنما هي في فرض عدم الامتحان، وأمّا. معه فلا حاجة إليها (1).

فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ غاية الامتحان المذكور في الرواية أنه يوجب العلم بالتفاوت بينهما، وأما أنه حدث بالجناية فالامتحان المزبور أجنبي عنه، فلابد من الإتيان بالقسامة، ولأجل ذلك حكم بالقسامة في الصحيحة مع الامتحان المزبور، حيث قال (عليه السلام): «والقسامة مع ذلك من الستة الأجزاء على قدر ما أصيب من عينيه».

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) قد استشكل في جريان القسامة فيما إذا كانت الدعوى في مقدار النقص مع العلم بأصله فيما إذا لم يمكن استظهاره بالامتحان، حيث قال : فهل المرجع في إثباتها القسامة أو يمين واحدة أو الصلح مع إمكانه، وإلّا اقتصر على المتيقن ؟ وجوه. واستظهر (قدس سره) الوجه الأخير (2).

أقول : إنّ ما استظهره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنّ صحيحة يونس المتقدّمة غير قاصرة الشمول لهذه الصورة - يعني : صورة الدعوى في المقدار - ومعها لا وجه للاقتصار على المتيقن أو نحوه.

ودعوى أن مورد الصحيحة ما إذا أمكن الاستظهار ووقع خارجاً، فلا يتعدّى إلى غيره.

مدفوعة بأنّ الاستظهار إنّما اعتبر لأجل احتمال ظهور كذب المدعى به، لا لإثبات الدعوى، فإنّها إنما تثبت بالقسامة، فإذا لم يمكن الاستظهار سقط الاستظهار وتثبت الدعوى بالقسامة، ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام): «وكذلك القسامة كلّها في الجروح»، فإنّه يدلّ على أنّ الدعوى تثبت بالقسامة وإن لم


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 435 - 436.

2) الجواهر 307:43.

ولو ادّعى النقص في العينين كان القياس بعين من هو من أبناء سنّه (1).

عدم قياس العين في يوم غائم وكذا في أرض مختلفة

(مسألة 350) : لا تقاس العين في يوم غيم (2)، وكذا لا تقاس في أرض


يكن في موردها استظهار.

هذا، وقد استند صاحب الجواهر (قدس سره) في منعه من الرجوع إلى القسامة في المقام إلى أنّ ثبوت الدعوى بالقسامة يعتبر فيه اللوث، ولا لوث فيما علم أصل الدعوى.

ويدفعه : أنّ اعتبار اللوث إنّما هو في القتل العمدي على ما تقدّم(1)، ولا دليل على اعتباره في كلّ مورد تثبت فيه الدعوى بالقسامة كموارد القتل الخطائي، وبما أن صحيحة يونس الدالّة على ثبوت دعوى النقص بالقسامة مطلقة فلا موجب لتقييدها بموارد اللوث.

(1) على المشهور، بل لم يوجد فيه خلاف.

ويدل عليه صحيح عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) «قال: أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل قد ضرب رجلاً حتى انتقص من بصره، فدعا برجال من أسنانه ثمّ أراهم شيئاً فنظر ما انتقص من بصره فأعطاه دية ما انتقص من بصره» (2).

(2) تدلّ على ذلك معتبرة إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال : لا تقاس عين في يوم غيم» (3).


1) الجواهر 43: 303.

2) الوسائل 29: 369 / أبواب ديات المنافع ب 8 ح 4 والرواية مطابقة لما في الفقيه 4: 97/ 321.

3) الوسائل 29 : 365/ أبواب ديات المنافع ب 5 ح 1.

مختلفة الجهات علوّاً وانخفاضاً ونحو ذلك مما يمنع عن معرفة الحال (1).

الرابع : الشم
إشارة

وفي إذهابه من كلا المنخرين الدية كاملة (2)، وفي إذهابه من أحدهما نصف الدية (3)، ولو ادّعى المجني عليه ذهابه عقيب الجناية الواردة عليه فإن صدقه الجاني فهو، وإن أنكره أو قال : لا أعلم اختبر بالحراق ويدنى منه، فإن دمعت عيناه ونحى رأسه فهو كاذب وإلا فصادق (4)، وحينئذ قيل : إنّ عليه خمسين قسامة، ولكن دليله غير ظاهر، بل الظاهر أنها من الستة الأجزاء


هذا، مضافاً إلى أنّ القياس الموجب للعلم بمقدار التفاوت بين العين الصحيحة والمعيبة لا يتحقق فيه غالباً.

(1) وذلك لأنّ المقياس المذكور والحال هذه لا يوجب العلم بمقدار التفاوت.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، ويدلّ على ذلك ما رواه الصدوق بسنده الصحيح عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس، المتقدم في مسألة ذهاب السمع بقطع الأذنين(1).

(3) من دون خلاف ظاهر بينهم، ويدلّ على ذلك إطلاق الصحيح المتقدّم، فإنّ تقسيط الدية عليهما بغير التصنيف يحتاج إلى دليل.

(4) يدلّ على ذلك الصحيح المتقدّم.


1) في ص 437.

الواردة في المنافع (1).

لو ادعى المجني عليه النقص في الشم

(مسألة 351) : إذا ادعى المجني عليه النقص في الشم فعليه أن يأتي بالقسامة على النحو المتقدّم في السمع (2).

لو أخذ المجني عليه الدية ثم عاد الشمّ

(مسألة 352) : إذا أخذ المجنى عليه الدية ثم عاد الشم، فإن كان العود كاشفاً عن عدم ذهابه من الأوّل فللجاني أن يسترد الدية وللمجني عليه أن يرجع إليه بالحكومة (3)، وإلا فليس للجاني حق الاسترداد (4).


(1) وذلك لصحيحة يونس ومعتبرة ابن فضال المتقدمة (1)، بتقريب : أنّ المراد من الجروح فيها مطلق الجناية الموجبة لذهاب المنفعة بقرينة موردها وهو البصر والسمع، فإنّ ذهابهما بالجناية لا يستلزم أن تستوجب الجناية جرحاً في البدن.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) وذلك لأنّ موضوع الدية إنما هو ذهاب الشتم والمفروض أنه لم يذهب. وقد منع المانع عنه بسبب الجناية الواردة عليه وقد ارتفع بمرور الزمان والأيام. نعم، المرجع في هذه المدة الحكومة، نظراً إلى أنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.

(4) أمّا في صورة العلم بعدم العود وأنّ هذا هبة جديدة من الله تعالى فالأمر واضح، وأما في صورة الشكّ واحتمال أنّ هذا هبة منه سبحانه فلأجل أن المجني عليه قد أثبت الذهاب بالحلف، وأخذ الدية بحكم الحاكم، فليس للجاني الرجوع إليه بالدية.


1) في ص 442.

لو قطع أنف شخص فذهب به الشم

(مسألة 353) : لو قطع أنف شخص فذهب به الشم أيضاً فعليه ديتان (1).

الخامس : النطق
إشارة

وفي ذهابه بالضرب أو غيره دية كاملة (2)، وفي ذهاب بعضه الدية بنسبة ما ذهب بأن تعرض عليه حروف المعجم كلّها ثم تعطى الدية بنسبة ما لم يفصحه منها (3).


(1) دية لقطع الأنف، ودية لذهاب الشم، ومقتضى الأصل عدم التداخل، وقد مرّ تفصيل ذلك في مسألة ذهاب السمع بقطع الأذنين(1).

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصاً فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست ديات»(2).

ومنها : صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدّمة في مسألة ذهاب السمع بقطع الأذنين(3).

ومنها : الروايات الآتية الواردة في ذهاب بعض النطق.

(3) تدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل


1) في ص 437.

2) الوسائل 29: 365/ أبواب ديات المنافع ب 6 ح 1.

3) في ص 437.

لو ادّعى المجني عليه ذهاب نطقه بالجناية كلّاً

(مسألة 354) : لو ادّعى المجني عليه ذهاب نطقه بالجناية كلّاً، فإن صدقه الجاني فهو، وإن أنكره أو قال : لا أعلم اختبر بأن يضرب لسانه بإبرة أو نحوها، فإن خرج الدم أحمر فقد كذب، وإن خرج الدم أسود فقد صدق (1)، والظاهر اعتبار القسامة هنا أيضاً على النحو المتقدّم في السمع والبصر (2). وإذا عاد النطق فالكلام فيه هو الكلام في نظائره، وفي إلحاق الذوق بالنطق


ضرب رجلاً في رأسه فثقل لسانه، أنّه يعرض عليه حروف المعجم كلّها ثمّ يعطى الدية بحصة ما لم يفصحه منها (1).

ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل ضرب رجلاً بعصاً على رأسه فثقل لسانه «فقال: يعرض عليه حروف المعجم فما أفصح منها فلا شيء فيه، وما لم يفصح به كان عليه الدية» الحديث (2).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم تقرأ، ثم قسمت الدية على حروف المعجم فما لم يفصح به الكلام كانت الدية بالقصاص (بالقياس) من ذلك» (3).

(1) تدلّ على ذلك صحيحة محمد بن قيس المتقدّمة.

(2) تقدّم وجه ذلك عن قريب (4).


1) الوسائل 29: 358/ أبواب ديات المنافع ب 2 ح 1.

2) الوسائل 29: 358/ أبواب ديات المنافع ب 2 ح 2.

3) الوسائل 29 : 359/ أبواب ديات المنافع ب 2 ح 3.

4) في ص 434 و 441.

إشكال، والأظهر أنّ فيه الحكومة (1)، وكذلك الحال في ما يوجب نقصان الذوق (2).

لو ثقل اللسان بالجناية

(مسألة 355) : إذا أوجبت الجناية ثقلاً في اللسان أو نحو ذلك مما لا تقدير له في الشرع، كالجناية على اللحين بحيث يعسر تحريكهما، ففيه الحكومة (3).

لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه ثم جنى عليه آخر فذهب بعضه الآخر

(مسألة 356) : لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه ثم جنى عليه آخر فذهب بعضه الآخر، فعلى كلّ منهما الدية بنسبة ما ذهب بجنايته (4).


(1) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على الإلحاق سوى توهّم أمرين :

الأوّل : أن قوله (عليه السلام) «كلّ ما كان في الإنسان منه واحد ففيه الدية» يشمل ذلك.

وفيه : أنّ المتبادر منه العضو جزماً فلا يشمل مثل المنفعة.

الثاني : أنه منفعة اللسان فحالها حال منفعة الأذن ونحوها، والمفروض أنّ في ذهاب منفعتها الدية كاملة.

وفيه أوّلاً: أنّ معظم منفعة اللسان هو النطق لا خصوص الذوق.

وثانياً : أنه ليس لنا دليل عامّ يدلّ على أن في ذهاب كلّ منفعة الدية.

فإذن المرجع هو الحكومة حيث لا مقدّر له شرعاً.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) لما عرفت من أنّ كلّ ما لا تقدير فيه شرعاً فالمرجع فيه الحكومة.

(4) لأنّ كلّاً منهما يضمن ما ذهب بجنايته، ولا مقتضي لأن يضمن الثاني ما ذهب بجناية الأوّل.

(مسألة 357) : لو جنى على شخص فذهب كلامه كلّه ثم قطع هو أو آخر لسانه، ففي الجناية الأولى تمام الدية (1)، وفي الثانية ثلثها (2).

السادس : صعر العنق

والمشهور أنّ في صعره - الميل إلى أحد الجانبين - دية كاملة، وهو لا يخلو عن إشكال، فلا يبعد الرجوع فيه إلى الحكومة (3).


(1) ظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(2) وذلك لأنّه قطع لسان الأخرس، وقد تقدم أن فيه ثلث الدية (1).

(3) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ذلك ما عدى رواية مسمع بن عبدالملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فى القلب إذا أرعد فطار الدية. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في الصعر الدية، والصعر : أن يثنى عنقه فيصير في ناحية» (2).

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة سنداً بسهل بن زياد ومحمد بن الحسن بن شمون وعبدالله بن عبدالرحمن الأصم، فلا يمكن الاعتماد عليها، فحينئذ إن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنّه غير تام. فإذن يكون المرجع فيه الحكومة، حيث إنّ حق المسلم لا يذهب هدراً.


1) في ص 357.

2) الوسائل 29: 373/ أبواب ديات المنافع ب 11 ح 1.

نعم، الصعر إذا كان على نحو لا يقدر على الالتفات ففيه نصف الدية (1).

السابع : كسر البعصوص

السابع : كسر البعصوص (1)

وفيه بحيث لا يملك إسته الدية كاملة (2).


(1) وذلك لمعتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: في الصدر إذا رض فثنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار - إلى أن قال : - وإن اعترى الرجل من ذلك صعر لا يستطيع أن يلتفت فديته خمسمائة دينار» الحديث (2).

(2) وفاقاً لجماعة.

وتدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل كسر بعصوصه فلم يملك إسته، ما فيه من الدية ؟ «فقال : الدية كاملة» الحديث (3).

ومورد الصحيحة وإن كان هو الرجل إلّا أنّ الحكم يعم المرأة، نظراً إلى ما دلّ من الروايات على أنّ كلّ مورد ثبت فيه الدية للرجل تثبت فيه للمرأة أيضاً، على تفصيل تقدّم (4).

بقي هنا شيء : وهو أن مقتضى ظاهر الصحيحة هو أنه لا دخل لكسر البعصوص في موضوع الحكم، فالموضوع إنما هو عدم ملك الإست. وعليه، فلو أوجبت الجناية ذلك مع سلس البول فمقتضى القاعدة عدم التداخل وأنّ


1) البعصوص : العظم الصغير الذي بين الأليتين - لسان العرب - 7: 7.

2) الوسائل 29: 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

3) الوسائل 29: 370/ أبواب ديات المنافع ب 9 ح 1.

4) في ص 395.

الثامن : سلس البول

وفيه دية كاملة إذا كان مستمراً (1).


فيه ديتين، ولكن معتبرة إسحاق بن عمار الآتية تدلّ على التداخل فيما إذا كانت الجنايتان مترتبتين على الضرب دفعةً واحدة، وأما إذا كانت متفرقتين فلا إشكال في عدم التداخل لخروج ذلك عن مورد المعتبرة.

(1) وفاقاً للمشهور بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : معتبرة إسحاق بن عمار، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجل يضرب على عجانه فلا يستمسك غائطه ولا بوله أنّ في ذلك الدية كاملة»(1).

ومنها : معتبرته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سأله رجل - وأنا عنده - عن رجل ضرب رجلاً فقطع بوله، فقال له: «إن كان البول يمرّ إلى الليل فعليه الدية، لأنّه قد منعه المعيشة وإن كان إلى آخر النهار فعليه الدية، وإن كان إلى نصف النهار فعليه ثلثا الدية، وإن كان إلى ارتفاع النهار فعليه ثلث الدية» (2).

ومنها : معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ علياً (عليه السلام) قضى في رجل ضُرِبَ حتى سلس ببوله بالدية كاملة» (3).

ثم إنه لا بأس بالالتزام بما هو مقتضى معتبرة إسحاق بن عمار الثانية من


1) الوسائل 29: 371/ أبواب ديات المنافع ب 9 ح 2.

2) الوسائل 29: 371/ أبواب ديات المنافع ب 9 ح 3.

3) الوسائل 29: 371/ أبواب ديات المنافع ب 9 ح 4.

التاسع : الصوت

وفي ذهابه كله من الغنن والبحح دية كاملة (1).

العاشر : ادرة الخصيتين

وفيها أربعمائة دينار، وإن فحج - أي تباعد رجلاه بحيث لا يستطيع المشي النافع له - فديته أربعة أخماس دية النفس (2).


التفصيل بحسب الكبرى، إلّا أنّ الظاهر عدم تحقق صغرى لها في الخارج، فإنّ اختصاص سلس البول الناشئ من الجناية بما إذا كان إلى نصف النهار أو إلى ارتفاعه وإن كان ممكناً اتفاقاً إلّا أنّ من الظاهر عدم تحققه في الخارج مستمراً، الذي هو الموضوع للدية في مفروض الرواية.

(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك صحيحة يونس: أنه عرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه: «في ذهاب السمع كلّه ألف دينار والصوت كله من الغنن والبحح ألف دينار» الحديث (1).

(2) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً.

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي خصية الرجل خمسمائة دينار، فإن أصيب رجل فأدر (2)خصيتاه كلتاهما فديته أربعمائة دينار، فإن فحج (3)فلم يستطع المشي إلّا مشياً لا ينفعه فديته أربعة


1) الوسائل 29: 357/ أبواب ديات المنافع ب 1 ح 1.

2) الأدرة: انتفاخ الخصية، الصحاح - أدر - 2: 577.

3) الفحج : تباعد ما بين أوساط الساقين، وقيل تباعد ما بين الفخذين، لسان العرب - فحج - 2 : 340.

الحادي عشر : تعذر الإنزال

المشهور أنّ من أصيب بجناية فتعذّر عليه الإنزال في الجماع ففيه دية كاملة، وفيه إشكال، فالأظهر أنّ فيه الحكومة (1).


أخماس دية النفس ثمانمائة دينار» الحديث (1).

(1) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما ذكر عدا ما توهم من أمور:

الأوّل: شمول القاعدة العامة المتقدّمة، وهي قوله (عليه السلام): «كلّ ما كان في الإنسان منه واحد ففيه الدية كاملة».

وفيه : أنّ من الظاهر انصراف القاعدة عن مثل ذلك كما تقدّم(2).

الثاني : معتبرة زرعة، عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في الرجل الواحدة نصف الدية - إلى أن قال : - وفى الظهر إذا انكسر حتى لا ينزل صاحبه الماء الدية كاملة» الحديث (3).

ومثلها : معتبرة عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : «قال : في الظهر إذا كسر حتى لا ينزل صاحبه الماء الدية كاملة» (4).

وفيه ما تقدم من أنّ الموضوع للدية إنما هو كسر الظهر الذي هو ملازم لذلك، وليس في المعتبرة دلالة على أنّ الموضوع إنما هو عدم إنزال الماء بأيّ


1) الوسائل 29 : 311 / أبواب ديات الأعضاء ب 18 ح 1.

2) في ص 384 و 449.

3) الوسائل 29 : 285 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 7.

4) الوسائل 29: 376/ أبواب ديات المنافع ب 14 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

سببٍ كان وأنه لا خصوصية لكسر الظهر.

الثالث : صحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست ديات»(1).

ولكن الظاهر أنّ الصحيحة أجنبيّة عن المسألة، فإنّ المراد من انقطاع الجماع ليس عدم إنزال الماء جزماً مع التمكّن منه، بل المراد منه على الظاهر هو العنن وعدم التمكن من الجماع.

فالنتيجة : أنّه لا دليل في المسألة، فإن تم إجماع فيها فهو، ولكنّه غير تام. فإذن المرجع فيه الحكومة، لما عرفت من أنّ كلّ ما لا تقدير فيه شرعاً ففيه الحكومة.

بقي هنا أمران :

الأوّل : أنّ صحيحة إبراهيم بن عمر دلّت على أنّ في ذهاب الفرج دية كاملة، ولا نعرف لذهاب الفرج المترتب على الضرب معنى غير انقطاع الجماع والمفروض أن ذهاب الفرج ذكر في الصحيحة في مقابله، وأمّا حمله على سلس البول - كما ذكره العلّامة المجلسي في مرآة العقول(2)- فبعيد جداً.

الثاني : أنّ المراد من انقطاع الجماع كما عرفت هو العنن، ومقتضى الصحيحة أنّ فيه دية كاملة، ولكنّ الأصحاب لم يتعرضوا لذلك، بل مقتضى إطلاق كلامهم من أنّ في شلل كلّ عضو ثلثي ديته : أنّ فيه ثلثي الدية.


1) الوسائل 29: 365/ أبواب ديات المنافع ب 6 ح 1.

2) مرآة العقول 24: 114.

الثاني عشر : دوس البطن

من داس بطن إنسان بحيث خرج منه البول أو الغائط فعليه ثلث الدية، أو يداس بطنه حتى يحدث في ثيابه (1).

الثالث عشر : خرق مثانة البكر

المشهور أنّ من اقتض بكراً باصبعه فخرق مثانتها فلم تملك بولها فعليه ديتها كاملة، ولكنّه لا يخلو عن إشكال فالأظهر أنّ فيه ثلث ديتها (2)،


(1) وفاقاً للأكثر.

وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل داس بطن رجل حتى أحدث في ثيابه، فقضى عليه أن يداس بطنه حتى يحدث في ثيابه كما أحدث أو يغرم ثلث الدية»(1).

(2) استدلّ على ما ذهب إليه المشهور بأمرين :

الأول : ما رواه الشيخ (قدس سره) مرسلاً عن هشام بن إبراهيم، عن أبي الحسن (عليه السلام): «لها الدية» (2).

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة سنداً من جهة الإرسال ومن جهة هشام بن إبراهيم، لتردّده بين الثقة والضعيف.

الثاني : ما تقدّم من الروايات في مسألة سلس البول من أنّ فيه الدية


1) الوسائل 29: 182/ أبواب قصاص الطرف ب 20 ح 1.

2) الوسائل 29: 335/ أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 3، التهذيب 10: 308/ ذیل حديث 1148.

وفيه أيضاً مثل مهر نساء قومها (1).

الرابع عشر : الإفضاء
دية إفضاء المرأة

(مسألة 358) : في إفضاء المرأة دية كاملة إذا كان المفضي أجنبياً (2)، وأمّا إذا كان المفضي زوجها فإن أفضاها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن أفضاها


كاملة، وهذه الروايات - بضميمة ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل - تدلّ على أن الدية في المرأة هنا هي تمام ديتها.

ولكنّه لا بد من تخصيصها بمعتبرة ظريف عن أمير المؤمنين : في رجل اقتض

جارية باصبعه فخرق مثانتها فلا تملك بولها، فجعل لها ثلث الدية مائة وستة وستين ديناراً وثلثي دينار، وقضى لها عليه بصداق مثل نساء قومها (1).

فالنتيجة : أنّ المعتبرة تخصص تلك الروايات بغير موردها، فتكون الدية فيه ثلث دية المرأة.

(1) للمعتبرة المزبورة وللروايات المتقدمة الدالة على ذلك.

(2) بلا خلاف معتد به بین أصحابنا.

وتدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل كسر بعصوصه فلم يملك إسته، ما فيه من الدية ؟ «فقال : الدية كاملة» وسألته عن رجل وقع بجارية فأفضاها وكانت إذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد «فقال : الدية كاملة» (2).


1) الوسائل 29: 335/ أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 2.

2) الوسائل 29: 370/ أبواب ديات المنافع ب 9 ح 1.

قبل بلوغ تسع سنين فإن طلقها فعليه الدية، وإن أمسكها فلا شيء عليه (1).


وما رواه الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه قضى فى امرأة أفضيت بالدية (1).

(1) بيان ذلك : أنّ المشهور بين الأصحاب ثبوت الدية مع الإمساك أيضاً، بل في الجواهر: بلا إشكال، بل بلا خلاف معتد به (2). وقال في الرياض: مقتضى صحيحة حمران هو التفصيل في الدية بين صورتي الطلاق والإمساك، إلّا أنّ الرواية غير معمول بها بين الأصحاب ولم أجد قائلاً به، وبه صرّح خالي العلّامة المجلسي (قدس سره)، بل زاد فقال : لم يقل به أحد (3).

أقول : إنّ المسألة ليست إجماعية جزماً، فإنّه - مضافاً إلى أنّ جماعة من المتقدمين لم يتعرّضوا للمسألة أصلاً حتى يتبيّن آراءهم فيها - قد خالف المشهور فيها صاحب الحدائق (قدس سره) صريحاً (4)، ويظهر من المحقق في نكت النهاية الميل إلى التفصيل المزبور، حيث جعل الدليل في المسألة رواية بريد التي قد صرّحت بالتفصيل المذكور ورواية الحلبي الدالة على وجوب النفقة (5)، بل يمكن استظهار ذلك من الصدوق (قدس سره) أيضاً، نظراً إلى اعترافه بالعمل بما رواه في كتابه من لا يحضره الفقيه، والمفروض أنه روى رواية حمران بلا تعليق.

فالنتيجة : أنّ الإجماع غير ثابت فإذن لا دليل على ما ذهب إليه المشهور،


1) الوسائل 29: 330/ أبواب ديات الأعضاء ب 26 ح 1، الفقيه 4: 111/ 377.

2) الجواهر 43: 275.

3) الرياض 2: 551 (حجري).

4) الحدائق الناظرة 23 : 93.

5) النهاية ونكتها 3 : 442 - 443.

---------------------------------------------------------------------------------

ولعله لأجل ذلك توقف السيد (رحمه الله) في العروة في ثبوت الدية مطلقاً (1)، وكذا معظم المعلقين عليها، فالصحيح ما ذكرناه.

وتدلّ عليه صحيحة حمران عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سُئِل عن رجل تزوّج جارية بكراً لم تدرك فلما دخل بها اقتضها فأفضاها «فقال : إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضها فإنّه قد أفسدها وعطّلها على الأزواج فعلى الإمام أن يغرمه ديتها، وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه»(2).

وتؤيد ذلك رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل اقتض جارية - يعني : امرأته - فأفضاها «قال: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين. قال : وإن أمسكها ولم يطلقها فلا شيء عليه، وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، إن شاء أمسك وإن شاء طلّق» (3).

وبها تقيد الروايات المطلقة الدالة على الضمان بصورة الطلاق وأنّ المراد من المضمون فيها هو الدية :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: من وطئ امرأته قبل تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن» (4)، ومثلها صحيحته الأخرى(5).


1) العروة الوثقى 2 : 590 / 3698.

2) الوسائل 20: 103 / أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 45 ح 9، الفقيه 3: 272/ 1294.

3) الوسائل 29 : 281 / أبواب موجبات الضمان ب 44 ح 1.

4) الوسائل 20: 103 / أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 45 ح 5.

5) الوسائل 20 : 103 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 45 ح 8.

لو أكره امرأة فجامعها فأفضاها

(مسألة 359) : إذا أكره امرأة فجامعها فأفضاها فعليه الدية والمهر معاً (1)، وهل يجب عليه أرش البكارة - إذا كانت بكراً - زائداً على المهر ؟


ومنها : معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: من تزوّج بكراً فدخل بها في أقل من تسع سنين فعيبت ضمن»(1).

وأما معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام): «أنّ رجلاً أفضى امرأة فقوّمها قيمة الأمة الصحيحة وقيمتها مفضاة، ثمّ نظر ما بين ذلك فجعل من ديتها وأجبر الزوج على إمساكها» (2).

فمضافاً إلى أنّه لم يعمل بها أحد من الأصحاب، محمولة على التقية على ما ذكره الشيخ (قدس سره) (3)، لموافقتها لمذهب كثير من العامة.

بقي هنا شيء: هو أن صاحب الجواهر (قدس سره) حمل صحيحة حمران ورواية بريد على سقوط الدية في صورة الإمساك صلحاً، بأن نختار المقام معه بدلاً عن الدية، فإنّ الدية قد لزمته بالإفضاء بدلالة النص والفتوى، فلا تسقط مجاناً من غير عوض (4).

وما أفاده (قدس سره) غريب، وذلك لأنه لا مانع من أن يكون ثبوت الدية مشروطاً بالطلاق على نحو الشرط المتأخّر، فلا تثبت في صورة الإمساك.

(1) أمّا الدية : فمن ناحية الإفضاء، وقد مرّت آنفاً، وأما المهر : فقد تقدّم


1) الوسائل 20 : 103 / أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 45 ح 6.

2) الوسائل 29: 282/ أبواب موجبات الضمان ب 44 ح 3.

3) الاستبصار 4: 295 / 1112.

4) جواهر الكلام 29 : 422 - 423.

قيل : يجب، وهو ضعيف، فالصحيح عدم وجوبه (1).


الكلام فيه في أواخر مبحث الديات بشكل موسع(1).

(1) وجه الضعف : هو أنّه لا دليل على أنّ لإزالة البكارة أرشاً زائداً على المهر، ما عدا دعوی أن تعدّد السبب يوجب تعدّد المسبّب، وما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في المسالك بأنّ تفويت الجزء يوجب الأرش(2).

وفيه : أنّ المهر الذي تستحقه البكر حسب الروايتين الآتيتين هو مهر البكر، وعليه فالزيادة ملحوظة فيه، فلا يكون تفويت هذا الجزء هدراً، كما لا يكون على خلاف أصالة تعدّد المسبب بتعدد سببه.

والروايتان إحداهما : معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال : إذا اغتصب الرجل أمةً فاقتضها فعليه عشر قيمتها، وإن كانت حرّة فعليه الصداق» (3).

وثانيتهما : صحيحة عبد الله بن سنان، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك ما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها ؟ «قال : يضرب ضرباً وجيعاً ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها - إلى أن قال : - فقال: يابن سنان، إنّ شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كمّلا» (4).


1) في ص 267.

2) المسالك 2: 397 (حجري).

3) الوسائل 21: 304/ أبواب المهور ب 45 ح 2.

4) الوسائل 29: 334 / أبواب ديات الأعضاء ب 30 ح 1.

الخامس عشر : تقلّص الشفتين

قال الشيخ : إنّ فيه دية كاملة (1). وهو لا يخلو عن إشكال، والأظهر أنّ فيه الحكومة (1).

السادس عشر : شلل الأعضاء
إشارة

في شلل كلّ عضو ثلثا دية ذلك العضو (2)، إلّا الذكر


فإنّ ورودهما في مقام البيان وسكوتهما عن الأرش زائداً على المهر دليل على عدم وجوبه.

ومن ذلك يظهر أنّ ما ذكره المحقق (قدس سره) في الشرائع والفاضل في بعض كتبه من أنّ الأشبه وجوب الأرش(2)، بل عن الشيخ في المبسوط : أنّه من مذهبنا (3).

لا يمكن إتمامه بدليل، بل الدليل على خلافه.

فالنتيجة : أنّ الصحيح ما ذكرناه.

(1) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما ذكره (قدس سره)، ضرورة أن التقلّص في الشفتين ليس إتلافاً وإنّما هو عيب حدث فيها بجناية جان، ولا مقدّر له شرعاً، فلا محالة يكون المرجع فيه الحكومة.

(2) بلا خلاف ظاهر، وعن ظاهر المبسوط وصريح الخلاف دعوى الإجماع


1) المبسوط 7: 132.

2) الشرائع 4 : 279، القواعد 3: 683.

3) المبسوط 7: 150.

---------------------------------------------------------------------------------

على ذلك.(1).

ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة الفضيل بن يسار، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الذراع إذا ضُرِب فانكسر منه الزند، قال: «فقال: إذا يبست منه الكفّ فشلت أصابع الكفّ كلّها فإنّ فيها ثلثي الدية، دية اليد. قال: وإن شلّت بعض الأصابع وبقي بعض فإنّ في كل اصبع شلّت ثلثي ديتها. قال: وكذلك الحكم في الساق والقدم إذا شلّت أصابع القدم » (2).

بتقريب : أن الظاهر من قوله (عليه السلام) «وكذلك الحكم في الساق والقدم» عدم اختصاص الحكم بعضو دون عضو وأنّ الحكم لا يختص بمورده، ويؤيد ذلك ما يأتي من أنّ في قطع العضو المشلول ثلث ديته فيكون في مجموع شلله وقطعه تمام الدية.

وفي مقابل هذه الصحيحة عدّة روايات تدلّ على أنّ في الشلل تمام الدية :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الاصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شلّت» الحديث (3).

ومنها : معتبرة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في الاصبع عشرة من الإبل إذا قطعت من أصلها أو شلّت» (4).

ومنها: صحيحة يونس : أنه عرض على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاب الديات وكان فيه: «في ذهاب السمع كلّه ألف دينار - إلى أن قال : -


1) المبسوط 7: 153، الخلاف 5: 72/261.

2) الوسائل 29: 347 / أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 5.

3) الوسائل 29 : 346 / أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 3.

4) الوسائل 29 : 348/ أبواب ديات الأعضاء ب 39 ح 8.

فإنّ في شلله الدية كاملة (1).

دية انصداع السنّ

(مسألة 360) : المشهور أنّ في انصداع السنّ ثلثي ديتها، وهذا هو الأظهر إن وصلت إلى حدّ الشلل (2)،


والشلل في اليدين كلتاهما ألف دينار وشلل الرجلين ألف دينار» الحديث (1).

وبما أنّ هذه الروايات موافقة للعامة - حيث إنّ صاحب المغني قال : إنّ فيه تمام الدية(2)، ولم يذكر فيه خلافاً - فتتقدّم الصحيحة عليها في مقام المعارضة، وتحمل تلك الروايات على التقيّة.

(1) لما عرفت في مسألة تعذر الإنزال من أنّ في شلل الذكر - وهو العنن - تمام الدية. وعليه، يختص ما دلّ على أنّ في شلل كل عضو ثلثي دية ذلك العضو بغير شلل الذكر.

(2) وذلك لما عرفت من أنّ في شلل كلّ عضو ثلثي ديته.

ولكن في مقابل ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الأسنان في كلّ سنّ خمسون ديناراً - إلى أن قال: - فإن انصدعت ولم تسقط فديتها خمسة وعشرون ديناراً، وما انكسر منها من شيء فبحسابه من الخمسين ديناراً، فإن سقطت بعد وهي سوداء فديتها (خمسة وعشرون ديناراً، فإن انصدعت وهي سوداء فديتها) اثنا عشر ديناراً ونصف دينار، فما انكسر منها من شيء فبحسابه من الخمسة والعشرين ديناراً (3).


1) الوسائل 29: 283 / أبواب ديات الأعضاء ب 1 ح 2.

2) المغني 9 : 585.

3) الوسائل 29: 297 / أبواب ديات الأعضاء ب 8 ح 1.

وإلا ففيه الحكومة (1)،


ولكن لا يمكن الأخذ بالمعتبرة، وذلك لأنّ ما في المعتبرة مبني على أن تكون الدية في كلّ سنّ خمسين ديناراً كما هو صريحها، وقد سبق عدم ثبوت ذلك وأن المعتبرة محمولة على التقية. ومع الغضّ عن ذلك فلا بد من رفع اليد عن المعتبرة بالنسبة إلى الأسنان التي تكون الدية فيها خمسة وعشرين ديناراً، وتخصيصها بالأسنان التي تكون الدية فيها خمسين ديناراً. وعليه، تقع المعارضة بينها وبين ما دلّ على أنّ دية الشلل ثلثا دية العضو بالعموم من وجه، فإنّ الانصداع أعمّ من الشلل، فمورد الالتقاء هو شلل السن، ومع ذلك لابد من الأخذ بما دلّ على أنّ دية الشلل ثلثا دية العضو، لأنه لو قدم المعتبرة لزم أن لا يكون حكم لشلل السنّ وأن يكون وجوده كعدمه، وهذا مقطوع البطلان. ويؤيد ذلك أنه لم يوجد عامل بالمعتبرة هنا.

(1) فإنّه إن قلنا بعدم سقوط رواية ظريف عن الاعتبار فالمرجع في المقام هو تلك الرواية، وأما إذا قلنا بسقوطها عن ذلك على ما مرّ (1)فالمرجع فيه هو الحكومة، حيث إنّ المقام يدخل فيما لا مقدّر له شرعاً.

وأما الرواية الدالة على أنّ فيه ثلثي الدية - على ما ذكره المحقق في الشرائع والشهيد الثاني في الروضة والمسالك (2)- فلم نعثر عليها بعد الفحص الثام، كما اعترف بذلك غير واحد.


1) في ص 365 - 366.

2) الشرائع 4 : 274، الروضة البهية 10 : 218، المسالك 2 : 396(حجري).

فصل في دية الشجاج والجراح
إشارة

دية الشجاج والجراح

معنى الشجاج وأقسامه

الشجاج : هو الجرح المختص بالرأس والوجه،

وهو على أقسام :
الأول : الخارصة

وقد يعبّر عنها بالدامية وهي التي تسلخ الجلد ولا تأخذ من اللحم، وفيها بعير، أي جزء من مائة جزء من الدية (1).


(1) على المشهور شهرة عظيمة، بل في الجواهر : لم أجد فيه خلافاً إلّا ما يحكى من الإسكافي من أنّ فيها نصف بعير، وهو مع شذوذه لم يعرف له أيّ مستند يصلح للاعتماد عليه(1).

وتدلّ على المشهور معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في الخرصة شبه الخدش بعير، وفي الدامية بعيران، وفي الباضعة وهي ما دون السمحاق ثلاث من الإبل، وفي السمحاق وهي دون الموضحة أربع من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل » (2).

ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قضى في الدامية بعيراً، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة»(3).


1) الجواهر 320:43.

2) الوسائل 29: 382/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 14.

3) الوسائل 29: 380/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 8.

---------------------------------------------------------------------------------

بتقريب : أنّ المراد من الدامية فيها الخارصة، بقرينة أنه جعل في كلتا الروايتين السمحاق في المرتبة الرابعة وفرض قبلها ثلاث مراتب وجعل في المرتبة الأولى منها بعير. وعليه تكون الدامية في رواية السكوني هي الخارصة في رواية منصور، ثمّ إنّه يراد من البعير في دية الخارصة وما بعدها جزء من مائة جزء من الدية من أي قسم كانت الدية ولا خصوصية للبعير.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى الفهم العرفي، فإنّ البعير لا يكون ميسوراً لكلّ أحد في كلّ مورد وزمان - صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الشجّة المأمومة «فقال : ثلث الدية، والشجّة الجائفة ثلث الدية» وسألته عن الموضحة «فقال : خمس من الإبل» (1).

فإنّها إذا ضمّت إلى صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : في الموضحة خمس من الإبل، وفي السمحاق أربع من الإبل، والباضعة ثلاث من الإبل والمأمومة ثلاث وثلاثون من الإبل» الحديث (2).

تدلّ على أنه لا خصوصيّة للأبعرة فيها فيراد منها نسبة خاصة من دية النفس.

وتدلّ على ذلك أيضاً معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الخدّ إذا كانت فيه نافذة - إلى أن قال : - وفي موضحة الرأس خمسون ديناراً، فإن نقل (منها) العظام فديتها مائة دينار وخمسون ديناراً، فإن كانت ثاقبة في الرأس فتلك المأمومة ديتها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دینار» (3).


1) الوسائل 29: 381/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 12.

2) الوسائل 29: 379/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 4.

3) الوسائل 29: 295/ أبواب ديات الأعضاء ب 6 ح 1.

الثاني : الدامية

وقد يعبّر عنها بالباضعة وهي التي تأخذ من اللحم يسيراً، وفيها بعيران (1).

الثالث : الباضعة

وقد يعبّر عنها بالمتلاحمة، وهي التي تأخذ من اللحم كثيراً، ولا تبلغ السمحاق، وفيها ثلاثة أباعر (2).

الرابع : السمحاق

وهو الذي يبلغ الجلد الرقيق بين العظم واللحم، وفيه أربعة من الإبل (3).


على أنه لو كان المراد منها البعير خاصة فقد تزيد دية المأمومة - مثلاً - على دية النفس بكثير أحياناً، ولا يمكن الالتزام بذلك جزماً.

(1) تدلّ على ذلك المعتبرتان المتقدّمتان بالتقريب المتقدّم آنفاً.

(2) للمعتبرتين السابقتين بالتقريب المتقدّم، وصحيحة الحلبي المتقدمة، وصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)، أنّه قال : «في الباضعة ثلاث من الإبل» (1).

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك عدة روايات منها : المعتبرتان وصحيحة الحلبي المتقدمات.


1) الوسائل 29: 378/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 1.

الخامس : الموضحة

وهي التي توضح العظم، وفيها خمسة من الإبل (1)


(1) من دون خلاف، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحا الحلبي ومعاوية بن وهب ومعتبرة منصور بن حازم المتقدمات.

ومنها : معتبرة أبي مريم، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد كتب لابن حزم كتاباً فخذه منه فأتني به حتى أنظر إليه» قال: فانطلقت إليه فأخذت منه الكتاب ثم أتيته به فعرضته عليه، فإذا فيه من أبواب الصدقات وأبواب الديات وإذا فيه «في العين خمسون، وفي الجائفة الثلث، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس من الإبل»(1).

وقد تقدّم أنّ المراد من جملة «خمس من الإبل»: نصف عشر الدية.

وأما ما في معتبرة ظريف من قوله (عليه السلام): «ودية الشجّة إذا كانت توضح أربعون ديناراً إذا كانت في الخد، وفي موضحة الرأس خمسون ديناراً» (2).

فلم يثبت، بل ثبت خلافه، فإنّ نسخة الكليني وإن كانت كذلك إلا أن الشيخ والصدوق روياها هكذا: «إذا كانت في الجسد»، والظاهر أنّ ما روياه هو الصحيح، وذلك بقرينة أنه جعل في نفس هذه المعتبرة في موضحة الوجه خمسون ديناراً في موردين، أحدهما : قوله (عليه السلام): «فإن كانت موضحة في شيء من الوجه فديتها خمسون ديناراً»، والآخر : قوله (عليه السلام): «فإن كانت رمية


1) الوسائل 29: 381/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 13.

2) الوسائل 29: 295 / أبواب ديات الأعضاء ب6 ح 1، الكافي 7: 332/ 5، التهذيب 10: 295 / 1148، الفقيه 4: 54/ 194.

السادس : الهاشمة

وهي التي تهشم العظم، وفيها عشرة من الإبل (1)، ويتعلق الحكم بالكسر وإن لم يكن جرحاً (2).

السابع : المنقلة

وهي التي تنقل العظم من الموضع الذي خلقه الله تعالى فيه إلى موضع آخر، وفيها خمس عشرة من الإبل (3)،


بنصل يثبت في العظم حتى ينفذ إلى الحنك فديتها مائة وخمسون ديناراً، جعل منها خمسون ديناراً لموضحتها».

ويؤيد ما ذكرناه ما رواه السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : إنّ الموضحة في الوجه والرأس سواء»(1).

فإنّها نص فى أنّه لا فرق بين موضحة الرأس والوجه.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً.

وتدلّ على ذلك معتبرة السكوني : أنّ علياً (عليه السلام) قضى في الهاشمة بعشر من الإبل»(2)، ومثلها معتبرته الأخرى (3).

(2) وذلك لأنّ موضوع الحكم هو الهاشمة، وهي أعم من الجرح، فإنّ هشم العظم وكسره قد يستلزمه وقد لا يستلزمه.

(3) بلا خلاف معتدّ به بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:


1) الوسائل 29: 385/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 5 ح 2.

2) الوسائل 29: 378/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 2.

3) الوسائل 29: 382/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 15.

والحكم فيه متعلّق بالنقل وإن لم يكن جرحاً (1).

الثامن : المأمومة

وهي التي تبلغ أمّ الدماغ وفيها ثلث الدية: ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار (2)، ويكفي فيها ثلاث وثلاثون من الإبل (3)، وكذا الحال في الجائفة (4).


منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في الموضحة خمس من الإبل، وفي السمحاق أربع من الإبل، والباضعة ثلاث من الإبل، والمأمومة ثلاث وثلاثون من الإبل والجائفة ثلاث وثلاثون والمنقلة خمس عشرة من الإبل»(1).

ومنها : معتبرة أبي مريم المتقدّمة.

(1) وذلك لأنّ موضع الدية هو المنقلة، وهي لا تستلزم الجرح دائماً.

(2) من دون خلاف ظاهر بين الفقهاء.

وتدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الشجّة المأمومة «فقال : ثلث الدية والشجة الجائفة ثلث الدية» الحديث (2).

(3) تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي المتقدمة.

(4) للصحيحتين ومعتبرة أبي مريم المتقدمات.


1) الوسائل 29: 379/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 4.

2) الوسائل 29: 381/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 12.

هل تدخل المرتبة الدائية في المرتبة العالية إذا كانتا بضربة واحدة ؟

(مسألة 361) : في ما ذكرناه من المراتب تدخل المرتبة الدانية في المرتبة العالية إذا كانتا بضربة واحدة (1)، وأمّا إذا كانتا بضربتين فلكل منهما ديته (2)، من دون فرق بين أن تكونا من شخص واحد أو من شخصين (3).

لو أوضح موضحتين، وأوصل آخر إحدى الموضحتين بالأخرى بجناية ثالثة

(مسألة 362) : لو أوضح موضحتين فلكلّ منهما ديتها (4)، ولو أوصل آخر إحدى الموضحتين بالأخرى بجناية ثالثة فعليه ديتها (5)، ولو كان ذلك بفعل المجني عليه فهي هدر، وإن كان ذلك بفعل الجاني أو بالسراية فهل هذا يوجب اتحاد الموضحتين، أو هو موضحه ثالثة، أو فيه تفصيل ؟ وجوه، بل أقوال (6)،، والأقرب أنّه موضحة ثالثة إذا كان بفعل الجاني، ولا شيء عليه إذا كان بالسراية.


(1) تدلّ على ذلك نفس روايات الباب، نظراً إلى أنّ المرتبة العالية منها تستلزم المراتب الدانية غالباً، مضافاً إلى أنّ التعدد يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المقام.

(2) لإطلاق هذه الروايات، وصحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه - إلى أن قال : - ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان» الحديث (1).

(3) لإطلاق الدليل.

(4) للإطلاق وعدم المقتضي للتداخل.

(5) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدل على ذلك إطلاقات الأدلّة.

(6) بيان ذلك : أنّ في المسألة أقوالاً أربعة :


1) الوسائل 29: 366 / أبواب ديات المنافع ب 7 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

الأوّل : أنهما صارتا بذلك واحدة فيترتب عليها حكم الموضحة الواحدة، من دون فرق بين أن يكون ذلك بفعل الجاني أو بالسراية.

الثاني : أنّ الإيصال جناية ثالثة فلا يوجب وحدة الجنايتين الأولتين، فلكلّ منها حكمها، بلا فرق في ذلك بين أن يكون بفعل الجاني أو بالسراية.

الثالث : التفصيل بين ما كان الإيصال بينهما بفعل الجاني وما كان الإيصال بالسراية، فالأوّل لا يوجب الاتحاد دون الثاني.

الرابع : أنهما شريكان في عدم إيجاب الاتحاد، ويفترقان في أنّ الأوّل جناية ثالثة في قبالهما والثاني ليس جناية.

أمّا القول الأوّل : فقد اختاره الشيخ في المبسوط والعلّامة في الإرشاد والمحقق في الشرائع (1)، واستدلّ على ذلك.

تارةً بصدق اسم الموضحة الواحدة عليها بعد الاتصال، ومن الطبيعي أنه ليس في الموضحة الواحدة إلا دية واحدة. هذا مضافاً إلى أصالة البراءة عن الزائد إذا شك في وجوبه.

وأخرى : بقياس ذلك بما إذا قطع يدي شخص ورجليه ثم قتله، فإنّ الدية فيه واحدة، لاتحاد الجاني.

أقول : يرد على الأوّل: أنّ مجرّد إيصال إحداهما بالأخرى لا يوجب زوال حكم التعدّد، بل هما موضحتان صادرتان من الجاني فيكون لكلّ منهما حكمها.

ومن هنا يظهر أنّه لا وجه لأصالة البراءة، حيث لا نشك في المقام حتى يرجع إليها.

ويرد على الثاني أولاً: أنه قياس لا نقول به.


1) المبسوط 7: 119، الإرشاد 2: 245، الشرائع 4: 285.

دية اختلاف مقادير الشجّة في الضربة الواحدة

(مسألة 363) : إذا اختلفت مقادير الشجّة في الضربة الواحدة أخذت دية الأبلغ عمقاً، كما إذا كان مقدار منها خارصة، ومقدار منها متلاحمة، والأبلغ عمقاً موضحة، فالواجب هو دية الموضحة (1).


وثانياً : قد تقدّم أنّ الحكم في المقيس عليه ليس ثابتاً، بل هو محل الخلاف والكلام (1)، وأنّ الصحيح فيه عدم التداخل.

وأما القول الثاني : فقد اختاره فخر المحققين في الإيضاح والمحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد وصاحب الجواهر (قدس سره) (2).

أقول : إنّ هذا القول صحيح فيما إذا كان الإيصال بين الجنايتين بفعل الجاني، وأما إذا كان بالسراية فالظاهر أنه ليس جناية ثالثة كما سيأتي بيانه.

وأمّا القول الثالث : فمال إليه العلّامة (قدس سره) في القواعد(3)، ويظهر حاله مما تقدم.

وأما القول الرابع : فالظاهر أنه هو الصحيح، والوجه في ذلك: هو أنّ الإيصال بعد ما عرفت من أنّه لا يوجب زوال حكم تعدّد الجنايتين إذا كان بفعل الجاني فبطبيعة الحال يكون جناية ثالثة في قبال الجنايتين الأولتين بنظر العرف فلها حكمها، وأما إذا كان بالسراية فليست هناك جناية ثالثة، لأنها هي الجناية الأولى، غاية الأمر أنها قد اتسعت دائرتها بالسراية، وذلك لا يوجب دية زائدة.

(1) وذلك لأنّ الشجّة إذا بلغت إلى الإيضاح فبطبيعة الحال تستلزم عادةً أن


1) مباني تكملة المنهاج 1: 130.

2) إيضاح الفوائد 4 : 716، مجمع الفائدة والبرهان 14: 460، الجواهر 43: 328.

3) القواعد 3: 692.

حكم جرح عضوين مختلفين لشخص
حكم جرح عضوين مختلفين لشخص

(مسألة 364) : إذا جرح عضوين مختلفين لشخص كاليد والرأس كان لجرح كل عضو حكمه، فإن كان جرح الرأس بقدر الموضحة - مثلاً - وجرح الآخر دونها ففي الأوّل دية الإيضاح وفي الثاني دية ما دونه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجرحان بضربة واحدة أو بضربتين (1)، ولو جرح موضعين من عضو واحد كالرأس أو الجبهة أو نحو ذلك جرحاً متصلاً ففيه دية واحدة (2).

لو جنى شخص بموضحة فجنى آخر بجعلها هاشمة وثالث منقلة ورابع مأمومة

(مسألة 365) : لو جنى شخص بموضحة فجنى آخر بجعلها هاشمة وثالث منقلة ورابع مأمومة، فعلى الأوّل خمس من الإبل، وقيل : على الثاني خمس من الإبل - أي ما به التفاوت بين الموضحة والهاشمة - وعلى الثالث ما به التفاوت بين الهاشمة والمنقلة، وعلى الرابع ثمان عشرة من الإبل (3) وفيه


يكون مقدار منها خارصة ومقدار منها دامية أو متلاحمة. هذا، مضافاً إلى أنّها لو كانت كلها موضحة لم تزد الدية على ديتها لفرض أن حكم الموضحة لا يختلف باختلاف صغرها وكبرها.

(1) أما إذا كانا بضربتين فواضح، وأما إذا كانا بضربة واحدة فلإطلاق الأدلة وعدم الموجب للتقييد، وأما صحيحة أبي عبيدة المتقدمة فقد سبق الكلام فيها بشكل موسّع (1).

(2) وذلك لأنه جرح واحد في عضو كذلك، ومن الطبيعي أنّه لا فرق في الجرح الواحد بين صغره وكبره وطوله وقصره.

(3) القائل به المحقق (قدس سره) في الشرائع والعلّامة في الارشاد والمحقق


1) في ص 429.

إشكال، والأظهر أنّ على الثاني تمام دية الهاشمة، وعلى الثالث تمام دية المنقلة، وعلى الرابع تمام دية المأمومة (1).

دية الجائفة

(مسألة 366) : الجائفة - وهي التي تصل الجوف بطعنة أو رمية - فيها ثلث دية النفس : ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، ولا تختص بما يدخل جوف الدماغ، بل يعم الداخل في الصدر والبطن أيضاً (2)،


الأردبيلي (قدس سره) في شرحه (1)مع توقفه في الهاشمة والمنقلة، نظراً إلى أنها لا يتوقفان على الجرح.

(2) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما ذكروه، عدا ما قيل من أنّ الدية - كعشر من الإبل مثلاً - إنما تجب في الهاشمة إذا كان الهشم مع الإيضاح، فلو أوضح ثمّ هشّم فعليه خمس من الإبل بإزاء الإيضاح، وخمس بإزاء الهشم.

وفيه : أنه منافٍ لإطلاق مادلّ على أنّ في الهشم عشراً من الإبل، ومقتضاه أن العشر بإزاء الهشم غاية الأمر أنّه إن كان الإيضاح معه بضربة واحدة فلادية فيه وإنّما الدية على أغلظ الجنايتين، وهو الهشم في مفروض المقام، بمقتضى ما تقدم، وإن كان الإيضاح بضربة أخرى كما لو أوضح أوّلاً ثمّ هشّم - ففيه دية زائدة على دية الهشم. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الجاني واحداً أو متعدّداً. هذا، مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ الدية في الهشم تترتب على الكسر وإن لم یکن جرح (2)وكذا الحال فى المنقلة.

فالنتيجة : أن الأظهر ما ذكرناه.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب ظاهراً، عدا المحقق الأردبيلي (قدس سره)،


1) الشرائع 4 : 287، الإرشاد 2: 245، مجمع الفائدة والبرهان 646:14.

2) في ص 470.

---------------------------------------------------------------------------------

حيث إنّه احتمل اختصاص الثلث بجائفة الرأس دون البدن(1)، لصحيحة معاوية ابن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الشجّة المأمومة «فقال: ثلث الدية، والشجّة الجائفة ثلث الدية» الحديث (2).

وكذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في الموضحة خمس من الإبل - إلى أن قال : - والمأمومة ثلاث وثلاثون من الإبل، والجائفة ثلاث وثلاثون» الحديث (3).

ورواية زيد الشحّام، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الشجّة المأمومة «فقال : فيها ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية» الحديث(4).

بتقريب : أنّ المراد من الجائفة فيها : الشجّة الجائفة بقرينة السياق.

أقول : أما رواية الشحّام فهي ضعيفة سنداً بالمفضل بن صالح فلا يمكن الاستدلال بها، وأما صحيحتا معاوية والحلبي فلو كنا نحن وهاتين الصحيحتين لأمكن القول بالاختصاص، إلّا أنّ في معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: في الصدر إذا رضَ فثنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار - إلى أن قال : - وفي الأضلاع فيما خالط القلب من الأضلاع إذا كسر منها ضلع فديته خمسة وعشرون ديناراً - إلى أن قال - وفي الجائفة ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وإن نفذت من الجانبين كليهما رمية أو طعنة فديتها أربعمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار» الحديث(5)، وهي تدلّ على عدم الاختصاص، أي عدم اختصاص الثلث بجائفة الرأس.


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 457 - 458.

2) الوسائل 29: 381/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 12.

3) الوسائل 29: 379/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 4.

4) الوسائل 29: 379/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 5.

5) الوسائل 29 : 304 / أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1.

ويكفي فيها ثلاث وثلاثون من الإبل (1).

لو جرح عضواً ثم أجافه

(مسألة 367) : لو جرح عضواً ثم أجافه، مثل : أن يشق الكتف إلى أن يحاذي الجنب ثم يجيفه لزمه دية الجرح ودية الجائفة (2).

(مسألة 368) : لو أجافه كان عليه دية الجائفة، ولو أدخل فيه سكيناً ولم يزد عما كان عليه فعليه التعزير (3)، وإن زاد باطناً فحسب أو ظاهراً كذلك ففيه الحكومة (4)، ولو زاد فيهما معاً فهو جائفة أخرى فعليه ديتها (5).


ثم إن الجائفة في الرأس التي فيها ثلث الدية تختص بما يدخل في جوف الدماغ، فلا تشمل ما إذا دخل في جوف الخدّ.

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وفي الخد إذا كانت فيه نافذة يرى منها جوف الفم فديتها مائتا دينار، فإن دووي فبرئ والتأم وبه أثر بيّن وشتر فاحش فديته خمسون ديناراً» الحديث (1).

حيث إنه جعل فيها في جائفة الخدّ مائتا دينار لا الثلث.

(1) وذلك لصحيحة الحلبي المتقدّمة، فإنّ مقتضاها كفاية ذلك.

(2) وذلك لإطلاق الأدلة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجاني واحداً أو متعدّداً، فإنّ العبرة في تعدّد الدية إنما هي بتعدد الضربة.

(3) لثبوته في ارتكاب كل فعل محرم شرعاً.

(4) لعدم ثبوت الدية المقدّرة شرعاً فيه بعد عدم صدق الجائفة عليه.

(5) وذلك لصدق الجائفة عليه، كما إذا أجافه ابتداءً. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجاني واحداً أو متعدّداً.


1) الوسائل 29: 295 / أبواب ديات الأعضاء ب 6 ح 1.

لو كانت الجائفة مخيطة ففتقها شخص

(مسألة 369) : لو كانت الجائفة مخيطة ففتقها شخص، فإن كانت بحالها وغير ملتئمة ففيه الحكومة (1)، وإن كانت ملتئمة فهي جائفة جديدة وعليه ثلث الدية (2).

هل عليه دية واحدة أو متعدّدة لو طعنه في صدره فخرج من ظهره ؟

(مسألة 370) : لو طعنه في صدره فخرج من ظهره، فهل عليه دية واحدة لوحدة الطعنة، أو متعدّدة لخروجه من الظهر؟ وجها، قيل : بأنه جائفة واحدة وفيها ديتها، والأظهر أنّ ديته أربعمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار (3).


(1) وذلك لعدم صدق الجائفة الجديدة عليه، فإذن حيث إنّه لا مقدّر له شرعاً فالمرجع فيه الحكومة.

(2) الوجه في ذلك واضح.

(3) بيان ذلك : أنّ في المسألة ثلاثة أوجه:

الأول : أنه جائفة واحدة وفيها ديتها.

الثاني : أنه جائفتان وفيهما ديتان.

الثالث : أنّ ديته أربعمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار.

أما الوجه الأول : فقد اختاره الشيخ (قدس سره) في المبسوط(1)، بل عن الشهيد : أنّ الوحدة ظاهر فتوى علمائنا (2)، ومال إليه صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً (3)، نظراً إلى اتحاد الجناية وأنّ الجائفة ما نفذت إلى الجوف م-ن الظاهر، سواء نفذت من جانب آخر أم لا.


1) المبسوط 7: 125.

2) حكاه عن الشهيد صاحب كشف اللثام 2 : 518 (حجري).

3) الجواهر 344:43.

---------------------------------------------------------------------------------

وفيه : أنّ الظاهر أنّه جائفتان لا واحدة كما سنشير إليه.

وأمّا الوجه الثاني : فقد اختاره الشيخ (قدس سره) في الخلاف(1)، ومال إليه المحقق في الشرائع (2)حيث قال : هو أشبه باعتبار أنهما عضوان متباينان فيتحقق في كلّ منهما جائفة، وهي الجرح النافذ من الظاهر إلى الباطن، والمفروض تحقق ذلك الجرح في كلّ من جانبي المجني عليه، فهنا جرحان نافذان من الظاهر إلى الباطن، ومن الطبيعي أنّه لا فرق في ذلك بين أن يكون الجرحان بضربة واحدة أو بضربتين.

وما ذكرناه من أنّ الجنايتين إذا كانتا بضربة واحدة ففيهما دية واحدة وهي دية أغلظ الجنايتين - كما هو مقتضى صحيحة أبي عبيدة المتقدمة (3)- إنما هو فيما إذا كانتا في عضو واحد وكانت إحداهما أغلظ من الأخرى كما تقدّم تفصيل ذلك، وما نحن فيه ليس كذلك.

وأمّا الوجه الثالث : فتدلّ عليه معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : في الصدر إذا رض فتنى شقيه كليهما فديته خمسمائة دينار - إلى أن قال : - وإن نفذت من الجانبين كليهما رمية أو طعنة فديتها أربعمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار» (4).

وظاهر الوسائل أنّ الشيخ والصدوق (قدس سرهما) روياها كذلك أيضاً، حيث قال : ورواه الصدوق والشيخ كما مرّ. ولكنّ الموجود في نسختي الفقيه والتهذيب اللتين في أيدينا هكذا: «وإن نفذت من الجانبين كليهما رمية أو طعنة


1) الخلاف 5: 232 / 15.

2) الشرائع 4: 288.

3) في ص 429.

4) الوسائل 29: 304/ أبواب ديات الأعضاء ب 13 ح 1، التهذيب 10: 295 / 1148، الفقيه 54:4 / 194.

دية خرم الأذن

(مسألة 371) : في دية خرم الأذن خلاف، قيل : إنها ثلث ديتها، وفيه إشكال، والأظهر فيه الرجوع إلى الحكومة (1).


وقعت في شقاق - على نسخة الفقيه، و: صفاق، على نسخة التهذيب - فديتها أربعمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار».

أقول : أما الصفاق فلا نعرف له معنى مناسباً للمقام، وأما الشقاق فكذلك، إلا أن يكون المراد من ذلك وقوع الرمية أو الطعنة حال الشقاق والنزاع، فإنّه وإن لم تكن له خصوصية بالإضافة إلى الحكم في مورد الكلام إلا أن التقييد به لعله من جهة الغلبة، وهو لا يوجب اختصاص الحكم في مورده.

فالنتيجة : أنّه لا بأس بالاعتماد على هذه المعتبرة، وعلى تقدير التنزل عن ذلك فالأظهر أنه جائفتان بالتقريب المتقدم وفيهما ديتان.

(1) وجه الإشكال : هو أنّ الشيخ (قدس سره) في محكيّ الخلاف وإن ادّعى إجماع الفرقة وأخبارها على ذلك (1)، إلا أن هذه الدعوى غير تامة :

أما الإجماع:

فظاهر، ضرورة أنّ الإجماع الكاشف عن قول المعصوم غير موجود جزماً.

وأما الأخبار : فهي غير موجودة.

وأما رواية مسمع المتقدّمة (2)

نعم تقدّمت روايته في شحمة الاذن في ص 352.

: فالموجود فيها: «خرم الأنف» لا : خرم الأذن، الذي هو محلّ الكلام على أنّ الرواية ضعيفة سنداً.

1) الخلاف 5: 234/ 19.

2) لم تتقدم رواية مسمع في خرم الأنف، وهي في الوسائل 29: 293/ أبواب ديات الأعضاء ب 4 ح 2.

لو كسر الأنف ففسد

(مسألة 372) : لو كسر الأنف ففسد فالمشهور بين الأصحاب أنّ فيه دية كاملة، وهو لا يخلو عن إشكال (1)، والأقرب فيه الرجوع إلى الحكومة.


هذا، ولكن ابن إدريس فسره - خرم الأذن - بخرم شحمة الأذن، قال : وإنّ ديته ثلث دية الشحمة لا ثلث دية الأذن (1). وتبعه في ذلك العلّامة في محكيّ المختلف وصاحب الجامع (2).

وفيه : أنّه لا دليل عليه أيضاً.

فالنتيجة : أنّ الأظهر ما ذكرناه، وهو الرجوع إلى الحكومة، لما عرفت من أنها المرجع في كلّ ما لا تقدير له شرعاً.

وأما صحيحة معاوية بن عمار، قال : تزوّج جار لي امرأة فلما أراد مواقعتها رفسته برجلها ففتقت بيضته فصار أدرّ، فكان بعد ذلك ينكح ويولد له، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذلك، وعن رجل أصاب سرّة رجل ففتقها «فقال (عليه السلام) : في كلّ فتق ثلث الدية»(3).

فهي خاصة بموردها، فلا عموم لها لكلّ فتق، بقرينة أن الظاهر من الدية فيها هو دية الإنسان، ومن الواضح أنّ الفتق في كلّ عضو ليست ديته ثلث دية الإنسان.

(1) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل في المسألة عدا ما قيل من أمرين:

أحدهما : دعوى الإجماع فيها.


1) السرائر 3 :382.

2) المختلف 9 : 368، الجامع للشرائع : 593.

3) الوسائل ظ 9: 337/ أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح 1.

دية كسر الأنف فجبر على غير عيب ولا عثم

(مسألة 373) : إذا كسر الأنف فجبر على غير عيب ولا عثم فالمشهور أنّ ديته مائة دينار، وهو لا يخلو عن إشكال (1) بل لا يبعد الرجوع فيه إلى الحكومة، وكذلك الحال فيما إذا جبر على عيب وعثم (2).


وفيه : أنه غير محقق، فلا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام) جزماً.

وثانيهما : قوله (عليه السلام): «ما كان في الإنسان واحد ففيه الدية كالأنف » بتقريب : أنه شامل للقطع والإفساد.

وفيه : أن الظاهر منه هو الاختصاص بالقطع، كما هو الحال في سائر الأعضاء، فلا يشمل الكسر. وعلى ذلك، فبما أنّه لا تقدير فيه شرعاً فالمرجع هو الحكومة.

نعم، لو كان إفساده على نحو يوجب ذهاب المارن أو ذهاب الأنف كلّه لدخل في الكبرى المتقدمة وفيه تمام الدية.

(1) وجه الإشكال : أنّه لا دليل في المسألة إلا دعوى الإجماع، وجعله صاحب الرياض الحجّة فيها (1). وعليه، فإن تم إجماع فيها فهو، ولكنّه غير تام، ضرورة أنّ مثله لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام)، وبدونه لا أثر له. فإذن بما أنّه لا تقدير له في الشرع فلا محالة يكون المرجع فيه الحكومة.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم.


1) رياض المسالك 2: 544 (حجري).

حكم ما لو نفذت في الأنف نافذة

(مسألة 374) : إذا نفذت في الأنف نافذة، فإن انسدت وبرأت ففيه خمس دية روثة الأنف، وما أصيب منه فبحساب ذلك (1)، وإن لم تنسد فديته ثلث ديته، وإن كانت النافذة في إحدى المنخرين إلى الخيشوم فديتها عشر دية روثة الأنف، وإن كانت في إحدى المنخرين إلى المنخر الأخرى أو في


نعم، لو ثبت أنّ الدية في الفرض الأوّل وهو جبره بلا عيب ولا عثم هي مائة دينار لكانت الدية في هذا الفرض وهو جبره مع العيب والعثم زائدة على الدية المذكورة من جهة عيبه وعثمه.

(1) وفاقاً لجماعة كثيرة منهم الشيخان والديلمي وابنا حمزة وسعيد والفاضل والشهيد الثاني (1)، بل في كشف اللثام نسبته إلى الأكثر (2)، وفي المسالك إلى المشهور (3).

وكيف ما كان، تدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في الأنف «قال : فإن قطع روثة الأنف - وهي طرفه - فديته خمسمائة دينار، وإن نفذت فيه نافذة لا تنسد بسهم أو رمح فديته ثلاثمائة دينار وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وإن كانت نافذة فبرأت والتأمت فديتها خمس دية (روثة) الأنف مائة دينار، فما أصيب منه فعلى حساب ذلك، وإن كانت نافذة في إحدى المنخرين إلى الخيشوم - وهو الحاجز بين المنخرين - فديتها عشر دية روثة


1) المفيد في المقنعة : 767، الطوسي في النهاية : 776، الديلمي في المراسم: 244، ابن حمزة في الوسيلة : 447، ابن سعيد في الجامع للشرائع : 593، الفاضل في القواعد 3: 672، الشهيد الثاني في الروضة البهية 10: 208.

2) كشف اللثام 2: 499 (حجري).

3) انظر المسالك 2: 399 (حجري) فإنّه لم ينسبها إلى المشهور.

الخيشوم إلى المنخر الأخرى فديتها ستة وستون ديناراً وثلثا دينار (1).

دية شق الشفة العليا أو السفلى

(مسألة 375) : إذا انشقت الشفة العليا أو السفلى حتى يبدو منها الأسنان ثم برأت والتأمت ففيه خمس ديتها، وإن أصيبت الشفة العليا فشينت شيناً قبيحاً فديتها مائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وإن أصيبت الشفة السفلى وشينت شيئاً قبيحاً فديتها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دینار (2).

(مسألة 376) : في إحمرار الوجه باللطمة دينار ونصف، وفي إخضراره ثلاثة دنانير (3).


الأنف خمسون ديناراً، لأنّه النصف، وإن كانت نافذة في إحدى المنخرين أو الخيشوم إلى المنخر الآخر فديتها ستة وستون ديناراً وثلثا دينار» (1).

(1) تدلّ على ذلك كلّه المعتبرة المتقدّمة.

(2) تدلّ على ذلك كلّه معتبرة ظريف المتقدّمة في دية قطع الشفتين (2).

(3) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللطمة يسود أثرها في الوجه أنّ أرشها ستة دنانير، فإن لم تسود واخضرت فإنّ أرشها ثلاثة دنانير، فإن احمارت


1) الوسائل 29 : 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 4 ح 1.

2) في ص 355.

وفي إسوداده ستة دنانير (1)، وإن كانت هذه الأمور في البدن فديتها نصف


ولم تخضار فإنّ أرشها دينار ونصف» (1).

(1) خلافاً لجماعة، حيث إنهم ذهبوا إلى أنّ ديته ثلاثة دنانير، منهم: السيدان مدعيين عليه الإجماع (2)، للأصل.

وفيه : أنّ الإجماع غير محقق جزماً، والأصل مدفوع بالمعتبرة المزبورة.

فالصحيح ما ذكرناه وفاقاً لجماعة، بل عن الشيخ نسبته إلى الأكثر (3).

بقي هنا شيء : وهو أنّ هذا الحكم هل يختص بالضرب أو يعمّ مطلق الجناية؟

المشهور والمعروف كما يظهر من كلماتهم هو الثاني، ولذا عبر المحقق في الشرائع والنافع ب- : الجناية (4)، وادّعى صاحب الجواهر (قدس سره) الإجماع بقسميه عليه (5). وكيف كان، فإن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام. فإذن الأظهر هو الأوّل، كما هو ظاهر المعتبرة المذكورة.

نعم لا يختص الحكم بما إذا كان الضرب باليد وهو اللطم للقطع بعدم خصوصية لليد في ذلك.


1) الوسائل 29: 384/ أبواب الشجاج والجراح ب 4 ح 1.

2) الانتصار : 309/549، الغنية 2 : 420.

3) الخلاف 5: 262/ 74.

4) الشرائع 4 : 289، المختصر النافع : 312.

5) الجواهر 43: 346.

دية اللطمة

ما كانت في الوجه (1).


(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، بل عن الانتصار والخلاف والغنية دعوى الإجماع على ذلك (1).

وإن كان يظهر من عبارة المحقق في الشرائع والنافع توقفه في هذا الحكم(2)، بل يظهر من المحقق الأردبيلي (قدس سره) الميل إلى العدم وأنّ مقتضى القاعدة هو الحكومة (3).

ولكنّه لا وجه له، والصحيح ما هو المعروف والمشهور بينهم.

ويدلّ عليه ما رواه الصدوق بإسناده الصحيح إلى حسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللطمة يسود أثرها في الوجه أنّ أرشها ستة دنانير - إلى أن قال : - وفي البدن نصف ذلك» (4).

بقي هنا شيء : وهو أنّ الخلاف السابق في دية الاسوداد جارٍ هنا أيضاً، ولكنّ الكلام فيه هو الكلام في السابق، وبما أنّنا اخترنا هناك أنّ ديته ستة دنانير فبطبيعة الحال تكون ديته هنا ثلاثة دنانير. ثمّ إنّ مقتضى إطلاق النص عدم الفرق بين أعضاء البدن كلّها ما له مقدّر شرعاً وما لا مقدّر له كذلك.


1) الانتصار : 549 / 309، الخلاف 5 : 262 / 74، الغنية : 420.

2) الشرائع 4 : 289، المختصر النافع : 312.

3) مجمع الفائدة والبرهان 14: 460.

4) الوسائل 29: 384/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 4 ح 1، الفقيه 4: 118/ 408.

حكم ما لو نفذت في الخدّ نافذة

(مسألة 377) : إذا نفذت في الخدّ نافذة يرى منها جوف الفم فديتها مائتا دينار، فإن دووي وبرئ والتأم وبه أثر بيّن وشتر فاحش فديته خمسون ديناراً زائدة على المائتين المذكورتين، وإن لم يبق به أثر بين وشتر فلم يجب الزائد، فإن كانت النافذة في الخدين كليهما من دون أن يرى منها جوف الفم فديتها مائة دينار، فإن كانت موضحة في شيء من الوجه فديتها خمسون ديناراً، فإن كان لها شين فدية شينه ربع دية موضحته، فإن كانت رمية بنصل نشبت في العظم حتى نفذت إلى الحنك ففيها ديتان: دية النافذة وهي مائة دينار، ودية الموضحة وهي خمسون ديناراً، فإن كان جرحاً ولم يوضح ثمّ برئ وكان في أحد الخدين فديته عشرة دنانير، فإن كان في الوجه صدع فديتها ثمانون ديناراً، فإن سقطت منه جذمة لحم ولم توضح وكان قدر الدرهم فما زاد على ذلك فديته ثلاثون ديناراً (1)، ودية الشجّة الموضحة أربعون ديناراً إذا كانت في الجسد (2).

(1) تدلّ على جميع هذه الفروع معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

(2) للمعتبرة المزبورة، وقد تقدّم الكلام بشكل موسع وأنّ النسخة الصحيحة فيها هى «الجسد» دون الخدّ (2).


1) الوسائل 29: 295/ أبواب ديات الأعضاء ب 6 ح 1.

2) في ص 469.

دية الشجاج في الرأس والوجه سواء

(مسألة 378) : دية الشجاج في الرأس والوجه سواء (1).


(1) بلا خلاف ظاهر، ويدلّ على ذلك إطلاق الشجّة، فإنّها شاملة للوجه أيضاً.

وتؤيد ذلك رواية السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ الموضحة في الوجه والرأس سواء»(1).

ورواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه ؟ «فقال : الموضحة والشجاج في الوجه والرأس سواء في الدية، لأنّ الوجه من الرأس» الحديث (2).

وأما رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) - في حديث - «قال : في السمحاق وهي التي دون الموضحة خمسمائة درهم، وفيها إذا كانت في الوجه ضعف الدية على قدر الشين» الحديث (3).

فهي ضعيفة سنداً من ناحية الإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها، على أنها معارضة بغيرها من الروايات التي جعلت دية السمحاق أربعة أبعرة لا خمسمائة درهم، فإنها تزيد عليها بنسبة الخمس.


1) الوسائل 29: 385/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 5 ح 2.

2) الوسائل 29: 385/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 5 ح 1.

3) الوسائل 29: 380/ أبواب ديات الشجاج والجراح ب 2 ح 9.

فصل في دية الحمل
دية الحمل لو كان نطفة أو علقة أو مضغة أو نشأ عظم أو كسي لحم أو ولجته الروح إن كان ذكراً أو أنثى

(مسألة 379) : إذا كان الحمل نطفة فديته عشرون ديناراً، وإن كان علقة فأربعون ديناراً، وإن كان مضغة فستون ديناراً، وإن نشأ عظم فثمانون ديناراً، وإن كسي لحماً فمائة دينار، وإن ولجته الروح فألف دينار إن كان ذكراً، وخمسمائة دينار إن كان أنثى (1).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل في الانتصار والغنية ومحكي السرائر والمبسوط الإجماع عليه(1).

وتدلّ على ذلك معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: جعل دية الجنين مائة دينار وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء، فإذا كان جنيناً قبل أن تلجه الروح مائة دينار، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ خلق الإنسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهو جزءان، ثمّ مضغة فهو ثلاثة أجزاء، ثمّ عظماً فهو أربعة أجزاء، ثم يكسا لحماً فحينئذٍ تم جنيناً فكملت لخمسة أجزاء مائة دينار والمائة دينار خمسة أجزاء، فجعل للنطفة خمس المائة : عشرين ديناراً، وللعلقة خمسي المائة أربعين ديناراً، وللمغضة ثلاثة أخماس المائة : ستين ديناراً، وللعظم أربعة أخماس المائة : ثمانين ديناراً، فإذا كسا اللحم


1) الانتصار : 532/ 296، الغنية 2 : 415، السرائر 3: 416، المبسوط 7: 193 - 194.

---------------------------------------------------------------------------------

كانت له مائة كاملة، فإذا نشأ فيه خلق آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار، وإن قتلت امرأة و هي حبلى متم فلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أو أنثى ولم يعلم أبعدها مات أم قبلها فديته نصفين : نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى، ودية المرأة كاملة بعد ذلك، وذلك ستة أجزاء من الجنين. وأفتى (عليه السلام) في منيّ الرجل يفرغ (يفزع) عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة : عشرة دنانير، وإذا أفرغ فيها عشرين ديناراً، وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والأنثى والرجل والمرأة كاملة، وجعل له في قصاص جراحته ومعقلته على قدر ديته وهي مائة دينار (1).

وتؤيد ذلك عدة روايات :

منها : رواية سليمان بن صالح عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في النطفة عشرون ديناراً، وفي العلقة أربعون ديناراً، وفي المضغة ستون ديناراً، وفي العظم ثمانون ديناراً، فإذا كسى اللحم فمائة دينار، ثم هي ديته حتى يستهل، فإذا استهلّ فالدية كاملة» (2)، وقريب منها رواية سعيد بن المسيب (3).

وفي مقابل هذه المعتبرة المؤيدة بما ذكر عدّة روايات تدلّ على خلافها في الجملة :

منها : صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة «فقال: عليه عشرون ديناراً» فقلت: يضربها فتطرح العلقة «فقال: عليه أربعون ديناراً» فقلت: فيضربها فتطرح المضغة «فقال :


1) الوسائل 29 : 312 / أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 1.

2) الوسائل 29 : 313/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 3.

3) الوسائل 29: 316/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 8.

---------------------------------------------------------------------------------

عليه ستون ديناراً» فقلت : فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم «فقال : عليه الدية كاملة» الحديث (1).

ومنها صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبدالله (عليه السلام): في امرأة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فألقت ولدها «قال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإنّ عليها دية تسلّمها إلى أبيه» الحديث (2).

وأفتى بمضمونها العماني(3).

ولكن الصحيح هو القول المشهور، وذلك لأنّ معتبرة ظريف نص في أنّ دية العظم إذا كسا اللحم ولم تلجه الروح مائة دينار وهاتان الصحيحتان ظاهرتان في أنّ فيه الدية كاملة بالإطلاق فنرفع اليد عنه بنص المعتبرة ونقيّده بما إذا ولجته الروح.

بقي هنا شيء: وهو أنه قد وردت عدة روايات في أنّ دية الجنين : الغُرّة -العبد أو الأمة - وهي على طوائف ثلاث :

الأولى : ما دلّ على أنّ الدية غرّة تعييناً، وهي عدة روايات:

منها : صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: جاءت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنيناً، فقال الأعرابي : لم يهل ولم يصح ومثله يطل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): اسكت سجاعة، عليك غرّة وصيف عبد أو أمة» (4).


1) الوسائل 29: 314/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 4.

2) الوسائل 29: 318 / أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 1.

3) حكاه عنه في المختلف 9: 411.

4) الوسائل 29: 319/ أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 2.

---------------------------------------------------------------------------------

ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في جنين الهلالية حيث رميت بالحجر فألقت ما في بطنها ميّتاً فإنّ عليه غرّة عبد أو أمة»(1).

ومنها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أنّ رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقد ضرب امرأة حبلى فأسقطت سقطاً ميتاً فأتى زوج المرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاستعدى عليه، فقال الضارب : يا رسول الله، ما أكل ولا شرب ولا استهلّ ولا صاح ولا استبش (استبشر)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): إنك رجل سجاعة، فقضى فيه رقبة» (2).

فهذه الروايات تدل بإطلاقها على أنّ دية الجنين الغرّة، سواء أولجت فيه الروح أم لم تلج، ولأجل ذلك تكون معارضة للروايات المتقدمة التي تدلّ على التفصيل بين الصورتين، فتحمل هذه الطائفة على التقية من جهة موافقتها للعامة.

هذا، ولكنّ الشيخ الطوسي (قدس سره) قد حمل الجنين في هذه الروايات على ما لم تتمّ خلقته كالعلقة والمضغة (3)، بقرينة صحيحة أبي عبيدة الآتية.

وفيه : أنه لا وجه لهذا الحمل بعد ظهور الجنين فيما تمت خلقته، ولا سيما مع فرض سقوطه ميتاً كما في بعض تلك الروايات، والصحيحة لا تصلح أن تكون قرينة على ذلك كما سيأتي بيانه.

الطائفة الثانية : ما دلّ على أنّ الدية غرّة أو أربعين درهماً في خصوص


1) الوسائل 29 : 319/ أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 3.

2) الوسائل 29 : 319/ أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 4.

3) التهذيب 10 : 287 / ذیل حدیث 1112، الاستبصار 4: 301/ ذیل حدیث 1129.

---------------------------------------------------------------------------------

العلقة أو المضغة، وهي صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبدالله (عليه السلام): في امرأة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فألقت ولدها «قال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإنّ عليها دية تسلّمها إلى أبيه. قال : وإن كان جنيناً علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين ديناراً أو غرّة تسلّمها إلى أبيه» الحديث (1).

فإنّها تدلّ على أنّ دية العلقة أو المضغة غرّة أو أربعون ديناراً تخييراً.

أقول : إنّ الصحيحة لا يمكن الأخذ بها لا صدراً ولا ذيلاً:

أما من جهة الصدر : فلأنّه ظاهر في لزوم تمام الدية وهو ألف دينار فيما تمت خلقته وإن لم تلج الروح فيه، ولا سيّما بقرينة أنه جعل ذلك مقابل العلقة أو المضغة، وهذا مقطوع البطلان ولم يذهب إليه أحد لا من العامة ولا منا إلا العماني كما تقدّم.

وأمّا من جهة الذيل : فلأنّ ظاهره هو أنّ دية العلقة أو المضغفة مخيّرة بين الغرّة وأربعين ديناراً، وهذا لم يقل به أحد لا من العامة ولا من الخاصة.

وبذلك يظهر أنّ هذه الصحيحة غير صالحة لأن تكون قرينة على حمل الروايات السابقة على العلقة أو المضغة.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ الغرّة دية تخييراً فيما كان الجنين في شرف الولادة، وهي صحيحة أبي عبيدة والحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سُئِل عن رجل قتل امرأة خطأ وهي على رأس ولدها تمخض «فقال : خمسة آلاف درهم، وعليه دية الذي في بطنها وصيف أو وصيفة أو أربعون ديناراً»(2).


1) الوسائل 29 : 318 / أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 1.

2) الوسائل 29: 320/ أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 6.

---------------------------------------------------------------------------------

أقول : إنّ ظاهر هذه الصحيحة هو التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهو مقطوع البطلان، حيث لا قائل به لا من العامة ولا من الخاصة.

وقد حملها الشيخ على ما لم تتم خلقته.

وفيه - مضافاً إلى ما تقدّم في صحيحة أبي عبيدة - : أنه بعيد جداً، نظراً إلى أن قوله : وهي على رأس ولدها تمخض، ظاهر في وضع الحمل التام بعد ولوج الروح فيه، وهذه قرينة أخرى على أنه لا يمكن الالتزام بها، لما تقدّم من أنّ ديته ألف دينار، فكيف يمكن أن تكون ديته أربعين ديناراً.

فالنتيجة : أنه لا بد من طرح هذه الرواية وردّ علمها إلى أهله.

بقي هنا شيء : وهو أنّ المحقق الأردبيلي (قدس سره) قد ناقش فيما ذكره الأصحاب من أنّ دية الجنين إذا تم ولم تلجه الروح مائة دينار (1)، وحاصل مناقشته : هو أنّ هذا الإطلاق في غير محله وأنّه لابد من التفصيل بين ما كان الجنين ذكراً وما كان أنثى، فعلى الأوّل: ديته مائة دينار، وعلى الثاني: خمسون ديناراً، ويستفاد ذلك من أخبار الباب نظراً إلى أنه جعل فيها دية المرأة نصف دية الرجل ودية الجنين التام إذا كان ذكراً نصف خمس دية الذكر وهو مائة دينار، وإذا كان أنثى نصف خمس دية الأنثى وهو خمسون ديناراً، وإليه أشار بقوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة، إلخ.

أقول: الصحيح هو ما ذكره الأصحاب كما تقدّم، فإن قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف «فإذا كسا اللحم كانت له مائة كاملة» إذا ضمّ إليه قوله (عليه السلام) فيها: «فإذا أُنشئ فيه خلق آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس بألف دينار


1) مجمع الفائدة والبرهان 324:14 - 327.

خلاف في تحديد أيام المراتب المذكورة

(مسألة 380) : في تحديد المراتب المذكورة خلاف، والصحيح أنه أربعون يوماً نطفة، وأربعون يوماً علقة، وأربعون يوماً مضغة (1)،


كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار» كان نصاً في أن الجنين قبل ولوج الروح لا يشترك في الحكم مع الجنين بعد ولوج الروح فيه، فإنّ التفصيل بينهما قرينة قطعيّة على ذلك، وأنّه لا فرق في الأول بين الذكر والأنثى.

وأما قوله (عليه السلام): «وإن قتلت امرأة وهي حبلى متم قلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أم أنثى ولم يعلم أبعدها مات أم قبلها فديته نصفين: نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى إلخ، فهو من جهة فرض موت الجنين ظاهر في صورة ولوج الروح فيه، على أنّ في جعل ديته نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى دلالة واضحة على ذلك، باعتبار أن الدية المذكورة للذكر والأنثى في المعتبرة هي دية من ولجت فيه الروح.

وأما قوله: وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة، إلخ، غير ظاهر في التفصيل المذكور، بل هو ظاهر فيما ذكرناه، وذلك من جهة جعل ديته من حساب المائة مطلقاً، بلا فرق بين كونه ذكراً أم أنثى، فلو كان بينهما فرق فلا بدّ من جعل دية جراح الجنين إذا كانت أنثى من حساب الخمسين لا المائة.

(1) على المشهور شهرة عظيمة.

وخالف في المسألة ابن إدريس، فذهب إلى أنّ الفصل بين المراتب المزبورة عشرون يوماً (1).

وفيه : أنه لا دليل عليه أصلاً ولم يرد ذلك في شيء من الروايات، بل


1) السرائر 3: 416.

---------------------------------------------------------------------------------

الصحيح ما هو المشهور، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : معتبرة ابن فضال عن الحسن بن الجهم، قال: قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول : «قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً، ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثم تصير مضغة أربعين يوماً. فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلّاقين» الحديث (1).

ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إنّ الله عزّ وجلّ إذا أراد أن يخلق النطفة - إلى أن قال - فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم فتردّد فيه أربعين يوماً، ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثم تصير مضغة أربعين يوماً» الحديث (2)، وقريب منها صحيحته الأخرى(3).

وأما صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته أن يدعو الله عزّ وجلّ لامرأة من أهلنا بها حمل «فقال أبو جعفر (عليه السلام) : الدعاء ما لم يمض أربعة أشهر» فقلت له: إنّما لها أقل هذا، فدعا من لها ثم قال: «إنّ النطفة تكون في الرحم ثلاثين يوماً، وتكون علقة ثلاثين يوماً، وتكون مضغة ثلاثين يوماً، وتكون مخلّقة وغير مخلقة ثلاثين يوماً، فإذا تمت الأربعة أشهر بعث الله إليها ملكين خلّاقين» (4).

فلابد من ردّ علمها إلى أهله، نظراً إلى أنها مخالفة لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: « فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ


1) الكافي 6: 3/13.

2) الكافي 6: 13/ 4.

3) الكافي 6 : 16/ 7.

4) الوسائل 7: 142 / أبواب الدعاء ب 64 ح 4.

وهل الدية بين هذه المراتب بحسابها وتقسم عليها ؟ قيل : كذلك، وهو الأظهر (1).


وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ» (1)، حيث إنّ الظاهر منه هو كون المخلقة وغير المخلقة صفتين للمضغة لا أنهما في مقابلها كما هو مدلول الصحيحة، والمراد منهما تام الخلقة وغير تامها.

(1) وفاقاً لجماعة، منهم الشيخ في النهاية وابن إدريس في السرائر والعلّامة في الإرشاد وابن حمزة في الوسيلة (2)، ولكنّ الشيخ والعلّامة وابن حمزة لم يتعرّضوا لكيفية التقسيم وإنما قالوا : الدية فيما بين هذه المراتب بحسابها.

وأما ابن إدريس فقد تعرّض لذلك وقال في محكي السرائر : الجنين ما دام في البطن فأوّل ما يكون نطفة وفيها بعد وضعها في الرحم إلى عشرين يوماً عشرون ديناراً، وبعد العشرين يوماً لكلّ يوم دينار إلى أربعين يوماً، وهي دية العلقة، فهذا معنى قولهم : وفيما بينهما بحساب ذلك.

أقول : يرد على ما ذكره ابن إدريس:

أوّلاً : أنّ الحدّ الفاصل بين هذه المراتب أربعون يوماً لا عشرون كما عرفت.

وثانياً : أنّه لا دليل على ما ذكره من التقسيم، فالصحيح في كيفية التقسيم هو ما تضمنته صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت : فإن خرج في النطفة قطرة دم ؟ «قال : في القطرة عشر النطفة، ففيها اثنان وعشرون ديناراً قلت: قطرتان؟ قال : أربعة وعشرون ديناراً» قلت: فثلاث «قال: ستة وعشرون ديناراً» قلت: فأربع «قال: ثمانية وعشرون ديناراً» قلت:


1) الحج 22: 5.

2) النهاية : 778، السرائر 3: 416، الإرشاد 2: 234، الوسيلة : 456.

---------------------------------------------------------------------------------

فخمس «قال: ثلاثون ديناراً، وما زاد على النصف فعلى هذا الحساب حتى تصير علقة فيكون فيها أربعون ديناراً» قلت : فإن خرجت النطفة متخضخضة بالدم؟ «قال: قد علقت، إن كان دماً صافياً أربعون ديناراً، وإن كان دماً أسوداً فذلك من الجوف فلا شيء عليه إلّا التعزير لأنّه ما كان من دم صاف فذلك الولد، وما كان من دم أسود فهو من الجوف» قال: فقال أبو شبل: فإنّ العلقة إذا صارت فيها شبيه العروق واللحم ؟ «قال : اثنان وأربعون ديناراً العشر» قال: قلت: فإنّ عشر الأربعين: أربعة «قال : لا، إنّما عشر المضغة، إنما ذهب عشرها، فكلّما ازدادت زيد حتى تبلغ الستين» قلت: فإن رأت في المضغة مثل عقدة عظم يابس ؟ «قال : إنّ ذلك عظم أوّل ما يبتدئ ففيه أربعة دنانير، فإن زاد فزاد أربعة دنانير حتى تبلغ مائة» قلت: فإن كسي العظم لحماً؟ «قال: كذلك إلى مائة» قلت: فإن وكزها فسقط الصبي لا يدري أحيّاً كان أو ميتاً ؟ «قال : هيهات يا أبا شبل، إذا بلغ أربعة أشهر فقد صارت فيه الحياة وقد استوجب الدية»(1).

وصحيحة صالح بن عقبة عن أبي شبل قال : حضرت يونس وأبو عبدالله (عليه السلام) يخبره بالديات، قال: قلت: فإنّ النطفة خرجت متحضحضة بالدم، قال : فقال لي: «فقد علقت، إن كان دماً صافياً ففيها أربعون ديناراً، وإن كان دماً أسود فلا شيء عليه إلا التعزير، لأنّه ما كان من دم صاف فذلك للولد، وما كان من دم أسود فذلك من الجوف» قال أبو شبل : فإنّ العلقة صار فيها شبه العرق من لحم «قال : اثنان وأربعون العشر (ديناراً)» قال: فقلت: فإنّ عشر أربعين: أربعة «قال : لا، إنّما هو عشرة المضغة، لأنه إنما ذهب عشرها، فكلما زادت زيد حتى تبلغ الستين» قلت: فإن رأيت المضغة مثل العقدة عظماً يابساً ؟ «قال : فذاك عظم أوّل ما يبتدئ العظم فيبتدئ بخمسة أشهر ففيه أربعة


1) لاحظ الوسائل 29: 315/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 6.

دية الجنين الذمي

(مسألة 381) : المشهور أنّ دية الجنين الذمّي عشر دية أبيه : ثمانون درهماً، وفيه إشكال، والأظهر أنّ ديته عشر دية أمّه : أربعون درهماً (1)،


دنانير، فإن زاد فزد أربعة أربعة (حتى تتم الثمانين)» قلت: فإذا وكزها فسقط الصبي ولا يدري أحيّاً كان أم لا ؟ «قال : هيهات يا أبا شبل، إذا مضت خمسة أشهر فقد صارت فيه الحياة وقد استوجب الدية» (1)، ثمّ إنّ الكليني والشيخ في التهذيب رويا هذه الرواية بسندٍ صحيح عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبي شبل. ورواها الصدوق بسنده الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي شبل والرواية على كلا التقديرين صحيحة، فإنّ صالح بن عقبة ثقة على الأظهر.

بقي هنا شيء : وهو أنّ في نسخة التفسير الموجودة عندنا: «إذا بلغ أربعة أشهر فقد صارت فيه الحياة» ولكن من المعلوم أنه لا يمكن الأخذ بهذه الجملة، لأنها مخالفة للآيات والروايات الدالّة على أن الحياة إنما تنشأ في الجنين إذا بلغ خمسة أشهر، أي بعد نشوء العظم وإكساء اللحم. وعليه، فلابد أن يكون ذلك من غلط النسخة كما لعلّه يظهر من كلام صاحب الوسائل، وإلا فلا بد من ردّ علمها إلى أهله.

(1) وجه الإشكال : هو أنّ المعروف والمشهور بين الأصحاب وإن كان ذلك، بل في الجواهر : بلا خلاف أجده فيه (2)، وعن الخلاف الإجماع عليه(3)، إلا أنه


1) الوسائل 29: 315 / أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 6، الكافي 7: 346/ ذيل حديث 11، التهذيب 10 : 284 /1105، الفقيه 4: 366/108.

2) جواهر الكلام 43: 361.

3) الخلاف 5: 296.

أما ديته في المراتب السابقة فبحساب ذلك (1).


لا دليل عليه عدا ما قيل من أنّ المستفاد من النصوص والفتوى مساواة دية الذمّي لدية المسلم في مثل هذه الأحكام على حسب النسبة.

وفيه : أنّ الأمر وإن كان كذلك إلّا أنّ معتبرة السكوني قد دلّت على أنّ ديته عشر دية أُمه، فإنّه روى عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «أنّه قضى في جنين اليهوديّة والنصرانية والمجوسية عشر دية أُمّه» (1)، وتؤيّدها رواية مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثلها (2).

وعليه فإن تم إجماع في المسألة فهو، ولكنه غير تام كما يظهر من العلامة المجلسي (قدس سره)، حيث إنّه قال : إنّ الأكثر لم يعملوا بروايتي مسمع والسكوني (3). ومن الظاهر أنّ هذا التعبير يكشف عن عمل جماعة بها، بل يظهر من صاحب الوسائل (قدس سره) أنه أيضاً عمل بالروايتين، حيث إنّه أخذ في العنوان : أنّ دية جنين الذمية عشر ديتها.

فالنتيجة : أن الأظهر ما ذكرناه.

ثم إن مقتضى إطلاق الروايتين أنّه لا فرق في دية جنين الذمية بين ما ولجت فيه الروح وما لم تلج، ولا مانع من الأخذ بهذا الإطلاق إن لم يكن إجماع على خلافه كما هو كذلك.

(1) يأتي بيانه في مسألة إسقاط الجنين المملوك والمتكوّن من الزنا.


1) الوسائل 29: 225 / أبواب ديات النفس ب 18 ح 3.

2) الوسائل 29: 225 / أبواب ديات النفس ب 18 ح 1.

3) مرآة العقول 24 : 86.

دية الجنين المملوك

(مسألة 382) : المشهور أنّ دية الجنين المملوك عشر قيمة أمه المملوكة، وفيه إشكال، والأقرب فيه الحكومة (1).


(1) وجه الإشكال : هو أنّ الحكم المذكور وإن كان مشهوراً شهرة عظيمة، بل في الجواهر: عليه عامة المتأخرين(1)، وعن الخلاف والسرائر الإجماع عليه(2)، إلا أنه لا دليل عليه إلّا ما رواه السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في جنين الأمة عشر ثمنها» (3).

ولكنّها ضعيفة، فإنّ الشيخ رواها بإسناده إلى النوفلي وطريق الشيخ إليه ضعيف. وعليه، فإن تم الإجماع فهو، ولكنّه لا يتم، فالمرجع فيه الحكومة.

ثمّ إنّ الحكم المذكور على تقدير القول به يختص بالجنين المملوك ولا يعمّ الجنين الحرّ، كما صرح بذلك المحقق والشهيد (4)وغيرهما.

والوجه في ذلك : أنا إذا بنينا على سقوط الرواية كما هو الصحيح فما دلّ على أنّ دية الجنين الحرّ مائة دينار قبل ولوج الروح وألف دينار بعد ولوجها غير قاصر الشمول عن جنين حرِّ أُمّه مملوكة. وأما لو قلنا باعتبارها ولو من جهة الشهرة فهي وإن كانت مطلقة من ناحية كون الجنين حرّاً أو مملوكاً إلا أنه لا شكّ في انصرافها إلى الجنين المملوك، لأنّ تقدير الدية بالقيمة إنما يكون في المملوك، فإنّ الحرّ لا يقدّر بالقيمة ولا تختلف ديته باختلاف قيمة أُمّه زيادة ونقيصة.


1) الجواهر 43: 362.

2) الخلاف 5: 298 / 133، السرائر 3: 419.

3) الوسائل 29 : 323 / أبواب ديات الأعضاء ب 21 ح 2، التهذيب 10: 288/ 1121.

4) المختصر النافع : 313، اللمعة الدمشقية 10: 293.

لو كان الحمل أكثر من واحد

(مسألة 383) : لو كان الحمل أكثر من واحد فلكل ديته (1).

لو أسقط الجنين قبل ولوج الروح أو بعده

(مسألة 384) : لو أسقط الجنين قبل ولوج الروح فلا كفارة على الجاني (2)، وأما لو أسقطه بعد ولوج الروح فالمشهور أنّ عليه الكفّارة، وفيه إشكال، ولا يبعد عدمها (3).


ثم إن مقتضى إطلاق رواية السكوني في هذا الفرض : أنّ دية الجنين المملوك عشر قيمة أمه، سواء أولجت فيه الروح أم لا، ويساعده الاعتبار، حيث إنّه لا فرق في قيمة الجنين بين الحالتين. وأما دية الحمل المملوك في المراتب السابقة فلا يمكن استفادتها منها، لما عرفت من أنّ الجنين لا يصدق على شيء من هذه المراتب، ولكن معتبرة ظريف لا تقصر عن الدلالة عليها بملاحظة أنّ في تلك المعتبرة قسمت المائة على المراتب الخمس على النسبة الخاصة، وبما أنّه لا خصوصيّة للمائة إلّا باعتبار أنها عشر الدية فتدل على أن دية الجنين المملوك أيضاً تقسّم على المراتب الخمس على النسبة في الجنين المملوك، يعني: أنّ لنطفته خمس عشر قيمة أُمّه المملوكة، ولعلقته خمسي عشر قيمتها، وهكذا.

(1) بلا خلاف ولا إشكال والوجه فيه ظاهر والتداخل يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام. ولا فرق في ذلك بين المسلم والذمّي والمملوك، فلكلّ ديته على حسب ما عرفت.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي الإجماع عليه، وذلك لعدم الدليل عليها، فإنّ الكفّارة مترتبة على القتل ولا يصدق القتل بعد فرض عدم ولوج الروح.

(3) وجه الإشكال : هو أنّ المشهور والمعروف بين الأصحاب وإن كان ذلك،

حكم ما لو قتل امرأة وهي حبلى فمات ولدها

(مسألة 385): لو قتل امرأة وهي حبلى فمات ولدها أيضاً فعليه دية المرأة كاملة ودية الحمل الذكر كذلك إن كان ذكراً ودية الأنثى إن كان أنثى (1). هذا إذا علم بالحال، وأما إذا جهل بها فقيل : يقرع، ولكنّه مشكل، فالأظهر أنّ عليه نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى (2).


بل في الجواهر : بلا خلاف ولا إشكال (1)، إلّا أنّه لا دليل عليه، فإنّ الآية والروايات الواردة في كفّارة القتل قد أخذ فى موضوعهما عنوان المؤمن أو الرجل. ومن المعلوم انصرافهما عن الجنين، بل يشكل الأمر بالإضافة إلى الصبي غير المميز أيضاً، إلا أن يكون إجماع فيه، وهو غير بعيد.

وأما ما في مسألتنا هذه فإن تم إجماع فيها فهو، ولكنه غير تام، حيث لا يحصل الاطمئنان بمطابقته لقول المعصوم (عليه السلام). فإذن لا يبعد ما ذكرناه.

وأمّا أنّ قاتله هل يستحق القصاص أم لا ؟ فسيأتي الكلام فيه (2).

(1) الوجه في ذلك واضح.

(2) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على التمسّك بالقرعة في المقام، وذلك لمعتبرة ظريف المتقدّمة في المسألة (379)، الدالّة على حكم المسألة صريحاً، ومعها لا إشكال في المسألة حتى يرجع إلى القرعة. فإذن الأظهر ما ذكرناه.

وتؤيّده رواية عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية الجنين خمسة أجزاء - إلى أن قال : - وإن قتلت المرأة وهي حبلى فلم يدر أذكراً


1) الجواهر 43: 366.

2) في ص 513.

حكم تصدّي المرأة لإسقاط ولدها

(مسألة 386) : لو تصدّت المرأة لإسقاط حملها، فإن كان بعد ولوج الروح وكان ذكراً فعليها دية الذكر، وإن كان أنثى فعليها ديتها (1)، وإن كان قبل ولوج الروح فعليها ديته (2)، ولو أفزعها مفزع فألقت جنينها فالدية على المفزع (3).


كان ولدها أم أنثى فدية الولد : نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى، وديتها كاملة» (1)

(1) للإطلاقات والعمومات.

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، للإطلاقات والعمومات.

(3) من دون خلاف بين الفقهاء.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى العمومات والمطلقات - صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: جاءت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنيناً، فقال الأعرابي : لم يهلّ ولم يصح ومثله يطل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): اسكت سجاعة عليك غرّة وصيف عبد أو أمة»(2).

وقد تقدّم حمل هذه الصحيحة على التقية من ناحية جعل الدية فيها الغرّة (3)، ولكن لا تنافي ذلك الاستدلال بها على ثبوت أصل الدية على المفزع المستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «اسكت سجاعة» في جواب الأعرابي حيث قال : «ومثله يطل»، فإنّه لا تقيّة من هذه الناحية.


1) الوسائل 29: 229 / أبواب ديات النفس ب 21 ح 1.

2) الوسائل 29 : 319 / أبواب ديات الأعضاء ب 20 ح 2.

3) في ص 493.

دية قطع أعضاء الجنين قبل ولوج الروح وجراحاته

(مسألة 387) : في قطع أعضاء الجنين قبل ولوج الروح وجراحاته دية على نسبة ديته، ففي قطع إحدى يديه - مثلاً - خمسون ديناراً، وفي قطع كلتيهما تمام ديته مائة دينار (1).

لو أفزع شخصاً حال الجماع فعزل منه المني في الخارج

(مسألة 388) : لو أفزع شخصاً حال الجماع فعزل منه المني في الخارج فعليه عشرة دنانير (2)، ولو عزل الرجل عن امرأته الحرّة بدون إذنها قيل :


(1) بلا خلاف ظاهر بين أصحابنا.

ويدلّ عليه قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والأنثى والرجل والمرأة كاملة» (1).

بتقريب : أن جعل الدية فيها من حساب المائة لا يكون إلا بعد ما كان الجنين تام الخلقة وله أعضاء متمايزة قبل ولوج الروح، فإنّ ديته عندئذٍ مائة دينار. وعليه فدية قطع أعضائه على نسبة مائة دينار، وقد تقدّم أنّه لا فرق في ذلك بين كون الجنين ذكراً أو أنثى.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، بل عن الانتصار والخلاف والغنية الإجماع عليه(2).

ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «وأفتى (عليه السلام) في مني الرجل يفرغ عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير» الحديث (3).


1) الوسائل 29: 312 / أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 1.

2) الانتصار : 533، الخلاف 5 : 293 / 123، الغنية 2 415.

3) الوسائل 29: 312/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 1.

لزمه عشرة دنانير، ولكن لا وجه له، بل الأظهر أنّه ليس عليه شيء (1).


بقي هنا شيء : وهو أنّ هذه الدية هل هي للزوج، أو للزوجة ؟ فيه قولان، اختار القول الثاني الشيخ (قدس سره) (1)، والأظهر هو القول الأول، وذلك لأنّ المستفاد من الروايات الآتية التي دلّت على أنّ ذلك - أي المني إلى الرجل يصرفه حيث شاء - هو أنّ المني حق للرجل، فبطبيعة الحال تكون ديته له ولا يكون مربوطاً بالمرأة.

وما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنه حق للزوجة بملاحظة الالتذاذ. مدفوع بأن مجرد ذلك لا يوجب كونه حقاً لها ليجب على الزوج مراعاة ذلك، بل هو قابل للمناقشة صغرويّاً أيضاً، فإنّ التذاذ المرأة إنما هو بإنزالها لا بالإنزال في فرجها.

(1) القائل باللزوم جماعة، منهم الشيخ والقاضي وأبو الصلاح وابنا حمزة وزهرة والكيدري والمحقق في الشرائع في كتاب النكاح والفاضل بل عن الغنية والخلاف دعوى الإجماع على ذلك (2).

أقول : لا دليل على هذا القول، فإنّ الإجماع غير محقق جزماً، حيث إنّ المشهور بين الأصحاب عدم الدية.

ولا دليل آخر عدا ما قيل من أنّ قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف المتقدّمة: «وأفتى (عليه السلام) في مني الرجل يفرغ عن عرسه فيعزل عنها الماء


1) لاحظ الخلاف 5: 293 / 123.

2) الشيخ في الخلاف 3: 123/293، القاضي في المهذب 510:2، أبوالصلاح في الكافي في الفقه : 392، ابن حمزة في الوسيلة : 456، ابن زهرة في الغنية 2: 415، الكيدري في إصباح الشيعة : 501، المحقق في الشرائع 2 : 318، الفاضل في القواعد 3: 696.

وأمّا العزل عن الأمة فلا إشكال في جوازه ولا دية عليه (1).


ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير». بتقريب : أنّ دية النطفة للزوجة وحق لها، ولا فرق في ثبوتها بين أن يكون السبب لضياعها شخصاً آخر أو يكون زوجها.

وفيه - مضافاً إلى ما عرفت من أنّ دية النطفة ليست للزوجة - : أنّ المعتبرة لا تشمل ما إذا كان السبب فيه زوجها لاختصاصها بما إذا كان السبب لذلك غيره، وتنقيح المناط قياس لا نقول به.

فالنتيجة : أنّ الأظهر ما ذكرناه، وتدلّ على ذلك عدة روايات : منها : صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن

العزل «فقال : ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء» (1).

ومنها : معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن العزل «فقال : ذاك إلى الرجل» (2).

ببيان أنّ ألسنة هذه الروايات تأبى عن ثبوت الدية.

بقي هنا أمر : وهو أنّ بين كلام المحقق (قدس سره) هنا وكلامه في باب النكاح تهافتاً، إذ مال (قدس سره) هناك إلى ثبوت الدية للعزل، حيث قال : وهو أشبه، وقال هنا : الأشبه عدم وجوبها (3).

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وذلك لعدم المقتضي.


1) الوسائل 20: 149/ أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 75 ح 1.

2) الوسائل 20: 149/ أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 75 ح 2.

3) الشرائع 4 : 293.

دية إسقاط الجنين المتكوّن من زنا إذا تمت خلقته قبل ولوج الروح أو بعده

(مسألة 389) : في إسقاط الجنين المتكوّن من زنا إذا تمت خلقته قبل أن تلجه الروح عشر دية ولد الزنا (1)، وأما ديته في المراتب السابقة دون هذه المرتبة فعلى النسبة (2)، وأما بعد ولوج الروح فديته ثمانمائة درهم إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فأربعمائة درهم (3).


(1) يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف: «فإذا كسا اللحم كانت له مائة كاملة» (1).

بتقريب : أنّ المائة بملاحظة عشر الدية، فإذا كان الجنين حراً مسلماً ولم يكن متكوّناً من الزنا فديته عشر الدية الكاملة مائة دينار، وأما إن كان متكوّناً من الزنا فديته عشر دية ولد الزنا ثمانون درهماً.

(2) يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في معتبرة ظريف المتقدمة : وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء - إلى قوله (عليه السلام) : - «ثم یکسا لحماً فحينئذٍ تم جنيناً فكملت لخمسة أجزاء مائة دينار والمائة دينار خمسة أجزاء، فجعل للنطفة خمس المائة عشرين ديناراً، وللعلقة خمسي المائة أربعين ديناراً وللمضغة ثلاثة أخماس المائة ستين ديناراً وللعظم أربعة أخماس المائة ثمانين ديناراً»(2).

بتقريب : أنّ العبرة إنّما هي بهذه النسبة. وعليه، ففي المقام يقسّم ثمانون درهماً على هذه المراتب على النسبة، يعني للنطفة خمس الثمانين : ستة عشر درهماً، وللعلقة خمسا الثمانين : اثنان وثلاثون درهماً، وهكذا.

(3) يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في المعتبرة المزبورة: «فإذا نشأ فيه خلق


1) الوسائل 29 : 312 / أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 1.

2)

لو ضرب المرأة الذمّيّة وهي حبلى فأسلمت ثم اسقطت حملها

(مسألة 390) : لو ضرب المرأة الذمّيّة وهي حبلى فأسلمت ثم أسقطت حملها فعلى الجاني دية جنين مسلم (1)، ولو ضرب الحربية فأسلمت وأسقطت حملها بعد إسلامها فالمشهور أنّه لا ضمان عليه، وفيه إشكال، والأظهر : الضمان (2).


آخر وهو الروح فهو حينئذٍ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار»(1).

بتقريب : أنّه إذا ولجت فيه الروح فديته دية النفس كاملة، وبما أنّ دية ولد الزنا ثمانمائة درهم إن كان ذكراً وإن كان أنثى فأربعمائة درهم فتكون دية جنينه بعد ولوج الروح فيه كذلك.

(1) وذلك لأنّ الجناية وقعت مضمونة، والاعتبار بها حال الاستقرار لا وقت الضرب، والمفروض صدق جنين مسلم عليه في هذا الحال، نظراً إلى أن أمه قد أسلمت فهو يصبح مسلماً بتبعها، فلا محالة تكون ديته دية جنين مسلم.

(2) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما هو المشهور بين الأصحاب، عدا ما قيل من أنّ الجناية حين وقوعها لم تكن مضمونة، فإذا لم تكن كذلك لم تضمن سرايتها.

وفيه : أنها وإن لم تكن حين وقوعها مضمونة إلا أنها حين استقراره-ا مضمونة، باعتبار أنها أوجبت سقط جنينها المسلم، وبطبيعة الحال يكون السقط مستنداً إلى هذه الجناية بقاءً، فلا محالة يكون الجاني ضامناً.


1) الوسائل 29: 312 / أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 1.

لو ضرب الأمة وهي حبلى فأعتقت ثمّ أسقطت حملها

(مسألة 391): لو ضرب الأمة وهي حبلى فأعتقت ثمّ أسقطت حملها فالمشهور أنّ للمولى عشر قيمة أمه يوم الجناية، فإن كانت دية الجنين زائدة على عشر القيمة كانت الزيادة لورثة الجنين، وفيه إشكال، ولا يبعد عدم ثبوت شيء للمولى (1).


وقد تقدّم نظير ذلك، وهو ما إذا جرح حربيّاً فأسلم ثم سرت الجناية فمات بها، حيث قلنا هناك بضمان الجاني، فإنّ الجناية وإن لم تكن مضمونة حدوثاً إلا أنها مضمونة بقاءً، فإنّ موته مستند إليها، فلا محالة يكون الجاني ضامناً.

(1) وجه الإشكال : أنّه لا دليل على ذلك سوى دعوى الإجماع، ورواية السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في جنين الأمة عشر ثمنها (1).

وشيء منهما لا يتم:

أمّا دعوى الإجماع: فلعدم حصول الاطمئنان منها بقول المعصوم (عليه السلام).

وأما الرواية : فلأنها - مضافاً إلى ضعفها - لا تشمل المقام، لأنّ الظاهر منها هو أنّ الدية المزبورة إنّما هي على موت الجنين حال كونه مملوكاً، والمفروض أن الجنين هنا حال الموت حرّ وليس بعبد، فلا يكون مشمولاً لها.

نعم، يضمن الجاني ما نقص من قيمة أُمّه إذا كانت الجناية موجبة لذلك، وإلا فلا شيء للمولى، إلّا إذا فرض أنّ الجناية أوجبت موت الجنين في بطن أمه ثم انعتقت الأم، فإنّ هذا الفرض مشمول للرواية، حيث إنّ العبرة في الدية بموت الجنين لا بسقوطه. وعلى ذلك، فليس له دية زائدة ما عدا هذا العشر، إذ


1) الوسائل 29: 323/ أبواب ديات الأعضاء ب 19 ح 2.

لو ضرب حاملاً خطأ فأسقطت جنينها وادعى ولي الدم أنه كان بعد ولوج الروح

(مسألة 392) : لو ضرب حاملاً خطأ فأسقطت جنينها وادعى ولي الدم أنّه كان بعد ولوج الروح، فإن اعترف الجاني بذلك - أي بولوج الروح - ضمن المعترف ما زاد على دية الجنين قبل ولوج الروح (1) وهو التسعة الأعشار من الدية الكاملة، أمّا العشر الباقي فهو يحمل على العاقلة على المشهور، ويأتي الكلام عليه، وإن أنكر ذلك كان القول قوله (2)، إلا إذا أقام الولي البينة على أنّ الجناية كانت بعد ولوج الروح (2).


لا أثر لانعتاق أُمه بعد موته.

فإذن لا يقاس المقام بما إذا قطع يد عبد - مثلاً - ثم أعتقه فسرت الجناية فمات، فإنّ على القاتل دية الحرّ ويستحق المولى من الدية ما يساوي نصف قيمة العبد حال الجناية والزائد يردّ إلى وارث العبد المجني عليه المعتق، وذلك فإنّ للجرح هناك قيمة حال الجناية لفرض أنّ لقطع إحدى يديه نصف قيمته، ولقطع كلتيهما تمام قيمته، فلا يقاس المقام بذلك.

(1) أما ضمانه ما زاد على دية الجنين قبل ولوج الروح : فلمقتضى إقراره، وأمّا عدم ضمان العاقلة له : فلأنها لا تضمن الإقرار كما سيأتي بيانه في ضمن مسائل العاقلة (1).

(2) لأن قوله موافق لأصالة عدم ولوج الروح فيه، فعلى من يدعي الولوج الإثبات شرعاً.

(3) فحينئذٍ تثبت الدية على العاقلة كما سيأتي.


1) في ص 553.

لو ضرب حاملاً فأسقطت حملها فمات حين سقوطه

(مسألة 393) : لو ضرب حاملاً فأسقطت حملها فمات حين سقوطه فالضارب قاتل، والمشهور أنّ عليه القود إن كان متعمداً وقاصداً لقتله، وفيه إشكال والأقرب عدمه، وعليه الدية (1)، وإن كان شبه عمد فعليه ديته، وإن كان خطأ محضاً فالدية على عاقلته، وكذلك الحال إذا بقي الولد بعد سقوطه مضمناً ومات أو سقط صحيحاً ولكنّه كان ممن لا يعيش مثله كما إذا كان دون ستة أشهر (2).

حكم ما لو أسقطت حملها حياً فقطع آخر رأسه

(مسألة 394) : لو أسقطت حملها حياً فقطع آخر رأسه، فإن كانت له حياة مستقرة عادةً بحيث كان قابلاً للبقاء فالقاتل هو الثاني دون الأول، وإن كانت حياته غير مستقرّة فالقاتل هو الأوّل دون الثاني (3)، وإن جهل حاله ولم يعلم أنّ له حياة مستقرّة سقط القود عن كليهما (4)، وأما الدية فهل هي على الثاني، أو على كليهما، أو أنّها تعيّن بالقرعة، أو أنها في بيت مال


(1) وجه الإشكال ما تقدّم ضمن المسائل السابقة بشكل موسّع من عدم ثبوت القصاص والقود على من قتل صغيراً، بل عليه الدية، فلاحظ (1).

(2) الوجه في كلّ ذلك واضح مما تقدّم.

(3) يظهر الوجه في ذلك مما تقدّم.

(4) لعدم إحراز القاتل. هذا على المشهور.

وأمّا على ما اخترناه فلا قود أصلاً حتى فيما إذا كان القاتل معلوماً على ما عرفت فضلاً عن المقام.


1) في ص 84.

المسلمين ؟ وجوه، الصحيح هو الأخير فيما عدا عشر الدية، وأمّا العشر فهو على الثاني (1).


(1) بيان ذلك : أنّ في المسألة وجوهاً :

الأوّل: أنّ الدية كاملة على الثاني، واختاره جماعة، منهم: الشيخ والمحقق الأردبيلي والعلّامة في القواعد والإرشاد (قدس سرهم)(1)، ويظهر اختيار ذلك من صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً (2).

الثاني : أنّها توزّع عليهما، ونسبه في الجواهر إلى استظهار بعض معاصريه في كتاب القصاص في مسألة ما إذا قامت البينة على أن القاتل أحدهما إجمالاً (3).

الثالث : تعيينها على الأوّل أو الثاني بالقرعة، ونسب صاحب الجواهر (قدس سره) احتمال هذا الوجه إلى بعض معاصريه أيضاً هناك (4).

الرابع : أنه لا دية لا على الأوّل ولا على الثاني، بل هي من بيت مال المسلمين. وهو الصحيح.

أقول :

أمّا الوجه الأوّل : فقد استدلّ عليه بأصالة بقاء الحياة المستقرة.

وفيه: أنّها لا تثبت عنوان القتل الذي هو الموضوع للحكم إلا على القول


1) المبسوط 7: 203 مجمع الفائدة والبرهان 14: 338 القواعد 3: 699، الإرشاد 234:2.

2) الجواهر 43: 381 - 382.

3) الجواهر 42: 195.

4) الجواهر 42 : 195.

---------------------------------------------------------------------------------

بالأصل المثبت الذي لا نقول به. فإذن لا دليل على هذا القول، ولا يمكن الحكم بكون الدية كاملة على الثاني.

وأما الوجه الثاني : فلا دليل عليه عدا ما يمكن أن يقال: إنّ هذا مقتضى قاعدة العدل والإنصاف.

وفيه : أنّ هذه القاعدة غير ثابتة إلا في موارد خاصة، فلا يمكن التعدّي عنها إلى غيرها من الموارد.

وأمّا الوجه الثالث : فلأنّ دليل القرعة لا يشمل مثل المقام الذي كانت وظيفة كلّ منهما معلومة بمقتضى أصل البراءة، فليس هنا أمر مشكل حتى يرجع إليها، ونظير ذلك ما إذا علم بأنّ أحد هذين الشخصين مديون لزيد فلا يمكن الرجوع فيه إلى القرعة لتعيين المديون بعد ما كانت وظيفة كلّ منهما معلومة بمقتضى الأصل، وأظهر من ذلك ما إذا علم بأنّ إحدى هاتين المرأتين زوجة له فلا يمكن الرجوع إليها في تعيين الزوجة، لعين الملاك المتقدم، وكذا الحال فيما شاكل ذلك من الموارد.

: وأمّا الوجه الرابع فالظاهر أنّه هو الصحيح، وذلك لأنه لا دليل على ثبوت الدية كاملة على الأوّل أصلاً، ولذا لم نجد في كلمات الفقهاء من قال بأنّ الدية عليه، وكذا على الثاني، لما عرفت من عدم الدليل.

نعم، على الثاني مائة دينار على كل تقدير، فإنّه إن كانت حياته مستقرة فعليه ألف دينار وإلا فعليه المائة، نظراً إلى أنّه قطع رأس الميت فالمائة متيقنة والزائد غير ثابت. فإذن بطبيعة الحال يؤخذ الزائد من بيت المال، نظراً إلى أنّ دم المسلم لا يذهب هدراً.

بقي هنا شيء : وهو أن المحقق ذكر في الشرائع : أنه لو جهل حاله حين ولادته

لو وطئ مسلم وذمّي امرأةً شبهة في طهر واحد ثم أسقطت حملها بالجناية

(مسألة 395): لو وطئ مسلم وذمّي امرأةً شبهةً في طهر واحد ثم أسقطت حملها بالجناية، أقرع بين الواطئين، وألزم الجاني بالدية بنسبة دية من الحق به الولد من الذمّي أو المسلم (1).


قال الشيخ : سقط القود وعليه الدية.(1). وقال الشهيد الثاني في تعليقه عليه : وجه سقوط القود أصالة عدم الحياة والمراد دية جنين ميت، لأنّ ذلك هو المتيقن. ونسبة هذا القول إلى الشيخ يؤذن بردّه أو التردد فيه، ولا وجه له إلا أن يريد الشيخ الدية الكاملة للحيّ، فيشكل ذلك بأصالة عدم الحياة الدافعة للقود على تقدير التعمّد، وكذلك الدية (2).

أقول : إن عبارة الشهيد الثاني مشتبهة المراد بل الظاهر منها هو أنه فرض الشكّ في أنّ سقوط الجنين أكان قبل ولوج الروح أم كان بعده، وعليه فما أفاده (قدس سره) وإن كان صحيحاً بمقتضى الأصل المزبور إلا أنه فرض خ-ارج عن محلّ الكلام بين الأصحاب، حيث إنّه فيما إذا سقط الجنين حيّاً وكان الشكّ في استقرار حياته وعدمه.

(1) وذلك لأنّ الولد بما أنّه مردّد بين المسلم والذمي ولا دليل على إلحاقه بأحدهما فبطبيعة الحال يتعيّن فيه الرجوع إلى القرعة لتعيين أنه لأي منهما، وبعد التعيين يترتب عليه حكمه، فإن الحق بالمسلم ترتب عليه حكم المسلم، وإن ألحق بالذمي ترتب عليه حكم الذمّي.

فالنتيجة : أنّ الجاني ملزم بدفع الدية إلى من ألحق به الولد.


1) الشرائع 4: 295.

2) المسالك 401:2 (حجري).

لوكانت الجناية على الجنين عمداً أو شبه عمد أو خطأ قبل وبعد ولوج الروح

(مسألة 396) : إذا كانت الجناية على الجنين عمداً أو شبه عمد فديته في مال الجاني (1)، وإن كانت خطأ وبعد ولوج الروح فعلى العاقلة (2)، وإن كانت قبل ولوج الروح ففي ثبوتها على العاقلة إشكال، والأظهر عدمه (3).

دية الميت كالجنين في قطع رأسه أو ما فيه اجتياح نفسه

(مسألة 397) : الميت كالجنين، ففي قطع رأسه أو ما فيه اجتياح نفسه لو كان حيّاً عشر الدية ولو كان خطأ (4)،


(1) يظهر وجه ذلك مما تقدّم.

(2) لما سيأتي في باب العاقلة من أنّ ذلك مقتضى إطلاق النصوص(1).

(3) وجه الإشكال : هو أنه لا دليل عليه ما عدا دعوى عدم الخلاف في المسألة، فإنّ نصوص الباب منصرفة عن الجناية على غير الإنسان وإن كان جنيناً. وعليه، فإن تم اتفاق فهو، ولكنّه غير تام حيث إنّه لا يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) جزماً، على أنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على أن الجاني ضامن لدية الجنين قبل ولوج الروح : عدم الفرق بين كون الجناية عمداً أو شبيه عمد أو خطأ.

ومن هنا قال صاحب الجواهر (قدس سره): أنه لولا الاتفاق لأمكن الإشكال في ضمان العاقلة في صورة عدم تحقق القتل، كما في الجناية عليه قبل ولوج الروح فيه(2).

فالنتيجة : أنّ الأظهر هو أنّ الضمان على الجاني دون العاقلة

(4) على المشهور شهرة عظيمة، بل عن الخلاف والانتصار والغنية الإجماع


1) في ص 540.

2) جواهر الكلام 43: 383.

---------------------------------------------------------------------------------

علیه (1).

وتدل على ذلك صحيحة حسين بن خالد عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال : سُئِل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع رأس ميت «فقال : إنّ الله حرم منه ميتاً كما حرّم منه حيّاً، فمن فعل بميت فعلاً يكون في مثله اجتياح نفس الحيّ فعليه الدية» فسألت عن ذلك أبا الحسن (عليه السلام) «فقال: صدق أبو عبد الله (علیه السلام)، هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)» قلت: فمن قطع رأس ميت أو شق بطنه أو فعل به ما يكون فيه اجتياح نفس الحيّ فعليه دية النفس كاملة ؟ «فقال : لا، ولكن ديته دية الجنين في بطن أمه قبل أن تلج فيه الروح وذلك مائة دينار وهي لورثته، ودية هذا هي له لا للورثة» قلت : فما الفرق بينهما ؟ «قال: إنّ الجنين أمر مستقبل مرجو نفعه، وهذا قد مضى وذهبت منفعته فلما مثل به بعد موته صارت دیته بتلك المثلة له لا لغيره يحج بها عنه ويفعل بها أبواب الخير والبر من صدقة أو غيره» الحديث (2).

ثم إنّ هذه الرواية صحيحة على ما رواه البرقي في المحاسن، وأما على ما رواه الكليني والشيخ والصدوق (قدس سرهم) فهي ضعيفة، فإنّ في سند الكليني محمد بن حفص الذي يروي عنه إبراهيم بن هاشم وهو مجهول، وأمّا محمّد بن حفص الثقة الذي هو وكيل الناحية ومن أصحاب العسكري (عليه السلام) فلا يمكن أن يروي عنه إبراهيم بن هاشم، ولا يمكن أن يروي هو عن حسين بن خالد. وأمّا الشيخ فقد رواها بطريقين، في أحدهما: محمّد بن حفص


1) الخلاف 5 : 299، الانتصار : 542 / 301، الغنية 2 : 415.

2) الوسائل 29: 325 / أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 2، المحاسن 16:2/ 16، الكافي 7 : 349 / 4، التهذيب :10 : 273 / 1073، والاستبصار 4: 298 / 1121، الفقيه 4: 117/ 404.

---------------------------------------------------------------------------------

المتقدم، وفي الآخر : محمد بن أشيم وهو ضعيف. وأما الصدوق فأيضاً رواها بطريقين، في أحدهما : موسى بن سعدان وعبدالله بن القاسم، والأوّل ضعيف، والثاني مشترك بين الثقة وغير الثقة، وفي الآخر إرسال.

فالنتيجة : أنّ الرواية صحيحة ولا مناص من العمل بها، ومقتضى إطلاقها ثبوت الدية على الجاني ولو كان ذلك خطأ، فإنّ نصوص العاقلة منصرفة عن ذلك والإجماع غير تام. فإذن العبرة إنّما هى بإطلاق الصحيحة. ويؤيد ذلك تنزيله منزلة الجنين قبل ولوج الروح، وقد تقدّم أنّ ديته مطلقاً على الجاني ولو كانت الجناية عليه خطأ محضاً.

وأما النصوص المطلقة الظاهرة في ثبوت الدية الكاملة في قطع رأس الميت، كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل قطع رأس الميت «قال عليه الدية، لأنّ حرمته ميتاً كحرمته وهو حيّ» (1).

وصحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام): في رجل قطع رأس الميّت «قال عليه الدية، لأنّ حرمته ميتاً كحرمته وهو حي»(2).

فتحمل على هذه الصحيحة، نظراً إلى أنّ لسانها لسان التفسير والحكومة.

بقي هنا أمور :

الأول : أنّ الشهيد الثاني في الروضة والمسالك نسب الصحيحة المتقدمة إلى سليمان بن خالد وكذا صاحب الجواهر (قدس سرهما) (3).


1) الوسائل 29 : 327/ أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 4.

2) الوسائل 29: 327/ أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 6.

3) الروضة البهية 10: 295، المسالك 2: 401 (حجري)، جواهر الكلام 43: 384.

---------------------------------------------------------------------------------

وفيه : أنّ ذلك اشتباه منهما، فإنّ الرواية على جميع النسخ الموجودة عندنا عن حسين بن خالد لا عن سليمان بن خالد.

الثاني : أنه قد يقال بأنّ حسين بن خالد مردّد بين الثقة وهو الخفاف، وغير الثقة وهو الصيرفي ولا قرينة على أنه هو الأوّل، والمفروض أنهما في طبقة واحدة، ولكن قد ذكرنا في كتابنا المعجم مفصلاً بأن المراد من حسين بن خالد المطلق هو الخفّاف، فلاحظ (1).

الثالث : هو أنه ورد في ذيل هذه الرواية على طريق الكليني والشيخ : قلت : فإن أراد رجل أن يحفر له ليغسله في الحفرة فسدر الرجل مما يحفر فدير به فمالت مسحاته في يده فأصاب بطنه فشقه فما عليه ؟ «فقال: إذا كان هكذا فهو خطأ وكفارته عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو صدقة على ستين مسكيناً مدّ لكلّ مسكين بمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)» ورواه الصدوق نحوه إلّا أنّه قال: «إن كان هكذا فهو خطأ وإنما عليه الكفّارة» إلخ، وهو يدلّ على ثبوت الكفّارة في الجناية الخطائي على الميت.

واستشكل عليه في الجواهر بعدم وجدان العامل بها من هذه الناحية (2).

ولكنّ الذي يستهل الخطب هو أنّ هذا الذيل موجود في رواية الكليني والشيخ والصدوق، وقد تقدّم أنها ضعيفة بهذه الطرق ولم يكن موجوداً في رواية البرقي التي هي صحيحة.

وأما تعبير صاحب الجواهر (قدس سره) عنها بالحسنة وكذا الشهيد الثاني


1) المعجم 6: 249 - 250 / 3390.

2) الجواهر 43: 387.

وفي قطع جوارحه بحسابه من ديته (1)، وهي لا تورث وتصرف في وجوه


(قدس سره) في المسالك فقد ظهر أنه لا وجه له، فإنّها ضعيفة بجميع تلك الطرق.

الرابع : أنّ المستفاد مما رواه الصدوق (قدس سره) في ذيل الرواية أنه لا دية فيما إذا كانت الجناية على الميت خطأ، فإنّ كلمة : «إنّما» ظاهرة فى الحصر ولأجل ذلك مال صاحب الجواهر (قدس سره) إلى ذلك إن لم يكن إجماع على ثبوت الدية (1).

ولكنه يندفع أوّلاً: بأنّ الرواية ضعيفة.

وثانياً : كلمة «إنّما» لم يثبت وجودها في الرواية، فإنها غير موجودة في نسخ الكافي والتهذيب والاستبصار.

وعليه، فلا موجب للقول بعدم الدية فيما كانت الجناية على الميت خطاً.

(1) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك صحيحتا عبدالله بن سنان وعبدالله بن مسكان المتقدّمتان، بتقريب أنّ في تعليل ثبوت الدية في قطع رأس الميت فيهما دلالة على أنّ حاله حال الحي من حيث ثبوت الدية. وعليه، فكما أنّ في قطع يد الحي أو رجله أو نحو ذلك من أعضائه دية، كذلك في قطع يد الميّت أو رجله أو نحوها من أعضائه.

وتدلّ عليه أيضاً صحيحة صفوان، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام): «أبى الله أن يظنّ بالمؤمن إلا خيراً، وكسرك عظامه حيّاً وميتاً سواء» (2).


1) الجواهر 43: 387.

2) الوسائل 29: 329/ أبواب ديات الأعضاء ب 25 ح 4.

القرب له (1).


ويؤيّده تنزيل ذلك منزلة الجنين قبل ولوج الروح، وقد تقدّم ثبوت الدية في أعضائه وجوارحه(1).

(1) من دون خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع، وتدلّ على ذلك صحيحة حسين بن خالد المتقدمة.

ولكن خالف في المسألة علم الهدى والحلّي على ما حكى عنهما، فذهبا إلى أن ديته لبيت مال المسلمين(2)، واستشهد لذلك برواية إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت : میّت قُطع رأسه «قال : عليه الدية» قلت : فمن يأخذ ديته ؟ «قال الإمام : هذا لله» الحديث (3).

وفيه - مضافاً إلى أنها ضعيفة سنداً - : لا ينافي صرفها في وجوه البرّ، فإنّ الإمام (عليه السلام) يأخذها ويصرفها في مواردها.


1) في ص 506.

2) الانتصار : 542 / 301، السرائر 3 : 419.

3) الوسائل 29: 326/ أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 3.

الجناية على الحيوان
حكم تذكية الحيوان بغير إذن مالكه

(مسألة 398) : كلّ حيوان قابل للتذكية، سواء كان مأكول اللحم أم لم يكن، وإذا ذكاه أحد بغير إذن مالكه فالمالك مخيّر بين أخذه ومطالبته بالتفاوت بين كونه حيّاً وذكيّاً (1) وبين عدم أخذه ومطالبته بتمام القيمة (2).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، ويدلّ على ذلك عدم خروج الحيوان عن ملك مالكه بالتذكية، لعدم الموجب له. وعليه، فلا محالة له أخذه والرجوع إلى الذابح بالتفاوت وليس للذابح الامتناع عن ذلك، وقد جرت على ذلك السيرة العقلائية.

(2) وفاقاً لجماعة، منهم : الشيخ الطوسي في النهاية والمفيد في المقنعة وسلّار والقاضي وابنا حمزة وسعيد (1).

وخلافاً للمتأخرين والشيخ في محكي المبسوط ومال إليه المحقق (قدس سره) في الشرائع بدعوى أنه أتلف بعض منافعه فبطبيعة الحال يضمن مقدار التالف دون الزائد (2).

هذا، ولكن الصحيح هو القول الأوّل، وذلك لأن الحيوان الحي بنظر العرف مباين للحيوان الميت، فلو أتلفه بالتذكية كان ذلك من التلف عندهم فيضمن،


1) النهاية : 780، المقنعة : 769، المراسم : 243، المهذب 2 : 511 - 512، الوسيلة : 428، الجامع للشرائع : 604.

2) المبسوط 8: 30، الشرائع 4: 296.

فإذا دفع الجاني قيمته إلى صاحبه ملك الحيوان المذكى (1)، وأما إذا أتلفه بغير تذكية ضمن قيمته (2). نعم، إذا بقي فيه ما كان قابلاً للملكية والانتفاع من أجزائه - كالصوف ونحوه - فالمالك مخيّر كالسابق (3)، وإذا جنى عليه بغير إتلاف، كما إذا قطع بعض أعضائه أو كسر بعضها أو جرح فعليه الأرش، وهو التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب (4). نعم، إذا فقأ عين ذات القوائم الأربع فعلى الجاني ربع ثمنها (5)،


وعليه فللمالك حق إلزام المتلف بإعطاء القيمة، وليس له حق الامتناع عن ذلك، وعليه بناء العقلاء أيضاً.

(1) وذلك تحقيقاً لمفهوم المعاوضة والمبادلة وأنّه لا يمكن أن يملك العوض مع بقاء المعوّض في ملكه أيضاً، لأنه ينافي كونه عوضاً له.

(2) لقاعدة الإتلاف التي قد ثبتت ببناء العقلاء.

(3) وذلك لبقاء ما كان قابلاً للملك والانتفاع في ملك مالكه، ضرورة أنه لم يصر من المباحات الأصلية ولا ملكاً للجاني، لعدم الموجب لذلك أصلاً. وعليه، فبطبيعة الحال يتخيّر المالك بين أخذ أجزائه القابلة للملك والانتفاع ومطالبته بالتفاوت بين كون حيّاً وميتاً، وبين رفع اليد عنها ومطالبته بتمام القيمة، وليس له حق الامتناع، وقد تقدّم جريان السيرة على ذلك.

(4) وذلك لأنّ أجزاء العين وصفاتها الدخيلة في الماليّة مضمونة كأصلها.

(5) خلافاً للمشهور بين الأصحاب، حيث إنهم ذهبوا إلى أنّ فيها الأرش كغيرها من الأعضاء والجراح والكسر.

وإذا جنى عليها فألقت جنينها ففيه عشر قيمتها (1)


ولكن الصحيح ما ذكرناه وفاقاً للشيخ وجماعة والمحقق في النافع(1)، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها : صحيحة أبي العبّاس، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «من فقأ عين دابة فعليه ربع ثمنها» (2).

ومنها : صحيحة عمر بن أذينة، قال : كتبت إلى أبي عبدالله (عليه السلام) أسأله عن رواية الحسن البصري يرويها عن علي (عليه السلام) في عين ذات الأربع قوائم إذا فقئت ربع ثمنها «فقال: صدق الحسن، قد قال علي (عليه السلام) ذلك» (3).

ومنها : صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى علي (عليه السلام) في عين فرس فُقِئت ربع ثمنها يوم فُقِئت العين» (4).

بقي هنا شيء: وهو أنّ الشيخ في المبسوط والخلاف حكى عن الأصحاب أنّ في عين الدابة نصف قيمتها، وكذا كلّ ما كان في البدن منه اثنان(5).

وفيه : أنّه لا مستند له أصلاً، وقياس الدابة على الإنسان لا نقول به، مضافاً إلى أنه مع الفارق.

(1) وفاقاً للمحقق في النافع وابن إدريس في السرائر (6)، وإن كان دعوى


1) النهاية : 781، المختصر النافع : 314.

2) الوسائل 29: 355/ أبواب ديات الأعضاء ب 47 ح 1.

3) الوسائل 29 : 355/ أبواب ديات الأعضاء ب 47 ح 2.

4) الوسائل 29: 355/ أبواب ديات الأعضاء ب 47 ح 3.

5) المبسوط 3 : 62، الخلاف 3 : 397.

6) المختصر النافع : 314، السرائر 3: 419.

هل يضمن الجناية على ما لا يقبل التذكية ؟

(مسألة 399): في الجناية على ما لا يقبل التذكية - كالكلب والخنزير - تفصيل : أما الخنزير فلا ضمان في الجناية عليه بإتلاف أو نحوه (1) إلا إذا كان لكافر ذمّي، ولكن يشترط في ضمانه له قيامه بشرائط الذمة (2) وإلا فلا يضمن (3).


ابن إدريس الإجماع وتواتر الأخبار على ذلك في غير محلها، فإنّه لا إجماع في المسألة كما صرّح به غير واحد ولا الأخبار المتواترة، حيث إنه ليس فيها إلا رواية واحدة، وهي معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : في جنين البهيمة إذا ضربت فأزلقت عشر قیمتها»(1).

(1) لعدم كونه مالاً شرعاً حتى يوجب اتلافه الضمان.

(2) بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، ويدلّ عليه ما دلّ على أنه إذا قام بشرائط الذمة كان ماله محقوناً كدمه، وعليه فلا محالة يوجب إتلافه الضمان.

(3) لأنه عندئذٍ لا يكون دمه محقوناً فضلاً عن ماله، وعليه فلامقتضي لضمانه.

و تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمّة الله تعالى وذمّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم). قال : وليست لهم اليوم ذمّة» (2).


1) الوسائل 29: 225/ أبواب ديات النفس ب 18 ح 2.

2) الوسائل 15 :124 / أبواب جهاد العدو ب 48 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

فهذه الصحيحة واضحة الدلالة على أنّ من لم يعمل بشرائط الذمة فدمه هدر، فما ظنك بما له ؟!

ثم إن المراد من ترك أكل الربا ولحم الخنزير فيها هو تركه علناً وجهراً. وعليه، فمن فعل ذلك متستراً به لم يخرج عن الذمة.

نعم، هنا روايتان قد يتوهم دلالتهما على الضمان مطلقاً وإن لم يكن متستراً :

أحدهما رواية مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رُفع إليه رجل قتل خنزيراً فضمنه، ورفع إليه رجل كسر بربطاً فأبطله»(1)

وثانيتهما : معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) - في حديث - : «أن علياً (عليه السلام) ضمّن رجلاً أصاب خنزير النصراني»(2).

أقول : أمّا الرواية الأولى : فمضافاً إلى ضعفها سنداً بسهل بن زياد وشمون والأصم، أنّها قضيّة في واقعة فلا إطلاق لها. ومنه يظهر حال معتبرة غياث أيضاً، حيث إنّه لا إطلاق فيها ليتمسك به لإثبات الضمان حتى في صورة عدم التستر والعمل بشرائط الذمة.

وأما ما في الجواهر من تسليم الإطلاق واحتمال أن يكون ذلك من جهة بناء الخنزير على عدم التستر به، فلا يكون التستر به من شرائط الذمّة عليه (3).

فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لما عرفت من عدم الإطلاق فيها، ولأنه


1) الوسائل 29: 262/ أبواب موجبات الضمان ب 26 ح 1.

2) الوسائل 29: 262 / أبواب موجبات الضمان ب 26 ح 2.

3) جواهر الكلام 43: 400.

كما لا ضمان في الخمر وآلة اللهو وما شاكلهما (1)، وأما الكلب فكذلك غير كلب الغنم وكلب الحائط وكلب الزرع وكلب الصيد، وأما فيها: ففي الأوّل والثاني والثالث يضمن القيمة (2)، وأما الرابع فالمشهور أنّ فيه أربعين درهماً، وفيه إشكال،


لا فرق بين لحم الخنزير وغيره من جهة لزوم التستر على ما نطقت به صحيحة زرارة المتقدّمة.

(1) لأنها ليست من ما يتموّل شرعاً، فلا ضمان في إتلافها.

(2) بيان ذلك : أنّ في الأوّل وجوهاً :

الأول : أنّ فيه كبشاً، واختاره الفاضلان والشهيدان(1)، بل نسبه ثانيهما إلى الأكثر.

واستند في ذلك إلى رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية الكلب السلوقي أربعون درهماً - إلى أن قال : - ودية كلب الغنم كبش، ودية كلب الزرع جريب من برّ، ودية كلب الأهل قفيز من تراب لأهله»(2).

الثاني : أنّ فيه عشرين درهماً، ونسب هذا الوجه إلى المشهور على ما في كشف اللثام (3).

واستند في ذلك إلى رواية ابن فضال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله


1) الشرائع 4: 297، التحرير 2: 279 (حجري)، اللمعة 10: 323، المسالك 2: 402 (حجري).

2) الوسائل 29: 226 / أبواب ديات النفس ب 19 ح 2.

3) كشف اللثام 2: 523 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

(علیه السلام) قال: دية كلب الصيد أربعون درهماً، ودية كلب الماشية عشرون درهماً، ودية الكلب الذي ليس للصيد ولا للماشية زنبيل من تراب على القاتل أن يعطي وعلى صاحبه أن يقبل»(1).

الثالث: أن ديته قيمته، وهو الصحيح، وذلك لأنّ مستند الوجه الأوّل - وهو رواية أبي بصير - ضعيف، حيث إنّ في سندها محمد بن حفص وه-و مجهول، وعلي بن أبي حمزة وهو ضعيف فلا يمكن الاعتماد عليها. وكذا مستند الوجه الثاني - وهو رواية ابن فضال - فإنّها مرسلة.

فإذن الصحيح هو الوجه الثالث.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فيمن قتل كلب الصيد، قال : يقومه، وكذلك البازي، وكذلك كلب الغنم، وكذلك كلب الحائط» (2).

وأمّا الثاني : فالمشهور ذهبوا إلى أنّ ديته عشرون درهماً، إلا أنه لا مستند له أصلاً. فإذن الصحيح ما ذكرناه، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنه مقتضی القاعدة -- معتبرة السكوني المتقدّمة.

وأما ما في رواية أبي بصير المتقدّمة من أنّ دية كلب الأهل قفيز من تراب لأهله، وقريب منه ما في مرسلة ابن فضال، فلا يمكن الاعتماد عليه، لأنّ الروايتين ضعيفتان سنداً.

وأمّا الثالث : فالمشهور ذهبوا إلى أنّ فيه قفيزا من بر، إلا أنه لا يتم، فإنّه


1) الوسائل 29: 227/ أبواب ديات النفس ب 19 ح 4.

2) الوسائل 29 : 226 / أبواب ديات النفس ب 19 ح 3.

والأظهر أن فيه أيضاً القيمة إذا لم تكن أقل من أربعين درهماً، وإلا فأربعون درهماً (1).


لا مستند له غير رواية أبي بصير المتقدّمة، وهي - مضافاً إلى أنها ضعيفة سنداً - لا تدلّ على ما ذهب إليه المشهور. فالأظهر ما ذكرناه، وذلك لأنه من الأموال فبطبيعة الحال يضمن قيمته وإن كان لا يجوز بيعه.

(1) بيان ذلك أنّ في المسألة وجوهاً :

الأوّل : أنّ ديته أربعون درهماً، وهو المعروف والمشهور بين الأصحاب.

الثاني : أنّ ديته قيمته، ومال إلى هذا القول الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك (1).

الثالث : أنّ ديته قيمته بشرط أن لا تتجاوز أربعين درهماً، واختار هذا الوجه الإسكافي(2).

الرابع : أنّ ديته أربعون درهماً إذا لم يقل من قيمته الواقعية، وإلا فقيمته. وهذا الوجه هو الأقوى.

أقول :

أمّا الوجه الأوّل : فقد استدل عليه بعدة روايات :

منها : معتبرة الوليد بن صبيح عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: دية الكلب السلوقي أربعون درهماً أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بذلك


1) المسالك 402:2 (حجري).

2) حكاه عنه في رياض المسائل 2: 562 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

أن يديه لبني خزيمة»(1)، ورواها الصدوق بسنده المعتبر إلى قوله (عليه السلام): «أربعون درهماً» (2).

ومنها: معتبرة عبدالأعلى بن أعين عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: في كتاب علي (عليه السلام) دية كلب الصيد أربعون درهماً » (3).

وفيه : أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق هذه الروايات، إذ لا نحتمل أن تكون دية كلب الحائط وكلب الغنم أزيد من دية كلب الصيد مع أنه أغلى قيمةً وأهمّ في نظر العقلاء، فلا يحتمل أن تكون ديتهما مائة درهم - مثلاً - أو أزيد ودية كلب الصيد أربعون درهماً. فإذن لابد من تقييد إطلاقها بما إذا لم تزد قيمته على أربعين درهماً. وعليه، فتنقلب النسبة بينها وبين معتبرة السكوني المتقدّمة إلى عموم وخصوص مطلق، فتقيّد المعتبرة بما إذا كانت قيمته أزيد من أربعين درهماً. فإذن تكون النتيجة كما ذكرناه من أنّ دية كلب الصيد أربعون درهماً، إلّا إذا كانت قيمته أكثر من ذلك فتكون ديته قيمته.

وإن أغمضنا عن ذلك فالأظهر هو الوجه الثاني، وذلك لأنّ هذه الروايات معارضة مع المعتبرة فتسقطان معاً، فالمرجع في مورد المعاضة هو إطلاقات أدلّة الضمان بالقيمة.

هذا، وقد ذكر الشهيد الثاني (قدس سره) في وجه ذلك : أن روايات التحديد ضعيفة سنداً فلا يمكن الاعتماد عليها. فإذن الأجود هو الضمان بالقيمة لولا مخالفة المشهور.


1) الوسائل 29: 226/ أبواب ديات النفس ب 19 ح 1.

2) الوسائل 29: 227 / أبواب ديات النفس ب 19 ح 6، الخصال : 539 / 10.

3) الوسائل 29 : 227 / أبواب ديات النفس ب 19 ح 5.

---------------------------------------------------------------------------------

وفيه: ما عرفت من أنّ عدّة روايات التحديد معتبرة سنداً ولا قصور فيها من هذه الناحية أصلاً.

وأمّا الوجه الثالث : فلا وجه له أصلاً كما ظهر من مطاوي ما ذكرناه.

بقي هنا أمران :

الأوّل: أنّ ما ذكره العلّامة (قدس سره) في الإرشاد من أنّ التقديرات المذكورة في الروايات لأصناف الكلب إنما هي للقاتل وأما الغاصب فيضمن القيمة (1).

أقول : إنّ هذا الكلام متين لو قلنا بهذه التقديرات كما ذكرنا نظير ذلك في العبد، فإن كان الغاصب للكلب هو القاتل ضمن أكثر الأمرين من القيمة أو المقدّر الشرعي، وإن كان القاتل غيره ضمن الغاصب القيمة فحسب، وعليه فللمالك الرجوع إلى أي منهما شاء، فإن رجع إلى القاتل وأخذ الدية منه وكانت القيمة أزيد من الدية فله الرجوع إلى الغاصب بالزيادة، وإن رجع إلى الغاصب وكانت القيمة أقل من المقدّر فله الرجوع إلى القاتل بالزيادة.

الثاني : أنّ الروايات الواردة في مقام تحديد دية الكلب بأربعين درهماً على ثلاثة أصناف:

منها: ما أخذ فيه عنوان الصيد، وهو معتبرة عبد الأعلى بن أعين المتقدّمة.

ومنها: ما أخذ فيه عنوان السلوقي، وهو معتبرة الوليد بن صبيح المتقدمة.

ومنها : ما جمع بين كلا العنوانين - يعني : الصيد والسلوقي - - وهو معتبرة الوليد بن صبيح الثانية.


1) الإرشاد 2 :236.

---------------------------------------------------------------------------------

ولكن حيث إنّ شيئاً من روايتي الوليد بن صبيح لم يثبت بملاحظة أن السند من ابن أبي عمير إلى من روى عن الإمام (عليه السلام) فيها واحد، فلا ندري أنه روى عنه ما فيه عنوان السلوقي فحسب، أو أنه روى ما فيه كلا العنوانين، فتبقی رواية الصيد على إطلاقها، فلا موجب لتقييدها بالسلوقي أصلاً، فإنّ المروي إذا كان ما فيه عنوان السلوقي فقط فلا موجب للتقييد، نظراً إلى أنه لا تنافي بينهما، غاية الأمر أنه بناءً عليه تثبت الدية المقدّرة لكلّ من كلبي الصيد والسلوقي باعتبار أنّ بين العنوانين عموماً من وجه. ولو كان المروي ما جمع فيه بين العنوانين فلا موجب للتقييد أيضاً، بملاحظة أن الغالب في كلب الصيد ه-و السلوقي. فإذن يكون القيد وارداً مورد الغالب، فلا ينافي الإطلاق.

والنتيجة : أنّ الحكم يختص بكلب الصيد، سواء كان سلوقياً أم لم يكن، ولا يعمّ الكلب السلوقي وإن لم يكن كلب صيد.

كفارة القتل
عدم ثبوت الكفّارة في موارد لا يصدق عليه عنوان القاتل وإن ثبتت الدية

(مسألة 400) : تقدّم في أوائل كتاب الديات ثبوت الكفّارة في قتل المؤمن زائدة على الدية، لكنّها تختص بموارد صدق عنوان القاتل كما في فرض المباشرة (1) وبعض موارد التسبيب (2)، ولا تثبت فيما لا يصدق عليه ذلك وإن ثبتت الدية فيه، كما لو وضع حجراً أو حفر بئراً أو نصب سكيناً في غیر ملکه فعثر به عاثر اتفاقاً فهلك، فلا كفّارة عليه في هذه الموارد (3).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وهو المتيقن من النصوص المتقدّمة الدالة على ثبوت الكفّارة على القتل.

(2) وذلك كما إذا افترضنا أن شخصاً حفر بئراً بقصد قتل حيوان رآه من بعيد فوقع فيها فمات ثمّ بان أنه إنسان فهو قتل خطأ، وأما إذا حفر بئراً بقصد قتل إنسان رآه من بعيد فوقع فيها فمات فهو قتل عمدي، فعلى كلا التقديرين يصدق عليه عنوان القاتل فتشمله النصوص المتقدّمة.

(3) بلا خلاف بين الفقهاء والوجه في ذلك هو أن أدلّة الكفّارة إنما تثبتها على القاتل، ففيما لا يصدق فيه هذا العنوان - كما في الموارد المزبورة - لا تشمله الأدلّة وإن ثبتت الدية فيها من جهة النصوص الخاصة. وأما ما في الرياض من المناقشة في ذلك (1).


1) الرياض 2 :564 (حجري).

عدم الفرق في وجوب الكفّارة بقتل المسلم بين البالغ وغيره والعاقل والمجنون والذكر والأنثى والحر والعبد

(مسألة 401) : لافرق في وجوب الكفّارة بقتل المسلم بين البالغ وغيره (1). والعاقل والمجنون، والذكر والأنثى، والحر والعبد (2) وإن كان العبد عبد القاتل (3)، والمشهور وجوب الكفّارة في قتل الجنين بعد ولوج الروح فيه، وفيه إشكال،


فلا وجه له، حيث إنّ في موارد التسبيب فيما لا يصدق فيه عنوان القاتل لا وجه لثبوتها أصلاً لعدم شمول أدلتها. والظاهر أن إطلاق كلمات الأصحاب في نفي الكفّارة في موارد التسبيب ناظر إلى الموارد التي لا يصدق فيها عنوان القاتل على السبب.

(1) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة، فإنّ شمولها للصبي المميز واضح، وذلك لصدق المؤمن عليه حقيقةً، وأما الصبي غير المميّز فلعدم القول بالفصل قطعاً بينه وبين المميز.

(2) للإطلاق وعدم دليل على التقييد.

(3) تدلّ على ذلك - مضافاً إلى الإطلاقات - عدة روايات :

منها : صحيحة حمران عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يقتل مملوكاً له «قال: يعتق رقبة، ويصوم شهرين متتابعين، ويتوب إلى الله عزّ وجلّ»(1).

ومنها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: من قتل عبده متعمّداً فعليه أن يعتق رقبة، وأن يطعم ستين مسكيناً، وأن يصوم شهرين»(2).

ومنها : صحيحة أبي أيوب الخزاز، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب مملوكاً له فمات من ضربه «قال: يعتق رقبة» (3).


1) الوسائل 29: 91/ أبواب القصاص في النفس ب 37 ح 2.

2) الوسائل 29: 91/ أبواب القصاص في النفس ب 37 ح 3.

3) الوسائل 29: 93 / أبواب القصاص في النفس ب 37 ح 8.

والأقرب عدم الوجوب (1)، وأمّا الكافر فلا كفّارة في قتله من دون فرق بين الذمي وغيره (2).

لو اشترك جماعة في قتل واحد

(مسألة 402) : لو اشترك جماعة في قتل واحد فعلى كل منهم كفارة (3).

لو قتل الجاني قصاصاً أو مات بسبب آخر، فهل عليه كفّارة في ماله ؟

(مسألة 403) : لا إشكال في ثبوت الكفّارة على القاتل العمدي إذا رضي ولي المقتول بالدية أو عفا عنه (4)، وأما لو قتله قصاصاً أو مات بسبب آخر


(1) وجه الإشكال : هو أنّ المعروف والمشهور بين الأصحاب وإن كان ذلك إلّا أنّه لا دليل عليه، فإنّ أدلّة وجوب الكفّارة من الكتاب والسنّة لا تشمل ذلك، فحينئذ إن تم إجماع في المسألة فهو ولكنّه غير تام، ولذا ناقش في وجوبها الأردبيلي (قدس سره) (1). فإذن الأقرب ما ذكرناه.

ومن الغريب ما عن العلّامة (قدس سره) في التحرير من وجوب الكفّارة في الجنين الذي لم تلجه الروح أيضاً (2)، فإنّه لا وجه له أصلاً بعد عدم صدق القتل عليه حقيقةً.

(2) بلا خلاف بين فقهائنا، وذلك لقصور الدليل، فإنّ الظاهر من الآية والروايات هو أنّ الإيمان تمام الموضوع لوجوب الكفّارة.

(3) من دون خلاف بين الأصحاب، ويدلّ على ذلك إطلاق الأدلّة وعدم الدليل على التقييد.

(4) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّ الكفّارة قد ثبتت بالقتل، وسقوطها بعد ثبوتها يحتاج


1) مجمع الفائدة والبرهان 14: 215 - 220.

2) التحریر 2: 279 (حجري).

فهل عليه كفّارة في ماله ؟ فيه إشكال، والأظهر عدم الوجوب (1).


إلى دليل، ولا دليل في المقام - الصحاح المتقدّمة عند البحث عن وجوب الكفّارة.

(1) بيان ذلك : أن المسألة ذات قولين :

أحدهما: عدم وجوب الكفّارة وسقوطها بالموت، واختار هذا القول جماعة، منهم الشيخ في المبسوط وابن إدريس في محكيّ السرائر والمفيد في المقنعة وابن فهد في المهذب وابن حمزة في الوسيلة (1).

وثانيهما: وجوبها، واختار هذا القول جماعة، منهم: العلامة في المختلف والتحرير (2)، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى إجماع الفرقة وأخبارهم عليه(3)،وقواه صاحب الجواهر (قدس سره) (4).

واستدل عليه بأمور:

الأول : استصحاب بقاء وجوبها.

الثاني : أصالة عدم المسقط.

الثالث : أنّها من حقوق الله المتعلّقة بالمال فلا تسقط بالموت.

ولكن جميع هذه الأمور مدفوعة :

أمّا الأوّل: فيردّه - مضافاً إلى أنّه لا يجري فى نفسه لاختلاف الموضوع -


1) المبسوط 7 :246، السرائر 3: 331، انظر المقنعة: 573 و 746، حكاه عنهم في الجواهر 411:43.

2) المختلف 9 :289، التحرير 2: 279 (حجري).

3) حكاه عن الخلاف صاحب الجواهر 43: 412.

4) الجواهر 43: 412.

لو قتل صبي او مجنون مسلماً، فهل عليهما كفّارة ؟

(مسألة 404) : لو قتل صبي أو مجنون مسلماً، فهل عليهما كفّارة ؟ فيه وجهان، الأظهر عدم وجوبها (1).


ما تقدّم من النصوص الدالة على سقوط الكفّارة في مفروض الكلام كالصحاح الثلاثة لعبدالله بن سنان المتقدّمة، حيث إنّها تدل بوضوح على أنّ الكفّارة مشروطة بعدم القتل على نحو الشرط المتأخر، فإذا قتل أو مات بسبب آخر فلا كفارة.

وبذلك يظهر الجواب عن الثاني على أنّ مرجعه إلى الاستصحاب وليس في قباله أصل آخر.

وأمّا الثالث : فيردّه - مضافاً إلى أنّ الكفّارة تكليف محض وليست من الحقوق المتعلّقة بالمال - أنّ السقوط من جهة هذه النصوص.

فالأظهر هو القول الأول.

وأما الكفّارة في القتل الخطائي فهل تسقط عن القاتل إذا مات ؟

الأظهر سقوطها، وذلك لأنّ المستفاد من الآية الكريمة هو أنها تكليف محض، يعني : أنّ الواجب عليه هو التحرير، الذي هو فعل له، ومن الطبيعي أنه يسقط بموته فبقاؤه يحتاج إلى دليل.

(1) الوجه في ذلك : ما تقدّم من أنّ كفّارة القتل تكليف محض وليست من الحقوق المتعلّقة بالمال. وعليه، فيقيّد إطلاق النصوص بما دلّ على رفع القلم عن الصبي والمجنون.

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنها من الحقوق المالية فقد ذكرنا في محلّه أنّ حديث رفع القلم لا يختص بالتكليف، بل يعمّ الوضع أيضاً. وعليه، فلا مانع من شموله للمقام، ولا يكون فيه خلاف الامتنان، كما في موارد الضمانات.

---------------------------------------------------------------------------------

فما عن الشيخ في المبسوط والشهيد الثاني في المسالك من أنّ مقتضى إطلاق النص عدم الفرق في ثبوت الكفّارة بين البالغ والصبي والعاقل والمجنون، فيخرج العتق والإطعام من مالهما، وأنّ الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق خوطبا بالصوم(1).

لا وجه له أصلاً، لما،عرفت ثمّ إنّه على تقدير القول بثبوت الكفّارة عليهما فظاهر كلام الشيخ والشهيد الثاني هو أنّ عليهما كفّارة الجمع في القتل العمدي، ولكن قد تقدّم أنّ عمدهما خطأ، فالكفّارة حينئذٍ كفّارة خطأ.


1) المبسوط 7: 246، المسالك 403:2 (حجري).

فصل في العاقلة
معنی العاقلة

(مسألة 405) : عاقلة الجاني عصبته، والعصبة : هم المتقربون بالأب كالإخوة والأعمام وأولادهم وإن نزلوا (1).


(1) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، وذكر المحقق في الشرائع أنّ من الأصحاب من خصّ به - العقل - الأقرب ممن يرث بالتسمية، ومع عدمه يشترك في العقل بين من يتقرب بالأم مع من يتقرب بالأب أثلاثاً، وهو استناد إلى رواية سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي سلمة ضعف (1)

أقول : لم يثبت هذا القول لأحد من الأصحاب وإن كان قد نسب إلى أبي علي (2)، إلّا أنّ عبارته المحكيّة لا تنطبق على هذا القول، وعلى تقدير تحققه فلا مستند له، فإنّ رواية سلمة بن كهيل - مضافاً إلى أنها ضعيفة سنداً - لا ينطبق مضمونها على ذلك القول، فإنّ المذكور فيها : أنّ سلمة قال : أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل قد قتل رجلاً خطأ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «من عشيرتك وقرابتك - إلى أن قال : - فكتب إلى عامله على الموصل: «أمّا بعد - إلى أن قال : - فإذا ورد عليك إن شاء الله وقرأت كتابي فافحص عن


1) الشرائع 4: 299.

2) حكاه عنه في الرياض 2: 565 (حجري).

---------------------------------------------------------------------------------

أمره - إلى أن قال : - ثمّ أنظر فإن كان رجل منهم يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدية وخذه بها نجوماً في ثلاث سنين، فإن لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب وكانوا قرابته سواء في النسب وكان له قرابة من قبل أبيه وأمه سواء فى النسب ففض الدية على قرابته من قبل أبيه وعلى قاربته من قبل أُمّه من الرجال المدركين المسلمين، ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين، وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ولا قرابة من قبل أُمّه ففضّ الدية على أهل الموصل ممن ولد ونشأ بها» الحديث (1).

فإنّ ظاهر هذه الرواية هو تقسيم الدية على قرابتي الأب والأم بالسوية.

وعن كشف اللثام : أنّ العاقلة هم الورثة على ترتيب الإرث(2).

واستدل على ذلك بمعتبرة أبي بصير، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أداه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (3).

وصحيحة ابن أبي نصر عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل قتل رجلاً عمداً ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتى مات «قال : إن كان له مال أخذ منه، وإلّا أخذ


1) الوسائل 29: 392/ أبواب العاقلة ب 2 ح 1، وفيه وكذا الكافي 7: 364/ 2 والتهذيب 10: 171 / 675 والفقيه 4 : 356/105 [من الرجال المدركين المسلمين، ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلثي الدية، واجعل على قرابته من قبل أمه ثلث الدية، وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ففض الدية على قرابته من قبل أمه من الرجال المدركين المسلمين، ثم خذهم بها واستأدهم ].

2) كشف اللثام 2: 527 (حجري).

3) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

وهل يدخل في العاقلة الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا ؟ الأقرب الدخول (1).

.


من الأقرب فالأقرب»(1).

ومرسلة يونس بن عبدالرحمن عن أحدهما (عليهما السلام)، أنّه قال : في الرجل إذا قتل رجلاً خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية «أنّ الدية على ورثته، فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال» (2).

أقول : أنّ معتبرة أبي بصير وصحيحة ابن أبي نصر موردهما القتل العمدي وليس على العاقلة فيه شيء، والحكم بثبوت الدية على الوارث حكم تعبدي يختص بمورده ولا يتعدّى منه إلى القتل الخطائي الذي تكون الدية فيه على العاقلة.

وأمّا المرسلة - فمضافاً إلى أنها ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها - فإنّ موردها القتل الشبيه بالعمد، بقرينة أنّ المفروض فى موردها أن الدية كانت واجبة على القاتل فمات قبل أن يفرغ ذمّته، فهي أيضاً خارجة عن محل الكلام، وه-و ثبوت الدية على العاقلة.

فالنتيجة : أنّ الصحيح ما هو المشهور بين الأصحاب، والدليل على ذلك هو اختصاص العصبة لغةً وعرفاً بالمتقربين بالأب ولا تشمل المتقربين بالأم.

(1) خلافاً لجماعة، منهم: الشيخ في المبسوط والخلاف وابن حمزة في الوسيلة


1) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 3.

2) الوسائل 29: 397/ أبواب العاقلة ب 6 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

وابن فهد في محكيّ المهذب، بل نسبه الشهيد الثاني إلى المشهور (1)، بل ادّعى الشيخ في الخلاف إجماع الأصحاب عليه.

وفيه : أنه إن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام جزماً.

فالصحيح - وفاقاً لجماعة، منهم : الإسكافي والمفيد والشيخ في النهاية والحلّي ويحيى بن سعيد وأبي العباس والصيمري والشهيد في اللمعة، ونسبه في الإيضاح إلى الشهرة، بل عن الحلّي في السرائر دعوى الإجماع عليه (2)- هو دخول الأب وإن علا والابن وإن نزل والوجه فى ذلك : هو أنّ عصبة الشخص - بحسب معناها اللغوي - هم المحيطون به، فبطبيعة الحال تشمل الأب والابن أيضاً.

وأما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) على امرأة أعتقت رجلاً واشترطت ولاءه ولها ابن فألحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه دون ولدها»(3).

فلا تدلّ على استثناء الولد من العاقلة، وذلك لأن الظاهر منها هو أن الولد مستثنى ممن له الولاء وهم العصبة، فإنّ ولاء الأم لا يصل إلى ولدها، وإنما يصل إلى غيره من عصبتها. فإذن الصحيحة تدلّ على دخول الولد في العاقلة، لكنّه لا يرث الولاء من الأم.


1) المبسوط 7: 173، الخلاف 5: 177 / 98، الوسيلة : 437، لاحظ المهذب البارع 5 : 417 - 420، المسالك 403:2 (حجري).

2) حكاه في المهذب البارع عن الإسكافي 417:5، المفيد في المقنعة : 735، الشيخ في النهاية : 737، الحلي في السرائر 3: 331، ابن سعيد في الجامع للشرائع : 573، أبو العباس في المهذب البارع 5 : 415 – 416، غاية المرام 4: 486، الصيمري في اللمعة 10 : 309، الإيضاح 4 : 744، السرائر 3: 332.

3) الوسائل 23: 70/ کتاب العتق ب 39 ح 1.

ولا يشترك القاتل مع العاقلة في الدية (1)، ولا يشاركهم فيها الصبي ولا المجنون ولا المرأة وإن ورثوا منها (2).

هل يعتبر الغنى في العاقلة ؟

(مسألة 406): هل يعتبر الغنى في العاقلة؟ المشهور اعتباره، وفيه إشكال، والأقرب عدم اعتباره (3).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، وذلك لمعلوميّة أنّ القاتل غير العاقلة، حيث إنّ العاقلة تضمن جنايته.

وما عن أبي حنيفة من مشاركته العاقلة في الضمان(1)، واضح الضعف.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب.

أما الأوّلان : فلحديث رفع القلم عنهما.

وأمّا الثالث : فتدلّ عليه - مضافاً إلى أنّ المرأة خارجة عن مفهوم العصبة - صحيحة الأحول، قال : قال ابن أبي العوجاء : ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ قال: فذكر ذلك بعض أصحابنا لأبي عبدالله (عليه السلام) «فقال: إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة، وإنما ذلك على الرجال» الحديث (2)، وقريب منها رواية إسحاق بن محمّد النخعي (3).

(3) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، فحينئذ إن تم إجماع فهو، ولكنه غير تام. فإذن الأقرب عدم الاعتبار، وأنه لا فرق بين الغني والفقير في ذلك.


1) حكاه عنه ابن قدامة في المغني 9: 6789/498.

2) الوسائل 26: 93/ أبواب ميراث الأبوين والأولاد ب 2 ح 1.

3) الوسائل 26 :94/ أبواب ميراث الأبوين والأولاد ب 2 ح 3.

عدم دخول أهل البلد في العاقلة

(مسألة 407): لا يدخل أهل البلد في العاقلة إذا لم يكونوا عصبة (1).

هل المتقرّب بالأبوين يتقدّم على المتقرب بالأب خاصة ؟

(مسألة 408): المشهور أنّ المتقرّب بالأبوين يتقدم على المتقرب بالأب خاصة، وفيه إشكال، والأظهر عدم الفرق بينهما (2).

هل يعقل المولى جناية العبد المعتق ويرثه إذا لم تكن له قرابة ؟

(مسألة 409) : يعقل المولى جناية العبد المعتق (3).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، وأما رواية سلمة بن كهيل المتقدّمة (1)- فمضافاً إلى ضعفها سنداً - لم نجد عاملاً بها.

(2) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما هو المشهور والمعروف بين الأصحاب، وأمّا معتبرة أبي بصير وصحيحة البزنطي المتقدمتان(2)فأجنبيتان عن محل الكلام، لاختصاصهما بالقتل العمدي كما عرفت، فعندئذ إن تم إجماع فهو، ولكنّه غير تام جزماً، ولذا قال العلّامة في التحرير : ولو قيل بعدم التقديم كان وجهاً (3)، وتبعه على ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (4).

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، بل الإجماع بقسميه عليه، ويدلّ على ذلك ما دلّ على أنّ ولاء العبد المعتق لمولاه الذي أعتقه، بضميمة ما دلّ على أنّ من كان له الولاء فعليه العقل :

كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا ولي الرجل فله ميراثه وعليه معقلته» (5).


1) في ص 540.

2) في ص 541.

3) التحرير 2: 280 (حجري).

4) الجواهر 43: 422.

5) الوسائل 26 :243 / أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1 ح 2.

ويرثه المولى إذا لم تكن له قرابة (1)، وإذا مات مولاه قبله فجنايته على من يرث الولاء (2).

لو لم تكن للقاتل أو الجاني عصبة ولا من له ولاء العتق

(مسألة 410) : إذا لم تكن للقاتل أو الجاني عصبة ولا من له ولاء العتق، وكان له ضامن جريرة فهو عاقلته (3)،


وصحيحته الأخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: إذا ولي الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته» (1).

(1) من دون خلاف بين الفقهاء، وتدلّ على ذلك عدّة روايات :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): في امرأة اعتقت رجلاً لمن ولاؤه ولمن ميراثه ؟ «قال : للذي أعتقه، إلا أن يكون له وارث غيرها»(2).

(2) تدلّ على ذلك إطلاق الصحيحتين المتقدّمتين، بتقريب : أن من يرث الولاء يكون وليّاً فتكون معقلته عليه.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل إذا أعتق، أله أن يضع نفسه حيث شاء فتولّى من أحبّ ؟ «فقال : إذا أعتق الله فهو مولى للذي أعتقه، وإذا أعتق فجعل سائبة فله أن يضع نفسه ويتولّى من شاء» (3)، وتقريب دلالتها كما تقدّم.

ومنها : صحيحة سليمان بن خالد الآتية، وقريب منها صحيحة ابن سنان


1) الوسائل 26 :244 / أبواب ولاء ضمان الجريرة ب 1 ح 4.

2) الوسائل 23: 62/ أبواب العتق ب 35 ح 3.

3) الوسائل 23 :63 / أبواب العتق ب 36 ح 1.

وإلا فيعقله الإمام من بيت المال (1).

حمل دية الموضحة وما فوقها من الجروح على العاقلة

(مسألة 411) : تحمل العاقلة دية الموضحة وما فوقها من الجروح (2)،


عن أبي عبدالله (عليه السلام)(1).

(1) من دون خلاف بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات:

منها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن مملوك أعتق سائبة «قال : يتولّى من شاء، وعلى من تولاه جريرته وله ميراثه» قلت: فإن سكت حتى يموت ؟ «قال : يجعل ماله في بيت مال المسلمين» (2).

وصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في من أعتق عبداً سائبة أنه لا ولاء لمواليه عليه، فإن شاء توالى إلى رجل من المسلمين فليشهد أنه يضمن جريرته وكلّ حدث يلزمه، فإذا فعل ذلك فهو يرثه، وإن لم يفعل ذلك كان ميراثه يردّ على إمام المسلمين» (3).

فإنهما تدلان على أنّ الولاء للإمام، فتكون معقلته عليه كما تقدّم.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك معتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضی أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا يحمل على العاقلة إلّا الموضحة فصاعداً. وقال:


1) الوسائل 23: 74 / أبواب العتق ب 41 ح 2.

2) الوسائل 23 : 73/ أبواب العتق ب 41 ح 1.

3) الوسائل 26: 250/ أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة ب 3 ح 12.

ودية ما دونها في مال الجاني (1).

دية جناية الأعمى خطأ على عاقلته

(مسألة 412) : قد تقدّم أنّ عمد الأعمى خطأ فلا قود عليه، وأما الدية فهي على عاقلته، فإن لم تكن له عاقلة ففي ماله (2)، وإن لم يكن له مال فعلى الإمام (3).


ما دون السمحاق أجر الطبيب سوى الدية» (1).

(1) تدلّ على ذلك معتبرة أبي مريم المتقدمة.

ثم إن ظاهر المعتبرة أنه يجب على الجاني أجر الطبيب زائداً على الدية.

والظاهر أنّ هذا لم يقل به أحد. وعليه، فإن تم إجماع، وإلا فلا موجب لرفع اليد عن المعتبرة.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة محمد الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه فوتب المضروب على ضاربه فقتله، قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «هذان متعدّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين، ويرجع الأعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه»(2).

(3) تقدّم الكلام في ذلك في المسألة (88).


1) الوسائل 29: 396/ أبواب العاقلة ب 5 ح 1.

2) الوسائل 29: 399/ أبواب العاقلة ب 10 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

ثم إنّ المراد من كون الدية على الإمام (عليه السلام) ليس كونها على شخصه (عليه السلام) وفي أمواله الخاصة، بل المراد كونها في بيت مال المسلمين، حيث إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ذلك، حيث إنّها من المصالح التي تستدعي أن يصرف فيها من بيت المال.

هذا، مضافاً إلى أنّ ذلك يستفاد من عدة روايات:

منها : صحيحة أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة - إلى أن قال: - فإن لم يكن لهم مال رجعت الجناية على إمام المسلمين، لأنّهم يؤدّون إليه الجزية» الحديث (1).

فإنّ مقتضى التعليل فيها هو كونها من بيت المال، نظراً إلى أنّ الجزية إلى ذلك.

ومنها: صحيحة أبي ولاد الحنّاط، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلاً مسلماً (عمداً) فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلا أولياء من أهل الذمة من قرابته «فقال: على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل دينه الإسلام - إلى أن قال : - فإن لم يسلم أحد كان الإمام ولي أمره، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين، لأنّ جناية المقتول كانت على الإمام فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين» الحديث (2).

فإنّها واضحة الدلالة على أنّ المراد من كون الجناية على الإمام كونها في بيت مال المسلمين.


1) الوسائل 29: 391/ أبواب العاقلة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 29: 124 / أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1.

دية الخطأ تؤدّيها العاقلة في ثلاث سنين

(مسألة 413) : تؤدّي العاقلة دية الخطأ في ثلاث سنين (1)، ولا فرق في ذلك بين الدية التامة والناقصة، ولا بين دية النفس ودية الجروح (2)، وتقسّط في ثلاث سنين، ويستأدى في كلّ سنة ثلث منها (3).

هل يختص التأجيل بموارد ثبوت الدية المقدّرة ؟

(مسألة 414): الأظهر عدم اختصاص التأجيل بموارد ثبوت الدية المقدرة (4).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل عليه إجماع الأمة إلا من ربيعة حيث إنّه أجلها إلى خمس سنين (1)، وحكي عن بعض أنّها حالة وليست بمؤجلة. ولكن كلا القولين لا دليل عليه أصلاً.

وتدلّ على المشهور عدة روايات :

منها : صحيحة أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان علي (عليه السلام) يقول : تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتستأدى دية العمد في سنة» (2).

ومنها : صحيحة محمد الحلبي المتقدّمة.

(2) للإطلاقات وعدم الدليل على الخلاف.

(3) فإنّ التقسيط بغير ذلك يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه.

(4) بيان ذلك : أنّ في المسألة أقوالاً :

الأول : اختصاص التأجيل بدية النفس فحسب. وحكي هذا القول عن


1) حكاه في المجموع 19: 150، حلية العلماء 7: 594.

2) الوسائل 29: 205/ أبواب ديات النفس ب 4 ح 1.

---------------------------------------------------------------------------------

العلّامة في بعض كتبه(1).

الثاني : عدم اختصاصه بها، بل يعمّ دية الأطراف أيضاً إذا كانت لها دية مقدّرة، وأما فيما لا مقدّر فيه شرعاً فلا تأجيل فيه. وهذا القول هو المحكي عن الأكثر.

الثالث : أن الأرش إن كان بقدر ثلث الدية فما دون يستأدى عند انسلاخ السنة الأولى، وإن كان بقدر الثلثين وما دون فالثلث الأول يستأدى عند انسلاخ السنة الأولى والباقي عند انسلاخ الثانية، وإن كان زائداً على الثلثين يستأدى الزائد عند انسلاخ السنة الثالثة. واختار هذا القول العلّامة في القواعد، ونسب ذلك إلى الشيخ في المبسوط أيضاً (2).

الرابع : أنّ التأجيل يثبت مطلقاً. وهذا القول هو الأظهر.

والوجه في ذلك : هو أنه لا موجب للاختصاص بدية النفس أو بالدية المقدّرة، إلا دعوى انصراف الدية في صحيحة أبي ولاد إلى خصوص دية النفس أو مطلق الدية المقدّرة، ولكن لا وجه لهذه الدعوى اصلاً، فإنّ الدية أعم من دية النفس ومن دية غيرها، كما أنها أعم من المقدّرة وغيرها.

هذا، مضافاً إلى أنّ المذكور في صحيحة محمد الحلبي المتقدّمة: الجناية خطأ، لا الدية، ومن الواضح أنّها لا تختص بما له مقدر شرعاً، ومقتضى إطلاق هذه الصحيحة عدم الفرق بين الدية والأرش.

وأما ما اختاره العلّامة فلا نعرف له وجهاً ظاهراً، فالأظهر ما ذكرناه.


1) القواعد 3: 711.

2) القواعد 3 : 711، المبسوط 7: 176.

دية جناية الذمّي في ماله

(مسألة 415) : دية جناية الذمي وإن كانت خطأ محضاً في ماله دون عاقلته (1)، وإن عجز عنها عقلها الإمام (عليه السلام) (2).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك صحيحة أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة، إنما يؤخذ ذلك من أموالهم، فإن لم يكن لهم مال رجعت الجناية على إمام المسلمين، لأنهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى سيّده. قال : وهم مماليك للإمام، فمن أسلم منهم فهو حرّ» (1).

(2) من دون خلاف بين الفقهاء، وتدلّ على ذلك الصحيحة المتقدمة.

بقي هنا شيء : هو أنه لو كان للذمّي عصبة من المسلمين فهل يعقلون عنه ؟

الظاهر - بل المقطوع به - عدمه، وذلك لأمرين :

الأوّل: الأولوية القطعيّة، فإنّ عصبته من الكفّار إذا لم يعقلوا عنه فلا يعقل عنه المسلمون منهم بطريق أولى.

الثاني : إطلاق الحصر في الصحيحة المتقدّمة، وهو قوله (عليه السلام) «إنما يؤخذ ذلك من أموالهم»، فإنّ مقتضاه أنّ جنايته في ماله وإن كان له عصبة من المسلمين.


1) الوسائل 29: 391/ أبواب العاقلة ب 1 ح 1.

عدم ضمان العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً

(مسألة 416) : لا تعقل العاقلة إقراراً ولا صلحاً، فلو أقر القاتل بالقتل أو بجناية أخرى خطأ تثبت الدية في ماله دون العاقلة، وكذلك لو صالح عن قتل خطائي بمال آخر غير الدية، فإنّ ذلك لا يحمل على العاقلة (1).

لو هرب القاتل ولم يُقدّر عليه أو مات

(مسألة 417) : تتحمّل العاقلة الخطأ المحض دون العمد وشبيه العمد (2).


(1) بلا خلاف بين الأصحاب.

وتدلّ على ذلك - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - معتبرة زيد بن علي عن آبائه (علیهم السلام) «قال : لا تعقل العاقلة إلا ما قامت عليه البينة. قال : وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة ولم يجعل على العاقلة شيئاً» (1).

ومن ذلك يظهر حال الصلح أيضاً، حيث إنّ عدم ضمان العاقلة للمال الذي وقع عليه الصلح على القاعدة، لأنّ ذمّة من صالحه عليه قد اشتغلت به دون غيره.

وتؤيد ذلك رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً» (2).

ورواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: العاقلة لا تضمن عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً» (3).

(2) قد تقدّم الكلام في ذلك في أوّل بحث الديات، فلاحظ (4).


1) الوسال 29 :398/ أبواب العاقلة ب 9 ح 1.

2) الوسائل 29: 394/ أبواب العاقلة ب 3 ح 1.

3) الوسائل 29: 394/ أبواب العاقلة ب 3 ح 2.

4) في ص 242.

نعم، لو هرب القاتل ولم يقدر عليه أو مات، فإن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم تكن له قرابة أداه الإمام (عليه السلام) (1).

لو جرح أو قتل نفسه خطأ

(مسألة 418) : لو جرح أو قتل نفسه خطأ لم يضمنه العاقلة ولا دية له (2).

جناية المملوك على رقبته

(مسألة 419) : المملوك جنايته على رقبته ولا يعقلها المولى (3).

دية القتل الخطأ من مال الجاني إذا لم تكن له عاقلة أو عجزت عن الدية

(مسألة 420) : تجب الدية على العاقلة في القتل الخطائي كما مرّ، فإن لم تكن له عاقلة أو عجزت عن الدية أخذت من مال الجاني (4)،


(1) تقدّم الكلام في ذلك أيضاً في أوّل كتاب الديات.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب، وذلك لأنّ ما دلّ على تحمّل العاقلة جناية الجاني خطأ لا يشمل ذلك.

(3) قد تقدّم ذلك في الشرط الأوّل من شروط القصاص (1).

(4) وفاقاً للمعروف والمشهور بين الأصحاب، بل في الغنية دعوى الإجماع على ذلك (2).

خلافاً لابن إدريس في السرائر، حيث ادعى أنه في صورة عدم العاقلة أو عجزها فالدية على الإمام دون الجاني(3).


1) في ص 51.

2) الغنية 2 :413.

3) السرائر 3: 335.

---------------------------------------------------------------------------------

ولكن لا دليل على ذلك، والصحيح ما هو المشهور، والوجه في ذلك أمران:

الأوّل : أنّه المستفاد من صحيحة محمد الحلبي المتقدمة في مسألة أنّ عمد الأعمى خطأ (1)، فإنّها تدلّ على أنّ الدية في القتل الخطائي تحمل على العاقلة ابتداءً، فإن لم تكن عاقلة وجبت الدية على الجاني نفسه، فإنّ الظاهر أنّ الإمام (عليه السلام) طبّق الكبرى على مورد السؤال، فالحكم حكم كلّي غير مختص بمورد الرواية.

نعم، المذكور في الرواية هو عدم وجود العاقلة دون عجزها. ولكن لا شكّ في اشتراك العجز مع عدم وجود العاقلة في الحكم، فإنّ المستفاد من الرواية أنّ الدية لا بد من أدائها من العاقلة إن أمكن، وإلا فمن الجاني.

الثاني : أنّ ظاهر الآية الكريمة والروايات هو أنّ ذمة الجاني مشغولة بالدية، غاية الأمر أنّ العاقلة تتحمّل عنه في أدائها، فيكون بالإضافة إليها تكليفاً محضاً.

أما الآية - وهي قوله تعالى « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ» الآية (2)- فهي ظاهرة في أنّ الدية ثابتة في ذمّة القاتل وأنه المكلف بتأديتها إلى أهل المقتول، كما أنّه مكلف بتحرير الرقبة المؤمنة.

وأما الروايات : فمنها ما هو صريح في ذلك، كصحيحة أبي العباس عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة، أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله؟ «فقال: نعم» قلت: رمى شاةً فأصاب


1) في ص 548.

2) النساء 4 :92.

---------------------------------------------------------------------------------

إنساناً «قال : ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه، عليه الدية والكفّارة» (1).

ومنها : ما هو ظاهر فيه، كصحيحة زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأ في أشهر الحرم «فقال : عليه الدية، وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» الحديث (2).

فإنّها ظاهرة في أنّ الدية في القتل الخطائي في مال الجاني وأنه مكلف بها مطلقاً وإن كان القتل خطأ محضاً، ويؤكد ذلك أنه جعل الدية عليه في سياق جعل الكفّارة عليه، فلو كنّا نحن وظاهر الآية الكريمة والروايتين لم نقل بوجوب إعطاء الدية على العاقلة، ولكن قد دلّ الدليل على أن عاقلة الجاني تتحمّل دية جنایته خطأ، كصحيحة محمد الحلبي وغيرها من الروايات الدالة على أن العاقلة تتحمّل دية جناية الجاني إذا كانت خطأ، ولكن لا يدلّ شيء منها على أنّ ذلك وضع.

وما يظهر من بعض الروايات من الوضع كرواية أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) «قال : لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً»(3).

ورواية السكوني، عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : العاقلة لا تضمن عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً» الحديث (4).

لا يمكن الأخذ به، لأنّ رواية أبي بصير ضعيفة سنداً بعلي بن أبي حمزة،


1) الوسائل 29: 38/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9.

2) الوسائل 29: 204 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 4.

3) الوسال 29: 394/ أبواب العاقلة ب 3 ح 1.

4) الوسائل 29: 394/ أبواب العاقلة ب 3 ح 2.

وإن لم يكن له مال فهي على الإمام (عليه السلام) (1).


ورواية السكوني ضعيفة من جهة أنّ في طريق الشيخ إلى النوفلي ضعفاً.

فالنتيجة من ذلك : أنّه لم يثبت كون تحمّل العاقلة الدية في الجناية الخطائي وضعاً، بل هو تكليف محض. وعليه، يترتب أنّ العاقلة إذا أدّت الدية برئت ذمّة الجاني، وإلا فذمته مشغولة بها. فإذن لا يختص كون الدية في مال الجاني بصورة عدم العاقلة له أو عجزها، بل تعمّ صورة عصيانها وعدم تأديتها خارجاً.

(1) على المشهور شهرة عظيمة.

وتدلّ على ذلك معتبرة أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقاً عين صحيح «فقال: إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ولا يبطل حق امرى مسلم» (1).

وتقريب دلالتها على ثبوت الحكم كما تقدّم، مضافاً إلى أنّ التعليل فيها شاهد على عدم الاختصاص بموردها.

وبذلك يظهر دلالة معتبرة أبي بصير أيضاً قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله وإلا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (2).


1) الوسائل 29: 89/ أبواب القصاص في النفس ب 35 ح 1.

2) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

حكم ما لو مات بعض العاقلة

(مسألة 421): المشهور أنه إذا مات بعض العاقلة فإن كان قبل تمام الحول سقط عنه، وإن كان بعد تمام الحول انتقل إلى تركته، وفيه إشكال، والأظهر السقوط مطلقاً (1).

كيفية تقسيم الدية على العاقلة

(مسألة 422) : في كيفية تقسيم الدية على العاقلة خلاف، فقيل : إنها على الغني نصف دينار، وعلى الفقير ربع دينار. وقيل : يقسطها الإمام (عليه السلام) أو نائبه عليهم على الشكل الذي يراه فيه مصلحة. وقيل : تقسّط عليهم بالسويّة، وهذا القول هو الأظهر (2).


(1) وجه الإشكال : هو أنّه لا دليل على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب أصلاً، ضرورة أنّه إن كان ديناً انتقل إلى تركته وإن كان قبل تمام الحول، فإنّ عدم لزوم أدائه قبله لا ينافي ذلك، وإن لم يكن ديناً كما قوّيناه سقط عنه بموته مطلقاً وإن كان بعد تمام الحول.

فالنتيجة : أن التفصيل لا مجال له.

(2) بيان ذلك : أنّ في المسألة وجوهاً :

الأول : التفصيل بين الغني والفقير، فعلى الأوّل نصف دينار، وعلى الثاني ربعه. واختار هذا الوجه الشيخ في محكيّ المبسوط والخلاف والقاضي، بل هو خيرة الفاضل في القواعد والإرشاد (1).

الثاني : أنّ أمر التقسيم بيد الإمام (عليه السلام) أو نائبه. واختار هذا الوجه جماعة كثيرة، منهم : الشيخ في موضع آخر من الخلاف والمبسوط وابن إدريس


1) المبسوط 7: 174، الخلاف 5 : 282/ 105، المهذب 2: : 504، القواعد 3: 711، الإرشاد: 230.

هل يجمع في العاقلة بين القريب والبعيد أو يعتبر الترتيب بينهم ؟

(مسألة 423) : هل يجمع في العاقلة بين القريب والبعيد أو يعتبر الترتيب بينهم؟ قيل بالثاني، وهذا هو المشهور بين الأصحاب، وفيه إشكال، والأوّل هو الأظهر (1).


في السرائر والمحقق في الشرائع والنافع وابن سعيد في جامعه والعلّامة في التحرير والتلخيص والتبصرة واختاره صاحب الرياض واحتمل أنه المشهور (1).

الثالث : أنّ الدية تقسّط على العاقلة بالسويّة. ومال إلى هذا الوجه صاحب الجواهر (قدس سره) (2). وهو القوي. والوجه في ذلك : هو أن مقتضى إطلاق ما دلّ على أنها على العاقلة هو ذلك، حيث إن التقسيط بغير ذلك يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام.

(1) وجه الإشكال : هو أنه لا دليل على ذلك ما عدا الشهرة، فإنّ الإجماع غير محقق جزماً، لمخالفة الشيخ في المبسوط وابن سعيد في الجامع صريحاً. نعم، قد يستدلّ على ذلك بمرسلة يونس بن عبدالرحمن، عمّن رواه، عن أحدهما (عليهما السلام): أنّه قال في الرجل إذا قتل رجلاً خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية : «أنّ الدية على ورثته، فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال» (3).


1) الخلاف 5: 279/ 100، المبسوط 7: 178، السرائر 3: 332، الشرائع 4: 301، المختصر النافع : 316، الجامع للشرائع : 576، التحرير 2: 280 (حجري)، تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية) 40 : 485، التبصر : 218، الرياض 2: 567 (حجري).

2) الجواهر 43: 436.

3) الوسائل 29: 397/ أبواب العاقلة ب 6 ح 1.

لو كان بعض أفراد العاقلة عاجراً عن الدية

(مسألة 424) : إذا كان بعض أفراد العاقلة عاجزاً عن الدية فهي على المتمكّن منهم (1).

لو كان بعض العاقلة غائباً

(مسألة 425): لو كان بعض العاقلة غائباً لم يختص الحاضر بالدية، بل هي عليهما معاً (2).

ابتداء زمان التأجيل في دية الخطأ من حين استقرارها

(مسألة 426) : ابتداء زمان التأجيل في دية الخطأ من حين استقرارها، وهو في القتل من حين الموت، وفي جناية الطرف من حين الجناية إذا لم تسر، وأما إذا سرت فمن حين شروع الجرح في الاندمال (3).


وفيه - مضافاً إلى ضعفها سنداً من ناحية الإرسال - : أنّ موردها القتل الشبيه بالعمد دون الخطأ المحض كما أشرنا إليه سابقاً (1).

فإذن الأظهر ما ذكرناه، وهو عدم اعتبار الترتيب بين جميع الطبقات، وذلك لما تقدّم من أنّ موضوع وجوب الدية هو العاقلة، وهي عبارة عن عصبة الجاني التي تعمّ جميع أقاربه من الرجال على اختلاف مراتبهم.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب. والوجه فيه ظاهر، بناءً على ما حققناه من أنّ ثبوت الدية على العاقلة تكليف محض. وعليه، فبطبيعة الحال يسقط عن العاجز، فيتوجّه من الأوّل إلى المتمكن منهم.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب، وذلك لإطلاق الأدلة.

(3) على المشهور بين الأصحاب، بل ادّعي في الأولين عدم الخلاف. وكيف كان، فالوجه في ذلك كله واضح وأنه مما تقتضيه القاعدة.


1) في ص 542.

المشكوك في كونه من العصبة لا يعقل

(مسألة 427): لا يعقل الدية إلّا من علم أنّه من عصبة القاتل، ومع الشكّ لا تجب (1).

القاتل عمداً وظلماً لا يرث من الدية، فهل يرث من الدية إذا كان شبه عمد أو خطأ ؟

(مسألة 428) : القاتل عمداً وظلماً لا يرث من الدية (2) ولا من سائر أمواله (3)،


(1) وذلك لأصالة عدم كون المشكوك فيه من العصبة، بناء على ما قوّيناه من جريان الأصل في الأعدام الأزليّة وبها يحرز أنّه ليس منها.

(2) بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب، وتدلّ على ذلك عدة روايات :

منها صحيحة أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة شربت دواء وهي حامل ولم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها، قال: «فقال: إن كان له عظم وقد نبت عليه اللحم عليها دية تسلّمها إلى أبيه» - إلى أن قال : - قلت له : فهي لا ترث ولدها من ديته مع أبيه؟ «قال: لا، لأنها قتلته فلا ترثه» (1).

ومنها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: المرأة ترث من دية زوجها ويرث من ديتها ما لم يقتل أحدهما صاحبه» (2).

ومنها : صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: للمرأة من دية زوجها وللرجل من دية امرأته ما لم يقتل أحدهما صاحبه»(3).

(3) بلا خلاف ولا إشكال بين الفقهاء، وتدل على ذلك عدة روايات :


1) الوسائل 26: 31/ أبواب موانع الارث ب 8 ح 1.

2) الوسائل 26 :32 / أبواب موانع الارث ب 8 ح 2.

3) الوسائل 26: 38/ أبواب موانع الارث ب 11 ح 1.

وإذا لم يكن له وارث غيره فهي للإمام (عليه السلام) كسائر أمواله (1)، وأما إذا كان شبه عمد أو خطأ محضاً فهل يرث من الدية ؟ المشهور عدمه، وهو الأظهر (2).


منها : صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : إذا قتل الرجل أمه خطأً ورثها، وإن قتلها متعمداً فلا يرثها» (1).

ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل أمه، أيرثها ؟ «قال: إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمداً لم يرثها» (2).

(1) من دون خلاف بين الأصحاب، لإطلاق الأدلة.

(2) وذلك لإطلاق الصحاح المتقدّمة، حيث إنّ مقتضاه عدم الفرق بين أقسام القتل من العمد والشبيه بالعمد والخطأ.

وأما صحيحتا محمّد بن قيس وعبدالله بن سنان المتقدمتان فهما معارضتان لتلك الصحاح بالعموم من وجه، فمورد الالتقاء بينهما هو الدية في القتل الخطائي، فالطائفة الأولى تدلّ على عدم الإرث منها، والطائفة الثانية تدلّ على الإرث منها، وحيث إنّ المعارضة بينهما بالإطلاق فتسقطان معاً، فالمرجع هو إطلاق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (3)، حيث إنّ الظاهر منها هو أن الدية على القاتل ولا بد من


1) الوسائل 26: 33/ أبواب موانع الارث ب 9 ح 1.

2) الوسائل 26: 34/ أبواب موانع الارث ب 9 ح 2.

3) النساء 4 :92.

عدم ضمان العاقلة عبداً ولا بهيمة

(مسألة 429) : لا يضمن العاقلة عبداً ولا بهيمة (1).

لو جرح ذمّي مسلماً خطأ ثم أسلم فسرت الجناية فمات المجروح

(مسألة 430) : لو جرح ذمّى مسلماً خطأ ثم أسلم فسرت الجناية فمات المجروح لم يعقل عنه عصبته لا من الكفّار ولا من المسلمين2، وعليه فديته في ماله، وكذا لو جرح مسلم مسلماً ثم ارتدّ الجاني فسرت الجناية فمات


تسليمها إلى أهل المقتول، سواء أكان المسلم هو القاتل نفسه - كما في شبيه العمد - أو غيره كما في القتل الخطائي. وعلى كل حال فمن اشتغلت ذمته بالدية غير من يسلّم إليه الدية. ويؤكد ذلك ذيل الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: « إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» الآية (1).

(1) فإنّ جناية العبد في رقبته، وجناية البهيمة إذا كانت بتفريط من مالكها على المالك، كما تقدّم الكلام في كليهما سابقاً (2).

(2) أمّا الكفّار : فلأنهم لا يعقلون لا من أهل الذمة - لما تقدّم من أنّه لا معاقلة بينهم(3)- ولا من المسلمين، حيث إنهم لا يكونوا عاقلة للمسلم كما عرفت.

وأما المسلمون: فلأنّ عدم كونهم عاقلة للجاني حال الجناية ظاهر، وأمّا عدم كونهم عاقلة له حال الموت فلأنّه لا إطلاق في دليل العاقلة ليشمل مثل هذا الفرض. فالمتيقن منه هو ما إذا كان الجاني مسلماً حين الجناية أيضاً وعليه فديته في ماله.


1) النساء 4: 92.

2) في ص 51، وص 305.

3) في ص 552.

المجني عليه لم يعقل عنه عصبته المسلمون ولا الكفّار (1).

لو رمي صبي شخصاً ثم بلغ فقتل ذلك الشخص

(مسألة 431) : لو رمى صبي شخصاً ثمّ بلغ فقتل ذلك الشخص فديته على عاقلته (2).

هذا آخر ما كتبناه تكميلاً للمنهاج، والحمد الله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) أمّا من الكفّار : فظاهر، وأمّا من المسلمين فلأن القاتل حين الجناية وإن كان مسلماً إلّا أنّه لا إطلاق في أدلّة العاقلة كي تدل بإطلاقها على أنّ الجناية الخطائي من كلّ مسلم على عاقلته وإن ارتد بعدها مثلاً. وعليه، فمقتضى الإطلاقات أن ديته على ذمته.

(2) وذلك لأنه حين القتل وإن كان بالغاً إلا أنّ استناده إليه إنما هو بسبب الجناية التي صدرت منه في حال كونه صبيّاً، وقد تقدم أن جنايته على عاقلته (1).

هذا آخر ما أوردناه من مباني الأحكام المدوّنة في كتابنا : تكملة منهاج الصالحين.

وبالله تعالى أستعين لإكمال مباني الأحكام المذكورة في الجزأين الأول والثاني من: منهاج الصالحين، إنه الموفق والمعين.

وكان الفراغ من تسويد هذه الأوراق في شهر رمضان المبارك سنة 1395ه-.


1) في ص 79.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع...الصفحة

كتاب القصاص

الفصل الأوّل في قصاص النفس

ما يثبت به القصاص...3

ما يتحقق به القتل العمدي...5

لو ألقى شخصاً في النار أو البحر متعمداً فمات...6

لو أحرق شخصاً بالنار قاصداً به قتله أو جرحه فمات...6

هل يثبت القصاص لو سرت الجناية العمدية وترتب عليها الموت ؟... 6

حكم ما لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان فقتله... 7

لو سحر شخصاً بما يترتب عليه الموت...8

حكم ما لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً...8

لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمداً...9

لو جرح شخصاً قاصداً به قتله، فداوي المجروح نفسه بدواء مسموم فمات...9

لو ألقاه من شاهق قاصداً قتله فمات الملقی في الطريق قبل سقوطه إلى الأرض...10

لو أغرى به كلباً عقوراً أو ألقاه إلى أسد أو نحوه فمات...10

جواز القصاص من القاتل عمداً وإن لم يكن مستقلاً في القتل...11

لو كتفه ثم ألقاه في أرض مسبعة فافترسته السباع...11

لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث...12

حكم ما لو أمسك شخصاً وقتله آخر ونظر إليه ثالث...12

حكم ما لو أمر غيره بقتل أحد أو أكرهه على القتل فقتله...13

عدم الفرق في الحكم بين ما إذا كان المأمور عبداً للآمر وعدمه...15

لو قال شخص لآخر : اقتلني، فقتله...18

حكم ما لو أمر شخص غيره بقتل نفسه، فقتل نفسه...18

لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث وهدده بالقتل إن لم يفعل، فهل يثبت القصاص على المكره ؟...20

لو أكرهه على صعود جبل أو نزول بئر فزلت قدمه وسقط فمات... 21

لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح، ثم ذبحه آخر...21

لو قطع يد شخص وقطع آخر رجله قاصداً كل منهما قتله فاندملت إحداهما فمات بالسراية...22

لو جرح إثنان شخصاً جرحين بقصد القتل فمات بالسراية...23

هل تدخل دية الطرف في دية النفس أم لا ؟...24

حكم ما لو قتل رجلان أو ثلاثة رجلاً...27

كيفية تحقق الشركة في القتل...30

لو اشترك إنسان مع حيوان في قتل مسلم... 30

حكم اشتراك الأب مع أجنبي في قتل ابنه...32

كيفية تحقق الشركة في الجناية على الأطراف...33

لو اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجل...34

لو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل...35

لزوم تقديم الردّ على استيفاء الحق في كل موضع وجب فيه الردّ على الولي عند القصاص...35

لو كان القاتل رجلين أحدهما خاطئ والآخر عامد...36

حكم اشتراك الحر والعبد في قتل حرّ عمداً...37

لو اشترك عبد وامرأة في قتل حرّ...38

شروط القصاص

الأول : التساوي في الحرية والعبودية...39

لو قتل الحر الحرّ أو الحرّة عمداً...39

لو قتلت الحرّة الحرّة أو الحر...40

حكم قتل الحر الحرّ أو الحرّة خطأ أو شبه عمد...41

عدم القصاص في قتل الحرّ أو الحرّة العبد عمداً...41

اختلاف الجاني ومولى العبد في قيمته يوم القتل...46

لو قتل المولى عبده متعمداً...46

حكم قتل الحرّ أو الحرّة مكاتباً أدّى من مال مكاتبته شيئاً...48

لو قتل العبد حراً عمداً...51

لو قتل المملوك أو المملوكة مولاه عمداً...52

لو قتل المكاتب حرّاً متعمداً...53

حكم قتل العبد أو الأمة الحرّ خطأ...54

لو قتل المكاتب الحرّ أو العبد خطأ...57

لو قتل العبد عبداً متعمداً...58

حكم قتل العبد مكاتباً عمداً...60

لو قتلت الأمة أمة أو عبداً...61

لو قتل المكاتب عبداً عمداً...61

لو قتل المكاتب مكاتباً مثله عمداً...63

لو قتل العبد عبداً خطأ...64

لو كان للحرّ عبدان قتل أحدهما الآخر...65

لو قتل الحرّ حرّين فصاعداً...66

حكم قتل العبد حرّين معاً...67

لو قتل عبد عبدين عمداً...69

لو قتل عبد عبداً لشخصين عمداً...70

لو قتل عبدان أو أكثر عبداً عمداً...70

هل يصح عتق العبد بعد قتله الحرّ عمداً، وكذا بيعه أو هبته ؟...71

لو قتل العبد حرّاً خطأ ثم أعتقه مولاه...72

الشرط الثاني: التساوي في الدين...72

هل يقتص اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض ؟...76

لو قتل الذمّي مسلماً عمداً...77

لو قتل الكافر كافراً عمداً ثم أسلم...77

حكم قتل ولد الحلال ولد الزنا...78

الضابط في ثبوت القصاص وعدمه...78

لو جنى الصبي بقتل أو بغيره ثم بلغ...79

لو رمى سهماً وقصد به غير مسلم فأصابه بعد ما أسلم...79

لو رمى عبداً بسهم فأصابه بعد ما أعتق فمات...80

لو قطع يد مسلم قاصداً به قتله ثم ارتد المجني عليه فمات...80

هل يُقتل المرتد بقتله ذميّاً أم لا ؟...81

لو جنى مسلم على ذمّي ثم ارتدّ الجاني وسرت الجناية فمات الذمّي...82

لو قتل ذمّي مرتداً...82

لو كان على مسلم قصاص فقتله غير الولي بدون إذنه... 82

لو وجب قتل شخص بزناً أو لواط أو غيره دون سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقتله غير الإمام...82

عدم الفرق في المجني عليه المسلم بين الأقارب والأجانب، والوضيع والشريف. وهل يُقتل البالغ بقتل الصبي ؟...84

الشرط الثالث: أن لا يكون القاتل أباً للمقتول...86

لو قتل شخصاً وادعى أنه ابنه...87

لو قتل الرجل زوجته وكان له ولد منها، فهل يثبت حق القصاص لولدها ؟... 89

لو قتل أحد الأخوين أباهما والآخر أمها...89

الشرط الرابع : أن يكون القاتل عاقلاً بالغاً...90

اختلاف الولي والجاني في البلوغ وعدمه حال الجناية...94

لو قتل العاقل مجنوناً...95

لو أراد المجنون عاقلاً فقتله العاقل دفاعاً عن نفسه أو ما يتعلّق به... 96

هل على القاتل السكران قود أم لا ؟...97

لو كان القاتل أعمى فهل عليه القود أم لا ؟...99

الشرط الخامس : أن يكون المقتول محقون الدم... 100

لو رأى زوجته يزني بها رجل وهي مطاوعة...102

الفصل الثاني في دعوى القتل وما يثبت به

اشتراط العقل والبلوغ في المدّعي...106

لو ادعى على شخص أنه قتل أباه مع جماعة لا يعرفهم...106

لو ادعى القتل ولم يبيّن أنه كان عمداً أو خطأ...107

لو ادعى على شخص أنه القاتل منفرداً ثم ادعى على آخر كذلك أو شريكاً...108

لو ادعى القتل العمدي على أحد وفسّره بالخطأ...108

ثبوت القتل بأمور...109

الأول : الإقرار وما يعتبر في المقرّ...109

لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر بقتله خطأ...112

لو أقرّ أحد بقتل شخص عمداً، وأقرّ آخر أنه هو الذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره...113

الثاني : البينة...116

عدم ثبوت القتل بشاهد وامرأتين، ولا بشهادة النساء منفردات، ولا بشاهد ويمين...116

اعتبار الحسّ أو ما يقرب منه في الشهادة على القتل...116

لو شهد شاهدان بما يكون سبباً للموت وادعى الجاني عدم استناده إلى جنايته...116

اعتبار توارد شهادة الشاهدين على أمر واحد في قبول الشهادة...117

لو شهد أحدهما بالقتل، وشهد الآخر بإقراره به...117

لو شهد أحدهما بالإقرار بالقتل من دون تعيين العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار به عمداً...117

لو ادعى القتل على شخصين وأقام البينة ثم شهد المشهود عليهما بأن الشاهدين هما القاتلان...118

لو شهد شخصان لمن يرثانه بأنّ زيداً جرحه...118

لو شهد شاهدان من العاقلة بفسق شاهدي القتل...118

لو قامت بيّنة على أنّ زيداً قتل شخصاً منفرداً وقامت أخرى على أن القاتل غيره...119

لو قامت بينة على أن شخصاً قتل زيداً عمداً، وأقرّ آخر بأنه القاتل دون المشهود عليه...119

لو ادّعى الولي أنّ القتل الواقع عمدي، وأقام على ذلك شاهداً وامرأتين ثم عفا عن حق الاقتصاص...123

الفصل الثالث في القسامة

حكم ما لو ادّعى الولي القتل على واحد أو جماعة...124

هل تثبت القسامة لو كان المدعي أو المدعى عليه امرأة ؟...129

كمية القسامة...130

القسامة في القتل العمدي وغيره...130

لو كان المدعون جماعة أقل من عدد القسامة...133

لو كان المدعى عليه واحداً أو أكثر...134

لو لم تكن بيّنة للمدعي ولا للمدعى عليه ولم يحلف المدعي، وحلف المدعى عليه...136

هل تثبت القسامة في الجروح بالإضافة إلى الدية ؟...138

هل تثبت القسامة على المسلم لو كان القتيل كافراً ولم تكن لوليه بينة ؟... 139

لو قُتِل رجلٌ في قرية أو قريب منها أو بين قريتين...141

لو وجد قتيل في مكان لا يستند القتل فيه إلى شخص أو جماعة معينة... 142

اعتبار مطابقة اليمين للدعوى...143

لو ادعى أن أحد هذين الشخصين قاتل ولكنه لا يعلم به تفصيلاً...144

لو ادّعى القتل على اثنين بنحو الاشتراك ولم تكن له بينة...144

لو ادعى القتل على اثنين وكان في أحدهما لوث...145

حكم ما لو كان للمقتول وليّان أحدهما غائب...146

لو كان للقتيل وليان، وادّعى أحدهما القتل على شخص وكذبه الآخر... 148

لو مات الولي هل يقوم الوارث مقامه ؟...148

لو حلف المدعي على أن القاتل زيد، ثم اعترف آخر بأنه القاتل منفرداً...149

لو حلف المدّعي واستوفى حقه من الدّية ثم قامت البينة على غياب المدعى عليه أو مرضه...149

لو اتهم رجل بالقتل...150

الفصل الرابع في أحكام القصاص

ثبوت القود دون الدية في القتل العمدي...151

حكم ما لو تعذر القصاص من القاتل...154

لو أراد أولياء المقتول القصاص من القاتل فخلّصه قوم من أيديهم...155

تولي القصاص من يرث المال من الرجال دون الزوج ومن يتقرب بالأم...155

هل يجوز لولي المقتول المبادرة إلى القصاص لو انفرد ؟...157

هل يجوز لكلّ واحد من أولياء المقتول لو تعدّدوا الاقتصاص من القاتل مستقلاً دون إذن الباقين أو لا ؟...158

حكم ما لو اقتص بعض الأولياء من الجاني...161

لو كان المقتول مسلماً ولم يكن له أولياء من المسلمين...162

تحريم المثلة بالقاتل عند الاقتصاص...162

للولي حق الاقتصاص مباشرةً أو بتسبيب غيره...163

لو كان بعض أولياء المقتول حاضراً دون بعض...163

لو كان ولي المقتول صغيراً أو مجنوناً...163

لو كان للميّت وليّان فادّعى أحدهما أن شريكه عفا عن القصاص...164

هل يجوز لولي المقتول المحجور عليه لفلس أو سفه الاقتصاص من القاتل أو العفو عنه ؟...164

لو قُتِلَ شخص وعليه دين وليس له مال...164

لو قَتَل واحد اثنين على التعاقب أو دفعه واحدة...167

لو وكل ولي المقتول من يستوفي القصاص ثم عزله قبل الاستيفاء... 167

عدم الاقتصاص من المرأة الحامل حتى تضع... 168

لو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً...169

حكم ما لو قطع يد شخص، ثم قتل شخصاً آخر...170

لو قطع يد رجل ثمّ قتل شخصاً آخر فاقتص منه بقطع يده وبقتله ثم سرت الجناية في المجني عليه فمات...170

حكم ما لو قطع يد شخص ثم اقتص المجني عليه من الجاني فسرت الجنايتان...171

ثبوت حق القصاص للولي بعد موت المجني عليه...174

لو قتل شخصاً مقطوع اليد...175

لو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً فظنّ موته فتركه و به رمق، ثم برئ... 175

الفصل الخامس في قصاص الأطراف

ثبوت القصاص في الأطراف بالجناية عليها عمداً...177

شروط جواز القصاص في الأطراف وما يعتبر فيه...178

حكم ما لو جرح العبد حرّاً...179

حكم ما لو جنى حرّ على مملوك...180

لو قطع حرّ يدَ عبدٍ قاصداً قتله فأعتق، ثم جنى عليه آخر فسرت الجنايتان فمات...182

لو قطع حرّ يد عبد، ثم قطع رجله بعد عتقه...182

حكم ما لو جنت المرأة على الرجل، وبالعكس...183

هل يعتبر التساوي في السلامة من الشلل في الاقتصاص ؟...186

لو قطع يمين رجل...189

لو قطع أيدي جماعة على التعاقب...190

لو قطع اثنان يد واحد...191

ثبوت القصاص في الشجاج واعتبار المماثلة فيه...191

ثبوت القصاص في الجروح المضبوطة وفي غيرها عدمه...192

جواز الاقتصاص قبل الاندمال وإن احتمل عدمه...194

كيفية القصاص في الجروح...195

هل يجب تأخير القصاص في الأطراف عن شدة البرد أو الحرّ لو كان في معرض السراية ؟...196

عدم اعتبار كون آلة القصاص من الحديد...196

لو كانت مساحة الجراحة في عضو المجني عليه تستوعب عضو الجاني وتزيد عليه لصغره...196

لو قطع عضو من شخص فاقتص منه، ثم أعاد المجني عليه ذلك العضو فالتحم...197

لو قطعت اذن شخص ثمّ ألصقها المجني عليه قبل الاقتصاص من الجاني والتحمت، فهل يسقط به حق الاقتصاص ؟...198

لو قلع رجل أعور عين رجل صحيح...198

لو قلع صحيح العينين العين الصحيحة من رجل أعور خلقةً أو بآفة...199

لو أذهب ضوء عين آخر دون الحدقة...200

ثبوت القصاص في الحاجبين واللحية وشعر الرأس وما شاكل ذلك... 201

مع ثبوت القصاص في قطع الذكر، فهل هناك فرق بين الشاب والشيخ والأغلف والمختون ؟...203

ثبوت القصاص في الخصيتين وكذا في إحداهما...204

ثبوت القصاص لو قطعت امرأة شفري الأخرى ووجوب الدية على الرجل لو قطعهما...205

عدم اعتبار التساوي بين العضو المقطوع وعضو الجاني...207

لو قطع بعض الأنف...207

ثبوت القصاص في السن...208

حکم سنّ الصبي الذي لم يثغر...208

لو اقتص المجني عليه من الجاني وقلع سنّه ثم عادت...210

هل يشترط التساوي في المحلّ والموضع في قصاص الأسنان؟...211

عدم قلع السن الأصلية بالزائدة...212

اقتصاص كلّ عضو منه مع وجوده وأخذ الدية بدله مع فقده...212

لو قطع كفّاً تامة من ليس له أصابع أصلاً، أو ليس له بعضها...213

حكم ما لو قطع اصبع شخص وسرت الجناية إلى كفه اتفاقاً...216

وجوه في قطع اليد ومعها بعض الذراع...217

لو كانت للقاطع اصبع زائدة، وللمقطوع كذلك...218

حكم ما لو قطع يمين شخص، فبذل الجاني شماله فقطعت...220

لو قطع يد رجل فمات، وادّعى الولي الموت بالسراية، وأنكره الجاني...221

لو قطع اصبع رجل عمداً فعفا المجنى عليه...222

لو عفا المجني عليه عن قصاص النفس...223

لو اقتص من الجاني فسرت الجناية اتفاقاً وبغير قصد إلى عضو آخر... 223

هل يلحق حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومشاهد الأئمة (عليهم السلام) بحرم الله تعالى في عدم الاقتصاص من الجاني عمداً إذا التجأ إليه ؟...224

معنى الدية...229

موارد ثبوت الدية...229

دية قتل المسلم متعمّداً وأصنافها...230

مدة استيفاء دية العمد واختيار الجاني بين الأصناف المذكورة...234

دية شبه العمد...234

مدة استيفاء دية شبه العمد...240

لو هرب القاتل فيما يشبه العمد فلم يقدر عليه أو مات...241

دية الخطأ المحض، وهي تحمل على العاقلة...242

ما يعتبر في الدية لو أرادت العاقلة أداءها...243

ما يستثنى من ثبوت الدية في القتل الخطائي...246

دية القتل في الأشهر الحرم عمداً أو خطأ...247

دية المرأة الحرة المسلمة...254

دية ولد الزنا...255

دية الذمّي...257

دية العبد...260

لو جنى على عبد بما فيه قيمته...260

ثبوت الأرش في كلّ جناية لا مقدر لها شرعاً...261

عدم الدية لمن قتله الحد أو التعزير...262

لو بان فسق الشاهدين أو الشهود بعد قتل المشهود عليه...263

حكم من اقتض بكراً أجنبية...263

لو أكره امرأة أجنبية غير بكر فجامعها...267

لو أدب زوجته تأديباً مشروعاً فماتت...270

لو أمر شخصاً بقطع عقدة في رأسه، فقطعها فمات...270

حكم ما لو قطع عدة أعضاء شخص خطأ...271

أمران : المباشرة، التسبيب...273

حكم انقلاب النائم غير الظئر فأتلف نفساً أو طرفاً منها...274

لو أتلفت الظئر طفلاً وهي نائمة...276

حكم موت أحد الزوجين بعنف الآخر له جماعاً أو ضمّاً...278

لو حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً...279

لو صاح على أحد فمات...281

لو صدم شخصاً عمداً غير قاصد لقتله فمات...282

حكم اصطدام حرّان بالغان عاقلان قاصدان ذلك فماتا اتفاقاً...283

لو تصادم فارسان فمات الفرسان أو تعيبا...283

هل تضمن العاقلة إذا اصطدم صبيان راکبان فماتا ؟...284

لو اصطدم عبدان بالغان عاقلان فماتا...284

لو اصطدم عبد وحرّ فماتا اتفاقاً...285

حكم اصطدام امرأتان إحداهما حامل فماتنا...286

لو رمى إلى طرف قد يمرّ فيه إنسان فأصاب عابراً اتفاقاً...286

ضمان الختان لو أخطأ فقطع حشفة غلام...288

حكم الساقط من شاهق على غيره اختياراً فقتله...288

لو سقط من شاهق على شخص بغیر اختیاره...289

حكم ما لو دفع شخصاً على آخر...290

لو ركبت جارية على أخرى فنخستها ثالثة فقمصت المركوبة قهراً فصرعت الراكبة فماتت...290

فروع

الأول : من دعا غيره ليلاً فأخرجه من منزله فهو له ضامن حتى يرجع...293

الثاني : إذا جاءت الظئر بالولد فأنكره أهله صُدّقت ما لم يثبت كذبها...295

الثالث : لو استأجرت الظئر امرأةً أخرى ودفعت الولد إليها بغير إذن أهله...297

فروع التسبيب

لو أدخلت المرأة أجنبيّاً في بيت زوجها فجاء الزوج وقتل الرجل، فهل تضمن المرأة ديته ؟...298

حكم ما لو وضع حجراً في ملكه أو في ملك غيره أو في طريق مسلوك... 298

لو حفر في طريق المسلمين ما فيه مصلحة العابرين فاتفق وقوع شخص فيه فمات...300

ضمان معلّم الصبي للسباحة لو غرق مستنداً إلى فعله...301

حكم اشتراك جماعة في قتل واحد منهم خطأ...301

لو أراد إصلاح سفينة حال سيرها فغرقت بفعله...302

عدم ضمان مالك الجدار بوقوعه على إنسان أو حيوان فأتلفه...302

هل يجوز نصب الميازيب وتوجيهها نحو الطرق النافذة ؟...303

لو أجج ناراً في ملكه فسرت إلى ملك غيره اتفاقاً...304

لو ألقی قشر موز في الطريق أو أسال الماء فيه فزلق به انسان فتلف...305

حكم مالو وضع إناءً على حائط فسقط فتلف به إنسان أو حيوان...305

حكم جناية الدابة الصائلة المهملة...305

عدم الضمان فما أفسدته البهائم نهاراً...309

لو هجمت دابة على أخرى فجنت الداخلة...309

لو دخل رجل دار قوم فعقره کلبهم...310

هل يضمن مالك الهرة لو أتلفت مال أحد ؟...311

هل يضمن راكب الدابة وقائدها ما تجنيه بيديها ورجليها ؟...311

لو وقف بدابته فهل عليه ضمان ما تصيبه بيدها ورجلها ؟...315

لو ركب الدابة رديفان فوطئت شخصاً فمات أو جرح...316

هل يضمن مالك الدابة لو ألقت راكبها فمات أو جرح ؟...317

لو حمل المولى عبده على دابته فوطئت رجلاً...317

لو شهر سلاحه في وجه إنسان ففرّ وألقى نفسه في بئر أو من شاهق اختياراً فمات...318

لو أركب صبيّاً بدون إذن الولي على دابة فسقط ومات...319

فروع تزاحم الموجبات

لو كان أحد شخصين مباشراً للقتل والآخر سبباً...320

حكم ما لو حفر بئراً في ملكه وغطاها ودعا غيره فسقط فيها...321

هل الضمان بالنسبة لو اجتمع سببان لموت شخص؟...322

لو حفر بئراً في الطريق عدواناً فسقط شخصان فيها...323

لو قال لآخر ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة فألقی...323

لو أمر شخصاً بإلقاء متاعه في البحر وقال: علي وعلى ركاب السفينة ضمانه...324

لو وقع من شاهق أو في بئر فتعلّق بآخر، وإذا تعلّق الثاني بالثالث... 325

لو جذب غيره إلى بئر فسقط المجذوب عليه فمات الجاذب...327

حكم سقوط شخص في بئر فجذب ثانياً، والثاني ثالثاً...328

ديات الأعضاء

الفصل الأول في دية القطع...330

وجوب الدية في قطع كلّ عضو من أعضاء الإنسان أو ما بحكمه...330

الأوّل: الشعر...332

الثاني : العينان...338

لو قلعت الأجفان مع العينين فهل تتداخل ديتاهما ؟...342

هل في قلع العين الصحيحة من الأعور الدية كاملةً ؟...342

لو قلع عين شخص وادعى أنها كانت قائمة لا تبصر، وادّعى المجني عليه أنها صحيحة...345

الثالث: الأنف...346

خلاف في دية قطع أحد المنخرين...349

الرابع: الأذنان...351

الخامس : الشفتان...352

السادس : اللسان...357

عدد حروف المعجم والخلاف فيها...360

العبرة في المقدار المقطوع من اللسان الصحيح هي حروف المعجم...362

لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه فأخذ الدية ثم عاد كلامه...362

دية قطع لسان الطفل...363

السابع : الأسنان...363

حكم ما لو ضربت السنّ...367

عدم الفرق في ثبوت الدية بين قلع السن من أصلها الثابت في اللثة وبين كسرها منها...371

حكم قلع سن الصغير أو كسرها تماماً...372

لو زرع الإنسان في موضع السنّ المقلوعة عظماً فثبت فيه ثم قلعه قالع...373

الثامن : اللحيان...373

التاسع : اليدان...374

خلاف في قطع اليد ومعها مقدار من الزند...375

حكم ما لو كان لشخص يدان على زند إحداهما أصلية والأخرى زائدة فقطعت إحداهما...376

لو اشتبهت اليد الأصلية بالزائدة فقطعتا معاً أو إحداهما...376

لو قطع ذراع لا كف لها...377

العاشر : الأصابع...377

دية كل اصبع... 379

دية فصل الظفر من كل اصبع من أصباع اليد...380

دية فصل ظفر الإبهام من القدم...381

دية الاصبع الزائدة في اليد أو الرجل...382

الحادي عشر : النخاع...384

الثاني عشر : الثديان...385

دية كلّ واحد من الحلمتين من الرجل...385

الثالث عشر : الذكر...386

دية قطع بعض الحشفة...388

لو قطع حشفة شخص، وقطع آخر ما بقي من ذكره...388

دية قطع ذكر العنين...389

دية قطع الخصيتين أو إحداهما...389

الرابع عشر : الشفران...391

الخامس عشر : الاليتان...391

السادس عشر : الرجلان...392

دية قطع أصابع الرجلين...392

دية قطع الساقين أو إحديهما...393

دية أعضاء المرأة والذمّى والعبد...393

معاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية...395

فصل في ديات الكسر والصدع والرض والنقل والنقب والفك والجرح في البدن غير الرأس...400

دية كسر العظم من كلّ عضو...400

دية كسر الظهر...398

لو كسر الظهر فجبر على غير عثم ولا عيب...402

لو كسر الظهر فشلّت الرجلان...403

دية كسر الصلب فذهب جماعه...403

دية موضحة الظهر ونقل عظامه وقرحته التي لا تبرأ...403

دية كسر الترقوة وصدعها وموضحتها ونقل عظامها ونقبها...404

دية كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي خالط القلب وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه...406

دية كسر كلّ ضلع من الأضلاع التي تلي العضدين وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه...406

دية رضّ الصدر والكتفين وموضحة كلّ منهما...407

دية كسر المنكب وصدعه وموضحته ونقبه ونقل عظامه ورضه...408

دية كسر العضد لو جبرت على غير عثم ولا عيب وموضحتها ونقبها ونقل عظامها...408

دية كسر الساعد...409

دية كسر المرفق...410

دية كسر كلا الزندين...411

دية رض أحد الزندين...411

دية كسر الكفّ...412

دية كسر قصبة إبهام الكفّ...413

دية كسر كلّ قصبة من قصب أصابع الكف دون الإبهام...414

دية كسر المفصل الذي فيه الظفر من الإبهام في الكفّ...414

دية كسر كلّ مفصل من الأصابع الأربع التي تلي الكفّ غير الإبهام...415

دية كسر المفصل الأوسط من الأصابع الأربع...415

دية كسر المفصل الأعلى من الأصابع الأربع...416

دية كسر الورك...416

دية كسر الفخذ...418

دية كسر الركبة...418

دية كسر الساق...420

دية رض الكعبين أو إحديهما...421

دية كسر القدم...421

دية كسر قصبة الإبهام التي تلي القدم...422

دية كسر المفصل الأخير من كلّ من الأصابع الأربع من القدم غير الإبهام...424

لو نفذت نافذة من رمح أو خنجر في شيء من أطراف البدن...426

دية قرحة كل عضو إذا لم تبرأ...427

لو اجتمع بعض ما فيه الدية المقدرة شرعاً مع بعضها الآخر...428

فصل في دية الجناية على منافع الأعضاء...429

الأول : العقل...429

لو جنى على شخص بما أوجب نقصان عقله...431

لو شجّ شخصاً شجة فذهب بها عقله...432

الثاني: السمع...432

لو ادعى المجني عليه النقص في سمع كلتا الأذنين...435

لو أوجب قطع الأذنين ذهاب السمع...437

الثالث : ضوء العينين...438

لو اختلف الجاني والمجني عليه في العود وعدمه...441

لو ادعى المجني عليه النقصان في إحدى عينيه وأنكره الجاني...441

عدم قياس العين في يوم غائم وكذا في أرض مختلفة...444

الرابع: الشم...445

لو ادعى المجني عليه النقص في الشم...446

لو أخذ المجني عليه الدية ثم عاد الشمّ...446

لو قطع أنف شخص فذهب به الشم...447

الخامس : النطق...447

لو ادّعى المجني عليه ذهاب نطقه بالجناية كلّاً...448

لو ثقل اللسان بالجناية...449

لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه ثم جنى عليه آخر فذهب بعضه الآخر...449

السادس : صعر العنق...450

السابع : كسر البعصوص...451

الثامن: سلس البول...452

التاسع : الصوت...453

العاشر : ادرة الخصيتين...453

الحادي عشر : تعذر الإنزال...454

الثاني عشر : دوس البطن 456

الثالث عشر : خرق مثانة البكر...456

الرابع عشر : الإفضاء...457

دية إفضاء المرأة...457

لو أكره امرأة فجامعها فأفضاها...460

الخامس عشر : تقلّص الشفتين...462

السادس عشر : شلل الأعضاء...462

دية انصداع السنّ...464

فصل في دية الشجاج والجراح...466

معنى الشجاج وأقسامه...466

الأول : الخارصة...466

الثاني : الدامية...468

الثالث : الباضعة...468

الرابع: السمحاق...468

الخامس : الموضحة...469

السادس: الهاشمة...470

السابع : المنقلة...470

الثامن : المأمومة...471

هل تدخل المرتبة الدائية في المرتبة العالية إذا كانتا بضربة واحدة ؟...472

لو أوضح موضحتين، وأوصل آخر إحدى الموضحتين بالأخرى بجناية ثالثة...472

دية اختلاف مقادير الشجّة في الضربة الواحدة...474

حكم جرح عضوين مختلفين لشخص...475

لو جنى شخص بموضحة فجنى آخر بجعلها هاشمة وثالث منقلة ورابع مأمومة...475

دية الجائفة...476

لو جرح عضواً ثم أجافه...478

لو كانت الجائفة مخيطة ففتقها شخص...479

هل عليه دية واحدة أو متعدّدة لو طعنه في صدره فخرج من ظهره ؟...479

دية خرم الأذن...481

لو كسر الأنف ففسد...482

دية كسر الأنف فجبر على غير عيب ولا عثم...483

حكم ما لو نفذت في الأنف نافذة...484

دية شق الشفة العليا أو السفلى...485

دية اللطمة...487

حكم ما لو نفذت في الخدّ نافذة...488

دية الشجاج في الرأس والوجه سواء...489

فصل في دية الحمل...490

دية الحمل لو كان نطفة أو علقة أو مضغة أو نشأ عظم أو كسي لحم أو ولجته الروح إن كان ذكراً أو أنثى...490

خلاف في تحديد أيام المراتب المذكورة...496

دية الجنين الذمي...500

دية الجنين المملوك...502

لو كان الحمل أكثر من واحد...503

لو أسقط الجنين قبل ولوج الروح أو بعده...503

حكم ما لو قتل امرأة وهي حبلى فمات ولدها...504

حكم تصدّي المرأة لإسقاط ولدها...505

دية قطع أعضاء الجنين قبل ولوج الروح وجراحاته...506

لو أفزع شخصاً حال الجماع فعزل منه المني في الخارج...506

دية إسقاط الجنين المتكوّن من زنا إذا تمت خلقته قبل ولوج الروح أو بعده...509

لو ضرب المرأة الذمّيّة وهي حبلى فأسلمت ثم اسقطت حملها... 510

لو ضرب الأمة وهي حبلى فأعتقت ثمّ أسقطت حملها...511

لو ضرب حاملاً خطأ فأسقطت جنينها وادعى ولي الدم أنه كان بعد ولوج الروح...512

لو ضرب حاملاً فأسقطت حملها فمات حين سقوطه...513

حكم ما لو أسقطت حملها حياً فقطع آخر رأسه...513

لو وطئ مسلم وذمّي امرأةً شبهة في طهر واحد ثم أسقطت حملها بالجناية...516

لوكانت الجناية على الجنين عمداً أو شبه عمد أو خطأ قبل وبعد ولوج الروح...517

دية الميت كالجنين في قطع رأسه أو ما فيه اجتياح نفسه...517

الجناية على الحيوان

حكم تذكية الحيوان بغير إذن مالكه...523

هل يضمن الجناية على ما لا يقبل التذكية ؟...526

كفارة القتل

عدم ثبوت الكفّارة في موارد لا يصدق عليه عنوان القاتل وإن ثبتت الدية...534

عدم الفرق في وجوب الكفّارة بقتل المسلم بين البالغ وغيره والعاقل والمجنون والذكر والأنثى والحر والعبد...535

لو اشترك جماعة في قتل واحد...536

لو قتل الجاني قصاصاً أو مات بسبب آخر، فهل عليه كفّارة في ماله ؟...536

لو قتل صبي او مجنون مسلماً، فهل عليهما كفّارة ؟...538

فصل في العاقلة...540

معنی العاقلة...540

هل يعتبر الغنى في العاقلة ؟...544

عدم دخول أهل البلد في العاقلة...545

هل المتقرّب بالأبوين يتقدّم على المتقرب بالأب خاصة ؟...545

هل يعقل المولى جناية العبد المعتق ويرثه إذا لم تكن له قرابة ؟...545

لو لم تكن للقاتل أو الجاني عصبة ولا من له ولاء العتق...546

حمل دية الموضحة وما فوقها من الجروح على العاقلة...547

دية جناية الأعمى خطأ على عاقلته...548

دية الخطأ تؤدّيها العاقلة في ثلاث سنين...550

هل يختص التأجيل بموارد ثبوت الدية المقدّرة ؟...550

دية جناية الذمّي في ماله...552

عدم ضمان العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً...553

لو هرب القاتل ولم يُقدّر عليه أو مات...554

لو جرح أو قتل نفسه خطأ...554

جناية المملوك على رقبته...554

دية القتل الخطأ من مال الجاني إذا لم تكن له عاقلة أو عجزت عن الدية... 554

حكم ما لو مات بعض العاقلة...558

كيفية تقسيم الدية على العاقلة...558

هل يجمع في العاقلة بين القريب والبعيد أو يعتبر الترتيب بينهم ؟...559

لو كان بعض أفراد العاقلة عاجراً عن الدية...560

لو كان بعض العاقلة غائباً...560

ابتداء زمان التأجيل في دية الخطأ من حين استقرارها...560

المشكوك في كونه من العصبة لا يعقل...561

القاتل عمداً وظلماً لا يرث من الدية، فهل يرث من الدية إذا كان شبه عمد أو خطأ ؟...561

عدم ضمان العاقلة عبداً ولا بهيمة...563

لو جرح ذمّي مسلماً خطأ ثم أسلم فسرت الجناية فمات المجروح...563

لو رمي صبي شخصاً ثم بلغ فقتل ذلك الشخص...564

جدول الخطأ والصواب، ج 42

الصفحة...السطر...الخطأ...الصواب

11...10...يتقص...يقتص

11...17...الاستناد...استناد

13...2...تقفأ...تفقأ

17...1...يلغي...يلغى

19...1،2،4،5...(2)(3)(4)(5)...(1)(2)(3)(4)

24...4...كان...كانا

42...9...عن آبائه...عن آبائه عن علي

44...5...لا يجوز...لا يجاوز

62...2...المولى...مولی

62...4...ولافرق ذلك...ولافرق في ذلك

65...16...يقيّده...يقيده

70...2...مولاه...مولاه الثاني

75...11...يقيّدوا...يقيدوا

79...12...اعتبار...اعتباره

90...12،15...(2)(3)...(1)(2)

97...16...تقيّدهما...تقيدهما

97...18...الباقين...الباقيين

107...12...(2)...(4)

113...5...شيء...(شيء)

117...17...فلمّا...فلما

120...15...على الثان...على الثاني

125...14...إذا...إذ

127...12...فيتقصّ... فيقتص

135...6...بعلي بن حمزه...بعلي بن أبي حمزة

135...7...لا كمال...لاكمال

141...2...القرينة...القرية

146...16...اعتراف...اعترافه

150...5...يثبت...بثبت

176...9...ولی... ولي

177...6...وكتُبنا... وكتَبنا

181...8...بتلك النقيصة...بأكثر منه [كذا في منهاج الصالحين، الطبعة الأخيرة]

184...6...الثالث...الثلث

189...16...(1)...(3)

211...9...و محلّها...و محلّهما

215...10...ذوى... ذوي

218...4...(3)...(2)

218...17...(2)...(1)

218...18...(3)...(2)

219...2...الزائد...الزائدة

224...16...يَرَع...يَرع

226...3...ثبوت...ثبوته

ص: 595

230...17...أهذ... أهل

242...9...ضارب... ضاربه

254...2...(1)...(2)

254...16...(1)...(2)

227...16...و لولاه...ولولاها

280...1...وفيه...وفيهما

281...4...الصحية...الصيحة

291...8...الصغرى...صغری

291...11...ثلثا...ثلثي

333...1...الدية كاملة...كاملة

339...3...الكاملة...كاملة

342...2...قلع...قلعت

350...13...الحسن بن محمد...الحسن عن محمد

351...9...ففه...ففيه

354...2،3،4...أقول - الى قوله - في المسألة...زائد يحذف

366...10...منهما...منها

373...11...ضعیفتان...ضعیفان

381...2...دینار...دينارا

390...3...من... منه

391...4...الصغيرة...والصغيرة

404...10...فما... فيما

409...14...خمسة...خمس

ص: 596

415...12...خمس... خمسة

418...15...(2)...(1)

148...17...(3)...(2)

427...15...(2)...(1)

436...11...شيئا... شيء

432...14...إنّ...إن

445...15...التصنيف...التنصيف

449...4...اللحين...اللحيين

460...11... نختار...تختار

469...2... خمسة...خمس

475...8...منقلة و رابع مأمومة...بجعلها منقلة و رابع بجعلها مأمومة

479...5...وجها...وجهان

488...10...فديتها...فديته

494...12...المضغفة...المضغة

449...3...أسوداً... أسود

449...14...متحضحضة... متخضخضة

500...12...للآيات... للآية

522...حكى... حكي

531...14...المعاضة... المعارضة

532...1...عدة...عدة [من]

ص: 597

541...5...قاربته...قرابته

563...12...يكونوا...يكونون

ص: 598